مشاهدة النسخة كاملة : اسماء الله الحسنى 2008 م
السعيد
08-04-2018, 07:29 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الاول )
الموضوع : مقدمة - 1 - مكانة أسماء الله الحسنى في الدعوة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
توطئة:
أيها الإخوة الكرام، مع درس جديد من دروس أسماء الله الحسنى، وفي هذا الدرس نتحدث بشكل عام عن مكانة أسماء الله الحسنى في الدعوة إلى الله.
1 – القوة الإدراكية في الإنسان:
بادئ ذي بدء، لقد أودع الله في الإنسان قوة إدراكية، وميّزه بهذه القوة عن بقية المخلوقات، هذه القوة الإدراكية تستلزم طلب الحقيقة، فقد خلق فيه حاجة عليا للمعرفة، وما لم تلبَّ هذه الحاجة العليا، وما لم يبحث الإنسان عن الحقيقة، وما لم يبحث عن سر وجوده، وعن غاية وجوده، وعن أفضل شيء يمكن أن يفعله في وجوده فقد هبط عن مستوى إنسانيته، هناك حاجات سفلى، وحاجات دنيا، وهناك حاجات عليا مقدسة.
فالله سبحانه وتعالى أودع في الإنسان هذه القوة كي تلبَّى، لذلك الإنسان الذي يبحث عن الحقيقة، والذي يتعرف إلى سر وجوده، وإلى غاية وجوده هو إنسان لعله اقترب من أن يؤكد ذاته، ويحقق وجوده في الأرض.
2 – أصلُ الدين معرفةُ الله:
النقطة الدقيقة أن أصل الدين معرفة الله، وفضلً معرفة الله على معرفة خَلقه كفضل الله على خلقه، وكم هي المسافة كبيرة جداً بين أن تعرف شيئاً من مخلوقات الله وأن تعرف خالق السماوات والأرض، المسافة كبيرة جداً، فعَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( فَضْلُ كَلَامِ اللَّهِ عَلَى كَلَامِ خَلْقِهِ كَفَضْلِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ ))
[رواه الدارمي في سننه]
والآن فضل معرفة الله على معرفة خلقه كفضل الله على خلقه، فلذلك ما من معرفة تعلو على أن نعرف الله عز وجل:
(( ابن آدم اطلبني تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء))
[ورد في الأثر]
أيها الإخوة الكرام، لو أن طفلاً صغيراً قال: معي مبلغ عظيم، كم نقدر هذا المبلغ ؟ نقدره مئتي ليرة مثلاً، أما إذا قال مسؤول كبير في دولة عظمى: أعددنا مبلغاً عظيماً للحرب، فإنك تقدره مئتي مليار، الكلمة نفسها قالها طفل فقدرناها برقم، وقالها إنسان آخر فقدرناها برقم، فإذا قال خالق السماوات والأرض:
﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا ﴾
( سورة النساء )
3 – لا شيء يعلو على مرتبة العلم:
لذلك لا شيء يعلو على مرتبة العلم، وإذا أدرت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً، ويظل المرء عالماً ما طلب العلم، فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل.
بالمناسبة، طالب العلم يؤثر الآخرة على الدنيا فيربحهما معاً، بينما الجاهل يؤثر الدنيا على الآخرة فيخسرهما معاًَ.
4 – معرفةُ الآمرِ قبل معرفة الأمر:
أيها الإخوة الكرام، هناك نقطة دقيقة جداً ؛ يمكن أن تتعرف إلى الله، ويمكن أن تضعف معرفتك بالله، وتتعرف إلى أمره ونهيه، لكن الحقيقة الصارخة أنك إذا عرفت الآمر، ثم عرفت الأمر تفانيت في طاعة الآمر، بينما إذا عرفت الأمر، ولم تعرف الآمر تفننت في التفلت من الأمر.
كأنني وضعت يدي على مشكلة العالم الإسلامي الأولى، الصحابة الكرام قلة، وقد وصلت راياتهم إلى أطراف الدنيا، لأنهم عرفوا الله، وحينما اكتفينا بمعرفة أمره، ولم نصل إلى معرفته المعرفة التي تحملنا على طاعته كما ترون حال العالم الإسلامي فإننا لسنا ممكَّنين، والله عز وجل يقول:
﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي (55) ﴾
( سورة النور)
نحن كما في الآية الكريمة، وهذا هو الواقع المرّ، نحن لسنا مستخلَفين، ولسنا ممكَّنين، ولسنا آمنين، والكرة في ملعبنا، لأنه:
﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (59) ﴾
( سورة مريم)
إذاً: الفرق واضح بين الرعيل الأول من الصحابة الكرام الذين عرفوا الله، وطبقوا منهجه، فاستحقوا وعود الله عز وجل، وكما تعلمون جميعاً زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين.
على كلٍّ ؛ قضية العلم واسعة جداً، قال بعض العلماء: هناك علم بخلقه، يعني عندنا واقع، والعلم وصف ما هو كائن، هناك ظواهر فلكية، علم الفلك، ظواهر فيزيائية، علم الفيزياء ظواهر كيميائية، علم الكيمياء، ظواهر نفسية علم نفس، ظواهر اجتماعية علم الاجتماع، فالعلم مختص بما هو كائن، وهو علاقة مقطوع بها بين متغيرين، تطابق الواقع، عليها دليل، هذا هو العلم.
5 – العلم بخَلقه أصلُ صلاح الدنيا، والعلمُ بأمْره أصل صلاح الآخرة:
لكن هناك شيء آخر، هناك علم بأمره، العلم بخَلقه من اختصاص الجامعات في العالم، أية جامعة تذهب إليها فيها كليات العلوم، والطب، والهندسة، والصيدلة، وما إلى ذلك، هذا علم بخلقه، والعلم بخلقه أصل صلاح الدنيا، والمسلمون مفروض عليهم فرضاً كفائياً أن يتعلموا هذه العلوم كي يكونوا أقوياء، لذلك العلم بخلق الله أصل في صلاح الدنيا، أما العلم بأمره فأصل في العبادة، قال تعالى:
﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾
( سورة الذاريات )
العبادة:
1 – تعريف العبادة:س
والعبادة طاعة طوعية، ممزوجة بمحبة قلبية، أساسها معرفة يقينية، تفضي إلى سعادة أبدية.
2 – الكليات الثلاث في العبادة:
هذا التعريف فيه كليات ثلاث، فيه كلية معرفية، وكلية سلوكية، وكلية جمالية:
الكلية السلوكية هي الأصل، وما لم يستقم المسلم على أمر الله فلن يستطيع أن يقطف من الدين شيئاً، هذه الكلية السلوكية.
المؤمن ملتزم، المؤمن مقيَّد بمنهج الله عز وجل، المؤمن في حياته منظومة قيم، عنده فرض، عنده واجب، عنده سنة مؤكدة، سنة غير مؤكدة، مباح، مكروه تنزيهاً، مكروه تحريماً، حرام، العلم بأمره أصل في قبول العبادة.
3 – العبادات شعائرية وتعاملية:
بالمناسبة العبادة واسعة جداً، هناك عبادة شعائرية، وهناك عبادة تعاملية، العبادات الشعائرية منها الصلاة والصوم لا تصح، ولا تقبل إلا إذا صحت العبادات التعاملية، لذلك قال بعض العلماء: " ترك دانق من حرام خير من ثمانين حجة بعد الإسلام، وقد ورد في بعض الأحاديث الشريفة:
(( والله لأن أمشي مع أخ في حاجته خير لي من صيام شهر واعتكافي في مسجدي هذا ))
[ الترغيب والترهيب عن ابن عباس بسند ضعيف]
العلمُ بأمر الله ونهيه فرض عين:
هناك علم بخلق الله، والمسلمون مدعوون إلى طلب هذا العلم، بل هو عليهم فرض كفائي، إذا قام به البعض سقط عن الكل، وهو أصل في صلاح الدنيا، بينما العلم بأمره أن تعرف الحلال والحرام، أن تعرف أحكام التعامل التجاري، أحكام التعامل اليومي، هذه كلها من أحكام الفقه، ولا بد من أن يتعرف الإنسان إليها، لتأتي حركته في الحياة مطابقة لمنهج الله عز وجل.
إنك بالاستقامة تسلم، لأنك تطبق تعليمات الصانع، وما من جهة في الأرض أجدر من أن تتبع تعليماتها إلا الجهة الصانعة، لأنها الجهة الخبيرة وحدها:
﴿ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾
( سورة فاطر الآية: 19 )
العلم بأمره فرض عين على كل مسلم، العلم بخَلقه فرض كفائي، إذا قام به البعض سقط عن الكل، بينما العلم بأمره فرض عيني على كل مسلم، كيف تعبد الله ؟ من أجل أن تعبده لا بد من أن تعرف أمره ونهيه، فالعلم بخلقه من أجل صلاح الدنيا، ومن أجل قوة المسلمين، وعلم بأمره من أجل قبول العبادة.
العلمُ بأمر الله يحتاج إلى دراسة، والعلم بالله يحتاج على مجاهدة:
لكن بقي العلم به، العلم بأمره وبخلقه يحتاج إلى مدارسة، إلى مدرس، إلى كتاب، إلى وقت، إلى مطالعة، إلى مذاكرة، إلى مراجعة، إلى أداء امتحان، إلى نيل شهادة، ولكن العلم به يحتاج إلى مجاهدة.
أنت حينما تلتزم، وحينما تأتي حركتك في الحياة مطابقة لمنهج الله عز وجل عندئذ يتفضل الله علينا جميعاً فيمنحنا وميضاً من معرفته جل جلاله، فلذلك العلم بخلقه يحتاج إلى مدارسة، وعلم بأمره يحتاج إلى مدارسة أيضاً والعلم بخلقه وبأمره أصل في صلاح الدنيا، ومن أجل قوة المسلمين، والثاني أصل في قبول العبادة، لكن العلم به يحتاج إلى مجاهدة، فبقدر ما تضبط جوارحك، بقدر ما تضبط حركاتك وسكناتك، بقدر ما تضبط تطلعاتك وبيتك وعملك، بقدر ما يتفضل الله عليك بأن يمنحك شيئاً من معرفته.
طرق معرفة الله تعالى:
الحقيقة نحن أمام طرق ثلاثة سالكة:
الطريق الأولى: النظرُ في الآيات الكونية:
أول بند آياته الكونية، قال تعالى:
﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾
( سورة آل عمران )
لذلك من أجل أن نعرف الله عز وجل لا بد من أن نتفكر في مخلوقاته، والآية واضحة جداً، وفيها إشارة دقيقة إلى أن المؤمن يتفكر في خلق السماوات والأرض تفكراً مستمراً، والفعل المضارع ( يتفكرون ) يدل على الاستمرار، فمن أجل أن أعرف الله ينبغي أن أتفكر في مخلوقاته.
هذا الكون أيها الإخوة الكرام ينطق بوجود الله ووحدانيته وكماله، وقد قيل: الكون قرآن صامت، والقرآن كون ناطق، والنبي عليه الصلاة والسلام قرآن يمشي.
أول شيء، هناك آيات كونية تحتاج إلى تفكر، الآيات الكونية نتفكر بها، وهذا طريق آمن، لأن كل ما في الكون يعد مظهراً لأسماء الله الحسنى، وهذا موضوع الدرس الأول.
ترى في الكون رحمة، إذاً: الله رحيم، ترى في الكون حكمة، إذاً: الله حكيم، ترى في الكون قوة، الله قوي، ترى في الكون غنى الله غني، فكأن الكون مظهر لأسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى، هذا طريق إلى معرفة الله.
بالمناسبة في القرآن الكريم ألف وثلاثمئة آية تتحدث عن الكون.
أيها الإخوة الكرام، بربكم إن قرأت آية فيها أمر، تقتضي هذه الآية أن تأتمر، وإن قرأت آية فيها نهي، تقتضي هذه الآية أن تنتهي، وإن قرأت آية فيها وصف لحال أهل الجنة تقتضي هذه الآية أن تسعى لدخول الجنة، وإن قرأت آية فيها وصف لحال أهل النار تقتضي هذه الآية أن تتقي النار، ولو بشق تمرة، وإن قرأت قصة أقوام سابقين دمرهم الله عز وجل تقتضي هذه الآية أن نتعظ، وأن نبتعد عن كل عمل يفعله هؤلاء.
الآن السؤال: وإذا قرأت آية فيها إشارة إلى الكون، إلى خلق الإنسان، ماذا تقتضي هذه الآية ؟ تقتضي هذه الآية أن تفكر في خلق السماوات والأرض.
أيها الإخوة الكرام، ألف وثلاث مئة آية في القرآن الكريم تتحدث عن الكون، وخلق الإنسان، والآية مرة ثانية أرددها على مسامعكم:
﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾
( سورة آل عمران )
هذا طريق سالك إلى الله، وهو التفكر في خلق السماوات والأرض، وهو طريق سالك وآمن ومثمر.
الطريق الثانية: النظرُ في أفعالِ الله تعالى:
هناك طريق آخر، قال تعالى:
﴿ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (36) ﴾
( سورة النحل )
الآن الطريق الثاني في معرفة الله: أن تنظر في أفعاله، الله عز وجل فعّال لما يريد، وأفعاله متعلقة بالحكمة المطلقة، وقد قال بعض العلماء: كل شيء وقع أراده الله، وكل شيء أراده الله وقع، وأراده الله متعلقة بالحكمة المطلقة، والحكمة المطلقة متعلقة بالخير المطلق.
بالمناسبة، هناك آيات كونية هي خَلقه، وهناك آيات تكوينية هي أفعالُه، وهناك آيات قرآنية كلامُه، إذاً: طريق معرفة الله التفكر في آياته الكونية خلقه، والنظر في آياته التكوينية أفعاله، ثم تدبر آياته القرآنية.
ابن آدم اطلبني تجدني، فإن وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتُك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء.
فلو شاهدت عيناك من حسننا الذي رأوه لـــما وليت عنا لغيرنا
و لــو سمعت أذناك حسن خطابنا خلعت عنك ثياب العجب و جئتنا
ولـــو ذقت من طعم المحبة ذرة عذرت الذي أضحى قتيلاً بحـبنا
ولو نسمت من قربنا لك نسمـــة لمت غريباً و اشتياقاً لقربنـــا
***
آية فيها سلامة الإنسان: أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ
أيها الإخوة الكرام:
﴿ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾
( سورة الرعد الآية: 28 )
في القلب فراغ لا يملأه المال، ولا تملأه المتع، ولا تملأه القوة، نحن بحاجة إلى الإيمان، لأن الله عز وجل يقول:
﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾
( سورة طه )
الإنسان مجبول على حب وجوده، وعلى جب سلامة وجوده، وعلى حب كمال وجوده، وعلى حب استمرار وجوده، سلامة وجوده أساسها تطبيق منهج الله، وكمال وجوده أسها القرب من الله عز وجل، واستمرار وجوده أساها تربية الأولاد كي يكون هذا الابن استمراراً لأبيه.
أربع مساحات في الإسلام:
1 ـ مساحة العقيدة:
العقيدة أخطر المساحات الأربع:
أيها الإخوة الكرام، إذا: يمكن أن نرمز إلى الإسلام بمثلث فيه أربع مساحات، المساحة الأولى: مساحة العقيدة، وأخطر شيء في الإسلام العقيدة، لأنها إذا صحت صح العمل، وإذا فسدت فسد العمل.
بالمناسبة، الإسلام يقدم للإنسان تصورات عميقة ودقيقة ومتناسقة للكون والحياة والإنسان، لمجرد أن تقرأ القرآن الكريم فأنت أمام منظومة تصورات عميقة ودقيقة ومتناسقة، تعرف سر الحياة الدنيا، لماذا أنت في الدنيا ؟ ما حكمة المرض ؟ ما حكمة المصائب ؟ لماذا هناك موت ؟ وماذا بعد الموت ؟ ماذا قبل الموت ؟ من أين جئت ؟ وإلى أين أنا ذاهب ؟ ولماذا عندك أمن عقائدي ؟
لذلك إذا شرد الإنسان عن الله، وتوهم أفكاراً معينة، وآمن بها قد يفاجأ مفاجأة صاعقة، أن هذه الأفكار غير صحيحة، أما حينما يؤمن بالله، ويؤمن بمنهجه، والمنهج يقدم له تفسيراً عميقاً دقيقاً متناسقاً لحقيقة الكون، ولحقيقة الحياة الدنيا، ولحقيقة الإنسان عندها يفلح.
فلذلك في هذا المثلث المساحة الأولى مساحة العقائد، لذلك الخطأ في الميزان لا يصحح، بينما الخطأ في الوزن لا يتكرر، أفضل ألف مرة أن تقع في خطأ في مفردات المنهج من أن تقع في خطأ في أصل التصور، فالميزان غير منضبط لو استخدمته مليون مرة فالوزن غير صحيح، أما إذا كان منضبطاً، وأنت أخطأت بقراءة الرقم فهذه مرة واحدة، فالخطأ في الميزان لا يصحح، بينما الخطأ في الوزن لا يتكرر.
لذلك أفضل ألف مرة أن نخطئ في الوزن من أن نخطئ في الميزان، فالمساحة الأولى في المثلث هي مساحة العقيدة، فإن صحت صحّ العمل، وإن فسدت فسد العمل، وما من انحراف في السلوك إلا بسبب انحراف في العقيدة، ولو أن العقيدة لا يتأثر بها السلوك فاعتقد ما شئت، ولكن ما من خطأ في العقيدة إلا وينعكس خطأ في السلوك.
للتقريب: أحياناً يخطئ الطيار في تحديد الهدف في الجو بميليمتر واحد، هذا الميليمتر في الجو ينقلب في الأرض إلى كيلو متر، فالخطأ في العقيدة له آثار سيئة جداً، لذلك يجب أن تصح عقائدنا، والإنسان بحاجة إلى أن يراجع ما يعتقد، أحياناً يعتقد شيئا غير صحيح، خرافة أحياناً، شيئا شاع بين الناس، فلابد من بحث في العقيدة، والشيء الدقيق أن الله لو قبِل من إنسان عقيدة تقليداً لكان كل الضالين في الأرض مقبولين عند الله، لكن لأن الله عز وجل يقول:
﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ (19) ﴾
( سورة محمد )
لا تقبل العقيدة من المؤمن إلا تحقيقاً، قضية التقليد مرفوضة، لأن الله عز وجل يقول:
﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ (19) ﴾
( سورة محمد )
2 ـ مساحة العبادة:
الأصل في العبادات المنعُ والحَظْرُ:
المساحة الثانية في المثلث مساحة العبادات، والأصل في العبادات الحظر، ولا تشرع عبادة إلا بالدليل القطعي والثابت، لأن العبادات قربات إلى الله، والله عز وجل يقول:
﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾
( سورة الذاريات )
والعبادة علة وجودنا، بل هي سر وجودنا، لكن لهذه العبادة مفهومات دقيقة جداً، ولها مفهومات واسعة.
العبادة تدور مع الإنسان حيثما دار في كل أوقاته، وفي كل أحواله، وفي كل شؤونه فلذلك، المساحة الثانية العبادات.
لا تصح العبادات الشعائرية إلا إذا صحت العبادات التعاملية:
أخطر ما في الموضوع أن العبادات الشعائرية لا تقبل ولا تصح إلا إذا صحت العبادات التعاملية، لذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام:
(( أَتَدْرُونَ مَنْ الْمُفْلِسُ ؟ قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ لَا لَهُ دِرْهَمَ وَلَا دِينَارَ وَلَا مَتَاعَ، قَالَ: الْمُفْلِسُ مِنْ أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ يَأْتِي بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ عِرْضَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُقْعَدُ فَيَقْتَصُّ هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ ))
[ مسلم عن أبي هريرة ]
هذه الصلاة.
الصوم:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ ))
[ أخرجه البخاري وأبو داود والترمذي وابن ماجة ]
الحج:
(( من حج بمال حرام، ووضع رجله في الركاب، وقال: لبيك اللهم لبيك ينادى أن: لا لبيك، ولا سعديك، وحجك مردود عليك ))
[ ورد في الأثر ]
الزكاة، قال تعالى:
﴿ أَنفِقُواْ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ {53} ﴾
( سورة التوبة الآية: 53 )
شهادة أن لا إله لا الله:
(( من قال: لا إله إلا الله بحقها دخل الجنة، قيل: وما حقها ؟ قال: أن تحجزه عن محارم الله ))
[ الترغيب والترهيب عن زيد بن أرقم بسند فيه مقال كبير ]
فالعبادات الشعائرية كالصلاة والصوم لا تصح ولا تقبل إلا إذا صحت العبادات التعاملية، فلذلك المساحة الأولى مساحة العقائد، والمساحة الثانية مساحة العبادات.
3 ـ مساحة المعاملات:
والمساحة الثالثة مساحة المعاملات، سيدنا جعفر رضي الله عنه حينما لما سأله النجاشي عن الإسلام ماذا قال ؟ قال:
(( أَيُّهَا الْمَلِكُ، كُنَّا قَوْمًا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ، نَعْبُدُ الْأَصْنَامَ، وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ، وَنَأْتِي الْفَوَاحِشَ، وَنَقْطَعُ الْأَرْحَامَ، وَنُسِيءُ الْجِوَارَ، يَأْكُلُ الْقَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ، فَكُنَّا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْنَا رَسُولًا مِنَّا نَعْرِفُ نَسَبَهُ وَصِدْقَهُ، وَأَمَانَتَهُ وَعَفَافَهُ، فَدَعَانَا إِلَى اللَّهِ لِنُوَحِّدَهُ، وَنَعْبُدَهُ، وَنَخْلَعَ مَا كُنَّا نَعْبُدُ نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ الْحِجَارَةِ وَالْأَوْثَانِ، وَأَمَرَنَا بِصِدْقِ الْحَدِيثِ، وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ، وَحُسْنِ الْجِوَارِ، وَالْكَفِّ عَنْ الْمَحَارِمِ وَالدِّمَاءِ، وَنَهَانَا عَنْ الْفَوَاحِشِ، وَقَوْلِ الزُّورِ، وَأَكْلِ مَالَ الْيَتِيمِ، وَقَذْفِ الْمُحْصَنَةِ، وَأَمَرَنَا أَنْ نَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَأَمَرَنَا بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ ))
[ أحمد عن أم سلة ]
إذاً: الإسلام مجموعة قيم أخلاقية، من هنا قال عليه الصلاة والسلام:
(( بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ ))
[ متفق عليه عن ابن عمر ]
الإسلام بناء أخلاقي، والعبادات الخمس أركان الإسلام، لذلك قالوا: الإيمان هو الخَلق، ومن زاد عليك في الخُلق زاد عليك في الإيمان.
أول مساحة العقائد، الثانية العبادات، الثالثة المعاملات:
ترك دانق من حرام خير من ثمانين حجة بعد الإسلام.
والله لأن أمشي مع أخ في حاجته خير لي من صيام شهر واعتكافي في مسجدي هذا.
4 ـ مساحة الأخلاق:
المساحة الأخيرة مساحة الأخلاق:
﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾
ما لم تكن متمسكاً بمكارم الأخلاق، ما لم يكن منصفاً، ما لم يكن متواضعاً، ما لم يكن رحيماً فكأنك لن تقطف ثمار هذا الدين.
خاتمة:
أيها الإخوة الكرام، هذا تقديم وتمهيد لموضوع أسماء الله الحسنى، يقول الله عز وجل:
﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (8) ﴾
( سورة طه )
﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا (180) ﴾
( سورة الأعراف )
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
(( إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ ))
[ متفق عليه ]
وهاتان الآيتان وهذا الحديث نشرحهما إن شاء الله في درس قادم.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
08-04-2018, 07:32 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الثانى )
الموضوع : مقدمة - 2 - مكانة أسماء الله الحسنى في الدعوة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. حديث عظيم أصل في أسماء الله:
أيها الإخوة الكرام، مع درس جديد من دروس أسماء الله الحسنى، وما زلنا في المقدمات.
في الصحيحين من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
(( إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ ))
[ متفق عليه ]
معنى: أَحْصَاهَا:
هذا حديث صحيح اتفق عليه الشيخان، وهو من أعلى مراتب الصحة، لكن كي نفهم معنى: مَنْ أَحْصَاهَا، نقرأ الآية الكريمة:
﴿لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (94) ﴾
(سورة مريم)
الفرق بين الإحصاء والعدِّ:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/648/01.jpg
يبدو أن الإحصاء شيء، والعد شيء آخر، فأنت كمعلم يمكن أن تعد طلابك بشكل سريع، أما أن تحصيهم، أن تعرف إمكاناتهم، مستوياتهم، تفوقهم، وضعهم العائلي، وضعهم في البيت، مدى تقيدهم بمنهج الله عز وجل، الإحصاء دراسة شاملة، النبي عليه الصلاة والسلام يجعل إحصاء الأسماء سبباً وحيداً كافياً لدخول الجنة:
(( إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ ))
وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ
أقرّب هذا المعنى بآية ثانية:
﴿ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ (46) ﴾
(سورة الكهف)
حينما قال: " وَالْبَاقِيَاتُ "، معنى ذلك أن المال والبنين شيء زائل، كل مخلوق يموت، ولا يبقى إلا ذو العزة والجبروت.
والليل مهما طال فلابد من طلوع الفجر والعمر مهما طال فلابد من نزول القبر
***
و كل ابن أنثى و إن طالت سلامته يوماً على آلة حدباء محمـــــول
فإذا حملت إلى القبـــور جنازة فاعلم بأنك بعدهــا محمـــــول
***
﴿ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا (46) ﴾
(سورة الكهف)
ودقة الآية أن المال من دون بنين مشكلة كبيرة، وأن البنين من دون مال مشكلة أكبر.
﴿ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا (46) ﴾
(سورة الكهف)
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/648/02.jpg
لكن الله عز وجل حينما قال:
﴿ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ (46) ﴾
(سورة الكهف)
متع الدنيا زائلة، فما الباقيات الصالحات ؟
قال بعض العلماء: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، دقق، إن سبحته أي نزهته عن كل نقص ومجدته، وحمدته ووحدته وكبرته، فقد عرفته، وإن عرفته عرفت كل شيء، وإن عرفته صغر في عينك كل شيء، وما معنى: الله أكبر ؟ أكبر من كل شيء، بل أكبر مما عرفت.
﴿ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ (46) ﴾
(سورة الكهف)
أنت أيها الإنسان زمنٌ:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/648/03.jpg
البطولة أيها الإخوة، أنت زمن، في أدق تعاريف الإنسان، أنه بضعة أيام، كلما انقضى يوم انقضى بضع منه، هذا تعريف الإمام الجليل الحسن البصري، الإنسان بضعة أيام، كلما انقضى يوم انقضى بضع منه.
ما من يوم ينشق فجره إلا وينادي: يا ابن آدم أنا خلق جديد، وعلى عملك شهيد، وتزود مني، فإني لا أعود إلى يوم القيامة، بل إن الإنسان بضعة أيام، وهو في الحقيقة زمن فقط، بضعة أيام، كلما انقضى يوم انقضى بضع منه، لذلك جاءت الآية الكريمة:
﴿ والْعَصْرِ {1} إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ {2} ﴾
( سورة العصر )
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/648/04.jpg
جواب القسم أن الإنسان خاسر لا محالة، لماذا ؟ لأن مضي الزمن يستهلكه فقط، لكنه يستطيع تلافي هذه الخسارة إذا تعرف على الله، وتعرف إلى منهجه، وحمل نفسه على طاعته، وتقرب إليه بالأعمال الصالحة.
﴿ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3) ﴾
( سورة العصر )
قال الإمام الشافعي: " هذه أركان النجاة في الدنيا "، لا بد من أن تتعرف إلى الله، ولا بد من أن تحمل نفسك على طاعته، ولا بد من أن تدعو إليه، فالدعوة إليه فرض عين على كل مسلم، الدليل:
(( بلغوا عني ولو آية ))
[ أخرجه أحمد والبخاري والترمذي عن ابن عمرو ]
لكن الدعوة التي هي فرض عين في حدود ما تعلم، ومع من تعرف.
لذلك أيها الإخوة الكرام، الإنسان إما أن يستهلك عمره استهلاكاً، أو أن يستثمره استثماراً، إذا تعرف إلى الله، وتعرف إلى منهجه، وحمل نفسه على طاعته، وتقرب إليه يكون قد أنفق وقته استثماراً، أنفق وقته في عمل جليل ينفعه بعد مضي الزمن.
أهمية العلم بأسماء الله تعالى:
لذلك أيها الإخوة الكرام، موقع أسماء الله الحسنى من العقيدة موقع كبير:
(( إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ ))
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/648/05.jpg
ماذا يقول العالم الجليل ابن القيم رحمه الله تعالى ؟ يقول: العلم بأسمائه وإحصائها أصل لسائر العلوم، فمن أحصى أسماءه كما ينبغي أحصى جميع العلوم، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( فَضْلُ كَلَامِ اللَّهِ عَلَى كَلَامِ خَلْقِهِ كَفَضْلِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ ))
[ رواه الدارمي ]
الآن فضل معرفة الله على معرفة خلقه كفضل الله على خلقه.
إنسان يحمل أعلى شهادة في الفيزياء النووية، إذا انتهى أجله انتهت هذه الشهادة، يقول لك: الدكتور فلان عميد أسرتهم، انتهى، لكن إذا تعرف إلى الله ينتفع بهذه المعرفة بعد الموت وإلى أبد الآبدين، لهذا كل علم ممتع، لكن ما كل علم ممتع بنافع، والعلم النافع قد يكون غير مسعد، ما كل علم نافع بمسعد، إلا أنك إذا تعرفت إلى الله فهو علم نافع ممتع مسعد في الدنيا والآخرة:
(( إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ ))
معرفة الله لابد أن تكون مصحوبة برحمة مستقرة في قلب المؤمن:
كيف نحصيها ؟ قالوا إحصائها أن تتعرف إلى ألفاظها وعددها، وقالوا: إحصائها أن تفهم معانيها ومدلولاتها، وقالوا: إحصاءها الدعاء بها كما ينبغي، دعاء، وثناء وعبادة، ودعاء، مسألة، وطلب، هذا معنى إحصائها عند ابن القيم رحمه الله تعالى.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/648/06.jpg
الآن أيها الأخوة، ينبغي أن تتعرف إلى الله، وأن تشتق منه كمالاً إذا اتصلت بالرحيم، لا بد من أن يستقر في قلبك الرحمة، دقق في قوله تعالى:
﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ (159) ﴾
( سورة آل عمران)
يا محمد، بسبب رحمة استقرت بقلبك عن طريق اتصالك بنا لنت لهم، فلما كنت ليناً لهم التفوا حولك، ﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ (159) ﴾
( سورة آل عمران)
أي لو كنت بعيداً لامتلأ القلب قسوة، فإذا امتلأ قسوة انعكس غلظة، فإذا انعكس غلظة انفض الناس من حولك، هذه معادلة رياضية، اتصال، رحمة، لين، التفاف، انقطاع، قسوة، غلظة، انفضاض، معادلة رياضية بالتمام والكمال.
فلذلك أيها الإخوة، إذا كان للإيمان مؤشر، ومؤشر للرحمة يمشي مع هذا المؤشر تماماً، فكلما ازداد إيمانك ازدادت رحمتك، ومن لا يرحم لا يرحم، يا عبادي، إذا أردتم رحمتي فارحموا خلقي، وأبعد قلب عن الله القلب القاسي.
الآن أقول لك: حينما تعرف اسم الرحيم، وتتصل بالرحيم يمتلأ قلبك رحمة، وهذه ثمار الصلاة الحقيقية.
﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾
( سورة العنكبوت الآية: 45 )
من أدق ما قال المفسرون حول هذه الآية: ذكر الله لك أكبر من ذكرك له، فإذا ذكرته أديت واجب العبادة، أما إذا ذكرك الله عز وجل ملأ قلبك رحمة، ملأ قلبك أمناً، ملأ قلبك غنىً، ملأ قلبك رضىً، ملأ قلبك يقيناً، ذكر الله لك أكبر من ذكرك له، لذلك ورد في الأثر:
" بيوتي في الأرض المساجد، وإن زوارها هم عمارها، فطوبى لعبد تطهر في بيته، ثم زارني، وحق على المزور أن يكرم الزائر "
بالحكمة تسعد:
إذا دخلت إلى بيت صديق يقدم لك بعض الضيافة، لكنك إذا دخلت إلى بيت من بيوت الله فقد يهبك الله الحكمة.
﴿ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا (269) ﴾
( سورة البقرة)
بالحكمة تسعد بزوجة من الدرجة الخامسة، ومن دون حكمة تشقى بزوجة من الدرجة الأولى، بالحكمة تسعد بالمال، ومن دون حكمة تبدد المال.
أيها الأخوة الكرام، من أجل عطاءات الله الحكمة، أنت إذا اتصلت بالحكيم تغدو حكيماً من معاني:
(( إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ ))
تخلق بالكمال الإلهي، اشتق من الله الحكمة، اشتق منه الرحمة، اشتق منه العدل، حينما تتعرف إلى الله، وتستقيم على أمره، وتتصل به تشتق منه الكمال الإلهي، فلذلك:
﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا {9} وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا {10} ﴾
( سورة الشمس )
الفلاح كل الفلاح، النجاح كل النجاح، الفوز كل الفوز في أن تعرفه، يا رب، ماذا فقد من وجدك ؟ وماذا وجد مَن فقدك ؟ وإذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟
أيها الإخوة الكرام، ورد في الأثر:ابن آدم اطلبني تجدني، فإن وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتُك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء.
فلو شاهدت عيناك من حسننا الـذي رأوه لــما وليت عـنا لغيرنـا
ولــو سمعت أذناك حسن خطابنا خلعت عنك ثياب العجب و جئتنا
ولـــو ذقت من طعم المحبة ذرة عذرت الذي أضحى قتيلاً بحبـنا
ولو نسمت من قربنا لك نسمـــة لمت غريباً واشتياقاً لقربنـــا
***
أيها الإخوة الكرام،
﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا (180) ﴾
( سورة الأعراف )
تعرف إليه، ثم استقم على أمره، ثم اتصل به تشتق منه كمالاً تتقرب به إلى الله عز وجل، الرحيم يقبل الرحيم، الحكيم يقبل الحكيم، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
(( إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ ))
[ مسلم ]
منزلة الأخلاق في الإسلام:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/648/07.jpg
أيها الإخوة الكرام، في النهاية حينما أثنى الله على رسوله بماذا أثنى عليه ؟ أثنى عليه بالخلق العظيم:
﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾
( سورة القلم )
﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا {9}﴾
( سورة الشمس )
من معاني زكاها أن هذا الإنسان اشتق من الله الكمال، فصار خيراً وعطاءً وانضباطاً ورحمة، ولطفاً وتواضعاً، ما الذي يلفت النظر في الإنسان ؟ ليس علمه، وليست إمكاناته، وليس ماله، يلفت النظر في الإنسان أخلاقه، والذي يجلب الناس إليك الأخلاق، لذلك قال ابن القيم رحمه الله تعالى: " الإيمان هو الخلق فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الإيمان.
وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا
النقطة الدقيقة أيها الإخوة،
﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا (180) ﴾
( سورة الأعراف )
1 – الدعاء هو العبادة:
هل تصدقون أن الدعاء مخ العبادة، هكذا قال النبي عليه الصلاة والسلام، وفي رواية أخرى الدعاء هو العبادة، بل إن الله عز وجل حينما قال:
﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ (77) ﴾
( سورة الفرقان)
دقق، حينما تدعو جهة ما فأنت موقن أنها موجودة، وما من إنسان يدعو جهة غير موجودة يكون أحمق، وحينما تدعو الله فأنت حتماً موقن بوجوده، وأنت حتماً موقن بأنه يسمعك، والله عز وجل إن تكلمت فهو يسمعك، وإن تحركت فهو يراك، وإن أسررت شيئاً فهو يعلم ما في قلبك، إن تكلمت فهو يعلم، وإن تحركت فهو يراك، وإن أسررت فهو عليم بذات الصدور، لذلك قال العلماء: " علم ما كان، وعلم ما يكون، وعلم ما سيكون، وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون ".
حينما تدعو الله فأنت موقن قطعاً أنه موجود، وموقن قطعاً أنه يسمعك، وموقن قطعاً أنه قادر على كل شيء، وهو على كل شيء قدير، القوانين بيده، الأقوياء بيده، مَن فوقك بيده، مَن تحتك بيده، من حولك بيده، صحتك بيده، رزقك بيده، أهلك بيده، أولادك بيده، لذلك ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، قال تعالى:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/648/08.jpg
﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213) ﴾
( سورة الشعراء )
أحد أكبر عذاب نفسي أن تدعو مع الله إلهاً آخر، فلذلك:
﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا (180) ﴾
( سورة الأعراف )
أسماءه حسنى، وكماله مطلق.
أيها الإخوة الكرام، القاضي إذا حكم ألف حكم، وخمسة أحكام منها غير عادلة، ناتجة عن خطأ في التصور، أو في المعلومات، يسمى عند أهل الأرض قاضياً عدلاً، هذا شأن البشر، لكن شأن خالق البشر أنه لا يمكن أن نجد خطأً واحداً في أفعال الله عز وجل، هذا معنى: سبحان الله، الله عز وجل مطلق، منزه عن كل نقص إطلاقاً، فلذلك حينما تتصل بالإله المطلق تشتق منه الكمال، والذي يلفت النظر في شخصيتك الكمال الذي اكتسبته من اتصالك بالله عز وجل.
نعود بالآية مرة ثانية:
﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ (159) ﴾
( سورة آل عمران)
ملمح دقيق فدقِّقوا فيه:
هناك ملمح دقيق جداً أيها الإخوة، أنت أيها النبي، أنت سيد الخلق، وحبيب الحق، وسيد الأنبياء والمرسلين، وسيد ولد آدم، وحبيب رب العالمين، ويا من بلغت سدرة المنتهى، ويا من أوتيت الوحي والقرآن والمعجزات، على الرغم من كل ذلك: " وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ "، فكيف بإنسان ليس نبياً ولا رسولاً، ولا يوحى إليه، ولا معه معجزات، ولا عنده بيان ولا فصاحة، وفيه غلظة ؟ لمَ الغلظة ؟ مَن أمر بمعروف فليكن أمره بمعروف، قال تعالى:
﴿ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) ﴾
( سورة فصلت )
بين أخلاق الدعوة وخلاق الجهاد:
ما لم تعامل الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم فأنت لست في المستوى المطلوب، لكن هناك أخطاء كثيرة تداخلت، فقد أخلاق الجهاد مع أخلاق الدعوة إلى الله، أخلاق الدعوة إلى الله قال تعالى عنها:
﴿ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) ﴾
( سورة فصلت )
أما أخلاق الجهاد.
﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ (73) ﴾
( سورة التوبة )
هذه أخلاق الجهاد، وأكبر خطأ أن يستخدم الدعاة أخلاق الجهاد في الدعوة إلى الله.
﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ (159) ﴾
( سورة آل عمران)
فلذلك حينما تدعو الله فأنت موقن أنه موجود، وحينما تدعو الله فأنت موقن بأنه يسمعك، وحينما تدعو الله فأنت موقت بأنه قدير على كل شيء، وحينما تدعو الله فأنت موقن، فضلاً عن كل ذلك أنه يريد أن يستجيب لك، ويحبك:
﴿ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾
( سورة هود الآية: 119 )
خَلَقنا ربُّنا ليرحمنا:
في الأثر القدسي:
(( لو يعلم المعرضون انتظاري لهم، وشوقي إلى ترك معاصيهم لتقطعت أوصالهم من حبي، ولماتوا شوقاً إلى، هذه إرادتي بالمعرضين، فكيف بالمقبلين ))
[ ورد في الأثر ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/648/09.jpg
وإذا قال العبد، وهو راكع: يا رب، يقول الله له: لبيك يا عبدي، فإذا قال العبد وهو ساجد: يا رب، يقول الله: لبيك يا عبدي، فإذا قال العبد وهو عاصٍ: يا رب، يقول الله له: لبيك، ثم لبيك، ثم لبيك.
دققوا في هذه الآية:
﴿ اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا ﴾
( سورة طه )
إنسان ناجى ربه فقال: يا رب، إذا كانت رحمتك بمن قال: أنا ربكم الأعلى:
﴿ اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا ﴾
( سورة طه )
فكيف رحمتك بمن قال: سبحان ربي الأعلى ؟
وإذا كان رحمتك بمن قال:
﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي ﴾
( سورة القصص: 38)
فكيف رحمتك بمن قال: لا إله إلا الله ؟ لذلك:
﴿ قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فقد كذبتم (77) ﴾
( سورة الفرقان)
حينما تدعو الله فأنت موقن بأنه موجود، وموقن بأنه يسمعك، وموقن بأنه قدير على كل شيء، وموقن بأنه يحب أن يرحمك. ﴿ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾
( سورة هود الآية: 119 )
لذلك:
﴿ قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فقد كذبتم (77) ﴾
( سورة الفرقان)
(( إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ ))
﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا (180) ﴾
( سورة الأعراف )
خاتمة:
تعرفوا إليه تعرفوا إلى منهجه، احملوا أنفسكم على طاعته، تقربوا إليه بالأعمال الصالحة، اتصلوا به، إن اتصلتم به تشتقوا الكمال الرائع من الذات العلية، من الذات الإلهية، عندئذ الكمال ليس تصنعاً، الكمال سجية، فيه لطف، فيه تواضع، فيه رحمة، فيه إنصاف، فيه حكمة بالغة، لذلك حينما تتصل به تذكره، وذكرك له أقلُّ من ذكره لك، إذا ذكرك منحك القرب، منحك السعادة، منحك الرضى، منحك اليقين، منحك الأمن، هذه نعم الله الكبرى.
أيها الأخوة، فلذلك نحن في هذا الدرس إن شاء الله مهدنا لأسماء الله الحسنى، وفي لقاء آخر إن شاء الله تعالى نتابع هذا الموضوع.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
08-04-2018, 07:36 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الثالث )
الموضوع : اسم الله الاكرام - 1 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: (الأكرم):
أيها الأخوة الكرام، الاسم اليوم الأكرم، هذا الاسم ورد في أول سورة أنزلت من القرآن الكريم، قال تعالى:
﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5) ﴾
( سورة العلق)
لكل إنسان حاجات دنيا متعلقة بالأرض وحاجات عليا متعلقة بالسماء:
بادئ ذي بدء الله عز وجل أودع في الإنسان قوة إدراكية يتميز بها على بقية المخلوقات، ولأنه أودع فيه قوة إدراكية أصبحت عند هذا الإنسان حاجة إلى المعرفة، وهذه الحاجة يمكن أن توصف بأنها حاجة عليا، له حاجات دنيا متعلقة بالأرض وله حاجة عليا متعلقة بالسماء، فركّب الملك من عقل بلا شهوة وركب الحيوان من شهوة بلا عقل وركب الإنسان من كليهما فإن سما عقله على شهوته أصبح فوق الملائكة، قال تعالى:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (7) ﴾
( سورة البينة )
فوق الملائكة وإن سمت شهوته على عقله أصبح دون الحيوان، فالله عز وجل سخر لهذا الإنسان ما في السماوات، قال تعالى:
﴿ وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ ﴾
( سورة الجاثية الآية: 13 )
طلب العلم فريضة على كل مسلم:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/649/01.jpg
أمره أن يقرأ أي يتعلم وطلب العلم فريضة على كل مسلم، هذا العلم أنواع قال اقرأ باسم ربك، يعني ما لم ينقلك العلم إلى معرفة ربك فليس علماً، العلم ما هداك إلى الله، العلم ما عرفك بهذا الإله العظيم، العلم ما حملك على طاعته، العلم ما دفعك إلى التقرب إليه، العلم ما هداك إلى سرِّ وجودك، العلم ما هداك إلى غاية وجودك، لذلك اقرأ أما المفعول به فهو محذوف وحينما يحذف المفعول يطلق الفعل، يعني اقرأ في الكون، الكون قرآن صامت واقرأ في القرآن فهو كلام الخالق، واقرأ في سيرة النبي عليه الصلاة والسلام فهو قرآن يمشي، يعني اطلب العلم، ما لم يطلب الإنسان العلم لا يؤكد إنسانيته، إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم، إلا أن العلم له شأن آخر لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً.
﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) ﴾
( سورة العلق)
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ (21) ﴾
( سورة البقرة)
الخالق وحده الذي ينبغي أن يعبد، الجهة التي صنعتك ينبغي أن تتبع تعليماتها.
ارتباط العلم بالإيمان:
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) ﴾
( سورة العلق)
يمكن أن نسمي هذه القراءة الأولى قراءة البحث والإيمان. ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) ﴾
( سورة العلق)
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/649/02.jpg
العلم مرتبط بالإيمان وما لم ينقلك العلم إلى الإيمان فليس علماً، وقد يكون ذكاءً ليس غير، لذلك قالوا: ما كل ذكي بعاقل، إنسان عنده دماغ يمكن أن يفهم دقائق الأشياء فاختص باختصاص نادر وجلب له هذا الاختصاص دخلاً كبيراً فلكياً هذا ذكي جداً، لكن ما لم تعرف سر وجودك، وغاية وجودك، ما لم تعرف الخالق والرب والمسير، ما لم تعرف أسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى فلست عاقلاً، العاقل من عرف الله وأرجحكم عقلاً أشدكم لله حباً.
(( ابن آدم اطلبني تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء وأنا أحب إليك من كل شيء ))
[ ورد في الأثر ]
وفي بعض الأدعية: ويا رب ماذا فقد من وجدك ؟ وماذا وجد من فقدك ؟ إذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟ ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) ﴾
( سورة العلق)
تجاوز الحالات السفلى إلى الحاجة العليا، ابحث عن الحقيقة اعمل بها.
الخاسر من لم يتحرك وفق منهج الله لأن الموت ينهي كل شيء:
﴿ وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) ﴾
( سورة العصر )
يقسم الله بمطلق الزمن لهذا المخلوق الأول الذي هو في حقيقته زمن أنه خاسر:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/649/03.jpg
﴿ وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) ﴾
( سورة العصر )
لو شخص دخله اليومي مليون دولار ولم يتعرف إلى الله عز وجل فهو بنص هذه الآية خاسر، لأن هذه الدنيا تنتهي بالموت والموت ينهي كل شيء، ينهي قوة القوي، وينهي ضعف الضعيف، ينهي غنى الغني، ينهي فقر الفقير، ينهي وسامة الوسيم، ينهي دمامة الدميم، ينهي أمن الآمن، ينهي خوف الخائف، الموت ينهي كل شيء.
لذلك ما لم تتعرف إلى الله، وما لم تتحرك وفق منهجه، وما لم تدعُ إليه فأنت خاسر، وبإمكانك أن تتلافى الخسارة بأن تعمل في هذا الوقت الذي سيمضي عملاً ينفعك بعد الموت، لذلك دائماً اجعل هذا المقياس الدقيق أي حركة، أي نشاط، أي مسعى له أثر بعد الموت هذا ينفعك، وأي نشاط وأي حركة تنتهي عند الموت لا قيمة لها، هذه من الدنيا لذلك دخلوا على سيدنا أبو عبيدة بن الجراح وكان قائد الجيوش الإسلامية في الشام دخلوا على غرفته فيها قدر ماء مغطاة برغيف خبز، وسيفه معلق، قالوا: ما هذا يا أمين هذه الأمة ؟ قال هو للدنيا وعلى الدنيا كثير ألا يبلغنا المقيت ؟ لذلك الدنيا لأنها تنتهي بالموت ليس لها شأن عند الله.
(( لَوْ كَانَتْ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ ))
[ الترمذي، ابن ماجه عن سهل بن سعد]
أول قراءة ينبغي أن نقرأها قراءة البحث والإيمان لنبحث عن الحقيقة:
إذاً لا بد من أن نبحث عن الحقيقة، ولا بد من أن تتحرك وفق الحقيقة، ولا بد من أن ندعو إلى هذه الحقيقة، وقد يكون هناك عقبات وقد تكون هناك صوارف فلا بد من الصبر.
﴿ وَالْعَصْر (1) إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3) ﴾
( سورة العصر )
إذاً أول قراءة ينبغي أن تقرأها قراءة البحث والإيمان، ابحث عن الحقيقة، ابحث عن الذي خلقك، تساءل لماذا خُلقت ؟ لماذا أنا في الدنيا ؟ ما العمل العظيم الذي ينبغي أن أفعله ؟ ماذا بعد الموت ؟ ماذا قبل الموت ؟ من أين وإلى أين ولماذا ؟ ابحث. ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) ﴾
( سورة العلق)
العلم الذي أراد الله أن نتعرف إليه هو قراءة البحث والإيمان:
أي العلم ما انتهى بك إلى الإيمان، فإن لم ينتهِ بك إلى الإيمان فهو ذكاء فقط، والذكاء ينتهي عند الموت، هو ذكاء أو ثقافة، أما العلم الذي أراده الله حينما قال الله عز وجل:
﴿ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾
( سورة الزمر الآية: 9 )
العلم الذي أراده الله أن تتعرف إليه، وأن تتعرف إلى منهجه، وأن تحمل نفسك على طاعته، وأن تبذل الغالي والرخيص والنفس والنفيس، هذه القراءة الأولى قراءة البحث والإيمان. ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) ﴾
( سورة العلق)
نفسك التي بين جنبيك أقرب آية إليك للتفكر في خلق الله تعالى:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/649/04.jpg
أقرب آية إليك نفسك التي بين جنبيك، قال تعالى:
﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (8) ﴾
( سورة البلد)
يوجد بالشبكية مئة وثلاثون مليون عصية ومخروط، بالميليمتر مربع في أرقى آلة تصوير رقمية احترافية في عشرة آلاف مستقبل ضوئي، في الميليمتر مربع في شبكية العين مئة مليون مستقبل، لذلك العين تفرق بين ثمانية ملايين لون.
﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (8) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (9) ﴾
( سورة البلد)
إكرام الله عز وجل الإنسان بالبيان:
الله أكرم، أكرمك بماذا ؟ بالبيان، قال تعالى:
﴿ الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4) ﴾
( سورة الرحمن)
بالبيان يتواصل الناس أرقى تواصل، التواصل بيان، بالبيان تتكلم فتعبر عن أفكارك، تعبر عن مشاعرك، بالكلام تنتقل العلوم من إنسان إلى إنسان، بالمعاصرة، ومن جيل إلى جيل بالكتابة، ومن أمة إلى أمة بالترجمة، لذلك:
﴿ الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4) ﴾
( سورة الرحمن)
هذه القراءة الأولى أكرمك الله بأن منحك نعمة الإيجاد ومنحك نعمة الإمداد ومنحك نعمة الهدى والرشاد، إنه الأكرم، و أكرم اسم تفضيل وهذا الاسم ورد معرفاً بأل، مراداً به العالمية دالاً على كمال الوصفية، الأكرم، لا عطاء يعدل عطاءه.
من خسر الآخرة خسر كل شيء:
منحك نعمة الإيجاد والإيجاد إلى متى ؟ لا إلى الموت، الموت نقطة محطة في الطريق، كل نفس ذائقة الموت لا تموت لكنها تذوق الموت وفرق كبير بين أن تذوق الموت وبين أن تموت، قال تعالى:
﴿ وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (77) ﴾
( سورة الزخرف)
الإنسان خلق ليبقى إلى أبد الآبدين، يبقى في جنة عرضها السماوات والأرض أو في نار لا ينفذ عذابها، البقاء مستمر لكن إما في جنة أو في نار لهذا أيها الأخوة الكرام، أكبر خسارة يمكن أن نتصورها أن تخسر الآخرة، قال تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (15) ﴾
( سورة الزمر)
هذه القراءة الأولى، قال تعالى: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) ﴾
( سورة العلق)
على كل إنسان أن يقرأ ليصل بقراءته إلى معرفة سرّ وجوده وغاية وجوده:
أقرب آية لك نفسك التي بين جنبيك، قال تعالى:
﴿ فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ (5) خُلِقَ مِن مَّاء دَافِقٍ ﴾
( سورة الأعلى )
هذا الماء الدافق ثلاثمئة مليون حوين، تحتاج البويضة إلى حوين واحد، قال تعالى: ﴿ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (6) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (7) إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (8) ﴾
( سورة الطارق )
﴿ فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24) ﴾
( سورة عبس)
أمر إلهي لذلك هذه قراءة، اقرأ ولتنتهي قراءتك إلى معرفة ربك، اقرأ ولتنتهي قراءتك إلى معرفة سر وجودك وغاية وجودك.
القراءة الثانية المتعلقة باسم الأكرم قراءة الشكر و العرفان:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/649/05.jpg
في قراءة ثانية متعلقة باسم الأكرم، القراءة الثانية:
﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) ﴾
( سورة العلق)
ماذا منحك ؟ نحن موجودون لو اطلعت على كتاب نضدت حروفه قبل تاريخ ميلادك، أثناء تنضيد حروف هذا الكتاب أنت من ؟ لا شيء، قال تعالى: ﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (1) ﴾
( سورة الإنسان )
إطلاقاً ما لك وجود، ما لك اسم، ما لك اسم بالنفوس، ليس لك أي اسم بأي مكان، لم يكن لك وجود، إذاً الله عز وجل أكرمك أي منحك أكبر عطاء أنه أوجدك، منحك نعمة الإيجاد أوجدك وأودع فيك حاجات، أودع فيك حاجة إلى الهواء، والهواء موجود بنسب رائعة لو أن هذه النسب تغيرت لاحترق كل ما في الأرض، الأوكسجين إلى الأزوت، منحك نعمة الإيجاد ومنحك نعمة الإمداد وهذا الكون سخره لك بنص قرآني: ﴿ وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ ﴾
( سورة الجاثية الآية: 13 )
ما نوع التسخير ؟ قال تسخيران تسخير تعرف وتسخير تكريم، كل شيء في الأرض مسخر لك تسخيرين، تسخير تعريف وتسخير تكريم.
من آمن و شكر الله عز وجل حقق الغاية من وجوده:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/649/06.jpg
إذا قرأت كتاباً عن العسل ذابت نفسك بهذا الشراب الذي فيه شفاء للناس، وقد لا يتاح لك أن تلعق لعقة عسل واحدة لكنك إذا عرفت الله من خلال العسل حققت الهدف من العسل أنه عرفك بالله، والذي يأكل العسل ليلاً ونهاراً ولم يفكر في هذا الشراب الذي جعل الله فيه شفاء للناس عطلت أكبر هدف من خلق هذه الآية، تأكد أن أي شيء في الأرض له وظيفتان، له مهمتان، سخر لك تسخيرين تسخير تعريف وتكريم، تماماً كما لو قدم لك صديق هاتفاً فيه خصائص مذهلة من اختراعه وقدمه هدية لك أنت دون أن تشعر ينطوي قلبك على شعورين، شعور الإعجاب بهذا الاختراع وشعور الامتنان بأنه هدية، فدقق لما قال النبي عليه الصلاة والسلام: نظر إلى هلال قال هلال خير ورشد.
هذا الكون مسخر لنا تسخيرين، تسخير تعريف وتسخير تكريم، رد فعل التعريف أن تؤمن، ورد فعل التكريم أن تشكر، فإذا آمنت وشكرت، دقق الآن حققت الهدف من وجودك فإذا حققت الهدف من وجودك توقفت المعالجات الإلهية، الآية:
﴿ مَّا يَفْعَلُ اللّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ ﴾
( سورة النساء الآية: 174 )
لأنه منحك الكون، لأنه سخر لك الكون تسخير تعريف ينبغي أن تؤمن ولأنه سخر لك الكون تسخير تكريم ينبغي أن تشكر، فإذا آمنت وشكرت حققت الهدف من وجودك إذاً تنتهي المعالجات، طبيب قرر استئصال كلية قبل أن يستأصلها عمل فحصاً تعمل، ألغى العملية، فإذا آمنت وشكرت حققت الهدف من وجودك لذلك ربك الأكرم ينبغي أن تكون قراءتك للكون قراءة شكر وعرفان.
أول قراءة قراءة بحث وإيمان، القراءة الثانية قراءة شكر وعرفان، منحك نعمة الإيجاد، منحك نعمة الإمداد، يوجد هواء، يوجد ماء عذب زلال، يوجد زوجة، يوجد أولاد، يوجد طعام، شراب، فواكه، معادن، كل شيء، لذلك القراءة الثانية قراءة شكر وعرفان، ما لم يمتلئ قلبك شكراً لله فأنت بعيد عن الإيمان.
أنواع الهدى:
1 ـ هداية المصالح:
لذلك أول كلمة في الفاتحة الحمد لله رب العالمين، منحك نعمة الإيجاد، منحك نعمة الإمداد، منحك نعمة الهدى والرشاد، أما الهدى أيها الأخوة الكرام، على أنواع أول هدى، هداك إلى مصالحك، يعني لما الإنسان تكسر يده مصممة اليد على أن تلتئم، حينما يجرح الجلد مصمم على أن يلتئم، هداك إلى مصالحك http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/649/07.jpg لولا جهاز التوازن المتمثل بالقنوات الهلالية في الأذن الداخلية لما وجدت إنسان يمشي على الأرض
أنت تمشي أعطاك قدمين لطيفتين لكن يقابلهم جهاز توازن لولا جهاز التوازن لما أمكنك أن تمشي على قدميك، لذلك الميت لا يقف ما في توازن، التوازن ثلاث قنوات متداخلة فيها سائل، فيها أهداب لما تميل السائل يبقى مستوياً يرتفع بمكان دون مكان، بالمكان المرتفع في أهداب يصلح الإنسان، لولا جهاز التوازن ما في إنسان يمشي على قدمين، ما في إنسان يركب دراجة.
إذاً هداك إلى مصالحك، الطعام فيه سم تتقيأه، الجرثوم دخل في جهاز مناعة، تحدثت عنه البارحة هداك إلى مصالحك، الأشياء التي تؤذي تكرهها، الأشياء التي تحبها محببة إليك تنفعك، لو أنه جعل الطعام كريهاً، لن يأكل، الطعام التفاحة مثلاً حجمها مناسب قوامها هش فيك أن تأكلها لا تحتاج إلى آلة طحن أحجار، فيها غذاء، فيها رائحة طيبة، فيها شكل جميل هداك إلى مصالحك هذا أول هدى.
2 ـ هداية الوح
ثم هداك بالوحي، جاءك وحي من السماء، بيّن لك من أنت، أنت المخلوق الأول، لماذا خلقت ؟
﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) ﴾
( سورة الذاريات )
فأول هداية هداية المصالح، ثاني هداية هداية الوحي.
3 ـ هداية التوفيق
ثالث هداية هداية التوفيق، قال تعالى:
﴿ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آَمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (13) ﴾
( سورة الكهف)
التوفيق هداية، أنت فكرت في خلق السماوات والأرض، تمنيت أن تقدم عملاً بين يديك يمنحك المال، يمنحك القوة، تمنيت أن تكون داعية يطلق لسانك في التعريف به، منحك نعمة الإمداد.
4 ـ هداية الجنة:
آخر هداية إلى الجنة، قال تعالى: ﴿ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (5) ﴾
( سورة محمد)
هداك إلى مصالحك، الطفل أول ما يولد لو أنه مال يتابع الميل حتى يقع، بعد ثلاثة أشهر يكون جهاز التوازن بدأ يعمل، لو أنت ميلته يجلس، هذه هداية، هداك إلى مصالحك، أحياناً التقيؤ هو إخراج ما في المعدة يكون الطعام فاسداً، إذا في فساد الإنسان يتقيأه، إذا الجنين في تشوه يسقط، السقط هو جنين مشوه، في أشياء بالطب وأشياء بالتشريح وأشياء بالفيزيولوجية مذهلة.
السعال في أشعار هدبية بالقصبة الهوائية تتحرك نحو الأعلى باستمرار، و حتى الآن لم تنجح جراحة الرئتين لأن الذي تزرع رئته لا يسعل، و السعال أساسي في سلامة الرئة، فالسعال هداك إلى مصالحك، التقيؤ هداك إلى مصالحك، التوازن هداك إلى مصالحك، الآن أعراض الأمراض هداك إلى مصالحك، لكل داء دواء، الأمس ذكرت طبيب من إنكلترا، درس بأمريكا، عُين مع شركة عملاقة في الصين، داوى شخص ياباني، هو إنكليزي و درس بأمريكا و عمله بالصين و المريض ياباني، إذا لم يوجد بنية واحدة للبشر، بنية تشريحية واحدة و وظائف فيزيولوجية واحدة، كان لا يوجد طب، هذا التوحد، أما يا رب لو تشابهت ورقتا زيتون لما سميت الواسع، كل إنسان له شكل وجه، له هوية، قزحيته هوية...
من عبد الله و استعان به وفقه وهداه إلى الجنة:
إذاً منحك نعمة الإيجاد، و منحك نعمة الإمداد، و منحك نعمة الهدى و الرشاد، الهدى هداك على مصالحك، و الهدى هداك إليه بالوحي، و الهدى وفقك، هداية التوفيق، و أوضح شيء:
﴿ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آَمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (13) ﴾
( سورة الكهف)
هذا معنى قوله تعالى:﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) ﴾
(سورة الفاتحة)
أي لا حول يا رب عن معصيتك إلا بك، و لا قوة على طاعتك إلا بك، و إياك نعبد و إياك نستعين هذه هدى التوفيق، ثم يهديك إلى الجنة:﴿ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (5) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (6) ﴾
( سورة محمد)
والحمد لله رب العالمين
السعيد
08-04-2018, 07:43 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الثالث )
الموضوع : اسم الله الاكرام -2-
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: (الأكرم):
أيها الأخوة الكرام، لازلنا في اسم الأكرم الذي يدل على العلمية وكمال الوصفية وقد ورد هذا الاسم في قوله تعالى:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-0/653/ar-653/01.jpg
﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5) ﴾
( سورة العلق)
وهذه أول آية في أول سورة تشير إلى أن العلم ينبغي أن يرتبط بالإيمان.
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ: أول آية تشير إلى أن العلم ينبغي أن يرتبط بالإيمان:
إذا عبرنا عن طلب العلم بالقراءة فيجب أن تنتهي القراءة إلى الإيمان بالله عز وجل موجوداً وواحداً وكاملاً، وإلى الإيمان بأسمائه الحسنى وصفاته الفضلى http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-0/653/ar-653/02.jpg
ثم إن الله سبحانه وتعالى منح الإنسان نعمة الإيجاد ومنحه نعمة الإمداد ومنحه نعمة الهدى والرشاد.
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) ﴾
( سورة العلق)
ينبغي أن تنتهي القراءة الأولى بالإيمان بالله، وينبغي أن تنتهي القراءة الثانية بالشكر والعرفان، القراءة الأولى قراءة البحث والإيمان، والقراءة الثانية قراءة الشكر والعرفان، وإذا كان من قراءة ثالثة فهي قراءة الوحي والإذعان. ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5) ﴾
( سورة العلق)
أي شيء عجز عقلك عن إدراكه أخبرك الله به، أخبرك الله عن الماضي السحيق وعن بداية الخلق وعن المستقبل البعيد، وأخبرك عن سرّ وجودك وعن غاية وجودك وأخبرك عن ذاته العلية إذاً القراءة الثالثة قراءة الوحي والإذعان.
قضايا الدين تصنف في دوائر ثلاث هي:
1 ـ دائرة المحسوسات:
كما تعلمون أيها الأخوة هناك قضايا تصنف مع المحسوسات http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-0/653/ar-653/03.jpg
وأداة اليقين بها الحواس الخمس، واستطالتها كالميكروسكوب والتليسكوب مثلاً.
2 ـ دائرة المعقولات:
هناك موضوعات تصنف مع المعقولات أي شيء غابت ذاته وبقيت آثاره، وأداة اليقين بها العقل وهذه تسمى المعقولات http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-0/653/ar-653/04.jpg
فالكون كله ظاهر لكل إنسان ويمكن أن تقرأ فيه بل إنه قرآن صامت ولكن أداة اليقين في المعقولات هو العقل البشري، فالكون مظهر لأسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى، والقرآن الكريم إعجازه يدل عليه، والقرآن الكريم يدل على النبي عليه الصلاة والسلام لأنه جاء به.
3 ـ دائرة الإخباريات:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-0/653/ar-653/05.jpg
لكن في قضايا غابت عينها وغابت آثارها ولا سبيل إلى العقل أن يؤمن بها إلا أنه يتلقى الخبر الصادق كالإيمان بالجن والملائكة، هذه إخباريات فنحن حينما نتعمق في أمور الدين نرى أن قضايا الدين تصنف في المحسوسات وأداة اليقين بها الحواس الخمس واستطالتها، وفي المعقولات وأداة اليقين بها العقل، وفي الإخباريات وأداة اليقين بها الخبر الصادق، فإذا جاء في الوحيين الكتاب والسنة خبر عن الله عز وجل فهو عندنا يقيني، ولكن عند الذين اهتزت عندهم مسلمات الإيمان بالله قد يعترضون، لذلك الأولى الإنسان ألا يخوض مع الطرف الآخر الذي اهتزت عنده مسلمات الوجود الإلهي، على كل: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5) ﴾
( سورة العلق)
من وظّف عطاء الله في طاعته أصبح نعمةً حقيقية:
الآن حينما قال الله عز وجل:
﴿ فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) ﴾
( سورة الفجر)
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-0/653/ar-653/06.jpg
هذه مقولته هو يتوهم أحياناً أن الله إذا أمدّ إنساناً بالمال وهذا الإنسان ليس على طاعة الله فهي علامة محبة له، لا، هذا فهم خاطئ وفهم خطير، قال تعالى: ﴿ فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ (15) ﴾
( سورة الفجر)
فيقول هو من عنده متوهماً: ربي أكرمن: ﴿ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (16) ﴾
( سورة الفجر)
جاء الرد الإلهي لم يأتِ لا، بل جاء كلا، والفرق كبير بين لا وكلا، لا تنفي بل كلا تردع وتنفي، كلا ليس كذلك يا عبادي ليس عطائي إكراماً مطلقاً ولا منعي حرماناً، عطائي ابتلاء وحرماني دواء، مع شيء من التفصيل، هل يعدّ المال نعمة ؟ الجواب نعم ولا، هل تعدّ الصحة نعمة ؟ الجواب نعم ولا، هل يعدّ الأولاد نعمة ؟ الجواب نعم ولا، هل تعد المكانة العلية في المجتمع نعمة ؟ الجواب نعم ولا، كيف ؟
هذا المال إذا وظف في العمل الصالح، في طاعة الله أصبح نعمةً حقيقية، أما إذا وظف في نشر الباطل للتمتع بالمتع الرخيصة التي حرمها الله، فهذا المال ليس نعمة لذلك ورد في بعض الأحاديث:
(( بادروا إلى الأعمال الصالحة ما ينتظر أحدكم من الدنيا ))
[ أخرجه الترمذي عن أبي هريرة ]
ما دام الإنسان يصلي ويقرأ القرآن الكريم ويطلب العلم يمتعه الله بعقله حتى يموت:
ممكن أن يستيقظ أحدنا كل يوم كاليوم السابق ؟ مستحيل وألف ألف مستحيل: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-0/653/ar-653/07.jpg
(( بادروا إلى الأعمال الصالحة ما ينتظر أحدكم من الدنيا (يتابع النبي كلامه) هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلَّا فَقْراً مُنْسِياً، أحياناً فقر ينسيك كل شيء وكاد الفقر أن يكون كفراً، غِنَىً مُطْغِياً، والغنى المطغي أحد المصائب الكبرى بسبب الغنى طغيت وبغيت،، أو مَرَضاً مُفْسِداً، تصبح حياته مع هذا المرض جحيماً لا يطاق ))
((غِنَىً مُطْغِياً، أو فَقْراً مُنْسِياً، أو مَرَضاً مُفْسِداً، أو هَرَماً مُقَيِّداً ))
يمله أولاده، يعيد القصة مئة مرة، يحشر أنفه في كل شيء، خرف، لذلك من تعلم القرآن متعه الله بعقله، المؤمن حينما يصلي الصلاة نشاط، أول ركعة الثانية الثالثة الرابعة، أول ركعة فاتحة مع سورة، الثانية فاتحة مع سورة، ثم قعود أول، ثالثة ورابعة فاتحة فقط، ثم قعود ثانٍ في نشاط، من يقرأ القرآن في نشاط دائم، في عندنا قاعدة في الطب العضو الذي يعمل لا يضمر، فما دام الإنسان يصلي ويقرأ القرآن الكريم ويطلب العلم يمتعه الله بعقله حتى يموت لذلك هذا العالم الجليل الذي عاش ثمانية وتسعين عاماً وكان منتصب القامة حاد البصر مرهف السمع أسنانه في فمه سئل: يا سيدي ما هذه الصحة التي حباك الله بها ؟ قال يا بني حفظناها في الصغر فحفظها الله علينا في الكبر من عاش تقياً عاش قوياً.
المال نعمة إذا وظّف في طاعة الله:
لذلك أيها الأخوة الكرام، المال لا يعد نعمة مطلقاً ولا يعد نقمة مطلقاً.
(( بادروا إلى الأعمال الصالحة ما ينتظر أحدكم من الدنيا إلا غِنَىً مُطْغِياً، أو فَقْراً مُنْسِياً، أو مَرَضاً مُفْسِداً، أو هَرَماً مُقَيِّداً، أو مَوْتاً مُجْهِزاً ؛ أو الدجال، فالدجال شرُّ غائِبٍ يُنْتَظَر ؛ أو السَّاعَةُ، والساعة أدهى وأَمَرّ ))
[ أخرجه الترمذي عن أبي هريرة ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-0/653/ar-653/08.jpg
يعني من معاني الأعور الدجال أنه يرى بعين واحدة، يرى مصلحته ولا يرى مصلحة الآخر، يرى ثقافته ويمحو ثقافة الآخر، يرى حظه من الدنيا وينسى حظ الآخرين من الدنيا، يرى كرامته ولا يرى كرامة الآخر، أعور ويتكلم بخلاف الواقع، وكأنه صفة جامعة مانعة لنموذج الإنسان المعاصر أنه أعور ودجال.
النقطة الدقيقة أن المال لا يعد نعمة ولا يعد نقمة، إذا وظف في الحق يعد نعمة، يقول بعض الصحابة: حبذا المال أصون به عرضي وأتقرب به إلى ربي. المال يوظف توظيفاً رائعاً إذاً هو نعمة ونعمة كبرى، والذي آتاه الله مالاً يجب أن يذوب محبة لله عز وجل، أولاً يصون عرضه وثانياً يتقرب به إلى ربه http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-0/653/ar-653/09.jpg
بالمال تحل معظم المشكلات بإمكانك أن تطعم جائعاً، أن تكسو عارياً، أن تعلّم جاهلاً، أن تؤوي مشرداً، أن تعالج مريضاً، بإمكانك أن تعيش في قلوب الآخرين، المال نعمة إذا وظف في طاعة الله:
(( لا حَسَدَ إِلاّ في اثْنَتَيْنِ: رَجلٌ آتَاهُ الله مَالاً فَهُوَ يُنْفِقُ منهُ آنَاءَ اللّيْلِ وآنَاءَ النّهَارِ، وَرَجُلٌ آتَاهُ الله القُرْآنَ فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللّيْلِ وَآنَاءَ النّهَار ))
[ البخاري عن أبي هريرة]
المال موقوف على طريقة إنفاقه، إذا استعنت بالصحة على طاعة الله نعمة كبيرة فإذا استعان الإنسان بصحته على معاصي الله الصحة نقمة، إذا الله أعطاه بصراً حاداً تتبع به عورات المسلمين، تابع بها الأفلام الفاضحة، ونظر على عورات النساء، وإذا إنسان آتاه الله عينين رأى بهما آيات الله الدالة على عظمته وغض به بصره عن محارم الله، البصر نعمة.
كل شيء نعمة ونقمة إذا وظّف في طاعة الله فهو نعمة وإذا وظف في المعاصي والآثام فهو نقمة، لذلك سئل الإمام الشافعي رحمه الله تعالى أندعو الله بالابتلاء أم بالتمكين ؟ فقال: لن تمكن قبل أن تبتلى، لا بد من الابتلاء: ﴿ وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾
( سورة المؤمنون )
ليس عطاء الله إكراماً ولا منعه حرماناً: إذاً أيها الأخوة الكرام: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-0/653/ar-653/10.jpg
﴿ فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) ﴾
( سورة الفجر)
يقول هو، الآن يقول بعض الموسرين: الله إذا أحبّ إنساناً أطلعه على ملكه، يسافر شرقاً وغرباً، ويرتكب المعاصي والآثام ويتوهم أن الله يحبه لأنه عرّفه على ملكه، الله يحبك إذا أطعته، الله يحبك إذا عرفته، الله يحبك إذا أحسنت إلى خلقه، هناك أوهام كثيرة جداً، فلذلك: ﴿ فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) ﴾
( سورة الفجر)
يقول هو، هذه مقولته، بل ربما نفهم هذا زعمه: ﴿ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ (16) ﴾
( سورة الفجر)
أيضاً يتوهم أن الله أهانه جاء الجواب ردعاً كلا، كلا يا عبادي ليس عطائي إكراماً ولا منعي حرماناً، عطائي ابتلاء وحرماني دواء.
توزيع الحظوظ في الدنيا توزيع ابتلاء:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-0/653/ar-653/11.jpg
هذا يقودنا إلى موضوع دقيق جداً في عندنا شيء اسمه الحظوظ جمع حظ، المال حظ، الصحة حظ، الوسامة حظ، الذكاء حظ، المرتبة الاجتماعية حظ، هذه الحظوظ وزعت في الدنيا توزيع ابتلاء، يعني أنت ممتحن فيما أعطاك، ممتحن فيما زوي عنك، ممتحن بالمال إن كنت غنياً، وممتحن بقلته إن كنت فقيراً، ممتحن بالصحة إن كنت صحيحاً، ممتحن بالمرض إذا كنت مريضاً، ممتحن بالتألق إن كنت متألقاً، وممتحن بالخمول إذا كنت خاملاً، أنت ممتحن فيما أعطاك وفيما زوي عنك، ومن أدق الأدعية الدعاء التالي:
(( اللَّهُمَّ مَا رَزَقْتَنِي مِمَّا أُحِبُّ فَاجْعَلْهُ قُوَّةً لِي فِيمَا تُحِبُّ اللَّهُمَّ ))
[ الترمذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْخَطْمِيِّ الْأَنْصَارِيِّ ]
أعطيتني صحة أن أستهلكها في طاعتك، أعطيتني مكانة اجتماعية أن أكون آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، أعطيتني منصباً رفيعاً في معه توقيع أن يكون هذا المنصب الرفيع في إحقاق الحق وإبطال الباطل، أعطيتني زوجة أن آخذ بيدها إلى الله عز وجل، أعطيتني أولاداً أن أربيهم تربية ترضى بها عني:
((.... مَا رَزَقْتَنِي مِمَّا أُحِبُّ فَاجْعَلْهُ قُوَّةً لِي فِيمَا تُحِبُّ اللَّهُمَّ، الآن وَمَا زَوَيْتَ عَنِّي مِمَّا أُحِبُّ فَاجْعَلْهُ فَرَاغًا لِي فِيمَا تُحِبُّ ))
إنسان أحياناً يتمنى المال لا يناله، دخله محدود يبقى متحسراً على حاله طوال حياته، سيدنا الصديق يؤثر عنه ما ندم على شيء فاته من الدنيا قط إطلاقاً.
كل شيء له أجر محدد إلا الصبر:
المؤمن الصادق يعتقد أنه ليس في الإمكان أبدع مما كان http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-0/653/ar-653/12.jpg
هو يسعى إلى أقصى درجة فإن انتهى به السعي إلى هذا الدخل يرضى به، يرضى بعد استنفاذ الجهد لكن قبل استنفاذ الجهد هذا كسل وليس رضا، إذا بذلت كل ما تملك من أجل رفع مستوى دخلك ولم تتمكن فاستسلم لله عز وجل، أما في عالم الكفر ينتحر، أما بعالم الإيمان يصبر، لذلك كل شيء له أجر محدد إلا الصبر، قال تعالى:
﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (10) ﴾
( سورة الزمر)
والآية لا ينبغي إلا أن تهز مشاعرنا: ﴿ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا (44) ﴾
( سورة ص)
﴿ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (44) ﴾
( سورة ص)
﴿ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ (86) ﴾
( سورة يوسف)
لذلك قال بعضهم من شكا إلى مؤمن فكأنما اشتكى إلى الله ومن اشتكى لغير المؤمن فكأنما اشتكى على الله، فرق كبير بين أن تشتكي إلى الله وبين أن تشتكي على الله.
كل شيء ساقه الله تعالى للإنسان له حكمة تنكشف يوم القيامة: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-0/653/ar-653/13.jpg
﴿ فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) ﴾
( سورة الفجر)
﴿ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ (16) ﴾
( سورة الفجر)
أحياناً الأب الطبيب الرحيم يمنع ابنه أكلة يحبها لكنها تؤذي جهازه الهضمي هذا ليس منع إهانة منع حفظ، لذلك إن الله ليحمي صفيه من الدنيا كما يحمي أحدكم مريضه من الطعام، ويوم القيامة حينما تنكشف الحقائق ويظهر لك حكمة الذي ساقه الله إليك إن لم تذب مثل الشمعة محبة لله ففي الإيمان خلل، قال تعالى: ﴿ وآخِرُ دَعْوَاهُمْ أنِ الحَمْدُ لِلَّه رَبّ العالَمِينَ ﴾
( سورة يونس الآية: 10 )
عطاء الله ابتلاء وحرمانه دواء:
أيها الأخوة:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-0/653/ar-653/14.jpg
﴿ فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) ﴾
( سورة الفجر)
هو متوهماً زاعماً ربي أكرمن. ﴿ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ (16) ﴾
( سورة الفجر)
رحمة به وحفظاً له فيقول متوهماً وزاعماً: ﴿ رَبِّي أَهَانَنِ (16) ﴾
( سورة الفجر)
جاء الجواب الإلهي:
كلا ليس عطائي إكراما ولا منعي حرماناً عطائي ابتلاء وحرماني دواء.
الحياة توفيق إلهي والتوفيق بالطاعة:
أيها الأخوة الكرام، الله عز وجل هو الأكرم لكن ومن يهن الله فماله من مكرم، يعني إذا أراد الله بقوم سوءاً فلا مرد له، يعني إذا أراد الله بإنسان أن يهينه يتطاول عليه أقرب الناس إليه، وإذا أراد الله إعزاز إنسان جعل أعداؤه في خدمته دون أن يشعروا، لذلك وإذا كان الله معك فمن عليك ؟ http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-0/653/ar-653/15.jpg
وإذا كان عليك فمن معك ؟ إنسان أحياناً يفقد حركته قبيل أن يموت أقرب الناس إليه يتمنى موته، ويسمعونه هذا الكلام الله يخفف عنك، في إنسان آخر يموت بأعلى درجة من المكانة يفتقده من حوله، ابتغوا العزة عند الله، ابتغوا الرفعة عند الله، ادعُ الله أن يحفظ لنا صحتنا جميعاً، لذلك:
﴿ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ (18) ﴾
( سورة الحج)
يعني إذا أحبك الله ألقى محبتك في قلوب الخلق، وإذا لم يحبك الله ألقى بغضك في قلوب الخلق، ينادى له في الكون أنا نحبه فيسمع من في الكون أمر محبنا، الحياة توفيق إلهي والتوفيق بالطاعة، من هاب الله هابه كل شيء ومن لم يهب الله أهابه الله من كل شيء، أحياناً يخاف من مستخدم عنده، أما إذا كان مع الله.
كن مع الله تـر الله معك واترك الكل وحاذر طمعك
و إذا أعطاك من يمنعه ثم من يعطي إذا ما منعـك
***
إذا أحبّ الله عبده ابتلاه:
الآن بالقرآن الكريم وردت كلمة كريم، في مدخل كريم، في رزق كريم، في قول كريم، في مقام كريم، في قرآن كريم، في رسول كريم، في كتاب كريم، في زوج كريم http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-0/653/ar-653/16.jpg
هذه الكلمات التي وردت في القرآن الكريم موصوفة بكلمة كريم، الكريم الخالص من كل شيء، حجر كريم صافٍ، الألماس، يوجد باسطنبول قطعة ألماس في المتحف ثمنها فيما علمت مئة وخمسين مليون دولار هي بحجم البيضة لو جئنا بحجم بيضة من الفحم كم ثمنها ؟ ما في قرش ثمنها والألماس أساسه فحم من شدة الضغط، يقول عليّ ضغوط، هذه معالجات إلهية لما الإنسان يخضع للمعالجة الإلهية ينتقل من فحم لألماس، إذا إنسان الله عز وجل تابعه إذا أحبّ الله عبده ابتلاه، إذا أحب الله عبده عجّل له بالعقوبة، ما دمت ضمن المتابعة فهذه نعمة كبرى، أنت في العناية المشددة والمثل الذي أردده كثيراً إنسان معه التهاب معدة حاد، الطبيب يعطيه تعليمات بمنتهى القسوة، اشرب الحليب فقط لأن هذا المرض الشفاء منه يقيني لكن يحتاج إلى حمية، أما الذي معه مرض خبيث منتشر بكل جسمه قال ماذا آكل ؟ قال كلْ ما تشاء.
النعمة الكبرى أن يكون الإنسان ضمن المعالجة الإلهية:
إذا إنسان ضمن المعالجة الإلهية معنى في أمل كبير أن يصلح، من هنا يقول الله عز وجل:
﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4) وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (6) ﴾
(سورة القصص )
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-0/653/ar-653/17.jpg
الإنسان أفضل ألف مرة أن يكون ضمن العناية المشددة وتنتهي به العناية المشددة إلى سلامة في الدنيا والآخرة من أن يعطى كما قال الله عز وجل: ﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً (44) ﴾
(سورة الأنعام )
على كل إنسان أن يعامل من حوله بقدر عالٍ جداً من الهيبة و الإكرام:
الله عز وجل يقول:
﴿ تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (78) ﴾
(سورة الرحمن )
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-0/653/ar-653/18.jpg
بقدر ما أنك تحبه تخشاه، بقدر ما تخشاه تحبه، أحياناً الإنسان يتعامل مع إنسان طيب لكن معلوماته ضعيفة جداً، شخصيته ضعيفة، وثقافته محدودة جداً، لكن طيب يقول والله أحبه، وإنسان يتعامل مع إنسان ذكي جداً لكن لئيم، يقول والله فهمان لكن لا أحبه، النموذج الرائع بقدر ما تعظمه تحبه، كمال هذه الصفة عند الواحد الديان: ﴿ تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (78) ﴾
(سورة الرحمن )
﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (27) ﴾
(سورة الرحمن )
لذلك يجب أن تعامل من حولك بقدر عال جداً من الهيبة وبقدر عال جداً من الإكرام.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
08-04-2018, 07:45 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الرابع )
الموضوع : اسم الله الرب -1-
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: (الرب):
أيها الأخوة الكرام، كما تعلمون: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-0/654/ar-654/01.jpg
(( إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ ))
[ متفق عليه عن أبي هريرة]
وفي القرآن الكريم: ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا (180) ﴾
( سورة الأعراف )
وقد ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام: أن لله أسماً أعظماً، فما اسم الله الأعظم ؟ بعضهم قال الحي القيوم، وهناك اجتهاد مقبول أن اسم الله الأعظم هو الاسم الذي يتعلق بحالك، فالمريض اسم الله الأعظم له الشافي، والفقير اسم الله الأعظم له المغني، والمظلوم اسم الله الأعظم له العدل، والمقهور اسم الله الأعظم له الناصر، وقد ورد أن الرب اسم الله الأعظم لأنه أقرب الأسماء الحسنى إلى الإنسان، لذلك قال تعالى: ﴿ لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (1) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ (2) وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ (3) ﴾
( سورة البلد )
نظام الأبوة من أكبر الآيات الدالة على عظمة الله:
الحقيقة نظام الأبوة من أكبر الآيات الدالة على عظمة الله، أن إنسان سعادته بسعادة ابنه، طمأنينته بطمأنينة ابنه، نظام الأبوية يدل على الله، إنسان يتمنى أن تسبقه، يتمنى أن تتفوق عليه، لا يسعده إلا سلامتك وسعادتك لذلك قال تعالى:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-0/654/ar-654/02.jpg
﴿ لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (1) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ (2) وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ (3) ﴾
( سورة البلد )
يعني لو تصورنا أن مؤسسة ضخمة أرادت أن تعين موظفاً، هذا الموظف يخضع للتجريب في هذه الفترة التجريبية تحصى عليه أخطاؤه، فإذا كانت بحجم غير مقبول رفض، لكن لو أن مدير المؤسسة أراد أن يكون ابنه هو الموظف، ما الذي يحصل ؟ ليس القصد هنا إحصاء الأخطاء ولكن القصد أن يربى، فعند كل خطأ يُوَجّه، يعلم، يحاسب، هذا شأن الأب.
الرب هو الأب الحاني على أولاده:
إذا قلنا الحمد لله رب العالمين، ما معنى كلمة رب بالمعنى البسيط ؟ الأولي http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-0/654/ar-654/03.jpg
البديهي أن الأب يهيئ لأسرته بيتاً، يهيئ لهذا البيت أثاثاً، يهي لهذا البيت أجهزة، يهيئ لهذا البيت طعاماً وشراباً، إن رأى ابنه مريضاً يسارع إلى معالجته ويشرف على إعطاء الدواء، وإن رأى بيد ابنه حاجةً ليست له يسأله يحقق معه قد يعاقبه، قد يؤدبه، يعني أبسط شرح لمعنى الرب هو الأب الحاني على أولاده، يهيئ المسكن والحاجات والطعام والشراب والمدرسة والغرفة الخاصة والتوجيه والتعليم والمحاسبة والتربية والعقاب أحياناً والمكافأة والتكريم.
يمكن أن نفهم معنى اسم الرب ببساطة من أب عالم، من أب رحيم، من أب يسعى لإمداد أولاده بكل ما يحتاجون، ويسعى لتربية أجسامهم، وتربية عقولهم، وتربية نفوسهم، وتربيتهم تربية اجتماعية، وتربيتهم تربية بدنية، وتربيتهم تربية جنسية، هذا الأب الحاني العالم الرحيم الذي لا يقلقه إلا مصير أولاده، لا يقلقه إلا سعادتهم، إلا إيمانهم، إلا سموهم، يمكن أن نفهم معنى هذا الاسم الذي يمكن أن يكون اسم الله الأعظم من مفهومات الأبوة والبنوة لذلك ليس عجيباً أن يأتي نظام الأبوة آية دالة على عظمة الله.
﴿ لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (1) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ (2) وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ (3) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ (4) ﴾
( سورة البلد )
الرب أقرب الأسماء الحسنى إلى الإنسان لأن الله يربينا عن طريق آياته:
هذا الاسم أيها الأخوة ورد في القرآن الكريم، قال تعالى:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-0/654/ar-654/04.jpg
﴿ سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (58) ﴾
( سورة يس )
﴿ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (15) ﴾
( سورة سبأ )
ولعل هذا الاسم هو أقرب الأسماء الحسنى إلى الإنسان، لأن الله عز وجل يربينا، يربي أجسامنا ويربي نفوسنا ويربي عقولنا، عن طريق آياته الكونية، وعن طريق آياته التكوينية وعن طريق آياته القرآنية.
من أدق معاني الربوبية أن الله أعطى كل شيء خلقه التام ثم هدى:
أيها الأخوة الكرام، الله عز وجل في آيات كثيرة أشار إلى مفهوم الربوبية قال تعالى:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-0/654/ar-654/05.jpg
﴿ قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (49) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50) ﴾
( سورة طه)
أعطاه القوام المناسب، الأجهزة المناسبة، الحواس المناسبة، النسج المناسبة، الخصائص المناسبة، أعطى كل شيء خلقه التام ثم هدى.
البعوضة من آيات الله الدالة على عظمته حيث زودها تعالى بعدة أجهزة منها:
1 – جهاز استقبال حراري:
لو أردنا أن نختار مخلوقاً من أتفه المخلوقات على الإنسان البعوضة http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-0/654/ar-654/06.jpg
البعوضة في رأسها مئة عين، وثمانية وأربعون سناً في فمها، وثلاثة قلوب في صدرها، قلب مركزي وقلب لكل جناح، لكل قلب أذينان، وبطينان، ودسامان. ﴿ قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (49) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50) ﴾
( سورة طه)
من أدق معاني الربوبية أن الله عز وجل أعطى كل شيء خلقه، هي بحاجة أن ترى الأشياء لا بألوانها، ولا بحجمها، ولا بشكلها، إنها ترى الأشياء بحرارتها، أعطى الله البعوضة جهاز استقبال حرارياً، حساسية هذا الجهاز واحد على ألف من الدرجة المئوية. ﴿ قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (49) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50) ﴾
( سورة طه)
أعطاها جهاز استقبال حرارياً أي جهاز رادار.
2 ـ جهاز تحليل للدم:
عندها جهاز تحليل للدم ما كل دم يناسبها تحلل الدم أولاً، ثم تمتصه ثانياً، وقد ينام أخوان على سرير واحد يستيقظ الأول وقد ملئ بلسع البعوض والثاني لم يصب بشيء.
3 ـ جهاز تمييع:
جهاز تمييع، لأن لزوجة دم الإنسان لا يسري بخرطومها.
4 ـ جهاز تخدير:
أعطى البعوضة جهاز تخدير لكي لا تقتل في أثناء امتصاص الدم http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-0/654/ar-654/07.jpg
تمتص الدم وتطير وتبتعد ينتهي مفعول التخدير فيشعر الإنسان بوخز في يده فيتوهم أنها على يده فيضربها وهي في سماء الغرفة تضحك عليه. ﴿ قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50) ﴾
( سورة طه)
أعطاها جهاز تحليل، أعطاها جهاز تمييع، أعطاها جهاز تخدير، أعطاها جهاز استقبال حراري، في فمها ثمانية وأربعون سناً، في رأسها مئة عين، في صدرها ثلاثة قلوب، قلب مركزي وقلب لكل جناح، الآن في خرطومها ست سكاكين، أربع سكاكين تحدث جرحاً مربعاً، وسكينان تلتئمان على شكل أنبوبين لامتصاص الدم وفي أرجلها محاجم إذا وقفت على بلور على سطح أملس على الضغط، وفي أرجلها مخالب إذا وقفت على سطح خشن. ﴿ قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (49) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50) ﴾
( سورة طه)
خلق الله عز وجل الإنسان بأحسن تقويم و يتجلى ذلك في:
قس على ذلك قال تعالى:
﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4) ﴾
( سورة التين)
1 – العين:
أعطاك عينين من أجل أن تدرك البعد الثالث، بعين واحدة ترى الطول والعرض بعينين ترى البعد الثالث http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-0/654/ar-654/08.jpg
أعطاك أذنين من أجل أن تعرف جهة الصوت، قد ينطلق بوق مركبة من على يمينك يدخل هذا الصوت إلى الأذن اليمنى قبل اليسرى بفارق واحد على ألف وستمئة وعشرين جزءاً من الثانية، يوجد بالدماغ جهاز يكشف تفاضل الصوتين فيكتشف أن البوق من الجهة اليمنى، فيعطي الدماغ أمراً بالانتقال إلى الجهة اليسرى. ﴿ قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50) ﴾
( سورة طه)
2 ـ الشعر:
لكل شعرة شريان، ووريد، وعصب، وعضلة، وغدة دهنية، وغدة صبغية، لكل شعرة. ﴿ قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (49) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50) ﴾
( سورة طه)
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-0/654/ar-654/09.jpg
في شبكية العين مئة وثلاثون مليون عصية ومخروط، مئة وثلاثون مليون بمليمتر وربع يعني بواقع مئة مليون مستقبل ضوئي في كل مليمتر مربع من أجل أن تميز بين ثمانية ملايين لون. ﴿ قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50) ﴾
( سورة طه)
3 ـ الدماغ:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-0/654/ar-654/10.jpg
جعل في ماء العين مادة مضادة للتجمد، جعل الدماغ يتألف من مئة وأربعين مليار خلية استنادية سمراء لم تعرف وظيفتها بعد. ﴿ قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50) ﴾
( سورة طه)
الحديث عن الجسم والله يستغرق سنوات وسنوات، قال تعالى: ﴿ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21) ﴾
( سورة الذاريات)
دقق في معنى الربوبية. ﴿ قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50) ﴾
( سورة طه)
4 ـ العظم:
هذا في الإنسان، الإنسان عظمه ينمو ويصل إلى الحد المناسب ويتوقف النمو، يعبر العلماء عن هذه الحالة بنوم الخلية العظمية يكسر العظم بعد سبعين سنة تستيقظ الخلية العظمية وترمم هذا الكسر. http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-0/654/ar-654/11.jpg
﴿ قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50) ﴾
( سورة طه)
لم يجعل لك في الشعر أعصاب حس وإلا أنت مضطر إلى أن تذهب إلى المستشفى وتخدر تخديراً كاملاً كي تحلق شعرك. ﴿ قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50) ﴾
( سورة طه)
عظمة الله عز وجل في خلق الجنين حيث:
1 ـ جعل الله في طحال المولود كمية حديد تكفيه سنتين إلى أن يأكل:
نحن نفهم الأشياء فهماً سطحياً، لو تعمقنا في خلقنا لرأينا عظمة الله عز وجل، معنى الرب أعطاك كل ما تملك، الطفل الصغير ليس في حليب أمه حديد، جعل الله في طحال المولود كمية حديد تكفيه سنتين إلى أن يأكل.
2 ـ تزويد الجنين بمنعكس المص:
أعطى الطفل الرضيع منعكس المص لمجرد أن يولد يلتقم ثدي أمه ويحكم الإغلاق ويسحب الهواء فيأتيه الحليب.
3 ـ تزويد الطفل عند الولادة بمادة مذيبة للشحم:
جهازه الهضمي ممتلئ بمادة شحمية عند الولادة في أول يومين لا يأتيه الحليب يأتيه مادة مذيبة للشحم. ﴿ قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50) ﴾
( سورة طه)
جهاز التوازن عند الإنسان من أكبر آيات الله الدالة على عظمته:
الحديث عن هذا الموضوع لا ينتهي، لكن ما معنى الرب ؟ أعطاك http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-0/654/ar-654/12.jpg
كل ما تستطيع، كل ما تحتاجه من أجهزة، من أدوات، من نسج، من خصائص، يعني في بالقلب شريان ليس له وظيفة واضحة جداً، وظيفته الواضحة عند انسداد بعض الشرايين يؤخذ هذا الشريان ويوضع كقطع غيار للقلب.
الحديث بخلق الإنسان لا ينتهي، لكن معنى الرب أنه أعطاك كل ما تحتاج، قال ثم هدى، هداك إلى مصالحك، أنت ماشي لكي لا تقع أودع في أذنك الوسطى جهاز توازن جهاز التوازن ثلاث قنوات فيها سائل وفي أشعار فوق السائل فأنت إذا ملت يمنة السائل يبقى مستوياً، يمس الجدار المائل، تتحسس الأشعار، تعيد وضعك لولا جهاز التوازن ما في إنسان يمشي على قدمين أبداً، والدليل لن تستطيع أن توقف الميت على قدمه، فقد التوازن، أنت بالتوازن لك أرجل لطيفة صغيرة لولا جهاز التوازن لاحتجت إلى قاعدة استناد واسعة جداً، والدليل في بعض محلات الأقمشة يضعون تمثال لامرأة انظر إلى القاعدة سبعين سنتمتر من أجل أن يبقى هذا الجسم منتصباً.
﴿ قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50) ﴾
( سورة طه)
المشيمة عند الأم:
في قرص لحمي ينزل مع الجنين في هذا القرص شيء لا يصدق تجتمع في هذا القرص دورة دم الأم مع دورة دم الجنين، ولا يختلطان، ولكل دم زمرة ومعلوم عند الأطباء أن الدم إذا جاءه دم من زمرة أخرى ينحل فوراً، لو أن دم الأم والابن اختلطا لماتت الأم والجنين فوراً، لا يختلطان، بينهما غشاء هذا الغشاء سماه الأطباء الغشاء العاقل http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-0/654/ar-654/13.jpg
يأخذ الأوكسجين من دم الأم يضعه في دم الجنين، طبعاً لما أخذ الأوكسجين قام الغشاء العاقل بدور جهاز التنفس، يأخذ المواد السكرية من دم الأم فيطرحها في دم الجنين، قام بدور جهاز الهضم، يأخذ الأنسولين من دم الأم فيطرحه في دم الجنين، قام بدور البنكرياس، صار في الجنين سكر وأوكسجين وأنسولين، يحترق السكر عن طريق الأوكسجين بوساطة الأنسولين فالجنين حرارته سبع وثلاثين، ناتج الاحتراق ثاني أكسيد الكربون يأتي الغشاء العاقل يأخذ ثاني أكسيد الكربون من دم الجنين يضعه في دم الأم، جزء من تنفس الأم ثاني أكسيد كربون الجنين، يأخذ عوامل مناعة الأم عبر الغشاء العاقل إلى دم الجنين، كل الأمراض التي أصيبت بها أمه هو محصن منها، والغشاء العاقل يختار الغذاء المناسب، البروتين، الشحوم، السكريات، الفيتامينات، المعادن، أشباه المعادن، وكأنه عالم من علماء التغذية وهذه النسب تتبدل ساعياً وينفذها، لذلك سماه الأطباء الغشاء العاقل، ولو سلم الغشاء العاقل إلى مجموعة أطباء في قمة التفوق لمات الجنين في ساعة واحدة.
الآن الطفل بحاجة إلى مادة معينة ليست في دم أمه، الأم تشتهي طعاماً فيه هذه المادة، شهوة الأم الحامل حاجة ابنها إلى بعض الأغذية.
﴿ أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ (50) ﴾
( سورة طه)
من ازداد فهماً بدقائق آيات الله في خلقه ازداد تعظيماً له:
﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ (28) ﴾
( سورة فاطر)
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-0/654/ar-654/14.jpg
كلما ازددت فهماً بدقائق آيات الله في خلقه كلما ازددت تعظيماً لله عز وجل وخشية له وخضوعاً له. ﴿ قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (49) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50) ﴾
( سورة طه)
التفكر في خلق السماوات والأرض أقرب طريق إلى الله:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-0/654/ar-654/15.jpg
أعطاه الخلق الكامل، الحوت وزنه مئة وخمسين طن، خمسين طن دهن، وخمسين طن عظم، وخمسين طن لحم، ويستخرج من الحوت تسعون برميلاً زيت سمك و يرضع وليده ثلاثمئة كغ في اليوم ثلاث مرات، طن من الحليب كل يوم.
﴿ أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ (50) ﴾
( سورة طه)
من بعوضة فيها أجهزة متنوعة إلى الحوت الأزرق الذي يزيد وزنه عن مئة وخمسين طناً. ﴿ أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50) ﴾
( سورة طه)
أنت حينما تتفكر في خلق السماوات والأرض تجد نفسك أمام عظمة الله وكأن التفكر في خلق السماوات والأرض أقرب طريق إلى الله، وأوسع باب تدخل منه على الله، ولا تنسى هذه الآية: ﴿ قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (49) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50) ﴾
( سورة طه)
المتابعة عنصر هام و أساسي من عناصر التربية:
الآن موضوع المتابعة، انظر إلى الأب الكامل العالم الرحيم الحاني، كيف أنه يتابع أولاده متى جاء ؟ متى خرج ؟ من صديقه ؟ لماذا تأخرت ؟ المتابعة، ماذا قال الله عز وجل عن هذه المتابعة:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-0/654/ar-654/16.jpg
﴿ أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ (33) ﴾
( سورة الرعد)
تصور الطبيب مرّ على مريض طلب التحليل، الضغط مرتفع يعطي توجيهاً أوقفوا الملح، يرى أن هناك فقر دم يعطي توجيهاً بإعطائه أدوية فيها حديد، دائماً الطبيب يتابع حالة المريض، وكل نقص أو زيادة أو تطرف في التحليلات في قرار يتخذه، قال تعالى: ﴿ أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ (33) ﴾
( سورة الرعد)
هذه هي التربية، مرة ثانية اسم الرب هو أقرب الأسماء الحسنى إلى الإنسان، لأن الإنسان الأب أب لكن مرة كنت في الطريق أمشي فإذا إنسان يصيح لإنسان آخر قال له إذا ماله أب ماله رب ؟ له رب الله يربينا جميعاً ونحن في العناية المشددة إن شاء الله.
تفرد الله عز وجل بالخلق و لا خالق إلا الله:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-0/654/ar-654/17.jpg
الآن يوجد معنى آخر للربوبية الله خالق كل شيء وحده، هنا معنى جديد، الله عز وجل يتفرد بالخلق ولا خالق إلا الله.
﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ (62) ﴾
( سورة الزمر)
خلق. ﴿ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (62) ﴾
( سورة الزمر)
تصرف، لذلك سيدنا هود قال: ﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾
( سورة هود )
متحدياً، الله سبحانه وتعالى يتفرد بالخلق وبالتصرف.
كمال الخلق يدل على كمال التصرف:
القاعدة الدقيقة جداً أن كمال الخلق يدل على كمال التصرف، وفي هذا الكون آيات باهرات دالة على قيوم الأرض والسماوات.
الله عز وجل له أسماؤه الحسنى وصفاته الفضلى، قال تعالى:
﴿ وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾
( سورة الأعراف الآية: 180 )
رب العالمين لا يليق ولا يقبل ولا يعقل أن تعبد غيره:
الآن من معاني الربوبية، قال تعالى:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-0/654/ar-654/18.jpg
﴿ قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (75) أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (76) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (77) ﴾
( سورة الشعراء)
من هو الله رب العالمين ؟ قال تعالى: ﴿ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (81) ﴾
( سورة الشعراء )
هذا هو الرب لذلك لا يليق ولا يقبل ولا يعقل أن تعبد غير الخالق، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾
( سورة البقرة )
﴿ وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾
( سورة الأعراف الآية: 180 )
من أبرز خصائص عقيدة المسلم معرفة أسماء الله الحسنى:
لعل اسم الرب اسم الله الأعظم، بل إن اسم الله الأعظم هو الاسم الذي أنت في أمس الحاجة إليه http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-0/654/ar-654/19.jpg
فالفقير اسم الله الأعظم له المغني، والمظلوم اسم الله الأعظم له العدل، والضعيف اسم الله الأعظم القوي، والمهزوم اسم الله الأعظم الناصر، والجاهل اسم الله الأعظم العليم، فأنت في أية حاجة تحتاج إلى أسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى، قال تعالى:
﴿ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) ﴾
( سورة الشعراء )
لذلك أيها الأخوة الرب هو الذي يربي عباده، يربي أجسامهم، ويربي نفوسهم ويهديهم إلى مصالحهم، ويهديهم إليه عن طريق الوحي، ويهديهم بالتوفيق ثم يهديهم إلى الجنة، يهديهم إلى مصالحهم بالأجهزة والخصائص التي منحوا إياها ويهديهم إليه بالوحي ويهديهم بالتوفيق، قال تعالى: ﴿ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آَمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (13) ﴾
( سورة الكهف)
ثم يهديهم إلى الجنة لذلك أيها الأخوة، معرفة أسماء الله الحسنى جزء أساسي من عقيدة المسلم بل هو من أبرز خصائص عقيدة المسلم.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
08-04-2018, 07:48 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الرابع )
الموضوع : اسم الله الرب -2-
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
من أسماء الله الحسنى: (الرب):
أيها الأخوة الكرام، اسم الرب مناسبة للحديث عن موضوعات مهمة جداً، لأن الله سبحانه وتعالى يربينا، يسوق لنا من المصائب ما يحملنا بها على التوبة، ومعنى قول الله عز وجل:
﴿ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا (118) ﴾
( سورة التوبة)
من معاني هذه الآية أنه ساق لهم من الشدائد ما يحملهم بها على التوبة.
معرفة الحدث سهلة جداً لكن تأويل الحدث يحتاج إلى إيمان:
معنى قوله تعالى:
﴿ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً (20) ﴾
(سورة لقمان)
قال علماء التفسير: النعم الظاهرة ظاهرة، الصحة، المال، الأهل، الأولاد، المأوى، العمل، السمعة، وباطنة المصائب، فهم الظاهرة سهل جداً، لكن فهم النعم الباطنة يحتاج إلى تأمل، فالإنسان يحب سلامته وسعادته، ويحب كل شيء إيجابي، لكنه بفطرته يتألم من النقص في المال والأنفس والأولاد، فلذلك يحتاج المؤمن ليفهم حقيقة النعم الباطنة ولأن الله سبحانه وتعالى رب العالمين يربينا، يربي أجسامنا ويربي نفوسنا، فكيف نفهم النعم الباطنة ؟ لابد من مثل يوضح الحقيقة، تركب أنت مركبتك في لوحة البيانات، تألق ضوء أحمر، تألق أو لم يتألق ليست هي المشكلة، تألق حتماً ورأيت تألقه رأي العين، لكن المشكلة لماذا تألق ؟ تكمن المشكلة في فهم تألقه لا في إثبات تألقه، رأيته بعينك، وهذا ينسحب على ما يجري في العالم اليوم، معرفة الحدث سهلة جداً لكن تأويل الحدث يحتاج إلى إيمان.
أكبر مصيبة أن تأتي المصيبة وأن تفهمها فهماً على خلاف ما أراد الله عز وجل:
ما يجري في العالم الآن مع التواصل الإعلامي وثورة المعلومات والأرض كانت خمس قارات أصبحت قارة واحدة، فأصبحت مدينة واحدة، فأصبحت بيتاً واحداً، فأصبحت غرفة واحدة، فأصبحت سطح مكتب، ما يجري في العالم بأي مكان في العالم تراه رأي العين بعد ثوان، إذاً في ثورة معلومات، الآن البطولة ليست في التأكد من صحة الخبر تراه بعينك، الآن البطولة في فهم الخبر، في تحليله، المؤمن يملك تحليلاً دقيقاً جداً بحسب الوحيين الكتاب والسنة.
أنت راكب مركبتك وتألق ضوء أحمر في لوحة البيانات لماذا تألق ؟ إن فهمته تألقاً تزيينياً وتابعت السير احترق المحرك، وتعطلت الرحلة، وتعطل الهدف، ودفعت مبلغاً كبيراً لإصلاح المحرك، وإن فهمت التألق تألقاً تحذيرياً أوقفت المركبة، وأضفت الزيت، وتابعت الرحلة وتحقق الهدف، كم هي المسافة بعيدة بين أن تفهم الضوء فهماً تزيينياً أو أن تفهمه فهماً تحذيرياً، لذلك قالوا من لم تحدث المصيبة في نفسه موعظة فمصيبته في نفسه أكبر. يعني أكبر مصيبة أن تأتي المصيبة وأن تفهمها فهماً على خلاف ما أرادها الله عز وجل، لذلك من الموضوعات اللصيقة باسم الرب فهم المصائب، لأنه رب العالمين، لأنه يربينا، لأنه خلقنا للآخرة، لأنه خلقنا لجنة عرضها السماوات والأرض، لأن هذه الدنيا أحقر من أن تكون مكافأة لإنسان أو عقاباً لإنسان والدليل أن هؤلاء الذين شردوا عنه شرود البعير يقول الله في حقهم:
﴿ فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً ﴾
( سورة الأنعام الآية: 44 )
سياسة الله في معاملة عباده تبدأ بـ:
1 – الهدى البياني:
و لأن من سياسة الله عز وجل في معاملة عبادة أنه يبدأ بهدايتهم عن طريق الهدى البياني توضيح وأكمل موقف لهذا الهدى البياني أن تستجيب، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ (24) ﴾
(سورة الأنفال)
فإن لم تستجب، في تأديب تربوي هذه المصائب، قال تعالى: ﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (21) ﴾
(سورة السجدة)
تماماً كالطبيب حينما يخير المريض الذي أصيب بالتهاب معدة حاد، بالحمية الصارمة تشفى فإن لم تتبع هذه الحمية الصارمة لا بد من عمل جراحي، والإنسان حينما يستجيب لله وللرسول إذا دعاه الله لما يحيه تزول عنه احتمالات المصائب، الدليل: ﴿ مَّا يَفْعَلُ اللّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ ﴾
( سورة النساء الآية: 174 )
الإنسان حينما يحقق وجوده تنتهي المعالجات.
2 ـ التأديب التربوي:
أما إذا لم يستجب الآن يخضعه الله لمرحلة أقصى يخضعه الله للتأديب التربوي، لذلك: ﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (21) ﴾
( سورة السجدة)
3 ـ الإكرام الاستدراجي:
فإن لم يستجب في حالة ثالثة قلما ينجو منها الإنسان: ﴿ فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً ﴾
( سورة الأنعام الآية: 44 )
هذا الإكرام الاستدراجي.
4 ـ القصم:
فإن لم يستجب كان القصم.
الهدى البياني الموقف الكامل الاستجابة، التأديب التربوي الموقف الكامل التوبة، الإكرام الاستدراجي الموقف الكامل الشكر، فإن لم يستجب كان القصم، قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44) ﴾
( سورة الأنعام الآية: 44 )
لذلك أفضل ألف مرة أن تكون خاضعاً للتأديب الإلهي من أن تكون خارج التأديب الإلهي، إن كنت خاضعاً للتأديب الإلهي فهناك خير كبير ينتظرك، إذا أحب الله عبده ابتلاه فإن صبر اجتباه وإن شكر اقتناه.
المصائب التي يسوقها الله للإنسان هي:
1 – مصائب المؤمنين مصائب دفع ورفع:
أيها الأخوة الكرام، فهم المصائب يحتاج إلى إيمان، لذلك قالوا مصائب المؤمنين مصائب دفع ورفع، الله عز وجل يدفعنا إلى بابه، يسوق لنا من الشدائد ما يدفعنا إلى بابه:
﴿ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا (118) ﴾
( سورة التوبة)
أي ساق لهم من الشدائد، في آية: ﴿ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (160) ﴾
( سورة البقرة)
إذا جاءت توبة الله بعد توبة العبد فهي قبول التوبة، وإذا جاءت توبة الله قبل توبة العبد فهي سبب التوبة، لذلك حينما تفهم على الله حكمته تكون قد قطعت أربعة أخماس الطريق إلى الله، حينما تفهم حكمة المصائب، و في بعض الآثار:
(( ما من عثرة، ولا اختلاج عرق، ولا خدش عود إلا بما قدمت أيديكم، وما يغفر الله أكثر ))
[ أخرجه ابن عساكر عن البراء ]
الله عز وجل غني عن تعذيب عباده لكنه يسوق لنا بعض الشدائد ليرفع مقامنا:
الله عز وجل عني عن تعذيبنا، غني عن أن يسوق لنا الشدائد لكن النبي عليه الصلاة والسلام قال:
(( عَجِبَ رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ مِنْ قَوْمٍ يُقَادُونَ إِلَى الْجَنَّةِ فِي السَّلَاسِلِ ))
[ البخاري وأبو داود، واللفظ لأبي داود عن أبي هريرة ]
وأنا أؤكد لكم أنك إذا دخلت إلى مسجد ورأيت فيه جمعاً غفيراً فاعتقد جازماً أن عدداً كبيراً من هؤلاء كان إقباله على الله عز وجل عقب معالجة حكيمة، ومعنى مصيبة أن الله عز وجل خبير بهذا الإنسان يعرف نقطة ضعفه، الذي عنده مال وفير لا يتأثر بفقد المال قد تخدش كرامته، والذي يحتاج أشد الحاجة إلى المال قد يكون نقص المال أحد وسائل تأديبه، فينبغي أن تفهم على الله حكمته وأنك إذا فهمت على الله قطعت أربعة أخماس الطريق على الله.
لذلك مصائب المؤمنين مصائب دفع ورفع، أحياناً لك عند الله مرتبة عملك لا يكفي كي تنالها، لا بد من أن يسوق الله لك من بعض الشدائد حتى يرفع مقامك عنده، إذاً للمؤمنين الآية الكريمة: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157) ﴾
( سورة البقرة)
مصائب المؤمنين مصائب دفع ورفع، دفع إلى باب الله ؛ ورفع لمقام المؤمن عند الله.
2 ـ مصائب الذين شردوا عن الله مصائب ردع أو قصم
لكن مصائب الذين شردوا عنه مصائب ردع أو قصم، هؤلاء زمرة أخرى.
3 ـ مصائب الأنبياء مصائب كشف:
أما الأنبياء مصائبهم مصائب كشف، في كمالات بأنفسهم لا يمكن أن تظهر إلا عن طريق الشدائد، كما أن النبي عليه الصلاة والسلام مشى على قدميه إلى الطائف ثمانين كيلو متراً ليدعوهم إلى الله فبالغوا بتكذيبه، وبالسخرية منه، وأغروا صبيانهم أن ينالوا منه، حتى سال الدم من قدميه الشريفتين، وحتى ألجؤوه إلى حائط وهنا قال:
(( رب، إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، ولك العتبى حتى ترضى، لكن عافيتك أوسع لي ))
[ الطبراني عن عبد الله بن جعفر بسند فيه ضعف ]
و مكنه الله من أن ينتقم، جاءه ملك الجبال، و قال له:
(( إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمْ الْأَخْشَبَيْنِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا ))
[ متفق عليه عن عائشة]
مصائب الأنبياء مصائب كشف، مصائب الذين شردوا عن الله مصائب ردع أو قصم، مصائب المؤمنين مصائب دفع أو رفع.
مرة ثانية:
﴿ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً (20) ﴾
( سورة لقمان)
النعم الظاهرة ظاهرة وفهمها سهل، لكن النعم الباطنة تحتاج إلى تأمل، وتحتاج إلى إيمان كي تفهمها.
ما يسوقه الله عز وجل لعبده المؤمن من مصائب هو بالحقيقة رسالة عليه أن يفهمها:
الشيء الآخر أيها الأخوة الكرام، آية دقيقة جداً يقول الله عز وجل:
﴿ وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (47) ﴾
( سورة القصص )
في الآية الكريمة المصيبة رسالة، والآن في السياسة المعاصرة في رسائل غير كتابية وغير شفهية، يصير عرضاً عسكرياً، يقال هذا العرض العسكري رسالة إلى دول الجوار أحياناً، الآن بالسياسة المعاصرة يوجد رسائل كثيرة جداً (عمل معين) سحب سفير فرضاً يسموه رسالة، الآن يجب أن نفهم فهماً عميقاً أن ما يسوقه الله عز وجل لعبده المؤمن من مصائب هو بالحقيقة رسالة والدليل هذه الآية: ﴿ وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (47) ﴾
( سورة القصص )
العاقل من عرف حكمة المصيبة التي ساقها الله له:
يوجد آية أخرى:
﴿ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى (134) ﴾
( سورة طه )
هذه الآية دقيقة جداً إنها تعني أن كل شيء وقع أراده الله وكل شيء أراده الله وقع، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، و الحكمة المطلقة متعلقة بالخير المطلق.
هذه الآية تبين أنه: " من لم تحدث المصيبة في نفسه موعظة فمصيبته في نفسه أكبر "، أوضح هذه المسألة بمثل: لو أن طالباً في الصف الرابع الابتدائي قال لأبيه مرة: أريد أن أترك المدرسة (والمثل تركيبي) فالأب ببساطة ما بعدها بساطة قال لابنه: كما تريد يا بني، في اليوم الثاني لا يوجد مدرسة، لا يوجد وظائف، لا يوجد أستاذ، لا يوجد شدة، لا يوجد قسوة، لا يوجد تكليف، لا يوجد رسالة للأب تعال ابحث معنا مشكلة ابنك، شعر أنه أفضل من أي طفل آخر في الأرض، نشأ على العطالة والبطالة، وارتياد الملاهي، ودور السينما، وصحبة الأراذل، فلما كبر لا عمل ولا وظيفة ولا شهادة ولا زوجة ولا بيت فحقد على والده، قال له مرة يا أبتِ، لمّا قلت لك: لا أريد أن أدرس لمَ لمْ تضربني، لما لم تسق لي بعض الشدة، لذلك يوم القيامة حينما يكشف الله عز وجل لنا سر هذا القضاء والقدر الذي ساقه لنا ليحملنا على طاعته، والإقبال عليه، والنجاة من النار، لذابت نفوسنا محبة له.
لذلك العبرة أن تعرف حكمة المصيبة ومرة ثالثة:" من لم تحدث المصيبة في نفسه موعظة فمصيبته في نفسه أكبر ".
المصيبة ليست عشوائية إنما من جنس العمل:
الآن:
﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا (22) ﴾
( سورة الحديد )
لك عند الله كتاب أعمال، إنسان اختلس مالاً حراماً أحياناً تأتي المصيبة بتدمير هذا المال، إنسان استعلى في الأرض أحياناً يأتيه عذاب مهين، هذه المصيبة لم تكن عشوائية الدليل: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115) ﴾
( سورة المؤمنون )
مستحيل أن تُخلَقوا عبثاً، قال تعالى: ﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (36) ﴾
( سورة القيامة)
أحياناً تكف يد موظف بقرار سبقه همسات، وسبقه وشايات، وسبقه تقارير، ولجنة تحقيق، وسبقه دراسة معمقة، وسبقه اجتماع الكبراء لتقرير مصير هذا الموظف، وتمت التحقيقات، والأدلة كافية وقطعية، والموقف موضوعي وعادل، تكتب مسودة قرار، يوقع المدير على المسودة والمجلس يوقع عليها أيضاً، تطبع على الآلة الكاتبة يوقعها المدير نسخة إلى كذا، إلى كذا، آخر شيء يبلغ هذا القرار، هذا القرار لم يكن مرتجلاً سبقته دراسة طويلة جداً.
بطولة الإنسان أن يحسن فهم المصيبة لأنه إذا أحسن فهمها استفاد منها:
كل شيء يصيب الإنسان في حكمة ما بعدها حكمة، فبطولة الإنسان أن يحسن فهم المصيبة لأنه إذا أحسن فهمها استفاد منها، وإن لم يحسن فهمها لم ينتفع بها، لذلك يقول: الدهر يومان: يوم لك ويوم عليك. هذا فهم غير صحيح للمصيبة، تحدث مشكلات في بعض البلاد الله عز وجل قال:
﴿ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ (65) ﴾
(سورة الأنعام:65)
﴿ وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ ﴾
( سورة النحل )
بطولة المؤمن أن يعتمد التفسير القرآني في تفسير المصائب:
البطولة أن تملك التفسير القرآني لما يجري، الآن في تحليلات لا تنتهي، ودراسات للأحداث، وتأملات، وتطورات، وطروحات ما أكثرها، بطولتك كمؤمن أن تعتمد التفسير القرآني:
﴿ وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ ﴾
( سورة النحل )
بالمناسبة أيها الأخوة، الآيات القرآنية المتعلقة بالمصائب لفظاً ومعنىً تقترب من مئة آية، في القرآن الكريم، في كتاب الله، في وحي السماء، ينبغي أن نفهم على الله حكمته من الشدة، وأحياناً الشدة سبب النجاة وفي بعض الحكم: " ربما أعطاك فمنعك وربما منعك فأعطاك "، وإذا فهمت الحكمة في المنع عاد المنع عين العطاء، فبطولة المؤمن أن يفهم حكمة المصائب عندئذ بدل أن يحقد، بدل أن يتألم، بدل أن يسحق، بدل أن يصاب بالإحباط، يستبشر ويتفاءل ويتحرك.
الله عز وجل غنيّ عن تعذيب عباده:
الآية التي بعدها:
﴿ أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ (165) ﴾
( سورة آل عمران)
اعتقد يقيناً أن الله غني عن تعذيبنا، وما يفعل هذا الإله العظيم، الرب الكريم، خالق السماوات والأرض، بعبد ضعيف ؟ ما يفعل بهذه المصيبة التي يسوقها إليه ؟ حتى إنه ورد في بعض أحداث السيرة:
(( رَأَى رَجُلًا يُهَادَى بَيْنَ ابْنَيْنِ لَهُ، فَقَالَ: مَا هَذَا ؟ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَذَرَ أَنْ يَحُجَّ مَاشِيًا، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ تَعْذِيبِهِ نَفْسَهُ فَلْيَرْكَب ))
[ أحمد عن أنس ]
الله غني عن تعذيبنا، لذلك هناك حقيقة بالإسلام خطيرة جداً، لا يمكن أن تكون المشقة مطلوبة لذاتها إطلاقاً.
صباحاً في أيام الشتاء القارس يوجد صنبور ماء بارد لا يحتمل، وصنبور ماء دافئ، تقول: أنا أريد أن أتوضأ بالماء البارد حتى يكبر أجري، ما لك أجر، لأن المشقة في الإسلام ليست مطلوبة لذاتها توضأ بالماء الدافئ.
تقول أنا سأسافر إلى الحج ماشياً حتى يتضاعف الأجر، ما لك أجر، لما كان الحج طريقه الوحيد هو المشي أو ركوب الجمل لك أجر كبير.
أثناء الطواف يوجد ازدحام كبير لك أجر كبير، أما حينما تبتغى المشقة لذاتها هذا فهم خاطئ في الإسلام: (( إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ تَعْذِيبِهِ نَفْسَهُ فَلْيَرْكَب ))
[ أحمد عن أنس ]
آيات التوحيد:
الآن:
﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ (11) ﴾
ومن يؤمن بالله، الذي يؤمن بأن الله في يده كل شيء. ﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ ﴾
( سورة الزخرف )
وأن الله عز وجل: ﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ (123) ﴾
( سورة هود)
﴿ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (56) ﴾
( سورة هود)
وأنه: ﴿ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (26) ﴾
( سورة الكهف)
هذه آيات التوحيد، ومن يؤمن أن الله فعال، في الأرض إله وفي السماء إله، والأمر كله بيده، قال تعالى: ﴿ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا (59) ﴾
( سورة الأنعام)
من آمن بالله يكتشف الحكمة من وراء المصيبة التي أصابته:
أنت حينما تؤمن بالله إيماناً دقيقاً تكتشف أن هذه المصيبة وراءها حكمة بالغة.
﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ (11) ﴾
( سورة التغابن)
إلى حكمتها.
أحياناً تأتي المصيبة من جنس المعصية، كمثل إنسان عليه زكاة مال، أحد عشر ألفاً وخمسمئة وعشرين ليرة بالضبط، ضغطت عليه زوجته ضغطاً لا يحتمل ليصلح البيت بهذا المبلغ فاستجاب لها، مركبته أصابها حادث، بعد أن أصلحها الفاتورة بالضبط أحد عشر ألفاً وخمسمئة وعشرين ليرة، توافق الرقمين رسالة من الله عز وجل، إذاً هذا إعلام من الله عز وجل.
بالمناسبة لا يمكن لمربي أن يعاقب دون أن يبين. ﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا (22) ﴾
( سورة الحديد )
إلى حكمتها.
لكل مصيبة حكمة فإذا فهم الإنسان الحكمة عاد المنع عين العطاء:
أنت اسأل الله عز وجل: يا رب ما حكمة هذه المصيبة ؟ لكل مصيبة حكمة ابحث عنها، أما أن تقبل هذا الأمر من دون فهم أو بفهم ساذج يقول: قلب لي القدر ظهر المجن. فهذا كلام مضحك لا معنى إطلاقاً، الأيام يومان: يوم لك ويوم عليك، هكذا شأن الحياة، حينما تفهم المصيبة فهماً وثنياً، فهماً بعيداً عن فهم الإيمان، فأنت واقع في خطأ كبير، يجب أن تفهم أن الله سبحانه وتعالى غني عن تعذيب عباده، فإذا ساق لهم بعض الشدائد لحكمة بالغة، وينبغي أن نفهم أيضاً أن تقنين الله ـ إن صحّ التعبير ـ لا يمكن أن يكون تقنين عجز، لا بد من أن يكون تقنين تأديب، حتى في الأمطار، قال تعالى:
﴿ وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا ﴾
( سورة الجن )
﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ ﴾
( سورة الأعراف الآية: 96 )
آيات كثيرة، فمن ألصق الموضوعات لاسم (الرب) المصائب التي يسوقها الله لعباده، و المؤمن في ضوء القرآن الكريم، وفي ضوء النور الذي ألقي في قلبه يفهم حكمة الله من المصائب، فإذا فهم الحكمة عاد المنع عين العطاء.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
08-04-2018, 07:51 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الخامس )
الموضوع : اسم الله المولى -1-
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى ( المولى ):
أيها الإخوة الكرام، مع اسم من أسماء الله الحسنى، ومع اسم ( المولى ).
اسم ( المولى ) ورد مطلقاً ومضافاً
هذا الاسم ورد في القرآن الكريم، ورد مطلقاً وورد مضافاً، فالله عز وجل يقول:
﴿ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (40) ﴾
( سورة الأنفال )
وفي آية ثانية: ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (78) ﴾
( سورة الحج )
ورد مضافاً: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (11) ﴾
( سورة محمد )
وقوله تعالى: ﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (51) ﴾
( سورة التوبة)
الحاجة إلى التدين:
أيها الإخوة الكرام، أريدَ بهذا الاسم العلمية، وأريدَ به الدلالة على كمال الوصفية، وهذا الاسم ينقلنا إلى موضوع دقيق، وهو الحاجة إلى التدين.
الحاجة إلى التدين حاجة في أصل فطرة الإنسان، لماذا ؟ لأن الإنسان خلق ضعيفاً، هكذا خلقه الله عز وجل.
نقاط مهمة في خلق الإنسان:
1 – الضعف:
ضعفُ الإنسان لصالحه:
وهذه نقطة ضعف في أصل خلقه، ولكنها لصالحه تماماً ؛ كهذه الوصلة الضعيفة في الآلات الغالية جداً، لو جاء تيار كبير لساحت، وانقطع التيار، وسلم الجهاز، فطبيعة ضعف الإنسان لصالحه، لأن الإنسان خلق ضعيفاً، ولو خلق قوياً لاستغنى بقوته، فشقي باستغنائه، خلق ضعيفاً ليفتقر في ضعفه، فيسعد بافتقاره، قال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ (15) ﴾
( سورة فاطر)
الإنسان بكامل قوته، وبكامل جبروته أحياناً، وبكامل طغيانه قطرة دم لا ترى بالعين تتجمد في بعض أوعيته أو في دماغه فيصاب بالشلل، وفي مكان آخر يصاب بالعمى، وفي مكان ثالث يصاب بفقد الذاكرة، فالإنسان ضعيف، وقد خُلِق ضعيفاً ليفتقر بضعفه، فيسعد بافتقاره، ولو خلق قوياً لاستغنى بقوته، فشقي باستغنائه، لذلك أحياناً يغتني الإنسان أو يقوى فينسى ربه، قال تعالى: ﴿ كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى (7) ﴾
( سورة العلق )
مع أنه ضعيف، ومع أنّ أي خلل في جسمه يجعل حياته جحيماً، أحياناً قد يقوى بماله أو بمنصبه أو بعلمه المادي فيطغى، لذلك: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (20) ثُمَّ نَظَرَ (21) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (22) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (23) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (24) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (25) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (26) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (27) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (28)﴾
(سورة المدثر)
إذاً: من فضل الله علينا، ومن نعمته العظمى أننا ضعاف، ومع الضعف الافتقار إلى الله، ومع الافتقار إلى الله سعادة وأيّ سعادة، قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُم أَذِلَّةٌ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 123 )
أما في حُنين: ﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْض بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ ﴾
( سورة التوبة )
أيها الإخوة الكرام، الآية: ﴿ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (28) ﴾
( سورة النساء )
هكذا خلق، وهذا الضعف في أصل خلقه لصالحه.
أذكركم مرة ثانية، الضعف في الإنسان تماماً كالقطعة تسمى بالمصطلح الأجنبي الفيوز، قطعة في آلة غالية جداً، عظيمة النفع، معقدة التركيب، هذه القطعة الضعيفة إذا جاء تيار قوي من شأنه أن يحرق الآلة تسيح هذه الوصلة الضعيفة، فيسلم الجهاز، وكذلك الإنسان، هذا أول بند في نقاط ضعف الإنسان.
2 – العَجَل:
نقطة ثانية:
﴿ وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا (11) ﴾
(سورة الإسراء)
معنى الجزع:
يريد الشيء السريع، يريد المتعة الآنية، لذلك يعيش معظمُ الناس لحظتهم، يستمتعون، وينسون آخرتهم، ينسون مغادرة الدنيا، فلذلك البطولة لا أن تعيش الماضي، أو أن تتغنى بالماضي، ولا أن تعيش الحاضر، لكن البطولة والعقل والذكاء أن تعيش المستقبل، ماذا في المستقبل ؟ في المستقبل مغادرة الدنيا، وأخطر حدث في حياة الإنسان المغادرة، وما من إنسان أشد عقلاً مِن هذا الذي يعد لهذه الساعة التي لا بد منها، الإنسان عجول، يحب البيت الواسع، والمركبة الفارهة، والزوجة الجميلة، ولو أضر هذا بآخرته.
﴿ وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا (11) ﴾
(سورة الإسراء)
لذلك حينما يختار الإنسان هدفاً بعد الموت يرقى عند الله، لأنه عاكس طبعه، ومعظم الناس يبحثون عن متع آنية، وعن مكاسب وقتية، يعيشون لحظتهم، ولا يعيشون مستقبلهم والكيّس العاقل من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني.
إذاً: البطولة أن تعيش المستقبل، وأخطر حدث في المستقبل مغادرة الدنيا.
3 – الهلع:
نقطة ضعف ثالثة في حياة الإنسان، قال تعالى:
﴿ إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا ﴾
( سورة المعارج )
هكذا خلق.
معنى الهلع:
معنى ( هلوعًا ) جاء شرحه بعد قليل:
﴿ إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا ﴾
( سورة المعارج )
إذا شعر الإنسان أن فيه ورما بسيطا إلى أن يتأكد ما إذا كان ورماً حميداً أم خبيثاً لا ينام الليل، هذا شأن أيّ إنسان، إن شعر أن في قلبه خللا، والحياة منوطة بالقلب، لذلك لا ينام الليل.
طبيعة الإنسان أنه خلق هلوعا، إذا مسه الشر كان جزوعا، ولولا أنه هلوع لما تاب تائب إلى الله، ولولا أنه هلوع لما اقتيد الإنسان إلى باب الله عز وجل، ولولا أنه هلوع لما اصطلح مع الله، لأنه هلوع فالله عز وجل جعله بهذه الصفة لتسهل توبته، وتسهل عودته إلى الله، وليصطلح مع الله.
(( إذا رجع العبد إلى الله نادى منادٍ في السماوات والأرض أن هنئوا فلان فقد اصطلح مع الله ))
[ ورد في الأثر ]
أيها الإخوة الكرام، ﴿ إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا ﴾
( سورة المعارج )
الهلوع: ﴿ إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا ﴾
( سورة المعارج )
ثلاث نقاط ضعف هي موضع قوة الإنسان:
الإنسان حريص على سلامته وعلى رزقه، فأيُّ شبح مصيبة لاحَ له في الأفق يهدد سلامته، أو يهدد رزقه انخلع قلبه له، إذاً: الله عز وجل يسوقه إلى بابه، يسوقه إلى التوبة، يحمله على التوبة، يقوده إلى الصلح مع الله عز وجل، فهذه نقاط ثلاث لصالح الإنسان، أن الإنسان عجول وضعيف وهلوع.
﴿ إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا ﴾
( سورة المعارج )
فهو حريص على ما في يديه، لماذا ؟ لأن هذا الحرص يرفع مقامه عند الله إذا أنفقه، أنت حريص على المال، فإذا أنفقته ترقى عند الله، مع أن المال محبَّب، قال تعالى:
﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ (14) ﴾
( سورة آل عمران)
لأن هذه الأشياء محببة إلينا فبإنفاقها يرقى الإنسان، إذاً: هذه نقاط أساسية في أصل خلق الإنسان لصالحه، هذه النقاط الثلاث نقاط الضعف في أصل خلقه هي سبب كبير في حاجته إلى التدين، وأيّ إنسان بحاجة إلى التدين، حتى الذي يعتقد اعتقادات خاطئة، حتى الذي يعبد الحجر والشمس والقمر، ويعبد أشياء من دون الله، الدافع الأساسي للتدين أنه ضعيف، خلق الإنسان ضعيفا، فالبطولة وأنت بحاجة ماسة إلى التدين أن تعبد الإله الحقيقي، أن تعبد خالق السماوات والأرض، أما الذين عبدوا من دونه وثناً وشمساً وقمراً وحجراً هم يبحثون عن شيء يطمئنهم، هم ضعاف، حتى الإنسان غير المؤمن في منصب رفيع في العالم الغربي يلجأ إلى فلكي ليرسم له مستقبله، الإنسان ضعيف، وهذه نعمة كبرى لصالح المؤمن.
الإنسان محتاجٌ إلى مولى:
أيها الإخوة الكرام، دققوا في قوله تعالى:
﴿ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (40) ﴾
( سورة الأنفال)
أنت بحاجة إلى مولى، بحاجة إلى مرجع، بحاجة إلى مربٍّ، بحاجة إلى سند، بحاجة إلى من يدعمك، بحاجة إلى من تتوكل عليه، بحاجة إلى من يطمئنك، بحاجة إلى جهة قوية تحتمي بها من شرور أعدائك، هذا شيء طبيعي جداً في الإنسان، إلا أن المؤمن وصل إلى الإله الحقيقي، وصل إلى خالق السماوات والأرض، وصل إلى مَن بيده كل شيء، وصل إلى من بيده مصائر الخلائق، والله عز وجل ما أمرك أن تعبده إلا بعد أن طمأنك: ﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ (123) ﴾
( سورة هود)
متى أمرك أن تعبده ؟ بعد أن طمأنك، فلابد أن تعتقد أن الله هو المعطي وحده، وهو المانع، وهو الخافض، وهو الرافع، وهو المعز، وهو المذل، وهو الناصر، وهو المغني، وهو الرازق، هذا التوحيد، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، التوحيد ألا ترى مع الله أحداً، التوحيد أن ترى يد الله تعمل وحدها، التوحيد أن تتجه إلى الله، فلذلك التوحيد يقود إلى طاعة الله عز وجل، وهو نعم المولى، هو عليم، لا تحتاج مع الله إلى إيصال، ولا إلى حلف يمين، هو يعلم، وبعضهم قال: الحمد لله على وجود الله، هو يعلم هو معك، أعداءك بيده، أقرب الناس إليك بيده، فإذا أحبك الله سخر لك أعداءك ليخدموك، وإذا تخلى الله عنك ـ لا سمح ولا قدر ـ يتطاول عليك أقرب الناس إليك، فهذه كلمة دقيقة جداً: ليس إلا الله، وهذا معنى: لا إله إلا الله.
وكما بينت في لقاءات سابقة أنه لا ينبغي أن تقول: الله ضار، الله ضار نافع، يضر لينفع، ومانع معطٍ، يمنع ليعطي، وخافض رافع، يخفض ليرفه، ومذل معز، يذل ليعز، إذاً: أسماء الله تعالى كلها حسنى، والذي يبدو لك من شدة و جبروت هي لصالح المؤمن: ﴿ فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (147) ﴾
( سورة الأنعام)
مثلٌ للتوضيح: تصور ابنا له أب محترم جداً، عالم أخلاقي، وضعه المادي جيد جداً، وهذا الأب حريص على ابنه حرصاً لا حدود له، هيأ له غرفة خاصة، تابع تربيته الأخلاقية، تربيته الإيمانية، تربيته الدينية، تربيته العلمية، تربيته الاجتماعية، تربيته النفسية، تربيته الجسمية، تربيته الجنسية، تابعه ووضعه في أفضل المدارس، هيأ له أفضل المدرسين، اهتم بصحته، اهتم بعاداته، وتصور ابنا ماله أب، وأمه مشغولة عنه بالأسواق، وهو في الأزقة ومداخل البنايات، من مخفر إلى مخفر، من مكان إلى مكان، عنده تُهَمٌ كثيرة جداً، تُهَمٌ أخلاقية، و تُهَمٌ مالية، وعنده سرقات، وله إضبارة واسعة، وازن بين هاذين الشابين، شاب بأعلى درجات الانضباط والكمال، وشاب بأسوأ درجات التفلت والانحلال. ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ
اسمعوا الآية:
﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (11) ﴾
( سورة محمد)
لك مرجع، لك كتاب تقرأه، هذا حرام، هذا حلاب، لك إله تدعوه في الليل، لك إله عظيم تسأله فيجيبك، تستغفره فيغفر لك، تتوب إليه فيتوب عليك، لك مرجع، في حياتك منظومة قيم، هناك شيء حلال وشيء حرام، شيء ممكن وشيء غير ممكن، شيء مباح وشيء مكروه، شيء واجب وشيء مستحسن، أنت تعيش بمنظومة قيم، وهذا من فضل الله علينا. ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (11) ﴾
( سورة محمد)
يصعد صعوداً حاداً، ويسقط سقوطاً مريعاً، يأتيه المال من كل جهة فينفقه بلا وعي، مع الكبر والغطرسة، فيسحقه الله عز وجل، ويدمر ماله، الفرق كبير جداً. ﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (18) ﴾
( سورة السجدة)
﴿ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (36) ﴾
( سورة القلم )
﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (61) ﴾
( سورة القصص )
نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ
أيها الإخوة، من نعم الله الكبرى أن يكون الله عز وجل وليك، قال تعالى:
﴿ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (40) ﴾
( سورة الأنفال)
آية واحدة تملأ قلبك طمأنينة: ﴿ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ﴾
( سورة البقرة الآية: 216 )
إذا فتح الله عليك باب الحكمة في المنع عاد المنع عين العطاء، فربما أعطاك فمنعك، وربما منعك فأعطاك فعَنْ صُهَيْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ ؛ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ ))
[ أخرجه مسلم]
لذلك أيها الإخوة، قال تعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (11) ﴾
( سورة محمد )
الله عز وجل يتولى أمرنا، وقد تضيق علينا الدنيا، وأحيانا تشح السماء، فيقيم المسلمون صلاة الاستسقاء، ويلجؤون إلى الله، أحياناً يأتي شبح مرض، هذا المرض سبب توبة نصوح، أحياناً يأتي شبح فقر، هذا الفقر يسوقنا إلى باب الله، بطولتك أن تفهم حكمة الله في المصائب، البطولة أن ترى حكمة الله في أفعاله، لأن الله عز وجل حكيم.
كل شيء وقع أراده الله، وكل شيء أراده الله وقع، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، وحكمته المطلقة متعلقة بالخير المطلق.
نعم المولى، فهو عليم، حكيم، قدير، وقعت في ورطة ـ لا سمح الله ولا قدر ـ إن دعوته أولاً فهو موجود، ثانياً يسمعك، ثالثاً قادر على أن يلبيك، رابعاً يحبك، فهو موجود وسميع، وقدير ورحيم.
تولِّي الله حفظ ونصرَ أنبيائه:
1 – موسى عليه السلام:
لذلك قال تعالى:
﴿ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ﴾
( سورة الشعراء )
فرعون من ورائهم، والبحر من أمامهم. ﴿ قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾
( سورة الشعراء )
2 – يونس عليه السلام:
سيدنا يونس كان في بطن الحوت:
﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88) ﴾
( سورة الأنبياء الآية: 88 )
قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا
شيء آخر:
﴿ قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا ﴾
( سورة التوبة الآية: 15 )
أنت حينما تطيع الله عز وجل وحينما تعبده دقق ينشأ لك حقاً عليه ألا يعذبك، لذلك:
﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾
( سورة المائدة: 18 )
لو أن الله قبِل دعواهم لما عذبهم، لأن الله لا يعذب أحبابه.
هذا ما يتمتّع به المؤمن الذي تولاّه الله:
1 – الأمن:
المؤمن يتمتع بأمن لا يتمتع به أحد على الإطلاق، والدليل:
﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81) الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82) ﴾
( سورة الأنعام )
لو أن الآية: أولئك الأمن لهم، أي لهم ولغيرهم، هذه البلاغة عبارة قصر وحصر. ﴿ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82) ﴾
( سورة الأنعام )
2 – الحكمة:
يتمتع المؤمن بالحكمة:
﴿ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا (269) ﴾
( سورة البقرة)
3 – الرضى:
يتمتع المؤمن بالرضى، فلذلك حينما يسوق الله الإنسانَ إلى بابه عن طريق مصيبة، أو شبح مصيبة، أو ضيق، أو عدو جاثم على صدره، أو شبح فقر، أو شبح مشكلة، فهذه في الفهم الإيماني نعمة باطنة:
﴿ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ﴾
( سورة لقمان: 20)
إذا كنت ضمن العناية المشددة فأنت في نعمة كبرى:
وأقول لكم هذه الكلمة: حينما يتابعك الله عز وجل، وحينما يخضعك لتربيته فأنت في خير عميم، وأنت في نعمة كبرى، إذا كنت ضمن العناية المشددة فأنت في نعمة كبرى، لكن المصيبة الكبيرة أن يتابع الله نعمه عليك، وأنت تعصيه، المصيبة الكبيرة أن تكون خارج العناية الإلهية:
﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آَمَنُوا (11) ﴾
( سورة محمد )
أحياناً يشدد عليهم أحياناً يضيق عليهم أحياناً يسلط عليهم عدوهم. ﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِف طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ﴾
( سورة القصص )
الآن دققوا: ﴿ وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ﴾
( سورة القصص )
لذلك إذا كنت ضمن العناية المشددة فالله يتولى أمرك، وإذا تولى الله أمرك فأنت في نعمة كبرى، في متابعة من ضمن الله عز وجل.
إذا أخطأت جاء العقاب، أو أسرفت في الإنفاق جاء التقتير، أو استعليت على إنسان جاء التأديب الذي من نوع هذه المعصية فصار تحجيما، كإنسان تطاول عليك، لأن الإنسان حينما يتطاول على غيره الله يؤدبه من جنس الذنب.
الخاتمة:
الخلاصة: مادمت خاضعاً للعناية الإلهية فأنت في نعمة كبرى، لأن الله مولاك، نعم المولى ونعم النصير، هو مولانا، وعلى الله فليتوكل المتوكلون.
﴿ اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ ﴾
( سورة البقرة الآية: 257 )
فيا أيها الإخوة الكرام، هذا الاسم ( المولى ) من أقرب الأسماء للإنسان، ولي أمرك، يتولى شؤونك، ينعم عليك، يقتر عليك، يرفعك، يخفضك، يملأ قلبك طمأنينة، أو يملأ قلبك خوفاً، يتولى أمر جسمك، وأمر نفسك، وأمر مستقبلك، وأمر إيمانك، وأمر عقيدتك، وأمر علاقاتك، هذا التولي نعم المولى ونعم النصير.
هذا الاسم أيها الإخوة الكرام، مرة ثانية، من أقرب الأسماء للإنسان، ولأن الإنسان عنده نقاط ضعف ثلاث ؛ خلق هلوعا، وكان عجولا، وخلق ضعيفاً، نقاط الضعف تستوجب أن يكون له سند قوي يلجأ إليه، يحتمي به، يستعيذ به، يتوكل عليه، يعتمد عليه، وهذا هو التوحيد، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
08-04-2018, 07:52 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( السادس )
الموضوع : اسم الله المولى -2-
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. مع اسم الله ( المولى ):
أيها الإخوة الكرام، لازلنا مع الاسم العظيم من أسماء الله الحسنى ( المولى )، أيْ أن الله عز وجل يتولى عباده المؤمنين، يتولاهم بالرعاية، يتولاهم بالتربية، يتولاهم بالمعالجة.
﴿ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ (257) ﴾
( سورة البقرة )
﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (11) ﴾
( سورة محمد )
المعية العامة والمعية الخاصة:
لذلك أيها الإخوة الكرام، فرّق العلماء بين معية الله العامة ومعيته الخاصة، فإذا قال الله عز وجل:
﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ (4) ﴾
( سورة الحديد )
أي: معكم بعلمه، مع أيّ مخلوق ؛ مع المؤمن، ومع الكافر، معكم بعلمه، أما إذا قال الله عز وجل: ﴿ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (19) ﴾
( سورة الأنفال)
هذه المعية الخاصة، أي هو معهم بالتأييد والنصر، والحفظ والتوفيق، وإذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟ ويا رب ماذا فقد من وجدك ؟ وماذا وجد مَن فقدك ؟
المعية الخاصة تستلزم الولاية الربانية:
الحديث النبوي الشريف الذي يبين هذه المعية، ويبين هذه الرعاية وهذا الحفظ هو قول النبي عليه الصلاة والسلام فيما أخرجه الإمام البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ قَالَ:
(( مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ... ))
[ البخاري ]
ولم تَرِد كلمة الحرب إلا في موضعين، في موضع في القرآن الكريم، وموضع في الحديث الشريف، الموضع الأول: ﴿ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ (279) ﴾
( سورة البقرة )
في موضوع الربا، وما من معصية توعد الله في القرآن مرتكبها بالحرب إلا الربا، وفي الحديث الشريف الصحيح:
(( مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ... ))
قبل أن تقف في خندق مُعادٍ للحق، هل تعلم مَن هو الطرف الآخر ؟
إن الإنسان في الحياة المدنية قبل أن يتطاول على إنسان يمثل الحكومة هل تعلم من هو الطرف الآخر في حياتنا اليومية ؟ فإذا تطاول الإنسان على دين الله، وعلى شرع الله، ووصل إلى الأشياء التي هي مقدسة في حياة المسلمين فلينتظر الحرب من الله عز وجل.:
(( مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ... ))
المفهوم القرآني للولي:
1 – الوليُّ هو المؤمن بالله:
مَن هو الولي ؟ المفهوم القرآني للولي:
﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63) ﴾
( سورة يونس)
إنَّ أيَّ مؤمن يجب أن يكون ولياً لله.
2 – الوليُّ هو المتَّقي الله:
تعريف الولي في القرآن الكريم:
﴿ الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63) ﴾
( سورة يونس)
لو ضغط الدين كله في كلمتين لكانت الكلمة الأولى: أنك آمنت بالله، والكلمة الثانية: تتقي أن تعصيه، لذلك يمكن أن تضغط رسالات الأنبياء كلها في كلمتين: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25) ﴾
( سورة الأنبياء)
لذلك قال العلماء: " نهاية العلم التوحيد، ونهاية العمل التقوى "، فإذا وحدت الله، واتقيت أن تعصيه فقد حققت الهدف من وجودك، وقد وضعتَ يدك على حقيقة الدين.
هذا الراعي الذي امتحنه سيدنا عبد الله بن عمر، قال له: << بعني هذه الشاة، وخذ ثمنها، قال: ليست لي، قال: قل لصاحبها: ماتت، أو أكلها الذئب، قال: والله إنني لأشد الحاجة إلى ثمنها، ولو قلت لصاحبها: ماتت، أو أكلها الذئب لصدقني، فإني عنده صادق أمين، ولكن أين الله ؟ .
هذا الراعي وَضع يده على جوهر الدين.
في أيّة لحظة تقول: أين الله فقد وضعت يدك أيها الأخ الكريم على حقيقة الدين، لذلك يمكن أن يضغط الدين كله في كلمة واحدة، وهي الاستقامة، وما لم نستقم على أمر الله فلن نقطف من ثمار الدين شيئاً، لذلك الحديث الشريف الذي جاء على صيغة حديث قدسي:
(( مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ... ))
هنيئاً لمن وقف مع الحق، والويل لمن وقف في خندق معادٍ للحق، فالولي الذي آمن بالله واتقى، أن يعصيه، لأن نهاية العلم التوحيد، ونهاية العمل التقوى، فإذا وحّدتَ الله وعبدته فقد حققت الهدف من وجودك، لذلك قال تعالى: ﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (147) ﴾
( سورة النساء)
معرفةُ الله مقرونة بالتقرب إليه وطاعته:
الآن لا معنى لأن تعرف الله من دون أن تتقرب إليه:
﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا (110) ﴾
( سورة الكهف)
الآية: ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ (6) ﴾
( سورة فصلت)
كأن الله عز وجل أراد أن يلخِّص القرآن كله في كلمة واحدة: ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ (6) ﴾
( سورة فصلت)
ماذا يوحى إليه ؟
﴿ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا (110) ﴾
( سورة الكهف)
إذاً: لو قلت: إن الشمس ساطعة، ويا لها من شمس ساطعة، وأنت في أمسِّ الحاجة إلى ضوء الشمس، ولم تتعرض لأشعة الشمس، وأنت تعاني من مرض جلدي، وعلاجه الوحيد التعرض إلى أشعة الشمس، فمهما تحدثتَ عن أشعة الشمس، مهما أثنيتَ على أشعة الشمس، مهما بينتَ فائدة أشعة الشمس، وأنت قابع في غرفة مظلمة فهذا الكلام لا قيمة له إطلاقاً ما لم تتحرك نحو أشعة الشمس.
لا تكن صاحبَ إيمانٍ إبليسيٍّ:
الإيمان من دون عمل قد يوصف أحياناً بأنه إيمان من نوع إيمان إبليس، قال تعالى:
﴿ قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82) ﴾
( سورة ص)
إبليس قال: رب، آمن به رباً، وآمن به عزيزاً، وقال: ﴿ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ (12) ﴾
( سورة الأعراف)
آمن به خالقاً، وقال: ﴿ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (14) ﴾
( سورة الأعراف )
لذلك ترداد كلمات الإيمان من دون عمل لا قيمة لها إطلاقاً: ﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (110) ﴾
( سورة الكهف )
مراتب التقرُّبِ إلى الله لنيلِ منزلةِ الولاية:
1 – وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ:
قد بينت من قبل أن الإنسان إذا استقام على أمر الله يَسلم، أما إذا عمل الصالحات يسعد، وفرق كبير بين السلامة والسعادة، مع أن كل إنسان على وجه يتمنى السلامة والسعادة، لذلك الحديث القدسي الشريف:
((... وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ... ))
[ البخاري عن أبي هريرة ]
الفرائض أولاً، أداء الفرائض مقدم على أي شيء، أعظم قربة إلى الله أن تؤدي الفرائض:
((... وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ... ))
أيها الإخوة، حينما يقول الإنسان: هذه فريضة، ما معنى فريضة ؟ أي أن سعادتك تتوقف عليها.
للتقريب: كيف نقول: إن استنشاق الهواء فريضة، لأن حياة الإنسان متوقفة على استنشاق الهواء.
شرب الماء فريضة، لأن حياة الإنسان متوقفة على شرب الماء.
تناول الطعام فريضة، لأن أي حياة الإنسان متوقفة على تناول الطعام، فتناول الطعام، وشرب الماء، واستنشاق الهواء فرائض، بمعنى أن حياة الإنسان متوقفة عليها.
أما الحرام فهو الذي يحرم النفس من سعادتها وسلامتها، وحينما تفهم أوامر الدين أنها ضمان لسلامتك، وليست حداً لحريتك تكون فقيهاً، فإذا رأيت لوحة كتب عليها: " ممنوع التجاوز، حقل ألغام "، فأنت لا تشعر أن واضع هذه اللوحة أراد أن يقيد حريتك، بل تعلم علم اليقين أنه أراد أن يضمن لك سلامتك، لذلك في اللحظة التي تفهم أوامر الدين أنها ضمان لسلامتك وسعادتك تكون فقيهاً، وحينما تفهم أن أوامر الدين قيد لحريتك تكون بعيداً عن فهم الدين الصحيح.
2 – وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ:
(( وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ ))
أول مراتب القرب من الله أداءُ الفرائض، والفريضة ما تتوقف عليها سعادتك وسلامتك.
عندنا أشياء في الدين حدية، وعندنا أشياء نسبية، فتركُ المحرمات حديٌّ، لا تفاوت في ذلك ولا تفاضل، كما أن عندنا في اللغة العربية أفعالا لا تقبل التفاوت، كفعل ( مات )، لا تقل: فلان أموت من فلان، الموت حدي، له حالة واحدة، ومن لم يمت بالسيف مات بغيره، تنوعت الأسباب والموت واحد، فهناك أفعال لا تقبل التفاوت بل هي حدية، وهناك أفعال تقبل التفاوت، تقول: أنا أكثر منك مالاً، المال نسبي يزيد وينقص، فالاستقامة ما فيها تفاوت، الاستقامة حدية، فالذي نهانا عنه النبي عليه الصلاة والسلام يجب أن ننتهي عنه كلياً.
تقريباً: كمستودع الوقود السائل، له صفة سلبية وصفة إيجابية، الصفة السلبية أنه محكم، والإحكام حدي، هي حالة واحدة، إذا قلت: محكم، يعني أنه محكم، تضع فيه ألف لتر، وتغلقه بإحكام، وتغيب مئة عام، ترجع وتجده كما تركتَه، لأنه محكَم، إن لم يكن محكَماً فعدم الإحكام نسبي، قد تقلّ الكمية بعد شهر، أو بعد أسبوع، أو بعد سنة، أو بعد ساعة، فعدم الإحكام نسبي، أما الإحكام فحدي، الاستقامة حدية، لا تقبل التفاوت، لذلك إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فأقلّ ممرض في المستشفى مع أعلى طبيب في المستشفى لابد من تعقيم الإبرة، أما العلم فمتفاوت، الفرق كبير جداً بين الممرض والطبيب، أما من حيث تعقيم الإبرة فلو أراد طبيب متفوق جداً أن يعطي إنسانا حقنة فلا بد من تعقيمها، ولو جاء ممرض ليعطيه هذه الحقنة فلا بد من تعقيمها بقواعد ثابتة وحدية، فالاستقامة حدية، والأعمال الصالحة متفاوتة، هذا المستودع له صفة واحدة، هي أنه محكم، حدي، أما إملاءه فبحسب الرغبة، فإنسان وضع فيه مئة لتر، وإنسان آخر وضع مئتين، وإنسان آخر خمسمئة، وهكذا.
لذلك أول قربة إلى الله حدية، وهناك فرائض طوعية،
(( وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ ))
بينَ عبدِ الشكر وعبدِ القهرِ:
بالمناسبة كلمة ( عبد ) تجمع على جمعين، هناك عبد جمعه عبيد، وعبد جمعه عباد، والفرق كبير بين العبيد والعباد، العبد عبد القهر يجمع على عبيد، وعبد الشكر يجمع على عباد، قال تعالى:
﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ﴾
( سورة الحجر: 42)
هذا عبد الشكر، وكل إنسان عبد لله، بمعنى أنه مقهور، كل إنسان سلامته متوقفة على سيولة دمه، فأيّ إنسان تجمدت قطرة دم في أحد أوعية الدماغ أصيب بالشلل، فالإنسان مقهور، مقهور بخثرة في الدماغ، مقهور بتشمع الكبد، مقهور بفشل كلوي، مقهور بورم سرطاني، فكل إنسان عبدٌ لله، عبد بمعنى أنه في قبضة الله، فهذا العبد عبد القهر يجمع على عبيد: ﴿ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (46) ﴾
( سورة فصلت:46)
أما العبد الذي عرف الله، وأقبل عليه، وانضبط بمنهجه فهذا العبد يجمع على عباد: ﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ﴾
( سورة الحجر:42)
﴿ نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49) ﴾
( سورة الحجر)
واللغة دقيقة جداً، والفرق بين الجمعين واضح جداً، لذلك:
التقرُّب إلى الله سهلٌ جدا:
(( وَمَا يَزَالُ عَبْدِي ))
وهذه نسبة تشريف، فقد شرفنا الله عز وجل بأن نسبنا إلى ذاته العلية:
((وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ ))
معنى ذلك أن العلاقة مع الله واضحة، الله عز وجل يحب من يتقرب إليه، وأحياناً يكون التعامل مع جهة صعب جداً، جهة مزاجية، ليس لها قاعدة تضبط تعاملها مع الآخرين، التعامل مع إنسان مزاجي صعب جداً، لكن التعامل مع رب العالمين سهل جداً، الله يحب الصادقين، يحب المتوكلين، يحب التائبين، وهناك عدد من الآيات تثبت هذا: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159) ﴾
( سورة آل عمران)
﴿ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222) ﴾
(سورة البقرة)
﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195) ﴾
(سورة البقرة)
﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ (222) ﴾
(سورة البقرة)
وهكذا فالتعامل مع الله سهل جداً
((وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ ))
هناك صلاة نافلة، وصيام النوافل، وصدقة وقيام ليل:
(( وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ ))
هناك شيء دقيق جداً، لو أن الإنسان مشى إلى الله خطوة مشى الله إليه خطوات، لمجرد أن تفكر أن تتقرب إلى الله رأيت أن الله عز وجل قد ملأ قلبك سعادة، ملأ قلبك طمأنينة، ملأ قلبك رضى، وهناك تجاوب سريع جداً من الله عز وجل، بل إن الله ينتظرك، وقد ورد في بعض الآثار:
(( لو يعلم المعرضون انتظاري لهم، وشوقي إلى ترك معاصيهم لتقطعت أوصالهم من حبي، ولماتوا شوقاً إلى، هذه إرادتي بالمعرضين، فكيف بالمقبلين ))
[ ورد في الأثر ]
حينما تقبل على الله لا تدري أن الله أَفرَحُ بتوبة عبده من الضال الواجد، والعقيم الوالد، والظمآن الوارد.
النبي عليه الصلاة والسلام قدّم صورة رائعة جداً لأعرابي ركب ناقته:
(( لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ، فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ، وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَأَيِسَ مِنْهَا، فَأَتَى شَجَرَةً، فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا، قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ، فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ، فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا، ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي، وَأَنَا رَبُّكَ، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ ))
[ مسلم ]
(( لله أفرح بتوبة عبده من ذلك البدوي بناقته ))
[ متفق عليه ]
فلذلك حينما ترجع إلى الله وتتوب إليه يفرح الله بك، إذا رجع العبد إلى الله نادى منادٍ في السماوات والأرض: أن هنئوا فلاناً فقد اصطلح مع الله.
(( وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ ))
وإذا أحبك الله فلا تعبأ بشيء آخر، إذا كان الله معك فمن عليك ؟ إذا أحبك الله ألقى محبتك في قلوب الخلق، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي (39) ﴾
(سورة طه)
لذلك إذا أحبك الله خدمك أعداءك، وإذا تخلى الله عنك يتطاول عليك أحبابك.
(( وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ ))
كيف تتجلّى ولاية الله للمؤمنين ؟
ما معنى أن الله ولي المؤمن ؟
1 – فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الّذِي يَسْمَعُ بِهِ:
(( فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ ))
الآن بدأنا باسم الولي، الإنسان يستمع إلى ملايين الموضوعات في حياته، أما المؤمن فسمعه منضبط بالمنهج الإلهي.
بالمناسبة مستحيل وألف ألف مستحيل أن تستوعب الباطل، حياتنا جميعاً، حياة أهل الأرض لا تكفي لاستيعاب الباطل، لأن الباطل متعدد، تماماً كما في الهندسة ؛ بين نقطتين لا يمر إلا مستقيم واحد، حاول أن تمرر مستقيما آخر يأتي فوقه تماماً، لذلك الحق لا يتعدد، والدليل أن الله عز وجل يقول: ﴿ وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ﴾
( سورة الأنعام: 153 )
بين نقطتين يمر مليون خط منكسر، يمر مليون خط منحنٍ، لكن لا يمر إلا خط مستقيم واحد، لهذا قيل: المعركة بين حقين لا تكون، لأن الحق لا يتعدد، والمعركة بين حق وباطل لا تطول، لأن الله مع الحق، أما المعركة بين باطلين فلا تنتهي، وفرق كبير بين معركة لا تكون أصلاً، وبين معركة لا تطول، وبين معركة لا تنتهي.
الآن: ﴿ يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ (257) ﴾
(سورة البقرة )
جمع: ﴿ إِلَى النُّورِ (257) ﴾
(سورة البقرة )
مفرد: ﴿ وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ ﴾
( سورة الأنعام: 153 )
لذلك أيها الإخوة الكرام، حياتنا جميعاً لا تكفي لاستيعاب الباطل، الباطل متنوع، ويمكن أن تمضي عشر سنوات أو عشرين سنة في دراسة فئة ضالة، والفئات الضالة تنتظمها قواعد تأليه الأشخاص، وتخفيف التكاليف، واعتماد نصوص موضوعة، ونزعة عدوانية، فالباطل لا تكفي حياتنا لاستيعابه، لكن الحق واحد، من السهل جداً أن تستوعب الحق في عمر معتدل، فصار كل شيء خلاف الحق باطلا، لذلك الطريق سالك، ويمكن أن تستوعب الحق.
(( فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ ))
الإنسان يستمع إلى ملايين المقولات، فيغربلها، استوعب الحق، هذه الفكرة خلاف القرآن، هذه الفكرة خلاف الحديث الصحيح، هذه الفكرة خلاف المنهج، هذه الفكرة خلاف ما في كتاب الله عز وجل، فالأصل كتاب الله، هو الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
(( فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ ))
هناك كلمات لا معنى لها، كلمات فيها تناقض مع القرآن الكريم، لذلك قال تعالى:
﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89) ﴾
(سورة الشعراء)
ما القلب السليم ؟ القلب الذي لا يشتهي شهوة لا ترضي الله، ولا يصدق خبراً يتناقض مع وحي الله، هذه من صفات القلب السليم، السمع مضبوط بمنهج الله عز وجل، إنسان يردّ مليون مقولة، بل ويركلها بقدمه إن خالفت منهج الله عز وجل، عنده حق، عنده ميزان، عنده مقياس.
2 – وَبَصَرَهُ الذِي يُبْصِرُ بِهِ:
قال:
(( وَبَصَرَهُ الذِي يُبْصِرُ بِهِ ))
لو أن إنسانا نظر إلى بناء يأخذ بالألباب، لكن صاحبه تاجر مخدرات، جمعه من مال حرام، فإنه لا يحترم صاحب هذا البناء، يحتقره لأن عنده ميزانًا، لذلك المؤمن منضبط، سمعه منضبط، وبصره منضبط، الأشياء لها صورة ولها حقيقة، يمكن أن يحترم إنسان دخله محدود جداً من حلال، ويحتقر إنسان بنى مجده على أنقاض الناس، أو على حياة الناس، أو على أمن الناس، أو على خوف الناس، فالآن تقييمه للأشياء مبني على نور ألقاه الله في قلبه، فيقيّم الأشياء بميزان دقيق، بمنظومة قيم رائعة جداً.
3 – ويَدَهُ التِي يَبْطِشُ بِهَا:
((فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الذِي يُبْصِرُ بِهِ، ويَدَهُ التِي يَبْطِشُ بِهَا ))
لا يتحرك حركة إلا وفق منهج الله، إن أعطى أَعطى لله، وإن منع مَنع لله، وإن رضي رَضي لله، وإن غضب غَضب لله، وإن وَصل وصل لله، وإن قطع قَطع لله، هكذا.
4 – ورِجْلَهُ التِي يَمشِي بِهَا:
((ورِجْلَهُ التِي يَمشِي بِهَا ))
لا تقوده رجله إلا إلى عمل صالح، أو أمر بالمعروف، أو نهي عن المنكر، أو لارتياد بيوت الله، أو لإصلاح بين شخصين، حركته كلها في سبيل الله.
5 – وَإِنْ سَأَلَني لَأُعْطِيَنَّهُ:
((وَإِنْ سَأَلَني لَأُعْطِيَنَّهُ))
أصبح مستجاب الدعوة. ﴿ اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ (257) ﴾
( سورة البقرة )
هذا معنى الولي.
6 – وَلئِِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ:
((وَلئِِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ ))
إذا التجأ إنسان إلى الله عز وجل فإنّ الله يلبي فوراً، أصبح مستجاب الدعوة
(( وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ، وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ ))
قرأت تاريخ سبعين صحابيا من الصحابة الأجلاء، ما منهم واحد إلا كان في ساعة الموت في أسعد لحظات حياته، قال تعالى: ﴿ قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ ﴾
( سورة يس )
ما معنى أن الله ولي المؤمن ؟ أن هذا المؤمن تحت رعاية الله، وحفظه، وتأييده، ونصره، يتولاه بالرعاية، يتولاه بالحفظ، يتولاه بالتأييد، يتولاه بالمعالجة، فلذلك من أقرب أسماء الله الحسنى إلى المؤمن اسم الولي.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
08-04-2018, 03:38 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( السابع )
الموضوع : اسم الله النصير -1-
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: ( النصير ):
النصير كمالٌ في الوصف ومبالغة فيه:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/703/01.jpg
أيها الإخوة الكرام، الاسم اليوم هو ( النصير )، وهذا الاسم ورد مطلقاً مراداً به العلمية، ودالاً على كمال الوصفية، وهو صيغة مبالغة، وصيغ المبالغة تعني شيئين ؛ تعني مبالغة الكّمّ، ومبالغة النوع، أي مهما يكن العدو قويا فالله هو النصير، ومهما تكن الأعداء كثيرة فالله سبحانه وتعالى نصير.
الآيات والأحاديث الوارد فيها اسم النصير:
الله نصير مع أقوى عدو، ونصير مع أكثر الأعداء تنوعاً، لذلك هذا الاسم ورد مطلقا، وورد مقرونا باسم المولى في آيتين فقط.
الآيات:
الآية الأولى:
الآية الأولى:
﴿ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (40) ﴾
( سورة الأنفال )
الآية الثانية:
﴿ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (78) ﴾
( سورة الحج )
الأحاديث:
وورد هذا الاسم أيضا مقيداً في دعاء النبي عليه الصلاة والسلام، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا غَزَا قَالَ:
(( اللَّهُمَّ أَنْتَ عَضُدِي وَنَصِيرِي، بِكَ أَحُولُ، وَبِكَ أَصُولُ، وَبِكَ أُقَاتِلُ ))
[ الترمذي وأبو داود ]
قواعد النصر:
لكن ما من اسم يحتاجه المسلمون اليوم كهذا الاسم، لكن هذا النصر له قواعد.
النصر من عند الله:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/703/02.jpg
أول قواعد النصر أن النصر من عند الله، وحينما يتوهم المسلمون أن النصر من عند زيد أو عبيد فقد وقعوا في وهمٍ كبير، قال تعالى: ﴿ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ ﴾
( سورة الأنفال الآية: 10 )
﴿ إِن يَنصُرْكُمُ اللّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 160 )
أنواع النصر:
1 – النصر الاستحقاقي:
وإذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟ ولكن هناك نصر استحقاقي، فالمؤمن حينما يكون على ما ينبغي وينتصر فهذا نصر سماه العلماء النصر الاستحقاقي، ويؤكد هذا المعنى قوله تعالى:
﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 123 )
كان أصحاب النبي من الافتقار ومن الاستقامة ومن التوحيد ما استحقوا به نصر الله عز وجل.
بالمناسبة، حينما قال تعالى:
﴿ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ ﴾
( سورة الأنفال الآية: 10 )
النصر الاستحقاقي ثمنه الإيمان والإعداد:
معنى ذلك أنه من عند الله، ولكن له ثمن، ما ثمن هذا النصر ؟ الإيمان والإعداد:
الإيمان:
الإيمان الذي يحملك على طاعة الله ـ والإعداد المتاح فقط.
الآية الأولى:
﴿ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾
( سورة الروم الآية: 47 )
كلام خالق الأكوان، وزوال الكون أهون عند الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين، ﴿ إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الحَيَاةِ الدُّنيَا ﴾
﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ﴾
( سورة النور الآية: 55 )
الشرط الأول للنصر هو من عند الله ولكن له ثمن، والبند الأول في الثمن الإيمان الذي يحمل على طاعة الله، أما الإيمان الذي لا يحمل على طاعة الله فلا قيمة له إطلاقا.
الإعداد:
الآن الإعداد: ﴿ وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ ﴾
( سورة الأنفال الآية: 60 )
لكن رحمة الله أنه كلفنا أن نعد العدة المتاحة، وليست المكافئة، وفرق كبير بين أن نعد العدة المكافئة، وهذا مستحيل الآن، وبين أن نعد العدة المتاحة.
عندما أؤمن الإيمان الذي يحملني على طاعة الله، وحينما أعد لأعدائي العدة المتاحة عندئذ أكون قد دفعت ثمن النصر، وما لم يدفع ثمن النصر فالنصر مستحيل، وهذه هي الحقيقة المرة التي هي أفضل ألف مرة من الوهم المريح، إذن النصر من عند الله، وله ثمن، والثمن له بندان الأول الإيمان، والثاني الإعداد.
إذا آمنا ولم نعد فلا ننتصر، وإذا أعددنا ولم نؤمن فلا ننتصر، لذلك قالوا: الإيمان والإعداد شرطان كل منهما لازم، لا يحقق الثاني إلا إذا كان الأول، فكل شرط من هذين الشرطين لازم غير كاف، وما لم يتحقق الشرطان معاً فلن يكون النصر.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/703/03.jpg
حينما نتعامل مع الله وفق قواعده القرآنية، ووفق نواميسه نقطف الثمرة، أما إذا تعاملنا مع الله تعاملا ضبابياً مزاجياً، ولم ندفع الثمن فلن ننتصر، إذًا: النصر من عند الله، وله ثمن، ثمنه الإيمان والإعداد، لكن أي إيمان ؟ الكلّ يدعي أنه مؤمن، الإيمان الذي يترجم إلى استقامة، الإيمان الذي يحملك على طاعة الله، لذلك لماذا لم ينتصر المسلمين في أُحُد ؟ لأنهم عصوا، ولو أنهم انتصروا لسقطت طاعة رسول الله.
ولماذا لم ينتصر المسلمون في حنين ؟ في أُحُد وقعوا في معصية، وفي حنين وقعوا في شرك خفي، فقالوا: لن نهزم مِن قلة، إذًا: إما لسبب سلوكي في أُحد، أو لسبب اعتقادي في حنين، قال تعالى: ﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (25) ﴾
( سورة التوبة )
درسان بليغان من معركة أُحُد وحُنين:
الآن نستنبط من وقعة أحد ووقعة حنين أن هناك درسين بليغان، الأول: حينما تقول: الله، يتولاك الله عز وجل، وحينما تقول: أنا، يتخلى عنك، وهذا الدرس نحتاجه كل يوم، بل كل ساعة، قل: أنا بعلمي، واختصاصي النادر، وخبراتي المتراكمة، ومالي العريض، وجاهي الكبير، يتخل الله عنك، في حرفتك، في مهنتك، لا تقل: أنا، أنا كلمة مهلكة، قل: الله، في زواجك، في عملك، في حرفتك، حينما تقابل عدوا فإذا قلت: الله، يتولاك الله، فإذا قلت: أنا، يتخلى عنك، وما أشد هذين الدرسين عظة وفهما لما يجري في العالم.
لذلك حينما نعتد بأنفسنا يتخلى الله عنا، " وما من مخلوق يعتصم بي من دون خلقي أعرف ذلك من نيته، فتكيده أهل السماوات والأرض إلا جعلت له من بين ذلك مخرجا، وما من مخلوق يعتصم بمخلوق دوني أعرف ذلك من نيته إلا جعلت الأرض هويا تحت قدميه، وقطعت أسباب السماء بين يديه ".
فلذلك أيها الإخوة الكرام، النصر من عند الله، وله ثمن، وما لم ندفع الثمن فلن نشم رائحة النصر، وهذه هي الحقيقة المرة التي هي أفضل ألف مرة من الوهم المريح، فالنصر الأول هو النصر الاستحقاقي، حينما ندفع ثمنه إيماناً مترجماً إلى التزام، إلى وقوف عند الحلال والحرام، إلى فعل ما ينبغي، إلى تطبيق منهج الله، إلى أن يرانا الله حيث أمرنا، وأن يفتقدنا حيث نهانا، والثمن الثاني أن نعد القوة المتاحة.
لذلك التوكل من دون إعداد تواكل، وهو معصية، أن تقول: يا رب، توكلت عليك، ولا تفعل شيئا، سيدنا عمر وجد رجلا معه جمل أجرب، قال: << يا أخا العرب، ما تفعل بهذا الجمل ؟ فقال: أدعو الله أن يشفيه، قال: هلا جعلت مع الدعاء قطراناً >>.
ورأى سيدنا عمر أناسا يتكففون الناس في الحج، قال: مِن أنتم ؟ قالوا: نحن المتوكلون، قال: كذبتم، بل أنتم المتواكلون، المتوكل من ألقى حبة في الأرض، ثم توكل على الله.
والنبي عليه الصلاة والسلام قال:
(( إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ، وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ، فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ))
[ أبو داود عن عوف بن مالك ]
أن نستسلم، ونقول: ما بيدنا شيء، انتهينا، هذا كلام الضعفاء، كلام ضعاف الإيمان، كلام الجهلة، الله موجود: ﴿ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾
( سورة الروم )
وزوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين، الله موجود، الله فعال: ﴿ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (26) ﴾
( سورة الكهف )
﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ (123) ﴾
( سورة هود)
﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ (84) ﴾
( سورة الزخرف)
آيات التوحيد، وما تعلم العبيد أفضل من التوحيد.
2 – النصر التفضُّلي:
إذاً: النصر الأول هو النصر الاستحقاقي، حينما يدفع ثمن النصر إيمانا بالله يحمل على طاعته، وإعدادا للقوة المتاحة، الآن هناك نصر آخر سماه العلماء النصر التفضلي دليله الآية الكريمة:
﴿ غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ ﴾
( سورة الروم )
في هذه الآية إعجاز، فبعد أن اكتشفت أشعة الليزر أمكن قياس المسافات بدقة متناهية، وأمكن قياس المسافة بين الأرض والقمر بدقة متناهية، وأمكن قياس المنخفضات والأغوار بدقة متناهية، وبعد أن اكتشفت هذه الأشعة تبين أن أخفض نقطة في الأرض غور فلسطين، والروايات التاريخية تؤكد أن هذه المعركة التي جرت بين الروم والفرس كانت في غور فلسطين، فقال الله عز وجل: ﴿ غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ ﴾
( سورة الروم )
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/703/04.jpg
الروم أهل كتاب، وأهل الكتاب مشركون، ومع ذلك انتصروا، هذا النصر ليس استحقاقياً، ولكنه نصر تفضلي، فنحن في عبادتنا نقول: يا رب، إن لم نكن نستحق النصر الاستحقاقي فانصرنا نصراً تفضلياً، والنصر التفضلي يعني أن المنتصر ليس كما ينبغي، لكن حكمة الله اقتضت أن ينتصر، لذلك أثبت الله للصحابة الكرام وهم نخبة البشر فرحهم بهذا النصر. ﴿ غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ ﴾
( سورة الروم )
هذا هو النصر التفضلي، إذا كانت فئة ليست كما ينبغي، وانتصرت على الكفار وأعداء الله فهذا شيء ينبغي أن نفرح له بنص هذه الآية.
هذا هو النصر الثاني النصر التفضلي.
3 – النصر المبدئي:
لكن هناك نصر ثالث، ما هو ؟ النصر المبدئي:
﴿ قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (4) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (5) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (6) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (7) ﴾
( سورة البروج )
الآن كلام دقيق، أصحاب الأخدود هل انتصروا ؟ بالمقياس التقليدي لم ينتصروا، لكنهم انتصروا نصرا مبدئياً، لأنهم ثبتوا على إيمانهم بالله.
بالمناسبة، مسيلمة الكذاب قبض على صحابيين، وقال للأول: أتشهد أني رسول الله ؟ قال: ما سمعت شيئا، فقتله، وقال للثاني: أتشهد أني رسول الله ؟ قال: أشهد أنك رسول الله.
الآن استمعوا إلى ما قاله النبي الكريم عن هذه الحادثة، قال: أما الأول فأعز دين الله فأعزه الله، الذي قتل النبي عليه الصلاة والسلام عدَّه منتصرا، لأنه صمد على مبدئه، ومن هذا النوع من النصر ماشطةُ بنتِِ فرعون، جاؤوا بأولادها الخمسة، لأنها قالت لما وقع المشط من يدها: يا الله، البنت قالت لها: ألك رب غير أبي ؟ قالت: الله ربي ورب أبيك وربك، فحدثت أباها، فجاء بقدر من النحاس، وجعل فيه زيتا مغليا، وجاء بأولادها الخمسة، وأمسك الأول، وقال: ألك رب غيري ؟ قالت: الله ربي وربك، فألقى الأول في الزيت المغلي فظهرت عظامه طافية على سطح الزيت، وأمسك ولدها الثاني، ألك رب غيري ؟ قالت: الله ربي وربك، فألقى الثاني، وألقى الثالث، وألقى الرابع، الخامس رضيع، فلما قال لها: ألك رب غيري ؟ سكتت، تضعضعت، ورد ذلك في الأحاديث الصحيحة، فأنطق الله ولدها الرضيع، قال: اثبتي يا أمي، فأنت على الحق، وألقاه في الزيت، ثم ألقاها في الزيت، هذه انتصرت نصرا مبدئيا، أي ثبتت.
فلذلك النبي عليه الصلاة والسلام في الإسراء والمعراج شم رائحة لم يشم مثلها إطلاقا، فقال: يا جبريل، ما هذه الرائحة ؟ رائحة طيبة جداً، قال: هذه رائحة ماشطة بنت فرعون، ففي النصر المبدئي يمكن أن لا تنتصر بالمقياس التقليدي، لكنك مُتنا على الإيمان، وهذا نصر مبدئي، وفي هذا المعنى تسلية وتطمين لكل مَن قُتِل وهو على حق.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/703/05.jpg
فالنبي قال: أما الأول فأعز دين الله فأعزه الله، القلق على من ؟ على الثاني الذي قال: أشهد أنك رسول الله، يا الله ما أعظم هذا الدين ! أما الثاني فقد قبل رخصة الله، ما كلف الله الإنسان فوق ما يستطيع، فلو أن الماشطة قالت: أنت ربي، فلا شيء عليها، ولكن لو أخذ كل المؤمنين بالرخص ما بقي هناك بطولات، فالإمام أحمد بن حنبل لم يقبل بخلق القرآن، فدخل السجن، وعذب.
لذلك الأمة في حاجة لمن يدفع ثمن مبدئه غاليا، ولو أن كل إنسان أخذ بالرخص فلن نجدد في الأرض بطولات إطلاقاً.
فهناك نصر مبدئي ؛ بأن يموت الإنسان على مبدئه صراحة، ولم يساوم عليه.
مرة كنت في بلد إسلامي، تركيا، وذكرت هذه القصة، وقلت: أما الأول، للتقريب، أعطي مائة ألف دولار، وأما الثاني فأعطي مائة ألف ليرة تركية، في الأجر ليس كالأول، الأول ضحى بحياته من أجل مبدئه، وكل شيء له ثمن، وكل شيء له حساب عند الله عز وجل.
أيها الإخوة الكرام، درس بدر وحنين، تقول: الله يتولاك، تقول: أنا، يتخلى عنك، وهذا الدرس نحتاجه كل يوم، وفي كل ساعة، وفي بيوتنا، وفي أعمالنا، وفي حرفنا، وفي مواجهتنا لمن نخافهم، قل: الله، فإن الله يتولاك. ﴿ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾
( سورة الشعراء )
قصص القرآن قوانين سارية في كل زمان ومكان:
لا أمل، فرعون من ورائهم، والبحر من أمامهم، فرعون بطغيانه وجبروته وحقده ولؤمه وقوته وراءهم، والبحر أمامهم.
﴿ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾
( سورة الشعراء )
لذلك الله عز وجل يقلب القصص القرآنية إلى قوانين، سيدنا يونس وهو في بطن الحوت:
﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88) ﴾
( سورة الأنبياء )
إذًا: أول نصر استحقاقي، والثاني تفضيلي، والثالث مبدئي، فالإنسان لا يعدم أن ينتصر نصرا مبدئيا، هذا بإمكانه.
لا للإحباط وسوءِ الظن بالله:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/703/06.jpg
شيء آخر:
﴿ مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ (15) ﴾
( سورة الحج )
عنده وهم خاطئ ؛ أن الله لا ينصره، وقد يقع الإنسان في سلسة إحباطات يتوهم أن الله لن ينصره، فيسيء الظن بالله. ﴿ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ (6) ﴾
( سورة الفتح )
وأقول لكم بكل صراحة: إن بعض المسلمين وقعوا في الإحباط واليأس، ولذلك هناك امتحانان صعبان:
الامتحان الأول: أن يقوِّي اللهُ الكافر حتى يقول ضعاف الإيمان: أين الله ؟ وأحيانا يظهِر الله آياته حتى يقول الكافر: لا إله إلا الله.
نحن الآن في الامتحان الأول، وهو صعب جداً، الطرف الآخر قوي ومتغطرس، ويفعل ما يقول، فبعض المؤمنين ضعفوا: ﴿ وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾
( سورة آل عمران )
إذن النصر التفضلي والنصر المبدئي والنصر الاستحقاقي وموضوع بدر وحنين، تقول: الله، يتولاك، تقول: أنا، يتخلى عنك.
والموضوع الثاني: أُحُد وحُنين، في أُحد كانت المعصية سلوكية، وفي حنين كان الشرك الخفي، الصحابة الكرام وفيهم رسول الله لم ينتصروا ؛ لأنهم قالوا: لن نغلب من قِلة، هذه بعض موضوعات النصر، لأن الله عز وجل هو النصير، ولا نصير سواه. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ ﴾
( سورة محمد الآية: 7 )
أي تدفعوا ثمن النصر إيمانا يحمل على طاعته وإعدادا للقوة المتاحة.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
08-04-2018, 03:40 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الثامن )
الموضوع : اسم الله النصير -2-
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: ( النصير ):
من لوازم نصر الله للمؤمنين:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/704/01.jpg
أيها الإخوة الكرام لازلنا مع اسم الله ( النصير )، والمسلمون اليوم في أشد الحاجة إلى أن ينتصروا على أعدائهم، وما أكثرهم.
ولكن كما بينت في لقاء سابق أن الله سبحانه وتعالى يقول:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ ﴾
( سورة محمد الآية: 7 )
النصر بيد الله: ﴿ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ ﴾
( سورة الأنفال الآية: 10 )
النصر الذي نتمناه له ثمن، إن دفعنا ثمنه وصلنا إليه، لذلك الله عز وجل يبين أن المؤمن الذي يحمله إيمانه على طاعة الله يحقق أحد شَرطي النصر.
شروط النصر: الإيمان والإعداد:
وللنصر شرطان كل منهما شرط لازم غير كاف، فلابد من الإيمان الذي يحمل على طاعة الله، ولابد من الإعداد، لقوله تعالى:
﴿ وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ ﴾
( سورة الأنفال الآية: 60 )
حقيقة الأخذ بالأسباب:
ويمكن أن ينسحب هذا على شؤون حياتنا، التفوق في العمل يحتاج إلى الأخذ بالأسباب، ويحتاج إلى التوكل على الله، وكلاهما شرط لازم غير كاف، لذلك المسلمون في معظمهم لا يأخذون بالأسباب، بل يتوكلون توكلا لا يرضي الله، سماه العلماء التواكل، وإذا أخذ بعض الناس بالأسباب وألّهها، ونسي الله، واعتمد عليها فقد أخطأ السبيل، فكأن الطريق الأمثل أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء، ومن السهل أن تأخذ الموقف الحاد، أن تأخذ بها وتنسى الله، أو أن تتواكل على الله، ولا تأخذ بالأسباب، هذا درس بليغ، بل إن بعض المعاصرين يصفون كل إنجاز معركة، معركة مع العمل، مع الإنتاج، مع التنمية، فكلمة معركة تأخذ معنى واسعاً جداً، إن أردت أن تنتصر في أي معركة حقيقة أو مجازاً فلابد أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، وأن تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء، هذا حق وهذا قانون.
(( إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ ))
[ أبو داود]
أن نستسلم، أن نيئس، أن نحس بالإحباط، أن نقول: انتهينا، هذا نُلام عليه، هذا يأس، واليأس كفر، هذا تشاؤم، والتشاؤم ليس من صفات المؤمن، لذلك لابد وأن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، وبعدها تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء.
بأوسع معاني المعارك، معارك قتالية، معارك التنمية، معارك البناء، سمِّ أي قضية أو مشكلة في حياة المسلمين معركة، والانتصار في هذه المعركة يحتاج إلى شرطين، كل منهما شرط لازم ليس كاف، أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، وأن تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء، وكأن الطريق الأمثل طريق ضيق عن يمينه واد سحيق وعن يساره واد سحيق، إنك إن أخذت بالأسباب، ونسيت الله، واعتمدت عليها، وألهتها وقعت في واد الشرك، وهناك تأديب من الله، على من اعتدّ بغير الله، " ما من مخلوق يعتصم بمخلوق أعرف ذلك من نيته إلا جعلت الأرض هويا بين قدميه، وقطعت أسباب السماء بين يديه، وما من مخلوق يعتصم به من دون خلقه فتكيده أهل السماوات والأرض إلا جعلت له من بين ذلك مخرجا ".
إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/704/02.jpg
إذَا: المنهج الأمثل في كل معاركنا بدءًا من معركتنا مع أنفسنا، وانتهاء بمعركتنا مع قوى الشر في الأرض، تحتاج إلى شرطين، كل منهما شرط لازم غير كاف، أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء وأن تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء.
(( إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ، وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ، فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ))
[ أبو داود]
اليأس الإحباط هذا يلام عليه أشد اللوم.
ولكن عليكم بالكيس، خذ الأسباب، فإذا غلبك أمر إن أخذتها، وبذلت الجهد في الأخذ بها، واستقصيتها، ثم لم تنجح، عندئذ نسمي هذا قضاء وقدر، عندئذ نقول: حسبنا الله ونعم الوكيل، ولا يجوز أن نقول: حسبنا الله ونعم الوكيل إلا بعد أن نستنفذ الأخذ بالأسباب.
الطالب يريد أن يقدم امتحانا، لكن لا يحضِّر للامتحان، ثم لا ينجح، ويقول: هكذا أراد الله، هذه مشيئة الله، هذا كلام باطل، أما حينما يدرس بأقصى ما يستطيع، ثم يحول حائل بينه وبين أداء الامتحان يقول عندئذ: حسبي الله ونعم الوكيل.
أنا أضع يدي على أخطر قضية في حياة المسلمين، هي التواكل، فلذلك النصر ثمنه هذا، الأخذ بالأسباب، والتوكل على رب الأرباب.
لكن أيها الإخوة، يحضرني في هذا الموضوع حديث شريف:
عَنْ أَنَسٍ قَالَ:
(( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، آمَنَّا بِكَ، وَبِمَا جِئْتَ بِهِ، فَهَلْ تَخَافُ عَلَيْنَا ؟ قَالَ: نَعَمْ، إِنَّ الْقُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ ))
[ الترمذي ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/704/03.jpg
هذا الحديث يحتاج إلى شرح، فالله عز وجل جعل قلب الإنسان بيده، يملؤه أمنا، أو يملؤه خوفا، يملؤه سعادة، أو يملؤه ضيقا وانقباضا، ما الناظم لهذا ؟ أراد الله أن يعلمه إن اتخذت قرارا صحيحاً سليما في التوبة إلى الله، والصلح معه، وطاعته يملأ الله قلبك رضى وسعادة، وتفاؤلاً وسروراً، وكأن الله بارك لك هذا القرار، وأعانك عليه، والدليل: ﴿ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ (7) ﴾
( سورة الحجرات )
أي قرار صائب يجد له انشراحا. ﴿ أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ ﴾
( سورة الزمر: من الآية 22 )
فأيّ قرار خاطئ في المعركة معه كآبة وضيق: ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾
( سورة طه )
تبعات القرار الصائب والقرار الخاطئ:
هذه معاونة من الله عز وجل، القرار الحكيم معه سرور، معه انشراح، معه راحة نفسية، معه طمأنينة، معه إقبال، معه تألق، والقرار الخاطئ معه انقباض معه تشاؤم معه كآبة ويكاد يكون مرض العصر الكآبة، من إعراض الناس عن الله عز وجل، بل إن كل ما يعانيه البشر من ضياع وتفلت وتشاؤم وإحباط هي أعراض لمرض واحد، هو الإعراض عن الله:
﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾
( سورة طه )
كلُّ قوي جبّار بيد الله القوي الحبّار، فلا تخش أحدًا إلا الله:
الآن ما علاقة هذا الحديث بالنصر ؟ هذا الذي تراه قوياً، هذا الذي تراه طاغية قلبه بيد الله، كشاهد على هذه الفكرة.
الإمام الحسن البصري من كبار التابعين، وقد أدى أمانة العلم، وبيّن ما ينبغي أن يبيّنه، كان في عهد الحجاج، وكان الحجاج كما تعلمون، بلغه ما قاله فيه الحسنُ، فقال لجلسائه: " يا جبناء، والله لأرينّكم من دمه "، وأمر بقتله، القضية سهلة جداً، وجاء بالسياف، وأمر بإحضاره ليقطع رأسه أمام مَن حوله، جيء بالحسن البصري، ودخل على الحجاج، ورأى السياف، ومد النطع، وانتهى كل شيء، فحرك شفتيه، فإذا بالحجاج يقول له: أهلا يا أبا سعيد، أنت سيد العلماء، ومازال يدنيه، ويقربه حتى أجلسه على سريره، واستفتاه في موضوع، وقد تروي الرواية أنه عطّره، وأكرمه، وشيعه إلى باب قصره، من الذي صعق ؟ الحاجب، تبعه الحاجب، قال: يا أبا سعيد، لقد جيء بك لغير ما فعل بك، فماذا قلت لربك ؟ قال: قلت له: " يا ملاذي عند كربتي، يا مؤنسي في وحشتي، اجعل فتنته علي بردا وسلاما كما جعلت النار بردا وسلاما على إبراهيم ".
هذا الذي تخافه قلبه بيد الله، هذا القوي الذي يتمنى إفناءك قلبه بيد الله، قد يملؤه الله هيبة منك، إذًا الله نصير، لأن قلوب الذين حولك بيد الله عز وجل، ألم يقل أحد الأنبياء:
﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ ﴾
( سورة هود )
متحدياً لهم: ﴿ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾
( سورة هود )
هذه الآية وحدها تكفي: ﴿ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾
( سورة هود )
لذلك:
(( إِنَّ الْقُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ ))
[ الترمذي ]
أولا: يملأ الله قلبك انشراحا وسعادة وطمأنينة حينما تتخذ قراراً صواباً، ويملأ الله، القلب خوفاً وقلقاً وضيقاً وتشاؤماً وكآبة حينما تتخذ قراراً مخطئاً، إذًا: الله أعاننا بهذا.
إن قلبَ الذي تخافه بيد الله، يملؤه هيبة لك، ومن هاب الله هابه كل شيء، يملؤه رغبة في معاونتك، فإذا كان الله معك خدمك أعداؤك، وإذا كان الله عليك تطاول عليك أقرباؤك، يا رب، ماذا فَقَد مَن وجدك. وماذا وجد من فقدك ؟
إذاً: قلوب الذين تخافهم بيد الله، إذًا: هو النصير.
من لوازم معية الله الدائمة للمؤمنين:
﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُمْ ﴾
( سورة الحديد، من الآية 4 )
لكن الشركاء يمكن أن لا يكونوا معك في وقت حرج، وهو معكم في السماء، وأنت في الطائرة، وفي الأرض، وفي البحر، وفي بيتك، وفي الفلاة، وفي مكان ما فيه اتصالات، الإنسان معه هاتف جوال، يكون بأمسّ الحاجة إليه فلا يجد تغطية، أما أنت فمع الله دائما، وهو معكم بعلمه. ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُمْ ﴾
( سورة الحديد، من الآية 4 )
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/704/04.jpg
قال العلماء: " معكم بعلمه "، فإذا كنت مؤمناً فإن الله مع المؤمنين، ومعكم بتوفيقه وحفظه، وتأييده ونصره، لذلك فرق العلماء بين المعية العامة، والمعية الخاصة، فالمعية العامة هو معكم بعلمه، والمعية الخاصة هو معكم مؤيداً وموفقاً، وحافظاً وناصراً.
لذلك: الله عز وجل موجود، إن دعوته فهو موجود، والإنسان لا يمكن أن يدعو جهة لا يؤمن بوجودها، يكون أحمق، لمجرد أن تدعوه وتقول: يا رب، إذًا هو موجود.
الشيء الثاني: هو يسمعك إذا تكلمت، ويراك إذا تحركت، ويعلم ما في قلبك إن أضمرت، يسمع ويرى، ويعلم، لا يحتاج إلى وصي، ولا إلى سند، ولا إلى براءة ذمة، الله يعلم، ويرى، ويسمع، ويعلم، التعامل معه سهل جداً، لذلك قال بعضهم: الحمد لله على وجود الله، يراك إن تحركت، ويسمعك إن تكلمت، ويعلم ما في نفسك إن سكت، إذًا: موجود ويعلم.
الشيء الثالث: وهو على كل شيء قدير، بيده كل شيء، كن فيكون، زل فيزول:
(( يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ ))
[ مسلم عن أبي ذر ]
ذلك لأن عطائي كلام وأخذي كلام.
كن فيكون، زل فيزول، الآن دققوا:
(( إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ ))
[ مسلم عن أبي ذر ]
قال تعالى: ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (30) ﴾
( سورة الشورى )
(( ما من عثرة، ولا اختلاج عرق، ولا خدش عود إلا بما قدمت أيديكم، وما يغفر الله أكثر ))
[ ذكره السيوطي في الجامع الصغير عن البراء بسند فيه مقال كبير ]
إذًا: هو معكم بعلمه، وإن كنتم مؤمنين فهو معكم بتوفيقه وحفظه، وتأييده ونصره.
الله موجود، ويسمع إذا نطقتم، ويرى إن تحركتم، ويعلم ما في القلب إن أضمرتم، وهو على كل شيء قدير.
من معاني ( النصير ) التي قد تخفى على بعض الناس:
هناك حالات لبعض الأطباء ربطوها بالخرافات، لكنهم أهملوها، الآن هناك بحوث حديثة جداً عن الشفاء الذاتي، يكون المرض عضالا قد أجمع الأطباء على أنه لا شفاء له، فيشفى الإنسان ذاتياً، وعندما يصدق الإنسان أن الله بيده كل شيء، وأن الله على كل شيء قدير، أحياناً يستجيب له استجابة لا تصدق.
والله لي صديق أصيب بورم خبيث في رئتيه، أخذت عينات إلى كل المخابر، الورم من الدرجة الخامسة، ولا أمل إطلاقاً، ثم في النهاية شفاه الله عز وجل، والقصة من اثتنين وعشرين سنة، والآن حي يرزق لا يشكو من شيء، والخزعات أخذت إلى بريطانية، أدق الفحوص أجريت له، وأمهر الأطباء عالجوه، وقالوا: لا أمل، لكن هناك شفاء ذاتي.
فلذلك ( النصير ) قد ينصرك على المرض، وقد ينصرك على العدو، وقد ينصرك على كل معركة تخوضها بأوسع معاني المعارك، فهو نعم المولى ونعم النصير.
أيها الإخوة، حينما تدعو الله عز وجل، وتقول: يا ناصر انصرني، يا نصير انصرني، هو موجود، ويسمع، ويقدر، ويحب أن يرحمك، ولن تدعو جهة إلا إذا أيقنت بوجودها وعلمها، وقدرتها ورحمتها، لذلك قال تعالى:
﴿ قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فقد كذبتم (77) ﴾
( سورة الفرقان)
الله أكبر من كل شيء، فلا تقطع الأمل مهما حدث:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/704/05.jpg
حينما تقول: الله أكبر، فهو أكبر من كل قوي، أكبر من كل جبار، قال تعالى:
﴿ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ﴾
( سورة الشعراء )
فرعون بحقده وجبروته، وأسلحته وجيشه يتبع شرذمة من بني إسرائيل مع سيدنا موسى، وصلوا إلى البحر، لا أمل للنجاة، انتهى الأمل، الأمل صفر، قال تعالى: ﴿ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِي ﴾
( سورة الشعراء )
وسيدنا يونس، وهو في بطن الحوت الأمل صفر، والإنسان يمكنه أن يقف على فم الحوت على قدميه، ويمكن أن تقف في فمه، ووجبته الغذائية أربعة أطنان، والإنسان وزنه ثمانين كيلوًا، قال تعالى: ﴿ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88) ﴾
( سورة الأنبياء)
وأروع ما في الآية أن الله قلب القصة إلى قانون، قال تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾
( سورة الأنبياء )
في كل عصر، في كل مصر، في كل زمان، في كل مكان، في الجو، في الأرض، طائرة تحطمت فوق جبال الألب، وانشقت، ووقع بعض ركابها، ونزل على غابة أرز في جبال الألب مغطاة بخمسة أمتار من الثلج، فكان هذا الثلج وهذه الأغصان ماصات للصدمة، فنزل واقفاً من أربعين ألف قدم.
إذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟
إذًا: تقول: الله أكبر، أقوى من كل قوي، زلزال تسونامي يساوي والكلام من موقع معلوماتي دقيق جداً، يساوي مليون قنبلة ذرية، الله عز وجل قوي، فإذا كنت مع القوي حفظك القوي، فهو نعم المولى، ونعم النصير.
أيها الإخوة، المعركة تحتاج إلى معلومات، وإذا كنت مع الله، فهو يعلم ماذا يخطط لك أعداؤك، لذلك يلهمك خطة تحبط خططتهم، أنت أقوى إنسان إذا كنت مع الله، إذا أردت أن تكون قويا فادع الله سبحانه وتعالى، فالدعاء سلاح المؤمن، لكن الدعاء يحتاج إلى عمل، والذي يدعو الله ولا يعمل يستهزئ بالدعاء، قال سيدنا عمر لرجل:<< ماذا تفعل هنا يا أخا العرب مع هذا الجمل الأجرب ؟ قال: أدعو الله أن يشفيه، فقال له: هلاّ جعلت مع الدعاء قطرانا >>.
العدو قد يكون قويا، لكن الله أقوى، والله أكبر، قد يكون العدو يخطط، دقق في الآية: ﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46) ﴾
( سورة إبراهيم )
إله عظيم يصف مكر الكافرين بأن مكرهم تزول منه الجبال، يقول لك بعد قليل:
﴿ وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ﴾
( سورة آل عمران الآية: 120 )
خالق الكون، كلام رب العالمين، كل آلاتهم، كل أسلحتهم، كل أموالهم، كل أقمارهم الصناعية، كل حاملات طائراتهم، قال تعالى: ﴿ وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ﴾
( سورة آل عمران الآية: 120 )
والآن يقول أحد أكبر الموظفين في البنتاجون: لا تجرؤ دولة في الأرض أن تحاربنا، ماذا نفعل بهذه الأسلحة ؟ ولكن هذا الذي أراد أن يموت ماذا نفعل به ؟ أقضَّ مضاجع أهل الأرض، هذا الذي أراد أن يهز أركانهم، ويقدم حياته رخيصة لهذا الهدف.
أيها الإخوة، لو أن إنسانا انتصر لإنسان، قال تعالى: ﴿ إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ (14) ﴾
( سورة فاطر )
والإنسان من شأنه أنه ليس معك دائماً، قد تكون في أمسّ الحاجة إليه، فيكون هاتفه مشغولا، أو خارج التغطية أ أو تعطل، إن اعتمدت على مخلوق فقد لا يسمعك، وإذا سمعك قد لا يستجيب لك، وأحياناً يتجاهلك، لذلك:
كن مع الله تر الله معك واترك الكل وحاذر طمعك
وإذا أعطاك من يمنعه ثم من يعطي إذا ما منعك
***
هذه ملة طه فخذ بها.
أطع أمرنا نرفع لأجـلك حجبنا فإنا منحنا بالرضا من أحـبنـــا
و لذ بحمانا واحـتــم بجنابنا لنحميك مما فيه أشرار خلقــنــا
و عن ذكرنا لا يشغلنك شاغـل و أخلص لنا تلقَ المسرة والـــهنا
***
نعم المولى ونعم النصير، كن مع الله ولا تبال، والله عز وجل يحب أن ينصرنا، لكنه يطالبنا أن ندفع ثمن النصر.
زبدة القول:
ملخص هذا اللقاء الطيب، الطاعة مع الصبر سبيل إلى النصر، أما المعصية مع الصبر فليس بعدها إلا القبر.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
08-04-2018, 03:42 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( التاسع )
الموضوع : اسم الله الرفيق -1-
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أغننا بالعلم، وزينا بالحلم، وأكرمنا بالتقوى، وجمِّلنا بالعافية. مع اسمٍ من أسماء الله الحسنى: ( الرفيق ):
1 – ورودُ اسم ( الرفيق ) في السنة الصحيحة:
أيها الإخوة الكرام مع اسم جليل من أسماء الله الحسنى، وهو ( الرفيق )، هذا الاسم ورد في السنة النبوية الصحيحة، ورد مطلقاً معرّفا بأل، مراداً به العلمية، دالاً على كمال الوصفية، فقد ورد في صحيح البخاري ومسلم من حديث عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
(( يَا عَائِشَةُ، إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ، وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ ))
[ مسلم ]
2 – معنى اسم الله ( الرفيق ):
فالله سبحانه وتعالى هو ( الرفيق )، لو أردنا أن نقف وقفة متأنية عند معاني هذا الاسم لقلنا:
أولاً: الرفيق هو اللطيف، والرفيق هو الذي يرافقك، والرفيق هو الذي يتصرف برفق، هو لطيف، وهو مرافق، وهو الذي يتصرف برفق، لو أردنا أن نرى هذا الاسم من خلال أفعال الله قد نقف عند ومضات من رفقه جل جلاله.
3 – مظاهر رفق الله بمخلوقاته:
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/705/01.jpg
الطفل الصغير له أسنان، لبنية هذه الأسنان كيف تسقط من دون ألم، وما من طبيب أسنان إلا وهو مضطر أن يعطى الإنسان مخدرا حتى يقلع هذا السن، وإعطاء إبرة المخدر أمرٌ مؤلم، أما الطفل حين يسقط سنه يذوب شيئاً فشيئاً إلى أن يراه مع لقمة طعامه، فنزع سن الطفل نوع من اللطف، الله عز وجل يقول:
﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ (4) ﴾
( سورة الحديد )
أنت لا تحتمل أن يكون معك إنسان دائماً، تخرج من جلدك من رفقته، لكن الله معنا، معنا بلطف دون أن نشعر.
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/705/02.jpg
مثلا الهواء لطيف، يحمل الطائر، يحمل طائرة وزنها ثلاثمئة وخمسين طنًّا، وأنت تمشى ضمن الهواء، وتستنشق الهواء، ولا ترى الهواء، الهواء مما يؤكد معنى أن الله رفيق.
أيها الإخوة، رحمته لعباده، فمغفرته لعباده رفق، وقبول توبته من عباده رفق، وتحريمه التدريجي للخمر رفقٌ.
(( يَا عَائِشَةُ، إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ، وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ ))
والإنسان عليه أن يتخلق دائما بالكمال الإلهي، لذلك كاد الحليم أن يكون نبياً، والحلم سيد الأخلاق، والحلم رفق، والمعالجة بحكمة من الرفق، والحلم من الرفق، والعفو من الرفق، والمغفرة من الرفق، والتسامح من الرفق، لذلك حينما قال الله عز وجل: ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا (180) ﴾
( سورة الأعراف)
4 – الرفقُ من صفات المؤمن:
من معاني هذه الآية الكريمة أنك إذا تخلقت بالكمال الإلهي تستطيع أن تقبل عليه أحد أسباب اتصالك به أنك تتوسل إلى الاتصال به للتخلق بكماله، إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله، يحب الرفق في تربية الأولاد، يحب الرفق في معاملة الزوجة، يحب الرفق في التعامل التجاري.
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( رَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ، سَمْحًا إِذَا اشْتَرَى، سَمْحًا إِذَا اقْتَضَى ))
المؤمن من صفاته أنه رفيق لطيف، وإذا كان معك فظله خفيف، لا ينتقد، لا يحاسب، لا يدقق، لا يؤاخذ، لا يقسو، لطيف، المؤمن لين العريكة، يألف ويؤلف.
الحقيقة أنْ ليس الفرق بين المؤمن وغير المؤمن أن المؤمن يصلي، هناك فرق جوهري كبير جداً، حينما تعامل المؤمن تراه لطيفاً، وحينما ترافق المؤمن ترى ظله خفيفاً، وحينما تتعامل مع المؤمن تراه سمحاً، تراه عَفوًّا، تراه متسامحاً.
فلذلك التخلق بالكمال الإلهي أحد أسباب الاتصال به، التخلق بالكمال الإلهي أحد أسباب الاتصال به، قال تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا (180) ﴾
( سورة الأعراف)
توسل إلى الله بأن تتخلق بالكمال الإلهي، وما من اسم من أسماء الله الحسنى إلا ولك منه موقف، إذا كان من أسماء الله الحسنى أنه عفو كريم فينبغي أن تعفو عمن ظلمك، وقد ورد في بعض الأحاديث:
(( أمرنى ربى بتسع، خشية الله في السر والعلانية، وكلمة العدل في الغضب والرضى، و القصد في الفقر والغنى، وأن أصل من قطعني، وأن أعفو عمن ظلمني، وأن أعطى من حرمني، وأن يكون صمتي فكراً، ونطقي ذكراً، ونظري عبرة ))
[ ذكره الخطيب التبريزي في مشكاة المصابيح عن أبي هريرة ]
5 – الله معنا بعلمِه فلا تغفلوا:
وهو معكم، هو معنا دائماً، لكن كلما ارتقت شفافية الإنسان يعبد الله كأنه يرى الله:
(( قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الْإِحْسَانُ ؟ قَالَ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنَّكَ إِنْ لَا تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ ))
[ مسلم عن أبي هريرة ]
لكنه لطيف، لذلك الذي يعصي ربه في رابعة النهار، نهاراً جهراً، وينسى أن الله معه، وأن الله يراقبه، هذا ليس بكامل الإيمان، لذلك من أرقى مستويات الإيمان أن تؤمن أن الله معك، قال تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (78) وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (79) وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا (80) ﴾
( سورة الإسراء)
قال تعالى: ﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213) وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (216) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (217) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (218) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (219) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (220)﴾
( سورة الشعراء)
يراك حين تقوم، هو رفيق هو معنا، ولكنه معنا بعلمه، معنا من دون أن نشعر، كيف أنك تمشي في الهواء من دون أن تشعر، وتستنشق الهواء من دون أن تشعر، ولا ترى الهواء لكنه موجود، والدليل إذا هبت العواصف دمرت مدنا بأكملها، الهواء يحمل الطائرات، فهو موجود، لكنك لا تتضايق من الهواء، بل تستنشقه.
6 – لابد من الرفق للوصول إلى الأهداف:
أيها الإخوة، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
(( إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ ))
[ مسلم ]
وعَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
(( يَا عَائِشَةُ، إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ، وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ ))
[ مسلم ]
توسل إلى أهدافك بالرفق، انصح، عظ موعظة حسنة، جادل بالتي هي أحسن.
7 – لا تكن فظا غليظ القلب:
لا تكن فظا غليظ القلب، النبي عليه الصلاة والسلام وهو سيد الخلق، وحبيب الحق، وسيد ولد آدم أوتي المعجزات، أوتي الوحي، أوتي القرآن، كان جميل الصورة، كان فصيح اللسان، كان رحيماً، كان حليماً، كان متواضعاً، ومع كل هذه الصفات يقول الله له: أنت أنتَ، أنت بكل هذا الكمال:
﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ (159)﴾
( سورة آل عمران)
ولو كنت فظا غليظ القلب، فكيف بإنسان ليس نبياً، ولا رسولاً، ولا يوحى إليه، ولا أوتي القرآن، وليس فصيحاً، وليس جميل الصورة، وليس رحيماً... ومع ذلك فهو فظ غليظ القلب.
لذلك:
(( مَهْلًا يَا عَائِشَةُ، فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ ))
[ البخاري ومسلم عن عائشة ]
إذا دخلت إلى البيت فقل: السلام عليكم، إذا أردت أن تربي أبناءك فقل: يا بني، هذا الشيء يؤذيك، أنا ناصح أمين لك، من دون أن تبدأ بالضرب والشتم والقسوة.
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/705/03.jpg
إنّ صفات المؤمن صفات كاملة، هذا الحديث أساسي جداً في حياتنا، البيت الذي فيه رفق فيه حب وهدوء، فيه راحة نفسية، فيه أولاد ينشؤون نشأة صحية، يرون أباهم وأمهم على وفاق، وعلى وئام، كلام منخفض، النصيحة مهذبة، ومَن أمر بالمعروف فليكن أمره بالمعروف، ومن نهى عن منكر فليكن نهيه من دون منكر، بطريقة ليست منكرة، لا تكن فظاً غليظ القلب ؟
بماذا أثنى الله عز وجل على النبي عليه الصلاة والسلام ؟ هو سيد الخلق، هو نبي، هو رسول، أعطي المعجزات، هذه كلها من وسائل الرسالة، لكنه أثنى عليه بشيء مِن كسبِه، قال تعالى: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾
( سورة القلم )
الرفق هو اللطف، والرفق هو من يرافقك، لذلك ما في جهة يمكن أن تكون معك في سفرك، وتستخلفها في بيتك إلا الله، ومن أدعية النبي عليه الصلاة والسلام ما ثبت عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا سَافَرَ فَرَكِبَ رَاحِلَتَهُ قَالَ:
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/705/04.jpg
(( اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ، وَالْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ، اللَّهُمَّ اصْحَبْنَا بِنُصْحِكَ، وَاقْلِبْنَا بِذِمَّةٍ، اللَّهُمَّ ازْوِ لَنَا الْأَرْضَ، وَهَوِّنْ عَلَيْنَا السَّفَرَ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ، وَكَآبَةِ الْمُنْقَلَبِ ))
[ الترمذي، أبو داود]
إذا سافر الإنسان، وقبل أن يسافر قال: اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل والمال والولد، فبغيابك لو أن إبريقا من الماء الساخن وقع فوق وجه طفل صغير، وشوه وجهه يجعل حياة هذه الأسرة جحيماً لا يطاق، الله رفيق في السفر، والخليفة في الأهل والمال والولد، هذه أدعية النبي عليه الصلاة والسلام.
من معاني ( الرفيق ):
الرفيق هو اللطيف، والرفيق هو الذي يرافقك، والرفيق هو الذي يتولى الأمر برفق.
قال بعض العلماء: " الرفيق هو اللطيف بعباده، القريب منهم "، وهو معكم أينما كنتم، الله عز وجل يحول بين المرء وقلبه، أقرب إليك من حبل الوريد، أقرب إليك من خواطرك، أقرب شيء إليك خواطرك، هو أقرب إليك من حبل الوريد، من خواطرك، يحول بينك وبين قلبك، يغفر ذنوبك، ويتوب عليك، لأنه رفيق بكم، وتكفلهم بالتربية والعناية من غير عوض، وما من إنسان يدخل على إنسان اختصاصي في الطب أو الهندسة أو المحاماة إلا ويحتاج إلى أجرة، إلا أنك إذا لجأت إلى الله يتولاك من دون عوض، لأنه رفيق بك، وقدّر أرزاق العباد.
أحياناً يكون الوعل في قمة جبل، هناك نبع مستودع، هذا النبع من جبل أعلى من أجل هذا الوعل الذي يعيش في قمم الجبال، قدر لعباده ومخلوقاته أرزاقهم وطعامهم وشرابهم، وأمدهم بما يحتاجون، وهداهم لما يصلحهم.
هداية الله لمخلوقاته :
الهداية كما تعلمون أربعة مراحل، هدي المخلوقات إلى مصالحها، فالإنسان إذا كان الطعام فاسدا يشم أنفه رائحة الطعام الفاسد، والطعام الفاسد له رائحة كريهة، فرائحة الطعام الفاسد الكريهة، والأنف الذي فوق الفم هداك إلى أن لا تأكل هذا الطعام، وإذا كان في المعدة طعام فاسد فالإنسان يتقيؤه، والتقيؤ من رحمة الله عز وجل، هداك إلى أن تخرجه من جوفك، إذا كنت تمشي وملت قليلا تصحح عن طريق جهاز معقد جهاز التوازن، لأنه رفيق بك، فإذا كان البرد شديدا فهناك آلية معقدة جداً في الجسم تكافح البرد، وإذا كان هناك حر شديد فهناك آلية معقدة ثانية آلية العرق، العرق يخرج الماء فيمتص حرارة الجلد، وبهذه الطريقة يتعدل الجلد في حرارته.
إذًا: الله عز وجل رفيق في أفعاله، لذلك يقدر لهم أرزاقهم، ويهديهم لما يصلحهم، فالإنسان ينام، ولما ينام تتباعد الخلايا العصبية، لذلك السيالة في النوم لا تتخطى الفراغ، إنسان نائم لا يستيقظ، أما إذا كان الصوت عاليا جداً فهذا الصوت العالي جداً يقفز، ويتخطى هذا الفراغ، فيستيقظ الإنسان.
هداك إلى مصالحك، والحديث عن هداية الله عز وجل لمصالح الإنسان شيء لا ينتهي.
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/705/05.jpg
أنت ترى الخطر بعينك في البيت، هناك مدفأة خرج الدخان منها كثيفاً فهناك خلل ببناء المدفأة، لكن أحياناً تسمع صوتا في غرفة ثانية خرج فالبصر محدود بالجدران، أما الصوت فيتجاوز الجدران خرج يقول لك: هناك حركة، وإذا كان حيوان صغير قد مات تحت السرير فلا تشاهده خرج و لا تسمع صوته خرج بعد أيام تشم رائحة كريهة، فهداك إلى مصالحك بالنظر، وهداك إلى مصالحك بالسمع، وهداك إلى مصالحك بالشم، أيّ شيء له عرض، أعراض الأمراض من رفق الله بنا خرج ولولا عرض للمرض كانت المشكلة كبيرة، هداك إلى مصالحك
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/705/06.jpg
الله جعل في العظم عصبا حسيا، ما فائدة العصب الحسي ؟ لأنه رفيق بنا، فإذا حدث كسر فالألم الشديد الذي لا يحتمل يجعلك تدع العظم المكسور كما هو، وأن تدعه كما هو أربعة أخماس معالجته، حكمة العصب الحسي في العظام حكمة كبيرة، وحكمة أن الشعر لا يوجد به عصب حسي كبيرة، ولو كان في بالشعر عصب حسي لاحتجت إلى مستشفي، وإلى تخدير كامل من أجل أن تحلق شعرك.
إذًا: هو رفيق بنا، ببنية أجسامنا، بوظائف أجسامنا، الإنسان يتوضأ براحة، لكن لو وضعت ماء بارداً على ظهره فلا يحتمله، أعصاب الحس في الأماكن المكشوفة التي تقتضي التنظيف الدائم ضعيفة جداً، وفي الأماكن المستورة أعصاب الحس فيها قوية جداً، لذلك توزيع أعصاب الحس فيه حكمة بالغة
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/705/07.jpg
هذا المرفق لولاه كيف تأكل ؟ لابد أن ينبطح الإنسان كالهرة ليأكل، لكن له مرفق، وهذا المرفق يوصل الطعام إلى فمك، وإلا ليس هناك طريق ثان.
الله رفيق في بنية أجسامنا، في وظائف أعضائنا، في ما حولنا، البطيخ ينمو على الأرض، لو كان ينمو على الأشجار قد تقتل حبة البطيخ إنساناً، القطعة الكبيرة على الأرض، والقطع اللطيفة على الأشجار.
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/705/08.jpg
إخواننا الكرام، هذا الاسم واسع جداً، تأكل تفاحة، أولًا طعمها طيب، ورائحتها طيبة، وحجمها معتدل، وقوامها يتناسب مع الأسنان، وفيها فوائد، لو كان الطعام طيبا، وما فيه فوائد، أو فيه فوائد والطعم كريه، أو فيه فوائد والطعم طيب، لكن بنيتها قاسية كالصخر، هذه الفاكهة من لطف الله بنا، هذا الاسم واسع جداً، http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/705/09.jpg
((... فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ ))
تخلق بكمال الله، والمؤمن حليم لطيف، يألف ويؤلف، يقدم النصيحة بلطف شديد.
لذلك هداهم الله إلى مصالحهم، ونعمته عليهم سابغة، وحكمته فيهم بالغة، يحب عباده الموحدين، ويتقبل أعمالهم الصالحة، ويقربهم، وينصرهم على عدوهم، يعاملهم برحمة وإحسان، ويدعو من خالفه إلى التوبة والغفران، رفيق في خفاء، يحاسب المؤمنين بفضله ورحمته، ويحاسب المخالفين بعدله وحكمته، ترغيبا منه في توحيده، و حلما منه عليهم في تقصيرهم.
الله عز وجل رفيق، هذا حديث رائع جداً: (( يَا عَائِشَةُ، إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ، وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ ))
[ مسلم عن عائشة ]
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/705/10.jpg
أوضح مثلٍ: وأنت في البيت، وأنت تربي أولادك، حدثونا في الجامعة في علم النفس أن الأم التي ترضع ابنها بقسوة ينشأ قاسياً، فقد تكون متعبة منه، وهذا الوضع يجعل عند الطفل عقدة، والبيت الذي يربى فيه الطفل بالعطف والحنان والمودة والإكرام تجد هذا الطفل متعاطفا، والآن هناك علم اسمه علم نفس الجنين، فقد ثبت أن الجنين يدرك أنه مرغوب فيه أو غير مرغوب فيه، فإذا كان مرغوبا فيه حملته أمه حملا خفيفاً، وإن لم يكن مرغوباً فيه كان حمله متعباً جداً، فصار في علم نفس الجنين الأم التي تقرأ القرآن لها وضع خاص، والتي تشرب الدخان وضع خاص.
لذلك أيها الإخوة، الإنسان محاسب عن كل شيء، لذلك ينبغي أن يتخلق بكمال الله عز وجل.
أيها الإخوة، من معاني أن الله سبحانه وتعالى لطيف أو رفيق، قال تعالى: ﴿ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾
( سورة المجادلة: الآية 7 )
الله رفيق معنا، فثلاثة رحال جالسون الله موجود معهم، الأربعة الله عز وجل خامسهم، والخمسة هو سادسهم، قال تعالى: ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾
( سورة المجادلة: الآية 4 )
معكم بعلمه، لكنه رفيق، لكن أجمل شيء أن الله مع المؤمنين لا بعلمه فحسب، ولكن بتوفيقه، بل بإكرامه، بل بحفظه، بل بتأييده، بل بنصره معهم، قال تعالى: ﴿ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (19) ﴾
( سورة الأنفال )
وإذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟ والدعاء الذي ذكرته قبل قليل:
(( اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ، وَالْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ ))
[ الترمذي عن أبي هريرة ]
والنبي عليه الصلاة والسلام خُيِّر بين زهرة الحياة الدنيا، وبين أن يكون مع الرفيق الأعلى، قال: بل الرفيق الأعلى.
وعلامة المؤمن أن أسعد لحظات حياته حينما يأتيه ملك الموت، قال تعالى: ﴿ قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ ﴾
( سورة يس )
فلذلك أيها الإخوة، لا يكفي الإنسان أن يؤدي الصلوات أداءً شكلياً، الدين كمال، الدين لطف، الدين إذا دخل أب إلى البيت كان عند أهل البيت عيدا، لكن هناك أب إذا خرج من البيت كان الوضع عندهم عيداً، الفرق كبير بين أن يكون العيد إذا دخلت أو إذا خرجت، لأن المؤمن ينبغي أن يكون رفيقاً.
(( يَا عَائِشَةُ، إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ، وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ ))
[ مسلم ]
والحمد لله رب العالمين
السعيد
08-04-2018, 03:44 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( العاشر )
الموضوع : اسم الله الرفيق -2-
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى ( الرفيق ):
أسماء الله الحسنى لها تطبيقات عملية للمؤمن:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/735/01.jpg
أيها الإخوة الكرام، لازلنا في اسم ( الرفيق )، وهذا الاسم له تطبيقات عملية، تخص الإنسان المؤمن، بل إن كل اسم من أسماء الله الحسنى له تطبيقات عملية تخص المؤمن.
(( يَا عَائِشَةُ، إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ ))
[ متفق عليه ]
عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
(( يَا عَائِشَةُ، إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ، وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ ))
[ مسلم ]
عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
(( إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ ))
[ مسلم ]
حظُّ المؤمن من اسم ( الرفيق ):
ما حظ المؤمن من هذا الاسم ؟
1 – الرفق بالنفس في التكاليف والعبادات:
أولا: ينبغي أن يكون الإنسان رفيقاً بنفسه، فقد يفعل من الأعمال ما لم يحتمل تبعتها، نفسك مطيتك إلى الله فارفق بها، وهناك أعمال تسبب بعدًا عن الله، وأعمال تسبب غيابا بينك وبين الله، فارفق بنفسك، ولا تحمّلها ما لا تطيق، فهذا الذي يستقيم على أمر الله عز وجل، هذا الذي يقف عند حدود الله، هذا الذي يتقرب إلى الله يسعد نفسه بالقرب إلى الله، أما إذا عمل أعمالاً لا ترضي الله فقد أقام باختياره وبفعل يده حجاباً بينه وبين الله، فحمّل نفسه من آلام البعد وجفوة المعصية ما لا يطيق.
لذلك ورد في الأثر:
" نفسك مطيتك فارفق بها "
فأول حظ من حظوظ المؤمن من هذا الاسم أن استقامته على أمر الله تجعل هذه الاستقامة الطريق إلى الله سالكاً، إذًا: هو ينعم في جنة القرب، وفي الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة، والدليل: ﴿ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (6) ﴾
( سورة محمد)
قال بعض العلماء: " مساكين أهل الدنيا، جاؤوا إلى الدنيا، وخرجوا منها، ولم يذوقوا أطيب ما فيها، إن أطيب ما في الدنيا القرب إلى الله عز وجل "، هذه اسمها جنة القرب.
يقول بعض العلماء: " ماذا يفعل أعدائي بي ؟ بستاني في صدري، إن أبعدوني فإبعادي سياحة، وإن حبسوني فحبسي خلوة، وإن قتلوني فقتلي شهادة، فماذا يفعل أعدائي بي؟ ".
أيها الإخوة، الإنسان يسعد لقربه من الله، فإذا فعل بعض المعاصي والآثام، أو إذا قصر في بعض الحقوق كان الحجاب بينه وبين الله، فحمّل نفسه مالا تطيق، لذلك نفسك مطيتك فارفق بها، هذه من ناحية، من ناحية ثانية لو أن الإنسان حمل نفسه، من العبادات ما لا يطيق ينطبق عليه قول النبي عليه الصلاة والسلام:
(( إن هذا الدين متين، فأوغل فيه برفق فإن المنبت، لا أرضا قطع، ولا ظهرا أبقى ))
[ البزار عن جابر بسند فيه ضعف، كما في الجامع الصغير ]
لذلك افعل من الأعمال ما تطيق:
فعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا امْرَأَةٌ، قَالَ:
(( مَنْ هَذِهِ ؟ قَالَتْ: فُلَانَةُ، تَذْكُرُ مِنْ صَلَاتِهَا، قَالَ: مَهْ، عَلَيْكُمْ بِمَا تُطِيقُونَ، فَوَاللَّهِ لَا يَمَلُّ اللَّهُ حَتَّى تَمَلُّوا، وَكَانَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيْهِ مَادَامَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ ))
[ متفق عليه ]
وعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
(( سَدِّدُوا، وَقَارِبُوا، وَاعْلَمُوا أَنْ لَنْ يُدْخِلَ أَحَدَكُمْ عَمَلُهُ الْجَنَّةَ، وَأَنَّ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ ))
[ متفق عليه ]
افعل من العبادات ما تستطيع أن تستمر عليها، أما هذا الذي يفور، ثم يضعف، خطه البياني صاعد صعودا حادا، ثم يهبط هبوطاً مريعاً، فليست هذه حكمة من عند المؤمن.
(( فَوَاللَّهِ لَا يَمَلُّ اللَّهُ حَتَّى تَمَلُّوا ))
افعلوا ما تطيقون.
(( وَأَنَّ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ ))
فالإنسان له مجلس علم يحافظ عليه، له أوراد يحافظ عليها، له تلاوة قرآن يومية يحافظ عليها، الاستمرار ينشأ عنه حالة اسمها التراكم، تراكم العبادات، تراكم الأذكار، تركم التلاوات، هذه تفعل فعلاً عجيباً، تعمل قرباً من الله عز وجل.
لذلك أول بنود الرفق: ارفق بنفسك، لا تحمّلها من المعاصي والآثام ما لا تطيق، لا تجعلها في جفوة عن الله عز وجل، ولا تحمّلها من العبادات ما لا تطيق، عندها تكون هناك نكسة، البطولة أن تكون العبادات مستمرة.
(( وَأَنَّ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ ))
الغلو إما بالتفريط أو بالإفراط، إذًا نفسك مطيتك، فارفق بها، هذا أول بند من تطبيقات اسم ( الرفيق ).
الرفق في الإنفاق من تمام الرفق بالنفس:
حتى في الإنفاق، قال تعالى:
﴿ وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ (195) ﴾
( سورة البقرة )
من أدق تفسيرات الآية، أنفق في سبيل الله، لأنك إن لم تنفق تلق بنفسك في التهلكة، وقال بعض المفسرين: أنفق في سبيل الله، فإنك إن أنفقت مالك كله تلقِ نفسك في التهلكة، لذلك سيدنا رسول الله ما قبِل من صحابي ماله كله، إلا الصديق فقط، كان يرفض أن يأخذ مال الصحابي كله. ﴿ وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ (195) ﴾
( سورة البقرة )
تهلك إن لم تنفق، وتهلك إن أنفقت مالك كله، في ساعة فورة إيمان تنفق مالك كله، فإذا أصبحت فقيراً ربما انتكست، لذلك نفسك مطيتك فارفق بها، هذا المعنى الأول.
2 – الرفق بالنساء:
أقرب الناس إليك زوجتك، فلذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم:
(( أكرموا النساء، فو الله ما أكرمهن إلا كريم، وما أهانهن إلا لئيم ))
[ ورد في الأثر ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/735/02.jpg
هذه رفيقة العمر، هذه شريكة العمر، ينبغي أن ترفق بها، هي أقرب الناس إليك، وهي أولى الناس بحسن معاملتك، وما مِن إنسان كامل، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
(( اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ، وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلَاهُ، فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ، فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ ))
[ متفق عليه ]
هذا رفق بالإنسان، الإنسان بحكمة يسعد بزوجة من الدرجة الخامسة، ومن دون حكمة، وعن طريق العنف يشقى بزوجة من الدرجة الأولى، لذلك أكبر عطاء إلهي الحكمة، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا (269)﴾
( سورة البقرة)
(( أكرموا النساء، فو الله ما أكرمهن إلا كريم، وما أهانهن إلا لئيم ))
[ ورد في الأثر ]
(( اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ ))
النبي الكريم يوصيك بالمرأة.
ومن أدق ما قرأت في قوله تعالى: ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ (19) ﴾
( سورة النساء)
قال بعض المفسرين: " ليست المعاشرة بالمعروف أن تمتنع عن إيقاع الأذى بها، بل أن تحتمل الأذى منها ".
هذا رفق بالإنسان، والبيت فيه لطف، فيه إلقاء سلام، فيه ابتسامة:
(( كان رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا دخل بيته بساماً ضحاكاً ))
[ ابن عساكر عن عائشة بسند ضعيف ]
كان يقول عن النساء:
(( لا تكرهوا البنات، فإنهن المؤنسات الغاليات ))
[ الحاكم والطبراني عن عقبة بن عامر بسند ضعيف ]
والحب تصنعه أنت بيدك، بابتسامه، بإلقاء سلام، بالتسامح، أحياناً بالمعاونة.
عَنْ الْأَسْوَدِ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ: مَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْنَعُ فِي أَهْلِهِ ؟ قَالَتْ:
(( كَانَ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ، فَإِذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ ))
[ البخاري ]
كان يكنس داره، ويرفو ثوبه، ويحلب شاته، وكان في مهنة أهله، فمعاونة الزوج برفق شيء رائع جداً، بل إن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الخيرية في البيت، فعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( خَيرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي ))
[ الترمذي ]
يمكن لأخلاق الإنسان خارج البيت أن يكون أن تنضوي تحت مصلحته، بالتعبير المستعمل الآن ( بيزنس )، لطفه وأناقته، وسلامه وابتسامته جزء من عمله، حتى ينتزع إعجاب الناس، ويحقق مصالحه، لكن في البيت لا رقابة عليه، لذلك بطولة المؤمن أن يكون في البيت رفيقا بأهله، محتملا لبعض الأخطاء، وما مِن شيء يعكر الصفاء بينه وبين زوجته، يتسامح معها، وتتسامح معه، قال تعالى: ﴿ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ (6) ﴾
( سورة الطلاق)
بالمناسبة، قال تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا (180) ﴾
( سورة الأعراف )
من معاني هذه الآية: أنك تتقرب إلى الله بالتخلق بكماله، الله عز وجل رفيق يحب كل رفيق، فمن التخلق بكمال الله أن تكون رفيقاً، فإن كنت رفيقاً كان الرفق وسيلة إلى الدخول على الله عز وجل، تتقرب إلى الله بالتخلق بكماله، فإذا كان الله رفيقاً بعباده فكن رفيقاً بمن حولك، وأقرب الناس إليك زوجتك.
السيدة عائشة مرة حدثت النبي صلى الله عليه وسلم فترة طويلة عن أبي زرع وأم زرع، وحدثته عن شجاعته وكرمه، وأنه كان زوجًا نموذجيا، لكنها تأسفت أشد الأسف حينما أعلمته في النهاية أنه طلقها، فكان عليه الصلاة والسلام رفيقا بها، فقال لها: أنا لك كأبي زرع لأم زرع، غير أني لا أطلقك.
هذه الزوجة مَن لها غيرك ؟ أحيانا لا يحلو للزوج إلا أن يمازح زوجته بشأن الزوجة الثانية والطلاق، هذا ليس من مزاحاً، بل يقيم هوة بينه وبينها، ويجرحها، أوقد يكسرها بهذا المزاح، لذلك ترفّق بهذه المرأة التي جعلها الله هدية لك.
إذًا: أكرموا النساء فو الله ما أكرمهن إلا كريم، ولا أهانهن إلا لئيم، إنهن مؤنسات غاليات.
كان عليه الصلاة والسلام إذا دخل بيته بساماً ضحاكاً، وكان في مهنة أهله، وهذا نوع من الرفق، وكمال الإنسان يتبدى أوضح ما يتبدى في بيته، وينبغي أن تكون بيوتات المسلمين جنة بالود، ليس بالخبز وحده يحيى الإنسان، فلو جئت بطعام نفيس، لو أسكنتهم بيتاً فخماً، هم يريدون مودتك، يريدون ابتسامة، يريدون الحب، والمرأة بالذات الحب يغلب عليها، أطعمها طعاماً خشناً، وكن لطيفاً معها أفضل ألف مرة من أن تطعمها طعاماً نفيسا ثم تقسو عليها، والحب بيدك، وهناك مقولات يقولها العوام، بعد فترة يألف كل منهما صاحبه، وينعدم الحب بينهما، هذا كلام بخلاف ما قاله النبي عليه الصلاة والسلام، قال عليه الصلاة والسلام:
(( الحمد لله الذي رزقني حب عائشة ))
[ ورد في الأثر ]
ومن سعادة المرء أن يحب زوجته، لأنها حليلته، ولأنها أم أولاده، والأمر بيدك، الله عز وجل ما كلفنا ما لا نطيق، قال تعالى: ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا (286) ﴾
( سورة البقرة )
ينبغي أن تكون رفيقا بنفسك ورفيقا بزوجتك.
3 – الرفق بالأولاد:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/735/03.jpg
وينبغي أن تكون رفيقاً بأولادك، الحديث الرائع:
(( علموا، ولا تعنفوا، فإن المعلم خير من المعنف ))
[ الجامع الصغير عن أبي هريرة بسند ضعيف ]
علم ولا تعنف، استخدم المكافآت بدل العقوبات، لا تقل: لو أن رجلا لم يصلِّ الصبح سوف أضربه، هناك كلام آخر، من صلى معي الفجر سوف أكافئه بمبلغ من المال أو بهدية، أسلوب المكافآت رائع جداً، اجعل العلاقة بينك وبين أولادك علاقة طيبة، أنا لا أشك أن كل أب يحب أولاده، لكن يقسوا عليهم اجتهادهاً، وهذا خطأ كبير، حتى إنهم علمونا في الجامعة في علم النفس التربوي أن الأم التي ترضع ابنها، إن أرضعته برقة ولطف فمن نتائج هذا الإرضاع بهذه الطريقة أخلاق رضية، أما إذا أرضعته بعنف فربما كان هذا الإرضاع هو سبب في قسوته أحياناً،.
شيء دقيق جداً، فلذلك:
(( علموا، ولا تعنفوا، فإن المعلم خير من المعنف ))
4 – الرفق بالوالدين:
بقي الوالدان، العطف في اللغة يفيد التجانس.
مثلا: لا تقل: اشتريت مئة دنم من الأرض وملعقة، لا تناسب إطلاقاً، اشتريت أرضا وبيتاً، أو مركبة وبيتاً، ملعقة وشوكة، هل تصدق أن الله سبحانه وتعالى رفع بر الوالدين إلى مستوى عبادته، قال تعالى:
﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً (23) ﴾
( سورة الإسراء)
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/735/04.jpg
لأنه عطف الإحسان بالوالدين على عبادة رب العالمين، فرفع البر إلى أعلى مستوى. ﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً (23) ﴾
( سورة الإسراء)
لذلك لو أن في اللغة كلمة أقلّ من كلمة أف لقالها الله عز وجل، وإرضاء الأب والأم أحياناً في غير معصية، الأوراق تختلف، لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، والدليل: ﴿ وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا (15) ﴾
( سورة لقمان)
إذًا: لابد من الترفق في معاملة الوالدين، حتى لو عصيتهما في معصية لله ينبغي أن تترفق في عدم تلبية رغبتهما لا بعنف ولا بقسوة.
أيها الإخوة، الأب والأم كانا سبب وجودك في الحياة، والله عز وجل خلق الإنسان: ﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (1) ﴾
( سورة الإنسان )
لكن هذا الإنسان كان عن طريق هذين الوالدين، فلابد من بر الوالدين، والترفق بهما، لذلك:
﴿ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا (23) ﴾
( سورة الإسراء)
الإنسان مثلا يقول: أنا عندي أربعة أولاد، لما يتقدم في السن أين هو ساكن ؟ عنده ابنه، كان أولاده عنده، فأصبح عندهم، والأب الذي سنه معتدلة بره سهل جداً، وأحيانا يتقدم الإنسان في السن، وبعد سن معينة يكون فيه تكلس في العقل، وأحياناً القصة الواحدة تعاد مئة مرة، وأحياناً هناك أشياء لا علاقة له بها بر الوالدين في سن متأخرة، وهما عندك في البيت هذا شيء يحتاج إلى جهد كبير، لكن هذا العمل البطولي: ﴿ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) ﴾
( سورة الإسراء)
أيها الإخوة، صدقوا أن الذي يموت والداه وهما راضيان عنه يشعر بسعادة طول حياته، لأنه أدى واجبه بالكمال والتمام، لذلك يجب الرفق مع النفس، ومع الزوجة، و مع الأولاد، والمؤمن رفيق، لأن الله رفيق، ولأن هذا الكمال اشتقه من الله عز وجل، وبه يتقرب إلى الله، وقد كاد الحليم أن يكون نبياً، والحلم سيد الأخلاق.
5 – الرفق بالناس جميعا:
أنت موظف تحت يدك عشرة موظفين، هؤلاء أتباعك، وأنت موكل بهم، تحاسبهم في تفوقهم، وفي تقصيرهم، لذلك الحديث الذي ينخلع القلب له يقول عليه الصلاة والسلام:
(( اللَّهُمَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا ـ مدير مدرسة، مدير جامعة، مدير مؤسسة، مدير أي مكان ـ فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَاشْقُقْ عَلَيْهِ، وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ فَارْفُقْ بِهِ ))
[ مسلم عن عائشة ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/735/05.jpg
تحت يدك عشرة أشخاص، (( اللَّهُمَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَاشْقُقْ عَلَيْهِ ))
أحينا يحمّل المدير العام الموظفين شيئًا لا يطاق، يطالبهم بأشياء فوق طاقاتهم، ويمنع عنهم الإضافات، ويحمّلهم مالا يطيقون.
بالمناسبة أيها الإخوة الكرام، ورد في الأثر: " إذا أردت رحمتي فارحموا عبادي "
في الامتحانات يكون مستوى السؤال في طاقة الناس جميعاً، تجد البيوت فيها مآسٍ، لأن المدرِّس أحيانا يرى بطولته في وضع أسئلة تعجيزية، هذا خطأ كبير، أو سؤال غير مدروس، فهو غير رفيقٍ بطلابه.
أحياناً مدير عام يكلف الموظفين بعمل فوق طاقتهم فلذلك:
(( اللَّهُمَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَاشْقُقْ عَلَيْهِ، وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ فَارْفُقْ بِهِ ))
[ مسلم ]
أيّ مدير عام، أيّ منصب قيادي، ارحم هؤلاء الذين هم دونك، كن واقعياً، تلطف بهم.
مرة كنت في دائرة، المدير العام قال لموظف: كيف صحتك يا بني ؟ مرتاح ؟ هل يلزمك شيء، يا الله يمضى شهر لا ينسى المستخدم هذه الكلمات، هذا إنسان مثلك، فكلما تواضع الإنسان مع من حوله قدر صعوبات الحياة، وقدر المتاعب التي يعانيها الموظف.
أحيانا يعرف المدير العام أن المعاش قليل، ولا يكفي، ويكلفه فوق طاقته، وبكلام قاسٍ، بحكم السلطة التي يملكها.
(( اللَّهُمَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَاشْقُقْ عَلَيْهِ، وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ فَارْفُقْ بِهِ ))
[ مسلم ]
صور من رفق سيدنا عمر بالرعية:
سيدنا عمر سأل واليا أراد أن يمتحنه، قال له: << ماذا تفعل إذا جاءك الناس بسارق أو ناهب ؟ حسب الحكم الشرعي، قال: أقطع يده، قال له عمر: إذًا مَن جاءني مِن رعيتك مَن هو جائع أو عاطل فسأقطع يدك، إن الله قد استخلفني عن خلقه لنسد جوعتهم، ونستر عورتهم، فإن وفينا لهم ذلك تقاضيناهم شكرها، إن هذه الأيدي خلقت لتعمل، فإذا لم تجد في الطاعة عملاً التمست في المعصية أعمالاً، فاشغلها بالطاعة قبل أن تشغلك بالمعصية >>.
كان سيدنا عمر كلما قدم إليه والٍ من الولاة يسأله: كيف الأسعار عندكم ؟ من شدة رحمته برعيته، وكان العلماء يسألون أتباعهم إن جاؤوا من سفر: كيف الأمطار عندكم ؟ هذه رحمة.
سيدنا عمر لما تولى الخلافة كان شديداً، فخاف الناس من شدته، فقال: << أيها الناس، كنت خادم رسول الله وسيفه المسلول، وجلواده، وتوفي وهو عني راض، الحمد لله على هذا كثيرا، وأنا به أسعد، ثم كنت خادم أبي بكر، وسيفه المسلول، وجلواده، وتوفي وهو عني راض، وأنا أحمد الله على هذا كثيراً، وبهذا أسعد، ثم آلت الأمور إلي، فاعلموا أيها الناس، أن تلك الشدة قد أضعفت، وإنما تكون على المعصية والفجور، أما أهل التقوى والعفاف فأنا ألْينُ لهم من أنفسهم، وسأضع رأسي على الأرض ليطؤوه بأقدامهم، لكم علي أيها الناس خمس خصال، خذوني بهن، لكم علي ألا آخذ من أموالكم شيئاً إلا بحقه، ولا أنفقه إلا بحقه، ولكم على ألا أجمركم في البعوث، وإذا غبتم في البعوث فأنا أبو العيال حتى ترجعوا، ولكم علي أن أزيد عطاياكم إن شاء الله تعالى >>، هكذا كان.
عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
(( إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ ))
[ مسلم ]
والحمد لله رب العالمين
السعيد
08-04-2018, 03:46 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الحادى العاشر )
الموضوع : اسم الله - الرزاق -1-
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. اسم الله ( الرزّاق ):
1 – ورودُ اسم ( الرزّاق ) في القرآن والسنة:
أيها الإخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، إنه اسم ( الرزاق )، فالله سبحانه وتعالى سمّى نفسه (الرزاق) في الكتاب وفي السنة، ففي الكتاب في قوله تعالى:
﴿ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58) ﴾
( سورة الذاريات)
وفي الحديث عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: أَقْرَأَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( إِنِّي أَنَا الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ))
[ الترمذي ]
هذا الاسم الكريم ورد مطلقاً ومعرفا بـ ( ال )مراداً به العلمية، دالا على كمال الوصفية.
2 – معنى صيغة المبالغة في ( الرزّاق ):
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/737/07.jpg
وصيغة هذا الاسم صيغة مبالغة، وإذا جاءت أسماء الله الحسنى بصيغة المبالغة فتعني شيئين: تعني كَمًّا، وتعني نوعاً، الله عز وجل يرزق من يشاء بغير حساب، ويرزق النملة السمراء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، يرزق كل المخلوقات، لذلك الله عز وجل يقول:
﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا (6) ﴾
( سورة هود)
كلمة ( الدابة ) جاءت نكرة تنكير شمول، لتشمل هذه الكلمة كل شيء يدب على وجه الأرض، و( مِن ) تفيد استغراق أفراد النوع.
لو دخلت إلى صف وقلت: هؤلاء الطلاب لهم عندي جائزة، أي الذين أمامك، أما إذا قلت: ما من طالب في هذا الصف إلا وله عندي جائزة، شمل الغائبين، إذًا ( من ) تفيد استغراق أفراد النوع، فإذا جاءت ( على ) قبل لفظ الجلالة دلت على الإلزام الذاتي، أن الله سبحانه وتعالى ألزم ذاته العلية برزق العباد.
قوانين الرزق متحركة غير ثابتة:
أيها الإخوة، الآيات كثيرة جداً، والموضوع واسع جداً، ولكن لحكمة بالغة ثبتَ الله ملايين القوانين كي تستقر حياتنا، وكي تنتظم، ولكنه لحكمة بالغة حرك قوانين الصحة والرزق، وكأن الصحة والرزق أداتان لتربيتنا، لذلك:
﴿ وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا ﴾
( سورة الجن )
﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ ﴾
( سورة الأعراف الآية: 96 )
﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم ﴾
( سورة المائدة الآية: 66 )
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/737/02.jpg
ويقاس على ذلك، لو أن المسلمين أقاموا القرآن الكريم لأكلوا من فوقهم، ومن تحت أرجلهم، وقد يُحرَم المرء بعض الرزق بالمعصية، إذًا حرك الله قوانين الرزق، وربطها بالإيمان والاستقامة، وإقامة أمر الله، قال تعالى: ﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (12) ﴾
( سورة نوح )
أيها الإخوة الكرام، ثبات آلاف القوانين من أجل استقرار الحياة، ثبات قوانين المعادن، فقد يبنى بناء شامخ، الحديد خصائصه ثابتة، لو تغيرت خصائص الحديد لانهار البناء.
ثبات خصائص البذور، ثبات ملايين القوانين، لكن الرزق ليس ثابتا، والصحة ليست ثابتة، وكأن الصحة والرزق أداتان من أدوات تربية الله لنا، فلذلك ربط الرزق أحيانا بالتقوى والاستقامة، والطاعة والاستغفار، وهناك بحث قيم جداً حول زيادة الرزق وفق الكتاب والسنة.
كلمة ( الرزق ) واسعة غير محصورة في المال:
لكن النقطة الدقيقة أن كلمة رزق أوسع بكثير من أن تكون مالاً أو طعاماً وشراباً، والدليل على ذلك قوله تعالى:
﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (82) ﴾
( سورة الواقعة )
فالإنسان إذا عرف الله فهذا رزق من الله، فإذا ألقى الله في قلب الإنسان الأمن فهذا من رزق الله، الأمن رزق، إذا ألقى الله في قلبك الرضا هذا رزق، إذا ألقى الله في قلبك السكينة فهذا رزق، إذا ألقى الله في قلبك الرحمة فهذا رزق، لذلك الأرزاق أوسع بكثير من أن تكون مالاً أو صحة أو طعاماً وشراباً.
الرزق هو الشيء الذي تنعم به، فنعمة الأمن من أعظم الأرزاق، والرضى من أعظم الأرزاق، والصحة من أعظم الأرزاق، لذلك العلماء أشاروا إلى ما يسمى الرزق السلبي، حينما تعافى من جميع الأمراض فهذا رزق سلبي، يمكن أن يدفع الإنسان الملايين لمعالجة جسمه من مرض عضال، حينما ينجو الإنسان من ظلم ظالم قد يبدد المال كله، هناك رزق سلبي، وهو من خصائص المؤمنين، فإذا نجاك الله من أمراض عضالة، من ظلم الظالمين فهذا رزق.
فلذلك الرزق أوسع بكثير من أن يكون طعاماً وشراباً، أو من أن يكون مالاً، لذلك إن الله يعطي الصحة والذكاء والمال والجمال للكثيرين من خلقه، و لكنه يعطي السكينة بقدر لأصفيائه المؤمنين، السكينة رزق، كما أن المال رزق، والجمال رزق، والصحة، والقوة والسكينة رزق، والرضى رزق، والحكمة رزق، قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا (269) ﴾
( سورة البقرة)
وأرزاق الله عز وجل لا تعد ولا تحصى، ولكن معظمها يستحقها المؤمن بإيمانه وتوحيده واستقامته، وإذا ذهبت لتعدد النعم التي أسبغها الله على المؤمنين فإنها نعم عظيمة لا تعد ولا تحصى.
أيها الإخوة، من أشقى الناس مَن كان رزقه من الله أن يكذب بآياته، قال تعالى: ﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (82) ﴾
( سورة الواقعة )
بعثة النبي أعظم منحة إلهية لنا، القرآن الكريم منهج عظيم سخره الله لنا، لذلك أيها الإخوة، يجب أن نفهم مبدئياً أن الرب رب، وأن العبد عبد، بمعنى أن الله سبحانه وتعالى حينما أراد أن يؤكد بشرية الأنبياء ماذا قال ؟ قال تعالى:
﴿ وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ (20) ﴾
( سور الفرقان )
أي هم مفتقرون في وجودهم إلى تناول الطعام، ومفتقرون في ثمن الطعام إلى أن يمشوا في الأسواق، هذا شأن العبد، مفتقر إلى الطعام والشراب، ومفتقر إلى ثمن الطعام والشراب، إذًا هو يعمل، فالذي يعمل ليكسب مالاً ليشتري طعاماً ليس إلهًا. ﴿ وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ (20) ﴾
( سور الفرقان )
من معاني الرزّاق خلقُ الأرزاق بحكمة من حيث النوع والكم والوقت والتتابع:
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/737/03.jpg
أيها الإخوة الكرام، من معاني الرزاق أنه خلق الأرزاق، كم من الدواب يذبح كل يوم على مستوى الأرض ؟ مليارات، هذا رزق العباد، كم من أطنان القمح ينتج كل عام ؟ بلدنا الطيب المتواضع ينتج أحيانا من محافظات شمال شرق ستة ملايين طن، وحاجة بلدنا كله إلى مليون طن فقط، إذًا الله عز وجل رزاق، مَن خلق هذا القمح ليكون غذاء كاملا ؟ الله جل جلاله، مَن جعل سوق القمح غذاء نموذجيا كاملا للدواب ؟ الله جل جلاله، التبن الذي هو سوق القمح هذا غذاء إستراتيجي للأنعام، من صمم القمح ليكون غذاء كاملاً ؟ عدد أنواع القمح بعشرات الألوف، هذا القمح ينبت في الصيف والشتاء، وفي قمم الجبال وفي الوديان والصحاري والسواحل، وفي المنطقة الحارة والباردة، أنواع منوعة رزقا للعباد، الله عز وجل جعل هذا الغذاء كاملا، من أعطى هذه الدابة القدرة على إنتاج الحليب ؟
مما يلفت النظر أن الغدة الثديية في البقرة شيء محير، إنها كالقبة تماماً، فوق هذه القبة شبكة أوعية دموية كثيفة جداً، وأن الخلية الثديية تختار من الدم حاجتها لتكوين الحليب، قال تعالى:
﴿ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (66) ﴾
( سور النحل )
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/737/04.jpg
الفرث قد يكون سائلاً، وقد يكون غازياً، كثاني أكسيد الفحم، وقد يكون صلباً كالروث. ﴿ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (66) ﴾
( سور النحل )
هذا الحليب الذي وهبنا الله إياه عن طريق الأنعام غذاء كامل، ما شرب النبي عليه الصلاة والسلام من هذا الحليب شيئاً إلا قال: اللهم زدنا منه، مشتقات الألبان غذاء أساسي للإنسان، من صممه ؟ من خلقه ؟ الله جل جلاله.
هذه الفواكه التي ترونها من صمم أنها تنضج خلال صيف بأكمله، لماذا القمح ينضج في يوم واحد ؟ والفواكه تنضج على مدى الصيف ؟
حدثني أخ كريم ضمن حقل من البطيخ قال لي: جنيت منه قدرَ تسعين سيارة، كل يوم سيارة مملوءة على مدى ثلاثة أشهر.
من جعل الفاكهة تنضج تِباعاً ؟ من برمج أن هذه فواكه تبدأ بالكرز، ثم المشمش، ثم التفاح، ثم الأجاص... من وزع نضج هذه الفواكه، وجعل آخرها العنب على مدى الصيف، تصميم من ؟ رزق من ؟
لذلك معنى الرزاق أنه خلق الأرزاق، لكن الذي يلفت النظر تناسب هذه الأرزاق مع بنية الإنسان، القمح غذاء كامل للإنسان.
حليب البقرة:
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/737/05.jpg
فهذه الغدة الثديية خلية تختار هي مِن شبكة الدم الذي فوقها ما يناسبها لصنع الحليب، أما كيف تختار، وكيف تصنع الحليب، هذا حتى الآن شيء غير معلوم، لكن هذه الغدة الثديية التي على شكل قبة تأخذ حاجتها من الدم، وترشح نقطَ من الحليب، هذه النقاط تجتمع في ثدي البقرة، ثدي البقرة يجمع أربعين كيلوا من الحليب، ولئلا يتمزق هذا الثدي هناك جداران داعمان متعاكسان في ثدي البقرة، ولكل جزء من هذا الثدي حلمة، لو أن أربعة إخوة لهم بقرة، كل أخ يأخذ من حلمة نصيباً متساوياً مع بقية إخوته، قال تعالى:
﴿ وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ (5) ﴾
( سور النحل )
هذا معنى اسم ( الرزاق )، من صمم هذه البقرة ؟ إنها معمل صامت رائع، تأكل الحشيش فتعطيك الحليب، من صمم الدجاجة تأكل كل شيء فتعطيك البيضة ؟ من صمم هذه الفواكه والثمار؟ هذه الخضراوات ؟ من صمم المحاصيل القمح والشعير والعدس والحمص ؟ من جعل هذه المواد متوافقة أتم التوافق مع بنية الإنسان ؟ لو أن التفاحة مثلاً بقوام لا يقطع بأسنانك ماذا تفعل ؟ لو أن طعم التفاحة لا يحتمل لا تأكلها، لو أن شكلها لا يعجبك لا تأكلها، الشكل مناسب، والطعم مناسب، والقوام مناسب، وفيها معادن، وفيها حديد، وفيها مغنيزيوم، ومواد سكرية، وحجم معتدل، ولها قشرة تحميها من العطب، هذا تصميم من ؟ لذلك أيها الإخوة، قال تعالى: ﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24) ﴾
( سور عبس )
هذا أمر إلهي في القرآن الكريم، وكل أمر في القرآن الكريم يقتضي الوجوب، قال تعالى: ﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (25) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (26) ﴾
( سور عبس )
إذاً: التفكر في الرزق من موجبات القرآن الكريم، لأن القاعدة الأصولية: كل أمرٍ في القرآن الكريم يقتضي الوجوب، وأنت تأكل الطعام صباحاً وظهراً ومساءً تفكر، الزبدة من مشتقات الألبان، واللبن المصفى من مشتقات الألبان، والجبنة من مشتقات الألبان، والقشطة من مشتقات الألبان، والسمن من مشتقات الألبان، ما هذه الألبان التي أكرمنا الله بها ؟
الأرزاق متناسبة مع بنية الجسم:
لذلك أيها الإخوة، مما يلفت الأنظار أن هذه الأرزاق متناسبة تناسباً رائعاً مع بنية الجسم.
أحياناً تشتري قطعة لمركبتك، حينما تأتي في مكانها الصحيح، على مستوى الميليمتر معنى ذلك أن المعمل واحد، المعمل الذي صنع السيارة هو الذي صنع هذه القطعة، وتناسب الأرزاق بدءاً من العدس والشعير، والقمح والحمص إلى الخضراوات إلى فواكه، إلى الألبان إلى العسل، تناسب هذه الأرزاق مع بنية الجسم هذا من صنع الحكيم، وهذا يؤكد اسم ( الحكيم ) أيضا.
كيف يكسب الناس الأرزاق ؟
شيء آخر، كيف تكسب هذا الرزق ؟ جعل لك معايش، هذا معنى دقيق جداً، فكم من إنسان في الأرض يعيش على طول الشعر ؟ ملايين، كم من إنسان يعيش على الحر المكيفات والبرادات والثلج ؟ كم من إنسان يعيش على الحر ؟ كم من إنسان على الأرض يعيش على البرد ؟ كم من إنسان في الأرض يعيش على جهل الصغار بالتعليم والجامعات، كم من إنسان يعيش على المرض ؟ كم من طبيب في الأرض ؟ معنى معايش أي: أسباب لكسب الرزق، وجعلها متناسبة مع الإنسان، ثم أعطاك وسائل كسب الرزق.
إنّ الإنسان يتمتع بخبرة عالية، هذه الخبرة مودعة في ذاكرته، والإنسان يتبدل تبدلا كاملا كل خمس سنوات، إلا دماغه وقلبه، إذا تبدل الدماغ خسر كل خبرته، فيقول: أنا كنت طبيبا، لكن ثبات خلايا الدماغ مِن نعمِ الله الكبرى.
الخبرات:
وأحد أسباب كسب الرزق خبراتك، والخبرات التي تملكها إما خبرات في الطب، أو الهندسة، أو الفيزياء، أو الكيمياء، أو الرياضيات، أو الفلك، أو في صنعة، أو في حرفة، أو في مهارة، أو في شيء آخر، فكلّ إنسان يعيش بالخبرة التي يملكها من حرفة يحترفها، من مهنة يمتهنها، فهي خبرات متراكمة.
إذاً: الله عز وجل فضلاً على أنه خلق لك الأرزاق، وجعلها متوافقة توافقا تاماً مع خلق الإنسان، أعطاك وسائل لكسب الرزق، كل واحد منا له عمل، والعمل بفضل مهارات يملكها وخبرات، هذا بالتجارة، هذا بالصناعة، هذا بالزراعة، هذا بالطب، هذا بالهندسة، هذا بالتدريس، هذا بالفيزياء، بالكيمياء، بالحقوق لحل مشكلات الناس، كل إنسان يعيش من حرفة، من مجموعة خبرات متراكمة يستخدمها لكسب المال، إذاً: الله عز وجل جعل لك معايش، والآية دقيقة:
﴿ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ (10) ﴾
( سور الأعراف )
يعني وسائل فعالة لكسب الرزق.
بين فقرِ القدَر وفقرِ الكسل فقرِ الإنفاق:
أيها الإخوة الكرام، لكنك إذا رأيت إنساناً فقيراً فأنا لي رأي في هذا الموضوع، هناك فقر القدر، إنسان معه عاهة معذور عند الله، هذا قضاء الله وقدره، وله حكمة بالغة، عرفها مَن عرفها، وجهلها مَن جهلها، لكن هناك الفقر المذموم، وهو فقر الكسل، هذا صاحبُه يرجئ، ولا يتقن عمله، بل يقصر ويغش أحياناً، هذا الإنسان إذا كان فقيراً ففقره من خطأ يرتكبه، إنه الكسل، أنا أسميه فقر الكسل، وهناك فقر الإنفاق، فقر سيدنا الصديق حينما أنفق ماله كله، فقال: يا أبا بكر، ماذا أبقيت لنفسك ؟ قال: أبقيت الله ورسوله، هناك فقر القدر، وفقر الكسل، وفقر الإنفاق.
أسباب الرزق:
لكن الرزق أيها الإخوة له سببان أساسيان، أن تأخذ في أسباب الرزق، ثم تتوكل على الله.
السبب الأول: الأخذ بالأسباب:
عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ، فَقَالَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ لَمَّا أَدْبَرَ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ، وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ، فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ))
[ أبو داود وأحمد ]
أن أسعى، أن أخرج من البيت، أن أقرأ الصحف التي فيها إعلانات لأعمال، أن أتحرك.
السبب الثاني: التوكُّل على الله:
ثم أتوكل، لذلك لما سيدنا عمر رأى أناساً يتكففون الناس في الحج فقال: << من أنتم ؟ قالوا: نحن المتوكلون، قال: كذبتم، المتوكل من ألقى حبة في الأرض، ثم توكل على الله >>.
يدرس، يجمع الخبرات، يطرق أبواب الوزارات، أحياناً يفتح الصحف التي فيها إعلانات عمل، هذا هو السعي، وبعدئذ يتوكل على الله عز وجل.
أيها الإخوة الكرام، لكن آية مهمة جداً تحتاج إلى شرح طويل، هي قوله تعالى:
وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ
﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ (3) ﴾
( سورة الطلاق )
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/737/06.jpg
أنا متى أقول: أين المخرج ؟ حينما تكون الأبواب كلها مغلقة أبحث عن المخرج، أحيانا كلما طرقت باباً رأيته مسدودا، فباب الوظيفة مسدود، وباب التجارة مسدود، وباب الصناعة مسدود مثلاً، فالرزق أحياناً يجعلك في حيرة من أمرك، الأبواب كلها مغلقة، اتق الله، طبق منهج الله، وانتظر أن يفتح الله لك أبواب رزقه، هذه آية، ولزوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين، والآية وعد: ﴿ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا ﴾
( سورة الطلاق )
هذا الكلام موجه للشباب، الشاب بحاجة إلى عمل، بحاجة إلى مسكن، بحاجة إلى زوجة، وقد يتوهم أحياناً أن الطرق كلها مسدودة. ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ (3) ﴾
( سورة الطلاق )
هذا كلام خالق الأكوان، هذا كلام من هو طليق الإرادة، هذه الآية وما فيها من وعد لا علاقة لها بالظروف كلها، ظروف صعبة، بطالة، فرص عمل قليلة، هذا كله كلام غير مقبول. ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ (3) ﴾
( سورة الطلاق )
ولهذه الآية وقفة متأنية إن شاء الله في لقاء قادم.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
08-04-2018, 03:48 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الحادى العاشر )
الموضوع : اسم الله - الرزاق -2-
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. مع اسم من أسماء الله ( الرزاق ):
ولازلنا أيها الإخوة مع اسم ( الرزاق ).
وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ
والآية التي ينبغي أن تكون في مقدمة هذا الدرس، قال تعالى:
﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ (3) ﴾
( سورة الطلاق )
1 – الآية في معناها السياقي والمعنى العام:
أحياناً الآية لها معنىً في سياقها، والآية وردت في سورة الطلاق، أي أنه من يتق الله في تطليق زوجته، فيطلقها طلاقاً سنياً لا طلاقاً بدعياً يجعل الله له مخرجاً إلى إرجاعها، أما إذا نزعت الآية من سياقها فلها معان لا تعد ولا تحصى.
2 – الآية في معناها العام:
فمن يتق الله في اختيار زوجته يجعل الله له مخرجاً من الشقاء الزوجي.
ومن يتق الله في تربية أولاده يجعل الله له مخرجاً من عقوقهم.
ومن يتق الله في كسب ماله يجعل الله له مخرجاً من إتلاف ماله.
ويمكن أن نتحدث عن هذه الآية ساعات وساعات، ولكن في موضوع الرزق، قال تعالى:
﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ (3) ﴾
( سورة الطلاق )
الأمر بيد الله، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد.
﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ﴾
( سورة هود: من الآية 123 )
فهذا الذي يستقيم على أمر الله له عند الله رزق وفير، وهذا الكلام ينطبق على كل مسلم إلى يوم القيامة، وهذا الوعد فوق الظروف الصعبة، وفوق انتشار البطالة، وفوق قلة المكاسب، جميع الظروف الاستثنائية التي تحول بين الإنسان والرزق تعطل مع هذا الوعد الإلهي، لكل مسلم إذا استقام على أمر الله عز وجل، وكل إنسان يتعامل مع الله وفق هذه الآية له عند الله رزق وفير. ﴿ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا ﴾
( سورة الطلاق )
وذكرت أن الإنسان حينما يبحث عن مخرج فمعنى ذلك أن الأبواب كلها مغلقة.
ضاقَت فَلَمّا اِستَحكَمَت حَلَقاتُها فُرِجَت وَكُنتُ أَظُنُّها لا تُفرَجُ
***
فعلاقتك مع الله في هذا الموضوع أن اتقِ الله
" عبدي، كن لي كما أريد أكن لك كما تريد، كن لي كما أريد، ولا تعلمني بما يصلحك، أنت تريد، وأنا أريد، فإذا سلمت لي فيما أريد كفيتك وما تريد، وإن لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد، ثم لا يكون إلا ما أريد ".
في هذا الموضوع لو أن الإنسان تعامل مع الله مباشرة فاتقى الله، وحرص حرصاً لا حدود له على طاعته، فالله عز وجل هو الرزاق، يرزقه من حيث لا يحتسب، والقصص التي تؤكد هذا المعنى كثيرة لا تعد ولا تحصى، وهذا ليس خاصا بإنسان دون إنسان، هذا لكل مسلم.
سيدنا يونس في بطن الحوت قصةٌ وقانون:
أوضح لكم هذه الحقيقة من خلال هذه الآية عن سيدنا يونس، نبي كريم يجد نفسه فجأة في بطن حوت، والحوت وزنه مئة وخمسون طنًّا، خمسون طنا من لحم، و خمسون طنا من عظم، خمسون طنا من دهن، يستخرج منه تسعون برميلا زيتا، والإنسان بإمكانه أن يقف على فم الحوت بقدميه، ووجبة الحوت المعتدلةُ أربعة أطنان، قال تعالى:
﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ (88) ﴾
( سورة الأنبياء)
دقق الآن، قَلَبَ الله القصة إلى قانون، قال تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88) ﴾
( سورة الأنبياء)
في كل زمان، وفي كل مكان، وفي كل مصر، وفي كل قطر، وفي كل ظرف، إن كنت في الهواء، أو كنت على أطباق الماء، أو كنت تحت الثرى.
﴿ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88) ﴾
( سورة الأنبياء)
﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88) ﴾
( سورة الأنبياء)
سيدنا موسى وفرعون:
هذا القرآن لنا، هذا القرآن يبين لنا أن الله مع المؤمن، قال تعالى:
﴿ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (62) ﴾
( سورة الشعراء )
احتمال النجاة صفر، فرعون بجبروته، بطغيانه، بحقده، بأسلحته، بما يملك يتبع شرذمة قليلة، والبحر أمامهم. ﴿ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾
( سورة الشعراء )
هذا الكلام لنا، ينبغي ألا نيئس، ألا نقع في الإحباط، أن نحسن الظن بالله، إذاً: ﴿ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا ﴾
( سورة الطلاق )
كن صادقاً، كن أميناً، انصح الناس، لا تفكر أن تكسب الرزق بمعصية، فما عند الله لا ينال بمعصيته، ومن ابتغى أمراً بمعصية كان أبعد مما رجا، وأقرب مما اتقى.
﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ (3) ﴾
( سورة الطلاق )
والقصص التي تؤكد هذا المعنى والله لا تعد ولا تحصى.
قانون التيسير:
أيها الإخوة، الإنسان أحياناً يشكو من التعسير، لكن ربنا وإلهنا وخالقنا يقول:
﴿ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا ﴾
( سورة الطلاق )
الأمور ميسرة، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، قال تعالى: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى(5)وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى(6)فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى(7) ﴾
( سورة الليل )
التيسير له قانون، واللهُ عز وجل التعامل معه وفق قواعد ثابتة. ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) ﴾
( سورة الليل )
﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا (5)﴾
( سورة الطلاق )
تقول: لي أعمال خطيرة، لي ذنوب كبيرة، نقول لك: ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا (5) ﴾
( سورة الطلاق )
ثلاث آيات في سورة الطلاق:
الأولى:
﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ (3) ﴾
( سورة الطلاق )
الثانية: ﴿ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا ﴾
( سورة الطلاق )
الثالثة: ﴿ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا ﴾
( سورة الطلاق )
وسائل وأسباب زيادة الرزق:
هل من وسائل ذكرها القرآن الكريم، أو هل من أسباب بيّنها الكتاب في زيادة الرزق، وكما تعلمون الإنسان حريص حرصاً لا حدود له على بقائه، وعلى سلامة وجوده، وعلى كمال وجوده، وعلى استمرار وجوده، وعلى رزقه:
1 – الاستقامة على أمرِ الله:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/739/01.jpg
الله عز وجل يقول:
﴿ وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا ﴾
( سورة الجن )
أول أسباب زيادة الرزق الاستقامة على أمر الله، فقد يحرم المرء بعض الرزق بالمعصية.
إن بيتا تؤدى فيه الصلوات، ومحلا تجاريا فيه غض بصر، فيه ضبط لسان، فيه إقامة صلوات، هذا البيت والمحل التجاري مرزوقان.
﴿ وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا ﴾
( سورة الجن )
أحد أكبر أسباب زيادة الرزق الاستقامة.
﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (31) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (32) ﴾
( سورة فصلت )
الحزن مع الإيمان بالله مستحيل، الأمر بيده، وهو معنا يسمع ويرى، ويعلم، والأمر كله بيده، لذلك:
كن مع الله تـر الله مع واترك الكل وحاذر طمعك
و إذا أعطاك من يمنعه ثم من يعطي إذا ما منعـك
***
فتعليق الأمل بالله عز وجل، والاستقامة على أمره أحد أسباب زيادة الرزق.
2 – الإيمان والتقوى:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/739/02.jpg
قال تعالى:
﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ (96) ﴾
( سورة الأعراف )
أحياناً تنزل أمطار ما ينزل في عام بأكمله يمكن أن ينزل في ليلة واحدة. ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ (96) ﴾
( سورة الأعراف )
مرة كنت أستمع إلى حوار صاحِبَيْ معملي تطريز، قال له: بعنا بيعًا يخيف، قال له: ما السبب ؟ قال: الأمطار هذا العام كانت غزيرة، الرزق في السماء.
أيها الإخوة، الآن الإيمان والتقوى أحد أسباب زيادة الزرق، وكل مؤمن حريص على أن يكون رزقه وفيراً، هذا شيء مكنوز في أعماقك، لذلك عليك أن تستقيم على أمر الله، الآية الدقيقة:
﴿ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (66) ﴾
( سورة الزمر )
عليك أن تعبد الله، وعلى الله الباقي.
هناك معنى دقيق جداً:
﴿ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ ﴾
عليك أن تعبد الله، والله سبحانه وتعالى يتولى أن يرزقك رزقاً وفيراً فاشكر بعدها.
﴿ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (66) ﴾
( سورة الزمر )
أنا لا أريد لإنسان يؤمن بالله أن ييئس، أن يشعر بالإحباط، أن يقول: الأمور صعبة جداً، على الله ليس هناك شيء صعب، على الله كله يسير، ما عليك إلا أن تستقيم على أمره.
3 – الصلاة:
الآن أحد أسباب زيادة الرزق:
﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا (132) ﴾
( سورة طه )
﴿ لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (132) ﴾
( سورة طه )
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/739/03.jpg
الأب أحياناً يسأل: أتناول ابنه الطعام قبل أن ينام ؟ تقول له أمه: أكل، هل كتب وظائفه ؟ نعم، كتب، وقلّما يسأل امرأته: هل صلى العشاء ؟ ﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا (132) ﴾
( سورة طه )
البيت الذي تؤدى فيه الصلوات بيت مرزوق، المحل الذي يصلي أفراده الصلوات الخمس محل مرزوق. ﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا (132) ﴾
( سورة طه )
واصطبر على أدائها.
(( علموا، ولا تعنفوا فإن المعلم خير من المعنف ))
[ الجامع الصغير عن أبي هريرة بإسناد ضعيف ]
هذا سبب ثالث لزيادة الرزق أن تقام الصلوات في البيت وفي العمل.
4 – الاستغفار:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/739/04.jpg
شيء آخر، هناك رجل جاء إلى بعض العلماء يشكو له عدم الإنجاب، قال له: استغفر الله، إنسان آخر يشكو له من مشكلة فيما بينه وبين أهله، قال: استغفر الله، وإنسان سأله أن المطر لا تهطل، فقال له: استغفر الله، قال: عجبت لك يا إمام، أو كلما سألك إنسان تقول له: استغفر الله، قال: اسمع قوله تعالى:
﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (12) ﴾
( سورة نوح)
هذا كلام خالق السماوات والأرض، وزوال الكون أهون على الله من ألاّ يحقق وعوده للمؤمنين.
أيها الإخوة الكرام، المسلمون ينعمون في بحبوحتين، بحبوحة اتباع سنة رسول الله وبحبوحة الاستغفار، الدليل: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ (33) ﴾
( سورة الأنفال)
5 – اتباع سنة النبي عليه الصلاة والسلام:
معنى الآية بعد انتقال النبي عليه الصلاة والسلام إلى الرفيق الأعلى: أي يا محمد، ما دامت سنتك مطبقة في بيوتهم، وفي أعمالهم، وفي كسب أموالهم، وفي إنفاق أموالهم، وفي حلهم وترحالهم، وفي أفراحهم وأتراحهم، مادامت سنتك مطبقة فيهم فأمتك في مأمن من عذاب الله، فإذا عذبت أمة محمد عليه الصلاة والسلام فهذا دليلُ عدمِ تطبيق السنة.
﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ (33) ﴾
( سورة الأنفال)
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/739/05.jpg
مستحيل وألف ألف مستحيل أن تعذب أمته ومنهج النبي عليه الصلاة والسلام مطبَّق فيها، هذا المعنى يذكرنا بأن النبي عليه الصلاة والسلام قال:
(( يَا مُعَاذُ، وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنَّ حَقَّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ، وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَحَقَّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا ))
[ متفق عليه عن معاذ ]
أنشأ الله لك حقاً عليه إذا عبدته ؛ لك حق عليه ألا يعذبك، لذلك: ﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ (18) ﴾
( سورة المائدة)
هذه دعواهم: ﴿ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ (18) ﴾
( سورة المائدة)
وإذا قال المسلمون: نحن أمة محمد، يقال لهم قياساً على هذه الآية: ﴿ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ (18) ﴾
( سورة المائدة)
الإمام الشافعي يقول: " لو أن الله قبِل دعواهم لمّا عذبهم، لأن الله لا يعذب أحبابه "، فكن مع الله تر الله معك.
أيها الإخوة الكرام، نحن في بحبوحة أخرى: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ (33) ﴾
( سورة الأنفال)
﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (33) ﴾
( سورة الأنفال)
نحن في بحبوحتين ؛ بحبوحة طاعة رسول الله، وبحبوحة الاستغفار. ﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (12) ﴾
( سورة نوح)
6 – صلة الرحم:
أيها الإخوة، سبب آخر لزيادة الرزق في الحديث الشريف الصحيح يقول عليه الصلاة والسلام:
(( مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ ـ أي في أجله ـ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ ))
[ البخاري، مسلم، أبو داود، أحمد ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/739/06.jpg
أحد أسباب زيادة الرزق أن تصل رحمك، وأن تعفو عمن ظلمك، فلذلك أنا أضع بين أيديكم قواعد من كتاب الله ومن سنة رسول الله لزيادة الرزق، وشيء معروف عند كل الناس أن الابن إذا كان باراً بإخوته وأخواته فله رزق وفير، وأيّ إنسان يخرج من ذاته لرعاية مَن حوله مِن أقربائه فهذه صلة للرحم.
من السذاجة أن نتوهم أن صلة الرحم أن تطرق باب قريبك في العيد، وتسلم عليه، وتعود إلى بيتك، صلة الرحم تبدأ باتصال هاتفي، تمر بزيارة، بتفقد الأحوال، بمساعدة، بدلالة على الله، فإذا اتصلت به وزرته، وتفقدت شؤونه وأعنته، ثم دللته على الله فهذه هي صلة الرحم.
وصلة الرحم ضمان اجتماعي على المستوى القرابة، ورعاية الجار ضمان اجتماعي آخر على مستوى الجغرافيا، فأنت لك أقرباء، ولك جيران، فالله عز وجل أوصاك بأقربائك، وأوصاك بجيرانك، وهذا النظام تضامن اجتماعي في الإسلام، لذلك:
(( مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ ـ أي في أجله ـ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ ))
[ البخاري، مسلم، أبو داود، أحمد ]
7 – إقامة القرآن:
أيها الإخوة الكرام، سبب آخر لزيادة الرزق يقاس على آية، قال تعالى:
﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم ﴾
( سورة المائدة الآية: 66 )
المسلمون القرآن، ونقول للإخوة المسلمين: لو أن المسلمين أقاموا القرآن الكريم في بيوتهم لأكلوا مِن فوقهم، ومِن تحت أرجلهم، هذه آيات دالة على عظمة الله، وهذه آيات مبشرة، اقرأ القرآن الكريم، وانظر إلى البشريات التي فيه لمَن استقام على أمر الله.
وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ
لكن كفكرة سلبية في هذا الدرس، قال تعالى:
﴿ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ (188) ﴾
[ سورة البقرة ]
سمّى الله مال أخيك مالك، من زاوية واحدة، من زاوية وجوب الحفاظ عليه، كيف أنك تحافظ على مالك.
للتقريب: لو أنك أعرت مركبتك لصديقك تقول له: اجعلها كأنها مركبتك، أي: اعتني بها. ﴿ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ (188) ﴾
( سورة البقرة )
لا تأكل مال أخيك، لأنه يجب أن يكون بمثابة مالك من زاوية واحدة لا من زاوية أكله، بل من زاوية الحفاظ عليه، لذلك كل أنواع الغش في البيع والشراء من باب أكل أموال الناس بالباطل، كل أنواع التزوير، الإيهام، الاحتكار، معاصي البيع والشراء تزيد على مئة، كل أنواع المعاصي في البيع والشراء تحت قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ (188) ﴾
[ سورة البقرة ]
إذا أوهمت المشتري أن البضاعة من مصدر معين، وهي من مصدر آخر فهو أكلُ مالٍ بالباطل. ﴿ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ (188) ﴾
[ سورة البقرة ]
أيها الأخوة، هذا أيضاً من تماماً الاستقامة على أمر الله: ﴿ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ (188) ﴾
( سورة البقرة )
هناك سبعمئة ألف دعوى كيدية في قصر العدل، كلها من أجل أكل أموال الناس بالباطل، لو أنصف الناس لاستراح القاضي، وبات عن خليطه راضيا.
خاتمة:
أيها الإخوة الكرام، لا بد من التأكيد أن الاستقامة على أمر الله، والإيمان بالله، والتقوى، وصلة الرحم، وإقامة منهج رسول الله، والاستغفار هذه كلها من أسباب زيادة الرزق، وكل واحد منا حريص على زيادة رزقه، ولكن الشيء الذي ينبغي أن يكون واضحاً جداً هو أن الله قطَع البشر عن أن يكون لهم دور في إنهاء حياة بعضهم بعضاً، وفي رزق بعضهم بعضاً، كلمة الحق لا تقطع رزقاً، ولا تقرب أجلاً، ومن ابتغى أمراً بمعصية كان أبعد مما رجا، وأقرب مما اتقى، وما عند الله لا ينال بمعصية الله، ومستحيل وألف ألف مستحيل أن تطيعه وتخسر، ومستحيل وألف ألف مستحيل أن تعصيه وتربح، ومستحيل وألف ألف مستحيل أن تطيعه وتذل، وأن تعصيه وتعز، سبحانك لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، وهذه وسائل السلامة والسعادة، وزيادة الرزق، والله سبحانه وتعالى هو الرزاق، ولكن للرزق له قواعد بينها القرآن الكريم، وبينتها سنة سيد المرسلين.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
08-04-2018, 03:50 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الثانى العاشر )
الموضوع : اسم الله - الشاكر -1-
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. مع اسم من أسماء الله الحسنى: ( الشاكر ):
1 – ورودُ اسم ( الشاكر ) في القرآن:
أيها الإخوة الأكارم، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم هو: ( الشاكر )، فقد ورد هذا الاسم في القرآن الكريم في موضعين، الموضع الأول قوله تعالى:
﴿ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (158) ﴾
( سورة البقرة)
والموضع الثاني:
﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (147) ﴾
( سورة النساء )
ولم يرد هذا الاسم في السنة المطهرة.
2 – اسم ( الشاكر ) علَمٌ متضمِّن لصفات الكمال:
وهذا الاسم يفيد المدح والثناء، مراداً به العلمية، دالاً على كمال الوصفية.
حقائق بين يدَي اسم ( الشاكر ):
الحقيقة الأولى: الإحسان إلى المخلوق جزاءه دنيوي وأخروي:
أيها الإخوة، الحقيقة الأولى في هذا الموضوع:
ما من إحسان يقدم إلى مخلوق كائناً من كان أو كائناً ما كان، ما من إحسان يقدم إلى مخلوق عاقل أو غير عاقل إلا سيكافئ الله من أحسن هذا الإحسان في الدنيا أو في الآخرة، وما أحسن عبدٌ من مسلم أو كافر إلا وقع أجره على الله في الدنيا أو في الآخرة، ومستحيل وألف ألف ألف مستحيل أن تقدِّم عملاً طيباً لأيّ جهة في الأرض، لأيّ كائن في الأرض، ثم لا تجد من الله مكافأة ؛ إن في الدنيا أو في الآخرة.
أيها الإخوة الكرام، هذه الحقيقة الأولى، لأنك إذا تلقيت معروفاً من إنسان، ولأنك مؤمن، ولأنك على شيء من الكمال لا تملك إلا أن تشكره، لا تملك إلا تبتسم له، لا تملك إلا أن تمتن له، لا تملك إلا أن تثني عليه، فكيف بصاحب الكمال المطلق ؟ فكيف بخالق السماوات والأرض ؟ فكيف بالذي هو صاحب الأسماء الحسنى والصفات الفضلى.
أيها الإخوة الكرام، هذه أول حقيقة، إذا أحسنت إلى مخلوق ما، كائناً بشرياً أو حيوانا أو نباتًا فهذا الإحسان محفوظ عند الله، تكافَأ عليه في الدنيا أو في الآخرة أو في الدنيا والآخرة، ولا يضيع عند الله شيء.
هذه الحقيقة الأولى لهذا الاسم العظيم.
الحقيقة الثانية: كيف يشكرك الله عزوجل ؟
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/780/01.jpg
الحقيقة الثانية، أنت حينما يقدم إليك معروف تشكر بلسانك تقول له: شكراً، جزاك الله خيراً، والإله العظيم إذا قدمت إلى أحد عباده معروفاً، تعرفه أو لا تعرفه، عرف أو لم يعرف فإنه يشكرك.
سيدنا عمر مرة جاءه رسول من معركة نهاوند، وحدثه عن المعركة، ثم قال هذا الرسول: يا أمير المؤمنين، مات خلْقٌ كثير، قال: مَن هم ؟ قال: إنك لا تعرفهم، فبكى عمر، وقال: وما ضرهم أني لا أعرفهم إذا كان الله يعرفهم.
لا يمكن أن يضيع عند الله شيء، مهما تصورت العمل قليلا أو صغيرا، ومهما كانت قيمته تافهة فهو عند الله محفوظ، وإذا أسدي إليك معروف تشكر بلسانك، أو تمتن بقلبك، أو تقدم له مكافأة، أو هدية أو عمل أو تقدم له خدمة.
هذا الإله العظيم صاحب الأسماء الحسنى والصفات الفضلى، كيف يشكرك ؟ جاءت الآية لتبين بالتعبير المعاصر آلية الشكر، قال تعالى:
﴿ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ (7) ﴾
( سورة إبراهيم )
معنى الزيادة في قوله تعالى: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ
المعنى الأول:
الزيادة إما من نوع الذي قدمته، قدمت مالاً، فالله عز وجل شكره لك أن يزيد لك مالك، قدمت له وقتاً، شكر الله لك أن يبارك في وقتك، قدمت له من جهدك، شكر الله لك أن يسخّر من يقدم لك جهداً، ومستحيل أن تفعل معروفاً دون أن ترى الجزاء.
أيها الإخوة الكرام، لو أخذنا المال، إن قدمت مالاً فالله يشكرك بأن يزيد في مالك، والآية التي تصدق على كل حالات الشكر:
﴿ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ (7) ﴾
( سورة إبراهيم )
لذلك قال تعالى: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (261) ﴾
( سورة البقرة)
عبدي: (( أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ ))
[ ابن ماجه عن أبي هريرة ]
(( أنفق بلال، ولا تخشَ من ذي العرش إقلالا ))
[ الطبراني في المعجم الكبير والأوسط بسند حسن عن أبي هريرة ]
الله يعلم المحسن ويخلف عليه مالَه:
لكن لاحظ الإنسان لما يذهب إلى مريض ؛ دون أن يشعر هو حريص حرصاً بالغاً أن يضع بطاقة في داخل الهدية ليتأكد أنهم إذا فتحوا هذه الهدية، ويرون مَن الذي أرسل هذه الهدية، فأنت حريص على أن يعلم مَن قدمت له الهدية أنها منك، فلا تكتفي أن تعطيها لابنه، ولا تكتفي أن تضع البطاقة على ظاهر الهدية فقط فتسقط، بل تضعها في داخل الهدية كي تتأكد أن الذي قُدِمَت له هذه الهدية عرف من أين جاءته، والله عز وجل يقول:
﴿ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ (270) ﴾
( سورة البقرة)
طمأنك الله عز وجل أنّ أيّ عمل صالح تقدمه لمخلوق كائناً مَن كان هو في علم الله، ومع الله لا تحتاج إلى بطاقة ؛ أن هذا العمل من فلان. ﴿ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ (270) ﴾
( سورة البقرة)
هذه الحالة الأولى، أنت بحاجة إلى أن تتأكد أن هذا العمل الذي قمت به بعلم الله، والإنسان كما قال الله عز وجل يحب المال: ﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ (14) ﴾
( سورة آل عمران)
في أصل كيانك فُطرتَ على حب المال، والبشر جميعاً من دون استثناء يحبون المال، لكن بعضهم يصرّح، وبعضهم لا يصرّح، لكن الذي لا يصرّح هو يحب المال كالذي يصرّح، هذه جِبِلّة فينا، ولأننا نحب المال كان إنفاق المال عملاً ثميناً، لأنك تنفق شيئاً تحبه.
كما تعلمون الإنسان جُبِلَ على طبع، ومعه تكليف، طبعه أن يأخذ المال، والتكليف أن ينفقه، طبعه أن يبقى نائماً، والتكليف أن يستيقظ، طبعه أن يملأ عينيه من محاسن النساء، والتكليف أن يغض البصر، طبعه أن يخوض في فضائح الناس، والتكليف أن يسكت، فلذلك الله عز وجل يقول لك:
﴿ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ (39) ﴾
( سورة سبأ)
هؤلاء الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ألا تكفيهم هاتان الآيتان، الله يعلم وهو يخلف، وما نقص مال من صدقة:
(( يا عبدي، أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ ))
[ الترغيب والترهيب بسند صحيح ]
(( أنفق بلال، ولا تخشَ من ذي العرش إقلالا ))
[ الطبراني في الكبير والبزار عن أبي هريرة بسند صحيح ]
(( صدقة السر تطفئ غضب الرب ))
[ أخرجه ابن عساكر عن ابن عباس ]
(( الصدقة تقع في يد الله قبل أن تقع في يد الفقير ))
[ الطبراني عن أبي أمامة بسند ضعيف ]
(( باكروا بالصدقة، فإن البلاء لا يتخطاها ))
[ الجامع الصغير عن علي بإسناد ضعيف ]
والقصص التي تروى في هذا الموضوع واللهِ لا تعد ولا تحصى، حتى إن المؤمن ليخجل من الله.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/780/02.jpg
سيدنا عبد الرحمن بن عوف من كبار الصحابة، كان ذا مال وفير، مرة بلغه أنه سوف يدخل الجنة حبواً، قال: << والله لأدخلنها رملاً، وما عليّ إذا كنت أنفق مئة في الصباح فيؤتيني الله ألفاً في المساء ؟ >>.
(( أنفق بلال، ولا تخشَ من ذي العرش إقلالا ))
أنا أتمنى عليكم أن تسألوا محسنا عما حصل له بعد إنفاق المال، يا بني، العلم خير من المال، لأن العلم يحرسك، وأنت تحرس المال، الإنسان يحرسه الله بالعلم، لكن المال إذا أنفقته في الحسابات في الآلة الحاسبة يقلّ، لكن برحمة الله يزيد، فلذلك نحن قد نغفل في حياتنا حسابات البركة، فإذا أنفق الإنسان ماله بارك الله له في ماله، والحد المعقول أنه يرزقه رزقاً سلبياً، ما هو الرزق السلبي ؟
الحد الأدنى أن يحفظه من أمراض وبيلة، من ظلم ظالم، من مصادرات، من مخالفات، من بطش الأقوياء، من تدمير، من حريق، من خراب، هذا رزق سلبي، وأحيانا الله عز وجل يبارك له في ماله، فبمال معقول يحقق أهدافا كبيرة جداً، هذا من مكافأة الله للمحسن، يحفظه، ويبارك له في ماله.
أيها الإخوة الكرام، هذان باعثان لإنفاق المال، أن الله يعلم، وأن الله يخلف على المنفق ماله، أي: يضاعف له هذا المال أضعافاً كثيرة، ويمكن أن تتعامل مع الله بآيات القرآن الكريم، ويمكن أن تتعامل معه بطريقة عملية، فإذا اقتربت منه بنفقة كافأك مكافأة كبيرة.
والله مرة حدثني أخ توفي أحد أقربائه، فزار أولاده، وقال لهم: دَيْن أبيكم عليّ، لكنه لا يعلم كم الدين، وهذا خطأ منه، توقعه بعشرات الألوف، فإذا هو بمئات الألوف أقسم لي بالله أن دفع مبلغا قريبا من أربعمئة ألف ليرة، بالتمام والكمال، وحدثني عن قصته في صحن المسجد، وبكى، قال: والله بعد أيام جاءني مبلغ من صفقة لبضاعة كاسدة نصيبي من هذه الصفقة المبلغ الذي دفعته.
أحيانا تتعامل مع الله بالتعامل اليومي: ﴿ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ (270) ﴾
( سورة البقرة)
﴿ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ (39) ﴾
( سورة سبأ)
هذه الحقيقة الأولى، شكر الله لك، الله شاكر، إذا أنفقت من مالك يزيد لك مالك، وما نقص مال من صدقة.
(( أنفق بلال، ولا تخشَ من ذي العرش إقلالا ))
(( يا عبدي، أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ ))
المعنى الثاني:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/780/03.jpg
المعنى الثاني أيها الإخوة، أيّ عمل صالح اتجاه أيّ مخلوق، كائناً من كان هو قرض لله حسن، وهناك آية قرآنية الذي يقرأها من المؤمنين يقشعر جلده:
﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً (245) ﴾
( سورة البقرة)
الله عز وجل عدّ أيّ عمل صالح، ولو اتجاه حيوان، ولو اتجاه نبات، سقيت نباتا، هذا العمل يضاعف لك جزاءه أضعافاً كثيرة، فأنت معرّض كل يوم أن تقرض الله قرضاً حسناً، هذا معنى دقيق جداً، الإله العظيم يقول لك: يا عبدي، أقرضني، اعتنِ بهذا المخلوق، أطعم هذا الجائع، اكسُ هذا العاري، عالج هذا المريض، هناك أصحاب حرف مؤمنون يقدمون جزءا من خبراتهم لوجه الله.
أبوابُ العمل الصالح لا تعدّ ولا تُحصى:
حدثني طبيب أسنان جاءته مريضة تحتاج إلى تقويم لأسنانها، وهي معلمة، ودخْلها محدود جداً، والمبلغ فوق طاقتها، فبعد أن اعتذرت عن متابعة المعالجة للرقم الكبير ناداها، قال: هل تقبلين هذا التقويم هدية مني ؟ يقسم لي بالله العظيم أنه أمضى ستة أشهر وكأنه في الجنة.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/780/04.jpg
أحيانا هناك مكافأة من نوع ثانٍ، الله يكافئك بسعادة، بطمأنينة غير المكافأة المادية، أنت مفطور على حب وجودك، وعلى حب سلامة وجودك، وعلى حب كمال وجودك، وعلى حب استمرار وجودك.
دققوا أيها الإخوة الكرام، سلامة وجودك بطاعة الله، والطاعة الاستقامة، والاستقامة سلبية، والاستقامة تسبقها ( ماءات ) جمع ما النافية، ما أكلت مالاً حرامًا، ما كذبت، ما غششت، كلها ( ماءات )، الاستقامة تحقق لك السلامة، أما كمال الوجود فلا تكفيه الاستقامة، يحتاج إلى بذل، بذل من وقتك من مالك، من خبرتك، كمال الوجود يحتاج إلى بذل، إلى عطاء من وقتك، من مالك، من خبرتك، لذلك:
﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (110) ﴾
( سورة الكهف )
أضرب مثلا لعلّي أذكره كثيراً: مجنَّد غرّ التحق بقطعة عسكرية، القطعة جزء من لواء كبير، أو من فرقة كبيرة على رأسها لواء أركان حرب، هذا الجندي الغر لا يستطيع الدخول على هذا اللواء الكبير بحكم التسلسل العسكري، هناك سبعة أمامه، وسبعتان، عريف أول، و ثمانية، وثمانيان، ونجمة ونجمتان، وتاج ونجمتان، لكن هذا المجند الغر الذي التحق منذ التطوع بإمكانه أن يدخل على اللواء من دون إذنٍ إذا وجد ابنه يسبح، وكان يغرق فألقى بنفسه في الماء وأنقذه، فهْمكم كفاية.
إذا خدمت إنسانا، أطعمت جائعا، كسوت عاريا، لبَّيت حاجة إنسان، أنت موظف، جاءك مراجع من محل بعيد، ونفقة الإقامة غالية جداً، وجمدت أعمالك كلها وخدمته، مستحيل أن يضيع هذا عند الله، فلذلك صنائع المعروف تقي مصارع السوء.
أيّ عمل تقدمه لأيّ مخلوق يعدّ قرضاً حسناً لله عز وجل:
﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً (245) ﴾
( سورة البقرة)
أنت معرّض كل يوم إلى تلبية حاجات الناس، سائل سألك، مريض استعان بك، إنسان ضال في الطريق قال لك: أين بيت فلان ؟ وهو غريب، فأَعَنته على الوصول إلى البيت، والقصص والله لا تعد ولا تحصى.
إنّ الذين تعاملوا مع الله ذاقوا من الله المكافأة، المكافأة النفسية، والمكافأة المادية بالعطاء، لذلك حينما يكون الإنسان محسناً، وتأتيه الخيرات من كل جانب هذا بسبب إحسانه، وأنت مهمتك في الحياة أن تعبد الله، ثم أن تشكره، لأنك إن عبدته فسوف تأتي الخيرات من كل جانب.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/780/05.jpg
﴿ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (66) ﴾
( سورة الزمر )
تنتهي مهمتك أن تعبده العبادة الصحيحة، الصادقة، والعبادة الصحيحة الصادقة جزء منها العمل الصالح، والكلام الدقيق: حجمك عند الله بحجم عملك الصالح.
اسأل نفسك: ماذا قدمت للأمة ؟ إذا قدمت لها صناعة متقنة، صار عملك عبادة، لذلك قالوا: العمل الذي ترتزق منه إذا كان في الأصل مشروعاً، وسلكت به الطرق المشروعة، وابتغيت منه كفاية نفسك وأهلك، وخدمة الناس عامة، والمسلمين خاصة، هذا العمل الحرفي المهني لم يشغلك عن طاعة، ولا عن أداة صلاة، ولا عن طلب علم، انقلب على عبادة، لذلك المؤمن عاداته عبادات، والمنافق عباداته سيئات، عباداته الخالصة، صلاته يرائي بها، المؤمن عاداته وأحواله المعيشية، جاء بطعام لبيته، أخذ أهله إلى نزهة، تسجل عند الله عبادة، لأن هدفه إرضاء الله عن طريق خدمة عباده ؟
خاتمة:
فلذلك أيها الإخوة الكرام، أي عمل صالح يقدم لأي مخلوق كائناً من كان هو عند الله قرض حسن لله.
إذا قال ملِكٌ، أغنى ملوك الأرض لمواطن فقير: أقرضني مئة ليرة، ماذا تفهم منها ؟ أراد أن يعطيه بيتاً، بيتا كاملا، أراد أن يكون لهذا العطاء سبب، أقرضني مئة ليرة، هل هذا القرض حقيقي ؟ أم أراد من هذا القرض أن يمتحن محبته، وأن يكافئه على هذا القرض بمنزل فخم جداً هدية. http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/780/06.jpg
﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً (245) ﴾
( سورة البقرة)
أحياناً يكون العمل صغيرا أمامك، تبسمتم في وجه موظف عندك، فقط ابتسامة، سألته عن أحواله: كيف حالك يا بني ؟
هناك موظف عبوس قمطرير، يدخل إلى مكتبه له هيبة وكهنوت، وهناك مدير عام متواضع، فإذا ابتسمت في وجه من يعمل معك، إذا ابتسمت في وجه خادم عندك، سألته عن صحته، تبسمك في وجه أخيك صدقة، أن تميط الأذى عن الطريق هو لك صدقة، مهما توهمت العمل صغيراً فهو عند الله كبير.
جاء أعرابي النبيَّ عليه الصلاة والسلام، قال: يا رسول الله، عظني ولا تطل، تلا عليه النبي عليه الصلاة والسلام فقرة من سورة:
[ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه ]، قال: كُفيت، فقال عليه الصلاة والسلام: فَقُه الرجل، أي صار فقيها ما قال: فَقِهَ، فَقِهَ عرف الحكم، قال فَقُه، يعني أصبح فقيهاً.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
08-04-2018, 03:52 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الثانى العاشر )
الموضوع : اسم الله - الشاكر -2-
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: ( الشاكر ):
معان دقيقة مستنبطة من آيات وأحاديث تتعلق باسم ( الشاكر ):
أيها الإخوة الكرام، لازلنا في اسم ( الشاكر )، وهناك معان دقيقة تتصل بهذا الاسم يمكن أن نستشفها من بعض الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة الصحيحة.
1 – ذكرُ اللهِ للعبدِ إذا ذكره:
ففي قوله تعالى:
﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ (152) ﴾
( سورة البقرة )
لأن الله سبحانه وتعالى هو الشاكر، إن ذكرته ذكرك، لكن ذكر الله لك غير ذكرك له، ذكر الله لك أكبر من ذكرك له، إنك إن ذكرته أديت واجب العبودية.
2 – ذكرُ العبدِ لربه سبب الأمن والطمأنينة:
لكنه إن ذكرك منحك نعمة الأمن، قال تعالى:
﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81) الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82) ﴾
( سورة الأنعام )
لا يتمتع بنعمة الأمن الحقيقي إلا المؤمن، أما غير المؤمن فـ: ﴿ سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُواْ ﴾
( سورة آل عمران الراية: 151 )
يمتلأ قلب المشرك خوفاً وفرقاً، بينما قلب المؤمن يمتلأ أمناً وطمأنينة، وفي قلب المؤمن من الأمن ما لو وزع على أهل بلد لكفاهم، إنها نعمة يختص بها المؤمنون، إن ذكرته ذكرك، لكن ذكرك له أداء واجب العبودية، بينما ذكره لك أكبر بكثير من ذكرك له.
3 – ذكرُ العبدِ لربه سبب للرضى:
إن ذكرك منحك نعمة الرضى.
قد يملك الإنسان ملايين مملينة، ومع ذلك هو ساخط، بينما المؤمن راض عن الله عز وجل.
﴿ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ (22) ﴾
( سورة المجادلة )
منحك نعمة الحكمة:
﴿ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا (269) ﴾
( سورة البقرة)
منحك نعمة الطمأنينة، هذه النعم هي من ذكر الله لك.
4 – ذكرُ الله أكبر من كل شيء:
لذلك قال تعالى:
﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء َالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾
( سورة العنكبوت الآية: 45 )
ذكر الله لك في الصلاة أكبر من ذكرك له، لأن الله عز وجل من أسمائه الحسنى أنه الشاكر، إن ذكرته ذكرك.
5 – الله رفع ذكر النبي، ولكل مؤمن من هذا الرفع نصيبٌ:
بل قال تعالى:
﴿ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (4) ﴾
( سورة الشرح )
ما من إنسان على وجه الأرض رفع الله ذكره كرسول الله، ولكل مؤمن من هذه الآية نصيب، بقدر استقامته وإخلاصه يرفع الله للمؤمن ذكره، ويعلي قدره، ويلقي في قلوب الخلق محبته. ﴿ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (4) ﴾
( سورة الشرح )
6 – تقرّب المؤمن بذكره لربَّه سبب لتقرّب الله منه:
لمجرد أن تقترب من الله خطوة تجد أن الله عز وجل اقترب منك، لأنه الشاكر يقترب منك، مع بعض التفصيل في الأحاديث الصحيح:
(( فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ))
[ متفق عليه ]
قد تلقي كلمة في مجتمع معين، في مجموعة إخوة كرام، في عقد قران، في سهرة، في لقاء، تتحدث عن الله عز وجل وتغفل نفسك، وتغفل بطولاتك، وتتحدث عن ربك.
(( وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ ))
[ متفق عليه ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/781/01.jpg
هناك مستوى أرقى ؛ تذكر بخير، لك سمعة طيبة، لك ذكر عطر، هذا من فضل الله عز وجل عليك، ومن تحقيق اسم ( الشاكر ).
(( وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا ))
[ متفق عليه ]
لمجرد أن تتحرك نحو الله بصلح، بتوبة، بإنابة، بذكر، بصدقة بتلاوة قرآن، بفعل طيب مع مخلوق ما، لمجرد أن تتقرب إلى الله شبراً يتقرب الله إليك ذراعاً، ينتظر مبادرة منك، ينتظر حركة منك، ينتظر التفافة منك، ينتظر إقبالاً منك، وهذا الشيء واضح جداً، لمجرد أن تتحرك نحو الله بعمل صالح، بصيام نفل، بصلاة نافلة، بغض بصر، بضبط لسان، بخدمة إنسان، بإطعام جائع بهداية ضال يتقرب الله منك.
(( وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً ))
[ متفق عليه ]
فَلَيتَكَ تَحلو وَ الحَياةُ مَريـرَةٌ وَلَيتَكَ تَرضى وَالأَنامُ غِضابُ
وَلَيتَ الَّذي بَيني وَبَينَكَ عامِرٌ وَبَيني وَبَينَ العـالَمينَ خَرابُ
***
﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ (152) ﴾
( سورة البقرة )
(( فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً ))
[ متفق عليه ]
هذا ضمن اسم الله ( الشاكر ).
7 – من شكر الله للعبد إلهام الأبناء برَّهم للآباء:
من معاني هذا الاسم أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: بروا آبائكم تبركم أبنائكم.
يشكر الله لك برك لأبيك بأن يلهم أولادك في المستقبل أن يكونوا بك بررة، وهذا عطاء في الدنيا قبل الآخرة.
﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (46) ﴾
( سورة الرحمن)
فالذي يبر أباه يهيئ الله له أولاداً بررة يطيعونه، يعظمونه، يحترمونه، وهم في خدمته كظله.
8 – عفة الزوج سبب لعفة الزوجة:
وعفو تعف نسائكم والذي يتعفف عن الحرام يكافئه الله بزوجة عفيفة، كما أنه عف عن الحرام فهي تعف عن الحرام، لأن الله عز وجل هو ( الشاكر )، يشكر لك برك لأبيك بأن يزيدك من فضله عن طريق أولاد بررة هم في خدمتك، ويشكر لك عفتك عن الحرام بأن يجعل زوجتك عفيفة مثلك عن الحرام، وعفو تعف نسائكم.
9 – من شكر في صلة الرحم زيادة في العمر وسعة في الرزق:
ومن اسم الله ( الشاكر ) أنه إذا وصلت رحمك زاد في عمرك ونفى عنك الفقر، لأن الضمان الاجتماعي في الإسلام أساسه النسب والجوار،و الأحاديث التي توصي بالجار كثيرة جداً، والأحاديث التي توصي بصلة الرحم كثيرة جداً.
معنى صلة الرحم:
ما معنى صلة الرحم ؟ أقرباءك مَن لهم غيرك ؟ الآخرون أنت لهم، وغيرك لهم، أما أقرباءكم فمَن لهم غيرك ؟ لا تعني صلة الرحم أن تطل عليهم في كل عيد دقائق معدودة، ومعك بطاقة، وتتمنى أن لا تراهم في البيت لكي توفر الوقت، ليست هذه صلة الرحم.
صلة الرحم أن تتصل بهم، وأن تزورهم، وأن تجلس معهم، وأن تتفقد أحوالهم، وأن تمد لهم يد المساعدة، وأن تأخذ بيده إلى الله عز وجل، هذه صلة الرحم التي أرادها الله عز وجل، تبدأ بالاتصال، ولعله باتصال هاتفي، ثم بزيارة، ثم بتفقد أحوال، ثم مساعدة مادية أو معنوية، ثم بأن تأخذ بيده إلى الله عز وجل، هذه صلة الرحم التي تزيد في العمر، وتزيد في الرزق.
معنى زيادة العمر بصلة الرحم:
معنى تزيد في العمر، للعلماء وقفة عند هذا المعنى:
الحقيقة العمر لا يتقدم ولا يتأخر، لكن قيمة العمر بمضمونه، كإنسان فتح محلا تجاريا من الساعة التاسعة صباحا حتى التاسعة ليلا، وقت محدود، الفرق بين محلين، محل قيمة غلته ألف، ومحل غلته مليون، فزيادة العمر تعني مضمون العمر، قد يعني المضمون كثيف جداً.
الإمام الشافعي عاش أقل من خمسين سنة، لكنه ترك خيرات لا يعلمها إلا الله، والإمام النووي عاش أقل من خمسين سنة، وهناك أناس عاشوا تسعين سنة، ولم يفعلوا شيئاً.
فلذلك زيادة العمر في رأي بعض العلماء أن العمر قيمته بأعماله الصالحة، العمر الحقيقي عمر العمل الصالح، وأتفه أعمار الإنسان عمره الزمني، لكن أجلّ أعماره عمره في العمل الصالح، لذلك يقول عليه الصلاة والسلام:
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:
(( مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ أَوْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ ))
[ متفق عليه ]
إن أردت أن ينسأ الله لك في أجلك، ويزيد في رزقك فصل رحمك، هذه من الطاعات التي حض عليها النبي عليه الصلاة والسلام، لأن الله عز وجل شاكر.
لو تتبعنا أحوال الناس فإن الإنسان الذي يتفقد أهله، ويعين أهله، وينفق عليهم، أهله بالمعنى الواسع، أقرباءه من طرف أبيه، ومن طرف أمه، ومعنى الرحم واسع جدا، كل أقربائك من دون تفصيل، من جهة أبيك ومن جهة أمك، لأن الله عز وجل جعل صلة الرحم أحد أنواع الضمان الاجتماعي، لذلك قال العلماء: لا تقبل زكاة إنسان وفي أقربائه محاويج، والكلمة التي أقولها دائماً: هؤلاء أقربائك مَن لهم غيرك، الآخرون أنت لهم وغيرك لهم، أما أقربائك فمَن لهم غيرك ؟
أحياناً إنسان له أخت متزوجة في طرف المدينة، ما عنده وقت لزيارتها، لكن لو أنه زارها ما الذي يحصل ؟ تنتعش أمام زوجها، أمام أولادها، لا تنام الليل مِن فرحها، لذلك هناك أناس يزورون أقرباءهم الأقوياء أو الأغنياء أو اللامعين في الحياة، أما أقربائهم المساكين فيهملونهم، ويزورونهم من عام إلى عام.
أيها الإخوة الكرام، لو طبقنا صلة الرحم لكنا في حال غير هذا الحال، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام أشار إلى أنك إذا أعطيت أقرباءك من مالك، من مال زكاتك، فهذه الزكاة لها أجران عند الله، لك أجر الصدقة، ولك أجر الصلة، ألا تحب أن تنال ثواباً مضاعفاً ؟ تفقد في هذا المال الذي هو مال زكاتك، تفقد أهلك، بل إن بعض العلماء يؤكد أن الله سبحانه وتعالى لا يقبل زكاة من مسلم، وفيه أقربائه محاويج، والحقيقة في ظاهرة عجيبة عمله الصالح لكل الناس إلى أقربائه، هؤلاء أقرب الناس إليك، أنت بعملك الصالح مع هؤلاء تقربهم منك.
والله حدثني أخ زاره قريبه في بيت تحت الأرض ضعيف الشمس، رطب، والزائر منعم، قال له: هذا المكان لا يليق بأولاده من أجل صحتهم، قال لي: زيارة واحدة نقلني إلى بيت في طابق ثالث باتجاه القبلة، قال: والله أنعشني، القصد من الزيارة أن تمد يد العون، الزيارة دائما أن تمد يد العون، من القوي إلى الضعيف، ومن الغني إلى الفقير، ومن العالم إلى الجاهل، والأقوى منك ليس بحاجة إليك، يجب أن تزوره طبعاً، وهو ليس بحاجة إليك، مَن هو في حاجة إليك ؟ الذي يكون أضعف منك، فإذا تراحم الناس يرحمهم الله جميعاً، أما إذا تدابروا، وتناكر الناس، ولم يعبأ أحد بأحد سخط الله علينا جميعاً.
10 – مِن شكرِ الله العبدَ عند توقيره الكبير:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/781/02.jpg
أيها الإخوة في بعض الأحاديث، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( مَا أَكْرَمَ شَابٌّ شَيْخًا لِسِنِّهِ إِلَّا قَيَّضَ اللَّهُ لَهُ مَنْ يُكْرِمُهُ عِنْدَ سِنِّهِ ))
[ الترمذي ]
وهذا من اسم الله ( الشاكر ).
11 – من شكر الله العبدَ عند إحسانه إلى المخلوقات:
لكن كما قلت البارحة: أيّ عمل صالح قدِّم لمخلوق كائنا من كان وكائناً ما كان، كائناً من كان للبشر العقلاء، وكائناً ما كان لغير البشر، لمخلوق، لقطة، لجرو صغير، أيّ عمل صالح قدِّم لأي مخلوق كائناً من كان، أو كائناً ما كان فلابد من أن يجازي الله عليه مقدِّمَه، مسلما كان أو كافرا، في الدنيا أو في الآخرة، ومستحيل أن تقدم شيئا صالحا دون أن تنال الجزاء، فإن كنت مؤمناً بالله وباليوم الآخر كان الجزاء في الدنيا والآخرة، وإن كان الإنسان بعيداً عن الله، مؤمنا بالدنيا، ولم يؤمن بالآخرة كان الجزاء في الدنيا.
ما أحسن مسلم عمله أو كافر إلا وقع أجره على الله في الدنيا أو في الآخرة، والعمل الصالح لابد أن تنال جزاءه.
12 – من شكر الله العبدَ عند إنفاقه من وقته في طاعة الله:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/781/03.jpg
الذي ينفق يوسّع الله عليه في ماله.
والذي يدعم الضعفاء والمساكين يقوي الله عز وجل مكانته في المجتمع.
والذي يبذل من وقته لخدمة الخلق يبارك الله في وقته، لذلك الله عز وجل أمرنا أن نؤدي زكاة أموالنا، ومن منا ينتبه إلى أن الوقت له زكاة، لمجرد أن تؤدي الصلوات في أوقاتها فقد اقتطعت من وقتك الثمين وقتاً لطاعة الله، فالمكافأة على ذلك أن الله يبارك لك في وقتك، فتفعل في الوقت القليل الشيء الكثير.
أحيانا إذا ضن الإنسان بوقته الثمين أن يعبد الله فيه، أو أن يحضر مجلس علم يتلف الله له وقته، وقد يشعر الإنسان بعدم التوفيق، عنده قائمة أعمال، انتقل من مكان إلى مكان، أغلق المحل، يسافر من مكان إلى مكان فلا يتحقق له شيء، فأراد الله عز وجل له أن يضيع الوقت مع الشعور بالألم، وهو قادر أن يبارك لك في وقتك، لذلك الوقت له زكاة، إن أنفقت بعض الوقت في أداء العبادات، وطلب العلم، وطاعة الله يبارك الله لك في وقتك، وإن أديت شيئاً من وقتك في خدمة الخلق يبارك الله عز وجل لك في جهدك.
حدثني أخ أنه دخل محل إنسان، في إحدى المحافظات الشمالية، قال: أنا أريد أن تعلمني صنع هذه الحلوى، قال: حباً وكرامة، صنع أمامه طبخة، وقال له: اكتب عندك التفاصيل، وكلفه أن يصنع أمامه طبخة ثانية، والإنسان من محل بعيد من أقصى القطر، أقسم لي بالله منذ ثلاثين عاماً ما مِن عام إلا ويأتي إليه بهدايا ثمينة، يقول له: أنت فضلك علي كبير.
هذا الإنسان مؤمن، وحينما تبذل الله عز وجل يكرمك، لذلك:
(( مَا أَكْرَمَ شَابٌّ شَيْخًا لِسِنِّهِ إِلَّا قَيَّضَ اللَّهُ لَهُ مَنْ يُكْرِمُهُ عِنْدَ سِنِّهِ ))
[ الترمذي ]
لأن الله عز وجل هو ( الشاكر )، وإن قدّمت لإنسان عادي معروفاً يتفنن في شكرك، ويبارك هذا العمل، يقول لك: خجلتنا، تفضلت علينا، وخالق الأكوان صاحب الأسماء الحسنى والصفات الفضلى أيعقل أن تقدم معروفاً في الدنيا أم في الآخرة ولا يشكرك عليه.
13 – من شكر الله العبدَ عند إنفاقه من وقته في خدمة خلقه:
أيها الإخوة الكرام، لو قدمت معروفا لكلب، دققوا في هذا الحديث، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
(( بَيْنَا رَجُلٌ يَمْشِي فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ، فَنَزَلَ بِئْرًا، فَشَرِبَ مِنْهَا، ثُمَّ خَرَجَ، فَإِذَا هُوَ بِكَلْبٍ يَلْهَثُ، يَأْكُلُ الثَّرَى مِنْ الْعَطَشِ، فَقَالَ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا مِثْلُ الَّذِي بَلَغَ بِي، فَمَلَأَ خُفَّهُ، ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ، ثُمَّ رَقِيَ، فَسَقَى الْكَلْبَ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِمِ أَجْرًا ؟ قَالَ: فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ ))
[ متفق عليه ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/781/04.jpg
والله لعل الله يرحمنا بخدمة مخلوق ضعيف، بخدمة هرة مريضة، وهناك أشخاص يأخذون هذه الحيوانات المريضة إلى مستوصفات بيطرية يعالجونها، هناك أناس مغرمون بإطعام الحيوانات.
لذلك أيها الاخوة، حينما تعرف الله تتفنن في خدمة مخلوقاته، والمؤمن إنسان عظيم، إنسان اصطلح مع الله، اصطلح مع خلقه جميعاً، المؤمن يبني حياته على العطاء يعيش ليعطي:
(( قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِمِ أَجْرًا ؟ قَالَ: فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ ))
أيّ عمل صالح موجّه لأيّ مخلوق، هناك أشخاص مغرمون بإطعام الطيور، يشترون الحب ويضعونه على سطح البيت، والطيور تأتي تباعاً وتأكل.
فلذلك أيها الإخوة الكرام، يا من جئت الحياة فأعطيت و لم تأخذ، يا من قدست الوجود كله، ورعيت قضية الإنسان، يا من زكيت سيادة العقل، و نهنهت غريزة القطيع، يا من هيأك تفوقك لتكون واحداً فوق الجميع، فعشت واحداً بين الجميع، يا من كانت الرحمة مهجتك، والعدل شريعتك، والحب فطرتك، والسمو حرفتك، ومشكلات الناس عبادتك.
14 – من شكر الله العبدَ عند إماطته الأذى عن الطريق:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/781/05.jpg
أيها الإخوة الكرام، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
(( بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ فَأَخَذَهُ فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ ))
[ متفق عليه ]
أحيانا شاحنة كبيرة تقف لإصلاح بعض العجلات، وتضع حجرا كبيرا وراء العجلة، ثم تنطلق والحجر قد يسبب دمار أسرة بأكملها، وهناك إنسان يقف، ويزيح هذا الحجر، فيشكر الله لك.
أيها الإخوة، الله عز وجل هو ( الشاكر )، ومن أسماءه أيضا هو ( الشكور ).
والحمد لله رب العالمين
السعيد
08-05-2018, 07:18 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الثالث العاشر )
الموضوع : اسم الله - الستير -1-
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: ( الستِّير ):
1 – ( الستّير ) وليس الستَّار:
أيها الإخوة الأكارم، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، وهو اسم ( الستير )، وقد يدور على ألسنة الناس اسم الستار، واسم الستار لم يرد لا في الكتاب ولا في السنة أما الذي ورد اسم ( الستير )، فقد ورد هذا الاسم في السنة، ولم يرد في القرآن مقروناً باسم الحَيِيّ، والاسم الحقيقي في هذا الموضوع اسم ( الستير )، وليس الستار.
2 – ورودُ اسم ( الستّير ) في السنة الصحيحة:
هذا الاسم ورد مطلقاً مُنَوّناً، مراد به العلمية، دالاً على كمال الوصف.
في الحديث الشريف الصحيح عَنْ يَعْلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رَجُلًا يَغْتَسِلُ بِالْبَرَازِ، فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ:
(( إِنّ اللهَ عزّ وَجَلّ حَلِيمٌ حَيّ سِتّيرٌ، يُحِبّ الحَيَاءَ والسّتْرَ، فَإِذَا اغْتَسَلَ أَحَدُكُمُ فَلْيَسْتتِرْ ))
[ النسائي ]
وفي سنن البيهقي عن ابن عباس رضي الله عنه:
(( إن الله ستير يحب الستر ))
3 – لابد أن يكون السترُ من صفات المؤمن:
الله عز وجل يقول:
﴿ وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾
( سورة الأعراف الآية: 180 )
ولا بد من وقفة عند كلمة: ﴿ فَادْعُوهُ بِهَا ﴾، يعني تقربوا إلى الله بالتخلق بالكمالات الإلهية، ويمكن أن تتقرب إلى الرحيم بأن تكون رحيماً، ويمكن أن تتقرب إلى العدل بأن تكون منصفاً، ويمكن أن تتقرب إلى ( الستير ) بأن تكون ستّيراً.
الإنسان بين طبع الفضائح وتكليف الستر:
ولا بد من التنويه إلى أن طبع الإنسان يقتضي الفضيحة، يستمتع في أن يذكر فضائح الناس، وأن يكشف عوراتهم، وأن يتندر بسقوطهم، والله عز وجل يقول:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ﴾
( سورة النور الآية: 19 )
الإنسان معه طبع، ومعه تكليف، الطبع يتناقض مع التكليف، طبعه يقتضي أن يبقى نائماً، مسترخياً، غارقاً في نوم لذيذ، والتكليف يقتضي أن يستيقظ ليصلي الفجر في جماعة.
عَن جُنْدَب بْن عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ فَلَا يَطْلُبَنَّكُمْ اللَّهُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ فَيُدْرِكَهُ فَيَكُبَّهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ))
[ مسلم ]
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
(( لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا ))
[ متفق عليه]
إذاً: الطبع يقتضي أن أخوض في فضائح الناس، والتكليف يأمرني أن أستر، الستر يحتاج إلى إرادة، إلى قوة إرادة، معك قصة ممتعة جداً تسرّ الحاضرين، يتلهفون إليك، وتشرئب أعناقهم إليك، لكنك مؤمن، والمؤمن ستّير، فيسكت.
فلذلك هذا الذي يمشي مع طبعه، نقول له:
(( أَلَا إِنَّ عَمَلَ الْجَنَّةِ حَزْنٌ بِرَبْوَةٍ، ثَلَاثًا، أَلَا إِنَّ عَمَلَ النَّارِ سَهْلٌ بِسَهْوَةٍ ))
[ أحمد عن ابن عباس ]
قضية سهلة جداً، يسترخي، أيّ شيء يعرفه تكلم به، لكن: عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ ))
[ رواه مسلم ]
هناك إنسان وصل إلى شيء أذنه فينشره، والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعلمنا أن إنساناً يحدثك بحديث، ولم يقل لك: هذا الحديث أمانة، إطلاقاً، لكن سمع خطوة نعال وراءه فالتفت قلقاً، فالتفاتته القلقة تعني أن هذا الحديث بالأمانة، ما قال لك شيئاً، لكن رأيته قد أصابه قلق حينما سمع وقع خطوات وراءه، فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( إِذَا حَدَّثَ الرَّجُلُ بِالْحَدِيثِ، ثُمَّ الْتَفَتَ فَهِيَ أَمَانَةٌ ))
[ أبو داود والترمذي ]
وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( الْمَجَالِسُ بِالْأَمَانَةِ... ))
[ أبو داود وأحمد ]
الطبع في الإنسان يقتضي أن تنشر فضائح الناس، لذلك أعظم ما عند المؤمنين أنهم مجتمع ستّير، وأحقر ما في مجتمع الكفر أنه مجتمع فضائحي، أساسه الفضائح، والآن الإعلام أساسه الفضائح.
الفضائح إمّا مالية أو جنسية:
بالمناسبة: لو تتبعت فضائح أهل الدنيا من آدم إلى يوم القيامة لا تزيد الفضائح على موضوعين، فضيحة مالية، وفضيحة جنسية، وأنت حينما تحصن نفسك في موضوع المال وفي موضوع الجنس تكون في حصن حصين، وفي حرز حريز.
لذلك أيها الإخوة، الحديث الشريف:
(( إِنّ اللهَ عزّ وَجَلّ حَلِيمٌ حَيّ سِتّيرٌ، يُحِبّ الحَيَاءَ والسّتْرَ، فَإِذَا اغْتَسَلَ أَحَدُكُمُ فَلْيَسْتتِرْ ))
والحديث الآخر:
(( إن الله ستير يحب الستر ))
أختك حدثتك عن مشكلة بينها وبين زوجها، والمجلس بالأمانة، فضحتها، وذكرتَ ذلك لأختها الثانية، والثالثة، والرابعة، ولأخواتها، ولأخيها، فإذا مشكلتها مع زوجها بين كل الناس، هذا ليس من صفات المؤمن.
إن الإنسان يمكن أن يتقرب إلى الله بكمال مشتق من كمال الله، الله ستّير، فالمؤمن يجب أن يكون ستّيراً.
معنى ( الستِّير ):
المعنى الأول:
أولاً: ( الستّير ) في اللغة على وزن فعيل، وهذه الصيغة من صيغ المبالغة، يستر مليون فضيحة، ويستر أكبر فضيحة، صيغ المبالغة تأتي في الكم والنوع، الله غفار صيغة مبالغة، يغفر أكبر ذنب، ويغفر مليار ذنب، كماً ونوعاً، الستّير على وزن فعّيل، وهو من صيغ المبالغة، ومعنى ستر الشيء ؛ أخفاه.
الفرق بين السَّتر ـ بفتح السين ـ والسِّتر ـ بالكسر ـ:
ملاحظة: فرق بين السِتر، والسَتر، السَتر مصدر، ستر يستر ستراً، أما السِتر فهو اسم، هذه القماشة التي توضع على النافذة اسمها سِتر، وهناك فرق بين الاسم والمصدر، المصدر يدل على حدث، تماماً كشق يشق، الآن هذه العملية اسمها شَق، أما هذا الخط اسمه شِق، الله عز وجل يستر عباده.
أولاً: ( الستير ) من شأنه حب الستر والصون والحياء، وأساساً الله عز وجل جعل في الإنسان خصيصة، أن سرك لا يطلع عليه أحد، لا صديق، ولا قريب، ولا زوجة ولا ملِك، لذلك أعجب العجب ممن ستره الله عز وجل وهو يفضح نفسه، هذا يشيع بين الشباب والشابات بعد الزواج، تحدثه عن ماضيها، مَن سألكِ عن هذا ؟ وهو نوع من الحق، فإذا شك في ماضيها وقع النفور، أو يحدثها عن علاقاته السابقة، وحينما يبتعد الإنسان عن الله يسوقه الشيطان دون أن يشعر، مع أن الله عز وجل سترك.
حدثني أخ قال لي: إن إنسانا صالحا ذكر له بعضُ أصدقائه أنه زنى في وقت مضى، قال لي: والله مضى على هذه القصة ثلاثون عاماً، كلما نظرت إليه تذكرت أنه زنى.
الإنسان لا يغفر، فإذا وقع من إنسان زلة واللهُ ستره، فليس له حق في أن يفضح نفسه، وليس عندنا في الإسلام ما يسمى بالبوح، تقف أمام رجل دين، وتبوح له بكل أخطائك، هذا شيء ليس واردا عندنا إطلاقاً، الله ( ستّير )، ما دام أن الله سترك فيجب أن تستر نفسك، ولا داعي أبداً أن تبوح بأخطاء صدرت منك لأيّ إنسان.
إذاً: ( الستير ) هو الذي مِن شأنه حب الستر والصون والحياء.
تروي الكتب قصة رمزية: أن سيدنا موسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام استسقى ربه، فقال الله له: يا موسى، إن فيكم عاصياً، فلا مطر، إن فيكم عاصياً، فقال: من كان يعصي الله فليغادرنا، ما غادره أحد، وبعد حين نزلت الأمطار كأفواه القرب، قال: يا رب، مَن هذا الذي كان يعصيك ؟ قال: عجبتُ لك يا موسى، أستره عاصياً، وأفضحه تائباً ؟!
من تاب الله عليه، وستره ينبغي ألا يفضح نفسه إطلاقاً، حتى لو كان عليك ذمة في الجاهلية، وتبت إلى الله، ولا بد من أن تؤدى هذه الذمة لصاحبها يمكن أن ترسلها له بحوالة بريدية، من دون أن تفضح نفسك، تقول له كنت عندك مرة، واختلست هذا المبلغ منك من الطاولة، حتى لو كان عليك حق فلا بد من أن تؤدي هذا الحق من دون أن تفضح نفسك، لأن الله ( ستّير )، أسبغ عليك ستره، فلا تفضح نفسك.
المعنى الثاني:
( الستير ) يأتي بمعنى آخر، معنى المنع والابتعاد عن الشيء، فقد ورد في الحديث الصحيح أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ:
(( جَاءَتْنِي امْرَأَةٌ مَعَهَا ابْنَتَانِ تَسْأَلُنِي، فَلَمْ تَجِدْ عِنْدِي غَيْرَ تَمْرَةٍ وَاحِدَةٍ فَأَعْطَيْتُهَا فَقَسَمَتْهَا بَيْنَ ابْنَتَيْهَا، ثُمَّ قَامَتْ فَخَرَجَتْ، فَدَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَدَّثْتُهُ فَقَالَ: مَنْ يَلِي مِنْ هَذِهِ الْبَنَاتِ شَيْئًا فَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنْ النَّارِ ))
[ متفق عليه ]
مَن يصدق أنه إذا ربّى بنتاً أو بنتين، فأحسن تربيتهما، ربّاهما على الصلاح والحياء، والورع والتقوى، ثم اختار لهما زوجين صالحين من المؤمنين، ومات فله الجنة ؟!
يكفي أن تربي بنتين، وفي بعض الروايات بنتاً واحدة، يكفي أن تربي بنتاً، أن ترعاها، أن تؤدبها بأدب الإسلام، أن تحجبها، أن تختار لها زوجاً مؤمناً، يكفي هذا العمل لتكون في الجنة.
إذاً: الستر هنا بمعنى البعد، فتربية هذه البنت تربية صالحة تبعدك عن النار.
إخواننا الكرام، من البيت هناك مئات الطرق إلى الله، من البيت، من الطريق هناك مئات الطرق إلى الله، من عملك هناك مئات الطرق إلى الله، الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق، هل هناك بيت ما فيه بنات ؟ هذا كلام النبي عليه الصلاة والسلام، يقول سيدنا سعد ابن أبي وقاص:
<< ثلاثة أنا فيهن رجل، وفيما سوى ذلك أنا واحد من الناس >>، ومعنى رجل لا تعني أنه ذكر، تعني أنه بطل. ﴿ رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ ﴾
( سورة النور الآية: 37 )
كلمة رجال في القرآن لا تعني أنهم ذكور، تعني أنهم أبطال.
قال: ثلاثة أنا فيهن رجل، وفيما سوى ذلك أنا واحد من الناس، واحد من عامة المؤمنين، ما هذه الثلاثة ؟! يقول: << ما سرتُ في جنازة فحدثت نفسي بغير ما تقول حتى أنصرف منها >>، معنى ذلك أن الجنازة لها قول، القول قد يكون بلسان المقال، أو بلسان الحال.
ورد في بعض الآثار " أن روح الميت ترفرف فوق النعش تقول: يا أهلي يا ولدي، لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي، جمعت المال مما حل وحرم، فأنفقته في حله، وفي غير حله، فالهناء لكم والتبعة علي ".
قال: << ما سرت في جنازة فحدثت نفسي بغير ما تقول حتى أنصرف منها >>.
لذلك إذا مشى الإنسان في جنازة فهذا الذي في النعش انقضى أجله، وخُتم عمله سيحاسب عن كل شيء. ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾
( سورة الحجر )
كل مخلوق يموت ولا يبقَ إلا ذو العزة والجبروت.
والليل مهما طال فلا بد من طلوع الفجر
والعمر مهما طال فلا بد من نزول القبر
***
وكل ابن أنثى وإن طلت سلامته يوماً على آلة حدباء محمول
فإذا حمــلت إلى القبور جنازة فاعلم أنك بعدها مــحمول
***
لذلك قالوا: أندم الناسِ عالِمٌ دخل الناس بعلمه الجنة، ودخل هو بعلمه النار، ما طبق علمه، وأندم الناسِ غني دخل ورثته بماله الجنة، ورثوه حلالاً، وأنفقوه في طاعة الله، فدخلوا بمال أبيهم الجنة، ودخل هو بماله النار، لأنه كسبه بطرق متعددة لا ترضي الله عز وجل.
فلذلك المعنى الدقيق: << ثلاثة أنا فيهن رجل، وفيما سوى ذلك أنا واحد من الناس ما سرت في جنازة فحدثت نفسي بغير ما تقول حتى أنصرف منها >>.
الآن يمشي الرجل في الجنازة فيتحدث عن الصفقات، والبيت الفلاني، والمحل الفلاني، والحفلة الفلانية، قال له: هل حضرتها ؟ كانت رائعة ! وهو يمشي في جنازة.
<< ما سرت في جنازة فحدثت نفسي بغير ما تقول حتى أنصرف منها، ولا صليت صلاة فشغلت نفسي بغيرها حتى أقضيها >>. ﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴾
( سورة المؤمنون )
في الجنازة بطل، والصلاة بطل.
الثالثة، وهي موطن الشاهد: << وما سمعت حديثاً من رسول الله إلا علمت أنه حق من الله تعالى >>.
إذا ربيت هذه البنت، وأحسنت أخلاقها، وحجبتها، ودللتها على الله، واخترت لها زوجاً مؤمناً فلك الجنة، هذا عمل يكفي لدخول الجنة.
أيها الإخوة:
(( مَنْ يَلِي مِنْ هَذِهِ الْبَنَاتِ شَيْئًا فَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنْ النَّارِ ))
( الستير ) هو سبحانه وتعالى، ويحب الستر، ويبغض القبائح، ويأمر بستر العورات، ويبغض الفضائح، ويستر العيوب على عباده، وإن كانوا بها مجاهرين، ويغفر الذنوب مهما عظمت، طالما كان عباده موحِّدون.
قصة مناسبة لموضوع الستر:
ليس من عادتي أن أروي قصصا مبنية على منامات، لكن هناك قصة مؤثرة جداً، أن أحد خطباء دمشق، والقصة من خمسين سنة تقريباً، رأى في المنام رسول الله، وتأثر تأثراً بالغاً بهذه الرؤيا، وقد ورد عَن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:
(( مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَسَيَرَانِي فِي الْيَقَظَةِ، وَلَا يَتَمَثَّلُ الشَّيْطَانُ بِي ))
[ أخرجه أحمد في مسنده وصحيح البخاري والترمذي ]
هذا الخطيب رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام، وقال له: قل: لجارك فلان، وجاره بائع متواضع جداً، إلى جانب المسجد، قل لجارك فلان: إنه رفيقي في الجنة، هذا الخطيب تألم ألماً شديداً، البشارة لي أم له ؟ لجاره، وهو إنسان متواضع، من عامة الناس طرق بابه، دخل إلى بيته ورحب به، قال له: لك عندي بشارة من رسول الله، ولن أعلمك إياها إلا إذا أخبرتني ماذا فعلت مع ربك ؟ امتنع، فلما ألح عليه، قال له: والله لن أنقلها إلى مسامعك إلا إذا أخبرتني ماذا فعلت مع ربك، قال له: والله أنا خطبت امرأة وتزوجتها، وفي الشهر الخامس، كانت حاملاً في الشهر التاسع، يعني أن الحمل ليس مني، قال له: زلت قدمها، قال له: بإمكاني أن أفضحها، بإمكاني أن أطلقها، بإمكاني أن أسحقها، لكن أردت أن أجعلها تتوب على يدي، جئت لها بولاّدة، وولدت في الليل، وحملت الطفل الصغير الذي ليس منه تحت عباءتي، ودخلت جامع في السنجقدار، دخل المسجد بعد أن نوى الإمام فريضة الفجر، وضع الغلام وراء الباب، والتحق بالمصلين، ولم يره أحد، فلما انتهت الصلاة تحلق الناس حول الغلام، ودهشوا، فجاء هو، وكأنه لم يعلم ما الخبر، قال: ما الخبر ؟! قالوا: تعال انظر، قال: أنا أكفله، أعطوني إياه، فأخذه أمام أهل الحي على أنه لقيط، وهو تولى تربيته، ورده إلى أمه، وتابت على يديه، الله عز وجل قال: ﴿ إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ ﴾
( سورة النحل الآية: 90 )
العدل أن تطلقها، وأن تسحقها، وأن تركلها بقدمك، لكن الله أمرك بالإحسان، فأنت إذا فعلت هذا فقد أنقذتها من الفضيحة، وأنقذتها من الضياع، وما كل قضية تحل بالعدل، بل تحل آلاف القضايا بالإحسان، ﴿ إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ ﴾، لا تكن فضّاحاً، كن ستّيراً.
الله عز وجل ( ستّير )، يحب كل ستّير، وتخلق بهذا الكمال الإلهي، وتقرب إلى الله بهذا الكمال الإلهي، ولا تكن فضّاحاً.
فلذلك في مجتمع الفضائح ما من قصة يرويها إنسان إلا وهي بعد أيام بين كل الناس.
لذلك النبي عليه الصلاة والسلام وصف المرأة المؤمنة بأنها ستيرة، وأما التي تخرج من بيتها تشتكي على زوجها فهي فضاحة، لا ينظر الله إلى امرأة تشتكي على زوجها، يحب الله المرأة الستيرة، المرأة الستيرة امرأة مؤمنة.
خاتمة:
أيها الإخوة الكرام، حينما أتخلق بهذا الاسم، وبهذا الكمال أتقرب إلى الله.
﴿ وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾
نحن في علاقاتنا الاجتماعية الغيبة هي أحد أسباب الفضائح، حتى قال الواحد للثاني: لقد اغتبتني، قال له: من أنت حتى أغتابك ؟ لو كنت مغتاباً أحداً لاغتبت أبي وأمي، لأنهما أولى بحسناتي منك، فالقضية تنطلق من غيبة، وتنتشر.
فهذا الذي أتمنى أن يكون واضحا عند إخوتنا الكرام، في أن الله سبحانه وتعالى من أسمائه الحسنى أنه ( ستّير )، ويمكن أن تتقرب إلى الله بهذا الكمال، وهو أن تستر.
الكلام له قواعد شرعية في موضوع الفتوى، في موضوع إنكار المنكر، في حالات أخرى، أما الأصل أنه ينبغي أن تستر، والمجالس بالأمانة.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
08-05-2018, 07:21 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الرابع العاشر )
الموضوع : اسم الله - الستير -2-
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: ( الستير):
أيها الأخوة الأكارم، مازلنا مع اسم الستير، وقد قيل الرب رب والعبد عبد، من شأن الرب أن يستر القبيح وأن يظهر الحسن، ومن شأن العبد غير المؤمن أن يظهر القبيح ويستر الحسن، أما المؤمن فمن شأنه أن يتخلق بكمالات الله عز وجل فيستر القبيح ويظهر الحسن، وهذا خلق كريم، وهذا رقي إنساني، أن تُظهر الحسن وأن تستر القبيح، بينما غير المؤمن يظهر القبيح ويستر الحسن، لذلك ورد في بعض الأحاديث أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
(( لله أفرح بتوبة عبده من العقيم الوالد، ومن الضال الواجد، ومن الظمآن الوارد ))
[ أخرجه ابن عساكر في أماليه عن أبي هريرة ]
ضيعت شيئاً ثميناً جداً وأنت في حيرة من أمرك ثم وجدته.
(( لله أفرح بتوبة عبده من العقيم الوالد، ومن الضال الواجد، ومن الظمآن الوارد ))
[ أخرجه ابن عساكر في أماليه عن أبي هريرة ]
بعد عشر سنوات جاءه الولد، بعد اليأس والإحباط، ومن الظمآن الوارد الذي كان على مشارف الهلاك.
(( لله أفرح بتوبة عبده من العقيم الوالد، ومن الضال الواجد، ومن الظمآن الوارد ))
[ أخرجه ابن عساكر في أماليه عن أبي هريرة ]
وإذا تاب العبد توبة نصوحة، هنا الشاهد، هنا اسم الستير.
إذا تاب العبد توبة نصوحة أنسى الله حافظيه والملائكة وبقاع الأرض كلها خطاياه وذنوبه.
هذا شأن الستير، إذا تاب العبد توبة نصوحة أنسى الله حافظيه والملائكة وبقاع الأرض كلها خطاياه وذنوبه.
التائب من الذنب كمن لا ذنب له:
لذلك: التائب من الذنب كمن لا ذنب له.
﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (27) ﴾
(سورة النساء)
وما أمرك أن تتوب إليه إلا ليتوب عليك، وما أمرك أن تستغفره إلا ليغفر لك، وما أمرك أن تسأله إلا ليعطيك، لكن الإنسان غير المؤمن شأنه العكس هو يظهر القبيح ويستر المليح، لذلك ورد في بعض الأحاديث الشريفة:
((تعوذوا بالله من ثلاث فواقر: تعوذوا بالله من مجاورة جار السوء، إن رأى خيرا كتمه وإن رأى شرا أذاعه...))
[رواه البيهقي عن أبي هريرة]
هناك إنسان أنا أسميه قناص، يتعامى عن كل الفضائل، فإذا ضبط تقصيراً أو مخالفة أو عيباً فضحها ونشرها وبالغ في الحديث عنها، هذه اسمه قناص، وهناك نماذج بشرية في كل المجتمعات، يتعامى عن كل الفضائل والخيرات ويظهر العيوب والنقائص.
لذلك:
(( تعوذوا بالله من ثلاث فواقر: تعوذوا بالله من مجاورة جار السوء، إن رأى خيرا كتمه وإن رأى شرا أذاعه، وتعوذوا بالله من زوجة سوء، إن دخلت عليها لسنتك، وإن غبت عنها خانتك، وتعوذوا بالله من إمام سوء، إن أحسنت لم يقبل، وإن أسأت لم يغفر))
[رواه البيهقي عن أبي هريرة]
هذه فواقر ثلاث.
من ستر مؤمناً رضي الله عنه و قربه منه:
صدق أيها الأخ الكريم، أنت حين تستر مسلماً وتدفن قصته تحت الأرض ولا تبوح بها إطلاقاً تشعر بقرب من الله كبير، وحدثتكم في اللقاء السابق عن هذه التي زلت قدمها فأصلحها زوجها وجعلها تتوب توبة نصوحاً حتى أن هناك بشارات تبشره برضوان الله عز وجل.
القاضي شريح لقيه صديقة الفضيل فقال له: يا شريح كيف حالك في بيتك ؟ قال: منذ عشرين عاماً لم أجد من يعكر صفائي.
أحياناً الإنسان يقول: ما نمت يوماً مرتاحاً معها، يقول: والله من عشرين عاماً ما وجدت من زوجتي ما يعكر صفائي، قال: وكيف ذلك يا شريح ؟ قال: خطبت امرأة من أسرة صالحة فلما كان يوم الزفاف وجدت صلاحاً وكمالاً، يقصد صلاحاً في دينها وكمالاً في خلقها، فصليت ركعتين شكراً لله على نعمة الزوجة الصالحة، فلما سلّمت من صلاتي وجدت زوجتي تصلي بصلاتي وتسلم بسلامي وتشكر بشكري، فلما خلا البيت من الأهل والأحباب دنوت منها، فقالت لي: على رسلك يا أبا أمية ( أي انتظر)، وقامت فخطبت، قوية في دينها كاملة في خلقها، قالت: أما بعد، يا أبا أمية إني امرأة غريبة لا أعرف ما تحب ولا ما تكره، فقل ما تحب حتى آتيه وما تكره حتى أجتنبه، ويا أبا أمية قد كان لك من نساء قومك من هي كفء لك، وكان لي من رجال قومي من هو كفء لي، ولكن كنت لك زوجة على كتاب الله وسنة رسوله ليقضي الله أمراً كان مفعولاً، فاتقِ الله فيّ وامتثل قوله تعالى:
﴿ فإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ (229) ﴾
(سورة البقرة)
ثم قعدت، قال: فألجأتني إلى أن أخطب، يعني اضطر أن يلقي خطبة أمامها، وقف وقال: أما بعد، فقد قلت كلاماً إن تصدقي فيه وتثبتي عليه يكن لك زخراً وأجراً، وإن تدعيه يكن حجة عليك، أحب كذا وكذا وأكره كذا وكذا، أعطاها قائمتين.
عندنا قاعدة: لا معصية قبل التكليف، تكلف، تبين، توضح ثم تحاسب، أزواج كثيرون لا ينطقون بكلمة فإذا أخطأت في ميزانه هو يقيم عليها الدنيا ولا يقعدها، ما بلغت، قال لها أحب كذا وكذا وأكره كذا وكذا، شاهد القصة من اسم الستير: قال لها: ما وجدت من حسنة فانشريها وما وجدت من سيئة فاستريها. صفة الستر أول صفة من صفات المرأة المؤمنة:
لذلك النبي عليه الصلاة والسلام وصف المرأة المؤمنة بأنها ستيرة ليست فضاحة لا تفضح زوجها، الإنسان في البيت عليه ضغوط عمل، أحياناً يقل المال بين يديه، أحياناً يصبح سريع الاستثارة، فالمرأة الصالحة تقدر هذا الظرف، في متاعب في الحياة، أحياناً في التجارة في مشكلات كبيرة جداً، بالوظيفة في صعوبات بالغة، قال لها: ما وجدت من حسنة فانشريها وما وجدت من سيئة فاستريها.
لذلك تكاد صفة الستر تكون صفة أولى في المرأة المؤمنة، من هنا قال عليه الصلاة والسلام: إني أكره المرأة تخرج من بيتها تشتكي على زوجها، لا ينظر الله إلى امرأة لا تشكر زوجها وهي لا تستغني عنه.
شاهدنا في موضوع اسم الستير قوله لها: ما وجدت من حسنة فانشريها وما وجدت من سيئة فاستريها.
من أراد معاتبة من حوله عليه أن يبدأ بذكر إيجابياته لا سلبياته:
إخواننا الكرام، الإنسان أحياناً يأخذ من كل جهة إيجابيتها ويبتعد عن سلبياتها، هناك أشخاص بالعكس: يأخذون من كل جهة سلبياتها ويبتعدون عن إيجابيتها، يعني أحياناً يكون لك صديق له إيجابيات كثيرة جداً وله سلبيات، يقتبس من سلبياته ومن سلبيات هذا وهذا فإذا هو كتلة من العيوب والنقائص، وفي إنسان آخر يأخذ من كل شيء إيجابياته، يجمع محاسن كل شيء، فعود نفسك أن ترى في الإنسان الجانب الإيجابي، لا يوجد إنسان كله شر ولا يوجد إنسان كله خير، أنت حينما توطن نفسك، أن ترى في كل إنسان النواحي الإيجابية، كيف ؟ النبي عليه الصلاة والسلام يؤم أصحابه في صلاة من صلوات الفرض، صحابي تأخر عن إدراك الركعة الأولى فدخل إلى المسجد وأسرع ليلحق مع النبي الركعة الأولى، أحدث جلبة وضجيجاً وشوش على الصحابة في صلاتهم، لما انتهت الصلاة ماذا قال له النبي عليه الصلاة والسلام ؟ قال: زادك الله حرصاً ولا تعد.
ابدأ بالإيجابيات، أنت كمدير مؤسسة، كمعلم، مدير مستشفى، مدير جامعة، مدير مدرسة، حولك موظفون لهم إيجابيات وسلبيات، إياك ثم إياك أن تبدأ بسلبياتهم، عندك موظف يتأخر ولكنه أمين إن أردت أن تعاتبه يجب أن تبدأ بالحديث عن أمانته، أنا معجب بأمانتك، وأنا ممتن من إخلاصك لكن هناك مأخذ طفيف لابد من تلافيه هكذا علمنا النبي عليه الصلاة والسلام.
لذلك هناك عالم نفس أمريكي ألّف كتاباً، كيف تؤثر في الناس وتكسب الأصدقاء ؟ الكتاب الطبعة الأولى كانت خمسة ملايين نسخة، جاء عالم (محمد الغزالي رحمه الله)، أخذ هذه القواعد وذكر ما يقابلها في القرآن والسنة، فإذا كنت مدير مدرسة، أو مدير مشروع، أو مدير جامعة، أو أب، أو معلم، وأردت أن تعاتب بعض من حولك، ابدأ بإيجابياتهم، فجاء بالحديث هذا:
زادك الله حرصا ولا تعد.
على كل إنسان أن يرسم لزوجته سياسته في كل شيء للابتعاد عما يعكر صفوهما:
إذاً الشاهد إني أكره المرأة تخرج من بيتها تشتكي على زوجها.
و ما رأيت من حسنة فانشريها وما رأيت من سيئة فاستريها، قالت: كيف نزور أهلي وأهلك ؟ قال: نزورهم غباً مع انقطاع بين الحين والحين حتى لا يملونا، رسم سياسة، وأنا أقول: دائماً فترة الخطبة فترة مهمة جداً، يجب أن يرسم الزوج مستقبلاً لزوجته، سياسته في كل شيء، قالت: كيف نزور أهلي وأهلك ؟ قال: نزورهم غباً مع انقطاع بين الحين والحين لئلا يملونا.
زر غباً تزدد حباً.
قالت: فمن من الجيران تحب أن أسمح لهم بدخول بيتك ومن تكره ؟ قال: بنو فلان قوم صالحون وبنو فلان قوم غير ذلك، ثم قال: ومضى عليّ عام عدت فيه إلى البيت فإذا أم زوجتي عندنا، رحبت بها أجمل ترحيب، وكانت قد علمت من ابنتها أنها في أهنأ حال، قالت له أم زوجته: كيف وجدت زوجتك ؟ قلت: والله هي خير زوجة، قالت: يا أبا أمية ما أوتي الرجال شراً من المرأة المدللة فوق الحدود، فأدب ما شئت أن تؤدب، وهذب ما شئت أن تهذب، ثم التفتت إلى ابنتها تأمرها بحسن السمع والطاعة.
شاهدنا، ما رأيت من حسنة فانشريها وما رأيت من سيئة فاستريها. والمرأة المؤمنة ستيرة والزوج المؤمن ستير لا يفضح، لا يمدحها أمام الناس مدحاً يغري الناس أن يلتقوا بها، كما أن هناك عادة سيئة جداً، يثني على جمال زوجته وعلى حكمتها وعلى طبخها وعلى و على.. ليس هذا من الكمال، لكن ليس من الكمال أيضاً أن تذم زوجتك، كما أن النبي عليه الصلاة والسلام أثنى على المرأة الستيرة، وأنت أيها الزوج الكريم يجب أن تكون ستيراً، قال: ومضى عليّ عشرون عاماً لم أجد ما يعكر صفائي إلا ليلة واحدة كنت فيها أنا الظالم.
طاعة الله عز وجل تنظم العلاقة بين الزوجين:
لذلك أنا أقول: مما ينظم علاقة الزوجين هذا الحديث الشريف:
(( وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ مَا تَوَادَّ اثْنَانِ فَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا إِلَّا بِذَنْبٍ يُحْدِثُهُ أَحَدُهُمَا ))
[رواه أحمد عن ابن عمر، وإسناده حسن]
وأقول دائماً: إذا بني الزواج على طاعة الله ولو افتقر إلى معظم مقومات نجاحه يتولى الله في عليائه التوفيق بين الزوجين، أما إذا بني الزواج على معصية الله ولو توافرت له كل أسباب النجاح يتول الشيطان التفريق بينهما.
من معاني الاستتار التي ينبغي للمؤمن أن يتخلق بها:
1 ـ على المؤمن ألا يفتخر بالمعصية:
الآن من معاني الاستتار التي ينبغي للمؤمن أن يتخلق بها، المقولة الشهيرة إذا بليتم بالمعاصي فاستتروا، يعني إنسان غلبته نفسه لا ينبغي أن يفتخر بهذه المعصية، السؤال الآن: ما الفرق بين العاصي والفاجر ؟ العاصي عاصي أما الفاجر يجاهر بمعصيته ولا يعبأ بها، يفتخر بها أحياناً، لذلك ذنب الفاجر كبير لأنه إنسان مستعل مستكبر، لأنه يذكر ذنبه أمام الناس ولا يستحي منه فهو فاجر، أما العاصي قد يكون مغلوباً، ورب معصية أورثت ذلاً وانكساراً خير من طاعة أورثت عزاً واستكباراً، لذلك فرق العلماء بين معصية غلبة الشهوة وبين معصية الاستكبار إبليس أبى واستكبر أن يكون مع الساجدين، هناك معاصي استكبار، وهناك معاصي غلبة شهوة: ﴿ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا (106) ﴾
(سورة المؤمنون)
لذلك الفرق كبير جداً بين أن تغلب وبين أن تستعلي، لذلك إذا بليتم بالمعاصي فاستتروا، مقولة إذا بليتم بالمعاصي فاستتروا والذي لا يستتر لا يصنف مع العصاة، يصنف مع الفجار.
البوح بالأخطاء وقد سترها الله عز وجل استخفاف بستر الله:
هناك شيء آخر نحن في إسلامنا ممنوع أشد المنع أن تبوح بمعاصيك لرجل الدين، هذا ليس وارداً في الإسلام، إنسان زلت قدمه وارتكب معصية والله ستره ممنوع منعاً باتاً أن تذهب إلى شيخ وأن تبوح له بما فعلت، الله سترك استر نفسك، والإنسان لا يغفر، وهناك أزواج كثر بعد الزواج يحدثها عن أخطائه قبل الزواج، أو هي من حمقها تحدثه عن أخطائها قبل الزواج، فالإنسان لا يغفر، الله تعالى سترك وما فضحك تفضح نفسك ؟ هذا موقف فيه حمق كبير، لذلك البوح بالأخطاء وقد سترها الله عز وجل استخفاف بستر الله، البوح بأخطاء وقد سترها الله عز وجل استخفاف بستر الله عز وجل.
2 ـ أن يستر الإنسان عورته:
الآن يدخل في باب الاستتار أن يستر الإنسان عورته، النبي عليه الصلاة والسلام استأجر أجيراً فاغتسل عريانا فقال له: خذ أجارتك لا حاجة لنا بك إني رأيتك لا تستحيي من الله.
سبحان الله عز وجل، العالم الآن انقسم مؤمن وغير مؤمن، أهل الإيمان يستترون وأهل الضلال يكشفون عوراتهم، لذلك الآية الكريمة: ﴿ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآَتِهِمَا ﴾
[سورة الأعراف الآية:27]
شأن الشيطان التعري، أنا أقول لكم شيئاً مؤلماً هناك شباب يقومون في البيت بثيابهم الداخلية أمام أخواتهم، وهناك شابات يرتدين ملابس شفافة أمام آبائهن وأخواتهن، هذا لا يجوز إطلاقاً، لذلك إذا كان في فواحش ضمن الأسرة الواحدة سببها التعري، حتى الإنسان إذا دخل على ابنته ينبغي أن يستأذن منها، النبي عليه الصلاة والسلام علمنا أن نستأذن على أمهاتنا ففي صحابي تعجب كيف نستأذن على أمهاتنا ؟ قال: أتحب أن تراها عريانة ؟
المرأة لها خصوصيات، فلذلك من شأن الشيطان أن ينزع عن الإنسان لباسه، هذا الشيء في تفلت في البيوت، تفلت في الطرقات، المرأة تبدو كما خلقها الله كاسية عارية بينما المؤمن يرتدي ثياباً سابغة والمؤمنة كذلك، الأبلغ من ذلك يجب أن تستر خصوصيات البيت، كل إنسان له زوجة، في خصوصيات، نسمي العلاقة بالزوجة علاقة حميمة جداً، هذه العلاقات الحميمة ينبغي ألا يبوح بها الزوج، ولا تبوح بها الزوجة أبداً، ينبغي ألا يبوح بها الزوج ولا تبوح بها الزوجة، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام أشار إلى هذا المعنى إشارة واضحة جداً فكان الذي يلتقي مع زوجته ثم يُحدّث الناس بما كان البارحة و كأن الناس يرون الزوجين عريانين، هذا أيضاً من نقائص المجتمع.
3 ـ سترة ما بين الزوجين من خصوصيات:
هناك شيء آخر سترة ما بين الزوجين من خصوصيات، إنسانة بفرنسا تعمل بالتمثيل سئلت وقد لفتت نظري إجابتها، سئلت ما شعورك وأنت على خشبة المسرح ؟ قالت شعور الخزي والعار، وهذا شعور كل أنثى تعرض مفاتنها على الجمهور، إن الحب يجب أن يبقى بين الزوجين وفي غرف مغلقة.
شخص كان لا يصلي الفجر في وقته فاشتكى للنبي أنه نؤوم قال له عمر: ويحك! فضحت نفسك، قال له: دعه يا عمر، فضوح الدنيا أفضل من فضوح الآخرة، ثم دعا له وقال: رب أذهب عنه النوم إذا شاء. معنى هذا أن الإنسان إذا شاء استيقظ، أذهب عنة النوم إذا شاء.
من ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة:
إخواننا الكرام، أهم ما في هذا الدرس من ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة. اجعل ستر المسلمين عملاً صالحاً تلقاه يوم القيامة، من ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة لأن المؤمن عليه أن يتخلق بكمالات الله.
الآن قصة فيها فحش:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ﴾
( سورة النور الآية: 19 )
قصة تعطي فكرة سيئة عن المجتمع لا ترويها إذا رويتها إلى من لا يحتاجها استسهل المعصية، هناك قصص تقع ليس من المستحسن أن تكثر من روايتها، لذلك: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ﴾
( سورة النور الآية: 19 )
لا تؤذوا عباد الله ولا تعيروهم ولا تطلبوا عوراتهم فإنه من طلب عورة أخيه المسلم طلب الله عورته حتى يفضحه في عقر بيته.
كل إنسان يتتبع عورات الناس الله عز وجل توعده أن يفضحه في عقر داره، وآخر شيء في هذا اللقاء الطيب:
(( من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه))
[أخرجه الترمذي عن الحسين بن علي]
والحمد لله رب العالمين
السعيد
08-05-2018, 07:25 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الرابع العاشر )
الموضوع : اسم الله - الجميل - 1 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: ( الجميل )
أيها الإخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم ( الجميل ).
قد ورد هذا الاسم في صحيح مسلم من حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(( لا يَدْخُل الجَنَّةَ مَنْ في قَلْبِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ، فقال رجلٌ: إن الرجلَ يُحبّ أن يكون ثوبُه حسناً ونعلُه حسنةً، قال عليه الصلاة والسلام: إنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمالَ الكِبْرُ بَطَرُ الحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ ))
ما هو الكِبْر ؟
بالمناسبة، أيها الإخوة، لو أن عندك كمية قليلة من اللبن، وجاءك ضيوف كُثر، فإنه يمكن أن تضيف لهذا اللبن خمسة أضعافه ماءً من اللبن ويكون شراباً سائغاً، فتحمَّل هذا اللبن خمسة أضعافه ماء، لكنه لا يتحمّل قطرة بترول، فإن أضيفت إليه قطرة واحدة من البترول ألقيتَه وأهرقته، لأن البترول يتناقض في طعمه مع الماء، أما اللبن فلا يتناقض.
كذلك الكبر يتناقض مع العبودية لله،
(( لا يَدْخُل الجَنَّةَ مَنْ في قَلْبِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ ))
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/784/01.jpg
قال عليه الصلاة والسلام:
(( لو لم تذنبوا لخشيت عليكم ما هو أكبر ))
[ أخرجه البزار وابن والبيهقي عن أنس ]
ما الذي هو أكبر من الذنب ؟ قال:
(( العجب العجب ))
رُبّ معصية أورثت صاحبها ذلاً وانكساراً خير من طاعة أورثت عزاً واستكباراً.
لذلك الكبر يتناقض مع العبودية لله عز وجل.
(( لا يَدْخُل الجَنَّةَ مَنْ في قَلْبِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ، فقال رجلٌ: إن الرجلَ يُحبّ أن يكون ثوبُه حسناً ونعلُه حسنةً، قال عليه الصلاة والسلام: إنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمالَ ))
الكِبْرُ بَطَرُ الحَقِّ وَغَمْطُ النَّاس:
أما الكبر فشيء آخر، بطر الحق أي ردّ الحق، وغمط الناس ؛ أن تبخسهم مكانتهم، أن ترد الحق، أن ترى نفسك أكبر من الحق، أن تتكبر عن أن تنصاع إلى الحق، أن تتأبى، هذه معصية إبليس.
﴿ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ﴾
( سورة البقرة الآية: 32 )
فلمجرد أن ترد الحق، وأن ترفضه، وأن تتعنت، وأن يركب الإنسان رأسه، وأن تأخذه العزة بالإثم، إذاً: هذا هو الكبر، ولمجرد أن تحتقر الناس، وأن تستهين بهم، وأن ترى نفسك فوقهم، وتغمط الناس فهذا كِبْرٌ.
المؤمن يعترف بفضل الآخرين، يعترف بقيمة الآخرين يعترف بإنجازات الآخرين، هناك من يسلط الضوء على ذاته فقط، ويضع مَن حوله في التعتيم، هذا هو غمط الناس، وتعريف الكبر عند رسول صلى الله عليه وسلم: (( الكِبْرُ بَطَرُ الحَقِّ ـ أي رد الحق ـ وَغَمْطُ النَّاسِ ـ أن تزدري الناس ))
لذلك ليس من صفات المؤمن أن يزدري أخاه.
(( بِحسْبِ المْرِء مِنَ الشرّ أنْ يَحْقِرَ أخاهُ المُسْلمَ ))
[ رواه الترمذي، عن أبي هريرة رضي اللّه عنه ]
أن يرى نفسه فوقه.
النبي أشد الناس تواضعا:
من علامات الإيمان التواضع، دخل على النبي الكريم رجل أصابته رعدة، من هيبة النبي، كان عليه الصلاة والسلام له هيبة، من رآه بديهة هابه ومن عامله أحبه، فعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ:
(( أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ فَكَلَّمَهُ، فَجَعَلَ تُرْعَدُ فَرَائِصُهُ، فَقَالَ لَهُ: هَوِّنْ عَلَيْكَ، فَإِنِّي لَسْتُ بِمَلِكٍ، إِنَّمَا أَنَا ابْنُ امْرَأَةٍ تَأْكُلُ الْقَدِيدَ ))
[ ابن ماجه ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/784/02.jpg
كان مع أصحابه في سفر، فأرادوا أن يعالجوا شاة، فقال عليه الصلاة والسلام بعد أن قال أحدهم: علي طبخها، والثاني علي سلخها، وقال عليه الصلاة والسلام:
(( وعلي جمع الحطب ))
[ ورد في الأثر ]
تواضعاً لله عز وجل.
الحديث دقيق جداً:
(( لا يَدْخُل الجَنَّةَ مَنْ في قَلْبِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ، فقال رجلٌ: إن الرجلَ يُحبّ أن يكون ثوبُه حسناً ونعلُه حسنةً، قال عليه الصلاة والسلام: إنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمالَ ))
الله يحبك أن تكون أنيقا، ثيابك نظيفة، ومتعطرا، شعرك معالج، يحبك كذلك.
(( إنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمالَ ))
الإنسان مفطور على حب الجمال:
بالمناسبة، الإنتاج العقلي والشعوري للبشرية لا يزيد على علم وفلسفة وفن، فالعلم ما هو كائن، والفلسفة ما يجب أن يكون، والفن ما هو ممتع، فمن الفن ما هو مباح، كأن تكون أديباً، الأدب جمالي، التعبير المثير عن دقائق الحياة، أو أن يكون الفعل جميلاً هو الكمال.
لذلك قالوا: الإنسان فُطر على حب الكمال، وحب الجمال، وحب النوال الإنسان يحب الجميل، فقد يكون الطفل جميل الصورة، يدع في قلب أبيه تعلقاً شديدا، وأحياناً يكون العطاء خالصا كريما، فالإنسان يحب المحسن.
" يا داود، ذكر عبادي بإحساني إليهم، فإن النفوس جبلت على حبِّ مَن أحسن إليها "
والإنسان يحب النوال، العطاء، والجمال، والكمال، وهذا موقف كامل، الوفاء والرحمة والتواضع.
أحياناً تقرأ قصة، أو تقرأ سيرة، فتجد صحابيا جليلا كان أديباً أدباً جماً، وقد قيل للعباس: أيّكما أكبر أنت أم رسول الله ؟ عمه العباس، فقال: << أنا ولدت قبله، وهو أكبر مني >>.
هناك كلمات رائعة جداً، وتصرفات رائعة، وشكل رائع.
1 – ورودُ اسم ( الجميل ) في الحديث الصحيح:
أيها الإخوة، هذا الحديث ورد فيه اسم ( الجميل )، وهو حديث في صحيح مسلم.
ورد هذا الاسم مطلقاً، منوناً، مراداً به العلمية، دالاً على كمال الوصفية، ورد أيضاً في رواية أحمد في مسند ابن مسعود فيه تفصيل، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( لَا يَدْخُلُ النَّارَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ، وَلَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ كِبْرٍ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي لَيُعْجِبُنِي أَنْ يَكُونَ ثَوْبِي غَسِيلًا ـ أي نظيفًا ـ وَرَأْسِي دَهِينًا، وَشِرَاكُ نَعْلِي جَدِيدًا، وَذَكَرَ أَشْيَاءَ، حَتَّى ذَكَرَ عِلَاقَةَ سَوْطِهِ، أَفَمِنْ الْكِبْرِ ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ: لَا، ذَاكَ الْجَمَالُ، إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، وَلَكِنَّ الْكِبْرَ مَنْ سَفِهَ الْحَقَّ، وَازْدَرَى النَّاسَ ))
[ أحمد في المسند ]
2 – الجمال المادي والمعنوي مطلوب، وليس من الكِبْر:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/784/03.jpg
هذا الكبر، الأمر واضح تماماً، الكبر رد الحق، وازدراء الناس، بطر الحق وغمط الناس، أمّا أن تكون أنيقا، أن يكون بيتك مرتباً، منظماً، فيه تناسب ألوان، أن تكون مركبتك نظيفة، أن يكون ثوبك حسناً، أن يكون كلامك فصيحاً، أن تكون تصرفاتك رائعة، فهذا هو الجمال:
(( إنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمالَ ))
3 – لابد للمؤمن أن يكون جميلا بالمعنى العام:
دائماً وأبداً أقول لكم: يجب أن تشتق من كمال الله كمالاً يكون هذا الكمال وسيلة للإقبال على الله.
﴿ وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾
( سورة الأعراف الآية: 180 )
تتقرب إلى الجميل بالجمال، تتقرب إلى الرحيم بالرحمة، تتقرب إلى العدل بالإنصاف، تتقرب إلى اللطيف باللطف، تتقرب إلى الكريم بالكرم.
﴿ وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾
( سورة الأعراف الآية: 180 )
أي تقربوا إليه بأن تتخلقوا بهذا الكمال الإلهي، هذا محور هذه الدروس.
﴿ وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾
( سورة الأعراف الآية: 180 )
ما من شيء يقربك من الله عز وجل كأن تكون متخلقاً بكمالات الله.
4 – معنى الجمال:
أيها الإخوة، الجميل في اللغة مأخوذ من الجمال، وهو الحُسن في الخَلْق والأخلاق.
نحن كلما ذكرنا الجمال ننطلق إلى تصور جمال الشكل، لكن أحياناً هناك أعمال وتصرفات تستمع إليها فتبقى شهراً غارقاً في نشوتها.
كما حدثتكم ببعض القصص، هناك مواقف فيها وفاء، مواقف فيها رحمة، مواقف فيها إنصاف، مواقف فيها حب، هذه المواقف جميلة جداً، وقد يكون الذي يفعلها ليس جميلاً.
مثلاً: ورد في صفة بعض التابعين وهو الأحنف بن قيس، أنه كان قصير القامة، أسمر اللون، غائر العينين، ناتئ الوجنتين، أحنف الرجل، ليس شيء من قبح المنظر إلا وهو آخذ منه بنصيب، وكان مع ذلك سيد قومه، إذا غضبَ غضب لغضبته مئة ألف سيف، لا يسألونه فيم غضب ؟ وكان إذا علم أن الماء يفسد مروءته ما شرب، هذا كمال رائع جداً مع دمامة لا توصف.
5 – ليس الجمال محصورًا في الجمال الجسدي المادي:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/784/04.jpg
لذلك الرجل جماله، بفصاحته، جماله في أخلاقه، جماله في كرمه، جماله في تواضعه، جماله في رحمته، لعل المرأة تتوهم أن كل قيمتها في جمالها الجسدي، وهذا خطأ.
أحاديث مهمة في بيان أهمية جمال الأخلاق:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
(( تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ ))
[ متفق عليه ]
يجب أن نحرر مفهوم الجمال مما تراكم من أذهان الناس أنه جمال الشكل فقط، هناك مواقف جميلة، أحيانا تعيش مع امرأة في أعلى درجة من الوفاء، والحب، والتفاني والخدمة، تسعد بها سعادة أيّما سعادة، وقد يعيش المرء مع امرأة بارعة الجمال يكرهها من أعماقِ أعماق قلبه، لأن جمال الأفعال من أعلى مستويات الجمال.
عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ:
(( إِنِّي أَصَبْتُ امْرَأَةً ذَاتَ حَسَبٍ وَمَنْصِبٍ، إِلَّا أَنَّهَا لَا تَلِدُ، أَفَأَتَزَوَّجُهَا ؟ فَنَهَاهُ، ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَةَ، فَنَهَاهُ، ثُمَّ أَتَاهُ الثَّالِثَةَ، فَنَهَاهُ، فَقَالَ: تَزَوَّجُوا الْوَلُودَ الْوَدُودَ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمْ ))
[ النسائي، أبو داود ]
مودتها تقرّبها من زوجها، فالجميل مأخوذ من الجمال، وهو الحسن في الخَلْق والخُلُق، وكان عليه الصلاة والسلام حسنَ الخَلق والخُلق.
إذا رأى الإنسان صورته في المرآة ماذا يقول ؟ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ:
(( اللَّهُمَّ أَحْسَنْتَ خَلْقِي فَأَحْسِنْ خُلُقِي ))
[ أحمد ]
قال بعض الشعراء:
جمال الجسم مع قبح النفوس كقنديل على قبر المجوس
***
مرة إنسان جميل الصورة، أنيق الثياب جداً، تكلم كلاماً بذيئاً، فقال له أحدهم: إما أن تتكلم وَفق ثيابك، أو البس وَفق كلامك، فالتناسب رائع جداً، أحيانا إنسان أنيق، حسن الصورة ثيابه أنيقة، جميلة لكن كلامه بذيء، هذا الجمال وهذه الأناقة يناسبهما علم، يناسبهما كلام منضبط، لذلك: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( لَا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ، وَلَا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ، وَلَا يَدْخُلُ رَجُلٌ الْجَنَّةَ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ ))
[ أحمد ]
وبعض العلماء، منهم الإمام الغزالي عدّ من آفات اللسان أكثر من عشرين آفة، وعلماء آخرون منهم الشيخ عبد الغني النابلسي عدّ آلاف أمراض اللسان، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ:
(( كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ، فَأَصْبَحْتُ يَوْمًا قَرِيبًا مِنْهُ، وَنَحْنُ نَسِيرُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ، وَيُبَاعِدُنِي عَنْ النَّارِ، قَالَ: لَقَدْ سَأَلْتَنِي عَنْ عَظِيمٍ، وَإِنَّهُ لَيَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، تَعْبُدُ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ، وَتَحُجُّ الْبَيْتَ، ثُمَّ قَالَ: أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى أَبْوَابِ الْخَيْرِ ؟ الصَّوْمُ جُنَّةٌ، وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ، وَصَلَاةُ الرَّجُلِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ، قَالَ: ثُمَّ تَلَا: ﴿ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنْ الْمَضَاجِعِ ﴾ حَتَّى بَلَغَ ﴿ يَعْمَلُونَ ﴾، ثُمَّ قَالَ: أَلَا أُخْبِرُكَ بِرَأْسِ الْأَمْرِ كُلِّهِ، وَعَمُودِهِ، وَذِرْوَةِ سَنَامِهِ ؟ قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: رَأْسُ الْأَمْرِ الْإِسْلَامُ، وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ، وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ، ثُمَّ قَالَ: أَلَا أُخْبِرُكَ بِمَلَاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ ؟ قُلْتُ: بَلَى يَا نَبِيَّ اللَّهِ، فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ، قَالَ: كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ ؟ فَقَالَ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ، أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ ))
[ أخرجه الترمذي ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/784/05.jpg
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:
(( حَكَيْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا فَقَالَ: مَا يَسُرُّنِي أَنِّي حَكَيْتُ رَجُلًا، وَأَنَّ لِي كَذَا وَكَذَا، قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ صَفِيَّةَ امْرَأَةٌ، وَقَالَتْ بِيَدِهَا هَكَذَا، كَأَنَّهَا تَعْنِي قَصِيرَةً، فَقَالَ: لَقَدْ مَزَجْتِ بِكَلِمَةٍ لَوْ مَزَجْتِ بِهَا مَاءَ الْبَحْرِ لَمُزِجَ ))
[ رواه أبو داود والترمذي وأحمد ]
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ لَا يَرَى بِهَا بَأْسًا يَهْوِي بِهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا فِي النَّارِ ))
[ الترمذي ]
والكلمة الطيبة صدقة، وقد ترقى بكلمة رقياً لا يعلمه إلا الله، كلمة تواضع، كلمة مؤانسة، كلمة اعتراف بالحق، هذا كله في ميزان حسنات الإنسان.
من الأخلاق الجميلة:
إذاً: ( الجميل ) مأخوذ من الجمال، وهو الحُسن في الخَلق وفي الخُلق.
1 – الصبر الجميل:
هنالك صبر جميل، قال تعالى:
﴿ فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا ﴾
( سورة المعارج )
هناك صبر مع الضيق، مع التوتر، كأن الإنسان مرجل يغلي، مع كلام قاسٍ، الأبواب تخبط، البلور يكسر، هذا ليس صبرا جميلا، يجب أن تصبر صبراً جميلاً:
﴿ فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا ﴾
( سورة المعارج )
1 – الصفح الجميل:
وهناك صفح جميل، أنا سامحتك، لا تنس أن كل خيرك من خيري، لا تسامحه.
﴿ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ ﴾
( سورة الحجر )
إذا سامحته انتهى كل شيء، لا تذكره بخطئه.
مثلاً: أيهما أخطر ؛ أن يتآمر إنسان على إنسان فيضعه في السجن، أم يضعه في البئر ؟ البئر الموت فيه محقق، إخوة يوسف وضعوه في البئر، والموت محقق، أما امرأة العزيز فوضعته في السجن، ولما التقى يوسف بإخوته ماذا قال ؟ قال: ﴿ وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ ﴾
( سورة يوسف الآية: 100 )
ما ذكّرهم بجريمتهم، أما الخروج من البئر فنعمة أكبر، مع أن الموت في البئر محقق، وفي السجن غير محقق، فمن كماله ما ذكّرهم بجريمتهم:
﴿ وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ ﴾
( سورة يوسف الآية: 100 )
إخواننا الكرام، إن قرأتم قصص الأنبياء فتخلَّقوا بأخلاقهم، الأنبياء مدارس، كل نبي له مدرسة، وعلى رأسهم سيد الخلق وحبيب الحق.
إذاً: هناك صبر جميل، وصفح جميل، وفعل جميل، وعفو جميل، وعطاء جميل.
أنا أتمنى على الإنسان إذا فعل خيراً أن ينساه، وإذا فُعل معه خير لا ينساه حتى الموت.
أتمنى أنك إذا فعلت خيراً يجب أن تناساه وكأنك لم تفعله، أما إذا أسدي إليك معروف فينبغي ألا تنساه ما حييت.
مراتب الجمال الربّاني: جمال الذات والصفات والأفعال والأسماء:
الله عز وجل ( جميل )، قال: جماله على أربع مراتب، جمال الذات، وجمال الصفات، وجمال الأفعال، وجمال الأسماء، أسماءه كلها حسنى:
﴿ وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾
قطعاً، حتى لو توهمت أن الأسماء الحسنى منها المنتقم، لو تبحرت في معنى المنتقم لذابت نفسك تعظيماً لله، لو تبحرت في معنى المتكبر لذابت نفسك تعظيماً لله:
﴿ وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾
فالله عز وجل جماله على أربع مراتب، جمال الذات، وجمال الصفات، وجمال الأفعال، وجمال الأسماء، أسماءه كلها حسنة، وصفاته كلها صفات كمال، وأفعاله كلها حكمة.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/784/06.jpg
لذلك لما قال بعض العلماء: " الشريعة عدل كلها، لأنها منهج الله، رحمة كلها حكمة كلها، مصلحة كلها، وأية قضية خرجت من الحكمة إلى خلافها، ومن العدل إلى الجور، ومن المصلحة إلى المفسدة، فليست من الشريعة، ولو أدخلت عليها بألف تأويل وتأويل ".
حتى إن علماء العقيدة قالوا: " الحسن ما حسنه الشرع، والقبيح ما قبحه الشرع، الله عز وجل ذاته جميلة، وصفاته جميلة، وأفعاله جميلة، وأسماءه جميلة.
لكن المشكلة أن جمال الذات لا يدركه أحد في الكون، لا يعرف الله إلا الله، جمال الذات، لا يدركه أحد في الكون ولا الأنبياء، لكن جمال الصفات تدل على جمال الذات، وجمال الصفات محجوبة بأفعاله، فأفعاله الجميلة تدل على جمال صفاته، وجمال صفاته تدل على جمال ذاته، وأنت ترى أفعاله، ترى الربيع، ترى العصفور، ترى الوردة، ترى الزهرة، ترى طفلا جميل الصورة، هذه كلها أفعاله.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/784/07.jpg
أحيانا تأكل طعاما طيبا، مَن أودع في الطعام هذا الطعم ؟
أحيانا يهب نسيم عليل فتنتعش به، مَن ساق هذا النسيم ؟
أحيانا ترى مرجا أخضر، مَن أعطاه هذا اللون الجمال ؟
ترى السماء زرقاء، البحر صافيا، الجبال خضراء، الأطفال الذين وهبهم الله مسحة جمال، وهناك إنسان قد يفتن بابنه من جماله، هذه كلها أفعاله، أفعاله تشير إلى صفاته، وصفاته تشير إلى ذاته، جمال الذات لا يعلمه أحد في الكون حتى الأنبياء.
لذلك قال بعض العارفين: " لا يعرف الله إلا الله "، حصراً.
نحن مع جمال الأفعال نرى المطر تنعش الأرض، نرى النبع، الماء الزلال، نرى الفاكهة الجميلة، منظر الفاكهة جميل جمالا رائعا جداً، وأحيانًا يزينون بعض الغرف بصور الفاكهة، فاكهة جميلة، البساتين جميلة، الماء الرقراق جميل، يجب أن تخترق جمال الكون إلى جمال الخالق.
آية خطيرة فافهم معناها: وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً
إخواننا الكرام:
﴿ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ ﴾
( سورة البقرة الآية: 165 )
من أجل امرأة عصى الله، ما الذي فتنه بها ؟ جمالها، من أجل المال عصى الله، ما الذي فتنه ؟ المال، فالمال يعطيك الجمال، يعطيك بيتا جميلا جداً واسعا، له إطلالة، يعطيك مركبة فارهة جداً، يدعك تختار أجمل زوجة. ﴿ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ ﴾
( سورة البقرة الآية: 165 )
لماذا هو في العذاب ؟ ما الذي أغواه وعصى به ربه ؟ الجمال، هذا الذي أغواه الجمال فعصى ربه من أجله. ﴿ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً ﴾
( سورة البقرة الآية: 165 )
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/784/08.jpg
هنا قوة الجمال.
فلو شاهدت عيناك من حسننا الذي رأوه لمــــــا وليت عنا لغيرنا
و لــــو سمعت أذناك حسن خطابنا خلـعت عنك ثياب العجب وجئتنا
ولـــــو ذقت من طعم المحبة ذرة عذرت الـذي أضحى قتيلاً بحبنا
ولـــــو نسمت من قربنا لك نسمة لــــمت غريباً واشتياقاً لقربنا
و لـــــو لاح من أنوارنا لك لائح تركت جمـــيع الكائنات لأجلنا
***
هؤلاء الذين أطاعوا الله هم الفائزون، عرفوا أن يختاروا الجمال المطلق، الجمال الأبدي.
لابد أن تترك الجمالَ أو يتركك فانتبه:
﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ﴾
( سورة الرحمن )
لو أحب الإنسان زوجته، لا بد من أن يتركها في الموت، أو أن تتركه إن ماتت قبله إلا أنك إذا أحببت الله فأنت معه إلى أبد الآبدين.
أيها الإخوة، لهذا الموضوع تتمة.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
08-05-2018, 07:27 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الرابع العاشر )
الموضوع : اسم الله - الجميل - 2 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: ( الجميل ):
1 – يتجلى الله به على بعض مخلوقاته باسم ( الجميل ):
أيها الإخوة الأكارم، لا زلنا مع اسم ( الجميل )، وهذا الاسم أيها الإخوة، يتجلى الله به على بعض مخلوقاته، فإذا هو جمال أخّاذ، فالذي ينظر إلى الورود والرياحين والنباتات يأخذه العجب العجاب، إن الله سبحانه وتعالى يتجلى على هذه المخلوقات باسم ( الجميل ).
هناك عصافير لها ألوان أخاذة، ومهندسو الألوان يقتبسون ألوانهم مِن خَلق الله عز وجل.
2 – الله عزوجل أصلُ الجمال:
أيها الإخوة، ( الجميل ) هو الله عز وجل، هو أصل الجمال، فإذا منح الله العبد مسحةً من الجمال تعلق الخلقُ به، فكيف بأصل الجمال ؟
لذلك جاء تعريف العبادة: " هي طاعة طوعية، ممزوجة بمحبة قلبية، أساسها معرفة يقينية، تفضي إلى سعادة أبدية ".
في الدين عنصر جمالي، وفي الدين عنصر معرفي، وفي الدين عنصر سلوكي، وفي الدين عنصر جمالي.
بلا مبالغة ؛ لو شققت على قلب المؤمن لرأيت في قلبه من السعادة ما لو وزعت على أهل بلد لكفتهم.
في صحيح مسلم من حديث أَبِي مُوسَى قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ، فَقَالَ:
(( إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَنَامُ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ، يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ، يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ، وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ، حِجَابُهُ النُّورُ، لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ ))
[ مسلم ]
وحينما قال الله عز وجل: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾
( سورة القيامة )
ورد في بعض الكتب أن أهل الجنة ينظرون إلى وجه الله الكريم فيغيبون خمسين ألف عام من نشوة النظرة.
3 – لماذا يعصي الإنسان ربَّه من أجل الجمال الدنيوي ؟
الذي ينبغي أن يكون واضحاً أن هذا الإنسان حينما يجهل حقيقة الواحد الديان، حينما يجهل أسماء الله الحسنى، وصفاته الفضلى، حينما يغويه جمال بعض المخلوقات، ويعصي الله من أجل جمال امرأة، أو جمال قصر، أو جمال مركبة، أو جمال موقع، فيظلم نفسه، ويستحق اللعنة، والبعد عن الله عز وجل، يُخاطب:
وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً
﴿ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً ﴾
( سورة البقرة الآية: 165 )
وكلمة القوة هنا واسعة جداً، هناك قوة الجمال، هناك قوة العلم، هناك قوة المال، صاحب المال قوي، وصاحب العلم قوي، والجميل قوي يأخذ جماله الألباب، هؤلاء الذين عصوا ربهم، وخسروا آخرتهم من أجل جمال مخلوق لو عرفوا أن هذا الجمال مسحة من جمال الله عز وجل، ولو أنهم تعرفوا إلى الله لكانوا مع أصل الجمال.
4 – تجلِّي الله على المؤمنين سعادة لهم ولو فقدوا الدنيا:
هناك من يتوهم أنّ المؤمن فاتته مباهج الدنيا، أن المؤمن باستقامته حرم نفسه أشياء كثيرة، لكن العكس هو الصحيح، فإن الله يتجلى على قلب المؤمن تجلياً، سمّه إن شئت رحمة، وسمه إن شئت سكينة، هذا التجلي يسعده ولو فقد كل شيء، ويشقى بفقده ولو ملك كل شيء.
أيعقل أن يكون الذي في بطن الحوت نبي كريم، وهو يناجي ربه بقوله:
﴿ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ﴾
( سورة القصص الآية: 176 )
فيتجلى الله عليه وينقذه، وأن النبي عليه الصلاة والسلام كان في أسعد حالاته وهو في غار ثور، وأن إبراهيم تجلى الله عليه وهو في النار، هذه السعادة التي تلقى في قلب المؤمن يشقى بفقدها الإنسان ولو ملك كل شيء.
5 – الأغنياء الشاردون أشقياء ولو ملكوا الدنيا:
في نفس الإنسان فراغ لا يملؤه المال، ولا يملؤه جمال الأرض، الأقوياء والأغنياء يعيشون حياة ناعمة جداً، بيوتهم قطعة من الجمال، مركباتهم، مائدتهم، مَن حولهم، ومع ذلك هم أشقى الخلق، لأنهم ابتعدوا عن الله عز وجل، وحينما تؤمن أن كل السعادة باتصالك بالله تسعد.
﴿ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾
( سورة الرعد الآية: 28 )
وأن كل الشقاء بالبعد عنه. ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى ﴾
( سورة طه )
حينما تؤمن أن سعادتك المطلقة باتصالك بالله، لأنه جميل، لأن الجمال جزء أساسي في حياة الناس، وأن الشقاء كل الشقاء في البعد عن الله:
﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا ﴾
قال بعض العلماء: ـ دققوا ـ " ما بال الأقوياء والأغنياء هم أشقياء ؟ فجاء الجواب: نعم، شقاءهم ليس في نقص المال، ولكن في ضيق القلب ".
أحياناً يتجلى الله على قلب المؤمن باسم ( الجميل ) فهو في جنة، من هنا قيل: " في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة "، و" مساكين أهل الدنيا، جاؤوا إلى الدنيا وغادروها، ولم يذوقوا أطيب ما فيها ".
حينما ترى أناساً مجتمعين في ملهى اسأل نفسك سؤالاً عقائدياً: لماذا ؟ ما في هذا المكان ؟ فيه امرأة، لعلها ترقص، فيه مغنٍّ، فيه طعام، رأوا سعادتهم في هذا، ولو كشف لهم لو أنهم إذا أقبلوا على الله كانوا في نشوة ما بعدها نشوة، وفي سعادة ما بعدها سعادة، لسفهوا أعمالهم، ولاحتقروا ذواتهم.
إذاً:
(( حِجَابُهُ النُّورُ، لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ ))
لا شقاء في الدنيا مع معرفة الله:
أيها الإخوة، قيل: حجبت الذات بالصفات، وحجبت الصفات بالأفعال، فما ظنك بجمال حجب بأوصاف الكمال، وسُتِر بنعوت العظمة والجلال.
أنت تتعامل مع الله، مع ذات كاملة، مع قوي، مع جميل، مع غني، مع قدير، مع رحيم، مع لطيف.
صدقوا أيها الإخوة، مستحيل وألف ألف ألْف مستحيل أن يكون هناك شقاء في الدنيا مع معرفة الله، لا يجتمعان أبداً، ولا أقول: إن المؤمن إذا كان مع الله كان في بحبوحة، قد يكون في يسر، وقد يكون في عسر، وقد يكون في فقر، وقد يكون في مرض، لكن لأنه مع الله فهو في سعادة لا توصف.
6 – جمالُ الله وكماله مطلق:
نحن في حياتنا قد نلتقي بإنسان عالم كبير، أستاذ في الجامعة مثلاً، لكن لا يرحم الطلاب، يقسو عليهم، يتفنن في إحراجهم في الامتحانات، فالطلاب يكبرون علمه، ولا يحبونه، وقد تلتقي بإنسان تحبه كثيراً، لكن لا تقدر علمه، معلوماته محدودة جداً، لكنه طيب جداً، ففي حياة الإنسان إنسان يكبره ولا يحبه، وإنسان يحبه ولا يكبره، لكنك إذا أقبلت على الواحد الديان بقدر ما تعظمه تحبه، بقدر ما تدهش بكماله، وتدهش بجماله، بقدر ما يرحمك بقدر ما ينتزع إعجابك.
فلذلك هذا المعنى ورد في قوله تعالى:
﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾
( سورة الرحمن )
قد يكون الشيء كبيراً وليس كاملاً، و قد يكون كاملاً وليس كبيراً، لكن الله سبحانه وتعالى في آية أخرى قال:
﴿ تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾
( سورة الرحمن )
إذاً: أيها الإخوة، الإنسان إذا أقبل على الله وصل إلى كل شيء.
(( ابن آدم اطلبني تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء وأنا أحب إليك من كل شيء ))
[ ورد في الأثر ]
سعادة الدنيا غير متنامية ولا مستمرة:
حينما يختار الإنسان هدفاً محدوداً، والإنسان في أصل تصميمه لا نهائي، لا يملأ طموحه إلا الله، فإذا اختار هدفاً أرضياً ؛ اختار المال، يسعى إليه جاهداً، فإذا حصله، وأحاط به يكتشف حقيقة مُرّة ؛ أنه شيء، و ليس كل شيء، فإذا اقترب من مغادرة الدنيا يراه لا شيء.
قد يُقبل الإنسان على المرأة في مقتبل حياته، إن كان شارداً عن الله يظنها كل شيء، في منتصف حياته هي شيء، وليست كل شيء، في وقت مغادرة الدنيا يراها ليست بشيء.
سبحان الله ! ما من شيء في الدنيا يمكن أن يمد الإنسان بسعادة متنامية، ولا بسعادة مستمرة، بل بسعادة متناقصة، والدليل: أن الإنسان قد يشتري بيتا يلفت النظر، بعد شهر أصبح كأي بيت عنده، وقد يقتني مركبة من أعلى مستوى، بعد حين تصبح هذه المركبة شيئاً عادياً، كل ما يحيط بالإنسان من مظاهر الجمال المادي بعد حين هذا البريق يخبو، وهذا الاهتمام يضعف، هذه الدهشة تقلّ إلا إذا أردت أن تعرف الله.
الأصل في الموضوع أنك تتمتع بنفس طموحة لا يملؤها إلا معرفة الله، أما إذا اخترت هدفاً أرضياً فهذا الهدف ما إن تصل إليه حتى يبدأ الملل والسأم، لذلك انظر إلى أهل الدنيا الناجحين في حياتهم، بعد أن ينجحوا تصير حياتهم مملة، لأن النجاح أصبح مألوفاً، لكنهم إذا اختاروا الذات الكاملة، إنهم إن اختاروا الله عز وجل فهم في شباب دائم.
أنا أؤكد لكم أن المؤمن في شباب دائم، لسبب بسيط، لأنه اختار هدفاً يفوق كل إمكاناته، لذلك، إن أردت أن تعرف الله فأنت في طريق السعادة، من هنا نؤمن أن المؤمن لا يشيخ أبداً، بل هو شاب دائماً.
والله كان في الشام رجل من علماء دمشق، بلغ السن السادسة والتسعين، وكان منتصب القامة، حاد البصر، مرهف السمع، أسنانه في فمه كاملة، وكأنه شاب، يُسأل من حين إلى آخر: يا سيدي، ما هذا ؟ قال: " يا بني، حفظناها في الصغر فحفظها الله علينا في الكبر، من عاش تقياً عاش قوياً ".
7 – على المسلم أن يتجمَّل ماديًّا:
أيها الإخوة، النقطة الدقيقة: أن الإنسان ما موقفه من هذا الاسم ؟ لمَ لا يكون جميلاً في ثيابه ؟ في بيته ؟ إذا قلت: جميل، فلا أقصد الفخامة، ولا البذخ، ولا الترف ولا الإسراف أبداً.
قد يكون في البيت مسحة جمالية، بيت مريح، المكتب التجاري فيه مسحة جمالية، الدكان فيها مسحة جمالية، الثياب فيها ألوان متناسقة، لماذا ترى الجمال الصارخ في الطرف الآخر، وفي بلاد أخرى ؟ وهم بعيدون عن الله بُعد الأرض عن السماء، لماذا هناك الجمال، وعندنا الإهمال ؟ هذه مشكلة كبيرة، يجب على المؤمن أن يتجمل.
قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَنَا:
(( إِنَّكُمْ قَادِمُونَ عَلَى إِخْوَانِكُمْ فَأَصْلِحُوا رِحَالَكُمْ وَلِبَاسَكُمْ حَتَّى تَكُونُوا فِي النَّاسِ كَأَنَّكُمْ شَامَةٌ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَا يُحِبُّ الْفُحْشَ وَلَا التَّفَحُّشَ ))
[ أخرجه أحمد ]
المؤمن نظيف، وذو أذواق عالية في حياته، والأذواق العالية تجذب الناس إليه، أما إذا أهمل ثيابه، أهمل مركبته، أهمل بيته، أهمل دكانه يفرُّ الناس منه.
أحيانا تدخل إلى دكان صاحبها مؤمن، فترى النظافة، والترتيب، والنظام، فتؤخذ به، وأحيانا تجد إنسانا مقصرا، في دكانه فوضى، وغبار، وإهمال، هذا شيء منفّر، وأهل الدنيا اكتشفوا هذه الحقيقية، فتأنقوا في حياتهم، وتأنقوا في نظام حياتهم، هذا التأنق وهذا الجمال في حياتهم يجذب الناس إليهم، تذهب إلى بلاد بعيدة فترى عناية بجمال البلاد منقطعة النظير.
مرة سافرت إلى بلد، سرت مسافة طويلة جداً لم أرَ إلا اللون الأخضر، الطرقات منظمة، محددة، الشاخصات، اللافتات، الحدائق، أنا أقول: الإنسان بحاجة ماسة إلى الجمال، وهذا مودع في أصل فطرة الإنسان، فإذا لبّى هذه الحاجة، وتخلق بكمالات الله سعد في دنياه.
(( إنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمالَ ))
[ رواه مسلم عن ابن مسعود ]
تغدو حياتنا جميلة، تغدو حياتنا براقة، ما الذي يمنع أن نعتني بمساجدنا ؟ بنظافة مساجدنا، بأناقة مساجدنا، ما الذي يمنع أن نعتني ببيوتنا ؟
والله مرة دخلت إلى بيت متواضع بشكل لا يوصف، بيت عربي، لكن لا تجد فيه خطأ جمالياً، لا شيء فيه يمكن أن تنتقده، مع أنه بيت متواضع جداً، أنا أرى أنك إذا اعتنيت بدنياك عناية تجذب الناس إليك فهذا جزء من الدين، النبي كان كذلك عليه الصلاة والسلام كان نظيفا، كانت ثيابه حسنة، يتعطر دائماً.
8 – الدعاء باسم ( الجميل ):
فلذلك أيها الإخوة، يمكن أن تدعو الله بهذا الاسم، ألم يقل الله عز وجل:
﴿ وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾
( سورة الأعراف الآية: 180 )
وفي بعض أدعية النبي عليه الصلاة والسلام: عن عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: صَلَّى بِنَا عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ صَلَاةً فَأَوْجَزَ فِيهَا، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ الْقَوْمِ: لَقَدْ خَفَّفْتَ، أَوْ أَوْجَزْتَ الصَّلَاةَ، فَقَالَ: أَمَّا عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ دَعَوْتُ فِيهَا بِدَعَوَاتٍ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا قَامَ تَبِعَهُ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ، هُوَ أُبَيٌّ، غَيْرَ أَنَّهُ كَنَى عَنْ نَفْسِهِ، فَسَأَلَهُ عَنْ الدُّعَاءِ، ثُمَّ جَاءَ فَأَخْبَرَ بِهِ الْقَوْمَ:
(( اللَّهُمَّ بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ، وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ أَحْيِنِي مَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا عَلِمْتَ الْوَفَاةَ خَيْرًا لِي، اللَّهُمَّ وَأَسْأَلُكَ خَشْيَتَكَ فِي الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، وَأَسْأَلُكَ كَلِمَةَ الْحَقِّ فِي الرِّضَا وَالْغَضَبِ، وَأَسْأَلُكَ الْقَصْدَ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى، وَأَسْأَلُكَ نَعِيمًا لَا يَنْفَدُ، وَأَسْأَلُكَ قُرَّةَ عَيْنٍ لَا تَنْقَطِعُ، وَأَسْأَلُكَ الرِّضَاءَ بَعْدَ الْقَضَاءِ، وَأَسْأَلُكَ بَرْدَ الْعَيْشِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَأَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ، وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ، فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ، وَلَا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ، اللَّهُمَّ زَيِّنَّا بِزِينَةِ الْإِيمَانِ، وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ ))
[ النسائي، أحمد ]
هذا من أدعية النبي.
(( اللهم أغنني بالعلم، وزيني بالحلم، وجملني بالتقوى، وأكرمني بالعافية ))
[ الجامع الصغير عن ابن عمر بسند فيه ضعف ]
هذه أدعية النبي عليه الصلاة والسلام.
أنا لا أستطيع أن أبتعد عن الواقع، الحاجة إلى الجمال مودعة في كل إنسان، فإن لبّاها وفق منهج الله كانت حياته كاملة، وإن أهملها يشقى.
ليس هذا هو الجمال المطلوب:
أحياناً تتألم ألماً شديداً، تزور قرية مسلمة فترى فيها إهمالا، فيها فوضى، فيها مناظر مخرشة للعين، وأحياناً تزور بلدة أخرى غير مسلمة ترى فيها الأناقة في البيوت، الورود على الشرفات، الطرقات النظيفة، الحدائق الغناء، شيء يلفت النظر، ويؤلم أشد الألم، من قال: إن الجمال وقفٌ على هؤلاء ؟ الإسلام جميل، وربنا جميل، ويحب الجمال، لكن سبحان الله ! الإنسان أحياناً يفهم من هذا الموضوع شيئًا آخر ما أراده الله، يفهم أن يتعلق بالمرأة، يقول لك:
(( إنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمالَ ))
يطلق بصره في الحرام، ويخالف الواحد الديان ويقول:
(( إنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمالَ ))
ليس هذا هو المعنى.
المعاني الحسية والأخلاقية والأدبية للجمال:
الجمال له معانٍ لا تنتهي، ولاسيما أن الجمال له معانٍ حسية، وله معان أخلاقية، والله موقف أخلاقي تذكره، وكأنك تستمتع بالجمال، هناك مواقف أخلاقية، مواقف الوفاء، مواقف الرحمة، مواقف التواضع، مواقف العفو، مواقف الإنصاف، الجمال كلمة واسعة جداً، وعندنا فعل جميل، وعندنا إنسان قوي، ومتواضع، عندنا إنسان غني وسخي، عندنا إنسان متفوق في علمه، ومع ذلك يحبه مَن حوله، فالجمال معناه واسع جداً.
لعلي أقول: إن أقلّه الجمال الحسي، لكن اتساع المفهوم يشمل كل شيء، فهناك كلمة جميلة، الأدب أدب، الأدب فن.
مثلاً قال أحدهم: تكاثرت عليّ المصائب، هذا كلام، لكن غيره قال:
رماني الدهر بالأرزاء حت ى كأني في غشاء مـن نبـال
فصرت إذا أصابتني سهام تكسرت النصال على النصال
***
هذا أدب، فالكلمة الجميلة أدب، والحركة الجميلة رشاقة، والصوت الجميل نغم، فالجمال واسع جداً يشمل كل حياتنا، وفي جوانب منها كثيرة جداً مباح، بل مطلوب.
(( فَقُمْ مَعَ بِلَالٍ فَأَلْقِ عَلَيْهِ مَا رَأَيْتَ فَلْيُؤَذِّنْ بِهِ، فَإِنَّهُ أَنْدَى صَوْتًا مِنْكَ ))
[ الترمذي وأبو داود ]
هذا كلام النبي عليه الصلاة والسلام.
أنا أتمنى أن يكون في حياتنا مسحة من الجمال، لأننا مسلمون، ولا ينبغي أن يوازن بين مسلم بيته مضطرب، فيه مناظر مؤذية، وبين غير مسلم فيه أناقة في بيته، كلما ذكرت الأناقة والجمال لا أقصد المال إطلاقاً، قد تكون أفقر الناس، لكن هناك أذواق، هناك تناسب ألوان، هناك طلاء رخيص، لكن الطلاء يملأ القلب بهجة.
أحيانا يسكن إنسان في بيت من دون طلاء، المناظر مؤذية، منظر الإسمنت مؤذٍ، لو طلاه بطلاء رخيص أبيض، بلون سماوي، أو لون زهري، يشعر براحة، الآن علم الألوان له علاقة بسلوك الإنسان، وهناك مكان ينتحر فيه الغربيون، طلوه باللون الأخضر فخفت نسبة الانتحار.
انظر إلى السماء الزرقاء، والحقول الخضراء، ألوان مريحة جداً، الله جميل، انظر إلى العصافير، والله فيها ألوان تأخذ بالألباب، انظر إلى الفراشات، انظر إلى الحقول، انظر إلى الفواكه، دعك أنها فاكهة تؤكل، لها منظر رائع جداً.
اسم ( الجميل ) تجلى على هذا فكان جميلاً، يجب أن تكون حياتك جميلة، في بيتك، في عملك، في هندامك، في مركبتك، والنظافة أصل في الجمال، وتناسب الألوان أصل في الجمال، ورقة العبارة أصل في الجمال.
كان سيدنا عمر إذا مر على أناس يشعلون النار، يقول: السلام عليكم، يا أهل الضوء، ولم يقل: السلام عليكم يا أصحاب النار.
في اللغة عبارات جميلة جداً فيها ذكاء، فيها لطف.
جاءت امرأة تشكو زوجها إلى سيدنا عمر، متألمة جداً منه، أهملها إهمالاً كلياً، قالت: يا أمير المؤمنين، إن زوجي صوام قوام، ما انتبه سيدنا عمر، قال لها: << بارك الله لكِ بزوجك، سيدنا علي قال له: لا، إنها تشكو زوجها >>، انظر إلى الأدب، وهي تشكو زوجها.
والله في أقوال الصحابة أدب، أنا أساساً أرفض أن تقول: لا حياء في الدين، الدين كله حياء. ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ ﴾
( سورة المعارج )
كل أنواع الانحراف الجنسي دخلت في هذه الآية. ﴿ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ﴾
( سورة المعارج )
لذلك الكلمة الجميلة، والثياب جميلة، والبيت جميل، والمحل التجاري جميل، والحركة جميلة، و جلسة وراء مقود السيارة فيها أدب، وفيها جمال، وهناك جلسة فيها غطرسة.
(( إنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمالَ ))
خاتمة:
وأتمنى أن يكون الجمال جزاءً أساسياً في حياتنا، تنظيم البيت يريح، وقالوا: الجمال في البساطة، فقد ترى مركبة أحياناً كلها زينات، وكلها تعليقات، وكلها كلمات، شيء منفر، دعها طبيعية، المركبة أجمل بكثير.
فنحن بحاجة إلى الجمال، لأن حياتنا كلها دم، وكلها قهر، وكلها قتل، وكلها تدمير، وكلها خراب، هذه مشكلة كبيرة، والله أتمنى عليكم ألا تسمحوا لأولادكم بمتابعة الأخبار من شدة ما تترك هذه الأخبار من انعكاسات سيئة في نفوس الصغار.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
08-05-2018, 07:29 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الخامس العاشر )
الموضوع : اسم الله - المعطى - 1 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: ( المُعطي ):
أيها الإخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى وهو اسم ( المعطي ).
1 – ورودُ اسم ( المعطي ) في السنة الصحيحة:
لم يرد هذا الاسم في القرآن الكريم، بل ورد في السنة، ففي صحيح البخاري عَنْ مُعَاوِيَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَاللَّهُ الْمُعْطِي، وَأَنَا الْقَاسِمُ، وَلَا تَزَالُ هَذِهِ الْأُمَّةُ ظَاهِرِينَ عَلَى مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ ))
[ متفق عليه ]
2 – أعظمُ عطاءٍ من اللهِ هو العلمُ:
أول ملمح في الحديث كرامة العلم أعظم كرامة، قال تعالى:
﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾
( سورة النساء )
لأن الله سبحانه وتعالى أودع في الإنسان قوة إدراكية، وما لم يبحث عن الحقيقة، وما لم يطلب العلم فقد هبط من مستوى إنسانيته إلى مستوى لا يليق به.
لذلك: كرامة العلم أعظم كرامة عند الله، فإذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم. ﴿ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾
( سورة الزمر )
﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ﴾
( سورة المجادلة )
فالله سبحانه وتعالى اعتمد في القرآن الكريم العلم والعمل كقيمتين مرجِّحتين بين خلقه، فبطولة الإنسان أن تأتي مقاييس التفوق عنده كما هي في القرآن.
الناس في الدنيا يعظِّمون الأغنياء والأقوياء، لكن القرآن الكريم بيّن لنا أن رتبة العلم أعلى الرتب:
﴿ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾
العلمُ بالله وبخَلق الله وبأمرِ الله:
وكما تعلمون هناك علم بخلقه، وعلم بأمره، وعلم به، العلم بخلقه وبأمره يحتاجان إلى مدارسة، إلى كتاب، وإلى معلّم، وإلى شهادة، وإلى امتحان، هذه مدارسة، لكن العلم به يحتاج إلى مجاهدة.
على كلٍ في الملمح الأول من الحديث الشريف:
(( مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ ))
والبطولة لا أن يكون طلب العلم في أوقاتك الهامشية، يجب أن يكون طلب العلم جزءاً من خطتك في الحياة، لأن هناك إنسانا بحسب فراغه يطلب العلم، لكنْ عنده أشياء أساسية لا يعلو عليها شيء، أما المؤمن فطلب العلم جزء أساسي من حياته، ولا يعلو عليه شيء، وقد قال سيدنا علي رضي الله عنه: << يل بني، العلم خير من المال، لأن العلم يحرسك، وأنت تحرس المال، والمال تنقصه النفقة، والعلم يزكو على الإنفاق، يا بني، مات خزان المال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة >>.
إذاً: في الإنسان حاجات سفلى، وحاجات عليا، الحاجة العليا الكبيرة طلب العلم، فما لم يطلب الإنسان العلم لا يرقى إلى مستوى إنسانيته، والإنسان من دون علم وُصِف في القرآن الكريم بأنه: ﴿ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا ﴾
( سورة الفرقان )
﴿ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ﴾
( سورة الجمعة الآية: 5 )
﴿ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ﴾
( سورة الأعراف الآية: 176 )
بل أبلغ من ذلك: ﴿ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ ﴾
( سورة المنافقون الآية: 4 )
لذلك الذي يرقى بالإنسان إلى مستوى إنسانيته، وإلى مستوى يليق به هو طلب العلم.
3 – الماء من عطاء الله:
إلا أن الحديث فيه ملمح ثانٍ، وهو موضوع درسنا:
(( وَاللهُ المُعْطِي وَأَنَا القَاسِمُ ))
الملمح الثاني: أنه الأصل أن هذا الماء من عطاء الله، نحن وضعناه في خزانات، وسُقناه إلى البيوت بأنابيب، ووزّعناه بقوارير، هذا عمل ثانوي، لا يعد من صلب الماء، الماء منحة من الله عز وجل، فكل شيء الأصل أنه عطاء من الله، نحن تفننا بعرضه، بتعليبه، بتغليفه، بوصوله، أما الأصل فإن الله هو المعطي.
(( وَاللهُ المُعْطِي وَأَنَا القَاسِمُ ))
4 – المعطي المانع:
دائماً وأبداً في الأسماء الحسنى أسماء يجب أن تلفظ معاً، كاسم " الضار "، الأولى أن يلفظ اسم " الضار " مع اسم " النافع "، تقول: " الضار النافع "، " المعطي المانع "، " المعز المذل "، لماذا ؟ لأن الله سبحانه وتعالى يمنع ليعطي، ويأخذ ليعطي، ويخفض لرفع، ويذل ليعز، لأن الإنسان حمل الأمانة، لكنه قصر في حملها، فتأتي المعالجة.
الفرق واضح جداً، بين من يعين موظفاً، ويعطيه مدة ستة أشهر ليمتحنه، مهمة صاحب المؤسسة أن يحسب على هذا الموظف أخطاءه، لكن بلا رحمة، إذا كانت بحجم لا يحتمل ألغى عقده، أما لو أن كان هذا الموظف ابنه فإنه يتابعه، كل خطأ يوقفه عنده، ويعطيه التوجيه، لأن رحمة الأب تقتضي المتابعة، ولأن الله رب العالمين رحيم بعباده، فإذا أخطاء الإنسان تابعه بالمعالجة.
أنا أتصور لو أن الله سبحانه وتعالى لم يربِّ عباده فإن معظمهم إلى النار، لكن هذا ربّاه بمرض، هذا بقلق، أو بشبح مصيبة، أو بضيق معين، الله عز وجل يسوقنا إلى بابه سوقاً، وهذا من نِعم الله عز وجل، فهو معطٍ ومانع، خافض ورافع، معز ومذل، وقد ورد في الأثر:
(( إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء ))
[ رواه الديلمي عن ابن عمر ]
لا تستقيم الدنيا لأحَدٍ، وهذا لحكمة بالغةٍ أرادها الله.
(( ودار تَرحٍ لا دار فرح ))
فيها أحزان، فيها آلام، فيها فراق الأحبة، فيها أمراض تصيب الأولاد أحياناً.
(( ودار ترح لا دار فرح فمن عرفها ))
أي: مَن عرف حقيقة الدنيا.
(( لم يفرح لرخاء ))
لأنه مؤقّت.
(( ولم يحزن لشدة ))
لأنه مؤقّت، الموت ينهي كل شدة، الموت ينهي قوة القوي، وغنى الغني، وذكاء الذكي، وصحة الصحيح، لذلك:
(( فمن عرفها لم يفرح لرخاء، ولم يحزن لشدة، ألا وإن الله تعالى خلق الدنيا دار بلوى ))
﴿ وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾
( سورة المؤمنون )
لذلك:
((ألا وإن الله تعالى خلق الدنيا دارَ بلوى، والآخرة دار عقبى، فجعل بلوى الدنيا لثواب الآخرة وثواب الآخرة من بلوى الدنيا عوضا، فيأخذ ويبتلي ليجزي ))
في بعض الأحاديث القدسية، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ:
(( يَا ابْنَ آدَمَ، مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي، قَالَ: يَا رَبِّ، كَيْفَ أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ ؟ قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ ؟ يَا ابْنَ آدَمَ، اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي، قَالَ: يَا رَبِّ، وَكَيْفَ أُطْعِمُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ ؟ قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فُلَانٌ فَلَمْ تُطْعِمْهُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي ؟ يَا ابْنَ آدَمَ، اسْتَسْقَيْتُكَ فَلَمْ تَسْقِنِي، قَالَ: يَا رَبِّ، كَيْفَ أَسْقِيكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ ؟ قَالَ: اسْتَسْقَاكَ عَبْدِي فُلَانٌ فَلَمْ تَسْقِهِ، أَمَا إِنَّكَ لَوْ سَقَيْتَهُ وَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي ؟ ))
[ أخرجه مسلم ]
الله عز وجل حينما أخذ من الإنسان بعض صحته ليعوِّضه أضعافاً مضاعفة من القرب والسكينة.
((أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ ؟ ))
فهذه فكرة دقيقة جداً، الله عز وجل يأخذ ليعطي، يمنع ليعطي، يخفض ليرفع يضر لينفع، هذه الأسماء الأَولى أن تذكر مَثْنى مَثْنَى.
5 – من عطاء الله نعمة الإيجاد:
شيء آخر، الله عز وجل ما الذي أعطانا إياه ؟ النعم الكبرى الصارخة، أعطانا نعمة الإيجاد، فإنه أوجدنا.
﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا ﴾
( سورة الإنسان )
أنت موجود، لك كيان، لك اسم، لك زوجة، لك أولاد، لك بيت، لك مكانة، عندك قناعات.
لذلك نعمة الإيجاد النعمة الأولى، وأنا أحياناً لما أتصفح كتابا، وأطلع على تاريخ تأليفه، فإذا كان تاريخ التأليف قبل ولادتي أتخذ موعظة كبيرة، أنا في هذا التاريخ أين كنت؟ ما لي اسم في الأرض كلها.
6 – من عطاء الله نعمةُ الإمداد:
منحك الله نعمة الإيجاد، لا يكفي الإيجاد، أعطاك جهاز تنفس الهواء، أعطاك جهاز هضم، هناك ماء، وطعام، ولحوم، وخضراوات، ومحاصيل، وأنت بحاجة إلى طرف آخر فخلق المرأة من أجلك، وخلقك من أجلها، أعطاك النصف الآخر، فأنجبت أولادا ملؤوا البيت فرحة، منحك نعمة الإيجاد، ومنحك نعمة الإمداد.
7 – من عطاء الله نعمةُ الهدى والرشاد:
أحيانا يشق الطريق، بعد حين توجد الشاخصات، هنا منحدر زلق، وهنا تقاطع خطر، وهنا الطريق ضيقة، هذه الشاخصات هداية للسائقين.
فبعد أن منحك نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، منحك نعمة الهدى والرشاد، هذه نعم كبرى، فضلاً على أنها نِعَمٌ لا تعد ولا تحصى.
8 – من عطاء الله تسخير الكون تسخير تعريف وتكريم:
لكن الكون أكبر ثابت في الإيمان، هذا الكون بنص القرآن الكريم سُخر للإنسان تسخير تعريف وتكريم، الدليل:
﴿ وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ ﴾
( سورة الجاثية الآية: 13 )
بالمناسبة، المسخَّر له أكرم من المسخَّر، الإنسان سُخِّر له ما في الكون، فهو المسخَّر له، وهو أكرم عند الله من الشيء المسخَّر، وهذه حقيقة أولى، الإنسان هو المخلوق المكرَّم المكلَّف. ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ﴾
( سورة الأحزاب الآية: 72 )
لأنه قَبِل حمل الأمانة، كان المخلوق الأول تكريما وتكليفا، لذلك قال سيدنا علي: << رُكِّب الملَك من عقل بلا شهوة، ورُكّب الحيوان من شهوة بلا عقل، ورُكّب الإنسان من كليهما، فإن سما عقله على شهوته أصبح فوق الملائكة، وإن سَمت شهوته على عقله أصبح دون الحيوان >>، هذا الكلام خطير جداً تؤكده الآية الكريمة: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ﴾
( سورة البينة )
على الإطلاق، لمجرد أنك إنسان في الأصل فأنت فوق المخلوقات جميعاً: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ﴾
( سورة البينة )
بالمقابل: << وإن سمت شهوته على عقله أصبح دون الحيوان >>. ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ ﴾
( سورة البينة )
بين أن تكون أرقى من الملائكة، وبين أن يكون الإنسان الذي كفر بربه دون أحقر حيوان فراق كبير جدا، فلذلك أعطانا هذا الكون، وسخّره لنا تسخير تعريف وتكريم.
موقف المؤمن من تسخير التعريف والتكريم:
لو أن إنسانا قدّم لك جهازا متطورا جداً، وفيه قفزة نوعية بخصائصه، وهو من اختراعه، فقدمه لك هدية، يجب أن ينتابك شعورٌ، شعور التعظيم له على هذا الإنجاز العلمي الكبير، وشعور الامتنان، لأنه قدّمه لك مجاناً، ولأن الله سبحانه وتعالى سخر للإنسان:
﴿ مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ ﴾
تسخير تعريف وتكريم، فردّ فعل التعريف أن تؤمن، ورد فعل التكريم، أن تشكر، لمجرد أنك آمنت، وشكرت فقد حققت الهدف من وجودك، وإذا حُقق الهدف من الوجود تتوقف كل أنواع المعالجة، الآية: ﴿ مَّا يَفْعَلُ اللّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ ﴾
( سورة النساء الآية: 147 )
إذا آمنت بهذا الإله العظيم، والرب الكريم، والمسيّر الحكيم، صاحب الأسماء الحسنى، والصفات الفضلى، إنك إن آمنت، ثم أيقنت أنه منحك نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، ونعمة الهدى والرشاد فقد حققت الهدف من وجودك، لذلك تتوقف عندها جميع أنواع المعالجات، والآية دقيقة جداً:
﴿ مَّا يَفْعَلُ اللّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ ﴾
( سورة النساء الآية: 147 )
(( يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَسَأَلُونِي، فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ ))
[ رواه سلم عن أبي ذرّ رضي اللّه عنه ]
لأن عطائي كلام، وأخذي كلام، كن فيكون، زل فيزول.
الآن الدقة البالغة في الحديث:
(( فَمَنْ وَجَدَ خَيْراً فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلا يَلُومَنَّ إِلاَّ نَفْسَهُ ))
[ رواه سلم عن أبي ذرّ رضي اللّه عنه ]
لا تعتب على أحد. ﴿ وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ ﴾
( سورة الشورى )
(( ما من عثرة، واختلاج عرق، وخدش عود، إلا بما كسبت أيديكم، وما يعفو الله أكبر ))
[ ورد في الأثر ]
رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى
النقطة الدقيقة في هذا اللقاء: قال تعالى:
﴿ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى ﴾
( سورة طه )
فرعون سأل سيدنا موسى:
﴿ قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ﴾
( سورة طه )
ما معنى قول النبي ؟
(( أَعْطُوا الْأَجِيرَ أَجْرَهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ ))
[ ابن ماجه عن ابن عمر ]
ما قال: أعطوه أجراً، أجره الذي يعادل جهده، أجره الذي يحقق له كرامته، بالمقابل:
﴿ قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ﴾
( سورة طه )
أعطاه الخلق الكامل.
الإنسان خَلَقه الله خَلْقًا كاملاً:
﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾
( سورة التين )
1 – العينان:
أعطاه عينين، لماذا أعطاه عينين، ولم تكن عيناً واحدة ؟ بالعينين يدرك البُعد الثالث، بعين واحدة يدرك بُعدين، الطول والعرض، بالعين الثانية تدرك البعد الثالث، أنت ترى الطول والعرض والعمق، والدليل أنك بعينٍ واحدة لا تستطيع أن تضم إبرة، يأتي الخيط بعيدا عن الإبرة عشرة سنتيمترات، بالعينين معًا تعرف المسافة.
﴿ أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ ﴾
( سورة البلد )
العين جعل مادة مضادة للتشنج، بالميل متر المربع في شبكية العين في مئة مليون مستقبل ضوئي، عصية ومخروط بالميل متر مربع بشبكية العين فيها مئة مليون من أجل صورة دقيقة جداً، من أجل أن تميز بين 8 ملايين لون، واللون الواحد لو دُرج 800 ألف درجة لفرقت العين البشرية بين لونين، لذلك:
﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾
( سورة التين )
2 – الشَّعرُ:
أعطاك شَعرا، ففي الرأس تقريباً بالشكل المتوسط 300 ألف شعرة، لكل شعرة وريد، وشريان، وعصب، وعضلة، وغدة دهنية، وغدة صبغة، والحكمة البالغة أنه ليس في الشعر أعصابُ حسٍّ، لو فيه أعصاب حس لكانت عملية حلاقة الشعر تحتاج إلى مستشفى، وإلى تخدير كامل، هذه من حكمة الله عز وجل.
3 – الأنف:
الأنف فيه عشرون مليون عصب شمٍّ، ينتهي كل عصب بسبعة أهداب، الهدب مغمس بمادة تتفاعل مع الرائحة، تتشكل شكلا هندسيا، كرة، موشورا، هرما، هذا الشكل رمز الرائحة، يشحن إلى الدماغ للذاكرة الشمّية، وعندنا عشرة آلاف بند، هذا الشكل يعرض إلى أن يتوافق هذا الشكل مع هذا الشكل تقول: هذه رائحة كمون في الأكل، مثلاً، فالشمّ آلية معقدة جداً.
﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾
( سورة التين )
﴿ أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ﴾
( سورة طه )
4 – الأذنان:
الأذنان: لمَ لمْ تكن أذنا واحدة ؟ بالأذن الواحدة لا يمكن أن تعرف جهة الصوت، بالأذنين تعرف الجهات، هناك صوت بوق لمركبة من اليمين، دخل هذا الصوت إلى هذه الأذن قبل هذه، والفرق الزمني واحد على 1620 جزءا من الثانية، فأدركت أن المركبة على اليمين، فأعطاك الدماغ أمرًا بالانحراف نحو اليسار، وهذه آلية معقدة جداً.
﴿ قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ﴾
( سورة طه )
5 – القدَمانِ وآلية التوازن:
هدانا إليه، لو أن الإنسان ليس عنده قنوات توازن في الأذن لاحتاج إلى قَدَم مساحتها 70 سم حتى يقف، يحتاج إلى قاعدة ارتكاز واسعة جداً، أما لأن في الأذن جهاز توازن فيمكن عند الميل أن يصحح التوازن، ولولا هذا الجهاز لم ركب إنسان دراجة إطلاقاً، ولا مشى إنسان على الأرض، فالقدمان لطيفتان بحجم معقول جداً، وأنت واقف.
إذاً: التوازن من آيات الله الدالة على الله.
6 – أعصاب الحس في الأسنان:
وضع الله عز وجل في لبّ السن عصب حسي، ليس له فائدة، إذا بدأ النخر، ووصل إليه لا تنام الليل، تسارع إلى الطبيب، ولولا هذا العصب لخسر الإنسان كل أسنانه، العصب الحسي جهاز إنذار مبكر.
7 – آلية اجتماع اللعاب في أثناء النوم:
وأنت نائم غارق في النوم يجتمع اللعاب في فمك، تذهب رسالة إلى الدماغ، اللعاب زاد على حده، يأتي أمر من الدماغ وأنت نائم، يفتح البلعوم لسان المزمار، يغلق القصبة الهوائية، يفتح المريء فتبلع ريقك، وأنت نائم:
﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾
( سورة التين )
8 – البروستاتة:
البروستاتة تقع بين مجرى البول ومجرى ماء الحياة، عند الالتقاء، هذه في اللقاء الزوجي تفرز مادة مطهرة، ومادة مغذية، ومادة معطرة، هذه البروستاتة موضعها في مكان حرج عند ملتقى ماء الحياة مع بول الإنسان، ففي حال الحمل يجب أن يكون المجرى طاهراً، فتفرز مادة مطهرة، ومغذية، ومعطرة:
﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾
( سورة التين )
الخاتمة:
الموضوع طويل جداً، موضوع أن نكتشف عظمة خلق الإنسان، هذا من التفكر في خلق السماوات والأرض.
﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾
( سورة آل عمران )
إنّ جزءًا من الإيمان أن تتفكر في خلق السماوات والأرض، المعلومات موجودة، لكن لا تقرأ هذه المعلومات قراءة إيمانية، ندرسها في كلية الطب، لكن لا تقرأ قراءة إيمانية.
لو فكر الإنسان في جسمه، فكر في حواسه الخمس، فكر في أجهزته، فكر في جهاز الدوران، في القلب، في جهاز الأعصاب، في جهاز الهضم، فهذه آيات دالة على عظمة الله عز وجل:
﴿ قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ﴾
( سورة طه )
والحمد لله رب العالمين
السعيد
08-05-2018, 07:31 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الخامس العاشر )
الموضوع : اسم الله - المعطى - 2 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: ( المعطي ):
1 – العطاء الدنيوي ينقضي بفناء الدنيا:
أيها الإخوة الكرام، لا زلنا في اسم ( المعطي )، ولو تساءلنا: ماذا يعطينا الله عز وجل ؟ يعطينا نعماً دنيوية، يعطينا الصحة، يعطينا القوة، يعطينا المال، يعطينا الجمال، ويعطينا نعماً إيمانية، يعطينا السكينة، يعطينا الأمن، يعطينا الرضى، يعطينا السعادة، يعطينا نعماً لا تعد ولا تحصى، لكن نعم الله عز وجل ما كان منها في الدنيا تنقضي بانقضاء الدنيا.
فلذلك يقول الله عز وجل:
﴿ فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ﴾
( سورة الفجر )
جاء الجواب مع الردع:
﴿ كَلَّا ﴾
( سورة الفجر )
2 – الرضى بالعطاء والمنع هو رضى بالقضاء والقدر:
يعني: يا عبادي، ليس عطائي إكراماً في الدنيا، ولا منعي حرماناً، عطائي ابتلاء، وحرماني دواء.
فلذلك الله يعطي الصحة، والذكاء، والقوة، والجمال، والمال للكثيرين من خَلقه، ولكنه يعطي السكينة بقدر لأصفيائه المؤمنين، يعطيك نعماً إيمانية، يعطيك الرضى، فأنت راضٍ عن الله، راضٍ عن نفسك، بمعنى أنك قبلت قضاء الله وقدره، راضٍ عمّا نزل بك من مِحنٍ، ليقينك القطعي أنه هناك حكمة بالغة.
فلذلك أيها الإخوة، حينما نؤمن أن كل شيء بقضاء من الله وقدر، وأن الإيمان بالقدر يذهب الهمّ والحزن، وأن الإيمان بالقدر نظام التوحيد نكون قد عرفنا حقيقة العطاء، لكن ولكل شيء حقيقة، فعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
(( لِكُلِّ شَيْءٍ حَقِيقَةٌ، وَمَا بَلَغَ عَبْدٌ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ، وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ ))
[ أخرجه أحمد في مسنده]
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَلَا تَعْجَزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللَّهِ، وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ ))
[ رواه مسلم ]
ولا ينبغي للمؤمن أن يقول: لو، ليس في قاموس المؤمن كلمة ( لو )، لو لم أَسِرْ في هذا الطريق لم يقع الحادث، هذا طريق مسدود، لكن قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( لَكِنْ قُلْ: قَدَّرَ اللَّهُ، وَما شاء فَعَلَ، فإنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطانِ ))
وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ
الله عز وجل حينما يقول:
﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ ﴾
( سورة العنكبوت الآية: 45 )
مِن أدق معاني هذه الآية أن ذِكركَ لله عز وجل أكبر من كل شيء، وأن الله يذكرك، لكن ذكر الله لك أكبر من ذكرك له، فإذا ذكرته أديت واجب العبودية، لكنه إذا ذكرك أعطاك الأمن، والأمن نعمة خاصة بالمؤمنين. ﴿ سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُواْ﴾
( سورة آل عمران الآية: 151 )
أما المؤمنون: ﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ ﴾
( سورة آل عمران )
إذاً: ذكر الله لك أكبر من ذكرك له، إن ذكرك منحك الحكمة. ﴿ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيراً ﴾
( سورة البقرة الآية: 269 )
ذكر الله لك يمنحك السكينة، سعادة ما بعدها سعادة، لا يعرفها إلا من ذاقها، إذا ذكرك الله عز وجل أعطاك الرضى، لذلك يعطي الله نِعماً دنيوية، ويعطي نعما أخروية، أو يعطي نعمًا إيمانية، النعم الإيمانية تسعد بها إلى أبد الآبدين، والنعم الدنيوية تنقضي بانقضاء الدنيا.
فلذلك ليس عطائي إكراماً، ومنعي حرماناً، عطائي ابتلاء، وحرماني دواء.
مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ
الآن:
﴿ مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا * وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا * كُلاًّ نُّمِدُّ هَـؤُلاء وَهَـؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاء رَبِّكَ مَحْظُورًا ﴾
( سورة الإسراء )
قد يختار إنسان الغناء، ثم يموت، وتبقى أغانيه تذاع في الإذاعات إلى يوم القيامة، وقد يختار إنسان القرآن، ثم ويموت، وتبقى تلاوته تذاع في الإذاعات إلى يوم القيامة:
﴿ كُلاًّ نُّمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاء رَبِّكَ ﴾
( سورة الإسراء )
هناك إنسان بنى مسجدا، وإنسان بنى ملهى، الإنسان مخير، فاختر ما شئت، وافعل ما شئت، لكن كل شيء له حسابه.
﴿ كُلاًّ نُّمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاء رَبِّكَ مَحْظُورًا ﴾
( سورة الإسراء )
الله عز وجل لا يتعامل مع التمنيات. ﴿ لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ﴾
( سورة النساء الآية: 123 )
التمنيات بضائع الحمقى، الله عز وجل يتعامل مع الصدق.
وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا
﴿ وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا ﴾
( سورة الإسراء الآية: 19 )
علامة إرادتها صادقاً: ﴿ وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا ﴾
( سورة الإسراء الآية: 19 )
فلذلك هذه الآية أصل في العقيدة، الله عز وجل خلقك، منحك حرية الاختيار، وقال لك: عبدي اطلب تُعْطَ، إن أردت الدنيا أخذت الدنيا، لكن ما لك: ﴿ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ ﴾
( سورة البقرة الآية: 200 )
إن أردت الآخرة تأتك الدنيا وهي راغمة، لذلك أقول دائماً: من آثر آخرته على دنياه ربحهما معاً، ومن آثر دنياه على آخرته خسرهما معاً.
إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ
الآية الكريمة:
﴿ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ﴾
( سورة الكوثر )
أيها الإخوة، أيّ عطاء ينتهي بالموت ليس في كرم الله عطاء، لكن عطاء الله عطاء أبدي مستمر، فلذلك:
﴿ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ﴾
( سورة الكوثر )
قال علماء التفسير: كل مؤمن بقدر إيمانه، واستقامته وعمله الصالح له من هذه الآية نصيب. ﴿ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾
( سورة الشرح )
كل مؤمن بحسب إيمانه، واستقامته، وإخلاصه له من هذه الآية نصيب، أما العطاء البدي السرمدي الذي خلقنا من أجله: ﴿ وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ ﴾
( سورة هود )
العاقل من يعيش المستقبل:
كلنا ينتقل من بيت إلى قبر، والبيت معتنى فيه جداً، فيه زوجة وأولاد، وغرف ضيوف، وغرف جلوس، مطبخ، حمام، مركبة واقفة عند الباب، هناك نزهات، فإذا توقف القلب وُضع في القبر، ماذا في القبر ؟
الذكاء والتوفيق والعقل أن تعيش المستقبل، لا أن تعيش الماضي، ولا أن تعيش الحاضر، الذي يعيش الماضي غبي، لأنه ما مضى فات والمؤمل غيب، ولك الساعة التي أنت فيها، والذي يعيش المستقبل هو أعقل العقلاء، ماذا في المستقبل ؟ مغادرة الدنيا، ماذا أعددنا لهذه الساعة ؟ فلذلك الجنة عطاء غير محدود، لكن ما هي الخسارة ؟
﴿ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ﴾
( سورة الزمر الآية: 15 )
إنسان باع بيته، وباع معمله، وباع بيت المصيف، وباع بيتا على البحر، وباع كل أدواته ومركباته، وهذا المبلغ بطريقة أو بأخرى فَقَده، يشعر بخسارة لا تحتمل، الآخرة الخسارة فيها أشد، خُلقت للأبد فخسرت الأبد، من أجل سنوات معدودة أمضاها الإنسان في المعاصي والآثام.
3 – المعنى التوحيدي في العطاء والمنع:
كن مع الله تر الله معك واترك الكل وحاذر طمعك
هناك معنى توحيدي في العطاء.
وإذا أعطــاك من يمنعه ثم من يعطي إذا ما منعـك
يدخل التوحيد في معنى العطاء، لأنه لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، علاقتك مع الله، فهذا هو التوحيد الله وحده هو الرافع، والخافض، والمعز، والمذل والمانع، والمعطي، ولا إله إلا الله، وهذا الدين لا يقوم إلا على التوحيد، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، ونهاية العلم التوحيد، ونهاية العمل التقوى.
ربما أعطاك فمنعك، وربما منعك فأعطاك، هذا معنى قوله تعالى: ﴿ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ﴾
( سورة لقمان الآية: 20 )
المصائب والحرمان والمتاعب نِعَمٌ باطنة، لأن الله عز وجل يقول: ﴿ مَّا يَفْعَلُ اللّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ ﴾
( سورة النساء الآية: 147 )
حينما يؤمن الإنسان ويشكر تنتهي كل المعالجات، لأنه حقق الهدف من وجوده، إذاً:
وإذا أعطــاك من يمنعه ثم من يعطي إذا ما منعـك
لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعك، علاقتك مع الله عز وجل.
فلذلك سيدنا سعد ابن أبي وقاص إذا دخل على النبي عليه الصلاة والسلام كان يداعبه، لأنه يحبه حباً جما، فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: أَقْبَلَ سَعْدٌ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( هَذَا خَالِي، فَلْيُرِنِي امْرُؤٌ خَالَهُ ))
[ الترمذي ]
وفداه بأبيه وأمه.
(( ارْمِ سَعْدٌ فِدَاكَ أَبِي وَأُمّي ))
[ أخرجه الشيخان عن علي بن أبي طالب ]
وبعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له عمر كلمة توحيد، قال له: << يا سعد، لا يغرنك أنه قد قيل: خال رسول الله، فالخلق كلهم عند الله سواسية، ليس بينه وبينهم قرابة إلا طاعته >>.
هذا المعنى يدفعنا إلى الله دفعاً، كلنا عباده، وتجري علينا مقاييس واحدة، ونقيّم بقيمٍ واحدة. ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾
( سورة الحجرات الآية: 13 )
أحياناً تأتي المصيبة فتكون سبب الهداية، حينما تكشف لك حكمتها تذوب كالشمعة محبة لله، هذا معنى قوله تعالى: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ * أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾
( سورة البقرة )
يجب أن تؤمن إيماناً قطعياً أن المصائب نِعَمٌ، وأن الرضى بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين، وأن المصائب تعني أنك ضمن عناية الله، وأن المصائب تعني أنك ضمن رحمة الله، لذلك: ﴿ فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ ﴾
( سورة الأنعام الآية: 147 )
مما تقتضيه رحمة الله. ﴿ وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ﴾
( سورة الأنعام )
صدقوا أيها الإخوة، إذا دخلت إلى مسجد فقد تجد عددا كبيرا جداً من رواد المسجد اصطلحوا مع الله عقب تدبير حكيم، عقب شبح مصيبة، عقب تهديد، عقب خطورة على الرزق، خطورة على المنصب، فالإنسان ليس له إلا الله، وحينما قال الله عز وجل: ﴿ إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا * إِلَّا الْمُصَلِّينَ ﴾
( سورة المعارج )
4 – العطاء من صفات الأنبياء والمؤمنين:
فإنه يعني أن الإنسان شحيح، وحريص على ما في يديه، لكنه إذا اتصل بالله عز وجل أصبح سخياً، كما أنه يتلقى من الله عطاء، يتقرب إلى الله بكمال مشتق من كماله فيعطي، فلذلك الأقوياء أخذوا ولم يعطوا، والأنبياء أعطوا ولم يأخذوا، والمؤمن يبني حياته على العطاء، كيف ؟
﴿ فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾
( سورة الليل )
بنى حياته على العطاء، بالتعبير المعاصر بنى استراتيجيته على العطاء، العطاء سمة عميقة من سماته، فيعطي من وقته، ويعطي من ماله، ويعطي من خبرته، ويعطي من عضلاته في سبيل مرضاة الله عز وجل، لذلك قال الله تعالى: ﴿ مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً ﴾
( سورة البقرة الآية: 245 )
فأيّ عمل صالح فهو في حقيقته قرض لله عز وجل.
5 – المنع هو عطاء من الحكيم:
الآن: إذا كشف لك الحكمة في المنع عاد المنع عين العطاء، وأحياناً:
﴿ وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ ﴾
( سورة الشورى )
في آية ثانية: ﴿ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ﴾
( سورة التغابن الآية: 11 )
إلى حكمتها، فإذا كشف الله لك الحكمة فيما ساقه إليك عاد المنع عين العطاء، ومن أدق الأحاديث الشريفة:
(( إن الله ليحمي صفيه من الدنيا كما يحمي أحدكم مريضه من الطعام ))
في رواية أخرى:
(( إن الله ليحمي صفيه من الدنيا كما يحمي الراعي الشفيق غنمه عن مراتع الهلكة ))
[ أخرجه البيهقي عن حذيفة بسند فيه ضعف ]
حينما تؤمن أنك بعين الله، وبعنايته، وبرعايته، وبحكمته، وأن الذي ساقه إليك محض محبة، ومحض حكمة، ومحض خير ترضى عن الله.
كان أحدهم يطوف حول الكعبة فقال: " يا رب، هل أنت راضٍ عني ؟ كان وراءه الإمام الشافعي، قال له: يا هذا، هل أنت راضٍ عن الله حتى يرضى عنك ؟ قال له: سبحان الله ! مَن أنت يرحمك الله ؟ قال له: أنا محمد بن إدريس، قال له: كيف أرضى عن الله، وأنا أتمنى رضاه ؟ هذا الكلام ما فهمه، قال له: إذا كان سرورك بالنقمة كسرورك بالنعمة فقد رضيت عن الله "، والدليل: ﴿ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ﴾
( سورة المائدة الآية: 119 )
يجب أن ترضى عن الله، يجب أن ترضى عن قضائه وعن قدره، وعن حكمته، حين جعل إنسانا ذا دخل محدود، يا رب، لك الحمد، وإذا جعل إنسانا آخر بدخل غير محدود، يا رب، لك الحمد، تتمتع بصحة جيدة، يا رب، لك الحمد، فيك بعض الأمراض، يا رب، لك الحمد، زوجة صالحة جداً، يا رب لك الحمد، زوجة متعبة، يا رب لك الحمد.
عَنْ صُهَيْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ ؛ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ ))
[ مسلم ]
وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى
أحيانا يمضي الإنسانُ سنوات طويلةً في الدراسة في بلد أجنبي، ولا دخل له، ووالده فقير، فيشتغل هذا الطالب في مطعم، أو يشتغل حارسا، ويدرس في النهار، وضعه المنظور مؤلم جداً، لكن هذا مستقبله مشرق جداً، حينما ينال الشهادة، ويعود إلى بلده، ويعيّن بمنصب رفيع، وله دخل وفير، وله مكانة اجتماعية، ينسى كل التعب الذي أصابه، فلذلك:
﴿ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ﴾
( سورة الضحى )
أحيانا يقول الطبيب للمريض: تحمّل الآلام، إن شاء الله هناك شفاء مع الآلام.
الإنسان بين يدي ربه مستسلم
﴿ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ﴾
( سورة الضحى )
هذه الآية لرسول الله عليه الصلاة والسلام، ولكنها تنسحب على كل مؤمن بقدر إيمانه واستقامته وإخلاصه
﴿ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ﴾
( سورة الضحى )
الآن: عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ:
(( آخَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ سَلْمَانَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، فَزَارَ سَلْمَانُ أَبَا الدَّرْدَاءِ، فَرَأَى أُمَّ الدَّرْدَاءِ مُتَبَذِّلَةً، فَقَالَ لَهَا: مَا شَأْنُكِ ؟ قَالَتْ: أَخُوكَ أَبُو الدَّرْدَاءِ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ فِي الدُّنْيَا، فَجَاءَ أَبُو الدَّرْدَاءِ فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا، فَقَالَ: كُلْ، قَالَ: فَإِنِّي صَائِمٌ، قَالَ: مَا أَنَا بِآكِلٍ حَتَّى تَأْكُلَ، قَالَ: فَأَكَلَ، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ ذَهَبَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَقُومُ، قَالَ: نَمْ، فَنَامَ، ثُمَّ ذَهَبَ يَقُومُ، فَقَالَ: نَمْ، فَلَمَّا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ، قَالَ سَلْمَانُ: قُمْ الْآنَ فَصَلَّيَا، فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ: إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: صَدَقَ سَلْمَانُ ))
6– أَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ
أنت تتلقى من الله العطاء، لكن ينبغي أن تتخلق بهذا الكمال الإلهي، أن تعطي، لذلك كان عليه الصلاة والسلام يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، المؤمن كريم، والكرم أحد أساسيات إيمانه، لأنه أيقن أن الدنيا ممر للآخرة، وأن ثمن الآخرة العمل الصالح، وأن حجمك عند الله بحجم عملك الصالح، فبقدر تضحياتك ترقى عند الله.
والله أنا ألتقي مع بعض الأشخاص يرسل من ماله الشيء الوفير للحق، للدعوة، لنشر الحق، لإطعام الفقراء والمساكين، والله أقول له كلمة: أنت تعمل بذكاء وبعقل، لأنك آمنت بالآخرة، وتعمل الآن لها.
((فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ ))
" إن لله عملاً بالليل لا يقبله في النهار، وإن لله عملاً بالنهار لا يقبله في الليل "
الله عز وجل يحاسبك على زوجتك، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ:
(( دَخَلَتْ عَلَيَّ خُوَيْلَةُ بِنْتُ حَكِيمِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ الْأَوْقَصِ السُّلَمِيَّةُ، وَكَانَتْ عِنْدَ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ، قَالَتْ: فَرَأَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَذَاذَةَ هَيْئَتِهَا، فَقَالَ لِي: يَا عَائِشَةُ، مَا أَبَذَّ هَيْئَةَ خُوَيْلَةَ ! قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، امْرَأَةٌ لَا زَوْجَ لَهَا، يَصُومُ النَّهَارَ، وَيَقُومُ اللَّيْلَ، فَهِيَ كَمَنْ لَا زَوْجَ لَهَا، فَتَرَكَتْ نَفْسَهَا، وَأَضَاعَتْهَا، قَالَتْ: فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ فَجَاءَهُ، فَقَالَ: يَا عُثْمَانُ، أَرَغْبَةً عَنْ سُنَّتِي ؟ قَالَ: فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَكِنْ سُنَّتَكَ أَطْلُبُ، قَالَ: فَإِنِّي أَنَامُ وَأُصَلِّي، وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأَنْكِحُ النِّسَاءَ، فَاتَّقِ اللَّهَ يَا عُثْمَانُ، فَإِنَّ لِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِضَيْفِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَصُمْ وَأَفْطِرْ، وَصَلِّ وَنَمْ ))
[ أحمد ]
(( وجاءت في اليوم التالي عطرة نضرة، فسألتها السيدة عائشة، ما الذي حصل ؟ قالت: أصابنا ما أصاب الناس ))
[ الطبراني عن أبي موسى الأشعري ]
حقوق العباد مبنية على المشاححة، وحقوق الله مبنية على المسامحة، فالزوجة لها حق، والابن له حق، وأنت كطبيب هذا المريض له حق عندك، يجب أن تنصحه، وأنت كمحامٍ هذا الموكل له حق عندك، وأنت كمدرس هذا الطالب له حق عندك.
((فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ ))
7 – لابد أن يكون العطاء لله والمنع لله:
لكن في النهاية عندنا معنى دقيق جداً: من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله ومنع لله، فقد استكمل الإيمان، المؤمن عطاءه وفق مبادئه، يعطي لله، ويمنع لله، يرضى بحسب مبادئه، يرضى ويغضب، يرضى لله، ويغضب لله، يصل لله، ويقطع لله، ليس عنده عمل عشوائي، وعادات وتقاليد مسيطرة عليه، يتحرك وفق مبادئ وقيم.
عَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:
(( مَنْ أَحَبَّ لِلَّهِ، وَأَبْغَضَ لِلَّهِ، وَأَعْطَى لِلَّهِ، وَمَنَعَ لِلَّهِ فَقَدْ اسْتَكْمَلَ الْإِيمَانَ ))
[ أبو داود ]
الله عز وجل يعطي الصحة والذكاء، والمال والجمال والقوة للكثيرين من خَلقه، ويعطي السكينة بقدر لأصفيائه المؤمنين، ويعطي الحكمة بقدر، ويعطي الرضى بقدر، ويعطي الشعور بالفوز بقدر، الله عنده عطاءات دنيوية، وعطاءات أخروية، وعطاءه غير محدود.
وإذا أعطاك من يمنعه ثم من يعطي إذا ما منعك
الخلاصة الجامعة:
والعطاء متعلق بالتوحيد، كل هذه المعاني الأولى متعقلة باسم الله ( المعطي )، لكن ينبغي أن تتخلق بخلق العطاء، النبي عليه الصلاة والسلام سأله أحد رؤساء القبائل: لمن هذا الوادي من الغنم ؟ قال له: هو لك، قال: أتهزأ بي ؟ قال له: لا والله، هو لك فقال: أشهد أنك رسول الله تعطي عطاء من لا يخشى الفقر، وأنت إذا أعطيت أعطاك الله.
(( أنفق، أنفق عليك ))
[ متفق عليه ]
(( أنفق يا بلال، ولا تخشى من ذي العرش إقلالا ))
[ أخرجه السيوطي عن بلال]
والصدقة تقع في يد الله قبل أن تقع في يد الفقير.
(( باكروا بالصدقة، فإن البلاء لا يتخطى الصدقة ))
[ أخرجه البيهقي عن أنس ]
والله عز وجل يسترضى بالصدقة، هذه خبرة عند المؤمنين، والله عز وجل حينما ترجو منه شيئاً، وتتوسل لهذا الرجاء بصدقة تنفقها على نية التوفيق، أو تحقيق ما تصبو إليه، فالله عز وجل يسترضى.
إذاً: كما أن الله أعطاك نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، ونعمى الهدى والرشاد ينبغي أن تبني حياتك على العطاء، والناس كما تعلمون على اختلاف مللهم ونحلهم، وانتماءاتهم وأعراقهم وأنسابهم وطوائفهم لا يزيدون على رجلين ؛ رجل عرف الله فانضبط بمنهجه، وأحسن إلى خلقه، وبنى حياته على العطاء فسعد في الدنيا والآخرة، ورجل غفل عن الله، وتفلت من منهجه، وأساء إلى خلقه، فشقي وهلك في الدنيا والآخرة، والآية: ﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى * فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ﴾
( سورة الليل )
المكافأة الإلهية:
﴿ مَن أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ﴾
( سورة الليل )
﴿ وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى} فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى * وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى ﴾
( سورة الليل )
والحمد لله رب العالمين
ناصح أمين
08-05-2018, 08:29 AM
شـكــرا و جزاك الله خيراً ...
موفق بإذن الله ... لك مني أجمل تحية .
السعيد
08-06-2018, 07:29 AM
تسلم اخى ناصح
السعيد
08-06-2018, 07:32 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( السادس العاشر )
الموضوع : اسم الله - الديان - 1 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
من أسماء الله الحسنى: ( الديَّان ):
1 – ورودُ اسم ( الديَّان ) في السنة النبوية:
أيها الإخوة الكرام، مع اسم من أسماء الله الحسنى، و الاسم اليوم ( الديان )، ولم يَرِد هذا الاسم في القرآن، ولكنه ورد في حديث النبي العدنان، ورد دالاً على العلمية وعلى كمال الوصف.
عَنْ عَبْد اللَّهِ بْن أُنَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:
(( يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَوْ قَالَ: الْعِبَادُ عُرَاةً غُرْلًا بُهْمًا، قَالَ: قُلْنَا: وَمَا بُهْمًا ؟ قَالَ: لَيْسَ مَعَهُمْ شَيْءٌ، ثُمَّ يُنَادِيهِمْ بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ مِنْ قُرْبٍ: أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا الدَّيَّانُ، وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ أَنْ يَدْخُلَ النَّارَ، وَلَهُ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَقٌّ حَتَّى أَقُصَّهُ مِنْهُ، وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ وَلِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ عِنْدَهُ حَقٌّ حَتَّى أَقُصَّهُ مِنْهُ، حَتَّى اللَّطْمَةُ، قَالَ: قُلْنَا: كَيْفَ وَإِنَّا إِنَّمَا نَأْتِي اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ عُرَاةً غُرْلًا بُهْمًا ؟ قَالَ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ ))
[ أحمد في المسند بسند حسن ]
2 – معنى: الديَّان:
و ( الديان ) مِن دانَ يدين، أي جاز يجازي، ويوم الدين هو يوم الجزاء.
طريقة الإيمان باليوم الآخر:
دائرة المحسوسات ودائرة المعقولات ودائرة الإخباريات:
ولا بد من وقفة متأنية حول طريقة الإيمان بيوم الجزاء، بيوم الدين، ونحن في سورة الفاتحة نقرؤها كل يوم عشرات المرات:
﴿ الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمـنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾
( سورة الفاتحة )
الحقيقة أن هناك دوائر ثلاث، دائرة المحسوسات، وأداة اليقين بها الحواس الخمس، ودائرة المعقولات، وأداة اليقين بها العقل، ودائرة الإخباريات، وأداة اليقين بها الخبر الصادق.
في الدين حينما نضع كل قضية، أو كل مقولة في مكانها الصحيح يسهل البحث فيها.
1 – دائرة المحسوسات:
فالمحسوسات شيء ظهرت عينه وظهرت آثاره، ظهرت عينه أو ذاته، وظهرت آثاره، فأداة اليقين بها الحواس الخمس.
هناك ضوء متألق تراه بعينك، صوت مسموع تسمعه بأذنك، لون أبيض تدركه بالعين، شيء خشن تحسه باللمس، طعم مر تكتشفه بالذوق.
الله عز وجل أودع فينا الحواس الخمس، والعلوم حينما تطورت صنعت استطالات للحواس الخمس، فالمجهر استطالة للعين، والتلسكوب استطالة للعين، وتكبير الصوت استطالة للأذن.
إذاً: الدائرة الأولى دائرة المحسوسات، أداة اليقين بها الحواس الخمس، فأية قضية تعني شيئاً ظهرت عينه وآثاره أداة اليقين بها الحواس الخمس، هذه قضية لا خلاف فيها، ونحن نشترك فيها مع بقية المخلوقات.
إن الدابة حينما ترى حفرة تقف، الحواس الخمس أداة اليقين بها، الحواس الخمس نشترك فيها مع بعض المخلوقات.
2 – دائرة المعقولات:
ولكن الدائرة التي يتميز بها الإنسان هي دائرة المعقولات، وتعني شيئاً غابت عينه، وبقيت آثاره.
أنت ترى من التنظيم المنظِّمَ بعقلك، وترى من التسيير المسيِّر، وترى من الحكمة الحكيم، وترى من الخلق الخالق.
الدائرة الثانية دائرة المعقولات، وهي جهة غابت عينها وبقيت آثارها، وهذا مجال العقل.
إن هذا الكون أثر من آثار الله، بل هو الثابت الأول في العقيدة، كون ينطق بوجود الله، وأعيننا لا ترى الله.
﴿ لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَار ُ﴾
( سورة الأنعام الآية: 103 )
ولكن العقول تصل إليه، فالذات الإلهية غابت عن حواسنا، ولكن الله سبحانه وتعالى أودع فينا عقولاً نستطيع من خلال هذه العقول لا أن نحيط، بل أن نصل، وفرق كبير بين الإحاطة والوصول، أنت بمركبتك تصل إلى البحر، لكن بهذه المركبة لا تستطيع أن تخوض بها البحر، فعقولنا تصل إلى الله.
وفي كل شيء آية تدل على أنه واحد
***
إذاً: الدائرة الثانية دائرة المعقولات، يمكن أن تؤمن الإيمان الصحيح من خلال العقل، فالكون يدل على الله، يدل على الله موجوداً، وواحداً، وكاملاً، وأسماء الله الحسنى ظاهرة في الكون، بل إن الكون مظهر لأسماء الله الحسنى، بل إن الكون يشفّ عن أسماء الله الحسنى، فبإمكانك أن تصل إلى الله من خلال الكون، أن تصل إليه مؤمناً بوجوده، ووحدانيته، وكماله.
ويمكن أن تصل من خلال العقل إلى أن هذا القرآن كلامه، ولاسيما من خلال وقوع الوعد والوعيد، ومن خلال إعجازه، فوقوع الوعد والوعيد دليل قطعي على أن هذا الكلام كلام الله، وإعجاز القرآن الكريم دليل أيضاً على أن هذا الكلام كلام الله.
ويمكن أن تؤمن برسول الله صلى الله عليه وسلم من خلال العقل، لأن الذي جاء بهذا الكتاب المعجز لا بد من أن يكون رسول الله، القضية واضحة جداً، أنت بعقلك تؤمن بوجود الله ووحدانيته، وكماله من خلال الكون.
وبعقلك تؤمن بأن هذا القرآن كلام الله من خلال الإعجاز، ومن خلال وقوع الوعد والوعيد، وأنت بعقلك تؤمن أن هذا الإنسان الذي اسمه محمد بن عبد الله هو رسول الله من خلال القرآن، وهنا ينتهي دور العقل، وأي شيء عجز عقلك عن إدراكه أخبرك الله به.
مثلاً: هناك ميزان في أعلى مستوى، وفي أعلى أداء، إلا أنه مصمم لمكان أو لدكان، أو لبقالية تستخدمه ما بين خمسة غرامات، إلى خمسة كيلوات، فيه ذواكر كثيرة و تعقيدات مذهلة، ودقة بالغة، إلا أن هذا الميزان مهمته محدودة، بين خمسة غرامات وخمسة كيلوات، مادام استخدامه ضمن هذين الحدين فهو يؤدي نتائج رائعة.
ويجب أن تؤمن أن العقل محدود بمهمة محدودة، ما دام استخدامه في هذا المجال فالعقل يؤدي نتائج رائعة.
3 – دائرة الإخباريات:
إلا أنك إذا استخدمت العقل في شأن غيبي، في شأن غابت عينه وآثاره فالعقل لا يفلح.
إذاً: أيّ شيء عجز عقلك عن إدراكه أخبرك الله به، أخبرك الله بالقرآن الكريم عن الماضي السحيق، عن بدء الخليقة، أخبرك القرآن الكريم ماذا بعد الموت، عن اليوم الآخر، عن الحساب، عن الجزاء، عن الجنة، عن النار، عن الصراط، أخبرك الله عن أسمائه الحسنى.
إذاً: ما دام البحث وفق هذا النظام ففي القضية الحسية أداة اليقين بها الحواس الخمس، وفي القضية العقلية أداة اليقين بها العقل، وفي القضية الإخبارية أداة اليقين بها الخبر الصادق.
القضية الأولى: ظهرت عين الشيء وآثاره.
القضية الثانية: غابت عين الشيء وظهرت آثاره.
القضية الثالثة: غابت عين الشيء وآثاره.
حينما تضع كل قضية في الدين في مكانها الصحيح تجد يسراً في الفهم، ويسراً في اليقين، ويسراً في التعامل معها، فالقضايا التي غابت عينها وآثارها أداة اليقين بها الخبر الصادق.
يوم الدين من الدائرة الثالثة.
أنا أنصح كل الإخوة المؤمنين إذا تحاوروا مع إنسان اهتزت عنده بديهيات الإيمان ألا يطرحوا معه قضايا من النوع الثالث ليس لها دليل عقلي، وليس لها دليل حسي، دليلها الوحيد الإخباري، وهو لا يصدِّق هذا الخبر الذي جاء به القرآن الكريم.
إذاً: يوم الدين من الدائرة الثالثة، من دائرة موضوعاتها غابت عينها وآثارها، وسبيل اليقين بها الخبر الصادق، فنحن آمنا بالله من خلال الكون، وآمنا بالقرآن من خلال الإعجاز، وآمنا بالنبي الكريم من خلال القرآن، وانتهى دور العقل، وجاء دور النقل.
النقل أخبرنا أن هناك يومًا آخر، يوما تسوى فيه الحسابات، يوما تؤخذ من القوي إلى الضعيف من الظالم للمظلوم، يوما يعطى لكل ذي حق حقه، يوما يقوم الناس فيه لرب العالمين، يأتي الناس ربهم فرادى، هذا اليوم أساسي جداً في الإيمان.
الإيمان بالله واليوم الآخر ركنان متلازمان:
لذلك: ما اقترن ركنان من أركان الإيمان في القرآن كما اقترن الإيمان بالله والإيمان باليوم الآخر.
إن الإيمان بالله ينبغي أن يحملك على طاعته، والإيمان باليوم الآخر ينبغي أن يمنعك من أن تؤذي مخلوقاً، وما لم يحملك إيمانك بالله على طاعته، وما لم يحملك إيمانك باليوم الآخر على البعد عن إيذاء خلقه فالإيمان لا قيمة له إطلاقاً.
بل قد أقول لكم إبليس حينما قال:
﴿ فَبِعِزَّتِكَ ﴾
( سورة ص الآية: 82 )
آمن بالله رباً وعزيزاً، ولكن لأنه استكبر وعصى فهذا الإيمان لا قيمة له.
إذاً: لا قيمة للإيمان الذي لا يحملنا على طاعته، ولا قيمة للإيمان باليوم الآخر الذي لا يحملنا على اتقاء أن نؤذي مخلوقاً.
قد يكون الإيمان باليوم الآخر من دائرة المعقولات:
أيها الإخوة، إلا أن عالماً كبيراً من علماء المسلمين وهو ابن القيم رحمه الله تعالى يرى أن الإيمان باليوم الآخر من الدائرة الثانية، دليله عقلي، لأن العقل لا يقبل أن كوناً عظيماً يشفُّ عن خالق عظيم، عن خالق قوي، عن خالق كامل، عادل، رحيم أن يخلق إنسان قوياً وضعيفاً، والقوي يأكل الضعيف، وينتهي الأمر.
إنسان غني يستغل الفقير، ويأتي يوم الدين، وينتهي الأمر، لا يعقل، ولا يقبل ألاّ تسوى الحسابات، لا يعقل ولا يقبل ألا يكون هناك يوم تسوى فيه الحسابات، يؤخذ للضعيف من القوي، للمظلوم من الظالم.
لذلك ورد في القرآن الكريم قوله تعالى:
﴿ وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ﴾
( سورة مريم الآية: 71 )
أي النار، وقد قال العلماء: ورد النار غير دخولها، دخول النار دخول جزاء، أما ورود النار فورود إطلاع، فمِن أجل أن تتحقق من عدل الله الإنسان يرد النار يوم القيامة، ولا يتأثر بوهجها، ليرى تحقيق اسم الله العدل.
تحقيق اسم العدل كاملا يوم القيامة:
بالمناسبة، أسماء الله الحسنى كلها محققة في الدنيا، إلا أن اسم العدل محقق جزئياً، فالله سبحانه وتعالى يكافئ بعض المحسنين تشجيعاً للباقين، ويعاقب بعض المسيئين ردعاً للباقين، ولكن تسوية الحسابات، وختام الحسابات:
﴿ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 185 )
إذاً: يمكن أن يكون الإيمان باليوم الآخر عن طريق العقل، لأن كمال الخلق يدل على كما التصرف، لا يعقل لإله عظيم، قوي كريم، رحمن رحيم أن يدع عباده من دون حساب، قال تعالى: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا ﴾
( سورة المؤمنون الآية: 115 )
مستحيل وألف ألف مستحيل أن يُخلق الإنسان عبثا، العبثية تتناقض مع وجود الله، إما أن تؤمن بوجود إله كامل وعادل، أو أن تؤمن بالعبثية، لذلك الشر المطلق لا وجود له في الكون، هناك شر نسبي، موظف للخير المطلق، أما الشر مطلق فلا يوجد، لذلك: ﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 26 )
لم يقل: والشر.
﴿ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ﴾
لأن إيتاء الملك خير، وأحياناً يعد نزع الملك خيرا، خيراً للأمة، وخيرا لمن أدبه الله بهذا، والإعزاز خير، والإذلال خير.
لذلك: يرى علماء التوحيد أنه لا يجوز أن تقول: الله ضار، والضار من أسمائه، بل ينبغي أن تقول: الله ضار نافع، خافض رافع، مذل معز، أي هو يضر لينفع، ويخفض ليرفع، ويذل ليعز.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
(( عَجِبَ اللَّهُ مِنْ قَوْمٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ فِي السَّلَاسِلِ ))
[ رواه البخاري ]
حينما تؤمن بكمال الله، ووحدانيته ترى أن الشر النسبي موظف للخير المطلق.
معنى صيغ المبالغة الواردة في صفات الله تعالى:
لذلك: ( الديان ) صيغة مبالغة، وماذا تعني المبالغة إذا ارتبطت بأسماء الله الحسنى تقول: غفور، وزن فعول من صيغ المبالغة، يعني يغفر أكبر ذنب، ويغفر مليون ذنب، يغفر كماً ونوعاً.
إنّ صيغ المبالغة إذا تعلقت بأسماء الله الحسنى فتعني شيئين، تعني المبالغة في الكمّ، والمبالغة في النوع، فالله عز وجل ( ديان ) ، بمعنى أنه سيحاسب عن كل الذنوب مهما كثرت، و ( الديان ) سيحاسب عن أكبر الذنوب مهما كبرت، لذلك:
﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾
( سورة الحجر )
النبي عليه الصلاة والسلام في عدد من أحاديثه ورد في نصوصه اسم ( الديان ):
(( أنا الملك، أنا الديَّان ))
[ رواه أحمد عن أنيس رضي الله عنه ]
(( والبر لا يبلى، والذنب لا ينسى، والديان لا يموت، اعمل كما شئت، كما تدين تدان ))
[ أخرجه عبد الرزاق في الجامع عن أبى قلابة، وفي سنده ضعف ]
العاقل مَن يعيش مستقبله:
البطولة ألاّ تعيش الحاضر كشأن معظم الناس الغافلين، البطولة أن تعيش المستقبل، وفي المستقبل حساب دقيق:
﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:
(( لَيَأْتِيَنَّ عَلَى الْقَاضِي الْعَدْلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ سَاعَةٌ يَتَمَنَّى أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ بَيْنَ اثْنَيْنِ فِي تَمْرَةٍ قَطُّ ))
[ رواه أحمد في مسنده عن عائشة ]
وسيدنا عمر يقول: << والله لو تعثرت بغلة في العراق لحاسبني الله عنها، لمَ لمْ تصلح لها الطريق يا عمر ؟ >>.
أرجح الناس عقلاً من خاف من الواحد الديان، أرجح الناس عقلاً من هيأ جواباً للملك العادل رب العالمين، أعقل الناس من عاش المستقبل، من عاش يوم الحساب.
لذلك سئُل طالب نال الدرجة الأولى في الامتحان: " لمَ نلت هذا التفوق ؟ قال: لأن لحظة الامتحان لن تغادر مخيلتي طوال العام ".
والمؤمن الصادق قبل أن يعطي، قبل أن يمنع، قبل أن يغضب، قبل أن يرضى، قبل أن يصل، قبل أن يقطع، قبل أن يطلّق، قبل أن يتّهم، قبل أن يفتري، قبل أن يضرب، قبل أن يفعل أيّ شيء نقول له: أعندك جواب لله عز وجل ؟
لو أن الله أوقفك يوم القيامة بين يده وقال لك: لمَ فعلت كذا ؟ منحتك نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، ونعمة الهدى والرشاد، لمَ فعلت كذا ؟ لمَ طلقت زوجتك ؟ لمَ أخرجت شريكك من الشركة ؟ لمَ ؟ لمَ لم تعتنِ بابنك ؟ كل شيء سوف نُسأل عنه، والبطولة لا أن تعيش الحاضر كما يعيشه معظم الناس، البطولة أن تعيش المستقبل.
فلذلك أيها الإخوة، ما من إنسان أعقل ممن عاش اليوم الآخر، لذلك يجب أن ننقل اهتماماتنا نقلاً حقيقياً من هذه الدار الفانية إلى الدار الباقية، يجب أن نُهيئ لكل سلوك جواباً له يوم القيامة.
يقول لي أحدهم: أنا أعطيت ابني هذا البيت، أقول له: إذا كان معك جواب يوم القيامة فلا مشكلة أبداً، أنت مالِك، والمالك يهب، والهبة جائزة في الشرع، أما أحياناً تعطي عطاءً فيه محاباة، وفيه ظلم.
فالبطولة قبل أن تفعل، قبل أن تتحرك، قبل أن تعطي، قبل أن تمنع، قبل أن تغضب، قبل أن ترضى، قبل أن تصل، قبل أن تقطع، هيئ لربك جواباً، هيئ جواباً ليوم الدين، وتقرأ في الفاتحة كل يوم: ﴿ الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾
والعقل أن تصل إلى الشيء قبل أن تصل إليه، ومِن نعم الله العظمى هذا الخيال، فالخيال يتيح لك أن تعيش المستقبل، الخيال يتيح لك أن تصل إلى المستقبل قبل أن تصل إليه بل إن الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم بيّن لك مشاهد من يوم القيامة.
﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيهْ *يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ * خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ﴾
( سورة الحاقة )
الخاتمة:
إخوتنا الكرام، أزمة أهل النار في النار أزمة علم، والدليل:
﴿ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾
( سورة الملك )
فإذا أردنا الدنيا فعلينا بالعلم، وإذا أردنا الآخرة فعلينا بالعلم، وإذا أردناهما معاً فعلينا بالعلم، والعلم لا يعطينا بعضه إلا إذا أعطيناه كلنا، فإذا أعطيناه بعضنا لم يعطِنا شيئاً، ويظل المرء عالماً ما طلب العلم، فإذا ظن أنه علم فقد جهل، وطالبُ العلم يؤثر الآخرة على الدنيا فيربحهما معاً، والجاهل يؤثر الدنيا على الآخرة فيخسرهما معاً.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
08-06-2018, 07:37 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( السابع العاشر )
الموضوع : اسم الله - الديان - 2 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: ( الديَّان ):
أيها الإخوة الكرام، من أسماء الله الحسنى اسم ( الديان )، والديّان هو المُجازي، ويوم الدين يوم الجزاء.
1 – معرفةُ كونِ اللهِ ديَّانًا مُجازيًا تحمل العبد على الاستقامة:
الله سبحانه وتعالى يعلم ويحاسب ويعاقب، ففي اللحظة التي يوقن فيها الإنسان أن أعماله كلها مسجلة عند الله عز وجل، وأن الله سيحاسبه وَفق موازين دقيقة جدا، وسوف يعاقبه، لابد من أن يستقيم الإنسان على أمره.
2 – الكون مَظهرٌ لأسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى:
الله عز وجل يقول:
﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾
( سورة الطلاق )
هذه آية ذات أبعاد دقيقة جداً، علة خلق السموات والأرض أن نعرفه:
﴿ لِتَعْلَمُوا ﴾
( سورة الطلاق )
لذلك: التفكر في خلق السموات والأرض طريق لمعرفة الله، بل إن التفكر في خلق السموات والأرض أقصر طريق إلى الله، وأوسع باب ندخل منه على الله:
﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا ﴾
( سورة الطلاق )
هذه اللام لام التعليل، هذا الكون مظهر لأسماء الله الحسنى، وصفاته الفضلى، هذا الكون يشفّ عن أسماء الله الحسنى وعن صفاته:
﴿ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾
( سورة الطلاق )
الحقيقة أن أسماء الله الحسنى كثيرة، قال الرسول صلى الله عليه وسلم:
(( إنَّ لِلَّهِ تَعالى تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْما ً، إِلاَّ وَاحِداً، مَنْ أحْصَاها دَخَلَ الجَنَّةَ ))
[ متفق عليه ]
وإحصاء الأسماء شيء، وعدُّها شيء آخر. ﴿ لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا﴾
( سورة مريم )
لذلك: اختار الله من بين أسماءه الحسنى اسمين فقط:
﴿ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾
( سورة الطلاق )
هذان الاسمان وحدهما يكفيان كي تستقيم على أمر الله، أي أن علم الله يطولك، وأن قدرته تطولك.
نوضِّح هذه الحقيقة بمثل: إنسان في المجتمع المدني يركب مركبة، وقد وقف على إشارة المرور الحمراء، وأمام هذه الإشارة شرطي يراقب، وشرطي على دراجة نارية يلاحق، وضابط المرور في مركبة أيضاً يشرف، وأنت مواطن من المواطنين، لا تمتاز عن غيرهم بأية ميزة، لا يعقل أن تتجاوز الإشارة، بل مستحيل أن تتجاوزها، لأنك موقن أن واضع قانون السير علمُه يطولك من خلال هذا الشرطي، وقدرته تطولك من خلال حجز المركبة، وسحب الإجازة، ما دمت موقنا أن واضع قوانين السير علمه يطولك، وقدرته تطولك لا يكمن أن تعصيه.
وصدقوا أيها الإخوة، في اللحظة التي توقن بها أن علم الله يطولك، وأن قدرتك تطولك لا يمكن أن تعصيه، وحينما تعلم أن الله يعلم لن تعصِ أمره، لا يعصي أمره إلا من فقد عقله.
بين العاقل والذكي:
النبي عليه الصلاة والسلام كان يمشي مع أصحابه في طرقات المدينة، فإذا بمجنون، فسأل سؤال العرف:
(( من هذا ؟ قالوا: هذا مجنون قال: لا، هذا مبتلى، المجنون من عصى الله ))
[ ورد في الأثر ]
لذلك: ما كل ذكي بعاقل، ينبغي أن نفرق بين الذكي والعاقل، قد تملك أعلى اختصاصًا في العالم، وقد تكون متبحراً في هذا الاختصاص، بل قد تكون متفوقاً فيه، ومع ذلك ربما لا يكون صاحب هذا الاختصاص عاقلاً، قد يكون ذكياً، وليس عاقلاً، لأن الذكاء متعلق بالجزئيات، هناك اختصاصات نادرة، فيزياء نووية، فيزياء حركية، علم الحركة، كيمياء عضوية، هناك اختصاصات نادرة، في علم الفلك اختصاصات نادرة، فمن تبحر بهذه العلوم، وتفوق بها فهو ذكي جداً، أما إن كان لا يعرف ربه، إن لم يعرف سبب وجوده، إن لم يعرف غاية وجوده، إن لم يجب عن هذه الأسئلة: من أين ؟ وإلى أين ؟ ولماذا ؟ فلا يعد عاقلاً.
فلذلك: هناك أمية عند العلماء، كيف ؟ قد يكون العالم متفوقاً في اختصاصه، لكن لأنه غفل عن الحقائق الكبرى التي ينبغي أن يعرفها فهو ليس بعاقل، إذاً نقول: ما كل ذكي بعاقل.
وكما أن الطبيب قد يكون أمياً في شؤون الدين، قد يكون عالمُ الدين أمّيًّا في شؤون الطب.
لابد من العلم بالله وأسمائه الله الحسنى وصفاته الفضلى:
إذاً: لا بد من علم يعد فرضاً عينياً على كل مسلم، لا بد من علم يجب أن يعلم بالضرورة.
هذا المظلي قد يجهل شكل المظلة، ولا شيء عليه، يا ترى بيضوي ؟ مربع، مستطيل ؟ على شكل شريط ؟ وقد يجهل نوع قماشها، وقد يجهل عدد الحبال، وقد يجهل نوع الخيوط، قد يجهل معلومات كثيرة جداً، ولا تثريب عليه، أما إذا جهل طريقة فتح المظلة نزل ميتاً، فهذا المظلي له أن يجهل، لكن ليس له أن يجهل طريقة فتح المظلة.
يجب أن نعلم أيها الإخوة، أن هناك علماً يجب أن يعلم بالضرورة، أحياناً يركب الإنسان مركبته، فيتألق على لوحة البيانات ضوء أحمر، إذا فهم هذا التألق تزينياً احترق المحرك، وتعطلت الرحلة، وكلفه إصلاح مركبته مبلغاً فلكياً، أما إذا فهم هذا التألق تألقاً تحذيرياً، فأوقف المركبة، وأضاف الزيت سلم المحرك، وتابع الرحلة.
إذاً: الجهل قاتل، ومن الجهل ما قتل، هناك معلومات يمكن أن تستغني عنها، يحتاجها أولو الاختصاص، كيف أن في الدين دعوة إلى الله تعد فرضاً عينياً، وهناك دعوة تعد فرضاً كفائياً، والتبحر والتعمق والتفرغ فرض كفاية.
﴿ وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 104 )
أما أن تدعو إلى الله في حدود ما تعلم، ومع من تعرف، فهذا فرض عيني، لقوله تعالى:
﴿ قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي ﴾
( سورة يوسف الآية: 108 )
إذاً: علة خلق السماوات والأرض أن تعلم أن الله يعلم، وأفضل إيمان المرء أن يعلم أن الله معه، لذلك أعلى درجات الإيمان أن تعبده كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.
لاحظوا أيها الإخوة، إذا كنت في حضرة إنسان محترم من أقاربك، له مكانة، فإنك تنضبط في حركاتك، وسكناتك، وفي ارتداء ثيابك، وفي نطقك، وفي اختيار كلماتك، وحينما تعلم أن الله يعلم فقد قطعت مرحلة واسعة جداً في معرفة الله.
لابد من الإيمان الحقيقي بالله وأسمائه الله الحسنى وصفاته الفضلى:
لا شك أيها الإخوة أن معرفة الله من الأسماء الحسنى هي جزء من العقيدة، بل هي صلب العقيدة، ذلك لأن الشيطان في ظاهر الآيات قال:
﴿ فَبِعِزَّتِكَ ﴾
( سورة ص الآية: 82 )
وقال: ﴿ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾
( سورة الأعراف )
وقال: ﴿ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ ﴾
( سورة الأعراف الآية: 12 )
كأن الشيطان في هذه الآيات آمن بالله خالقاً، وآمن به رباً، وآمن به عزيزاً، وآمن باليوم الآخر، ولكن لأنه ما عرف أسماءه الحسنى، ولا صفاته الفضلى، ما عرفه، إذاً: ما عبده.
لذلك يوم القيامة الآية الكريمة: ﴿ إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ ﴾
( سورة الحاقة )
العظيم مركز الثقل في الآية، لأن أي إنسان يؤمن بالله، وقلّما يكفر أحد بالله، حتى الذين يعبدون الأصنام يقولون: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ﴾
( سورة الزمر الآية: 3 )
فالإيمان بالله إيمانا بدائياً فطرياً عند كل الناس، لكنك إن لم تؤمن بالله العظيم لم تؤمن الإيمان الحقيقي.
كيف أن الآية الكريمة: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيراً ﴾
( سورة الأحزاب )
التركيز على كلمة ( كثيرًا )، لأن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلاً، المنافق يذكر الله، لكنه يذكره قليلا.
إذاً: حينما يقول الله عز وجل:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيراً ﴾
( سورة الأحزاب )
المطلوب الذكر الكثير، والإيمان بالله المطلوب منه أن تؤمن بالله العظيم.
بالمناسبة أيها الإخوة، الإيمان الذي لا يحملك على طاعة الله لا ينجي صاحبه، والإيمان باليوم الآخر الذي يمنعك أن تؤذي مخلوقاً لا قيمة له إطلاقاً.
كأن ثمة دائرة كبيرة جداً كل، من آمن بوجود الله ضمن الدائرة، حتى الإنسان المتفلت يخفف من تفلته في رمضان، معنى ذلك هو على شيء من الإيمان، فأي إنسان أقر بوجود الله فهو مؤمن بهذا المعنى الواسع، لكن الذي حمله إيمانه على طاعة الله دخل في دائرة ضمن دائرة.
الدائرة الأولى: كل من أقر بوجود الله مؤمن.
الدائرة الثانية: كل من حمله إيمانه على طاعته فهو مؤمن ناجٍ، لكن هذه الدائرة في مركزها الأنبياء والمرسلون المعصومون، والذي لا يؤمن بوجود الله أصلاً خارج هذه الدائرة، وكل من أقر بوجوده هو داخل هذه الدائرة، وفي وسط هذه الدائرة كل من حمله إيمانه على طاعة الله دخل في الدائرة الثانية، وفي مركز الدائرة الأنبياء والمرسلون.
فلذلك:
﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا ﴾
( سورة الطلاق )
عدم تلبية حاجات الروح نزولٌ إلى مرتبة الحيوان:
لذلك أودع الله في الإنسان قوة إدراكية، وما لم يلبِّ هذه الحاجة العلية سقط من مستوى إنسانيته إلى مستوى لا يليق به، قال تعالى:
﴿ أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَاء ﴾
( سورة النحل الآية: 21 )
قال تعالى: ﴿ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا ﴾
( سورة الفرقان )
قال تعالى: ﴿ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ ﴾
( سورة المنافقون الآية: 4 )
فالإنسان حينما يتخلى عن طلب العلم، حينما لا يعرف سر وجوده وغاية وجوده هبط عن مستوى إنسانيته، وفي الإنسان كما تعلمون حاجات عليا، وحاجات دنيا، نحن وبقية المخلوقات في الحاجات الدنيا سواء، لكن الإنسان ميزه الله بهذه الحاجة العليا، لذلك قال تعالى: ﴿ الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾
( سورة الرحمن )
أيعقل أن يُعلم الإنسان القرآن قبل أن يُخلق ؟ لا، الترتيب بالآية ترتيب رتبي، فلا جدوى، ولا معنى من وجود الإنسان من دون منهج يسير عليه، لا جدوى لحياته.
3 – الديَّان يقيم الحُجّة على عقاب المذنب:
إذاً: لتعلموا أن الله يعلم، وحينما تعلم أن علم الله يطولك، هو ( ديّان )، يقيم عليك الحجة والبرهان.
الحاكم العادل يحاكم المذنب محاكمة أصولية، ويدينه بأخطاء ثابتة، فحينما يحكم عليه بعقاب أليم هذا العقاب مبرَّر، بطولة الحاكم أن يقدم له الدليل على أنه مذنب، هذا شيء، والقمع شيء آخر.
لذلك الله عز وجل ( ديّان )، يعني يقيم على العبد المذنب الحجة.
﴿ اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ﴾
( سورة الإسراء )
لذلك أيها الإخوة، حينما توقن أن الله يعلم، وسيحاسب، وسيعاقب لا يمكن أن تعصيه، إذا عرفت اسم ( الديان ). ﴿ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾
( سورة النساء )
والله لو أُبلِغ إنسان أن خطه الهاتفي مراقب لحاسب نفسه حساباً غير معقول في أثناء حديثه بالهاتف، لو أُبلغ الإنسان أن حركته مراقبة لتحاشى أن يسير على رصيف فيه سفارة، على الرصيف الثاني فيه الاحتياط، فحينما يراقبك إنسان تنضبط أشد الانضباط، فكيف إذا كان الواحد الديان يراقبك ؟
ما من معصية يقترفها الإنسان إلا بسبب ضعف مراقبته لله، الله مع الإنسان، لذلك قال تعالى: ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ ﴾
( سورة الحديد الآية: 4 )
قال علماء التفسير: ﴿ هُوَ مَعَكُمْ ﴾، لكن معية لطيفة، فلو رافقك رجلٌ مدّةً طويلة تخرج من جلدك، تقول له: دعني وشأني، لكن الله سبحانه وتعالى معنا، معك في بيتك. ﴿ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا * وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا * وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا * وَقُلْ جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا ﴾
( سورة الإسراء )
﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ * وَأَنذِرْ عَشِيرَتَك الْأَقْرَبِينَ * وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ * وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ ﴾
( سورة الشعراء )
والله أيها الإخوة، ما من حال يسمو بالمؤمن كحال المراقبة .
4 – من لوازم الديَّان العلم وإقامة الحُجّة والحساب:
الله ( ديّان )، أي يعلم، و( ديان ) يقيم عليك الحجة، و( ديان ) سيحاسب، لمَ فعلت كذا ؟ و( ديان ) سيعاقب، ثلاث كلمات لو تحققنا منها لما خرج أحد منا عن منهج الله، الله يعلم وسيحاسب وسيعاقب.
﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا ﴾
( سورة الطلاق )
﴿ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾
( سورة الطلاق )
اختار من أسمائه اسم العليم والقدير، فعلمه يطولك، وقدرته تطولك.
أنت مواطن عاديّ، والشرطي واقف، الإشارة حمراء، شرطي على دراجة نارية، ضابط في سيارة، مستحيل أن تخالف، لكن متى تخالف ؟ تخالف إذا سرت الساعة الثالثة ليلاً، ليس هناك شرطي، إذاً: علم واضع القانون لا يطولك، أو تخالف إذا كنت أقوى من واضع القانون، قدرته لا تطولك، هذا كلام دقيق، إذا أيقنت أن علم واضع القانون يطولك، وأن قدرته تطولك لم تعصِه.
﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾
( سورة الطلاق )
أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا
﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا ﴾
( سورة المؤمنون الآية: 115 )
لا يمكن أن يجتمع إيمان بالله مع توهم العبثية.
﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا ﴾
( سورة المؤمنون الآية: 115 )
إنّ جامعة كلفت مبالغ طائلة، وما فيها امتحان ؟! هذا مستحيل ! كل هذه النفقات، وهذه العناية، والتدريس، والمخابر، والمحاضرات، والنفقات الباهظة، بلا حساب ؟ بلا امتحان ؟
﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا ﴾
( سورة المؤمنون الآية: 115 )
لا يمكن أن يرتاح الإنسان لفكرة العبثية ولا للحظة.
وقد بينت لكم من قبلُ أن أحد العلماء يرى أن الإيمان باليوم الآخر إيمان عقلي، لأنه لا يعقل، ولا يقبل أن يُخلق هذا الكون بهذه الدقة، وهذه العظمة، من دون يوم تسوى فيه الحسابات:
﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا ﴾
( سورة المؤمنون الآية: 115 )
أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى
شيء آخر.
﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى ﴾
( سورة القيامة )
هل من المعقول من وجودِ قوي وضعيف وتنتهي الحياة ؟ ولا شيء بعد الحياة ؟ غني وفقير ؟ ظالم ومظلوم ؟ مُستَغِل ومُستَغَل، قاهر ومقهور، هذا الذي يُرى في الأرض، فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( تُمْلَأُ الْأَرْضُ جَوْرًا وَظُلْمًا، فَيَخْرُجُ رَجُلٌ مِنْ عِتْرَتِي يَمْلِكُ سَبْعًا أَوْ تِسْعًا فَيَمْلَأُ الْأَرْضَ قِسْطًا وَعَدْلًا ))
[ أحمد ]
لذلك أعظم شيء يعزي المؤمن أن الله سيحاسب الخلائق يوم الدين.
أنت في سورة الفاتحة تقرأ: ﴿ الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمـنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾
( سورة الفاتحة )
يحاسب ويعاقب.
5 – من لوازم الديَّان خضوعُ الخلائق له:
( الديان ) هو الذي خضعت له الخلائق خضوع إقرار، وخضوع قوة.
أحيانا يكون الإنسان قويا، لكن ليس معه حجة، هذا قمعي، و أحيانا معه حجة، ولكنه ضعيف، لا يستطيع أن يأخذ الحق من القوي إلى الضعيف.
لذلك ربنا عز وجل قوي، والحجة قائمة منه على عباده.
﴿ قُلْ فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ ﴾
( سورة الأنعام الآية: 149 )
الله عز وجل ( ديان )، أخْضَع الخلائق لحسابه الدقيق، وخضعوا لقدرته، لذلك جاء أعرابي النبي عليه الصلاة والسلام، قال: يا رسول الله عظني ولا تطل، بهذه البساطة، فتلا عليه النبي صلى الله عليه وسلم الآية الكريمة: ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾
( سورة الزلزلة )
قال: كُفيت، آية واحدة اكتفى بها، فالنبي تأثر، قال: فقُه الرجل، وفقُه في اللغة لا تعني أنه عرف الحكم، تلك فقِه، أما فقُه أصبح فقيهاً، آية واحدة:
﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾
( سورة الزلزلة )
فقال: فقُه الرجل.
وفي رواية ثانية أن أعرابياً آخر قال: يا رسول الله عظني وأوجز، فتلا عليه هذه المقولة:
(( قلْ آمَنْتُ باللَّهِ ثُمَّ اسْتَقِمْ ))
[ رواه مسلم عن سفيانَ بن عبد اللّه رضي اللّه عنه ]
لما قال: ثم استقم، قال: أريد أخف من ذلك، قال: إذاً فاستعد للبلاء، إن أردت أخف من ذلك فاستعد للبلاء، لأن الله سبحانه وتعالى عدل، ورحيم في آنٍ واحد.
6 – من لوازم الديَّان أنْ لا أحدَ يفلت من العقاب:
شيء آخر:
﴿ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ﴾
( سورة الأعراف )
المتانة صفة توصف بها الأشياء التي تقاوم قوى الشد، كقولك: حبل متين، وأمتن شيء في حياتنا الفولاذ المضفور، فالمصاعد والتليفريك والجسور كلها مربوطة بحبال من فولاذ مضفور، لأنه أمتن شيء، قال تعالى:
﴿ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ﴾
( سورة الأعراف )
هذا العاصي المتفلت مربوط بطريقة لا يمكن أن يتفلت من عقاب الله، والآية الكريمة: ﴿ وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُواْ ﴾
( سورة الأنفال الآية: 59 )
معنى سبقوا ؛ أي لا يحسبن الذين كفروا أنهم يمكن أن يتفلتوا من عقاب الله، فالخلق كلهم في قبضة الله عز وجل، لكن الحبل مرخى، في أية لحظة يشد الله الحبل، والذي هدم سبعين ألف بيت في غزة في ثانية فقدَ الوعي والحركة، ولا يزال كما هو من سنتين، الإنسان في قبضة الله، في ثانية ينتهي كل شيء.
لذلك يقول عليه الصلاة والسلام في بعض أدعيته كما في حديث عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ مِنْ دُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ، وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ، وَفُجَاءَةِ نِقْمَتِكَ، وَجَمِيعِ سَخَطِكَ ))
[ مسلم ]
إذًا:
﴿ وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُواْ ﴾
( سورة الأنفال الآية: 59 )
أي أنهم تفلتوا من عقاب الله، أو أنهم فعلوا شيئاً ما أراده الله.
خاتمة:
إن والإنسان يخضع كما تعلمون، ويحب الكمال والجمال والنوال، يحب الكمال المطلق، ويحب الجمال، ويحب العطاء، وهي مجتمعة في ذات الله عز وجل، فهو كامل، ذاته كاملة، وهو محسن.
﴿ تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾
( سورة الرحمن )
بقدر ما هو عظيم تجله، بقدر ما هو كريم تحبه.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
08-06-2018, 07:40 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الثامن العاشر )
الموضوع : اسم الله - المحسن - 1 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: ( المحسن ):
أيها الإخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم هو اسم: ( المحسن ).
1 – ورودُ اسم ( المحسن ) في السنة النبوية:
قد ورد هذا الاسم في السنة النبوية دالاً على كمال الوصفية مرادا به العلمية، فقد ورد عند الطبراني من حديث أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلي الله على وسلم قال:
(( إذا حكمتم فاعدلوا، وإذا قتلتم فأحسنوا، فإن الله عز وجل محسن يحب الإحسان ))
[ الجامع الصغير بسند حسن ]
2 – الإسلام أمَرَ بالإحسان مطلقًا:
التعذيب ممنوع، لو رأيت عقربا يجب أن تقتله بضربة واحدة، أما أن تفنن في تعذيبه فهذا مناقض لمنهج الله عز وجل.
وقد ورد من حديث شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ: ثِنْتَانِ حَفِظْتُهُمَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَالَ:
(( إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ ِ))
[ مسلم في صحيحه ]
صورة نبوية لسيدنا إبراهيم في الإحسان إلى الضيف:
أيها الإخوة، قضية الإحسان أن يأتي فعلك كاملاً، لو أنك دعوت إنسان إلى طعام فقد علّمنا القرآن آداب الدعوة، فقال عز وجل:
﴿ فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاء﴾
( سورة الذاريات الآية: 26 )
سيدنا إبراهيم راغ، أي انسلّ خفية، لم يستأذن الضيف في إحضار الطعام، لأن الضيف يستحي، لو عرضت على أن تأتيه بالطعام لتعفف، يقول لك: لست جائعا.
لذلك من كمال أدب الضيافة ألاّ تستأذن الضيف في إحضار الطعام:
﴿ فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاء﴾
( سورة الذاريات الآية: 26 )
أي انسل خفية. ﴿ فَمَا لَبِثَ أَن جَاء بِعِجْلٍ حَنِيذٍ ﴾
( سورة هود)
لم يكن إحضار الطعام متأخراً، جاء الطعام سريعاً، وهذا من كمال الدعوة، وجاء بطعام نفيس: ﴿ فَمَا لَبِثَ أَن جَاء بِعِجْلٍ حَنِيذٍ ﴾
( سورة هود)
أي طيب.
الآن:
﴿ فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ ﴾
( سورة الذاريات الآية: 27 )
أحياناً يكون طبق الطعام بعيدا عن الضيف، يستحي أن يتمطى ليصل إليه، يجب أن تقرب له الطعام، وهناك إنسان أحياناً يضع الطعام أمام الضيف، أو يضع الفاكهة أمام الضيف، ولا يدعوه إلى تناول الطعام، حديث ممتع، أو حديث خطير، فالطعام أمامه، أو الفاكهة أمامه، ولا يقول له: تفضل، والضيف يستحي أن يمد يده قبل أن يدعى.
﴿ فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاء﴾
﴿ فَمَا لَبِثَ أَن جَاء بِعِجْلٍ حَنِيذٍ ﴾
﴿ فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ ﴾
﴿ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ﴾
( سورة الذاريات )
كمال الإحسان في الدعوة ألا تستأذن الضيف، وأن يأتي الطعام سريعاً، وأن يكون الطعام طيباً، وأن يقرب الطعام إلى الضيف، وأن يدعى إلى تناول الطعام.
الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ
كلمة إحسان واسعة جداً، الله عز وجل قال:
﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾
( سورة السجدة الآية: 7 )
الإحسان في خَلق الإنسان:
جعل لك عينين، ولولا العينان لما أدركت البعد الثالث، أنت بعين واحدة ترى بعدين سطحيين، لكنك في العين الثانية ترى البعد الثالث، ترى العمق.
وجعل لك أذنين، وبأذن واحدة يصل الصوت إليك، لكن بالأذنين تعرف جهة الصوت.
وجعل العين في محجر لتكون في حرز حريز، وجعل الدماغ في صندوق عظمي بالجمجمة، وجعل النخاع الشوكي في العمود الفقري، وجعل أخطر معمل معامل الكريات الحمراء في نقيِ العظام.
جعل الرحم في عظم الحوض.
﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾
( سورة السجدة الآية: 7 )
وفي الشَّعر، جعل لكل شعرة وريدا، وشريانا، وعصبا، وعضلة، وغدة صبغية وغدة دهنية، وليس في الشعر أعصاب حس، من أجل أن تهذب شعرك من دون مستشفى، ولولا أن الشعر خالٍ من أعصاب الحس لاضطر الإنسان إن أراد أن يهذب شعره إلى تخدير شامل في المستشفى.
﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾
( سورة السجدة الآية: 7 )
قرنية العين جعلها شفافة، إذاً: لابد من أن تغذى قرنية العين بطريقة فريدة، لا عن طريق الأوعية، بل عن طريق الحلول، من أجل أن تكون الرؤية شفافة شفافية مطلقة أودعت العين مادة مضادة للتجمد، لو أن ماء العين كان صاحبه في مكان الحرارة دون الصفر لفقد بصره، لكن أودع الله في ماء العين مادة مضادة للتجمد.
أعظم هذا التصريف احترافية رقمية في ـ المليمتر ـ عشرة آلاف مستقبل ضوئي، أما في شبكية العين في المليمتر مئة مليون مستقبل ضوئي
﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾
( سورة السجدة الآية: 7 )
الله ( محسن )، من أجل أن تفرق بين 8 ملايين لون، ولو درجت اللون الواحد إلى 800 ألف درجة لكشفت العين السليمة الفرق بين الدرجتين:
﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾
( سورة السجدة الآية: 7 )
القلب يضخ ثمانية أمتار مكعبة من الدم كل يوم، قد يحتاج الإنسان إلى متر مكعب من الوقود السائل طوال الشتاء، أما القلب فيضخ ثمانية أمتار مكعبة من الدم كل يوم بلا كلل وبلا ملل.
الحديث عن الجسم لا ينتهي، المعدة، الأمعاء الدقيقة، الكليتان، جهاز التصفية، العضلات الملساء والمخططة، الإرادية واللاإرادية، والأوعية، الشرايين عميقة، والأوردة سطحية، لو عكست الآية، وجُرح الإنسان لخرج دمه كله.
حدثني طبيب جراح قطع معه في أثناء عمل جراحي شريان، أقسم لي أن الدم وصل إلى سقف الغرفة من الضغط، فالأوعية خارجية، أما الشرايين فعميقة.
لو دققت في خلق الإنسان لوجدت العجب العجاب، حتى في الحواس الخمس. ﴿ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ﴾
( سورة القمر )
كأس الماء لو رأيت ما فيه من بكتريات لما شربته، جعل للبشر عتبة لا ترى أكثر مما ينبغي أن تراه، ولا تسمع أكثر مما ينبغي أن تسمعه.
﴿ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ﴾
( سورة القمر )
لذلك كلمة محسن تعني أنه محسن في خَلقه، محسن في التصميم، محسن في الأجهزة، محسن في الحواس، محسن في قوام الإنسان.
هذا المفصل داخلي، أما الركبة فخارجة، تصور العكس، تصور لو لم يكن هذا المفصل كيف يأكل الإنسان ؟ يجب أن يأكل كالهرة تماماً، ينبطح ويتناول الطعام بلسانه من الطبق مباشرة. ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾
( سورة التين )
الإحسان في خلق الفواكه:
انظر إلى التفاحة بحجم مناسب، وبقوام مناسب، وبرائحة مناسبة، وبشكل مناسب، وبمحتويات مناسبة، فيها حديد، فيها سكر، فيها معادن، فيها كالسيوم، فيها مغنزيوم:
﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾
( سورة السجدة الآية: 7 )
3 – معنى ( المحسن ):
لذلك: ( المحسن ) شيء دقيق جداً، ( المحسن ) اسم فاعل من أحسن يحسن إحساناً، فهو محسن، والحسن ضد القبح، وحسن الشيء زينه، يعني تصور إنسان بلا جلد منظره لا يحتمل.
تماماً كبيت على الهيكل، أما كسوة البيت، والطلاء، والنوافذ، والأرض، والأثاث:
﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾
( سورة السجدة الآية: 7 )
صوَرٌ من إحسان الله في مخلوقاته:
تصور الإنسان بلا شعر، لكنه بشعر وجلد، والجلد متماسك، والأعضاء متناسقة، تصور الإنسان بلا جهاز توازن، يحتاج الإنسان إلى قاعدة استناد تزيد على سبعين سنتيمترًا حتى يبقى واقفا، أما بقدم صغيرة لطيفة تبقى متوازنا، فالتوازن سره في أجهزة التوازن، ففي الأذن ثلاث قنوات، فيها سائل، فيها أهداب، وأي ميل يبقى السائل مستوى يمس أهداب من جهة معينة، فتدرك أنت أن هناك خللا في التوازن، فتصحح الوضع، ولولا جهاز التوازن في الأذن لما استطاع الإنسان أن يقف إطلاقاً.
﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾
( سورة السجدة الآية: 7 )
انظر إلى طعامك، لو أن المحاصيل القمح والشعير والعدس والحمص تنضج تباعاً كالفواكه، شيء لا يحتمل، تمسك سنبلة فتقول: يا ترى نضجت كي أقطعها ؟ المحاصيل تنضج في وقت واحد.
لو أن الفواكه تنضج في وقت واحد لكان شيئا غير محتَمل ! حقل البطيخ يعطيك لتسعين يوما على مدى أشهر الصيف، كل الفواكه والخضروات تنضج تباعاً، ولو أن كل الفواكه يبدأ نضجها في وقت معين لكان الأمرُ صعبًا، لكن تبدأ بفاكهة، بعد شهر فاكهة ثانية، آخر شيء العنب في الخريف، قبله التين، قبله الإجاص، قبله الدراق، قبله الكرز، أيضاً الفواكه موزعة في الصيف توزيعا مريحا، على مدى الصيف، كل أسبوعين أو ثلاثة أو شهر ينضج نوع من الفاكهة، هذا من الإحسان.
البقرة تعطيك من الحليب ما يفوق ثمن الطعام، لو أنها تعطيك من الحليب أقلّ من ثمن الطعام فلا أحد يقتني بقرة، لو أن الدجاجة تعطي في الشهر بيضة واحدة لكانت مكلفة، وأصبحت غير اقتصادية، كل يوم لها بيضة، وطعام الدجاج لا يساوي الإنتاج الذي ينتجه من البيض، وهذا من الإحسان.
لو أن هذا الفكر بدأ يجول في خلق الله عز وجل لتعرف على الله، لذلك أرقى عبادة هي التفكر: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾
( سورة آل عمران )
صفة الإحسان تتجلّى في جهاز المناعة المكتسب:
أنت معك جهاز مناعة عبارة عن جيش بكل معاني الكلمة، فيه خمس فرق: فرقة الاستطلاع، فرقة مهمتها استخبارية فقط، يدخل الجرثوم إلى الجسم فتتجه كريات بيضاء من فرقة الاستخبارات، وتأخذ شفرة الجرثوم ولا تقاتله، تأخذ هذه الشفرة إلى مركز صنع المصول، إلى مركز معامل الدفاع في العقد الليمفاوية، وتعطي العقد تركيب الجرثوم، وصفاته الكيماوية، هذه المراكز معامل أسلحة تصنع المصل المضاد لهذا الجرثوم، المعامل أو العقد الليمفاوية تشكل معامل للسلاح، والفرقة الاستطلاعية تشكل جهاز المخابرات في الجسم، وهناك فرقة المقاتلين، وهي الفرقة الثالثة، هذه الفرقة تحمل المصل المضاد، وتتجه إلى الجرثوم فتقاتله، وينشب بينهما قتال، وقد ينتصر الجرثوم، وربما لا ينتصر.
عندنا فرقة رابعة، وهي فرقة الخدمات، هذه الفرقة تنظف أرض المعركة، وتدفن الجثث، وأحياناً يرى الإنسان كتلة بيضاء في جلده، هذه أثر معركة بين الجراثيم وكريات الدم الحمراء، هذا تصميم من ؟
هناك فرقة أخرى خامسة، وهي فرقة تكتشف الخلية السرطانية في وقت مبكر جداً وتلتهمها، وفي الإنسان ملايين الخلايا السرطانية، لكن لكل خلية سرطانية قامع يمنعها أن تكون فعالة، وهناك أشياء تفك هذا القامع، الشدة النفسية، والمواد البترولية، والمواد البلاستيكية، والإشعاع النووي هذه أسباب السرطان، فجهاز مناعة مكتسب جهاز مذهل.
الدماغ موضوع في صندوق عظمي، بين الدماغ والصندوق سائل، هذا السائل من أجل امتصاص الصدمات، لو أن طفلا وقع على رأسه هذا الاهتزاز الشديد السائل يوزعه على كامل مساحة الدماغ، يبقى الطفل سليماً.
التفكر في خلق السموات والأرض يجعلك تقف أمام عظمة الله عز وجل، وأمام الإحسان.
لذلك الله عز وجل يصف نفسه عن طريق نبيه بأنه محسن كاسم، أما كفعل:
﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾
( سورة السجدة الآية: 7 )
كمعنى:
﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾
( سورة التين )
في أكمل حالة.
إحسان الله يتجلى في عظام الإنسان:
في خلق الإنسان شيء عجيب، مثلاً: الخلية العظمية هذه تنمو، فإذا وصل الإنسان إلى المستوى الكامل يقف النمو.
من أسماء الله عز وجل ( القابض ) و (الباسط )، يقف النمو، وتنام الخلية العصبية، وبعد سبعين سنة من نومها إذا حصل كسر تستيقظ كي يلتئم العظم، هذا صنع مَن ؟ قدرة مَن ؟
العظام متينة جداً، أنت ماذا تأكل ؟ تأكل الحديد، فإذا به عظم، عنق الفخذ يتحمل قوة ضغط تساوي تقريباً 250 كغ، كل عنق فخذ يتحمل ربع طن، العنقين نصف طن، هذا العظم المتين من أين جاءته المتانة ؟!.
ميناء الأسنان ثاني أقسى عنصر في الكون، الأول الماس، بعده ميناء الأسنان، من أين جاءت هذه ؟.
أيها الإخوة، هذا من كمال خلق الله:
﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾
( سورة التين )
4 – ينبغي لك أن تكون محسنًا:
الآن أنت أيها الإنسان، من أجل أن تتخلق بكمال مشتق من كمال الله ينبغي أن تكون محسنا، لذلك قال الله عز وجل:
﴿ وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾
( سورة لقمان الآية: 22 )
كما أن الله محسن إليك، منحك نعمة الإيجاد، ومنحك نعمة الإمداد، ومنحك نعمة الهدى والرشاد، ينبغي أن تكون محسناً، وكلمة محسن هي ألصق صفة بالإنسان المؤمن، محسن في كلامه، فلا بذاءة، ولا تهجم، ولا سخرية، ولا فحش، ولا طرف قبيحة محرجة تُحمّر الوجه، بل الكلام منضبط، محسن في تصرفاتك، محسن في زيارتك، محسن في قيادة مركبتك، محسن في تنظيم عملك.
5 – الإحسان صفة جامعة شاملة:
الإحسان صفة الواحد الديان، وكل إنسان مؤمن ينبغي أن يشتق هذه الصفة من الله عز وجل، محسن في تربية أولاده، محسن في علاقاته، محسن في مواعيده، محسن في دعواته، محسن في أفراحه، محسن في أحزانه، الإحسان صفة جامعة مانعة، فكما أنك تكتشف إحسان الله من خلال خلقه، يجب أن تكون أنت محسناً تجاه الخلق.
الزوج يجب أن يكون محسناً لزوجته:
﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾
( سورة النساء الآية: 19 )
محسن في تربية أولاده:
(( علموا، ولا تعنفوا، فإن المعلم خير من المعنف ))
[ الجامع الصغير بسند ضعيف عن أبي هريرة ]
محسن في عمله، عمله متقن.
(( إن الله يحب من العبد إذا عمل عملا أن يتقنه ))
[ الجامع الصغير بسند حسن عن عائشة ]
أنا لا أصدق أن هناك صفة شاملة إلى درجة لا تصدق، هناك إحسان في الكلام، إحسان في المعاقبة، اتق الوجه، أردت أن تؤدب ابنك فاتقِ الوجه، لأنه كرامة الإنسان، فالنبي نهي عن ضرب الوجه، هناك ضرب معتدل، ليس القصد إيقاع الألم الشديد، القصد لفت نظره.
مرة النبي الكريم أرسل غلاما في حاجة، وتأخر كثيراً، فغضب، النبي بشر، معه سواك، قال له:
(( لولا القصاص لأوجعتك بهذا السواك ))
[ الجامع الصغير بسند ضعيف عن أم سلمة ]
محسن في تربية أولاده، إذا كنت مدير مؤسسة فكن محسنًا في معاملة الموظفين.
كلمة ( محسن ) واسعة اتساعا يفوق حد الخيال، الاحتفال فيه إحسان، وأحيانا يكون الاحتفال في أربع ساعات، والله فيه إساءة، والوقت ثمين جداً، أما احتفال منظم في ساعة ونصف فيه إحسان خيرٌ، وهناك تعزية ما فيها إحسان، في بعض البلاد التعزية تقريباً عشرين ساعة بغير كلام، ولا قرآن، كلام فقط، حديث عادي.
قضية الإحسان تشمل الأفراح والأتراح، وتربية الأولاد، حتى في الثياب إحسان، ثياب نظيفة، ألوانها متناسقة، بسيطة، ما فيها تعقيدات، حتى في مكان عملك فيه نظام، ونظافة، وترتيب بالدكان، هذا أيضاً إحسان.
في علم النفس تعلّمنا أن هناك صفات وسمات، السمات عميقة جداً، مثلاً: سما، والضبط يظهر في مواعيد مضبوطة، والضبط يظهر في هندام منضبط، والضبط يظهر في مشروع منضبط.
الآن هناك برامج كمبيوترية، يمكن أن تبدأ بالبناء فما تضيع ثانية، الموضوع مدروس دراسة دقيقة جداً، كل شيء يحتاج إلى جفاف، وإلى استواء، يعطيك ماذا تفعل من أجل أن لا تضيع ثانية واحدة، والإنسان كلما تقدم صان وقته، وأدار وقته.
هناك إحسان يكون في إدارة في الوقت، أحياناً إلغاء الروتين إحسان، تخفيف الأعباء على مواطن إحسان، هذا يشمل الأنظمة التي تنظمها الدولة، أحيانا تجمع حاجات المواطنين في بناء واحد، هذا إحسان.
كلمة إحسان واسعة بشكل غير معقول، يمكن أن تكون محسناً في كلامك، وفي تصرفك، وفي تربية أولادك، وفي معاملتك لزوجتك، وفي عملك، وفي أفراحك، وفي أتراحك، في كل شيء.
إن الله كتب الإحسان على كل شيء، والمؤمن محسن، والمؤمن يشتق هذه الصفة العالية من الله عز وجل: ﴿ وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾
( سورة الأعراف الآية: 180 )
أي تقربوا من الله بكمال مشتق من كمالات الله.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
08-06-2018, 07:42 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الثامن العاشر )
الموضوع : اسم الله - المحسن - 2 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علنا، وارنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وارنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا مما يستمعون القول فيتبعون أحسنه وأدخلنا في رحمتك في عبادك الصالحين. من أسماء الله الحسنى: ( المحسِن ):
1 – إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ:
أيها الإخوة الكرام، لا زلنا مع اسم الله ( المحسن )، فقد ورد في صحيح مسلم من حديث شداد بن أوس أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
(( إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ ))
حتى لو قتلت حية، أو قتلت عقرباً.
(( إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ ))
2 – الحسنى هي الجَنة، لأن فيها كمال مطلقٌ:
أيها الإخوة، الإنسان خُلق للجنة.
﴿ فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ﴾
( سورة الليل )
صدق أنه مخلوق للجنة، وهذه الدنيا دار أعداد، دار تكليف، سمّى الله الجنة ﴿ ِالْحُسْنَى ﴾، لأن فيها الكمال المطلق. ﴿ لَهُم مَّا يَشَاءونَ فِيهَا ﴾
( سورة ق الآية: 35 )
أما الدنيا فطبيعتها الكدح. ﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ ﴾
( سورة الانشقاق )
نظام الدنيا شيء، ونظام الآخرة شيء آخر، نظام الدنيا هي دار تكليف، نظام الآخرة دار تشريف، نظام الدنيا دار عمل، نظام الآخرة دار جزاء، الحسنى مبنية على قوله تعالى:
﴿ لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ ﴾
( سورة ق الآية: 35 )
أي شيء تطلبه وأنت في الجنة هو بين يديك:
﴿ لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ ﴾
( سورة ق الآية: 35 )
لأن الإنسان دفع ثمن الجنة في الدنيا، في الدنيا أودع الله فيه الشهوات، أعطاه الاختيار، سخره له ما في السموات وما في الأرض، فيه قبضة من قبضات الأرض، وفيه نفخه من نفخات الله، فلذلك عندما تنجح في الدنيا تستحق الجنة.
﴿ لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى ﴾
( سورة يونس الآية: 26 )
فالذي صدق أنه مخلوق للجنة يتقي أن يعصي الله، ويبني حياته على العطاء.
المكذِّب بالحسنى مؤمن بالدنيا فقط:
لو سألتني عن فرق صارخ بين المؤمن وغير المؤمن فإن المؤمن حياته مبنية على العطاء، قمة سعادته في أن يعطي، لا أن يأخذ، وغير المؤمن قمة سعادته في أن يأخذ.
لذلك الأنبياء أعطوا ولم يأخذوا، والأقوياء أخذوا ولم يعطوا:
﴿ لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى ﴾
( سورة يونس الآية: 26 )
﴿ وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ﴾
( سورة الليل )
الذي كذب أنه مخلوق للجنة، واعتقد أنه مخلوق للدنيا استغنى عن طاعة الله، وبنى حياته على الأخذ، وأنت ببساطة يمكن أن تكتشف ما إذا كنت من أهل الدنيا أم من أهل الآخرة، فإذا أسعدك أن تأخذ، وتتوهم أنك ذكي جداً حينما تأخذ ما ليس لك فأنت من أهل الدنيا، وتسمى عند الناس ذكيًّا، أما إذا أسعدك أن تعطي فأنت من أهل الآخرة.
إذاً: الحسنى هي الجنة، ثمن الجنة:
﴿ لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى ﴾
( سورة يونس الآية: 26 )
3 – ينبغي للمؤمن أن يتحلى بصفة الإحسان:
كما أن الله محسن ينبغي أنت أيها المؤمن ينبغي أن تتخلق بهذا الكمال، أي يكون عملك مشمولاً بالإحسان، فإن أعطيت فأعطِ دون أن تمن، وإنْ عاقبت فعاقب دون أن تحقد، وإنْ عملت فاعمل عملاً متقناً، وإن زرت فكن متواضعاً، لا تصغر دنيا هذا الإنسان في نظره، انقله إلى الآخرة.
4 – الإحسان شامل لكل شيء:
قضية الإحسان لا أعتقد أن شيء أوسع منها، يمكن أن تحسن وأنت، تعاقب أن تحسن وأنت تمنع، أن تحسن وأنت تعطي، أن تحسن وأنت تقاتل:
(( إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ ))
حتى ولو قتلت حيواناً مؤذياً أمرك الله بقتله فينبغي ألاّ تعذبه، هذا شأن المؤمن.
إن المؤمن يحترم أن تكون السمكة في أعلى درجة الحركة، ثم يأخذ أحشاءها وينظفها، قبل أن تثبت وتموت، قال تعالى: ﴿ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا ﴾
( سورة الحج الآية: 36 )
بعد أن تخرج روحها تماماً، وتستقر، وتثبت الآن نظفها:
(( إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ ))
5 – وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ
أيها الإخوة، الآن الآية الكريمة:
﴿ مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ ﴾
( سورة النساء الآية: 125 )
المعنى دقيق جداً، لن تستطيع أن تقبل على الله إلا إذا كنت محسناً، يقول لك أحدهم: لا أخشع في الصلاة، إن كنت محسناً تخشع في الصلاة. ﴿ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ ﴾
( سورة البقرة )
الذي استقام على أمر الله، وخضع له في الصلاة يشعر بهذه الصلة، الصلة لها ثمن:
﴿ مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ ﴾
( سورة النساء الآية: 125 )
المؤمن الخشوع سهل عليه، والركوع سهل عليه، لأنه أحسن في كل أعماله.
6 – الإِحسَانُ أَنْ تعَبْدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ
من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال عليه الصلاة والسلام:
(( الإِحسَانُ أَنْ تعَبْدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ ))
[ مسلم عن أبي هريرة ]
لاحظ نفسك إن جاءك ضيف مِن علية القوم، ضيف محترم جداً، فهو على فهم، وعلى علم، وعلى قوة، وعلى تفوق، وعلى أخلاق، جاءك زائراً هل يعقل أن تجلس أمامه بثياب غير متبذله ؟ هل يعقل أن تجلس أمامه، وتضع رجلاً على رجل ؟ لا تستطيع، هل يعقل أن تجلس أمامه وتعبث بالسبحة، لا تستطيع، هل يعقل أن تقول كلاما لا يليق ؟ لا تستطيع.
أنت أمام إنسان من علية القوم تضبط كلامك، تضبط جلوسك، تضبط ثيابك، تضبط حركتك، وهو إنسان دخل إلى بيتك فتلاقيه بالنظر إلى جهة واحدة، لأنه ليس من أدب الضيف أن يزيغ البصر عنه. ﴿ مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى ﴾
( سورة النجم )
لذلك الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه.
وأنا أقول لكم أيها الإخوة: أفضل حالة من حالات المؤمن أن تشعر أن الله معك لذلك عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( اسْتَحْيُوا مِنْ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ، قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا نَسْتَحْيِي وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، قَالَ: لَيْسَ ذَاكَ، وَلَكِنَّ الِاسْتِحْيَاءَ مِنْ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى، وَالْبَطْنَ وَمَا حَوَى، وَلْتَذْكُرْ الْمَوْتَ وَالْبِلَى، وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ اسْتَحْيَا مِنْ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ ))
[ الترمذي]
الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، هذا حال المراقبة.
والله أيها الإخوة، هناك آيات في كتاب الله تكفي: ﴿ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾
( سورة النساء الآية: 1 )
تفعل هذا مع إنسانْ مثلِك فكيف برب العالمين ؟!!
أنت مع إنسان، لو وصل إلى سمعك أنك مراقب مِن قِبَل إنسان فإنك تضبط حركتك، إذا مشيت على رصيف وإلى جانب هذا الرصيف سفارة تنتقل إلى الرصيف الآخر، لأنك مراقب، هذا شأن المراقب.
حينما تشعر أن الله معك، وأن الله يراقبك، هذه درجة من الإيمان عالية جدا، هذه الدرجة تقتضي الانضباط، وحينما تشعر أن علم الله يطولك، وأن قدرته تطولك لا يمكن أن تعصيه، ولا يمكن أن تعصيه، بل تكون عندئذٍ محسناً.
وقد ضربت لكم من قبل هذا المثل: إنسان مواطن من الدرجة العادية أو الدرجة الثانية، وقف عند الإشارة الحمراء، والشرطي واقف، والضابط واقف، وشرطي آخر على دراجة واقف، فالأول يضبطه، فإذا خالف يلحقه الثاني، والثالث لئلا يتواطأ هذا الشرطي مع هذا المواطن، وهو من الدرجة الثانية هل يعقل أن يخالف ؟ مستحيل، مع إنسان وضع قانون السير لا يمكن أن تخالفه، لأنك موقن أن علمه يطولك، عن طريق هذا الشرطي، وعن طريق الشرطي الثاني، وعن طريق الضابط في السيارة، وأن قدرته تطولك، تسحب منك الإجازة، وتصادر السيارة، مثلاً، أنت مع إنسان من بني جلدتك، لكن علمه يطولك، وقدرته تطولك لا يمكن أن تعصيه، لكن بحسب الواقع في إنسان يخالف الإشارة في الساعة الثالثة ليلاً، لأنه علم واضع القانون لا يطوله، وقد يخالفها في رابعة النهار، إذا كانت قدرة واضع النظام لا تطوله، إن طالك علمك أو طالتك قدرتك فلا يمكن أن تعصيه، أما إن توهمت أن علمه لا يطولك، وأن قدرته لا تطولك فإنه يمكن أن تعصيه، فكيف مع خالق السموات والأرض ؟ لا تخفى عليه خافية.
﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ ﴾
( سورة غافر الآية: 19 )
كتوضيح لهذه الآية: طبيب أمامه مريضة، وقد سمح له الشرع أن ينظر إلى مكان المرض، لو اختلس نظرة إلى مكان آخر لا تشكو منه، ليس في الأرض كلها جهة يمكن أن تضبط هذه الخيانة، إلا الله، فإنه:
﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُور﴾
( سورة غافر الآية: 19 )
فهو مطّلع عليك، تتكلم يسمعك، تتحرك يراك، تضمر شيئاً يعلمه، لا تخفى عليه خافية، هذا مقام الإحسان، حينما تشعر أن الله معك، لكن معك بلطف، سميع بصير عليم، سميع إذا تكلمت، بصير إذا تحركت، عليم إذا أضمرت، مقام الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، هو محسن في كل شيء، الدليل:
﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾
( سورة السجدة الآية: 7 )
صورٌ من إحسان الله في مخلوقاته:
هذا الفرخ الذي في البيضة، ينشأ في منقاره نتوء مؤنف حاد يكسر بهذا النتوء البيضة، فإذا خرج منها ضمر هذا النتوء، هل هناك من إحسان أدق من ذلك ؟ في منقار الصوص، وهو في البيضة، كيف يخرج منها، ينمو له نتوء مؤنف كالإبرة تماماً من أجل أن يكسرها، يكسر القشرة بهذا النتوء، فإذا خرج من البيضة ضمر هذا النتوء، وتلاشى.
في طحال الرضيع كمية حديد تكفيه عامين، الحليب ليس فيه حديد:
﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾
( سورة السجدة الآية: 7 )
قرنية العين شفافة، تنفرد بنظام تغذية خاص، تتغذى لا عن طريق الشعريات، بل عن طريق الحلول:
﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾
( سورة السجدة الآية: 7 )
الماء بدرجة زائد أربع يتمدد، ولولا تمدده لما كان هذا الدرس، ولما كانت هذه البلدة، ولما كان إنسان على وجه الأرض:
﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾
( سورة السجدة الآية: 7 )
الصقر يرى ثمانية أمثال رؤية الإنسان، يرى طعامه في الماء وهو في أعالي الجو، الإنسان يرى، أما الصقر فسوف يغامر، ويسقط من أعالي السماء ليأكل، فإذا لم يكن بصره حادًّا يرى طعامه على سطح الأرض وهو في أعالي السماء لا يكون خلقه حسنًا.
الحديث عن الآيات التي تؤكد أن الله ( محسن ) لا تنتهي:
هذا الصوان، هذه السطوح، والتجاويف لتغطي كل الاتجاهات، أي صوت يتعامد مع سطح من سطوح الصوان بالأذن، لو أن ثقب الأذن كان أوسع بقليل فإن الطفل دون أن يشعر يخرق غشاء طبله، لكن ثقب الأذن أضيق من أي إصبع، بل من أصغر إصبع.
أحيانا يحمل إنسان ابنه، الأربطة هنا مدروسة بشكل أنها تحمل جسم الطفل، وقد يكون الأب غضبان فيحمله بعنف، الوزن تضاعف، وأحيانا تقتني محفظة تملأها بالأغراض، وتحملها فتنخلع يدها، يقول لك: صناعة غير متقنة، كيف أن الإنسان مدروس، وأن وزنه متناسب مع متانة الأربطة التي في ذراعه:
﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾
( سورة السجدة الآية: 7 )
7 – إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ
لذلك أيها الإخوة، الآن عندنا أمر:
﴿ إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ ﴾
( سورة النحل الآية: 90 )
أنت مأمور بالعدل، ومأمور مع العدل بالإحسان، فأحياناً المشكلة تحل بالإحسان لا بالعدل، فلان ليس له عندك شيء، هذا صحيح، لكنه بحاجة إلى مساعدتك، فأنت حينما تفهم هذه الآية يمكن أن تحل بهذه الآية آلاف المشكلات، القضية التي لا تحل بالعدل يجب أن تصرفه، يجب أن تدمره، يجب أن تفضحه، أما بالإحسان فيجب أن تعينه على الشيطان.
لذلك التوجيه الدقيق أن تعين أخاك على الشيطان، لا أن تعين الشيطان على أخيك، بالإحسان طبعاً.
أحيانا يكون للإنسان جار سيئ جداً، يستطيع أن يقطع لسانه، لا بالمقص، بل بالإحسان، الإحسان يسكت، وأنا أنصح إنسانا عنده جار سيئ أن يقدم له هدية، تجد الأمور كلها انضبطت، من يقطع لسانه ؟ مَن يحسن إليه حتى يسكت ؟ بالبر يستعبد الحر.
والله أيها الإخوة، موضوع الإحسان يدور مع الإنسان في كل حياته.
سمعت عن قاضٍ أمر يحجز حرية إنسان، والمحامي طلب إطلاق سراحه، ما استجاب القاضي ولم يقتنع، قدم طلبا ثانيا، وطلبا ثالثا، وطلبا رابعا، وطلبا خامسًا، القاضي ما استجاب، فموكِّلو المحامي عزلوه، وعينوا محامياً جديداً، القاضي بعد أن عُين محامي جديد بدا له أن يطلق سراحه، فإن أطلق سراحه يسقط الأول ويتألق الثاني، قال: ائتوني بالمحامي السابق ليقدم طلب إخلاء سبيل حتى أخلي سبيله، ما قَبِل أن يخلي سبيله إلا بطلب من المحامي السابق، هذا منتهى الإحسان، وقد كان غير قانع بإطلاق سراحه، ما استجاب لخمس طلبات، أما لما بدا له وهو يطلق سراحه عيِّن محامٍ جديدٌ، سوف يصول ويجول، ومن أول طلب أطلق سراحه، قال: ائتوني بالمحامي السابق ليقدم طلبا لإطلاق سراحه حتى أطلق سراحه.
الإحسان أن تفكر، وقد تكون ابتسامة في غير مكانها فيها إساءة، أو جلسة فيها كِبر، أو سؤال، ماذا قدم لك زوجك في العيد ؟ هو يحبها وهي تحبه، وزوجها فقير، ضعضعها وحجّمها بسؤاله، وأربكها، ثم هي تألمت لأنه ما قدم لها شيئًا فعلاً، هذا سؤال محرج.
أينما دخلت يجب أن تحبّب الناس بالله عز وجل، لا أن تكرههم بحياتهم.
والله مرة أذكر أني دخلت بيتا بحجم غرفة الضيوف، غير معقول إطلاقاً، لا مكان للجلوس، فخجل صاحب البيت، قلت له: بالعكس، سيد الخلق وحبيب الخلق غرفته لا تكفي لصلاته و نوم زوجته، وهو قمة البشر، فاستبشر.
إذا زرت أختك يجب أن تمتّن علاقتها بزوجها، عن طريق الثناء على زوجها، على أخلاقه، لا على دخله، لا تقل: كم دخله ؟ ما يكفيكم هذا المبلغ، هذا عدم إحسان، الإحسان أن تلاحظ نفسك على الخطرة، على النظرة، على الكلمة، على الابتسامة، أحياناً ابتسامتك تكون إساءة.
(( إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ ))
﴿ لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى ﴾
( سورة يونس الآية: 26 )
﴿ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾
( سورة التغابن )
النبي علّمنا أنك إذا وقفت أمام المرآة، ورأيت خَلقك سليماً فقل:
(( اللَّهُمَّ أَحْسَنْتَ خَلْقِي فَأَحْسِنْ خُلُقِي ))
[ أحمد عن ابن مسعود ]
هناك عاهات، ودمامة أحياناً، ومشكلة، وعضو مبتور، (( اللَّهُمَّ أَحْسَنْتَ خَلْقِي فَأَحْسِنْ خُلُقِي ))
8 – فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ
قال تعالى:
﴿ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾
( سورة المؤمنون )
غسيل الدم بالأجهزة الصناعية يحتاج إلى ساعات، أعتقد 6 ساعات، كل الأسبوع ثلاث مرات، وفي كل مرة تغرز إبرةٌ في مكان معيَّن، لكن الله هيأ لك كُلية حجمها كالبيضة تعمل بلا صوت، وبلا تعب، وبلا مشقة، وبلا أجر، وتصفي تصفية تامة.
سمعت من أحد الأطباء أن الكلية الواحدة فيها عشرة أضعاف حاجتك، والكليتان عشرون ضعفا، هذا احتياط، لذلك يمكن أن يستغني الإنسان عن إحدى كليتيه:
﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾
( سورة السجدة الآية: 7 )
هذه الآية تدور مع الإنسان، مع خلق الإنسان، مع حاجاته، مع طعامه، مع شرابه. ﴿ فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِن مَّاء دَافِقٍ ﴾
( سورة الطارق )
اللقاء الزوجي بحاجة إلى حوين واحد، وأحيانا الزوج يفرز من 300 مليون إلى500 مليون حوين:
﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾
( سورة السجدة الآية: 7 )
﴿ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾
( سورة المؤمنون )
كم مِن خالق ؟ خالقٌ واحدٌ، لكن سمّى الصانع خالقا مَجازاً.
وزانْ بين غسيل الكلية الصناعية والكلية الطبيعية، وازن بين آلة التصوير التي فيها في الميليمتر عشرة آلاف مستقبل ضوئي، وبين عينك التي في الميليمتر في الشبكية مئة مليون مستقبل ضوئي، في الشبكية في كل مليمتر مربع فيها 130 مليون عصية ومخروط، عصيات ومخاريط، للون الأبيض والأسود، والألوان، لذلك أنت تفرق بين 8 ملايين لون. ﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾
( سورة السجدة الآية: 7 )
﴿ مَعَاذَ اللّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ﴾
( سورة يوسف الآية: 23 )
جعلك من أبٍ، هذه نعمة كبيرة، لك أبٌ معروف، لك أم طاهرة شريفة، عندها أولاد، بيتك مستقر، هذه من نعم الله الكبرى.
9 – وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ
لذلك الآية الكريمة:
﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ﴾
( سورة القصص الآية: 77 )
أي شيء آتاك الله إياه ينبغي أن يوظف للآخرة كيف ؟ قال:
﴿ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ﴾
( سورة القصص الآية: 77 )
لا تنس المهمة التي آتيت من أجلها. ﴿ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ﴾
( سورة القصص الآية: 77 )
هذا أمر آخر:
﴿ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ﴾
( سورة القصص الآية: 77 )
الله عز وجل صبر عليك حتى اهتديت، فإذا كان عندك زوجة لم تستقم على أمر الله فاصبر عليها، لا تأخذها بالعنف، الله كان حليما عليك، كيف أن الله صبر عليك، فاصبر عليها، كيف أن الله ذكرك فذكّر الآخرين.
﴿ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ﴾
( سورة القصص الآية: 77 )
﴿ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ﴾
( سورة القصص الآية: 77 )
والحمد لله رب العالمين
السعيد
08-06-2018, 07:44 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( التاسع العاشر )
الموضوع : اسم الله - الشافى - 1 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
من أسماء الله الحسنى: ( الشافي):
أيها الأخوة الأكارم، الاسم اليوم " الشافي " ورد هذا الاسم في الحديث الشريف الصحيح الذي أخرجه الإمام البخاري ومسلم والحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم، إذا عاد مريضاً يدعو له ويقول:
((اذهب البأس رب الناس، اشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقماً ))
هذا الاسم أريد به العلانية، ودلّ على كمال الوصفية، وجاء معرف بأل.
ولكن لا بد من مقدمة كي تتضح ماذا تعني كلمة الشافي ؟.
حياتنا مفعمة بالقوانين الثابتة ولكن لحكمة بالغة حرك الله شيئين الصحة والرزق:
أيها الأخوة، بادئ ذي بدء: الله سبحانه وتعالى قنن القوانين في الكون، ثبت القوانين، وكأن القانون علاقة ثابتة بين متغيرين، ولولا القوانين ما استقرت الحياة، ولا انتظمت الدنيا، فخصائص المعادن ثابتة، خصائص البذور، دورة الأفلاك ثابتة، أقول ولا أبالغ: مليارات القوانين ثابتة، لمئات ملايين السنين، يمكن أن يقال لك بحساب فلكي دقيق أن الشمس تشرق في عام ألفين و ثمانين في السادس عشر من شباط الساعة الخامسة وأربع دقائق مثلاً.
إذاً الله عز وجل ترسيخاً للنظم، وإراحة للناس، وتطميناً لهم ثبت القوانين، تنشئ بناء ضخماً من الاسمنت المسلح، لو أن الحديد غيّر صفاته لانهار البناء، تشتري سبيكة ذهبية، لو أن الذهب غيّر خصائصه، لخسرت ثمنها، تزرع بذرة معينة تنتج كما زرعت، حياتنا مفعمة بالقوانين الثابتة، وهذه من رحمة الله بنا، ولكن لحكمة بالغة بالغةٍ أرادها الله حرك شيئين، حرك الصحة، وحرك الرزق، قد تأتي الأمطار كثيرة وقد تشح السماء، قد ينعم الإنسان بصحة، وقد يفقد صحته.
تقنين الله عز وجل تقنين تأديب لا تقنين عجز:
السؤال الآن: أنه كان من الممكن أن لا يمرض الإنسان إطلاقاً، أوضح مثل:
قد تقتني طاولة في بيتك في غرفة الضيوف، مهمتها أن يضع الضيف عليها كأسا من الماء، وقد يقف عليها الإنسان فتحمله، ما معنى ذلك ؟ كأس الماء لا يزيد وزنه عن مئتي غرام، وقد يقف عليها إنسان، وإنسانان، وثلاثة، وتحملهم، معنى ذلك أن الاحتياط فيها مئات الأضعاف، لو كان في الإنسان لكل جهاز ألف ضعف احتياط ألغي المرض كلياً.
والدليل: أن تفجيراً نووياً كان في الصحراء في أفريقيا، التفجير لصالح فرنسا بعد التفجير (والتفجير كما تعلمون ماحق من الضغط، ومحرق من الحرارة)، رؤوا عقرباً يمشي في أرض التفجير، أجريت عليه بحوث لعشرات السنين، تبين أن العقرب يستطيع أن يعيش من دون طعام وشراب ثلاث سنوات، ويستطيع إذا غمسته في الماء أن يبقى حياً ثلاثة أيام، من دون هواء، ويتحمل من الإشعاع النووي ما يزيد ثلاثمئة ضعف ما يتحمله الإنسان ولو نقلته من حرارة الصحراء 60 فوق الصفر، إلى 10 تحت الصفر لم يتأثر، كان من الممكن ألا يكون مرضاً على الإطلاق، وكان من الممكن ألا يكون شح السماء على الإطلاق لأن بعض العلماء كشفوا في الفضاء الخارجي البعيد سحابة يمكن أن تملأ محيطات الأرض ستين مرة كل يوم بالمياه العذبة، فإذا قنن الله الأمطار فالتقنين تقنين تأديب لا تقنين عجز.
﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ﴾
( سورة الحجر )
الإنسان حينما يغفل عن الله يدفع ثمن أخطائه باهظة و يؤدبه الله في الدنيا قبل الآخرة:
إذاً كان من الممكن أن لا يكون هناك مرض إطلاقاً، وكان من الممكن ألا يكون نقص في الرزق إطلاقاً، ولكن شاءت حكمة الله أن يكون هناك تقنين رزق، وأن يكون هناك تأخر صحة، ولعل الصحة والرزق، والإنسان حريص على صحته، وعلى رزقه حرصاً لا حدود له، لعل في هذا تأديباً لنا، لماذا ؟ لأن الإنسان خُلق لجنة عرضها السموات والأرض وجيء به إلى الدنيا ليدفع ثمن الجنة، جيء به إلى الدنيا ليعبد الله، جيء به إلى الدنيا ليتحرك لمنهج الله، ما أودع الله فيه شهوة إلا وجعل لها قناة نظيفة تسري خلالها، ليس في الإسلام حرمان، ولكن في الإسلام تنظيم.
الإنسان حينما يغفل عن الله، ويتحرك بدوافع شهواته، بعيداً عن منهج الله، يقع في شر عمله، يدفع ثمن أخطائه باهظة، ولأن الله رب العالمين، ولأنه خلقه لجنة عرضها السموات والأرض، يؤدبه في الدنيا، هو رب.
سأوضح معنى كلمة رب: قد تكون مدير لمؤسسة، وتعين موظفاً، وتشترط عليه التجريب لستة أشهر، أنت كمدير مؤسسة، وعندك موظف مهمتك في هذا الوقت أن تحصي عليه أخطاءه، فإذا تفاقمت اعتذرت عن تعيينه في المؤسسة، لو أن ابنك في المؤسسة كلما أخطأ نبهته، كان موقفك إحصاء أخطاء صار الموقف مع ابنك تقويم أخطاء.
الله عز وجل رحيم بعباده فإذا أخطؤوا يؤدبهم إما برزقهم أو بصحتهم:
لأن الله رحمن رحيم، ولأن الله رب العالمين، فإذا أخطأ العبد أدبه، أدبه إما بصحته، أو أدبه برزقه:
﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ ﴾
( سورة الأعراف الآية: 96 )
﴿ وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا * لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ﴾
( سورة الجن )
الآيات واضحة جداً. ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم ﴾
( سورة المائدة الآية: 66 )
إذاً الله عز وجل يؤدب عباده بتقنين الرزق، قد يُحرم المرء بعض الرزق بالمعصية.
وفي موضوع يعالج في وقت آخر إن شاء الله كيف يزداد الرزق ؟ يزداد بالاستغفار، بإقامة الصلوات، بصلة الرحم، بالتصدق، بالأمانة... إلخ.
المرض أحد أكبر أسباب تربية الإنسان:
أيها الأخوة، إذاً كان من الممكن أن نمرض، لو أن الله سبحانه وتعالى جعل في كل جهاز من أجهزتنا، وفي كل عضو من أعضائنا احتياطات كبيرة جداً، الطاولة في البيت تُستخدم لوضع كأس ماء، وقد يقف عليها إنسان وزنه ثمانين كيلو، وتحمله، إذاً كأس الماء مئتي غرام وزن الإنسان 80 كغ، كم احتياط يوجد ؟ ثلاثمئة احتياط، لو أن كل عضو في جسم الإنسان أخذ هذا الاحتياط الكبير ألغي المرض إطلاقاً، ولكن الله سبحانه وتعالى شاء لنا أن نمرض ليكون المرض أحد أكبر أسباب تربية الإنسان، لأن الإنسان بحسب فطرته حريص على وجوده وعلى رزقه.
خلق الله كامل كمالاً مطلقاً ولكن أخطاء الإنسان تؤدي به إلى المرض:
أيها الأخوة، الآن يوجد إشارة ثانية في القرآن دقيقة جداً، متعلقة باسم " الشافي" قال تعالى:
﴿ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ ﴾
( سورة الشعراء )
دقق في السياق: ﴿ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ ﴾ الآية الثالثة بحسب السياق وإذا أمرضني فهو يشفيني، لا، قال: ﴿ وَإِذَا مَرِضْتُ ﴾
( سورة الشعراء الآية: 80 )
عُزي المرض إلى الإنسان، بمعنى أن خلق الله كامل كمالاً مطلقاً، ولكن أخطاء الإنسان قد تكون أخطاء فردية، وقد تكون أخطاء في العصر، في عصر الضجيج، في عصر التلوث، في عصر تغيير خلق الله، معظم حياتنا فيها تغيير لخلق الله, نريد أن ينمو هذا الفروج إلى كغ بأربعين يوماً، يجب ألا ينام، هذا وضع غير طبيعي.
نريد أن نطعم البقر طحين الجيف، فجن البقر واضطر الإنسان أن يحرق ثلاثين مليون بقرة، ثمنها ثلاثة وثلاثين مليار جنيه إسترليني، وما جنون البقر إلا من جنون البشر لما نغير خلق الله عز وجل.
لما ننام في النهار ونسهر في الليل، هذا بخلاف منهج الله عز وجل، لما نحاول أن نأكل كل شيء بكل الأوقات عن طريق زراعة محمية هذه لها أخطار، طبيعة حياتنا فيها أخطار كبيرة جداً، عندما نحاول أن نحفظ الطعام بمعلبات نضع مادة مضادة للفساد بنزوات الصوديوم، والمادة مسرطنة.
عندما استخدمنا المبيدات الكيماوية رفعت ملوحة التربة، لما استخدمنا الأدوية الكيماوية أيضاً، الدواء الكيماوي يحل مشكلة من جهة ويخلق مشكلة من جهة ثانية، هناك تغيير بخلق الله، أكثر ما يعانيه الناس من الأمراض من التلوث، من استخدام المبيدات، من استخدام الأسمدة الكيماوية، من استخدام مشتقات البترولية، والآن الخبر الأول في العالم ارتفاع الحرارة، الاحتباس الحراري بسبب ثاني أوكسيد الكربون.
من طبق القواعد الصحية التي جاءت بها رسالات الأنبياء تمتع بصحة جيدة طوال حياته:
إذاً المرض يعزى إلى الإنسان، الخطأ من الإنسان، لو تصورنا أن الإنسان اتبع القواعد الصحية التي جاءت بها رسالات الأنبياء، لقلّ المرض إلا أن يكون قضاءً وقدراً أقول كلاماً دقيقاً، أحياناً يأتي المرض قضاء وقدر، لكن في الأعم الأغلب يكون المرض عقب تقصير في تطبيق التعليمات التي جاء بها النبي عليه الصلاة والسلام.
هناك مستشفى بألمانيا كتب عليها: نحن قوم لا نأكل حتى نجوع، وإذا أكلنا لا نشبع عن محمد بن عبد الله، هذا الكلام يعد كلاماً أساسياً في الطب الوقائي، نحن قوم لا نأكل حتى نجوع وإذا أكلنا لا نشبع.
إذاً لو أن الإنسان طبق التعليمات لتمتع بصحة جيدة طوال حياته، وقد تلاحظ أحياناً إنسان يحرص على تطبيق التعليمات الصحية حرصاً بالغاً في الأعم الأغلب يتمتع بصحة عالية جداً.
وكان هذا العالم الجليل الذي رؤي في الثالثة والتسعين، وكان منتصب القامة، حاد البصر، مرهف السمع، إذا سُئل يل سيدي ما هذه الصحة التي حباك الله بها ؟! يقول: يا بني حفظناها في الصغر، فحفظها الله علينا في الكبر، من عاش تقياً عاش قوياً.
الله عز وجل ثبت أشياء استقراراً للنظام وحرك شيئين تأديباً لنا:
إذاً الله عز وجل ثبت أشياء استقراراً للنظام، وحرك شيئين، حرك الرزق وحرك الصحة، ليكون هذا التحريك أداة تأديب لنا.
﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعون * أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ﴾
( سورة البقرة )
ها هو التأديب، وهذه هي التربية. فلذلك:
﴿ وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ ﴾
( سورة الشورى )
(( ما من عثرة، ولا اختلاج عرق، ولا خدش عود إلا بما قدمت أيديكم، وما يغفر الله أكثر ))
[ أخرجه ابن عساكر عن البراء ]
الله عز وجل خلق لكل إنسان جهاز مناعة قوامه الكريات البيضاء و فِرقه هي:
1 ـ فرقة الاستطلاع:
لكن لو دخلنا في تفاصيل اسم "الشافي" من الزاوية العلمية، الله عز وجل وضع فينا جهاز المناعة، وجهاز المناعة يكاد يكون جيشاً بكل ما في هذه الكلمة من معنى، قوام هذا الجيش الكريات البيضاء، هذه الكريات مجموعة فرق، هناك فرقة الاستطلاع، فرقة معلومات استخبارات، أو اسمها في بعض الجيوش الاستطلاع، مهمتها معلوماتية فقط فإذا دخل إلى الجسم جرثوم تتجه كريات بيضاء من فرقة الاستخبارات، تقترب من هذا الجرثوم تأخذ شفرته الكيماوية وتعود لا تقاتله، إلا أنها تستكشف خصائصه (شفرته الكيماوية) وتذهب إلى مؤسسة معامل الدفاع.
2 ـ فرقة تصنيع السلاح:
فرقة ثانية مهمتها تصنيع السلاح، متواجدة في العقد اللمفاوية، فالكريات البيضاء من فرقة الاستطلاع، تأخذ شفرة الجرثوم الكيماوية وتتجه إلى العقد اللمفاوية، في العقد يصنع المصل المضاد للجرثوم، لكن أعظم ما في الفرقة الثانية تصنيع المصول.
قد نعطي الطفل مثلا لقاح الكوليرا، يعني جرثوم مضعف، فكما هي العادة الكرات البيضاء الاستطلاعية تأخذ شفرته الكيماوية وتذهب إلى العقد اللمفاوية في فرقة تصنيع المصل، وتعطى الشفرة، وتصنع المصول المضادة لهذا الجرثوم، وتحفظ في ذاكرة هذه الفرقة، فإذا عاد الجرثوم بعد سبعين عاماً الملف جاهز.
لذلك لولا ذاكرة فرقة تصنيع المصول لما كان من معنى إطلاقاً للقاحات في الأرض، لا قيمة للقاحات أساساً من دون ذاكرة مودعة في فرقة تصنيع المصول.
3 ـ فرقة المقاتلين:
الفرقة الثالثة فرقة المقاتلين، هذه الفرقة مهمتها أن تأخذ المصل المضاد وتتجه إلى الجرثوم، وتجري معركة بين الكريات البيضاء المقاتلة (هذه الفرقة الثالثة)، وبين الجرثوم.
4 ـ فرقة التنظيف:
أحياناً الإنسان يرى ورما خفيفاً، ثم بقعة بيضاء من القيح، هذه نتائج المعركة معركة تجري في الجسم بين الكريات البيضاء المقاتلة وبين الجراثيم، فإذا حُسمت المعركة لصالح الكريات البيضاء، في فرقة الخدمات، تنظف أرض المعركة، وتزيل آثار العدوان.
5 ـ فرقة المغاوير:
اكتشف بعض العلماء فرقة خامسة اكتشفها في عام 1967م " اسمها فرقة المغاوير " بالتعبير الأجنبي كومندوس، هذه الفرقة تستطيع أن تكتشف الخلية السرطانية في وقت مبكر جداً وتلتهما.
الشدة النفسية سببها ضعف التوحيد:
ثبت أن كل إنسان في دمه ملايين الخلايا السرطانية، لكنها غير مفعلة عليها قامع يقمعها، يمنع تفعيلها، فإذا ذهب القامع عن بعضها الفرقة الخامسة المغاوير تكتشف هذه الخلية السرطانية فتلتهما، وينجو الإنسان من الورم الخبيث.
قال: هذا القامع ما الذي يفكه ؟ الشدة النفسية، الخوف، القلق، الحقد، لذلك قال تعالى:
﴿ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 119 )
الغيظ مميت، الآن المرض الأول في العالم الشدة النفسية، خوف، تهديد قد يكون سلامة لكن ما في أمن.
لذلك قالوا: أنت من خوف المرض في مرض، يعني أحياناً تأتي أمراض القلب من خوف مرض قلب، أنت من خوف المرض في مرض، ومن خوف الفقر في فقر وتوقع المصيبة مصيبة أكبر منها، أنت من خوف التهديد في مرض، من خوف شبح الحصار الاقتصادي في مرض، من خوف شبح الاجتياح في مرض، هذه كلها أمراض الإنسان الآن يتحمل من الضغوط ما لا يحتمله إنسان في عصور سابقة.
لذلك: ما في حل إلا التوحيد، ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، ما في حل إلا أن ترى أمرك بيد الله، وأن الذي خلقك لن يسلمك إلى أحد غيره. ﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ ﴾
( سورة هود الآية: 123 )
ارتفاع نسبة السرطانفي عصرنا إما لضعف في نفوسنا أو ضعف في إيماننا:
ما لم توقن أن أمرك وسلامتك وأهلك وأولادك ورزقك وصحتك بيد الله، وأنك إذا كنت مع الله كان الله معك، وإذا عبدت الله أنشأ الله لك حقاً عليه ألا يعذبك، هذه المعاني الناس في أمس الحاجة إليها، قال تعالى:
﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾
( سورة الأنعام )
الفرقة الخامسة إذاً فرقة مغاوير، ما الذي يفك القامع ؟ الشدة النفسية، والإشعاع النووي، وصول مشتقات البترول إلى جوف الإنسان، هذا الذي يغسل المحركات بالبنزين إذا أكل بيديه قل أن يغسلهما جيداً عنده احتمال وصول المشتقات إلى جوفه، وهذه تسبب الأورام.
وشيء آخر كما قال العلماء: التوسع في استخدام البلاستيك، البلاستيك يجب أن نبتعد عن استعماله مع الحرارة الشديدة، أو مع المواد الحامضة، أو أن يدخل إلى جوفنا بعض منه عن طريق التيفال، وعاء تيفال بعد سنتين يصبح حديداً، المادة أين ذهبت ؟ أكلناها، فمشتقات البترول، والتوسع في استخدام البلاستيك، والإشعاع النووي والشدة النفسية، تفك القامع.
لذلك ارتفاع نسبة السرطان أصبحت إلى عشرة أمثال، لخطأ في عصرنا، أو ضعف في نفوسنا، أو ضعف في إيماننا، هذه حقيقة أيها الأخوة.
جهاز المناعة جيش يقويه الأمن والحب والود و يضعفه الخوف والقلق والحقد:
الآن في غدة اسمها " التايموس " اكتشفت أخيراً أنها غدة لا وظيفة لها هكذا قال الأطباء، ثم اكتشف أنها أخطر غدة في جسم الإنسان، قال هذه مدرسة حربية، تدخلها الكريات البيضاء وتبقى فيها سنتين، تتعلم من هو الصديق، ومن هو العدو، كريه بيضاء معها سلاح خطير، الكريه المحاربة الفرقة الثالثة، هذه سموها الخلية التائية الهمجية جاهلة تدخل في هذه الغدة وتبقى سنتين، لما كُبّرت مئات المرات بدت وكأنها مدرج روماني، وهذه الخلايا التائية الهمجية كأنهم طلاب علم، تبقى الخلية التائية الهمجية سنتين وبعدها تمتحن هناك مخرجان امتحانيان، الأول تعطى هذه الكريه الممتحنة عنصراً صديقاً فإذا قتلته ترسب وتقتل، وإذا لم تقتله تنجح وتتخرج، ثم تمتحن امتحاناً آخر تعطى عنصراً عدواً فإذا لم تقتله ترسب وتقتل، وإذا قتلته تنجح وتتخرج.
قال بعد سنتين تضمر هذه الغدة ضموراً كلياً، الأمر الذي جعل بعض الأطباء أن يقولوا لا وظيفة لها، تبين أن الجيل المتخرج يتولى إلى نهاية الحياة تعليم الأجيال الصاعدة فصار أول جيل تخرج من هذه الكلية الحربية، يتولى تعليم الأجيال الصاعدة، لكن بعد الستين أو السبعين يضعف التعليم، مع ضعف التعليم ينشأ شيء اسمه " الخرف المناعي" منها التهاب المفاصل الرثوي، منها سبعة أمراض تقريباً، يعني ما معنى التهاب مفاصل ؟ يعني ضعف التعليم، صار العنصر القوي الكرية البيضاء تقتل الصديق، أي أصبح حرباً أهلية، فالتهاب المفاصل الرثوي نتيجة حرب أهلية داخل الجسم.
أيها الأخوة، جهاز المناعة هذا الجهاز يؤكد اسم " الشافي " جيش بكل معاني هذه الكلمة، هذا الجيش يقويه الأمن والحب والود، يضعفه الخوف والقلق والحقد.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
08-06-2018, 07:46 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( التاسع العاشر )
الموضوع : اسم الله - الشافى -2 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
من أسماء الله الحسنى: ( الشافي):
أيها الأخوة الكرام، لازلنا في اسم " الشافي "، فالنبي عليه الصلاة و السلام كان إذا عاد مريضاً يقول له:
(( اذهب البأس رب الناس، اشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقماً ))
العلامات من تمام رحمة الله بنا:
الحقيقة أن الله سبحانه و تعالى جلّت حكمته لولا أن جعل للأمراض أعراضاً لما أمكن الشفاء منها، و قال تعالى:
﴿ وَعَلامَاتٍ ﴾
( سورة النجم الآية: 16 )
هذه آية واسعة جداً، لولا الأعراض لما اهتدى الإنسان إلى مرضه.
لذلك تعد أخطر الأمراض الآن الأمراض التي لا أعراض لها، كالأورام أحياناً فلذلك رحمنا الله عز وجل أن للأمراض أعراضاً، و هذا طريق إلى الشفاء منها، و هذه واحدة.
لو توسعنا قليلاً في فهم العلامات، نضج الفواكه لها علامات، وأي شيء في الأرض له علامات، وأي حدث في الأرض له علامات، فالعلامات من تمام رحمة الله بنا.
التوحد في بنية الإنسان التشريحية:
شيء آخر: الإنسان له بنية موحدة، أي إنسان في أي زمان و مكان بنيته التشريحية واحدة، فقد يدرس الطبيب الطب في أمريكا، و يعالج المرضي في الصين، مكان الشريان، مكان العصب، بنية الأجهزة، البنية التشريحية للإنسان في أدق أدق التفاصيل واحدة، أماكن الأوعية، أماكن الأعصاب، أماكن الأجهزة، النسج كلها موحدة و لولا هذا التوحد في بنية الإنسان التشريحية لما أمكن أن نتابع الطب في بلد، وأن نعالج المرضى في بلد، وأن نصنع الدواء في بلد، وأن نستخدمه في بلد، هذا كله ينضوي تحت اسم "الشافي ".
التئام النسج من آيات الله الدالة على عظمته:
شيء آخر: ثبات قوانين الجسم، الجسم له قوانين دقيقة جداً، فلولا هذا التوحد في الخلق لما أمكن أن يكون الشفاء للإنسان.
ذلك لأن الله سبحانه وتعالى كما بينت في لقاء سابق أن هذا المرض أحد الوسائل التي تكون ناجعة في تأديب الإنسان، وفي تربيته، وفي تقريبه من الله عز وجل.
شيء آخر: هناك قوانين دقيقة في الجسم، هذه القوانين أساسها أن النسج تلتئم إذا تمزقت، من قنن هذا القانون أن النسيج يلتئم إذا تمزق أحياناً ؟ ذلك أن بعض النسج في جسم الإنسان التي تؤكد عفة الفتاة لا تلتئم أبداً، فالتئام النسج من رحمة الله بنا، يكون الجرح يأتي الطبيب ويخيط هذا الجرح بعد حين يلتئم الجرح، جميع النسج تلتئم بسبب أن الله قنن هذا القانون فهو " الشافي ".
العظم يلتئم، الخلية العظمية قد تنام ستين عاماً، فإذا صار كسر تستيقظ هذه الخلايا وتلتئم، ما دور الطبيب العظمي ؟ يضع العظمة على العظمة فقط، وانتهى دوره، و تأتي هذه الخلايا ويستيقظ و تسهم في التئام الجروح و الكسور.
قضايا دقيقة جداً، ولقطات مؤثرة جداً نكتشفها حينما نقول أن الله سبحانه وتعالى هو " الشافي " فالتئام النسج من آيات الله الدالة على عظمته، ألا يوجد إنسان عنده مركبة وتصاب بكسر في بعض أجزائها، يقول لك الخبير في إصلاحها: دعها تلتئم وحدها، هذا لا يكون في عالم المعادن إطلاقاً، أما في عالم خلق الإنسان، ولأن الله هو " الشافي " النسج تلتئم.
القوانين التي أودعها الله في الإنسان كلها تؤكد اسم الشافي:
الذي يلفت النظر كما قلت قبل قليل: أن بعض النسج لا يلتئم أبداً، لأن تمزقها دليل، ولا يمكن أن يلغى هذا التمزق.
هناك أشياء كثيرة نستفيدها من اسم " الشافي " مثلاً: الاحتياط الذي جعله الله في بعض الأجهزة، الكلية مثلاً فيها احتياط كبير، يستطيع الإنسان أن يعيش بكلية واحدة والثانية احتياط كبير، أنا أتمنى الإنسان حينما يدرس الطب يدرسه في ضوء الإيمان، يجد أن هذه القوانين التي أودعها الله في الإنسان كلها تؤكد اسم " الشافي ".
من قال إن القلب إذا أردنا إصلاحه بعلمية جراحة و أوقفناه عن طريق التبريد و بعد انتهاء العملية يعطى القلب صعقة فيعود و يعمل، لو أن القلب إذا توقف لا يعمل انتهى العمل الجراحي كله، انتهي كل شيء اسمه عمليات القلب المفتوح، عمليات القلب المفتوح لولا أن الله أعطى القلب هذا القانون أنه إذا توقف أو إذا أوقف بفعل التبريد فالله سبحانه و تعالى سمح له أن يعمل بعد أن تأتيه صعقة كهربائية، لولا هذه القاعدة لألغي الطب في شأن جراحة القلب.
من تفكر في خلق السماوات و الأرض وصل إلى الله سبحانه و تعالى:
إذاً لو أردت أن تتفكر في خلق السماوات و الأرض لرأيت اسم " الشافي " واضحاً جداً في كل قانون قننه الله عز وجل، و في كل نسيج صممه الله عز وجل، و في كل خصيصة لأي عضو من أعضاء الجسم أودع الله فيه هذه الخاصة.
يعني أحياناً يقول طبيب قلب جراح: إن في القلب شرياناً يبدو أنه لا فائدة منه لكن حينما تسد بعض الشرايين يؤخذ هذا الشريان وهو من أمتن الأوعية، ويوضع مكان الشريان التالف، وكأن الله سبحانه و تعالى و ضع في جسم الإنسان بعض قطع الغيار، و هذا من تمام خلق الله عز وجل، تؤخذ بعض الشرايين من مكان وتوضع في مكان، و حتى في الهيكل العظمي هناك أجزاء يمكن أن تستخدم كقطع غيار، هذا الخلق الدقيق العظيم.
﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾
( سورة التين )
قال تعالى:
﴿ وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴾
( سورة الذاريات )
الإنسان لو تفكر في خلق السماوات و الأرض و صل إلى الله، وصل إلى الله معظماً، مكبراً، خاشعاً، فإذا تفكر في جسمه فهو أقرب شيء إليه.
من رحمة الله بالإنسان أنه جعل لكل داء دواء:
والله يا أيها الأخوة، لو أمضينا العمر كله في التدقيق في عجائب خلق الله في الإنسان لما اكتفى العمر للتفكر في خلق الإنسان، والآية واضحة:
﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾
أحياناً من الذي جعل هذا الدواء يفعل فعله ؟ يعني الدواء من رحمة الله بنا أنه جعل لكل داء دواء، والنبي عليه الصلاة والسلام حينما قال: (( لكل داء دواء ))
[حديث صحيح رواه مسلم والإمام أحمد عن جابر]
هذا الحديث إذا قرأه إنسان مريض بماذا يشعر ؟ يمتلئ قلبه أملاً بالشفاء و إلهنا وربنا من خلال نبيه ورسوله يقول: (( لكل داء دواء ))، ولو سمع هذا الحديث طبيب ماذا يفعل ؟ يجب أن يجتهد و يبحث عن الدواء، فإذا سمع هذا الحديث المريض امتلأ قلبه أملاً بالشفاء، وإذا سمع الطبيب هذا الحديث شعر بتقصيره حينما لا يجد لهذا الداء دواء، وقد خلق الله لكل داء دواء. حرص الإنسان على سلامة وجوده تقتضي أن يطبق تعليمات الصانع:
كما ذكرت من قبل الله عزّ وجل من خلال صحتنا يربينا، يقربنا إليه، الإنسان كما تعلمون حريصاً على وجوده، وعلى سلامة وجوده، وعلى استمرار وجوده، وعلى كمال وجوده، و قد بينت من قبل أن حرص الإنسان على وجوده يقتضي أن يحمي نفسه من الأخطار، وأن حرصه على سلامة وجوده يقتضي أن يطبق تعليمات الصانع، و أن حرص الإنسان على كمال وجوده يقتضي أن يقترب من الله عز وجل حتى يسعد بقربه، وأن حرص الإنسان على استمرار وجوده يعني أن يربي أولاده ليكونوا استمراراً له بعد موته، و الله عز وجل حينما برمج الإنسان وفطره على حبّ وجوده، وعلى حبّ كمال وجوده، وعلى حبّ سلامة وجوده، وعلى حبّ استمرار وجوده، من أجل أن يكون الإنسان في أعلى درجة من السلامة والسعادة.
الطبيب المؤمن حينما يرى من آيات الله في خلق الإنسان يكاد يذوب خشوعاَ لله:
أيها الأخوة حدثني بعض الأخوة الأطباء: أنه أحياناً إذا سدّ شريان في القلب تنمو مجموعة شُريانات في مجموع أقطارها تساوي الشريان المسدود، و أنت لا تشعر، يوجد بالجسم آلية الشفاء الذاتي، فحينما يضعف عضو ينمو عضو آخر، حينما يضيق شريان ينمو شريان آخر، و هذا من آيات الله الدالة على عظمته، و الطبيب المؤمن حينما يرى من آيات الله في خلق الإنسان يكاد يذوب خشوعاَ لله عز وجل.
شيء آخر: الكبد مثلاً، الكبد يقوم بمئات الوظائف، كل خلية من خلايا الكبد تقوم بكل وظائفه، فلو تشمع الكبد وصل إلى ثلثي الكبد، بل إلى أربعة أخماس الكبد وجاء الطبيب الجراح واستأصل أربعة أخماس الكبد، الكبد يعيد بناء ذاته في ستة عشر أسبوعاً، ذلك لأن كل خلية في الكبد تقوم بكل وظائف الكبد، ولو تعطل كبد الإنسان لكان الموت محققاً لأنه المخبر، والمعمل الكيماوي في الجسم.
إخوتنا الكرام، التفكر في خلق السماوات و الأرض أقصر طريق إلى الله و أوسع باب ندخل منه على الله، وأنت حينما تتعرف إلى أسماء الله الحسنى، تقول " الشافي " الشافي جسمك مصمم للشفاء، الأمراض لها أعراض، البنية التشريحية للإنسان واحدة بشكل عجيب، الإنسان له شكل.
الله عز وجل منح الإنسان أحد صفاته وهي الفردية لكرامته عند الله:
يقول بعض العارفين بالله: والله يا رب لو تشابهت ورقتا زيتون لما سميت الواسع، يوجد بالأرض ستة آلاف مليون إنسان لا يوجد إنسان يشبه الآخر، الإنسان فرد، وقد منح الله جلّ جلاله الإنسان أحد صفاته وهي الفردية لأن الإنسان كريم عليه، لكرامة الإنسان عند الله، فالإنسان فرد في شكل وجهه، وفي قوامه، و في نمط حركته، فرد في قزحية عينه، لا يوجد قزحية عين في الأرض تشبه قزحية عين الآخر، حتى إن بعض البلدان الآن تأخذ صورة قزحية العين وتضعها على الجواز، ولا يمكن لهذا الجواز أن يزور، بل إن بعض الأقفال التي صنعت لا تفتح إلا على قزحية العين، ومعنى ذلك أن هذا القفل لا يفتح إلا من خلال صاحبه، فقزحية العين هوية للإنسان.
رائحة جلده هوية له، لا يوجد إنسان له رائحة جلد تشبه رائحة جلد إنسان آخر و على هذا الأساس يبنى عمل الكلاب البوليسية، ولولا أن الإنسان يتميز برائحة خاصة لما استطعنا أن نستخدم الكلاب البوليسية التي تملك من حاسة الشم مليون ضعف عن حاسة شم الإنسان.
ونبرة الصوت هوية لك، لا يوجد إنسان في الأرض تشبه نبرة صوته نبرة صوتك وهذا نستخدمه في الهاتف، فلان تعرفه من نبرة صوته.
الآن بلازما الدم، الزمرة النسيجية غير الزمرة الدموية، لكل إنسان زمرته النسيجية، هذا من تكريم الله للإنسان جعله فرداً، فرد في قزحية عينه، وفرد في شكل وجه، وفرد في قوامه، وفرد في رائحة جلده، وفرد في نبرة صوته، وفرد في زمرته النسيجية وفرد في بلازما الدم، وفرد في بصمته، واكتشف أخيراً أنه فرد بالنطفة التي يملكها، لكل نطفة علامة يتميز بها، عند الزوجة جهاز لاستقبال هذه العلامة، فما دامت هذه العلامة تأتيها تباعاً فهذا زوجها، فإذا جاءت علامة أخرى فهذا مؤشر لوجود مرض في الرحم إلا أن المرأة قادرة على أن تستقبل علامة أخرى بعد أربعة أشهر أي العدة.
الإنسان فرد متميز لا أحد يشبهه فالله عز وجل واحد و واسع:
إذاً أيها الأخوة الإنسان فرد، أما من أجل أن نفهم اسم " الشافي " الآن هناك مفارقة، هو فرد متميز لا أحد يشبهه، وفي الوقت نفسه ستة آلاف مليون البنية التشريحية واحدة، مكان الشريان، مكان العصب، لولا أن الأعصاب لها أماكن محددة جداًً أي عملية جراحية في الوجه تعني الشلل أحياناً، لكن معروف العصب هنا مكانه، الطبيب الجراح عنده مهارة فائقة في معرفة أماكن الأعصاب، وأماكن الأوعية والشرايين.
إذاً البنية التشريحية الواحدة تؤكد اسم " الشافي ".
الآن الوظائف الفيزيولوجية في الإنسان تؤكد اسم " الشافي "، الآن استجابة الجسم للدواء، الجسم عضو نبيل يستجيب للدواء إذاً الله شافٍ، ما أوقع المرض فينا إلا أن يكون المرض أداة قرب من الله عز وجل و يأتي بعده الشفاء، فالله عز وجل شافٍ، أي هذه الأدوية من صمم هذه العشبة لتهدئة القلب، هناك أدوية مبطئة للنظم، هناك أدوية موسعة للشرايين، هناك أدوية مقوية لعضلة القلب، هناك أدوية تعطي الإنسان راحة نفسية، هناك أدوية مهدئة، هناك أدوية مسكنة، أي علم الأدوية علم قائم بذاته.
إذاً اسم " الشافي " تراه من وحدة الإنسان في بنيته التشريحية، ومن وحدة الإنسان في وظائفه الفيزيولوجية، بينما لكل إنسان هوية، هذا شيء دقيق جداً، أي وحدة تشابه البنية التشريحية، والوظائف الفيزيولوجية في الإنسان تؤكد أن الله واحد، أن الخالق واحد، وأما التفاوت في شكل الإنسان، وفي خصائصه، وفي هوياته، تؤكد اسم " الواسع " فالله واحد و واسع.
الله عز وجل قنن القوانين ليكون هناك أمل في شفاء الأمراض:
أيها الأخوة الكرام، الدم له خصائص مذهلة، يوضع هذا الدم في بنك باسم صاحبه، بعد سنوات، بعد عشر سنوات إذا تورمت بعض الخلايا أو تعطلت بعض الخلايا في مكان، يوضع هذا الدم في المكان نفسه، فإذا به يتشكل من الخلايا التالفة، يعني إذا تعطلت خلايا نقي العظام المصنعة لكريات الدم الحمراء، يوضع هذا الدم في نقي العظام، وهذا الموضوع يمثل الخلايا الجذعية، من أحدث الموضوعات، أي مكان عندما استأصلنا بعض النسج وضعنا الدم مع الاستئصال تنمو خلايا من جنس الخلايا المحيطة بهذا الدم، وهذا الدم له ثمن باهظ جداً، والآن هناك بنوك للخلايا الجذعية.
إذاً الله عز وجل هو " الشافي " أي كل جهود الأطباء لولا أن الله قنن هذه القوانين، أعطى هذه الخصائص لما كان من أمل في شفاء الأمراض. إذاً الله عز وجل هو " الشافي ".
تقدم علم الطب نتيجة كرامة الإنسان عند الله:
لذلك الحديث:
(( إن لكل داء دواء ))
[حديث صحيح رواه مسلم والإمام أحمد عن جابر]
يقرأ هذا الحديث المريض فيمتلئ ثقة بالشفاء، يقرأ هذا الحديث الطبيب فيشعر بالتقصير تجاه البشر، ينبغي أن نبحث عن شفاء لهذا المرض، الآن فإذا أصيب دواء الداء معنى الطبيب حينما يصيب في تشخيص الداء قطع نصف المرحلة، فإذا أصيب دواء الداء قال برئ بإذن الله.
الطبيب له مهمتان، المهمة الأولى: أن يصيب في تشخيص الداء، وأن يصيب في وصف الدواء، فإذا جاء التشخيص صحيحاً، وجاء الدواء مناسباً برئ، ولكن بإذن الله.
لذلك قال عليه الصلاة والسلام:
(( داووا مرضاكم بالصدقة ))
[ رواه الطبراني عن عبد الله بن مسعود]
أولاً أعطاك ثوابت، أعطاك بنى تشريحية واحدة، أعطاك وظائف فزيولوجية، أعطاك أدوية لها فعل في الأمراض، وهيأ أطباء، والأطباء من رحمة الله بالإنسان، و أنا أقول دائما أيها الأخوة إن تقدم علم الطب لكرامة الإنسان عند الله، لأن الله هو الشافي إلا أن مرض الموت لا شفاء له، هذا المرض لأنه بوابة الخروج، الإنسان كيف يخرج ؟ يخرج بمرض الموت، قد يكون في الكبد، وقد يكون في الكلية، وقد يكون في القلب، وقد يكون في الدماغ، وقد يكون بحادث، تارة سكتة دماغية، ومرة سكتة قلبية، ومرة احتشاء، هذه الأمراض التي هي أمراض الموت هي بوابة الخروج، والإنسان حينما يرى أنه لابد من أن يخرج من الدنيا هذا من أعظم المواعظ و العبر.
على الإنسان أن يأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء ثم يتوكل على الله وكأنها ليست بشيء:
الآن (( إن لكل داء دواء )) فإذا أصيب دواء الداء برئ المريض بإذن الله، إذاً ما الموقف الكامل حينما يصيب الإنسان المرض ؟ الموقف الكامل أن أبحث عن طبيب متفوق، ولي مصطلح لطيف: ابحث عن طبيب مسلم حاذق ورع، لأنه ينصح، والدين النصيحة.
الآن هذا الطبيب يصيب في وصف تشخيص الداء، ويصيب إن شاء الله في وصف الدواء، ثم توجه إلى الله أن يسمح لهذا الدواء أن يفعل فعله في الداء، هذا الموقف الكامل.
لذلك هذا ينقلنا إلى شيء مهم جداً في الإيمان، أنت يجب أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء، يجب أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، هذه بطولة، أن تذهب إلى أفضل طبيب، أن تستخدم بدقة بالغة تعليمات الطبيب، ثم تتوجه من أعماق أعماقك إلى الله، يا رب اشفِ أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقماً، أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء من السهل جداً أن تأخذ بالأسباب، وأن تعتمد عليها وتنسى الله، وهذا واضح جداً في العالم الغربي، ألهوا الأسباب، يأخذون بالأسباب ويعتمدون عليها، وينسون الواحد القهار، لكن الله يقهرهم أحياناً، ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء.
الأخذ بالأسباب من الدين:
الإنسان من ضعفه إذا أخذ بالأسباب يعتمد عليها وينسى الله، و يوجد مسلمون مقصرون لا يأخذون بالأسباب، وهم عصاة، لذلك الطريق الأمثل هو طريق وادٍ سحيق و عن يساره وادٍ سحيق، فالإنسان إذا أخذ بالأسباب و اعتمد عليها وقع في وادي الشرك، و إن لم يأخذ بالأسباب و قع في وادي المعصية ففي حنين قال الصحابة:
(( لن نغلب من قلة ))
[ أخرجه أبو داود والترمذي والحاكم عن ابن عباس ]
معهم بسبب الكثرة فقال تعالى: ﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ ﴾
( سورة التوبة )
فالأخذ بالأسباب من الدين:
(( إن الله يلوم على العجز، ولكن عليكم بالكيس، فإذا غلبك أمر فقل حسبي الله ونعم الوكيل ))
[ أبو داود وأحمد عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ ]
يجب أن نأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، يجب أن تعالج عند الطبيب، يجب أن تذهب إلى طبيب متفوق، أن تستخدم الدواء بعناية بالغة، وفي الوقت نفسه يجب أن يمتلئ القلب رجاء من الله عز وجل أن يسمح للدواء أن يفعل فعله.
الله تعالى إذا أخذ من المؤمن بعض صحته عوضه عليها أضعافا ًمن القرب منه:
فلذلك:
(( لكل داء دواء، فإذا أصاب الدواء الداء برئ بإذن الله))
[حديث صحيح رواه مسلم والإمام أحمد عن جابر]
هذا الذي يقتضي الدعاء، والتوسل إلى الله عز وجل، ودفع الصدقات، مع الأخذ بالأسباب هذا الموقف الكامل
هناك مثل يقرب الحقيقة: عندك سفر، راجعت المركبة مراجعة تامة، راجعت كل شيء فيها، وكلها جاهزة، الآن أخذت بالأسباب، الآن تتوجه بكل أعماقك إلى الله، يا رب، أنت الحافظ، أنت الموفق، أنت المسلم في هذا السفر، أنت الرفيق في السفر، هذا شأن المؤمن في كل شيء يأخذ بالأسباب و كأنها كل شيء، و يتوكل على الله و كأنها ليست بشيء.
شيء آخر الحديث القدسي الصحيح:
(( يا ابنَ آدمَ مَرِضْتُ فلم تَعُدْني، قال: يارب كَيْفَ أعُودُكَ وأنتَ ربُّ العالمين ؟ قال: أمَا علمتَ أنَّ عبدي فلاناً مَرِضَ فلم تَعُدْهُ ؟ أما علمتَ أنَّكَ لو عُدْتَهُ لوجَدتني عنده ))
[ أخرجه مسلم عن أبي هريرة]
و الله أيها الأخوة، بالحديث ملمح يذيب محبة لله، الله عز وجل إذا أخذ من المؤمن بعض صحته عوضه عليها أضعافاً مضاعفة من القرب من الله.
(( أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده ))
كل شيء في خلق الإنسان يؤكد اسم الشافي:
الحقيقة ماذا نستطيع أن نقول في اسم " الشافي " ؟ كل شيء في خلق الإنسان يؤكد اسم " الشافي "، كل شيء حول الإنسان يؤكد اسم " الشافي "، كل شيء في بنية الإنسان التشريحية يؤكد اسم " الشافي "، كل شيء في وظائف الجسم يؤكد، الفيزيولوجية تؤكد اسم " الشافي "، كل دواء خلقه الله لهذا الإنسان يؤكد اسم " الشافي ".
والآن الأبحاث الطبية تؤكد هذه الحقيقة، بعد حين يظهر دواء ناجح لبعض الأمراض المستعصية، إذاً الله عز وجل شافٍ.
﴿ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾
( سورة الشعراء )
والحمد لله رب العالمين
السعيد
08-06-2018, 07:48 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( التاسع العاشر )
الموضوع : اسم الله - المبين -1 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: ( المُبِين ):
1 – ورودُ اسم ( المبين ) في القرآن الكريم:
مع اسم من أسماء الله الحسنى، وهو اسم ( المبين )، وقد ورد هذا الاسم في القرآن الكريم في آية واحدة، قال تعالى:
﴿ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ ﴾
( سورة النور )
2 – ورودُ اسم ( المبين ) معرَّفًا بـ ( أل ) إشارة إلى الوصفية:
ورد هذا الاسم في القرآن الكريم معرفا بـ ( أل )، فلان اسمه راشد، راشد اسم علم، أما إذا عرفت الاسم لقلت: جاء الراشد، أنت تريد أن تؤكد اتصاف هذا الإنسان بالرشد، فحين يعرّف اسم العلم يقصد منه التعريف، ودقة اتصاف صاحب الاسم بصفته، إذا قلت: جاء راشد، قد يكون جاء رجل اسمه راشد، لكنه غير راشد، كأن تقول: فلان سعيد، اسمه سعيد، وهو من أشقى الناس، فلان كامل، وفيه كمية نقص لا تعد ولا تحصى.
لذلك إذا عُرِّف الاسم العلم بـ ( أل ) أُشير إلى اتصاف صاحبه بهذه الصفة، فاسم الله تعالى ( المبين ) ورد معرَّفا بـ: أل:
﴿ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ ﴾
( سورة النور )
شيء آخر أيها الأخوة، نحن نعلم في اللغة أن الكلمات معارف ونكرات، المعرفة ما دلت على معين، والنكرة ما دلت على غير معين، تقول: عاصمة، فهي غير معين، نكرة، أما دمشق فمعرفة.
قال بعض النحاة:
إن المعارف سبعة في قولنا كَمُل أنا صالح من ذا الفتى ابني يا رجل
الضمير معرفة، اسم العلم معرفة، اسم الإشارة معرفه، اسم الموصول معرفة، المُعرف بأل معرفة، المضاف معرفة، المنادى معرفة.
إن المعارف سبعة في قولنا كَمُل أنا صالح من ذا الفتى ابني يا رجل.
3 – اسم ( المبين ) مفيدٌ للمدح والثناء:
هذا الاسم يفيد المدح والثناء، والعبد عبد والرب رب، شأن العبد الافتقار، وشأن الرب المدح والثناء، لكن لو أن غنياً تواضع، وقال لمن يسأله عطاءً: أنا لا أملك شيئًا، ليس هذا المقام مقام تواضع، مقام أن تذكر له أنك يمكن تساعده، فشأن الله المدح والثناء، وشأن العبد الافتقار.
غزوة بدرٍ وحنين درسان بليغان:
في حياة الناس درسان بليغان، الدرس الأول درس بدر، والدرس الثاني درس حنين.
النبي عليه الصلاة والسلام مع أنه سيد الخلق وحبيب الحق، وهو قمة البشر وقد اختاره الله، واختار له أصحابه، قال:
(( إن الله اختارني واختار لي أصحابي ))
[ الجامع الصغير بسند ضعيف عن أنس ]
أصحابه والنبي على رأسهم في بدر افتقروا إلى الله في بدر فقال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 123 )
النبي نفسه، وهو في أعلى درجات القرب والافتقار إلى الله، لكن أصحابه في حنين قالوا:
(( لن نغلب من قلة ))
[ أخرجه أبو داود والترمذي والحاكم، عن ابن عباس ]
فتخلى الله عنهم، قال تعالى: ﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ ﴾
( سورة التوبة الآية: 25 )
لا تقل: أنا، لي، عندي:
درْسا بدر وحنين يحتاجهما المؤمن في كل يوم، بل في كل ساعة، فإذا قلت: أنا، تخلى الله عنك، وإذا قلت: الله، تولاك، قل: أنا ابن فلان، يتخلّ الله عنك، قل: أنا عندي علم يتخلّ الله عنك، قل: أنا عندي تجربة غنية في هذا الموضوع، قل: أنا أعلم من حولي يتخلّ الله عنك، إياك أن تقول: أنا، قالها إبليس:
﴿ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ ﴾
( سورة الأعراف الآية: 12 )
فأهلكه الله، وقالها قوم بلقيس:
﴿ قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ ﴾
( سورة النمل الآية: 33 )
وقالها قارون: ﴿ قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي ﴾
( سورة القصص الآية: 78 )
فخسف به الأرض، وقال فرعون:
﴿ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ ﴾
( سورة الزخرف الآية: 51 )
فدمره الله، أنا، ونحن، ولي، وعندي كلمات مهلكات، فإذا قلت أنا تخلى الله عنك، وإذا قلت الله تولاك الله، ونحن جميعا بحاجة ماسة لهذين الدرسين في كل ساعة من حياتنا.
هناك طبيب جراح نسائي في بلد عربي متفوق، له زميل طبيب من المستوى نفسه، له زوجه في حملها إشكال، فذهب إليه، واتفق أن تكون الولادة عنده، ثم سأله زميله: هل ترى أن نسأل طبيبا آخر؟ قال: أنا أعلم مَن في هذه المدينة بهذا الاختصاص، بكل كِبْر، القصة طويلة، لكن مغزاها أن هذا الطبيب ارتكب خطأ فادحا جداً لا يرتكبه ممرِّض، الأمر الذي وجب على القائمين على شؤون الصحة أن يسحبوا منه الشهادة لأول مرة في تاريخ البلد العربي بعد النهضة والاستقلال.
لا تقل: أنا، لا تقل: ليس هناك من هو أعلم مني. ﴿ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ﴾
( سورة يوسف )
إن شاب ناشئًا ألقى درساً فتحلق والتف الناس حوله، وأحبوه، ورجل آخر مِن أهلِ العلم آلمه هذا الإقبال على هذا الشاب، فجاء إليه، وأراد أن يصغّره، فحضر درسه، فلما انتهى الدرس، سأل هذا الفتى: وقال له: يا هذا، هذا الذي قلته ما سمعناه، تصغيرا له، فالشاب مؤدب جداً، قال: يا سيدي، وهل تعلمت العلم كله، فإذا قال: نعم، فقد خالف قوله تعالى:
﴿ وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾
( سورة الإسراء )
قال: لا، قال: كم تعلمت منه ؟ قال: شطره، قال: يا سيدي هذا الذي قلته من الشطر الذي لا تعرفه.
إياك أن تقول: أنا، قل: بفضل الله، الله مكني أن أنال هذه الشهادة، الله مكني أن أتقن هذه الحرفة، الله مكني أن ألقي هذه الكلمة، الله مكني أن تنجح هذه العلمية.
أعرف طبيبا جراحاً عصبياً، المريض على الطاولة، يصلي أمامه ركعتين، ويقول: يا رب، ألهمني الصواب، أنا مفتقر إليك.
عوِّد نفسك في كل عمل تقدم عليه أن تقول: اللهم إني تبرأت من حولي وقوتي، والتجأت إلى حولك وقوتك يا ذا المتين، شأن العبد أن يفتقر، وشأن الرب أن تثني عليه، وأن تمدحه، كي نطمع بفضله، وكي نقبل عليه، وكي نلجأ إليه، وكي نعتمد عليه.
لا تُظهِر نفسَك وتعتِّم على غيرك:
أيها الإخوة، لكن بالمناسبة، إذا مُدح المؤمن ربَا الإيمان في قلبه، وهناك إنسان بطبيعته لا يُظهِر مَن حوله إطلاقاً، تعتيم شديد على مَن حوله، وتسليط للإضاءة شديد على شخصه، هو يكبُر ومَن حوله يصغرون، ليس هذا من شأن النبي عليه الصلاة والسلام.
(( لو كان نبيا بعدي لكان عمر ))
[ أخرجه الترمذي عن عُقْبَةَ بنِ عامرٍ ]
سيدنا الصديق ما ساءني قط، وما طلعت شمس على رجل بعد نبي أفضل من أبي بكر.
سيدنا ابن الجراح أمين هذه الأمة، كل صاحبي أعطاه النبي حقه، هذه بطولة أن تُظهِر مَن حولك، لا أن تعتم من حولك.
فذالك أيها الإخوة، إذا مُدح المسلم رَبا الإيمان في قلبه، والمؤمن الصادق إذا مُدح والله يزداد تواضعاً لله، يزداد محبة له، يقول: يا رب، إني تبرأت مِن حولي وقوتي، والتجأت إلى حولك وقوتك، يا ذا القوة المتين، يا رب، هذا فضلك، يا رب، هذا توفيقك يا رب، هذا من عندك، يا رب، هذا من تأييدك.
المؤمن الصالح إذا مُدح ربا الإيمان في قلبه، وهناك أشخاص إذا مدحتهم، يصدقون، ويستعلون، ويتغطرسون، ويعانون من أمراض نفسية كانوا في غنىً عنها.
إذاً: أنت أيها الأخ المؤمن كن حكيما، إذا كان مدحك يسوق الإنسان إلى الفجر فإياك أن تمدحه، لذلك ورد أيضاً:
(( احْثُوا التُّرَابَ فِي وُجُوهِ المَدَّاحِينَ ))
[ أخرجه مسلم المقداد بن الأسود ]
ورد النهي عن المديح، وورد الثناء على المديح، هذا بحسب حال الممدوح، فإذا كان مؤمناً ربا الإيمان في قلبه، وإن كان غير مؤمن ازداد كبراً وغطرسة واستعلاء.
علاقة التوكل بالأخذ بالأسباب:
أيها الإخوة، قضية التولي والتخلي، أخطر شيء في حياتنا، قل: الله، حقيقة المؤمن أن يأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، ثم يتوكل على الله وكأنها ليست بشيء، سهل جداً أن تأخذ بالأسباب، وأن تعتمد عليها، وأن تؤلهها، وأن تنسى الله معها، وهذا شأن العالم الغربي، وسهل أيضاً ألا تأخذ بها جهلاً وتواكلاً وتقول: توكلنا على الله.
سيدنا عمر رأى أناساً يتكففون الناس في الحج، سألهم: << من أنتم ؟ قالوا: نحن المتوكلون، قال: كذبتم، المتوكل من ألقى حبة في الأرض، ثم توكل على الله >>.
يجب أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء، هذا شيء مهم جداً أيها الإخوة.
إذاً: المؤمن الصادق يأخذ بالأسباب ولا يعتمد عليها، يعتمد على الله، وقبل أن يسافر يراجع مركبته مراجعة دقيقة، ثم من أعماق أعماقه يقول: يا رب، أنت الحافظ، أنت الموفق، أنت المسلم، أما ألاّ يأخذ بالأسباب، ولا يراجع المركبة، ولا يتفقد مكابحها، ولا أجهزتها، ولا وسائلها، ويقع الحادث، ثم يقول: هذه مشيئة الله، فهذا افتراء على الله، هذه نتائج التقصير، ولو فهِم المسلمون أن الأخذ بالأسباب من الدين، بل هو من صلب الدين لما كانوا فيما هم فيه الآن من ضعف، لكن العالم الغربي وقع في متاهة أخرى، أخذ بالأسباب واعتمد عليها، ونسى الله، وتغطرس، فأدبه الله عز وجل.
الإنسان يؤدَّب مرتين، مرة إذا أخذ بالأسباب واعتمد عليها، وأشرك مع الله، وينسي ربه، ومرة إن لم يأخذ بها، ففي الحالتين يؤدب، لذلك البطولة أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، ثم تتوكل على الله وكأنها ليست شيء.
الكون مسخَّر للإنسان تعريفًا وتكريما:
أيها الإخوة، الكون كما تعلمون مسخر تسخير تعريف وتكريم، تماماً لو قدم لك أحدهم هاتفا متطورا جداً، وفيه خدمات كبيرة جداً، قدمه لك أحدهم هدية، وهذا الجهاز من اختراعه، أنت بماذا تشعر ؟ تشعر بإكبار لهذا الإنجاز العلمي، وتشعر بامتنان، لأنه أعطاك إياه هدية، هذا مثل للتبسيط.
هذا الكون الذي سخره الله للإنسان، سخره له تسخير تعريف وتكريم، من أين جئنا بهذا المعنى ؟ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا رَأَى الْهِلَالَ قَالَ:
(( هِلَالُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ، هِلَالُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ، هِلَالُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ ))
[ رواه أبو داود وفي سنده ضعف ]
هلال خير أنتفع به، وهلال رشد يرشدني إلى ربي، هذا منهج.
الطعام أمامك، طعام خير ورشد، تنتفع به، وتتعرف إلى خالقه، نظرت إلى السماء، نظرت إلى النجوم، إلى البحار، إلى الجبال، نظرت إلى الأسماك، إلى الأطيار كل شيء سخره الله لنا تسخير تعريف وتكريم، فردُّ فعل التعريف أن تؤمن، وردُّ فعل التكريم أن تشكر، وحينما تؤمن، وحينما تشكر فقد حققت الهدف من وجودك، وإنْ آمنت وشكرت توقفت المعالجة، الدليل قال تعالى: ﴿ مَّا يَفْعَلُ اللّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا ﴾
( سورة النساء )
في اللحظة التي تؤمن بها بالله، وتشكره على نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد ونعمة الهدى والرشاد، فقد حققت سر وجودك وغاية وجودك، واعلم علم اليقين أنه ربما وفي العمل الأغلب وإن شاء الله تتوقف كل المعالجات، لذلك ورد في بعض الأحاديث عَنْ سَلْمَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( لَا يَرُدُّ الْقَضَاءَ إِلَّا الدُّعَاءُ، وَلَا يَزِيدُ فِي الْعُمْرِ إِلَّا الْبِرُّ ))
[ أخرجه الترمذي والحاكم في المستدرك ]
إذا دعوت وأنبت، واستقمت، وتبت يتوقف كل شيء في حقك، وهذه بشارة كبيرة جداً.
التوحيد لا يغفي من المسؤولية:
أيها الإخوة، ولكن كما تحدثت عن التوحيد لا بد من التنويه أن الله عز وجل حينما سمح لموضوع حديث الإفك أن يكون، قال في القرآن الكريم:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ ﴾
( سورة النور الآية: 11 )
لأن كل شيء وقع أراده الله، ولأن كل شيء أراده الله وقع، ولأن إرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، ولأن حكمته المطلقة متعلقة بالخير المطلق، فخير، لكن لئلا يتوهم الإنسان أن القضاء والقدر يعفيه من المسؤولية، قال تعالى:
﴿ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾
( سورة النور )
كي أترجم هذه الفكرة إلى حياتنا: طبيب اشتغل مع ممرضة في المستشفى بحديث غزلي، جاء إنسان في الإسعاف، قال لهم: انتظروا، حتى مات، فالطبيب مسؤول، ولا يقل: سبحان الله ! مات بأجله، لا، أنت مسؤول، الدليل: عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( مَنْ تَطَبَّبَ وَلَمْ يُعْلَمْ مِنْهُ طِبٌّ قَبْلَ ذَلِكَ فَهُوَ ضَامِنٌ ))
[ أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجة والحاكم ]
التوحيد لا يلغي المسؤولية.
4 – الاشتقاق اللغوي لاسم ( المبين ):
أيها الإخوة، المبين اسم فاعل من المشتقات نحن لغتنا لغة اشتقاق، وهي من أرقى اللغات ( المبين ) اسم فاعل، نحن في لغتنا اللغة أُسَر، هناك أسرة جدها بانَ، فيها اسم فاعل بائن، فيها فعل رباعي، أبان، فيها اسم فاعل رباعي مبين، وهناك بينونة، عندنا فعل ماضٍ، وفعل مضارع، وفعل أمر، واسم فاعل واسم مفعول، وصفة مشبهة باسم الفاعل، واسم تفضيل، اسم مكان، واسم زمان، واسم آلة، لغتنا من أرقى اللغات، ويكفي أن الله سبحانه وتعالى اختارها لكلامه:
﴿ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ ﴾
( سورة الشعراء )
وفي اللغة لقطات مذهلة، اللغة العربية تتسع اتساعاً مذهلاً، فهناك كلمة نظر، وحدّج، حدج نظر مع المحبة، وفي الحديث الشريف:
(( حدث القوم ما حدجوك بأبصارهم ))
هناك نظر شزراً، مع الاحتقار، وهناك شَخَص مع الخوف، وحَدج، وهناك بَحْلق مع التحديق، وحملق، ظهر حملاقُ العين، واستشرف مع التمطي، واستشف مع اللمس، ولَمَح، نظر، وأعرض، هناك ولّى، وظهر، واختفى.
العربية من أرقى اللغات الإنسانية، لكن اللغة تضعف بضعف أهلها، وتقوى بقوتهم، وفي العربية مثلا: كتب، ومكتب، وكتابة، وكتاب، من أسرة واحدة، وفي اللغة الإنجليزية Write, book, table، كل كلمة من اشتقاق، نحن كتب، يكتب، كاتب، مكتوب، مكتب، كتاب، هل نظرت إلى النظام ؟
فلذلك ( المبين ) اسم فاعل من أبان، أظهر، أما بائن مِن بان، وهو فعل لازم، اسم فاعله بائن، أما أبان: اسم فاعله مبين.
بانت المرأة ؛ انفصلت عن زوجها، وفي الطلاق الثالث تكون البينونة الكبرى.
5 – معنى اسم ( المبين ):
شيء الآخر، ( المبين ) الواضح:
﴿ فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ ﴾
( سورة الأعراف )
السحرة جاءوا بأنابيب، وطلوها على شكل ثعبان، ووضعوا فيها زئبقًا، ثم وضعوها على مكان ساخن، تمدد الزئبق، تحركت هذه الأنابيب المطاطية
﴿ فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ ﴾
( سورة الأعراف )
﴿ فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى * قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى * قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ﴾
( سورة الشعراء )
شيء رائع جداً:
﴿ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ ﴾
أي: واضح. ﴿ فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ * يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
( سورة الدخان )
حينما يرى الإنسان أنه خسر الأبد، وخسر الآخرة قال تعالى:
﴿ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ﴾
( سورة الزمر )
الخسارة الحقيقية أن تخسر الله، أن تخسر الجنة، أن تخسر الأبد.
لذلك أبان ؛ أظهر، والبيان ؛ الفصاحة. ﴿ الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾
( سورة الرحمن )
البيان أرقى أداة اتصال بشري:
البيان أرقى أداة اتصال بشري، فلو فرضنا دولة فيها نظام، لكن ما فيها لغة، وأراد حاكم هذه البلدة أن يمنع التجول، ماذا يفعل ؟ يحتاج على شرطي لكل مواطن يدفعه إلى البيت، لكنه يصدر بلاغا في أربع كلمات لا تجد بعد ذلك إنسانا في الطريق.
أرقى أداة اتصال بين البشر اللغة، قال تعالى:
﴿ الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾
( سورة الرحمن )
أيضا البيان شفهي للتواصل المباشر، وكتابي للتواصل الغير مباشر.
﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ﴾
البيان الكتابي ينتقل من جيل إلى جيل، ومن عصر إلى عصر، والبيان الكتابي مع الترجمة ينتقل من أمة إلى أمة، ومن ثقافة إلى ثقافة، والإنسان خُص بالبيان:
﴿ الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾
( سورة الرحمن )
(( وإن من البيان لسحرا ))
[ أخرج مالك أحمد والبخاري وأبو داود والترمذي عن ابن عمر ]
(( إنَّ مِنَ الشِّعْرِ لَحِكْمَةً ))
[ أخرجه البخاري عن أُبي بن كعب ]
وسوف نتابع هذا الموضوع في لقاء آخر إن شاء الله.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
والحمد لله رب العالمين
السعيد
08-06-2018, 07:50 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( العشرون )
الموضوع : اسم الله - المبين -2 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
من أسماء الله الحسنى: ( المبين ):
أيها الإخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، وهو اسم ( المبين ).
1 – اسم (المبين ) وصف للذات والأفعال:
الحقيقة أن هذا الاسم فيه وصف للذات، فالله سبحانه وتعالى بائن ؛ أي ظاهر، من بان واسم الفاعل من هذا الفعل بائن.
أما إذا بيّن الله للناس آياته فهو ( المبين )، وهذا وصف للأفعال، فاسم ( المبين ) بين أن يكون وصفاً للذات، وبين أن يكون وصفاً للأفعال.
2 – الله يبيِّن الآيات:
﴿ كَذَلِكَ يُبيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ ﴾
( سورة البقرة الآية: 242 )
جاءت آيات كثيرة: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ﴾
( سورة البقرة )
﴿ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾
( سورة البقرة )
﴿ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾
( سورة البقرة )
﴿ لَعَلَّكُمْ تَتّقُونَ ﴾
( سورة البقرة )
﴿ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾
( سورة الحج )
إذاً: الله جل جلاله يبيّن لخلقه آياته، لعل هؤلاء الناس يعرفون الحقيقة، لعلهم يتفكرون، لعلهم يعقلون، لعلهم يهتدون، لعلهم يتقون، لعلهم يشكرون.
ما هي آياتُ الله عزوجل ؟
فما هي آيات الله عز وجل ؟ قال العلماء: هناك آيات كونية، وهي خَلْق الله عز وجل، وهناك آيات تكوينية هي أفعاله، وهناك آيات قرآنية أي كلامه، فمن أجل أن نعرفه، ومعرفة الله أصل الدين ينبغي أن نتفكر في آياته الكونية، وأن ننظر في آياته التكوينية، وأن نتدبر آياته القرآنية.
لو وقفنا وقفة متأنية عند آياته الكونية، فالله سبحانه وتعالى يأمرنا أن ننظر في السماوات ولأرض، وكما تعلمون كل أمر في القرآن الكريم يقتضي الوجوب، لأن الله عز وجل جعل التفكر من أعلى درجات العبادة، فقال تعالى:
﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾
( سورة آل عمران )
نماذج من آيات الله الكونية:
سرعة الضوء:
من بعض آياته الكونية: أن بين الأرض وأقرب نجم ملتهب أربع سنوات ضوئية، والضوء يقطع في الثانية الواحدة 300 ألف كم، كم يقطع في الدقيقة ؟ ضرب 60، كم يقطع في الساعة ؟ ضرب 60، كم يقطع في اليوم ؟ ضرب 24، كم يقطع في السنة ؟ ضرب 365 يوما، كم يقطع في أربع سنوات ؟
إن طالبا من طلابنا في المرحلة الإعدادية يحسب كم يبعد هذا النجم الذي هو أقرب نجم ملتهب إلينا عن أرضنا، فإذا كان لهذا النجم طريق سالك، ومعنا مركبة أرضية، وسرنا بسرعة مئة في الساعة، لو قسمنا المسافة على مئة يكون الجواب كم ساعة تستغرق الرحلة، لو قسمنا الناتج على 24 نجد كم من يوم تستغرق الرحلة ؟ لو قسمنا الناتج على 365 كم من عام، من أجل أن نصل إلى أقرب نجم ملتهب إلى الأرض بمركبة أرضية نحتاج إلى خمسين مليون عام، متى نصل إلى نجم القطب الذي يبعد عنا 4000 سنة ضوئية ؟ بل متى نصل إلى مجرة المرأة المسلسلة التي تبعد عنا مليوني سنة ضوئية، ومتى نصل إلى بعض المجرات التي اكتشفت حديثاً، وتبعد عنا 20 مليار سنة ضوئية، إذا فتحت كتاب الله، وقرأت قوله تعالى:
﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ﴾
( سورة الواقعة )
لذلك أيها الإخوة: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾
( سورة فاطر الآية: 28 )
إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم.
ولكن في الآية الكريمة ملمح دقيق:
﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ ﴾
( سورة الواقعة )
إنها كلمة مواقع، الموقع يعني أن صاحب الموقع قد لا يكون في الموقع، لأن هذا النجم، أو هذه المجرة، أو هذا النجم الذي يبعد عنا عشرين مليار سنة كان في هذا المكان، وأرسل ضوءه إلى الأرض، وبقي الضوء يقطع في الفضاء الخارجي مسافة يستغرق قطعها 20 مليار سنة، النجم أين هو الآن ؟ ليس في هذا المكان، سرعته تقترب من سرعة الضوء.
لذلك إذا تأمل عالم فلك في كلمة: ﴿ بِمَوَاقِعِ ﴾، لخر ساجداً لله.
﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ ﴾
( سورة الواقعة )
لو أن الآية: لا أقسم بالمسافات بين النجوم، فهذا ليس قرآناً:
﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ﴾
( سورة الواقعة )
برج العقرب:
إخوتنا الكرام، الأرض تدور حول الشمس، بين الأرض والشمس 156 مليون كم، يقطعها الضوء في 8 دقائق، الشمس تكبر الأرض بمليون و300 ألف مرة، أي أن جوف الشمس يتسع لمليون و300 ألف أرض، وبينهما 156 مليون كم، وحينما قال الله عز وجل:
﴿ وَالسَّمَاء ذَاتِ الْبُرُوجِ ﴾
( سورة البروج )
أحد أبراج السماء اسمه برج العقرب، برج العقرب فيه نجم صغير متألق اسمه قلب العقرب، هذا النجم الصغير المتألق يتسع ـ دققوا الآن ـ يتسع للشمس والأرض مع المسافة بينهما، أهذا الإله العظيم يُعصى ؟! ألا يخطب وده ؟ ألا ترجى جنته ؟ ألا تخشى ناره ؟
﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ﴾
( سورة الواقعة )
﴿ قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾
( سورة يونس الآية: 101 )
البعوضة:
لو انتقلنا نقلة فجائية من المجرات، ومن السماوات إلى أحقر مخلوق عند الإنسان إنه البعوضة، البعوضة بعد أن وضعت تحت المجهر تبين أن في رأسها مئة عين، وفي فمها 48 سناً، وفي صدرها 3 قلوب، قلب مركزي، وقلب لكل جناح، وفي كل قلب أذينان وبطينان ودسامان، وتملك البعوضة جهازا استقباليا حراريا لا تملكه الطائرات، إنها ترى الأشياء لا بأشكالها، ولا بأحجامها، ولا بألوانها، ولكن ترى الأشياء بحرارتها فقط، وحساسية هذا الجهاز الحراري واحد على ألف من الدرجة المئوية.
وتملك جهاز تحليل دم، فما كل دم يناسبها، وتملك جهازاً آخر، جهاز تمييع للدم، لأن لزوجة دم الإنسان لا تسري في خرطومها، وتملك جهاز تخدير.
أما خرطومها ففيه ستة سكينان، أربع سكاكين لإحداث جرح مربع، وسكينان يلتئمان على شكل أنبوب لامتصاص الدم، فإذا قال الله عز وجل في قرآنه:
﴿ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ﴾
( سورة البقرة الآية: 26 )
هذه الآية تندرج تحت الإعجاز العلمي في القرآن الكريم.
في أرجل البعوضة مخالب، إن أرادت أن تقف على سطح خشن، وفي أرجل البعوضة محاجم، إن أردت أن تقف على سطح أملس. ﴿ قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾
( سورة يونس الآية: 101 )
﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾
( سورة آل عمران )
أيها الإخوة الكرام، الآيات التي تتحدث عن العلم، وعن التفكر، وعن العقل تقترب من ألف آية في القرآن الكريم، والآيات التي تتحدث عن الكون تقترب أيضاً من ألف آية، لذلك سبيل معرفة الله التفكر في آياته، فالله عز وجل حينما قال: ﴿ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ ﴾
( سورة الجاثية )
الله عز وجل مبين، بيّن هذه الآية، والله عز وجل ظاهر، بل إن كل شيء في الكون ينطق بوجود الله، ووحدانيته، وكماله، هذا عن آياته الكونية.
من آيات الله التكوينية:
فماذا عن آياته التكوينية ؟ نحن مأمورون أن نتفكر بآياته الكونية، أما آياته التكوينية فهي أفعاله.
تصوروا فرعون، وما أدراكم من فرعون، بجبروته، بقوته، باستعلائه، باستكباره، بقسوته، بظلمه، بطغيانه، هذا فرعون رواء سيدنا موسى بقوته، سيدنا موسى معه شرذمة قليلون من بني إسرائيل، وصلوا إلى ساحل البحر الأحر.
﴿ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ﴾
( سورة الشعراء )
احتمال النجاة صفر، فرعون بأسلحته، بحقده، بطغيانه، باستعلائه، باستكباره، وراء نبي كريم مع شرذمة من بني إسرائيل. ﴿ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾
( سورة الشعراء )
والقصة معروفة لديكم، حيث إن هذا النبي الكريم ضرب البحر بعصاه فأصبح طريقاً يبساً، سار فيه موسى ومن معه، تبعهم فرعون، وكان موسى قد خرج من الطرف الآخر، وفرعون في منتصف البحر، فغرق، وكان إغراق فرعون آية من آيات الله عز وجل.
وهذه القصة لنا من أجل ألا نيأس، من أجل أن نثق بالله عز وجل، وأن الله سبحانه وتعالى لا يتخلى عن عباده المؤمنين. ﴿ وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾
( سورة آل عمران )
هذه آية من آياته التكوينية، قال تعالى: ﴿ قُلْ سِيرُواْ فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾
( سورة الأنعام )
هؤلاء الذين عارضوا النبي الكريم، أين هم الآن ؟ في مزبلة التاريخ، أبو جهل وأبو لهب، هؤلاء الذين وقفوا معه أين هم ؟ في أعلى عليين.
﴿ قُلْ سِيرُواْ فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾
( سورة الأنعام )
وفي آية أخرى: ﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا ﴾
( سورة النمل الآية: 69 )
أحياناً يأتي التدمير سريعاً، وقد يأتي متأخراً لحكمة أرادها الله عز وجل، فآياته الكونية أُمرنا أن نتفكر فيها، وآياته التكوينية أُمرنا أن ننظر فيها.
الآيات القرآنية:
بقيت آياته القرآنية أُمرنا أن نتدبر آياته القرآنية، والقرآن الكريم يُقرأ، والأولى أن يُقرأ قراءة صحيحة، وفق قواعد اللغة، لأن هذا القرآن الكريم نزل بلسان عربي مبين، وإن أمكن ينبغي أن يُقرأ قراءة وفق أحكام التجويد، هذا مندرج تحت قوله تعالى:
﴿ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ ﴾
( سورة البقرة الآية: 121 )
ثم ينبغي أن نفهمه، ثم ينبغي أن نتدبره، ما الفرق بين أن نفهمه وأن نتدبره ؟ أن نفهمه أي نفهم المعنى الذي أراده الله عز وجل وفق علم الأصول، أما التدبر فتقول: أين أنا من هذه الآية ؟ هل أنا مطبق لها ؟ دائماً وأبداً التدبر يعني أن تسأل نفسك: أين أنا من هذه الآية ؟ فلذلك القرآن الكريم يقول:
﴿ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾
( سورة آل عمران )
هل أنا متوكل ؟ فالمؤمن الصادق حيث ما قرأ آية في كتاب الله يسأل نفسه: هل أنا مطبق لها ؟ هذا هو التدبر، وأعلى شيء في تلاوة القرآن الكريم التطبيق، إذاً:
﴿ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ ﴾
( سورة البقرة الآية: 121 )
بدءاً من تلاوته وفق أحكام اللغة العربية الصحيحة، ثم قراءته وفق علم التجويد، ثم فهمه، ثم تدبره، ثم تطبيقه.
(( ما آمن بالقرآن من استحل محارمه ))
[ أخرجه الترمذي عن صهيب ]
إذاً: الآيات الكونية أتفكر فيها، والتفكر أمرٌ في القرآن الكريم، بل إن هذا الأمر يعد من أوثق الأوامر، لماذا ؟ جاء بفعل مضارع، يتفكرون، التفكر مستمر:
﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾
( سورة آل عمران )
والآيات التي تزيد على ألف آية في كتاب الله، وتتحدث عن الكون هي في الحقيقة منهج لنا، منهج للتفكر، فأية آية كونية يجب أن تقف منها الموقف الذي أراده الله، مثلاً:
ماذا تقتضي قراءة الآيات الكونية والتكوينية والقرآنية ؟
إذا قرأت آية فيها أمر ماذا تقتضي منك هذه الآية ؟ أن تأتمر، إن قرأت آية فيها نهي ماذا تقتضي منك هذه الآية ؟ أن تنتهي، إن قرأت آية فيها وصف لأهل الجنة ماذا تقتضي منك هذه الآية ؟ أن تسعى لدخول الجنة بالعمل الصالح، والتوبة، والاستقامة، وإن قرأت آية فيها وصف لأهل النار ماذا تقتضي منك هذه الآية ؟ أن تبتعد عن النار.
(( اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقّ تَمْرَةٍ ))
[ أخرجه البخاري ومسلم، عن عديّ بن حاتم رضي اللّه عنه ]
فإذا قرأت آية تتحدث عن الأقوام السابقة ماذا تقتضي منك هذه الآية ؟ أن تعتبر.
الآن الشاهد: فإذا قرأت آية كونية ماذا تقتضي منك هذه الآية ؟ أن تتفكر في خلق السماوات والأرض، وربما كان التفكر عبادة يقوم بها الإنسان، لأن التفكر طريق إلى معرفة الله، وأصل الدين معرفته، وحينما تعرف الآمر، ثم تعرف الأمر تتفانى في طاعة الآمر، أما حينما تعرف الأمر، ولا تعرف الآمر تتفنن في التفلت من الأمر، وهذه مشكلة المسلمين الأولى، عرفوا الأمر ولم يعرفوا الآمر، هان أمر الله عليهم فهانوا على الله، هان أمر الله عليهم لأنهم ما عرفوا من الآمر.
لذلك المرحلة المكية التي أمضى فيها النبي عليه الصلاة والسلام سنوات طويلة في تعريف أصحابه بالله، ويغلب على الآيات المكية أنها كونية، ويغلب على الآيات المدنية أنها تشريعية، وفي الدعوة إلى الله لا بد أن تتمايز المرحلة المكية التي فيها تعريف لله عز وجل عن المرحلة المدينة التي فيها تعريف بأمره.
والمقولة التي أرددها كثيراً: أنت بالكون تعرفه، وبالقرآن الكريم تعبده، بالكون تعرفه، وبالمنهج القويم الذي جاء به القرآن الكريم والسنة المطهرة تعبده، بالتفكر تعرفه، وبالطاعة تعبده، والإنسان علة وجوده أن يعبد الله، والعبادة طاعة طوعية، ممزوجة بحبحة قلبية، أساسها معرفة يقينية، تفضي إلى سادة أبدية.
أيها الإخوة، الله عز وجل من خلال التفكر في خلق السماوات والأرض نرى كمالاً، ونرى عظمة، ونرى رحمة، ونرى حكمة، ونرى قوة، أسماء الله الحسنى نستشفها من التفكر في خلق السماوات والأرض، قد نصل في نهاية المطاف إلى أن الله موجود، وكامل وواحد، وأـسمائه حسنى، وصفاته فضلى.
الآن كمال الخلق يدل على كمال التصرف، إذاً من مقتضيات كماله الذي وصلنا إلى هذه الحقيقة من خلال التفكر في خلقه، أنه يبين لعباده، يبين لهم الآيات من أجل أن يتفكروا، يبين لهم الآيات من أجل أن يعقلوا، يبين لهم الآيات من أجل أن يهتدوا، من أجل أن يطيعوا، من أجل أن يتقوا، من أجل أن يشكروا.
﴿ مَّا يَفْعَلُ اللّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ ﴾
( سورة النساء الآية: 147 )
حينما تؤمن، وحينما تشكر تحقق الهدف من وجودك، ذلك لأن الكون مسخر لك أيها الإنسان تسخير تعريف وتكريم، هذا يستنبط من قول النبي الكريم حينما رأى هلالاً قال:
(( هِلالٌ خَيْرٍ وَرُشْدٍ ))
[ رواه أبو داود عن قتادة ]
ننتفع به، يرشدنا إلى الله عز وجل، وأي شيء من دون استثناء خلقه الله عز وجل له وظيفتان كبيرتان، وظيفة إرشادية، ووظيفة نفعية، العالم الغربي حقق الوظيفة الثانية في أعلى مستوى، انتفع من خيرات الأرض، وخيرات السماء، وما تحت الأرض، بينما المسلم ينبغي أن يضيف إلى انتفاعه من خيرات ربه جل جلاله يضيف إلى استمتاعه بهذه الخيرات أنه يعرف الله من خلالها.
لذلك أي شيء خلقه الله عز وجل له وظيفتان، وظيفة نفعية، ووظيفة إرشادية.
إذاً: أن يبين الله لنا آياته هذا من لوازم كماله، من هنا جاءت الرسالات السماوية والأنبياء، والمرسلون، وكل وسائل هداية الخلق هي تعبير عن محبة الله لنا، وعن أنه خلقنا ليسعدنا.
3 – ماذا تستفيد من اسم ( المبين ) ؟ البيان يطرد الشيطان:
الآن أنت كمؤمن ماذا ينبغي أن تفعل حيال هذا الاسم ؟ ينبغي أن تبين النبي عليه الصلاة والسلام كان في معتكفه، وجاءت السيدة صفية رضي الله عنها تتفقده، وتقدم له بعض الحاجات، جلست معه قليلاً، ثم أرادت أن تنطلق إلى بيتها، رافقها النبي عليه الصلاة والسلام، لما رافقها النبي، وهما في الطريق رأيا صحابيين، فقال عليه الصلاة والسلام: على رسليكما هذه زوجتي صفية، بين، وضح.
لذلك قالوا: البيان يطرد الشيطان، والمؤمن مِن تخلّقه بهذا الاسم العظيم يبيّن، هناك حساب بينك وبين شريكك، أنت أمين إلى أعلى درجة، وجدت أن المدفوعات تساوي المصروفات، قلت: الحساب مغلق، انتهى، لا يكفي، لا بد من أن تقدم الحساب، وتبين.
كلمة: " هذه زوجتي صفية " يُحمل عليها آلاف الحالات، بيّن وضح.
أنت مسافر، كلفت أخا زوجتك أن يتفقدها في غيبتك، بلِّغ الجيران، أنا مسافر، وسيأتي أخو زوجتي يتفقد شؤون أخته، لئلا يظن الناس أن هذا الإنسان غريب دخل إلى بيتك في غيبتك، لذلك لا تضع نفسك موع التهمة، ثم تلوم الناس إذا اتهموك.
البطولة أن كل عمل يقتضي تفسيرين يجب أن تبتعد عنه، وإن كنت مضطراً فبيّن ماذا تريد من هذا العمل، هذه من صفات المؤمن، يبيّن، هذه زوجتي صفية، وهذا هو الحساب، وهذا الذي جاء إلينا فلان، فكلما بينت أزلت الشكوك، وأبعدت نفسك عن التهم، والمؤمن حريص على سمعته، وعلى كلام الناس في غيبته، ورحم الله عبداً جب المغيبة عن نفسه.
والحمد لله رب العالمين
آفراح
08-06-2018, 12:57 PM
جوزيت كل خير وبورك فيك
تحية
السعيد
08-07-2018, 07:26 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الواحد و العشرون )
الموضوع : اسم الله - القريب -1 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: ( القريب ):
1 – ورودُ اسم ( القريب ) في القرآن الكريم مقترنا بغيره من الأسماء:
أيها الإخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، وهو اسم ( القريب )، وقد ورد اسم الله ( القريب ) في القرآن الكريم مطلقاً منوناً، مرادا به العلمية، دالاً على كمال الوصفية، ومقترناً باسم الله المجيب، كما في قوله تعالى:
﴿ فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ ﴾
( سورة هود )
واقترن باسمه السميع، في قوله تعالى: ﴿ قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ ﴾
( سورة سبأ )
2 – ورودُ اسم ( القريب ) في القرآن الكريم مفرَدًا:
ورد هذا الاسم أيضاً مفرداً في قوله تعالى:
﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ﴾
( سورة البقرة الآية: 186 )
3 – قربُ الله قربُ علمٍٍ وقدرةٍ:
أيها الإخوة، هذا الاسم له قرب من الإنسان شديد، المعنى أنك إذا أيقنت الله معك فلن تستطيع أن تعصيه، بل حينما تشعر أن قرب الله قرب علم، وأن قرب الله قرب قدرة لا يمكن أن تتجاوز أمره
﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا ﴾
( سورة الطلاق )
فعلّة خلق السماوات والأرض أن تعلموا. ﴿ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾
( سورة الطلاق )
4 – قربُ الله يستلزم معيّته:
حينما توقن أن علم الله يطولك، وأن قدرته تطولك، وأن قرب الله قرب علم، وأن قرب الله قرب قدرة، أنت في قبضته، وعلمه يطولك، وقدرتك تطولك، فكيف تعصيه ؟ حتى إنه قد قيل: أفضل إيمان المرء أن يعلم أن الله معه حيث كان.
﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ﴾
( سورة الحديد الآية: 4 )
وهو مع المؤمنين بالحفظ، والتأييد، والنصر، التوفيق.
فلذلك أيها الإخوة، ورد في مرتبة الإحسان:
(( أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ ))
[ مسلم عن عمر بن الخطاب ]
﴿ فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ * وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ * إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾
( سورة الشعراء )
أحياناً يكون الإنسان قريباً منك، يلازمك كظلك، لا يفارقك، مهما يكن محبوباً تضجر من قربه، تقول: دعني وشأني، أيّ إنسان إذا لازمك ورافقك لا تحتمل قربه، تحتاج من حين لآخر ألا أن تنفرد بنفسك، ومع أن الله معنا في كل وقت، وفي كل حين، وفي كل شأن: ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ﴾
( سورة الحديد الآية: 4 )
لكن معية لطيفة لا تشعر بثقل وجوده، بل تشعر براحة وجوده.
5 – قربُ الله أكبر ضمان لاستقامة العبد:
فلذلك أعلى درجة من الإيمان أن تشعر أن الله معك، وأكبر ضمانة للاستقامة أن تشعر أن الله معك، وأكبر باعث للخشية أن تشعر أن الله معك، وأكبر مُطمئِنٍ لك أن تشعر أن الله معك.
﴿ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ﴾
( سورة الشعراء )
بالموازين الأرضية لا أمل، فرعون بقوته، بجيشه، بطغيانه، بحقده، بجبروته، يتابع نبياً مع شرذمة قليلين من بني إسرائيل، إلى أن وصلوا إلى البحر، وانتهى الأمر، بالموازين الأرضية لا أمل في النجاة أبداً. ﴿ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾
( سورة الشعراء )
معية الله للمؤمنين معية النصر، معية التوفيق، معية التأييد، معية الحفظ، ومعية الله لأي إنسان كائناً من كان، حتى ولو كان ملحداً فهو معه معية العلم:
﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ﴾
( سورة الحديد الآية: 4 )
إما أن تكون المعية معية علم لكل خلقه، وإما أن تكون المعية معية توفيق، وحفظ، وتأييد ونصر.
معية الله لها ثمن:
إلا أن المعية الخاصة لها ثمن، ولا شيء بلا ثمن.
﴿ وَقَالَ اللّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا ﴾
( سورة المائدة الآية: 12 )
معية الله عز وجل لها ثمن، وأعلى درجة الإيمان أن تشعر أن الله معك، قريب منك، هو أقرب إليك من حبل الوريد، قال بعض العلماء: أقرب إليك من روحك.
امسك قطعة كهربائية، وضمها إلى صدرك، وضمها ضماً شديداً، مهما تكن قريباً منها، ومهما تكن قريبة منك، مهما شددت عليها، الذي أقرب إليها منك القوة الكهربائية التي تحركها، لكن الله سبحانه وتعالى، ولله المثل الأعلى أقرب إليك من القوة التي تمدك بالحياة. ﴿ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ﴾
( سورة ق )
فهو معنا، يطلع علينا، يطلع على خواطرنا، على نوايانا، يطلع علينا، إذا تكلمنا فهو يسمعنا، يطلع علينا فهو يرانا، يطلع على قلوبنا إذا أضمرنا، لا تغيب عنه غائبة، ولا تخفى عنه خافية، هذا الإيمان إلى أن نصل إليه نكون قد حققنا تسعة أعشار الطريق إلى الله، أن الله قريب: ﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ * وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ * وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ * وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ * إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾
( سورة الشعراء )
أيها الإخوة، للتقريب: إن الإنسان لو زاره رجل من علية القوم، من وجهاء الحي، من أقرب الناس إليه، في الأعم الأغلب يرتدي ثيابا جميلة، في الأعم الأغلب يجلس جلسة مؤدبة، في الأعم الأغلب ينتقي كلمات دقيقة، في الأعم الأغلب يتجمل أمامه، فإذا كان هذا حالنا مع كبراء القوم، هذا مع علية القوم، فكيف حال المؤمن مع خالق السماوات والأرض ؟.
الحقيقة أن الخشوع يحتاج إلى إحساس بالقرب، ودائماً وأبداً يشعر المؤمن أن الله معه، فهو أولاً في طمأنينة، وثانياً في مراقبة.
الأعرابي الذي سأل النبي عليه الصلاة والسلام، قال: يا رسول الله، عظني ولا تطل، فتلا عليه قوله تعالى: ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾
( سورة الزلزلة )
قال هذا الأعرابي: كُفيت، فقال عليه الصلاة والسلام: فَقُه الرجل، لم يقل فَقِه قال فَقُه، يعني أصبح فقيهاً، آية واحدة كفته.
صدقوا أيها الإخوة، أن هناك آيات لا تعد ولا تحصى، الواحدة منها تكفي. ﴿ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾
( سورة النساء )
﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ﴾
( سورة الحديد الآية: 4 )
وهو قريب منكم.
وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ
﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ﴾
( سورة البقرة الآية: 186 )
أحياناً تدعو الله بقلبك، ولا تحرك شفتيك، ولا تنطق بكلمة.
حدثني رجل، قال لي: والله انتهيت من أداء خدمتي الإلزامية، ولا أملك من الدنيا شيئاً، أعطتني أختي سوارا من الذهب، فبعتها، واشتريت بها بطاقة إلى بلاد الخليج، وأنا راكب في الطائرة أضمرت في قلبي أن إذا أكرمني الله عز وجل سأبني له مسجداً في بلدتي، قال لي: الله ما حركت شفتاي بهذا الكلام، وبعد أعوام مديدة أنشأ هذا المسجد، وصليت في المسجد، وحدثني عن قصته.
لذلك الله عز وجل مطلع على خواطرك، يمكن أن تدعوه بقلبك. ﴿ إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيًّا ﴾
( سورة مريم )
﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي ﴾
( سورة البقرة الآية: 186 )
الدعاء سلاح المؤمن، وأنت بالدعاء أقوى إنسان، إن أردت أن تكون أقوى الناس فتوكل على الله، إن أردت أن تكون أغنى الناس فكن بما في يدي الله أوثق منك بما في يديك إذا أردت أن تكون أكرم الناس فاتقِ الله.
أيها الإخوة:
(( ما من عبد يعتصم بي دون خلقي أعرف ذلك من نيته فتكيده السماوات بمن فيها إلا جعلت له من بين ذلك مخرجا، وما من عبد يعتصم بمخلوق دوني أعرف ذلك من نيته إلا قطعت أسباب السماء بين يديه، وأرسخت الهوى من تحت قدميه ))
[ أخرجه ابن عساكر عن كعب بن مالك ]
فأنت إذا أيقنت أن الله قريب منك، وأنه معك، وأنه مطلع على سريرتك، لأنه يسمع دعاءك، ويرى حركتك، ويعلم ما في قلبك، لا بد من أن تستقيم على أمره، ولا بد من أن تستحي منه.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( اسْتَحْيُوا مِنْ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ، قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا نَسْتَحْيِي وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، قَالَ: لَيْسَ ذَاكَ، وَلَكِنَّ الِاسْتِحْيَاءَ مِنْ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ، وَمَا وَعَى وَالْبَطْنَ وَمَا حَوَى، وَلْتَذْكُرْ الْمَوْتَ وَالْبِلَى، وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ اسْتَحْيَا مِنْ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ ))
[ أخرجه أحمد، والترمذي والحاكم، والبيهقي ]
الإسلام والإيمان والإحسان:
إذاً: الموضوع أن تشعر أنه معك، ومرتبة الإحسان، وهذه في النصوص الصحيحة تأتي فوق مرتبة الإيمان، هناك مرتبة الإسلام، ومرتبة الإيمان، ومرتبة الإحسان، مرتبة الإسلام أن تخضع للواحد الديان، أن تخضع جوارحك لمنهجه، أن تؤدي زكاة مالك، أن تصلي الفرائض، أن تدفع الزكاة، أن تحج البيت، أن تغض البصر، أن تكون صادقاً، أميناً، عفيفاً، منجزاً للوعد، راعياً للعهد، هذا هو الإسلام.
﴿ قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا ﴾
( سورة الحجرات الآية: 14 )
فالإسلام أولاً، مرتبة الإسلام خضوع الجوارح والأعضاء لمنهج الله عز وجل، أما الإيمان فأن ينعقد مع هذا الخضوع صلة بالله عز وجل، فتقبل عليه، لذلك الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالإقبال على الله، وينقص بفتور العلاقة معه.
المرتبة الثالثة مرتبة الإحسان، هذه متعلقة باسم ( القريب )، أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.
أيها الإخوة، أفضل إيمان المرء أن يعلم أن الله معه حيث كان.
أيها الإخوة، ورد في بعض الأحاديث عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكُنَّا إِذَا أَشْرَفْنَا عَلَى وَادٍ هَلَّلْنَا وَكَبَّرْنَا ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُنَا، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( يَا أَيُّهَا النَّاسُ، ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إِنَّهُ مَعَكُمْ، إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ، تَبَارَكَ اسْمُهُ وَتَعَالَى جَدُّهُ ))
[ متفق عليه ]
إنه معكم، وأبرز ما يميز المؤمن خشوعه، وأسباب خشوعه إيمانه أن الله معه، وهناك قصص لا تعد ولا تحصى تبين أن الناس يتفاوتون بإيمانهم، بقدر إدراكهم بقرب ربهم:
﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ﴾
( سورة الحديد الآية: 4 )
6 – من معاني اسم ( القريب ):
الآن ما معنى اسم ( القريب ) على التفصيل:
1 ـ القرب المكاني:
أول معنى هناك القرب المكاني، القريب عكس البعيد، القريب ليس بينك وبينه حجاب، البعيد بكل معاني الكلمة، هناك قرب المكان، قال تعالى:
﴿ إِنَّمَا الْمُشْرِكُون نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا ﴾
( سورة التوبة الآية: 28 )
من معاني القريب قرب المكان، تؤكده هذه الآية الكريمة:
﴿ إِنَّمَا الْمُشْرِكُون نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا ﴾
( سورة التوبة الآية: 28 )
2 ـ القرب الزماني:
ومن معاني القريب قرب الزمان.
﴿ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ ﴾
( سورة الأنبياء )
إما قرب مكاني، وإما قرب زماني.
3 ـ قُربُ النَّسب:
ومن معانيه القريب في النسب:
﴿ لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ ﴾
( سورة النساء الآية: 7 )
عندنا قرب نسب، وبالمناسبة: هناك قاعدة: الأقربون أولى بالمعروف، من أدق هذه القواعد: القرب النسبي، والقرب إلى الفقر، والقرب إلى الإيمان، عندك ثلاثة موازين في دفع صدقتك أو زكاتك، إما أنه أفقر، أو أنه أقرب إلى الإيمان، أو أنه أقرب إليك نسباً.
إذاً:
﴿ لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ ﴾
( سورة النساء الآية: 7 )
4 ـ قُرب الحظوة:
ومن معاني القرب قرب الحظوة، أحيانا يكون الإنسان قريبا من إنسان يحتل مركزا مرموقا، وله رجلٌ قريب جداً منه، بإمكانه أن يدخل عليه بلا استئذان، بإمكانه أن يبوح له بكل شيء، هذا قربُ الحظوة، وعندنا قرب مكان، وقرب زمان، وقرب حظوة، هذا المعنى في قوله تعالى:
﴿ فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ ﴾
( سورة الواقعة )
كيف هو قريب ؟ قال: هو قريب من خلقه كما شاء، وكيف شاء، هو القريب من فوق عرشه، أقرب إلى عباده من حبل الوريد، كما قال تعالى: ﴿ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ﴾
( سورة ق الآية: 16 )
﴿ فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لَّا تُبْصِرُونَ ﴾
( سورة الواقعة )
إنسان حضرته الوفاة، أقرباءه، زوجته، أولاده، إخوته حوله، قريبون منه، يضعون يدهم على جبينه، وهذا على يده يقيس ضغطه، كل هذا القرب قال تعالى:
﴿ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لَّا تُبْصِرُونَ ﴾
لذلك حينما تصل إلى أن تؤمن أن الله معك دائماً، تكون قد قطعت تسعة أعشار الطريق إلى الله، والإحساس بقرب الله عز وجل أكبر باعث على طاعته، وأكبر باعث على الخشية منه، والإنسان حينما يرى أن الله معه يقبل عليه.
(( يا موسى أتحب أن أكون جليسك قال: كيف ذلك يا رب ؟ أما علمت أني جليس من ذكرني، وحيثما التمسني عبدي وجدني ))
[ ورد في الأثر ]
لذلك القرب من الله قمة التدين، قمة الإيمان أن تكون قريباً من الله، القرب من الله يعني الانضباط، القرب من الله يعني الشعور بالأمن، القرب من الله يعني الشعور بالسكينة، القرب من الله يعني الشعور بالسعادة، الشعور بالرضا، هذه المعاني الدقيقة جداً لذلك في قوله تعالى:
﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾
( سورة العنكبوت الآية: 45 )
ذكر الله لكم وأنتم تتصلون به أكبر من ذكركم له، وأنتم تعبدونه، لأن الله إذا ذكر الإنسان منحه نعمة الأمن، والأمن بشكل أو بآخر خاص بالمؤمنين، قال تعالى: ﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ ﴾
( سورة الأنعام )
والله أيها الإخوة، ما من نعمة أعظم عند الله من أن تشعر بالأمن، من أن تشعر أن مصيرك بيد الله، لا بيد زيد، ولا بيد فلان أوعلان، مصيرك بالله، رزقك بيده، صحتك بيده، الأقوياء بيده، أعداءك بيده، أقرب الناس إليك بيده، من له علاقة حميمة معك بيده.
لذلك: (( عبدي كن لي كما أريد أكن لك كما تريد، أنت تريد وأنا أريد، فإذا سلمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد، وإن لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد، ثم لا يكون إلا ما أريد ))
هذا ما يعنيه القربُ من الله:
لذلك القرب من الله يعني الشعور بالأمن، سيدنا يونس وجد نفسه فجأة في بطن حوت، بمقاييس الأرض الأمل صفر، النجاة صفر، بطن الحوت، يقف المرء في فمه قائماً، وجبته المعتدلة أربعة أطنان، الإنسان كله خمسين كيلوا، والحوت وجبته المعتدلة بين وجبتين أربعة أطنان، نبي كريم يجد نفسه في بطن حوت، في ظلمة الليل، وفي ظلمة البحر، وفي ظلمة بطن الحوت، العلماء يقولون: تحت 200 متر ظلام دامس، إذا أخرج يده لم يكد يراها، فهو في ظلمة الليل، وفي ظلمة بطن الحوت، وفي ظلمة البحر.
﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾
( سورة الأنبياء )
لأنه يحس أن الله معه. ﴿ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾
( سورة الأنبياء )
أروع ما في الآية أن التعقيب نقلها من قصة وقعت إلى قانون مستمر، قال:
﴿ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾
( سورة الأنبياء )
لذلك المؤمن سلاحه الدعاء، إحساسه أن الله قريب منه، وأن الدعاء أقوى ما يميزه عن غير المؤمن، والدعاء له قوة لا يملكها خصمه.
7 – من ثمرات اسم ( القريب ):
أيها الإخوة الكرام، من ثمرات اسم ( القريب ) أنه ينصرك، فلا تخشى بالله لومة لائم.
حينما أدى الحسن البصري واجب العلماء في التبيين، وبيّن، وسمع الحجاج مقالة الحسن البصري، وغضب غضباً شديداً، وتوعده بالقتل، وقال لمن حوله: " يا جبناء والله لأروينّكم من دمه، وأمر بقتله، وجاء بالسياف، وأرسل في طلبه، دخل الحسن البصري إلى المجلس، فإذا بالسياف، وإذا بالنطع قد مد، فحرك شفتيه، لأنه يشعر أن الله قريب منه، فحرك شفتيه، وإذا بالحجاج يختلف أمره، يقف له، ويقول: أهلاً بأبي سعيد، أنت سيد العلماء، شيء غير متوقع، ومازال يدنيه من مجلسه حتى أجلسه على سريره، وسأله في بعض القضايا، واستفتاه، وضيفه، وعطره، وشيعه إلى باب القصر، الذي صُعق السياف والحاجب، فتبعه الحاجب، قال: يا أبا سعيد، لقد جيء بك بغير ما فُعل بك، فماذا قلت بربك ؟ قال: قلت: يا ملاذي عند كربتي، يا مؤنسي في وحشتي، اجعل نقمته عليّ برداً وسلاماً كما جعلت النار برداً وسلاماً على إبراهيم ".
أنت حينما تشعر أن الله قريب منك تدعوه في أي وقت، وفي أي مكان، وفي أطباق السماء وأنت راكب الطائرة، وفي أعماق البحار وأنت في غواصة، وعلى سطح الأرض، وعلى أي مكان في الأرض، وفي أي حال.
لذلك الشعور بالقرب من الله شعور مُسعِد، الشعور القرب من الله شعور مطمئن، الشعور بالقرب من الله شعور السكينة التي تسعد بها، ولو فقدت كل شيء، وتشقى بفقدها ولو ملكت كل شيء.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
08-07-2018, 07:31 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الثانى و العشرون )
الموضوع : اسم الله - القريب -2 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. اسم الله تعالى ( القريب ):
أيها الإخوة الكرام، لا زلنا مع اسم الله ( القريب )، والآية التي ورد فيها اسم ( القريب ) هي قوله تعالى:
﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾
( سورة البقرة الآية: 186 )
1 – صيغة ( يسألونك ) في القرآن الكريم:
وقبل أن نقف عند تفاصيل هذه الآية لابد من التنويه إلى أن في القرآن الكريم عدداً ليس بالقليل من الآيات تبدأ:
﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ ﴾
( سورة البقرة الآية: 219 )
﴿ وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ﴾
( سورة البقرة الآية: 219 )
﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ ﴾
( سورة البقرة الآية: 222 )
2 – استنباط لطيف من قوله تعالى: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ:
آيات كثيرة هذه صيغتها:
﴿ وَيَسْأَلُونَكَ ﴾
ويأتي الجواب: ﴿ قُلِ ﴾
إلا في هذه الآية الوحيدة:
﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي ﴾
فليس هناك: قل.
﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ﴾
استنبط العلماء أنه ليس بين الله وبين عبده وسيط أبداً، فإذا قلت: يا رب تبت إليك، يقول الله لك: وأنا قبلت يا عبدي.
3 – معنى: وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ:
لكن الآية الأخرى تقول:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ ﴾
( سورة المائدة الآية: 35 )
ما معنى الوسيلة في هذه الآية ؟ قال العلماء: الوسيلة هي العلم، اطلب العلم كي تعرف الله عز وجل، والوسيلة هي العمل الصالح. ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا ﴾
( سورة الكهف الآية: 110 )
فالعمل الصالح وسيلة، والعلم وسيلة، وإنفاق المال وسيلة، وصحبة الصالحين وسيلة، لكن صحبة الصالحين لا تزيد على أن هذا الذي تجلس معه يجب أنْ يدلَّك على الله مقاله، وينهض بك إلى الله حاله، وفوق ذلك لا يُقبل إطلاقاً.
4 – لا أحد من البشر يعلم الغيب:
لأن الله عز وجل حينما خاطب نبيه عليه الصلاة والسلام قال له: قل:
﴿ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ ﴾
( سورة الأنعام الآية: 50 )
ليس على وجه الأرض إنسان بما فيهم النبي يعلم الغيب، وأيّ إنسان يدّعي علم الغيب فهو كذّاب، والآن هناك قنوات تؤكد أن هذا الذي تسأله يعلم الغيب، يقول لك: بعد عشرين يوما سيكون كذا، هذا كذب ودجل وبهتان، فإذا كان سيد الخلق، وحبيب الحق لا يعلم الغيب فلا يستطيع إنسان على وجه الأرض أن يدّعي أنه يعلم الغيب، لذلك: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَالْحَسَنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
(( مَنْ أَتَى كَاهِنًا أَوْ عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ))
[أخرجه أحمد، والحاكم ]
عَنْ صَفِيَّةَ عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
(( مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ لَمْ يُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ))
[ أحمد ]
إذاً سيد الخلق، وحبيب الحق لا يعلم الغيب. ﴿ قُلْ إِنِّيَ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾
( سورة الأنعام )
ليس في الإسلام درجة إذا بلغها الإنسان لم تضره معصية بعدها، مستحيل، إذا كان سيد الخلق وحبيب الحق يأمره الله أن يقول:
﴿ قُلْ إِنِّيَ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾
( سورة الأنعام )
إذاً: لا يجرؤ إنسان أن يدعي ذلك.
5 – لا أحد من البشر يملك ضرا ولا نفعا:
الآية الثالثة:
﴿ لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا ﴾
( سورة الجن )
إذا كان سيد الخلق وحبيب الحق، لا يملك لنا نفعا ولا ضرا، هل يستطيع إنسان أن يدعي ذلك ؟ الآن: ﴿ قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا ﴾
( سورة الأعراف الآية: 188 )
﴿ لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا ﴾
( سورة الجن )
إذا كان سيد الخلق، وحبيب الحق لا يملك لنا نفعاً ولا ضرا فهل يستطيع إنسان أن يدعي ذلك ؟
﴿ قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا ﴾
( سورة الأعراف الآية: 188 )
إذا كنتُ لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضرا فمن باب أولى أنني لا أملك لكم نفعاً ولا ضراً.
لذلك أنت بهذه الآيات تركل بقدمك ألف قصة تخالف هذه الآيات، والعلم سلاح، والعلم وسيلة لمعرفة الله.
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ ﴾
( سورة المائدة الآية: 35 )
والعمل الصالح وسيلة، وإنفاق المال وسيلة، وصحبة الصالحين وسيلة، في حدود أن هذا الصالح لا تزيد مهمته على أن يرقى بك إلى الله حاله، ويدلك على الله مقاله وفوق ذلك القدوة هو رسول الله.
عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:
(( مَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَمْرَةٍ فِي الطَّرِيقِ قَالَ: لَوْلَا أَنِّي أَخَافُ أَنْ تَكُونَ مِنْ الصَّدَقَةِ لَأَكَلْتُهَا ))
[ البخاري ومسلم ]
هكذا كان ورع النبي عليه الصلاة والسلام.
قالوا: يا رسول الله مثل بهم كما مثّلوا بعمك، قال:
(( لا أمثل بهم فيمثل الله بي ولو كنت نبياً ))
[ ورد في الأثر ]
بهذه الآيات يمكن أن تركل بقدمك ألف قصة تتناقض معها.
فلذلك: قال سيدنا علي: << يا بني، العلم خير من المال، لأن العلم يحرسك، وأنت تحرس المال، والمال تنقصه النفقة، والعلم يزكو على الإنفاق، يا بني، مات خزان المال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة >>.
6 – ليس بين العبد وربِّه واسطة:
إذاً:
﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ﴾
لم تأتِ في هذه الآية كلمة قل، أي أنه ليس بين العبد وبين ربه وسيط.
إن معظم الناس يصدر خطأ منهم، يقولون لك: أجرِ لي استخارة، الاستخارة بينك وبين الله مباشرة، ولا تكون الاستخارة نيابة وبالوساطة، تقول: آنستي عملت لي استخارة، أنتِ أجري استخارة فيما بينكِ وبين الله.
﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ﴾
أنا معكم. ﴿ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ﴾
( سورة ق )
أنا أسمع صوتهم، وأرى حركتهم، وأنا مطَّلع على ما في قلوبهم، إن تكلموا فأنا سميع بصير، إن تحركوا فأنا سميع بصير، إن أضمروا فأنا مطلع عليهم، لا تخفى عليه خافية، فإنه علم ما كان، وعلم ما يكون، وعلم ما سيكون، وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون.
7 – الدعاء سلاح المؤمن:
﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ ﴾
أنت بالدعاء أقوى إنسان، الدعاء سلاح المسلم، يعني أنت حينما تقول: يا رب، الله عز وجل الذات الكاملة، المطلق لكل شيء، علمه مطلق، وقدرته مطلقة، ورحمته مطلقة، وحكمته مطلقة، أنت تستعين بالله عز وجل، مهما يكن عدوك كبيراً الله أكبر منه.
يعيش المؤمن حالة ثقة بالله لا تقدر، ولا توصف، لأنه يستعين بالله، كفى بك قوة أن تدعو الله، إن أردت أن تكون أقوى الناس فتوكل على الله، إن أردت أن تكون أقوى الناس فتوكل على الله، إن أردت أن تكون أغنى الناس فكن بما في يد الله أوثق منك بما في يديك، إن أردت أن تكون أكرم الناس فاتق الله ز
﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ﴾
8 – معية الله الخاصة بالمؤمنين لها ثمن:
أنا معكم.
لكن كما قلت البارحة: هو معكم بلطف، من دون أن تتضايقوا، معكم وأنتم مرتاحون، معكم بعلمه، مع أي إنسان بعلمه.
﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ﴾
( سورة الحديد الآية: 4 )
بعلمي، لكنني مع المؤمنين بالتوفيق، وبالحفظ، وبالتأييد، وبالنصر، هذه المعية الخاصة لها ثمن، قال الله: ﴿ وَقَالَ اللّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاَةَ ﴾
( سورة المائدة الآية: 12 )
المعية الخاصة لها ثمن، وقال الله:
﴿ وَقَالَ اللّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاَةَ ﴾
( سورة المائدة الآية: 12 )
الثمن أن تقيم الصلاة، وأن تؤتي الزكاة، وأن تصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنْ في حياته، أو بعد موته، عن طريق تطبيق السنة.
﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إذَا دَعَان ِ﴾
إذا دعاني حقاً، إذا دعاني مخلصاً، إذا اتكل عليّ، ولم يكن الدعاء شكلياً، ولا أجوف، دعاني وهو موقن أنني قادر على إجابته.
9 – شروط الدعاء المستجاب:
لذلك الدعاء يحتاج إلى عناصر،أول عنصر أن توقن أن الله يسمعك، موجود أولاً، ويسمعك ثانياً، وهو قادر على تحقيق دعائك ثالثاً، وهو يحب أن يرفعك رابعاً فهو موجود، ويسمع، وقادر، ويحبك، لذلك قال تعالى:
﴿ قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ ﴾
( سورة الفرقان الآية: 77 )
أي لا يكترث الله بكم لولا أنكم تدعونه، لأن الدعاء هو العبادة.
﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ﴾
من أجل أن يكون عبادي مستجابي الدعوة، من أجل أن تكون أيها المؤمن مستجاب الدعوة، من أجل أن يكون الدعاء سلاحك، من أجل أن تكون أقوى الناس بالدعاء استجب لله بعد أن تؤمن به، آمن به أولاً، واستجب له ثالثاً، عندئذٍ تغدو مستجاب الدعوة.
إذا آمنوا واستجابوا واخلصوا في دعائهم لعلهم يكونون من مستجابي الدعوة، وهو مقام كبير، ومن سلّم الإيمان، فلان مستجاب الدعوة.
إلا أن العلماء استثنوا إنسانين من وجوب تحقق شروط الدعاء، المضطر يستجيب الله له، ولو لم يكن أهلاً للدعاء، يستجيب له لا بأهليته، ولكن برحمته، والمظلوم يستجيب الله له لا بأهليته، ولكن بعدله.
﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ﴾
أيها الإخوة، الله عز وجل قريب من كل مخلوق، ولا تخفى عليه خافية، والله عز وجل قريب من كل مؤمن، بمعنى أنه يستجيب لك.
10 – الاعتداء والمعصية مانع من استجابة الدعاء:
الآية الأخرى:
﴿ ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾
( سورة الأعراف )
مستحيل وألف ألف مستحيل أن تكون معتدياً على خلق الله، وتقول: له يا رب استجب لي، لأن الله عز وجل من خلال هذه الآية يقول لك: لن أستجيب لك، لأنك من المعتدين، ولن تستطيع أن تسأل الله إلا إذا كنت محسناً، لذلك: ﴿ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾
( سورة الأعراف )
الذي وقع في مخالفة شرعية، وفي أكل مال حرام، وفي تقصير في العبادات لا يستطيع أن يدعو الله، يدعو الله شكلاً بلسانه، لكن قلبه محجوب عن الله عز وجل، وأكبر عقاب يعاقب به الإنسان أنه يحجب عن الله عز وجل. ﴿ كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ ﴾
( سورة المطففين )
تروي الكتب أن شابا له شيخ، سمع من شيخه هذه المقولة: إن لكل معصية عقاباً، فزلّت قدمه يومًا، فبحسب مقولة الشيخ هو ينتظر العقاب، مضى يوم، يومانا، أسبوع أسبوعان، لم يحدث شيء، صحته طبيعية، بيته، أولاده، زوجته، مركبته، القصة رمزية، في أثناء المناجاة، قال: يا رب لقد عصيتك فلم تعاقبنِي، قال: قوقع في قلبه أن يا عبدي لقد عاقبتك ولم تدرِ، ألم أحرمك لذة مناجاتي ؟ ألا تكفيك ذلك ؟.
المؤمن له صلة بالله، يسعد بهذه الصلة، فإذا زلت قدمه يحجب عن الله.
الآن الأب العظيم، المربي الحكيم، لا يحتاج إلى أن يضرب ابنه إطلاقاً، يكفي أن يُعرض عنه، يحترق الابن، يكفي أن تسكت، يكفي ألا تنظر إليه، وهو على مائدة الطعام يكفي ألا تصغي إليه، فتحرقه.
لذلك قالوا: من أطاع عصاك فقد عصاك، يعني الذي لا يطيعك إلا إذا هددته فهو من أعدائك، أما المحب فيخاف على محبة محبوبه.
لذلك أكبر شيء يدفع المؤمن إلى طاعة الله أنه يخاف أن تنقطع الصلة بينه وبين الله، لماذا يستقيم ؟ لماذا يحاول أن يكون ورع تماماً ؟ لماذا يطبق الأمر تماماً ؟ لأنه ينعم بصلة بالله هي أثمن ما في الحياة.
لذلك قال بعض العلماء: " مساكين أهل الدنيا، جاؤوا إلى الدنيا وغادروها ولم يذوقوا أطيب ما فيها، إنها الصلة بالله ".
وهذا العالم نفسه قال: " ماذا يفعل أعدائي بي ؟ بستاني في صدري، إن أبعدوني فبإعادي سياحة، وإن حبسوني فحبسي خلوة، وإن قتلوني فقتلي شهادة، فماذا يصنع أعدائي بي ؟ بستاني في صدري ".
وقد قال هذا العالم أيضاً: " في الدنيا جنة من لم يدخلها لن يدخل جنة الآخرة ".
وبعضهم قال: ﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾
( سورة الرحمن )
جنة في الدنيا، وجنة في الآخرة.
إذاً: مساكين أهل الدنيا، جاؤوا إلى الدنيا وغادروها، ولم يذوقوا أطيب ما فيها إنها جنة القرب من الله عز وجل، ويؤكد هذا المعنى قوله تعالى: ﴿ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ ﴾
( سورة محمد )
ذاقوا طعمها في الدنيا.
11 – ليس مع الاتصال بالله شقاء:
والله أيها الإخوة، مع الاتصال بالله ليس هناك شقاء أبداً، في أي ظرف، في أي مكان، في أي بلد، في أي نظام، في أي ثقافة، في أي ضغوط، إن كنت مع الله كان الله معك، إن كنت مع الله كنت في حماية الله.
أطع أمـرنا نرفع لأجلك حجبنا فإنا منحنا بالرضا مـن أحـبنا
و لذ بحمانا واحـــتمِ بجنابنا لنحميك مما فيه أشرار خـلقنا
وعن ذكرنا لا يشغلنـك شاغل وأخلص لنا تلقى المسرة والهنا
وسلم إلينا الأمر في كل ما يكن فما الـقرب والإبعاد إلا بأمرنا
أيها الإخوة، القرب إما قرب علم لكل الخلق، أو قرب إكرام بالمؤمنين ﴿ فَإِنِّي قَرِيبٌ ﴾
أي أنا معك. ﴿ قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَى ﴾
( سورة طه )
أحيانا لا يكون هناك تناسب إطلاقاً، شرذمة قلية مضطهدة، تعامل معاملة في الدرجة العاشرة، ليس لها أي حق، عليها كل واجب، شرذمة قليلة، وفرعون بجبروته وقوته، وحقده، وأسلحته، وإصراره على سحق هؤلاء، لا تناسب.
﴿ قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَى ﴾
( سورة طه )
سيدنا موسى وأخوه.
﴿ قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَى ﴾
( سورة طه )
﴿ قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ﴾
( سورة طه )
سيدنا موسى مع أصحابه. ﴿ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ﴾
( سورة الشعراء )
انتهينا، كم يقول من المسلمين الآن: انتهينا ؟ يقول: قوى الأرض تحاربنا، العالم كله يحاربنا، انتهينا.
﴿ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾
( سورة الشعراء )
والله أيها الإخوة، أخشى ما أخشاه أن تضعف الهمم من الداخل، أن نهزم من الداخل، من الخارج لا قيمة لهذا الذي يجري، إن شاء الله سحابة صيف. ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ﴾
( سورة الأعراف الآية: 34 )
وينتهي أجل هؤلاء، ويحق الله الحق، ويبطل الباطل، لكن الخطر أن نهزم من الداخل.
إذاً:
﴿ إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾
12 – الله قريب فادعوه:
إخواننا الكرام، النعمان بن البشير رضي الله عنهما قال: قال عليه الصلاة والسلام:
(( الدعاء هو العبادة ))
وقرأ: ﴿ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴾
( سورة غافر الآية: 60 )
فقال أصحابه: يا رسول الله أقريب ربنا فنناجيه، أم بعيد فنناديه فنزلت:
﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾
13 – المحسن قريب من الله:
هذا عن قرب الله منك، القرب الذي يعلمك سرك ونجواك، وعن قرب الله القرب الذي يكرمك، بالتوفيق، والتأييد، والنصر، فماذا عن قربك منه ؟ هو قريب منك، هل أنت قريب منه ؟ متى تقترب من الله ؟ اسمعوا الحديث الشريف، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
(( السَّخِيُّ قَرِيبٌ مِنْ اللَّهِ، قَرِيبٌ مِنْ الْجَنَّةِ، قَرِيبٌ مِنْ النَّاسِ، بَعِيدٌ مِنْ النَّارِ، وَالْبَخِيلُ بَعِيدٌ مِنْ اللَّهِ، بَعِيدٌ مِنْ الْجَنَّةِ، بَعِيدٌ مِنْ النَّاسِ، قَرِيبٌ مِنْ النَّارِ، وَلَجَاهِلٌ سَخِيٌّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ عَالِمٍ بَخِيلٍ ))
[ الترمذي ]
﴿ إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾
إن كنت محسناً فأنت قريب من الله، الإحسان المطلق، أن تحسن في بيتك، النبي عليه الصلاة والسلام يستوصيك بالنساء خيراً، أن تحسن إلى أولادك، أن تحسن إلى جيرانك، أن تحسن في عملك، أن تقدم شيء جيد بسعر معتدل، بمعاملة طيبة، الإحسان واسع جداً.
(( إنَّ اللَّهَ تَعالى كَتَبَ الإِحْسانَ على كُلَ شَيْءٍ، فإذَا قَتَلْتُمْ فأحْسِنُوا القِتْلَةَ وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فأحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ ))
[ رواه مسلم عن شَدَّادِ بن أوسٍ رضي اللّه عنه ]
صفة المؤمن أنه محسن، وصفة غير المؤمن أنه مسيء، وشتان بين الإحسان والإساءة، فعمله يقيم إجمالاً، ففي كلامه محسن، في ابتسامته محسن، في أخلاقه محسن، مع أقرب الناس له، مع زوجته محسن، مع أولاده محسن، مع بناته محسن، فكأن المؤمن في قلوب الخلق، هذا معنى قوله تعالى للتقريب: ﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً ﴾
( سورة النحل الآية: 120 )
هناك إنسان ليس له عمل صالح أبداً، الناس يستوحشون منه، وهناك إنسان الناس جميعاً يحبونه.
لذلك من علامة حب الله لك أن يلقي محبتك في قلوب الخلق. ينادى له في الكون أنا نحبه فيسمع من في الكون أمر محبنا
وهذا معنى قوله تعالى: ﴿ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً﴾
( سورة طه الآية: 39 )
يعني جعلت الخلق يحبونك، وهناك إنسان مبغوض، لا يحبه أحد، متكبر، أناني، يحب ذاته، يحب أن يأخذ لا أن يعطي، يحب أن يستعلي لا أن يتواضع.
فلذلك صفات المؤمن تؤهله أن يكون محبوباً عند كل الخلق.
اسم الله ( القريب ) أيها الإخوة، أي يجب أن يكون قريباً من المؤمن، لأنه معك، تسأله فيجيبك، تتقرب منه فيقبلك، تستعين به فيعينك، تتوكل عليه، فهو حسبك، ونعم النصير، لذلك من عرف الله عرف كل شيء.
(( ابن آدم اطلبني تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء ))
والحمد لله رب العالمين
السعيد
08-07-2018, 07:33 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الثالث و العشرون )
الموضوع : اسم الله - الجواد -1 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
من أسماء الله الحسنى: (الجواد):
أيها الإخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم هو اسم ( الجواد ).
1 – ورودُ اسم ( الجواد ) في السنة النبوية:
وقد ثبت هذا الاسم في السنة الشريفة، فقد سمّى النبي صلي الله عليه وسلم ربه علي سبيل الإطلاق ( الجواد ) مرادا به العالمية، ودالاً على كمال الوصفية، فقد ثبت من حديث ابن عباس رضي الله عنه:
أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال:
(( إن الله جل جلاله جواد يحب الجود، ويحب معالي الأخلاق و يكره سفاسفها ))
[ أخرجه البيهقي عن ابن عباس ]
2 – نعمةُ الوجود وتسخيرُ الكون من لوازم اسمِ ( الجواد ):
وبادئ ذي بدء، الله عز وجل كل هذا الكون منحة منه، وأنت أيها الإنسان منحك نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، ونعمة الهدى والرشاد، هذا الكون سخره لك، لأن الله سبحانه وتعالى عرض الأمانة على المخلوقات في عالم الذر، قال تعالى:
﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ﴾
( سورة الأحزاب الآية: 73 )
ولأن الإنسانَ قَبِل حمل الأمانة، ولأنه قال: يا رب أنا لها، استحق أن تُسخّر له السماوات والأرض.
﴿ وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ ﴾
( سورة الجاثية الآية: 13 )
ولا شك أن المُسخَّر له أفضل عند الله من المُسَخَّر، فأنت أيها الإنسان المخلوق المكرَّم، لمّا قبِلتَ حمل الأمانة جعلك الله المخلوق المكرَّم.
قال الإمام علي: << رُكِّب الملَك من عقلٍ بلا شهوة، وركب الحيوان من شهوة بلا عقل، وركب الإنسان من كليهما، فإن سما عقله على شهوته أصبح فوق الملائكة، وإن سمت شهوته على عقله أصبح دون الحيوان >>.
إذاً: وجودنا على وجه العالم منحة من الله، هذه المنحة اقتضت أن نُكلف أن نعبده فعلة وجودنا على وجه الأرض أن نعبد الله، قال تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾
( سورة الذاريات )
هذه علة وجودنا.
حينما تذهب إلى بلد لتنال الدكتوراه، وهذا البلد كبير فيه حدائق، فيه وزارات، فيه ملاهٍ، فيه دور سينما، فيه متاحف، فيه أسواق، أنت في هذا البلد لك هدف واحد، علة وجودك في هذا البلد أن تنال الدكتوراه، وعلة وجود الإنسان في هذا الأرض أن يعبد الله، الدليل:
﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾
( سورة الذاريات )
كلُّ شيء يقرِّب من الله فهو مشروعٌ:
أيها الإخوة، ما دامت علة وجودنا أن نعبد الله فأيّ شيء في الكون يقربك من الله مشروع، وأي شيء في الكون يبعدك عن الله غير مشروع، هذه حقيقة كبرى.
لو أن الطالب ذهب إلى بلد ليدرس فأيّ شيء يقرّبه من تحقيق هدفه مشروع، وأي شيء يبعده عن هدفه غير مشروع.
لذلك أيها الإخوة الكرام، نحن في أمسّ الحاجة إلى فهم هذا المعني الدقيق:
﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾
( سورة الذاريات )
الإنسان هو المخلوق المكرَّم، فإذا عرف الله، واستقام على أمره سبق الملائكة المقرَّبين، وإذا غفل عن الله، وتفلت من منهجه انحط إلى أسفل سافلين.
الناس صنفان لا ثالث لهما:
هؤلاء البشر أيها الإخوة، على اختلاف مللهم، ونحلهم، وانتمائهم، وأعرافهم، وأنسابهم، ومذاهبهم، وطوائفهم، واتجاهاتهم، وأطيافهم، هم عند الله رَجُلان لا ثالث لهما: رجل عرف الله فانضبط بمنهجه، وأحسن إلى خلقه، فسلم وسعد في الدنيا والآخرة، ورجل غفل عن الله، وتفلت من منهجه فشقي، وهلك في الدنيا والآخرة، ولا تجد نموذجا ثالثا، هذا تقسيم رب السماوات والأرض.
﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى * فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾
( سورة الليل )
هذا النموذج الأول:
﴿ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾
صدّق أنه مخلوق للجنة، فلما صدّق أنه مخلوق للجنة اتقى أن يعصي الله، فلما اتقى أن يعصي الله بنى حياته على العطاء، فهذه خصائص ثلاث: صدق بالحسنى، والحسنى هي الجنة، واتقى أن يعصي الله، وبنى حياته على العطاء، هي خصائص المؤمن، جعل الآخرة أكبر همه، وجعلها مبلغ علمه، وجعلها منتهى آماله، ومحط رحاله، فنقلَ اهتماماته كلها إلى الآخرة، عندئذٍ اتقى أن يعصي الله، عندئذٍ أراد أن يدفع ثمن الجنة، وثمن الجنة هو العمل الصالح.
الإنسان يسلَم بالاستقامة و يسعد بالعمل الصالح:
كما هو معلوم أن الإنسان بالاستقامة يسلم، لكن بالعمل الصالح يسعد.
﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا ﴾
( سورة فصلت الآية: 20 )
لكن:
﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾
( سورة فصلت )
بالاستقامة يسلم، وبالعمل الصالح يسعد.
لذلك أيها الإخوة، إن الله جل جلاله ( جواد )، منح الخلائق الوجود، فأنت موجود، ووجودك منحة من الله، لكن هذا الذي لا يفقه حقيقة وجوده إنسان شارد، لماذا أوجدك ؟ ليسعدك. ﴿ إلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾
( سورة هود الآية: 119 )
خلقهم ليسعدهم، خلقهم ليرحمهم، خلقهم ليسلمهم، خلقهم ليجعل لهم جنتين: جنة في الدنيا وجنة في الآخرة.
3 – لابد من التخلُّقِ بصفة الجود:
إن الله جل جلاله ( جواد )، يحب الجود، ولا أزال أركز على هذه النقطة، يمكن أن تعبد الله بأن تتخلق بكمال مشتق من كماله، هو ( جواد )، يحب الجود، يحب العطاء، فالمؤمن يبني حياته على العطاء.
أيها الإخوة، دققوا: تقسيمات الأرض لا تنتهي، دول الشمال، دول الجنوب، العرق الآري، العرق الملوّن، الأغنياء، الفقراء، الأقوياء، الضعفاء، الأصحاء، المرضى، تقسيمات البشر لا تنتهي، أما البطولة فأن تعتمد تقسيمات خالق البشر، خالق البشر عنده مؤمن أو كافر، مستقيم أو منحرف، يعطي أو يأخذ، ينصف أو يجحد، يصدق أو يكذب، فإن الله ( جواد ) يحب الجود، فإذا أردت أن تتقرب إلى الله تخلق بالكمال الإلهي.
لذلك الأنبياء جاؤوا إلى الدنيا فأعطوا ولم يأخذوا، والأقوياء أخذوا ولم يعطوا.
دقق، في حياة المؤمن يحب أن يدعو إلى الله، يحب أن ينفق ماله، ووقته، وخبرته، وجهده، بنى حياته على العطاء، بالتعبير المعاصر استراتيجيته العطاء، يعطي وهو في قمة السعادة، الأقوياء أخذوا ولم يعطوا، الأنبياء أعطوا ولم يأخذوا، الأقوياء عاش الناس لهم، الأنبياء عاشوا للناس، الأنبياء ملَكوا القلوب، الأقوياء ملكوا الرقاب ـ ودقق ـ الناس جميعاً من دون استثناء تبع لقوي أو نبي، اسأل نفسك هذا السؤال: أنت لمن ؟ هل أنت تابع للأقوياء ؟ معك صلاحية ؟ تحتل منصبا ؟ قوي ؟ غني ؟ متبحر في العلم، هذا التبحر يدر عليك دخلاً كبيراً ؟ أنت إذاً تابع للأقوياء.
هل أنت مؤمن ؟ تعطي من وقتك، من خبرتك، من جهدك، من معلوماتك، فإذا أسعدك أن تعطي فأنت من أهل الآخرة، وإذا أسعدك أن تأخذ فأنت من أهل الدنيا، ببساطة بالغة يمكن أن تقيّم نفسك ما إذا كنت من أهل الدنيا أو من أهل الآخرة، فما الذي يُسعِدك أن تعطي أو أن تأخذ ؟ إن الله ( جواد ) يحب الجود.
ويحب معالي الأخلاق ويكره سفاسفها:
دقق الآن، ويحب معالي الأخلاق ويكره سفاسفها.
عَنِ الْمُغِيرَة بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:
(( إِنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثًا، قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ ))
[ متفق عليه ]
هناك إنسان ذو هموم عالية جدا، وهناك إنسان تافه. ﴿ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا ﴾
( سورة الكهف )
ما له وزن، هؤلاء لهم:
﴿ صَغَارٌ عِندَ اللّهِ ﴾
( سورة الأنعام الآية: 124 )
لا يبالي الله بأي أودية الدنيا هلك الإنسان الشارد، لأنه غارق في ملذاته، غارق في سفاسف الأمور، في أشياء لا تقدم ولا تؤخر، ما هو الضابط في هذا ؟
حينما تُقبل على شيء فهذا الشيء هل يصل معك إلى القبر ؟ أم يبقى عند شفير القبر ؟ هذا هو الضابط.
هناك إنسان يعتني ببيته عناية بالغة، لم يرتكب معصية، لكن هذه العناية البالغة التي امتصت كل وقته، هل تكون معه في القبر ؟ لا، لكن العمل الصالح يدخل معه في القبر.
يجب أن تكون الرؤية صحيحة موافقة للشرع:
أيها الإخوة الكرام، القضية قضية مهمة جداً، أنا ما الذي ينفعني في المستقبل ؟ عمل صالح، طاعة لله، تلاوة للقرآن، دعوة إلى الله، تربية للولد، إعطاء من المال، ما الذي يدخل معي في القبر ؟ هذه الأعمال.
إنّ الإنسان حينما يأتيه ملك الموت يقول:
﴿ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا ﴾
( سورة المؤمنون الآية: 100 )
البطولة ألا تندم، متى لا تندم ؟ إذا عملت لأُخراك، و متى تندم ؟ إذا عملت لدنياك، لأن الدنيا تغر وتضر وتمر.
﴿ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾
( سورة لقمان )
الدنيا تغر، كيف ؟ تظنها بحجم أكبر من حجمها، هذا الحجم الكبير في مقتبل الحياة، بعد حين تراها بحجم أقلّ من حجمها، لكنك عند مغادرة الدنيا لا ترى الدنيا شيئاً، لا ترى إلا الله.
البطولة أن تصح رؤيتك وأنت في مقتبل حياتك حتى يأتي عملك صحيحاً.
(( يحب الله معالي الأخلاق و يكره سفاسفها ))
دقق: أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( مَنْ كَانَتْ الْآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كَانَتْ الدُّنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنْ الدُّنْيَا إِلَّا مَا قُدِّرَ لَهُ ))
[ الترمذي ]
لذلك:
(( إن الله جل جلاله جواد يحب الجود، ويحب معالي الأخلاق، و يكره سفاسفها ))
ورد في الحديث القدسي الصحيح:
(( أن الجن والإنس في نبأ عظيم، أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر سواي خيري إلي العباد نازل، وشرهم إليّ صاعد، أتحبب إليهم بنعمي، وأنا الغني عنهم ويتبغضون إليّ بالمعاصي وهم أفقر شيء إلي، من أقبل عليّ منهم تلقيته من بعيد، ومن أعرض منهم عني ناديته من قريب ))
[ الجامع الصغير عن أبي الدرداء بسند ضعيف ]
وفي الحديث القدسي عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَى عَنْ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ:
(( يَا عِبَادِي، إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا، يَا عِبَادِي، كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ، فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ، يَا عِبَادِي، كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ، فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ، يَا عِبَادِي، كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ، فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ، يَا عِبَادِي، إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ، يَا عِبَادِي، إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي، يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَسَأَلُونِي، فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ، يَا عِبَادِي، إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ ))
[ أخرجه مسلم ]
هذا منهج، فإنْ جاءت الأمور كما تحب فيجب أن تحمد الله عز وجل، وإن جاءت على غير ما تحب فلا تلومنّ إلا نفسك. ﴿ وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ ﴾
( سورة الشورى )
الإنسان حينما يفقه حكمة المصيبة ينضبط، حينما تفهم على الله فتنة المصيبة تكون قد قطعت أربعة أخماس الطريق إلى الله عز وجل.
إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ يُحِبُّ الطَّيِّبَ:
أيها الإخوة، روي الترمذي في سننه من حديث سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
(( إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ يُحِبُّ الطَّيِّبَ، نَظِيفٌ يُحِبُّ النَّظَافَةَ، كَرِيمٌ يُحِبُّ الْكَرَمَ، جَوَادٌ يُحِبُّ الْجُودَ ))
[ الترمذي ]
إذا قدمت صدقة فلتكن من أطيب مالك، إذا قدمت هدية لتكن من أطيب الهدايا، لأن ((اللَّهَ طَيِّبٌ يُحِبُّ الطَّيِّبَ ))
هؤلاء الذين ينفقون شيئاً يكرهونه، ينفقون طعاماً تعافه أنفسهم، هؤلاء لا يتقربون إلى الله بهذا الشيء:
(( إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ يُحِبُّ الطَّيِّبَ ))
النظافة الأخلاقية في الإسلام:
(( نَظِيفٌ يُحِبُّ النَّظَافَةَ ))
النظافة من الإيمان، هناك نظافة جسمية، ونظافة نفسية، هناك إنسان صادق، أمين.
ما أروع ما قاله سيدنا جعفر رضي الله عنه حينما سأله النجاشي عن الإسلام، وعن نبي الإسلام، قال:
(( أَيُّهَا الْمَلِكُ، كُنَّا قَوْمًا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ، نَعْبُدُ الْأَصْنَامَ، وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ، وَنَأْتِي الْفَوَاحِشَ، وَنَقْطَعُ الْأَرْحَامَ، وَنُسِيءُ الْجِوَارَ، يَأْكُلُ الْقَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ، فَكُنَّا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْنَا رَسُولًا مِنَّا، نَعْرِفُ نَسَبَهُ، وَصِدْقَهُ، وَأَمَانَتَهُ، وَعَفَافَهُ، فَدَعَانَا إِلَى اللَّهِ لِنُوَحِّدَهُ وَنَعْبُدَهُ، وَنَخْلَعَ مَا كُنَّا نَعْبُدُ نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ الْحِجَارَةِ وَالْأَوْثَانِ، وَأَمَرَنَا بِصِدْقِ الْحَدِيثِ، وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ، وَحُسْنِ الْجِوَارِ، وَالْكَفِّ عَنْ الْمَحَارِمِ وَالدِّمَاءِ، وَنَهَانَا عَنْ الْفَوَاحِشِ، وَقَوْلِ الزُّورِ، وَأَكْلِ مَالَ الْيَتِيمِ، وَقَذْفِ الْمُحْصَنَةِ، وَأَمَرَنَا أَنْ نَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَأَمَرَنَا بِالصَّلَاةِ، وَالزَّكَاةِ، وَالصِّيَامِ... ))
[ أحمد عن أم سلمة ]
هذه هي الجاهلية الأولي، قال تعالى:
﴿ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى ﴾
( سورة الأحزاب الآية: 33 )
نفهم من هذه الآية أن هناك جاهلية ثانية، هي أمرّ وأدهى، يوم يؤتمن الخائن، ويخوَّن الأمين، يصدَّق الكاذب، ويكذَّب الصادق، يضام الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، موت كقعاص الغنم كما ترون، لا يدري القاتل لمَ يَقتُل ؟ ولا المقتول فيمَ قُتِل.
(( يوم يكون المطر قيظا، والولد غيظا، ويفيض اللئام فيضا، ويغيض الكرام غيضا ))
[ رواه ابن أبي الدنيا عن أبي هريرة ]
هذه الجاهلية الثانية، الجاهلية الأولى التي قال عنها سيدنا جعفر: (( أَيُّهَا الْمَلِكُ، كُنَّا قَوْمًا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ، نَعْبُدُ الْأَصْنَامَ، وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ، وَنَأْتِي الْفَوَاحِشَ، وَنَقْطَعُ الْأَرْحَامَ، وَنُسِيءُ الْجِوَارَ، يَأْكُلُ الْقَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ، فَكُنَّا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْنَا رَسُولًا مِنَّا، نَعْرِفُ نَسَبَهُ، وَصِدْقَهُ، وَأَمَانَتَهُ، وَعَفَافَهُ، فَدَعَانَا إِلَى اللَّهِ لِنُوَحِّدَهُ وَنَعْبُدَهُ، وَنَخْلَعَ مَا كُنَّا نَعْبُدُ نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ الْحِجَارَةِ وَالْأَوْثَانِ، وَأَمَرَنَا بِصِدْقِ الْحَدِيثِ، وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ، وَحُسْنِ الْجِوَارِ، وَالْكَفِّ عَنْ الْمَحَارِمِ وَالدِّمَاءِ، وَنَهَانَا عَنْ الْفَوَاحِشِ، وَقَوْلِ الزُّورِ، وَأَكْلِ مَالَ الْيَتِيمِ، وَقَذْفِ الْمُحْصَنَةِ، وَأَمَرَنَا أَنْ نَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَأَمَرَنَا بِالصَّلَاةِ، وَالزَّكَاةِ، وَالصِّيَامِ... ))
ـ دقق ـ إنْ حدثك فهو صادق، وإن عاملك فهو أمين، وإن استثيرت شهوته فهو عفيف، هذه هي صفات المؤمن، هذه أركان الاستقامة، إن عاملك فهو أمين، إن استثيرت شهوته فهو عفيف، وتاج ذلك: نعرف نسبه، فدعانا إلى الله لنعبده، ونوحده ونخلع ما كان يعبد آبائنا من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء.
هذا هو الإسلام، الإسلام مجموعة قيم أخلاقية، أما حينما أقول: بني الإسلام علي خمس، الخمس شيء، والإسلام شيء آخر، بني الإسلام، الإسلام مجموعة قيم أخلاقية، الإيمان هو الخلق فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الإيمان. ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾
( سورة القلم )
لا تُقبل الشعائر إلا بصحة المعاملات:
ما لم تكن أخلاقك صارخة، ما لم يكن التواضع، والحب، والرحمة، والصدق، والأمانة، والكرم، والعطاء، والعفو، والحلم فلا ترقى إلى مستوى المؤمنين، أما الصلاة والصيام والحج فهذه عبادات شعائرية، لكن الأصل العبادة التعاملية، بل إن العبادة الشعائرية لا تقبل ولا تصح إلا إذا صحت العبادة التعاملية، لذلك قال بعض العلماء: ترك دانق من حرام خير من ثمانين حجة بعد الإسلام، فالصلاة عبادة شعائرية.
عَنْ ثَوْبَانَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:
(( لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا، فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا، قَالَ ثَوْبَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صِفْهُمْ لَنَا، جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ، وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ، قَالَ: أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ، وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ، وَيَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا ))
[ ابن ماجه ]
انتهت الصلاة.
الصوم:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ، وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ ))
[ أخرجه أحمد و البخاري وأبو داود والترمذي وابن ماجة ]
الحج:
(( من حج بمال حرام، وقال: لبيك اللهم لبيك ينادى: أن لا لبيك ولا سعديك وحجك مردود عليك ))
[ سلسلة الأحاديث الضعيفة ]
الزكاة: ﴿ قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ ﴾
( سورة التوبة )
العبادات الشعائرية لا تصح ولا تقبل إلا إذا صحت العبادات التعاملية.
فلذلك:
(( إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ يُحِبُّ الطَّيِّبَ، نَظِيفٌ يُحِبُّ النَّظَافَةَ، كَرِيمٌ يُحِبُّ الْكَرَمَ، جَوَادٌ يُحِبُّ الْجُودَ، فَنَظِّفُوا أَفْنِيَتَكُمْ ـ ساحات دوركم ـ وَلَا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ ))
[ الترمذي ]
مسكُ الختام:
ملخص الملخص: يجب أن تتخلق بكمال مشتق بكمال الله.
﴿ وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾
( سورة الأعراف الآية: 180 )
لا تقِس نفسك بالصلاة، قس نفسك بالكمال، هل أنت جواد ؟ هل أنت صادق ؟ هل أنت أمين ؟ هل أنت متواضع ؟ هل أنت محسن ؟ هل أنت منصف ؟ هذا يرفعك عند الله، إذا ضُمَّ إلى عبادتك الشعائرية نجحت، وأفلحت، وفزت.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
08-07-2018, 07:36 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الرابع و العشرون )
الموضوع : اسم الله - الجواد -2 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: ( الجواد ):
1 – معنى الجواد:
أيها الإخوة الكرام، لازلنا في اسم الله ( الجواد )، والجواد من الجود، والجود أن تأتي بالجيد من القول والعمل، الله عز وجل صاحب الأسماء الحسنى:
﴿ وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾
( سورة الأعراف الآية: 180 )
المؤمن حسَنُ الأخلاق:
بشكل منطقي وحتمي الذي يتصل بصاحب الأسماء الحسنى يجب أن يكون أخلاقيا، يعني الصفة الصارخة في المؤمن أنه إنسان أخلاقي، وإن صح التعبير كلمة الإيمان مرتبة، مرتبة علمية، ومرتبة أخلاقية، ومرتبة جمالية، المؤمن صادق لأنه موصول بالله عز وجل، يشتق منه الكمال، المؤمن أخلاقي، هذا المعنى ورد عند ابن القيم رحمه الله فقال: " الإٍيمان هو الخلق، فمَن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الإيمان ".
لا تصدق أن يكون المؤمن مؤمناً إن لم يكون أخلاقيا.
فلذلك أيها الإخوة، الجواد من الجود، والجود أن تأتي بالقول الحسن والخلق الحسن، والفعل الحسن، والجود أيضاً هو الكرم، فالجواد معطاء سخيّ، تسخُو نفسه في العطاء، أريحي يرتاح للعطاء.
هكذا الله عز وجل خلق الخَلقَ ليرحمهم، قال تعالى:
﴿ إلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾
( سورة هود الآية: 119 )
خلقهم ليرحمهم، خلقهم ليسعدهم.
إذاً المعنى الأول: الجود من أتى بالجيّد من القول والعمل، والجود هو الكرم العطاء.
2 – من صفات المؤمن الجود والعطاء:
لذلك الصفة الأولى للمؤمن: أنه يعطي، يبني حياته على العطاء، يشعر بالتفوق إذا أعطى، يشعر بالنجاح إذا أعطى، وإن أردت مقياساً دقيقاً للمؤمن فالمؤمن يعطي، وغير المؤمن يأخذ، واسأل نفسك هذا السؤال الصعب: ما الذي يسعدك أن تعطي أم أن تأخذ ؟ المؤمن يسعده أن يعطي، يعطي من وقته، يعطي من ماله، يعطي من جاهه، يعطي من خبرته، لأنه يعلم علم اليقين أنه إذا أعطى فإن الله سبحانه وتعالى سيغمره بالفضل، هو ذكي جدا، وفي نظر غير المؤمن يبدو المؤمن ليس ذكيا لأنه يعطي، والطرف الآخر يأخذ.
لذلك أقول دائما: الأقوياء يأخذون، الأنبياء يعطون، والناس جميعاً تبعٌ لقوي أو نبي، لأنك مؤمن أساس حياتك العطاء، تعطي بسخاء، وتعطي بغير حساب، ولا تسعد إلا إذا أعطيت، تعطي كل شيء منحك الله إياه، تبذله للناس، والله عز وجل عدّ أيّ عطاء من قِبَل المؤمن لأيّ مخلوق قرضًا له، قال تعالى:
﴿ مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾
( سورة البقرة الآية: 245 )
والله الذي لا إله إلا هو مِن حِكمِ الله العظمى أنك إذا أعطيت كافأك في الدنيا قبل الآخرة، يعطيك عطاء يخجلك في الدنيا، لأنه أكرم الأكرمين.
لذلك ( الجواد ) من الجود، والجود أن تأتي بالجيد من القول والفعل، أو الكرم العطاء، السخاء، الأريحية، ورجل جواد أيْ كثير العطاء.
3 – الجودُ بالنفس أقصى غاية الجود:
لكن الجود بالنفس أن تلزم نفسك بالجهاد في سبيل الله، والجهاد في سبيل الله أقصى غاية الجود، والجود بالنفس أقصى غاية الجود.
لذلك الحديث عن الشهداء:
﴿ وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ﴾
( سورة آل عمران )
الشهيد بذل أثمن ما يملك، بذل حياته.
لكن كتعليق سريع كي تعرفوا خطورة حقوق العباد: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
(( يُغْفَرُ لِلشَّهِيدِ كُلُّ ذَنْبٍ إِلَّا الدَّيْنَ ))
[ أخرجه أحمد و مسلم عن ابن عمرو ]
الشهيد بذل حياته لله، حقوق العباد مبنية على المشاححة، بينما حقوق الله مبنية على المسامحة.
4 – أعطِ مما أعطاك الله:
أيها الإخوة، في صحيح البخاري من حديث أسامة بن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول حينما جاءه رسول إحدى بناته، برسالة أن ابنها يجود بنفسه، ينازع سيغادر الحياة، فقال عليه الصلاة والسلام، وقد بعث إليها بالرسالة:
(( إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى ))
[ متفق عليه ]
كلام جامع مانع.
لذلك في بعض الأدعية عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْخَطْمِيِّ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ:
(( اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي حُبَّكَ وَحُبَّ مَنْ يَنْفَعُنِي حُبُّهُ عِنْدَكَ، اللَّهُمَّ مَا رَزَقْتَنِي مِمَّا أُحِبُّ فَاجْعَلْهُ قُوَّةً لِي فِيمَا تُحِبُّ، اللَّهُمَّ وَمَا زَوَيْتَ عَنِّي مِمَّا أُحِبُّ فَاجْعَلْهُ فَرَاغًا لِي فِيمَا تُحِبُّ ))
[ الترمذي ]
يا رب وفقني أن أجعل هذا الذي منحتني إياه في سبيلك، وهذا مستنبط من قوله تعالى: ﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ﴾
( سورة القصص الآية: 77 )
آتاك علماً فابتغِ به الدار الآخرة، آتاك فخلقاً فابتغِ به الدار الآخرة، آتاك فصاحة فابتغِ بفصاحتك الدار الآخرة، آتاك مالاً، آتاك جاهاً، آتاك خبرة، آتاك وسامة، أيّ شيء آتاك الله به فابتغِ.
أيها الإخوة، المؤمن يوظف كل ما أعطاه الله في سبيل الله.
يروى أن رجلا من علماء القلوب سأله رجل عن الزكاة، فقال: عندنا أم عندكم ؟ قال: سبحان الله ! ما عندنا وما عندكم ؟ قال: عندكم الزكاة ربع العشر، أما عندنا فالعبد وماله لسيده، وهذا مأخوذ من قوله تعالى:
﴿ قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾
( سورة الأنعام )
قمة العقل والذكاء أن تعطي مما أعطاك الله، لذلك:
(( إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى ))
(( اللَّهُمَّ وَمَا زَوَيْتَ عَنِّي مِمَّا أُحِبُّ فَاجْعَلْهُ فَرَاغًا لِي فِيمَا تُحِبُّ ))
كنت تتمنى بيتاً غير هذا البيت، هذا البيت الذي منحك الله إياه، كنت تتمنى زوجه غير هذه الزوجة.
(( اللَّهُمَّ وَمَا زَوَيْتَ عَنِّي مِمَّا أُحِبُّ فَاجْعَلْهُ فَرَاغًا لِي فِيمَا تُحِبُّ ))
إذًا هناك شيء تحبه، وما سمح لك أن تأخذه، فالفراغ الناشئ عن انشغالك به هو ليكنْ في سبيل الله.
الإنسان يطمح أن يكون ذا دخل غير محدود، لكن مشيئة الله ولحكمة بالغة جعله ذا دخل محدود، فالمال الذي كان يمكن أن يشغله عن الله، والوقت الناتج عن عدم انشغاله بهذا المال الوفير ليكنْ في سبيل الله، ليطلب العلم.
إذاً:
(( إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى ))
(( وَكُلٌّ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ ))
(( الإيمان بالقدر يذهب الهم والحزن ))
[ الجامع الصغير عن أبي هريرة بسند فيه مقال ]
الإيمان بالقدر نظام التوحيد.
﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾
( سورة الشعراء )
قال:
(( وَكُلٌّ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ ))
[ رواه مسلم عن أُسامة بن زيد رضي اللّه عنه ]
معنى تحتسب أي فلتكتفِ بنصيب الصبر كأجر من الله عز وجل.
5 – من معاني الجود: سهولة البذل والعطاءِ:
من معاني الجود: سهولة البذل، أحياناً الشحيح تقنعه، تأتيه بالأدلة، ترجوه تتوسل إليه أن يساهم بمشروع خيري، بصعوبة بالغة، بجهد جهيد، ثم يعطيك النزر القليل لكن من معاني الجود: سهولة البذل والإنفاق، وتجنب مالا يحمد من الأخلاق، ويكون العبادة المتقنة، ومن ثمرتها الجود.
أنا لا أصدق أن ترى مؤمنا شحيحاً، لا أصدق أن ترى مؤمناً جباناً، البخل والجبن يتناقضان مع أخلاق المؤمن، المؤمن كريم وشجاع، كريم لأنه يرى المعطي.
(( أنفق بلال، ولا تخشَ من ذي العرش إقلالا ))
[ رواه الطبراني، عن ابن مسعود ]
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَالَ لِي:
(( أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ ))
[ متفق عليه ]
والمؤمن شجاع، يرى أن له عند الله أجلاً لا يتقدم ولا يتأخر، وقد قالوا: " كلمة الحق لا تقطع رزقا، ولا تقرِّب أجلاً ".
أيها الإخوة، يكون الجود باشتقاق هذا الكمال من الله بالاتصال ـ دققوا في هذا المعنى ـ لا يمكن أن تتصف بالرحيم إلا وأن تشتق منه الرحمة، لا يمكن أن تتصل بالغني إلا وتشتق منه الغنى، المؤمن عنده غنى، عفيف، لا يتضعضع أمام الغني.
6 – المؤمن عفيف:
ورد في الأثر: " من جلس إلى غني فتضعضع له، يعني تمسكن أمامه، ذهب ثلثا دينه.
المؤمن عفيف يؤمن أن الله لا ينساه من فضله، والله مرة زارني إنسان قدمت له ضيافة قطعة حلوى، فقطع أول لقمة وقبل أن يضعها في فمه قال: سبحان من قسم لنا هذا ولا ينسى من فضله أحدا، كلمة ولا ينسى من فضله أحدا.
كن له كما يريد ليكن لك كما تريد، عبدي أنت تريد وأنا أريد فإذا سلمت لي فيما أريد، كفيتك ما تريد، وإن لم تسلم لي فيما أريد، أتعبتك فيما أريد، ثم ما يكون إلا ما أريد.
(( اعمل لوجه واحد يكفك الوجوه كلها ))
[ أخرجه ابن عدي، والديلمي عن أنس ]
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: سَمِعْتُ نَبِيَّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:
(( مَنْ جَعَلَ الْهُمُومَ هَمًّا وَاحِدًا هَمَّ آخِرَتِهِ كَفَاهُ اللَّهُ هَمَّ دُنْيَاهُ، وَمَنْ تَشَعَّبَتْ بِهِ الْهُمُومُ فِي أَحْوَالِ الدُّنْيَا لَمْ يُبَالِ اللَّهُ فِي أَيِّ أَوْدِيَتِهَا هَلَكَ ))
[ ابن ماجه ]
يا رب ماذا فَقَد مَن وجدك ؟ لم يفقد شيئا، وماذا وجد مَن فَقَدك ؟ لم يجد شيئا وإذا كان الله معك فمَن عليك ؟ إذا كان الله معك سخر عدوك لخدمتك، وإذا كان الله عليك تطاول عليك أقرب ما في الناس.
لذلك عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:
(( لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، وَلَكِنَّهُ أَخِي وَصَاحِبِي، وَقَدْ اتَّخَذَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ صَاحِبَكُمْ خَلِيلًا ))
[ متفق عليه، واللفظ لمسلم ]
الخليل هو الله.
7 – يَدُ اللَّهِ مَلْأَى لَا يَغِيضُهَا نَفَقَةٌ:
يقول عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام البخاري من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
(( يَدُ اللَّهِ مَلْأَى لَا يَغِيضُهَا نَفَقَةٌ ـ أي لا ينقصها ـ سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَدِهِ ))
وفي الحديث القدسي:
(( يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَسَأَلُونِي، فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ، يَا عِبَادِي، إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ ))
[ أخرجه مسلم عن أبي ذر ]
أيها الإخوة الكرام، يجب أن نؤمن إيماناً قطعيا يقينياً أن الله إذا قنّن على عباده قنّن بالأمطار، قنّن بالأرزاق فلا يمكن إلا أن يكون تقنين الله عز وجل تقنين تأديب لا تقنين عجز.
لذلك أهل الدنيا يخيفون الضعاف، هناك أزمة مياه بالعالم، وأزمة غذاء، هذا تخويف:
﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ﴾
( سورة الحجر )
مرة اطلعت على بحث علمي أنه اكتشف بالفضاء الخارجي سحابة يمكن أن تملأ محيطات الأرض ستين مرة في اليوم بالمياه العذبة، ثم يقولون لك: حرب مياه، تقنين الله عز وجل تقنين تأديب، لا تقنين عجز، أما نحن حينما لا تكفي الطاقة الكهربائية للاستهلاك في وقت الذروة نقطع الكهرباء، قطع الإنسان للكهرباء تقنين عجز، أما إذا قنن الإله فتقنينه تأديب، وشتان بين التقنينين.
(( يَدُ اللَّهِ مَلْأَى لَا يَغِيضُهَا نَفَقَةٌ، سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَدِهِ ))
8 – الله حكيم في عطائه عليم بمواضعه:
لكن الشيء الدقيق الدقيق جداً، أن الله سبحانه وتعالى عليم بموقع جوده، فقد تجد إنسانا جوادا سخيا، لكن يعطي عطاء عشوائياً، من قال له كلمتين يعطيه، بتحقيق أو من دون تحقيق، يستحق، أو لا يستحق، هذا المال قد يستعين به على معصية، أو على طاعة لكن ليس عنده معلومات دقيقة، لكن الله سبحانه وتعالى وهو أحكم الحاكمين، يأتي عطاءه بحكمة بالغة، وباستحقاق، وبحكمة، وبخيرية.
لكن هذا الشيء يذكرني أن النبي صلى الله عليه وسلم عقب بعض الغزوات استعرض الأسرى، فقد كانت من بين الأسرى امرأة وقفت وقالت: يا رسول الله، هلك الوالد، وغاب الوافد، فامنن علي منّ الله عليك، وخلِّ عني، ولا تشمت بي أحياء العرب فإن أبي كان سيد قومه، يفك العاني، ويعفو عن الجاني، ويحفظ الجار ويحمي الديار ويفرج عن المكروب، ويطعم الطعام، ويفشي السلام، ويحمل الكَلَّ، ويعين على نوائب الدهر، وما آتاه أحد بحاجة فرده خائباً، أنا سفانه بنت حاتم الطائي، فقال النبي عليه الصلاة والسلام:
(( يا جارية، هذه صفات المؤمنين حقاً، ثم قال: ارحموا عزيز قوم ذل وغني افتقر، وعالم ضاع بين الجهال ))
هذا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم:
(( ارحموا عزيز قوم ذل، وغني افتقر وعالم ضاع بين الجهال ))
فمنّ النبي عليها، وأكرمها، وحملها بما تحتاج، وأرسلها إلى قومها، فحينما رأت هذا العطاء وهذا الكرم، استأذنته بالدعاء، هنا الشاهد.
[ ذكر هذه القصة ابن هشام في سيرته، والطبري في تاريخه ]
الله عز وجل كرمه بحكمة بالغة، في موضوعه، قالت سفانه: أصاب الله ببرك مواقعه، ولا جعل الله لك إلى لئيم حاجة.
ورد في بعض الآثار عن سيدنا علي " والله والله مرتين لحفر بئرين بإبرتين مستحيل ! وكنس أرض الحجاز بيوم عاصف بريشتين، أيضاً مستحيل ! ونقل بحرين ذاخرين بمنخلين أيضاً مستحيل ! وغسل عبدين أسودين حتى يصيرا أبيضين، قال: أهون عليّ من طلب حاجة من لئيم لوفاء دين ".
سُئل أحدهم: ما الذل ؟ قال: أن تقف بباب اللئيم ثم يردّك، اللئيم يرد.
ما قال لا قط إلا في تشهده * لولا التشهد كانت لاءه نعم
[ قول الفرزدق يصف به النبي عليه الصلاة والسلام ]
المؤمن يخجل من كلمة ( لا )، يبذل كل ما عنده.
لذلك استأذنته بالدعاء، فقالت هذه المرأة التي منّ النبي عليها، وأطلق سراحها وأكرمها، وأرسلها إلى أهلها: أصاب الله ببرك مواقعه، ولا جعل لك إلى لئيم حاجة، ولا سلب نعمة عن كريم قوم إلا جعلك سبباً في ردها، ورجعت إلى أهلها، والتقت مع أخيها الذي نسيها، فوقعت أسيرة، فقالت لأخيها عدي بن حاتم: ائتِ هذا الرجل، فإني قد رأيت هدياً، وسمتاً، ورأياً يغلب أهل الغلبة، ورأيت فيه خصالاً تعجبني، رأيته يحب الفقير ويفك الأسير، ويرحم الصغير، ويعرف قدر الكبير، وما رأيت أجود منه، ولا أكرم منه وإن يكن نبياً فللسابق فضله، وإن يكن ملكاً فلا تزال في عزّ مُلكه.
الشاهد: أن الإنسان من علامات توفيق الله له أن يضع معروفه عند من يستحقه فقد تكرم إنسانا، ثم يتنكر لك.
أعلـمه الرماية كل يوم فلما اشتد ساعده رماني
وكم علمته نظم القواف ي فـلما قال قافية هجاني
***
هذا هو اللئيم، اللئيم يرد على الإحسان بالإساءة، لكن الكريم يرد على الكرم بكرم كبير.
9 – من معاني الجواد: الطُّرُق:
إذاً: هو جواد هداك إلى طريقه، إلى طريق يفضي إليه، هداك إلى طريق طاعته، هداك إلى طريق الجنة، هداك إلى سلامتك، هداك إلى سعادتك، هذا معنى: ( الجواد )، أرشدك إلى الطريق، قال يهديهم:
﴿ سُبُلَ السَّلاَمِ ﴾
( سورة المائدة الآية: 16 )
المؤمن في سلام مع نفسه، ما عنده اختلال توازن، ما بنى مجده على أنقاض الآخرين، ما بنى غناه على إفقارهم، ما بنى عزه على إذلالهم، متوازن، المؤمن في قلبه من الراحة النفسية ما لو وزعت على أهل بلد لكفاهم، هذا معنى ( الجواد )، الله عز وجل قال: ﴿ وَاللّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ ﴾
( سورة يونس الآية: 25 )
هذا الذي ترونه في العالم هذا مِن فعل الشيطان، الله عز وجل يدعو إلى دار السلام، الحروب، والقتل، والاجتياح، والاعتقال، والهدم، هذا من فعل الشيطان، إن هذا من عمل الشيطان: ﴿ وَاللّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ ﴾
﴿ وَيَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾
( سورة يونس الآية: 25 )
﴿ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾
( سورة هود )
أيها الإخوة الكرام، من أسماء الله ( الجواد )، أن يهديك سبيل الرشاد، يهديك سبيل السلامة.
رأيُ ابن القيم في معنى الجواد:
ابن القيم رحمه الله، يرى أن ( الجواد )، أي أنه أعطاك الأوامر والنواهي لترقى بفعل الأوامر، وترقى بترك النواهي، بيّن لك الحلال والحرام، لترقى بأخذ الحلال وترك الحرام، الله عز وجل جواد أرادك أن تكون في جنة عرضها السماوات والأرض.
فلذلك أيها الإخوة:
﴿ وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾
أي تقترب إليه بكمال مشتق من كماله.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
08-07-2018, 07:38 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الخامس و العشرون )
الموضوع : اسم الله - الحيى -1 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
من أسماء الله الحسنى: ( الحيي ):
أيها الأكارم، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم الحيي.
1 ـ ورود هذا الاسم في السنة فقط:
هذا الاسم لم يرد في القرآن الكريم، ولكنه ورد في السنة، فقد سماه النبي صلي الله عليه وسلم سمى ربه بالحيي:
(( النبي صلي الله عليه وسلم رأى رجلاً يغتسل بلا إزار (بلا ثياب)، فصعد المنبر فحمد الله وأثني عليه ثم قال: إن الله عز وجل حيي ستير يحب الحياء والستر فإذا اغتسل أحدكم فليستتر (أي عن نظر الآخرين)، فإذا اغتسل أحدكم فليستتر ))
[ رواه أبو داود عن يعلى بن أمية]
الله عز وجل يستحي من عبده إذا سأله ألا يجيبه:
وقد ورد هذا الاسم مطلقاً مراداً به العالمية دالاً على كمال الوصفية:
(( إن ربكم تبارك وتعالي حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفراً ))
[ أخرجه أبو داود عن سلمان الفارسي]
أي الله يستحي من عبده إذا سأله ألا يجيبه، إذا دعاه ألا يلبيه، إذا استغفره ألا يغفر له، إذا تاب إليه ألا يتوب عليه، لذلك قالوا ما أمرنا أن نتوب إليه إلا ليتوب علينا وما أمرنا أن نستغفره إلا ليغفر لنا وما أمرنا أن نسأله إلا ليعطينا.
ورد في بعض الأحاديث الصحيحة أنه:
(( إذا كان ثلث الليل الأخير نزل ربكم إلي السماء الدنيا فيقول: هل من تائب فأتوب عليه ؟ هل من سائل فأعطيه ؟ هل من مستغفر فأغفر له ؟ هل من طالب حاجة فأقضيها له ؟ حتى يطلع الفجر))
[ أخرجه أحمد عن أبي هريرة]
بطولة الإنسان أن يسأل الله عز وجل عملاً صالحاً يتقرب به إليه:
المؤمن أيها الأخوة، له مناجاة مع الله عز وجل.
إنما أشكو بثي وحزني إلي الله وأعلم من الله ما لا تعلمون، كلام سيدنا يعقوب فالإنسان حينما تلم به ملمة يلوح له شبح المصيبة، يخاف شيئاً، يخشى شيئاً الله عز وجل علمنا أن نسأله وأن ندعوه وأن نستغفره وأن نتوب إليه، لأنه حيي كريم، يستحي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفراً، فكما أن الله يستحي منك ينبغي أن تستحي أنت منه والحياء من الإيمان.
مرة ثانية أيها الأخوة إن ربكم تبارك وتعالى حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفراً، لذلك البطولة أن تحسن أن تسأله، اسأله ما يرضيه، اسأله ما يقربك إليه، اسأله خير الآخرة، اسأله أن تعرفه، اسأله أن تستقيم على أمره، اسأله عملاً صالحاً تتقرب به إليه، اسأله العلم لأن كرامة العلم أعظم كرامة.
﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا ﴾
( سورة النساء )
أي الإنسان يسأل ملكاً، الملك ماذا يعطي ؟ يعطي بيتاً، يعطي مركبة، تسأله قلماً، البطولة أن تسأله بقدر كرمه، أن تسأله بقدر غناه، أن تسأله بقدر محبته لك، أن تسأله لأنه على كل شيء قدير.
2 ـ من معاني الحيي: المتصف بالحياء:
أيها الأخوة، الدعاء هو العبادة، فإن الله حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفراً، الحيي المتصف بالحياء، نحن تعلمنا ونذكر هذا كثيراً أن قوله تعالى:
﴿ وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾
( سورة الأعراف الآية: 180 )
يعني أنت لن تستطيع أن تتقرب إلى الله بأفضل من كمال مشتق منه، هو حيي فأنت أيها المؤمن يجب أن تتخلق بهذا الخلق، والحياء من الإيمان، علامة الإيمان الحياء والحياء مؤشر على الإيمان.
فالحيي المتصف بالحياء، صفة خلقية رقيقة لطيفة تمنع النفس عن أن تقترف شيئاً مناقضاً لما هو معروف عندها.
لكل إنسان فطرة تتفق مع منهج الله عز وجل:
أيها الأخوة، قد لا ينتبه الإنسان إلى بعض المصطلحات سمى الله الأعمال الطيبة التي تنسجم مع الفطرة معروفاً لأن الفطر السليمة في أصل خلقها تعرفها، القضاء البريطاني يأخذون عشرة من الطريق يعرضون عليهم جريمة بحسب الفطر السليمة قد يكشفون الحقيقة، الإنسان له فطرة سليمة لذلك الحياء أن تمتنع عن فعل شيء تعرفه فطرتك السليمة بداهة ابتداءً من دون تعليل.
البر ما اطمأنت إليه النفس والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس، لك فطرة هذه الفطرة تتفق مع منهج الله مئة بالمئة، يعني ما أمرك الله بشيء إلا وفطرتك وجبلتك ترتاح له، وما نهاك عن شيء إلا وفطرتك وجبلتك تنفر منه.
لذلك سميت الأعمال الطيبة التي أودعت قيمتها في فطرة الإنسان معروفاً، وسمي الشيء الذي تأباه الفطر السليمة منكراً، من كلمة معروف ومنكر يعني هذا الشيء يتوافق مع فطرة النفس توافقاً تاماً الدليل:
﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ﴾
( سورة الروم: 30)
لأن إقامة وجهك للدين حنيفاً ينقلب على فطرتك:
﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ (30) ﴾
( سورة الروم: 30)
الإسلام دين الفطرة:
أن تقيم وجهك للدين حنيفاً، إقامة وجهك للدين حنيفاً هو نفسه فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله:
﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا {7} فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا {8} ﴾
( سورة الشمس )
المعنى الدقيق الإنسان حينما يفجر لا يحتاج إلى من يعلمه ولا إلى من يرشده ولا إلى من يذكره ولا إلى من ينصحه يكتشف بفطرته ذاتياً وبداهةً أنه أخطأ هذه الفطرة، لذلك قالوا الإسلام دين الفطرة، كل الأمر إلهي إن طبقته ترتاح نفسك فلذلك: ﴿ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ (7) ﴾
( سورة الحجرات)
الحياء علامة الإيمان:
الشيء الدقيق أن الإنسان حينما يصطلح مع الله يصطلح مع فطرته، يرتاح، هذه الراحة لا توصف، والله بعد أن يتوب الإنسان كأن جبالاً أزيحت عن صدره، صار خفيفاً انسجم مع فطرته، تماماً كمركبة من أرقى الأنواع من أغلى الأنواع من أحدث الأنواع سرت بها في طريق وعر هذه المركبة السيارة مصممة للطريق المعبد لا تكتشف ميزاتها إلا في الطريق المعدل، سهولة في الحركة، نعومة في الصوت، سرعة في المشي، أما إذا سرت بها في طريق وعر كله صخور وأكمات تتكسر، تماماً كالنفس، الله عز وجل حيي، هذه صفة من صفات الله عز وجل، واسم من أسمائه، حيي في ذاته وفي صفاته وقد فطرنا على الحياء فالإنسان إذا كان وقحاً يسقط من عين نفسه، في تعبير معاصر ينهار داخلياً، إذا وقح بذيء اللسان، قاسي الكلمات.
يقول عليه الصلاة والسلام فيما ورد صحيح البخاري من حديث ابن مسعود:
(( إن مما أدرك الناس من كلام النبوة إذا لم تستح فاصنع ما شئت ))
[ أخرجه البخاري عن ابن مسعود]
هذا الحديث دقيق جداً، يعني الإيمان علامته الحياء، فالذي لا يستحي لا خير فيه ولا جدوى منه ولا أمل في صلاحه، علامة الإيمان الحياء.
3 ـ الفرق بين الحياء و الخجل:
لكن لابد من التفريق بين الحياء كفضيلة وبين الخجل كمرض نفسي، الخجل مرض، أحياناً الإنسان يخجل من أن يطالب بحقه، يخجل أن ينطق بالحق، يخجل أن يصرح بالحقيقة، هذا مرض، الخجل يعدّ نقيصة في شخصية الإنسان، لكن الحياء فضيلة، أنا أستحي ولكني أطالب بحقي بأدب، أنا أستحي ولكنني لا أستحي من الحق، لذلك:
(( إن مما أدرك الناس من كلام النبوة إذا لم تستح فاصنع ما شئت ))
[ أخرجه البخاري عن ابن مسعود]
يوجد معنى آخر دقيق جداً، أنك إذا كنت ترضى عن الله عز وجل لا تعبأ بكلام الناس، هذا العمل إن لم تستحِ من الله (في بعض المجتمعات الإسلامية التعدد غير مقبول إطلاقاً لكن إنسان له أخ وتوفي و له خمسة أولاد وهو عمهم لو تزوج زوجة أخيه ورعى الأولاد وضمهم إليه لا يوجد مانع ) هذا يرضي الله عز وجل لكن لا يرضي الناس، فإذا لم تستحِ من الله في شيء تفعله فاصنع ما شئت، لا تعبأ بكلام الناس.
المنافق من أرضى الناس جميعاً:
المؤمن يتعامل مع جهة واحدة هي الله عز وجل، المؤمن يخاف الله وحده ولا يعبأ بكلام الناس وإرضاء الناس غاية لا تدرك، ومن أرضى الناس جميعاً فهو منافق، في بحياته كلمة لا، لا يستحي بها، شيء يتناقض مع منهجه قد رفض دعوة فيها معاصي، يعني الناس أحياناً يضحون بطاعتهم لربهم مراعاة لسمعتهم بين الناس هذا خطأ كبير، إذا لم تستح من الله كان عملك صحيحاً وفق المنهج تبتغي به رضوان الله عز وجل، فاصنع ما تشاء، شخص سأل النبي الكريم عندي يتيم أفأ ضربه ؟ قال: مما تضرب منه ولدك. إذا ابنك أردت أن تؤدبه لمصلحته لا عليك لا تعبأ، ضرب يتيم، هذا ابني، كما أنني أؤدب ابني أؤدب اليتيم، إذا لم تستح فاصنع ما تشاء، إذا لم تستح من الله.
لذلك اعمل لوجه الواحد يكفك الوجوه كلها، من جعل الهموم هما واحداً كفاه الله الهموم كلها.
4 ـ الحياء صفة عظيمة من صفات المؤمنين:
في حديث طويل لأبي سفيان مع هرقل يقول أبو سفيان: فوالله لولا الحياء من أن يؤثروا عليّ كذباً لكذبت عنه، كان يعارض النبي عليه الصلاة والسلام، فلما سأل هرقل عن رسول الله قال لولا الحياء من أن يؤثروا عليّ كذباً لكذبت عنه، الحياء يردع، والحياء ضمانة الذي عنده حياء فيه صفة عالية جداً.
سيدنا موسى كان حيياً:
﴿ فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا (25) ﴾
( سورة القصص )
لو أنها قالت إن أبي يدعوك، يقول لها ما هي المناسبة ؟ صار في حوار: ﴿ فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا (25) ﴾
( سورة القصص )
لذلك: ﴿ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (32) ﴾
( سورة الأحزاب)
إذاً الحياء من صفات المؤمنين.
من لا يستحي لا خير فيه:
لذلك قالوا: العدل حسن لكن في الأمراء أحسن، والحياء حسن لكن في النساء أحسن، والسخاء حسن لكن في الأغنياء أحسن، والصبر حسن لكن في الفقراءأحسن، والتوبة حسن لكن في الشباب أحسن.
يعني الشاب ألزم ما يلزمه التوبة، والمرأة ألزم ما يلزمها الحياء، والغني ألزم ما يلزمه السخاء، والفقير ألزم ما يلزمه الصبر، والأمير ألزم ما يلزمه العدل، ورد:
أحب ثلاثاً، وحبي لثلاث أشد، أحب الطائعين، وحبي للشاب الطائع أشد، أحب المتواضعين، وحبي للغني المتواضع أشد، أحب الكرماء، وحبي للفقير الكريم أشد، وأبغض ثلاثاً، وبغضي لثلاث أشد، أبغض العصاة، وبغضي للشيخ العاصي أشد، أبغض المتكبرين، وبغضي للفقير المتكبر أشد، أبغض البخلاء، وبغضي للغني البخيل أشد.
فالحياء من الإيمان، وإذا لم تستحِ فاصنع ما شئت على معنيين: إن لم تستحِ فلا خير فيك، وإن لم تستحِ من الله فافعل ما شئت ولا تعبأ بكلام الناس.
في آيات دقيقة جداً من هذه الآيات:
﴿ وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ (195) ﴾
( سورة البقرة )
إن لم تنفقوا أو: ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة إن أنفقت كل أموالكم، لذلك الإسلام وسطي.
حياء الشرع هو الحياء الذي يحفظ للعبد استقامته:
أيها الأخوة، حياء الشرع هو الحياء الذي يحفظ للعبد استقامته هذا حياء الشرع لأن عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( اسْتَحْيُوا مِنْ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ، قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا نَسْتَحْيِي وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، قَالَ: لَيْسَ ذَاكَ، وَلَكِنَّ الِاسْتِحْيَاءَ مِنْ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ، وَمَا وَعَى وَالْبَطْنَ وَمَا حَوَى، وَلْتَذْكُرْ الْمَوْتَ وَالْبِلَى، وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ اسْتَحْيَا مِنْ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ ))
[ أخرجه أحمد، والترمذي والحاكم، والبيهقي عن عبد الله بن مسعود ]
أدخلت إليه طعاماً اشتريته بمال حلال لذلك يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة، يقول العبد يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب له.
ولحكمة بالغة بالغة بالغة جعل الله الحلال صعباً والحرام سهلاً، لو عكس الآية لأقبل الناس على الحلال لا حباً في الله ولا رغبة في طاعته ولكن لأنه أسهل، لكن لحكمة بالغة بالغة بالغة جعل الله الحلال صعباً، يعني الإنسان يشتغل ساعات طويلة يأخذ مبلغاً معيناً، يوجد إنسان آخر يأخذ هذا المبلغ في ربع ساعة ولكن بالحرام، ففرق كبير بين الحلال والحرام.
بطولة الإنسان أن يبدأ من النهاية:
أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ ، وَمَا وَعَى وَالْبَطْنَ وَمَا حَوَى ، وَلْتَذْكُرْ الْمَوْتَ وَالْبِلَى ، البطولة أن تبدأ من النهاية ، الآن في دورات مشهورة جداً البرمجة العصبية اللغوية يعني في قاعدة فيها ابدأ من النهاية ، شيء دقيق جداً ابدأ من الموت ثم اعمل ، تؤسس عملاً ، تدرس ، تنال الدكتوراه ، تؤسس شركة ، ولكن لأنك بدأت من الموت أنت تراقب الله عز وجل لا تعصي الله وتسرع إليه ، ابدأ من النهاية وأن تذكر الموت والبلى ، فإن فعلتم ذلك فقد استحييتم من الله حق الحياء :
(( أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ، وَمَا وَعَى وَالْبَطْنَ وَمَا حَوَى، وَلْتَذْكُرْ الْمَوْتَ وَالْبِلَى، البطولة ))
[ أخرجه الترمذي عن عبد الله بن مسعود]
وفي كل دروس أسماء الله الحسنى البطولة أن تعرف أسماء الله الحسنى وأن تتخلق بكمالاتها ليكون هذا التخلق بكمالاته سبباً للاتصال به: ﴿ وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾
( سورة الأعراف الآية: 180 )
دين الإنسان الحقيقي في بيته و عمله:
مرة ثانية أيها الأخوة، الدين الحقيقي ليس في المسجد، في المسجد أن أجل أن تتلقى تعليمات الصانع في درس علم، وفي المسجد من أجل أن تقبض ثمن استقامتك وأنت في الصلاة، لكن دينك في مكتبك، دينك في دكانك، دينك في السوق، دينك في بيعك وشرائك، دينك في صناعتك، في مواد مؤذية للإنسان توضع في الأغذية، السعر يزداد والأرباح تزداد لكن على حساب صحة الناس، في أشياء لا تعد ولا تحصى، هرمونات ترش بها النباتات تصبح الحبة كبيرة جداً ولها ألوان زاهية لكنها مسرطنة الهرمونات، فالإنسان دينه في عمله، دينه في بيته، خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي.
خاتمة:
لذلك أيها الأخوة، الحياء أن تستحي من الله أن تعصيه، أن تستحي من الله أن تستخدم جارحة من جوارحك في معصية الله، الحياء أن ترى أن الله معك، في رواية أخرى أن إنساناً ـ كما قال النبي الكريم ـ اغتسل أمامه عرياناً، قال خذ إجارتك لا حاجة لنا بك إني أراك لا تستحي من الله.
فالحياء من علامات الإيمان ودائماً المؤمن يستر جسمه وغير المؤمن يكشف عورته، الإنسان في بيته يرتدي ثياباً معقولة، أما غيره إنسان يكون بالثياب الداخلية في بيته أمام أولاده، أمام بناته، ما في حياء، والله في جامعة من جامعات الدول العظمى كانت ترفع شعار لا إله حدثني طالب قال دورات المياه مشتركة ما في حواجز بينهما إطلاقاً، صالون كبير فيه خمسين ستين مكان لقضاء الحاجة بلا حواجز.
(( اسْتَحْيُوا مِنْ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ، قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا نَسْتَحْيِي وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، قَالَ: لَيْسَ ذَاكَ، وَلَكِنَّ الِاسْتِحْيَاءَ مِنْ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ، وَمَا وَعَى وَالْبَطْنَ وَمَا حَوَى، وَلْتَذْكُرْ الْمَوْتَ وَالْبِلَى ))
[ أخرجه أحمد، والترمذي والحاكم، والبيهقي عن عبد الله بن مسعود ]
والحمد لله رب العالمين
السعيد
08-07-2018, 07:41 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( السادس و العشرون )
الموضوع : اسم الله - الحيى -2 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
من أسماء الله الحسنى: ( الحيي ):
أيها الأخوة الكرام، لازلنا في اسم الحيي، فالحياء وصف لكمال الله عز وجل، فالله عز وجل ذات كاملة لا يتعارض مع حكمته، ولا يتعارض مع بيان الحق، ولا مع بيان الحجة، هذا ينقلنا إلي معنى دقيق يجب أن يكون في المؤمن، فالمؤمن حيي يشتق حياءه من كمال الله عز وجل، لكن حياءه لا يمنعه أن يدلي بالحجة وأن يصدح بالحق وأن يقول الحق ولو كان مرّاً، فإذا منعه شيء ما أن ينطق بالحق أو أن يكون منصفاً فهو نقيصة في الإنسان يمكن أن تسمى الخجل، الخجل أن تمتنع أن تنطق بالحق، تسكت، وقد يكون هذا المرض منتشراً في العالم الإسلامي، لا أحد ينهى عن المنكر، لذلك ورد في الحديث الصحيح:
(( إن الإيمان بضع وسبعون شعبة أفضلها قول لا اله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان ))
[ أخرجه مسلم عن أبي هريرة]
أفضلها التوحيد وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد.
معاني التوحيد:
الإيمان شيء والتوحيد شيء آخر، التوحيد ألا ترى مع الله أحداً، أن ترى أن يد الله تعمل وحدها، التوحيد أن ترى أن الله في السماء إله وفي الأرض إله، التوحيد أن تؤمن بما قال الله عز وجل:
﴿ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (26) ﴾
( سورة الكهف)
التوحيد أن ترى أنه لا معطي ولا مانع ولا خافض ولا رافع و لا معز ولا مذل إلا الله، التوحيد أن تجعل علاقتك بالله وحده، التوحيد أن تعمل لوجه واحد عندئذ يكفيك الهموم كلها، التوحيد ألا تدعو مع الله إله آخر: ﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213) ﴾
( سورة الشعراء )
من زاد توحيده زادت خشيته و طاعته لله تعالى:
التوحيد كلمة لكن إن تعيشها تحتاج لجهد كبير، التوحيد أن ترى أن كل الخلق لا شيء أمام إرادة الحق، كلما زاد التوحيد زاد الكمال، كلما زاد التوحيد زادت الخشية، كلما زاد التوحيد زادت الطاعة، كلما زاد التوحيد ازداد الأمن في قلب الإنسان:
﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ ﴾
( سورة الأنعام )
الحديث الصحيح:
(( إن الإيمان بضع وسبعون شعبة أفضلها قول لا اله إلا الله...))
[ أخرجه مسلم عن أبي هريرة]
التوحيد فحوى دعوة الأنبياء جميعاً:
التوحيد هو الذي ينجي بل إن نهاية العلم التوحيد ونهاية العمل التقوى، فإذا وحدت واتقيت الله جمعت طرفي المجد، نهاية العلم أن توحده ونهاية العمل أن تتقيه، لذلك:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 102 )
فالتوحيد هو الإيمان الحقيقي، التوحيد هو فحوى دعوه الأنبياء جميعاً. ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾
( سورة الأنبياء )
من كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً:
كأن الله سبحانه وتعالى ضغط فحوى دعوة الأنبياء جميعا بآية واحدة:
﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾
( سورة الأنبياء )
لا إله إلا أنا توحيد، فاعبدون أي أطيعون، بل إن الله سبحانه وتعالى حينما أمر النبي الكريم أن يقول: ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ (6) ﴾
( سورة فصلت)
وكأن الآية الكريمة ضغطت القرآن كله ولخصته بهذه الكلمات:
﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (110) ﴾
( سورة الكهف )
قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ أنما إلهكم إله واحد، العمل فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً، هذا كلام معجز، كلام بليغ، أنت حينما ترى أن الله وحده ولا جهة سواه تتصرف ؛ هو المتصرف، هو المسير، هو الخالق، هو البارئ، هو المعطي، هو المانع، هو الرافع، هو الخافض، هو المعز، هو المذل، تحصر علاقتك به وحدك، فقد نجوت من كل أمراض النفس.
من عمل عملاً يبتغي به وجه الله تعالى هذا تعبير عن إيمانه:
بشكل مبسط لو دخلت إلي دائرة حكومية وقال لك أحدهم: هذا الطلب لا يسمح لشخص في هذه الدائرة أن يوافق لك عليه إلا المدير العام، هل تبذل ماء وجهك لموظف ؟ لحاجب ؟ لمعاون المدير العام ؟ أبداً ؛ لأن صلاحية التوقيع في هذا الموضوع في يد المدير العام وحده، أنت حينما توقن أن الأمر بيد المدير العام لا تبذل ماء وجهك أمام أحد على الإطلاق.
فالإيمان بضع وسبعون شعبة أفضلها قول لا اله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق.
أحيانا حجر قد يسبب حادثاً مروعاً، تقف وتزيحه إلى جانب الطريق هذا إيمان أنت حينما تعمل عملاً تبتغي به وجه الله هذا تعبير عن إيمانك.
الترابط الوثيق بين الحياء و الإيمان:
إخوتنا الكرام، الإيمان حركة لا يوجد إيمان سكوني، لا يوجد إنسان مؤمن معجب بالإسلام، الإعجاب السلبي ليس إيماناً، النمط الساكن غير الحركي ليس إيماناً، ما إن تستقر حقيقة الإيمان في نفس المؤمن حتى تعبر عن ذاتها بحركة نحو الخلق، أبداً ما إن تستقر حقيقة الإيمان في نفس المؤمن حتى تعبر عن ذاتها بحركة نحو الخلق، فالإيمان حركة، الإيمان عمل، الإيمان إيجابية، الإيمان عطاء، لذلك وأدناها أن تميط الأذى عن الطريق، أن تعمل عملاً صالحاً، أن تطعم جائعاً، أن تدل ضالاً، أن توجهه توجيها شديداً، أن تنصح، أن تنطق بالحق، والحياء شعبة من الإيمان، من لا حياء له لا إيمان له، ومن لا إيمان له لا حياء له، العلاقة علاقة ترابطية بين الحياء وبين الإيمان.
الحقيقة في آخر الزمان ينزع الحياء من وجوه النساء، ينزع الحياء من وجوه النساء، وتذهب المروءة من رؤوس الرجال، وتنزع الرحمة من قلوب الأمراء، لا حياء في وجوه النساء ولا نخوة في رؤوس الرجال ولا رحمة في قلوب الأمراء، هذه من علامات آخر الزمان.
الدنيا منقطعة فهي أحقر عند الله من أن تكون عطاءً أو عقاباً:
لذلك الله عز وجل حينما قال:
﴿ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ﴾
( سورة البقرة الآية: 26 )
الله عز وجل حيي، لكن هذه الآية تؤكد أنه لا يستحي أن يضرب مثلاً ما بعوضة فما فوقها، والحقيقة هذه الآية حيرت العلماء، بعوضة، بعوضة في القرآن الكريم ما من مخلوق أهون على البشر من بعوضه، هذا المعنى جاء به النبي عليه الصلاة والسلام حينما قال:
(( لَوْ كَانَتْ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ ))
[ الترمذي عن سهل بن سعد ]
هي أقل من جناح بعوضة لأنها منقطعة، لأن الموت ينهي كل شيء، الموت ينهي قوة القوي، الموت ينهي ضعف الضعيف، الموت ينهي غنى الغني، الموت ينهي فقر الفقير، الموت ينهي صحة الصحيح، الموت ينهي مرض المريض، الموت ينهي وسامة الوسيم، والموت ينهي دمامة الدميم، ما دامت الدنيا منقطعة هي أحقر عند الله من أن تكون عطاءً أو من أن تكون عقاباً، لذلك قد يعطي الدنيا لمن يحب الله ولمن لا يحب، أعطى الدنيا لفرعون هل يحبه الله عز وجل ؟ أعطاها لقارون هل يحبه الله عز وجل ؟ الذي أحبه ماذا أعطاه ؟ قال: ﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً (14) ﴾
( سورة القصص )
المال ليس مقياساً لمحبة الله لعبده:
اسأل نفسك دائماً عطاؤك مِن عطاء مَن ؟ من عطاء الله، لكن من أي نوع ؟ أعطى فرعون الملك وهو لا يحبه، وأعطى سيدنا سليمان الملك وهو يحبه، فإذا أعطى شيئاً واحداً لمن يحب ولمن لا يحب إذاً هذا الشيء ليس مقياساً، أعطى المال لمن لا يحب ؛ أعطاه لقارون، أعطاه لمن يحب لسيدنا عثمان، فالمال أعطي لمن يحب ولمن لا يحب إذاً ليس مقياساً، ما المقياس ؟
﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (22) ﴾
( سورة القصص )
العلم و الحكمة فضل الله الكبير على الإنسان:
إذا كان عطاؤك من الله من نوع عطاء العلم والحكمة:
﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾
( سورة النساء )
دقق، خالق السماوات والأرض يقول لك: ﴿ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا ﴾
( سورة النساء )
فضل كبير أن تعرف الله، فضل كبير أن تعرف أسماءه الحسنى وصفاته الفضلى، فضل الكبير أن تعرف أن الله حيي كريم قوي رحيم حكيم: ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا (180) ﴾
( سورة الأعراف)
الحياء الحقيقي أن يتخلق الإنسان بالكمال الإلهي:
كنت أوضح هذه الآية ببعض الأمثلة، طفل صغير قال لك مرة: معي مبلغ عظيم، طفل والده مدرس دخله محدود فإذا قال ابنه الصغير معي مبلغ عظيم يتصور مئتي ليرة، فإذا قال مسؤول كبير: أعددنا لهذه الحرب مبلغاً عظيماً من دولة عظمى تقدر مئتي مليار دولار، الكلمة نفسها قالها طفل صغير فقدرتها بمئتي ليرة، وقالها مسؤول كبير فقدرتها بمئتي مليار دولار، فإذا قال ملك الملوك ومالك الملوك:
﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾
( سورة النساء )
الحقيقة العطاء الحقيقي أن تعرفه:
(( ابن آدم اطلبني تجدني فإذا وجدتني وجدت كل شيء وإن فتك فاتك كل شيء وأنا أحب إليك من كل شيء ))
[ ورد في الأثر]
إذاً: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ﴾
( سورة البقرة الآية: 26 )
كأن هذه الآية تبين أن هناك أشياء إن سكت عنها هذا ليس حياء، الحياء أن تتخلق بالكمال الإلهي، الحياء أن تمتنع عن فعل معصية.
المؤمن لا يستحي من الحق:
أيها الأخوة، آية قرآنيه يقول الله عز وجل:
﴿ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ (53) ﴾
( سورة الأحزاب )
إذاً أنت ينبغي أن تنطق بالحق، يجب أيها المؤمن إن أردت أن تتقرب من الله بكمال الله، بالحياء يجب ألا تستحي من الحق، إن استحييت من الحق فهذا ليس حياء بل هو خجل والخجل نقيصة في الإنسان.
إن الله لا يستحي من الحق لذلك الإنسان بحق نفسه ضعيف، أما أخوه قد يتكلم عنه إن أطلنا عليه الجلوس، مثلاً العيادة فواق ناقة، أي مده العيادة مدة حلب ناقة، المريض يحتاج إلى أدوية، يحتاج إلى وضع معين، فينبغي ألا نطيل عليه الجلوس، لو أن فئة أطالت الجلوس وقال أحدهم يكفي نحن أثقلنا عليك سامحنا، فإن الله لا يستحي من الحق.
الدين النصيحة:
عود نفسك أن تكون جريئاً، معقول سيدنا عمر يمشي في الطريق رأى غلماناً يلعبون فلما رأوه وكان ذا هيبة عظيمة تفرقوا إلا واحداً منهم بقي في مكانه بأدب لفت نظره فلما وصل إليه قال: أيها الغلام لما لا تهرب مع من هرب ؟ قال: أيها الأمير لست ظالماً فأخشى ظلمك ولست مذنباً فأخشى عقابك والطريق يسعني ويسعك.
أنا متألم من خلق الخجل، يعني تأتيه ابنة أخيه هو عمها بثياب فاضحة يستحي أن ينصحها، لا انصحها، أنت مثل ابنتي، يا بنيتي هذه الثياب لا تليق بك ولا بأبيك ولا بأسرتك، انصحها لذلك:
﴿ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ (79) ﴾
( سورة المائدة )
طبعاً أسلم للإنسان ألا ينصح أحداً، دعه وشأنه، لا، الحياء لا أن تستحي أن تنصح إنساناً، الدين النصيحة، الحياء أن تجهر بالحق، الحياء أن تنصح، الحياء ألا تبقى ساكتاً، يعني اسكت حيث ترغب أن تتكلم وتكلم حينما ترغب أن تسكت، إن كنت تملك حقيقة وكل من حولك ساكت تكلم.
من حياء المؤمن أن ينطق بالحق و ينصف الآخرين:
سيدنا عمر كان بين أصحابه قال له أحدهم: والله ما رأينا خيراً منك بعد رسول الله، تغير لونه وأحدّ فيهم النظر، إلى أن قال أحدهم: لا والله لقد رأينا من هو خير منك، قال من هو ؟ قال الصديق، دققوا الآن قال: كذبتم جميعاً، عدّ سكوتهم كذباً، قال كذبتم جميعاً وصدق هذا الذي تكلم، كنت أضل من بعيري وكان أبو بكر أطيب من ريح المسك، هذا الذي قال لا والله لقد رأينا خيراً منك سكوته ليس حياء بل خجلاً، الإنسان أحياناً يؤثر السلامة يبقى ساكتاً، أما لو تكلم كلمة لغير الموقف كله.
مرة مدح ابن أحد الخلفاء أمام علية القوم، كل من كان جالساً مدح هذا الابن فهو ليس في مستوى أبيه، وصل الدور عند الأحنف بن قيس بقي ساكتاً قال له الخليفة: تكلم، قال: أخاف الله إن كذبت وأخافكم إن صدقت. فكان تلميحاً أبلغ من تصريح.
أحياناً كلمة تحق بها حقاً وتبطل بها باطلاً، أنا أريد أن نتأكد أن الحياء لا يعني أن تسكت عن أداء رسالتك أو أن تسكت عن الحق، فالساكت عن الحق شيطان أخرس، تلك صفة مذمومة، الحياء أن تنطق بالحق، الحياء أن تقول كلمة حق، الحياء أن تنصف.
الحياء لا أن تستحي من النطق بالحق بل أن تستحي من فعل المنكرات:
شخص تخلف عن رسول الله، فسأل النبي عليه الصلاة والسلام عنه، فقال بعضهم: شغله بستانه عن الجهاد معك، فقام أحد الصحابة متأثراً قال: لا والله يا رسول الله لقد تخلف عنك أناس ما نحن بأشد حباً لك منهم ولو علموا أنك تلقى عدواً ما تخلفوا عنك فتبسم عليه الصلاة والسلام.
دافع عن أخيك، أحياناً أنت جالس في مجلس يأتي ذكر أخيك هناك من يتهجم عليه وأنت تعلم علم اليقين أنه بريء من هذه الصفة، تبقى ساكتاً السكوت أفضل، لا تتكلم دافع عنه هذا واجبك، فلذلك أي شيء منعك أن تنطق بالحق، أن تجهر بالحق، أن تكون منصفاً هو صفة ذميمة في الإنسان وليس حياءً، الحياء أن تستحي من الله، الحياء أن تستحي أن تقترف إثماً أو أن ترتكب معصية.
أيها الأخوة الكرام، الحياء لا أن تستحي من النطق بالحق بل أن تستحي من فعل المنكرات.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
08-07-2018, 07:43 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( السابع و العشرون )
الموضوع : اسم الله - الخلاق -1 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
من أسماء الله الحسنى: ( الخلاق):
أيها الإخوة الكرام، مع اسماً جديد من أسماء الله الحسنى والاسم اليوم "الخلاق" هذا الاسم العظيم ورد مطلقاً يفيد المدح والثناء على الله عز وجل، مراد به العلنية، دالاً على كمال الوصفية، فقد ورد في قوله تعالى:
﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ ﴾
( سورة الحجر )
وفي قوله أيضاً: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ ﴾
( سورة يس )
الخلاق المبدع كماً ونوعاً:
"الخلاق" من حيث الصياغة اللغوية اسم مبالغة لاسم الفاعل، تقول: غافر وغفار، خالق وخلاق، وماذا تعني المبالغة في أسماء الله الحسنى ؟ تعني الكم، والكيف الكم والنوع.
أي للتقريب ؛ غافر يغفر ذنباً واحداً، لك ذنب يغفره الله لك فهو غافر، لكن لبعض الناس مئة ألف ذنب، الله غفار يغفرها مهما كثرت، و هناك ذنب كبير جداً، ويغفر الذنب مهما عظم.
المبالغة تعني الكم، والنوع، مهما عظم الذنب يغفره الله فهو غفار، ومهما كثرت الذنوب يغفرها الله فهو غفار، الله عز وجل خالق، لكن "خلاق" فيها معنى الكم يخلق ما يشاء، وفيها معنى النوع، الكم في قوله تعالى:
﴿ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا ﴾
( سورة النساء )
يخلق مليارات، مليارات المليارات، هذا الكم، أما النوع: ﴿ وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ ﴾
( سورة النمل )
الإتقان. ﴿ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ﴾
( سورة التغابن )
يعني الخلاق المبدع، كماً ونوعاً.
من لوازم الخلاق كمالُ الخَلقِ والتصرُّفِ:
لكن أيها الأخوة ، معنى الخالق حتى نفهم "الخلاق" معنى الخالق أي أن الله سبحانه وتعالى خلق من لا شيء كل شيء ، على غير مثال سابق ، لكن الله جل في علاه سمح للإنسان أن يعطى هذا الاسم ، الدليل قال الله عز وجل :
﴿ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾
( سورة المؤمنون )
الإنسان أحياناً يصنع طاولة، يصنع شيئاً من كل شيء، وعلى مثال سابق، صنعة الإنسان يصنع شيئاً من كل شيء، المواد الأولية كلها يأخذها من الأرض، والفكرة يراها بعينه، الإنسان إذا صنع شيئاً يصنع شيئاً من كل شيء، وعلى مثال سابق، بينما خالق السماوات والأرض يصنع كل شيء من لا شيء، وعلى غير مثال سابق.
الإنسان حينما يوازن لأن الله سمح لهذا الإنسان الذي يصنع شيئاً من كل شيء، أن يُسمى مجازاً خالقاً، وتأتي الآية الكريمة: ﴿ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾
أي الله عز وجل أودع بالإنسان كلية بحجم البيضة، صغيرة، تعمل بصمت بلا ضجيج، بلا تكلفة، تعمل ليلاً نهاراً، وأنت نائم، وأنت تمشي، وأنت تتحرك، وأنت مسافر، وأنت مقيم، وكل كلية فيها عشرة أضعاف حاجتك، عشرة احتياطات، فالكليتان فيهما عشرون احتياطاً، أما الكلوة الصناعية كحجم الطاولة، يجب أن تستلقي على السرير، ثماني ساعات، وأن تدفع مبالغ طائلة، وأن تتعطل ثلاث مرات في الأسبوع، وأن تتألم، هذه كلية صناعية، وتلك كلية طبيعية.
آلة التصوير، فيها بكل ميليمتر عشرة آلاف مستقبل ضوئي، بينما العين بالميليمتر هناك مئة مليون مستقبل ضوئي، ﴿ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾
الله تعالى ليعرفنا بذاته العلية سمح لذاته العلية أن توازن مع صنعة خلقه:
الله عز وجل ليعرفنا بذاته العلية سمح لذاته العلية أن توازن مع صنعة خلقه قال:
﴿ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ ﴾
( سورة الأنعام )
أحياناً يصنع الإنسان حاسوباً، يقرأ مئات ملايين الحروف في الثانية، لدرجة أنك إذا أعطيته الأمر رأيت النتيجة، الله قال ﴿ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ ﴾
( سورة الأنعام )
أي لا يوجد زمن بين المقدمة والنتيجة، إذاً أن يوازي الإنسان صنعة الواحد الديان بين أن ترى وردة طبيعية فواحة الرائحة، تحس أنها تأخذ بالألباب، وبين أن ترى وردة صنعت من مادة بترولية تمجها نفسك بعد حين، بينما ترى امرأة في محل بيع ألبسة مجسد لامرأة، وبين أن ترى امرأة حقيقية هي ابنتك مثلاً، مسافة كبيرة جداً بين امرأة مصنوعة من مادة صناعية، وبين إنسانة تتحرك فيها حياة، فيها فكر، فيها مشاعر، فيها روح، فيها فهم، فيها علم، لذلك ﴿ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾
الإنسان صنع طاولة، هذه الطاولة جامدة، تبقى هكذا إلى أبد الآبدين، لكن ما صنع شيئاً، صنع ذكر وأنثى ؟ هذه الطاولات تتوالد ؟ هذا شيء معجز، خلق ذكراً، وخلق أنثى، وخلق ميلاً متبادلاً بينهما، ومن هذا الميل المتبادل ينتج أطفالاً، هذا شيء عظيم.
الموازنة بين صنعة الله المتقنة و صنعة الإنسان:
نظام الزوجية مطبق في كل شيء، مطبق في النبات.
﴿ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ﴾
( سورة الرعد الآية: 10 )
تصور لو لم يكن هناك بذور، الله خلق مليارات الأطنان من القمح، استهلكوا، ما الحل ؟ النبات في بذرة، والبذرة بالقوة شجرة، لو أكلت حبة تين كلها بذور، كل بذرة شجرة، أحياناً يكون بالسمكة في مبيض، في ملايين البيوض، وكل بيضة سمكة، بالتوالد هذا عطاؤنا.
لذلك أيها الأخوة، الفكر البشري حينما يمشي في طريق الموازنة بين صنعة الديان، وبين صنعة الإنسان يرى عظمة الله عز وجل، لأنهم قالوا قديماً:
وبضدها تتميز الأشياء.
فلذلك الله عز وجل خلق كل شيء من لا شيء، بينما الإنسان خلق شيئاً من كل شيء، والله عز وجل خلق كل شيء من لا شيء من دون مثال سابق، أما أي شيء صنعه الإنسان وفق مثال سابق، الغواصة تقليد للسمكة، والطائرة تقليد للطائر، الحديث عن الطيور حديث لا ينتهي، قد تقطع الطيور رحلة تزيد عن 17 ألف كم، كيف تهتدي ؟ لا أحد يعلم حتى الآن، بالتضاريس تهتدي في الليل، كلما وضعت نظرية لاهتداء الطيور في هذه الرحلة الطويلة العلم يراها عاجزة عن تفسير بعض حالات الطيران.
إذاً الله عز وجل أمرنا أن نوازن بين صنعته المتقنة، وبين صنعة الإنسان، لا يوجد إنسان يقدر أن ينزع سن من إنسان إلا بألم، يقول لك صار هناك مادة مخدرة، حتى نعطي هذه المادة المخدرة لا بد من وخزة في اللثة، يتألم، أما الطفل حينما ينزع الله له أسنان اللبن بلا ألم إطلاقاً، لأن الله لطيف.
التقنين الإلهي تقنين تأديب لا تقنين عجز:
إذاً: اسم "الخلاق" تعني إتقان الصنعة، واسم "الخلاق" تعني الخلق اللانهائي، كل شيء الله عز وجل يخلقه لا حدود لخلقه، هذا الذي يقال أنه في أزمة مياه، أزمة غذاء، هذا الكلام ليس صحيحاً.
﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ﴾
( سورة الحجر )
لذلك التقنين الإلهي لا يمكن أن يكون تقنين عجز، إنه تقنين تأديب فقط. ﴿ وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ﴾
( سورة الجن )
﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ ﴾
( سورة الأعراف الآية: 96 )
لذلك أي تفسير يتجه نحو أزمات قادمة هو كلام مفتعل، له هدف خسيس، الله عز وجل خلاق عليم.
قرأت بحثاً عن سحابة في الفضاء الخارجي يمكن أن تملأ محيطات الأرض ستين مرة في اليوم بالمياه العذبة، في بلاد أخرى يهطل في الليلة الواحدة ما يساوي أربعمئة مم يعني المعدل السنوي لدمشق على مرتين، بليلة واحدة، إذا أعطى أدهش، الله خلاق الأرزاق بيده، المياه بيده، أمطار السماء بيده.
لذلك إذا قنن الله عز وجل فتقنينه تقنين تأديب، لا تقنين عجز، والله عز وجل ثبت مليارات القضايا، ثبت نظام البذور، ثبت خصائص المعادن، ثبت مليارات القوانين، لكنه حركة الرزق والصحة، حركهما من أجل أن يأخذ بيدنا إليه، فالإنسان حريص على رزقه، وحريص على صحته، فمن خلال الرزق والصحة يمكن أن يأخذ الله بيد عباده إليه هذا نوع من أنواع التربية، إذاً الله عز وجل "خلاق عليم".
تسخير كل شيء في الكون للإنسان:
شيء آخر: الإنسان حينما يقول الله له:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ﴾
( سورة البقرة الآية: 21 )
هناك مفهوم الربوبية، في نظام الربوبية، مفهوم عطاء، الله عز وجل خلق الكون، الكون وما سواه، خلق الإنسان، خلق الحيوان، خلق النبات، هذا عطاء، الله عز وجل منحك نعمة الإيجاد، منحك نعمة الإمداد، أمدك بالهواء، أمدك بالماء، أمدك بالنبات، أمدك بالحيوان، أمدك بمقومات حياتك، هذا معنى الرب خلق وأمدّ، مفهوم الربوبية مفهوم العطاء، منحك نعمة الوجود، منحك مقومات الحياة، منحك كل شيء، كل شيء في الكون مسخر لك، هذا مفهوم الربوبية، لكنه أرسل إليك رسلاً، افعل ولا تفعل، في أمر، في نهي، في حلال، في حرام، في مكروه، في سنة، في فرض، في واجب، في محرم، هذا المفهوم الآخر مفهوم التشريع، مفهوم الإلوهية.
اختلاف الناس بمفهوم الإلهية و ليس بمفهوم الربوبية:
لذلك البشر لم يختلفوا على مفهوم الربوبية أبداً، حتى الذين عبدوا الأوثان.
﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ﴾
( سورة الزمر الآية: 38 )
لماذا تعبدون الأصنام ؟ ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ﴾
( سورة الزمر الآية: 3 )
إذاً ليس هناك اختلاف في الأرض على مفهوم الربوبية، إبليس اللعين آمن بالله رباً، قال ربي: ﴿ فَبِعِزَّتِكَ ﴾
( سورة ص )
إبليس آمن بالله خالقاً، قال: ﴿ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ ﴾
( سورة الأعراف )
آمن به، آمن بالآخرة، قال: ﴿ َأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾
( سورة الأعراف )
آمن به مربياً، وخالقاً، وعزيزاً، وآمن باليوم الآخر.
إذاً ليس مفهوم الربوبية محل اختلاف إطلاقاً، محل الاختلاف مفهوم الإلهية.
انضباط الشهوات وفق منهج الله تعالى ليرقى بها الإنسان صابراً و شاكراً:
الإنسان أودع الله فيه الشهوات، ليرقى بها تارة صابراً، وتارة شاكراً إلى رب الأرض والسماوات، هذه الشهوات لا بد من أن تنضبط، تنضبط بمنهج الله عز وجل، الشهوة يمكن أن تتحرك بموجبها 180 درجة، سمح لك بمئة درجة، المرأة محببة.
﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 14 )
لكن سمح لك بالزواج، يوجد بحياتك محارم، الأم، والأخت، والبنت، والعمة، والخالة، وبنت الابن، وبنت الأخ، وبنت الأخت، وبنت البنت، هذه محارم سمح لك بحيز لا يمكن أن تتجاوزه، صار شيء بحياتك اسمه حرام، الزنا حرام، والقتل حرام، أكل أموال الناس بالباطل حرام، مفهوم الإلوهية، مفهوم الرسالة، مفهوم الأمر والنهي هذا محل خلاف.
لذلك تشريعات الأرض تتناقض مع تشريعات السماء، صار في شرك، صار في كفر.
الربط بين مفهوم الربوبية ومفهوم الإلوهية لحكمة من الله تعالى:
الآن الله عز وجل لحكمة بالغة ٍ بالغة ربط بين مفهوم الربوبية، ومفهوم الإلوهية، قال:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ﴾
( سورة البقرة الآية: 21 )
المرأة قد تقول لابنها: يا بني والدك لا يرضى أن تأتي بعد الساعة التاسعة يغضب أشد الغضب إنه يرزقنا، إنه يطعمنا، إنه يكسونا، إنه يحبنا، أي أعطته مبرر الطاعة لأنه يعطي.
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ﴾
من هي الجهة التي ينبغي أن تطيعها ؟ هي الجهة الخالقة، الخالق وحده ينبغي أن تطيعه، الخالق وحده ينبغي أن تنصاع لأمره.
فلذلك ورد في بعض الآثار القدسية:
(( إني والجن والإنس في نبأ عظيم: أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر غيري ))
[ أخرجه الحكيم البيهقي في شعب الإيمان عن أبي الدرداء ]
المجتمعات المتفلتة يعبد فيها غير الخالق.
(( أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر غيري، خيري إلى العباد نازل، وشرهم إلي صاعد، أتحبب إليهم بنعمي وأنا الغني عنهم، ويتبغضون إلي بالمعاصي وهم أفقر شيء إليّ، من أقبل عليّ منهم تلقيته من بعيد، ومن أعرض عني منهم ناديته من قريب ))
[ أخرجه الحكيم البيهقي في شعب الإيمان عن أبي الدرداء ]
صنعة الله المتقنة:
لذلك:
﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ ﴾
يخلق ما يشاء كماً، وإذا صنع شيئاً صنعه بإتقان ما بعده إتقان.
البعوضة أحقر مخلوق عند الإنسان، يوجد برأسها مئة عين، بفمها 48 سناً، بصدرها ثلاثة قلوب، قلب مركزي، وقلب لكل جناح، لكل قلب دسامان، وأذينان، وبطينان، هناك جهاز استقبال حراري، وجهاز تحليل دم، وجهاز تخدير، وجهاز تمييع، بخرطومها ست سكاكين، و بأرجلها مخالب، ومحاجم. ﴿ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ﴾
( سورة البقرة الآية: 26 )
لو وازنت بين صنعة الإنسان، مع أن الإنسان إذا شرد عن الله عز وجل يؤخذ بصنعة الإنسان، وبين صنعة الواحد الديان.
هذه البقرة معمل، معمل يقدم لك هذا الحليب، الذي هو أحد أسباب الغذاء، هذا الحليب بلا صوت، بلا ضجيج، بلا تلوث، تأكل الحشيش تعطيك الحليب، تصنع منه مشتقات الألبان، لو فكر الإنسان في طعامه.
﴿ فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاء صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا * فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا * وَحَدَائِقَ غُلْبًا * وَفَاكِهَةً وَأَبًّا * مَّتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ ﴾
( سورة عبس )
كيف القمح هو المحصول الأول في حياة الإنسان، ساق السنبلة هي الغذاء الأول للحيوان، كيف أن القمح غذاء كامل للإنسان، ساق السنبلة غذاء كامل للحيوان. ﴿ مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ ﴾
( سورة النازعات )
منهج الله منهج واسع جداً علينا التقيد به:
أخواننا الكرام، إذا الإنسان تفكر في آيات الله الدالة على عظمته عرفه، وإذا عرفه أحبه، ومن أعجب العجب أن تعرفه ثم لا تحبه، ومن أعجب العجب أن تحبه ثم لا تطيعه.
تعصي الإله وأنت تظهر حبه ذاك لعمري في المقال شنيع
لـو كان حبك صادقاً لأطعته إن الـمحب لمن يحب مطيع
***
يمكن أن نستنبط أن الجهة الوحيدة التي يمكن أن تطاع هي الجهة الخالقة، ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ﴾
يعني مفهوم الربوبية مفهوم عطاء، خلق، إكرام، منح، مفهوم الإلوهية مفهوم انضباط، في أمر، في نهي، في حلال، في حرام، في واجب، في سنة، في سنة مؤكدة، في كراهة، في تحريم شديد، في أحكام لا تعد ولا تحصى.
لذلك منهج الله منهج واسع جداً، يجب أن تتقيد به لعل الله سبحانه وتعالى يسلمنا جميعاً، ويسعدنا جميعاً.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
08-07-2018, 07:45 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الثامن و العشرون )
الموضوع : اسم الله - الخلاق -2 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: ( الخلاّق ):
1 – معنى ( الخلاّق ):
أيها الإخوة الكرام، لا زلنا في اسم الله ( الخلاّق )، و( الخلاّق ) كما قلت صيغة مبالغة من الخالق، والخالق، هو الذي خلق كل شيء من لا شيء على غير مثال سابق.
2 – الفرق بين خلق الله ونسبة الخلق إلى الإنسان:
أما إذا نسبنا مجازاً إلى الإنسان الخلق فهو الذي يصنع شيئاً من كل شيء، وعلى مثال سابق، لذلك فرق كبير بين صنعة الإنسان وبين صنعة الواحد الديان.
على كلٍّ، ( الخلاّق ) هو المبدع كَمًّا وكيفاً، وقد قال الله عز وجل:
﴿ الَّذِي أَحْسَن كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾
( سورة السجدة الآية: 7 )
التفكَّر عبادة من العبادات:
وبالمناسبة، هناك عبادة هي أرقى عبادة على الإطلاق، إنها عبادة التفكر، الأصل فيها قوله تعالى:
﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾
( سورة آل عمران )
الله سبحانه وتعالى أودع في الإنسان قوة إدراكية، ونصب له كوناً ينطق بكل تفاصيله بوجود الله، ووحدانيته، وكماله، وقد قال الله عز وجل: ﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾
( سورة السجدة الآية: 7 )
والله عز وجل جعل التفكر بآياته الكونية والتكوينية والقرآنية سبيلاً إلى معرفته، قال تعالى: ﴿ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ ﴾
( سورة الجاثية )
أي ليس هناك من طريق للإيمان لعظمة الله إلا التفكر في آياته.
﴿ إِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللّهِ لاَ يَهْدِيهِمُ اللّهُ ﴾
( سورة النحل الآية: 104 )
الكون صورة للقدرة للإعجاز والقدرة الربانية:
فلذلك يمكن أن نقف وقفة متأنية عند خلق السماوات والأرض، هذا الكون هو ما سوى الله، وعُبر عنه في القرآن الكريم بمصطلح السماوات والأرض، السماوات والأرض مصطلح قرآني، يعني الكون، والكون ما سوى الله.
الكون متحرّك:
الكون متحرك، وبناء على قانون الجاذبية لولا أنه متحرك لاجتمع الكون كله في كتلة واحدة، المليار مليار مجرة، وكل مجرة فيها مليار مليار نجم، لولا أن الكون متحرك، لولا أن كل كوكب يتحرك ويدور حول كوكب آخر لاجتمع الكون كله في كتلة واحدة.
أما بحركة الكوكب فتنشأ عنها قوة نابذة تكافئ القوة الجاذبة، فالمحصلة حركة مع سكون، أو سكون حركي، وهذا شيء دقيق جداً، أنه شيء متحرك ويبدو ساكنًا.
الأرض متحركة، في الثانية تقطع ثلاثين كيلومترا في الثانية، في عشر ثوانٍ 300 كم، في عشرين ثانية 600 كم، في ستين ثانية ساعة، ففي الساعة نقطع مئات ألوف الكيلو مترات، هذا شيء من مسلَّمات العلم الفلكي:
﴿ الَّذِي أَحْسَن كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾
لما يعوِّد الإنسان نفسه بأن يجول في آيات الله الدالة على عظمته يزداد معرفة بالله، لأن الله سبحانه وتعالى:
﴿ لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ ﴾
( سورة الأنعام الآية: 103 )
سرعة الضوء:
ولكن العقول تصل إليه، فإذا كان بُعْد أقرب نجم ملتهب عنا أربع سنوات ضوئية، وأي طالب في الإعدادي يحسب، الضوء سرعته 300 ألف كم في الثانية، ضرب ستين بالدقيقة، ضرب ستين بالساعة، ضرب 24 باليوم، ضرب 365 بالسنة، ضرب أربعة، في ثوان يُحسب هذا الرقم، لو أن طريقًا معبدًا لهذا الكوكب، ومعنا مركبة أرضية، سرعتنا 100، قسم هذه المسافة على 100، الناتج كم ساعة، قسم على 24 كم يوم، قسم على 365 كم سنة، من أجل أن نصل إلى أقرب نجم ملتهب نحتاج إلى 50 مليون عام، من أجل أن تعرف ماذا تعني أربع سنوات ضوئية، أربع سنوات ضوئية تعني قيادة مركبة إلى هذا الكوكب خمسين مليون عام، الإنسان كل عمره مئة عام إذا عاش هذا السن.
هناك شيء في الكون مذهل، أربع سنوات خمسين مليون عام، أربعة آلاف سنة بُعد نجم القطب عنا، من أربع سنوات لأربعة آلاف سنة، مليونا سنة ضوئية، المرأة المسلسلة عشرين مليار سنة، بُعد أحد الكواكب، لذلك:
﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء ﴾
( سورة فاطر الآية: 28 )
وكلمة ( إنما ) تعني أن العلماء وحدهم ولا أحد سواهم، لذلك:
﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ ﴾
إذا كانت الشمس تكبر الأرض بمليون و300 ألف مرة، وجوف الشمس يتسع لمليون و300 ألف أرض، وبين الأرض والشمس 156 مليون كم، وأن نجماً صغيراً أحمر اللون في برج العقرب اسمه قلب العقرب يتسع للشمس والأرض مع المسافة بينهما. ﴿ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾
( سورة غافر )
هذا الإله العظيم يعصى ؟ ألا يخطب وده ؟ ألا ترجى جنته ؟ ألا تخشى ناره ؟
إذاً: لولا أن كل كوكب يتحرك، وينشأ عن هذه الحركة قوة نابذة تكافئ القوة الجاذبة لاجتمع الكون كله في كتلة واحدة:
﴿ الَّذِي أَحْسَن كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾
تفاوت درجة انصهار العناصر في الكون:
تصور أن كل عناصر الكون يحكمها قانون الانصهار، كلما ارتفعت الحرارة ازدادت سرعة الذرات، فأخذ الجسم أو العنصر شكلاً، من الحالة الصلبة إلى الحالة اللزجة، إلى الحالة المائعة، إلى الحالة الغازية، أيّ شيء إذا رفعت حرارته انتقل من حالة الصلابة إلى الميوعة، إلى الغازية، حتى صخور البازلت ترونها تمشي في البراكين كالأنهار، ولو ـ نظرياً ـ رفعنا الحرارة أكثر لأصبح صخر البازلت بخاراً، هذا قانون.
الآن دقق: لو أن كل عناصر الكون لها درجة انصهار واحدة، ما الذي يحصل ؟ الكون كله إما أنه صلب، أو مائع، أو غاز، أما أنت ترى طاولة صلبة، ومقعد وثير لين، وماء تشربه، وهواء تستنشقه، من الذي قنن أن كل عنصر في الأرض له درجة انصهار، لولا هذا التفاوت في درجات الانصهار لكان الكون كله في حالة واحدة، أنت عندك بيت من الإسمنت، صلب، فيه حديد، فيه مقاعد وثيرة، فيه ماء تشربه، فيه هواء تستنشقه، فيه غازات، فيه سوائل، فيه معادن.
إذاً: لو فكرنا في أن درجة انصهار العناصر متفاوتة لعرفنا قيمة هذه النعمة.
تناسق الأرض وتناسبها لحجم الإنسان:
أيها الإخوة، أنت وزنك بالأرض 60 كغ، على القمر عشرة كغ، على كوكب بحجم الشمس ضرب مليون ضعف، 60 مليون كغ، من صمم الأرض بحجم يتناسب معنا ؟ هذا من نعم الله الكبرى، أنك موجود على كوكب وزنك 60 كغ، لكن على كوكب آخر قد يكون الوزن 60 مليون كغ، صارت الحركة أشغالا شاقة إذاً: من جعل هذه الأرض متناسبةً مع حاجاتك.
دوران الأرض على محور متعامدٍٍ لمستوى دورانها:
شيء آخر، الأرض تدور، دقق في هذا الكلام، لو أن الأرض تدور على محور موازٍ لمستوى دورانها، أي الشمس تدور هكذا لانتهت الحياة، تدور هكذا، وجه فيه أشعة شمس بشكل دائم، هذا الوجه حرارته 350 درجة، تنتهي الحياة، والقسم الثاني حرارته 270 تحت الصفر، هذا لو أن الأرض تدور على محور موازٍ لمستوى دورانها، من الذي صمم أنها تدور على محور مبدئياً متعامد مع مستوى دورانها، لما دارت الأرض على محور متعامد مع مستوى دورانها كان الليل والنهار.
﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ ﴾
( سورة فصلت الآية: 37 )
لو أن سرعة الأرض عالية جداً في دورانها، الليل ساعة، والنهار ساعة لاضطربت الحياة، لو أنها بطيئة، الليل شهر، والنهار شهر، وأنت طاقتك 8 ساعات عمل، يجب في النهار أن تعمل وترتاح، وتعمل وترتاح، الحياة اضطربت، هذا نائم، هذا مستيقظ، الأرض كلها يلفها الظلام في 12 ساعة، وكلها يلفها النور والضياء في 12 ساعة.
لذلك دوران الأرض على محور ليس موازياً لمستوى دورانها ينشأ منه الليل والنهار، لو أن الأرض تدور حول الشمس على محور عمودي على مستوى دورانها صار هنا الصيف إلى أبد الآبدين، وهنا الشتاء إلى أبد الآبدين، ليس هناك في فصول، لأنها تدور حول محور مائل على مستوى دورانها، تدور هكذا، هنا الصيف، فلما انتقلت إلى هنا صار الشتاء، هنا الشتاء وهنا الصيف، إذا جاءت أشعة الشمس عمودية على سطح الأرض كان الصيف، فإذا جاءت مائلة كان الشتاء، لما يقول الله لك: ﴿ وَمِنْ آيَاتِه اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ﴾
( سورة فصلت الآية: 37 )
وقدر أقواتها في أربعة أيام، يعني الصيف، والشتاء، والربيع، والخريف، هذا النظام نظام غذائي أيضاً.
لذلك أيها الإخوة: ﴿ وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ ﴾
( سورة يوسف )
يجب أن تتفكر، والله عز وجل يقول لك:
﴿ وَمِنْ آيَاتِه اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ﴾
دوران الأرض حول الشمس:
الآن الأرض تدور حول الشمس بمسار إهليلجي، والمسار الإهليلجي فيه قطر أطول، وقطر أصغر، الآن الأرض في اتجاه إلى القطر الأصغر، المسافة في القطر الأصغر قلّت، الجاذبية ازدادت، فهناك احتمال أن تنجذب الأرض إلى الشمس، وإذا انجذبت إلى الشمس تبخرت في ثانية واحدة، لأن جوف الشمس الحرارة فيه عشرون مليون درجة، ما الذي يمنع أن تنجذب الأرض إلى الشمس وتنتهي الحياة ؟ الذي يمنع هذا أن الله جل جلاله يرفع سرعتها، فإذا ارتفعت سرعتها نشأ عن هذه السرعة الزائدة قوة نابذة زائدة تكافئ القوة الجاذبة الزائدة، وتبقى على مسارها.
﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا ﴾
( سورة فاطر الآية: 41 )
من آيات الله الدالة على عظمته أن تبقى الأرض على محور دورانها، وعلى خط سيرها حول الشمس، الآن تجاوزت هذه المنطقة التي فيها القطر أصغر، ورفعت سرعتها فنشأ من هذه السرعة الزائدة قوة نابذة تكافئ القوة الجاذبة فبقيت على مسارها، فلما وصلت إلى القطر الأطول الجاذبية ضعفت، والسرعة عالية، هناك احتمال كبير أن تتفلت الأرض من جاذبية الشمس، فإن تفلتت انتهت الحياة، لأنها تصبح قبراً جليدياً.
إذا ابتعدت الأرض عن مصدر الطاقة والحرارة تصبح قبراً جليدياً، 270 تحت الصفر، وتنتهي الحياة، من الذي يخفض سرعتها هنا من أجل أن ينشأ عن تخفيض السرعة قوة نابذة أقلّ تكفئ القوة الجاذبة الأقل ؟ الله جل جلاله، لذلك:
﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ﴾
( سورة الزمر الآية: 67 )
الشمس طاقة وضياء:
من قال: هناك كواكب منطفئة في الأرض، وهناك كواكب ملتهبة، لولا أن هناك كواكب ملتهبة، وكواكب منطفئة لما كانت الحياة، الشمس مصدر الطاقة، والشمس متألقة من خمسة آلاف مليون عام، والعلماء يقدرون أن عمر الشمس يستمر إلى خمسة آلاف مليون عام أخرى، هذه الطاقة من أودعها فيها ؟
﴿ وَمِنْ آيَاتِه اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ﴾
الهواء:
أيها الإخوة، من الذي خلق الهواء ؟ الهواء طبقة فوق الأرض، سمك هذه الطبقة 65 ألف كم، من الذي قنن هذا الهواء أن يتحرك مع الأرض ؟ لو أن حركة الهواء منفصلة عن حركة الأرض ما الذي يحصل ؟ ينشأ تيارات أعاصير على سطح الأرض سرعتها 1600 كم.
مرة في دمشق هبت رياح عاصفة هُدمت أبنية، وانهارت جدران، وانهارت أسوار، السرعة كانت 125 كم، فإذا كانت السرعة 1600 كم لا يبقَى على وجه الأرض شيء، لو أن الهواء ثابت والأرض تدور، من الذي قدر أن الهواء يدور مع الأرض، لذلك:
﴿ قُلْ سِيرُواْ فِي الأَرْضِ ﴾
( سورة الروم الآية: 42 )
ما قال: على الأرض، لأن الهواء مع الأرض، أنت تمشي في الأرض لا على الأرض، لأن الهواء عُدّ مع الأرض، لذلك لولا أن الهواء ثابت مع الأرض لهُدم كل شيء على سطح الأرض، وبعض الأعاصير بأمريكا تقترب سرعتها من 500 كم لا يبقَى شيء على وجه الأرض، تُدمر مدنًا بأكملها.
فلذلك أيها الإخوة، الهواء أولاً وسيط، ولولا الهواء لما سمعت كلامي، رواد الفضاء على سطح القمر يتكلمون باللاسلكي بينهم، يكون واقفًا إلى جانب الرائد لا يسمعونه، هناك وسيط، الهواء وسيط ينقل لك الصوت، ينقل لك الحرارة، فالهواء وسيط، هو ينقل لك الدفء، والحرارة، والصوت.
الماء:
من الذي خلق الماء، لا لون له، ولا طعم له، ولا رائحة، وسيط أيضاً.
﴿ مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ﴾
( سورة الأنبياء الآية: 30 )
لو أن الفكر انطلق في التفكر في خلق السماوات والأرض لعرف الله، هذا الإله العظيم ينبغي أن يُطب وده، وهذا الإله العظيم ينبغي أن يطاع فلا يعصى.
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 102 )
قال علماء التفسير: معنى:
﴿ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾
أي: أن تطيعه فلا تعصيه، وأن تشكره فلا تكفره، وأن تذكره فلا تنساه.
المشيمة:
أيها الإخوة، حينما يولد الطفل ينزل من رحم الأم مع قرص لحمي اسمه المشيمة، وهذه المشيمة قرص لحمي يجتمع فيها دم الوليد مع دم أمه، في أثناء الحمل يجتمع دم الأم مع دم الجنين في المشيمة، ولا يختلطان، ولكل دم زمرته، كيف ؟ لأن بين الزمرتين غشاء سماه علماء الطب الغشاء العاقل، لأنه يقوم بأعمال يعجز عنها العقلاء، ما هذه الأعمال ؟
أولاً: هذا الغشاء العاقل بين دم الأم ودم الجنين، ولا يختلطان، ولو أن إنساناً أعطي دماً من زمرة غير زمرته لمات فوراً بما يسمى انحلال الدم، الغشاء العاقل يأخذ الأوكسجين من دم الأم، ويطرحه في دم الجنين، ثم يأخذ السكر من دم الأم، ويطرحه في دم الجنين، لما أخذ الأوكسجين قام بدور جهاز التنفس، ولما أخذ السكر قام بدور جهاز الهضم، ثم يأخذ الأنسولين من دم الأم، ويطرحه في دم الجنين، صار بدم الجنين سكر و أوكسجين وأنسولين، احترق السكر، ولد طاقة، والجنين حرارته 37، من أين جاءت هذه الحرارة ؟ من احتراق السكر بالأوكسجين عن طريق الأنسولين الذي أمنه الغشاء العاقل من دم الأم إلى دم الجنين، وينشأ عن هذا الاحتراق ثاني أوكسيد الكربون، يأتي الغشاء العاقل فيأخذ ثاني أوكسيد الكربون من دم الجنين ويطرحه في دم الأم، لذلك جزء من نفس الأم هو نفس جنينها، أنفاس الأم في أثناء التنفس جزء منه أنفاس دم الجنين، الآن الغشاء العقل يأخذ من دم الأم عوامل المناعة، فجميع الأمراض التي أصيبت بها الأم تنتقل عوامل مناعتها إلى دم الجنين، فالجنين محصن من كل الأمراض التي أصيبت بها أمه، يدُ من ؟ يد الله عز وجل.
الآن الغشاء العاقل يأخذ من دم الأم كل حاجات الجنين الغذائية، البروتينات والشحوم، والشحوم الثلاثية، والسكريات، والنشويات، والمعادن، وأشباه المعادن والفيتامينات، يأخذ كل عناصر الغذاء من دم الأم بنسب تتبدل كل ساعة، لو أوكِل أمر الغشاء العاقل إلى نخبة من أطباء الأرض لمات الجنين في ساعة واحدة، يأخذ هذا الغشاء العاقل من دم الأم كل عوامل التغذية، ومكونات الغذاء بمعايير دقيقة جداً فيطرحها في دم الأم، يأخذها من دم الأم، ويطرحها بدم الجنين، يكون الهضم وما يسمى بالاستقبلاب، ينتج عن هذا الهضم حمض البول، يأتي الغشاء العاقل فيأخذ حمض البول من دم الجنين، ويضعه في دم الأم، فجزء من بول الأم هو بول جنينها.
وقد يحتاج الجنين إلى مادة غذائية معينة، فيكيف يخبر أمه ؟ لا طريق للتواصل بينهما، عن طريق أن الأم تشتهي طعاماً في أثناء الحمل فيه هذه المادة، تصميم من ؟ خلق من ؟
لذلك أيها الإخوة:
﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾
التفكر في خلق السماوات والأرض يضعك أمام عظمة الله، وأنت إذا عرفت الله عز وجل فلا بد من أن تطيعه، وسبحان الله عز وجل ! قال بعض الشعراء:
تعصي الإله وأنت تظهر حبه ذاك لعمري في المقال شنيع
لـو كان حبك صادقا لأطعته إن المحب لـمن يحب يطيع
***
والحمد لله رب العالمين
السعيد
08-07-2018, 07:47 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( التاسع و العشرون )
الموضوع : اسم الله - القدير -1 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
من أسماء الله الحسنى: ( القدير ):
أيها الإخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم هو ( القدير )، ونحن حينما ونقرأ الآية الكريمة:
﴿ وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾
( سورة الأعراف الآية: 180 )
1 – الإنسان ضعيف عاجز:
إذاً: أسماء الله كلها حسنى، وصفاته كلها فضلى، والإنسان في أصل فطرته، مفطور على حب القدير، هناك ضَعف في أصل خلق الإنسان، هذا الضعف لصالحه، هذا الضعف الذي في أصل خلق الإنسان أحد أسباب تدينه، حتى الذين يؤمنون بديانات أرضيه ليس عندها أصل عند الله سبحانه وتعالى هم يلبون حاجه في نفوسهم أتت من ضعفهم، فالضعيف يحتاج إلى قوي.
﴿ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا ﴾
( سورة النساء )
﴿ إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا ﴾
( سورة المعارج )
فالإنسان دون أن يشعر يتجه إلى قوي يلوذ به، إلى قوي يحميه، إلى قوي يدافع عنه، إلى قوي يلجأ إليه.
فالإنسان حينما يتجه إلى الله الحقيقي خالق السموات والأرض، يكمل ضعفه الذي أراده الله باعثاً إلى معرفة الله وطاعته، وقطف ثمار عبوديته لله عز وجل.
فالإنسان ضعيف، وهذا الاسم: ﴿ إِنَّ اللَّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾
( سورة فاطر )
2 – الإنسان مفطور إلى الاتجاه إلى قوي:
بالمناسبة أيها الأخوة، طبيعة النفس تقتضي أنها لا تتجه إلا لما توقن أنه يعلم، ويسمع، ويرى.
﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ﴾
( سورة غافر )
الله عز وجل إن تكلمت فهو يسمع، وإن تحركت فهو يرى، وإن أضمرت فهو يعلم، يسمعك إذا دعوته، ويراك إذا توجهت إليه، ويعلم سرك وجهرك، وفضلا ًعن ذلك الإنسان لا يتجه إلى جهة إلا إذا أيقن أنها تسمعه، وأنها قادرة على أن تلبيه.
الإنسان بحاجه إلى مبلغ فلا يذهب إلى إنسان فقير، لأن هذا مضيعة للوقت، يذهب إلى من يتوهم عنده المبلغ.
إذاً: أنت تدعو من ؟ تدعو من يسمعك، وتدعو من هو قادر على حل مشكلتك، وتدعو من يحبك، القوي الذي يعاديك لا تتجه إليه، تتجه إلى قوي يريد أن يرحمك، فلمجرد أن تدعو الله عز وجل ـ دقق ـ لمجرد أن تدعو الله عز وجل فأنت مؤمن بوجوده، ومؤمن بسمعه وبصره وعلمه، ومؤمن بقدرته ومؤمن برحمته.
لذلك قال تعالى: ﴿ قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ ﴾
( سورة الفرقان الآية: 77 )
عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ: ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾
قَالَ:
(( الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ ))
[ الترمذي ]
في رواية أخرى عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
(( الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ ))
[ الترمذي ]
الدعاء هو العبادة، فلمجرد أن تدعو الله من أعماق قلبك، وأنت موقن بأنه يعلم، ويسمع، ويرى، وهو قادر على أن يلبّيك، وهو يحب أن يلبيك، يحبك ويرحمك، فأنت مؤمن.
لذلك بعض الأسماء أحياناً أقرب إلى الإنسان من بعض الأسماء الأخرى، أنت إنسان ضعيف مفتقر:
﴿ إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعً ﴾
شديد الجذع، حريص على ما في يديه:
﴿ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا ﴾
ضعفك وهلعك، وشدة خوفك، وحرصك على ما في يديك، هذه الصفات التي هي صفات ضعف في أصل خلقك هي لصالحك. 3 – كل شيء بيد الله القويّ:
مِن هنا يأتي اسم ( القدير )، إنك تعتز بقوي.
اجعل لربك كل عـز ك يستقر ويثبــت
فإذا اعتززت بمن يمو ت فإن عزك مـيت
***
أنت كمؤمن حينما تعتز بالله فأنت أقوى الأقوياء.
ورد في بعض الآثار: " إذا أردت أن تكون أقوى الناس فتوكل على الله، وإذا أدرت أن تكون أغنى الناس فكن بما في يد الله أوثق منك بما في يديك، إذا أردت أن تكون أكرم الناس فاَتق الله.
إخوتنا الكرام، لا يجتمع مرض نفسي مع الإيمان، لأن الله موجود، كل شيء بيده.
تصور شابا سيق إلى الخدمة الإلزامية، ووالده قائد الجيش، وفي الجيش عريف، ومساعد، وملازم، وملازم أول، ورائد، ومقدم، وعقيد، وعميد، كلها هذه الرتب مهما علت فهي تحت قبضة أبيه، فإذا هدده عريف وبكى فهو غبي جداً.
4 – الإيمان بأن الله قويٌّ يبعث على الطمأنينة والثبات والنصر:
حينما يؤمن الإنسان بالله فأيّ قوي هو في قبضة الله، كل ما حولك بيد الله، كل مَن حولك بيد الله، كل مَن فوقك بيد الله، كل مَن تحتك بيد الله، لا يمكن أن يقبل خوف وفزع، وهلع وانهيار مع الإيمان بالله، بل إن الإيمان بالله أصل في الصحة النفسية، التماسك والقوة والمعنويات المرتفعة، ومواجهة الأخطار بثبات، ورباط جأش يحتاج إلى إيمان.
القصص التي يرويها القرآن هي لمن ؟ هي لنا:
﴿ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ﴾
( سورة الشعراء )
بل بالمنظور الأرضي احتمالات النجاة صفر، فرعون بجبروته، بقوته، بأسلحته، بحقده، بطغيانه، وراء فئة وشرذمة قليلة جداً مستضعفه خائفة، وصلت إلى البحر، وهو مِن ورائهم.
﴿ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾
( سورة الشعراء )
الله عز وجل يريدك أن تثق به، يريدك أن تكون مطمئناً لقدرته ورعايته.
فلذلك من صفات المؤمن أنه واثق من نصر الله عز وجل، النبي صلى الله عليه وسلم حينما ذهب إلى الطائف وكذبه أهلها، واستخفوا به، واستهزؤوا به، وأغروا صبيانهم، أي نالوه بالأذى، وسال الدم من قدمه، الآن قفل راجعاً إلى مكة، يقول له زيد: يا رسول الله، كيف ترجع إلى مكة وقد أخرجتك ؟ أنا أتصور إذا كان هناك خط بياني الدعوة قد وصل الخط إلى النهاية الصغرى، مكة أخرجته، وكذبته، وكفرت بدعوته، واستهزأت به، فلما لجأ إلى أهل الطائف فعلوا به أشنع مما فعل أهل مكة، ليس له أحد، فقال كلمة لا تنسى، قال: يا زيد إن الله ناصر نبيه، هذه ثقة الإنسان بالله مبعثها معرفته.
ولما انتقل من مكة إلى المدينة مهاجراً، ووضعت مئة ناقة لمن يأتي به حياً أو ميتاً، مكافأة على من يقتله، أو من يقبض عليه، وهذا رقم فلكي في مقاييس ذلك العصر، تبعه سراقه ليلقي القبض عليه، أو ليقتله، ويأخذ المئة ناقة، فقال له النبي الكريم بكل بساطه: يا سراقة، كيف بك إذا لبست سواري كسرى ؟ ماذا يقول ؟! أنت ملاحق مهدور دمك، تقول: كيف بك يا سراقه إذا لبست سواري كسرى ؟ أي أنك سوف تصل إلى المدينة سالماً، وسوف تؤسس دولة، وسوف تنشئ جيشاً، وسوف تحارب أقوى دولة في العالم، وسوف تنتصر عليها، وسوف تأتيك غنائم كسرى إلى المدينة، ولك يا سراقه سوار كسرى.
أيها الإخوة، الآن العالم الإسلامي خطه البياني في النهاية الصغري، في الحضيض، اصطلح العالم كله على محاربته، وأي عمل عنيف على سطح الأرض ينسب إلى المسلمين، والعالم شرقاً وغرباً يحارب المسلمين، والإعلام بكل قوته يحارب المسلمين، والمؤمن الصادق لا تضعف معنوياته أبداً، إن الله ناصر هذا الدين، إن الله لا يتخلى عن المؤمنين، وأخطر شيء في حيات الأمة أن يهزم الإنسان من الداخل: ﴿ وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾
( سورة آل عمران )
أوهام لا أساس لها من الصحة تتناقض مع الإيمان بالله:
إخوتنا الكرام، إذا توهم الإنسان توهماً أن الله لا يعلم ما يجري فهذا يناقض إيمانه بالله، لأن الله عز وجل يقول:
﴿ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا ﴾
( سورة الأنعام الآية: 59 )
وإذا توهم أن الله لا يقدر أن يدمر أعداءه هو واهم، وهذا يناقض إيمانه بالله عز وجل:
﴿ إِنَّ اللَّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾
وإذا توهم أن الله لا يعنيه ما يجري في الأرض فهو واهم، لأن الله عز وجل يقول:
﴿ فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ ﴾
( سورة الزخرف الآية: 84 )
وإذا توهم أن أعداء المسلمين يفعلون شيئاً ما أراده الله فهو واهم، لقول الله عز وجل: ﴿ وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُواْ إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ ﴾
( سورة الأنفال )
يجب أن تؤمن أن الله يعلم، وهو قادر، ويعنيه ما يجري في الأرض، وهؤلاء أعداؤه لا يستطيعون أن يتحركوا إلا بإذنه، ولن يتفلتوا من قبضته.
إذاً: هناك حكمة بالغة فيما يجري، ولصالح المسلمين، ولكن هذه نعمة باطنة، وليست نعمة ظاهرة، قال تعالى: ﴿ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾
( سورة لقمان الآية: 20 )
إذاً: كلمة ( القدير ) تملأ النفس طمأنينة، تملأ النفس ثقة بنصر الله عز وجل.
5 – ورودُ اسم ( القدير ) في الكتاب والسنة:
هذا الاسم أيها الإخوة ورد في القراَن وفي السنة معاً، في القرآن ورد في قوله تعالى في سورة الروم:
﴿ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ ﴾
( سورة الروم )
ورد أيضاً في ثلاثين موضعا في القرآن الكريم، كقوله تعالى:
﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾
( سورة آل عمران )
في ثلاثين آية في القراَن ورد فيها:
﴿ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾
وآية واحدة ورد فيها:
﴿ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ ﴾
وفي الحديث الشريف في قوله عليه الصلاة والسلام:
(( لا إلهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ على كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ؛ اللَّهُمَّ لا مانِعَ لِمَا أعْطَيْتَ، وَلاَ مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلا يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ ))
[ رواه البخاري ومسلم عن المغيرة بن شعبة رضي اللّه عنه ]
وهذا هو التوحيد، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد:
(( اللَّهُمَّ لا مانِعَ لِمَا أعْطَيْتَ ))
كن مع الله ترَ الله مـعك و اترك لكل وحاذر طمعك
و إذا أعطاك من يمنـعه ثم من يعطي إذا ما منعـك
***
﴿ مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ ﴾
( سورة فاطر الآية: 2 )
إذا كان الله معك فمن عليك ؟! وإذا كان عليك فمن معك ؟! ويا رب، ماذا فقَد من وجدك ؟ وماذا وجد مَن فقدك ؟
شيء آخر، في ثلاثين موضعا في القراَن الكريم ورد اسم ( القدير )، من هذه المواضع مثلاً:
﴿ عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾
( سورة الممتحنة )
إذاً: هذا الاسم ( القدير ) ورد في القراَن والسنة.
6 – اشتقاق اسم ( القدير ) في اللغة العربية:
من أي فعل اشتُق ؟ إما من التقدير، وإما من القدرة، فالإنسان أحيانا يكون عالما، إذاً: عنده تقدير دقيق، و أحيانا يكون قويا عنده قدرة، وأحياناً تلتقي مع إنسان بأعلى درجات العلم، لكنه لا يملك أن ينفذ ما يطمح إليه، وقد تجد إنسانا آخر في أعلى درجات القوة، ولكن لا يعلم ماذا يفعل، فهو إمّا قوي لا يعلم، وإما عالم لا يقدر.
تماماً كما ذكرت من قبل: أحياناً الإنسان يقدر إنساناً ولا يحبه، وقد يحب إنساناً ولا يقدره، يكون الأب، وتكون الأم أحياناً بأعلى درجات الحب، لكن لم يتح لها أن تكون مثقفة ثقافة عالية، لها ابن يحمل أعلى شهادة، يحب أمه حباً لا حدود له، لكن في ميزان العلم لا وزن لها، وقد يلتقي مع إنسان عالم كبير لكنه لئيم، فيقدّر علمه، ولا يحبه، لكن الذات الإلهية بقدر ما تعظمها بقدر ما تحبها.
﴿ تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾
( سورة الرحمن )
بالجلال تعظمه، وبالإكرام تحبه، هذه أسماء الله الحسنى.
الله عز وجل قدير، من التقدير، يعني أنه ذو علم دقيق جداً، وقدير من القدرة، فبقدر ما تطمئن إلى علمه تطمئن إلى قدرته، وبالعكس، وبقدر ما تطمئن إلى قدرته تطمئن إلى علمه.
فإذاً: اسم ( القدير ) مأخوذ من التقدير، أو من القدرة.
للتقريب: طبيب يتفقد مرضاه، وقف عند مريض، قرأ اللائحة الطبية، رأى الضغط مرتفعا، وهو طبيب، أعطى أمراً، وأمره نافذ، أن يوقفوا الملح في الطعام، الأمر سلطة، وقراءة التقرير علم، أن الضغط مرتفع، والضغط المرتفع خطر، فأعطى أمراً بمنعه من تناول الملح في وجباته الرئيسية.
7 – اسم ( القدير ) يدور مع الإنسان في جميع حياته:
الله عز وجل له قضاء وقدر، القضاء علم، والقدر تقدير، وهذا الاسم يدور مع الإنسان في كل شؤون حياته، الله عز وجل علم من هذا الإنسان كبراً، فهيأ له معالجة حكيمة، وضعه بموقف وقد أُهين به، حينما يهان يتألم أشد الألم، ثم يلقي في روعه أن هذه الإهانة بسبب الكبر الذي يظهر منك، فصار الله عز وجل قديرا يعلم بدقة، وقدير يملك القدرة كي يعيده إلى الصواب.
الله عز وجل قدير، وقدير صيغة مبالغة لقادر، قادر قدير، غافر غفور غفار، وصيغ المبالغة كثيرة جداً، فاعول فاروق، فعِل حذر، لو عدتم إلى كتب اللغة لرأيتم صيغ المبالغة صيغاً عديدة، منها فعِل، فلان حذر، فلان فاروق، يفرق بين المتناقضات.
لذلك قادر اسم فاعل، وقدير صيغة مبالغه لاسم الفاعل، مقتدر من اقتدر، والفعل خماسي فيه حروف زائدة، والزيادة في المبنى دليل على الزيادة في المعنى.
أيها الإخوة، الله عز وجل مع عباده يعلم أحوالهم ويعالجهم، وكما يقول العوام: العين بصيرة واليد قصيرة، هذا شأن الإنسان، وقد يكون الإنسان قديرا، لكنه جاهل، قدير جاهل، متعلم ضعيف، لكن الله قدير، قدير بعلمه، قدير بقوته.
إذا لُذت به فأنت في مأمن، وأنت في راحة، وأنت في طمأنينة، والله عز وجل قال:
﴿ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾
( سورة الرعد الآية: 28 )
وبالمناسبة من باب التعليق اللغوي: لو أن الله قال: تطمئن القلوب بذكر الله، ما المعنى ؟ أي أنها تطمئن بذكر الله وبغير ذكر الله، إما حين يقول:
﴿ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾
( سورة الرعد الآية: 28 )
فيعني: لا تطمئن إلا بذكر الله، ومستحيل وألف ألف مستحيل أن تطمئن إلا إذا كنت مع الله، لأن الله يعطي الصحة والذكاء والمال والجمال والقوة لكل الناس، لكنه يعطي السكينة بقدر لأصفيائه من المؤمنين، والأمن نعمة يختص بها المؤمن:
﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ ﴾
( سورة الأنعام )
إذاً: أيها الإخوة، ( القدير )، من القدرة، و( القدير ) من العلم من التقدير، قدير من التقدير، قدير بالقدرة، هو يعلم، وقادر على أن يعطيك سؤلك.
لذلك عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
(( الدُّعَاءُ مُخُّ الْعِبَادَةِ ))
[ الترمذي ]
خاتمة:
وهذا الاسم العظيم من أقرب الأسماء إلى الإنسان، فأنت ضعيف وهو قدير، أنت فقير وهو غني، أنت لا تعلم وهو يعلم، يا رب أنا لا أعلم، لكنك تعلم، أنا ضعيف، لكنك قوي، أنا فقير، ولكنك غني، والإنسان المؤمن يقوى بمن يعبده، فأنت ضعيف، لكنك مع القوي.
أيها الإخوة الكرام، معية الله لها نوعان: معية عامة، فهو معكم أينما كنتم، ومعية خاصة معية المؤمنين، فهو معكم بعلمه، لكنه الله مع المؤمنين، معهم ناصراً وحافظاً، ومؤيداً وموفقاً، إذا قال الله عز وجل:
﴿ وَأَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾
( سورة الأنفال )
أي معهم بحفظه وتأييده، ونصره وتوفيقه.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
08-07-2018, 07:49 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الثلاثون )
الموضوع : اسم الله - القدير -2 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: ( القدير ):
أيها الإخوة الكرام، لا زلنا مع اسم ( القدير ).
1 ـ الإنسان ضعيف:
الله جل جلاله قدير، والإنسان ضعيف، وشأن الإنسان أن يكون مفتقرا إلى الله، وشأن الله أن يقوي الإنسان الذي افتقر إليه، وهذا من خصائص الإنسان، الله سبحانه وتعالى جعل في أصل خلق الإنسان ضعفاً لصالحه، لأن الإنسان لو خلق قويا لاستغنى بقوته، فشقي باستغنائه، خُلق ضعيفا ليفتقر في ضعفه فيسعد بافتقاره، شأن الإنسان أن يكون ضعيفاً، لكنه يقوى بالله عز وجل.
﴿ إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا * إلاّ الُمُصَلّيِنَ ﴾
( سورة المعارج )
﴿ إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا ﴾
والهلوع شديد الجزع، فشأن الإنسان أنه جزوع هلوع ومنوع، وشأن الإنسان أنه ضعيف، لكن الإنسان إذا افتقر إلى الله يقوى، إذا افتقر إلى الله يصبح عالماً، إذا افتقر إلى الله يصبح غنياً.
يا أيها الإخوة الكرام، العبد عبد، والرب رب، ما مِنْ إنسان افتقر إلى الله عز وجل كرسول الله، ومع ذلك رفع الله شأنه، وأعلى قدره، قال الله تعالى: ﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾
( سورة الشرح )
درسان بليغان من غزوة بدرٍ وحنين:
فكلما افتقرت إلى الله تولاك الله، وكلما اعتدت بنفسك تخلى عنك، ودرس بليغ من غزوة بدر.
﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 123 )
في بدر الصحابة الكرام افتقروا إلى الله فانتصروا، أما في حنين:
(( وقد أعجبتهم كثرتهم قالوا: لن نغلب من قلة ))
[ أخرجه أبو داود والترمذي والحاكم عن ابن عباس ]
نحن كثيرون، قال تعالى: ﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَم تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ ﴾
( سورة التوبة )
وهذان درسان بليغان في حياتنا، إذا قلت الله تولاك، ونصرك، وأيدك، وحفظك، ووفقك، إذا قلت: أنا، خبراتي، ثقافتي، أسرتي، جماعتي، حينما تعتد بغير الله يتخلى عنك، هذا درس بليغ.
لذلك ورد في بعض الآثار:
(( ما من مخلوق يعتصم بي من دون خلقي فتكيده أهل السماوات والأرض إلا جعلت له من بين ذلك مخرجا، وما من مخلوق يعتصم بمخلوق دوني أعرف له ذلك من نيته إلا جعلت الأرض تحت قدميه، وقطعت أسباب السماء بين يديه ))
[ رواه ابن عساكر عن كعب بن مالك ]
إذاً: الله عز وجل قدير، الله عز وجل عليم، الله عز وجل غني، المؤمن يفتقر إلى الله.
وما لي سوى فقري إليك وسيلة فبالافتقار إليك فقري أدفع
وما لي سوى قرعي لبابك حيلة فإذا رددت فأي باب أقرع
***
الافتقار إلى الله يرفه شأن العبدَ:
افتقر يرفع الله شأنك، افتقر ينصرك، افتقر يؤيدك، افتقر يعزك، قل أنا، يتخلى الله عنك.
مَن نحن أمام أصحاب رسول الله ؟ في حنين أصحاب النبي وهم صفوة الخلق، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام:
(( إن الله اختارني واختار لي أصحابي ))
[ الجامع الصغير عن أنس بسند ضعيف ]
ومع ذلك هم نخبة الخلق، وفيهم سيد الخلق، لما اعتدوا بأنفسهم، وقالوا:
(( لن نغلب من قلة ))
تخلى الله عنهم، فمَن نحن ؟.
لذلك أيها الإخوة: ﴿ وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾
( سورة الأعراف الآية: 180 )
هو ( القدير )، هو القوي، هو الغني، شأن العبد أن يكون مفتقرا إلى غنى الله عز وجل، شأن العبد أن يعترف بضعفه أمام الله عز وجل، شأن العبد أن يكون مفتقرا إلى رب العالمين.
لذلك ما لم يفتقر العبد إلى الله، ما لم يمرغ جبهته في أعتاب الله، ما لم يتذلل إلى الله فيما بينه وبين الله فلن يستطيع أن يأخذ من كمالات الله.
أيها الإخوة، ضعف العبد باعث إلى الإقبال على الله، ضعفه هو الذي يدفعه إلى الله، والنقطة الدقيقة جداً بقدر افتقارك إلى الله تكون قوياً وغنياً وعالماً، والشيء الذي ينبغي أن يقال بوضوح: الله عز وجل يرفع قدر العبد بين الخلق، إذا أحب الله عبداً ألقى محبته في قلوب الخلق.
لذلك الله عز وجل ( قدير )، والله عز وجل قادر، والله عز وجل مقتدر، قادر اسم فاعل، قدير اسم مبالغة من اسم الفاعل، مقتدر من فعل اقتدر، وفي صحيح الإمام البخاري يقول عليه الصلاة والسلام:
((لا إلهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ ))
هناك من يملك ولا يحمد، هناك من يحمد ولا يملك، لكن الله جل جلاله له الملك وله الحمد، ذو الجلال والإكرام، بقدر ما تعظمه بقدر ما تحبه، مالك الملك بيده كل شيء لكن كماله مطلق، يملك ويُحمد.
(( لا إلهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ على كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ))
2 ـ قدرةُ الله متعلقة بكل شيء ممكنٍ:
قوة الله عز وجل مطلقة، تعلقت بكل ممكن.
لذلك لو أن الإنسان أصيب بمرض عضال يقين المؤمن أن الله على كل شيء قدير، لو كان وحيداً وأعداؤه كثر إن الله على كل شيء قدير.
﴿ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾
( سورة الشعراء )
﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾
( سورة الأنبياء )
إنسان دخل إلى بطن الحوت، وفي البحر، وفي الليل، وفي ظلمة بطن الحوت، سيدنا يونس:
﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾
﴿ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾
( سورة الأنبياء )
هل من مصيبة أكبر من أن يجد الإنسان نفسه فجأة في بطن حوت ؟ وحينما عقب على هذه القصة بقوله:
﴿ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾
قلبها إلى قانون، لئلا تتوهم أن هذه قصة قد وقعت ولن تتكرر، لئلا يغدو كتاب الله تاريخاً، أراده قوانين:
﴿ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾
أيها الإخوة، القنوط من رحمة الله، واليأس، والشعور بالإحباط والاستسلام للقدر، وأن تقول: انتهى المسلمون، هذا من ضعف الإيمان. ﴿ وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾
( سورة آل عمران )
3 ـ العلمُ من لوازم قدرةِ الله:
بالمناسبة أكثر الآيات التي ورد فيها اسم ( القدير ) ورد مع القدير العليم، لأن العلم من لوازم القدرة.
جراح بيده مقطع، الشيء الدقيق جداً علمه، هنا فيه عصب، هنا فيه وريد هنا فيه شريان، الجراح علمه بدقائق خلق الإنسان يجعله قديراً على إنجاح العملية.
قدير فعلمه من لوازم قدرته، القدرة قد تكون عشوائية، لكنه إذا رافقها علمٌ تغدو قدرة واعية، هذا في الإنسان، فكيف بالواحد الديان ؟ ففي صحيح البخاري:
(( لا إلهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحمد ))
إخواننا الكرام، ليس مع الإيمان مرض نفسي، وليس مع الإيمان إحباط، وليس مع الإيمان شعور بالإخفاق، وليس مع الإيمان يأس، ليس مع الإيمان انكماش، هذه كلها أعراض الإعراض عن الله عز وجل، أما المؤمن لأنه يعلم علم اليقين أن أمره كله بيد الله، وأن الخير كله من عند الله، وأنه لا رافع، ولا خافض، ولا معز، ولا مذل إلا الله، وأنه لا معطي، ولا مانع إلا الله، فهذا اليقين عند المؤمن يرفعه عن أن ييأس، أو عن أن يتطامن، أو عن أن يستسلم، معنوياته المرتفعة بسبب يقينه أن الأمر بيد الله، الله عز وجل قبل أن يأمرك أن تعبده طمأنك، وقال لك: ﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ﴾
( سورة هود الآية: 123 )
التوحيد يملأ القلب أمنا وطمأنينةً:
إخواننا الكرام، لا تحل مشكلاتنا بأن الله خلق السموات والأرض، لا تحل مشكلاتنا إلا بالإيمان بأن الأمر بيد الله.
﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ ِلَهٌ ﴾
( سورة الزخرف الآية: 84 )
﴿ مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا ﴾
( سورة الكهف )
﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ ﴾
آيات التوحيد تملأ النفس طمأنينة، هو قدير، وأنت ضعيف، هو أقوى من أعدائك، أقوى من كل قوة في الكون، هو خالق السماوات والأرض. ﴿ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾
( سورة الأعراف الآية: 54 )
إنسان يصنع طائرة، ويبيع الطائرة، الطائرة قوة مخيفة، لكن بيد غير الصانع، صنعت، وبيعت، الدولة التي اشترتها قد تقصف بها بلاداً صديقة للبلاد الصانعة لها.
أما الآية دقيقة جداً:
﴿ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾
أيّ شيء خلقه أمره بيد الله.
الآية الثانية: ﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾
( سورة الزمر )
ما من شيء مخيف إلا بيد الله، بالضبط لو أنك رأيت وحوشاً كاسرة جائعة مفترسة مخيفة، لكنها مربوطة بأزمة محكمة بيد جهة قوية حكيمة رحيمة عادلة، علاقتك مع من مع ؟ الوحوش أم مع الذي يملكها ؟ مع الذي يملكها، والآية الدقيقة: ﴿ مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾
( سورة هود )
إخواننا الكرام، عندما يوحد الإنسان يمتلئ قلبه أمنا، وأماناً، وتفاؤلاً، وبشراً، الأمر بيد الله، ولا يعقل ولا يقبل أن يسلمك الله إلى غيره، ثم يأمرك أن تعبده، طمأنك وقال:
﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ﴾
هو القدير.
لذلك في صحيح البخاري:
(( لا إلهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ على كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ))
اللهم لا مانع لما أعطيت، إذا أعطاك ما يمنعه ؟ لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، هذا التوحيد. ﴿ مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ ﴾
( سورة فاطر الآية: 2 )
(( اللَّهُمَّ لا مانِعَ لِمَا أعْطَيْتَ، وَلاَ مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلا يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ ))
[ رواه البخاري ومسلم، عن المغيرة بن شعبة رضي اللّه عنه ]
لا ينفع ذكاءُ العبد مع الله:
الذكي، والعاقل، والذي يتقد حيوية ونشاطاً، وامتلاكاً لحيلة، هذا لا ينفعه مع الله شيء.
(( إن الله تعالى إذا أحب إنفاذ أمر سلب كل ذي لب لبه ))
[ أخرجه الخطيب في التاريخ عن ابن عباس ]
الذكاء لا ينفع مع الله عز وجل، ينفع معه الاستقامة، ينفع له أن تكون محسناً، ينفع له أن تكون مستقيماً على أمره، ينفع له أن تكون مفتقراً إليه، ينفع له أن تكون محباً، أما أن يكون ذكياً، الله عز وجل:
(( إن الله تعالى إذا أحب إنفاذ أمر سلب كل ذي لب لبه ))
الأذكياء إذا اعتدوا بذكائهم يرتكبون حماقات لا أول لها ولا آخر. ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ ﴾
( سورة محمد )
النجاح بيد الله، ثمن النجاح الاستقامة، أما الذكي، والذي يملك خبرات عالية جداً، والذي يملك أساليب ناجحة جداً، والقوي، والمعتد بنفسه فهذا الله عز وجل يأخذ منه عقله، فيقع عليه العقاب الأليم.
وحينما يشرك الإنسان يؤتى من مَأمَنِه، وأحياناً يتفوق طبيب باختصاصه تفوقًا كبيرًا، ويتوهم أحياناً أنه لن يصاب بالأمراض التي اختص فيها، فلحكمة بالغة الطبيب الهضمي يصاب بقرحة، لأنه اعتدّ بعلم، وظن أن علمه يمنعه من أن يصاب بمرض من اختصاصه، والقوي يعتد بقوته، فيأتي أضعف منه فينتصر عليه.
التوحيد أخطر شيء في الدين، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد.
إذاً:
(( لا مانِعَ لِمَا أعْطَيْتَ، وَلاَ مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلا يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ ))
الذي أوتي حظاً من عقل:
(( وَلا يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ ))
لا ينجيك من الله أن تكون ذكياً، لا ينجيك من الله أن تكون ذا خبرة عالية جداً، لا ينجيك من الله أن تكون لك جماعة إسلامية، لا ينجيك من الله خطة وضعتها بإحكام.
لذلك أنا أقول دائما: إن أمة قوية خططت لبناء مجدها على أنقاض الشعوب، وبناء رخائها على إفقار الشعوب، وبناء قوتها على إضعاف الشعوب، وبناء غناها على إفقار الشعوب، وبناء عزتها على إذلال الشعوب، إن هذه القوة الغاشمة نجاح خططها على المدى البعيد يتناقض مع وجود الله:
(( وَلا يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ ))
لذلك:
(( الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني منهما شيئا أذقته عذابي ولا أبالي ))
[ أخرجه أحمد، وأبو داود وابن ماجة عن أبي هريرة، ابن ماجة عن ابن عباس ]
لذلك ورد في بعض الأحاديث:
(( من علم منكم أني ذو قدرة على مغفرة الذنوب غفرت له ولا أبالي ما لم يشرك بي ))
[ أخرجه الطبراني في الكبير والحاكم في المستدرك عن ابن عباس ]
إخواننا الكرام، الأصل هو العلم، أن تعلم أن أسماء الله كلها حسنى، وأن صفاته كلها فضلى، لذلك هناك من يقول: يا رب لا نسألك رد القضاء، ولكن نسألك اللطف به، لا يا رب اصرف عني هذا كله، لمَ لا تتوقع أن يكون هذا الشيء غير محقق، لا، اطلب من الله كل شيء.
4 ـ دعاء العبد ربَّه لأنه قدير على الإجابة:
عندما تدعو الله تكون عابدا لله، كيف ؟ لمجرد أنك تدعو الله فأنت مؤمن بوجوده، لأن الإنسان لا يدعو جهة لا يؤمن بها، ولمجرد أنك إذا دعوت الله أنك مؤمن بسمعه، يسمعك، لأن الإنسان في الأصل لا يدعو جهة لا تسمعه، ولمجرد أنك دعوت الله فأنت مؤمن بقدرته.
إن إنساناً مفتقر إلى مبلغ كبير لا يسأل طفلاً صغيراً لا يملكه، ولمجرد أنك تدعو الله فأنت مؤمن برحمته، والذي يدعو الله مؤمن بوجود الله، وبسمعه، وبقدرته، وبرحمته.
لذلك:
(( الدعاء هو العبادة ))
(( الدعاء مخ العبادة ))
[ أخرجه الترمذي عن أنس ]
لأن الله عز وجل يقول: ﴿ قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ ﴾
( سورة الفرقان الآية: 77 )
علامة إيمانك الصحيح أن تدعو الله، والدعاء سلاح المؤمن، وأنت بالدعاء أقوى إنسان، إذا أردت أن تكون أقوى الناس فتوكل على الله، وإذا أردت أن تكون أغنى الناس فكن بما في يدي الله أوثق منك بما في يديك، وإذا أردت أن تكون أكرم الناس فاتق الله.
لذلك أيها الإخوة: ﴿ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا ﴾
( سورة الأحزاب )
القدر الفعل، والمقدور العلم، الله عز وجل عليم قدير، القضاء والقدر، القضاء هو الحكم، والقدر تقدير فعل بحسب العلم.
الله عز وجل يطلع على إنسان مستقيم، علم الله باستقامته يقدر له توفيقاً، يطلع على إنسان كاذب علم الله بكذبه يقدر له علاجاً، فمجمل القضاء والقدر أن الله يعلم، ويقدر لهذا الإنسان ما يناسبه.
تماماً كالطبيب وقف أمام مريض، أخذ ملفّه فوجد فيه أن الضغط مرتفع جداً، علمه بضغطه المرتفع جعله يعطي أمراً بمنع الملح عنه، ووصف دواء يخفض الضغط.
أنا أبّسط، لا تعقّد الأمور، الله عز وجل يعلم، وحينما يعلم يقدر لك الشيء المناسب، فقضاؤه وقدره علمه وحكمته، علمه ومعالجته، وكل شيء بقضاء من الله وقدر، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، والقضاء والقدر يذهب الهم والحزن.
(( ولكل شيء حقيقة، وما بلغ العبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه ))
[ أخرجه أحمد، والطبراني عن أبي الدرداء رضي الله عنه ]
هذا هو التوحيد، وهذا هو الإيمان بالله.
خاتمة:
فيا أيها الإخوة، مرة ثانية شأن العبد أن يكون فقيراً، وشأن العبد أن يكون جاهلاً، وشأن العبد أن يكون ضعيفاً، الضعيف إن أقبل على الله يقوى ضعفه، والفقير إذا أقبل على الله يغتني بإقباله، والجاهل إذا أقبل على الله يعلمه الله.
﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا ﴾
( سورة النساء )
لذلك: يمكن أن تضيف إلى اللبن خمسة أضعاف حجمه ماء، ويكون شراباً سائغاً، لكن لا يحتمل اللبن قطرة واحدة من البترول، عندئذٍ لا تشربه، يعنى العبادة مما يناقضها الشرك. ﴿ إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ ﴾
( سورة النساء الآية: 48 )
مما يناقض العبادة الشرك بالله عز وجل، لكن ما دام فيه توحيد، ما دام فيه استغفار ما دام فيه إقبال، ما دام فيه اعتراف بالذنب، الله عز وجل غفور، وما أمرنا أن نستغفره إلا ليغفر لنا، وما أمرنا أن نتوب إليه إلا ليتوب علينا، وما أمرنا أن ندعوه إلا ليجيبنا.
فشأن العبد أن يكون ضعيفاً، مفتقراً، وشأن الرب أن يكون معطياً، جواداً كريماً، فالقدير من أقرب الأسماء الحسنى إلى الإنسان، لأنه ضعيف.
لذلك الباعث عن التدين في الإنسان ضعفه، وعظمة الله عز وجل، حتى الذين ضلوا سواء السبيل، وعبدوا آلهة غير الله، هم بهذا الباعث، بباعث من ضعفهم عاشوا في الأوهام، لكن المؤمن عاش مع الواحد الديان.
والحمد لله رب العالمين
منال نور الهدى
08-07-2018, 06:37 PM
بارك الله بك وجزاك الله خير جزاء وأسعدك الله في الدارين
في أمان الله وحفظه
السعيد
08-08-2018, 07:12 AM
جزاك الله كل خير اختى منال
السعيد
08-12-2018, 07:40 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الحادى و الثلاثون )
الموضوع : اسم الله - القاهر -1 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: ( القاهر ):
1 ـ القاهر علمٌ مع الدلالة على كمال الوصفية:
أيها الإخوة الأكارم، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، وهو اسم ( القاهر )، وقد سمى الله نفسه ( القاهر )، مراداً به العلمية، ودالاً على كمال الوصفية.
2 ـ ثبوت اسم القاهر في الكتاب العزيز:
وقد ورد هذا الاسم في موضعين فقط في القرآن الكريم، ولم يرِد في السنة، قال تعالى:
﴿ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ﴾
( سورة الأنعام )
وقال تعالى: ﴿ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ ﴾
( سورة الأنعام )
أسماء الله كلها حسنى:
أيها الإخوة، الله جل جلاله له أسماء جلال، وله أسماء كمال، والإنسان يحب القوي، يحب أن يكون مع القوي، يحب أن يكون تابعاً لقوي، يحب أن يعتز بالقوي، يحب أن يلجأ إلى القوي، وأسماء الله كلها حسنى، وصفاته كلها فضلى.
﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾
( سورة الأعراف الآية: 180 )
نحن في حياتنا اليومية قد نجد صديقاً طيباً جداً، لكنه ضعيف، نعجب بطيبه، ولا يعجبنا ضعفه، وقد نجد إنساناً قوياً، لكنه ليس بطيب، لا تعجبنا قوته مع خبثه، ولا يعجبنا طيب هذا الإنسان مع ضعفه، فمتى نعجب بإنسان ؟ إذا كان في الوقت نفسه من القوة حيث لا يستطيع أحد ينال منه، ومن الطيب والكمال حيث تتعلق النفوس به، هذا هو الكمال المطلق ؛ أن تكون قوياً، وأن تكون كاملاً. ﴿ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ ﴾
( سورة التغابن الآية: 1 )
هناك إنسان له الملك، لكن ليس له الحمد، وإنسان له الحمد، لكن ليس له الملك، فلذلك الكمال البشري يتعلق بالكمال الإلهي، وأجمل شيء في حياة المؤمن أنه مع القوي، وأنه مع الغني، وأنه مع العليم، وأنه مع الرحيم، وانتماء المؤمن إلى الله عز وجل انتماء حقيقي.
إذا كان الله معك كنتَ أقوى الناس:
كيف أن الإنسان أحياناً يكون ابن ملِك، كيف يشعر في بلد طويل عريض ؟ في بلد فيه مؤسسات، فيه وزارات، فيه جيش، فيه شرطة، لأنه ابن الملك يشعر باعتزاز، يشعر أن قوته من قوة الملك، يشعر أن كرامته من كرامة الملك، صدقوا أيها الإخوة، هذا شعور المؤمن مع الله عزوجل.
اجعل لربك كل عزك يستقر ويثبت فإذا اعتززت بمن يموت فإن عزك ميت
لا بد من أن تحب، ومن طبيعة البشر أن يحب البشر، ولكن البطولة من تحب ؟ من توالي ؟ من تعظم ؟ المؤمن يحب الله، ويتعامل مع الخلق جميعاً، وقلبه لله عز وجل.
سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
(( لو كنت متخذاً من العباد خليلاً لكان أبو بكر خليلي، ولكن أخ وصاحب في الله ))
3 ـ صفة القهر صفة كمال مطلق لله تعالى:
يعتز بالله، الله عز وجل هو ( القاهر )، لكنه كامل، لا يقهر إلا الظالمين، فقد تلتقي بقوي يقهر الطيبين، ينتقم من المؤمنين، لكن الله عز وجل كامل كمال مطلق.
لا إله إلا أنت الحليم الكريم، لا إله إلا أنت القوي الوحيد، لا معبود بحق إلا الله، لا معطي، ولا مانع، ولا معز، ولا مذل إلا الله، هو القوي، لكنه رحيم، قوي لكنه عدل، قوي لكنه عليم، قوي لكنه حكيم، القوة مطلوبة مع الكمال، والذي نلاحظه أحياناً أن العالم الإسلامي معه وحي، معه حق، معه قرآن، معه تعليمات الصانع، لكنه ضعيف.
لذلك انصرف الناس عن المسلمين لأنهم ضعاف، وقد يقول قائل: ما نصيبك من هذا الاسم ؟ يجب أن تكون قوياً.
﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ * وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ﴾
( سورة الشورى )
ما منا واحد إلا ويعتز بالبطل صلاح الدين الأيوبي، حينما انتصر على 27 جيشاً من جيوش الفرنجة، ودخل القدس، وقام خطيب القدس يذكر بعض الآيات الكريمة التي تبين أنه قد انقضى عهد الظالمين.
أيها الإخوة، الإنسان يحب الله، لأن الله كامل وقوي، ( قاهر )، كماله يمنعه أن يقهر الطيبين.
بالمناسبة: حيثما جاءت ( على ) مع لفظ الجلالة فتعني الإلزام الذاتي، قال تعالى: ﴿ إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾
( سورة هود )
﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا ﴾
( سورة هود الآية: 6 )
حيثما جاءت ( على ) مع لفظ الجلالة فتعني أن الله عز وجل ألزم نفسه بهذا الكمال.
4 ـ معنى ( القاهر ) في اللغة:
أيها الإخوة، ( القاهر ) في اللغة اسم فاعل مِن قهر يقهر قهراً فهو قاهرٌ، وقهرت الشيء غلبته، وعلوت عليه مع إذلاله بالاضطرار، تقول: أخذتهم قهراً، أي من غير رضاهم، وأُقهر الرجل إذا وجدته مقهوراً، أو صار أمره إلى ذل، وإلى صغار، وعند الترمذي من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في شأن يأجوج ومأجوج:
(( قَهَرْنَا مَنْ فِي الْأَرْضِ، وَعَلَوْنَا مَنْ فِي السَّمَاءِ قَسْوَةً وَعُلُوًّا ))
[ الترمذي عن أبي هريرة ]
النقطة الدقيقة جداً في هذا الاسم: أن الله كامل، لا يقهر إلا الظالمين، إلا المنحرفين، إلا المتغطرسين، وحينما يرى الإنسان غطرسة لا تحتمل، وعلواً في الأرض لا يحتمل، وسفكاً في الدماء لا يحتمل، وانتهاكاً للحرمات لا يحتمل، مثل هذا الإنسان إذا رأى قوة بطشت، وأنهت هذا الظلم، أنهت هذا العدوان، أنهت هذا الطغيان يرتاح أشد الراحة، هذا معنى اسم ( القاهر ) الذي هو من أسماء الله الحسنى.
5 ـ القهَّار صيغة مبالغة لاسم ( القاهر ) في الشرع:
وهذا المعنى أيضاً يلتقي مع اسم القهار، القهار صيغة مبالغة، ( القاهر ) اسم فاعل من قهر، بينما القهار صيغة مبالغة لاسم الفاعل، وقد بينت كثيراً أن صيغة المبالغة إن جاءت مع أسماء الله الحسنى فتعني شيئاً آخر، تعني أن الله يقهر أكبر قوة مهما عتت وعلت وبغت.
هناك قوى في الشرق كانت تملك من القنابل النووية ما تستطيع أن تبيد القارات الخمس خمس مرات، وقد قهرها الله عز وجل، وأصبحت في الوحل.
فلذلك يقول الله عز وجل:
﴿ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً ﴾
( سورة الإسراء )
القهار يقهر أكبر قوة تظنها لا تقهر، لذلك قالوا: عرفت الله من نهض العزائم، وفي حالات كثيرة ترى إنسانا متغطرسا جبارا، يتلذذ بقتل الأبرياء، وانتهالك الحرمات، يتلذذ بهدم البيوت، لا يموت، وفي صورة أخيرة لهذا الذي هدم سبعين ألف بيت بغزة بشكل قميء زري نقلت في الإنترنت، بقي ثلاث سنوات طريح فراش، ولم يمت بعد، لذلك سبحان من قهر عباده بالموت.
6 ـ معنى اسم ( القاهر ):
أيها الإخوة، ( القاهر ) سبحانه وتعالى هو الغالب على جميع الخلائق، وهو يعلو في قهره وقوته، فلا غالب ولا منازع، بل كل شيء تحت قهره وسلطانه.
﴿ مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴾
( سورة المؤمنون )
هو الواحد الأحد الفرد الصمد، المتفرد بالقوة والجلال، القاهر فوق عباده وهناك أسماء كثيرة تقترب من هذا الاسم، منها المنتقم، لذلك كن مع الله فأنت قوي.
كن مع الله تر الله معك و اترك الكل وحاذر طمعك
وإذا أعطاك من يمنعه ثـم من يعطي إذا ما منعك
الله عز وجل حينما قال عن نفسه:
﴿ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ﴾
أي هو الذي قهر كل شيء، وخضع لجلاله كل شيء، وذل لعظمته وكبريائه كل شيء.
7 ـ لا ينازع أحدٌ الله في جبروته وقهره:
لذلك أي إنسان ـ دققوا ـ من ينازع الله كبرياءه وعظمته يقصمه الله.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ:
(( الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ ))
[ أبو داود ]
وفي ضوء هذا الاسم أيها الإخوة، أمة قوية جداً، تملك من الأسلحة ما لا يوصف، تفردت بقيادة العالم، لا تنطوي على كمال إطلاقاً، تخطط لبناء مجدها على أنقاض الشعوب، وبناء رخائها على إفقار الشعوب، وبناء عزها على الشعوب، وبناء غناها على إفقار الشعوب، أن تنجح خططها على المدى البعيد، وصدقوا ولا أبالغ هذا لا يتناقض مع عدل الله فحسب، بل مع وجوده.
(( الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ ))
يستحيل أن يكون لهذا العالم إلا إله واحد، لأنه الله:
﴿ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ﴾
8 ـ من لوازم ( القاهر ) العلوُّ والغلبة:
له العلو والغلبة، فلو فرضنا وجود إلهيين اثنين مختلفين، ومتضادين، وأراد أحدهما شيئاً خالفه الآخر فلابد عند التنازع من غالب وخاسر، فالذي لا تنفذ إرادته هو المغلوب العاجز، والذي نفذت إرادته هو القاهر القادر، فلمَ تدعي جهة أنها خلقت السماوات والأرض ؟ ولم تدّعي جهة أخرى أنها قهرت عبادها، لذلك:
﴿ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ﴾
مرة ثانية:
﴿ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ﴾
وهو الذي قهر كل شيء، وخضع لجلاله كل شيء، وذل لعظمته وكبريائه كل شيء، وعلا على عرشه فوق كل شيء.
قال بعض العلماء: ( القاهر ) أي ؛ المذلل، المستعبد لخلقه، العالي عليهم، وإنما قال: فوق عباده، لأنه وصف تعالى نفسه بقهره إياهم، ومن صفة كل قاهر شيئاً أن يكون مستعلياً عليه، فمعنى الكلام إذاً غالب عباده المذل لهم إذا طغوا، وبغوا، وفسدوا، العالي عليهم بتذليله لهم وخلقه إياهم فهو فوقهم بقهره إياهم، وهم دونه.
تخضع للقوي لكنه عادل، تخضع للقوي لكنه رحيم، تخضع للقوي لكنه يسمعك لذلك أنت تدعو من ؟ تدعو جهة موجودة، تؤمن بوجودها حتماً، وتدعو جهة تسمعك، فإن سكت تعلم ما في نفسك، فإن تحركت رأتك، وإن تكلمت سمعتك، إن أسررت علمت ما في نفسك، إن تحركت رأتك، فأنت تدعو جهة تدعو على تلبية طلبك، ولو بدا لك مستحيلاً، تدعو جهة تحب أن ترحمك، هذا هو الله عز وجل.
فلذلك الحياة مع الإيمان بالله حياة رائعة فيها عز، فيها قوة، فيها راحة، فيها استسلام، فيها رضا، فيها طاعة. اجعل لربك كل عـزـــك يستقر ويثبــت
فإذا اعتززت بمن يمــــوت فإن عزك ميت
9 ـ نصيب المؤمن من اسم ( القاهر ):
أيها الإخوة، الآن أنت ما نصيبك من هذا الاسم ؟ هو قاهر.
﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ ﴾
الاستسلام والخنوع، والتماوت، والتضعضع ليس من صفات المؤمن.
﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ ﴾
اللهُ معك، استعن بالله ولا تعجز، فالخضوع، والقلق، والخوف، والاستسلام، والتطامن ليس هذا من صفات المؤمن، أنت عبد القاهر، أنت عبد القوي، أنت عبد الغني.
إذا توهمت أن الله لا ينصرك، ولا يدافع عنك، وأنت المؤمن، وأنت المستقيم فقد وقعت في سوء ظن كبير، لأن الله لا يتخلى عن عباده المؤمنين، بل إن الله لا يعذب عباده المحبين، والدليل: ﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ﴾
لم يقبل دعواهم، بل رد عليهم:
﴿ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾
( سورة المائدة الآية: 18 )
الإمام الشافعي رحمه الله تعالى استنبط من هذه الآية: أن الله لا يعذب أحبابه.
أنت مع القوي، بربكم هذه القصص التي وردت في القرآن عن الأنبياء هي لمن ؟ هل هي لهم ؟ ماتوا وانتهوا، هي لنا، فأيّ مصيبة تفوق حد الخيال ؟
قصص تؤكد قهر الله وغلبته:
1 ـ سيدنا يونس في بطن الحوت قصة وقانون:
أحيانا يكون دخلُ الإنسان قليلا، وعنده مرض، عنده مشكلة في بيته، عنده مشكلة في عمله، عنده ابن معاق، أما أن يجد نفسه فجأة في بطن حوت وزنه 150 طنًّا ! وجبته المعتدلة بين الوجبتين 4 أطنان، و الإنسان وزنه 70 كغ، فهو لقمة واحدة، وجد نفسه في بطن حوت، في ظلمة بطن الحوت، وفي ظلمة البحر، وفي ظلمة الليل:
﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ ﴾
( سورة الأنبياء )
القصة انتهت، إياك، ثم إياك، ثم إياك أن تتوهم أن هذه القصة وقعت ولن تقع مرة ثانية، هذه وقعت وتقع كل يوم، الدليل التعقيب الذي جاء بعدها: ﴿ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾
( سورة الأنبياء )
قلَبها اللهُ من قصة إلى قانون:
﴿ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾
هذه القصة لنا.
2 ـ سيدنا موسى مع فرعون:
سيدنا موسى مع أتباعه حينما كانوا في اتجاه البحر، وراءهم فرعون بجبروته، بقوته، بأسلحته، بحقده، ولكل عصر فرعون.
﴿ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾
( سورة الشعراء الآية: 61 )
تعلّموا أيها الإخوة من الأنبياء العظام ثقتَهم بالواحد الديان، تعلموا منهم اعتزازهم بالله عز وجل.
3 ـ النبي عليه الصلاة والسلام في غار حراء:
في غار حراء، وقعت عين المشركين على عين الصديق، قال: يا رسول الله لقد رأونا، قال:
(( يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما ؟ ))
[ أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي عن أنس بن مالك ]
ألم تقرأ قوله تعالى: ﴿ وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ ﴾
( سورة الأعراف )
4 ـ النبي عليه الصلاة والسلام مطارد مهدور الدم:
ذهب إلى الطائف، ودعا أهلها، كذبوه، وسخروا منه، وأغروا صبيانهم بإيذائه، وسال الدم الشريف من قدمه، وعاد إلى مكة، مكة أخرجته، مكة كفرت به، مكة تخلت عنه، لم يبقَ له أحد، إن صح التعبير أن للدعوة الإسلامية نهاية صغرى، ففي الطائف الخط البياني هبط إلى النهاية الصغرى، الآن يعود النبي إلى مكة، يسأله زيد: يا رسول الله، كيف ترجع إليها وقد أخرجتك ؟ ما لك أحد فيها، والله قال قولة تملأ القلب طمأنينة، قال:
(( إن الله ناصر نبيه ))،
ثقته بالله عجيبة.
هو في الهجرة هُدر دمه، مئة ناقة لمن يأتي به حياً أو ميتاً، انتهى، يتبعه سراقة، يقول له: يا سراقة ـ دقق في كلام النبي ـ كيف بك إذا لبست سوار كسرى، معنى هذا الكلام أنني سأصل، وسأصل سالماً، وسأؤسس دولة، وسأنشئ جيشاً، وسأحارب أكبر دولة، وسأنتصر عليهما، وستأتيني غنائمها، ولك يا سراقة سوار كسرى، وفي عهد عمر جاءت كنوز كسرى، وسأل عمر عن سراقة، أعطاه سوار كسرى، وألبسه، وقال: بَخٍ بخٍ، أعيرابي من بني مدلج يلبس سوار كسرى !
خاتمة:
أخطر شيء في حياتنا اليأس، أخطر شيء بحياتنا التطامن، أن تقول: انتهينا، ما انتهينا، أنت مع الله، والله عز وجل لا يتخلى عن عباده.
﴿ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ ﴾
( سورة محمد )
﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾
( سورة آل عمران )
لذلك أفضل حالة أن تكون مع القوي، وأن تعتز بالقوي، وأن تعتز بالقاهر، وأن تعتز بالقهار، وأن تستمد قوتك منه، وأن تشعر بعزة وكرامة:
﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾
( سورة آل عمران )
﴿ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 140 )
لو أن الله عز وجل سلم الأرض للأقوياء فقط، للكفار ليئس المؤمنون، ولو سلمها للمؤمنين لنافق جميع الناس لهم:
﴿ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا ﴾
مرة بيد الأقوياء الكفار، ومرة بيد المؤمنين، ونصيبنا في هذه الحياة أننا في عصر القوة مع الطرف الآخر، فلنصبر، ونحتسب، والله عز وجل لن يضيعنا.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
08-12-2018, 07:42 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الثانى و الثلاثون )
الموضوع : اسم الله - القاهر -2 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى ( القاهر ):
1 ـ سبحان مَن قهر عبادَه بكل أنواع القهر:
أيها الإخوة الكرام، لا زلنا في اسم الله ( القاهر )، والمقولة التي يرددها معظم المسلمين: سبحان من قهر عباده بالموت، وقد ورد في بعض الأحاديث الشريفة:
(( بادِرُوا بالأعمال سبعا: هل تُنْظَرون إلا فَقْرا مُنْسيا، أو غِني مُطغيا، أو مَرَضا مُفسِدا، أو هَرَما مُفنِدا، أو موتا مُجْهِزا، والدجالَ ؟ والدَّجَّالُ شَرُّ غائب يُنَتظَرُ والساعةَ ؟ والساعةُ أدْهَى وأمرُّ ))
[ أخرجه الترمذي والنسائي عن أبي هريرة ]
هل يمكن أن يستيقظ الإنسان كل يوم كاليوم السابق إلى ما شاء الله ؟ مستحيل وألف ألف مستحيل !.
(( هل تُنْظَرون إلا فَقْرا مُنْسيا، أو غِني مُطغيا، أو مَرَضا مُفسِدا، أو هَرَما مُفنِدا، أو موتا مُجْهِزا، والدجالَ ؟ والدَّجَّالُ شَرُّ غائب يُنَتظَرُ، والساعةَ ؟ والساعةُ أدْهَى وأمرُّ ))
سبحان من قهر عباده بالموت، وأحياناً يقهر المرء بالمرض، وأحياناً يقهر بالفقر، وقد يقهر بالغنى المطغي، كان مستقيماً فانحرف، هذا قهر أيضاً.
أيها الإخوة، الآية الكريمة:
﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾
( سورة الأعراف الآية: 180 )
والقاهر من أسماء الله الحسنى، يقهر الجبابرة، يقهر الظالمين، يقهر المتجبرين لذلك في بعض الأدعية التي نقرأها كثيراً في قنوت الصلوات:
(( اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يقضى عليك ))
[ أخرجه أبو داوود، والترمذي، والنسائي عن ا لحسن بن علي بن أبي طالب ]
الهدى أعظمُ نعمةٍ:
دققوا، النعمة الأولى: نعمة الهدى، ولا نعمة قبلها، ونعمة الهدى تشبه الرقم واحد، فإذا أضيف إليها نعمة الصحة فهي صفر أمامها، صاروا عشرة، فإذا أضيفت نعمة أمامها فهي صفر آخر، نعمة الكفاية، ويمكن أن تضيف النعم أمام هذا الواحد إلى ما شاء الله، لكن تأكد أن هذه النعمة الأولى نعمة الهدى، هي الرقم واحد، فلو حذفته لكانت كل النعم الأخرى أصفاراً، لا قيمة لها.
2 ـ سبحان مَن قهر عبادَه بالموت:
لأن الموت ينهي كل ينهي كل شيء، ينهي قوة القوي وضعف الضعيف، ينهي غنى الغني وفقر الفقير، ينهي وسامة الوسيم ودمامة الدميم، ينهي صحة الصحيح ومرض المريض، الهدى نعمة مستمرة بعد الموت، وما سوى الهدى نعمة منقطعة عند الموت وتأكد أن أي نعمة وهبك الله إياها ليس معها الهدى تنتهي عند الموت، وليست عطاءً، لأن كرم الله عز وجل لا يمكن أن يكون بنعمة منقطعة، نعم الله الحقيقية مستمرة بعد الموت.
ابحثْ عن نعمةٍ لتدّخرها لِما بعد الموت:
فلذلك البطولة أن تتمتع بنعمة تسعدك بعد الموت، أما نعم الحياة الدنيا على أنها نعم طبعاً، لكن تنتهي عند الموت، من بيت إلى قبر، من منصب إلى قبر، من انغماس في اللّذات إلى قبر، أما المؤمن فنعمه مستمرة بعد الموت، وهي متنامية، البطولة، والتوفيق والذكاء أن تبحث عن نعمة ليس الموت نهاية لها، أي عطاء ينتهي بالموت بالحقيقة ليس نعمة من النعم التي أرادها الله.
لذلك فلينظر ناظر بعقله أن الله أكرم محمدا صلى الله عليه وسلم أم أهانه حين زوى عنه الدنيا، فإن قال: أهانه، فقد كذب، وإن قال: أكرمه فلقد أهان غيره حيث أعطاه الدنيا.
بشكل موضوعي: إن الله يعطي المُلك لمن يحب، ولمن لا يحب، أعطى الملك لنبي كريم سيدنا سليمان، وأعطاه لعدوه فرعون، فما دامت هذه النعمة تعطى لعدو الله و لصفيه إذاً فليست مقياساً، أعطى المال لقارون، وهو لا يحبه، أعطى المال لصحابة كرام كسيدنا عثمان، وهو يحبه، فما دامت النعمة الواحدة تعطى لمن يحب ولمن لا يحب فإذاً ليست النعمة التي في الدنيا مقياساً على محبة الله.
3 ـ دعاء عظيم يتجلى فيه اسم ( القاهر ):
البطولة أن تكون مهتدياً، حتى إن بعضهم قال: تمام النعمة الهدى، لذلك هذا الدعاء:
اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ:
(( اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ ))
ما النعمة التي تأتي بعد الهدى ؟ الصحة.
((وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ ))
[ الترمذي، ابن ماجه، أحمد ]
وما من دعاء كان عليه الصلاة والسلام يكثر منه كقوله صلى الله عليه وسلم:
(( اللهم ارزقنا العفو والعافية، والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة ))
[ الجامع الصغير عن أبي هريرة بسند صحيح ]
هناك أمراض تجعل حياة الإنسان جحيماً لا يطاق، وهناك أمراض لا قيمة للمال معها، بل لا قيمة لكل النعم المادية معها.
فلذلك من أدعية النبي عليه الصلاة والسلام:
(( اللهم إنا نعوذ بك من عضال الداء، ومن شماتة الأعداء، ومن السلب بعد العطاء ))
[ ورد في الأثر ]
((اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ، وَتَوَلَّنِي ))
نعمة المتابعة الربانية للعبد:
أحياناً الله يتابعك في خطأ، تدفع ثمنه، في موقف فيه كِبر فيضعك في موقف صعب جداً فيه إهانة، في موقف فيه إسراف فيضعك في موقف فيه تقتير، يقتر عليك، وفي موقف الاستعلاء تتحجم، أحياناً يشعر الإنسان أن الله يتابعه.
أقول لكم من أعماقي: من كان يشعر أن الله يتابعه فهو في خير عميم، فهو ممن خضع لعناية الله المشددة، فهو ممن يرجى شفاءه، لكن المصيبة الكبرى أن يسترسل الإنسان في الخطأ، والله عز وجل يَدَعه وخطأه، وخطر كبير أن يخطئ الإنسان، أو يستعلي، أو يأكل مالاً حراماً، والله يتركه مع خطئه، لكن المؤمن يحبه الله عز وجل، فإذا أحبه ابتلاه، وتابعه، فالأفضل ألف مرة أن تتابع من قِبل الله عز وجل على كل خطأ من أن يدعك وشأنك، فإذا كان الله يتابع نعمه عليك، وأنت تعصيه فاحذره، لأن أكبر خطر أن تأتيك الدنيا كما تتمنى، وليس فيك التزام أبداً، ولا انضباط، ولا طاعة لله عز وجل.
الحالة الثانية أفضل بمليار مرة: أنك إذا أخطأت تُتابع، ولكل سيئة عقاب، وكل ما ارتقى الإنسان يحاسب على أدق الذنوب، وأقل العيوب، كلما ارتقى الإنسان، وكلما ضعف مقامه يحاسب على عظائم الأمور، لا على دقائقها.
إذاً:
((اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ، وَتَوَلَّنِي ))
التولي التربية.
إخوتنا الكرام، لمجرد أن تقول: الله، في كل شيء يتولاك، أما إذا قلت: أنا، يتخلى عنك.
وَتَوَلَّنَا فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ: درسان من غزوة أحد وحنين فيهما عبرة:
ثمة درسان بليغان، درس في بدر، ودرس في حنين، الصحابة الكرام وهم قمم البشر، وفيهم سيد البشر، في حنين قالوا: ولعلها مقولة في قلوبهم: << ولن نغْلَبَ اليوم مِن قلة >>.
فتخلى الله عنهم.
﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ﴾
( سورة التوبة )
إياك أن تقول: أنا عندي خبرات متراكمة، أنا الأول في هذا الاختصاص، أنا لا أحد ينافسني في هذه المعرفة، إياك أن تقول هذا الكلام، هذا تطاول على الله عز وجل، يجب أن تشهد نعم الله لا أن تتبجح بها.
حينما يعتدّ الإنسان بنفسه يتخلى الله عنه، وقد يعتد الذكي بذكائه فيرتكب حماقة لا يرتكبها الأغبياء، وقد يعتد الغني بماله فيجعله الله في مكانة لا ينفع المال معه أبداً.
مرة أخ كريم أظنه صالحاً، ولا أزكي على الله أحدا، قال: الدراهم مراهم، تحل بها كل مشكلة، فابتلاه الله بمشكلة لا تحل بمليارات، وبقي في السجن المنفرد 64 يومًا، وكل يوم يقول: الدراهم مراهم !
إياك تقول كلمة تنسى الله بها، لذلك الله عز وجل غيور، إن اعتمدت على غيره، إن اعتددت بفكرك، باختصاصك، بخبراتك، بمالك، عالجك معالجة قاسية، فاعتز بالله عز وجل.
أصحاب النبي الكريم في بدر قالوا: ﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 123 )
هم مفتقرون إلى الله.
أما في حنين:
﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ﴾
هذا الدرس نحن بحاجة إليه كل ساعة، لا تقل: أنا، قل: الله، هذه المقولة ليست تواضعاً، بل حقيقية، أنت لا شيء، كنت لا شيء فأصبحت به خير شيء.
إذاً: (( وَتَوَلَّنَا فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ ))
هذا هو التولي، والرعاية، والمتابعة، والمعالجة.
﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾
( سورة الفاتحة )
الآن لاحظ ابنًا مربًّى، إذا تكلم كلمة نابية، يقال له: يا بني ! هذه الكلمة لا تصح، يتابعه الأب، والأب المربي يتابع ابنه حتى في جلسته، إذا لم يكن فيها أدب، جلس قبله، لا تجلس قبل أبيك، لا تمش أمامه، لا تسمه باسمه، فالابن الذي يربيه أبوه على كلمة، وعلى كل حركة وسكنة وخاطرة يحاسب عليها.
وبَارِكَ لَنَا فِيمَا أَعْطَيْتَ:
(( وبَارِكَ لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ ))
أحياناً دخل كبير ليس في بركة، يذهب في معالجة أمراض، ومال مصادر، وضرائب لا تحتمل، المال الكثير ذهب أدراج الرياح، وقد يكون للإنسان دخل قليل يبارك الله له في هذا الدخل، كلمة مبارك كلمة قرآنية: ﴿ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ ﴾
( سورة الملك الآية: 1 )
أحياناً يبارك لك في وقتك، تفعل في وقت محدود أعمالاً لا يفعلها معظم الناس.
يبارك لك في مالك، يبارك في زوجتك، تعيش معها عمراً مديداً، كلها خير، كلها وفاء، كلها محبة، كلها تفانٍ، كلها تضحية، وأحياناً الزوجة تكون جحيماً لا يطاق، فالبركة ليست في المال فقط، بركة في الزوجة، بركة في الأولاد، أولاد أبرار، طائعون، البركة في الصحة، فقد يتمتع الإنسان بصحته طوال حياته، وهذه من نعم الله العظمى، وتكون البركة في المال، بدخل معقول جداً، كل شيء عندك، ولا ينقصك شيء، البركة في الوقت، ففي وقت محدود تنجز أعمالاً كبيرة، لذلك:
(( وبَارِكَ لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ ))
(( وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْتَ، إِنَّكَ تَقْضِي وَلَا يُقْضَى عَلَيْكَ، وَإِنَّهُ لَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ، وَلَا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ، تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ ))
مستحيل وألف ألف مستحيل أن تعصيه وتربح، ومستحيل وألف ألف مستحيل أن تطيعه وتخسر:
(( وَإِنَّهُ لَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ، وَلَا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ ))
اجعل لربك كل عزـــــــك يستقر ويثبت
فإذا اعتززت بمن يم ــــوت فإن عزك ميت
اعتز بالله، لا تعتز بسواه، ليكن ولاءك له، هذا دعاء، والله من الأدعية الجامعة المانعة، وهو دعاء بمعنى اسم ( القاهر )، فالله قهرنا بالمرض، قهرنا بالموت، قهرنا بالمال أحياناً، فقد يفتقر الإنسان، وقد يبكي الرجل، لأنه لا يجد ما يأكل، وقد ينقّب إنسان في الحاوية ليأكل، فإذا أكرم واحد الله عز وجل الإنسان ببيت، بمأوى، بزوجة، بأولاد، بدخل معقول، هذه نعمة لا تعدلها نعمة، أن يغنيك الله عن السؤال.
4 ـ ماذا نستفيد من اسم ( القاهر ) ؟
الخضوع والانصياع لله:
أيها الإخوة، ما الخُلق الذي ينبغي أن تتخلق به من هذا الاسم ؟ الله هو القهار صيغة مبالغة، وهو ( القاهر )، اخضع له، لأنك في قبضته، وأقلّ خطأ في صحتك يجعل الحياة جحيما لا تطاق.
والله كنت مَرة عند طبيب، جاءه اتصال هاتفي، سمعت المتكلم، قال له: أيّ مكان في العالم تريد للعلاج، وأيّ مبلغ، قال له: والله لا أمل، الورم في الدرجة الخامسة، لا أمل، فالمرض يقهر، لكن أصعب قهر أن يقهرك إنسان.
﴿ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ﴾
( سورة الأنعام الآية: 65 )
يبدو أنه قهر الواحد الديان مباشرة أخفّ من قهر إنسان، الدليل:
﴿ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾
( سورة لقمان )
يحتاج إلى صبر، هذا قضاء الله وقدره المباشر، لكن في آية أخرى: ﴿ وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾
( سورة الشورى )
قد يأتي القضاء والقدر على يد إنسان، تحتاج هذه الحالة إلى صبر أشد، ﴿ وَلَمَنْ صَبَرَ ﴾
ـ على قضاء الله ـ ﴿ وَغَفَرَ ﴾
ـ لمن أجراه الله على يديه ـ ﴿ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ ﴾
ـ لام التوكيد ـ ﴿ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾
أحيانا يُقهر الإنسان من قِبل الله مباشرة، وقد يقهر من قِبل إنسان، وقهرُ الرجال لا يُحتمل.
أيها الإخوة الكرام، إذاً: الموقف الكامل ما دام الله يقهر كل إنسان أن تكون خاضعاً له، أن تكون في طاعته، أن تكون محباً له، فهو يقهر ليربي.
أعيد هذا كثيراً: علماء العقيدة لا يرون من المناسب أن تقول: الله ضار، الضار من أسمائه، يجب أن تقول: الله ضار نافع، لأنه يضر لينفع، لا ينبغي أن تقول: الله مذل، هو مذل، لكنه مذل ليعز، المعز المذل، لا ينبغي أن تقول: الله خافض، هو خافض، لكنه خافض ليرفع، هذا كمال الله عز وجل، فهذه النعم الباطنة. ﴿ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ﴾
( سورة لقمان الآية: 20 )
أعرف إنسانا متفلتا غارقا في الشهوات آتاه الله وسامة، ومالاً، وغنىً، حتى إنه كان يستهزئ بالمقدسات، عنده بنت يحبها محبة تفوق حد الخيال، أصيبت بمرض خبيث، فلم يدَع طبيباً في بلده إلا وعالجها عنده، لكن لا أمل للشفاء، أخذها إلى بلد بعيد، باع بيته، وكل ما يملك من أجلها، ثم جاءه خاطر هو وزوجته ؛ لو أننا تبنا إلى الله، واصطلحنا معه، وأدينا الصلوات، وطبقنا منهج الله، بدآ بهذا المشروع، وقد شفا الله هذه البنت، ودُعيتُ حينما كبرت إلى حضور عقد قرانها، فلما ألقيت كلمة في هذا العقد، سألت أباها: هي ؟ هي ؟ قال لي: هيَ هي، مرض جاء إلى أسرة ردّ الأب والأم إلى الله وانسحب، هذا فعل الله عز وجل.
هناك إنسان لا يأتي طواعية، بيسر، وبرخاء، يأتي بالشدة، وهذه نعمة كبيرة أيضاً، لذلك قالوا: من لم تحدث المصيبة في نفسه موعظة فمصيبته في نفسه أكبر.
نحن في قبضة الله، والإنسان كل مكانته، وهيمنته، وسيطرته، وقدرة منوطة بقطر شريانه التاجي، ميلي وربع، وكل مكانته وهيمنته وسيطرته منوطة بسيولة دمه، وكل مكانته وهيمنته وسيطرته منوطة بنمو خلاياه، فإذا نمت نمواً عشوائياً انتهت حياتُه.
إذاً: نحن في قبضة الله عز وجل، أحيانا حادث سير ينهي حياة الإنسان، والأصعب ألاّ تنتهي حياته، بل يصبح مشلولا طول حياته بحادث سير، وأنت تمشي على اليمين، وفي أعلى درجات الانضباط، والآخر نائم، فنحن تحت رحمة الله، نحن في قبضته، فما دام الله قاهراً فينبغي أن ننصاع له، أن نؤمن به، أن نستقيم على أمره، أن نعمل صالحاً، هذا المعنى.
استمداد القوة من الله:
هناك معنى آخر: ماذا ينبغي أن تتخلق بهذا الاسم ؟ قال تعالى:
﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ ﴾
( سورة الشورى )
لا تكن ضعيفاً، لا تكن خنوعاً، لا تكن مستسلماً:
﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ ﴾
( سورة الشورى )
استمد من الله القوة.
هناك إنسان يضعف عن أن يأخذ حقه، يضعف لأقلّ تهديد، أما المؤمن فيعتز بالله.
﴿ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ﴾
( سورة المائدة الآية: 54 )
أما الآية الدقيقة:
﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ ﴾
لكن لا تَكِل له الصاع أصوعاً. ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ * وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا ﴾
أما أروع ما في الآية:
﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ﴾
( سورة الشورى )
إذا غلب على ظنك أن عفوك عن هذا الذي أساء إليك يقربه إلى الله فاعفُ عنه، ويا عبدي أجرك عندي.
أحيانا سائق سيارة يمشي بأعلى درجات الانضباط، قفز طفل أمام السيارة، ودُهس، الأب يقرّر أن يقيم عليه دعوى، وأن يضعه في السجن، لكن معطيات الحادث أن السائق بريء وفقير، والخطأ من الابن، لكن تسبب هذا السائق في موت الطفل الصغير، قال تعالى:
﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ﴾
أما إذا كان أرعن ويتحدى الناس فلا بد من معاقبته، أما إذا ما كان الخطأ مِن قِبَله فيعاقَب، وهناك حالات كثيرة يكون الخطأ فيها مدمرًا، لكن صاحب الخطأ ليس ملوماً عند أحد، قال تعالى:
﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ﴾
كلما عفوت عن أناس وعفوك عنهم يصلحهم، فاعف عنهم، وتوكل على الله.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
08-12-2018, 07:44 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الثالث و الثلاثون )
الموضوع : اسم الله -الاعلى - 1 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
من أسماء الله الحسنى: ( الأعلى ):
أيها الإخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، وهو اسم ( الأعلى ).
1 ـ ورودُ اسم ( الأعلى ) في القرآن والسنة:
أيها الإخوة، ورد هذا الاسم في القرآن الكريم وفي السنة النبوية الصحيحة، قال تعالى:
﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1) ﴾
( سورة الأعلى )
الفرقُ بين المطلَق والنسبيّ:
أريد أن أوضح لكم الفرق بين المطلق والنسبي:
قد نرى قاضياً أصدر ألف حكم، خمسة أحكام ليست عادلة، لكن بقية الأحكام عادلة، هو عندنا قاض عادل، لكن عدله نسبي، لكن إذا قلت: الله عز وجل عدلٌ، فعدله مطلق، ومستحيل وألف ألف مستحيل أن يظلِمَ في ملكه مخلوقا، كمال الله مطلق، لكن المشكلة أحياناً أن الإنسان يحاول أن يبحث بعقله عن عدل الله، لا يمكن أن يدرك عدل الله بعقله إلا بحالة مستحيلة، أن يكون له علم كعلم الله، لذلك نحن جميعاً في حياتنا آلاف القصص نعرف الفصل الأخير منها، هذه القصص التي نعرف الفصل الأخير منها ليست صالحة للنشر، لكن بحكم علاقتنا الحميمة أحيانا نطلع علي قصة من أول فصل إلى آخره تتضح عدالة الله المطلقة، أنت حينما تؤمن أن أسماء الله حسنى وصفاته فضلى، أيْ أن عدله مطلق، رحمته مطلقة، حكمته مطلقة.
2 ـ من لوازم ( الأعلى ) أن كل شيء وقع أراده الله، وكل شيء أراده الله وقع لحكمة:
ولابد من توضيح الحقيقة بهذه العبارة، كل شيء وقع أراده الله وكل شيء أراده الله وقع وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة وحكمته المطلقة متعلقة بالخير المطلق، إذا قلت: سبحان ربي الأعلى، إذا قرأت قوله تعالى:
﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1) ﴾
( سورة الأعلى )
كل أسمائه كاملة كمالاً مطلقاً، أما نحن بني البشر فيمكن أن نصف إنسانا بالعدل، وفي بعض أحكامهم حكم ليس كما ينبغي، يمكن أن نصف إنسانا بالرحمة، وفي بعض تصرفاته تصرف ليس كما ينبغي، لكن الإله العظيم إذا وصفته بأنه عادل أو رحيم أو حكيم فأسماءه حسنى، بمعنى مطلقة. 3 ـ من لوازم ( الأعلى ) أن الله لا يغفل عن أعمال العباد:
لكن مثلا: الله عز وجل قال:
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42) ﴾
( سورة إبراهيم)
أنت متى تنهى ؟ لو قلت لك: إياك أن تصل إلي الشمس، هذا كلام ليس له معنى إطلاقاً، لأنك لن تستطيع أن تصل إلي الشمس، لا يكون النهي نهيا حقيقيا إلا إذا كان بالإمكان أن يقع المنهي عنه، فقد أقول لك: لا تتأخر، يمكن أن تتأخر فأنهاك عن التأخر، لا تكذب، يمكن أن يكذب الإنسان فينهى الأب ابنه عن الكذب، فالنهي يعني أن المنهي عنه يمكن أن يقع، هذه الحقيقة الأولى.
إذا قال الله عز وجل:
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42) ﴾
( سورة إبراهيم)
معنى ذلك أنه قد يبدو لبعض البشر أو لمعظم البشر اليوم، اليوم بذات أن الله غافل عما يعمل الظالمون، فلحكمة بالغة الإله العظيم له امتحان صعب، ونحن واقعون فيه، هذا الامتحان الصعب بأنْ يقوّي أعداءه، إلى أن يفعلوا ما يريدون فيما يبدو لقاصري النظر، إلى أن يقول ضعيف الإيمان: أين الله ؟ وقد قيل: أين الله.
تجد بلادا إسلامية مضطهدة، مسلوبة الإرادة، أمرها ليس بيدها، ليست كلمتها هي العليا، تعوم علي ثروات هائلة، لها موقع استراتيجي رائع، ومع ذلك حرب عالمية ثالثة معلنة علي هذا الدين في كل أنحاء الأرض، فالإنسان في ساعة ضعف قد يتوهم أن الله غافل، فيأتي الجواب: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42) ﴾
( سورة إبراهيم)
4 ـ من لوازم ( الأعلى ) أنه منزَّه عن ظلم العباد:
لذلك أنا أنصح الإخوة الكرام ألا تتورط برواية قصة لا تعرف فصولها كلها، إن كنت تعرف الفصول كلها من أول فصل إلى آخر فصل فيجب أن يقشعر جلدك لعدل الله عز وجل، ولكن نحن نرى الظاهر، نرى إنسانا مضطهَدا، نرى إنسانا رزقه قليل، والله عز وجل يقول:
﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ (147) ﴾
( سورة النساء )
مستحيل وألف ألف مستحيل أن يُظلَم الإنسان بلا ذنب منه: ﴿ وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ ﴾
( سورة الشورى )
(( ما من عثرة، ولا اختلاج عرق، ولا خدش عود إلا بما قدمت أيديكم ))
[ أخرجه ابن عساكر عن البراء ]
وحسن الظن بالله ثمنه الجنة، وضعاف الإيمان يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية.
فيا أيها الإخوة، حينما تقول: سبح اسم ربك الأعلى معنى سبح يعني نزِّهه، معنى سبح مجِّد، فيجب أن تنفي عن الله عز وجل كل نقص متوهم، لذلك قالوا: الله واحد أحد، واحد ليس له شريك، وأحد ليس له مثيل، فكلمة أعلى كلّ شيء أعلى في حكمته، كل شيء وقع أراده الله، وكل شيء أراده الله وقع، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، معنى بالحكمة المطلقة أن الذي وقع لو لم يقع لكان الله ملوماً: ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (47)﴾
(سورة القصص )
هذه المصائب التي تترى على المقصرين، على المذنبين، على الشاردين، على الغافلين، لو أن الله عز وجل لم يضيق عليهم ولم يعالجهم لقالوا يوم القيامة: ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (47)﴾
(سورة القصص )
الرسول هنا المصيبة:
﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (47)﴾
(سورة القصص )
أيْ مصيبة: ﴿ فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى (134) ﴾
(سورة طه )
الدنيا دار ابتلاء وامتحان والآخرة دار الجزاء والخلود:
لذلك أيها الإخوة، حينما تحسن الظن بالله، وحينما تسبح الله، وحينما تمجد الله، وحينما تعلم علم اليقين أن أسماء الله حسنى، أي كاملة كمالا مطلقا ترتاح نفسك، وهذا هو الإيمان الصحيح، أما أن تقول: لا إله إلا الله، ولك اعتراضات لا تعد ولا تحصى علي تصرفات الله عز وجل، فليس هذا من الإيمان، والعوام لهم كلمات هي الكفر بعينه، يقول لك مثلا: الله يعطي الحلوى لمن ليس له أسنان، هذا الكلام ليس له معنى إطلاقاً، لأن الدنيا دار ابتلاء.
أيها الإخوة، ورد في بعض الآثار أن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء، ومنزل ترح لا منزل فرح، فمن عرفها لم يفرح لرخاء، ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى، وجعل الآخرة دار عقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سببا، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضا، فيأخذ ليعطي ويبتلي ليجزي.
أيها الإخوة الكرام، حياتنا الدنيا إذا قيست بالآخرة صفر، أوضح لكم ذلك:
مثلا: ضع الرقم (1) في الأرض، وأصفارا إلى الشمس، وكل ميليمتر صفر، ما هذا الرقم، هل يمكن لعقل أن يستوعب هذا الرقم ؟ واحد في الأرض ومئة وستة وخمسة مليون كيلو متر من الأصفار، وكل ميليمتر صفر، هذا الرقم ضعه صورة لكسر، وضع مخرجه لا نهاية، القيمة صفر، هذا من بديهيات الرياضيات، أيّ رقم مهما كان كبيراً إذا نسب إلى اللانهاية فهو صفر، الآخرة لا نهاية.
طبعا الله عز وجل وزع الحظوظ في الدنيا توزيع ابتلاء، قال تعالى:
﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (21)﴾
( سورة الإسراء)
قد تجد امرأةً تأتي من أقصى الدنيا كي تخدم في بيت لتأخذ أجرا يسيرا جداً كي تطعم أطفالها، من دون اليوم الآخر ينشأ عندك مليون سؤال، مليون مشكلة، لكن اليوم الآخر يومٌ أبديّ إلي ما شاء الله، لذلك الإنسان قد يخسر الحياة الدنيا، قد تكون حياة الإنسان متعبة، خشنة، دخله قليل، لكنه مستقيم، والذي طغى وبغى ونسي المبتدا والمنتهى علي الشبكية يعيش في بحبوحة كبيرة جداً، لكن العبرة في الدار الآخرة، لذلك سيدنا علي رضي الله عنه يقول: << الغنى والفقر بعد العرض على الله >>.
عدلُ الله مطلقٌ لا يشوبه ظلمٌ:
النقطة الدقيقة في بداية هذا الموضوع الدقيق أن أفعال البشر نسبية، وكمالهم نسبي، والإنسان في الأعم الأغلب حكيم، في الأعم الأغلب رحيم، في الأعم الأغلب عادل، لكن كمال الله مطلق، لا يمكن أن يظلم عصفورا في ملك الله من آدم إلي يوم القيامة، هذا الإيمان، لأن الله عز وجل قال:
﴿ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ (17) ﴾
( سورة غافر)
﴿ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (71) ﴾
( سورة الإسراء)
في نواة التمرة رأس مؤنّف كالإبرة تماماً، هذا اسمه نقير، وبين فلقتي النواة خيط، هذا اسمه الفتيل، وفي النواة غلالة رقيقة قشرة شفافة هذه هي القطمير. ﴿ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (124) ﴾
( سورة النساء)
ولا قطميرا: ﴿ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (47)﴾
( سورة الأنبياء)
هذا اليقين بكمال الله يريح النفس، والإيمان شيء ثمين جداً، والمؤمن متوازن.
مثلاً: الله عز وجل قال: ﴿ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (53) ﴾
( سورة الشورى)
أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ
هناك سؤال كبير: بيد مَن كانت الأمورُ حتى آلت إليه، الأمر بيد الله في الدنيا والآخرة، والآية متعلقة بالآخرة، لكن يبدو مِن صياغتها أن الأمر في الدنيا ليس بيد الله، ماذا قال علماء التفسير ؟ قالوا: هؤلاء الذين شردوا عن الله، هؤلاء الغافلون، هؤلاء ضعاف الإيمان يرون في الدنيا آلهة غير الله، يرون الأقوياء آلهة، يرون الطغاة آلهة، لكن المؤمن الحقيقي لا يرى في الدنيا مع الله أحداً، لا يرى فعّالاً إلا الله، لا يرى قهاراً إلا الله، لا يرى ناصراً إلا الله، لا يرى معطياً إلا الله، لا يرى رافعاً إلا الله، ولا خافضاً إلا الله، ولا معزاً إلا الله، هذا هو التوحيد، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد.
فلذلك الأعلى من أسماء الله الحسنى، فهو واحد أحد، واحد لا شريك له، أحد ليس كمثله شيء.
5 ـ من لوازم ( الأعلى ) كمالُ الخَلقِ والتصرُّفِ:
الله عز وجل قال:
﴿ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (14) ﴾
( سورة المؤمنون )
سمح لذاته العلية أن توازن مع مخلوقاته، وقد وصف الله بعض مخلوقاته مجازاً أنها خالقة، لكن الإنسان إذا صنع شيئاً يصنع شيئاً من كل شيء، بينما خالق البشر إذا خلق شيئاً يخلق كل شيء من لا شيء، وإذا صنع الإنسان شيئاً يصنعه من كل شيء، وعلى مثال سابق، بينما خالق البشر يصنع كل شيء من لا شيء ومن دون مثال سابق، فالله عز وجل سمح أن توازن ذاته العلية مع عباده كي تعرف الفرق.
أحيانا يصنعون كُليةً صناعية حجمها كحجم هذه الطاولة، يجب أن تستلقي إلي جانبها ثماني ساعات في الأسبوع ثلاث مرات، وازن بين هذه الكلية الصناعية وبين الكلية الطبيعية، هذا العضو الذي لا صوت له يعمل بانتظام ليلاً نهاراً، وأنت مرتاح، وأنت نائم.
وازن بين آلة التصوير وبين هذه العين، آلة التصوير بالمليمتر مربع فيها أكثر من عشرة آلاف مستقبل ضوئي، أما العين ففي المليمتر مربع من الشبكية مئة مليون مستقبل ضوئي، العين البشرية تفرق بين ثمانية ملايين لون، القرنية شفافة شفافية مطلقة، مع أن الغذاء يتم في كل أنسجة الجسم عن طريق الأوعية، إلا في القرنية فعن طريق الحلول: ﴿ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾
( سورة المؤمنون )
نقطة دقيقة: كمال الخلق يدل على كمال التصرف، في الخلق إعجاز، في خلق السماوات والأرض، في خلق الإنسان، في خلق الحيوان، في خلق الأطيار، في خلق الأسماك، النباتات شيء معجز، أيعقل أن يكون هذا الإعجاز في خلقه لا يقابله كمال في تصرفاته ؟ لذلك قالوا: هناك آيات كونية، وهناك آيات تكوينية، وهناك آيات قرآنية، الآية العلامة الدالة علي عظمة الله، فالآيات الكونية خَلقه، والآيات التكوينية أفعاله، والآيات القرآنية كلامه، لكن الأولى أن تبدأ بآياته الكونية، لأنها واضحة لا لبس فيها، جلية حاسمة ناطقة بكماله، أن تبدأ بآياته الكونية، وأن تثنّي بآياته القرآنية، وأن تؤخر التفكر في أفعاله بعد أن تتفكر في خلقه، وبعد أن تتدبر كلامه، خلقه وكلامه يلقيان ضوءًا علي أفعاله.
للمرة الأخيرة: لا يمكن أن ندرك عدل الله بعقولنا، لأن عقلنا قاصر، تفكروا في مخلوقات الله، ولا تفكروا في ذاته فتهلكوا.
دائرة المحسوسات والمعقولات والإخباريات:
دائرة المحسوسات:
العقل البشري قاصر، وكنت أقول دائما: هناك دائرة اسمها دائرة المحسوسات، أداة اليقين فيها الحواس الخمس، ومع تقدم العلم واستطالاتها كالمراصد والمجاهر ومكبرات الصوت إلى آخره، الدائرة الأولي دائرة المحسوسات، وهي شيء ظهرت عينه وآثاره، أداة اليقين به الحواس الخمس واستطالاتها.
دائرة المعقولات:
أما الدائرة الثانية فهي دائرة المعقولات، هذه الدائرة شيء غابت عينه، وبقيت آثاره، أداه اليقين في هذه الدائرة الثانية العقل، العقل مرتبط بالواقع، شيء غابت عنك عينه، طريق ترابي، رأيت آثار عجلات، تقول: لقد مرت سيارة على هذا الطريق يقيناً، ومن مسافة ما بين العجلتين تقدر حجم السيارة، ومن عرض العجلة تقدر مستواها، إذاً: أنت بآثار العجلات أيقنت أن هناك سيارة مرت، فالماء يدل علي الغدير، والأقدام تدل علي المسير، هذا اليقين الاستدلالي يقين عقلي، لكن في اليقين العقلي ذات الشيء غابت، وبقيت آثاره، لكن من دون آثار العقل لا عمل إطلاقاً.
أيها الإخوة، الله عز وجل لا تدركه الأبصار، ولكن تصل إليه العقول، لا أقول: تدركه، بل تصل إليه العقول، كما لو أنك تركب مركبة يمكن أن تقلّك إلى البحر، لكن لن تستطيع بهذه المركبة أن تخوض أمواج البحر، هذا اليقين الثاني، العقل مرتبط بالواقع، في الواقع قرص مدمج فيه سبعة آلاف كتاب، لو سألت إنسانا مات قبل خمسين عاما: هل تصدق أن في قرص سبعة آلاف كتاب ؟ مكتبة بأكملها بأربعة جدران ممتلئة بالكتب من الأرض إلي السقف في قرص صغير، وبنصوص مضبوطة بالشكل، وفيها بحث، وقد نبحث في كل هذه الكتب في ثلاث عشرة ثانية، شيء لا يصدق، لكن الآن هذا شيء واقع، العقل مرتبط بالواقع، أما لو سألت إنسانا: مات قبل خمسين عاما فإنه يتهم من يقول هذا الكلام بالجنون.
الدائرة الثانية: شيء غابت عينه، وبقيت آثاره، أداة اليقين به العقل، الكون كله آثر من آثار الله عز وجل، الكون كله ينطق بوجود الله عز وجل ووحدانيته وكماله، الكون كله ينطق بأسمائه الحسنى وصفاته الفضلى، هذا شيء واضح.
دائرة الإخباريات:
أما الدائرة الثالثة فهنا المشكلة، الدائرة الثالثة شيء غابت عينه، وغابت آثاره، لا أثر أبداً ليوم القيامة، لو جبت الأرض كلها هل ترى يوم القيامة ؟ هل ترى آثاره ؟ الجن، الملائكة، وعندك آلاف الموضوعات أخبرنا الله بها، أداة اليقين بهذه الدائرة الثالثة الخبر الصادق، لذلك حينما لا تخلط بين الدائرة الأولى والثانية والثالثة فهذه القضية حسية، هذه القضية عقلية، هذه القضية إخبارية، ترتاح وتنتظم الأمور، لذلك قضية اليوم الآخر دليلها إخبار الله لنا، الدنيا محسوسة، ترى المرأة الجميلة علي شبكية العين، وترى القصر الرائع علي شبكية العين، وترى الطعام الطيب على شبكية العين، وترى المركبة الفارهة على شبكية العين، ولكن الآخرة والجنة كلمات في القرآن الكريم:
﴿ وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (4) ﴾
( سورة الضحى )
الإيمان بالغيب شيء عظيم:
لذلك الإٍيمان بالغيب شيء عظيم جداً:
﴿ الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) ﴾
( سورة البقرة)
البطولة أن تؤمن بالغيب.
أنت متجه إلي حمص، لك مبلغ ضخم في هذه المدينة، وخرجت من دمشق، فإذا لوحة كتب عليها في ظاهر المدينة: الطريق إلى حمص مغلقة بسبب تراكم الثلوج في مدينة النبك، ترجع، لكن ما الذي دعاك إلى أن ترجع ؟ هذا النص، خمس كلمات غيرت اتجاه المركبة، لكن لو أن دابة تمشي على هذا الطريق أين تقف ؟ في حمص، ما الذي حكم هذه الدابة ؟ حكمها الواقع، ما الذي حكم الإنسان ؟ حكمه النص، هذا الإيمان بالغيب، الله أخبرك بجنة ونار وحساب: ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93) ﴾
( سورة الحجر)
خاتمة:
هناك حساب دقيق، وتسوية حسابات بين البشر، لذلك ما من ركنين من أركان الإيمان تلازما كركن الإيمان بالله واليوم الآخر.
إذًا:
﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1) ﴾
( سورة الأعلى )
كماله مطلق، وكمال البشر نسبي، هو واحد أحد، واحد لا شريك له، وأحد لا مثيل له.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
08-12-2018, 07:46 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الرابع و الثلاثون )
الموضوع : اسم الله -الاعلى - 2 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: ( الأعلى ):
1 ـ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى
أيها الإخوة الكرام، لازلنا مع اسم الله ( الأعلى )، الذي ورد في قوله تعالى:
﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1) ﴾
( سورة الأعلى )
2 ـ الدعاء بأسماء الله الحسنى:
والحقيقة أنه في ضوء هذا الاسم، ولأن الله جل جلاله يقول:
﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا (180) ﴾
( سورة الأعراف)
دعاء القنوت:
والدعاء الذي يدعى به في القنوت هو من هذا النوع، هذا الدعاء يقول النبي عليه الصلاة والسلام في دعائه الذي كان يدعو به في القنوت:
(( اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ ))
[ الترمذي عن الحسن بن علي ]
نعمة الهدى والصحة والكفاية والأمن:
أيها الإخوة، ما من نعمة أعظم عند الله من نعمة الهدى، هي النعمة الأولى، وكي أوضح هذا المعنى أقول:
نعمة الهدى رقم واحد، ونعمة الصحة صفر، فصارت عشرة، نعمة الزوجة الصالحة صفر ثان صارت مئة، نعمة الأولاد الصالحين صفر ثالث، صارت ألفا، نعمة السمعة الطيبة صفر رابع، جميع النعم أصفار تضاف إلى الواحد، فإذا ألغيت الواحد صار كل الذي عندك أصفارا، لذلك تمام النعمة الهدى، الإمام علي رضي الله عنه يرى أن النعمة الأولى هي الهدى، ثم الصحة، ثم الكفاية، ومن أكرمه الله بالهدى وبتمام الصحة والكفاية فقد تمت له نعم الدنيا.
إنسان سألته عن حالته المادية فقال لي: والله الحالة وسط، الدخل يقابل المصروف، قلت له: إذاً أصابتك دعوة النبي عليه الصلاة والسلام، فاستغرب، قال: ماذا دعا ؟ قلت له: قال:
(( اللهم من أحبني فاجعل رزقه كفافاً ))
[ ورد في الأثر ]
سأل ملِكٌ وزيره: " مَن الملك ؟ قال: أنت، قال: لا، الملِك رجل لا نعرفه، ولا يعرفنا، له بيت يؤويه، وزوجة ترضيه، ورزق يكفيه، إنه إنْ عرفنا جهد في استرضائنا، وإن عرفناه جهدنا في إحراجه ".
لذلك من أصاب الهدى والصحة والكفاية فما فاته من الدنيا شيء، وهذا معنى قول النبي عليه الصلاة والسلام:
(( مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا ))
[ أخرجه البخاري والترمذي وابن ماجة عن عبد الله بن محصن ]
الأمن الذي ذكره النبي عليه الصلاة والسلام هو أمنُ الإيمان، الإيمان معه أمن، والدليل قول الله عز وجل:
﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81) الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82) ﴾
( سورة الأنعام )
لو أن الآية: أولئك الأمن لهم، ولغيرهم، لكن "
﴿ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ ﴾
هذا التركيب في البلاغة يسمى القصر والحصر، فلا ينعم بنعمة الأمن إلا المؤمن، وفي قلب المؤمن من الأمن ما لو وزِّع على أهل بلد لكفاهم.
أيها الإخوة الكرام، (( مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ ـ أمن الإيمان ـ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا ))
لكن لا بد من التوضيح: من أجل أن تضيف إلى اسمك حرف دال، فإنك تصبر ثلاثا وثلاثين سنة في الدراسة، حتى يقولوا: الدكتور فلان، هذه الدال كلفتك ثلاثًا وثلاثين سنة دراسة، ومن أجل الآخرة، من أجل السعادة الأبدية، من أجل ما أعد الله لعباده المؤمنين:
(( أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ... ))
[ متفق عليه ]
الهدى يحتاج إلى جهد ووقتٍ:
الهدى يحتاج إلى جهد، إلى وقت، ترى الإنسان هدفه الأول كسب المال.
دعي رجلٌ إلى عقد قران، فقام متكلم وتكلم كلمة، ثم قال الرجل: والله استفدنا، لا، هذا طلب علم عشوائي، من أجل أن تكون مهتدياً يجب أن تلزم دروس العلم، يجب أن تتابع العلم، جزء أساسي من حياتك بالتعبير المعاصر ضمن البرمجة، عندك طلب علم، أما أنها قضية عشوائية غير مركزة، غير مبرمجة، فهذا لا يقدم ولا يؤخر، كما أنه لا يمكن أن تكون طبيباً إذا تصفحت بعض المجلات الطبية، هل لك أن تكتب: دكتور اختصاصي في الأمراض الداخلية إذا كنت متصفحا لمجلة طبيبة ؟!!! هناك شهادات، وعلامات، وثانوية، تفوق، وسبع سنوات، وثماني سنوات دراسة تخصصية، فلذلك قضية الإيمان قضية تحتاج إلى جهد، لذلك تمام النعمة الهدى:
﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3) ﴾
( سورة الإنسان)
﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ (148) ﴾
( سورة البقرة )
هناك نقطة دقيقة، في حياة الناس يتصور الهدى منحة، فهو جالس أو نائم، وما بذل أي جهد، فصار مهتديًا !!! يقول: حتى يهديني الله، مَن قال لك ذلك ؟ الله هداه، هداك بالكون، هداك بالأنبياء، هداك بالكتب، هداك بالقرآن، الله عز وجل قدم لك الهدى: ﴿ إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى ﴾
( سورة الليل )
بيان الهدى على الله:
كل كلمة فيها لفظ ( على ) مع لفظ الجلالة معناها أن الله عز وجل ألزم ذاته العلية بشيء.
﴿ وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ (9) ﴾
( سورة النحل)
﴿ وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا ﴾
( سورة هود الآية: 6 )
﴿ إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾
( سورة هود الآية: 55 )
مادام هناك ( على ) إلى جانب لفظ الجلالة فتعني أن الله عز وجل ألزم ذاته العليّة بهذا الشيء: ﴿ إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى ﴾
( سورة الليل )
الهدى على الله، عليك أن تستجيب.
تصور إذاعة تبث، ما مهمتك أنت ؟ ني جهاز استقبال، البث مستمر، مهمتك أن تستقبل هذا البث، أما أن تقول: حتى يبثوا لنا نسمع، هذا وهم كبير، البث مستمر، الهدى منتهٍ، بقي أن أستجيب، لذلك: (( اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ ))
[ الترمذي عن الحسن بن علي ]
أربع محطات مهمة في حياة الإنسان:
هذا أول دعاء حسب التسلسل الرائع:
(( وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ ))
البارحة ذكرت أن في حياة الإنسان أربع محطات كبيرة، محطة مع الله، ومحطة مع الأهل والأولاد، ومحطة مع العمل، ومحطة مع الصحة، ولا يسمى النجاح نجاحاً إلا إذا كان شمولياً، وأي خلل في بعض هذه المحطات ينعكس على المحطات الأخرى.
المحطة الأولى: العلاقة مع الله:
الشبهة والشهوة يهزّان كيان المسلم:
إذا كانت علاقة الإنسان مع الله سيئة، كيف ؟ عنده شبهات غير واضحة، شبهات متعلقة بالعقيدة، وعنده شهوات متعلقة بالسلوك، فأكبر آفتين يهزان علاقتك مع الله شبهة لم تتضح لك، اسأل يا أخي، قال تعالى:
﴿ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ﴾
( سورة النحل )
يقول لك: الغرب كفر وفسق، وفجور وانحراف، وشذوذ وزواج مثلي، وتبادل زوجات، وخمور ومخدرات، وأقوياء وأغنياء، ويتصدرون الشاشات، ويقهرون الشعوب، وهذه الشعوب من زلزال، إلى فيضان، إلى قهر، إلى اجتياح، هذه شبهة كبيرة عندهم، فالذي يفسد علاقتك مع الله الشبهات، الشبهات متعلقة بالعقيدة، لكن لكل شبهة جواب مفحم.
جواب هذه القضية أن إنسانًا معه ورم خبيث منتشر، وسأل الطبيب: ماذا آكل ؟ قال له: كل ما شئت، ورجلٌ آخر معه التهاب معدة حاد، أمل الشفاء بالمئة تسعة وتسعون، لكن يحتاج إلى حمية، فإذا كنا نحن من نوع التهاب المعدة، وعلينا شدة شديدة جداً، لأن الشفاء محتمل، ومطلوب، فنحن بألف نعمة، والباقون في ألف نقمة، الله عز وجل قال: ﴿ فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً ﴾
( سورة الأنعام الآية: 44 )
إذا كانت لديك شبهة تعرقل العلاقة مع الله، أو شهوة محرمة.
ما هو القلب السليم ؟
الله عز وجل قال:
﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89) ﴾
(سورة الشعراء)
ما القلب السليم ؟ القلب الذي لا يشتهي شهوة لا ترضي الله، ولا يصدق خبراً يتناقض مع وحي الله، ولا يحتكم إلا لشرع الله، ولا يعبد إلا الله، هذا أكبر إنجاز تحققه في الدنيا، قلب سليم، يوم لا ينفع مال، ( بيل غيت ) عنده تسعون مليار دولار، وهو شاب ليس كبيرًا. ﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89) ﴾
(سورة الشعراء)
القلب سلم من شهوة لا ترضي الله، وسلم من تصديق خبر يتناقض مع وحي الله، وسلم من عبادة غير الله، وسلم من تحكيم غير شرع الله.
قد ترى امرأةً محجبة في بلاد الغرب تختلف مع زوجها، فترفع أمرها لقاضٍ غربي، لماذا ؟ ليحكم لها بنصف أملاك زوجها، وهي مسلمة، لو رفعت أمرها إلى قاضٍ في مركز إسلامي لحكم لها بالمهر فقط، فلمجرد أن تحتكم لغير شرع الله فأنت ليس لك قلب سليم.
﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89) ﴾
(سورة الشعراء)
(( اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ ))
عندنا أربع محطات، محطة علاقتك مع الله راجع الشبهات والشهوات، ولاحظ بيتك، هل فيه مخالفات ؟ هل خروج بناتك وزوجتك يتوافق مع شرع الله ؟ هل في البيت معاص وآثام، وغيبة ونميمة، وتبذل وعورات مكشوفة ؟ لا حظ عملك، هل فيه مادة محرم بيعها، هل في بمحلك التجاري بضائع لا ترضي الله عز وجل ؟ إذا كانت محرمة يجب أن تلغيها، لا حظ نفسك وبيتك وعملك، هل أنت مقيم للإسلام ؟ هل عقيدتك سليمة ؟ هل السلوك سليم ؟ هل العبادات سليمة ؟
بيتك هل فيه مخالفة ومعصية ؟ هل فيه لقاءات مختلطة ؟ مثلاً، هل فيه أشياء لا ترضي الله ؟ هل فيه أجهزة تفسد الأخلاق ؟ أنت متساهل بها، مثلاً.
عملك هل فيه بضاعة محرمة ؟ لا يوجد، الحمد لله، هل فيه تعامل محرم ؟ هل فيه مخالفات في البيع والشراء ؟ فأنت مهمتك أن تضبط الإسلام في نفسك، وفي عملك، وفي بيتك، وانتهت مهمتك، هذه المحطة الأولى.
المحطة الثانية: العلاقة مع الأهل:
المحطة الثانية: علاقتك مع أهلك، يا ترى هناك تفاهم ومودة وحب وتسامح و رحمة وحب حقيقي، النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
(( الحمد لله الذي رزقني حب عائشة ))
[ ورد في الأثر ]
هذه حليلتك وزوجتك، وأم أولادك، هل تحبها ؟ ينبغي أن تحبها، لا أن تحب غيرها.
بالمناسبة، الشيطان له مهمة أولى هي إفساد العلاقة بين الزوجين، مهمة الشيطان الأولى أن تكره زوجتك، وأن تحب غيرها ممن لا تحل لك، لذلك:
(( اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ ))
المحطة الأولى: علاقتك بالله، المحطة الثانية: مع أهلك وأولادك، وبشكل مختصر: بطولة الأب أن يكون العيد إذا دخل البيت، والأب السيئ يكون العيد إذا خرج من البيت، هل يتمنى أهلك بقاءك في البيت ؟ أو هل يتمنون حياتك ؟ إذا كان الأب بخيلًا جداً، وأصابه مرض، وجاءوا بالطبيب، وقال لهم: قضية سهلة، ينزعجون كثيرًا، نتمنى هذه قاضية، يمكن لكل مؤمن أن تكون علاقته مع أولاده طيبة، يجب أن تكون علاقتك مع أهلك وأولادك عالية جداً، علاقة حب، علاقة ود.
والله الشيء الذي لا أصدقه كيف يدخل القضاء بين زوجين ؟ وبين الزوجين أقدس ميثاق: ﴿ وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ (21) ﴾
(سورة النساء)
أقدس علاقة بين اثنين بين الزوجين.
﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (21)﴾
(سورة الشعراء)
المحطة الأولى مع الله، والثانية مع الأهل والأولاد.
المحطة الثالثة: العمل:
والثالثة مع العمل، العلاقة مع الله جيدة، ومع الأهل جيدة، وتأخرت ساعة، وأنت مدرِّس أخذتَ شهادة ثانوية، والمدير غير منضبط كثيراً، انفلت بكلام قاسٍ أمام الطلاب، يهزك شهرًا، هذا عمل، يجب أن تعتني بدوامك، وبأداء عملك.
المحطة الثالثة: العمل.
المحطة الرابعة: الصَِّحة:
والمحطة الرابعة: الصحة، إذا لم يكن الإنسانُ مهتمًا صحته، وفي وقت مبكر أصابته أمراض كثيرة أفسدت عليه علاقته بالله عز وجل، كان نشيطًا يصلي بالجامع، يقوم بأعمال صالحة، صار مُقعَدًا، لأنه أهمل صحته، أهمل طعامه، أهمل شرابه، ما اعتنى بما يدخل جوفه، ما اعتنى بما يخرج منه من كلام.
أيها الإخوة الكرام، أربع محطات لا يعد النجاح نجاحاً إلا إذا غطاها جميعاً، وليس هناك نجاح جزئي، تنجح في بيتك، وتخفق بعملك، هذا ليس نجاحاً، تنجح بعملك و لا تنجح في بيتك، هذا ليس نجاحاً، تنجح بعملك وبيتك ومع الله العلاقة غير طيبة، هذا ليس نجاحاً، تنجح في الثلاثة وصحتك متردّية، هذا ليس نجاحًا، فلا بد من متابعة النجاح في هذه المحطات الأربع، لأن أي خلل في واحدة منها ينسحب على المحطات الثلاث.
(( اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ، وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ ))
المعالجة والمتابعة الربانية دليل خيرٍ للمؤمن:
والله أيها الإخوة، المؤمن الصادق يشعر بجبر حينما يتابعه الله عز وجل، إذا أخطأ يبعث له مشكلة
(( ما من عثرة، ولا اختلاج عرق، ولا خدش عود إلا بما قدمت أيديكم، وما يغفر الله أكثر ))
[ أخرجه ابن عساكر عن البراء ]
تكون عند الله في أعلى مستوى لما تشعر أنه يتابعك، أما حينما تكون خارج العناية المشددة لا يتابعك، بل يتابع نعمه عليك، وأنت في معصيته، أما المؤمن فيحاسب على النظرة، على الغفلة، على الكلمة.
سمع شاب من شيخه أن لكل معصية عقاباً، يبدو أن قدمه زلت، فارتكب معصية، بحسب كلام شيخه هو ينتظر العقاب من الله، مضى أسبوع، صحته، بيته، أهله، سيارته لا شيء فيها، أسبوع آخر لا شيء، في أثناء المناجاة قال: يا رب، لقد عصيتك ولم تعاقبني، قال: وقع في قلب هذا الشاب: أن يا عبدي، قد عاقبتك، ولم تدر، ألم أحرمك لذة مناجاتي ؟ ألا تكفيك ذلك ؟
الذي له صلة مع الله عز وجل صدقوا ولا أبالغ أكبر عقاب أن تحجب عنه فقط، رغم مكانتك وصحتك وبيتك وأولادك وعملك وأرباحك لكنك محجوب، تقرأ القرآن فلا تشعر بشيء، أنت محجوب، تصلي فلا تشعر بشيء، تذكر الله فلا تشعر بشيء، إذا قرأ إنسان القرآن، وما شعر بشيء إطلاقاً، وذكر الله وما شعر بشيء، وصلى وما شعر بشيء، فليعلم أنه لا قلب له، هذا عقاب الحجب، والإنسان يحجب بقبائح الذنوب وبالعيوب.
(( اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ، وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ ))
لذلك:
(( لَوْ أنَّ أوَّلَكُمْ وآخِرَكُمْ، وَإنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كانُوا في صَعيدٍ وَاحدٍ، فَسألُونِي فأعْطَيْتُ كُلَّ إنْسانٍ مِنْهُمْ ما سألَ لَمْ يَنْقُصْ ذلكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئاً إِلاَّ كما يَنْقُص البَحْرُ أنْ يُغْمَسَ المِخْيَطُ فِيه غَمْسةً وَاحدَةً ))
[ رواه مسلم عن أبي ذر ]
ذلك لأن عطائي كلام، وأخذي كلام.
أخطر ما في الحديث:
(( فَمَنْ وَجَدَ خَيْراً فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ عَزّ َوَجَلّ،َ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلا يَلُومَنَّ إِلاَّ نَفْسَهُ ))
[ رواه مسلم عن أبي ذر ]
إياك أن تبرئ نفسك، الله عز وجل يقول:
﴿ مَّا يَفْعَلُ اللّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ ﴾
( سورة النساء الآية: 174 )
مستحيل وألف ألف مستحيل أن يسوق الله شدة إلى إنسان بلا سبب، اتهم نفسك، أين الخلل ؟ أين المعصية ؟ أين المخالفة ؟
قال رجل لصاحبه: الدراهم مراهم، أحلُّ بها كل شيء، هو رجل ميسور جداً، لكن هذه الكلمة ( الدراهم مراهم ) أنسته الله عز وجل، وقع في مشكلة، قال لي: بقيتُ ثلاثة وستين يومًا في السجن المنفرد، وفي اليوم الواحد يأتيه هذا الخاطر: ( الدراهم مراهم )، تفضل وحلها.
هناك أخ من أكبر المستوردين للسحابات، أقل صفقة خمسمئة ألف دزينة، جاءت امرأة لا تعرف أن هذا محل جملة، قالت له: عندك سحابات ؟ قال لها: كم تريدين ؟ قالت له سحّاب واحد، فقال: أنا لا أبيع مفرقًا، ونهرها، يقسم بالله ما دخل محلَّه مَن يشتري مِن عندِه ثلاثةً وخمسين يومًا، جف دمه، قال لي: الآن أبيع سحابًا واحدًا، لأنه وقع في كبر، الله يؤدبك، ويتابعك.
أحيانًا كلمة قاسية أو موقف قاسٍ يسبب لك مصيبة.
والله هناك أخ يعمل في تصليح كومبيوترات المعامل، دخُله كبير جداً، وهناك معمل أوصاه، لكنه طلب ثمناً ضخمًا، قال له صاحب المعمل: هذا المبلغ كثير، قال له: أنا لست بحاجتك، أنت بحاجتي، متى تحب فأنا جاهز، قال: كل العمل ينتهي بساعة إلى ثلاث ساعات، قال لي: أول يوم لم يظهر شيء، وكذلك ثاني يوم، والمبلغ على الإنجاز لا على الساعات، قال لي: تسعة أيام الطريق مغلق، فطلب إجازة يوم، راجع نفسه حتى انتبه إلى ما قال ؟ قال: أنا لست بحاجتك، أنت بحاجتي، هذا اعتداد، فالله أغلق عليه الحل، بعدما تاب، ودفع صدقة في اليوم الثاني حلّ الخلل في ساعة.
انتبه، إذا تابعك الله تكون مكرمًا عنده، وافرح بحالك إذا كنت في متابعة، وإذا أهملك ترتكب كل المعاصي، لا سمح الله، ودخلك فلكي، ومرتاح، وصحتك جيدة، وما من مشكلة، هذه أكبر مصيبة، ألاّ تتابع من الله عز وجل.
(( اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ، وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ، وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ ))
ما رأيت آلة حاسبة فيها زر البركة، البركة قائمة أحيانا بدخل محدود، تعيش حياة غاية في السعادة، وبدخل فلكي تعيش حياة غاية في الشقاء، إن الله يعطي الصحة، والذكاء، والمال، والجمال للكثيرين من خلقه، لكنه يعطي السكينة بقدر لأصفيائه المؤمنين، هذه السكينة تسعد بها ولو فقدت كل شيء، وتشقى بفقدها ولو ملكت كل شيء، فلذلك هذا دعاء القنوت:
(( اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ، وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ، وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ، وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْتَ، فَإِنَّكَ تَقْضِي وَلَا يُقْضَى عَلَيْكَ، وَإِنَّهُ لَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ، تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ ))
[ الترمذي عن الحسن بن علي ]
لكن مستحيل وألف ألف مستحيل أن تعصيه وتربح، ومستحيل وألف ألف مستحيل أن تطيعه وتخسر، (( وَإِنَّهُ لَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ، تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ ))
والحمد لله رب العالمين
السعيد
08-12-2018, 08:26 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الخامس و الثلاثون )
الموضوع : اسم الله - الطيب - 1 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
من أسماء الله الحسنى: ( الطيّب ):
أيها الإخوة، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم ( الطيب ).
1 ـ ورودُ اسم ( الطيِّب ) في السُّنة:
هذا الاسم لم يرد في القرآن الكريم، ولكنه ورد في السنة المطهرة، ففي الحديث الصحيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا... ))
[ مسلم ]
وفي حديث آخر:
(( إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ يُحِبُّ الطَّيِّبَ، نَظِيفٌ يُحِبُّ النَّظَافَةَ، كَرِيمٌ يُحِبُّ الْكَرَمَ، جَوَادٌ يُحِبُّ الْجُودَ... ))
[ الترمذي ]
2 ـ لابد للمؤمن أن يكون طيِّبًا:
النقطة الدقيقة أن الله سبحانه وتعالى لأنه ذاتٌ كاملة لا يتجلى على مخلوق أو على إنسان إلا إذا كان طيباً، لذلك بإمكانك أن تقف في الصلاة، وأن تركع، وأن تسجد، إن لم تكن طيباً فلن يتجلى الله عليك، ولا يلقي في قلبك النور، ولا يمنحك القرب، بينما الأقوياء ببساطة بالغة يمكن أن تتقرب إليهم برفع صورة لهم فرضاً، أو بكتاب، أو بثناء، أو بكلمة تلقيها في حضرته، تتقرب إليهم بهذه الطريقة، ولا يشترط بعدها أن تكون كاملاً، لكن الإله العظيم لا يقبلك إلا إذا كنت طيباً، لا يقبلك إلا إذا كنت ورعاً، لا يقبلك إلا إذا كنت طاهر السريرة، لا يقبلك إلا إذا كنت مستقيماً.
لك أن تفعل كل شيء في الحقل الديني، أما أن تشعر بقرب من الله عز وجل، وأنت لست طيبا، بل فيك خبث واحتيال وكذب ودجل ونفاق، لن تستطيع أن تصل إليه إلا إذا كنت طيباً ورعاً مستقيماً طاهراً ملتزماً، لذلك الفرق صارخ بين أتباع الأنبياء وأتباع الأقوياء، أتباع الأنبياء كمَّلٌ، لأن الله لا يقبلهم إلا إذا كانوا كذلك، ولا يتجلى عليهم، ولا يمنحهم توفيقه، لا يمنحهم تأييده، ولا يمنحهم قربه إلا إن كانوا طيِّبين.
في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة، ماذا يفعل أعدائي بي ؟ بستاني في صدري، إن أبعدوني فإبعادي سياحة، وإن حبسوني فحبسي خلوة، وإن قتلوني فقتلي شهادة، فماذا يفعل أعدائي بي ؟
المؤمنون أتباع الأنبياء:
النقطة الدقيقة للمرة الثانية: أن أتباع الأنبياء كمل، أتباع الأقوياء يرفعون شعارات، يرفعون صورا، يتكلمون بالمديح، لكنهم في علاقاتهم ليسوا كمّلاً، لذلك الفرق صارخ بين مؤمن وتابع لقوي أن المؤمن يتبع الأنبياء.
مرة ثانية، كالأب تماماً يطعم كل أولاده، و له ابن صالح مستقيم طاهر بار، ودّ الأب المودة لهذا الابن كبيرة، لكنه يطعم الكلَّ ويسقيهم.
الإنسان يأكل ويشرب، لكن أن تتصل بالله، أن تذوق طعم القرب منه، أن يلقي في قلبك نوراً، أن تكون مسدداً موفقاً مرشداً، هذا يحتاج إلى طهر:
(( أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا... ))
النبي عليه الصلاة والسلام رأى تمرة على السرير كما في الحديث عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ
(( أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَدَ تَحْتَ جَنْبِهِ تَمْرَةً مِنْ اللَّيْلِ فَأَكَلَهَا فَلَمْ يَنَمْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَقَالَ بَعْضُ نِسَائِهِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرِقْتَ الْبَارِحَةَ، قَالَ: إِنِّي وَجَدْتُ تَحْتَ جَنْبِي تَمْرَةً فَأَكَلْتُهَا، وَكَانَ عِنْدَنَا تَمْرٌ مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ فَخَشِيتُ أَنْ تَكُونَ مِنْهُ ))
[ أحمد ]
ركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلط.
أنت لا تعلم حينما تكون طيباً ماذا ينتظرك من الله عز وجل، التوفيق، النصر، التأييد، السكينة، السعادة، الرضى، أنت لا تعلم ماذا ينتظرك فيما لو كنت طيباً:
(( إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ ))
أنت لست نبياً ولا رسولاً، ولكنك مأمور أن تتبع النبي في أخلاقه.
بين ممرض وجراح قلب لمسافة كبيرة جداً، لكن هذا الممرّض لو أراد أن يعطي حقنة فلابد من تعقيمها، هناك إجراءات لابد منها، لا فرق بين ممرض وطبيب جراح فيها:
(( وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ ))
إن كانت هناك شهوة أغلى عليك من الله فالطريق إلى الله غير سالك، قال تعالى: ﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (24)﴾
( سورة التوبة )
لأن (( اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا... ))
3 ـ لن تقطف ثمار العبادات إلا إذا كنتَ طيِّبَ النفس:
النقطة الدقيقة للمرة الثالثة: بإمكانك أن تفعل كل شيء مادي، بإمكانك أن تذهب إلي الحج، وأن تصوم رمضان، وأن تصلي، إن لم تكن مستقيماً فلن تقطف ثمار هذه العبادات، لأن الله طيب ولا يقبل إلا طيباً، فهذا الذي يأكل أموال الناس بالباطل، هذا الذي يعتدي علي أعراض الناس، هذا الذي يقول كلاماً لا يرضي الله عز وجل ليس طيباً، لذلك لن يستطيع أن يقطف من ثمار العبادات شيئاً.
الفكرة دقيقة جداً، تريد القرب من الله، تريد أن تكون في عين الله، أن تكون في توفيق الله، و تكون في تأييد الله، أن ينصرك الله، أن تحيى حياة طيبة، تريد أن تكون متفوقاً عند الله، كن طيباً، لأن
(( اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا... ))
أتباع الأنبياء شيء، وأتباع الأقوياء شيء آخر، الأنبياء أعطوا ولم يأخذوا، الأنبياء ملكوا القلوب، الأنبياء عاشوا للناس، أما الأقوياء فأخذوا ولم يعطوا، الأقوياء ملكوا الرقاب، الأقوياء عاش الناس لهم، والناس جميعاً تبع لقوي أو نبي، فإن (( اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا... ))
تريد أن تخطب وده كن طيباً، تريد أن تنال رضوانه كن طيباً، تريد أن يتجلى على قلبك كن طيباً، تريد أن تخشع في الصلاة كن طيباً تريد أن يقبل صيامك كن طيباً تريد أن يقبل حجك كن طيباً، هذه العبادات لا يمكن أن تقطف ثمارها إلا إذا كنت طيباً، لأن (( اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ ))
الطريق إلى الله عز وجل واضح، ومتاح لكل مؤمن، قال تعالى:
﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (110)﴾
( سورة الكهف )
هذا مُتاحٌ، بإمكانك أن تكون أسعد الناس.
صدقوا أيها الإخوة، ولا أبالغ، لا يجتمع حزن مع إيمان بالله، معك سلاح الدعاء، أنت بالدعاء أقوى الأقوياء، معك جنة القرب.
كنت أقول دائماً عبر سؤال في الهاتف أقول للسائل: إذا عرفت الله كنت أكبر من أكبر مشكلة، فإن لم تعرفه فأنت أصغر من مشكلة.
فلذلك: " ابن آدم اطلبني تجدني، فإن وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء "، يا رب، وماذا فَقَد من وجدك ؟ وماذا وجدك من فَقَدك ؟ وإذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك من معك ؟
(( اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا ))
يمكن أن يكون هذا الحديث الصحيح شعاراً لك في حياتك، في تجارتك، في سفرك، في بيعك، لذلك أَطِبْ مطعمك تكن مستجاب الدعوة.
4 ـ المؤمن الطيِّب ليس عنده ازدواجية الشخصية:
أعظمُ ما في المؤمن أن سريرته كعلانيته، وأن خلوته كجلوته، وأن باطنه كظاهره، ما عنده ازدواجية أبداً، لأنه طيب ما عنده أسرار أبداً، ما يفعله في البيت يفعله أمام الناس، ما يفعله أمام الناس يفعله في البيت، ما عنده شيء للاستهلاك الخارجي، وممارسة خاصة.
صدقوا أيها الإخوة الكرام، أن مرض انفصام الشخصية أحياناً يصيب معظم الناس بشكل مخيف، لا يسمى مريضا، لكن له موقفان، في بيته موقف ومع الناس موقف، مع الذين آمنوا له كلام، ما شاء الله، ما هذا الدرس، لكنْ مع الطرف الآخر يقول لك: كله دجل، له موقفان، كله دجل، موقف مع هؤلاء، قال تعالى:
﴿ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14) ﴾
( سورة البقرة )
المؤمن ليس عنده ازدواجية في الشخصية، سريرته كعلانيته، باطنه كظاهره خلوته كجلوته، لأنه طيب، وفي الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة.
5 ـ معنى ( الطيِّب ):
طاب يطيب طيباً، تقول: ما أطيبه، أي ما أجمله، أي ما أزكاه، ما أنفسه، ما أحلاه، ما أجوده، شيء طيب وطعام طيب:
﴿ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ (157) ﴾
( سورة الأعراف )
6 ـ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ
كل شراب مسموح به، هناك مئة شراب الآن، حرم عليك الخمر فقط، كم نوعًا من اللحم مسموح به ؟ مئات الأنواع، حرم عليك لحم الخنزير، المحرمات بالنسبة إلى المحلّلات لا شيء:
﴿ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ (157) ﴾
( سورة الأعراف )
وكأن الطيب تطيب النفس به، إنسان اشتهى المرأة، فتزوج، في بيته محترم، هذه الشهوة يمكن أن يصل إليها من طريق مشروع، لأن ما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا وجعل لها قناةً نظيفةً تسري خلالها، يقارب زوجته، ويصلي قيام الليل، ويبكي في الصلاة، لأنه وفق المنهج: ﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ (50) ﴾
( سورة القصص)
المعنى المخالف: لو أنك اتبعت هواك وفق هدى الله فلا شيء عليك، أحببت المال اكسبه من طريق مشروع، تتزوج وتشتري بيتًا، تنجب أولادا تسعد بهم، تأكل طعامًا طيبًا من دخلٍ مشروع.
مرة ثانية، ما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا وجعل لها قناة نظيفة تسري خلاله، لأن الله طيب ولا يقبل إلا طيباً.
لكن أيها الإخوة، بالمناسبة تصور إنسانا جائعا جداً، وأمامه طعام من لحم مشويّ مع مقبّلات، طعام نفيس جداً، وطيب جداً، اللحم نفسه لو تركته في الهواء أياماً طويلة والجو حار يتفسخ، ويكون له رائحة لا تحتمل قد تخرج من جلدك منها.
قد تكون الدابة ميتة في الطريق، من كيلومترين اثنين تشمّ رائحة لا تحتمل، تذكر هذا المثل: قطعة لحم إن كانت طازجة مشوية وأنت جائع فهي أنفس طعام، وإن تفسخت لا تحتمل، لذلك قال تعالي: ﴿ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ (100) ﴾
( سورة المائدة)
الكثرة لا تحيل الخبيث طيّباً، والكثرة لا تجعل المحرم حلالاً، وكثرة الباطل لا تجعله حقاً، فلا تَقُل: أنا مع مجموع الناس: ﴿ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ (116) ﴾
( سورة الأنعام )
كن مع الأقلية المؤمنة، كن مع الأقلية الملتزمة، كن مع الأقلية الوقافة عند كتاب الله، لذلك: ﴿ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ (100) ﴾
( سورة المائدة)
هناك إنسان طيب طاهر صادق متواضع أمين، إن حدثك فهو صادق، إن عاملك فهو أمين، إن استثيرت شهوته فهو عفيف، الله عز وجل قال: ﴿ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ (179) ﴾
( سورة آل عمران)
7 ـ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ
الله عز وجل عنده امتحانات، تكلم ما شئت، ادَّعِ ما شئت، لكن الله متكفل أن يجعلك في ظرف يكشف حقيقتك، هذا هو الابتلاء:
﴿ وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾
( سورة المؤمنون )
الإنسان يفتن: ﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴾
( سورة العنكبوت )
﴿ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ (179) ﴾
( سورة آل عمران)
يقول الرجلُ لأمه: بعد أن أتزوج ستكون هذه الزوجة خادمة لك، خير إن شاء الله، بعد الزواج لا يتحمل أمه، ويقول لها: متى يريحنا الله منك ؟ بعدما تزوج كان كلامه السابق باطلا، الله عز وجل متكفل أن يحجمك، تكلم ما شئت، أعط نفسك أيّ مقام يضعك الله في ظرف يكشف حقيقتك، وهناك الآن ذهب من أربعة وعشرين قيراطًا، وواحد وعشرون، وثمانية عشر، وستة عشر، وهناك نحاس مطلي بالذهب، ونحاس، ومعدن خسيس، والناس معادن.
8 ـ ما صفاتُ البلدة الطيبة ؟
أيها الإخوة هناك أماكن طيبة، بلدة طيبة ورب غفور، ما صفات البلدة الطيبة ؟
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( إِذَا كَانَ أُمَرَاؤُكُمْ خِيَارَكُمْ، وَأَغْنِيَاؤُكُمْ سُمَحَاءَكُمْ، وَأُمُورُكُمْ شُورَى بَيْنَكُمْ فَظَهْرُ الْأَرْضِ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ بَطْنِهَا، وَإِذَا كَانَ أُمَرَاؤُكُمْ شِرَارَكُمْ، وَأَغْنِيَاؤُكُمْ بُخَلَاءَكُمْ، وَأُمُورُكُمْ إِلَى نِسَائِكُمْ، فَبَطْنُ الْأَرْضِ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ ظَهْرِهَا ))
[ الترمذي ]
البلدة الطيبة التي يكون فيها أمراء طيبون أغنياء سمحاء، والأمر شورى بينهم. الأعمال:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ (267) ﴾
(سورة البقرة)
9 ـ الأعمال والأقوال الطيبة:
هناك كسب طيب بتجارة مشروعة، وهناك نادٍ ليلي دخلُ صاحبِه كبيرٌ، وهناك ملهى وتجارة مخدرات ورشوة، ومكاسب كثيرة جداً لا ترضي الله عز وجل، الله عز وجل يقول:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ (267) ﴾
(سورة البقرة)
هناك كلام طيب وكلام خبيث: ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ (25) ﴾
(سورة إبراهيم)
أحيانا الكلمة تنتهي بالإنسان إلى طاعة الله وإلى التوبة، وإلى الصلح مع الله، فما من شيء أعظم عند الله من كلمة الحق، قل الحق ولا تخشَ في الله لومة لائم، وكلمة الحق لا تقطع رزقا، ولا تقرّب أجلاً، الكلمة الطيبة تطير في الآفاق، والكلمة الخبيثة تطير في الآفاق، لذلك: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
(( إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ ))
[ البخاري ]
مثلا: يقول لك كاتب: أنت أخلاقي لأنك ضعيف، وأنت ضعيف لأنك أخلاقي، هذه كلمة خبيثة تزهد الناس بمكارم الأخلاق، لكن أنت قوي، لأنك أخلاقي، وأخلاقي لأنك قوي، وليس هناك خُلق أساسه الضعف، بل تعفو عن مقدرة، وتعطي عطاء من لا يخشى الفقر، وقد ورد: " أحِبّ الطائعين، وحبي للشاب الطائع أشد "، شاب في مقتبل العمر، وهو مستقيم وعفيف " أحب الكرماء، وحبي للفقير الكريم أشد، أحب المتواضعين، وحبي للغني المتواضع أشد، أبغض العصاة، وبغضي للشيخ العاصي أشد، أبغض المتكبرين، وبغضي للفقير المتكبر أشد، أبغض البخلاء وبغضي للغني البخيل أشد ".
10 ـ الأشياء الطيبة يوم القيامة:
الأشياء الطيبة في الآخرة:
﴿ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ (12) ﴾
(سورة الصف)
والطيبات الأعمال الصالحة، الله عز وجل قال: ﴿ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ (46) ﴾
(سورة الكهف)
الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ: الأعمال الصالحة، أو هي: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، هذه من الطيبات.
11 ـ الله طيب في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعالِه وخَلقِه:
أيها الإخوة، الله جل جلاله طيب في ذاته، طيب في أسمائه وصفاته:
﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (8) ﴾
(سورة طه)
أسماءُه كلها حسنى: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ(11) ﴾
( سورة الشورى)
له ذات كاملة، والله طيب في خَلقه: ﴿ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ(88) ﴾
( سورة النمل)
في شبكية العين بالميليمتر مربع مئة مليون مستقبل ضوئي، وهذه آلة التصوير الاحترافية الرقمية أحدث آلة في المليمتر مربع عشرة آلاف مستقبل، أما شبكية العين في المليمتر مئة مليون مستقبل: ﴿ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ(88) ﴾
( سورة النمل)
طيب في خلقه، طيب في أسمائه، وفي صفاته، وفي ذاته، وطيب في أفعاله، كل شيء وقع أراده، وكل شيء أراده الله وقع، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، وحكمته المطلقة متعلقة بالخير المطلق.
لكل واقع حكمة، ولو كان الموقِع مجرماً، قد يكون الموقع مجرماً، لكن لكل واقع حكمة، لمجرد أن الله سمح لهذا الذي وقع أن يقع إذًا هناك حكمة بالغة.
هو طيب في أفعاله، وفي خلقه، وفي صفاته، وأسمائه، وفي ذاته.
12 ـ معنى آخر من معاني الطيب:
المعنى الأخير: الله طيب، بمعنى أنه قدوس منزه عن النقائص والعيوب، وقد طيب الدنيا للموحدين:
﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً(97) ﴾
(سورة النحل)
وطيب الآخرة، فجعلها خالدة لروادها، الدنيا طيبة للموحدين، فألهمهم رشدهم، وأحياهم حياة طيبة، والآخرة طيبها، فجعلها إلى أبد الآبدين.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
08-12-2018, 08:28 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( السادس و الثلاثون )
الموضوع : اسم الله - الطيب - 2 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
من أسماء الله الحسنى: ( الطيِّب ):
1 ـ المال المزكَّى يطيب:
أيها الإخوة الأكارم، لا زلنا مع اسم الطيب، ومن الأحاديث الصحيحة قول النبي صلي الله عليه وسلم:
(( إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَفْرِضْ الزَّكَاةَ إِلَّا لِيُطَيِّبَ مَا بَقِيَ مِنْ أَمْوَالِكُمْ ))
[ أبو داود عن ابن عباس ]
المال الذي تؤدى زكاته يطيب، يبارك فيه، تنتفع به، يحفظه الله، يسلم من التلف.
أيها الإخوة الكرام، ما تلف مال في بر أو بحر إلا بحبس الزكاة.
وحصنوا أموالكم بالزكاة.
(( إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَفْرِضْ الزَّكَاةَ إِلَّا لِيُطَيِّبَ مَا بَقِيَ مِنْ أَمْوَالِكُمْ ))
لذلك حينما قال الله عز وجل:
﴿ خُذْ (103) ﴾
[ سورة التوبة]
الخطاب موجه إلى النبي عليه الصلاة والسلام لا على أنه نبي، بل على أنه ولي الأمر:
﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً (103) ﴾
( سورة التوبة)
الصدقة هنا تعني أنها تؤكد صدقهم:
خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ
﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً (103) ﴾
( سورة التوبة)
تطهر الغني من البخل، والبخل والشح مرض خبيث يصيب النفس، كيف أن الورم الخبيث يصيب الجسم، وقد يكون قاضياً، كذلك الشح مرض خبيث يصيب النفس، فأندم الناس من عاش فقيراً ليموت غنياً، وأكبر عقاب للبخيل أن من حوله يتمنون موته، فإذا أصابته وعكة وجاء الطبيب، وقال: قضية بسيطة، ينزعج الأولاد جداً، يريدونها قاضية، ولا يريدونها عَرَضية، فلذلك الزكاة تطهر الغني من الشح، تطهر الفقير من الحقد، يرى أن الغني يعطف عليه، يعطيه من ماله، تطهر المال مِن تعلق حق الغير به، فالحجر المغصوب في دار رهن بخرابها.
إذا بقي في المال حق الفقير، ولم يؤدَّ ربما تلف المال كله، إذن برئ مِن الشح مَن أدى زكاة ماله، ولا تستطيع أن تتهم إنسان بالبخل إذا أدى زكاة ماله، برئ من الشح من أدى زكاة ماله، وبرئ من الكبر من حمل حاجته بيده، وبرئ من النفاق من أكثر من ذكر الله.
إذاً: (( إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَفْرِضْ الزَّكَاةَ إِلَّا لِيُطَيِّبَ مَا بَقِيَ مِنْ أَمْوَالِكُمْ ))
لأن الله طيب، هو طيب، وطيّب مالك، أنفقته بيسر، فبارك لك الله فيه، انتفعت به، وسلم من المصادرة، ومن التلف، ومن الحريق، الله عز وجل كما أنه إذا أعطى أدهش، إذا أخذ أدهش.
وفي حديث آخر، دققوا في هذا الحديث: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ ـ يعني بمثل تمرة ـ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ ـ من مال حلال ـ وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّا الطَّيِّبَ، وَإِنَّ اللَّهَ يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهِ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ ـ الفرس الصغير ـ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ ))
[ البخاري ]
ورد في بعض الأحاديث أن الإنسان إذا وضع في فم زوجته لقمة من طعام رآها يوم القيامة مثل جبل أحد.
الله عز وجل خلقنا لنربح عليه: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (11) ﴾
( سورة الصف)
أيها (( مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ ـ يعني بمثل تمرة ـ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ، وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّا الطَّيِّبَ، وَإِنَّ اللَّهَ يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهِ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ ))
2 ـ الطائع التائب يكون طيِّبًا:
شيء آخر، أنت أيها المؤمن، إذا اصطلحت مع الله، وتبت إليه، وأقبلت عليه، وطبقت أمره، واجتنبت نهيه، وأحسنت إلى خلقه تكون طيبا، لذلك قال تعالى:
﴿ وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ (73) ﴾
( سورة الزمر)
أصبحتم طيبين.
إن محصلة معرفتك بالله، محصلة طاعتك له، محصلة إقبالك عليه، محصلة عملك الصالح أن تكون في النهاية طيباً، لأن الجنة لا يدخلها إلا الطيب:
﴿ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (73) ﴾
( سورة الزمر)
أيها الإخوة، كلكم يعلم أن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا (180) ﴾
( سورة الأعراف )
كمال الله كمال المطلق، فأيّ خبر، أيّ كلام، أيّ تعليل، أيّ تحليل لا ينتهي بك إلى أن تعظم الله فهو باطل، لأن أسماء الله حسنى، وصفاته فضلى وكماله مطلق، وحسن الظن بالله ثمنه الجنة.
وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا
يقول الله عز وجل:
﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (180) ﴾
( سورة الأعراف )
الفقرة الأولى: أسماء الله كلها حسنى الآن: ﴿ فَادْعُوهُ بِهَا (180) ﴾
( سورة الأعراف )
معنى: فَادْعُوهُ بِهَا
كلمة فادعوه بها لها معنيان رائعان:
المعنى الأول:
أنت في ضائقة مالية شديدة، ولك صديق حميم، لكن منذ أمد طويل لا تعرف عنه شيئاً، ثم بلغك أنه غني كبير، وأنه كريم، هاتان المعلومتان تدفعانك إلى أن تسأله قرضاً، لولا هاتين المعلومتين لما سألته، وحينما تعرف رحمة الله، حينما تعرف عفو الله، محبة الله رحمة الله، حكمة الله، حينما تعرف أسماءه الحسنى تسأله، وتستغني به عما سواه.
أحد الخلفاء رأى عالما جليلا في الحرم المكي، قال له: سلني حاجتك، قال: إني والله أستحي أن أسأل غير الله في بيت الله.
كن عن همومك معرضاً وكِلِ الأمور إلى القضا
وابشر بخير عاجــل تنس بـه ما قد مضى
فلربّ أمر مســـخطٍ لك في عواقبه رضـى
و لربما ضاق المضيق ولربما اتسع الفضــا
الله يفعل ما يشـــاء فلا تكن معترضـــا
الله عودك الجميـــل فقس على ما قد مضى
***
ولله الأسماء الحسنى، اسأله التوبة يتب عليك، عَنْ أَنَسِ بْنُ مَالِكٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى:
(( يَا ابْنَ آدَمَ، إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلَا أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ، لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ، ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلَا أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ، إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطَايَا، ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لَأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً ))
[ الترمذي ]
ادعه في كل شيء اسأل الله ملح طعامك، اسأل الله شسع نعلك إذا انقطع، اسأل الله حاجتك كلها، الدعاء هو العبادة فلذلك: ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا (180) ﴾
( سورة الأعراف )
حينما تعرفها تدعوه، حينما تعرفه تعلق الأمل عليه، حينما تعرفه لا تتضعضع أمام قوي، ولا أمام غني، بل تكون عزيز النفس.
اسأله الحوائج بعزة أو ذل، فإن الأمور تجري بالمقادير، ولا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه، وشرف المؤمن قيامه بالليل، وعزه استغناؤه عن الناس، لماذا أنت عزيز ؟ لأنك تعرف الله، لماذا أنت لا تنافق ؟ لماذا لا تتضعضع أمام قوي ؟ كلام السحرة شيء لا يصدق: ﴿ فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ﴾
( سورة طه)
أهمية معرفة أسماء الله الحسنى في نفس المؤمن:
أيها الإخوة، دعاء الله عز وجل أحد أسبابه معرفته، فلذلك تكاد الأسماء الحسنى تشكل أكبر حيز في العقيدة الإسلامية.
دخلت إلى بيت صديقك، والصديق مشغول، رأيت في غرفة الضيوف إنسانا تسأله: ما اسم الكريم ؟ يا ترى هل يكفي أن يقول لك اسمه ؟ ماذا تعمل ؟ متزوج ؟ إلى أين وصلت في الدراسة ؟ لا يمكن أن تكون المعرفة تامة إلا إذا عرفت عنه أكثر الأشياء، فالله خالق السماوات والأرض، هل عرفت رحمته ؟ هل عرفت عدله ؟ هل عرفت لطفه ؟ هل عرفت محبته ؟ إن عرفته دعوته، وإن عرفته زهدت فيما سواه، إن عرفته أقبلت عليه، إن عرفته سألته، إن عرفته استغفرته، إن عرفته تبت إليه، إن عرفته توكلت عليه، إن عرفته لا يمكن أن تحزن، لا يجتمع الحزن مع معرفة الله.
تصور مجند في جيش والده قائد جيش، هل يمكن أن يخاف من عريف ؟ هل لو هدده عريف لا ينام الليل ؟ والده بيده أعلى الرتب، فحينما تعرف من هو أبوك، وما علاقته بهذا الجيش لا تعبأ بأي تهديد، لذلك قالوا: كلمة الحق لا تقطع رزقا، ولا تقرّب أجلاً.
﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ (39) ﴾
( سورة الأحزاب)
لو أنهم خافوا من غير الله فسكتوا عن الحق خوفاً من هذا القوي، بل نطقوا بالباطل إرضاءً له ماذا بقي من دعوتهم ؟ انتهت دعوتهم.
سئل الحسن البصري: بمَ نلت هذا المقام ؟ قال: بشيئين، باستغنائي عن دنيا الناس، وحاجتهم إلى علمي.
في آخر الزمان يستغني الأمير عن علم العالم، والعالم بحاجة إليه، انتهت الدعوة.
سيدنا أبو حنيفة النعمان رحمه الله تعالى قال له جعفر المنصور، وكان من أقوى خلفاء بني العباس، ومن أشدهم بطشاً، قال له: يا أبا حنيفة لو تغشيتنا، زرنا، قال: ولمَ أتغشاكم، وليس لي عندكم حاجة أخاف عليها ؟ وهل يغشاكم إلا من خافكم علي شيء ؟ إنك إن أكرمتني فَتنتني، وإن أبعدتني أزريت بي.
أيها الإخوة، في نفس المؤمن من العزة، صدقوا، ولا أبالغ، ما لو وزعت علي أهل بلد لكفتهم، لذلك إذا عرفت الله تكون عزيز النفس، وإذا عرفت الله لا تخشى أحداً إلا الله،
ماذا قال سيدنا هود ؟ ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا (55) ﴾
( سورة هود)
يتحداهم. ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (55) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (56) ﴾
[ سورة هود]
لذلك أنت إذا عرفته دعوته
﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا (180) ﴾
( سورة الأعراف )
المعنى الثاني:
هناك معنى آخر رائع جداً، ألاّ تتخذ وسيلة إلى قلب كبير في الأرض، تذهب إليه ومعك هدية، الهدية تذهب بوحر الصدر، الهدية تفتح القلب،
(( تَهَادَوْا تَحَابُّوا ))
[ مالك في الموطأ ]
الهدية وسيلة، بإمكانك أن تصل إلى الله إذا تقربت إليه بخُلق مشتق من كماله، الله رحيم، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمْ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ ))
[ الترمذي ]
الله لطيف، كن لطيفاً.
(( علموا ولا تعنفوا، فإن المعلم خير من المعنف ))
[ الجامع الصغير عن أبي هريرة ]
الله عز وجل منصف، فاعدل بين أولادك، اعدل بين صهرك وابنتك، تأتي البنت تشتكي من زوجها، يأخذ الأب موقفاً، هل كلف الأب نفسه أن يسأل صهره: ما الذي أزعجك منها ؟ يستمع إلى ابنته فقط، ويأخذ موقفا، ويقاطع هذا الصهر، وقد يكون مظلوماً، فالله عز وجل عدل، ولا تتقربوا إليه إلا بالعدل، لذلك: ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا (180) ﴾
( سورة الأعراف )
إن عرفتموه دعوتموه، وإن دعوتموه وتمنيتم عليه أن يستجيب لكم فتقربوا إليه بكمال مشتق منه، هذا المعنى الثاني.
أيها الإخوة، الآية الكريمة أو الدعاء الذي ورد:
(( اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ ))
[ الترمذي عن ابن عباس ]
هناك زوجة طيبة، هذه نعمة كبيرة، بل هي حسنة الدنيا، هناك طعام طيب، ليس لأنه غال، لأنه اشتري بمال حلال.
(( يا سعد، أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة ))
[ الترغيب والترهيب بسند ضعيف عن ابن عباس ]
3 ـ اسأل الله فعل الطيبات:
هناك بيت طيب، بيت ليس مكشوفاً على أماكن لهو، أو أماكن منحرفة، هذا بيت طيب، هناك بيت أمام الملاهي، أمام أماكن صاخبة، وهناك بيت طيب، وزوجة طيبة، وطعام طيب، اشتري من مال حلال، هناك صديق طيب ينفعك، ويعينك علي فعل الخير، وهناك صديق خبيث، وكأن الطيب يقابله الخبيث، الله سبحانه وتعالى يحل لهم الطيبات، ويحرم عليهم الخبائث، فالدعاء الذي ورد في البخاري:
(( اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ، وَتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ، وَحُبَّ الْمَسَاكِينِ، وَإِذَا أَرَدْتَ بِعِبَادِكَ فِتْنَةً فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ غَيْرَ مَفْتُونٍ ))
والله يا أيها الإخوة، في آخر الزمان:
(( يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا، وَيُمْسِي كَافِرًا، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا، وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنْ الدُّنْيَا ))
[ مسلم عن أبي هريرة ]
الآن نحن في زمن الفتن، لكن هناك معنى دقيق: ﴿ رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا ﴾
( سورة الممتحنة الآية: 4 )
الدعاء ألا تكون مفتوناً ينبغي أن لا تكون فاتناً، أنا كيف أفتن الذي كفروا ؟ مسلم مقصر، مسلم لا يتقن عمله، مسلم يقدم تصريح كاذب، يأتي الطرف الآخر أنا لا أفعل هذا، أنا على حق، وأنت على باطل، ما الذي أقنعه بانحرافه العقدي ؟ تقصير المسلم، فكما أن المسلم قد يفتَن، قد يفتِن الكافر بكفره.
وفي صحيح البخاري أيضاً:
(( الْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ ))
إذا أكل إنسان، إذا جلس إنسان مع أهله، وسعد بهم، إذا أعجبه أولاده، إذا سافر إلى النزهة، وسعد بهم، الدعاء الذي ورد في البخاري:
(( الْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ ))
ومن أدعية النبي عليه الصلاة والسلام:
(( اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ عِلْمًا نَافِعًا، وَرِزْقًا طَيِّبًا، وَعَمَلًا مُتَقَبَّلًا ـ هناك علم لا ينفع ـ ))
وفي دعاء جامع مانع:
(( اللهم ارزقني طيباً، واستعملني صالحاً ))
[ الجامع الصغير عن حنظلة بسند ضعيف ]
هناك أعمال مقدسة، وأعمال فيها خير، وأعمال فيها نفع للناس، وأعمال فيها هداية، وأعمال فيها معالجة طبية، كالطبيب، والمعلم، وأعمال كلها خير للناس، وهناك أعمال أساسها ابتزاز أموال الناس، أو إلقاء الرعب في قلوبهم.
4 ـ دعاء العبادة:
أيها الإخوة، هذا الدعاء دعاء المسألة، وهناك دعاء عبادة، دعاء العبادة تحري الحلال الطيب، لذلك قال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (168) ﴾
( سورة البقرة )
التطبيقات العملية لاسم ( الطيِّب ):
الآن ما علاقتنا بهذا الاسم ؟ التطبيقات العملية، ألم أقل لكم قبل قليل: يمكن أن تتقرب إلى الله بكمال مشتق منه، هو طيب فمتى تكون طيبا ؟
1 ـ الجود والكرم بأفضل الأمور:
تكون طيبا إذا عرفت الله، تكون طيبا إذا أطعته، تكون طيبا إذا تقربت إليه، لكن من تطبيقات هذا الاسم الجزئية أن ينفق الإنسان من أجود ماله، أكثر الباعة سامحهم الله يعطون ملابس باليةً، والله قد جاءتني مجموعة ألبسة وضعتها في الحاوية فوراً، فلما سألني عنها صاحبها في اليوم التالي قلت: وضعتها في مكانها المناسب، أقصد الحاوية، لماذا تنفق شيئًا تكرهه ؟ كل حذاء بمقاسٍ مخالف يحسبه من مال الزكاة، ومعظم الباعة الذين شردوا عن الله ماذا عنده من المخزون والبضاعة الكاسدة القديمة المنفرة يقدمها زكاة ماله.
(( إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا ))
[ مسلم عن أبي هريرة ]
2 ـ التوسعة على النفس والأهل:
من تطبيقات هذا الاسم أن تنفق من أجود مالك، وألا تبخل على نفسك وعلى عيالك بالطيب، فإذا وسع الله عليك، فإنه:
(( ليس منا من وسع الله عليه، ثم قتر علي عياله ))
[ الجامع الصغير عن جبير بن مطعم بسند فيه ضعف ]
اشتهوا أكلا معينا، اشتهوا شيئًا معينا مباحا ضمن الشرع، وأنت معك فلا ترفض لهم ذلك، ربّوا أولادكم، فإنهم خلقوا لزمن غير زمنكم.
الطفل اشتهى الكمبيوتر، وهذه أداة العصر، والآن من لا يتقنه يعدّ أمياً، الأب ليس قانعا به، هذه ليست قضية قناعتك، قضية أنه أداة العصر، فلذلك أن تنفق من أجود مالك، وألا تبخل علي نفسك وأهلك وعيالك بالطيبات، إذا كنت في بحبوحة.
(( ليس منا من وسع الله عليه ثم قصر علي عياله ))
[ الجامع الصغير عن جبير بن مطعم بسند فيه ضعف ]
الآية الدقيقة: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ (267)﴾
(سورة البقرة)
3 ـ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآَخِذِيهِ
معنى تيمموا أي تتحروا الخبيث، ماذا يوجد عنده أشياء خبيثة بشعة غير جميلة، الإنسان انصرف عنها يقدمها للفقير:
﴿ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآَخِذِيهِ (267)﴾
(سورة البقرة)
إذا كان الطعام سيئًا تدفع فيه ثمن بخس: ﴿ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ (267)﴾
(سورة البقرة)
تأخذون هذا المبلغ مقابله، وتستزيدون منه لسوئه، وتخفضون السعر: ﴿ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (267)﴾
(سورة البقرة)
يعني أنفقوا من طيبات ما كسبتم، هذا التطبيق العملي.
4 ـ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ
أيها الإخوة، الشيء الأخير:
﴿ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ (26)﴾
(سورة النور)
عندك بنت حفظت كتاب الله، معها شهادة عليا شرعية، يأتيك تاجر جاهل، عنده بيت وسيارة، لكن لا يقدّر علمها، بل يهينها، وأحياناً يحتقر علمها، ويسيء إليها إساءة بالغة: ﴿ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ (26)﴾
(سورة النور)
من التطبيقات العملية إذا كان عندك بنت صالحة مؤمنة محجبة مثقفة ثقافة عالية حافظة لكتاب الله فلا تفرط فيها، لا يغريك المال، هذه الفتاة الطيبة تحتاج إنسانا يقدّر علمها.
5 ـ معرفة الله:
لكن أعظم عمل طيب تقوم به أن تعرف الله، إنك إن عرفته عرفت كل شيء، وإن غفلت عنه غفلت عن كل شيء، يا رب، ماذا فقَد من وجدك ؟ وماذا وجد من فقدك ؟ وإذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟ أعظم عمل طيب أن تعرفه.
" إني و الإنس والجن في نبأ عظيم، أخلق ويعبد غيري وأرزق ويشكر سواي، خيري إلى العباد نازل، وشرهم إلى صاعد، أتحبب إليهم بنعمي، وأنا الغني عنهم، ويتبغضون إلى بالمعاصي، وهم أفقر شيء إلى، من أقبل إلى منهم تلقيته من بعيد، ومن أعرض عني منهم ناديته من قريب، أهل ذكري أهل مودتي، أهل شكري أهل زيادتي، أهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي، إن تابوا فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من الذنوب والمعايب، الحسنة عندي بعشرة أمثالها وأزيد، والسيئة بمثلها وأعفو، وأنا أرأف بعبدي من الأم بولدها ".
فلو شاهدت عيناك من حسننا الذي رأوه لما وليت عنا لـــــــغيرنا
ولو سمعت أذناك حسن خطابنا خـلعت عنك ثياب الــــعجب و جئتنا
ولو ذقت من طعم المـحبة ذرة عذرت الــــذي أضحى قتيلاً بـحبنا
ولـــــو نسمت من قربنا لك نسمة لـــمت غريباً و اشتياقاً لقربنا
فما حبنا سهل وكل مـن ادعــــى سهولته قلنا له:قــــد جهلتنا
***
نهاية العلم التوحيد، ونهاية العمل التقوى، فإذا وحدت الله، واتقيته جمعت المجد من كل أطرافه.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
08-12-2018, 08:30 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( السابع و الثلاثون )
الموضوع : اسم الله - الالة - 1 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: ( الإله ):
أيها الإخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم، هو: ( الإله ).
1 ـ ورود اسم ( الإله ) في القرآن الكريم والسنة النبوية:
فقد ورد في القرآن الكريم في مواضع كثيرة، قال تعالى:
﴿ وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (163) ﴾
( سورة البقرة )
وقال تعالى:
﴿ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ (73) ﴾
( سورة المائدة )
معنى السنة:
أما في السنة فلا بد من تمهيد:
تعريف سنة النبي عليه الصلاة والسلام: هي أقواله وأفعاله وإقراره، أيّ شيء قاله هو من السنة، وأيّ شيء فعله هو من السنة، فإذا سمع كلاماً وسكت عنه فهو من السنة، لأنه لا يمكن أن يسكت على خطأ، فإذا سكت معنى ذلك أنه أقره، والنبي عليه الصلاة والسلام نقل لأصحابه قول خبيب حينما قتل.
بالمناسبة، سئل خبيب قبل أن يقتل: أتحب أن يكون محمد مكانك، وأنت في أهلك وعافيتك ؟ فقال كلمة لا تنسى، قال: << والله ما أحب أن أكون في أهلي وولدي، وعندي عافية الدنيا ونعيمها، يعني الورود والأزهار، والبيت الواسع بالمقاييس المعاصرة، التكييف والطعام، ومركبة فارهة، والله ما أحب أن أكون في أهلي وولدي، وعندي عافية الدنيا ونعيمها، ويصاب رسول الله بشوكة >>.
لذلك قال أبو سفيان: << ما رأيت أحد يحب أحداً كحب أصحاب محمد محمداً >>.
أيها الإخوة الكرام، الإسلام هو الحب، فإذا ألغي الحب من الإسلام كان جثة هامدة، ألا لا إيمان لمن لا محبة له، لأن الله سبحانه وتعالى بيّن في كتابه الكريم أن أساس العلاقة بين العباد وربهم علاقة حب:
﴿ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ (54) ﴾
( سورة المائدة )
فلذلك سنة النبي عليه الصلاة والسلام وحي يوحى: ﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾
( سورة النجم )
فلما قتل خبيب، قبل أن يقتل صلي ركعتين، وقال:
وَلَسْتُ أُبَالِى حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِمـــاً عَلَى أَيِّ جَنْبٍ كَانَ في اللهِ مَصْرَعِي
وَذَلِكَ في ذاتِ الإِلَهِ وَإِن يَشـــأ يُبارِك عَلى أَوصالِ شِلوٍ مُــمَزَّعِ
وذلك في ذات الإله،من أجل الله عز وجل، لذلك: ﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) ﴾
( سورة الأنعام )
فالنبي عليه الصلاة والسلام نقل قول خبيب: << وذلك في ذات الإله >>، ولم يعترض عليه، إذن الإله بدليل السنة النبوية من أسماء الله الحسنى.
أيها الإخوة، في صحيح البخاري ورد الدعاء التالي:
((... اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ، وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ ))
[ البخاري عن ابن عباس ]
فـ ( الإله ) من أسماء الله الحسنى بنص القرآن الكريم، وبإقرار النبي عليه أتم الصلاة والتسليم.
2 ـ معنى ( الإله ):
لكن أيها الإخوة، ما معنى ( الإله ) ؟
قال علماء اللغة: ( الإله ) اسم مفعول، ونحن لغتنا والحمد لله لغة راقية جداً، لغة تصريف، عندنا فعل، وعندنا مصدر، وعندنا فعل ماض، وفعل مضارع، وفعل أمر، واسم فاعل، واسم مفعول، واسم مكان، واسم زمان، واسم آلة، وصفة مشبهة باسم الفاعل، لغتنا مبنية على نظام الأُسَر.
مثلا: عرف، المعرفة مصدر،عرف، يعرف، عارف، معروف، اعرف عراف، فهناك جد وهناك أحفاد كثيرون.
للتقريب، أنت في اللغة الإنجليزية تقول: table طاولة، book كتاب، write يكتب، أما في اللغة العربية فتقول: مكتب وكتاب وكتابة، من أسرة واحدة، فـ ( الإله ) اسم مفعول بمعنى المألوه، والمألوه أي: المعبود محبةً وتعظيما.
أيها الإخوة، أصل الفعل ألِه يأله إلهةً، و( الإله ) هو الله، الآن كل ما اتخذ من دون الله معبودا هو إله عند من اتخذه، حينما تخضع لشيء، حينما تطيع شيئاً أو جهةً، حينما تستسلم لها، لو لم تسمِّها إلها فقد جعلتها إلهاً:
﴿ أفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ ﴾
( سورة الجاثية الآية: 23 )
أيّ جهة تخضع لها، تستسلم لها، تحبها، تتفانى في طاعتها هي إلهك.
3 ـ أن يكون اللهُ إلهَك ومعبودَك:
ما البطولة ؟ أن يكون الله إلهك، لا أن تكون الشهوة إلهك، لا أن يكون قوي من أقوياء أهل الأرض إلهَك، لا أن يكون الشيطان إلهَك، لابد من جهة تخضع لها، إن لم تكن عبداً لله فأنت عبد لعبد لئيم، لذلك البطولة أن تعبد الله، البطولة أن يكون الله جل جلاله إلهك، بمعنى تخضع له، تحبه، تتفانى في طاعته، هو مرجعك، هو الحكم.
4 ـ لا معبودَ بحقٍّ إلا الله:
أيها الإخوة الكرام، لا معبود بحق إلا الله، هذا معنى: ( لا إله إلا الله )، أي: ليس هناك في الكون جهة تستحق أن تعبدها إلا الله:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾
( سورة البقرة )
من يستحق العبادة ؟ هو الخالق: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ﴾
( سورة البقرة الآية: 21 )
من يستحق العبادة ؟ هو الرب، من هو الرب ؟ هو الممد، هو من يمدك بالهواء ؟ لو أن اجتماعاً على أعلى مستوى في الأرض ضمّ كل الدول، واتخذ قرار بإنزال الأمطار هل تنزل الأمطار ؟ الذي يمدك بالماء، بالهواء يمدك بالنبات، بالطعام والشراب: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ﴾
( سورة البقرة الآية: 21 )
الخالق يُعبد، الرب يُعبد: ﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ (123) ﴾
( سورة هود )
اعبد مَن إليه يرجع الأمر كله، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
(( لِكُلِّ شَيْءٍ حَقِيقَةٌ، وَمَا بَلَغَ عَبْدٌ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ، وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ ))
[ أحمد ]
5 ـ عبادةُ الله علّةُ وجود الإنسان:
ذلك أيها الإخوة، أكاد أقول: إن العبادة علة وجودك في الدنيا، وهي علة واحدة.
للتوضيح: أرسلك والدك إلى بلد غربي لتنال رسالة دكتوراه، إلى باريس مثلاً، المدينة الكبيرة العملاقة الصاخبة، فيها مسارح، فيها ملاهي، فيها حدائق، فيها مكتبات، فيها أسواق، مدينة مترامية الأطراف، وأنت إنسان في هذه المدينة، لو سألناك: ما علة وجودك في هذه المدينة ؟ لك في هذه المدينة علة واحدة، سبب واحد لبقائك فيها، هدف واحد في هذه المدينة ؛ أن تنال الدكتوراه، ولذلك أخطر سؤال تسأله لنفسك: ما علة وجودي في الأرض ؟
إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى
الناس يتحركون:
﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (1) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (2) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (3) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (4) ﴾
( سورة الليل )
هذا يسعى لكسب المال، ثم يفاجأ أن المال ليس بشيء عند الموت.
جمع رجلٌ ثمانمئة مليون من القمار، وهو على فراش الموت شعر بالخطر، فطلب أحدا ممّن يعمل في الحقل الديني، هكذا قال بالضبط، قال: ماذا أفعل ؟ قال: والله لو أنفقتها كلها ما تنجو من عذاب الله:
﴿ إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (4) ﴾
( سورة الليل )
لكن يا ترى هل الحركة متوافقة مع الهدف ؟ لماذا أنا في الدنيا ؟
هناك سؤال أيها الإخوة،هذا سؤال يتضح بالمثل التالي:
ذهب رجلٌ إلى باريس، ونام في الفندق، واستيقظ في صبيحة اليوم الأول، وسأل: إلى أين أذهب ؟ ما هذا السؤال ؟ نسأله نحن: لماذا أتيت إلى هنا ؟ إن أتيت طالباً فاذهب إلى المعاهد والجامعات، وإن أتيت تاجراً فاذهب إلى المعامل والمؤسسات، وإن أتيت سائحاً فاذهب إلى المقاصف والمتنزهات، متى يصح عملك في مكان ما ؟ إذا عرفت سر وجودك، وغاية وجودك، لذلك لا شيء يعلو في حياة الإنسان على معرفة سر وجوده، وغاية وجوده، وقد تجد إنسانا في أعلى درجات العقل يطلب العلم، يبحث عن عمل صالح يرقى به عند الله، يربي أولاده تربية صحيحة، يتعامل مع الناس وفق منهج الله، هذا عرف سر وجوده، وغاية وجوده، لذلك أنت كائن متحرك، ما الذي دفعك إلى الحركة ؟
هذه الطاولة لا تتحرك، ليس فيها شهوات، ولا تحِبّ طاولة ثانية أمامها، لا تأكل، ولا تشرب، ليس عندها طموحات، لو تركتها مئات السنين تبقى على ما هي عليه، أما أنت ـ أيها الإنسان ـ فكائن متحرك، لماذا ؟ لأن الله أودع فيك حب الطعام والشراب، أودع فيك حاجة إلى الجنس، فتتزوج، أودع فيك حاجة إلى تأكيد الذات، فالحاجات الأساسية، الحاجة إلى الطعام للحفاظ على فردك، والحاجة إلى الجنس للحفاظ على النوع، والحاجة إلى تأكيد الذات للحفاظ على الذِّكر، هذه الحاجات الثلاث تدفعك إلى الحركة، فأنت كائن متحرك، البطولة أن تكتشف ما إذا صحت حركتك أو لم تصح.
إن طالبًا عنده امتحان في آخر سنة، مادة أساسية، الامتحان مصيره يبني على نجاحه، وتعيينه في منصب، وتأمين الدخل، وشراء بيت، والزواج، التعيين وتأمين بيت والزواج مبني على نجاحه، عنده مادة أساسية أخيرة، وأصعب مادة، والامتحان بعد أيام، ما الحركة المناسبة له ؟ أن يقبع في البيت، وأن يقرأ الكتاب المقرر، لو أن أصدقائه الخلَّص أخذوه إلى مكان جميل مطلٍّ على البحر، والجبل فيه نبات أخضر، والطعام نفيس جداً، وهو يحبهم، جالس مع أصدقاء يحبهم، والمكان جميل، والطعام طيب، لماذا يشعر بانقباض شديد ؟ لأن هذه الحركة لا تتناسب مع الهدف القريب.
السعادة في توافق الحركة مع الهدف:
إذاً: السؤل الثاني: أنت متى تسعد ؟ تسعد إذا جاءت حركتك متوافقة مع هدفك.
اسأل تاجرا لا بيع ولا شراء عنده، وهو جالس طول النهار في المحل، هاتوا شاي، هاتوا قهوة، هاتوا مجلة، هاتوا جريدة، تجده مسموم البدن، مع أنه مرتاح، الراحة لا تتناسب مع هدف المحل التجاري، أما لما ينسى أن يتغدى من كثرة البيع فهو أسعد إنسان، ما يجلس دقيقة، من محل لمحل، فلما يكون البيع شديدا يكون معه تعب شديد، ويكون التاجر في أسعد لحظاته، ولما يكون في راحة تامة واسترخاء، وضيافة مستمرة، وأصدقاء وصحف ومجلات، تجده في أتعس حالاته.
متى تسعد ؟ إذا جاءت حركتك موافقة لهدفك، ومتى تشقى ؟ إذا جاءت الحركة ليست موافقة لهدفك.
الآن السؤال: علة وجودنا على وجه الأرض الوحيدة أن نعبده، الدليل:
﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾
( سورة الذاريات )
ما العبادة ؟ بتعريف مختصر، غاية الخضوع لله، وغاية الحب، بالتعريف المفصل: هي طاعة طوعية، ممزوجة بمحبة قلبية، أساسها معرفة يقينية، تفضي إلى سعادة أبدية.
لا بد من أن تعرفه حتى تعبده، لذلك أكبر جزء من دينك طلب العلم، إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معا فعليك بالعلم.
العلة الوحيدة من وجودك على وجه الأرض بنص كتاب خالق السماوات والأرض أن تعبده، من هو الخاسر ؟
﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ﴾
( سورة الكهف )
أنت إنسان ضعيف:
الإنسان يقول لك: أنا، أنت حياتك متوقفة على قدر شريانك التاجي، ميليمتر وربع، فإذا ضاق هذا الشريان دخلت في متاعب لا يعلمها إلا الله، أول شيء تحتاج إلى قسطرة، ثم يخيرونك بين زرع شريان أم ( استاند ) ؟ يحتار، يسأل أول طبيب، والثاني، أيهما أفضل ؟ أيهما أدوم ؟ أيهما أصح ؟ أيهما أسلم ؟ وكل مكانتك، وكل حيويتك، وكل نشاطك وهيمنتك، و شخصيتك وحجمك المالي متوقف على سيولة الدم، فإذا تجمد الدم في أي مكان في الدماغ حدث شلل، ومع الشلل ثبات، وهذا الذي لا زال حياً من ثلاث سنوات، وأمد الله في عمره، والذي هدم سبعين ألف بيت في غزة لا يزال حياً حتى الآن، عنده ثبات، الله كبير، فأنت وهيمنتك وعظمتك، وحجمك المالي ومكانتك تتوقف هذه المكانة على شيء ثالث، على انضباط نمو الخلايا، فإذا نمت نمواً عشوائياً فهذا المرض الذي حير أهل الأرض يصيب الكبار والصغار، والشباب والأطفال، والنساء والشيوخ، والأقوياء والضعفاء، يصيب كل المخلوقات، حتى الآن ليس له دواء، ورم خبيث وانتهى بالموت.
مرة كنت عند طبيب قلب فجاءه اتصال هاتفي، يقول صاحبه: أيّ مكان في العالم، أيّ مبلغ مؤمَّن، قال: لا أمل، بلغ المرض الدرجة الخامسة.
فلذلك علة وجودك الوحيدة أن تعبد الله، إذاً: ليس هناك من جهة في الكون تستحق أن تعبدها إلا الله، لا معبود بحق إلا الله، معنى لا إله إلا الله، الإله المعبود، أله يأله إلاهةً، ( الإله ) هو الله الذي يستحق أن تعبده:
﴿ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (56) ﴾
( سورة المدثر)
العبادة الشعائرية تصح بصحة العبادة التعاملية:
لكن بعد أن شرحت معنى العبادة عندنا أنواع للعبادة:
عندنا عبادة شعائرية، كالصلاة والصوم والحج، وعندنا عبادة تعاملية، الفكرة الخطيرة أن العبادة الشعائرية لا تصح، ولا تُقبَل إلا إذا صحت العبادة التعاملية، وتركُ دانق من حرام خير من ثمانين حجة بعد الإسلام.
1 ـ الصلاة:
النبي عليه الصلاة والسلام سأل أصحابه:
(( أَتَدْرُونَ مَنْ الْمُفْلِسُ ؟ قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ لَا لَهُ دِرْهَمَ وَلَا دِينَارَ وَلَا مَتَاعَ، قَالَ: الْمُفْلِسُ مِنْ أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ يَأْتِي بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ عِرْضَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُقْعَدُ فَيَقْتَصُّ هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ، فَطُرِحَ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ ))
[ مسلم عن أبي هريرة ]
(( لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا، فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا، قَالَ ثَوْبَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صِفْهُمْ لَنَا، جَلِّهِمْ لَنَا، أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ، وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ، قَالَ: أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ، وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ، وَيَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا ))
[ ابن ماجه عن ثوبان ]
هذه الصلاة. 2 ـ الصيام:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ ))
[ أخرجه البخاري وأبو داود والترمذي وابن ماجة عن أبي هريرة ]
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( رُبَّ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلَّا الْجُوعُ وَالعَطَشُ ))
3 ـ الحج:
(( من حج بمال حرام، ووضع رجله في الركاب، وقال: لبيك اللهم لبيك ينادى أن: لا لبيك، ولا سعديك، وحجك مردود عليك ))
[ ورد في الأثر ]
4 ـ الزكاة:
﴿ قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ (53)﴾
5 ـ النطق بالشهادة:
(( من قال لا إله إلا الله بحقها دخل الجنة، قيل وما حقها ؟ قال: أن تحجزه عن محارم الله ))
[ الترغيب والترهيب عن زيد بن أرقم، وفي سند الحديث مقال كبير ]
خاتمة:
علة وجودنا في الأرض أن نعبده، وإذا ربحنا الأبد نكون قد ربحنا الربح الحقيقي:
﴿ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 185 )
قائد القوات الإسلامية في دمشق أبو عبيدة بن الجراح أمين هذه الأمة، فإذا بيته هو غرفة، وعلى الأرض جلد غزال، وقِدر مغطاة برغيف خبز، وسيفه معلق، قالوا: ما هذا ؟ قال: هو للدنيا، وعلى الدنيا كثير، ألا يبلغنا المقيل ؟
ما مِن إنسان له قريب ساكن بأرقى أحياء دمشق، وتوفى، وذهب إلى التعزية، إلا ويقول في نفسه: مَن صمم هذه التزينات ؟ من اشتري هذه الثريات ؟ من اشتري هذا السجاد ؟ أين هو الآن ؟ إنها موعظة كبيرة جداً، والموعظة الأشد أنه ما من نعي إلا كتب عليه: وسيشيع إلى مثواه الأخير، فالمثوى الذي نعيشه الآن مثوىً مؤقت، اعتن به ما شئت، لابد من تركه، وأيّ إنسان ساكن في بيت في يوم من الأيام يخرج منه أفقيا مرة واحدة ؟ ولن يَعُود، ووالله ما رأيت على وجه الأرض أعقل ولا أذكى ولا أكثر نجاحاً وتفوقاً وفلاحاً ممن أعدّ لهذه اللحظة التي لابد منها.
كل مخلوق يموت ولا يبقى إلا ذو العزة والجبروت، والليل مهما طال فلابد من طلوع الفجر، والعمر مهما طال فلابد من ونزول القبر.
و كل ابن أنثى وإن طالت سلامته يوماً على آلة حدباء محمـــــول
فإذا حملت إلى القبـــور جنازة فاعلم بأنك بعدهــا محمـــــول
***
ما من يوم ينشق فجره إلا وينادى: " يا ابن آدم، أنا خلق جديد، وعلى عملك شهيد، فتزود مني فإني لا أعود إلى يوم القيامة.
ما مضى فات والمؤمل غيب ولك الساعة التي أنت فيها
***
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( مَنْ كَانَتْ الْآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كَانَتْ الدُّنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنْ الدُّنْيَا إِلَّا مَا قُدِّرَ لَهُ ))
[ الترمذي ]
" وما من مخلوق يعتصم بي من دون خلقي أعرف ذلك من نيته، فتكيده أهل السماوات والأرض إلا جعلت له من بين ذلك مخرجا، وما من مخلوق يعتصم بمخلوق دوني أعرف ذلك من نيته إلا جعلت الأرض هوياً تحت قدمه، وقطعت أسباب السماء بين يديه "
أيها الإخوة، تفكُّرُ لحظة واحدة ينقلك من الضياع إلى الوجدان.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
08-12-2018, 08:33 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الثامن و الثلاثون )
الموضوع : اسم الله - الالة - 2 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
من أسماء الله الحسنى:( الإله ):
أيها الإخوة الكرام، لازلنا في اسم ( الإله )، والإله هو المعبود، ومعنى: لا إله إلا الله أي: لا معبود بحق إلا الله، أي أن الله وحده يستحق العبادة، لأنه الخالق، لأنه الرب، لأنه المسير.
1 ـ العبادةُ من لوازم ألوهية الإله:
في اللقاء السابق أيها الإخوة، عرفنا العبادة بأنها طاعة طوعية، ممزوجة بمحبة قلبية، أساسها معرفة، يقينية تفضي إلى سعادة أبدية، وكان الحديث أيضاً عن العبادات الشعائرية، كالصلاة والصوم والحج والزكاة، وعن العبادات التعاملية، كالاستقامة والصدق والأمانة والعفة، وأكدت مع الأدلة القرآنية أن العبادات الشعائرية لا تقبل ولا تصح إلا إذا صحت العبادات التعاملية، واليوم ننتقل إلى موضوع متعلق بالعبادة، لأن ( الإله ) هو المعبود، وعلة وجودنا على وجه الأرض أن نعبد الله:
﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾
( سورة الذاريات )
2 ـ مفهومُ العبادة واسعٌ:
ولكن المشكلة أن معظم المسلمين إذا ذكروا كلمة عبادة ينصرف ذهنهم إلى العبادات الشعائرية ؛ من صيام وصلاة وحج وزكاة، ولكن الحقيقة أن العبادة لها مفهوم واسع جداً، هي غاية الخضوع لله، مع غاية الحب، ومنهج الله ولا أبالغ يقترب من مئة ألف بند في كل شؤون حياتك، بدءً من فراش الزوجية، إلى العلاقات الدولية.
أنواع العبادة:
فلذلك هناك أنواع من العبادة:
النوع الأول: عبادة الهوية:
النوع الأول هو عبادة الهوية، أنت من ؟ كل واحد منا له موقع في المجتمع، فقد يكون غنياً، فالغني عبادته الأولى إنفاق المال، بل إن المال مادة امتحانه الأولى، فإما أن ينجح في إنفاق المال في الوجوه التي ترقى به في الآخرة، وإما أن ينفق هذا المال على شهواته ونزواته، لذلك ورد في الأثر القدسي:
(( عبدي أعطيتك مالا فماذا صنعت فيه ؟ في الآخرة لسان الحال لا لسان المقال، يقول: يا رب لم أنفق منه شيئاً مخافة الفقر على أولادي من بعدي، فيقول الله له: ألم تعلم بأني الرزاق ذو القوة المتين ؟ إن الذي خشيته على أولادك من بعدك قد أنزلته بهم ـ يسأل عبد آخر ـ أعطيتك مالاً فماذا صنعت في ؟ يقول: يا رب أنفقته على كل محتاج ومسكين، لثقتي بأنك خير حافظاً، وأنت أرحم الراحمين، فيقول الله له: أنا الحافظ لأولادك من بعدك ))
[ ورد في الأثر ]
لذلك قد يكون موقع الإنسان في الحياة أنه غني، والغني عبادته الأولى إنفاق المال، الآن سوف نسمي هذه العبادة عبادة الهوية، أنت من ؟ هناك إنسان آخر قوي يحتل منصبا رفيعا بجرّة قلمٍ يحق حقاً، ويبطل باطلاً، بجرة قلم يقر معروفاً، ويزيل منكراً، والإنسان كلما علا موقعه في مجتمعه اتسعت رؤيته.
أذكر مرة أنني أتيت إلى دمشق بالطائرة من قبرص، وحينما دخلنا سواحل بلدنا الطيب رأيت بيروت وطرابلس معاً، على ارتفاع أربعين ألف قدم يتاح لك أن ترى مئة كيلو متر معاً، علمتني هذه الرؤية درساً ؛ أنه كلما ارتفع مقام الإنسان تتسع رؤيته، وكلما ارتفع مقام الإنسان تزداد مسئوليته، معلم في صف مسئول عن ثلاثين طالبا، لكن مدير المدرسة مسئول عن ثلاثمئة وستين طالبا، لكن مدير التربية مسئول عن محافظة، إلا أن وزير التربية مسئول عن المناهج في البلاد كلها، فكلما ارتفع مقام الإنسان ازدادت مسئوليته، وهذا ما دعا سيدنا عمر بن الخطاب إلى أن يقول: << لست خيراً من أحدكم، ولكنني أثقلكم حملاً >>.
والمسئول الكبير حينما يدقق في معنى كلمة مسئول كبير يجب أن ترتعد فرائصه، لأنه سيُسأل عن كل شيء، سيدنا عمر أدرك هذه المسئولية، وقال: << والله لو تعثرت بغلة في العراق لحاسبني الله عنها >>.
دخلت فاطمة بنت عبد الملك على سيدنا عمر بن عبد العزيز ورأته يبكي في مصلاه، قالت له: " مالك تبكي ؟ قال: دعيني وشأني، فلما ألحّت عليه قال: ويحك يا فاطمة، إني قد وليتُ أمر هذه الأمة، ففكرت في الفقير الجائع، والمريض الضائع، والعاري المجهول، واليتيم المكسور، والمظلوم المقهور، والغريب والأسير، والشيخ الكبير والأرملة الوحيدة، وذي العيال الكثير والرزق القليل، وأشباههم في أطراف البلاد، فعلمت أن الله سيسألني عنهم جميعاً، وأن خصمي دونهم رسول الله، فخفت ألا تثبت حجتي، فلهذا أبكي ".
لذلك أيها الإخوة، القوي عبادته الأولى إحقاق الحق وإبطال الباطل، رد المظالم لأصحابها، هذه عبادته الأولى.
نتحدث الآن عن عبادة الهوية، مَن أنت ؟ أنت غني العبادة الأولى إنفاق المال، أنت قوي العبادة الأولى إحقاق الحق، أنت عالم العبادة الأولى التبيين والتوضيح، وألا تأخذك في الله لومة لائم، سئِل الإمام الحسن البصري: بمَ نلت هذا المقام ؟ قال: " باستغنائي عن دنيا الناس، وحاجتهم إلى علمي ". ﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ (39) ﴾
( سورة الأحزاب )
فلو أن هذا الإنسان الذي تصدى للدعوة خشي غير الله فما تكون النتائج ؟ يسكت عن الحق خوفاً منه، وينطق بالباطل إرضاءً له، انتهت دعوته كلياً، لذلك قالوا: كلمة الحق لا تقطع رزقاً، ولا تقرّب أجلاً. ﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً (39) ﴾
( سورة الأحزاب )
هذه عبادة العلماء التبيين، التوضيح.
أنت امرأة، هويتك كامرأة عبادتك الأولى رعاية الزوج والأولاد، وقد ورد في بعض الأحاديث، (( اعلمي أيتها المرأة، و أعلمي من دونك من النساء أن حسن تبعل المرأة زوجها يعدل الجهاد في سبيل الله ))
والجهاد كما تعلمون ذروة سنام الإسلام، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام حينما فتح مكة دعته بيوتاتها أن يبيت عندهم، فقال:
(( انصبوا لي خيمة عند قبر خديجة ))
[ ورد في الأثر ]
وركز لواء النصر أمام قبرها، ليعلم العالم كله أن هذه المرأة التي في القبر شريكته في النصر.
أنت غني أو قوي أو عالم، أو أنت امرأة، لذلك العبادة الأولى متعلقة بهوية الإنسان، هذا معنى آخر من معاني العبادة. النوع الثاني: عبادة الظرف:
أحياناً هناك ما يسمى بعبادة الظرف، عندك أب مريض، العبادة الأولى رعاية المريض، عندك ضيف، العبادة الأولى إكرام الضيف، عندك ابن عنده امتحان، العبادة الأولى أن تهيئ له الجو المناسب للامتحان، هذه عبادة الظرف.
النوع الثالث: عبادة الوقت:
عبادة الوقت، إن لله عملاً في الليل لا يقبله في النهار، وإن لله عملاً في النهار لا يقبله بالليل.
تروي بعض السير أن عامل سيدنا عمر على أذربيجان أرسل له رسولاً، هذا الرسول وصل إلى المدينة في منتصف الليل، فكَرِه أن يطرق باب أمير المؤمنين، فدخل إلى المسجد، وما كان فيه إضاءة، سمع رجلاً يبكي ويناجي ربه يقول: يا رب، هل قبلت توبتي فأهنئ نفسي، أم رددتها فأعزيها ؟ سأله: من أنت يرحمك الله ؟ قال: أنا عمر، قال: أنت أمير المؤمنين ؟!!! يا أمير المؤمنين ألا تنام الليل ؟ فقال عمر: << إني إن نمت ليلي كله أضعت نفسي أمام ربي، وإن نمت نهاري أضعت رعيتي >>، لذلك ورد في بعض الآثار أن النبي عليه الصلاة والسلام رأى رجل شاب يتعبد الله في وقت العمل، فسأله:
(( مَن يطعمك ؟ قال: أخي، قال: أخوك أعبد منك ))
[ ورد في الأثر ]
وقت العمل عمل، ووقت الفجر عبادة وتلاوة القرآن وقيام الليل، وصلاة الفجر في المسجد:
(( مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ ))
[ مسلم ]
أحياناً العصر بمجمله له عبادة، إن أراد الطرف الآخر إفقار المسلمين فالعبادة الأولى استصلاح الأراضي، وإنشاء السدود، واستخراج الثروات، وتطوير الصناعات من أجل أن نأتي بمال نحل به مشكلات المسلمين، هذه العبادة الأولى، وإذا أراد الطرف الآخر إضلالنا فتوضيح معالم الدين، وترسيخ القيم الأخلاقية، ورد الشبهات، وتأليف الكتب والأبحاث هذه عبادة أيضاً، وإذا أراد الطرف الآخر إفسادنا فتأسيس المناشط الإسلامية، وصيانة أولادنا وشبابنا من الفساد الأخلاقي، هذه عبادة أيضاً، وحينما يريد الطرف الآخر إذلالنا يجب أن نضحي بالغالي والرخيص، والنفس والنفيس.
هذه عبادة تسمى عبادة العصر، كل عصر له سمة.
بين المبادئ والأشخاص والأشياء:
مثلاً: هناك عصر المبادئ، البشرية تمر بعصور ثلاثة:
عصر المبادئ، أنا أوضح هذا العصر بهذه القصة ؛ مَلِك من ملوك الغساسنة أتى إلى المدينة مسلماً في عهد عمر، سيدنا عمر رحب به، وفرح بإسلامه، في أثناء طوافه حول الكعبة داس بدويٌّ من فزارة طرف ردائه، فانخلع رداؤه عن كتفه، فالتفت إلى هذا الأعرابي من فزارة، و ضربه ضربة هشمت أنفه، هذا الأعرابي ليس له إلا عمر يشتكي إليه، وذهب إليه، واشتكاه، سيدنا عمر جاء بهذا الملك جبلة، وقف أمامه نداً لند، وقال له، وقد دار حوار بينهما شاعر معاصر صاغه شعراً:
أصحيح ما ادعى هذا الفزاري الجريح ؟
قال جبلة:
لست ممن ينكر شياً
يعني شيئاً مراعاة للوزن.
أنا أدبت الفتى، أدركت حقي بيديا
قال عمر:
أرضِ الفتى، لابد من إرضائه
مازال ظفرك عالقاً بدمائه
أو يهشمن الآن أنفك
يخاطب ملِكًا.
و تنال ما فعلته كفك
قال:
كيف ذلك يا أمير ؟
هو سوقة، وأنا عرش وتاج ؟
كيف ترضى أن يخر النجم أرضاً ؟
قال عمر:
نزوات الجاهلية، ورياح العنجهية قد دفناها
أقمنا فوقها صرحاً جديداً
وتساوى الناس أحراراً لدينا وعبيداً
قال جبلة:
كان وهماً ما جرى خلدي أنني عندك أقوى و أعز
أنا مرتد إذا أكرهتني
قال عمر:
عالم نبنيه، كل صدع فيه يداوى
وأعز الناس بالعبد بالصعلوك تساوى
هذا عصر مبادئ، هذا أرقى عصر، المبادئ فوق كل شيء، المبادئ فوق الجميع، هذا هو العصر الذهبي الإسلامي، << لو تعثرت بغلة في العراق لحاسبني الله عنها >>.
هناك عصر مبادئ وهناك عصر أشخاص وهناك عصر أشياء، من أرقى العصور عصر المبادئ، ومن أسوئها عصر الأشياء، الإنسان سلعة، يسمع الإنسان في اليوم أربعمئة إلى خمس إنسان مئة ماتوا، ويكون هذا خبرا طبيعيا جداً.
أيها الإخوة، هناك عبادة شعائرية، كالصوم والصلاة والحج والزكاة، هناك عبادة تعاملية كالصدق والأمانة والعفة، هناك عبادة الهوية، الغني له عبادة، والقوي له عبادة، والعالم له عبادة، والمرأة لها عبادة، وهناك عبادة الظرف، هناك عبادة الوقت، هناك عبادة العصر، وهناك عصر المبادئ وعصر الأشخاص وعصر الأشياء.
3 ـ الدعاء باسم ( الإله ):
الآن الدعاء بهذا الاسم.
دعاء سيدنا يونس وهو بطن الحوت:
أيها الإخوة الكرام، نبي كريم وجد نفسه فجأة في بطن حوت، والإنسان يمكن أن يقف في فم الحوت، ووجبة الحوت المعتدلة أربعة أطنان، الإنسان لقمة واحدة، الوجبة المعتدلة بين وجبتين أربعة أطنان، و وزنه خمسون كيلوا، الإنسان لقمة واحدة، وهو في بطن الحوت:
﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ ﴾
( سورة الأنبياء )
بماذا دعا ؟
﴿ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ ﴾
( سورة الأنبياء )
أول الآية: ﴿ وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ (88) ﴾
( سورة الأنبياء )
أيها الإخوة الكرام، والله الذي لا إله إلا هو، هذه الآية وحدها لو لم يكن في كتاب الله إلا هذه الآية لكفت، قلبها الله تعالى إلى قانون، قال تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88) ﴾
( سورة الأنبياء )
في أي عصر، في أي مصر، في أي زمان، في أي مكان، في أي ظرف: ﴿ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88) ﴾
( سورة الأنبياء )
الله عز وجل أعطاك حالة نادرة، بل مستحيلة لإنسان يجد نفسه فجأة في بطن حوت في ظلمة الليل، وفي ظلمة البحر، وفي ظلمة بطن الحوت، وينادي ربه في هذا المكان:
﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88) ﴾
( سورة الأنبياء )
الآن أصغوا معي إلى الحديث الشريف:
(( دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إِذْ هُوَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنْ الظَّالِمِينَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهَا مُسْلِمٌ رَبَّهُ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا اسْتَجَابَ لَهُ ))
[ أحمد عن سعد ]
تعلموا هذا الدعاء:
(( دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إِذْ هُوَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنْ الظَّالِمِينَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهَا مُسْلِمٌ رَبَّهُ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا اسْتَجَابَ لَهُ ))
وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو عِنْدَ الْكَرْبِ يَقُولُ:
(( لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ))
[ متفق عليه ]
وما أكثر الكربات التي أصابت المسلمين.
الله قويٌّ جبّار حليم لطيف:
أحياناً يتسلم وزارةً إنسان جديد، الموظفون يسألون: كيف هو، أخلاقي نظيف ؟ مادام الأمر بيد واحد يهمنا أخلاق الواحد، دقق في هذا الكلام:
(( لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ))
معنى ذلك أن الأمر بيد الله وحده والله عز وجل صاحب الأسماء الحسنى والصفات الفضلى، الله عز وجل كامل كمالا مطلقا، لذلك لا يجتمع حزن مع إيمان بالله، الأمر بيده وحده.
أحياناً تجد إنسانا صالحا جداً، لكن ليس بيده شيء، تقول: مسكين ما بيده شيء، وتجد إنسانا لئيما جداً، لكن بيده كل شيء، معه سلطة قوية، دائماً هناك مفارقة، إما أن ترى إنسانا قويا غير أخلاقي، أو أخلاقيا ضعيفا، كلاهما لا يرضيك، لأنك بحاجة إلى إنسان بقدرِ ما هو قوي منضبط هو أخلاقي رحيم، هذا شخصية فذة ونادرة الآن، إما أن ترى إنسانا صالحا ضعيفا، أو إنسانا قويا غير صالح، لكن أن ترى إنسانا بقدر ما هو صالح، بقدر ما هو قوي، فهذه نعمة من نعم الله العظمى.
لذلك ولله المثل الأعلى، الله عز وجل بيده كل شيء، هو القوي، هو المتصرف، هو المعطي، هو المانع، هو المعز، هو المذل، هو العدل، في الوقت نفسه هو رحيم، هو اللطيف، هو الكريم، لذلك حينما تقول: ﴿ تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (78) ﴾
( سورة الأنبياء )
بقدر ما تعظمه تحبه.
في حياتنا أشخاص كثر قد تحترمهم ولا تحبهم، أو إنسان بسيط طيب جداً، لكنه لا يفهم شيئًا، ترى شخصيات لا تعجبك، مَن الذي يلفت نظرك في مجتمع البشر ؟ إنسان متفوق جداً في اختصاصه، وأخلاقي جداً.
أنا أقرب الأمور، هذا معنى قول الله عز وجل: ﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (27) ﴾
( سورة الأنبياء )
بقدر ما هو عظيم قوي بقدر ما هو رحيم، فلذلك:
﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا (180) ﴾
( سورة الأعراف)
معنى الدعاء بأسماء الله الحسنى:
الدعاء بأسماء الله الحسنى أمر إلهي، وقد ذكرت كثيراً أن الدعاء بالأسماء الحسنى له معنيان:
أن تتخلق بخلق مشتق من كمال الله، فتتقرب به إلى الله، فإذا كان الله رحيماً كن رحيماً، تقبل عليه، أو أن تذكر أسماءه الحسنى حتى تسأله.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
08-12-2018, 08:47 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( التاسع و الثلاثون )
الموضوع : اسم الله - المليك - 1 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
من أسماء الله الحسنى: ( المليك ):
أيها الإخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، واليوم مع اسم ( المليك ).
1 ـ ورودُ اسم ( المليك ) في القرآن الكريم والسنة النبوية:
هذا الاسم ورد في القرآن الكريم في قوله تعالى:
﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ ﴾
( سورة القمر )
العلم والعمل مقياسان شرعيان لتقييم الناس:
أيها الإخوة، البشر لهم مقاييس، يكبرون الغني، يكبرون القوي، يكبرون الوسيم، يكبرون الذكي، لكن خالق البشر من خلال القرآن الكريم يتعمد قيمة العلم، وقيمة العمل، قال تعالى:
﴿ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾
( سورة الزمر الآية: 9 )
﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ﴾
( سورة المجادلة الآية: 11 )
﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ ﴾
( سورة الأنعام الآية: 123 )
فالقرآن الكريم من عند الخالق العظيم، اعتمد قيمة العلم والعمل، بينما أهل الدنيا اعتمدوا القوة والمال، والوسامة والذكاء، والبطولة أن تأتي مقاييسك وفق مقاييس القرآن، لا وفق مقاييس البشر، لذلك: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
(( رُبَّ أَشْعَثَ مَدْفُوعٍ بِالْأَبْوَابِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ ))
[ رواه مسلم ]
وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( كَمْ مِنْ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ لَا يُؤْبَهُ لَهُ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ ))
[ رواه الترمذي ]
فالبطولة أن تكون صاحبَ:
﴿ مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ ﴾
لا أن تكون لك مكانة عند أهل الأرض وأنت لا ترضي الله، البطولة أن تكون لك مكانة عند ( المليك ) المقتدر.
مَن هو الوليُّ:
فلذلك من أدق تعريفات الولي في القرآن الكريم تعريف بسيط.
بالمناسبة، ليس الولي الذي يمشي على وجه الماء، ولا الذي يطير في الهواء، الولي كل الولي الذي تجده عند الحلال والحرام، أن يراك حيث أمرك، وأن يفتقدك حيث نهاك، تعريف الولي في القرآن الكريم:
﴿ أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ ﴾
( سورة يونس )
فقط.
سيدنا سعد بن أبي وقاص كان خال النبي، وكان عليه الصلاة والسلام يحبه كثيراً ويداعبه، فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: أَقْبَلَ سَعْدٌ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( هَذَا خَالِي، فَلْيُرِنِي امْرُؤٌ خَالَهُ ))
[ الترمذي ]
وما فدى أحداً من أصحابه كما فدى سعد ابن أبي وقاص، فعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: مَا سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَعَ أَبَوَيْهِ لِأَحَدٍ إِلَّا لِسَعْدِ بْنِ مَالِكٍ، فَإِنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ يَوْمَ أُحُدٍ:
(( يَا سَعْدُ ارْمِ، فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي ))
[ متفق عليه ]
ومع ذلك قال له سيدنا عمر بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام: << يا سعد، لا يغرنك أنه قد قيل: خال رسول الله، فالخَلق كلهم عند الله سواسية، ليس بينه وبينهم قرابة إلا طاعتهم له >>. ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾
( سورة الحجرات الآية: 13 )
فالمعنى الأول من اسم ( المليك ) أن يكون لك عند هذا الإله العظيم ( المليك ) مقعد صدق:
﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ ﴾
وقد ورد أيضاً في السنة الصحيحة حيث أن أبا بكر رضي الله عنه، قال: يا رسول الله مُرني بشيء أقوله إذا أصبحت، قال:
(( قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ، عالِمَ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، رَبَّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكَهُ، أشْهَدُ أن لا إلهَ إِلاَّ أنْتَ، أعُوذُ بِكَ مِنْ شَرّ نَفْسِي وَشَرِّ الشَّيْطانِ وَشِرْكِهِ. قالَ: قُلْها إذَا أصْبَحْتَ، وَإذَا أمْسَيْتَ، وَإذَا أخَذْتَ مَضْجَعَكَ ))
[ رواه الترمذي ]
إذاً: ورد هذا الاسم في القرآن وفي السنة.
كتعليق على هذا الحديث، ورد من بعض أقول العلماء: لا بد للمؤمن من مؤمن يحسده أحياناً، مؤمن لكنه يحسده، ومن منافق يبغضه، ومن كافر يقاتله، ومن شيطان يغويه، ومن نفس ترديه، هذه حقيقة، ومعركة الحق والباطل معركة أزلية أبدية، ووطن نفسك أنه لا بد من أن يكون للحق من يعارضه، هذا شيء طبيعي جداً.
2 ـ معنى ( المليك ):
أيها الإخوة، الملك الذي يحكم ولا يملك، والمالك هو الذي يملك ولا يحكم، إنسان مالك لأرضٍ، وإنسان ملِك، هذه الأرض لا يملكها الملك، لكن يحكمها، ومالك هذه الأرض لا يحكم، لكن الله جل جلاله ملك ومالك، يملك ويحكم، والمُلك في الدنيا والملكوت في الآخرة، المُلك في عالم الشهادة، والملكوت في عالم الغيب، والله جل جلاله مالك المُلك والملكوت.
3 ـ الله مالك كل شيء خَلقًا وتصرُّفًا ومصيرًا:
و( المليك ) ملِك ومالك، وصاحب الملك والملكوت، و( المليك ) ـ دققوا الآن ـ يملك كل شيء، خلقاً، وتصرفاً، ومصيراً.
للتوضيح: قد تملك المنفعة، ولا تملك الرقبة، وقد تملك الرقبة، ولا تملك المنفعة، وقد تملكهما معاً، ولا تملك المصير، لكن:
﴿ وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾
( سورة الأعراف الآية: 180 )
الله جل جلاله يملك كل شيء خلقاً، وتصرفاً، ومصيراً.
معمل طائرات حربية يصنع طائرة، صنعها وباعها، الآن أمرها بيد مَن ؟ بيد من اشتراها، فقد تقصف بلاداً لا يرضى صانع الطائرة أن تُقصف، لكنها خرجت من يديه.
لكن ولله المثل الأعلى:
﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾
( سورة الزمر )
يملك ويحكم. ﴿ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾
( سورة الأعراف الآية: 54 )
قد تصنع طائرة، وقد تأتمر بأمرك، ولكن قد تفاجَأ بأنها سقطت، لا تملك مصيرها، هذا للتوضيح.
الله عز وجل مالك المُلك والملكوت، ملك ومالك، مالك كل شيء خَلقاً وتصرفاً ومصيراً.
( المليك ) أيها الإخوة، صيغة مبالغة، والقاعدة الثابتة أن الأسماء الحسنى إذا وردت بصيغة المبالغة تعني الكم والنوع معاً، أعلى درجات الملك، ويملك الله كل شيء، إن الله يرى دبيب النملة السمراء، على الصخرة الصماء، في الليلة الظلماء.
هذه الصيغة ( المليك ) تدل على كمال الملكية، كمال الملكية ودوامها أزلاً وأبداً.
الآن الله عز وجل مليك، بمعنى أنه مالك لكل شيء يُملّك، يملك الحياة، فهو الذي يهب الحياة، وهو الذي يأخذها.
هناك قصة: طائرة على ارتفاع 43 ألف قدم، تطير فوق جبال الألب، حصل فيها انفجار فانشطرت شطرين، وقع أحد ركابها من مكان الشطر، وقع من ارتفاع 43 ألف قدم نزل فوق غابة كبيرة من غابات جبال الألب، فوق هذه الغابة خمسة أمتار من الثلج وأغصان الأشجار كانت ماصة للصدمة، فنزل واقفاً، لأن الله يملك الحياة، بالمقاييس الأرضية مستحيل لإنسان يقع من ارتفاع 43 ألف قدم أن يبقى حياً.
وهناك قصة أخرى قبل عشر سنوات تقريباً: تحطمت نافذة طائرة، وكان إلى جانب هذه النافذة امرأة من باكستان معها ولدان صغيران، فخرجا من نافذة الطائرة، والطائرة مضغوطة 8 أمثال حاجتها من الهواء، طبعاً الموت محقق على ارتفاع خمسين ألف قدم، الطائرة تتجه إلى باكستان من السعودية، الشيء الذي لا يصدق أن الطفلين بقيا حيّين، لأنهما سقطا إلى جانب صياد، فرأى شيئاً من السماء يسقط، تتبع الشيء فإذ هما طفلان، أخذهما إلى القارب وأبلغ السلطات، وبلغت السفارة في باكستان، وجاءت الأم وأخذت ولديها.
الله عز وجل واهب الحياة، وهو الذي يأخذ الحياة بأقلّ سبب، وهناك قصص لا تعد ولا تحصى في مثل هذا.
قد يتمتع الرجل بأعلى درجات الصحة، ولا يشكو من شيء، في ثانية واحدة يصبح خبراً على الجدران، فلذلك الله مالك الحياة، ومالك الرزق.
وَلَو كانَتِ الأَرزاقُ تَجري عَلى الحِجا هَلَكنَ إِذَن مِن جَهلِهِنَّ البَهائِــــمُ
***
إنسان يتمتع بأعلى درجات الذكاء ورزقه محدود جداً، وإنسان أقل ذكاء منه بكثير له رزق وفير، فالله مالك الحياة، مالك الرزق، مالك السمع والبصر والقوة، ومن أدق أدعية النبي عليه الصلاة والسلام أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: قَلَّمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُومُ مِنْ مَجْلِسٍ حَتَّى يَدْعُوَ بِهَؤُلَاءِ الدَّعَوَاتِ لِأَصْحَابِهِ:
(( اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ، وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ، وَمِنْ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مُصِيبَاتِ الدُّنْيَا، وَمَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا، وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَّا، وَاجْعَلْ ثَأْرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا، وَانْصُرْنَا عَلَى مَنْ عَادَانَا، وَلَا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا، وَلَا تَجْعَلْ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا، وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا، وَلَا تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لَا يَرْحَمُنَا ))
[ الترمذي ]
من تكريم الله للإنسان أن يمتعه بسمعه وبصره، وعقله وقوته ما دام حياً، من يملك نمو الخلايا ؟ إذا نَمت الخلايا نمواً عشوائياً ينتهي الإنسان، ورم الخبيث يصيب كل الأعمار، ويصيب كل أجزاء الجسم، في الدماغ، في الجلد، في الجهاز الهضمي، في الغدد الليمفاوية، مَن يملك نمو الخلايا ؟ الله جل جلاله، من يملك الشرايين ؟ من يملك مرونتها ؟ الله جل جلاله، مَن يملك سيولة الدم ؟ الله جل جلاله، مَن يملك من حولك ؟ الله جل جلاله، مَن يملك مَن فوقك ؟ الله جل جلاله، مَن يملك مَن دونك ؟ الله جل جلاله، إذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟ يا رب، ماذا فقد من وجدك ؟ وماذا وجد من فقدك ؟
الإنسان لضعف إيمانه ولجهله يتوهم أنه يفعل ما يشاء، لكن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ﴾
( سورة الأعراف )
يعني أنت في قبضة الله، ولو كنت قوياً، ولو كنت غنياً.
إن أخًا أظنه صالحاً، ولا أزكي على الله أحداً، قال كلمة خطيرة، قال: الدراهم مراهم، تحل بها كل المشكلات، فأدّبه الله بأن أدخله السجن المنفرد، وبقي فيها 67 يوماً، وفي كل يوم يقول: الدراهم مراهم ؟! لن تحل هذه المشكلة بالمال.
فلذلك الإنسان إذا عرف من اسم ( المليك ) أن بيده كل شيء، بيده حواسك، بيده نشاطك وقدرتك، بيده زوجتك، بيده أولادك، إذا رضي الله عنك خدمك عدوك، وإذا غضب عليك تطاول أقرب الناس إليك.
بالمناسبة، المكانة صفة في الأجسام عبر عنها العلماء بأنها مقاومة قوى الشدة، والفولاذ المضفور أمتن عنصر في الأرض، لذلك الجسور المعلقة، و( التلفريك )، والمصاعد تستخدم الفولاذ المضفور، أما القساوة ومقاومة قوى الضغط فأقسى عنصر هو الماس، لذلك الحفارات تستخدم رؤوس من الماس.
الآن لماذا جاءت هذه الآية ؟ ﴿ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ﴾
الإنسان مربوط بحبل مهما كان قوياً لا ينقطع، مهما كان غنياً لا ينقطع، في أية لحظة هو في قبضة الله، هذا شعور المؤمن.
﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 26 )
القوة بيده، السمع بيده، البصر بيده، العقل بيده، الشريان التاجي بيده، سيولة الدم بيده، نمو الخلايا بيده، الكبد، القلب، الكليتان، فشل كلوي، تشمع كبد، هناك أمراض تجعل حياة الإنسان جحيماً لا يطاق: ﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 26 )
وهو ( المليك ).
4 ـ مِن لوازم المليك أن كل شيء وقع أراده الله، وكل شيء أراده الله وقع:
لكن الآن نحتاج إلى حقيقة خطيرة كي ينسجم الإيمان مع ما يحدث، كي ينسجم الإيمان بأن الله مليك يملك كل شيء مع ما يحدث، هناك مقولة رائعة: كل شيء وقع أراده الله، وكل شيء أراده الله وقع، لأنه لا يليق بمقام الألوهية أن يقع في ملكه ما لا يريد، كل شيء وقع أراده الله، وكل شيء أراده الله وقع، بل لكل واقع حكمة، ولو كان الموقِع مجرماً، هذا الإيمان، لكل واقع حكمة، ولو كان الموقع مجرماً، ما دام قد سمح الله بوقوعه فلابد من حكمة، عرفها مَن عرفها، وجهلها مَن جهلها.
ليس هناك شرٌّ مطلَق في الكون:
لذلك الشر المطلق لا وجود له في الكون، اطمئنوا، الشر من أجل الشر، لا وجود له في الكون، هناك شر نسبي موظف للخير المطلق، الشر المطلق يتناقض مع وجود الله، إما أن تؤمن بوجود إله عظيم حكيم عليم رحيم، فعال لما يريد، أو بشر مطلق، والله عز وجل يوظف شر الإنسان للخير المطلق.
كل شيء وقع أراده الله، وكل شيء أراده الله وقع، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، والحكمة المطلقة متعلقة بالخير المطلق.
إذاً: الآن النتيجة، كل شيء وقع مع أنه على الشبكية نتوهم أن فلانا وقع هذا القرار، وفلانا غزا هذه البلاد، وفلانا اتخذ قراراً بإعلان الحرب، كنتيجة توحيدية كل شيء وقع وقع ضمن خطة الله، بل إن خطة الله استوعبت خطة القوي الظالم.
مرة سألوا تيمور لنك: من أنت ؟ سبحانك يا رب ! أجاب إجابة رائعة، قال: أنا غضب الرب، فحينما يغضب الإنسان قد يضرب، وقد يكسر، وقد يصيح، وقد يشتم، فإذا غضب الله عز وجل يبعث تيمور لنك، سُئل: من أنت ؟ قال: غضب الرب، الدليل القرآني:
﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ﴾
( سورة القصص )
الآن توظيف الشر النسبي من الطغاة والظلام للخير المطلق. ﴿ وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ ﴾
( سورة القصص )
هذه سياسة الله، وأسأل الله أن تكون هذه الهجمة الشرسة على من هذا القبيل:
﴿ وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ﴾
خاتمة:
إخوتنا الكرام، ابتلي المسلمون برجل بطاش في العصور السابقة، فجاء نفر من علية القوم إلى الإمام الحسن البصري، والإمام الحسن البصري والله له كلمة تكتب بماء الذهب، لما كان عند والي البصرة، وجاء توجيه من يزيد إنْ نفذه أغضب الله، وإن لم ينفذه أغضب يزيد فعزله، قال له: ماذا أفعل ؟ فقال له الحسن البصري: " إن الله يمنعك من يزيد، ولكن يزيد لا يمنعك من الله "، هذه مقولة تكتب بماء الذهب، " إن الله يمنعك من يزيد، ولكن يزيد لا يمنعك من الله "، فهذا النفر جاء إلى الحسن البصري يشكون له هذا الجبار القاسي العنيف، ماذا ينبغي أن يفعل، أو ماذا ينبغي أن يفعلوه معه، فقال: " تعلمون رأيي فيه ؟ قالوا: لهذا أتيناك قال: لا تخرجوا عليه، لأن ظلم القوي هي نقمة الرب، وإن نقم الله عز وجل لا تدفع بالسيوف وحدها، بل تدفع بالتوبة والإنابة أولاً، ثم إعداد القوة ثانياً.
كما فعل صلاح الدين الأيوبي، حينما أزال كل المنكرات، وعلّم الأجيال العقيدة الصحيحة، والاستقامة التامة، وبعدها واجه الغرب، فلابد من دولة وأوبة وعودة، وإقبال وصلح مع الله أولاً، ثم لا بد من إعداد العدة المتاحة، والقوة المتاحة، عندئذٍ يكون نصر الله عز وجل.
قال الحسن: " وإنها إن عولجت بالسيوف وحدها من دون إنابة إلى الله كانت الفتنة أقطع من السيوف "، كما ترون فيما يجري حولنا.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
08-12-2018, 08:50 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الاربعون )
الموضوع : اسم الله - المليك - 2 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
من أسماء الله الحسنى ( المليك ):
1 ـ ( المليك ) ملِك ومالِك:
أيها الإخوة الكرام، لا زلنا مع اسم ( المليك ).
و( المليك ) أيها الإخوة، ملِك ومالك، و ( المليك ) يملك كل شيء، تصرّفًا ومصيرًا، و( المليك ) يدل على كمال المُلكية، وعلى أبدية المُلكية.
2 ـ من لازم ( المليك ) أن يكون المعبود الحق:
لذلك الفاتحة التي هي أصل في أصول كتابنا فيها آية ؟
﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾
( سورة الفاتحة )
ماذا تعني هذه الآية ؟ تعني أن الإنسان مكلف أن يعبد ربه، وأن عبادة ربه علة وجوده. ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾
( سورة الذاريات )
الله أعطانا مقومات التكليف والعبادة:
وأن العبادة طاعة طوعية، ممزوجة بمحبة قلبية، أساسها معرفة يقينية، تفضي إلى سعادة أبدية، لأن الله سبحانه وتعالى حينما كلفنا أن نعبده أعطانا مقومات هذا التكليف، أعطانا كوناً هو الثابت الأول، ينطق هذا الكون بوجود الله، وكماله، ووحدانيته، هذا الكون ينطق بأسماء الله الحسنى، وصفاته الفضلى، هذا الكون يشير إلى أن خالقه ذات كاملة، أعطانا عقلاً يكفي إلى أن نتعرف من خلاله إلى الله، الآيات التي تتحدث عن العلم والعقل والتفكر تقترب من ألف آية.
﴿ أَفَلَا يَعْقِلُونَ ﴾
( سورة يس )
﴿ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ ﴾
( سورة الجاثية )
أعطانا فطرة تكفي لكشف الخطأ ذاتياً، من دون تعليم، من دون توجيه. ﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ﴾
( سورة الشمس )
بمعنى أعلمها ذاتياً بحسب فطرتها العالية أنها اتقت أو فجرت، أعطانا شهوة هي ترقى بنا إلى الله، أو تهوي بنا إلى أسفل سافلين، حيادية، يمكن أن تكون الشهوة سلماً نرقى بها إلى أعلى عليين، ويمكن أن دركات نهوي بها إلى أسفل سافلين.
لكن الذي يتعلق بهذا الدرس أعطانا حرية الاختيار.
3 ـ من لازم ( المليك ) استرداد حرية الإنسان عند موته:
﴿ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ ﴾
( سورة الكهف الآية: 29 )
﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ﴾
( سورة الإنسان )
﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم حَتَّى ذَاقُواْ بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ ﴾
( سورة الأنعام )
أعطانا كوناً يطق بكماله، وبوجوده، ووحدانيته، أعطانا وقتاً هو غلاف عملنا، أعطانا منهجاً تفصيلاً يهدينا إلى سواء السبيل، ثم أعطانا حرية الاختيار، عند الموت تسترد هذه الحرية:
﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾
ملّكك الحرية، وعند الموت استردها منه. ﴿ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ﴾
( سورة الفجر )
فات الأوان.
أيها الإخوة الكرام: ﴿ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا ﴾
( سورة الأنعام الآية: 158 )
البطولة معرفة الحقيقة قبل فوات الأوان:
النقطة الدقيقة في هذا الدرس أن الله سبحانه وتعالى يسترد منا حرية الاحتيار، انتهى الأمر، وأنت حي ترزق والقلب ينبض، وفيك نفس، يمكن أن تفعل كل شيء، يمكن أن تتوب من كل الذنوب، يمكن أن تصلح كل العيوب، يمكن أن تفتح مع الله صفحة جديدة.
لذلك أيها الإخوة، أتمنى أن تكون هذه الحقيقة الخطيرة واضحة، مَن هو أكفر كفار الأرض ؟ الذي قال:
﴿ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ﴾
( سورة النازعات )
فرعون، والذي قال: ﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي ﴾
( سورة القصص الآية: 38 )
أكفر كفار الأرض عند الموت قال:
﴿ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِـهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ ﴾
( سورة يونس )
إذاً: أهل الأرض قاطبة، الـ6000 مليون عند الموت تكشف لهم الحقائق. ﴿ فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ﴾
( سورة ق الآية: 22 )
خيارُ الإنسان مع الإيمان خيار وقتٍ:
إذاً: خيارنا مع الإيمان لا خيار قبول أو رفض، بل خيار وقت، فلا بد من أن نؤمن في الوقت المناسب، أن تتصدق وأن صحيح شحيح، أن تؤمن وأنت في مقتبل العمر، أنت تؤمن والدنيا بين يديك:
﴿ فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ﴾
أن تؤمن وأنت في أتم درجات القوة، أن تؤمن وأنت غني، أما عند الموت فما من إنسان على الإطلاق إلا وتكشف له الحقائق التي جاء بها الأنبياء، ولكن عند فوات الأوان:
﴿ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا ﴾
هل يمكن لأيّ طالب أدى الامتحان وما نجح، نال الصفر، يعود إلى البيت فيفتح الكتاب المقرر، ويقرأ الإجابة ؟ هل تصدقون أن طالباً يجرؤ أن يقدم طلبا إلى وزير التربية أنه يمكن أن تعيد لي الامتحان بالسؤال نفسه، شيء مضحك.
فلذلك:
﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾
الآن نحن في نعمة لا تعدلها نعمة، نحن أحياء، والقلب ينبض، وفينا بقية من العمر، والتوبة ممكنة، والإصلاح ممكن، والاستغفار ممكن، وفتح صفحة مع الله ممكن، كل شيء ممكن، ما دام في العمر بقية، فإذا جاء ملك الموت انتهى كل شيء.
لذلك ورد في بعض الآثار أن الميت حينما يوضع في قبره أول ليلة ينادى " أن عبدي، رجعوا وتركوك، وفي التراب دفنوك، ولو بقوا معك ما نفعوك، ولم يبقَ لك إلا أنا، وأنا الحي الذي لا يموت.
( المليك ) يسترد حرية الاختيار التي أعطاك الله إياها.
جيء لسيدنا عمر بشارب خمر، فقال: << أقيموا عليك الحد، قال: والله يا أمير المؤمنين، إن الله قدر عليّ ذلك، فقال: أقيموا عليه الحد مرتين، مرة لأنه شرب الخمر ومرة لأنه افترى على الله، قال: ويحك يا هذا إن قضاء الله لم يخرجك من الاختيار إلى الاضطرار >>.
في اللحظة التي تتوهم فيها أنك مجبر على كل أفعالك فأنت مخطئ، أنت مخير فيما كلفت، لكن لستَ مخيرًا في أمك وأبيك، ولا في عصرك، ولا في مدينتك، ولا في كونك ذكراً أو أنثى، لكن العلماء أجمعوا على أن هذا الذي اختاره الله لك هو أكمل شيء، وليس في الإمكان أبدع مما كان، لكنك مخير فيما كلفت.
فلذلك عند الموت يسترد هذا الاختيار:
﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾
لا تملك شيئاً، أما الآن تملك أن تتوب، تملك ألا تتوب، تملك أن تصلي، تملك ألا تصلي، تملك أن تستقيم تملك أن تنحرف، أنت مخير، أما حينما يأتي الموت.
الآن المواطن مخير، لكن حينما يقتل مواطناً آخر يلقى القبض عليه، وعندئذٍ يفقد حريته، لأنه مخير.
فلذلك أيها الإخوة، حينما تقرؤون الفاتحة في كل صلاة تذكروا هذه الآية:
﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾
نتمتع اليوم بنعمة لا تعدلها نعمة.
ورد في بعض الآثار أنه النبي عليه الصلاة والسلام مر أمام قبر فقال:
(( صاحب هذا القبر إلى ركعتين مما تحقرون من تنفلكم خير له من كل دنياكم ))
[ ورد في الأثر ]
هناك شركات عملاقة، ميزانياتها تساوي ميزانيات خمس دول، شركة، لو أنك تملك هذه الشركة، هذا كلام النبي الصادق المصدوق. ﴿ وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى ﴾
( سورة النجم )
(( صاحب هذا القبر إلى ركعتين مما تحقرون من تنفلكم خير له من كل دنياكم ))
مثلاً: قال لنبي عليه الصلاة والسلام لعليٍّ
(( فَوَ اللَّهِ لأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلاً وَاحِداً خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ ))
[ رواه البخاري ومسلم، عن سهل بن سعدٍ رضي اللّه عنه ]
(( خَيْرٌ لَكَ مما طلعت عليه الشمس ))
(( خير لك من الدنيا وما فيها ))
﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ﴾
( سورة الكهف )
﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ * خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ ﴾
( سورة النجم )
ابدأ من النهاية:
إخوتنا الكرام، في البرمجة العصبية اللغوية قاعدة رائعة، تقول هذه القاعدة: " ابدأ من النهاية "، والمؤمن الصادق يبدأ من الموت، إذا بدأ من الموت أفلح في حياته، يقول: هذا العمل سأحاسب عليه، هذا الدخل مشبوه سوف أحاسب عليه، هذا الطلاق لا يرضي الله سأحاسب عليه، حينما تبدأ من النهاية تبدأ من وقفتك بين يدي الله عز وجل، عندئذٍ تستقيم على أمره.
4 ـ من معاني ( المليك ):
الآن من معاني: ( المليك ) كما جاء في الآية الكريمة: قُلْ:
﴿ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا ﴾
( سورة الفتح الآية: 11 )
يعني التوحيد فحوى دعوة الأنبياء، هل يعقل أن تضغط مضامين دعوة الأنبياء جميعاً بآية واحدة ؟ ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾
( سورة الأنبياء )
أهمية التوحيد في حياة المسلم:
ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد.
﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ﴾
( سورة الشعراء )
﴿ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا ﴾
والله أيها الإخوة، هناك قصة قصيرة جداً لا أشبع من تكرارها، لما كان الحسن البصري عند والي البصرة، وجاء توجيه من يزيد، يقول هذا الوالي للحسن البصري: " لو نفذت هذا التوجيه لأغضبت الله عز وجل، ولو لم أنفذه لأغضبت الخليفة وعزلني، فماذا أفعل ؟ بالتعبير اللغوي وقع في حيص بيص، أجابه إجابة والله ينبغي أن تكون شعار كل إنسان، قال له الحسن البصري: إن " الله يمنعك من يزيد، ولكن يزيد لا يمنعك من الله ".
فالمليك:
﴿ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا ﴾
أيّ خلل في أجهزتك تجعل حياة الإنسان جحيماً لا يطاق، فجأة خثرة في الدماغ تصيبك بشلل، وفي مكان بفقدِ البصر، وفي مكان بفقدِ الذاكرة.
لذلك أيها الإخوة، هذا الذي لا يدخل الله في حساباته ليس اليومية الساعية، كل ساعة، قبل أن تقول كلمة، قبل أن تصل، قبل أن تقطع، قبل أن تغضب، قبل أن ترضى، قبل أن تبتسم، قبل أن تتجهم، هل جهزت جواباً لله عز وجل ؟
مرة قال لي واحد: انصحني، يعمل في عمل بإمكانه أن يودع معظم الناس في السجن، التموين، أردت أن أقول له كلمة يصحو بها من غفلته، قلت له: ضع كل الناس في السجن، قال لي: ما هذا الكلام ! قلت له: إذا كنت بطلاً فهيئ لربك جواباً عن كل عمل تفعله.
فلذلك:
﴿ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا ﴾
أيها الإخوة،
﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ﴾
﴿ سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُواْ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 151 )
الآية التي بعدها: ﴿ الًّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾
( سورة الفرقان الآية: 2 )
مليك:
﴿ الًّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾
لست أنت المملوك، ليس بلدك هو المملوك، السماوات والأرض، والسماوات والأرض مصطلح قرآني يعني ما سوى الله، السماوات والأرض مصطلح قرآني يعني الكون، والكون ما سوى الله:
﴿ الًّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾
﴿ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ ﴾
( سورة الفرقان الآية: 2 )
﴿ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا ﴾
( سورة الإسراء )
لذلك ورد: " أن هناك ذنباً لا يغفر هو الشرك، وهناك ذنب لا يترك ما كان بين العباد وهناك ذنب يغفر ما كان بينه وبين الله ".
لماذا الشرك ذنب لا يغفر ؟ أوضح هذا بهذا المثل:
نحن في دمشق، وهناك إنسان له في حلب مبلغ ضخم جداً بالملايين، ومعه وثائق رسمية، والقبض الساعة الثانية عشرة من يوم السبت، توجه إلى محطة القطارات، وركب قطار حلب ـ دقق ـ قطع بطاقة من الدرجة الأولى، وركب في الدرجة الثالثة خطأ، وقع في خطأ، بطاقته من الدرجة الأولى، ركب بمركبة من الدرجة الثالثة، هذا خطأ، الخطأ الثاني اختار مكانا فيه شباب غير منضبطين فأزعجوه كثيراً في أثناء الرحلة، الخطأ الثالث جلس في مقعد بعكس اتجاه القطار فأصيب بالدوار، هذا خطأ ثالث، تلوّى من الجوع، وفي القطار مكان فيه مطعم، ولا يعلم ذلك، هذا خطأ رابع، يمكن أن يرتكب أخطاء كثيرة، لكن القطار في طريقه إلى حلب، وسوف يصل بالموعد المحدد، وسوف يقبض المبلغ، هذه الأخطاء كلها تنتهي مع وصول القطار، ركب في الدرجة الثالثة مع شباب غير منضبطين، بعكس اتجاه القطار، وهو يتلوى من الجوع، هذه كلها أخطاء، لكن هذه لا تعيق هدفه، أما الخطأ الذي لا يغتفر هو أن يركب قطار مدينة درعا، ليس له فيها شيء.
أنت مع كل ذنوبك لو توجهت إلى الله فالله عز وجل يقبلك، ويتوب عليك، ويغفر لك، أما لو توجهت إلى إنسان ضعيف مثلك، فقير مثلك، جاهل مثلك، الخطأ الذي لا يغتفر ؛ أن تتجه لغير الله.
لذلك الإمام الشافعي له دعاء، يقول: " يا رب لقد أطعتك في أحب الأشياء إليك، أطعتك في التوحيد، ولم أعصِك في أبغض الأشياء لك، الشرك، فاغفر لي فيما بين ذلك، اغفر لي ما بينهما ".
الآن:
﴿ لِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾
( سورة المائدة الآية: 120 )
الله مليك.
﴿ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾
( سورة المائدة )
تعلقت قدرته بكل ممكن.
والله أيها الإخوة، أمراض وبيلة، أورام من الدرجة الخامسة، شرايين مسدودة، حالات كثيرة يعجب لها الأطباء، صنفوها تحت باب الشفاء الذاتي، كلية توقفت عن العمل، موعد استئصالها بعد 8 أيام، خطر في بال الطبيب قبل أن يستأصلها أن يعيد التصوير، فإذا هي تعمل.
والله لي صديق أصيب بورم خبيث في رئتيه، والقصة من عشرين سنة، أُخذت منه خزعة وأُرسلت إلى بريطانيا، أبداً ورم خبيث من الدرجة الخامسة، والأطباء الذين تولوا معالجته قمم في البلد، والقرار قطعي ما في أمل أبداً، ثم شفي شفاء تاماً، ولا يزال حيا يرزق من عشرين سنة.
﴿ لِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾
يمكن أن يتحقق شيء ولا يقع في الخيال أبدا.
5 ـ من لوازم ( المليك ) الالتجاء إليه وحده:
حينما تعرف أن الله بيده كل شيء تتجه إليه وحده، تعلق الأمل عليه، لا تعلق أملاً على غيره، لا تضعضع إلا في أعتابه.
(( من جلس إلى غني فتضعضع له ذهب ثلثا دينه ))
[ رواه الطبراني عن أبي الدرداء ]
لا تتضعضع أمام قوي، عزيز النفس.
(( اطلبوا الحوائج بعزة الأنفس ؛ فإن الأمور تجري بالمقادير ))
[ أخرجه تمام وابن عساكر عن عبد الله بن بسر ]
((الإيمان بالقدر يذهب الهم والحزن ))
[ أخرجه الحاكم، والقضاعي عن أبي هريرة ]
الإيمان بالقدر نظام التوحيد، كل شيء وقع أراده الله، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
(( لِكُلِّ شَيْءٍ حَقِيقَةٌ، وَمَا بَلَغَ عَبْدٌ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ، وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ ))
[ رواه أحمد ]
6 ـ الدعاء باسم ( المليك ):
فلذلك: حينما تتعرف إلى اسم ( المليك ) تتجه إليه وحده، فعَنْ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ:
(( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَفَانِي، وَآوَانِي، وَأَطْعَمَنِي، وَسَقَانِي، وَالَّذِي مَنَّ عَلَيَّ فَأَفْضَلَ، وَالَّذِي أَعْطَانِي فَأَجْزَلَ، الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، اللَّهُمَّ رَبَّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكَهُ، وَإِلَهَ كُلِّ شَيْءٍ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ النَّارِ ))
[ أبو داود ]
قال لي أحدُهم: دخلي يغطي نفقاتي، قلت له: إذاً أصابتك دعوة رسول الله، قال: ماذا دعوته ؟ دعوته:
(( اللهم من أحبني فاجعل رزقه كفافاً ))
((الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَفَانِي، وَآوَانِي، وَأَطْعَمَنِي ))
لك بيت.
(( وأطْعَمَنِي وَسَقَانِي، وَالَّذِي مَنَّ عَليَّ فأفْضَلَ، وَالَّذي أعطانِي فأجْزَل الحَمْدُ لِلَّهِ على كُلّ حالٍ ؛ اللَّهُمَّ رَبَّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكَهُ، وَإِلهَ كُلِّ شَيْءٍ، أعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ ))
[ رواه أبو داود عن ابن عمر رضي اللّه عنهما ]
إذا عرفت ( المليك ) تتوجه إليه، وقد كان رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا أراد أن ينام دعا بهذا الدعاء.
الآن من أدعية النبي التي كان يكثرها في ضوء اسم ( المليك ):
(( سبحان الملك القدوس، سبحان الملك القدوس، سبحان الله وبحمده ))
[ رواه أبو داود عن عائشة رضي اللّه عنها ]
والحمد لله رب العالمين
السعيد
08-13-2018, 07:02 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الحادى و الاربعون )
الموضوع : اسم الله - الاحد - 1 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
من أسماء الله الحسنى: ( الأَحَد ):
أيها الإخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم ( الأحد ).
1 ـ ورود اسم ( الأَحَد ) في القرآن الكريم والسنة النبوية:
هذا الاسم ورد في القرآن الكريم في سورة الإخلاص:
﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ * ﴾
( سورة الإخلاص )
وقد ورد أيضاً في السنة الشريفة الصحيحة، فعن ابن ماجة، أخرج ابن ماجة عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً يقول:
(( اللَّهمَّ إِني أسألُكَ بأني أَشْهَدُ أنَّكَ أنْتَ اللهُ، لا إلهَ إلا أنتَ، الأحَدُ الصَّمَدُ، الذي لم يَلِدْ ولم يُولَدْ، ولم يكن له كُفُوا أحَدٌ، فقال عليه الصلاة والسلام: والذي نفسي بيده لقد سأل اللهَ باسمه الأَعظَمِ، الذي إِذا دُعِيَ به أجابَ، وإِذَا سُئِلَ بِهِ أعْطَى ))
( الأحَد ) اسم من أسماء الله الحسنى، ورد في سورة الإخلاص في قوله تعالى:
﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ * ﴾
وورد أيضاً في السنة الشريفة الصحيحة.
وقفة متأنية مع اسم الله الأعظم:
ولكن لا بد من وقفة عند اسم الله الأعظم:
اختلف العلماء في اسم الله الأعظم، فبعضهم قال: الرحمن، وبعضهم قال: الله، هذا الاختلاف يحسم بحقيقة رائعة، وهي أن اسم الله الأعظم هو الاسم الذي أنت بحاجة إليه في ظرف معين، فإذا كنت فقيراً فاسم الله الأعظم بالنسبة إليك هو اسم الغني، وإذا كنت ضعيفاً فاسم الله الأعظم بالنسبة إليك هو اسم القادر، وإذا كنت تائهاً فاسم الله الأعظم هو اسم الهادي، وكل هذه الأسماء تدور مع الإنسان، فتارةً التواب، وتارةً المغني، تارةً الرحيم، تارةً القوي، تارةً الناصر، فكل حالة أنت فيها هناك اسم من أسماء الله الحسنى هو بالنسبة إليك اسم الله الأعظم.
والذي يلفت النظر أنه ورد في القرآن الكريم في آية هي أصل في هذه الدروس:
﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾
( سورة الأعراف الآية: 180 )
إذا كنت مظلوماً فادعُ الله باسمه الناصر، وإذا كنت مضطراً فادعُ الله باسمه المجيب، وفي كل حال أنت فيه هناك اسم من أسماء الله الحسنى شفاء لك، وحصن لك، وأساس في حلّ مشكلتك.
المؤمن الصادقُ خاضع لله، متواضع مع خَلق الله:
أيها الإخوة، المؤمن الصادق يتعامل مع الله تعاملا يوميا، يتعامل مع الله تعاملا ساعيًا، المؤمن الصادق يناجي ربه، يستعين به، يستغفره، يتوب إليه، يتوكل عليه، يعبر لربه عن محبته، يا رب، إني أحبك، وأحب من يحبك، فكيف أحببك إلى خلقي ؟
ورد في بعض الآثار القدسية:
(( ذكرهم بآلائي، ونعمائي، وبلائي ))
[ ورد في الأثر ]
المؤمن الصادق له مناجاة مع الله، المؤمن الصادق يمرغ جبهته في أعتاب الله، المؤمن الصادق عزيز عزة لا توصف، لكن أمام الله فهو في منتهى الذل، في منتهى الانكسار، في منتهى الخضوع.
وهناك حقيقة تلفت النظر: كلما مرغت وجهك في أعتاب الله عز وجل رفعك الله، وزادك عزاً وقوةً وحكمةً، فبقدر ما تخضع له فيما بينك وبينه يرفع شأنك.
أنا لا أتصور أن في الأرض من آدم إلى يوم القيامة إنسانًا رفع الله ذكره كرسول الله عليه الصلاة والسلام، وأتصور أيضاً أنه من إنسان خضع لله، وكان عبداً، وفي أعلى درجات القرب في سدرت المنتهى كرسول الله عليه الصلاة والسلام، قال تعالى: ﴿ فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى ﴾
( سورة النجم )
الإنسان من شانه العبودية، والله من شأنه الربوبية، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ:
(( الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ ))
[ أخرجه الترمذي وابن ماجه ]
الله عز وجل يغفر لك آلاف الذنوب:
(( يَا ابْنَ آدَمَ، لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ، ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلَا أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطَايَا، ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لَأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً ))
[ الترمذي عن أنس ]
لكن ذرة واحدة من كبر تحجبك عن الله.
للتقريب: جاءك ضيوف كثر، وما عندك شيء تقدمه لهم، إلا كأس لبن أضفت خمسة أضعافه ماء، وجعلته شراباً سائغاً، الكأس من اللبن قبِل خمسة أضعافه ماء، لكن لا يقبل قطرة نفط واحدة، لأن هذه القطرة تفسده.
لذلك: " رُبَّ معصية أورثت ذلاً وانكساراً خير من طاعة أورثت عزاً واستكباراً ".
(( لو لم تذنبوا، لخفت عليكم ما هو أكبر ))
يا الله ! ما الذي هو أكبر من الذنب ؟ قال:
(( العجب ))
[ الجامع الصغير بإسناد حسن عن أنس ]
فشأن العبد أن يتذلل لمولاه، لكن المشكلة أن الذين شردوا عن الله يستكبرون على الله، وهو يتذللون، وينبطحون أمام عبد لئيم، فإن لم تكن عبداً لله فأنت عبد لعبد لئيم، والعبد اللئيم لا يرحم، ولا يسترضى، ولا يؤمَن جانبه، فإن لم تكن عبداً لله فأنت عبد لعبد لئيم.
2 ـ بين اسم ( الأَحَد ) والواحد:
أيها الإخوة، ( الأحد ) من مشتقات الواحد، الواحد ( الأحد )، فالواحد مفتتح العدد، أول عدد واحد، أما ( الأحد ) فهذه للنفي، ما جاء من أحد، أما الواحد فللإثبات، جاء واحد من القوم، في الإثبات تستخدم لفظ ( واحد )، وفي النفي تستخدم لفظ ( أحد )، ما أطلّ علي أحد من الخلق، ودعوت قوماً فجاءني منهم واحد، الواحد لا شريك له، لكن ( الأحد ) لا مثل له، وهناك فرق بينهما، الواحد من حيث الكم، أما الأحد فمن حيث النوع، فالواحد لا شريك له، أما ( الأحد ) فلا مثل له.
لذلك قال تعالى:
﴿ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً ﴾
( سورة مريم )
السمِيّ المشابه، هل تعلم مشابها لله عز وجل ؟ كل ما خطر ببالك فالله بخلاف ذلك.
أما الأحدية فقالوا: هي الانفراد ونفي المثلية، والانفراد لذاته، وصفاته، وأفعاله.
3 ـ من معاني ( الأحد ):
من معاني ( الأحد ) أنه يحتاجه كل شيء في كل شيء، وليس محتاجاً إلى شيء، يحتاجه كل شيء في الكون في كل شيء، وليس محتاجاً إلى شيء، أحد صمد، وجوده ذاتي، أما الإنسان فعبد لله، وجوده معتمد على إمداد الله له.
بين العبيد والعباد:
لذلك ورد في القرآن عبيد وعباد، والفرق بينهما كبير، العبيد جمع عبد القهر أما العباد جمع عبد الشكر، فأيّ إنسان ولو كان ملحداً، ولو كان كافراً، ولو كان فاجراً هو عبد لله، بمعنى أن حياته متوقفة على إمداد الله له، لو توقف القلب فأملاكه بالمليارات تنتقل إلى غيره، كان رجلاً فأصبح خبراً، قال تعالى:
﴿ وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ ﴾
( سورة المؤمنون الآية: 44 )
حتى العتاة، الطغاة، المستكبرون، الملحدون، الكافرون هم عبيد لله قهراً، وكل مكانتك الاجتماعية مبنية على ذاكرتك، وهناك حالات فقدِ الذاكرة، كل مكانتك الاجتماعية مبنية على حركتك، وأقل خثرة من الدم في أحد شرايين الدماغ تنتهي الحركة، كل مكانتك الاجتماعية، من عقلك، والعقل قد يذهب فجأة.
فلذلك أي إنسان مهما كان قوياً، ومهما كان متجبراً فهو عبد لله قهراً، هذه عبودية القهر، لكن المؤمن حينما عرف الله، وأحبه، وأقبل عليه، وأطاعه، وتقرب إليه فهذا عبد لله أيضاً من نوع آخر، هذا عبد الشكر، لذلك عبد القهر تجمع على عبيد.
﴿ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾
( سورة فصلت )
بينما عبد الشكر تجمع على عباد. ﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ﴾
( سورة الإسراء الآية: 65 )
فرق كبير بين عبيد وعباد.
أيها الإخوة الكرام، ( الأحد ) الفرد، الذي يحتاجه كل شيء في كل شيء، وليس محتاجاً إلى شيء، ويستحيل أن تحيط به. ﴿ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ﴾
( سورة البقرة الآية: 255 )
علم ما كان، وعلم ما يكون، وعلم ما سيكون، وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون.
النفي المجمَل والإثبات المفصَّل في أسماء الله وصفاته:
أيها الإخوة، من خصائص أسماء الله الحسنى أن الصفات الفضلى لله عز وجل أثبتتها النصوص الصحيحة من الكتاب والسنة، لكن هناك خصيصة دقيقة، النفي المجمل والإثبات المفصل.
يمكن أن تمدح إنسانا، وأن تقول: هذا ليس لئيماً، ولا بخيلاً، ولا مجرماً، أعوذ بالله، هذا مدح، من كمال الأدب مع الله عز وجل أن تنفي عنه النقص إجمالاً، ومن كمال الأدب مع الله عز وجل أن تثبت كماله تفصيلاً، هو رحيم، ودود، غني، لطيف، من كمال الأدب مع الله أن تنفي عنه النقص إجمالاً، ومن كمال الأدب مع الله أن تثبت صفاته الفضلى تفصيلاً، بعضهم قال في قوله تعالى:
﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً ﴾
( سورة الأنعام الآية: 115 )
﴿ كَلِمَةُ رَبِّكَ ﴾
هي القرآن الكريم، والقرآن الكريم بين دفتيه كل ما في القرآن الكريم لا يزيد على شيئين، أمر وخبر، فالله أمرَك أو أخبرَك، فأمره عدل، وخبره صدق، ما بين دفتي كتاب الله أمرٌ وخبرٌ، أمره عدل، وإخباره صدق، هذا معنى قوله تعالى: ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً ﴾
بعضهم قال: القرآن حمّال أوجه، يعني: يا عبادي منكم الصدق ومني العدل، تتفاوتون عندي بصدقكم، الصدق له معانٍ عميقة جداً، المعنى الساذج البسيط الذي يتبادر إلى ذهن كل الناس أن الإنسان إذا حدثك فهو صادق، هذا المعنى صحيح، لكن هناك صدق الأقوال، وهناك صدق الأفعال، أن تأتي أفعالك وفق أقولك.
مَن هم الأنبياء ؟ الذين ما رأى الناس مسافة إطلاقاً بين أقوالهم وأفعالهم، مَن هم المنافقون ؟ الذين رأى الناس بوناً شاسعاً بين أقالهم وأفعالهم.
فيا عبادي منكم الصدق، ومني العدل.
أو:
﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً ﴾
هذا تمهيد، بعضهم قال: لا، ما بين دفتي القرآن وصف للواحد الديان، وأمر وخبر، فسورة الإخلاص تعريف بالله، فهي ثلث القرآن، هذه السورة تعدّ عند بعض العلماء ثلث القرآن الكريم.
معرفة الله والطريق إليها:
أيها الإخوة، السبب أن أصل الدين معرفة الله عز وجل، هذه كلمة للإمام علي رضي الله عنه: أصل الدين معرفته، وشرف العلم من شرف المعلوم، فمن الممكن أن تكتب دراسة مطولة على قصيدة الإلياذة لهوميروس، قصيدة قيلت في عصور قديمة جداً، وكلها ضلالات وآلهة وشرك، فإذا درس الإنسان هذه القصيدة دراسة مفصلة، وإنسان درس أسماء الله الحسنى، فشرف العلم من شرف المعلوم، وفضل العلم بالله على العلم بخلقه كفضل الله على خلقه، فكلما ارتفع مضمون العلم ارتفع المتعلم، وكلما ارتفع موضوع العلم ارتفع المتكلم.
لكن أيها الإخوة، طرقُ معرفة الله عز وجل ثلاث، يمكن أن نعرفه من آياته الكونية من الكون، خلقه، ويمكن أن نعرفه من آياته التكوينية أفعاله، ويمكن أن نعرفه من كلامه قرآنه، آياته الكونية عن طريق التفكر، وآياته التكوينية عن طريق النظر، وآياته القرآنية عن طريق التدبر.
آياته الكونية عن طريق التفكر:
﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾
( سورة آل عمران )
أما آياته التكوينية أفعاله:
﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾
( سورة الأنعام )
مستحيل وألف ألف مستحيل أن تطيعه وتخسر، مستحيل وألف ألف ألْف مستحيل أن تعصيه وتربح، مستحيل وألف أَلف ألف مستحيل أن تقبل عليه وتُذل، ومستحيل وألف ألف أَلف مستحيل أن تُعرض عنه وتعز، سبحانك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت.
أما آياته القرآنية: ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾
( سورة محمد )
إذاً: هناك طرق ثلاثة لمعرفة الله: خلقه عن طريق التفكر، وأفعاله عن طريق النظر، وقرآنه عن طريق التدبر.
العلمُ بخَلق الله والعلمُ بأمر الله والعلمُ بالله:
أما العلوم فتقسم إلى أقسام ثلاثة علم بخلقه، هذا اختصاص الجامعات في الأرض، علم الفلك، الفيزياء، الكيمياء، الرياضيات، علم الذرة، علم النفس، علم الاجتماع، علم النفس التربوي، الجغرافيا، التاريخ، علم بخلقه، والعلم بخلقه أصل في صلاح الدنيا.
والمسلمون إذا أهملوا اختصاصاً هم في أمس الحاجة إليه، وتفوق بالاختصاص عدوهم، أثموا جميعاً، وعلم بأمره، هذا اختصاصات كليات الشريعة في العالم الإسلامي افعل ولا تفعل، الحلال، والحرام، والقرض، والوكالة، والحوالة، والكفالة، أحكام الزواج، أحكام الطلاق هذا علم بأمره.
النقطة الدقيقة: أن العلم بخلقه، وأن العلم بأمره يحتاجان إلى مدارسة، كلمة مدارسة تعني أستاذا، طالبا، كتابا، محاضرة، مراجعة، حفظا، تلخيصا، امتحانا، شهادة، هذه مدارسة، فالعلم بخلقه يحتاج إلى مدارسة، والعلم بأمره يحتاج إلى مدارسة، لكن نتائج العلم بخلقه، ونتائج العلم بأمره هذه المعلومات تستقر في الدماغ، قد يكون الإنسان أمهر طبيب في الأرض، وهو لئيم لؤماً لا يوصف، قد يكون بأعلى اختصاص، ويسلك سلوكاً لا يرضي.
فالعلم بأمره وبخلقه معلومات دقيقة جداً تحتاج إلى ذاكرة، إلى متابعة، إلى دراسة، إلى انتباه... والنتيجة معلومات تستقر في الدماغ، ولا علاقة لها بالسلوك.
العلم بالله وثمراته في الإنسان:
إن العلم به يحتاج إلى مجاهدة، قال بعض علماء القلوب: جاهد تشاهد، العلم به يحتاج إلى ضبط الجوارح، ضبط اللسان، ضبط الدخل، ضبط الإنفاق، ضبط البيت، يحتاج إلى بذل، إلى عطاء، إلى خضوع لله عز وجل، إلى عمل صالح، إلى تضحية، إلى إنجاز للوعد، تحقيق للعهد، يحتاج إلى أخلاق، من ثمار العلم به أن الله يلقي في قلبك الآمن، والأمن أثمن نعمة على الإطلاق.
﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ *الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾
( سورة الأنعام )
والله أيها الإخوة، في قلب المؤمن أمنٌ لو وُزِّع على أهل بلد لكفاهم.
ومن ثمار معرفة الله عز وجل الرضى، السكينة تسعد بها ولو فقدتَ كل شيء، وتشقى بفقدها، ولو ملكت كل شيء، الحكمة، السكينة، الرضى، الرحمة، النور يقذف في قلبك، ترى الحق حقاً والباطل باطلاً.
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ ﴾
( سورة الحديد الآية: 28 )
من ثمار العلم به: أن العقل يهتدي، وأن النفس لا تشقى.
﴿ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ﴾
( سورة طه )
لا يضل عقله، ولا تشقى نفسه، من ثمار معرفة الله عز وجل: أنه لا خوف على هذا المؤمن، ولا هو يحزن، هاتان الكلمتان غطتا الماضي، والحاضر، والمستقبل.
﴿ فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾
( سورة البقرة )
لا يضلك عقلك، ولا تشقى نفسك، ولا تندم على ما فات، ولا تخشى مما هو آت، كل الخير، كل السعادة، كل الرضى، كل السلامة، كل الذكاء في معرفة الله، وطاعته:
﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾
والحمد لله رب العالمين
السعيد
08-13-2018, 07:04 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الثانى و الاربعون )
الموضوع : اسم الله - الاحد - 2 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
من أسماء الله الحسنى: ( الأحد ):
1 – بين ( الأحد ) والواحد:
أيها الإخوة الكرام، لا زلنا في اسم ( الأحد )، وقد بينت في اللقاء السابق أن الواحد الذي لا شريك له، والذي لا ند له، ولا مثيل له، ولا مشابه له.
لا يغيب عن بالكم أن الأعداد على نوعين، أعداد كمية، وأعداد نوعية، فقد تقول: التقيت بأربعة طلاب، هذا عدد كمي، وقد تقول: هذا الطالب ترتيبه في النجاح الرابع، الرابع نوعي، الأربعة كمي.
لذلك الله واحد لا شريك له، لكن الله أحد أي لا ند له، ولا شبيه له، ولا مماثل له.
2 – الكون يشهد أن الله ( الأحد ) الفرد الصمد:
أيها الإخوة، هذا الكون العظيم، كلمة كون عبر عنها القرآن الكريم بالسماوات والأرض، والكون أو السماوات والأرض ما سوى الله، في هذا الكون حقيقية واحدة، أحدية هي الله، الحق كل ما يؤكد وجود الله، ووحدانيته، وكماله، هو الحق، والحق كل عمل تتقرب به إلى هذه الحقيقة الوحيدة الأحدية، اعتقادًا: كل ما يؤكد وجود الله ووحدانيته، وكماله هو الحق، وسلوكاً كل عمل يقرب إليه هو الحق، هذا كلام شمولي، وأما الباطل فكل ما يغفل هذه الحقيقة العظمى الأحدية أن الله موجود، وأن الله واحد، وأن الله كامل، فهو الباطل، أي توجه إلى غير الله، أيّ تشريع صادر عن غير منهج الله، أي تقييم لعمل بعيد عن منهج الله، أي شيء يبتعد عن الله، فهو الباطل، بل أي عمل يبعدك عن الله أو يجعل حجاباً بينك وبين الله فهو باطل، هذا كلام شمولي.
الله عز وجل أحد، واحد أحد، فرد صمد، لم يلد، ولم يولد، هو الحقيقة الأحدية، ولا شيء سواه، ما سواه خاضع له، فأيّ فكر، أيّ كتاب، أي تأليف، أية قصة أي عمل، أي طرح، أي تفسير، أي تعليق يؤكد وجود الله، ويؤكد وحدانيته، ويؤكد كماله فهو الحق، وأي إغفال، أو إبعاد عن هذه الحقيقة فهو الباطل، وأي عمل يقرّب إليه فهو السلوك الحق، وأي عمل يحجب عنه فهو السلوك الباطل، هذا تعريف جامع مانع للحق والباطل.
الخير كله في اتباع منهج الواحد الأحد:
كلُّ عمل، أو كل تصور ينطلق من منهج الله فهو الخير، وكل عمل، أو كل تصور يناقض منهج الله عز وجل فهو الشر، وإذا بدا على شبكية العين أنه ممتع، أو أنه نافع، لكن في المآل يعد هذا شراً.
إذاً: الخير ما جاء به وحي السماء، وما ناقضه فهو شر، وإن بدا للناس ممتعاً أو مريحاً، أو يعد كسباً لهم.
الجمال الحقيقي كل ما اشتق من الله عز وجل، من تصور، أو من موقف، أو من عمل فهو الجمال الحق، وهناك جمال الأخلاق، وجمال التواضع، وجمال الوفاء، وجمال الرحمة، فأيّ سلوك، وأيّ تصور لم يؤخذ من منهج الله عز وجل، بل أيّ سلوك تفلت من منهج الله فهو القبح بعينه، هذه الحقيقة الأحدية هي ميزان الحق، والخير، والجمال.
الحق والباطل واللعب:
ولكن لا بد من وقفة متأنية: ما هو الحق ؟ الحقيقة أن الحق لابس خلق السماوات والأرض، فكل شيء خلقه الله عز وجل هو حق، كيف ؟ الآية الكريمة:
﴿ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ﴾
( سورة التغابن الآية: 3 )
قال علماء التفسير: لابس الحق، فالحق مشى مع كل شيء خلقه الله، ولابس خلق السماوات والأرض.
أيها الإخوة، ما تعريف الحق ؟ أحياناً الله عز وجل وصف آيات القرآن الكريم بأنها مثاني، قال بعض العلماء: إن كل آية تنثني على أختها فتفسرها.
مثلاً: الله عز وجل قال: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ﴾
( سورة ص الآية: 27 )
الآية الثانية: ﴿ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ﴾
ما هو الحق ؟ نقيض الباطل، ما هو الباطل ؟ الشيء الزائل، فأي شيء باقٍ على الدوام إلى أبد الآبدين هو الحق، وأي شيء زائل هو الباطل، وقد قال الله عز وجل: ﴿ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً ﴾
( سورة الإسراء )
وزهوق على وزن فعول، وفعول من صيغ المبالغة، وإذا بالغنا في الشيء فالمبالغة تتجه إلى الكم والنوع، يعني أكبر باطل بالمئة السنة الماضية، الباطل الذي شغل نصف العالم الشرقي، والذي رفع شعار: ( لا إله )، ألم ينتهِ ؟ ﴿ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً ﴾
هذا الباطل عنده من القنابل النووية ما يدمر به القارات الخمس خمس مرات، ومع ذلك:
﴿ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً ﴾
يعني مليون نوع من الباطل زاهق، وأكبر باطل زاهق، فصيغة المبالغة تنصب على الكم أو النوع.
فلذلك:
﴿ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ﴾
تعريف الحق: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ﴾
فالحق نقيض الباطل، والباطل هو الشيء الزائل، إذاً: الحق هو الباقي، فكم من مذهب وضعي ظهر في الأرض ؟ كم من إيديولوجيات مِن صنع الإنسان ظهرت، ثم انتهت، بل ثم أصبحت في الوحل ؟ لأنها باطلة، أما هذا الدين العظيم، مع أن العالم كله في قاراته الخمس يحاربه، بل إن حرباً عالمية ثالثة أُعلنت على هذا الدين وهو شامخ كالطود، وهو يزداد نمواً، بل هو الدين الأول نمواً.
هذا الذي دعا بعض العلماء الغربيين الذين هداهم الله إلى الإسلام، وقد زاروا جالية إسلامية في بريطانيا، وزارنا عالم كبير في دمشق، وذكرت له هذا القول، فقال: أنا سمعت هذا القول من فمه، وقاله أمامي، قال: أنا لا أصدق أن يستطيع العالم الإسلامي اللحاق بالغرب على الأقل في المدى المنظور، لاتساع الهوة بينهما، ولكنني مؤمن أشد الإيمان أن العالم كله سيركع أمام أقدام المسلمين، لا لأنهم أقوياء، ولكن لأن خلاص العالم في الإسلام، بشرط أن يحسنوا فهم دينهم، وأن يحسنوا تطبيقه، وأن يحسنوا عرضه على الطرف الآخر.
هناك معنى آخر: الله عز وجل قال:
﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ ﴾
( سورة الأنبياء )
ما هو اللعب ؟ هو العبث، عمل بلا هدف، كاثنين جلسا ليلعبا النرد إلى الساعة الثالثة ليلا، ماذا ينتج عن هذا ؟ عمل بلا هدف، تضييع للوقت، بتعبير آخر قتل للوقت، أما لو قرأت كتابا، لو التحقت بجامعة، وقرأت الكتاب المقرر، وفيه امتحان، ونجحت أخذت شهادة، الشهادة فيها تعيين، والتعيين فيه دخل، الدخل معه زواج، الزواج معه بيت، وعمل، أي أثر مستقبلي، هذا الباطل تضييع للوقت.
بالمناسبة أيها الإخوة، الإنسان وقت، الإنسان بضعة أيام، كلما انقضى يوم انقضى بضع منه، وما من يوم ينشق فجره، إلا وينادي: يا ابن آدم ! أنا خلق جديد، وعلى عملك شهيد، فتزود مني فإني لا أعود إلى يوم القيامة.
إذاً: الحق نقيض الباطل، والباطل الشيء الزائل، الحق إذاً الشيء الثابت والباقي والدائم.
الحق نقيض اللعب، واللعب هو العبث، والعبث عمل بلا أثر مستقبلي.
من صفات اللعب: لما يشتري الأب سيارة صغيرة لابنه، ويمضي وقتاً طويلاً في تحريكها فوق أثاث البيت، يرافق هذا التحريك صوت منه يدل على صعوبة الطريق، هذه السيارة الصغيرة تملأ عالمه كله، فلو أخذتها منه يكاد يموت من البكاء، حينما يصبح طبيباً، ويُذكر بأعماله ألا يضحك على نفسه ؟
من صفات اللعب أنك إذا تجاوزته رأيته صغيراً، هذا لعب، وقت ضائع، عمل لا طائل منه، عمل لا هدف له، عمل لا جدوى منه.
فلذلك ورد في بعض الأحاديث:
(( إن الله يحب معالي الأمور وأشرافها، ويكره سفسافها ودنيها ))
[ أخرجه الطبراني عن حسين بن علي ]
قال تعالى: ﴿ وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى ﴾
( سورة النجم )
هناك إنسان في الأفق الأعلى، و إنسان في الأفق الأدنى، إنسان تشغله معالي الأمور، وإنسان يعيش في سفسافها ودنيها، فلذلك الحق هو الشيء الثابت والهادف، ليس باطلاً فهو ثابت، وليس عبثاً فهو هادف.
الإنسان أين بطولته ؟ أين ذكاءه ؟ أين عقله ؟ في أن يربط نفسه مع الحق، فإذا ربط نفسه مع الحق فله مستقبل في الدنيا والآخرة، أما إذا ربط نفسه مع الباطل، ما دام هذا الباطل قائماً ينعم به، فإذا أزيح الباطل انتهى معه، فكل الذكاء، وكل البطولة، وكل النجاح، وكل الفلاح، وكل التوفيق، أن تربط نفسك مع الحق الأزلي الأبدي، الثابت الباقي في الدنيا والآخرة.
هؤلاء الذين وقفوا مع النبي الكريم في محنته، في أقسى أيام الدعوة، أين هم الآن ؟ في أعلى عليين، أسماءهم في لوحة الشرف، وهؤلاء الذين انضموا للباطل القوي الغني، قريش بقدرتها، وغناها، وأسلحتها، وحقدها، وفتكها، أين هم الآن ؟ في مزبلة التاريخ.
أيها الإخوة، هذا كلام دقيق، الله عز وجل واحد أحد، فرد صمد، الحقيقة الإلهية حقيقة أحدية، وأيّ تصور، وأيّ فكر، وأيّ طرح يؤكد وجود الله ووحدانيته وكماله فهو الحق، وأي سلوك يقرب إليه فهو الحق، وأي إغفال لهذه الحقيقة الأحدية فهو الباطل، وأي سلوك يبعد عنها فهو الباطل، من هنا كانت البطولة أن تكون مع الحق، وأن تكون مع الشيء الثابت.
يروى أن أحد خصوم أبي حنيفة النعمان التقى به عند جعفر المنصور، أراد هذا الخصم أن يوقع أبا حنيفة في حرج كبير، قال له: إذا أمرني الخليفة ـ هو في حضرة الخليفة ـ أن أقتل إنساناً، أأقتله أم أتريث ؟ فلعله مظلوم ؟ فسأله: هل الخليفة على الحق أم على الباطل ؟ قال له: على الحق، قال له: كن مع الحق، سؤال محرج جداً في حضرة الخليفة، وكان شديداً قاسياً جداً، فسأله أبي حنيفة: الخليفة على الحق أم على الباطل ؟ لا يتجرأ أن يقول: على الباطل، قال له: على الحق، قال له: كن مع الحق، فلما خرج قال: أراد أن يقيدني فربطته.
إخواننا الكرام، مرة ثانية النجاح كل النجاح، الفلاح كل الفلاح، الفوز كل الفوز التفوق كل التفوق، البطولة كل البطولة، أن تكون مع الحق، مع الثابت، أن تكون مع الله، سبحانك إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت.
كل متاع الدنيا إلى مللٍ وفناء:
عندنا حقيقة دقيقة جداً في هذا الدرس، لأنك مخلوق لمعرفة الله، لأنك مخلوق لجنة عرضها السماوات والأرض، أنت في أصل التصميم لا نهائي، فلا شيء يملؤك إلا الله، وقد تختار وظيفة، بعد أن تصل إليها تمل منها، تختار المال بعد أن تحوزه تمل منه، قد تختار المرأة، الشيء الأول الذي يمتعك بعد حين تمله، كل شيء ما سوى الله يمل، وكل شيء ما سوى الله يخبو لمعانه، وكل شيء ما سوى الله لا يمكن أن يمدك بسعادة مستمرة، بل متناقصة، هكذا شاءت حكمة الله.
هؤلاء الذين بلغوا كل أهدافهم المادية، يعيشون بحالة ملل، وسقم، لأن نفسه مصممة بأن تعرف الله.
بشكل أو بآخر حينما تختار هدفاً أرضياً، وأنت مصمم لمعرفة الله، هذا الهدف ما دام بعيداً عنك لعلك تحلم به، فإذا وصلت إليه انتهى، هذه مشكلة الناجحين في الحياة.
لذلك هناك جسر بين قارتين، يعد ثاني جسر في العالم، في أثناء افتتاحه افتتحه رئيس الجمهورية، وإلى جانبه المهندس من بلد يعد أحد خمسة مهندسين في العالم، بعد أن قص الشريط الحريري ألقى بنفسه في البحر، فنزل ميت، فذهبوا إلى غرفته في الفندق فرأوا ورقة كتب عليها: ذقتُ كل شيء في الحياة، فلم أجد لها طعماً، فأردت أن أذوق طعم الموت.
ليس ثمة أصعب من إنسان يعيش بلا هدف، إن ربطت نفسك مع الحق فأنت مع الله، أنت مع الباقي، الأزلي، الأبدي، الذي كل شيء بيده، وإن لم تصل لهذه الحقيقة فقد تستمتع بالمال أحياناً، بالمرأة أحياناً، بقصر، ببيت، بمركز، بمنصب، هذه الأشياء بعد أن تصل إليها تفقد لمعانها، ويخبو بريقها، وتشعر أنها أصغر بكثير بما كنت تتوقع.
﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ﴾
( سورة الكهف )
مستحيل وألف ألف أَلف مستحيل أن تسعد بغير الله، والدليل: ﴿ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾
( سورة الرعد )
هناك فراغ في النفس لا يملؤه المال، لا يملؤه المنصب، لا تملؤه الزوجة الجميلة، لا يملؤه إلا معرفة الله.
أنت في أصل التصميم مصمم لمعرفة الله، فأي شيء ما سوى الله صغير جداً أمامك، قبل أن تصل إليه تتوقع أنه سيسعدك، لكن بعد أن تصل إليه تكتشف الحقيقة المرة ؛ أنه ليس بشيء.
أحياناً في البدايات يكون المال كل شيء، وفي منتصف الحياة المال شيء، أما على فراش الموت المال ليس بشيء، لهذا مرة عليه الصلاة والسلام قال: (( صاحب هذا القبر، إلى ركعتين مما تحقرون من تنفلكم خير له من كل دنياكم ))
[ ورد في الأثر ]
خاتمة:
إذاً: معنى أن الله ( الأَحَد ) يعني حقيقة أحدية، وأيّ شيء يؤكد وجوده وكماله، ووحدانيته فهو الحق، وأي سلوك يقرب إليه فهو الحق، وأي تصور يغفل ذاته العلية فهو باطل، وأي حركة تبعدك عنه فهي الباطل، فلذلك كن مع الحق، ولا تخشَ أحداً، كن مع الحق فالمستقبل لك، كن مع الحق فخطك البياني في صعود مستمر.
﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ ﴾
( سورة فصلت )
والحمد لله رب العالمين
السعيد
08-13-2018, 07:06 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الثالث و الاربعون )
الموضوع : اسم الله - السبوح - 1 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: ( السُّبُّوح ):
أيها الإخوة الأكارم، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم هو اسم ( السَّبُّوح ).
1 ـ ورودُ اسم ( السُّبُّوح ) في السنة المطهرة:
فقد ورد هذا الاسم في السنة المطهرة، ففي صحيح مسلم عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( كَانَ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَبُّ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ ))
[ رواه مسلم وأبو داود، والنسائي ]
2 ـ معنى ( السُّبُّوح ):
( السُّبُّوح ) من التسبيح، والتسبيح هو التعظيم والتنزيه.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً
ولا بد من وقفة متأنية إذ أن الله سبحانه وتعالى حينما قال:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً ﴾
( سورة الأحزاب )
الأمر ينصب لا على الذكر، بل على الذكر الكثير، لأن المنافق يذكر الله، يقول الله عز وجل عن المنافقين: ﴿ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً ﴾
( سورة النساء )
إذا قال الله عز وجل:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً ﴾
فالأمر ينصب على كلمة ( كثيرًا )، قياساً على هذه القاعدة، الله عز وجل يصف الذي لا يصلي في الدنيا: ﴿ إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ ﴾
( سورة الحاقة )
تحت عظيم خط، بمعنى أن إبليس كان يؤمن بالله، الدليل: ﴿ قَالَ فَبِعِزَّتِكَ ﴾
( سورة ص الآية: 82 )
آمن به رباً، وآمن به عزيزاً. ﴿ قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾
( سورة الأعراف )
آمن باليوم الآخر، قال: ﴿ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ ﴾
( سورة الأعراف )
آمن به خالقاً، فإذا قال الله عز وجل:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً ﴾
فإن الأمر يتجه إلى الذكر الكثير، لذلك قالوا: برئ من النفاق مَن أكثر مِن ذكر الله، وبرئ مِن الشح مَن أدى زكاة ماله، وبرئ مِن الكِبر مَن حمل حاجته بيده.
إذاً: إذا قال الله عز وجل
﴿ اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً ﴾
لابد من التسبيح الحقيقي:
فالمطلوب هو الذكر الكثير، وإذا أمرنا أن نسبح الله فالمقصود التعظيم والتنزيه.
معنى: ( سُبُّوح ): أي هو الذي يُسبَّح ويُقدس، و( السُّبُّوح ) على وزن فعلول، أو على وزن فعول، مبالغة مِن سبّح يسبح تسبيحاً، أي أنه مهما سبحته فلا يمكن أن تصل إلى ما ينبغي، ومهما قدسته فلا يمكن أن تصل إلى ما ينبغي، لأن ( السُبُّوح ) من صيغ المبالغة، وإذا وردت أسماء الله الحسنى بصيغة المبالغة فتعني الكم والنوع، فلو سبّحته كلُّ الخلائق فلا يكفي، لأن التسبيح كما ينبغي، ولو سبحه أعظم الخلائق، النبي عليه الصلاة والسلام سيد ولد آدم، وهو في سدرة المنتهى تسبيحه ليس كما يمكن أن يكون مع الله عز وجل، لأنه لا يعرف الله إلا الله.
أيها الإخوة، إذا قال واحد منا: فلان سبح في كلامه، أي أكثر من تسبيح الله، لكن في هذه اللغة العظيمة التي اختارها الله لغة لكلامه.
﴿ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ﴾
( سورة الشعراء )
بكلمة يمكن أن تعبر عن جملة، هذا اسمه النحت، فإذا قلت: سبحان الله، يقال: فلان سبحل، فإذا قلت: أدام الله عزك، يقال: فلان دمعز، فإذا قلت: لا حول ولا قوة إلا بالله يقال: فلان حوقل، فإذا قلت: لا إله إلا الله يقال: فلان هلّل، فإذا قلت: الله أكبر يقال: فلان كبّر، هذا من دقائق اللغة العربية.
أيها الإخوة، التسبيح، التعظيم، تعظيم الله في كل كمالاته، هو غني عن تعظيمنا، لكننا إذا عظمناه سعدنا بقربه في الدنيا والآخرة. ﴿ إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾
( سورة الزمر الآية: 7 )
لكن إذا سبحناه فمن أجلنا، من أجل سعادتنا، من أجل سرورنا، من أجل طمأنينتنا، من أجل أن نكون موفَّقين، فلذلك: ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴾
( سورة الأعلى )
هذا أمر إلهي بالتسبيح، التسبيح كالتعظيم، فحينما تسبح الله فأنت في الأفق الأعلى، أنت في عظائم الأمور، لا في سفاسفها.
قد يشتغل الإنسان بالسفاسف، متى يندم ؟ حينما يرى أنه ضيع حياته في سفاسف الأمور، ونسي الآخرة التي هي العطاء الكبير، فإذا فات الإنسانَ هذا العطاءُ فاته كل شيء. ﴿ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾
( سورة الزمر الآية: 15 )
3 ـ كل شيءٍ يقرِّبك من الله هو تسبيحٌ:
حينما تفكر في كمال الله، في رحمته، في حلمه، في قوته، في قدرته، في لطفه، في جبروته، في انتقامه، هذه كلها كمالات الله، لأن الله عز وجل يقول:
﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾
( سورة الأعراف الآية: 180 )
إن جزءَا كبيرا من عبادتك أن تسبح الله عز وجل، فلو حدثتنا عن المجرات، ولم تقل: سبحان الله، فحديثك عن المجرات تسبيح لله، إن حدثتنا عن العين، إن قرأت كتاباً في الفقه، وعظمت هذا الأمر الإلهي فأنت بهذا تسبح الله، فأيّ شيء يقربك من الله هو تسبيح، أي ذكر لله تسبيح، أيّ ذكر لآياته تسبيح، أي شرح لقرآنه تسبيح، فأنت تسبح في كمالاته، والسبح هو الفراغ. ﴿ إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحاً طَوِيلاً ﴾
( سورة المزمل )
معك مجال لا ينتهي، المال ينتهي، تأكل فتشبع، ترتدي ثياباً جديدة، تنام على السرير، هذا السقف، لو معك مليارات، لو تملك أموال أهل الأرض، لا يمكن أن تأكل إلا وجبة تملأ بها معدتك، ثم تنام على سرير واحد، وترتدي ثوباً واحد.
المشكلة أيها الإخوة أن الدنيا محدودة، ولها سقف، لكنك إذا خرجت من ذلك لمعرفة الله فهناك اللانهاية، هناك تتصل بخالق السماوات والأرض.
4 ـ التسبيح تنزيه الله عن كل شيءٍ لا يليق به:
إذاً: التسبيح هو التعظيم، تعظيم الله عز وجل في كمالاته، والتسبيح تنزيه الله عن الصاحبة والولد.
﴿ مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَداً ﴾
( سورة الجن )
والتسبيح تنزيه الله عن كل ما لا ينبغي له، فقد يقول لك أحدُهم: فلان خَلَقه كافراً، وكتب عليه الكفر، وجاء إلى الدنيا، وحقق إرادة الله، فاستحق النار إلى أبد الآبدين، من قال لك ذلك ؟ هذا عكس التسبيح. ﴿ وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ ﴾
( سورة سبأ )
﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ ﴾
( سورة الأنعام )
أن تتوهم أن الله أجبر عباده على أفعالهم، فكيف يحاسبهم وقد أجبرهم على أفعالهم ؟ لمن الحجة إذاً ؟ قال تعالى: ﴿ قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ ﴾
( سورة الأنعام الآية: 149 )
5 ـ من التسبيح تنزيه الله عن الظلمِ:
فمن التسبيح أن تنزهه عن الظلم.
﴿ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ ﴾
( سورة غافر الآية: 17 )
﴿ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ ﴾
( سورة التوبة الآية: 70 )
﴿ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾
( سورة النساء )
﴿ وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ ﴾
( سورة الأنبياء )
أيها الإخوة، التسبيح أن تنزه الله عن الصاحبة والولد، وأن تنزه الله عن كل ما لا ينبغي له، بل أن تنزهه عن الشريك والند والضد.
6 ـ من معاني التسبيح:
وقال بعضهم: ( السُّبُّوح ) له أوصاف الكمال والجمال، الإنسان ماذا يحب ؟ بعضهم أجمل ما يحبه الإنسان في ثلاث كلمات، الإنسان يحب الكمال والجمال والنوال، يحب العطاء، يحب الجمال، يحب الكمال، والله سبحانه وتعالى مصدر للجمال والكمال والنوال، أفعاله كاملة، الاتصال به يسعد، منحك نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، ونعمة الهدى والرشاد، فأنت تحب الجمال والكمال والنوال، وهذه من عند الله، هو منبع الجمال، والكمال والنوال، إذاً: له أوصاف الكمال والجمال بلا نقص، وله الأفعال المقدسة عن الشر والسوء.
﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 26 )
لم يقل والشر، لأن الشر المطلق لا وجود ه في الكون.
أيها الإخوة: ﴿ تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ﴾
( سورة الإسراء الآية: 44 )
7 ـ كلُّ شيءٍ في الكون يسبِّح اللهَ:
ألا يستحي الإنسان أن يكون كل شيء في الكون يسبح الله عز وجل، والإنسان غافل ؟
إلى متى أنت في اللذات مشغول وأنت عن كل ما قدمت مسؤول
***
﴿ تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ﴾
﴿ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً ﴾
( سورة الإسراء )
﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ ﴾
( سورة الحج الآية: 18 )
سجودها عبادة لخالقها، لكن لا نفقهها.
﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ ﴾
تعصي الإله وأنت تظهر حبه ذاك لعمري في المقال شنيع
لو كان حبك صادق لأطـعته إن المحب لمن يحب يطيـع
***
شيء آخر أيها الإخوة: ﴿ وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ﴾
( سورة البقرة الآية: 47 )
حجر يهبط من خشية الله بنص القرآن الكريم، والإنسان قلبه كالحجر، لا يتأثر ولا يرحم، ولا يبكي، ولا يخشع. ﴿ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾
( سورة البقرة )
علم الله هبوطها من خشيته، أنا أطلعكم على آيات قرآنية تتحدث عن تسبيح الكون له، فإذا كان الإنسان غافلاً فما موقفه يوم القيامة ؟.
أيا غافلاً تبدي الإساءة والـجهلا متى تشكر المولى على كل ما أولى
عليك أياديه الكرام وأنت لا تراه كأنك العين عمياء أو حــــولا
لأنت كمزكوم حوى المسكَ جيبُه ولكنه الـــمحروم ما شمه أصلا
***
ألا يستحي الإنسان أن يكون كل من في الكون يسبح الله عز وجل وهو غارق في شهواته ونزواته ؟!!
8 ـ معنى سُبُحَاتُ وَجْهِهِ:
ما معنى سُبُحات وجه الله ؟ قالوا: أنوار وجه الله، قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام مسلم عنه صلى الله عليه وسلم:
(( حِجَابُهُ النُّورُ، لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ ))
سُبُحات وجهه ؛ أنوار وجهه.
(( حِجَابُهُ النُّورُ، لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ ))
﴿ وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً ﴾
( سورة الأعراف الآية: 143 )
دُكَّ الجبلُ. ﴿ وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾
( سورة الأعراف )
لذلك قال تعالى: ﴿ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ ﴾
( سورة الأنعام الآية: 103 )
لكن العقول تصل إليه من خلال الكون، تعرفه، وفي الدنيا لا يستطيع كائناً من كان أن يرى الله إلا في الآخرة. ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾
( سورة القيامة )
ورد في بعض الآثار أن الإنسان أحياناً ينظر في الجنة إلى وجه الله الكريم فيغيب من نشوة النظرة خمسين عاماً، هذا الإله العظيم ألا يخطب وده ! ألا ترجى جنته ! ألا تخشى ناره ! بعض العارفين قال:
فلو شاهدت عيناك من حسنـنا الذي رأوه لما وليت عنا لغيرنـا
و لو سمعت أذنك حسن خطابنا خلعت عنك ثياب العجب و جئتنا
و لو ذقت من طعم المحبة ذرة عذرت الذي أضحى قتيلاً بحـبنا
و لو نسمت من قربنا لك نسمة لمت غريباً واشتياقاً لـــقربنا
و لو لاح من أنوارنا لك لائـح تركت جمــيع الكائنات لأجلنا
فما حبنا سهل وكل من ادعـى سهولته قلنا لــــه قد جهلتنا
***
9 ـ تسبيحُ الله في كلِّ وقت:
أيها الإخوة، الصلاة تسبيح، التسبيح هو الصلاة، والصلاة هي التسبيح، دقق في هذه الآية:
﴿ فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ ﴾
( سورة الروم الآية: 17 )
ينبغي أن تسبح الله في المساء وفي المغرب والعشاء:
﴿ فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ ﴾
﴿ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ﴾
( سورة الروم )
الفجر. ﴿ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيّاً ﴾
( سورة الروم الآية: 18 )
﴿ وَحِينَ تُظْهِرُونَ ﴾
( سورة الروم )
الظهر، الأوقات الخمس في هذه الآية:
﴿ فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ ﴾
﴿ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ﴾
( سورة الواقعة )
هذا أمر إلهي، قالوا: سبحه بأسمائه، ونزهه عن الأسماء التي لم يسمِّ نفسه بها.
﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾
وادعوه بأسمائه الحسنى.
10 ـ الطريق إلى تسبيح الله هو التفكر في الكون:
لكن قد يسأل سائل: هل من طريق إلى تسبيحه ؟
صدقوا أيها الإخوة، ما من طريق أقرب إلى تسبيحه من أن تتفكر في مخلوقاته، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول:
(( تفكروا في مخلقات الله ولا تفكروا في ذاته فتهلكوا ))
[ الجامع الصغير عن أبي ذر بسند فيه ضعف ]
تفكروا في مخلوقاته، كلما ازددت تفكيراً ازددت تعظيماً لله عز وجل، لأن التفكر في خلق السماوات والأرض أقصر طريق إلى الله، وأوسع باب ندخل منه على الله ولأن التفكر في خلق السماوات والأرض يضعك وجهاً لوجه أمام عظمة الله.
من منا يصدق أن في الدماغ 140 مليار خلية لن تعرف وظيفتها حتى الآن، فوق 14 مليار خلية قشرية فيها المحاكمة، والذاكرة، الذاكرة مساحتها بحجم العدسة فيها سبعون مليار صورة، الذاكرة، والمحاكمة، والتفكر، والاستنتاج، والاستنباط، والاستقراء، والحكم، والانفعالات، والرؤية، والسمع، والبصر، كلها في هذه القشرة الدماغية، في هذه القشرة 14 مليار خلية، والدماغ مؤلف من 140 مليار خلية، فإذا قرأت هذا الموضوع ألا تعظم الله عز وجل ؟ ألا تقول: سبحان الله.
كلّ أنسجة الجسم تتغذى عن طريق الشعريات إلا قرنية العين، من أجل أن ترى رؤية نقية صافية قرنية العين لها نظام خاص، تأخذ الخلية الأولى غذاءَها، وغذاء جارتها، وتسرب لها الغذاء عبر الغشاء الخلوي، من أجل أن ترى الأشياء بوضوح تام. ﴿ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾
( سورة النمل الآية: 88 )
في الغدة النخامية هرمون للكظر، إذا كان الرجل ماشيًا في الطريق، أو في بستان ورأى ثعبانا، هذا الثعبان تنطبع صورته على شبكية العين إحساساً، الشبكية لا تقرأ الصورة.
لما يأتي مريض غير متعلم يعطيه الطبيب التحليل لا يفهم منه شيئاً، يأخذه إلى الطبيب ليقرأه له.
تنتقل الصورة إلى الدماغ، هناك تقرأ، هناك ملفات الثعبان، ومفهومات الثعبان، جاءته من دراسته، ومن مشاهداته، ومن قصص سمعها، ملف الثعبان في الدماغ يقرأ الصورة، الدماغ ملك الجهاز العصبي ويدرك الخطر، يلتمس من ملكة الجهاز الهرموني الغدة النخامية أن تواجه الخطر، الغدة النخامية وزنها نصف غرام، وهي من أخطر الغدد، هي ملكة الغدد، الملكة تفرز هرمونًا إلى الكظر فوق الكلية، الكظر يعطي خمسة أوامر، أول أمر إلى القلب فيرتفع النبض إلى 180، ثاني أمر إلى الرئتين، فيزداد الوجيب، ثالث أمر إلى الكبد لإطلاق كمية سكر إضافية، فالخائف سكر دمه زائد، أمر بعده إلى الكبد ليطلق هرمون التجلط، أمر إلى الأوعية المحيطية كي تضيق لمعتها، فالدم يذهب إلى العضلات لا إلى الجلد، فالخائف يصفر لونه.
هل من المعقول في ثانية تنتقل الصورة من العين إلى الدماغ، وتقرأ هنا، الدماغ يدرك الخطر، يلتمس من ملكة الغدد النخامية أن تواجه الخطر، والنخامية تتجه إلى الكظر تعطي أمرا لهذا الكظر أن يواجه الخطر، الكظر يعطي أمرا بتسريع القلب إلى 180 نبضة، ورفع وجيب الرئتين، وإفراز كمية سكر، وإطلاق هرمون التجلط، ثم تضييق الأوعية المحيطية، هذا صنع من ؟
لذلك يمكن أن تسبح الله عن طريق التفكر في خلق السماوات والأرض، الله سبحانه وتعالى أتقن كل شيء. ﴿ مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ ﴾
( سورة الملك الآية: 3 )
خاتمة:
أيها الإخوة الكرام، هذا الاسم ( السُّبُّوح ) يسعدنا جميعاً، إذا سبحناه، إذا سبحنا في كماله، إذا سبحنا في مخلوقاته، إذا تفكرنا في عظمته، لذلك أصل الدين معرفة الله:
﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾
والحمد لله رب العالمين
السعيد
08-13-2018, 07:09 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الرابع و الاربعون )
الموضوع : اسم الله - السبوح - 2 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: ( السبوح):
أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في اسم "السبوح".
السبوح من يُعظم كثيراً ويُنزه كثيراً:
"السبوح" من التسبيح هو التعظيم والتنزيه، ومعنى "السبوح" هو الذي يُعظم كثيراً، ويُنزه كثيراً، قال تعالى:
﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (20) ﴾
( سورة الحاقة )
أي أيقنت ﴿ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ ﴾
﴿ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ * خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ ﴾
( سورة الحاقة )
مشكلة الإنسان ليست أن يؤمن بالله بل أن يعظمه:
لماذا ؟ قال:
﴿ إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ ﴾
( سورة الحاقة )
آمن بالله، لكنه ما آمن بالله العظيم، بل إن الذين يعبدون الأصنام يقولون: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ﴾
( سورة الزمر الآية: 3 )
ليست المشكلة أن تؤمن بالله، إبليس من الذين آمنوا بالله. ﴿ قَالَ فَبِعِزَّتِكَ ﴾
( سورة ص الآية: 82 )
﴿ قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾
( سورة الأعراف )
﴿ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ﴾
( سورة الأعراف )
ليست المشكلة أن تؤمن بالله، أهل الأرض يؤمنون بالله إلا قلة قليلة جداً ممن عطلوا عقولهم.
الله عز وجل أمدّ الإنسان بكل ما يحتاجه و مع ذلك لم يؤمن به:
﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ﴾
( سورة يوسف )
لذلك أيها الأخوة، ﴿ إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ ﴾
العبرة أن تُعظم الله، أن تعظم أمره، أن تُعظم حرماته، أن تُعظم كتابه، أن تُعظم دينه، ﴿ إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ ﴾
﴿ وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ * وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ * لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ ﴾
( سورة الحاقة )
الآيات التي ورد فيها اسم الله العظيم تزيد عن مئة و عشرين آية، من هذه الآيات: ﴿ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ﴾
( سورة التوبة )
﴿ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ﴾
( سورة البقرة )
﴿ وَلَقَدْ آَتَيْنَاكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآَنَ الْعَظِيمَ ﴾
( سورة الحجر )
﴿ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾
( سورة البقرة )
منحك نعمة الإيجاد، منحك نعمة الإمداد، منحك نعمة الهدى والرشاد، أنت مخلوق، هذا من فضل الله العظيم، أمدك الله بكل ما تحتاج، هذا من فضل الله العظيم هداك إليه من خلال الوحي، من خلال الأنبياء، من خلال الآيات الكونية، من خلال الآيات التكوينية، من خلال التربية النفسية، من خلال المصائب.
تسخير الكون للإنسان بنص القرآن الكريم:
﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ ﴾
( سورة المجادلة الآية: 9 )
لمَ لا تتقونه ؟ ﴿ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ﴾
( سورة البقرة الآية: 282 )
أحياناً يعلمك برؤية، أحياناً يعلمك بمصيبة، أحياناً يعلمك بضيق، أحياناً يعلمك بنصيحة، أحياناً يعلمك بدرس، أحياناً يعلمك بتفسير، أحياناً يعلمك بحدث.
لذلك أيها الأخوة، ﴿ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾، منحك نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، ونعمة الهدى والرشاد، سخر لك ما في السماوات وما في الأرض، الكون العظيم سخره لك بنص القرآن الكريم. ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ ﴾
( سورة الجاثية الآية: 13 )
من أحبّ الله و لم يطعه ما عبده:
أيها الأخوة، رد فعل التسخير الحب، أراد الله أن تكون العلاقة بينك وبينه علاقة حب، فقال:
﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ﴾
( سورة البقرة الآية: 256 )
أراد الله عز وجل أن تأتيه طائعاً، أن تأتيه مختاراً، أن تأتيه بمبادرة منه، بيّن لك الله عز وجل أنه يحبك، وينبغي أن تحبه، ومن أعجب العجب أن تعرفه ثم لا تحبه، ومن أعجب العجب أن تحبه ثم لا تطيعه، وما عبد الله من أحبه ولم يطعه، وما عبد الله من أطاعه ولم يحبه.
العاقل من أطاع الله عز وجل و أعدّ ليوم القيامة عدته:
أيها الأخوة:
﴿ عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ ﴾
( سورة النبأ )
والله أيها الأخوة، أنا أقول دائماً: الذكاء كل الذكاء، والعقل كل العقل، والفوز كل الفوز، والنجاح كل النجاح، والتوفيق كل التوفيق، والفلاح كل الفلاح أن تطيع الله، وأن تعد لهذا اليوم العظيم عدته. ﴿ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾
( سورة المطففين )
﴿ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ﴾
( سورة الحج )
تسبيح الله عز وجل ينصب على التعظيم أولاً و التنزيه ثانياً:
أيها الأخوة، إله عظيم، رب رحيم، كتاب كريم، عذاب أليم، نبأ عظيم، لذلك:
﴿ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ﴾
( سورة الواقعة )
التسبيح ينصب على التعظيم، والتنزيه، التعظيم أولاً، والتنزيه ثانياً، ما لم تعظم ربك لا يمكن أن تنتفع من دعوة. ﴿ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ﴾
( سورة الحج )
والمؤمن يعظم حرمات الله، هل من الممكن أن تلخص مشكلات المسلمين في العالم الإسلامي اليوم بكلمات ؟ نعم ممكن، هان أمر الله على المسلمين فهانوا على الله الإنسان حينما يشرد عن الله لا يقيم الله له يوم القيامة وزناً، لهم: ﴿ صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ ﴾
( سورة الأنعام الآية: 124 )
(( إن الله يحب معالي الأمور وأشرافها ويكره سفسافها ودنيها ))
[ أخرجه الطبراني عن حسين بن علي ]
الفوز العظيم أن تزحزح عن النار و تدخل الجنة:
أيها الأخوة، البطولة أن تأتي مقاييسك التي تعتمدها وفق مقاييس القرآن الكريم الله عز وجل يقول:
﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ﴾
( سورة الأحزاب )
ليس الفوز العظيم أن تشتري أرضاً، ويرتفع سعرها مئة ضعف، ولا أن تملك شركة عملاقة دخلها فلكي، ولا أن تستمتع بمباهج الدنيا حتى قمة رأسك، الفوز العظيم أن تعرف الله، الفوز العظيم أن تطيعه، الفوز العظيم أن تزحزح عن النار. ﴿ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾
( سورة آل عمران )
كل حجمك المالي، وكل شأنك الاجتماعي، وكل هيمنتك، بنية على شريانك التاجي، كم قطره ؟ إذا ضاق هذا الشريان دخل الإنسان في متاعب كثيرة، كل هذا الحجم المالي، والشأن الاجتماعي مبني على سيولة الدم، كل هذا الحجم المالي، والشأن الاجتماعي مبني على نمو الخلايا فإذا نمت نمواً عشوائياً انتهت حياة الإنسان.
الإنسان يموت بثانية، بثانية يكون شخصاً فإذا هو خبر، يكون إنسان ذو شأن عظيم يصبح بضاعة في صندوق.
بطولة الإنسان أن يعظم ما ينبغي أن يُعظم ويحتقر ما ينبغي أن يُحتقر:
أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في موضوع "السبوح" و"السبوح" من التسبيح والتسبيح هو التعظيم، والبطولة أن تعظم ما ينبغي أن يعظم، وأن تحتقر ما ينبغي أن يُحتقر، البطولة أن تكبر ما ينبغي أن يكون كبيراً، والبطولة أن تصغر ما ينبغي أن يكون صغيراً.
الإنسان العظيم يتمتع بقلب كبير، يتضاءل أمامه كل كبير، بينما الإنسان إذا شرد عن الله عز وجل وغفل عنه له قلب صغير، هذا القلب الصغير يصغر أمام كل صغير، بين أن يصغر كل كبير أمامك، وبين أن يكبر كل صغير أمامك، فرق كبير.
النبي الكريم آتاه الله عز وجل كل شيء و مع ذلك فقد مدحه بخلقه العظيم:
أيها الأخوة، في القرآن الكريم:
﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ * وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا ﴾
الآن دقق: ﴿ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴾
( سورة فصلت )
المؤمن له من الله حظ عظيم، اشتق من كماله، اشتق من رحمته، اشتق من عدله، اشتق من حبه، اشتق من لطفه، اشتق من غناه، المؤمن غني بالله، قوي بالله، عزيز بالله، المؤمن شخصية فذة، الآية دقيقة جداً ﴿ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴾ نصيبك من الله عظيم فكنت عفيفاً، نصيبك من الله عظيم فكنت منصفاً، نصيبك من الله عظيم عفواً، نصيبك من الله عظيم فكنت متواضعاً، نصيبك من الله عظيم فكنت رحيماً، بماذا مدح النبي عليه الصلاة والسلام ؟ آتاه القرآن، آتاه الوحي، آتاه المعجزات، آتاه البيان، آتاه الفصاحة، آتاه الجمال، آتاه الحكمة، آتاه القيادة، آتاه أنه لا ينسى. ﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى ﴾
( سورة الأعلى )
مُدح بخلقه العظيم.
من اشتق من الله معرفة و كمالاً كان ذا شأن عظيم بين أقرانه:
لذلك هذه الآية أيها الأخوة،
﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ * وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴾
الحظ هو النصيب، أنت بقدر ما تُشتق من الله معرفة وكمال تكون ذا شأن عظيم بين أقرانك.
الآن: ﴿ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾
( سورة التغابن )
الإنسان إن لم يعرف الله لا يتحرك بلا أجر، لا ينطق كلمة بلا تعويض، هذا المادي.
(( إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه ))
[ أخرجه ابن ماجه وابن حبان، والحاكم عن ثعلبة الخشني ]
من علامات آخر الزمان، شح مطاع، مادية مقيتة، هوى متبع ؛ الجنس، إعجاب كل ذي رأي برأيه، كبر، كل واحد يرى محور العالم.
أفضل عطاء للإنسان أن يعرف الله عزّ وجل:
لذلك أيها الأخوة،
﴿ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾
﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾
( سورة العلق )
لكن أريد أن أقف وقفة متأنية، أنت أمام طفل عقب العيد، زرت أهله فقال لك بحضرة أبيه أنا معي مبلغ عظيم، ببلدنا، والأب مدرس، كلمة عظيم إذا قالها طفل أنا أقدرها بمئتي ليرة، لو أنه مسؤول كبير بدولة عظمى تزمع أن تشن حرباً كبيرة على بلد نفطي، فقال المسؤول الكبير: أعددنا لهذه الحرب مبلغاً عظيماً، الطفل قال عظيم قدرناها بمئتي ليرة، أما هذا المسؤول الكبير قال: أعددنا لهذه الحرب مبلغاً عظيماً نقدره بمئتي مليار دولار، الرقم قفز من مئتي ليرة إلى مئتي مليار أميركي، فإذا قال ملك الملوك ومالك الملوك، إذا قال خالق السماوات والأرض، إذا قال رب العرش العظيم، إذا قال العلي العظيم: ﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾
( سورة النساء )
هل هناك من عطاء بنص هذه الآية يفوق أن تعرف الله ؟ يفوق أن تعرف أن الله موجود، وواحد، وكامل ؟ يفوق أن تعرف أسماءه الحسنى وصفاته الفضلى ؟ يفوق أن تعرف رحمته، وحلمه، وكرمه، وغناه، وقوته ؟ لذلك:
(( ابن آدم اطلبني تجدني فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء وأنا أحب إليك من كل شيء ))
[من مختصر تفسير ابن كثير]
المؤمن عظمة الله عز وجل ملأت نفسه أما غير المؤمن مأخوذ بالدنيا:
أيها الأخوة:
(( مَنْ قال حين يُصبحُ: سبحانَ الله العظيم وبحمدِهِ، مِائَةَ مَرَّةٍ، وإذا أَمسى كذلك لم يَأتِ أَحدٌ يَومَ القيامةِ بأفْضَلَ مما جاءَ به ))
[ أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود عن أبي هريرة ]
كان عليه الصلاة والسلام:
(( إذا دَهَمَه أمر رفع رأسه، وقال: سبحان الله العظيم، اللهمَّ إليكَ المشتَكى وبك المستعَانُ، وعليك التُكْلانَ، يا حَيُّ يا قيُّوم ))
[ أخرجه الترمذي عن أبو هريرة ]
من أدق الأذكار التي رويت عن النبي عليه الصلاة والسلام:
(( سبحان الله العظيم وبحمده سبحان الله العظيم ))
الإنسان إذا رأى الكعبة المشرفة من السنة أن يقول:
(( ما أعظمك وأعظم حرمتك، والمؤمن أعظم حرمة عند الله منك ))
[أخرجه الترمذي عن عبد الله بن عمر]
لماذا ؟ لأنه عرف الله العظيم، ما سوى المؤمنين عرفوا الدنيا. ﴿ يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾
( سورة الروم الآية: 7 )
أما المؤمن عرف الله العظيم، وبين معرفة المؤمن ومعرفة غيره ما بين الله وخلقه.
بطولة الإنسان أن يستعد للقاء الله عز وجل:
أخواننا الكرام، بشارة من رسول الله، الذي لا ينطق عن الهوى، يقول عليه الصلاة والسلام:
الأمراض نوعان: أمراض يشفى منها الإنسان، ومرض الموت لا يشفى منه، مرض الموت بوابة الخروج، كل واحد منا إذا سافر آخر مرحلة يعطوه بطاقة صعود للطائرة يحددوا له البوابة، وأنا أقول لكم وليس هذا من التشاؤم: كل واحد منا له بوابة خروج، هناك بوابة تبدأ من القلب، شي من الكليتين، شي من الدماغ، شي بحادث سير، كل واحد منا له بوابة خروج، بطولته أن يستعد لهذه البوابة، فلذلك قال عليه الصلاة والسلام:
(( من عاد مريضا لم يحضُر أجلُه، فقال عنده سبع مِرَارِ: أسأل اللَّه العظيم، ربَّ العرشِ العظيم: أن يشفيَك، إلا عافاه اللَّه عز وجل من ذلك المرض ))
[ رواه الترمذي عن عبد الله بن عباس ]
لذلك من أجل أن تعرف الله العظيم، من أجل أن تكون مسبحاً، من أجل أن تستوعب أو أن تعرف هذا الكمال الإلهي، قال تعالى: ﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾
( سورة الزمر )
خلق الله عظيم، كماله عظيم، يوم القيامة عظيم، قرآنه عظيم، وعده عظيم، وعيده عظيم، فلذلك المؤمن عظمة الله عز وجل ملأت نفسه، غير المؤمن عظمة مركبة، عظمة بيت، عظمة جمال امرأة، يعني غير المؤمن مأخوذ بالدنيا، بينما المؤمن مأخوذ برب السماوات والأرض.
فلو شاهدت عيناك من حسـننا الذي رأوه لما وليت عنا لغيرنا
ولو سمعت أذناك حُسن خطابنا خلعت عنك ثياب العجب و جئتنا
ولو ذقت من طعم المحـبَّة ذرةً عذرت الذي أضحى قتيلاً بحبنا
ولو نسمت من قربنا لك نسمةٌ لمـُت غريباً واشـتياقاً لقربـنا
ولو لاح من أنوارنا لـك لائحٌ تركــت جميع الكـائنات لأجلنا
فما حبنا سهلٌ وكل مـن ادعى ســهولته قلنا له قد جهـلتنـا
* * *
أكبر مصيبة تصيب الإنسان أن يكون من الغافلين:
أيها الأخوة الكرام، يجب أن نجتهد في التفكر في خلق السماوات والأرض حتى نسبح الله العظيم، حتى نكون من المسبحين، لا أن نكون من الغافلين، وأكبر مصيبة تصيب الإنسان أن يكون من الغافلين، البشر نوعان، نوع عرف الله، عرف عظمته، عرف ما عنده من إكرام لو أطعته، عرف ما عنده من عذاب لو عصيته، عرف الله فانضبط بمنهجه، وأحسن إلى خلقه، فسلم وسعد في الدنيا والآخرة، وإنسان آخر غفل عن الله، وتفلت من منهجه، وأساء إلى خلقه، فهلك وشقي في الدنيا والآخرة، وقد أقول: ولن تجد في الأرض نموذجاً ثالثاً.
أشقى الناس من وضع نفسه في خندق معاد للدين:
أهل الأرض مؤمن وغير مؤمن، هناك من عرف العظيم، وهناك من لم يعرفه هناك من اتصل بالعظيم فسعد، وهناك من لم يتصل به، فكيف بمن يحارب عباد الله ؟ كيف بمن يحارب دينه ؟ كيف بمن يضع نفسه في خندق مضاد للدين ؟ هؤلاء أشقى البشر الذين وضعوا أنفسهم في خندق معاد للدين، الذين نصروا هذا الدين أين هم ؟ في أعلى عليين، أسماؤهم في لوحات الشرف في التاريخ البشري، وهؤلاء الذين حاربوا الدين أين هم ؟ في مزبلة التاريخ، في أسفل سافلين، والإنسان إما أن يكون فوق الملائكة، وإما أن يكون أدنى من أحقر حيوان في الأرض.
﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ﴾
﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ ﴾
( سورة البينة )
ركب الملك من عقل بلا شهوة، وركب الحيوان من شهوة بلا عقل، وركب الإنسان من كليهما، فإن سمى عقله على شهوته أصبح فوق الملائكة، وإن سمت شهوته على عقله أصبح دون الحيوان.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
08-13-2018, 07:10 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الخامس و الاربعون )
الموضوع : اسم الله - الوتر - 1 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
من أسماء الله الحسنى: ( الوتر ):
أيها الإخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم ( الوتر ).
1 – ورودُ اسم ( الوتر ) في السنة:
في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
(( لِلَّهِ تِسعَةٌ وَتِسْعُونَ اسْما، مِائة إِلا واحِدا، لا يَحفَظُهَا أَحَدٌ إِلا دَخَلَ الجَنَّةَ، وهو وِتْرٌ، يُحِبُّ الوِتْرَ ))
[ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة ]
معنى الحفظ:
الحقيقة هناك حديث آخر:
(( احفظ الله يَحْفَظْك ))
[ أخرجه الترمذي عبد الله بن عباس ]
﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ﴾
( سورة البقرة الآية: 152 )
﴿ إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ ﴾
( سورة محمد الآية: 7 )
إن نصرت دينه نصرك، وأنا أدعو وأقول: اللهم انصرنا على أنفسنا حتى ننتصر لك، حتى نستحق أن تنصرنا على أعدائنا:
﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ﴾
ذكره لك غير ذكرك له.
﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾
( سورة النساء الآية: 45 )
أي أن الله سبحانه وتعالى حينما تذكره يذكرك، أما إذا ذكرته فقد أديت واجب العبودية، لكنه إذا ذكرك منحك الأمن، والأمن لا يتمتع به إلا المؤمن.
﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾
( سورة الأنعام )
منحك الحكمة.
﴿ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ﴾
( سورة البقرة الآية: 269 )
منحك الرضى، منحك السكينة التي تسعد بها ولو فقدت كل شيء، وتشقى بفقدها ولو ملكت كل شيء.
لذلك:
(( لِلَّهِ تِسعَةٌ وَتِسْعُونَ اسْما، مِائة إِلا واحِدا، لا يَحفَظُهَا أَحَدٌ إِلا دَخَلَ الجَنَّةَ ))
كلمة الحفظ واسعة جداً، حفظ الاسم أي تعرف عليه، وتخلق بهذا الخُلق، واجعل هذا الخُلق وسيلة إلى الله، إلى التقرب إليه، الله عز وجل رحيم، يمكن أن تتقرب إليه بأن ترحم عباده، الله عز وجل عدل، يمكن أن تتقرب إليه إن كنت منصفاً، الله عز وجل كريم يمكن أن تتقرب إليه إن كنت كريماً، المعنى الدقيق:
(( لا يَحفَظُهَا أَحَدٌ ))
أي عرف هذا الاسم، واشتق من الله كمالاً من خلال هذا الاسم فتقرب إلى الله بهذا الكمال:
(( وهو وِتْرٌ يُحِبُّ الوِتْرَ ))
وفي صحيح مسلم، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً:
(( وَإِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ ))
[ البخاري عن أبي هريرة ]
بمعنى أن الله سبحانه وتعالى واحد لا شريك له، وأحد لا ند له، كيف يحب الوتر ؟ يحب أن تكون متفوقاً، النبي عليه الصلاة والسلام طلب النخبة، طلب التفوق، فعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
(( اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ بِأَحَبِّ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ إِلَيْكَ، بِأَبِي جَهْلٍ، أَوْ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، قَالَ: وَكَانَ أَحَبَّهُمَا إِلَيْهِ عُمَرُ ))
[ الترمذي ]
ولما اسلم حمزة توقف إيذاء قريش لرسول الله وأصحابه، ولما أسلم عمر صلى المسلمون في بيت الله الحرام.
إذاً: المطلوب أن تكون متفوقاً، لا أن تكون رقماً سهلاً، وهناك ملايين أتوا إلى الدنيا، تزوجوا، وأنجبوا أولاداً، وماتوا، ولم يعلم بهم أحد، لكن القلة القليلة في العالم الذين تفوقوا، وتركوا أثراً كبيراً في مجتمعاتهم.
للتقريب: سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام واحد، جاء إلى هذه الدنيا، وغادرها بعد 63 عاماً، وعم الهدى الأرض، ألم تسأل نفسك مرة: ماذا فعلت ؟ ما الأثر الذي تركته في الدنيا ؟ هل كنت في قلوب الناس. ﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً ﴾
( سورة النحل الآية: 120 )
فالله عز وجل ينتظرك أن تكون متفوقاً، أن تكون رقماً صعباً.
(( والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر ما ترك حتى يظهره الله، أو أهلك دونه ))
[ السيرة النبوية ]
بعض صفات الله أعطاها للمخلوق:
الله عز وجل لا شريك له، أحد لا ند له، وقد أعطاك بعض صفاته كيف ؟ لكرامتك عنده أعطاك بعض صفاته، الله عز وجل فرد واحد أحد، فرد صمد، أعطاك بعض الخصائص التي تتميز بها عن كل الخلق، لك قزحية عين لا تشبه قزحية عين إنسان آخر في الأرض، الآن تؤخذ في بعض المطارات صورة قزحية العين وتوضع على الجواز، ولا يمكن لهذا الجواز أن يزور إطلاقاً، فالقزحية أعطتك صفة الفردية، ونبرة الصوت تنفرد بها، ورائحة الجلد تنفرد بها، وبصمة الإصبع تنفرد بها، والزمرة النسيجية تنفرد بها، وبلازما الدم تنفرد به، والنطفة تنفرد بها.
في أحدث بحث أن نطفة الإنسان يتميز بها من بين كل البشر، وأن المرأة تحفظ هذه النطفة، تحفظ رمزها، وما دامت تأتي تباعاً إلى الرحم فالوضع طبيعي وسليم، أما إذا تعددت هذه النطف في مجيئها إلى المرأة فهناك خطر ينتظرها، لكن متى يمكن أن تستقبل نطفة أخرى، بعد انقطاع الأولى بعد أربعة أشهر، هذا موضوع سمعته في مؤتمر إسلامي في القاهرة.
لذلك الله عز وجل واحد أحد فرد صمد، أعطاك هذه الصفة.
عند الترمذي من حديث عَلِيٍّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( إِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ، فَأَوْتِرُوا يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ ))
[ أخرجه أبو داود والنسائي وابن خزيمة ]
لا تكن إنسانا عاديا من الملايين، لا تكن إنساناً من الهمج الرعاع، سيدنا علي رضي الله عنه يقول: << يا بني، الناس ثلاثة: عالم رباني، ومستمع على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجئوا إلى، ركن وثيق، فاحذر يا كميل أن تكون منهم >>.
لا تكن مع هذه الملايين التي شردت عن الله، لا تكن مع الملايين التي عبدت شهوتها من دون الله، لا تكن مع الملايين التي عاشت لتأكل، لا تكن مع الملايين التي جعلت شهوتها إلهها.
عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
(( تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ وَالْقَطِيفَةِ وَالْخَمِيصَةِ، إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْضَ ))
[ البخاري ]
لا تكن مع الملايين التي غفلت عن الله، لا تكن مع الملايين التي عاشت لحظتها، ولم تذكر ماذا بعد الموت، لا تكن مع الملايين التي عبدت المال من دون الله.
(( وَإِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ ))
[ البخاري عن أبي هريرة ]
2 – معنى ( الوتر ):
لكن في اللغة: الوتر هو الفرد، أو ما لم يتشفع من العدد، فالسبعة عدد وتر، أما سبعة وعشرون فعدد شفع، والتواتر هو التتابع.
﴿ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ ﴾
( سورة الفجر )
الوتر آدم، والشفع شُفع بزوجته أصبحوا اثنين.
الوتر: هو الله، لأنه واحد لا شريك له، وأحدٌ لا مثيل له. ﴿ وَالشَّفْعِ ﴾
الله وتر والمخلوقات شفعٌ:
جميع الخلق، الإله واحد والخلق كثيرون.
﴿ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ ﴾
﴿ وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾
( سورة الفجر )
البشر خُلقوا أزواجاً، خُلقوا شفعاً، فأنت في أصل تركيبك مفتقر إلى زوجة، والأنثى في أصل تركيبها مفتقرة إلى الزوج.
إذاً: شأن العباد أن يكونوا شفعاً، وشأن الله أن يكون وتراً، الله واحد، والخلق كثُرٌ.
الله عز وجل حينما قال: ﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ﴾
( سورة الروم الآية: 21 )
لماذا يسكن الزوجة لزوجته ؟ بل لماذا تسكن الزوجة لزوجها ؟ أي تميل إليه، ويميل إليها، ومن أنجح أنواع الزواج ما كان كل طرف قرّةَ عينٍ للطرف الآخر، يسكن إليها، لأنه يكمل بها نقصه، وتسكن إليه لأنها تكمل به نقصها، هي تكمل به نقصها القيادي، هو يكمل بها نقصه العاطفي:
﴿ لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ﴾
كن مع القِلّة المتفوِّقة بالطاعة:
الله عز وجل وتر، لكن يحب الوتر، يحب التفوق، النبي تفوق، أيعقل أن يقسم الله عز وجل بعمر النبي ؟! قال تعالى:
﴿ لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾
( سورة الحجر )
كم من شابٍ في الأرض في القارات الخمس، لو كان بخلوة مع امرأة بارعة الجمال، ودَعته إلى نفسها، بل أجبرته، كم من شاب يأبى ذلك ؟
سيدنا يوسف قال:
﴿ مَعَاذَ اللَّهِ ﴾
( سورة يوسف الآية: 23 )
إذاً: سيدنا يوسف تفوّق، والأكثرية يرونها مغنماً كبيراً، بينما المؤمن يراها بُعداً عن الله عز وجل.
﴿ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ﴾
( سورة يوسف الآية: 23 )
كأنما النبي عليه الصلاة والسلام حينما يقول:
(( وَإِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ ))
فيعني كن مع القلة المتفوقة، كن مع القلة التي عرفت ربها، كن مع القلة التي أعطت ربها كل ما عندها.
﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾
( سورة الأنعام )
كن مع القلة التي تركت أثراً في الحياة.
مرة سألت طلاب: من يذكر لي اسم تاجرٍ عاش في دمشق 1876، وله علامة تامة ؟ ما عرف أحد، قلت لهم: وأنا أيضاً لا أعرف، لكن من منا لا يذكر سيدنا عمر ؟ سيدنا خالدًا ؟ هؤلاء العظام تركوا بصمات واضحة في الأرض.
كن مع القلة المتفوقة، كن مع الذين أحدثوا في الحياة أثراً كبيراً، كم مع الذين عاشوا في قلوب الملايين.
﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً ﴾
فلذلك الإنسان شأنه الشفع، شأنه أن يكون مع آخر، والحد الأدنى الزواج، إنسان لا يستقر إلا إذا تزوج، والفتاة لا تنجح في حياتها إلا إذا خُطبت وتزوجت، هذا شأن الخلق، لكن شأن الحق أنه واحد أحد فرد صمد.
﴿ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ﴾
( سورة الإخلاص )
﴿ مَا اتَّخّذَ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَدًا ﴾
( سورة الجن )
الإنسان مطبوعٌ على الاجتماع:
أيها الإخوة، الله عز وجل مكنك من اختصاص، من حرفة، من قدرة، من مهارة، وأحاجك إلى مليون حاجة، أنت بحاجة إلى طبيب، بحاجة إلى معلم يعلم أولادك، بحاجة إلى خياط يخيط لك ثيابك، بحاجة إلى خباز يخبز لك الخبز، بحاجة إلى فلاح يفلح لك الأرض، بحاجة إلى من يصنع لك الأدوات، أنت بحاجة إلى من يصنع لك الأثاث، تتقن حاجة، وأحاجك إلى مليون حاجة.
إذاً: قهرك أن تكون مع أخيك الإنسان، أنت مفتقر إلى زوجة، أنت فضلاً على ذلك مفتقر أن تعيش في مجتمع، أنت مدرس، طبيب، مهندس، لكن بحاجة إلى خياط، بحاجة إلى سباك، بحاجة إلى بلاط لبيتك، بحاجة إلى نجار، بحاجة إلى حداد، حاجات الإنسان لا تعد ولا تحصى، وكل حاجة خبرات متراكمة، وتطورات، وصناعات.
بعض الحِرف يقول لك: بذرة هجين، الخبرات المتراكمة من خلال تطوير هذه البذرة وتهجينها، عمرها مئة عام، فأنت تتقن حاجة واحدة، أو حاجتين، مكنك الله من شيء أو شيئين، لكنك بحاجة ماسة إلى مليون شيء.
إذاً: الله عز وجل جعلك مفتقرًا إلى الزوجة، وجعل الأنثى مفتقرة إلى زوج، وجعلك مفتقراً إلى المجتمع، تشترى خبزًا، هناك مَن فلح الأرض، هناك مَن زرع القمح، هناك مَن اعتنى بالقمح، مَن سمد القمح، مَن سقى القمح لأشهر عديدة، هناك مَن حصد القمح، هناك مَن درس القمح، هناك مَن طحن القمح، هناك مَن خبز العجين، هناك مَن قدم لك الخبز، أنت مدرس، أما هذا الرغيف فاشتغل به آلاف الأشخاص حتى وصل إليك.
إذاً: شأن الخلق أنهم مفتقرون إلى بعضهم، لكن الله شأنه أنه واحد أحد، فرد صمد،
﴿ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ﴾
﴿ مَا اتَّخّذَ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَدًا ﴾
لكن الله سبحانه وتعالى أرادك أن تكون متفوقاً، أرادك أن تكون من النخبة، من القلة، من الذين عرفوا ربهم، من الذين استجابوا لربهم.
لذلك قال تعالى: ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ﴾
( سورة البقرة الآية: 255 )
هو وتر، لكن البشر شفع.
الآية دقيقة جداً، لا يمكن أن يلتقي فرد من بني البشر مع فرد آخر إلا بإذن الله، لا يسمح الله بالدواء أن يؤثر في الإنسان إلا بإذن الله، لا يسمح لهذا العقرب أن تلدغ إنسانًا إلا بإذن الله.
عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
(( لِكُلِّ شَيْءٍ حَقِيقَةٌ، وَمَا بَلَغَ عَبْدٌ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ، وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ ))
[ أخرجه الإمام أحمد ]
الآن: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ ﴾
( سورة الفرقان الآية: 20 )
كلمة الشفع كلمة واسعة جداً، أنت بحاجة إلى طعام، وعلامة بشريتك أنك مفتقر إليه، وعلامة بشريتك أنك مفتقر إلى سببين، لذلك الأنبياء:
﴿ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ ﴾
( سورة الفرقان الآية: 20 )
مفتقرون في وجودهم إلى الطعام، بل مفتقرون إلى ثمن الطعام، لذلك يأتون في الأسواق.
أيها الإخوة، شأن الخلق أنهم شفع، وشأن الله أنه وتر.
﴿ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ ﴾
الكون ما سوى الله، السماوات والأرض ما سوى الله، شأن الله أن يكون فرداً، واحداً، أحداً وتراً، وشأن الخلق أن يكونوا شفعاً.
لكن معنى:
(( وَإِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ ))
يعني: كن متميزاً بأخلاقك، كن متميزاً بخبرتك، كن متميزاً بعطائك، كن متميزاً بالأثر الذي ينبغي أن تتركه، تذهب إلى أطراف الصين هناك مساجد، ومسلمون، تذهب إلى أطراف الغرب، إلى المغرب، إلى موريتانيا إلى غينيا، هناك مسلمون، أثر من ؟ أثر هذا النبي العظيم.
(( وَإِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ ))
خاتمة:
لا تكن رقماً سهل، أيّ إنسان إذا بدل قناعاته برقم من المال انتهى، أي إنسان يتشدد، وإذا أغريته بمبلغ من المال وافق، هذا له ثمن، قل أو كثر، أما المؤمن فرقم صعب، لا يساوم، ولا يبيع مبادئه.
(( والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري ))
[ السيرة النبوية ]
لذلك الله عز وجل ذكرنا أننا مفتقرون إلى بعضنا، الحد الأدنى إلى زوجة، والحد الأدنى الأنثى مفتقرة إلى زوج، والحد الأوسع أنك مفتقر إلى مجموع، فكم مِن إنسان في الأرض عاش على الحر، أو على البرد، أو على طول الشعر، أو على جهل الذين يعلمون، أو على المرض، الله جعل معايش، جعلك مفتقراً إلى الآخر، هذا شأن العباد، لكنه في الوقت نفسه أراد أن تكون متميزاً متفوقاً.
لذلك:
﴿ وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ ﴾
الشفع هم الخلق، لأنهم مفتقرون إلى بعضهم، والوتر هو الله، يحتاجه كل شيء في كل شيء.
هذه أسماء الله الحسنى، من حفظها دخل الجنة، أي عرف أبعادها، فهم مضامينها، وبعد ذلك تخلق بأخلاق رضية مشتقة من كمال الله، وبعد ذلك قلد هذا الخالق في معاملته للخلق، لذلك من حفظها دخل الجنة.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
08-13-2018, 07:13 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( السادس و الاربعون )
الموضوع : اسم الله - الوتر - 2 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: ( الوتر ):
1 – الله وتر، والمخلوقات شفع:
أيها الإخوة الكرام، لا زلنا في اسم ( الوتر )، و( الوتر ) هو الله، لأنه واحد أحد، فرد صمد.
﴿ لَم يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ﴾
( سورة الإخلاص )
والشفع المخلوقات، ومن خصائص المخلوقات أنها مفتقرة إلى بعضها البعض.
كمثل صارخ: الرجل مفتقر إلى المرأة، والمرأة مفتقرة إلى الرجل، الرجل يكمل نقصه العاطفي بزوجته، والزوجة تكمل نقصها القيادي بزوجها، والمجتمع بحاجة أن يكون مجتمَعاً ومجتمِعاً.
فلذلك يقول الله عز وجل:
﴿ وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ ﴾
( سورة الذاريات الآية: 49 )
هذه آية مطلقة، والمطلق على إطلاقه، حتى الذرة، هناك كهارب مشحونة سلبياً، ونواة مشحونة إيجابياً، حتى النبات بنظام الكائنات، ونظام المخلوقات. ﴿ وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾
( سورة الذاريات الآية: 49)
التوحّد والعزلة مرض خطير:
لذلك التوحد مرض خطير يصيب الأولاد، فمنهم مَن ينعزل، ويعيش وحده، ولا يحب أن يلتقي مع أحد، ولهذا المرض آثار خطيرة جداً، وإلى الآن ليس له دواء ناجع.
الأصل في الإنسان أنه اجتماعي، وهناك عبارات للعوام دقيقة: الجنة بلا ناس لا تداس.
الإنسان اجتماعي في الطبع، مفتقر إلى زوجته، والزوجة مفتقرة إلى زوجها، الرجل مفتقر إلى صديقه، والشاب إلى رفيقه، والناس يألفون أن يعيشوا مع بعضهم.
لو أننا أبعدنا إنساناً عن أخيه الإنسان، وقطعنا عنه الأخبار، وقطعنا عنه الليل والنهار، خلال عشرين يوما يختل توازنه العقلي، لو قطعت عنه الأخبار، وتبدل الليل والنهار، ومنعت عنه الساعة، والتاريخ، ومنعته أن يلتقي بإنسان، يختل توازنه العام، فالإنسان هكذا خُلق.
بعض الاستثناء من القاعدة يؤكد القاعدة:
أيها الإخوة، التوحد مرض خطير يصيب الأولاد يؤكد هذه القاعدة، وهناك رأي دقيق ولطيف: أن بعض الاستثناء من القاعدة يؤكد القاعدة.
يولد مئات ألوف الأطفال، وفي كل 200 ـ 300 ألف طفل يأتي طفل الثقب الذي بين الأذينين، والذي اسمه ثقب بوتال مفتوح، لأن الطفل في بطن أمه يحتاج إلى دورة دموية، وهذه الدورة الدموية لا يجدد الأوكسجين فيها عن طريق الرئتين، لعدم الهواء، فالرئتان في بطن الأم معطلتان، فالله سبحانه وتعالى جعل بين الأذينين ثقباً اكتشفه عالم فرنسي اسمه بوتال، فصار اسم هذا الثقب بوتال، فالدم بدل أن يذهب إلى الرئتين، ويجدد الأوكسجين، ويعود إلى القلب ينتقل من أذين إلى أذين مباشرة عبر هذا الثقب.
حدثنا أستاذ جامعي أنه في أثناء الولادة تأتي جلطة فتغلق هذا الثقب، ولو بقي هذا الثقب مفتوحاً لأصيب الطفل بمرض خطير ينتهي به إلى الموت خلال سنوات، داء الزرق، لأن الدم بدل أن يذهب إلى الرئة ليجدد الأوكسجين ينتقل عن طريق الأسرع والأقرب إلى الأذين الآخر، يبقى أزرق اللون، والعملية معقدة وغالية جداً، واحتمال نجاحها ضعيف، فطفل واحد كل 400 ـ 500 ألف طفل مصاب بداء الزرق، هذا الاستثناء يؤكد القاعدة.
إذاً: الأصل أن الإنسان اجتماعي، وعندي مثل رائع جداً هو أن هناك آلية معقدة جداً سماها العلماء آلية المص، أو منعكس المص، فالطفل بعد أن يولد لتوه خلال ثوانٍ إن وصلت أصبع الممرضة إلى فمه يمصها، والمص آلية معقدة، يضع شفتيه على حلمة ثدي أمه، ويحكم الإغلاق، ويسحب الهواء، وما مِن قوة في الأرض تستطيع أن تعلم هذا الوليد كيف يمص ثدي أمه لو لم يكن هذا المنعكس، ولولا هذا المنعكس لما كان هذا الدرس، ولما كانت دمشق، ولما كان إنسان على وجه الأرض.
أيضاً في كل 500 ـ 600 ألف يأتي طفل ما عنده هذا المنعكس يموت من الجوع، وليس هناك قوة تعلمه.
تصور أبًا يخاطب ابنه الوليد لتوه قائلاً: " الله يرضى عليك يا ابني، يجب أن تضع شفتيك على حلمة ثدي أمك، وأن تحكم الإغلاق تماماً، وأن تسحب الهواء ليأتيك الحليب "، هذا شيء مضحك.
لذلك أيها الإخوة، الكون فيه آيات مذهلة، فالاستثناء يؤكد القاعدة، الاستثناء يلفت نظرك إلى القاعدة، الاستثناء يشير إلى روعة عظمة الله عز وجل.
إن الإنسان اجتماعي، وأخطر مرض يصيب الأطفال مرض التوحد.
كنا مرة في احتفال، وإنسان كان معه ابنه المصاب بهذا المرض، شيء لا يحتمل، شيء فوق طاقة البشر، لأنه متوحد، فالإنسان من شأنه الاجتماع، والافتقار إلى أخيه الإنسان، وربنا جل جلاله من شأنه التوحد، فهو واحد أحد، فرد صمد:
﴿ لَم يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ﴾ والآية واضحة ﴿ وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى ﴾
( سورة الحجرات الآية: 13 )
تصور أيّ فتاة على وجه الأرض طموحها الأول، هدفها الأكبر أن تتزوج، لأن علماء النفس اكتشفوا أن أقوى دافع في الجنس البشري هو دافع الأمومة، لذلك أي مجتمع يسعى لتزويج الشباب بالشابات، والشابات بالشباب مجتمع متكامل ومجتمع صحي، أما حينما تُهاجم الأسرة، وحينما تقوَّض أركانها، وحينما يُدعَى إلى التفلت، وإلى قضاء هذه الشهوة عبر الحرام، وعبر القنوات الأخرى فإن مجتمعاً بأكمله ينهار، فتشريعات السماء تدعم الأسرة، وتشريعات الأرض تدعو إلى التفلت. ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾
( سورة الحجرات الآية: 13 )
هذه الخاصة في بني البشر الاجتماع، وأن يفتقر كل واحد منا إلى الآخر، وأن يمكنه الله من إتقان العمل، وهو بحاجة إلى مليون حاجة، وكل حاجة خبرات، وجهود متراكمة، فأنت تأخذ جهود الآخرين جميعاً بأجر بسيط.
مثلاً: أنت حينما تشتري كيلو من التفاح، تتوهم أنك تدفع ثمنه، هذا خطأ كبير، ما مِن مبلغ في الأرض يمكن أن يصنع تفاحاً، إلا أنك تدفع ثمن خدمته، الذي زرع، وسمد، وقطف، وسوق، وعرض بضاعته في سوق الخضراوات والفواكه، أنت اشتريت جهود مزارع، اشتريت خدمة التفاح فقط، كل شيء تشتريه هو خدمة.
هناك قصة فرنسية مترجمة لإنسان يقطع الصحراء، ضل الطريق، ونفذ طعامه وشرابه، وكاد يموت جوعاً، لمح عن بعد شجرة، فأشرق في نفسه نور من الأمل، هُرع نحو الشجرة، فإذا إلى جانبها بركة ماء، شرب منها حتى ارتوى، ثم تولى إلى الظل، فحانت منه التفاتة فرأى كيساً فسُر به سروراً عظيماً، وكاد يختل توازنه، لأنه ظن أن فيه خبزاً، ولكن يا للأسف لقد فتح الكيس فلم يجد فيه إلا لآلئ، فصاح قائلاً: وا أسفاه، هذه لآلئ، فكيسٌ من اللآلئ ثمنه مليارات، لكن حينما تجوع لا قيمة له أبداً، لذلك بيع رغيف خبر في الحرب العالمية الثانية بخمس ليرات ذهبًا، رغيف خبز واحد، فإذا وجد الإنسانُ طعاما في بيته، وجد ماء، وجد أولاده أمامه، زوجته أمامه فهذه نعمة لا تعدلها نعمة.
أيها الإخوة، الآية الكريمة: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى ﴾
( سورة المائدة الآية: 2 )
واقع المسلمين انتماء فردي ومصلحة شخصية:
أنا أرى أن المسلمين بحاجة ماسة إلى قيم حضارية هي في أصل دينهم، لكنهم غفلوا عنها، من هذه القيم: الانتماء للمجموع، وأخطر مرض يصيب المجتمع الانتماء الفردي، الانتماء الفردي:
إنسان مضطجع تحت شجرة تفاح، قد قطفت ثمارها كلها، لكن بقيت تفاحة واحدة لم ينتبه إليها من قطف الفواكه، كبيرة، وذات لون شهي، لون أصفر، ولها خد أحمر، ومعه منشار شجر، فنشر هذه الشجرة، وهي عالية جداً، نشرها فوقعت على الأرض ليأكل هذه التفاحة، هذا الانتماء الفردي.
من أجل مصلحته المحدودة يقضي على مصالح المجتمع، من أجل شهواته المنحطة يدمر أمة، أخطر شيء بالمجتمع الانتماء الفردي، وأعظم شيء بالمجتمع الانتماء الجماعي، قال تعالى:
﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى ﴾
﴿ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾
( سورة المائدة الآية: 2 )
لابد من التعاون:
التعاون أصل في ديننا، وهو خصيصة ثابتة عند الطرف الآخر، وهذه الخصيصة أحد أسباب قواتهم تعاونوا.
الشيء المؤلم جداً: الطرف الآخر يتعاونون، وبينهم 5% قواسم مشتركة، ويبحثون كل يوم عن وسيلة لتقارب هذه المجتمعات.
كنت في ألمانية، مشينا في طريق في مدينة آخن، قيل لي: هذه هولندا، ولا لوحة، ولا إشارة، ولا كلمة، كيف عرفتم أن هذه هولندا ؟ قالوا: من ألوان لوحات السيارات، كانت بيضاء فأصبحت صفراء.
دولة واحدة، عملة واحدة، ناطق رسمي واحد، ووحدة اقتصادية، هؤلاء أعداءنا ! الذين يبحثون كل يوم عن نقاط اللقاء، ونحن بيننا حدود وسدود، فيها تقف ساعات، وجدار فصل، ونحن نتقاتل، وبيننا 95 % قواسم مشتركة، هذه وصمة عار بحق الأمة.
أيها الإخوة، الله عز وجل يريدنا أن نتعاون، لذلك الانتماء إلى المجموع حضارة، الانتماء إلى المجموع دين، الانتماء للمجموع شيء يرقى بالمجتمع، والانتماء الفردي خطر يهدد المجتمعات الإسلامية، والإنسان في هذه الحال له هدف مادي، أن يجمع ثروة طائلة، ولا يعبأ بكل مآسي المجتمع.
(( والله ما آمن بي مَن بات شبعان، وجاره إلى جانبه جائع وهو يعلم ))
[ البزار والطبراني عن أنس بسند حسن ]
الله عز وجل ذات كاملة، صمدية، وصفاته فردية، واحد أحد، فرد صمد:
﴿ لَم يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ﴾
هو المنفرد بالأَحدية والفردية.
2 ـ معنى آخر للوتر:
الآن هناك معنى آخر للوتر، وهو معنى جديد: الشفع مخلوقاته، صفاتهم متنوعة، بل متناقضة، هناك بخيل، وكريم في بني البشر، مستقيم ومنحرف، صادق وكاذب، أمين وخائن، متجمل ومتوحش، لكن الله سبحانه وتعالى أسماءه كلها حسنى، وصفاته فضلى، متوحد بكماله، هذا معنى جديد، بينما خَلقه متنوعون بصفاتهم.
أيها الإخوة، لكن في بعض الأحاديث:
(( وإن الله وتر يحب الوتر ))
[ رواه مسلم، عن أبي هريرة رضي الله عنه ]
شهوة الجنس:
هذا شي جديد، الإنسان أودع الله فيه حاجة إلى الطعام والشراب حفاظاً على جسمه، أو على شخصه، أو على فرديته، وأودع فيه حاجة إلى المرأة، وأودع في المرأة حاجة إلى الرجل، أودع فيه حاجة إلى الجنس حفاظاً على النوع، لولا هذه الشهوة التي أودعها الله فينا ما كان هذا الدرس، فتجد الإنسان يسعى جاهداً، يعمل ليلاً ونهاراً ليجمع مبلغا يتزوج به امرأة، يشتري بيتاً، يستأجر بيتاً، يجهد جهداً كبيراً، وهذه حاجة أساسية، والفتاة ومعها كل الحق أن تنتظر خاطبًا، يرعاها، يحفظها، يدافع عنها، يكون ملءَ سمعها وبصرها، هي تنتظر، وهو يبحث، لأن الله أودع فينا دافع إلى الجنس، وهذا الدافع إلى الجنس قوي جداً، فإن لم يتحرك في القنوات الشرعية تحرك في القنوات غير شرعية، إن وضعت العراقيل أمام الشباب في زواجهم فإياك أن تظن أنك توقف هذه الحاجة، بل تستمر، ولكن في الحرام.
من أين هذا المعنى ؟
(( إِذا جاءكم مَن تَرضَون دينه وخُلُقَه فأنكحوه، إِلا تفعلوا ))
ما قال: يلغى الزواج، ما قال: تلغى علاقة الذكر بالأنثى، ما قال: تمنع هذه الحاجة أبداً.
(( إِلا تفعلوا تكُنْ فتنة في الأرض وفساد، إِلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير ))
[أخرجه الترمذي عن أبي حاتم المزني ]
هذه الحاجة الثانية، حفاظاً على النوع.
الحاجة إلى تأكيد الذات:
أما الذي يعنينا في هذا الدرس الحاجة الثالثة، تأكيد للذات، أن تكون متميزاً، أن تكون نجماً، أن تكون نجماً، أن تكون شيئاً مذكوراً، أن تكون مُهِمًّا، أن يشار إليك بالبنان، أن يتحدث الناس، حاجة أساسية، هذه الحاجة تروى في الحق، وفي الباطل.
قد يجمع الإنسان أموالاً طائلة، وأنفقها على ملذاته، وشهواته، وبيته، ومركبته وحماقاته، وأسفاره، فيصبح حديث الناس، وإنسان آخر:
﴿ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾
( سورة فصلت )
يصبح حديث الناس أيضاً، لكن هناك فرق بينهما، هذه الحاجة الثالثة تأكيد للذات، لعلها معنية بقول النبي عليه الصلاة والسلام:
(( وإن الله وتر يحب الوتر ))
يحبك أن تكون متفوقًا، لا أن تكون رقمًا بسيطًا، لا أن تكون مع دهماء الناس، لا أن تكون إنسانًا لا يأبه به أحد، همه بطنه، أو همه فرجه، أو همه ثوبه، أو همه مسكنه، همه شهواته.
(( وإن الله وتر يحب كل وتر ))
(( إن الله يحب معالي الأمور وأشرافها ويكره سفسافها ودنيها ))
[ أخرجه الطبراني عن حسين بن علي ]
البارحة اطلعت على رسالة جاءتني، أن شاباً مسلماً من الهند درس في أمريكا، وحقق نجاحًا في الدراسة كبيرًا جداً، فعمل في شركة إنترنت، هذا الشاب اخترع ما يسمى البريد الساخن، أو البريد السريع، وبعد اختراعه بسنة أصبح المشتركون عشرة ملايين، أكبر شركة كمبيوترات ( ميكروسوفت ) صاحبها ( بل غيت ) أغنى غني العالم معه 90 مليار دولار، عرضت عليه شراء هذا البرنامج، دفعت فيه خمسين مليونًا، طلب 500 مليون بعد مفاوضات لسنتين اشترته بـ400 مليون، أنفق 300 مليون على حل مشكلات مجتمعه، الآن رصيده مئة مليون، له أعمال خيرية، مياتم، مدارس، فهذا إنسان متميز.
لا تكن رقمًا لا يعني شيئاً، جاء إلى الدنيا وعاش ومات، ما أحد علم به أساساً، أما أعلام المجتمع فيشار إليهم بالبنان.
فيا أيها الإخوة الكرام،
(( وإن الله وتر يحب الوتر ))
يحبك أن تكون شيئًا مذكورًا، يحب أن تحقق إنجازًا للأمة، تترك بصمات، وكلنا يقول: رحم الله صلاح الدين الأيوبي، انتصر على جيوش جرارة، وفتح القدس، ورفع رأسنا عاليا، والعالم كله يقول: رضي الله عن سيدنا خالد، الذي خاض مئة معركة، وما في جسمه موضع شبر إلا وفيه طعنة برمح، أو ضربة بسيف، ومات على فراشه، و في العيد الماضي وضع على ضريحه كساء جديد في حمص، له بطولات كبيرة جداً.
لا تكن شخصًا عاديًا، لا أحد ينتبه إليك، اعمل عملا، قدم خدمة لأمتك، حل مشكلة من مشكلات أمتك، أتقن عملك، الحد الأدنى أتقن عملك، وقدم للناس بضاعة جيدة بسعر معتدل، حل مشاكلهم، هذا الذي ينتمي لنفسه فقط إنسان غير سوي.
أيها الإخوة، الله عز وجل واحد ووتر وواسع.
3 ـ الله وتر وواسعٌ:
آخر فكرة: قد تجد طبيبًا درس بأمريكا، تعين بالخليج، جاء مريض من الهند، وصف له دواء صنع ماليزيا، كيف ؟ لأن بنية الإنسان واحدة، مكان العصب بالميلي في العالم كله، مكان الوريد، مكان الشريان، التصميم واحد يدل على إله واحد، لكن ما من واحد له وجه كالثاني، الله عز وجل واحد وواسع، حتى إن بعض العارفين قال: يا رب لو تشابهت ورقتا زيتون لما سميت الواسع.
ما من قزحية عين في الأرض كقزحية عين الآخر، ما من رائحة جلد كرائحة أخرى، ما من نبرة صوت، الله أعطى الإنسان فردية، والله لو تشابهتا ورقتا زيتون لما سميت الواسع.
حدثني أخ صديق: قال لي: أنجبت زوجته بنتين من بويضة واحدة، هذه أشد أنواع التشابه، من بويضة واحدة، ومع ذلك الطباع متباينة.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
08-13-2018, 07:15 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( السابع و الاربعون )
الموضوع : اسم الله - المنان - 1 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: ( المنّان ):
أيها الإخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، وهو اسم ( المنان ).
1 ـ ورودُ اسم ( المنان ) في السنة النبوية:
اسم ( المنان ) أيها الإخوة، لم يرد في القرآن الكريم، ولكنه ورد في السنة المطهرة، مراداً به العلمية، ودالاً على كمال الوصفية، كما تعودنا في أسماءه الحسنى الثابتة، وقد ورد هذا الاسم في سنن أبي داود، من حديث أنس رضي الله عنه، أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل يصلي، ثم دعا، فقال هذا الرجل:
(( اللَّهمَّ إني أَسأَلُكَ بِأنَّ لَكَ الحمدَ، لا إِلهَ إِلا أنْتَ، المَنَّانُ، بَديعُ السَّمَواتِ والأرضِ، ذو الجَلالِ والإِكْرَامِ، يا حَيُّ يا قَيُّومُ، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لأصحَابِهِ: أتَدرونَ بمَ دَعَا ؟ قالوا: اللهُ ورسولُهُ أعلم، قال: والذي نفسي بيده، لَقَدْ دَعا الله باسمه الأعظم، الذي إِذَا دُعِيَ به أَجَابَ، وإِذَا سُئِلَ بِهِ أعْطَى ))
[ أبو داود ]
اسم الله الأعظم:
هذا النص النبوي الشريف الصحيح ينقلنا إلى اسم الله الأعظم، اسم الله الأعظم إذا دعوت به أجابك، وإذا سألت به أعطاك.
وقد اختلف العلماء حول اسم الله الأعظم، بعضهم قال: الرحمن، بعضهم قال: الرب، وفي هذا الحديث اسم الله الأعظم ( المنان ).
وهناك من العلماء من يجتهد في أن اسم الله الأعظم هو الذي أنت بحاجة إليه، فإذا كان العبد مريضاً فاسم الله الأعظم هو الشافي، وإذا كان العبد فقيراً فاسم الله الأعظم هو الرزاق، وإذا كان العبد مقهوراً فاسم الله الأعظم المنتقم، وإذا كان العبد ضعيفاً فاسم الله الأعظم هو القوي، أسماء الله كلها حسنى، وصفاته كلها فضلى، والله عز وجل يقول:
﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾
( سورة الأعراف الآية: 180 )
معاني قوله تعالى: وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا
لهذه الآية معان كثيرة، من معاني هذه الآية لن تستطيع أن تدعو الله إلا إذا توسلت إليه بكمال مشتق منه، تريد أن يجيبك الرحيم ؟ كن رحيماً، تريد أن يستجيب لك ؟ كن عادلاً، تريد أن تلبى دعوتك ؟ كن منصفاً:
﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾
معنى آخر لهذه الآية: أنت بحسب حالك اختر من أسماء الله الحسنى الاسم المناسب، فقد تكون متطلعاً إلى الشفاء، قل: يا شافٍ، يا عظيم، قد تكون متطلعاً إلى النصرة قل: يا ناصر، يا رب انصرني، انصر دينك يا رب.
فلذلك اسم الله الأعظم موضوع خلافي، المتفق عليه أن اسم الله الأعظم إذا دعوت به أجابك، وإذا سألت به أعطاك.
حظُّ المؤمن من الدعاء:
لكن هذا ينقلنا أيضاً إلى موضوع آخر: هو أنك حظك من الدعاء ليس الاستجابة، لكن حظك من الدعاء الاتصال بالله، لأن الله عليم، يجيبك ولم تدعه، ولا يجيبك ولو دعوته، كيف ؟ يجيبك ولو لم تدعه إذا كانت الإجابة خيراً في حقك، ولا يجيبك ولو دعوته إذا كان مضمون دعائك ليس في صالحك، فكثيراً ما يدعو الإنسان ربه، كمن يطلب من أبيه أداة حادة لجرح أخيه، عندئذٍ لا يستجيب له، فقال علماء التفسير: حظك من الدعاء ليس أن يجيبك الله، بل أن تتصل به، لأن الله سبحانه وتعالى جعل حاجاتنا عنده، وأمرنا أن ندعوه كي نتصل به، كي نذوق حلاوة القرب.
فالمؤمن كما قال عليه الصلاة والسلام وهو في الطائف:
(( إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، ولك العتبة حتى ترضى لكن عافيتك أوسع لي ))
[ الطبراني عن عبد الله بن جعفر ]
(( عَجَبا لأمر المؤمن ! إنَّ أمْرَه كُلَّه له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابتْهُ سَرَّاءُ شكر، فكان خيراً له، وإن أصابتْهُ ضرَّاءُ صَبَر، فكان خيراً له وليس ذلك لغير المؤمن ))
[ رواه مسلم عن صهيب الرومي ]
والمؤمن أيها الإخوة حينما يوقن أن الله سبحانه وتعالى رحمته عامة، وأفعاله حكيمة، ولا يفعل إلا الأصلح، لأنه كامل كمالاً مطلقاً، عندئذٍ يستجيب لقضاء الله وقدره، ومن علامات المؤمن أنه يرضى بقضاء الله وقدره.
(( إذا أحب الله عبداً ابتلاه، فإن صبر اجتباه، فإن شكر اقتناه ))
[ ورد في الأثر ]
إذاً: اسم الله الأعظم قد يكون اسم الرب، وقد يكون اسم الرحمن، وقد يكون اسم ( المنان )، كما ورد في هذا الحديث، ولكن قد يكون اسم الله الأعظم الاسم الذي أنت في أمسّ الحاجة إليه.
2 ـ معنى ( المنان ) في اللغة:
1 ـ القطع:
أيها الإخوة، ( المنان ) في اللغة صيغة مبالغة، مِن الفعل منّ يمُن مَناً، معنى منّ، يمن، مناً: أي قطع يقطع، قطع الشيء، وذهب به، معنى ذلك أنه منّ.
شيء آخر، منّ عليه، أي أحسن وأنعم عليه.
﴿ وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ ﴾
( سورة القلم )
أي غير محسوب، أو غير مقطوع، أو غير منقوص، هناك معان دقيقة لمنّ منّ، يمن، مناً، اسم المبالغة ( المنان )، على وزن فعّال، كأن تقول: غفّار. ﴿ وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ﴾
( سورة طه الآية: 82 )
إن اسم الله إذا جاء بصيغة المبالغة فيعني مبالغة في الكمّ، أو في النوع، فالله عز وجل إذا قلت: يا غفار، فإنه يغفر أكبر ذنب تتصوره، وإذا قلت: يا غفار فيغفر مليون ذنب، والصلح مع الله يتم بلمحة واحدة، والدنيا ساعة فاجعلها طاعة، والصلح سريع.
أيها الإخوة، بعض العلماء قال: المنة ؛ النعمة الثقيلة.
قدم إنسانٌ لإنسان هدية بألف ليرة، هذا عمل طيب، أما أن يعطيك بيتاً، و مركبة، وأرضاً، ورأس مالٍ، بلا مقابل، فهذا عطاء كبير بمقياس البشر.
فالمن النعمة الثقيلة، ولا تكون حقيقة إلا لله عز وجل، لأن الله سبحانه وتعالى منحك نعمة الإيجاد، أوجدك، ولم تكن شيئاً مذكورا، منحك نعمة الإمداد، منحك نعمة الهدى والرشاد، فالنعم العظيمة، النعم الجليلة، هي نعم الله عز وجل.
المنن والنعم الثقيلة لا تصح حقيقة إلا لله:
شيء آخر: هذه الدنيا أعطاها الله لمن يحب، ولمن لا يحب، أعطاها لقارون وهو لا يحبه، وأعطاها لسيدنا عثمان بن عفان، كان غنياً وهو يحبه، هذه الدنيا أعطى الدنيا لمن لا يحب، أعطاه لفرعون، وأعطاه لنبيه الكريم سليمان، لأن الدنيا تنتهي بالموت فلا تعد عطاءً يليق بكرم الله.
لذلك المنن ؛ النعم الثقيلة، لا تصح حقيقة إلا بنعم الله، وأكبر نعمة يمكن أن تصل إليها نعمة الهدى، لأن المال عرض حاضر، يتوقف القلب فتصبح كل أموالك المنقولة وغير المنقولة للورثة، في ثانية كان إنسان ملء السمع والبصر فأصبح خبراً على الجدران، يقال فيه: رحمة الله عليه، كان إنسانا فصار جثة، وأحيانا يسافر الإنسان راكبا فيرجع بضاعة في صندوق، لها معاملة، وتخليص، وتقرير، كان إنسانًا فصار خبرًا، فلذلك لا يليق بكرم الله أن يكون عطاءه منقطعاً، والدنيا دار انقطاع، لذلك الموت ينهي غنى الغني، ينهي فقر الفقير، ينهي قوة القوي، ينهي ضعف الضعيف، ينهي وسامة الوسيم، ينهي دمامة الدميم، ينهي صحة الصحيح، ينهب مرض المريض.
الدنيا دار بلاء وانقطاع، من كل شيء إلى لا شيء، من كل شيء إلى كفن، كان بتوقيع على دفتر شيكات يمنح مليارات، فأصبح ملفوفاً بكفن، والغريب أن هذا الكفن ليس له جيب يضع فيه دفتر شيكات، هذه الحقيقة.
فلذلك المنن ؛ النعم الثقيلة، ولا تصح حقيقة إلا بنعم الآخرة، لذلك:
﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ﴾
( سورة الأحزاب )
البطولة أن تفوز فوزاً عظيماً، البطولة أن تستحق الجنة. ﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ﴾
( سورة القمر )
البطولة كما قال الإمام علي رضي الله عنه: << الغنى والفقر بعد العرض على الله >>. ﴿ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾
( سورة الزمر الآية: 15 )
لكن ( المنان ) هو الذي يقدم لك نعمة ثقيلة، وعلى الحقيقة هي نعم الله عز وجل، ولكن هناك مَن يمنّ عليك، يقول لك: لحم كتفك من خيري، هذا منٌ بالقول، وهو مستقبح، وهناك منٌ بالعمل ؛ أن يعطيك، أن يملكك، أما المنّ بالقول فمستقبح، ولكن العلماء أجازوه في حالة نادرة، حينما تُكفَر النعمة.
أعلمه الـرماية كل يوم *** فلما اشتد ساعده رماني
وكم عملته نظم القوافي *** فلما قـال قافية هجاني
المنّ حقيقة بالفعل لا يليق إلا لله، أما المنّ بالقول فيفعله معظم السفهاء، لذلك: ﴿ لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى ﴾
( سورة البقرة الآية: 264 )
هناك إنسان كلما فعل خيراً يذكره، كيف البيت ؟ هل أنت مرتاح فيه إن شاء الله ؟ إذا أعطاه ثيابا، هل أنت مرتاح إن شاء الله، وهل القياس مناسب ؟ يقولها أمام الناس.
﴿ لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى ﴾
المنّ القولي مستقبح، إلا في حالة نادرة إذا كُفرت النعمة.
(( ألم تكونوا ضلالاً فهداكم الله بي ))
[ أخرجه الطبراني عن عبد الله بن عباس ]
حينما وجد الأنصار على أنفسهم في لعاعة من الدنيا تألف النبي بها قوماً ليسلموا، ووكلهم إلى إسلامهم، قال:
(( ألم تكونوا ضلالاً فهداكم الله بي، ألم تكنوا عالة فأغناكم الله ))
فلذلك المنّ مقبول في حالات نادرة ؛ حينما ينسى الإنسان الخير، ينسى العطاء فيذكره غيرُه به.
2 ـ فضل الله وعطاءه ببعثة النبي عليه الصلاة والسلام:
أيها الإخوة، من معاني المنّ من قوله تعالى:
﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 164 )
أكبر عطاء هذا النبي العظيم. ﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا ﴾
( سورة يونس الآية: 58 )
أما المنّ القولي ـ دققوا ـ: ﴿ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ ﴾
( سورة الحجرات الآية: 17 )
الله منّ عليكم بالعطاء، وأنتم تمنون بالقول، والمنّ القولي مستقبح، وهو يذهب أجر العمل الصالح، فإن فعلت خيراً يجب أن تنساه إلى الأبد، وكأنك لم تفعل شيئاً، والأكمل إذا فعل معك معروف ينبغي ألا تنساه ما حييت، أكمل موقف بمن أحسنت إليه أن يذكر هذا الفضل. ﴿ وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ﴾
( سورة البقرة الآية: 237 )
أكمل موقف لمن أحسنت إليه ألا ينسى هذا الفضل، وأكمل موقف لمن أحسن أن ينسى، المحسن يجب أن ينسى، والمحسن إليه ينبغي ألا ينسى.
أيها الإخوة، أحياناً الإنسان من كماله لو ذكر إنسان فضله يقول: لله المنة، والفضل، هذا فضل الله، إذا ذكر إنسان إحسان المحسن أيضاً من كمال المحسن أن يقول: لله المنة والفضل، وأساساً لما قال النبي عليه الصلاة والسلام:
(( ألم تكونوا ضلالاً ))
لم يقل فهديتكم، قال: (( فهداكم الله بي ))
لله المنة والفضل، فإذا أراد إظهار فضله عليك خلق الفضل ونسبه إليك، فأنت تواضع، والتواضع موقف موضوعي، ليس موقف مجاملة.
مرة أحد الإخوة الكرام قدم بيتا في موقع جيد جداً لمشروع خيري، القائمون على هذا المشروع الخيري أقاموا له حفلا تكريميا، وكل المتكلمين أثنوا على إحسانه وعطائه إلا رجلا واحدا قال كلاماً آخر، قال له: أيها المحسن الكبير، كان من الممكن أن تكون أحد المنتفعين بجمعيتنا، وأن تقف في رتل طويل تنتظر الدور لقبض مبلغ يسير مع التوقيع المهين، ولكن الله أكرمك بأنك تعطي ولا تأخذ.
صدقوا أيها الإخوة، حينما تعطي يجب أن تذوب لله شكراً، أنه سمح لك أن تعطي، والعطاء والأخذ لا علاقة له بالذكاء، قد تجد إنسانا قمة في الذكاء، وهو مضطر أن يبذل ماء وجهه ليأخذ، وقد تجد إنسانا قمة في الذكاء، ومع ذلك هو فقير، يضطر أن يسأل، ويتذلل، وإنسان آخر أقلّ ذكاء، وأقلّ فهما، لكن الله رزقه، فإذا أعطيت يجب أن تذوب شكراً لله أنه سمح لك أن تعطي، ولم يلجئك إلى أن تأخذ.
3 ـ المنّان يعطي قبل السؤال:
( المنان ) هو الله عز وجل، و ( المنان ) ذو الهبات العظيمة، والعطايا الوافرة، الذي ينعم، ويبدأ بالنوال قبل السؤال.
للتقريب: أب كريم، قوي، غني، ابنه بحاجة إلى ثياب جديدة، الكمال المطلق يقتضي أن يشتري له هذا الثياب من دون أن يسأله، فمن كمال الله عز وجل أن يعطي قبل السؤال، ويعطي من دون سؤال.
هذا يذكرنا بما قلته قبل قليل: حظك من الدعاء الاتصال، لأن كرم الله يقتضي أنه يعطيك، ولم تكن سائلاً، وقد تسأله ولا يعطيك، إن كان هذا العطاء ليس في صالحك، لأن الله عز وجل لا يفعل إلا ما هو خير لك.
﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 26 )
لم يقل: والشر، أي أن عطاءك خير، ومنعك خير، إعزازك خير، وإذلالك خير، لكن العلماء، قالوا: لا ينبغي أن تقول: الله ضار، ينبغي أن تقول: الضار النافع، لأنه يضر لينفع، لا ينبغي أن تقول: الله الخافض، هو يخفض ليرفع، لا ينبغي أن تقول: الله المذل، هو يذل كي تتوب إليه، عندئذٍ يعزك، الله عز وجل يعطي من دون سؤال، ولله المنة والفضل، ولا منة لأحد عليك، وهو المحسن إلى العبد، والمُنعم عليه، ولا يطلب جزاء.
وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ
﴿ وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ ﴾
( سورة المدثر )
لا تمنن من أجل أن تستكثر الرد.
أحيانا يدعي إنسانٌ الذكاء، يقول: أنا الآن أخدمه، لكن أنا لي مصلحة معه، أخدمه، لكن أنتظر منه في وقت ما أن أسترد هذه الخدمات عطاء كبيرا، هذا معنى قول الله عز وجل:
﴿ وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ ﴾
لكن الله سبحانه وتعالى يمنحك كل شيء، ولا يطالبك بشيء.
حقُّ الله على عباده:
الإمام البخاري رحمه الله تعالى روى حديثاً رائعاً عن معاذ بن جبل قال: كنت ردف النبي عليه الصلاة والسلام.
(( قال يا معاذ: هل تدري ما حقُّ الله على العباد ؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم ـ سأله ثانية وثالثة ـ قال: فإن حقَّ الله على العباد: أن يعبدوه ))
[ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن معاذ بن جبل ]
أنت حينما تعبد الله تؤدي واجب العبودية، وهذا من حق الله عليك.
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ﴾
( سورة النساء الآية: 1)
ما حق الله على عباده ؟ أجاب النبي عليه الصلاة والسلام: أن يعبدوه، ولا يشركوا به شيئاً.
سؤال ثانٍ:
(( يا معاذ بن جبل، قلتُ: لبيك يا رسول الله وسعديك، قال: هل تدري ما حقُّ العباد على الله إذا فعلوا ذلك ))
دققوا، والله أيها الإخوة الكرام القسم الثاني من هذا الحديث يملأ القلب أمناً وأماناً، يملأ القلب طمأنينة، يملأ القلب ثقة بالله عز وجل.
(( يا معاذ هل تدري ما حقُّ العباد على الله ))
كيف بإله عظيم يعطي إنساناً ضعيفاً حقاً عليه ؟!
سأله ثانية وثالثة:
(( قال: الله ورسوله أعلم، قال: يا معاذ حقُّ العباد على الله إذا هم عبدوه أن لا يعذِّبهم ))
أنشأ الله لك حق عليه، قال لك: اعبدني.
خاتمة: قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ
حينما ادعى من ادعى وقال: نحن:
﴿ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ ﴾
( سورة المائدة الآية: 18 )
رد الله دعواهم. ﴿ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ ﴾
( سورة المائدة الآية: 18 )
استنبط الإمام الشافعي رحمه الله تعالى أن الله لا يعذب أحبابه، مستحيل وألف ألف أَلف مستحيل أن يُعذب الله أحبابه، فإذا أحببته، إذا أطعته، إذا أخلصت إليه، إذا نصحت عباده، ولم تبنِ مجدك على أنقاضهم، ولا غناك على إفقارهم، ولا عزك على إذلالهم، وكنت خادماً لهم، ونصحتهم، ولم تلقِ في قلوبهم الخوف، ولم تبتز أموالهم، ولم تفضح ثغراتهم، إذا كنت محسناً فإن الله يحبك، وإذا أحبك ألقى محبتك في قلوب الخلق، فلذلك:
(( يا معاذ حقُّ العباد على الله إذا هم عبدوه أن لا يعذِّبهم ))
﴿ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ ﴾
﴿ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾
( سورة المائدة الآية: 18 )
فإذا قال المسلمون: نحن أمة محمد صلى الله عليه وسلم، الجواب جاهز:
﴿ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾
والحمد لله رب العالمين
السعيد
08-13-2018, 07:18 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الثامن و الاربعون )
الموضوع : اسم الله - المنان - 2 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
من أسماء الله الحسنى: ( المنان):
أيها الأخوة الأكارم، لا زلنا في اسم "المنان".
الدعوة إلى الله فرض عين على كل مؤمن:
الآية الدقيقة جداً التي تبين منهج الدعوة إلى الله، وفيها اسم "المنان"، أو فيها فعل يشير إلى ذات الله، وإلى صفته المنة هي قوله تعالى:
﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾
( سورة آل عمران )
الحقيقة أيها الأخوة، هذه الآية منهج للدعاة إلى الله، لأن الله سبحانه وتعالى خاطب النبي فقال: ﴿ أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً ﴾
( سورة الأحزاب )
وقد يغيب عن الأخوة الأكارم أن الدعوة إلى الله فرض عين على كل مؤمن.
أحد أركان النجاة من عذاب الله التواصي بالحق:
الدعوة إلى الله فرض عين على كل مؤمن وقد يعجب أحدكم من هذه الحقيقة، فرض عين لأن الله سبحانه وتعالى حينما قال:
﴿ وَالْعَصْرِ﴾
( سورة العصر )
وقد أقسم بمطلق الزمن لهذا المخلوق الأول، الذي هو في حقيقته زمن، قال: ﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾
( سورة العصر )
جواب القسم خاسر لا محالة، لأن مضي الزمن يستهلكه، لأن الإنسان بضعة أيام، كلما انقضى يوم انقضى بضع منه. ﴿ إِلَّا ﴾
( سورة العصر )
رحمة الله في إلا، لا يخسر. ﴿ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾
( سورة العصر )
التواصي بالحق هو الدعوة إلى الله، أحد أركان النجاة، لا تنجو إلا إذا بحثت عن الحقيقة، إلا إذا آمنت بالله، آمنت بالمنهج الذي جاء النبي به، ثم عملت وفقه، عملت وفق هذا المنهج، ثم دعوت إلى هذا المنهج، وصبرت على البحث عنه، والعمل به، والدعوة إليه، هذا كلام خالق الأكوان.
من لم يطلب العلم و يؤمن بالله خاسر لا محالة:
أيها الإنسان يقسم الله لك إنك خاسر، إن لم تطلب العلم، وتؤمن بالله، وتبحث عن منهجه، ثم تتحرك وفق هذا المنهج، ثم تدعو إلى هذا المنهج، وتصبر على البحث والعمل والدعوة، هذا الدليل الأول على أن الدعوة إلى الله فرض عين.
إنسان قد لا يخطر في باله إطلاقاً أنني لابدّ من أن أدعو إلى الله، ولكن لئلا يثقل الأمر عليكم الدعوة إلى الله كفرض عين في حدود ما تعلم، ومع من تعرف، لست مكلفاً أن تقوم بدعوة عامة، ولست مكلفاً أن تتبحر في العلم، ولا أن تتعمق به، ولا أن تتفرغ له، التعمق، والتبحر، والتفرغ فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الكل، هذا المعنى يغطيه الآية الكريمة:
﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 104 )
من للتبعيض.
الله عز وجل ما كلف الإنسان فوق ما يطيق و إنما في حدود ما يعرف:
أما حينما يقول الله عز وجل:
﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾
فرقنا بين دعوة هي فرض عين، ودعوة هي فرض كفاية، التبحر، والتعمق، والتفرغ، والقدرة على الردّ على كل الشبهات، هذه دعوة هي فرض كفاية، إذا قام بها البعض سقطت عن الكل، أما أن تبلغ عن النبي ولو آية، أي استمعت إلى خطبة، تأثرت بها تأثراً كبيراً، انقل شيئاً منها إلى من حولك، إلى زملائك، إلى أصدقائك، إلى جيرانك، إلى أهلك، إلى أولادك، إلى أقربائك في سهرة، في ندوة، في نزهة، في لقاء، في اجتماع، لمَ أنت ساكت ؟.
(( ما من قوم يقومون من مَجلس لا يَذكرونَ اللهَ فيه إِلا قاموا عن مثلِ جيفة حمارٍ ))
[ أخرجه أبو داود عن أبي هريرة ]
أما إذا جلس القوم، وتدارسوا القرآن:
(( إِلا حَفَّتْهُم الملائكةُ، وغشيتهم الرحمةُ، ونزلت عليهم السكينةُ، وذكرهم الله فيمن عنده ))
[ أخرجه مسلم والترمذي عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري ]
لذلك الدعوة إلى الله فرض عين على كل مسلم في حدود ما يعلم، ما كلفك الله فوق ما تطيق، في حدود ما تعلم، ومع من تعرف، وهذا ننطلق به من قول الله عز وجل: ﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ﴾
( سورة الشعراء )
يخاطب الله سيد الأنبياء والمرسلين ﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ﴾
ما الحكمة ؟ الحكمة أن القريب ليس بينك وبينه حواجز، أنت مثلاً لا تستطيع أن تقول لإنسان في الطريق تعال احضر هذا الدرس، يخاف منك، لكنك تقول هذا لأخيك، أو لابنك، أو لأخ زوجتك، أو لابن عمك، واثق منك، وأنت واثق منه، حاجز الشك ليس موجوداً بين الأقارب، لذلك ابدأ بالأقارب.
العطاء الكبير لا يكون حقيقة إلا لله عز وجل:
﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾
المنّ هو العطاء، كما قلنا: العطاء الثقيل في حجمه، لا أقول إذا أعطيتك مبلغاً بسيطاً، أو خدمة آنية، هذا لا يسمى مناً، أما حينما يمنح للتقريب إنسان بيتاً، ومركبة، وأرضاً، ورأسمال هذا منّ، حلّ له كل مشكلاته في الدنيا، المنّ العطاء الكبير ولا يكون حقيقة إلا لله عز وجل، لا يوجد عطاء يليق بكرم الله ينتهي عند الموت، هذا ليس عطاء.
يا بني ما خير بعده النار بخير، مهما بلغ الإنسان، بحجمه المالي، مهما بلغ بمكانته، مهما بلغ في هيمنته، ما دام الموت ينهي كل شيء هذا ليس عطاء، لا يسمى مناً، لأن عطاء الله عز وجل يتناسب مع كرمه، عطاء الله أبدي، فالعطاء الذي ينتهي عند الموت.
أي ميت نُشيعه في نعش، بيته الفخم تُرك، مركبته الفارهة تُركت، مكانته، مكتبه، له بيوت أخرى في أماكن جميلة، كل حجمه المالي تُرك في الدنيا، ونزل في القبر وحده، العطاء أي عطاء ؟ الذي يرافقك بعد الموت، من هنا قال الإمام علي رضي الله عنه: الغنى والفقر بعد العرض على الله، إياك أن تسمي زيداً غنياً قبل الموت، أو زيداً فقيراً قبل الموت، الغنى والفقر بعد العرض على الله. عطاء الله الذي يليق بكرمه لا ينتهي عند الموت بل يبدأ بعد الموت:
سيدنا موسى، في ملمح دقيق جداً، قال:
﴿ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ﴾
( سورة القصص )
ماذا فعل ؟ سقى الفتاتين، هذا هو الخير، لذلك ورد أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يمشي مع أصحابه أمام قبر، فقال:
(( صاحب هذا القبر إلى ركعتين مما تحقرون من تنفلكم خير له من كل دنياكم ))
[ورد في الأثر]
في الدنيا هناك شركات عملاقة، ميزانياتها أكبر من ميزانيات دول، هذا للدنيا وعلى الدنيا كثير، أهم شيء أن عطاء الله الذي يليق بكرمه لا ينتهي عند الموت، بل يبدأ بعد الموت.
الفوز العظيم للإنسان يكون بطاعة الله عز وجل:
لذلك:
﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ﴾
( سورة الأحزاب )
إله يقول: فوز عظيم، كنت أقول دائماً: طفل قال لك: أنا معي مبلغ عظيم والده مدرس، جمع مئتي ليرة بالعيد، رآه مبلغاً عظيماً، لو أن إنساناً آخر يعمل في البنتاغون قال: أعددنا لهذه الحرب مبلغاً عظيماً أنا أقدره بمئتي مليار دولار، كلمة عظيم نفسها، قالها طفل فقدرناها بمئتي ليرة، وقالها مسؤول كبير في البنتاغون فقدرناها بمئتي مليار، فإذا قالها ملك الملوك، ومالك الملوك: ﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾
( سورة النساء )
إذاً كلمة عظيم تابعة للقائل، الطفل قدرنا هذه الكلمة بحجم، والموظف الكبير في دولة عملاقة قدرناها بحجم، فإذا قال ملك الملوك، ومالك الملوك: ﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾
فالمن العطاء الكبير، العطاء الأبدي الذي لا ينتهي عند الموت، لذلك هذه الدنيا:
(( ولو كانت الدنيا تَعْدِلُ عند الله جَناح بعوضة ما سَقَى كافراً منها شَربة ماءٍ ))
[ أخرجه مسلم وأبو داود عن جابر بن عبد الله ]
النبي عليه الصلاة والسلام معصوم بمفرده وأمته معصومة بمجموعها:
الآية الكريمة:
﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ ﴾
بشر، يشتهي ما تشتهي، يتمنى ما تتمنى، يحب ما تحب، يكره ما تكره، يغضب مما تغضب منه، يرضى مما ترضى منه، هو بشر، ولولا أنه بشر لما كان قدوة لنا، لو كان النبي ملكاً، أخي أنت ملك، نحن بشر، لا، هو بشر، يشتهي المرأة، يشتهي المال، يشتهي الراحة، يشتهي السلامة، لولا أن النبي بشر، تجري عليه كل خصائص البشر لما كان سيد البشر.
لذلك النبي عليه الصلاة والسلام معصوم بمفرده، وأمته معصومة بمجموعها.
الإسلام منهج تفصيلي كامل:
إذاً:
﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ ﴾
ماذا فعل هذا الرسول ؟ هنا: ﴿ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ ﴾
يا ترى أي آيات ؟ الآية: العلامة، الدليل، البرهان، ﴿ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ ﴾
في الأعمّ الأغلب الكونية، لأنه ﴿ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ ﴾
الكتاب جاء بكلمة مستقلة، إذاً الله عز وجل له آيات كونية، وله آيات تكوينية، يعني عبادة التفكر كأن الناس قد غفلوا عنها، إن الله عز وجل حينما يقول: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾
( سورة آل عمران )
والحقيقة الدقيقة أن الله سبحانه وتعالى حينما قال: ﴿ قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾
( سورة يونس الآية: 101 )
هذا أمر، الطامة الكبرى أن المسلمين في آخر أيامهم توهموا أن الإسلام عبادة شعائرية ليس غير، يصلي ويصوم ويحج ويؤدي زكاة ماله، مع أن الإسلام منهج تفصيلي كامل.
التفكر في آيات الله عز وجل:
منهج الإسلام منهج تفصيلي من أين نأخذه ؟ نقول: كل أمر في القرآن الكريم يقتضي الوجوب، ما لم تقم قرينة تصرفه عن الوجوب، أي إذا قال الله عز وجل:
﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾
( سورة الكهف الآية: 29 )
هذه لام الأمر ﴿ فَلْيَكْفُرْ﴾
هل يعقل أن الله يأمرنا أن نكفر ؟ لا، هذا أمر تهديد وهناك أمر إباحة. ﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ ﴾
( سورة البقرة الآية: 187 )
و أمر ندب: ﴿ وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ ﴾
( سورة النور الآية: 32 )
هذا أمر ندب، و هناك أمر إباحة، وأمر ندب، وأمر تهديد، لكن إذا قال الله عز وجل: ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ ﴾
( سورة الأنعام الآية: 72 )
هذا أمر يقتضي الوجوب، وأي أمر في القرآن الكريم يقتضي الوجوب، الآن هذا الأمر: ﴿ قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾
( سورة يونس الآية: 101 )
هل نظرنا ما في السماوات والأرض ؟ هذا معنى قول الله عز وجل: ﴿ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ ﴾
( سورة الجمعة )
فحينما غفلنا عن أن كل أمر في القرآن الكريم يقتضي الوجوب، وضغطنا الدين كله بأوامر شعائرية فقط ؛ فقد أضعنا جانباً كبيراً جداً من الدين، ألف و ثلاثمئة آية في القرآن الكريم تتحدث عن الكون ما موقفنا منها ؟ ينبغي أن يكون الموقف منها التفكر ﴿ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ ﴾
الإيمان هو الخلق:
﴿ وَيُزَكِّيهِمْ ﴾
( سورة الجمعة )
كيف نغفل عن قوله تعالى: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى ﴾
( سورة الأعلى )
يزكيهم، يطهر نفوسهم من الأدران، لا يوجد مؤمن كذاب، لا يوجد مؤمن محتال، لا يوجد مؤمن لا ينجز الوعد، لا يوجد مؤمن لا يقيم العهد، لا يوجد مؤمن يكذب، لا يوجد مؤمن يقسو، الإيمان هو الخلق، فن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الإيمان ﴿ يُزَكِّيهِمْ﴾
ما لم تتزكَ ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى ﴾
يعني أهّل نفسه للجنة، الصدق، والأمانة، دائماً وأبداً أذكركم بقول سيدنا جعفر لما قال للنجاشي:
(( أيها الملك كنا قوماً أهل جاهلية نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً منا نعرف نسبه، وصدقة، وأمانته، وعفافه ))
[ أخرجه الإمام أحمد في مسنده عن أم سلمة أم المؤمنين ]
إن حدثك فهو صادق، إن عاملك فهو أمين، إن استثيرت شهوته فهو عفيف. ﴿ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ﴾
( سورة يوسف الآية: 32 )
هذا جوهر الدين، الإيمان هو الخلق ﴿ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ ﴾
تسمو نفوسهم، لا في كذب، لا في احتيال، لا في حقد، لا في كبر، لا في استعلاء، لا في قهر لا في ظلم، في إنصاف، في رحمة، في عفو، في تواضع، في إكرام، ﴿ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ ﴾
التزكية ثمن الجنة.
الفالح من زكى نفسه وطهرها من أدرانها:
﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى ﴾
نحن بمقياس أهل الأرض قد أفلح من جمع ثروة طائلة، بمقياس أهل الأرض قد أفلح من وصل إلى منصب رفيع، بمقياس أهل الأرض قد أفلح من تزوج فتاة رائعة الجمال، بمقياس أهل الأرض قد أفلح من كانت له ذرية ذات شأن كبير ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى ﴾
الذي زكى نفسه وطهرها من أدرانها، وكل دروس أسماء الله الحسنى من أجل أن تتزكى بها، من أجل أن تشتق هذا الكمال من الله عز وجل، من أجل أن تكون معطياً، مناناً، أن تعطي ما عندك، أن تبني حياتك على العطاء لا على الأخذ.
لذلك ما من اسم أيها الأخوة إلا ولك منه نصيب، الله عز وجل منان، هل أنت تعطي أم تأخذ ؟ ما الذي يسعدك أن تعطي أم أن تأخذ ؟ إن كان الذي يسعدك أن تعطي فأنت من أهل الآخرة، وإن كان يسعدك أن تأخذ فأنت من أهل الدنيا. التزكية ثمن الجنة:
لذلك:
﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ ﴾
(( بلِّغُوا عني ولو آية ))
[أخرجه البخاري والترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ]
والله أخ من إخوانا الكرام لا يحسن أن يتكلم بكلمة واحدة، اشترى مئة شريط وزعها على أقربائه بالتسلسل، بالتناوب، وسجل، واسترجع الشريط، وأعاره لشخص آخر بعد حين صار عدد كبير من أقربائه في المسجد، هذا دعا إلى الله، ولا يحسن أن يقول كلمة واحدة.
﴿ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ ﴾
زكاهم أي طهرهم، ولن تتزكى النفس إلا باتصالها بالله، اتصالها بالله تزكية، ترحم، وتتواضع، تنصف، تعدل، تسامح، تعفو والذي يلفت النظر في الإنسان أخلاقه العالية، وحينما أراد الله أن يثني على نبيه قال له: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾
( سورة القلم )
والإيمان هو الخلق.
الجمع بين الكتاب و السنة:
الآن:
﴿ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ﴾
( سورة الجمعة الآية: 2 )
هذا المنهج، نحن لو سألنا أنفسنا ما فحوى دعوة الأنبياء ؟ الله عز وجل يقول: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾
( سورة الأنبياء )
يعني هذه الآية تؤكد فحوى دعوة الأنبياء جميعاً، عندنا عقيدة، وعندنا سلوك، وعندنا منطلقات نظرية إن صحّ التعبير، وتطبيقات عملية، و عندنا تصورات، و حركات ﴿ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ ﴾
الآن ﴿ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ﴾
بالكتاب يوجد أحكام كلية وفي السنة يوجد أحكام تفصيلية، الله عز وجل يقول: ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ ﴾
( سورة البقرة الآية: 110 )
حكم كلي، التفاصيل، نصاب النقدين، الذهب والفضة، نصاب النباتات المزروعات، نصاب الركاز، نصاب الأنعام، النبي فصّل، فالآيات القرآنية فيها أحكام كلية والسنة النبوية فيها أحكام تفصيلية.
لذلك لا يمكن إلا أن تجمع بين الكتاب والسنة.
(( تَركْتُ فيكُمْ أَمْرَيْنِ لنْ تَضِلُّوا ما تَمسَّكْتُمْ بهما: كتابَ الله، وسنّة رسولِهِ ))
[ أخرجه مالك عن مالك بن أنس ]
بالكتاب كليات، بالسنة تفصيلات، لذلك ﴿ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ﴾
الحكمة هنا السنة كما قال العلماء.
الدعوة إلى الله تحتاج إلى علم و براعة بعرض الأفكار:
﴿ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾
( سورة الجمعة )
الإنسان حينما يسعى لهداية إنسان سعياً حثيثاً، سعياً علمياً، لذلك أنا أقول من دعا إلى الله بمضمون سطحي، بمضمون هزيل، بمضمون متناقض، بمضمون هوائي، بالمنامات، بالكرامات فقط، بالشطحات، بمضمون غير متماسك، بمضمون غيبي، بمضمون غير علمي، بأسلوب غير علمي، بأسلوب غير تربوي، قال: من دعا إلى الله بهذا المضمون وبهذا الأسلوب، يا الله ! لا يعد المدعو عند الله مُبلّغاً بهذه الطريقة، ويقع إثم تفلته على من دعاه بهذه الطريقة.
فلذلك الدعوة إلى الله تحتاج علم، ما كل عالم بداعية، لكن كل داعية يجب أن يكون عالماً، الدعوة فيها براعة بعرض الأفكار، بعرض الحقائق.
أعظم عطاء على الإطلاق أن يمنّ الله على الإنسان بالهدى:
لذلك:
﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾
حينما خاطب النبي الأنصار قال يا معشر الأنصار:
(( ألم تكونوا ضلالاً فهداكم الله بي ))
[ أخرجه الطبراني عن عبد الله بن عباس ]
وأعظم عطاء على الإطلاق أن يمنّ الله عليك بالهدى. ﴿ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾
( سورة آل عمران )
والحمد لله رب العالمين
السعيد
08-13-2018, 07:20 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( التاسع و الاربعون )
الموضوع : اسم الله - المسعر - 1 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: ( المسعِّر ):
أيها الإخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، وهو اسم ( المسعر ).
1 – ورود اسم ( المسعِّر ) في السنة النبوية:
لم يرد هذا الاسم في القرآن الكريم، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم سمى به ربه جل جلاله، ففي حديث صحيح في سنن الترمذي عَنْ أَنَسٍ قَالَ:
(( غَلَا السِّعْرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، سَعِّرْ لَنَا، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُسَعِّرُ الْقَابِضُ الْبَاسِطُ الرَّزَّاقُ، وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَلْقَى رَبِّي وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْكُمْ يَطْلُبُنِي بِمَظْلِمَةٍ فِي دَمٍ وَلَا مَالٍ ))
[ الترمذي، أبو داود، ابن ماجه، أحمد ]
ما هو العلم ؟
هذا الحديث الشريف الصحيح له أبعاد كثيرة، نبدأ بحقيقة ثابتة وهي: أن تعريف العلم ما أفضى بك إلى قانون، والقانون هو العلاقة الثابتة بين متغيرين، مقطوع بصحتها، تطابق الواقع عليها دليل، فإن لم تطابق الواقع كان الجهل، وإن لم يكن عليها دليل كان التقليد، وإن لم يكن مقطوعاً بصحتها كان الوهم والشك والظن.
فالعلم يقيني، العلم شمولي، العلم مطّرد، علاقة ثابتة بين متغيرين، تفضي إلى قانون، هذه العلاقة مقطوع بصحتها، ليست شكاً، ولا وهماً، ولا ظناً، ولكنها يقين، مقطوع بصحتها، تطابق الواقع، لو لم تكن كذلك لكانت جهلاً عليها دليل، ولو لم يكن الدليل لكان التقليد.
في الكون في قوانين:
إذاً: في الكون في قوانين.
النقطة الأولى أيها الإخوة، أن هذه القوانين التي تصل إلى المليارات ثبتها الله عز وجل، ثبتها كي تستقر حياتنا، مليارات القوانين، الفيزيائية، والكيميائية، والفلكية، ودوران الفلك، وخصائص المواد، أية علاقة ثابتة بين شيئين هي قانون، مليارات القوانين ثابتة من آدم إلى يوم القيامة.
مثلاً: يمكن أن تقول: في عام 2700 ـ يوم 28 شباط الشمس تشرق 5 و3 دقائق، لأن دورة الأفلاك ثابتة، بالثواني، خصائص المواد، الحديد له خصائص، أنشأنا بناء من مئة طابق، لو أن الحديد يغير خصائصه لانهار البناء، تشتري سبيكة ذهبية بمبلغ كبير جداً، لو أن الذهب يغير خصائصه لفقدت هذه السبيكة قيمتها.
هناك نِعم لا تعد ولا تحصى، قوانين ثابتة، تزرع فاكهة معينة، ثم تأتي الثمرة من هذه الفاكهة، لأن قوانين الإنبات ثابتة، وقوانين الأفلاك ثابتة، وقوانين الدوران ثابتة، وقوانين الليل والنهار ثابتة، وخصائص المواد ثابتة، وقوانين الزراعة ثابتة، هذه نعمة لا تعدلها نعمة، فكل هذه القوانين ثابتة مطّردة، شاملة، لا تتغير، ولا تتبدل، وهي محل اتفاق في العالم كله، فقانون التمدد لا علاقة له بالسياسة، في الشرق، والغرب، والشمال، والجنوب، وقديماً وحديثاً، في بلد متخلف، وفي بلد متقدم، القانون هو القانون، هناك نِعم لا تعد ولا تحصى منها ثبات القوانين لتكون حياتنا مستقرة، والتعامل مستمرا.
الحكمة الربانية اقتضت تحريك قانون الرزق والصحة:
ولكن لحكمة بالغة بالغةٍ بالغة حرك الله بعض القوانين، من هذه القوانين الرزق، هذا قانون متبدل، والصحة، والإنسان حريص على صحته حرصاً لا حدود له، وحريص على رزقه حرصاً لا حدود له، ولعل الحكمة من ذلك أن الله عز وجل يريد أن يكون الرزق والصحة وسيلتين من وسائل التربية.
هذه الطاولة مثلا صنعت لاستخدام لا يزيد على بضع مئات من الغرامات، لكن يمكن أن يقف عليها ستة أشخاص، معنى ذلك أن فيها احتياط ألف ضعف عن استعمالها، إذاً يمكن أن تعيش مئات السنين كما هي، لأنه فيها احتياطًا على مهماتها ألف ضعف.
كان من الممكن أن يكون لكل جهاز في جسمنا ولكل عضو احتياط ألف ضعف، فلا مرض، والإنسان بالتعبير المعاصر سريع العطب، أحيانا خثرة في الدماغ تنهي حياته، أو سكتة قلبية فجأة، فكان من الممكن لإنسان أن يعيش مليون سنة كما هو شاب تماماً، لكن شاءت حكمة الله أن يكون المرض، والصحة متبدلة.
الرزق متبدل، فنحن في بلدنا الطيب يمكن في عام مجموع إنتاج القمح 650 ألف طن، في أعوام ستة ملايين، الإنتاج متبدل.
2 – معنى ( المسعَِّر ):
ما معنى الله ( المسعر ) ؟ بالتعبير الاقتصادي الكم له علاقة بالسعر، فأحيانا تكون كميات المحاصيل فلكية، السعر ينخفض، وأحيانا يكون الكم قليلا، فيرتفع السعر.
أول ملاحظة أن الله عز وجل ثبت الأشياء، وحرك أشياء، الذي حركه من أجل أن يربينا، لأن الإنسان في الأصل خلق هلوعاً، هذا ضعف في أصل خلقه، وهو ضعف لصالحه، من أجل تربيته، لو لم يكن الإنسان هلوعاً لما تاب بعد شدة، ولا ما اصطلح مع الله بعد عسر، لأن العسر يقلقه، والشدة تقلقه، والخوف يقلقه.
الإنسان هلوعٌ جزوعٌ ضعيف:
﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً ﴾
( سورة المعارج )
هكذا خلق. ﴿ إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلَّا الْمُصَلِّينَ ﴾
( سورة المعارج )
بل الذي أراه والله أعلم إن دخلت إلى مسجد، ورأيت فيه آلافاً مؤلفة فاعتقد يقيناً أن تسعة أعشار هؤلاء جاؤوا إلى الله عقب تدبير حكيم، لاح له شبح مرض، ليس له إلا الله فأقبل عليه، وتاب إليه، لاح له شبح فقر، فاعتصم بالله، ودعا الله عز وجل، فهناك شريحة من البشر كبيرة جداً لا تستجيب إلا عقب الشدة، فالله سبحانه وتعالى بدّل قوانين الرزق، وقوانين الصحة.
الإنسان أحياناً يسعد بصحته، فإذا لاح له شبح مرض لجأ إلى الله، وهذا من فضل الله علينا.
﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً ﴾
( سورة المعارج )
وخلق ضعيفاً. ﴿ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً ﴾
( سورة النساء )
لأنه إذا كان ضعيفاً افتقر في ضعفه، فسعد بافتقاره، ولو خلقه الله قوياً لاستغنى بقوته فشقي باستغنائه.
أحياناً يكون الإنسان قويًا، وغنيا، يتوهم أنه مستغنٍ عن الله، وكل إنسان يعتدّ بحجمه المالي، أو بصحته، أو بمكانته، أو بقوته، أو بمنصبه، لحكمة بالغةٍ بالغة يؤتى الحذر من مأمَنه، من جهة أمنه، من جهة ثقته، من جهته قوته، قد يصاب، لذلك عرفت الله من نقض العزائم.
أحيانًا إنسان عنده اختصاص نادر، يتوهم أنه لن يصيبه مكروه باختصاصه، يفاجأ أنه في اختصاصه أصابه مكروه، يؤتى الحذر من مأمنه.
فكلمة ( المسعِّر ) تعني أن الله عز وجل بيده الرزق، الأمطار بيده، لو أن الله سبحانه وتعالى أصاب بلاداً بالجفاف، هؤلاء القادة الذين في البلاد، والزعماء، ليجتمعوا، وليتخذوا قرارا بإنزال المطر.
زرت بلدا في إفريقيا فوجدت أن ما يهطل من أمطار في الليلة الواحدة يساوي أمطار دمشق في عامين، 400 مم، وفي أماكن أخرى الأمطار فيضانات مهلكة، وفي أماكن الريح مدمرة.
بالتعبير المستخدم حديثاً الخيارات التي عند الله لا تعد ولا تحصى، الشيء الثمين جداً الذي هو قوام الحياة كالهواء يغدو مدمراً، والماء مدمر، فقلّته مدمرة، وكثرته مدمرة، بحكمة حكيم، وقدرة قدير، وعلم عليم.
فلذلك الحديث مرة ثانية: (( غَلَا السِّعْرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، سَعِّرْ لَنَا، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُسَعِّرُ الْقَابِضُ الْبَاسِطُ الرَّزَّاقُ ))
هذا أمر تكويني، وأنتم تعلمون أيها الإخوة، أن هناك أمراً تكوينياً هو فعل الله، وأن هناك أمراً تكليفياً هو أمره، الله عز وجل أمر العباد في بيعهم وشرائهم ألاّ يظلموا.
الإسلام حريص على السعر المعتدل:
بالمناسبة، ما من نشاط يمارسه الإنسان أوسع من نشاط البيع والشراء، فالبيع والشراء أوسع نشاط بشري، أنت مضطر أن تشتري طعامك وشرابك، وأن تشتري لباسك، وحاجاتك، وأجهزتك، فالبيع والشراء عمل مستمر يومي، وأخطر ما في البيع والشراء السعر.
لذلك كان سيدنا عمر رضي الله عنه إذا سأل الولاة يسألهم: << كيف الأسعار عندكم ؟ >> لأن رحمة الله تتجلى في الأسعار، وقد تجد كل شيء متوفرا، لكن الأسعار فوق طاقة المشتري، كيف الأسعار عندكم ؟
(( يا رسول الله: غَلا السِّعْرُ، فَسَعِّرْ لنا ))
لما يضع الإنسان السعر يظلم به البائع، وأحيانا يكون السعر أقلَّ من الكلفة، فإذا باع الحاجة بسعر أعلى من الكلفة قليلاً فلأنه تحت سيف القانون، وأحيانا التسعير ظالم، وأحياناً يكون الاستيراد ممنوعا، فيغلو العيش، يغلو، ولو سمح باستيراده عاد إلى السعر الطبيعي، إلى القانون الذي يسمونه قانون العرض والطلب.
في الإسلام مثلاً مئات الأحاديث التي تمنع الغش، والاحتكار، والإيهام، والتدليس، ومعاصي البيع والشراء لا تعد ولا تحصى، لو أننا تلافيناها جميعاً، واستقمنا على أمر الله جميعاً لفوجئنا أن السعر أصبح معتدلاً في كل شيء، لأن السعر بيد الله، بحسب الكم وبحسب الحاجة، الكم والحاجة يتداخلان، ويتفاعلان فيشكلان السعر، وهناك مواد كثيرة كان ممنوعا استيرادها فبلغت سعرا خياليا، فلما سُمح باستيرادها أخذت سعراً طبيعياً جداً، وهو سعر السوق كما يسمونه، والآن هو نظام السوق، وتجارة السوق، ففي في السوق عرض وطلب، أما إذا منعت شيئاً، أو احتكرته، أو أوهمت الناس بشيء، أو دلست عليهم السعر يغلو عندئذٍ.
لذلك الإسلام من عظمته حرص حرصاً شديداً على أن يبتعد المسلم عن كل المعاصي في البيع والشراء، فإذا ابتعد كان السعر طبيعياً، ولا يحتاج إلى تسعير.
3 – إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُسَعِّرُ:
التسعير في حالات الأزمة والشدة لا ينافي أن الله هو المسعر:
إن الدراسة المطولة حول هذا الموضوع تؤكد أن ولي أمر المسلمين في مناسبات معينة، في أيام الشدة، في أيام الحروب، من حقه أن يسعر، حفاظاً على مصالح المسلمين، هذا الاستثناء لا يلغي القانون، القانون أن الله هو ( المسعر )، لكن أحياناً تكون أزمات اقتصادية طاحنة، وهناك مخزون كبير جداً من هذه البضاعة، لكنه رهن الاحتكار وعدم البيع، وهذه معصية كبيرة.
من منا يصدق أن المشتري أحيانا يعد محتكراً، فهناك سلعة مثلا لها إنتاج معين، فأنت حين تشتري الحاجة الطبيعية لك فسعرها معتدل، لما يكون هناك قلق، وتشتري خمسة أضعاف حاجتك، المشتري هو المحتكر، لأنه ساهم بفقد البضاعة، وبرفع سعرها.
لذلك الوعي الاقتصادي مهم جداً، في الأزمات إذا أقبل الناس على شراء سلعة معينة يرتفع سعرها، إلى درجة جنونية.
فلذلك الأصل أن الله هو ( المسعر ) بشرط أن ينفى الاحتكار، أن ينفى التدليس والغش، والإيهام، وهناك مئات المعاصي التي نص عليها النبي صلى الله عليه وسلم في البيع والشراء، أحياناً تلقي الركبان، يخرج الإنسان إلى ظاهر المدينة يتلقى مَن يحملون بضاعة إلى المدينة، هم لا يعلمون السعر، يوهمونهم بسعر معين، فيبيعون، ويعودون إلى بلدتهم، لكنهم اشتروا البضاعة بنصف قيمتها، لذلك تلقي الركبان منهي عنه، الإيهام منهي عنه، التدليس منهي عنه، الاحتكار منهي عنه، الغش منهي عنه، فإذا تلافينا كل هذه المعاصي في البيع والشراء فوجئنا أن السعر معقول، بسعر طبيعي، سعر أساسه العرض والطلب، أساسه الكمية، وأساسه الحاجة.
إذاً: الأصل الله جل جلاله هو ( المسعِّر )، أنت أيها الإنسان، أو أنت أيها المختص بشؤون العامة، اضبط المخالفات في البيع والشراء فقط، وانتهى الأمر، لأن السعر يحدده ربنا جل جلاله، لأنه هو ( المسعِّر ) بالكمِّ.
أحياناً يكون الضمان لفاكهة، الشراء بأربعين ليرة، والمرجو أن يباع مئة كيلو، يباع بخمس ليرات، تأتي كميات مخيفة، في كل سنة إنتاج معين يكون فيه طفرة في الكمِّ، فصار السعر غير معقول بالرخص، فلذلك الله عز وجل هو ( المسعر ) بالكمّ.
أحيانا يأتي صقيع فيتلف محاصيل مخيفة بالمليارات، والصقيع إذا استمر ستَّ ثوانٍ بدرجة معينة مثلاً ستّ درجات فوق الصفر، وهناك علم دقيق بهذا الموضوع، في درجة معينة إذا استمرت ستَّ ثوان تتلف المحصول كله، وتسودّ الثمار كلها.
﴿ فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ ﴾
( سورة القلم )
بالتعبير الذي يستخدمه الناس: الله عز وجل خياراته لا تعد ولا تحصى، تجد في موسم طويل مديد أمطارًا غزيرة، في أثناء انعقاد الثمر تأتي موجة صقيع تتلف كل الموسم، كل المحصول أتلفته، الأمر بيد الله عز وجل.
الاستقامة ضمان للرزق، والمعصية سبب لتلفه وغلائه:
لذلك:
﴿ وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً * لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾
( سورة الجن )
﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ﴾
( سورة الأعراف الآية: 96 )
﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ﴾
( سورة المائدة الآية: 66 )
أما المعاصي فتؤدي إلى هذا الجفاف، وكلما قلَّ ماءُ الحياء قلَّ ماء السماء، وكلما رخص لحم النساء غلا لحم الضأن، وكلما اتسعت الصحون على السطوح ضاقت صحون المائدة، الرزق كما قال عنه النبي عليه الصلاة والسلام في حديث ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( لَا يَزِيدُ فِي الْعُمْرِ إِلَّا الْبِرُّ، وَلَا يَرُدُّ الْقَدَرَ إِلَّا الدُّعَاءُ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ ))
[ ابن ماجه ]
لذلك: ﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقاً ﴾
( سورة طه: الآية: 132 )
إذاً بيت تؤدى فيه الصلوات الخمس، بيت فيه معالم الإيمان، يتلى في القرآن هو بيت مرزوق، ومحل تجاري ليس فيه معاص ولا آثام، فيه غض بصر، فيه ضبط لسان هذا المحل التجاري مرزوق، الرزق متعلق بالاستقامة، هذه آيات كثيرة.
الله هو ( المسعِّر )، وإذا أعطى أدهش، وإذا حاسب فتش، والخيارات التي بيد الله عز وجل لا تعد ولا تحصى.
فيا أيها الإخوة، مرة ثانية الله عز وجل له فعل تكويني، وأمر تكليفي، الفعل التكويني الأمطار بيده، الإنتاج بيده.
والله مرة رأيت قمحة في الغوطة أنبت 35 سنبلة، عددتها بيدي، أخذت سنبلة وسحقتها، وعددت عدد حبات القمح فكانت خمسين حبة، ضربت 35 بـ50 فإذا هي 1750 حبة من سنبلة واحدة.
أحيانا الكميات تكون فلكية، وأحيانا تكون الكميات شحيحة، هذا معنى قوله النبي الكريم: (( إنَّ اللهَ هُوَ المُسَعِّرُ ))
بفعله التكويني، فعله التكويني هو المسعّر، بالكمّ، بالأمطار.
في مرة شحت الأمطار في هذه البلدة إلى درجة حتى أن الخبراء في حوض دمشق قالوا: دمشق مقدِمة على جفاف، والله حدثني طبيب عضو في هذه اللجنة، قال لي: يمكن أن يموت النبات كله، في العام القادم نزلت أمطار لم ينزل مثلها من خمسين عامًا، 350 ميلي في السنة، 30 ـ 40 نبعا جف من 20 سنة تفجر، مياه بعض الأطراف وصلت إلى الشام، الله عز وجل الأمر بيده.
تقدير الله للأرزاق مقرون بالتأديب، وتقنين العبد مقرون بالعجز:
الفكرة الدقيقة جداً: لا يمكن أن يكون تقنين الله تقنين عجز، نحن أحياناً نقنن الكهرباء، تقنين عجز، يقول لك: المولدات معطلة، في نقص بالطاقة الكهربائية، الإنسان حينما يقنن، يقنن تقنين عجز، لكن خالق الأكوان حينما يقنن، يقنن تقنين تأديب فقط، تقنين الله عز وجل لا يمكن أن يكون تقنين عجز، لقول تعالى:
﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ﴾
( سورة الحجر )
قلت لكم سابقاً: إن سحابة اكتشفت في الفضاء الخارجي يمكن أن تملأ محيطات الأرض ستين مرة في اليوم الواحد بمياه عذبة، فالشح في المياه تأديب، النقص في المياه تأديب، الفيضانات تأديب، نقص الرياح تأديب، اشتداد الرياح تأديب، فالعبرة أن نستفيد مما يحصل، لأنه من لم تحدث المصيبة في نفسه موعظة فمصيبته في نفسه أكبر.
فالله عز وجل له فعل تكويني في التسعير، وله فعل تكليفي، منعك من الغش منعك من الاحتكار، منعك من التدليس، منعك من الكذب بالبيع والشراء.
(( من عامل الناس فلم يظلمهم، وعاملهم فلم يكذبهم ))
[ مسند الشهاب عن علي بسند فيه مقال كبير ]
منعك من مئات المعاصي، فإذا انضبطت بها، وابتعدت عنها جاء السعر طبيعيًا جداً ومريحًا، وكما قلت لكم: أوسع نشاط بشري هو البيع والشراء، وأخطر ما في البيع والشراء هو السعر، والسعر بيد الله عز وجل، والله هو ( المسعِّر )، وباستقامتنا ترخص الأسعار، وببعدنا عن الله عز وجل ترتفع الأسعار.
كان عمر بن الخطاب يسأل ولاته عن الأسعار رحمة بهم، ومرة سأل أحد ولاته، قال له: << ماذا تفعل إذا جاءك الناس بسارق أو ناهب ؟ قال: أقطع يده، فقال له: فإن جاءني من رعيتك من هو جائع أو عاطل فسأقطع يدك، قال له: يا هذا، إن الله استخلفنا عن خلقه لنسد جوعتهم، ونستر عورتهم، ونوفر لهم حرفتهم، فإن وفينا لهم ذلك تقاضيانهم شكرها، إن هذه الأيدي خلقت لتعمل، فإذا لم تجد في الطاعة عملاً التمست في المعصية أعمالاً، فاشغلها بالطاعة قبل أن تشغلك بالمعصية >>.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
08-13-2018, 07:22 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الخمسون )
الموضوع : اسم الله - المسعر - 2 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
من أسماء الله الحسنى: ( المسعِّر ):
حقائق مستنبطة من اسم الله ( المسعِّر ):
أيها الإخوة الكرام، لا زلنا في اسم ( المسعِّر )، وقد بينت لكم في لقاء سابق أن أوسع نشاط يمارسه الإنسان في حياته الدنيا البيع والشراء، ولا بد من معرفة أحكام البيع والشراء، وإن أخطر ما في البيع والشراء هو السعر، فإذا تدنت الأسعار عم الرخاء، وإذا غلا السعر هلك الناس.
1 – ورودُ اسم ( المسعِّر ) في السنة النبوية الصحيحة:
لذلك كان عليه الصلاة والسلام، يسمي ربه ( المسعِّر )، هذا الاسم كما قلت في لقاء سابق لم يرد في القرآن الكريم، ولكن ورد في السنة المطهرة فعَنْ أَنَسٍ قَالَ:
(( غَلَا السِّعْرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، سَعِّرْ لَنَا، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُسَعِّرُ الْقَابِضُ الْبَاسِطُ الرَّزَّاقُ، وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَلْقَى رَبِّي، وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْكُمْ يَطْلُبُنِي بِمَظْلِمَةٍ فِي دَمٍ وَلَا مَالٍ ))
[ أخرجه الترمذي ]
ثم بينت لكم أيضاً أن الموادّ إذا كثرت رخصت الأسعار، فإذا قلت: ارتفع السعر فمَن هو ( المسعِّر ) حقيقة ؟ هو الله سبحانه وتعالى، فإذا زادت الكميات التي تنتجها الأرض رخصت الأسعار، وهبطت، وعم الرخاء.
2 – التسعير القسري قد يمنع الخير:
فلذلك الحقيقة أن الله جل جلاله هو ( المسعِّر )، أما أن يكون الناس في رخاء وفي بحبوحة، والمواد موفورة، والناس في غنى، وتأتي أنت ولي الأمر لتضع أسعارا هابطة فتعيق الناس عن أرباحهم، فهذا ظلم، من هنا تبين أن النبي عليه الصلاة والسلام رفض أن يسعِّر، لما قيل له:
(( يَا رَسُولَ اللَّهِ، سَعِّرْ لَنَا، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُسَعِّرُ ))
لذلك إذا كان الناس في رخاء، وفي بحبوحة، والمواد متوافرة، والناس في غنى، فالتسعير القسري قد يمنع الخير عن معظم الناس، فالنبي عليه الصلاة والسلام أبى أن يسعر، لأنه بيّن أن التسعير أحياناً يقع في حالة من الظلم لا يرضاها النبي لنفسه.
3 – جواز التسعير في حالات الجشع وغلاء الأسعار تحقيقًا للمصلحة العامة:
ولكن هناك حالة ثانية أقرها الفقهاء، حينما يكون البائع جشعاً، ويريد أن يربح أرباحاً طائلة، ويحتكر المواد، ويقنن على الناس بغية ارتفاع الأسعار، ومضاعفة الأرباح، حينئذٍ يتدخل ولي الأمر لرحمة الناس، ولتوفير المواد فيسعر.
إذاً: عندنا تسعير ظالم، و تسعير يعدّ حكيماً من قِبل ولي الأمر.
دائماً الشريعة كما قال بعض العلماء: " عدل كلها، رحمة كلها، حكمة كلها مصلحة كلها، فأية قضية خرجت من المصلحة إلى المفسدة، من العدل إلى الجور، ومن الحكمة إلى خلافها، فليست من الشريعة، ولو أدخلت عليها بألف تأويلٍ وتأويل.
فالحقيقة الأولى في هذا اللقاء: أن التسعير إذا كان مؤدياً إذا ظلم عميم فالنبي حرمه، أما إذا تدخل ولي الأمر بإنقاذ الفقراء من جشع الأغنياء، ومن رفع الأسعار رفعاً مفتعلاً عن طريق الاحتكار، ومنع بيع البضاعة، أو الإيهام، أو التدليس، عندئذٍ أقر الفقهاء لولي الأمر في حالات يقع فيها ظلم شديد أن يسعر.
إذاً: التسعير الذي يؤدي إلى الظلم حرمه النبي عليه الصلاة والسلام، أما التدبير الحكيم الذي يؤدي إلى إيصال المواد إلى المستهلك الفقير بغية أن تقوم حياته على شكل معقول فقد أقره الفقهاء استثناء من هذا الحديث.
4 – معنى ( المسعِّر ):
على كلٍ، ( المسعِّر ) اسم فاعل، من فعل رباعي، كلكم يعلم الفعل الثلاثي وزن اسم فاعله فاعل، كتب كاتب، أما الفعل الرباعي سعر يسعر مسعر، فالمسعر هو الله عز وجل.
وقد بينت كثيراً أن المواسم الزراعية قد تتفاوت من عام لآخر، أحياناً تتضاعف المواد أضعافاً كثيرة، عندئذٍ ترخص الأسعار.
إذاً: التسعير أن يكون فعلاً إلهياً تكوينياً، أو أن يكون فعلاً بشرياً تنظيمياً، من أجل أن يكون فعلاً إلهياً تكوينياً لقضية الإنتاج والخصب والغلة، أو يكون فعلاً بشرياً تنظيماً بيد ولي أمر المسلمين، وله ولولي الأمر أن يسعر بعض المواد الأساسية.
لكن من معاني هذا الفعل سعّر يسعر تسعيراً وتسعيرة، يعني وضع سعراً محدداً لهذا السلعة، وقولك: سعّر النار ؛ أي أشعلها، والآية الكريمة:
﴿ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً ﴾
( سورة الإسراء )
﴿ وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ ﴾
( سورة التكوير )
و( المسعر ) هو سبحانه وتعالى، لأنه يزيد الشيء، ويرفع من قيمته، أو من تأثيره، أو من مكانته، أو يخفض من قيمته أو تأثيره أو مكانته، يقول الله عز وجل:
﴿ وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيراً ﴾
( سورة الفتح )
نحن في معاني كلمة المسعر والسعير:
﴿ وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيراً ﴾
لذلك علماء المسلمين قاطبة رأوا أن الإيمان باليوم الآخر هو إيمان إخباري، أن النبي عليه الصلاة والسلام في أحاديثه، وأن القرآن في أخباره أخبرنا عن يوم آخر تسوى فيه الحسابات، ولكن الحقيقة التي ينبغي أن تكون واضحة أن بعض العلماء وعلى رأسهم ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ يرى أن الإيمان باليوم الآخر إيمان عقلي، لأنه لا يعقل أن يكون في الأرض غني وفقير، وقوي وضعيف، وظالم ومظلوم، وتنتهي الحياة هكذا من دون تسوية حسابات.
إذاً: لا بد من يوم تسوى فيه الحسابات، جاءت الآية الكريمة:
﴿ وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيراً ﴾
اسم ( المسعر ) يدل على ذات الله، وعلى صفة التسعير، إذا كان يوم القيامة ينزل إلى العباد ليقضي بينهم، وكل أمة جاثية، إلى أن قال:
(( يا أَبا هُريرة، أُولئك الثلاثة أَوَّلُ خَلقِ اللهِ تُسَعَّرُ بهم النار يوم القيامة ))
[أخرجه مسلم والترمذي والنسائي عن أبي هريرة ]
هؤلاء الذين استغلوا، وظلموا، وأخذوا ما ليس لهم.
5 – الدعاء باسم ( المسعِّر ):
أيضاً أيها الإخوة، يمكن أن ندعو باسم ( المسعر )، لأن الله عز وجل يقول:
﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾
( سورة الأعراف الآية: 180 )
وحينما قال الصحابة الكرام:
(( يا رسول الله سعر لنا، فقال: بل الله يرفع ويخفض، وإني لأرجو أن ألقى الله وليست لأحد عندي مظلمة ))
[أخرجه الطبراني عن أبي هريرة ]
فقال آخر:
(( سَعِّرْ لنا، فقال : بلْ أدْعُو عز وجل ))
[ أخرجه أبو داود عن أبي هريرة ]
إذاً: يتضح من التسعير أنه فعل كوني من قِبل الله عز وجل متعلق بالغلات، والإنتاج و التسعير كفعل بشري يتعلق بولي الأمر حينما يضع حداً بجشع التجار.
كان الرجل إذا أسلم علمه النبي الصلاة، ثم أمره أن يدعو بهؤلاء الكلمات:
(( اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَاهْدِنِي وَعَافِنِي وَارْزُقْنِي ))
[ مسلم عن أبي مالك الأشجعي عن أبيه ]
ومن أدعية النبي عليه الصلاة والسلام:
(( اللهم ارزقني طيباً، واستعملني صالحاً ))
[ الجامع الصغير عن حنظلة بسند فيه ضعف ]
ولأدعية النبي عليه الصلاة والسلام معان دقيقة جداً، من أدعيته:
(( اللهم أنا بك وإليك، أنا بك، قائم بك، وأنت قصدي ))
[ ورد في الأثر ]
(( اللهم ارزقني طيباً، واستعملني صالحاً ))
[ الجامع الصغير عن حنظلة بسند فيه ضعف ]
﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾
فكل دعاء يقول: اللهم ارزقني هو دعاء باسم ( المسعِّر )، اللهم ارزقني.
﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾
(( اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَاهْدِنِي وَعَافِنِي وَارْزُقْنِي ))
وبينت أيضاً أن الإنسان النعمة الأولى في حياته هي نعمة الهداية، وقد قالوا: تمام النعمة الهدى، والنعمة الثانية الصحة، لذلك كان عليه الصلاة والسلام يكثر من دعائه الشريف:
(( اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْمُعَافَاةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ))
[ ابن ماجه ]
والنبي عليه الصلاة والسلام أيضاً كان يدعو فيقول:
(( اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي حُبَّكَ وَحُبَّ مَنْ يَنْفَعُنِي حُبُّهُ عِنْدَكَ، اللَّهُمَّ مَا رَزَقْتَنِي مِمَّا أُحِبُّ ـ دققوا في هذا المعنى ـ فَاجْعَلْهُ قُوَّةً لِي فِيمَا تُحِبُّ اللَّهُمَّ، وَمَا زَوَيْتَ عَنِّي مِمَّا أُحِبُّ فَاجْعَلْهُ فَرَاغًا لِي فِيمَا تُحِبُّ ))
في كل الحالات الشيء الذي تحبه إذا أكرمك الله به ليكن في سبيل الله، والامتحان الذي أبينه لكم دائماً أنك ممتحن فيما أعطاك الله، وممتحن فيما زوى عنك، أي شيء منحك الله إياه أنت ممتحن به.
لأن الدنيا في الأصل دار ابتلاء، إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء، ومنزل ترح لا منزل فرح، فمن عرفها لم يفرح لرخاء، ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى، وجعل دار الآخرة دار عقبة، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سببا، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضا، فيأخذ ليعطي، ويبتلي ليجزي.
إذاً: حينما تقول: اللهم ارزقني فقد دعوت الله عز وجل ( المسعر ) بمعنى هذا الاسم، وهو الرزق، والإنسان حريص على صحته، وحريص على رزقه، والله عز وجل هو الرزاق.
وكنت أقول دائماً: تفاحة على غصن في شجرة في بستان، هذه لك، ولكن طريقة انتقالها إليك باختيارك، يمكن أن تأكلها ضيافة، ويمكن أن تأكلها هدية، ويمكن أن تأكلها شراء، أو تهدى إليك، أو أن تأكلها ضيافة، ويمكن ـ لا سمح الله ولا قدر ـ أن يأكلها بعض الناس سرقة، ويمكن أن يأكلها بعض الناس تسولاً، فهي إما تسول، أو سرقة، أو شراء، أو ضيافة، وهكذا.
إذاً: طريقة انتقال الرزق إليك باختيارك، أما هو فلك، لذلك:
(( إنَّ رُوح القُدسِ نَفَثَ في رُوعي إِنَّ نَفْساً لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ رِزْقَهَا، وَإِنْ أَبْطَأَ عَنْهَا فَاتَّقُوا اللَّهَ، وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ ))
[ أخرجه ابن ماجه عن جابر بن عبد الله ]
وفي زيادة: (( واستجملوا مهنكم ))
بين الكسب والرزق:
اختر مهنة شريفة، الرزق هو هُو، ودائماً ولا زلنا في موضوع الرزق، فقد فرق العلماء بين الكسب وبين الرزق، الرزق ما انتفعت به فقط، فالثوب الذي تلبسه، والطعام الذي تأكله، والسرير الذي تنام عليه، والثياب التي تلبسها هي رزقك، أما حجمك المالي فهو كسبك، الكسب مال جمعته، ولم تنتفع به، بل سئُلت عنه يوم القيامة، من أين اكتسبته ؟ وفيمَ أنفقته ؟
فالفرق واضح جداً بين الرزق وبين الكسب، الذي ينتفع به فقط هو رزقه، والذي جمعه هو كسبه، الذي جمعه هو محاسب عليه، من أين اكتسبه ؟ وفيمَ أنفقه ؟ من هنا ورد في بعض الآثار:
(( أن روح الميت ترفرف فوق النعش، تقول يا أهلي يا ولدي، لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي، جمعت المال مما حرم، فأنفقته في حله وفي غير حله، فالهناء لكم والتبعة علي ))
[ ورد في الأثر ]
إذاً: أيها الإخوة، قضية المال قضية خطيرة، تُسأل عن المال مرتين: مرة من أين اكتسبته ؟ ومرة فيمَ أنفقته ؟﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾
( سورة الحجر )
وقد قال بعض العلماء: " ترك دانق من حرام خير من ثمانين حجة بعد حجة الإسلام ".
لا زلنا في الدعاء باسم ( المسعر )، باسمه نصاً، أو بمعناه الواسع.
أيها الإخوة الكرام، حينما يصح دخلك يستقيم الطريق إلى الله عز وجل، لأن تسعة أعشار المعاصي في كسب الأموال والعلاقة بالنساء، ولو جمعنا الأحكام لوجدنا أن تسعة أعشارها متعلقة في موضوعين: موضوع كسب المال، وموضوع العلاقة بالنساء، لذلك أحكام الشريعة واسعة جداً في هذين الموضوعين.
إذاً: الدعاء بالرزق مشروع
(( اللهم ارزقني طيباً، واستعملني صالحاً ))
[ الجامع الصغير عن حنظلة بسند فيه ضعف ]
الحلال صعب، والحرام سهل:
ولا بد من تنويه إلى قضية دقيقة، وهي: أن الشيء اللطيف والحكيم أن الرزق الحلال صعب، وأن الرزق الحرام سهل، لو عكست الآية، لو أن الكسب الحلال سهل جداً، وأن الكسب الحرام صعب جداً لأقبل جميع الناس على الحلال، لا طاعة لله، ولا حباً له، ولا ابتغاء مرضاته، ولكن طلباً للأسهل، لذلك شاءت حكمة الله أن يكون الرزق الحلال صعبا، والرزق الحرام سهلا.
أحياناً يعمل إنسان عاماً بأكمله، يشتري بضاعة، يعرضها، يوزعها، يبيعها، بعضها نقداً، وبعضها ديناً، يجمع ثمنها، يدفع مصاريفها، يعين موظفين، في النهاية قد يربح وربما لا يربح، وأحياناً يغض الإنسان بصره عن مخالفة تؤذي المسلمين، يأخذ الملايين فالحرام سهل، بغض بصر، أو بتواطؤ، أو بإغراء، أما الحلال صعب، لذلك البطولة أن تكسب المال الحلال، ولو كان صعباً، وقد ورد في بعض الآثار:
(( من بات كالاً مِن طلب الحلال بات مغفوراً له ))
[ الجامع الصغير عن أنس بسند ضعيف ]
لا تضجر من كسب الحلال فهو صعب.
هناك امرأة تعمل طوال النهار لتأخذ 500 ليرة، وامرأة أخرى تأخذها في دقائق، فالكسب الحرام سهل، والحلال صعب، هذه حكمة بالغة في الدنيا، فهذا الذي يبحث عن الحلال مؤمن ورب الكعبة، هذا الذي يقول: معاذ الله يعتقد أن الله هو الغني.
(( ما ترك عبد شيء لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه ))
[ الجامع الصغير عن ابن عمر بسند فيه مقال ]
الدنيا مفعمة بالامتحانات، فقد يعرض على إنسان عمل بدخل كبير، لكن هذا العمل لا يرضي الله، قد يبنى على مضرة الآخرين، قد يبنى على أخذ أموالهم بالباطل، فأي عمل قادك إلى معصية الله فهو خسارة ما تعدلها خسارة، وأي عمل مهما كان دخله قليلاً إذا كان في مرضاة الله كان ربحاً كثيراً، لذلك كان الرجل إذا أسلم علّمه النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة، ثم أمره أن يدعو بهؤلاء الكلمات:
(( اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَاهْدِنِي وَعَافِنِي وَارْزُقْنِي ))
[ مسلم عن أبي مالك الأشجعي عن أبيه ]
رَحِمَ اللهُ رجلاً سَمْحاً إذا باع، وإذا اشترى:
في كسب الرزق يقول عليه الصلاة والسلام:
(( رَحِمَ اللهُ رجلاً سَمْحاً إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقْتَضَى ))
[ أخرجه البخاري عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما ]
هناك تعنت في كسب الرزق، هناك قسوة في كسب الرزق، هناك شدة في كسب الرزق، النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
(( رَحِمَ اللهُ رجلاً سَمْحاً إذا باع، وإذا اشترى وإذا اقْتَضَى ))
وفي رواية:
(( وإذا اقتضى ))
والمؤمن من علامات إيمانه السهولة، واليسر، والتسامح في علاقاته المادية والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:
(( التَّاجِرُ الأمينُ الصَّدُوقُ: مع النَّبيِّينَ والصِّدِّيقين والشُّهداء ))
[أخرجه الترمذي عن أبو سعيد الخدري رضي الله ]
لذلك ورد في بعض الآثار:
(( إن أطيب الكسب كسب التجار، إذا حدثوا لم يكذبوا، وإذا وعدوا لم يخلفوا وإذا ائتمنوا لم يخونوا، وإذا اشتروا لم يذموا، وإذا باعوا لم يطروا، وإذا كان لهم لم يعسروا، وإذا كان عليهم لم يمطلوا ))
[ الجامع الصغير عن معاذ بسند ضعيف ]
سبعة صفات وردت في بعض الآثار تجعل أطيب الكسب كسب التجار، لذلك:
(( التَّاجِرُ الأمينُ الصَّدُوقُ: مع النَّبيِّينَ والصِّدِّيقين والشُّهداء ))
لأن التاجر يحقق لك أكبر حاجة في حياتك موادك الأولية، طعامك، شرابك، ثيابك، وأنت إنسان تحتاج مليون حاجة، فهذا الذي يقدمها لك بنوعية جيدة، وبسعر معتدل هو داعية إلى الله دون أن يشعر، لذلك أكبر قطر إسلامي في العالم إندونيسيا يعد 250 مليونًا فتح عن طريق التجار، لا سلاح، ولا حرب، ولا جيوش، تاجر صدوق أمين، فلا تستهن بهذه الحرفة، يمكن أن تلبي حاجات الناس، لذلك الناس أحياناً يدعون من أعماق قلوبهم لتاجر صدوق باعهم سلعة جيدة، سعرها معتدل، وجيدة، وقدمت لهم خدمات كثيرة.
النبي عليه الصلاة والسلام فيما روي عنه من حديث أبي ذر قال:
(( قلت ومن هؤلاء الذين يشنأهم الله ؛ يبغضهم الله ؟ قال: التاجر الحلاف يكثر الحلف، أو قال البائع الحلاف، والبخيل المنان، والفقير المختال ))
[ ورد في الأثر ]
وورد:
" أحب ثلاثاً، وحبي لثلاث أشد، أحب الطائعين، وحبي للشاب الطائع أشد، أحب الكرماء، وحبي للفقير الكريم أشد، أحب المتواضعين، وحبي للغني المتواضع أشد، وأبغض ثلاثة، وبغضي لثلاث أشد، أبغض العصاة، وبغضي للشيخ العاصي أشد، أبغض المتكبرين، وبغضي للفقير المتكبر أشد، أبغض البخلاء، وبغضي للغني البخيل أشد "
لذلك ورد أيضاً: " أن العدل حسن، لكن في الأمراء أحسن، فأجمل صفة في الأمير العدل، وأن الورع حسن، لكن في العلماء أحسن، وأن الحياء حسن، لكن في النساء أحسن، وأن السخاء حسن، لكن في الأغنياء أحسن، وأن الصبر حسن، لكن في الفقراء أحسن، وأن التوبة حسن، لكن في الشباب أحسن "
خاتمة:
إذاً: أيها الإخوة، الله هو ( المسعر ) بفعله التكويني، وولي أمر المسلمين حينما يرى في مصلحة أمتي أن يسعر، يسعر بتدبيره الفقهي، ولأن الإنسان مطلوب أن يدعو في هذا الاسم بمعنى هذا الاسم حينما يقول:
(( اللهم ارزقني طيباً، واستعملني صالحاً ))
وأن الكسب شيء، وأن الرزق شيء آخر، الرزق ما انتفعت به، والكسب مال حصلته ولم تنتفع به، وسوف تحاسب عليه، وأن من أدق الحسابات يوم القيامة حساب المال، من أين اكتسبه ؟ وفيمَ أنفقته ؟
أيها الإخوة الكرام، نسأل الله جل جلاله أن يرزقنا طيباً، ويستعملنا صالحاً.
والحمد لله رب العالمين
السعيد
08-23-2018, 01:33 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الحادى و الخمسون )
الموضوع : اسم الله - السيد - 1 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
من أسماء الله الحسنى: ( السيد):
أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "السيد" .
تعظيم الناس بعضهم بعضاً من أعظم الأخطاء التي يقع بها المسلمون:
ورد هذا الاسم في السنة المطهرة، أحد الصحابة الكرام وهو: مطرف بن عبد الله بن الشخير قال:
(( قال أبي: انطلقتُ في وفَدِ بني عامر إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فقلنا: أنتَ سَيدنا ؟ فقال: السيد الله، قلنا: وأفضلُنا فَضلا، وأعظمُنا طَوْلا، فقال: قولوا بقولكم، أو بعض قولكم، ولا يَستَجْرِيَنَّكم الشيَطان ))
[ أخرجه أبو داود عن مطرف بن عبد الله بن الشخير ]
لذلك مزلق خطير أن يعظم الناس بعضهم بعضاً، النبي عليه الصلاة والسلام وهو سيد الخلق، وأحب الخلق إلى الله، وسيد ولد آدم، ومن بلغ سدرة المنتهى، ومن كان الوسيلة العظمى إلى الله عز وجل، قال: (( السيد الله ))
أيها الأخوة، سيدنا عمر رضي الله عنه كان مع أصحابه في جلسة، فقال أحدهم: والله ما رأينا خيراً منك بعد رسول الله، فغضب غضبة وأحدّ فيهم النظر، وخافوا إلى أن قال أحدهم: لا والله، لقد رأينا من هو خير منك، فقال: من ؟ فقال: أبو بكر، قالوا: كذبتم جميعاً وصدق، عدّ سكوت أصحابه على قول من قال ما رأينا خير منك بعد رسول الله عدّ سكوتهم كذباً، فقال: كذبتم جميعاً وصدق، والله كنت أضلّ من بعيري، وكان أبو يكر أطيب من ريح المسك.
فلذلك ورد في بعض الأحاديث:
(( إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب ))
[ أخرجه الطبراني عن عطاء بن أبي رباح ]
أحدهم مدح أخاه أمام رسول الله، قال له: ويحك قطعت عنق صاحبك (( أنتَ سَيدنا ؟ فقال: السيد الله ))
النبي الكريم ربى أصحابه على الطاعة و العمل لله :
كلكم يذكر أنه حينما انتقل النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى ماذا قال الصديق ؟ قال قولاً يلفت النظر، قال: من كان يعبد محمداً (هكذا فقط) وأنا أعتقد أنه ما على وجه الأرض إنسان يحب إنساناً كما أحب الصديق رسول الله ولكنه كان موحداً.
أيها الأخوة الكرام، سيدنا خالد وهو في قمة نجاحه، قائد جيوش المسلمين عزله سيدنا عمر، لمَ ؟ لا أحد يعلم، وهو قائد الجيوش رجع جندياً في بعض المعارك وتسلم القيادة أبو عبيدة الجراح، لما جاء إلى المدينة، سأل سيدنا عمر، يا أمير المؤمنين لمَ عزلتني ؟ قال: والله إني أحبك، قال: لمَ عزلتني ؟ قال: والله إني أحبك، قال: لمَ عزلتني ؟ فقال سيدنا عمر: والله ما عزلتك يا بن الوليد إلا مخافة أن يفتتن الناس بك لكثرة ما أبليت في سبيل الله، هناك رواية أخرى:
أن سيدنا عمر جاءه جندي من جنود خالد، فقال هذا الجندي: إن معركة فيها خالد لا يمكن أن تُهزم، فخاف عليهم من الشرك الخفي، خاف عليهم أن يتوهموا أن الناصر هو خالد، أراد أن يعزله، و ينتصروا بعد عزله، لأن الناصر هو الله.
وفي هذه الرواية الثانية جاء من يهمس في أذن سيدنا خالد، أنك قائد الجيوش، وأن القوة بيدك، وأن الجيش بيدك، اذهب إلى المدينة واعزل عمر، وتولى مكانه قال: والله ما كنت لأفعل، لأنني جندي لله، وسواء أكنت قائد أو جندياً الأمر عندي سيان.
هكذا ربى النبي أصحابه، رباهم على الطاعة، رباهم أن يضعوا حظوظهم تحت أقدامهم، رباهم أن يعملوا لله.
من تذلل لله رفعه: على كلٍ هذا الصحابي قال:
(( قال أبي: انطلقتُ في وفَدِ بني عامر إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فقلنا: أنتَ سَيدنا ؟ فقال: السيد الله، قلنا: وأفضلُنا فَضلا، وأعظمُنا طَوْلا، فقال: قولوا بقولكم، أو بعض قولكم، ولا يَستَجْرِيَنَّكم الشيَطان ))
[ أخرجه أبو داود عن عبد الله بن الشخير ]
أيها الأخوة، خطيب خطب أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ما شاء الله وشئت، قال النبي الكريم: بئس الخطيب أنت، قل ما شاء الله كان، وما لم يشاء لم يكن جعلتني لله نداً ؟!.
أخوانا الكرام، كلما تذللت لله رفعك الله، كلما كنت عبداً له أعزك الله، كلما مرغت وجهك في أعتابه رفعك الله، وأنا لا أعتقد أنه على وجه الأرض إنسان رفعه الله كما رفع رسول الله، هل يعقل أن يقسم خالق السماوات والأرض بعمر إنسان ؟ لقد أقسم الله بعمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ﴿ لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾
( سورة الحجر )
عدم مخاطبة الله عز وجل النبي الكريم باسمه مباشرة بل ورد اسمه مخبراً عنه:
ما خاطب الله النبي باسمه إطلاقاً.
﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ ﴾
( سورة الأحزاب الآية: 59 )
﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ﴾
( سورة المائدة الآية: 67 )
ما خاطبه باسمه إطلاقاً، بينما خاطب الأنبياء:﴿ يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ ﴾
( سورة مريم الآية: 12 )
﴿ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي ﴾
( سورة المائدة الآية: 116 )
ما خاطب الله نبيه باسمه مباشرة بل ورد اسمه مخبراً عنه: ﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ﴾
( سورة الفتح الآية: 29 )
أما الخطاب يتميز النبي عليه الصلاة والسلام بأن الله خاطبه بالنبوة والرسالة.
النبي بشر تجري عليه كل خصائص البشر لذلك فهو سيد البشر:
فيا أيها الأخوة الكرام، أن نعرف قدر النبي صلى الله عليه وسلم لا يعني أن نرفعه فوق بشريته.
(( إنما أنا بشر، أرضى كما يرْضى البشر، وأغْضَبُ كما يغضب البشر ))
[ أخرجه مسلم عن أنس بن مالك ]
ولولا أن النبي بشر، تجري عليه كل خصائص البشر، لما كان سيد البشر هو بشر قال:
(( لقد أُخِفْتُ في الله ما لم يُخَفْ أَحدٌ، وأُوذِيت في الله ما لم يُؤذَ أحد، ولقد أتى عليَّ ثلاثون من يوم وليلة، ومالي ولبلال طعامٌ إِلا شيء يُواريه إِبطُ بلال ))
[أخرجه الترمذي عن أنس بن مالك ]
مرة ثانية: لولا أنه بشر يشتهي كما نشتهي، ويخاف كما نخاف، ويتمنى كما نتمنى، ويطلب السلامة كما نطلبها، لولا أنه بشر، تجري عليه كل خصائص البشر، لما كان سيد البشر. الحكمة من الهامش الاجتهادي الضيق الذي سمح الله به للنبي الكريم:
لماذا سمح الله للنبي الكريم بهامش محدود جداً، ضيق جداً أن يجتهد ؟ فإذا اجتهد وأصاب أقره الوحي على اجتهاده، وإن كان الأولى بخلاف ما اجتهد الوحي صحح له هذا الاجتهاد.
﴿ عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ ﴾
( سورة التوبة الآية: 43 )
﴿ عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى ﴾
( سورة عبس )
لماذا ؟ أليس من الممكن أن لا يدع له هذا الهامش إطلاقاً ؟ قال بعض العلماء: هذا الهامش الاجتهادي الضيق جداً الذي سمح الله له به من أجل أن يكون هناك فرق بين مقام الألوهية، ومقام النبوة، هذا من حكمة الله عز وجل. ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ﴾
( سورة الكهف الآية: 110 )
ولولا أنه بشر لما كان قدوة لنا، لأنه انتصر على بشريته، ولحكمة بالغةٍ بالغة في كل عصر، وفي كل مصر، هناك أناس من بني البشر ينتصرون على بشريتهم ويكونون حجة على غيرهم، في هذا العصر، في عصر الفساد، في عصر التفلت، في عصر يصدق فيه الكاذب، ويكذب فيه الصادق، في عصر يؤتمن الخائن، ويخون الأمين في عصر القابض على دينه كالقابض على الجمر، في عصر:
(( يكون الولد غيظاً والمطر قيظاً وتفيض اللئام فيضاً ويغيض الكرام غيضاً ))
[ أخرجه الطبراني عن عائشة أم المؤمنين ]
في عصر يوسد الأمر إلى غير أهله، في عصر تعد الفضائل مغرماً، والنقائص مغنماً، في هذا العصر لابدّ من أن تجد إنساناً انتصر على بشريته، واستقام على أمر ربه وركل الدنيا بقدمه.
من تواضع لله رفعه و من تكبر وضعه :
أيها الأخوة ، لمَ لا يكون أحدنا شيئاً مذكوراً ؟ لمَ لا يكون أحدنا بطلاً ؟ لمَ لا ينتصر على بشريته ؟ فالنبي عليه الصلاة والسلام كان بشراً لكنه كان سيد البشر، كان بشراً لكنه أحبّ الله حباً تفوق بهذا الحب، حتى صار سيد الأنبياء والمرسلين.
إذاً العلاقة عكسية، كلما تواضعت لله رفعك، وكلما تكبرت وضعك، كلما قلت الله تولاك الله، فإذا قلت أنا تخلى عنك.
الصحابة الكرام في بدر قالوا الله، افتقروا إلى الله، تذللوا إلى الله فانتصروا.
﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 123 )
أما في حنين اعتدوا بقوتهم، اعتدوا بعددهم، فقال قائلهم: (وهم الصحابة الكرام وفيهم سيد الأنام):
(( ولن يُغْلَبَ اثنا عَشَرَ ألفا مِنْ قِلَّةٍ ))
[أخرجه أبو داود والترمذي عن عبد الله بن عباس ]
فلم ينتصروا، قال تعالى:
﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ﴾
( سورة التوبة )
من هان أمر الله عليه هان على الله:
إخوانا الكرام، المسلمون في أشد الحاجة إلى هذا الدرس، تقول الله يتولاك الله ، تقول أنا بخبرتي، بقوتي، بجماعتي، بأسرتي، بمالي، بسطوتي، بسلطتي، بمنصبي ، تقول أنا يتخلى الله عنك، إن النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
(( إن الله تبارك وتعالى اختارني واختار بي أصحابا ))
[ أخرجه الحاكم عن عويم بن ساعدة ]
هو قمة البشر وأصحابه نخبة البشر، ومع ذلك في أُحد لم ينتصروا، لأنهم عصوا، فلو انتصروا لسقطت طاعة رسول الله، وفي حنين لم ينتصروا لأنهم وقعوا في شرك خفي.
(( ولن يُغْلَبَ اثنا عَشَرَ ألفا مِنْ قِلَّةٍ ))
[أخرجه أبو داود والترمذي عن عبد الله بن عباس ]
فلم ينتصروا، ولو أنهم انتصروا لسقط التوحيد، فإذا عامل الله أصحاب رسول الله الذين بذلوا الغالي والرخيص، والنفس والنفيس، إذا عامل الله أصحاب رسول الله، وهم قمم في مجتمعاتهم هكذا، نحن لماذا نطمع أن يأتينا النصر على طبق من ذهب، ونحن غارقون في المعاصي والآثام ؟ لماذا نطمع ؟ والله طمعنا سذاجة، طمعنا جهل كبير.
﴿ إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ ﴾
( سورة محمد )
هان أمر الله على الناس فهانوا على الله، لذلك العلاقة عكسية، كلما تذللت لله رفعك، ما الذي يمنعك أن قول في السجود يا رب أنت ربنا، ورب كل شيء، يا رب نحن بك، أنت القوي يا رب، أنت الغفور، أنت الرحيم، تذلل لله.
السيادة المطلقة لله لأن السيد الحقيقي هو الله:
السيادة المطلقة لله، لكن السيادة النسبية لم تنفع من مخلوق، الله عز وجل عليم وهناك إنسان عالم، لكن علم الإنسان شيء، وعلم الله شيء آخر، تقل السيد فلان، ما في مشكلة، سيادة نسبية، تفوق الإنسان.
(( واللهُ وِتْرٌ يُحِبُّ الوِتْرَ ))
[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة ]
تفوق، كان كريماً، أخلاقياً، عمله طيباً، ضحى بالغالي والرخيص، والنفس والنفيس، له سيادة نسبية، النبي قال: قوموا لسيدكم (سيدنا سعد)، يعني الإنسان يتفوق لكن السيد الحقيقي هو الله، السيادة المطلقة لله، "السيد" هو الله، "السيد" حقيقة هو الله، هو الرب، هو المالك، مالك كل شيء، مالك السماوات والأرض، الخلق كلهم عبيده، فالسيادة المطلقة عدا الحقيقية لا تكون إلا لله.
الله تعالى سمح لذاته العلية أن توازن مع مخلوقاته كي تعرف من هو الله:
الخلق كلهم عبيده، الإنسان سيد سيادة مقيدة، نسبية، بل مجازية، للتقريب حينما قال الله عز وجل:
﴿ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾
( سورة المؤمنون )
هل هناك خالق إلا الله ؟ أما الإنسان إذا صنع شيئاً، إذا صنع شيئاً من كل شيء على مثال سابق الله عز وجل سماه مجازاً خالقاً، لكن الله خالق السماوات والأرض صنع كل شيء من لا شي، وعلى غير مثال سابق، وهو الخالق، أما إذا قال الله عز وجل: ﴿ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾
أن يوصف الإنسان خالقاً مجازاً، هكذا بالآية الكريمة.
﴿ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ ﴾
( سورة الأنعام )
﴿ خَيْرُ الْوَارِثِينَ ﴾
( سورة الأنبياء )
أي سمح لذاته العلية أن توازن مع مخلوقاته، كي تعرف من هو الله.
كل مخلوق مهما كان قوياً عبد لله: أيها الأخوة الكرام، الآية الكريمة التي تؤكد هذه السيادة المطلقة "السيد" الله:
﴿ إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً ﴾
( سورة مريم )
كل مخلوق مهما كان قوياً، ولو كان ملحداً، ولو كان كافراً، هو عبد لله، هو عبد القهر، الإنسان كل قوته، وهيمنته، وقوة شخصيته، وأمواله المنقولة، والغير منقولة، ومنصبه منوط بضربات قلبه، فإذا توقف القلب لسبب أو آخر أصبح خبراً على الجدران، المرحوم فلان، كل قوته، وهيمنته، وكل حجمه المالي، وكل رفعة منصبه، منوط بقطر شريانه التاجي، فإذا ضاق هذا الشريان دخل في متاعب كبيرة جداً، كل هذه المكانة ، والقدرة، والهيمنة، والعظمة المتوهمة منوطة بنمو خلاياه، فإذا نمت نمواً عشوائياً انتهت حباته، حتى هذه اللحظة ليس هناك علاج للورم الخبيث، يصيب كل الأعمار، يصيب معظم الناس، هذا المرض تحدى بني البشر.
عبد القهر و عبد الشكر: لذلك هناك عبد جمعه عبيد، هناك عبد القهر الذي جمع هذا العبد عبيد.
﴿ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾
( سورة فصلت )
وهناك عبد الشكر، هذا العبد الصالح، الذي عرف الله عز وجل، الذي تفكر في خلق السماوات والأرض فعرف الله، هذا العبد الصالح الذي خضع لله، هذا العبد الصالح الذي أحبّ الله، هذا العبد الصالح الذي شكر الله، هو عبد، لكن جمعه عباد. ﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ ﴾
( سورة الفرقان الآية: 63 )
﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ﴾
( سورة الحجر الآية: 42 )
فرق كبير بين أن تكون في قبة الله، وفي أية لحظة تنتهي الحياة، في أية لحظة يتوقف القلب، في أية لحظة سكتة دماغية، في أي لحظة احتشاء قلب، في أي لحظة حادث سير، بين أن تكون عبداً في قبضة الله، هذا عبد القهر، وبين أن تكون عبداً لله عرفته وأطعته، وتقربت إليه، وأحببته فرق كبير جداً.
لذلك العلماء قالوا: هناك عبد القهر، وهناك عبد الشكر.
(( يا محمد إن الله يخيرك بين أن تكون نبياً عبداً أو نبياً ملكاً ؟ فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جبريل عليه السلام كالمستشير، فأومأ إليه: أن تواضع. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل نبياً عبداً ))
[أخرجه الطبراني عن عبد الله بن عباس ]
أجوع يوماً فأذكره، وأشبع يوماً فأشكره.
الله عز وجل مع كل الخلق :
لذلك ننتقل إلى شيء مناسب جداً ننتقل إلى شيء مناسب جداً: المعية، حينما قال الله عز وجل:
﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾
( سورة الحديد الآية: 4 )
مع كل الخلق، مع المؤمن والكافر، مع الصالح والطالح، مع القريب والبعيد ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾
أي معكم بعلمه.
الله تعالى مع المؤمنين بالنصر و التأييد و الحفظ بشرط طاعتهم له: أيها الأخوة، لكن هناك معية خاصة، المعية العامة الله مع كل البشر، مع الكفار مع المؤمنين، مع الملحدين، مع الطائعين، مع العصاة، مع الفجار، مع أعدائه، بعلمه وفي قبضته، لكنه مع المؤمنين معية خاصة، معهم بالتوفيق، معهم بالنصر، معهم بالتأييد معهم بالحفظ، إذا قال الله عز وجل :
﴿ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾
( سورة الأنفال )
معهم بالتوفيق، معهم بالتأييد، معهم بالنصر، لكن هذه المعية مقيدة، لها ثمن باهظ.﴿ وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً ﴾
( سورة المائدة الآية: 12 )
أنا معكم بثمن، الثمن الطاعة. ﴿ إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ ﴾
( سورة محمد الآية: 7 )
فالنصر، والـتأييد، والتوفيق، والحفظ، هذه لها ثمن أن تكون مطيعاً لله عز وجل .
الله تعالى يحب التفوق و يحب أن يكون الإنسان متميزاً بين بني البشر:
أيها الأخوة، إن لم تكن عبداً لله، إن لم تكن عبداً لله فأنت شئت أم أبيت عبد لعبد لئيم، ومسافة كبيرة جداً بين أن تكون عبداً، ومن كان عبد لله فهو حر، وبين أن تكون عبداً لعبد لئيم، يتفنن بإذلالك، يتفنن في التخلي عنك، يتفنن في قهرك، إما أن تكون عبداً لله، أو أن تكون عبداً لعبد لئيم.
سيدنا إبراهيم قال:
﴿ قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ * الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ * وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ * رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ * وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآَخِرِينَ * وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ ﴾
( سورة الشعراء )
أيها الأخوة الكرام، "السيد" الله، هو "السيد" مطلقاً، وإذا قلنا فلان سيد مجازاً شيء محدود، في مهمة محدودة جداً، سيد نسبي، والله عز وجل يحب التفوق، يحب أن تكون متميزاً بين بني البشر.
السعيد
08-23-2018, 01:35 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الثانى و الخمسون )
الموضوع : اسم الله - السيد - 2 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
من أسماء الله الحسنى: ( السيد):
أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في اسم "السيد"، و "السيد" لغة: صفة مشبهة للموصوف بالسيادة، أصله ساد يسود سيّود، قلبت الواو ياءً، وأدغمت في الياء، فأصبحت سيد ، "السيد" على الإطلاق هو الله، لأنه مالك الملك، بل مالك الخلق، ولا مالك للخلق سواه، هو سيد الخلق، لأنه مالك أمرهم بأمره يعملون، وعن قوله يصدرون، يملكهم ملكاً مطلقاً، خلقاً، وتصرفاً، ومصيراً، لكن يمكن أن يوصف الإنسان بأنه سيد، مع الفارق بين الخالق والمخلوق.
السيد من بني البشر الذي تأبى نفسه أن يفعل منكراً :
من هو السيد من بني البشر ؟ قال: الشريف، الذي تأبى نفسه أن يفعل منكراً ، الفاضل الذي يتفضل بما عنده على الآخرين، الكريم، المعطاء، الحليم، الصبور، الذي يتحمل أذى قومه، المقدم.
إذاً يمكن أن يوصف الإنسان بأنه سيد حينما يتحلى بمكارم الأخلاق.
الآن لا بد من ملاحظة: أن موقع مكارم الأخلاق من الدين كالرأس من الجسد لأن ابن القيم رحمه الله تعالى يقول: الإيمان هو الخلق، فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الإيمان.
لكن الذي ينبغي أن يكون واضحاً هو أن النجاشي حينما سأل سيدنا جعفر عن الإسلام، الآن دققوا في تعريف الإسلام من صحابي جليل قال:
(( أيها الملك كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار ـ هذه الجاهلية ـ حتى بعث الله إلينا رسولاً منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه ))
[أخرجه الإمام أحمدعن أم سلمة أم المؤمنين ]
بماذا وصف النبي عليه الصلاة والسلام ؟ بماذا وصف النبي عليه الصلاة والسلام ؟ بصفات أخلاقية. (( نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه ونسبه، فَدَعَانَا إِلَى اللَّهِ لِنُوَحِّدَهُ وَنَعْبُدَهُ، وَنَخْلَعَ مَا كُنَّا نَعْبُدُ نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ الْحِجَارَةِ وَالْأَوْثَانِ، وَأَمَرَنَا بِصِدْقِ الْحَدِيثِ، وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ، وَحُسْنِ الْجِوَارِ، وَالْكَفِّ عَنْ الْمَحَارِمِ وَالدِّمَاء..))
أنا أنقل لكم حديثاً لصحابي جليل، أراد أن يعرف النجاشي بالإسلام.
الإسلام بناء أخلاقي يستند إلى عبادات شعائرية:
إذاً الإسلام مجموعة قيم أخلاقية، الإسلام بناء أخلاقي يستند إلى عبادات شعائرية.
(( بُنِي الإسلامُ على خَمْسٍ ))
[ أخرجه البخاري وابن خزيمة عن عبد الله بن عمر ]
الإسلام شيء، والخمس شيء آخر، هذه دعائم، هذه الدعائم لا تسمى بناء هي أساسات بناء، لكن البناء هو الأخلاق.
(( بُنِي الإسلامُ على خَمْسٍ ))
من هنا تبين أن قيمة المسلم الأولى في خلقه، وأن الخلق هو الذي يجذب الناس إلى الدين، وأن سوء الخلق يبعد الناس عن الدين، فحينما يتوهم الإنسان أنه إذا صلى، أو إذا صام، أو إذا حج، أو إذا زكى صار مسلماً ؟ نقول له: لا، لا تكون مسلماً حقيقة إلا إذا تحليت بعد أدائك للعبادات بمكارم الأخلاق، فالإيمان هو الخلق، ومن زاد عليك في الإيمان زاد عليك في الخلق.
النبي الكريم اتصف بمئات الصفات الرائعة ومع ذلك فقد مدحه الله تعالى بخلقه العظيم:
الآن النبي عليه الصلاة والسلام، كان نبياً، وكان رسولاً، وكان متكلماً، وكان متحدثاً، وكان حكيماً، مئات الصفات التي وهبه الله إياها، لكن حينما مدحه، مدحه بالخلق العظيم.
يعني أنت ليس من المعقول أنك إذا أعطيت ابنك سيارة تقيم له حفلاً تكريمياً، السيارة منك، حفل التكريم لا معنى له إطلاقاً، أما إذا نجح في الشهادة الثانوية، ونال الدرجة الأولى شيء طبيعي جداً أن تقيم له حفلاً تكريمياً، أي الأخلاق كسبية.
لذلك كل الصفات الرائعة التي تحلى بها النبي حينما جاء مكان مدحه، مُدح بخلقه العظيم.
﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾
( سورة القلم )
وما لم يقتدِ المسلمون بأخلاق نبيهم لن يفلحوا.
التقريع والقسوة في الخطاب ليست من صفات الدعاة الصادقين:
الله عز وجل يقول:
﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 159 )
يعني بسبب رحمة استقرب في قلبك يا محمد كنت ليناً لهم، مع كل خصائصه ، مع أنه أوتي القرآن، مع أنه أوتي وحي السماء، مع أنه كان جميل الصورة، مع أنه كان فصيح اللسان، مع أنه لا ينسى.﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى ﴾
( سورة الأعلى )
مع أنه، مع أنه، لو سردت آلاف الصفات، يقول الله له كتوضيح، أنت أنت أنت يا محمد مع كل هذه الخصائص:﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 159 )
لو معك علم، لو حافظ آلاف النصوص، لو متبحر بكل الكتب، ما دمت فظاً غليظ القلب ينفض الناس من حولك، هذا الكلام لمن موجه ؟ لا إلينا، لا في وحي، ولا في قرآن، ولا في معجزات، ولا في فصاحة، ولا في جمال، هذا الكلام موجه لسيد الخلق وحبيب الحق، موجه لمن اصطفاه الله على العالمين، قال له أنت، أنت، أنت بالذات: ﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾
أنا أعجب أشد العجب من داعية، ليس نبياً، ولا رسولاً، ولا يوحى إليه، ولا معه القرآن، وليس فصيحاً، وليس جميل الصورة، ومع ذلك قاسٍ جداً في توجيهه، هذا التقريع، والقسوة في الخطاب ليس من صفات الدعاة الصادقين.
الإنسان لا يكون سيداً إلا إذا كان أخلاقياً:
أيها الأخوة، لا بد من أن نفهم متى يكون الإنسان سيداً، إذا كان أخلاقياً، إذا كان كريماً، إذا كان رحيماً، إذا كان حليماً، إذا كان متواضعاً، إذا كان ودوداً، إذا كان صادقاً، إذا كان أميناً، إذا كان رحيماً، عندها يكون سيد، "السيد" المطلق هو الله، لكن يمكن أن يوصف الإنسان بأنه سيد، كما قال عليه الصلاة والسلام للأنصار: قوموا لسيدكم يعني السيادة قمة في الأخلاق، السيادة رحمة، السيادة أن تحمل هموم من حولك.
بالمناسبة هناك إنسان يهتم بنفسه، الأرقى من هذا من يهتم بأولاده، الأرقى من هذا من يتهم بأقاربه، الأرقى من هذا من يهتم بأهل بلده، لكن النبي عليه الصلاة والسلام كان يحمل همّ البشرية، ويقول:
(( لو تعلمون ما أعلمُ لضَحِكتم قليلاً، ولبَكَيْتمْ كثيراً ))
[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أنس بن مالك ]
فكلما ارتفع مقامك تزداد، فكلما ارتفع مقامك تزداد وتتسع دائرة اهتمامك، فالذي يخرج من ذاته ليحمل همّ المسلمين، ليخفف عنهم أعباءهم، ليدعوهم إلى الله عز وجل، ليبين لهم هذا الإنسان له عند الله مقام خطير، ولئلا يترسخ في أذهاننا مفهوم ما أراده الله أن الإسلام عبادات، ضُغط الإسلام إلى عبادات. المفارقة الحادة بين هوية المسلم و بين سلوكه:
والله أيها الأخوة، هناك مفارقات حادة جداً في حياتنا، تجد إنساناً صائماً مصلياً من رواد المساجد، وليس هناك من علاقة بين هويته كمسلم وعقيدته وبين سلوكه، تجده غربياً في احتفالاته، في كسب ماله، في تجارته، مادة محرمة، مشبوهة، يجوز، لا يجوز بفائدة، بغير فائدة، هذا الشرخ العظيم بين حقيقة الدين، وبين واقع المسلمين، شيء مقلق، يعني مليار و خمسمئة مليون مسلم في الأرض ليس أمرهم بيدهم، وللطرف الآخر عليهم ألف سبيل وسبيل، لماذا ؟ لأن أمر الله هان عليهم فهانوا على الله.
في اللحظة التي تتوهم فيها أن الدين أن تصلي، وأن تصوم، وأن تحج، وأن تزكي، ولا شيء عليك بعد ذلك، افعل في بيتك ما شئت، ولتخرج زوجتك بما يحلو لها من ثياب فاضحة، ولتجعل ابنتك تتابع صرعات الأزياء، وأنت راض عنها، وأن تتعامل بالأمور التجارية تعاملاً غير إسلامي، هنا المشكلة الكبيرة.
لذلك أنا مضطر أن أبين لكم، وهذه حقيقة صارخة أن العبادات الشعائرية وعلى رأسها الصلاة، والصيام، والحج، والزكاة، والنطق بالشهادة، لا تقبل، ولا تصح، إلا إذا صحت العبادات التعاملية، ويأتي على رأسها الأخلاق.
وفي الدين دليل، ولولا الدليل لقال من شاء ما شاء، لك أن تقول برأيك في أي موضوع، إلا في الدين.
إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم.
(( ابن عمر، دينك دِينك، إنه لحمك ودمك، خذ عن الذين استقاموا، ولا تأخذ عن الذين مالوا ))
[ كنز العمال عن ابن عمر ]
العبادات الشعائرية لا تقبل ولا تصحّ إلا إذا صحّت العبادات التعاملية:
والله أيها الأخوة، الأحاديث والآيات التي سوف أضعها بين أيديكم، تقصم الظهر إن وعينا أبعادها، النبي عليه الصلاة والسلام يسأل أصحابه سؤالاً دقيقاً:
(( أتَدْرُونَ ما المُفْلِسُ ؟ قالوا: المفْلسُ فينا من لا درهم له ولا متاع قال: إن المفْلسَ مَنْ يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شَتَمَ هذا، وقذفَ هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيُعطَى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فَنيَتْ حَسَناتُهُ قبل أن يُقْضى ما عليه، أُخِذَ من خطاياهم فطُرِحَتْ عليه، ثم يُطْرَحُ في النار ))
[أخرجه مسلم والترمذي عن أبي هريرة ]
هي انتهت، الصلاة:﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾
( سورة العنكبوت الآية: 45 )
إن لم تنهَ الصلاة عن الفحشاء والمنكر لن تستطيع أن تقطف من ثمارها شيئاً إنها حركات وسكنات، وإشارات وتمتمات، وهي أقرب إلى الطقوس منها إلى العبادات حقيقة خطيرة.
(( يؤتى برجال يوم القيامة، لهم أعمال كجبال تهامة، يجعلها الله هباء منثورا قيل يا رسول الله جلّهم لنا، قال: إنهم يصلون كما تصلون، ويأخذون من الليل كما تأخذون، ولكنهم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها ))
[ سنن ابن ماجه عن ثوبان ]
الصيام:
(( مَن لم يَدَعْ قولَ الزُّورِ والعمَلَ بِهِ، فَليسَ للهِ حاجة فِي أَن يَدَعَ طَعَامَهُ وشَرَابَهُ ))
[أخرجه البخاري وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة ]
(( رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع ))
[أخرجه ابن ماجه عن أبي هريرة]
صام ثلاثين يوماً ! الحج:
(( إذا حج المسلم بمال حرام ـ هناك أموال مغتصبة، هناك حقوق لم تؤدَ، هناك واجبات لم تؤدَ ـ، ووضع رجله في الركاب، وقال: لبيك اللهم لبيك ، ينادى أن لا لبيك ولا سعديك، وحجك مردود عليك ))
[ ورد في الأثر ]
الزكاة، إنفاق المال: ﴿ قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ ﴾
( سورة التوبة )
النطق بالشهادة:
(( من قال لا إله إلا الله مخلصاً دخل الجنة قيل: وما إخلاصها ؟ قال: أن تحجزه عن محارم الله))
[رواه الطبراني عن زيد بن أرقم]
عن معاصي الله عز وجل.
تميز الإنسان بأخلاقه و تواضعه و حلمه سبب تقربه من الله عز وجل:
أيها الأخوة، الشيء الدقيق جداً من أجل أن نوفر وقتنا، وأن نوفر جهدنا، وأن نكون واعين تماماً لما سوف ينتظرنا، العبادات الشعائرية التي يحرص الناس عليها، لا تقبل، ولا تصح، إلا إذا صحت العبادات التعاملية، من صدق وأمانة، وعفة، وأداء للحقوق، وعفو، وما إلى ذلك.
لذلك الله عز وجل هو "السيد" لأنه مالك الخلق أجمعين، مالك الملك، والله عز وجل سيد، لأنه مالك ملكاً مطلقاً خلقاً، وتصرفاً، ومصيراً، والإنسان يوصف بأنه سيد إذا كان شريفاً، إذا كان كريماً، إذا كان فاضلاً، إذا حمل همّ أمته، إذا تحمل أذى قومه، إذا كان محسناً.
فلذلك:
﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾
( سورة الأعراف الآية: 180 )
تقرب إلى الله، تقرب إلى "السيد" المطلق، تقرب إلى الله "السيد" المطلق الذي ملك كل الخلق بأن تكون سيداً في قومك، يعني متميزاً في أخلاقك، بوفائك، بحلمك، برحمتك، بتواضعك.
أقرب شيء تتقرب به إلى الله أن تتخلق بكمالات الله:
لذلك أقرب شيء تتقرب به إلى الله أن تتخلق بكمالات الله، أقرب وسيلة وأجدى وسيلة في التقرب إلى الله أن تتخلق بكمالات الله، الله سيد، وكن أنت سيداً في قومك.
بكل مجتمع، أحياناً بأسرة كبيرة، بمجتمع صغير، في شخص كبير، كبير جداً أكبر من أكبر مشكلة، له قلب كبير، يتضاءل أمامه كل عظيم، وفي إنسان صغير جداً له قلب صغير يعظم عليه كل حقير، فلان يقول لك كبير، يعني لا يستفز، كبير لا يخون ، كبير لا يكذب، كبير لا يؤذي، كبير لا يحتال، كبير ! فالله عز وجل سيد من أجل أن تتقرب إليه ينبغي أن تكون أنت أيضاً سيداً في قومك.
الرد عن تساؤل الأخوة الكرام عن أسماء الله الحسنى:
إخوانا الكرام، هناك تساؤل لابد من أن أجيب عنه: إن الأسماء الحسنى التي أدرجت بعد الحديث النبوي الصحيح الشريف، والذي ورد في الصحيحين، في البخاري ومسلم، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
(( إِنَّ للّهِ تِسْعَة وِتِسعِينَ اسما، مَن أحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ ))
[ متفق عليه عن أبي هريرة]
هذا الحديث من أعلى درجات الصحة، في صحيح البخاري ومسلم، رواه الشيخان، ولكن جاء بعد التسعة و التسعين اسماً هذه الأسماء التي أدرجت بعد هذا الحديث لم يثبت بعضها عن النبي صلى الله عليه وسلم، بل هي من جمع الرواة ولاسيما الوليد بن مسلم، بل هي تفسير شخصي للحديث، وقد أدرجها الوليد بعد الحديث، وألحقها وألصقها به، وظن أغلب الناس أنها نص من كلام النبي.
ولكن العلماء الراسخين، قديماً وحديثاً لا يخفى عليهم ذلك، وقد أجرى الدكتور محمود عبد الرزاق الرضواني جزاه الله خيراً دراسة علمية استقصائية لما ثبت من الأسماء ، وما لم يثبت اعتمد شروطاً لصحتها، من هذه الشروط:
أن يرد الاسم نصاً في القرآن الكريم، وفي السنة الصحيحة، وأن تراد به العلنية وأن يكون مطلقاً من كل قيد، وأن يكون وصفاً ودالاً على كمال الوصفية، وقد اعتمدت هذه الدراسة في اختيار الأسماء الثلاثين التي تمّ شرحها حتى الآن، فجزاه الله عنا خيراً ثانية.
موقع الأسماء الحسنى من العقيدة موقع خطير جداً لأنه بها تعرف الله وبسببها تدعوه:
سنتابع إن شاء الله الأسماء الحسنى في الدروس القادمة، ويمكن أن نقول هذه الكلمة الدقيقة: إن أوسع باب نتعرف منه إلى الله، وأن اقصر طريق إلى الله فضلاً عن التفكر في خلق السماوات والأرض، أن نتعرف إلى أسماء الله الحسنى.
إن أسماء الله الحسنى تقع في صدر معرفة الله عز وجل، ومرة ثانية أنت حينما تعرف أسماء الله الحسنى تتوجه إليه، ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾
أنت حينما تتعرف إلى أسماء الله الحسنى تتقرب إلى الله، وأنت حينما تتعرف إلى أسماء الله الحسنى تدعوه بها، وأكمل شيء أن يكون لك نصيب من كل اسم من أسماء الله الحسنى.
الله رحيم هل ترحم من دونك ؟ الله عز وجل لطيف هل تتلطف بأهلك ؟ الله عز وجل كريم هل أنت جواد ؟ هذه الأسماء الحسنى قمم في الكمال، والله عز وجل لا يمكن أن تنتمي إليه، وأن تكون عبداً من عباده، وأن تكون مسلماً حقيقة إلا إذا تخلقت بهذه الأخلاق.
فلهذا أيها الأخوة، موقع الأسماء الحسنى من العقيدة موقع خطير جداً، بها تعرف الله، وبسببها تدعوه، وعن طريق التخلق بكمالات الله التي هي من أسمائه الحسنى تتقرب إليه.
فهذا الموضوع يمكن أن يكون رأساً في موضوعات العقيدة، موضوعات معرفة الله عز وجل ، وأصل الدين معرفته.
(( ابن آدم اطلبني تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء ))
السعيد
08-23-2018, 01:37 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الثالث و الخمسون )
الموضوع : اسم الله - المؤمن - 1 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: ( المؤمن ):
أيها الإخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم هو (المؤمن).
1 – ورودُ اسم ( المؤمن ) في القرآن الكريم:
وقد ورد هذا الاسم في القرآن الكريم في موضع واحد في الآية الكريمة:
﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ ﴾
( سورة الحشر الآية: 23 )
2 – معنى ( المؤمن ):
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1293/01.jpg
كلمة مؤمن اشتقاقاً هي اسم فاعل مِن آمَن، يؤمن، فهو مؤمن، أما الثلاثي: أمِن يأمن، آمن.
ماذا تعني بالضبط كلمة مؤمن ؟ تعني كلمة مؤمن المصدق، آمن أي صدّق، وتعني كلمة مؤمن الذي ينفذ الأمر بحذافيره، صدق الآمر فأتمر، صدق الآمر في أمره فأتمر، هذا من أوجَه معاني كلمة مؤمن، والدليل قوله تعالى:
﴿ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ ﴾
( سورة يوسف )
أي ما أنت بمصدق ﴿ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ ﴾
فالمؤمن هو المصدق، والمؤمن المنفّذ، والدليل الحديث الشريف في البخاري:
(( أَتَدْرُونَ مَا الْإِيمَانُ بِاللَّهِ وَحْدَهُ ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصِيَامُ رَمَضَانَ ))
[ متفق عليه عن ابن عباس ]
أيها الإخوة، المعاني كثيرة، لكن أوجَه معنى لكلمة مؤمن أنه صدق وأطاع، صدق عقيدة، وأطاع عملاً، المنطلق النظري صدق أن هذا حق، والتطبيق العملي نفذ هذا الأمر.
من لوازم السماع التطبيق:
لكن في القرآن الكريم ملمح دقيق في قوله تعالى:
﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ﴾
( سورة الأنفال )
فمن لوازم السماع عند الله التطبيق:
﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ﴾
شاهد آخر: ﴿ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ﴾
( سورة التحريم الآية: 4 )
علامة صحة السماع الحركة، التطبيق:
﴿ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ﴾
﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ﴾
قانون هام: إدراك ـ انفعال ـ سلوك:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1293/02.jpg
للتوضيح: لو أنك قلت لواحد من الناس: على كتفك عقرب، فبقي هادئاً، والتفت نحوك، وابتسم، وقال لك: أشكرك على هذه الملاحظة، وأسأل الله أن يمكنني أن أكافئك عليها، هل سمع ما قلت له ؟ ما سمع إطلاقاً، لو سمع ما قلت له لقفز، وصرخ، وخلع معطفه.
فلذلك بعض العلماء يرى أن علاقتك بالمحيط وفق هذا القانون، إدراك، انفعال سلوك، فإن سمعت كلاماً، ولم تدرك فحواه ثم لا تنفعل، وإن لم تنفعل لا تتحرك، هناك قانون دقيق جداً.
أوضح مثل لهذا: كنت تمشي في بستان فرأيت ثعباناً، علامة صحة إدراكك انفعالك الشديد، والخوف، والصراخ، علامة صحة إدراكك انفعالك، وعلامة صحة انفعالك إما أن تقتله، وإما أن تهرب منه، فانفعال بلا حركة انفعال كاذب، وإدراك بلا انفعال إدراك كاذب، تدرك فتنفعل فتتحرك.
إذا أدرك أحدنا حقيقة يوم القيامة، وأن كل عمل تعمله سوف تحاسب عليه لا يمكن إلا أن تطيع الله، لكن فينا ضعف في الإدراك، يلزمه ضعف انفعال، يلزمه ضعف تطبيق:
﴿ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ﴾
﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ﴾
التكذيب العملي أخطر من التكذيب بالقول:
أيها الإخوة، مثل آخر: زرت طبيباً، وعالجك، كتب لك وصفة، لك أن تقول له: شكراً لك على هذا الاهتمام، وأنا معجب بعلمك، وأرجو الله أن يمكنني أن أكافئك على هذا الاهتمام، دقق، لمجرد أنك لم تشترِ الدواء، فأنت كذّبت علمه عملياً، المجاملات ما لها قيمة، إن لم تشترِ الدواء، وإن لم تستعمل الدواء وفق تعليماته الدقيقة فأنت مشكك في علمه .
أخطر شيء في حياة المسلمين التكذيب العملي، ولا تجد في العالم الإسلامي مسلماً واحداً يقول لك: ليس هناك آخرة، لكن هناك التكذيب العملي، تلاحظ كسب الإنسان، كسب ماله، إنفاق ماله، بيته، عمله، علاقاته، حله، ترحاله، سفره، أفراحه، أتراحه، لا يلتزم بها بمنهج الله، ولأنه لا يلتزم فهو مكذب عملياً بالآخرة.
الإيمان بالآخرة إن صح ينبغي أن تنعكس مقاييسك 180 درجة، إن لم تنعكس مقاييسك 180 درجة فالإيمان بالآخرة غير صحيح، إيمان شكلي، إيمان تصديقي، تصديق بغير تحقيق.
أيها الإخوة، أخطر شيء في حياة المسلمين التكذيب العملي، على اللسان لن تقال كلمة خلاف القرآن، الآخرة حق، الجنة حق، النار حق، لكن الكسب حرام ! والبضاعة محرمة ! والعلاقة ربوية ! والاختلاط محرم ! فكيف يستسيغ الإنسان أن يرتكب كل هذه المعاصي وهو يقول: هناك حساب، وهناك جنة، وهناك نار.
أخطر شيء في حياة المسلمين لا أن يكذبوا بألسنتهم اليوم الآخر، بل أن يكذبوا بأفعالهم.
أيها الإخوة، ما إن تستقر حقيقة الإيمان في نفس المؤمن إلا وتعبر عن ذاتها بحركة، المؤمن حركي، الإيمان السكوني غير صحيح، مؤمن لا يقدم، ولا يؤخر، ولا يفعل ولا يلتزم، ولا يَصِل، ما لم تصل لله، وتقطع لله، وترضى لله، وتغضب لله، وتعطي لله، وتمنع لله، ما لم يجدك الله في مكان أمرك أن تكون فيه، ما لم يفتقدك في مكان نهاك الله عنه، ما لم تتحرك، ما لم تعطِ، ما لم تلتزم، ما لم تطبق، ما لم تجعل من حركتك وفق منهج الله، فالإيمان غير صحيح، وهذا يسمى التكذيب العملي.
لذلك كلمة مؤمن تعني مؤمنًا صادقًا ما جاء به القرآن الكريم، وطبق أوامر القرآن الكريم، وصدق ما جاء به النبي الكريم، وطبق سنة النبي الكريم، الإيمان تصديق وتطبيق، الإيمان اعتقاد وسلوك، الإيمان ما أقره اللسان، وصدقه العمل، وآمن به القلب هذا عن كلمة معنى مؤمن، وأرجو الله سبحانه وتعالى أن تتحقق فينا معاني كلمة مؤمن ، لأن الإيمان مرتبة عالية جداً.
الإيمان مرتبة عالية:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1293/03.jpg
كيف أن الإنسان إذا قيل: له دكتور ؟ حقيقة معه ابتدائية، وإعدادية، وثانوية، وليسانس، ودبلوم عام، ودبلوم خاص، ماجستير، دكتوراه، حرف الدال قبل اسمه يعني كل هذا.
كلمة مؤمن أعلى مرتبة يبلغها مؤمن، يعني آمن بما جاء به وحي السماء، وطبق ما جاء به وحي السماء، أما الإيمان بلا تطبيق فهو تكذيب عملي، لكن ليس تكذيباً لفظياً، بل هو تكذيب عملي، هذا عن معنى كلمة مؤمن.
3 – كيف نفهم اسم ( المؤمن ) ؟
ولكن كيف نفهم أن الله هو ( المؤمن )، كيف نفهم أن ( المؤمن ) اسم من أسماء الله الحسنى ؟
لا يُظلَم عند الله أحد :
من معاني كلمة مؤمن حينما تنسب لله عز وجل، وحينما تكون اسماً من أسماء الله الحسنى أنه أمن الناس أن لا يظلم أحد من خلقه، والإنسان لا يطمئن إلا إذا وحّد، وحينما ترى أن الأمر بيد الله وحده، وأنه:
﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ﴾
( سورة هود الآية: 123 )
وأنه: ﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ ﴾
( سورة الزخرف الآية: 84 )
وأنه: ﴿ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً ﴾
( سورة الكهف )
وأنه:
(( ما شاءَ اللهُ كانَ، وما لم يشأْ لم يكن ))
[ أخرجه أبو داود عن بعض بنات النبي صلى الله عليه وسلم ]
﴿ مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ ﴾
( سورة فاطر الآية: 2 )
ما لم تر أن يد الله تعمل وحدها، ما لم تر أن الله بيده كل شيء، ما لم تر أن الله هو الفعال، هو المعطي وحده، هو المانع، هو الرافع، هو الخافض، هو المعز، هو المذل، ما لم توحد فلن تستطيع أن تطمئن إلى وعود الله، ولن تخاف من إنذاراته.
لذلك ( المؤمن ) أمن الناس ألا يُظلم أحد في خلقه من ملكه، الدليل، دقق: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ﴾
( سورة النساء الآية: 40 )
آية ثانية: ﴿ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾
( سورة النساء )
في نواة التمرة خيط بين فلقتي النواة، هذا الخيط هو الفتيل ما قيمته ؟ ما قيمة مليون من هذا الخيط، بلا سبب
﴿ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾
﴿ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيراً ﴾
( سورة النساء )
النواة لها رأس مؤنف كرأس الدبوس، هذا الرأس ما حجمه ؟
﴿ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيراً ﴾
﴿ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾
﴿ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيراً ﴾
﴿ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ ﴾
( سورة فاطر )
القطمير غشاء يغلف النواة. ﴿ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ ﴾
( سورة غافر الآية: 17 )
﴿ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ ﴾
( سورة الأنبياء الآية: 47 )
عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَى عَنْ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ:
(( يَا عِبَادِي، إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا، يَا عِبَادِي، كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ، فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ، يَا عِبَادِي، كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ، فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ، يَا عِبَادِي، كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ، فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ، يَا عِبَادِي، إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ، يَا عِبَادِي، إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي، يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي، فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ، يَا عِبَادِي، إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ ))
[أخرجه مسلم والترمذي ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1293/04.jpg
لا تتهم الأقدار، لا تقل: لا حظ لي، لا تقل: أضربها يمينا فتأتي شمالا، لا تقال: قلَب لي الدهرُ ظهر المجن، لا تقل: القدر يسخر مني، هذا كله كلام شيطاني:
(( فمن وَجَدَ خيراً فليَحْمَدِ الله، ومن وجد غير ذلك فلا يَلُومَنَّ إلا نَفْسَهُ ))
أيها الإخوة، الله عز وجل صفاته مطلقة، معنى مطلقة أن عصفورًا في ملك الله من آدم إلى يوم القيامة يُظلم فهذا الظلم يتناقض مع اسم العدل، الله عز وجل مطلق، والإنسان نسبي، فالقاضي قد يحكم ألف حكم، عشرة أحكام منها غير صحيحة، يسمى عادلا عند الناس، الخطأ محتمل عند الإنسان، أما عند الله غير محتمل:
﴿ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾
ولا من:
﴿ قِطْمِيرٍ ﴾
ولا:
﴿ نَقِيراً ﴾
ولا:
﴿ ظُلْمَ الْيَوْمَ ﴾
ولا:
﴿ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ ﴾
﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ ﴾
( سورة العنكبوت الآية: 40 )
نفي شأن الظلم عن الله :
هذه آية دقيقة جداً، هذه الصيغة أيها الإخوة، تنفي أكثر من عشرة أفعال سماها علماء اللغة نفي الشأن، لو سألت إنسانا ـ لا سمح الله ـ: هل أنت سارق ؟ إن كان من عِلية القوم، وقال لك: لا، فالإجابة غير صحيحة، يقول لك: ما كان لي أن أسرق، أي مستحيل أن أفكر، أو أن أدعم، أو أن أرضى، أو أن أفعل، وقد عدَّ علماء اللغة عشرة أفعال تنفى بهذه الصيغة، الله عز وجل قال:
﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ ﴾
مستحيل !
أيها الإخوة، الله عز وجل صفاته مطلقة، لا تحتمل أي خطأ، لكن قد يقول قائل: وهذه الحروب ؟ وهذه الاجتياحات ؟ وهذا الفقر ؟ وهذه المجاعات ؟ وهذا الزلزال ؟ وهذا الفيضان ؟ وهذا البركان ؟ كيف نفسر ذلك ؟ الجواب: لا يمكن أن تستطيع إثبات عدل الله بعقلك، إلا في حالة مستحيلة، أن يكون لك علم كعلم الله، ولكن تستطيع أن تؤمن أشد الإيمان بعدل الله المطلق حينما تصدق ما جاء به القرآن:
﴿ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيراً ﴾
ولا:
﴿ فَتِيلاً ﴾
ولا من:
﴿ قِطْمِيرٍ ﴾
﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ ﴾
ولا:
﴿ ظُلْمَ الْيَوْمَ ﴾
﴿ وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ﴾
هذا خبر عن الله، فإن شككت في هذه الآيات فأعد إيمانك بالقرآن، قف وراجع حساباتك، لن تستطيع أن تؤمن بعدل الله بعقلك وحده، لأن عقلك محدود المهمة، أما إذا كان عندك علم الله عز وجل لأن هذا مستحيل يمكن.
أيها الإخوة، الله عز وجل غني عن تعذيبنا، وغني عن ظلمنا.
﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ ﴾
( سورة النساء الآية: 147 )
لكن إن صدقت خبر الله أنه لا يظلم هذا هو الإيمان، يعني مثلاً: قال تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ ﴾
( سورة الفيل )
بربكم هل شاهدتم هذه الحادثة ؟ من شاهدها ؟ ماذا قال علماء التفسير ؟ قال: ينبغي أن تأخذ إخبار الله وكأنك رأيته بعينك، الحد الأدنى بالإيمان أن تأخذ خبر الله وكأنك رأيته بعينك، وأن تأخذ وعيد الله وكأنه وقع. ﴿ أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ ﴾
( سورة المحل الآية: 1 )
معناها ما أتى، ﴿ أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ ﴾
﴿ وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ ﴾
( سورة المائدة الآية: 11 )
قال: فعل ماضٍ، لم يقل: بعد، فيجب أن تأخذ إخبار الله وكأنه وقع، ويجب أن تأخذ أيضاً إخبار الله وكأنك تراه بعينك، فالمؤمن الذي آمن أن هذا القرآن كلام الله ، وعشرات الآيات تنفي أدق أنواع الظلم:
﴿ فَتِيلاً ﴾
و:
﴿ نَقِيراً ﴾
و:
﴿ قِطْمِيرٍ ﴾
و:
﴿ ظُلْمَ الْيَوْمَ ﴾
و:
﴿ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ﴾
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1293/05.jpg
هذا هو الإيمان بالقرآن، أما أن تملك علماً كعلم الله فهذا مستحيل !
شيء آخر، هذه الدنيا أمام الآخرة لا شيء، تصور الرقم واحد في دمشق وأصفار لا أقول: إلى حلب، بل إلى الشمس، واحد أمام 156 مليون كيلومتر أصفار، لا كل ميليمتر صفر، وواحد في دمشق، وأصفار إلى الشمس، وكل ميلي صفر، كم هذا الرقم ؟ أول ثلاثة أصفار ألف، 3 أخر مليون، 3 أخر ألف مليون، 3 رابعة مليون مَليون، الآن كل ميلي صفر لـ156 مليون كم للشمس، هذا الرقم ضعه صورة، ومخرجه لا نهاية، قيمته صفر، فالدنيا لو عشت 130 عاما، ملكت مئة مليار دولار، مليار مِليار ِ، مليون مليار مِليار، وعندك في كل مدينة قصر، مهما فعلت فالدنيا أمام الآخر صفر، فإذا وعد الله عز وجل المظلوم بالجنة، فيلزم منه عدم الظلم:
﴿ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ ﴾
البطولة أن تربح الآخرة البطولة أن تضحك آخراً، لا أن تضحك أولاً، الموت ينهي كل شيء، لا يليق بعطاء الله العظيم أن يكون في الدنيا فقط، الموت ينهي قوة القوي، ينهي ضعف الضعيف، ينهي غنى الغني، ينهي فقر الفقير، ينهي وسامة الوسيم، ينهي دمامة الدميم، ينهي صحة الصحيح، ينهي مرض المريض، ينهي كل شيء، لا يليق بعطائه أن يكون بالدنيا فقط، فإذا ادخر واحد الله عز وجل للعبد عطاء في الآخرة فحينما يرى عطاء الله بعد الموت يذوب محبة لله.
ليس هناك ظلم مطلق في الكون:
أيها الإخوة، لا يمكن لا أن تثبِت عدل الله بعقلك، إلا أن تصدق خبر الله في القرآن، وهذا شيء مستحيل ؛ أن يكون لك علم كعلم الله، وفي النهاية الشر المطلق لا وجود له في الكون، لكن هناك شر نسبي موظف للخير المطلق، والظلم المطلق لا وجود له في الكون، لكن هناك ظلم ظاهري، يندرج تحت بند التربية، الدليل:
﴿ وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾
( سورة الأنعام )
من أعان ظالماً سلطه الله عليه، من أعان ظالماً كان أول ضحاياه، في ظلم ظاهري، أما حقيقي ما في، ولو دققت كما أقول لك: في ظلم ظاهري صارخ، لكن هذا الظلم موظف لتربية النفوس.
4 – ( المؤمن ) هو مَن يجير المظلوم:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1293/06.jpg
أيها الإخوة الكرام، المؤمن هو الذي يجير المظلوم من الظالم، وتروَى في هذا قصة رمزية: أن ملِكًا في القديم توعد شيخ النجارين بوعيد لا يحتمل، طلب منه مئة كيس نشارة خلال ساعات، يعمل سنتين لا يخرج معه كيس نشارة، وشيخ النجارين مثل نقيب الآن، أيقن هذا الشيخ أنه مقتول لا محالة، فودع أولاده، ودع زوجته، كتب وصيته، أنهى كل شيء، بعد الفجر جاء أتباع الملك ليأخذوه إن لم يؤدِ هذا العدد، فقيل له: مات الملك تعال فاصنع لنا تابوتاً.
أحياناً يجير الله المظلوم من الظالم، هذا معنى اسم ( مؤمن )، الدليل:
﴿ قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ ﴾
( سورة المؤمنون الآية: 88 )
من الذي يجير ؟ هذا الذي هدم 70 ألف بيت في غزة، هذه السنة الثالثة ما مات ، والله يمد بعمره، الله عز وجل إذا أخذَ كان أخذُه عزيز مقتدر، وإذا أخذ الظالم لم يفلته. ﴿ وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ﴾
( سورة هود )
الخاتمة:
أيها الإخوة الكرام، اسم ( المؤمن ) اسم دقيق جداً، لكنه يتصل أشد الاتصال بالحياة الدنيا، هو ( المؤمن ) الذي يؤمنك، علاقتك معي يا عبدي:
﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ﴾
لو أنه أسلمك إلى غيره كيف يأمرك أن تعبده ؟ مستحيل ! قال لك:
﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ﴾
حياتك بيده، والرزق بيده، والأقوياء بيده، والضعفاء بيده، ومن فوقك بيده، ومن تحتك بيده، وزوجتك بيده، وأولادك بيده، وإذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟ ويا رب ماذا فقَد من وجدك ؟ وماذا وجد من فقدك ؟ ابن آدم اطلبني تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء وأنا أحب إليك من كل شيء.
نحن في أمسّ الحاجة إلى هذا الاسم، الناصر الذي يجيرنا من الظالم، نحن في أمسَ الحاجة إلى أن نطمئن إلى وعد الله، الله عز وجل أنشأ لنا حقاً عليه إن عبدناه كانت المكافأة ألاّ يعذبنا.
﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾
السعيد
08-23-2018, 01:40 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الرابع و الخمسون )
الموضوع : اسم الله - المؤمن - 2 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، وعلى صاحبته الغر الميامين.
معاني اسم ( المؤمن ):
المعنى الأول:
أيها الإخوة الكرام، لا زلنا في اسم ( المؤمن )، وفي اللقاء السابق بينت بفضل الله عز وجل أحد معاني هذا الاسم.
المعنى الثاني:
وأن ( المؤمن ) الذي يؤمن عباده من أن يُظلموا، وأن ( المؤمن ) هو الذي يجير المظلومين من ظلم الظالم.
المعنى الثالث:
واليوم نتحدث عن معنًى ثالث، المعنى الثالث كما قلنا في لقاء سابق: الإيمان هو التصديق، وأن اسم الله ( المؤمن ) يعني أن الله يصدق وعده ؛ أي يحقِّقه.
﴿ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً ﴾
( سورة النساء )
﴿ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ﴾
( سورة التوبة الآية: 111 )
﴿ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ ﴾
( سورة الزمر الآية: 74 )
وقوع وعود الله للمؤمنين الدنيوية والأخروية من لازم اسم ( المؤمن ):
كلمة مؤمن من معانيها التصديق، أي أن الله يصدق وعده، فإذا وعد المؤمنين بحياة طيبة فلا بد من أن يعيشوا هذه الحياة الطيبة:
﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾
( سورة النحل الآية: 92 )
فإذا عاش المؤمن حياة طيبة معنى ذلك أن الله مؤمن، وقد صدق وعده، قال الله عز وجل : ﴿ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ﴾
( سورة طه )
﴿ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾
( سورة البقرة )
فالمؤمن حينما لا يضل عقله، ولا تشقى نفسه، ولا يخشى مما هو آت، ولا يندم على ما فات، هذا الذي حصل له بفضل اسم ( المؤمن )، لأن الله صدّق وعده، والله عز وجل قال: ﴿ فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ ﴾
( سورة إبراهيم )
إذا وعد المؤمنين بالنصر لزوال الكون أهون على الله من ألاّ يحقق وعوده للمؤمنين. ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي ﴾
( سورة النور الآية: 55 )
وعدهم بالاستخلاف، وعدهم بالتمكين، وعدهم بالاطمئنان، وزوال الكون أهون على الله من ألاّ يحقق وعوده للمؤمنين. ﴿ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ ﴾
( سورة التحريم الآية: 8 )
وعد نبيه ومن آمن معه بالجنة، فإذا دخل المؤمنون الجنة يقولون:
﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ ﴾
كما في الدنيا، وفعلنا في الدنيا أسباب دخول الجنة:
﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ ﴾
أيها الإخوة، في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن الصحابة الكرام كانوا يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم:
(( يَا رَسُولَ اللَّهِ، صَدَّقَ اللَّهُ حَدِيثَكَ ))
[ متفق عليه ]
أحياناً المؤمن في الدنيا يصف لإنسان ما ينتظره لو تاب إلى الله، بعد حين يقول له: والله صدقت، والله أنا في جنة، والله كانت هموم كالجبال تجثم على صدري، فلما تبت إلى الله أزيحت عني.
القضية قضية التصديق، يوم الأحزاب قال عليه الصلاة والسلام:
(( صَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ ))
[ متفق عليه عن ابن عمر ]
تخلُّفُ تحقُّقِ بعضِ وعود الله سببُه عدمُ دفعِ ثمنِها:
إذا تراءى لنا أن بعض الوعود لم تحقق لنا فلنعلم علم اليقين أننا السبب، لأننا ما قدمنا ثمن وعود الله عز وجل، وعود الله عز وجل لها ثمن، لكن كما قلت قبل قليل: زوال الدنيا، بل زوال الكون أهون على الله مِن ألاّ يحقق وعوده للمؤمنين.
أيها الإخوة الكرام، مرة عقب أحد الدروس التقيت مع إنسان شاب، قال لي: أنا مهندس خُيوط درست في رومانيا، وأنا موظف في معمل كبير في دمشق، لكنني أُصاب بالصرع، إما في مركبتي، وهذا خطر كبير، أو في السيارة العامة، أو في الطريق، أو في مكتبي، أو في البيت، وفي اليوم، أو في الأسبوع عدة مرات، من ثلاث مرات إلى خمس مرات، قال لي: أنا أكاد أسحق، لماذا أنا كذلك ؟ طبعاً استقر في ذهني أن الصرع أذية في الدماغ، ومرض عضال، لكنه أراد جواباً غير هذا الجواب، لماذا أنا كذلك ؟ لماذا يفعل الله بنا هذا ؟ فالتقيت به في البيت، وشرحت له، لكنني قلت له: الله عز وجل يقول:
﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ ﴾
( سورة النساء الآية: 147 )
فأصغى إلي إصغاء يفوق حد الخيال، قال: ما معنى هذا الكلام ؟ قلت: مستحيل وألف ألف مستحيل أن يسوق الله لعبد شيئاً يزعجه، أو يؤلمه، ما دام مستقيماً على أمره، والدليل هذه الآية:
﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ ﴾
لذلك بعد هذا الكلام اهتم اهتماماً كبيراً، وأخرج من جيبه ورقة، وبدأ يكتب، قال لي: ماذا تأمرني أن أفعل ؟ ذكرت له أداء الصلوات بأوقاتها، غض البصر، ضبط اللسان، ضبط العين، ضبط الأذن، ذكرت له فيما أذكر قريبا من أربعين بندا، كتبها كلها، من شدة ألمه من هذا المرض، هذا المرض كاد يحطمه، والله بعد أن خرج شعرت أنني تورطت، كيف تورطت ؟ لعلها أذية لا تُشفى، أنا وعدته أنه إذا استقام على أمر الله تزول هذه الأذية، وكان لي درس يوم الجمعة، وفي أول جمعة له يأتي ويقول لي: الحمد لله، هذا أول أسبوع في حياتي لم أُصَب بأية نوبة، والله كأنني ملكت الدنيا، قلت: يا رب إن شاء تسلم منه، جاء الأسبوع الثاني وقال لي: أيضاً هذا الأسبوع لم أصب بأية نوبة، أذكر أنه جاء في أسبوع رابع، وأنا لا أصدق ذلك من الفرح ؛ أن الذي ذكرته له مؤيد بكلام الله، الله عز وجل صدق هذا الكلام، وأبعد عنه هذه النوبات، في الأسبوع السادس لم يأتِ إلى الدرس، قلت: لعله جاءته نوبة، والله قلقت أشد القلق، لكن في الأسبوع السابع جاء، قال لي بالضبط: لا تقلق على مبدئك، أنا أخطأت مع الله، في هذا الأسبوع أخطأت، فجائي نوبة في الطريق.
معنى ( المؤمن ) أن تأتي وعوده محققة، وتأتي أفعاله مصدقة لوعوده، فإذا وعدك الله بحياة طيبة، وعدك برزق وفير، وعدك بحياة آمنة، وعدك بالسكينة، وعدك بالحكمة، هذه الوعود لزوال الكون أهون على الله من ألاّ تحقق هذه الوعود، لكن إن لم تُحقَّق فنحن السبب، يجب أن نتهم أنفسنا، الله غني عن تعذيبنا، والآية واضحة: ﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ ﴾
﴿ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً ﴾
( سورة النساء الآية: 147 )
أيها الإخوة، هذا معنًى من معاني اسم ( المؤمن ).
المعنى الرابع:
عندنا معنى آخر: من الأمن، أي أن الله عز وجل يهبك الأمن، كيف ؟ هذا بحث طويل:
تثبيتُ الله لقوانين الكون يعطي الأمن والاطمئنان:
يكفي أن خصائص المواد ثابتة لتعطينا الأمن، أنت ساكن في بيت في الطابق العاشر، والبناء من الإسمنت والحديد، لو أن الحديد غيّر صفاته لانهار البناء، ما الذي يهبك الأمن ؟ لأن الحديد خصائصه ثابتة، لأن الإسمنت السنتمتر المكعب يتحمل من قوى الضغط 550 كغ، أما على قوى الشد فلا يتحمل خمسة كغ، فلا بد من إسمنت مسلح بالحديد، لو أن الحديد يبدل خصائصه لانهار البناء.
تشتري سبيكة ذهب فتدخرها لأيام العوز، لو أن الذهب يبدل خصائصه لفقدتَ 500 ألف ليرة، أو مليون، وهو ثمن السبيكة تقريباً.
ثبات الخصائص شيء رائع جداً، ثبات قوانين الكون يعطي الاطمئنان، فهناك شروق يومياً، والشمس ثابتة، وكذا دورة الأفلاك، والقمر، والشمس، والليل، والنهار، خصائص المواد، كلها ثابتة، خصائص البذور، تزرع مادة فتنتج مادة أخرى ! هذا مستحيل ! لثبات القوانين، قوانين التمدد، قوانين السقوط، قوانين الانحلال الفيزيائي، كل القوانين ثابتة، لماذا هي قوانين ؟ لأنها مطَّردة وشاملة، ثبات حركة الأرض والأفلاك، ومن الممكن أن تقول: في عام 2080 الشمس تشرق في 17 من آذار الساعة 5 و3 دقائق، ما هذه الدقة ؟ ما هذا الثبات في حركة الأرض والشمس ؟.
الأرض تسير حول الشمس بمسار إهليلجي، ما الذي يبقيها على مسارها ؟ المسار إهليلجي، هناك قطر أكبر، وقطر أصغر، من معلوماتكم البديهية أن قانون الجاذبية كلما قلَّت المسافة ازداد الجذب، فإذا وصلت الأرض إلى القطر الأصغر قلَّت المسافة، إذاً هناك احتمال أن تنجذب الأرض إلى الشمس، وإذا انجذبت إلى الشمس تبخرت في ثانية واحدة، وانتهت حياتنا، ما الذي يبقي الأرض على مسارها ؟ أن الله يرفع سرعتها، في هذا المكان ترفع السرعة، فينشأ من رفع السرعة قوة نابذة تكافئ القوة الجاذبة فتبقى على مسارها.
﴿ إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا ﴾
( سورة فاطر الآية: 41 )
الآن الأرض تابعت سيرها، ووصلت إلى القطر الأطول، ما دام السرعة زادت ، وقوة النبذ زادت، والمسافة طالت إذاً تضعف الجاذبية، وهناك احتمال أن تتابع الأرض سيرها، وتتفلت من جاذبية الشمس، فإن تابعت سيرها وتفلتت من جاذبية الشمس دخلنا في الصفر المطلق، 270 درجة تحت الصفر، ولانتهت الحياة، فتنتهي الحياة إذا انجذبت إلى الشمس، وتنتهي الحياة إذا تفلتت من جاذبية الشمس، ما الذي يحصل هنا ؟ يخفض الله سرعة الأرض، فإذا انخفضت هذه السرعة نشأ من انخفاض السرعة قوة ناذبة أقلّ تكافئ القوة الجاذبة الأقلّ فتبقى على مسارها:
﴿ إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا ﴾
بعض العلماء قال: "لو أنها تفلتت، وأردنا أن نعيدها إلى الأرض ماذا نحتاج ؟ قال: نحتاج إلى مليون مَليون حبل فولاذي، قطر كل حبل خمسة أمتار، والحبل الفولاذي الذي قطره خمسة أمتار يحتمل من قوى الشد مليوني طن، والأرض مرتبطة بالشمس بمليون ضرب مليونين من الأطنان، من أجل أن تنحرف الأرض في سيرها حول الشمس 3 ميليمترات كل ثانية، هذا الانحراف يشكل مسارا مغلقا "، لذلك:
﴿ إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا ﴾
أما لو زرعنا هذه الحبال على سطح الأرض حتى نعيدها إلى حظيرة الشمس المفاجأة أن بين كل حبلين مسافة حبل واحد، نحن أمام غابة من الحبال، فلا زراعة، ولا بحار، ولا سفن، ولا طائرات، ولا مواصلات، ولا شيء إطلاقاً، لذلك قال تعالى:
﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ﴾
( سورة الرعد الآية: 2 )
رفعها بعمد لا ترونها، قوى التجاذب أعمدة، لكن لا نراها، بل نمشي خلالها.
لذلك أيها الإخوة، الله عز وجل من أسمائه ( المؤمن )، أي وهَبَ الأمن، أمنك بحركة الأفلاك، أمنك بثبات خصائص المواد، أمنك بالنظم الثابتة، أمنك بثبات القوانين هذا كله يهب الأمن.
هناك طبيب يدرس في أمريكا، عيِّن بعقد عملٍ في الخليج، يأتيه مريض من الهند، يستخدم دواء صنع في الصين، كيف هذا ؟ لولا أن بنية الإنسان التشريحية واحدة، من آدم إلى يوم القيامة، مكان الشريان بالميليمتر، مكان العصب، لو أن إنسانًا له بنية تشريحية خاصة لم يكن ثمة طب أساساً، فما أسباب وجود علم الطب ؟ وجود بنية تشريحية ثابتة، وخصائص فيزيولوجية ثابتة في الإنسان، ولولا ثبات خصائص الإنسان، ثبات البنية التشريحية، ثبات الوظائف الفيزيولوجية ما كان الطب أساساً.
ثبات حقائق القرآن على مدى العصور سببٌ للأمن العقدي:
أحياناً عندك أمن عقدي، هذا شيء دقيق.
مرة في رئيس وزارة ببلد أوربي انتحر، وهو مِن أعرقِ الأُسَر، وما اتُّهِم لا بفضيحة أخلاقية، ولا فضيحة مالية، وانتحر، أكثر من مئة صحفي بحثوا عن أسباب انتحاره، ثم تبين لواحد منهم كان يؤمن بأنه لا إله، أن الإله موجود، فاحتقر نفسه كيف اعتقد عقيدة لسبعين عاماً لا أصل لها، فانتحر.
أنت كمؤمن مسلم أيّة آية في كتاب الله لا يمكن أن يظهر حدث في الأرض ينقض هذه الآية، عندك أمن عقدي، لأنه كلام الله، العلم تطورَ تطورا مذهلاً، في الخمسين عامًا الأخيرة التطور يساوي ما كان من تطور من آدم إلى قبل خمسين عاما، الآن يسمون التطور حركة انفجارية، كنا بسلسلة حسابية، بسلسلة رياضية، الآن بسلسلة انفجارية، تطور مذهل، ومع ذلك هل ظهر شيء في هذا التطور ينقض القرآن الكريم ؟ هل رأيت آية لم تقع ؟ هل رأيت حديثاً صحيحاً لم يقع ؟ فأنت في عندك ما يسمى بالأمن العقدي.
أنت قرأت كتاب الله، هو من عند خالق الأكوان، وهذا الكتاب هو الذي أعطاك هذا الأمن، ما في حياتك مفاجآت تزلزلك، كل إنسان كان يعتقد مذهبًا ثم سقط هذا المذهب، ينهار الإنسان معه، مبدأ اعتنقته كل حياتك تكتشف أنه باطل، لا أصل له، هذه مشكلة كبيرة.
المؤمنون والفضل لله الكبير معافون من هذا الاضطراب، وليس في كتابهم ما يمكن أن يُنقَض، بل إن كل الأحداث التي تأتي تؤكّد ما في كتابهم.
الاتحاد السوفيتي قبل أن ينهار حرّم الخمر، لماذا حرم الخمر ؟ لأنها تضر بالمجتمع، الآن هناك اتجاه بأمريكا بفصل الطلاب عن الطالبات في الجامعات، لا لأسباب دينية إطلاقاً، بل لأسباب اجتماعية، وأسباب علمية.
الآن العالم يقترب من الدين لا عن عبادة، ولكن عن مصلحة، لذلك أيها الإخوة، معنى أن الله ( المؤمن ) منحك أمناً عقدياً.
عندنا شيء آخر، أن الله ( المؤمن ) بذاته العلية، ( المؤمن ) بصفاته المطلقة، ( المؤمن ) بأفعاله الحكيمة، لذلك يسوق الشدائد لعباده كي يحملها على التوبة والصلح معهم، كي يسلموا ويسعدوا.
أحيانا يقول لك إنسان: أنا حسب كلامك أبقى معك، أنت تخاف ألاّ يكون عندك إمكانيات لتلبي له طموحاته، فتقول له: لا، ابحث عن عمل آخر، لست مؤمنا بذاتك أنك تستطيع أن تحقق طموحات هذا الإنسان، تقول: لا، ابحث عن عمل آخر، أنا عندي هذا الراتب وليس أكثر منه، لكن إذا كانت أمواله فلكية، ورآه أهلا لأن يكون معه، قال له: كل طموحاتك عندي.
معنى (المؤمن ) مؤمن بذاته العلية، ( المؤمن ) بصفاته الكاملة المطلقة، ( المؤمن ) بأفعاله الحكيمة.
التطبيق العملي لاسم ( المؤمن ):
أيها الإخوة، لكن الذي يعنينا من هذا الدرس التطبيق العملي.
1 – مطابقة الأفعال للأقوال، والسر بالعلن:
أيها الإخوة، إن أردت أن تتخلق بهذا الكمال فيجب أن تأتي أقوالك مصدقة لواقعك، قال لك: اكذب، الكذب يعطي الناس القلق منك، لكن ينبغي أن تأتي أقولك مصدقة لواقعك، وينبغي أن تأتي أفعالك مصدقة لأقوالك، حينما لا يجد من حولك مسافة بين أقوالك وأفعالك، وبين أقوالك وأفعالك يطمئنون إليك، فلان لا يكذب، شيء مهم جداً، لمجرد أن يكذب الإنسان فقد أفقد مَن حوله الأمن، يقولون عنه: غدّار، له موقف معلن وموقف مبطن، له ظاهر وله باطن، له شيء يقوله، وهو غير صادق به، وشيء يخطط له، أما حينما تستوي أقوالك مع أفعالك، وتأتي أفعالك مصدقة لأقوالك فقد منحت مَن حولك الأمن، وتخلقت بكمال الله.
2 – أن تهَب الناس الأمن والاطمئنان:
شيء آخر: يجب أن تهب الأمن لمن حولك، أنت طبيب، أو محامٍ، أو مدرس ، أو مهندس، أو مدير جامعة، أو مدير مستشفى، يجب أن تكون واضحاً جداً، لأن وضوحك يهب الأمن لمن حولك، أما مَن له ظاهر وباطن، فهو غدار، له أساليب ملتوية،
يعطيك من طرف اللسان حلاوة ويروغ منك كما يروغ الثعلب
***
أنت بهذا تقلق مَن حولك، فإذا كنت مؤمناً، وإذا كنت مؤمناً باسم ( المؤمن )، لاسم الذات العلية ( المؤمن ) يجب أن تهب مَن حولك الأمن بالوضوح وبقواعد ثابتة، وبقواعد للتعامل معك.
أحيانا يقول لك إنسان: هل أنت متأثر مني ؟ لا، إن كنت متأثراً منك أقول لك مباشرة، أنا لا أسلك أساليب ملتوية، ما دامت ساكتاً فأنا راضٍ عنك، منحته الأمن ن عندك موظف، عندك ابن، عندك زوجة، تقول لها: أريد أن أطلقك، أعطِها الأمن، لكن هو لا يعطيها الأمن، دائماً يجعلها في حالة قلق، فإذا كنت مؤمناً، وتخلقت بكمال الله يجب أن تمنح مَن حولك الأمن.
لا تكِل بعدة مكاييل، وما من عمل أحقر عند الله وعند الناس مِن أن تكيل بمكيالين، اجعل المكيال واحداً، لمجرد أن تتوهم أن لك ما ليس لزوجتك، أو أن عليها ما ليس عليك، فأنت عنصري، و كِلت بمكيالين، فتتحدث أنت عن أمها كما تشاء، وإن تكلمت هي عن أمك كلمة تقيم عليها الدنيا، هذا كيل بمكيالين، لا تكل بمكيالين، لا تحاسب قبل أن تبين، لكن بيِّن ثم حاسب، ولا محاسبة من دون تكليف، إذا كان هناك شيء لم يعجب الرجلَ من زوجته أقام عليها الدنيا، ما بيّن لها، بيِّن لها ما تحب وما تكره، بيّن لها أن هذا العمل لا يجوز، لا أقبله منك.
ومِن أكمل هذا الموقف أشعِرْ مَن حولك، أو أشعر كل واحد حولك أنه أقرب الناس إليك، وهذا من صفات النبي عليه الصلاة والسلام، ما من صحابي إلا كان يشعر أنه أقرب الناس إلى النبي.
أعطِ الأمن لمن حولك، وشرُّ الخَلق مَن اتقاه الناس مخافة شره.
أيها الإخوة الكرام، هذا اسم عظيم، اسم ( المؤمن )، مؤمن بذاته، منحك الأمن، منحك المصداقية، حقق كل وعوده لك، عليك أنت أيضاً أن تتخلق بهذا الكمال العظيم، فتكون واضحاً، وتضع قواعد ثابتة للتعامل معك دون أن تكيل بمكيالين.
السعيد
08-23-2018, 01:44 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الخامس و الخمسون )
الموضوع : اسم الله - الملك - 1 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. مِن أسماء الله الحسنى: ( الملِك ):
أيها الإخوة الأكارم، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، واليوم مع اسم الله تعالى: ( الملِك ) .
1 – ورودُ اسم ( الملِك ) في القرآن والسنة:
أيها الإخوة، ورد هذا الاسم كثيراً في الكتاب والسنة، ففي القرآن الكريم في قوله تعالى:
﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ ﴾
( سورة الحشر الآية: 23 )
وفي صحيح مسلم عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ قَالَ:
(( وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا، وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ، وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ، وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَنْتَ رَبِّي، وَأَنَا عَبْدُكَ... ))
[ أخرجه مسلم وأبو داود و الترمذي والنسائي ]
وفي صحيح مسلم أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
(( يَنْزِلُ الله تعالى إِلى السماءِ الدُّنيا كُلَّ لَيلةٍ حين يَمضي ثُلُثُ الليلِ الأولُ فيقول: أَنَا الملكُ، أنا الملكُ، مَنْ ذَا الذي يدعوني فأستجيب له ))
[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود و الترمذي ومالك عن أبي هريرة ]
لذلك:
(( وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي العَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا ))
[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود و الترمذي ومالك عن أبي هريرة ]
ساعات الفجر ساعات مباركة، ساعات الإجابة. ﴿ أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً * وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً ﴾
( سورة الإسراء )
2 – مِن لازمِ اسم ( الملِك ) نفاذُ أمرِه في مُلكِه:
أيها الإخوة، ( الملك ) أمره نافذ في ملكه، قد يكون الإنسان مالكاً، وأمره ليس نافذاً في ملكه، أما ( الملك ) فأمْرُه نافذ في ملكه، لذلك في بعض الآثار القدسية:
(( أنا مالك الملوك، وملك الملوك، قلوب الملوك بيدي، وإن العباد إذا أطاعوني حولت قلوب ملوكهم عليهم بالرأفة والرحمة، وإن العباد إذا عصوني حولت قلوبهم عليهم بالسخط والنقمة، فلا تشغلوا أنفسكم بالدعاء على الملوك، وادعوا لهم بالصلاح، فإن صلاحهم بصلاحكم ))
[أخرجه الطبراني عن أبي الدرداء ]
3 – لا ملِك حقيقةً إلا الله:
أيها الإخوة، العلماء يؤكدون أنه لا ملِك إلا الله حقيقية، الذي يملك كل شيء خلقاً، وتصرفاً، ومصيراً، لكن هذا لا يمنع أن يسمى إنسان ملكاً، قال تعالى:
﴿ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً ﴾
( سورة الكهف )
أما ( الملِك ) الحقيقي فهو الله الذي يملك كل شيء.
بشرح مفصل: كل شيء يُملَك يملكه الله، سمعُك بيده، وبصرك بيده، وقوتك بيده، ومَن حولك بيده، ومن فوقك بيده، ومن تحتك بيده، والتوفيق بيده، والنصر بيده، والحفظ بيده، وحينما توقن أنه لا إله إلا الله، وأنه ( الملك )، أمرُه نافذ في ملكه، تتجه إليه وحده.
4 – لابد للمسلم من التوجُّه للملِك الحقيقي:
دائماً وأبداً أضرب هذا المثل: لو أن لك معاملة لها أثر مصيري في حياتك، والمفوّض بالتوقيع على الموافقة رجل واحد في كل هذا البناء، والبناء من عشرة طوابق، فيه ألف موظف، الذي هو مفوّض بالموافقة على طلبك هو المدير العام، هل تبذل ماء وجهك لغير هذا المدير العام ؟ مستحيل ! هل تتضعضع أمام موظف صغير ؟ ما دام هذا الأمر بيد مدير العام، إذاً تتجه إليه وحده.
حينما تؤمن أن كل شؤونك بيد الله.
﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ ﴾
( سورة هود الآية: 123 )
متى أمرك أن تعبده ؟ بعد أن طمأنك أن الأمر كله بيده، فحينما تؤمن أنه لا إله إلا الله، ولا معطي، ولا مانع، ولا خافض، ولا رافع، ولا معز، ولا مذل، ولا موفق ولا حافظ، ولا ناصر إلا الله، تتجه إليه.
المشكلة الأولى في حياة المسلمين أن توحيدهم ضعيف، فلما ضعف توحيدهم وقعوا فيما هم فيه، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد.
أيها الإخوة، الله عز وجل ملكٌ مطلقاً، يملك كما قلت خلقاً، وتصرفاً، ومصيراً، وأنت كإنسان قد تملك شيئاً ولا تنتفع به، وقد تنتفع بشيء ولا تملكه، وقد تنتفع وتملك، لكن المصير ليس إليك، لك بيت تملكه رقبة، وتملك منفعته، أي تسكنه، لكن قد يأتي قرار تنظيمي للمدينة يؤخذ منك بأبخس الأثمان، فقد تملك ولا تنتفع، وقد تنتفع ولا تملك، وقد تنتفع وتملك، والمصير ليس إليك.
أما إذا قلنا: الله ( الملك ) يعني أن ملكه مطلق، خلقاً، تصرفاً، ومصيراً.
5 – من لوازم ( الملِك ) استغناءه عن المخلوقات:
معنى ( الملك ) أنه يستغني في ذاته، وصفاته، وأفعاله عن كل موجود، أما الإنسان فوجوده مرتبط بإمداد الله له، ففي أية لحظة يقطع الله عنه الإمداد يموت، فما هو الموت ؟ الموت انقطاع المدد الإلهي، وفي أي لحظة يفقد الإنسان حياته، يكون شخصاً مهماً فيصبح خبراً، يكون ذا هيبة وسلطان فيصبح قصة، يكون شخصاً يركب طائرة فيعود بضاعة في نعش لها معاملات معقدة في التخليص.
فالله عز وجل ملِك حقيقي، لأنه يستغني عن كل موجود، ووجوده ذاتي، مِن هنا كان هناك عبد القهر، وجميع بني البشر عبيد لله عز وجل، بمعنى أنهم في قبضة الله ، في أي لحظة تنتهي الحياة، لأتفه الأسباب، سكتة دماغية، سكتة قلبية، حادث طارئ، فهم عبيدُ قهرٍ، أما المؤمنون لأنهم عرفوا الله اختياراً، وأطاعوه اختياراً، وأحسنوا إلى خلقه اختياراً، وأقبلوا عليه اختياراً فهم عباد، جمع عبد الشكر، وعبد القهر جمعه عبيد.
﴿ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾
( سورة فصلت )
وهناك عبد الشكر جمعه عباد. ﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً ﴾
( سورة الفرقان الآية: 63 )
الفرق كبير بين أن تكون عبد قهر، وبين أن تكون عبد شكر، وإذا قال الله عز وجل: ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾
( سورة الحديد الآية: 4 )
هذه معية عامة، أي معكم بعلمه، أما إذا قال: ﴿ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾
( سورة الأنفال )
هذه معية خاصة، والمعية الخاصة تعني شيئاً كثيراً، تعني أن الله مع المؤمن بنصره، وتأييده، وحفظه، وتوفيقه.
معنى ( الملك ) أنه مستغنٍ عن كل موجود، ويحتاجه كل موجود، الآية الدقيقة: ﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 26 )
الإعزاز والإذلال والمنع والعطاء من الله خيرٌ كلُّه:
الآية ليس فيها: بيدك الخير والشر،
﴿ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ﴾
لذلك قالوا: الشر المطلق لا وجود له في الكون، لأنه يتناقض مع وجود الله، هناك شر نسبي موظَّف للخير المطلق، والدليل هذه الآية:
﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ﴾
﴿ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 26 )
إيتاء الملك خير، وأحياناً نزعه خير، إعزاز الإنسان خير، وأحياناً إذلاله خير، لكن علماء العقيدة يرون أنه لا ينبغي أن تقول: الله ضار، مع أنه من أسمائه، ينبغي أن تقول: هو الضار النافع، لأنه يضر لينفع، لا ينبغي أن تقول: الله خافض، قل: الله خافض رافع، لأنه يخفض ليرفع، لا ينبغي أن تقول: الله مذل، هو يذل، قل: الله مذل معز، يذل ليعز.
ورد في بعض الآثار:
(( إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء، ومنزل ترح لا منزل فرح، فمن عرفها لم يفرح لرخاء، ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى، وجعل الآخرة دار عقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سببا، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضا، فيأخذ ليعطي، ويبتلي ليجزي ))
[ ورد في الأثر ]
﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾
( سورة الأعراف الآية: 180 )
ربما أعطاك فمنعك، وربما منعك فأعطاك، وإذا كشف لك الحكمة المنع عاد المنع عين العطاء، حينما تكشف الحقائق، وحينما ينكشف سر القضاء والقدر يذوب المؤمن كالشمعة تماماً محبة لله عز وجل لِما ساقه له من شدائد، ولولا هذه الشدائد لما كان كما هو.
قطعة فحم بحجم البيضة ما قيمتها ؟ لا شيء، وهناك قطعةٌ من الماس في استنبول قيمتها 150 مليون دولار، بحجم البيضة، أكبر قطعة ألماس في العالم في متحف توبي كبي، هذه القطعة ثمنها 150 مليون، لأن الماس أصله فحم، من شدة الضغط والحرارة أصبح ماساً.
للتقريب: إذا كان هناك ضغوط، ومعالجات إلهية دقيقة، وشدة، هذه تصقل الإنسان المؤمن، واللهُ تعالى يتولى تربيته، ويحاسبه، فبطولتك أن تكون ضمن العناية المشددة، ضمن المتابعة الإلهية، ضمن التربية الإلهية، فإذا أعطيتَ الدنيا وأنت على غير طاعة الله فهذا مؤشر خطير جداً، معنى ذلك أن هذا الإنسان خارج العناية المشددة، إن رأيت الله يتابعك، ويحاسبك، ويسوق لك بعض الشدائد عند بعض الأخطاء، حينما تسرف، يقلّ دخلك، حينما تستعلي يأتي مَن يحجمك، حينما ترى أن الله يتابعك فهذه نعمة كبرى، هذا معنى قوله تعالى: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾
( سورة البقرة )
مصائب المؤمنين مصائب دفع إلى الله ورفع، ومصائب العصاة والفجار مصائب ردع وقصم، أما مصائب الأنبياء فمصائب كشف، لأنهم ينطوون على كمال لا يظهر إلا بالمصائب، فَعَنْ سَعْدٍ قَالَ:
(( قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً ؟ قَالَ: الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ، فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَمَا يَبْرَحُ الْبَلَاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ ))
[ أخرجه الحاكم عن سعد بن أبي وقاص ]
علاقة المؤمن باسم ( الملِك ):
أيها الإخوة، الله عز وجل يقول:
﴿ رَبِّ قَدْ آَتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ﴾
( سورة يوسف )
المُلكُ الحقيقي أن تمنع تملك عند فورة الشهوة:
لبعض المفسرين لفتة رائعة، أن المُلكَ الذي أتاه الله لسيدنا يوسف ما هو ؟ إن كان الملكُ المألوف أنه عزيز مصر فهناك ملوك في الأرض كُثر، وهم أحياناً فجّار منحرفون طغاة، فهل هذا هو العطاء الحقيقي ؟ بعضهم قال: العطاء الحقيقي أن تملك نفسك، حينما دعته امرأة ذات منصب وجمال، والعلماء أشاروا إلى عشرة أشياء ترغب هذا الشاب الوسيم بالفاحشة، وقال:
﴿ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ﴾
( سورة يوسف الآية: 23 )
هذا هو الملك، أن تملك نفسك، أن تملكها عند الغضب، أن تملكها عند الشهوة ، أن تملكها عند المغريات، ما كل إنسان يصمد أمام هذه الفتنة، فالذي يملك نفسه، ولا تملكه، يملك هواه ولا يملكه، الذي يملك أن يتصرف وفق منهج الله في الشدائد، وفي الصعوبات هو الملِك.
أيها الإخوة، الحياة فيها صوارف، وفيها عقبات، وهذه الصوارف والعقبات من أجل أن يرقى الإنسان عند الله، فإذا استطعت أن تنجو من الصوارف إلى غير منهج الله وأنت تتجاوز العقبات التي وضعت على الطريق إلى الله، فأنت بطل.
فلذلك:
﴿ رَبِّ قَدْ آَتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ ﴾
أي آتيتني سيطرة على نفسي، يقول أحد زعماء بريطانيا: ملكنا العالم، ولم نملك أنفسنا، حتى إن أجمل كلمة تلخص الحضارة الإسلامية أنها سيطرة على الذات، فحينما فتحت القدس من قِبل الفرنجة ذُبح 70 ألف إنسان في يومين، أما حينما فتحها صلاح الدين الأيوبي رحمه الله لم يهرق قطرة دم، بسبب السيطرة على الذات، وأعظم شيء في المؤمن أنه منضبط، مسيطر على ذاته، هذا هو الملك الحقيقي، أن تملك نفسك.
الإيمان مرتبة علمية أخلاقية جمالية:
قالوا: الإيمان مرتبة، مرتبة علمية، أخلاقية، جمالية، نحن الآن نستهين بكلمة مؤمن.
مثلاً: فلان دكتور، معه إتمام مرحلة ابتدائية، معه شهادة إعدادية، معه شهادة ثانوية، معه شهادة ليسانس، أو بكالوريوس، معه دبلوم عام، دبلوم خاص، ماجستير، دكتوراه، والدكتوراه فيها بحث جديد لم يسبق إليه، وناقشه مجموعة علماء كبار، واعتمدته الجامعة، وأصبح كتابًا، إن وجد اسم د. قبل اسم الشخص يكون قد مرَّ بكل هذه المراحل.
للتقريب: إن وجدت إنسانًا مؤمنًا فيعني أنه يتمتع بمرتبة أخلاقية، وليس هناك مؤمن كاذب، ولا مؤمن محتال، ولا مؤمن متكبر، ولا مؤمن وصولي، ولا مؤمن منافق، والمؤمن مرتبة أخلاقية، ومرتبة علمية، وهو مَن عرف الحقيقة الكبرى في الكون، عرف الله، عرف سر وجود الإنسان وغاية وجوده، ومرتبة جمالية، فله أذواق عالية جداً، منغمس في سعادة لو وزعت على أهل بلد لكفتهم، فالإيمان مرتبة جمالية، أخلاقية، علمية.
قالوا: المؤمن إنسان متميز يرى ما لا يراه الآخرون، له رؤية عميقة، فهِم حقيقة الحياة الدنيا، فهم حقيقة الوجود، حقيقة الكون، حقيقة الحياة الدنيا، حقيقة الإنسان، طبيعة المهمة التي أنيطت به.
المؤمن همُّه كبير، ورسالته نبيلة:
المؤمن يرى ما لا يراه الآخرون، ويشعر بما لا يشعرون، وهناك أقوياء وضعفاء في العالم، وأغنياء وفقراء، الضعفاء والفقراء مسحوقون، لكن هناك موقف للنبي عليه الصلاة والسلام خلاف هذا فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
(( أَنَّ امْرَأَةً سَوْدَاءَ كَانَتْ تَقُمُّ الْمَسْجِدَ، أَوْ شَابًّا، فَفَقَدَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَسَأَلَ عَنْهَا، أَوْ عَنْهُ، فَقَالُوا: مَاتَ، قَالَ: أَفَلَا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي ؟ قَالَ: فَكَأَنَّهُمْ صَغَّرُوا أَمْرَهَا، أَوْ أَمْرَهُ، فَقَالَ: دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ، فَدَلُّوهُ، فَصَلَّى عَلَيْهَا، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ هَذِهِ الْقُبُورَ مَمْلُوءَةٌ ظُلْمَةً عَلَى أَهْلِهَا، وَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُنَوِّرُهَا لَهُمْ بِصَلَاتِي عَلَيْهِمْ ))
[ متفق عليه ]
لا تكون إنساناً كامل الإنسانية إلا إذا شعرت بمن حولك، هذا الذي يعيش لشهواته، وحظوظه، ولا ينتبه إلى البؤساء، والفقراء، والضعفاء، هذا إنسان بعيد عن منهج الله عز وجل، المؤمن يرى ما لا يراه الآخرون، ويشعر بما لا يشعرون، يتمتع بوعي عميق، وإدراك دقيق، وله قلب كبير، هذا القلب يكبر، ولا ترى كبره، فيتضاءل أمامه كل كبير، ويصغر، ولا ترى صغره، فيتعاظم عليه كل حقير.
صدقوا أيها الإخوة، كلمة من القلب: المؤمن أكبر من أكبر مشكلة في الدنيا، بينما غير المؤمن أصغر من أصغر مشكلة في الدنيا، مشكلة طفيفة تسحقه، تقلبه إلى يائس، إلى محبط، إلى مستسلم لمصيره، أما المؤمن فأكبر من أكبر مشكلة تحيط به، له قلب كبير، وعزم متين، همته عالية، وإرادة صلبة، هدفه أكبر من حاجاته، هناك إنسان حاجته بيت، حاجته زوجة، حاجته دخل، هذه كل أهدافه، فإذا تزوج وكان له دخل، وله بيت انتهت كل أهدافه، يحس بالفراغ، يحس بالتفاهة، أما المؤمن فيحمل هم أمته، أهدافه أكبر من حاجاته، رسالته أسمى من رغباته.
إخوتي الكرام، هناك صفة في العالم الغربي، أنا أضع يدي عليها تماماً، الصفة أن الإنسان هناك بلا هدف، هدفه نفسه، هدفه دخله، هدفه شهواته، هدفه حظوظه، هدف كبير يسعى له، والإنسان لا يتقدس إلا بهدف كبير، لا يسعد إلا إذا كان له رسالة وهدف يحمله، رسالته أثمن من رغباته، يملك نفسه.
﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ ﴾
﴿ رَبِّ قَدْ آَتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ ﴾
خاتمة:
الملك يملك نفسه، ولا تملكه، يقود هواه، ولا ينقاد له، تحكمه القيم، ويحتكم إليها من دون أن يسخرها لمصالحه، أو يسخر منها.
الحقيقة أيها الإخوة، الإيمان مرتبة عالية جداً، الإيمان يعني إنسانا حقق الهدف من وجوده، الإيمان يعني أن الإنسان حقق الهدف الذي خُلق المؤمن من أجله، عرف الله عز وجل، وعرف منهجه، وانضبط بمنهجه، وأحسن إلى خلقه، فسلم وسعد في الدنيا والآخرة.
فلذلك:
﴿ رَبِّ قَدْ آَتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ ﴾
علاقة الإنسان بهذا الاسم أن يملك نفسه عند الغضب، عند العقبات الكأداء، عند الصوارف المغرية، والمؤمن رجل مبدأ، المؤمن رجل قيم، لأنه اتصل بـ ( الملك )، فملك نفسه، وأعظم مرتبة تملكها أن تملك نفسك، وأكبر سيئة تصيب الإنسان أن يتفلت من منهج الله، أن يثيره موقف استفزازي يخرجه عن طوره وعن مبادئه وعن قيمه.
سبحان الله ! هذا الاسم له تطبيقات رائعة جداً، أرجو الله سجانه وتعالى في لقاء قادم أن نتابع هذا الموضوع.
السعيد
08-23-2018, 01:46 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( السادس و الخمسون )
الموضوع : اسم الله - الملك - 2 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: ( الملِك ):
1 – ( الملِك ) اسم ذاتٍ وصفة وفعل:
أيها الإخوة الأكارم، مع درس من دروس أسماء الله الحسنى، ولا زلنا في اسم الله ( الملك )، وكلكم يعلم أن أسماء الله عز وجل على أنواع، هناك اسم ذات، وهناك اسم فعل، وهناك اسم صفة، فالملك اسم يدل على ذات الله، والملك اسم يدل على فعله، قال تعالى:
﴿ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ ﴾
( سورة الملك )
2 – فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ
وقال بعض العلماء: في قوله تعالى:
﴿ فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾
( سورة يس الآية: 83 )
قالوا: المُلك مُلك الأجسام، والملكوت مُلك النفوس، فالله سبحانه وتعالى رب العالمين، يربي أجسامنا ويربي نفوسنا، يربي أجسامنا فيمدها بما تحتاج، من طعام وشراب، وهواء، وما إلى ذلك، ويربي النفوس حينما تنحرف عن منهجه، يسوق لها من الشدائد ما يحملها على طاعته:
﴿ فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾
﴿ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ ﴾
من مِن لوازم اسم ( الملِك ):
1 – العلوُّ:
أيها الإخوة، من لوازم الملك العلو.
﴿ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ ﴾
( سورة طه الآية: 114 )
2 – الاستواء:
ومن لوازم الملك الاستواء:
﴿ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ﴾
( سورة طه )
3 – التمليك:
لكن الموضوع الدقيق في هذا اللقاء الطيب أن ( الملك ) هو المالك والمملِّك، فالله عز وجل، يعطيك الصحة، الصحة تُملك، يعطيك القوة، القوة تُملك.
هناك رجل من علماء الشام عاش 96 عاماً، وهو في أتم صحته، منتصب القامة ، حاد البصر، مرهف السمع، أسنانه في فمه، فكان إذا سُل: يا سيدي ! ما هذه الصحة التي حباك الله بها ؟! يقول: يا بني، حفظناها في الصغر فحفظها الله علينا في الكبر، من عاش تقيناً عاش قوياً.
( الملِك ) هو المالك والمملِّك، يملكك الصحة والقوة، يعطي العقل والذكاء، يعطي الجمال والوسامة، يعطيك زوجة، يهبك أولاداً، يهبك بيتاً، مأوى تؤوي إليه ، يجعلك ممكَّناً في الأرض، تتقن حرفة، تتقن اختصاصاً، تحمل شهادة، فـ( الملك ) هو المالك والمملِّك.
حينما تملك، وحينما تمكَّن في الأرض يرتفع مقامك، ومع ارتفاع مقامك تزداد فرص العمل الصالح، القوة في ثلاث، في المال، وفي العلم، وفي المنصب.
أحياناً إذا كنت في منصب رفيع بجرة قلم تحق حقاً، وتبطل باطلاً، تقرّ معروفاً، وتزيل منكراً، وإذا كنت عالماً قد يسعد الناس بعلمك، وإذا كنت غنياً قد يسعد الناس بمالك، فإذا مكنك في الأرض أعطاك القوة، أو أعطاك المال، أو أعطاك العلم، عندئذٍ تزداد فرص العمل الصالح أمامك، وعندئذٍ تزداد مسؤوليتك.
كل إنسان ممكَّن في الأرض، إن أحسن فله أجران ؛ أجر إحسانه، وأجر مَن اقتدى به، وكل إنسان ممكَّن في الأرض إذا أساء فعليه وزران، وزره ووزر مَن قلَّده.
إذاً: ( الملك ) هو المالك والمملِّك، لذلك سيدنا عمر بن عبد العزيز دخلت عليه زوجته فاطمة بنت عبد الملك، رأته يبكي في مصلاه، قالت له: ما لك تبكي ؟ قال: << دعينِي وشأني، فلما ألحت عليه قال: ويحك يا فاطمة، إني وليتُ أمرَ هذه الأمة، فرأيت المريض الضائع، والفقير الجائع، والشيخ الكبير، والأرملة الوحيدة، وذا العيال الكثير، والرزق القليل، والأسير، والمظلوم في أطراف البلاد، فعلمت أن الله سيسألني عنهم جميعاً، وأن خصمي دونهم رسول الله، فخفت ألا تثبت حجتي فلهذا أبكي >>.
سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، سأل والياً: << ماذا تفعل إذا جاءك الناس بسارق أو ناهب ؟ فأجابه الإجابة الشرعية، قال: أقطع يده، قال: فإن جاءني مِن رعيتك مَن هو جائع أو عاطل فسأقطع يدك، إن الله قد استخلفنا عن خلقه لنسدّ جوعتهم، ونستر عورتهم، ونوفِّر لهم حرفتهم، فإن وفينا لهم ذلك تقاضيناهم شكرها، إن هذه الأيدي خلقت لتعمل، فإذا لم تجد في الطاعة عملاً التمست في المعصية أعمالاً، فاشغلها بالطاعة قبل أن تشغلك بالمعصية >>.
الحظوظ وزعت في الدنيا توزيع ابتلاء، وهي موضع ابتلاء وجودًا وعدمًا:
أيها الإخوة، هناك تساؤل، المال حظ، العلم حظ، الذكاء حظ، طلاقة اللسان حظ، الوسامة حظ، هذه الحظوظ كيف ووزعت في الدنيا ؟ قال بعض العلماء: الحظوظ وزعت في الدنيا توزيع ابتلاء، ما الذي أتاك الله إياه ؟ أتاك المال ؟ أنت ممتحن بالمال، أتاك العلم، أنت ممتحن بالعلم، أتاك القوة، أنت ممتحن بها، ما الذي زوي عنك ؟ زوي عنك الغنى، أنت ممتحن بالفقر، زويت عنك القوة، أنت ممتحن بالضعف، زويت عنك الوسامة، أنت ممتحن بها، فأنت ممتحن في بندين، فيما وهبك الله، وفيما زوى عنك وهذا المعنى الدقيق يذكرنا بدعاء النبي عليه الصلاة والسلام:
(( اللهم ما رزقتني مما أُحِبُّ فاجعَلْهُ قُوَّة لي فيما تُحِبُّ، وما زَوَيْتَ عني مما أُحِبُّ فاجعَلْهُ فَرَاغا لي فيما تُحِبُّ ))
[ الترمذي عن عبد الله بن يزيد الخطمي ]
ما مِن رجبٍ من الناس إلا وآتاه الله حظوظاً، وزوى عنه حظوظاً، فأنت ممتحن فيما أتاك، وممتحن فيما زوي عنك.
الإنسان مخيَّرٌ:
أيها الإخوة، لكن الإنسان مخير، قال تعالى:
﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ﴾
( سورة الإسراء الآية: 18 )
لحكمة ما بعدها حكمة، لرحمة ما بعدها رحمة، لعلم ما بعده علم:
﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ ﴾
أي الدنيا.
﴿ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ﴾
يعني عجّلنا بالقدر الذي نشاء، والإنسان الذي إن عجلنا له فيها كان هذا التعجيل حكمة في حقه:
﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ﴾
﴿ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُوماً مَدْحُوراً ﴾
( سورة الإسراء )
الآن دققوا: ﴿ وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا ﴾
( سورة الإسراء الآية: 19 )
لم يقل: وسعى لها: ﴿ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً ﴾
( سورة الإسراء )
الآن كقانون، كسنة من سنن الله عز وجل: ﴿ كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً ﴾
( سورة الإسراء )
أنت مخير، الشيء الذي تصدق في طلبه تناله، ما أنت فيه صادق، وما لست فيه، تمنياتك، الله عز وجل لا يتعامل أبداً مع التمنيات. ﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ﴾
( سورة النساء الآية: 123 )
يتعامل مع الصدق، أي شيء تطلبه من الله بصدق، وتدفع ثمنه يؤتيك الله إياه ، قال بعض المفكرين: " إن القرار الذي يتخذه الإنسان في شأن مصيره قلّما تنقضه الأيام إذا كان صادراً حقاً عن إرادة وإيمان "، اطلب ما تشاء من الله، ولكن اطلب بصدق، واطلب مع دفع الثمن: ﴿ وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا ﴾
لم يقل وسعى لها:
﴿ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا ﴾
السعي الذي تستحقه. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 102 )
﴿ حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾
أن تطيعه فلا تعصيه، أن تذكره فلا تنساه، أن تشكره فلا تكفره.
إذاً الحظوظ في الدنيا موزعة توزيع ابتلاء، أنت ممتحن فيما أعطاك، ممتحن فيما زوى عنك.
انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ
دقق في هذه الآية:
﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾
( سورة الإسراء الآية: 21 )
هل بائع متجول كتاجر كبير ؟ هل ممرض كجراح قلب ؟ هل معلم في قرية كأستاذ في الجامعة ؟
﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾
﴿ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً ﴾
( سورة الإسراء )
أين بطولتك ؟ أن تحقق نجاحاً في الدنيا، ثم يأتي الموت لينهي هذا النجاح ؟ أم أن تحقق نجاحاً في الآخرة.
حظوظ الدنيا لا تعني شيئا:
حظوظ الدنيا موزعة في الدنيا توزيع ابتلاء، وهذا التوزيع مؤقت، والتوزيع ينتهي بالموت، وهذا التوزيع قد لا يعني أنك عند الله متفوق، لأن الله يعطي الملك لمن يحب، ولمن لا يحب، أعطى الملك لفرعون، وهو لا يحبه، أعطى الملك لسليمان، وهو يحبه، أعطى المال لقارون، وهو لا يحبه، أعطى المال لعبد الرحمن بن عوف، وهو يحبه، فحظوظ الدنيا لمن يحب ولمن لا يحب، ولا تعني شيئاً، وقد تعني العكس:
﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾
( سورة الأنعام الآية: 44 )
الموت ينهي كل شيء، لكن حظوظ الآخرة تعني كل شيء، وهي أبدية سرمدية لذلك اكبر خسارة أن تخسر الآخرة. ﴿ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾
( سورة الزمر الآية: 15 )
حظوظ الدنيا موزعة توزيع ابتلاء، هذه الحظوظ سوف توزع في الآخرة توزيع جزاء، فقد يكون الإنسان غنيا والآخر فقيرا، عاشا عمراً واحداً، سبعين عاما، الغني لم ينجح في امتحان الغنى، فتاه على مَن حوله، وأنفق ماله على لذاته وحظوظه، وحرمه من الفقراء والمساكين، والفقير نجح في امتحان الفقر، فصبر وتجمل، انتهت السبعون عاماً، الذي نجح في امتحان الفقر في جنة إلى أبد الآبدين، والذي لم ينجح في امتحان الغنى في نار جهنم، وبئس المصير، فالحظوظ في الدنيا موزعة توزيع ابتلاء، وسوف توزع في الآخرة توزيع جزاء.
الأخذ بالأسباب بين الحقيقة الشرعية وأوهام الناس:
أيها الإخوة، لحكمة بالغةٍ بالغة جعل الله لكل شيء سببا، فالأسباب تفضي إلى النتائج، ولكن لئلا نتوهم أن السبب وحده خالق النتيجة، الله عز وجل من حين لآخر يعطل هذه الأسباب، قد يجعلك قوياً وأنت ضعيف، وغنياً وأنت فقير، وقد يسلب الغنى من الغني فيغدو فقيراً، وقد يسلب القوة من القوي فيغدو ضعيفاً، من هنا يجب أن نعتقد أن خالق النتائج هو الله.
السيدة مريم أنجبت نبياً كريماً من دون زوج، ألغي السبب، وأحياناً شابان قويان في أوج نشاطهما لا ينجبان، هناك سبب بغير نتيجة، وهناك نتيجة بلا سبب، لذلك لا تؤلّه الأسباب، العالم الغربي أخذ بالأسباب، واعتمد عليها، وألّهها، ونسي الله، وقع في الشرك، والمسلمون المقصرون في آخر الزمان لم يأخذوا بها إطلاقاً، وقعوا في المعصية، كلاهما على خطأ، يجب أن تأخذ بالأسباب، وكأنها كل شيء، ثم تتوكل على الله، وكأنها ليست بشيء، هذا الموقف الدقيق، والموقف الحكيم، أن تأخذ بالأسباب، وكأنها كل شيء، ثم تتوكل على الله، وكأنها ليست بشيء.
أيها الإخوة، ماذا قال الله عز وجل مخاطباً نبيه ؟
﴿ قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلَا رَشَداً ﴾
( سورة الجن )
بل قل لهم: ﴿ قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلَا نَفْعاً ﴾
( سورة يونس الآية: 49 )
فإذا كنت:
﴿ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلَا نَفْعاً ﴾
فمن باب أولى أنني:
﴿ لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلَا رَشَداً ﴾
معنى ذلك أن الله هو الملِك، هو الذي يُملِّك، الملك مالك مملك، الحظوظ الله عز وجل يملكك إياها، والحظوظ الله عز وجل يسلبها منك، هو ( الملك ). التطبيقات العملية لاسم ( الملِك ):
لا ينبغي لعبد الملِك أن يتذلل لمخلوق:
أيها الإخوة، الآن لا يليق بمن آمن بالله بأنه ملك أن يتذلل لمخلوق، لا يليق بمن آمن بالله بأنه ملك أن يتضعضع أمام غني أو أمام قوي.
(( من جلس إلى غني فتضعضع له ذهب ثلثا دينه ))
[ ورد في الأثر ]
قال بعضهم: ما أجمل عطف الأغنياء على الفقراء، هناك أجمل من هذا، تيه الفقراء على الأغنياء، ثقة بما عند الله، لذلك لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه.
اجعل لربك كل عــ زك يستقر ويثـبت
فإذا اعتززت بمن يمـ وت فإن عزك ميت
أريد أن أصل معكم إلى التطبيقات العملية لإيمانك باسم ( الملك ). ﴿ قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى * قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ﴾
( سورة طه )
فرعون وراء سيدنا موسى، ومن آمن معه من بني إسرائيل شرذمة قليلة، فرعون بقوته، بجبروته، بحقده، بأسلحته، بفتكه، ببطشه. ﴿ فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾
( سورة الشعراء )
إذا كنت مع ( الملك ) فأنت ملك، إذا آمنت بالملك أنه مالك مملِّك، لمجرد أن تتوهم أن أمرك بيد زيد أو عبيد، أو بيد فلان أو علان، سقطت في الشرك. ﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾
( سورة هود )
الدين كله في التوحيد، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، التوحيد ألا ترى مع الله أحد، التوحيد أن توقن يقيناً قطعياً أن أمرك كله بيد الله، وما أمرك أن تعبده إلا بعد أن طمأنك.
﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ ﴾
( سورة هود الآية: 123 )
شأن صحتك، خذ بالأسباب وتوكل على الله، شأن أسرتك، شأن زوجتك، شأن أولادك، شأن عملك، شأن رزقك، شأن من حولك، شأن من فوقك، شأن مَن تحتك:
﴿ َإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ ﴾
﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾
شرف المؤمن قيامه بالليل، وعزه استغناءه عن الناس.
التقى خليفة من خلفاء بني أمية بعالم جليل في الحرم المكي، قال له: " سلني حاجتك، قال: والله إني أستحي أن أسأل في بيت الله غير الله، التقى به خارج الحرم، قال له: سلني حاجتك، قال له: والله ما سألتها مَن يملكها أفأسألها مَن لا يملكها، فلما أصر عليه قال له: أدخلني الجنة، قال له: هذه ليست لي، قال له: إذاً ليس لي عندك حاجة ".
المؤمن عزيز، قال المنصور لأبي حنيفة: يا أبا حنيفة، لو تغشَّيتنا، قال: ولمَ أتغشّاكم ؟ وليس لي عندكم شيء أخافكم عليه، وهل يتغشّاكم إلا مَن خافكم على شيء.
المؤمن عزيز، لذلك كن مَلكاً في الدنيا، الله ملك مالك مملِّك، كن ملكاً في الدنيا تكن ملكاً في الآخرة، قالوا: كيف ؟ قال: ازهد فيما بيد الناس تكن ملكاً.
لا تسألن بنــيّ آدم حاجة و سل الذي أبوابه لا تُحجَب
الله يغضب إن تركت سؤاله وبنيّ آدم حين يُسألُ يغضب
إذا أردت أن تكون ملك في الدنيا ازهد بما أيدي الناس تكن ملكاً في الدنيا، فإذا كنت ملكاً في الدنيا كنت ملكاً في الآخرة.
لذلك قالوا: احتجْ إلى الرجل تكن أسيره، واستغنِ عنه تكن نظيره، وأحسن إليه تكن أميره، فلا يليق بمؤمن آمن باسم الملك أن يتذلل لمخلوق.
(( من جلس إلى غني فتضعضع له ذهب ثلثا دينه ))
خاتمة:
أيها الإخوة، أسماء الله الحسنى لها تطبيقات، إن آمنت بها إيماناً حقيقياً فلا بد من أن تنعكس على سلوكك عزة، ورفعة، واستقامة، ورحمة، وتواضعاً.
﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾
( سورة الأعراف الآية: 180 )
تقرَّب إلى الله بخُلق مشتق من كمال الله، الله رحيم فارحم مَن دونك، الله ملك فكن ملكاً بأن تتعفف عما في أيدي الناس، كن ملكاً في الدنيا تكن ملكاً في الآخرة
السعيد
08-23-2018, 01:48 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( السابع و الخمسون )
الموضوع : اسم الله - العزيز - 1 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين وعلى أصحابه الطيبين الطاهرين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
من أسماء الله الحسنى: ( العزيز):
أيها الأخوة الأكارم: مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم: "العزيز" . ورود اسم العزيز في:
1 ـ كثير من آيات القرآن الكريم:
أيها الأخوة، هذا الاسم ورد في كثير من آيات القرآن الكريم، لعله ورد قريباً من مئة آية، من أبرز هذه الآيات:
﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ ﴾
( سورة الحشر الآية: 23 )
2 ـ ورود اسم العزيز مقترناً بأسماء أخرى:
ورد مقترناً بأسماء أخرى:
﴿ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾
( سورة الحشر )
﴿ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ﴾
( سورة الأنعام )
﴿الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴾
( سورة إبراهيم )
﴿ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ﴾
( سورة الدخان )
﴿ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ ﴾
( سورة ص )
﴿ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ ﴾
( سورة ص )
﴿ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ ﴾
( سورة هود )
﴿ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ﴾
( سورة الملك )
﴿ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ ﴾
( سورة آل عمران )
﴿ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ ﴾
( سورة القمر )
3 ـ ورود اسم العزيز في السنة الشريفة:
وفي صحيح الجامع الصغير من حديث عائشة رضي الله عنها أن من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم:
(( لا إله إلا الله الواحد القهار رب السماوات والأرض وما بينهما العزيز الغفار ))
[ أخرجه النسائي في الكبرى والطبراني عن عائشة أم المؤمنين ]
من معاني اسم العزيز:
1 ـ العزيز هو الغالب:
معاني هذا الاسم "العزيز" هو الغالب.
﴿ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ﴾
( سورة الصافات )
لمجرد أن تتحقق جنديتك لله عز وجل فأنت الغالب، ومستحيل وألف ألف مستحيل أن تكون جندياً لله ولا تنتصر. ﴿ إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ ﴾
( سورة محمد الآية: 7 )
﴿ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ﴾
بطولة الإنسان أن يكون مع الغالب دائماً:
لذلك أيها الأخوة، إن لم ننتصر فالخطأ منا ، الكرة في ملعبنا، هناك خلل في جنديتنا لله عز وجل،
﴿ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ﴾
الله عز وجل يقول في آيات كثيرة من هذه الآيات:
﴿ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ ﴾
( سورة ص )
أي غلبني، "العزيز" هو الغالب، فالبطولة أن تكون مع الغالب دائماً، والخطأ المدمر أن تنحاز إلى المغلوب، إذا كنت مع الغالب فأنت الغالب، إذا كنت مع الله فأنت المنتصر، إذا كان الله معك فمن عليك، وإذا كان عليك فمن معك.
قوة المؤمن تنبع من تطبيقه لمنهج الله عز وجل:
أيها الأخوة الكرام، كلمة أقولها لكم: لا تقلقوا على هذا الدين إنه دين الله، هو ينصره، ولكن لنقلق على أنفسنا.
أول معنى من معاني هذا الاسم أنه الغالب، فالبطولة أن تكون مع القوي، قوة المؤمن من توكله على الله، قوة المؤمن من اعتماده على الله، قوة المؤمن من تطبيقه لمنهج الله كثمن لنصر الله، نصر الله له ثمن، الأمور ليست بالتمنيات، التمنيات بضائع الحمقى. ﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ﴾
( سورة النساء الآية: 123 )
دقق:
﴿ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ ﴾
( سورة النساء الآية: 123 )
مهما دعوت الله، الله عز وجل لا يستجيب دعاء المعتدي. ﴿ ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾
( سورة الأعراف )
إذا في عدوان، إذا في ظلم، مهما رفعت صوتك بالدعاء، لن يستجاب لك.
تروي بعض القصص أن ملكاً قوياً التقى بعالم جليل قال له: ادعُ الله لي، فقال له هذا العالم: لا تظلم ولست بحاجة إلى دعائي.
﴿ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ﴾
"العزيز" هو الغالب ﴿ وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ ﴾
غلبني ﴿ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ﴾
سبحانك إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت.
2 ـ العزيز هو الشريف:
المعنى الآخر: "العزيز" هو الشريف، بكل مجتمع في فئة من الناس تسمى في اللغة علية القوم، عزيز، صادق، كريم، أصيل، جواد، صبور، حليم، هؤلاء النخبة من الناس هم أعزة القوم.
لذلك ماذا قالت بلقيس ؟:
﴿ قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً ﴾
( سورة النمل الآية: 83 )
كلام من ؟ كلام بلقيس، ماذا قال الله عز وجل: ﴿ وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ﴾
( سورة النمل الآية: 83 )
إذا إنسان لم يعرف ربه لكن تكلم كلمة صحيحة، يجب أن تكون خطأ ؟ لا ، بلقيس قبل أن تعرف الله قالت: ﴿ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً ﴾
خالق السماوات والأرض قال: ﴿ وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ﴾
يعني الانفتاح يقتضي أن تصغي إلى كل قوم، الإمام الشافعي يقول: أنا على حق، وخصمي على باطل، وقد أكون مخطئاً، وخصمي على حق، وقد يكون مصيباً، تواضع حينما تحاور.
"العزيز" هو الجليل والشريف.
3 ـ العزيز هو القوي:
شيء آخر: "العزيز" هو القوي.
﴿ إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ ﴾
( سورة يس الآية: 14 )
أي قويناهم بثالث، إذا قلت فلان عزيز يعني قوي، والناس يحبون الأقوياء وطبع في الإنسان أن يحب القوي، لكن من هو أقوى الأقوياء ؟ خالق السماوات والأرض، من هو القوي إلى أبد الآبدين ؟ خالق السماوات والأرض، إن أردت أن تكون قوياً كن مع القوي لا تكن مع الضعيف، إن أردت أن تكون أقوى الناس فتوكل على الله، وإن أردت أن تكون أكرم الناس فاتقِ الله، وإن أردت أن تكون أغنى الناس فكن بما في يدي الله أوثق منك بما في يديك.
الله "العزيز" واحد أحد، فرد صمد:
الآن لو دخلنا في التفاصيل، الشيء العزيز نادر الوجود، هناك معادن عزيزة مثلاً اليورانيوم، معدن نادر، غالٍ جداً، كل شيء نادر وجوده قليل يسمى عزيزاً ، العوام أحياناً يقول لك: مادة عزيزة، قليلة، لكن إذا قلنا الله عزيز لا مثيل له، لا ندّ له، لا نظير له، واحد أحد فرد صمد:
﴿ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ﴾
( سورة الإخلاص )
إذا قلت شيء عزيز أي قليل، وجوده نادر، أما إذا قلت الله عزيز يعني واحد أحد، فرد صمد ﴿ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ﴾
﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ﴾
( سورة الإخلاص )
﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾
( سورة الشورى الآية: 11 )
وكل ما خطر في بالك فالله بخلاف ذلك.
4 ـ العزيز من يحتاجه كل شيء في كل شيء:
الآن الشيء العزيز تشتد الحاجة إليه إذا قلنا الله عزيز أي يحتاجه كل شيء في كل شيء، الناس بحاجة إلى ملك يوفر لهم الأمن، والحاجات، والنظام،...إلخ، لكن أحياناً يكون هناك راعٍ بأطراف المملكة، يأكل ويشرب من هذا الذي أمامه، من حليب الغنم، ومن لحمها، وليس بحاجة إلى الملك، أي أحياناً يكون أقوى إنسان لسنا بحاجة إليه، لكن إذا قلنا الله عزيز تحتاجه النملة السمراء، على الصخرة الصماء، في الليلة الظلماء، يحتاجه كل مخلوق لأنه إمدادك من الله، لو مات الإنسان ووزناه لا ينقص ولا غرام واحد، ما الذي فقده ؟ الإمداد، كان يتكلم، ويبتسم، ويضحك، ويمشي، ويجلس، ويأمر، وينهى فإذا انقطع الإمداد عنه أصبح جثة هامدة.
معنى "العزيز" أنه يحتاجه كل شيء في كل شيء، إنك تبصر بالله، بإمداد الله لعينك، تسمع بالله، الكبد في الكائن الحي له خمسة آلاف وظيفة، فإذا مات الإنسان، أو ذُبح الحيوان صار الكبد طعاماً نأكله، يقول لك: سودة، كان جهازاً خطيراً جداً يقوم بخمسة آلاف وظيفة، فصار قطعة لحم تؤكل.
كل إنسان بحاجة إلى الله عز وجل:
لذلك أيها الأخوة، إذا قلنا الشيء عزيز أي نادر الوجود، إذا قلنا الله "العزيز" واحد أحد، فرد صمد، إذا قلنا الشيء العزيز الذي تشتد الحاجة إليه، الماء عزيز يحتاجه كل إنسان، الهواء عزيز، لكن بعض الفواكه النادرة لا نحتاج إليها، إذا شخص لم يأكل كرزاً لا يموت، يبقى، يعيش، في آلاف الأطعمة لسنا بحاجة إليها حاجة أساسية.
إذاً الشيء العزيز تشتد الحاجة إليه لكن الله "العزيز" يحتاجه كل شيء في كل شيء، أنت بحاجة إلى الله، بهذا الهواء الذي تتنفسه، القلب ينبض لو توقف انتهت الحياة، كل الأموال المنقولة والغير المنقولة تخسرها بثانية واحدة، يعني الإنسان قوته، وهيمنته، و عظمته، ومكانته، وسيطرته، وحجمه المالي الكبير، وحجمه الإداري الكبير، منوط بضربات قلبه، فإذا توقف قلبه انتهى كل شيء، صار خبراً على الجدران.
يذهب إنسان أحياناً إلى بلاد الغرب راكب طائرة بالدرجة الأولى، يرجع نعشاً، يرجع بضاعة، إذا شخص أراد أن يُرجع فقيداً له في بلاد بعيدة تصبح له معاملة خاصة يحتاج أوراق، ويحتاج تخليص بضاعة، ويحتاج إلى ضرائب، نعش.
فالإنسان يتوقف قلبه صار خبراً، صار بضاعة، يتجمد الدم بعروقه تنتهي حياته، أي أنت حياتك منوطة بسيولة دمك فقط، ولو تجمدت قطرة دم، نقطة دم كرأس الدبوس في أحد شرايين الدماغ بمكان شلل، بمكان عمى، بمكان فقد ذاكرة، كل عظمة الإنسان المتوهمة منوطة بسيولة دمه، وبدقات قلبه، وبقطر شريانه التاجي، قطره ميلي وربع، فإذا ضاق هذا الشريان دخل هذا الإنسان في متاعب لا تنتهي، كل عظمة الإنسان، وهيمنته ، وقوته، وحجمه المالي، والإداري، ومكانته، وثقافته، وشهادته، ومنصبه الرفيع منوط بنمو خلاياه، فإذا نمت نمواً عشوائياً انتهى، ورم خبيث.
من قال الله تولاه الله برحمته و من قال أنا تخلى الله عنه:
الذي يقول أنا أحمق، قل الله، إن قلت الله تولاك الله، وإن قلت أنا تخلى الله عنك، حينما توهم الصحابة الكرام وهم نخبة البشر، وفيهم سيد البشر، أنهم لم يغلبوا من قلة في حنين غلبوا.
﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ﴾
( سورة التوبة )
إذاً "العزيز" الواحد الأحد، الفرد الصمد، "العزيز" يحتاجه كل شيء في كل شيء "العزيز" الشيء العزيز يصعب الوصول إليه، يعني أنت ممكن تزور أي مكان، أما قصر الملك يحتاج موافقات مسبقة، ليس من السهل أن تدخل هذا القصر، فالقصر شيء عزيز لأنه يصعب الوصول إليه، أما إذا قلنا الله "العزيز" يستحيل أن تحيط به. ﴿ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً ﴾
( سورة الإسراء )
معرفة الله عز وجل ليست مطلقة لأنه لا يعرف الله إلا الله:
﴿ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ﴾
( سورة البقرة الآية: 255 )
لكن كاستثناء دقيق يمكن أن تصل إليه عبادة، يمكن أن تعرفه معرفة محدودة يمكن أن تعبده، يمكن أن تطيعه، يمكن أن تتصل به أما أن تحيط به مستحيل، لا يعرف الله إلا الله، حتى سيد الأنبياء والمرسلين معرفته ليست مطلقة، لا يعرف الله إلا الله، فإذا قلنا الله "العزيز" واحد أحد، فرد صمد، وإذا قلنا الله "العزيز" يحتاجه كل شيء في كل شيء، وإذا قلنا الله "العزيز" يستحيل أن تحيط به. بطولة المؤمن أنه يختار هدفاً لا نهائياً لا هدفاً محدوداً:
لذلك الإنسان يكون شاباً حتى في المئة، إذا اختار أن يعرف الله، الله لا نهائي أما إذا اختار شيئاً دنيوياً، ووصل إليه، وأحاط به، انتهت حياته، حياته صارت مملة، بطولة المؤمن أنه اختار هدفاً لا نهائياً، في شباب دائم، أقسم لكم بالله المؤمن شاب في التسعين، طبعاً في ضعف بجسمه، في ضعف في بصره، لكن همته همة شباب، لأن هدفه كبير، وأنت لا تسعد إلا إذا اخترت هدفاً يتناسب مع بنيتك، أنت مصمم لتعرف الله، أنت مولف، مصمم مبرمج، مفطور، من أجل أن تعرف الله.
(( ابن آدم اطلبني تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء ))
[من مختصر تفسير ابن كثير]
فإن اخترت هدفاً آخر غير الله محدود، انظر إلى إنسان وصل إلى طموحاته الكبرى مالياً، تجده في ملل، يقول لك شيء مألوف، ولحكمة بالغة بالغةٍ بالغة لن يشاء ربنا جلّ جلاله أن يجعل الدنيا تمدك بمتعة مستمرة، متعة متناقصة، أي شيء كنت بحاجة إليه أو تطمح إليه بعد أن تصل إليه يصبح شيئاً عادياً، أوضح شيء الزواج، الذي لم يتزوج يظن الزواج شيئاً غير معقول، بعد الزواج شيء عادي جداً، الله عز وجل أبى أن يجعل الدنيا تمد الإنسان بمتعة مستمرة بل متعة متناقصة، وإذا فيها معصية متعة متناقصة مع كآبة. التفكر في الكون أحد طرق معرفة "العزيز":
أيها الأخوة، الآن الشيء العزيز يقل وجوده، وتشتد الحاجة إليه، ويصعب الوصول إليه، كلما كثر وجوده قلّت عزته، وكلما قلّت الحاجة إليه قلّت عزته، وكلما سهل الوصول إليه قلّت عزته.
الآن: كلما قلّ وجود الشيء حتى صار واحداً، وكلما اشتدت الحاجة إليه حتى احتاجه كل شيء في كل شيء، وكلما صعب الوصول إليه حتى أصبح مستحيلاً إنه الله، ﴿ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾
أيها الأخوة، التفكر في الكون أحد طرق معرفة "العزيز" نحن لنصل إلى نجم ملتهب عدا الشمس، نحتاج لأربع سنوات ضوئية، كي أترجم لكم هذه المسافة بلغة الواقع:
لو في مركبة أرضية (سيارة) لو في طريق إلى هذا النجم، نحتاج إلى خمسين مليون عام قيادة، كل تاريخ البشر عشرة آلاف سنة، تاريخ البشرية كلهم، خمسين مليون عام نقود مركبة كي نصل إلى أقرب نجم ملتهب إلى الأرض، نجم القطب أربعة آلاف سنة، المرأة المسلسلة مليونا سنة ضوئية، نجم اكتشف حديثاً 24 مليار سنة ضوئية، هذا جزء من الكون وحتى هذه الساعة لا يزال الكون لا نهائياً، أحدث نجم اكتشف بعده عنا 24 مليار سنة، يعني 24 ألف مليون سنة ضوئية، الأربع سنوات ضوئية تحتاج إلى خمسين مليون عام قيادة مركبة متى نصل إلى 24 مليار ؟ إذا كان هذا خلق الله فكيف عظمة الله عز وجل ؟
إذاً معنى الله "العزيز" يعني هنيئاً لمن عرفه، والويل ثم الويل لمن غفل عنه.
أصل الدين معرفة الله:
إخوانا الكرام، الذي يحدث أن في الإنسان شهوات، لو أردنا أن نوضح هذه الفكرة لو أن شهواته أعطيناها وحدات وزن، عشرة كيلو، حضر درساً شَكَّل عشرة غرامات قناعة أن الله حق، درس ثانٍ عشرة، درس ثالث عشرة، تبقى هذه العشرات لا توازي العشرة كيلو إلى أن يطلب العلم طلباً حثيثاً، إلى أن يتفكر في خلق السماوات والأرض، إلى أن يعرف الله تماماً تصبح قناعاته عشرة كيلو، صار في صراع، فإذا تابع طلب العلم صار مستحيل وألف ألف مستحيل أن يعصي الله، الإنسان يعصي ربه من ضعف معرفته به، لا تنظر إلى صغر الذنب ولكن انظر على من اجترأت، بقدر معرفتك بالله تطيعه، بقدر خشيتك له تطيعه، فأي إنسان يرتكب مخالفة لضعف معرفته بالله، وأصل الدين معرفة الله، لذلك:
﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾
( سورة الزمر الآية: 67 )
ففُهم من هذه الآية أن طريق معرفة قدر الله عز وجل، أي طريق تقدير الله حق قدره التفكر في خلق السماوات والأرض. من دعا مع الله إلهاً آخر عُذب عذاباً شديداً في الدنيا و الآخرة:
أختم هذا اللقاء الطيب بهذه الآية: ﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ ﴾
( سورة الشعراء الآية: 213 )
الإله الآخر شهوتك أحياناً، الإله الآخر إنسان قوي تتوهم أن بيده الأمر، الإله الآخر إنسان قوي تتوهم أن سلامتك بالانبطاح أمامه، كما يجري، تتوهم أحياناً أن سلامتك أن تواليه، الله قال: ﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ ﴾
﴿ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ﴾
( سورة الشعراء )
أحد أكبر العذاب النفسي أن تدعو مع الله إلهاً آخر. ﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ * وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ﴾
( سورة الشعراء )
معرفة اسم "العزيز" تجعل الإنسان عزيزاً غنياً و قوياً:
القوي، الذي إذا كنت معه كنت الغالب، الذي إذا كنت معه كنت المنتصر، الذي إذا كنت معه كنت عزيزاً.
اجعل لربك كل عزك يستقر ويثبت فإذا اعتززت بمن يموت فإن عزك ميت
***
﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ * إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾
( سورة الشعراء )
أيها الأخوة، معرفة اسم "العزيز" تجعلك عزيزاً، معرفة اسم "العزيز" تجعلك غنياً ، تجعلك قوياً، تجعلك حراً أبياً، إن أردت أن تكون عزيزاً فكن مع "العزيز"، سبحانك إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت.
السعيد
08-23-2018, 01:50 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الثامن و الخمسون )
الموضوع : اسم الله - العزيز - 2 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: ( العزيز):
أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في اسم "العزيز".
من معاني اسم العزيز:
1 ـ المعز:
"العزيز" يعني المعز، كأن تقول الأليم أي المؤلم، هذا معنىً آخر، "العزيز" هو المعز، كأن تقول هذا شيء أليم أي مؤلم، وقد قال الله عز وجل:
﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 26 )
الإعزاز خير، والإذلال خير، إيتاء الملك خير، ونزعه خير، لأن الله سبحانه وتعالى كماله مطلق.
(( عَجَبا لأمر المؤمن ! إنَّ أمْرَه كُلَّه له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابتْهُ سَرَّاءُ شكر، فكان خيراً له، وإن أصابتْهُ ضرَّاءُ صَبَر، فكان خيراً له ))
[أخرجه مسلم عن صهيب]
لم يقل بيدك الخير والشر، قال ﴿ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ﴾
لأن إيتاء الملك خير وانتزاعه خير لحكمة بالغةٍ بالغة، والإعزاز خير والإذلال خير، لكن الله سبحانه وتعالى يذل ليعز، ويخفض ليرفع، ويأخذ ليعطي، هذه الأسماء الحسنى، كما قال بعض العلماء: ينبغي أن تذكر مثنى مثنى، الضار النافع، يضر لينفع، ويخفض ليرفع، ويأخذ ليعطي، ويذل ليعز، فمن أسماء الله تعالى "العزيز" أي المعز. الاستقامة هي الطريقة العملية لإعزاز الإنسان:
لكن ما الطريقة العملية لإعزاز الإنسان، الله عز وجل بيّنها، قال تعالى:
﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ ﴾
( سورة يونس الآية: 26 )
متى تكون عزيزاً ؟ يعني بالتطبيق العملي تكون عزيزاً، إذا كنت محسناً حينما تكون طبيباً وتراجع الدراسات التي أتقنتها، وتسأل المريض هل عندك حساسية من هذا الدواء ؟ أما إن لم تسأله، وأصابته صدمة، ولم تكن قد أعلمته فأنت مسؤول، أي أنك إذا كنت محسناً تكون عزيزاً في عملك، إذا كنت زوجاً محسناًَ تكون عزيزاً في بيتك، إذا كنت أباً محسناً تكون عزيزاً عند أولادك، إذا كنت تاجراً صدوقاً نصوحاً تكون عزيزاً عند زبائنك، إذا كنت مدير مؤسسة محسناً تكون عزيزاً عند موظفيك.
كأن الله سبحانه وتعالى يبين لنا طريق العز، أنت تكون متقناً، أن تكون محسناً ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى ﴾
الجنة ﴿ وَزِيَادَةٌ ﴾
النظر إلى وجه الله الكريم، و ﴿ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ ﴾
أي غبار، و ﴿ وَلَا ذِلَّةٌ ﴾
تكون عزيزاً إذا كنت محسناً، تكون عزيزاً إذا كنت نظيفاً، تكون عزيزاً إذا كنت صادقاً، تكون عزيزاً إذا كنت أميناً، لا أحد يستطيع أن ينال منك، وكأنك ملك، المستقيم عزيز، النظيف عزيز، الطاهر عزيز، الصادق عزيز المخلص عزيز، تكون عزيزاً إذا كنت مستقيماً، ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ ﴾
العاقل من ابتعد عما يُعتذر منه:
بالمقابل:
﴿ وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ﴾
( سورة يونس الآية: 27 )
متى يكون ذليلاً ؟ إذا كان خائناً، حينما تكشف خيانته يُذل، إذا كان سارقاً يُذل ، إذا كان كاذباً يُذل، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:
(( إياك وما يعتذر إليه ))
[ أخرجه الطبراني عن سعد رضي الله عنه ]
العمل الذي تضطر أن تعتذر منه إياك أن تفعله، تبقى رافع الرأس ﴿ وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ﴾
﴿ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ ﴾
( سورة يونس الآية: 27 )
المؤمن الصادق خلوته كجلوته و سره كعلانيته:
إذا كنت مع "العزيز" كنت عزيزاً، إذا كنت مع "العزيز" قطعاً سوف تكون مستقيماً، لأنه لا يقبلك إلا إذا كنت مستقيماً، فإذا كنت مستقيماً طبيعة الحياة ترفعك عند الناس تكون عزيزاً.
أيها الأخوة، هذا معنى أن "العزيز" هو المعز، إن أردت الدنيا والآخرة فاستقم على أمر الله، إن أردت أن تكون فالحاً، وناجحاً، وعزيزاً، وكريماً، ورفيع المقام، كن مستقيماً، الاستقامة أصل من أصول الدين، لن تقطف من ثمار الدين شيئاً إلا إذا كنت مستقيماً، المؤمن الصادق لا يوجد عنده موقف مزدوج، خلوته كجلوته، سره كعلانيته، سريرته كعلانيته، باطنه كظاهره، مع الناس حاله كحاله في خلوته.
الصدق و الاستقامة و الأمانة هذه الأخلاق بحدِّ ذاتها تجعل الإنسان عزيزاً:
إخوانا الكرام، ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، كما قال السيد المسيح، عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، الإنسان يعيش بكرامته، كرامته تتأتى من استقامته.
تصور إنسان كُشف أنه كاذب، كُشف أنه خائن، كُشف أن مختلس، كُشف أنه يحابي أقرباءه، انتهى، سقط من عين الناس، ومن عين الله عز وجل، ولأن يسقط الإنسان من السماوات إلى الأرض فنتحطم أضلاعه أهون من أن يسقط من عين الله.
معنى "العزيز" المعز، ولأنه أمرك أن تكون صادقاً، مستقيماً، أميناً، عفيفاً، هذه الأخلاق الرفيعة هي بحدِّ ذاتها تجعلك عزيزاً، يقول لك: فلان نظيف، فلان صادق فلان أمين.
2 ـ أن يكون الله عز وجل أغلى عندك من أي شيء آخر:
أيها الأخوة، معنىً آخر من معاني "العزيز": يستحيل أن تصل إليه، ويستحيل أن يتجلى على قلبك، ويستحيل أن يقربك إذا كان في حياتك شهوة أو معصية أغلى عليك منه، فالطريق ليس سالكاً إلى الله، هو عزيز، أحياناً إنسان تسترضيه بشيء بسيط، أما في جهة أخلاقية لا تسترضى ولا بشكل، إلا إذا كنت مستقيماً، نقطة دقيقة، الله عزيز، لا يمنحك وده، لا يمنحك حبه، لا يمنحك رعايته، لا يدافع عنك، لا يقربك إلا إذا كان الله عز وجل أغلى عليك من شيء، إن كان الله عندك هكذا منحك قربه، ودّه، توفيقه، محبته، أما إذا في شهوة أغلى عليك منه، أو في مخالفة مقيم عليها، وتعلم أنها مخالفة لن تصل إليه، ولن تأخذ من ثمار الدين شيئاً، هذه حقيقة، الدليل، قال تعالى:
﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ﴾
( سورة العنكبوت الآية: 69 )
سلعة الله غالية، يعني الجنة لن تكون بركعتين، وليرتين، تكون باستقامة ، تكون بمجاهدة، تكون بضبط نفس، تكون بصبر، ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ﴾
من طمع بجنة عرضها السماوات والأرض عليه أن ينفق من وقته وماله في سبيل الله:
آية أخرى:
﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 92 )
تنفق من وقتك الثمين، تنفق من مالك العزيز، تنفق من خبرتك، أما أن تطمع بجنة عرضها السماوات والأرض وأنت حريص على المال، حريص على الراحة، حريص على ألا تضع نفسك في موضع محرج، ولا تعبأ بأي عمل صالح، ليس هذا من شأن المؤمن، لكن الآية التي توضح هذا المعنى بشكل جلي هي قوله تعالى: ﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ ﴾
( سورة التوبة الآية: 24 )
والله هذه الآية تقصم الظهر، ﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ ﴾
يعني الأب غني، وقوي أمر ابنه بمعصية فالابن من شدة حرصه على أن يأخذ من مال أبيه، وأن يبقى مقرباً إليه فعصى الله إرضاءً لأبيه هذا المعنى ﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ ﴾
﴿ وَأَبْنَاؤُكُمْ ﴾
( سورة التوبة الآية: 24 )
من أجل أن تجعله رفيع الشأن في المجتمع، أكلت المال الحرام، كان ابنه أغلى عنده من الله، ﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ ﴾
﴿ وَإِخْوَانُكُمْ ﴾
( سورة التوبة الآية: 24 )
من أجل أن تكون عندهم كبيراً المجتمع فاسد، المجتمع منحل، فمن أجل أن تكون عندهم كبيراً عصيت الله وأرضيتهم، ﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ ﴾
﴿ وَأَزْوَاجُكُمْ ﴾
( سورة التوبة الآية: 24 )
تحبها كثيراً، طلبت منك طلباً يُغضب الله، فمن أجلها أغضبت الله عز وجل ، مرة كان الحسن البصري رحمه الله تعالى، وهو من التابعين الكبار عند والي البصرة، جاءه توجيه من الخليفة إلى هذا الوالي، لو أنه نفذه لأغضب الله عز وجل، ولو أنه لم يعبأ بهذا التوجيه لأغضب الخليفة، فعزله، كان عنده الإمام الحسن البصري، قال له: ماذا أفعل؟ والله أيها الأخوة، أجابه إجابة يجب أن تكون منهجاً لكل واحد منا، منهج، قال له: إن الله يمنعك من يزيد، ولكن يزيد لا يمنعك من الله. الطريق إلى الله ليس سالكاً حينما تُؤثر كل شيء على رضا الله تعالى:
أحياناً الإنسان من أجل ابنه يرتكب كل المعاصي والآثام، يسافر إلى بلد بعيد يستقر هناك، يتجنس، وينسى أن يتصل بأبيه بالعامين مرة، يتزوج، لأنه عصا الله من أجله، فكان ردّ ابنه هكذا،
﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ ﴾
﴿ وَعَشِيرَتُكُمْ ﴾
( سورة التوبة الآية: 24 )
مكانتك في المجتمع، الآن: ﴿ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا ﴾
( سورة التوبة الآية: 24 )
أحياناً يكون في بضاعة محرمة لكن ربحها عالٍ جداً. ﴿ وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا ﴾
( سورة التوبة الآية: 24 )
مغتصب بيتاً، يعني أي شيء في الدنيا بيت، مكانة، منصب، مكسب، إن كانت هذه الأشياء: ﴿ أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا ﴾
( سورة التوبة الآية: 24 )
يعني الطريق إلى الله ليس سالكاً، هو عزيز لأن الله عز وجل، حينما تستسلم له كلياً، حينما تخضع له كلياً، حينما تؤثره على كل شيء، ترى من الخيرات، والرفعة والمكانة، والشأن، والراحة، والتوازن، والسعادة، والاستقرار، والشعور بالأمن ، والشعور بالتفوق، ما لا يوصف. القرب والحفظ والتأييد من الله عز وجل لا يكون إلا بالخضوع لأمره والاستسلام له:
﴿ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾
( سورة التوبة )
حقيقة دقيقة في الدين، أن تجمع بين الدين والدنيا، أن تجمع بين الدين وبين مخالفات وتجاوزات في الدنيا، بإمكانك أن تصلي لكن لن تستطيع أن تتصل بالله، بإمكانك أن تحج بيت الله الحرام لكن لن تستطيع أن تكون مُقبلاً على الله، بإمكانك أن تصوم رمضان، هذه العبادات الشعائرية بإمكانك أن تؤديها أداءً تاماً، أما إذا كان هناك شهوة، أو معصية ، أو انحراف أغلى عليك من الله ؛ فاعلم علم اليقين أن الطريق إلى الله ليس سالكاً، هذه الآية أعيدها مرة ثانية:
﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾
الله "العزيز" إن أخلصت له، إن خضعت له، إن استسلمت له، إن وضعت تحت قدمك كل حظوظك ترى شيئاً لا يوصف، ترى القرب، ترى الحب، ترى التوفيق، ترى التأييد، ترى النصر، ترى التوازن، ترى السعادة، ترى الطمأنينة، فإن آثرت عليه شيئاً فالطريق إليه ليس سالكاً، ممكن تشتري هاتفاً بأعلى مستوى، وبأغلى ثمن، لكن ما في خط ما في ونة لن يكون الخط حاراً إلا باستقامتك على أمر الله.
طاعة الله عز وجل ثمن حلاوة الإيمان:
شاهد آخر:
(( ثلاثٌ من كُنُّ فيه وجدَ بهنَّ طَعْمَ الإيمان ))
[ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أنس بن مالك ]
الإيمان له حلاوة، أو هناك حقائق وهناك حلاوة، الحقائق واضحة جداً، أركان الإسلام، أركان الإيمان، أحكام الصلاة، الصوم، الحج، والزكاة، يسهل حفظها، ويسهل أن تعلمها أيضاً، أما حلاوة الإيمان شيء لا يصدق، حلاوة الإيمان يجعلك بطلاً، حلاوة الإيمان يجعلك تضع تحت قدمك كل حظوظ الدنيا.
سيدنا خبيب قبل أن يصلب، قبل أن يصلبه المشركون سأله أبو سفيان، أتحب أن يكون محمد مكانك ؟ وأنت معافىً في أهلك ؟ قال خبيب: والله (سيموت بعد قليل) والله ما أحب أن أكون في أهلي، أمامي زوجتي، وأولادي، وفي بيتي، ومستقراً، ومرتاحاً، وعندي عافية الدنيا ونعيمها، النعيم، في زهور، في أنواع منوعة من الفواكه في كل الأجهزة الكهربائية في البيت، بيت مساحته واسعة، إطلالته جميلة، أمامك زوجتك شابة في ريعان الشباب، أولاد، والله ما أحب أن أكون في أهلي وفي ولدي، وعندي عافية الدنيا، ونعيمها، ويصاب رسول الله بشوكة، فقال أبو سفيان: ما رأيت أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمدٍ محمداً.
هذا الإيمان، حينما يستوي عندك التبر والتراب تكون مؤمناً، المليون مثل الليرة في شبهة ؟ تركلها بقدمك، حلاوة الإيمان لها ثمن، ثمنها طاعة الله عز وجل.
(( ثلاثٌ من كُنُّ فيه وجدَ بهنَّ طَعْمَ الإيمان، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما))
[ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أنس بن مالك ]
أكيد، لو سألت مليار وخمسمئة مسلم ألا تحب الله أكثر من كل شيء ؟ يقول لك: طبعاً أعوذ بالله ! هذا كلام، أن يكون الله في قرآنه، والنبي في سنته حينما يتعارضان مع مصلحتك أن تؤثر جانب الله عز وجل، وجانب رسوله، عندئذٍ تذوق حلاوة الإيمان، أن يكون الله في قرآنه، والنبي في سنته أحب إليك مما سواهما عندئذٍ تذوق حلاوة الإيمان. سلعة الله غالية:
مرة ثانية: ألا إن سلعة الله غالية، نحن في الدنيا يا أخوان، حتى تكتب جانب اسمك دال فقط معك ابتدائي، وإعدادي، وثانوي، وجامعة، ودبلوم عامة، ودبلوم خاصة ، وماجستير، ودكتوراه، ثلاثة و ثلاثون سنة دراسة، من أجل إضافة كلمة دال، يأتي ملك الموت ينهيها لك، عميد أسرتهم الدكتور فلان، انتهت، اللقب العلمي انتهى.
فمن أجل أن تكون مؤمناً، من أجل أن تصل إلى جنة عرضها السماوات والأرض، هذا يحتاج إلى جهد كبير.
(( ثلاثٌ من كُنُّ فيه وجدَ بهنَّ طَعْمَ الإيمان أن يكون الله ورسوله أحبّ إليه مما سواهما ))
عند التعارض.
(( وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار ))
3 ـ عجز اللسان عن وصفه سبحانه:
أيها الأخوة، من معاني "العزيز" من ضلت العقول في بحار عظمته، وكلت الألسنة عن وصف كمالاته، هذا المعنى عبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم فقال:
(( سبحانك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك ))
[ صحيح عن علي بن أبي طالب]
من تواضع لله رفعه و من تكبّر وضعه:
الآن أيها الأخوة، كلما تواضعت لله تزداد عزاً، علاقة عكسية، وكلما ترفّع الإنسان وتكبّر وضعه الله عز وجل، لذلك يقول عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح:
(( لو دُعيتُ إلى كُراَع ))
[ أخرجه البخاري عن أبي هريرة ]
يعني أقل أنواع الضيافة، قدم غنم.
(( لو دُعيتُ إلى كُراَع أو ذراَع لأجَبتُ ولو أُهْدِيَ إليَّ ذِراعُ أو كُراعَ لَقَبِلْتُ ))
[ أخرجه البخاري عن أبي هريرة ]
في تواضع، سيدنا الصديق، له خدمة لجارته، له جارة عجوز، كان يحلب لها الشياه، فلما أصبح خليفة المسلمين دخل الحزن على هذا البيت، لأن هذه الخدمة سوف تنتهي، في صبيحة اليوم الأول من تسلمه الخلافة، طرق باب العجوز، فقالت لابنتها: افتحي الباب يا بنيتي، فلما رجعت إليها قالت: من الطارق ؟ قالت: جاء حالب الشاة يا أمي، قالت: إنه أمير المؤمنين ! جاء حالب الشاة، أمير المؤمنين يحلب الشياه لجارته العجوز.
كلما تواضعت لله زادك عزاً، وكلما تكبرت وضعك.
سيدنا عمر دخل رسول عامله على أذربيجان إلى المدينة ليلاً، كره أن يطرق بابه، فتوجه إلى المسجد، سمع رجلاً في الليل، وفي الظلام يناجي ربه ويقول: يا رب هل قبلت توبتي فأهنئ نفسي، أم رددتها فأعزيها ؟ قال له: من أنت يرحمك الله ؟ قال له: أنا عمر، قال له: أمير المؤمنين ! ألا تنام الليل ؟ قال له: أنا إن نمت ليلي كله أضعت نفسي أمام ربي، وإن نمت نهاري أضعت رعيتي، دعاه إلى البيت، أتأكل عندنا أم عند فقراء المسلمين ؟ قال له: عندك، يوجد فرق كبير جداً، قال: يا أم المؤمنين ماذا عندك من طعام ؟ قال لت: والله ما عندنا إلا خبز وملح، فقال لها: هاتيه لنا، أكل مع هذا الضيف والضيف توهم أن الطعام عند أمير المؤمنين شيء كبيرة، أما مع الفقراء ! الفقراء يأكلون اللحم، هو يأكل الخبز والملح، فلما أكل وشبع قال: الحمد لله الذي أطعمنا فأشبعنا وأسقانا فروانا، هذا التواضع، كان في مجاعة، خاطب بطنه، قال: قرقر أيها البطن أو لا تقرقر فوالله لن تذوق اللحم حتى يشبع منه صبية المسلمين.
قال عليه الصلاة والسلام:
(( إن الصدقة لا تزيد المال إلا كثرة فتصدقوا يرحمكم الله وإن العفو لا يزيد العبد إلا عزا فاعفوا يعزكم الله ))
[ سلسلة الأحاديث الضعيفة: 3020 ]
(( التواضع لا يزيد العبد إلا رفعة ))
[ سلسلة الأحاديث الضعيفة: 3424]
لن تكون عزيزاً إلا إذا كنت موحداً:
آخر شيء أيها الأخوة، من ابتغى أمراً بمعصية كان أبعد مما رجا، وأقرب مما اتقى، إن أردت أن تصل إلى شيء بمعصية هذا الشيء بَعُد عنك، والخطر اقترب منك، لكن الحقيقة الدقيقة: لن تكون عزيزاً إلا إذا كنت موحداً، فإن لم تكن موحداً، يمتلئ القلب خوفاً عندئذٍ تنبطح من شدة الخوف، لن تكون عزيزاً إلا إذا كنت موحداً، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد.
اجعل لربك كل عزك يستقر ويثبت فإذا اعتززت بمن يموت فإن عزك ميت
***
الموحد يرى أن يد الله فوق أيديهم، يرفع رأسه، لا ينافق، لا يتذلل، لا يتضعضع، لا يساوم، الموحد رقم صعب، الموحد ما له ثمن، أما أي إنسان آخر له ثمن وكل إنسان له ثمن، لمجرد أن يكون لك ثمن أنت انتهيت كإنسان، مبلغ معين يبدد قناعتك انتهيت، أما الموحد رقم صعب، ليس له ثمن.
(( والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر ما تركته، حتى يظهره الله أو أهلك دونه ))
[السيرة النبوية]
اسم "العزيز" أيها الأخوة، يهب المؤمن العزة، والكرامة، والمؤمن حينما يطيع الله عز وجل يكون عزيزاً.
السعيد
08-23-2018, 01:52 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( التاسع و الخمسون )
الموضوع : اسم الله - المهيمن - 1 -
حمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى : ( المهيمن ):
أيها الإخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم هو اسم الله ( المهيمن ).
1 – ورودُ اسم ( المهيمن ) في القرآن الكريم:
هذا الاسم أيها الإخوة، لم يرِد إلا في القرآن الكريم، وفي موضع واحد، في قوله تعالى:
﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾
( سورة الحشر الآية: 23 )
ولم يرِد في السنة.
2 – معنى ( المهيمن ) لغةً:
( المهيمن ) اسم فاعل اشتقاقاً، واللغة العربية من أرقى اللغات، لغة التصريف، هناك جد وله أحفاد، عندنا مصدر، وفعل ماض، وفعل مضارع، و أمر، واسم فاعل، واسم مفعول، واسم مكان، واسم زمان، واسم آلة، واسم تفضيل، وصفة مشبهة باسم الفاعل، فهي أُسرة، و( المهيمن ) اسم فاعل مِنَ الفعل هيمن يهيمن هيمنة.
المعاني الشرعية لاسم ( المهيمن ):
1 – الرقيب الشهيد:
ما ( المهيمن ) ؟ هو الرقيب، الشهيد ، الذي:
﴿ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى ﴾
( سورة طه )
الذي لا يخفى عليه شيء لا في الأرض ولا في السماء، يعلم الظاهر والباطن، يعلم ما تعلم، وما لا تعلم، يعلم ما تعلم، وما خفي عنك، يعلم دقائق الأمور، يعلم سريرتك، ويعلم علانيتك، يعلم نياتك، ويعلم خواطرك .
بل لن تكون أنت أيها الإنسان مهيمناً في مكان ما إلا إذا توافرت لك معلومات دقيقة عن كل شيء، فمن لوازم الهيمنة دقة المعلومات، وأي إنسان يتخذ قرارًا قبل أن تكون له معلومات دقيقة فالقرار في الأعم الأغلب يكون خاطئاً.
2 – العليم بكل شيء:
إذاً: من معاني ( المهيمن ) أنه يعلم كل شيء، يعلم ما كان، ويعلم ما يكون ، ويعلم ما سيكون، ويعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون، فهو رقيب، شهيد، سميع، بصير، يعلم خواطرك، يعلم ما غاب عنك، ويحول بينك وبين قلبك، يعلم السريرة، يعلم العلانية، يعلم ما في خلوتك، ويعلم ما في جلوتك، يعلم ما تبطن وما تعلن، ما تخفي وما تنوي، هذا من لوازم ( المهيمن )، فهو علمٌ مطلق.
﴿ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾
( سورة الحجرات )
ويكفي أن تعلم أن الله يعلم كي تستقيم على أمره، يكفي أن الله يعلم كي تستحي منه.
(( اسْتحْيُوا مَنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَياءِ، قُلنا: إنَّا لَنسْتَحيي من اللَّه يا رسولَ اللَّه والحمدُ للَّه، قال: لَيس ذَلِكَ، ولكنَّ الاسْتِحياءَ مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَياءِ: أنْ تَحْفَظ الرَّأْسَ ومَا وَعى، والْبَطْنَ ومَا حَوى، وتذْكْرَ المَوتَ والبلى ))
[ أخرجه الترمذي عن عبد الله بن مسعود ]
يكفي لاسم ( المهيمن ) أن يعلم، هو يعلم علماً مطلقاً، يعلم الظاهر والباطن، يعلم ما تعلم وما لا تعلم، يعلم ما تعلم وما خفي عنك، لا تخفى عليه خافية.
3 – القادر على كل شيء:
أيها الإخوة، ومن معاني اسم ( المهيمن ) القدرة، يعلم ويقدر، والقدرة لها معنيان، القدرة علم وقوة، قد تعلم وأنت ضعيف، لا تملك أن تفعل شيئاً، وقد تكون قوياً وأنت لا تعلم، بنو البشر منهم من يعلم وهو ضعيف، ومنهم لا يعلم وهو قوي، لكن الله عزوجل هو ( المهيمن )، فضلاً عن أنه يعلم كل شيء، يعلم كيف يعالجك.
أحياناً هذا المريض معه التهاب معدة حاد، الآن الطبيب يعلم الدواء، وعنده قدرة بإقناع المريض أن يأخذ الدواء.
فالله عز وجل فضلاً عن أنه يعلم العلاج، يعلمه علماً، ويملكه قدرة، إذاً: هو سبحانه ( المهيمن ) بالقدرة التامة على تحقيق مصالح من يهيمن عليه، فأنت قد تعلم، وقد تقدر، أما المصير فليس بيدك، لكن الله يعلم، ويقدر، وعلمه وقدرته مستمران، والمصير بيده.
﴿ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ ﴾
( سورة الشورى )
هذا العلم الشمولي، يعلم، ويحقق مصالح الذي يهيمن عليهم تحقيقاً تاماً، عن طريق علم دقيق، وقدرة بالغة، ثم المصير بيده، والمآل إليه.
أيها الإخوة، معنى ذلك أن الله ( المهيمن ) لا نهاية لعلمه، ولا نهاية لقدرته، ومصير كل شيء إليه، هذا الإله العظيم ألا يخطب وده ؟ ألا ترجى جنته ؟ ألا تخشى ناره ؟
إلى أنت باللذات مشغول وأنت عن كل ما قدمت مسئول
﴿ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ ﴾
مصيرنا إليه.
والله أيها الإخوة، لو تأملنا في القبر، وأنك متحوِّلٌ من بيت 400 متر، له إطلالة، ومركبة فارهة، ودخل فلكي، وزوجة، وأولاد، ومكانة اجتماعية، وفجأة إلى قبر، هذا القبر قد يكون جنة، لكن بالعمل الصالح، بالعطاء، بالبذل، بالاستقامة.
إذاً: الله ( المهيمن )، أي لا نهاية لعلمه، ولا نهاية لقدرته، ومصير كل شيء إليه.
4 – المهيمن هيمنة شفقةٍ ورحمةٍ:
إلا أن الهيمنة فيها معانٍ أخرى، ليست هيمنة سيطرة، ولكنها هيمنة شفقة.
لو أن الابن ارتفعت حرارته، ترى الأم محيطة به، تتابع قياس درجة حرارته، تتصل بالطبيب، تأتي بالدواء، تعطيه الدواء بدقة بالغة، هذا الاهتمام البالغ جعلها مهيمنة اهتمامها، ورحمتها، وحرصها على صحة ابنها.
لا تأخذوا الهيمنة كموضوع سيطرة، الأب المربي مهيمن على أولاده، أين كنت ؟ من صادقت ؟ ما اسم صديقك ؟ لماذا تأخرت ؟ ماذا فعلت ؟ هل درست ؟ أين وظائفك ؟ من شدة الحرص على مستقبل ابنه، وعلى سلامته وسعادته في الدنيا ترى الأب مهيمنًا، أما الأب الذي يسيب ويغفل عن أبنائه فهو أب ليس رحيماً، لا يسأل أين كان الابن، البارحة ما نام في البيت، خير إن شاء الله ! هذا ليس أباً، أين نمت ؟ مع من ؟ لن تكون مهيمناً بالمعنى الكامل إلا إذا كنت رحيماً، و من لوازم الرحمة الهيمنة، والدقة.
الذي عنده بنت، البنت غالية جداً، يعلم بالضبط برنامجها في الجامعة، تأخرت، سبب الهيمنة الحب، و الرحمة، و الحرص، و الكمال.
هذا مفهوم بشري، هذا مفهوم ضيق، هيمنة الله على خلقه لأنه رحمن رحيم و هيمنة الله عز وجل هيمنة رحمة، لأنه ارحم بنا بأنفسنا، ولأن النبي عليه الصلاة والسلام أقرب الخلق إليه فهو أرحم الخلق بالخلق.
إذاً: من المعاني الفرعية لاسم ( المهيمن ) الحب والشفقة.
5 – المحافِظُ على المهيمَن عليه:
أيها الإخوة، ومن معاني الهيمنة المحافظةُ على المهيمَن عليه، يضبط كل شيء، ماذا تأكل ؟ كل في البيت، طعام البيت مضمون، طعام الطريق غير مضمون، لا يسمح لابنه أن يأكل شيئاً، بل يضبطه.
إذاً: من معاني الهيمنة الفرعية الحب والشفقة والضبط.
أيها الإخوة، المعنى الثاني المحافظة على المهيمَن عليه، ضبط كل شيء، أنت حينما ترى أن الله يتابعك، وأن الله يحاسبك، وأن الله يعاقبك أحياناً، هذه هيمنة، هيمنة حرص، وهيمنة محبة، وهيمنة رحمة.
6 – مَن كان مع ( المهيمِن ) كان المنتصِرَ:
الآن من معاني ( المهيمن ) أن الذي مع ( المهيمن ) هو المنتصر، الله عز وجل وهو ( المهيمن ) قال:
﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ﴾
( سورة البقرة الآية: 276 )
فإذا كنت مع ( المهيمن ) طائعاً فمالك محفوظ، لأنك ابتعدت عن الربا، والذي لم يعبأ بها الأمر سوف يدمر ماله، فإذا كنت مع ( المهيمن ) فأنت المنتصر، الله عز وجل وعدك بحياة طيبة، فإذا أطعته فلك الحياة الطيبة، والذي لم يعبأ بأمر ( المهيمن )، ولم يستقم على أمره فله معيشة ضنك، فأنت حينما تكون مع ( المهيمن ) فلك النصر، ولك التوفيق، و لك المستقبل، وأنت الذي تضحك آخراً، والبطولة لا أن تضحك أولاً، أن تضحك آخراً.
﴿ إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً ﴾
( سورة الانشقاق )
أما المؤمن:
﴿ وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً ﴾
( سورة الانشقاق )
الضحك الحقيقي هو ما كان في آخر المطاف.
أيها الإخوة، إذاً الهيمنة من معانيها الكبرى العلم، والقدرة، والمصير، علم وقدرة، ومصير، من معانيها الفرعية: الشفقة والرحمة، والأمانة والضبط، ثم الاستمرار والنصر.
بعضهم شبه الهيمنة كطائر يطير حول أفراخه، يحفظهم من كل عدوان، يؤمِّن لهم طعامهم، وشرابهم، وعشهم، ويراقبهم، هذا المعنى دقيق جداً كهيمنة الطائر على فراخه.
7 – ( المهيمِن ) يأمَن المخلوق من الخوف:
شيء آخر، ( المهيمن ) قوي، ولأنه قوي أمِن مَن حوله من الخوف.
﴿ قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى * قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ﴾
( سورة طه )
إذاً: ( المهيمن ) من يأمن غيره، وهذا يلتقي مع اسم المؤمن، ( المهيمن ) يأمن من يهيمن عليه.
لاحظ ابنًا مع أمه، مطمئن، ما عنده مشكلة إطلاقاً، يشعر بالأمن، لأن أمه حريصة عليه حرصاً لا حدود له.
تعرُّض المؤمنين للبلاء من حكمةِ ( المهيمِن ):
عندنا حالة لا بد من أن تعالج، إنْ ترَك ربنا ( المهيمن ) بعضَ المؤمنين للبلاء، أو عدو، أو ظالم، أو مسيطر، لمَ ؟ لحكمة بالغةٍ بالغة، علِمها مَن علِمها، وجهلها مَن جهلها، الآية:
﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ﴾
( سورة إبراهيم )
إخواننا الكرام، لو تصورنا صاحب محل تجاري، يأتي إلى المحل قبل أي موظف، يفتح المحل بيده، ويجلس وراء الطاولة، ومكان المال تحت سيطرته من أول دقيقة إلى آخر دقيقة، هؤلاء الموظفون أمناء أم خائنون ؟ لا مجال متاح لهم أن يمتحَنوا إطلاقاً ما دام يدخل أول إنسان، ويجلس وراء الطاولة، ومكان المال تحت سيطرته من أول دقيقة إلى آخر دقيقة، هل تقول: هؤلاء الموظفون أمناء أم غير أمناء ؟ لا نعلم.
الآن الأسواق المتطورة لو لم تدفع ثمن البضاعة يصدر صوت عند الخروج ، هؤلاء رواد هذا السوق أمناء لم يتح لهم أن يمتحنوا إطلاقاً.
لذلك ربنا لحكمة بالغة يتغافل، لو أن صاحب المحل أراد أن يمتحن هذا الموظف أبقى الدرج مفتوحًا، وفيه أموال، وذهب إلى جاره المقابل له، وعينُه على الموظف ، والموظف يظن أن صاحب المحل قد خرج، والدرج مفتوح، الآن هذا التغافل ليس غفلة، و فرق كبير بين الغفلة والتغافل، الله عز وجل يقول:
﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً ﴾
تتوهمه غافلا، وهو ليس:
﴿ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ * إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ﴾
لولا أن الله في وهم بعض الناس يتغافل لما كُشف الإنسان.
فهذا الموظف متى يكشف ؟ حينما يترك صاحب المحل مقعده وراء الطاولة والدرج مفتوح، وفيه أموال، ويذهب إلى المحل المقابل، ولا ينتبه الموظف أين ذهب صاحب المحل، الآن إما أن يمد يده، ويأخذ أو لا يأخذ.
إذاً: الآية دقيقة جداً، بمعنى أنه لا يمكن أن يأتي نهي لشيء مستحيل، هل يمكن أن يصدر قرار بعدم إطفاء الشمس مثلاً ! هذا كلام مضحك، لأنه شيء مستحيل.
من لوازم النهي أن يكون المنهي عنه قابلاً للفعل، الله عز وجل ينهى:
﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ﴾
لأن معظم الناس الآن يتوهمون أن الله غافل، يقول لك: أين الله ؟ شعوب إسلامية تُقتل، تؤخذ ثرواتها، يُقتل أبناؤها، أين الله ؟ يتوهمه غافلاً:
﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ﴾
فهذا التغافل لا يتناقض مع ( المهيمن )، لحكمة بالغة، لأن الله عز وجل خلقنا ليمتحننا.
﴿ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾
( سورة المؤمنون )
أيها الإخوة، ( المهيمن ) هو المحيط بالعالمين، مهيمن بقدرته على الخلائق أجمعين، محيط بالعالمين، مهيمن بقدرته على الخلائق أجمعين، وهو على كل شيء قدير ، وكل شيء إليه فقير، وكل أمر عليه يسير، ولا يعجزه شيء، ولا يفتقر إلى شيء. ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾
( سورة الشورى )
أنت تعظم ( المهيمن )، إذا عبدت الله فأنت مع ( المهيمن )، يقول لك: يا أخي دولة عظمى ! تملك أسلحة نووية، وأقمارًا صناعية، وأموالا طائلة، و جيشًا مخيفًا، و أسلحة فتاكة، إذا كنت مع ( المهيمن ) فأنت المنتصر.
إذاً: ( المهيمن ) محيط بالعالمين، مهيمن بقدرته على الخلائق أجمعين، هو على كل شيء قدير، وكل شيء إليه فقير، وكل أمر عليه يسير، ولا يعجزه شيء، ولا يفتقر إلى شيء :
﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾
أنت تعتز بالله عز وجل، أعداءك الأقوياء بيد الله عز وجل، في قبضته، الآية واضحة:
﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾
( سورة هود )
و ( المهيمن ) هو الرقيب على كل شيء، والحافظ له، والقائم عليه، رقيب وحافظ، وقائم. ﴿ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ ﴾
( سورة المائدة الآية: 48 )
كتابنا الكريم مهيمن على كل الكتب السابقة، لأنه آخر الكتب وخاتمها.
الآيات القرآنية المتصلة باسمِ ( المهيمن ):
من الآيات التي تتصل بهذا الموضوع:
الآية الأولى:
﴿ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ ﴾
( سورة سبأ )
يعلم دبيب النملة السمراء، على الصخرة الصماء، في الليلة الظلماء.
الآية الثانية:
﴿ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى ﴾
( سورة طه )
أنت لك دخل معين، لو معك مئة مليار، كيف تكون ؟ لا أحد يعلم، هل تأتي إلى المسجد ؟ لا أعرف، هذا معنى قوله:
﴿ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى ﴾
الآية الثالثة:
آية أخرى متصلة في هذا الموضوع:
﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ ﴾
( سورة آل عمران )
﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ ﴾
شيء هي أوسع كلمة تعبر عن أدق شيء:
﴿ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ ﴾
الآية الرابعة:
﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ ﴾
( سورة غافر الآية: 19 )
أنت جالس في غرفة، والنافذة تطل على بناء مواجه للغرفة، وامرأة فتحت النافذة بثياب متبذلة، أنت تستطيع أن تغض بصرك، و تستطيع أن تملأ عينيك من محاسن هذه المرأة، مَن الذي يعلم في الأرض هذه الخيانة ؟ المؤمن يغض بصره، وهو وحده في الغرفة، ولا أحد يطلع عليه.
طبيب يعالج امرأة، من حقه أن يعالج موضع الداء، لو اختلس نظرة إلى مكان آخر مَن يعلم ذلك ؟
﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ ﴾
الذي يعلمه الله لا يمكن لمخلوق أن يعلمه:
﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ ﴾
﴿ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ﴾
( سورة غافر )
أوضح شيء في نهار رمضان في أيام الصيف الحارة، العطش لا يحتمل، وأنت في البيت وحدك، لو دخلت إلى المطبخ، وتناولت كأس ماء مَن يعلم بذلك ؟ الصيام عبادة الإخلاص. خاتمة:
لذلك أيها الإخوة، إذا كنت مع ( المهيمن ) فأنت المنتصر، وأنت المحفوظ، وأنت الموفق، وأنت السعيد، بشكل طبيعي الإنسان ينضم إلى القوي، والله عز وجل أقوى الأقوياء.
(( أنا الله لا إله إلا أنا، مالك الملوك، وملك الملوك، قلوب الملوك بيدي، وإن العباد إذا أطاعوني حولت قلوب ملوكهم عليهم بالرأفة والرحمة، وإن العباد إذا عصوني حولت قلوبهم عليهم بالسخط والنقمة، فساموهم سوء العذاب، فلا تشغلوا أنفسكم بالدعاء، وادعوا لهم بالصلاح، فأن صلاحهم بصلاحكم ))
السعيد
08-23-2018, 01:55 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الستون )
الموضوع : اسم الله - المهيمن - 2 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: ( المهيمن ):
تذكيرٌ بمعاني ( المهيمن ):
1 – ( المهيمن ) لا يخفى عليه شيء:
أيها الإخوة الكرام، لا زلنا في اسم ( المهيمن )، و ( المهيمن ) كما تبين في الدرس السابق هو الذي:
﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ ﴾
( سورة آل عمران )
2 – ( المهيمن ) يحقق مصالح المهيمَن عليه:
و ( المهيمن ) هو القادر على تحقيق مصالح من يهيمن عليه، قدرة علم، وقدرة قوة.
3 – ( المهيمن ) إليه المصير وحْده:
و ( المهيمن ) إليه المصير، إليه مصير كل شيء.
الآيات القرآنية ذات الصلة باسم ( المهيمِن ):
أيها الإخوة، مع الآيات القرآنية:
الآية الأولى:
الله عز وجل يقول:
﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ﴾
( سورة الرعد الآية: 11 )
أيّة حركة، أية سكنة، أية كلمة، أي موقف، أي عطاء، أي منع، أي صلة أية قطيعة:
﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ ﴾
من الملائكة:
﴿ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ﴾
الآية الثانية:
﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ ﴾
( سورة آل عمران )
الآية الثالثة:
المعنى الآخر:
﴿ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا ﴾
( سورة سبأ الآية: 2)
﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ ﴾
مهيمن.
الآية الرابعة:
﴿ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾
( سورة الحجرات )
عليم علماً مطلقاً، علم تعلق بكل ممكن.
الآية الخامسة:
أيها الإخوة، قادر قدرة علم، وقدرة قوة.
﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾
( سورة المائدة )
حينما تشعر أيها المؤمن أن الله يحفظك، وأنه أقوى من كل قوي، وأن أمرك بيده، ومصيرك بيده، وأنه ما أمرك أن تعبده إلا بعد أن طمأنك، وقال لك:
الآية السادسة:
﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ ﴾
( سورة هود الآية: 123 )
أنت حينما تشعر أن كل طموحاتك، وأن كل مصالحك عند الله عز وجل.
الآية السابعة:
﴿ لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ﴾
( سورة الأعراف الآية: 54 )
الآية الثامنة:
﴿ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾
( سورة الزمر )
( المهيمن ) بيده مصائر الخلق، بيده كل مَن حولك، مَن كان فوقك، ومَن كان دونك، وكان في مستواك، أقرب الناس إليك، أبعد الناس عنك، أقوى الأقوياء، أضعف الضعفاء، هو ( المهيمن ):
﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ ﴾
الآية التاسعة:
﴿ فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ ﴾
( سورة الزخرف الآية: 84 )
الآية العاشرة:
﴿ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً ﴾
( سورة الكهف )
الآية الحادية عشرة:
﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾
( سورة الفتح الآية: 10 )
هؤلاء الأقوياء الذين يتوهم عامة الناس لضعف إيمانهم، وضعف توحيدهم أن الأمر بيدهم، هذا نوع من الشرك، كيف يأمرك أن تعبده وقد أسلمك إلى غيره ؟ قال لك:
﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ ﴾
( المهيمن ) نهاية العلم.
﴿ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا ﴾
( المهيمن ):
﴿ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ ﴾
( المهيمن ):
﴿ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾
( المهيمِن ) قادر، هناك معلومات دقيقة جداً، و قدرة لا نهاية بها، فهو قادر قدرة علم وقدرةَ قوة أن يحقق لك مصالحك.
أيها الإخوة، ( المهيمن ) مَن إليه المصيرُ.
الآية الثانية عشرة:
العناية الربانية بموسى صورةٌ من صورِ اسم ( المهيمن ):
﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى ﴾
( سورة القصص الآية: 7 )
أيّ طفلٍ في عهد فرعون ينبغي أن يُقتل. ﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ ﴾
دقق:
﴿ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ ﴾
( سورة القصص الآية: 7 )
أي شيء يدعو إلى العجب:
﴿ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ ﴾
هذا الصندوق يتحرك بأمر الله. ﴿ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴾
( سورة القصص )
المصير بيده، طفل صغير في صندوق في نهر، يتحرك بأمر الله، ساقه الله إلى قصر فرعون، وأوقفه عند غصن، وألقى في رُوع امرأة فرعون أن انزلي إلى الشط، فتحت الصندوق فرأت طفلاً جميلاً، فألقى اللهُ حبَّه في قلبها.
﴿لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا ﴾
( سورة القصص الآية: 9 )
تروي الروايات أن فرعون رأى أن طفلاً سيقضي على ملكه، القضية سهلة جداً، بيده الأمر فيما يبدو، فأمر بقتل أبناء بني إسرائيل، وأيّة ولاّدة، أو أية امرأة تولِّد لا تخبر عن طفل ذكر تُقتل مكانه، أما الطفل الذي سيقضي على ملكه فرباه في قصره، لأن الله هو ( المهيمن ).
تصور من قدرة الله اللانهائية أنه يحفظك بأقلّ الأسباب، كما تروي بعض الروايات، بخيط العنكبوت حفظت هذه البعثة، وأنه يدمر الإنسان بأتفه الأسباب، لأنه سبحانه ( المهيمن ).
أيها الإخوة،
﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ ﴾
هناك أمران، ونهيان وبشارتان
الأمر الأول:
﴿ َأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ ﴾
الأمر الثاني:
﴿ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ ﴾
النهي الأول:
﴿ وَلَا تَخَافِي ﴾
النهي الثاني:
﴿ وَلَا تَحْزَنِي ﴾
البشارة الأولى:
﴿ إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ ﴾
البشارة الثانية:
﴿ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴾
( المهيمِن ) هيمنة حب وشفقةٍ ورحمةٍ:
من فروع اسم ( المهيمن ) أن هذه الهيمنة هيمنة حب وشفقة، كيف أن الأم تحوم حول سرير طفلها المريض، وتراقب أنفاسه، وحركاته، وحرارته، والأدوية، هذه هيمنة حب، وهيمنة شفقة، وهيمنة اهتمام:
﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ ﴾
﴿ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ﴾
هيمنة حب وشفقة، لا هيمنة سيطرة واستغلال.
( المهيمِن ) بمعنى الحافظ:
الهيمنة أيضاً فيها معنى الحفظ.
الآية الثالثة عشرة:
﴿ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴾
( سورة يوسف )
في بعض الآثار: أن الله عز وجل يسأل العبد يوم القيامة: أن يا عبدي، أعطيتك مالاً فماذا صنعت به ؟ لا كذب يوم القيامة، يقول: يا رب، لم أنفق منه شيئاً مخافة الفقر على أولادي مِن بعدي، يقول له: ألم تعلم أنني أنا الرزاق ذو القوة المتين، إن الذي خشيته على أولاده من بعدك قد أنزلته بهم، يقول لعبد آخر: أعطيتك مالاً، فماذا صنعت فيه ؟ يقول: يا رب، أنفقته على كل محتاج ومسكين لثقتي أنك خير حافظاً، وأنت أرحم الراحمين، يقول الله له: أنا الحافظ لأولادك من بعدك.
( المهيمن )، كل شيء بيده، الإنسان يحب القوي، يحب المسيطر، بأي مكان إذا كان رجل قوي كانت الأنظار إليه، والثقة به، والطلب منه، لأنه قوي، الله ( مهيمن ) هيمنة لا حدود لها.
( المهيمن ) إليه المصير:
أيها الإخوة، الآن المصير له، ماذا فعل إخوة يوسف ؟ ألقوه في البئر ليموت ، ما الذي كان ؟ أنه صار عزيز مصر.
الآية الرابعة عشرة:
في هذه القصة الطويلة آية واحدة تقول:
﴿ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾
( سورة يوسف )
أيها الإخوة، نهاية العلم، نهاية القدرة، المصير إليه، الحب والشفقة، الأمانة والحفظ، الأمر كله بيد الله، هذه بعض معاني اسم ( المهيمن ) مع الآيات التي تؤكد هذه المعاني. التطبيق العملي لاسم ( المهيمن ) عند المسلم:
ولكن ما التطبيق العملي ؟ نحن قلنا كثيراً في لقاءات سابقة:
﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾
( سورة الأعراف الآية: 180 )
1 – على المؤمن التخلُّقُ ببعض كمال الله:
يجب أن تتخلق بكمال مشتق من كمال الله، حتى تتقرب إلى الله بهذا الكمال، فإن رحمت الخلق تتقرب بهذه الرحمة إلى الرحيم، وإن كنت منصفاً تتقرب بهذا الإنصاف إلى العدل، وإن كنت حكيماً تتقرب بهذه الحكمة إلى الحكيم
﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾
اجعل هذا التخلق بالكمال الإلهي وسيلة إلى الله. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ﴾
( سورة المائدة الآية: 35 )
اجعل هذا التخلق هذا الكمال الإلهي وسيلة إلى الله:
﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾
2 – على المؤمن أنْ لا يتّحهَ إلى غير الله ( المهيمن ):
معنى آخر: حينما تعلم أن الله هو ( المهيمن ) لا تتجه إلى غيره ولا تشرك به، ولا تعلق الأمل على غيره، بل تتجه إليه، وتتوكل عليه، وتخلص له، تطيعه ولا تطيع أحداً في معصية.
هذان معنيان دقيقان، تقرب إلى الله بكمال مشتق من كماله، واجعله وسيلة لك بالمعنى الأول، أو تعرف على أسماء الله الحسنى حتى تتجه إليه، وحتى تعرض عن غيره.
3 – على الرجل القيادي الإحاطة علمًا بالمهيمَن عليه:
التطبيقات العملية لهذا الاسم: إذا كنت في موقع قيادي، أقلُّ موقع قيادي أن تكون أباً، إن كنت أباً فما فوق ذلك، إلى أن تكون على رأس أمة، إن كنت أباً فما فوق ذلك فلن تكون مهيمناً هيمنة حب وشفقة إلا إذا كانت معك المعلومات الدقيقة، فابنك مَن صديقه ؟ لماذا تأخر البارحة ؟ أين كان في هذه الساعة ؟ إن لم تملك المعلومات الدقيقة فلن تستطيع أن تسيطر عليه، وإذا قلت: سيطرة فأعني بها سيطرة الحب والشفقة، لا أعني بها سيطرة القوة والاستعلاء إطلاقاً:
﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾
يجب أن تكون معك معلومات دقيقة جداً، غابت ابنتك ليلة أين كانت ؟ هي قالت: عند صديقتها، هل تحققت من ذلك ؟ لن تستطيع أن تربي أولادك إلا إذا ملكت المعلومات الدقيقة جداً.
أيها الإخوة، النقطة الدقيقة هنا أن المعلومات الصحيحة أساس القرار الصحيح، وأي قرار خاطئ هذا القرار مستند إلى معلومات غير صحيحة، فلذلك لن تستطيع أن تحكم قيادة هذه الإنسان إلا إذا كانت المعلومات عنه دقيقة صحيحة، الآن يسمونها تقصي الحقائق، قبل أن يُتَّخذ قرار، تُرسَل لجان إلى موقع المشكلة لتقصي الحقائق، عوِّد نفسك أن تتقصى الحقائق. ﴿ قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ﴾
( سورة النمل )
هذه صفة يحتاجها أولياء الأمور، يحتاجها أي إنسان في أي موقع قيادي، والأب بموقع قيادي، والمعلم بموقع قيادي، لابد من تقصي الحقائق، لا بد من معلومات صحيحة، هذا أول تخلق بهذا الاسم، أما الإنسان الذي تجري من تحته المياه وهو لا يدري، هذا لن يكون مهيمناً إطلاقاً على أسرته.
صورة نبوية حية لأهمية المعلومات الدقيقة للقيادة الحكيمة:
شيء آخر، النبي عليه الصلاة والسلام قال:
(( لا تقتلوا عمي العباس ))
[ ورد في الأثر ]
كان هذا في موقعة بدر، عمه العباس مقيم في مكة، هناك صحابي قال: أينهانا عن قتل عمه، وأحدنا يقتل أباه وأخاه ! ثم تبين أن عمه العباس كان مسلماً، وكان عينه في مكة، قيادة ذكية جداً، وكان أيّ قرار يتخذ في مكة ينقله له عمه العباس، ويعلم ما عند الطرف الآخر، فقيادة النبي كانت ذكية جداً، فكان العباس قد أسلم إسلاماً حقيقياً، وقال له: ابقَ فيهم، الآن جاءت موقعة بدر ـ دقق ـ إن لم يشارك كشف نفسه، وانتهت مهمته، إذاً العباس سيشارك في المعركة من جهة قريش، والنبي إن قال: عمي لقد أسلم، كشفه وانتهت مهمته، لو سكت لقتلوه، أعطى توجيها مختصرا، ولا يضاف عليها كلمة، (( لا تقتلوا عمي العباس ))
فهذا الصحابي الذي قال: << أينهانا عن قتل عمه، وأحدنا يقتل أباه وأخاه ! >>، كُشفت له الحقيقة هذا الصحابي، يقول هذا الصحابي: << ظللت أتصدق عشر سنين رجاء أن يغفر الله لي سوء ظني برسول الله >>.
القيادة حكيمة لا بد لها من معلومات دقيقة.
أنا أخاطب الآباء، لماذا أكثر هذا الطفل، أو هذا الطالب اللقاء مع هذا الطالب بالذات، المعلم يجب أن يكون دقيقاً، هذه ظاهرة، ما وراءها ؟ لعل وراءها انحرافًا، لا بد من أن تكون المعلومات عندك صحيحة.
4 – مبدأ المتابعةِ لدى الرجل القيادي:
أيها الإخوة، وإذا كنت في موقع قيادي يقتضي ذلك المتابعة، أعطيت أمرًا إن لم تتابع هذا الأمر لا قيمة لهذا الأمر، ففي الدول النامية أوامر لا تعد ولا تحصى، كلها لا تنفذ.
أيها الإخوة، إذاً: المتابعة من خصائص ( المهيمن )، والمعلومات الدقيقة من خصائص ( المهيمن ).
5 – العلم سمةٌ أساسيةٌ لدى الرجل القيادي:
إن لم تكن أعلم ممن حولك فلن تهيمن، فطبيب من الدرجة العاشرة لن يستطيع أن يدير مستشفى فيه عمالقة من الأطباء، لأنه أقلّ علماً منهم، لذلك الله عز وجل قال:
﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾
( سورة النساء الآية: 84 )
لأنك أعلم من زوجتك، لأنك أتقى منها، لأنك أبعد نظراً منها تهيمن، أما إن لم تكن متعلماً ولا هي متعلمة، فهي المهيمنة، لابد إن أردت أن تقود مجموعة أن تكون فوقهم علماً وتقوى، وورعاً وقدرة، والآية دليل:
﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾
أحياناً الإنسان بقرار يصير مديرًا عامًا، عنده موظفون بأعلى مستوى، إذا كان في العلم فوقهم يخضعون له نفسياً، أما إذا كان بحكم القرار الذي كلف به هو المدير العام فيخضعون له شكلياً، إن أردت الخضوع الحقيقي فيجب أن تكون متفوقاً على مَن حولك.
6 – القدرة على حلِّ المعضلاتِ صفةٌ هامّةٌ لدى الرجل المهيمن:
الهيمنة قدرة، قدرة على حل مشكلة، القدرة لها شطران، شطر علمي، وشطر تكتيكي عملي، فإن لم تملك خطة علمية لحل مشكلة في جزئياتها علاقة علمية، علاقات سبب بنتيجة فلن تكون مهيمناً، فإن لم تملك حلاً علمياً لمشكلات من حولك فلن تهيمن عليهم.
7 – القدرة على تحقيق طموحات المهيمَن عليه:
وإن لم تملك لمن تديره أن تحقق أقصى طموحاته فلن تكون مهيمناً، فالأب الذي لا يعمل، أو عمله قليل، ودخله قليل جداً، كل طموحات أولاده ليست عنده، لذلك ينصرف عنه الأبناء إلى غيره، إلى أصدقائهم الأغنياء، أما إذا كنت تعمل، ولك دخل معقول جيد تحقق به طموحات أولادك فتبقى مسيطراً عليهم، لذلك العمل في بعض معانيه عبادة، << حبذا المال أصون به عرضي، وأتقرب به إلى ربي >>.
حينما تعمل، ولك دخل معقول تحقق به حاجات مَن حولك مِن زوجة وأولاد، عندئذٍ تملك أسباب السيطرة عليهم، وأنا لا أتحدث في الفقر إلا عن فقر الكسل، فقدر القدر صاحبه معذور، وفقر الإنفاق صاحبه مشكور، أما فقر الكسل فمذموم صاحبُه، فلا إتقان، وكثرة إرجاء، وعدم اهتمام، وميل للراحة، وميل للبطالة، هذا الإنسان يكون فقيراً فقر كسل، فهذا لن يستطيع أن يربي أولاده.
8 – علاقةُ المهيمِن مع المهيمَن عليه علاقة حبٍّ وشفقةٍ:
إن لم تكن العلاقة بينك وبين من تديره علاقة حب وشفقة فلن تهيمن.
بعض البلاد في أمريكا، وهي أول دولة سابقاً في صناعة السيارات، وأول دولة في استهلاك السيارات، فوجئت بعد حين أن كل عشر سيارات بأمريكا 8 مِن صنع اليابان، مشكلة كبيرة جداً، أرسِلت وفود إلى اليابان لتقصي الحقائق، الإجابة كانت عجيبة جداً، الفرق ليس تقنيًّا، الفرق اجتماعي، العامل هناك له صفات وخصائص لا يملكها العامل في بلاد الغرب، مستقبله مضمون، يعد صهر صاحب المعمل، له حصة من الأرباح، ولا يسرَّح العامل هناك.
فهذه الضمانات الاجتماعية، والمدير العام يأكل مع عماله، الود الحقيقي بين صاحب المعمل وعماله، هذا سبب إتقان العمل، هذه قاعدة، الشيء الدقيق أن مَن حولك يجب أن تكون العلاقة بينك وبينهم علاقة حب، وتقدير، واحترام، لا علاقة قهر وهيمنة وخضوع، ولن تكون مهيمناً إلا إذا شعر مَن حولك أن مصالحه معك.
هناك تجربة في بلد إسلامي بماليزيا، هناك مؤامرة لضرب عُملتها، فالمواطنون تدافعوا إلى المصارف لإعطاء الدولار وأخذ العملة الماليزية، على عكس ما يجري في البلاد النامية، يبدو أن المواطن يشعر أن القيادة حريصة على مستقبله ومستقبل أولاده، الحرص الشديد يأتي بأعمال مذهلة، هذه تجربة قرأتها وأُعجِبت بها، لأن في الأزمات الطاحنة بدل أن تشتري الدولار وتدفع بالعملة الوطنية كان العكس، يشترون العملة الوطنية ويدفعون بالدولار، فالأزمة مرت بسلام.
لما يشعر الآخر أنك حريص على مصالحه، وعلى مستقبله يتفانى في خدمتك، وهذا من علامات نجاح الهيمنة.
9 – المهيمِن إذا قلّده المهيمنُ عليه في الخير له أجرُه وأحرُ مَن قلّده:
المهيمنون من القادة، أنت أب إذا كنت ملتزماً، مؤدياً للصلوات الخمس، غاضاً لبصرك، ضابطاً للسانك، إذا قلدك أولادك بهذه الأخلاق، وكانوا كذلك لك أجرك لطاعتك لله، ولك أجر أولادك لأنهم قلدوك بهيمنتك عليهم.
﴿ وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحاً نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ ﴾
( سورة الأحزاب الآية: 31 )
﴿ يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ ﴾
( سورة النساء الآية: 32 )
في موقع قيادي، أنتم قدوة، فالمهيمن إذا كان كاملاً، وقلده مَن هيمن عليهم تقليداً صحيحاً فله أجره وأجر مَن قلده في هيمنته، بالمقابل إن لم يكن المهيمن ملتزماً، كان يدخن مثلاً، وقلّده مَن حوله فعليه وزره ووزر الذي قلّده.
سيدنا عمر كان إذا أراد إنفاذ أمر جمع أهله وخاصته، وقال: << إني قد أمرت الناس بكذا، ونهيتهم عن كذا، والناس كالطير، إن رأوكم وقعتم وقعوا، وايم الله، لا أوتينّ بواحد وقع فيما نهيت الناس عنه إلا ضاعفت له العقوبة لمكانه مني >>، فصارت القرابة من عمر مصيبة. خاتمة:
من تطبيقات هذا الاسم العظيم أن تكون كأب، كمعلم، كمدير مؤسسة، كمدير مستشفى، مدير جامعة، الأبوة فما فوقها، أن تأخذ من هذا الاسم الخصائص كي تكون قائداً لمَن حولك إلى طريق الخير والرشاد.
السعيد
08-24-2018, 01:00 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الحادى و الستون )
الموضوع : اسم الله - الخالق - 1 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
مِن أسماء الله الحسنى: ( الخالق ):
أيها الإخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم هو اسم الله ( الخالق ).
1 – ورودُ اسم ( الخالق ) في القرآن الكريم:
هذا الاسم ورد في مواضع كثيرة من القرآن الكريم، ورد في قوله تعالى:
﴿ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ﴾
( سورة الحشر الآية: 24 )
وورد أيضاً في قوله تعالى: ﴿ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ﴾
( سورة فاطر الآية: 3 )
أيها الإخوة، اسم ( الخالق ) يعني أن الله أوجد كل شيء من لا شيء، وعلى غير مثال سابق، بينما إذا وصف الإنسان مجازاً بأنه خالق بمعنى أنه صنع شيئاً واحداً من كل شيء، وعلى مثال سابق، والفرق كبير بين أن تصف الذي خلق السماوات والأرض بأنه خالقُ كلِّ شيء مِن لا شيء، وعلى غير مثال سابق، وبين إنسان صنع شيئاً مِن كل شيء، وعلى مثال سابق.
2 – ورودُ اسم ( الخالق ) في السنة النبوية:
أيها الإخوة، هذا الاسم ورد أيضاً في مسند الإمام أحمد من حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: غَلَا السِّعْرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ سَعَّرْتَ، فَقَالَ:
(( إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْخَالِقُ الْقَابِضُ الْبَاسِطُ الرَّازِقُ الْمُسَعِّرُ... ))
[ مسند أحمد ]
وفي حديث آخر صحيح:
(( لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ))
[أخرجه الطبراني عن عمران بن حصين والحكم بن عمرو الغفاري ]
كن مع الخالق ولا تخشَ أحدًا :
كنت ذكرت لكم من قبل أن الإمام الحسن البصري كان عند والي البصرة، فجاء توجيه من الخليفة، لو نفذه لأغضب الله عز وجل، ولو لم ينفذه لأغضب الخليفة، فوقع الوالي في حرج شديد، فقال مستنصحاً الإمام الحسن البصري: ماذا أفعل ؟ قال له: " إن الله يمنعك من يزيد، ولكن يزيد لا يمنعك من الله ".
(( لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ))
لأن الخالق يمنعك من المخلوق، بينما المخلوق لا يمنعك من الخالق، والإنسان كما تعلمون في قبضة الله عز وجل، سمعك بيده، بصرك بيده، ضربات قلبك بيده، ذاكرتك بيده، حركتك بيده، مَن حولك بيده، مَن فوقك بيده، مَن دون بيده، إن الله يمنعك من يزيد، ولكن يزيد لا يمنعك من الله.
(( لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ))
كَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنْ اكْتُبِي إِلَيَّ كِتَابًا تُوصِينِي فِيهِ، وَلَا تُكْثِرِي عَلَيَّ، فَكَتَبَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا إِلَى مُعَاوِيَةَ: سَلَامٌ عَلَيْكَ، أَمَّا بَعْدُ ؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:
(( مَنْ الْتَمَسَ رِضَا اللَّهِ بِسَخَطِ النَّاسِ كَفَاهُ اللَّهُ مُؤْنَةَ النَّاسِ، وَمَنْ الْتَمَسَ رِضَا النَّاسِ بِسَخَطِ اللَّهِ وَكَلَهُ اللَّهُ إِلَى النَّاسِ ))
[ الترمذي ]
إخوتنا الكرام، هناك حقيقة دقيقة: لو كنت في مكان، وبحسب معطيات البيئة والظرف والعصر، أو بحسب قوانين حركة الحياة هناك أشياء إن فعلتها قوي مركزك، وأشياء إن فعلتها ضعف مركزك، وهناك إنسان في منصب بحسب حركة الحياة والقوانين المستنبطة من حركة الحياة، هذه القوانين تعني أنك إذا فعلت كذا وكذا قوي مركزك، وإن فعلت كذا وكذا ضعف مركزك، الآن لو كنت في هذا المكان، وفي هذا المنصب، وجاءك توجيه ممّن هو فوقك، بما يسخط الله، ما الذي يحصل ؟ أنت بحسب قوانين حركة الحياة المستنبطة من معطيات هذا المكان، وهذه البيئة، وهذا المجتمع يضعف مركزك، فإذا وضعت مصلحتك تحت قدمك، وأرضيت الله عز وجل، وابتغيت رضوانه وجنته، ما الذي يحصل ؟ يحصل أن الله يخضعك لقانون العناية الإلهية، فيزداد منصبك قوة عند مَن هو فوقك، هذه عناية خاصة، هذا معنى قول النبي الكريم:
(( من أرضى الله بسخط الناس كفاه الله، ومن أسخط الله برضا الناس وكّله الله إلى الناس ))
[ أخرجه ابن حبان عن عائشة أم المؤمنين ]
بالمعنى الدقيق: لا إله إلا الله، لا خافض، ولا رافع، ولا معز، ولا مذل، ولا معطي، ولا مانع إلا الله، هذا هو التوحيد، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، اعمل لوجه واحد يكفِك الوجوه كلها.
(( من جعل الهموم هما واحدا كفاه الله هم دنياه ))
[أخرجه الحاكم عن عبد الله بن عمر ]
مرة ثانية: هذا كلام دقيق جداً يحتاجه كل إنسان، بل كل مَن رفعه الله، بل كل مَن مكَّنه الله في الأرض، إن عملت عملاً بحسب معطيات بيئة هذا المكان، أو بحسب قوانين الحياة المستنبطة من هذا الظرف، وهذه البيئة، لو عملت عملاً في الظاهر يضعف مركزك، لكنه يرضي الله، فالله عز وجل يكافئك بمكافأة خاصة، يخضعك إلى قانون العناية الإلهية، فإذا بهذا العمل الذي في الظاهر يسخط مَن هو فوقك، فإذا بهذا العمل يقوي مركزك عند مَن هو فوقك، كيف ؟ لا نعلم.
المؤمن عنده جهة واحدة يخاف منها، هي الله، يخاف من الله، ويرجو ما عند الله، ويبتغي رضوان الله، ويقبل على الله، ولا تأخذه في الله لومة لائم، هذه هي الحرية.
مِن معاني ( الخالق ) الشرعية :
1 – التقدير الصحيح:
أيها الإخوة، معاني هذا الاسم، هو في الصياغة اسم فاعل، من خلق، يخلق خلقاً، فهو خالق اسم فاعل، قال تعالى:
﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ ﴾
( سورة السجدة )
والخلق بمعنى المخلوق، هذا معنى جددي، الخلق بمعنى المخلوق، قال تعالى:
﴿ هَذَا خَلْقُ اللَّهِ ﴾
( سورة لقمان الآية: 11 )
هذه مخلوقات الله، فالخلق بمعنى المخلوق. ﴿ هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ ﴾
( سورة لقمان الآية: 11 )
الله عز وجل أعطاك كِلية بحجم البيضة، تعمل بصمت، بينما صنعَ الإنسانُ كِلية صناعية بحجم هذه الطاولة، وتحتاج أن تستلقي على السرير ساعات قد تصل إلى ست ساعات، في الأسبوع ثلاث مرات، ومع ذلك الدم لا يصفَّى تصفية تامة، بل تبقى بعض المواد الضارة تسبب ضيقًا في التعامل، وألمًا، ولكن الله سبحانه وتعالى جعل لك هذه الكِلية التي تعمل بانتظام، وبلا صوت، وبلا اقتطاع من قوتك:
﴿ هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ ﴾
إن أعلى آلة تصوير رقمية احترافية، في الميلميتر المربع منها عشرة آلاف مستقبل ضوئي، بينما في شبكية العين الميليمتر المربع مئة مليون مستقبل ضوئي، لذلك العين البشرية تفرق بين ثمانية ملايين لون ك
﴿ هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ ﴾
أيها الإخوة، الخلق من معاني الخلق التقدير الصحيح.
2 – الإيجادُ مِن عدم على غير مثال سابق:
من معاني الخلق إبداع الشيء من غير أصل، ولا مثال سابق، وإيجاد شيء من لا شيء.
3 – من معاني الخلق لغةً الكذب:
من معاني الخلق الكذب.
﴿ إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً ﴾
( سورة العنكبوت الآية: 17 )
أي تكذبون على الله. ﴿ إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ ﴾
( سورة الشعراء )
يعني إن هذا إلا افتراءات الأوّلين.
4 – تقديرُ الأمور وتنفيذُها:
أيها الإخوة، الخلق بمعنى تقدير الأمور، وتنفيذها، التقدير أولاً والتنفيذ ثانياً.
﴿ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آَخَرَ ﴾
( سورة المؤمنين الآية: 14 )
تخطيط وتنفيذ.
مراحل الخَلق:
من مراحل الخلق، أنّ ( الخالق ) يقدِّر أولاً بعلم مسبق، ثم يقدر، بمعنى يوجِد، ويصنع، ويكوِّن، على كلٍ أيّ مخلوق مهما عظُم شأنه، أو دقَّ حجمه لا بد من أن يمر بأربع مراتب.
المرحلة الأولى:
المرحلة الأولى: علم الله السابق، هناك علم أزلي، وعلم الله السابق تقدير كل شيء قبل تصنيعه، وتنظيم الأمور قبل إيجادها بعلم الله السابق.
المرحلة الثانية:
والمرحلة الثانية: مرحلة الكتابة، كتب كل ما يخص كل مخلوق في لوح محفوظ، وفي هذا اللوح تفاصيل كل شيء، إيجاداً، ونشأة، وإعداداً.
المرحلة الثالثة:
والمرحلة الثالثة: مرحلة القدر، وهي مرتبة تقابل مرتبة المشيئة.
(( ما شاءَ اللهُ كانَ، وما لم يشأْ لم يكن ))
[ أخرجه أبو داود عن بعض بنات النبي صلى الله عليه وسلم ]
المرحلة الرابعة:
والمرحلة الرابعة: مرحلة خلق الأشياء على خصائصها، وصورها التي هي عليها علم أزلي.
﴿ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ﴾
( سورة الأنعام الآية: 54 )
في اللوح المحفوظ، مرحلة التقدير، مرحلة التصنيع.
الخالق وحده الذي يجب اتباع أوامره:
أيها الإخوة، الحقيقية الأولى الدقيقة: أن الخالق هو الجهة الوحيدة التي ينبغي أن تتبع تعليماتها، لأنها الجهة الخبيرة.
بشكل طبيعي، كل واحد منا يشتري آلة قد تكون غالية الثمن، وقد تكون معقدة التركيب، وقد تكون عظيمة النفع، فمن حرصه اللامحدود على سلامتها، وصيانتها وأدائها الأداء الأمثل لا يستخدمها قبل أن يقرأ تعليمات.
وأقول لكم أيها الإخوة: الإنسان أعقد آلة في الكون، هذا التعقيد تعقيد إعجاز لا تعقيد عجز، ولهذه الآلة صانع حكيم، ولهذا الصانع الحكيم تعليمات التشغيل والصيانة، فمن باب الحفاظ على سلامة الإنسان، ومن باب الحفاظ على سعادته، ومن باب أداء المهمة التي خُلق من أجلها، لا بد من أن يتبع هذا الإنسان تعليمات الصانع، لأن كل إنسان مفطور على حب وجوده، وعلى حب سلامة وجوده، وعلى حب كمال وجوده، وعلى حب استمرار وجوده.
على سطح الأرض ستة آلاف مليون إنسان، ما منهم واحد إلا وهو مجبول على حب وجوده، وعلى حب سلامة وجوده، وعلى حب كمال وجوده، وعلى حب استمرار وجوده، وسلامة الوجود، وكمال الوجود، واستمرار الوجود منوطةٌ بتطبيق تعليمات الصانع.
من باب محبتك لذاتك لا تحب أحداً، أحب ذاتك، طبق تعليمات الصانع، لأن الصانع هو الجهة الخبيرة التي ينبغي أن تتبع تعليماتها، قال تعالى:
﴿ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾
( سورة فاطر )
علاقةُ الطاعة والمعصية بثمارهما علاقة سببٍ بنتيجةٍ:
بل إن العلاقة بين طاعة الله، وبين ثمار هذه الطاعة علاقة علمية، بمعنى علاقة سبب بنتيجة، والعلاقة بين معصية الله ونتائج هذه المعصية علاقة علمية، بمعنى علاقة سبب بنتيجة.
للتوضيح: لو أن طفلاً وضع يده على مدفأة مشتعلة تحترق يده، نقول: العلاقة بين احتراق اليد ووضع اليد على المدفأة علاقة علمية، أيّ طفل في أيّ مكان بالعالم، في أيّ وقت، في أيّ زمان، في أيّ مكان، إذا وضع يده على مدفأة مشتعلة تحترق يده، هذه علاقة علمية.
لو أن الأب منع ابنه من الخروج من هذا الباب، وفي للبيت بابان، ارتأى الأب أن يغلق الباب الثاني إغلاقا تامًّا، وأن يستخدم الباب الأول، لو أن طفلا فتح الباب الثاني، وخرج منه استحق العقاب، لكن ليس هناك علاقة علمية بين هذا الضرب الذي تلقاه من أبيه وخروجه من هذا الباب، لأن الباب صُنِع للخروج أيضاً، نقول: هذه علاقة وضعية، الأب وضعها.
لذلك رماة أُحد الذين عصوا رسول الله صلى عليهم، لأنهم عصوا أمراً تنظيماً، ولم يعصوا أمراً تشريعياً، وثمة فرق بين أن تعصي أمراً تنظيمياً، وأن تعصي أمراً تشريعياً، الله عز وجل قال:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾
( سورة البقرة )
إن الجهة الوحيدة التي ينبغي أن تتبع تعليماتها هي الجهة الصانعة.
هناك مثَل من واقعنا: لو عندك حاسوب من أعلى مستوى، من أرقى شركة، ولهذه الشركة ورشة صيانة في بلدك، هذا الحاسوب أصابه خلل، ولك جار تحبه كثيراً يبيع خضراوات، هل تدفع هذا الحاسوب إليه لتصليحه ؟ مع أنك تحبه، تحبه، ولكنه لا علاقة له بدقائق صنعة هذا الحاسوب، تأخذه إلى الجهة الخبيرة، والآية واضحة جداً:
﴿ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾
أنت أيها الإنسان، حينما تطيع الله معنى ذلك أنك تحب نفسك، لأن الله هو الخبير، قال لك: اضبط لسانك ليعلوَ مقامك، قال لك: كن أميناً يثق الناس بك، قال لك: غض بصرك تسعد بزوجتك، حرر دخلك يبارك الله لك بمالك.
العلاقة بين الأمر ونتائجه وبين النهي ونتائجه علاقة علمية، علاقة سبب بنتيجة، بمعنى أنه لو جاء ملحد وطبق منهج الله يقطف ثماره، لذلك إيجابيات العالم الغربي أكثرها إسلامية، لا لأنهم يعبدون الله، لكنهم أذكياء، اكتشفوا أن هذه الأعمال تجعل هذا الإنسان يرتبط بهذه الجهة.
لذلك أنا أقول دائماً: أعطِ الإنسان رغيف خبزه وكرامته، وخذ منه كل شيء، أعطِ الإنسان رغيف خبزه وكرامته، أعطه حاجته، ومكانته، وخذ منه كل شيء.
منهج الله موضوعي، مَن طبَّقه قطف ثمارَه:
هذه الحقائق جاءت في القرآن الكريم، لكن الذكي يكشفها من دون هذا الكتاب، فلذلك أحياناً الإنسان الذي شرد عن الله، دون أن يشعر يطبق تعليمات الخالق، لا من باب عبادته، ولا من باب التقرب منه، ولكن ذكاءه هداه إلى أن هذا العمل لمصلحته، فإذا ذهب الإنسان إلى بلاد الغرب، ورأى دقة، وصنعة متقنة، والإنسان محترم، هذه كشفت بالفكر البشري.
إنّ إيجابيات العالم الغربي إسلامية من دون أن يكون هؤلاء مسلمين، ومنهج الله عز وجل منهج موضوعي، لو طبقه إنسان ليس موضوعياً بخالق هذا الكون، يقطف ثمار هذا المنهج، لكن:
﴿ مَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ﴾
( سورة البقرة الآية: 102 )
يعني بشكل أو بآخر، لو جئنا بإنسان يدير مؤسسة، يحمل أعلى اختصاص في إدارة الأعمال، وراقبناه، ثم جئنا بإنسان مؤمن، إيمانه من أعلى مستوى، وراقبناه، نكتشف اكتشافًا عجيبا، أن الأول الذي درس إدارة الأعمال يشبه في فعله الثاني الذي كان عابداً لله، الإدارتان تتشابهان من حيث النتائج، وتفترقان من حيث البواعث، المؤمن يطيع الله عز وجل، فيربح الدنيا والآخرة معاً، غير المؤمن يطبق هذه التعليمات، لأنها موضوعية، فيربح الدنيا، إذا ربح الغربيون الدنيا لأنهم طبقوا التعليمات الصحيحة، وإذا خسرنا الدنيا، ونحن معنا وحي السماء، لأننا خالفنا هذه التعليمات.
أيها الإخوة، الآية الدقيقة جداً:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾
الآية الثانية:
﴿ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾
الآية الثالثة: ﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾
( سورة الإسراء الآية: 4 )
الآية الرابعة: ﴿ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ﴾
( سورة طه )
كلام خالق الأكوان، لا يضل عقله، ولا تشقى نفسه. ﴿ فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾
( سورة البقرة )
لو جمعنا الآيتين، لكان الذي يتبع هدى الله عز وجل لا يضل عقله، ولا تشقى نفسه، ولا يندم على ما فات، ولا يخشى مما هو آت، ماذا بقي من سعادة الدنيا ؟ لا يضل عقله، ولا تشقى نفسه، لا يندم على ما فات، ولا يخشى مما هو آت. خاتمة:
الملخص أنك إذا أحببت نفسك فقط، ينبغي أن تطبق تعليمات الصانع، لأنه:
﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ﴾
( سورة الأحزاب )
فاز في الدنيا والآخرة. ﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾
( سورة الرحمن )
وعطاء الله لا يحد بحدود، وفي الحديث الصحيح عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا... ))
[ أخرجه ابن ماجه ]
المفعول به محذوف، وإذا حذف المفعول أطلق الفعل:
(( اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا... ))
لن تحصوا الخيرات، يا ترى راحة نفسية، وسلامة جسدية، ووفاق أسري، وابن بار، وسمعة طيبة، وسرور:
(( اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا... ))
السعيد
08-24-2018, 01:02 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الثانى و الستون )
الموضوع : اسم الله - الخالق - 2 -
ه رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى ( الخالق ):
آيات قرآنية شرحت اسم ( الخالق ):
أيها الإخوة الكرام، لا زلنا في اسم الله (الخالق )، ومن الآيات التي شرحت معنى هذا الاسم قوله تعالى:
1 – الآية الأولى:
﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً ﴾
( سورة الطلاق )
علَّةُ خَلق السماوات والأرض لنعلم قدرة الله وعلْمَه:
فمن خلال هذه الآية يتضح أن علة خلق السماوات والأرض أن نعرف الله:
﴿ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً ﴾
أحياناً تستخدم لام التعليل في بيان العلم، واسمها لام التعليل، أدرس لأنجح، آكل لأحافظ على وجودي، فهذه اللام لام التعليل، وعلة خلق السماوات والأرض أن نتفكر في خلق السماوات، من أجل أن نعرفه، لأن الإنسان هو المخلوق الأول رتبة: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ ﴾
( سورة الأحزاب الآية: 72 )
فما قبِل حمل الأمانة كان المخلوق الأول، ولما قبل حملَ الأمانة سخر الله له: ﴿ْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ ﴾
( سورة الجاثية الآية: 13 )
وسخر له أكرم من المسخر، فالإنسان هو المخلوق الأول رتبة، لأنه حمل الأمانة، ولم يكن حينما قبِلها ظلوماً جهولاً، بل كان طموحا، فلما قبِل حمْلها، ولم يقم بها: ﴿ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً ﴾
( سورة الأحزاب )
فالآية تُفهم على معنيين، إما أنها استفهام إنكاري، حينما قبِل حمل الأمانة، لم يكن: ﴿ ظَلُوماً جَهُولاً ﴾
أما حينما حملها، وقصر في حملها، ونسي وعدَ الله عز وجل ونسي عهد الله عز وجل ﴿ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً ﴾
من هنا مكانة الإنسان بين أن يكون أعلى من الملائكة، وبين أن يكون أدنى من الحيوان، فقد ركِّب الملَك من عقل بلا شهوة، وركِّب الحيوان من شهوة بلا عقل، وركِّب الإنسان من كليهما، فإن سما عقله على شهوته أصبح فوق الملائكة، وإن سمت شهوته على عقله أصبح دون الحيوان.
لذلك:
﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا ﴾
ماذا ينبغي أن نعلم ؟
ماذا ينبغي أن نعلم ؟ لأن كل الخير في طاعة الله، لأن كل السعادة في طاعة الله ، لأن كل السلامة في طاعة الله، لأن كل العطاء في طاعة الله، لأن جنة الدنيا في طاعة الله ، ولأن جنة الآخرة في طاعة الله، ومتى تطيعه ؟ تطيعه حينما تعلم علم اليقين أن علمه يطولك، وأن قدرتك تطولك.
من بين أسمائه الحسنى الـ99 اسمان فقط في هذه الآية:
﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً ﴾
حينما توقن أن علمه يطولك، وأن قدرته تطولك، لا يمكن أن تعصيه، تماماً كمواطن يقود مركبته، والإشارة حمراء، والشرطي واقف، وشرطي آخر على دراجة عجلات، وضابط مرور في سيارته، وهو مواطن من الدرجة الثانية، لا يمكن أن يعصي هذه الإشارة، لأن علم واضع قانون السير يطوله من خلال هذا الشرطي، فإذا انطلق لم يعبأ بمن يتبعه، فإذا تواطأ مع الأول فهناك من يضبط هذا التواطؤ، أما متى يعصيه ؟ إذا كان الوقت ليلاً ليس هناك أحد يراقبه، إذاً ما طاله علمُ واضع القانون، أو كان هذا المخالف أقوى مِن واضع القانون، ما دام يوقن أن علم واضع القانون يطوله، وأن قدرته تطوله، لا يمكن أن يعصيه:
﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً ﴾
فيا أيها الإنسان: أتحسب أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر
﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ﴾
( سورة البينة )
يعني خير ما برأ الله. ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ ﴾
( سورة البينة )
فبين أن يكون الإنسان خير البرية، وبين أن يكون شر البرية، إذاً علة خلق السماوات والأرض، ونحن في اسم ( الخالق ) أن نعرفه، ثم نوقن بأن علمه يطولنا، وقدرته تطولنا، فنطيعه، فنسلم، ونسعد بقربه في الدنيا والآخرة، هذه آية توضح معنى خلق السماوات والأرض.
الآية الثانية:
أيها الإخوة، آية أخرى، الله عز وجل يقول:
﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ﴾
( سورة الليل )
إن كل إنسان حينما ينطلق من بيته فهناك هدف أمامه، هذا ليكسب المال الحلال، وذاك ليكسب المال الحرام، هذا ليتزوج فيسعى لشراء بيت، فيحصن نفسه بهذه الزوجة، وهذا ليزني، وهذا ليفعل خيراً، وهذا ليفعل سوءاً:
﴿ إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ﴾
ستة آلاف مليون إنسان في دماغ كل هؤلاء هدف:
﴿ إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ﴾
سعي الإنسان يندرج تحت فريقين:
ولكن هذا السعي يمكن أن يندرج في حقلين لا ثالث لهما:
الفريق الأول:
آمن أنه مخلوق للجنة، وأن الدنيا دار عمل، وليست دار أمل، وأن الدنيا دار تكليف، وليست دار تشريف، وأن الدنيا ممر وليست مقراً، آمن الفريق الأول أنه مخلوق للجنة، لذلك اتقى أن يعصي الله، حرص على استقامته، ولأنه مخلوق في الدنيا للجنة، ومن أجل أن يدفع ثمن الجنة في الدنيا عمل الأعمال الصالحة، بنى حياته على العطاء، بالتعبير المعاصر: إستراتيجية المؤمن أنه يعطي.
﴿ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾
( سورة البقرة )
إذاً: آمن أنه مخلوق للجنة، واتقى أن يعصي الله، وبنى حياته على العطاء، عرف الله، فانضبط بمنهجه، وأحسن إلى خلقه، فسلم وسعد في الدنيا والآخرة. الفريق الثاني:
الفريق الآخر: أيقن أنه مخلوق للدنيا، ولا شيء بعد الدنيا، فلما توهم هذا استغنى عن طاعة الله، لم يعبأ بالشرع، ولا بالحرام، ولا بالحلال، ولا بالمكروه، ولا بالواجب، ولا بما ينبغي، ولا بما لا ينبغي، استغنى عن طاعة الله، ولأنه مخلوق بحسب وهمه للدنيا، بنى حياته على الأخذ.
الفرق واضح، والفرق صارخ، والفرق بيّنٌ بين المؤمن وغير المؤمن، المؤمن بنى حياته على العطاء، يسعده أن يعطي، مقاييسه تختلف عن مقاييس غير المؤمن 180 درجة، هذا يعطي، وهذا يأخذ.
الناس أتباع نبيٍّ أو قويٍّ:
لذلك هؤلاء البشر يقع على رأس هرمهم زمرتان، الأقوياء والأنبياء، الأقوياء أخذوا ولم يعطوا، الأنبياء أعطوا ولم يأخذوا، الأنبياء ملكوا القلوب، والأقوياء ملكوا الرقاب، الأقوياء عاش الناس لهم، والأنبياء عاشوا للناس، الأقوياء يمدحون في حضرتهم، والأنبياء يمدحون في غيبتهم.
لهذا يعد جميع الناس تبع لقوي أو نبي، ولهذا أحب الناس الأنبياء، وخافوا من الأقوياء، والقوي إذا تخلق بخلق النبي أحبه من حوله.
أيها الإخوة، هذا الكلام تؤكد الآية الكريمة:
﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ﴾
﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾
( سورة الليل )
صدق أنه مخلوق للجنة، فاتقى أن يعصي الله، وبنى حياته على العطاء، دقق: ﴿ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ﴾
( سورة الليل )
ييسر لما خلق له، خلق للسعادة، خلق للسلامة، خلق لجنة عرضها السماوات والأرض، فالذي آمن بالله موجوداً، وواحداً، وكاملاً، واتقى أن يعصيه، وتقرب إليه بالعمل الصالح فالله يسوقه إلى الجنة. ﴿ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ ﴾
( سورة يونس الآية: 25 )
الفريق الآخر: ﴿ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ﴾
( سورة الليل )
كذب أنه مخلوق أنه مخلوق للجنة، وصدق أو توهم أنه مخلوق للدنيا، لذلك استغنى عن طاعة الله، لا يعبأ لا بحلال، ولا بحرام، ولا بواجب، ولا بفرض، ولا بسنة، ولا يجوز، وبلا لا يجوز، ولا بما هو مستحب، ولا هو مكروه، ولا بما ينبغي، ولا بما لا ينبغي، يجلس مع من يشاء، يأكل ما يشاء، يقتنص الأموال كيف يشاء، يتابع شهوته كما يريد، استغنى عن طاعة الله، وبنى حياته على الأخذ، يتوهم أن ذكاءه في الأخذ لا بالعطاء، في أن يأخذ مال الآخرين، وجهد الآخرين، ويتلقى خدمات الآخرين، أن يستعلي على الآخرين، له ما ليس لغيره، وعلى غيره ما ليس عليه، ﴿ بَخِلَ ﴾
بنى حياته على الأخذ، و﴿ وَاسْتَغْنَى ﴾
عن طاعة الله، و ﴿ وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ﴾
﴿ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ﴾
( سورة الليل )
لخلاف ما خلق له، خلق لجنة عرضها السماوات والأرض، هو الآن يمشي في طريق النار، في طريق الشقاء، في طريق البعد، في طريق الإحباط، في طريقة الألم ولن تجد طريقاً ثالثاً، هذا هو التقسيم الإلهي، هذا تقسيم خالق السماوات والأرض، هو لماذا عصى الله ؟ من أجل المال، لأن المال مادة الشهوات، بالمال يشتري أجمل بيت، بالمال يقتني أجمل مركبة، بالمال يتزوج أجمل امرأة، بالمال يستعلي على غيره، بالمال يرتدي أجمل الثياب، بالمال يأكل أطيب الطعام.
﴿ وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى ﴾
( سورة الليل )
في القبر. ﴿ إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى ﴾
( سورة الليل )
( على ) إذا جاءت مع لفظ الجلالة فتعني الإلزام الذاتي، أي أن الله ألزم نفسه ذاتياً بهداية الخلق
﴿ إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى ﴾
﴿ وَإِنَّ لَنَا لَلْآَخِرَةَ وَالْأُولَى * فَأَنْذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى * لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى * وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى ﴾
( سورة الليل )
الآية الثالثة:
الآن قوله تعالى:
﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ ﴾
( سورة الفلق )
الله عز وجل كماله مطلق. ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ﴾
( سورة الأعراف الآية: 180 )
وهذا محور هذه الدروس. ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾
( سورة الأعراف الآية: 180 )
الشهوة بين صحة الطريق وفساد الاستعمال:
الشر يأتي من مخلوق قبل حمل الأمانة، فلما قبل حمل الأمانة أودع الله فيه الشهوات، ليرقى بها إلى رب الأرض والسماوات، أُعطي حرية الاختيار، أُعطي منهج، والمنهج هو الطريق، والشهوات المحرك، والاختيار الإرادة، كمثل سيارة تمشي على طريق يقودها إنسان عاقل، فإذا سَكِر هذا الإنسان، وشرب الخمر هوى في الوادي، نقول: هل هذا المصنِّع العظيم، العملاق مسؤول عن تردي هذه السيارة في الوادي ؟ لا، المسؤول مَن قادها وهو مخمور، ولم يعبأ بتعليمات الصانع، ونزل بها في الوادي، فهلك، فلذلك النبي يقول عليه الصلاة والسلام:
(( والشَّرُّ لَيسَ إليكَ ))
[ أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن علي بي أبي طالب ]
الشر من مخلوق، قبِل حمل الأمانة فأودع الله فيه الشهوات، ليرقى بها إلى رب الأرض والسماوات، فلم يعبأ بمنهج الله، وتحرك بلا منهج، الله عز وجل قال: ﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ ﴾
( سورة القصص الآية: 50 )
تحرك حركة عشوائية، بلا منهج، بلا ضابط، بلا قيم، بلا مبادئ، أراد إرواء شهوته بأي طريق، فشقي وهلك في الدنيا.
أيها الإخوة
﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾
صفة الفردية في الخالق ونصيب المخلوق منها:
هناك معنًى آخر اجتهادي، وليس قطعي مأخوذ من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(( إن الله خَلَقَ آدَمَ على صورَتِهِ ))
[ أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة ]
الله عز وجل من أسمائه ومن صفاته أنه فرد. ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾
( سورة الإخلاص )
أحد، هذه الصفة صفة الفردية والأحادية لكرامة الإنسان عنده أعطاها له، فأنت فرد، لا يشبهك أحد في الأرض، بقزحية عينك، وبنبرة صوتك، وبرائحة جلدك، وبصمة إبهامك، وبأشياء كثيرة منها الزمرة النسيجية، ومنها بلازما الدم، ومنها النطفة، فيتميز الإنسان بأنه فردي، فما في الستة آلاف مليون إنسانٌ تشبه قزحية عينه قزحية عينك، الآن في المطارات تؤخذ صورة القزحية على آلة تصوير، لا يمكن أن يأتي إنسان مع جواز آخر مزور، فقزحية العين هوية، وبصمة الإبهام هوية، ورائحة الجلد هوية، ونبرة الصوت هوية، والنطفة هوية، ليس في نطفة البشر نطفة تسبه نطفتك.
أيها الإخوة، لكرامة الإنسان عند الله خلقه على صورته، منحه الفردية، الله عز وجل مريد، يفعل ما يريد، ولكرامة الإنسان عند الله منحه حرية الإرادة. ﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾
( سورة الكهف الآية: 29 )
﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً ﴾
( سورة الإنسان )
﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ﴾
( سورة البقرة الآية: 148 )
منحك الفردية، ومنحك الحرية.
الآية الرابعة:
الله عز وجل:
﴿ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾
( سورة البقرة الآية: 117 )
الله عز وجل:
﴿ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾
الإبداع صفة الخالق، ونصيبُ المخلوق منها:
ولكرامة الإنسان عنده منحه القدرة على الإبداع عن طريق الجينات، صار عندنا نبات مهجن، وحيوان مهجن، ووردة سوداء، ونباتان في نبات واحد، لولا أن الله صمم مخلوقاته على أساس جيني لما استطاع الإنسان أن يبدع، ولكرامة الإنسان عند الله سمح له أن يبدع.
صفة العلمِ ونصيبُ الإنسان من الاجتهادِ:
﴿ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ﴾
( سورة البقرة الآية: 255 )
ولكرامة الإنسان عند الله سمح له أن يشرع، عن طريق نص ظني الدلالة، لو أن كل آيات القرآن الكريم قطعية الدلالة، فلا مشرع، ولا مجتهد، ولا فقيه، ولا عالم، ولا أصول فقه، ولا شيء إطلاقاً.
نقول: أعطِ فلاناً 1500 درهم، لا تحتاج هذه العبارة لا إلى تفسير الزمخشري، ولا إلى فقه أبي حنيفة، ولا إلى فقه الشافعي إطلاقاً، لا يختلف عليها اثنان في الأرض، أعطِ فلاناً 1500 درهم، أما إذا جاء النص: أعطِ فلاناً ألف درهم ونصفه، يا ترى على ما تعود الهاء ؟ على الألْف ؟ أم على الدرهم ؟ إن عادت على الألف فالمبلغ 1500 درهم، وإن عادت على الدرهم فالمبلغ ألف ونصف درهم، فالبخيل يفهم النص على أنه ألف ونصف درهم، والكريم يفهمه 1500، يمتحن الناس بالنص ظني الدلالة، شاءت حكمة الله أن يكون دينه، في قرآنه، وفي سنة نبيه نصوص ظنية الدلالة، ليجتهد العالِم، فما هو الاجتهاد ؟ الاجتهاد يكون فيما ليس فيه نص قطعي الدلالة: ﴿ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ ﴾
( سورة التوبة الآية: 11 )
يا ترى نعطي الفقير القمح أم المال ؟ شيء يحير، العلماء اختلفوا، لكن لماذا اختلفوا ؟ لأن الفقير في الريف إن أعطيته القمح أكل طوال العام خبزاً مِن صنعه، أما إنسان يسكن في المدينة تعطيه كيس قمح فهو عبء عليه، أين يطحنه ؟ وأين يخبزه ؟ فهذا النص ظني الدلالة، إذاً يمكن أن تعطي الزكاة نقداً، أو عيناً.
فكل شيء متغير، متبدل بحسب جاء النص ظني الدلالة ليحتمل كل المتوقعات.
فلذلك لكرامة الإنسان على الله:
(( إن الله خَلَقَ آدَمَ على صورَتِهِ ))
منحه حرية الاختيار، منحه الإبداع، منحه التشريع، منحه الفردية، هذا معنى اجتهادي:
(( إن الله خَلَقَ آدَمَ على صورَتِهِ ))
الله عز وجل خالق السماوات والأرض.
عود على بدء: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ﴾
( سورة البقرة الآية: 21 )
هو الجهة التي تتبع تعليماته، هو الجهة التي ينبغي أن تتبع تعليماتها، لأنه: ﴿ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾
السعيد
08-24-2018, 01:04 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الثالث و الستون )
الموضوع : اسم الله - المصور - 1 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
مِن أسماء الله الحسنى: ( المصوِّر ):
أيها الإخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم هو اسم الله ( المصوِّر ).
1 – ورود اسمِ ( المصوِّر ) في القرآن الكريم:
لم يرد هذا الاسم في القرآن الكريم إلا في آية واحدة، وهي قوله تعالى:
﴿ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ﴾
( سورة الحشر الآية: 24 )
الخالق البارئ المصوِّر :
وقد ذكرت لكم أن الذين فسروا أسماء الله الحسنى جرت العادة عندهم هذه الأسماء الثلاثة معاً، ( الخالق )، ( البارئ )، ( المصوِّر )، وقد بينت سابقاً أن الخالق يخلق كل شيء من لا شيء، على غير مثال سابق، بينما المخلوق إذا عُزي إليه الخلق في نص الآية الكريمة حيث قال:
﴿ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾
( سورة المؤمنين )
إذا عُزي الخلق إلى الإنسان فهو يصنع شيئاً من كل شيء، وعلى مثال سابق ، أما البارئ فهو خلق، لكن على نحو معين فيه الحكمة البالغة، وقد بينت لكم أيضاً أن الآية الكريمة: ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ﴾
( سورة الأعلى )
هذا الخلق بطريقة، أو بخصيصة تكون كاملة ينتفع بها الآخر.
2 – اسم المصوِّر أثره في المرحلة الثالثة بعد الخالق والبارئ:
أما ( المصوِّر ) فمرحلة ثالثة، خلق كل شيء من لا شيء، وعلى غير مثال سابق، والذي خلقه خلقهُ على نحو كامل، ينتفع به، كالماء الذي نشربه، أودع الله فيه خصيصة، وهي أنه إذا برّدناه، ووصلنا في التبريد إلى درجة زائد أربع، فإنه بدل أن ينكمش يتمدد، وبهذا التمدد يصلح الأمر، ولولا هذا التمدد لما كانت حياة على وجه الأرض.
فالبارئ غير الخالق، خلق الخلق على نحو معين، فيه الحكمة البالغة، وفيه التقدير التام، وفيه العلم المطلق.
أما ( المصوِّر ) فهذا الشيء الذي خلقه على نحو معين أعطاه صورة.
للتوضيح: البناء يكون في الأصل على الهيكل، إسمنت، بعد الإسمنت يُكسى، بعد الكسوة يزيَّن، بالطلاء الخارجي، والرخام، والبلّور، هذه صورة، البناء في الأصل إسمنت مسلح، هيكل إسمنتي، لكن الأبنية الحديثة لها صور رائعة جداً، أحياناً كل البناء بلّور من الخارج، ينظف باستمرار.
إذاً: ( المصوِّر ) بعد الخلق و البرء تكون الصورة، والآية الكريمة:
﴿ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ﴾
مِنَ الآيات الداعمة لمعنى ( البارئ ):
من الآيات الداعمة لهذا المعنى:
الآية الأولى:
﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ﴾
( سورة الأعراف الآية: 11 )
أحياناً تطَّلعون في بعض الصور المدرسية على إنسان على شكل عضلات فقط، منظره مخيف، لو رأيت وجه إنسان بلا جلد، العضلات مخيفة، يأتي هذا الجلد الأملس المشدود، شيء رائع جداً، الجمال كله في هذه الصورة. الآية الثانية:
﴿ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ ﴾
( سورة غافر الآية: 64 )
الإنسان متناظر، يكفي أن يأخذ الخيّاط طول اليد اليمنى، اليسرى مثلها تماماً، لوجود التناظر، والجمال، والجلد، وهناك عين لها لون خاص، وشعر له لون خاص:
﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ﴾
لذلك كان عليه الصلاة والسلام إذا نظر إلى نفسه في المرآة كان يدعو ويقول:
(( الحمد لله الذي حسن خَلقي وخُلقي ))
[أخرجه أبو يعلى عبد الله بن عباس ]
انظر إلى ابنك الصغير، بهذا الجمال الأخاذ، مَن صوَّره بهذه الصورة ؟ عيون متناظرة، واسعة، خدٌّ أسيل، فيه تورّد أحياناً، شعر بلون رائع:
﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ﴾
﴿ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ ﴾
الآية الثالثة:
﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ﴾
( سورة الانفطار )
العادة أن الله سبحانه وتعالى يخاطب الإنسان، إما يخاطب عقله أو يخاطب قلبه، لكن هذه الآية الوحيدة التي فيها خطاب للعقل والقلب معاً:
﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ﴾
هذا خطاب للقلب.
إلى متى أنت باللذات مشغول وأنت عن كل ما قدمت مسئول
***
﴿ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ﴾
لمَ لا تتوب ؟ ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ ﴾
( سورة الحديد الآية: 13 )
تعصي الإله وأنت تظهر حبه ذاك لعمـري في المقال شنيع
لو كان حبك صادقاً لأطـعته إن المحب لمـن يحب يطيـع
***
إذاً: يخاطب الله في هذه الآية قلب الإنسان:
﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ﴾
والآن يخاطب عقله: ﴿ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ ﴾
( سورة الانفطار )
لا شك أن بعضكم ممن تقدمت به السن، يعلم أو يرى من قبلُ المركبة التي صنعت في 1910، التشغيل من الأمام، والإضاءة بفانوس يُشعل، والبوق بآلة بدائية على الضغط الهواء، والعجلات ليس فيها هواء، ليس هناك ماصات للصدمة إطلاقاً، والمحرك حركة واحدة، وازن بين مركبة صنعت في عام 1910 ومركبة صنعت في السنة الثامنة بعد الألفين، الفرق يكاد لا يصدق، يقول لك: ( فول أوبشن )، أي أنها كاملة، ماذا يعني ذلك ؟ أن الإنسان خبرته تتنامى، هل سمعتم أن إنسانا في الأربعينيات كان بوضع ووفي الخمسينيات تعدّل ؟ أضيفت له زيادات، أصابه تطوّر ؟ أبداً، ماذا يعني ذلك ؟ أن خبرة الله قديمة، قدم وجوده، وخلقه كامل مرة واحدة.
3 – من معاني ( المصوِّر ):
لذلك: ( المصور ) اشتقاقاً اسم فاعل مِن صوَّر، يصوِّر فهو مصوِّر، والمصدر تصوير.
المعنى الأول:
ومعنى صوّر الشيء لغةً: جعل له شكلاً خاصاً معروفاً.
الأب الذي عنده عدة أولاد، كل ولد صورة، من حيث اللون، من حيث الطول، من حيث شكل الوجه، هناك وجه دائري، ووجه مستطيل، وهناك شعر أسود، وشعر أشقر، فجعل الله للشيء شكلاً خاصاً معروفاً.
المعنى الثاني:
هناك معنى آخر: صور الشيء قطعه، وفصله، وميّزه عن غيره.
لاحظ صنعة الإنسان القطعُ كلّها متشابهة، ما لها شخصية، علب الطعام متشابهة تماماً، عبوات الأغذية متشابهة تماماً، أما الإنسان فليس هناك في الستة آلاف مليون إنسانٌ يشبه الآخر، لا بشكله، ولا بطوله، ولا بلونه، ولا بملامح وجهه، ولا بطريقة مشيه، ولا بطريقة كلامه، ولا بنبرة صوته.
قال بعض العلماء: " والله يا رب، لو تشابهت ورقتا زيتون لما سمِّيتَ الواسع.
أيها الإخوة، صور الشيء قطعه، وفصله، وميّزه عن غيره، هذه روعة في الخَلق، نحن نحتال على ذلك فنعطي رقما للقطعة، المركبة لها رقم، الرقم يميزه، أما الله عز وجل فيعطيك ملامح خاصة، أنت فرد.
المعنى الثالث:
أو صوّر الشيء جعله على شكل متصور، أما الذات الإلهية فكل ما خطر ببالك فالله بخلاف ذلك.
﴿ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾
( سورة الأعراف الآية: 143 )
مخلوقات الله عز وجل بإمكانك أن تتصورها.
المعنى الرابع:
أيها الإخوة، قال العلماء: الله ( المصور ) أيْ صوّر المخلوقات بشتى أنواع الصور، فهناك صور جلية، وصور خفية، فأنت تمسك كأس الماء لتشربه، ماء صافٍ عذب زلال، لو وضعت هذا الماء تحت مجهر لرأيت ملايين َملايين ملاَيين البكتريا، فالصورة الجلية أنه ماء صافٍ، والصورة الخفية أن هذا الماء فيه مليارات البكتريا النافعة والضرورية.
الصور الظاهرة جلد أبيض، ثقيل، جميل، رائع، لو وضعت هذا الجلد على مبكر، أو على مجهر إلكتروني، التلال، والوديان، والحفر، وأفواه البراكين، والشعر كأنه غابة، اختلف الوضع، في صورة ظاهرة، وفي صورة حقيقية، فالله عز وجل خلق المخلوقات بشتى أنواع الصور، في صورة جلية، وفي صورة خفية، في صورة حسية وفي صورة عقلية.
ِإنسان قد يرى من الخارج بيتًا يأخذ بالألباب، ويكون صاحبه تاجر مخدرات، بنى ثروته على إفساد أخلاق الشباب، الصورة الظاهرة بيت فخم جداً، يشتهي كل إنسان أن يكون فيه، أما الصورة الباطنة فهو بيت بني على إفساد الشباب، وتدمير الأسر، وابتزاز الأموال، وقد تدخل بيتًا صاحبُه إنسان مؤمن متواضع، بيت بسيط، مساحته صغيرة، ليس فيه أثاث فخم، فالصورة الظاهرة متواضعة جداً، لكن وراء هذه الصورة المتواضعة إنسان مستقيم، إنسان معطاء، إنسان بنى حياته على العطاء، بنى حياته على إكرام الناس، على إلقاء الأمن في قلوبهم، والهدى والرحمة في مشاعرهم.
التعلُّق بالحقائق لا بالصور والمظاهر:
هناك صورة جلية، وصورة خفية، لذلك بطولة المؤمن أنه لا يتعلق بالصورة الظاهرة، لا يؤخذ ببت فخم اشتري بمال حرام، لا يؤخذ بمركبة فارهة، ركبها صاحبها، وقد ابتز أموال الناس، هناك صورة ظاهرة، وصورة خفية، وصورة حسية، وصورة عقلية.
مرة حدثني أخ له أستاذ في الجامعة تقاعد، أستاذ من أساطير العلم، تقاعد وانحنى ظهره، وضعف بصره، وكان في وضع صعب في آخر حياته، دخل إلى مسجد فرآه يصلي، فهرع إليه، وسلم عليه بأدب جم، صديقه معه، قال له: مَن هذا ؟ قال له: هذا عميد كليتنا، هذا مِن أعلم علماء النحو، هذا كذا، وهذا كذا، فالصورة الظاهرة إنسان متقدم في السن، منحني الظهر، يرى بصعوبة، يمشي بصعوبة، لكن هذا في حقيقته أكبر عالم في اختصاص معين.
المعنى الخامس:
أيها الإخوة، من معاني اسم ( المصوِّر ) أن الله يبدع صور المخلوقات، ويزينها بحكمته، ويعطي كل مخلوق صورته، كل واحد له صورة.
أؤكد مرة ثانية أن هناك صورًا ظاهرة ينبغي ألا نؤخذ بها، كان عليه الصلاة والسلام كلما رأى شيئاً من الدنيا يقول:
(( اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة ))
[ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أنس بن مالك ]
الغنى والفقر بعد العرض على الله، وقد إنسان يرى بيتاً فخماً، أو سيارة فارهة ، يرى حديقة غناء، أو مزرعة جميلة، يرى طعاما، يرى أماكن جميلة، الدنيا ترقص الآن ، والفتن يقظة، والدنيا حلوة نظرة، لكن سمّها في دسمها، ونساءها تغوي وتردي، وتشقي أحياناً، والمرأة المتفلتة التي لا ترعى قيمة، ولا منهجاً، ولا شرعاً، بل تؤذي غيرَها.
أريد أن أقول لكم: بطولة المؤمن أنه يتعامل مع حقائق الأشياء لا مع صورها، لكن قال بعضهم: " ما أجمل الدين والدنيا إذا اجتمعا "، ولا مانع في ذلك.
الحظوظ الدنيوية موزَعة توزيع ابتلاء:
أيها الإخوة، هناك نقطة دقيقة جداً في هذا اللقاء الطيب: أن الحظوظ: الوسامة حظ، امرأة بارعة الجمال يتهافت عليها كل الرجال، تخطب في سن مبكرة جداً، وهناك امرأة جمالها أقلّ مما ينبغي، وقد تكون عالمة، ومؤمنة، وطاهرة، هناك شيء تراه عينك على الشبكية، وشيء يدركه عقلك، أنا أرى امرأة طاهرة، عفيفة، مستقيمة، تعرف ربها، قلامة ظفرها أغلى من ملكات جمال العالم المتفلتات، البطولة أن تتعامل مع الحقائق.
قال لي أحدُهم: ذهبت إلى بلاد الغرب ماذا رأيت ؟ قلت له: والله على الشبكية إذا كان في الأرض جنة فهي هناك، على الشبكية فقط، الطرقات، الأبنية، الحدائق، وسائل المواصلات، المطاعم، المقاصف، شيء يصعب تصوره، في الدماغ جهنم أحياناً.
فبطولتك لا أن تتعامل مع ما ترى، أن تتعامل مع الحقيقة المُرّة، وقد تكون الحقيقة المُرة أفضل ألف مَرة من الوهم المريح.
لذلك أيها الإخوة، الحظوظ، الجمال حظ، قد يكون لونُ الإنسانِ يلفت النظر، أو طوله يلفت النظر، ولاسيما المرأة، فهذه الحظوظ موزعة في الدنيا توزيع ابتلاء، وتوزيع امتحان، وسوف توزع في الآخرة توزيع جزاء.
الغنى والفقر بعد العرض على الله، الجمال والقبح بعد العرض على الله، قد تأتي امرأة من مسيرة عشرة آلاف كيلومتر، من أجل أن تأخذ مبلغًا يسيرًا، وتعمل ليلاً ونهاراً، لكنها مسلمة، مصلية، طائعة، ترسل هذا المال لأهلها الفقراء، على الشبكية امرأة صغيرة الحجم، اللون غير مقبول، وضعها صعب، تعمل ليلاً ونهاراً من أجل أن تطعم أهلها في بلدها البعيد، و امرأة أخرى تسكن قصرا جميلا، وتركب مركبة فارهة، جميلة جداً، الجمال والقبح متى ؟ بعد العرض على الله، كما قال الله عز وجل:
﴿ إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ * خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ ﴾
( سورة الواقعة )
كان عليه الصلاة والسلام إذا أراد أن يصلي في بيته، لا تتسع غرفته لصلاته ونوم زوجته، لا بد من أن تنزاح جانباً حتى يصلي، وهو سيد الخلق، وحبيب الحق، أمين هذه الأمة سيدنا أبو عبيدة بن الجراح، دخل بعض الصحابة إلى بيته في الشام، غرفة فيها قِدرٌ مغطاة برغيف خبز، وسيفه معلق، وعلى الأرض جلد غزال يجلس عليه، قال له: ما هذا ؟! قال له: هو للدنيا، وعلى الدنيا كثير، ألا يبلِّغنا المقيل.
أيها الإخوة، مرة ثانية الحظوظ موزعة في الدنيا توزيع ابتلاء، وسوف توزع في الآخرة توزيع جزاء، والآية الكريمة: ﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾
( سورة الإسراء الآية: 21 )
قد يكون مع شخص 90 مليارًا، وغيرُه ما معه ثمن لقمة طعام، وقد يكون بإمكانه أن يقصف هيروشيما بأمر، ويموت 600 ألف إنسان في ثلاث ثوانٍ، وغيره لا يستطيع أن يتحرر من سجنه:
﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾
إنسان بأعلى درجة من الغنى، وغيرُه فقير جداً، وإنسانٌ صحيح وغيره مريض، وإنسان قوي وغيره ضعيف، وإنسان وسيم وغيره دميم، وإنسان ذكي جداً وغيره محدود:
﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾
وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً
الآن دققوا في الفصل التالي:
﴿ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً ﴾
( سورة الإسراء )
درجات الدنيا مؤقتة، ودرجات الآخرة أبدية.
أيها الإخوة الكرام، مرة ثانية، وأؤكد على هذا كثيراً: الحظوظ: الغنى، الوسامة، القوة، الصحة، هذه حظوظ، هذه توزع في الدنيا توزيع ابتلاء، لا تغتر بالمال، الغنى والفقر بعد العرض على الله، لا تتألم إن لم تكن الصورة كما تتمنى، الجمال والقبح بعد العرض على الله، وسوف توزع في الآخرة توزيع جزاء، والبطولة من له: ﴿ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ﴾
( سورة القمر )
﴿ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾
السعيد
08-24-2018, 01:06 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الرابع و الستون )
الموضوع : اسم الله - المصور - 2 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
من أسماء الله الحسنى: ( المصوِّر ):
الحظوظ الدنيوية موزعة توزيع ابتلاء:
أيها الإخوة الأكارم، لا زلنا في اسم ( المصور )، وفي اللقاء السابق بينتلكم بفضل الله عز وجل أن الله سبحانه وتعالى وزع الحظوظ على خلقه توزيع ابتلاء في الدنيا، وسوف توزع في الآخرة توزيع جزاء، وهذا الكلام يعني:
(( أن هذه الدنيا دار ابتلاء، وليست دار استواء، ومنزل ترح لا منزل فرح فمن عرفها لم يفرح لرخاء، ولم يحزن لسقاء، قد جعلها الله دار بلوى، وجعل الآخرة دار عقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سبب، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضا فيأخذ ليعطي، ويبتلي ليجزي ))
[ ورد في الأثر ]
الإنسان الذي أوتي حظاً من الذكاء عالياً له حساب خاص، والذي لم يتح له أن يدرس له حساب خاص، والذي أوتي المال له حساب خاص، فالعبرة لا أن تكون غنياً أو قوياً، العبرة أن تنجح في امتحانك، فإذا نجحت في امتحانك نلت الدرجات العلا، هذا الشيء يسع جميع الناس، كل إنسان بحسب ما أقامه الله عز وجل، قد ينجح، ويتفوق، وقد يصل إلى أعلى درجات الجنة، والإنسان له ظروف، له إمكانات، له قدرات، له بيئة، عاش في عصر معين، عاش في ظروف وضغوط معينة، في عقبات، في صوارف، هذا المعنى يؤكده النبي عليه الصلاة والسلام، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ الصَّابِرُ فِيهِمْ عَلَى دِينِهِ كَالْقَابِضِ عَلَى الْجَمْرِ ))
[ أخرجه الترمذي ]
(( كيف بكم إذ فَسَقَ فِتْيانُكم، وطغى نِساؤُكم ؟ قالوا : يا رسول الله، وإنَّ ذلك لكائن ؟ قال: نعم، وأشدُّ، كيف بكم إذا لمْ تأمروا بالمعروفِ ولم تَنْهَوْا عن المنكر ؟ قالوا: يا رسول الله، وإنَّ ذلك لكائن ؟ قال : نعم، وأشدُ، كيف بكم إذا أمرتُم بالمنكر ونهيُتم عن المعروف ؟ قالوا : يا رسول الله وإنَّ ذلك لكائن ؟ قال : نعم وأَشدُّ كيف بكم إذا رأيتُمُ المعروفَ منكرا والمنكرَ معروفا ))
[ زيادات رزين عن علي بن أبي طالب بسند ضعيف،كما في السلسلة الضعيفة ]
البيت من الشعر الذي دخل صاحبه السجن في عهد عمر شعار كل إنسان الآن:
دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
***
لذلك الحظوظ التي وزعت في الدنيا توزيع ابتلاء، وسوف توزع في الآخرة توزيع جزاء.
المنافسة على الدنيا سباق الحمقى:
لكن أحياناً يتساءل الإنسان عن سباق أحمق بين الناس، يسعى أحدُهم جهده لجمع أكبر ثروة مالية، ويضحي بدينه، ومبادئه، وقيمه، ويكذب، ويبتز أموال الناس، ثم يموت ، يسعى إلى أن يكون في أعلى درجات الانغماس في الملذات، وبعد أن يصل إلى هذا الهدف يأتيه ملك الموت.
تصور سيارات متسابقة، في نهاية المطاف حفرة ما لها من قرار، الكبيرة سقطت، والصغيرة سقطت، والحديثة سقطت، والقديمة سقطت، ما هذا السباق !.
من هنا قال عليه الصلاة والسلام ـ دققوا ـ:
(( بادِرُوا بالأعمال سبعا: هل تُنْظَرون إلا فَقْرا مُنْسيا، أو غِني مُطغيا، أو مَرَضا مُفسِدا، أو هَرَما مُفنِدا، أو موتا مُجْهِزا، والدجالَ ؟ والدَّجَّالُ شَرُّ غائب يُنَتظَرُ والساعةَ ؟ والساعةُ أدْهَى وأمرُّ ))
[ أخرجه الترمذي والنسائي عن أبي هريرة ]
فنحن جميعاً، ولا أستثني أحدًا في الأرض هل يمكن أن نستيقظ كل يوم كاليوم السابق إلى ما شاء الله ؟ أبداً، هناك مفاجأة، فقد ينشأ فقر طارئ، وكيل شركة سُحبت الشركة منه، عليه التزامات، (( أو غِني مُطغيا ))
اغتنى ففسق وفجر، (( أو مَرَضا مُفسِدا أو هَرَما مُفنِدا، أو موتا مُجْهِزا، أو الدجالَ ؟ ))
ما أوسع أقواله، وما أبعده عن أقواله، (( فشَرُّ غائب يُنَتظَرُ، أو الساعةَ ؟ والساعةُ أدْهَى وأمرُّ ))
من بنود اسم ( المصوِّر ):
إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ:
من بنود هذا الاسم العظيم ( المصور )، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال كما في صحيح البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيَجْتَنِبْ الْوَجْهَ، فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ ))
[أخرجه البخاري ومسلم ]
كيف ذلك ؟
الله عز وجل صوَّر آدم، أعطاه صورة، وجعل له سمعاً، والله سميع، وجعل له بصراً، والله بصير، وجعل له علماً، والله عليم .
أيها الإخوة، هذه الصفات يصح إطلاقها في حق الذات الإلهية، ويصح إطلاقها في حق الإنسان، ما من إنسان عالم ؟ والله عز وجل عليم، ما من إنسان سميع ؟ والله سميع، لكن كل ما خطر في بالك فالله بخلاف ذلك.
إثبات صفات الله بغير تشبيه ولا تعطيل ولا تحريف:
ذكرت لكم تعريفاً صغيراً: أن الله خالق، يخلق كلَّ شيء مِن لا شيء، وبلا مثال سابق، فإذا عُزي الخلق إلى الإنسان فبمعنى أنه يصنع شيئًا من كل شيء، وفق مئات الأمثلة السابقة، والفرق كبير بين نسبة الخلق إلى الله ونسبة خلق الإنسان، فلذلك:
﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾
( سورة الشورى )
واحد أحد، فرد صمد: ﴿ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ﴾
( سورة الإخلاص )
بعض كبار العلماء يقول: " ما من شيئين إلا بينهما قدر مشترك، وقدر غير مشترك، فمن نفى القدر المشترك فقد عطل أسماء الله وصفاته، ومن نفى القدر الفارق فقد مثّلت الله بمخلوقات، الله عز وجل حينما وصف ذاته العلية ببعض الصفات، وصف نفسه بأنه سميع، إذا نفيت أن يكون له سمع غير ذاته فقد عطلت اسمًا من أسمائه، وإذا شبهت سمعه بسمع الإنسان فقد مثلته، فالصفات المتعلقة بالذات الإلهية ممنوع أن تلغيها، وممنوع أن تجسدها، وينبغي أن تفوض، أو أن تؤوّل، التأويل موقف مقبول أحياناً، أما التفويض فأكمل، أنا أفوض الله في معنى سمعه، ومعنى بصره، ومعنى: ﴿ وَجَاءَ رَبُّكَ ﴾
( سورة الفجر الآية: 22 )
كيف يجيء ؟
ومعنى:
﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾
( سورة الفتح الآية: 10 )
أنا أفوض معاني هذه الصفات التي وصف الله بها نفسه إلى ذات الله، وهو أكمل موقف إيماني، حينما أريد أن أوضح لأناس إيمانهم ليس كما ينبغي التأويل، لكن ممنوع أن ألغي، وأن أنفي، فإذا نفيت عطلت صفات الله، وممنوع أن تمثِّل، لأنك جسّدت هذه الصفات كصفات الإنسان. اتصاف المخلوق ببعض صفات الخالق:
لكن من الصفات المشتركة التي قد يفهم منها قول النبي عليه الصلاة والسلام:
(( إِنَّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ على صورَتِهِ ))
1 – الاختيار والمشيئة:
أن الله عز وجل مريد، يفعل ما يريد.
﴿ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾
( سورة يوسف )
(( ما شاءَ اللهُ كانَ، وما لم يشأْ لم يكن ))
[أخرجه أبو داود عن بعض بنات النبي عليه الصلاة والسلام ]
﴿ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ﴾
( سورة هود )
والإنسان لكرامته عند الله جعله مختاراً. ﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾
( سورة الكهف الآية: 29 )
﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً ﴾
( سورة الإنسان )
﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ﴾
( سورة البقرة الآية: 148 )
كما أن الله مريد، ويفعل ما يريد:
﴿ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ﴾
(( ما شاءَ اللهُ كانَ، وما لم يشأْ لم يكن ))
هذه الصفة التي وصف بها نفسه منحها للإنسان، لكرامته عنده، أنت المخلوق الأول.
أتحسب أن جرم صغيـر وفيك انطوى العالم الأكبر
***
2 – الفردية الخَلقية:
أيها الإخوة، الله عز وجل فرد واحد أحد، فرد صمد، ومنحك هذه الصفة، ليس في أهل الأرض من آدم إلى يوم القيامة إنسان يشبهك.
لك قزحية عين لا يشبهك فيها إنسان آخر، والآن في المطارات يأخذون صورة قزحية العين، هذه الهوية الحقيقية.
ولك رائحة جلد تنفرد بها من بين الستة آلاف مليون، ولولا هذه الرائحة لما كان من جدوى إطلاقاً في عمل الكلاب البوليسية.
ولك نبرة صوت ليس على وجه الأرض إنسان يشبهك بها.
ولك بصمة يد هي هوية فرد.
ولك زمرة نسيجية، فالأطباء الذين يزرعون بعض الأعضاء يعرفون هذه الحقيقة، لك زمرة نسيجية لا يمكن أن يكون في الأرض إنسان زمرته كزمرتك.
وثبت أخيراً أن نطفتك تتميز بها عن كل البشر، هذه النطفة وبلازما الدم موضوع طويل.
لذلك كما أن الله سبحانه وتعالى فرد منحك هذه الصفة.
أما صناعة الإنسان فتشابه وتتطابق، يعطون القطعة رقمًا، فيكون التمايز بالرقم، لكنك أنت ليس لك رقم، لكن لك هيئة تتميز بها، لك طريقة في الحديث، طريقة في المشي، طريقة في الجلوس، طريقة في التفكير، طريقة في ارتداء ثيابك، لك شكل معين، قوام معين، طول معين، لون معين، وحركات معية، أنت نسيج وحدك، وهذا من فضل الله عليك.
فالله عز وجل مريد، وجعلك مريداً، وهو فرد صمد، وجعلك فردًا لا شبيه لك.
3 – الإبداع:
وهو مبدع.
﴿ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾
( سورة البقرة الآية: 117 )
﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ ﴾
( سورة النساء الآية: 113 )
لما خلق الأشياء على شكل ذكر وأنثى وجينات، فأنت طورت، وفي هولندا استنبتوا وردة سوداء عن طريق التعديل في الجينات، و استنبتوا أشجارا عملاقة مقزمة، هذا بحث طويل، حينما تحكم الإنسان في الجينات أبدع أشياء كثيرة.
فالله عز وجل كما أنه:
﴿ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾
4 – التشريع والاجتهاد فيما لا نص فيه:
سمح لك أن تبدع عن طريق الجينات، والله عز وجل مشرِّع، لكن سمح لك أن تشرع، كيف ؟ عن طريق النص ظني الدلالة، فلو أن كل النصوص قطعية الدلالة فلن تجد إنسانًا مشرّعًا، ولا مجتهدًا، ولا فقيهًا، الله عز وجل كان من الممكن أن تكون آيات القرآن الكريم كلها قطعية الدلالة، أما حينما تأتي آية ظنية الدلالة، أو حديث صحيح ظني الدلالة فالعلماء اجتهدوا، وفهموا هذا النص فهماً موسعاً.
إذاً: سمح الله لك أن تشرع عن طريق النص ظني الدلالة، وسمح الله لك أن تبدع عن طريق الجينات، وسمح لك أن تكون فرداً، وسمح لك أن تكون مريداً، وهذا مما يفهم ـ اجتهاداً طبعاً وليس قطعاً ـ من قول النبي عليه الصلاة والسلام في صحيح البخاري:
(( إِنَّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ على صورَتِهِ ))
من تطبيقات اسم ( المصوِّر ):
أيها الإخوة، من تطبيقات هذا الاسم، نحن في كل درس إن شاء الله نقول:
﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾
( سورة الأعراف الآية: 180 )
يعني تقرب إلى الله بكمال مشتق من كماله، هو مصور. ﴿ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ ﴾
( سورة غافر الآية: 64 )
1 – إتقان الصنعة وإخراجُها في أحسن صورة:
أنت إذا صنعت شيئاً اجعله بصورة حسنة، والعالم الغربي برع في هذا بضاعته متقنة جداً، وجميلة جداً، ولها غلاف رائع، فإذا صنعت شيئاً ينبغي أن تصنعه وفق صورة حسنة، كأنك تشتق هذا الكمال من الله عز وجل ، وتتقرب به إلى الله، لذلك اجعل الإتقان والجمال في صنعتك.
أحيانا يكون الجمال، لكن بغير إتقان، اعتناء بغلاف الكتاب فقط، والكتاب مصور تصويرًا عشوائيًا، وهناك صناعة كبيرة جداً ظاهرها جميل، وباطنها غير متقن، هذا يعد غشاً، وأنا أقول: اجعل الإتقان والجمال باطناً وظاهراً لما تقدِّمه للناس من صناعة، أو من إنتاج.
النبي الكريم عليه أتم الصلاة والتسليم حينما دُفن ابنه إبراهيم، الذي حفر القبر ترك فيه فرجة صغيرة، قبر ! فقال عليه الصلاة والسلام:
(( إن هذه لا تؤذي الميت، ولكنها تؤذي الحي ))
[ ورد في الأثر ]
(( إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه ))
[أخرجه أبو يعلى عن عائشة أم المؤمنين ]
عندك مفتاح كهربائي مائل، تتضايق، يقوم بوظيفته كاملة ! لمَ لمْ يضعه على الشاقول ؟ أو على المتوازي ؟ تتضايق:
(( إن هذه لا تؤذي الميت، ولكنها تؤذي الحي ))
(( إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه ))
إذاً: إتقان الصنعة جزء من الدين، هذا إتقان الصنعة ليكون مظهرها جيداً، وهناك عدم إتقان يودي بحياة إنسان، فقد لا تتقن معالجة مريض، ولا تبلغه أن هذا الدواء يسبِّب حساسية، وأنت معك حساسية مثلاً، قد تكون حساسية قاتلة، وقد لا تنتبه فتعطي عيار الدواء لكبير، وهو طفل صغير.
أيها الإخوة، (( إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه ))
2 – حسنُ الصورة الظاهرة:
النبي عليه الصلاة والسلام قال لأصحابه مرة:
(( إنكُم قادِمُونَ على إخوانكم، فَأصْلحُوا رِحَالَكُم، وأصلحوا لِبَاسَكُم، حتى تكونوا كأنَّكم شَامَةٌ في النَّاسِ ))
[ أخرجه أبو داود عن ابن الحنظلية سهل بن الربيع ]
لماذا غير المؤمن أنيق جداً ؟ وثيابه جيدة ؟ وألوانه متناسبة ؟ وبيته جميل ؟,مكتبته جميلة ؟ لماذا المؤمن يهمل مظهره أحياناً ؟ هذا حديث شريف:
(( فَأصْلحُوا رِحَالَكُم، وأصلحوا لِبَاسَكُم، حتى تكونوا كأنَّكم شَامَةٌ في النَّاسِ ))
المطلوب بحسب هذا الاسم، أنا لا أقول: اشترِ ثياب غالية، أبداً، ثيابك العادية البسيطة اجعلها نظيفة، واجعل بينها تناسقاً فقط، محلك التجاري نظِّمه، فقد تدخل محلاًّ والعياذ بالله، أو صيدلية، فلا تجد دواء في محله، أكوام في الأرض، الغبار، تنفر نفسك من هذه الصيدلية، وصاحبه مسلم، أنت مسلم يجب أن تكون في أعلى درجة من الأناقة، والشكل الحسن، لذلك الصورة الحسنة، والعناية بالجسم، وباللباس، وبالبيت، وبمكان العمل، وبالمركبة، هذه من لوازم المؤمن.
مرة ثانية، ينبغي أن نتقرب إلى الله بكمال مشتق من كماله:
﴿ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ ﴾
﴿ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾
( سورة النمل الآية: 88 )
الحقيقة أن الجمال حاجة أساسية في الإنسان، والإنسان يرتاح لبيت نظيف، وألوانه متناسقة، أنا لا أقول أبداً: أن تكون غنياً، لكن يرتاح الإنسان لبيت ما فيه حاجات غير مستعملة، تجد أحياناً مئة حاجة في البيت لا تستعمل، لكنها عبء، منظرها عبء، فكلما جعلت البيت بسيطاً وأنيقاً، ونظيفاً ارتاحت نفسك في البيت وشدك إليه.
إنّ الأب الذي يعتني بالبيت يشدّ أبناءه إليه، وإذا كان البيت مهملاً جداً ينفر الابن منه، وأكثر أوقاته في الطريق مع رفاقه، لأن البيت غير مريح، فالعناية بالبيت أنا أراها حكمة بالغة من الأب، والعناية بالبيت تجذب الابن إلى البيت. إن الله جميل يحب الجمال:
الحديث الشريف:
(( إن الله جميل يحب الجمال ))
[أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي. عن عبد الله بن مسعود ]
كلام كالشمس واضح.
(( ويحب معالي الأمور، معالي الأمور ويكره سفسافها ))
[ أخرجه الطبراني عن سهل بن سعد ]
هناك رجلٌ أنيق جداً، لكنه يتكلم بكلام بذيء جداً، قال له أحدُهم: إما أن ترتدي ثياباً كهذا الكلام، أو أن تتكلم كهذه الثياب.
(( إن الله جميل يحب الجمال ))
ويحب مع الجمال:
(( معالي الأمور، ويكره سفسافها ))
ويحب أن يرى نعمته على عبده.
والله حدثني إنسان قال لي: شخص قد من كثرة ما هو بائس، ووضعه بائس، تحاول أن تدفع له صدقة أحياناً، ولما مات ترك مئات الملايين، لماذا البؤس والتباؤس ؟.
(( من جلس إلى غني فتضعضع له ذهب ثلثا دينه ))
[ ورد في الأثر ]
(( إن الله جميل يحب الجمال ))
(( ويحب معالي الأمور ويكره سفسافها ))
[ أخرجه الطبراني عن سهل بن سعد ]
ويحب أن يرى نعمته على عبده، والله أعطاك، لذلك:
(( ليس منا من قتر على عياله ))
(( ويكره البؤس والتباؤس ))
[أخرجه الحارث عن زهير بن أبي علقمة ]
أن تتمسكن، شيء غير أنيق، أو يكون لك مظهر منفر:
(( ويكره البؤس والتباؤس ))
لذلك أثنى الله على الفقراء الذين: ﴿ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ ﴾
( سورة البقرة الآية: 273 )
لا يخطر في بالك إطلاقاً أن هذا محتاج، لذلك:
﴿ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ ﴾
جاء ذكرهم في كلمة: ﴿ وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ﴾
( سورة المعارج )
لأنه لا يسأل يُحرم، والذي يسأل ويلح، ويقتحم عليك اقتحاماً تعطيه أحياناً، فالبطولة أن تعطي مَن لا يسأل، تعطي المتعفف. خاتمة:
أيها الإخوة، من أدعية النبي لهذا الاسم كان إذا سجد يقول:
(( اللَّهمَّ لَكَ سَجدْتُ، وبِكَ آمَنْتُ، ولَكَ أسلَمتُ، وأنْتَ رَبِّي، سَجَدَ وَجْهي لِلَّذي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ، وَشَقَّ سَمعَهُ وبَصرَهُ تَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الخَالِقينَ ))
[ أخرجه النسائي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه ]
وفي دعاء آخر:
(( أنت ربي، وأنا عبدُكَ، ظَلَمْتُ نَفسي، واعتَرفْتُ بذنبي، فاغفِر لي ذُنُوبي جميعاً، لا يغفر الذُّنُوبَ إِلا أنْتَ، واهدني لأحْسنِ الأخلاقِ لا يَهْدي لأحسنِها إلا أنت وَاصرفْ عَني سَيِّئَها، لا يصرفُ عني سَيِّئَهَا إِلا أنتَ ))
[ أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن علي بن أبي طالب ]
وفي النهاية إذا وقف أمام المرآة، ورأى خلقه، كان يقول:
(( الحمد لله الذي حسن خَلقي وخُلقي ))
السعيد
08-24-2018, 01:08 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الخامس و الستون )
الموضوع : اسم الله - البارى - 1 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
من أسماء الله الحسنى: ( البارئ ):
أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "البارئ".
ورود اسم البارئ في القرآن الكريم فقط:
قد ورد هذا الاسم في القرآن الكريم في موضعين اثنين، الأول في قوله تعالى:
﴿ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ﴾
( سورة الحشر الآية: 24 )
وفي آية أخرى:
﴿ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ ﴾
( سورة البقرة الآية: 54 )
ولم يرد في السنة.
تعريف البارئ من حيث اللغة:
أما "البارئ" بحسب الصياغة الصرفية هو اسم فاعل، من فعل برأ، يبرأ، برءاً، يعني خلق، فهو "البارئ" أي الخالق، ولكن اختلاف الاسمين يعني أن الخالق يختص بمعاني معينة، و "البارئ" يختص بمعاني معينة.
مبدئياً برأ، يبرأ، برءاً فهو "البارئ" أي الخالق، ولكن خالق على صفة معينة أما برأ، يبرأ، برءاً، سلم من كل نقص، وعيب، ومرض، قال عليه الصلاة والسلام:
(( إنَّ لكلِّ دَاء دَوَاءً، فإذا أُصِيبَ دواءُ الدَّاءِ بَرَأ بإذن الله ))
[ أخرجه مسلم عن جابر بن عبد الله ]
هذا الحديث الشريف أيها الأخوة، له أبعاد كثيرة إذا قرأه الطبيب، ويعلم أن هناك أمراضاً لم تكتشف بعد أدويتها، يشعر بالتقصير، لأن المعصوم يقول:
(( لكلِّ دَاء دَوَاءً ))
أما إذا سمع هذا المريض هذا الحديث يمتلأ قلبه أملاً،
(( لكلِّ دَاء دَوَاءً ))
الطبيب له معنى، والمريض له معنى، الآن:
(( فإذا أُصِيبَ دواءُ الدَّاءِ ))
يعني كان التشخيص صحيحاً، وكان وصف الدواء صحيحاً، وسمح الله لهذا الدواء أن يبرئ المريض برأ ولكن بإذن الله.
لذلك أكمل موقف إذا مرض الإنسان أن يختار أفضل طبيب، وأفضل دواء، وأن يطبق تعليمات الطبيب بدقة بالغة، هذا من باب الأخذ بالأسباب، أما
(( بَرَأ بإذن الله ))
يحتاج إلى صدقة، لذلك:
(( داووا مرضاكم بالصدقة ))
[ أخرجه الطبراني عبد الله بن مسعود ]
﴿ وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً ﴾
( سورة النساء الآية: 112 )
فبرأ، يبرأ، برءاً، خلق على صفة معينة، أما برأ، يبرأ، برءاً سلم من كل نقص وعيب ومرض.
الله عز وجل خلق كل شيء على صفة تناسب علة وجوده :
أيها الأخوة، البرء خلق الشيء على صفة تناسب علة وجوده، الله عز وجل أمرنا بالتجمل، فلم يخلق في الشعر عصب حس، لو خلق في الشعرة عصب حس لكنا كالوحوش، لأن الحلاقة تعني عملية جراحية مع تخدير تام، فالله عز وجل خلق كل شيء على صفة تناسب علة وجوده.
لذلك ما كل مخلوق مبروء، لكن كل مبروء مخلوق، الخلق: خلق اليد، لولا هذا المفصل كيف نستخدمه ؟ ينبغي أن نأكل كالقطط، نبطح ونأكل عن طريق الفم مباشرة ما في طريقة، خلق اليد، وخلق المفصل على صفة نستعين بها على طعامنا وشرابنا، خلق الرسغ يدور دورة كاملة، خلق الأصابع، ما كل مخلوق يأخذ معنى "البارئ" خلق الشيء على نحو يحقق الهدف من وجوده.
الفرق بين البارئ و الخالق:
أيها الأخوة، ليس كل مخلوق مبروء، بل كل مبروء مخلوق، أحياناً إنسان يحمل ابنه من يده، لو لم تكن هذه الأربطة تتحمل وزن الجسم لخلعت يده، خلق اليد، لكن على نحو لو حملت ابنك من يده الأربطة تتحمل الوزن بأكمله، وقد تحمله بعنف في ساعة غصب إذاً يجب أن تحمل ضعف الوزن، بالتعبير المألوف مدروسة دراسة دقيقة جداً، هذا معنى "البارئ".
أحياناً في فرق بين الخالق و "البارئ" الإنسان أحياناً أعطي صفة الخلق في قوله تعالى:
﴿ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾
( سورة المؤمنون )
إلا أن الإنسان خلق شيئاً من كل شيء، على مثال سابق، لكن الله "البارئ" خلق كل شيء من لا شيء على غير مثال سابق، هذا الفرق الثاني بين "البارئ" والخالق.
الله عز وجل خلق الأشياء صالحة ومناسبة للغاية التي أرادها:
أيها الأخوة، "البارئ" اسم ذات، نحن تعلمنا أن هناك اسم ذات، وهناك اسم صفة، وهناك اسم فعل، وهناك اسم تنزيه، وهناك اسم تعظيم، "البارئ" اسم ذات من الفعل اللازم برأ من كل نقص وعيب، فهو "البارئ" هذا من أسماء التنزيه، أما اسم فعل من فعل أبرأ أي وهب الحياة للأحياء، بل خلق الأشياء صالحة ومناسبة للغاية التي أرادها، أي أظهر المقدور وفق سابق التقدير، "البارئ" هو الخالق على صفة تناسب علة وجود المخلوق، هذا الحديث طويل.
يعني الأوعية الشريانية عميقة، ضغطها عالٍ جداً، حدثني طبيب جراح قال لي: مرة فتح معي شريان وصل الدم إلى السقف، الشرايين عميقة، والأوردة تعيد الدم إلى القلب، الضغط فيها ضعيف خارجية، لو الآية عكست الرحم يتقلص تقلصاً لطيفاً قبل الولادة بعد الولادة يتقلص تقلصاً مفاجئاً عنيفاً جداً، فيصبح الرحم كالصخرة، فيه عشرة آلاف وعاء دموي انقطعت، لئلا يقع النزيف بهذا التقلص الحاد يوقف النزيف، لو الآية عكست لمات الجنين بالضغط، وماتت الأم بالنزيف، معنى "البارئ" خلقه على نحو مناسب جداً.
الطفل الآن ولد الثقب بين الأذنين يغلق، تأتي جلطة تغلقه، "البارئ" في معنى الخلق على صفة كاملة، على صفة تناسب المخلوق، يعني المخلوق الآن ولد، وما في قوة في الأرض تعلمه كيف يمص ثدي أمه، مزود بمنعكس آلي، ما إن يولد الجنين وتلامس إصبع الممرضة فمه حتى يمصها، من علمه منعكس المص ؟ "البارئ" خلق الشيء على نحو يناسب علة وجودك، ولو ما كان في منعكس مص لما كان في درس، ولا كان في إنسان على وجه الأرض.
هذه البويضة تمشي في أنبوب فالوب، من المبيض إلى الرحم، كيف تمشي ؟ ألها أرجل ؟ لا، كرة هي، كرة كذرة الملح، كيف تمشي في قناة فالوب ؟ قال في أرضية القناة أشعار تتحرك هكذا، لولا هذه الأشعار لما كان هذا الدرس، لا يصبح حمل المبيض فيه بويضة، ما الذي ينقلها إلى الرحم ؟ أرجل ما في، البويضة حجمها تقريباً كحجم ذرة الملح، لكن أرضية هذا الأنبوب فالوب في أشعار تتحرك هكذا باستمرار، تنتقل.
خلق الله عز وجل الإنسان و الحيوان و النبات:
معنى "البارئ" خلق الإنسان، والحيوان، والنبات، على نحو يناسب علة وجودك، الشجر إن لم تسقه ما الذي يحصل ؟ كان من الممكن أن يأخذ ماء الجذر، بعد يومين تموت النباتات كلها، إذا ما في مطر، لكن الله سبحانه وتعالى لأنه "البارئ" النبات يستهلك ماء الأوراق، وتذبل، وكأن الأشجار تناديك، أنا عطشى، بعد ماء الأوراق تستهلك ماء الأغصان، بعد ماء الأغصان تستهلك ماء الفروع، بعد ماء الفروع تستهلك ماء الجذع، بعد ماء الجذع تستهلك ماء الجذر، بعني بعد شهر شهرين حتى تموت، لو الله عكس الآية بعد يوم أو يومين تموت الشجرة، خلقها على نحو تحقق علة وجودها، الله عز وجل "البارئ".
بعضهم صاغ هذه المعاني شعراً قال:
التفكر في آيات الله في الآفاق من خلال:
1 – التفكر في النفس:
لله فـــــي الآفاق آيات لعل أقلها هـو ما إليه هداك
ولعل ما في النفس من آياته عجب عجاب لو ترى عينـاك
* * *
﴿ قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾
( سورة يونس الآية: 101 )
ولــعل ما في النفس من آياته عجب عجاب لو ترى عينـــاك
* * *
2 ـ التفكر في الكون:
والــــكون مشحون بأسرار إذا حاولـــت تفسيراً لـها أعياك
قــل للطبيب تخطفته يد الردى مـــــن يا طبيب بطبه أرداك ؟
قل للمريض نجا وعوفي بـعدما عجزت فنون الــطب من عافاك ؟
* * *
3 ـ التفكر في خلق الإنسان:
قـل للصحيح يموت لا من علة بل بالمـــــنايا يا صحيح دهاك
قــل للبصير وكان يحذر حفرة فهو بها مـــــن ذا الذي أرداك
بل سأل الأعمى خطا بين الزحام بلا اصطدام مــــن يقود خطاك
* * *
الإنسان إذا فقد حاسة عوضه الله قدرات استثنائية.
قــل للجنين يعيش معزولاً بلا راع ومرعىً من الذي يـرعاك؟
قل للوليد بكى وأجهش بالبكا لدى الــولادة من الذي أبكــاك؟
* * *
حينما يبكي سد ثقب بوتال بين الأذنين.
4 ـ التفكر في المخلوقات:
وإذا ترى الثعبان ينفث سمه فسألـــه من ذا بالسموم حشاك
* * *
لماذا لدغة الثعبان تميت الإنسان ؟ لأنها تهبط الضغط للصفر، أكثر أدوية الضغط مأخوذة من سم الثعبان.
واسأله كيف تعيش يا ثــعبان أو تحيا وهذا السم يملأ فــــاك
* * *
المعدة أليست لحماً ؟ ألا تأكل اللحم أيها الإنسان ؟ فكيف يُهضم اللحم والمعدة لا تهضم نفسها، ألا تأكل أحياناً أمعاء ؟ سجق ؟ لحم ؟ لماذا المعدة لا تهضم نفسها ؟.
واسأل بطون النحل كيف تقاطر شهداً وقـــل للشهد من حـلاك؟
* * *
يعني الفواكه كلها حلوة، لكن تستطيع أن توصف لي حلاوة المشمش من دون أن تذكر كلمة مشمش ؟ غير الدراق، غير التفاح، غير الأجاص.
5 ـ التفكر في عظمة الله عز وجل:
بل اسأل اللبن المصفى كان بين دم وفرث مـا الذي صفــاك؟
* * *
الغدة الثديية فوقها في شبكة أوعية، تختار من الدم:
﴿ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خَالِصاً سَائِغاً لِلشَّارِبِينَ ﴾
( سورة النحل )
كيف اختارت هذه الخلية الغير عاقلة الغذاء الكامل للإنسان ؟.
وإذا رأيت الــحيّ يـخرج من حنايا ميت فاسأله مــن أحيـاك؟
قــل للهواء تحسه الأيدي ويخفى عن عيون الناس من أخـفاك ؟
* * *
6 ـ التفكر في الهواء:
هذا الهواء لا نراه اليوم، يحمل طائرة وزنها 350 طن، هذه الجانبو 380 يمكن أضعاف وزنها، تحمل ألف راكب، ما الذي يحملها ؟ الهواء، ولا تراه أنت، لطيف تمشي خلاله، لكن يحمل طائرة:
قــل للهواء تحسه الأيدي ويخفى عن عيون الناس من أخفاك؟
قـل للنبات يجف بعد تعهد ورعاية مـــن بالجفاف رمـاك ؟
وإذا رأيت النبت في الصحراء يربو وحده
* * *
7 ـ التفكر في النبات:
في نبات في الصحراء يعطيك ماء لأن الماء مادة أساسية في الصحراء، نبات يعطياك بضعة مترات من الماء إذا جرحته، يعني إسعاف ماء إسعاف.
وإذا رأيت النبت فـي الصحراء يربو وحده فاسأله مــن أرباك؟
وإذا رأيت الــبدر يسري ناشراً أنواره فاسأله مــــن أسراك؟
واسأل شعاع الـشمس يدنو وهي أبعد كل شيء مــا الذي أدناك؟
* * *
8 ـ التفكر في الكون:
بعد الشمس عنا 156 مليون كم، وأنت الآن تجلس في الشمس تشعر بالدفء الأثر واصل من 156 مليون كم.
واسأل شعاع الـشمس يدنو وهي أبعد كل شيء مــا الذي أدناك ؟
قــل للمرير من الثمار من الذي بالمـــر من دون الثمار رداك؟
* * *
أحياناً تأكل خيارة مرة، من أجل أن تعرف قيمة الخيارة الثانية، من وضع المرار بهذه الفاكهة.
9 ـ التفكر في النخل:
وإذا رأيت النخل مشقوق النوى تسأله من يا نخــل شق نواك؟
* * *
النخل يعيش ستة آلاف سنة، هناك نخل أكل منه النبي عليه الصلاة والسلام ويأكل منه الآن أهل المدينة، أطول شجرة النخلة، ستة آلاف سنة من عهد الفراعنة.
10 ـ التفكر في كل شيء في الطبيعة من نار و نهر و بحر و جبل:
وإذا رأيت النار شبّ لـهيبها فاسأل لـهيب النار من أوراك ؟
وإذا ترى الجبل الأشم مناطحاً قمم الساحب فاسأله من أرساك؟
* * *
من جعل الجبل ثلثه فوق الأرض، وثلثاه تحت الأرض، الجبال أوتاد.
وإذا ترى صخراً تفجر بالمـاء فاسأله من بالماء شقّ صفـاك؟
وإذا رأيت النهر بالعذب الزلال جرى فاسأله من الذي أجـراك ؟
* * *
نبع الفيجة يعطي 16 متر بالثانية، تكفي أهل دمشق، مستودعات هذا النبع تصل إلى حمص، وإلى سيف البادية، وتحت لبنان، تغذي هذه المدينة.
﴿ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ ﴾
( سورة الحجر )
وإذا رأيت النهر بالعذب الزلال جرى فاسأله مـن الذي أجـراك ؟
وإذا رأيت البحر بالملح الأجاج طغى فاسأله مـن الذي أطـغاك ؟
* * *
من جعله مالحاً ؟ وإلا فسد.
وإذا رأيت الليل يغشى داجيا ً فاسأله من يا لــيل حاك دجاك ؟
* * *
سبحان الله ! أين النهار إذا جاء الليل ؟ لا ترى شيئاً، أين الليل إذا جاء النهار ؟.
وإذا رأيت الصبح يسفل ضاحياً فاسأله من يا صبح صاغ ضحاك ؟
ستجيب ما في الكون مـن آياته عجب عجاب لــو ترى عيناك ؟
* * *
طريق الإيمان بالله التفكر في خلق السماوات والأرض:
﴿ قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾
﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾
( سورة آل عمران )
ربي لك الحمد الـعظيم لذاتك حمداً وليس لــــــواحد إلاك
الحمد لله يا مـدرك الأبصار والأبصار لا تدري له ولكونه إدراك
إن لـم تكن عيني تراك فإنني فــــي كل شيء أستبين علاك
* * *
هذا اسم "البارئ" يعني برأ الشيء على نحو يحقق الغاية من وجوده.
من ازداد تفكراً في عظمة الله عز وجل ازداد طاعة له و خشية منه:
الآن الصوص في البيضة، كيف يخرج ؟ ما في طريقة، ينمو له نتوء مؤنف دقيق مدبب على منخاره، هذا النتوء يقذفه، ويكسر القشرة، ويخرج، بعد حين هذا النتوء يضمر ويتلاشى.
العين أنسب مكان لها بالمحجر، الدماغ بالجمجمة، والنخاع الشوكي بالعمود الفقري، والقلب بالقفص الصدري، والرحم بعظم الحوض، ومعامل كريات الدم الحمراء في نقي العظام، شيء مدهش.
أيها الأخوة، باب التفكر لا ينتهي، وكلما ازددت تفكراً في عظمة الله عز وجل ازددت له طاعة، وخشية وحباً.
التفكر أقصر طريق إلى الله عز وجل:
اسم "البارئ" يعني خلق المخلوقات على نحو يحقق سلامة وجودها، والغاية من خلقها، في خصائص، خلق يد بلا مفصل، خلق يد بأربطة ضعيفة، فإذا حمل الأب ابنه خلع يد ابنه.
﴿ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾
( سورة النمل الآية: 88 )
أيها الأخوة، كلما ازددت فكراً ازددت تعظيماً لله عز وجل، بل إن طريق الإيمان بالله التفكر في خلق السماوات والأرض، وهذا التفكر هو أقصر طريق إلى الله وأوسع باب ندخل منه على الله، لأنه يضعنا وجهاً لوجه أمام عظمة الله.
السعيد
08-24-2018, 01:10 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( السادس و الستون )
الموضوع : اسم الله - البارى - 2 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
من أسماء الله الحسنى: ( البارئ ):
أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في اسم "البارئ"، ولا بد من الإشارة إلى أنه قد جرت عادة العلماء الذين شرحوا أسماء الله الحسنى أن يشرحوا اسم الخالق، والبارئ والمصور معاً، لأن بين هذه الأسماء علاقة ترابطية كبيرة جداً.
على كلٍ نحن بدأنا بالخالق وقد ثنينا بالبارئ، وسوف ننتقل إن شاء الله في درس قادم إلى المصور.
الخالق و البارئ:
هذا الاسم بادئ ذي بدء شرحته آية كريمة في القرآن الكريم، عندما قال الله عز وجل :
﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ﴾
( سورة الأعلى )
لذلك "البارئ" أن الله عز وجل خلق، هو الخالق، على نحو خاص، لصالح هذا الشيء، لتحقيق الهدف، الفرق بين الخالق و البارئ أن الخالق خلق كل شيء من لا شيء على غير مثال سابق، لكن البارئ خلق على نحو معين لتحقيق مصلحة راجحة، هذا هو الفرق، الآية واضحة جداً: ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ﴾
هذا الذي خلقه سواه مع وظيفته، فجاءت وظيفته بأعلى درجة من الكمال، لأن هذا الذي خلق قد سواه الله مع هذه الوظيفة. من معاني البارئ:
1 ـ الله عز وجل خالق بارئ برأ الكون على نحو متحرك:
الآن نبدأ من الكون، عندنا كواكب، وعندنا نجوم، الكوكب منطفئ، النجم ملتهب، نسمي الكواكب والنجوم معاً الأجرام السماوية، الأجرام السماوية تتحرك، كل نجم في السماء، وكل كوكب يتحرك، يتحرك بمسار مغلق حول كوكب آخر، لماذا خصّ الله خلق الكون بحركة دائمة، طبعاً الآية الكريمة:
﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ ﴾
( سورة الطارق )
فُهمت في وقت ما على أن السماء ترجع بخار الماء مطراً، يصعد بخار الماء إلى السماء يرجع مطراً، وفُهمت في وقت آخر على أن الأمواج الكهرطيسية تردها طبقة في الجو اسمها الأثير، ترجعها إلى الأرض، ثم فُهمت على أن كل جرم سماوي كوكباً كان أم نجماً يتحرك بمسار مغلق، ويرجع إلى مكان انطلاقه الآخر.
إذاً في حركة خلق الكون على نحو متحرك، لأنه لو أنه خلقه على نحو ساكن وبحسب قانون الجاذبية لاجتمع الكون كله في كتلة واحدة، لأن الكتلة الأكبر تجذب الأصغر الكون بلا حركة يجتمع في كتلة واحدة، الحركة ماذا تفعل ؟ ينشأ من الحركة قوة نابذة أوضح شيء الآلة التي تنشف الغسيل، على مبدأ القوة النابذة، الدوران يطرد الماء نحو المحيط، فبالدوران في قوة نابذة، فالقوة النابذة التي تصنعها حركة النجم تكافئ القوة الجاذبة يبقى الكون بهذا التوازن الرائع.
إذاً الله عز وجل خالق بارئ، برأ الكون على نحو متحرك، ولو خلقه على نحو ساكن لاجتمع الكون كله في كتلة واحدة، هذه من معاني "البارئ". 2 ـ الله عز وجل برأ الأرض على نحو أنها تدور على محور مائل:
شيء آخر، الآن دققوا: الأرض تدور، لو أنها تدور حول محور يوازي مستوى دورانها حول الشمس يعني الشمس هنا الأرض تدور هكذا، الحياة انتهت، لأن الوجه المقابل للشمس فيه النهار إلى أبد الآبدين، والوجه الآخر فيه الظلام إلى أبد الآبدين الوجه 350 تحت الصفر، الوجه 270 تحت الصفر، الحياة انتهت، لو أن الأرض تدور ولكن تدور على محور يوازي مستوي دورانها، هذه الشمس، الأرض تدور هكذا، هنا نهار أبدي، هنا ليل أبدي.
إذاً الله "البارئ" خلق دورة الأرض على نحو ننتفع بها، الآن لو أن الأرض تدور على محور متعامد على مستوى دورانها، مستوى الدوران هكذا، تدور على محور متعامد مع مستوي دورانها، لألغيت الفصول الأربعة، الشمس هنا، والأشعة هنا عمودية إلى أبد الآبدين صيف أبدي، هنا شتاء أبدي، هنا ربيع أبدي.
إذاً الله عز وجل "البارئ" جعل الأرض تدور على محور لا يوازي مستوي دورانها، عندئذٍ تلغى الحياة، وليس عمودياً على مستوى دورانها عندئذٍ تلغى الفصول الأربعة، ولكنه برأها على نحو أنها تدور على محور مائل، فالمحور المائل هكذا، الشمس تأتي إلى القسم الشمالي عمودياً هنا صيف، وتأتي إلى قسمها الجنوبي مائلة شتاء، فإذا دارت الأرض حول الشمس انعكست الآية، فجاءت الأشعة عمودية في قسمها الجنوبي، ومائلة في قسمها الشمالي، تبدلت الفصول.
"البارئ" خلق على نحو معين يحقق مصلحة الشيء.
3 ـ البارئ هو من خلق الكون على نحو بعض أجرامه ملتهبة وبعضها منطفئة:
أيها الأخوة، شيء آخر: لو أن الأجرام السماوية كلها منطفئة، ما في حياة صفر مطلق، يعني 270 نحن الصفر، وفي هذا الصفر المطلق تقف حركة الذرات، تنعدم المادة، لو أن الأجرام السماوية كلها ملتهبة ما في حياة، الشمس مثلاً أحد الأجرام الملتهبة وهي جرم متواضع جداً، الحرارة على السطح ستة آلاف درجة، في العمق عشرين مليون درجة، لو ألقيت الأرض في الشمس لتبخرت في ثانية واحدة، وأنت في الصيف تقف في الشمس فلا تحتمل، وبعدها عنك 156 مليون كم، وقد يصاب الإنسان بضربة شمس فيموت، والشمس بعدها عنا 156 مليون كم.
إذاً تصور أن الكون كله أجرامه ملتهبة ما في حياة، كل أجرامه منطفئة ما في حياة، من صمم الكون ؟ من خلق الكون على نحو بعض أجرامه ملتهبة، وبعض أجرامه منطفئة، "البارئ"، هو:
﴿ الْخَالِقُ الْبَارِئُ ﴾
( سورة الحشر الآية: 24 )
4 ـ الخالق البارئ جعل لكل عنصر درجة انصهار و درجة تجمد معينة لحكمة منه:
الآن الماء يتجمد بدرجة الصفر، بعض المعادن ينصهر بدرجة مئة، الرصاص الحديد 1500، كل عنصر في الأرض له درجة انصهار، ودرجة تجمد، تصور أن كل هذه العناصر تتجمد في جو واحد، وتنصهر في درجة واحدة، ما الذي يحصل ؟ الكون كله إما أنه غار، أو سائل، أو صلب، لو أن عناصر الأرض تنصهر في درجة واحدة، أما أنت تشرب كأس ماء سائل، تستنشق الهواء غازاً، تجلس على كرسي أمامك طاولة صلبة، يوجد بحياتنا شيء صلب، شيء لين كالإسفنج، شيء لزج كالقطر، شيء سائل، شيء غاز، ما الذي جعل هذه العناصر متفاوتة ؟ أن كل عنصر له درجة انصهار خاصة به، من صمم أن كل عنصر له درجة انصهار خاصة به ؟ طبعاً صخور البازلت من أقسى الصخور، وتنصهر بآلاف الدرجات، لو تنصهر بدرجة مئة، أما أنت بحاجة إلى معدن، الفكرة دقيقة.
أنت عندك محل تجاري، له غلق، و أرضية المحل من حجر، كيف تعامل هذا الغلق مع الحجر ؟ تحتاج إلى قطعة حديد مغروسة بالحجر، كيف يثبت الحديد بالحجر ؟ ما في حل، إلا بمعدن وسيط، ينصهر بدرجة مئة، وإذا تجمد ازداد حجمه، أكثر حشوات الأسنان رصاص، تنصهر بسهولة، وتتجمد مع التمدد، فيكون الفراغ على شكل إجاصة، يسكبون الرصاص فإذا برد الرصاص زاد حجمه، عندئذٍ ما في قوة تنزع قطعة الحديد من الحجر، في معادن تنصهر بألف وخمسمئة ، بألفين، بثلاثة آلاف، أما الرصاص بمئة، أحياناً يسخن على نار عادية، يسيح الرصاص، كل معدن له درجة انصهار، كل شبه معدن له درجة انصهار، كل عنصر له درجة انصهار، شيء يحير الألباب.
اختلاف الكثافات:
أيها الأخوة، أحياناً الكثافة تختلف، تجد الخشب يطفو، كثافته أقل من كثافة الماء، الكثافة نسبة الحجم للوزن، الخشب يطفو، الحديد يغوص، لأن الحديد كثافته أشد من صمم الكثافات ؟ أحياناً تجد مصعداً، حركة سهلة جداً لأنه قابله أوزان ثقيلة، من أين يؤتى بهذه الأوزان الثقيلة ؟ من الإسمنت، أو الحديد.
تجد مصعداً (غرفة كبيرة) فيها سبعة أشخاص يقابلها بعض الصفائح من الحديد وزن هذه الصفائح كوزن هذه الغرفة، فالحركة تكون سهلة، من صمم الكثافات ؟ والماء اعتبر وحدة الكثافة، واحد.
خلق الله عز وجل كل شيء على نحو معين:
الآن في عنا نقطة دقيقة جداً، أن الماء يتجمد، وإذا تجمد بحسب قانون مطلق شمولي ينكمش، وإذا انكمش يعني حجمه قلّ، مع الوزن الثابت يعني تزداد الكثافة، فإذا زادت كثافة الماء المجمد يجب أن يغوص، عنصر وحيد في الكون، له خاصة يتميز بها أن الماء إذا تجمد زاد حجمه، فقلت كثافته، فطفا على سطح الماء، ولولا هذه الخاصة لما كانت حياة على سطح الأرض.
لو أن البحار تجمدت، فغاصت القطع الجليدية في أعماق البحار، بعد حقبة من الزمن تتجمد جميع البحار، وينعدم التبخر، وتنقطع الأمطار، ويموت النبات، ويموت الحيوان، ويموت الإنسان.
حياتنا جميعاً، حياة ستة آلاف مليون إنسان على خاصة بكأس ماء بدرجة زائد أربعة بدل أن ينكمش الحجم يزداد الحجم، فإذا زاد قلت الكثافة فطفا الجليد على سطح الماء تبقى البحار دافئة، فيها حياة، والجليد طبقة سطحية
﴿ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ﴾
﴿ الْخَالِقُ الْبَارِئُ ﴾
يعني خلق على نحو معين. 5 ـ الخالق البارئ هو من خلق الجاذبية ليأخذ كل شيء وزناً:
الآن لو أن حجم الأرض كان ضعف حجمها الحالي، الأخ الذي وزنه 80 يصبح وزنه 160 الحركة صعبة، لو كان حجمين صار وزنه 240 كغ، من جعل حجم الأرض؟
﴿ خَلَقَ فَسَوَّى ﴾
يجعل وزنك معقولاً، الآن الإنسان على القمر وزنه عشر، إذا كان ستين وزنه بالأرض بالقمر وزنه 6، هذه قضية الجاذبية من نعم الله العظمى، في منطقة بين الأرض والقمر ما في جاذبية، ما في وزن، تمسك الشيء ما في وزن، رواد الفضاء ينامون بالمركبة، يستيقظون في سقف المركبة، ما في وزن، أنت تتمتع بميزة الوزن تضع الطاولة هنا تبقى، لماذا تبقى ؟ من وزنها، ما معنى الوزن ؟ يعني انجذابها إلى الأرض.
﴿ أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً ﴾
( سورة النمل الآية: 61 )
من ثبت الشيء على الأرض ؟ الوزن، الوزن يعني الجاذبية، هذا القانون قانون الجاذبية، الإنسان بلا وزن مشكلته مشكلة، وبوزن لا يحتمل مشكلته أكبر، من خلق الجاذبية ليأخذ كل شيء وزناً ؟ الله عز وجل ﴿ خَلَقَ فَسَوَّى ﴾
﴿ الْخَالِقُ الْبَارِئُ ﴾
6 ـ الخالق البارئ جعل دورة الأرض حول نفسها تتناسب مع طاقة الإنسان:
تصور الأرض تدور حول نفسها كل سنة دورة واحدة، فالنتيجة عندنا كل ستة أشهر نهار، وستة أشهر ليل، الشمس مستمرة ترتفع الحرارة، غير ارتفاع الحرارة طاقتك ثماني ساعات، تعمل أنت بحاجة إلى أن تنام في النهار، فلان يعمل وأنت نائم أيقظك، ما في تناسب، الحياة لا تحتمل لو كان الليل ستة أشهر، أساساً القطب في هذه الحالة، الليل ستة أشهر، والنهار ستة أشهر، بالليل ينامون، ويستيقظون، بالنهار كذلك، من جعل دورة الأرض حول نفسها تتناسب مع طاقة الإنسان،
﴿ خَلَقَ فَسَوَّى ﴾
﴿ الْخَالِقُ الْبَارِئُ ﴾
تجد بالليل في سكن، أشد الأمكنة ازدحاماً بالليل لا يوجد أحد، الكل نائم، الليل والنهار طوله يتحدد من زمن دورة الأرض حول نفسها. 7 ـ الخالق البارئ جعل أربعة أخماس الأرض بحاراً:
الآن لو مساحات البحار أقل، البحار مساحتها أربعة أخماس الأرض، القارات الخمس، يعني أمريكا الشمالية والجنوبية، أوربا، وآسيا، وإفريقيا، وأستراليا، مجموع مسحات البر خمس مساحة البحر، لولا هذه النسبة والتناسب بين مساحة البر والماء ما كان في أمطار، حتى تكون مساحات كافية لتبخير الماء و أمطار تغطي حاجة اليابسة، لا تظن القضية عشوائية، أنه أربعة أخماس الأرض بحاراً لولا هذا التناسب لما كانت أمطار أساساً، إذاً
﴿ خَلَقَ فَسَوَّى ﴾
هو ﴿ الْخَالِقُ الْبَارِئُ ﴾
8ـ الخالق البارئ صمم الهواء ليحمل بخار الماء لأن حياتنا متوقفة على هذه الخاصة:
الآن في شيء دقيق جداً أنه لو الأرض كلها في درجة حرارة واحدة، ما في هواء إطلاقاً، الهواء لا يتحرك، الهواء يتحرك في حالة واحدة، بالأماكن الباردة يكون ضغطه عالٍ، بالأماكن الحارة ضغطه منخفض، يقول لك: منخفض جوي، أي عندنا كتلة هوائية ضغطها مخلخل، ضغطها منخفض، تنجذب إلى الضغط العالي، أو بالعكس لولا وجود منطقة استوائية حارة، ومنطقة قطبية باردة ما كان في رياح أساساً، والرياح تسوق السحاب، والسحاب معه الأمطار، لولا تفاوت الدرجات ما كان في رياح، وما كان في أمطار تنتقل من مكان إلى مكان،
﴿ خَلَقَ فَسَوَّى ﴾
من صمم أن الهواء يحمل بخار ماء، لو أن الهواء لا يحمل بخار ماء ما في حياة إطلاقاً، أيضاً حياتنا متوقفة على هذه الخاصة أن الهواء يحمل بخار ماء، لا يكفي أنه يحمل، يجب أن يحمل بخار ماء متفاوت مع حرارة الماء والهواء، أي عندما يحمل بخار ماء بدرجة عالية يحمل كمية كبيرة، يصل لمنطقة باردة يتخلى عن الكمية الزائدة، قوانين دقيقة جداً من قننها ؟ من صممها ؟ هو ﴿ خَلَقَ فَسَوَّى ﴾
التفكر في خلق السماوات والأرض أقصر طريق لمعرفة الله:
أيها الأخوة، إذا قرأت اسم "البارئ" يعني خالق خلق الشيء على نحو رائع بحيث ينتفع الشيء من خصائصه.
مرة ذكرت لكم أن هذا الصوص كيف يخرج من البيضة ؟ ما في طريقة، إلا أنه ينمو له نتوء على منقاره نتوء كالإبرة تماماً، مؤنف، بهذا النتوء يكسر قشرة البيضة، بعد أن يخرج خلال أيام يضمر هذا النتوء ويعود المنقار كما كان عليه، ذلكم الله رب العالمين.
أيها الأخوة، أنا أرى أن التفكر في خلق السماوات والأرض أقصر طريق لمعرفة الله، وأوسع باب ندخل منه على الله.
﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾
( سورة آل عمران )
الإنسان يعود نفسه أن يتفكر، يعود نفسه لا يتعامل مع الأشياء تعاملاً بسيطاً أكلنا، شربنا، نمنا، في إنسان أعرفه لا ينام إطلاقاً، أنا أقسم لكم بالله لو يملك مليار يدفعه فقط أن ينام ليلة واحدة، نعمة النوم قليلة ؟ نعمة الحركة قليلة ؟ نعمة الذاكرة قليلة ؟ على كل إنسان أن يتفكر في دقة خلق الله عز وجل:
الله عز وجل والله لو أمضينا كل حياتنا نتفكر في دقة خلق الله، وحكمة خلق الله، وعظمة خلق الله اكتفِ بجسمك.
﴿ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴾
( سورة الذاريات )
بطعامك وشرابك، الماء، بهذه الفواكه، بهذا الحليب الذي تشربه. ﴿ وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ ﴾
( سورة النحل الآية: 5 )
فلذلك أيها الأخوة، "البارئ" هو الخالق على نحو معين، تحقق بهذا النحو مصلحة الاسم.
السعيد
08-24-2018, 01:12 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( السابع و الستون )
الموضوع : اسم الله - الجبار - 1 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: ( الجبَّار ):
أيها الإخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم (الجبار).
1 – ورودُ اسم ( الجبَّار ) في القرآن والسنة:
قد ورد هذا الاسم في القرآن الكريم في موضع واحد، وهو قوله تعالى:
﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ ﴾
( سورة الحشر الآية: 23 )
أيها الإخوة، وقد ورد في السنة، ففي صحيح مسلم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ:
(( يَأْخُذُ الْجَبَّارُ سَمَاوَاتِهِ وَأَرْضَهُ بِيَدِهِ، وَقَبَضَ بِيَدِهِ، فَجَعَلَ يَقْبِضُهَا وَيَبْسُطُهَا، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْجَبَّارُ، أَيْنَ الْجَبَّارُونَ ؟ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ ؟... ))
2 – معنى اسم ( الجبَّار ):
أيها الإخوة، من معاني هذا الاسم:
المعنى الأول:
( الجبار ) هو صيغة مبالغة مِن جابر، جابر جبّار، كغافر غفّار، رازق رزّاق، صيغة مبالغة من جابر، وجابر الموصوف بالجبر، والجبر من جبر، يجبر، والجبر إصلاح الشيء بالقهر.
الله عز وجل جبَر الفقير أي أغناه، وجبر الخاسر أي عوّضه، وجبر المريض أي شفاه.
المعنى الثاني:
والجبار العالي على خلقه، والجبار الذي تنفذ مشيئته في خلقه، الله عز وجل لا غالب لأمره.
﴿ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ﴾
( سورة الرعد الآية: 41 )
أحياناً يصدر حكم من محكمة الصلح الأولى، الذي حُكم عليه يستأنف، فيصدر حكم من محكمة الاستئناف، الذي حكم عليه يستأنف، في محكمة النقض، لا غالب لأمره.
﴿ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ﴾
(( ما شاءَ اللهُ كانَ، وما لم يشأْ لم يكن ))
[ أخرجه أبو داود عن بعض بنات النبي عليه الصلاة والسلام ]
أنت مع من ؟ أنت مع ( الجبار )، أنت مع الذي إرادته نافذة، أنت مع الغالب على أمره. ﴿ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ ﴾
( سورة يوسف الآية: 21 )
﴿ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ﴾
( سورة هود )
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1503/01.jpg
أنت كإنسان هل تستطيع أن تفعل كل إرادتك ؟ الله عز وجل:
﴿ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ﴾
(( ما شاءَ اللهُ كانَ، وما لم يشأْ لم يكن ))
قام خطيب أمام النبي عليه الصلاة والسلام فقال: ما شاء الله وشئت، فقال عليه الصلاة والسلام: بئس الخطيب أنت جعلتني لله ندا:
(( ما شاءَ اللهُ كانَ، وما لم يشأْ لم يكن ))
فإذا كنت مع ( الجبار )، فأنت القوي، إذا كنت مع ( الجبار ) فالمستقبل لك، إذا كنت مع ( الجبار ) فأنت المنتصر، إذا كنت مع ( الجبار ) تدور الأيام، ولا تستقر إلا على رفعة شأنك، لأن مشيئة الله نافذة في كل خلقه، ولا تنفذ فيه مشيئة أحد، يُجبر كل أحد، ولا يُجبره أحد. المعنى الثالث:
و( الجبار ) هو الجبروت، كمالك الملك والملكوت، يقول عليه الصلاة والسلام:
(( سبحان ذي الجبروت والملكوت، والكبرياء، والعظمة ))
[أخرجه أبو داود والنسائي عن وف بن مالك ]
3 – اسم ( الجبَّار ) من أسماء التعظيم والتنزيه:
اسم ( الجبار ) أيها الإخوة، من أسماء التعظيم، هناك اسم ذات، وهناك اسم صفة، وهناك اسم فعل، وهناك اسم تنزيه، وهناك اسم تعظيم، ( الجبار ) من أسماء التعظيم.
(( الكبْرِياءُ ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدا منهما قذَفْتُهُ في النار ))
[ أخرجه مسلم وأبو داود عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ]
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1503/02.jpg
لكن أحياناً لله عز وجل في خلقه امتحانات صعبة، من هذه الامتحانات أنه يقوي أعداءه، فيفعلون ما يقولون، فيتوهم ضعيف الإيمان أنهم آلهة، فينبطحون أمامهم، والحقيقة أن الله لا يسمح لأحد أن يأخذ اسم ( الجبار )، ولا اسم القهار، ولا اسم العزيز، لا بد من أن يقصمه الله، ولهذا قال الله عز وجل : ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ﴾
( سورة الأعراف الآية: 34 )
كيف أن للرجال أعماراً وللأمم أعماراً، فأية أمة طغت، وبغت، وتجبرت لا بد من أن يقصمها الله في وقت ما.
أيها الإخوة، اسم ( الجبار ) من أسماء التعظيم، وهو في حق الله من كماله، من دلائل عظمته، من قوته، لكن لو قلنا: فلان جبار، فهذا اسم نقص، وصفة نقص في الإنسان، يقول الله عز وجل: ﴿ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ ﴾
( سورة غافر الآية: 35 )
لأن العبد عبد، والرب رب، العبد من شأنه الافتقار، حتى الأنبياء قمم البشر كانوا:
﴿ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ ﴾
( سورة الفرقان الآية: 20 )
هم مفتقرون في وجودهم إلى إمداد الله لهم، بل مفتقرون في تأمين طعامهم إلى المشي في الأسواق، إذاً هم عبيد، وعباد، لكن الله سبحانه وتعالى هو رب العباد، والعبيد شيء، والرب شيء آخر. معنى ( الجبَّار ) عند الجبرية من أفسدِ المعاني :
أيها الإخوة، إلا أن ( الجبار ) عند فئة الجبرية، وهي فئة عقيدتها فاسدة، تتصور أو تتوهم أن الله يجبر عباده على أفعالهم، وأن الإنسان كريشة في مهب الريح.
ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له إيّاك إياك أن تبتل بالماء
هذه العقيدة تتناقض مع كمال الله، فكيف يجبر الله عبداً من عباده على معصية ثم يحاسبه عليها ؟ هذه عقيدة أهل الشرك، قال تعالى: ﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ ﴾
( سورة الأنعام )
الإنسان مخيَّرٌ:
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1503/03.jpg
فلو ألغينا حرية الاختيار في الإنسان لألغينا الثواب والعقاب، ألغينا الجنة والنار، ألغينا حمل الأمانة، ألغينا التكليف، ألغينا كل شيء.
﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾
( سورة الكهف الآية، 29 )
﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً ﴾
( سورة الإنسان )
﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ﴾
( سورة البقرة الآية: 148 )
أيها الإخوة
﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ﴾
( سورة البقرة الآية: 256 )
أصل التكليف أنك مخير، ولو أن الله أجبر عباده على الطاعة لبطل الثواب ، ولو أجبرهم على المعصية لبطل العقاب، ولو تركهم هملاً لكان عجز في القدرة، إن الله أمر عباده تخييراً، ونهاهم تحذيراً، وكلف يسيراً، ولم يكلف عسيراً، وأعطى على القليل كثيراً.
تروي الروايات أن شارب خمر جيء به إلى سيدنا عمر بن الخطاب، فقال: << أقيموا عليه الحد، فقال هذا العاصي: يا أمير المؤمنين، إن الله قدر عليّ ذلك، فقال: أقيموا عليه الحد مرتين، مرة لأنه شرب الخمر، ومرة لأنه افترى على الله، قال: ويحك يا هذا إن قضاء الله لن يخرجك من الاختيار إلى الاضطرار >>، أنت مخير.
إذاً: عقيدة الجبرية، وهي فئة زاغت عقيدتها، وتوهمت أن الله يجبر عباده على أفعالهم، ثم يحاسبهم عليها، وهذا شيء لا يُقبَل في حق إنسان. المعنى الرابع:
أيها الإخوة، لو دخلنا في التفاصيل ( الجبار ) العالي، الذي لا يُنَال جانبه، ولا تستطيع أن تغلبه، العالي الذي لا ينال، في المعاجم نقول: نخلة جبارة أي لا يستطيع الإنسان قطف ثمارها، ونقول: ناقة جبارة أي يصعب ركوبها، المعنى الدقيق التفصيلي العالي الذي لا ينال، في القرآن الكريم:
﴿ إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ ﴾
( سورة المائدة الآية: 22 )
أي أقوياء لا يهزمون، إنسان جبار هذه صفة ذم فيه، الله جبار هذه صفة مدح ، إنسان جبار أي متعاظم، يتصنع العظمة، متكبر، لا ينقاد إلى أحد، أما الله الجبار فلا تناله الأفكار، ولا تحيط به الأبصار، ولا يصل إلى كنهه عقل من العقول، إذاً: هو من أسماء التعظيم، ومن أسماء التنزيه معاً. 4 – المؤمن قوي عزيز لأنه مع ( الجبَّار ):
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1503/04.jpg
الإنسان بفطرته يحب أن يكون مع القوي، القوة تجذب، القوة تلفت النظر الإنسان يرمقون بأعينهم القوي، فالمؤمن أحد أسباب قوته أنه معتز بالقوي، أحد أسباب قوته أن كل مَن حوله، ومَن فوقه، ومَن تحته بيد الله، وأنه مع الله، وإذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟ وسبب قوة المؤمن أنه متوكل على الله، إذا أردت أن تكون أقوى الناس فتوكل على الله، وسبب قوة المؤمن أنه لا يخضع، ولا ينبطح، ولا يستكين ولا يذل، لأنه مع القوي.
﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾
( سورة هود )
ما أحوج المسلمين اليوم إلى هذه المعاني، أي يعتزوا بربهم، أن يصطلحوا معه أن يستقيموا على أمره، أن يقبلوا عليه، عندئذٍ يصغر عدوهم في نظرهم، وعندئذٍ لا يخيب الله أملهم.
(( أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء ))
[أخرجه الطبراني عن واثلة بن الأسقع ]
﴿ قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى * قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ﴾
( سورة طه )
﴿ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾
( سورة الشعراء )
إخواننا الكرام، قصص ثلاثة، الأمل النجاة فيها صفر: 1 ـ قصة فرعون وموسى وأصحابه:
فرعون بقوته، ببأسه، وجبروته، بحقده، بأسلحته، بغدره، بقسوة قلبه، وراء شرذمة قليلة أمامها البحر، وفرعون من وراءها:
﴿ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾
كان مع ( الجبار )، والجبار هو القهار. 2 ـ قصة سيدنا يونس في بطن الحوت:
سيدنا يونس في بطن الحوت، في ظلمة بطن الحوت، وفي ظلمة البحر، وفي ظلمة الليل:
﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾
( سورة الأنبياء )
3 ـ قصة سيدنا يوسف في الجبِّ:
سيدنا يوسف، وضع في الجب ليموت، فصار عزيز مصر.
﴿ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾
( سورة يوسف )
المعنى الخامس:
أيها الإخوة، ( الجبار ) بالمعنى الآخر المصلح للأمور، العظم إذا كُسر يُجبَر، أي أن يلتئم العظم، هذا من جبر العظم، الله عز وجل يصلح أمور عباده، يرأب الصدع، ويلم الشمل، ويغني الفقير، ويجبر الكسير، ويعطي المحروم، ويرفع الذليل، ماذا يقول التاجر بعد أن يشتري البضاعة ؟ يقول: يا جبار.
معنى ( الجبار ) محبَّب للنفس، الله جبار المظلوم، جبار الفقير، جبار المريض، جبار المحروم، جبار من يعاني من مشكلة، دققوا:
(( إذا كان الثلث الأخير نزل ربكم إلى السماء الدنيا ـ قبل الفجر ـ فيقول: هل من سائل فأعطيه ؟ هل من طالب حاجة فأقضيها له ؟ هل من مستغفر فأغفر له ؟ هل من تائب فأتوب عليه ؟ حتى ينفجر الفجر ))
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( إِنَّ اللَّهَ يُمْهِلُ حَتَّى إِذَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَوَّلُ نَزَلَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ ؟ هَلْ مِنْ تَائِبٍ ؟ هَلْ مِنْ سَائِلٍ ؟ هَلْ مِنْ دَاعٍ ؟ حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ ))
[ مسلم ]
لأنه جبار، بالتعبير الشائع جبار الخواطر، وما عُبد الله في الأرض بأعظم من جبر الخواطر. المعنى السادس:
أيها الإخوة، والمعنى الآخر ذكرناه من معاني ( الجبار ) الذي ذكرناه: أجبره أي أكرهه على ما أراد، أنت تريد، وأنا أريد، والله يفعل ما يريد.
(( عبدي أنا أريد، وأنت تريد، فإذا سلمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد، وإن لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد، ثم لا يكون إلا ما أريد ))
فرعون ماذا قال ؟ قال: ﴿ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ﴾
( سورة النازعات )
وقال:
﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي ﴾
( سورة القصص الآية: 38 )
وفرعون تروي بعض الروايات أنه رأى في المنام أن طفلاً من بني إسرائيل سيقضي على ملكه، القضية سهلة جداً، أمر بذبح أبناء بني إسرائيل، من دون استثناء ، وأية مولِّدة لا تخبر عن مولود ذكر تُقتل مكانه، لكن الله جبار، فهذا الطفل الذي سيقضي على ملكه رباه في قصره.
قوم إبراهيم وضعوه في النار. ﴿ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﴾
( سورة الأنبياء )
النبي في الغار، يا رسول الله لقد رأونا، قال: يا أبا بكر ما ظنك في اثنين الله ثالثهما !.
مرة في أحد الطغاة في أوربا الشرقية، ألقى خطاب، قال: هذا الصفصاف إذا حمل الأجاص فأنا سأتنحى عن منصبي، فتنحى عن منصبه، ووضع بعض أفراد شعبه الأجاص على شجر الصفصاف، الله جبار، لا يتجبر على خلق الله إلا أحمق وغبي. ﴿ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ﴾
( سورة البروج )
هناك قصة رمزية: أن إنسانا يجلس مع زوجته ويأكل الدجاج، طُرق الباب، فإذا بسائل، همت الزوجة أن تعطيه من هذا الطعام ليأكله، فنهرها زوجها، ووبخها، وقال: اطرديه، فطردته، ساءت العلاقة بينها وبينه إلى أن طلقها، ثم جاء من يخطبها، والقصة مؤثرة جداً، هي جالسة مع الزوج الثاني تأكل الدجاج، طُرق الباب، ذهبت لتفتح، فإذا بسائل، فلما رأته اضطربت، قال: من الطارق ؟ قالت: سائل، قال: من ؟ قالت: زوجي الأول، قال: أتدرين من أنا ؟ أنا السائل الأول، الله جبار، إياك أن تقول كلمة كبيرة. المعنى السابع:
أيها الإخوة، ( الجبار ) من لا يرقى إليه وهم، كيفما تصورت الله فهو بخلاف ذلك، كل ما خطر ببالك فالله بخلاف ذلك، هو جبار لا يرقى إليه وهم.
الكيان الشرقي الذي رفع شعار ( لا إله )، وبقي سبعين عاماً يبث هذه العقيدة في الأرض، ويملك من القنابل النووية ما تكفي لتدمير الأرض، كيف تداعى من الداخل ؟ بلا حرب، وبلا أي شيء، الله جبار، الله عز وجل يقصم الجبابرة.
(( أنا الله لا إله إلا أنا مالك الملوك وملك الملوك ))
[أخرجه الطبراني عن أبي الدرداء ]
هو من لا يرقى إليه وهم، ولا يشرف عليه فهم، ولا يلحقه إدراك، ينفذ أمره في كل شيء، ولا ينفذ فيه أمره شيء.
( الجبار ) مَن أصلح الأشياء بلا اعوجاج، وأمر بالطاعة بلا احتياج.
(( لو أنَّ أوَّلَكم، وآخرَكم وإنْسَكم وجِنَّكم، كانوا على أتْقَى قلب رجل واحدِ منكم، ما زاد ذلك في مُلْكي شيئاً، يا عبادي، لو أنَّ أوَّلَكم وآخرَكم، وإنسَكم وجِنَّكم كانوا على أفجرِ قلب رجل واحد منكم، ما نقص ذلك من ملكي شيئاً، يا عبادي، لو أنَّ أوَّلكم وآخرَكم، وإنسَكم وجِنَّكم، قاموا في صعيد واحد، فسألوني، فأعطيتُ كُلَّ إنسان مسألتَهُ، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما يَنْقُص المِخْيَطُ إذا أُدِخلَ البحرَ، يا عبادي، إنما هي أعمالُكم أُحصيها لكم، ثم أُوفّيكم إيَّاها، فمن وَجَدَ خيراً فليَحْمَدِ الله، ومن وجد غير ذلك فلا يَلُومَنَّ إلا نَفْسَهُ ))
[أخرجه مسلم والترمذي عن أبي ذر الغفاري ]
خاتمة:
إن أردت أن تكون قوياً فكن عبداً للجبار، هناك عبد ( الجبار ) فكن مع ( الجبار )، وإن أردت أن تكون قريباً من الله فاجبر الكثير، وهذا موضوع الدرس القادم، حول اسم ( الجبار ).
السعيد
08-24-2018, 01:15 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الثامن و الستون )
الموضوع : اسم الله - الجبار - 2 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: ( الجبَّار ):
إمّا أن تكون مع ( الجبّار ) أو تكون من الجبّارين في الأرض:
أيها الإخوة الكرام، لا زلنا في اسم ( الجبار )، والحقيقة الدقيقة والخطيرة: إما أن تكون مع الجبار الأعلى، مطيعاً، متذللاً، مفتقراً، محباً، فتستمد منه القوة، وتكون عزيزاً، ويكون خطك البياني في صعود مستمر، وإما أن يكون الإنسان من جبابرة الأرض بالباطل، لذلك يقصمه الجبار الأعلى، وترون وتسمعون كل حين كيف أن الله سبحانه وتعالى يقصم أحد جبابرة الأرض.
أيها الإخوة، في الحديث الصحيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ:
(( الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ ))
[أخرجه أبو داود وابن ماجه ]
لا يسمح الله لجهة في الأرض أن تتأله، يسمح لها إلى حين، ثم يقصمها، لأن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ﴾
( سورة الأعراف الآية: 34 )
علاقة المسلم باسم ( الجبار ):
ولكن ما علاقتنا بهذا الاسم ؟
استمداد القوة:
أول علاقة أكدها النبي عليه الصلاة والسلام حين قال:
(( الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ ))
[ أخرجه مسلم عن أبي هريرة ]
لكن النبي كما يقال باللغة الدارجة: جبار الخواطر، قال:
((وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ ))
ولو كنت مؤمناً ضعيفاً، لكن:
(( الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ ))
المال والعلم والسلطة والجاه وفق منهج الله قوةٌ:
لماذا ؟ لأن خيارات المؤمن القوي في العمل لا تعد ولا تحصى، فالمؤمن الغني بإمكانه أن يفتح ميتما، أو معهدا شرعيا، أو مستشفى، أو مستوصفًا، أو مشروعا سكنيا للشباب، بإمكانه أن يصل إلى أعلى مراتب الجنة بماله، المال قوة كبيرة جداً، هو قوام الحياة، وقد ينشئ مساجد، ويزوج شباب، ويطعم الأيتام، ويرعى الفقراء، فيكون في قلوب الملايين.
لذلك:
(( الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ ))
المال قوة، وأنت في منصب رفيع وفق منهج الله، بجرة قلمٍ تحقُّ حقاً، وتبطل باطلاً، تقر معروفاً، وتزيل منكراً، تقرّب مخلصاً ناصحاً، وتبعد فاجراً منافقاً، المنصب قوة كبيرة جداً، والمُمَكَّنون في الأرض رؤيتهم واسعة، وإذا عرفوا الله عز وجل كانت أعمالهم جليلة.
﴿ إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ ﴾
( سورة الكهف الآية: 84 )
(( مَا يَزَعُ النَّاسَ السلطانُ أَكْثرُ مِمَّا يَزَعُهُمْ القُرآنُ ))
[أخرجه زيادات رزين عن عثمان بن عفان ]
وأن تكون عالماً العلم قوة، لأن صناع القرار في الأرض يأخذون من العلماء اقتراحاتهم، والحقيقة الدقيقة أن العلماء هم مَن يحكمون الأرض، لأن صناع القرار يأخذون خبرة هؤلاء العلماء، لذلك قال الإمام الشافعي: " إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لم يعطِك شيئاً ".
إن الحقيقة الدقيقة أن الإنسان يظل عالماً ما طلب العلم، فإذا ظن أنه علم فقد جهل، لذلك الكلمة الراقية المتواضعة المؤدبة لا أن تقول: أنا عالم، قل: أنا طالب علم، لأن فوق كل ذي علم عليم.
أيها الإخوة، بناء على هذا الحديث الصحيح في الصحاح: المؤمن القوي إما بماله، أو بعلمه، أو بمنصبه:
(( لا حَسَدَ إلا على اثْنَتيْنِ: رجلٌ آتَاهُ اللَّهُ القرآنَ فقام به آناء اللَّيل وَآنَاءَ النَّهارِ ورجلٌ أعْطاهُ اللَّهُ مالا، فَهوَ يُنْفِقِهُ آنَاءَ اللَّيلِ وآناءَ النَّهارِ ))
[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن عبد الله بن عمر ]
﴿ إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآَتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً * فَأَتْبَعَ سَبَباً ﴾
( سورة الكهف )
بناءً على هذا الحديث ينبغي أن تكون قوياً إذا كان طريق القوة سالكاً وفق منهج الله، فإن كان طريق القوة على حساب مبادئك وقيمك فالضعف وسام شرف لك، ولا أقبل بالقوة إلا إذا كانت وفق منهج الله، وبناء على هذا الحديث ينبغي أن يكون المؤمن غنياً، حتى يتقرب إلى الله بماله، ولكن بشرط أن يكون طريق الغنى وفق منهج الله بكسب مشروع، لا بالغش، ولا بالدجل، ولا بالاحتكار، ولا بالمعاصي في البيع والشراء التي لا يعلمها إلا الله، وإذا كان طريق العلم سالكاً وفق منهج الله فينبغي أن تكون عالماً.
إذاً النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
(( الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ ))
أيها الإخوة، الحقيقة الأولى وقد نوهت بها في الدرس السابق، الله جل جلاله وحده هو القوي، ولا قوي سواه. ﴿ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً ﴾
( سورة البقرة الآية: 165 )
أية قوة في الأرض مستمدة من الله، تأييداً، أو استدراجاً:
﴿ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً ﴾
ابحث عن قوة لا تحتاج إلى غيرها:
إذا أردت القوة الحقيقية فابحث عن قوة لا تحتاج إلى غيرها، فلو كنت قوياً بإنسان ذي منصب رفيع، هذا الإنسان قوته مستمدة من بقائه في منصبه، فلو أزيح عن منصبه فَقَدَ قوته، فإذا كنت معه فقدتَ أنت أيضاً قوتك، فإن أردت القوة الحقيقية فابحث عن قوة لا تحتاج إلى غيرها، إنها قوة الله.
الشيء الذي لا نستطيعه هو الشيء الذي لا نريد أن نفعله:
يجب أن نعلم علم اليقين أن الشيء الذي لا نستطيعه هو الشيء الذي لا نريد أن نفعله، لأن القرار الذي يتخذه الإنسان في شأن مصيره قلّما تنقضه الأيام إذا كان صادراً حقاً عن إرادة وإيمان، الدليل القرآني:
﴿ كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً ﴾
( سورة الإسراء )
لكن الله سبحانه وتعالى لا يتعامل مع التمنيات، لأنها بضائع الحمقى. ﴿ وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا ﴾
( سورة الإسراء الآية: 19 )
القوة كلُّها في التوحيد:
الآن مؤمن، كيف تكون قوياً ؟ تكون قوياً بالتوحيد، لأن ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، فالتوحيد تحرير للإنسان من كل عبودية إلا من ربه الواحد الديان، المؤمن حر، المؤمن لا يجير لأحد، بل لا يليق بك أن تكون لأحد، أنت لله، أحد أكبر أسباب قوتك أنك محسوب على الله وحده، وأية جهة في الأرض قد تعد محسوبة على جهة قوية، فقوتها مستمدة من هذه الجهة، فإذا فقدت قوتها فجأة ضعفت هذه الجهة التي اعتمدت عليها.
والتوحيد تحرير لعقل الإنسان من الخرافات والأوهام، والتوحيد تحرير لضميره من الخضوع والاستسلام، والتوحيد تحرير لحياته من تسلط الأرباب والمتألهين.
الإمام الحسن البصري أدى أمانة العلم، فبيّن، وكان في عهد الحجاج، فلما بلغ الحجاج ما قاله الحسن البصري غضب غضباً شديداً، وقال لجلسائه: "يا جبناء ! لأروينكم من دمه، وأمر بقتله، وقتلُ الإنسان سهل جداً على الحجاج، جاء بالسياف، وأرسل رجاله لاستدعائه ليقتله، دخل الحسن البصري على مقر الحجاج، فرأى السياف واقفاً، ورأى النطع قد مد، وهو رداء يوضع لئلا يتأذى الأثاث بدم المقتول، اسمه النطع، فعرف مصيره، فحرك شفتيه ببعض كلمات لم يسمعها أحد، فإذا بالحجاج يقف له، ويقول له: أهلاً بأبي سعيد، أنت سيد العلماء، وما زال يدنيه ويدنيه حتى أجلسه على سريره، واستفتاه في موضوع، وعطره، وضيّفه، وودّعه إلى باب القصر، الذي صُعق الحاجب والسياف ، لأنهما يعلمان لماذا جيء بالحسن البصري، جيء ليُقتل، تبعه الحاجب، وقال له: يا أبا سعيد، حينما تدخلت تمتمت بكلمات لم نفهمها، فماذا قلت بربك ؟ قال الحسن البصري: قلت لربي: يا ملاذي عند كربتي، يا مؤنس في وحشتي، اجعل نقمته علي برداً وسلاماً، كما جعلت النار برداً وسلاماً على إبراهيم ".
أنت بالتوحيد أقوى الأقوياء، وليس هناك إلا الله، ولا إله إلا الله.
(( ما شاءَ اللهُ كانَ، وما لم يشأْ لم يكن ))
[ أخرجه أبو داود عن بعض بنات النبي عليه الصلاة والسلام ]
إن أردت أن تكون قوياً فوحِّد الله. ﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ * وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ * وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾
( سورة الشعراء )
أيها الإخوة، التوحيد قوة، الموحد لا يرى مع الله أحداً، الموحد علاقته مع جهة واحدة، الموحد يرى أن أهل الأرض لا يستطيعون شيئاً أمام إرادة الله، الموحد يرى أنه لا يخاف إلا ذنبه، ولا يرجو إلا ربه، الموحد يرى أن يد الله تعمل وحدها في الكون، الموحد يقرأ قول تعالى فيقشعر بدنه:
﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾
( سورة الفتح الآية: 10 )
تيمورلنك سئل: من أنت ؟ قال: أنا غضب الرب، فالطغاة هم غصب الرب ، وظلم الطغاة لا يرد بالسيوف، بل يرد بالصلح مع الله، فالتوحيد قوة.
أيها المؤمن إن أردت أن تكون قوياً فوحد الله، والعلم قوة، العلم يعطيك طاقة لا تتقيد بحدود الزمان والمكان. ﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ﴾
( سورة المجادلة الآية: 11 )
رتبة العلم أعلى الرتب، تعلموا العلم، فإن كنتم سادة فُقْتُم، وإن كنتم وسطاً سُدْتُم، وإن كنتم سوقة عشتم.
الخليفة سليمان بن عبد الملك حج بيت الله الحرام، وهو في بيت الله الحرام قال: " مَن هو عالم مكة ؟ قيل به: عطاء بن أبي رباح، قال: أروني عطاء هذا، فالتقى به ـ دققوا ـ رآه شيخاً حبشياً، أسود البشرة، مفلفل الشعر، أفطس الأنف، إذا جلس بدا كالغراب الأسود، كأن رأسه زبيبة، نصف جسمه مشلول، لا يملك من الدنيا درهماً ولا ديناراً، فقال سليمان: أأنت عطاء بن أبي رباح ! الذي طوق ذكرك الدنيا ؟! قال: هكذا يقولون، قال: بمَ حصلت هذا الشرف ؟ قال: باستغنائي عن دنيا الناس، وحاجتهم إلى علمي، الذي انقطعت له ثلاثين عاماً، فقال سليمان: لا يفتي في المناسك إلا عطاء، بعد يومين اختلف مع أبنائه في قضية في الحج، قال: خذوني إلى عطاء، فأخذوه إلى عطاء، وهو في الحرم، والناس متحلقون حوله، فأراد سليمان أن يجتاز الصفوف، ويتقدم إليه، وهو الخليفة، فقال عطاء: يا أمير المؤمنين، خذ مكانك، يعني ابقَ في مكانك، ولا تتقدم الناس، فإن الناس سبقوك إلى هذا المكان، فلما أتى دوره سأله المسألة فأجابه، فقال سليمان لأبنائه: يا أبنائي عليكم بتقوى الله، والتفقه في الدين، فو الله ما ذللت في حياتي إلا لهذا العبد ".
العلم قوة، لأن الله يرفع من يشاء بطاعته، ون كان عبداً حبشياً، لا مال له ولا نسب، ويذل من يشاء بمعصيته، وإن كان ذا شرف ونسب.
ثم قال سليمان لأحد ولديه: " يا بني ! هذا الذي رأيته ورأيت ذلنا بين يديه هو وارث عبد الله بن عباس، الصحابي الجليل الذي أوتي فهما في القرآن، وكان موسوعة في كل العلوم، ثم أردف يقول: يا بني ! تعلم العلم، فبالعلم يشرف الوضيع، وينبغ الخامل ، ويعلو الأرقاء إلى مراتب الملوك.
أنت مؤمن، توحيدك قوة، وعلمك قوة. الدعاء قوة:
الآن الدعاء قوة، الدعاء قوة كبيرة سيدنا يونس في بطن الحوت، في ظلمة بطن الحوت، في ظلمة البحر، في ظلمة الليل والأمل بالنجاة صفر.
﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾
( سورة الأنبياء )
التوحيد قوة، والعلم قوة، والدعاء قوة. الإصرارُ قوة:
والإصرار قوة، حدثني عالم من علماء دمشق عن قصة سمعتها منه، ولم أقرأها، أن إنساناً في صعيد مصر أرسل ابنه إلى الأزهر، وعاد يحمل الإجازة، وألقى خطبة في مسجد القرية، فبكى الأب بكاءً مراً، الأب في سن 55، وهو أميّ لا يقرأ ولا يكتب، كل مَن حول الأب توهموا أنه بكى فرحاً بابنه، والحقيقة ليست كذلك، إنه بكى أسفاً على عمره الذي أمضاه جاهلاً، ركب حمارَه، ما عنده غيره، وتوجه إلى القاهرة، وبقي في الطريق شهراً، ألف كيلومتر، فلما وصل القاهرة قال: أين الأزعر، أي أزعر هذا ؟ قال له: مكان العلم، قالوا: اسمه الأزهر، وصل إليه، وتعلم القراءة والكتابة في سن 55، ثم تعلم القرآن، ومات في سن 96، مات وهو شيخ الأزهر.
الإصرار قوة، أحد شيوخ الأزهر التحق بالأزهر فلم ينجح فترك الأزهر، وهو جالس في بيته رأى نملة تصعد على الحائط، وقعت، أعادت الكرة، عدَّ محاولاتها، فإذا هي 43 محاولة، فاستحيا من النملة، وتابع دراسته.
الإصرار قوة، التوحيد قوة، العلم قوة.
الإيمان قوة:
الإيمان قوة مطلقة، من فرعون ؟ أحد أكبر جبابرة الأرض، فرعون الذي قال:
﴿ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ﴾
( سورة النازعات )
فرعون الذي قال:
﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي ﴾
( سورة القصص الآية: 38 )
له بنت ولهذه البنت ماشطة، مرة وقع المشط من يدها، فقالت الماشطة: بسم الله، قالت لها بنت فرعون: ألك رب غير أبي ؟ قالت لها: الله ربي وربك، ورب أبيك، قالت: سأخبر أبي، فلما أخبرت أباها جاء بهذه الماشطة، وهي تعمل عنده في القصر ، وجاء بأولادها الخمسة، وجاء بقدر فيه زيت مغلي، وأمسك ولدها الأول، قال لها: ألك رب غيري ؟ قالت: الله ربي وربك، هذه القصة في صحيح البخاري، فألقى ولدها الأول في القدر حتى انسلخت عظامه عن لحمه، وطفت عظامه على سطح القدر، أمسك الثاني، قال لها: ألك رب غيري ؟ قالت: الله ربي وربك، فألقى ولدها الثاني والثالث والرابع، القصة طويلة، أما الخامس فكان رضيعاً، فلما قال لها: ألك رب غيري ؟ سكتت، وتضعضعت، فأنطق الله الغلام، قال: اثبتِي يا أمي، أنت على حق، فقالت: الله ربي وربك، ألقى ولدها الرضيع الخامس، ثم ألقاها في القدر.
النبي عليه الصلاة والسلام حينما أسرى به إلى بيت المقدس، وعرج به إلى السماء شم رائحة ما شم مثلها في حياته، قال: يا جبريل ما هذه الرائحة ؟ رائحة طيبة جداً، فقال: جبريل هذه رائحة ماشطة بنت فرعون.
الحياة ستون أو سبعون سنة، أكبر رقم تتصوره واحد في الأرض وأصفار إلى لشمس، 156 مليون كيلومتر، كل ميليمتر صفر، هذا الرقم أمام الأبد صفر، أي رقم، هذه في الرياضيات نسب إلى اللانهاية فهو صفر، الدنيا صفر، بأموالها، بقصورها، بمركباتها بنسائها، بفقر صاحبها، الدنيا صفر، الغنى والفقر بعد العرض على الله، فهذه الماشطة فقدت حياتها، وحياة أولادها، وهذه بطولة كبيرة جداً، ولكنها كسبت الأبد.
أيها الإخوة، ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ ﴾
( سورة الشورى )
استمد قوتك من الله، الله مع الحق، لا تتضعضع، لا تتطامن، لا تستسلم، لا تنبطح، لا تنافق، كلمة الحق لا تقطع رزقاً، ولا تقرب أجلاً، الله جبار بالحق، وجبار الأرض بالبطل، وجبار السماء يقصم جبار الأرض، لكن المؤمن قوي بإيمانه، القوة غير الجبروت، المؤمن قوي بإيمانه، هذه القوة تعطيه عزة، ومكانة، وجرأة.
فلذلك:
(( الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ))
السعيد
08-24-2018, 01:17 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( التاسع و الستون )
الموضوع : اسم الله - السلام - 1 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
من أسماء الله الحسنى: (السلام):
أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "السلام".
ورود اسم السلام في القرآن مرة واحدة و الإكثار من هذا الاسم في السنة الشريفة:
ورد هذا الاسم في القرآن الكريم في موضع واحد، يقول الله عز وجل:
﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ ﴾
( سورة الحشر الآية: 23 )
وفي صحيح البخاري، أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
(( فإن الله هو السلام ))
[البخاري عن عبد الله بن مسعود]
وفي صحيح مسلم كان عليه الصلاة والسلام إذا انصرف من صلاته قال:
(( اللَّهم أنْتَ السَّلامُ، ومِنكَ السَّلامُ، تَبَاركتَ يا ذَا الجلالِ والإكرَام ))
[رواه مسلم عن ثوبان]
وكان عليه الصلاة والسلام يكثر من ذكر اسم "السلام"، وفي صحيح الجامع الصغير:
(( إن اسم السلام من أسماء الله تعالى فأفشوه بينكم ))
[ أخرجه الطبراني عن أبي هريرة ]
لذلك تحية المؤمنين فيما بينهم السلام عليكم. الجنة دار السلام لأنها مبرأة من كل هذه العيوب:
أيها الأخوة، "السلام" اسم للموصوف بالسلامة، يعني الله جل جلاله ذو السلامة والسلامة الأمن، والطمأنينة، والحصانة، والاطمئنان، والبراءة من كل آفة ظاهرة وباطنة، والخلاص من كل مكروه وعيب، الله عز وجل "السلام" أي ذو السلامة، الجنة هي دار السلام، لأنها دار السلامة من كل متاعب الدنيا، يوجد في الدنيا أمراض، تقدم بالسن، زواج غير ناجح، ولد عاق، فقر، مرض، كل آفات الدنيا، دار السلام سميت دار السلام لأنها مبرأة من كل هذه العيوب.
أيها الأخوة، و "السلام" التحية، التحية الخالصة من سوء الطوية، ومن خبث النية، والله سبحانه وتعالى يدعو إلى إلقاء السلام، قال تعالى:
﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً ﴾
( سورة الفرقان )
والله عز وجل يدعو إلى سبل السلام، والله عز وجل يدلك على طريق تسلم فيه من كل متاعب الدنيا. ﴿ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ ﴾
( سورة يونس الآية: 25 )
ويدعو إلى سبل السلام، قال تعالى: ﴿ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ ﴾
( سورة المائدة الآية: 16 )
منهج الله عز وجل يفضي بالإنسان إلى السلامة:
أنت إذا طبقت منهج الله أنت في سلام مع نفسك، لأن الإنسان إذا خالف فطرته يعذب عذاباً شديداً من قبل ذاته، يعيش حالة احتقار الذات، يعيش حالة عقدة الذنب، يعيش حالة الانهيار الداخلي، أنت إذا بنيت مجدك على أنقاض الناس، أنت إذا بنيت غناك على إفقارهم، أنت إذا بنيت أمنك على خوفهم، إنك إن بنيت وجودك على موتهم، إنك إن بنيت عزك على ذلهم، تشعر بانهيار داخلي، ولو كنت في أعلى مقام، تشعر بحالة اسمها احتقار الذات، اختلال التوازن، لكنك إذا طبقت منهج الله عز وجل هذا المنهج يفضي بك إلى سلام مع نفسك، وإلى سلام مع ربك، وإلى سلام مع من حولك، منهج الله عز وجل ينتهي بك إلى "السلام"، "السلام" السلامة، ما في قهر، ما في احتقار للذات، ما في عقدة الذنب، ما في شعور بالانحطاط.
الله عز وجل يهدي كل إنسان إلى سبل السلام ليرضى عنه و يحبه:
أيها الأخوة الكرام، لولا أن فطرة الإنسان سليمة لما شقي إنسان، لماذا يشقى ؟ لأن الله فطره فطرة سليمة، فإذا خرج عن مبادئ فطرته، إذا أساء إلى خلق الله عز وجل ذاته تعذبه، نفسه تعذبه.
﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ﴾
( سورة الروم )
الله عز وجل يهديك إلى سبل "السلام"، لو طبقت منهج الله في علاقتك بزوجتك تعيش في سلام معها، لو طبقت منهج الله في كسب مالك، أنت في حرز حريز من إتلاف المال، إذا طبقت منهج الله في تربية أولادك، هذا المنهج يفضي بك إلى سلام مع أولادك.
فمنهج الله عز وجل بتفاصيله يفضي بك إلى "السلام"، وإذا أردنا أن نوضح أركان "السلام" أنت في سلام مع الله. ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾
( سورة فصلت )
هل من مرتبة أعلى من أن تكون في سلام مع الله ؟ هل من مرتبة أعلى من أن تشعر أن خالق السماوات والأرض يحبك ؟ هو وليك، يدافع عنك، يفوقك، ينصرك يحفظك، إنك إن طبقت منهج الله عز وجل أنت في سلام مع نفسك، حالة المؤمن أنه طاهر، أنه ما بنى مجده على أنقاض أحد، أنه ما سبب آلاماً للناس، كان معطاءً، كان مصدر أمنٍ لهم، كان مصدر سعادة لهم، أنت إذا طبقت منهج الله في سلام مع نفسك، تنام قرير العين، تنام مرتاح البال، تنام وأنت تشعر أن الله يحبك، لأنك أحسنت إلى خلقه.
(( الخلق عيال الله فأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله ))
[ أخرجه أبو يعلى عن أنس بن مالك ]
من طبق منهج الله عز وجل فهو في سلام مع نفسه و ربه و مع من حوله:
الله عز وجل "السلام" لأنك إن طبقت منهجه أخذك إلى "السلام" في سلام مع نفسك، في سلام مع ربك، في سلام مع من حولك، هذا المنهج الإلهي التفصيلي في كسب مالك، في إنفاق مالك، في زواجك، في حلك، في ترحالك، في إقامتك، في سفرك، في أفراحك، في أتراحك، أنت إذا طبقت منهج الله عز وجل في سلام مع من حولك، علاقات المؤمن كلها ناجحة، علاقات طيبة، علاقات مودة مع الآخرين، لأنه محسن إليهم، لأنه يلتزم منهج الله، لأنه يعرف ما له وما ليس له، أنت إذا طبقت منهج الله عز وجل حققت وجودك.
أريد أن أؤكد لكم أيها الأخوة، أنك إذا طبقت منهج الله في سلام مع جهات ثلاث الأولى أنت في سلام مع الله، والثانية أنت في سلام مع نفسك، والثالثة أنت في سلام مع من حولك، لماذا وضع الله لنا دستوراً تفصيلياً نسير عليه ؟ من أجل "السلام"، والكلمة الآن المحببة في العالم "السلام"، لأن الأرض، تمتلئ ظلماً، وجوراً، وقهراً، وقتلاً، واستغلالاً وطمعاً، وقمعاً، لأن البشر الآن ابتعدوا عن منهج الله.
من اتقَ الله عز وجل أدخله جنات أُعدت له:
أيها الأخوة، الله سبحانه وتعالى يدعو إلى إلقاء "السلام"، والله عز وجل يدعو إلى سبل "السلام"، من اتق الله في اختيار زوجته، هو في سلام مع زوجته، من اتقَ الله في كسب ماله، هو في سلام مع هذا المال، لم يتلف، لم يدمر، لن يخسره فجأة، ثم في النهاية
﴿ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ ﴾
إلى الجنة:
(( أعْدَدْتُ لعباديَ الصالحين ما لا عين رأتْ ولا أذن سمعتْ، ولا خطَر على قلبِ بَشَرْ ))
[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة ]
وفي الحديث ملمح لطيف (( أعْدَدْتُ لعباديَ الصالحين ما لا عين رأتْ ))
هناك دائرة المرئيات، لكن دائرة المسموعات أوسع بكثير من دائرة المرئيات (( ولا أذن سمعتْ ))
أنت شاهدت بضع مدن في العالم، مئة مدينة، لكنك تستمع في الأخبار إلى آلاف المدن (( أعْدَدْتُ لعباديَ الصالحين ما لا عين رأتْ ولا أذن سمعتْ ))
أما الدائرة الثالثة (( ولا خطَر على قلبِ بَشَرْ ))
دائرة المرئيات، فالمسموعات، فالخواطر.
أيها الأخوة الكرام، هذه الجنة التي أعدت لنا إلى أبد الآبدين، أيعقل أن نخسرها في سنوات معدودات، انغمس فيها الإنسان في المعصية والإثم، ﴿ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ ﴾
﴿ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾
( سورة يونس )
السلام من سلمت أفعاله من شر:
أيها الأخوة، اسم "السلام" اسم يجعلك في سلام، اسم "السلام" يهديك إلى سبل "السلام"، اسم "السلام" اسم ينقلك إلى دار "السلام"، الذي يعانيه البشر اليوم مما لا يوصف من القهر، والاستغلال، والقتل، والتشريد، والإفقار، والإذلال، الأرض الآن تضج في الشكوى إلى الله عز وجل، والله هو "السلام".
أيها الأخوة، "السلام" هو الذي سلمت أفعاله من كل شر، ليس في الكون شر مطلق، هناك شر نسبي، يعني إنسان قد يمرض لكن نتائج هذا المرض قد تكون في صالح إيمانه، أحياناً تلتهب الزائدة، وأنا أسميها الذائدة، ولـ35 عاماً أنا أؤكد أنه من باب اليقين الإيماني لا يمكن أن يكون في خلق الله شيء زائد.
من أيام جاءتني رسالة من بلاد بعيدة تؤكد أنه بخلاف ما كان الأطباء يتوهمون هذه الزائدة الدودية بحسب تسميتهم لها وظيفة خطيرة، اكتشفت في وقت متأخر جداً، وليس صحيحاً أن استئصالها ليس له مضاعفات إطلاقاً، لذلك ينبغي أن نسميها الذائدة الدودية وليست الزائدة، وفرق كبير بين الذائدة، أي المدافعة، وبين كلمة الزائدة التي توهم أن لا وظيفة لها.
الشر المطلق لا وجود له في الكون لأنه يتناقض مع وجود الله:
أيها الأخوة، الشر النسبي موظف للخير المطلق، الشر المطلق لا وجود له في الكون، لأن الشر المطلق يتناقض مع وجود الله، ما معنى يتناقض مع وجود الله ؟ تقول أبيض وأسود، هذان لونان متعاكسان، وقد يجتمعان، لكن الضوء والظلام متناقضان، لأن وجود الآخر ينقض وجود الثاني، لك أن تزين بيتك بخطوط عرضية، سوداء وبيضاء، كما تحتفل به الشام من فلكلور، أبيض وأسود، الأبيض والأسود يجتمعان، لكن الضياء والظلام لا يجتمعان، وجود أحدهما ينقض الآخر، فالشر المطلق، يعني الشر للشر، لا وجود له في الكون.
﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 26 )
لم يقل بيدك الخير والشر، قال: ﴿ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 26 )
لأن إيتاء الملك خير أحياناً، وأن نزع الملك خير، وأن الإعزاز خير، أن الإذلال خير، من هنا يرى علماء العقيدة أنه لا ينبغي أن تقول الله ضار، هو ضار والضار من أسماء الله، ينبغي أن تجمع الاسمين معاً، هو ضار نافع، خافض رافع، مذل معز، أي أنه يضر لينفع، ويأخذ ليعطي، ويبتلي ليجزي، ويخفض ليرفع، ويذل ليعز.
" إن هذه الدنيا دار التواء، لا دار استواء، ومنزل ترح لا منزل فرح، فمن عرفها لم يفرح لرخاء ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى، وجعل الآخرة دار عقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سببا، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضا، فيأخذ ليعطي، ويبتلي ليجزي ". أي مصيبة يسوقها الله لعباده في الدنيا خير بالنسبة إلى مستقبلهم:
أيها الأخوة، الشر النسبي موظف للخير المطلق.
﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾
( سورة السجدة )
﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا ﴾
( سورة الروم الآية: 41 )
هذا الشر النسبي. ﴿ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾
( سورة الروم )
الخير المطلق، إذاً أي مصيبة يسوقها الله لعباده في الدنيا هي شر بالنسبة إليهم لكنها خير بالنسبة إلى مستقبلهم، يعني شدة الأب أحياناً تجعل ابنه إنساناً عظيماً، التشديد على شاب من قبل أبيه وأمه هذا التشديد قد يسوقه إلى أن يكون شيئاً مهماً في المجتمع.
أيها الأخوة، النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
(( والشَّرُّ لَيسَ إليكَ ))
[أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي، عن علي بن أبي طالب ]
أوضح مثل: لو أن إنساناً قاد أحدث مركبة صنعت حتى الآن، قادها وهو مخمور، فسقط في الوادي، وتحطم، هل هذا التحطم له صانع ؟ هل هناك معمل جعلها هكذا ؟ مستحيل ! هذا التحطم نتيجة أن إنساناً خالف المنهج القويم في قيادتها، كان مخموراً فقادها فنزل بها في الوادي فتحطمت، نقول هذا الشر ليس من المعمل الصانع، هذا الشر من سوء استخدامها، بل إن فلسفة الشر أنه سوء استخدام، أليس الملح حاجة ثمينة ؟ أليس السكر مادة ثمينة ؟ أليس مسحوق التنظيف مادة ثمينة ؟ تدفع ثمنها غالياً، ضع مسحوق التنظيف في الطبخ، لا تأكله، هل نقول هذه المواد التي خلقها الله لنا هي شر ؟ لا، هي خير، ولكن سوء الاستخدام جعلتها شراً، هل يوضع الملح في الحلويات ؟ لا تأكلها، فهو الشر أحياناً يأتي من سوء الاستخدام، والنبي عليه الصلاة والسلام حسم هذا الموضوع فقال:
(( والشَّرُّ لَيسَ إليكَ ))
الله عز وجل "السلام" أي:
أيها الأخوة، السيارة لماذا صنعت ؟ بتعبير فلسفي ما علة صنعها ؟ صنعت من أجل أن تسير، لماذا وضعت فيها مكابح ؟ مع أن فلسفة المكبح أنه يتناقض مع علة صنعها هي صنعت للسير، والمكبح يوقفها، المكبح في فلسفته يتناقض مع علة صنعها، لكنه أكمل ضمان لسلامتها، فإذا فهمت المصيبة على أنها مكبح لهذه المركبة أي من أجل السلامة، كم من إنسان انحرف فجاء التأديب الإلهي، وهو بالنسبة إليه شر نسبي، لكن هذا الشر النسبي وظف للخير المطلق.
1 ـ يهديك إلى سبل السلام:
لهذا علاقة البشر مع ربهم يوم القيامة، هذه العلاقة ملخصة في كلمة واحدة:
﴿ وَآَخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾
( سورة يونس )
والله أيها الأخوة، هذا يقيني وإيماني، أن الله سبحانه وتعالى حينما يكشف لعبده يوم القيامة عن حكمة ما ساقه له من شدائد، ينبغي أن يذوب كما تذوب الشمعة محبة لله.
أيها الأخوة، هذا هو المعنى الأول، الله "السلام" يهديك إلى سبل السلام يدعوك إلى جنة عرضها السماوات والأرض، يدعوك ﴿ إِلَى دَارِ السَّلَامِ ﴾
2 ـ ذو سلامة لعباده:
المعنى الثاني: الله عز وجل "السلام" أي ذو سلامة لعباده، وخلق الإنسان، وما حول الإنسان يؤكد هذا الاسم، الجهاز العظمي، هذا الجهاز ينمو، لكن لحكمة بالغة عند حد ما يقف النمو، وهذا من رحمة الله بنا، عندنا مرض خطير اسمه العملقة، يستمر النمو لكن من أعطى لهذه الخلية العظمية أمراً بأن تقف ؟ القابض، بلغ هذا الشاب طولاً معيناً فتوقف النمو، هذا من رحمة الله بنا، لو تابع نموه لوقع في مرض خطير ونادر هو العملقة ولو قلّ نموه لوقع في مرض خطير ونادر هو القزم، إنسان قزم.
إذاً الله عز وجل يسمح لهذه الخلية بالنمو إلى حد ما، ويقف النمو، وتكسر رجل الإنسان أحياناً، هذه الخلية التي أمرت بالتوقف تستيقظ، وتعيد التئام طرفي العظم، قد تنام الخلية العظمية سبعين عاماً، وفي نهاية المطاف تكسر إحدى أعضاء هذا الإنسان تستيقظ هذه الخلية، وتسهم في التئام هذا العظم، يد من ؟ حكمة من ؟ هل يوجد بعالم المادة، بعالم الميكانيك، قطعة تنكسر نقول لصاحب هذه المركبة دعها بعد حين تلتحم ؟ انظر إلى تصميم الله عز وجل، أي عظم يكسر مهمة الطبيب العظمي فقط أن يضع القطعتين بشكل صحيح وبعدها العظم وحده يستيقظ، وتلتئم هذه العظمة.
لماذا جعل أعصاب حس في الأسنان ؟ من أجل ألا تخسر أسنانك، عصب الحس في الأسنان جهاز إنذار مبكر، إذا تلف السن، ووصل التلف إلى العصب الحسي لا تنام الليل تبادر إلى إصلاح هذا السن، لولا أعصاب الحس في الأسنان لخسرنا كل أسنانا.
لماذا جعل عصب حس في نقي العظام ؟ لأن هذا العظم إذا كسر، من شدة الألم من شدة عصب الحس في نقي العظام تبقي هذه القطعة على حالها، وإبقاؤها على حالها أربعة أخماس العلاج.
التفكر في خلق السماوات والأرض أقصر طريق لمعرفة الله:
إذاً الله ذو السلامة لعباده، أعطاك جهاز مناعة، جيش عرمرم، بكل ما في هذه الكلمة من معنى، هذا الجيش في فرقة استطلاع، فرقة تصنيع السلاح، فرقة مقاتلين، فرقة خدمات، فرقة مغاوير، خمس فرق في هذا الجيش، من أجل سلامتك، من أجل مكافحة الأمراض.
من جعل كل كلية فيها عشرة أضعاف حاجة الإنسان ؟ أنت تملك كليتين، الطاقة التصفوية لهاتين الكليتين عشرون ضعفاً عن حاجتك، لأن الله ذو السلامة لعباده.
من جعل في القلب مركز تنبيه خاص ؟ القلب لأنه من أنبل أعضاء الإنسان وعلى نبضه تتوقف حياة الإنسان، جعل الله في القلب مركزاً كهربائياً خاصاً، تتلقى منه الأمر بالنبض، ماله علاقة بالشبكة العامة، القلب يتلقى أمراً بالنبض من مركز كهربائي ذاتي فإذا تعطل هذا المركز هناك مركز احتياطي، فإذا تعطل الثاني هناك مركز احتياطي ثالث لأن الله ذو السلامة لعباده.
أيها الأخوة، قضية اسم "السلام" يمكن أن نتلمسها، من خلق الإنسان، والتفكر في خلق السماوات والأرض أقصر طريق لمعرفة الله، وأوسع باب ندخل منه على الله.
لذلك هذا الاسم أيها الأخوة، يعطينا شعوراً أن الله يحبنا، وأنه صمم أجسامنا وصمم ما حولنا تصميماً رائعاً بحيث تكون المحصلة هي "السلام" فالله سبحانه وتعالى هو "السلام"، ويدعو إلى إلقاء السلام، ويدعو إلى سبل السلام، ثم يدعونا إلى دار السلام.
السعيد
08-24-2018, 01:20 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( السبعون )
الموضوع : اسم الله - السلام - 2 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
من أسماء الله الحسنى: (السلام):
أيها الأخوة الأكارم، لا زلنا في اسم "السلام" هذا الاسم العظيم له تطبيقات، فمن تطبيقات اسم "السلام" قول النبي صلى الله عليه وسلم:
(( المسلمُ من سَلِمَ المسلمون من لسانه ويده ))
[ أخرجه البخاري عن عبد الله بن عمر]
وقد يتبادر إلى الذهن أنه لا يؤذي المسلمين، والمعنى أعمق بكثير، المسلم الحقيقي من سلمت سمعة المسلمين من لسانه ويده، المسلم إذا آذى مسلماً يقول هذا المسلم: فلان آذاني، أما إذا آذى غير مسلم يقول: المسلمون فعلوا معي كذا، يترك الذي ناله بالأذى وينقل التهمة إلى دين الإسلام. على كل مسلم أن يعد نفسه سفير المسلمين:
لذلك هذا الحديث من أجل تطبيقات اسم "السلام":
(( أنت على ثغرة من ثغر الإسلام فلا يؤتين من قبلك ))
[ ورد في الأثر ]
لا تسبب للمسلمين إذا عاملت غير المسلمين سمعة سيئة، لا بلسانك، ولا بيدك الواقع الآن، أن قلة قليلة من المسلمين، تسيء التصرف إساءة بالغة مع غير المسلمين، غير المسلمين يطلقون أحكاماً عامة على كل المسلمين، وكأن هذا الدين قد حُجب لأتباعه والمقولة الدقيقة: الإسلام محجوب بالمسلمين، أنت إذا أسأت إلى غير المسلم، إن كنت تقيم في بلد غربي، وكتبت تصريحاً كاذباً، أو احتلت، أو أخذت ما ليس لك، أنت بهذا العمل لا تسيء إلى نفسك، بل تسيء إلى مجموع المسلمين، وقد تصل الإساءة إلى دين الإسلام، فكل مسلم ينبغي أن يعد نفسه سفير المسلمين.
أرأيت إلى السفير، يتأنق في ملبسه، يضبط كلامه، يضبط حركاته وسكناته لأنه في هذا البلد يُمثل أمته، فأي خطأ يرتكبه ينسحب الخطأ على دولته، المؤمن الصادق يحمل هذا الشعور، لا يسبب سمعة سيئة للمسلمين من خلال تصرفاته.
أقسم لكم بالله لو أن الجاليات الإسلامية في العالم كانت مسلمة حقيقة، وطبقت منهج الله عز وجل، لكان موقف الغرب من المسلمين غير هذا الموقف، لكن يرون مسلماً يحتال عليهم، يقدم تصريحاً كاذباً، يفعل شيئاً لا يرضي الله، أو يفعل شيئاً في مقياس الحضارة مستهجاً.
دائماً وأبداً قلة قليلة جداً من الناس يعطون أحكاماً موضوعية، لكن الكثرة الكثيرة يطلقون أحكاماُ عامة. على كل إنسان أن يكون مصدر سلام لمن حوله:
الآن في حقل الدعاة، لو أن داعية أساء، الطرف الآخر يتهم كل الدعاة، الذي أساء واحد، لكن الطرف الآخر حينما خرج عن منهج الله، عنده اختلال توازن، كيف يرمم هذا التوازن ؟ بإلقاء التهم العامة لكل الدعاة، فحينما يسقط الإنسان ليته يسقط وحده، لكنه يسقط معه من ينتمي إليهم، وهذا معنى الحديث الشريف:
(( المسلمُ من سَلِمَ المسلمون من لسانه ويده ))
يعني قبل أن تتكلم، قبل أن تكتب تصريحاً، قبل أن تتصرف، مع غير المسلمين انتبه إلى أنك سفير المسلمين، والسفير يجب أن يظهر بأعلى مستوى، احمل هم المسلمين ليكن في نفسك غيرة عليهم، لا تسبب لهم سمعة سيئة، أما أن لا تؤذي المسلم معنى بديهي أما المعنى الأعمق المسلم من سلم المسلمون، أي سلمت سمعة المسلمين من لسانه ويده.
(( واللهِ لا يُؤْمِن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، قيل: مَن يا رسول الله ؟ قال: الذي لا يأمَن جارُه بَوائِقَهُ ))
[ أخرجه البخاري عن أبي هريرة]
أي شروره، وغوائله، أنت آمنت باسم "السلام" يجب أن تكون أنت مصدر سلام لمن حولك.
شر الناس من اتقاه الناس مخافة شره:
(( شركم من اتقاه الناس مخافة شره ))
[ورد في الأثر]
إذا وصل الإنسان إلى إيذاء من حوله، ومن حوله خافوه لا تحفل بهذه المكانة هذه مكانة إبليسية، شر الناس من اتقاه الناس مخافة شره، يجب أن تبث فيمن حولك الطمأنينة، يجب أن يحس من حولك أنه لن ينالهم أذىً من قبلك، مصدر سلام، كيف أن الله من أسمائه "السلام" ويعطي عباده "السلام" أيضاً أيها المؤمن يجب أن تكون مصدر سلام لمن حولك، أوضح الأمثال:
شاب تزوج، لا يحلو له المزاح مع زوجته إلا بموضوع الطلاق، هو يمزح معها، لكنه بهذا يهز أركانها، يجب أن تطمئنها.
السيدة عائشة حدثت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجل كان زوجاً مثالياً ثم تأسفت في نهاية الكلام بأنه طلقها، هذا الرجل اسمه أبو زرع، بعد أن انتهت من قصتها قال: أنا لك كأبي زرع لأم زرع غير أني لا أطلقك.
طمئن، ليكن من حولك مطمئن لك، إذا آمنت باسم "السلام" تخلق بهذا الكمال بث الطمأنينة فيمن حولك، لا تكن مقلقاً لهم، لا تكن مصدر رعب لهم، لا تبث الرعب في قلوبهم، طبق اسم "السلام" فيمن حولك. على كل إنسان أن يسلك في حياته اليومية سبل السلام:
أيها الأخوة، من تطبيقات هذا الاسم أن يسلك المسلم في حركته اليومية سبل "السلام"، إذا أقمت زواجك على منهج الله غضضت بصرك عن محارم الله، أديت واجب الزوجة، وأعطيتها حقها، فقد سلكت في زواجك سبل "السلام"، وإذا اعتنيت بأولادك ربيتهم، وغرزت فيهم العقيدة الصحيحة، والخلق القويم، أنت سلكت مع أولادك سبل "السلام"، وإنك إن عاملت من حولك معاملة وفق منهج الله أحبوك، وكان الطريق إليهم سالماً.
من طبق منهج الله عز وجل عاش في سلام مع نفسه و مع الله و مع من حوله:
أيها الأخوة الكرام، الآية الكريمة دقيقة جداً يقول الله عز وجل :
﴿ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ ﴾
( سورة المائدة الآية: 16 )
هل هناك حالة أعظم من أنك في سلام مع الله، في سلام مع نفسك، في سلام مع أهلك، مع أولادك، مع جيرانك، مع زبائنك، مع مواطنيك إذا كنت موظفاً، أنت حينما تطبق منهج الله تكون في سلام معهم، في أية حرفة حينما تصدق وتنصح، فأنت في سلام لك مكانة كبيرة، الله عز وجل يقول: ﴿ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ ﴾
أنت في سلام، اسم "السلام" من أدق الأسماء، ومن أقربها إلى المؤمن، لا يوجد إنسان إلا ويبحث عن "السلام" هل تصدقون أن سورة الفتح نزلت عقب صلح الحديبية: ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً ﴾
( سورة الفتح )
لا لأنك حاربت، ولكن لأنك وقعت اتفاقية سلام مع كفار قريش، الناس يحبون "السلام"، والله عز وجل هو "السلام". كل شيء آية من آيات الله الدالة على عظمته مثل:
أيها الأخوة، هذه الأسماء، أسماء الله الحسنى لها تعاريف نظرية، كما كان في الدرس السابق، ولها تطبيقات عملية وهي أنواع، أنواع أسماء الله الحسنى هناك أسماء ذات وهناك أسماء صفات، وهناك أسماء أفعال، اسم ذات، اسم صفات، اسم أفعال، فذات الله "السلام"، و "السلام" من صفات الله عز وجل، ويهب "السلام" لعباده، وهو من أسماء الأفعال.
أيها الأخوة، يمكن أن ترى هذا الاسم من خلق الله، كنت أقول دائماً: إن الكون مظهر لأسماء الله الحسنى، مثلاً:
1 ـ تقلب الإنسان:
الإنسان ينام هيكله العظمي له وزن، والعضلات التي فوق الهيكل العظمي لها وزن، وزن الهيكل مع ما فوقه من عضلات تضغط على ما تحته من عضلات، فإذا ضغطت الأوعية الدموية تضيق لمعتها، الله عز وجل أودع بالإنسان مراكز للإحساس بالضغط، فإذا ضغطت العضلات، ومعها الأوعية التي تحت الهيكل العظمي، هذه المراكز مراكز الضغط تعطي إشارة إلى الدماغ، لقد ضغطنا، الدماغ يعطي أمراً إلى العضلات فينقلب الإنسان على شقه الآخر، وهو نائم، تصور إنسان نائم تقلب أكثر من أربعين مرة قال تعالى:
﴿ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ ﴾
( سورة الكهف الآية: 18 )
تقلب الإنسان في نومه من أجل سلامته، الإنسان إذا أصيب بمرض السبات لا بد من تقليبه، وإلا يتفطر لحمه، ينسلخ لحمه، وهذا من آيات الإعجاز العلمي، لولا أن أهل الكهف الذين مكثوا في كهفهم ثلاثمئة عام، لو أن الله لم يقلبهم لماتوا بعد شهر من إيوائهم في الكهف، ﴿ وَنُقَلِّبُهُمْ ﴾
فالتقليب تطبيق عملي لاسم الله "السلام". 2ـ عملية البلع و الإنسان نائم:
وأنت نائم، وأنت غارق في النوم يتجمع اللعاب في فمك، تذهب إشارة إلى الدماغ، لقد زاد اللعاب في الفم، والدماغ يعطي أمراً، وأنت نائم إلى لسان المزمار، فيغلق فتحة الهواء، ويفتح فتحة المريء، ويسري اللعاب إلى المعدة، هذا يتم من حين لآخر أثناء النوم، وأنت نائم، هذا من اسم "السلام".
3ـ حركة القلب اللا إرادية:
لو أن الله ملكك حركة القلب، مستحيل أن تنام، إذا نام الإنسان مات فوراً، لكن حركة القلب لا إرادية، تولاها عنك، تنام نوماً عميقاً والقلب ينبض، لو أن الله أوكل إليك حركة الرئتين، يوجد مركز بالدماغ مركز التنبيه النوبي، هذا المركز أحياناً يتعطل بحالات نادرة جداً، ما معنى تعطل هذا المركز ؟ ممنوع النوم، ينام يموت فوراً، يجب أن يتنفس تنفساً إرادياً حتى لا يموت.
طبيب في دمشق توفاه الله عز وجل أصيب بهذا المرض، جاؤوا له بدواء من أمريكا، يجب أن يأخذه كل ساعة، لذلك يهيئ أربع منبهات ينام الساعة التاسعة يستيقظ الساعة العاشرة يأخذ حبة ينام يستيقظ الحادية عشرة، الثانية عشرة، الواحدة، الثانية، الثالثة، الرابعة، في مرة جاء ابنه من بلاد بعيدة، من شدة فرحه لم ينتبه للمنبهات الأربعة، وفي الصباح وجدوه ميتاً.
أنت منتبه لهذه النقطة ؟ تنام والرئتان تعملان بشكل آلي، من أسماء الله "السلام" عمل الرئتين وأنت نائم، عمل القلب وأنت نائم، عمل البنكرياس والمرارة، آليات معقدة جداً تتم وأنت نائم.
4 ـ حفظ الدماغ بصندوق خشبي لتفادي الصدمات:
أيها الأخوة، من أسماء الله "السلام" أن الله وضع دماغك في صندوق عظمي ولئلا يكسر هذا الصندوق، لئلا يكون سريع العطب له مفاصل ثابتة، يعني ممكن إذا إنسان وقع على الأرض، وارتطم رأسه في الأرض، أن تتداخل قطع الجمجمة تداخلاً صغيراً جداً هذا التداخل يمتص الصدمات، وجعل سائلاً بين الجمجمة وبين الدماغ، أيضاً هذا السائل يمتص الصدمات، هذا من اسم "السلام".
5 ـ حفظ النخاع و القلب و معامل كريات الدم و الرحم في أماكن محصنة:
أين وضع نخاعك الشوكي ؟ في سلسلة عظمية، في الظهر، أين وضع القلب ؟ في القفص الصدري، أين وضع أخطر معمل في جسم الإنسان، معامل كريات الحمراء ؟ في نقي العظام، أين وضع الرحم ؟ في الحوض، كلها أماكن محصنة، الدماغ في الجمجمة، والنخاع الشوكي في العمود الفقري، والرحم في الحوض، والقلب في القفص الصدري، والعين في المحجر، هذا التجويف لولاه لفقد معظم الناس عيونهم، أليس هذا من اسم "السلام" ؟.
الماء يزداد حجمه في الدرجة + 4، ينفرد الماء من بين كل العناصر، أنه على التبريد في درجة + 4 يزداد حجمه، بدل أن ينكمش، لولا هذه الخاصة الاستثنائية لما كان هذا الدرس، ولما كانت دمشق، بل لما كانت حياة على وجه الأرض، لو أن الماء إذا تجمد انكمش، أي ازدادت كثافته، أي غاص إلى أعماق البحار، بعد حقب عديدة تصبح البحار كلها متجمدة، فينعدم التبخر، وتنقطع الأمطار، يموت النبات، ويموت الحيوان، ويموت الإنسان، هذه الظاهرة.
6 ـ حفظ العين من التجمد:
أيها الأخوة، لأن الله "السلام"، لو ذهب أحدنا إلى بلد في شمال الأرض بالمنطقة القطبية، يضع قبعة على رأسه، وقفازات في يده، ويرتدي ثياباً صوفية، كل شيء له احتياط، العين هل بإمكانه أن يغطيها ؟ العين فيها ماء، والماء يلامس جو حرارته 69 تحت الصفر، نظرياً يجب أن يفقد كل إنسان بصره هناك، لكن الله لأنه "السلام" أودع في ماء العين مادة مضادة للتجمد، هذا من تطبيقات اسم "السلام".
7 ـ آلية المص عند الوليد حديثاً:
الطفل الآن يولد ما في قوة في الأرض يمكن أن تعلمه، آلية معقدة جداً ألا وهي المص، يجب أن يضع شفتيه حول حلمة ثدي أمه، وأن يحكم الإغلاق، وأن يسحب الهواء هذا منعكس آلي يولد مع الطفل، لو أنه في أثناء تغسيله بعد الولادة مباشرة وصلت إصبع الممرضة إلى شفتيه مصها، معه آلية المص، سماه العلماء منعكس المص، والله لولا هذا المنعكس لما كان هذا الدرس، ولما كان إنسان على وجه الأرض، والله عز وجل لحكمة بالغة بكل خمسمئة ألف ولادة يأتي طفل ما معه منعكس المص، يموت فوراً، في قوة تعلمه ؟ يا بابا الله يرضى عليك من أجل ألا تموت، ضع شفتيك على حلمة ثدي أمك، وأحكم الإغلاق، واسحب الهواء، يأتيك الحليب، ما في قوة تعلم الطفل، الله زوده بمنعكس آلي يمص ثدي أمه بإحكام، وبدقة ، وبمهارة، وقد ولد لتوه، هذه من تطبيقات اسم "السلام".
من الذي يمنع أن نفهم أسماء الله الحسنى من خلال خلقه ؟ ما الذي يمنع أن نفهم أسماء الله الحسنى من خلال الكون ؟ من خلال خلق الإنسان، من خلال خلق الحيوان، خلق النبات.
8 ـ الثقب بين الأذينين عند الجنين:
أيها الأخوة، يعني الدم لا بد من أن يجدد بالأوكسجين، فالطفل في بطن أمه الأوكسجين معطل، التنفس معطل، في رئتين، لكن ما في هواء، من فتح ثقباً بين الأذينين كشفه عالم فرنسي اسمه فوتال، من فتح هذا الثقب ؟ ينتقل الدم من أذين إلى أذين، لمجرد أن يولد هذا الطفل تأتي جلطة، وتغلق هذا الثقب، يد من ؟ افهم اسم "السلام" هكذا.
9 ـ جهاز التوازن في الأذن:
إذا قلت الله "السلام" يعني هيأ، أنت حينما تمشي على قدمين لطيفتين، لولا جهاز التوازن في الأذن لا يمكن لإنسان أن يقف على قدميه، هل بإمكان أهل الأرض أن يجعلوا ميتاً يقف ؟ مات أوقفه، مستحيل، لأن أقل حركة تتفاقم، يقع، أما أنت لما تميل ميلاً قليلاً في جهاز معقد جداً في الأذن، في سائل، وفي أهداب، وفي أعصاب، لما تميل ميلاً قليلاً ينتبه الإنسان يعدل، لولا هذا الجهاز ما في راكب دراجة، من خلق هذا الجهاز ؟ الله عز وجل سلمنا.
أيها الأخوة، "السلام" هو إلهنا، وربنا، سلمت ذاته من كل عيب، وسلم خلقه من كل ضرر، و "السلام" من أسماء الذات، ومن أسماء الأفعال، أعطى السلامة لخلقه يعني الطعام الفاسد تتقيأه، لماذا ؟ الجنين المشوه يسقط لا يبقى، من أسماء "السلام".
لا شيء يعلو على مرتبة العلم:
لكن الملخص أيها الأخوة، أنه ما من مشكلة على وجه الأرض إلا بسبب خروج عن منهج الله، وما من خروج عن منهج الله إلا بسبب الجهل، والجهل أعدى أعداء الإنسان، والجاهل يفعل في نفسه ما لا يستطيع عدوه أن يفعله به.
لذلك إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً.
أيها الأخوة الكرام، ما من عطاء إلهي يفوق العلم، دقق في هذه الآية:
﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾
( سورة النساء )
أسماء الله الحسنى حينما تعرفها يجب أن تتبدل جذرياً، أنت تتبدل 180 درجة أولاً تحب الله، تعبده، تطيعه، تتخلق بهذا الخلق.
السعيد
08-25-2018, 06:44 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الحادى و السبعون )
الموضوع : اسم الله - القدوس - 1 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
من أسماء الله الحسنى: ( القدوس):
أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "القدوس".
ورود اسم القدوس في القرآن الكريم و السنة الشريفة:
ورد هذا الاسم في القرآن الكريم في موضعين، في قوله تعالى:
﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ ﴾
( سورة الحشر الآية: 23 )
وقد ورد في موضع آخر في قوله تعالى: ﴿ يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ﴾
( سورة الجمعة )
أما في السنة الصحيحة، ففي صحيح مسلم، من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان:
(( يقولُ في رُكوعِهِ وسُجُودِهِ: سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ، ربُّ الملائِكَةِ والرُّوحِ ))
[أخرجه مسلم، وأبو داود، والنسائي عن عائشة]
وفي حديث آخر أنه صلى الله عليه وسلم إذا هب من الليل يقول:
(( سبحان الملك القدوس ))
[أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان عن أُبي بن كعب ]
إذاً هذا الاسم دخل في أذكار النبي عليه الصلاة والسلام. تسمية الجنة بحظيرة القدس لأنها مطهرة من كل عيوب الدنيا:
ما هو التقديس ؟ التقديس ؛ التطهير، سميت الجنة بحظيرة القدس، لأنها مطهرة من كل عيوب الدنيا، لا في كبر، ولا في ضعف بصر، ولا في شيب، ولا في إنحاء ظهر، ولا في ابن عاق، ولا في زوجة سيئة، ولا في دخل قليل، ولا في فقر، ولا في مرض، سميت الجنة بحظيرة القدس لأنها مطهرة من كل عيوب الدنيا، وجبريل سماه الله في القرآن الكريم، روح القدس، قال تعالى:
﴿ قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ ﴾
( سورة النحل الآية: 102 )
لأنه مطهر من كل عيوب التبليغ، لا ينسى، ولا يغير، ولا يبدل، ولا يضيف، ولا يحذف، ولا يبالغ، لأنه مطهر من كل عيوب التبليغ. اتصاف المؤمن بالعدالة و الضبط معاً:
لذلك المؤمن الموصول بالله، يتصف بالعدالة والضبط، العدالة صفة نفسية والضبط صفة عقلية، يقول عليه الصلاة والسلام:
(( من عامل الناس فلم يظلمهم، وحدثهم فلم يكذبهم، ووعدهم فلم يخلفهم فهو ممن كملت مروءته، وظهرت عدالته، ووجبت أخوته، وحرمت غيبته ))
[ سلسلة الأحاديث الضعيفة ]
المعنى المعاكس إذا عاملهم فظلمهم، وحدثهم فكذبهم، ووعدهم فأخلفهم سقطت عدالته، لكن بعض العلماء أشار إلى أن هناك حالات كثيرة العدالة لا تسقط، لكنها تُجرح، تطفيف بتمرة يجرح العدالة، أي الوزن لم يأتِ تماماً، قال عليه الصلاة والسلام: إذا وزنتم فأرجحوا .
الوزن أقل بتمرة واحدة، جُرحت العدالة، أكل لقمة من حرام، لا تنوي أن تشتري، ذقت هذه الفاكهة الشهية، أكلت حبة منها، وادعيت أن السعر مرتفع، ومشيت أكلت لقمة من حرام، هذه تجرح العدالة، من مشى حافياً تجرح عدالته، من بال في الطريق تجرح عدالته، من أكل في الطريق تجرح عدالته، من علا صياحه في البيت حتى سمعه من في الطريق، تجرح عدالته، من تنزه في الطرقات ليمتع عينيه بالغاديات والرائحات تجرح عدالته، من صحب الأراذل تجرح عدالته، من قاد جرذوناً (حيوان مخيف) أخاف به الأطفال تجرح عدالته، من أطلق لفرسه العنان، السرعة الزائدة تجرح العدالة، من كان حديثه عن النساء هذه طويلة، وهذه بيضاء، وهذه، الحديث عن النساء يجرح العدالة، أرأيت إلى دقة هذا الدين العظيم ؟ هناك أشياء، الظلم، والكذب، وإخلاف الوعد يسقط العدالة، بينما أكل لقمة من حرام، تطفيف بتمرة، تجرح العدالة، فالمؤمن يتصف بالعدالة، ويتصف بالضبط. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ﴾
( سورة الحجرات )
يتمتع المؤمن بالضبط، وبالعدالة معاً. على كل إنسان أن يُطهر نفسه عن كل عيب إذا أراد أن يُقبل على الله عز وجل:
أيها الأخوة الكرام، القداسة: هذه الطهارة والبركة، والبركة الخير الكثير، قدّس الرجل ربه قال إذا عظمه، وكبّره، وطهر نفسه بتوحيده وعبادته، قال تعالى يصف الملائكة في حالهم مع الله:
﴿ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ﴾
( سورة البقرة الآية: 30 )
الكلام دقيق، أي نطهر أنفسنا من كل العيوب، حتى نقبل عليك يا ربنا.
الآن دخلنا بموضوع دقيق: الأقوياء في الدنيا، أي إنسان أعلن لهم الولاء يقبلونه ولا ينتبهون إلى سلوكه، أي إنسان رفع صورتهم يقبلونه، أي إنسان أرسل لهم برقية تأييد يقبلونه، لكن الواحد الديان، إن لم تكن مستقيماً، إن لم طاهراً، إن لم تكن رحيماً، إن لم تكن منصفاً، إن لم تكن متواضعاً لا يقبلك، الولاء للأقوياء شيء، والولاء لله عز وجل شيء آخر.
(( إن الله طيِّب، لا يقبلُ إلا طيباً ))
[أخرجه مسلم والترمذي عن أبي هريرة ]
مع غير الله القضية سهلة جداً، أي سلوك يؤكد ولاءك له أنت مقبول عنده، لكن القضية مع الله شيء آخر، لا يقبلك، ولا يتجلى على قلبك، ولا يلقي في قلبك السكينة، ولا يشعرك أنه يحبك إلا إذا كنت طاهراً، من الكذب، من الغش، من الاحتيال، من الكبر . الله عز وجل لا يقبل الإنسان إلا إذا كنت طاهراً من الذنوب والعيوب معاً:
أؤكد لكم أن صفة العنصرية الآن صفة شائعة بين الناس، يعني هناك توهم أن ترى لنفسك ما ليس لغيرك، هذا موقف عنصري يمنعك من أن تكون قريباً من الله.
(( إن الله طيِّب، لا يقبلُ إلا طيباً ))
وإذا توهمت أيضاً أن على غيرك ما ليس عليك، من هنا أحد من ألّف كتاباً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهداه في الصفحة الأولى فقال:
يا من جئت الحياة فأعطيت ولم تأخذ، يا من قدست الوجود كله، ورعيت قضية الإنسان، يا من زكيت سيادة العقل، ونهنهت غريزة القطيع، يا من هيأك تفوقك لتكون واحداً فوق الجميع، فعشت واحداً بين الجميع، يا من كانت الرحمة مهجتك، والعدل شريعتك، والحب فطرتك، والسمو حرفتك، ومشكلات الناس عبادتك.
أيها الأخوة، القداسة الطهر، والله عز وجل لا يقبلك إلا إذا كنت طاهراً، من الذنوب ومن العيوب معاً، نقدس لك نطهر أنفسنا من الذنوب كي تسمح لك أن نتصل بك. التقديس هو التوحيد و التوحيد أن تفرد الله عز وجل في العبادة:
أيها الأخوة، لكن لو تعمقنا قليلاً التقديس هو التوحيد، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، التوحيد أن تفرده في العبادة، أردف النبي خلفه سيدنا معاذ.
(( قال: هل تدري ما حقُّ الله على العباد ؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم قال: فإن حقَّ الله على العباد: ـ بعد ذلك أجابه النبي ـ أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً ))
الموطن الدقيق في الحديث القسم الثاني:
(( قال: هل تدري ما حقُّ العباد على الله إذا فعلوا ذلك ؟ قلتُ: الله ورسوله أعلم، قال: حقُّ العباد على الله أن لا يعذِّبهم ))
[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن معاذ بن جبل ]
أنشأ الله لك حقاً عليه. من لم يقبل الله دعوته يعذبه في الدنيا و الآخرة :
لذلك الإمام الشافعي رحمه الله تعالى استنبط من الآية الكريمة كيف أن الله ردّ على هؤلاء الذين قالوا:
﴿ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ﴾
ردّ الله عليهم فقال: ﴿ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾
( سورة المائدة الآية: 18 )
استنبط الإمام الشافعي أن الله عز وجل لو قبل دعواهم أنهم أحبابه لما عذبهم لأنه يعذبهم لم يقبل دعواهم، إذا قال المسلمون: نحن أمة محمد عليه الصلاة والسلام، إذا قالوا نحن:
﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 110 )
الرد الإلهي جاهز: ﴿ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ ﴾
لم يقبل دعوانا. ما دامت سنت النبي الكريم مطبقة في حياة المسلمين فهم في مأمن من عذاب الله:
من هنا أيها الأخوة، يقول الله عز وجل:
﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾
( سورة الأنفال الآية: 33 )
الآية واضحة جداً في حياة النبي، هم في بحبوحة في حياته، لكن ما معنى الآية بعد وفاته ؟ قال علماء التفسير: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ ﴾
إذا كانت سنتك مطبقة في حياتهم، في بيوتهم، في أعمالهم، في أفراحهم، في أتراحهم، في حلهم، في ترحالهم، في سلمهم ، في حربهم، ما دامت سنتك مطبقة في حياتهم هم في مأمن من عذاب الله. ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾
( سورة الأنفال )
وإذا استغفروا هم في بحبوحة أيضاً، فنحن في بحبوحتين، بل في أمنين من الله عز وجل، الأمن الأول أن نطبق سنة النبي عليه الصلاة والسلام، والأمن الثاني أن نستغفر فإذا ما طبقنا سنته، ولم نستغفر إذاً نحن معرضون لعذاب لا يعلمه إلا الله.
الوحدانية و الأحدية:
إذاً التقديس هو التوحيد، التوحيد هو أن تفرده بالعبادة، وأن تفرده بذاته وبصفاته، وبأفعاله، أي:
﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾
( سورة الشورى الآية: 11 )
أي هو أحد، هذه أحديته، أن تفرده بالعبادة، وأن تفرده بذاته، وبصفاته ، وبأفعاله بمعنى قوله تعالى: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾
هذا معنى الأحدية، فالتقديس هو التوحيد، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد.
والتقديس أيضاً إفراده بالوحدانية، الوحدانية شيء، والأحدية شيء آخر ، الوحدانية أي لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا شريك له هو واحد، لا مثيل له هو أحد، فالله عز وجل واحد أحد:
(( الأحَدُ الصَّمَدُ الذي لم يَلِدْ ولم يُولَدْ، ولم يكن له كُفُوا أَحَدٌ ))
[أخرجه البخاري والنسائي عن أبي هريرة ]
من تقديس الله تعالى أن تفصل في إثبات الكمالات له و أن تنفي عنه كل ما لا يليق به:
أيها الأخوة، التقديس نفي واثبات، يجب أن تنفي عنه كل ما لا يليق به، لكن النفي يجب أن يكون مجملاً، يعني مستحيل أن تمدح ملكاً وأن تقول هو لا يكذب، ولا يرتكب فاحشة، وليس لئيماً، وليس بخيلاً، التفصيل في النفي لا يليق بذات الله عز وجل منزه عن العيوب، أما التفصيل في الإثبات وارد، هو رحمن رحيم، غفور رحيم، واحد أحد، فرد صمد، كبير متعال، عدل، يجب أن تفصل في إثبات الكمالات له، ويجب أن تجمل في نفي العيوب عنه، هذا من التقديس.
﴿ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ﴾
( سورة البقرة الآية: 30 )
القلب السليم لا يشتهي شهوة لا ترضي الله ولا يصدق خبراً يتناقض مع وحي الله:
أيها الأخوة، كل واحد منا ينظف مركبته، لأن هذه المركبة يراها الناس، ينظف بيته إذا جاء البيت بيته نظيف، وأحياناً يعطره، ينظف جسمه، ينظف ثيابه.
ثيابك، وبيتك، ومحلك التجاري، ومركبتك هي منظر الخلق، الناس ينظرون إليك، وإلى ثيابك، وإلى بيتك وإلى طلاء البيت، وإلى أثاث البيت، وإلى مركبتك، فالإنسان يطهر منظر الخلق.
ورد في بعض الآثار القدسية:
(( يا عبدي طهرت منظر الخلق سنين، أفلا طهرت منظري ساعة ))
ما هو منظر الله عز وجل ؟ هو قلبك.
(( إِنَّ الله لا ينظرُ إِلى صوركم وأَموالكم، ولكن ينظر إِلى قلوبكم وأعمالكم ))
[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة ]
لذلك: ﴿ يَومَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾
( سورة الشعراء )
القلب السليم هو القلب الذي لا يشتهي شهوة لا ترضي الله، ولا يصدق خبراً يتناقض مع وحي الله، ولا يعبد غير الله، ولا يحتكم إلا لله.
أحياناً الإنسان بذكائه، هذه القضية لا تحل عند المشايخ، تحل في القضاء، يقول لك: نحن بلد في قانون، وفي قضاء، لأنه عند رجال الدين ما لها حل، بالحاسة السادسة يكتشف أن هذه القضية لا تحل بالقانون، معه عقد إيجار، المستأجر محمي، يأتي إلى عند المشايخ سيدي هذا أليس حقي ؟ جالس ببيت ! صلاته لا تجوز، لماذا في موضوع معين احتكمت إلى القضاء ؟ وفي موضوع آخر احتكمت إلى العلماء ؟ أنت مع مصلحتك ولست مع الحق.
أحياناً امرأة محجبة في بلد غربي إذا نشب خلاف بينها وبين زوجها ترفع الأمر لا إلى القاضي المسلم في المركز الإسلامي، لأنها إذا رفعت قضيتها له يحكم لها بالمهر فقط أما إذا رفعت قضيتها في بلد غربي إلى قاض غربي يحكم لها بنصف أملاك زوجها، فهذا الحجاب لا يتناسب مع الاحتكام لغير الله، ﴿ يَومَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾
القلب السليم الذي لا يشتهي شهوة لا ترضي الله، ولا يصدق خبراً يتناقض مع وحي الله، ولا يعبد غير الله، ولا يحتكم إلا لشرع الله. الله تعالى مطهر عن كل صفات الكمال البشري:
أيها الأخوة، الآن في معنى آخر: "القدوس" هو المطهر عن كل صفات الكمال البشري، أحياناً يتوهم الإنسان أن الله كالأب، هو منزه عن ذلك، كالقاضي العدل، لا، هو منزه عن ذلك، الإنسان بحسب ثقافته، بحسب علاقاته، يتصور العدل بقاضٍ، والرحمة بأب، فإذا أراد أن ينزه الله عز وجل، وأن يقدسه ينسب له صفات الكمال البشري، فقال العلماء: الله عز وجل قدوس، أي منزه عن صفات الكمال البشري.
لذلك قالوا: كل ما خطر في بالك فالله بخلاف ذلك، هو مطهر عن صفات الكمال البشري، يعني كلمة منتقم بالإنسان لا ترتاح لها، لكن المنتقم من أسماء الله الحسنى يوقف الجبارين عند حدهم، يريح الناس منهم إذا مات العبد الفاجر:
(( يستريح منه العبادُ والبلادُ، والشجر والدواب ))
[أخرجه البخاري ومسلم والنسائي ومالك عن أبي قتادة ]
منتقم الله عز وجل، في طغاة ما في حل لإنهاء طغيانهم إلا بالموت، وسبحان من قهر عباده بالموت، فالمنتقم بحق الإنسان قد لا ترتاح لهذه الصفة، أما بحق الواحد الديان الرحمة كلها في انتقام الله عز وجل . معرفة الإنسان بالله ليست مطلقة لأنه لا يعرف الله إلا الله:
لذلك قالوا: لا يعرف الله إلا الله، حتى الأنبياء، حتى سيد الأنبياء والمرسلين معرفتهم بالله ليست مطلقة، نسبية، أعرف الخلق بالله رسول الله، لكن الله لا يعرفه إلا الله من أروع ما قرأت عن تفسير قوله تعالى:
﴿ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ﴾
( سورة محمد الآية: 19 )
أن النبي عليه الصلاة والسلام كلما أقبل على الله رأى رؤية جديدة، فاستحيا من رؤيته السابقة، إذا إنسان مليء مالياً، أنت توهمت هو معه مئة مليون، ثم اكتشفت معه ألف مليون، كانت قيمته على مئة مليون، فوجئت أنه يملك مبلغاً كبيراً جداً، فهذا معنى قوله تعالى: ﴿ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ﴾
كلما أقبل النبي على الله اكتشف جانباً من كمالاته لم يكن يعرفها من قبل. أصل الدين معرفة الله:
لذلك من أدق معاني الله أكبر، أكبر مما عرفت، طبعاً أكبر من كل شيء بديهي لكن بأرقى معاني هذه الكلمة الله أكبر مما عرفت، كلما تعمقت في معرفة الله يجب أن تقول الله أكبر.
لكن في تعليق لطيف: إذا كان الله عز وجل منزهاً عن صفات الكمال البشري فلأن يكون منزهاً عن عيوب البشر من باب أولى.
﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾
( سورة الأعراف الآية: 180 )
يعني شخص أراد أن يذاكر عالماً، هو عالم، قال له: ألا تشتاق إلا الله ؟ قال له: والله لا أشتاق له، قال له: كيف ؟! قال له: متى غاب عني حتى أشتاق إليه.
أيها الأخوة، النقطة الدقيقة أن أصل الدين معرفة الله، إن عرفته تفانيت في طاعته، أما إذا عرفت أمره ولم تعرفه تفننت في التفلت من الأمر.
السعيد
08-25-2018, 06:47 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الثانى و السبعون )
الموضوع : اسم الله - القدوس - 2 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: ( القدوس):
أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في اسم "القدوس" فاسم "القدوس" يدل على ذات الله إذاً هو من أسماء الذات، ويدل على صفة القدسية إذاً هو من أسماء الصفات، ويدل التقديس كوصف من أفعال الله عز وجل إذاً هو من أسماء الأفعال، هو من أسماء الذات، ومن أسماء الصفات، ومن أسماء الأفعال، فالله جل جلاله مقدس في ذاته، منزه عن كل نقص وعيب لأنه يتصف بكل أنواع الكمال.
إذا نصرنا من هو أضعف منا ينصرنا الله على من هو أقوى منا:
الشيء الدقيق جداً: وهو يقدس من شاء من خلقه، وفق مراده وحكمته، مرّ معنا سابقاً أن الله ملك مُملك، واليوم الله مُقدّس ومُقدِس، هو مُقدّس قدوس ومُقدِس.
لذلك ورد في الحديث الصحيح:
(( إن الله لا يقدس أمة لا يأخذ الضعيف حقه ))
[ أخرجه الحاكم عن أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ]
يقول عليه الصلاة والسلام:
(( إنَّما أَهلك الذين قبلكم: أنَّهمْ كانوا إذا سَرقَ فيهم الشَّريفُ تَرَكُوه، وإذا سَرَقَ فيهم الضعيف أقاموا عليه الحدّ. وَأيْمُ اللَّهِ لَوْ أنَّ فاطمةَ بنْتَ محمدٍ سَرَقَت لقطعتُ يَدَهَا ))
[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن عائشة أم المؤمنين ]
أيها الأخوة، من الأحاديث الشريفة الصحيحة التي نحن في أمس الحاجة إليها لأننا نعاني من عدو قوي متغطرس، الحديث الشريف:
(( إنما تنصرون بضعفائكم ))
وفي رواية أخرى:
(( إنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم ))
[أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي عن أبي الدرداء ]
هذا الحديث فيه ملمحان، الملمح الأول وفق قوانين الله، فالضعيف حينما ننصره تتماسك الأمة، وتصبح سداً منيعاً لا يخترق، أما إذا لو تُرك الضعيف ضعيفاً، كان فقيراً ، وكان مشرداً، وكان مظلوماً، تتفتت الأمة، وعندئذٍ يسهل خرقها، هذا الملمح الأول وفق قوانين الله عز وجل.
لكن الملمح الثاني ملمح توحيدي بمعنى أننا إذا نصرنا الضعيف أطعمناه إذا كان جائعاً، كسوناه إن كان عارياً، أنصفناه إن كان مظلوماً، آويناه إن كان مشرداً علمناه إن كان جاهلاً، نحن إذا نصرنا الضعيف، وبإمكاننا أن نهمله، وبإمكاننا أن نسحقه، وبإمكاننا أن نهمشه، وبإمكاننا ألا نلتفت إليه، نحن إذا نصرنا الضعيف، وبالإمكان أن نهمله، يكافئنا الله مكافأة من جنس عملنا، ينصرنا على من هو أقوى منا، إذا نصرنا من هو أضعف منا ينصرنا الله على من هو أقوى منا. من نصر الضعفاء كافأه الله مكافأة من جنس عمله:
لذلك:
(( إن الله لا يقدس أمة لا يأخذ الضعيف حقه ))
[ أخرجه الحاكم عن أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ]
لما أسلم ملك الغساسنة جبلة فرح به سيدنا عمر، أثناء طوافه حول الكعبة بدوي من فزارة داس طرف ردائه، فالتفت نحوه الملك جبلة، وضربه ضربة هشمت أنفه، فذهب إلى عمر هذا الأعرابي الفقير، الذي هو من دهماء الناس وسوقتهم، شكا جبلة إلى عمر بن الخطاب، استدعاه عمر، شاعر معاصر صاغ هذا الحوار شعراً:
قال عمر: أصحيح ما ادعى هذا الفزاري الجريح ؟
قال جبلة: لست ممن ينكر شياً، أنا أدبت الفتى، أدركت حقي بيدي.
قال عمر: أرضِ الفتى، لابد من إرضائه، مازال ظفرك عالقاً بدمائه أو يهشمن الآن أنفك، و تنال ما فعلته كفك.
قال: كيف ذلك يا أمير ؟ هو سوقة، وأنا عرش وتاج ؟ كيف ترضى أن يخر النجم أرضاً ؟
قال عمر: نزوات الجاهلية، ورياح العنجهية قد دفناها، أقمنا فوقها صرحاً جديداً، وتساوى الناس أحراراً لدينا وعبيداً.
فقال جبلة: كان وهماً ما جرى في خلدي أنني عندك أقوى وأعز، أنا مرتد إذا أكرهتني.
فقال عمر: عالم نبنيه، كل صدع فيه يداوى، وأعز الناس بالعبد بالصعلوك تساوى.
(( إن الله لا يقدس أمة لا يأخذ الضعيف حقه ))
(( إنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم ))
هؤلاء الفقراء، هؤلاء المساكين، هؤلاء الضعاف، هؤلاء الذين لا يصغي إليهم أحد، إذا نصرتهم، إذا أنصفتهم، إذا أطعمتهم، إذا كسوتهم، إذا عالجتهم صحياً، إذا آويتهم في بيت، يكافئك الله مكافأة من جنس عملك، فينصرك على من هو أقوى منك. القدوس من تقدست عن الحاجات ذاته وتنزهت عن الآفات صفاته:
أيها الأخوة، سيدنا سلمان الفارسي يقول: إن الأرض لا تقدس أحداً، وإنما يقدس الإنسان عمله، يعني أنت مقدس لا لشيء بعيد عنك، لشيء منك، مقدس إذا كنت مستقيماً، مقدس إذا كنت نظيفاً، مقدس إذا كنت طاهراً، مقدس إذا كان باطنك كظاهرك وسريرتك كعلانيتك.
لذلك قالوا في تعريف اسم "القدوس": من تقدست عن الحاجات ذاته، لا يحتاج أحداً، يحتاجه كل شيء في كل شيء، أما هو قدوس، تنزهت عن الحاجات ذاته، وتنزهت عن الآفات صفاته، و "القدوس" من تقدس عن مكان يحويه، وعن زمان يبليه، نحن نكون في مكان، ومضي الزمان يستهلكنا.
سيدنا عمر بن عبد العزيز يقول: الليل والنهار يعملان فيك، فاعمل فيهما.
الزمان يبلينا، ومن أدق تعريفات الإنسان أنه بضعة أيام، كلما انقضى يوم انقضى بضع منه، بل ما من يوم ينشق فجره إلا وينادي يا ابن آدم أنا خلق جديد، وعلى عملك شهيد، فتزود مني فإني لا أعود إلى يوم القيامة.
"القدوس" من تقدس عن مكان يحويه، وعن زمان يبليه، وهو عزيز لا يرقى إلى تصوره وهم، مهما خطر في بالك عن الله، فالله بخلاف ذلك، ولا يطمع في تقديره فهم، لا يعرف الله إلا الله، ولا تنبسط في ملكه يد، لا يليق بألوهية الإله أن يقع في ملكه ما لا يريد.
أغبى الأغبياء من لا يدخل الله في حساباته:
لذلك كل شيء وقع أراده الله، وكل شيء أراده الله وقع، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، والحكمة المطلقة متعلقة بالخير المطلق، هذه الكلمات في هذه الصياغة تريح قلب المؤمن حينما يعلم أن كل شيء وقع سمح الله به، لحكمة بالغةٍ بالغةٍ بالغة، عرفها من عرفها، وجهلها من جهلها.
وحينما تمضي الأيام تنكشف للمؤمن حكمة أفعال الله عز وجل، لذلك التوحيد ألا ترى مع الله أحداً، التوحيد ألا ترى إلا يد الله تعمل.
"القدوس" الآن المعنى الدقيق المتعلق بنا، "القدوس" من قدّس نفوس الأبرار عن المعاصي، هو قدوس، ويقدس المؤمنين، أي يطهرهم، "القدوس" من قدّس نفوس الأبرار عن المعاصي، وأخذ الأشرار بالنواصي.
﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ﴾
( سورة البروج )
أي إنسان لا يدخل حساب الله في حساباته يعد من أغبى الأغبياء، لأن الإنسان في قبضة الله، وفي ثانية واحدة يكون في حال، ويصبح في حال.
من أدعية النبي عليه الصلاة والسلام:
(( اللهم إنا أعوذ بك من فجأة نقمتك، وتحول عافيتك، وجميع سخطك، ولك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بالله ))
[ الجامع الصغير عن أبي نعيم ]
﴿ يَومَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾
( سورة الشعراء )
ما القلب السليم ؟ هو القلب الذي قدسه الله. أعظم عطاء تناله من الله أن تلقاه بقلب سليم:
أنت حينما تقبل على الله يقدس قلبك، وأعظم عطاء تناله من الله أن تلقاه بقلب سليم، والقلب السليم هو القلب الذي لا يشتهي شهوة لا ترضي الله، طوبى لمن وسعته السنة ولم تستهوه البدعة، القلب السليم هو القلب الذي لا يصدق خبراً يتناقض مع وحي الله، القلب السليم هو القلب الذي لا يحكم غير شرع الله ، القلب السليم هو القلب الذي لا يعبد إلا الله.
لذلك هناك قلب يلامس السماء رفعة، وهناك قلب يلامس الحضيض ضعة ، هناك قلب يكبر ويكبر، ولا نرى كبره، فيتضاءل أمامه كل كبير، وهناك قلب يصغر ويصغر ولا نرى صغره فيتعاظم عليه كل حقير، العوام تقول: إنسان كبير، يعني عفو يعني يحب معالي الأمور، يكره سفسافها ودنيها.
علة وجود الإنسان في الدنيا عبادة الله و طاعته :
"القدوس" من قدّس قلوب أوليائه عن السكون إلى المألوفات، ملايين مملينة جاءت الحياة، كبرت، تزوجت، أنجبت، وماتت، ولم تفعل شيئاً، رقم سهل، ملايين مملينة، كن رقماً صعباً، أتى الله بك إلى الدنيا لتكون شيئاً مذكوراً.
في درس الوتر ورد حديث دقيق جداً:
(( إِن الله وِتْر يُحِبُّ الوِتْرَ ))
حب التفوق.
[أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي عن علي بن أبي طالب ]
(( إنكم لن تَسَعوا الناس بأموالكم، فليسعهم منكم بَسْط الوجه وحسنُ الخلق ))
[أخرجه أبو يعلى وابن أبي شيبة عن أبي هريرة ]
كن متميزاً، كن متفوقاً، كن طموحاً، كن رقماً صعباً، أدِ لأمتك شيئاً، احمل هم أمتك، اخرج من ذاتك، "القدوس" من قدس قلوب أوليائه عن السكون إلى المألوفات يعني أكلنا، وشربنا، ونمنا، وسهرنا، وألقينا بعض الطرف، وهكذا كل يوم ما في هم ، ولا في رسالة، ولا في هدف، ولا يعرف الإنسان لماذا خلقه الله، يقول لك: عما ندفش هذا قوله العوام، معك رسالة، أنت مخلوق لمعرفة الله، علة وجودك أن تعبد الله. ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾
( سورة الذاريات )
والعبادة طاعة طوعية، ممزوجة بمحبة قلبية، أساسها معرفة يقينية، تفضي إلى سعادة أبدية. آخر ورقة رابحة بيد الشيطان أن يغريك بعمل لم تخلق له:
"القدوس" من قدّس قلوب العابدين عن دنس المخالفات، واتباع الشهوات، من الأدعية المأثورة: " اللهم لا تقطعنا عنك بقواطع الذنوب، ولا تحجبنا بقبائح العيوب ".
العيب القبيح يقطع عن الله، والذنب يحجب عن الله.
"القدوس" من قدّس قلوب الزاهدين عن حبّ الدنيا.
أيها الأخوة، الشيطان يوسوس للإنسان أن يكفر، فإذا رآه على إيمان وسوس له أن يشرك، فإذا رآه على توحيد وسوس له أن يرتكب الكبيرة، فإذا رآه على طاعة وسوس له بالصغائر، فإذا رآه على ورع بقي معه ورقتان رابحتان، الأولى بالتحريش بين المؤمنين هذه الخصومات، وهذا الحسد، وتراشق التهم بين المؤمنين، هذه ورقة رابحة بيد الشيطان فإن لم يفلح بقيت معه ورقة رابحة أخيرة، أن يغريه بالمباحات، يصرف وقته في تزيين حياته إلى درجة غير معقولة، ثم يفاجأ بالموت، آخر ورقة رابحة بيد الشيطان أن يغريك بعمل لم تخلق له.
القدوس من قدّس قلوب الزاهدين عن حبّ الدنيا:
إذاً "القدوس" من قدّس قلوب الزاهدين عن حبّ الدنيا، "القدوس" من قدّس قلوب العارفين عمن سواه، نهاية المطاف لا يحزن قارئ القرآن، لأنه يقرأ قوله تعالى:
﴿ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ﴾
( سورة طه )
يقرأ قوله تعالى: ﴿ فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾
( سورة البقرة )
يقرأ قوله تعالى: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾
( سورة النحل الآية: 97 )
لا يحزن، لا يحزن قارئ القرآن إذا قرأ قوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾
( سورة الحج الآية: 38 )
لا يحزن قارئ القرآن إذا قرأ قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ ﴾
( سورة فصلت )
عدم استواء قارئ القرآن مع الفاسق و العاصي:
إذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟ ويا رب ماذا وجد من فقدك ؟ وماذا فقد من وجدك ؟ لا يحزن قارئ القرآن وهو يقرأ قوله تعالى:
﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ ﴾
( سورة السجدة )
لا يحزن قارئ القرآن وهو يقرأ قوله تعالى: ﴿ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾
( سورة القلم )
لا يحزن قارئ القرآن وهو يقرأ قوله تعالى: ﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ ﴾
( سورة النساء الآية: 147 )
لا يحزن قارئ القرآن وهو يقرأ قوله تعالى: ﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ﴾
( سورة القصص )
لا خسارة مع الطاعة، ولا ربح مع المعصية :
أيها الأخوة الكرام، علاقتنا بهذا الاسم من عرف هذا الاسم "القدوس" طهر نفسه عن متابعة الشهوات، طبعاً التي لا ترضي الله، لأنه ما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا جعل لها قناة نظيفة تسري خلالها، بالإسلام ما في حرمان، لكن في طهر، وفي عفة، ما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا وجعل لها قناة نظيفة تسري خلالها، والذي يؤكد هذه الحقيقة:
﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ ﴾
( سورة القصص الآية: 50 )
عند علماء الأصول المعنى المخالف، المعنى العكسي، أي أن الذي يتبع هواه وفق هدى الله لا شيء عليه، اشتهى المرأة فتزوج، لا شيء عليه يبارك الله له بها وبه ، اشتهى المال فعمل عملاً شريفاً، كسب المال الحلال، من عرف هذا الاسم "القدوس" طهر نفسه عن متابعة الشهوات، وطهر ماله عن الحرام.
والله زرت والد صديقي، قال لي: أنا عمري ست و تسعون سنة، قلت: ما شاء الله ! قال لي أجريت تحليلات كاملة، كلها طبيعية، قال لي: والله لا أعرف الحرام بحياتي يقصد حرام المال، حرام النساء، قال لي: والله لا أعرف الحرام بحياتي.
وكان هناك عالم جليل بلغ السادسة و التسعين منتصب القامة، حاد البصر، مرهف السمع كان إذا سُئل يا سيدي ما هذه الصحة التي حباك الله إياها ؟! يقول: يا بني ! حفظناها في الصغر فحفظها الله علينا في الكبر، من عاش تقياً، عاش قوياً.
حينما كرمت بلدتنا الطيبة علماء القرآن الكريم قبل سنوات، هم قريبون من عشرة، وكلهم فوق التسعين، من عاش تقياً عاش قوياً. شرف المؤمن قيامه بالليل، وعزه استغنائه عن الناس:
من عرف اسم "القدوس" طهر نفسه عن متابعة الشهوات، وطهر ماله عن الحرام والشبهات، وطهر وقته عن دنس المخالفات.
(( إن الله يحب معالي الأمور وأشرافها ويكره سفسافها ))
[أخرجه الطبراني عن حسين بن علي ]
وطهر قلبه عن مسلك الغفلات، وطهر روحه عن فتور المساكنات، ومن عرف اسم "القدوس" لا يتذلل لقوي، ولا لغني، لأنه:
(( من جلس إلى غني فتضعضع له ذهب ثلثا دينه ))
[ البيهقي في شعب الإيمان عن ابن مسعود]
ومن عرف اسم "القدوس" لا يبالي فيما فقده، بعدما وجده، لا يبالي فيما وجد من الدنيا بعدما وجد الله.
لذلك ورد أن سيدنا الصديق لم يندم على شيء فاته من الدنيا قط، تُعرض عليه أرض لا يشتريها، يزهد فيها، بعد حين يرتفع سعرها مئة ضعف، يبقى كل عمره متحسراً، كل حياته متحسر لمَ لم يشترِ هذه الأرض، سيدنا الصديق لم يندم على شيء فاته من الدنيا قط.
من عرف اسم "القدوس" لا يتذلل لقوي ولا لغني، ولا يتضعضع أمامها، لأن شرف المؤمن قيامه بالليل، وعزه استغنائه عن الناس.
ومن عرف اسم "القدوس" لا يبالي بما فقده بعدما وجده، ولا يرجع قبل الوصول إليه بعدما قصده، تعامل خالق السماوات والأرض، عاهدنا رسول الله على السمع والطاعة في المنشط والمكره، في إقبال الدنيا، وفي إدبارها، في القوة والضعف، في الفقر والغنى، هذا قرار استراتيجي أنك طلبت الله، أقبلت عليه. على كل إنسان أن يطهر نفسه و يقدسها عن كل حرام :
لذلك قالوا: اتقِ الله باجتناب المحرمات تكن من التوابين، وتورع عن اقتحام الشبهات تكن من المتطهرين، وازهد فيما زاد عن قدر الضرورة تنجو من الحساب الطويل.
إنسانة دخلت إلى سوق تجاري كبير جداً، قالت: يا إلهي ! ما أكثر الحاجات التي لا يحتاجها الإنسان.
(( مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا ))
[ أخرجه البخاري والترمذي وابن ماجة عن عبد الله بن محصن ]
وأقبل على خدمة مولاك تنال الثواب الجزيل، الذي يعنينا من الأسماء الحسنى موقفك من هذا الاسم، الله "القدوس" هل قدست نفسك ؟ هل طهرتها ؟ الله "القدوس" هل أقبلت عليه ؟ أخذت منه الطهر والنقاء ؟.
أيها الأخوة الكرام، نحن في أمس الحاجة إلى معرفة أسماء الله الحسنى، لأنها أصل كبير كبير في الدين، بل هي جزء خطير من عقيدة المسلم.
السعيد
08-25-2018, 06:50 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الثالث و السبعون )
الموضوع : اسم الله - الاول - 1 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: ( الأول ):
أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "الأول".
ورود اسم الأول في القرآن الكريم و السنة الشريفة:
ورد هذا الاسم في قوله تعالى:
﴿ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾
( سورة الحديد )
وهذا الاسم أيضاً ورد في السنة الصحيحة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
(( اللهم أَنت الأولُ فليس قبلك شيء، وأنت الآخِرُ فليس بَعدَك شيء، وأنت الظَّاهِرُ فليس فوْقَك شيء، وأنت الباطِنُ فليس دُونَك شيء، اقْضِ عنا الديْنَ وأغْنِنا من الفقرِ ))
[أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة ]
حقوق العباد مبنية على المشاححة و حقوق الله مبنية على المسامحة:
بالمناسبة:
(( من أخذ أَموال الناس يُريدُ أَداءها أدَّى الله عنه ))
[ أخرجه البخاري عن أبي هريرة ]
أي وَفَقه لوفاء الدين، إذا ملكت رغبة صادقة أن تؤدي هذا الدين.
(( من أخذ أَموال الناس يُريدُ أَداءها أدَّى الله عنه ))
أي وفقه برزق وفير مكنه أن يفي دينه.
(( ومن أخذ أَموال الناس يُرِيدُ إِتْلافها ))
[أخرجه البخاري عن أبي هريرة ]
أن هذا غني، لا أرد له الدين، ((أتلفه الله ))
تتوقع الحديث أتلفها، أتلفه.
أيها الأخوة:
(( يُغْفَرُ للشهيد ))
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1595/01.jpg
الذي قدم أثمن ما يملك، قدم حياته.
(( يُغْفَرُ للشهيد كلُّ ذَنْب إلا الدَّيْنَ ))
[ أخرجه مسلم عن عبد الله بن عمر بن العاص ]
لأن حقوق العباد مبنية على المشاححة، بينما حقوق الله مبنية على المسامحة.
أيها الأخوة، أحد أصحاب النبي توفاه الله عز وجل، فجاء النبي ليصلي عليه قال: أعليه دين ؟ قالوا: نعم، قال: صلوا على صاحبكم، ما صلى عليه، فلما قال أحد الصحابة: يا رسول الله عليّ دينه، فصلى عليه، لكن في اليوم التالي سأل هذا الضامن أأديت الدين ؟ قال: لا، في اليوم الثالث سأل هذا الضامن: أأديت الدين ؟ قال: لا، في اليوم الرابع سأل هذا الضامن أأديت الدين ؟ قال: نعم، قال عليه الصلاة والسلام: الآن ابترد جلده.
يعني ابترد جلده وهو صحابي جليل، وخاض مع رسول الله كل المعارك، وقدّم كل ما يملك، ومات شهيداً، فلم يغفر له ما تعلق بذمته من الدين، فما بال الملايين من المسلمين يقترضون وفي نيتهم ألا يؤدون ؟. الذنوب ثلاثة أنواع: ذنب يغفر و ذنب لا يغفر و ذنب لا يترك:
أيها الأخوة، ذنب يغفر، وذنب لا يغفر، وذنب لا يترك، الذنب الذي يغفر ما كان بينك وبين الله، والذنب الذي لا يغفر هو الشرك بالله، والذنب الذي لا يترك هو ما كان بينك وبين العباد.
لا بد من توضيح دقيق للإخوة الكرام: النصوص التي يتوهمها المسلمون أنها تغطي كل الذنوب هم واهمون.
(( من حج لله عز وجل فلم يَرْفُثْ ولم يَفْسُقْ، رجع كيوم وَلَدَتْهُ أمُّه ))
[أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1595/02.jpg
أية ذنوب ؟ ما كانت بينه وبين الله وحدها، لكن ما كان بينك وبين العباد لا يغفر إلا بالأداء أو المسامحة.
(( من صام رمضانَ إيمانا واحتسابا غُفِرَ له ما تقدَّم من ذَنْبِهِ ))
[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أبي هريرة ]
ما كان بينك وبين الله فقط، لكن ما بينك وبين العبادة لا يغفر إلا بالأداء أو المسامحة، هذه حقيقة مرة، لكنها أفضل ألف مرة من الوهم المريح، حتى الإنسان لا يكون ساذجاً، يحج ويتوهم كل ما عليه من حقوق قبل الحج غفرها الله، حقوق العباد لا تغفر إلا بالأداء أو المسامحة:
(( يُغْفَرُ للشهيد كلُّ ذَنْب إلا الدَّيْنَ ))
[ أخرجه مسلم عن عبد الله بن عمر بن العاص ]
مرة ثانية:
(( من أخذ أَموال الناس يُريدُ أَداءها أدَّى الله عنه، ومن أخذ أَموال الناس يُرِيدُ إِتْلافها ـ لم يكن الحديث أتلفها الله، الحديث عن هذه الأموال، إما أن الله أدى عنه هذه الأموال وأتلفها ـ قال: أتلفه الله ))
[ أخرجه البخاري عن أبي هريرة ]
الله عز وجل أول لأنه لم يسبقه بالوجود شيء:
أيها الأخوة، الله أول، لأنه لم يسبقه بالوجود شيء، وهو الذي علا بذاته وشأنه مبتدئاً فوق كل شيء، وهو الذي لا يحتاج إلى غيره في شيء، يحتاجه كل شيء في كل شيء، وهو لا يحتاج إلى غيره في شيء، وهو المستغني بنفسه عن كل شيء.
هذا الإله العظيم ألا يخطب وده ؟ ألا ترجى جنته ؟ ألا تخشى ناره ؟ أيغفل الإنسان عنه ؟ لم يسبقه في الوجود شيء، وهو الذي علا بذاته، وشأنه، رواية أخرى: فوق كل شيء، وهو الذي لا يحتاج إلى غيره في شيء، وهو المستغني بنفسه عن كل شيء.
هو "الأول" كن مع "الأول" لا تكن مع المتأخر، لا تكن مع الفرع، لا تكن مع إنسان قوي، كن مع أقوى الأقوياء، لا تكن مع إنسان يبدو لك غنياً، كن مع أغنى الأغنياء، لا تكن مع إنسان يدعي العلم، كن مع العلم المطلق، هو الله عز وجل، لا تكن مع الجميل، وقد ضحيت من أجله بكل شيء، كن مع مانح الجمال.
(( إن الله جميل يحب الجمال ))
[ أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي عن عبد الله بن مسعود ]
من معاني "الأول" :
1 ـ الله سبحانه وتعالى سبب كل شيء:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1595/03.jpg
إخوانا الكرام هذا الاسم يحتاج إلى شرح كثير، من معاني "الأول" الذي يترتب عليه غيره، يعني إنشاء بناء يحتاج إلى مال، المال أول، معك مال تفكر بإنشاء بناء، بالمعنى الفلسفي، الأول هو الشيء الذي يترتب عليه غيره، بل هو الشيء الذي يبنى عليه شيء، بل هو النتيجة التي تؤسس على مقدمة، هذا المعنى سببي، يعني الله عز وجل أول يعني سبب كل شيء.
الدجاجة من البيضة، والبيضة من الدجاجة، هذا التسلسل لا ينتهي، في النهاية من خلق الدجاجة الأولى ؟ الله عز وجل، "الأول"، أي حديث، أي شيء، تتبعه إلى بداياته في النهاية تصل إلى الله، هو "الأول".
إذاً هذا المعنى الأول للأول أن الله سبحانه وتعالى سبب كل شيء، بل هو مسبب الأسباب، المعنى الأول سببي، وبالتالي معنى زمني، سببي زمني.
2 ـ الله عز وجل الأول في كل شيء:
المعنى الثاني: "الأول" رتبي، أوضح شيء، مثلاً فلان الأول في التجارة، فلان الأول في العلم، فلان الأول في الحكمة، معنى رتبي، يعني من حيث النوع هو فوق كل شيء، أعلى شيء، الأول على كل شيء، هذا الطالب هو الأول، قد يكون أصغر طالب في الصف، الأول لا يعني هو الزمن إطلاقاً، المعنى الأول سببي زمني، لا شك أن الأب قبل الابن، لأن الأب سبب ابنه، الأب سبب الابن، وفي الوقت نفسه ولد قبل الابن، لأنه أصل، الآية التي تؤكد هذا المعنى، قوله تعالى:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1595/04.jpg
﴿ الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآَنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾
( سورة الرحمن )
هناك تساؤل: أن يا رب أيعقل أن تعلم الإنسان القرآن قبل أن تخلقه ؟ ﴿ الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآَنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ ﴾
نقول نحن: هذا الترتيب في الآية ليس ترتيباً زمنياً، لأنه لو كان ترتيباً زمنياً الفكرة غير معقولة، إنسان يعلم قبل أن يُخلق ؟ يُخلق ثم يعلم، هذا الترتيب رتبي، بمعنى أن وجود الإنسان لا معنى له من دون منهج يسير عليه، وللتوضيح:
الآن يوجد حواسيب صناعية غالية جداً بمئات الملايين، لو إنسان استورد حاسب لمعمله، وفي خطأ بالتصدير، الشركة نسيت أن ترسل تعليمات التشغيل والصيانة التعليمات كتاب، هذا الكتاب لم يرسل مع الآلة، والآلة غالية الثمن، معقدة التركيب عظيمة النفع، فإن خفنا على الآلة من العطب، ولم نستخدمها جمدنا ثمنها، وإن استخدمنها من دون هذه التعليمات أتلفناها، أليست في هذه الحالة التعليمات أهم من الآلة ؟ من دون تعليمات تعطبها، خوفاً عليها لا تستخدمها، فهذه التعليمات أخطر من الآلة نفسها، وهذا الكلام ينسحب على الإنسان. وجود الإنسان من دون منهج يسير عليه لا معنى له إطلاقاً:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1595/05.jpg
وجودك أيها الإنسان من دون منهج تسير عليه لا معنى له، الإنسان من دون منهج سوف يقع في إثم كبير، بسبب وجود الشهوات، هناك حب المرأة، وحب المال، وحب العلو في الأرض، هذه الشهوات تدفعه بعنف إلى حتفه أحياناً، الإنسان أحياناً يهلك بحبه للمال يُقتل في النهاية، يهلك بحبه للشهوة، يغرق في شهوات ثم ينتهي مصيره إلى الهلاك.
فالإنسان لا بد من منهج يسير عليه، هذا معنى قول الله عز وجل:
﴿ الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآَنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾
المعنى الأول: "الأول" له معنى سببي زمني، والأصح معنى سببي، هو مسبب الأسباب، المعنى الثاني: "الأول" له معنى رتبي، "الأول" الأول في كل شيء، "الأول" في علمه، "الأول" في حلمه، "الأول" في رحمته، "الأول" في عدله، "الأول" في قوته ، "الأول" في غناه، وفي كل مجتمع هناك جامعة، يقول لك هذا الأستاذ الأول، بمؤسسة هذا العقل الأول في هذه المؤسسة، هو الذي يديرها، بأي مكان، بأي مجال، بأي زمن، بأي عصر في إنسان ضمن مجتمع معين، هو الأول، أحياناً يقول لك: هذا الرجل القوي، قد يكون معاون المدير العام، لكنه أقوى منه، هو الأول.
معنى الأول، "الأول" معنى سببي، المعنى الآخر: "الأول" معنى رتبي. 3 ـ الله عز وجل الأول رتبة و زماناً ليس قبله شيء:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1595/06.jpg
المعنى الثالث: "الأول"، "الأول" المتقدم زماناً، ربيع الأول، ربيع الثاني، هذا تقدم زمني شعبان أولاً، رمضان بعده.
وهناك المتقدم مكاناً، أنت في الطريق إلى حلب، حمص أولاً، ثم حماة، ثم حلب.
الآن الصناعة: الأول الذي تبدأ به، إنشاء بناء، أول شيء فيه حفر الأرض، في صناعة سيارة أول شيء الهيكل، وهكذا، هناك معنى ترتيبي، ومعنى مكاني، ومعنى زماني، ومعنى رتبي، ومعنى سببي، هذا معنى "الأول".
الله عز وجل ، جلّ جلاله واحد أحد، فرد صمد:
﴿ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ﴾
( سورة الإخلاص )
"الأول" سبباً، و "الأول" رتبة، و "الأول" رتبة و زماناً ليس قبله شيء، بل الزمان من خلفه، الزمان لا يحيط به، هو يحيط بالزمان، هو "الأول" مكاناً، الكون كله من خلقه، "الأول" في الترتيب، كان الله ولم يكن معه شيء، هو "الأول"، هنيئاً لمن كان مع "الأول"، هنيئاً لمن كان ولياً للأول. من كان مع الله كان الله معه:
إخوانا الكرام، يوجد بالحياة أقوياء، و أغنياء، و أناس لامعون جداً، لكن الإنسان إذا ربط مصيره مع هؤلاء، ولسبب أو لآخر انتهى هؤلاء ينتهي معهم، المؤمن مع الله، لا يحسب على غير الله، ولا يجير إلى غير الله، مع الله.
كن مع الله ترَ الله معك واترك الكل وحاذر طمعك
وإذا أعطاك من يمنـعه ثم من يعطي إذا ما منعك
* * *
الآن في مصائب كثيرة في الأرض، في مصائب صحية، في مصائب مالية ، في مصائب إدارية، كان بمنصب رفيع أزيح عنه، في مصائب أسرية زوجة خائنة، في مصائب لا تعد ولا تحصى، ولكن البطولة أن تكون موحداً في هذه المصائب.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1595/07.jpg
(( لكل شيء حقيقة وما بلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه ))
[أخرجه الطبراني عن أبي الدرداء ]
التوحيد بالمصائب تصل من خلالها إلى الله، يعني هل يعقل أن إنساناً ضرب إنسان بعصا، أن يحقد هذا المضروب على العصا ؟ مستحيل ! يكون أحمقاً، الحقد على الضارب، فإذا كان كل الطغاة والأقوياء عصي بيد الله، حينما تعلم علم اليقين أن الله سمح لهم، في مشكلة مع نفسك، التوحيد في المصيبة يلغي الحق، الأول، من سمح لهذا الإنسان أن يصل إليك ؟ هذا الكلام لا يعني أن تستسلم، معاذ الله أن يُفهم هذا المعنى، لكن هذا المعنى ينبغي ألا تشرك، ألا تحقد، هذا الإنسان سمح الله له أن ينال منك، لحكمة بالغة وهناك مشكلة، طبعاً ردّ عليه، وأزل هذا الظلم عنك، وراجع نفسك لماذا سلطه الله عليّ ؟ ﴿ وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً ﴾
( سورة الأنعام الآية: 129 )
على كل إنسان أن يراجع نفسه إذا أصابته مصيبة ما لا أن يحقد لأن الحقد دليل الشرك:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1595/08.jpg
سألوا مرة تيمور لنك من أنت ؟ أجاب إجابة رائعة، قال: أنا غضب الرب، أنت حينما توحد في فهم المصيبة لا تحقد، لكن تقاوم، أنت حينما توحد في فهم المصيبة لا تجبن بل تكن شجاعاً في ردك.
﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ ﴾
( سورة الشورى )
ينبغي ألا تحقد، لأن الحقد قاتل، الحقد دليل الشرك، أما التوحيد، هذا القوي وصل إليّ، ونال مني، وسمح الله له بذلك، لحكمة بالغةٍ بالغة، قد أعلمها، وقد لا أعلمها لكنني واثق أن الله حكيم.
لذلك أرد عليها، آخذ بحقي، والدليل الآية واضحة، ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ ﴾
والله معك، لكن لا تحقد، لا تحقد لأنك موحد، ما كان لهذا القوي أن ينال منك، لولا أن الله سمح له.
﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ ﴾
( سورة النساء الآية: 90 )
المسلمون ينقصهم التوحيد لأنهم بالتوحيد تحل مشكلاتهم و يزول إحباطهم:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1595/09.jpg
إخوانا الكرام، المسلمون ينقصهم التوحيد، بالتوحيد تحل مشكلاتهم، بالتوحيد يزول هذا الحقد من نفوسهم، بالتوحيد يزول هذا الإحباط، هذا الشعور أنهم دون بقية الشعوب، ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، دقق:
﴿ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾
( سورة لقمان الآية: 17 )
اصبر، هذا القضاء الذي يأتي الإنسان من الله مباشرة، يعني للتقريب:
شخص له ابن يحبه حباً جماً، وقف على الشرفة، تطاول عليها فسقط فنزل ميتاً هل هناك جهة يصب عليها جام غضبه ؟ هذا قضاء وقدر من الله له، أما حينما يدهس سائق هذا الابن، في شخص أمامك، يمكن أن تحقد عليه، يمكن أن تتمنى أن تمزقه. كل إنسان بحاجة إلى التوحيد لو جاء القضاء والقدر على يد إنسان:
هناك آية ثانية قال تعالى:
﴿ وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ ﴾
( سورة الشورى الآية: 43 )
﴿ صَبَرَ ﴾
على قضاء الله وقدره ﴿ وَغَفَرَ ﴾
لمن كان هذا القضاء على يده. ﴿ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾
( سورة الشورى )
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1595/10.jpg
في لام المزحلقة، لام التوكيد، يعني أنت بحاجة إلى التوحيد ألف مرة زيادة فيما لو جاء القضاء والقدر على يد إنسان، دققوا في هذه الآية: ﴿ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ ﴾
( سورة الأنعام الآية: 65 )
هذه الصواعق والصواريخ الآن. ﴿ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ ﴾
( سورة الأنعام الآية: 65 )
هذه الزلازل، أو الألغام. ﴿ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ﴾
( سورة الأنعام الآية: 65 )
براوندا أحدث رقم خلال أيام تمّ إبادة ثمانمئة ألف، والعالم يتفرج، يبدو أنه ليس هناك في بترول، ثمانمئة ألف أبيدوا في أيام. التوحيد في فهم المصيبة يُخفف وقعها:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1595/11.jpg
أيها الأخوة، التوحيد نحن في أمس الحاجة إليه، لفهم ما يجري حولنا، لا نحقد لكن نكون شجعاناً،
﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ ﴾
فالتوحيد في فهم المصيبة يخفف وقعها، بل يجعلك شجاعاً في ردها، إذا شخص دخل إلى بيته سارق، يقول سبحان الله ! أمر الله عز وجل، هذه مشيئة الله، يكون أحمقاً يجب أن يقاومه، أن يأخذه ويسلمه إلى المسؤولين عن الأمن.
فإنسان مستسلم هذا إنسان غير مؤمن، المؤمن لا يستسلم، بل يقاوم، يأخذ بحقه والآية واضحة جداً: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ ﴾
إلا أن المؤمن لا يحقد لأنه موحد.
(( ولكل شيء حقيقة، وما بلغ العبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه ))
[ أخرجه أحمد، والطبراني عن أبي الدرداء رضي الله عنه ]
من كان مع الأول كان الأول دائماً:
هو "الأول"، هذا الذي نال منك مَنْ خَلَقه ؟ الله عز وجل، من أعطاه القوة ؟ الله عز وجل، من سمح أن يصل إليك ؟ الله عز وجل، الله عزّ وجل رحيم، وعليم، وقدير، وحكيم، وعدل، إذاً الكرة في ملعبي.
(( ما من عثرة، ولا اختلاج عرق، ولا خدش عود إلا بما قدمت أيديكم، وما يغفر الله أكثر ))
[ أخرجه ابن عساكر عن البراء ]
(( ولو أن أولكم وآخر، وإنسَكم وجِنَّكم، قاموا في صعيد واحد، فسألوني فأعطيتُ كُلَّ إنسان مسألتَهُ، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما يَنْقُص المِخْيَطُ إذا أُدِخلَ البحرَ ـ ذلك أن عطائي كلام وأخذي كلام ـ الآن دققوا: فمن وَجَدَ خيراً فليَحْمَدِ الله، ومن وجد غير ذلك فلا يَلُومَنَّ إلا نَفْسَهُ ))
[ أخرجه مسلم والترمذي عن أبي ذر الغفاري ]
أيها الأخوة الكرام، اسم "الأول" اسم دقيق جداً، كن مع "الأول" تكن أولاً ولا تكن مع الآخر تكن آخراً.
السعيد
08-25-2018, 06:52 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الرابع و السبعون )
الموضوع : اسم الله - الاول - 2 -
لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: (الأول):
أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في اسم "الأول" الله جل جلاله أول، أي هذا الاسم يعني مطلق القبلية، الله عز وجل علمه مطلق، رحمته مطلقة، كيف ؟
أحياناً قاضٍ، يحكم ألف حكم، عشرة أحكام غير عادلة، لا عن قصد، ولكن عن خطأ، ونقص معلومات، عند البشر هذا القاضي الذي حكم ألف حكم، من هذه الأحكام عشرة أحكام غير عادلة يسمى عند الناس عادلاً، لأن الإنسان ليس مطلقاً، أما الإله لو ظُلم عصفور في ملكه ليس عادلاً، عدل مطلق، رحمة مطلقة، حكمة مطلقة، غنى مطلق ، قدرة مطلقة.
من معاني الأول:
1 ـ الله مطلق القبلية ليس قبله شيء، ولا بعده شيء:
لذلك الله عز وجل هو "الأول" بمعنى أن هذه الكلمة تعني أنه مطلق القبلية، ليس قبله شيء، ولا بعده شيء، تعني أيضاً أنه مطلق القبلية، وعالي الشأن والفوقية، المعنى الأول.
2 ـ الله الأول على كل ما سواه، المتقدم على كل ما عداه:
معنى آخر: الله "الأول" على كل ما سواه، المتقدم على كل ما عداه، وكل ما سوى الله بعد الله، فإذا كنت مع "الأول" فأنت الأول، إذا كنت مع "الأول" أنت المتفوق، أنت الحر، أنت عزيز النفس، أنت الذي تشعر أنك محسوب على الله.
مرة سمعت كلمة عالم جليل رحمه الله توفي رحمه الله، ذهب إلى لندن لإجراء عملية، فجاءت اتصالات غير معقولة، هذه الاتصالات لفتت نظر الإذاعة البريطانية أجرت معه لقاء، سألته ما هذه المكانة التي حباك الله بها ؟ طبعاً اعتذر، وتواضع كثيراً فلما ألحت عليه قال: لأنني محسوب على الله.
المؤمن محسوب على الله فمن حُسب على جهة أرضية انتهت مكانته عند الله عز وجل:
المؤمن محسوب على الله، ليس محسوباً على جهة أرضية، والإنسان حينما يحسب على جهة أرضية انتهى، المؤمن شخصية فذة، تعني مرتبة علمية، وتعني مرتبة أخلاقية، وتعني مرتبة جمالية، المؤمن رقم صعب.
أي إنسان مبلغ من المال مهما كان كبيراً، بهذا المبلغ يغير قناعاته فهذا المبلغ ثمنه، ولمجرد أن يكون للإنسان ثمن انتهى، المؤمن رجل مبدأ، المؤمن رجل قيم، المؤمن محسوب على الله.
لذلك لمجرد أن يحسب المؤمن على جهة أرضية انتهت مكانته عند الله.
الله عز وجل وجوده أزلي أبدي:
أيها الأخوة، الله "الأول" على كل ما سواه، المتقدم على كل ما عداه، وكل ما سوى الله بعد الله، الله "الأول" بمعنى آخر، لأن بديهيات العقل تقول إن المُوجد قبل الموجود، وإن المُحدث قبل الحادث، وإن الخالق قبل الخلق، وإن المدبر قبل المدَبر، وإن الرازق قبل الرزق، "الأول" الله عز وجل.
بل في بعض الأحاديث:
(( كانَ اللَّهُ ولم يكن شيءٌ قَبْلَهُ ))
[أخرجه البخاري والترمذي عن عمران بن حصين ]
لكن ما معنى كان الله ؟ هذه كان تامة، شيء لا يغيب عن أذهانكم، الأفعال الناقصة كان وأخواتها، لا تعني الحدث، تعني الزمن فقط، تقول: الجو ممطر، مبتدأ وخبر إذا قلت كان الجو ممطراً ربطت هذا الإسناد إلى الماضي، فكان أضافت زمناً، ولم تضف حدثاً لكن كان نفسها تأتي تامة.
(( اتق الله حيث ما كنت ))
[ رواه الشيخان عن أبي ذر ]
حيث ما وجدت، تعرب تامة، فعل ماض تام، مبني على الفتح، فقد تأتي كان تامة، والشاهد (( اتق الله حيث ما كنت ))
أي حيث ما وجدت، (( كانَ اللَّهُ ولم يكن شيءٌ قَبْلَهُ ))
هو "الأول"، هو "الأول" بلا بداية، وجوده أزلي أبدي، والآخر بلا نهاية. من توغل في أي شيء وصل في النهاية إلى الله تعالى:
أيها الأخوة، الله عز وجل هو "الأول" هو أبطن من كل باطن، فإذا توغلت في الشيء، أي شيء إذا توغلت فيه تصل في النهاية إلى الله، هذه البيضة من الدجاجة، الدجاجة من البيضة تسلسل لا نهائي، لكن لابدّ من أول دجاجة من خلقها ؟ هو الله، هذه مصيبة جاءتني عن طريق فلان، فلان من خلقه ؟ الله عز وجل، من أعطاه قوة فنال مني ؟ الله عز وجل، من سمح له أن ينال مني ؟ الله عز وجل ، ما في إنسان بالأرض إذا ضُرب بعصا يحقد على العصا، يكون أحمقاً.
لذلك الأقوياء عصي بيد الله ينتقم بهم، ثم ينتقم منهم، هذا المعنى التوحيدي يلغي الحقد، الله عز وجل ما سلمك لأحد، ولا يسلمك لأحد.
﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ ﴾
( سورة هود الآية: 123 )
علاقتك معه، رزقك عنده، سعادتك عنده، سلامتك عنده، نجاحك في بيتك عنده، نجاحك بعملك عنده، ﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ ﴾
﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ﴾
( سورة هود الآية: 123 )
ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، الأمة الإسلامية الآن بحاجة ماسة إلى التوحيد، إلى أن ترى أن الله بيده كل شيء، هؤلاء الأقوياء على الشبكية يبدو أنهم مالكون كل شيء، لكن في الحقيقة ليسوا شيئاً. ﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾
( سورة الفتح الآية: 10 )
﴿ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى ﴾
( سورة الأنفال الآية: 17 )
الأقوياء عصي بيد الله ينتقم بهم ثم ينتقم منهم هذا المعنى التوحيدي يلغي الحقد:
إذاً "الأول" أبطن من كل باطن، فإذا توغلت في الشيء، ثم توغلت، ثم توغلت تصل إلى الله، ولأن الله كماله مطلق إذاً بدل أن تحقد على العصا، يجب أن تعلم أن هذا الذي أصابك بأمر الله، والله كامل، معنى المشكلة عندي، فرق كبير جداً بين من يحقد على الآخر، وبين من يتهم نفسه أولاً، الظالم كما قلت سوط الله ينتقم به، وثم ينتقم منه.
﴿ وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً ﴾
( سورة الأنعام الآية: 129 )
(( ما من عثرة، ولا اختلاج عرق، ولا خدش عود إلا بما قدمت أيديكم، وما يغفر الله أكثر ))
[ أخرجه ابن عساكر عن البراء ]
(( ولو أن أولكم وآخر، وإنسَكم وجِنَّكم، قاموا في صعيد واحد، فسألوني فأعطيتُ كُلَّ إنسان مسألتَهُ، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما يَنْقُص المِخْيَطُ إذا أُدِخلَ البحرَ ـ ذلك لأن عطائي كلام وأخذي كلام ـ فمن وَجَدَ خيراً فليَحْمَدِ الله، ومن وجد غير ذلك فلا يَلُومَنَّ إلا نَفْسَهُ ))
[ أخرجه مسلم والترمذي عن أبي ذر الغفاري ]
الأولوية في الأشياء مرجعيتها إلى الله خلقاً وإيجاداً وعطاءً:
أيها الأخوة، هل هناك أولوية في الأشياء ؟ الجواب نعم، الأولوية في الأشياء مرجعيتها إلى الله، خلقاً، وإيجاداً، وعطاءً، وإمداداً، الدليل:
﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ ﴾
( سورة آل عمران )
مكة المكرمة فيها أول بيت وضع للناس. ﴿ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ ﴾
( سورة الأنبياء الآية: 104 )
﴿ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ﴾
( سورة يس )
بالأشياء أولوية طبعاً، لكن هذه المعاني التي تشير إلى عظمة الله عن أسمائه الحسنى، وصفاته الفضلى، وأنه الأول بلا بداية، والآخر بلا نهاية، هو الظاهر والباطن، واحد أحد، فرد صمد:
﴿ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ﴾
( سورة الإخلاص )
اعتماد العلماء في فهم الآيات التي تتحدث عن ذات الله تعالى:
1 ـ على التفويض:
هناك آيات لا تزيد على أصابع اليد، تتحدث عن ذات الله:
﴿ وَجَاءَ رَبُّكَ ﴾
( سورة الفجر الآية: 22 )
كيف ؟ ﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾
كيف ؟ في الحديث الصحيح:
(( يَنْزِلُ رَبُّنَا كُلَّ ليلةٍ إلى سماءِ الدنيا، حين يبقَى ثُلثُ الليلِ الآخِرُ ))
[ أخرجه البخاري و مسلم عن أبي هريرة]
آيات لا تزيد عن أصابع اليد تتحدث عن ذات الله. ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً ﴾
( سورة النساء )
الله سميع، بصير، ﴿ وَجَاءَ رَبُّكَ ﴾
﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾
كيف نفسر هذه الآيات ؟ السلف الصالح اعتمدوا التفويض، لا يعقل لإنسان أن يحيط بالذات الإلهية ، لذلك أكمل موقف هن عشرة آيات فوضوا معناها إلى الله، وارتاحوا، ما تكلموا كلمة فيها، تجاوز حدود، فالتفويض مسلك رائع في فهم آيات الذات. 2 ـ أو على التأويل:
هناك موقف آخر هو التأويل، أقل درجة لكن مقنع،
﴿ وَجَاءَ رَبُّكَ ﴾
أي جاء أمر ربك، إنسان دخله حرام، مستعلٍ على الناس، مستهزئ بالدين، يهزأ بآيات القرآن الكريم، تساق له مصيبة ماحقة، في بعض الأدعية:
(( اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك، ومن تحول عافيتك، ومن فجاءة نقمتك، ومن جميع سخطك ))
[حديث صحيح على شرط الشيخين عن عبد الله بن عمر]
حينما يأتي العقاب الإلهي الرادع، الماحق، نقول: ﴿ وَجَاءَ رَبُّكَ ﴾
أي جاء عقابه، وجاء وعيده، هذا تأويل مقبول، أما أن تنفي صفة أثبتها الله في قرآنه بذاته، هذا تعطيل، كلمة سميع بصير، الله ما له سمع، أنت بهذا تعطل، لك أن تفوض، لك أن تؤول والأولى أن تفوض، أما أن تعطل، أن تلغي صفة أثبتها الله لذاته، لا يجوز.
وبعضهم قال: ((يَنْزِلُ رَبُّنَا كُلَّ ليلةٍ إلى سماءِ الدنيا، حين يبقَى ثُلثُ الليلِ الآخِرُ ))
نزل درجة على المنبر، لا، هذا تمثيل، الآيات المتعلقة بالذات الإلهي لا تجسد، ولا تعطل ولكن تؤول، والأولى أن تفوض معناها إلى الله، أربع خمس آيات، لا تزيد على أصابع اليد، وعين العلم به عين الجهل به، وعين الجهل به عين العلم به.
ولو شخص سألك وأنت على شاطئ البحر المتوسط: هذا البحر كم لتر ؟ أي رقم تقوله فأنت كاذب، لأن هذا السؤال فوق طاقة البشر، إذا قلت لا أعلم فأنت العالم، بهذا السؤال بالذات إن قلت لا أعلم فأنت العالم.
لذلك قالوا: في الذات الإلهية عين الجهل به عين العلم به، وعين العلم به عين الجهل به، وكل ما خطر ببالك فالله بخلاف ذلك. العقل البشري يوصلك إلى الله لكن الغيب المطلق لا يعلمه إلا الله:
الشيء الدقيق: أن العجز عن إداراك الإدراك إدراك، هذه كلمة لسيدنا الصديق العجز عن إدراك الإدراك إدراك، هذا العقل البشري يمكن أن يصل إلى الله، لكن لا يمكن أن يحيط به، ممكن بمركبتك أن تصل بها إلى الساحل، هذا البحر، وصلت بها إلى الساحل لكن هذه المركبة لا يمكن أن تخوض عباب الماء.
فالعقل البشري يوصلك إلى الله، ولكن:
﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ﴾
( سورة البقرة الآية: 255 )
هذه حقيقة، لما أنت تعتقد أن عقلك محدود المهمة تكون عالماً، وكل من يعتقد أن عقله أداة للمعرفة المطلقة يكون جاهلاً.
تماماً: ميزان إلكتروني فيه خمسين ذاكرة، غالٍ جداً، مصمم لبقالية، حدود استعماله من خمس غرامات لخمسة كيلو غرام، ما دمت تستخدمه بين هذين الحدين يعطيك نتائج رائعة جداً، أما إذا خطر في بالك أن تزين به سيارة، وضعته على الأرض وسرت فوقه حطمته، ليس جيداً ! هذا الميزان لم يصمم لوزن مركبتك، مركبتك صنعتها شركة محترمة جداً وضعت لك بلوحة صغيرة في مكان ما وزن السيارة.
يعني كل شيء عجز عقلك عن إدراكه أخبرك الله به، هذا الذي يعتمد العقل وحده لمعرفة كل شيء، وقع في متاهة كبيرة، العقل مهمته محدودة، العقل يرى شيئاً مادياً يحكم على صانعه، أما أن تسأله على غيب بغيب، الغيب المطلق لا يعلمه إلا الله. عدم التعارض بين العقل و النقل:
لذلك العقل والنقل، في الأصل لا تعارض بين العقل والنقل، النقل كلام الله وبيان المعصوم، والعقل مقياس أودعه الله فينا، لكن لو كان هناك تعارض ظاهري فلعدم قطعية أحدهما، إما النظرية لم تكن حقيقة، فعارضت نصاً قرآنياً، أو الآية فهمتها فهماً خاطئاً، أو الحديث موضوع، أما النقل الصحيح لا يتعارض مع العقل الصريح، ولا مع الفطرة السليمة، ولا مع الواقع الموضوعي.
إلا أن مهمة العقل قبل النقل التأكد من صحة النقل، والعقل بعد النقل مهمته فهم النقل، أما أن يكون العقل حكماً على النقل هذا شيء لا يجوز.
من تطبيقات اسم الله "الأول":
1 ـ أن يسعى كل إنسان إلى أن يكون أولاً في كل حقل:
أيها الأخوة، من تطبيقات هذا الاسم، الله "الأول" أنت كإنسان ما علاقتك بهذا الاسم ؟ يجب أن تسعى أيها الإنسان إلى أن تكون أولاً في كل حقل، أول في بيتك أب ناجح، أول في عملك، طبيب ناجح، مهندس ناجح، صناعي ناجح، تاجر ناجح، في عمل الخير ناجح، في أداء العبادات ناجح، ما دام الله أولاً، وأنت عبده، وقد أمرك أن تتخلق بكمالات مشتقة من كمالات الله، فلابدّ من أن تكون أولاً في اختصاصك تعلم كل شيء عن كل شيء وشيئاً عن كل شيء، لابدّ لك من اختصاص تتعمق فيه كثيراً، الدليل:
﴿ أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ ﴾
( سورة المؤمنون )
المؤمنون مع الأوائل، آية ثانية: ﴿ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ ﴾
(سورة الأنبياء الآية:90)
2 ـ حرص كل إنسان مؤمن في الصلاة على الصف الأول:
من توجيهات النبي: أن تحرص في الصلاة على الصف الأول، من أجل أن تكون أولاً احرص على الصف الأول.
ومن توجيهات النبي: احرص على أن تصلي الصلاة في أول وقتها، أول.
3 ـ ما لم تكن أولاً لا يحترم دينك، يجب أن تكون الأول:
مرة تكلمت بكلمة، ما عندي لها دليل لكن قناعتي بها بلا حدود: الآن إن لم نكن متفوقين في دنيانا، لا يحترم دينك، هذه قناعتي، يعني بلاد متخلفة، نسب الأمية عالية جداً، نسب الفقر عالية جدا ً، نسب البطالة عالية جداً، نسب العنوسة عالية جداً، في قائمة الاستيراد اسم هذه البلاد في الأوج، في المقدمة، تستورد كل شيء، حتى علبة المحارم في قائمة المصدرين في أسفل القائمة، بأس هذه الأمم بينها، تتقاتل، وتسيل الدماء، وبين أطيافها 95 % قواسم مشتركة، بينما أعدائها يتعاونون، وبينهم خمسة بالمئة قواسم مشتركة، بأسها بينها، وسلمها لأعدائها، هذه الأمة بهذا الوضع لا يمكن أن يصغي إليها أحد، لا تتصور في إنسان في الأرض يخطر في باله أن يقرأ صحيح البخاري.
تماماً لو رأيت إنساناً يعتنق ديناً أرضياً لكنه قذر، متخلف، يتسول، كسول هل يخطر في بالك للحظة واحدة أن تشتري كتاباً عن دينه فتقرأه ؟.
لذلك قالوا: الإسلام الآن محجوب بالمسلمين، المسلمون معهم أعظم دين، لكنهم أسوأ مسوق لهذا الدين، وغير المسلمين معهم الباطل لكنهم مسوقون ناجحون لباطلهم.
فلذلك ما لم تكن أولاً لا يحترم دينك، يجب أن تكون الأول.
على كل إنسان أن يعمل عملاً يكون من خلاله شيئاً مذكوراً:
وبالمناسبة: المسلمون كأفراد متفوقون جداً، تذهب إلى بلاد بعيدة هذا البناء الشامخ المهندس مسلم بالطاقة الذرية، كبار العلماء مسلمون، المسلمون كأفراد متفوقون جداً لأن الله سبحانه وتعالى وزع الذكاء بالتساوي على كل الشعوب، في كل أمة أذكياء بقدر ما عند أمة أخرى متفوقة أذكياء، لكن الأمة المتخلفة لا تهتم بأذكيائها تدفعهم إلى الهجرة، الأمم الأخرى، تؤسس جامعة تكلفها مليارات، والجامعة في النهاية محصلتها بالمئة خمسة، هؤلاء الخمسة بالمئة يؤخذون من الدول النامية، يغرونهم بجنسية، وبدخل فلكي، فأخذوا كل الأذكياء.
في ولاية بأمريكا خمسة آلاف طبيب سوري معهم بورد، يعني هذا شيء دقيق جداً، يجب أن تكون أولاً حتى يصغي الناس إليك.
الآن سيدنا إبراهيم، ماذا قال:
﴿ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ﴾
( سورة الأنعام )
يا الله ! سيدنا محمد: ﴿ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ ﴾
( سورة الزخرف )
سيدنا موسى: ﴿ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾
( سورة الأعراف )
سيدنا إبراهيم، سيدنا محمد، سيدنا موسى، الآن في أمر إلهي: ﴿ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ ﴾
( سورة الأنعام الآية: 14 )
الدنيا ماضية، فانية، زائلة، اعمل عملاً تكون في الدنيا شيئاً مذكوراً، اعمل عملاً تكون حديث الناس، قدم شيئاً لهذه الأمة، اخرج من ذاتك. ما لم نكن متفوقين في دنيانا لا يحترم ديننا:
لذلك مرة ثانية، والله أعتقد بهذه المقولة اعتقاداً لا حدود له: ما لم نكن متفوقين في دنيانا، لا يحترم ديننا، والمشكلة اليوم أن الإسلام محجوب عن أهل الأرض بالمسلمين، تصريح كاذب، احتيال، تقصير بالعمل، تزوير، فهذا النموذج من السلوك لا يرقى بنا إلى أن يصغى إلينا.
فلذلك أيها الأخوة، إن أردت أن تكون شيئاً مذكوراً في الدنيا كن أولاً، المسلمون الآن بحاجة إلى صناعي كبير، إلى تاجر كبير، إلى أستاذ جامعي كبير، إلى عالم كبير، إلى داعية كبير، هؤلاء النخبة بهم تنهض الأمة.
فلذلك يجب أن نسعى لا أن نكون رقماً عادياً، أي في الستة آلاف مليون الخمسة آلاف و خمسمئة مليون جاؤوا إلى الدنيا وغادروها، ولم يتركوا أثراً، إنسان هدفه يشتري بيتاً فقط ويتزوج، ويشتري سيارة، انتهت كل أهدافه هنا، بينما عظماء أهل الأرض يحملون همّ أمتهم، يبدلون بيئتهم، يصلحون شأن أمتهم، يسعون إلى عمل معين، فلابدّ من التفوق لأن الله "الأول" ويحب منك أن تشتق منه كمالاً تتقرب به إليه، فالنبي أول كان، بربع قرن قلب وجه الأرض، واحد.
الآن يُكاد لهذه الأمة بقتل أوائلها في العراق، من أي طيف، ما دام الأول يُقتل، الأمة بأوائلها، الأمة بمتفوقيها، الأمة بعلمائها، الأمة بخبرائها.
فيا أيها الأخوة ما دمنا نقدس اسم الله الأول يقتضي هذا التقديس أن تكون أولاً في عملك، وفي بيتك، وفي اختصاصك، وفي كل شيء.
السعيد
08-25-2018, 06:54 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الخامس و السبعون )
الموضوع : اسم الله - الاخر -1 -
لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. من أسماء الله الحسنى: ( الآخر):
أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "الآخر".
ورود اسم الآخر في القرآن و السنة:
ورد هذا الاسم في قوله تعالى:
﴿ هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾
( سورة الحديد )
وقد ورد أيضاً في السنة الصحيحة، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو ويقول:
(( اللهم أَنت الأولُ فليس قبلك شيء، وأنت الآخِرُ فليس بَعدَك شيء، وأنت الظَّاهِرُ فليس فوْقَك شيء، وأنت الباطِنُ فليس دُونَك شيء، اقْضِ عنا الديْنَ وأغْنِنا من الفقرِ ))
[ أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة]
مرة الإمام علي رضي الله عنه قال: " واللهِ والله مرتين، لحفر بئرين بإبرتين مستحيل ! وكنس أرض الحجاز في يوم عاصف بريشتين، مستحيل أيضاً ! ونقل بحرين زاخرين بمنخلين، مستحيل ! وغسل عبدين أسودين حتى يصيرا أبيضين، مستحيل ! أهون عليّ من طلب حاجة من لئيم لوفاء دين. اللغة العربية تعدّ من أرقى اللغات الإنسانية من حيث التصريف:
"الآخر" اسم فاعل، لمن اتصف بالآخرية، اللغة العربية لغة التصريف، لغة الاشتقاق، وهي في رأي العلماء الكبار الأجانب من أرقى اللغات الإنسانية، يعني في فعل ماضي، فعل مضارع، فعل أمر، اسم فاعل، اسم مفعول، اسم مكان، اسم زمان، اسم آلة، اسم تفضيل، صفة مشبهة باسم الفاعل، كل هذه المشتقات من أصل واحد، باللغة العربية، كتب، يكتب، اكتب، كتابة، مكتب، كاتب، مكتوب، أما باللغة الأجنبية الطاولة تيبل، وكتب رايت، والكتاب بوك، من ثلاث مواد، أما اللغة العربية تعدّ من أرقى اللغات الإنسانية من حيث التصريف.
بل إن اللغة العربية تتمتع بسعة في التعبير، ففي اللغة نظر لها أحوال كثيرة تقول مثلاً: شخص، هذا نظر مع الخوف.
﴿ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾
( سورة الأنبياء الآية: 97 )
هناك رنا أي نظر مع المتعة، رنوت إلى المنظر الجميل، حدج: نظر مع المحبة، حدث القوم ما حدجوك بأبصارهم، هناك لمح، لمح: نظر وأعرض، ماشٍ في الطريق يوجد باب مفتوح، نظرت فإذا امرأة، أنت مؤمن غضضت عنها البصر، لاح شيء: ظهر واختفى، لاح بين الغيوم طائرة، حدق: نظر بدهشة حتى اتسعت حدقة عينه، حملق: نظر بحدة حتى ظهر حملاق عينه، استشف: نظر، وفحص الثوب بيديه، استشف، استشرف: نظر وتمطى.
اللغة العربية من أوسع اللغات اشتقاقاً، لكن اللغة تضعف بضعف أهلها، وتقوى بقوة أهلها. تعريف الآخر من حيث اللغة:
على كلٍ: "الآخر" اسم فاعل لمن اتصف بالآخرية، و "الآخر" يقابل الأول
﴿ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ ﴾
و "الآخر" لما بقي من المدة الزمنية، جاء في آخر الوقت، والرقم الذي يلي الأول "الآخر" في الأرقام العددية، أو ما يلي الأول في البعدية والنوعية، أو لما بقي في المواضع الأرضية، هذه كلها معاني عليها شواهد من كتاب الله، ولكن نكتفي بشاهدين "الآخر" الذي يقابل الأول قال تعالى: ﴿ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيداً لِأَوَّلِنَا وَآَخِرِنَا ﴾
( سورة المائدة الآية: 114 )
و "الآخر" لما بقي من المدة الزمنية في قوله تعالى: ﴿ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آَمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آَخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾
( سورة المائدة )
وهناك شواهد كثيرة على المعاني الدقيقة لكلمة الآخر.
لكن الذي يعنينا، يعنينا اسم الله "الآخر"، الله "الآخر" المتصف بالبقاء، والآخرية هو "الآخر" الذي ليس بعده شيء، و "الآخر" الباقي بعد فناء خلقه. ﴿ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ﴾
( سورة القصص الآية: 88 )
الفرق الكبير بين أن الله باقٍ ببقائه الذاتي وبين أن يكون المؤمنون في الجنة إلى الأبد:
لكن هناك سؤال دقيق يعد إشكالية في الموضوع آيات كثيرة تؤكد أن المؤمنين في الجنة:
﴿ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ﴾
( سورة الطلاق الآية: 11 )
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1621/01.jpg
المؤمنون في الجنة خالدون في الجنة أبداً، فكيف نجمع ونوفق بين أن الله هو الآخر وليس بعده شيء، وبين أن المؤمنين في الجنة خالدين فيها أبداً ؟ الإجابة سهلة جداً الله عز وجل باقٍ وليس بعده شيء، ببقائه هو، من أسمائه أنه باقٍ، من أسمائه أنه "الآخر" لكن إذا أراد الله للمؤمنين أن ينعموا في جنة إلى أبد الآبدين هؤلاء باقون بإبقاء الله لهم، فرق كبير بين أن نفهم أن الله باقٍ ببقائه الذاتي، وبين أن يكون المؤمنون في الجنة إلى أبد الآبدين، نقول: المؤمنون باقون بإبقاء الله لهم، هذه الإشكالية إن صحّ التعبير تتوضح بشكل جلي إذا ضربنا المثال التالي:
الله عز وجل يصف النبي عليه الصلاة والسلام فيقول، يعني قل لهم: ﴿ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ ﴾
( سورة هود الآية: 31 )
النبي على عظم شأنه، وعلى علو مقامه، وعلى أنه سيد الخلق، وحبيب الحق ، وسيد ولد آدم، لا يعلم الغيب، لا يعلم الغيب إلا الله، وأي إنسان، وأية جهة، تدعي أنها تعلم الغيب، قل لها بملء فمك أنتم كاذبون، لا يعلم الغيب إلا الله، وعلى الرغم من أن هذا العصر عصر علم، وعصر تنوير، هناك خرافات، وهناك مشعوذون، وهناك دجل لا يعلمه إلا الله، الغيب لا يعلمه إلا الله. النبي الكريم لا يعلم الغيب لكن إذا تحدث عن المستقبل فبإعلام الله له:
شيء آخر: أحاديث كثيرة تتحدث عن أشراط الساعة، كيف نوفق بين أن النبي الكريم لا يعلم الغيب، وبين أنه نطق بأحاديث صحيحة عن أشراط الساعة، يوم يذوب قلب المؤمن في جوفه، ألم ندرك هذا الزمان ؟ مما يرى، ولا يستطيع أن يغير، إن تكلم قتلوه وإن سكت استباحوه، موت كعقاص الغنم.
قبل يومين بلغني أن مذبحة راوندا قتل فيها ثمانمئة ألف بأيام، موت كعقاص الغنم، لا يدري القاتل لمَ يقتل، ولا المقتول فيما قُتل.
عندنا مصطلح جديد اسمه التطهير العرقي، هذا الذي تقتله ماذا فعل ؟ أسلب مالاً ؟ انتهك عرضاً ؟ أسفك دماً ؟.
موت كعقاص الغنم، لا يدري القاتل لمَ يقتل، ولا المقتول فيما قُتل.
من علامات قيام الساعة:
(( يكون الولد غيظاً وأن يكون المطر فيظاً وأن تفيض الأشرار فيضاً، ويغيض الكرام غيضاً ))
[ أخرجه الطبراني عن عبد الله بن مسعود ]
(( إذا وُسِّدَ الأمْرُ إلى غير أهله فانتظر السَّاعة ))
[ أخرجه البخاري عن أبي هريرة ]
من علامات قيام الساعة:
(( أنْ تَلِدَ الأمَةُ رَبَّتُها ))
[ أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن عبد الله بن عمر ]
أم مؤمنة، طاهرة، عفيفة، مربية، تنجب بنتاً تدرس، تقول لك أمي دقة قديمة
(( أنْ تَلِدَ الأمَةُ رَبَّتُها ))
أحاديث كثيرة هذا موضوع مستقل، فكيف نوفق أن الله عز وجل في القرآن الكريم يقول عليه الصلاة والسلام: ﴿ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ ﴾
والنبي تكلم أحاديث كثيرة عن أشراط قيام الساعة، أيضاً الإشكالية تحلّ بهذه الجملة، النبي عليه الصلاة والسلام لا يعلم الغيب لكن إذا تحدث عن المستقبل فبإعلام الله له. الحقائق التي علّمها الله تعالى لسيدنا محمد تجعل الإنسان يرفض مئات التأويلات:
لكن بالمناسبة: من أجل أن نعلم حقيقة هذا النبي العظيم، أول صفة:
﴿ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ ﴾
الصفة الثانية قل:
﴿ لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلَا رَشَداً ﴾
( سورة الجن )
الصفة الثالثة: ﴿ قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً ﴾
( سورة الأعراف الآية: 188 )
لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، و ﴿ لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلَا رَشَداً ﴾
﴿ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ ﴾
أية جهة في الأرض من آدم إلى يوم القيامة تدعي أنها تعلم الغيب، أو تملك أن تضر إنساناً، أو أن تنفعه اركل أفكارها بقدمك، هذه حقيقة النبوة، ﴿ لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلَا رَشَداً ﴾
﴿ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً ﴾
﴿ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ ﴾
﴿ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ ﴾
( سورة الأعراف الآية: 188 )
هذا حجم سيد الخلق، وحبيب الحق، هذا الحجم لا يستطيع إنسان في الأرض أن يتجاوزه.
لذلك بهذه الحقائق تركل بقدمك آلاف القصص الخرافية، والشطحات ، والتأويلات، والتخرصات، والدجل، والشعوذة. التجديد في الدين أن ننزع عنه كل ما علق به مما ليس منه:
أيها الأخوة، شخص سألني عن إيمانك بضرورة التجديد في الدين، قلت له: الدين توقيفي، الدين ليس منتجاً أرضياً، خاضعاً للتجديد، والتطوير، والتعديل، والحذف ، والإضافة، هذا دين توقيفي من عند الله، ولكن إذا سمحت لنفسي أن أقول تجديد في الدين فالتجديد في الدين لا يعني إلا أن ننزع عن الدين كل ما علق به مما ليس منه، يعني حجر صار أسود، ضربناه بالرمل فعاد أبيضاً، أرجعت حجر هذا البناء إلى نصاعته، أن أنزع عن الدين كل ما علق به مما ليس منه، هذا هو التجديد، التجديد في الدين لا يزيد عن هذا لأنه من عند الله، لأنه من عند المطلق.
﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً ﴾
( سورة المائدة الآية: 3 )
من توغل في الماضي أو الحاضر أو المستقبل وصل إلى الله أما الإنسان فله وضع آخر:
أيها الأخوة، لو تحركت نحو الماضي، نحن في القرن الواحد والعشرين ، القرن العشرين، التاسع عشر، العاشر، الثامن، السابع، السادس، الأول، ما قبل الميلاد ستة آلاف سنة قبل الميلاد الفراعنة، لو توغلنا في الماضي، في النهاية نصل إلى الله، هو الأول.
لو تحدثنا عن المستقبل، القرن الحادي والعشرون، الثاني والعشرون، القرن الثلاثون، في النهاية نصل إلى الله هو "الآخر"، لو توغلنا في الماضي نصل إلى الله، وإذا استشرفنا المستقبل نصل إلى الله،
﴿ هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ ﴾
لذلك أما الإنسان وضع آخر، قال تعالى: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1621/02.jpg
﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ * وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ * وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ * لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ ﴾
( سورة الانشقاق )
الإنسان يولد يفرح أهل البيت، ويزغردون، يفرحون أنه ولد سليماً، أكبر فرحة عند الولادة أنه جاء سليماً، كامل الأوصاف، الآن بعد حين تظهر أسنانه، يحتفلون، بعد حين يمشي يحتفلون، بعد حين يصبح نظيفاً يحتفلون، بعد حين يأخذونه إلى المدرسة، يتعلم الفاتحة، كل ما جاء ضيف، بابا تعال أسمعنا الفاتحة، أي الأب اختل توازنه لما ابنه قرأ له الفاتحة، كبر الابن، دخل المدرسة، يعني القصة طويلة، من ابتدائي، للإعدادي، للثانوي، دخل جامعة، في مشكلة العمل الآن، يا ترى وظيفة ؟ تجارة ؟ هذه مشكلة، هيأ عملاً، الزواج، طويلة ؟ قصيرة ؟ مناسبة غير مناسبة ؟ عندنا مشكلة الزواج، مشكلة العمل، بعد ذلك ما أنجب ولداً، يا ترى السبب هو أو هي ؟ كل مرحلة بالحياة لها هموم، تزوج، وأنجب أولاداً، ابنه في معه تشوه خلقي، يا ترى ماذا نعمل ؟ مراحل نمشي بها جميعاً، بعدها صار بالأربعين، بالخمسين يجب الآن أن يلعب رياضة، ويجب تخفيف وزنه، ويجب أن يأكل خضار وفواكه، وأن يأكل خبز نخالة، تجد حديث الذي بالخمسينات والستينات، كله بهذا الموضوع، تمشي كل يوم ؟ نعم الحمد لله، عندما كان شاباً كان يطحن الحجر، الآن يهمه الرياضة، يهمه المشي، بعد ذلك معه كيس أدوية، عشرة حبات كل يوم، بعد ذلك تأتي النعوة، أليس كذلك ؟ ﴿ لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ ﴾
بطولة الإنسان معرفة الله عز وجل:
الإنسان ليس باقياً، وكل مرحلة في اهتمام، يكون بالجامعة، الأساتذة والامتحانات، والمادة الصعبة، والأستاذ جاء بأسئلة غير متوقعة، وتدخل بمتاهة، تخطب يا ترى أنا الله وفقني بهذه الزوجة، ما وفقني ؟ مليحة غير مليحة ؟ تسرعت ما تسرعت تعمل شراكة مع شخص، كل مرحلة لها هموم.
(( من جَعَلَ الْهُمُومَ هَمّاً وَاحِداً هَمَّ الْمَعَادِ كَفَاهُ اللَّهُ هَمَّ دُنْيَاهُ ))
[أخرجه ابن ماجه عن عبد الله بن مسعود ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1621/03.jpg
اعمل لوجه واحد، يكفيك الهموم كلها، ﴿ لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ ﴾
الله عز وجل باقٍ، أما أنت متطور.
مرة قال لي أستاذ (رحمه الله)، قال لي مداعباً: سبحان الله أنا من خمسين سنة أنشط من الآن، قلت له: طبعاً، لا يبقى على هو إلا هو، فالبطولة أن أجعل همي أن أعرف الله.
هناك كلمة لسيدنا عمر بن عبد العزيز: الليل والنهار يعملان فيك، كل واحد منا عنده صورة قديمة، صورته هو وبالعشرين، والخامسة عشر، بالثلاثين، في وضع آخر، يعني بالستين في صورة ثانية، بالخامسة والستين، بالسبعين، كلما تقدم به السن يصبح وجهه تضاريس، فيه خطوط، وتجاعيد،...إلخ.
الليل والنهار يعملان فيك، ردك على الليل والنهار: فاعمل فيهما، اعمل عملاً صالحاً. العاقل من عمل لآخرته:
(( بادِرُوا بالأعمال سبعا: هل تُنْظَرون إلا فَقْرا مُنْسيا ))
[ أخرجه الترمذي عن أبي هريرة ]
(( وكاد الفقر أن يكون كفراً ))
[أخرجه أحمد عن أنس بن مالك أو الحسن البصري ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1621/04.jpg
(( أو غِني مُطغيا ))
[أخرجه الترمذي والنسائي عن أبي هريرة ]
زوجته محجبة، سافر إلى بلد نفطي، جاءه دخل كبير، بعث لها برسالة، إن لم تأتِ بأحدث صرعات الأزياء أنت لست زوجتي، غنى مطغي، والغنى المطغي مصيبة لأن الله عز وجل علم ما كان، وعلم ما يكون، وعلم ما سيكون، أما الرابعة، وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون، الغنى المطغي مصيبة.
(( أو مَرَضا مُفسِدا ))
هناك أمراض تجعل حياة الإنسان جحيماً لا يطاق، فشل كلوي، تشمع كبد، خثرة في الدماغ.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1621/05.jpg
(( أو هَرَما مُفنِدا ))
نشأ لا على طاعة الله، فلما تقدمت به السن أصابه الخرف، وقد ورد في الأثر أنه:
(( من جمع القرآن متعه الله بعقله حتى يموت ))
[ الجامع الصغير عن أنس]
في هذا البلد الطيب منذ سنوات أقيم حفل تكريم لعلماء القرآن الكريم، كانوا سبعة فيما أذكر، كلهم فوق التسعين:
(( من جمع القرآن متعه الله بعقله حتى يموت ))
[ الجامع الصغير عن أنس]
العاقل من أعدّ العدة قبل أن يلقى الله عز وجل:
أيها الأخوة:
(( بادِرُوا بالأعمال سبعا: هل تُنْظَرون إلا فَقْرا مُنْسيا، أو غِني مُطغيا، أو مَرَضا مُفسِدا، أو هَرَما مُفنِدا، أو موتا مُجْهِزا، والدجالَ ))
[ أخرجه الترمذي عن أبي هريرة ]
عمله بعكس أقواله، أتينا إليكم من أجل حريتكم، من أجلكم، الحقيقة من أجل نهب ثرواتكم، وقتل شبابكم، وقهركم.
(( والدجال ؟ والدَّجَّالُ شَرُّ غائب يُنَتظَرُ، والساعةَ ؟ والساعةُ أدْهَى وأمرّ ))
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ﴾
( سورة الحج )
هناك مدينة عربية أصابها زلزال، لي قريب هناك يقسم لي بالله أن زوجته من شدة الرعب حملت وليدها الصغير الرضيع، وانطلقت إلى الشارع، وفي الشارع فوجئت أنها تحمل حذاء زوجها وليس وليدها، أقسم لي بالله، http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1621/06.jpg
﴿ تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ﴾
إخوانا الكرام، بشكل علمي واضح، ممكن أن نستيقظ نحن جميعاً وأنا معكم كل يوم كاليوم السابق ؟ في يوم من الأيام ينشأ تطور بالجسم، إذا كان هذا بوابة الخروج يتفاقم إلى أن تعلق النعوة، كل بطولتك، وكل ذكائك، وكل عقلك أن تعدّ لهذه الساعة التي لا بد منها، كل مخلوق يموت، ولا يبقى إلا ذو العزة والجبروت:
و الليل مهما طال فلا بد من طلوع من الفجر
والعمر مهما طال فلا بد من نزول القبــر
***
و كل ابن أنثى و إن طالت سلامته يومـاً على آلة حدباء محمول
فإذا حملت إلى القبـور جنــازة فاعلم بأنك بعدهــا محمول
***
السعيد
08-25-2018, 06:57 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( السادس و السبعون )
الموضوع : اسم الله - الاخر -2 -
لحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: (الآخر):
أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في اسم "الآخر".
من معاني هذا الاسم أن:
أمور الخلائق تنتهي إلى الله عز وجل:
من معاني هذا الاسم أيضاً أن أمور الخلائق تنتهي إليه، للتقريب:
إنسان توفيت زوجته، وفي إخبارية أنها توفيت مسمومة، وصار في ادعاء من قِبل أهلها، والمحاكم عملت، من محكمة الجنايات للاستئناف للنقد، صدر حكم بالإعدام رفع إلى رئيس الجمهورية، آخر جهة تبت في هذا الموضوع القصر الجمهوري، إما أن يوافق ويصدق، أو أن له وجهة نظر قد لا يوافق، من هي آخر جهة تبت في هذا الموضوع ؟ رئيس الجمهورية، هذا للتقريب.
الله عز وجل قال:
﴿ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ ﴾
( سورة الشورى )
في النهاية الحكم هو الله، في خلافات مذهبية، عقائدية، دينية، في النهاية الحكم هو الله. حالة الخوف و الإحباط التي يعيشها بعض الناس سببها ضعف التوحيد:
لكن هذه الآية:
﴿ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ ﴾
لها معنى آخر: معظم الناس الذين لم يكن إيمانهم توحيدياً يتوهمون، أن الأمر بيد فلان، أو فلان، أو فلان، يتعاملون مع شركاء لله عز وجل، يوم القيامة يتضح لكل الخلائق أن الأمر بيد الله، أما المؤمن وهو في الدنيا يعلم علم اليقين أن الأمر بيد الله، إلا أن عامة الناس الذين لم يكن إيمانهم إيماناً تحقيقياً، توحيدياً، مع إيمانهم بالله يرون في الأرض آلهة، من بني البشر، بيدهم مصائر الشعوب، بيدهم قصف هذه المدينة أو عدم قصفها، مثلاً، فالإنسان إذا عاش بجو الشرك الحياة لا تطاق، قال تعالى:
﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ﴾
( سورة الشعراء )
أي أحد أكبر عذابات الإنسان أن يرى مع الله إلهاً آخر، شيء لا يحتمل، حالة الإحباط أساسها ضعف التوحيد، حالة الخوف أساسها ضعف التوحيد، حالة اليأس أساسها ضعف التوحيد، ﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ﴾
الإيمان ألا ترى مع الله أحداً:
لذلك الأمور بيد الله، كانت، ولا تزال، وستبقى، هذا عند المؤمنين، ما من إله إلا الله، إن أردت أن تتغط دعوات الأنبياء جميعاً:
﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾
( سورة الأنبياء )
﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ﴾
( سورة هود الآية: 55 )
أحد الأنبياء يتحدى قومه: ﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾
( سورة هود )
﴿ لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ﴾
( سورة الأعراف الآية: 54 )
﴿ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً ﴾
( سورة الكهف )
﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ﴾
( سورة هود الآية: 123 )
هذا هو الإيمان، الإيمان ألا ترى مع الله أحدا، الإيمان أن ترى أن يد الله تعمل وحدها. إيمان الإنسان بالله عز وجل إيمان يسعده و يريحه:
الإيمان أن تؤمن أن:
﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ ﴾
( سورة الزخرف الآية: 84 )
الإيمان أن تؤمن: ﴿ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا ﴾
( سورة الأنعام الآية: 59 )
هذا الإيمان، هذا الإيمان المسعد، المريح، علاقتك مع جهة واحدة، بيدها كل شيء.
فلذلك الآية بمعناها الأول: ﴿ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ ﴾
يعني الجهة التي بيدها أن تحكم هي الله. الله عز وجل بيده مصير كل شيء:
أيها الأخوة، هذا الاسم ورد أيضاً في صحيح البخاري، في صحيح البراء بن عازب رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
(( إذا أوْيتَ إلى فراشك، فقل: اللَّهمَّ أسْلَمْتُ نَفْسي إليك، ووجَّهْتُ وجهي إليك وفوَّضْتُ أمْري إليك، وألجَأْتُ ظَهْري إليك، رَغْبة ورَهْبة إليك، لا مَلْجأ، ولا مَنْجَا منك إلا إليك ))
أريد أن أبين لكم من خلال بعض القصص، ما معنى اسم "الآخر" ؟ قصة رمزية طبعاً:
إنسان يجلس مع زوجته، يأكل الدجاج، طُرق الباب، ذهبت لتفتح الباب فإذا سائل يطلب طعاماً، فهمت أن تعطيه جزءاً من هذه الدجاجة، لأنه سائل وجائع، فنهرها زوجها وعنفها، وقال: اطرديه، ساءت العلاقة بينه وبينها فطلقها، وتزوجها إنسان آخر، ولحكمة بالغةٍ بالغة كانت تجلس معه تأكل الدجاج، فطُرق الباب، فذهبت لتفتح الباب، فاضطربت، فلما عادت رآها مضطربة، قال: من الطارق ؟ قالت: سائل، قال: لا، من الطارق ؟ قالت: زوجي الأول، فقال لها: وهل تدرين من أنا ؟ السائل الأول، قصة رمزية.
لكن أحياناً أنت تتخذ قراراً، لكن الله عز وجل بيده للمصير. الله هو "الآخر" و حكمه الأخير في كل شيء:
أيها الأخوة، كثيراً ما يأخذ أكبر الأخوة المال كله، أخوته صغار وأخواته بنات متزوجات، وله هيمنة عليهم، أعطوه وكالة عامة، اغتصب كل أموال الأب ، الله عز وجل هو "الآخر"، هؤلاء الصغار يوفقون، ويوفقون، ويوفقون، وهذا المغتصب لا يوفق، يذهب ماله، فيضطر أن يعمل عند إخوته الصغار محاسباً، الله عز وجل هو "الآخر".
والله أيها الأخوة، سمعت قصة وقعت في هذه البلدة، إنسانة تعمل في حقل القضاء، هناك جمعية سكنية تتيح لمن في القضاء أن يشتري بيتاً بسعر مخفض، وبالتقسيط فسجلت اسمها على بيت، ولا تملك كامل الثمن، دخل أخوها معها مناصفة، والبيت ارتفع سعره حوالي خمسين ضعفاً، لما صار ثمنه عشرين مليوناً، والبيت باسم الأخت، والأخ دفع نصف البيت بالتمام والكمال، وابن هذا الأخ أحد الأخوة الكرام، فقالت له: اخرج من البيت، والبيت باسمي (القصة طويلة)، كانت أشهر طويلة، لم يترك وسيلة يرجو أخته أن تبقيه في البيت، هي أقوى منه بالقانون، لأن البيت باسمها، فلم تجدي كل المحاولات، فأخرجته من البيت، يقول لي ابن أخيها: عمتي مريضة، قلت: ما المرض ؟ قال لي: ورم خبيث بأحشائها، بعد شهر، قال لي: توفيت، وذهبت إلى البيت وألقيت كلمة في التعزية، وعاد البيت إلى أخيها.
أنت لا تهتم بما تفعل، اهتم بما سيفعل الله معك.
﴿ أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ ﴾
( سورة الزخرف )
الله هو "الآخر" دائماً الله مع المظلوم، أحياناً يكون الزوج ظالم يطلق امرأته طلاقاً تعسفياً، يهيئ الله لهذه المرأة صالحاً يكرمها، ويحميها، وينسيها الأول، ويهيئ للثاني زوجة تعد نقمة لزوجته التي ظلمها، الله هو "الآخر" حكمه الأخير، في الشراكة، في الزواج في العلاقات. بطولة الإنسان أن يخشى الله و أن يعلم علم اليقين أن الأمر بيده:
دائماً أيها الأخوة، هناك نقطة دقيقة أن كل واحد منا بحكم حياته، وعلاقاته ، يعرف مئات القصص، يعرف آلاف القصص، هذه القصص يعرفها من آخر فصل، ما لها معنى، لكن بحكم علاقاتك المتينة، والوشيجة، تعرف خمس قصص، من أول فصل لآخر فصل، هذه القصة المجدية ترى فيها عدلاً مطلقاً.
مرة كنت أمشي في الطريق استوقفني إنسان، قال لي: فلان جاء إلى محله التجاري ليكسب قوت أولاده، أليس هذا العمل عبادة ؟ قلت له: نعم.
بالمناسبة الحرفة التي تحترفها، والعمل الذي ترتزق منه، إذا كان في الأصل مشروعاً، وسلكت به الطرق المشروعة، وابتغيت منه كفاية نفسك وأهلك، وخدمة المسلمين هذا العمل ينقلب إلى عبادة.
قال لي: جاء رجل في أحد أسواق دمشق، فتح محله التجاري يبيع أقمشة سمع إطلاق رصاص، يبدو في إنسانين تبادلا إطلاق الرصاص، فمدّ رأسه فجاءت رصاصة استقرت في عموده الفقري، فشُلّ فوراً، قال لي: بعنف، ما ذنب هذا الإنسان ؟ جاء ليكسب قوت يومه، قلت له: والله لا أعلم، أنا لي ثقة مطلقة بعدل الله، أما هذه القصة لا أعلم تفاصيلها، والظاهر أن هذا الإنسان ما له علاقة بالموضوع، لكن أراد أن يعرف من أين إطلاق الرصاص ؟ مدّ رأسه، جاءت رصاصة طائشة هي اسمها طائشة، خطأ، ليست طائشة.
فالأمر مضى عليه أسبوعان أو ثلاثة، عندي أخ في المسجد، حدثني عن هذه القصة، قال لي: لنا جار يسكن فوقنا، وقد اغتصب بيتاً لأولاد إخوته الأيتام، وهم في أمس الحاجة إليه، لم يتركوا طريقة إلى أن وصلوا إلى أحد العلماء الكبار، فحكّموه في الأمر فاستدعاه، وكان وقحاً جداً مع هذا العالم، قال له: لن أعطيهم هذا البيت، هذا العالم التفت إلى أولاد أخيهم، قال لهم: يا بني هذا عمكم، لا يليق بكم أن تشكوه إلى القضاء، اشكوه إلى الله، هذا الأمر تمّ الساعة التاسعة ليلاً، في الساعة التاسعة نهاراً جاءته الرصاصة الطائشة، هو نفسه، وشلته.
الله هو "الآخر"، خذ قراراً، كُلْ مالاً حراماً، طلق طلاقاً تعسفياً، خذ ما ليس لك شركة باسمك، الشريك ضعيف، لكنه الممول، أخذت خبرته، وماله، وهي باسمك ثم طردته، هذا قرارك
﴿ أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ ﴾
بطولتك أن تخشى الله، بطولتك أن تخاف منه، بطولتك أن تعلم علم اليقين أن الأمر بيده هو "الآخر". الله تعالى ينظر إلى كل إنسان ليرى تصرفه و حكمه:
هو ينظر إليك.
﴿ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ﴾
( سورة الأعراف )
ينظر إليك، يرى ماذا تفعل، يرى قرارك، يرى حكمك، يرى تعسفك، أو يرى عدلك، يرى تطاولك، أو يرى تواضعك، يرى إنصافك أو يرى، ﴿ أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ ﴾
والله أيها الأخوة، معي آلاف القصص، من أول فصل إلى آخر فصل، شيء لا يصدق.
حدثني إنسان، ذاهب إلى المطار مع إنسان آخر، هذا الإنسان الآخر أراد أن يقطع يدي كلب صغير، جالس على طرف الطريق، ليظهر مهارته في القيادة، لم يقتله دهس يديه فقط، هذه تحتاج إلى مهارة كبيرة جداً، وأطلق ضحكة هستيرية، يقسم لي بالله هذا الأخ، قال لي: بعد أسبوع في المكان نفسه أصاب العجل عطل، رفع المركبة في الرافعة، وسحب العجل، فسدت الرافعة ووقعت المركبة فوق العجلة، والعجلة فوق رسغيه، فإلى أن وصل إلى المستشفى اسودت يداه، فلابدّ من قطعهما، أقسم لي بالله بعد أسبوع كانت يداه مقطوعة.
الله كبير ﴿ أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ ﴾
آلاف القصص. ما كل مسيء يعاقب في الدنيا و لا كل محسن يثاب فيها لحكمة من الله عز وجل:
بالمناسبة إياكم، ثم إياكم، ثم إياكم أن تتوهموا أن كل مسيء يعاقب في الدنيا، لا، الله عز وجل يعاقب بعض المسيئين، ردعاً للباقين، ويكافئ بعض المحسنين تشجيعاً للباقين، قد يقول قائل فلان فعل كذا وكذا وما أصابه شيء، نحن لسنا في دار جزاء، نحن في دار ابتلاء، لكن من رحمة الله بنا كي يردعنا عن الإساءة، وكي يشجعنا على العمل الصالح، يكافئ بعض المحسنين في الدنيا، نرى مكافأة عالية جداً، ويعاقب بعض المسيئين في الدنيا، الذين يكافئهم تشجيعاً للباقين والذين يعاقبهم ردعاً للباقين لكن الآية المؤلمة:
﴿ أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ ﴾
إنسان أحياناً يأكل ما ليس له، قوي، والأمر بيده، والرخصة له، وشريكه ضعيف، يستطيع أن ينهي له إقامته إذا كان ببلد معه كفيل، بتوقيع تلغى الإقامة، والأموال كلها باسمه، وكم حدثت هذه القصص ؟ هذا الإنسان لا يعرف الله، الله عز وجل يدمره دققوا في هذا الحديث الشريف:
(( من أخذ أَموال الناس يُريدُ أَداءها أدَّى الله عنه، ومن أخذ أَموال الناس يُرِيدُ إِتْلافها أتلفه الله عز وجل ))
[أخرجه البخاري عن أبي هريرة ]
من لا يعرف الله لا يخافه:
مرة طالب، قال لي: أنا لا أخاف من الله، قصة قديمة، جاءني جواب رائع قلت له: أنت بالذات معك الحق، قال لي: كيف ؟ قلت له: أحياناً الفلاح يأخذ ابنه الصغير إلى الحصيدة، ابنه عمره سنتان، أين يضعه ؟ أخذه معه، وضعه بين سنابل القمح يمر ثعبان طوله عشرة أمتار، لا يخاف منه، بالعكس يضع يده عليه لماذا لا يخاف منه ؟ لأنه ما فيه إدراك، لو فيه إدراك خاف منه.
والإنسان الذي لا يعرف الله لا يخافه، والذي يعرفه، النبي الكريم رأى تمرة على سريره، قال: يا عائشة والله لولا أنني أخشى أنها من تمر الصدقة لأكلتها (اشتهاها)، خاف أن تكون من تمر الصدقة، هذا هو الورع.
إذاً:
﴿ أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ ﴾
الأمر في النهاية بيد الله عز وجل ، لا تظلم زوجتك، تكبر، وتضعف، والأولاد يكبرون، وينحازون لأمهم، وتذوق ألوان الإهمال، لا تغتصب شركة، لا تغتصب بيتاً، الله هو "الآخر" آخر حكم عنده، هناك طلاق تعسفي يُكْره المرأة المظلومة و يريها النجوم ظهراً، هناك شريك آثم يوفق الشريك المظلوم.
حتى عالم قال: أنا أشكر من ظلمني، قيل له لماذا ؟ قال: لأنه جعل الله معي. التطبيق العملي لاسم " الآخر":
1 ـ على الإنسان أن يكون قوياً لإحقاق الحق و إبطال الباطل لا ضعيفاً مهزوماً:
أيها الأخوة، أما التطبيق العملي لهذا الاسم، الله قوي، وبيده كل شيء، والحكم بيده بالنهاية، والأمر له،
﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ ﴾
من أجل أن تستمد من هذا الاسم كمالاً يعينك على أن تتصل بالله، كن قوياً، لا تكن ضعيفاً.
(( المؤمن القويُّ خيْر وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف ))
[أخرجه مسلم عن أبي هريرة ]
كن حكماً أخيراً في أي موضوع، لا تكون بمكان ما ضعيف مهزوم، مهضوم حقك، متهم، ذليل.
اجعل لربك كل عزك يستقر ويثبت فإذا اعتززت بمن يموت فإن عزك ميت
كن مع الله تـــــرى الله معك واترك الكل وحاذر طــــــــمعك
وإذا أعطــــــاك من يمنعه ثــــــــم من يعطي إذا ما منعك
***
القوي متاح له من الأعمال الصالحة في الحياة الدنيا ما لم يتح لغيره:
أخوانا الكرام، لأن الدنيا دار عمل، القوي متاح له من الأعمال الصالحة ما لم يتح لغيره، والقوي هنا قوي المال، والقوي قوي العلم، والقوي قوي السلطان، إما أن تكون قوياً في منصبك، بجرة قلم تحق حقاً وتبطل باطلاً، بجرة قلم تقر معروفاً وتزيل منكراً، وإما أن تكون قوياً بمالك، تحل بهذا المال مشكلات من حولك، وإما أن تكون قوياً بعلمك تدلي بعلمك الصحيح، كن قوياً.
(( المؤمن القويُّ خيْر وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف ))
[رواه مسلم عن أبي هريرة]
ولكن إذا كان طريق القوة سالكاً وفق منهج الله، يجب أن تكون قوياً. ﴿ قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ﴾
( سورة يوسف )
من كان طريق القوة عنده على حساب قيمه وآخرته فالضعف وسام شرف له:
لا يوجد مؤمن متقوقع، انهزامي، ينسحب من الحياة، لا، يجب أن تكون إيجابياً يجب أن تري الناس من هو المؤمن، يجب أن تري الناس نزاهة المؤمن، إنصاف المؤمن، صدق المؤمن، وفاء المؤمن، حرص المؤمن، عفة المؤمن، يجب أن تري الناس من أنت، إذاً إذا كان طريق القوة سالكاً وفق منهج الله يجب أن تكون قوياً، أما إذا كان سالكاً على حساب مبادئك وقيمك وآخرتك، لا، كن ضعيفاً، والضعف عندئذٍ وسام شرف لك، الله عز وجل قال:
﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ ﴾
( سورة الشورى )
خنوع ما في بالإيمان، خنوع، استلام، تطامن، ما بيدنا شيء، الله ينتقم منهم لا، ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ ﴾
لكن لا يظلمون. ﴿ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ﴾
( سورة الشورى الآية: 40 )
حينما يغلب على ظنك أنك بعفوك عنه تصلحه، يعني سائق دهس طفلاً، لكن أنت متأكد أنه يمشي بسرعة نظامية وبهدوء، والابن قفز أمام المركبة، هذا عفوك عنه سائق فقير يمشي بشكل صحيح، ما ارتكب مخالفة بالسير، الابن طائش، قفز إلى أمام المركبة، فأنت كأب إذا عفوت عنه تقربه إلى الله، ﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ ﴾
يعني أيقن أن عفوك عنه يصلحه، قال ﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ﴾
إذا وعدك ملك أن يعطيك عطاءً كم تتصور هذا العطاء ؟ قلم رصاص ؟ أم بيت ؟ في فرق، ملك، قال لك: حقك عندي، معناها في عطاء كبير جداً ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ ﴾
﴿ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ﴾
2 – على المؤمن أن يجمع العدل إلى جانب القوة في إحقاق الحق:
لكن الملاحظة الدقيقة: لا يكفي أن تكون قوياً، ينبغي أن تكون قوياً عادلاً ، الأقوياء الآن يتوهمون أنهم على حق، بل هم يقولون، أنت على حق لأنك قوي فقط، العالم الغربي الآن يؤمن أنت قوي إذاً أنت على حق، أما المؤمن بالله أنت على حق فأنت قوي معكوسة، أهل الدنيا يرون الحق في القوة، لكن أهل الإيمان يرون القوة في الحق.
فلذلك لا يكفي أن تكون قوياً، ينبغي أن تجمع مع قوتك العدل، الله عز وجل يحب عباده المتفوقين.
في درس قديم، قلنا إن الله وتر يحب كل وتر، الله عز وجل يحب الإنسان المتفوق، إنسان عادي، رقم لا معنى له، مع هذا العدد الكبير الذي لا يقدم ولا يؤخر، ثقافة العامة، والفئة المتدنية في المجتمع، كن قوياً، وكن عالماً، وكن عادلاً ، واجعل الأمر بيدك، لا تكن رقماً ليس له معنى، كن رقماً صعباً.
أيها الأخوة الكرام، ننتقل في درس قادم إن شاء الله إلى اسم آخر.
44/1
السعيد
08-26-2018, 07:35 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( السابع و السبعون )
الموضوع : اسم الله - المتكبر - 1 -
لحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: ( المتكبر):
أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "المتكبر".
الصفة نفسها يمكن أن تستخدم مدحاً و ذماً:
قبل أن نشرح، هل يمكن أن تكون صفة في جهة مدحاً، والصفة نفسها في جهة أخرى ذماً ؟ ممكن، أوضح مثل:
أن إنساناً يحتاج ابنه إلى عملية جراحية فورية، وبحاجة إلى مبلغ كبير من المال توجه إلى شخص قال له أنا غني، وأنا أملك أموالاً طائلة، فتعلقت آماله به، ثم تبين أنه لا يملك شيئاً، فهذا الذي ادعى أنه غني، وجعل هذا المحترق إلى مبلغ معين، يعلق الأمل به ثم خيب ظنه، فكلمة أنا غني هذه صفة ذم في هذا الكاذب.
أما لو توجه إلى جهة أخرى، وكان رجلاً ميسوراً ويحب الخير، قال له: أنا غني، أنا معي مال، وسأقرضك هذا المبلغ، هذه الجهة الثانية كلمة أنا غني صفة مدح له، لو قال له أنا فقير انصرف عنه، هو معه مال ويحب الخير، فكلمة واحدة يقولها إنسان تعد ذماً ويقولها إنسان آخر تعد مدحاً.
لو إنسان جبان قال أنا شجاع، وخذلك، لو إنسان بخيل قال: أنا كريم، وخيب ظنك، لو إنسان جاهل قال: أنا عالم فاكتشفت جهله ولم يجبك عن سؤالك، أما لو إنسان شجاع وقال أنا شجاع، وأدافع عنك، وضع ثانٍ، إنسان كريم قال: أنا كريم وسأعطيك وأعطاك، إنسان عالم، وقال: أنا عالم، وسأجيبك عن كل أسئلتك، صفة مديح.
فالرب رب، والعبد عبد، فالعبد من شأنه أنه فقير، وجاهل، وضعيف، فإذا ادعى ما ليس له فهي صفة ذم، أي إنسان متكبر، إنسان مخطئ، إنسان صغير عند الناس لأنه كاذب، وأي إنسان تكلم الحقيقة، ونفعك بها، فهذه صفة مدح بحقك.
معرفة الإنسان بالله معرفة مقيدة لأنه لا يعرف الله إلا الله:
الملاحظة الثانية: تصور البحر المتوسط، كم لتر ؟ المحيط الهادي، الأرض أربعة أخماسها بحار، ولا أبالغ بهذا المثل، لو ركبت قارباً في البحر وأمسكت بإبرة مخيط وغمسته في البحر، ثم رفعت يدك بما يرجع ؟ نسبة الماء الذي حملها المخيط إلى ماء البحار، إلى ماء المحيط الهادي، كم هي النسبة ؟ والله لا أبالغ لا نعرف عن الله عز وجل إلا كما يحمل المخيط من ماء بالنسبة لماء البحر.
لذلك لا يعرف الله إلا الله، حتى الأنبياء، حتى سيد الأنبياء، معرفتهم ليست مطلقة، هذا المعنى يؤكده قوله تعالى:
﴿ قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً ﴾
( سورة الكهف )
يمكن لتر حبر يكفيك عمر، هناك آية أخرى: ﴿ وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ ﴾
( سورة لقمان الآية: 27 )
كل إنسان مفتقر بوجوده إلى الله عز وجل: لذلك أيها الأخوة:
(( ابن آدم اطلبني تجدني فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء وأنا أحب إليك من كل شيء ))
[من مختصر تفسير ابن كثير]
وأدق معنى لكلمة الله أكبر حينما تصلي، طبعاً شيء بديهي أنه أكبر من كل شيء، هي أكبر مما عرفت، مهما عرفت عن الله فهو أكبر.
لذلك كلمة متكبر في الإنسان صفة ذم، يعني الإنسان خثرة دم يعني أقل من رأس دبوس إذا تجمدت في أحد أوعية الدماغ أصيب بالشلل، بمكان آخر أصيب بالعمى، بمكان آخر أصيب بفقد الذاكرة، خثرة دم ويقول أنا ؟! لو أن الدم تجمد في مكان أصيب بالشلل، لو نمت الخلايا نمواً عشوائياً أصيب بالورم الخبيث، لو توقف القلب فجأة تكتب نعوته فوراً، هذا الذي يقول أنا هو إنسان جاهل، نحن مفتقرون بوجودنا إلى الله، نحن جميعاً في قبضة الله، كن فيكون، زل فيزول. كل إنسان في قبضة الله عز وجل فمن قال أنا هو إنسان جاهل:
الذي يقول أنا إنسان جاهل:
﴿ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي ﴾
( سورة القصص الآية: 78 )
أهلكه الله. ﴿ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ ﴾
( سورة الزخرف الآية: 51 )
أهلكه الله. ﴿ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ ﴾
( سورة الأعراف الآية: 12 )
أهلكه الله. ﴿ نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ ﴾
( سورة النمل الآية: 33 )
أهلكهم الله عز وجل . ورود اسم المتكبر في آية واحدة في القرآن الكريم:
أيها الأخوة، هذا الاسم "المتكبر" لم يرد إلا في آية واحدة وهي قوله تعالى:
﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ ﴾
( سورة الحشر الآية: 23 )
وفي السنة الصحيحة، روى الإمام أحمد في مسنده عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية وهي على المنبر، قال: ﴿ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾
( سورة الزمر )
قال النبي الكريم: يقول الله عز وجل :
(( أنا الجبار، أنا المتكبر، أنا المتعال ))
وجعل النبي صلى الله عليه وسلم يرددها: (( أنا الجبار، أنا المتكبر، أنا المتعال ))
فجعل النبي يرددها، حتى رجف به المنبر، حتى ظننا أنه سيخر به.
لذلك بقدر ما تُعظم ربك تكون قريباً منه، وبقدر ما يهون أمر الله عليك تهون على الله، ويمكن أن أضغط حال المسلمين اليوم في كلمتين، هان أمر الله عليهم فهانوا على الله. معاني اسم المتكبر:
أيها الأخوة، من معاني هذا الاسم "المتكبر" ذو الكبرياء، العظيم، المتعالي القاهر لعتاد خلقه، إذا نازعوه العظمة قهرهم، متكبر، "المتكبر" عن كل سوء، "المتكبر" عن ظلم العباد، يقول: أنت كبير أي لا تظلم، أنت كبير لا تأخذ ما ليس لك، كلمة كبير صفة مديح، أنت كبير، "المتكبر" عن كل سوء، "المتكبر" عن ظلم العباد، "المتكبر" عن قبول الشرك في العبادة، في صحيح مسلم: (( أنا أغْنى الشُّركاء عن الشِّركِ، مَنْ عَمِل عَمَلا أشرك فيه مَعي غيري تركتهُ وشِرْكَهُ ))
[ رواه مسلم عن أبي هريرة ]
الكبرياء صفة مدح في ذات الله عز وجل و ذم في صفات المخلوقي:
أصل الكبر والكبرياء الامتناع، والكبرياء صفة مدح في ذات الله عز وجل، وفي صفات المخلوقين صفة ذم، لا أحد منا يحب المتكبر، المتكبر لا يحتمل، لأنه يدعي ما ليس له.
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي وأســمعت كلماتي من به صمم
أنام ملء جفوني عن شواردها ويســهر الخلق جراها ويختصم
الخيل والليل والبيداء تعرفنـي والسيف والرمح والقرطاس والقلم
* * *
كان بين بغداد وحلب، التقى بعدو له فولى هارباً، قائل هذه الأبيات معه غلام قال له: ألم تقل:
الخيل والليل والبيداء تعرفنـي والسـيف والرمح والقرطاس والقلم
* * *
قال له: قتلتني قتلك الله، وعاد فقاتل عدوه وقتله، مات في الطريق.
كلام فارغ، والله أيها الأخوة، معظم كلام الناس كلام فارغ، من أنت ؟ كلما تواضعت لله رفعك، وكلما تكبرت وضعك.
لذلك من رأى العظمة والكبرياء في نفسه فقد كذب على الله، قال تعالى: ﴿ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ ﴾
( سورة الزمر )
﴿ إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ ﴾
( سورة غافر الآية: 27 )
تناقض العبودية مع الكِبر:
أخوانا الكرام، في صحيح مسلم:
((لا يدْخُلُ الجنةَ مَنّ كان في قلبه مثقالُ حبَّة من كِبْر ))
[ أخرجه مسلم عن عبد الله بن مسعود ]
أنا كنت أقول: إنسان جاءه ضيوف كثر، ما عنده شيء، عنده كمية لبن محدودة، أضاف إليها خمسة أضعاف ماء، جعلها شراباً رائع اً، وقدم الضيافة للضيوف هذا كيلو اللبن تحمل خمسة كيلو ماء، لكن هذا اللبن لا يحتمل قطرة بترول واحدة، يتحمل خمسة أضعافه ماء، يصبح شراباً لذيذاً، أما أن تضع فيه قطرة بترول واحدة انتهى.
العبودية تتناقض مع الكبر، مستحيل وألف ألف مستحيل أن تجد إنساناً مؤمناً متكبراً، يعني إنسان يمشي في المسجد ليلاً ما في إضاءة، فوطأت قدمه رجل إنسان فصاح هذا الإنسان أأعمى أنت ؟ هو خليفة المسلمين سيدنا عمر، قال له: لا، قال له: سألني فأجبته.
دخل إنسان إلى رسول الله أصابته رعدة، قال له: هون عليك، إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد بمكة.
لا يمكن أن يكون المؤمن متكبراً، لأنها صفة ذم به، دون أن يشعر، يقول الله وفقني، كلام صحيح، الله مكني، الله أكرمني بهذا البيت، أكرمني بهذه الزوجة، أعطاني، رزقني ولداً، دون أن يشعر كل كلام المؤمن يعزو النعمة إلى المنعم، حتى النبي عليه الصلاة والسلام قال:
(( ألم تكونوا ضلالاً فهداكم الله بي ـ ما قال فهديتكم ـ ألم تكونوا ضلالاً فهداكم الله بي ))
[ رواه الدارمي عن أبي سعيد الخدري]
إن الله جميل يحب الجمال:
أيها الأخوة، سأل رجل النبي عليه الصلاة والسلام: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسن أنيق، ونعله حسنة، هل هذا من الكبر ؟ قال النبي عليه الصلاة والسلام:
(( لا، إن الله جميل يحب الجمال، الكبِرْ: بطَرُ الحقِّ، وغمطُ الناس ))
[ أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي عن عبد الله بن مسعود ]
بطر الحق أن ترد الحق، يعني تكون إنسانة مسلمة، محجبة، في بلد غربي تختلف مع زوجها، ترفض أن ترفع قضيتها لقاضٍ مسلم، لأن هذا القاضي المسلم يحكم لها بالمهر فقط، ترفع قضيتها لقاضٍ آخر، يحكم لها بنصف أملاك زوجها، ترفض آيات الميراث، أريد أن آخذ نصف ماله، كل إنسان يرفض الحكم الشرعي متكبر. أخطر معصية على الإطلاق معصية الاستكبار:
إبليس ماذا فعل ؟
﴿ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ ﴾
( سورة البقرة الآية: 34 )
أبى أن يسجد لله عز وجل. ﴿ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ ﴾
( سورة الأعراف الآية: 12 )
أخطر معصية معصية الاستكبار، وأهون معصية توبة معصية الغلبة. ﴿ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا ﴾
( سورة المؤمنون الآية: 106 )
سيدنا آدم:
﴿ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً ﴾
( سورة طه )
لم يعزم على المعصية لكن ظنّ أن هذه الشجرة تجعله في هذه الجنة خالداً أكل منها، قال: ﴿ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً ﴾
أما إبليس: ﴿ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ ﴾
﴿ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ ﴾
( سورة الأعراف )
عدم الاستكبار عن طاعة الله عز وجل:
أخطر معصية أن تستكبر عن طاعة الله عز وجل،
(( الكبِرْ: بطَرُ الحقِّ ))
هو هذا هو الحكم الشرعي، لا، أريد المحاكم، أريد القانون.
هناك إنسان بذكائه يكتشف أن هذه القضية لا تحلّ عند العلماء، تحلّ عند القضاة القضاة يحكمون بالقانون، أما العلماء يحكمون بالشرع يتوجه إلى القضاة، يقول نحن بلد فيه قانون، فيه نظام، أنا أحتكم إلى المحاكم، أحياناً يكون المستأجر محمياً بالقانون، سيدي أنا يدي على شرع الله، لماذا في تلك القضية توجهت إلى القضاء، وفي هذه توجهت إلى العلماء ؟ هو يريد مصلحته فقط، أين هي ؟ أحياناً تجد شخصاً مهماً يحتكم لعالم، لأنه يعلم علم اليقين أن القانون مع خصمه، وأحياناً يحتكم إلى القضاء، يعلم علم اليقين أن العالم لا يعطيه حقه، لا يعطيه ما يتمنى، بالضبط، يحتكم للقانون. (( الكبِرْ: بطَرُ الحقِّ، وغمطُ الناس ))
المتكبر هو:
1 ـ الملك:
الآن "المتكبر" من الكبرياء، والكبرياء هو الملك، قال تعالى:
﴿ قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا ﴾
( سورة يونس الآية: 78 )
في الملك، الكبرياء هو الملك. ﴿ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ ﴾
( سورة يونس )
"المتكبر" هو الملك الذي لا يزول سلطانه، والعظيم الذي لا يجري في ملكه إلا ما يريد. 2 ـ الكبير:
"المتكبر" العظيم والكبير.
﴿ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ﴾
( سورة يوسف الآية: 31 )
لذلك الآية الكريمة:
﴿ إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ ﴾
( سورة الحاقة )
طريق تعظيم الله التفكر في خلق السماوات والأرض:
دققوا: إذا قال الله عز وجل :
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً ﴾
( سورة الأحزاب )
الأمر ينصب لا على الذكر، بل على الذكر الكثير، لأن المنافق يذكر الله قال تعالى: ﴿ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً ﴾
( سورة النساء )
إذاً هنا الآية تتجه لا إلى الذكر فقط، بل إلى الذكر الكثير، يقاس على هذا المعنى: ﴿ إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ ﴾
هو آمن بالله، إبليس آمن بالله، قال: ﴿ فَبِعِزَّتِكَ ﴾
( سورة ص الآية: 82 )
قال له: ﴿ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ ﴾
( سورة ص الآية: 76 )
إبليس آمن بالله، لكن ما آمن به إلهاً عظيماً، ﴿ إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ ﴾
تؤمن بالله أنه عظيم من خلال التفكر في خلق السماوات والأرض، والدليل:
﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ﴾
( سورة الزمر الآية: 67 )
معنى ذلك أن طريق تعظيم الله التفكر في خلق السماوات والأرض. 3 ـ العظيم:
"المتكبر" ؛ العظيم
﴿ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ﴾
بالمناسبة أيها الأخوة: كلما عظم مقام الإله عندك كنت أقرب إلى الله، وكلما صغر مقام الإله عندك، لا تجعل ربك أهون الناظرين إليك، هذا الذي له جلوة، وله خلوة ، يفعل شيئاً في خلوته ما لا يفعله في جلوته، يعني هو لا يخشى الله يخشى الناس، فلما خلا مع نفسه ارتكب معصية، من هنا قيل:
(( من لم يكن له ورع يحجزه عن معصية اللّه إذا خلا بها لم يعبأ اللّه بسائر عمله شيئاً ))
[ رواه الديلمي عن أنس ]
(( ركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلط ))
[ الجامع الصغير عن أنس ]
ما المخلط ؟ هو الذي خلط عملاً صالحاً، وآخر سيئاً، "المتكبر" ؛ العظيم الكبير
﴿ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ﴾
4 ـ المترفع عن ظلم العباد:
"المتكبر" المعنى الآخر، المترفع عن ظلم العباد، "المتكبر" عن كل سوء، "المتكبر" عن قبول الشرك، "المتكبر" الذي انفرد بالكبرياء والملكوت، وتوحد بالعظمة والجبروت، "المتكبر" الذي بيده الإحسان ومنه الغفران.
الله عز وجل بيده الإحسان ومنه الغفران وليس لملكه زوال:
مرة ثانية أذكركم بقول بعض الناس لوجهاء القوم: أنت كبير، لا تفعل هذا ، أنت كبير لا تأخذ ما ليس لك، أنت كبير لا تنتقم.
قريش نكلت بأصحاب النبي، رضوان الله عليهم، وأخرجت النبي من مكة وحاربته حروباً ثلاثة، فلما سيطر عليهم قال:
(( ما تظنون أن فاعل بكم ؟ ـ وبإمكانه بمنطق الطغاة أن يلغي وجودهم ـ قالوا أخ كريم وابن أخٍ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء ))
[السيرة النبوية]
أنت كبير يعني كامل، أنت كبير لا يمكن أن تنتقم، لا يمكن أن تفعل سوءاً، لا يمكن أن تنحاز، الذي بيده الإحسان ومنه الغفران، ليس لملكه زوال، ولا لعظمته انتقال "المتكبر" من الامتناع عن الانقياد.
يعني المؤمن أنا أقول: رقم صعب، رجل مبادئ، رجل قيم، لا يُباع، ولا يُشترى، ولا يُساوم، بينما الإنسان إذا غفل عن ربه له سعر، يعني إنسان يغير قناعته بألف ثمنه ألف، هو وعلمه، وشهاداته، ومكانته، وهيمنته، ثمنه ألف، في إنسان بمليون يغير، إنسان بخمسة ملايين، ما دام له سعر سقط من عين الله، ما دام له سعر يغير به قناعاته انتهى عند الله، مهما كان هذا السعر كبيراً، له سعر. 5 ـ الامتناع عن الانقياد:
"المتكبر" من الامتناع وعدم الانقياد، "المتكبر" طليق الإرادة، لا تحكمه إرادة أخرى.
6 ـ المتعالي عن صفات خلقه:
آخر معنى من معاني "المتكبر"، "المتكبر" المتعالي عن صفات خلقه، كلما خطر في بالك شيء فالله بخلاف ذلك، "المتكبر" عن صفات خلقه، كامل في ذاته، وفي صفاته وفي أفعاله.
السعيد
08-26-2018, 07:38 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الثامن و السبعون )
الموضوع : اسم الله - المتكبر - 2 -
حمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: (المتكبر):
أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في اسم "المتكبر".
أسعد إنسان في الأرض من جعل علاقته كلها مع الله :
بادئ ذي بدء الإنسان مجبول على حبّ الجمال، وحبّ الكمال، وحبّ النوال، يحب من يعطيه، ويحب الموقف الكامل ، ويحب الشيء الجميل، هذه جبلة في الإنسان، والله عز وجل وصف ذاته العلية بأنه متكبر ، كبير في عطائه، كبير في تجلياته، كبير في توفيقه، وصف ذاته العلية بأنه متكبر من أجل أن تقبل عليه.
الناس في الدنيا على من يقبلون ؟ على الأغنياء والأقوياء، الناس، لم أقل المؤمنين، الناس في الدنيا يقبلون على الأقوياء والأغنياء، لأنهم يتوهمون أن الأقوياء يدعمونهم، وأن الأغنياء يعطونهم، لكن الحقيقة أن الإنسان حينما يوحد ربه، حينما يرى أن الله وحده يعطي ويمنع، ويخفض ويرفع، ويعز ويذل، حينما يوحد ربه يتجه إليه، وأسعد إنسان في الأرض من جعل علاقته كلها مع الله، لذلك قال تعالى:
﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ﴾
( سورة الشعراء )
أخطر شيء في حياة المسلمينالشرك الخفي: الشرك الخفي أخطر شيء في حياة المسلمين، النبي عليه الصلاة والسلام يحذرنا من الشرك الخفي، يقول:
(( أخوف ما أخاف على أمتي الشرك الخفي، أما إني لست أقول أنكم تعبدون صنماً ولا حجراً، ولكن شهوة خفية، وأعمال لغير الله ))
[ورد في الأثر]
هذا شرك خفي، والشرك أخفى من دبيب النملة السمراء، على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، قال تعالى: ﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ﴾
( سورة يوسف )
الشرك الجلي نادر الوجود في العالم الإسلامي، لا يوجد إله يعبد مع الله في العالم الإسلامي، بشرق آسيا في آلهة كثيرة، أما في عالم المسلمين شرك جلي ما في لكن في شرك خفي، ﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْركون ﴾
حينما نتوجه لغير الله، وحينما نعقد الأمل على غير الله، وحينما نتوهم أن فلان يعطينا، وفلان يمنعنا، وأن فلان يحمينا، وأن فلان يضرنا، حينما نتوهم فعلاً من غير الله، أو عطاءً من غير الله، أو تكريماً من غير الله، حينما نتوهم هذا الوهم نقع في الشرك الخفي. إقبال المؤمن على الله لأن مصيره مع الله إلى الأبد:
لذلك الناس في الدنيا يقبلون على الأغنياء من أجل العطاء، وعلى الأقوياء من أجل الحماية، ولكن المؤمن يقبل على الله لأنه يرى أن مصيره مع الله
﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ﴾
الله عز وجل وصف ذاته العلية بأنه متكبر من أجل تقبل عليه، وأن تنصرف عمن سواه.
أيها الأخوة، الشيء الثاني: والناس في الدنيا يقبلون على كل شيء جميل يحبون بيتاً جميلاً، ومركبة فارهة، وامرأة جميلة، وطعاماً طيباً، وسياحة جميلة، فالإنسان مفطور على حبّ الجمال، وحينما يعلم الإنسان أن كل جمال في الكون مستمد من جمال الله وأن الله سبحانه وتعالى أصل الجمال، وأن المؤمن أسعد مخلوق في الكون، لأنه اتصل بأصل الجمال، وأن هذا الجمال أبدي، أي شيء تعلقت به في الدنيا، لابدّ من أن تفارقه عند الموت، ولابدّ من أن يفارقك عند موته هو، لو تعلق الإنسان بامرأته مثلاً تعلقاً يفوق حدّ الخيال، لابدّ من أن يفارقها، كما أنها لابدّ لها من أن تفارقه، إلا إذا تعلقت بالله عز وجل، فأنت معه إلى أبد الآبدين. الله عز وجل أصل الجمال و قمته:
لذلك:
﴿ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾
( سورة البقرة الآية: 165 )
هؤلاء الذين ظلموا أنفسهم فأحبوا غير الله، وتعلقوا بغير الله، وعصوا ربهم من أجل امرأة، وعصوا ربهم من أجل دخل وفير، يهيئ لهم بيتاً جميلاً، أو مركبة فارهة ، هؤلاء الذين عصوا ربهم من أجل الجمال يكتشفون الحقيقة المرة أن الله سبحانه وتعالى هو أصل الجمال.
أنت حينما تمشي في الطريق ترى ملهى، تجد خمسين سيارة واقفة، ماذا في داخل هذا البناء ؟ هناك امرأة ترقص، ولحم يشوى، ومغنٍّ يغني، وموسيقى تصدح، هؤلاء توهموا أن لذتهم في هذا المنظر، وهذا الطعام، وهذا الشراب، ولو عرفوا الله عز وجل لرأوا أن قمة السعادة، وقمة الجمال أن تكون مع الجميل. منهج الله عز وجل منهج قويم يُقرب الإنسان من الله تعالى:
لذلك أيها الأخوة، الله عز وجل وصف ذاته العلية بأنه متكبر، لأنه الجميل ، ولأنه الغني، ولأنه القوي، والإنسان في أصل فطرته يحب الجمال، والكمال، والنوال.
شيء آخر: الله عز وجل متكبر، يعني حقيقة وحيدة في الكون هي الله، أي تقربٍ منه هو حق، وخير، وجمال، وأي ابتعاد عنه، هو باطل، وشر، وقبح، هناك حقيقة واحدة: أي شيء يقربك إلى الذات العلية فهو حق، وخير، وجمال، وأي شيء يبعدك عن الذات العلية هو باطل، وشر، وقبح، فمنهج الله عز وجل هو المنهج القويم، وأي ابتعاد عن منهجه هو الطريق المنحرف.
اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ: هذه الآية من تطبيقات اسم المتكبر:
لذلك من تطبيقات اسم "المتكبر" هذه الآية، سيدنا يوسف قال لعزيز مصر:
﴿ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ﴾
( سورة يوسف )
أي مؤمن معه خبرات عالية جداً، وأمته بأمس الحاجة إلى هذه الخبرات، وعنده حلول لمشكلات عويصة، ورأى أمته متخلفة، تعاني ما تعاني، فإذا قال أنا أملك خبرة، أنا أحلّ هذه المشكلة، هذا من علامة إيمانه، وهذا اقتباس من كمال الله عز وجل: ﴿ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ﴾
أحياناً يكون طبيب يملك خبرات عالية جداً، ويرى مريضاً يعاني ما يعاني والأطباء في حيرة من أمرهم، يقول أنا أعالجه، أن تقول أنا، هذا ليس كبراً، هذا قمة في خدمة الخلق، أحياناً تملك خبرة عالية جداً تحلّ بها مشكلة، فإذا قلت أنا لا يعني ذلك، ما لي علاقة، لا أحب أن أقحم نفسي، من هنا سيدنا عمر قال:
" أريد أميراً، إن كان أميراً حقيقة بدا وكأنه واحد من أصحابه، متواضع، وإن لم يكن أميراً بدا وكأنه أمير ".
الحالة الأولى تواضعاً، الحالة الثانية غيرة، أنت معقول أن تكون في حال عصيب وإنسان يدمر، ومعك الحل، وتبقى ساكت ؟ لا تقدر، ﴿ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ﴾
اشتقاق المؤمن من كمال الله كمالاً يُمكّنه من الغيرة على مصالح المسلمين:
شخص مرة سألني، قال لي: كيف نجمع بين هذه الآية وبين الحديث الشريف ؟
(( طالب الولاية لا يولى ))
[ورد في الأثر]
الإنسان حينما يطلب الولاية لمنفعة معينة، لمكانة، لرفعة، لكبر، لاستعلاء، هذا الإنسان إذا طلب الولاية لا يولى، أما حينما يملك إنسان خبرة عالية، وبهذه الخبرة تحل مشكلة فيولى.
أوضح مثل: طبيب، قريبه ما زاره، زار طبيباً آخر، لكن حالته تسوء، هو اختصاصي في هذا المرض، المؤمن الصادق يعرض نفسه عليه، عندك حلّ لمشكلة اقتصادية، لمشكلة مالية، لمشكلة صحية، ﴿ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ﴾
كيف أن الله جل جلاله وصف ذاته العلية بأنه متكبر، لماذا ؟ كي يقبل عليه عباده، كي يطمعوا بنواله، بعطائه، بتوفيقه.
إذاً المؤمن يشتق من كمال الله هذا الكمال، إذا معه خبرة، معه حلّ لمشكلة، لا يبقى ساكتاً، يتدخل تدخلاً إيجابياً، وأرقى سلوك في الحياة عند الأزمات التدخل الإيجابي أنا أقدم، أعرض خبرتي، أعرض إمكانياتي، ﴿ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ﴾
هذا ليس كبراً، وليس تنطعاً، وليس طمعاً، إنما هو غيرة على مصلحة المسلمين. الله عز وجل متكبر حتى يُقبل عباده عليه والعبد متواضع حتى يستحق تأييد الله له:
أيها الأخوة، شأن الرب أنه متكبر، بمعنى أنه كبير، كبير في عطائه، كبير في توفيقه، كبير في حفظه، كبير في تأييده، كبير في نصره، قال لك أقبل عليّ، تعال إليّ ، دع الشركاء، دع ما سواي،
﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ﴾
تعذب نفسك، إن اتجهت إلى غيري ليس عنده شيء فقير مثلك، جاهل مثلك، هو يحتاج إلى عناية الله عز وجل.
أيها الأخوة، إذاً شأن الرب أنه متكبر، أي كبير، من أجل أن نطمع بما عنده، من أجل أن نربح عليه، من أجل أن نتاجر معه. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾
( سورة الصف )
إذا آمنت بالله، وعملت صالحاً، وجاهدت نفسك وهواك أنت بهذا تتاجر مع الله بمعطيات الأرض يقول لك ربحنا ثمانية عشر بالمئة نسبة عالية جداً، معظم الشركات: 10، 12، 11، 9، 18 ! ما شاء الله ! يعني في شركة بالأرض تربح مليون بالمئة ؟ مليار بالمئة ؟ لا يوجد، لكن من وضع لقمة في فم زوجته تأليفاً لقلبها رآها يوم القيامة كجبل أحد، الله عز وجل يريدنا أن نربح عليه.
لذلك شأن الرب أنه متكبر، حتى يقبل عباده عليه، وشأن العبد أن يكون متواضعاً مفتقراً حتى يستحق تأييد الله له. شأن العبد التواضع والافتقار فمن افتقر إلى الله رفعه:
لذلك عندنا أربع تجارب، أو تجربة، تجربة الصحابة الكرام في معركة بدر:
﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 123 )
افتقروا إلى الله، تواضعوا له، قل قبل أن تقدم على عمل: اللهم إني تبرأت من حولي وقوتي، والتجأت إلى حولك وقوتك يا ذا القوة المتين، أعرف طبيباً بعد أن يجهز المريض لعمل جراحي، يصلي أمامه ركعتين، ويناجي ربه في السجود، يا رب أعني ، يا رب ألهمني الصواب، يا رب وفقني.
أيها الأخوة، في أي عمل صغير أم كبير، جليل أم حقير، عمل مادي أو علمي، قبل أن تقبل عليه قل: اللهم إني تبرأت من حولي وقوتي وعلمي، والتجأت إلى حولك وقوتك وعملك يا ذا القوة المتين.
فلذلك شأن العبد التواضع والافتقار، فالصحابة الكرام هم نخبة الخلق، ومعهم سيد الخلق، لما تواضعوا في بدر، وافتقروا إلى الله، وتذللوا أمامه، ومرغوا جباههم في أعتابه نصرهم الله عز وجل، هم هم، ومعهم سيد الخلق، في حنين، قال:
(( ولن يُغْلَبَ اثنا عَشَرَ ألفا مِنْ قِلَّةٍ ))
[أخرجه أبو داود والترمذي عن عبد الله بن عباس ]
﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ﴾
( سورة التوبة )
دققوا، في بدر افتقروا فانتصروا، هم قمة البشر، ومعهم سيد البشر. من قال أنا تخلى الله عنه:
في حنين اعتدوا بعددهم فلم ينتصروا، هذا درس بليغ لنا، نحتاجه كل يوم، بل كل ساعة، بل كل دقيقة، قل أنا يتخلى الله عنك، أنا معي شهادة عليا، أنا أملك خبرات متراكمة، أنا من أسرة عريقة، قل أنا وانظر، الله يتخلى عنك، لأن كلمة أنا شرك خفي،، هذه حالة الفناء يصفها بعضهم، قل الله يتولاك، قل أنا يتخلى عنك، يعني أنت في كل ساعة في حياتك بين التولي والتخلي، تقول الله يتولاك تقول أنا يتخلى عنك.
في حنين نخبة البشر، قال: نحن،
(( ولن يُغْلَبَ اثنا عَشَرَ ألفا مِنْ قِلَّةٍ ))
لذلك: لي، وعندي، وأنا، ونحن، كلمات مهلكات، إبليس قال: ﴿ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ ﴾
( سورة الأعراف الآية: 12 )
فأهلكه الله، قوم بلقيس قالوا: ﴿ نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ ﴾
( سورة النمل الآية: 33 )
فأهلكهم الله عز وجل، قارون قال: ﴿ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي ﴾
( سورة القصص الآية: 78 )
﴿ فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ ﴾
( سورة القصص الآية: 81 )
فرعون قال: ﴿ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ ﴾
( سورة الزخرف الآية: 51 )
لي، وعندي، وأنا، ونحن، كلمات مهلكات. من يقع في الشرك أو المعصية يؤدبه الله عز وجل:
لذلك أيها الأخوة، تجربة بدر الافتقار إلى الله، النتائج أن الله يتولاك، وتجربة حنين الاعتداد، إما بالعدد، أو بالقوة، أو بالشهادة، أو بالحسب، أو بالنسب، حينما تقول أنا يتخلى الله عنك، حينما تقول الله يتولاك.
تعقيباً على هاتين التجربتين في تجربة أحد لم ينتصر المسلمون، وفي تجربة حنين أيضاً، في أحد عصوا، في حنين أشركوا، لو أنهم انتصروا في أحد لسقطت طاعة رسول الله، ولو أنهم انتصروا في حنين لسقط التوحيد، الله عز وجل لا يحابي أحداً، من أنت، حينما يقع الإنسان في الشرك يؤدبه الله عز وجل، وحينما يقع في المعصية يؤدبه الله عز وجل .
نصر الله عز وجل للمسلمين له شروط منها:
1 ـ إيمان الإنسان بالله الإيمان الذي يحمله على طاعته:
أيها الأخوة، الآن نحن مع اسم "المتكبر" الكبير، القوي، والمسلمون ضعاف ، والمسلمون حالهم لا يرضي، فكيف نوفق بين حال المسلمين وبين أن الله متكبر ؟ الله عز وجل متكبر، يعني كبير، كبير في نصره، كبير في إمداده، كبير في عطائه، كبير في عفوه، كبير في توفيقه، لكن نصر الله له ثمن، له ثمن لا يمكن أن نناله إلا إذا دفعنا الثمن ما الثمن ؟ أول شرط:
﴿ وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾
( سورة الروم )
أي إيمان هذا ؟ الإيمان الذي يحملك على طاعة الله، هذا الإيمان يقودك إلى النصر، الإيمان الذي يحملك على طاعة الله، والإيمان الذي لا يحمل على طاعة الله إيمان إبليسي، لأنه قال:
﴿ فَبِعِزَّتِكَ﴾
( سورة ص الآية: 82 )
وقال:
﴿ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ﴾
( سورة الأعراف )
﴿ قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾
( سورة الأعراف )
آمن بالله رباً، وعزيزاً، وخالقاً، وآمن باليوم الآخر، ومع ذلك هو إبليس اللعين.
إذاً الإيمان الذي لا يحملك على طاعة الله، لا قيمة له إطلاقاً، ولا وزن له إطلاقاً، ولا يقدم ولا يؤخر، ﴿ وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾
2 ـ إعداد العدة المتاحة:
هذا الشرط الأول، لكنه شرط لازم غير كافٍ، الشرط اللازم الثاني:
﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ﴾
( سورة الأنفال الآية: 60 )
لن ننتصر إلا إذا آمنا بالله إيماناً يحملنا على طاعته، وأعددنا العدة المتاحة لنا ، إيمان بلا عدة ما في نصر، عدة بلا إيمان ما في نصر، كلاهما شرط لازم غير كافٍ. الله عز وجل مع المؤمن بالحفظ و التأييد و النصر إذا أقبل عليه و التزم بمنهجه:
الآن ما دام الله هو "المتكبر" فكيف نتقوى به ؟ كيف نكون كبراء ؟ إذا أقبلنا عليه، عندنا قاعدة هذه القاعدة تقول:
﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾
( سورة الحديد الآية: 4 )
قال علماء التفسير: هذه المعية معية عامة، يعني معكم بعلمه، الله مع الكافر بعلمه، مع الملحد، مع المشرك، مع العاصي، مع المجرم، مع الطاغية، ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾
لكن المعول عليه هو المعية الخاصة، المعية الخاصة لقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾
( سورة البقرة )
﴿ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا ﴾
( سورة النحل الآية: 128 )
هذه المعية الخاصة تعني الحفظ، والتأييد، والنصر، والتوفيق، هذه المعية الخاصة في قوله تعالى:
﴿ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾
( سورة الأنفال )
﴿ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا ﴾
( سورة النحل الآية: 128 )
﴿ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾
هذه المعية الخاصة تعني الحفظ، والتأييد، والنصر، والتوفيق. التقوى مع الصبر طريق الإنسان إلى النصر:
المعية الخاصة لها ثمن، ثمنها:
﴿ وّقَالَ اللهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً ﴾
( سورة المائدة الآية: 12 )
﴿ وّقَالَ اللهُ إِنِّي مَعَكُمْ ﴾
بشرط معية مشروطة العلاقة ﴿ وّقَالَ اللهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً ﴾
العلاقة مع الله واضحة جداً، ومقننة بقوانين، الله مع المؤمنين، ومع المتقين، ومع الصابرين، بالنصر، والتأييد، والحفظ، والتوفيق، لكن هذه المعية مشروطة.
الآن آية واحدة ولا أبالغ تحل بها مشكلات العالم الإسلامي بأكمله مع ما يعاني هذه الآية:
﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً ﴾
( سورة آل عمران الآية: 120 )
التقوى مع الصبر طريق إلى النصر، والصبر مع المعصية ليس بعدها إلا القبر، معصية زائد معصية هذا ليس صبراً، هذا قهر، معصية زائد صبر، ليس بيدنا شيء ! أعداؤنا أقوياء جداً، ومقيمون على معاص لا يعلمها إلا الله، المعاصي مع الصبر طريق إلى القبر، أما الصبر مع التقوى طريق إلى النصر. المعاصي مع الصبر طريق الإنسان إلى القبر:
أيها الأخوة، يجب أن يكون في علمكم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(( وما تواضَعَ عبد لِلهِ إِلا رَفَعَهُ اللهُ ))
[ أخرجه مسلم والترمذي ومالك عن أبي هريرة ]
(( ومن تواضع لله رفعه الله، ومن تجبر قصمه الله ))
[ أخرجه البزار عن طلحة بن عبيد الله ]
الذي قال أنا قصمه الله .
(( إِنَّ الله أوحَى إِليَّ: أن تواضَعُوا حتى لا يبغي أحد على أحد، ولا يفخَر أحد على أحد ))
[أخرجه أبو داود عن عياض بن حمار ]
التقوى مع الصبر طريق النصر، والصبر مع المعصية ليس إلا القبر، معصية زائد صبر هذا ليس صبراً، معصية زائد صبر ما بيدنا شيء، أعداؤنا أقوياء جداً، ومقيمون على معاصٍ لا يعلمها إلا الله، المعاصي مع الصبر طريق إلى القبر، أما الصبر مع التقوى طريق إلى النصر. تواضع المؤمن من غير منقصة وتوجهه إلى الله عز وجل لأنه متكبر:
أيها الأخوة، يجب أن يكون في علمكم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(( وما تواضَعَ عبد لِلهِ إِلا رَفَعَهُ اللهُ ))
(( ومن تواضع رفعه الله، ومن تجبر قصمه الله ))
يعني قال أنا قصمه (( إِنَّ الله أوحَى إِليَّ: أن تواضَعُوا حتى لا يبغي أحد على أحد، ولا يفخَر أحد على أحد ))
(( طوبى لمن تواضع في غير منقصة ))
[أخرجه الطبراني عن ركب المصري ]
كل إنسان عندما يخطئ يرتكب خطأ فادحاً يصغر، يعني يتواضع، هذا تواضع المنقصة، هذا ما له قيمة، البطولة أن تتواضع من غير منقصة، أنت طاهر، ومستقيم ، ويدك نظيفة، ودخلك مشروع، وأنت قدوة لغيرك، ومع ذلك متواضع، فالتواضع من شأن العبد، والتكبر من شأن الرب، لأنه رب العالمين، لأنه خلقنا ليسعدنا كان متكبراً، أي كبيراً في عطائه، تعالوا إليّ، دعوا الشركاء.
(( ابن آدم اطلبني تجدني فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء ))
[من مختصر تفسير ابن كثير]
﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ﴾
( سورة الأحزاب الآية: 71 )
دع الخلق واتجه إلي.
فلو شاهدت عيناك من حسننا الذي رأوه لما وليت عنــــــا لغيرنا
ولو سمعت أذناك حسن خطــــابنا خلعت عنك ثياب العجب وجئتنا
* * *
فالمؤمن يتواضع من غير منقصة، يتواضع ويتوجه إلى الله عز وجل لأنه متكبر.
السعيد
08-26-2018, 07:40 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( التاسع و السبعون )
الموضوع : اسم الله - البصير - 1 -
حمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: ( البصير):
أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "البصير".
ورود اسم البصير في القرآن الكريم:
أيها الأخوة، ورد هذا الاسم "البصير" في أكثر من خمسين آية، ورد معرفاً بأل وورد منوناً، ورد مقترناً باسم السميع والخبير، وورد غير مقترن، فمن الآيات التي ورد فيها اسم "البصير" معرفاً قوله تعالى في مطلع سورة الإسراء:
﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾
( سورة الإسراء )
الإسراء والمعراج جاء مكافأة لسيد الخلق عن جفوة أهل الأرض بترحيب السماء له:
لو أن بعض الأخوة المؤمنين كان حفظه للقرآن ضعيفاً فنسي أواخر هذه الآية فتصور أن
﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ ﴾
على كل شيء قدير، لماذا جاءت ﴿ إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾
نحن نذكر أن خط الدعوة الإسلامي البياني وصل إلى الحضيض في الطائف حينما سخر أهل الطائف من رسول الله، وحينما كذبوه، وحينما نالوه بالأذى، فماذا قال ؟ قال:
(( اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي (كحال المسلمين اليوم) وهواني على الناس، يا رب المستضعفين وأنت ربي، إلى من تكلني ؟ إلى عدو ملّكته أمري (الدعاء طويل) إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي، ولك العتبى حتى ترضى، لكن عافيتك أوسع لي ))
[ الطبراني عن عبد الله بن جعفر، وفي سنده ضعف ]
هذه محنة ما بعدها محنة، هذه شدة ما بعدها شدة، ولكن شاءت حكمة الله أن يكون بعد كل محنة منحة، وبعد كل شِدة شَدة إليه.
فجاء الإسراء والمعراج مكافأة لسيد الخلق وحبيب الحق، وجاء تعويضاً عن جفوة أهل الأرض، بترحيب السماء له، ﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾
يعني يا محمد سمعنا قولك في الطائف، ورأينا معاناتك، وهذا ردنا، وأنت سيد الأنبياء والمرسلين، وسيد ولد آدم أجمعين. ما من مؤمن مستقيم يبتليه الله عز وجل بمحنة إلا وراء هذه المحنة منحة:
دققوا أيها الأخوة، ما من مؤمن مستقيم يبتليه الله عز وجل بمحنة إلا وينبغي أن يعتقد اعتقاداً جازماً أن وراء هذه المحنة منحة، أنا أقول ما من مؤمن مستقيم يبتليه الله بشدة إلا كان وراء هذه الشِدة شَدة إلى الله، هذا مبدأ وهذا قانون.
﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾
( سورة آل عمران )
﴿ وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ ﴾
( سورة القصص )
فلذلك هذه الآية في نهايتها ﴿ إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾
إن دعوت الله يسمعك ، وإن عانيت ما تعاني يراك، سميع بصير، وإن أضمرت نية طيبة يعلمها، إن تكلمت يسمعك وإن تحركت يراك، وإن أضمرت شيئاً فهو يعلمه، فالتعامل مع الله سهل جداً، لا تحتاج لا إلى إيصال، ولا إلى يمين، ولا إلى دليل، حتى أن بعضهم قال: الحمد لله على وجود الله. ورود اسم البصير في القرآن الكريم منوناً:
وورد هذا الاسم أيضاً منوناً في قوله تعالى:
﴿ اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ﴾
( سورة الحج )
يراك. ﴿ أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً * وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً * وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَاناً نَصِيراً ﴾
( سورة الإسراء )
آية أخرى: ﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ * وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ * وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيم ِ* الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ ﴾
( سورة الشعراء )
أفضل إيمان المرء أن يعلم أن الله يراه، اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، لا تجعل ربك أقل الناظرين إليك، لماذا ؟ لأن الله ينظر إلى قلوبكم، هل في هذا القلب حقد ؟ هل في هذا القلب كبر ؟ هل في هذا القلب استهزاء بالآخر ؟ لا تجعل ربك أهون الناظرين إليك، يراك، سميع بصير. ورود اسم البصير في السنة الشريفة:
هذا الاسم أيضاً ورد في السنة الصحيحة:
(( إنَّكْم لا تَدْعُونَ أصَمَّا، ولا غَائِبا، إنكم تَدْعُونَ سَمِيعا بَصِيرا ))
[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة ]
أفضل دعاء المرء أن يكون خفية:
أفضل الذكر إخفاء الذكر، أفضل الدعاء أن يكون خفية.
﴿ ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً ﴾
( سورة الأعراف الآية: 55 )
لأنه يسمعك، وإذا كنت في موقف عصيب بإمكانك أن تدعوه دون أن تحرك شفتيك. ﴿ إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً ﴾
( سورة مريم )
تعريف البصير من حيث اللغة:
أيها الأخوة، معنى كلمة "البصير" أولاً بنيتها صيغة مبالغة، والمبالغة في اللغة تعني مبالغة الكم، مبالغة النوع، فإذا قلنا الله عز وجل غفور يعني يغفر مليار ذنب، وإذا قلنا غفور يغفر أكبر ذنب، نوعاً، وكماً، فالله بصير، وصيغة بصير من صيغ المبالغة والمبالغة تعني مبالغة كم، أو مبالغة نوع، أنت أحياناً تنظر إلى جهة واحدة، وليس في الإمكان أن تنظر إلى جهتين معاً، لكن الله سبحانه وتعالى ينظر إلى كل الخلائق من دون استثناء ويرى أدق شيء، ومهما خفي على الناس لا يخفى عليه.
إذاً هذا الاسم من أبنية المبالغة، على وزن فعيل، ككريم، سميع بصير، البصر العين، اسم ذات، والبصر الرؤية اسم معنى، اسم ذات أو اسم معنى، نقول مثلاً حائط اسم ذات، أما دراسة اسم معنى، لكن الذي يلفت النظر أن البصر هو النور الذي تبصر به الأشياء.
بربكم هذه العين مهما تكن دقيقة من دون نور يتوسط بينها وبين المنظور لا قيمة لها، يستوي في غرفة مظلمة البصير وغير البصير (الكفيف)، لا بد من نور يتوسط بين العين وبين المرئيات هو نور الكهرباء أو نور الشمس.
حاجة عقل الإنسان إلى وحر السماء كحاجة العين إلى ضياء الشمس:
الكلام الذي سأقوله خطير جداً، مهما يكن الإنسان ذكياً، لو كان عقله كعقل أنشتاين، مهما يكن الإنسان ذكياً، متألق الفكر، إن لم يستنر هذا العقل بنور الوحي فهو أعمى، يعني حاجة الإنسان إلى وحي السماء، بل حاجة عقل الإنسان إلى وحر السماء كحاجة العين إلى ضياء الشمس، لذلك من دون وحي:
﴿ إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ * سَأُصْلِيهِ سَقَرَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ * لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ * عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ ﴾
( سورة المدثر )
يعني إنسان ذكي متألق، ذكاؤه من أرفع مستوى، من دون وحي يهتدي به فهو جاهل. البشر من دون وحي السماء مصيرهم إلى المحق و الهلاك:
أزمة العالم أنهم اعتمدوا على العقل البشري وحده، وغفلوا عن وحي السماء، لذلك العالم يعاني ما يعاني، يعاني من الحروب، من القتل، من الظلم، من سوء توزيع الثروة 10% من أهل الأرض يملكون 90% من ثروات الأرض، و90% من أهل الأرض يعيشون دون الكفاف، العقل البشري من دون وحي السماء قاد إلى هذه المهالك.
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ﴾
( سورة الحجرات الآية: 13 )
لا ليقتل بعضكم بعضاً، لا ليستغل بعضكم بعضاً، لا ليقهر بعضكم بعضاً، لا ليمحق بعضكم بعضاً، البشر من دون وحي السماء كما ترون. نور الوحي يُبعد الإنسان عن الظلم و العدوان:
(( تمتلئ الأرض ظلماً وعدواناً حتى يأتي أخي عيسى فيملؤها قسطاً وعدلاً ))
[ ابن ماجه عن عبد الله بلفظ قريب منه ]
يوم يذوب قلب المؤمن في جوفه مما يرى، ولا يستطيع أن يغير، إن تكلم قتلوه، وإن سكت استباحوه.
(( موت كقعاص الغنم ))
[ الجامع الصغير عن معاذ بسند صحيح ]
و:
((....وتفيض اللئام فيضاً ويغيض الكرام غيضاً. ))
[ رواه الطبراني في الأوسط عن أم الضراب]
أيها الأخوة، هذا المعنى تؤكده الآية الكريمة: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ ﴾
( سورة الحديد الآية: 28 )
هذا نور الوحي ﴿ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ ﴾
﴿ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾
( سورة الحديد )
الله عز وجل يبصر جميع الموجودات في عالم الغيب والشهادة:
الآن التبصر ؛ التأمل، التعرف، البصيرة ؛ الحجة.
﴿ بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ﴾
( سورة القيامة )
الآن الله جل جلاله هو "البصير" المتصف بالبصر، و "البصير" صفة من صفات ذاته، تليق بجلاله، في علم العقيدة يجب إثباتها من دون تمثيل، ولا تكييف، ولا تعطيل ، ولا تحريف، نفوض معنى البصير إلى الله عز وجل ، لا نجسد، ولا نعطل، إن ألغينا أنه بصير تجرأنا عليه، وإن مثلنا بصره كبصرنا وقعنا في خطأ كبير. ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾
( سورة الشورى الآية: 11 )
كل ما خطر ببالك فالله تعالى بخلاف ذلك، الله عز وجل يبصر جميع الموجودات في عالم الغيب والشهادة، يرى الأشياء كلها مهما دقت أو عظمت، مهما خفيت أو ظهرت. ﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ ﴾
( سورة غافر الآية: 19 )
عبادة غض البصر عبادة الإخلاص:
أنت في البيت والنافذة مفتوحة، وأنت في غرفة مظلمة، ولا يراك أحد على وجه الأرض، وخرجت امرأة متبذلة إلى الشرفة التي في اتجاه البيت، لك أن تطلق بصرك فيها، ولك أن تغض البصر، من يعلم
﴿ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ ﴾
الله جل جلاله، لذلك عبادة غض البصر عبادة الإخلاص.
أنت طبيب ومن حقك أن ترى المكان الذي تعاني منه المرأة، اختلست نظرة إلى مكان آخر، هل في الأرض كلها جهة تستطيع ضبط هذه المخالفة ؟ أبداً، ﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ ﴾
﴿ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ﴾
( سورة غافر )
السر عنده علانية، والغيب عنده شهادة، أحد العارفين بالله قال:
يا من يرى مد البعوض جناحها في ظلمة الليل البهيم الأليلي
ويرى نياط عروقها في نحرها والمخ في تلك العظام النُحلي
* * *
الله بصير ينظر إلى المؤمنين بكرمه ورحمته ويمن عليهم بمنته وجنته:
الله بصير، الآن في معنى جديد، الله بصير ينظر إلى المؤمنين بكرمه ورحمته، ويمن عليهم بمنته وجنته، ويزيدهم كرماً منه بلقائه ورؤيته، ينظر إلى المؤمنين، ولا ينظر إلى الكافرين، لا ينظر إلى الكافرين إيقاعاً لعقوبته، فهم بعيدون عن نظره، محجوبون عن رؤيته، كما قال تعالى: ﴿ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ﴾
( سورة المطففين )
من حجب عن الله عز وجل خسر الدنيا و الآخرة:
والله أيها الأخوة، ما من عقاب على وجه الأرض من آدم إلى يوم القيامة كعقاب من نوع أن تُحجب عن الله، هذا معنى لعنه الله، أبعده عنه، وقد تكون في أصعب محنة وقد تكون في قاع البحر، في بطن حوت، وقد تكون في غار، وأنت ملاحق، وقد تكون في النار كإبراهيم، فإذا كانت معك عناية الله، فأنت في خير، هذه السكينة تسعد بها ولو فقدت كل شيء، وتشقى بفقدها ولو ملكت كل شيء، هذه السكينة أين وجدها إبراهيم ؟ وهو في النار، أين وجدها يونس ؟ وهو في بطن الحوت، أين وجدها أهل الكهف ؟ وهم في الكهف وأين وجدها النبي عليه الصلاة والسلام ؟ وهو في غار ثور، وقد هُدرت دمه، ولاحقه الكفار،
﴿ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ﴾
إذا أخذ منك الدنيا وتجلى عليك فأنت الفائز الأول، وإذا أعطاك الدنيا كلها وحجبك عنه فأنت الخاسر الأكبر. ﴿ أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾
( سورة آل عمران )
بطولتك أن تكون موصولاً بالله، بطولتك أن ينظر الله إليك. من نظر الله إليه أعطاه بصيرة يفرق فيها بين الحق و الباطل:
أيها الأخوة، المؤمن حينما يتقي الله ينظر الله إليه.
﴿ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً ﴾
( سورة الأنفال الآية: 29 )
ويجعل له بصيرة تريه الحق حقاً، والباطل باطلاً، تريه الحق حقاً فيتبعه وتريه الباطل باطلاً فيجتنبه. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾
( سورة الأنفال )
من ابتغى أمراً بمعصية كان أبعد مما رجا وأقرب مما اتقى:
الآن في موضوع دقيق: الأعمال البشرية، أي عمل بشري تسبقه رؤيا، في علم التجارة والتسويق، ما في إنسان يشتري حاجة، إلا رأى أن هذه الحاجة أثمن من المال الذي سيدفعه ثمناً لها، ولا في بائع في الأرض يبيع حاجة إلا ويرى أن ثمنها أثمن منها رؤيا، أي حاجة تُباع الشاري يرى أنها أغلى من ثمنها حتى اشتراها، والبائع ما باع شيئاً إلا أيقن أن ثمنها أغلى منها، رؤيا، رؤيا حيادية، أما الذي يكذب ماذا يرى ؟ يرى أنه بالكذب يعدّ ذكياً، بالكذب عمّ على نفسه، فيفضحه الله عز وجل فيغدو غبياً، من ابتغى أمراً بمعصية كان أبعد مما رجا، وأقرب مما اتقى.
(( من التمس رضا الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى الناس عنه، ومن التمس رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط الناس عليه ))
[أخرجه الترمذي والإمام أحمد عن عائشة أم المؤمنين ]
مستحيل وألف ألف مستحيل أن تطيعه وتخسر، ومستحيل وألف وألف مستحيل أن تعصيه وتربح. من ملك رؤيا صحيحة وضع الدنيا تحت قدميه:
إذاً كل عمل بشري في قبله رؤيا، وبعد الرؤيا إرادة، وبعد الإرادة تنفيذ قانون.
الآن سيدنا يوسف حينما دعته امرأة ذات منصب وجمال، شاب، في ريعان الشباب، غريب، غير متزوج، هو تحت أمر سيدته، وليس من صالحها أن يفشى الخبر عنها، يعني العلماء عدوا عشرة أسباب تدعوه إلى قبول عرضها، ماذا قال:
﴿ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ﴾
( سورة يوسف الآية: 23 )
ماذا رأى ؟ هنا البطولة، الذي يقبل الرشوة ماذا رأى ؟ رأى أنه ذكي جداً قبض مبلغاً كبيراً بلا جهد، الذي يسرق ماذا رأى ؟ الذي يزني ماذا رأى ؟ البطولة أن تملك رؤيا صحيحة، أنت بهذه الرؤيا الصحيحة تضع الدنيا كلها تحت قدميك.
(( والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر ما تركته، حتى يظهره الله أو أهلك دونه ))
[السيرة النبوية]
عندنا قانون جاء به عالم اسمه دورك هاين، هذا القانون علاقتك مع المحيط رؤيا، إدراك، انفعال، سلوك، شخص رأى بالبستان أفعى، اضطرب، علامة صحة رؤيته وإدراكه أنه اضطرب، وعلامة اضطرابه أنه هرب، أو قتلها، يعني في حركة، صحة الإدراك تقتضي الانفعال، والانفعال يقتضي الحركة، أما قل لشخص على كتفك عقرب بقي هادئاً، مرتاحاً، مبتسماً، قال لك: شكراً لك على هذه الملاحظة، وأرجو الله أن يمكنني أن أكافئك عليها، معنى ذلك أنه ما فهم مما قلت له شيئاً. المؤمن يملك رؤيا صحيحة فيهتدي برحمة الله و توفيقه:
لذلك في درس سابق السمع عند الله تتبعه حركة، يتبعه سلوك.
﴿ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ﴾
( سورة التحريم الآية: 4 )
فلذلك أي عمل تسبقه رؤيا، أنت ماذا رأيت ؟ المؤمن يرى أن الدنيا كلها لا تعدل أن يعصي الله، يضع الدنيا تحت قدميه، المؤمن لا يرى أن الغش فيه شطارة، أنت حينما تغش المسلمين ترى أن هذا المال الذي سيأتيك من الغش أكبر من الله، ما قلت الله أكبر ولا مرة، ولو رددتها بلسانك ألف مرة.
ديننا دين حقائق، لا دين كلمات جوفاء تلقى، تقول الله أكبر، وتغش المسلمين، تكذب عليهم، تدلس، تغير صفات البضاعة، توهم أنها من ألمانيا وهي من الصين، ماذا فعلت ؟ أنت ترى أن هذا المبلغ الكبير الذي سيأتيك من إيهام الشاري أن هذه البضاعة مصنوعة في ألمانيا وهي تأتي من الصين، بأدنى صفات أنت ترى بهذا أن هذا المال أكبر عندك من الله.
لذلك قل لي ماذا ترى ؟ المؤمن يملك رؤيا صحيحة، لذلك يمشي في ظل الله وفي رحمة الله، وفي توفيق الله، والمؤمن الله معه، وإذا كان الله معك فمن عليك، وإذا كان الله معك فمن عليك ؟.
السعيد
08-26-2018, 07:43 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( التاسع و السبعون )
الموضوع : اسم الله - البصير - 2 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
من أسماء الله الحسنى: ( البصير):
أيها الأخوة الأكارم، لا زلنا في اسم "البصير".
الله سبحانه وتعالى بصير يشاهد الأشياء كلها ظاهرها وباطنها:
الله سبحانه وتعالى بصير يشاهد ويرى حتى لا يحجب عنه ما ترى الثرى، وإبصاره منزه عن أن يكون بحدقة أو أجفان ، مقدس عن أن يرجع إلى انطباع الصور والألوان، هو المبصر لجميع المبصرات، ويشاهد الأشياء كلها ظاهرها وباطنها، من دون جارحة ولا أداة، ولا تغير في الذات، الآية الكريمة:
﴿ اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى * قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى * قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ﴾
( سورة القصص )
هذه الآية يجب أن يتمثلها كل مؤمن، ﴿ إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ﴾
الأمر بيدي يا عبدي، أنا معك.
آية أخرى: ﴿ وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾
( سورة القصص )
آية ثالثة: ﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ * وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَك الْأَقْرَبِينَ * وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ * إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾
( سورة الشعراء )
أيها الأخوة، هذه آيات واضحة جلية، معانيها قطعية لأن الله يرى ويسمع، فجبريل سأل النبي عليه الصلاة والسلام:
(( أخبرني عن الإحسان، قال: أن تعبدَ الله كأنك تراه، فإن لم تكن تَراه، فإنه يَراكَ ))
[ أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن عبد الله بن عمر ]
أما تستحي منا ويكفيك ما جرى أما تختشي من عتبنا يوم جمعنا
* * *
شهوة المال وشهوة المرأة من أقوى الشهوات التي أودعها الله في الإنسان:
(( إِن الدنيا حُلْوةٌ خَضِرَة ))
[أخرجه مسلم والنسائي عن أبي سعيد الخدري ]
الآن ترقص، كلها مباهج، نساء كاسيات عاريات، أماكن جميلة، بيوت فخمة مركبات فارهة، سفر، ركوب طائرات، فنادق خمس نجوم.
(( إِن الدنيا حُلْوةٌ خَضِرَة وإن الله مُستَخْلِفُكم فيها، فناظرٌ كيف تعملون ؟ ))
يعني لا سمح الله ولا قدر الإنسان يتزوج أم يزني ؟ يكسب المال الحلال أم المال الحرام ؟ يصدق أم يكذب ؟ يرحم أم يقسو ؟ ينصف أم يظلم ؟.
(( وإن الله مُستَخْلِفُكم فيها، فناظرٌ كيف تعملون ؟ فاتَّقُوا الدنيا ))
لأنها تضر، وتغر، وتمر، (( فاتَّقُوا الدنيا ))
الغرور أن تراها بحجم أكبر من حجمها، أن تراها كل شيء، أن ترى المال كل شيء، أن ترى المرأة كل شيء، أن ترى المنصب كل شيء.
(( فاتَّقُوا الدنيا، واتَّقوا النساء ))
في سببين كبيرين لهلاك الإنسان، المال والنساء، وتسعة أعشار الأحكام الشرعية في ضبط كسب المال وإنفاقه، وفي ضبط علاقتك بالنساء، لأن شهوة المال وشهوة المرأة من أقوى الشهوات التي أودعها الله في الإنسان. الشهوة حيادية ترقى بالإنسان أو تهوي به:
مرة قلت: إن عالماً كبيراً من علماء القرآن، زرته مرة، قال لي: أنا عندي 38 حفيداً، ثلاث عشرة طبيباً منهم، رجل صالح، حافظ لكتاب الله، عالم بكتاب الله، قلت: يا رب ما الذي سبب هذا الحشد الكبير من الأحفاد، والأطباء، والعلماء ؟ علاقة جنسية أساسها، أليس كذلك ؟ وبيوت الدعارة فيها علاقة جنسية، انظر الشهوة نفسها ترقى بك إلى أعلى عليين وتهوي بالإنسان إلى أسفل سافلين، سلم ترقى بها أو دركات تهوي بها، الشهوة حيادية كالوقود السائل في المركبة، إن وضع في المستودعات المحكمة، وسال في الأنابيب المحكمة، وانفجر في الوقت المناسب، وفي المكان المناسب ولّد حركة نافعة، أقلتك أنت وأهلك إلى مكان جميل، في إنفجارات بالسيارة، البنزين نفسه صبّه على المركبة، أعطها شرارة تحرق المركبة ومن فيها، هذه الشهوة، قوة انفجارية، إما أن توظف بالخير يكون لك أحفاد، وأصهار، وبنات، يؤثرون محبتك على كل شيء، وأولاد وسمعة طيبة، وأسرة راقية، وتربية عالية، وحب، ود، ووئام، ومعاونة، ونجدة، وإغاثة، أو يلقى الإنسان في الطريق في نهاية المطاف.
ما في حل وسط، الشهوة قوة دافعة، أو قوة مدمرة، حيادية، وأنت مخير بالإسلام ما في حرمان، ما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا جعل لها قناة نظيفة تسري خلالها، قال:
(( فناظرٌ كيف تعملون ))
تغض بصرك عمن لا تحل لك، وتقول: إني أخاف الله رب العالمين، أم تطلق البصر في امرأة لا تحل لك ؟
(( فاتَّقُوا الدنيا، واتَّقوا النساء، فإنَّ أولَ فِتْنَةِ بني إسرائيل كانت في النساء فما تركت بعدي فتنة أضَرَّ على الرِّجالِ من النساء ))
خطر الغزو الثقافي على الإسلام و المسلمين:
العالم الغربي كانوا يجبروننا بالقوة المسلحة، على أن نفعل ما يريدون، هذا الطريق صعب، مكلف، الآن يجبروننا بالقوة الناعمة المرأة على أن نريد ما يريدون، الآن في غزو ثقافي أيها الأخوة، في معظم بيوتات المسلمين ملهى ليلي دون أن يشعر، هذا الجنس يصرف عن الله، وعن الدار الآخرة، وعن القرآن، وعن السنة، وعن العمل الصالح، أكبر غزو ثقافي الآن.
أوحى الله إلى نبي من الأنبياء قل لقومك ما بالكم تسترون ذنوبكم عن خلقي وتظهرونها لي ؟ إن كنتم ترون أني لا أراكم فأنتم كافرون، وإن كنتم ترون أني أراكم، فلمَ جعلتموني أهون الناظرين إليكم ؟ كلام دقيق.
أما تستحي منا ويكفيك ما جرى أما تختشي من عتبنا يوم جمعنا
* * *
من عرف أنالله بصير زيّن باطنه بالمراقبة وظاهره بالمحاسبة:
إذا عرف الإنسان أن الله بصير زيّن باطنه بالمراقبة، وزين ظاهره بالمحاسبة الله معك، يعني الإنسان لو قيل أنت مراقب، يا لطيف ! يضبط كلماته بشكل مذهل، يضبط حركته، يعني أي شبهة يبتعد عنها، إذا قيل له أنت مراقب من إنسان، أو خطك مراقب ، أو حركتك مراقبة، أو حسابك مراقب، فإذا كان الله هو الرقيب.
﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ﴾
( سورة النساء )
إن الله يراكم، إن تكلمتم يسمعكم، وإن تحركتم يراكم، وإن أضمرتم شيئاً في أنفسكم يعلمه الله.
أحد العلماء قال: من قارب معصية وهو يعلم أن الله يراه، فما أجرأه على الله وما أخسره، وإن ظن أن الله لا يعلم فما أكفره، وما أجهله. كل إنسان يعصي الله مدموغ بالكفر والجهل:
مرة الإمام الغزالي رحمه الله تعالى، خاطب نفسه، قال: يا نفس، لو أن طبيباً منعك من أكلة تحبينها (الآن يوجد أكلات تؤذي مرضى القلب، لا يأكلها، يحبها كثيراً لكن لا يأكلها ) لو أن طبيباً منعك من أكلة تحبينها لا شك أنك تمتنعين (يكون آخذ بيتاً رابع طابق خامس طابق، تعبان فيه كثير، يصير معه مشكلة بقلبه يبيع البيت فوراً ثاني يوم، هكذا قال الطبيب، هذا البيت العالي لا يناسبك، فوراً يبيعه ) لو أن طبيباً منعك من أكلة تحبينها لا شك أنك تمتنعين، أيكون الطبيب أصدق عندك من الله ؟ ( الله منعك عن أشياء، لماذا استجبت لمنع الطبيب، ولم تستجيبي لمنع الله عز وجل ؟ )أيكون الطبيب أصدق عندك من الله ؟ إذاً ما أكفرك، كلام الإمام الغزالي، إذاً ما أكفرك، أيكون وعيد الطبيب أشد عندك من وعيد الله.
يعني الطبيب بالنهاية يقول مات، ما اعتنى بصحته، جاءته أزمة قلبية مات يعني أقصى ما عند الطبيب مات، أما عند الله جهنم إلى أبد الآبدين، أيكون وعيد الطبيب أشد عندك من وعيد الله ؟ إذاً ما أجهلك، هذا حوار ذاتي مع نفسه، يا نفس، لو أن طبيباً منعك من أكلة تحبينها لا شك أنك تمتنعين، أيكون الطبيب أصدق عندك من الله ؟ أيكون الطبيب أصدق عندك من الله ؟ إذاً ما أكفرك، أيكون وعيد الطبيب أشد عندك من وعيد الله ؟ إذاً ما أجهلك، كل إنسان يعصي الله مدموغ بالكفر والجهل.
إِنما الأعمال بالنيات:
أيها الأخوة، في ضوء هذا الفهم الدقيق لمعنى "البصير" نقول: أي عمل له ظاهر وله باطن.
شخص عنده تقريباً 200 دنم أرض، أرض مشاع جاء من يهمس في أذنه أنك إذا تبرعت بخمسة دنومات لبناء مسجد تضطر البلدية أن تنظم هذه الأرض، وأن تقسمها إلى محاضر، وبهذا يرتفع ثمنها أضعافاً مضاعفة، راقت له الفكرة، هو لا يصلي إطلاقاً، تبرع بخمسة دنومات أرض، وفعلاً الأرض نظمت، وأصبحت محاضر، وارتفع سعرها أضعاف مضاعفة، كل البشر يثنون عليه، ما شاء الله محسن كريم ! من يعرف الحقيقة ؟ لا تخفى عليه خافية، لذلك:
(( إِنما الأعمال بالنيات ))
[ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن عمر بن الخطاب ]
في أعمال ظاهرة رائعة ورائها نيات خبيثة، وفي أعمال ظاهرها سيء، إنسان يضرب يتيم، شخص سأل النبي (صحابي جليل)، قال له:
(( يا رسول الله، إن في حجري يتيماً أفأضربه ؟ قال: نعم، مما تضرب منه ولدك ))
[ أخرجه أبو يعلى عن بلال ]
لو كان هذا ابنك ورأيت معه مئة ليرة، هو أخذها من جيب رفيقه، تبقى ساكت ؟ تؤدبه (( نعم، مما تضرب منه ولدك ))
إنسان يضرب يتيماً عمل صعب، كبير ، وإنسان تبرع بأرض لمسجد.
(( إِنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى. فمن كانت هجرته إِلى الله ورسوله، فهجرته إِلى الله ورسوله. ومن كانت هجرته إِلى دنيا يُصِيبها، أو امرأة يتزوجها، فهجرته إِلى ما هاجر إِليه ))
[ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن عمر بن الخطاب ]
يوجد إنسان أحب امرأة حباً جماً، اسمها أم قيس، فاشترطت عليه كي توافق على الزواج منه أن يهاجر إلى المدينة فهاجر، سماه الناس مهاجر أم قيس.
يقول: أسلم هو ما أسلم أحب امرأة مسلمة فقط، أحب امرأة مسلمة فأسلم. الله وحده بصير بحجم عمل كل إنسان:
إذاً كل عمل له ظاهر، وله باطن، له خلفية، له نية، له ملابسات، له ظروف الله وحده بصير بحجم عملك، بمقدار تضحيتك، بمقدار الصراع النفسي الذي سبق هذا العمل بصير بكل أبعاده، بكل استحقاقاته، بكل خلفياته، بكل أهدافه، بصير ببواعثه.
لذلك المؤمن يسعد كثيراً لأنه الله "البصير" يعلم نياتنا، يعلم سلامة صدورنا ، يعلم حبنا للخير، يعلم أن هذا الخطأ لا نقصده، يعلم أن هذا الوضع الحرج الذي وقعنا فيه لا نريده، يعلم أن هذه الكلمة التي قلناها لم نكن نقصد مدلولها.
لذلك أنت أيها المؤمن حينما تعلم أن الله يعلم، يعلم حقيقة كل شيء، هذا يسعدك أيما سعادة لا تملك إلا أن تقول الحمد لله على وجود الله، الله يعلم.
من صحت رؤيته صحّ عمله و سعد و من فسدت رؤيته فسد عمله و شقي:
أيها الأخوة، الآن كل عمل وراءه رؤيا، الإنسان لا يشتري حاجة إلا إذا رأى أنها أثمن من سعرها، فلسفة الشراء، إيديولوجية الشراء، والإنسان لا يبيع حاجة إلا إذا ظنّ أن ثمنها أغلى منها، لا الشاري يشتري، ولا البائع يبيع، إلا إذا شعر أنه رابح بهذا العمل وإن صحت رؤيتك صحّ عملك، الذي يسرق، لماذا سرق ؟ رأى أن السرقة كسب سريع بجهد قليل، ولم ينتبه للعقاب، لا في الدنيا، ولا في الآخرة، والذي زنا يرى أن هذا الزنا مغنم كبير، فرصة، إن صحت رؤيته صحّ عمله.
سيدنا يوسف دعته امرأة العزيز فقال: معاذ الله إني أخاف الله رب العالمين فصار سيدنا يوسف، في مئة مليون شاب يقع في مثل هذا الظرف وجده مغنماً، المشكلة الرؤيا ماذا رأى ؟ إنسان يأخذ رشوة يتوهم أنه أذكى الناس، جمع مبلغاً كبيراً بجهد يسير المؤمن يقول: معاذ الله إني أخاف الله رب العالمين.
البطولة بالرؤيا، إن صحت رؤيتك صحّ عملك، إن صحّ عملك سلمت وسعدت في الدنيا والآخرة، إن انحرفت رؤيتك فسد عملك، وإن فسد عملك شقيت وهلكت في الدنيا والآخرة.
كل عمل وراءه رؤياصحيحة أو خاطئة:
الفرق الوحيد بين الشقي والسعيد، بين المستقيم والمنحرف، بين المنصف والظالم بين المحسن والمسيء، بين الشاكر والكافر الرؤيا، صحة في الرؤيا أو خطأ في الرؤيا، بل إن علة أهل النار خطأ في الرؤيا، الآية الكريمة:
﴿ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾
( سورة الملك )
رؤيا، عامل تنظيفات طائرة وجد غرفة العجلات كبيرة جداً، فرأى أنه إذا قبع فيها انتقل من بلد إلى بلد بلا موافقات، وبلا أجور، وجد نفسه أذكى إنسان، هكذا رأى جلس فلما أقلعت الطائرة، وأراد الطيار أن يعيد العجلات إلى مكانها أنزل أرضية هذه الغرفة فسقط ميتاً، القصة وقعت في إحدى المطارات، ما الذي قتله ؟ رؤيته الخاطئة، قال لي صديق يعمل في برج المطار قال لي: لو أن في الغرفة مكاناً لا ينزل، لكن الحرارة خمسين تحت الصفر، يموت من البرد.
لذلك إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك فلم يعطيك شيئاً. الظالم و العاصي هو أغبى إنسان على وجه الأرض:
إخوانا الكرام، أنت حينما ترى أن المعصية مهلكة مؤمن، معناها الدخل الحرام سوف يُدمر، إنسان أحياناً يقترض قرضاً كبيراً يقول لك هذا غني، لن أعطيه إياه، يعدّ نفسه ذكياً.
(( من أخذ أَموال الناس يُريدُ أَداءها أدَّى الله عنه، ومن أخذ أَموال الناس يُرِيدُ إِتْلافها أتلفه الله ))
[ أخرجه البخاري عن أبي هريرة ]
الذي هدّم سبعين ألف بيت بغزة هذه السنة الرابعة لم يمت. ﴿ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا ﴾
( سورة الأعلى )
ما عرف أن في إله سيحاسبه، أغبى إنسان هو الظالم، أغبى إنسان هو الطاغية أغبى إنسان هو العاصي. الله عز وجل منح الإنسان نعمة البصر فعليه أن يستخدمها في ما يرضي الله تعالى:
إخوانا الكرام، حينما ترى أن المعصية مهلكة، وأن الطاعة مغنم كبير، فأنت في نعمة لا تقدر بثمن، آلاف مؤلفة، ملايين مملينة، ترى الباطل حقاً، والحق باطلاً، ترى الخير شراً والشر خيراً، ترى العمل الجميل قبحاً، والعمل القبيح جميلاً، ملايين مملينة لذلك قال عليه الصلاة والسلام:
(( كيف بكم إذا لمْ تأمروا بالمعروفِ ولم تَنْهَوْا عن المنكر ؟ قالوا: يا رسول الله وإنَّ ذلك لكائن ؟ قال: نعم، وأشدُ، كيف بكم إذا أمرتُم بالمنكر، ونهيُتم عن المعروف ؟ قالوا: يا رسول الله وإنَّ ذلك لكائن ؟ قال: نعم، وأَشدُّ كيف بكم إذا رأيتُمُ المعروفَ منكرا والمنكرَ معروفا ))
[ أخرجه زيادات رزين عن علي بن أبي طالب ]
أيها الأخوة، حينما تشعر أن الله عمك، معك في خلوتك، في جلوتك، في سرك، في علانيتك، مع ذكرك، مع نطقك، في سفرك، في حضرك، هذا الشعور المستمر من نعم الله العظمى:
(( إن من أفضل إيمان المرء أن يعلم أن الله يعلم حيث كان ))
[ورد في الأثر]
لذلك أيها الأخوة الكرام، من أدبنا مع هذا الاسم "البصير" الله عز وجل منحنا نعمة البصر، ينبغي أن نستخدم هذه النعمة في النظر في آيات الله الدالة على عظمته، لا في تتبع عورات الآخرين، في أفلام لا ترضي الله، في قصص لا ترضي الله، في صور لا ترضي الله، في تنزه في الطرقات لا ترضي الله، في أن تملأ عينك من الحرام هذا لا يرضي الله، هذه النعمة التي لا تقدر بثمن العين احفظها، احفظ الله بها يحفظها لك.
السعيد
08-26-2018, 07:46 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الثمانون )
الموضوع : اسم الله - الباطن - 1 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
من أسماء الله الحسنى: (الباطن):
أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، وهو "الباطن" هذا الاسم ورد في قوله تعالى:
﴿ هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾
( سورة الحديد )
وقد ورد أيضاً في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم:
(( وأنت الباطِنُ فليس دُونَك شيء ))
[أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة ]
التعريف اللغوي للباطن:
"الباطن" اسم فاعل، والبطن في كل شيء جوفه، و "الباطن" خلاف الظاهر والله تعالى يقول:
﴿ وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئاً ﴾
( سورة النحل الآية: 78 )
وقد أكّد علماء النفس أن هذا الطفل حينما يولد ليس عنده أية مهارة، ولا أية قدرة ﴿ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئاً ﴾
إلا منعكساً واحداً لولاه لما عاش إنسان على سطح الأرض، إنه منعكس المص، آلية معقدة جداً تُخلق مع الجنين، فإذا وصلت إصبع الممرضة إلى شفتيه مصها، لولا هذا المنعكس لما عاش إنسان على وجه الأرض، ﴿ وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئاً ﴾
عدم الإحاطة بالله لأنه لا يعرف الله إلا الله:
أيها الأخوة، والشيء الباطن المحتجب عن الأنظار.
﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ﴾
( سورة الأنعام الآية: 151 )
وبطن كل شيء ما احتجب عن النظر، لكن الله عز وجل هو "الباطن" ما معنى أن الله باطن ؟ قال: الله عز وجل محتجب عن الأبصار، والدليل قوله تعالى: ﴿ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ ﴾
( سورة الأنعام الآية: 103 )
لا يًرى في الدنيا، وأي ادعاء أنه رأى الله فهو كاذب، ﴿ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ ﴾
لكنه يُرى في الآخرة. ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾
( سورة القيامة )
أيها الأخوة، الله عز وجل يُرى في الآخرة، ولكن لا يدرك، أي لا يحاط به لا في الدنيا، ولا في الآخرة، لأنه لا يعرف الله إلا الله، إذاً يُرى في الآخرة بدليل قوله تعالى ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾
وقد ورد في بعض الآثار: أن الإنسان إذا نظر إلى وجه الله الكريم يغيب خمسين ألف عام من نشوة النظرة. أسعد إنسان على وجه الأرض من وصل إلى رضوان الله تعالى:
لذلك هناك جنة، وهناك نظرة إلى وجه الله الكريم، في قوله تعالى:
﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ﴾
( سورة يونس الآية: 26 )
الحسنى هي الجنة.
﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ﴾
( سورة الليل )
البشر على فئتين، فئة تصدق بالحسنى أي أنها مخلوقة للجنة، وفئة تكذب بالحسنى تؤمن بالدنيا فقط، الدنيا ولا شيء إلا الدنيا.
فالجنة هي الحسنى، ما الذي فوق الجنة ؟ النظر إلى وجه الله الكريم، وما الذي فوق ذلك ؟ قال:
﴿ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾
( سورة التوبة الآية: 72 )
أن تكون في الجنة هذه حسنى، وأن يُسمح أن تنظر إلى وجه الله الكريم هذه الزيادة، أما الأكبر ﴿ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾
لذلك أسعد إنسان على وجه الأرض من وصل إلى رضوان الله، أن تمشي في رضوان الله، أن يكون دخلك في رضوان الله، أن يكون إنفاقك في رضوان الله، أو يكون وصلك للآخرين في رضوان الله، أن تكون قطيعتك لمن حولك في رضوان الله، أن تعطي لله، أن تمنع لله، أن ترضى لله، أن تغضب لله، أن تصل لله، أن تقطع لله، هذا من كمال الإيمان. "الباطن" المحتجب عن الأبصار و أي ادعاء لرؤية الله عز وجل هو ادعاء كاذب:
إذاً "الباطن" المحتجب عن الأبصار
﴿ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ ﴾
لا يُرى في الدنيا، وأي ادعاء لرؤيته فهو ادعاء كاذب، الحقيقة أن خصائص الجسم في الدنيا لا تسمح برؤية الله.
﴿ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً ﴾
( سورة الأعراف الآية: 143 )
إذاً مستحيل وألف ألف ألف مستحيل أن يرى الإنسان ربه في الدنيا، لأن أجهزته، خصائصه، حواسه لا تحتمل أن ترى الله، لكن طبيعة الإنسان في الجنة تختلف عن طبيعته في الدنيا، في الجنة يمكن أن ترى الله ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾
لكن في كلا الحالين أن تحيط بالله مستحيل، لا يعرف الله إلا الله، يعني أنت ممكن أن تصل بمركبتك إلى الساحل، ممكن، أن تخوض بهذه المركبة البحر مستحيل !.
فقال بعض العلماء: عين العلم به عين الجهل به، وعين الجهل به عين العلم به لو شخص سأل رجلاً أن هذا البحر المتوسط كم لتر ؟ فإذا قال لا أدري فهو عالم، إذا قال 33 مليار و762 يكون كاذباً، أي رقم يذكر إجابة عن هذا السؤال فهو كذب، أما أي قول لا أدري فهو العلم.
لذلك قال سيدنا الصديق: العجز عن إدراك الإدراك إدراك.
يعني قمة العلم في الحديث عن ذات الله نقول لا أعلم، أنت في أعلى درجات العلم، إذا قلت لا أعلم.
﴿ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ﴾
( سورة البقرة الآية: 255 )
اختلاف نظام الدنيا عن نظام الآخرة:
أيها الأخوة، الله عز وجل باطن، احتجب بذاته عن أنظار الناظرين.
عفواً في ساعة رقمية، وفي ساعة بيانية، الساعة البيانية طبيعتها تختلف اختلافاً كلياً عن الساعة الرقمية، البيانية مسننات، ونوابض، وعقارب، بنية أخرى، أما الساعة الرقمية إلكترونية، و لها نظام خاص.
أنت في الدنيا لك نظام، وفي الآخرة نظام آخر، أنت في الدنيا ترى من خلال العينين، وتنقل لك الأصوات من خلال الأذنين، وتتحرك عن طريق الرجلين، وتقوم بعمل، هكذا في الدنيا، أنت في الدنيا لا تستطيع أن ترى ابنك الذي في أمريكا إلا إذا سافرت إليه، رؤية حقيقية مباشرة، إلا إذا سافرت إليه، تحتاج إلى ركوب طائرة سبع عشرة ساعة أحياناً، لكن في الآخرة:
﴿ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ ﴾
( سورة الصافات )
﴿ فَاطَّلَعَ فَرَآَهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ ﴾
( سورة الصافات )
النفس في الآخرة هي كلها أعين، كلها آذان، شعاع، كل شيء خطر في بالك تجده أمامك ﴿ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ ﴾
﴿ فَاطَّلَعَ فَرَآَهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ ﴾
أنت في الدنيا لا تستطيع أن ترى ابنك بنظرة وهو في أمريكا، أما في الآخرة أي شيء يخطر في بالك تجده أمامك، نظام آخر.
الدنيا دار ابتلاء أساسها الكدح و الآخرة دار تشريف أساسها الإكرام:
لذلك من الخطأ الكبير أن تتوهم الآخرة كالدنيا، أو أن تتوهم خصائص الإنسان في الآخرة كخصائصه في الدنيا، في الدنيا:
﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ ﴾
( سورة الانشقاق )
من أجل أن تأكل طبقاً من الطعام، تحتاج إلى عمل ساعة، من أجل أن تركب مركبة تحتاج إلى دراسة طويلة، إلى تجارة عريضة، من أجل أن تتزوج تحتاج إلى دخل يعني الدنيا مبنية على الكدح ﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ ﴾
أما الآخرة مبنية على:
﴿ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ ﴾
( سورة ق الآية: 35 )
﴿ قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ ﴾
( سورة الحاقة )
نظام الآخرة نظام إكرام، نظام الدنيا نظام عمل، الدنيا دار عمل، ليست دار أمل، الدنيا دار تكليف ليست دار تشريف، الدنيا دار ابتلاء ليست دار جزاء، طبيعة الدنيا شيء وطبيعة الآخرة شيء آخر، طبيعة الدنيا أساسها الكدح، طبيعة الآخرة أساسها الإكرام ﴿ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ ﴾
﴿ وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ ﴾
( سورة ق )
(( أعْدَدْتُ لعباديَ الصالحين ما لا عين رأتْ ولا أذن سمعتْ، ولا خطَر على قلبِ بَشَرْ ))
[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة ]
اختلاف خصائص الإنسان في الدنيا عن خصائصه في الآخرة:
أضيق دائرة دائرة المرئيات، يقول لك أنا سافرت إلى بريطانيا، وإلى الهند ، وإلى مصر، هذه مرئياته، لكن يسمع بالأخبار مئات المدن، هنولولو مثلاً، يسمع بها فالمسموعات أكثر بكثير، أما الخواطر لا نهاية لها، دقق في الحديث:
(( أعْدَدْتُ لعباديَ الصالحين ما لا عين رأتْ ولا أذن سمعتْ، ولا خطَر على قلبِ بَشَرْ ))
هذا الإله العظيم الذي خلقنا لجنة عرضها السماوات والأرض ألا يخطب وده ؟ ألا ترجى جنته ؟ ألا تخشى ناره ؟.
لذلك أيها الأخوة، الله عز وجل شاءت حكمته أن نكون على خصائص في الدنيا لا تسمح لنا أن نرى الله، فهو باطن، وشاءت حكمته أيضاً أن يهبنا خصائص أخرى في الآخرة أن نرى الله.
إنسان دخل إلى بستان جميل، جميل جداً، لكن صاحب هذا البستان له وجه يأخذ بالألباب، فالنظر إلى وجه صاحب هذا البستان يفوق النظر إلى البستان، أما إذا قال لك صاحب هذا البستان: أهلاً وسهلاً ومرحباً، أنت ضيفنا العزيز، هذا التكريم والترحيب يفوق النظر إلى وجهه.
فصار في حسنى وهي الجنة، وفي زيادة وهي النظر إلى وجه الله الكريم، وفي ﴿ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾
من صدق الله استحق جنة عرضها السماوات و الأرض:
أيها الأخوة، الله عز وجل باطن لأنه احتجب بذاته عن أبصار الناظرين لحكمة أرادها من الخلائق أجمعين، من أجل الابتلاء، فكرة دقيقة جداً أرجو الله أن يمكنني أن أشرحها لكم:
لو فرضنا امرأة تمشي بأبهى زينة، وفي إنسان يحمل مسدس، يقول لإنسان آخر إن نظرت إليها أقتلك، هل ينظر إليها ؟ مستحيل ! أما امرأة تمشي بأبهى زينة وفي ناظر مؤمن بالله، معه نص فقط، يعني كلمات:
﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ﴾
( سورة النور الآية: 30 )
الشهوة محسوسة، ملموسة، أمام عينك، المرأة الجميلة، البيت الجميل ، المركبة الفارهة، الطعام الطيب، المال الوفير محسوس، تدركه بحواسك الخمس، أما الآخرة خبر.
﴿ وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى ﴾
( سورة الضحى )
لماذا يستحق المؤمن الجنة ؟ لأنه صدّق الله، أما أحاسيسه كلها في الدنيا، الدنيا خضرة نضرة، الدنيا محسوسة، أما الآخرة خبر، يفتح القرآن يقرأ قوله تعالى ﴿ وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى ﴾
صدق الله، لأنه صدق الله بالغيب لم يرَ الجنة، ولم يرَ النار، صدق فاستحق الجنة، الدليل قوله تعالى: ﴿ الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ﴾
( سورة البقرة )
أما لو وجد لكل معصية عقاب فوري لا أحد يعصي، لكن عدم المعصية ليست سمواً، ولا عبادة، ولا محبة، ولا شوقاً، ولا إقبالاً، بحكم الخوف. لا إكراه في الدين: لذلك الأقوياء يطاعون للخوف منهم، لكن الله أراد أن تكون طاعته عن محبة، أرادك أن تحبه، لذلك قال:
﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ﴾
( سورة البقرة الآية: 256 )
أرادك أن تأتيه طائعاً، أرادك أن تأتيه بمحض اختيارك، أراد أن تأتيه محباً ، أراد أن تكون العلاقة بينك وبينه علاقة محبة، هذه العلاقة ثمينة جداً، أما علاقة القهر لا قيمة لها.
لو شخص، معك حاجة ثمينة، شهر عليك مسدساً وقال: أعطني إياها، تعطيه إياها هل تشعر أنك عملت عملاً صالحاً ؟ أبداً، تحس أنك مقهور.
لو أن الله أجبر عباده على الطاعة لبطل الثواب، ولو أجبرهم على المعصية لبطل العقاب، لو أجبرهم على أفعالهم ألغيت الجنة والنار، والثواب والعقاب، ألغي كل شيء، ألغي التكليف، ألغيت الأمانة. بطولة الإنسان أن يأتي ربه مختاراً لا قسراً:
كل بطولة الإنسان أن جاء ربه مختاراً، بمحض اختياره جاء إلى هذا المسجد، بمحض اختياره صلى، بمحض اختياره غض بصره ، بمحض اختياره ضبط لسانه، بمحض اختياره ترك الحرام، أكل الحلال، كل قيمة عملك لأنك مخير، وكل قيمة عملك لأنك جئت الله مختاراً، لم تأتيه قسراً، الله عز وجل يقول:
﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا ﴾
( سورة السجدة الآية: 13 )
يعني يا عبادي لو أنني أريد أن ألغي اختياركم، لو أنني أريد أن ألغي تكليفكم ، لو أنني أريد أن ألغي حملكم للأمانة، لو أنني أريد أن تكون طاعتكم قسراً، لفعلت هذا ﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا ﴾
ولكن هذا الهدى الذي يأتي قسراً لا قيمة له.
بربكم، لو رئيس جامعة أجرى امتحاناً لطلاب جامعة، وزع أوراقاً مطبوع عليها طبعاً الإجابة الكاملة، مطبوع عليها العلامة التامة، مئة بالمئة، قيل للطالب اكتب اسمك واخرج كتب اسمه، النتائج 83 طالب ممتاز، هذا النجاح له قيمة ؟ له قيمة عند الطلاب ؟ عند الأولياء ؟ عند رئاسة الجامعة ؟ سقط الامتحان. منح الله سبحانه وتعالى رضاه لمن أحبه طوعاً لا كرهاً:
قيمتك عند الله أنك جئته مختاراً، باختيارك آمنت به، باختيارك أطعته باختيارك أحببته، لذلك الله عز وجل قال:
﴿ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾
( سورة المائدة الآية: 54 )
لخص علاقته بعباده بهاتين الكلمتين، ﴿ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾
من هنا الذي كفر به يطعمه ويسقيه، الكفار يأكلون، ويشربون، يسكنون البيوت الفخمة، يركبون المركبات الفارهة، معهم أموال طائلة، غارقون في ملذاتهم، لكن الله سبحانه وتعالى منح رضاه لمن أحبه طوعاً لا كرهاً، ما أرادك أن تأتيه كارهاً أبداً ﴿ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾
إذاً لو أن الله أجبر عباده على الطاعة لبطل الثواب، لو أجبرهم على المعصية لبطل العقاب، لو تركهم هملاً لكان عجزاً في القدرة، إن الله أمر عباده تخييراً، ونهاهم تحذيراً، وكلف يسيراً، ولم يكلف عسيراً، وأعطى على القليل كثيراً. احتجاب الله عز وجل عن رؤية عباده لامتحانهم:
أيها الأخوة، الله عز وجل باطن لا يُرى، لكن كل ما في الكون يدل عليه باطن لا يُرى،
﴿ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ ﴾
واحتجب عن رؤية عباده ليمتحنهم، سأوضح:
أنت صاحب محل تجاري، تفتح المحل بيدك صباحاً، وتجلس وراء الطاولة وأمام مكان للأموال، وعندك موظف، يا ترى هذا الموظف أمين أم خائن ؟ ما أتيح له أن يمتحن، أنت وراء الطاولة، دخلت أول داخل، وخرجت آخر خارج، والمفتاح بيدك والمال معك، يا ترى أمين أم خائن ؟ كلام ليس له معنى، لكن متى يمكن أن تمتحنه ؟ إذا خرجت من المحل إلى محل آخر وتراقبه من هذا المحل، هو الآن وحده، والمال بين يديه، أنت تراه هو لا يراك، راقبته ساعات طويلة لم يأخذ قرشاً من مكان المال، أما لو أنه خان وفتح مكان المال وأخذ مبلغاً، متى أتيح له أن يمتحن ؟ إذا تغافلت عنه، متى أتيح له أن يمتحن ؟ إذا غبت عنه، متى أتيح له أن يمتحن ؟ إذا توهم أنك لا تراه.
لذلك قال تعالى: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ﴾
( سورة إبراهيم الآية: 42 )
هو لا يغفل، لكن عباده يظنون يغفل. ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ﴾
( سورة إبراهيم )
كلمة احتجب عنا ليمتحننا، لولا أنه احتجب لما امتحننا، لو أن الله أرادنا أن نطيعه قسراً، أي إنسان يتكلم كلمة كذب يفقد نطقه، أي إنسان ينظر إلى امرأة لا تحل له يفقد بصره، الكل يطيعونه، طاعة قهر، طاعة القهر لا قيمة لها إطلاقاً، والأقوياء يطاعون ، الأقوياء ملكوا الرقاب، والأنبياء ملكوا القلوب، الأقوياء أخذوا ولم يعطوا، الأنبياء أعطوا ولم يأخذوا، الأقوياء عاش الناس لهم، والأنبياء عاشوا للناس، الأقوياء يمدحون في حضرتهم فقط، أما الأنبياء يمدحون في غيبتهم. الجنة ثمن من صدق و آمن بالغيب:
لماذا احتجب عن الأبصار ؟ ليمتحننا، لماذا احتجب عن الأبصار ؟ ليكون للجنة ثمن
﴿ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ﴾
على الشبكية الله لا يُرى، يمكن أن تأكل المال الحرام، يمكن أن تكذب، يمكن أن تأخذ ما ليس لك، هذا واقع معظم الناس، ما دام قوياً يأخذ ما ليس له الأخ الأكبر يأخذ كل الثروة، له أخوة صغار، وأخوات بنات، ما دام قوياً يأخذ كل شيء، هذه البطولة أن تصدق بالغيب، ﴿ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ﴾
أن تصدق أن الله سيحاسب وسيعاقب، ثمن إيمانك بالغيب، يعني الدنيا محسوسة، ملموسة، تراها بعينيك، ترى مركبة فارهة، ترى بيتاً جميلاً، ترى امرأة جميلة، ترى مالاً وفيراً، ترى طعاماً طيباً، ترى بعينيك، والآخرة خبر في القرآن، على الشبكية ما في غير الدنيا، الآن مشكلة الإنسان يرى الأشياء الجميلة، يضحي من أجلها بكل شيء، ثم يكتشف أنه كان على خطأ كبير. العقل أداة أولى في معرفة الله عز وجل:
أيها الأخوة الكرام، الشيء إذا ظهرت عينه وآثاره تراه بعينيك، أما إذا غابت عينه، وبقيت آثاره تراه بعقلك، الله عز وجل احتجب عنا، لكن الكون كله يشير إليه إذاً العقل أداة أولى في معرفة الله عز وجل.
وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد
* * *
أما إذا غابت ذات الشيء وآثاره لا سبيل إلى معرفته إلا بالخبر الصادق، صار عندنا طريق المعرفة الحواس، وطريق المعرفة العقلية العقل، وطريق الشيء إذا غابت عينه وآثاره الخبر الصادق.
السعيد
08-26-2018, 07:48 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الحادى و الثمانون )
الموضوع : اسم الله - الباطن - 2 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
من أسماء الله الحسنى: (الباطن):
أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في اسم "الباطن" ، الله جلّ جلاله باطن لأنه احتجب عن خلقه من أجل الابتلاء، الدنيا محسوسة، لكن حقائق الدين خبر في القرآن الكريم، الدنيا محسوسة، والآخرة أخبر الله عنها، فالذي يؤمن بالغيب أي يؤمن بما أخبر الله يستحق جنة الله، لذلك قال تعالى هو:
﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾
( سورة الملك الآية: 2 )
على شبكية العين ترى المرأة الجميلة، ترى البيت الرائع، لكن بالعقل تدرك أن هذه الدنيا زائلة، وأن نهاية كل إنسان الموت، وأن بعد الموت حياة أبدية، فالذي يؤمن بالغيب يستحق عطاء الله عز وجل. الله جلّ جلاله باطن احتجب عن خلقه من أجل الابتلاء :
لذلك الله عز وجل باطن احتجب عن خلقه ابتلاءً لهم هو
﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾
لذلك جاءت الآية الكريمة:
﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ﴾
( سورة إبراهيم الآية: 42 )
في بعض الحالات، وفي أحيان كثيرة يبدو أن الله غافل، يبدو، فجاء النهي الإلهي ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ﴾
﴿ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ﴾
( سورة إبراهيم )
إذاً الله عز وجل أحياناً ظاهر، أحياناً الكافر يقول: لا إله إلا الله، وأحياناً الله يحتجب عن عباده، فلذلك إذا احتجب من أجل أن يمتحنهم. الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً: بالآية ملمحان:
1 ـ الإنسان بالدنيا أمام خيارات كثيرة أما عند الموت هو بين خيارين اثنين لا ثالث لهما:
هو
﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾
يوجد بالآية ملمحان دقيقان، بدأ بالموت، الإنسان حينما يولد أمام خيارات لا تعدّ ولا تحصى، قد يكون تاجراً، قد يكون عالماً، قد يكون ضابطاً، قد يكون طياراً، قد يكون مزارعاً، أما حينما يأتيه ملك الموت هو بين خيارين اثنين لا ثالث لهما:
(( فوالذي نفس محمد بيده ما بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار ))
[الجامع الصغير]
لأن الموت وراءه في خيارين فقط، لذلك خطير جداً، ﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾
2 ـ امتحان الله عز وجل للإنسان من أجل التفاوت بين الناجحين فقط:
الملمح الثاني: هو الامتحان لا من أجل أن يُعرف الناجح من غير الناجح المفروض أن الجميع ناجح، أما الامتحان من أجل التفاوت بين الناجحين، هناك أدلة دقيقة وكثيرة ولا متناهية تدل على الله، فالمفروض أن ينجح جميع الخلق، لكن الامتحان من أجل التفاوت بين الناجحين فقط،
﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾
لكن في الآخرة يُكشف هذا الحجاب إكراماً لعباده، قال تعالى: ﴿ لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ﴾
( سورة ق )
عدم رؤية الله عز وجل في الدنيا و رؤيته في الآخرة جزاءً و إكراماً:
أيها الأخوة، الله عز وجل لا يُرى في الدنيا.
﴿ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ ﴾
( سورة الأنعام الآية: 103 )
ابتلاء، وسوف يُرى في الآخرة، جزاءً وإكراماً. ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾
( سورة القيامة )
الله عز وجل ظاهر، في الزلازل مثلاً هذا من فعل الله مباشرة، في الأعاصير، في الأمطار، أحياناً في الرخاء، في خيرات الأرض، في الأمطار الغزيرة، في النبات الغزير الله عز وجل ظاهر، لكن أحياناً يكون الله باطناً، في الحروب ترى جيشاً يحارب، إنساناً يقتل، جيشاً يجتاح، قوة قاهرة تغتصب، تنهب الثروات، تذل الناس، ففي أفعال يبدو فيها الله ظاهراً.
يعني طفل وقع من الشرفة فنزل ميتاً، والد هذا الطفل يحقد على من ؟ لا يوجد إنسان سبّب هذا الموت، أما إذا سائق دهس الطفل أمام الأب خصم، أمام الأب إنسان كان سبب موت هذا الطفل، الأولى فعل الله واضح تماماً، أما الثانية في إنسان جاء هذا الفعل على يده. أفعال الله واضحة يراها المؤمن و غير المؤمن:
أحياناً كثيرة جداً الله عز وجل ظاهر، بل يراه المنحرفون، يراه الشاردون يقول: لا إله إلا الله.
مرة جاءت عاصفة أتلفت ألف و خمسمئة بيت زراعي، يقول لي أحد الأخوة الكرام في أثناء جولته في المنطقة التي أتلفت فيها هذه البيوت، قال لي: عجيب ! التقينا مع أناس من كل الأطياف، كلهم يقول: صاحب البيت السيئ هو الذي دُمر بيته، حتى في بيتين متلاصقين لأخوين الأول صالح، والثاني طالح.
أحياناً كثيرة جداً الله ظاهر، يراه المؤمن وغير المؤمن، يراه الشارد، يراه الغافل، يراه العاصي، فعل الله واضح، وأحياناً ترى إنساناً قوياً، ترى طاغيةً، ترى جباراً يفعل ما يقول، يتفنن بإذلال الناس، بنهب ثرواتهم، بقتل شبابهم.
البطولة لا أن ترى الله ظاهراً، المؤمن وغير المؤمن حينما يظهر الله آياته تراه ظاهراً، المؤمن وغير المؤمن، لكن البطولة حينما يكون الله باطناً، الظاهر قوة غاشمة طاغية، إنسان أداة حرب، هتلر دمّر خمسين مليون إنسان قتل، فالبطولة عند الشدة التي تأتي على يد إنسان أن ترى الله وراءه، أن ترى الله سمح له، أن ترى الله سمح له لحكمة بالغة.
كل شيء وقع أراده الله لكن المؤمن يرى يد الله فوق أيدي الناس:
لذلك أيها الأخوة:
﴿ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى ﴾
( سورة الأنفال الآية: 18 )
﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾
( سورة الفتح الآية: 10 )
الله باطن، لكن المؤمن يرى يد الله فوق أيديهم، المؤمن يرى ﴿ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى ﴾
الآن في آية واضحة جداً: ﴿ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ ﴾
( سورة الأنعام الآية: 65 )
هذه الصواعق، والآن الصواريخ. ﴿ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ ﴾
( سورة الأنعام الآية: 65 )
هذه الزلازل، أو الألغام، أما الثالثة: ﴿ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ﴾
( سورة الأنعام الآية: 65 )
هذا قهر الإنسان، قهر الإنسان أصعب من الزلزال، أصعب من الفيضان ، أصعب من الصاعقة، إنسان يتفنن في الإذلال. ﴿ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ﴾
( سورة النمل )
﴿ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً ﴾
هذه الحروب الطائفية ﴿ وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ﴾
كل شيء وقع أراده الله، لا يليق أن يقع في ملك الله ما لا يريد، لا يقبل، ولا يعقل أن يقع في ملك الله ما لا يريد. تعلق إرادة الله بالحكمة المطلقة:
إذاً كل شيء وقع لأنه وقع أراده الله، أي سمح به فقط، العلماء لهم قول رائع: أراد ولم يأمر، أراد ولم يرضَ، معنى أراد في القرآن تعني أنه سمح فقط، سمح لهذا القوي أن يفعل ما يفعل، لكن الله لم يأمره بذلك، والله عز وجل لم يرضَ عنه بهذا العمل، لكن لحكمة بالغة بالغةٍ بالغة سمح له، إذاً كل شيء وقع أراده الله، وكل شيء أراده الله وقع، افهم هذه الحقيقة على طريقتين الذي أراده الله وقع.
﴿ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلَا مَرَدَّ لَهُ ﴾
( سورة الرعد الآية: 11 )
وكل شيء أراده الله وقع، قال: وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، أي أن كل شيء وقع لو لم يقع لكان الله ملوماً يوم القيامة. ﴿ وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾
( سورة القصص )
إذاً كل شيء وقع أراده الله، وكل شيء أراده الله وقع، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، والحكمة المطلقة متعلقة بالخير المطلق. من يؤمن بالله و يعرفه يصبر على ما أصابه:
الآن أيها الأخوة، في آيتين الأولى:
﴿ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾
( سورة لقمان )
إذا طفل صغير على كرسي طبيب الأسنان، لا يحتمل الألم، يصرخ، يبكي قد يمسك يد الطبيب، قد يحرك يديه ورجليه، قد يُتعب الطبيب كثيراً، لأنه لا يعلم أن هذا الألم مؤقت ولصالحه، أما الكبير الراشد يتألم، لكنه يتماسك، يضغط على أسنانه، لأنه يعلم علم اليقين أنه جاء إلى الطبيب باختياره، وسيعطيه أجر هذا الألم، لأنه هذا الألم لمصلحته.
فالذي يصبر يعرف الله ﴿ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾
لكن في آية أخرى فيها تعديل:
﴿ وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ ﴾
( سورة الشورى الآية: 43 )
الأول: ﴿ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾
الآية الثانية: ﴿ وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾
( سورة الشورى )
هذه لام المزحلقة، هي لام التأكيد، زُحلقت من المبتدأ إلى الخبر، لصبرك على ما أصابك من عزم الأمور، فزحلقت من الخبر ﴿ وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾
هذه ﴿ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾
أصبحت ﴿ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾
لماذا ؟ الآية الأولى هي القضاء والقدر الذي يأتي من الله مباشرة ﴿ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾
أما الآية الثانية للقضاء والقدر الذي يأتي على يد إنسان ﴿ وَلَمَنْ صَبَرَ ﴾
على قضاء الله وقدره ﴿ وَغَفَرَ ﴾
لمن هذا الذي سبب هذا القضاء والقدر ﴿ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾
يحتاج إلى إيمان أقوى. التوحيد يلغي الحقد من نفس المؤمن:
لذلك أيها الأخوة، البطولة لا أن تراه الظاهر، فالكل يراه ظاهراً، حتى الغافلون، حتى الشاردون، لكن بطولتك كمؤمن أن تراه "الباطن" أن ترى يد الله فوق أيديهم، أن ترى أن يد الله تعمل وحدها، أن ترى أن كل شيء وقع أراده الله.
أريد أن أضرب مثلاً لكن دقيق جداً: إنسان يعمل في تجارة الأقمشة، عنده موظف اختلف معه وطرده، هذا الموظف يعرف أسرار هذا المحل التجاري، فأبلغ الجهات المسؤولة عن مخالفة جمركية كبيرة جداً، فجاءت هذه الضابطة الجمركية وأوقعت في هذا التاجر خسارة تقترب من معظم رأسماله، هذا التاجر من شدة ألمه من هذا الموظف عنده مسدس أطلق عليه النار فأرداه قتيلاً، حكم ثلاثين عاماً، تحليل القصة: لو أن هذا التاجر يعرف الله تماماً وفعل معه هذا الموظف ما فعل، لعلم أن الله سمح له، الله باطن سمح له، لأن علاقته مع الله في هذا الموضوع، لا يحقد عليه، لكن يراجع حساباته مع الله.
دققوا: التوحيد مهمته ألا تحقد، ما دام الله سمح لهذا القوي أن يفعل بي ما فعل معنى الله عز وجل سمح له، والله حكيم، وعادل، ورحيم، ولأفعاله حكمة ما بعدها حكمة، لو أن الإنسان رأى الله باطناً في هذا الحدث المؤلم الذي سببه إنسان لك فشفيت من الحقد عليه وراجعت نفسك، ليس هذا أن لا تأخذ بحقك إطلاقاً، لكن التوحيد يلغي الحقد، لأنه:
﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ ﴾
( سورة الشورى )
لكن ما في حقد، ما أشرك، ما رأى أن هذا الإنسان دمره، يرى أن الله لحكمة بالغةٍ بالغة بالغة سمح له أن يفعل ما فعل، علاقته مع الله، يتصرف بحكمة مع هذا الإنسان لكن لا يحقد.
لذلك أيام التوحيد يحل مشكلة كبيرة جداً، والشرك يسبب مشكلة كبيرة جداً التوحيد يحل مشكلة، والشرك يسبب مشكلة. ﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ﴾
( سورة يوسف )
لا يخافن العبد إلا ذنبه، ولا يرجون إلا ربه:
لذلك سيدنا هود خاطب قومه فقال:
﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا ﴾
( سورة هود )
في وحوش مخيفة، في طغاة، في جبارين، مرة سعيد بن المسيب، قال له الحجاج: سأقتلك، قال له: والله لو علمت أن حياتي بيدك لعبدتك من دون الله.
أيها الأخوة، هذا سيدنا هود ﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ﴾
سيدنا إبراهيم دققوا:
﴿ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ ﴾
( سورة الأنعام الآية: 80 )
أنا لا أخاف هؤلاء الشركاء الأقوياء. ﴿ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً ﴾
( سورة الأنعام الآية: 80 )
إلا إذا سمح الله له، موقفك العلمي في جهة قوية ظالمة، علاقتك مع الله، لكنك مؤمن لو أنك أذنبت مع الله قد يسمح الله له أن يصل إليك، علاقتك مع الله، لذلك لا يخافن العبد إلا ذنبه، لا تخاف من قوي، ولا من جبار، ولا من طاغية، خاف ذنبك الذي يكون سبباً لوصول هذا القوي إليك، لا يخافن العبد إلا ذنبه، ولا يرجون إلا ربه، ﴿ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً ﴾
﴿ وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً ﴾
( سورة الأنعام الآية: 80 )
ظلم الأقوياء نقمة الله:
من هنا الإمام الحسن البصري قال: ظلم الأقوياء نقمة الله، ونقم الله تردّ بالصلح معه أولاً، ثم بالمقاومة ثانياً، لذلك الله يعلم.
﴿ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا ﴾
( سورة الأنعام الآية: 59 )
والله قادر على كل شيء قدير.
﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ ﴾
( سورة الزخرف الآية: 84 )
ولا يقع في ملكه إلا ما يريد، لكن خطة الله تستوعب خطة الأقوياء، يتحركون بخطة من عند الله، لحكمة بالغةٍ بالغة، يعني بشكل أو بآخر الأقوياء عصي بيد الله.
الآن في إنسان عاقل يتلقى ضربة بعصا يحقد على العصا ؟ يكون أحمقاً، الألم لا من العصا، هذه أداة، لكن يتألم ممن أمسك بالعصا وضرب، فإذا كان الفاعل هو الله، هو الحكيم، هو الرحيم، هو العليم، هو العدل، فأنت تراجع نفسك بعدئذٍ.
مرة سألوا تيمور لنك من أنت ؟ سبحان الله ! أجاب إجابة رائعة، قال: أنا غضب الرب، الإنسان يغضب يرفع صوته، يغضب يكسر، يغضب يدفع الباب بعنف، فإذا غضب الله عز وجل يرسل تيمور لنك، من أنت ؟ قال له: أنا غضب الرب. فعل الله عز وجل هو النافذ في أي زمان و مكان:
الله عز وجل باطن، هذا امتحان صعب جداً، ونحن فيه الآن، أنا ركزت على هذا، نحن في هذا الامتحان الآن، على الشبكية في أقوياء، في قرار يتخذ بالحصار الاقتصادي، في قرار يتخذ باجتياح، بإلقاء القنابل، بضرب المدن، نحن في هذا الامتحان الصعب، فالله سبحانه وتعالى باطن، في أحيان كثيرة لكن فعله هو النافذ، الدليل:
﴿ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ﴾
( سورة هود )
﴿ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾
( سورة يوسف )
والآية الدقيقة: ﴿ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾
( سورة البقرة الآية: 216 )
على الإنسان ألا يقيّم أي جهة في الأرض إلا إذا ضمت الآخرة إلى الدنيا:
تطبيقات هذا الاسم: عود نفسك أن تتجاوز الصورة إلى الحقيقة، لو دخلت لبيت لا سمح الله ولا قدر تاجر مخدرات، سبعمئة متر، بموقع رائع، بأثاث يصعب وصفه ودخلت لبيت موظف مستقيم، مؤمن، طاهر، 45 متراً، بأثاث متواضع، ببيت رخيص عود نفسك أن تحترم صاحب هذا البيت المتواضع لأنه مستقيم، ما بنى مجده على أنقاض الناس، عود نفسك تحتقر تاجر المخدرات، مع هذا البيت العظيم، لأن هذا البيت بني على تدمير الأسر، كل أسرة فيها شاب وقع في المخدرات دُمرت، عود نفسك تتجاوز الصورة الظاهرة، بالسبعينات بنوا كازينو كلفة الصالة الواحدة فيه خمسين مليون دولار، بالسبعينات وجامعة دمشق، بناء قديم، من عهد الفرنسيين، متداعٍ، جامعة دمشق تخرج علماء، أطباء، مدرسين، مهندسين، محامين، تخرج قادة للأمة، أما ذاك الكازينو ماذا يخرج ؟ منتحرين.
عود نفسك أن تتجاوز الصورة الظاهرة إلى حقيقتها، لذلك لا تقيّم جهة في الأرض إلا إذا ضممت الآخرة إلى الدنيا، في مطاعم خمس نجوم، في خمر، ونساء كاسيات عاريات، مطعم متواضع جداً لكن صاحبه مؤمن، لا يلحق مصروفه، عود نفسك أن تضيف الآخرة إلى الدنيا، ثم وازن، الغنى والفقر بعد العرض على الله، بأي تقييم تقيّم إنساناً، تقيّم جهة، تقيم شركة، تقيّم مشروعاً تجارياً، تقيّم شيئاً مع آخرته.
العاقل من قيّم الآخرين تقييماً حقيقياً لا تقييماً ظاهرياً:
لذلك قارون:
﴿ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ * فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ ﴾
( سورة القصص )
عود نفسك تقيّم تقييماً حقيقياً لا تقييماً ظاهرياً، قال تعالى: ﴿ فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾
( سورة التوبة الآية: 55 )
قيّم تقييماً حقيقياً، احترم إنساناً دخله شرعي، وحجمه متواضع جداً، ولا تحترم إنساناً دخله غير شرعي وظالم. المؤمن يشهد المنعم و غير المؤمن يشهد النعمة:
لذلك أيها الأخوة، غير المؤمن يشهد النعمة، لكن المؤمن يشهد المنعم، هذا الفرق الواضح الصارخ، بين مؤمن، وبين غير المؤمن، المؤمن يشهد المنعم لكن غير المؤمن يشهد النعمة.
(( قال: يا ربي أي عبادك أحبّ إليك حتى أحبه بحبك ؟ قال: أحبّ عبادي إليّ تقي القلب، نقي اليدين، لا يمشي إلى أحد بسوء، أحبني، وأحبّ من أحبني، وحببني إلى خلقي، قال: يا رب إنك تعلم أني أحبك، وأحبّ من يحبك، فكيف أُحببك إلى خلقك ؟ قال: ذكرهم بآلائي، ونعمائي، وبلائي ))
[ورد في الأثر]
مرة قال لي شخص: ماذا رأيت في الغرب ؟ قلت له: على الشبكية جنة، إذا في بالأرض جنة هناك لكن على الشبكية فقط، أما على الدماغ شيء آخر، إباحية، تفلت زنا.
زرت مدينة من أجمل مدن العالم بأمريكا 75 % من سكانها شاذون جنسياً بطولتك أن ترى الحقيقة، أن ترى إنساناً يعمل لأخرته، مستقيماً على أمره، هذا اسم الله الظاهر والباطن، يكون ظاهراً أحياناً، ويكون باطناً أحياناً، ونحن في أصعب الامتحانات الآن.
السعيد
08-26-2018, 07:51 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الثانى و الثمانون )
الموضوع : اسم الله - الظاهر - 1 -
حمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: ( الظاهر):
أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "الظاهر".
ورود اسم الظاهر في القرآن الكريم و السنة الشريفة:
هذا الاسم ورد في القرآن الكريم مقترناً بالاسمين الأول والآخر في قوله تعالى:
﴿ هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾
( سورة الحديد )
وقد ورد أيضاً في السنة الصحيحة، في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم:
(( اللهم وأنت الظاهر فليس فوقك ))
[ أخرجه أبو يعلى عن عائشة أم المؤمنين ]
معاني الظاهر في اللغة :
1 ـ العلو و الارتفاع:
معاني الظاهر في اللغة: الظاهر ؛ اسم فاعل لمن اتصف بالظهور، والظهور العلو والارتفاع، قال تعالى:
﴿ فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْباً ﴾
( سورة الكهف )
أي ما استطاعوا أن يعلو عليه لارتفاعه. 2 ـ الغلبة و النصر:
و "الظاهر" من الغلبة، والنصر.
﴿ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ ﴾
( سورة الصف )
3 ـ السند و الدعم:
و "الظاهر" من السند والدعم، يقول عليه الصلاة والسلام:
(( خَيْرُ الصَّدَقَةِ ما كان عن ظَهْرِ غِنى ))
[أخرجه البخاري وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة ]
يعني تتصدق وأنت غني، لأن الله عز وجل يقول: ﴿ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ﴾
( سورة البقرة الآية: 195 )
قال علماء التفسير: تلقون بأيديكم إلى التهلكة إذا أنفقتم كل أموالكم، وتلقون بأيديكم إلى التهلكة إن لم تنفقوا شيئاً. ﴿ وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً ﴾
( سورة الإسراء )
4 ـ البيان وظهور الشيء الخفي:
والظهور ؛ البيان وبدو الشيء الخفي، الظهر ما غاب عنك، نقول هذا الإنسان الصالح يقرأ القرآن عن ظهر قلب، أي لا ينظر في المصحف.
5 ـ المعاونة:
والمظاهرة المعاونة.
﴿ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ ﴾
( سورة الممتحنة الآية: 9 )
أعانوا على إخراجكم، هذه معاني الظهور. انفراد الله عز وجل بعلو الذات و الغلبة و القهرية:
أما إذا قلنا الله جل جلاله هو "الظاهر" فهو المنفرد بعلو الذات والفوقية، وعلو الغلبة والقهرية، وعلو الشأن وانتفاء الشديد والمثلية، هو "الظاهر" في كل معاني الكمال، هو المبين لحججه الباهرة وبراهينه الظاهرة.
﴿ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً ﴾
( سورة الطلاق )
ظاهراً وباطناً، ظهر فوق كل شيء، وعلا عليه، و "الظاهر" هو الذي عُرف بالاستدلال العقلي، بما ظهر من آثار أفعاله وصفاته. وقوع ضعاف الإيمان في اليأس لتوهمهم أن الإسلام قد انتهى:
لكن أيها الأخوة الكرام، لله عز وجل امتحان صعب جداً، سُئل الإمام الشافعي: ندعو الله بالابتلاء، أم بالتمكين؟ فقال: لن تمنكن قبل أن تبتلى.
لذلك من امتحانات الله الصعبة المسلمون اليوم تحت طائلة هذا الامتحان، أنه يقوي الأعداء، يقويهم، إلى أن يفعلوا ما يقولون، إلى أن يتوهم ضيف الإيمان ويقول أين الله؟ هذا امتحان صعب جداً.
لذلك ضعاف الإيمان وقعوا في الإحباط، وقعوا في اليأس، توهموا أن الإسلام قد انتهى، لأن الأرض كلها تحارب الإسلام، في كل مكان وزمان، هذا امتحان صعب جداً.
﴿ إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً ﴾
( سورة الأحزاب )
إظهار الله عز وجل آياته بعد موقف ضعاف النفوس من الإسلام:
أيها الأخوة الكرام، الآن موقف ضعاف الإيمان، قال بعض من كان مع رسول الله: أيعدنا صاحبكم أن تفتح علينا بلاد قيصر وكسرى، وأحدنا لا يأمن أن يقضي حاجته ما قال رسول الله: قال صاحبكم، لأنه رأى أن هذا الذي جاء به النبي ليس حقيقياً.
أيها الأخوة الكرام
﴿ هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً ﴾
﴿ وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً ﴾
( سورة الأحزاب )
الآية الدقيقة أن الله عز وجل بعد هذا الإحباط، وبعد هذا اليأس، وبعد هذا القلق والشك يظهر آياته، وهو "الظاهر" يظهر آياته حتى يقول الكافر: لا إله إلا الله، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يمد في أعمارنا جميعاً حتى نرى هذه الحقيقة. الحكمة من تقوية المؤمنين مرة و الكافرين مرة أخرى:
أيها الأخوة الكرام، الحكمة من أن الكفار في حين من الأحيان يقويهم الله عز وجل، وفي حين آخر يقوي المؤمنين، قال تعالى:
﴿ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 140 )
لو أن الله مكّن الأعداء إلى أبد الآبدين، لوقع اليأس في صفوف المؤمنين ولو أنه قوى المؤمنين إلى أبد الآبدين ظهر النفاق في الأرض، ﴿ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ﴾
مرة يقوى المؤمنين وينافق أهل الأرض لهم، ومرة يقوى الكفار والمجرمون وينافق أهل الأرض لهم، ﴿ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ﴾
الحوادث التي تبين أن الله ظاهر لا تعد ولا تحصى منها:
1 ـ قصة سيدنا يونس و نجاته من بطن الحوت:
الله عز وجل "الظاهر" طيف ؟ أحياناً يكون الأمل صفر، لا أقول 1%، صفر إنسان يجد نفسه فجأة في بطن حوت، والإنسان لقمة واحدة في طعام الحوت، وجبته المعتدلة أربعة طن، الإنسان 80 كغ لقمة واحدة، وجد سيدنا يونس نفسه في بطن حوت، في ظلمة بطن الحوت، وفي ظلمة البحر، وفي ظلمة الليل.
﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾
( سورة الأنبياء )
يمتحن لكن أحياناً يستجيب لك فيقول الكافر: لا إله إلا الله. 2 ـ سيدنا موسى و نجاته من فرعون:
سيدنا موسى مع شرذمة من بني إسرائيل كما جاء في الآية، هؤلاء شرذمة قليلون، أمامهم البحر، وراءهم فرعون، بقوته، بأسلحته، بحقده، بجبروته.
﴿ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ﴾
( سورة الشعراء )
ما في أمل، بالمنطق، بالواقع، بالأدلة، بالفطرة، ما في أمل، قال: ﴿ قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾
( سورة الشعراء )
ضرب البحر بعصاه، فأصبح الطريق طريقاً يبساً، إذاً ظاهر الله عز وجل في هذه القصة لمن ؟ لنا، حتى لا نيأس، سيدنا يونس القصة لمن ؟ لنا، حتى لا نيأس ﴿ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾
3 ـ سيدنا إبراهيم و نجاته من النار:
سيدنا إبراهيم، الله عز وجل سمح أن يقبضوا عليه، وكان بالإمكان أن يصلوا إليه، وسمح أن يحاكموه، وسمح أن يتخذوا قراراً بإحراقه، وجمعوا ناراً عظيمة، وألقوه في النار، الله عز وجل "الظاهر":
﴿ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﴾
( سورة الأنبياء )
دققوا: ﴿ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﴾
لو أن الله قال كوني برداً لمات من البرد، لو أنه قال: كوني سلاماً لانتهى مفعول النار إلى أبد الآبدين، قال: ﴿ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﴾
فقط، وحده، الله "الظاهر" أظهر آياته. رسائل الله عز وجل إلى أهل الأرض:
أيها الأخوة، الحوادث التي تبين أن الله ظاهر لا تعد ولا تحصى، صار في زلزال في تركيا، في مركز الزلزال في مدينة إزميت بالتاء، غير إزمير، كل شيء على الأرض أنقاض الأبنية أصبحت مهشمة تهشيماً بحي لا يزيد ارتفاع الأنقاض عن أربعين سنتيمتر، عدا مسجد، ومعهد شرعي، لم يصب بأذى، البي بي سي عرضت هذه الصورة تركت هذه الصورة اضطراباً في العالم، بمركز الزلزال كل شيء على الأرض، الصورة عندي، وعرضتها في المسجد، أما هذا المسجد، وهذا المعهد الشرعي لم يمس بأذى، الله ظاهر.
باخرة صنعت في عام 1912 اسمها التاي تنك، هذه الباخرة صممت بجدارين وبين الجدارين قواطع، بحيث لو خُرق الجدار الخارجي أغلقت القواطع فنجت السفينة من الغرق، لذلك صانعو هذه السفينة أصدروا نشرة كتبوا فيها: إن القدر لا يستطيع إغراق هذه السفينة، وفي أول رحلة لها من لندن إلى بوسطن، وعليها نخبة أغنياء العالم، بل إن قيمة الحلي والألماس في نساء هؤلاء تبلغ المليارات، وهذه الباخرة لم يصنع فيها قوارب نجاة لأن القدر لا يستطيع إغراقها، وفي أول رحلة لها ارتطمت بجبل ثلجي شطرها شطرين فأرسلت الاستغاثات، فظن من حولها أنهم يحتفلون بهذه الرحلة، ومات جميع ركابها، فقال بعض القساوسة في بريطانية: إن غرق هذه السفينة رسالة من الله لأهل الأرض، الله عز وجل "الظاهر".
الله عز وجل ظاهر على كل شيء:
أيها الأخوة، في أي تجمع بشري في شخص قوي، في جامعة، في مستشفى، في وزارة، في دائرة، في أي تجمع بشري، هناك رجل قوي، إما أن يكون ظاهراً، أو أن يكون غير ظاهر، لكن في إنسان بيده القرار يسمى اليوم صانع القرار، فالله عز وجل أحياناً ظاهر ظهور الشمس، وأحياناً الظاهر أقوياء، وطغاة، لكن الله من ورائهم محيط.
﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾
( سورة الفتح الآية: 10 )
قالوا: ظهرت على سره، أي ؛ اطلعت على سره، فالله ظاهر يعني يعلم السر وأخفى، يعلم ما أسررت، وما أعلنت، وما خفي، علم ما كان، وعلم ما يكون، وعلم ما سيكون، وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون. كل شيء في الكون يدل على الله:
أيها الأخوة، كل شيء يدل عليه، وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد إذاً فهو ظاهر.
شخص سأل الإمام علي رضي الله عنه: متى كان الله ؟ فقال له: ومتى لم يكن ؟.
هو ظاهر، شخص سأل رجلاً من أهل القلوب، قال: ألا تشتاق إلى الله ؟ قال له: لا والله، قال له: كيف ؟! قال له: متى غاب حتى أشتاق إليه ؟.
ظاهر، وبحياة كل واحد منا، من بين كل مئة قصة في قصة واحدة يبدو فعل الله صارخاً، تأييد الله، حفظ الله أحياناً، حفظ إلهي، تأييد، يقوي المؤمنين.
أيها الأخوة، في طائرة احترقت فوق جبال الألب، ومع احتراقها انشطرت مكان انشطارها راكب وقع، وقع من ارتفاع 43 ألف قدم، نزل فوق غابة من غابات جبال الألب وفوق الغابة في خمسة أمتار ثلج، هذه الخمسة أمتار مع أغصان الأشجار، كانت كماصات الصدمة، فنزل واقفاً، قصة مشهورة قرأتها.
وإذا العناية لاحظتك جفونه ا نم فالمخاوف كلهن أمان
* * *
الله عز وجل فعال و موجود و بيده كل شيء:
قصص كثيرة في حياة كل واحد منا، تنبئ أن الله ظاهر، في طائرة باكستانية انطلقت من الرياض إلى الباكستان، فوق الخليج نافذة تعطلت بها فخرقها الهواء، طائرة مضغوطة بالهواء 8 أضعاف، حتى يكون الضغط الجوي على ارتفاع أربعين خمسين ألف قدم كالضغط الجوي على الأرض، تحقن الطائرة بـ8 أضعاف حجمها من الهواء، ففي ضغط عال جداً فوق، فلما خُرقت بعض نوافذها إنسانة على حضنها رضيعان خرجا من النافذة من شدة الضغط، في أمل ؟ على ارتفاع خمسين ألف قدم رضيعان صغيران نزلا إلى جانب صياد، فالماء امتص الصدمة، والصياد انطلق إلى الماء وأخرج الطفلين، وبعد اتصالات مديدة أُعلمت السفارة الباكستانية في الخليج أن هناك طفلين سليمين أخبروا أمهما.
يعني الله عز وجل ظاهر، أنت حينما تؤمن أن الله موجود، وفعال، وبيده كل شيء، لا تيأس.
أعرف رجلاً مدرساً أصيب بمرض عضال في رئتيه، والأطباء الذين عالجوه أصدقائي، المرض الخبيث من الدرجة الخامسة، وقال له الطبيب أمامي: في احتمال واحد أن تذهب إلى أمريكا لزرع رئة، والعملية تكلف ما يساوي ثمن بيته الذي اشتراه لتوه، بيت فخم جداً اشتراه، والأمل بالـ% 30، والقصة من ثلاث و عشرين سنة، وشفاه الله شفاءً ذاتياً دون أن يذهب، ودون أن يجري عملية، والرجل لا يزال حياً يرزق، الله عز وجل ظاهر، في أحداث لا تفسر، إلا أن الله بذاته العلية أحدث هذا الحدث. الله عز وجل ظاهر يظهر آياته دائماً بأدنى سبب:
فيا أيها الأخوة الكرام، قصص كثيرة، الإنسان وصل إلى القمر، نقل الصورة عبر الأقمار، غاص في أعماق البحار، صنع الطائرات، صنع الجوال، صنع الكمبيوتر ، صنع كل شيء، بلغ درجة من التقدم مذهلة، الإنسان مع كل هذا العلم، ومع كل هذا التفوق ومع كل هذا العلو في الأرض، والتأله، لا يستطيع أن يتنبأ بالزلزال قبل ثانية من وقوعه بينما الدواب تتنبأ بالزلزال قبل عشرين دقيقة، لحكمة بالغة، البهائم ! لذلك في زلزل تسونامي في قرية رأت البهائم تعدو سريعاً، فقلدتها فنجت، في قرية واحدة في أثناء زلزال تسونامي رأت البهائم قبل فترة طويلة، ما كان في شيء إطلاقاً تعدو سريعاً، فقلدتها ونجت.
أيها الأخوة الكرام، تروي الروايات: أن فرعون رأى في منامه أن طفلاً من بني إسرائيل سيقضي عليه، اتخذ قراراً ببساطة بالغة بذبح أبناء بني إسرائيل من دون استثناء وأية مولدة لا تخبر عن وليد ذكر تقتل مكانه، وانتهى الأمر، قوي، جبار، طاغية.
بالمناسبة لكل عصر طاغية، الذي حصل أن الطفل الذي سيقضي عليه رباه في قصره.
﴿ فَالْتَقَطَهُ آَلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً ﴾
( سورة القصص الآية: 8 )
الله عز وجل ظاهر، يعني ينصر بأدنى سبب، بخيوط العنكبوت حفظ هذه الرسالة حتى الآن، ويهزم على أدنى سبب.
أعرف رجلاً قوياً، غنياً، له شبكة علاقات مذهلة، الأمور كلها ميسرة في ريعان شبابه، في أوج قوته، في أوج علاقاته، لسبب صغير جداً في بيته أصيب بحادث أودى به، الله عز وجل ظاهر، يظهر آياته. من هان أمر الله عليه هان على الله:
لذلك قال بعضهم: عرفت الله من نقض العزائم، أنت تريد، وأنا أريد، والله يفعل ما يريد.
(( ابن آدم كن لي كما أريد، أكن لك كما تريد، ابن آدم أنت تريد وأنا أريد فإذا سلمت لي ما أريد كفيتك ما تريد، وإن لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد، ثم لا يكون إلا ما أريد ))
[ورد في الأثر]
الله عز وجل ظاهر، أيها الأخوة، سيدنا خالد بن الوليد واجه ثلاثمئة جندي من جنود الأعداء، وكان عدد جنوده 30 ألف، 30 أمام 300، فأرسل إلى سيدنا الصديق يطلب النجدة والمدد، طلب منه خمسين ألفاً، خمسين وثلاثين ثمانين، مقابل ثلاثمئة، الذي حصل أن سيدنا الصديق أرسل له القعقاع بن عمر، فلما وصل إليه قال له: أين المدد ؟ قال له: أنا المدد، صعق ! قال له: أنت ؟ قال له: أنا، معه كتاب قرأه، يقول بالكتاب سيدنا الصديق: والذي بعث محمداً بالحق إن جيشاً فيه القعقاع لا يهزم.
لما طبقت الأمة الإسلامية سنة رسولها كان الواحد منهم كألف، فلما تركت سنته صار المليون منهم كأف. ﴿ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً ﴾
( سورة الكهف )
هان أمر الله عليهم فهانوا على الله. امتحان الإنسان من قِبل الله عز وجل:
لذلك أيها الأخوة، يقول الله عز وجل :
﴿ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 179 )
مستحيل وأف ألف ألف مستحيل أن لا يمتحن الإنسان. ﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴾
( سورة العنكبوت )
أن يضعك في ظرف دقيق جداً، بحيث تكشف على حقيقتك، قل ما شئت، حدث الناس عنك ما شئت، لكن الله يمتحنك، ﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴾
أصل الدين معرفة الله فمن عرفه تفانى في طاعته:
أيها الأخوة الكرام، قضية أسماء الله الحسنى تحتل أكبر جزء من العقيدة، لأنك إن عرفته أحببته، وإن أحببته أطعته، ومن أعجب العجب أن تعرفه ولا تحبه، ومن أعجب العجب أيضاً أن تحبه ثم لا تطيعه.
فمعرفة أسماء الله الحسنى تحتل أكبر جزء من عقيدتك، من هو الله ؟.
(( ابن آدم اطلبني تجدني فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء وأنا أحب إليك من كل شيء ))
[ورد في الأثر]
أيها الأخوة الكرام، أصل الدين معرفة الله، أنت إذا عرفت الله، ثم عرفت أمره تفانيت في طاعته، أما إذا عرفت أمره ولم تعرفه تفننت في التفلت من الأمر.
كيف أُخذ الإسلام الآن ؟ بالفتاوى، هناك فتوى لكل معصية، مهما كبرت، إما بالتأويل، أو بالفتاوى، أو بإلغاء السنة، هذه بعض مواطن الضعف في المسلمين المعاصرين أسأل الله جلّ جلاله أن يقوينا، وأن نرى الله عز وجل بأفعاله، وصفاته حتى نستقيم على أمره.
السعيد
08-26-2018, 07:53 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الثالث و الثمانون )
الموضوع : اسم الله - الظاهر -2 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
من أسماء الله الحسنى: ( الظاهر):
أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في اسم "الظاهر"، الله عز وجل ظاهر لأن كل شيء خلقه يدل عليه، كل ما في الكون ينطق بوجود الله، ووحدانيته، وكماله، هو ظاهر.
وظيفة الغشاء الأمينوسي :
1 ـ يغذي الجنين:
من الآيات الدالة على أنه ظاهر قوله تعالى:
﴿ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ﴾
( سورة الزمر الآية: 6 )
فسر بعض العلماء: هذه الظلمات بأن الجنين في بطن أمه تحيط به أغشية ثلاثة ﴿ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ﴾
الغشاء الذي يلي الجنين مباشرة اسمه الغشاء الأمينوسي، هذا الغشاء مغلق، هو أقرب غشاء إلى الجنين، بين الغشاء والجنين سائل يزيد عن لتر ونصف، هذا السائل سماه الأطباء السائل الأمينوسي، ولولا هذا السائل لما كان هذا اللقاء، ولما عاش إنسان على وجه الأرض، ما وظائف هذا السائل ؟
قال: هذا السائل يغذي الجنين. 2 ـ يحمي الجنين من الصدمات:
هذا السائل يحمي الجنين من الصدمات، لو أن امرأة حاملاً تلقت ضربة على بطنها، ولو وزنا هذه الضربة وزناً دقيقاً أربعة كيلو على السنتيمتر، هذا السائل يمتص هذه الصدمة ويوزعها على كامل سطح الجنين، فتغدو نصف ميليمتر، يعني نصف ميل غرام، هذا السائل مطبق في الدماغ بين الجمجمة وبين الدماغ، مركبات الفضاء قلّدت هذه الخطة، فبين كبسولة الرواد، و بين غلاف المركبة سائل، هذا السائل يمتص الصدمة ويوزعها على كامل سطح المركبة.
لذلك هذا السائل يحمي الجنين من كل الصدمات، أولاً يغذي، وثانياً يحمي الجنين من الصدمات.
3 ـ يسهل حركة الجنين:
شيء آخر: هذا السائل يسهل حركة الجنين في رحم الأم، كما تعلمون الآلات كلها فيها زيت، الزيت يسهل الحركة، وفي المركبات لولا الزيت لاحترق المحرك، هذا السائل بمثابة الزيت في المحرك، يسهل حركة الجنين، هذا السائل مكيف، حرارته 18 في صقيع، في برد شديد لا يحتمل، في موجة حر قاتلة، الجنين سائله مكيف، ومدفأ، يد من ؟ قدرة من ؟ الله عز وجل ظاهر في خلقه.
4 ـ يمنع التصاق الجنين بجدار الرحم:
قال: هذا السائل من وظائفه أنه يمنع التصاق الجنين بجدار الرحم، لأنه أحياناً أثناء النمو إذا ما في موانع يلتصق الجنين بالغشاء، كيف أن الطفل حينما يولد يوجد بجهازه الهضمي مادة شحمية لمنع التصاق الأمعاء ببعضها، لتبقى أنبوباً لا شريطاً، ولحكمة بالغةٍ بالغة في الأيام الأولى الثدي يفرز مادة ليست حليباً ولكن هذه المادة لإذابة الشحم، لذلك خروج الجنين الذي ولد حديثاً في الأيام الأولى أسود اللون، هو الشحم المذاب، يد من ؟ تصميم من ؟ قدرة من ؟ حكمة من ؟.
5 ـ يسهل الولادة:
الله عز وجل ظاهر في خلقه، قال: هذا السائل أيضاً يسهل الولادة، طريق زلق عن طريق هذا السائل.
6 ـ يعقم المجرى الذي سوف يمر فيه الجنين:
وفضلاً عن كل ذلك هذا السائل يعقم المجرى، المجرى الذي سوف يمر فيه الجنين عن طريق هذا السائل يعقم ويطهر، معقم، مطهر، مسهل للحركة، مكيف مغذي، ماص للصدمات، يمنع التصاق الجنين بالأغشية، لولا هذا السائل لما عاش إنسان الله عز وجل ظاهر، ظاهر في خلقه.
الغشاء العاقل من الآيات الدالة على عظمة الله عز وجل:
أيها الأخوة، ينزل مع الجنين قرص لحمي اسمه المشيمة، وفي هذا القرص اللحمي يجتمع دم الجنين مع دم الأم، ولا يختلطان، أما الآية التي تدل على الله أن هذه المشيمة يجتمع فيها دم الجنين مع دم الأم، ولا يختلطان، ما الذي يمنع اختلاطهما ؟ قال غشاء، سماه الأطباء الغشاء العاقل، لأنه يقوم بمهمات يعجز عنها العقلاء.
وظيفة الغشاء العاقل:
1 ـ يقوم مكان جهاز الهضم:
ما وظيفة هذا الغشاء ؟ قال يأخذ السكر من دم الأم، يضعه في دم الجنين، فقام هذا الغشاء العاقل مكان جهاز الهضم.
2 ـ يقوم مقام جهاز التنفس:
يأخذ الأوكسجين من دم الأم يضعه في دم الجنين، قام مقام جهاز التنفس.
3 ـ يقوم مقام البنكرياس:
يأخذ الأنسولين من دم الأم يضعه في دم الجنين، قام مقام البنكرياس.
4 ـ يأخذ غاز الفحم من دم الجنين ويضعه في دم الأم:
أصبح في دم الجنين سكر، أوكسجين، أنسولين، السكر يحترق بالأوكسجين عن طريق الأنسولين، تنشأ طاقة في الجنين، الجنين حرارته 37، من أين أتت هذه الحرارة ؟ من احتراق السكر عن طريق الأوكسجين بوساطة الأنسولين.
من نتائج هذا الاحتراق غاز الفحم (ثاني أو كسيد الكربون)، الغشاء العاقل يأخذ غاز الفحم من دم الجنين ويضعه في دم الأم، لذلك في جزء من نفس الأم نفس جنينها، يد من ؟.
5 ـ الغشاء العاقل مسؤول عن عوامل المناعة:
الغشاء العاقل يأخذ من دم الأم عوامل المناعة، جميع الأمراض التي أصيبت بها الأم، وأصبحت ذات مناعة منها، عوامل هذه المناعة يأخذها الغشاء العاقل يضعها في دم الجنين، فالجنين محصن من جميع الأمراض التي أصيبت بها أمه.
6 ـ يمنع مرور المواد السامة من دم الأم إلى دم الجنين:
الغشاء العاقل يمنع مرور المواد السامة من دم الأم إلى دم الجنين، لو أن الأم تسممت بمادة غذائية فاسدة، هذا السم يمنعه غشاء العاقل من أن يصل إلى دم الجنين
﴿ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ﴾
7 ـ يختار من دم الأم حاجات الجنين الغذائية:
الغشاء العاقل أكبر مهمات أنه يختار من دم الأم حاجات الجنين الغذائية، بروتين شحوم، سكريات، معادن، أشباه معادن، فيتامينات، مواد بالآلاف، وهذه المواد يختارها بنسب دقيقة جداً، وهذه النسب تتبدل كل ساعة، يعني لو كلفنا أطباء الأرض أن يقوموا بمهمة الغشاء العاقل لعجزوا، ولمات الجنين في ساعة واحدة، لو أوكل أمر الغشاء العاقل إلى أمهر أطباء الأرض، شيء فوق طاقة البشر، يعلم حاجة الإنسان من كل مادة وينفذها ويأخذها من دم الأم يضعها في دم الجنين.
أصبح في دم الجنين مواد غذائية، مواد مرممة، مواد سكرية، مواد شحمية، شحوم ثلاثية، إلى آخره، يصبح في ما يسمى بالهضم، أو التمثيل الغذائي، والناتج من هذا التمثيل نسج جديدة, كيف الجنين ينمو ؟ ينمو بهذه الطريقة، كيف ينمو عظمه ولحمه وأعصابه و أوعيته ؟ نمو الجنين عن هذه الطريقة.
8 ـ يأخذ حمض البول من دم الجنين يضعه في دم الأم:
الناتج من حمض البول، يأتي الغشاء العاقل يأخذ هذا الحمض البول من دم الجنين يضعه في دم الأم، فجزء من بول الأم بول جنينها.
﴿ هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ ﴾
( سورة لقمان الآية: 11 )
9 ـ تأمين حاجة الجنين إلى الطعام من خلال شهوة الأم لهذه المادة:
حتى إن بعض العلماء قالوا: أحياناً يكون غذاء الأم غير كاف لحاجات الجنين عندئذٍ تشتهي الأم طعاماً فيه هذه المادة التي تنقصه، كيف يعبر الجنين عن حاجته لهذه المادة ؟ تشتهي أمه هذه المادة، فشهوة الأم إلى الطعام في أثناء الحمل هي تعبير عن حاجة الجنين لهذه المادة.
﴿ هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ ﴾
أليس اسم الله "الظاهر" ظاهر في هذا الخلق. الآيات الدالة على عظمة الله عز وجل لا تعد و لا تحصى منها:
1 ـ توزع أعصاب الحس في أماكن معينة في الجسم:
أيها الأخوة يعني توزع أعصاب الحس، لمَ لم يكن في الأظافر أعصاب حس ؟ لمَ لم يكن في الشعر أعصاب حس ؟ لو كان هناك أعصاب في الشعر، أو في الأظافر لاحتجت إلى عملية جراحية مع التخدير الكامل للحلاقة، تقص الشعر دون أن تتألم، أما أي مكان آخر لو قصصته لخرجت من جلدك ألماً، من الذي وزع أعصاب الحس ؟ يعني ما فائدة عصب الحس في لب السن ؟ لأنه لو أصاب هذا السن نخر، ووصل إلى العصب الحسي لا تنام الليل، فتسارع إلى ترميم هذا الخلل، ولولا عصب الحس في السن لفقدنا الأسنان كلها.
من جعل في نقي العظام عصب حسي ؟ لو صار في كسر شدة الألم التي عن طريق عصب الحس يمنعك أن تحرك رجلك، وعدم التحريك أربعة أخماس العلاج، قدرة من ؟ من صمم ذلك ؟ من جعل أعصاب الحس قليلة في اليدين ؟ تغسيل دائم، قليلة في الوجه أما كثيفة جداً في الظهر، يعني صب الماء البارد على الظهر لا يحتمل، أما اليدين أعصاب الحس قليلة، توزع أعصاب الحس بالجسم بحكمة بالغة، من أسماء الله "الظاهر".
في أوردة وفي شرايين، حدثني طبيب جراح، قال لي: مرة انقطع معي شريان أقسم لي بالله أن الدم وصل إلى سقف الغرفة، من جعل الشرايين عميقة والأوردة سطحية ؟ كل شيء تراه من الأوعية هذه أوردة سطحية، أما الشرايين عميقة، تصميم من ؟ حكمة من ؟ خلق من ؟.
2 ـ الدماغ، العين، النخاع الشوكي، و الرحم كل منهم في مكان حصين:
أيها الأخوة، الدماغ بحصن حصين بالجمجمة، والعين بحصن حصين بالمحجر، والنخاع الشوكي بحصن حصين بالعمود الفقري، والرحم بحصن حصين وهو عظم الحوض، ومعامل كريات الدم الحمراء أخطر معمل بنقي العظام، والقلب بالقفص الصدري، تصميم من؟
3 ـ قرنية العين شفافة:
من جعل قرنية العين شفافة ؟ عملية معقدة جداً، كل أنسجة الجسم تتغذى عن طريق الشعريات إلا قرنية العين، تتغذى عن طريق الحلول، من أجل أن تكون الرؤية صافية 100 %.
4 ـ خلق الله تعالى للإنسان عينين و ليس عين واحدة:
من جعل الشبكية في بالمليمتر المربع مئة مليون مستقبل ضوئي، بين عصيات ومخاريط، مئة مليون مستقبل ضوئي في الشبكية بالمليمتر، الشبكية ميلي وربع فيها 130 مليون عصية ومخروط، من جعل عينين لا عين واحدة ؟ العينين ترى البعد الثالث بعين واحدة ترى الطول والعرض، ترى السطوح، أما بالعينين ترى الأحجام، صنع من ؟.
5 ـ خلق الله الإنسان بأذنين لا بأذن واحدة:
من خلق الإنسان بأذنين ؟ من أجل ماذا ؟ لو أذن واحدة، بالأذنين تعرف جهة الصوت، ولو أن الأذن واحدة لما عرفت جهة الصوت، لو سمعت بوق سيارة بدل أن تنحرف إلى الجهة المعاكسة تأتي أمامها، حتى في جهاز يحسب تفاضل وصول الصوتين إلى الأذنين، والفارق واحد على 1620 جزءاً من الثانية، يد من ؟ قدرة من ؟ الله "الظاهر"، فكر:
﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ﴾
( سورة آل عمران )
6 ـ اللعاب:
وأنت نائم وغارق في النوم، يجتمع اللعاب في الفم، تذهب إشارة إلى الدماغ اللعاب زاد عن حده، يأتي أمر من الدماغ إلى لسان المزمار يغلق طريق الهواء ويفتح طريق المريء، طريق المعدة، وأنت تبلع هذا اللعاب، وأنت نائم، يد من ؟.
7 ـ تزويد الجسم بنقاط إحساس بالضغط:
من جعل بالجسم نقاط إحساس بالضغط ؟ فالنائم هيكله العظمي مع العضلات تضغط على ما تحت الهيكل العظمي، إذا ضغطت، هذه النقاط الإحساس بالضغط ترسل للدماغ إشارة، ضُغطنا، يعني الأوعية الدموية ضاقت لمعتها، يعني شعرت بالتنميل والخدران، يأتي أمر تقلب.
﴿ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ ﴾
( سورة الكهف الآية: 18 )
8 ـ كريات الدم الحمراء:
هذه آيات أيها الأخوة، دالة على عظمة الله عز وجل، معامل نقي الدم، معامل الكريات في نقي العظام، تصنع بكل ثانية اثنان ونصف مليون كرية حمراء، وفي بالطحال مقبرة هذه الكريات، بكل ثانية يموت اثنان ونصف مليون كرية، هذه تذهب إلى الطحال تحلل إلى عواملها الأساسية، حديد، وهيموكلوبين، الهيموكلوبين يصبح صفراء، والحديد يعاد تصنيعه في معامل كريات الدم الحمراء، في اقتصاد.
9 ـ غدة التايموس أخطر غدة في الجسم:
أيها الأخوة، إلى سنوات لا تزيد عن عشرين سنة كان يظن أنه في غدة صغيرة إلى جانب القلب اسمها التايموس، لا وظيفة لها إطلاقاً، في كل كتب الطب، ثم أكتشف أنها أخطر غدة بالإنسان، مدرسة حربية، تدخل إليها الكريات البيضاء المقاتلة، عندنا فرقة استطلاع، فرقة قتال، فرقة خدمات، وفي فرقة مغاوير، الفقرة الثانية المقاتلة كريات الدم البيضاء تدخل إلى هذا التايموس، غدة، كبروها آلاف المرات ووجدوها مدرج روماني وكل كرية بيضاء جالسة على مكان في هذا المدرج، تتلقى تعليمات من هو الصديق ومن هو العدو، لأن هذه المقاتلة كائن معه سلاح خطير، فإذا كان أحمقاً وجاهلاً كان في خطر كبير.
فهذه الكريات الدم البيضاء تتعلم خلال سنتين في التايموس من هو الصديق ومن هو العدو، وكان اسمها الخلية التائية الهمجية، فإذا تخرجت أصبح اسمها الخلية التائية المثقفة، طبعاً تمتحن، تعطى عنصراً صديقاً، فإذا قتلته ترسب وتقتل، تعطى عنصراً عدواً إن لم تقتله ترسب وتقتل، الآن الجيل المتخرج من هذه الخلية التايموس يتولى الأجيال الصاعدة حتى الموت، وتنتهي وظيفتها وتضمر، لذلك توهم الأطباء أن لا فائدة منها أخطر غدة في الجسم.
الله عز وجل ظاهر في خلقه، هو في الستين سبعين ينشأ حالة اسمها خرف مناعي، يضعف التعليم ينشأ بالجسم حرب أهلية، العنصر المقاتل الكرية البيضاء المقاتلة معها سلاح لكن جاهلة، قد تقتل الصديق، أحد الأمراض المشهورة من الخرف المناعي التهاب المفاصل، التهاب المفاصل حرب أهلية، حرب داخلية.
أيها الأخوة، الله عز وجل ظاهر في خلقه، وفي كل شيء له آية، تدل على أن واحد، لكن فكر، تجد نفسك وجهاً لوجه أمام عظمة الله عز وجل.
الله عز وجل ظاهر بخلقه و أفعاله:
الآن الله ظاهر بأفعاله، ببدر الصحابة الكرام قلة قليلة، ضعيفة، لا تملك عتاد ولا خيول، ولا أدوات ركوب، ما في شيء.
﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 123 )
بحنين:
﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ﴾
( سورة التوبة )
فكأنما الله ظاهر في خلقه ظاهر في أفعاله، يعني ينصرك، ولا تملك من أسباب النصر شيئاً، ويخذلك وتملك كل أسباب النصر، عرفت الله من نقض العزائم، في تولي، وفي تخلي، إن قلت الله تولاك، وأمدك بالتوفيق، والحفظ، والرعاية، وإن قلت أنا بخبرتي، تخلى عنك.
لا يدل على المؤمن صيامه و صلاته و حجه فقط بل تفكيره و قيمه و استقامته:
﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾
( سورة الروم )
فيروس الإيدز من آيات الله الدالة على عظمته، مع الألم الشديد كان المؤمن إذا سافر إلى بلد بعيد، وهو في الفندق طرق بابه الساعة الواحدة ليلاً، امرأة تعرض نفسها عليه يقول معاذ الله إني أخاف الله رب العالمين، الآن يخاف من الإيدز فقط، هذا إحباط العمل كان يخاف من الله، فصار يخاف من هذا الفيروس.
أيها الأخوة، الله عز وجل ظاهر أنت كمؤمن، قال ينبغي أن يكون إيمانك صارخاً، أنا لا أصدق أن الذي يدل على المؤمن صلاته، وصيامه، وحجه، وزكاته، هذه عبادات، لكن تدل على المؤمن صفاته، تفكيره، مبادئه، قيمه، عطاءه.
سيدنا الصديق كان يخدم جارة له عاجزة، بحلب شياهها، فلما تولى الخلافة أصاب هذا البيت حزن، لأن هذه الخدمة لا يعقل أن تستمر، ففي صبيحة توليه الخلافة طرق باب هذه العجوز، الأم قالت لابنتها: يا بنيتي افتحِ الباب، ثم قالت لها: من الطارق قالت: جاء حالب الشاة يا أماه، وهو في أعلى منصب من المسلمين، ما ترك هذا العمل الصالح.
سيدنا عمر رأى إبلاً سمينة، قال: لمن هذه الإبل ؟ قالوا: هي لابنك عبد الله فغضب، قال: ائتونِ به، جاؤوا به، وجده غاضباً، قال: لمن هذه الإبل ؟ قال: هي لي يا أبتِ، اشتريتها بمالي، وبعثت بها إلى المرعى لتسمن، فماذا فعلت ؟ قال له: و يقول الناس: ارعوا هذه الإبل فهي لابن أمير المؤمنين، اسقوا هذه الإبل فهي لابن أمير المؤمنين، وهكذا تسمن إبلك يا بن أمير المؤمنين، بع هذه الإبل، وخذ رأسمالك، ورد الباقي إلى بيت مال المسلمين. المؤمن ظاهر في مبادئه وقيمه و استقامته:
المؤمن صارخ بإيمانه، بمبادئه، بقيمه، بورعه، باستقامته.
سيدنا عمر بن عبد العزيز دخلت عليه امرأته فاطمة بنت عبد الملك، رأته يبكي في مصلاه، قالت له: مالك تبكي ؟ قال: دعيني وشأني، فلما ألحت عليه، قال له: ويحك يا فاطمة إني وليت أمر هذه الأمة، فرأيت المريض الضائع، والفقير الجائع، والأرملة الوحيدة، والشيخ الوقور، وذي العيال الكثير، والرزق القليل، والمأسور، والمظلوم، وابن السبيل، في أطراف البلاد، فعلمت أن الله سيسألني عنهم جميعاً، وأن خصمي دونهم رسول الله، فخفت ألا تثبت حجتي فلهذا أبكي.
لا تدل عليك صلاتك فقط، تدل عليك مبادئك، يدل عليك ورعك، يدل عليك عملك الصالح، خدمتك للناس، المؤمن ظاهر، أما الآن الفرق فقط بالصلاة، السلوك واحد إن لم تكن مبادئك، وقيمك، ومواقفك، وبطولتك، صارخة فلست مؤمناً، الإيمان بطولة.
لذلك كما أن الله ظاهر في خلقه، وفي أفعاله، والمؤمن ظاهر في مبادئه وفي قيمه.
السعيد
08-26-2018, 07:56 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الرابع و الثمانون )
الموضوع : اسم الله - السميع - 1 -
لحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: (السميع):
أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم: "السميع".
ورود اسم السميع في القرآن الكريم و السنة الشريفة:
هذا الاسم أيها الأخوة، ورد في قي القرآن الكريم قريباً من خمسين آية في كتاب الله، قال تعالى:
﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾
( سورة الشورى )
وقال تعالى:
﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً ﴾
( سورة النساء )
وقد اقترن هذا الاسم مع اسم العليم في ثلاثين آية، ومع اسم البصير في عشر آيات، ومع اسم القريب في آية واحدة، وقد ورد أيضاً في صحيح البخاري من حديث أبي موسى الأشعري، أن النبي صلى الله عليه وسلم، رأى أصحابه يرفعون أصواتهم في الدعاء فقال:
(( أَيُهَا الناسُ اربِعُوا على أَنْفُسِكم ـ أشفقوا ـ إنكم ليس تدعون أصمَّ ولا غائباً إنكم تدْعُونَ سميعاً قريباً ))
[ أخرجه البخاري و مسلم عن أبي موسى]
وقد روى أبو داود من حديث أبي سعيد الخدري، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفتتح صلاته فيقول:
(( أعُوذُ بالله السميع العليم، من الشَّيطانِ الرجيم ))
[أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي عن أبي سعيد الخدري ]
التعريف اللغوي للسميع:
معنى "السميع" ؛ الصيغة أولاً صيغة مبالغة، كلكم يعلم أن لغتنا العربية من أرقى اللغات المتصرفة، بمعنى أن هناك نظام الأسر، في مصدر، في فعل ماض، فعل مضارع، فعل أمر، اسم فاعل، اسم مفعول، اسم مكان، اسم زمان، اسم آلة، اسم تفضيل، صفة مشبهة باسم الفاعل، اسم الفاعل على نوعين، اسم فاعل من ثلاثي، ومن رباعي، واسم فاعل مبالغ به، كأن تقول فلان غفور، أو أن الله غفور، كثير المغفرة، أو غافر، هناك فعول، فعيل، مفعال، مفضال، و فَعِل، حَذِر، و هناك صيغ مبالغة كثيرة.
فاسم السميع صيغة مبالغة من اسم الفاعل سامع، والفعل سمع يسمع سمعاً.
الآن نحن كما تعلمون هناك صفة ذات، وصفة أفعال، فالله سبحانه وتعالى حينما قال:
﴿ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ ﴾
( سورة البقرة الآية: 7 )
السمع هنا الأذن صفة ذات، وصفة فعل: ﴿ وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآَنَ ﴾
( سورة الأحقاف الآية: 29 )
إما أن السمع صفة ذات الأذن، أو أن السمع صفة فعل الاستماع. الطاعة مع الصبر طريق الإنسان إلى النصر :
الآية الثانية الفهم:
﴿ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا ﴾
( سورة البقرة الآية: 93 )
أما المؤمن، المؤمنون يقولون:
﴿ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ﴾
( سورة البقرة الآية: 285 )
أيها الأخوة، الطاعة مع الصبر طريق إلى النصر. ﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً ﴾
( سورة آل عمران الآية: 120 )
﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ﴾
( سورة إبراهيم )
تصوروا أن الله سبحانه وتعالى، الإله العظيم، خالق السماوات والأرض يصف هو مكر هؤلاء الكفار بأن الجبال تزول من مكرهم، ﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ﴾
ثم يقول الله عز وجل: ﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً ﴾
هل تصدقون أن مشكلات العالم الإسلامي تحل بكلمتين، ﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً ﴾
أما إن تعصوا وتصبروا ليس بعد المعصية والصبر أي القهر إلا القبر، معصية وصبر، تنتهي إلى القبر، أما الطاعة مع الصبر طريق إلى النصر ﴿ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا ﴾
وكأن هذه الآية تصف حال المقصرين ﴿ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا ﴾
أما المؤمنون: ﴿ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ﴾
مقياس سماع كلام الله عز وجل تطبيقه والاستفادة منه:
أيها الأخوة، الآن مع وقفة متأنية عند السمع في القرآن الكريم:
﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ﴾
( سورة الأنفال )
تماماً كما لو قال لك أحدهم: على كتفك عقرب شائلة، بقيت هادئاً، متوازناً ، مرتاحاً، ابتسمت، التفت نحوه، قلت له: أنا أشكرك على هذه الملاحظة، وأسأل الله أن يمكنني أن أكافأك عليها، الذي يقف بهدوء، ويبتسم، ويتكلم بفصاحة، ويجب على هذا الذي أدى له هذه الملاحظة بهذا الجواب، هل تصدقون أنه فهم ما قال له ؟ مستحيل ! لو فهم ما قال له لقفز، وصرخ، وخلع معطفه، وبحث عن العقرب ليقتله، أليس كذلك ؟.
فكل إنسان يسمع ولا يستجيب هو عند الله لم يسمع، هذا المفهوم الدقيق، هو عند الله لم يسمع، من علامات السمع أن تستجيب، هذا الكلام ينقلنا إلى حقيقة، هذه الحقيقة أن الإنسان بحسب بنيته يدرك، ينفعل، يتحرك.
هذا القانون جاء به عالم من علماء النفس، علاقتك مع المحيط وفق هذا القانون أوضح مثل:
تمشي في بستان رأيت ثعباناً علامة صحة إدراكك أنه ثعبان تضطرب ، اضطرابك، خوفك، صياحك، دليل أنك فهمت أنه ثعبان، والانفعال، والاضطراب ينقلك إلى الحركة، إما أن تفر منه، أو أن تحاول قتله، إدراك، انفعال، سلوك، فأي إدراك ما رافقه انفعال الإدراك غير صحيح، وأي انفعال ما رافقه سلوك الانفعال غير صحيح.
فأي إنسان استمع إلى القرآن الكريم، ولم يستجب معنى ذلك أنه عند الله لم يستمع ﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ﴾
ما سمع، الآية إذاً: ﴿ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ﴾
( سورة البقرة )
أي لا تكون سامعاً عند الله إلا إذا استجبت لما سمعت، مقياس السماع التطبيق. مراحل هداية الخلق هي:
1 ـ الهدى البياني:
الآية الثانية:
﴿ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ﴾
( سورة التحريم الآية: 4 )
صغت بمعنى أصغت، علامة حسن الإصغاء أن تستجيب، من هنا الله عز وجل من حكمته البالغة أنه إذا أراد هداية الخلق هناك مراحل، أول مرحلة الهدى البياني وأنت معافى، صحيح، سليم، مرتاح، لا يوجد عندك مشكلة، الله عز وجل يُسمعك الحق من خلال خطبة مسجد، درس يُلقى، كتاب يُقرأ، ندوة تشاهدها، أسمعك الله الحق، فأكمل موقف مع الهدى البياني أن تستجيب.
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾
( سورة الأنفال الآية: 24 )
إذا دعاكم لحياة خلقتم من أجلها، إذا دُعيتم إلى حياة أبدية، لكم فيها ما تشاؤون فيها:
(( ما لا عين رأتْ ولا أذن سمعتْ، ولا خطَر على قلبِ بَشَرْ ))
[ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة ]
إذا دُعيتم إلى حياة أبدية في جنة عرضها السماوات والأرض استجيبوا، فالدعوة بيانية، بأعلى درجات السلامة، والراحة، والسرور، يُسمعك الله الحق، بطولتك أن تستجيب لما سمعت، إن استجبت فقد سمعت، وإن لم تستجب لم تستمع. 2 ـ التأديب التربوي:
الإنسان إن لم يستجب الله عز وجل من رحمته يخضعه لأسلوب آخر، التأديب التربوي:
﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾
( سورة السجدة )
في شدائد، في فقر، في قهر، في مرض، في قلق، في حزن.
(( عجب الله من قوم يدخلون الجنة في السلاسل ))
[ البخاري عن أبي هريرة]
ثمن الجنة حسن الظن بالله عز وجل:
صدقوا أيها الأخوة، وأقول لكم دائماً: حسن الظن بالله ثمن الجنة، كل الشدائد التي ترونها وتسمعونها، من أجل سوق الناس إلى ربهم، من أجل أن يستحقوا جنة عرضها السماوات والأرض.
﴿ وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ ﴾
( سورة القصص الآية: 47 )
﴿ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى ﴾
( سورة طه )
وهناك آية: ﴿ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ﴾
( سورة الأنعام )
أي لا يمكن أن تُساق المصيبة إلا لحكمة بالغةٍ بالغة.
﴿ أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 165 )
(( يا عبادي ! لو أنَّ أوَّلكم وآخرَكم، وإنسَكم وجِنَّكم، قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيتُ كُلَّ إنسان مسألتَهُ، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما يَنْقُص المِخْيَطُ إذا أُدِخلَ البحرَ ـ ذلك لأن عطائي كلام، كن فيكون، وأخذي كلام ـ يا عبادي، فمن وَجَدَ خيراً فليَحْمَدِ الله ومن وجد غير ذلك فلا يَلُومَنَّ إلا نَفْسَهُ ))
[أخرجه مسلم والترمذي عن أبي ذر الغفاري ]
كلام واضح.
﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ﴾
( سورة الشورى )
(( ما من عثرة، ولا اختلاج عرق، ولا خدش عود إلا بما قدمت أيديكم، وما يغفر الله أكثر ))
[ أخرجه ابن عساكر عن البراء ]
﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 147 )
3 ـ الإكرام الاستدراجي:
أيها الأخوة
﴿ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ﴾
لكن أحياناً الإنسان تأتيه الشدة فلا يستجيب، إن جاءه الهدى عليه أن يستجيب، إن جاءه التأديب التربوي عليه أن يتوب، فإن لم يستجب، وقد جاءه الهدى، ولم يتب وقد جاءه البلاء، في أسلوب آخر الإكرام الاستدراجي، قوي، غني، أرباح طائلة، تفوّق، سمعة، متع، وفي معاصي، إذا رأيت الله يتابع نعمه عليك وأنت تعصيه فاحذره، هذا اسمه إكرام استدراجي، بالإكرام الاستدراجي الموقف الكامل أن تشكر، بالدعوة البيانية أن تستجيب، بالتأديب التربوي أن تتوب، بالإكرام الاستدراجي أن تشكر. 4 ـ القصم:
الإنسان إن لم يستجب، ولم يشكر، نعوذ بالله هناك القصم:
﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾
( سورة الأنعام الآية: 44 )
هذه الآية تلغي الحيرة، يا أخي ! بلاد كالجنات ! أموال لا تأكلها النيران، بيوت ، مركبات، نساء، ملاهي، كل شيء بأعلى درجة، معاصي، آثام، إباحية، شذوذ ، عدوان، وظلم، ﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾
﴿ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ﴾
( سورة الأنعام )
هدى بياني، تأديب تربوي، إكرام استدراجي، قصم. من كان فيه ذرة خير أسمعه الله عز وجل الحق:
هناك تساؤل: أن يا رب في بلاد بعيدة، وفي شعوب شاردة ما وضعها يوم القيامة ؟ قد يقول أحدنا ما جاءها من نذير كيف تحاسب ؟ الآية دقيقة:
﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ﴾
( سورة الإسراء )
لكن بعضهم قال: العقل هو الرسول، العقل يكفي أن تعرف الله به، والفطرة تكفي أن تكشف بها خطيئتك، أنت مبرمج، أنت مفطور، مجبول على معرفة الخطأ ذاتياً الآن استمعوا لهذه الآية:
﴿ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ ﴾
( سورة الأنفال الآية: 23 )
مستحيل وألف ألف ألف مستحيل أن يكون في الإنسان ذرة خير إلا ويسمعه الله الحق ﴿ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ ﴾
الآيات المتعلقة بذات الله عز وجل نفوض شرحها له :
الآن الله عز وجل "السميع" متصف بالسمع كوصف ذات ووصف فعل، أنت إذا كنت سميعاً، عندك جهاز تستمع به، وإذا كنت سميعاً تفهم ما يُقال لك، فالله عز وجل ولله المثل الأعلى،
﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾
وكل ما خطر في بالك فالله بخلاف ذلك، الله عز وجل سميع، وكلمة سميع تعني صفة ذات، وصفة فعل، لكن نحن تعلمنا أنه أكمل موقف في بضع آيات تشير إلى صفات الله عز وجل أن نفوض في شرحها الله عز وجل، والسمع صفة زائدة على وصفه بلا كيف، وبلا تجسيد، إن نفينا السمع عن الله عطلنا هذه الصفة بلا تعطيل، وبلا تجسيد، ولكن بالتفويض، وممكن بالتأويل، التأويل قضية خلافية، أما بالتفويض متفق عليه.
فالآيات المتعلقة بذات الله عز وجل، وبصفاته نحن نفوض الله عز وجل في معناها، أنا مؤمن أن الله سميع، لأنه أخبرني في كتابه أنه سميع، إن تحركت هو بصير ، وإن تكلمت هو سميع، إن أضمرت شيئاً هو عليم، تتكلم سميع، تتحرك بصير، تسكت تأتيك خواطر معينة، أنا سأهيئ له مقلباً كبيراً، عليم، تتكلم سميع، تتحرك بصير، تسكت عليم، هكذا أخبرني الله عز وجل، الأكمل أن أفوض هذه الصفات لله عز وجل.
لذلك قال بعض العلماء: هو سميع بلا تكييف، وبلا تشبيه، وبلا تحديد، والله عز وجل يَسمع، ويُسمع، ﴿ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ ﴾
يَسمع ويُسمع، يَسمع: يجيب الدعاء، ويُسمع: ُيبلغ الحق، وإذا قال الإمام في الصلاة: سمع الله لمن حمده، يعني يا عبدي أنا أسمعك (موقف دقيق، مؤثر جداً) يا عبدي أنا أسمعك، تقول: يا رب لك الحمد والشكر، والنعمة، والرضا، حمداً كثيراً طيباً مباركاً، من هنا قال عليه الصلاة والسلام:
(( اللَّهمَّ إِني أَعُوذُ بك من قَلْبٍ لا يَخْشَعُ، ودعاءٍ لا يُسمعُ، ومن نفسٍ لا تشبع ومن علمٍ لا يَنفَع ))
[أخرجه الترمذي والنسائي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ]
من انغمس بالملذات و الشهوات إنسان ميت لا يسمع و لا يستجيب:
﴿ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ ﴾
( سورة فاطر )
هنا القبر قبر الشهوة، هذا مقبور بحب المال، ميت. ﴿ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ ﴾
( سورة النحال الآية: 21 )
مقبور بحب الملذات، مقبور بشهوة النساء، مقبور بشهوة جمع المال، ﴿ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ ﴾
أما الشركاء:
﴿ إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ ﴾
( سورة فاطر الآية: 14 )
أما الإله العظيم يسمع ويستجيب. استجابة الله عز وجل دعاء المضطر و المظلوم ولو لم يكن مؤمناً:
﴿ إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً ﴾
( سورة مريم )
حدثني أخ، كنت في طريقي إلى اللاذقية مرة، وجدت جامع بين طرطوس واللاذقية جميل جداً، صليت فيه، فإذا رجل يدعوني إلى مكتبه في المسجد، حدثني قال: أنا بنيت هذا المسجد، أقسم لي بالله قال لي: قبل عشرين سنة كنت في طريقي إلى بلد غني، وأنا في الطائرة ولم أحرك شفتي، نويت أن الله إذا أكرمني سأبني له مسجداً، بعد عشرين عاماً الله أكرمه، القصة طويلة، وكان شبه مستحيل أن يبنى هذا المسجد بسبب أن هذه المنطقة غير منظمة، لكن بقدرة قادر استطاع أن يبني هذا المسجد بمكان جميل، وحقق أمنيته.
أحياناً أنت لا تحتاج أن تحرك شفتيك، ﴿ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ ﴾
هل هناك أعظم من هذا؟ وأنت ساكت إذا أضمرت نية طيبة يعلمها الله، ويستجيب لها. ﴿ وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ ﴾
في بطن الحوت، في ظلمة بطن الحوت، وفي ظلمة الليل، وفي ظلمة البحر: ﴿ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾
( سورة الأنبياء )
بأي عصر، بأي مصر، بأي ظرف، بأي مكان، بأي زمان، قانون. ﴿ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ ﴾
( سورة النمل الآية: 62 )
المضطر يستجاب له، ولو لم تتوافر فيه شروط الدعاء، المضطر يستجاب له برحمة الله، ﴿ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ ﴾
المظلوم يستجاب له، ولو لم يكن مؤمناً. دعاء المؤمن قبل الفجر دعاء مستجاباً:
لكن آخر شيء:
(( إِنَّ الله عَزَّ وجَلَّ يُمهِلُ حتى إِذَا ذَهَبَ ثُلُث الليل الأَوَّلُ، نَزَلَ إلى السماء الدنيا، فيقول: هل مِنْ مُستَغْفِرٍ ؟ هل مِن تائِبٍ ؟ هل من دَاعٍ ؟ حتى يَنْفَجِرَ الفَجْرُ ))
[ أخرجه بخاري ومسلم عن أبي هريرة ]
ما قولكم ؟ الله عز وجل في عليائه، في عظمته، يقول: يا عبادي سلوني، أنا أستجيب لكم، هل منكم من سائل ؟ من مستغفر ؟ من تائب ؟ من طالب حاجة ؟ هذه نصيحة أزجيها لإخوتي الكرام، قبل الفجر، في مشكلة، في قضية معقدة، في شبح مصيبة، في مرض لا تعرف نوع التحليل يكون، يا ترى حميد أم خبيث ؟ قم قبل الفجر، واسأل ربك ما تحب.
السعيد
08-26-2018, 07:58 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الخامس و الثمانون )
الموضوع : اسم الله - السميع - 2 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: (السميع):
أيها الأخوة الكرام، لا زلنا مع اسم "السميع" و "السميع" لا يعزبُ عن إدراكه مسموع وإن خفي، وقد يكون صوتاً في الرأس، وقد يكون حديثاً في النفس، وقد يكون خاطرةً ترد على الخاطر، وقد يكون تساؤلاً يرد على الفكر، أي شيء يخفى على الناس لا يخفى على الله، لا تخفى عليه خافية، هو السميع بغير جارحة، وسع سمعه كل شيء ، يسمع نداء المضطرين، يجيب دعاء المظلومين، يسمع حمد الحامدين، يسمع خطرات القلب، يسمع هواجس النفوس، يسمع مناجاة الضمائر، هو "السميع".
الله عز وجل لا يعزبُ عن إدراكه مسموع وإن خفي:
إنسان في بطن حوت، في ظلمة بطن الحوت، وظلمة البحر، وظلمة الليل سيدنا يونس:
﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾
( سورة الأنبياء )
أيها الأخوة، لكن نحن كبشر، أو كمؤمنين، ماذا يعنينا من اسم "السميع" ؟ الله عز وجل يقول على لسان سيدنا زكريا: ﴿ هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ ﴾
( سورة آل عمران )
يعنيك من اسم "السميع" أنك إذا دعوته يسمعك.
إذاً الله عز وجل يقول يصف نفسه على لسان سيدنا زكريا:﴿ إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ ﴾
النبي عليه الصلاة والسلام يبين لك متى يستجيب لك:
﴿ سَمِيعُ الدُّعَاءِ ﴾
أي مجيب الدعاء.
الآن أنت لو سألت إنساناً: قال لك سمعت، العبرة أن يسمع ؟ لا، أن يجيب، لذلك فسر المفسرون قوله تعالى: ﴿ إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ ﴾
أي مجيب الدعاء. التعامل مع الله عز وجل تعامل مقنن بقوانين:
لكن الله له قوانين، والتعامل مع الله تعامل مقنن بقوانين، متى يستجيب دعاؤك ؟ دقق، قال:
(( أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة ))
[أخرجه الطبراني عن عبد الله بن عباس ]
يعني كُلْ طعاماً طيباً، والطعام الطيب الذي اشتري بمال حلال، والمال الحلال الذي تكسبه وفق منهج الله، ﴿ إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ ﴾
أي مجيب الدعاء.
جاء النبي الكريم، وهو الذي بيّن ما في القرآن الكريم قال:
(( يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة ))
والله أخ له والد زرته في العيد، والده عمره 96 سنة، قال لي بالحرف الواحد: أجرينا البارحة تحاليل كاملة فكانت النسب جميعها طبيعية، ست و تسعون سنة، قال لي: والله ما أكلت درهماً حراماً في حياتي كلها، ولا أعرف الحرام، حرام النساء.
عالم آخر عاش للسادسة و التسعين سأله إخوانه يا سيدي: ما هذه الصحة التي حباك الله بها ؟ كان منتصب القامة، حاد البصر، مرهف السمع، أسنانه في فمه، قال: يا بني حفظناها في الصغر فحفظها الله علينا في الكبر، من عاش تقياً عاش قوياً.
أما عامة المسلمين ولا أعمم، إلا من رحم ربي، مأكله حرام، ومشربه حرام وغذي بالحرام، فأنى يستجاب له. كل إنسان يدعو الله عز وجل و لكن للدعاء شروط منها:
الآن:
﴿ قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾
( سورة الأنعام )
والله حدثني أخ: مجموعة خبراء من بلاد ترفع شعار لا إله، ملحدة، مجموعة خبراء تركب في طائرة، دخلت في سحابة مكهربة، فاضطربت، وكادت أن تسقط، فإذا بهؤلاء الملحدين يرفعون أيديهم إلى الله، ويسألونه النجاة.
أي إنسان، بأي ظرف، مؤمن، غير مؤمن، عند الحاجة، وعند الضرورة ، وعند البلاء يسأل الله عز وجل، ﴿ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾
1 ـ الإيمان بالله واحداً و موجوداً:
لكن الدعاء له شروط، قال تعالى:
﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ﴾
( سورة البقرة الآية: 186 )
طبعاً يوجد بالقرآن عشرات الآيات: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾
( سورة البقرة الآية: 222 )
﴿ وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ﴾
( سورة البقرة الآية: 219 )
﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ ﴾
( سورة البقرة الآية: 220 )
أكثر من عشر آيات تبدأ بيسألونك، ويأتي الجواب بقل، إلا في هذه الآية اليتيمة: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ﴾
لا يوجد قل، بما يزيد عن عشر آيات يسألونك، قل الجواب، يعني النبي وسيط بين السائل وبين الإجابة، إلا في هذه الآية الوحيدة: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ﴾
ليس بين العبد وربه واسطة.
لكن:
﴿ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾
( سورة البقرة )
أن شروط الإجابة أن تؤمن بالله أولاً، أن تؤمن به موجوداً، وواحداً، وكاملاً. 2 ـ الإيمان بأسماء الله الحسنى و صفاته الفضلى:
أن تؤمن بأسمائه الحسنى، وصفاته الفضلى.
3 ـ أن تؤمن أن الله يعلم و سيحاسب:
أن تؤمن أنه معك، أن تؤمن أنه يعلم، وسيحاسب، وسيعاقب.
4 ـ أن تدعو الله مخلصاً:
وأن تدعوه مخلصاً، وأن تراه قريباً، هذا شروط الدعاء
﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ﴾
يعني أقرب إليك من حبل الوريد، أقرب إليك من أي شيء، يحول بينك وبين قلبك، يعني خاطرة جاءت إلى القلب يعلمها، ﴿ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي ﴾
ليستقيموا على أمري، ﴿ وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾
إلى الدعاء المجاب. استثناء المضطر و المظلوم من شروط الدعاء لرحمة الله و عدله:
إلا أن العلماء استثنوا إنسانين، استثنوا المضطر من شروط الدعاء، فالمضطر يستجيب الله له، ولو لم تتحقق فيه شروط الدعاء، يستجيب الله له لا بأهليته، ولكن برحمته، والمظلوم يستجيب الله له ولو لم تتحقق به شروط الدعاء، يستجيب له لا بأهليته، لكن بعدله.
دققوا: إنسانان مستثنيان من شروط الدعاء، المضطر يستجيب الله له برحمته، والمظلوم يستجيب الله له بعدله ِ، لذلك ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:
((اتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها و بين الله حجاب ))
الرجل الأول بعد هارون الرشيد خالد البرمكي، هذا فجأة رأى نفسه في السجن زاره أحد أقربائه، قال له: لعل دعوة مظلوم أصابتنا.
عد للمليار قبل أن تظلم.
(( اتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها و بين الله حجاب ))
[ أخرجه البخاري عن ابن عباس ]
وفي رواية:
(( اتقوا دعوة المظلوم وإن كان كافراً ))
[رواه أحمد في مسنده وأبو يعلى في مسنده والضياء عن أنس]
طبعاً الآية الكريمة:
﴿ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ ﴾
( سورة النمل الآية: 62 )
﴿ فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ ﴾
( سورة القمر )
الدعاء مخ العبادة:
الآن هل تصدقون أن العبادة كلها هي الدعاء ؟ الدليل:
﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ ﴾
بالسياق: عن دعائي، جاءت الآية: ﴿ عَنْ عِبَادَتِي ﴾
( سورة غافر الآية: 60 )
فاستنبط النبي عليه الصلاة والسلام أن الدعاء هو العبادة، وفي رواية:
(( الدُّعاءُ مُخُّ العبادةِ ))
[ أخرجه الترمذي عن أنس بن مالك ]
يعني الصلاة دعاء، والحج دعاء، والصيام دعاء، يعني اتصال العبد بالله عز وجل، بل إن الدعاء سلاح المؤمن، الآن أضعف دولة بالعالم حينما تستقوي بأقوى دولة تغدو هذه الدولة الضعيفة دولة قوية، كما ترون، أضعف دولة حينما تستقوي بأقوى دولة تغدو هذه الدولة الضعيفة قوية.
وأنت أيها المؤمن ولله المثل الأعلى حينما تدعو الله عز وجل أنت أقوى الناس قال: إذا أردت أن تكون أقوى الناس فتوكل على الله، وإذا أردت أن تكون أكرم الناس فاتقِ الله، وإذا أدرت أن تكون أغنى الناس فكن بما في يدي الله أوثق منك بما في يديك. من دعا الله معه أربع شهادات شهادة إيمانه بالله موجوداً و سميعاً و رحيماً و قديراً:
لكن الذي يلفت النظر أن الله سبحانه وتعالى لا يعبأ بنا إطلاقاً إذا لم ندعُه والدليل:
﴿ قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ ﴾
( سورة الفرقان الآية: 77 )
لكن بالتحليل الدقيق: ماذا يعني أن تدعو الله بالضبط، يعني أنك مؤمن بوجوده، هل تصدق أن إنساناً يدخل لمكان فارغ يخاطب إنساناً ؟ إلا أن يتهم في عقله، أنت حينما تدعو الله أنت موقن بوجوده، وفضلاً عن ذلك أنت مؤمن أن الله على كل شيء قدير.
الآن عندنا حالة، أو بحث في الطب اسمه الشفاء الذاتي، يستعصي على أي تفسير، ورم خبيث من الدرجة الخامسة يتراجع لوحده، أنت حينما تؤمن أن الله على كل شيء قدير، وأن قدرته تعلقت بكل ممكن، ولو أن الأطباء أجمعوا أن هذا المرض وبيل، عضال، لا شفاء منه، قال الطبيب لأهل مريضة: انتهت اكتبوا النعوة، عاشت بعد هذا الكلام 46 عاماً، اكتبوا النعوة، يقسم لي بالله أحد أقربائها سمع كلام الطبيب بأذنه وعاشت بعد كلام الطبيب 46 عاماً.
إذاً أنت حينما تدعو الله أنت مؤمن بوجوده، ومؤمن أيضاً أنه على كل شيء قدير، ومؤمن أنه يسمعك، ومؤمن أنه يحب أن يرحمك، أنت لن تدعو عدواً، تدعو جهة، تؤمن بوجودها، وبأنها تسمعك، وبقدرتها، وبمحبتها، فالذي يدعو الله معه أربع شهادات، معه شهادة إيمانه بالله موجوداً، وشهادة إيمانه بالله سميعاً (درسنا هو "السميع")، وشهادة إيمانه بالله رحيماً، وشهادة إيمانه بالله قديراً، معه أربع شهادات. المعصية حجاب بين العبد و ربه:
لذلك:
﴿ قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ ﴾
﴿ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً ﴾
( سورة الفرقان )
لكن بالتحليل العلمي لن تستطيع أن تدعوه إذا كنت في معصية، المعصية حجاب أما إذا كنت على طاعة تدعوه كل دقيقة، اسأله ملح طعامك، اسأله شسع نعلك إذا انقطع، اسأله حاجتك إذا أضعتها، اسأله عن كل شيء.
(( إن الله يحب الملحين في الدعاء ))
[رواه الحكيم ابن عدي في الكامل والبيهقي في شعب الإيمان عن عائشة]
من لا يدعني أغضب عليه. دعاء الإنسان بينه و بين ربه من أقوى أنواع الأدعية فمن تذلل لله رفعه:
لكن أحياناً تكون في ظرف صعب، ولا تحتاج إلى أن تحرك شفتيك.
﴿ إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً ﴾
( سورة مريم )
وأنت ساكت، شفتاك منطبقتان تماماً، بإمكانك أن تدعو الله يا رب انصرني، يا رب وفقني، يا رب خذ بيدي، يا رب ألهمني الصواب، يا رب أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، يا رب كن لي ولا تكن عليّ، اهدني واهدِ بي، ارزقني طيباً، واستعملني صالحاً، وفق أولادي لما تحب وترضى، هيئ لبناتي أزواجاً صالحين، بإمكانك أن تدعو الله وأنت مطبق شفتيك، وأنت ساكت، هذا معنى قوله تعالى: ﴿ إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً ﴾
بل إن الله سبحانه وتعالى يحبك أن تدعوه سراً.
إذا شخص له مشكلة بالجمرك غرامتها عشرة ملايين، والثاني عنده امتحان شهادة ثانوية، ومعلق آماله بعلامات تدخله كلية الطب، وامرأة عاقر عملت طفل أنبوب تنظر النتيجة الإيجابية، هل الثلاث في دعاء يجمع بينهم ؟ لا يوجد، فلابد من دعاء شخصي بينك وبين الله وهو من أقوى أنواع الأدعية. ﴿ ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً ﴾
( سورة الأعراف الآية: 55 )
يعني تذللاً، المؤمن عنده عزة، لو وزعت على أهل بلد لكفتهم، عزيز، لكن بين يدي الله ذليل، وكلما تذلل لله أعزه الله، كلما مرغ جبهته في أعتاب الله أعزه الله ﴿ ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً ﴾
يعني تذللاً.
﴿ وَخُفْيَةً ﴾
( سورة الأعراف الآية: 55 )
الدعاء لا يحتاج إلى صوت عريض، دعاء منمق، ودعاء موزون، وعلى القوافي، لا.
(( إنكم ليس تدعون أصمَّ ولا غائباً إنكم تدْعُونَ سميعاً قريبا ))
[ أخرجه البخاري عن أبي موسى الأشعري ]
لابدّ من أن يكون في قلب كل مؤمن محبة لله و خوف منه و تعظيم له:
لكن الله عز وجل قال:
﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾
( سورة الأعراف )
قال علماء التفسير: الذين اعتدوا بعدم تحقق شروط الدعاء، بصوت مرتفع ، بفصاحة ما بعدها فصاحة، بقلب ساهٍ ولاهٍ، بكبر وإعجاب، ﴿ ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾
لكن لو وسعنا كلمة معتدين أي إنسان اعتدى على حق أخيه، الإنسان الله عز وجل لا يستجيب دعاءه، المؤمنون، والمتقون، والأنبياء، والمرسلون إنهم:
﴿ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ ﴾
( سورة الأنبياء )
﴿ رَغَباً وَرَهَباً ﴾
(( قال: يا رب أي عبادك أحبّ إليك حتى أحبه بحبك ؟ قال: أحبّ عبادي إلي تقي القلب، نقي اليدين، لا يمشي إلى أحد بسوء، أحبني، وأحب من أحبني، وحببني إلى خلقي، قال: يا ربي إنك تعلم أني أحبك، وأحب من يحبك، فكيف أحببك إلى خلقك ؟ قال: ذكرهم بآلائي، ونعمائي، وبلائي ))
[ ورد في الأثر ]
يعني ذكرهم بآلائي كي يعظموني، وذكرهم ببلائي كي يخافوني، وذكرهم بنعمائي كي يحبوني، في هذا النص في الأثر يتضح أنه لابدّ من أن يكون في قلب المؤمن محبة لله من خلال نعمه، وخوف من الله من خلال بلائه، وتعظيم له من خلال آلائه. المحسن إنسان مستجاب الدعوة:
﴿ وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾
( سورة الأعراف )
المحسن مستجاب الدعوة، دروسنا المديدة والعديدة إن شاء الله. ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾
( سورة الأعراف الآية: 180 )
تعرفوا إلى أسمائه الحسنى، وتقربوا إليه بكمال مشتق من كمالاته. الله عز وجل يدعو كل إنسان إلى السعادة الحقيقية و الحياة الأبدية:
الآن عندنا شيء معاكس، دعانا أن ندعوه، الآن هو يدعونا إلى ماذا ؟ قال:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾
( سورة الأنفال الآية: 24 )
دعاكم إلى حياة حقيقية، دعاك إلى حياة أبدية، دعاك إلى حياة القلب، دعاك إلى الأمن، دعاك إلى السعادة، دعاك إلى التوازن، دعاك إلى العزة، ﴿ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾
ليس من مات فاستراح بميت إنما الميت ميت الأحياء
* * *
يا بني مات خزان المال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة. حقوق العباد مبنية على المشاححة و حقوق الله مبنية على المسامحة:
الآن:
﴿ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ ﴾
( سورة إبراهيم الآية: 10 )
من للتبعيض ﴿ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ ﴾
لكم بعض ذنوبكم التي بينكم وبينه، أما التي بينكم وبين العباد هذه لا تغفر لا بحج، ولا بصيام، ولا بتوبة، ما لم تؤدَ الحقوق، ما كان بينك وبين العباد لا يغفر إلا بالأداء أو المسامحة فقط، أما الشرك ذنب لا يغفر، وأما ما كان بينك وبين العباد ذنب لا يترك، وأما ما كان بينك وبين الله فهو الذنب الذي يغفر بكل بساطة حينما تقول له يا رب لقد تبت، يقول: يا عبدي وأنا قد قبلت. دعوة الله عز وجل كل إنسان إلى جنة عرضها السماوات والأرض:
إذاً
﴿ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ ﴾
أي بعض ذنوبكم. ﴿ وَاللَّهُ يَدْعُو ﴾
( سورة يونس الآية: 25 )
إلى ماذا يدعونا ؟ قال: ﴿ إِلَى دَارِ السَّلَامِ ﴾
( سورة يونس الآية: 25 )
إلى جنة عرضها السماوات والأرض، إلى جنة لا تعب فيها ولا نصب، إلى جنة لك فيها ما تشاء، إلى جنة فيها:
(( ما لا عين رأتْ ولا أذن سمعتْ، ولا خطَر على قلبِ بَشَرْ ))
[ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة ]
الخاسر يوم القيامة إنسان غافل لم يستجب لما دعاه الله إليه:
﴿ قَالَ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾
( سورة الشورى الآية: 45 )
أما الشركاء: ﴿ إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ ﴾
( سورة فاطر الآية: 14 )
ما في إمكانات، ما في شواغر، الأمر ما بيدي، هذا من فوق، ﴿ إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ ﴾
الإشراك بالله ذنب لا يغفر و عذابه من أشد أنواع العذاب:
﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ﴾
( سورة الشعراء )
أحد أكبر العذاب أن تشرك بالله شركاً خفياً، أن تتوهم أن إنساناً بيده ضرك ونفعك، قل لا أملك لكم نفعاً ولا ضراً. ﴿ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلَا نَفْعاً ﴾
( سورة يونس الآية: 49 )
﴿ وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾
( سورة يونس )
سخرية الشيطان من الإنسان الخاسر يوم القيامة:
آخر شيء:
﴿ وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ﴾
(سورة إبراهيم الآية: 22)
أي ضحكت عليكم. ﴿ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ ﴾
لا أملك سلطة إطلاقاً عليكم. ﴿ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾
( سورة إبراهيم )
إخوتنا الكرام، إذا ذكرت اسم "السميع" لا تنسى أنه سميع الدعاء، ومعنى سميع الدعاء أي مستجيب للدعاء بشرط أن تحقق شروطه.
السعيد
08-26-2018, 08:01 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( السادس و الثمانون )
الموضوع : اسم الله - العفو - 1 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
من أسماء الله الحسنى: ( العفو ):
أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى والاسم اليوم العفو، ولكن لا بد من مقدمة كي نفهم حقيقة هذا الاسم.
الإنسان من بين كل الخلائق تصدى لحمل الأمانة:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1877/01.jpg
الله عز وجل خلق الخلائق، وفي عالم الذر عرض عليهم حمل الأمانة، قال تعالى:
﴿عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ﴾
( سورة الأحزاب الآية: 72 )
فالإنسان من بين كل الخلائق تصدى لحمل الأمانة، وكأن لسان حاله يقول أنا لها لكن بقية الخلائق أشفقوا من حملها واكتفوا أن يكونوا طائعين لله، من هنا يقول الإمام علي رضي الله عنه: رُكِّب الملَك من عقل بلا شهوة، ورُكّب الحيوان من شهوة بلا عقل، ورُكّب الإنسان من كليهما، فالإنسان قَبِل حمل الأمانة، أي قَبِل أن تكون نفسه أمانة بين يديه. ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا (10) ﴾
( سورة الشمس )
تكريم الله الإنسان عندما قَبِل حمل الأمانة:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1877/02.jpg
قَبِل الإنسان حمل الأمانة، فلما قَبِل حمل الأمانة سخر الله له ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه، وأعطاه مقومات حملها، أعطاه كوناً ينطق بوجود الله وكماله ووحدانيته، أعطاه عقلاً أداة فعالة لمعرفته، أعطاه فطرة تكشف له عن خطئه، أعطاه شهوة تدفعه إلى الخير، أعطاه حرية تثمن عمله، أعطاه وقتاً هو غلاف عمله، أعطاه قوة فيما يبدو ليحقق اختياره، فالإنسان كائن متميز، في معه قبضة من تراب الأرض في شهوات:
﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ (14) ﴾
( سورة آل عمران )
يوجد عنده ومضة من نور الله، خلقه من نوره ومن تراب الأرض، في دوافع علوية، في دوافع سفلية، في مبادئ في قيم في شهوات، وهو بينهما. الإنسان إما أن يكون فوق الملائكة أو دون أحقر حيوان:
الحيوان شهوته أصله ولا يحاسب وليس مكلفاً ولا مخيراً، والملك عقله أصله ولا يحاسب ولا يخير ولا يشقى، إلا الإنسان دققوا إما أن يفوق الملائكة المقربين وإما أن يهوي إلى أسفل سافلين:
﴿ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (5) ﴾
( سورة التين )
إما أن يكون فوق الملائكة أو دون أحقر حيوان، الدليل: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (7)﴾
( سورة البينة )
يعني خير ما برأ الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ(6) ﴾
( سورة البينة )
لا يوجد حل وسط، أب عنده أولاد عرض عليهم أن يعملوا في معمله بدخل معقول وبيت ومركبة، لكنه قال من يقبل أن يأتي بأعلى شهادة في إدارة الأعمال أمنحه نصف المعمل، أحد أولاده الأذكياء تنطحوا لذلك، هذا إذا ذهب إلى هناك ونسي مهمته وانغمس بالملذات وملاحقة الفتيات، يعود إلى بلده محتقراً لا يملك شيئاً، أما إذا وفى بعهده ودرس نال نصف المعمل. ﴿إنا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ﴾
( سورة الأحزاب الآية: 72 )
من لم يحمل الأمانة كما أرادها الخالق سبحانه كان ظلوماً جهولاً:
الآن في كلمتين دقيقتين:
﴿ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ﴾
( سورة الأحزاب الآية: 72 )
المعنى استفهامي، هل كان ظلوماً جهولاً حينما تنطح لحمل الأمانة ؟ لا كان طموحاً، فإن لم يحملها المعنى تقريري: ﴿ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ﴾
( سورة الأحزاب الآية: 72 )
أنت إن وفيت بما عاهدت الله عليه أنت لست ظلوماً ولا جهولاً، أما إذا لم توفِ بما عاهدت الله عليه ؛ فالإنسان الذي لم يحمل الأمانة كما أراد الله عز وجل كان ظلوماً جهولاً. التوبة النصوح يقبلها الله عز وجل و يعفو عن صاحبها:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1877/03.jpg
الآن الله عز وجل أرحم الراحمين وهو رب العالمين، الإنسان غلبته شهوته، انتهى ؟ لا، للشقاء الأبدي ؟ لا، أمامه مليار مليار مليار فرصة ليصحح، من هنا كان اسم العفو، الشهوة غلبت تتوب، لذلك أجمل كلمة قرأتها، ما أمرك الله أن تستغفره إلا ليغفر لك، وما أمرك الله أن تتوب إليه إلا ليتوب عليك، وما أمرك أن تسأله إلا ليعطيك: ﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (27) ﴾
(سورة النساء)
لذلك أيها الأخوة، كان اسم العفو، الإنسان المخلوق الأول، المكرم، المكلف لعبادة الله ؛ العبادة طاعة طوعية، ممزوجة بمحبة قلبية، أساسها معرفة يقينية، تفضي إلى سعادة أبدية، هذا الإنسان المكلف العفو له، يعني إن قلت يا رب لقد تبت إليك يقول الله لك وأنا قد قبلت، إذا قال العبد يا رب وهو راكع قال الله له لبيك يا عبدي، فإذا قال العبد يا رب وهو ساجد قال الله له لبيك يا عبدي، فإذا قال العبد يا رب وهو عاص قال الله له: لبيك ثم لبيك ثم لبيك. أنا أنتظرك. باب التوبة مفتوح على مصراعيه لكل إنسان:
لذلك:
(( لله أفرح بتوبة عبده من العقيم الوالد، ومن الضال الواجد، ومن الظمآن الوارد ))
[ أخرجه ابن عساكر في أماليه عن أبي هريرة ]
أنت حينما تتوب إلى الله يفرح الله بك بنص الحديث، حتى إن النبي عليه الصلاة والسلام له وصف دقيق جداً، هذا الوصف الدقيق أن أعرابي امتطى ناقته ليقطع الصحراء بها عليها طعامه وشرابه، جلس ليستريح فأخذته سنة من النوم فأفاق فلم يجد الناقة أيقن بالموت المحقق فبكى، ثم بكى، ثم بكى فأدركته سنة من النوم، فاستيقظ فرأى الناقة، اختل توازنه اختلالاً شديداً، فصاح من شدة الفرح: يا رب أنا ربك وأنت عبدي، دققوا الآن يقول عليه الصلاة والسلام:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1877/04.jpg
(( لله أفرح بتوبة عبده من هذا البدوي بناقته ))
[متفق عليه عن أنس بن مالك]
لا تعلم كم يفرح الله إذا عدت إليه، واصطلحت معه، وتبت إليه، واستغفرته وسألته العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة، وما دام القلب ينبض باب التوبة مفتوح على مصراعيه، لو جئتني بملء الأرض والسماء خطايا غفرتها لك ولا أبالي. ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا (53) ﴾
(سورة الزمر)
باللغة الدارجة الصلحة بلمحة، والذي تاب إلى الله يعرف معاني ما أقول، أنت حينما تتوب إلى الله تنزاح عنك هموم كالجبال تشعر براحة ما بعدها راحة، مالك الملوك، ملك الملوك قيوم السماوات والأرض معك، وإذا كان الله معك فمَن عليك ؟ إذا كان عليك فمن معك ؟ العفو هو التجاوز عن الذنب وترك العقاب عليه:
الآن اسم العفو ورد في قوله تعالى:
﴿ إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (149) ﴾
(سورة النساء )
أنت حينما تعفو تتقرب إلى الله بكمال مشتق من كماله. ﴿ إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (149) ﴾
(سورة النساء )
آية ثانية: ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (99) ﴾
(سورة النساء )
كان الله أي كمالاته مع وجوده، كان الله ولم يكن معه شيء ومنذ أن كان الله هو عفو غفور، لا يوجد صفات طارئة. ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (60) ﴾
(سورة الحج )
(( قلت: يا رسولَ الله إِنْ وَافَقْتُ ليلةَ القَدْرِ، ما أَدْعُو به ؟ قال: قُولي: اللهم إنك عَفُوٌّ كَرِيمٌ تُحِبُ الْعَفْوَ فاعْفُ عَنِّي ))
[الترمذي عن عائشة رضي الله عنها ]
العفو هو الله من العفو، والعفو من صيغ المبالغة، والعفو هو التجاوز عن الذنب وترك العقاب عليه، وكل من استحق عندك عقوبة فتركت عقوبته فقد عفوت عنه، المعنى البسيط. المؤمن إنساني يعرف لمن حوله حقه ولو كان تحت يده:
أيها الأخوة، جاء رجل إلى النبي عليه الصلاة والسلام فقال: يا رسول الله كم نَعفُو عن الخادم ؟ فَصَمَتَ، ثم أعاد عليه الكلام، فصمت، فلما كانت الثالثة قال:
(( اعفُ عنه في كل يوم سبعين مرة ))
[أبو داود عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1877/05.jpg
إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم أطعموهم مما تأكلون، ألبسوهم مما تلبسون، لا تكلفوهم ما لا يطيقون، وإذا كلفتموهم أعينوهم على ذلك، يعني لا بد من توضيح فكرة أنا أرى أن الإنسان إما أن يكون إنسانياً أو عنصرياً، معنى عنصري أي يرى لنفسه ما ليس لغيره، ويرى على غيره ما ليس عليه، فهذا الخادم إنسان له مشاعر، له كرامة، له حاجات، ما دمت تعامله كإنسان فأنت إنساني ولو كان خادماً، الخادم عبد من عباد الله جعله الله تحت يديك وما لم يعامل الخادم كما يعامل الابن أنا أعني ما أقول، وما لم يعامل الخادم كما يعامل الابن فأنت عنصري.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1877/06.jpg
قال لي شخص عندي شاب يتيم ذكي جداً طلب مني ساعة قبل الدوام يغادر ليتابع دراسته ليلاً، ما قبلت أخاف أن يتعلم ويفقس. يضع لابنه مليوني ليرة دروس خاصة ليكون طبيباً أما هذا اليتيم طلب منك ساعة قبل الدوام ليأخذ كفاءة ما قبلت، عنصري، حينما ترى ما لك ما ليس لزوجتك زوج عنصري، حينما تعامل زوجة ابنتك في البيت معاملة لا ترضاها لابنتك عنصري، عندما تميز نفسك على غيرك فأنت عنصري، المؤمن إنساني يعرف للناس حقهم، يعرف لمن حوله حقه ولو كان تحت يده.
هل تصدقون قبل بعثة النبي عليه الصلاة والسلام عنده سيدنا زيد بن الحارثة جاء أبوه وعمه ليعطوا النبي عليه الصلاة والسلام ما يريد، قال لا هو ابنكم خيروه فاختار أن يكون عند النبي، في إنسان يختار رجلاً غريباً عن أبيه وأمه وعمه ؟ ماذا لقي منه، ماذا لقي من معاملة ؟ من كرم ؟ من لطف ؟ فلذلك إن لم تعامل من حولك وكأنهم أولادك ففي مشكلة، الإيمان ما تغلغل إلى أعماق النفس. معاني العفو:
من معاني العفو أنه يعطي معنى الكثرة وزيادة والدليل:
﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ (219) ﴾
(سورة البقرة )
ما فضل عن نفقتكم، وعفا القوم أي كثروا، وعفا النبت أي نما وطال، معاني أخرى للعفو، لكن العفو سبحانه وتعالى هو الذي يعفو ويستر ويصفح عن الذنوب مهما كان شأنها ويستر العيوب ولا يحب إظهارها، يعفو عن المسيء كرماً وإحساناً ويفتح واسع رحمته فضلاً وإنعاماً، حتى يزول اليأس من القلوب وتتعلق بعلام الغيوب.
الإمام القرطبي من كبار العلماء والمفسرين يقول: العفو أن الله سبحانه وتعالى يعفو عن خلقه، وقد يكون هذا العفو بعد العقوبة أو قبلها.
أي هذا الذنب يستحق عقاباً معيناً، هذا المذنب يتحمل وزر هذا الذنب، العفو هو الذي لا يعاقب على هذا الذنب، أو يعاقب في الدنيا ويعفو في الآخرة، من أقيم عليه حدّ يعد إقامة الحد عليه سبباً لعفو الله عنه في الآخرة.
أما المغفرة لا يوجد معها عقاب، المغفرة أوسع من العفو، المغفرة لا عقاب معها أما العفو قد يكون عفواً في الدنيا قبل العقاب وقد يكون عفواً في الآخرة بعد العقاب. تبديل السيئات حسنات مع الإقبال على الله في عدل و رحمة و تواضع:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1877/07.jpg
أيها الأخوة، الله عز وجل يقول:
﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (70) ﴾
(سورة الفرقان )
يوجد مفهوم أنا لا أقبله إطلاقاً، أن السيئات مهما كانت كبيرة تنقلب يوم القيامة إلى حسنات كبيرة، معنى ذلك بقدر ما تستطيع افعل سيئات كبيرة حتى تصبح يوم القيامة حسنات كبيرة ؟ هذا المعنى مرفوض، لكن الإنسان كان غضوباً صار حليماً، كان بخيلاً صار كريماً، كان قاسي القلب صار رحيماً، تبديل السيئات حسنات مع البعد عن الله في سيئات في حمق في حقد في قسوة في ظلم في إجحاف لكن مع الإقبال على الله في عدل في رحمة في حلم في تواضع، هذا المعنى الذي يليق بالمؤمن. ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (70) ﴾
(سورة الفرقان )
العفو و المغفرة:
أيها الأخوة:
(( يُدنى المؤمن من ربه حتى يضَع عليه كنَفَه، فيقرِّرُه بذنوبه: تَعْرِفُ ذَنّبَ كذا وكذا ؟ فيقول: أعرف ربِّ، أعرفُ، فيقول سَتَرْتُها عليك في الدنيا، وأغْفِرُها لك اليومَ، ثم تُطوى صحيفةُ حسناته.))
[ البخاري عن ابنُ عمرَ رضي الله عنه]
الله عز وجل في الدنيا يعفو عنك، يعني لا يعاقبك بعقاب الذنب الذي ارتكبته لكن في الآخرة يغفر لك، فالمغفرة لا يوجد معها عقاب، أما العفو قد يأتي بعده عقاب وقد لا يأتي وقد يسبقه عقاب، يوجد وزر تحمّله المذنب من هذا الذنب، العفو ألا يعاقب على هذا الوزر أما الفعل قائم. كل إنسان سيرى عمله يوم القيامة عملاً عملاً:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1877/08.jpg
أيها الأخوة، عندنا نقطة دقيقة أن الإنسان أعماله كلها سوف يراها، تعرض عليه.
﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (49) ﴾
(سورة الكهف )
الآن أحدث طريقة بالتحقيق أن تريه خطأه، في مخالفة سير يرى الصورة، يوجد أجهزة الآن تلتقط المخالفات لا يستطيع أن يتكلم و لا كلمة، لا يوجد حوار إطلاقاً، هذه مخالفتك، فالله سبحانه وتعالى يوم القيامة يري الإنسان عمله في بعض الآثار: قد تقع عين الأم على ابنها يوم القيامة، تقول الأم لابنها: هل من حسنة أنتفع بها من حسناتك ؟ جعلت لك صدري سقاء، وبطني وعاء، وحضني وطاء، فهل من حسنة يعود عليّ خيرها اليوم ؟ يقول لها ابنها: يا أمي، ليتني أستطيع ذلك إنما أشكو مما أنت منه تشكين .
(( يحشر الناس يوم القيامة حفاةً، عراةً، غرلاً ))
[ مُتَّفَقٌ عَلَيْه ]
قالت: يا رسول الله، أينظر بعضنا إلى بعض ؟ قال: يا أم المؤمنين، الأمر أفظع مما يعنيهم ذلك.
والله بزلزال وقع في مدينة عربية حدثني صديق بيته أصابه هذا الزلزال، زوجته من شدة خوفها حملت ابنها الرضيع وانطلقت إلى الشارع ثم اكتشفت أن الذي حملته ليس ابنها بل هو حذاء زوجها. ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (2) ﴾
(سورة الحج)
﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (175) ﴾
(سورة البقرة)
بطولة الإنسان أن يعد العدة لمثواه الأخير:
أنا أقول يا أيها الأخوة، نحن أحياء والقلب ينبض ويوجد بالعمر بقية لما لا نتوب إلى الله.
(( لو يعلم المعرضون انتظاري لهم، وشوقي إلى ترك معاصيهم، لتقطعت أوصالهم من حبي، ولماتوا شوقاً إليّ، هذه إرادتي بالمعرضين، فكيف بالمقبلين ؟ ))
[ ورد في الأثر ]
كنت أقول مرة: شخص ناجى ربه فقال يا رب إذا قلت لنبي كريم ولأخيه: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1877/09.jpg
﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44) ﴾
( سورة طه)
إذا كانت رحمتك بمن قال أنا ربكم الأعلى هكذا فكيف رحمتك بمن قال سبحان ربي الأعلى ؟ إذا كانت رحمتك بمن قال ما علمت لكم من إله غيري فكيف رحمتك بمن قال لا إله إلا اله ؟
(( مرّ النبي عليه الصلاة و السلام بقبر فقال: صاحب هذا القبر إلى ركعتين مما تحقرون من تنفلكم خير له من كل دنياكم ))
[ ورد في الأثر ]
البارحة حدثني أخ قال فلان راتبه بالشهر خمسمئة ألف، مدير مطعم بفندق خمس نجوم، يوجد إنسان أرباحه اليومية ملايين (اليومية)، يوجد إنسان اشترى أرضاً تضاعفت مئة ضعف مثلاً، صاحب هذا القبر إلى ركعتين مما تحقرون من تنفلكم خير له من كل دنياكم، فالبطولة أن نعد لهذه الساعة التي لا بد منها أن نعد لمثوانا الأخير، بيوتنا مثوى مؤقت، البطولة أن نعد لمثوانا الأخير. قضية الدين قضية مصيرية:
أيها الأخوة الكرام، قضية الدين قضية مصيرية، فو الذي نفس محمد بيده ما بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار.
أنت حينما ترى جنازة هل تعلم مصير هذا الإنسان ؟ إما إلى جنة يدوم نعيمها أو إلى نار لا ينفذ عذابها، والإنسان حينما يأتيه ملك الموت إن كان من أهل النار يصيح صيحة لو سمعها أهل الأرض لصعقوا.
﴿يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (24) ﴾
( سورة الفجر)
نحن أحياء الآن الله يجعلنا من المؤمنين الصادقين.
السعيد
08-26-2018, 08:03 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( السابع و الثمانون )
الموضوع : اسم الله - العفو - 2 -
حمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: ( العفو):
أيها الأخوة الكرام، لازلنا مع اسم العفو، ومرات و مرات، نذكر بأن قوله تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا (180) ﴾
( سورة الأعراف)
لأنه جلّ جلاله ذات كاملة ولا سبيل إلى التقرب إليه إلا أن تكون كاملاً، لأن الله طيب ولا يقبل إلا طيباً، أحد أكبر أسباب القربات إليه، أن تتخلق بكمال مشتق منه، فإذا كان الله عفواً، ما من قربة إلى الله أعظم من أن تعفو عمن ظلمك، ورد في بعض الأحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(( أمرني ربي بتسع، خشية الله في السر والعلانية))
[ القرطبي عن أبي هريرة]
المؤمن الصادق باطنه كظاهره:
المؤمن الصادق خلوته كجلوته، باطنه كظاهره، سره كعلانيته، ازدواجية لا يوجد عنده، واضح وضوح الشمس كما قال عليه الصلاة والسلام، لأن منهج النبي واضح قال:
(( تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك ))
[ الذهبي عن العرباض بن سارية ]
فالنبي الكريم يوجهنا ويقول متحدثاً عن نفسه:
(( أمرني ربي بتسع، خشية الله في السر والعلانية، كلمة العدل في الغضب والرضا، القصد في الفقر والغنى ))
[ القرطبي عن أبي هريرة]
معظم الناس يلجؤون إليه عند الشدة، هذا شيء طبيعي لكن بطولة المؤمن أنه يعرف الله في الرخاء وهو صحيح، وهو معافى، وهو في قمة النجاح لا ينسى الله، النبي صلى الله عليه وسلم حينما دخل مكة فاتحاً، دخلها مطأطئ الرأس حتى كانت ذؤابة عمامته تلاصق عنق بعيره تواضعاً لله، فالمؤمن يعرف الله في الرخاء، والقصد في الفقر والغنى، وأن أصل من قطعني، وأن أعفو عمن ظلمني، هنا الشاهد وأن أعطي من حرمني. ﴿ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) ﴾
( سورة فصلت )
دققوا الآن، وأن يكون صمتي فكراً، وأنا ساكت أتفكر في ملكوت السماوات والأرض، وأنا أنظر إلى آيات الله أسبح الله وأعظمه وأمجده، وأن يكون صمتي فكراً ونطقي ذكراً، أذكر الناس بآياته، بكمالاته، بأنبيائه، برسله، بالدار الآخرة، ونظري عبرة، ومن لم تحدث المصيبة في نفسه موعظة فمصيبته في نفسه أكبر. من معاني اسم العفو:
إذاً الله سبحانه وتعالى ذات كاملة لا سبيل إلى التقرب إليه إلا بالكمال، هذا شأن أهل الإيمان، أما الأقوياء يتقرب إليهم بإعلان الولاء فقط، برفع صورة، بكلام طيب يلقى في حضرتهم، وانتهى الأمر، لكن عظمة هذا الدين أن أهل الإيمان لا سبيل لهم إلى الله إلا أن يكونوا كاملين، لذلك الله جل جلاله من أسمائه العفو هذا الاسم ماذا يعني ؟ يزيل عن النفوس ظلمة الزلات برحمته، ووحشة الغفلات عن القلوب بكرامته، والعفو هو الذي أزال الذنوب من الصحائف، وأبدل الوحشة بفنون اللطائف، والعفو هو الذي يمحو آثار الذنوب ويزيل ريحها بمغفرته، العفو هو الذي يترك المؤاخذة على الذنوب ولا يذكر بالعيوب، فالله سبحانه وتعالى عفو يمحو ذنوب العبد التائب من ديوان الكرام الكاتبين الملائكة، ولا يطالبه بها يوم القيامة وينسيهم إياها حتى في أعماق قلوبهم كي لا يخجلوا عند تذكرها. الحب في الله أصل في خلق الإنسان:
يوجد تعليق مأخوذ من السيرة حول هذا، أحد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الصحابي الجليل شهد مصرع خبيب، سيدنا خبيب ألقي القبض عليه عقب معركة بدر، وأراد أهل مكة أن ينتقموا بصلبه ثأراً لقتلاهم ببدر، فجمعوا كل من وصل إلى علمه هذا الخبر وأرادوا أن يصلبوه على مرأى من كل هؤلاء، طبعاً سأله أبو سفيان قال: يا خبيب أتحب أن يكون محمد مكانك ؟ قال: والله ما أحب أن أكون في أهلي وولدي وعندي عافية الدنيا ونعيمها. بالمقاييس المعاصرة بيت فخم أربعمئة متر، له إطلالة رائعة، فيه كل الأجهزة الكهربائية، أثاث فخم، لوحات زيتية، زهور ورود فواكه إلخ.
والله ما أحب أن أكون في أهل وولدي وعندي عافية الدنيا ونعيمها ويصاب رسول الله بشوكة. فقال أبو سفيان: ما رأيت أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمد محمداً.
الدين حب يقال لك في عيد حب، من قال لك إن الحب ليس أصلاً في خلق الإنسان، أي إنسان لا يجد حاجة في نفسه إلى أن يُحِب أو إلى أن يُحَب ليس من بني البشر، لأن الله سبحانه وتعالى أراد أن تكون العلاقة بيننا وبينه علاقة حب، قال تعالى: ﴿ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ (54) ﴾
( سورة المائدة )
ما أرادنا أن نطيعه مكروهين قال: ﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي (256) ﴾
( سورة البقرة )
ما أراد أن نأتيه قصراً، أراد أن نأتيه طائعين، أراد أن نأتيه بمبادرة منا، أراد أن نأتيه محبين، أراد الله عز وجل أن تكون المحبوبية أصل العلاقة بيننا وبينه، لكن البطولة أن تعرف من تحب، قد تحب جسداً فانياً تنتهي علاقتك به إلى كآبة وإلى فضيحة، وقد تحب الذات الكاملة، لذلك الحب في الله أصل في خلق الإنسان. الحب في الله عين التوحيد والحب مع الله عين الشرك:
هناك حب في الله وهناك حب مع الله، وفرق كبير بين الحب في الله وبين الحب مع الله، الحب في الله عين التوحيد، والحب مع الله عين الشرك، لذلك يقول الإمام علي رضي الله عنه: الشرك أخفى من دبيب النملة السمراء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، وأدناه أن تحب على جور. أن تحب إنساناً غير مستقيم لكن لك معه مصالح، تحبه، هذا شرك، أو تبغض على عدل، إنسان نصحك بأدب ما تحملته سفهته، فالذي يرفض النصيحة عنده نوع من أنواع الشرك، أشرك ذاته مع الله، هو لا يغلط، والذي يحب على جور أشرك الذي أحبه مع الله، لذلك: ﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ ﴾
( سورة يوسف )
هذا هو الشرك الخفي، أخوف ما أخاف على أمتي الشرك الخفي أما إني لست أقول إنكم تعبدون صنماً ولا حجراً ولكن شهوة خفية، وأعمال لغير الله.
فلذلك أتحب أن يكون محمد مكانك ؟ قال له: والله ما أحب أن أكون في أهلي وولدي وعندي عافية الدنيا ونعميها ويصاب رسول الله بشوكة، فقال أبو سفيان: ما رأيت أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمد محمداً.
أما القصة أن هذا الصحابي الجليل قال: شهدت مصرع خبيب بن عدي، هذا السؤال سئل ما الذي يصيبك ؟ كان يغيب عن الوعي من حين إلى آخر، يغيب عن الوعي كلياً، فلما سئل عن هذا الغياب ؟ قال: شهدت مصرع خبيب بن عدي وأنا مشرك ورأيت قريشاً تقطع جسده، وهي تقول أتحب أن يكون محمد مكانك ؟ فيقول والله ما أحب أن يكون محمد مكاني ويصاب بشوكة، لذلك يقول هذا الصحابي الجليل إني والله كلما ذكرت ذلك اليوم وكيف إني تركت نصرته إلا ظننت أن الله لن يغفر لي، وتصيبني الغشية. هذا الذي يتقاعس عن نصرة المؤمنين هذا الذي يتقاعس عن نصرة إخوانه المؤمنين لو يعلم ماذا سيلقى يوم القيامة ؟ الفرق بين العفو والغفران:
أيها الأخوة، الفرق بين العفو والغفران فرق كبير، الله عز وجل عفو غفور، لكن بين العفو والغفران فروق، الغفران يقتضي إسقاط العقاب ونيل الثواب ولا يستحقه إلا المؤمن أما العفو يقتضي إسقاط اللوم والذم ولا يقتضي الثواب، الفارق بين الغفران وبين العفو، العفو يكون قبل العقوبة أو بعدها، لكن الغفران لا يكون معه عقوبة إطلاقاً، العفو إسقاط العقاب والغفران ستر للذنب وصون عن الفضيحة، أما الفرق بين العفو والصفح، فالعفو أقل من الصفح والصفح أبلغ من العفو والصفح لا تأنيب معه، قد أعفو عن إنسان وأؤنبه، أما الصفح لا تأنيب مع الصفح. كلما ارتقى الإنسان عند الله عز وجل قلّت ذنوبه و تاب توبة نصوحة:
أيها الأخوة، لكن الشاهد دقيق جداً، يقول عليه الصلاة والسلام:
(( لله أفرح بتوبة عبده من العقيم الوالد، ومن الضال الواجد، ومن الظمآن الوارد ))
[ أخرجه ابن عساكر في أماليه عن أبي هريرة ]
لله أفرح بتوبة التائب من الظمآن الوارد كان على وشك الموت فلقي نبع ماء، والعقيم الوالد، يقول لك ثماني عشرة سنة أنجبت لي ولد ثم جاءه ولد، ومن الضال الواجد ضيّع شيئاً ثميناً جداً، ثم وجده.
فمن تاب إلى الله توبة نصوحة هنا الشاهد، فمن تاب إلى الله توبة نصوحة أنسى الله حافظيه وجوارحه وبقاع الأرض كلها خطاياه وذنوبه، فالله سبحانه وتعالى عفو غفور، المؤمن من كمال الإيمان أن يُحدث المؤمن عند كل ذنب توبة لكن بعدها مباشرة، بعد الذنب مباشرة والدليل قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ ﴾
( سورة النساء الآية: 17 )
و تقلّ ذنوبه عدداً وتقلّ حجماً، فإذا ارتقى أكثر وأكثر يكاد يبتعد عن مقارفة الذنوب كلياً إلا ما كان دون قصد أو عن ذلة لم تكن متعمدة، هذا حال المؤمن. نماذج من عفو النبي عليه الصلاة والسلام :
1 – عفو النبي عليه الصلاة والسلام عن أهل مكة:
الآن من نماذج العفو البشري، الله عز وجل عفو وأرادنا أن نتخلق بهذا الكمال من أرقى نماذج العفو البشر عفو النبي صلى الله عليه وسلم عن أهل مكة الذين ناصبوه العداء عشرين عاماً، أخرجوه من دياره، نكلوا بأصحابه، حاربوه، تفننوا في إيذائه ثم انتصر عليهم هم في قبضته، هم تحت رحمته، بإشارة تقطع رؤوسهم جميعاً ينتهي وجودهم، فقال لهم: ما تظنون أني فاعل بكم ؟ قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء، عندها قال أبو سفيان: ما أعقلك وما أرحمك وما أوصلك.
النبي صلى الله عليه وسلم كان يمارس بالفعل كل ما كان يدعو إليه بالقول:
أحد كتاب السيرة الغربيين الذين هداهم الله إلى الإسلام يقول عن سيد الأنام: كان محمد ملكاً، وسياسياً، ومحارباً، وقائداً، ومشرعاً، وقاضياً، وفاتحاً، ومهاجراً، مارس بالفعل جميع المبادئ التي كان يلقنها للناس، ولم تجد في القرآن حكماً أو أمراً لم يعمل به النبي صلى الله عليه وسلم إذ كان يمارس بالفعل كل ما كان يدعو إليه بالقول.
هنا تكمن عظمة الأنبياء ما في مسافة أبداً بين أقوالهم وأفعالهم، ما اكتشف أصحابهم أنهم يقولون شيئاً ويفعلون شيئاً آخر، كان يمارس بالفعل كل ما كان يدعو إليه بالقول، فالمرء مثلاً لن يكون عفواً (الكلام دقيق) إلا أن يكون له عدو يلقى منه أشد الإساءة ثم تدور الدائرة على هذا العدو فيقع في قبضته ويصبح تحت رحمته ثم يملك القدرة عليه، وأن ينتقم منه ثم يعفو عنه، وقد خرت جزيرة العرب صريعة تحت قدميه وأصبحت مكة قلعة العدو تحت رحمته، فلو شاء لقطع رؤوس القوم الذين كانوا بالأمس ألدّ أعدائه الذين اتخذوه هزواً وأمعنوا في اضطهاده والاستخفاف به ولو أنه عاقبهم بذنبه كان محقاً، ولم يكن ملوماً ولم تظهر فضيلة العفو قط بصورتها الكاملة في تاريخ أي دين من الأديان حتى جاء النبي صلى الله عليه وسلم، ولولاه لظلت هذه الفضيلة معطلة إلى الأبد، هو سيد الخلق وحبيب الحق وسيد ولد آدم، وقد أقسم الله بعمره الثمين.
2 – عفو النبي عليه الصلاة والسلام عن أهل الطائف:
عفو آخر له صلى الله عليه وسلم، تصور إنساناً سافر إلى بلد مشياً على قدميه ثمانون كيلو متراً إلى الطائف، وفي الطائف دعاهم إلى الله، كذبوه وسخروا منه، واستهزؤوا به، وقال له أحدهم: لو أنك صادق فيما تقول لمزقت أثواب الكعبة. ثم أغروا صبيانهم ونالوه بالأذى حتى سال الدم من قدمه الشريف، وهو يقول: إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي ولك العتبى حتى ترضى لكن عافيتك أوسع لي. الآن انظروا إلى عفوه أرسل الله له ملك الجبال، وقال: يا محمد أمرني ربي أن أكون طوع إرادتك، لو شئت لأطبقت عليهم الجبلين، كلام دقيق يعني مكنه الله أن ينتقم منهم.
وفي رواية الأخشبين، اسمعوا الجواب قال: لا يا أخي، اللهم اهدِ قومي، انتمى لهم، ما تخلى عنهم، الإنسان اليوم يذهب إلى أوروبا يرجع كأنه ليس من هذه الأمة متخلفون، اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون، انتمى إليهم، واعتذر عنهم، ودعا لهم، وتمنى على الله أن يخرج من أصلابهم من يوحده، لعل الله يخرج من أصلابهم من يوحده، هذه النبوة.
3 ـ عفو النبي عليه الصلاة والسلام عن حاطب بن بلتعة:
حاطب بن بلتعة، أرسل كتابا إلى قريش إن محمداً سيغزوكم فخذوا حذركم، كيف تقيّم هذا الكتاب في أي نظام في العالم ؟ خيانة عظمي يستحق القتل، جاءه الوحي وأبلغه ذلك، أرسل من يأتي بالمرأة التي معها الكتاب في منتصف الطريق، ثم استدعى حاطب، قال: يا حاطب ما هذا ؟ قال: والله يا رسول الله ما كفرت ولا ارتددت، قبل أن يقول حاطب قال سيدنا عمر: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق، قال: لا يا عمر، إنه شهد بدراً، انظروا إلى الوفاء، إنه شهد بدراً، لا يا عمر، يا حاطب ما هذا ؟ قال: والله يا رسول الله ما كفرت ولا ارتددت وإني لصيق في قريش وإني موقن أن الله سينصرك، أردت بهذا الكتاب أن تكون لي يد عندهم أحمي بها أهلي ومالي، فقال عليه الصلاة والسلام: إني صدقته فصدقوه، ولا تقولوا فيه إلا خيراً، هذه النبوة.
عفو النبي يوسف عليه السلام عن إخوته:
أيها الأخوة، عندنا نموذج آخر لسيدنا يوسف، طبعاً قصة معروفة إخوته تآمروا عليه وضعوه في الجب ليموت، الآيات، فلما دخلوا عليه وهو عزيز مصر:
﴿ فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ(88) ﴾
( سورة يوسف )
ضعاف فقراء وهو عزيز مصر: ﴿ قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ(89)قَالُوا أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ (90)﴾
( سورة يوسف )
هو في الجب وانتهى ومات. منتهى الكمال أن يعفو الإنسان عمن ظلمه:
لذلك:
﴿ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ(21) ﴾
( سورة يوسف )
﴿ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ(90) قالوا تالله لقد آثرك الله علينا (91) ﴾
( سورة يوسف )
إذا كان الله معك فمن عليك في الجب: ﴿ وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ(91) ﴾
( سورة يوسف )
اسمعوا العفو: ﴿ قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمْ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ(92) ﴾
( سورة يوسف )
﴿ فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ(99)وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَاي مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي (100) ﴾
( سورة يوسف )
هنا، ما قال من الجب، قال: من السجن، لئلا ليذكرهم بفعلتهم، هذا منتهى الكمال أن تعفو، وألا تذكر الذي عفوت عنه بجريمته.
قمة العفو ألا تذكر المذنب بجريمته:
﴿ إِذْ أَخْرَجَنِي مِنْ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنْ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي (100) ﴾
( سورة يوسف )
ما قال هم بحقي خاطئون لا، لا، قال: دخل بيننا الشيطان هذه قمة العفو، ألا تذكر المذنب بذنبه، ألا تمن عليه بعفوك، ألا تذكره بجريمتك: ﴿ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ(100) ﴾
( سورة يوسف )
هذه القصص، قصص الأنبياء من أجل أن نتعلم منها، لذلك اعفُ عمن ظلمك تكون كبيراً ولا تنتقم فتغدو صغيراً، الله عز وجل يحبنا إذا عفونا عن خصومنا. من تطاول على المسلمين ينبغي ألا نعفو عنه:
لكن: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (39) ﴾
( سورة الشورى)
هذا معنى آخر إذا كان في تطاول في استخفاف من أجل أن يُصغر المؤمن هذا المستخف: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمْ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ(39)وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا (40) ﴾
( سورة الشورى)
من غلب على ظنه أن العفو عن المسيء يصلحه ينبغي أن يعفو عنه و أجره على الله:
إذا غلب عن ظنك أن عفوك عنه يصلحه ينبغي أن تعفو عنه، فمن عفا وأصلح يعني غلب على ظنك أن عفوك عن هذا الإنسان يقربه إلى الله الآية الكريمة: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمْ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ(39)وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ(40) ﴾
( سورة الشورى)
حسابك عندي أي ملك وعدك بعطية ماذا سيعطيك ؟ قلم رصاص ؟ سيارة ؟ بيت: ﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ (40) ﴾
( سورة الشورى)
إذا في تطاول يجب أن تنتصر، أما في تطاول لكن في خطأ صار فإذا عفوت عنه تصلحه عندئذ أجرك على الله.
أيها الأخوة، ينبغي أن نتقرب إلى الله بكمال مشتق من كماله، هو عفو وينبغي أن نعفو.
السعيد
08-26-2018, 08:05 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الثامن و الثمانون )
الموضوع : اسم الله - اللطيف - 1 -
حمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: ( اللطيف ):
ورود اسم اللطيف في القرآن الكريم في سبع آيات:
أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم اللطيف، هذا الاسم ورد في سبع آيات من القرآن الكريم، قال تعالى:
﴿ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (14) ﴾
(سورة الملك)
وقال تعالى: ﴿ وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا (34) ﴾
(سورة الأحزاب)
ولم يقترن اسم اللطيف إلا باسم الخبير، لطيف خبير، وهذا الاسم ورد مقيداً في قول الله عز وجل: ﴿ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (100) ﴾
(سورة يوسف)
وكذلك في قوله تعالى: ﴿ اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (19) ﴾
(سورة الشورى)
وقد ورد هذا الاسم في السنة في صحيح مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي عليه الصلاة والسلام قال لها: (( لَتُخْبرِيني أو لَيُخْبِرنِّي اللطيف الخبير ))
اللغة ترقى برقي أهلها وتضعف بضعفهم:
أيها الأخوة، اللطيف في اللغة صفة مشبهة باسم الفاعل، كما ذكرت لكم من قبل: اللغة العربية بشهادة علماء اللغة في العالم من أرقى اللغات المتصرفة، معنى المتصرفة، نظام اللغة نظام أسر في جد في أولاد في أحفاد، في مصدر، في فعل ماض، فعل مضارع، فعل أمر، اسم فاعل، صيغ مبالغة لاسم الفاعل، اسم مفعول، اسم زمان، اسم مكان، اسم تفضيل، اسم آلة، صفة مشبهة باسم الفاعل، لكن السؤال ما الفرق بين اسم الفاعل وبين الصفة المشبهة باسم الفاعل ؟ الصفة المشبهة باسم الفاعل من أوزانها فعلان و فعيل، طويل، الطول صفة تلازم صاحبها، صفة تلازم الإنسان، طويل دائماً طويل أما دخل يدخل داخل، الدخول طارئ تدخل مرة واحدة، فاسم الفاعل يدل على الحدوث والانقطاع، والصفة المشبهة باسم الفاعل تدل على الثبات والدوام.
اللطيف هنا جاءت على وزن فعيل ؛ وفعيل صفة مشبهة باسم الفاعل.
أيها الأخوة الكرام، اللغة ترقى برقي أهلها وتضعف بضعف أهلها، لو أردت أن توازن بين خصائص اللغة العربية وبين خصائص اللغات الأخرى لوجدت بوناً شاسعاً، لكن ضعف هذه الأمة أضعف معها لغتها.
ثبات اللغة العربية بفضل القرآن الكريم:
على كل: ما في لغة بتاريخ البشرية يقول قائلها:
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلِ بصبح وما الإصباح منك بأمثل
هذا البيت قاله امرؤ القيس قبل ألف وخمسمئة عام، وطلابنا في الصف العاشر يقرؤون هذا البيت وهذا الشعر فيفهمونه ببساطة وبين قائل البيت ومن يفهمه الآن ألف وخمسمئة عام ؛ بينما في اللغة الإنكليزية الشعر الذي قاله شكسبير في القرن السادس عشر لا يمكن أن يفهمه أحد في بريطانيا إلا أن يفهموه مترجماً، اللغة الإنكليزية التي قيلت في القرن السادس عشر تترجم إلى اللغة الإنكليزية، ثبات اللغة العربية هذا بفضل القرآن الكريم لأنها لغة القرآن ولأنه من فضل الله علينا أن جعل لغتنا لغة كلامه، والحديث عن فقه اللغة وعن خصائص اللغة وعن عظمة هذه اللغة حديث طويل لكن يكفيها شرفاً أن الله خالق السماوات والأرض اختارها لكتابه الكريم. ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا (2) ﴾
(سورة يوسف)
﴿ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (195) ﴾
(سورة الشعراء)
الله عز وجل خلقه دائم:
الصفة المشبهة باسم الفاعل على وزن فعيل أو فعلان، لطيف، لكن في حقيقة دقيقة جداً الأصل في اللغة المعنى، هذه القاعدة الذي ذكرتها قبل قليل الله عز وجل خالق، خالق ليس مرة واحدة يخلق ما يشاء، الخلق مستمر، فمع أن علماء اللغة قالوا اسم الفاعل يدل على الحدوث والتغيير بينما الصفة المشبهة تدل على الثبات والدوام، نقول خالق يدل على الثبات، ما دام هذا الموضوع نسب إلى الله عز وجل ؛ فالله خلقه دائم لا تنطبق هذه القاعدة على اسم الله الخالق، ولما وصف سيدنا موسى بأنه غضبان على وزن فعلان، والغضب ليس من صفة الأنبياء صفة طارئة:
﴿ وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا (150) ﴾
(سورة الأعراف)
فالغضب طارئ لذلك في مقدمة أصول النحو الذي درسناه في الجامعة المعول عليه المعنى، هذا من قواعد اللغة العربية. اللطف هو رقة الشيء و استحسانه و خفته على النفس:
الآن لطف الشيء، ماذا يعني أنه لطف، اللطف في الشيء رقته، رقيق، واستحسانه، وخفته على النفس، أو احتجابه و خفاؤه، هذا هو اللطف رقة الشيء واستحسانه وخفته على النفس أو احتجابه وخفاؤه، وعند البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: في قولِ أَصحاب الإفْكِ ولا أشْعُرُ، وهو يريبُني في وجَعي: أَنِّي لا أرى من النبي صلى الله عليه وسلم اللُّطْفَ الذي كنت أرى منه حين أشتكي.
فكان النبي عليه الصلاة والسلام رقيق بالسيدة عائشة لطيف.
(( خيرُكُم خيرُكُم لأهْلِهِ، وأنا خيرُكُم لأهْلِي))
[رواه البزار ]
مقياس الأخلاق عند الإنسان أخلاقه في بيته:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1879/01.jpg
أيها الأخوة، مقياس الأخلاق أخلاقك في بيتك، مقياس الأخلاق، الإنسان خارج البيت يحسن وضعه، يلمع صورته، يعتني بثيابه، يبتسم، يعتذر، يتعطر، هذا لمصلحته لمكانته لينتزع إعجاب الناس به، مصلحته تقتضي أن يكون لطيفاً معتذراً مبتسماً أما حقيقته تظهر في البيت، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:
(( خيرُكُم خيرُكُم لأهْلِهِ، وأنا خيرُكُم لأهْلِي))
[رواه البزار ]
فالسيدة عائشة تقول: يَريبُني في وجَعي، أي مما يؤلمني في وجعي أَنِّي لا أرى من النبي صلى الله عليه وسلم اللُّطْفَ الذي كنت أرى منه حين أشتكي.
إذاً هذا منهج:
(( خيرُكُم خيرُكُم لأهْلِهِ، وأنا خيرُكُم لأهْلِي))
[رواه البزار ]
كانت تسأله كيف حبك لي ؟ يقول لها كعقدة الحبل، عقدة لا تفك فأصبحت هذه الكلمة العقدة مصطلحاً بينها وبينه، تسأله من حين لآخر كيف العقدة ؟ يقول على حالها. يعني ماذا يمنع أن تكون مع أهلك لطيفاً ؟ ماذا يمنع أن تكون مع أهلك رفيقاً رحيماً ودوداً مبتسماً ؟ السلام عليكم، الزوج اللطيف المؤنس، كان إذا دخل بيته بساماً ضحاكاً، كان يقول:
(( أكرموا النساء، فو الله ما أكرمهن إلا كريم، ولا أهانهن إلا لئيم، يغلبن كل كريم، ويغلبهن لئيم، وأنا أحب أن أكون كريماً مغلوباً من أن أكون لئيماً غالباً ))
[ ورد في الأثر ]
مرة السيدة عائشة حدثته عن قصة طويلة، عن قصة أبي زرع وأم زرع، أشادت بأبي زرع لشجاعته، لكرمه، لبطولته، لرجولته، لكنها تأسفت في نهاية القصة فقالت غير أنه طلقها طلق أم زرع فكان تعقيب النبي عليه الصلاة والسلام أنا لك كأبي زرع لأم زرع غير أني لا أطلقك.
طمأنها، من أقواله صلى الله عليه وسلم:
(( الحمد لله الذي رزقني حب عائشة ))
[ ورد في الأثر ]
يحمد الله على أن رزقه حب عائشة. على كل إنسان أن يتخذ من النبي الكريم قدوة له:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1879/02.jpg
من علامات الإيمان أن تحب حليلتك، أن تحب زوجتك، هذه زوجتك هذه هدية الله إليك، هذه إنسانة جعلها الله تحت طوعك، عاملها بالإحسان، كان عليه الصلاة والسلام رفيقاً بأهله، كان يخصف نعله ويكنس داره ويحلب شاته وكان في مهنة أهله، هكذا علمنا النبي عليه الصلاة والسلام.
إذاً الشاهد أن النبي كان لطيفاً معها، لكن بعد حديث الإفك تغير، شيء مقلق، يعني لا في دليل إثبات ولا في دليل نفي وهو سيد الخلق وحبيب الحق وتتهم زوجته بأثمن ما تملك امرأة، عفتها، امتحان صعب لماذا قال الله عز وجل:
﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ (21) ﴾
( سورة الأحزاب)
أذاقه الله الفقر وقف الموقف الكامل، أذاقه الله الغنى فكان سخياً وقف الموقف الكامل، أذاقه الله القهر في الطائف وقف موقفاً كاملاً إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي، أذاقه الانتصار في فتح مكة وقف الموقف الكامل، أذاقه موت الولد، إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، ولا نقول إلا ما يرضي الرب، أذاقه كل شيء وقف الموقف الكامل لذلك قال تعالى: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ (21) ﴾
( سورة الأحزاب)
الله عز وجل لطيف يعلم دقائق الأمور ولا يخفى عليه شيء:
الآن الله عز وجل لطيف يعني اجتمع له العلم بدقائق المصالح وأوصلها إلى من قدرها له من خلقه مع الرفق به، يقال لطف به وله، فقوله تعالى:
﴿ اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ (19) ﴾
(سورة الشورى)
يعني لطف بهم، وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ (100) ﴾
(سورة يوسف)
لطف لهم، الله لطيف بعباده رفيق بهم، يرحمهم، قريب منهم، يعامل المؤمنين بعطف ورأفة وإحسان، ويدعو المخالفين إلى التوبة والغفران مهما بلغ بهم العصيان، لطيف بعباده رفيق بهم، قريب منهم، يعامل المؤمنين بعطف ورأفة وإحسان، ويدعو المخالفين إلى التوبة والغفران مهما بلغ بهم العصيان، فهو لطيف بعباده يعلم دقائق أحوالهم ولا يخفى عليه شيء مما في صدورهم، إنسان أحياناً يبلغه أنه إذا تبرع بأرض لمسجد اضطرت البلدية أن تنظم أرضه وأن تقسمها إلى محاضر وعندئذ يرتفع السعر أضاعفاً مضاعفة، هو أراد من التبرع أن يرتفع سعر أرضه، لو سمع هذا الخبر أن فلاناً تبرع بمسجد ما شاء الله محسن كبير، من الذي يعلم الحقيقة ؟ الله عز وجل، من الذي يعلم خائنة الأعين ؟ الله عز وجل، من الذي يعلم البواعث الخفية ؟ الله عز وجل، من الذي يعلم المقاصد البعيدة ؟ الله عز وجل، لطيف يعلم دقائق أحوالهم ولا يخفى عليه شيء مما في صدورهم. من معاني اللطيف:
كم معنى للطيف ؟ رفيق، قريب، رحيم، يدعوك للتوبة مهما كنت عاصياً ويعلم كل شيء، يعلم ما خفي عنك، يعلم سرك وجهرك، علم ما كان، وعلم ما يكون، ويعلم ما سيكون، ويعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون، والدليل:
﴿ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (14) ﴾
(سورة الملك)
سيدنا لقمان قال لابنه وهو يعظه:
﴿ يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (16) ﴾
(سورة لقمان)
دقائق الأمور أدق التفصيلات، البواعث الخفية، المقاصد البعيدة، النوايا الدقيقة، المشاعر، الخواطر يعلمها، لكنه لطيف. لا يتحقق شيء على وجه الأرض إلا بتوفيق الله عز وجل:
لو رافقك إنسان لمدة أطول مما ينبغي تضجر منه يا أخي حل عني، الله معنا لكن لطيف، اللطيف هو الذي ييسر لعباده أمورهم، من ييسر لك أمورك ؟ يوفقك في زواجك في شراء بيت، بالوصول إلى المنصب، باحتلال وظيفة، بتجارة رابحة من يوفقك ؟ بطولتك ألا تعزو الفضل إلا إليه، أنت حينما تقول الله وفقني، الله أكرمني، الله مكنني، الله أعطاني، الله تفضل عليّ، الله يسر لي أمري، هذا ليس من باب التواضع من باب الحقيقة، لذلك قال تعالى:
﴿ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ (88) ﴾
(سورة هود)
لا يتحقق شيء على وجه الأرض إلا بتوفيق الله: ﴿ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ (88) ﴾
(سورة هود)
من عطاء الله على الإنسان نعمة الإيجاد و الإمداد و الهدى و الرشاد:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1879/03.jpg
إذاً اللطيف هو الذي ييسر للعباد أمورهم و يستجيب منهم دعاءهم، فهو المحسن إليهم في خفاء و ستر، من حيث لا يعلمون فنعمه عليهم سابغة ظاهرة لا يحصيها العادون و لا ينكرها إلا الجاحدون.
أنت كلك كرم من الله، منحك نعمة الإيجاد، كل شخص منا له تاريخ ميلاد أنا عندما أقرأ كتاباً و أراجع بعض صفحاته متى نُضد ؟ متى طبع ؟ إذا كان مطبوع قبل ولادتي أقول أثناء طبع هذا الكتاب كان في إنسان بالأرض اسمه راتب نابلسي:
﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (1) ﴾
(سورة الإنسان)
فأنت منحك الله نعمة الإيجاد لم تكن شيئاً مذكوراً، ثم منحك نعمة الإمداد، أعطاك هواء، أعطاك ماء، أعطاك مأوى، أعطاك علماً، أعطاك طلاقة لسان، زوجك، عندك أولاد، عندك أصهار، كل هذه النعم بفضل الله عز وجل، إذاً هذا معنى اللطيف، وهو المحسن إليهم في خفاء وستر من حيث لا يعلمون نعمه سابغة ظاهرة لا يحصيها العادون ولا ينكرها إلا الجاحدون، وهو الذي يرزقهم بفضله، هذا يتقن الخط، هذا يتقن قص الشعر، هذا يتقن التعليم، هذا يتقن الهندسة، هذا تاجر، هذا مزارع، كل واحد الله مكنه من عمل ويسره له، أ نسهر أياماً في معنا طبيب جراح يعمل كل يوم عملية قلب أنا أقول له كيف تستسيغ الطعام بالمنشار ينشر عظم القص، بجهاز معين تتباعد هذه العظام يصل إلى القلب، يوقف القلب يربطه بقلب صناعي، يفتح البطين يصل إلى الدسام أربع خمس ساعات، الدماء والإنسان مخدر ويأتي إلى بيته يأكل بشهية، إذا واحد منا رأى الدم ما فيه نفس يأكل لقمة، كيف الله مكّنه من عملية جراحية وهو مرتاح، وهذا يلقي خطبة، ذا يقود مركبة، وهذا يقود طائرة، طائرة ثلاثمئة وخمسين طناً شاب صغير يقودها بالليل معه علم، شاب صغير يقود طائرة من أكبر الطائرات ليلاً، يحرك ثلاثمئة وخمسين طناً في الهواء أقل غلط تسقط الطائرة من مكنه من ذلك ؟ الله عز وجل لطيف يعين كل إنسان على عمله:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1879/04.jpg
لذلك أيها الأخوة، الله عز وجل لطيف يعني يعين كل إنسان على عمله، يسر له عملاً، مكنه من عمل فنعمه عليهم سابغة ظاهرة وهو يرزقهم بفضله، كل واحد الله مكنه من شيء ويسر له عمله، من حيث لا يحتسبون.
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (63) ﴾
(سورة الحج)
وقال سبحانه: ﴿ اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (19) ﴾
(سورة الشورى)
كما أنه يحاسب المؤمنين حساباً يسيراً بفضله ورحمته ويحاسب غيرهم من المخالفين وفق عدله وحكمته. من أفضل إيمان المرء أن يعلم أن الله معه حيث كان:
الآن من معاني اللطيف أنه خفي:
﴿ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (19) ﴾
(سورة الكهف)
ينبغي ألا يراه أحد، ألا يعلم به أحد، أحياناً الله عز وجل غير ظاهر، جالس في بيتك مع زوجتك وأولادك الله معك وهو معكم أينما كنتم، لكن بلطف من دون أن تشعر أن الوجود مخيف هو القدير هو العليم هو الحكيم هو اللطيف هو القدير هو الجميل، معك وهو معكم أينما كنتم.
أيضاً اسم الله احتجب عنك ليمتحننا، يبدو لك أول وهلة لوحدك في البيت ما في معك أحد هكذا تتوهم وهو معك، فلذلك إن من أفضل إيمان المرء أن يعلم أن الله معه حيث كان. الله عز وجل لا يُرى في الدنيا لطفاً منه وحكمة ويُرى في الآخرة إكراماً ومحبة:
إذاً الله عز وجل لا يرى في الدنيا لطفاً منه وحكمة ويرى في الآخرة إكراماً ومحبة، احتجب عنا في الدنيا لطفاً وامتحاناً ورأيناه في الآخرة إكراماً وإحساناً.
ورد في بعض الآثار أن أهل الجنة ينظرون إلى وجه الله الكريم فيغيبون خمسين ألف عام من نشوة النظرة.
ولو رآه الناس في الدنيا جهاراً لبطلت الحكمة وتعطلت معاني العدل، لذلك قال الله عز وجل عن رؤية الناس له في الآخرة:
﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾
( سورة القيامة )
لو رأى الناس الله عز وجل في الدنيا جهاراً لبطلت الحكمة وتعطلت معاني العدل:
أيها الأخوة، هذه النقطة دقيقة جداً إن شاء الله في درس قادم سأشرحها بالتفصيل، لماذا احتجب الله عنا في الدنيا ؟ ليمتحننا ولماذا نراه في الآخرة ؟ ليكرمنا، إذاً في الدنيا:
﴿ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ (51) ﴾
( سورة الشورى )
﴿ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾
( سورة الأنعام الآية 103 )
أما في الآخرة: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾
( سورة القيامة: الآية 22-23)
هذا الموضوع دقيق جداً لماذا احتجب عنا في الدنيا ولماذا نراه في الآخرة إن شاء الله في درس قادم أعالج هذا الموضوع.
السعيد
08-26-2018, 08:07 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( التاسع و الثمانون )
الموضوع : اسم الله - اللطيف - 2 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
من أسماء الله الحسنى: ( اللطيف ):
أيها الأخوة الكرام، لازلنا مع اسم اللطيف، و اللطيف هو الذي أعطى العباد فوق الكفاية، و كلفهم دون الطاقة، و اللطيف هو الميسر لكل عسير و الجابر لكل كسير، و اللطيف من وفق للعمل في الابتداء و ختمه بالقبول في الانتهاء، و اللطيف هو الذي ولي فستر و أعطى فأغنى و أنعم فأجزل و علم فأجمل، هذا هو اللطيف.
اللطيف احتجب عن خلقه في الدنيا لكماله و جلاله:
أيها الأخوة، معنى دقيق من معاني اللطيف، اللطيف احتجب عن خلقه في الدنيا لكماله و جلاله، فإن الله لا يرى في الدنيا لطفاً و حكمة، و يرى في الآخرة إكراماً و محبة، إنك لن تراني في الدنيا مستحيل، طبيعة الجسم، بنيته، خصائصه لا تحتمل:
﴿ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا(143) ﴾
(سورة الأعراف)
لذلك لا يُرى في الدنيا لطفاً و حكمة و يُرى في الآخرة إكراماً و محبة، و في كل الأحوال الله عز وجل لا يدرك إحاطة من قبل خلقه، حتى أعلى الخلق، حتى سيدنا محمد عليه الصلاة و السلام.
هو أعلانا معرفة، إحاطة مستحيلة، لأنه لا يعرف الله إلا الله، لو رآه الناس في الدنيا جهاراً لبطل التكليف، أضرب هذا المثل لو أن صاحب المحل وراء الطاولة، و المكان الذي فيه المال بقبضته، عنده موظف، مادام صاحب المحل التجاري لا يغادر مكتبه و لا ثانية، و يأتي أول إنسان و يغادر آخر إنسان، و مكان المال بيده، فهذا الموظف أمين أم خائن ؟ مستحيل أن نعلم، الآن يوجد مولات، بالاسم الأجنبي بالعالم الغربي أي سلعة عليها مادة إن لم يدفع ثمنها تصدر صوتاً و تُغلق الأبواب بشكل أوتوماتيكي، من هو الأمين ؟ ليس هناك أمين و لا خائن، لأنه لا يوجد امتحان، الأمر مستحيل، أما حينما قطعت الكهرباء في بلدة غربية ارتكبت في ليلة واحدة مئتا ألف سرقة بثلاثين مليار، فانضباط العالم الغربي انضباط الكتروني و ليس دينياً، انضباط العالم الغربي انضباط الكتروني فقط، لا يمكن أن ينجو الإنسان من مخالفة، يوجد ضبط، هذا الضبط يلغي الرقي، يلغي التكليف، يلغي المسؤولية، يلغي البطولة، أنت منضبط، لو أن الله عز وجل يُرى في الدنيا و كل ذنب وراءه عقاب مباشر الكل يستقيمون. لا يستحق الإنسان الجنة إلا إذا كان مخيراً:
في بعض البلاد الشرقية لو إنسان نزل من على الرصيف يعدم قديماً، الناس انضبطوا و لكن انضباط قهر، ليس انضباط شكر، انضبطوا انضباط خوف.
قلت لكم كثيراً الله عز وجل ما أراد أن تكون علاقة عباده به عبادة قهر، لا إكراه في الدين، علاقة حب، علاقة أن تأتيه طائعاً، علاقة أن تأتيه مختاراً، علاقة أن تطيعه و بإمكانك أن تعصيه، أن تصلي و بإمكانك ألا تصلي.
لذلك لو أن الله ظهر في الدنيا ألغي التكليف، أُلغي حمل الأمانة، ألغيت البطولات، ألغي الثواب، ألغي العقاب، تماماً كما لو جلس صاحب المحل وراء مكتبه و مكان المال بيده، فهذا الذي أمامه لا يمكن أن يوصف بأنه أمين و لا بأنه خائن، لكن صاحب المحل لو خرج من المحل و أبقى الدرج مفتوحاً و جلس في المحل المقابل بمكان لا يراه الموظف يراقبه، الآن يمتحن الموظف، لذلك قال تعالى:
﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ(42) ﴾
(سورة إبراهيم)
هو يبدو أنه غافل، يقتلون ليلاً نهاراً: ﴿ إنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42) ﴾
(سورة إبراهيم)
لا يمكن أن نمتحن، لا يمكن أن نستحق الجنة، لا يمكن أن يكون لنا ثواب، لا يمكن أن نرقى إلا إذا كنا مخيرين، إلا إذا كان بالإمكان أن تعصيه و أنت معافى، العالم كله يعصي الله عز وجل، أنواع المعاصي و الآثام و الشذوذ و الإباحية و السحاق واللواط بالعالم كله، و أكل المال الحرام و الربا و القهر و القتل و صحة طيبة و الضغط ثمانية اثني عشر و النبض ثمانين و الأمور كلها بأعلى درجة، لا يستحق الإنسان الجنة إلا إذا كان مخيراً. الآخرة خبر في القرآن الكريم أما الدنيا فمحسوسة:
لذلك أول آية:
﴿ الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ﴾
(سورة البقرة)
الدنيا محسوسة أما الآخرة خبر في القرآن الكريم: ﴿ وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (4) ﴾
(سورة الضحى )
الآخرة خبر أما الدنيا محسوسة، لذلك لو رآه الناس في الدنيا لبطلت الحكمة، و تعطلت معاني العدل و الرحمة. الدنيا دار تكليف و عمل و الآخرة دار تشريف و جزاء:
من هنا قال الله عز وجل عن رؤيته في الدنيا:
﴿ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ(51) ﴾
(سورة الشورى)
مستحيل، حتى كليمه موسى، كلمه الله من وراء حجاب، و قال تعالى: ﴿ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (103) ﴾
(سورة الأنعام)
موجود لكن لا تراه، اعبده كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، هذه مرتبة الإحسان و في صحيح مسلم أن النبي عليه الصلاة والسلام قال:
(( تعلَّموا أنَّه لَنْ يَرى أحدُ منكم ربَّه حتى يموتَ ))
[ رواه مسلم عن عمرُ بن ثابت الأنصاريُّ ]
في الدنيا ليس هناك رؤية و أية دعوى افتراء و كذب و اركلها بقدمك، لأن الدنيا خلقت للابتلاء، أما الآخرة فهي دار الجزاء.
الدنيا دار تكليف أما الآخرة دار تشريف، الدنيا دار عمل أما الآخرة دار جزاء، في الآخرة يُكشف الغطاء و يرفع فيها الحجاب، و يلطف الله بالموحدين عند الحساب قال تعالى: ﴿ فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (22) ﴾
(سورة ق)
رؤية وجه الله الكريم يوم القيامة:
لذلك قال تعالى:
﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ(26) ﴾
(سورة يونس )
قال علماء التفسير الزيادة رؤية وجه الله الكريم.
و في آية تبين أن هناك ما هو يَفْضل رؤية وجه الله الكريم رضوان رب العالمين، قال تعالى: ﴿ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ(72) ﴾
(سورة التوبة )
أعلى عطاء يناله الإنسان عند الله عز وجل رضوان من رب العالمين:
صار في جنة فيها:
((....مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ... ))
[ متفق عليه ]
و فيها نظر إلى وجه الله الكريم: ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ(26) ﴾
(سورة يونس )
ثم هناك رضوان من الله عز وجل هذا أعلى عطاء يناله الإنسان عند الله عز وجل.
دخل إلى بستان جميل لكن أجمل ما في هذا البستان وجه صاحبه، تمليت منه فنسيت البستان ثم إذا هو يرحب بك يا أهلاً وسهلاً أكرمتنا بهذه الزيارة مثلاً فصار في بستان و في وجه و في ترحيب. ﴿ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ(72) ﴾
(سورة التوبة )
لذلك الآية الكريمة: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23) ﴾
(سورة القيامة )
التفكر في الكون طريق إلى معرفة الله:
أيها الأخوة، الآن فضلاً عما جاء به العلماء من تعريف أسماء الله الحسنى، أسماء الله الحسنى يمكن أن نعرفها من خلال خلق الله عز وجل، المخلوقات، هذا الكون مظهر لأسماء الله الحسنى أو تجسيد لأسماء الله الحسنى، و من خلال فعله، و من خلال أمره، و من خلال كلامه، أي أربعة طرق سالكة لمعرفة الله:
أن تتفكر في خلقه، أو أن تنظر في أفعاله، أو أن تتدبر أمره، أو أن تستمع إلى كلامه، مثال: الهواء لطيف، موجود و غير موجود، نستنشقه، لا صوت له، بلا لون، بلا حركة، بلا ضجيج، موجود و كأنه غير موجود لكن ألم تركب طائرة وزنها ثلاثمئة و خمسين طناً كيف يحملها الهواء ؟ أربعمئة خمسمئة الآن يوجد طائرة ثمانمئة راكب تقريباً، كيف يحملها الهواء ؟ الهواء موجود، و لا تراه و لا تسمع صوته لكن اركب مركبة و لتنطلق بك بسرعة، مدّ يدك تعرف أن الهواء موجود لكن موجود بلطف، أما إذا ثار الهواء لا يبقي و لا يذر، الأعاصير التي سرعتها ألف و مئتي كيلو متر لا تبقي شيئاً إطلاقاً لا بناء و لا جدار و لا شجر و لا شيء.
الله عز وجل لطيف بعباده:
دققوا الأرض تدور حول نفسها بسرعة ألف و ستمئة كيلو متر بالساعة، لو الهواء ثابت و الأرض متحركة معنى ذلك يوجد أعاصير بالأرض كلها سرعتها ألف و ستمئة كيلو متر لا يبقى شيئاً، لا يبقى بناء، لا تبقى شجرة، لا تبقى آلة، هذه الأعاصير، لو الهواء ثابت و الأرض تدور انتهت الحياة لكن لحكمة بالغة الهواء يدور مع الأرض، لذلك الآية الكريمة:
﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ (11) ﴾
(سورة الأنعام)
أنا أمشي على الأرض، الآية في الأرض لأن الله عز وجل عدّ الهواء و الأرض معاً، فالهواء جزء من الأرض تمشي أنت في الأرض، أي على سطح اليابسة و تحت الهواء، لو كان الهواء مستقلاً و منفصلاً كان هناك أعاصير تدمر كل شيء، فالهواء لطيف و الماء لطيف، رقراق، أما إذا ثار البحر يُغرق أكبر مركبة.
التفاحة لطيفة حجمها معتدل، يمكن أن تقضمها بأسنانك، لو كان لها بنية كالصخر تحتاج إلى مطحنة أحجار، بنيتها لطيفة، شكلها لطيف، حجمها لطيف، لونها لطيف، طعمها طيب، مغذية، لطيف الله عز وجل.
الفاكهة الكبيرة على الأرض و الفاكهة التي لا تؤذي على الشجر، لو أن البطيخ على الشجر، الفاكهة التي لا تؤذي على الشجر أما الكبيرة على الأرض، الله لطيف.
حدثني إنسان من بلد آخر دخل السجن أعطوه علبة طُن بلا مفتاح قال لي حتى فتحتها من الساعة الثامنة صباحاً حتى الساعة الثانية ظهراً على الحك أما البيضة فتحها سهل، الآن يوجد معلبات سعرها أعلى، فتحها سهل تفتحها من دون مفتاح، الله لطيف الأشياء التي تحتاجها في متناول يدك. قوى التجاذب أحد أكبر الأدلة على لطف الله عز وجل:
قوى التجاذب لو أن الأرض تفلتت من جاذبية الشمس، أردنا أن نعيدها نحتاج إلى مليون مليون حبل فولاذي، و قطر الحبل خمسة أمتار، معنى حبل فولاذي قطره خمسة أمتار أي يقاوم من قوى الشد مليوني طن، أي الأرض مرتبطة بالشمس بقوة تساوي مليون مليون ضرب مليوني طن من أجل أن تحرف الأرض في مسيرتها حول الشمس ثلاثة ميلي كل ثانية، مليون مليون ضرب مليوني طن من أجل أن تحرف الأرض فتشكل مداراً مغلقاً بكل ثانية ثلاثة ميلي متر، أين هي قوى التجاذب ؟ موجودة بيننا، هل يستطيع إنسان في الأرض يعمر بناء مئة طابق من دون علاقة بالأرض، ارتفاعه عشرة أمتار تمشي تحته.
قوى التجاذب قوى مذهلة نمشي خلالها نحن، لطيف الله عز وجل، قوى التجاذب أحد أكبر الأدلة على لطف الله عز وجل، قوى جبارة تربط الكواكب ببعضها بعضاً، و مع ذلك لا تراها أنت تمشي خلالها.
ممكن هذه الدعامة أن تكون موجودة و تحمل السقف و أن تمشي خلالها ؟ مستحيل، لطيف الله عز وجل.
لطف الله عز وجل بالإنسان و بالأم و وليدها:
أمهر طبيب أسنان هل بإمكانه قلع سن من دون الأم ؟ يقول لك بإمكاني أعطيه إبرة مخدر، هل بإمكان أي طبيب أسنان يعطي الإبرة بنيرة الأسنان من دون ألم ؟ الطفل الصغير حينما يبدل أسنانه بلا ألم إطلاقاً، هذا قلع سن من قبل الله عز وجل مباشرة، بلا ألم فالله لطيف.
الرحم قبل الولادة تقلص لطيف، أولاً متباعد، مسافة التباعد تنقص تدريجياً كل ساعة يوجد طلقة، بعد ذلك كل خمسين دقيقة، كل أربعين دقيقة، كل ثلاثين، كل عشرين، و تقلص لطيف إلى أن يخرج الجنين من الرحم يتقلص الرحم تقلصاً عنيفاً شديداً فجأة كي يغلق العشرة آلاف وعاء دموي تقطعت لئلا تموت المرأة بالنزيف، فلو انعكست التقلصات قبل و بعد لماتت الأم و الجنين معاً.
قبل الولادة يوجد جنين تقلص لطيف لطيف لطيف إلى أن يخرج، بعد الخروج تقلص حاد و عنيف حتى تغلق الأوعية التي تقطعت أثناء الولادة، و كم من امرأة ماتت بالنزيف لأن التقلص الثاني كان ضعيفاً:
﴿ ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (20) ﴾
(سورة عبس )
أيها الأخوة، هذا خلقه. أوامر الله عز وجل لطيفة أتت بالتدريج:
إذاً أمره: أمر بالصلاة، الظهر ثلث ساعة، الصبح ربع ساعة، أعطاك أربع و عشرين ساعة قال لك صلِّ، مجموع الصلوات ساعة تقريباً، ساعة و خمس دقائق مجموع الصلوات، أمره لطيف، صم ثلاثين يوماً، لا يوجد صيام متصل، من الفجر إلى المغرب، قال لك: ادفع زكاة مالك اثنان و نصف في المئة أي الأوامر لطيفة، معقولة، محتملة، ضمن الطاقة، لم يحرمك من شيء قال لك دع الخنزير و الخمر فقط:
﴿ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا(35) ﴾
(سورة البقرة)
كم نوع عصير يوجد ؟ لا تعد و لا تحصى، كم نوع من اللحم ؟ حرم عليك الخنزير و الخمر فقط، كُلْ بعدها ما شئت، صلِّ خمسة أوقات، صم ثلاثين يوماً، أمره لطيف، و الأمر إذا ضاق اتسع، مريض افطر لا يوجد مانع، مسافر افطر، تسافر ركعتين الظهر من دون سنن و العصر ركعتين، أمره لطيف و خلقه لطيف. تحريم الخمر كان بالتدريج نحو:
1 ـ السكر رزق غير حسن:
حتى تحريم الخمر كان لطيفاً بالتدريج:
﴿ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا(67) ﴾
(سورة النحل )
أي السكر رزق غير حسن، أول إشارة. 2 ـ عدم اقتراب الإنسان من الصلاة إلا على طهارة:
ثانياً:
﴿ لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى(43) ﴾
(سورة النساء )
3 ـ تحريم الخمر و غيره:
ثالثاً:
﴿ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ(90) ﴾
(سورة المائدة)
أمر الله يشف عن لطفه و فعله يشف عن لطفه و خلقه يشف عن لطفه:
كلامه لطيف، الله عز وجل قال:
﴿ اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ(19) ﴾
(سورة الشورى)
أي أخبرك بكلامه، و أمره يشف عن لطفه، و فعله يشف عن لطفه، و خلقه يشف عن لطفه.
حظ العبد من هذا الاسم الرفق بالعباد، مادام الله لطيفاً ينبغي أنت أن تكون لطيفاً، الطف بهم في تعاملك معهم، قال عليه الصلاة و السلام:
(( إِنَّ اللهَ عز وجلَ رَفيق يحِبُّ الرِّفق، ويُعْطي عليه ما لا يُعطي على العُنْفِ ))
[ أخرجه أبو داود عن عبد الله بن مغفل]
يوجد عمل صالح لكن بلطف الأجر صار مضاعفاً إنه لطيف، شخص أثناء الصلاة أحد الصحابة عطس قال له يرحمك الله، أول مرة يصلي فالصحابة ضربوا على أرجلهم خاف فالنبي قال: يا هذا إن هذا لا يكون في الصلاة، قال و الله ما قهرني و لا ضربني و لا أساء إليّ إنه معلم الخير.
أيضاً لطيف، شخص دخل المسجد و أحدث جلبة و ضجيجاً و شوش على الصحابة صلاتهم، فلما انتهى قال له رسول الله زادك الله حرصاً و لا تعد.
زادك الله حرصاً أثنى عليه و لا تعد:
(( إِنَّ اللهَ عز وجلَ رَفيق يحِبُّ الرِّفق، ويُعْطي عليه ما لا يُعطي على العُنْفِ ))
[ أخرجه أبو داود عن عبد الله بن مغفل]
اللطف و الرحمة من أسس الدعوة إلى الله عز وجل:
﴿ اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا ﴾
(سورة طه )
لطيف لا داعي للغلظة، النبي كان في نشوة اتصاله بالله سمع صوت طفل يبكي، فاختصر الصلاة و سلم قال سمعته ينادي أمه ببكائه فرحمتها، لطيف، بلا غلظة.
قال إذا أمرت بمعروف فليكن أمرك بمعروف، و إذا نهيت عن منكر فليكن نهيك بلا منكر.
إذا أمرت بالمعروف فأمر برفق ناصح لا بعنف معسر، دخل إنسان على ملك قال له سأعظك و أغلظ عليك، قال له ولمَ الغلظة يا أخي ؟ لقد أتى مَن هو خير منك إلى من هو شر مني، أرسل الله موسى إلى فرعون، بلا غلظة.
سيد الخلق و حبيب الحق، سيد ولد آدم معه وحي، معه إعجاز، معه معجزات، معه فصاحة، معه علم، معه ذكاء، معه حكمة قال له: أنت أنت بالذات: ﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ(159) ﴾
( سورة آل عمران )
تجد شخصاً لا هو نبي و لا رسول و لا معه وحي و لا معجزات و لا فصيح و لا جميل الصورة و غليظ: ﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ (159) ﴾
( سورة آل عمران )
أحد أكبر نتائج معرفة أسماء الله الحسنى التخلق بكمال الله عز وجل:
قال: إذا عرفت شيئاً فاستره و كن لطيفاً، و إذا تحركت نحو عمل فكن بهذه الحركة لطيفاً، إن أردت إحداث شيء فاجعل لهذا الشيء برنامجاً تدريجياً لئلا تثقل على الناس، إذا دعوت إلى الله عز وجل كن رحيماً بهم ليناً معهم.
قال إذا استفتيت في أمر و كان في الأمر سعة فأفتِ بالرخصة و خذ نفسك بالعزيمة، يوجد أشخاص بالعكس يأخذ بكل الرخص لنفسه و يفتي بكل العزائم، هذا لؤم، إن سئلت في فتية أفتِ بالرخصة و خذ نفسك بالعزيمة، لكن بالنهاية لا يمكن أن تتقرب إلى الإله الطيف إلا إذا كنت لطيفاً مع خلقه، هذا معنى قوله تعالى:
﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا (180) ﴾
( سورة الأعراف)
يوجد نقطة دقيقة، معنى اللطيف أن تكون عالماً بدقائق الأمور و غوامضها و خلفياتها و بواعثها و مقاصدها و أن تفهم ما بين الصدور و لطيف اليد من كان حاذقاً في صنعته، مهتدياً إلى ما يُشكل على غيره.
من أنواع اللطيف أن تكون عالماً ببواطن الأمور، لا تكن ساذجاً، تؤخذ بكلام غير محقق، فلهذا أحد أكبر نتائج معرفة أسماء الله الحسنى هو أن تتخلق بهذا الكمال الإلهي.
السعيد
08-26-2018, 08:10 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( التسعون )
الموضوع : اسم الله - الخبير - 1 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
من أسماء الله الحسنى: ( الخبير ):
أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم الخبير.
ورود اسم الخبير في الكتاب و السنة في نصوص كثيرة:
اسم الخبير أيها الأخوة ورد في الكتاب والسنة وفي نصوص كثيرة، ففي القرآن الكريم ورد معرفاً، الخبير في ثلاثة أو مقترناً بثلاثة أسماء، اسم الحكيم في قوله تعالى:
﴿ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (18) ﴾
(سورة الأنعام )
ومقترناً مع اسم اللطيف: ﴿ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (103) ﴾
(سورة الأنعام )
ومقترناً مع اسم العليم في قوله تعالى: ﴿ نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (3) ﴾
(سورة التحريم)
إذاً الحكيم الخبير، اللطيف الخبير، العليم الخبير، وقد ورد أيضاً هذا الاسم منوناً يعني غير معرف في نصوص كثيرة منها قوله تعالى: ﴿ وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا (34) ﴾
(سورة الأحزاب)
الخبير معرف، خبيراً منون، أما في السنة ففي صحيح مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها: قال: لَتُخْبرِيني أو لَيُخْبِرنِّي اللطيف الخبير. تعريف الخبير:
أيها الأخوة، الخبير في اللغة على وزن فعيل، هذا الوزن يدل على المبالغة، إذاً الخبير من صيغ المبالغة فعله خَبَرَ يَخبُر خُبرَاً، وخبرت بالأمر أي علمته، هناك من أعلمني به، وخبرته أي عرفته على حقيقته بالعمق، بالخلفيات، بالبواعث، وفي صحيح مسلم من حديث أبي موسى الأشعري أنه سأل السيدة عائشة رضي الله عنها قال: فما يُوجب الغسل ؟ قالت: على الخبير سقطتَ. أي إنك سألت خبيراً بهذا الموضوع.
فالخبير هو الذي يخبر الشيء بعلمه لكن الخبرة أبلغ من العلم لأنها علم وزيادة، فالخبير بالشيء من علمه وقام بمعالجته وبيّن خصائصه وجربه وامتحنه فأحاط بتفاصيله الدقيقة وألمّ بخصائصه اللصيقة ووصفه على حقيقته، فالعلم نظري والخبرة عملية.
خبرة الله قديمة قدم وجوده أما صنعة الإنسان تتطور بحسب خبرته المتنامية:
تصنع محركاً وفق قواعد علمية دقيقة جداً على الاستعمال ترتفع حرارته عند الطريق الصاعدة ؛ وهذا الارتفاع قد يسبب له الاحتراق، إذاً كان في نقص بالخبرة، لذلك وازن بين مركبة صنعت عام 1912 ومركبة 2008، المركبة الأولى تشغيلها من الخارج والمركبة الأولى علبة سرعة ما فيها، والعجلات ليس فيها هواء صلبة، والإضاءة بالفانوس، ونراقب مركبة من أرقى المركبات الآن التي صنعت عام 2008، خبرة الإنسان تتنامى، خبرة الإنسان حادثة، أما خبرة الله قديمة، هل طرأ على خلق الإنسان تعديل ؟ في إنسان موديل ثمانين مثلاً ؟ هل طرأ على خلق الإنسان تعديل ؟ كمال مطلق، الفرق الدقيق بين خلق الإنسان وبين صنع الإنسان، صنعة الإنسان تتطور بحسب خبرته المتنامية وبحسب الخطأ والصواب أما خبرة الله عز وجل قديمة قدم وجوده، الله عز وجل خبير.
آلات كثيرة تصمم وفق أحدث قواعد العلم على التطبيق، على التجريب، على الاستعمال تكشف أخطاء كثيرة تعدل وتعدل وتعدل والإنسان ما دام حياً يرزق صنعته تحتاج إلى تعديل بينما صنعة الواحد الديان كاملة كمالاً مطلقاً.
﴿ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾
(سورة النمل: الآية: 88)
إتقان الله عز وجل لكل شيء :
ليس في حليب الأم حديد أودع الله في طحال الجنين كمية حديد تكفيه لعامين إلى أن يأكل، حينما يولد الطفل ما في قوة في الأرض تعلمه كيف يلتقم ثدي أمه ويمص الحليب، والعملية معقدة جداً، يخلق مع الإنسان ما يسميه علماء النفس منعكس المص، يعني الآن ولد إن اقتربت أصبع الممرضة المولدة مصها، يعني أحاطها بشفتيه وأحكم الإغلاق وسحب الهواء.
﴿ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾
(سورة النمل: الآية: 88 )
قد تذهب إلى فنلندا يوجد بعينك ماء هناك الحرارة سبعين تحت الصفر تتلافى البرد الشديد بقبعة وقفازات ومعطف وأحذية مبطنة بالصوف وجوارب صوفية لكن هل تستطيع أن تغطي عينيك هناك ؟ وماء العين يلامس سبعين تحت الصفر، إذاً كل إنسان هناك ينبغي أن يموت أو ينبغي أن يفقد بصره، الواقع أن الله أودع في ماء العين مادة مضادة للتجمد لئلا يتجمد ماء العين في منطقة باردة، الخبير، الإنسان يستخدم العلم لكن الخبرة لا يملكها.
الموضوع طويل ودقيق جداً، الآن مثلاً المركبات الحديثة يضعون جداراً إسمنتياً وتنطلق المركبة من دون سائق باتجاه هذا الجدار بسرعة مئة يلاحظون صمود هيكل السيارة أمام هذه الصدمة حتى يصنعوها بصناعة متقنة، ما عرفوا نظرياً هذا المعدن كم يصمد أمام صدمة بسرعة مئة، بالتجريب، أحياناً يكشفون تركيب التربة ومعهم بذور لا يعلمون هل تصلح هذه التربة لهذه البذور ؟ على التجريب، فالإنسان خبرته تتنامى، يأخذها من التجارب أما خبرة الواحد الديان قديمة قِدم وجوده. ما من جهة ينبغي على الإنسان أن يتبع تعليماتها إلا الصانع وهو الله عز وجل:
أيها الأخوة، الخبير سبحانه وتعالى هو العالم بما كان وما هو كائن وما سيكون وما لم يكن لو كان كيف كان يكون، وليس هذا إلا لله وحده، علم ما كان وما هو كائن وما سيكون وما لم يكن لو كان كيف كان يكون، والذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ولا يتحرك متحرك ولا يسكن ساكن إلا بعلمه بل لا تستقيم آياتنا إلا بتطبيق أمره واتِّباع سنة نبيه لماذا ؟ لأنك أيها الإنسان أعقد آلة في الكون تعقيد إعجاز لا تعقيد عجز.
تصور تمشي في الطريق وسمعت بوق مركبة، ما الذي يحدث حتى انحرفت نحو اليسار ؟ الذي يحدث أن في الدماغ جهاز بالغ التعقيد يحسب تفاضل وصول بوق المركبة إلى الأذنين إلى أيهما دخل أولاً ؟ والتفاضل بينهما واحد على ألف وستمئة وعشرين جزءاً من الثانية، الجهاز في الدماغ يكتشف أن البوق جاء من اليمين، الدماغ يعطي أمراً إلى الإنسان أن ينحاز نحو اليسار.
دقة ما بعدها دقة، قال تعالى:
﴿ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾
(سورة فاطر الآية: 14)
يعني الجهة الصانعة هي الجهة الوحيدة التي ينبغي أن تتبع تعليماتها، وهذا من واقع الحياة، عندك جهاز بالغ التعقيد كومبيوتر صناعي ولك جار يبيع الخضراوات صالح جداً تحبه جداً هل تدعوه إلى أن يصلح لك هذا الكومبيوتر ؟ مستحيل، تبحث عن الشركة الصانعة عن خبيرها. ﴿ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾
(سورة فاطر الآية: 14)
أي ما من جهة ينبغي أن تتبع تعليماتها إلا الصانع وهو الله عز وجل. الأمر الإلهي علاقته بنتائجه علاقة علمية:
لذلك الأمر الإلهي علاقته بنتائجه علاقة علمية، الأمر الإلهي والنهي الإلهي علاقة الأمر بالنتيجة وعلاقة الأمر بالنتيجة علاقة علمية، علاقة سبب بنتيجة، أنا أضرب مثلاً دائماً أذكره كثيراً، أنت راكب مركبة وحامل عشرة طن شاحنة وصلت إلى جسر كتب عليه الحمولة القوى خمسة طن، من الحمق والغباء أن تتلفت يمنة ويسرى في شرطي ؟ ليس الموضوع موضوع شرطي، الموضوع هنا ليس موضوع شرطي ومخالفة، الموضوع الجسر نفسه يعاقبك، تسقط في النهر، العلاقة بين السير فوق هذا الجسر بعشرة طن وسقوط الجسر علاقة علمية.
لوحة كتب عليها ممنوع الاقتراب خط توتر عالي، يا ترى لو اقتربت في مؤاخذة، في مخالفة، يا ترى أسجن ؟ الموضوع ليس موضوع سجن ولا مخالفة ولا مؤاخذة موضوع التيار يعملك فحمة خلال دقائق، أنت حينما تفهم أمر الله الذي هو من عند الخبير على أن العلاقة بين الأمر وبين النتائج علاقة علمية ؛ علاقة سبب بنتيجة، وأن العلاقة بين النهي وبين النتائج علاقة علمية ؛ علاقة سبب بنتيجة، تكون قد عرفت الخبير.
﴿ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾
(سورة فاطر الآية: 14)
الفقيه من عرف أن سلامته و سعادته بطاعة الخالق و شقاءه وهلاكه بمعصيته:
مثلاً ما معنى فرائض ؟ بالضبط للتوضيح أنا أقول لكم استنشاق الهواء فرض لبقائك حياً، يعني إذا لم تستنشق الهواء تموت، وشرب الماء فرض لبقائك حياً، الهواء دقائق، الماء ثلاثة أيام، وتناول الطعام فرض لبقائك حياً لأيام، تتوقف حياتك على استنشاق الهواء وشرب الماء وتناول الطعام، فإذا قلت الصلاة فرض، يعني فرض على سلامتك وسعادتك، إنك إن اتصلت بالله ألقى الله في قلبك نوراً رأيت به الحق حقاً والباطل باطلاً والدليل:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ (28) ﴾
(سورة الحديد)
هذه الصلاة ذكر الله أكبر، إذا ذكرك قذف في قلبك النور، رأيت الحق حقاً والباطل باطلاً، سلمت وسعدت، فالصلاة فرض والصيام فرض والحج فرض والزكاة فرض والزنا محرم يحجبك عن الله تصبح في ظلام في عمى تتخبط خبط عشواء، والسرقة حرام، والكذب حرام، الحرام يحرمك السلامة والسعادة، والفرض شرط لسلامتك وسعادتك، أنا حينما أفهم الفرائض أنها شروط لازمة لسلامتي وسعادتي وحينما أفهم المحرمات أنها أسباب كافية لشقائي وهلاكي أكون فقيهاً في الدين، أعرابي بسيط ثقافته محدودة جداً التقى النبي عليه الصلاة والسلام قال له يا رسول الله عظني ولا تطل، تلا عليه النبي عليه الصلاة والسلام فقرة من سورة: ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه ﴾
قال: كفيت، فعلق النبي عليه الصلاة والسلام على قوله وقال: فَقُهَ الرجل، ما قال فَقِهَ، فَقِهَ عرف الحكم، أما فَقُهَ أصبح فقيهاً. من استقام على أمر الله سعد في الدنيا و الآخرة:
أنت أيها الأخ الكريم وأنا معك حينما نفهم أن كل سلامتنا وسعادتنا بطاعة الله وأن كل شقائنا وهلاكنا بمعصيته نكون فقهاء، لهذا كفى بالمرء علماً أن يخشى الله، وكفى به جهلاً أن يعصيه.
في مثل لكن حاد جداً، إنسان ثقافته محدودة جداً راعي التقى به سيدنا ابن عمر قال له: بعني هذه الشاة وخذ ثمنها، قال: ليست لي، قال: قل لصاحبها ماتت، أو أكلها الذئب ؟ قال: والله إنني لأشد الحاجة إلى ثمنها، ولو قلت لصاحبها: ماتت، أو أكلها الذئب لصدقني، فإني عنده صادق أمين، ولكن أين الله ؟ هذا الراعي الذي لا يقرأ ولا يكتب لكنه خاف من الله وضع يده على جوهر الدين، وإنسان يحمل دكتوراه وله مئتي مؤلف إذا أكل المال الحرام أو اعتدى على أعراض الناس أو أخذ ما ليس له يعد بنص هذه المقولة الرائعة جاهلاً.
كفى بالمرء علماً أن يخشى الله، وكفى به جهلاً أن يعصيه، إنسان سائق مركبة لا يقرأ ولا يكتب لكن قبل أن ينطلق بها يكشف عن مستوى الزيت ويزودها بالزيت بشكل مستمر وإنسان عنده مركبة يحمل دكتوراه بالميكانيك لكن نسي الزيت فاحترق المحرك أيهما أعلم ؟
في شيء عملي فأنت حينما تستقيم على أمر الله تقطف كل ثمار الأمر.
الدين يجب أن يكون بسيطاً سهلاً واضحاً ليقطف جميع الناس ثماره:
بالمناسبة في حقيقة دقيقة جداً الانتفاع بالشيء ليس أحد فروع العلم به، يعني إنسان غير متعلم اشترى مكيفاً ضغط على مفتاح التشغيل جاءه الهواء البارد فاستمتع به، إنسان معه دكتوراه بالتكييف ضغط على مفتاح التكييف جاءه الهواء البارد، يستوي هذا الأمي الذي لا يقرأ ولا يكتب في انتفاعه بالمكيف مع هذا الدكتور بالتكييف ؟
الانتفاع بالشيء ليس أحد فروع العلم به، ماذا أريد من هذا الكلام ؟ يعني أنت حينما تطبق منهج الله بعلم أو بغير علم فهمت الحكمة أو لم تفهمها ؛ لمجرد أن تكون صادقاً قطفت ثمار الصدق، لمجرد أن تكون عفيفاً قطفت كل ثمار العفة، لمجرد أن تكون أميناً قطفت كل ثمار الأمانة، الذي عنده دكتوراه بعلم النفس وعنده دكتوراه بالتشريع ويعرف أبعاد الأمانة وأبعاد الحكمة وأبعاد الصدق، المعلومات النظرية لا تقدم ولا تؤخر، منهج الله لكل البشر كالهواء، في إنسان يطالب قبل أن يأخذ الهواء بوثيقة ؟ بشهادة بحسن سلوك ؟ هواء هذا لكل البشر، يقنن لا يقنن، يباع لا يباع، حاجتنا إلى الدين كحاجتنا إلى الهواء، لذلك الدين يجب أن يكون بسيطاً سهلاً واضحاً، ينبغي أن نبسطه، ينبغي أن نعقلنه، ينبغي أن نطبقه.
من معاني الخبير:
إذاً أيها الأخوة، الخبير هو الله عز وجل:
﴿ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾
(سورة فاطر الآية: 14)
من معاني الخبير الذي على وزن فعيل بمعنى مفعل يعني خبير بمعنى مخبر: 1 ـ الله متكلم والقرآن كلامه:
إذاً الله عز وجل يخبرنا: الله متكلم والقرآن كلامه، من معاني الخبير أنه متكلم والقرآن كلامه.
2 ـ هو العالم بكل شيء:
المعنى الآخر للخبير هو الذي يعلم كل شيء ولا يغيب عن علمه صغيرة ولا كبيرة، وهو العالم بكل كل شيء، مطلع على حقيقة كل شيء مهما دقت أو خفيت، عليم بدقائق الأمور لا تخفى عليه خافية، يعلم الداء والدواء، يعلم الظاهر والباطن، يعلم الشكل والمضمون، يعلم جلائل الأمور ودقائقها، يعلم ما يرى بالعين وما لا يرى، يمسك كأس ماء صافٍ في مليارات البكتريات لو وضعته تحت ميكروسكوب ما تمكنت أن تشربه، يعلم ما يرى وما لا يرى، يقول الإمام الغزالي رحمه الله تعالى: الخبير هو الذي لا تغرب عنه الأخبار الباطنة و لا يجري في الملك والملكوت شيء إلا بعلمه ولا تتحرك ذرة ولا تسكن إلا بعلمه ولا تضطرب نفس ولا تطمأن إلا بعلمه.
3 ـ هو الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء:
وقيل الخبير الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.
أيها الأخوة، هذا كله شرح دققوا وكأنه شرح لاسم العليم داخل الأمر يا ترى عليم أم خبير ؟ الجواب لا الخبير، كل خبير عليم لكن ما كل عليم بخبير، الخبير علم وزيادة الخبير يفيد معنى العليم ولكن العليم لا يفيد معنى الخبير.
الله عز وجل عليم وخبير في الوقت نفسه:
أيها الأخوة، أنا أمسكت الكأس نقلته من هنا إلى هنا، أنتم تشاهدون من خلال عيونكم، رأيتم أنني نقلت هذا الكأس من هنا إلى هنا، لكن هناك أعمق من ذلك، لماذا نقلته ؟ البواعث، الدوافع، المقصد، الخطوات، ما الذي خطر في بالي، لماذا فعلت هذا ؟ هذا يحتاج إلى خبير، أنت معلم أمام ثلاثة وأربعين طالباً عددتهم واحداً واحداً وأسماءهم عندك هذا علم أما الخبرة كل طالب من أبيه ؟ أمه ؟ بيته منتظم غير منتظم ؟ البيت ملتزم غير ملتزم ؟ الأب مثقف غير مثقف ؟ الأم مطلقة غير مطلقة ؟ الطفل باختصاصه متفوق بالرياضيات ؟ باللغة العربية ؟ هذه خبرة.
اسم الخبير لو تعمقنا فيه لعددنا للمليون قبل أن نعصيه:
لذلك:
(( إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ ))
[ متفق عليه عن أبي هريرة]
العد شيء والإحصاء شيء آخر، يمكن أن تعد الطلاب عدّاً أما الإحصاء أن يتعرف على كل طالب ؛ بيئته، بيته، والديه، مستوى ثقافته، طباعه، طريقة تفكيره، تفوقه، الخبرة أعمق من العلم، الله عز وجل عليم وخبير، يعني كطرفة شخص جالس في بيته معه زوجه وأولاده طرق الباب جاءت صديقة زوجته والوقت شتاء غرفة الجلوس دافئة وغرفة الضيوف باردة صاح بزوجته ائت بصديقتك إلى هنا ؛ هنا أدفأ لكم، يا ترى القصد أن هذه الغرفة أكثر دفئاً فقط أم أنه أراد أن يرى صديقة زوجته ؟ ما شكلها ؟ ما قوامها مثلاً ؟ من يعلم هذا ؟ الخبير، كلامك رائع هنا أدفأ لكم لكن هي غير محجبة وأنت مسلم لماذا تدعوها إلى أن تجلس معك في الغرفة ؟
مثلاً طبيب يعالج مريضة له الحق أن يرى موضع الألم فاختلس نظرة إلى مكان آخر لا يحق له هل في الأرض كلها جهة تستطيع أن تضبط هذه المخالفة ؟ إلا الله: ﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ﴾
(سورة غافر )
جالس في بيتك والغرفة مظلمة وفي أمامك بناء آخر في له شرفة خرجت الجارة بثياب مبتذلة لك أن تملأ عينيك من محاسنها ولك أن تغض البصر ولا يعلم أحد في الأرض إلا الله، خبير.
﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ﴾
(سورة غافر )
لذلك أيها الأخوة، اسم الخبير لو تعمقنا فيه لعددنا للمليون قبل أن نعصيه.
السعيد
08-26-2018, 08:12 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الحادى و التسعون )
الموضوع : اسم الله - الخبير - 2 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
من أسماء الله الحسنى: ( الخبير ):
أيها الأخوة الكرام، لازلنا في اسم الخبير ولكن قبل أن نمضي في متابعة هذا الاسم العظيم لا بد من مقدمة كي أوضح لكم أين موقع أسماء الله الحسنى من العلوم الإسلامية ؟
هناك علم بخلق الله تعالى و علم بأمره و علم به:
قال بعض العلماء هناك علم بخلقه، وهناك علم بأمره، وهناك علم به، أما العلم بخلقه اختصاص الجامعات في الأرض ؛ الفيزياء، الكيمياء، الرياضيات، الطب، الهندسة، التاريخ والجغرافيا، علم النفس وعلم الاجتماع، علم الجيولوجيا وعلم الطبيعيات وعلم الأحياء، اختصاص الجامعات في العالم هو العلم بخلقه، في ظواهر، في ظاهرة فيزيائية موضوع علم الفيزياء، في ظاهرة كيميائية موضوع علم الكيمياء، في ظاهرة نفسية كالغضب موضوع علم النفس، في ظاهرة اجتماعية كالعصيان موضوع علم الاجتماع، في ظاهرة فلكية موضوع علم الفلك وهدف هذه العلوم البحث عن القوانين، والقانون علاقة ثابتة بين متغيرين مقطوع بصحتها يؤيدها الواقع عليها دليل، هذا اختصاص الجامعات في الأرض.
أما العلم بأمره هذا اختصاص كليات الشريعة في العالم الإسلامي، الأمر والنهي، الفرائض والواجبات والمستحبات والمباحات والمكروهات والمحرمات، أحكام الزواج، أحكام الطلاق، أحكام الإرث، أحكام الكفالة، الحوالة، القرض، الآجار، الاستئجار، المضاربة، المزارعة، المساقات، كتب الفقه يعني تملأ العالم الإسلامي هذا علم بأمره.
قبل أن أمضي في الحديث عن العلم به، العلم بخلقه والعلم بأمره يقتضيان المدارسة، معنى المدارسة في طالب ومعلم وفي كتاب وفي دوام وامتحان في مذاكرة وفي أطروحة وفي مناقشة وفي نجاح وفي رسوب وفي شهادة، هذه النشاطات كلها تعني المدارسة والنبي الكريم يقول: إنما العلم بالتعلم.
العلم بخلقه أصل صلاح الدنيا، و العلم بأمره أصل صلاح الآخرة:
ما في إنسان صار عالماً إلا تتلمذ على يد عالم ودرس وفتح كتاباً وقرأ وراجع وذاكر وقدم امتحانات ونحج ورسب وأخذ شهادة وتعين وأكل وشرب ثم مات، هذا علم بأمره، العلم بخلقه والعلم بأمره يقتضيان المدارسة إلا أن العلم به شيء آخر، ممكن أن يكون الإنسان في أعلى درجة من العلم بخلقه معه بورد ويكون ما فيه دين وأنت لا يعنيك من أعلى طبيب في الأرض دينه، يعنيك علمه فقط، يقول لك أول جراح قلب، فالعلم بأمره وبخلقه معلومات حقائق قوانين دقائق مودعة في الدماغ فقط أما النفس شيء آخر، في بالعالم علماء كبار غير ملتزمين إطلاقاً، مرة لمحت أستاذاً جامعياً كبيراً في رمضان لا يصوم، العلم بأمره وبخلقه شيء والتدين شيء آخر.
العلم بخلقه أصل في صلاح الدنيا والغربيون تفوقوا تفوقاً مذهلاً سيطروا على الطبيعة بمفهومهم، والعلم بأمره أصل في صلاح العبادة، أنت إذا عرفت الله كيف تعبده لا بد من معرفة أمره، فالعلم بخلقه أصل في صلاح الدنيا والعلم بأمره أصل في صحة العبادة أما العلم به فشيء آخر.
أصل الدين معرفة الله:
أيها الأخوة، دروس أسماء الله الحسنى من العلم الثالث علم به، من هو الله ؟ وكنت أقول دائماً أصل الدين معرفة الله إنك إن عرفت الآمر ثم عرفت الأمر تفانيت في طاعة الله وإن عرف الأمر و لم تعرف الآمر تفننت في التفلت من الأمر، وهذا واقع العالم الإسلامي مليار وخمسمئة مليون ليس لهم وزن في العالم، مليار وخمسمئة مليون وللطرف الآخر عليهم ألف سبيل وسبيل، مع أن الله يقول:
﴿ وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً ﴾
(سورةالنساء: الآية 141)
لهم علينا ألف سبيل وسبيل. ﴿ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (173)﴾
(سورةالصافات )
هم ليسوا غالبين الآن. العلم بخلقه والعلم بأمره يقتضيان المدارسة بينما العلم به يقتضي المجاهدة:
لذلك أيها الأخوة، العلم به شيء آخر، العلم به لا يقتضي المدارسة يقتضي المجاهدة، أنت حينما تجاهد يكشف لك الله بعض الحقائق، العلم به مسعد، يقول عليه الصلاة والسلام:
(( ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ... ))
[ متفق عليه عن أنس بن مالك ]
حلاوة الإيمان شيء وحقائق الإيمان شيء آخر، حقائق الإيمان معلومات، أفكار، أحكام، فتاوى، نصوص، تحليل نصوص، تفسير، هذه حقائق الإيمان أما حلاوة الإيمان إن لم تقل أنا أسعد الناس، عندئذ نقول لم تذق حلاوة الإيمان، إن لم تكن غنياً بالمعنى النفسي، إن أردت أن تكون أغنى الناس فكن بما في يدي الله أوثق منك بما في يديك، إن أردت أن تكون أقوى الناس فتوكل على الله، إن أردت أن تكون أكرم الناس فاتقِ الله. من عرف الله ألقى في قلبه السكينة و السعادة:
العلم به شيء آخر، العلم به أن تعرفه إن عرفته عرفت كل شيء وإن فاتتك معرفته فاتك كل شيء، إن عرفته ألقى الله في قلبك السكينة، وبالسكينة تسعد بها ولو فقدت كل شيء وتشقى بفقدها ولو ملكت كل شيء، إن عرفته شعرت بالأمن الذي لا يعرفه إلا المؤمن والدليل:
﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (81) الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ ﴾
(سورةالأنعام )
(( ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ... ))
[ متفق عليه عن أنس بن مالك ]
طريق أن تذوق حلاوة الإيمان، طريق أن تقول أنا أسعد الناس، طريق أن يؤتيك الله الحكمة، طريق أن يؤتيك الله السعادة، طريق أن يؤتيك الله الرضا، طريق أن تكون عالماً:
(( أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا ))
[ متفق عليه عن أنس بن مالك ]
من ذاق حلاوة الإيمان سعد بها وإن فقد كل شيء وشقي بفقدها ولو ملك كل شيء:
أنا أقول لكم لو سألت مليار وخمسمئة مليون إنسان هذا السؤال أليس الله ورسوله أحب إليك مما سواهما ؟ أنا لا أصدق أن واحداً يقول لا، نعم ليس هذا هو المعنى، المعنى أن يكون الله في قرآنه في الأمر في القرآن والنهي في القرآن، ورسوله في سنته أحب إليك مما سواهما عند التعارض، حينما تتعارض مصلحتك المتوهمة مع حكم شرعي تركل مصلحتك بقدمك، تضعها تحت قدمك وتقول إني أخاف الله رب العالمين، الآن تذوق حلاوة الإيمان، ثمنها باهظ، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله غالية، إذا وضعت مصالحك المتوهمة المادية في الدنيا تحت قدمك وقفت على جانب الحكم الشرعي والأمر الإلهي والنهي الإلهي، الآن يسمح الله لك أن تذوق حلاوة الإيمان هذه الحلاوة تسعد بها وإن فقدت كل شيء وتشقى بفقدها ولو ملكت كل شيء.
﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا(124) ﴾
(سورةطه )
حلاوة الإيمان ثمنها باهظ تحتاج إلى مجاهدة و ضبط و أمانة و عفة:
قد يكون أغنى الأغنياء قارون غني جداً، وفرعون قوي جداً ومع ذلك فإن له معيشة ضنكا، أما المؤمن:
﴿ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾
(سورةالرعد الآية: 28 )
حلاوة الإيمان تحتاج إلى مجاهدة، تحتاج إلى ضبط، تحتاج إلى صدق رسالة، تحتاج إلى أمانة، تحتاج إلى غض بصر، تحتاج إلى عفة، تحتاج إلى وفاء، تحتاج إلى عدل، تحتاج إلى إنصاف، هذا الذي أتمنى أن يكون واضحاً لدى أخوتنا الكرام.
العلم به ليس معلومات في الدماغ، لا، العلم به تسري ثمار هذا العلم إلى كيانك كله، كل كيانك كتلة تواضع، كتلة علم، كتلة فهم، كتلة رحمة، كتلة عدل، كتلة إنصاف، العلم به يتغلغل إلى كيانك كله، المؤمن يلفت النظر بتواضعه، بإنصافه، إذا ما تعامل الموظف الصغير في محلك كما تعامل ابنك لا تعرف الله، إذا عندك خادمة إن لم تعاملها كما تعامل ابنتك بالضبط لم تذق حلاوة الإيمان، إن لم تقل الحق ولو كان مراً، والله ما رأينا خيراً منك بعد رسول الله (يا لطيف غلط غلطة كبيرة) فأحدّ فيهم النظر، حتى كاد يقطعهم، إلى أن قال أحدهم: لا والله لقد رأينا من هو خير منك، قال له: من ؟ قال: أبو بكر الصديق، قال سيدنا عمر: لقد كذبتم جميعاً وصدق (عدّ سكوتهم كذباً)، قال: والله كنت أضل من بعيري، وكان أبو بكر أطيب من ريح المسك.
هذا الإنصاف، عندك إمكان تكون منصفاً ؟ إذا مدح أمامك إنسان أو إذا ذم أمامك إنسان وهو طيب أن تدافع عنه إن كان ميتاً.
ألم يبدلك الله خيراً منها السيدة عائشة ؟ لا ؛ والله صدقتني حينما كذبني الناس وآمنت بي حينما كفر بي الناس، وأعطتني مالها وواستني، وما أبدلني الله خيراً منها، وكانت بعمر والدته، عمرها أربعون سنة عندما تزوجها، هذا الوفاء. معرفة أسماء الله الحسنى من باب العلم به:
حلاوة الإيمان شيء آخر، حلاوة الإيمان يجعلك أسعد إنسان، حلاوة الإيمان يجعلك حكيماً، يجعلك مندفعاً إلى العمل الصالح، يجعلك جريئاً، شجاعاً، منصفاً، تقول كلمة الحق ولو كانت على نفسك، هذه حلاوة الإيمان، لذلك معرفة أسماء الله الحسنى من باب العلم به، في فرق العلم به شيء، والعلم بخلقه شيء آخر، والعلم بأمره شيء آخر، العلم بأمره وبخلقه يحتاجان إلى مدارسة، أما العلم به يحتاج إلى مجاهدة لذلك قالوا جاهد تشاهد.
الله عز وجل خبير ببواعث كل إنسان:
أيها الأخوة، ورد اسم الخبير في القرآن الكريم في أكثر من أربعين آية والآيات الكثيرة جداً هذه صياغتها والله بما تعملون خبير، يعني الإنسان أحياناً يعمل عملاً لا يشك أحد من الخلق أنه عمل سيئ بل طيب، شخص تبرع بخمسين دونماً لإنشاء مسجد والأراضي غالية جداً لو سمع هذا الخبر مليون إنسان يثني عليه ما شاء الله هذا محسن كبير، أما هذا الذي تبرع جاء من يهمس في أذنه أنك إذا تبرعت بهذه المساحة تضطر البلدية أن تنظم لك الأرض، أرضه كبيرة جداً فإذا نظمتها إلى محاضر ارتفع سعرها عشرة أضعاف، هو في الأصل لا يصلي، من يعرف هذه الحقيقة ؟ الله جل جلاله:
﴿ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (271) ﴾
(سورةالبقرة)
قد تعمل عملاً لا يشك أحد من الخلق إلا أنه عمل طيب لكن النية ليست كذلك فالله عز وجل خبير ببواعثك، وقد تدّعي شيئاً وأنت على خلافه من يعلم الحقيقة ؟ وقد تريد شيئاً في الظاهر ولكنك في الباطن لا تريد، والله اشتقنا لك وأنت ما اشتقت له أبداً ولا تستطيع أن تراه ولكن هذه مجاملة، قد تريد شيئاً بالظاهر لكنك في الباطن تريد غيره، وقد ترحب وأنت تبغض من يعلم الحقيقة وقد تغضب وأنت تحب، إنسان قريب منك جداً وأخطأ تغضب أشد الغضب ويرتفع صوتك لكنك تحبه. حقيقة العمل لا يكشفها إلا الخبير سبحانه:
حقيقة العمل، مؤدى العمل يكشفه الخبير هو الذي يعلم ذلك، الخبرة علم بدقائق الأمور، ببواطنها، ببواعثها، بأهدافها البعيدة، بما يخامر فاعلها من مشاعر، هو الخبير لذلك الناقد بصير.
يا أبا ذر جدد السفينة فإن البحر عميق وأكثر الزاد فإن السفر طويل وأصلح النية فإن الناقد بصير وخفف الأثقال فإن في الطريق عقبة كؤود لا يجتازها إلا المخفون.
قد تجد إنساناً يعمل عملاً طيباً ويسوق الله له مصائب كثيرة تحتار، يا أخي مستقيم يصلي ويصوم ويؤدي زكاة ماله وله سمعة طيبة والمصائب تترا عليه أنت لا تعلم لكن الله يعلم.
والله أيها الأخوة، في قصة أرويها كثيراً لأنني تأثرت بها، كنت أمشي في بعض أسواق دمشق، خرج من أحد المحلات رجل، واعترضني، وقال: أنت تخطب في المسجد ؟ قلت: نعم، قال لي: البارحة إنسان بأحد أسواق دمشق المغطاة بائع أقمشة سمع إطلاق رصاص، فمدّ رأسه ليرى ما الخبر، فإذا رصاصة تستقر في نخاعه الشوكي فشُلَّ فوراً، قال لي: ما ذنبه ؟! أليس العمل عبادة ؟ إنسان عنده عيال، عنده أولاد جاء لمحله التجاري وفتحه حتى يسترزق أين الخطأ ؟ أين الذنب ؟ هو في عمل في بيع وشراء ؟ عمل مباح، قلت: والله أنا لا أعلم، أنا أثق أن الله عادل لكن لا أعلم هذا الجواب.
لحكمة بالغة بالغة بالغة في عندي في المسجد مدير معهد بعد عشرين يوماً قال لي أنا ساكن في الميدان أحد أحياء دمشق قال لي: لنا جار فوقنا مغتصب بيت لأولاد أخيه الأيتام وخلال ثماني سنوات رفض أن يعطيهم إياه، فشكوه إلى عالم جليل هو شيخ قراء الشام توفي رحمه الله فاستدعاه ورفض أن يعطيهم البيت بوقاحة، هذا العالم حكيم خاطب أبناء أخوته وقال لهم: يا أولادي هذا عمكم، لا يليق بكم أن تشكوه إلى القضاء، اشكوه إلى الله، هذا الكلام كان الساعة التاسعة مساءً الساعة التاسعة صباحاً هو نفسه الذي أطلّ برأسه ليرى ما الخبر فجاءت رصاصة لا تقول طائشة قل مصيبة، رصاصة مصيبة فاستقرت في عموده الفقري فشل.
أيها الأخوة، الله خبير أنت لا تعلم لا تعتب على الله.
على كل إنسان ألا يسيء الظن بالله عز وجل:
مرة أحد أخوانا الكرام يستمع إلى حوار باللغة الإنكليزية في إذاعة في أوربا فكان الحوار بين مفتي بلد إسلامي في أوربا وأصابه ما أصابه من قهر وقتل والآن استقال وبين طبيب، يقول هذا المفتي في هذا البلد الإسلامي الأوربي: أخوتنا في الشرق لا يعتبوا على الله من أجلنا، نحن لسنا مسلمين ننتمي إلى الإسلام لكن نحن نأكل الشيء الحرام ونضع أموالنا في المصارف ونأكل الربا، نأكل ونشرب الخمر، قال هكذا واقع المسلمين.
حدثني خطيب من فمه إلى أذني ما في وسيط توفي رحمه الله من أصل أوربي قال لي: أذهب كل سنة إلى بلدي في أوربا وألقي خطبة في أكبر جامع أمامي عشرة آلاف، من شدة التأثر بخطبتي كل واحد معه قارورة خمر يشربها في الجامع لأنه تأثر ما هذا الكلام الرائع، فقال: أخوتنا هناك في الشرق لا يعتبوا على الله من أجلنا نحن لسنا مسلمين لكن بعد هذه المحنة الشديدة أصبحنا مسلمين. كلام دقيق فأنت لا تعلم كن أديباً مع الله، الله عز وجل يعلم السر وأخفى، أنت لك الظاهر، ترى إنساناً يوم الجمعة يلبس روب أبيض، متعطر بعطر مسك غالٍ جداً، ومعه مسبحة تركواز يطقطق بها، ويأتي إلى الجامع ويجلس أول صف، هل تعرف ماذا فعل يوم الخميس في الليل ؟ لا تعرف أنت، أنت تراه بوضع رائع جداً، الله عز وجل يعلم الباطن، يعلم الخلفيات، يعلم ما لا تعلم، فأنت استسلم لله عز وجل، وأنا أنصح أخوتنا الكرام أكثر القصص التي نعرفها، نعرفها من آخر فصل فقط، مالها معنى بصراحة، أما هذه القصة الذي قال لي ماذا فعل هذا ؟ لا أعلم، أما لما جاء من يخبرني ماذا فعل مع أبناء أخوته وكيف رفض أن يعطيهم حقهم وكيف قال العالم الجليل اشكوه إلى الله، أنت لا تعلم لذلك عود نفسك ألا تسيء الظن بالله، عود نفسك أن تقول لا أعلم حتى كان السلف الصالح إن أراد أن يكتب تزكية يقول هذا علمي به فإن غيّر وبدّل فلا علم لي بالغيب.
من عرف الله تأدب معه:
سيدنا الصديق لما اختار سيدنا عمر ليكون من بعده خليفة هناك من خوفه بالله، قال: أتخوفونني بالله لو أن الله سألني يوم القيامة أقول يا رب وليت عليهم أرحمهم، هذا علمي به فإن بدّل وغير فلا علمي لي بالغيب.
لذلك السلف الصالح يقول أحسبه صالحاً ولا أزكي على الله أحداً. الله خبير الموضوع عميق يا أيها الأخوة، والله أتمنى أن يكون لكل اسم خمسة دروس أو عشرة دروس في قصص في حقائق في أدلة في آيات يجب أن نعرف الله كلما عرفته تأدبت معه، كلما عرفته لزمت جانب الصمت، أبلغ موقف أن تكون صامتاً لا تعرف لك الظاهر والله يتولى السرائر.
من عرف الله اتجه إليه و تقرب منه:
أيها الأخوة، مرة ثانية:
﴿ وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى ﴾
(سورةالأعراف الآية: 180 )
دققوا: ﴿ فَادْعُوهُ بِهَا ﴾
(سورةالأعراف الآية: 180 )
تعرف إلى اسم الخبير عندئذ لا تسيء الظن بالله، تعرف اسم الرحيم، اسم القوي، اسم الغني، إن عرفت أسماءه دعوته، توجهت إليه، شاب خاطب ومضى على عقد القران سنة ونصف ما وجد بيتاً و الأمر على وشك أن تفسخ هذه الخطبة بلغه أن في إنسان محسن كبير ويحب الله كثيراً وعنده بيتين ثلاثة ليس بحاجة لهم، لما بلغه هذه الخبر توجه إليه، لما بلغك أن في محسن كبير يحب العمل الصالح وعنده بيتين ثلاثة وهو يحب أن يقدمهم لطالب زواج مؤمن وأنت مؤمن هذه المعلومات تدفعك إليه لذلك: ﴿ وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾
(سورةالأعراف الآية: 180 )
اعرفه من أجل أن تتجه إليه، اتجهت إليه كيف تتقرب منه ؟ بكمال مشتق من كماله، حتى الرحيم يحبك ارحم عباد الله، حتى العدل يحبك كن منصفاً، جاءتك ابنتك تشكو زوجها اتصل مع زوجها وقل له ما القصة، لعلها أزعجتك اسأله، لا يسأله أبداً رأساً يحجزها ويحاول ينتقم من صهره، طول بالك وكن منصفاً.
لذلك أيها الأخوة، أسماء الله الحسنى تصنف مع العلم به والعلم به شيء آخر.
السعيد
08-26-2018, 12:56 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الثانى و التسعون )
الموضوع : اسم الله - الكبير - 1 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
من أسماء الله الحسنى: ( الكبير ):
أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى والاسم اليوم الكبير.
اسم الله الكبير ورد مقترناً بعدة أسماء منها:
أيها الأخوة، ورد هذا الاسم العظيم مقترناً باسمه المتعالي في قوله تعالى:
﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِي(9) ﴾
(سورة الرعد)
وقد ورد أيضاً مقترناً باسم العلي في عدة مواضع منها قوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ(62) ﴾
(سورة الحج)
وقد ورد أيضاً في السنة الصحيحة في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(( إذا قضى اللّهُ الأمرَ في السماءِ ضرَبت الملائكةُ بأجنحتها خُضْعانا لقوله، كأنه سِلْسِلةٌ على صفوان...))
[ صحيح عن أبي هريرة]
صفوان الحجر أي كصوت السلسلة على الحجر:
((..فإذا فُزِّعَ عن قلوبِهمْ قالوا: ماذا قال ربُّكُمْ ؟ قالوا للذي قال: الحقَّ، وهو العليُّ الكبيرُ، فَيَسمعُها ))
المعاني اللغوية لاسم الكبير:
أيها الأخوة، كما هي العادة نبدأ بالمعاني اللغوية، الكبير من صيغ المبالغة على وزن فعيل، والمبالغة كما تعلمون مبالغة كم ومبالغة نوع، هذا الفعل الذي منه الكبير كبر يكبر كبراً فهو كبير، والكبر نقيض الصغر، وكبر بالضم أي عظم، والكبير والصغير من الأسماء المتضايفة، قد تضيف اسماً إلى اسم أو اسماً إلى اسم، ما معنى هذا الكلام ؟ يعني إنسان أحياناً يكون كبيراً بالنسبة إلى إنسان ويكون صغيراً بالنسبة إلى إنسان آخر، المعلم في الصف يعني إنسان يحمل شهادة جامعية، عمره ثلاثون سنة أمام طلاب صغار هو كبير بالنسبة إليهم لكن أمام عَلم من أعلام الأمة في اختصاصه هو صغير أمامه، فالأسماء المتضايفة تكون تارةً كبيرة بالنسبة إلى شيء وتارة صغيرة بالنسبة إلى شيء آخر، من هذا الملمح أن الله عز وجل أحياناً يقول:
﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ ﴾
( سورة الواقعة )
مواقع النجوم، بين الأرض وبين بعض النجوم أربعة وعشرين مليار سنة ضوئية يعني من أجل أن أقطع أربع سنوات ضوئية بمركبة أرضية أحتاج إلى خمسين مليون عام، الأربعة والعشرين مليار سنة ومع ذلك هذا القسم بالنسبة إلى الله لا شيء إذاً لا أقسم، أما بالنسبة إلينا شيء كبير. ﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا ﴾
( سورة الشمس )
فإذا أقسم الله في القرآن فبالنسبة إلينا وإذا لم يقسم فبالنسبة إلى ذاته العلية، هذا ملمح طبعاً. من رحمة الله بنا أن كنا في هذا الزمان:
الآن على المستوى العملي لو جئت بلوحة ذات لون رمادي وضعت إطارها أسود اللون، تبدو أقرب إلى البياض منها إلى السواد اللوحة، اللوحة نفسها ضعها ضمن إطار أبيض اللون تبدو أقرب إلى السواد منها إلى البياض، هذه أسماء متضايفة، تطبيقاً لهذه الحقيقة، يعني الله عز وجل رحمنا رحمة كبيرة حين جاء بنا في آخر الزمان فبالنسبة لمن حولنا من العصاة نحن أولياء، أما إذا كنا مع أصحاب رسول الله فقد نبدو منافقين، لا أحد يقل لماذا لم أكن مع رسول الله ؟ يعني قصة وردت في السيرة أنه في غزوة مؤتة عيّن النبي صلى الله عليه وسلم قواداً ثلاثة سيدنا زيد أولاً فإذا قتل سيدنا جعفر فإذا قتل سيدنا عبد الله بن رواحة، القائد الأول أخذ الراية وحملها فقاتل بها حتى قتل، جاء القائد الثاني سيدنا جعفر، أخذ الراية بيمينه فقاتل بها فضربت يمينه (قطعت) فأمسكها بشماله فضربت شماله فأمسكها بعضديه ثم قتل، في بعض الروايات وعلى ذمة الروايات القائد الثالث عبد الله بن رواحة وكان شاعراً، يعني أول قائد مات لتوه والثاني مات الامتحان صعب فذكر بيتين من الشعر قال:
يا نفس إن لم تقتلي تموتي هذا حمام الموت قد صليت
إن تفعلي فعلهما رضيت و إن توليت فقد شقيــت
***
وأخذ الراية وقاتل بها حتى قتل، انتهى الأمر، النبي صلى الله عليه وسلم قال بين أصحابه أخذ الراية أخوكم زيد، فقاتل بها حتى قتل، وإن أرى مقامه في الجنة، ثم أخذها أخوكم جعفر، فقاتل بها حتى قتل، وإني أرى مقامه في الجنة، ثم سكت، لما سكت ثوان فقلق الصحابة على أخيهم عبد الله، قالوا: ما فعل عبد الله ؟ قال: ثم أخذها عبد الله، وقاتل بها حتى قتل، وإني لأرى في مقامه ازوراراً عن صاحبيه، نزل درجة لأنه تردَّد. الحل الوحيد في معالجة ضعف الإيمان أن تحيط نفسك بأناس مؤمنين:
نقول لك تعال احضر درساً لا في قتل ولا.. احضر درساً فقط، نحن من رحمة الله بنا أن كنا في هذا الزمان أمام من حولنا من العصاة والفجار والمنحرفين نظهر أننا أولياء أما لو قسنا نفسنا مع الأبطال نحن بالامتحان بمادة اللغة العربية بموضوع التعبير تقييم العلامة تقييم ذوقي فلو طالب متفوق جداً كان بشعبة متفوقين له علامة، أما لو جاء طالب دون الوسط مع شعبة كسالى يأخذ خمس علامات دون أن نشعر زيادة بالقياس لمن حوله، الحل الوحيد من معالجة ضعف الإيمان أن تحيط نفسك بأناس مؤمنين كبار، أن تكون مع المؤمنين، من هنا قال الله عز وجل:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119) ﴾
( سورة التوبة )
الإنسان إذا كان مع الصادقين يشتهي الجنة، يشتهي العمل الصالح، يشتهي قيام الليل، يشتهي تلاوة القرآن، يشتهي الأعمال البطولية، أما إذا كان جالساً مع جهات منحرفة مهما قصّر يرى نفسه متفوقاً، من هنا جاء التوجيه الإلهي: ﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً (28) ﴾
( سورة الكهف)
من معاني كلمة كبير اتساع الذات وعظمة الصفات:
أيها الأخوة، أيضاً كلمة كبير تستخدم للأشياء المتصلة والأشياء المنفصلة، المتصلة كأن تقول هذا الحب حبّ كثير أو قليل يعني قمح، أما الأشياء التي تعد عدّاً تقول أعداد كثيرة أو كبيرة، أعداد صغيرة، ويكون الكبر دققوا في اتساع الذات وعظمة الصفات، يعني إنسان أحياناً صغير الجسم، ضئيل قصير القامة، ناتئ الوجنتين، غائر العينين، مائل الذقن، أحنف الرجل، ممكن وإنسان عظيم قد يكون، لكن إنسان عظيم الهيئة، طويل القامة، عريض المنكبين، وعالم كبير، كلمة كبير تعني اتساع الذات وعظمة الصفات:
﴿ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ (247) ﴾
(سورة البقرة)
الله عز وجل قال: ﴿ فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (58) ﴾
(سورة الأنبياء)
أنواع الجهاد:
1 – جهاد النفس والهوى و هو الجهاد الأساسي:
في قوله تعالى:
﴿ فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (52) ﴾
(سورة الفرقان)
سمى الله جهاد الدعوة إلى الله، جهاد تعليم القرآن، جهاد تبين السنة، جهاد تبين الأحكام الفقهية، وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً، نحن إذا ذكرنا كلمة جهاد لا يقفز إلى أذهاننا إلا الجهاد القتالي، مع أن هناك أربعة مستويات للجهاد قبل القتالي، أول جهاد، جهاد النفس والهوى، قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69) ﴾
( سورة العنكبوت)
لذلك أثر عن بعض الصحابة أنه قال حينما عاد من غزوة قال: رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر جهاد النفس والهوى.
نحن عندنا بالتعليم تعليم الأساسي، يعني أول مرحلة أساسية في التعليم وأنا أرى أن جهاد النفس والهوى هو الجهاد الأساسي، فالمهزوم أمام نفسه لا يستطيع أن يواجه نملة: ﴿ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا ﴾
( سورة الفرقان )
2 ـ الجهاد الدعوي:
الجهاد الثاني الجهاد الدعوي، في دماء للشهداء وفي مداد للعلماء.
3 ـ الجهاد البنائي:
الجهاد الثالث الجهاد البنائي أن تسهم في بناء الأمة، أن تكون لك بصمة في الحياة فإن لم تكن لك هذه البصمة فأنت زائد على الحياة، يعني طبيب متفوق، مهندس متفوق، أستاذ جامعي متفوق، مؤلف متفوق، صناعي متفوق، نحن بحاجة إلى هؤلاء، إلى نخبة يسهمون في بناء الأمة.
4 ـ الجهاد القتالي:
دققوا الآن إذا نجحنا في الجهاد النفسي، والجهاد الدعوي، والجهاد البنائي، ينتظر أن ننجح في الجهاد القتالي.
من عظم الذنب عنده صغر عند الله:
أيها الأخوة الكرام، حتى أوضح قصة عبد الله بن رواحة في مثل، مرة إنسان ماشٍ في الطريق بعد صلاة الفجر مرّ إلى جانب حاوية قمامة فسمع صوتاً فيها فأطل عليها فإذا كيس أسود يتحرك، أمسك به فتحه فإذا طفل ولد لتوه، ابن زنا فأخذه، القصة واقعية، أول قسم منها واقعي والباقي متابعة، أخذه إلى المستشفى وضعه في الحاضنة اعتنى به إلى أن صحّ جسمه أخذه إلى البيت رباه كمتبنٍ واعتنى به كثيراً، أدخله التعليم الابتدائي والإعدادي والثانوي وهذا الشاب أصبح نبيهاً أدخله في الجامعة في كلية الطب وتابع دراسته أرسله إلى أمريكا وجاء بالبورد زوجه اشترى له عيادة جعله شيئاً مذكوراً، مرة هذا العم، هذا الذي رعى هذا الابن الذي كان في الحاوية رآه في مركبته قال له يا عم أوصلني إلى البيت الله يرضى عليك، فتردد خمس ثوان، ألا يعدّ هذا التردد بحق هذا الإنسان الذي أخذه من الحاوية وجعله طبيباً مشهوراً ألا يعد بحقِّ عمه مجرماً ؟
لا تنظر إلى صغر الذنب ولكن انظر على من اجترأت. لهذا قالوا ذنب المنافق كالذبابة بينما ذنب المؤمن كجبل جاثم على صدره، وكلما عظم الذنب عندك صغر عند الله، وكلما صغر عندك عظم عند الله، لذلك هناك مذنب وهناك من يضيف إلى ذنبه ذنباً آخر وهو عدم الاهتمام بهذا الذنب، يقول لك ماذا فعلنا ؟ يكون خالف المنهج، يكون تكلم كلمة لا يلقي بها بالاً يهوي بها في جهنم سبعين خريفاً، قذف محصنة يهدم عمل مئة سنة.
قال له ما قولك بفلانة ؟ ما حكى ولا كلمة قال الله أعلم ؟ طبعاً هذه الحركة بدرس صوتي لا تفهم، أما الدرس مصور تفهم، قذف محصنة يهدم عمل مئة سنة.
(( وإن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم سبعين خريفاً ))
[ الترمذي عن أبي هريرة]
عظمة الله عز وجل عظمة مطلقة:
أيها الأخوة الكرام، الله كبير، سبحانه وتعالى هو العظيم في كل شيء عظمته عظمة مطلقة هو الذي كبر وعلا في ذاته قال تعالى:
﴿ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ (255) ﴾
(سورة البقرة)
روي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال: ما السماوات السبع والأرضون السبع في يد الله إلا كخردلة في يد أحدكم. ﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ﴾
( سورة الزمر الآية: 67 )
وهو الكبير في أوصافه، فلا سمي له ولا مثيل ولا شبيه له ولا نظير، قال تعالى: ﴿ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا(65) ﴾
(سورة مريم )
يعني نظيراً ؟ السمي الذي اسمه كاسمك، هو الكبير في أفعاله فعظمة الخلق تشهد بكماله وجلاله قال تعالى: ﴿ لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ(57) ﴾
(سورة غافر)
اتصاف الله عز وجل بالكبرياء ومن نازعه ذلك قصمه وعذبه:
وهو سبحانه وتعالى متصف بالكبرياء ومن نازعه ذلك قصمه وعذبه، أقول هذه الكلمة وقلتها في مناسبات عديدة، جهة قوية جداً جداً في الأرض أرادت أن تبني مجدها على أنقاض الشعوب، أن تبني عزها على إذلال الشعوب، أن تبني حريتها على التضييق على الشعوب، أن تبني غناها على إفقار الشعوب، أن تبني قوتها على إضعاف الشعوب، دققوا أن تنجح خطط هذه القوة الجبارة على المدى البعيد هذا يتناقض مع وجود الله لأن الله عز وجل يقول:
(( الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ ))
[أبو داود، ابن ماجه، أحمد عن أبي هريرة]
﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ﴾
( سورة الأعراف الآية: 34 )
بالتعبير الدارج كل أمة قوية لها عشرة أيام وإن شاء الله خلصوا. حفظ الله عز وجل لدينه و هدايته لخلقه:
حقيقة ثانية لو اجتمعت قوى الأرض وتضافرت وتعاونت وتآمرت على أن تستطيع أن تفسد على الله هداية لخلقه لا تستطيع، لا تقلقوا على هذا الدين، لا تقلقوا عليه أبداً إنه دين الله بل ينبغي أن نقلق على أنفسنا ما إذا سمح الله لنا أو لم يسمح أن نكون جنوداً له ولا تضجروا من اتساع الباطل البطولة دققوا ألا ينفرد الباطل في الساحة، ما دام في بقعة ضوء تنير الطريق، ما دام في مؤمنين صادقين لا تجتمع أمتي على خطأ.
(( لَا يَزَالُ مِنْ أُمَّتِي أُمَّةٌ قَائِمَةٌ بِأَمْرِ اللَّهِ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ، وَلَا مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ))
[ متفق عليه عن معاوية]
الإنسان مجبول على حبِّ الكمال والجمال والنوال:
أيها الأخوة، الآن إذا كنت في مجلس دون أن تشعر، دون أن تنتبه، دون أن تدرك في مجموعة أشخاص في شخص قوي تتجه إليه بنظرك، شخص جميل الصورة تملأ عينيك من محاسنه، شخص ذكي جداً، شخص طليق اللسان، أنت مبرمج بالتعبير المعاصر مولف مفطور مجبول على حب العظيم، حب الكبير، حب القوي، حب الغني، حب الكامل، حب الأخلاقي، الإنسان مجبول على حب الكمال والجمال والنوال، يحب الجمال، يحب الكمال، يحب العطاء النوال، وهذه الثلاثة الكبرى مجتمعة عند الله عز وجل، هو أصل الجمال وأصل الكمال وأصل النوال، لذلك الله جل جلاله موصوف بالجلال والكمال، تنفرد ذاته وصفاته وأفعاله بكل كمال، له جميع أنواع العلو المعروفة عند الخلق.
من قوانين النفس أنها لا تُقبل إلا على كل كبير و عظيم:
الآن إن من قوانين النفس أنها لا تقبل إلا على كبير وإلا على عظيم ولا تختار إلا الكبير ولا تعجب إلا بالعظيم هذا من خصائص النفس البشرية، لذلك حينما تتعرف على الله عز وجل ترتاح نفسك لأن فطرتها كذلك اختارت الكبير، اختارت الملك، اختارت العظيم، اختارت الرحيم، اختارت القوي، اختارت العليم، اختارت السميع، هذا معنى قوله تعالى:
﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا (180) ﴾
( سورة الأعراف)
كلام دقيق أنت في عقد قران مضى عليه سنة وأهل الزوجة على وشك أن يفسخوا هذا العقد ما عندك بيت، بلغك أنه في إنسان محسن كبير ويحب الخير وعنده عدة بيوت يفكر أن يعطيها لطلاب العلم الذين لا يملكون ثمن بيت ماذا تعمل ؟ تتجه إليه فوراً، ما الذي دفعك إليه ؟ هذه المعلومات أنه إنسان محسن وعنده بيوت وأنت بحاجة إلى بيت، طبيعة النفس أنها تقبل على العظيم القوي الغني الشافي المعافي المغني العدل، أنت حينما تتجه إلى الله تصطلح مع نفسك، مع فطرتك، أنت مصمم أن تعرف الله فإذا اكتفيت بهدف محدود أرضي حينما تصل إليه يبدأ الشقاء ملل، يشاهد الإنسان الناجحين في الحياة الذين لم يعرفوا الله يشعر بملل عجيب، أكل حتى شبع، سافر، تزوج، ذاق طعم كل شيء وماذا بعد ذلك ؟ ما في شيء إلا إذا توجهت إلى الله. المؤمن لا يشيخ لأن هدفه الله عز وجل:
المؤمن لا يشيخ، المؤمن يبقى شاباً وهو في التسعين، لأن هدفه الله عز وجل، الشيخوخة هو موضوع انتهاء الأهداف، اشتغل، اشترى بيتاً، تزوج، أنجب أولاداً، أولاده جالس متقاعد، مرة يلعب طاولة، مرة يقرأ جريدة، ضاق خلقه شيء ممل، أما إذا كنت في طريق الإيمان أنت شاب، وأنت في التسعين، لما احتفلوا قبل سنتين أعتقد بتكريم علماء القرآن الكريم المفاجأة أن هؤلاء العلماء الأجلاء كلهم فوق التسعين، من عاش تقياً عاش قوياً.
لا سبيل إلى السعادة إلا بطاعة الله عز وجل:
لذلك أيها الأخوة، نقطة أخيرة أنت حينما تعرف أسماء الله الحسنى تتجه إليه وحينما تعرف أسماء الله الحسنى تتقرب إليه بكمال مشتق من كماله، عندئذ يلقي في قلبك الأمن، الحكمة، السعادة، الطمأنينة، الرضا، عندئذ يبارك لك في وقتك وفي أهلك وفي أولادك وفي عملك وفي حياتك، عندئذ كما يقال أولياء أمتي إذا رؤوا ذكر الله بهم. في عندهم إشعاع قوة تأثير فلذلك أيها الأخوة، لا سبيل إلى السعادة إلا بطاعة الله.
﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ(28) ﴾
السعيد
08-26-2018, 12:58 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الثالث و التسعون )
الموضوع : اسم الله - الكبير - 2 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
من أسماء الله الحسنى: ( الكبير ):
أيها الأخوة الكرام، لازلنا في اسم الكبير، والكبير هو العظيم، والكبير ذو الكبرياء، والكبرياء كمال الذات، وكمال الذات تعني كمال الوجود، وكمال الوجود يرجع إلى شيئين إلى دوامه أزلاً وأبداً، فكل وجود يسبقه عدم ليس كاملاً وكل وجود ينتهي على عدم ليس كاملاً، كمال الوجود الذي يكون أزلاً وأبداً، لا شيء قبله ولا شيء بعده، أما ما سوى الذات العلية مخلوقات حادثة سبقها عدم وسيأتي بعدها عدم.
﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) ﴾
(سورة الرحمن)
﴿ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ (88) ﴾
( سورة القصص)
فالكبير ذو الكبرياء، والكبرياء كمال الذات، وكمال الذات كمال الوجود. بطولة الإنسان أن يكون لله:
أيها الأخوة، الآن المعنى الدقيق أن الله كبير لكنك أيها الإنسان خلقت له، التراب للنبات والنبات للحيوان والحيوان للإنسان والإنسان لمن ؟ للواحد الديان، ورد في بعض الآثار: خلقت لك ما في الكون من أجلك فلا تتعب، وخلقتك من أجلي فلا تلعب، فبحقي عليك لا تتشاغل بما ضمنته لك عما افترضته عليك.
أيها الأخوة، لا يليق بك أيها الإنسان أن تكون لغير الله، لا يليق بك أن تجير لغير الله، لا يليق بك أن تحسب على غير الله، لا يليق بك أن تكون لإنسان، إنك للواحد الديان، لمجرد أن تخضع لإنسان وأن ترى خيرك بيده وشرك بيده فقد عصيت الواحد الديان هبطت عن مستوى لا يليق بك، كنت خطيئة إنسان.
يقول الإمام علي رضي الله عنه: قوام الدين والدنيا أربعة رجال عالم مستعمل علمه، وجاهل لا يستنكف أن يتعلم، وغني لا يبخل بماله، وفقير لا يبيع آخرته بدنياه، فإذا ضيع العالم علمه استنكف الجاهل أن يتعلم، وإذا بخل الغني بماله باع الفقير آخرته بدنيا غيره.
يعني لا يليق بالإنسان وهو المخلوق الأول والمكرم أن يكون لغير الله أو أن يكون محسوباً على غير الله، عالم جليل من علماء الأمة توفي رحمه الله كان في بلد غربي لإجراء عملية جراحية، جاءت الرسائل بمئات الألوف هذا لفت نظر القائمين هناك فأجروا معه مقابلة سألوه ما هذه المكانة التي حباك الله بها ؟ اعتذر عن أن يجب عن هذا السؤال فلما ألحوا عليه قال: لأنني محسوب على الله.
بطولتك أن تكون لله، أنت له ولست لغيره، غيره تتعامل معه، تعاون، تقدم خدمات، أنت منفتح، أنت إيجابي أما قلبك لله:
(( لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ، وَلَكِنْ أَخِي وَصَاحِبِي ))
[ أخرجه البخاري عن عبد الله بن عباس ]
من رفض منهج الله عز وجل احتقر نفسه:
أيها الأخوة، الإنسان أحياناً يرفض أشياء كثيرة، يعرض عليه بيت فلا يعجبه فيرفضه، يرفضه احتقاراً له، تعرض عليه وظيفة دوامها طويل ودخلها قليل فيرفضها احتقاراً لها، يعرض عليه سفر لا يرى المغانم تساوي المغارم، يقول لك سفر وبُعد وعندي أولاد والدخل ليس بشيء، فالإنسان أحياناً يرفض آلاف الأشياء احتقاراً لها، إلا أنه إذا رفض منهج الله يحتقر نفسه الدليل:
﴿ وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ (130) ﴾
( سورة البقرة )
لمجرد أن ترفض منهج الله، أن تتأبى عليه، أن تنصرف لغير الله، فأنت تحتقر نفسك ما عرفتها وقد قيل من عرف نفسه عرف ربه. بطولة الداعية إلى الله أن يخاطب العقل والقلب معاً:
أيها الأخوة، الحب جزء أساسي من كيان الإنسان، أي إنسان لا يشعر برغبة أن يحب أو أن يحب ليس من بني البشر، ذلك لأن الإنسان عقل يدرك وقلب يحب، وبطولة الداعية إلى الله أن يخاطب العقل والقلب معاً، والله سبحانه وتعالى في قرآنه خاطب العقل وخاطب القلب وفي حالات كثيرة خاطب العقل والقلب معاً:
﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ﴾
( سورة الانفطار: الآية "6")
يخاطب القلب. ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ ﴾
( سورة الانفطار )
فالحب جزء أساسي من كيان الإنسان، الإنسان عقل يدرك وقلب يحب، ولكن البطولة ولكن الفلاح ولكن التوفيق ولكن التفوق أن تعرف من ينبغي أن تحب، لا بد من أن تحب، كنت أقول سابقاً إما أن تكون عبداً لله أو أن تكون عبداً لعبد لئيم.
والله، والله، مرتين، لحفر بئرين بإبرتين، وكنس أرض الحجاز في يوم عاصف بريشتين، ونقل بحرين زاخرين بمنخلين، وغسل عبدين أسودين حتى يصيرا أبيضين أهون عليّ من طلب حاجة من لئيم لوفاء دين.
إما أن تكون عبداً لله وعبد الله حر، وعبد الله عزيز، وعبد الله مخلص، لا يخضع لمخلوق ويعصي خالقه، أو أن تكون عبداً لعبد لئيم، هؤلاء الذين يتأبون على الله ينبطحون إلى الأقوياء انبطاحاً. على كل إنسان أن يحب الله عز وجل في ذاته العلية و كماله المطلق:
أيها الأخوة، فالحب جزء أساسي من كيان الإنسان لكن البطولة أن تعرف من تحب، ينبغي أن تحب الكبير، ينبغي أن تحب الكامل في ذاته العلية كمالاً مطلقاً، وكمال الذات أن يكون موجوداً أزلاً وأبداً، الله كبير بأسمائه يعني عطاؤه كبير وعقابه كبير وحلمه كبير ورحمته كبيرة، كأن هذا الاسم يمكن أن ينسحب على أسمائه الحسنى كلها، كبير بأسمائه، كبير بعطائه، كبير بحلمه، كبير بعفوه، كبير برحمته، كبير بقدرته، يعني زلزال تسونامي في تقرير علمي دقيق يساوي مليون قنبلة ذرية، مليون، الله كبير.
﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (12) ﴾
( سورة البروج)
عطاؤه ورحمته كبيرة، وحلمه كبير، الله عز وجل كبير بكل أسمائه. الأقوياء عصي بيد الله عز وجل:
أيها الأخوة، الإنسان أحياناً يرغب بكلمات موجزة، مرة طبيب قال أربع كلمات أنا تأملتها وجدت فيها أسباب الصحة كلها، كُلْ كل شيء، لأنه ما من شيء إلا يغطي حاجة الجسم، كُلْ كل شيء أولاً.
ثانياً كُل قليلاً.
ثالثاً ابذل جهداً.
رابعاً ابتعد عن الشدة النفسية.
أحياناً في كلمات صدقوا أيها الأخوة مع أن العوام يرددونها كثيراً لكنها جامعة مانعة، ما في إلا الله، والله كبير، على التحقيق والتدقيق والبحث والتمحيص ما في إلا الله، في أقوياء كلهم عصي بيد الله.
(( أنا مالك الملوك، وملك الملوك، قلوب الملوك بيدي، وإن العباد إذا أطاعوني حولت قلوب ملوكهم عليهم بالرأفة والرحمة، وإن العباد عصوني حولت قلوبهم عليهم بالسخط والنقمة، فساموهم سوء العذاب، فلا تشغلوا أنفسكم بالدعاء على الملوك، ولكن اشغلوا أنفسكم بالذكر والتضرع أكفكم ملوككم ))
[ رواه الطبراني عن أبي الدرداء ]
ما في إلا الله، الأقوياء عصي بيده، سئل تيمور لنك من أنت ؟ قال أنا غضب الرب. أنت تغضب ترفع صوتك، أنت تغضب تدفع الباب بعنف، أنت تغضب قد تكسر آنية بيدك، فإذا غضب الواحد الديان يبعث تيمور لنك، من أنت ؟ قال أنا غضب الرب. من عرف الله عز وجل لا يلتفت إلى غيره:
أيها الأخوة، أنت حينما تعرف الله لا تلتفت إلى غيره ولا تنافق ولا تحابي ولا تذل ولا تتطامن ولا تيأس، في حالة أصعب أن يجد الإنسان نفسه فجأة في بطن حوت، الحوت الأزرق مئة وخمسين طناً، الإنسان كله لقمة صغيرة، وجبته المتواضعة بين الوجبتين أربعة طن، الإنسان سبعين كيلو لقمة، نبي كريم يجد نفسه في بطن حوت.
﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88) ﴾
( سورة الأنبياء)
الله موجود، واحد أحد فرد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد.
أيها الأخوة، ما في إلا الله، والله كبير، باخرة عملاقة صنعت في عام ألف وتسعمئة واثني عشر، أرسل معها نشرة أن هذه الباخرة لا يستطيع القدر إغراقها، نشرة في عصر البعد عن الله، في عصر تأليه العلم، في عصر القوة، في عصر سقوط الكنيسة لا يستطيع القدر إغراقها، في أول رحلة وعليها نخبة الأغنياء وأثرياء أوربا، بل إن حلي نساءهم تقدر بالمليارات هي مدينة عائمة ارتطمت بجبل ثلجي شطرها شطرين، الله كبير.
أرسلوا مركبة سموها المتحدي، بعد سبعين ثانية من إطلاقها أصبحت كتلة من اللهب، الله كبير. ﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (12) ﴾
( سورة البروج)
ما في إلا الله، ما في أقوياء، الأقوياء عصي بيد الله، الأقوياء وحوش لكن هذه الوحوش مربوطة بأزمة محكمة بيد الله، علاقتك ليس مع الوحوش لكن مع من يملك أزمتها، فإذا أرخى أحد الأزمة وصل الوحش إليك فإذا أبعده عنك كنت في نجاة، هذا معنى قول الله عز وجل على لسان سيدنا هود: ﴿ مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ (55) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (56)﴾
( سورة هود )
الذنب شؤم على غير صاحبه :
من معاني الكبير:
﴿ وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ (21)﴾
( سورة يوسف )
أحياناً يموت الأب الغني وعنده أولاد، بر أولاده بيده كل المال يأخذه كله ويبقي أخوته تحت جناحه بدخل محدود، الله كبير، أحد أولاده الصغار يوفق ويوفق والكبير المغتصب يعاقب ويعاقب إلى أن يعمل الكبير محاسباً عند الصغير، الله كبير، ضرة عيرت ضرتها قالت في بطني ولد وحاملة ولد وعلى الأرض في ولد، عندها ثلاثة أولاد في عندها، ضرتها لا تنجب ففي ساعة حوار قاس بينهما قالت لها في بطني ولد وحاملة ولد وعلى الأرض في ولد، فمات أولادها الثلاثة ورزق الله هذه العاقر خمسة أولاد، الله كبير إياك أن تتحدى، إياك أن تعيّر، لذلك قالوا الذنب شؤم على غير صاحبه، صاحبه من باب أولى على غير صاحبه إن ذكره فقد اغتابه وإن عيره ابتلي به وإن رضيه شاركه في الإثم. القوانين و السنن بيد الله عز وجل قد يعطلها أو يفعّلها:
أيها الأخوة، من عظمة الله عز وجل أن هذه السنن والقوانين تفعل وقد تعطل، الله عز وجل مكّن كفار قوم إبراهيم أن يقبضوا عليه مكنهم أن يقبضوا عليه وحاكموه وأضرموا ناراً عظيمة وألقوه بها فإذا بالله يعطل مفعول النار:
﴿ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (69)﴾
( سورة الأنبياء )
لو قال برداً لمات من البرد لمات من البرد برداً وسلاماً، ولو قال يا نار كوني برداً وسلاماً لتعطل مفعول النار إلى يوم القيامة، على إبراهيم فقط، الله عز وجل يقنن قانون له سنة يفعلها أو يعطلها أو يعكسها، لذلك قالوا عرفت الله من نقض العزائم.
يعني الجري مفيد جداً جداً لكن في طبيب في أمريكا يرفع لواء الجري اليومي، كان يجري في اليوم عشرين كيلو متر ويؤكد بندوات تلفزيونية ومؤلفات ومقالات في الصحف أن الذي يجري يبقى قلبه قوياً فإذا به يموت وهو يجري في الثانية والأربعين، أحياناً إنسان يكون طبيباً مختصاً باختصاص يشعر بكل كيانه من أتعب الحالات أن يصاب بأمراض الذي هو مختص بها، طبيب هضمي معه قرحة، كنت في أمريكا طبيب قلب معه احتشاء بسن مبكر، عرفت الله من نقض العزائم. الأخذ بالأسباب من تمام التوكل:
كل إنسان يقول أنا، يتخلى الله عنه، إن قلت أنا تخلى الله عنك، وإن قلت الله تولاك، هذا قانون جامع مانع، شامل مطرد، صحابة النبي صلى الله عليه وسلم وهم قمم قالوا في حنين:
(( وقد أعجبتهم كثرتهم قالوا: لن نغلب من قلة ))
[ أخرجه أبو داود والترمذي والحاكم عن ابن عباس ]
﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَم تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ (25)﴾
( سورة التوبة )
أيها الأخوة الكرام، أن تأخذ بالأسباب، وأن تعتمد عليها، هذا شرك وألا تأخذ بها هذه معصية، فالبطولة أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء وأن تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء. الكبير كامل مكمل:
الآن الكبير كامل مكمل، يعني لو قسنا هذه الصفة وذاك الاسم على الإنسان، إن قلنا ينبغي للإنسان أن يتخلق بكمال مشتق من كمال الله، يعني يجب أن تكون كبيراً، كبيراً بعلمك، كبيراً بأخلاقك، فالكبير لا يكذب والكبير لا يبخل والكبير لا يخدع والكبير لا يجبن والكبير لا يظلم والكبير لا يحقد والكبير لا ينتقم.
يوجد بهذه البلدة الطيبة محسن من المحسنين وجد في منطقة ما فيها مسجد (منطقة حديثة)، يعني حي كبير ليس فيه مسجد فكلف أحد أخوتنا الكرام أن يبني في هذا المكان مسجداً قال له ابحث عن أرض بعد بحث طويل وجدوا أرضاً مناسبة جداً مربعة سعرها معتدل ثلاثة ونصف مليون باتجاه القبلة وصاحب هذه الأرض حاجب في مدرسة، ساكن في بيت أجرة وعنده ثمانية أولاد ودخله أربعة آلاف في الشهر لا يكفيه لأيام معدودة، هذه الأرض ورثها إرثاً، عرضها للبيع فجاء المحسن الكبير تفحصها، أعجبته، سعرها مناسب، مساحتها مناسبة، اتجاهها مناسب، فتح دفتر الشيكات وكتب مليونين دفعة أولى من ثمن الأرض فسأله صاحب الأرض الحاجب الفقير الذي هو تحت خط الفقر عنده ثمانية أولاد، دخله أربعة آلاف، أين التتمة ؟ المبلغ ثلاثة ونصف، كتب مليونين، قال له عند التنازل، قال ما التنازل ؟ قال له تذهب إلى الأوقاف وتكتب تنازلاً عن هذه الأرض وعندئذ أعطيك الدفعة الثانية، قال له ما التنازل ؟ قال هذه سوف تكون مسجداً، قال له مسجد ؟ قال نعم أمسك بالشيك ومزقه، قال والله أنا أستحي من الله أن أبيع أرضاً لتكون مسجداً أنا أولى منك أن أقدمها لله عز وجل، والمسجد قائم بعد القدم بأطول مئذنة يقول هذا المحسن والله في حياتي ما صغرت أمام إنسان كما صغرت أمام هذا الفقير.
أحياناً إنسان يكبر ويكبر ويكبر ولا ترى كبره فيتضاءل أمامه كل كبير، شخص دخله أربعة آلاف جاءه ثلاثة ونصف مليون ويصغر هذا الإنسان ويصغر ويصغر ولا ترى صغره فيتعاظم عليه كل حقير.
على كل إنسان أن يكون كبيراً بالمفهوم الإنساني:
أيها الأخوة، معرفة الكبير حال نفسي يعبر عنه بالتكبير الله أكبر ويؤكده العمل فمن أطاع مخلوقاً وعصى خالقاً ما قال الله أكبر ولا مرة ولو رددها بلسانه ألف مرة.
أيها الأخوة، كمالك أن تكمل غيرك، علامة علمك الذي يرضي الله أن تعلم غيرك، أنت كبير افعل الأعمال الكبيرة، يوجد أعمال تصغرك، الانتقام يصغرك، والحقد يصغرك، والظلم يصغرك، فإن لم تنتقم، اذهبوا فأنتم الطلقاء، عشرون سنة كفار قريش نكلوا بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، حاربوه ثلاث مرات فلما سيطر عليهم في فتح مكة قال ما تظنون أني فاعل بكم ؟ قالوا أخ كريم وابن أخ كريم، قال اذهبوا فأنتم الطلقاء.
أيها الأخوة الكرام، حتى يحبك الله ينبغي أن تكون كبيراً، كبيراً بأخلاقك، كبيراً بعطائك، كبيراً بحلمك، كبيراً بتواضعك، كبيراً برحمتك، كبيراً بإنصافك.
أؤكد لكم مرة ثانية هذه الأسماء الحسنى علاقتنا بنا أن نتخلق بكمال مشتق من الله عز وجل، فإذا كان الله كبيراً فأنت ينبغي أن تكون كبيراً بحسب المفهوم الإنساني، كن كبيراً بعفوك، بحلمك، بتواضعك، بكرمك، بعلمك، بعطائك.
السعيد
08-26-2018, 01:00 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الرابع و التسعون )
الموضوع : اسم الله - الحى - 1 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
من أسماء الله الحسنى: ( الحي):
أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى والاسم اليوم الحيي.
على كل إنسان أن يتكل على الحي الذي لا يموت:
في السابق شرحنا اسم الحيي، الحيي اسم والحي اسم آخر، الحيي من الحياء والحي من الحياة، هذا الاسم ورد في قوله تعالى:
﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ (58) ﴾
(سورة الفرقان)
وقال الله جلّ جلاله: ﴿ هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ (65) ﴾
(سورة غافر)
ولم يقترن هذا الاسم باسم آخر إلا القيوم في آية الكرسي: ﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (255) ﴾
(سورة البقرة)
تعليق سريع: سمعت عن إنسان له مشكلة كبيرة جداً في بلده وتقتضي سجناً لأمد، و وَسّط إنساناً يدخل بلده من دون أن يساءل وأخذ منه مبلغاً فلكياً، وقبل أن يدخل توفي هذا الإنسان فدخل إلى السجن، توكل على حيٍّ يموت فلم ينتفع بكل ما دفع.
وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوت، حينما تضع أملك بحيٍّ يموت فإذا هذا مات هذا الحي الذي توكلت عليه تبددت الآمال، وأُحبط الإنسان. انقطاع إمداد الله عن الإنسان يؤدي إلى موته:
وعند مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل أحد أصحابه يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم ؟ قال أبو المنذر الله ورسوله أعلم، قال يا أبا المنذر مرة ثانية أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم ؟ قال أبو المنذر الله ورسوله أعلم، فعندئذ قال أبو المنذر الله لا إله إلا هو الحي القيوم، فضرب النبي صلى الله عليه وسلم على صدره تودداً وقال ليهدك العلم أبا المنذر، الله لا إله إلا هو الحي القيوم.
يعني حيّ بذاته ومصدر لقيام كل حيّ، حيّ محيي، حياتنا قائمة به، يعني هذا المصباح إذا قال أنا متألق، نقول أنت متألق بإمداد الكهرباء لك فإذا قُطعت عنك انطفأت، وفي أية لحظة ينقطع علينا إمداد الله عز وجل يموت الإنسان.
(( اسْمُ اللَّهِ الْأَعْظَمُ فِي هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ وَفَاتِحَةِ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ الم اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ))
[ أبو داود من حديث أسماء بنت يزيد ]
اسم الله الأعظم هو الاسم الذي أنت في أشد الحاجة إليه في ظرف معين:
أيها الأخوة، اسم الله الأعظم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم هذين الاسمين، وقد يكون اسم الله الأعظم هو الاسم الذي أنت في أشد الحاجة إليه في ظرف معين، فالفقير اسم الله الأعظم له المغني، والمظلوم اسم الله الأعظم له العدل، والضعيف اسم الله الأعظم له القوي، وفي أية حالة أنت تتعامل مع أحد أسماء الله الحسنى تقول تارة يا مغني، يا غني، وتارة يا قوي، وتارة يا حليم، وتارة يا رحيم، وتارة يا غفار، وتارة يا تواب، لكل حال من أحوالك هناك اسم يمكن أن يكون اسم الله الأعظم.
لكن لفت نظري أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل أبا المنذر، أبو المنذر تأدباً سكت أول مرة والثانية ثم أجاب ماذا نسمي هذا ؟ الحوار من أدق أساليب التربية ومن أفعل أساليب التربية أن تستخدم الحوار، الحوار يقرب والإملاء يبعد، أنت كأب، كمعلم، كمربٍ، كموجه، كداعية، لا تستخدم أسلوب الإملاء، استخدم أسلوب الحوار، ومن ألطف ما في اللغة أن الفرق بين الحوار والجوار نقطة واحدة، الحوار والجوار، إذاً كل جوار يقتضي الحوار، الإنسان الحضاري يحاور والإنسان المتوحش يقمع، لو أنك رأيت ابنك على حال لا يرضي حاورته، يا بني هذا العمل يؤذي مستقبلك، هذا العمل يؤذي صحتك، هذا العمل يؤذي سمعتك، هذا العمل يضعك في موقف حرج أنا أتمنى لك السعادة، السلامة، هذا كلام مقنع.
الحوار أسلوب ديني استخدمه الرسول الكريم مع أصحابه:
لذلك الأب العاقل يحاور أولاده لا يضربهم باستمرار، أنت إذا حاورته قربته منك وإنك إن قمعته أبعدته عنك، لذلك النبي صلى الله عليه وسلم كان يستخدم مع أصحابه أسلوب الحوار.
(( يَا مُعَاذُ، هَلْ تَدْرِي حَقَّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ ؟ وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنَّ حَقَّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ، وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَحَقَّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا... ))
[ متفق عليه ]
عجيب إله عظيم ينشئ لعبد صغير حقاً عليه ؟ هل هناك من حديث يملأ قلبك طمأنينة كهذا الحديث ؟ أنشأ الله لك حقاً عليه هذا بالحوار، الحوار أسلوب حضاري، الحوار أسلوب أخلاقي، الحوار أسلوب ديني، حاور ولا تقمع، حاور ولا تملي، كنا مرة في جلسة في جمعية مكافحة التدخين ففي أحد الأخوة الأعضاء انتقد بعض الإعلانات، التدخين يضر بصحتك هذا إملاء، قبل أن تدخن هل فكرت في صحتك ؟ حوار، سؤال: قبل أن تدخن هل فكرت في صحتك ؟ فكرت في أن هذه الدخينة تشبه رصاصة قاتلة ولكنها موت بطيء لكن الرصاصة موت سريع. الحي صفة مشبهة فعلها حيّ:
أيها الأخوة، الحي في اللغة صفة مشبهة، في عندنا فعل ماض، مضارع، أمر، اسم فاعل، اسم مفعول، اسم آلة، اسم مكان، اسم زمان، اسم تفضيل، صفة مشبهة على وجه الثبوت، فلان طويل صفة مشبهة، فلان داخل الآن دخل اسم فاعل، اسم الفاعل على وجه الحدوث، أما الصفة المشبهة على وجه الثبوت، فالحي في اللغة صفة مشبهة وفعلها حيّ والآية الكريمة:
﴿ لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ (42) ﴾
(سورة الأنفال)
الله عز وجل متكفل أن يضع كل إنسان بحجمه الطبيعي:
لو أن طالباً سألناه أنت ضعيف ؟ أنت كسول ؟ من دون امتحان بظن المدرس يقول لا أنا الأول، فإذا أجري الامتحان ونال الصفر وقلنا له أنت مقصر ؟ يقول نعم، لا بد من أن يستحق الإنسان الهلاك عن بينة، ويستحق الحياة عن بينة، الله عز وجل جعل الحياة الدنيا تجسيداً لما ننطوي عليه، داخل الإنسان حاجة أو رغبة هذه في الدنيا لا بد من أن تظهر والله عز وجل حكيم كأنه يقول لك: تكلم عن نفسك ما شئت أنا متكفل أن أضعك في حجمك الطبيعي، يأتيه مبلغ حتى يغير قناعته يرفضه أشد الرفض المبلغ ألف، لو جاءه مليون يغير إذاً أنت لما رفضت الألف الله يعلم أنك على رقم أكبر تتضعضع، فجاء من عرض عليك مبلغاً أكبر، بلوى عامة أنا عندي أولاد، الله عز وجل يحجم الإنسان، إياك أن تدعي ما ليس لك، الله عز وجل يضعك في ظرف صعب جداً تنكشف على حقيقتك لأن الله عز وجل لا تخفى عليه خافية، تكلم ما شئت، تحدث عن نفسك، وعن عظمتك، وعن أخلاقك، وعن ورعك، وعن زهدك، وعن أمانتك، وعن وعن وعن والله عز وجل متكفل أن يضعك في حجمك الطبيعي.
﴿ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ﴾
(سورة آل عمران)
لابد لكل إنسان من أن يمتحن:
﴿ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (30) ﴾
( سورة المؤمنون)
﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴾
( سورة آل عمران )
لا بد من أن نمتحن، الإمام الشافعي سُئل ندعو الله بالابتلاء أم بالتمكين ؟ فقال: لن تمكن قبل أن تبتلى. إياك أن تظن أنك ممكن أن تعيش في بحبوحة وفي صحة جيدة وأسرة ناجحة وأولاد أبرار ودخل وفير هكذا طوال الحياة من دون امتحان، مستحيل لا بد من أن تمتحن. معاني الحي:
أيها الأخوة:
﴿ لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ (42) ﴾
(سورة الأنفال)
الآن الحي من كل شيء نقيض الموت، والجمع أحياء، والحي يطلق أيضاً على كل متكلم ناطق، أحياناً يصاب المريض بسبات يأتي الطبيب يفتح عينه يمسك بمصباح متألق فإذا بقيت الحدقة ثابتة ولم تتقلص، هذا مؤشر موت، يأتي بمرآة يضعها أمام أنفه فإذا جاءها بخار الماء مؤشر حياة، فإذا لم تتأثر مؤشر موت، يضع يده على شريانه فإذا لم يشعر بأي حركة هذا مؤشر موت في النبض وفي التنفس وفي حدقة العين، فإذا تأكد أن حدقة العين لم تتأثر بالضوء وأن النبض لم يتحرك وأن المرآة لم يأتها بخار الماء الناتج من الزفير يقول عظم الله أجركم انتهى، وهذه لحظة لا بد منها.
الحي نقيض الميت والجمع أحياء، والحي يطلق على كل متكلم ناطق، والحي من النبات ما كان أخضراً طرياً يهتز، والحي هو الواحد من أحياء العرب، والحي هو البطن من بطون العرب (القبائل)، والله هو الحي، أي دائم الوجود، الباقي حياً بذاته، الإنسان متى يموت ؟ هذا المصباح لو شبه الإنسان بمصباح متى ينطفئ ؟ إذا انقطع عنه الإمداد، أو ينطفئ إذا حطمته، حينما تحطمه عندئذ لا يصلح لتلقي الإمداد، فالقتل تحطيم المصباح، والموت الطبيعي انقطاع الإمداد بانقطاع الإمداد يموت الإنسان، وبضربه بآلة حادة يموت أيضاً، بالقتل عطلت قدرته على استقبال الإمداد وبالموت الطبيعي انقطع عنه الإمداد، لكن بكل حال عند علماء العقيدة المقتول يموت في أجله. الله عز وجل وجوده ذاتي أما الإنسان فوجوده متعلق بإمداد الله له:
الله سبحانه وتعالى هو الحي أي الدائم في وجوده، الباقي حياً بذاته، ما معنى:
﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) ﴾
(سورة الإخلاص)
وجوده ذاتي أما نحن وجودنا متعلق بإمداد الله لنا، الباقي حياً بذاته على الدوام أزلاً وأبداً:
﴿ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ (255) ﴾
(سورة البقرة)
وهذا الوصف ليس لسواه، أي طاغوت يعبد من دون الله إن كان حياً فحياته تغالبها الغفلة والسنة وإن قاومها وأراد البقاء عدداً من الساعات فإن النوم يراوده ويأتيه فضلاً عن كون الموت يوافيه ويرديه، وسبحان من قهر عباده بالموت. الحي القيوم ينفرد بكمال الحياة و دوامها:
لا ينفرد بكمال الحياة ودوامها إلا الحي القيوم، الحي جلّ جلاله هو الموجود بل هو واجب الوجود، في مصطلحات ثلاثة الله عز وجل واجب الوجود ما سواه الكون ممكن الوجود ويوجد بالعقل شرح لمستحيل الوجود.
الله عز وجل هو الحي الباقي من أزل الأزل إلى أبد الأبد، هنيئاً لمن كان مع الحي القيوم، مع الحي الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، والأزل هو عمق الوجود ودوامه في الماضي، والأبد هو دوام الوجود وبقاؤه في المستقبل، من أزل الأزل إلى أبد الأبد، وقيل الحي ليس لحياته زوال والذي لا يموت.
﴿ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (88) ﴾
(سورة القصص)
الإنسان ليس فعالاً لما يريد لكن الله عز وجل فعال لما يريد:
الحي هو الفعال، إنسان يكون في أوج حياته، في أوج نشاطه، فعال، يتخذ قراراً يرضى عن زيد يغضب عن عبيد، يعطي، يمنع، يصل، يقطع، فعال، له وجود قوي فالحي هو الفعال والله عز وجل قال عن ذاته العلية:
﴿ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (16) ﴾
(سورة البروج)
البشر في مليون مليون مليون شيء نتمناه ولا نملكه، فالإنسان ليس فعالاً لما يريد لكن الله عز وجل فعال لما يريد، على كل شيء قدير وبكل شيء عليم. علم الله و قدرته تطول كل إنسان:
لذلك الله عز وجل قال:
﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (12) ﴾
(سورة الطلاق)
يعني اختار لك من أسمائه اسمين القدير والعليم، وأنا متأكد أنك إن أدركت أبعاد هذين الاسمين تستقيم على أمر الله، معنى قدير عليم أي أن علمه يطولك وأن قدرته تطولك، يعني أحياناً يكون مدير عام يمر من دون أن يعلم مئة مخالفة ولا يشعر، جالس في مكتبه، يزوّر توقيعاً، يشار على إنسان داوم وهو لم يداوم، ممكن أما الله عز وجل على كل شيء قدير وبكل شيء عليم، فإذا أيقنت أن علمه يطولك وأن قدرته تطولك لا يمكن أن تعصيه، تماماً كما لو أنك وقفت أمام إشارة حمراء شرطي واقف وشرطي آخر على دراجة نارية ويوجد ضابط في السيارة، فإذا تابعت السير هناك من يتبعك، وإذا تواطأت مع الشرطي هناك من يراقبك، هذا علمه يطولك وقدرته تطولك، تصادر المركبة، تُسحب الإجازة، تدفع الغرامة، فأي إنسان في ذرة عقل إذا كان واقفاً على إشارة حمراء وهو يعلم علم اليقين أن واضع قانون السير علمه يطوله وقدرته تطوله، يستحيل أن يعصيه، أما حينما يتوهم أن الساعة الثالثة في الليل ما في شرطي يعصيه بهذا الوقت لأن علمه لا يطوله، أو إذا كان أقوى من واضع القانون لا يعبأ.
الله عز وجل هو الفعال على كل شيء قدير وبكل شيء عليم، أي أن قدرته متعلقة بكل ممكن وعلمه متعلق بالواجب والممكن والمستحيل، قدرته تعلقت بكل ممكن وعلمه تعلق بكل واجب وممكن ومستحيل. من يعبد الله حق العبادة منحه الله حقاً عليه ألا يعذبه :
أيها الأخوة، الإنسان يقال حي يرزق، بثانية يقال لك سكته دماغية صار خبراً كان شخصاً صار خبراً، سكتة قلبية، اضطراب بنظم القلب، نبض اشتدادي، انتهى باسترخاء القلب، احتشاء العضلة القلبية عافانا الله جميعاًَ من هذه الأمراض، ورم خبيث، تشمع كبد، فشكل كلوي، خثرة بالدماغ، أنا حينما ألتقي مع إنسان بيده قرار أقول له هكذا الله في عنده ورم خبيث، عنده فشل كلوي، تشمع كبد، خثرة في الدماغ، وكل هؤلاء البشر عباده ويحبهم فإذا كنت بطلاً هيأ لله جواباً عن كل شيء تفعله، إله عظيم بثانية أنت في قبضته لذلك كان عليه الصلاة والسلام يدعو ويقول:
(( اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ، وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ، وَفُجَاءَةِ نِقْمَتِكَ، وَجَمِيعِ سَخَطِكَ ))
[ مسلم ]
الخثرة بالدماغ تأتي بثانية واحدة، شل، والعياذ بالله هناك أمراض تجعل حياة الإنسان جحيماً لا يطاق، فلذلك كما قلت قبل قليل أنت حينما تعبده منحك الله حقاً عليه ألا يعذبك في الدنيا، حينما تعبده حق العبادة منحك الله حقاً عليه ألا يعذبك. بطولة الإنسان أن يكون مع الحي الذي لا يموت:
أيها الأخوة، لحكمة بالغة إنسان يكون في أعلى درجات نشاطه، أعلى درجات تألقه، أعلى درجات قوته، ومع ذلك يموت بسبب لا يعقل بثانية، أحياناً إنسان يبقى في الفراش ثلاثين عاماً، أقرب الناس إليه يتمنى موته يسمعونه الله يخفف عنك، يسمعونه يبقى عبئاً على من حوله، لذلك موت الفجاءة للمؤمن رحمة، ما أحد تألم منه يقول لك انخطف خطفاً، وأحياناً الإنسان مهما كان له مكانة كبيرة إذا فقد حركته أصبح طريح الفراش، أقرب الناس إليه زوجته الله يخفف عنك، أول جمعة الخدمة خمس نجوم كل جمعة تنقص نجمة آخر شيء ما في خدمة أبداً يذهبون يدعونه وحده في البيت، فاسألوا الله العافية وكان عليه الصلاة والسلام يقول: اللهم ارزقنا العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين و الدنيا والآخرة.
والبطولة أن تكون مع الحي القيوم، مع الحي الذي لا يموت، مع الحي الذي حياته باقية أزلاً بل من أزل الأزل إلى أبد الأبد، لذلك الإنسان بطولته في أن يكون مع الله، أما إذا كان مع إنسان بقاؤه منوط بهذا الإنسان، بل مكانته منوطة بهذا الإنسان.
السعيد
08-26-2018, 01:02 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الخامس و التسعون )
الموضوع : اسم الله - الحى - 2 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: ( الحي):
أيها الأخوة الكرام، لازلنا في اسم الحي.
الله عز وجل دائم البقاء لا سبيل إلى فنائه:
الله حيّ وحياته صفة من صفاته زائدة على وجوده وبقائه، فهو دائم البقاء الذي لا سبيل إلى فنائه، والحي سبحانه وتعالى هو المتصف بالحياة كوصف لذاته، الحي اسم ذات، هذا الاسم لا يتعلق بمشيئته، فإن تعلق بمشيئته فهو اسم لأفعاله، اسم فعل، إما اسم ذات أو اسم فعل، ولمّا كان كل ما سوى الله من دون استثناء حياته قائمة على إمداد الله، لذلك الحياة الحقيقية هي الحياة الذاتية لله عز وجل ولا جهة سوى الله توصف بالحياة الذاتية، الله حياته ذاتية، أما حياتنا مستمدة من إمداد الله عز وجل.
أيها الأخوة، حياة الله الذاتية، الله هو الحي، هي الحياة الحقيقية وكل حيٍّ سواه حياة مجازية يعني مستمدة من إمداده إذا انقطع الإمداد لحظة الإنسان مات، كما قلت لكم في درس سابق، هذه البلورة تتألق لأن التيار واصل إليها في أي ثانية ينقطع التيار تنطفئ هذه البلورة.
أيها الأخوة، كل ما سوى الله فان أو قابل للفناء، إما أن الله قد أفناه أو سوف يموت، كل مخلوق يموت ولا يبقى إلا ذو العزة والجبروت.
والليل مهما طال فلابد من طلوع الفجر والعمر مهما طال فلابد من نزول القبر
***
وكل ابن أنثى وإن طلت سلامته يوماً على آلة حدباء محمول
فإذا حمــلت إلى القبور جنازة فاعلم بأنك بعدها مــحمول
***
لأن كل مخلوق حياته مستمدة من إمداد الله، فكلمة حي تعني في الوقت نفسه أنها اسم ذات واسم فعل، اسم لذات الله واسم لأفعاله، لأنه يمد بالحياة. العاقل من ربط هدفه بالحي الذي لا يموت لا بحيّ يموت:
أيها الأخوة، لذلك الموحد يدعوك إلى أن تعتمد على الله وحده، لأن وحده الحي الذي لا يموت، إذا اعتمدت على حي يموت مشكلة كبيرة، اعتمد على حيّ لا يموت، اربط مصيرك بحيّ لا يموت، اربط هدفك بحيّ لا يموت، اجعل جهدك لحيّ لا يموت، أما إذا جعلت جهدك لحيّ يموت فإذا مات ضاع جهدك، إن اعتززت بحيّ يموت فإذا مات ضاعت عزتك، إن توكلت على حي يموت فإذا مات ضاع أملك، والآية الكريمة:
﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ (58) ﴾
(سورة الفرقان)
بطولة الإنسان أن يعيش المستقبل وأخطر حدث في المستقبل مغادرة الدنيا:
النقطة الثانية أن الله عز وجل إذا قلنا الله حي فهذه صفة باقية إلى أبد الآبدين، حي على الدوام، حي من أزل الأزل إلى أبد الأبد، أما أنا وأنت حياتنا مستمدة من إمداد الله لنا، ففي أية لحظة توقف الإمداد كان الموت، يعني شيء واقعي ألف سبب يجعلنا في ثانية واحدة خبر، كنت رجلاً طبيباً، عميداً، وزيراً، ثانية واحدة أصبحت خبراً على الجدران نعوة، الله عز وجل قال:
﴿ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ (19) ﴾
(سورة سبأ)
إنسان يمر في مدينته أعتقد يقرأ عشرات النعوات يومياً، أنا سألت بعض الموظفين قال يوجد باليوم الواحد في دمشق مئة وخمسين وفاة، في ثلاثين أربعين نعوة، أما عدد الوفيات قريب مئة وخمسين وفاة يومياً، أنت كل يوم تقرأ عشرات النعوات على أبواب المساجد، لكن تأكد في يوم واحد سيقرأ الناس نعوتك، ما في واحد مستثنى وتدخل إلى المسجد كل يوم تصلي لكن في يوم تدخل في نعش ليصلى عليك.
ذكاؤك، بطولتك، تفوقك، حكمتك أن تعد لهذه الساعة، كل يوم تخرج قائماً وترجع، اليوم تأخر جاء الساعة الواحدة لكن في مرة واحدة يطلع أفقياً لكن لا يرجع الساعة الواحدة لا أقول لماذا ما جاء فلان لأنهم دفنوه انتهى، هنا بطولتك أن تعيش المستقبل وأخطر حدث في المستقبل مغادرة الدنيا. على كل إنسان أن يكون مستعداً للقاء الله عز وجل:
أيها الأخوة، في سكة دماغية الله يعافينا منها، سكتة قلبية، خثرة في الدماغ، تشمع كبد، فشل كلوي، هذه أمراض وبيلة لكن يجب أن تعتقد هناك بوابة خروج، في المطارات يعطيك بطاقة الصعود للطائرة يقول لك البوابة ثلاث عشرة، أنا أعتقد كل واحد منا شاء أم أبى له بوابة خروج، هذا بوابة خروجه من القلب، هذا من الرئتين، هذا بحادث سير، هذا بورم خبيث لا سمح الله، فكل واحد منا له بوابة خروج، لو قلت يا رب سلم، الموت حق، الأنبياء ماتوا، الأنبياء ماتوا ببوابة أيضاً، أنا أرى حينما تؤمن أن الحياة مؤقتة والإنسان بضعة أيام كلما انقضى يوم انقضى بضع منك.
تكون مستعداً للقاء الله عز وجل استعداداً حقيقياً، و جاهزاً، و مهيئاً أمورك، تجد إنساناً حاجاته بالمحفظة، جوازه في جيبه، بطاقة الطائرة بجيبه، معه دولارات مجهزها، تفضل جاهز هذا المؤمن، أما غير المؤمن والعياذ بالله حينما يشعر أنه على وشك الموت يصيح صيحة لو سمعها أهل الأرض لصعقوا.
من أحبّ الله رضي بقضائه و قدره:
أيها الأخوة، بوابة الخروج هذا مرض الموت يتفاقم، لكل داء دواء أي مرض مهما بدا لك عضالاً له شفاء إلا مرض الموت هذا ينتهي بالموت، أنا أسميه بوابة الخروج.
الإمام الرازي يروي أنه مات لبعضهم ابن بكى عليه حتى فقد بصره، أنا أعتبر هذه المحبة محبة مرضية، الابن غالٍ لكن إنسان ما يرى أن هذا الموت بقضاء من الله وقدر ؟ فقال بعضهم الذنب ذنبك لأنك أحببت حياً يموت فلو أحببت حياً لا يموت لما وقع في هذا الحزن.
كانوا الصحابة وشيء قد تستغربونه يتزينوا عند موت أحد أولادهم ليعبروا لربهم عن رضاهم بقضاء الله وقدره، البطولة هذا قرار إلهي، موت الولد قرار الله عز وجل، فإذا كنت تحبه ترضى عنه، إن القلب ليحزن، هذا وضع طبيعي، إن العين لتدمع، ولا نقول إلا ما يرضي الرب، وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون، هذا الوضع المثالي، أما إنسان عقب وفاة ابنه يترك الصلاة هكذا.
قال له: لو أحببت حياً لا يموت لما كان هذا حالك أحببت حياً يموت.
المؤمن متواضع يحب الناس جميعاً:
أيها الأخوة الكرام، أنا لا أعتقد أن في إنسان على وجه الأرض من آدم إلى يوم القيامة أحبّ إنساناً كما أحبّ الصديق رسول الله ومع ذلك حينما انتقل النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى قال من كان يعبد محمداً (من دون أي لقب) فإن محمداً قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت.
النبي صلى الله عليه وسلم قال: وما طلعت شمس على رجل بعد نبي أفضل من أبي بكر، ما ساءني قط، ما دعوت أحداً إلى الإسلام إلا كانت له كبوة إلا أخي أبا بكر، أعطاني ماله، زوجني ابنته، فاحفظوا له ذلك، ومع ذلك قال
(( لو كنت متخذاً من العباد خليلاً لكان أبو بكر خليلي، لكن أخ وصاحب في الله ))
اقبلوا هذه الملاحظة، المؤمن متواضع، المؤمن يحب الناس جميعاً، المؤمن يخدم الناس جميعاً، المؤمن مرح، المؤمن إيجابي، المؤمن متعاون، لكن قلبه متعلق بالله، أحياناً الإنسان يعلق قلبه بابنه يسافر يأخذ جنسية ويستقر ويتزوج أجنبية وينسى أن يخبر أبوه في السنة مرة، وضع كل أمله بابنه، أحياناً إنسان يضع كل أمله بزوجته تكيل له الصاع أصوعة، أنا أرى أنك إذا تعلقت بغير الله، الله عز وجل يغار لذلك يلهم هذا الذي تعلقت به ونسيت الله أن يكون معك لئيماً، من اعتمد على ماله ضلّ، من اعتمد على أي جهة سوى الله ضلّ، وذلّ. من أراد أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله:
أيها الأخوة، الآن أَمَلُك أين ؟ ترى شخصاً اعتماده على ماله دون أن يشعر، شخص اعتماده على مكانته، اعتماده على منصب، اعتماده على ميزة هذا الاعتماد أحد أنواع الشرك، اعتمد على الله إن أردت أن تكون أغنى الناس فكن بما في يدي الله أوثق منك بما في يديك، إن أردت أن تكون أقوى الناس فتوكل على الله، إن أردت أن تكون مستجاب الدعوة فأطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة، يعني السيدة عائشة السيدة الأولى، الزوجة المصون الطاهرة العفيفة التي اتهمت بأثمن ما تملكه امرأة بعفتها اتهمت، ثم جاءت براءة الله عز وجل وكان أبوها عندها لما الوحي نزل ببراءتها كان أبوها عندها فلما جاء الوحي يبرئ هذه السيدة المصون قال لها أبوها قومي إلى رسول الله فاشكريه، وفي حضرة النبي قالت والله لا أقوم إلا لله، ابتسم النبي قال عرفت الحق لأهله.
كم واحد منا يصاب ابنه بمرض يقلق قلقاً شديداً، يصلي يدفع صدقة ثم يجري الله على يد طبيب ينسى الله ويتحدث عن الطبيب، الذي شفى الله، يكون الإنسان بورطة الله ينجيه منها، ينسى المنجي هو الله ويتذكر من سمح الله له أن تكون النجاة على يديه، هذا شرك.
قالت والله لا أقوم إلا لله، ابتسم النبي عليه الصلاة والسلام وقال عرفت الحق لأهله.
يعني الإنسان كلما وحّد الله أحبه، لما يوحده يتوجه له وحده، ولما يشرك شرك خفي، بالمناسبة يقول عليه الصلاة والسلام: أخوف ما أخاف على أمتي الشرك الخفي.
الشرك الخفي شرك مخيف:
يعني في العالم الإسلامي ليس وارداً أن نستمع من إنسان إلى شرك جلي، يقول فلان إله هذا غير مطروق إطلاقاً لكن:
﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ ﴾
( سورة يوسف )
شرك خفي، أخوف ما أخاف على أمتي الشرك الخفي، أما إني لست أقول إنكم تعبدون صنماً ولا حجراً ولكن شهوة خفية وأعمال لغير الله.
بل إن الشرك كما قلت كثيراً الشرك أخفى من دبيب النملة السمراء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء. وأدناه أن تحب على جور، يعني شخص غير ملتزم له أعمال لا ترضي الله لكنك تحبه هذه محبة مصلحة، تتعامى عن أخطائه الكبيرة، تتعامى عن أنه لا يصلي، تتعامى عن أنه لا يعبأ بمنهج الله عز وجل لكن مصلحتك معه، وأنت حينما منحته ودك ومحبتك وهو مقيم على معصية هذا نوع من الشرك، أو أن تبغض على عدل إنسان نصحك بأدب ما تحملته أنت لك مكانة كبيرة كيف يتجرأ وينصحك ؟ في شرك، لذلك الشرك الخفي مخيف، أخوف ما أخاف على أمتي الشرك الخفي والآية: ﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ ﴾
( سورة يوسف )
الحب في الله عين التوحيد و الحب مع الله عين الشرك:
أحياناً الإنسان دون أن يشعر يعتمد على ماله، قال لي شخص الدراهم مراهم يحل بالمال أي قضية قالها، والله الذي لا إله إلا هو خفت عليه، الله وضعه بمشكلة بقي بالمنفردة ثلاثة وستين يوماً ومعه أموال طائلة، يقول لي كل دقيقة وأنا بالمنفردة تقول الدراهم مراهم ؟ الله عز وجل وضعه في مشكلة المال لا يحلها، فإياك أن تعتز بغير الله، إياك أن تتكئ على غير الله، إياك أن تتوكل على غير الله، الله عز وجل يغار، يغار أن تتجه إلى غيره فإذا اتجهت إلى غيره جعل هذا الغير يتنكر لك.
لذلك هذا الموضوع ينقلنا إلى ما يسمى الحب في الله والحب مع الله، الحب في الله عين التوحيد، تحب الله وتحب رسول الله وتحب أصحاب رسول الله جميعاً وتحب التابعين وتحب تابعي التابعين، تحب كل عالم مؤمن رباني مستقيم، تحب بيت الله، تحب كتاب الله، تحب العمل الصالح، كل هذه الأنواع من الحب هي حب في الله وهي عين التوحيد.
أما في حب مع الله، الحب مع الله عين الشرك، تحب إنساناً غير مستقيم لكن مصلحتك معه كبيرة، يأتي مندوب شركة وأنت وكيلها ودخلك فلكي لكن طلب خمراً، مضطرين يا أخي يأتي في الحسابات ثمن خمر جاء المندوب ضّيفه خمراً لأنه أحبه مع الله في دخل كبير من ورائه وهو وكيله يعطيه تسهيلات وأسعار وائتمانية تسعين يوماً يحبه، طلب خمراً جاء له بالخمر، هذا حب مع الله، فرق كبير بين الحب في الله والحب مع الله، الحب في الله عين التوحيد والحب مع الله عين الشرك.
الحياة حياة القلب:
أيها الأخوة، الآن إن أردت أن تتخلق بكمال مشتق من هذا الاسم الله حي، لا تكن ميتاً، الله ماذا قال ؟
﴿ أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَاء ﴾
( سورة النحل الآية: 21 )
نبضه اثني عشر ثمانية، ضغطه اثني عشر ثمانية، نبضه ستة وسبعين، عمل فحوصات كله طبيعي، لكن عند الله ميتاً، ما دام هدفه الدنيا، هدفه المال، هدفه السمعة، ما فكر بعمل صالح ما فكر بقربة من الله، ما فكر بطلب علم ميت: ﴿ أَوَ مَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ (122) ﴾
( سورة الأنعام)
كان ميتاً قبل الإيمان.
ليس من مات فاستراح بميت إنما الميت ميت الأحياء
***
مات خزان المال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة. لذلك الحياة حياة القلب والموت موت القلب، ترى شخصاً ما فكر بحياته أن يصلي ولا يصوم ولا يتوجه إلى الله ولا يعمل عملاً صالحاً همه شهوته، إلهه شهوته، هذا ميت، الله عز وجل قال: ﴿ أَوَ مَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ (122) ﴾
( سورة الأنعام)
العاقل من أعمل عقله:
قبل أن نعرف الله نحن أموات:
﴿ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (22) ﴾
( سورة فاطر)
قبر الشهوة، مقبور في شهوته:
﴿ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (22) ﴾
( سورة فاطر)
فأنت يجب أن تكون حياً حياة القلب، حياة المعرفة، حياة الإيمان، حياة الاستقامة، حياة العمل الصالح، حياة صحبة الصالحين، يجب أن تكون حياً، وفي معنى آخر دقيق يجب ألا تكون مع الآخر كالميت، يقول لك المريد كالميت بين يدي مغسله، هذا المعنى غير صحيح لماذا ؟ (( بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَرِيَّةً فَاسْتَعْمَلَ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُطِيعُوهُ، فَغَضِبَ، فَقَالَ: أَلَيْسَ أَمَرَكُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُطِيعُونِي ؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: فَاجْمَعُوا لِي حَطَبًا، فَجَمَعُوا، فَقَالَ: أَوْقِدُوا نَارًا، فَأَوْقَدُوهَا، فَقَالَ: ادْخُلُوهَا، فَهَمُّوا، وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يُمْسِكُ بَعْضًا، وَيَقُولُونَ: فَرَرْنَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ النَّارِ، فَمَا زَالُوا حَتَّى خَمَدَتْ النَّارُ، فَسَكَنَ غَضَبُهُ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: لَوْ دَخَلُوهَا مَا خَرَجُوا مِنْهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ ))
[ متفق عليه ]
على كل إنسان أن يكون حياً في معرفة الله و طاعته و القرب منه:
العقل لا يعطَّل أبداً، أنا أطيع هذا الإنسان وفق منهج الله، قال لي صلِّ والله أمرني بالصلاة، قال لي اصدق، الله أمرني بالصدق، قالت له الأم طلق زوجتك ما أحببتها، زوجته محجبة مستقيمة، قال لي شخص أليس سيدنا عمر طلب من ابنه أن يطلق زوجته ؟ أبي قال لي طلق زوجتك ماذا أفعل ؟ قلت له إذا أبوك عمر طلقها لكن أبوك ليس عمراً، سيدنا عمر إذا قال لابنه طلقت زوجتك يكون في سبب ديني كبير، أما ليس كل أب قال لابنه طلق زوجتك يطلقها أنت عبدت أباك من دون الله، لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
لا تكون كالميت بين يدي المغسل، العقل لا يعطل في دليل أقوى الله عز وجل وصف الصحابيات فقال:
﴿ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ (12) ﴾
( سورة الممتحنة)
المعصية مقيدة بالمعروف، ما في معصية مطلقة، لَوْ دَخَلُوهَا مَا خَرَجُوا مِنْهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ.
التخلق بهذا الاسم العظيم يعني أن تكون حياً بمعرفة الله، حياً بطاعتك له، حياً بقربك منه، وأن تكون حياً ولست ميتاً بين يدي القوي أو أي إنسان آخر، لك عقل تراجع أمورك لا تقبل أن تكون خطأً لإنسان هو قال لي، وإذا قال لك، لَوْ دَخَلُوهَا مَا خَرَجُوا مِنْهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، هذه القصة وردت في البخاري ومسلم هذا منهج، خضوع أعمى ما في.
السعيد
08-26-2018, 01:05 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( السادس و التسعون )
الموضوع : اسم الله - القيوم - 1 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
من أسماء الله الحسنى: ( القيوم ):
أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى والاسم اليوم القيوم، هذا الاسم ورد في القرآن الكريم مقترناً باسم الحي كما قوله تعالى:
﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ (255) ﴾
(سورة البقرة)
﴿ وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا (111) ﴾
(سورة طه)
وهذا الاسم أيضاً ورد في السنة من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه:
((...أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسًا وَرَجُلٌ يُصَلِّي ثُمَّ دَعَا اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّ لَكَ الْحَمْدُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الْمَنَّانُ بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقَدْ دَعَا اللَّهَ بِاسْمِهِ الْعَظِيمِ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى...))
[أبي داود، النسائي، أحمد عن أنس بن مالك]
شأن آية الكرسي في القرآن الكريم شأن كبير:
الحقيقة آية الكرسي لها شأن كبير في القرآن الكريم:
﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ (255) ﴾
(سورة البقرة)
الآن بالمعنى اللغوي من هو القيم ؟ القيم هو السيد، القيم هو المدير، قيم المكتبة أمينها وسيدها ومن بيده أمرها، القيوم مبالغة من القائم بالأمر، في إنسان مدير مستشفى، مدير معمل، مدير مؤسسة، مدير جامعة، قد يكون محبة عمله تغلغلت في أعماقه فهيأ في مكتبه سريراً ليعمل على مدار اليوم والليلة، يتابع كل قضية، يسأل عن كل جزئية، يعالج أية مشكلة، يتابع أي موظف، يدير شؤون هذه المؤسسة برعاية وعلو وحكمة واختصاص ورحمة، يعني يقال أحياناً محبة هذا العمل سارية في دمه، هذا لا يقال له قائم على هذه المستشفى يقال له قيوم، أحياناً إنسان يتفانى في خدمة من حوله، يتابع كل قضية، يقيم كل أمر، يحاسب كل إنسان، يعطي حوافز، يعطي مكافآت، يعطي عقوبات، يبدل، يغير، لأن هدفه أن تكون هذه المؤسسة صاعدة في نمو هذا لا يسمى قيّم المؤسسة قيّم المستشفى قيّم الجامعة نسميه بصيغة المبالغة قيوم. تطابق الدين مع الفطرة تطابقاً تاماً:
أيها الأخوة، دين القيمة:
﴿ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (5) ﴾
(سورة البينة)
أي دين الفطرة، يتطابق هذا الدين مع الفطرة تطابقاً تاماً، أي شيء أمرك الله به أنت مجبول عليه، مفطور عليه، مولف عليه، مبرمج عليه، لذلك لمجرد أن تطيع الله عز وجل تشعر براحة لأنك وجدت فطرتك، لأنك انسجمت مع فطرتك، لأنك قبضت ثمن طاعتك في الدنيا قبل الآخرة.
تصور مركبة مصممة لطريق معبد سرت بها على طريق وعر، أحجار وحفر وأكمات، أصوات تعثر، شيء ينكسر، فلما انتقلت بها إلى الطريق المعبد سارت بسلاسة ونعومة وبلا صوت وبسرعة، نقول هذه السيارة المصممة على الطريق المعبد حينما سرت بها على الطريق المعبد ارتاحت وانسجمت أعطتك كل إمكاناتها، أنت ارتحت معها وأراحتك هي.
فلذلك الإنسان سلامته وسعادته بطاعة ربه لأنه مبرمج كذلك، لذلك قالوا دين الإسلام دين الفطرة، الدليل:
﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّه﴾
( سورة الروم: 30)
من معاني القيوم:
1 ـ القيام بالذات والبقاء على الصفات:
الآن القيوم في اللغة من صيغ المبالغة، قد تكون المبالغة مبالغة كم أو نوع من فعل قام يقوم قوماً وقياماً، ويأتي الفعل على معنيين الأول القيام بالذات والبقاء على الوصف، نحن جميعاً قيامنا لله، الله عز وجل يمدنا بالحياة، الكبد يقوم بخمسة آلاف وظيفة فإذا قطع الله عنه الإمداد أصبح مجرد نسيج لحمي يباع في الأسواق كبد الأنعام (يقال لها سوداء)، كان جهازاً بالغ التعقيد.
الله عز وجل قيوم السماوات والأرض موجود بذاته:
العين لا شيء يعدلها فإذا مات الإنسان لا شيء، في بعض المسالخ عين البقر تلقى في المهملات، العين لا قيمة لها من دون إمداد، فعينك تحتاج إلى إمداد، أذنك تحتاج إلى إمداد، لسانك يحتاج إلى إمداد، قلبك يحتاج إلى إمداد، رئتاك تحتاج إلى إمداد، فإذا قطع الله الإمداد عن هذه الأعضاء فقد الإنسان حواسه كلها، فقد عقله، فقد حركته، فقد وجوده، فالله عز وجل قيوم السماوات والأرض موجود بذاته.
مرة ثانية المعنى الأول القيام بالذات، لكن مع مرور الزمن يضعف بصر الإنسان يحتاج إلى نظارة، يضعف سمعه يحتاج إلى تقوية سمع، أحياناً ينحني ظهره، فالقيوم يعني القيام الذاتي دون إمداد خارجي والبقاء على الصفات، تبدل صفات ما، مرة أستاذ توفي ـ رحمه الله ـ قال يا بني أنا قبل خمسين سنة كنت أنشط من الآن، شيء طبيعي كل سن له ترتيب، قال قبل خمسين سنة أكثر نشاطاً من الآن، فالله عز وجل قيوم يعني قيامه ذاتي وصفاته ثابتة وباقية لا تتبدل لا تتأثر، لا يوجد ضعف بصر، لا يوجد خرف، أحياناً يخرف الإنسان يعيد القصة مئة مرة، أحياناً ينسى، أحياناً يضعف سمعه، أحياناً تبطئ حركته، فهذا فعل الزمن، سيدنا عمر بن عبد العزيز الليل والنهار يعملان فيك. لا يوجد إنسان ما عنده صورة قبل عشرين سنة أو قبل ثلاثين أو قبل خمسين، جلد مشدود وسامة رشاقة، الآن تجده الله يساعد كل واحد له ترتيب معين.
القيوم القيام بالذات والبقاء على الصفات.
2 ـ إقامة الغير والإبقاء عليه:
المعنى الثاني إقامة الغير والإبقاء عليه، لأن كل مخلوق ما سوى الله مفتقر إلى الله في وجوده وفي استمراره، فالقيوم بذاته الباقي على صفاته هذا من أسماء الذات، أما المقيم لغيره والمثبت لصفاتهم هذا من أسماء الأفعال، نحن كما تعلمون هناك اسم ذات، اسم صفات، اسم أفعال، اسم تنزيه.
وعلى هذين المعنيين القائم بذاته المقيم لغيره تدور كل عبارات القيوم.
الله عز وجل قائم بتدبير أمور الخلق وتدبير العالم بجميع أحواله:
كملخص القيوم القائم بنفسه مطلقاً لا بغيره والباقي أزلاً وأبداً، والقيوم هو القائم بتدبير أمور الخلق وتدبير العالم بجميع أحواله، فهو القائم بأمور خلقه في إنشائهم وتولي أرزاقهم وتحديد آجالهم وأعمالهم وتربيتهم ومعالجتهم والاستجابة لهم ودفعهم إلى ما فيه خيرهم وتأديبهم، هو العليم بمستقرهم ومستودعهم.
﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا (6) ﴾
( سورة هود الآية: 6 )
يعني ممكن بعض الحيوانات تعيش في رؤوس الجبال (الوعول)، هذه الحيوانات تجد ينابيع ماء في رؤوس الجبال، لو سألت أي إنسان على إلمام بالفيزياء يقول لك: لا بد لهذه الينابيع التي في رؤوس الجبال من مستودعات لها في جبال أعلى منها، في تمديد دقيق مستحيل، نبع ينبع في رأس جبل معنى مستودعه في جبل آخر أعلى من هذا الجبل هذا على مبدأ الأواني المستطرقة، أحياناً في أكبر بلد إسلامي في أرقام مختلفة لكن أقل رقم سمعته ثلاث عشرة ألف جزيرة وسمعت سبعين ألف جزيرة، لكل جزيرة نبع ماء والتمديد تحت سطح البحر، أرواد في بلدنا فيها نبع ماء، أمطار هذه الجزيرة الصغيرة القزمة لا تكفي لهذا النبع، لا بد من مستودع لهذا النبع في جبال في الساحل والتمديد تحت البحر، هذا معنى قيوم السماوات والأرض. الله عز وجل مصدر حياتنا و قيامنا:
أيها الأخوة، القيوم هو الذي يقوم به كل موجود، ولا يتصور وجود مخلوق كائناً من كان إلا بالله عز وجل، ولا يتصور استمرار حياة مخلوق كائناً من كان إلا بالله عز وجل فإذا قرأت آية الكرسي قبل أن تنام وقبل أن تسافر وقبل أن تقوم بعمل:
﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ (255) ﴾
(سورة البقرة)
مصدر حياتنا وقيامنا. الله تعالى قائم بنفسه كامل في وصفه:
مرة ثانية أحياناً في الإعادة إفادة، القيوم سبحانه وتعالى القائم بنفسه الذي بلغ مطلق الكمال في وصفه ؛ والباقي بكماله ووصفه على الدوام دون تغير أو تأثر أو تأثير، فقد يكون الحي سميعاً، أنا سميع، لكن هذا السمع يتأثر مع مضي الزمن يقول والله لا أسمع فيفتقر إلى وسيلة هي مقوية سمع أحياناً يضع سماعة أو آلة، فهذا الذي يتبدل سمعه مع مضي الزمن ليس قيوماً، يسمع لكن هذا السمع أصابه الضعف وكذلك البصر، الإنسان يحتاج إلى نظارة، هو كان من الممكن أن تبقى شاباً إلى ساعة الموت، القلب والأوعية لا في تصلب شرايين، ولا في اضطراب بنظم القلب، ولا في ضعف في القلب، ولا ضعف بصر، ولا ضعف سمع، ولا ضعف حركة، كان من الممكن لأن الله على كل شيء قدير، ولأن ما سوى الله ممكن، ومعنى ممكن أن يكون على ما هو كائن أو على خلاف ما هو كائن، لكن لحكمة بالغة بالغة بالغة جعل الله تبدلاً يجري على هذا الإنسان بعد سن معين، بعد الخمسين يقول والله معي آلام في الظهر، معي التهاب بالمفاصل، معي شحوم ثلاثية زيادة، في تبدل مستمر، هذا التبدل في الصحة، ضعف بصر، ضعف سمع، آلام في الظهر، آلام في المفاصل، يقول لك السكر مرتفع عندي، قال تجار السكر إذا كانوا مبتلين بمرض السكر فإذا انخفضت الأسعار يرتفع عندهم السكر، سكر دمهم يرتفع إذا انخفضت أسعار السكر، هذا شأن الإنسان ضعيف.
الأعراض السلبية في صحة الإنسان رسائل خفيفة من الله عن اقتراب الموت:
أنا أرى أن هذه التبدلات التي تطرأ على صحة الإنسان بعد سن معين هي رحمة من الله كبيرة، هي دروس لطيفة، هي رسالة من الله أن يا عبدي أن اقترب اللقاء هل أنت مستعد له ؟ لاحظ الإنسان بعد الخمسين، يحكي بالمشي، يحكي بالسلطة، يحكي بأكل خفيف، يحكي بمواد بروتينية، يحكي بضبط الغذاء، يحكي بالرياضة، ثم يصير معه مجموعة أدوية أينما مشي معه أدويته، هذه قبل الأكل وهذه بعد الأكل ثم تأتي النعوة، في غير ذلك ؟ الحديث عن الرياضة والصحة والأكل الخفيف والسلطات والخضار والفواكه بعد مجموعة أدوية ثم تطلع النعوة هذا الطريق الذي نمر به جميعاً بشكل إجباري.
أيها الأخوة الكرام، لذلك الإنسان هذه الأعراض السلبية في صحته هي في حقيقتها رسائل خفيفة من الله أن يا عبدي قد اقترب اللقاء بيننا، هل أنت مستعد له ؟
من أراد معرفة مقامه فلينظر فيما استعماله الله:
شيء آخر الله عز وجل أعطاك القيام، هو الذي أقامك فإذا أردت أن تعرف مقامك فانظر فيما أقامك، وأنا أحياناً حينما أرى إنساناً له عمل صالح أهنئه بكلمة آثر أن أذكرها دائماً أقول له: إذا أردت أن تعرف مقامك فانظر فيما استعملك، أنت لك دعوة إلى الله نعمة كبيرة، لك عمل شريف، لك تجارة مشروعة، لك زوجة وأولاد، ما عرفت الحرام في حياتك، إذا أردت أن تعرف مقامك فانظر فيما استعملك.
كل مخلوق قيامه ليس ذاتياً فتأخذه سنة أو نوم:
أيها الأخوة، الآن إنسان قائم بالله وصفاته لا تزال كما هي لكن تأخذه سنة أو نوم يتعب، تذهب إلى حلب ترى مركبة كبيرة جداً ثمنها ملايين مملينة تدهورت، لأن السائق أصابه النوم، والطرقات المستقيمة والجيدة جداً لها سلبية واحدة أن الإنسان إذا سار فيها صار في صوت رتيب، والصوت الرتيب يدعو إلى النوم، أكبر خطر ينتظر السائقين في الطرقات العالية المستوى أن ينام، وفي إنسان ألهمه الله شيئاً من الحكمة يكتشف الإيجابيات في كل السلبيات، الطرق الوعرة لها إيجابية واحدة لا تنام فيها، انتبه كل شيء سلبي فيه إيجابي، الطرق الممهدة جيداً لها سلبية النوم أما المخلوق لأن قيامه ليس ذاتياً تأخذه سنة أو نوم.
أما الله عز وجل:
﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ (255) ﴾
(سورة البقرة)
أكبر خطأ يرتكبه الإنسان أن يقول أنا لأنه دائماً في قبضة الله:
شيء آخر إذا لقيت إنساناً أمامك يحدثك قائم بالله، يتحرك حركته بالله، يرى رؤيته بالله، يسمع سمعه بالله، فكل صفات هذا الإنسان من الله عز وجل، أكبر خطأ يرتكبه الإنسان أن يقول أنا، أنت قائم بالله، أنت في قبضة الله، أنت في ثانية واحدة تصبح خبراً بعد أن كنت رجلاً، من هنا كان عليه الصلاة والسلام إذا استيقظ من نومه يقول الحمد لله الذي ردّ إليّ روحي.
أعرف أناساً كثيرين نام فلم يستيقظ مست يد زوجته جسمه فإذا هو بارد فقامت وقد صعقت ميت، في حالات كثيرة ينام لا يستيقظ.
إذاً النقطة الدقيقة كما قال عليه الصلاة والسلام: الحمد لله الذي ردّ إليّ روحي وعافاني في بدني.
استيقظت ترى، تسمع، تتحرك، تتوضأ، هذه نعمة كبيرة جداً سمح لك أن تعيش يوماً جديداً، وأمدك بالصحة، وأذن لك بذكره.
(( وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا ))
[ متفق عليه عن أبي هريرة]
يوجد إنسانة تعمل في الفن وتابت، عملت محاضرة ببلدة غربية سمعت أنا المحاضرة تقول: بعد أن تبت إلى الله صرت أستيقظ على صلاة الفجر بعد أن كنت آتي إلى بيتي بعد الفجر، بعد الفجر بالمعاصي أما قبل الفجر بالطاعات.
(( من صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله حتى يمسي، ومن صلى العشاء في جماعة فهو في ذمة الله حتى يصبح ))
[ أحمد]
في صلاة الفجر ضمان من الله أن يسلمك وأن يحفظك طوال النهار، وصلاة العشاء في المسجد ضمان لك أيضاً أن يحفظك وأن يسلمك طوال النهار. المؤمن من يرى أن قيامه و حياته كلها بيد الله سبحانه:
المؤمن يرى أن قيامه بالله دائماً، ذكاءه، عقله، حكمته، سمعه، بصره، دسامات قلبه، شريانه التاجي، نمو الخلايا المنضبط لو كان نمواً عشوائياً ورم خبيث، الدم سيولة مناسبة جداً ما صار جلطة، فما دام الإنسان معافى سليم في عناية إلهية فائقة جداً، الإنسان أحياناً تأتيه المصيبة فجأة خثرة في الدماغ فَقَد حركته وفقد نطقه، من هنا كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم :
(( أعوذ بك يا رب من فجأة نقمتك، و تحول عافيتك، و جميع سخطك ))
[أبو داود عن ابن عمر ]
عدم تصور وجود شيء ولا دوام شيء إلا بالله:
العلماء قالوا لا يتصور وجود شيء ولا دوام شيء إلا به (إلا بالله)، لذلك أحمق إنسان، أغبى إنسان هو الذي يقول أنا قالها إبليس:
﴿ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ ﴾
( سورة الأعراف الآية: 12 )
فأهلكه الله.
و لي قالها فرعون: ﴿ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ ﴾
( سورة الزخرف الآية: 51 )
أغرقه الله.
و عندي قالها قارون: ﴿ قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي ﴾
( سورة القصص الآية: 78 )
ونحن قوم بلقيس: ﴿ قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ ﴾
( سورة النمل الآية: 33 )
أهلكهم الله عز وجل، لا تقل أنا أو لا تقل أنا تواضعاً، أنت كذلك أنت لا شيء.
كن مع الله ترى الله معك واترك الكل وحاذر طـمعك
وإذا أعطــاك من يمنعه ثم من يعطي إذا ما منعـك
* * *
ملك الله للكون خلقاً وتصرفاً ومصيراً:
أيها الأخوة، كأن كلمة القيوم حاسمة في آية الكرسي:
﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (255) ﴾
(سورة البقرة)
الحياة به، ودوامها به، وانتهاؤها به، والقيام به، والدوام به، والانتهاء به. ﴿ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ (255) ﴾
(سورة البقرة)
﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42) ﴾
( سورة إبراهيم)
﴿ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ (255) ﴾
(سورة البقرة)
ملك الله لهذا الكون خلقاً وتصرفاً ومصيراً. التوحيد ألا ترى مع الله أحداً:
﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ (255) ﴾
(سورة البقرة)
من يستطيع أن يجمع شيئين إلا بإذن الله، الدواء تشربه من سمح له أن يشفيك من مرضك ؟ الله عز وجل، فلان وصل إليك نال منك من سمح له ؟ الله عز وجل، فلان أكرمك من ألهمه ؟ الله عز وجل، هذا التوحيد ألا ترى مع الله أحد، هو الرافع هو الخافض هو المعز هو المذل هو المعطي هو المانع هو الممد، كل حياتك قائمة به. ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ (255) ﴾
(سورة البقرة)
في ملكه. ﴿ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255) ﴾
السعيد
08-26-2018, 01:07 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( السابع و التسعون )
الموضوع : اسم الله - القيوم - 2 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
من أسماء الله الحسنى: ( القيوم ):
أيها الأخوة الكرام: لازلنا في اسم القيوم.
من معاني القيوم:
1 ـ القيوم هو الذي يحتاجه كل شيء في كل شيء ولا يحتاج هو إلى شيء:
القيوم هو الذي يحتاجه كل شيء في كل شيء ولا يحتاج هو إلى شيء. إذا أيقنت بهذه الحقيقة هل يعقل أن تلتفت إلى مخلوق ضعيف في قبضة الله وتنسى من بيده كل شيء، أرجحكم عقلاً أشدكم لله حباً، منبع الكمال والنوال والجمال، بيده كل شيء وما سواه في قبضة ربه، فأنت إذا أرضيت مخلوقاً وعصيت الخالق فقد وقعت في خسارة كبيرة:
﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ﴾
( سورة الكهف )
2 ـ القيوم هو الباقي الذي لا يزول:
والقيوم هو الباقي الذي لا يزول، هو المقيم للعدل القائم بالقسط، القيوم هو القائم بنفسه الغني عن غيره الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، هذا معنى:
﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (255) ﴾
(سورة البقرة)
آية الكرسي من أعظم آيات القرآن الكريم، القيوم هو القائم بتدبير خلقه، الله عز وجل قيوم بمعنى وجود أي مخلوق قائم به، واستمرار أي مخلوق قائم به، في الوجود قائم به، وفي استمرار الوجود قائم به. 3 ـ القيوم هو القائم برزق العباد:
أيها الأخوة، يوجد معنى ثالث القيوم هو القائم برزق العباد، يا ترى في اليوم كم دابة تذبح ليأكلها الإنسان ؟ بالملايين المملينة، كم غنمة ؟ كم بقرة في اليوم ؟ المحاصيل الزراعية، تصميم من، قدرة من، صنع من، فضل من ؟ يعني بكل ثانية في رقم ستة عشر مليار طن من الماء تهبط من السماء .
الله عز وجل قائم بتدبير خلقه:
أيها الأخوة، وأنت نائم الأمطار تهطل، الرشيم يتحرك، المعادن تنحل في التربة، الجذر ينمو، القلنسوة في أول الجذر تحفر الصخر أحياناً، الماء تذاب فيه المعادن، هذا الماء يصعد في عروق الشجر، ينعقد الزهر، تنمو الأوراق، ينعقد الثمر تأكل أنت هذه الفاكهة، صنع من ؟ أنت نائم يوجد بالدماغ مركز التنبيه النوبي للرئتين، أنت نائم تتنفس، في تنفس إرادي الشهيق والزفير هذا تنفس إرادي، لكن في تنفس لا إرادي نوبي لو أن هذا التنفس اللاإرادي النوبي ليس موجوداً ما في إنسان ينام دقيقة ينام يموت، من سمح لك أن تنام ساعات طويلة والرئتان تعملان ؟ مركز التنبيه النوبي لو تعطل هذا المركز لا يستطيع أن ينام صاحب المرض حتى اخترعوا دواء الآن يجب أن تأخذ حبة كل ساعة يضع المنبه نام عشرة استيقظ الحادية عشرة، أخذ حبة نام ساعة استيقظ الثانية عشرة أخذ حبة، واحدة، اثنتين، ثلاثة، أربعة، حياة لا تطاق، فإذا لم يستيقظ على المنبه مات، من صمم هذا الإنسان بأن تتحرك الرئتان آلياً و هو نائم ؟
من عظمة خلق الإنسان أن ملايين الأنشطة الذكية تتم آلياً :
أنت تأكل لو أن الله أوكل الهضم إليك تحتاج خمس ساعات بعد الأكل، الآن البنكرياس، الآن الصفراء، الآن الأمعاء الدقيقة، الغليظة، من أراحك من هضم الطعام ؟
وأنت نائم يتجمع اللعاب في فمك تذهب رسالة من الفم إلى الدماغ كثر اللعاب يأتي أمر من الدماغ إلى لسان المزمار يغلق، تغلق القصبة الهوائية يفتح المري، تدفع بلعابك إلى المعدة وأنت مستغرق في النوم هذه تتم كل فترة، لسان المزمار يغلق القصبة الهوائية يفتح المري الإنسان يدفع لعابه إلى المري، غارق في النوم، وأنت نائم في مراكز الإحساس بالضغط الهيكل العظمي وما فوقه من عضلات تضغط على ما تحته من عضلات هذا الضغط يؤدي إلى أن تضيق لمعة الأوعية فالإنسان يحس بخدر أو بتنميل، تذهب رسالة من القسم الذي تحت الهيكل العظمي إلى الدماغ صار في ضغط قلّت التروية، الدماغ يعطي أمراً وأنت نائم تقلب.
﴿ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ ﴾
( سورة الكهف )
فالإنسان النائم يتقلب ثمان وثلاثين مرة لأربعين مرة، وأنت غارق في النوم، هو قيوم السماوات والأرض، من عظمة خلق الإنسان أن ملايين الأنشطة الذكية تتم آلياً، فرغك كُلْ ونم، وأنت نائم كل شيء يعمل، لو أن القلب بيدنا لا تنام، القلب يعمل آلياً يضخ الدم، يضخ بكل يوم ثمانية أمتار مكعبة، القلب مضخة يبدأ عملها وأنت في رحم أمك إلى أن يحين الحين إلى أن تكتب النعوة لا يكلّ ولا يملّ، تعقد مؤتمرات لأطباء القلب، يقول لك اختصاصات القلب لا تعدّ ولا تحصى، قسم عضلة القلب، قسم الدسامات، قسم نظم القلب، قسم كهرباء القلب، يا الله يوجد تقدم علمي مذهل كل حياتنا منوطة بهذه العضلة، لذلك القيوم هو الذي يقوم بتدبير أمر خلقه. من رفض منهج الله عز وجل احتقر نفسه:
إذا أنت أرضيت إنساناً وقيامه بيد الله وعصيت الخالق وهو القيوم، عصيت الذي إذا أراد الفناء لمخلوق فني فوراً، أرضيت الضعيف الفاني أنت في ضياع، لذلك لا يليق بك أن تكون لغير الله، بل إنك إن كنت لغير الله تحتقر نفسك وقد ترفض آلاف الأشياء لأنك تحتقرها لا يعجبك هذا العمل دخله قليل وجهده كبير، لا تعجبك هذه السفرة تعويضات أقل من طموحك، لا تعجبك هذه الفتاة لم ترضَ عن أخلاقها رفضت الزواج منها، فأنت ترفض في اليوم آلاف الأشياء لأنك تحتقرها إلا أنك إذا رفضت منهج الله عز وجل فأنت تحتقر نفسك.
﴿ وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ (130) ﴾
( سورة البقرة )
العاقل من عدّ عمره عدّاً تنازلياً لا عداً تصاعدياً:
أيها الأخوة، وجود الإنسان ليس ذاتياً دققوا في هذه الكلمة: من عدّ غداً من أجَله فقد أساء صحبة الموت. إذا أنت قلت في نفسك غداً أدفع فاتورة الهاتف، فقط، أنت لا تعرف ما هو الموت، الموت يأتي بغتةً، خلال ستة أشهر أو سنة أربع خمس حالات صلى الظهر إماماً في المسجد وهو أخ صالح جداً وكان بعد العصر تحت التراب، مرة أخوة كرام واحد من الحاضرين عنده روح دعابة ونشيط يعتني بصحته عناية تفوق حدّ الخيال وقال: أنا مطول أموت هكذا قال، سألوه ما السبب ؟ الحقيقة جاء بأسباب مقنعة أنا وزني معتدل، وكل يوم أمشي، قال له يا تمشي يا تمشي، وأكله خبز نخالة وسلطات الذي حكاه كله صحيح، الذي حكاه من أسباب طول العمر، هذا الكلام قاله يوم السبت، السبت القادم كان تحت الأرض.
من عدّ غداً من أجله فقد أساء صحبة الموت، والإنسان الأولى به أن يعيش حياته يوماً بيوم، كان عليه الصلاة والسلام إذا استيقظ يقول: الحمد لله الذي ردّ إليّ روحي وعافاني في بدني وأذن لي بذكره.
من عدّ غداً من أجله فقد أساء صحبة الموت.
الله عز وجل هو القيوم القائم بنفسه لا بغيره:
الله عز وجل هو القيوم القائم بنفسه لا بغيره، والقيوم الذي يقوم به كل موجود، كل موجود في الكون قائم بالله عز وجل لأن الله عز وجل أمره كن فيكون زل فيزول، إن رأيت الشمس ساطعة فاعلم أن سطوعها وطلوعها بإمداد الله، إن رأيتها باقية فاعلم أن بقاءها بإمداد الله، قيوم السماوات والأرض، المجرات، المذنبات، الكازارات، الشمس، القمر، النجوم، الأرض، الحيوانات، النباتات، المخلوقات، البشر، الأطيار، الأسماك كلها قائمة بالله عز وجل.
4 ـ القيوم هو المربي:
الآن في معنى آخر: القيوم هو المربي دقق في هذه الآية:
﴿ أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ (33) ﴾
( سورة الرعد)
هنا اقتربنا من منطقة حساسة، يعني هذا دخله حرام الله عز وجل لا يؤخره إلى يوم القيامة يعالجه في الدنيا يتلف له ماله لعله يصحو، تأتيه ضربة قاصمة ماله حرام هذا الإنسان بار بوالديه يهيئ له أولاداً أبراراً مكافأة له، هذا إنسان ذكر الله فيمن حوله فذكره الله في ملائكته وذكره في ملأ خير منهم، لا يوجد عمل تفعله إلا الله عز وجل إما أن يكافئك عليه أو أن يؤدبك من أجله. لا يوجد عمل تفعله إلا أن يكافئك الله عليه أو يؤدبك من أجله:
أحياناً يكون أب بأعلى مستوى إذا ابنه تكلم كلمة غلط بابا هذه لا تعيدها الله يرضى عليك، في أب أو أم يربيان أولادهما تربية عالية جداً في متابعة، متابعة على الكلمة لو مدّ يده اليسار ليصافح وهو صغير بابا باليمين المصافحة، في تربية من قبل بعض الآباء والأمهات بأعلى مستوى لو خلع ثيابه و ألقاها هكذا الإنسان الجيد يضع ثيابه في مكان بعد أن يطويها، هذه المتابعة الدقيقة جداً من قبل الأب أو الأم ترينا ما معنى أن الله رب العالمين.
﴿ أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ (33) ﴾
( سورة الرعد)
للتقريب طبيب مرّ على مريض بالمستشفى وجد ضغطه مرتفعاً أوقفوا الملح أعطوه خافضاً للضغط، طبيب مرّ على مريض آخر ضغطه منخفض زيدوا له كمية الملح في الطعام كي يرتفع ضغطه، الطبيب كلما لاحظ ظاهرة في المريض يعطي توجيهاً لمعالجتها، هذا معنى قوله تعالى: ﴿ أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ (33) ﴾
( سورة الرعد)
هذا مستقيم يكافئه، هذا أنفق من ماله الله يرسل له رزق استثنائي ما كان في حسبانه، هذا دعا الله صادقاً فاستجاب له، هذا أوقع بين إنسانين فعاقبه الله عز وجل، هذا روّج فكرة غير صحيحة هذا يؤدبه، يفضحه، هذا تتبع عورات المسلمين يفضحه في عقر داره، هذا يوفقه. الله عز وجل يتابع الإنسان في كل حركة و سكنة:
يجب أن تعلم علم اليقين أن الله عز وجل يتابعك على كل حركة وسكنة، هذه متابعة تربية، متابعة رحمة، متابعة حكمة، متابعة إله عظيم، فأنا أقول هذه الكلمة إذا شعرت أن الله يتابعك فاسجد لله شاكراً، معنى ذلك أنه مطموع في شفائك من هذه الأمراض، تماماً كما لو أن إنساناً معه التهاب معدة حاد هذا مرض قابل للشفاء، الطبيب يفرض عليه حمية صارمة جداً، أما لو شخص معه ورم خبيث منتشر في أمعائه وسأل الطبيب ماذا آكل ؟ قال له: كُلْ ما شئت ما في أمل، أخطر شيء أن تخرج عن العناية المشددة وأعظم شيء أن تكون ضمن العناية المشددة، إذا الله يتابعك باستمرار أي خطأ تابعك نبهك، ساق لك بعض المصائب، يجب أن تذوب محبة لله لأنك ضمن العناية المشددة، لأنه مطموع من شفائك من هذه الأمراض، أما الذي شرد عن الله شرود البعير تنطبق عليه الآية الكريمة:
﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44) ﴾
( سورة الأنعام)
من نعم الله الكبرى على الإنسان محاسبته في الدنيا قبل الآخرة:
أريد أن أؤكد لكم أن الله إذا تابعك وحاسبك في الدنيا حساباً عسيراً فهذا من نعم الله الكبرى:
(( وعزتي وجلالي لا أقبض عبدي المؤمن وأنا أحب أن أرحمه، إلا ابتليته بكل سيئة كان عملها سقماً في جسده، أو إقتاراً في رزقه، أو مصيبة في ماله أو ولده، حتى أبلغ منه مثل الذر، فإذا بقي عليه شيء شددت عليه سكرات الموت ـ دققوا الآن ـ حتى يلقاني كيوم ولدته أمه ))
[ورد في الأثر ]
أيها الأخوة الكرام، إذا الواحد منا وصل إلى شفير القبر طاهر هذا أكبر عطاء إلهي، عالجك في الدنيا، مرة خفت، مرة طمأنك، مرة ضيّق عليك رزقك، مرة نشأت مشكلة مع زوجتك أنت أرضيتها بسخط الله ردت عليك بلؤم ما بعده لؤم، أرضيتها بسخط الله عز وجل توقعت أن تكون راضية عنك، أدبك الله عن طريقها، لذلك بعضهم يقول أنا أعرف مقامي عند ربي من أخلاق زوجتي، فإذا كنت مع الله أطاعتك وعاملتك معاملة طيبة، وينبغي أن تقول المرأة و أنا أعرف مقامي عند ربي من أخلاق زوجي، الله عز وجل يؤدبك عن طريق أقرب الناس لك، إذا أكرمك يُسخر عدوك لخدمتك، وإذا أراد التأديب القاسي يتطاول عليك أقرب الناس إليك، هناك رجال يبكون من شدة القهر. على كل مؤمن أن يستقبل الشدائد في الدنيا على أنها تربية حانية من الخالق:
أيها الأخوة، الذي أتمناه أن يستقبل المؤمن الشدائد في الدنيا على أنها أدوية من الله، على أنها تربية حانية رحيمة، عجب ربك من أقوام يساقون إلى الجنة بالسلاسل، الناس في معظمهم على الرخاء والدعاء والأمن والغنى تفتر همتهم فالله يسوق لهم بعض الشدائد.
مثلاً في بلاد فيها نعيم فوق التصور يقابل هذا النعيم بعد عن الله عز وجل، في بلاد فيها شدائد فيها ضغوط تجد الناس ساقهم الله إلى بابه، المساجد ممتلئة، التوبة كثيرة، العمل الصالح كثير من شدة الضغوط، أساساً الألماس أصله فحم من شدة الضغط والحرارة صار ألماس، أنت خذ هذا مثل لك، إذا عليك ضغوط شديدة وفي أزمات صعبة جداً وأنت تمشي صح مستقيم أرادك الله أن تكون في أعلى مقام، يقول عليه الصلاة والسلام وهو سيد الخلق وحبيب الحق:
(( لَقَدْ أُخِفْتُ فِي اللَّهِ، وَمَا يُخَافُ أَحَدٌ، وَلَقَدْ أُوذِيتُ فِي اللَّهِ، وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ، وَلَقَدْ أَتَتْ عَلَيَّ ثَلَاثُونَ مِنْ بَيْنِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَمَا لِي وَلِبِلَالٍ طَعَامٌ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ إِلَّا شَيْءٌ يُوَارِيهِ إِبْطُ بِلَالٍ ))
[ أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجة وابن حبان]
وهو سيد الخلق وحبيب الحق فمعنى ذلك كل محنة للمؤمن المستقيم وراءها منحة وكل شدة وراءها شدة إلى الله عز وجل، هذا التفاؤل. دعاء النبي في التهجد:
كان عليه الصلاة والسلام إذا قام من الليل يتهجد ويقول: اللهم لك الحمد أنت قيم السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد لك ملك السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت ملك السماوات والأرض، ولك الحمد أنت الحق ووعدك الحق ولقاؤك حق وقولك حق والجنة حق والنار حق والنبيون حق ومحمد صلى الله عليه وسلم حق والساعة حق، اللهم لك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت وإليك أنبت وبك خاصمت وإليك حاكمت فاغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت لا إله غيرك.
هذا كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم في التهجد.
معرفة الله أكبر مهمة للإنسان في الدنيا:
أيها الأخوة، لا تنسوا أن أحد أكبر مهمات الإنسان في الدنيا أن يعرف الله ومن أبرز ما في معرفته أن تعرف أسماءه الحسنى وصفاته الفضلى:
﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا (180) ﴾
( سورة الأعراف )
وإذا عرفت اسم القيوم استغنيت عن الخلق وتوجهت إلى الحق. وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا :
أيها الأخوة، قال بعض العلماء: من معاني يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث، الحياة متضمنة جميع صفات الكمال والقيومية متضمنة لجميع كمال الأفعال فأنت إذا قلت يا حي يا قيوم عبّرت عن تعظيمك لصفات الله التي كلها كمال، ولأفعال الله التي كلها كمال، يا حي يا قيوم هناك آثار تشير إلى أن الحي القيوم اسم الله الأعظم، وأنا ذكرت من قبل أن اسم الله الأعظم الله، اسم الله الأعظم الرحمن الرحيم، اسم الله الأعظم يا حي يا قيوم، وهذا لا يمنع أن يكون معنى آخر لاسم الله الأعظم، المعنى الآخر أنك إن كنت فقيراً اسم الله الأعظم المغني بالنسبة لك، وإذا كنت مظلوماً العدل، وإذا كنت جاهلاً اسم الله الأعظم العليم، وإذا كنت قاسي القلب اسم الله الأعظم الرحيم.
يا أيها الأخوة:
﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا (180) ﴾
( سورة الأعراف )
(( يا عبادي لَوْ أنَّ أوَّلَكُمْ وآخِرَكُمْ، وَإنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كانُوا في صَعيدٍ وَاحدٍ، فَسألُونِي فأعْطَيْتُ كُلَّ إنْسانٍ مِنْهُمْ ما سألَ لَمْ يَنْقُصْ ذلكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئاً إِلاَّ كما يَنْقُص البَحْرُ أنْ يُغْمَسَ المِخْيَطُ فِيه غَمْسةً وَاحدَةً ـ دققوا الآن ـ فَمَنْ وَجَدَ خَيْراً فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ عَزّ َوَجَلّ،َ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلا يَلُومَنَّ إِلاَّ نَفْسَهُ ))
[ رواه مسلم عن أبي ذر ]
﴿ وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ ﴾
السعيد
08-26-2018, 01:09 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الثامن و التسعون )
الموضوع : اسم الله - العظيم - 1 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: ( العظيم ):
أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى والاسم اليوم العظيم.
ورود اسم العظيم في القرآن الكريم:
اسم الله العظيم ورد في القرآن الكريم، ورد منفرداً في قوله تعالى:
﴿ إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ ﴾
( سورة الحاقة )
﴿ خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ * إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيم ﴾
( سورة الحاقة )
وقد ورد أيضاً مقترناً باسم الله العلي في موضعين. ﴿ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255) ﴾
( سورة البقرة )
﴿ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (4) ﴾
( سورة الشورى)
ورد الأمر بالتسبيح باسم الله العظيم:
الآن وقد ورد الأمر بالتسبيح باسم الله العظيم:
﴿ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (74) ﴾
( سورة الواقعة)
هذا الأمر ورد في ثلاثة مواضع في القرآن الكريم موضعان في سورة الواقعة والثالث في سورة الحاقة، ففي أمر في القرآن الكريم يقتضي أن تسبح باسم الله العظيم وكل أمر في القرآن الكريم يقتضي الوجوب ما لم تقم قرينة على خلاف ذلك. ورود اسم العظيم في السنة المطهرة في كثير من المواضع:
أيها الأخوة، وقد ورد هذا الاسم في السنة المطهرة في كثير من المواضع، من هذه المواضع ما أخرجه الإمام البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم:
(( كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ ))
وفي سنن أبي داود من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم :
(( أَنَّهُ كَانَ إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ وَبِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ وَسُلْطَانِهِ الْقَدِيمِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ))
هذه المواضع التي ورد فيها اسم العظيم في الكتاب والسنة. تعريف العظيم من حيث اللغة:
الآن من حيث اللغة العظيم صفة مشبهة باسم الفاعل لمن اتصف بالعظمة، الفعل عظم يعظم عظماً، يعني كبر واتسع وعلا شأنه وارتفع، ولفلان عظمة عند الناس أي حرمة يعظم لها، أعظم الأمر وعظّمه فخّمه، التعظيم التبجيل، العظيمة النازلة الشديدة الملمة الكبيرة، العظمة الكبرياء، عظمة العبد هنا كبره المذموم وتجبره، وإذا وصف العبد بالعظمة فهو ذم لأن العظمة لله في الحقيقة، وعند البخاري من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(( مَنْ تَعَظَّمَ فِي نَفْسِهِ أَوْ اخْتَالَ فِي مِشْيَتِهِ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ ))
العبد عبد والرب رب، شأن العبد التواضع وشأن الرب أنه عظيم:
(( الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني منهما شيئا أذقته عذابي ولا أبالي ))
[ أخرجه أحمد، وأبو داود وابن ماجة عن أبي هريرة، ابن ماجة عن ابن عباس ]
أية أمة أرادت أن تبني مجدها على أنقاض الآخرين قصمها الله تعالى:
أقول لكم هذه الحقيقة: أية أمة أرادت أن تبني مجدها على أنقاض الآخرين، أنقاض الشعوب، ادعت العظمة والكبر والاستعلاء والاستكبار والتغطرس قوم عاد قالوا:
﴿ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ﴾
( سورة فصلت الآية: 15 )
الحقيقة أن قوم عاد نموذج للأقوام المستعلية فقوم عاد تفوقوا في شتى المجالات: ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (8) ﴾
( سورة الفجر )
تفوقوا في شتى المجالات ومع التفوق تغطرس: ﴿ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ﴾
( سورة فصلت الآية: 15 )
وما أهلك الله قوماً إلا وذكرهم أنه أهلك من هو أشد منهم قوة إلا عاداً حينما أهلكها قال: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً (15) ﴾
( سورة فصلت )
يعني ما كان فوق عاد إلا الله، وأحياناً تبدو قوة كبيرة جداً معها أسلحة فتاكة شريرة لا ترى أن فوقها إلا الله، وما أهلك الله قوماً إلا وذكرهم أنه أهلك من هو أشد منهم قوة إلا عاداً حينما أهلكها قال: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً (15) ﴾
( سورة فصلت )
تفوق قوم عاد في جميع المجالات:
1 ـ في البنيان:
عاد تفوقت في البنيان:
﴿ أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ ﴾
( سورة الشعراء )
2 ـ في الصناعة:
وهؤلاء القوم بظاهر الآية تفوقوا في الصناعة إن صحّ التعبير:
﴿ وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ ﴾
( سورة الشعراء )
3 ـ في الناحية العسكرية:
وهؤلاء القوم تفوقوا في الناحية العسكرية، قال تعالى:
﴿ وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾
( سورة الشعراء )
4 ـ في الناحية العلمية:
وهؤلاء القوم تفوقوا في الناحية العلمية، قال عز وجل:
﴿ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ ﴾
( سورة العنكبوت )
تفوقوا في البناء، في الصناعة، في القوة العسكرية، في العلم، مع تغطرس من أشد منا قوة ؟ صفات قوم عاد قد تنطبق بالتمام والكمال على عاد الثانية:
الله عز وجل قال:
﴿ وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى ﴾
( سورة النجم )
من معاني هذه الآية، أهلك عاداً الأولى ماذا تعني ؟ أنا إذا قلت لك خذ هذه الدفعة الأولى يعني أن هناك دفعة ثانية فإذا قال الله عز وجل: ﴿ وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى ﴾
فكأن الآية تشير إلى أن هناك عاداً ثانية، يعاني منها العالم ما يعاني، على كل أهلكها: ﴿ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ * سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ ﴾
( سورة الحاقة )
عاد ماذا فعلت ؟ ﴿ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ ﴾
( سورة الفجر )
لم يقل: طغوا في بلدهم، بل ﴿ فِي الْبِلَادِ ﴾
﴿ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ ﴾
( سورة الفجر )
في قصف وفي إفساد، القصف بالصواريخ والطائرات والإفساد بالأفلام: ﴿ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ﴾
( سورة الفجر )
هذه صفات قوم عاد وقد تنطبق بالتمام والكمال على عاد الثانية. المؤمن الحق من ذكر الله كثيراً:
أيها الأخوة، النقطة الدقيقة جداً في هذا الاسم لا بد من تمهيد، الله عز وجل يقول:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) ﴾
( سورة الأحزاب )
نحن بالطباعة في عندنا طريقة في إبراز أهمية الكلمة، أحياناً تلون بلون أحمر طريقة، أحياناً تكتب بحرف عريض أسود، أحياناً يوضع تحتها خط للفت النظر إلى أن هذه الكلمة أساسية في الجملة هي مركز الثقل لأن المنافق يذكر الله، قال تعالى: ﴿ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (142) ﴾
( سورة النساء)
الأمر هنا لا ينصب على الذكر ينصب على الذكر الكثير: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) ﴾
( سورة الأحزاب )
الأمر هنا لا ينصب على الذكر الكثير. الإيمان المنجي أن تؤمن بالله العظيم:
إذا قال الله عز وجل:
﴿ خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ * إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيم ﴾
( سورة الحاقة )
إبليس آمن بالله: ﴿ قَالَ فَبِعِزَّتِكَ (82) ﴾
( سورة ص)
﴿ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (12) ﴾
( سورة الأعراف)
﴿ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (14) ﴾
[ سورة الأعراف ]
إبليس آمن، الإيمان المنجي أن تؤمن بالله العظيم، طالب أمامه أستاذ عريض المنكبين طويل القامة جهوري الصوت، هذا الأستاذ ملء سمعه وبصره لكن هذا الطالب بعيد عن جو الدراسة، يأتي إلى المدرسة خوفاً من أبيه، لا ينتبه إلى الدرس إطلاقاً ولا يعبأ بكلمات المدرس ؛ بل يتلهى، فهذا الطالب مؤمن بوجود هذا الأستاذ لأنه يملأ السمع والبصر، صوت جهوري وقامة مديدة منكبين عريضين لكن هو لا يعبأ لا بدرسه ولا بكلامه ولا بما عنده من علم، يتلهى عنه، نقول هذا الطالب مؤمن بوجود هذا المدرس لكن ما آمن به أستاذاً عظيماً، أستاذاً عالماً، أستاذاً عنده مبادئ وحقائق مسعدة هنا المشكلة: ﴿ إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ ﴾
( سورة الحاقة )
أي إنسان مقيم على معصية إيمانه لا قيمة له:
لمجرد أن تقول يا الله، هذا إيمان بالله أحياناً يقول اللص يا رب تستر، هو ماذا يفعل ؟ يرتكب معصية، يخرق قوانين الله عز وجل، ولكن عنده إيمان إذا الله ستره ستره يا رب تستر، و أحياناً تقول الراقصة: الله وفقها بهذه الرقصة أحياناً، هذا إيمان لكن هذا إيمان ليس ينجي، لا يقدم ولا يؤخر.
لذلك أي إنسان مقيم على معصية إيمانه لا قيمة له، لا وزن له. كفى بالمرء علماً أن يخشى الله، و كفى به جهلاً أن يعجب بنفسه أو أن يعجب بعمله أو أن يعجب بعلمه، حينما تقول يا الله ولست مطيعاً له لا تقم لهذا الإيمان وزناً، لا تعبأ بإيمانك إطلاقاً:
كل يدعي وصلاً بليلى وليلى لا تقر لهم بذاكا
* * *
الخط الأحمر تحت عظيم، الحرف العريض الأسود تحت عظيم. ﴿ إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ ﴾
( سورة الحاقة )
طريق الإيمان بالله العظيم أن تتفكر في خلق السماوات والأرض:
إذاً ينبغي أن تؤمن بالله العظيم، وطريق الإيمان بالله العظيم أن تتفكر في خلق السماوات والأرض:
﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾
( سورة آل عمران )
يعني لمجرد أن تخرق منهج الله، لمجرد ألا تقيم أمر الله، لمجرد أن تعصي الله إياك أن تتوهم أن إيمانك بالله له قيمة أو له وزن أو ينجي، الإيمان الذي أراده الله هو الإيمان الذي يحملك على طاعة الله، هو الإيمان الذي يستدعي أن يراك الله حيث أمرك وأن يفتقدك حيث نهاك، الإيمان الذي يعتد به: ﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63) ﴾
( سورة يونس)
هذا موضع في هذا اللقاء مهم جداً: ﴿ إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ ﴾
( سورة الحاقة )
الله جلّ جلاله عظيم قدره جاوز حدود العقل:
الله جلّ جلاله عظيم أي أن قدره جاوز حدود العقل، العقول كلها لا يمكن أن تحيط بعظمته، كل ما خطر في بالك فالله بخلاف ذلك، وجلّ الله عن تصور كنهه وحقيقته كل وهم، لا يعرف الله إلا الله حتى سيد الأنبياء والمرسلين هو أعلى بني البشر علماً لكن علمه لا يمكن أن يكون علماً مطلقاً، العلم نسبي، أعلمنا بالله، هكذا قال النبي الكريم: أنا أشدكم لله خشية وأعلمكم بالله.
فهو العظيم الواسع الكبير في ذاته وصفاته، عظمة الذات دلّ عليها كثير من النصوص، الله عز وجل كما هي العادة له ذات وله صفات وله أفعال، هو عظيم في ذاته، عظيم في صفاته، عظيم في أفعاله، يقول النبي عليه الصلاة والسلام: ما السماوات السبع مع الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة.
عظمة ذات الله عز وجل:
تصور الصحراء الكبرى فيها حلقة كالخاتم، ما السماوات السبع، السماوات السبع بين الأرض وبين بعض النجوم التي اكتشفت حديثاً أربع وعشرين مليار سنة ضوئية والضوء يقطع في الثانية الواحدة ثلاثمئة ألف كيلو متر، يعني ثلاثمئة ألف كيلو متر بستين بالدقيقة، بستين بالساعة، بأربع وعشرين باليوم، بثلاثمئة وخمسة وستين بسنة بأربع وعشرين ملياراً، مع أن أقرب نجم ملتهب إلى الأرض عدا الشمس يبعد عنا أربع سنوات ضوئية، ولو أردنا أن نصل إلى هذا النجم بمركبة أرضية لاحتجنا إلى خمسين مليون عام لنصل إلى أقرب نجم ملتهب عدا المجموعة الشمسية، أما هذا النجم الذي اكتشف حديثاً بعده عنا أربع وعشرين مليار سنة ضوئية، قال تعالى:
﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ﴾
( سورة الواقعة )
﴿ إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ ﴾
( سورة الحاقة )
ما السماوات السبع مع الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على الحلقة.
كل ما خطر في بالك فالله بخلاف ذلك، تلك عظمة الذات. الله عظيم في ذاته وعظيم في صفاته وعظيم في أفعاله:
أما عظمة الصفات فالله جل جلاله له علو الشأن كما قال في كتابه:
﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (11) ﴾
( سورةالشورى)
وقال أيضاً:
﴿ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (65) ﴾
( سورة مريم)
وإذا كان عرشه قد وصف بالعظمة وخصّ الله هذا العرش بالإضافة إليه، رب العرش العظيم والاستواء عليه، واستوى على العرش، فما بالك بعظمة من استوى عليه وعلا فوقه، ينبغي أن نعلم أيها الأخوة أن عظمة الله في ذاته، فالله عظيم في ذاته وعظيم في صفاته وعظيم في أفعاله.
هذا الزلزال الذي وقع في تسونامي قوته مليون قنبلة ذرية، كن فيكون زل فيزول، هذا الإله العظيم يعصى ؟ ألا يخطب وده، ألا ترجى جنته ؟ ألا تخشى ناره ؟ ﴿ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (36) ﴾
( سورة القلم )
﴿ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (6) ﴾
( سورة الزمر)
من تحدى خالق السماوات و الأرض إنسان أحمق:
الله عز وجل عظيم في وجوده، عظيم في علمه، عظيم في قدرته، عظيم في قهره، عظيم في سلطانه، لما أصدروا نشرة لباخرة أن القدر لا يستطيع إغراقها وكان على متنها نخبة أغنياء أوربا، قيمة حلي النساء بالمليارات، هي مدينة عائمة في أول رحلة لها من بريطانيا إلى بوسطن، ارتطمت بجبل ثلجي شطرها شطرين، فقال بعض القساوسة إن غرق هذه الباخرة درس بليغ من السماء إلى الأرض، وما أكثر العبر الآن، نرسل مركبة فضائية نسميها المتحدي بعد سبعين ثانية تصبح كتلة من اللهب، نرسل بعد خمس سنوات مركبة أخرى اسمها كولومبيا في طريق العودة تتحطم قبل وصولها إلى الأرض، الإنسان المتأله هو إنسان أحمق، الإنسان المستكبر هو إنسان غبي، فهذا الذي يتحدى خالق السماوات والأرض هو في قبضته، كن فيكون زل فيزول.
عدم استطاعة قوة على وجه الأرض أن تفسد على الله هدايته لخلقه:
هذا الذي أراد أن يشوه صورة النبي عليه الصلاة والسلام، أنا أشبهه بإنسان أحمق حمقاً لا حدود له، غبي غباءً لا مثيل له، أراد بسذاجة حمقاء أن يطفئ نور الشمس ببصقة من فمه، الشمس كانت في كبد السماء وقت الظهيرة فجعل وجهه موازياً لقبة السماء وبكل عزم بصق نحو الأعلى بصقة ارتفعت أربعين سنتمتراً ثم ارتدت على وجهه، وبين وجهه والشمس مئة وستة وخمسين مليون كيلو متر، وتبقى الشمس في عليائها، وما ضرّ السحاب نبح الكلاب، وما ضرّ البحر أن ألقى فيه غلام بحجر، ولو تحول الناس إلى كناسين ليثيروا الغبار على هذا الدين ما أثاروه إلا على أنفسهم، ولن تستطيع قوة على وجه الأرض أن تفسد على الله هدايته لخلقه لقوله تعالى:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ (36) ﴾
( سورة الأنفال)
الله لن يسمح لجهة في الأرض طاغية أن تكون طاغية إلا ويوظف طغيانها لخدمة دينه:
أية أمة مهما تكن قوية طاغية متغطرسة مستكبرة مستعلية أرادت أن تبني مجدها على أنقاض الشعوب، وأن تبني غناها على إفقار الشعوب، أن تبني عزها على إذلال الشعوب، أن تبني حياتها على موت الشعوب، أن تبني أمنها على إخافة الشعوب نجاح خططها هذه الأمة القوية على المدى البعيد يتناقض مع وجود الله، لأن الله عز وجل يقول في الحديث القدسي:
(( الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ ))
[أبو داود، ابن ماجه، أحمد ]
لذلك الله عز وجل لا يسمح لجهة في الأرض طاغية أن تكون طاغية إلا ويوظف طغيانها لخدمة دينه والمؤمنين من دون أن تشعر ومن دون أن تريد وبلا أجر وبلا ثواب. أي إنسان لا يدخل الله عز وجل في حساباته هو إنسان غبي:
كيف أن للأشخاص آجالاً، الإنسان مهما طغى وتجبر لا بد من ساعة يموت فيها وسبحان من قهر عباده بالموت، تماماً كما أن لكل واحد منا أجل اعملوا ما شئتم لا بد أن ترجع إلى الله:
﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (25) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (26) ﴾
( سورة الغاشية)
كما أن لكل واحد منا أجل دققوا الآن: ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ﴾
( سورة الأعراف الآية: 34 )
أعطيت فرصة امتحنها الله فطغت وبغت وتجبرت وتغطرست فأهلكها الله عز وجل:
﴿ وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ ﴾
( سورة المؤمنون الآية: 44 )
كانت قوة عظمى أصبحت خبراً يتندر به، وأي إنسان لا يدخل الله عز وجل في حساباته فهو غبي غباءً لا حدود له لذلك لا يليق بنا أن نكون لغير الله.
السعيد
08-26-2018, 01:11 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( التاسع و التسعون )
الموضوع : اسم الله - العظيم - 2 -
حمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: ( العظيم ):
أيها الأخوة الكرام، لازلنا في اسم العظيم.
تعريف العظيم:
العظيم هو الذي تعجز العقول عن أن تدرك صمديته، وتعجز الأبصار عن أن ترى سرادقات عزته، العظيم هو الذي لا تهتدي العقول لوصف عظمته، ولا تحيط بكنهه بصيرة، هو الذي ليس لعظمته بداية، يعني إنسان يكون فقيراً يصير غنياً، غناه بدأ بالفقر، يكون خاملاً يصير مشهوراً، شهرته بدأت بالخمول يكون ضعيفاً يصير قوياً، قوته بدأت بالضعف، هذه المعاني لا تليق بكمال الله وصمديته أن يكون لعظمته بداية، أسماء الله الحسنى قديمة قدم الله عز وجل، هو قديم أزلي أبدي ليس له بداية وليس له نهاية، لم يسبقه عدم ولا ينتهي إلى عدم، هو حي باقٍ على الدوام، لذلك ليس لعظمته بداية.
الله موجود وعظمته في وجوده:
الله عز وجل عظيم في وجوده، الله موجود وعظمته في وجوده لكن المخلوقات موجودة، الجبل موجود، البحر موجود، السهل موجود، الإنسان موجود، الحيوان موجود، النبات موجود، لكن هذه الموجودات جميعها سبقها عدم، هذه الموجودات سبقها عدم وسوف تنتهي إلى عدم:
﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (27) ﴾
( سورة الرحمن)
لا شيء قبله ولا شيء بعده، هو الحي الباقي على الدوام. الله عز وجل هو الحيّ الباقي على الدوام:
الفناء من صفات الخلق والبقاء من صفات الحق، الحدوث من صفات الخلق والقدم من صفات الحق، فشتان بين الوجودين، بين وجود الحق ووجود الخلق، وجود سبقه عدم وينتهي إلى عدم، وجود حادث، ووجود قديم يستمر إلى أبد الآبدين، الله عز وجل يقول في قرآنه العظيم يخاطب سيد الأنبياء والمرسلين:
﴿ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (30) ﴾
(سورة الزمر)
والإنسان ميت حكم عليه بالموت مع وقف التنفيذ، كل مخلوق يموت، ولا يبقى إلا ذو العزة والجبروت.
والليل مهما طال فلابد من طلوع الفجر والعمر مهما طال فلابد من نزول القبر
و كل ابن أنثى و إن طالت سلامته يوماً على آلة حدباء محمـــــول
فإذا حملت إلى القبـــور جنازة فاعلم بأنك بعدهــا محمـــــول
***
وما من تعريف جامع مانع للإنسان كهذا التعريف الذي قاله الإمام الجليل الحسن البصري: الإنسان بضعة أيام كلما انقضى يوم انقضى بضع منه. وكل واحد منا أيها الأخوة حينما يستيقظ يجب أن يعلم علم اليقين أن الله سمح له أن يعيش يوماً جديداً، من هنا كان عليه الصلاة والسلام إذا استيقظ يقول: الحمد لله الذي ردّ إليّ روحي وعافاني في بدني وأذن لي بذكره. العاقل من عدّ عمره عدّاً تنازلياً لا عدّاً تصاعدياً:
البطولة أن تعد عمرك عدّاً تنازلياً لا عدّاً تصاعدياً، لا أن تقول كم بلغت من العمر ؟ قل: كم بقي لي ؟ لأن الذي تجاوز الأربعين أو الخمسين أو الستين أو السبعين لو قال كم بقي لي لكان أقرب إلى الحقيقة، فإذا مضى الذي مضى كلمح البصر فالذي بقي يمضي أيضاً كلمح البصر فإذا هو بين يدي الله عز وجل.
﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93) ﴾
( سورة الحجر)
﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42) ﴾
( سورة إبراهيم)
افتقار الإنسان إلى أشياء كثيرة لا يملكها:
أيها الأخوة، إلا أن الذي يضاف إلى ضعف الإنسان فضلاً إلى أنه حكم عليه بالموت مع وقف التنفيذ ؛ يضاف إلى أن وجوده مفتقر إلى أشياء كثيرة لا يملكها، مفتقر إلى الهواء، مفتقر إلى الماء، مفتقر إلى الطعام، مفتقر إلى زوجة، مفتقر إلى أولاد، مفتقر إلى أشياء كثيرة جداً لا يملك واحداً منها، لذلك وجوده مفتقر إلى إمداد الله له وإلى إمداد الأشياء له، يعني لو منعت عنه الهواء يموت، لو منعت عنه الطعام يموت، لو منعت عنه الزوجة يختل توازنه، لو منعت عنه الأولاد يزداد قلقه.
الله عز وجل وجوده عظيم لأنه:
1 ـ عظيم في ذاته:
الله عز وجل وجوده عظيم لأنه ذاتي، وجوده ذاتي لا يفتقر في وجوده إلى شيء آخر، يحتاجه كل شيء في كل شيء ولا يحتاج إلى شيء، وهذا من معاني قل هو الله أحد الله الصمد، وجوده صمداني، وجوده ذاتي، لا يتوقف على وجود جهة أخرى.
2 ـ عظيم في علمه:
الله عظيم في علمه علم الإنسان في هذا المكان لا يجاوز الجدران، أحياناً يسمع صوتاً، يسمع صوتاً بعد الجدران، أحياناً يشم رائحة بعد الجدران لكن علمه في النهاية محدود في مكان وزمان وحال أما علم الله علم تعلق بكل ممكن، بل علم ما كان وعلم ما يكون وعلم ما سيكون وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون.
يعني شخص على دخل معين مستقيم، يا ترى لو تساءلنا كيف يكون حال هذا الإنسان على مئة مليون ؟ هل يبقى يصلي من يعلم ؟ الله وحده يعلم، يعلم السر وأخفى، يعلم ما أظهرته وما أبطنته، يعلم ما أظهرته وما أخفيته ويعلم ما لا تعلم، لذلك:
﴿ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (12) ﴾
( سورة الشورى)
3 ـ عظيم في قدرته:
الله عز وجل عظيم في قدرته، هو على كل شيء قدير، لا يعجزه شيء في السماوات وفي الأرض، تصور إنساناً ينتمي للقوي هل يقلق ؟ هل يخاف ؟ أنت إذا كنت مع القوي كنت قوياً، وإذا كنت مع الغني كنت غنياً، وإذا كنت مع العليم كنت عالماً، وهذا هو الافتقار إلى الله عز وجل.
ومالي سوى فقري إليك وسيلة فبالافتقار إليك فقري أدفع
ومالي سوى قرعي لبابك حيلة فإذا رددت فأي باب أقـرع
* * *
الحكمة من جعل الإنسان ضعيفاً:
الله عز وجل لحكمة بالغة بالغة جعلك ضعيفاً لماذا ؟ من أجل أن تفتقر في ضعفك فتسعد بافتقارك، ولو جعلك قوياً لاستغنيت بقوتك فشقيت باستغنائك، جعلك مفتقراً إليه، لذلك أقول دائماً: إذا كان الله معك فمن عليك، وإذا كان الله عليك فمن معك ؟ ويا رب ماذا فقد من وجدك ؟ وماذا وجد مَن فقدك ؟ وإذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟
كن مع الله تر الله مــعك واترك الكل و حاذر طمعك
و إذا أعطاك من يمنعــه ثم من يعطي إذا ما منعـك
* * *
4 ـ عظيم في قهره:
الله عز وجل عظيم في قهره، في ظلام، في طغاة، في مستكبرين متغطرسين متألهين، الله عز وجل هو الله الواحد القهار، سبحان من قهر عباده بالموت، سبحان من قهر الأمم الظالمة، قال تعالى:
﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ (34) ﴾
( سورة الأعراف)
كما أن لكل فرد أجل لكل قوم أجل، هذا الأجل ينتهي، وينتهي الطغيان، وينتهي الاستبداد، وينتهي التأله، وينتهي التكبر:
(( الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ ))
[أبو داود، ابن ماجه، أحمد عن أبي هريرة ]
الله عز وجل يقول: ﴿ وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ ﴾
( سورة المؤمنون الآية: 44 )
كانوا أمماً قويةً فصاروا أخباراً سطرها التاريخ. 5 ـ عظيم في سلطانه:
الله عز وجل عظيم في سلطانه، يعني سلطانه يشمل كل مكان ويشمل كل زمان ويشمل كل مخلوق، أحياناً الدولة لها سلطان على رعاياها فإذا فرّ أحدهم والتجأ إلى دولة معادية فقدت سلطانها عليه، مدير الدائرة سلطانه على موظفيه فإذا تغيب أحدهم لا يستطيع إلا أن يقطع راتبه فقط، سلطان الإنسان على الإنسان محدود جداً، بل إن الله عز وجل لحكمة بالغة بالغة بالغة لم يجعل لجهة في الأرض سلطاناً على ما تفكر به، نراقبك، نسمع كلامك، نسجل عليك حركاتك وسكناتك، أما كيف تفكر هذا شيء لا سلطان لأحد عليك، لك أن تؤمن بالله ولا يستطيع أحد أن يكشف أنك مؤمن به.
﴿ وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ (28) ﴾
( سورة غافر)
لم يجعل لأحد فيما تفكر وفيما تعتقد وفيما تؤمن سلطاناً عليك. الله عز وجل لم يجعل لأحد سلطاناً على أحد فيما يفكر و فيما يعتقد :
أرسل أحد الولاة إلى سيدنا عمر رسالة قال فيها يا أمير المؤمنين، إن أناساً اغتصبوا مالاً ليس لهم، لست أقدر على استخراجه منهم إلا أن أمسهم بالعذاب، فإن أذنت لي فعلت، يعني والي من ولاة سيدنا عمر يستأذن أمير المؤمنين أن يعذب إنساناً أو بضعة أشخاص لأنهم اغتصبوا مالاً ليس لهم وليس يقدر على استخراجه منهم إلا أن يعذبهم حتى يعترفوا فكان جواب هذا الخليفة العظيم.
فأجابه عمر: يا سبحان الله ! أتستأذنني في تعذيب بشر ؟ وهل أنا لك حصن من عذاب الله ؟ وهل رضائي عنك ينجيك من سخط الله ؟ أقم عليهم البينة، معك أدلة، معك مستمسكات، معك إيصال، معك تصريح، معك إقرار، فإن قامت فخذهم بالبينة، فإن لم تقم فادعهم إلى الإقرار، فإن أقروا فخذهم بإقرارهم، فإنْ لم يقروا فادعهم لحلف اليمين، فإذا حلفوا فأطلق سراحهم، وأيم الله، لأن يلقوا الله بخيانتهم أهون من أن ألقى الله بدمائهم.
ما هذه القنوات العادلة ؟! معك مستمسك ؟ معك دليل ؟ معك بيان ؟ معك إقرار ؟ معك امتناع عن حلف يمين ؟ معك بينة خذهم بالبينة، معك إقرار خذهم بالإقرار، معك امتناع عن حلف اليمين خذهم بالامتناع عن حلف اليمين، وأيم الله، لأن يلقوا الله بخيانتهم أهون من أن ألقى الله بدمائهم.
لا يليق بالإنسان أن يكون لغير الله :
سأل سيدنا عمر أحد الولاة: " ماذا تفعل إذا جاءك الناس بسارق أو ناهب ؟ فبحسب الشرع الإسلامي قال له: أقطع يده، قال للوالي: إذاً إن جاءني من رعيتك من هو جائع أو عاطل فسأقطع يدك، إن الله قد استخلفنا عن خلقه لنسد جوعتهم، ونستر عورتهم، ونوفر له حرفتهم، فإن وفرنا لهم ذلك تقاضيناهم شكرها، إن هذه الأيدي خلقت لتعمل، فإن لم تجد في الطاعة عملاً التمست في المعصية أعمالاً، فاشغلها بالطاعة قبل أن تشغلك بالمعصية ".
أيها الأخوة، لا يليق أن يكون الإنسان لغير الله، فإذا كان لغير الله يحتقر نفسه:
﴿ وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ (130) ﴾
(سورة البقرة )
إما أن تكون عبداً لله، عبداً للواحد القهار، عبداً للرحيم، وإما أن تكون عبداً لعبد لئيم، في معنى دقيق أحياناً يعظم الناس إنساناً، يمدحونه، يثنون عليه، فيبدو عظيماً وهو ليس كذلك فهذه العظمة ليست منه بل من مدح الناس له، الله عز وجل مُنزه عن هذا المعنى من معاني العظمة هو عظيم بذاته الدليل:
(( يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ ))
[ مسلم عن أبي ذر]
الله عز وجل عظمته لا نهائية:
إذاً الله عز وجل عظيم بذاته لا بتعظيم الخلق له، الخلق إن عظموه أو لم يعظموه سواء، لذلك قالوا: هناك شيخ شيخه الزمان عمره مئة عام، يقول لك شيخ كبير هذا شيخ شيخه الزمان، وهناك شيخ شيخه الأقران شيخ قبيلة أفراد القبيلة اختاروه شيخاً، وهناك شيخ شيخه الشيطان السحر والشعوذة والدجل، وهناك شيخ شيخه السلطان، وهناك شيخ شيخه الإعلام، بقي شيخ واحد نرجو الله جميعاً أن نكون معه هو شيخ شيخه الرحمن.
أيها الأخوة، عظمته لا نهائية وليس في الإسلام من كلمة تعبر عن هذه العظمة إلا الله أكبر، يعني مهما عرفت من عظمته فهو أكبر، مهما عرفت من رحمته فهو أكبر، مهما عرفت من قوته فهو أكبر، مهما عرفت من جلاله فهو أكبر.
من عظّم الله تولاه الله و من عظّم نفسه تخلى الله عنه:
شيء آخر إن عظمت الله تولك الله، وإن عظمت نفسك تخلى عنك، فأنت بين أن تعظم الله وبين أن تعظم نفسك، المؤمن أديب يقول الله وفقني، الله أكرمني، الله مكنني، الله زوجني، الله أعطاني هذا المأوى، الله عز وجل ألقى محبتي في قلوب الخلق، هذا من فضل الله عليّ، دائماً وأبداً المؤمن يرى فضل الله عليه، المؤمن لا يعيش النعمة بل يعيش المنعم، العالم قسمان قسم يعيش مع النعمة وقسم يعيش مع المنعم، فالعالم الكافر يعيش مع النعمة بينما العالم المؤمن يعيش مع المنعم.
الآن: إذا رأيت الله عظيماً ينبغي أن تعظم ذاته، وأن تعظم أمره، وأن تعظم نهيه:
﴿ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ (32) ﴾
(سورة الحج)
أن تعظم قرآنه، أن تعظم بيته، أن تعظم أولياءه، أن تعظم المؤمنين، علامة تعظيمك لله تعظم شعائره، تعظم أولياءه، الأولياء بالمعنى القرآني فقط: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63) ﴾
( سورة يونس)
ما في تعريف جامع مانع للولاية إلا التعريف القرآني. من أدرك عظمة ربه صغرت الدنيا في عينيه وانتقلت من قلبه إلى يديه :
أدب المؤمن مع العظيم أن تتضاءل نفسه أمامه، أن يشعر بالافتقار إليه، أن يشعر أن الله سبحانه وتعالى تفضل عليه بكل شيء، أن تذوب نفسه أمام عظمة الله، هذا من أدب المؤمن مع اسم الله العظيم، من أدب المؤمن مع الله العظيم أنه من غلب على عقله تعظيم الله عز وجل خضع لهيبته، ورضي بقسمته، ولا يرضى بدونه عوضا، ولا ينازع له اختياراً، ويبذل في رضاه كل مستطاع، لأن من أدرك عظمة ربه صغرت الدنيا في عينيه وانتقلت من قلبه إلى يديه.
فإذا أهمّه أمر قال يا عظيم فرّج عنا، يا عظيم ارحمنا، يا عظيم انصرنا، يعني الأدب الأول مع اسم الله العظيم أن تتلاشى نفسك أمام عظمة الله، وأن تعظم أمر الله ونهيه وشرعه وبيته الحرام وكلامه المقدس العظيم، وأن تعظم أنبياءه ورسله وأولياءه والمؤمنين، الآن من هو العظيم في نظرك ؟ هل هو أصحاب الأموال الطائلة ؟ لا، المؤمن الذي عرف الله.
لذلك قالوا: دققوا في هذا القول من تعلم وعمل بما علم ثم علم الغير فذلك يدعى في السماء عظيماً، من تعلم وعمل بما علم ثم علم الغير فذلك يدعى عند الله عظيماً.
السعيد
08-26-2018, 01:13 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( المائة )
الموضوع : اسم الله - العلى - 1 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
من أسماء الله الحسنى: (العلي):
أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "العلي".
ورود اسم العلي في:
1 ـ القرآن الكريم:
هذا الاسم أيها الأخوة، ورد مقروناً باسم العظيم، في موضعين في القرآن الكريم، الآية الأولى:
﴿ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ﴾
( سورة البقرة )
والآية الثانية:
﴿ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ﴾
( سورة الشورى )
واقترن هذا الاسم باسم الكبير، في أربعة مواضع في القرآن الكريم منها قوله تعالى:
﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ﴾
( سورة الحج )
2 ـ السنة الشريفة:
هذا في القرآن الكريم، فماذا في السنة المطهرة ؟ لقد ورد عن أبي داود، وابن ماجة من حديث عبادة رضي الله عنه أنه من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم في قيام الليل:
(( لا إِلهَ إِلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، ولَهُ الحَمدُ، وهو على كلِّ شيءٍ قَدِيرٌ، سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أَكبر، ولا حَولَ ولا قُوة إلا باللهِ العلي العظيم ))
[أخرجه أبو داود و ابن ماجه عن عبادة]
من دعا بهذا الدعاء كما قال عليه الصلاة والسلام: غفر له.
وفي السنة أيضاً، من حديث عبد الله بن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول عند الكرب، والمسلمون اليوم في كرب، بل من أشد أنواع الكرب، بل إن حرباً عالمية ثالثة معلنة جهاراً نهاراً على المسلمين في كل بقاع الأرض، بل إن التهجم على المسلمين كان في الماضي لفاً ودوراناً، ولكن التهجم الآن هجوماً واضحاً صريحاً على أكبر رموز الدين، على سيد المرسلين، وعلى كتابه الكريم.
أيها الأخوة، كان يقول عند الكرب:
(( لا إِلَهَ إِلا اللهُ العليُّ العظيمُ، لا إِلهَ إِلا اللهُ الحليمُ الكريمُ، لا إِلهَ إِلا اللهُ ربُّ العرشِ العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات السبع ورب العرش العظيم ))
[متفق عليه عن ابن العباس رضي الله عنه ]
على كل إنسان أن يصطلح مع الله عز وجل قبل أن يلوذ به:
كان عليه الصلاة والسلام إذا حزبه أمر بادر إلى الصلاة، لأنك بالدعاء أنت أقوى إنسان، الدعاء سلاح المؤمن، سيدنا يونس وهو في بطن الحوت، بالمعايير الأرضية أمل النجاة صفر، إنسان وزنه سبعين كيلو، في فم حوت، وجبته المعتدلة أربعة طن، يعني لقمة واحدة، في ظلمة الليل، وفي ظلمة البحر، وفي ظلمة بطن الحوت.
﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾
( سورة الأنبياء )
الشيء الرائع، أن الله قلب القصة إلى قانون، قال:
﴿ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾
في أي عصر، بالقرن الواحد والعشرين، في ظل معركة مصيرية، بين الحق والباطل في ظل حرب عالمية ثالثة معلنة على المسلمين
﴿ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾
أرادنا الله سبحانه وتعالى أن نثق به، أن نلجأ إليه، أن نحتمي بحماه، أن نلوذ به، ولكن لابدّ أن نصطلح معه قبل كل ذلك، لابدّ من أن نطيعه.
من لم يكن إيمانه حاملاً له على أن يطيع الله فلا قيمة لهذا الإيمان:
أيها الأخوة، اسم الله "العلي" قبل أن نخوض في التفاصيل من أسماء التنزيه، أما أن يؤمن الإنسان أن الله سبحانه وتعالى خلق السماوات والأرض هذا شيء بديهي، بل إن كل أهل الأرض إلا قلة قليلة منهم لا يؤبه لها تقر بوجود الله، كُتب على الدولار ثقتنا بالله، ماذا يفعل أصحاب هذه العملة في العالم ؟ ثقتنا بالله، فأن تقر أن لهذا الكون إلهاً قضية سهلة، بل إن إبليس اللعين أقر بذلك، قال ربي:
﴿ فَبِعِزَّتِكَ ﴾
( سورة ص الآية: 82 )
﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ﴾
( سورة الأعراف )
﴿ قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾
( سورة الأعراف )
ما هو الشيء الحاسم في الموضوع ؟ الشيء الحاسم أن تؤمن بالله "العلي" العظيم ، أن تؤمن بالله "العلي" الكبير، بالضبط كما لو أن الله أمرنا.
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً ﴾
( سورة الأحزاب )
أين تضع الخط الأحمر ؟ تحت أي كلمة ؟ تحت كلمة كثير، لأن المنافق يذكر الله، بدليل الآية الكريمة:
﴿ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً ﴾
( سورة النساء )
إذاً الأمر هنا لا ينصب على الذكر إطلاقاً، ولكن ينصب على الذكر الكثير، و الآن:
﴿ إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ ﴾
( سورة الحاقة )
آمن بالله، لكن ما آمن بالله العظيم، آمن بالله إلا أنه لم يؤمن بالله العظيم، فهذا الاسم من أسماء التنزيه، ما لم يكن إيمانك بالله حاملاً لك على أن تطيعه فلا قيمة لهذا الإيمان.
كل مخلوق يموت ولا يبقى إلا ذو العزة والجبروت:
أيها الأخوة، العلو في اللغة له معانٍ كثيرة، إلا أن "العلي" على وزن فعيل وهو من الصفات المشبهة باسم الفاعل، فعله على يعلو علواً، المعنى المادي المتبادر العلو ارتفاع المكان، أو ارتفاع المكانة، أي إذا دائرة فيها عشرة طوابق، المدير العام بالطابق الأرضي، لكن مكانته في أعلى مكان، مع أنه في الطابق الأرضي لكن مكانته في الطابق العاشر، فوق الجميع هو، فوق الجميع مكانة، أما هو مقره في الطابق الأرضي، لكن مكانته فوق كل هؤلاء الموظفين، فإما ارتفاع المكان، أو ارتفاع المكانة، والآية الدقيقة:
﴿ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً ﴾
( سورة البقرة الآية: 148 )
في أي مكان كنتم، بل في أية مكانة كنتم.
لا تأمن المـوت في طرف ولا نفس وإن تمنعت بالــحجاب والحرس
فما تزال سهام الــــموت نافذة فـــي جنب مدرع منها ومترس
أراك لـــــست بوقاف ولا حذر كالحاطب الخابط الأعواد في الغلس
ترجو النجاة ولــم تسلك مسالكها إن الـسفينة لا تجري على اليبس
* * *
إذاً
﴿ أَيْنَ مَا تَكُونُوا ﴾
في أي مكان كنتم، بل في آية مكانة كنتم، كل مخلـــوق يموت ولا يبقى إلا ذو العزة والـــــجبروت:
والليل مهمـــــــا طال فلا بد من طلوع الـفجر
والعمر مهما طـــــــال لا بد من نزول الــقبر
* * *
وكل ابن أنثى وإن طالت سلامته يوماً على آلة حدباء محمول
فإذا حملــت إلى القبور جنازة فـاعلم أنك بعدهـا محمول
* * *
من كان مع الله كان الله معه:
إذاً العلم ارتفاع المكان، أو ارتفاع المكانة، أي ارتفاع المجد، والشرف، قال تعالى:
﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾
( سورة آل عمران )
الطرف الآخر بيده أموال لا تأكلها النيران، بيده الإعلام، بيده التحالفات، العالم كله مع الطرف الآخر، ومع كل ذلك إذا كنت مع الله فأنت الأعلى،
﴿ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾
(( إنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت ))
[الترمذي عن الحسن بن علي ]
معان اسم العلي:
1 ـ من علا بذاته فوق جميع خلقه:
"العلي" في أسماء الله هو الذي علا بذاته، فوق جميع خلقه، فاسم "العلي" دلّ على علو الذات والفوقية.
2 ـ الله عز وجل تعالى على أن يشبه خلقه:
"العلي" أيضاً كما قلت قبل قليل من أسماء التنزيه، يعني الله جلّ جلاله تعالى عن كل صفة لا تليق به، هل يليق به أن يظلم ؟ مستحيل.
﴿ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ ﴾
( سورة غافر الآية: 17 )
﴿ وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾
( سورة النساء )
خيط بين فلقتي نواة التمر.
﴿ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيراً ﴾
( سورة النساء )
نواة التمر أحد رأسيها مؤنف، كالإبرة، ولا تظلمون بمقدار قطمير، غشاء رقيق يغلف غشاء يغلق نواة التمر،
﴿ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ ﴾
﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ ﴾
( سورة العنكبوت الآية: 40 )
﴿ وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ ﴾
( سورة الأنبياء )
والله عز وجل تعالى على أن يشبه خلقه، تعالى عن كل ما خطر ببالك، فكل ما خطر ببالك فالله بخلاف ذلك.
3 ـ عدم معرفة الله إلا الله:
و "العلي" هو الذي علا فلا تدرك ذاته، ولا تتصور صفته، يعني لا يعرف الله إلا الله.
4 ـ تاهت الألباب في جاهه:
"العلي" هو الذي تاهت الألباب في جاهه.
5 ـ عجزت العقول عن أن تدرك كماله:
"العلي" هو الذي عجزت العقول عن أن تدرك كماله، كل هذه المعاني أيها الأخوة يمكن أن ترد حينما تقول: الله هو "العلي"، عليّ مكانة، عليّ تنزيهاً، عليّ عزة، عليّ أن أحداً لن يحيط به، ولن يدرك ذاته، عليّ بمعنى رفيع القدر، الله سبحانه وتعالى قال عن ذاته العلية:
﴿ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ﴾
ما لم تعظم الله جلّ جلاله لن تعظم أمره، إذا عرفت الآمر، ثم عرفت الأمر تفانيت في طاعة الآمر، أما إذا عرفت الأمر ولم تعرف الآمر تفننت في التفلت من الأمر.
الآيات التي تتحدث عن ذات الله تعالى على الإنسان أن يترك معناها لله:
أيها الأخوة، الذي وعيه السلف الصالح من الصحابة، والتابعين، والأئمة الأجلاء المتبعين، أن الله سبحانه وتعالى عالٍ على عرشه بذاته، وبكيفية حقيقية معلومة لله، مجهولة لنا، فهناك بالقرآن بضعة آيات تتحدث عن ذات الله، أكمل موقف للإنسان الموحد الورع أن يوكل معناها إلى الله، لأنه كما قال عليه الصلاة والسلام:
(( تفكروا في مخلوقات الله ولا تفكروا في ذاته فتهلكوا ))
[ورد في الأثر]
يجب أن تعتقد أن عقلك ليس قوة مطلقة في المعرفة، يعني أنت تماماً كميزان في بقالية، غالٍ جداً، دقيق جداً، حساس جداً، معه ذواكر، ولكن مصمم لوزن ما بين خمس غرامات إلى خمسة كيلو، ما لم تؤمن أن هذا الميزان مهمته محدودة، فإذا أردت أن تزين به سيارتك، وضعته على الأرض وسرت فوقه، تكون قد حطمته، هل يعد هذا علة في الصنعة ؟ لا، علة في المستخدم.
(( تفكروا في مخلوقات الله ولا تفكروا في ذاته فتهلكوا ))
[ورد في الأثر]
لذلك قالوا: عين العلم به عين الجهل به، وعين الجهل به عين العلم به.
لذلك قالوا: العجز عن إدراك الإدراك إدراك.
مثل بسيط: شخص سألك المحيط الهادي كم لتر ؟ لمجرد أن تدلي برقم فأنت جاهل ولمجرد أن تقول لا أعلم فأنت عالم.
لذلك قالوا: عين العلم به عين الجهل به، وعين الجهل به عين العلم به.
وتكون في أعلى درجات العلم إذا قلت لا أعلم، أنا أقول لكم هذه الكلمة: تقييم الأشخاص من شأن الله وحده. تقييم الأشخاص من شأن الله وحده:
النبي عليه الصلاة والسلام توفي أحد أصحابه، من عادته أن يذهب إلى بيت المتوفى قبل التشييع، فلما ذهب إلى البيت سمع امرأة تقول (اسم المتوفى أبو السائب)، سمع امرأة تقول: هنيئاً لك أبا السائب لقد أكرمك الله، النبي وحده لو سكت لكان كلامها صحيحاً لأن سنته تعني أقواله، وأفعاله، وإقراره، لو سكت لكان كلامها صحيحاً، فقال عليه الصلاة والسلام: من أدراكِ أن الله أكرمه ؟ هذا اسمه عند علماء العقيدة تأل على الله، تطاول، من أنت حتى تحكم على فلان أنه من أهل الجنة ؟ أو أنه من أهل النار، من أنت ؟ تقييم الأشخاص من شأن الله وحده، قال لها: من أدراكِ أن الله أكرمه ؟ قولي: أرجو الله أن يكرمه، تضيف كلمة أرجو، وأنا نبي مرسل لا أدري ما يفعل بي ولا بكم، على وجه القطع أما على وجه الرجاء كل مؤمن مستقيم على أمر الله يرجو الله أن يدخله الجنة.
لكن رجاء، رجاء في أدب، أما فلان من أهل الجنة ! طول بالك، ما في إلا عشرة الذين بشر بهم النبي، وأحد هؤلاء العشرة عملاق الإسلام سيدنا عمر ذهب إلى حذيفة بن اليمان قال له: يا حذيفة ! بربك اسمي مع المنافقين.
تجد شخصاً تارك العبادات، ماله حرام، علاقاته مشبوهة، يقول: أنا إيماني أقوى من إيمانك، شيء مضحك، سذاجة، غباء، حمق، إذا كان سيدنا عمر يقول لحذيفة: بربك اسمي مع المنافقين ؟.
لذلك أحد التابعين قال: التقيت بأربعين صحابياً، ما منهم واحد إلا وهو يظن نفسه منافقاً، من شدة الخوف من الله، من شدة الورع، من شدة القلق.
الآيات المتعلقة بذات الله لك أن تؤولها إلى حدٍّ مقبول أو تترك معناها إلى الله تعالى:
لذلك أيها الأخوة، لابدّ من أن تؤمن بالله العظيم، فهذه الآيات المتعلقة بذات الله أكمل موقف أن توكل معناها إلى الله، يعني ارتح وأرح الناس.
هناك من يؤول إلى حدٍّ ما مقبول، أنه:
﴿ وَجَاءَ رَبُّكَ ﴾
( سورة الفجر الآية: 22 )
أي جاء أمره. ﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾
( سورة الفتح الآية: 10 )
أي قوته، يسمعك، أي يعلم ما تقول، هناك من فوض، هذا أرقى موقف هناك من أَوَّل، إلى هنا ينتهي الصح، أما إذا عطلت، أو جسدت وقعت في عقيدة زائغة.
إذاً الذي هم عليه السلف الصالح، من الصحابة، والتابعين، والأئمة الأجلاء المتبعين، أن الله عالٍ على عرشه بذاته، بكيفية حقيقية معلومة لله، مجهولة لنا. معاني العلو عند السلف الصالح ثلاثة معانٍ: علو الذات وعلو الشأن وعلو القهر:
يقترن اسم الله "العلي" دائماً باسمه العظيم، ولا سيما حينما يُذكر العرش والكرسي، ففي آية الكرسي وهي كما تعلمون أعظم آية في كتاب الله:
﴿ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حفظيهما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ﴾
( سورة البقرة )
هذه الآيات أيها الأخوة، واضحة في إثبات علو الذات، والفوقية، وغيرها كثير لكن بعض المفسرين باسم الله "العلي" جعلوه دالاً على معنيين فقط من معاني العلو، هما علو الشأن، وعلو القهر، واستبعدوا المعنى الثالث وهو علو الذات، والثابت الصحيح أن معاني العلو عند السلف الصالح ثلاثة معانٍ دلت عليها أسماء الله المشتقة من صفة العلو، فاسم الله "العلي" دلّ على علو الذات، واسم الله الأعلى دلّ على علو الشأن.
﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴾
( سورة الأعلى )
واسم الله المتعال دلّ على علو القهر، علو الذات، وعلو الشأن، وعلو القهر ، والنبي عليه الصلاة والسلام لما سأل الجارية: أين الله ؟ فأشارت إلى السماء، فأثبت لها الإيمان.
﴿ أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ ﴾
( سورة الملك الآية: 16 )
لأن السماء رمز العلو، شهد النبي الكريم لها بالإيمان، فلا إشكال عند الموحدين العقلاء في فهم حديث الجارية، وقولها إن الله في السماء والأمر واضح جلي، أي اعتراض على هذا، هو اعتراض على رسول الله، عدا إشارتها إلى السماء إيماناً، والدليل الآية الكريمة:
﴿ أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ ﴾
﴿ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ ﴾
( سورة الملك الآية: 16 )
صار علو الذات والفوقية، علو الشأن، علو القهر.
شرف العلم من شرف المعلوم:
أيها الأخوة الكرام، ما لم نؤمن بأن الله عليّ عظيم، وبأنه عليّ كبير، قد لا نطيعه، لأنه عظمة الأمر من عظمة الآمر، فكلما عظم الآمر عظم الأمر.
هناك مقولة دقيقة: فضل كلام الله على كلام خلقه، كفضل الله على خلقه، الآن لو شخص درس أي علم أرضي، وإنسان درس أسماء الله الحسنى، فضل علمه بأسماء الله الحسنى على فضل علمه بمخلوقاته كفضل الله على مخلوقاته، شرف العلم من شرف المعلوم، أي لا يوجد علم أشرف من أن تعرف الله، لا يوجد علم أشرف من أن تعرف أسماءه الحسنى وصفاته الفضلى، شرف العلم من شرف المعلوم، فضل كتاب الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه، وفضل معرفة الله على معرفة خلقه كفضل الله على خلقه.
فضل معرفة الله على معرفة خلقه كفضل الله على خلقه:
لذلك الإنسان حينما يغفل عن الله، ويتقن شيئاً في الدنيا، يأتي يوم القيامة وقد تقطع قلبه أسفاً.
﴿ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ﴾
( سورة الفجر )
﴿ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً ﴾
( سورة الفرقان )
يجب أن نعرف الله، لذلك قال تعالى:
﴿ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ ﴾
( سورة الكهف الآية: 46 )
قال بعض العلماء: أن تقول سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، أي أن تسبحه، وأن تحمده، وأن توحده، وأن تكبره، إن سبحته، ووحدته، وحمدته وكبرته فقد عرفته.
(( ابن آدم اطلبني تجدني فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء إليك ))
السعيد
08-26-2018, 01:15 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( المائة وواحد )
الموضوع : اسم الله - العلى - 2 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
من أسماء الله الحسنى: (العلي):
أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في اسم "العلي" واسم الله "العلي" مشتق من العلو والعلو الذي يقابل السفل، علوي وسفلي، والعلو من الارتفاع، والعلو بالمعنى المجازي ارتفاع المنزلة.
دائرة حكومية فيها تسعة طوابق الموظفون جميعاً في الطوابق العليا، والمدير العام في الطابق الأرضي، ومع ذلك هو أعلى منهم جميعاً، في علو مكاني، في علو مكانة، في علو مكان، وفي علو مكانة.
معاني العلي:
أيها الأخوة، علو المكانة هذا اسم من أسماء التنزيه، وكل ما خطر ببالك فالله بخلاف ذلك، تعالى عن كل صفة لا تليق به، بل كل ما خطر ببالك فالله سبحانه وتعالى بخلاف ذلك.
"العلي" هو الذي علا فلا تدرك ذاته، ولا تتصور صفاته.
"العلي" هو الذي تاهت الألباب في جلاله.
"العلي" هو الذي عجزت العقول عن أن تدرك كماله، كل هذه المعاني علو المكانة من أسماء الله الحسنى، قال تعالى:
﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾
( سورة الأعراف الآية: 180 )
إذاً الله عز وجل عليّ علو تنزيه، عليّ علو عزة، أي أن أحداً لن يدرك ذاته ولن يحيط بصفاته، و "العلي" رفيع القدر، الله سبحانه وتعالى قال عن ذاته العلية: ﴿ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ﴾
( سورة البقرة )
والله عز وجل متعالٍ، والمتعالي هو الذي جلا عن إفك الأفاكين، وافتراء المفترين، وعن توهم المتوهمين، وعن وصف الجاهلين، الله متعالٍ عن كل هذه الصفات. الله سبحانه وتعالى عليّ بذاته لا يزيده تسبيح عباده وتعظيمهم علواً:
الآن في معنى دقيق من معاني "العلي"، "العلي" لا يزيده تعظيم العباد، وإجلالهم له شيء.
(( لو أنَّ أوَّلَكم وآخرَكم وإنْسَكم وجِنَّكم، كانوا على أتْقَى قلب رجل واحدِ منكم ما زاد ذلك في مُلْكي شيئاً ))
[أخرجه مسلم والترمذي عن أبي ذر الغفاري ]
لو أن إنساناً قد يكون بمستوى معين، إما مالياً، أو أخلاقياً، أو سلوكياً، أو رتبياً، له مستوى، لكن الناس يعظمونه كثيراً، هذا التعظيم يرفعه، هو ليس في هذا المكان هو في هذا المكان، لكن التعظيم الشديد والتأليه، رفعه إلى مكان ليس هو فيه، لكن الله سبحانه وتعالى لو أن كل الخلق سبحوه، وعظموه، وبجلوه، هذا التسبيح، والتعظيم ، والتبجيل، لا يزيده علواً، هو عليّ بذاته، الإنسان أحياناً يعلو بمديح الخلق، يعلو بثناء الخلق لكن الله سبحانه وتعالى عليّ بذاته، لا يزيده تسبيح عباده وتعظيمهم علواً.
مرة شخص قال (هو دعاء لفيلسوف هندي): اللهم آتني حظاً تخدمني به أصحاب العقول، ولا تؤتني عقلاً أخدم به أصحاب الحظوظ.
أحياناً الله يمنح إنساناً حظاً من حظوظ الدنيا، فإذا منحه هذا الحظ كل العقول التي تحته بخدمته.
فالله عز وجل عليّ بذاته، بينما الإنسان إذا علا قد يعلو بعقول غيره، قد يعلو بمستشاريه، كل إنسان بموقع حساس عنده مستشارين، عنده علماء كبار، ينصحونه يقدمون له المشورة، والخطة، والحل الذكي، إذاً هذا علا بقراره، لا بذكائه، ولا بخبرته ولا بكماله، بل علا بمستشاريه.
لذلك الفرق كبير جداً بين علو الله عز وجل، وبين علو البشر، الإنسان إذا علا قد تخدمه بهذا الحظ العظيم أصحاب العقول، من هنا الدعاء: اللهم ارزقني حظاً تخدمني به أصحاب العقول، ولا ترزقني عقلاً أخدم به أصحاب الحظوظ. الله عز وجل هو المؤثر واجب الوجود كماله كمالاً مطلقاً:
بعض الأئمة قالوا: لا تفترض مرتبة شريفة إلا والحق جلّ جلاله في الأعلى، إذا شكرت فالله سبحانه وتعالى أصل الشكران، إذا سخوت فالله سبحانه وتعالى أصل السخاء، إذا تكرمت فالله سبحانه وتعالى أصل الكرم، أية صفة من صفات الكمال في بني البشر هي من الله عز وجل ، هو مادحها، هو أصلها، هو مصدرها.
بعضهم قال: الكون بكل ما فيه لا يزيد عن أن يكون مؤثراً، أو أثراً، أنا حينما أمسك ورقة وأمزقها، هذا الفعل مؤثر، وهذا المنظر أثر، الله عز وجل هو المؤثر، والكون كله أثر، والمؤثر أقوى وأعلى وأعظم من الأثر.
أيها الأخوة، شيء آخر: الموجود إما واجب أو ممكن، مركبة، سيارة، هناك أشياء تعد واجباً أن يكون فيها الوقود، المحرك، العجلات، المقود، وهناك أشياء لو لم تكن تبقى المركبة مركبة وتسير، قضبان النيكل التي على أطرافها لو نزعت تسير المركبة، نقول المحرك، الوقود، العجلات، المقود، هذه أشياء واجبة، أما التزيينات التي حول السيارة لونها، طلاؤها، القضبان الرائعة التي على أطرافها، هذه يمكن ألا تكون.
فالله عز وجل واجب الوجود، وما سواه ممكن الوجود، وواجب الوجوب، هو "العلي"، ممكن الوجوب ليس علياً، لأنه يمكن أن يوجد، ويمكن ألا يوجد، وإذا وجد يمكن أن يكون على ما هو عليه، أو على خلاف ما هو عليه.
أيها الأخوة الكرام، شيء آخر: الموجود إما أنه كامل كمالاً مطلقاً، أو كمالاً نسبياً، الله عز وجل كماله مطلق، إذا قلنا الله عادل يعني منذ أول الخليقة، وحتى نهاية الدوران في كل العصور والأمصار، لا يمكن أن يظلم عصفوراً، ولا نملة، هذا معنى العدل المطلق، أما القاضي من بني البشر قد يصدر ألف حكم، عشرة أحكام غير عادلة، ليس عن قصد، ولكن عن ضعف، يسمى عند الناس قاضياً عادلاً، فهناك كمال مطلق، هو كمال الله وحده، و كمال نسبي، فالكامل كمالاً مطلقاً هو "العلي" والذي كماله نسبي هو الأقل علواً.
إذاً الله جل جلاله هو "العلي" هو المؤثر، وما سواه أثر، هو واجب الوجود وما سواه يمكن الوجود، هو الكامل كمالً مطلقاً، إذاً حدثنا هن ذاته
﴿ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ﴾
علاقة المؤمن باسم الله "العلي" التواضع له :
الآن كما ألفنا ما علاقة المؤمن بهذا الاسم ؟ طبعاً من أدب المؤمن مع اسم "العلي" لا أن يتخلق بهذا الكمال، هذا كمال في الله، أما في الإنسان نقص، المؤمن يتواضع هو في الأصل فقير، في الأصل جاهل، في الأصل ضعيف، فإذا ادعى ما ليس له فهو يكذب، إذا ادعى ما ليس له فهو يغش الناس، فالإنسان من شأنه مع هذا الاسم "العلي" التواضع.
لذلك لما فتح النبي الكريم مكة المكرمة دخلها مطأطئ الرأس، حتى كادت ذؤابة عمامته تلامس عنق بعيره تواضعاً لله عز وجل.
من شأن المؤمن أن يتواضع، لا أن يتعاظم، اتضع لا ترتفع، اتبع لا تبتدع، الورع لا يتسع، قال: نصائح ثلاث تكتب على ظفر، اتبع لا تبتدع، اتضع لا ترتفع ، الورع لا يتسع.
الإنسان ليس مما لا يليق به كإنسان أن يقول أنا، أنا قوي، أنا غني، أنا أحمل الشهادة الفلانية، شأن المؤمن مع هذا المؤمن أن يتواضع، يعني بين أن تقول أنا عالم، والله كلمة قاسية جداً، قل أنا طالب علم، كلمة لطيفة، المؤمن صادق فيما يقول، الله وفقني، الله أكرمني، الله منحني، الله تفضل عليّ بهذا البيت، تفضل عليّ بهذه الزوجة، تفضل عليّ بهذه الخبرة، بهذه الشهادة، بهذا البيت، لأن أدب المؤمن مع هذا الاسم "العلي" عكس ما كنتم تتوقعون، هنا العلاقة عكسية هو "العلي" وحده، أما أنا من شأني التواضع، من شأني التذلل، من شأني أن أضع خدي على الأرض تواضعاً لله عز وجل.
تواضع سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
يروى أن سيدنا عمر لما تولى الخلافة، قال: أيها الناس إن الناس خافوا شدتي كنت خادم رسول الله، وجلواذه، وسيفه المسلول، فكان يغمدني إذا شاء، وتوفي وهو عني راضٍ والحمد لله وأنا بهذا سعيد، ثم كنت خادم أبي بكر، وجلواذه، وسيفه المسلول، فكان يغمدني إذا شاء، وتوفي وهو عني راضٍ الحمد لله كثيراً وأنا به أسعد، ثم آلت الأمور إليّ أيها الناس اعلموا أن هذه الشدة قد أضعفت، أنا أمثل دور الشدة كنت مع رسول الله أمثل دور الشدة، هو رحيم، ومع الصديق كذلك، أما الآن الأمر بيدي.
بحياة الأب الأم رحيمة، والأب قاسٍ، دوران متكاملان، أما إذا ماتت الأم يصبح الأب أماً وأباً، يأخذ دور الأم الرحيمة.
اعلموا أن هذه الشدة قد أضعفت، وإنما تكون على أهل الفجور والعصيان، أما أهل الإيمان والصلاح فأضع خدي لهم على الأرض ليطئوه.
أيها الناس خذوا عني خمس خصال، لكم عليّ ألا آخذ من أموالكم شيئاً إلا بحقه، ولكم عليّ ألا أنفق من هذه الأموال شيئاً إلا بحقه، ولكم عليّ أن لا أجمركم في البعوث، وإذا غبتم في البعوث (أي في الجهاد) فأنا أبو العيال حتى ترجعوا، ولكم عليّ أن أزيد عطياكم إن شاء الله تعالى، ولست خيراً من أحدكم، لكنني أثقلكم حملاً.
أرأيت إلى التواضع ؟ شأن العبد مع هذا الاسم التواضع، وأنت إذا تواضعت لله يرفعك الله.
من دعا إلى الله تعالى عليه أن يُنوع في خطابه الديني بين التعظيم والحب والخوف:
أيها الأخوة، ما من إنسان على وجه الأرض رفعه الله كرسول الله.
﴿ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾
( سورة الشرح )
لأنه ما من إنسان على وجه الأرض خضع لله وتذلل له كرسول الله، فشأن العبد مع هذا الاسم التواضع.
ورد في بعض الآثار أن أحداً ناجى ربه وقال: يا رب إني أحبك، وأحبّ من يحبك، فكيف أحببك إلى خلقك ؟ قال: ذكرهم بآلائي، ونعمائي، وبلائي، أحبّ عبادي إلي تقي القلب، نقي اليدين، لا يمشي إلى أحد بسوء، أحبني، وأحبّ من أحبني، وحببني إلى خلقي، قال: يا رب إنك تعلم إني أحبك، وأحبّ من يحبك، فكيف أحببك إلى خلقك ؟ قال: ذكرهم بآلائي، ونعمائي، وبلائي، ذكرهم بآلائي كي يعظموني، ذكرهم بنعمائي كي يحبوني، ذكرهم ببلائي كي يخافوني.
معنى ذلك أنه لابدّ أن يجتمع في قلب المؤمن تعظيم لله، ومحبة له، وخوف منه، وهذا درس بليغ للدعاة، إن دعوت إلى الله يجب أن تنوع في خطابك الديني، بين التعظيم وبين الحب وبين الخوف، أما في دعاة تخويف، تخويف، تخويف، إلى أن يقع الناس في اليأس، في حديث موضوع وضعته الزنادقة، حديث للتيئيس.
كل الناس هلكى إلا العالمون، والعالمون هلكى إلا العاملون، والعاملون هلكى إلا المخلصون، والمخلصون على خطر عظيم.
هذا حديث وضعته الزنادقة، من أجل التيئيس، إذا خاطبت الناس خطاباً دينياً يجب أن تنوع بين تحبيب الناس بربك، بيان فضله، بيان نعمه، بيان عطفه، بيان رحمته ، بيان توبته، وأن تخوفه من عقابه.
مرة قلت لشخص بمكان حساس جداً الله في عنده ورم خبيث، عنده خثرة بالدماغ ، عنده فشل كلوي، تشمع كبد، وكل هؤلاء الخلق عباده، ويحبهم، فإذا كنت بطلاً هيئ لربك جواباً عن كل فعل تفعله معهم، الله كبير، لا يوجد إلا الله، والله كبير. من تواضع لله رفعه:
أيها الأخوة، الإنسان إذا عرف الله بالتواضع، يتذلل، يجده عزيزاً على أهل الدنيا.
﴿ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾
( سورة المائدة الآية: 54 )
(( من جلس إلى غني فتضعضع له ذهب ثلثا دينه ))
[ البيهقي في شعب الإيمان عن ابن مسعود]
عزيز.
(( ابتغوا الحوائج بعزة الأنفس، فإن الأمور تجري بالمقادير ))
[ أخرجه ابن عساكر]
لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه.
أيها الأخوة، الإنسان كل مكانته، وحجمه المالي، وهيمنته، منوطة باتساع شريانه التاجي، قطره ميلي وربع، إذا ضاقت هذه المسافة بدأت المتاعب، أولاً يحتاج تخطيط، بعدها فحص جهد، بعدها قسطرة، بعدها زرع شريان، كل نشاطك مبني على ميلي وربع قطر شريانك التاجي، وكل نشاطك وهيمنتك، وقوتك على سيولة الدم، فإذا تجمد الدم في بعض الأماكن بمكان فقد ذاكرة، بمكان فقد بصر، بمكان فقد حركة، وكل مكانتك، وهيمنتك على نمو خلاياك، إذا نمت نمواً عشوائياً. التولي و التخلي:
لذلك الله عز وجل عليّ عظيم، أما الإنسان مفتقر إلى الله عز وجل، درسان بليغان، درس بدر، قال تعالى:
﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 123 )
مفتقرون، افتقاركم كان أحد أسباب انتصاركم، أما في حنين أنتم، أنتم وفيكم سيد الخلق قلتم:
(( ولن يُغْلَبَ اثنا عَشَرَ ألفا مِنْ قِلَّةٍ ))
[ أخرجه أبو داود والترمذي عن عبد الله بن عباس ]
اعتددتم بعددكم، فتخلى الله عنكم. ﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ﴾
( سورة التوبة )
يستنبط أنك أمام امتحانين، إذا قلت الله تولاك، ونصرك، وأيدك، ووفقك ، وألهمك الصواب، ألهمك الحكمة، وإذا قلت أنا بعلمي، باختصاصي، بخبراتي المتراكمة ، أنا ابن فلان تخلى الله عنك، وأوكلك إلى نفسك، فأنت بين التولي والتخلي، تقول الله يتولاك تقول أنا يتخلى عنك.
من باب الطرفة: دخل ملك لبستان، رأى حصاناً معصوب العينين، يدير الرحى وقد وضع صاحب البستان في عنقه جلجلاً (جرس)، فالملك ذكي جداً وعقله راجح جداً، استدعى صاحب البستان قال له: لِمَ عصبت عينيه ؟ قال له: لئلا يصاب بالدوار (حتى لا يدوخ لأنه يدور)، ولِم هذا الجلجل ؟ قال له: هذا الجلجل ما دام يدور أعلم ذلك من طنين الجلجل، فإذا وقف ولم يدر أعلم ذلك، فالملك ذكي جداً، وعاقل جداً، فكر، قال له: فإذا وقف وهزّ رأسه ؟ قال له: وهل له عقل كعقلك ؟! هذا الحصان له عقل كعقلك؟!. اهتزاز المثل الأعلى أخطر شيء في حياة المؤمن:
الله "العلي" مهما تصورت الله عز وجل فهو بخلاف ذلك، هذا معنى الله أكبر أكبر مما عرفت، كل ما خطر بالك عن عظمة الله فهو بخلاف ذلك.
حُكي أن رجلاً قال لمالك بن الفضول: اتقِ الله، إذا قلت لإنسان اتقِ الله، وكان غافلاً أخذته العزة بالإثم، أما قيل لعالم جليل: اتقِ الله، فألصق خده بالتراب وقال: سمعاً وطاعة، أقبل الكلام ولو كان من صغير.
هناك رواية عجيبة تدل على فطانة الغلام، غلام أمامه حفرة، رآه أبا حنيفة النعمان رحمه الله تعالى، قال له: يا غلام، إياك أن تسقط في الحفرة، فقال له الغلام: بل إياك يا إمام أن تسقط، إني إن سقطت سقطت وحدي، وإنك إن سقطت سقط معك العالم.
أي أخطر شيء بحياتنا أن يهتز المثل الأعلى، إني إن سقطت سقطت وحدي وإنك إن سقطت سقط معك العالم.
إن الله كريم يحب معالي الأخلاق ويكره سفسافها:
من لوازم هذا الاسم، الله عز وجل عليّ، شأنه العلو وشأنك التواضع، لكن هناك معنى استثنائي، يحبك الله أن تحب معالي الأمور، أن تحب الله، لا أن تحب امرأة تموت في حبها، وتنسى ربك، أن تحب الآخرة لا أن تحب الدنيا، أن تحب رضوان الله لا أن تحب المال.
(( إن الله كريم يحب الكرم ويحب معالي الأخلاق ويكره سفسافها ))
[ أخرجه الحاكم عن سهل بن سعد الساعدي ]
لذلك المؤمن يحب معالي الأمور، ويكره سفسافها ودنيها، كلام فارغ، مزاح رخيص، كلام لا يُقدم ولا يُؤخر، تفاخر بالآباء، بالأجداد، الحديث عن بيته، وعن زوجته، وعن أولاده المتفوقون، هذا لا يعني الناس، يعنيهم أن تعرفهم بالله عز وجل .
(( إن الله كريم يحب الكرم ويحب معالي الأخلاق ويكره سفسافها ))
وأنت إذا تواضعت أنت الرابح الأول، سأل ملك وزيره من الملك ؟ قال له: أنت، قال له: لا، الملك رجل، لا نعرفه، ولا يعرفنا، له بيت يؤويه، وزوجة ترضيه، ورزق يكفيه، إنه إن عرفنا جهد في استرضائنا، وإن عرفناه جهدنا في إحراجه.
(( مَنْ أصبَحَ منكم آمِنا في سِرْبه، مُعافى في جَسَدِهِ، عندهُ قوتُ يومِه، فكأنَّما حِيزَتْ له الدنيا بحذافيرها ))
[أخرجه الترمذي عن عبيد الله بن محصن ]
أيها الأخوة الكرام، ملخص الملخص: كن مع "العلي" ولا تكن مع الدني، كن مع السرمدي ولا تكن مع الفاني، كن مع القوي ولا تكن مع الضعيف، كن مع الرحيم ولا تكن مع القاسي، من أحبنا أحببناه، ومن طلب منا أعطيناه، ومن اكتفى بنا عما لنا كنا له وما لنا.
السعيد
08-27-2018, 06:17 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( المائة و اثنان )
الموضوع : اسم الله - المتعال - 1 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: (المتعال):
أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم: "المتعال".
ورود اسم المتعال في القرآن الكريم و السنة الشريفة:
هذا الاسم أيها الأخوة، ورد في القرآن الكريم في موضع واحد وهو قوله تعالى:
﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ ﴾
( سورة الرعد )
وقد ورد أيضاً في السنة المطهرة بسند صحيح عند الإمام أحمد، من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال:
(( قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية
﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ ﴾
قرأ هذه الآية وهو على المنبر، فقال:
﴿ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾
( سورة الزمر )
فقال عليه الصلاة والسلام: يقول الله جلا وعلا: أنا الجبار، أنا المتكبر، أنا الملك، أنا المتعال ـ يمجد نفسه ـ قال: جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يرددها حتى رجف به المنبر، حتى ظننا أنه سيخر به ))
معنى المتعال في اللغة:
أيها الأخوة، كان عليه الصلاة والسلام إذا حضرت الصلاة فكأنه لا يعرفنا ولا نعرفه، كان يحدثنا ونحدثه، فإذا حضرت الصلاة فكأنه لا يعرفنا ولا نعرفه.
لذلك كان عليه الصلاة والسلام يقول: أشدكم لله خشية أنا .
"المتعال" اسم فاعل، من تعالى، تعالى يتعالى فهو متعالٍ، وهو أبلغ من الفعل علا، وفي اللغة العربية أن كل زيادة في المبنى يقابلها زيادة في المعنى، أنا حينما أقول سأعطيك هذا المبلغ في المستقبل فاستخدمت حرف السين، هناك معنى، أما سوف أعطيك مادام في سين وواو وفاء، سوف أطول أمداً، أية زيادة في المبنى يقابلها في اللغة زيادة في المعنى.
التعالي ؛ الارتفاع، العرب تقول: تعالَ فعل أمر لكن له حالة خاصة، فعل الأمر مبني على السكون، أما الفعل مبني على الفتح، وفي فعل آخر هاتِ فعل أمر مبني على الكسر، هذا الفعل فعل أمر مبني على الفتح، تعالَ، لاثنين تعالا، للرجال تعالوا، إلى كلمة سواء بيننا وبينكم، للمرأة تعالِ، للنساء تعالين.
أيها الأخوة، قد يكون الذي تقول له تعالَ هو في الطابق الأعلى، وأنت في الطابق الأسفل، فهذا العلو علو مكانة، يعني ارتفع إلي.
الله عز وجل متعال على كل شيء بقدرته:
الآن "المتعال" سبحانه وتعالى هو القاهر لخلقه بقدرته، "المتعال" هو المستعلي ، المستعلي على كل شيء بقدرته، قال بعض العلماء: "المتعال" على كل شيء أي قد أحاط بكل شيء علماً، وقدرةً، وقهراً، وخضعت له الرقاب في كل شيء، ودان له العباد طوعاً وكرهاً.
و "المتعال" الكبير، فكل شيء تحت قهره، وسلطانه وعظمته، ولا إله إلا هو ولا رب سواه، لأنه العظيم، وليس هناك من هو أعظم منه، أنت تعبد من ؟ تعبد خالق السماوات والأرض، تعبد من ؟ تعبد من بيده الأمر، من:
﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ ﴾
( سورة هود الآية: 123 )
تعبد من ؟ من إذا قال لشيء: ﴿ كُنْ فَيَكُونُ ﴾
( سورة يس )
تعبد من ؟ من في قبضته السماوات والأرض، إذا عرفت الله زهدت فيما سواه إذا عرفت الله كنت عزيزاً، كنت قوياً، كنت شجاعاً، إذا عرفت الله عرفت كل شيء. عبد الشكر و عبد القهر:
لكن لعلكم تذكرون أن في القرآن كلمتين، العباد والعبيد، العباد جمع عبد الشكر بينما العبيد جمع عبد القهر، فكل إنسان كائناً من كان، حتى الكافر، حتى الملحد، حتى الفاجر، حتى العاصي في قبضة الله، كن فيكون، زل فيزول، فالإنسان المقهور هو عبد يجمع على عبيد.
﴿ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾
( سورة فصلت )
أما الإنسان الذي تعرف إلى الله، وأقبل عليه، وأحبه، وتقرب إليه، نقول هذا عبد الشكر، وجمعه عباد.
﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً ﴾
( سورة الفرقان الآية: 63 )
فرق كبير بين قوله تعالى ﴿ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾
وبين قوله تعالى: ﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ ﴾
فالعبيد جمع عبد القهر، أما العباد جمع عبد الشكر.
الواحد منا لا يضمن أن يبقى حياً لساعة واحدة، فنحن جميعاً في قبضة الله ، المؤمن تفضل الله عليه بالإيمان، فهو يعلم أنه في قبضة الله، بينما غير المؤمن توهم أنه قوي، وفي أية لحظة يقبض الله روحه، فإذا هو خبر بعد أن كان شخصاً كبيراً. الله عز وجل لا غالب ولا منازع له بل كل شيء تحت قهره وسلطانه:
"المتعال" سبحانه وتعالى هو الذي ليس فوقه شيء في قهره وقوته، فلا غالب له ولا منازع له، بل كل شيء تحت قهره وسلطانه، قال تعالى:
﴿ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ﴾
( سورة الأنعام )
لكن الناس يتوهمون أن في الأرض قوة جبارة يخافونها، والحقيقة كل هذه القوى الجبارة التي نراها على شبكية العين هي بيد الله:
(( أنا مالك الملوك، وملك الملوك، قلوب الملوك بيدي، وإن العباد إذا أطاعوني حولت قلوب ملوكهم عليهم بالرأفة والرحمة، وإن العباد إذا عصوني حولت قلوبهم عليهم بالسخط والنقمة فساموهم سوء العذاب، فلا تشغلوا أنفسكم بالدعاء على الملوك، ولكن اشغلوا أنفسكم بالذكر والتضرع أكفكم ملوككم ))
[ أخرجه الطبراني عن أبي الدرداء ]
لأنه لا يليق بألوهية الإله أن يقع في ملكه ما لا يريد، لا يليق، ولا ينسجم مع ألوهية الإله العظيم أن يقع في ملكه مالا يريد.
فلذلك كل شيء وقع أراده الله، بمعنى سمح به، وكل شيء أراده الله وقع ، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، والحكمة المطلقة متعلقة بالخير المطلق، هذه المقولة على قصرها لو عقلناها، وفهمنا أبعادها، تملأ النفس راحة ما بعدها راحة، ﴿ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ﴾
هو قاهر، مسيطر، لكن لحكمة ما بعدها حكمة، وبرحمة ما بعدها رحمة، وبخبرة ما بعدها خبرة.
﴿ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً ﴾
( سورة الأنعام الآية: 61 )
في هاتين الآيتين اجتمع علو القهر مع علو الفوقية، يعني أن الملك جلّ جلاله من فوق عرشه الذي علا بذاته، فوق كل شيء، والذي قهر كل شيء، وخضع لجلاله كل شيء، ويحتاجه كل شيء في كل شيء، هذا الإله العظم ألا يخطب وده ؟ ألا ترجى جنته ؟ ألا تخشى ناره ؟ بطولة الإنسان أن يكون مع الجبار، مع الواحد القهار، مع "المتعال". معنى الربوبية:
الآن أيها الأخوة، نحن بحاجة إلى بعض المعاني التفصيلية حول هذا الاسم أولاً: ماذا تعتني الربوبية ؟ الله رب العالمين، لا بد من توضيح هذا بمثل:
أنت عندك مؤسسة، وبحاجة إلى موظف أعلنت في الصحف عن وظيفة عندك ، واشترطت على الموظف أن يمضي ستة أشهر تحت التدريب، والامتحان، المدير في هذه الحالة جهده أن يحصي على هذا الإنسان أخطاءه، فإذا تراكمت، وبلغت حداً لا يحتمل صرفه أليس كذلك ؟ هنا مهمة المدير إحصاء الأخطاء، ليرى ما إذا كان هذا الإنسان صالحاً أو غير صالح.
هذا المعنى ليس فيه معنى الربوبية، فيه معنى المحاسبة، لكن حينما يكون ابنك في هذا المكان أنت أب، والأب مربٍ، أنت حريص أن ترشده إلى الصواب، في كل خطأ فالموقف اختلف، أنت حريص على نجاح هذا الابن في هذه الوظيفة، حريص على إرشاده في كل ساعة، على تنبيهه في كل دقيقة، على لفت نظره عند كل خطأ، فأنت الآن مربٍ حين أودع الله في قلب الأب رحمة فلا يحاسب هذا الموظف على أنه موظف، وعلى أن أخطاءه إذا تراكمت صرفه، لا، الوضع مختلف، أنت حريص على نجاح هذا الابن، لذلك تحاسبه على كل خطأ، وفي كل موقف، وعند كل زلل، هذا الموقف موقف التربية.
الله سبحانه وتعالى يحبنا و قد خلقنا ليسعدنا:
يجب أن نعلم علم اليقين أن الله سبحانه وتعالى هو رب العالمين، كان من الممكن أن يرسل الأنبياء وينزل الكتب ولا يحاسب أحداً في الدنيا، فإذا تراكمت الأخطاء بحيث أصبحت كافية لدخول الإنسان النار أدخلهم وانتهى الأمر، الله عز وجل رب العالمين، يحاسب على كل خطأ ويدل إلى الصواب، طبعاً لا بد من توضيح آخر:
تمشي أنت في الطريق رأيت شباباً ثلاثة، يرتكبون معصية، أحدهم ابنك تغلي، تضطرب، تتألم، تتمزق، والثاني ابن أخيك، الألم أقل، أما الثالث صديقهما ، الأول تعنفه أشد التعنيف، والثاني تعنفه قليلاً، والثالث تقول له: انصرف، فمعنى ذلك أنك حينما رأيت ابنك الذي هو جزء منك، الذي هو امتدادك يقترف هذه المعصية تألمت أشد الألم لذلك موقف الأب موقف التربية، موقف العطف، موقف الرحمة، فإذا قرأت الحمد لله رب العالمين يجب أن تعلم علم اليقين أن الله سبحانه وتعالى يحبنا، وخلقنا ليسعدنا، فإذا تبنا إليه كما ورد في الحديث الصحيح يفرح.
(( لله أفرح بتوبة عبده من العقيم الوالد، ومن الضال الواجد، ومن الظمآن الوارد ))
[ أخرجه ابن عساكر في أماليه عن أبي هريرة ]
رحمة الله عز وجل تقتضي معالجة الناس و تأديبهم لا تركهم هملاً:
الآن:
﴿ فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ﴾
( سورة الأنعام )
الآية فيها معنى دقيق، تقتضي رحمته الواسعة ألا ﴿ يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ﴾
أناس شردوا عن الله، يمكن أن يعالجهم، يمكن أن يسوق لهم بعض الشدائد ، يمكن أن يؤدبهم، تقتضي رحمته أن يؤدبهم لا أن يدعهم.
الذي عنده يتيم، بمحله التجاري وسرق، أيهما أفضل ؟ أن يطرده ليتابع السرقة عند غيره، أم أن يؤدبه ويبقيه عنده ؟ تقتضي الرحمة أن تؤدب لا أن تطرد، تقتضي الرحمة أن تعالج لا أن تحكم عليه بالسقوط.
لذلك القصة التي رويتها في مرة سابقة أن خطيب مسجد في دمشق (والقصة واقعية و هذه القصة قبل أربعين أو خمسين عاماً) رأى في المنام رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له: أبلغ جارك فلان إنه رفيقي في الجنة، فجاره بقال، إنسان عادي جداً، هو خطيب تأثر، ليت هذه البشرى له، فذهب إليه، وطرق بابه، وقال له: لك عندي بشرى من سيد الخلق، ولكن لن أقولها لك إلا إذا أخبرتني ماذا فعلت مع ربك؟ (دقق في معنى التربية) فاعتذر، وتمنع، وبعد إلحاح شديد قال له: تزوجت امرأة، وفي الشهر الخامس من زواجنا كانت في الشهر التاسع في حملها، معنى ذلك أن هذا الطفل ليس ابنه، وقد زلت قدمها، أنا بإمكاني أن أسحقها، بإمكاني أن أفضحها، بإمكاني أن أطلقها، والناس معي ، وأهلها معي، معي الحق، وأهلي معي، والمجتمع معي، والحكم الشرعي معي، هي خاطئة، قال له: أردت أن أحملها على التوبة، أتيت لها بقابلة، ولدتها في الليل، وحملت هذا الغلام الذي ولد لتوه تحت عباءتي، وتوجهت إلى المسجد، وانتظرت حتى قال الإمام الله أكبر بدأ في الصلاة، فدخلت إلى المسجد، ووضعت هذا الغلام وراء الباب، والتحقت بالمصلين، ولم يرنِ أحد، بعد انتهاء الصلاة تجمع الناس حول هذا الطفل الصغير لأنه بكى وتألموا، وتحلقوا حوله، وعجبوا من وجوده هنا، هو تأخر إلى أن استكمل الناس تحلقهم حول هذا الصغير، فأتى إليهم وقال: ما القصة ؟ قال: تعال انظر ! قال: أعطوني إياه أنا أكفله، أخذه أمام أهل الحي، على أنه لقيط، وتعهد أن يربيه، ودفعه إلى أمه.
هذا موقف في التربية، وتابت على يديه، استحق هذه البشرى من رسول الله قال له: قل لجارك فلان هو رفيقي في الجنة.
قبل أن تؤدب، قبل أن تعاقب، قبل أن تسحق، قبل أن تفضح، اهدأ، إذا اخترت أن تربي لك عند الله أجر لا يعلمه إلا الله، فالله عز وجل رب العالمين. الله عز وجل يسوق للإنسان من الشدائد ما يحمله على التوبة:
لذلك
﴿ فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ﴾
تقتضي رحمته الواسعة ألا يرد بأسه عن إنسان شرد عن الله شرود البعير والله عز وجل حكيم، والله عز وجل يسوق من الشدائد ما يحمل على التوبة، لذلك في القرآن آيتان، يعني العجيب أن كل آية لها معنى:
﴿ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ﴾
( سورة التوبة الآية: 118 )
يعني ساق الله لهم من الشدائد ما حملهم بها على التوبة.
مرة شخص أراد أن يعلق تعليقاً لطيفاً على دعوتي، أن دعوتك من ثلاثين عاماً ما فحواها ؟ قلت له كلمتان، بالتعبير الدارج: إما أن تأتيه راكضاً، أو أن يأتي بك راكضاً، الله عنده أساليب، عنده وسائل، عنده مصائب، عنده بلايا، عنده أمراض، يجعل الإنسان الشارد يسرع إليه، يسرع إلى بابه، الآن آية ثانية: ﴿ يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ ﴾
( سورة مريم الآية: 45 )
تقتضي رحمته أن يعذب ﴿ يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ ﴾
﴿ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً ﴾
( سورة مريم )
يعني أب يرى ابنه الطاهر، العفيف، المؤدب قد أخذ مبلغاً من صديقه دون أن يدري صديقه، ولا يتصرف ؟ ولا يحاسب ؟ ولا يؤدب ؟ ولا يعاقب ؟ لو تركه على هذا العمل لتفاقم هذا العمل، لا يوجد أب على وجه الأرض يرى ابنه أخذ مبلغاً ليس له ولا يحاسبه تقضي الرحمة أن يحاسب. تناقض الشر المطلق مع وجود الله تعالى:
أيها الأخوة، اعلموا علم اليقين أن الشر المطلق لا وجود له في الكون، هناك شر نسبي، شر مطلق يعني الشر للشر، هذا النوع غير موجود، بل هو يتناقض مع وجود الله، الشر المطلق يتناقض مع وجود الله، أما الشر النسبي هو شيء مؤلم لكن موظف للخير المطلق.
مثلاً الآية التي تليها:
﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ﴾
( سورة إبراهيم )
بربكم يمكن أن تنهى إنساناً عن أن يطفئ الشمس ؟ مستحيل، ليس هذا نهياً النهي ما كان ممكن الوقوع، لا تتأخر، التأخر قد يقع، لا تكذب قد يقع، لا تظلم الظلم قد يقع، ليس هناك في اللغة نهي لفعل مستحيل، إياك أيها الإنسان أن تطفئ الشمس، مستحيل وألف ألف مستحيل، ولكن تقول له إياك أن تهمل، إياك أن تتأخر، إياك، إياك أن تخطئ إياك أن تظلم، ليس هناك نهي إلا بشيء يمكن أن يقع. الله عز وجل ليس غافلاً عما يفعل الظالمون و لكن يؤخر حسابهم ليوم القيامة:
الله عز وجل يقول:
﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً ﴾
إذا هناك من يظن أن الله غافل هناك من يقول: أين الله ؟ الطرف الآخر قوي جداً، ويبطش، ويسفك الدماء، ويهدم البيوت، ويحتل الأراضي، ويتفنن بالقتل، والتدمير، ونهب الثروات، ضعاف الإيمان يقولون أين الله؟ ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ﴾
ما دام هناك نهي، هذه لا، لا النهي، ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً ﴾
إذاً هناك من يظنه غافلاً، هناك من يقول: أين الله ؟ هناك من ترك الصلاة، يقول: لمن أصلي ؟ لماذا المسلمون هذا حالهم ؟ لماذا قوى الشر تتكالب عليهم، أين الله ؟.
لذلك في غفلة ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً ﴾
وفي تغافل، والتغافل شيء لابدّ منه بالامتحان.
مرة ذكرت أن صاحب محل تجاري، يدخل إلى المحل أول إنسان، يخرج آخر إنسان، يجلس على الطاولة، مكان المال تحت قبضته، يا ترى الموظفون أمناء ؟ ما أتيح لهم أن يمتحنوا، أما إذا خرج صاحب المحل من المحل، وجلس في المحل المقابل، في مكان يَرى ولا يُرى، فصار الموظف وحده في المحل، ومكان المال تحت يده، يراقبه ، الآن هذا الموظف يتوهم أن صاحب المحل ليس هنا، هذا التغافل من صاحب المحل أعطاه فرصة ليمتحنه بها، مدّ يده وأخذ مبلغاً ووضعه في جيبه، سقط في الامتحان، أو بقي أميناً ما فعل شيئاً. المصائب التي تأتي هي رسائل من الله لعباده:
إذاً الله عز وجل يتغافل، يظنه الناس غافلاً، ولا يخفى،
﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ﴾
وضع الناس يشبه إنساناً مربوطاً بحبل لكن مرخى الحبل، فلأنه مرخى يتوهم الإنسان أنه طليق، لأنه هو في الحقيقة في قبضة الله، بأية لحظة، لذلك من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم:
(( أعوذ بك يا رب من فجأة نقمتك، و تحول عافيتك، و جميع سخطك ))
[أبو داود عن ابن عمر ]
﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ﴾
( سورة البروج )
حدثني قاضٍ، قال لي: مشروع ضخم جداً كلفته فلكية، يمكن أن ينتقل من إنسان إلى إنسان بشهادة زور، فالذي أقام الدعوى ليأخذ ما ليس له جاء بشاهد زور، والمبلغ فلكي، بمئات الملايين، قال لي: والله جاء إلى المحكمة وكلفه القاضي أن يضع يده على المصحف الشريف، وأن يقسم أن يشهد بالحق، وضع يده، وأقسم أنه يشهد بالحق، وانتهى القسم ورفع يده، فأبقاها مرفوعة، فالقاضي انزعج، قال له: أنزل يدك، كان ميتاً يمسك طرف الطاولة، لا تزال يده ماسكة بشدة، فبقي واقفاً، بعد دقيقة وقع على الأرض قال لي: والله وافته المنية أقسم كذباً، ﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ﴾
الآن أدق آية:
﴿ وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾
( سورة القصص )
إذاً هذه المصائب التي تأتي هي رسائل من الله، انتبهوا يا عبادي، أنا أعلم ما تفعلون، وسوف تحاسبون.
السعيد
08-27-2018, 06:26 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( المائة و ثلاثة )
الموضوع : اسم الله - المتعال - 2 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
من أسماء الله الحسنى: (المتعال):
أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في اسم "المتعال" وحينما نقول تعالى الله، أي تنزه عن كل نقص، فإذا أردنا أن نطبق هذا المعنى فيما يخص المؤمن، فالمعاني التي يمكن أن نستفيد منها في هذا الاسم ؟
في الدين حقائق لابدّ من أن تُعلم بالضرورة:
بادئ ذي بدء: المؤمن يجب أن يتعالى عن كل نقص بإيمانه، لذلك المؤمن ينبغي أن يَعلم ما ينبغي أن يُعلم بالضرورة، لنأتي بمثل:
لو أن مظلياً يريد أن يهبط بمظلة، هناك معلومات كثيرة يمكن أن يجهلها، يا ترى شكل المظلة مربع، مستطيل، بيضوي، دائري، عدد الحبال، أنواع الحبال، مما صنعت الحبال، كل هذه المعلومات لو أنه غفل عنها ينزل سالماً، إلا أن معلومة واحدة إذا غفل عنها ينزل ميتاً، إنها طريقة فتح المظلة، فإذا غفل عن هذه المعلومة أودى بحياته نسمي هذه المعلومة بالنسبة للمظلي معلومة يجب أن تُعلم بالضرورة.
والدين واسع جداً، في تاريخ التشريع، وفي الفقه المقارن، العلوم التي جاء بها الدين واسعة جداً، لكن المسلم ما المعلومات التي لابدّ من أن يعلمها ؟ الحقيقة المعلومات التي لابدّ من أن يعلمها، قال العلماء: أركان الإيمان، الإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة والكتب، وما إلى ذلك، وأركان الإسلام: الصوم، والصلاة، والحج، والزكاة، والأحكام الفقهية المتعلقة باختصاصه.
فالتاجر بأمس الحاجة أن يتعلم أحكام البيع والشراء، والطبيب أحكام الطب، الزوج أحكام الزواج، والحقوق، والواجبات.
إذاً هناك في الدين حقائق لابدّ من أن تُعلم بالضرورة، المؤمن يجب أن يتعالى عن كل نقص في إيمانه، لأن العلم كما قال العلماء: أصل حياة الإنسان، إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم، هذه واحدة.
من لم تحدث المصيبة في نفسه موعظة فمصيبته في نفسه أكبر:
معلومة أخرى نحتاجها أحياناً، أنت راكب مركبة، في لوحة البيانات تألق ضوء أحمر، يا ترى لماذا تألق ؟ نفرق أنه تألق أو لم يتألق، وبين لماذا تألق ؟ تألق أو لم يتألق قطعاً تألق، رأيته بأم عينك، ولكن لماذا تألق ؟ لو فهمت هذا التألق تألقاً تزيينياً احترق المحرك، وتوقفت الرحلة، ودفعت مبلغاً فلكياً لإصلاحها، أما لو علمته تألقاً تحذيرياً أوقفت المركبة فوراً، أضفت الزيت سلم المحرك، وتابعت الرحلة، فرق كبير بين أن تفهم هذا التألق تألقاً تزيينياً، أو تألقاً تحذيراً.
لذلك أيها الأخوة، أحياناً تأتي مصيبة، إذا قلت هكذا الزمان.
رماني الدهر بالأرزاء حتى فؤادي فــي غشاء من نبال
فكنت إذا أصابتني سهـام تكسرت النصال على النصالِ
* * *
إن فهمت المصائب فهماً ساذجاً، إن فهمت المصائب فهماً بعيداً عن الإيمان ربما لم تتعظ بها، وقد قيل: من لم تحدث المصيبة في نفسه موعظة فمصيبته في نفسه أكبر.
إذاً المؤمن ينبغي أن يتعالى عن أي نقص في إيمانه، من هنا قيل: إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لم يعطيك شيئاً، ويظل المرء عالماً ما طلب العلم، فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل. على المؤمن أن يتعالى عن أي نقص في:
1 ـ إيمانه ليحقق الهدف من وجوده:
إذاً حينما تبحث عن الحقيقة، وحينما تعمل وفقها، وحينما تصبر على البحث عنها، والعمل بها، وتطبيقها، والدعوة إليها، تكون قد حققت الهدف من وجودك، وهذا معنى قوله تعالى:
﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ * ﴾
( سورة العصر )
إذاً المؤمن يتعالى عن أي نقص في إيمانه، ولو أن أي نقص في الإيمان لا يقابله سلوك منحرف، وليكن هذا النقص، ولكن لأن أي نقص في الإيمان ينعكس سلوكاً خاطئاً السلوك الخاطئ له حسابه عند الله.
إذاً كما أن الله سبحانه وتعالى، تعالى عن كل نقص، والمؤمن يستكمل طلب العلم، ليكون السلوك صحيحاً يفضي به إلى جنة عرضها السماوات والأرض، هذا من حيث ما ينبغي أن يُعلم بالضرورة.
وذكرت مثل المظلي لأنه هذه المعلومة إذا غفل عنها نزل ميتاً، وذكرت مثلاً تألق المصباح الأحمر في لوحة البيانات، لأن الإنسان إذا لم يفهم حكمة المصيبة تابع خطأه ولم يعبأ بمدلولها الكبير، ومن يؤمن بالله يهدِ قلبه. معرفة سنة النبي صلى الله عليه وسلم فرض عين على كل مسلم:
الآن يا ترى هل هناك فرض عين على كل مسلم أن يعرف سنة النبي صلى الله عليه وسلم القولية، وسيرته العملية ؟ الجواب: معرفة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم القولية والعملية (يعني سيرته) فرض عين على كل مسلم.
الدليل: كلنا يعلم أن كل أمر في القرآن الكريم يقتضي الوجوب، ما لم تقم قرينة على خلاف ذلك، والذي ضيع المسلمين توهمهم أن الإسلام عبادات شعائرية، صوم وصلاة، وحج، وزكاة، ليس غير، الدين منهج واسع جداً، أنا لا أبالغ قد يصل إلى خمسمئة ألف بند، يبدأ هذا المنهج بالعلاقات الزوجية، وينتهي بالعلاقات الدولية، يبدأ من فراش الزوجية وينتهي بالعلاقات الدولية، لماذا ينبغي أن أعلم سنة النبي القولية ؟ لأن الله سبحانه وتعالى يقول:
﴿ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾
( سورة الحشر الآية: 7 )
كل أمر في القرآن الكريم يقتضي الوجوب ما لم تقم قرينة على خلاف ذلك:
عندنا قاعدة أصولية أن كل شيء أمرنا الله به واجب التطبيق، وكل أمر يقتضي الوجوب، وها قد أمرنا أن نأخذ ما أتانا النبي، وأن ننتهي عما عنه نهانا، فبربكم كيف نأخذ ما آتانا، وننتهي عما عنه نهانا، إن لم نعرف ما الذي آتانا، وما الذي عنه نهانا ؟ دائماً هذه القاعدة ما لا يتم الفرض إلا به فهو فرض، وما لا تتم السنة إلا به فهو سنة، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
أرأيت إلى الوضوء ؟ إنه فرض، لأن الصلاة فرض لا تتم إلا به، فالقاعدة ما لا يتم الفرض إلا به فهو فرض، وكل أمر في القرآن الكريم يقتضي الوجوب، كل أمر من دون استثناء، إلا إن وجدت قرينة تصرفه عن الوجوب، كأن يقول الله عز وجل :
﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾
( سورة الكهف الآية: 29 )
﴿ فَلْيَكْفُرْ ﴾
فعل فيه لام الأمر، هل يعقل أن نؤمر بالكفر ؟ هذا أمر تهديد، وهناك أمر إباحة:
﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ﴾
( سورة البقرة الآية: 187 )
و أمر ندب:
﴿ وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ ﴾
( سورة النور الآية: 132 )
لكن ما سوى ذلك كل أمر في القرآن الكريم يقتضي الوجوب، فالله عز وجل أمرنا أن نأخذ ما آتانا النبي ﴿ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾
لا يمكن أن نأخذ ما آتانا، وأن ننتهي عما عنه نهانا إلا إذا عرفنا ما الذي آتانا، وما الذي عنه نهانا، إذاً معرفة سنة النبي صلى الله عليه وسلم فرض عين على كل مسلم. معرفة سيرة النبي الكريم واجب على كل مسلم لأنه قدوة لنا:
إخوتنا الكرام، حقائق الدين خطيرة جداً، معنى خطيرة لها علاقة بمصير الإنسان، حينما يغفل الإنسان عن سرّ وجوده، وعن غاية وجوده، وعن حكمة المصائب ربما استرسل في طغيانه، وربما استحق العذاب الأبدي.
إذاً ينبغي أن نعلم سنة النبي صلى الله عليه وسلم القولية، ما الذي يمنع أن يكون في كل بيت كتاب في الأحاديث الصحيحة نقرأها، ونطبقها، هذا من لوازم معرفة أحكام هذا الدين.
الآن وينبغي أن نعرف سيرته، وأقول لكم مرة ثانية: معرفة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم فرض عين على كل مسلم، الدليل: الله عز وجل حينما قال:
﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً ﴾
( سورة الأحزاب )
كيف يكون النبي صلى الله عليه وسلم أسوة لنا إن لم نعرف سيرته ؟ كيف كان في بيته ؟ كيف كان مع زوجته ؟ كيف كان مع أولاده ؟ كيف كان مع جيرانه ؟ كيف كان مع أصحابه ؟ كيف كان في سلمه ؟ في حربه ؟ في حله ؟ في ترحاله ؟ لأن الله عز وجل جعله أسوة لنا، ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً ﴾
إذاً يقتضي أن يكون النبي أسوة لنا بأن نعرف سيرته، فالمؤمن يتعالى عن كل نقص في معرفة سنة النبي صلى الله عليه وسلم القولية، ومعرفة سيرة النبي العملية. زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين:
الآن هذه العبادات المسلمون في الأعمّ الأغلب يؤدون هذه العبادات، ولكن الذي نراه أن حالهم لا يرضي، وأن وعود الله في القرآن الكريم رائعة جداً.
﴿ وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾
( سورة الروم )
﴿ إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾
( سورة غافر الآية: 51 )
﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي ﴾
( سورة النور الآية: 55 )
﴿ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ﴾
( سورة الصافات )
﴿ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً ﴾
( سورة النساء )
وعود رائعة، وكلكم يعلم أن زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين، أين الخلل ؟ 2 ـ عباداته:
يجب أن يتعالى المؤمن عن كل نقص في عباداته، الصلاة، النبي عليه الصلاة والسلام سأل أصحابه:
(( أتَدْرُونَ ما المُفْلِسُ ؟ قالوا : المفْلسُ فينا من لا درهم له ولا متاع. قال : إن المفْلسَ مَنْ يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شَتَمَ هذا، وقذفَ هذا وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيُعطَى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فَنيَتْ حَسَناتُهُ قبل أن يُقْضى ما عليه، أُخِذَ من خطاياهم فطُرِحَتْ عليه، ثم يُطْرَحُ في النار ))
[ أخرجه مسلم والترمذي عن أبي هريرة ]
هذا الحديث خطير، حديث مركزي، مفصلي، أنت حينما تصلي، ولا تستقيم على أمر الله، لا قيمة لهذه الصلاة، لا يمكن أن تقطف ثمار الصلاة إلا إذا سبقتها استقامة والتزام، فالمؤمن يتعالى عن كل نقص لفهمه للعبادات.
(( لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا، فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا، قَالَ ثَوْبَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صِفْهُمْ لَنَا، جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ، وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ، قَالَ: أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ، وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ، وَيَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا ))
[ابن ماجة عن ثوبان]
لذلك مليار وخمسمئة مليون مسلم لا وزن لهم في الأرض، ليست كلمتهم هي العليا ليس أمرهم بيدهم، للطرف الآخر عليهم ألف سبيل وسبيل، لماذا ؟ لأن أمر الله هان عليهم فهانوا على الله.
فالمؤمن يتعالى عن أي نقص في عباداته، هذه الصلاة، فماذا عن الصيام ؟
(( مَن لم يَدَعْ قولَ الزُّورِ والعمَلَ بِهِ، فَليسَ للهِ حاجة فِي أَن يَدَعَ طَعَامَهُ وشَرَابَهُ ))
[ أخرجه البخاري وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة ]
ماذا عن الحج ؟
(( من حج بمال حرام فقال: لبيك اللهم لبيك ؛ قال الله عز وجل: لا لبيك ولا سعديك وحجك مردود عليك ))
[ رواه الشيرازي وأبو مطيع عن عمر ]
فماذا عن الزكاة ؟ ﴿ قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ ﴾
( سورة التوبة )
من لم يستقم على أمر الله لن يقطف من ثمار الدين شيئاً:
إخوتنا الكرام، ما لم نستقم على أمر الله لن نقطف من ثمار الدين شيئاً، المؤمن الصادق يتعالى عن أي نقص في فهمه للعبادات، الصلاة، والصوم، والحج، والزكاة، بقي النطق بالشهادة.
(( من قال لا إله إلا الله بحقها دخل الجنة، قيل وما حقها ؟ قال: أن تحجبه عن محارم الله ))
[ الترغيب والترهيب عن زيد بن أرقم بسند فيه مقال كبير ]
فإن لم تحجبك كلمة لا إله إلا الله عن محارم لا جدوى من النطق بها.
يا أيها الأخوة، المؤمن يتعالى عن أي نقص في فهمه للعبادات. 3 ـ معاملاته:
الآن المعاملات هناك ذنب لا يغفر، وهو الشرك، وهناك ذنب لا يترك، ما كان بين العباد، وهناك ذنب يغفر ما كان بينك وبين الله، يجب أن تعلم علم اليقين أن الشرك بالله ذنب لا يغفر.
﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ﴾
( سورة النساء الآية: 48 )
وأنا لا أقول أن هناك شركاً جلياً، الشرك الجلي في العالم الإسلامي قلما يكون أن تقول هذا إله، لا إله إلا الله، لكن الذي يخشاه النبي عليه الصلاة والسلام الشرك الخفي.
(( إن أخوف ما أتخوف على أمتي الإشراك بالله أما إني لست أقول يعبدون شمساً و لا قمراً و لا وثناً و لكن أعمالاً لغير الله و شهوة خفية ))
[ أحمد و ابن ماجه عن شداد بن أوس ]
﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ﴾
( سورة يوسف )
والشرك أخفى من دبيب النملة السمراء، على الصخرة الصماء، في الليلة الظلماء. التوحيد أخطر شيء في الدين:
إذاً ينبغي أن أكون موحداً، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، يعني للتقريب:
كيف أن الله سبحانه وتعالى لا يغفر أن يشرك به، لو أن لك مبلغاً ضخماً جداً في مدينة حلب، وأنت تسكن في دمشق، وركبت القطار باتجاه حلب، لعلك قطعت بطاقة من الدرجة الأولى، وركبت مقطورة من الدرجة الثالثة، هذا خطأ، وخطأ كبير، لكن القطار في طريقه إلى حلب، هذا الخطأ يغفر، سوف تصل، وسوف تقبض المبلغ، لو أنك جلست مع شباب ليسوا أسوياء، وتعبت من هذه الرحلة كثيراً من صخبهم، وضجيجهم، وتعليقاتهم، وسخريتهم، هذا خطأ ثان، لكن القطار في طريقه إلى حلب، وسوف تقبض المبلغ، لو أنك جلست بعكس اتجاه عكس القطار فأصبت بالدوار، وهذا خطأ ثالث، لكن هذا الخطأ ينتهي عند النزول، وتذهب، وتأخذ المبلغ الكبير، وقد تتلوى من الجوع، وتغفل أن هناك مقطورة فيها مطعم، هذا خطأ رابع، لكن القطار في طريقه إلى حلب، وسوف تأخذ المبلغ، لكن الخطأ الذي لا يغتفر أن تركب قطاراً آخر، باتجاه الجنوب، قد يكون هذا القطار من الدرجة الأولى لكن لا يوجد شيء، ليس هناك شيء تأخذه في الاتجاه المعاكس.
لذلك:
﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ﴾
يعني إذا توجهت إلى غير الله، غير الله مفتقر إلى الله، ما عنده شيء يعطيك إياه.
لذلك أخطر شيء في الدين التوحيد، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد ، النقص في التوحيد خطير جداً، بل خطره مستقبلي، بل خطره مصيري، من هنا يقول الله عز وجل :
﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ﴾
( سورة هود الآية: 123 )
ما أمرك أن تعبده إلا بعد أن طمأنك.
﴿ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً ﴾
( سورة الكهف )
﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾
( سورة محمد الآية: 19 )
الفهم الدقيق للتوحيد أحد أسباب النجاة من عذاب الله عز وجل:
أيها الأخوة، بالمناسبة: لو أن الله قَبِل من عباده اعتقاداً تقليدياً لكان كل الخلق ناجين عند الله، لكن الله سبحانه وتعالى لم يقبل من عباده إلا اعتقاداً تحقيقياً، والدليل:
﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾
الاعتقاد الذي يقبله الله عز وجل هو اعتقاد بني عن بحث وإيمان وتحقيق وتدقيق، أما الاعتقاد التقليدي هذا لا يقدم ولا يؤخر، وهذا يسوقنا إلى تعريف العلم، العلم علاقة بين شيئين أو بين متغيرين، مقطوع بصحتها، يؤيدها الواقع، عليها دليل، لو ألغيت الدليل لكان هذا العلم تقليداً، والتقليد في العقائد لا يكون ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾
ليست الآية فقل لا إله إلا الله ﴿ فَاعْلَمْ ﴾
وإلا كانت كل فرقة ضالة ناجية عند الله عز وجل ، لأن أفراد هذه الفرقة قلّدت رأسها الذي قال كذا وكذا.
إذاً أنت بحاجة ماسة إلى التحقيق، والتدقيق، والبحث، والدرس في العقيدة.
إذاً التوحيد يحتاج إلى جهد، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد. ﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ ﴾
( سورة الزخرف الآية: 84 )
﴿ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ﴾
( سورة هود )
الفهم الدقيق للتوحيد أحد أسباب النجاة من عذاب الله عز وجل. من آمن باسم المتعال تعالى عن كل ظلم:
أيها الأخوة، المؤمن إذا آمن باسم "المتعال" هو يتعالى عن الظلم، لأن الظلم ظلمات يوم القيامة.
(( يا عبادي إني حَرَّمتُ الظُّلمَ على نفسي، وجعلتُه بينكم محرَّما، فلا تَظَالموا ))
[ أخرجه مسلم والترمذي عن أبي ذر الغفاري ]
هذا الذي يظلم لا يعرف الله عز وجل، لو علم أن الله سيحاسبه حساباً دقيقاً لما ظلم، هناك ظلم يبدأ في البيت، كم من زوج يظلم زوجه ؟ وكم من ابن يظلم أباه ؟ وكم من أخ يظلم أخاه ؟ وكم من رب عمل يظلم موظفاً عنده ؟ فحينما يكون ظلم في المجتمع يتخلى الله عنا، والدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم:
(( فإنما تُرزقُونَ وتُنصرون بضعفائكم ))
[ أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي عن أبي الدرداء ]
هذا الضعيف إن أطعمته إذا كان جائعاً، كسوته إن كان عارياً، علمته إن كان جاهلاً، آويته إن كان مشرداً، أنصفته إن كان مظلوماً، عالجته إن كان مريضاً، يتفضل الله على من أعانه بمكافأة من جنس عمله، ينصره على من هو أقوى منه.
(( فإنما تُرزقُونَ وتُنصرون بضعفائكم ))
المؤمن يتعالى عن كل السفاسف لأن همه الله عز وجل:
أيها الأخوة، الله عز وجل هو الكبير "المتعال" تعالى عن كل نقص، وأنت أيها المؤمن يجب أن تترفع عن أي نقص في عقيدتك، وفي عبادتك، وفي معاملاتك، عن أي نقص في فهم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن أي نقص في فهمك لسيرته العملية، عن أي نقص في التوحيد، التوحيد شيء مصيري، ينعكس سلوكاً منحرفاً، إن لم تستكمل أركانه.
أيها الأخوة، المؤمن يتعالى عن كل السفاسف.
(( إن الله يحب معالي الأمور وأشرافها ويكره سفسافها ودنيها ))
[ أخرجه الطبراني عن حسين بن علي ]
المؤمن همه الله جلّ جلاله، إلهي أنت مقصودي، ورضاك مطلوبي، المؤمن في الأفق الأعلى، في أفق معرفة الله، في أفق الدعوة إليه، في أفق خدمة عباده، في أفق الأعمال الصالحة، في أفق تطهير قلبه من كل دنس. ﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾
( سورة الشعراء )
وأدق ما في هذه الآية أن الله عز وجل قال ﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾
والقلب السليم هو القلب الذي سلم من شهوة لا ترضي الله، وسلم من تصديق خبر يتناقض مع وحي الله، وسلم من عبادة غير الله، وسلم من تحكيم غير شرع الله هذا هو القلب السليم. العاقل من تقرب إلى الله بكمال مشتق منه:
كما أن تقول يا رب يا متعالي، وتعالى الله الملك الحق عن كل نقص، عن كل ما يليق به، وأنت أيها المؤمن تَرَفع عن الجهل في أمر دينك، َتَرفع عن الجهل في أمر عبادتك، ترفع عن الجهل في أمر نبيك صلى الله عليه وسلم، ترفع عن أن تظلم، ترفع عن أن تحبط عملك بجهل كبير.
لذلك الإنسان كما أقول دائماً:
﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾
( سورة الأعراف الآية: 180 )
أي تقرب إلى الله بكمال مشتق منه، لأن الله عز وجل يقول: ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾
السعيد
08-27-2018, 06:29 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( المائة و اربعة )
الموضوع : اسم الله - الواحد - 1 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: ( الواحد):
أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "الواحد".
ورود اسم الواحد في القرآن الكريم:
أيها الأخوة، ورد هذا الاسم الواحد في قوله تعالى:
﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ والسماوات وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ﴾
( سورة إبراهيم )
وقال تعالى: ﴿ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ ﴾
( سورة النحل )
وفي قوله تعالى: ﴿ قل اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ﴾
( سورة الرعد )
اقتران اسم الواحد باسم القهار لأنه وحده قهر كلّ متكبر:
أيها الأخوة، في الأعمّ الأغلب يقترن اسم الله "الواحد" باسمه القهار، لأن علوه علو قهر، هو وحده:
﴿ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ ﴾
( سورة يوسف الآية: 21 )
هو وحده:
﴿ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ﴾
( سورة هود )
هو وحده قهر كل متكبر، لذلك ما أهلك الله قوماً إلا ذكرهم بأنه أهلك من هو أشد منهم قوة، إلا قوم عاد حينما أهلكهم قال: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ﴾
( سورة فصلت الآية: 15 )
يعني قوم عاد ما كان فوقها إلا الله، ﴿ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ﴾
فيا أيها المؤمن، أنت حينما تعبد الواحد القهار أنت أقوى الأقوياء، خالق السماوات والأرض، الواحد القهار هو معك، وإذا كان الله معك فمن عليك، وإذا كان عليك فمن معك، أنت بالدعاء أقوى إنسان، وأنت إذا كنت مع الواحد القهار أنت عزيز.
اجعل لربك كلّ عزك يستقر ويثبت فإذا اعتززت بمن يموت فإن عزك ميت
* * *
عاد نموذج للأمة الطاغية. ﴿ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ﴾
( سورة الفجر )
ولكل أمة أجل، لئلا تيأس أيها المؤمن، لئلا تتطامن، لئلا تذل، اعتز بالله اعتز بالله "الواحد" القهار. الله عز وجل مع المؤمنين بالتأييد و النصر:
هذا الاسم ورد في القرآن الكريم، في مواضع كثيرة، وقد ورد مقترناً مع اسم القهار، لأن علو الله جلّ جلاله علو قهر، قهر لمن ؟ قهر للطغاة، قهر للظالمين، أما المؤمنون هو معهم.
﴿ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾
( سورة الأنفال )
هذه المعية معية التأييد، هذه المعية معية الحفظ، هذه المعية معية التوفيق، هذه المعية معية النصر.
لذلك العلماء قالوا: هناك معية عامة، وهناك معية خاصة. ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾
( سورة الحديد الآية: 4 )
هو مع الكافر، مع الظالم، مع الملحد، مع المتكبر، مع المعتدي، معه بعلمه أما هو مع المؤمنين بتأييده، بنصره، بحفظه، بتوفيقه، ولا تنسوا أنه إذا كان الله معك فمن عليك، وإذا كان الله عليك فمن معك، ويا رب ماذا فقد من وجدك ؟ وماذا وجد من فقدك ؟ ورود اسم الواحد في السنة الصحيحة:
هذا الاسم ورد أيضاً في السنة الصحيحة، فعند النسائي من حديث حنظلة بن علي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل المسجد، فإذا رجل قد قضى صلاته، وهو يتشهد، فقال:
(( اللهم إني أسألك بالله بأنك الواحد الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد أن تغفر لي ذنوبي إنك أنت الغفور الرحيم ـ فقال عليه الصلاة والسلام ـ: قد غفر له صلاته ))
والله عز وجل كما قال:
﴿ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً ﴾
( سورة الزمر الآية: 53 )
(( لو جئتني بملء السماوات والأرض خطايا غفرتها لك ولا أبالي ))
[ حديث قدسي ]
وما أمرنا أن نستغفره إلا ليغفر لنا، وما أمرنا أن نتوب إليه إلا ليتوب علينا وما أمرنا أن ندعوه إلا ليستجيب لنا:
(( إن الله يمهل حتى إذا ذهب ثلث الليل الأول نزل إلى السماء الدنيا فيقول هل من مستغفر ؟ هل من تائب ؟ هل من سائل ؟ هل من داع ؟ حتى ينفجر الفجر))
[ أخرجه مسلم عن أبي هريرة ]
من تذلل لله رفعه:
المؤمن له صلة مع الله، له ابتهاله، له دعاؤه، له تذلله، يُمرغ جبهته في أعتاب الله، هو يتذلل أمام ربه لكن الله يرفع قدره، لكن الله يعزه، يُعلي شأنه، يجعله عزيزاً، يكسبه مهابة، إذا أعطاك الله مهابة هابك كل شيء، أما إذا نزع عنك المهابة تطاول عليك أقرب الناس إليك.
فالنبي الكريم قال لأصحابه:
(( أَيَعْجِزُ أحدُكُم أَن يقرأ ثُلث القرآن في ليلة ؟ فشقَّ ذلك عليهم، وقالوا: أَيُّنا يُطيق ذلك يا رسولَ الله ؟ فقال عليه الصلاة والسلام: الله الواحد الصمد ثلثُ القرآن ))
[البخاري عن أبي سعيد]
﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ﴾
( سورة الإخلاص )
هذه السورة القصيرة سورة الإخلاص بنص كلام النبي، في صحيح البخاري تعدل ثلث القرآن:
(( يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ والسماوات وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ، قلت أين الناس يومئذ قال عليه الصلاة والسلام: على الصراط ))
[مسلم و أحمد عن عائشة]
الذكي من تكيف مع أخطر حدث في حياة الإنسان ألا وهو مغادرة الدنيا:
إخوتنا الكرام، بطولة الإنسان لا أن يعيش الماضي، ولا أن يعيش الحاضر ولكن بطولة الإنسان أن يعيش المستقبل، أخطر حدث في المستقبل لنا جميعاً مغادرة الدنيا هذه المغادرة كما قال علماء النفس، في تعريف للذكاء جامع مانع: الذكاء هو التكيف، فأنت حينما تتكيف مع حدث قادم لابدّ منه فأنت أذكى الأذكياء، أنت الموفق، وأنت الفالح، وأنت الناجح، وأنت العاقل، وأنت الذكي، حينما تتكيف مع حدث مستقبلي لابدّ منه، هل يستطيع أحد أن يوقن أنه يستطيع أن يستيقظ كل صباح كاليوم السابق، إلى ما شاء الله ؟ مستحيل وألف ألف مستحيل، لابدّ من بوابة الخروج، بوابة الخروج مرض الموت، مرض الموت يتفاقم، جميع الأمراض لها دواء.
(( ما أنْزَلَ الله من داء إلا أنزل له دواء ))
[أخرجه البخاري عن أبي هريرة ]
إلا مرض الموت، مع الأنبياء يتفاقم، فإذا تفاقم المرض، وعجز الأطباء قالوا:
إن الــطبيب له علم يدل به إن كان للناس في الآجال تأخير
حتى إذا ما انتهت أيام رحلته حار الطبيب وخانته الــعقاقير
* * *
من هو الذكي ؟ هو الذي يتكيف مع أخطر حدث في حياة الإنسان، مغادرة الدنيا، من بيت فخم إلى قبر، من زوجة وأولاد، وبنات، وأصهار، ولقاءات، وولائم، وسهرات، ورحلات، ونزهات، إلى قبر، من مركبة فارهة إلى قبر، من مكتب تجاري فخم إلى قبر، لذلك الذكي:
وكل ابن أنثى وإن طالت سلامته يوماً على آلة حدباء محمول
فإذا حملت إلى الــقبور جنازة فــاعلم بأنك بعدها محمول
* * *
كما قرأت بعض الصالحين حفر في صحن داره قبراً صغيراً، وكان يضطجع فيه كل خميس، ويتلو قوله تعالى: ﴿ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ ﴾
( سورة المؤمنون الآية: 99 )
فيخاطب نفسه ويقول: قومي لقد أرجعناكٍ. معاني اسم الواحد في اللغة العربية:
"الواحد" في اللغة اسم فاعل، تحدثنا كثيراً عن أن هذه اللغة العربية من أرقى اللغات في الإنسانية، ولكنها إذا ضعفت فلضعف أهلها، ففي اللغة العربية مصدر، وفعل ماضٍ، وفعل مضارع، وفعل أمر، واسم فاعل، واسم مفعول، واسم زمان، واسم مكان، واسم آلة، واسم تفضيل، وصفة مشبهة باسم الفاعل.
اسم الفاعل، هناك اسم فاعل ثلاثي، و رباعي، وهناك مبالغة اسم الفاعل، أي لغة رائعة جداً لكنها ضعفت بضعف أهلها.
"الواحد" اسم فاعل، على وزن فاعل، للموصوف بالوحدانية أو الواحدية، وحّده توحيدياً جعله واحداً.
"الواحد" أول أرقام الحساب، واحد، اثنين، ثلاثة، وهو يدل على الإثبات، في البيت رجل واحد، في الإثبات، لكن دخلت البيت فما رأيت فيه من أحد، أحد للنفي، واحد للإثبات.
"الواحد" هو الله سبحانه وتعالى، القائم بنفسه، المنفرد بوصفه، الذي لا يفتقر إلى غيره، يحتاجه كل شيء في كل شيء ولا يحتاج إلى شيء، الذي لا يفتقر إلى غيره أزلاً وأبداً، وهو الكامل بذاته، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، هو سبحانه وتعالى كان ولم يكن معه شيء، لا شيء قبله، ولا شيء بعده، ومازال بأسمائه وصفاته واحداً أولاً قبل خلقه ، وجود المخلوقات لم يزده كمالاً كان مفقوداً، أو يزيل نقصاً كان موجوداً، فالوحدانية قائمة على معنى الغنى بالنفس، والانفراد بالكمال، وبكمال الوصف.
قال ابن الأثير: "الواحد" في أسماء الله تعالى هو الفرد الذي لم يزل وحده، ولم يكن معه آخر.
أيها الأخوة، من منسياتكم أن العدد يأخذ معنيين، معنىً كمياً، ومعنىً نوعياً، فإذا قلت جاء أربعة رجال كمياً أربعة، 1 ـ 2 ـ 3 ـ 4 ـ فإذا قلت هذا الطالب ترتيبه في الصف الرابع هو واحد، لكن تسلسل نجاحه كان الرابع، فالرابع المعنى النوعي للعدد، أما أربعة طلاب المعنى الكمي.
الله عز وجل واحد لا شريك له، أحد لا مثيل له:
الآن إذا قلنا: الله "الواحد" أي لا شريك له، فإذا قلنا: الله أحد أي لا مثيل له فرق دقيق، واحد تعني المعنى الكمي، واحد لا شريك له، أما أحد تعني المعنى النوعي أي لا مثيل له، واحد لا شريك له، أحد لا مثيل له، هو جلّ جلاله واحد أحد، فرد صمد
﴿ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ﴾
(( كانَ اللَّهُ ولم يكن شيءٌ قَبْلَهُ، وكان عَرْشُهُ على الماءِ، ثُمَّ خَلَقَ السماوات والأرضَ، وَكَتبَ فِي الذِّكرِ كُلَّ شيء ))
[البخاري عن عمران]
وقال تعالى: ﴿ مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾
( سورة الكهف الآية: 51 )
الآن الإنسان يتطاول على الله، يقول كان هناك كائن وحيد الخلية، تطورت تطورت، تطورت، فأصبحت إنساناً، ويلغي أن أصل البشر، سيدنا آدم، وأمنا حواء.
لكن مرة ذكرت كلمة صعق من حولي، قلت لهم أنا مؤخراً آمنت بنظرية دارون لكنها معكوسة، كان إنساناً فأصبح قرداً، ألم يقل الله عز وجل عن بعض الأقوام التي غضب الله عليها مسخهم:
﴿ قِرَدَةً خَاسِئِينَ ﴾
( سورة الأعراف )
المعنى الواسع في هذه الآية: أن القرد همه بطنه، وأن الخنزير همه فرجه فإذا كان الإنسان يهتم بطعامه وشرابه والجنس فهو قرد وخنزير، ﴿ مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾
ما كانوا معي. ﴿ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً ﴾
( سورة الكهف )
الله عز وجل وحده منفرد بالملك وليس لأحد في ملكه شرك:
الله سبحانه وحده الذي خلق الخلق بلا معين، ولا ظهير، ولا وزير، ولا مشير، فإنه وحده منفرد بالملك، وليس لأحد في ملكه شرك كما قال تعالى:
﴿ قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ ﴾
( سورة سبأ )
يحتاجه كل شيء في كل شيء، ولا يحتاج إلى شيء، لا شيء قبله، ولا شيء بعده.
بالمناسبة: من بديهيات الأمور أنه لا يجوز أن يكون في السماوات والأرض آلهة متعددون، بل لا يكون الإله إلا واحداً، وهو الله جلّ جلاله، ولا صلاح للسماوات والأرض بغير الوحدانية، فلو كان للعالم إلهان، ربان، معبودان، لفسد النظام.
والآن بأي شركة، بأي مؤسسة، بأي دائرة، بأي وزارة، بأي جامعة، بأي مستشفى، هناك مئات الموظفين، لكن في النهاية هناك قرار بيد واحد، هو المدير العام الطائرة في قبطان، وفي مساعد قبطان، ولكن في الأزمات القرار للقبطان.
قال تعالى: ﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴾
( سورة الأنبياء )
التوحيد والتقوى فحوى دعوة الأنبياء جميعاً:
إخوتنا الكرام، التوحيد مشتق من الواحد، يقول لك: التوحيد، ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، التوحيد هو الدين، التوحيد مشتق من الواحد، وكل مؤمن يعلم علم اليقين أنه ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، وأن نهاية العلم التوحيد، وأن نهاية العمل التقوى، فمن وحّد الله وأطاعه فقد حقق الهدف من وجوده.
فلذلك هل تصدقون أن فحوى دعوة الأنبياء جميعاً من دون استثناء كلمتان: التوحيد والتقوى.
﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ ﴾
( سورة الأنبياء الآية: 25 )
فحوى دعوة الأنبياء جميعاً. ﴿ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾
( سورة الأنبياء )
التوحيد عقيدة، وهو نهاية العلم، والعبادة نهاية العمل، وحينما توحده وتعبده حققت الهدف من وجودك. التوحيد توحيدان: توحيد ربوبية وتوحيد ألوهية:
أيها الأخوة، التوحيد هو الدين، أن تؤمن بأن الله خالق السماوات والأرض هذا الإيمان آمن به إبليس، قال ربي:
﴿ فَبِعِزَّتِكَ ﴾
( سورة ص الآية: 82 )
أما الدين هو التوحيد، ألا ترى مع الله أحداً، ألا ترى إلا يد الله تعمل وحدها ، التوحيد أن ترى أن الله هو المعطي، وهو المانع، وهو الرافع، وهو الخافض، وهو المعز وهو المذل، وهو الموفق، لكن لابدّ من تفصيل:
التوحيد عند بعض العلماء توحيدان، توحيد ربوبية، وتوحيد ألوهية، توحيد الربوبية أن تشهد أن الله سبحانه وتعالى واحد في ملكه، وهو الذي خلق، ورزق، وأعطى وهو الذي منع، وهو الذي رفع، وهو الذي خفض، وهو الذي قبض، وهو الذي بسط وهو الذي أعزّ، وهو الذي أذلّ، هذا توحيد الربوبية، لا رازق، ولا معطي، ولا محيي ، ولا مميت، ولا مدبر لأمر الكون كله ظاهراً وباطناً إلا الله.
(( ما شاءَ اللهُ كانَ، وما لم يشأْ لم يكن ))
[ أخرجه أبو داود عن بعض بنات النبي صلى الله عليه وسلم ]
ولا تتحرك ذرة إلا بإذنه، ولا يحدث حادث إلا بعلمه، ولا تسقط من ورقة إلا يعلمها، ولا يعزم عنه مثقال ذرة لا في الأرض ولا في السماء، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا أحصاها، أحاط بها علمه، وأحاطت بها قدرته، ونفذت فيها مشيئته، واقتضتها حكمته، فتوحيد الربوبية أن تؤمن أنه "الواحد" في تدبيره وفي ملكه، هذه الربوبية.
أما توحيد الألوهية أن تعبده وحده، ولا تعبد أحداً سواه، وألا ترى له نداً، ولا مدبراً، ولا معطياً، ولا مانعاً إلا هو، توحيد الربوبية رؤية، وتوحيد الألوهية أن تعبده وحده، والدين رؤية وعمل، عقيدة وسلوك، علم وعمل، هذا هو الدين، توحيد الربوبية أن ترى أنه المدبر الأوحد، وتوحيد الألوهية أن تعبده وحده. الله سبحانه و تعال واحد في ذاته و صفاته و أفعاله:
لذلك أيها الأخوة، نحن أمام حقيقتين، حقيقة أن نشهد أن الله واحد في ذاته ، واحد في صفاته، واحد في أفعاله، وأنه الخالق والرازق والممد، والمحيي والمميت ، وأنه المعطي والمانع، والرافع والخافض، والقابض والباسط، وهو على كل شيء قدير، والتوحيد ألا تشهد مع الله إلهاً آخر، هذه كلمة تلقى، وفكرة تسمع وتدرك لكن شتان بين أن تدرك هذه الكلمات بعقلك، وبين أن تفهمها وأن تعيشها بنفسك.
فيا أيها الأخوة الكرام، خلاصنا في التوحيد، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، والتوحيد يلخص كل شيء.
﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ﴾
( سورة الشعراء )
أحد أكبر عذاب الإنسان أن يدعو مع الله إلهاً آخر عن علم، أو عن غير علم.
السعيد
08-27-2018, 06:35 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الخامس بعد المائة )
الموضوع : اسم الله - الواحد - 2 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: ( الواحد):
أيها الأخوة الكرام، لا زلنا مع اسم "الواحد" و "الواحد" الذي لا شريك له والأحد الذي لا ندّ له، الله عز وجل يقول:
﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ﴾
( سورة الشعراء )
أي أن أحد أكبر أسباب العذاب النفسي أن تدعو مع الله إلهاً آخر. أروع ما في الحياة النفسية للمؤمن أنه موحد علاقته مع جهة واحدة فقط:
من أروع ما في الحياة النفسية للمؤمن أنه موحد، علاقته مع جهة واحدة يرضيها وكفى، هذه الجهة تعلم السر وأخفى، هذه الجهة تعلم:
﴿ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ﴾
( سورة غافر )
لذلك ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، والدين هو التوحيد ﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ﴾
إنك لن تستطيع أن ترضي كل الناس، وقد يكون هناك أقوياء متشاكسون، إن أرضيت هذا غضب هذا، إن تقربت إلى هذا أبعدك هذا، حياة لا تحتمل، أما إذا توجهت إلى الله وحده، اعمل لوجه واحد يكفك الوجوه كلها.
(( من جعل الهموم هما واحدا كفاه الله همّ دنياه ومن تشعبت به الهموم في أحوال الدنيا ))
[أخرجه الحاكم عن عبد الله بن عمر ]
أروع ما في الدين التوحيد، بالتوحيد لا تنافق، بالتوحيد لا تحقد، بالتوحيد لا تذل نفسك، بالتوحيد لا تستخفي، بالتوحيد لا تحس بالإحباط، ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، ﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ﴾
الدين الإسلامي دين التوحيد لأن أروع ما في الدين هو التوحيد:
الدرس الأول الذي علّمه النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه هو التوحيد، حتى إن بعض الأصحاب حينما تخلف عن رسول الله، فلما أراد أن يعتذر أمام النبي شعر أنه أوتي جدلاً، قوة إقناع، يقول: لو أنني خرجت من سخطه بحجة واهية أدلي بها ليوشكن الله أن يسخطه عليّ، ما رأى إلا الله.
المرأة التي خطبها النبي لنفسه، هذه المرأة أتيح لها أن تكون السيدة الأولى ليست زوجة زعيم، أو رئيس، أو ملك، هي زوجة سيد الأنبياء والمرسلين، فاعتذرت ، قال: ولمَ ؟ قالت: يا رسول الله لي خمسة أولاد، أخاف إن قمت بحقك أن أقصر بحقهم وأخاف إن قمت بحقهم أن أقصر بحقك، ما هذا التوحيد ؟! رأت أنها إذا قصرت بحق أولادها لا يعفيها عند الله أن تكون زوجة سيد الأنبياء والمرسلين، هذا التوحيد.
حينما انتقل النبي إلى الرفيق الأعلى وقف الصدّيق، وهو من أشد الناس حباً لرسول الله، قال: من كان يعبد محمداً، فقط، فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، ما هذا التوحيد ؟! الرسالة لا تنقطع بموت النبي، لو قال: من قال مات رسول الله معنى ذلك أن الرسالة انقطعت، لا، الرسالة مستمرة، يعني الله عز وجل بثّ في الأرض دعاة، وقرآنه في الأرض، من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات.
حينما بلغ عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن جندياً قال: ما دام خالد قائد المعركة لن نهزم، خاف على الجيش من الشرك، فعزل خالد، جاءه سيدنا خالد، قال: يا أمير المؤمنين لِمَ عزلتني ؟ قال: والله إني أحبك، قال: لِمَ عزلتني ؟ قال: والله إنك أحبك، قال: لِمَ عزلتني ؟ قال له: والله ما عزلتك يا بن الوليد إلا مخافة أن يفتتن الناس بك، لكثرة ما أبليت في سبيل الله، عزله وأنقذ التوحيد، هذا الدين دين التوحيد.
من توجه إلى الله كفاه الأمور كلها:
أيها الأخوة
﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ﴾
الذي يضع كل أمله بأولاده قد يسافرون، ويستقرون في بلاد الغرب، وقد ينسى الواحد منهم أن يتصل بأبيه في العام مرة، والذي يضع كل ثقله وأمله بزوجته تخيب ظنه، ولحكمة بالغةٍ بالغة أي جهة تضع ثقتك بها كلياً وتنسى الله يأتي التأديب الإلهي، هذه الجهة تتخلى عنك، وتعاملك معاملة لا تحتمل.
لذلك الله غيور، يغار أن تتجه إلى غيره، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد ﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ﴾
الله عز وجل أراد أن يطمئنك، قال لك: ﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ ﴾
( سورة هود الآية: 123 )
متى أمرك أن تعبده ؟ بعد أن طمأنك، قال لك: ﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ ﴾
التوكيد ﴿ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ ﴾
ما أمرك أن تعبده إلا بعد أن طمأنك، يعني حياتك بيد الله.
قال الحجاج لسعيد بن جبير: سأقتلك، قال له: والله لو علمت أن أجلي بيدك لعبدتك من دون الله.
الله عز وجل قطع عن عباده الآجال والأرزاق، كلمة الحق لا تقطع رزقاً ولا تقرب أجلاً.
فلذلك ﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ ﴾
أمر صحتك، وأمر زوجتك، وأمر أولادك، وأمر من فوقك، وأمر من تحتك، وأمر من حولك، وكل شيء بيد الله عز وجل فإذا توجهت إلى الله كفاك الأمور كلها هذا هو التوحيد، الله واحد ﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ ﴾
الله عز وجل واحد و بيده كل شيء:
الآن يمكن أن نقول، إن هذه الآية لخصت القرآن الكريم كله:
﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ ﴾
(سورة الكهف:الآية110)
نقطتان، ما سيأتي بعد هذه الكلمة تلخيص القرآن الكريم كله، ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ ﴾
﴿ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ ﴾
( سورة الكهف الآية: 110 )
الآن على الشبكية يرى الإنسان آلاف الآلهة، دول قوية عملاقة، دول طاغية معها أسلحة فتاكة، بيدها الإعلام، بيدها المال، بيدها التحالفات، تقتل، تحتل، تجتاح ، تهدم بيوتاً، تقتل أبرياء، تنهب ثروات، على الشبكية هناك آلهة كثيرون، لكن في منطوق التوحيد ليس إلا الله، ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ ﴾
الإعجاب السلبي بالإسلام لا قيمة له إطلاقاً من دون حركة والتزام و تطبيق:
الآن:
﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ ﴾
( سورة الكهف الآية: 110 )
لا يوجد بالإسلام إعجاب سلبي، يا أخي الإسلام عظيم ! النبي آخر الأنبياء والمرسلين، سيد الأنبياء، الإعجاب السلبي من دون حركة، من دون التزام، من دون تطبيق، من دون أن تقف الموقف الصحيح، من دون أن تعطي لله، أن تمنع لله، أن ترضى لله، أن تغضب لله، أن تصل لله، أن تقطع لله، من دون حركة، من دون موقف، من دون طاعة، من دون سلوك، من دون التزام، لا قيمة إطلاقاً للإعجاب السلبي، واقع المسلمين اليوم إعجاب سلبي بالدين، لكنهم لا يتحركون وفق منهج الله.
فلذلك ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ ﴾
الذي يحب أن يتصل بالله، أن يقبل على الله، أن تكون العلاقة بينه وبين الله علاقة متينة ومحكمة: ﴿ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً ﴾
( سورة الكهف الآية: 110 )
يبتغي به وجه الله. ﴿ وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ﴾
( سورة الكهف )
الأقوياء و الطغاة في الأرض عصي بيد الله عز وجل :
ما قولكم ؟ هؤلاء الأقوياء، هؤلاء الطغاة، هؤلاء الجبابرة في الأرض، هؤلاء الذين لا يرحمون، هؤلاء الذين يبطشون، هؤلاء عصي بيد الله، أو وحوش كاسرة أزمتها بيد الله، فأنت إذا كنت أمام مجموعة وحوش مخيفة جائعة، لكنها مربوطة بأزمة بيد جهة رحيمة، عادلة، حكيمة، علاقتك مع هذه الوحوش ؟ أم مع هذه الجهة ؟ مع هذه الجهة، إن أرخت الحبل وصلت الوحوش إليك، وإن شُد الحبل أبعدوا عني، علاقتي مع من ؟ مع هذه الجهة الحكيمة العادلة الرحيمة، هذا معنى قوله تعالى:
﴿ مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾
( سورة هود )
﴿ قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى * قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ﴾
( سورة طه )
﴿ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾
( سورة الشعراء )
التوحيد يملأ قلب الإنسان طمأنينة و أمناً و تفاؤلاً:
إخوتنا الكرام، قضية التوحيد تملأ قلب الإنسان أمناً، تملأ قلب الإنسان طمأنينة، تملأ قلب الإنسان تفاؤلاً، تملأ قلب الإنسان ثقة بالله عز وجل، تملأ قلب الإنسان يقيناً ، تملأ قلب الإنسان رضا، تملأ قلب الإنسان سعادة، الذي يفتقده المسلمون اليوم التوحيد، أن لا يروا مع الله أحداً، لكن الشرك يملأ القلب خوفاً، دققوا:
﴿ سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا ﴾
( سورة آل عمران الآية: 151 )
التوحيد يساوي الأمن، والشرك يساوي الخوف، أنت خائف لأن هناك شركاً خفياً تسرب إليك، أنت مطمئن لأنك موحد، بل من يصدق أن نعمة الأمن لا تُمنح في بني البشر إلا للمؤمنين، بالدليل:
﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾
الجواب:
﴿ الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾
( سورة الأنعام )
المؤمن دائماً مستسلم لله و المشرك يمتلئ قلبه هلعاً وخوفاً:
إخوتنا الكرام، الأخطار التي تهدد الإنسان لا تعد ولا تحصى، أحياناً حادث سير يجعل نصف الإنسان مشلولاً، يقول أصيب بالعمود الفقري فشلّ فوراً، أحياناً مرض عضال ما له قاعدة، الورم الخبيث ما له قاعدة، فالمشرك تحت سيف الورم الخبيث، تحت سيف حادث سير، تحت سيف الإفلاس، تحت مليون سيف، حياة نفسية تحت سيوف مسلطة ، قالوا: أنت من خوف الفقر في فقر، خوف الفقر فقر، وأنت من خوف المرض في مرض ، الآن هناك أزمات قلبية سببها الخوف من أزمة قلبية، قلق دائم، تسمع إنسان فلان بريعان شبابه ورم خبيث، بريعان شبابه احتشاء قلب، يمتلئ قلبه هلعاً وخوفاً، أما حالة المؤمن مستسلم لله.
﴿ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ﴾
( سورة الزمر )
أنت يا عبدي عليك أن تعبدني، وعليّ الباقي، عليّ أن أطمئنك، عليّ أن أجعلك تشعر بالراحة، بالاستقرار. عقيدة المسلم لا تقبل تقليداً بل تحقيقاً:
الآن التوحيد لا يأتي بالتوحيد، لا يمكن أن يكون التقليد طريقاً إلى التوحيد الدليل:
﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾
( سورة محمد الآية: 19 )
ما قال الله عز وجل فقل ﴿ فَاعْلَمْ ﴾
كلمة التوحيد الأولى لا تكون تقليداً ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾
بل إن العلماء توسعوا في هذا، فقالوا: إن عقيدة المسلم لا تقبل تقليداً، ولو قبلت تقليداً لكان أتباع الفرق الضالة ناجين عند الله، لأنهم سمعوا رؤساء أديانهم قالوا كذا فقالوا مثلهم، لا، لا تقبل العقيدة إلا تحقيقاً، ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾
فإن جاءك شيء أعجبك:
﴿ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ﴾
( سورة محمد الآية: 19 )
دقة الآية ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ﴾
أي شيء أزعجك أنت السبب.
(( لو أنَّ أوَّلكم وآخرَكم وإنسَكم وجِنَّكم، قاموا في صعيد واحد، فسألوني فأعطيتُ كُلَّ إنسان مسألتَهُ ما نقص ذلك مما عندي إلا كما يَنْقُص المِخْيَطُ إذا أُدِخلَ البحرَ ـ ذلك لأن عطائي كلام وأخذي كلام، كن فيكون، زل فيزول ـ فمن وَجَدَ خيراً فليَحْمَدِ الله ومن وجد غير ذلك فلا يَلُومَنَّ إلا نَفْسَهُ ))
[ أخرجه مسلم والترمذي عن أبي ذر الغفاري ]
﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ﴾
( سورة الشورى )
(( ما من عثرة، ولا اختلاج عرق، ولا خدش عود إلا بما قدمت أيديكم، وما يغفر الله أكثر ))
[ أخرجه ابن عساكر عن البراء ]
هذا هو التوحيد. خير الإنسان منه و شره منه فعليه ألا يتهم أحداً أو يحقد عليه:
لا تتهم أحداً، لا تحقد على أحد، لا تغضب من أحد، خيرك منك، وشرك منك،
﴿ إِلَهُكُمْ ﴾
المسير ﴿ إِلَهٌ وَاحِدٌ ﴾
﴿ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ﴾
( سورة البقرة )
أحياناً الإنسان يقول: من صار مدير هذه المستشفى ؟ يقال له: فلان، عُين مجدداً يقول لك: كيف أخلاقه ؟ يقول لك: والله منصف، وعالم، تقول: الحمد لله، إذا الأمر بيد إنسان منصف، بيد إنسان حكيم، بيد إنسان رحيم، فكان النبي الكريم في الأزمات يقول: ﴿ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ﴾
الأمر بيده وهو رحيم، الأمر بيده وهو عادل، حتى إن بعضهم قال: الحمد لله على وجود الله.
﴿ وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ ﴾
( سورة النحل الآية: 51 )
من أطاع مخلوقاً و عصى خالقاً فقد خسر الدنيا و الآخرة:
أنا مضطر أن أقول كلمة، قد تبدو قاسية: الذي يطيع إنساناً ويعصي ربه ما قال الله أكبر ولا مرة، ولو رددها بلسانه ألف مرة، لأنه تصور أن إرضاء هذا الإنسان أكبر عنده من إرضاء الله، من أطاع زوجته، وعصى ربه من أجلها، ماذا رأى ؟ رأى أن طاعة زوجته أكبر عنده من طاعة الله.
لذلك صحابي جليل طلبت منه زوجته شيئاً من الدنيا لا يملك ثمنه، وضغطت عليه، ماذا قال ؟ قال: اعلمي أيتها المرأة أن في الجنة من الحور العين ما لو أطلت إحداهن على الأرض لغلب نور وجهها ضوء الشمس والقمر، فلأن أضحي بك من أجلك أهون من أضحي بهن من أجلك.
أطعمها مما تأكل، ألبسها مما تلبس، أما أن تأكل المال الحرام إرضاءً لها، هذا معنى قول الله عز وجل:
﴿ إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ ﴾
( سورة التغابن الآية: 14 )
حينما تطيعها وتعصي الله، وتكتشف بعد حين أنك كنت مخطئاً، إنها لم تمنعك من الله. من أرضى الله بسخط الناس رضي الله عنه و هذا هو التوحيد:
يعني التوحيد واضح جداً بقول الإمام الحسن البصري، كان عند والي البصرة فجاء والي البصرة توجيه من يزيد، يبدو أن هذا التوجيه لو نفذه لأغضب الله، ولو لم ينفذه لأغضب الخليفة، فعزله، قال له: ماذا أفعل ؟ قال له: اعلم أن الله يمنعك من يزيد، ولكن يزيد لا يمنعك من الله.
هذه الجهة التي أطعتها لا تمنعك من الله، ولكنك إذا أرضيت الله بسخط الناس رضي الله عنك وأرضى عنك الناس، أما إذا أسخطت الله برضا الناس سخط الله عنك وأسخط عنك الناس، من باب التأديب،
﴿ وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ ﴾
﴿ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ ﴾
( سورة النحل الآية: 51 )
فالله واحد، ورسوله واحد، وكتابه واحد، ومنهجه واحد، والطريق إليه واحد يتميز المسلمون بأن التوحيد محور حياتهم. استيعاب الباطل مستحيل لأنه متعدد لكن الحق واحد :
الآن بين نقطتين لا يمر إلا خط مستقيم واحد، ارسم نقطتين، وائتِ بمسطرة وخط بينهما خطاً، حاول أن تخط خطاً آخر بين النقتطين يأتي فوق الأول، والثالث والرابع الحق لا يتعدد، والباطل يمر بين النقتطين مليون خط منكسر، ومليون خط منحني، الباطل يتعدد، والحق واحد.
لذلك قالوا: الحرب بين حقين لا تكون، مستحيل، الحق لا يتعدد، وبين حق وباطل لا تطول، لأن الله مع الحق، وبين باطلين لا تنتهي.
الآن ملمح دقيق للآية:
﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً ﴾
( سورة الأنعام الآية: 153 )
مفرد.
﴿ فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ ﴾
( سورة الأنعام الآية: 153 )
جمع.
﴿ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ﴾
( سورة الأنعام الآية: 153 )
جاء الباطل جمعاً، وجاء الحق مفرداً. بطولة الإنسان أن يستوعب الحق لأن الحق واحد لا يتعدد:
معنىً آخر:
﴿ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ﴾
( سورة المائدة الآية: 16 )
ما قال يخرجهم من الظلمات إلى الأنوار، وما قال يخرجهم من الظلمة إلى النور ﴿ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ﴾
يستنبط من ذلك أنه مستحيل وألف ألف مستحيل أن تستوعب الباطل، الباطل متعدد لأنه مثلاً: من أجل أن تستوعب فرقة ضالة متى نشأت ؟ وكيف نشأت ؟ ومن روج هذه الأفكار ؟ ومن أيد هذه الأفكار ؟ قد تحتاج إلى عشرين سنة لاستيعاب فرقة ضالة واحدة.
قالوا ما يطبع في اليوم الواحد باللغة الإنكليزية لا يستطيع المرء أن يقرأ هذه المطبوعات في مئتي عام، فاستيعاب الباطل مستحيل، لأنه متعدد، يوجد مليون باطل، لكن الحق واحد.
إذاً يمكن أن تستوعب الحق، فالبطولة أن تستوعب الحق، ويكون هذا الحق مقياساً لك، تستطيع بعمر متوسط أن تستوعب الحق، فإذا استوعبته كان الحق هو المقياس. التوحيد والعبادة فحوى دعوة الأنبياء جميعاً:
أيها الأخوة، الله واحد، واحد لا شريك له، وأحد لا مثيل له، ومنهجه واحد ، ونبيه واحد، وكتابه واحد، والطريق إليه واحد، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد ، والتوحيد هو الدين، ونهاية العلم التوحيد، ونهاية العمل التقوى، أكمل علم أن تكون موحداً، وأكمل حركة وسلوك أن تكون متقياً، وفحوى دعوة الأنبياء جميعاً التوحيد والعبادة.
﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾
السعيد
08-27-2018, 06:39 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( السادس بعد المائة )
الموضوع : اسم الله - القهار - 1 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: ( القهار):
أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "القهار".
ورود اسم القهار في القرآن الكريم و السنة الشريفة:
سمى الله جلّ جلاله ذاته العلية بهذا الاسم في كثير من نصوص القرآن، كما في قوله تعالى:
﴿ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ﴾
( سورة الرعد )
إرادته هي النافذة.
﴿ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾
( سورة يوسف )
(( ما شاءَ اللهُ كانَ، وما لم يشأْ لم يكن ))
[ أخرجه أبو داود عن بعض بنات النبي صلى الله عليه وسلم ]
أما ورود هذا الاسم في السنة المطهرة، ففي حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: قلت: يا رسول الله:
(( يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ والسماوات وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ، قالت: فقلت أين الناس يومئذ يا رسول الله ؟ قال: على الصراط ))
[مسلم عن عائشة]
وورد أيضاً هذا الاسم في صحيح الجامع الصغير أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا تضور (أي تقلب في الليل)، تقول تضور من الجوع (تلوى من الجوع)، تضور من الليل (تقلب على فراشه)، أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا تضور في الليل قال:
(( لا إله إلا الله الواحد القهار رب السماوات والأرض وما بينهما العزيز الغفار ))
معاني اسم القهار:
أيها الأخوة، "القهار" كما ألفنا على وزن فعال، وهي من صيغ المبالغة، مبالغة اسم الفاعل، قهر، يقهر، قاهر، اسم فاعل، قهار صيغة مبالغة، وصيغ المبالغة دائماً تعني مبالغة الكم، يقهر ملايين الطغاة، أو يقهر أكبر طاغية، إما كماً أو نوعاً.
"القهار" صيغة مبالغة من اسم الفاعل القاهر، أما الفرق بين القاهر و "القهار" القاهر هو الذي له علو القهر، بأي مكان، بأي مؤسسة، بأي دائرة في رجل قوي، أمره نافذ، قد يكون هو المدير العام، وقد يكون إنساناً آخر، لكن هناك شخص أمره نافذ، لا أحد يستطيع أن يعارضه، هذا الرجل القوي بالمصطلح الحديث بمعنى "القهار"، أي إرادته نافذة.
فالله قاهر لأن له علو القهر الكلي المطلق على جميع المخلوقات، وعلى اختلاف تنوعهم، فهو القاهر فوق عباده، البطولة أن تكون مع القوي، إذا كنت مع القوي فأنت القوي، إذا أردت أن تكون أقوى الناس فتوكل على الله، لكن التوكل على الله لا يكون إلا بأن تكون مستقيماً على أمره، إذا أردت أن تكون أقوى الناس قاطبة فتوكل على الله، إذا أردت أن تكون أغنى الناس فكن بما في يدي الله أوثق منك بما في يديك، إذا أردت أن تكون أكرم الناس فاتقِ الله.
﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾
( سورة الحجرات الآية: 13 )
الاستقامة على أمر الله عزّ وجل سبب سعادة الإنسان في الدنيا و الآخرة:
الحقيقة هناك أسرار الإنسان قد يصل إلى سعادة الدارين باستقامته على أمر الله وكان عليه الصلاة والسلام يدعو ويقول: اللهم ألهمنا سبيل الاستقامة لا نحيد عنها أبداً .
ذكرت كثيراً: أن الاستقامة يبنى عليها كل شيء، ومن دون استقامة لا يبنى شيء، كأن الدين كله مضغوط بكلمة استقامة.
﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ ﴾
( سورة هود الآية: 112 )
(( وإنَّ الله أمرَ المؤمنين بما أمر به المرسلين ))
[أخرجه مسلم والترمذي عن أبي هريرة ]
وإذا ألغيت الاستقامة من الدين كأنك ألغيت المحرك من السيارة، لم تعد سيارة أصبحت وقافة، إذا ألغيت المحرك، الاستقامة عين الكرامة، لا يوجد إنسان يخطب ودّ الله عز وجل بالاستقامة على أمره إلا والله جل جلاله يرفع ذكره، ألم يقل الله عز وجل: ﴿ أَلَم نَشْرَح لَكَ صَدْرَك وَوَضَعْنَا عَنْك وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾
( سورة الشرح )
أية آية موجهة إلى رسول الله لكل مؤمن منها نصيب بقدر إيمانه واستقامته:
أيها الأخوة، من باب البشارة أية آية موجهة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لكل مؤمن منها نصيب، بقدر إيمانه، واستقامته، وإخلاصه، فإذا قال الله عز وجل
﴿ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾
أي مؤمن سلك طريق الحق، واستقام على أمر الله، وأقبل عليه يرفع الله له ذكره، ويعلي قدره، إذا قال الله عز وجل يخاطب النبي الكريم: ﴿ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ﴾
( سورة الطور الآية: 48 )
أي بحفظنا، ورعايتنا، وتوفيقنا، وتأييدنا، ونصرنا، وأنت أيها المؤمن بقدر استقامتك، وإخلاصك فأنت في عين الله، وفي حفظ الله، وفي تأييد الله، وفي توفيق الله وفي نصر الله. الله عز وجل قاهر و علو القهر مقترن بعلو الشأن والفوقية:
معنى القاهر ؛ أي قاهر قهراً مطلقاً فوق عباده، علو القهر مقترناً بعلو الشأن، الإنسان أحياناً قد يكون قوياً لكن لا أحد يحبه، أما أن يكون قوياً، وأمره هو النافذ، وكماله كمالاً مطلقاً، ذكرت هذا كثيراً: أنت لا تعجب بإنسان قوي، لكن ليس أخلاقياً، كما أنك لا تعجب بإنسان أخلاقي لكنه ضعيف، أما الذي يلفت نظرك، ويجعلك تتأمل إنسان بقدر ما تخافه، بقدر ما تحبه، وهذا درس للآباء والأمهات، ودرس للمعلمين وللقادة، ولأي إنسان مكنه الله في الأرض، بسلطته يعد قوياً، لكن البطولة أن تكون قوياً محبوباً، أن تكون قوياً كاملاً.
قلت مرة: يوجد بالأرض أقوياء، ويوجد أنبياء، الأنبياء ملكوا القلوب، والأقوياء ملكوا الرقاب، والأنبياء أعطوا ولم يأخذوا، والأقوياء أخذوا ولم يعطوا، والأنبياء عاشوا للناس، والأقوياء عاش الناس لهم، الفراعنة سخروا الشعوب لبناء الأهرامات، بالقهر والتعذيب، الأنبياء يمدحون في غيبتهم، اذهب إلى المدينة المنورة بعد ألف و أربعمئة، وانظر إلى الملايين وهي تبكي أمام قبر النبي الكريم، ولم يلتقوا به، ولم يأخذوا منه شيئاً، الأنبياء قمم البشر، قمم البشر بالكمال، بالرحمة.
﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 159 )
القلب القاسي ينعكس معاملة قاسية:
النبي الكريم أوتي القرآن الكريم، وأوتي المعجزات، والفصاحة والبيان، وجمال الصورة، والحلم، والرحمة، أوتي كل شيء، ومع ذلك يقول الله له: أنت أنت يا محمد على كل هذه الخصائص، وعلى كل هذه الكمالات
﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾
﴿ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 159 )
إذا الإنسان ما كان معه وحي، ولا معه معجزات، وليس نبياً، ولا رسولاً، ولا أوتي الفصاحة، ولا البيان، ولا جمال الصورة، ولا الحكمة، وكان فظاً في حياته، غليظاً في معاملته، نقول له لِمَ الغلظة يا أخي؟.
شخص دخل على ملك، وقال له: سأنصحك وسأغلظ عليك، قال له: ولِمَ الغلظة يا أخي ؟ لقد أرسل الله من هو خير منك إلى من هو شر مني، أرسل موسى إلى فرعون، وقال له:
﴿ فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً ﴾
( سورة طه الآية: 44 )
لذلك من أمر بمعروف فليكن أمره بمعروف، ومن نهى عن منكر فليكن نهيه في غير منكر.
﴿ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ﴾
( سورة الأنعام الآية: 18 )
له علو القهر مقترن بعلو الشأن والفوقية.
(( أنا مالك الملوك وملك الملوك، قلوب الملوك بيدي، وإن العباد إذا أطاعوني حولت قلوب ملوكهم عليهم بالرأفة والرحمة وإن العباد إذا عصوني حولت قلوبهم عليهم بالسخط والنقمة ))
[ أخرجه الطبراني عن أبي الدرداء ]
العاقل من هيأ جواباً لله الواحد القهار عن كل عمل يقوم به قبل أن يلقاه:
الله عز وجل يقول:
﴿ قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ ﴾
( سورة المؤمنون الآية: 88 )
بالأرض ملوك، وأحياناً إنسان يغضب ملك عليه في مملكته، فيفر إلى مملكة أخرى فينجو من سلطانه، الملك الآخر ند للأول، يعطيه حق اللجوء السياسي، فلا يستطيع الأول أن يصل إليه، هذا بين الملوك، بين ملوك الأرض، ولكن هذا لا ينطبق على ملك الملوك.
قال له: ماذا أفعل ؟ جاءه توجيه من يزيد والي البصرة، إن نفذه أغضب الله وإن لم ينفذه أغضب الخليفة وعزله، عنده الحسن البصري، قال له: ماذا أفعل ؟ والله لا أرتوي من ترداد هذا الجواب، قال له: إن الله يمنعك من يزيد، ولكن يزيد لا يمنعك من الله.
مرة قلت لشخص، عمله حساس جداً، بإمكانه أن يوقع الأذى بالناس ولا أحد يسائله، قلت له: الله عز وجل يحب كل عباده، الله في عنده خثرة بالدماغ، شلل، عنده تشمع كبد، عنده فشل كلوي، عنده ورم خبيث، ذكرت له أمراضاً تهز الجبال، وكل هؤلاء العباد عباده، فبطولتك أن تهيئ لربك جواباً، لا لمن هو فوقك، بطولتك أن تهيئ لمن هو فوقك وهو الواحد "القهار" جواباً، لا للذي تعمل تحت إمرته. الله عز وجل قادر على أن يقهر كل الطغاة من دون استثناء :
أيها الأخوة، عند الإمام البخاري من حديث البراء بن عازب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(( اللَّهمَّ أسْلَمْتُ نَفْسي إليك، ووجَّهْتُ وجهي إليك، وفوَّضْتُ أمْري إليك وألجَأْتُ ظَهْري إليك، رَغْبة ورَهْبة إليك، لا مَلْجأ، ولا مَنْجَا منك إلا إليك ))
[ البخاري عن البراء بن عازب]
الإله وحده لا ملجأ، ولا منجا منه إلا إليه، أما غير الإله تلجأ إلى غيره منه، تفر من مملكته إلى مملكة أخرى، أما الله عز وجل جميع الخلق في قبضته، فلا ملجأ ولا منجا منه إلا إليه.
يعني بالضبط تماماً: لو أن ابناً عقّ أمه، فطردته من البيت لا يوجد عنده إلا حل واحد أن يعود إليها تائباً، برحمتها تقبله، أما أي إنسان آخر غير الأم ترفضه، لأنها أم ولأنها تحب أن ترحمه، فإذا لجأ إليها خوفاً من عقابها قبلته.
(( لا مَلْجأ، ولا مَنْجَا منك إلا إليك ))
إذاً هو القاهر الذي له علو القهر الكلي. من بنى مجده على أنقاض الآخرين محقه الله عز وجل :
أما "القهار" صيغة المبالغة فهو الذي له علو القهر باعتبار الكثرة، يعني يقهر كل الطغاة من دون استثناء، ويقهر أقوى الطغاة.
يعني عاد، ما أهلك الله قوماً إلا ذكرهم أنه أهلك من هو أشد منها قوة، إلا عاداً حينما أهلكها قال:
﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ﴾
( سورة فصلت الآية: 15 )
وقتها كما يبدو ما كان فوق عاد إلا الله، وأنا أطمئن، الله عز وجل يقول: ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ﴾
( سورة الأعراف الآية: 34 )
لا يوجد أمة تخطط لبناء مجدها على أنقاض الآخرين إلى ما شاء الله، لا ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ﴾
في أجل ينتهي، الله مكنها في الأرض وامتحنها، وظهرت متوحشة وينتهي أجلها، ولا تقنطوا من روح الله.
الله عز وجل أهلك قوم نوح وقهرهم، أهلك قوم هود وثمود وقهرهم، أهلك فرعون وقهره، أهلك هامان، والنمرود وقهرهم، قال تعالى: ﴿ وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً الْأُولَى وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى ﴾
( سورة النجم )
وهذا الذي هدّم سبعين ألف بيت كان يتفنن في قتل الفلسطينيين، مضى عليه سنوات ثلاث ولم يمت بعد، وأمد الله في عمره.
الله "القهار" بطولتك أن تخاف من "القهار"، ألا تتطاول على مخلوق، وليس له ناصر إلا الله، الله عز وجل قد يجعل هذا الظالم عبرة لمن يعتبر. الله عز وجل بالمرصاد لكل متكبر جبار:
أيها الأخوة، الله سبحانه وتعالى، جبار، قهار، واحد، لا مثيل له، ولا شريك له، وهو بالمرصاد لكل متكبر جبار، قال تعالى:
﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ أرم ذَاتِ الْعِمَادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ ﴾
( سورة الفجر )
تفوقت في شتى الميادين، تفوقت عمرانياً. ﴿ أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آَيَةً تَعْبَثُونَ ﴾
( سورة الشعراء )
تفوقت صناعياً مجازاً: ﴿ وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ ﴾
( سورة الشعراء )
تفوقت عسكرياً: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ ﴾
( سورة الشعراء )
تفوقت علمياً:
﴿ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ ﴾
( سورة العنكبوت )
لكن الله سبحانه وتعالى لهم بالمرصاد. المؤمن ينبغي أن يتلقى إخبار الله وكأنه يراه لأنه أصدق القائلين:
﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾
أما أن يقول أحدهم: والله أنا ما رأيت، نقول له: الملمح الدقيق في هذه الآية أنك كمؤمن ينبغي أن تتلقى إخبار الله وكأنك تراه، لأنه أصدق القائلين ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ أرم ذَاتِ الْعِمَادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ ﴾
﴿ وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَاد وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَاد ﴾
( سورة الفجر )
ما قال طغوا في بلدهم ﴿ طَغَوْا فِي الْبِلَاد ﴾
﴿ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ ﴾
( سورة الفجر )
سبحان الله الطغاة يعنيهم الفساد، لأنهم بإفساد الناس يضعفونهم، فكل الطغاة يعنيهم التفلت، والإباحية، وخروج المرأة متبذلة، يعنيهم الزنا، لا يعنيهم الزواج ﴿ طَغَوْا فِي الْبِلَاد فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ ﴾
ليستطيعوا أن يتمكنوا من السيطرة عليهم، لأن المؤمن رقم صعب.
أنا أقول لكم: أي إنسان إذا كان يغير قناعته، يغير موقفه، بمبلغ من المال سقط عند الله، قد يكون مبلغاً بسيطاً، قد يكون ملايين مملينة، مادام هناك رقم يغير قناعته فثمنه هذا الرقم، أما المؤمن رقم صعب.
(( والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في شمالي، على أن أترك هذا الأمر ما تركته، هذا يظهره الله أو أهلك دونه ))
[ السيرة النبوية]
الله تعالى قهره عظيم أليم يقصم ظهر الجبابرة من أعدائه:
لذلك قالوا: "القهار" هو كثير القهر للظالمين، وقهره عظيم أليم، يقصم ظهر الجبابرة من أعدائه.
الله عز وجل بزلزال تسونامي هذا الزلزال قوته مليون قنبلة ذرية، والبلاد التي دمرها أجمل بلاد في العالم، ولاسيما في فصل الشتاء، نصف الكرة الشمالي برد لا يحتمل وثلوج، نصف الكرة الجنوبي سواحل الهند، وشرق آسيا سواحل دافئة، نباتات عملاقة جو لطيف، دفء رائع، وهناك منتجعات، إن أردنا أن نصنفها من فئة العشر نجوم، لنخبة أغنياء العالم، وقد رأى هؤلاء الأغنياء الكبار النجوم ظهراً بهذا الزلزال.
فالله عز وجل قوي قد يستدرج بعض الناس، وقد يموت أناس مؤمنون لهم حكم آخر، طائرة وقعت (طائرة متجهة إلى شرق آسيا)، هناك ركاب عندهم محلات تجارية ذهبوا للتسوق، وعمل مشروع، يموتون على نيتهم، و ركاب يذهبون إلى هناك للزنا يموتون على نيتهم، إذا وقعت طائرة فكل راكب يموت على نيته، فإذا كان الشخص مؤمناً يموت شهيداً، أما إذا غير مؤمن اتجاه إلى جهنم، الآن هناك مصطلح جديد اسمه السياحة الجنسية، يذهب ليزني، يموت على نيته.
الله تعالى يتحدث عن ذاته بضمير المفرد و عن أسمائه بضمير الجمع:
أيها الأخوة، الله عز وجل يقول أحياناً:
﴿ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي ﴾
( سورة طه الآية: 14 )
﴿ إِنَّنِي أَنَا ﴾
بالمفرد، وأحياناً يقول: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ ﴾
( سورة ق الآية: 43 )
﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ تَنْزِيلاً ﴾
( سورة الإنسان )
العلماء قالوا: إذا ذكر الله ذاته العلية بضمير المفرد فالحديث عن ذاته، أما إذا ذكر ذاته العلية بضمير الجمع ﴿ إِنَّا ﴾
فالحديث عن أسمائه. ﴿ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى ﴾
( سورة يس الآية: 12 )
كل أسماء الله داخلة في أفعاله، الله فعل فعله، في رحمة، في حكمة، في عدل، في لطف، إذا قال: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ ﴾
أي أن أسماءه الحسنى كلها داخلة في هذا الفعل، تصور فعل فيه رحمة، فيه عدل، فيه لطف، فيه حكمة، والله شيء جميل ! هكذا ينبغي أن نؤمن، أما إذا قال الله: ﴿ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ﴾
( سورة طه )
الحديث عن ذاته العلية، الحديث عن ذاته بضمير المفرد، والحديث عن أفعاله بضمير الجمع.
أحياناً يجمع الله في بعض أسمائه معظم أسمائه، مثلاً: ﴿ تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾
( سورة الرحمن )
الجلال جمعت أسماء القوة، والقهر، والجبروت، كل أسماء القوة مجتمعة بالجلال، وكل أسماء الرحمة، والعطاء، والإحسان مجتمعة بالكمال، باسم الجلال والكمال ﴿ تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾
جمعت أسماؤه على زمرتين، أسماء جلال، و أسماء كمال. من أدرك أن علم الله يطوله و قدرته تطوله فلن يعصيه أبداً:
أيها الأخوة:
﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ ﴾
( سورة الطلاق الآية: 12 )
الآن الله عز وجل سيذكر اسمين فقط، اختار من أسمائه كلها اسمين: ﴿ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً ﴾
( سورة الطلاق )
أنت متى تستقيم على أمره ؟ بل متى تستقيم على أمر وزير الداخلية ؟ الذي أصدر قانون السير، بحالتين: حينما توقن أن علمه يطولك من خلال هذا الشرطي، أو شرطي على دراجة نارية، أو ضابط في قسم السير في سيارته، هناك شرطي واقف معه دفتر ضبط، و سائق دراجة نارية قد يتبعك، و ضابط يضمن عدم التواطؤ مثلاً، فأنت متى تستقيم على أمر وزير الداخلية الذي أصدر قانون السير ؟ حينما يكون علمه يطولك، وحينما تكون قدرتك تطولك، أني يسحب منك الإجازة، و يحجز المركبة.
سؤال ثانٍ: متى لا تستقيم على أمره ؟ في حالتين، حينما لا يطولك علمه الساعة الثالثة بالليل، لا يوجد شرطي، أما الآن هناك كاميرات في بعض الدول، تضبط المخالفة حتى الفجر، أو إن كنت أقوى منه فقدرته لا تطولك، أما حينما توقن أن علمه يطولك وأن قدرته تطولك، لا يمكن أن تعصيه، الآية: ﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ ﴾
السعيد
08-27-2018, 07:05 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( السابع بعد المائة )
الموضوع : اسم الله - القهار - 2 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
من أسماء الله الحسنى: ( القهار):
أيها الأخوة الأكارم، لازلنا في اسم "القهار" والقهر في اللغة يعني الغلبة قهره: أي غلبه، أو صرف الشيء عن طبيعة قوية فجعله ضعيفاً مقهوراً، قال تعالى:
﴿ فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ ﴾
( سورة الضحى )
واسم "القهار" له علاقة وشيجة بالتوحيد، فما تعلمت العبيد كعلم التوحيد.
الحقيقة ينبغي أنه ما من شيء إلا وهو مقهور لله جلّ جلاله، تحت أعلام عزته، ذليلاً في ميادين صمديته. المعاني الإيجابية لاسم "القهار":
المعاني الإيجابية لاسم "القهار":
لو عرفت الله عز وجل لقهرك جماله، ولقهرك كماله، و القاهر هو الذي قهر نفوس العابدين، فحبسها على طاعته.
والقاهر هو الذي قهر قلوب الطالبين فآنسها بلطف مشاهداته.
القاهر هو الذي حبس نفوس العابدين على طاعته، العباد لما أقبلوا على الله وصلوا وسعدوا، فحبسوا أنفسهم على طاعته، فالله قهرهم بجماله، وقهرهم بكماله، وقهرهم بتجليه، فالمحب لم يعد يريد من الدنيا شيئاً، هذه المعاني التي يجب أن يتمثلها المؤمن من اسم "القهار".
أيها الأخوة، هناك أسماء كثيرة، إذا تمثلها الإنسان يُذم، إنسان متكبر مذموم، إنسان قاهر مذموم، أما إذا وصفت بها الذات العلية فهي أسماء حسنى، وصفات فضلى.
القهر نوعان: قهر أداء وقهر منع:
الحقيقة القهر نوعان: قهر أداء، وقهر منع، كيف ؟ الآية الكريمة:
﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا ﴾
( سورة فاطر الآية: 41 )
أمرها أن تكون على مسارها، ومنعها من أن تخرج عن مسارها. ﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ﴾
( سورة الرعد الآية: 2 )
﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ ﴾
( سورة فاطر الآية: 41 )
أي الأرض تدور حول الشمس في مسار إهليلجي (أي بيضوي)، ولهذا المسار طبعاً مسار مغلق، شكله بيضوي أو إهليلجي، وهذا الشكل له قطر أصغر و قطر أطول، فإذا اتجهت الأرض في مسارها حول الشمس إلى القطر الأصغر ضاقت المسافة بينها وبين الشمس، وقانون الجاذبية متعلق بالكتلة والمسافة، فكلما كبرت الكتلة ازدادت الجاذبية وكلما صغرت قلّت، وكلما قلّت المسافة بين الكتلتين ازداد الجذب، فإذا طالت المسافة قلّ الجذب، هذا ملخص القانون.
الأرض حينما تقترب من القطر الأصغر المسافة بينها وبين الشمس تقل، فإذا قلّت هناك احتمال أن تجذبها الشمس إليها، فإذا جُذبت إليها تبخرت في ثانية واحدة، ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا ﴾
قهر السماوات والأرض أن تميل، وأن تنحرف عن مسارها، قوة من ؟ علم من ؟ حكمة من ؟. الله تعالى قهر الأرض أن تبقى على مسارها و منعها أن تخرج من مسارها:
عندما تقترب الأرض من القطر الأصغر، وتقلّ المسافة بينها وبين الشمس، وهناك احتمال أن تنجذب الأرض إلى الشمس تتبخر في ثانية واحدة، ترفع الأرض سرعتها، يتأتى من رفع هذه السرعة أن تنشأ قوة نابذة تكافئ القوة الجاذبة، فتبقى في مكانها.
فالله قهر الأرض على أن تبقى في مسارها، لا تحيد لا يمنة ولا يسرة، لو تابعت الأرض سيرها، ووصلت إلى القطر الأطول، المسافة زادت، والجذب قلّ، هناك احتمال أن تتفلت من جاذبية الشمس، فإذا تفلتت سارت في الفضاء الكوني وعندئذٍ تصبح الحرارة في الأرض270 تحت الصفر، هذا الصفر المطلق تنتهي الحياة فيه.
فالأرض معرضة إلى أن تتبخر في ثانية واحدة لو انجذبت إلى الشمس، وإلى أن تدخل في الصفر المطلق إذا تفلتت من جاذبية الشمس، ماذا يحدث في القطر الأطول ؟
يخفض الله سرعة الأرض، فإذا خفضت السرعة ظهرت قوة نابذة أقل تكافئ القوة الجاذبة الأقل فتبقى في مكانها
﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا ﴾
إذاً الله عز وجل قهر الأرض أن تبقى على مسارها حول الشمس، هذا قهر أداء ومنع الأرض أن تخرج من مسارها حول الشمس، فالقهر قهران، قهر أداء وقهر منع. الله سبحانه وتعالى واجب الوجوب و ما سواه ممكن الوجود:
شيء آخر: السماوات والأرض مصطلح قرآني، يعني ما سوى الله، فعند بعض علماء العقيدة أن الله سبحانه وتعالى واجب الوجوب، لكن ما سوى الله يمكن الوجود، معنى يمكن الوجود يعني سبقه عدم، وينتهي إلى عدم، فممكن أن يكون، وممكن ألا يكون، ممكن أن يكون على ما هو كائن، ممكن أن يكون على خلاف ما هو كائن، فالله سبحانه وتعالى قهر العدم، العدم ما سوى الله، لأنه سبقه عدم، وسيؤول إلى عدم، وأي شيء ما سوى الله قائم وموجود بإناب الله له، فإذا قطع الله إمداده عن هذا الشيء تلاشى.
تماماً كمصباح الكهرباء تأتيه قوة كهربائية، تمده فيتألق، فلو انقطع عنه التيار الكهربائي لانطفأ، وانتهت وظيفته.
ما سوى الله هو السماوات والأرض، هو الكون، ما سوى الله بكلمة موجزة هو العدم، لأن كل شيء ما سوى الله سبقه عدم، وهو موجود وقائم بإمداد الله له، هذا معنى قوله تعالى:
﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ﴾
( سورة البقرة الآية: 255 )
مصدر الحياة الكون وقيامه، حي قيوم. إمداد الله تعالى الشمس بالطاقة الهائلة:
أيها الأخوة:
﴿ قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ﴾
( سورة طه )
﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ﴾
مثلاً: الشمس عمرها خمسة آلاف مليون عام، وعلماء الفلك يقدرون أنها ستبقى خمسة آلاف مليون عام قادم، من أمدها بهذه القوة ؟ نحن في الأرض تضع صفيحة بنزين في مركبة بعد مئتي كم ينتهي، تملأ خزان الوقود السائل في البيت بعد شهرين ينتهي، الطاقة تنتهي، من أمدّ الشمس بهذه القوة ؟ الشمس ألسنة اللهب يزيد طولها عن مليون كم، والحرارة في سطح الشمس ستة آلاف درجة، أما في مركزها تصل إلى عشرين مليون درجة، من أمدّ الشمس بهذه الطاقة ؟ الله جلّ جلاله. من دلائل اسم القهار:
1 ـ تلاؤم المواد المتنافرة بقدرة الله عز وجل:
الآن عندنا معنى آخر من معاني "القهار" بعض العلماء يقولون: في الأرض أربع مواد أساسية، هي الماء، والهواء، والنار، والتراب، هذه كلها متنافرة، يعني الماء مثلاً مؤلف من أوكسجين، وهيدروجين، الأوكسجين غاز يعين على الاشتعال، أكبر غاز يعين على الاشتعال هو الأوكسجين، والدليل أنت حين تشوي اللحم تحرك الهواء فيتألق الفحم والهدروجين غاز مشتعل، غازان الأول يعين على الاشتعال، والثاني يشتعل، كلاهما يشكل الماء، وبالماء تطفأ النار، والماء فيه غاز شديد الاشتعال، وغاز يعين على الاشتعال.
لذلك حينما فهم بعض العلماء قوله تعالى:
﴿ وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ ﴾
( سورة الطور )
يمكن بأمر من الله عز وجل أن تكون البحار كتلاً من اللهب ﴿ وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ ﴾
معنى "القهار" أي قهر المواد المتنافرة، فتلاءمت، أوكسجين وهدروجين، الأول غاز يعين على الاشتعال، بل هو الغاز الأول، والثاني غاز شديد الاشتعال منهما يتشكل الماء، وبالماء تطفأ النار. 2 ـ توافق النفس مع الجسم:
الآن النفس جوهر لطيف، والبدن جوهر كثيف، يوجد هيكل عظمي، في عضلات، في وزن، في حركة، في حيز، أما النفس جوهر لطيف، فكيف وفق الله بينهما ؟ كيف جعل هذا الجسم في داخله النفس، فتوافق النفس مع الجسم أيضاً من دلائل اسم "القهار".
3 ـ الله عز وجل يسري إمداده في كل الخلائق فتقوم بمهمتها:
هناك معنى آخر: أن الخلق جميعاً مقهورون في مشيئته، والدليل:
﴿ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ﴾
( سورة البقرة الآية: 255 )
أي اكتشاف يظهر سمح الله له أن يظهر، ﴿ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ﴾
﴿ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ﴾
( سورة البقرة الآية: 255 )
للتقريب: يوجد بالبيت عشرون جهازاً كهربائياً، من ثلاجة، إلى مكيف، إلى مروحة، إلى مكواة، إلى مكبر، إلى جهاز راديو، كل هذه الأجهزة من دون كهرباء لا معنى لها إطلاقاً، كتل تعد عبئاً عليك، فإذا سرت الكهرباء فيها المسجلة صدحت بالقرآن الكريم، والثلاجة بردت، والمكيف قدم لك الهواء البارد، والمكواة سخنت وحميت واستخدمتها.
إذاً "القهار" يسري إمداده في كل الخلائق فتقوم بمهمتها. أصل الجمال في الكون هو الله:
لذلك القهر قهر أداء وقهر منع، فكل ما سوى الإنسان مقهور بمشيئة الله، ما سوى الإنسان، أهل الأرض جميعاً الكائنات، الجماد، النبات، الحيوان، الإنسان مقهورون بمشيئة الله.
فما في الكون مسير إلا أن الإنس والجن وحدهما مخيران، الآن هناك مثل آخر:
أحياناً يوجد لعبة السيارات الكهربائية في مدينة الألعاب، تجد مئة سيارة يركبها الصغار، يصطدمون، يصيحون، يتحركون، صاحب هذا المكان عنده قاطع إذا قطع التيار عن هذه الساحة كله جمد، فكل هذه المركبات وحركتها مقهورة بضغطة من زر صاحب هذا المكان.
الآن حينما قال الله عز وجل:
﴿ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾
( سورة البقرة الآية: 165 )
يعني إنسان ظلم نفسه، وأحبّ ما سوى الله، أحبّ امرأة ساقطة، أحبّ بيتاً فخماً، كسب المال الغير مشروع، قال: ﴿ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً ﴾
( سورة البقرة الآية: 165 )
أصل الجمال هو الله، أصل الكمال هو الله، أصل النوال هو الله، فالإنسان من أجل شيء جميل طارئ فانٍ عصى ربه ؟ من أجل عطاء قليل ينتهي بالموت عصى ربه ؟ يوم القيامة يكتشف أن أصل الجمال في الكون هو الله، وأن أصل النوال هو الله، وأن أصل الكمال هو الله، تعلق بالفرع ونسي الأصل، فضيع الأمل، ﴿ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً ﴾
لذلك قيل: إذا أردت أن تكون أغنى الناس فكن بما في يدي الله أوثق منك بما في يديك. على الإنسان أن يشتق كمالاً من كمال الله يتقرب به إليه:
الآن المؤمن ما حظه من اسم "القهار"، الله قهار، قهر أداء، وقهر منع،
﴿ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ﴾
أنت كمؤمن ما علاقتك بهذا الاسم ؟ نحن قلنا سابقاً: أن الإنسان ينبغي أن يشتق كمالاً من كمال الله، يتقرب به إلى الله، ما علاقتك أنت بهذا الاسم، أنت حينما تعرف الواحد "القهار" تتحجم، تتواضع، تتطامن، تكون مفتقراً إلى الله عز وجل، ودائماً وأبداً عندنا حالتان إذا قلت الله تولاك، فإذا قلت أنا تخلى عنك فأصحاب النبي الكريم في بدر قالوا الله: ﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 123 )
وفي حنين تخلى الله عنهم لأنهم قالوا: (( ولن يُغْلَبَ اثنا عَشَرَ ألفا مِنْ قِلَّةٍ ))
[أخرجه أبو داود والترمذي عن عبد الله بن عباس ]
هذا درس بليغ، في أي لحظة تقول أنا، أنا ابن فلان، خبراتي متراكمة، معي شهادة عليا، أحتل منصباً حساساً جداً، حينما تقول أنا وتنسى الله عز وجل يتخلى الله عنك أما إذا قلت الله هو أكرمني، هو أعطاني، هو مكنني، هو وفقني، يتولاك الله عز وجل. ورود اسم القهار في القرآن الكريم صريحاً أو ضمنياً:
الآن اسم "القهار" قد يرد مباشرة، صريحاً، والدليل:
﴿ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ﴾
( سورة الأنعام الآية: 18 )
﴿ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ﴾
( سورة غافر )
ورد هذا الاسم صريحاً في آيات كثيرة، وقد يأتي هذا الاسم ضمنياً في آيات مثلاً:
﴿ صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ ﴾
( سورة الشورى )
الأمور بيد الله كانت ولا تزال وستبقى إلى أبد الآبدين:
هناك سؤال كبير: بيد من كانت ثم صارت إليه ؟ الحقيقة أن الأمور بيد الله كانت ولا تزال، وستبقى إلى أبد الآبدين، لكن أهل الأرض حينما شردوا عن الله عز وجل توهموا أن الأمر بيد زيد، أو عبيد، أو بيد فلان، أو علان، فعبدوا الأشخاص من دون الله والآن العالم الإسلامي يتوهم الأمر بيد هذه القوة، فإذا رضيت عنك سلمت، وإذا غضبت عليك دمرتك، هذا شرك، شرك كبير جداً، الله عز وجل قال:
﴿ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ ﴾
كانت ولا تزال وسوف تبقى هكذا عند أهل الإيمان، أما عند أهل الشرك والكفران كانت بيد الأقوياء، أما يوم القيامة رأى كل الناس مؤمنهم وكافرهم أن الأمر بيد الله﴿ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ ﴾
عند من شردوا عن الله عز وجل، أما المؤمن وهو في الدنيا يرى أن الأمر بيد الله، كان ولا يزال، وسيبقى. ورود اسم القهار في القرآن الكريم بشكل غير مباشر:
هذا الاسم أيضاً ورد بشكل غير مباشر مثلاً والله:
﴿ وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾
( سورة يوسف )
ماذا أراد إخوة يوسف ؟ أن يضعوه في الجب ليموت، ويستريحوا منه، ويبقى لهم أبوهم وحدهم، ما الذي حصل ؟ أن هذا الذي وضعوه في الجب جعله الله عزيز مصر، ماذا أراد فرعون حينما قتل بني إسرائيل ؟ أراد أن يرتاح من هذه الرؤيا، أن طفلاً من بني إسرائيل سوف يقضي على ملكه، لكن ﴿ وَالله غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾
فالطفل الذي سيقضي على ملكه رباه في قصره، مع الله لا يوجد ذكي أبداً، يؤتى الحذر من مأمنه.
في بعض الآثار القدسية:
(( عبدي خلقت لك السماوات والأرض ولم أعيَ بخلقهن، أفيعييني رغيف أسوقه لك كل حين، لي عليك فريضة، ولك علي رزق، فإذا خالفتني في فريضتي لم أخالفك في رزقك، وعزتي وجلالي إن لم ترضَ بما قسمته لك فلأسلطن عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحش في البرية، ثم لا ينالك منها إلا ما قسمته لك ولا أبالي، وكنت عندي مذموماً، أنت تريد وأنا أريد، فإذا سلمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد، وإن لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد ثم لا يكون إلا ما أريد ))
[ورد في الأثر]
هذا هو التوحيد، وما تعلمت العبد أفضل من التوحيد. أمر الله عز وجل هو النافذ في كل مكان و زمان:
"القهار" أمر الله هو النافذ، الأمور تدور وتدور، وفي النهاية أمر الله هو النافذ فعال لما يشاء
﴿ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ﴾
﴿ وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾
يعني من السلبيات التي ينبغي أن نجتنبها: هناك أناس يقرؤون في بعض كتب الأقوام القوية، أنهم يخططون للبشرية كلها، ينسون الله عز وجل، يرون أن هذه الأمم القوية بيدها كل شيء، بيدها مصائر الشعوب، فهؤلاء ضعاف الإيمان يعبدونها من دون الله، يقول لك كل شيء يخططونه يتحقق، ينسى أن الله موجود، أنا أقول دائماً: استمع إلى الأخبار لا يوجد مانع، واقرأ التحليلات، ولا تنسى للحظة واحدة أن الله موجود، وأن الله قادر على أن يغير الموازين كلها، وأن الله عز وجل كن فيكون، وزل فيزول، فأي بحث في موضوع خطير دون أن تدخل أن الله موجود، وأن الله على كل شيء قدير، وأن الله قادر على تغيير موازين القوى، هذا بحث أعرج لا يستقيم، الله قال: ﴿ وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً ﴾
( سورة الأنعام الآية: 129 )
القوي أحياناً يخطط ويفعل ما خطط، لكن خطته استوعبتها خطة الله عز وجل أحياناً القوي يخطط، ويبدو لك على الشبكية أن الذي خطط له نفذه، وقهر الشعوب، لكن يجب أن تعتقد اعتقاداً جازماً أن هذه الخطة التي وضعها هذا الطرف استوعبتها خطة الله عز وجل ، لا يليق بألوهية الإله أن يقع في ملكه ما لا يريد، فكل شيء أراده الله وقع، وكل شيء وقع أراده الله، بمعنى سمح به، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، والحكمة المطلقة متعلقة بالخير المطلق. المؤمن الحق يقهر شهوته ومصلحته وطموحه إذا تناقضت مع منهج الله عز وجل:
الآن المؤمن ما عليه من هذا الاسم ؟ عليه أن يقهر شهوته.
﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ﴾
( سورة النازعات )
يجب أن تقهر شهوتك إذا تعارضت مع منهج الله، يجب أن تقهر مصلحتك إذا بني عليها فساد للآخرين، يجب أن تقهر طموحك إذا حملك على ظلم الناس، يجب أن تقهر شهوتك، أن تقهر مصلحتك، أن تقهر طموحك إذا سار في طريق لا يرضي الله.
لذلك أقول:
(( المؤمن القويُّ خيْر وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلّ خير ))
[أخرجه مسلم عن أبي هريرة ]
يعني إذا كان طريق القوة سالك وفق منهج الله لا مانع، كن قوياً، إذا كان طريق الغنى سالك وفق منهج الله لا مانع كن غنياً، أما إذا كان طريق القوة، أو طريق الغنى على حساب مبادئك، وقيمك، ضعفك وسام شرف لك، وفقرك وسام شرف.
أي المؤمن يقهر شهوته، يقهر مصلحته إذا خالفت منهج الله، المؤمن يقهر طموحه إذا أدى به إلى معصية، فالمؤمن كما أنه يعبد الواحد "القهار" يقهر هو شهوته ومصلحته وطموحه إذا تناقضت هذه كلها مع منهج الله عز وجل.
السعيد
08-27-2018, 07:09 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الثامن بعد المائة )
الموضوع : اسم الله - الحق - 1 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: (الحق):
أيها الأخوة الأكارم، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "الحق".
ورود اسم الحق في القرآن الكريم و السنة الشريفة :
هذا الاسم العظيم كثير التداول، ورد في القرآن الكريم في قوله تعالى:
﴿ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ ﴾
( سورة المؤمنون )
وفي قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ ﴾
( سورة الأنعام )
وفي قوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾
( سورة الحج )
وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن عباس في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم أنه إذا قام إلى الصلاة في جوف الليل قال:
(( اللهم أنت الحقُّ، وَوَعْدُكَ الحقُّ، ولقاؤكَ حَقٌّ، وقَولك حَقٌّ، والجنَّةُ حَقٌّ ، والنَّارُ حَقٌّ، والنَّبيُّونَ حَقٌّ، ومحمدٌ حَقٌّ، والساعةُ حَقٌّ ))
[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن عبد الله بن عباس ]
تداول كلمة حق تداولاً كثيراً:
أيها الأخوة، كلمة حق متداولة تداولاً كثيراً جداً، قال تعالى:
﴿ مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ ﴾
( سورة الأحقاف الآية: 3 )
قال علماء التفسير: أي أن خلق السماوات والأرض، أي أن "الحق" لابس خلق السماوات والأرض، خلقتا بالحق، وسوف يتضح المعنى بدقة من آيات أخرى، لأن الله عز وجل حينما وصف كتابه الكريم بأنه: ﴿ مَثَانِيَ ﴾
( سورة الزمر الآية: 23 )
من معاني هذه الكلمة أن كل آية تنثني على أختها، فتفصلها، الآية الأولى: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآَتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ ﴾
( سورة الحجر )
"الحق" نقيض الباطل:
الآن ما هو "الحق" قال: هو نقيض الباطل، لماذا ؟ قال: لقوله تعالى:
﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ﴾
( سورة ص الآية: 27 )
خلقها بالحق، وما خلقها باطلاً. ﴿ ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ ﴾
( سورة ص )
لو فرضنا إنساناً بنى بناء على الشاقول، هذا البناء على الشاقول يعني أنه سوف يبقى، يعني بناء ثابتاً، بناء لا ينهار.
هذا هو "الحق" الشيء الثابت، الشيء الموجود، والثابت.
ولو أشاد إنسان بناء بلا شاقول، الجدار مائل، هذا البناء باطل لأنه سينهار. ﴿ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً ﴾
( سورة الإسراء )
"الحق" هو الشيء الموجود والثابت، أما الباطل قد يكون موجوداً إلى حين، الشرق الذي رفع شعار لا إله، بقي سبعين عاماً ثم انهار، لأن الله سبحانه وتعالى كان يقول: ﴿ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً ﴾
زهوق صيغة مبالغة، يعني أكبر باطل، معه قنابل نووية بعدد مخيف، انهار، ومليون باطل ينهار، مليون فكر منحرف، مليون عقيدة منحرفة، ومليون فرقة ضالة تنهار، ﴿ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً ﴾
فإذا بني البناء على الشاقول فهو بناء حق، لأنه موجود وسيستمر، أما إذا بني من دون شاقول هذا البناء باطل، لأنه الآن موجود ولكن سوف ينهار.
"الحق" نقيض الباطل. "الحق" الشيء الموجود والثابت:
شيء آخر: معك جهاز كهربائي (مروحة)، توجهت بهذه المروحة من أجل أن تعمل إلى مأخذ كهربائي، وضعت فيها القابس فما دارت، هذا المأخذ باطل، هو مأخذ على الشبكية لكن ما فيه كهرباء، توجهت إلى مأخذ آخر وضعت المقبس فدارت المروحة، نقول هذا المأخذ حق، واضح تمام ؟.
"الحق" الشيء الموجود والثابت، والباطل قد يكون موجوداً إلى حين لكن لابدّ من أن ينتهي، لابدّ من أن يعدم.
"الحق" الشيء الهادف المرتبط بأهداف نبيلة:
الآن الآية الثانية:
﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾
( سورة الدخان )
أنتم تعلمون حينما يقام معرض لأسبوعين، معظم الأجنحة إن كان الوقت صيفاً من القماش، أو من ورق مقوى، من مواد رخيصة جداً، قضية أسبوعين، لكن حينما نبني جامعة، قد يستغرق بناءها عشر سنوات، هذا البناء وجد ليبقى، وله هدف كبير، هدفه الكبير إنشاء قادة للأمة، نشر العلم، تخريج علماء، أطباء، علماء نفس، علماء اجتماع، علماء تربية، علماء فلك، علماء رياضيات، علماء فيزياء، علماء كيمياء، تخريج مدرسين، موجهين، اختصاصين، خبراء في المعامل، هذا البناء له هدف كبير، له هدف عظيم، له هدف نبيل، أما السيرك ما أهدافه البعيدة ؟ يعمل قوة يمتع الإنسان، هذا البناء أسبوعين.
فصار "الحق" الشيء الهادف، مرتبط بأهداف نبيلة، والعابث شيء ليس له هدف.
أحياناً إنسان (يوجد تحريم بالموضوع) يلعب النرد للساعة الثالثة بالليل، يا ترى تَعَلّم ؟ ازداد علماً ؟ ازداد قرباً ؟ ارتقى مستواه ؟ ارتقى دخله ؟ ارتقى علمه ؟ ارتقت وظيفته ؟ مضيعة للوقت، نقول لعب النرد شيء عابث.
أما أن تعكف على كتاب فتقرأه، كتاب أساسي في الدين، نقول شيء هادف، حينما تأتي إلى مسجد لتحضر درس علم نقول شيء هادف، مقدس، أما حينما ينطلق الإنسان إلى ملهى، شيء عابث، يستمع إلى مغنية، ويرى راقصة، هناك فرق كبير.
فصار "الحق" الشيء الثابت، نقيضه الباطل، و "الحق" الشيء الهادف نقيضه العابث، "الحق" ليس عابثاً، وليس باطلاً، ثلاث آيات أعيدها على مسامعكم، الآية الأولى: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ ﴾
يعني الحق لابس خلق السماوات والأرض.
الآية الثانية التي تفسر "الحق" ﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ﴾
الباطل الشيء الزائل ﴿ ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ ﴾
الآية الثالثة: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾
معاني الحق في اللغة:
1 ـ الشيء المستقر و الموجود و الثابت:
أيها الأخوة، "الحق" في اللغة اسم فاعل، فعله حق يحق حقاً، يقال: حققت الشيء، أحقه حقاً، إذا تيقنت أنه موجود، "الحق" الشيء المستقر، والموجود، والثابت.
2 ـ المطابقة:
"الحق" بمعنى المطابقة، كلامه حق يعني طابق الواقع، إنسان ارتكب عملاً جئنا بشاهد شهد، نقول شهادته حق، لأنها مطابقة للواقع.
3 ـ الشيء الذي لا يزول و هو خلاف الظلم:
"الحق" الشيء الثابت، و "الحق" الذي لا يزول، و "الحق" هو العدل، و "الحق" خلاف الظلم، والاعتقاد بالحق الشيء المطابق للواقع، مثلاً:
شخص قال: أعتقد أن البعث، والثواب، والعقاب، والجنة، والنار حق لأن البعث سيكون، والثواب سيكون، والعقاب سيكون، والجنة ستكون، والنار ستكون.
4 ـ الإسلام:
"الحق" في القرآن الكريم له استعمالات كثيرة، "الحق" هو الإسلام لأنه دين الواحد الديان.
5 ـ العدل:
و "الحق" هو العدل.
﴿ وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ﴾
( سورة النساء الآية: 58 )
6 ـ الحكمة و الصدق و الحساب و الجزاء:
و "الحق" هو الحكمة، العمل الحكيم عمل حق، والصدق، والوحي، والقرآن، والحقيقة، وأيضاً الحساب والجزاء:
﴿ يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ ﴾
( سورة النور )
7 ـ الله سبحانه وتعالى متصف بالوجود الدائم لا شيء قبله ولا شيء بعده:
الآن الله عز وجل هو "الحق"، "الحق" هو الله سبحانه وتعالى، لأنه متصف بالوجود الدائم، لا شيء قبله، ولا شيء بعده.
﴿ هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ ﴾
( سورة الحديد الآية: 3 )
هو الباقي على الدوام إلى أبد الآبدين. 8 ـ المتصف بالوجود الدائم وبالحياة والقيومية:
"الحق" هو المتصف بالوجود الدائم، وبالحياة والقيومية.
﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ﴾
( سورة البقرة الآية: 255 )
والبقاء، فلا يلحقه زوال، ولا فناء، وكل أوصاف "الحق" كاملة جامعة للكمال والجمال والعظمة والجلال، قال تعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ ﴾
( سورة الحج الآية: 62 )
بربكم كم ملة وكم اتجاه وكم طائفة ظهرت في الأرض ؟ كلها تلاشت والإسلام باقٍ كالطود الشامخ، لأن الإسلام حق، وأي فرقة ضالة باطلة، ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ ﴾
﴿ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ﴾
( سورة الحج )
9 ـ "الحق" هو الذي يحق الحق بكلماته:
و "الحق" هو الذي يحق الحق بكلماته، كلام الله حاسم، لذلك قال تعالى:
﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾
( سورة الشعراء )
القلب السليم، هو القلب الذي لا يقبل خبراً يتناقض مع وحي الله.
إذاً يحق "الحق" بكلماته، ويقول "الحق"، إذاً وعده وعد حق، ودينه حق، وكتابه حق، وما أخبر عنه حق، وما أمر به حق. ﴿ وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ ﴾
( سورة يونس )
وفي قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ ﴾
( سورة الأنعام الآية: 73 )
وفي قوله تعالى: ﴿ يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ ﴾
يعني هنيئاً لمن كان مع "الحق"، والويل لمن كان مع الباطل، هنيئاً لمن كان مع الثابت، والدائم، والباقي، والكامل، و "الحق" نقيض اللعب، والكامل. من كان مع الحق كان في قمة النجاح و التألق و الفلاح:
أيها الأخوة، الملخص أن الله سبحانه وتعالى هو "الحق"، وكلامه هو "الحق" ووعده هو "الحق"، ووعيده هو "الحق"، وأفعاله هو "الحق".
الإنسان حينما يكون مع "الحق" في قمة النجاح، في قمة التألق، في قمة الفلاح، في قمة الفوز، في قمة العقل، في قمة الذكاء، صار "الحق" الشيء الموجود، والباطل الشيء المفقود، "الحق" الشيء الموجود، والباطل الشيء المعدوم.
في هذا المأخذ ليس هناك كهرباء، وضعنا قابس المروحة لم تدر، معناها باطل، في مأخذ آخر هذا حق.
أيها الأخوة، كتوضيح "الحق" الشيء الموجود، واعتقاد وجود، واعتراف بوجوده، هو ما يعنيه "الحق"، والشيء المعدوم حينما يتوهم الإنسان شيئاً غير موجود ولا يطابق الواقع، يعني للتوضيح:
ما هو العلم ؟ بتعريف مختصر الوصف المطابق للواقع، كل شيء خلاف الواقع جهل.
أنا راكب مركبتي، تألق ضوء أحمر في لوحة البيانات، إذا فهمت هذا التألق فهماً تزيينياً هذا فهم باطل، هو الحقيقة تألق تحذيري، أن الزيت نقص في المحرك، إن فهمت هذا التألق فهماً تزيينياً هذا فهم باطل، أما إذا فهمت هذا التألق فهماً تحذيرياً هذا فهم حق أوقفت المركبة فوراً، أضفت الزيت، تابعت الرحلة، حققت الهدف، فإذا فهمته فهماً تزيينياً احترق المحرك، وتعطلت المركبة، وألغي الهدف، ودفعت مبلغاً كبيراً جداً لإصلاح المحرك.
العاقل من كان فهمه للأحداث فهماً حقيقياً لا فهماً موهوماً:
البطولة أن يكون فهمك للأحداث فهماً حقيقياً لا أن يكون فهماً موهوماً، وأنا في بداية كل درس أقول: اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، أنتم لا تتصوروا الجاهل لا يملك أية معلومات، معه معلومات كثيرة جداً لكن كلها غلط، تصوراته عن الكون، والحياة وما بعد الموت، كلها أشياء غير صحيحة، تصوره عن المرأة غير صحيح، عن الزواج يقول الزواج قيد، خليك حر، الإنسان أحياناً يكون معه مئات بل ملايين التصورات الخاطئة وهذا الخطأ في تصوراته سوف يهلكه.
مثلاً: لو شخص توهم أن هذا الأستاذ، قبل الامتحان بيومين تقدم له هدية ثمينة يعطيك الأسئلة، أمضى العام الدراسي كله مرتاحاً، هذا التوهم باطل، فلما طرق بابه قبل الامتحان بيومين، ومعه هدية ثمينة، وطلب منه الأسئلة، صفعه صفعتين، وركله بقدمه، ورسب طبعاً، لأنه توهمَ توهماً باطلاً، أما لو علم أن الأستاذ نزيه، ولم يحابِ أحداً، هذا العلم هو الحق.
توهم أن القاضي ينحاز بهدية أخرى، هذا وهم باطل، أخطر شيء بالحياة أن تعيش الباطل.
الجاهل من توهم أن الشيطان أجبره على عمل ما و هو لا علاقة له:
أيها الأخوة، مثلاً كلما زلت قدم إنسان يقول: الله يلعن الشيطان، الشيطان ما دخله، اسمع الآية:
﴿ وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ ﴾
( سورة إبراهيم الآية: 22 )
أنا ليس لي سلطة عليكم: ﴿ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ﴾
( سورة إبراهيم الآية: 22 )
شخص ذهب إلى مركز شرطة ليشتكي على إنسان، يرتدي ثياباً بيضاء جميلة جداً، غالية جداً، ووسائل رائعة، وقع في حفرة مياه سوداء آسنة، قال له: تشتكي على من ؟ قال له: على فلان، قال له: هل دفعك ؟ قال له: لا والله حرام ما دفعني، هل شهر عليك مسدساً، وقال لك انزل بها ؟ لا والله، قال له: هل أمسكك وأنزلك بها ؟ قال له: لا والله، لمَ تشتكي عليه ؟ قال لي: انزل، هذا يحتاج إلى مستشفى مجانين.
وكل إنسان يظن أن الشيطان أجبره على عمل يكون واهماً، وجاهلاً. ﴿ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ ﴾
( سورة إبراهيم الآية: 22 )
إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ:
الآن عندنا ملمح لطيف جداً في قوله تعالى:
﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ﴾
( سورة النساء الآية: 116 )
عندنا آيتان: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ﴾
( سورة النساء الآية: 116 )
الآية الثانية: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً ﴾
( سورة النساء )
ما وجدت مثلاً يوضح هاتين الآيتين كهذا المثل: نحن في دمشق، أحد التجار له مبلغ كبير جداً في حلب، واستحقاقه يوم السبت، الساعة الواحدة، ركب قطار حلب سيرتكب أخطاء كثيرة، ركب بعربة من الدرجة الثالثة وبطاقته من الدرجة الأولى، هذا غلط مع هذا الغلط القطار في اتجاهه إلى حلب، ركب مع شباب غير منضبطين، أزعجوه كثيراً بمزاحهم، وصياحهم، ونزاعهم، انزعج كثيراً، هذا خطأ أيضاً، لكن القطار في طريقه إلى حلب، كان جائعاً تلوى من الجوع، ولم يعلم أنه في عربة مطعم، هذا أيضاً خطأ ثالث ، ركب بعكس اتجاه القطار، أصيب بالدوار هذه غلطة رابعة، لكن القطار باتجاه حلب وسيكون في الساعة الثانية عشرة، وسيأخذ المبلغ، أما هناك خطأ لا يحتمل، خطأ لا يغفر أنه ركب قطار درعا، المتجه نحو الجنوب، هنا لا يوجد مليونا ليرة. الأحمق من اتجه إلى إنسان ضعيف لا يملك شيئاً و لم يتجه إلى الخالق سبحانه: ما هو الشرك ؟ أن تتجه إلى معدوم، إلى ضعيف، إلى محكوم من قبل الله عزّ وجل، حينما تتجه إلى الله، الله عنده كل الخير، عنده التوفيق، عنده السعادة، عنده الأمن، عنده التيسير لأمورك، عنده الحفظ، عنده التأييد، عنده النصر، عنده كل شيء وإذا اتجهت إلى غيره لا يوجد عنده شيء.
﴿ إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ ﴾
( سورة فاطر الآية: 14 )
أحمق إنسان، أغبى إنسان، من يتجه إلى إنسان آخر.
(( لو كنتُ متخذا من أُمَّتي خليلا لاتَّخذتُ أبا بكر، ولكن أخي وصاحبي ))
[ أخرجه البخاري عن عبد الله بن عباس ]
العاقل من يفهم الأحداث فهماًً توحيدياً لا فهماً أرضياً:
أحياناً نحن نمر بأحداث خطيرة، وتقلبات سريعة، واختناقات، وانعطافات وظروف دقيقة، البطولة لا أن تطلع على الأخبار، أن تفهمها، لا أن تفهمها فهماً أرضياً أن تفهمها فهماًً توحيدياً.
أذكر أنه قبل عشرين سنة، نشبت حرباً أهلية في بلد عربي، واستمرت عشر سنوات، وأودت بحياة مئتي ألف، وانتهت ولم ينتصر أحد، هناك تفسير لهذه الحرب الأهلية تفسير دولي: أن هذا البلد نما نمواً مالياً كبيراً جداً، حتى نافس المراكز المالية العالمية فالعالم الغربي هو الذي حطمه، هذا تفسير دولي، هناك تفسير آخر، تفسير طائفي: أنه في نزاع طائفي قديم من عام ألف و تسعمئة و ستين، هذا النزاع الطائفي من حين لآخر يرتفع فينشأ الخلاف، هذا تفسير طائفي، وهناك تفسير عربي أنه ساحة صراع بين القوى العربية المتنازعة، هذا تفسير ثالث، وهناك تفسير رابع، تفسير نسواني: أنه هذا البلد حكمته عين، لكن هناك تفسير قرآني:
﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ﴾
( سورة النحل )
بطولتك أن تفهم الحدث فهماً توحيدياً، الزلزال حتماً اضطراب القشرة الأرضية لكن الزلزال فضلاً عن هذا التفسير القريب العلمي هو علاج إلهي، وعقاب إلهي. ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ﴾
السعيد
08-27-2018, 07:11 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( التاسع بعد المائة )
الموضوع : اسم الله - الحق - 2 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
من أسماء الله الحسنى: (الحق):
أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في اسم "الحق" ولهذا الاسم العظيم تطبيقات كثيرة في حياة المؤمن.
العلم لا يمكن أن يكون شكاً أو ظناً بل يقيناً و قطعياً:
بادئ ذي بدء: الله عز وجل أودع في الإنسان قدرة إدراكية، والمدركات إما أن تكون علماً، أو أن تكون وهماً، وفي البداية قلت: أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم، فما العلم ؟ بتعريف مختصر موجز: العلم هو الوصف المطابق للواقع مع الدليل.
بتعريف أوسع: العلم يتجه إلى القانون، والقانون علاقة ثابتة، مقطوع بها، بين متغيرين، تطابق الواقع، عليها دليل.
لو وقفنا وقفة متأنية عند هذا التعريف، علاقة ثابتة يعني قانون، بين متغيرين أولاً مقطوع بها، معنى مقطوع ؛ أي مئة بالمئة، الصحة مئة بالمئة، يقينية، لو لم يكن مقطوعاً بها، لو لم تكن يقينية، لكانت وهماً 30%، شكاً 50%، ظناً 90%، فالعلم لا يمكن أن يكون وهماً، ولا شكاً، ولا ظناً، قطعاً، يقيناً.
على الإنسان أن يرتقي بعقيدته إلى اليقين:
أقول لكم هذه الكلمة: إن لم تكن عقيدتك بمستوى القطع ففيها خلل، إن:
﴿ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا ﴾
( سورة الحجرات الآية: 15 )
أما مقولة الشاعر:
زعم المنجم والطبيب كلاهما لا تبعث الأموات قلت إليكمـا
إن صحّ قولكما فلست بخاسر أو صح قولي فالخسار عليكما
* * *
هذا ليس إيماناً، يعني إذا في جنة الحمد لله، وإذا ما في جنة ما خسرنا شيئاً، هذا ليس إيماناً، ﴿ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا ﴾
يعني علاقة ثابتة بين متغيرين، على شكل قانون، مقطوع بها ليست وهماً، ولا شكاً، ولا ظناً، مئة بالمئة، تطابق الواقع، لو لم تطابق الواقع لكانت جهلاً، عليها دليل، لولا الدليل لكانت تقليداً، العلم لا يحتمل تقليداً، ولا جهلاً، ولا ظناً، ولا شكاً، ولا وهماً، فإذا كانت عقيدتك تنطبق عليها هذه الخصائص فأنت في بحبوحة، أنت في اليقينيات. ﴿ كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ ﴾
( سورة التكاثر )
يجب أن ترتقي بعقيدتك إلى اليقينيات، يا أخي لا نعرف، الله يسترنا، هذا موقف ليس علمياً، هذا القرآن كلام الله، طبعاً إن شاء الله في، لا، ما في إن شاء الله، هذا القرآن كلام الله يقيناً، فإن لم يكن يقيناً ففي الإيمان خلل كبير. قضية العقيدة أخطر شيء في الدين:
لذلك أيها الأخوة، العلم هو علاقة ثابتة بين متغيرين، مقطوع بها، تطابق الواقع عليها دليل، وقضية العقيدة أخطر شيء في الدين، العقيدة إن صحت صحّ العمل، وإن فسدت فسد العمل، والعقيدة كالميزان، والخطأ في الميزان لا يصحح، بينما الخطأ في الوزن لا يتكرر، أفضل ألف مرة أن تخطئ في مفردات المنهج، من أن تخطئ أصل المنهج، في الميزان، في العقيدة.
من صحت عقيدته صحّ عمله و من فسدت عقيدته فسد عمله:
أول فكرة، وأخطر فكرة في هذا اللقاء الطيب: أن العقيدة أخطر ما في الدين، إن صحت صحّ العمل، وإن فسدت فسد العمل.
الآن أي سلوك في قبله تصور، أي سلوك، الستة آلاف مليون يتحركون، ما من حركة يتحركها الإنسان إلا ويسبقها تصور، للتقريب:
أنت متى تشتري شيئاً ؟ أنت لا تشتري شيئاً إلا إذا تصورت أنه أغلى عندك من ثمنه، لو لم تتصور أن هذا الشيء أغلى من ثمنه ما اشتريته، مرة ثانية، أنت متى تبيع الشيء ؟ إن لم تتصور أن ثمنه أغلى منه ما بعته.
لا يوجد حركة، السارق متى يسرق ؟ يتصور أن هذا عمله ذكي جداً، يكسب كسباً كبيراً بلا جهد، يغيب عنه العقاب، يتصور مبلغاً كبيراً ينعم به لأمد طويل بلا جهد ، حتى الزاني متى يزني ؟ يرى الزنا مغنماً، أما سيدنا يوسف رؤيته صحيحة، رآه مغرما ؟ قال:
﴿ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ﴾
( سورة يوسف الآية: 23 )
كل بطولتك أن تصح تصوراتك، لأنه ما من سلوك إلا يسبقه تصور، التصور ناتج من التفكر، من العلم، من الدراسة، لذلك: إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً. العاقل من يملك تصورات صحيحة بناء على طلب العلم:
إذاً أي سلوك يسبقه تصور، والتصور متعلق بالعلم، بطلب العلم، شخص ما طلب علماً، مثلاً يقول أحد الشعراء في الجاهلية:
فإن كنت لا تستطيع دفع منيتي فدعني أبادرها بما ملكت يدي
* * *
بالتعبير العامي يقول لك: قدر ما تستطيع استمتع بالحياة، هذا جهل، هناك استمتاع وفق منهج الله سليم وينتهي إلى الجنة، و هناك استمتاع بخلاف منهج الله، هذا مدمر ومهلك.
إذاً البطولة أن أملك تصورات صحيحة بناء على طلب العلم، فطلب العلم ليس استملاكاً للوقت لكنه توظيف له، أخطر شيء بحياتك أن تعرف الحقيقة، تعرف من أنت ؟ لماذا أنت في الدنيا ؟ ما علة وجودك ؟ ما غاية وجودك ؟ ما حقيقة العمل الصالح ؟ ماذا بعد الموت ؟ من أين ؟ وإلى أين ؟ ولماذا ؟. التصور الصحيح هو "الحق" لأنه ينتج عنه سلوك صحيح:
الآن التصور الصحيح هو "الحق"، تعريف اسم "الحق" لأنه ينتج عنه سلوك صحيح، والتصور الخاطئ هو الباطل، لأنه مخالف للواقع، ينتج عنه سلوك خاطئ، ولأن الإنسان يسلم ويسعد، إذا صحّ عمله، ويشقى ويهلك إذا فسد عمله، والعمل مرتبط بالتصور والتصور مرتبط بطلب العمل.
هذا الذي يغش الناس، ماذا تصور ؟ حينما يغشهم في بضاعتهم يتصور أنه سيحقق أرباحاً استثنائية، هي أغلى عنده من الله، ومن وعيد الله، ومن ثواب الله، هنا المشكلة، لا يوجد إنسان يعصي الله، لا يوجد إنسان يتجاوز حدّه، إلا معه تصور خاطئ لأنه ما طلب العلم، لو طلب العلم لأصبح تصوره صحيحاً، ولصحّ عمله، ولسلم وسعد في الدنيا والآخرة.
لذلك أنا أقول: ما من نشاط إنساني يعلو على طلب العلم، إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً، ويظل المرء عالماً ما طلب العلم، فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل.
أوضح مثل أنه: تركب مركبتك، تألق ضوء أحمر في لوحة البيانات، إذا تصورت أن هذا التألق تزييني لإمتاعك أثناء القيادة، وتابعت السير احترق المحرك، وتوقفت المركبة، وتعطلت الرحلة، وألغي الهدف، أما إذا تصورته تألقاً تحذرياً، أوقفت المركبة وأضفت الزيت، وتابعت الرحلة، وحققت الهدف.
كل مشكلاتنا تصور خاطئ، تتصور الفتاة أنها إذا أبرزت كل مفاتنها سوف تتزوج، يأتيها زوج يريها النجوم ظهراً، المؤمنة تتصور أنها إذا أطاعت ربها، واستقامت على أمره، وحجبت مفاتنها عن الناس، وأبقت هذه المفاتن لزوجها ولمحارمها عندئذٍ تتألق عند الله.
مشكلات الإنسان تتأتى من تصوره الخاطئ للأمور و جهله بها:
كل مشكلاتنا تتأتى بتصور خاطئ، والتصور الخاطئ سببه الجهل، الآن أعداؤنا الحقيقيون ليس الاستعمار، ولا الصهيونية، أعداؤنا الحقيقيون الجهل، الجهل أعدى أعداء الإنسان، والجاهل يفعل في نفسه ما لا يستطيع عدوه أن يفعله به، الآن اسمعوا الآية:
﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ﴾
( سورة الكهف )
تصوروا تصوراً خاطئاً، فجاء فعلهم سيئاً. ﴿ وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً * أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً ﴾
( سورة الكهف )
إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً:
أريد أن أقول لكم أيها الأخوة: أنا متأكد أن الجاهل ليس إنساناً لا يملك معلومات، يملك معلومات بكم كبير جداً، لكن كلها خاطئة، إياك أن تتوهم أن الجاهل ما عنده معلومات ؛ عنده معلومات كلها خاطئة، يحدثك عشر ساعات، فوائد الاختلاط، أو يقول لك لا يوجد داعٍ للزواج إطلاقاً، كل يوم تجلس مع واحدة، الجاهل معه معلومات كثيرة جداً لكنها كلها غلط.
أيها الأخوة، قالوا: يمكن أن تخدع معظم الناس لبعض الوقت، هذا باطل.
﴿ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً ﴾
( سورة الإسراء )
الله يكشف، ويمكن أن تخدع بعض الناس لكل الوقت، وهذا باطل، ﴿ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً ﴾
أما أن تخدع معظم الناس لكل الوقت هذا مستحيل وألف ألف ألف مستحيل لأن ﴿ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً ﴾
من لوازم الحق أن الله جلّ جلاله لابدّ من أن يظهره:
ما معنى كلمة حق ؟ الله اسمه "الحق"، اسمه "الحق" وهذا أخطر معنى في هذا الاسم، أنه لابدّ من أن يظهر "الحق" فإذا كنت على حق فاطمئن، فالله سوف يبرئك ويرفع ذكرك وقدرك.
الله "الحق"، من لوازم هذا الاسم العظيم أن الله جل جلاله لابدّ من أن يظهر "الحق" إن كنت على حق فالمستقبل لك، وسوف يظهر الله "الحق"، وسوف تعلو، وإن كنت ذكياً جداً لكن على باطل، ذكاؤك، وطلاقة لسانك، وقوة إقناعك لا تجديك نفعاً عند الله فلابدّ من أن يفضحك الله عزّ وجل.
إنسان ببلد عربي جاء بمواد غذائية مصنعة للكلاب، ونزع اللصاقات بمستودع ضخم، ووضع لصاقات أخرى، أنها صالحة لبني البشر، وحقق أرباحاً طائلة، هناك علبة واحدة نسي المكلف بإبدال اللصاقات أن يبدل لصاقتها، كُشف الأمر ودُمر، لأنه ارتكب جريمة بحق الأمة، طعام للكلاب تقدمه لبني البشر ؟ نسيان هذا العامل فعل الله عز وجل.
مستحيل أن تخدع معظم الناس لكل الوقت، لكن الله يمتحنك، ولابدّ من أن تكشف الحقيقة.
أحمق إنسان في الأرض هو الذي لا يدخل عقاب الله في حساباته:
الآن الله عز وجل له سياسة، سياسته إرخاء الحبل، الحبل مرخى، يتوهم الإنسان أنه يفعل ما يريد، ويأخذ من المال ما يريد، ويعتدي على الأعراض كما يشاء، هو قوي، ومعه أتباع أقوياء، يعني كالعالم القوي معه الإعلام، معه الأقمار الصناعية، معه الاتهام الجاهز لكل إنسان قال له لا، معه كل شيء، لكن حينما ينسى هذا القوي أن الله موجود، وأنه في قبضة الله، وأنه في أية لحظة يفضحه الله عز وجل، يكون من أغبى الأغبياء.
أنا أقول لكم أيها الأخوة، أغبى إنسان في الأرض، أحمق إنسان في الأرض، هو الذي لا يدخل عقاب الله في حساباته، قوي، كل شيء بيده، نسي أن الله موجود، وأنه في قبضة الله، وأنه في أية لحظة يدمره الله عز وجل. الإنسان مخير لا مسير:
لذلك من سياسة ربنا أنه يرخي الحبل، من هو الأحمق ؟ الذي يتوهم أنه ما في حبل إطلاقاً، لكن الحبل مرخى، قال تعالى:
﴿ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ﴾
( سورة الأعراف )
معنى متين: المتانة صفة مقاومة قوى الشد، أي مربوط بحبل لا يمكن أن ينقطع لكن سياسة ربنا أنت مخير، معنى مخير يمكن أن تأكل المال الحرام، وأن تستمتع به إلى أمد طويل، وأن تتألق في المجتمع، والحبل مرخى، وفي لحظة حاسمة بحسب حكمة الله عزّ وجل، في لحظة واحدة يكشف الأمر، وتسقط، ويمكن أن تطيع الله إلى أمد طويل، ولا تجد من الله شيئاً، ممكن، إنك لست في دار جزاء، إنك في دار ابتلاء، في دار ابتلاء ولست في دار جزاء، يعني ملخص أنك مخير أي أنت ممكن أن تطيع الله، ولا يحدث شيئاً، ضغطك 8 ـ 12، النبض 80، التحليلات كلها إيجابية جيدة، وفق النسب الطبيعية وقوي، وتأكل المال الحرام، وتنتهك أعراض الناس، وتستعلي على الناس ما في مشكلة هنا الابتلاء، الحبل مرخى من أجل أن تأخذ أبعادك، من أجل أن تعبر عن ذاتك تماماً. ﴿ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ ﴾
( سورة الأنفال الآية: 42 )
شيء خطير، وكلام خطير جداً، يمكن أن تعصي الله، يمكن أن تنكر وجوده أصلاً، وسبعين سنة الذي رفع لواء لا إله، سبعين سنة، قوة، وقنابل نووية، وتسابق تسليح، ومع ذلك الحبل مرخى، في لحظة واحدة جاء أمر الله عز وجل، والطرف الآخر أمامه هذا الإجراء الإلهي، الطرف الثاني إن شاء الله. قضاء الله عز وجل لن يخرج الإنسان من الاختيار إلى الاضطرار:
أيها الأخوة، مرة رجل شارب خمر سيق إلى سيدنا عمر، فقال: أقيموا عليه الحدّ، قال: والله يا أمير المؤمنين إن الله قدر عليّ ذلك، قال: أقيموا عليه الحدّ مرتين مرة لأنه شرب الخمر، ومرة لأنه افترى على الله، الآن دققوا بقول سيدنا عمر، قال له: ويحك يا هذا، إن قضاء الله لم يخرجك من الاختيار إلى الاضطرار.
الآن يأتيكم بديل، لو أن الله عز وجل كلما شخص كذب كذبة يمرض، ما عاد يكذب، كلما ألقى نظرة إلى امرأة لا تحل له يفقد بصره، ما ينظر، إذاً ما عاد مخيراً، صار مضطراً، الآن الأقوياء يطاعون اضطراراً، يا ترى طاعة الأتباع للأقوياء تعد طاعة ؟ لا أبداً، قهر، ما في طاعة أبداً، الله أراد أن تكون العلاقة بينه وبيننا علاقة حب، علاقة اختيار، أن تأتيه طائعاً، الأقوياء يطاعون قسراً، ولا يمكن أن تكون هذه الطاعة ثمينة إطلاقاً، من خوف الناس يطيعون الأقوياء.
فلذلك قال له: إن قضاء الله لم يخرجك من الاختيار إلى الاضطرار، الآية:
﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ﴾
( سورة إبراهيم )
أرقى أنواع الإيمان من وصل بإيمانه إلى حق اليقين:
اسم "الحق" إن رأيت دخاناً وراء جدار، ماذا تقول بحسب الموقف ؟ لا دخان بلا نار، هذا حكم منطقي مع أنك لا ترى النار، هذا اسمه علم اليقين
﴿ كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ ﴾
لكن لو تحركت إلى وراء الجدار، ورأيت النار بعينك، هذا أرقى، هذا اسمه عين اليقين، أما إذا اقتربت من النار، وجاءك وهجها، هذا حق اليقين، أرقى أنواع الإيمان أن تصل إلى حق اليقين، هناك علم اليقين استدلال لا دخان بلا نار، وهناك عين اليقين أن ترى عين الشيء الذي تبحث عنه، وهناك حق اليقين أن تصلك آثاره، فإذا وصلت بعقيدتك إلى حق اليقين فأنت في القمة، الآية: ﴿ كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ * ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ﴾
( سورة التكاثر )
هذه سورة، هناك سورة ثانية: ﴿ إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ * فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ﴾
( سورة الواقعة )
الله عز وجل موجود و كامل فأي شيء يقرب الإنسان منه فهو حق:
أيها الأخوة، هناك بهذا الكون حقيقة واحدة، يوجد مليارات الطروحات بالأرض لكن هناك حقيقة واحدة أن الله موجود، وواحد، وكامل، أي شيء يقربك منه فهو حق، وأي شيء يبعدك عنه فهو باطل، مقياس الحق، الصدقة حق، الزكاة حق، الصلاة حق، غضّ البصر حق، الصدق حق، الأمانة حق، أي شيء يقربك منه فهو حق، وأي شيء يبعدك عنه فهو باطل، قال تعالى:
﴿ وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ﴾
( سورة الإسراء الآية: 81 )
يجب أن يترسخ في أعماق أعماقنا أن الحق هو الثابت، والهادف، والموجود واليقيني، وأن الباطل هو الوهم، والخطأ، والضلال، والدمار في الدنيا والآخرة، لذلك ﴿ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً ﴾
﴿ كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ﴾
لا يوجد إنسان يتحرك بشكل خاطئ، إلا وراءه تصور خاطئ، كل معاصي البشر وراءها تصور خاطئ يظن نفسه ذكياً، وعاقلاً، أما هو يكون جاهلاً، ومنحرفاً.
أيها الأخوة الكرام، اسم "الحق" اسم دقيق جداً، تطبيقاته للمؤمن كبيرة جداً، فطوبى لمن كان مع "الحق"، فالمستقبل له، والجنة له، والتوفيق في الدنيا، والتأييد ، والنصر، والحفظ، والويل لمن كان على باطل، فالفضيحة، والدمار، والهلاك في الدنيا والآخرة.
السعيد
08-27-2018, 07:15 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( العاشر بعد المائة )
الموضوع : اسم الله - القوى - 1 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: ( القوي):
أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "القوي".
ورود اسم القوي في القرآن الكريم و السنة الشريفة:
سما الله جلّ جلاله ذاته العلية باسم "القوي" في كثير من النصوص القرآنية، وقد ورد هذا الاسم في القرآن الكريم معرفاً بأل، مقترناً باسم الله العزيز في موضعين، الأول قال تعالى:
﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ ﴾
( سورة هود )
وفي موضع آخر في قوله تعالى: ﴿ اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ ﴾
( سورة الشورى )
وورد أيضاً منوناً في خمسة مواضع منها قوله تعالى: ﴿ مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾
( سورة الحج )
أما في السنة فقد ورد عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت عن يوم الخندق:
(( وبعث الله عز وجل الريح على المشركين فكفى الله عز وجل المؤمنين القتال وكان الله قوياً عزيزاً ))
[رواه أحمد عن عائشة]
تعريف القوي في اللغة:
أيها الأخوة، "القوي" في اللغة صفة مشبهة للموصوف بالقوة، وقد قوي، وتقوى قوة فهو قوي، يقال: قوى الله ضعفك أي أبدلك مكان الضعف قوة، فالقوة نقيض الضعف، والوهن، والعجز، وهي الاستعداد الذاتي، والقدرة على الفعل، وعدم العجز عن القيام به، قال تعالى لسيدنا موسى (عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام) عن الألواح:
﴿ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ ﴾
( سورة الأعراف الآية: 145 )
أي خذها بقوة في دينك وحجتك، وقال جلّ جلاله لسيدنا يحيى عليه السلام: ﴿ يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ ﴾
( سورة مريم الآية: 12 )
أي بجد، وعون من الله تعالى. الحبّ في الله عين التوحيد والحبّ مع الله عين الشرك:
أيها الأخوة، الله جلّ جلاله هو "القوي" بل هو "القوي" وحده، ولا قوي سواه، وكل قوة في الأرض مستمدة من قوة الله، كل قوة في الأرض في الذوات والأشياء مستمدة من قوة الله تعالى، تأييداً للمؤمنين، أو استدراجاً لغير المؤمنين، أو تسخيراً للجمادات، لحكمة بالغةٍ بالغة عرفها من عرفها، وجهلها من جهلها، الآية الدقيقة أيها الأخوة، يحتاجها كل واحد منا، قال تعالى:
﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ﴾
( سورة البقرة الآية: 165 )
العلماء قالوا: هناك حب في الله، وهناك حب مع الله، الحبّ في الله عين التوحيد والحبّ مع الله عين الشرك، والفرق كبير بينهم، إنك تحب الله، محبة الله هي الأصل، من لوازم هذه المحبة أن تحبّ رسوله، أن تحبّ أنبياءه، أن تحبّ رسله، أن تحبّ أصحاب النبي جميعاً، أن تحبّ المؤمنين، أن تحبّ أولياء الله الصالحين، أن تحبّ زوجتك، أن تحبّ أولادك، أن تحبّ المساجد، أن تحبّ كتاب الله، أن تحبّ قراءته، أن تحبّ تفسيره، أن تحبّ فهمه، هذا حبّ في الله، هناك حبّ أصلي، وهناك فروع لهذه المحبة، أما الحب مع الله أن تحب جهة لا يرضى الله عنها، لكن مصلحتك مرتبطة بها، هذا حب مع الله، الأول عين التوحيد، والثاني عين الشرك، الآن: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ﴾
( سورة البقرة الآية: 165 )
من أطاع إنساناً و عصى خالقاً أطاعه في معصية:
الإنسان لا يقول إنني أحب فلاناً كحب الله، ليس في العالم الإسلامي من يجرؤ على أن يقول هذا، لكن البطولة أن تكون في مستوى هذا الكلام، الإنسان حينما يطيع إنساناً ويعصي خالقه، إنه أحله محلّ العبادة، أطاعه في معصية.
فالعبرة لا في الألفاظ ولكن في السلوك، لو سألت مليار وخمسمئة مليون مسلم ألا تؤمن باليوم الآخر ؟ أنا أؤكد لكم أن واحداً من بين الستة آلاف مليون، أو بين المليار والنصف بالدقة لا يقول لا، يقول نعم، لكن هل في عمل المسلمين، أو في عمل بعض المسلمين، أو في عمل معظم المسلمين ما يؤكد أنه مؤمن بالله واليوم الآخر ؟ الذي يأكل المال الحرام جهاراً نهاراً لا يؤمن باليوم الآخر إيماناً حقيقياً، يؤمن باليوم الآخر إيماناً شكلياً هذا التكذيب العملي خطير جداً، الذي يطيع زوجته ويعصي ربه، الذي يغش المسلمين من أجل مبالغ معينة، يراها أكبر من الله، فلذلك:
﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ﴾
﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ ﴾
( سورة البقرة الآية: 165 )
الله عز وجل أصل الجمال و الكمال و النوال:
الآن النقطة الدقيقة: أن هذا الإنسان حينما عصى الله عز وجل لماذا ؟ من أجل بيت فخم، من أجل امرأة جميلة، من أجل سيارة فارهة، من أجل منصب رفيع، لماذا يعصي الله ؟ أُخذ بجمال هذه المرأة، أُخذ بفخامة هذا البيت، أُخذ بنعومة هذه المركبة، إذاً هو الذي دفعه إلى أن يعصي الله الجمال، وقد غاب عنه أن الجمال الحقيقي عند الله، لأنه أصل الجمال، وغاب عنه أن الكمال الحقيقي عند الله، أن القوة الحقيقية عند الله، وأنه أصل كل قوة، والإنسان كما تعلمون مفطور على حبّ الكمال، والجمال، والنوال، بين المؤمن وغير المؤمن، المؤمن يعلم علم اليقين أن أصل الجمال، وأصل الكمال، وأصل النوال، هو الله، تعلق بالأصل وترك الفرع، بينما غير المؤمن تعلق بالفروع، تعلق بكائن قوي، ونسي قوة الله، تعلق بكائن جميل الصورة، ونسي جمال الله، وهكذا، الآية
﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ ﴾
الله عزّ وجلّ منح الإنسان أشياء لا تعد و لا تحصى:
﴿ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ ﴾
( سورة البقرة الآية: 165 )
كأن القوة هنا تعطي ملامح ثلاثة، قوة في الجمال، أو قوة في الكمال، أو قوة في النوال (العطاء)، الله المعطي، منحك الوجود، منحك نعمة الإيجاد. ﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً ﴾
( سورة الإنسان )
منحك قوة الإمداد، منحك نعمة الهدى والرشاد، منحك عقلاً، منحك سمعاً وبصراً، منحك محاكمة، منحك زوجة، منحك أولاداً، منحك حرفة تتكسب بها، منحك أشياء لا تعد ولا تحصى، ﴿ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ ﴾
﴿ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ ﴾
( سورة البقرة الآية: 165 )
أسعد لحظات المؤمن عند لقاء ربه تعالى:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2344/01.jpg
لذلك أيها الأخوة، أرجحكم عقلاً أشدكم لله حباً، أي شيء تحبه لابدّ من أن يفارقك، أو أن تفارقه، شخص يحب امرأته حباً لا حدود له، لابدّ من أن يموت قبلها، أو تموت قبله.
إذاً إذا أحببت ما سوى الله الفراق حتمي، الله عز وجل حي باقٍ على الدوام لذلك الصحابة الكرام، قرأت عنهم كثيراً، وجدت ملمحاً خطيراً أنهم جميعاً بينهم قاسم مشترك واحد، وهو أنهم كانوا في أسعد لحظات حياتهم عند لقاء ربهم، والقياس هو الموت هل تستطيع أن ترى الموت تحفة ؟ أن ترى الموت عرساً ؟.
والله الذي لا إله إلا هو وا كربتاه يا أبتِ، قال: لا كرب على أبيك بعد اليوم غداً نلقى الأحبة محمداً وصحبه.
هل يوجد حدث مستقبلي بحياتنا جميعاً أقوى من الموت ؟ هل يستطيع شخص من بني البشر بما فيهم الملوك والأنبياء أن ينجو من الموت ؟ أبداً، أخطر حدث مستقبلي مغادرة الدنيا، من هو العاقل ؟ من هو الذكي ؟ من هو الموفق ؟ من هو الفالح ؟ من هو الناجح ؟ الذي يتكيف مع هذه اللحظة.
الله جلّ جلاله سما ذاته العلية باسم "القوي" لأنه :
1 ـ موصوف بالقوة لا يغلبه غالب:
أيها الأخوة، "القوي" سبحانه وتعالى هو الموصوف بالقوة، والإنسان في أصل فطرته يعجب بالـ "القوي"، أنت اجلس بمجلس، هناك عشرة رجال، أحدهم قوي جداً يتمتع بمنصب رفيع، تجد الحاضرون كلهم تنعقد أبصارهم عليه، ينظرون إليه هكذا، يسألونه، خطف الأبصار كلها لأنه قوي، و هناك إنسان آخر خطف الأبصار كلها لأنه غني، وهناك إنسان أنيق جداً، وسيم الطلعة، وجهه لطيف، الناس كلهم ينظرون إليه، الجمال، والكمال، والنوال يجلب الأنظار،فكيف إذا علمت أن كل جمال في الكون مسحة من جمال الله، وكل كمال في البشر مسحة من كمال الله ؟
شخص أعطاك مركبة، لكن الله منحك زوجة، منحك أولاداً، منحك أجهزة دقيقة جداً.
لذلك الله سبحانه وتعالى موصوف بالقوة، وصاحب القدرة المطلقة، لا يغلبه غالب، وإن كان كلمة مؤلمة أحياناً: الإنسان يتعلق بالقوي ولو كان عدوه، قوي، أمره نافذ ، يتكلم ينفذ، تجد حتى الدول التي تهزم من قبل الأقوياء القوي مع أنه عدو لكن ينتزع إعجاب الأفراد المهزومين، فكيف بك إذا تعلقت بأقوى الأقوياء، تعلقت بالـ"القوي" الحقيقي وقوته يمكن أن تنتفع بها، أنت قوي إذا كنت مع القوي، وأنت غني إذا كنت مع الغني وأنت عالم إذا كنت مع العالم، وأنت حكيم إذا كنت مع الحكيم.
2 ـ قوي في فعله قادر على إتمامه:
قضية أسماء الله الحسنى أنا أرى أنها من أخطر الموضوعات في الدين، الإنسان ضعيف، يقوي ضعفه بالله، يصبح قوياً، والإنسان جاهل يلغي جهله بمعرفة الله، الإنسان أحياناً ما عنده حكمة يكون حكيماً إذا اتصل بالله.
إذاً الله جلّ جلاله لا يغلبه غالب، ولا يرد قضاؤه راد، ولا يمنعه مانع، ولا يدفعه دافع، وهو "القوي" في فعله، القادر على إتمام فعله، أحياناً إنسان يبدأ لكن لا يتابع هناك عقبات كأداء حالت بينه وبين المتابعة.
3 ـ قوي في بطشه لا يعتريه ضعف أو قصور:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2344/02.jpg
"القوي" في بطشه، أحياناً إنسان طاغية يتفنن في إذلال العباد، تأتي قدرة الله عز وجلّ فيبطش به، ترتاح النفوس، وسبحان من قهر عباده بالموت، مطلق المشيئة والأمل في مملكته، والله هو "القوي" سبحانه، لا يعتريه ضعف أو قصور، قيوم لا يتأثر بوهم أو فتور، ينصر من نصره، ويخذل من خذله.
﴿ إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ ﴾
( سورة محمد الآية: 7 )
هناك هدف للمسلمين الآن يفوق من أن ننتصر على أعدائنا وما أكثرهم ؟ أكبر هدف الراحة لنا أن ننتصر، أن نستمع أننا أقوياء، وانتصرنا، النصر بيد الله، وثمنه بيدنا الثمن أن ننصر الله، أن ننصر دين الله، ﴿ إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ ﴾
﴿ إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 160 )
وإذا كان الله معك فمن عليك، وإذا كان عليك فمن معك، ويا رب ماذا فقد من وجدك وماذا وجد من فقدك ؟ 4 ـ كتب الغلبة لنفسه فقط:
و "القوي" سبحانه، الذي كتب الغلبة لنفسه فقط، بالمناسبة: أحياناً تأتي كلمة كتب مقترنة بفعل الله، الله عنده كتابة ؟ نحن بني البشر نكتب، لماذا ؟ الشيء إذا موثق بالكتابة مريح، يقول لك: معي سند، معي موافقة خطية، معي إيصال، معي عقد ، الإنسان من ضعفه بحياته هناك اتفاقات شفهية، و اتفاقات كتابية، أي اتفاق شفهي يُنكر، أما الكتابة ثابتة، فالله عز وجل مراعاة لعقليتنا يقول:
﴿ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ﴾
( سورة الأنعام الآية: 54 )
اطمئن. ﴿ كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي ﴾
( سورة المجادلة الآية: 21 )
إذا جاءت كلمة كتب مقترنة بفعل الله عز وجل كي يطمئن عباده، الآية: ﴿ كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي ﴾
هذه آيات زوال الكون أهون على الله من ألا تتحقق:
﴿ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾
( سورة المجادلة )
﴿ إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾
( سورة غافر الآية: 51 )
﴿ إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 160 )
﴿ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ﴾
( سورة الصافات )
﴿ وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾
( سورة الروم )
والله أيها الأخوة، هذه آيات زوال الكون أهون على الله من ألا تتحقق، لكن الكرة في ملعبنا، علينا أن ننصر الله حتى نستحق نصره، أنا أعود وأقول دائماً: اللهم انصرنا على أنفسنا حتى ننتصر لك، حتى نستحق أن تنصرنا على أعدائنا، والحديث الشريف:
(( هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلَّا بِضُعَفَائِكُمْ ))
[ البخاري عن مصعب بن سعد ]
إذا نصرنا الضعيف، الفقير، الجائع، المظلوم ينصرنا الله عز وجل. 5 ـ موصوف بالقوة المطلقة:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2344/03.jpg
"القوي" هو الكامل، القدرة على كل شيء، الذي لا يستولي عليه العجز في حال من الأحوال، والموصوف بالقوة المطلقة، قال تعالى:
﴿ مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾
( سورة الحج )
﴿ قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى * قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ﴾
( سورة طه )
أنت حينما تقول في الصلاة: سمع الله لمن حمده، يعني أنا أسمعك يا عبدي.
(( إِنَّ اللَّهَ يُمْهِلُ حَتَّى إِذَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَوَّلُ نَزَلَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ ؟ هَلْ مِنْ تَائِبٍ ؟ هَلْ مِنْ سَائِلٍ ؟ هَلْ مِنْ دَاعٍ ؟ حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ ))
[ مسلم عن أبي هريرة]
(( ولو علموا ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبواً ))
[أخرجه البخاري وابن خزيمة عن أبي هريرة ]
وأنا أبشركم:
(( من صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله حتى يمسي، ومن صلى العشاء في جماعة فهو في ذمة الله حتى يصبح ))
[ أحمد]
فإذا أدركت العشاء والفجر في المسجد في جماعة فقد أخذت ضمانة من الله في اليوم بأكمله. 6 ـ متناهٍ في القوة:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2344/04.jpg
"القوي" المتناهي في القوة، الذي تتصاغر كل قوة أمام قوته، يعني زلزال تسونامي يساوي مليون قنبلة ذرية، هناك جزر انزاحت، هناك حديث طويل عن هذا الزلزال هذا مثل لقوة الله عز وجل.
يتضاءل كل عظيم عند ذكر عظمته، الله تعالى أعطى الملائكة قوة كبيرة يستطيع الملك بها أن يقتلع الجبال، وأن يقلب المدن، يقول لك: سبعة رختر، يعني دمر كل شيء مدينة بأكملها، أصبحت:
﴿ قَاعاً صَفْصَفاً ﴾
( سورة طه )
زلزال وقع في إزميت بتركيا هناك صورة عُرضت في البي بي سي، في الموقع بالانترنيت تلفت النظر كل شيء في المدينة أصبح ركاماً، تفتت المدينة فتاتاً عجيباً إلا مسجداً، ومعهداً شرعياً، هذه الصورة تركت أثراً بالعالم، إزميت بأكملها أصبحت ركاماً، أحياناً يكون في قطع كبيرة، كل هذه المدينة قطع صغيرة، الارتفاع متر تقريباً، إلا مسجداً معهداً شرعياً، هذه رسالة من الله. 7 ـ له كمال القدرة والعظمة ولا يعجزه شيء:
"القوي" هو الذي له كمال القدرة والعظمة، ولا يعجزه شيء، قال العلماء: "القوي" غالب لا يُغلب، يُجير ولا يُجار عليه، فقوته فوق كل قوي، ما قولك أن تكون مع هذا "القوي" ؟ هل تخشى أحداً ؟ هل ترتعد فرائصك ؟ إذا كنت مع "القوي" فأنت "القوي".
من عرف الله زهد فيما سواه:
الإنسان أيها الأخوة، يعجب بالقوة، ويتأثر بالكمال، وأحياناً يتطلع إلى الأقوياء، والله سبحانه وتعالى من عظمته جلّ جلاله يجمع بين القوة وبين الكمال.
﴿ تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾
( سورة الرحمن )
الرحيم، الرحمن، اللطيف، المعطي، الحنان، المنان، هذه أسماء الكمال ، القوي، الجبار، المنتقم من أسماء القوة، أنت مع قوي ومع رحيم، مع قوي ومع لطيف ، مع قوي ومع كريم.
والإنسان لا يعجب بقوي لئيم، ولا بمحسن ضعيف، يعجبه أن تجتمع القوة والكمال في جهة واحدة، الله وحده في كمالاته، وفي قوته، ما يملأ طموح الإنسان، لذلك من عرف الله زهد فيما سواه.
أيها الأخوة، التدين حاجة فطرية، حتى أتباع الديانات الأرضية، الوضعية يلبون حاجة في نفوسهم، الإنسان خلق ضعيفاً ليفتقر في ضعفه، فيسعد بافتقاره، ولو خلق قوياً لاستغنى بقوته فشقي باستغنائه، حتى أتباع الديانات الباطلة، الوضعية، المختلقة، هم يلبون حاجة لأن الإنسان خلق ضعيفاً، لحكمة بالغةٍ بالغة أن المسلم عرف "القوي" الحقيقي ، طبعاً هناك آلهة كالشمس، والقمر، والحجر، والمدر، والبقر، آلهة في بعض البلاد، فالمسلم من عظمة هذا الدين أنه تعرف إلى الإله القوي الحقيقي، الذي هو معه.
السعيد
08-27-2018, 12:13 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الحادى عشر بعد المائة )
الموضوع : اسم الله - القوى - 2 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: (القوي):
أيها الأخوة الأكارم، لازلنا في اسم "القوي".
من عزا فضل الله عز وجل إليه أخطأ خطأ فاحشاً:
هناك حقائق دقيقة وخطيرة تتعلق بعلاقة الإنسان باسم "القوي"، أنت ضعيف هذا سبب قوتك، وأنت قوي مع الله هذا سبب ضعفك، حينما تشعر أنك تملك خبرات، أنك تملك قوى معينة، حينما تقول أنا، حينما تعزو فضل الله إليك لا إلى الله عز وجل، هذا سبب ضعفك، وحينما تعزو فضل الله إلى الله وحينما تُعرب عن افتقارك، هذا سر قوتك.
الآن علاقة المؤمن بهذا الاسم، متى يكون المؤمن قوياً ؟ ومتى يكون المؤمن ضعيفاً ؟ حينما يعزو الفضل إلى الله، وهذه حقيقة وليست تواضعاً، الله عز وجل تفضل عليك، منحك نعمة الإيجاد، نعمة الإمداد، نعمة الهدى والرشاد، منحك اختصاصاً، مكنك من شهادة عالية، مكنك من نسب تعتز به أحياناً، مكنك من قدرة فائقة ترتزق بها، حينما تعزو الفضل إلى الله يتولاك الله، وتكون قوياً، وحينما تخطئ خطأ فاحشاً، فتعزو فضل الله إليك:
﴿ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي ﴾
( سورة القصص الآية: 78 )
أهلكه الله. ﴿ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ ﴾
( سورة الأعراف الآية: 12 )
أهلكه الله. ﴿ نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ ﴾
( سورة النمل الآية: 33 )
أهلكهم الله. ﴿ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ ﴾
( سورة الزخرف الآية: 55 )
سرّ قوة المؤمن بافتقاره إلى الله وسبب ضعفه أن يعزو فضل الله إلى ذاته:
حينما تعزو فضل الله إلى الله تكون قوياً، وحين تعزو فضل الله إلى ذاتك، وهذا خطأ كبير، تكون ضعيفاً، سرّ قوتك أن تفتقر إلى الله، سر قوتك أن تكون موضوعياً في هذا الموضوع، لولا أن الله تفضل عليك، لولا أن الله مكنك، لولا أن الله أعطاك، لولا أن الله سمح لك، لولا أن الله وفقك، لولا أن الله نصرك، لولا أن الله حفظك، لولا أن الله أمدك لست شيئاً مذكوراً، فسر قوة المؤمن بافتقاره إلى الله، وسبب ضعفه أن يعزو فضل الله إلى ذاته.
طبعاً كشاهد قرآني، أصحاب رسول الله هم قمم البشر في بدر:
﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 123 )
يعني مفتقرون إلى الله، هم هم، ومعهم سيد الخلق، وحبيب الحق في حنين:
(( ولن يُغْلَبَ اثنا عَشَرَ ألفا مِنْ قِلَّةٍ ))
[أخرجه أبو داود والترمذي عن عبد الله بن عباس ]
فتخلى الله عنهم. ﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ﴾
( سورة التوبة )
والله أيها الأخوة الأكارم، هذا الدرس نحتاجه كل ساعة، لا كل يوم، قبل أن تلقي درساً، قبل أن تجري عملية جراحية، حينما تفتقر إلى الله، يا رب وفقني، يا رب أنا ضعيف قوني، يا رب أنا جاهل علمني، يا رب أنا لست حكيماً ألهمني الحكمة، أنت حينما تفتقر إلى الله يأتي المدد الإلهي، تكون أقوى الناس، تكون أحكم الناس، تكون أقدر الناس. من عزا فضل الله عز وجل إلى الله أتاه المدد الإلهي و أصبح قوياً متفوقاً:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2345/01.jpg
هذا اللقاء الطيب علاقة المؤمن باسم "القوي"، قوة الله معك إذا كنت مفتقراً إليه، قوة الله معك إذا أعلنت أن كل ما تملك من خصائص من فضل الله عليك، تجد المؤمن في حديث لطيف، والله عز وجل أكرمني، الله مكني، الله سمح لي، سمح لي أن أدعو إليه هذا فضل الله عز وجل، سمح لي أن يكون عندي زوجة و أولاد، منحني أولاد، منحني أولاد في الأصل كاملي الخلق، هذه نعمة كبيرة، يقول لك عنده ولد منغولي، ما بيده شيء، عنده ابن فيه عاهة خلقية، تصبح حياة الأسرة جحيماً لا تطاق، أي غلطة بجسم ابنك يصبح البيت جحيماً لا يطاق، فإذا كنت تنعم بأولاد أصحاء، بزوجة وفية، طاهرة، هذا من فضل الله عليك، عقلك في رأسك هذه نعمة كبرى.
أيها الأخوة، الموضوع واسع جداً، حينما تعزو فضل الله إلى الله، وتعترف بفضل الله عليك، يأتي المدد الإلهي، تكون قوياً، متفوقاً، أما إذا عزوت فضل الله إلى جهدك، ودأبك، وسهرك، وذكائك، وخبراتك المتراكمة، وأنك ابن فلان، وأن تعتز بغير الله، يتخلى الله عنك، هذا الدرس يحتاجه المؤمن كل ساعة.
أنا أرى أنه قبل أن تدخل إلى عيادتك، إلى مكتبك الهندسي، إلى مكتب المحاماة إلى دكانك: اللهم إني تبرأت من حولي وقوتي وعلمي، والتجأت إلى حولك وقوتك وعلمك يا ذا القوة المتين.
إن أردت أن تكون قوياً فافتقر إلى الله، إن أردت أن تكون ضعيفاً فاعتز بذاتك، وباختصاصك، وبعلمك، وبطاقتك، وبخبراتك المتراكمة، هذه واحدة.
من أقام عمله على منهج الله عز وجل كان قوياً في عمله:
الآن إذا كنت مطيعاً لله، هذا سبب قوتك، وإذا كان هناك معصية هذا سبب ضعفك.
﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ﴾
( سورة الأحزاب )
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2345/02.jpg
إنسان بأعلى درجات الذكاء، له عمل تجاري أكل المال الحرام، وهو في أعلى درجات الذكاء غش المسلمين، وهو بأعلى درجات الاحتياط، يؤتى الحذر من مأمنه يرتكب حماقة ما بعدها حماقة، يسبب دمار نفسه، المعاصي تسبب الضعف، والطاعة تسبب القوة، والتقوى أقوى.
هناك صفقة فيها شبهة، المؤمن يركلها، لكن غير المؤمن يغرى بها، على أنها فيها شبهة، وفيها معصية يأخذها، فقد تكون هذه الصفقة سبب خسارته، أو سبب إفلاسه.
أنا أضع يدي على خصائص يحتاجها كل مؤمن، الطاعة سبب التوفيق والطاعة سبب النمو، والطاعة سبب التألق، والطاعة سبب القوة، والطاعة سبب الحفظ ، والطاعة سبب التأييد، والطاعة سبب التوفيق، إن أردت أن تكون قوياً في عملك أقم هذا العمل على منهج الله، لا تعبأ بشيء يغريك، أو بتهديد يخيفك، المؤمن لا يتأثر لا بسبائك الذهب اللامعة، ولا بسياط الجلادين اللاذعة، يرى أن الله هو كل شيء، وأنه مع الله، وإذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإن كان الله عليك فمن معك ؟ ويا رب ما فقد من وجدك ؟ وماذا وجد من فقدك ؟.
﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ﴾
(سورة الأحزاب )
من لم تحدث المصيبة في نفسه موعظة فمصيبته في نفسه أكبر:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2345/03.jpg
دائما اتهم نفسك، لا تحابي نفسك، وقعت في أشكال أين المعصية ؟ أين المخالفة ؟ أين الدخل الحرام ؟ بلا سبب لا يوجد مصيبة:
﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ﴾
من لم تحدث المصيبة في نفسه موعظة فمصيبته في نفسه أكبر, أكبر مصيبة ألا تتعظ بالمصيبة.
﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ﴾
( سورة الشورى الآية: 30 )
(( ما من عثرة، ولا اختلاج عرق، ولا خدش عود إلا بما قدمت أيديكم، وما يغفر الله أكثر ))
[ أخرجه ابن عساكر عن البراء ]
سبب قوتك أن تعزو الفضل إلى الله، وأن تفتقر إليه، سبب ضعفك أن تعزو فضل الله إليك، وهذا سبب ضعفك، سبب قوتك أن تكون مطيعاً لله، مطبقاً لمنهج الله لأن الله سبحانه وتعالى إذا رآك في طاعة أمدك، أمدك بالقوة، أمدك بالهيبة، أمدك بالتوفيق ، أمدك بالحفظ، أمدك بالتأييد، أمدك بالنصر، إذا وجدت المعصية وجد العقاب. التوحيد سبب قوة المؤمن:
الآن أنت موحد هذا سبب قوتك، وقعت في شرك خفي هذا سبب ضعفك، هذه البنود تلتقي مع بعضها بعضاً، لكن للتوضيح، التوحيد سبب قوتك، عدم التوحيد سبب الضعف، أنت حينما ترى أن الله وحده هو الفعال.
﴿ فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ ﴾
( سورة الزخرف الآية: 84 )
﴿ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً ﴾
( سورة الكهف )
الله عز وجل: ﴿ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾
( سورة الزمر )
﴿ لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ﴾
( سورة الأعراف الآية: 54 )
من كان موحداً رأى أن الأمر كله بيد الخالق سبحانه:
أنت حينما ترى الله فعالاً، أنت حينما ترى كما في قوله تعالى:
﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾
( سورة الفتح )
ما سلمك إلى غيره، ولو سلمك إلى غيره كيف تعبده ؟ قال لك:
﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ ﴾
( سورة هود الآية: 123 )
متى أمرك أن تعبده ؟ حينما طمأنك، قال لك: كل قضاياك عندي، صحتك ، بيتك، زوجتك، أولادك، عملك، من هو فوقك في العمل بيدي، من هو دونك بالعمل بيدي، من حولك، كل شيء يؤثر بوجودك، وبسلامة وجودك، وبكمال وجودك، وباستمرار وجودك بيدي.
أنت إذا لك معاملة بدائرة، قال لك الموافقة على هذا الطلب من اختصاص المدير العام، ولا شخص في كل هذه الدائرة من عشرة طوابق، في كل طابق فيه خمسين موظفاً، لا يستطيع واحد في كل هذه الدائرة أن يوقع لك بالموافقة إلا المدير العام، هل يعقل أن تبذل ماء وجهك لموظف ؟ لا، لا تستطيع، تتجه إلى المدير العام، هذا مثل. الموحد إنسان قوي و متفوق:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2345/04.jpg
أنت حينما تؤمن أن كل سلامتك، وسعادتك، وتوفيقك، وقوتك، وحفظك ، وتأييدك، ونصرك بيد الله، هل تتجه إلى غيره ؟ مستحيل، إذا شعرت بافتقارك إلى الله هذا سرّ قوتك، إن اعتززت بما وهبك الله إياه، وعزوته إلى نفسك هذا سر ضعفك، إن كنت مطيعاً لله، هذا سرّ قوتك، إن عصيته من أجل شيء دنيوي.
من ابتغى أمر بمعصية كان أبعد مما رجا، وأقرب مما اتقى.
هذا سر ضعفك، إن كنت موحداً ترى أن الله بيده كل شيء، وأن الله سبحانه وتعالى إله في السماء، وإله في الأرض، والأمر بيده، هو المعطي، وهو المانع، هو الرافع، هو الخافض، هو المعز، هو المذل، عندما توحد تكون قوياً، لأنك أصبحت قوياً بالله، أصبحت غنياً بالله، أصبحت حكيماً بالله، أصبحت متفوقاً بالله عز وجل.
بطولة الإنسان لا أن يصل إلى القمة بطولته أن يبقى فيها:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2345/05.jpg
هناك فكرة دقيقة جداً: الإنسان طموح أودع الله فيه حاجة إلى الطعام والشراب حفاظاً على وجوده، وأودع فيه حاجة إلى الطرف الآخر حفاظاً على بقاء النوع فيتزوج، بعد أن أكل فشبع، وتزوج فقضى هذه الحاجة، عنده حاجة ثالثة، هي تأكيد الذات، التفوق، الآن أراد التفوق، فسلك طريق القمة، الطريق صعب، بعد جهد جهيد، ومحاولات مضنية، ويقول لك معركة بالتفوق، هناك منافسون، هناك أعداء، هناك معترضون، هناك من يخذلون، بعد جهد جهيد وصل إلى القمة، اسمعوا هذا الكلام: ليست البطولة أن تصل إليها البطولة أن تبقى فيها، أما النزول من القمة تصور طريقاً من بلاط ثقيل مع صابون الصعود متعب جداً، أما النزول يتم بثانية، عند الاغترار أحد أسباب ضعف الأقوياء الغرور، القوي حينما يغتر بقوته يرتكب حماقة لا يرتكبها طفل.
المتواضع لله يُلهم الحكمة:
لذلك ليست البطولة أن تصل إلى القمة، البطولة أن تبقى في القمة، لما النبي عليه الصلاة والسلام دخل مكة فاتحاً بعد عشرين سنة من المعاناة، بعد عشرين سنة من الحروب مع قريش، بعد عشرين سنة من تنكيل قريش لأصحابه، والتآمر عليه، ومحاولة قتله، وعشرين سنة من التعامل مع اليهود، بعد هذه الحقبة دخل مكة فاتحاً، كيف دخلها ؟ دخلها مطأطئ الرأس، حتى كادت ذؤابة عمامته تلاصق عنق بعيره تواضعاً لله.
البطولة لا أن تبلغ القمة، باختصاصك، هناك طبيب بمدينة عربية طبيب نسائي له صديق طبيب، زوجته حامل، بالحمل إشكال كبير، فقال له: أنا اختصاصي، وأنا أول طبيب بهذه المنطقة، بكبر، هو طلب منه يشترك معه طبيب آخر، فغضب، وقال له: أفهم مني لا يوجد بهذه المدينة كلها، فكلامه فيه كبر، ببلد عربي أول حالة بتاريخ هذه البلد تسحب شهادة طبيب، ارتكب حماقة أثناء الولادة أودى بحياتها، ارتكب حماقة لا يرتكبها ممرض فأول إنسان تسحب شهادته لأنه تكبر.
يا أيها الأخوة، القضية دقيقة جداً، لا تقل أنا، قل بفضل الله عز وجل.
الآن الصعود للقمة صعب جداً، أما النزول منها سهل جداً، بالغرور، فالمغتر يرتكب حماقات لا يرتكبها الأطفال، والمتواضع لله يلهم الحكمة.
﴿ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ﴾
( سورة البقرة الآية: 269 )
الإنسان ضعيف لا يملك شيئاً لكن يملك أن يسأل الله عز وجل:
الآن هناك فكرة دقيقة، أنت ضعيف، بالأساس ضعيف.
﴿ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً ﴾
( سورة النساء )
ولا تملك شيئاً، ضعيف، سامحوني بهذا الكلام، على جاهل، على أخرق، هذا الإنسان، الإنسان إذا كان مع الله يكون قوياً، وإذا كان مع الحكيم يكون حكيماً، إذا كان مع الرحيم يكون رحيماً، فأنت ضعيف لا تملك شيئاً، لكن تملك أن تسأل الله، بصدق.
﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُوماً مَدْحُوراً * وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً ﴾
الله تعالى لا يتعامل مع التمنيات فالتمنيات بضائع الحمقى:
الآن اسمعوا القانون:
﴿ كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً ﴾
( سورة الإسراء )
اطلب شيئاً شبه مستحيل بصدق تصل إليه، اطلب أن تكون أول طبيب في العالم تصل إلى هدفك، اطلب أن تكون أكبر غني كي تحسن للفقراء، تصل لهذا، أنا هذا إيماني ما أنت فيه هو صدقك، وما لست فيه تمنياتك، الذي لم تصل إليه لست صادقاً في بلوغه والذي وصلت إليه أنت صادق فيه، كلام دقيق، ما وصلت إليه هذا طلبك، وما لم تصل إليه هذه تمنياتك.
﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ﴾
( سورة النساء الآية: 123 )
الله عز وجل لا يتعامل مع التمنيات، التمنيات بضائع الحمقى. ما عند الله عز وجل لا يُنال إلا بالصدق و التواضع :
لكن:
﴿ وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً ﴾
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2345/06.jpg
فالله عز وجل ما عنده ينال بالصدق، وليكن طلبك غير معقول، اطلب ما شئت من الله، قد يجري الله على يديك خيراً لا تملك واحداً من المليون من أسبابه، بفضل الله وصلت إليه، بصدقك، اصدق الله ﴿ كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً ﴾
الأحدية، لا حول ولا قوة إلا بالله، من أجمل تفسيراتها: لا حول عن معصية الله إلا بالله، ولا قوة على طاعته إلا به، حتى لو الإنسان قال أنا إرادتي قوية يمتحنه الله عز وجل.
قال لي شخص مرة: أنا لا ألتفت للنساء إطلاقاً، ولا أتأثر، ولو نظرت إليهن ولو بالغت في النظر لا أتأثر، قلت له: والله سيدنا يوسف كلامه أصحّ من كلامك، قال: ﴿ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴾
( سورة يوسف )
انظر إلى التواضع، نبي عظيم، سيدنا إبراهيم: ﴿ وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ ﴾
( سورة إبراهيم )
من اعتزّ بنفسه وقع في شرك كبير:
إذا شخص اعتز بنفسه يقع في شرك كبير،
﴿ وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ ﴾
﴿ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ ﴾
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2345/07.jpg
عندنا بالفيزياء ما يسمى بقوى الشد، وعندنا ما يسمى بقوى الضغط، الألماس أقسى عنصر في الأرض، يتحمل قوى الضغط، أما الفولاذ المضفور أمتن عنصر في الأرض يتحمل قوى الشد، التل فريك يعلق بالحبال الفولاذية، والجسور المعلقة تعلق بالحبال الفولاذية، والمصاعد والبيوت تعلق بالحبال الفولاذية، أمتن عنصر.
ما سرّ قوله تعالى:
﴿ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ﴾
( سورة الأعراف )
الإنسان مربوط بحبل، مهما كان ذكياً، الحبل لا ينقطع، ﴿ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ﴾
في قبضة الله، بلمحة خثرة بالدماغ شُلّ، بلمحة حادث سير، بلمحة ﴿ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ﴾
لا تقل أنا، قل الله. علاقة أي إنسان مع الله عز وجل لا مع أي قوي:
أيها الأخوة، بضوء هذه المعلومات الحرب بين حقين لا تكون، لأن الحق لا يتعدد، والحرب بين حق وباطل لا تطول، لأن الله مع الحق، أما الحرب بين باطلين لا تنتهي، عندنا حرب لا تكون أصلاً، عندنا حرب لا تطول، عندنا حرب لا تنتهي، مادام في طرف مؤمن الحرب تنتهي لصالح المؤمنين، مادام في طرفين غارقين في المعاصي والآثام الحرب لا تنتهي، عرفت الله من نقض العزائم.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2345/08.jpg
بالتاريخ الحديث: أي جهة تألهت قصمها الله، باخرة قالوا عنها إن القدر لا يستطيع إغراقها، غرقت في أول رحلة، قالوا عن هذه المركبة المتحدي، بعد سبعين ثانية أصبحت كتلة من اللهب، عرفت الله من نقض العزائم، أي إنسان يؤله نفسه:
((الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني في واحد منهما قصمته ثم قذفته في النار))
[ أخرجه البخاري عن أبي هريرة]
أيها الأخوة،هناك رافعة كهربائية بمعامل الحديد أساسها وشيعة كهربائية تحمل الرافعة عشرين ثلاثين طناً، وما في قوة تزيح عنها قطعة، أما العامل على هذه الرافعة في عنده مفتاح إذا ضغطه عشرة ميلي، وقطع الكهرباء عن هذه الوشيعة كل شيء يسقط.
أنا إيماني أن الأقوياء حينما يشاء الله أن ينتهوا كبسة زر، مادام قوياً الله عز وجل سمح له أن يبقى قوياً، أنت علاقتك مع الله لا مع هذا القوي، والدليل:
﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾
السعيد
08-27-2018, 12:15 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الثانى عشر بعد المائة )
الموضوع : اسم الله - المتين - 1 -
لحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: (المتين):
أيها الأخوة الأكارم، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "المتين".
ورود اسم المتين في القرآن الكريم و السنة الشريفة:
الله جلّ جلاله سمى ذاته العلية بالـ"المتين"، وقد ورد هذا الاسم في آية واحدة في القرآن الكريم، ورد معرفاً بأل في قوله تعالى:
﴿ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ﴾
( سورة الذاريات )
وقد ورد هذا الاسم أيضاً في السنة من حديث عبد الله بن مسعود حينما قال:
(( أقْرَأَنِي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إنِّي أنَا الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ))
[أخرجه أبو داود والترمذي ]
تعريف المتين في اللغة:
أيها الأخوة، "المتين" في اللغة صفة مشبهة باسم الفاعل، للموصوف بالمتانة و "المتين" هو الشيء الثابت في قوته، أحياناً يوجد قوة طارئة تزول، أما القوة الثابتة الأبدية تعني المتانة، الشيء الثابت في قوته، الشديد في عزمه وتماسكه، والواسع في كماله وعظمته، ومتن، يمتن، متانة، أي قوي مع صلابة واشتداد.
ويلحق بمعنى "المتين" معنى الثبات، والامتداد، ويكون "المتين" بمعنى الواسع.
الآن المتن من كل شيء ما صلب ظهره، والجمع مُتون، تقول متن الحديث وأصل المادة في اللغة يدل على صلابة الشيء مع امتداد وطول، والمتن المنطقة الصلبة من الأرض، والمرتفعة، أرض متينة أي صلبة ومرتفعة.
و "المتين" الشيء الممتد الطويل مع الإحكام، ومع القوة، و "المتين" على وزن فعيل.
الله عز وجل لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماوات:
أيها الأخوة، الآن إذا قلنا الله جلّ جلاله هو "المتين" هو كامل القوة، هناك إنسان قوي لكن قوته ليست كاملة، أما جلّ جلاله:
﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾
( سورة الأعراف الآية: 180 )
الكامل القوة، الذي بلغت قدرته أقصى الغايات، ولا يعجزه شيء لا في الأرض ولا في السماوات، قوة ثابتة، قوة مستمرة، قوة ممتدة، في أي مكان، في أي زمان، في أي عصر.
والله هو "المتين" البالغ الشدة، فالله شديد القوة والقدرة، والله متم قدرته، وبالغ أمره.
أيها الأخوة، أنت حينما تكون مع "المتين" تشعر بالقوة، تشعر أن أحداً لن ينال منك، تشعر أنك في حفظ الله، تشعر أنك في رعاية الله، تشعر أنك في عين الله. من كان مع المتين رفع الله له ذكره و شعر أنه في رعاية الله عز وجل:
بالمناسبة أيها الأخوة، في قوله تعالى:
﴿ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ﴾
( سورة الطور الآية: 48 )
يجب أن نعلم علم اليقين أن أية آية وجهت للنبي عليه الصلاة والسلام لكل مؤمن منها نصيب، بقدر إيمانه، واستقامته، وإخلاصه، فإذا خاطب الله النبي عليه الصلاة والسلام، وقال له: ﴿ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ﴾
أي برعايتنا، بحفظنا، بتأييدنا، بتوفيقنا، فيا أيها المؤمن لك من هذه الآية نصيب، حتى إذا قال الله عز وجل: ﴿ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾
( سورة الشرح )
وأنت أيها المؤمن حينما تخطب ود الله عز وجل يرفع الله لك ذكرك، أية آية تقرؤها في القرآن الكريم وهي موجهة إلى النبي عليه أتم الصلاة والتسليم لك منها نصيب، بقدر إيمانك، وبقدر استقامتك، وبقدر إخلاصك. شروح اسم المتين:
الله هو "المتين" الكامل القوة، الذي بلغت قدرته أقصى الغايات، ولا يعجزه شيء لا في الأرض، ولا في السماوات.
والله هو "المتين" البالغ الشدة، والله شديد القوة، والقدرة، والله متم قدرته وبالغ أمره.
والله هو "المتين" المتناهي في المتانة، يؤثر في الأشياء، ولا تؤثر به.
والله هو "المتين" هو القوي في ذاته، الشديد الواسع، الكبير المحيط، فلا تنقطع قوته ولا تتأثر قدرته.
والله هو "المتين" هو القوي الشديد، المتناهي في القوة والقدرة، الذي لا تتناقص قدرته.
أنت لاحظ إنسان بالستين غير الأربعين، بالأربعين غير بالثلاثين، كلما تقدمت به السن تناقصت قدرته.
أيها الأخوة، والله هو "المتين" الذي لا يلحقه في أفعاله مشقة، أنت قوي لكن هناك حدود لقوتك، بعد جري 30 كم تصاب بالإعياء، إذا قلنا الله "المتين"، يعني قدرته بالغة الشدة، لا نهاية لها.
والله هو "المتين" الذي لا يلحقه في أفعاله مشقة، ولا كلفة، ولا تعب.
والله هو "المتين" أي بالغ القدرة وتامها، وهو شديد القوة "المتين".
هذه الشروح لاسم "المتين"، إذاً شرحنا اسم الله الذي سمى ذاته العلية،
﴿ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ﴾
ردّ الله سبحانه وتعالى على كيد الظالم بتدبير حكيم يحمي به المؤمنين:
أيها الأخوة، الآن في موضوع جديد متعلق بالـ"المتين" حينما قال الله عز وجل :
﴿ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ﴾
( سورة الأعراف )
الكيد هو التدبير، هناك آية ثانية:
﴿ إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً ﴾
( سورة الطارق )
أولاً ما كل اسم فاعل يمكن أن يكون اسماً لله عز وجل إذا اشتق من فعله ﴿ إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً ﴾
﴿ وَأَكِيدُ كَيْداً ﴾
( سورة الطارق )
لا يجوز أن تقول إن الله كائد، قال علماء البلاغة: هذا يسمى المشاكلة يعني أعداء الله عز وجل قد يكونون أقوياء، ويخططون، ويمكرون، ويكيدون، والله سبحانه وتعالى يرد على كيدهم الظالم بتدبير حكيم يحمي به المؤمنين، هذا التدبير الحكيم الذي يحمي به المؤمنين يسمى كيداً ﴿ إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً * وَأَكِيدُ كَيْداً ﴾
سماه الله كيداً تسمية مشاكلة.
بعض علماء البلاغة يأتي بشاهد على المشاكلة سألوه: أنطبخ لك طعاماً ؟ قال اطبخوا لي جبة وقميصاً، فجعل الجبة والقميص تُطبخان كما يطبخ الطعام من باب المشاكلة. الله عز وجل يدافع عن المؤمنين فمن كان مع الله كان الله معه:
قضية المشاكلة
﴿ إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً ﴾
يتآمرون، يخططون، يوقعون الشر بالناس، لكن الله سبحانه وتعالى ولي المؤمنين. ﴿ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ﴾
( سورة البقرة الآية: 257 )
فإذا تابع أعداء الله كيداً ظالماً لئيماً، فالله عز وجل يدبر تدبيراً حكيماً عادلاً رحيماً، يحمي به المؤمنين، من باب المشاكلة سمى الله جل جلاله تدبيره الحكيم، الذي يحمي به المؤمنين سماه كيداً من باب المشاكلة، فهذا معنى قوله تعالى: ﴿ إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً * وَأَكِيدُ كَيْداً ﴾
يستنبط من هذا الآية الكريمة التي تؤكد أن الله يدافع عن الذين آمنوا والآية واضحة، وقطعية الدلالة: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾
( سورة الحج الآية: 38 )
فإذا كنت مع الله كان الله معك.
كن مع الله ترى الله معك واتـرك الكل وحاذر طمعك
و إذا أعطـاك من يمنعه ثم من يعطـي إذا ما منعك
* * *
الله عز وجل مع المؤمنين بالتأييد والتوفيق والنصر: أيها الأخوة الكرام، قال العلماء: الله مع كل مخلوق، سمى العلماء هذه المعية: معية عامة.
﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾
( سورة الحديد الآية: 4 )
معكم بعلمه، لكن هناك معية خاصة، إذا قال الله عز وجل : ﴿ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾
( سورة الأنفال )
﴿ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴾
( سورة البقرة )
﴿ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾
( سورة البقرة )
قال: هذه معية خاصة، ما تعني المعية الخاصة ؟ المعية الخاصة تعني الحب ، والتأييد، والتوفيق، والنصر، لهذا أنا أقول دائماً: إذا كان الله معك فمن عليك، وإذا كان عليك فمن معك، ويا رب ماذا فقد من وجدك ؟ وماذا وجد من فقدك ؟
(( ابن آدم اطلبني تجدني فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء وأنا أحب إليك من كل شيء ))
[ مختصر تفسير ابن كثير ]
الله جلّ جلاله سمى تدبيره الحكيم الذي يحمي به المؤمنين كيداً من باب المشاكلة:
الحقيقة أحياناً الإنسان تأتيه بعض الشدائد، وقد قال بعض العلماء:
كن عن همومك معرضا وكِل الأمور إلى القضــا
وأبشــر بخير عاجـل تنسى به ما قـد مضــى
فلــرب أمر مسـخط لك فــي عواقبه رضــى
* * *
ولـربما ضاق المضيق ولربما اتسع الفضـــا
الله يفـــعل ما يشاء فلا تكن معترضـــــا
الله عودك الـــجميل فقس على ما قد مضــى
* * *
أيها الأخوة، إذا ﴿ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ﴾
تدبيري الذي أرد به على كيد الكافرين أحمي به المؤمنين، الله سماه كيداً، إذاً لا يجوز أن تقول إن الله كائد، لأن هنا الكيد كيد مشاكلة.
أنطبخ لك طعاماً ؟ قال: اطبخوا لي جبة وقميصاً، الجبة والقميص لا تطبخان لكن تخاطان فسمى هذا الإنسان خياطة الجب والقميص طبخاً، مشاكلة لكلمة نطبخ لك طعاماً ؟ قال: اطبخوا لي جبة وقميصاً. الإنسان مهما كان قوياً لن يستطيع أن يتفلت من قبضة الله تعالى:
أيها الأخوة، لكن ما معنى "المتين"
﴿ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ﴾
المعنى أن الإنسان في قبضة الله، ولم يستطع أحد أن يتفلت من قبضة الله. ﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ ﴾
( سورة الأنفال )
إنسان مهما كان قوياً، مهما توهم أنه قوي، لا يستطيع أن يتفلت من قبضة الله.
أيها الأخوة الكرام، كما تعلمون بالفيزياء الشيء الذي يقاوم قوى الشد يوصف بالمتانة، والشيء الذي يقاوم قوى الضغط يوصف بالقساوة، أقسى عنصر في الأرض الألماس، يأتي بعده بناء الأسنان، فمقاومة قوى الضغط توصف بالقساوة لكن مقاومة قوى الشد توصف بالمتانة، أمتن عنصر في الأرض الفولاذ المضفور، التل فريك، والمصاعد، والجسور المعلقة تصنع من الفولاذ المضفور، لكن كلمة ﴿ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ﴾
يعني أنت مربوط بحبل من الفولاذ المضفور، مهما كنت قوياً لا تستطيع أن تتفلت من قبضة الله من هنا كان عليه الصلاة والسلام يدعو ويقول:
(( اللَّهمَّ إِني أعوذ بك من زوال نِعْمَتِكَ، وتَحَوُّلِ عافِيَتك، وفُجاءةِ نِقمَتك وجميع سخطِك ))
[ أخرجه مسلم وأبو داود عن عبد الله بن عمر ]
الإنسان يكون بأوج نشاطه، وقوته، خثرة في الدماغ أصبح طريح الفراش ، قد يضيق شريانه التاجي، يدخل في متاهة كبيرة، قد تنمو خلاياه نمواً عشوائياً، ورم خبيث، قد يتعطل كبده، تشمع بالكبد، قد تتعطل كليتاه، فشل كلوي، فأنت في قبضة الله، لا تقل أنا في أية لحظة تصبح حياة الإنسان جحيماً لا يطاق. التعامل مع الله عز وجل له قواعد من طبقها كسب رضاه:
لكن أيها الأخوة، هناك نقطة دقيقة جداً وهي: أن التعامل مع الله تعامل مقنن بقوانين، أحياناً تتعامل مع إنسان رئيس بدائرتك، مدير عام، يقول لك مزاجي، سويعاتي، لا تعرف متى يرضى، ولا متى يغضب، يغضب بلا سبب أحياناً، ويرضى بلا سبب فالتعامل معه صعب جداً، أما في مدير عام آخر عنده قواعد، الدوام عنده شرط، والإنجاز شرط، حسن العلاقة مع الآخرين شرط، فأعطاك قواعد، إذا طبقتها تكسب رضاه هذا شيء مريح جداً.
فالله عز وجل، هناك أشياء واضحة جداً، الله يحب الصادقين، يحب التوابين ، يحب المتطهرين، يحب المحسنين، هناك قواعد ثابتة بالتعامل مع الله عز وجل.
إذاً
﴿ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ﴾
أي إن تدبيري حكيم، أحمي به المؤمنين، من دون أن تشعر أن الله لا يتخلى عنك ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾
معية عامة، أما ﴿ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾
مع الصادقين ﴿ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾
هذه معية خاصة. الكيد على إطلاقه هو التدبير في الخفاء بقصد الإساءة والابتلاء:
الآن الكيد، دققوا فيما سأقول:
﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾
الكيد على إطلاقه هو التدبير في الخفاء بقصد الإساءة والابتلاء، أو المعاقبة والجزاء، إذا قلنا كيد تدبير ليس في العلن، ليس نهاراً جهاراً، ليس على ملأ من الناس، الكيد تدبير في غرفة في قبو، في مكان مظلم، بعيد عن الناس، الكيد على إطلاقه هو التدبير في الخفاء، بقصد الإساءة والابتلاء، أو المعاقبة والجزاء، وقد يكون عيباً مذموماً إذا كان بالسوء في الابتداء.
إنسان قوي، يريد أن يأخذ ما ليس له، وعمل خطة، هذا كيد يوصف بالسوء أو يذم، لأنه بدأ بالسوء، وقد يكون محموداً، مرغوباً إذا كان مقابلاً لكيد الكافرين والسفهاء إذا عُزي الكيد إلى الله فهو تدبير حكيم، عادل، حماية للمؤمنين، أما إذا عُزي الكيد إلى البشر تكون جهة قوية، تخترع مشكلة، تخترع أزمة، تخترع ببلد معين تطمع في ثرواته مشكلة طائفية، تثيرها، ثم تحتل هذا البلد، هذا كيد الكافر كيد يوصف بالذم والانحراف.
قال: فإذا كان الكيد عند إطلاقه كمالاً في موضع، إذا قلنا كيداً، كمال في موضع، ونقص في موضع آخر، فلا يصح إطلاقه بحق الله، من دون تخصيص، مادام في كيد مطلق، يكون مدحاً تارةً، وذماً تارةً أخرى، لا يصح أن ينسب إلى الله، إلا أن تخصصه. تعهد الله عز وجل بهداية عباده:
أيها الأخوة:
﴿ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ﴾
( سورة الأعراف )
الله عز وجل من سننه أنه يهدي عباده، لأنه تعهد بهداية عباده، وحيث ما جاءت كلمة على، على إذا جاءت مع لفظ الجلالة تعني الإلزام الذاتي. ﴿ وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ﴾
( سورة النحل الآية: 9 )
يعني على الله أن يبين سبيل القصد. ﴿ إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى ﴾
( سورة الليل )
أي ألزم ذاته العلية بهدى خلقه، حتى لو أن إنساناً فيه واحد بالمليار من الخير يسمعه الحق والدليل:
﴿ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ ﴾
( سورة الأنفال الآية: 23 )
فحيث ما جاءت كلمة على مع الذات الإلهية تعني أن الله ألزم نفسه بهداية الخلق. الله عز وجل قوي وكامل:
إذاً حينما يقول:
﴿ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ﴾
أي إن تدبيري حكيم، وإن هذا الإنسان المتفلت البعيد عن منهج الله، ولو بدا قوياً جداً، ولو بدت قوته لا تخفى، ما أهلك الله قوماً إلا ذكرهم أنه أهلك من هم أشد منهم قوة، إلا عاداً حينما أهلكها قال: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ﴾
( سورة فصلت الآية: 15 )
أي ما كان فوق عاد إلا الله، الآن النبي عليه الصلاة والسلام حينما تنزل النوازل والنوازل من سنة الله في خلقه، كان يقول:
(( لا إله إلا الله الرحمن الرحيم ))
الله قوي وكامل، هناك إنسان قوي غير كامل، و إنسان كامل غير قوي، لكن ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾
الله عز وجل قوي وكامل، فكان عليه الصلاة والسلام إذا نزلت نازلة يقول:
(( لا إله إلا الله الرحمن الرحيم، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ))
قال: هذا دعاء، الثناء دعاء، سيدنا يونس لما وجد نفسه فجأة في بطن الحوت قال:
﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾
( سورة الأنبياء )
أيها الأخوة الكرام، في درس قادم إن شاء الله نتابع شرح اسم الله المتين.
السعيد
08-27-2018, 12:18 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : (الثالث عشر بعد المائة )
الموضوع : اسم الله - المتين - 2 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
من أسماء الله الحسنى: (المتين):
أيها الأخوة الكرام، لازلنا في اسم "المتين"، فالله سبحانه وتعالى قوي متين، أي لا يحتاج في إمضاء حكمه إلى جند أو مدد، ولا إلى معين أو عضد، لأن الله سبحانه وتعالى قوي بذاته، متين بذاته، والـ"المتين" هو القوي.
﴿ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾
( سورة الحديد )
الله عز وجل خلق الإنسان ضعيفاً ليفتقر في ضعفه فيسعد بافتقاره:
أيها الأخوة، الإنسان بفطرته يحب القوي، لأنه في الأصل ضعيف، قال تعالى:
﴿ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً ﴾
( سورة الإنسان )
خلقه ضعيفاً ليفتقر في ضعفه، فيسعد بافتقاره، ولو خلقه قوياً لاستغنى بقوته كلام دقيق جداً، خلقه ضعيفاً ليفتقر في ضعفه إلى الله فيسعد بافتقاره، ولو خلقه قوياً لاستغنى بقوته عن الله، فشقي باستغنائه.
لذلك الإنسان يحب القوي، ويلتفت إليه، فالله سبحانه وتعالى صاحب الأسماء الحسنى، فمن القوة قوي، ومن الغنى غني، ومن الحكمة حكيم، ومن الرحمة رحيم، ومن اللطيف لطيف، فكلما اشتدت معرفتك وزادت بأسماء الله الحسنى اشتد حبك له، وقد قيل: أرجحكم عقلاً أشدكم لله حباً. أزمة أهل النار في النار هي أزمة علم:
كلما توسعت في معرفة أسماء الله الحسنى ازددت حباً له، لذلك قال بعض العلماء: من أعجب العجب أن تعرفه ثم لا تحبه، ومن أعجب العجب أن تحبه ثم لا تطيعه.
دائماً الخلل في الطاعة وراءه خلل في التصور، الخلل في الطاعة وراءه خلل في المعرفة، والأزمة دائماً أزمة علم، بل إن أزمة أهل النار في النار هي أزمة علم والدليل قالوا وهم في النار:
﴿ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾
( سورة الملك )
لأن جبلتك بنيت على أن تحب ذاتك، وأن تحب سلامتك، وأن تحب كمالك ، وأن تحب استمرار وجودك، انطلاقاً من جبلتك، وفطرتك أنت تحب الخير لنفسك، أين الأزمة ؟ أزمة علم فقط. ما من تصرف إلا وراءه تصور فإن صحّ التصور صحّ التصرف:
الآن إذا عرفت أن الله قوي متين، وأن الأمر كله بيده، تتجه إليه، تتكل عليه ، تقبل عليه، تخطب وده، تطيع أمره، أزمة علم، ما من تصرف إلا وراءه تصور، إن صحّ التصور صحّ التصرف، فأي خلل في حياتنا أساسه نقص في العلم، ونقص في التوحيد.
من باب الحوار: لو ملك الواحد منا رؤية رسول الله لكان في مقامه، لأنه من جبلتنا، لأنه خلقه الله عز وجل بخصائصه، وخصائصه كخصائصنا، الفرق فرق معرفة ، لو أتيح لإنسان أن يعرف الله كما عرفه النبي الكريم لأقبل على الله كما أقبل عليه النبي الكريم أزمة معرفة.
إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك.
من حمد الله و وحده و كبره فقد عرفه:
دقق:
﴿ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾
( سورة الكهف الآية: 46 )
دقة الآية يعني بنون بلا مال عبء كبير، ومال وفير بلا بنون وضع صعب جداً ﴿ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾
الآن الله عز وجل سيقيّم لك زينة الحياة الدنيا، قال: ﴿ وَالْبَاقِيَاتُ ﴾
( سورة الكهف الآية: 46 )
معنى ذلك أن المال، وأن البنين ليسا باقيين ﴿ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾
﴿ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ ﴾
( سورة الكهف الآية: 46 )
﴿ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ ﴾
كما قال العلماء: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، حمدته، ووحدته، وكبرته، فقد عرفته، إن عرفته عرفت كل شيء، وإن فاتتك هذه المعرفة فاتك كل شيء. الوعد العظيم الذي وعد الله به عباده المؤمنين يمتص عندهم كل متاعب الحياة:
لذلك إذا عرفت أن الله قوي متين، وأن الأمر كله بيده، قطعت الرجاء عمن سواه، أي أدق شيء بحياة المؤمن أنه يعلق كل أمله بالله، يعلق كل رجائه بالله، كل ثقته بالله، كل ثقته بما عند الله، فلهذا الله عز وجل قال:
﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ﴾
( سورة القصص )
مرة أخ من باب الدعابة، قال لي: المؤمن شأنه كشأن الناس جميعاً، ليس يتميز عليهم بالسعادة، يعني أراد أن يثير مشكلة، فقلت له: وضع المؤمن كما تقول، إذا في ارتفاع أسعار تناله، إذا في حر شديد يعاني من هذا الحر، كما تفضلت، قلت له: المؤمن يعاني ما يعاني الآخرون، إلا أن المؤمن يتميز عليهم، يشبه إنساناً عنده أولاد كثيرون، وبيته صغير، وبيته بالأجرة، ودخله محدود، ويعاني ما يعاني، له عم ليس عنده أولاد معه مبالغ فلكية، يعني مثلاً خمسمئة مليون، ومات بحادث فجأة، وكل هذه الأموال آلت إليه لكن الإجراءات المالية، وبراءات الذمة تحتاج لوقت طويل، خلال سنة لم يقبض درهماً واحداً لكنه دخل في الأمل، كلما رأى قصراً رائعاً يقول سأشتريه، وكلما رأى مركبة فارهة يقول سأشتريها، دقق بالآية: ﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾
أي الوعد العظيم الذي وعد الله به عباده المؤمنين، هذا الوعد يمتص كل متاعب الحياة، الآية مرة ثانية: ﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ﴾
الله عز وجل قوي متين من عرفه زهد فيما سواه: >
المؤمن يعاني ما يعاني، ويعاني كالناس جميعاً، إلا أن الله خصّه بوعد كبير ، خصّه بجنة عرضها السماوات والأرض، هذا الوعد، وهذا الأمل، وهذا التطلع إلى ما عند الله من خير، ينسيه كل متاعب الحياة.
فإذا عرفت أن الله قوي متين تبددت أمام ناظريك كل العقبات، ومعنى القوة أن هذه القوة في كل المجالات، الله عز وجل يقول: ﴿ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً ﴾
( سورة البقرة الآية: 165 )
يعني يجوز أن نقول يوجد بالجمال قوة، جمال أخاذ، يوجد بالكرم قوة، كرم منقطع النظير، يوجد بالغنى قوة، يوجد بالحب قوة.
لذلك الله عز وجل قوي بمعنى أنه قوي بكل صفات الكمال، قل ﴿ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً ﴾
أي النتيجة الطبيعية أنك إذا عرفت الله زهدت فيما سواه، إنسان جائع جوعاً شديداً، والطعام عنده من أيام، هناك بداية تغير المذاق، وغير شهي إطلاقاً، لكنك جائع ما في قوة يمكن أن تصرفك عنه إلا بطعام نفيس، الطعام النفيس يزهدك بهذا الطعام الذي لا تستسيغه، من عرف الله زهد فيما سواه. مواقف الإنسان البطولية تأتي من معرفته بالخالق سبحانه:
أنا أرى أن المشكلة الكبرى نقص في معرفة الله، نقص في معرفة ألوهيته، بيده الأمر.
دخلت مرة لجامع كبير، فوق المحراب آية بحجم كبير جداً لكنك إذا قرأتها اقشعر جلدك:
﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾
( سورة الفتح )
لا تشعر بالإحباط، هؤلاء الأقوياء عصي بيد الله. ﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾
( سورة هود )
يعني ما معنى فرعون ؟ يعني قتل الإنسان عند فرعون كقتل ذبابة، أن يقف السحرة أمامه، ويقولون كلاماً لا يستطيع الإنسان أن يقوله لأقل موظف في جهاز قوي. ﴿ فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * إِنَّا آَمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴾
( سورة طه )
هذه المواقف البطولية من أين تأتي ؟ من معرفتك بالله. معرفة أسماء الله الحسنى تسعد الإنسان في الدنيا و الآخرة:
أنا لا أبلغ إذا قلت لكم إذا كان الإسلام هرماً، وقد قُسم إلى أربعة أقسام قسمه الأعلى هو العقيدة، إن صحت العقيدة صحّ العمل، وإن فسدت العقيدة فسد العمل، وأهم شيء بالعقيدة أن تعرف الله، وأهم شيء بمعرفة الله أن تعرف أسماءه الحسنى وصفاته الفضلى، فإذا عرفت أسماءه الحسنى وصفاته الفضلى توجهت إليه، واعتمدت عليه، وأنبت إليه، وأقبلت عليه، واستعنت به، عندئذٍ تسعد في الدنيا والآخرة، هناك شيء يسمى الآن مصيري.
طالب نجح من السابع للثامن نجاحاً عادياً ـ الآن دقق ـ حادي عشر، ثاني عشر الآن علاماتك بالثاني عشر تحدد مصيرك، طبيب، مهندس، صيدلي، يعني بمقاييس بلدنا علاماتك بالثاني عشر تحدد مصيرك.
أحياناً يكون هناك أمراض كثيرة، كلها أمراض طارئة، والإنسان يشفى منها، لكن في بعض الأمراض تحدد مدة بقائك في الدنيا، يقول لك مرض عضال.
معرفة أسماء الله الحسنى تحدد علاقة الإنسان مع ربه:
أنا أرى أن معرفة أسماء الله الحسنى تحدد علاقتك مع الله، يعني هذا كلام أسميه حقيقة مرة لكنها أفضل ألف مرة من الوهم المريح، مادمت تعلق الأمل على غير الله، مادمت تتجه إلى غير الله، مادمت ترى أن طاعة زيد أكبر عندك من طاعة الله، مادمت ترى أن إرضاء الزوجة أكبر عندك من إرضاء الله، مادام الاتجاه إلى غير الله، فالطريق إلى الله مسدود.
﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا ﴾
( سورة التوبة الآية: 24 )
يعني الطريق إلى الله ليس سالكاً. ﴿ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾
( سورة التوبة )
من تعلق بغير الله عز وجل شدد الله عليه:
الآن الله عز وجل يغار عليك، إذا تعلقت بغيره شدد عليك، إذا تعلقت بغيره ألهم هذا الآخر أن يسيء إليك، لأنه يغار عليك، وهذا شيء ثابت، لمجرد أن تعقد الأمل على ابنك مثلاً تجعل هذا الابن منتهى آمالك، ومحط رحالك، الذي يحصل يتجنس، ويرفض العودة، وقد يمن عليك باتصال هاتفي في العام مرة، لأنك علقت الأمل به.
(( لو كنتُ متخذا من أُمَّتي خليلا لاتَّخذتُ أبا بكر، ولكن أخي وصاحبي ))
[ أخرجه البخاري عن عبد الله بن عباس ]
هذه تجربة دقيقة جداً، حينما تعقد الأمل على زوجتك، تضع كل أملك فيها تخيب ظنك، لماذا خيبت ظنك ؟ تأديباً من الله عز وجل، لأنه الله يغار عليك، أن تتعلق بغيره.
وهذا معنى الشرك الخفي، الشرك الخفي أن تعتمد على غير الله، من نحن أمام الصحابة الكرام ؟ قمم البشر، وفيهم سيد البشر، فلما اعتمدوا على عددهم، وكثرتهم في حنين خذلهم الله، قال: ﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ﴾
( سورة التوبة )
يعني المؤمن لأنه يرى أن الله هو القوي، وهو "المتين" لا يعلق الأمل على غيره ولا يخاف من غيره، أن تتحدى الأقوياء تحدياً صارخاً، ﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾
المؤمن للمؤمن متواضع جداً و لغير المؤمن عزيز عفيف :
والله أيها الأخوة، بنفس المؤمن من العزة ما لو وزعت على أهل بلد لكفتهم، عزيز، وقد وجه النبي المؤمنين فقال:
(( ابتغوا الحوائج بعزة الأنفس فإن الأمور تجري بالمقادير ))
[ أخرجه ابن عساكر]
ونبهنا وقال:
(( لا ينبغي للمؤمن أن يُذِلّ نفسَهُ ))
[أخرجه الترمذي عن حذيفة بن اليمان ]
وعلمنا أن المؤمنين أعزة على الكافرين، متواضع إلى أقصى درجة، يقول سيدنا عمر حينما تولى الأمر وكان شديداً، فخاف الناس شدته، يقول لأبي ذر: والله يا أبا ذر في قلبي من الرحمة ما لو علموها لأخذوا عباءتي هذه، ولكن هذا الأمر لا يناسبه إلا كما ترى، ثم يقول: اعلموا أيها الأخوة أن هذه الشدة قد أضعفت، وإنما تكون على أهل البغي والعدوان أما أهل التقوى والعفاف فأنا أضع لهم رأسي ليطؤوه، المؤمن للمؤمن متواضع جداً ، لغير المؤمن عزيز.
فلذلك: إما أن تكون عبداً لله، أو أن تكون عبداً لعبد لئيم، استمعوا لهذه الآيات:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾
( سورة المائدة )
أحياناً يكون إنسان عنده عزة وهو مستخدم، يكون في مدير عام منبطح لمن هو أقوى منه. خيارات القوي في العمل الصالح لا تعد ولا تحصى:
لكن الآن الشيء الدقيق جداً أن الله قوي متين، وهذا المعنى الدقيق لا يتعارض مع سعي الإنسان بأن يكون قوياً، لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
(( المؤمن القويُّ خيْر وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كلّ خير))
[أخرجه مسلم عن أبي هريرة ]
(( المؤمن القويُّ خيْر وأحبُّ إلى الله ))
يستنبط من هذا أنه إذا كان طريق القوة (طريق أن تكون قوياً، إما بمالك، أو بمنصبك ) سالكاً وفق منهج الله يجب أن تكون قوياً، لأن خيارات القوي في العمل الصالح لا تعد ولا تحصى، إن كنت قوياً بالمال بإمكانك أن تفتتح مأوى للعجزة، مأوى للمسنين، معهداً شرعياً، مستشفى، مستوصف، أن تزوج الشباب، أن ترعى الأرامل، أن تطعم الجياع، إذا كان طريق القوة سالكاً وفق منهج الله يجب أن تكون قوياً، لأن خيارات القوي في العمل الصالح لا تعد ولا تحصى، إذا كنت قوياً مالياً، وإذا كنت قوياً بالعلم، تعلم العلم، تنشر هذا العلم، وإذا كنت قوياً في منصبك بجرة قلم تحق حقاً، وتبطل باطلاً، بتوقيع تقر معروفاً، وتزيل منكراً. كلمة المسلمين ليست العليا و للآخرين عليهم ألف سبيل و سبيل:
أيها الأخوة، انطلاقاً من اسم القوي "المتين":
﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ ﴾
( سورة الأنفال الآية: 60 )
للطرف الآخر. ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ﴾
( سورة الأنفال الآية: 60 )
الذي حصل أنهم أعدوا لنا، ولم نعد لهم، كنا في غفلة لمئتي عام، هم في صحوة، وفي عمل دؤوب حتى استكملوا القوة العظمى، ففرضوا ثقافتهم، وإباحيتهم ، وانحرافهم على شعوب الأرض، وهذا نقص خطير في حياة المسلمين، هذه الصحون هذا غزو فضائي، كانوا يجبروننا بالقوة المسلحة على أن نفعل ما يريدون، الآن لا يحتاجون لا إلى طائرات، ولا إلى مدافع، ولا إلى صواريخ، ولا إلى حاملات طائرات، يحتاجون إلى محطة إباحية فقط، يبثونها، تجد بيوتات المسلمين إلى ساعة متأخرة من الليل غارقة في هذه المشاهد الرخيصة، أي قيام ليل ؟ أي ذكر ؟ أي صلاة بالمسجد ؟ أنا لا أتكلم عن فئة قليلة عرفت ربها، وعرفت دينها، أتكلم عن السواد الأعظم من المسلمين، يعني مليار وخمسمئة مليون مسلم، لا وزن لهم في الأرض، والواحد منهم كألف سابقاً، وما كان المسلمون مع الله عز وجل، بينما الألف من هؤلاء الذين يعيشون معنا كأف، مليار وخمسمئة مليون لا وزن لهم ؟ ليس أمرهم بيدهم ؟ ليست كلمتهم هي العليا ؟ للطرف الآخر عليهم ألف سبيل وسبيل ؟.
لذلك ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ﴾
على المؤمن أن يتخلق بكمالات الله عز وجل:
شيء آخر:
﴿وَالَّذِينَ ﴾
انطلاقاً من أن تتخلق بكمال مشتق من اسم القوي "المتين":
﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ ﴾
( سورة الشورى )
تذلل، خنوع، تضعضع.
(( من جلس إلى غني فتضعضع له ذهب ثلثا دينه ))
[ أبو الشيخ عن أبي الدرداء ]
﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ ﴾
لكن لا يوجد عدوان. ﴿ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا ﴾
( سورة الشورى الآية: 40 )
يقول لك: سأكيل له الصاع صاعين، كلام غير شرعي، الشرعي ﴿ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا ﴾
قال: ﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ﴾
( سورة الشورى الآية: 40 )
إذا غلب على ظنك أن العفو يصلح هذا الذي اعتدى عليك وعفوت عنه أجرك عند الله، يعفو بحكمة، يعفو حينما يرى أن العفو قد ينقذ أخاه من الشقاء فيعفو عنه.
أيها الأخوة، لا بد من أن نتخلق من كمالات الله، وأن نتقرب بهذه الأخلاق إلى الله.
ملخص اسم القوي "المتين":
(( المؤمن القويُّ خيْر وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف ))
السعيد
08-27-2018, 12:20 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الرابع عشر بعد المائة )
الموضوع : اسم الله - الشكور - 1 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
من أسماء الله الحسنى: ( الشكور):
أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "الشكور".
ورود اسم الشكور في القرآن الكريم مقترناً باسم الغفور و الحليم:
الله جلّ جلاله سمى ذاته العلية باسم "الشكور" قال تعالى:
﴿ لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ ﴾
( سورة فاطر )
يعني غفور للذنوب، شكور للأعمال الصالحة، وقد ورد هذا الاسم مقترناً باسم الغفور في موضعين، تقدم الأول منهما، والثاني في قوله تعالى: ﴿ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ﴾
( سورة فاطر )
وقد ورد هذا الاسم مقترناً باسم الحليم في قوله تعالى: ﴿ إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ ﴾
( سورة التغابن )
﴿ لَغَفُورٌ شَكُورٌ ﴾
﴿ شَكُورٌ حَلِيمٌ ﴾
إن وقعت في الذنب فهو غفور، وإن عملت عملاً طيباً فهو شكور، إن عملت عملاً صالحاً فهو شكور، وإن زلت القدم فهو حليم ﴿ لَغَفُورٌ شَكُورٌ ﴾
﴿ شَكُورٌ حَلِيمٌ ﴾
علامة إيمان المسلم أنه في كل الأحوال بين الصبر والشكر:
هناك آية أخرى:
﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ﴾
( سورة إبراهيم )
يجب أن تكون أيها المؤمن صباراً شكوراً، أي ينبغي أن تشتق من كمال الله كمالاً تتقرب به إليه، يبغي أن تكون صباراً شديد الصبر عند المصيبة، شديد الشكر عند العطاء، فأنت بين حالين، حالٍ تتمنى ألا يكون كن صبوراً، وحالٍ تتمنى أن يدوم كن شكوراً، المؤمن ﴿ صَبَّارٍ شَكُورٍ ﴾
والإيمان نصف صبر، ونصف شكر، وقال عليه الصلاة والسلام:
(( عَجَبا لأمر المؤمن ! إنَّ أمْرَه كُلَّه له خير، إن أصابتْهُ سَرَّاءُ شكر، فكان خيراً له، وإن أصابتْهُ ضرَّاءُ صَبَر، فكان خيراً له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن ))
[أخرجه مسلم عن صهيب الرومي ]
أروع ما في هذا الإيمان العظيم أنك في كل الأحوال إن كانت الأمور على خلاف ما تشتهي فأنت صبور، وإن كانت وفق ما تشتهي فأنت شكور.
(( يا عبادي، لو أنَّ أوَّلكم وآخرَكم، وإنسَكم وجِنَّكم، قاموا في صعيد واحد فسألوني، فأعطيتُ كُلَّ إنسان مسألتَهُ، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما يَنْقُص المِخْيَطُ إذا أُدِخلَ البحرَ ـ ذلك لأن عطائي كلام، واخذي كلام ـ فمن وَجَدَ خيراً فليَحْمَدِ الله ـ شكور ـ ومن وجد غير ذلك فلا يَلُومَنَّ إلا نَفْسَهُ ))
[أخرجه مسلم والترمذي عن أبي ذر الغفاري ]
صبور، علامة إيمانك أنك في كل الأحوال بين الصبر والشكر، لكن النبي عليه الصلاة والسلام كان أديباً مع الله، قال له:
(( يا رب إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، ولك العتبى حتى ترضى، لكن عافيتك أوسع لي ))
[رواه الطبراني عن عبد الله بن جعفر]
الإنسان مخير لا مسير:
أيها الأخوة:
﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ ﴾
( سورة الإسراء الآية: 18 )
الإنسان مخير، والعاجلة هي الدنيا. ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُوماً مَدْحُوراً * وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً ﴾
( سورة الإسراء )
الآن دقق: ﴿ كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً ﴾
( سورة الإسراء )
أنت مخير، اطلب ما شئت، ولكن الله سبحانه وتعالى لا يتعامل بالتمنيات يتعامل بالصدق. الله سبحانه وتعالى لا يتعامل بالتمنيات يتعامل بالصدق:
﴿ وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ ﴾
وكان صادقاً في طلبها، وعلامة صدقه: ﴿ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً ﴾
﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ ﴾
وأصر عليها، وألح عليها ﴿ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ﴾
بالقدر الذي نشاء، وللإنسان الذي نريد، الله عز وجل يعلم ما إذا كان صادقاً في طلبها، مصراً عليها، أم على مستوى التمنيات، والتمنيات بضائع الحمقى، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ﴾
( سورة النساء الآية: 123 )
أي خطوة نحو إرضاء الله تعالى يمنحه الله من خلالها التوفيق والتيسير والسعادة:
هذا الاسم العظيم ورد في السنة بالمعنى، ففي صحيح البخاري ومسلم يقول الله عز وجل :
(( أَنا عند ظَنِّ عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ـ الله شكور ـ ذكرتُه في نفسي، وإِن ذكرني في مَلأٍ ذكرتُه في مَلأٍ خيرٍ منه، وإن تَقَرَّبَ إِليَّ شِبْرا تَقَرَّبتُ إِليه ذِراعا، وإن تقرَّب إِليَّ ذِرَاعا اقْتَرَبتُ إِليه باعا، وإِن أَتاني يمشي أتيتُه هَرْوَلَة ))
[ البخاري و مسلم عن أبي هريرة ]
لمجرد أن تتحرك نحو الله، أن تتقرب إليه، وأن تخطب وده، أن تغض بصرك، أن يصدق لسانك، أن تُحسن إلى فقيره، أن ترعى يتيماً، أن تنقذ حيواناً صغيراً من الهلاك، لمجرد أن تتقرب إلى الله بعمل، والله عز وجل يرد عليك بالإحسان، بالقبول، كيف ما تحركت، أية حركة نحو الله، ترى الرد سريعاً وإيجابياً، وأضعافاً مضاعفة، وما من أخ كريم، إلا وله مع الله تجربة، إن أنفق من ماله يضاعف الله له أمواله، إن أعان ضعيفاً أعانه الله إلى من هو أقوى منه، إن أطعم مسكيناً غمره الله من فضله.
الحديث أي حركة، أي خطوة نحو إرضاء الله ترى خطوات، ترى التوفيق ، ترى التيسير، ترى الأمن، ترى الرضا، ترى السعادة، ترى الحكمة، والله عز وجل ينتظرنا، وسمّ كل عمل صالح قرضاً له. ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً ﴾
( سورة البقرة الآية: 245 )
لو أطعمت هرة هذا قرض لله، وإن وضعت اللقمة في فم زوجتك هي لك صدقة، وأن تميط الأذى عن الطريق هو لك صدقة، وأن تلقى أخاك بوجه طلق هو لك صدقة. من شكر الله عز وجل ربح الدنيا و الآخرة:
الله شكور، يعني أقل مؤمن إذا قُدم إليه عمله طيب لا يسعه إلا أنه يشكر، إذا شخص أزاح لك في مجلسه، تقول له: شكراً، أنت عبد، وأنت لا تحتمل أن يقدم إليك عمل صالح إلا وأن تعبر عن شكرك له، فالذي خلق الإنسان، صاحب الأسماء الحسنى والصفات الفضلى، يعني ترعى عباده، تهتم بعباده، تصدق مع عباده، تحسن إلى عباده ، تنصح عباده، تُكرم عباده، ولا ترى منهم الشكر ؟ هو شكور.
لا يوجد إنسان أذكى، ولا أعقل، ولا أكثر فلاحاً، ونجاحاً، وذكاءً، ممن يتاجر مع الله، يتاجر مع الله، أنت بالتجارة المألوفة يقول لك ربحنا 38%، غير معقول، الأرباح 12 ـ 13 ـ 9 ـ 8 ـ 7 ـ 5 أحياناً، يعني إذا قلنا 28 ربح غير معقول ! إذا تاجرت مع الله الواحد بالمليار.
معاني اسم الشكور في اللغة العربية:
أيها الأخوة، "الشكور" في اللغة على وزن فعول، وفعول من صيغ المبالغة من اسم الفاعل شاكر، شاكر شكور، فعله شكر، يشكر، شكراً، وشكوراً، وشكراناً ، ثلاثة مصادر، أصل الشكر الزيادة، والنماء، والظهور، وحقيقة الشكر الثناء على المحسن بذكر إحسانه.
أيها الأخوة الكرام، المؤمن شكور، أي شيء قُدم له، أي خدمة، أي هدية يشكر عليها إما بلسانه، أو بقلمه، أو برسالة، أو بابتسامة، أو بعمل طيب، أو بهدية مكافأة، من صفات المؤمن تعظم عنده النعمة مهما دقت، إنسان قدم لك شيئاً، لابدّ من أن تشكر، لابدّ من أن تعبر عن شكرك له، بأي طريقة، أما شكر العبد على الحقيقة: هو إقرار القلب بإنعام الرب، ونطق اللسان عن اعتقاد الجنان، وعمل بالجوارح والأركان.
الإنسان الشاكر هو الإنسان الذي يقرّ بنعم الله عز وجل بقلبه:
من هو الشاكر ؟ الذي يقر بنعم الله بقلبه، يعني الله عز وجل أكرمك بشهادة عليا والآن طبيب أنت، لك اسمك، لك دخل معقول جداً، وفوق المعقول، والناس يحترموك لك زوجة وأولاد، فالطبيب المؤمن كلما دخل إلى عيادته، أو إلى منزله يا رب لك الحمد هيأت لي أسباب الدراسة العليا، هيأت لي هذه المكانة، هيأت لي هذا الدخل، رزقتني هذه الزوجة الصالحة، رزقتني الأولاد.
فالمؤمن من علامة إيمانه دائماً يذكر فضل الله عليه، وغير المؤمن يقول:
﴿ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي ﴾
( سورة القصص الآية: 78 )
أما درست، نعم، خير إن شاء الله ! هناك من يدرس ولا ينجح، أنا تعبت حصلت هذا بكدي وعرق جبيني، ممكن هذا كلام بعد عن الله عز وجل ، كلما تقدمت في طريق الإيمان رأيت نعمة الله عليك، فتجاوزت النعمة إلى المنعم، من هو المؤمن ؟ المؤمن تجاوز النعمة إلى المنعم، من هو غير المؤمن ؟ الذي بقي عند النعمة، يستمتع بالبيت ، يستمتع بالطعام، بالشراب، يستمتع بالزوجة والأولاد، يستمتع بالمركبة الفارهة، يستمتع بمكانه العالية في المجتمع، وينسى فضل الله عليه. نعم الله عز وجل على الإنسان لا تعد و لا تحصى:
لكن:
﴿ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ﴾
( سورة إبراهيم الآية: 7 )
بعد ذلك:
﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا ﴾
( سورة إبراهيم الآية: 34 )
الآية تحير، لو أعطيتك ليرة واحدة، قلت لك عدها، لو كم أعدها، أما ليرة واحدة، الآية الكريمة:
﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ﴾
( سورة إبراهيم الآية: 34 )
لن تستطيع إحصاء الخير والبركة بنعمة واحدة، نعمة البصر، إذا شخص الله رزقه أولاد، وجاءته الهدايا، أراد أن يكون دقيقاً يكتب كل هدية من جاء بها، حتى يردها، يا ترى أيهما أهون أن تحصي هذه الهدايا، أم أن تردها ؟ الإحصاء سهل جداً، قلم وورقة هذه من مَنْ ؟ من فلان، أما كل واحد يحتاج أن تنزل إلى السوق، وأن تشتري هدية مناسبة تكافئ هديته، الله عز وجل يقول: أنتم يا عبادي عاجزون عن إحصاء بركات نعمة واحدة فلأن تكونوا عاجزين عن شكرها من باب أولى ﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا ﴾
العد فقط ﴿ نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ﴾
تمام الصحة و العافية من نعم الله الكبرى على الإنسان:
لو أن إنساناً فقد بصره، كل الجمال حُجب عنه، مرة حدثوني عن كاتب بمصر كبير وأديب، فقد بصره، يُصيف بسويسرا، قلت لهم: لو أخذ غرفة بالصعيد مكيفة مثل سويسرا، ما دام ما في بصر، أي مكان بارد، ولو غرفة قميئة مادام باردة كأنه في سويسرا قاعد، هذه لأنه حُجبت عنه المناظر.
﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ﴾
فشكر العبد على الحقيقة إقرار القلب بإنعام الرب، عندك إمكان إذا شربت كأس ماء أن تقول: يا رب لك الفضل ؟ لك الشكر لأن الكليتان تعملان بانتظام ؟
لي قريب أصيب بفشل كلوي، كان بالمستشفى يقول له الممرض بعنف: الآلة معطلة هذا الأسبوع لا تشرب الماء، أنت تشرب بغير حساب، كلما شعرت بالعطش شربت الماء البارد الزلال، هذه نعمة هل تنتبه إليها ؟ إنسان أخرج ما في جوفه.
كان عليه الصلاة والسلام إذا دخل إلى الخلاء يقول:
(( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي الْأَذَى وَعَافَانِي ))
[أخرجه ابن ماجه عن أنس بن مالك ]
وكان يقول:
(( الحمد لله الذي أذاقني لذته ـ بالطعام ـ وأبقى في قوته، وأذهب عني أذاه ))
[الجامع الصغير عن ابن عمر]
علم، هذا الطعام له لذة، ممكن إنسان يأخذه سيروم، لكن يشتهي أن يأكل، الطعام له لذة، وله قوة، وله فضلات.
(( أذاقني لذته، وأبقى في قوته، وأذهب عني أذاه ))
[الجامع الصغير عن ابن عمر]
الولد الصحيح المعافى نعمة من الله لا تقدر بثمن:
رأى أولاده أمامه من نعم الله الكبرى، يعني الله عز وجل وهبه أولاداً ما فيهم عاهات، أحياناً عاهة بولد تجعل حياة الإنسان جحيماً لا يطاق، أولاد.
مرة قال لي شخص: إذا ينجب الإنسان مولوداً سليماً معه هدية مليون ليرة، هكذا قال لي، قلت له: بالله اشرحها لي، قال لي: لي بنت، أنجبت مولوداً الشريان عكس الوريد بالقلب، لونه أزرق، سألوا أطباء يحتاج إلى عملية ليس في كل بلدنا متخصص بإجرائها إلا بلبنان، طلب الطبيب أربعمئة ألف، والمستشفى ثلاثمئة ألف، والسيارة خمسين ألف، قال لي: خلال ساعات من الولادة دفعت قريب المليون ليرة.
يعني إذا جاءك مولود سليم هذه نعمة لا تقدر بثمن، لك زوجة صالحة، أعان الله الذي عنده شك بزوجته، المؤمن زوجته طاهرة، عفيفة، تجده يسافر، يغيب، عنده طمأنينة بلا حدود، أما الذي شكّ بزوجته يغلي كالمرجل، فالذي عنده زوجة صالحة من نعم الله الكبرى، الذي عنده أولاد أبرار، من نعم الله الكبرى، الذي عنده مأوى، لا يهم، بيت تؤوي إليه، كبير، صغير، بطوابق عليا، له إطلالة، طوابق دنيا، لابأس، عندك مأوى.
الحمد لله الذي آواني وكم من لا مأوى له.
إذا كنت أيها الأخ المؤمن الكريم بهذه النفسية، دخلت لبيتك شكرت الله، نظرت إلى زوجتك شكرت الله، نظرت إلى أولادك شكرت الله، أكلت طعاماً أحببته شكرت الله عز وجل، فهذه من أحوال المؤمن، دائماً شكور.
إذاً شكر العبد عن الحقيقة إقرار القلب بإنعام الرب، ونطق اللسان عن اعتقاد الجنان، وعمل بالجوارح والأركان.
مستويات الشكر:
1 ـ أن تعزو النعمة إلى الله:
هناك تعريف آخر: هو الشكر معرفة، والشكر حب، والشكر عمل، ثلاث مستويات، لمجرد أن تعزو النعمة إلى الله فهذا أحد أنواع الشكر، أما قال قارون:
﴿ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي ﴾
﴿ فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ ﴾
( سورة القصص الآية: 81 )
﴿ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ ﴾
( سورة الزخرف الآية: 51 )
أهلكه الله. ﴿ نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ ﴾
( سورة النمل الآية: 33 )
قوم بلقيس، أهلكهم الله. ﴿ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ ﴾
( سورة الأعراف الآية: 12 )
الشيطان، أهلكه الله، إذاً معرفة. 2 ـ أن يمتلئ القلب محبة لله:
الآن مستوى آخر من مستويات الشكر، لمجرد أن يمتلئ القلب محبة لله على هذه النعمة هذا مستوى أرقى، أول مستوى أن تعزو النعمة إلى الله، والمستوى الثاني أن يمتلئ القلب محبة لله.
3 ـ أن تقابل نعم الله عز وجل بخدمة عباده:
المستوى الثالث وهو أرقى المستويات أن تقابل نعم الله عز وجل بخدمة عباده، أن تنصحهم، أن تحسن إليهم، أن تخلص لهم، أن ترعى فقيرهم، أن تعين ضعيفهم، أن تطعم جائعهم، والدليل على ذلك قال تعالى:
﴿ اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ﴾
( سورة سبأ )
﴿ اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْراً ﴾
الشكر بأعلى درجاته عمل صالح، يعني إنسان قدم لك خدمة كبيرة، تقول له: شكراً، لا يكفي هذا.
(( من صنع إليكم معروفاً فكافئوه ))
[ النسائي و أحمد عن عبد الله بن عمر]
كافئ المعروف بمعروف، الهدية بهدية.
(( تهادوا تحابوا ))
[ مالك في الموطأ عن مالك بن عطاء الخراساني ]
صيغة مشاركة، أي قدم لك هدية قدم له هدية، هذا العمل الشكر الثالث أن تكافئ كل شيء طيب بعمل. من عطاء الله على الإنسان نعمة الإيجاد و الإمداد و الهدى والرشاد:
عندنا تعريفات أخرى، هناك نعمة الإيجاد:
﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً ﴾
( سورة الإنسان )
أنا أحياناً إذا تصفحت كتاباً، وقرأت تاريخ تنضيده، طبع، وكان قبل سنة ولادتي أقول سبحان الله ! أثناء تنضيد هذا الكتاب أنا لم أكن شيئاً مذكوراً، ما له وجود الإنسان ﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً ﴾
مَنْ فلان قبل مئة عام ؟ ما في فلان، فالله عز وجل تفضل علينا بنعمة الإيجاد.
لكن في عندك جهاز تنفس يحتاج إلى هواء والهواء موجود، تحتاج إلى ماء والماء موجود، تحتاج إلى طعام والطعام موجود، تحتاج إلى إنسانة ترعى شؤونك، والإنسانة موجودة، تحتاج إلى أولاد يملؤون البيت فرحة، والأولاد موجودون، تحتاج إلى مأوى والمأوى موجود، تحتاج إلى عمل ترتزق منه والعمل موجود، هذه نعمة الإمداد، منّ الله عليك بعمة الإيجاد، ومنّ الله عليك بنعمة الإمداد.
ثم منّ الله علينا جميعاً بنعمة الهدى والرشاد، أرسل أنبياءه، أرسل كتباً، أرسل رسلاً، نصب لك الآيات الدالة على عظمته، يعني هداك بأساليب لا تعد ولا تحصى، نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، ونعمة الهدى والرشاد. معرفة الله عز وجل أكبر نعمة منّ الله بها على الإنسان:
لكن أكبر نعمة على الإطلاق نعمة:
﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾
( سورة النساء )
لو قال لك طفل معي مبلغ عظيم، كم تقدره ؟ بمئتي ليرة، أبوه مدرس، وجاء العيد، تلقى هبات من أقربائه جمعهم بمئتي ليرة، مبلغ كبير، قال لك معي مبلغ عظيم، لأنه طفل كلمة عظيم من طفل تقدر بمئتي ليرة، وإذا قال لك مسؤول كبير بالبنتاغون أعددنا لهذه الحرب مبلغاً عظيماً تقدره بمئتي مليار دولار، الكلمة نفسها، قالها طفل فقدرتها بمئتي ليرة، وقالها مسؤول كبير في دولة قوية قدرتها بمئتي مليار، فإذا قال ملك الملوك ومالك الملوك: ﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾
يعني أكبر نعمة أن تعرف الله، إنك إن عرفته عرفت كل شيء، وإن فاتتك هذه المعرفة فاتك كل شيء.
(( ابن آدم اطلبني تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء ))
السعيد
08-27-2018, 12:21 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الخامس عشر بعد المائة )
الموضوع : اسم الله - الشكور - 2 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
من أسماء الله الحسنى: ( الشكور):
أيها الأخوة الكرام، لازلنا مع اسم "الشكور"، وكما يقال ملخص الملخص أن المؤمن مع المنعم، وأن غير المؤمن مع النعمة، المؤمن يتجاوز النعمة إلى المنعم، فيشكره بينما غير المؤمن يستمتع بالنعمة ويغفل عن المنعم.
الشكور يزكو عنده القليل من أعمال العباد ويضاعف لهم الجزاء:
أيها الأخوة، اسم الله "الشكور"، يعني أن "الشكور" إذا أعطى أجزل، أي أكثر، وإذا أُطيع بالقليل قبل، وهو الذي يقبل القيل ويعطي الجزيل، وهو الذي يقبل اليسير من الطاعات، ويعطي الكثير من الدرجات.
و "الشكور" يزكو عنده القليل من أعمال العباد، ويضاعف لهم الجزاء، فيثيب الشاكر على شكره، ويرفع درجته، ويضع عنه وزره.
ورد في بعض الأحاديث أن المؤمن إذا وضع لقمة في فم زوجته، يراها يوم القيامة كجبل أُحد، أي عمل تقدمه هو في الحقيقة قرض لله عز وجل، أي عمل تجاه أي مخلوق ولو كان هرة.
امرأة بغي، شكر الله لها، وغفر لها بأنها سقت كلباً كاد يأكل الثرى من العطش.
أي عمل تقوم به تجاه أي مخلوق، ولو كان حيواناً، ولو سقيت نباتاً، هو في الحقيقة قرض لله عز وجل، وهذه الآية إذا قرأها المؤمن ينبغي أن يقشر جلده:
﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً ﴾
( سورة البقرة الآية: 245 )
من أراد أن يكون أسعد الناس فليسعد من حوله:
أيها الأخوة، شكر العبد لله ثناءه عليه، المؤمن يشكر، والله عز وجل يشكر، المؤمن يشكر الله لإحسانه إليه، والله عز وجل يشكر العبد لطاعته له.
للإمام الغزالي رحمه الله تعالى قول لطيف: إذا كان الذي أخذ فأثنى يعد شكوراً فالذي أعطى وأثنى أولى أن يكون شكوراً، يعطي، ويثني، يعطي العبد يشكر، والله عز وجل هو الذي أعطاه، هو الذي مكنه أن يشكر، وبعد ذلك الله عز وجل يشكر هذا العبد.
أنت حينما تقرأ في القرآن الكريم أن الله شكور، يجب أن تندفع بكل ما تملك لخدمة عباده.
والله أيها الأخوة، يمكن قرأت كلمة في مجلة مترجمة من أربعين عاماً، هذه الكلمات دخلت في أعماق نفسي: إذا أردت أن تسعد فأسعد الآخرين، فأنت أسعدهم، لأن الله شكور، أنت حينما تفكر أن تقدم خدمة لإنسان، لحيوان، لنبات، أنت حينما تفكر أن ترسم بسمة على وجه طفل، أو على وجه أسرة بائسة تكون أسعد الناس.
أعرف رجلاً فقيراً جداً، أصيب بآفة في قلبه، والعملية تكلف مئات الألوف ولا يملك مها قرشاً واحداً، زرته في البيت الكآبة مهيمنة، الأولاد، وضعهم حزين، البيت فيه غمامة سوداء، هو الرجل، الأب، الزوج، ما في شيء، إنسان محسن أمر طبيباً أن يجرى لهذا الفقير العملية على حسابه، والله زرته بعد نجاح العملية الأطفال يكادون يرقصون من فرحتهم.
هذا الذي يدخل الفرح على قلوب الخلق بإحسانه إليهم، بتخفيف آلامهم، بحمل همومهم له عند الله مقام كبير، إذا أردت أن تسعد فأسعد الآخرين، ولأن الله شكور تكون أنت أسعدهم.
سعادة الإنسان لا تأتي من المال بل تأتي من اتصاله بالله عز وجل:
نحن في الأوراد نقول: اللهم صلِّ على سيدنا محمد، وعلى آل محمد، وصلِّ على أسعدنا سيدنا محمد.
السعادة لا تأتي من المال، بل تأتي من اتصالك بالله عز وجل، فإذا قدمت خدمات لعباد الله فالله شكور، وعندئذٍ يشكرك.
والله مرة أخ حدثني، قال لي: أنا كنت خارج دمشق، وصلت إليها في الساعة الثانية عشرة ليلاً، القصة بالثمانينات، بأزمة لبنان، رأى امرأة تمسك بطفل صغير وتبكي، وإلى جانبها زوجها، سأل، الابن حرارته 42، هم غرباء من لبنان، لا يعرفون أحداً، قال لي: بقيت معهم حتى الساعة الرابعة صباحاً، من مستشفى لمستشفى، من صيدلية لصيدلية، حتى انخفضت الحرارة وزال الخطر، يقسم لي بالله أنه بقي أسبوعين وهو في جنة.
يحدثني طبيب، يدخل لمستشفى عامة، العناية فيها قليلة جداً، يعامل المرضى وكأنهم في أرقى مستشفى، المرضى الفقراء، التحاليل، الإيكو، المرنان، وكأنهم في أرقى مستشفى، يقول لي: وأنا في هذه المستشفى العامة التي فيها إهمال كما هي العادة في كل بلاد العالم، قال لي: أشعر وكأني في جنة، لأن الله شكور.
سيدنا ابن عباس كان معتكفاً في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، معتكف بعبادة، بل من أرقى العبادات، رأى رجلاً كئيباً، قال له: ما لي أراك كئيباً ؟ قال له: والله ديون لزمتني ما أطيق سدادها، قال له: لمن ؟ قال له: لفلان، فقال له ابن عباس: أتحب أن أكلمه لك ؟ قال له: والله أتمنى، فانطلق ابن عباس من معتكفه (أي خرج من عبادته) قال له أحدهم: يا بن عباس أنسيت أنك معتكف ؟ قال: لا والله، ولكني سمعت صاحب هذا القبر (يقصد رسول الله عليه الصلاة والسلام، والعهد به قريب، ودمعت عيناه) سمعت صاحب هذا القبر يقول: والله، لأن أمشي مع أخي في حاجته، خير لي من صيام شهر، واعتكافه في مسجدي هذا، صيام من ؟ صيام سيد الخلق، اعتكاف من ؟ اعتكاف رسول الله، والله لأن أمشي مع أخ في حاجته خير لي من صيام شهر، واعتكافه في مسجدي هذا.
الشكور الحقيقي هو الله جل جلاله لأنه يعطي العبد ثم يوفقه للشكر:
أيها الأخوة، عالم جليل ابن القيم رحمه الله تعالى يقول: "الشكور" هو سبحانه وتعالى، هو أولى بصفة الشكر من كل شكور، بل هو "الشكور" على الحقيقة، وإذا سمي عبد ما بأنه شاكر أو شكور فالتسمية مجازية، الشاكر الحقيقي، "الشكور" الحقيقي هو الله جل جلاله، لأنه يعطي العبد، ثم يوفقه للشكر، ويشكر القليل من العمل، فلا يستقله، فيشكر، الحسنة بعشرة أمثالها إلى أضعاف مضاعفة، ويشكر عبده بأن يثني عليه، بين ملائكته، وبين ملئه الأعلى، يشكره بفعله، فإذا ترك شيئاً لله أعطاه أفضل منه وإذا ضحى بشيء ردّه عليه أضعافاً مضاعفة.
(( ما ترك عبد شيئاً لله، إلا عوضه الله خير منه في دينه ودنياه ))
[ الجامع الصغير عن ابن عمر ]
أي مبلغ فيه شبهة، وكبير، فالمؤمن الصادق ركله بقدمه، وقال: ﴿ مَعَاذَ اللَّهِ ﴾
( سورة يوسف الآية: 23 )
﴿ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ﴾
( سورة الحشر )
إلا عوضه الله خير منه، في دينه، بقيت هذه الصلة بينه وبين الله، ودنياه عوضه أضعافاً مضاعفة. العاقل من يتاجر مع الله عز وجل:
لما بذل الشهداء أجسادهم، الشهيد بذل أثمن ما يملك، والجود بالنفس أقصى غاية الجود، ولما بذل الشهداء أجسادهم حتى مزقها أعداؤهم شكر لهم ذلك، بأن جُعلت طيراً خضراً، أقرّ أرواحهم فيها، ترد أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها إلى يوم القيامة، فيردها عليهم أكمل ما تكون جمالاً وبهاءً.
الله شكور، والبطل، والذكي، والعاقل، والموفق، والفالح، والناجح، هو الذي يتاجر مع الله، يعني مثال بسيط:
لو أن ملكاً أمر معلماً أن يعطي ابنه دروساً خاصة، المعلم أفقه ضيق , بعد عشرة دروس أين الأجرة ؟ قال له: كم تريد ؟ قال له: على كل درس ألف، قال له تفضل أعطاه فوراً، ليته لم يسأل، لأن الملك كان مهيئاً له بيتاً، ومركبة، مقابل هذه الدروس، فلما طلب أجرته من هذا الطالب أعطاه ما يريد، من هو الذكي ؟ هو الذي يقدم عملاً لله، فإذا سأل على عمله أجرة، عمل طبعاً صالح أخذ أقل شيء ممكن، أما إذا احتسب هذا عند الله أخذ أكبر أجر ممكن.
الله عز وجل لن يضيع عملاً صالحاً لأي إنسان:
الآن هناك فكرة من شكر الله سبحانه وتعالى، أنه يجازي أعداءه بما يفعلونه من خير، أعداؤه الذين كفروا به، بل الذين أنكروا وجوده، بل الذين تفلتوا من منهجه، بل الذين انغمسوا في ملذات محرمة، أعداؤه يجازيهم، إذا فعلوا الخير، ويخفف به عنهم يوم القيامة، فلا يضيّع عليهم ما يعملونه من إحسان، وهم من أبغض الخلق إليه، لن تفعل شيئاً ويضيع عليك أجره.
أما الحديث الذي يؤكد هذا المعنى، طبعاً الحديث عن عمرو بن العاص رضي الله عنه، الآن القول يرويه عمرو بن العاص:
(( تَقُومُ السَّاعَةُ والرُّومُ أكْثرُ النَّاسِ، فقال له عمرو بن العاص: أبْصِرْ ما تقول: قال: أقول ما سمعتُ من رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، قال: لئن قلتَ ذلك إنَّ فيهم لَخِصالاً أربعاً، إنَّهُم لأحْلَمُ النَّاسِ عِنْدَ فِتْنَة ))
[أخرجه مسلم ]
أحياناً بعض الشعوب تهوج وتموج، ثم تفتر، الإنسان العاقل يفكر قبل أن يتصرف وهناك إنسان يُثار، ويُستثار، ويهوج، ويموج، وفي النهاية لا يفعل شيئاً، هذا شأن بعض الشعوب النامية، قال:
(( إنَّهُم لأحْلَمُ النَّاسِ عِنْدَ فِتْنَة، وأسْرَعُهُم إفَاقَة عند مُصِيبة، وأوْشَكُهُم كَرَّة بعد فَرَّة، وخَيْرُهُم لِمسْكِين ويَتيم وضَعيف ))
هؤلاء الغارقون في المعاصي والآثام، الذين يعتدون على شعوب الأرض ، يعاملون شعوبهم معاملة تفوق حدّ الخيال، مع أنهم أعداءه، مع أنه يبغضه لكنه يشكرهم على هذه الأفعال. المسلمون هم أول من أساء إلى النبي الكريم لأنهم لم يطبقوا سنته بشكل صحيح:
قوانين، والبطولة أن تكتشف قوانين الله عز وجل، أي مؤمن، غير مؤمن ، مستقيم، غير مستقيم، إذا قدّم عملاً صالحاً لمن حوله، فالله عز وجل يشكره عليه، لا يمكن أن يضيع عليك عملاً طيباً، ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق، و لو أن تبتسم في وجه أخيك:
(( إنَّ فيهم لَخِصالا أربعا، إنَّهُم لأحْلَمُ النَّاسِ عِنْدَ فِتْنَة ))
يفكرون، يخططون بهدوء، يرسمون خططاً بعيدة، شعوب أخرى تثور، وتهوج، وتموج، ثم تخمد، يعني شيء مؤلم جداً.
يعني هذا الرسام الذي رسم، المفروض أن نتلقى هذا بهدوء، وأن نخطط لتعريف الغرب برسول الله، أما قتل، وضرب، هذا ماذا يفعل ؟ يصورون هؤلاء الشعوب حينما تهوج وتموج، ويسخرون، أما الذكاء والعقل أن نخطط، أن نُعرف الناس بهذا النبي الكريم، أن نطبق سنته، حتى يأخذ الناس فكرة عن هذا الدين العظيم، من هم الذين أساؤوا للنبي عليه الصلاة والسلام ؟ أنا أرى أن المسلمين هم أول من يسيء إليه، إذ لم يطبقوا سنته، أكلوا المال الحرام، اعتدوا على بعضهم بعضاً، سفكوا دماء بعضهم بعضاً، فالعالم الآخر يراهم متخلفون، يظن أن هذا دينهم، حتى الرسام الدنمركي لما عوتب عتاباً شديداً قال: كنت أظنه كأتباعه، إذاً من هو الذي أساء حقيقة ؟ نحن أسأنا إلى نبينا، فكان ردّ فعل الغرب أنهم أساؤوا إليه.
(( وخَيْرُهُم لِمسْكِين ويَتيم وضَعيف، وخَامِسَة حسنة جَميلة: وأمْنَعُهُم منْ ظُلْمِ الْمُلُوك ))
ما أحسن عبد مسلم أو كافر إلا وقع أجره على الله في الدنيا أو في الآخرة:
النبي سافر إلى أوربا ؟ سافر إلى بلاد بعيدة ؟ التقى بهم ؟.
﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾
( سورة النجم )
هذا الحديث في صحيح مسلم، من أعلى درجات الصحة يصف الروم:
(( تَقُومُ السَّاعَةُ والرُّومُ أكْثرُ النَّاسِ، فقال له عمرو بن العاص: أبْصِرْ ما تقول: قال: أقول ما سمعتُ من رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، قال: لئن قلتَ ذلك إنَّ فيهم لَخِصالا أربعا، إنَّهُم لأحْلَمُ النَّاسِ عِنْدَ فِتْنَة ))
يخططون، يملكون أعصابهم.
(( وأسْرَعُهُم إفَاقَة عند مُصِيبة، وأوْشَكُهُم كَرَّة بعد فَرَّة، وخَيْرُهُم لِمسْكِين ويَتيم وضَعيف، وخَامِسَة حسنة جَميلة: وأمْنَعُهُم منْ ظُلْمِ الْمُلُوك ))
منهج الإسلام منهج موضوعي، طبعاً الفكرة قد تبدو غريبة، أعداؤه غارقون في المعاصي والآثام، أعمالهم الطيبة محفوظة لهم، لأنه شكور.
ما أحسن عبد من مسلم أو كافر إلا وقع أجره على الله في الدنيا أو في الآخرة. أعمال الإنسان الطيبة محفوظة له عند الله عز وجل :
أيها الأخوة، لي صديق من لبنان، أثناء أحداث لبنان سكن في دمشق، وضعه المادي جيد جداً، كنت إلى جانبه في مكتبه فسيارته ارتكبت حادثاً مع سيارة سورية، يعني صاحب المركبة يجب أن يغضب، وأن يثور، وإذا كانت تربيته متدنية، وأن يتكلم الكلام القاسي، وأن يشتم، ونظر إلى المركبة اللبنانية، وقال له: ما في مشكلة مسامح، هو يحتاج لعدة آلاف لإصلاح السيارة، شيء عجيب، بهذه البساطة ؟ لو أنه طالبه بالتعويض قال له: مسامح، هذا الأخ اللبناني انهمرت دمعة على خده، أنا ما فهمت تفسيرها، إنسان ميسور مالياً فرح أنه وفر خمسة آلاف ؟ مستحيل ! سألته لماذا تأثرت لهذا الموقف ؟ قال لي: أنا قبل سنتين في بيروت إنسان مركبته سورية، معه نساء محجبات، وضرب لي سيارتي، ما أردت أن أزعجه وهو في نزهة، قال له: مسامح، تذكر هذا الحادث.
والله أيها الأخ الكريم، لو وقفت لإنسان متقدم في السن في مركبة عامة وأجلسته مكانك.
(( ما أكرم شاب شيخاً لسنه، إلا قيض الله له من يكرمه عند سنه ))
[ أخرجه الترمذي عن أنس بن مالك إسناده ضعيف]
الله شكور، ينتظر أن نقدم له عملاً يكافئنا عليه، ورد في بعض الآثار:
(( يا داود ! لو يعلم المعرضون انتظاري لهم، وشوقي إلى ترك معاصيهم لتقطعت أوصالهم من حبي، هذا انتظاري للمعرضين فكيف بالمقبلين ؟ ))
إنسان ناجى ربه، قال: يا رب إذا كانت رحمتك بمن قال: أنا ربكم الأعلى فرعون، فكيف بمن قال: سبحان ربي الأعلى ؟ وإذا كانت رحمتك بمن قال: ما علمت لكم من إله غيري، فكيف رحمتك بمن قال: لا إله إلا الله ؟.
ألم يقول الله عز وجل : ﴿ اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى ﴾
( سورة طه )
﴿ فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ﴾
( سورة طه )
ما من عمل صالح تقدمه لمخلوق كائناً من كان إلا كافأك الله عليه:
أيها الأخوة، إذا أردنا السعادة فالسعادة بين أيدينا، أَسْعِد الآخرين تكون أسعدهم، إذا أردت أن تسعد فأسعد الآخرين، اخرج من ذاتك إلى خدمة الخلق، كل واحد منا يذوق لذة الأخذ، قد يغيب عنه أن لذة العطاء أضعاف مضاعفة، الأنبياء أعطوا ولم يأخذوا، الأقوياء أخذوا ولم يعطوا، الأنبياء ملكوا القلوب، الأقوياء ملكوا الرقاب، الأنبياء عاشوا للناس، الأقوياء عاش الناس لهم، الأنبياء يمدحون في غيبتهم، وبعد ألف وخمسمئة عام، الأقوياء يمدحون في حضرتهم، لا في غيبتهم.
أيها الأخوة، اسأل نفسك هل أنت من أهل الدنيا أم من أهل الآخرة ؟ ما السؤال ؟ ما الذي يفرحك أن تعطي أم أن تأخذ ؟ إذا كنت من أهل الآخرة يسعدك أن تعطي لا أن تأخذ، إذا كنت من أهل الآخرة يسعدك أن تكون في خدمة الآخرين لا أن تستهلك جهد الآخرين، إذا كنت من أهل الآخرة لا تبني مجدك على أنقاض الآخرين، ولا غناك على فقرهم، ولا أمنك على خوفهم، ولا عزك على ذلهم، ولا غناك على فقرهم.
أيها الأخوة، اسم "الشكور" يدور مع المؤمن في كل دقيقة، ما من عمل صالح تقدمه لمخلوق كائناً من كان وأنت في أي وضع، مستقيم، غير مستقيم، مؤمن، غير مؤمن، أنا بأي وضع إلا كافأك الله عليه، لأنه شكور، وكما قلت قبل قليل: يكافئ أعداءه، الذين لا يحبهم على أعمالهم الطيبة.
السعيد
08-27-2018, 12:23 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( السادس عشر بعد المائة )
الموضوع : اسم الله - الحليم - 1 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
من أسماء الله الحسنى:(الحليم):
أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "الحليم".
ورود اسم الحليم في القرآن الكريم مقترناً بأسماء أخرى و وروده في السنة الشريفة:
هذا الاسم ورد في آيات كثيرة مقترناً باسم الغفور كما في قوله تعالى:
﴿ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾
( سورة المائدة )
وقد ورد أيضاً مقترناً باسم الغني، في قوله تعالى: ﴿ قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ ﴾
( سورة البقرة )
واقترن أيضاً باسم الشكور في قوله تعالى: ﴿ إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ ﴾
( سورة التغابن )
واقترن أيضاً باسم العليم، كما في قوله تعالى:
﴿ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَلِيماً ﴾
( سورة الأحزاب )
هذا في القرآن الكريم، فماذا في السنة الصحيحة ؟ ورد في صحيح البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، قال، كان يدعو عند الكرب، وما أكثر الأحوال التي يعاني منها المسلمون من الكرب قال:
(( كان يقولُ عند الكربِ: لا إله إلا اللهُ العظيمُ الحليمُ، لا إله إلا الله رَبُّ العرش العظيم، لا إله إلا الله رَبُّ السماوات وربُّ الأرضِ، لا إله إلا الله رَبُّ الْعَرشِ الكريم ))
[ البخاري عن ابن عباس]
هذا ما ورد في الكتاب والسنة. المعنى اللغوي لكلمة الحليم:
أما المعنى اللغوي لكلمة "الحليم"، "الحليم" في اللغة صفة مشبهة باسم الفاعل، لمن اتصف بالحلم، الذي يتصف بالحلم يسمى حليماً، والفعل حلم، يحلم، حلماً، يحلمُ معنى آخر، حُلماً معنى آخر، حلم، يحلم، حلماً.
صفة الحلم تعني الأناة، فيك يا فلان خصلتان يحبهما الله ورسوله، الأناةُ الهدوء، وحسن الخلق، الحلم يعني الأناة، ومعالجة الأمور بصبر، وعلم، وحكمة، أن تعالج مشكلة بصبر، بهدوء، بعلم، بحكمة فأنت حليم.
ويقابل الحلم العجلة المفسدة لأمور الدين والدنيا، ولا يفوتني أن أقول لكم إن معالجة المسلمين في هذا العصر لبعض المشكلات التي تحيط بهم تعالج معالجة متعجلة، هذه المعالجة المتعجلة تسبب لنا متاعب لا تنتهي، الطرف الآخر أعداؤنا يفكرون بعقولهم ويخططون بهدوء، ونحن نثور، ونضطرب، وفي النهاية لا نحقق شيئاً، بل يزداد ما بيننا وبين الطرف الآخر من اتساع ومن تباعد، فالعجلة مفسدة في أمور الدين والدنيا.
الحليم هو الذي يرغب بالعفو ولا يسارع بالعقوبة:
"الحليم" هو الذي يرغب بالعفو، ولا يسارع بالعقوبة، قال تعالى في وصف سيدنا إبراهيم:
﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ ﴾
( سورة التوبة )
أثنى الله عليه، يدخل في معنى الحلم بلوغ الصبي الحُلم، أي يبلغ الصبي مبلغ الرجال، الحكماء، العقلاء، قال تعالى: ﴿ وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ ﴾
( سورة النور الآية: 59 )
صار عاقلاً، راشداً، أما قوله تعالى: ﴿ فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ ﴾
( سورة الصافات )
أي لديه أناة، وبصيرة، وحكمة من صغره، هذا ما في اللغة من معانٍ دقيقة حول كلمة "الحليم". الله عز وجل حليم يمهل عباده ليزدادوا في الطاعة والثواب:
أما الله جل جلاله إذا وصف بالحلم فهو حليم، يعني الصبور على عباده المتصف بالحلم، يتمهل، ولا يتعجل، وهو العاطي لا يسأل، وهو "الحليم" لا يعجل، بل يتجاوز عن الزلات، ويعفو عن السيئات، فهو سبحانه وتعالى يمهل عباده الطائعين ليزدادوا في الطاعة والثواب، ويمهل عباده العاصين لعلهم يرجعون إلى الطاعة والصواب، ولو أنه عجّل لعباده الجزاء ما نجا من العقاب أحد، ولكن الله جلّ جلاله هو "الحليم" ذو الصفح والأناة، استخلف الإنسان في أرضه، واسترعاه في ملكه، واستبقاه إلى يوم الموعود وأجل محدود، فأجّل بحلمه عقاب الكافرين، وعجّل بفضله ثواب المؤمنين.
الخلاصة: أن "الحليم" الذي لا يعجل بالعقوبة، والانتقام، ولا يحبس عن عباده بذنوبهم الفضل والإنعام، بل يرزق العاصي كما يرزق المطيع، وإن كان بينهما تفاضل على مقتضى الحكمة.
يعني ورد في بعض الآثار القدسية:
(( أن يا عبدي خلقت لك السماوات والأرض ولم أعيَ بخلقهن، أفيعييني رغيف أسوقه لك كل حين ؟ لي عليك فريضة، ولك علي رزق، فإذا خالفتني في فريضتي لم أخالفك في رزقك ))
الكفار يأكلون أطيب الطعام، ويشربون، ويتمتعون، ويسكنون البيوت الفخمة يركبون المركبات الفارهة، يتزوجون أجمل النساء، ويتبجحون، ويتطاولون، ويتكبرون ، والله يرزقهم. الخاسر من أتته الدنيا من أوسع أبوابها و غفل عنها و عن الآخرة:
أيها الأخوة:
(( عبدي لي عليك فريضة، ولك علي رزق، فإذا خالفتني في فريضتي لم أخالفك في رزقك، وعزتي وجلالي إن لم ترضَ بما قسمته لك فلأسلطن عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحش في البرية، ثم لا ينالك منها إلا ما قسمته لك ولا أبالي، وكنت عندي مذموماً، أنت تريد وأنا أريد، فإذا سلمت لي فيما أريد، كفيتك ما تريد، وإن لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد، ثم لا يكون إلا ما أريد ))
[ورد في الأثر]
أيها الأخوة، هذا الأثر القدسي يبين أن الله سبحانه وتعالى قد يعاقب إنساناً بأن تأتيه الدنيا من أوسع أبوابها، وهو غافل عنه، ويأتي الموت فجأة كصاعقة ينهد لها. ﴿ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ﴾
( سورة الفجر )
﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ﴾
( سورة الكهف )
من غضب غابت عنه الحقائق وارتكب الحماقات:
أيها الأخوة، كلكم يعلم أن من أسماء الله الحسنى ما لا يجوز أن يسمى الإنسان بهذا الاسم، كاسم الخالق، هل من خالق غير الله ؟ لكن اسم العليم، اسم الحكيم اسم "الحليم" يجوز أن يوصف إنسان بأنه حليم.
بالمناسبة: الحلم سيد الأخلاق، وكاد الحليم أن يكون نبياً، ولأن "الحليم" حليم قراره صحيح، هادئ، والإنسان حينما يغضب لا يرى الحقائق، يرتكب حماقات لا يرتكبها الصغار، لذلك في بعض الأحاديث الشريفة:
(( لا تَغْضَبْ ))
[ أخرجه البخاري والترمذي ومالك عن أبي هريرة ]
الإنسان إذا غضب غابت عنه الحقائق، وارتكب حماقات يندم عليها أشد الندم فكاد "الحليم" أن يكون نبياً.
يروي التاريخ أن سيدنا معاوية جاءته رسالة من إنسان، أما الرسالة قاسية جداً فيها تجهم، أما بعد: فيا معاوية، باسمه، من دون لقب الخلافة، أما بعد: فيا معاوية، إن رجالك قد دخلوا أرضي فانههم عن ذلك، وإلا كان لي و لك شأن، والسلام.
هذه الرسالة تُخرج الإنسان من جلده، إلى جانبه ابنه يزيد، أطلعه عليها، قال له: ماذا نفعل ؟ فقال له يزيد: أرى أن ترسل له جيشاً، أوله عنده، وآخره عندك يأتوك برأسه، فغلى، فقال له والده: لا يا بني غير هذا أفضل، جاء بالكاتب، قال له: اكتب، أما بعد: فقد وقفت على كتاب ولدي حواري رسول الله، سيدنا ابن الزبير، ولقد ساءني ما ساءه، والدنيا كلها هينة جنب رضاه، لقد نزلت له عن الأرض ومن فيها، بعد حين جاء الجواب أما بعد: فيا أمير المؤمنين، أطال الله بقاؤك، ولا أعدمك الرأي الذي أحلك من قومك هذا المحل، استدعى ابنه يزيد، قال له: اقرأ، يا بني من عفا ساد، ومن حلم عظم، ومن تجاوز استمال إليه القلوب. الحلم سيد الأخلاق:
كاد "الحليم" أن يكون نبياً، الحلم سيد الأخلاق، الأب يحتاج إلى أن يكون حليماً هدئ نفسك، الأمر عالجه بأناة، وصبر، وعلم، وحكمة، لا تتعجل، لا تأخذ الأمر بعصبية كبيرة، خذه بحلم وهدوء، ويحتاج الإنسان إلى هذه الصفة، ولاسيما في الأيام العصيبة، في أيام الكوارث، في أيام القهر، في أيام الظلم، في أيام الفقر أحياناً.
﴿ وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيراً ﴾
( سورة فاطر )
يعني الله عز وجل يرزق عباده، ويكفرون، ويتطاولون، ويتبجحون ، ويستكبرون، ويظلمون وهو حليم عليهم. الله سبحانه و تعالى حليم يؤخر العقاب كي يعطي المقصر فرصة ليصحح تقصيره:
الآن من المعاني التفصيلية من اسم "الحليم" أن الله سبحانه وتعالى يؤخر العقوبة ، السؤال: لماذا يؤخرها ؟ لو أنه ألغى العقوبة هذا ما يعنيه اسم العفو، والغفور، إلغاء العقوبة عفو غفور، أما تأخير العقوبة حليم، هناك فرق، التأخير حلم، إلغاء العقوبة مغفرة وعفو.
أيها الأخوة، لو أن الله سبحانه وتعالى عجل العقاب لكل مذنب هذا ليس حلماً عندئذٍ لا يكون حليماً، لأنه حليم يؤخر، ولو أن الله أجّل العقاب، ويريد بهذا التأجيل أن يوقع بهذا الإنسان أشد العقاب، هذا ليس حلماً، هذا حقد، الحاقد يضبط أعصابه، ويخطط لإنزال أشد العقاب بهذا الإنسان، نقول هذا إنسان حاقد، أما الله عز وجل يؤخر العقاب لا ليوقع بهذا الإنسان أشد العقاب، ولكن ليعطي هذا الإنسان فرصة لعله يرجع، لعله يتوب، لعله يستغفر، لعله يندم، التأخير لا يعد حقداً، يعد إمهالاً، إعطاء فرصة لهذا الإنسان لعله يرجع إلى الله.
أحياناً الإنسان يحقد لأنه ضعيف، يكتم الألم، وأحياناً يحقد لأنه قوي، الضعيف يحقد، والقوي يحقد، ولكن الحقد شيء، والحلم شيء آخر، يعني يؤخر العقاب لعله يرجع، لعله يندم، لعله يستغفر، لعله، لعله
﴿ وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ ﴾
أيها الأخوة، يتوضح الأمر من خلال هذا المثل:
أسسنا مدرسة نموذجية فيها أقوى المدرسين، فيها أفضل المناهج، أحسن الكتب، فيها مرافق راقية جداً، مكتبات، قاعات تدريس، مخابر، فيها كل شيء، لو أن المدير هدفه تنفيذ القانون بشكل حرفي كل طالب غاب أسبوعين يفصل نهائياً، المدير الحكيم ، الرحيم، الحليم أحياناً يتغافل عن غياب طالب، أحياناً يؤخر العقاب، أحياناً يستدعي والده ائتِ بتقرير طبي لئلا يفصل ابنك من المدرسة، أحياناً لا يطلب الدوام، هذه كلها محاولات لإعطاء الطلاب المتغيبين فرصة أن يعودوا عن تقصيرهم، ليس الهدف إيقاع العقاب بالطلاب، الهدف نشر الخير، والعلم، والمبادئ، والقيم، وتخريج قادة لهذه الأمة، فالمدير الحكيم الحليم لا يتخذ الأخطاء التي يرتكبها الطلاب مبرراً لفصلهم، وإنهائهم.
هذا معنى "الحليم" يؤخر العقاب كي يعطي المقصر فرصة ليصحح تقصيره. الله عز وجل خلق عباده لجنة عرضها السماوات والأرض:
الآن أيها الأخوة، هناك آية دقيقة جداً:
﴿ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى ﴾
( سورة طه )
يعني ولولا كلمة سبقت من ربك وأجل مسمى لكان لزاماً، الآية دقيقة جداً يعني لولا أن الله خلق عباده ليرحمهم، لولا أن الله خلق عباده ليسعدهم، لولا أن الله خلق عباده لجنة عرضها السماوات والأرض، لولا أن الله خلق عباده ليتوبوا إليه، فيقبل توبتهم لولا أن الله خلق عباده ليستغفروه فيغفر لهم، لولا أن الله خلق عباده ليسألوه فيعطيهم، لولا أن الله خلق عباده ليرجعوا عن ذنوبهم فيقبلهم، لعجل عليهم العقاب ﴿ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ ﴾
يعني:
﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾
( سورة هود الآية: 119 )
خلقهم ليرحمهم، خلقهم ليسعدهم، خلقهم لجنة عرضها السماوات والأرض ، خلقهم ليوفقهم، الإنسان الجاهل، يقول لك: سبحان الله ! الله خلقنا للعذاب، أيضاً يسبح الله هذا كلام غير صحيح، خلقنا للنعيم، خلقنا للسعادة، خلقنا ليرحمنا، خلقنا لجنة عرضها السماوات والأرض.
كطالب أحمق ضربه الأستاذ مرة فقال: إنما أُنشئت هذه المدرسة كي نضرب لا، أُنشئت كي تكون عالماً، كي تكون مربى، مهذباً، لكن في أحوال قاهرة.
أوضح مثل: المركبة، السيارة، ما علة صنعها ؟ علة صنعها أن تمشي، أن تسير، اسمها سيارة، ولماذا وضع فيها المكبح ؟ المكبح يتناقض مع علة صنعها، هي صنعت كي تسير، وفيها مكبح، كما أن علة صنع السيارة تسير، والمكبح يتناقض مع علة صنعها. السعادة و الرحمة علة خلق الإنسان:
كذلك علة خلق الإنسان أن يسعده، وأن يرحمه، وأن يهبه جنة عرضها السماوات والأرض، ولكن تقتضي الحكمة أحياناً أن يوقفه عند حدّه، أن يعاقبه، أن يردعه ، أن يربيه، فالذي يقول: خلقنا للعذاب إنسان جاهل.
أوضح مثل: لما الطفل يجلس على كرسي طبيب الأسنان، لا يحتمل، يبكي ، يصرخ، يمسك يد الطبيب، يتحرك حركة غير صحيحة، أما الكبير يتألم أشد الألم، لكن ساكت لأنه يعلم أن هذا الألم لصالحه.
لذلك
﴿ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَاماً ﴾
عقابهم ﴿ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَاماً ﴾
إنزال العقاب بهم، لكن هذه الكلمة هي الرحمة، هي الإحسان، هذه الكلمة اقتضت أن يؤخر الله عقابهم لعلهم يرجعون، لعلهم يندمون، لعلهم يراجعون أنفسهم. الله سبحانه و تعالى حليم لا يوقع العقاب بالعاصي فوراً بل يؤخره لحكمة منه:
أيها الأخوة، اسم "الحليم" إذاً أن الله سبحانه وتعالى لا يوقع العقاب فوراً، بل ما من مسلم إلا وهو يعلم لماذا كان صلح الحديبية، هذا كان بحسب الظاهر صلح مهين للصحابة، والصحابة الكرام تألموا أشد الألم، بل قال أحدهم وهو عمر: يا رسول الله، علامَ نعطي الدنية في ديننا ؟ ألسنا أقوياء ؟ ألسنا على حق ؟ جاء الرد الإلهي:
﴿ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾
( سورة الفتح )
﴿ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ ﴾
في قريش أخفوا إيمانهم وهم معكم في قلوبهم لن يستطيعوا إعلان إسلامهم ﴿ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾
ألزم نبيه بقبول شروط مهينة، والنبي علم حكمة الله عز وجل، فنفذ أمره، لكن الصحابة، أو بعض الصحابة غابت عنهم هذه الحكمة فضجروا، وتألموا أشد الألم، علامَ نعطي الدنية في ديننا ؟ صلح الحديبية أكبر مثل من حلم الله عز وجل، هؤلاء الذين آمنوا في قريش، وهم في قلوبهم مع المؤمنين، ولم يستطيعوا إعلان إسلامهم، أخر عمرة النبي مع أصحابه من أجل سلامة هؤلاء الذين آمنوا، وأخفوا إيمانهم عن قريش.
أيها الأخوة، ورد في الأثر القدسي:
(( إني والإنس والجن في نبأ عظيم، أخلق ويعبد غيري ـ حليم الله عز وجل ـ وأرزق ويشكر سواي، خيري إلى العباد نازل، وشرهم إليّ صاعد، أتحبب إليهم بنعمي وأنا الغني عنهم، ويتبغضون إلى بالمعاصي وهم أفقر شيء إلي، من أقبل علي منهم تلقيته من بعيد، ومن أعرض عني منهم ناديته من قريب، أهل ذكري، أهل مودتي ، أهل شكري، أهل زيادتي، أهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي، إن تابوا فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا ـ الله حليم ـ فأنا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من الذنوب والمعايب، الحسنة عندي بعشرة أمثالها وأزيد، والسيئة بمثلها وأعفو، وأنا أرأف بعبدي من الأم بولدها ))
السعيد
08-27-2018, 12:25 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( السابع عشر بعد المائة )
الموضوع : اسم الله - الحليم - 2 -
لحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى:(الحليم):
أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في اسم "الحليم".
تعاريف اسم الحليم:
الله سبحانه وتعالى حليم، و "الحليم" من كان صفاحاً عن الذنوب، ستاراً للعيوب، من أدعية بعض الصالحين:
(( اللهم لا تقطعنا بقواطع الذنوب، ولا بقبائح العيوب ))
الذنوب والعيوب تحجب عن الله عز وجل، فالحليم من كان صفاحاً عن الذنوب، ستاراً للعيوب.
و "الحليم" الذي غفر بعد ما ستر.
و "الحليم" يحفظ الود، ويحسن العهد، وينجز الوعد.
و "الحليم" يُسبل ستره على العصاة، ويسحب ذيل عفوه على الفجار.
و "الحليم" هو الذي لا يستخفه عاصٍ، ولا يستفزه طغيان طاغٍ. من رحمة الله و حلمه تأخير عقوبة الإنسان:
أيها الأخوة، عمير بن وهب، التقى بصفوان بن أمية في الفلاة، قال: يا صفوان، لولا ديون لزمتني ما أطيق سدادها، ولولا أولاد صغار أخشى عليهم العنت من بعدي، لذهبت وقتلت محمداً، وأرحتكم منه، انتهزها صفوان، وقال له: أما أولادك فهم أولادي، ما امتد بهم العمر، وأما ديونك فهي عليّ بلغت ما بلغت، فامضِ بما أردت، ولا تقف، سقى سيفه سماً، وامتطى راحلة، وتوجه إلى المدينة، وقد يسأل أحدكم: ألا يخاف أن يُقتل هناك ؟ هو ذهب بغطاء أن يفتدي ابنه من الأسر، فلما وصل إلى المدينة رآه سيدنا عمر قال: هذا عدو الله عمير جاء يريد شراً، قيده بحمالة سيفه، وساقه إلى النبي، دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال يا عمر أطلقه فأطلقه، قال: يا عمر ابتعد عنه، ابتعد عنه، قال: يا عمير ادنُ منا، دنا منه، قال له: سلّم علينا، قال له: عمت صباحاً يا محمد، قال له: قل السلام عليكم، قال له: هذا سلامنا، بمنتهى الغلظة، والفظاظة، قال له: يا عمير ما هذه السيف التي على عاتقك ؟ قال له: قاتلها الله من سيوف، وهل نفعتنا يوم بدر ؟ قال له: يا عمير ألم تقل لصفوان لولا ديون لزمتني ما أطيق سدادها، ولولا أطفال صغار أخشى عليهم العنت من بعدي لذهبت وقتلت محمداً، وأرحتكم منه ؟ فوقف، وقال له: أشهد أنك رسول الله، لأن الذي دار بيني وبين صفوان لا يعلمه أحد إلا الله، وأنت رسوله، وأسلم.
صفوان بن أمية كان يقف بظاهر مكة كل يوم ينتظر الخبر السار بالنسبة إليه ثم علم أن عمير قد أسلم.
لولا أن الله أخّر عقابه لكان مصيره إلى النار، لكن الله حليم، لذلك قال بعضهم: إن الله جلّ جلاله علم ما كان، وعلم ما يكون، وعلم ما سيكون، وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون، علم الله بأن هذا الإنسان ينطوي على خير، تأخرت العقوبة عنه فكانت تأخير العقوبة عنه سبب نجاته، وإسلامه.
الحليم اسم من أسماء الأفعال ومن أسماء الصفات:
إذاً "الحليم" هو الذي يؤخر العقوبة، وكلكم يعلم أن الأسماء الحسنى منها ما هو اسم ذات، منها ما هو اسم صفة، منها ما هو اسم فعل، فإذا أخّر الله العقوبة عن إنسان متلبس بمعصية فمعنى ذلك أن "الحليم" من أسماء الأفعال، وللتقريب:
لو أن إنساناً أخّر عقوبة عن إنسان، وكان في داخله يغلي حقداً وألماً لا يسمى حليماً، الإنسان الحليم في داخله هدوء وصفاء، فإذا كان الحلم يعني أن الصفة التي يتصف بها الإنسان صفة صفاء، وصفة سلام، أيضاً يمكن أن نعد اسم "الحليم" من أسماء الصفات ، فالحليم من أسماء الأفعال، ومن أسماء الصفات.
أيها الأخوة، النقطة الدقيقة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال:
(( إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم، وإنما الكرم بالتكرم ))
[أخرجه الطبراني عن أبي الدرداء ]
يعني هذه الصفة الرائعة كاد الحليم أن يكون نبياّ، الحلم سيد الأخلاق، هذه الصفة الرائعة في الإنسان متى تكون تصنعاً، ومتى تكون تطبعاً ؟ الفرق كبير. التحلم يفضي بالإنسان أن يتصل بالله و يُقبل عليه:
الحقيقة أيها الأخوة، إنني أقول دائماً يمكن أن تتقرب إلى الله بكمال مشتق من كماله، والإنسان يتصنع الحلم، يضبط نفسه، يضغط على أعصابه، لا يحرك ساكناً، يعفو، ما دام يتصنع الحلم دفع ثمن هذا التخلق بهذا الخلق، التحلم يفضي بك إلى أن تتصل بالله يعني عاكست نفسك.
﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ ﴾
( سورة النازعات الآية: 40 )
منعها أن تنتقم، منعها أن تبطش، ضبط نفسه، هذا الضبط هو التحلم، والتحلم ثمن الاتصال بالله، بعد الاتصال بالله يكون الحلم الحقيقي، فالحلم يكون تصنعاً، وهو الثمن ويكون تطبعاً وهو الثمرة، تتحلم فتقبل، فيقذف الله في قلبك هذا الخلق الكريم، فتغدو حليماً فالحلم تطبع، والحلم تصنع، التصنع ثمن التطبع. المؤمن لا يحقد بل يقابل الإساءة بالإحسان:
لذلك الله عز وجل قال:
﴿ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 134 )
فكأن الإنسان المؤمن يمر بهذه المراحل الثلاث، أولاً يكظم غيظه، بعدئذ يعفو في نفسه، بعدئذٍ يقابل الإساءة بالإحسان، لذلك قال تعالى: ﴿ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾
﴿ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾
( سورة فصلت )
هذه صفة المؤمن يرد على الإساءة بالإحسان، والمؤمن لا يحقد، لأنه موحد ، والحقد يتولد من الشرك الخفي.
(( وأخوف ما أخاف على أمتي الشرك الخفي، أما إني لست أقول إنكم تعبدون صنماً ولا حجراً، ولكن شهوة خفية، وأعمال لغير الله ))
[ورد في الأثر]
أحد العارفين ذو النون المصري، شعر بضيق، وبتشتت، وشعر بضياع فقال: أين قلبي ؟ يعني هناك قول يلفت النظر:
يقول الحسن البصري: من صلى فلم يشعر بشيء، من قرأ القرآن فلم يشعر بشيء، من ذكر الله فلم يشعر بشيء، فليعلم أنه لا قلب له. الشدائد تسوق الإنسان إلى باب الله عز وجل:
ذو النون المصري، شعر بضيق، وتشتت، وشعر بضياع فقال: أين قلبي أين ضاع قلبي ؟ قلبي في ضياع ! وفي طريقه في بعض أزقة المدينة رأى باباً يُفتح، ورأى أماً تضرب ابنها، وتلقيه خارج البيت، وتغلق الباب، جلس هذا الطفل يبكي، أين يذهب ؟ إلى أي بيت يدخل ؟ من يسأل ليطعمه ؟ أين ينام ؟ فما كان منه إلا أن عاد إلى باب البيت وجلس على عتبة الباب يبكي، وكانت أمه من رحمتها الشديدة تنظر إليه من ثقب الباب، فما كان منها إلا أن فتحت الباب، وأخذت ابنها ووضعته في حضنها، وقالت: يا قرة عيني، يا عزيز نفسي، أنت الذي حملتني على ما تكره، لو أطعتني لما رأيت مني ما تكره، فصاح هذا العارف بالله: وجدت قلبي، وجدت قلبي.
يعني أي شيء تكرهه ألمّ بك فاعلم أنه محض رحمة من الله، أراد أن يعالجك ، أن يقربك إليه، أن يلفت نظرك.
﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ﴾
( سورة الأنعام )
(( رأيت أناساً يساقون إلى الجنة في السلاسل ))
[أخرجه الطبراني عن أبي الفضيل ]
فهذه الشدائد أحياناً تسوقنا إلى باب الله، هذه المصائب.
(( يا عبادي إني حَرَّمتُ الظُّلمَ على نفسي، وجعلتُه بينكم محرَّما، فلا تَظَالموا يا عبادي، كُلُّكم ضالّ إلا مَنْ هَدَيتُه، فاسْتَهدُوني أهْدِكم، يا عبادي، كُلُّكم جائع إلا مَنْ أطعمتُهُ، فاستطعِموني أُطْعِمْكم ))
[أخرجه مسلم والترمذي عن أبي ذر الغفاري ]
(( لو أنَّ أوَّلَكم وآخرَكم وإنْسَكم وجِنَّكم، كانوا على أتْقَى قلب رجل واحدِ منكم ما زاد ذلك في مُلْكي شيئاً، يا عبادي، لو أنَّ أوَّلَكم وآخرَكم، وإنسَكم وجِنَّكم، كانوا على أفجرِ قلب رجل واحد منكم، ما نقص ذلك من ملكي شيئاً، يا عبادي، لو أنَّ أوَّلكم وآخرَكم، وإنسَكم وجِنَّكم، قاموا في صعيد واحد، فسألوني، فأعطيتُ كُلَّ إنسان مسألتَهُ ما نقص ذلك مما عندي إلا كما يَنْقُص المِخْيَطُ إذا أُدِخلَ البحرَ، ذلك لأن عطائي كلام وأخذي كلام، فمن وَجَدَ خيراً فليَحْمَدِ الله، ومن وجد غير ذلك ـ هنا ـ فلا يَلُومَنَّ إلا نَفْسَهُ ))
[أخرجه مسلم والترمذي عن أبي ذر الغفاري ]
الحلم حارس أمين يحول بين الإنسان وبين حماقات كبيرة:
أيها الأخوة، الحلم حارس أمين يحول بين الإنسان وبين حماقات كبيرة، نقيض الحلم الغضب، والفوران، فالحليم يحمي نفسه من حماقات كبيرة، والحلم حارس أمين فالحماقات قد تؤدي بصاحبها إلى الهلاك، يعني بساعة غضب شديد يُطلق زوجته، يشرد أولاده، يهدم بيته، أما الحلم سيد الأخلاق.
أيها الأخوة، قد يكون الحلم فضلاً عن أنه حارس أمين يكون سبباً لتكون هادياً وداعياً إلى الله عز وجل، صفة الحلم، والأناة، والتروي من صفات الدعاة إلى الله عز وجل.
من خلق الإيمان أن تدعو للناس بالهداية و التوفيق:
شيء آخر، قال مالك بن دينار: كان لي جار يتعاطى الفواحش الكثيرة وجيرانه يتأذون منه، ويمقتونه، فشكوا إليّ، فأحضرناه، ونصحناه، إما أن تتوب، وإما أن ترحل، فأبى أن يفعُ واحدة منهما، قلنا له نشكوك إلى السلطان، قال: السلطان يعرفني، قلنا ندعو الله عليك، فقال: اللهم أرحم بي منكم، فغاظني ذلك، فلما أمسيت قمت وصليت ودعوت عليه، فوقع في قلبي هاتف، لا تدعو عليه، ادعُ له.
كلما ارتقى إيمانك تدعو للآخر، ولا تدعُ عليه، بل ادعُ له بالتوفيق، يعني النبي عليه الصلاة والسلام حينما كُذب بالطائف، وحينما أغرى أهل الطائف صبيانهم أن يضربوه، وسال الدم من قدمه الشريفة وجاءه جبريل، وقال: يا محمد أمرني ربي أن أكون طوع إرادتك، لو شئت لأطبقت عليهم الأخشبين، قال: لا يا أخي، اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون، لعل الله يخرج من أصلابهم من يوحده.
من خلق الإيمان أن تدعو للناس بالهداية، يبدو أن هذا الشاب تاب توبة نصوحة وعاد إلى الله، واتفق أن رآه الذي دعا عليه أولاً، ثم دعا له بالتوفيق، أن رآه في موسم الحج يطوف ويبكي.
التلطف و العطف و الشفقة مع العصاة أفضل ألف مرة من الشتم و الضرب و التعنيف:
هناك قصة لها مغزى ومؤثرة، قال الإمام مالك بن دينار: بينما هو ماشي في الطريق رأى رجلاً مخموراً، طرحته الخمرة أرضاً، والزبد على شفتيه، ويقول: الله، الله وهو في حالة الهذيان، فعظم على هذا الإمام أن يخرج هذا الاسم (اسم الجلالة) من فم نجس ، وتلطف معه، ومسح فمه، وأكرمه على الرغم من سكره، وبعد أن صحا قيل لهذا السكران: أتدري من اعتنى بك واهتم بحالك ؟ إنه الإمام مالك، يبدو أن هذه العناية اللطيفة بهذا العاصي أثارت حساسيته.
إخوانا الكرام، أحياناً العصاة عندهم رقة، مغلوبون، يعصون الله ويبكون فالداعية الناجح يتلطف مع هؤلاء، يحتويهم، يأخذ بيدهم.
هذا المغني الذي أزعج أبا حنيفة سنوات طويلة بغنائه وعوده في الليل، وله أغنية مشهورة، أضاعوني وأي فتىً أضاعوا، فلما غاب عنه هذا الصوت علم أن به مكروهاً تفقد أحواله فإذا هو في السجن، ذهب إلى المسؤول عن السجن ليخلصه من السجن، أبو حنيفة بمكانته، بعلمه، بشأنه، فصاحب السجن إكراماً له أطلق سراحه، أركبه على دابته أردفه خلفه، قال: يا فتى، هل أضعناك ؟ ذاب بكاءً، وعاهد الله أن يدع الغناء.
يعني أنت إن رأيت عاصياً، بدل أن تعنفه، وأن تحتقره، وأن تشتمه، وأن تعين الشيطان عليه، تلطف به، أره عطفاً، وشفقة، وعندئذٍ تعينه على الشيطان، والفرق كبير جداً أن تعين الشيطان على العاصي، وبين أن تعين العاصي على الشيطان، بكى تأثراً وندماً، وتاب إلى الله عز وجل، وعاهد أبا حنيفة على أن يدع الغناء.
أكبر عقاب للمؤمن أن يحجب عن الله عز وجل:
أحياناً كما قال ابن عطاء الله السكندري: ربّ معصية أورثت ذلاً وانكساراً خير من طاعة أورثت عزاً واستكباراً، هناك قصة أرويها كثيراً:
أن شاباً سمع من شيخه قولاً: يا بني إن لكل معصية عقاباً، هكذا سمع، يبدو أنه زلت قدمه في مخالفة، فحسب كلام شيخه توقع المصيبة، فانتظرها، زلت قدمه والآن ينتظر المصيبة، مضى أسبوع، أسبوعان، ثلاثة أسابيع، لم يحدث شيء لا في بيته، ولا في صحته، ولا في أولاده، فتعجب، ففي أثناء صلاته ناجى ربه، قال: يا رب لقد عصيتك فلم تعاقبني، قال: وقع في قلبه أن يا عبدي قد عاقبتك ولم تدرِ، ألم أحرمك لذة مناجاتي ؟.
أحياناً يكون أكبر عقاب للمؤمن أن يحجبه الله عنه، الناس لا يرون شيئاً، إنسان بكامل صحته، أموره كلها صحيحة، لكن محجوب عن الله عز وجل، هذا من تأديب الله لأوليائه، الذنب يحجب، والآية الكريمة:
﴿ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ﴾
( سورة المطففين )
البطل من اصطلح مع الله في وقت مبكر:
من أطاع عصاك فقد عصاك، الأب البطل، المعلم البطل الذي يجعل من إعراضه عن ابنه، أو عن تلميذه أكبر عقاب له، أما من استخدم الضرب والتعنيف ذهبت هيبته وكان حاجزاً كبيراً بينه وبين من يربيه.
فهذا الإنسان يتوب من الذنب، ويرجع، يتوب ويرجع، فالشيطان وسوس له إلى متى تتوب وترجع ؟ من أجل أن يقنطه من رحمة الله، فمرة هذا الشاب الذي يتوب ويرجع صلى ركعتين، ثم رفع بصره إلى السماء، وقال: يا من عصمت المعصومين، ويا من حفظت المحفوظين، ويا من أصلحت الصالحين، إن عصمتني تجدني معصوماً، وإن أهملتني تجدني مخذولاً، ناصيتي بيدك، ديوني بين يديك، يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، هذه الواقعة يؤيدها القرآن الكريم، قال تعالى:
﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾
( سورة الزمر )
لذلك قالوا: ما أمرنا الله أن نتوب إليه إلا ليتوب علينا، وما أمرنا أن نستغفره إلا ليغفر لنا، وما أمرنا أن ندعوه إلا ليستجيب لنا، فالبطل هو الذي يصطلح مع الله في وقت مبكر. الحليم من صبر على أذى الآخرين:
سهل بن عمرو الذي تمنى سيدنا عمر أن يضرب عنقه بالسيف، حين قال للنبي عليه الصلاة والسلام في المفاوضات، قال له: اكتب هذا ما اتفق عليه محمد رسول الله قال: لا أكتب رسول الله، لو آمنا بك لما خالفناك، فقال النبي الكريم: اكتب هذا ما اتفق عليه محمد بن عبد الله، ما قبل أن يكتب رسول الله، وكان في منتهى الغلظة، والقسوة ، فسيدنا عمر هاج، وماج، وتمنى أن يعاقبه، قال له النبي الكريم: لا يا عمر ـ حليم ـ لعلك ذات يوم تسمع منه كلاماً تحمده عليه، وبعد وفاة النبي أسلم وقال كلاماً يذيب القلب.
أنت لا تعلم، لكن الله يعلم، كن حليماً، تلطف، كن ذات أناة.
أيها الأخوة الكرام:
(( إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم، وإنما الكرم بالتكرم ))
[أخرجه الطبراني عن أبي الدرداء ]
والتحلم تصنع الحلم، والتحلم ثمن الحلم الأصيل الحقيقي، فالحلم يكون تصنعاً وهو الثمن، ويكون تطبعاً وهو الثمرة.
السعيد
08-27-2018, 12:27 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الثامن عشر بعد المائة )
الموضوع : اسم الله - التواب - 1 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
من أسماء الله الحسنى:(التواب):
أيها الأخوة الأكارم، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "التواب".
ورود اسم التواب في القرآن الكريم و السنة الشريفة:
ورد هذا الاسم في القرآن الكريم في ستة مواضع معرفاً بأل، كما في قوله تعالى:
﴿ فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾
( سورة البقرة )
وقد ورد أيضاً في ستة مواضع، منوناً، كما في قوله تعالى: ﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ ﴾
( سورة النور )
أيها الأخوة، الله عز وجل يقول: ﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً ﴾
( سورة النساء )
وقد قال العلماء: ما أمرنا الله أن نتوب إليه إلا ليتوب علينا وما أمرنا أن نستغفره إلا ليغفر لنا، وما أمرنا أن نسأله إلا ليعطينا، وما أمرنا أن ندعوه إلا ليستجيب لنا.
أما في السنة النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو ويقول:
(( رب اغفر لي وتب عليّ إنك أنت التواب الرحيم ))
[ الترمذي و ابن ماجه عن عبد الله بن عمر]
التواب في اللغة:
أيها الأخوة، "التواب" في اللغة من صيغ المبالغة، وصيغ المبالغة إذا اتصلت بأسماء الله الحسنى، فتعني الكم والنوع، يعني يغفر جميع الذنوب كماً، ويغفر أكبر الذنوب نوعاً، تواب، تائب، وتواب، صيغة مبالغة، على وزن فعال، يغفر كل الذنوب مهما كثرت، ويغفر كل الذنوب مهما عظمت، الفعل تاب، يتوب، توباً، وتوبةً، تاب فعل ماض، يتوب فعل مضارع، توباً مصدر، وتوبة.
التعريف اللغوي للتوبة:
1 ـ الرجوع عن الشيء إلى غيره:
أما تعريف التوبة اللغوي فهو: الرجوع عن الشيء إلى غيره، رجع عن هذا العمل إلى عمل آخر، هذا معنى التوبة اللغوي، بل هو ترك الذنب على أجمل وجه، وهو أبلغ وجه من وجوه الاعتذار، أعلى مستوى من الاعتذار أن تتوب، الاعتذار على أوجه ثلاثة، لا رابعة لها، عملت عملاً، إما أن تقول لم أفعل هذا، هذا اعتذار، الرواية التي بلغتك ليست صحيحة، لم أفعل هذا، من هنا قال الله عز وجل :
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ﴾
( سورة الحجرات )
تحقق، الله عز وجل يصف لنا التحقيق، قال سيدنا سليمان: ﴿ قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ﴾
( سورة النمل )
تحقق، فأول وجه من وجوه الاعتذار أن تقول: لم أفعل هذا، أو أن تقول: فعلته، ولكن كان قصدي شريفاً، لم أقصد المعنى الذي توهمته، هذا وجه آخر والوجه الثالث تقول فعلت، وأسأت، وقد أقلعت عن هذا الذنب، هذا هو الاعتذار الأسلم ، هذه هي التوبة، أن تقول: فعلت، وأسأت، ولن أعود إلى هذا العمل. 2 ـ المذنب الذي يسأل ربه التوبة:
أيها الأخوة، في اللغة: التائب هو المذنب الذي يسأل ربه التوبة، والتائب هو الله الذي يقبل التوبة، نقول هذا الإنسان المذنب تائب، وهذا الإله العظيم تائب، قَبِل التوبة.
3 ـ مخرج النجاة للإنسان حينما تحيط به خطيئاته:
والتوبة أيها الأخوة، مخرج النجاة للإنسان حينما تحيط به خطيئاته.
﴿ وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ ﴾
( سورة البقرة الآية: 81 )
مخرج النجاة الوحيد هو التوبة، والتوبة هي صمام الأمان، حينما تضغط عليه سيئاته.
بعض الأوعية البخارية لها صمام أمان، فإذا ارتفع الضغط كثيراً بدل أن تنفجر هذا الصمام يسيح، والبخار يخرج. 4 ـ صمام الأمان حينما تضغط على الإنسان سيئاته:
فالتوبة: هي صمام الأمان حينما تضغط على الإنسان سيئاته.
5 ـ تصحيح المسار:
والتوبة: هي تصحيح المسار، حينما تضله أهواؤه.
6 ـ حبل الله المتين:
والتوبة: هي حبل الله المتين، حينما تغرقه زلاته، مخرج النجاة للإنسان، حينما تحيط به خطيئاته، وصمام الأمان للإنسان حينما تضغط عليه سيئاته، وتصحيح المسار للإنسان حينما تضله أهواؤه، وحبل الله المتين حينما تغرقه زلاته.
7 ـ الصراط المستقيم حينما تنحرف بالإنسان شهواته:
والتوبة: هي الصراط المستقيم حينما تنحرف به شهواته.
أيها الأخوة، ورد في الأثر القدسي:
(( وعزتي وجلالي إن أتاني عبدي ليلاً قبلته، وإن أتاني نهاراً قبلته، وإن تقرب مني شبراً، تقربت منه ذراعاً، وإن تقرب مني ذراعاً تقربت منه باعاً، وإن مشى إليّ هرولت إليه، وإن استغفرني غفرت له، وإن استقالني، أي طلب إقالتي، أقلته، وإن تاب إليّ قبلته، وإن أقبل عليّ تلقيته من بعيد، وإن أعرض عني ناديته من قريب، ومن ترك لأجلي أعطيته فوق المزيد، ومن استعان بحولي وقوتي ألنت له الحديد، ومن أراد مرادي أردته ما يريد، أهل ذكري أهل مودتي، أهل شكري أهل زيادتي، أهل طاعتي أهل كرامتي، أهل معصيتي لا أقنطهم ومن رحمتي، إن تابوا فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من الذنوب والمعايب، أشكر اليسير من العمل وأغفر الكثير من الزلل، رحمتي سبقت غضبي، وحلمي سبق مؤاخذتي، وعفوي سبق عقوبتي، وأنا أرأف بعبدي من الأم بولدها ))
﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ﴾
الله عز وجل يقبل التوبة عن عباده ما لم تغرغر النفس أو تطلع الشمس من مغربها:
أيها الأخوة، الله عز وجل هو "التواب" يقبل التوبة عن عباده، حالاً بعد حال ، يوماً بعد يوم، وحيناً بعد حين، فما من عبد عصاه، وبلغ عصيانه مداه، ثم رغب في التوبة إلا فتح له أبواب رحمته، وفرح بعودته، ما لم تغرغر النفس، أو تطلع الشمس من مغربها ، باب التوبة يغلق والإنسان على فراش الموت، تغرغر روحه، أو تطلع الشمس من مغربها.
(( إنَّ اللِهَ عزَّ وجلَّ يبْسُطُ يدَهُ باللَّيْلٍ ليَتوبَ مُسيءُ النهار، ويبسُطُ يدَه بالنَّهار ليتُوبَ مُسيء الليلِ، حتى تطْلُعَ الشمسُ من مغرِبِها ))
[ مسلم عن أبي موسى]
و:
(( إنَّ اللّهَ يقبلُ توبة العبدِ ما لم يُغَرغِرْ ))
[ الترمذي عن ابن عمر]
باب التوبة مفتوح على مصراعيه قبل أن يموت الإنسان إلا في إحدى حالتين:
1 ـ عند الموت:
أيها الأخوة، لابدّ من شرح، باب التوبة مفتوح على مصراعيه، إلا في إحدى حالتين، إذا حضر أحدكم الموت، عندما يحضر الموت تلغى التوبة، الآية واضحة:
﴿ وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآَنَ ﴾
( سورة النساء الآية: 18 )
في هذه الحالة يغلق باب التوبة. 2 ـ إذا طلعت الشمس من مغربها:
أما يغلق باب التوبة إذا طلعت الشمس من مغربها، طلوع الشمس من مغربها من أشراط الساعة.
أخطر ما يصيب المسلمين عدم فهم دينهم و عدم الاهتمام بقيمهم وإسلامهم:
لكن هذا المعنى قد يفهم بشكل موسع وقد يفهم بشكل ضيق، يعني الله أعلم كيف تطلع الشمس من مغربها، لكن بالمعنى الموسع حينما نرى أن العلم كله في الغرب، وأن الحضارة كلها في الغرب، وأن الأخلاق كلها في الغرب، وكل شيء يفعله الغرب هو الكمال، ولو تفلتوا من منهج الله، ولو فعلوا الأفاعيل، ولو تحللوا من كل قيد أخلاقي، ما دام هذا العمل جاءنا من الغرب.
(( حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه ))
[أخرجه الحاكم عن أبي هريرة ]
حينما لا نأبه لديننا، ولا نهتم بقيمنا، ولا نُعظم إسلامنا، ولا نقدس وحي ربنا، وحينما نزدري أنفسنا، ونرى الغرب القوي، الغني، الذكي، هو الحضارة، هو التقدم، هو الأخلاق، هو القيم، هذا مما يفهم من طلوع الشمس من مغربها، لماذا يتوب ؟ دينه كله ليس قانعاً به، أمته كلها ليس قانعاً بها، حضارته كلها ليس مؤمناً بها، انسلخ من انتمائه، انسلخ من إسلامه، انسلخ من أمته، انسلخ من حضارته، فهذا الإنسان لا يتوب لأنه تبدلت مبادئه وقيمه، وهذا من أخطر ما يصيب المسلمين، الاستغراب، الاستغراب أن تكون غربياً شكلاً، وقالباً، ومضموناً، ومحتوىً، أن تفكر بطريقة الغربيين، أن تُقيّم العمل بطريقة الغربيين.
(( من هوي الكفرة حُشر معهم ولا ينفعه عمله شيئاً ))
التشبه بالغرب يسلخ المسلم من قيمه و من تاريخه العظيم:
لا يقبل للمرأة إلا أن تكون متفلتة، أن تبرز كل مفاتنها، تعرية المرأة حضارة، تناول الخمور تقدم ورقي، حينما نكون بهذه الحال يغلق باب التوبة، حينما لا نرى أمتنا العظيمة التي فتحت أطراف الدنيا، التي نشرت العدل، الرحمة، حينما لا نأبه لقرآننا، وحي السماء، حينما لا نعتد بسنة نبينا سيد الخلق، وحبيب الحق، هذا الوضع الاستغرابي هو مما يبدد المسلمين، أن ينسلخ المسلم من أمته، من مبادئه، من قيمه، من تاريخه العظيم، ما عرف التاريخ فاتحاً أرحم من العرب المسلمين الذين امتلأ قلبهم رحمة.
على كلٍ هذا اجتهاد شخصي، فإن أصاب المجتهد له أجران، وإن أخطأ له أجر، طلوع الشمس من مغربها من علامات الساعة، والله أعلم كيف ؟ ومتى ؟ ولكن يمكن أن نفهم هذا النص فهماً موسعاً، حينما نزدري أمتنا، ومبادئنا، وقيمنا، لماذا نتوب ؟ حينما نقلد الغرب بكل شيء، حتى لو تعروا، حتى لو أكلوا الحرام، حتى لو شربوا الخمور، حتى لو فعلوا المبيقات، هذا شيء من الغرب، شيء عظيم، هذه الحالة تقتضي كما ورد في الحديث الصحيح تغلق باب التوبة.
من تاب توبة نصوحة بدل الله سيئاته حسنات:
أيها الأخوة، قال تعالى:
﴿ مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ﴾
( سورة الفرقان الآية: 70 )
كيف ؟ أيضاً هذا فهم لهذه الآية اجتهادي، كان بخيلاً، بعد أن تاب إلى الله أصبح كريماً، كان غضوباً أصبح حليماً، كان شهوانياً أصبح رحمانياً، كان جاحداً، صار منصفاً، ﴿ فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ﴾
يعني ما لم تتبدل قيم الإنسان 180 درجة فتوبته ليست صحيحة، أي إنسان أخذ اتجاهاً آخر، ما لم تقل زوجة التائب تغير لم يكن هكذا، كان غضوباً أصبح حليماً، كان بخيلاً أصبح كريماً، ﴿ فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ﴾
صورة متحركة تؤكد فرحة الله بتوبة عبده:
قال الله تعالى في حديث قدسي:
(( إِنَّكَ ما دَعَوْتَني ورَجَوْتَني: غفرتُ لك على ما كانَ مِنكَ، ولا أُبالِي، يا ابنَ آدمَ، لو بلغتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السماءِ، ثم استَغْفَرتَني: غَفَرْتُ لك، ولا أُبالي، يا ابنَ آدم إِنَّكَ لو أتيتني بِقُرابِ الأرض خَطَايا، ثم لَقِيتَني لا تُشْرِكُ بي شيئاً: لأَتَيْتُكَ بِقُرابِها مَغْفِرَة ))
[ الترمذي عن أنس]
بل إن في بعض الأحاديث:
(( لَلّهُ أشَدُّ فْرَحا بِتَوْبَةِ أحَدِكم مِنْ أحَدِكم بِضَالَّتِهِ إذا وجَدَها ))
[أخرجه الترمذي عن أبي هريرة ]
وفي رواية ثانية:
(( لله أفرح بتوبة عبده من الضال الواجد ـ ضيع شيئاً ثمينا جداً ـ والعقيم الوالد ـ بعد عشر سنوات جاءه مولوه ـ ومن الظمآن الوارد ـ كاد يموت عطشاً في الصحراء ثم رأى الماء ـ ))
(( لله أفرح بتوبة عبده من الضال الواجد، والعقيم الوالد، والظمآن الوارد ))
[ذكره السيوطي في الجامع الصغير عن أنس]
بل إن النبي عليه الصلاة والسلام حدثنا عن قصة عبّر بها عن فرح الله بتوبة عبده، فذكر أن أعرابياً ركب ناقته، وعليها طعامه وشرابه ليقطع بها الصحراء، أدركه التعب، فجلس ليستريح، فلما أفاق من استراحته لم يجد الناقة، فأيقن بالهلاك، بكى بكاءً مراً من شدة البكاء أخذته سنة ثانية من النوم، فلما استيقظ رأى الناقة أمامه، من شدة الفرح اختل توازنه، وقال كلمة الكفر، قال: يا رب أنا ربك وأنت عبدي يقول عليه الصلاة والسلام:
(( لله أفرح بتوبة عبده من هذا البدوي بناقته ))
صورة متحركة تؤكد فرحة الله بتوبة عبده. بطولة الإنسان أن يرجع إلى الله بالهدى البياني لا بالتأديب التربوي:
الآن المعنى الدقيق في قوله تعالى:
﴿ وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا ﴾
( سورة التوبة الآية: 118 )
يعني تاب الله على نبيه:
﴿ وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾
( سورة التوبة )
هناك توبة تسبق توبة العبد، هناك توبة تلحق توبة العبد، بل إن توبة العبد بين توبتين ﴿ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ﴾
﴿ تَابَ عَلَيْهِمْ ﴾
يفهم من هذا الآية أن الله ساق لهم من الشدائد ما يحملهم بها على التوبة.
إنسان متلبس بمعصية، يسوق الله عز وجل له شدة، تلوح له مصيبة، يهدده إنسان، يشعر بآلام معينة في جسمه، هذا من توبة الله عليه، يسوق له من الشدائد ما يحمله على التوبة، والمقلقات التي تدفع الإنسان إلى باب الله، تدفعه إلى التوبة، تدفعه إلى الصلح مع الله، فإذا جاءت توبة الله بعد توبة العبد أي قبل التوبة، فالله يدفعك إلى التوبة فتتوب وبعدها يقبل توبتك، فتوبتك ينبغي أن تكون بين توبتين، لكن أحياناً الله عز وجل يسوق لك إنساناً يبلغك الحقيقة، من دون مصيبة، هنا البطولة أن ترجع إلى الله بالهدى البياني لا بالتأديب التربوي، أما حينما تأتي الشدة ونتوب أيضاً وضع جيد، أما الأجود أن تتوب بالملاحظة، أن تتوب بالبيان، أن تتوب بالهدى البياني. كُلُّ بَني آدمَ خطَّاءٌ وخيرُ الخَطَّائينَ التَّوابونَ:
على كلٍ يجب أن تكون توبتك بين توبتين، بين توبة الله التي قبلها وهي البيان أو الشدة، أو أسلوب معين يحملك الله على التوبة، ثم أن تأتي توبتك صادقة، ويأتي بعدها توبة الله عليك بمعنى أنه قَبِل توبتك، فتوبة قبلها، وتوبة بعدها.
أيها الأخوة الكرام، الموضوع دقيق جداً، الموضوع من أقرب الموضوعات إلى المؤمن "التواب" لأن المؤمن مذنب تواب.
(( كُلُّ بَني آدمَ خطَّاءٌ وخيرُ الخَطَّائينَ التَّوابونَ ))
[ أخرجه الترمذي عن أنس بن مالك ]
والتوبة كما قلت: مخرج النجاة للإنسان حينما تحيط به خطيئاته، وصمام الأمان للإنسان حينما تضغط عليه سيئاته، وتصحيح المسار للإنسان حينما تضله أهواؤه، وهي حبل الله المتين حينما تخرقه زلاته، وهي الصراط المستقيم حينما تنحرف به شهواته.
السعيد
08-27-2018, 12:28 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( التاسع عشر بعد المائة )
الموضوع : اسم الله - التواب - 2 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
من أسماء الله الحسنى:(التواب):
أيها الأخوة الأكارم، لازلنا مع اسم "التواب" وعلينا نفهم حقيقة هذا الاسم العظيم الذي هو من أقرب الأسماء إلى المؤمن، لأن المؤمن مذنب تواب، ولأن:
(( كُلُّ بَني آدمَ خطَّاءٌ وخيرُ الخَطَّائينَ التَّوابونَ ))
[ أخرجه الترمذي عن أنس بن مالك ]
نفس الإنسان التي بين جنبيه هي الأمانة التي قَبِل أن يحملها:
أيها الأخوة، الله جلّ جلاله عرض علينا حمل الأمانة، قال تعالى:
﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ ﴾
( سورة الأحزاب الآية: 72 )
لما قبل الإنسان حمل الأمانة سخر الله له: ﴿ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ ﴾
( سورة الجاثية الآية: 13 )
طبعاً هذه الأمانة هي النفس التي بين جنبيك. ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾
( سورة الشمس )
يعني أي إنسان عرّف نفسه بربه، وحملها على طاعته، وحملها على التقرب إليه، فقد أفلح، ولم ترد هذه الكلمة في القرآن إلا في هذا الموضع. ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ﴾
( سورة الأعلى )
﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾
النجاح كل النجاح، والفوز كل الفوز، والعقل كل العقل، والتفوق كل التفوق، في أن تزكي نفسك، وتؤهلها لجنة عرضها السماوات والأرض، لأن هذا الإنسان خلق للجنة. مقومات التكليف:
الله عز وجل حينما قبلنا حمل الأمانة أعطانا مقومات التكليف، أعطانا كوناً ينطق بكمال الله، ووحدانيته، أعطانا عقلاً، أداة لمعرفة الله عز وجل، أعطانا فطرة نكشف بها أخطاءنا، أعطانا شهوة نتحرك بها، أعطانا اختياراً يثمن أعمالنا، أعطانا وقتاً هو وعاء عملنا، أعطانا كل شيء، أعطانا كل مقومات التكليف، وأمرنا أن نعبده، وجعل العبادة علة وجودنا، فقال تعالى:
﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾
( سورة الذاريات )
الإنسان إما أن يكون فوق الملائكة المقربين أو دون أحقر الحيوانات:
لكن هذا الإنسان كما قال الإمام علي رضي الله عنه: الملك ركب من عقل بلا شهوة، والحيوان ركب من شهوة بلا عقل، أما الإنسان، هذا المخلوق الأول، الذي قبل حمل الأمانة، الذي سخر له:
﴿ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ ﴾
هذا الإنسان رُكب من عقل وشهوة، رُكب من عقل يشده إلى الله، ورُكب من شهوة تشده إلى الأرض، هناك دوافع عليا، وهناك دوافع سفلى هناك.
الدليل القرآني: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ﴾
( سورة البينة )
أي خير ما برأ الله. ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ ﴾
( سورة البينة )
فالإنسان بين أن يكون فوق الملائكة المقربين، وبين أن يكون دون أحقر الحيوانات، هذا في الأصل، عُرضت علينا الأمانة، قبلنا حملها، أُعطينا مقومات التكليف، كوناً ينطق بوجود الله، ووحدانيته، وكماله، عقلاً أداة لمعرفته، فطرة مقياساً للخطأ والصواب، شهوة تدفعنا وتحركنا، اختياراً يثمن عملنا، وقتاً هو وعاء عملٍ.
الإنسان حينما يغفل عن الله، ويستجيب لشهوته يضل، ويزل، ويخطئ ، ويُحجب، ويبتعد عن الله عز وجل رب العالمين. الله عز وجل يسوق للإنسان من الشدائد ما يحمله بها على التوبة:
الآن بدأنا باسم "التواب"، رب العالمين يربينا، يسوق لنا من الشدائد ما يحملنا على طاعته، تأتي الشدة، ثم يلقي الله في روع هذا الإنسان أن هذه الشدة من أجل هذا الذنب فتب إليّ يا عبدي.
﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً ﴾
( سورة النساء )
يسوق الله لنا من الشدائد ما يحملنا بها على التوبة، وهذا معنى قول الله عز وجل :
﴿ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ﴾
( سورة التوبة )
ساق لهم من الشدائد ما حملهم بها على التوبة. من علامات رحمة الله عز وجل بعباده المتابعة والتهديد والوعيد والإنذار والتشدد:
أيها الأخوة، فإذا تاب العبد إلى الله، بمعنى أنه أقلع عن الذنب، وندم، وعقد العزم ألا يعود إليه، يتوب الله عليه، فيقبل توبته.
الآن بعض الأمثلة، المثل الأول:
لو أن إنساناً أرسل ابنه إلى أمريكا ليدرس، حوّل له مبلغاً يكفيه كل سنوات الدراسة دفعة واحدة، أعطاه حقه، أعطاه مصروفه الكامل، وهيأ له جامعة راقية، وتركه، هذا الابن أو هذا الشاب فتنته الدنيا هناك، مشى في طريق غير صحيح، تعلق بالفتيات، نسي الدراسة، نسي الجامعة، مضت الأعوام كلها، وعاد إلى بلده صفر اليدين، عامله أبوه بأعلى درجات العدل، أعطاه مصروفه الكامل، هيأ له أرقى جامعة، لكن تركه، هذه حالة.
هناك أب آخر: يتابعه كل أسبوع، باتصال هاتفي، برسالة، يسافر إليه، يتفقد دراسته، يتفقد أحواله، يعطيه مصروفه لشهر واحد فقط، ثم يقول له: أرسل لي رسالة حينما ينتهي هذا المبلغ، بهذه المتابعة الشهرية، وهذه الزيارة المفاجئة، وهذا التفقد، وهذا الحرص، انضبط الابن، وتابع دراسته، وجاء بأعلى شهادة.
الحالة الأولى عدل، أما الحالة الثانية رحمة، الحالة الثانية تربية، الحالة الثانية متابعة، لأن الله جل جلاله هو رب العالمين، يتابعنا، يؤدبنا، يسوق لنا بعض الشدائد أحياناً يخيفنا، أحياناً يمرضنا، أحياناً يفقرنا، أحياناً يبتلينا بكآبة، بضيق، بقلق، لأنه رب العالمين، لأنه خلقنا لجنة عرضها السماوات والأرض، لأنه يتابعنا، المتابعة رحمة، هذا مثل.
مثل آخر: أنشأنا ثانوية ضخمة، موقع، بناء، قاعات تدريس، مخابر، قاعات محاضرات، وجبات غذائية جيدة جداً، مكتبة عامرة، قاعات كمبيوتر مثلاً، وهناك نظام داخلي، إذا الطالب غاب أسبوعين يفصل بحسب النظام الداخلي فصلاً كاملاً، هذه معاملة فهناك طلاب توانوا عن الدوام فصلوا، فُصل معظم الطلاب، هذه المعاملة في أعلى درجات العدل، كل شيء بأتم وضع، والنظام واضح، لكن هناك إدارة أخرى، تتابع دوام الطلاب أسبوعياً، فإذا بدأت الأيام تزداد في الغياب، أرسل رسالة إلى ولي الأمر، استدعي الأب أُبلغ عن غياب ابنه، رُسمت خطة بالاتفاق مع الأب كي يعود الابن إلى الدوام، الإدارة الثانية إدارة رحيمة، لأنها تتابع دوام الطلاب.
ليست العبرة أن نطبق النظام الداخلي، ونفصل معظم الطلاب، العبرة أن ننبههم، أن نتابعهم، أن نحاسبهم، أن نجري اتفاقاً مع أوليائهم حتى تتعاون الإدارة مع الأولياء، كي ينضبط هؤلاء الطلاب، الإدارة الثانية إدارة رحيمة، من علائم رحمتها المتابعة، والتهديد والوعيد، والإنذار، والتشدد، هكذا.
مثل ثالث: مؤسسة تجارية أعلنت عن وظيفة، ومن شروط هذه الوظيفة أن هناك فترة تجربة، ستة أشهر، فهناك إدارة لهذه الشركة، تسجل على هذا الموظف أخطاءه فقط، تأخر، لم يقم بهذا العمل، هناك كذب، تجمع هذه الأخطاء فإذا تراكمت، صُرف هذا الموظف من الوظيفة بحسب إعلان قبوله، يوجد فترة تدريب وتأهيل ستة أشهر، أما لو هذا الموظف ابن صاحب المؤسسة، كلما أخطأ حاسبه على كل خطيئة، على كل زلل، على كل تقصير، على كل تأخر، المتابعة تقتضي الرحمة.
الله عز وجل يتابعنا، الله عز وجل يربينا، الله عز وجل يسوق لنا من الشدائد ما يحملنا على التوبة.
من شعر أن الله يحاسبه و يسوق له من الشدائد ما يحمله على التوبة فليشكر الله تعالى:
لذلك اسم "التواب" يلتقي مع اسم الرحيم، اسم "التواب" يلتقي مع اسم الغفور، اسم "التواب" يلتقي مع اسم الحكيم، اسم "التواب" يقتضي المتابعة، فإذا شعرت أيها المؤمن أن الله يتابعك، ويحاسبك، ويؤدبك، ويسوق لك من الشدائد ما يحملك بها على التوبة فاشكر الله عز وجل لأن الله أدخلك في العناية المشددة، وأكبر عقاب يعاقب به الإنسان أن يخرجه من العناية المشددة.
﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً ﴾
( سورة الأنعام الآية: 44 )
إنسان حدثني عن قصته، قال لي: في بعض السنوات التي راجت فيها التجارة كثيراً، وربحت أرباحاً طائلة، وضعت في جيبي خمسمئة ألف، والقصة قديمة جداً، وأردت أن أسافر إلى بلد بعيد، من دون زوجتي، كي أستمتع بالحياة كما يحلو لي، هكذا قال لي وصل إلى هذه البلاد البعيدة، شاب في مقتبل حياته، معه أموال كثيرة، أراد أن يستمتع شعر بآلام في ظهره، توجه إلى الطبيب، فحص نفسه فإذا التقرير ورم خبيث في العمود الفقري، قطع رحلته، وعاد إلى بلده من جامع إلى جامع، ومن شيخ إلى شيخ، يرجو العودة إلى الله، والتوبة والصلح معه، ثم تبين أن هذا التقرير ليس صحيحاً، لكن الله رده إليه.
مرة إنسان أراد أن يسألني هذا السؤال الطريف، قال لي: ما ملخص دعوتك في كل هذا العمر المديد ؟ قلت له كلمتان: إما أن تأتيه راكضاً، أو أن يأتي بك ركضاً، إما أن تأتيه باختيارك، وإما بطريقة أو بأخرى يأتي بك إلى ذاته العلية.
فالله "التواب" بهذه الآلام، وهذا التحليل الغير الصحيح، عاد إلى بلده، وتاب إلى الله واصطلح معه.
أعرف إنساناً شرد عن الله، شباب، وسامة، ومال، جاءته فتاة كاد يختل توازنه من محبتها، جميلة جداً أصيبت بمرض في دمها الخبيث، بذل كل ما يستطيع، لم يدع طبيباً إلا وعالجها عنده، ثم باع بيته، وسافر إلى بريطانيا ليعالجها، لم يستفد شيئاً قال لزوجته ؟ ما قولك أن نتوب إلى الله أنا وأنت ؟ تتحجبين، وأنا أصلي، ونصطلح مع الله وسبحان الله ! بهذه الطريقة بدأ الشفاء يتسرب إلى هذه الفتاة الصغيرة، أنا حينما سمعت هذه القصة والله تأثرت تأثراً بالغاً، مرض مخيف جاء كالضيف، ردّ الأب والأم إلى الله عز وجل، ثم تراجعت، والبنت تزوجت، والآن هي في أتمّ صحة. الله عز وجل تواب يسوق للإنسان الشدائد ليتوب عليه:
هكذا الشدائد يسوق الله لنا الشدائد كي نتوب إليه، ولو دخلت إلى مسجد ورأيت فيه جمعاً غفيراً اعتقد اعتقاداً جازماً أن معظم هؤلاء الذين اصطلحوا مع الله، اصطلحوا معه بعد معالجة خفيفة، بعد تربية حكيمة، بعد شدة، بعد قلق، بعد شبح مصيبة، الله عز وجل تواب.
أيها الأخوة، هناك إنسان ملحد سمعت قصته، إذا شخص انضم إلى هؤلاء ، إلى من يرفع شعار لا إله، وعنده بقية رواسب إيمانية، مهمة هذا الإنسان أن يستأصل كل هذه الرواسب الإيمانية، هذه مهمته، وعنده فتاة صغيرة آية في الجمال، وتعلق بها تعلقاً شديداً، ارتفعت حرارتها إلى الأربعين، من طبيب إلى طبيب، ما ترك وسيلة للمعالجة إلا وسلكها، والحرارة ثابتة، وقال الأطباء: هذا مرض نادر جداً، ففي ساعات اليأس، ساعات المحنة، ساعات الإحباط، خاطب ربه مع أنه كان ملحداً، قال له: يا رب إما أن تشفيها، وإما أن تميتها، أو أن تميتني قبلها، ما عاد يحتمل مرض ابنته وقام وصلى، أول مرة يصلي بحياته، فإذا بالحرارة تنخفض، وتعود إلى طبيعتها.
والله أيها الأخوة، هناك قصص عن توبة التائبين، وعن عودة المذنبين، وعن الصلح مع رب العالمين، بالغة التأثير، قصص كثيرة جداً.
الحكمة من المصيبة تُكشف للإنسان يوم القيامة فيذوب محبة لله لأنه رحمه:
أيها الأخوة، الله عز وجل يسوق لنا الشدائد كي نتوب إليه، وكي نصطلح معه.
(( وإذا رجع العبد العاصي إلى الله نادى مناد في السماوات والأرض، أن هنؤوا فلاناً فقد اصطلح مع الله ))
[ورد في الأثر]
الآية الكريمة، لكن دقيقة جداً: ﴿ وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً ﴾
( سورة القصص الآية: 47 )
سميت المصيبة رسولاً، سميت رسالة. ﴿ وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾
( سورة القصص )
أيها الأخوة، لذلك يوم القيامة حينما يكشف الله لهذا الإنسان عن كل الشدة التي ساقها له، وعن كل المتاعب التي صرفها إليه، وعن كل العقبات التي وضعت أمامه إذا أراد المعصية، وعن كل المشكلات التي ألمت به حينما ابتعد عن الله عز وجل، لابدّ من يذوب شوقاً لله عز وجل، لأنه رحمه في الدنيا، في بعض الآثار القدسية يقول:
(( وعزتي وجلالي، لا أقبض عبدي المؤمن وأنا أحب أن أرحمه، إلا ابتليته بكل سيئة كان عملها سقماً في جسده، أو إقتاراً في رزقه، أو مصيبة في ماله أو ولده ، حتى أبلغ منه مثل الذر، فإذا بقي عليه شيء شددت عليه سكرات الموت، حتى يلقاني كيوم ولدته أمه ))
من طلب العلم و عرف الحلال و الحرام تاب إلى الله عز وجل:
أذكر مرة أن العز بن عبد السلام، أصدر فتوى أثارت حفيظة أمراء مصر من المماليك، فقرروا قتله، واتفقوا جميعاً، وجاؤوا إلى بيته، والسيوف بأيديهم، وطرقوا الباب وفتح ابنه عبد اللطيف الباب، أدرك الخطر، فانطلق إلى والده وقال: انجُ بنفسك يا أبتِ أنت مقتول، فبكى أبوه العز بن عبد السلام، وقال له: يا بني ! أبوك أحقر من أن يقتل في سبيل الله، أنا أتمناها، لكن يا ترى أنا أستحقها أن أموت في سبيل الله ؟ ونزل إليهم، من شدة هيبته وقعت السيوف من أيديهم، واعتذروا إليهم، القصة طويلة.
يا ترى أنستطيع أن نكون من هذا النوع، أن يشدد الله علينا في الدنيا، حتى نأتيه على شفير القبر، وقد طهرنا من كل ذنب؟.
أيها الأخوة، التوبة علم، وحال، وعمل، الإنسان متى يعالج نفسه من ضغط الدم المرتفع ؟ بحالة واحدة، إذا علم أن ضغطه مرتفع، إذا اشترى جهاز ضغط، وقاس ضغطه، ورآه 20 ـ 12 يعالج نفسه.
إذاً لن تتوب إلا إذا طلبت العلم، وعرفت الحلال والحرام، وعرفت ما ينبغي وما لا ينبغي، وما يجوز، وما لا يجوز، حينما تطلب العلم تقيّم عملك.
التوبة علم وحال وعمل:
إذاً التوبة علم، الذي يطلب العلم يتوب، لأنه اكتشف أن هناك خطأ في دخله، في إنفاقه، في سلوك بناته، في خروج بناته، في بيته، في علاقاته المالية، في هذه الصفقة إذا إنسان ما طلب العلم يتوهم نفسه أنه مستقيم.
تماماً كإنسان ضعيف باللغة، قرأ النص أمامنا مئة غلطة بالصفحة، هو متوهم أن قراءته جيدة، أما لو درس اللغة العربية لاكتشف أن أخطاءه لا تعد ولا تحصى.
إذاً التوبة علم، لابدّ من أن تطلب العلم، لتعرف الحلال والحرام، والخير والشر، والجميل والقبح، فالحسن ما حسنه الشرع، والقبيح ما قبحه الشرع، فإذا طلبت العلم واكتشفت الخطأ لابدّ من أن تندم، وأن تنفعل، فالندم توبة، لأنه سبقه علم، وسيأتي بعد هذا الندم السلوك.
فالتوبة علم، وحال، وعمل، العلم درست تفاصيل الشريعة، فعرفت الخطأ من الصواب، والحلال من الحرام، والخير من الشر، وما ينبغي، وما لا ينبغي، ثم تأثرت من أخطاء كثيرة أنت واقع بها.
الآن المرحلة الثالثة هي العمل، أن تقلع عن هذا الذنب فوراً، وأن تصحح ما مضى، وأن تعقد العزم على أن لا تعود إليه مستقبلاً.
فالتوبة علم، وحال، وعمل، وما لم تطلب العلم، وما لم تحاسب نفسك كل يوم، وما لم تزن أعمالك بميزان الشريعة، دخلك، إنفاقك، سفرك، علاقاتك، أفراحك، أتراحك، ما لم تزن هذه النشاطات بميزان الشريعة أنى لك أن تتوب.
فالتوبة علم، وحال هو الندم، وعمل هو الإقلاع فوراً، وعقد العزم على أن لا تعود إليه، وإصلاح ما مضى.
أيها الأخوة الكرام، إن الله يحب التوابين، ويحب المتطهرين، وما أمرنا أن نتوب إليه إلا ليتوب علينا.
السعيد
08-27-2018, 12:31 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( العشرون بعد المائة )
الموضوع : اسم الله - الصمد - 1 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى:(الصمد):
أيها الأخوة الأكارم، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "الصمد".
ورود اسم الصمد في القرآن الكريم في سورة الإخلاص فقط و وروده في السنة الشريفة:
اسم الله "الصمد" ورد مع اسمه الأحد في سورة الإخلاص فقط، قال تعالى:
﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ ﴾
( سورة الإخلاص )
وقد ورد هذا الاسم أيضاً في السنة النبوية الصحيحة في عدة مواضع، منها:
(( أنا الأحَدُ الصَّمَدُ الذي لم يَلِدْ ولم يُولَدْ، ولم يكن له كُفُوا ))
[ البخاري عن أبي هريرة]
و:
(( قال النبي صلى الله عليه وسلم: أَيَعْجِزُ أحدُكُم أَن يقرأ ثُلث القرآن في ليلة ؟ فشقَّ ذلك عليهم، وقالوا: أَيُّنا يُطيق ذلك يا رسولَ الله ؟ فقال: الله أحد، الله الصمد ثلثُ القرآن ))
[ البخاري عن أبي سعيد الخدري]
و:
(( خرج إِلينا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أقرأُ عليكم ثلث القرآن ؟ فقرأ: قُلْ هُوَ الله أَحَد، الله الصمَدُ... حتى ختمها ))
[مسلم عن أبي هريرة]
و:
(( كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يوتر ـ يعني يقرأ في صلاة الوتر ـ بـ : سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، و: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، و: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ))
[أبو داود عن أُبيّ بن كعب]
فهذه الأحاديث الصحيحة، وفي تلك السورة الوحيدة ورد اسم "الصمد". الصمد في اللغة:
أيها الأخوة، "الصمد" في اللغة صفة مشبهة لمن اتصف بالصمدية، الفعل صمد يصمد، صمداً، هذا الفعل يأتي على عدة معانٍ، منها السيد المطاع، "الصمد" السيد المطاع الذي لا يقضى دونه أمر، بالتعبير المعاصر: بكل تجمع يوجد رجل قوي لا يقضى دونه أمر ، هذا هو "الصمد" بالمعنى اللغوي.
ومنها "الصمد" الذي يُطعِم، ولا يُطعَم.
ومنها "الصمد" هو السيد الذي ينتهي إليه السؤدد في كل شيء، كل أنواع العظمة تنتهي إليه، فله الصمدية المطلقة.
وقيل "الصمد" هو الدائم الباقي بعد فناء خلقه.
وقيل "الصمد" هو الذي يصمد إليه الأمر، يعني يرجع إليه الأمر، فلا يقضى دونه، وليس فوقه أحد.
وقيل "الصمد" الذي صمد إليه كل شيء، أي الذي خلق الأشياء كلها، ولا يستغني عنه شيء، كل هذه المعاني لكلمة "الصمد" تتمحور حول وحدانية الله جلّ جلاله.
الأقوال المتعددة في الصمد:
الإمام البخاري في باب قول تعالى
﴿ اللَّهُ الصَّمَدُ ﴾
يقول: العرب تسمي أشرافها "الصمد" هو السيد الذي انتهى إليه المجد.
وقال أحد العلماء: الاسم "الصمد" فيه أقوال متعددة، قد يظن أنها مختلفة وليست كذلك، بل كلها صواب، أما المشهور من هذه الأقوال المتعددة قولان، أحدهما أن "الصمد" هو الذي لا جوف له، يعني أصم.
أحياناً تنقر على طبل، يصدر صوتاً، أما لو نقرت على صخر لا يوجد صوت أبداً، لأن الصخر لا جوف له، لا يوجد فراغ بالداخل، أصم، ممتلئ.
"الصمد" هو الذي لا جوف له، والثاني "الصمد" هو الذي يصمد إليه في الحوائج أي يقصد إليه في تلبية الحوائج.
وابن الجوزي يقول: "الصمد" أربعة أقوال، أحدها أنه ؛ السيد الذي يصمد إليه في الحوائج، والثاني ؛ أنه لا جوف له، والثالث ؛ أنه الدائم، والرابع ؛ الباقي بعد فناء خلقه وأصح الوجوه الأول، لأن الاشتقاق يشهد له بذلك.
أيها الأخوة، أصل "الصمد" القصد، أنت من تقصد عندما تكون في ضائقة ؟ القوي، تقصد من ؟ الغني، تقصد من ؟ من بيده كل شيء، تقصد من ؟ القادر، معنى القوي، معنى الغني، معنى القادر، معنى الواحد لا ند له، لا شريك له، هذه المعاني كلها يمكن أن تعبر عن معنى "الصمد"، يعني المؤمن مع الواحد، الأحد، الفرد "الصمد"، المؤمن مع القوي، المؤمن مع الغني، المؤمن مع القدير، إذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان الله عليك فمن معك ؟ ويا رب ماذا فقد من وجدك ؟ وماذا وجد من فقدك ؟. سرّ عظمة المؤمن الإقبال على الله عز وجل:
أخوانا الكرام، الفقهاء لهم عبارة نحتاجها الآن، لا تجوز الزكاة لطفل، أو لابن الغني، طفل صغير، لا يملك من حطام الدنيا شيئاً، لكن لأنه ابن غني، لا تجوز الزكاة عليه، لماذا ؟ قال: لأن الطفل طفل الغني غني بغنى أبيه، يعد غنياً لأن أباه غنياً.
طبق هذا المثل على المؤمن، المؤمن قوي بقوة الله، المؤمن غني بغنى الله، المؤمن قادر بقدرة الله، أنت حينما تلتجئ إلى الله، وتتجه نحوه، وتتوكل عليه، وتقبل عليه، تكون قوياً، وغنياً، وعالماً، وحكيماً، هذا سرّ عظمة المؤمن.
أيها الأخوة، كلمة مؤمن كلمة كبيرة جداً، أي بمصطلحات البشر أنت حينما تقول: دكتور يعني يقرأ ويكتب، يحمل شهادة ثانوية، يحمل لسانس، يحمل دبلوم، يحمل ماجستير، يحمل دكتوراه، له مؤلفات، ترك آثاراً علمية، التحق بالجامعات، له أساتذة ، لمجرد أن تقول كلمة دكتور، كل هذه المعاني يمكن أن تنسحب عليه.
الآن لو قلت: كلمة مؤمن، المؤمن مرتبة أخلاقية، المؤمن مرتبة علمية ، المؤمن مرتبة جمالية، يتميز المؤمن أنه عرف الحقيقة العظمى، عرف الله، يتميز المؤمن أنه أخلاقي، يتميز المؤمن بأن له أذواقاً جمالية رائعة جداً فكلمة مؤمن مرتبة كبيرة جداً.
خلاصة المعاني في الصمدية:
أيها الأخوة، لازلنا في اسم "الصمد" خلاصة المعاني في الصمدية أن "الصمد" هو السيد الذي له الكمال المطلق.
مرة ثانية أبين لكم: الإنسان كماله نسبي، قاضٍ من بني البشر نَصِفه بأنه عادل، إذاً معظم أحكامه صحيحة، فهذا الحكم نسبي، أصدر ألف حكم أربعة أحكام ليست صحيحة، لا لسوء ظن منه، ولا لسوء تصرف، لكن هناك معلومات لم يصل إليها، فلم يأتِ حكمه صحيحاً، نقول: هو قاضٍ عادل، أما إذا قلنا: الله عدل نصف الله بالعدل، والعدل إذا نسب إلى الله فهو صفة مطلقة، يعني مستحيل وألف ألف ألف مستحيل أن يكون في الكون من آدم إلى يوم القيامة من يُظلم.
﴿ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ ﴾
( سورة غافر الآية: 17 )
﴿ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾
( سورة النساء )
﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ ﴾
( سورة العنكبوت الآية: 40 )
﴿ وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ ﴾
( سورة الأنبياء )
إذاً "الصمد" من له الكمال المطلق في كل شيء، وهو المستغني عن كل شيء، وكل من سواه مفتقر إليه، في كل شيء، ويصمد إليه ؛ يلجأ إليه، ويعتمد عليه، وهو الكامل في جميع صفاته وأفعاله، لا نقص فيه لوجه من الوجوه، وليس فوقه أحد في كماله ، وهو الذي يصمد إليه الناس في حوائجهم، وسائر أمورهم، فالأمور أُصمدت إليه، وقيامها وبقاؤها عليه، لا يقضي فيها غيره، وهو المقصود في الرغائب، والمستغاث به عند المصائب، وهو الذي يُطعِم، ولا يُطعَم، ولم يلد، ولم يولد.
هذا الإله العظيم ألا يخطب وده ؟ ألا ترجى جنته ؟ ألا تخشى ناره ؟ هذا الإله العظيم يعصى ؟! لا تنظر إلى صغر الذنب، ولكن انظر على من اجترأت.
أيها الأخوة، هذه المعاني التي يمكن أن نستنبطها من اسم "الصمد" . علامة محبة الله عز وجل للعبد جعل حوائج الناس إليه:
الآن حقيقة دقيقة جداً تتعلق بنا نحن المؤمنين، الحقيقة أن الله عز وجل إذا أحبّ عبداً جعل حوائج الناس إليه، لا تضجر إذا أقبل الناس عليك، لا تضجر إذا طُرق بابك كثيراً، لا تضجر إذا تحلق الناس حولك، إذا أحبّ الله عبداً جعل حوائج الناس إليه، علامة محبة من الله.
(( عبدي أنا خلقت الخير والشر، فطوبى لمن قدرت على يده الخير، وويل لمن قدرت على يده الشر ))
[أخرجه الطبراني عن عبد الله بن عباس ]
إذا أردت أن تعرف مقامك فانظر فيما استعملك، ما دورك في الحياة ؟ ما وظيفتك ؟ هل تلقي الحقائق على الناس أم تلقي عليهم الضلالات ؟ هل تلقي في قلوبهم الأمن أم تلقي في قلوبهم الخوف ؟ هل تأخذ منهم ما لك عندهم، أم تأخذ منهم ما ليس لك عندهم ؟.
أيها الأخوة، ينبغي لكل واحد أن يحاسب نفسه حساباً في الدنيا، حتى يكون حسابه يسيراً يوم القيامة، من حاسب نفسه في الدنيا حساباً يسيراً كان حسابه يوم القيامة عسيراً، ومن كان يحاسب نفسه في الدنيا حساباً عسيراً كان حسابه يوم القيامة عسيراً. ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾
( سورة الحجر )
الإنسان الأحمق من توهم أنه لا يوجد حساب و عذاب بعد الموت:
هناك سؤال:
﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى ﴾
( سورة القيامة )
يعني أن يتوهم الإنسان أن لا حساب، ولا عذاب، هذا غباء ما بعده غباء ، وهذه سذاجة ما بعدها سذاجة، ﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى ﴾
﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ﴾
( سورة المؤمنون )
أنواع الإيمان:
1 ـ الإيمان الحسي:
أيها الأخوة، أجمع العلماء على أن الإيمان أنواع منوعة، هناك إيمان حسي أنا أرى أن الضوء متألق، هذا إيماني حسي، أرى تألق الضوء بعيني، أنا أستمع إلى الصوت بأذني، أنا ألمس هذه الطاولة بيدي، هذا إيمان حسي، هذه دائرة.
2 ـ الإيمان العقلي:
لكن هناك إيمان عقلي، أنا أوقن أن في هذا المسجد كهرباء، مع أني لا أراها لكن أرى آثارها، أرى آثارها كتكبير الصوت، أرى آثارها كتألق المصابيح، أرى آثارها كعمل المكيف، هذه آثار الكهرباء، فالإيمان بوجود الكهرباء في المسجد إذاً عقلي، وليس إيماناً حسياً، هناك إيمان حسي أداته الحواس الخمس، و إيمان عقلي أداته العقل، الإيمان الحسي شيء ظهرت عينه وآثاره، فالإيمان به بالحواس الخمس، أما الإيمان العقلي شيء غابت عينه، وبقيت آثاره، تألق المصباح، وعمل المكيف، وتكبير الصوت.
لكن هذه الخزانة مهما تكن ذكياً، مهما تكن ألمعياً، مهما تكن عبقرياً هل تستطيع أن تخبرني ما بداخل هذه الخزانة ؟ أبداً، إلا أن يأتي إنسان صادق يقول لك: فيها أجهزة الصوت.
3 ـ الإيمان الإخباري:
الإيمان الثالث إيمان إخباري، هناك إيمان حسي أدواته الحواس الخمس، و إيمان عقلي أدواته العقل، و إيمان إخباري، الإيمان الحسي لشيء ظهرت عينه وآثاره معاً، فالحواس الخمس، أو استطالات الحواس الخمس، كالميكروسكوب، والتليسكوب.
أما الإيمان العقلي لشيء غابت عينه، وبقيت آثاره، الإيمان بالله عز وجل الكون ينطق بوجوده، ووحدانيته، وكماله، كل شيء في الكون آية تدل عليه، فالإيمان بالله إيمان عقلي.
لكن الإيمان بالآخرة، الإيمان بالملائكة، الإيمان بالجن، الملك غابت عينه وآثاره، والجن غابت عينه وآثاره، فالشيء الذي غابت عينه وآثاره هذا عالم الغيب الإيمان به بدليل إخباري، يعني الله عز وجل أخبرنا أنه بعد الموت جنة أو نار، الله عز وجل أخبرنا أن هناك ملائكة يسبحون الله، الله أخبرنا أن هناك جن، مخلوقات، هذا إيمان إخباري.
الإيمان باليوم الآخر إيمان عقلي حسب رأي ابن قيم الجوزية:
إلا أن أحد العلماء الكبار وهو ابن القيم رحمه تعالى يرى أن الإيمان باليوم الآخر إيمان عقلي، لأن العقل لا يقبل أن هذا الكون العظيم، هذه القدرة الهائلة، هذه الحكمة الحكيمة، هذا الخلق الرائع، هذا التنوع بالمخلوقات، هذه الدقة في الصنع، يقابلها ظلم، هناك غني و هناك فقير، هناك قوي و هناك ضعيف، هناك صحيح و هناك مريض، هناك وسيم و هناك دميم، ابن القيم رحمه الله تعالى يرى، وينفرد أن الإيمان باليوم الآخر إيمان عقلي أيضاً، فضلاً عن أن الإيمان باليوم الآخر إيماناً إخباري، هو إيمان عقلي لأن العقل السليم لا يقبل أبداً أن تنتهي الحياة، وهناك مظلوم، وهناك غني، و هناك صحيح، وهناك فقير معدم، وهناك دول طاغية، وهناك دول تعاني ما تعاني من سيطرة هذه الدول لا تفهم الحياة على حقيقتها إلا باليوم الآخر.
العاقل من لا يوازن بين شيئين إلا إذا أضاف مصيره في الآخرة مع وضعه في الدنيا:
أنا أنصح الأخوة الكرام: لا توازن بين شيئين، لا توازن بين شخصين، لا توازن بين عملين، لا توازن بين مجموعتين، لا توازن بين نشاطين، إلا إذا أضفت مصيره في الآخرة مع وضعه في الدنيا، ثم وازن، لا توازن بين مجتمعين، ولا بين مؤسستين ولا بين تجارتين.
الآن أربح أنواع التجارات تجارة المخدرات، المخدرات من مكان زراعتها، إلى مكان بيعها هناك ألف ضعف، كل التجارات بالأرض التجارات بالمئة عشرة، بالمئة خمسة عشر، بالمئة عشرون، أما المخدرات ألف ضعف أرباحها، بين مكان زراعتها، ومكان استهلاكها في ألف ضعف.
فلذلك الإيمان باليوم الآخر عند ابن القيم إيمان عقلي، لأن الله سبحانه وتعالى كماله مطلق، ويستحيل أن يدع عباده بلا حساب، ولا محاسبة، ولا مسؤولية، وليؤمن لمجرد أن يعتقد أن الله يعلم، وسيحاسب، وسيعاقب، يستقيم على أمر الله، الإيمان من أجل أن تستقيم، الإيمان من أجل أن تأتي الله يوم القيامة طاهراً، نقياً، مستقيماً.
معرفة أسماء الله الحسنى معرفة مصيرية تحدد حركة الإنسان في الحياة:
هناك دروس مصيرية، صدق أيها الأخ الكريم، أن معرفة أسماء الله الحسنى معرفة مصيرية، أي تحدد حركتك في الحياة، إله عظيم يحاسب على كل سلوك، على كل حركة، وعلى كل سكنة.
جاء أعرابي إلى النبي عليه الصلاة والسلام قال له: يا رسول الله، عظني ولا تطل، فتلا عليه النبي قوله تعالى:
﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ﴾
( سورة الزلزلة )
قال: كُفيت، المصحف ستمئة صفحة، وهناك ملايين الكتب، وملايين المحاضرات، والمؤتمرات، والندوات، والنشرات، تلا عليه آية واحدة، قال: كفيت، فقال عليه الصلاة والسلام: فقه الرجل، أي صار فقيهاً، فَقُه غير فَقِه، فَقِه باللغة يعني عرف الحكم، أما فَقُه أصبح فقيهاً، من آية واحدة.
ونحن أيها الأخوة، حينما نؤمن أن الله يعلم، وسيحاسب، وسيعاقب، لا يمكن أن تعصيه.
أنت كإنسان مع وزارة المالية، وأنت مستورد، إذا أغفلت صفة استوردتها، ولم تخبر بها المالية، والمالية عندها وسائل لكل مستورداتك، فإذا فعلت هذا معها أهدرت كل حساباتك، وكلفت ضريبة أضعافاً مضاعفة، لماذا لا يمكن أن تغفل صفقة استوردتها أمام إنسان لكن يملك المعلومات الدقيقة عنك ؟ أنت مع إنسان عادي، يعلم، يطولك علمه ، وتطولك قدرته لا يمكن أن تعصيه، مع إنسان، أي إنسان أقوى منك يطولك علمه، وتطولك قدرته لا تعصيه، فإذا أيقنت أن الله يعلم، وسيحاسب، وسيعاقب تستقيم على أمره.
لذلك معرفة أسماء الله الحسنى من أجل أن تستقيم على أمره، ومن أجل أن تأتيه يوم القيامة طاهراً نقياً تستحق الجنة.
السعيد
08-31-2018, 12:41 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الحادى و العشرون بعد المائة )
الموضوع : اسم الله - الصمد - 2 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
من أسماء الله الحسنى:(الصمد):
أيها الأخوة الأكارم، لا زلنا في اسم الله "الصمد"، الله "الصمد"، فالصمد هو المقصود في الرغائب، والمستغاث به عند الشدائد، الإنسان يتمنى صحة، يتمنى زوجة صالحة، يتمنى رزقاً وفيراً، يتمنى مكانة اجتماعية، يسأل الله الرزق الحلال، الزوجة الصالحة، الأولاد الأبرار.
الله عز وجل صمد يقصد في الرغائب ويستغاث به عند الشدائد:
إذاً الله يقصد في خير الدنيا والآخرة، والمستغاث به عند المصائب، في أمراض عضالة، كان عليه الصلاة والسلام يقول:
(( اللهم إنا نعوذ بك من عضال الداء، ومن شماتة الأعداء، ومن السلب بعد العطاء ))
فالله عز وجل صمد أي يقصد في الرغائب، ويستغاث به عند الشدائد.
"الصمد" هو الذي تقدست ذاته عن إدراك الأبصار والأعيان، وتنزهت جلاله عن أن يدخل تحت الشرح والبيان، مهما تكن عاقلاً، مهما تكن متألقاً، لن تستطيع أن تحيط بذات الله العلية، لا يعرف الله إلا الله، تقدست ذاته عن إدراك الأبصار.
لذلك قال سيدنا الصديق: العجز عن إدراك الإدراك إدراك.
شخص سألك البحر المتوسط كم لتراً ؟ أي رقم تعطيه إياه فأنت جاهل، إذا قلت لا أدري فأنت عاقل.
وتنزه جلاله عن أن يدخل تحت الشرح والبيان.
"الصمد" الذي يصمد إليه، أي يقصد في الحوائج، و يقصد إليه أيضاً في الرغائب. على المؤمن أن يقيم اتصالاً مع الله عز وجل:
لا أعتقد أنه يوجد حديث صحيح يشرح هذا الاسم كقول النبي صلى الله عليه وسلم:
(( إنَّ الله عز وجل يمهل حتى يذهب ثلث الليل، فينزل فيقول: هل من سائل هل من تائب، هل من مستغفر من ذنب ؟ فقال له رجل: حتى مطلع الفجر ))
[أخرجه مسلم وابن خزيمة عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري ]
من هو أعجز الناس ؟ من عجز عن أن يسأل الله.
ذكرت لكم: إن الله يحب:
(( ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى شسع نعله إذا انقطع ))
[ أخرجه الترمذي والبزار في مسنده وابن حبان عن أنس بن مالك ]
إن الله يحب من عبده أن يسأله ملح طعامه، إن الله يحب الملحين بالدعاء والعبادة دعاء.
(( الدُّعاءُ مُخُّ العبادةِ ))
[أخرجه الترمذي عن أنس بن مالك ]
و "الصمد" الذي ينتظرك أن تسأله.
لا تسألــن بني آدم حاجة واسأل الذي أبوابه لا تغـلق
الله يغضب إن تركت سؤاله وبني آدم حين يُسأل يغضب
* * *
عود نفسك أن تقيم اتصالاً مع الله، عود نفسك أن تناجيه، عود نفسك أن تتجه إليه، عود نفسك أن تسأله، أن تدعوه، أعرب عن ثقتك به، توكل عليه، كن بما في يدي الله أوثق منك بما في يديك. اختيار الله جلّ جلاله هذا الاسم بذاته ليقصده عباده في المهمات في دنياهم ودينهم:
أيها الأخوة، الإمام الغزالي رحمه الله تعالى قال: الله جلّ جلاله اختار هذا الاسم بذاته ليقصده عباده في المهمات في دنياهم، وفي دينهم.
أيها الأخوة، أنا لا أرى أن هناك ما يسمى بدنيا وآخرة، أنت موجود في هذه الدنيا، أنت بحاجة إلى خيري الدنيا والآخرة، الدليل الدعاء النبوي الشريف:
(( اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ))
انظر إلى التوازن، الواقعية، الوسطية (( أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ))
أن تعرف الحقيقة، أن تعرف العقيدة الصحيحة، أن تفهم كتاب الله فهماً عميقاً، أن تفهم سنة النبي صلى الله عليه وسلم، أن تعرف الأحكام الفقهية، أن تتأسى بسيد البرية، أن تجعل الصحابة قدوة لك (( أصلح لنا ديننا ))
أن تحمل نفسك على طاعته، أن تحمل نفسك على عمل صالح تتقرب به إليه (( أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ))
ولم ينسَ الدنيا (( وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا ))
المال قوام الحياة، اطلب من الله رزقاً حلالاً، رزقاً طيباً، رزقاً وفيراً، رزقاً من طريق مشروع، رزقاً من تجارة شرعية لا من مواد محرمة لا تطلب رزقاً بُني على إيذاء الناس، إلقاء الرعب في قلوبهم، لا تطلب رزقاً تبني به مجدك على أنقاض الآخرين، اطلب رزقاً طيباً حلالاً، (( وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا ))
يروى أن إنساناً قال: يا رب امتحنِ، أنزل بي المصائب، أنا أحبك، أنا أصبر على حكمك، أرسل له أقل مرض فلم يتحمل، فصار يقول للناس: استغفروا لهذا الكذاب أما النبي عليه الصلاة والسلام حينما كان في الطائف ماذا قال ؟ قال:
(( اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي وهواني على الناس، أرحم الراحمين أنت أرحم الراحمين إلى من تكلني إلى عدو يتجهمني أم إلى قريب ملكته أمري، إن لم تكن غضبان علي فلا أبالي، غير أن عافيتك أوسع لي ))
[أخرجه الطبراني عن عبد الله بن جعفر ]
كل إنسان بحاجة إلى خيري الدنيا والآخرة:
تأدب مع الله، و لكن
(( عافيتك أوسع لي ))
من أخبرك أنك تستطيع أن تتحمل ؟ اسأل الله السلامة.
لذلك الدنيا ضرورية مال وفير، أو مال يغطي حاجاتك، زوجة صالحة تتحصن بها، أولاد أبرار يملؤون البيت بهجة، سمعة طيبة (( أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ))
الآخرة هي الأبد فيها:
(( ما لا عين رأتْ ـ الجنة ـ ولا أذن سمعتْ، ولا خطَر على قلبِ بَشَرْ ))
[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة ]
من خسر الآخرة خسر كل شيء:
الحقيقة أكبر خسارة، أو الخسارة الحقيقية الذي يخسر الآخرة.
﴿ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾
( سورة الزمر الآية: 15 )
﴿ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾
( سورة آل عمران )
بطولتك أن تنقل اهتماماتك للآخرة، يعني الحديث الذي ذكرته لكم من قبل:
(( وعزتي وجلالي لا أقبض روح عبدي المؤمن وأنا أحب أن أرحمه، إلا ابتليته بكل سيئة كان عملها سقماً في جسده، أو إقتاراً في رزقه، أو مصيبة في ماله أو ولده ، حتى أبلغ منه مثل الذر، فإذا بقي عليه شيء شددت عليه سكرات الموت حتى يلقاني كيوم ولدته أمه ))
[ورد في الأثر]
يعني إذا تفضل الله علينا، وأوصلنا إلى شفير القبر طاهرين فهذا مكسب عظيم.
(( أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ))
النبي عليه الصلاة والسلام رأى جنازة، فقال عليه الصلاة والسلام:
(( مستريح، أو مُسْتَراح منه، فقالوا : يا رسول الله ما المستريحُ، وما المستَراح منه ؟ فقال: العبد المؤمنُ يستريح من نَصَب الدنيا، والعبد الفاجرُ: يستريح منه العبادُ والبلادُ، والشجر والدواب ))
[أخرجه البخاري ومسلم والنسائي ومالك عن أبي قتادة ]
فالبطولة أن يكون المرء عند الموت مستريحاً، لا مستراح منه. علاقة الإنسان باسم الصمد:
الآن كنت أقول دائماً: أيها المؤمن لابدّ لك من موقف مع كل اسم من أسماء الله الحسنى، لك موقف، أو في تدقيق عملي يخصك، فما علاقتك باسم "الصمد" ؟ لأن الله عز وجل يقول:
﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾
( سورة الأعراف الآية: 180 )
أنت حينما تعرف أسماء الله الحسنى تقبل عليه، تدعوه، تتجه إليه، تعلق عليه الآمال، والله عز وجل كما أقول دائماً: ينتظر منا أن نتخلق بكمال من كمالات الله، يكون هذا الكمال، قربة إلى الله، يعني الله رحيم، يمكن أن تتقرب إليه بأن ترحم خلقه، الله عز وجل عدل، يمكن أن تتقرب إليه إذا كنت منصفاً.
فلذلك من أدب المؤمن مع هذا الاسم ألا يقصد بحوائجه غير الله، أن يكون موحداً، وألا يعول إلا على الله، ثقته بالله، أمله بالله، اعتماده على الله، توكله على الله، لا يخاف إلا الله، من أدب المؤمن مع هذا الاسم ألا يقصد بحوائجه، برغائبه، إلا الله، وألا يعتمد إلا على الله، هذا من أدب المؤمن مع هذا الاسم. أكبر أسباب العذاب الذي يصيب الإنسان أن يدعو مع الله إلهاً آخر:
لذلك هناك قول أنا أراه من أدق الأقوال، قول جامع مانع: لا يخافن العبد إلا ذنبه، ولا يرجون إلا ربه، لا تخف من أحد، لا تخف من الطغاة، خف من أن تذنب عندئذٍ يسمح لهؤلاء الطغاة أن يصلوا إليك، فإذا أرضيته، واستقمت على أمره أبعدها عنك وإذا قصرت في حق من حولك، ولم تؤدِِ ما عليك سمح لها أن تصل إليك، هذا ملخص الملخص، الحقيقة هذه وردت في هذه الآية:
﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾
( سورة هود )
لا يخافن العبد إلا ذنبه، لا تخف من الأقوياء، خف أن تخطئ، أو أن تظلم فالأقوياء يصلون إليك.
﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ﴾
( سورة النحل )
﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾
فالمؤمن لا يخاف إلا ذنبه، وعندما يقع في مشكلة لا يرجو إلا ربه، لا يخاف إلا ذنبه إذا وقع في مشكلة، لا يرجو إلا ربه، هو المعول عليه، لذلك قال تعالى: ﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ﴾
( سورة الشعراء )
أحد أكبر أسباب العذاب أن تدعو مع الله إلهاً آخر. من تطبيقات الصمد أن يتخلق الإنسان بهذا الاسم فيجعل نفسه مقصوداً من قبل الناس:
من تطبيقات هذا الاسم أن يتخلق الإنسان بهذا الاسم، دقق الآن بمعنى آخر: فيجعل نفسه مقصوداً من قبل الناس، يعني يفتح بابه لهم، يصغي إليهم، يسعى لحل مشكلاتهم، يحمل همومهم، يعين فقيرهم، ينصف مظلومهم، هذا الإنسان خرج من ذاته لخدمة الخلق، هذا الإنسان حمل هم الناس.
فلذلك التطبيق الأكبر لهذا الاسم الله عز وجل يُقصد في الحوائج والرغائب ، وأنت كمؤمن ينبغي أن تخدم الناس خدمة يجعلونك مقصوداً في حوائجهم، وفي رغائبهم ، وهذا هو الغنى الحقيقي، هذا هو النجاح، هذا هو الفلاح، أن يزداد عملك الصالح، الغنى والفقر بعد العرض على الله، بل إن الغنى الحقيقي هو غنى العمل الصالح.
﴿ فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ﴾
( سورة القصص )
إذاً من تطبيقات أن يتخلق الإنسان بهذا الكمال فيجعل نفسه مقصوداً من قبل الناس للخير، معيناً لهم على حوائجهم، إذا أحب الله عبداً جعل حوائج الناس إليه، إذا أحب الله عبداً جعله مقصوداً، وقد يزداد الضغط عليه، وقد يُسأل ليلاً نهاراً، هذا فضل من الله عز وجل، سمح لك أن تنفق، سمح لك أن تكون مقصوداً، هذا فضل كبير، أنت تعطي وغيرك يأخذ، جعلك قوياً ولم يجعلك ضعيفاً، جعلك صحيحاً، ولم يجعلك مريضاً، جعلك غنياً ولم يجعلك فقيراً.
من هنا قيل كما ورد في الحديث الصحيح:
(( أحب الناس إلى الله عز وجل أنفعهم للناس ))
[ أخرجه الطبراني عن عبد الله بن عمر ]
طبعاً هناك معنى مخالف، معنى عكسي: وأبغضهم إلى الله الذي يوقع الأذى بالعباد، يلقي في قلوبهم الرعب، يبتز أموالهم، يغشهم، يحتال عليهم، (( أحب الناس إلى الله عز وجل أنفعهم للناس ))
أعظم الأعمال الصالحة ما استمر بعد موت الإنسان:
هناك حديث آخر يقول عليه الصلاة والسلام:
(( إذا أراد الله بعبد خيراً استعمله، فقيل له: كيف يستعمله يا رسول الله ؟ قال : يُوَفِّقُهُ لعل صالح قبل الموت ))
[ أخرجه الترمذي عن أنس بن مالك ]
يعني بعد أن تعرف الله الذكاء كل الذكاء، العقل كل العقل، النجاح كل النجاح الفلاح كل الفلاح، التوفيق كل التوفيق، أن يكون لك عمل صالح كبير، حجمك عند الله بحجم عملك الصالح، بل إن أعظم الأعمال الصالحة ما استمر بعد موتك، أنشأت ميتماً ، أنشأت ثانوية شرعية، ألفت كتاباً نافعاً، تركت ولداً صالحاً، تركت صدقة جارية، طبعاً بالمقابل: وأسوأ عمل، شرير، سيء، مفسد، أن يستمر من بعدك، أنشأ ملهى، ومات والملهى مستمر في إفساد الناس، أحياناً تقرأ آية كريمة لا شك أنها تهز مشاعرك، حينما قال الله عز وجل لسيدنا موسى:
﴿ وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي ﴾
( سورة طه )
أي كلام قاله بعض علماء القلوب، سألوا أحد الطلاب: كم الزكاة سيدي ؟ طبعاً الإجابة، قال له: عندكم أم عندنا ؟ قال له: عجيب ! ما عندنا وما عندكم ؟ قال له: عندكم اثنان ونصف في المئة، أما عندنا العبد وماله لسيده. ﴿ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾
( سورة الأنعام )
﴿ وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي ﴾
يعني وقتك، مالك، ذكاؤك، طلاقة لسانك، خبراتك كلها في خدمة الخلق، هذه حالة اسمها: ﴿ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ﴾
( سورة الواقعة )
هناك درجات عالية عند الله، هذا الذي خرج من ذاته كلياً، وجعل كل وقته، وكل ماله، وكل صحته، وكل قدراته، وكل خبراته، وكل طاقاته، في سبيل الله، هذا إنسان تنطبق عليه الآية الكريمة: ﴿ وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي ﴾
من كان الله تعالى هو المقصود في أهدافه فهو في سعادة لا يعرفها إلا من فقدها:
أيها الأخوة، انطلاقاً من هذا الاسم كما ورد في الحديث الشريف الصحيح:
(( الخلق عيال الله فأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله ))
[ أخرجه أبو يعلى والبزار عن أنس بن مالك ]
كما أن "الصمد" هو المقصود في الحوائج كلها، كذلك أنت أيها المؤمن بحبك للخير، بحبك لخدمة الخلق، ينبغي أن تكون مقصوداً في الشدائد كلها.
لذلك أقول لكم هذه الكلمة قرأتها مرة في مجلة: إذا أردت أن تسعد فأسعد الآخرين، فأنت أسعدهم، اخرج من ذاتك لخدمة الخلق، عندئذٍ يتولى الله شؤونك كلها، هم في مساجدهم، والله في حوائجهم.
(( مَن شَغَلَهُ قراءةُ القرآن عن مسألتي: أعطيتُهُ أفضلَ مَا أُعْطِي السائلين ))
[ أخرجه الترمذي عن أبي سعيد الخدري ]
أنت مهتم بعبادة ؟ مهتم بأحوالهم ؟ بهدايتهم ؟ مهتم بصحتهم ؟ تعتني بفقيرهم ؟ تعتني بمريضهم ؟ تعتني بامرأة أرملة تعينها على أداء ما هي مكلفة به من أيتام ؟ تهتم بالآخرين ؟ فأنت الأمور كلها ميسرة لك، إذا أردت أن تسعد فأسعد الآخرين، هل تحمل همّ المسلمين ؟ هل يؤلمك ما يؤلمهم ؟ هل يسعدك ما يسعدهم ؟ هل تحاول أن تخفف عنهم ؟ هل لك رسالة في الحياة ؟ هل تعيش لأهداف صغيرة محدودة ؟ أم أنك تحمل رسالة تحب أن تؤديها ؟ هل تختار هدفاً ؟ لك هدف ؟.
سافرت شرقاً وغرباً لفت نظري أن الناس هناك وهناك ليس لهم أهداف إلا المتعة، الاستمتاع والرخاء، أن يأكل ويشرب، يشاهد فيلماً، أن يستمتع بالحياة فقط.
تأتي إلى بلاد المسلمين ما في مسلم ما عنده هم، هم مقدس إنه يعين إخوانه يهدي الآخرين، يقدم عملاً صالحاً.
فلذلك ينبغي أن يكون لك رسالة، وينبغي أن يكون لك هدف، فإذا كان الله سبحانه وتعالى هو المقصود فأنت في سعادة لا يعرفها إلا من فقدها، إلهي أنت مقصودي ورضاك مطلوب.
السعيد
08-31-2018, 12:44 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : (الثانى و العشرون بعد المائة )
الموضوع : اسم الله - الغنى - 1 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: ( الغني):
أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "الغني".
ورود اسم الغني في القرآن الكريم:
هذا الاسم ورد في القرآن الكريم كما في قوله تعالى:
﴿ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ ﴾
( سورة محمد الآية: 38 )
شأن الخالق أنه غني عن كل شيء، وشأن المخلوق أنه مفتقر إلى كل شيء ، الرب رب، والعبد عبد، وفي قوله تعالى: ﴿ وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ ﴾
( سورة الأنعام الآية: 133 )
أحياناً يكون الإنسان رحيماً لكنه فقير، يتحرق قلبه ولا يستطيع أن يفعل شيئاً فقير، لكن عظمة الله عز وجل أنه غني، وأنه رحيم، فغناه ورحمته تعطيان الإنسان كل شيء. اقتران اسم الغني بعدة أسماء منها:
1 ـ الحميد:
وغالباً ما يقترن اسم "الغني" باسم الحميد، كما في قوله تعالى:
﴿ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ﴾
( سورة الحج )
هو غني عن عباده، لكنه يعاملهم معاملة يحمدونه عليها، هناك إنسان قد يكون غنياً، لا يحتاج إلى أحد، تراه فظاً، غليظاً، مستكبراً، مستعلياً، أما خالق السماوات والأرض، الذات الإلهية، الكاملة، غني، ومع أنه غني كامل، ما أروع أن يجتمع الغنى مع الكمال.
الرحمة حسن لكن في الأمراء أحسن، هناك حديث طويل حول هذا الموضوع أحيانا تجتمع صفتان في الإنسان فيكون متألقاً أعلى تألقاً، الله عز وجل "الغني" حميد، مع أنه غني عن عباده، لو أن كل من في الأرض كفروا لا يحتاج إليهم أبداً، ومع ذلك يعاملهم معاملة كاملة يحمدونه عليها. 2 ـ الحليم:
واقترن اسم الله "الغني" باسم الحليم.
﴿ قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ ﴾
( سورة البقرة )
غني عن عباده لكنه يمدهم بالطعام والشراب والهواء، ويمدهم بكل ما يحتاجونه إذاً وهم يعصونه، يُعصى ويرحمهم.
(( إني والإنس والجن في نبأ عظيم أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويُشكر سواي، خيري إلى العباد نازل، وشرهم إليّ صاعد، أتحبب إليهم بنعمي وأنا الغني عنهم، ويتبغضون إليّ بالمعاصي، وهم أفقر شيء إلي، من أقبل عليّ منهم تلقيته من بعيد، ومن أعرض عني منهم ناديته من قريب، أهل ذكري أهل مودتي، أهل شكري أهل زيادتي، أهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي، إن تابوا فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من الذنوب والمعايب، الحسنة عندي بعشرة أمثالها وأزيد، والسيئة بمثلها وأعفو، وأنا أرأف بعبدي من الأم بولدها ))
[ رواه البيهقي والحاكم عن معاذ، والديلمي وابن عساكر عن أبي الدرداء ]
3 ـ الكريم:
اقترن اسم الله "الغني" باسم الكريم:
﴿ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ ﴾
( سورة النمل )
هناك غني بخيل، العدل حسن لكن في الأمراء أحسن، والسخاء حسن لكن في الأغنياء أحسن، والصبر حسن لكن في الفقراء أحسن، والتوبة حسن لكن في الشباب أحسن، والحياء حسن لكن في النساء أحسن.
وفي الحديث الشريف:
(( اللهم أنت الله، لا إِله إِلا أنت، أنتَ الغنيُّ، ونحن الفقراء، أنْزِلْ علينا الغيث واجعلْ ما أنزلت لنا قوة وبلاغا إِلى حين ))
[ أبو داود عن عائشة]
غنى الإنسان نسبي لأنه في الوقت نفسه مفتقر إلى أشياء لا تعد ولا تحصى:
أيها الأخوة، الغني في اللغة صفة مشبهة باسم الفاعل، لمن اتصف بالغنى فعله غني غنىً، واستغنى واغتنى فهو غني، لكن الحقيقة الدقيقة أن غنى الإنسان نسبي.
﴿ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً ﴾
( سورة الزخرف الآية: 32 )
كيف ؟ يعني إنسان يشعر بألم في صدره يقلق أشد القلق، قد يكون غنياً كبيراً يذهب إلى طبيب القلب، وهو في أعلى درجات التواضع له، يا ترى هل أحتاج إلى عمل جراحي، أم لا أحتاج ؟ هل هذا الألم عابر، أم مستمر ؟ هل هذا الألم يدل على خطر قادم أم أنه ألم عارض ؟ هذا الغني الكبير يقف أمام الطبيب في أعلى درجات الأدب والتواضع والافتقار إلى علم هذا الطبيب، إذاً في هذا الموقف هذا الغني مفتقر إلى هذا الطبيب، هو غني لكنه الآن مفتقر إلى هذا الطبيب.
الاختصاصي في إصلاح المركبات، هو الآن أعلى من هذا، يأتي الآن طبيب، طبيب القلب نفسه، يستمع بسيارته إلى صوت غير طبيعي في المحرك، يقلق أشد القلق، يا ترى هل هذا مؤشر على تبديل المحرك ؟ يأتي إلى من اختص في إصلاح المركبات، هذا الطبيب المتفوق طبيب القلب يقف أمام هذا الإنسان بتواضع بالغ، يا ترى صوت عارض، طارئ، يحتاج إلى إصلاح، يحتاج إلى تبديل محرك، ماذا يحتاج ؟ بالموقف الأول الغني مفتقر للطبيب، الموقف الثاني الطبيب مفتقر لهذا الإنسان الذي يصلح المركبات، وكل إنسان متفوق في شيء إذا هو فيه غني، لكن مفتقر إلى أشياء ، مفتقر إلى مليون شيء.
لذلك هذا معنى قوله تعالى: ﴿ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً ﴾
﴿ وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾
( سورة الزخرف )
فأنت في الأعم الأغلب قد تتفوق باختصاص، بحرفة، بخبرة، بمال، بعلم ، بمنصب، وفي الوقت نفسه أنت مفتقر إلى أشياء لا تعد ولا تحصى، أوضح شيء الصحة قد يكون قوياً ويقلق أشد القلق على صحته، قد يكون غنياً ويحتاج إلى خبير لإصلاح هذه الحاجة. توزيع الحظوظ في الدنيا توزيع ابتلاء:
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2505/01.jpg
أيها الأخوة، لذلك الحظوظ وزعت في الدنيا توزيع ابتلاء، هذا ممتحن بالغنى، وهذا ممتحن بالفقر، وهذا ممتحن بالوسامة، وهذا ممتحن بالدمامة، وهذا ممتحن بالصحة فكل ما آتاك الله إياه أنت ممتحن فيه، وسوف ينظر الله ماذا تعمل، هل تتخذ الصحة أساساً للمعصية والإثم ؟ أم أن تتخذ الصحة لخدمة الخلق ؟ هل تتخذ وقت الفراغ للانحرافات التي لا ترضي الله ؟ أم تتخذ وقت الفراغ لطلب العلم ؟ أنت ممتحن بوقت الفراغ، ممتحن بالصحة ، ممتحن بالمال، ممتحن بالزوجة، ممتحن بالأولاد، ممتحن في كل ما آتاك الله، وممتحن في كل ما زوي عنك، لذلك من أدعية النبي عليه الصلاة والسلام:
(( اللهم ما رزقتني مما أحب، فاجعله قوة لي فيما تحب ))
[ الترمذي عن عبد الله بن يزيد الخطميّ الأنصاري]
إذا امتحنتنا بالغنى، أو بالصحة، أو بالقوة، أو بالوسامة، فاجعل هذه الأشياء في خدمة عبادك يا رب، وإن امتحنتنا بالفقر أحياناً، بالمرض أحياناً، فاجعل الفراغ الناتج عن هذا الامتحان في طاعتك.
((اللهم ما رزقتني مما أحب فاجعله قوة لي فيما تحب، اللهم وما زويت عني مما أحب فاجعله فراغاً لي فيما تحب ))
[ الترمذي عن عبد الله بن يزيد الخطميّ الأنصاري]
الغنى الحقيقي هو غنى العمل الصالح:
أيها الأخوة، الحقيقة الدقيقة: أنك إذا وصفت إنساناً بأنه غني فهذا في الحقيقة ليس بغني، هذا غنى نسبي، لماذا ؟ يعني الإنسان على حجم ماله الكبير، على هيمنته الكبيرة، على مكانته الرفيعة، على سيطرته، على كل ما يملك هذا منوط بقطر شريانه التاجي فإذا ضاق هذا الشريان دخل في متاعب لا تنتهي، وقد ينجو، وقد لا ينجو، إذاً ليس غنياً ، وهذا الغني، هذا القوي، هذا المتفوق، هذا المتغطرس، كل مكانته، وقوته منوطة بسيولة دمه، فإذا تجمدت قطرة دم في أحد أوعية دماغه في مكان أصيب بالشلل، في مكان فقد الذاكرة، في مكان فقد السمع، في مكان فقد البصر، في مكان فقد الحركة، إذاً ليس غنياً.
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2505/02.jpg
أعرف شخصاً جاء بشهادة عليا، وصل لمنصب ما قبل الوزير، مكانة، وعلم ، وزوجة رائعة، وبيت فخم، ودخل كبير، فقد بصره، زاره أحد أصدقائي، قال له: يا فلان والله أتمنى أن أجلس على الرصيف، وأتسول، وليس عليّ إلا هذا المعطف، وأن يرد لي بصري.
إذاً ما في غني، "الغني" هو الله.
شيء آخر قاله الإمام علي رضي الله عنه: الغنى والفقر بعد العرض على الله.
أما قبل العرض على الله لا يعد الغني غنياً، ولا الفقير فقيراً، وأصحّ ما في هذا اللقاء الطيب أن الغنى الحقيقي هو غنى العمل الصالح، والدليل: أن سيدنا موسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام حينما سقى للفتاتين ابنتي سيدنا شعيب، قال:
﴿ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ﴾
( سورة القصص )
فيجب أن تعد نفسك غنياً إذا أكرمك الله بعمل صالح، إذا سخرك لخدمة خلقه، إذا كنت مفتاحاً للخير، مغلاقاً للشر، إذا بثثت في الناس الطمأنينة، والأمن، والسكينة ، إذا أطعمت جائعهم، إذا كسوت عاريهم، إذا عالجت مريضهم، إذا آويت مشردهم، إذا أنصفت مظلومهم، أنت الغني، الغنى الحقيقي غنى العمل الصالح. القرار البطولي الذي يتخذه الإنسان بالتوبة قد يدفع ثمنه و لكن يرقى به إلى الجنة:
الآن الغنى في ذات الله عز وجل إذا تعلق الغنى بالمشيئة فهو من صفات الأفعال كقوله تعالى:
﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ﴾
( سورة التوبة الآية: 28 )
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2505/03.jpg
هناك ملمح لطيف بالآية دقيق جداً، أوضحه بالمثل التالي:
إنسان يبيع الخمر في مطعم من أعلى مستوى، ثم أراد أن يتوب، فلما تاب انخفض الدخل إلى العشر، هذا الانخفاض له حكمة بالغة جداً، أراد الله جل جلاله أن يجعل لهذا القرار البطولي ثمن يدفعه، بهذا الثمن يرقى يوم القيامة ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَة ﴾
لكن بعد حين يفتح الله عليه أبواب الرزق. لابدّ من امتحان، إذا إنسان أراد أن يتخذ قراراً بطولياً قد يدفع ثمنه، هذا الثمن الباهظ لقراره هو الذي يرقى به في الجنة، لكنه إلى حين ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ﴾
﴿ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾
( سورة التوبة )
هذه إذاً من صفات الأفعال، لأنه هو أغنى وأقنى. الغني سبحانه هو المستغني عن الخلق بذاته وصفاته وسلطانه:
"الغني" صفة من صفات أفعال الله عز وجل، وإن لم يتعلق الغنى بالمشيئة، فهو صفة من صفات الذات.
﴿ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ﴾
( سورة آل عمران )
هذه صفة ذات، وكقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ﴾
( سورة فاطر )
لو دخلنا في تفاصيل معنى "الغني"، "الغني" سبحانه هو المستغني عن الخلق بذاته، وبصفاته، وبسلطانه، والخلق جميعاً فقراء إلى إنعامه، وإحسانه، فلا يفتقر إلى أحد في شيء، بل كل مخلوق مفتقر إليه في كل شيء، وهذا هو الغنى المطلق، وهو الغنى الحقيقي ، وغنى الإنسان غنى مجازي، يعني غني بماله، لكن مفتقر إلى الصحة، مفتقر إلى العقل ، مفتقر إلى التوفيق، مفتقر إلى النصر. الغني هو الذي يغني من يشاء من عباده بحكمته:
و "الغني" أيضاً هو الذي يغني من يشاء من عباده بحكمته، وأي غني سوى الله فغناه نسبي، مقيد، مجازي، لا غني على الحقيقة إلا الله، أما غنى الحق جلّ جلاله فهو غنىً كامل ومطلق، ومهما بلغ المخلوق في غناه.
كان هناك أحد أكبر أغنياء بريطانيا، دخل إلى غرفة أمواله، فالباب أغلق عليه خطأ، وكان كثير الأسفار، فظنه أهله أنه مسافر، بدأ يصرخ ويصرخ إلى أن أشرف على الموت، فجرح إصبعه، وكتب بدمه على الحائط: أغنى إنسان في بريطانيا يموت جوعاً وجوده ميتاً في غرفة أمواله.
ملكية الله عز وجل ملكية مطلقة:
الإنسان فقير، فقير إلى شربة ماء، يا أمير المؤمنين ! بكم تشتري هذا الكأس إذا منع عنك ؟ قال: بنصف ملكي، قال: فإذا منع إخراجه ؟ قال: بنصف ملكي الآخر.
أنت وكل ما تملك رهن كأس ماء، مهما بلغ المخلوق في غناه، فهو فقير إلى الله، لأنه المنفرد بالخلق والتقدير، والملك والتدبير، هو المالك لكل شيء، خلقاً، وتصرفاً، ومصيراً، ملكية مطلقة، خلقاً، وتصرفاً، ومصيراً.
قد تملك دولة طائرة، تبيعها إلى دولة أخرى، الآن المالك الحقيقي هو الثاني ، لكن قد تمتلك بيتاً، ملك رقبة، وقد تسكنه، وتملكه ملك منفعة، ولكن مصيره ليس إليك، إما أن يصادر، أو أن تنظم المنطقة فيؤخذ بطريق، أو أن يموت الإنسان ويتركه، أو أن يضطر إلى بيعه، آتي بأمثلة دقيقة:
ملكية الله عز وجل ملكية مطلقة، خلقاً، وتصرفاً، ومصيراً، يعطي من يشاء ما يشاء من فضله، ويقسم لكل مخلوق ما يخصه من حياته ورزقه، عطاؤه لا يمتنع، ومدده لا ينقطع، وخزائنه ملأى، ولا تنفذ:
(( يدُ الله ملأى، لا يَغيضُها ـ أي لا ينقصها ـ نفقة سحَّاء ـ مستمرة، دائمة ـ الليل والنهار ـ يعني طوال الليل والنهار ـ و قال: أَرَأَيتم ما أنْفَقَ منذُ خلق السماء والأرضَ ؟ فإنه لم يَغض ـ أي لم ينقص ـ ما في يده، وكان عرْشُه على الماء، وبيده الميزانُ، يَخفِضُ ويَرفَعُ ))
[ متفق عليه عن أبي هريرة]
و النبي صلى الله عليه وسلم قال فيما رواه عن ربه تبارك وتعالى:
(( يا عبادي ! لو أنَّ أوَّلكم وآخرَكم، وإنسَكم وجِنَّكم، قاموا في صعيد واحد فسألوني، فأعطيتُ كُلَّ إنسان مسألتَهُ، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما يَنْقُص المِخْيَطُ إذا أُدِخلَ البحرَ يا عبادي، إنما هي أعمالُكم أُحصيها لكم، ثم أُوفّيكم إيَّاها، فمن وَجَدَ خيراً فليَحْمَدِ الله ومن وجد غير ذلك فلا يَلُومَنَّ إلا نَفْسَهُ ))
[ مسلم عن أبي ذر]
أيها الأخوة، "الغني" على سبيل الإطلاق، والقيام بالنفس هو من صفة الله وحده الغنى المطلق، والقيام على الخلق هو الله جل جلاله، وليس ذلك لأحد سواه، هو "الغني" بذاته عن العالمين، المستغني عن الخلائق أجمعين، واتصاف غير الله بالغنى لا يمنع أن يكون الحق متوحداً في غناه، لأن الغني في حق غيره مقيد، وفي حق الله مطلق، وهذا واضح معلوم، وذلك مطرد في جميع أوصافه بدلالة اللزوم. تقنين الله عز وجل تقنين تأديب و تقنين العباد تقنين عجز:
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2505/04.jpg
بقي شيئاً آخر في الغنى، قد نرى شحاً في الأمطار، وقد نرى قلة في المحاصيل، وقد نرى قصراً في العمر، وقد نرى أشياء قليلة بالحياة، الحقيقة مستحيل وألف ألف مستحيل أن يكون تقنين الله عز وجل تقنين عجز، أما نحن البشر نقنن تقنين عجز الكهرباء قليلة نقطع التيار لساعات عن كل حي في المدينة، الماء قليل، نقطع الماء ساعات طويلة كل يوم، المحاصيل قليلة نرفع الأسعار، الإنسان يقنن تقنين عجز، إلا أن الله جل جلاله إذا قنن فتقنينه تقنين تأديب، الأدلة:
﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ﴾
( سورة الحجر )
الآية الثانية: ﴿ وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ ﴾
( سورة الشورى )
مرة كنت في العمرة، اطلعت على مجلة علمية رصينة، قرأت فيها بحثاً عن اكتشاف سحابة في الفضاء الخارجي، يمكن أن تملأ محيطات الأرض ستين مرة في اليوم بالمياه العذبة، ﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ ﴾
التقنين من الله تعالى تقنين تربية و معالجة و سوق إلى بابه الكريم:
لذلك التقنين تقنين إلهي.
﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ﴾
( سورة الأعراف الآية: 96 )
﴿ وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً * لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ﴾
( سورة الجن )
﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ﴾
( سورة المائدة الآية: 66 )
وقد يُحرم المرء بعض الرزق بالمعصية، فالتقنين فيما يبدو هو تقنين تأديب لا تقنين عجز، تقنين حكمة، تقنين تربية، تقنين معالجة، تقنين سوق إلى باب الله عز وجل ، فئة كبيرة جداً من عباد الله قد تساق إلى الله عز وجل بالتقنين والحرمان أحياناً، ولكن نسأل الله جلّ جلاله أن يجعل الرخاء والبحبوحة حالة يتمتع بها كل المؤمنين.
السعيد
08-31-2018, 12:46 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الثالث و العشرون بعد المائة )
الموضوع : اسم الله - الغنى - 2 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: (الغني):
أيها الأخوة الكرام، لازلنا في اسم "الغني"، ومن تطبيقات هذا الاسم المتعلقة بالمؤمن قول الله عز وجل في حديث قدسي صحيح:
(( أنا أغْنى الشُّركاء عن الشِّركِ، مَنْ عَمِل عَمَلا أشرك فيه مَعي غيري تركتهُ وشِرْكَهُ ))
[ مسلم و ابن ماجه عن أبي هريرة]
لذلك: هناك ذنب لا يغفر وهو الشرك، وهناك ذنب لا يترك ما كان بينك وبين العباد، وهناك ذنب يغفر ما كان بينك وبين الله. على الإنسان أن يستعيذ من فتنة الغنى و فتنة الفقر:
أيها الأخوة، الله عز وجل غني عن الشرك، إن أشركت بعملك غير الله، الله عز وجل ترك لك هذا العمل ولم يقبله، العمل المشترك لا يقبله، والذي أشرك بعمله غير الله عز وجل، الله عز وجل لا يقبل عليه، العمل المشترك لا يقبله، والمُشرك لا يقبل عليه.
أيها الأخوة، معنىً آخر، من أدعية النبي عليه الصلاة والسلام المتعلقة بالغنى والفقر، أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يستعيذ بالله من فتنة الغنى، الغنى فتنة، وكان يستعيذ بالله من فتنة الفقر، كاد الفقر أن يكون كفراً، وكاد الغنى أن يكون طغياناً.
﴿ كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى ﴾
( سورة العلق )
أي أنه رأى نفسه غنياً، أحياناً الغنى المادي يبعد عن الله عز وجل، الغنى المادي يحاط صاحبه بالكبر، والغطرسة، والعجب، وينسى الله عز وجل. على الإنسان أن يُسرع بالأعمال الصالحة قبل أن يُصاب بـ:
على كلٍ من الأحاديث الشريفة التي تقصم الظهر، والأحاديث التي تتسم بالواقعية قول النبي صلى الله عليه وسلم:
(( بادروا بالأعمال الصالحة، فماذا ينتظر أحدكم من الدنيا ؟ ))
[أخرجه الحاكم عن أبي هريرة ]
بادروا، سارعوا.
(( فماذا ينتظر أحدكم من الدنيا ؟ ))
هل يمكن أن يستيقظ الإنسان كل يوم كاليوم السابق إلى ما شاء الله ؟ مستحيل.
(( بادروا بالأعمال الصالحة، فماذا ينتظر أحدكم من الدنيا ؟ ))
1 ـ الفقر المنسي:
الآن:
(( هل تنتظرون إلا فقراً منسياً ))
الفقر قد ينسي كل شيء، من هنا قال الله عز وجل : ﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ﴾
( سورة النحل )
النعمتان اللتان يسبغهما الله عز وجل على عباده المؤمنين نعمة الأمن، ونعمة الكفاية، والعقابان المؤلمان الذي يخص الله بهما من كفر نعم الله عز وجل مصيبة الخوف ومصيبة الجوع، لذلك:
(( بادروا بالأعمال الصالحة، فماذا ينتظر أحدكم من الدنيا، هل تنتظرون إلا فقراً منسياً ))
[أخرجه الحاكم عن أبي هريرة ]
كاد الفقر أن يكون كفراً. 2 ـ أو الغنى المطغي:
دقق:
(( أو غنىً مطغياً ))
مال، قوة، هناك تعابير يقولها العوام هي الشرك بعينه، يقول لك: الدراهم مراهم تحل بها كل المشكلات.
أعرف رجلاً، أنا أظنه صالحاً لكنه أخطأ، فقال مرة في مجلس: الدراهم مراهم تحل بها كل المشكلات، فبقي في المنفردة أربعة و ستين يوماً، وفي كل يوم تأتيه مئات الخواطر الدراهم مراهم ؟. 3 ـ أو المرض المفسد:
أيها الأخوة:
(( فماذا ينتظر أحدكم من الدنيا، هل تنتظرون إلا فقراً منسياً، أو غنىً مطغياً أو مرضاً مفسداً ))
[أخرجه الحاكم عن أبي هريرة ]
هناك أمراض تدع الحليم حيران، هناك أمراض تجعل حياة الإنسان جحيماً لا يطاق، هناك أمراض وبيلة، هناك أمراض عضالة، لذلك كان عليه الصلاة والسلام من أكثر أدعيته:
(( اللهم ارزقنا العفو والعافية، والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة ))
من دعاء القنوت المشهور:
(( اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت ))
[ الترمذي عن أبي الحوراء]
النعم الكبرى التي ينعم بها الإنسان هي نعمة الهدى و الصحة و الكفاية:
النعم الكبرى كما رتبها الإمام علي كرم الله وجهه نعمة الهدى، وقال العلماء: تمام النعمة الهدى، ونعمة الصحة، ونعمة الكفاية.
(( مَنْ أصبَحَ منكم آمِنا في سِرْبه، مُعافى في جَسَدِهِ، عندهُ قوتُ يومِه، فكأنَّما حِيزَتْ له الدنيا بحذافيرها ))
[أخرجه الترمذي عن عبيد الله بن محصن ]
(( بادروا بالأعمال الصالحة، فماذا ينتظر أحدكم من الدنيا، هل تنتظرون إلا فقراً منسياً ))
[أخرجه الحاكم عن أبي هريرة ]
أحياناً ترتفع الأسعار فجأة، أحياناً أنت وكيل شركة تُسحب منك الوكالة فجأة ، أحياناً تقع تحت عجز مالي كبير، أحياناً تنخفض الأسعار فجأة فتخسر كل ما تملك.
(( هل تنتظرون إلا فقراً منسياً، أو غنىً مطغياً ))
4 ـ أو الهرم المفند:
عدا النبي صلى الله عليه وسلم الغنى المادي أحد أكبر المصائب.
(( أو غنىً مطغياً، أو مرضاً مفسداً، أو هرماً مفنداً ))
يعني تقدمت به السن، ردّ إلى أرذل العمر، يعيد القصة مئات المرات، يحشر أنفه في أتفه القضايا، ظله ثقيل، يهرب منه من في البيت، يتركونه وحده في الغرفة، لا يحتملون وجوده، يأتي ضيف يتشكى له، الهرم !. من أهمل أوامر الله عز وجل واستعلى واستكبر خسر صلته بالله تعالى:
لذلك أيها الأخوة، من عاش تقياً، عاش قوياً، إنسان عالم كبير، عاش حياة امتدت إلى السادسة و التسعين، بكامل قوته، ونشاطه، وحواسه الخمس، سُئل يا سيدي ما هذه الصحة التي حباك الله بها ؟ قال: يا بني حفظناها في الصغر فحفظها الله علينا في الكبر، من عاش تقياً، عاش قوياً.
أنا مرة زرت صديقاً لي، فالتقيت بوالده، قال لي: أنا عمري 96 سنة ، أجريت البارحة فحوصاً تامة، كاملة كلها طبيعية، قال: والله ما عرفت الحرام في حياتي لا حرام النساء، ولا حرام الأموال، من عاش تقياً، عاش قوياً.
(( بادروا بالأعمال الصالحة، فماذا ينتظر أحدكم من الدنيا، هل تنتظرون إلا فقراً منسياً، أو غنىً مطغياً ))
[أخرجه الحاكم عن أبي هريرة ]
يظن الغني حينما ينحرف، ويهمل أوامر الله عز وجل، ويستعلي، ويتغطرس، يظن أنه في بحبوحة، هو في شقاء كبير، لأنه خسر دينه، خسر صلته بالله عز وجل.
(( أو هرماً مفنداً ))
البطولة من طال عمره، وحسن عمله، البطولة من ابتعد عن الخرف. ﴿ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً ﴾
( سورة الحج الآية: 5 )
من عاش تقياً عاش قوياً ومتعه الله بحياته وحواسه وسمعه وبصره:
بالمناسبة هناك حقيقة في الطب: العضو الذي لا يعمل يضمر، والإنسان حينما لا يستخدم فكره، لا يصلي، المصلي يتنشط فكره , أول ركعة فاتحة وسورة , ثاني ركعة فاتحة وسورة , ركوع، وقوف، سجود أول، سجود ثانٍ، قعود، وقوف، ركعة ثالثة الفاتحة بلا سورة، الظهر أربع ركعات , العصر أربع , الفجر ركعتان , العشاء أربع، المغرب ثلاث , في نشاط دائم، يقرأ القرآن كل يوم، يؤدي الصلوات، يتحدث عن الله عز وجل، العضو الذي لا يعمل يضمر، والإنسان إن لم يطلب العلم، إن لم يصلِ , إن لم يقرأ القرآن , هذا الدماغ يضمر، يصاب بالخرف،
﴿ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً ﴾
من عاش تقياً عاش قوياً، متعه الله بحياته، وبحواسه، وبسمعه، وببصره.
لذلك: (( هل تنتظرون إلا فقراً منسياً، أو غناً مطغياً، أو مرضاً مفسداً، أو هرماً مفنداً ))
تضعف مكانته، تضعف ذاكرته، يعيد القصة، يحشر أنفه في كل شيء يتضجر من حوله منه. 5 ـ أو الموت المجهز:
(( أو موتاً مجهزاً ))
الموت مصيبة، الموت إن لم يكن على إيمان، واستقامة، وتوحيد مصيبة كبيرة نقلة مفاجئة إلى قبر، من بيت فخم إلى قبر صغير، من زوجة وأولاد إلى وحشة القبر. 6 ـ أو الدجال:
(( أو الدجال، فشر غائب ينتظر ))
هناك دجال، وهناك أعور دجال، الدجال يتكلم كلاماً، ويفعل عكسه، يقول لك حرية، ديمقراطية، يعني قتل، وسفك دماء، ونهب ثروات، هذا الدجال، والأعور يرى مصلحته، ولا يرى مصلحة الآخرين، يرى كرامته، ولا يرى كرامة الآخرين، يرى ثقافته ولا يرى ثقافة الآخرين، يرى حظوظه، ولا يرى حظوظ الآخرين، هذا موقف من المواقف التي تؤلم، الإنسان يكيل بمكيالين، يكيل بمليون مكيال، هذا الحديث: (( بادروا بالأعمال الصالحة، فماذا ينتظر أحدكم من الدنيا، هل تنتظرون إلا فقراً منسياً، أو غناً مطغياً، أو مرضاً مفسداً، أو هرماً مفنداً، أو موتاً مجهزاً، أو الدجال فشر غائب ينتظر، أو الساعة والساعة أدهى وأمر ))
[أخرجه الحاكم عن أبي هريرة ]
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ﴾
( سورة الحج )
من لوازم الوصف الإلهي للفقراء أن يبحث الإنسان عنهم و يتفقد أحوالهم:
أيها الأخوة، سامحوني، الحقيقة المرة أهون ألف مرة من الوهم المريح، من خاف الله في الدنيا أمن يوم القيامة، ومن أمن في الدنيا خاف يوم القيامة.
الآن لمن تجب الصدقة والزكاة ؟ الحديث عن الغنى والفقر، والحديث عن تطبيقات اسم "الغني" على المؤمن، قال: للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله، لا يستطيعون ضرباً في الأرض، الفقير المؤمن:
﴿ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ ﴾
( سورة البقرة الآية: 273 )
أنيق، ثيابه نظيفة، متجمل، عزيز النفس، لا يسأل. ﴿ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ ﴾
( سورة المعارج )
لماذا سمي محروماً ؟ لأنه لا يسأل، هناك إنسان يقتحم عليك، يسألك بإلحاح ، يُثقل عليك، يلح عليك، تعطيه كي تنجو منه، أما المؤمن الفقير لا يسأل، عفيف، لذلك سمي محروماً، ﴿ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ ﴾
﴿ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ﴾
( سورة الذاريات )
ماذا يقتضي هذا الوصف الإلهي للفقير المؤمن ؟ أن تبحث أنت عنه، هو لا يسألك، ولا ترى بعينك أنه فقير، متجمل.
فلذلك من لوازم هذا الوصف الإلهي للفقراء أن تبحث أنت عنهم، وأن تتفقد أحوالهم.
﴿ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾
( سورة البقرة )
ليس الغنى عن كثرة العَرَض وإنما الغنى غنى النفس:
أيها الأخوة، من تعريفات النبي صلى الله عليه وسلم الجامعة المانعة:
(( ليس الغنى عن كثرة العَرَض وإنما الغنى غنى النفس ))
[أخرجه البخاري ومسلم وأبو يعلى وابن حبان عن أبي هريرة ]
المؤمن غني، يكبر قلبه ولا ترى كبره، يتضاءل أمامه كل كبير، وغير المؤمن فقير، ومعه ملايين مملينة، يصغر قلبه ولا ترى صغره، فيتعاظم عليه كل حقير.
(( ليس الغنى عن كثرة العرض ))
الأموال المنقولة، والغير منقولة، والعملات الصعبة، والأراضي، والبيوت والمركبات، والشركات، والأسهم، لا.
(( ليس الغنى عن كثرة العرض وإنما الغنى غنى النفس ))
[أخرجه البخاري ومسلم وأبو يعلى وابن حبان عن أبي هريرة ]
الاستغناء عن الناس يولد راحة نفسية لا توصف:
أيها الأخوة، كتطبيق لاسم "الغني" صارخ نقول: كلما استغنيت عن الناس شعرت براحة نفسية، وكلما استغنيت عما في أيدي الناس أحبك الناس.
شيء آخر: قال أحدهم: احتج إلى الرجل تكن أسيراً، واستغنِ عنه تكن نظيره، وأحسن إليه تكن أميره.
لذلك من أدعية النبي عليه الصلاة والسلام:
(( اللهم لا تجعل حوائجنا إلا إليك، ودلنا بك عليك ))
المؤمن غني، غني بنفس أبية، بنفس عزيزة، لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه.
(( من جلس إلى غني فتضعضع له ذهب ثلثا دينه ))
[ البيهقي في شعب الإيمان عن ابن مسعود]
لا ينبغي لمؤمن أن يذل نفسه، لا تتضعضع أمام غني، ولا أمام قوي، استعن بالله، ولا تعجز.
(( اللهم لا تجعل حوائجنا إلا إليك، ودلنا بك عليك ))
إخوانا الكرام، الإمام الحسن البصري، من كبار التابعين، له هيبة كبيرة، له مكانة علية، سُئل مرة بمَ نلت هذا المقام ؟ فقال: باستغنائي عن دنيا الناس، وحاجتهم إلى علمي.
متى يسقط العلم ؟ حينما يحتاج العالم إلى ما في أيدي الأمير، وحينما يزهد الأمير بما عند العالم، انتهى العلم، أما حينما يستغني العالم عما في أيدي الناس، ويحتاج الناس إلى علمه يرتفع العلم، يرتفع العلم ويسقط، يرتفع إذا استغنى العلماء عما في أيدي الأقوياء، واحتاج الناس إلى علمهم، ويسقط العلم، من يدعي العلم حينما يحتاج من يحمل هذا العلم إلى ما في أيدي الأقوياء، وحينما يزهد الأقوياء بما عند العلماء.
ومن تعريفات الإيمان الرائعة: الإيمان غنىً عن المطامع، غنىً عن المحارم ، الطمع أذل قلوب الرجال، وأذل رقابهم، من الداخل متضعضع، ورقبته خاضعة. من زهد بما في أيدي الناس أحبه الناس ومن رغب بما عند الله أحبه الله:
أحد الأدباء الكبار له كلمة رائعة، يقول: لي صديق كان من أعظم الناس في عيني، وكان رأس ما عظمه في عيني صغر الدنيا في عينيه، فكان خارجاً عن سلطان بطنه البطن له سلطان، فلا يشتهي مالا يجد، ولا يكثر إذا وجد، وكان خارجاً عن سلطان الجهالة، فلا يتكلم بما لا يعلم، ولا يماري فيما علم، وكان أكثر دهره صامتاً، فإذا تكلم بذّ القائلين، وكان يُرى ضعيفاً مستضعفاً، فإذا جدّ الجد فهو الليث عادياً، أي خارج عن سلطان بطنه وعن سلطان فرجه، لذلك:
(( تعس عبد الدرهم والدينار، تعس عبد البطن، تعس عبد الفرج، تعس عبد الخميصة ـ الثياب ـ ))
[أخرجه البخاري في كتاب الرقائق]
لذلك قالوا: خذ من الدنيا ما شئت، وخذ بقدرها هماً، ومن أخذ من الدنيا فوق ما يكفيه أخذ من حتفه وهو لا يشعر.
قيل: دخلوا على سيدنا أبي عبيدة الجراح، وكان قائد الجيش الإسلامي في الشام دخلوا إلى غرفته، فإذا فيها قدر ماء مغطى برغيف خبز، وعلى الحائط سيفه المعلق ، ويجلس على جلد غزال، قالوا: ما هذا ؟! قال: هو للدنيا وعلى الدنيا كثير، ألا يبلغنا المقيل ؟.
لذلك القاعدة: ازهد بما في أيدي الناس يحبك الناس، وارغب بما عند الله يحبك الله.
لا تسألن بني آدم حــاجة واسأل الذي أبوابه لا تغلقُ
الله يغضب إن تركت سؤاله وبني آدم حين يسأل يغضبُ
* * *
مرة أبو جعفر المنصور سأل الإمام الجليل أبا حنيفة النعمان، قال له: يا أبا حنيفة لو تغشيتنا، فقال: ولمَ أتغشاكم ؟ وليس عندكم شيء أخافكم عليه، وهل يتغشاكم إلا ما خافكم على شيء. بطولة الإنسان لا أن يعيش في برج عاجي فكري بل أن يعيش في برج عاجي أخلاقي:
لذلك هناك موضوع يكثر تداوله، يقول: فلان يعيش ببرج عاجي، هي كلمة ذم الحقيقة، لكن هناك تفصيل لطيف، المؤمن يعيش في برج عاجي أخلاقي، بعيد عن سقطات الناس، وعن وحل البشر، وعن النزاع على حطام الدنيا، بعيد عن الكذب، بعيد عن النفاق، بعيد عن وحل البشر، هو في برج عاجي أخلاقي، ولكنه في برج عاجي فكري، يعيش هموم الناس، يعيش مشكلاتهم، يعيش متاعبهم، يحمل بعض همومهم، فالبطولة لا أن تعيش في برج عاجي فكري، بل أن تعيش في برج عاجي أخلاقي.
يمكن أن نلخص هذا الكلام: إذا أردت أن تكون أغنى الناس فكن بما يدي الله أوثق منك بما في يديك.
السعيد
08-31-2018, 12:48 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الرابع و العشرون بعد المائة )
الموضوع : اسم الله - المجيب - 1 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
من أسماء الله الحسنى: (المجيب):
أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "المجيب".
تسمية الله جلّ جلاله ذاته العلية باسم "المجيب" على سبيل الإطلاق و التعظيم:
سمّى الله جلّ جلاله ذاته العلية باسم "المجيب" على سبيل الإطلاق، الإطلاق حُكم غير مقيد، مطلق، لو فرضنا قرأنا الآية الكريمة:
﴿ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً ﴾
( سورة النمل الآية: 19 )
أي عمل صالح على الإطلاق ينضوي تحت هذه الكلمة، ﴿ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً ﴾
لكن الله سبحانه وتعالى قيده، فقال: ﴿ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ ﴾
( سورة النمل الآية: 19 )
العمل الصالح لا يقبل عند الله إلا إذا كان خالصاً، صواباً، خالصاً ما ابتغي به وجه الله، وصواباً ما وافق السنة.
أحياناً هناك عمل صالح يبتدعه الإنسان، يقول لك: حفل غنائي ساهر يرصد ريعه للأيتام، المبالغ التي سوف نجنيها من هذا الحفل الفني الساهر من أجل أيتام، أو نقول يانصيب خيري، الآية الكريمة: ﴿ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ ﴾
والله عز وجل يرضى عن العمل الصالح إذا كان خالصاً وصواباً، خالصاً ما ابتغي به وجه الله، وصواباً ما وافق السنة، أقول ﴿ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ ﴾
مقيد، إذا قرأنا الآية الكريمة: ﴿ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً ﴾
نقول مطلق، صالحاً وحدها مطلق، أما ﴿ صَالِحاً تَرْضَاهُ ﴾
مقيد، وقالوا: الصفة قيد.
قل: إنسان، تشمل ستة آلاف مليون، قل: إنسان مسلم مليار وخمسمئة مليون، ضاقت الدائرة قل: إنسان مسلم عربي، أربعمئة مليون، كلما أضفت صفة ضاقت الدائرة.
لذلك سمّى الله جل جلاله ذاته العلية باسم "المجيب"، على سبيل الإطلاق، والتعظيم. ورود اسم المجيب في القرآن الكريم معرفاً و منوناً:
ورد هذا الاسم معرفاً في القرآن الكريم في قوله تعالى:
﴿ وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ ﴾
( سورة الصافات )
معرف، "المجيب"، وقد ورد أيضاً منوناً، في قوله تعالى: ﴿ فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ ﴾
( سورة هود )
يعني مجيب، الفرق بين المعرف والمنون، الكلمات أيها الأخوة، في اللغة نكرة أو معرفة، المعرفة ما دلت على معين، دمشق معرفة، أما عاصمة نكرة، المدينة نكرة القاهرة معرفة، ما دلّ على معين فهو معرفة، وما لم يدل على غير معين فهو نكرة، وفي بيت جمعت به المعارف، قال:
إن المعارف سبعة فيها كمُل أنا صالح ذا ما الفتى ابني يا رجل
* * *
يعني المعارف سبعة، أنا: الضمير معرفة، صالح: اسم العلم معرفة، أنا صالح ذا: اسم الإشارة معرفة، ما: اسم الموصول معرفة، ما الفتى: المعرف بأل معرفة، ابني: المضاف معرفة، يا رجل: المنادى معرفة،
إن المعارف سبعة فيها كمُل أنا صالح من ذا الفتى ابني يا رجل
* * *
إذاً ورد هذا الاسم مطلقاً ومقيداً، وورد نكرة ومعرفة، ولم يرد هذا الاسم في السنة إطلاقاً، إلا في حديث سرد الأسماء الحسنى عند الترمذي وعند ابن ماجة، هذا في شأن ورود الاسم في القرآن والسنة. معاني المجيب في اللغة:
أما في اللغة: "المجيب" اسم فاعل، أجاب، يجيب، فهو مجيب، اسم فاعل من الرباعي على صيغة المضارع، بعد إبدال حرف المضارعة ميماً مضمومة، وكسر ما قبل الآخر.
"المجيب" اسم فاعل، والفعل أجاب، يجيب، جواباً، وإجابة، واستجابة ، والإجابة صدى الكلام، أو ترديده، هذا معنى، أو المحاورة في الكلام، يقول لك: حوار الآن، وهناك حوار، و هناك جدال، والفرق بينهما واضح، الحوار شيء جيد جداً، أما الجدال شيء غير جيد، سيء.
والإجابة رد السؤال، كم الساعة ؟ تقول لي: الساعة السابعة، الإجابة رد السؤال.
وعند البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت في حديث الإفك:
(( فوجدتُ عِقْدِي بعد ما اسْتَمَرَّ الجيشُ، فجئتُ منزلَهم وليس فيه أحد - ومنهم من قال: فجئتُ منازلهم وليس بها منهم دَاعٍ ولا مجيبٌ ))
[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن عائشة ]
فالله عز وجل من أسمائه "المجيب" سألتك فأجبتني، الآن سألتك حاجة فأعطيتني هناك فرق، سألتك عن قضية فأجبتني، أما سألتك حاجة فأعطيتني، والإجابة إجابة المحتاج بالعطية، إعطاء الفقير عند السؤال.
إذاً أصبح للمجيب معنيان كبيران، إجابة السائل بالعلم، وإجابة النائل بالمال، تسألني إجابة عن سؤال فأجيبك، تسألني عطاءً فأعطيك. للمجيب معنيان كبيران إجابة السائل بالعلم وإجابة النائل بالمال:
الآن إذا قلنا أن الله هو "المجيب" دخلنا في اسم الله "المجيب"، "المجيب" بالمعنى الأول الإجابة، بالمعنى الثاني أن يعطي الله السائل سؤله، يا رب ارزقني زوجة صالحة مثلاً شاب في مقتبل حياته، يقول: يا رب ارزقني زوجة صالحة، هذا اسمه نائل، والجواب: أن يزوجه زوجة صالحة، يا رب اهدنِ إلى معرفتك، سؤال من نوع آخر، فإذا سألت إنساناً يجيبك، وإن سألته حاجة يعطيك، سؤال علمي، أو سؤال عطاء، إما أن تكون الإجابة بيانية، حدثني عن الساعة، حدثني عن القضاء والقدر، حدثني عن عدل الله ، حدثني عن الدار الآخرة، حدثني عن عذاب القبر، حدثني عن حال الإنسان في الجنة، مثلاً هذا سؤال، فالله عز وجل مجيب، أو الإنسان أحياناً يسأل دون أن يحرك شفتيه، يا رب دلني عليك، يا رب هناك قضية بالدين ليست واضحة عندي، يا رب وضحها لي، نور قلبي هذا سؤال، قد يكون باللسان، وقد يكون بالقلب، ودليل القلب سيدنا ذكريا:
﴿ إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً ﴾
( سورة مريم )
ما تكلم بلسانه، والإنسان من دقة هذا الشرع، وعظمة هذا الدين أنك في بعض الظروف يمكن أن تسأل الله بصدق وإخلاص دون أن تحرك شفتيك، ﴿ إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً ﴾
أخ كريم، كنت في سفر إلى اللاذقية، رأيت مسجداً في مكان جميل على الساحل مسجد رائع، صليت فيه ركعتين فإذا رجل يدعوني إلى غرفة في المسجد ليضيفني قهوة قال لي: أنا أنشأت هذا المسجد، قال لي: قبل عشرين عاماً، كنت متجهاً إلى الخليج، ولا أملك من حطام الدنيا شيئاً، أقسم لي بالله أنه في نفسه قال: يا رب أن أكرمتني لأبني لك بيتاً في هذا المكان , والله أكرمه , الشاهد لم ينطق بلسانه، يمكن أن تسأل ربك أكبر سؤال وأعظم سؤال , وأنت ساكت ﴿ إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً ﴾
الله أكرمه، ويسر له بناء هذا المسجد، وحدثني عن قصته الممتعة حينما طلب من الله عز وجل التوفيق، والله عز وجل سمعه ولم يحرك شفتيه ﴿ إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً ﴾
المجيب هو الذي يجيب المضطر إذا دعاه ويغيث الملهوف إذا ناداه:
الإنسان أحيانا يقول: يا رب دلني عليك، سبحان الله ! هي ظروف عجيبة جداً يجتمع مع إنسان. والإنسان يدله على أهل الحق، ويلتقي بهم، وينتفع بهم، في عنده طلب.
فأنت أي طلب تطلبه بلسانك أم بقلبك يسمعه الله ويجيبك، لأنه مجيب، بل هو ينتظرك , بل هو ينتظر هذا السؤال.
أيها الأخوة، "المجيب " هو الذي يقابل السؤال بالإجابة، والدعاء بالقبول، "المجيب" هو الذي يجيب المضطر إذا دعاه، ويغيث الملهوف إذا ناداه.
"المجيب" هو الذي يكشف السوء عن أوليائه، ويرفع البلاء عن أحبابه، أحياناً بلاء كبير ينزاح، مشكلة كبيرة تُحل، عدو متربص يصرفه الله عنك، الله مجيب ينتظر سؤالك، ودعاءك، كل الخلائق مفتقرة إليه، ولا قوام لحياتها إلا عليه، ولا ملجأ لها منه إلا إليه، في جهة واحدة في الكون هي الله جلّ جلاله، تلجأ منه إليه، تهرب منهم إليه.
يغني لو فرضنا ابن أخطأ خطأ كبيراً في حق أمه , أمه توعدته أن تؤدبه فاتجه إليها، وأقبل عليها، وقبّل يدها، وقال: سامحيني، ماذا فعل ؟ هرب من عقابها إليها.
هكذا شأن الإنسان مع الله عز وجل يفر منه إليه , يلجأ منه إليه , لا ملجأ ولا منجا لي منك إلا إليك.
من أراد أن يعرف مقامه عند الله عز وجل فلينظر فيما استعمله الله تعالى:
أيها الأخوة، الآية الكريمة:
﴿ يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ﴾
( سورة الرحمن )
آية دقيقة جداً: ﴿ يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ﴾
كيف ؟ للتوضيح:
طبيب مرّ على مريض أخذ لائحة الفحوصات، وجد الضغط مرتفعاً، أعطى أمراً بإيقاف الملح في الطعام، الطعام من دون ملح لا يستساغ، هذا قرار الطبيب، لأن شأن هذا المريض ارتفاع الضغط، فالموقف المناسب أن تمنعه من الملح، ﴿ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ﴾
وجد الضغط معتدلاً جداً، وجسم المريض بحاجة إلى غذاء دسم فأمر أن يُطعم أطيب الطعام.
فأنت إن كان شأنك مع الله الطاعة فقرار الله الإكرام، وإن كان شأنك مع الله لا سمح الله ولا قدر المعصية فشأن الله معك التأديب ﴿ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ﴾
اليوم طور، الآن أنت مقبل، القرار الإلهي التكريم، الآن في جزء من المال حرام، القرار الإلهي تطهير مالك من هذا المال الحرام، يتلف المال، أنت متواضع شأن الله عز وجل أن يكرمك، أن يرفع شأنك، في تكبر، شأن الله عز وجل أن يحجمك، أنت منفق شأن الله أن يرزقك، أنت مقتر شأن الله أن يضيق عليك ﴿ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ﴾
إن أردت أن يكون الله لك كما تريد فكن له كما يريد.
(( أنت تريد وأنا أريد فإذا سلمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد، وإن لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد، ثم لا يكون إلا ما أريد ))
[ ورد في الأثر ]
آية دقيقة جداً: ﴿ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ﴾
ما شأنك ؟ الطاعة ؟ شأن الله الإكرام ما شأنك ؟ لا سمح الله ولا قدر المعصية ؟ شأن الله التأديب، ما شأنك ؟ الإسراف في الإنفاق على ملذاتك ؟ شأن الله التقتير، ما شأنك ؟ الإنفاق في الأعمال الصالحة ؟ شأن الله التوسعة ما شأنك ؟ الخضوع لله ؟ شأن الله الإعزاز، يعزك، ما شأنك الكبر على العباد ؟ شأن الله الإذلال ﴿ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ﴾
إذا أردت أن تعرف مقامك فانظر فيما استعملك، جميع الخلائق تستند إليه وتعتمد عليه. صدق الإيمان والولاء شرط إجابة الدعاء:
الآن شرط إجابة الدعاء: جميع الخلائق تدعوه إما بلسانها أو بحالها، عندنا لسان المقال، ولسان الحال، لذلك شرط إجابة الدعاء: صدق الإيمان والولاء، فالله حكيم في إجابته، قد يعجل أو يؤجل، على حسب السائل والسؤال، أو يلطف بعبد فيختار له ما يناسب الحال، أو يدخر ما ينفعه عند المصير والمآل، لكن الله تعالى يجيب عبده حتماً، ولا يخيب ظنه أبداً، كما وعد وقال وهو أصدق القائلين: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾
( سورة البقرة )
﴿ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي ﴾
يطيعوني ﴿ وَلْيُؤْمِنُوا بِي ﴾
يؤمنون بوحدانيتي، وأنني فعال لما أريد.
﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ ﴾
( سورة الزخرف الآية: 84 )
لذلك شروط الإجابة أن تؤمن بالله الإيمان الذي يمنعك أن تؤذي عباده، والذي يحملك على طاعته، وأن تستقيم على أمره، ﴿ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾
إلى الدعاء المستجاب. الله عز وجل حكيم في إجابته:
الآية الثانية:
﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴾
( سورة غافر )
لذلك قالوا: ما أمرك أن تدعوه إلا ليجيبك، وما أمرك أن تسأله إلا ليعطيك، وما أمرك أن تتوب إليه إلا ليتوب عليك، الآية الواضحة أن الله حكيم في إجابته، وقال تعالى:
﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ﴾
( سورة الإسراء الآية: 18 )
بالقدر الذي نشاء، وللسائل الذي نريد، هناك حكمة إلهية: ﴿ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُوماً مَدْحُوراً * وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً ﴾
( سورة الإسراء )
ما من رجل يَدْعُو اللهَ بِدُعَاءٍ إِلا استُجِيبَ لَه:
الآن دقق:
﴿ كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً ﴾
( سورة الإسراء )
إن أردت الدنيا فلك الدنيا، إن أردت الآخرة فلك الآخرة، إن أردتهما معاً فلك الدنيا والآخرة، كل شيء له ثمن، والله عز وجل خلقك وأعطاك حرية الاختيار، وكأن الله سبحانه وتعالى تعهد لك أن يلبيك في اختيارك، وأنت اختار أي شيء وكل شيء له ثمن، لذلك:
(( ما من رجل يَدْعُو اللهَ بِدُعَاءٍ إِلا استُجِيبَ لَه ))
[ متفق عليه عن أبي هريرة]
كيف ؟ (( ما من رجل يَدْعُو اللهَ بِدُعَاءٍ إِلا استُجِيبَ لَه ))
لأن الله "المجيب"، لأن اسم الله "المجيب"، فإما أن يعجل له في الدنيا، يا رب أتمنى أن أكون غنياً، يجعله غنياً ، إنسان يطلب أن يكون عالماً كبيراً، يجعله عالماً كبيراً، إنسان يطلب أن يكون أقوى الأقوياء يجعله أقوى الأقوياء.
(( فإمَّا أنْ يُعَجَّلَ له في الدنيا ـ سؤله ـ وإمَّا أنْ يُدَّخَرَ له في الآخرة ـ أجابه بمقام رفيع في الآخرة، أجابه بعطاء في الدنيا ـ وإمَّا أنْ يُكَفَّرَ عنه من ذُنُوبِهِ، بِقَدْرِ مَا دَعَا ـ إجابة الله للمذنب أنه يكفر عنه من ذنوبه، هذه إجابة أيضاً ـ ما لَمْ يَدْعُ بِإِثمٍ، أو قَطيعةِ رَحِّمٍ، أو يَسْتَعْجِلْ ـ متى لا يجاب السؤال ؟ إذا كان الدعاء بإثم، أو قطيعة رحم، أو يستعجل ـ قالوا: يا رسولَ الله، وكيف يَسْتَعجِلُ ؟ قال: يقول: دَعَوتُ رَبي فما استَجَابَ لي ))
[ متفق عليه عن أبي هريرة]
إياك أن تقول هذه الكلمة، دعوت ربي فما استجاب لي، هذا الإنسان لا يستجاب له، استعجلت.
(( فإمَّا أنْ يُعَجَّلَ له في الدنيا، وإمَّا أنْ يُدَّخَرَ له في الآخرة، وإمَّا أنْ يُكَفَّرَ عنه من ذُنُوبِهِ، بِقَدْرِ مَا دَعَا، ما لَمْ يَدْعُ بِإِثمٍ، أو قَطيعةِ رَحِّمٍ، أو يَسْتَعْجِلْ، قالوا: يا رسولَ الله، وكيف يَسْتَعجِلُ ؟ قال: يقول: دَعَوتُ رَبي فما استَجَابَ لي ))
[ متفق عليه عن أبي هريرة]
بطولة الإنسان أن يسأل الله عزّ وجل و يقبل عليه دائماً من دون حاجة:
أيها الأخوة، بقي معنىً رائعاً من معاني "المجيب" ينعم قبل النداء، يعطي قبل السؤال، ما سألته، ولا دعوته، ينعم قبل النداء، يعطي قبل السؤال، الأب لا ينتظر من ابنه أن يسأله، الأب رأى وجه ابنه مصفراً، أخذه إلى الطبيب دون أن يسأل، الابن سأل في حالات كثيرة الابن لا يسأل، لكن الأب الرحيم، المتمكن يبادر إلى العطاء قبل السؤال.
إذاً من معاني "المجيب" أنه ينعم قبل النداء، ويتفضل قبل الدعاء، لكن الحكمة من تأخر العطاء إلى ما بعد السؤال، ما الحكمة ؟ هناك حكمة بالغة جداً، يعني الله عز وجل يحب أن يسمع صوتنا، يحب أن نقبل عليه، يحب أن نسأله، يحب أن نتضعضع أمامه، يحب أن نمرغ جبهتنا في أعتابه، لأن هذا الاتصال يسعدنا، نحن غافلين عن سرّ سعادتنا، سعادتنا بالإقبال على ربنا، سعادتنا بمناجاته، سعادتنا في التوجه إليه، سعادتنا في التذلل أمامه، هذا شيء يسعدنا، فلذلك يحيجنا إلى شيء، وينتظر أن نسأله، أن ندعوه، أن نتصل به، أن نناجيه، أن نمرغ جبهتنا في أعتابه، يحب أن يسعدنا بالاتصال به، فيجعل الحاجة وسيلة لهذا الهدف، الأصل أن تتصل به، أنت غافل لا سمح الله، يخلق لك حاجة، أو شبح مصيبة، أو إنسان يتوعدك، يا رب ما في غيرك، سمعنا صوتك، البطولة أن تسأله دائماً من دون حاجة، البطولة أن تقبل عليه دائماً، لكن نحن جميعاً مقصرون، نحتاج إلى من يسوقنا إلى بابه، أحياناً الحاجات التي تنشأ، أشباح المصائب التي تظهر تسوقنا إلى باب الله، وهذا المعنى أكده النبي عليه الصلاة والسلام فقال:
(( عجب ربنا عز وجل من قوم يقادون إلى الجنة في السلاسل ))
[ البخاري عن أبي هريرة]
أيها الأخوة، اسم "المجيب" من أقرب الأسماء إلينا، والله ينتظرنا، ويحب أن يجيبنا.
السعيد
08-31-2018, 12:49 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الخامس و العشرون بعد المائة )
الموضوع : اسم الله - المجيب - 2 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: ( المجيب):
أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في اسم "المجيب"، و "المجيب" في حقّ الله تعالى هو الذي يقابل مسألة السائلين بالإجابة، ويقابل دعاء الداعين بالاستجابة، ويقابل ضرورة المضطرين بالكفاية، تسأله فيجيبك، تطلب منه فيستجيب لك، تكون مضطراً فيغيثك، هذا هو "المجيب".
على المؤمن أن يتضرع إلى الله عز وجل قبل فوات الأوان:
أيها الأخوة، إن التضرع في الدعاء هو الهدف، أي الاتصال المحكم، الاتصال الحميم، الاتصال في أعلى مستوى، هو التضرع، يقول الله عز وجل:
﴿ ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾
( سورة الأعراف )
لابدّ من مثل للتوضيح: تريد أن يأتي ابنك إليك، وأن تضمه إليك، وأن يشعر بحنانك، ورحمتك، ومحبتك، هو لا يأتيك، تلوح له بشيء يحبه، لذلك يقبل عليك، القصد أن يقبل عليك، وهذا الذي لوحت له به وسيلة كي يأتيك.
فالله عز وجل يريدنا أن نتصل به، يريدنا أن نقبل عليه، يريدنا أن نسعد بقربه ، يريدنا أن نذوق حلاوة مناجاته، يريدنا أن نكون معه.
لذلك يلوح لنا أحياناً شبح مصيبة نلجأ إليه، نتضرع إليه، التضرع هو الهدف والمشكلة التي ألمت بالمؤمن هي الوسيلة، المشكلة هي الوسيلة، والتضرع هو الهدف، لذلك قال تعالى: ﴿ ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾
الله تعالى يعرف حاجة الإنسان قبل أن يسأله لكنه ينتظر أن يسأله ليذوق طعم القرب منه:
أيها الأخوة، حينما يفهم المؤمن قصده على الله قصده من المصائب، هي أدوات يسوقنا الله بها إلى بابه، يريدنا من هذه الشدائد أن نتصل به، أن نتضرع إليه، أن نناجيه، أن يسمع صوتنا، أن نقبل عليه، النقطة الدقيقة: الله عز وجل يعلم حاجة المحتاجين لو لم يسألوه.
من أودع في طحال الوليد كمية حديد تكفيه سنتين إلى أن يأكل الطعام ؟ ليس في حليب الأم حديد، والجسم بحاجة إلى الحديد، أودع الله في طحال الوليد كمية حديد تكفيه سنتين، دون أن يسأل، من جعل القمح غذاءً كاملاً للإنسان ؟ الله جلّ جلاله، من جعل الحليب غذاءً كاملاً للإنسان ؟.
﴿ وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ ﴾
( سورة انحل الآية: 5 )
خصيصاً لكم، من منحنا الهواء ؟ من منحنا الماء ؟ من خلق لنا المعادن ؟ معدن خفيف، ومتين للطائرات، معدن ثمين للعملات الذهب، معدن يصدأ الحديد، حتى نستفيد من أملاحه، أنت حينما تأكل تفاحة تأكل أملاح الحديد، والدليل، اقطعها ودعها في الهواء ساعة تسود تأكسد الحديد.
من أعطاك أنواع اللحوم ؟ من أعطاك أنواع الأزهار ؟ من جعل هذه البقرة مذللة ؟.
﴿ وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ ﴾
( سورة يس الآية: 42 )
لما البقر جنّ اضطروا إلى أن يحرقوه، أحرقوا ثلاثين مليون بقرة في بريطانيا، لما جنّ، لأنه فقد التذلل، ﴿ وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ ﴾
أعرف أخاً عنده بقرة في ريف دمشق، فأصابها الجنون فقتلت إنسانين، فاضطر أن يطلق عليها النار وقتلها، ثمنها سبعون ألفاً، من جعلها مذللة ؟ ﴿ وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ ﴾
النبات، الخلة لتنظيف الأسنان، والسواك للأسنان، والليف كي تنظف به جلدك في وجه خشن ووجه ناعم، في نباتات زينة، في نباتات ظل، شجرة كأنها مظلة، في نباتات حدودية، الحديث عن آيات الله في خلقه لا تنتهي، لكن الله عز وجل يعرف حاجتك قبل أن يسألك، لكنه انتظر أن تسأله، كي تذوق طعم القرب منه، انتظر أن تقبل عليه، انتظر أن تناجيه. الإيمان بالله و طاعته من شروط استجابة الدعاء:
أيها الأخوة، الآن النقطة الدقيقة في هذا الموضوع:
﴿ وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ ﴾
( سورة الصافات )
الله مجيب، أحياناً إنسان لا يستجيب لك، لا يلقي بالاً لك، لا يعبأ بك، ما عنده وقت يسمع لك، ﴿ وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ ﴾
ثم يقول الله عز وجل: ﴿ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ ﴾
( سورة النمل الآية: 62 )
أجمع العلماء على أن للدعاء شروطاً، لا بد من توافرها: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾
( سورة البقرة )
﴿ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي ـ ليطيعوني ـ وَلْيُؤْمِنُوا بِي ﴾
وليؤمنوا أني واحد أحد، فرد صمد، فعال لما أريد، الأمر كله بيدي. ﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ﴾
( سورة هود الآية: 123 )
يجب أن يوحدوا، أن يؤمنوا بأنني فعال لما أريد، إله في السماء، وإله في الأرض. ﴿ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً ﴾
( سورة الكهف )
وأن يطيعوني، هذا شروط استجابة الدعاء، ﴿ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾
المضطر و المظلوم يستجيب الله دعاءهما و لو لم تتحقق فيهما شروط الدعاء:
إلا أن العلماء استثنوا من الشروط دعاء المضطر، المضطر يستجيب الله له ولم تتحقق فيه شروط الدعاء، يستجيب له برحمته،
﴿ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ ﴾
والمظلوم يستجيب الله له، ولو لم تتحقق فيه شروط الدعاء، يستجيب له بعدله، من هنا قال عليه الصلاة والسلام:
(( اتَّقِ دعوةَ المَظْلومِ، فإنَّهَا لَيْسَ بَيْنَهَا، وَبَينَ اللهِ حِجَابٌ ))
[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن عبد الله بن عباس ]
العدو التقليدي إذا عدلت معه قربته من الله، وقربته منك، لذلك قال النبي الكريم:
(( من غشنا فليس منا ))
[ أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة ]
لكن في رواية:
(( من غَشَّ ))
[أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة ]
مطلقاً، أنت حينما تؤذي غير مسلم تسبب سمعة سيئة لكل المسلمين، غير المسلم إذا نلته بالأذى يقول: هكذا الإسلام ؟! ينسى شخصك، ويتهجم على الإسلام ﴿ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ ﴾
﴿ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أإله مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ ﴾
( سورة النمل )
الله عز وجل مجيب و لن يضيع عمل أي إنسان:
أيها الأخوة، استمعوا إلى هذه الآية:
﴿ رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آَمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآَمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ * رَبَّنَا وَآَتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ ﴾
( سورة آل عمران )
الله عز وجل مجيب، قال: ﴿ فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 195 )
يعني لو وجدت قشة على سجاد المسجد، قشة وضعتها في جيبك تقديساً لهذا المكان: ﴿ لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ ﴾
لو رأيت نملة وأنت تتوضأ على المغسلة فانتظرتها حتى خرجت إلى برّ الأمان ﴿ لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ ﴾
مهما تصورت العمل قليلاً عند الله محفوظ ﴿ رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آَمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآَمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ * رَبَّنَا وَآَتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ * فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ ﴾
الله مجيب ﴿ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ ﴾
﴿ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 195 )
أيها الأخوة، مجيب، وينتظرنا، وقد ورد في الأثر:
(( أن يا داود ! لو يعلم المعرضون انتظاري لهم، وشوقي إلى ترك معاصيهم لتقطعت أوصالهم من حبي، ولماتوا شوقاً إليّ، هذه إرادتي بالمعرضين فكيف بالمقبلين ؟ ))
من الملامح اللغوية الرائعة في القرآن الكريم:
1 ـ الداعي أحياناً يكون واحداً و الجواب يأتي بصيغة المثنى:
أيضاً من الآيات القرآنية التي يتوضح فيها اسم "المجيب":
﴿ وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آَتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ * قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾
( سورة يونس )
بالمناسبة بالآية ملمح دقيق، ﴿ وَقَالَ مُوسَى ﴾
واحد، الجواب: ﴿ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا ﴾
الداعي واحد فكيف جاء الجواب بصيغة المثنى ؟ قال: يؤمن على الدعاء داعٍ أيضاً، إذا دعا الإمام، وأنت قلت آمين، أنت عند الله داعٍ تماماً، ﴿ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا ﴾
2 ـ الإيجاز:
بالقرآن الكريم ملامح لغوية رائعة جداً، يعني لما الله عز وجل قال:
﴿ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾
( سورة الأعراف )
﴿ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى ﴾
( سورة طه )
هنا بالعكس، الجواب واحد ﴿ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى ﴾
قال العلماء: هذا هو الإيجاز، لأن شقاء الرجل شقاء حكمي لزوجته. 3 ـ البدء بالأب أو الأم أو الابن لحكمة من الله تعالى:
أحياناً يأتي الأب في أول الأقارب:
﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ ﴾
( سورة التوبة الآية: 24 )
الأب أولاً، أحياناً تأتي المرأة أولاً: ﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 14 )
أحياناً يأتي الابن: ﴿ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ ﴾
( سورة المعارج )
﴿ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ ﴾
( سورة عبس )
مرة جاء الأخ، مرة جاء الابن، مرة جاءت الزوجة، مرة جاء الأب، وفي كل ترتيب حكمة ما بعدها حكمة.
أيها الأخوة، الآن: ﴿ رَبَّنَا إِنَّكَ آَتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ * قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا ﴾
هذا من الملامح اللغوية والبلاغية في القرآن الكريم ﴿ فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾
صلاة الاستسقاء كما أراد الله عز وجل:
أيها الأخوة، وقد ورد في الأحاديث الصحيحة في استسقائه صلى الله عليه وسلم يعني نحن نعاني الجفاف أحياناً، لكن الطريق إلى الأمطار الغزيرة لا نسلكها، النبي عليه الصلاة والسلام ثبت في الأحاديث الصحيحة أنه استسقى ربه فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة فقال:
(( فقام الناسُ، فصاحوا، فقالوا: يا رسولَ الله، قَحَطَ المطر، واحمَرَّت الشجرُ، وهلكتِ البهائِمُ، فادْعُ الله أن يَسْقِيَنَا، فقال: اللهم اسْقِنا - مرتين - وايْمُ الله، ما نرى في السماء قَزَعة من سحاب ـ سماء صافية، جو حار ـ وايْمُ الله، ما نرى في السماء قَزَعة من سحاب، فنشأتْ سحابة فأمطرت، ونزل عن المنبر فصلَّى بنا، فلما انصرف لم تَزَلْ تُمْطِرُ إِلى الجمعة التي تليها، فلما قام رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يخطُب في الجمعة التالية، صَاحُوا إِليه: تهدَّمت البُيُوتُ، وانقطعتِ السبلُ، فادْعُ الله يَحبِسْهَا عنا، فتبسَّم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، ثم قالَ: اللهم حَوالَينا ولا عَلينا وتَكشَّطت المدينةُ، فجعلت تُمْطِرُ حولها، ولا تَمْطُرُ بالمدينةِ قطرة، فنظرتُ إِلى المدينة وإنها لَفِي مثْلِ الإِكليل ))
[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي ومالك عن أنس بن مالك ]
والله الذي لا إله إلا هو لو طبقنا صلاة الاستسقاء كما أراد الله، وكما بيّن النبي عليه الصلاة والسلام لكنا في وضع آخر. من سأل الله عليه أن يكون واثقاً من استجابته و هذا شرط أساسي في قبول الدعاء:
أيها الأخوة، من شروط الدعاء: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
(( القلوب أوعية، وبعضها أوعى من بعض، فإذا سألتم الله عز وجل أيها الناس، فسلوه وأنتم موقنون بالإجابة ))
[ أخرجه الإمام أحمد عن عبد الله بن عمر ]
يا رب ارحمني إذا شئت، اعزم المسألة.
(( فسلوه وأنتم موقنون بالإجابة، فإن الله لا يستجيب لعبد دعاه عن ظهر قلب غافل ))
[أخرجه الإمام أحمد عن عبد الله بن عمر ]
إن سألت الله اسأله وأنت موقن أن تجيبه، لأن الحديث القدسي:
(( أنا عند ظن عبدي بي فليظن في ما شاء ))
[ أخرجه الدرامي والطبراني عن واثلة بن الأسقع ]
آداب الدعاء:
1 ـ أن يتخير العبد وقت الدعاء:
من آداب الدعاء: أن يتخير وقت الدعاء، الذي ندب إليه النبي عليه الصلاة والسلام، كيوم عرفة، وفي جوف الليل، وقبل الفجر.
(( إذا مضى ثلث الليل أو نصف الليل نزل إلى السماء الدنيا جلّ و عزّ فقال: هل من سائل فأعطيه ؟ هل من مستغفر فأغفر له ؟ هل من تائب فأتوب عليه ؟ هل من داع فأجيبه ؟ ))
[ البخاري و مسلم عن أبي هريرة ]
الأوقات المندوبة يوم عرفة، وفي جوف الليل، وقبيل الفجر، ودبر الصلوات المكتوبة (عقب الصلاة)، هذا وقت إجابة. 2 ـ ألا يتعجل الداعي في دعائه:
من آداب الدعاء: ألا يتعجل الداعي في دعائه، بمعنى يقول: دعوت فلم يستجاب لي، أنت في هذا خرقت آداب الدعاء.
3 ـ ألا يجهر العبد بالنداء اتقاء للفتنة والرياء:
وألا يجهر بالنداء، رفع الصوت، إنكم لا تنادون أصماً.
﴿ إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً ﴾
( سورة مريم )
وألا يجهر بالنداء اتقاء للفتنة والرياء. 4 ـ أن يحذر الإنسان من التجاوز والاعتداء:
وأن يحذر من التجاوز والاعتداء، أحياناً يقول لك: أنا أخذت معي كتاباً فيه أدعية مستجابة للحج، يفتح الكتاب ويدعي، لما فتحت الكتاب ودعيت الحال ذهب منك، ادعُ الله بأية لغة، يريد قلبك، يريد إخلاصك، لا يريد التفاصح بالدعاء، التفاصح بالدعاء المنمق في سجع، لا، الله لا يحتاج لهذا الدعاء، يريد قلبك المخلص.
إذاً من آداب الدعاء: ألا يتعجل المجيب، فيقول دعوت فلم يستجب لي، وألا يجهر بالنداء، اتقاء للفتنة والرياء، وأن يحذر من التجاوز والاعتداء.
صدقوا أيها الأخوة، لما إنسان يعتدي على أخيه الإنسان مهما دعا الله، مهما تفاصح في الدعاء لا يستجاب له، والدليل:
﴿ ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾
أنت حينما تعتدي على مال أخيك لن يستجاب دعاؤك، أنت حينما تأكل المال الحرام عدواناً وظلماً لا يستجاب دعاؤك، أنت حينما تستعلي على أخيك لا يستجاب دعاؤك ، أنت حينما تتكبر لا يستجاب دعاؤك، ﴿ ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾
5ـ أن يكون المسلم متواضعاً هيناً ليناً مجيباً لدعوة أخوانه:
ومن آداب الدعاء: أن يكون المسلم متواضعاً، هيناً، ليناً، مجيباً لدعوة أخوانه، ألم أقل لكم دائماً: يجب أن تتخلق بخلق مشتق من كمال الله، الله عز وجل مجيب، أنت في طبيعتك تستجيب لمن تدعوه إذاً أنت مستجاب الدعوة.
على الإنسان أن يراجع حساباته إذا لم يُستجب دعاؤه:
لذلك تعد حالة عدم استجابة الدعاء مصيبة كبيرة، النبي عليه الصلاة والسلام فيما ورد في صحيح مسلم من أدعيته:
(( اللَّهمَّ إني أعوذ بك من العجْزِ، والكَسَلِ، والجُبنِ، والبُخْلِ والهَرَمِ، وعذاب القبر، اللَّهمَّ آتِ نَفسي تَقْوَاها، وزَكِّها أَنت خَيرُ مَنْ زكَّاهَا، أَنتَ وَلِيُّها ومولاها، اللَّهمَّ إِني أَعوذ بك من علم لا ينفعُ، ومن قَلبٍ لا يَخشَع، ومن نَفسٍ لا تشبع، ومن دعوة لا تُستَجَاب لها ))
[أخرجه مسلم والترمذي والنسائي عن زيد بن أرقم ]
أنت حينما تدعو فلا يستجاب لك راجع حساباتك، عندك خلل كبير، لكن ألا يذوب الإنسان محبة لله حينما يستمع إلى هذا الحديث ؟:
(( إِنَّ رَبَّكُمْ حَيِيٌّ كَرِيمٌ، يَستَحي من عبده إذا رَفَعَ إليه يديه أنْ يَرُدَّهُما صِفْرا خَائِبَتَيْنِ ))
[أخرجه أبو داود والترمذي عن سلمان الفارسي ]
الله يستحي، مثل بسيط: في أيام الشتاء الباردة ترتدي ثياباً سميكة، ومعطفاً، وتحمل حاجات بيدك، يقول لك طفل: كم الساعة معك ؟ طفل، تضع الحاجة على الأرض وتمسك يداً بيد، وتبحث عن الساعة كي تجيبه، فأنت مع طفل صغير سألك كم الساعة تضطر أن تضع الحاجة على الأرض، وأن تزيح القماش عن الساعة، وأن تجيبه، فكيف بالواحد الديان ؟ إذا سأله عبده يا رب ارزقني رزقاً حلالاً، ارزقني زوجة صالحة، ارزقني أولاداً أبراراً، ارزقني من خير الدنيا والآخرة. الدعاء يقوي العقيدة و ينقل الإنسان نقلتين نوعيتين:
أيها الأخوة الكرام، الدعاء ينقلك نقلتين نوعيتين، نقلة تزداد محبة لله عز وجل ، ونقلة نوعية أخرى تزداد علماً به.
لذلك قالوا: الدعاء يقوي العقيدة، تدعوه يستجيب لك، تنتقل نقلة نوعية، تزداد محبة له، وتزداد اعتقاداً بألوهيته، وأنه:
﴿ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ﴾
( سورة هود )
(( الدُّعاءُ مُخُّ العبادةِ ))
[أخرجه الترمذي عن أنس بن مالك ]
على العبد أن يسأل الله مباشرة لعدم وجود وسيط بين المخلوق وربه:
لا أبالغ إذا قلت لعل أقرب اسم من أسماء الله الحسنى إلينا هو اسم "المجيب" حياتنا فيها متاعب كثيرة، الله عز وجل يقول لك ادعُني يا عبدي، وقال تعالى:
﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾
( سورة غافر الآية: 60 )
وفي أكثر من عشر آيات:
﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ ﴾
( سورة البقرة الآية: 219 )
﴿ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ ﴾
( سورة البقرة الآية: 215 )
﴿ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ ﴾
( سورة البقرة الآية: 222 )
إلا في آية واحد تتميز: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي ﴾
ما في كلمة قل ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ﴾
استنبط العلماء من هذه الآية أنه ليس بين المخلوق وربه وسيط، اسأله مباشرة.
السعيد
08-31-2018, 12:52 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( السادس و العشرون بعد المائة )
الموضوع : اسم الله - الولى - 1 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: (الولي):
أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "الولي" هذا الاسم ورد مطلقاً معرفاً، معنى مطلق ؛ كأن تقول: قلم، أي قلم، أما إذا قلت: قلم المعلم، أضفت القلم إلى المعلم، أي قيدته بالمعلم، فإذا جاء الاسم مضافاً فهو مقيد، وإذا جاء غير مضاف فهو مطلق.
ورود اسم الولي في القرآن الكريم مطلقاً معرفاً و مقيداً:
إذاً هذا الاسم ورد مطلقاً معرفاً في قوله تعالى:
﴿ أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾
( سورة الشورى )
ولا ولي سواه، ورد مطلقاً معرفاً، وفي قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ ﴾
( سورة الشورى )
وقد ورد هذا الاسم مقيداً (أي مضافاً) في نصوص كثيرة، كقوله تعالى: ﴿ إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ ﴾
( سورة الأعراف )
وفي قوله سبحانه وتعالى: ﴿ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا ﴾
( سورة المائدة الآية: 55 )
على المؤمن أن يتعامل مع المؤمن بالولاء ومع الآخر ولو كان قريباً بالواجب:
أيها الأخوة، في السنة الصحيحة، كما في البخاري من حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه أنه قال:
(( سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول جهارا غير سِرّ: إِن آل أبي ليسوا بأوليائي، إِنما وَلِيِّيَ اللهُ وصالحُ المؤمنين ولكن لها رحم أبُلُّهَا بِبلالها ))
[البخاري من حديث عمرو بن العاص]
أي أصِلُها بصلتها التي أُمرت بها، كلام دقيق، أنت مؤمن، من توالي ؟ من تحب ؟ من تعاشر ؟ مع من تتعاون، مع من تعمل ؟ مع المؤمنين، لكن لك أب، قد يكون هذا الأب ليس كما ينبغي، الله أمرك أن تبره، وأن تُحسن إليه، وأن تصله، الولاء شيء والواجب شيء آخر.
يعني أنا ولائي، محبتي، إخلاصي، تعاوني مع المؤمنين، ورد في بعض الأحاديث:
(( لا تُصَاحِبْ إِلا مُؤْمِنا، ولا يأكُلْ طَعَامَكَ إِلا تَقِيّ ))
[أخرجه أبو داود والترمذي عن أبي سعيد الخدري ]
أنت لا ترتاح إلا مع المؤمن لأنه صادق، لأنه متواضع، لأنه منصف، لأنه رحيم، لأنه متعاون، تتعامل مع المؤمن بالولاء، وتتعامل مع الآخر ولو كان قريباً بالواجب.
﴿ وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ﴾
( سورة لقمان الآية: 15 )
على المؤمن أن يؤدي واجبه لكل من يلوذ به شاء أم أبى أما قلبه مع المؤمنين الصادقين:
هناك واجبات، و هناك حقوق، يجب أن تصله، أن تحسن إليه، أن تقدم له ما يحتاج لأنه أبوك، أما إذا كان الأب مؤمناً يجتمع له الولاء والواجب، أما في آباء على غير ما ينبغي، في أقارب ليسوا كما ينبغي، في أقارب لا يقبلون من ابنهم أن يكون مستقيماً، مثلاً في حالة موجودة، ينبغي أن يكون ولاؤك لله، ولرسوله، وللمؤمنين، وينبغي أن تؤدي واجبك لكل من يلوذ بك شئت أم أبيت.
(( إِن آل أبي ليسوا بأوليائي، إِنما وَلِيِّيَ اللهُ وصالحُ المؤمنين ولكن لها رحم أبُلُّهَا بِبلالها ))
[البخاري من حديث عمرو بن العاص]
أي أصلها بصلتها التي أُمرت بها، هذا الكلام مفاده: أن المؤمن يتمتع بما يسمى بالولاء والبراء، يوالي المؤمنين، يحمل همهم، ينصرهم، يتعاون معهم، يتألم لألمهم ، يسعد لسعادتهم، يفرح لمنجزاتهم، يدافع عنهم، أما أقرباؤه لهم حق عليهم، يؤدي هذا الحق بالتمام والكمال، لكن قلبك مع المؤمن، لولا أن هناك حالات كثيرة جداً، أن إنساناً تعرف إلى الله، واستقام على أمره، ومن حوله من أقربائه ليسوا كذلك، يؤدي لهم واجب القرابة لكن ولاؤه للمؤمنين، هذا موقف متوازن، معتدل، هذا موقف تؤدى فيه الحقوق أما قلبك لا تملكه، قلبك مع المؤمنين، قلبك مع الصادقين، مع المتواضعين، مع المنصفين، مع المحبين لله ولرسوله. معنى الولي في اللغة:
أيها الأخوة، أما معنى "الولي" في اللغة، هي صيغة مبالغة من اسم الفاعل الوالي، الوالي صيغة مبالغته "الولي" فعله ولي، يلي، ولاية.
و "الولي" هو الآن الذي يلي غيره، فلان جالس هنا، الولي إلى جانبه، الذي يلي غيره، بلا فاصل، يعني ليس بينهما أحد، إنسان جالس بمكان من جالس إلى جانبه تماماً هو "الولي" الذي يليه، ويكون هذا التقارب في المكان، أو النسب، أخوه، ابن أخيه، عمه ، إما في المكان، أو في النسب.
ويطلق "الولي" على الوالد، أولياء الطلاب، يعني الوالد، والناصر وليه نصره والحاكم أولو الأمر، والسيد، فالسيد، والحاكم، والناصر، والوالد، هو "الولي"، والذي يجلس إلى جانبك ليس بينك وبينه أحد هو "الولي".
من تواضع النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان لا يحب التميز:
أما الولاية كمصدر تولي الأمر كقوله تعالى:
﴿ فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ ﴾
( سورة البقرة الآية: 282 )
من يتولى أمرك، من يدير شؤونك، من يرعاك، من ترجع إليه، من تستشيره، من تعتمد عليه، وعند مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
(( إِذا صنعَ لأحدكم خادمُهُ طعاماً، ثم جاءه به وقد وليَ حرَّه ودخانه، فليُقعده معه فليأكل ))
يعني لك خادم صنع لك طعاماً، ليأكل معك، من تواضع النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يأكل مع الخادم، أي ما كان يحب التميز.
كانوا في سفر وأرادوا أن يعالجوا شاةً، فقال أحدهم: عليّ ذبحها يا رسول الله ، فقال الثاني: وعليّ سلخها، وقال الثالث: عليّ طبخها، فقال عليه الصلاة والسلام: وعليّ جمع الحطب، فقالوا: نكفيك ذلك يا رسول الله، قال: أعلم أنكم تكفوني، ولكن الله يكره أن يرى عبده متميزاً على أقرانه، هذا من تواضع النبي عليه الصلاة والسلام.
دخل عليه أعرابي ما عرفه، قال: أيكم محمد ؟ والله يستنبط من هذه القصة القصيرة آلاف الاستنباطات، ما في تميز أبداً، أيكم محمد ؟ قال أحد أصحابه: ذاك الوضيء، وفي رواية: قال النبي الكريم: أنا، ما في أي تميز، هذا مجتمع المؤمنين.
(( إِذا صنعَ لأحدكم خادمُهُ طعاماً، ثم جاء به - وقد وليَ حرَّه ودخانه - فليُقعده معه فليأكل ))
[ أخرجه مسلم عن أبي هريرة]
العاقل من أعدّ لساعة الموت عدتها:
أيها الأخوة، لاشك أن الحياة محفوفة بالمخاطر، يعني إنسان بكل قوته ، وجبروته، وهيمنته، وحجمه المالي بثانية واحدة تتجمد قطرة دم في أحد أوعية دماغه يصاب بالشلل، بمكان آخر يصاب بالعمى، بمكان آخر يصاب بفقد الذاكرة، يعني لو أن الدم تجمد في أي مكان احتشاء، جلطة، حادث سير أصبح مشلولاً، ركب طائرة وقد مات جميع ركابها، يعني الحياة كلها مخاطر، ما في إنسان يضمن أن يعيش ساعة، وقد يأتي الموت بأسرع من لمح البصر، قد يكون رجلاً فإذا به خبر، لصقت على الجدران نعوته.
لذلك من أقوال سيدنا عمر: واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا.
كل واحد يقرأ في اليوم عشرات النعوات، لكن لابدّ في أحد الأيام من أن يقرأ الناس نعوتنا، كل يوم يخرج من بيته قائماً على قدميه، لكن في مرة واحدة لابدّ منها يخرج في نعش ولا يعود، يدخل إلى المسجد كل يوم، لكن في مرة واحدة يدخل إلى المسجد في نعش لا ليصلي بل ليُصلى عليه، هنا البطولة أن تعد لهذه الساعة التي لابدّ منها عدتها. الحياة محفوفة بالمخاطر فعلى الإنسان أن يغتنم صحته و قوته قبل فوات الأوان:
لذلك الحياة محفوفة بالمخاطر، أحياناً فقر مفاجئ، والحديث الشريف:
(( بادِرُوا بالأعمال سبعا: ـ بادروا أي سارعوا ـ فماذا ينتظر أحدكم من الدنيا ؟ ـ دقق ـ هل تُنْظَرون إلا فَقْرا مُنْسيا ))
[ أخرجه الترمذي و النسائي عن أبي هريرة ]
فقر مفاجئ، الأسعار عشرة أضعاف، رأسمالك لا يسمح لك أن تستعيد هذه البضاعة بعد ارتفاع سعرها، كساد مفاجئ، جفاف.
(( هل تُنْظَرون إلا فَقْرا مُنْسيا، أو غِني مُطغيا ))
غنى يحمل صاحبه على أن يعصي الله، بلاء هذا.
(( أو مَرَضاً مُفسِداً ))
يفسد على الإنسان حياته، يجعل حياته جحيماً لا يطاق، والله أسمع كثيراً فجأة فشل كلوي، يحتاج إلى زرع كلية، دخل في متاهة تنظيف الكلية، ثلاث مرات بالأسبوع وكل مرة مبلغ ضخم، وثمان ساعات على السرير، وآلام، الإنسان إما أن يصاب بالفقر فينسيه كل شيء وكاد الفقر أن يكون كفراً، أو غنىً يحمل الغني على معصية الله والكبر.
(( أو مَرَضا مُفسِدا، أو هَرَما مُفنِدا ))
تقدمت به السن، يعيد القصة مئة مرة، ظلّه ثقيل، يكره الناس ومن حوله وجوده، يتهربون منه.
(( أو موتا مُجْهِزا، والدجالَ ))
الذي يأتي إلى بلاد ليقيم فيها الحرية والديمقراطية، فإذا به يسفك الدماء وينهب الثروات.
(( والدَّجَّالُ شَرُّ غائب يُنَتظَرُ، والساعةَ ؟ والساعةُ أدْهَى وأمرُّ ))
[ أخرجه الترمذي و النسائي عن أبي هريرة ]
دققوا في هذا الحديث:
(( بادِرُوا بالأعمال سبعا: فماذا ينتظر أحدكم من الدنيا ؟ هل تُنْظَرون إلا فَقْرا مُنْسيا، أو غِني مُطغيا، أو مَرَضا مُفسِدا، أو هَرَما مُفنِدا، أو موتا مُجْهِزا والدجالَ ؟ والدَّجَّالُ شَرُّ غائب يُنَتظَرُ، والساعةَ ؟ والساعةُ أدْهَى وأمرُّ ))
[أخرجه الترمذي والنسائي عن أبي هريرة ]
إذاً هناك أخطار لا تعد ولا تحصى، أخطار بالصحة، أخطار بالعمل، أخطار بالدخل، أخطار بالرزق، أخطار أسرية، أخطار عامة، اجتياح، فقد الأمن، هناك مصائب لا تعد ولا تحصى، هذه المصائب تقلب حياة الإنسان إلى جحيم، إلى شقاء، بأسباب تافهة يقود مركبته أخذته سنة من النوم، تدمرت حياته كلها، فجأة ورم خبيث، في ريعان شبابه.
أعرف إنساناً أخذ أعلى شهادة من فرنسا بالجيولوجيا، وتسلم منصباً رفيعاً جداً، وله مكانة كبيرة، وبيت فخم، وزوجة، وكل شيء، فقد بصره، راعوه شهر، يأتي موظف يعرض عليه المعاملات، ويعطي رأيه ويوقع، لكن بعدها سُرح، زاره صديق لي قال له: يا فلان ! أتمنى أن أجلس على الرصيف أتكفف الناس، وأن يرد الله لي بصري فجأة فقد بصره.
لذلك من أدعية النبي عليه الصلاة والسلام:
(( اللهم إنا نعوذ بك من فجأة نقمتك، وتحول عافيتك، وجميع سخطك، لك العتبى حتى ترضى ))
[أبو داود عن ابن عمر ]
من أطاع الله شعر براحة لا توصف لأنه بظل الله و رعايته:
إذاً في أخطار كثيرة تجعل حياة الإنسان جحيماً لا يطاق، فمن الذي يحمي المؤمن ؟ من يحفظه ؟ من يربيه ؟ من يرشده ؟ من يرعاه ؟ من يؤيده ؟ من ينصره ؟ من يدافع عنه ؟ من ينبهه ؟ إنه الله.
﴿ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ ﴾
( سورة البقرة الآية: 257 )
الإنسان إذا أطاع الله شعر براحة كبيرة، إذا أطاع الله شعر بالأنس، شعر بحماية الله، هو في ظل الله، هو في رعايته، معنى قوله تعالى: ﴿ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ﴾
( سورة الطور الآية: 48 )
أي برعايتنا، وبحفظنا، وبتوفيقنا، وبتأييدنا، وبنصرنا. الله تعالى هو المتولي لأمور خلقه و القائم على تدبير ملكه:
أيها الأخوة، الله هو "الولي" معنى "الولي" هو المتولي لأمور خلقه، القائم على تدبير ملكه، الذي يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، كما قال سبحانه:
﴿ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾
( سورة الحج )
يعني مثل بسيط: كتلتان مغناطيسيتان، وضعناهما على مستوٍ، وجئنا بكرة فولاذية وضعنا هذه الكرة بينهما، يعني في مكان لو أزحته واحد من مئة من المليمتر تنجذب هذه الكرة الحديدة إلى إحدى الكتلتين، أما في مكان وسط هندسي دقيق جداً تتوازن جاذبيات كل كتلة تبقى في مكانها، هذه حالة، الكتلتان متساويتان في الحجم، لو كتلة أكبر وكتلة أصغر الحساب صار أدق، يجب أن تكون في مكان بين الكتلتين لكن ليس في المنتصف، في مكان يتناسب مع جذب الكتلة الأكبر، وجذب الكتلة الأصغر، لو في ثلاث كتل، أصعب، لو في أربعة، أصعب، لو في خمس كتل متفاوتة بالحجم، وأنت يجب أن تضع كرة حديدية بين هذه الكتل الحسابات لا تنتهي، وقد يكون شيئاً مستحيلاً، وإن كانت هذه الكتل في الفراغ شيء أعلى، شيء أدنى، شيء أقرب، شيء أبعد، شيء أكبر، شيء أصغر، هذا يسميه العلماء توازن الحركي. الكون من آيات الله الدالة على عظمته:
هكذا الكون، مجرات، وكواكب، ونجوم، وكبير، وصغير، وكثيف، وغير كثيف، والمحصلة توازن حركي، هذا من آيات الله الدالة على عظمته، يعني المحصلة في توازن، الأرض، والقمر، والشمس، المجموعة الشمسية، وفي مليون مليون مجرة، وبكل مجرة في مليون مليون نجم وكوكب، والمحصلة توازن، بحسب قانون التجاذب، الأكبر يجذب الأصغر.
الأرض تسير حول الشمس، في مسار إهليلجي، طبعاً المسار الإهليلجي في قطر أصغر وقطر أكبر، إذا انتقلت الأرض من القطر الأكبر إلى الأصغر، المسافة قلّت بعدها عن الشمس أصبح أقل، إذاً احتمال أن تنجذب إلى الشمس احتمال قائم، وإذا انجذبت الأرض إلى الشمس تبخرت في ثانية واحدة، ما العمل ؟ الله عز وجل بيده ملكوت كل شيء، يرفع سرعة الأرض من هذه السرعة الجديدة تنشأ قوة نابذة تكافئ القوة الجاذبة، فتبقى في مسارها.
﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا ﴾
( سورة فاطر الآية: 41 )
الآن حينما تنتقل من القطر الأصغر إلى القطر الأكبر، المسافة زادت واحتمال تفلت الأرض من جاذبية الشمس قائمة، ما الذي يحصل ؟ يخفض الله سرعتها، هذه السرعة القليلة تنشأ قوة نابذة أقل تكافئ القوة الجاذبة الأقل فتبقى في مكانها. لذلك: ﴿ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾
ولاية الله لعباده على وجهين:
وقال تعالى:
﴿ أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ﴾
( سورة الرعد الآية: 33 )
معنى دقيق جداً، كالطبيب تماماً، زار مريضاً، قرأ التحليل، الضغط مرتفع جداً، أعطى أمراً بإيقاف الملح فوراً، القضاء حكم، والقدر علاج، أحياناً الضغط منخفض جداً يعطي أمراً بإضافة ملح زائد إلى الطعام، الملح يحبس السوائل، الضغط يتوازن، أي موضوع القضاء والقدر شيء مبسط، واضح، القضاء حكم، والقدر معالجة.
يرى الإنسان شارداً يُقدم له مصيبة تردّه إليه، الإنسان مقبل، يقدم له عطاء يكرمه به، فالقضاء والقدر الله عز وجل نظر إليك، حكم عليك بحالة، هيأ لك علاجاً لهذه الحالة، إما تأديباً، أو تكريماً، هذا القضاء والقدر، أوضح مثل:
طبيب مرّ على مريض وجد ضغطه مرتفعاً قال: لما علم أن ضغطه مرتفع قال: أوقفوا الملح، الملح قضاء، وإيقاف الملح قدر، ﴿ أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ﴾
وولاية الله لعباده على وجهين، وهذان الوجهان يأتي شرحهما إن شاء الله في درس قادم.
السعيد
08-31-2018, 12:55 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( السابع و العشرون بعد المائة )
الموضوع : اسم الله - الولى - 2 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
من أسماء الله الحسنى: (الولي):
أيها الأخوة الكرام، لازلنا مع اسم "الولي" فالله جل جلاله هو "الولي" أي هو المتولي لأمور خلقه قاطبة، القائم على تدبير ملكه، يمسك السماء أن تقع على الأرض، قال تعالى:
﴿ أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ﴾
( سورة الرعد الآية: 33 )
يتابع كل إنسان، إن كان حاله جيداً أكرمه، وإن كان بعيداً عالجه، هو المتولي أمور خلقه، يمدهم بما يحتاجونه، ويربي نفوسهم. ولاية الله جلّ جلاله لخلقه ولايتان ولاية عامة وولاية خاصة:
أيها الأخوة، أحد كبار العلماء ابن القيم رحمه الله تعالى، يرى أن ولاية الله جلّ جلاله لخلقه ولايتان، ولاية عامة، وولاية خاصة، فالولاية العامة هي ولاية الله لشؤون عباده، شؤون، شأن رزقهم، شأن علاقاتهم، شأن معالجتهم، شأن تربيتهم.
الولاية العامة ولاية الله لشؤون عباده، وتكفله بأرزاقهم، للتقريب:
بستان فيه شجر التفاح، الشجرة السابعة، الغصن الرابع، التفاحة الخامسة، هذه لفلان، قُسمت له، فلان مخير، إما أن يشتريها بماله الحلال، وإما أن يأكلها ضيافة، وإما أن تقدم له هدية، وإما أن يتسولها، وإما أن يسرقها، وهي له، طريقة وصول رزق الإنسان باختياره.
أما هذا الشيء الذي أكله أو انتفع به هو في الأصل له، إما أن يأكله حلالاً فيرقى أو أن يأكله حراماً فيسقط.
إذاً يتولى شؤون عباده، ويتكفل أرزاقهم، وتدبيره أحوالهم، يعني إنسان تكبر ساق الله له علاجاً حجّمه، هذا السلوك تأديب له، إنسان تصدق ضاعف الله له رزقه، شجعه، أيقن أن الله يعطي، وهو جزيل العطاء.
إذاً إذا في خطأ يُعالج، إذا في صواب يُشجع، هذا معنى تربيته لأحوالهم وتمكينه من الفعل والاستطاعة، الفعل فعل الله، الإنسان حينما يختار شيئاً، وينطلق إليه يعطيه الله قوة لتنفيذه، أيضاً هذا ينضوي تحت اسم "الولي" يرزقهم، يدبر أحوالهم، اختار أن يؤذي، الله اختار إلى من يكون الإيذاء في حقه حكمة.
﴿ وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً ﴾
( سورة الأنعام الآية: 129 )
الولاية العامة:
أيها الأخوة، الله "الولي" حينما تسأله شيئاً يعطيك أسبابه، الله "الولي" يدبر شؤون عباده، الله "الولي" يتكفل بأرزاقهم، الله "الولي" يدبر أحوالهم، الله "الولي" يربيهم، يكرمهم أو يؤدبهم، الله "الولي" يمكنهم من تحقيق اختيارهم، يعطهم القوة على أن يحققوا ما اختاروا ، الله "الولي" يعطيهم أسباب ما يسألونه، إنسان سأل الله الرزق، يلهمه أن يفعل شيئاً ما، أن يلتقي بإنسان، أن يشارك إنسان، أي يُمكّن الإنسان من الفعل، ويعطيه أسباب طلبه، وقد يعطيه علة ما يبتغيه، هذه الولاية العامة، الله ولي كل عباده، كل خلقه.
الولاية العامة تقتضي العناية، والتدبير، وتصريف الأمور، وتدبير المقادير، فالله من فوق عرشه قريب من عباده، هو معهم بعلمه، يرى ما يفعلون، يسمع شكواهم، يعلم أحوالهم، والآية الكريمة:
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ﴾
( سورة ق )
أي نحن أقرب إليه من روحه، أقرب إليه من قلبه، هذه ولاية عامة، ولاية إمداد، ولاية تربية، ولاية معالجة، ولاية مكافأة، ولاية تأديب، ولاية تمكين، ولاية إعطاء أسباب ما سأله الإنسان، ولاية أن يعطي للمعلول علته. الولاية الخاصة:
أما الولاية الخاصة: هذه تعني المؤمنين، ولاية الله للمؤمنين ولاية حفظ، الآية الكريمة قد يغيب معناها عن معظم المؤمنين:
﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا ﴾
( سورة التوبة الآية: 51 )
لم يقل علينا، يعني المؤمن الصادق، المستقيم، لا ينبغي أن يتشاءم، لأن الله يطمئنه، ﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا ﴾
﴿ لَنْ ﴾
لتأبيد النفي ﴿ إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا ﴾
من خير ، من حفظ، من عطاء، من توفيق، من نصر. ﴿ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ ﴾
( سورة فصلت )
معاملة الله المؤمن معاملة خاصة و عدم تخليه عنه :
أيها الأخ المؤمن، أيها المستقيم على أمر الله، يا من تخطب ود الله، يجب أن تؤمن يقيناً أن الله لن يتخلى عنك، ولك معاملة خاصة، يؤكد هذا آيات كثيرة:
﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ *﴾
( سورة القصص )
﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ ﴾
( سورة الجاثية الآية: 21 )
في الدنيا.
﴿ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾
( سورة الجاثية )
أتمنى أن يكون واضحاً لديكم أن وعد الله فوق كل ظرف، بأي بلد متقدم، متخلف، غني، فقير، في شدة عامة، في غلاء، في وضع صعب، إذا وعد الله المؤمن بحياة طيبة فلابد من أن يصل إليها، في أي ظرف. الولاية الخاصة للمؤمن ولاية نصر وتأييد وحفظ وتمكين:
إذاً الله عز وجل يدبر حياة المؤمنين من ولايته الخاصة، المؤمن ينصره الله.
﴿ إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾
( سورة غافر الآية: 51 )
﴿ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ﴾
( سورة الصافات )
﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾
( سورة الروم )
﴿ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً ﴾
( سورة النساء )
﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ ﴾
( سورة النور الآية: 55 )
قطعاً يقيناً: ﴿ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي ﴾
( سورة النور الآية: 55 )
ولاية خاصة، وعدك بالنصر، وعدك بالحفظ. ﴿ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴾
( سورة يوسف )
وعدك بالتأييد، وعدك بالتوفيق. ﴿ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ﴾
( سورة هود الآية: 88 )
لا يتحقق شيء في الكون إلا بمشيئة الله، الولاية الخاصة ولاية نصر، وتأييد ، وحفظ، وتمكين. من طبق منهج الله عز وجل سعد في الدنيا و الآخرة :
الله عز وجل يقول في آيات كثيرة منها:
﴿ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾
( سورة البقرة الآية: 257 )
المؤمن يطبق منهج الله، يقيم شرع الله، وقاف عند حدود الله، ينفذ ما أمر الله، ينتهي عما نهى عنه الله، هذا فعله، الله عز وجل يمكنه لأنه استقام على أمره، الآن المؤمن الصادق يخضع لنظم الله، لقوانين الله، للتقريب:
إنسان ضغطه مرتفع، قال له الطبيب: دع الملح وإلا مشكلة كبيرة، هذا الضغط المرتفع هو القاتل الصامت، ما في مؤمن يقول: أخي توكل على الله، كُلْ ما تشتهي ، لا، المؤمن الصادق، كما أنه يصلي، ويصوم، ويحج، ويؤدي زكاة ماله، يخضع لأوامر الطبيب، لأن الطبيب يقدم له تعريفاً بقوانين هذا الجسم، فبطولة المؤمن أنه يطبق قوانين الله عز وجل حينما يطبق شرعه، هو يطيعه كونياً، وشرعياً، مثل:
إنسان راكب طائرة، أراد أن يقفز منها، يوجد بالسقوط قانون، إذا آمن بقانون السقوط يخرج من الطائرة ومعه مظلة، المظلة مبنية على قانون السقوط، له وزن والمظلة في مساحة من القماش الكتيم واسعة جداً، حينما يستخدمها، هذه المساحة تقاوم الهواء فيسقط بشكل بطيء، وينزل سالماً، ما معنى أن تستخدم المظلة ؟ إنك تتأدب مع قانون السقوط، أما الذي رفض هذا القانون، واحتقره، وازدراه، وقال: لا قيمة له، وقفز من دون مظلة، إذا احتقره، أو رفضه، أو لم يعبأ به، هل يعطل فعله ؟ لا، قانون نافذ فيك آمنت به أو لم تؤمن، قدرته أم لم تقدره، احترمته، أو احتقرته، القانون نافذ فيك.
يعني سواء احترمت قوانين الله عز وجل ، أم لم تحترمها هي نافذة فيك والمشكلة المؤلمة أن الطرف الآخر الغرب، احترم هذه القوانين، فطبقها فملك الدنيا، وكان من الممكن أن يقف المسلمون هذا الموقف، كما أنهم طبقوا منهج ربهم، أخذوا بأسباب الرزق، أخذوا بأسباب القوة، أخذوا بأسباب المنعة. على المؤمن أن يطبق منهج الله عز وجل و يتعرف إلى قوانينه ليمتلك أسباب القوة:
أقول لكم من أعماق قلبي: كما أنك تطيع الله في منهجه ينبغي أن تتعرف إلى قوانينه، وأن تأخذ بها، وتمتلك أسباب القوة، والدليل:
﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ﴾
( سورة الأنفال الآية: 60 )
كلام يجب أن يلفت النظر، أنت تصلي لأن الله أمرك بالصلاة، وأنت تصوم لأن الله أمرك بالصيام، وأنت تحج بيت الله الحرام لأن الله أمرك بالحج، وينبغي أن تتعلم قوانين ربنا الطبيعية، الرزق يحتاج إلى سعي، يحتاج إلى استصلاح أراضي، يحتاج إلى إنشاء سدود، يحتاج إلى استخراج ثروات، يحتاج إلى تصنيع، ويل لأمة تأكل ما لا تزرع، ويل لأمة تلبس ما لا تنسج، ويل لأمة تستخدم آلة لا تصنعها، ويل لأمة تشتري السلاح شراء لأن القرار عندئذٍ ليس بملكك، ما دمت تشتري سلاحاً شراء.
فالمسلمون ولو أطاعوا ربهم في منهجه ينبغي أن يتعرفوا إلى قوانينه ويأخذوا بها أي إنسان أخذ بهذه القوانين ملكها، الغرب لمئتي عام سبقت يعمل ليلاً نهاراً، حتى ملك أسباب القوة، فلما ملك أسباب القوة فرض ثقافته على كل الشعوب، هذه الصحون التي على السطوح نوع من الغزو الثقافي، أليس كذلك ؟ فرض ثقافته علينا . على المؤمن أن يأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء ثم يتوكل على الله وكأنها ليست بشيء:
لذلك أيها الأخوة، المؤمن ترتقي عنده الإرادة الشرعية، والإرادة الكونية، كما أنه يأخذ بأسباب المنهج الإلهي، يأخذ بقوانين الله عز وجل ، وأي مؤمن مكلف أن يكون قوياً من خلال هذه الآيات،
﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ﴾
جاءت نكرة، تنكير شمولي، الإعلام قوة، الأقمار الصناعية قوة، التماسك قوة، الانتماء إلى المجموع قوة ، نظام فريق العمل قوة، ترشيد الاستهلاك قوة، العمل في المؤسسات قوة، لو بحثنا عن أسباب قوة الطرف الآخر مع أن التعاون أمر إلهي لنا. ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى ﴾
( سورة المائدة الآية: 2 )
الدول القوية الآن تتعاون تعاوناًً مذهلاً، على باطل، أي حركة تتحالف مع هذه الدولة القوية، التعاون، الانتماء للمجموع، العمل المؤسساتي، نظام فريق العمل ترشيد الاستهلاك، هذا كله يرقى بالأمة. عدم انتصار المؤمن إلا إذا اجتمعت عنده الإرادة الكونية والشرعية:
لذلك المؤمن اجتمعت عنده الإرادة الكونية، والشرعية، فاستحق نصر الله، المؤمن المقصر اجتمعت عنده الإرادة الشرعية، ولم تجتمع عنده الإرادة الكونية، لم يأخذ بالأسباب، توكل على الله توكلاً ساذجاً، الموقف الكامل أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء، كما أنك متوكل تأخذ بكل الأسباب، يعني عندك سفر تراجع مركبتك مراجعة تامة، وبعد أن تراجعها تقول: يا رب أنت الحافظ، أنت الموفق أنت المسلّم.
شيء دقيق، التطرف سهل، سهل جداً كما فعل الغرب، أن يأخذ الإنسان بالأسباب، وأن ينسى مسببها، وأن يعتمد عليها، وأن يؤلهها، أخذوا بالأسباب فأشركوا، سهل أيضاً أن تكون ساذجاً، ألا تأخذ بها، الله يحبنا، الله ينصرنا، لا ينصرك الله عز وجل إلا إذا أديت أسباب النصر،
﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ﴾
(( إِن الله يَلُومُ على العَجْز، ولكن عليكَ بالكَيْس، فإِذا غَلَبَك أَمر، فقل حَسبيَ الله ونعم الوكيل ))
[أخرجه أبو داود عن عوف بن مالك ]
بطولة الإنسان أن يستوعب الحق وعندئذٍ يكون الحق مقياساً له بكل شيء:
أيها الأخوة الكرام،
﴿ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا﴾
الظلمات جمع، إلى النور مفرد لأن الحق لا يتعدد أما الباطل متعدد، ماذا يستنبط ؟ العمر القصير الذي منحه الله لنا، الستون سنة، الخامسة والستون، والسبعون، هذا عمر قصير، هذا العمر القصير كافٍ أن تستوعب فيه الحق، أما أن تستوعب الباطل فلا لأنه في مليون باطل.
لو فرضنا الفرقة الضالة الفلانية، تحتاج إلى ثلاثين سنة دراسة، أسباب نشوئها ؟ من قادها ؟ ما مصيرها ؟ ما تاريخها ؟ ما رجالاتها ؟ الباطل متعدد، لا يكفيك ولا مليون سنة كي تستوعب الباطل.
لذلك البطولة أن تستوعب الحق، وعندئذٍ يكون الحق مقياساً لك بكل شيء، أما أن تقرأ كل شيء فوق طاقة البشر، ما يطبع في اليوم الواحد يمكن بالإحصاء قرأته من عشرين سنة ما يطبع في اليوم الواحد من كتب باللغة الإنكليزية لا يستطع المرء قراءتها في مئتي عام، الباطل واسع جداً، استوعب الحق وهذا الحق يغدو مقياساً لك.
إذاً ﴿ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ﴾
النور واحد يؤكد هذا المعنى:
﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ﴾
( سورة الأنعام الآية: 153 )
بين نقطتين لا يرسم معك إلا خط مستقيم واحد، لكن بين نقطتين لك أن ترسم مليون خط منحي، ومليون خط منكسر، أما بين نقطتين خط مستقيم واحد.
لذلك الحق لا يتعدد، لذلك الحرب بين حقين لا تكون، لأن الحق واحد ولا يتعدد، وبين حق وباطل لا تطول، لأن الله مع الحق، وبين باطلين لا تنتهي. من أجل أن يكون الله ولينا ينبغي أن نكون أولياءه بطاعتنا له وتوكلنا عليه:
أيها الأخوة:
﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ ﴾
( سورة يونس الآية: 62 )
أنت يجب أن تكون ولياً لله. ﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾
( سورة يونس )
من هم ؟ في تعريف قرآني: ﴿ الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ﴾
( سورة يونس )
فقط، تعريف بسيط، جامع، مانع، كل مؤمن يجب أن يكون ولياً لله ﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ﴾
بالمستقبل ﴿ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾
بالماضي، ما هذه الآية ؟ غطت الماضي، والحاضر، والمستقبل، أنت مؤمن ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾
بالمستقبل ﴿ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾
على ما فاتهم في الماضي، من هم ؟ ﴿ الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ﴾
من كان الله معه فمن عليه:
لذلك سيدنا موسى ماذا قال أصحابه ؟
﴿ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾
( سورة يونس )
سيدنا إبراهيم، ألقي في النار فقال الله للنار: ﴿ نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﴾
( سورة الأنبياء )
سيدنا محمد وهو في الغار، يقول له الصديق:
(( نظرتُ إِلى أقدام المشركين ونحن في الغار على رؤوسنا. فقلت: يا رسول الله لو أن أحدهم نظر إِلى قَدَمْيه أبْصَرَنَا تحت قدميه. فقال: يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما ))
[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أنس بن مالك ]
إذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟ ويا رب ماذا فقد من وجدك، وماذا وجد من فقدك ؟ من أجل أن يكون الله وليك ينبغي أن تكون وليه، يعني بطاعته، وعبادته، والتقرب إليه.
(( عبدي كن لي كما أريد أكن لك كما تريد، أنت تريد وأنا أريد، فإذا سلمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد، وإن لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد ثم لا يكون إلا ما أريد ))
[ورد في الأثر]
فمن أجل أن يكون الله ولينا ينبغي أن نكون أولياءه بطاعتنا له، ومعرفتنا به وتوكلنا عليه.
أيها الأخوة، الخير كله، والنجاح كله، والفلاح كله، والتوفيق كله، والتفوق كله أن تكون ولياً لله، ولن تكون ولياً له إلا إذا أطعته.
السعيد
08-31-2018, 12:57 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الثامن و العشرون بعد المائة )
الموضوع : اسم الله - الودود - 1 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
من أسماء الله الحسنى: (الودود):
أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "الودود".
ورود اسم الودود في القرآن الكريم فقط:
هذا الاسم أيها الأخوة ورد معرفاً ومنوناً، معرف بألف ولام، منون على صيغة نكرة، في قوله تعالى:
﴿ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ * ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ * فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ﴾
( سورة البروج )
وورد أيضاً في قوله تعالى: ﴿ وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ ﴾
( سورة هود )
ولم يرد هذا الاسم في السنة، إلا في سرد الأسماء الحسنى عند الترمذي، وهذه الأسماء من إدراج الوليد بن مسلم كما تفضل. المعنى اللغوي لكلمة ودود:
الآن المعنى اللغوي للـ "الودود"، "الودود" من صيغ المبالغة، وتعلمنا كثيراً أن صيغ المبالغة تعني مبالغة كم، ومبالغة نوع، مودة الله عز وجل لعباده كبيرة جداً ومتنوعة جداً، من حيث النوع، ومن حيث العدد.
ودَ الشيء ودّاً، ووِدّاً، ووَدّاً، العلماء تسمي هذه الكلمات التي تأتي على حركات ثلاث كلمات مثلثة، كأن تقول مُصحف، ومِصحف، ومَصحف، وكل هذه الصيغ صحيحة نقول: هذه كلمة مثلثة، تأتي على حركات ثلاث بمعنى واحد، لكن هناك كلمات، وهذا من دقة اللغة العربية مثلثة، ولكن كل حركة لها معنى، قَدُم: أصبح طبيباً، قَدِم: حضر ، قَدَم: سبقه بقدمه، خُلق: من الأخلاق، خَلِق: من الاهتراء، خَلّق: من البنية، خَلّق ، خُلق، خَلِق.
البَر ؛ اليابسة، البُر ؛ القمح، البِر ؛ الإحسان، من دقة اللغة العربية كل حركة من حركات الكلمة تعني شيئاً، فهناك كلمات مثلثة معناها واحد، وهناك كلمات مثلثة ذات معاني ثلاث.
أيها الأخوة، إذاً ودَ الشيء، المصدر ودّاً، ووِدّاً، ووَدّاً، بالثليث.
الودود من صيغ المبالغة وهي كلمة مثلثة معناها واحد من معانيها:
1 ـ التمني:
المعنى الأول: التمني:
﴿ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ ﴾
( سورة البقرة الآية: 96 )
يعني إنسان يعتني بصحته عناية فائقة، جيدة، جيد جداً، لكن لو أنه يقيم على معصية مهما عمر لابد من الوفاة.
كل مخلوق يموت ولا يبقى إلا ذو العزة والـــجبروت
والليل مهما طــــال فلا بد من طلوع الفـــجر
والعمر مهما طــــال فلابد من نزل الـــــقبر
* * *
وكل ابن أنثى وإن طالت سلامته يوماً على آلة حدباء محمول
فــإذا حملت إلى القبور جنازة فــاعلم أنك بعدها محمول
* * *
إذاً ﴿ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ ﴾
﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ ﴾
( سورة الغاشية )
﴿ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ﴾
( سورة الزمر )
﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ﴾
( سورة الكهف )
المعنى الأول: ﴿ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ ﴾
أي يتمنى أحدهم، من التمني. 2 ـ المحبة:
المعنى الثاني: الودّ ؛ بمعنى المحبة، كما في قوله تعالى:
﴿ لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ﴾
( سورة المجادلة الآية: 22 )
هذا المعنى في هذه الآية ينقلنا إلى ما يسمى بالولاء والبراء، فالمؤمن الصادق بل من لوازم إيمانه أنه يوالي المؤمنين، ولو كانوا فقراء، وضعفاء، والمؤمن الصادق من لوازم إيمانه أنه يتبرأ من الكفرة، والضالين، والمشركين ولو كانوا أقوياء وأغنياء، إلى من تنتمي أنت أيها المؤمن ؟ تنتمي إلى أهل الإيمان.
إذاً المعنى الثاني من معاني الودّ الولاء والبراء أي الحب، ﴿ لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ﴾
3 ـ المعية و المرافقة و المصاحبة:
والودّ أيضاً في اللغة قد يأتي على معنى المعية، والمرافقة، والمصاحبة، هذا معنى ثالث، كلازم من لوزام المحبة، إن أحببت إنساناً راقبته، صاحبته، كنت معه، كنت كظله، من المعاني الفرعية الناتجة عن الحب: الملازمة.
فلذلك المعنى دقيق جداً ورد في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر:
(( أن رجلاً من الأعراب لقيه بطريق مكة، فسلم عليه عبد الله، وحمله على حمار كان يركبه، وأعطاه عمامة كانت على رأسه، فقال ابن دينار له: أصلحك الله إنهم الأعراب، وإنهم يرضون باليسير، فقال عبد الله: إن أبا هذا كان وداً لعمر بن الخطاب كان ملازماً له، وإني سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنَّ من أبَرِّ البرِّ صِلَةَ الرجل أهلَ وُدِّ أبيه ))
[ مسلم عن عبد الله بن عمر]
من فضل الله على الإنسان أنه يسمح له بأن يكون باراً بوالديه بعد موتهما:
مرة شخص سأل النبي عليه الصلاة والسلام وقد توفي والداه، ماذا بقي عليّ من برّ والدي بعد موتهما ؟ قال: أربعة أشياء، أن تدعو لهما، الدعاء أثناء صلاة الجنازة، وأن تستغفر لهما، ربي اغفر لي ولوالدي، وأن تنفذ عهدهما، قبل أن يموت الأب عهد إلى أولاده شيئاً، وأن تنفذ عهدهما، وأن تصل صديقهما، وأن تصل الرحم التي لم يكن لها صلة إلا بهما، فهذا الذي بقي عليك من برهما بعد موتهما.
أي من فضل الله عز وجل أتاح الله للابن أن يكون باراً بوالديه بعد موتهما حينما يصل الرجل أهل ود أبيه، حينما ينفذ عهد أبيه، حينما يصلي على أبيه صلاة الجنازة، حينما يدعو له في كل صلاة، هذه من مسلكيات البر بعد الموت.
الله عز وجل ودود يحب رسله و أولياءه و يتودد إليهم بالنعم التي أحاطهم بها:
أيها الأخوة، اسم "الودود" اسم له خصوصية، الآن الله عز وجل ودود كيف ؟ قال: "الودود" هو الذي يحب رسله، وأولياءه، ويتودد إليهم، الله عز وجل كيف يتودد إليك ؟ هو غني عنا جميعاً.
(( لو أنَّ أوَّلَكم وآخرَكم وإنسَكم وجِنَّكم، كانوا على أفجرِ قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً، لو أنَّ أوَّلَكم وآخرَكم وإنْسَكم وجِنَّكم كانوا على أتْقَى قلب رجل واحدِ منكم، ما زاد ذلك في مُلْكي شيئاً، لو أنَّ أوَّلكم وآخرَكم، وإنسَكم وجِنَّكم، قاموا في صعيد واحد فسألوني، فأعطيتُ كُلَّ إنسان مسألتَهُ، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما يَنْقُص المِخْيَطُ إذا أُدِخلَ البحرَ، ذلك لأن عطائي كلام وأخذي كلام، فمن وَجَدَ خيراً فليَحْمَدِ الله ومن وجد غير ذلك فلا يَلُومَنَّ إلا نَفْسَهُ ))
[ أخرجه مسلم والترمذي عن أبي ذر الغفاري ]
أيها الأخوة، الله عز وجل ودود، يتودد إلينا بهذه النعم التي أحاطنا بها، يعني بشكل أو بآخر الله عز وجل ودود يعني تودد إلى عباده بالنعم الذين هم فيها، يعني نعمة الألوان، هناك مخلوقات لا ترى إلا الأبيض والأسود، أحياناً صورة أبيض وأسود لا تعجبك أما ملونة وهناك ألوان زاهية أحياناً، أعطاك الألوان، أعطاك اللون الأخضر، وقد يغطي مساحات شاسعة، جعل السماء زرقاء، جعل البحر أزرق اللون، في البيت طفل صغير ممتلئ حيويةً وجمالاً وروعةً وبهاءً، أليس هذا من الود، كل النعم التي يتمتع بها الإنسان تندرج تحت اسم "الودود". من أحب الله و أحسن إلى عباده أحبه الله عز وجل:
"الودود" إذاً هو الذي يحب رسله، وأولياءه، ويتودد إليهم، يعني تأكد أنك إذا كنت مستقيماً على أمر الله، تأكد أنك إذا خطبت ود الله، تأكد أنك إذا أحسنت إلى العباد الله يحبك.
والله مرة سمعت كلمة من متكلم في عقد قران روى حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، يخاطب النبي به معاذ قال:
(( يا معاذ إني لأحبك ))
[ النسائي عن معاذ بن جبل]
يعني شيء لا يقدر بثمن أن يحبك رسول الله، أو أن يحبك المؤمنون، أو أن يحب الله عز وجل.
﴿ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾
( سورة المائدة الآية: 54 )
بل إن الله أراد أن تكون العلاقة بينه وبين عباده علاقة حب، علاقة محبوبية لهذا قال:
﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ﴾
( سورة البقرة الآية: 156 )
يريدك أن تأتيه محباً، طائعاً، برغبة منك، بمبادرة منك، من دون قهر، من دون إكراه. من أحبه الله ألقى محبته في قلوب الخلق جميعاً:
لذلك الله "الودود" يعني يحب عباده، كيف يحبهم ؟ يرضى عنهم، كيف يحبهم ؟ يغفر لهم، كيف يحبهم ؟ يرحمهم، كيف يحبهم ؟ يتوب عليهم، كيف يحبهم ؟ يستجيب دعاءهم، كيف يحبهم ؟ يتقبل أعمالهم، وكيف يحبهم ؟ يوددهم إلى خلقه، إذا أحبك الله ألقى محبتك في قلوب الخلق، فهو ودود، إذا أحبك الله جعل الخلق يحبونك، هذا من نعم الله الكبرى.
لذلك لا تتوهم أن الخلق إذا أحبوك بجهدك، وبذكائك، وبحنكتك، لا، ألقى الله في قلوب الخلق محبتك، إذا أحب الله عبداً ألقى محبته في قلوب الخلق، والدليل قوله تعالى:
﴿ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي ﴾
( سورة طه الآية: 39 )
ألقيت عليك محبة في قلوب الخلق مني، أنا السبب، وأحياناً الله عز وجل يلقي بغض إنسان في قلوب الخلق، لا أحد يحبه، يكون على مستوى عالٍ من الذكاء، من الجمال، من المال، من القوة لا يُحب، أن يحبك الناس هذا أكبر عطاء من الله عز وجل. الله عز وجل يتودد إلى عباده بالمغفرة و التوبة و استجابة الدعاء:
إذاً الله "الودود" يحب رسله، يحب أولياءه، يتودد إليهم بالمغفرة، بالتوبة، باستجابة الدعاء، يرضى عنهم.
﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ﴾
( سورة الفتح الآية: 18 )
يعني أنت حينما تكون مستقيماً على أمر الله من فضل الله عليك يلقي في روعك أنه يحبك، هذا الشعور لا يعرفه إلا من ذاقه، عملك طيب، دخلك حلال، بيتك منضبط ، أولادك ربيتهم تربية عالية، بناتك محجبات، البيت إسلامي، الدخل إسلامي، الإنفاق إسلامي، النشاط إسلامي، المحبة لله ورسوله، عندئذٍ الله يحبك يلقي في روعك أني أحبك، وإذا أحبك الله وصلت إلى كل شيء.
(( ابن آدم اطلبني تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء وأنا أحب إليك من كل شيء ))
[من مختصر تفسير ابن كثير]
المؤمن الصادق يجتمع في قلبه تعظيم لله وحب له وخوف منه:
الآن يوددهم إلى خلقه، يحبب خلقه بهم، معنى "الودود" موقف المؤمن الموقف الذي يليق به، أن يحبب الله إلى عباده، كما أن الله يحبب المؤمنين إليك، أيضاً موقفك الأخلاقي أن تحبب الله إلى عباده.
أحد أنبياء الله عز وجل قال:
(( يا رب، أي عبادك أحب إليك حتى أحبه بحبك ؟ فقال: أحب عبادي إلي تقي القلب، نقي اليدين، لا يمشي إلى أحد بسوء ))
[من الدر المنثور عن ابن عباس ]
يعني ما فكر إطلاقاً أن يسيء لإنسان، بل لمخلوق.
(( أحبني، وأحب من أحبني، وحببني إلى خلقي، قال: يا رب إنك تعلم أني أحبك وأحب من يحبك، فكيف أحببك إلى خلقك ؟ قال: ذكرهم بآلائي، ونعمائي وبلائي ))
[من الدر المنثور عن ابن عباس ]
أنت إن ذكرت الناس بنعماء الله تحبب الله إلى عباده، وإن ذكرتهم ببلاياه بالبلاء، والشدة، تخوفهم أن يعصوه وأنت إن ذكرتهم بآلائه العظيمة يعظموه، إذاً لابدّ من أن يجتمع في قلب المؤمن تعظيم، وحب، وخوف. من شعر أن الله عز وجل يؤثره و يحبه شعر بنشوة عظيمة لا تقدر بثمن:
الآن الآية الكريمة وهي من أروع الآيات:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً ﴾
( سورة مريم )
ما قولك ؟ المودة مع من ؟ مع خالق السماوات والأرض، ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً ﴾
أن تشعر بمودة مع الله عز وجل، أن تشعر أن الله يحبك، أن تشعر أن الله يؤثرك، الدعاء الشريف:
(( اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارضَ عنا ))
أنت حينما تشعر أن الله يؤثرك، ويحبك، ويعطيك، هذه نشوة ما بعدها نشوة. إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً: من معاني هذه الآية:
1 ـ شعور الإنسان بمودة عظيمة بينه و بين الله عز وجل:
لذلك المعنى الأول:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً ﴾
فيما بينهم وبين الله، تشعر بمودة، بالتعبير الدارج أنت غالٍ على الله. 2 ـ شعور الإنسان بمودة عظيمة بينه و بين المؤمنين:
هناك معنى آخر:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً ﴾
فيما بينهم، في مودة بين المؤمنين، لا يستطيع شيء في الأرض أن يقوضها. ﴿ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ﴾
( سورة الأنفال الآية: 63 )
من علامة إيمان المؤمن أنه يحب الله و يحب المؤمنين:
من علامة إيمانك أنك تحب الله، من علامة إيمانك أنك تحب المؤمنين، أنك تضحي من أجلهم، أنك تؤثرهم على كل شيء، علامة الإيمان الحب بين المؤمنين، وعلامة النفاق بغض المؤمنين.
﴿ إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ ﴾
( سورة التوبة الآية: 50 )
اجعل هذا مقياساً لك، يعني إذا أخوك المؤمن أخذ شهادة عليا تتألم ؟ إن تألمت علامة نفاق، وإذا أخوك المؤمن تزوج زوجة صالحة تنزعج ؟ علامة نفاق، إذا أخوك المؤمن أسس عملاً ونجح العمل فالمؤمن إذا قوي قوته للمؤمنين، إذا اغتنى غناه للمؤمنين ، إذا تفوق تفوقه للمؤمنين فهذا مقياس دقيق، علامة إيمانك أنك تفرح لكل مؤمن لعطاء الله له أما إذا تألمت بادرة غير طيبة إطلاقاً هي علامة نفاق حينما يكون الله عز وجل ﴿ إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ ﴾
﴿ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا ﴾
( سورة آل عمران الآية: 120 )
يعني: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾
( سورة النور الآية: 19 )
ما فعل شيئاً، ما تكلم كلمة، ما تحرك، ما غمز، ما لمز أبداً، لكن ارتاح لما الله دمر إنساناً، والإنسان محسوب مؤمن ارتاح، هذا شعور مخيف أن تتمنى أن يدمر المؤمنون، أن تتمنى ألا ينتصر المؤمنون، أن تتمنى أن يكون المؤمنون فقراء ﴿ إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ ﴾
لذلك: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً ﴾
فيما بينهم.
(( إِنَّ اللهَ إِذا أحبَّ عبدا دعا جبريلَ، فقال: إِني أحبُّ فلاناً فأحِبَّه، قال: فيُحِبُّه جبريلُ، ثم ينادي في السماءِ، فيقول: إِنَّ اللهَ يحبُّ فلاناً فأحِبُّوه، فيحبُّه أهل السماء، ثم يوضَعُ له الَقبُولُ في الأرض ))
[ البخاري عن أبي هريرة]
قبله الناس، أحب الناس كلامه. الله عز وجل مع الصادقين بالتوفيق و التأييد و النصر و الحفظ :
ابن عباس يُعرف "الودود" بأنه الحبيب، المجيد، الكريم، الآن الله عز وجل "الودود" لأنه يؤيد رسله، ينصر عباده الصالحين بمعيته الخاصة.
﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾
( سورة الحديد الآية: 4 )
معية عامة، الله مع الكافر، مع الملحد، مع المجرم، بعلمه ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾
بعلمه أما:
﴿ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾
( سورة الأنفال )
﴿ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴾
( سورة البقرة )
إن الله مع الصادقين، أي معهم بالتوفيق، معهم بالنصر، معهم بالتأييد، معهم بالحفظ، إذا كنت مع الله كان الله معك، وإذا كان الله عليك فمن معك، وإذا كان معك فمن عليك، ويا رب ماذا فقد من وجدك، وماذا وجد من فقد من وجدك ؟
الله عز وجل "الودود" يؤيد رسله وعباده الصالحين، بمعيته الخاصة ﴿ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾
﴿ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴾
مع الصادقين، معهم بالحفظ، بالتأييد، بالنصر.
فلا يخيب رجاءهم، ولا يرد دعاءهم، وهو عند حسن ظنهم به، وهو "الودود" لعامة خلقه، بواسع كرمه، وسابغ نعمه، يرزقهم، الآن عامة الخلق يرزقهم، يؤخر العقاب عنهم، لعلهم يرجعون إليه. الله سبحانه وتعالى هو وحده من يستحق أن تعبده وأن تحبه:
قال ابن القيم: أما "الودود" ففي قولان، أحدهما: أنه بمعنى فاعل، الذي يحب أنبياءه ورسله والمؤمنين، والثاني هذا معنى جديد، والثاني بمعنى مودود أي محبوب، أن الله سبحانه وتعالى هو وحده يستحق أن تعبده، ويستحق أن تحبه، هو أهل لمحبتك، وأن يكون أحب إلى العبد من سمعه، وبصره، وجميع محبوباته.
لذلك أيها الأخوة
﴿ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ * ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ * فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ﴾
يحبك، ويتودد إليك، فينبغي أن تحبه، وأن تتودد إليه بالأعمال الصالحة لخدمة خلقه. الدين هو اتصال بالله وإحسان إلى المخلوق:
المؤمن من خصائصه أنه يحب الله، ويحسن إلى خلقه، وسيدنا عيسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام في القرآن ورد:
﴿ وَأَوْصْانِي بِالصّلاةِ والزَّكَاةِ مَا دُمْت حَيّاً ﴾
( سورة مريم )
لخص بكلمتين حقائق الدين، اتصال بالله، وإحسان إلى المخلوق ﴿ وَأَوْصْانِي بِالصّلاةِ والزَّكَاةِ مَا دُمْت حَيّاً ﴾
السعيد
08-31-2018, 12:59 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( التاسع و العشرون بعد المائة )
الموضوع : اسم الله - الودود -2 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
من أسماء الله الحسنى: (الودود):
أيها الأخوة الكرام، لازلنا في اسم "الودود".
المودة بين المؤمنين من خلق الله عز وجل:
الآية الدقيقة التي في القرآن الكريم هي قوله تعالى:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً ﴾
( سورة مريم )
قال علماء التفسير: ﴿ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً ﴾
فيما بينه وبينهم، فالله عز وجل يتودد إلى عباده، أي يحبهم، ويحفظهم، وينصرهم، ويؤيدهم، ويوفقهم، وأن الله سبحانه وتعالى يحبه عباده، فيعبدونه، ويطيعونه، ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً ﴾
يعني إذا كان الإنسان يفتخر ويعتز بعلاقة ودية بينه وبين قوي فلأن يكون اعتزاز الإنسان أكبر إذا كان بينه وبين الله عز وجل علاقة حب، وعلاقة طاعة، وعلاقة توفيق.
إذاً ﴿ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً ﴾
فيما بينه وبينهم، وقال علماء التفسير: للآية معنىً آخر، ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً ﴾
فيما بينهم فالمودة التي بين المؤمنين من خلق الله عز وجل.
المؤمنون بعضهم لبعض نصحة متوادون و لو ابتعدت منازلهم، والمنافقون بعضهم لبعض غششة متحاسدون ولو اقتربت منازلهم. ﴿ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ﴾
( سورة الأنفال الآية: 63 )
كلما كثرت المشتركات بين المؤمنين ازداد الحب بينهم:
الود بين المؤمنين من خلق الله عز وجل، وعلامة هذا الود أنك لكل المؤمنين وأن كل المؤمنين لك، يؤلمك ما يؤلمهم، يسعدك ما يسعدهم، وهذا من أوضح علاقات البراء والولاء، توالي المؤمنين ولو كانوا ضعافاً وفقراء، وتتخلى وتتبرأ عن الكفار والمشركين ولو كانوا أقوياء وأغنياء.
لو أن إنساناً سألناه: ماذا تحب ؟ ماذا تكره ؟ كيف تحب أن تنفق مالك ؟ أية حرفة تحبها ؟ ماذا تحب أن يكون أهلك ؟ أولادك ؟ هناك مئات الأسئلة، بل بضع آلاف الأسئلة، الإجابة عن هذه الأسئلة تحدد سمات الشخص.
السر الدفين العميق في الود بين المؤمنين أن هناك تقاطعات لا تنتهي في شخصياتهم، يعني أنت مؤمن وأخوك مؤمن، أنت تتمتع بحياء، وأخوك يتمتع بحياء، أنت تتمتع بضبط لسان، وأخوك يتمتع بضبط لسان، أنت تنفق مالك في وجوه الخير وهو كذلك، أنت ترحم من حولك وهو كذلك، فكلما كثرت المشتركات بين المؤمنين ازداد الحب بينهم، بل كلما ازدادت التقاطعات بين شخصيتين تعلق كل منهما بالآخر، لأن القواسم المشتركة والتقاطعات في سمات الشخصين، أو المؤمنين كثيرة جداً، إذاً العلاقات متينة جداً.
وأنت تحب الآخر بقدر التقاطعات بينك وبينه، بقدر القواسم المشتركة بينك وبينه، بقدر الصفات التي تتصف بها وهو كذلك يتصف بها.
علامة إيمانك أن تفرح لفرح المؤمن و تحزن لحزنه :
إذاً أسمى علاقة على وجه الأرض علاقة المؤمنين قال تعالى:
﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾
( سورة الحجرات الآية: 10 )
ويا أيها الأخوة الكرام، كمقياس دقيق لإيمانك أن تحب المؤمنين، أن يقلقك ما يقلقهم، أن أيسعدك ما يسعدهم، أن يفرحك ما يفرحهم، أن تحمل همهم، أن تفرح لخير أصابهم، وأن تتألم لشر أصابهم، هذا الذي يفتقر إليه المسلمون اليوم، هذا الحب.
كان أصحاب النبي رضوان الله عليهم بأعلى درجات الحب فيما بينهم، كان الصحابي الكريم يودع أخاه بعد صلاة العشاء، ويأتي الفجر ويعانقه ويقول: يا شوقاه يا أخي هذا الحب الذي كان بينهم هو من علامة إيمانهم وإخلاصهم، هذا مقياس لنا، كن جريئاً وكن صريحاً، واقبل الحقيقة المرة التي هي أفضل ألف مرة من الوهم المريح، هل تفرح من أعماق أعماقك لخير أصاب أخاك ؟ هل تتألم من أعماق أعماقك لسوء أصاب أخاك ؟ هذه من علامات المؤمنين، والدليل:
﴿ إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ ﴾
( سورة التوبة الآية: 50 )
المنافقون.
﴿ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا ﴾
( سورة آل عمران الآية: 120 )
فاجعل هذه الآية شعاراً لك، ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً ﴾
فيما بينهم وبينه، وفيما بينهم، في العلاقات داخلية. المودة بين الزوجين من آيات الله الدالة على عظمته:
الآن ننتقل إلى أشد العلاقات بين شخصين علاقة الزوج بزوجته، قال تعالى:
﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾
( سورة الشورى الآية: 29 )
والسماوات والأرض مصطلح قرآني يعني الكون، والكون ما سوى الله ﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾
﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ﴾
( سورة فصلت الآية: 37 )
وكما أن الكون من آياته. ﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ﴾
( سورة الروم الآية: 21 )
هذه المودة التي بين الزوجين هي من آيات الله الدالة على عظمته.
أنا أعرف إنساناً قريب لي، تأخر زواجه إلى أمد طويل، وهو يقيم في بلد خليجي، فكلما جاء إلى الشام في الصيف لم يوفق إلى زوجة تناسبه، في العام الخامس وقبل أن يغادر بيوم وجد إنسانة تناسبه فعقد عقده عليها، وفي اليوم التالي غادر إلى بلاد الخليج ليتابع عمله، بكت بكاءً مراً في المطار، عمر هذه العلاقة عشرين ساعة فقط، هذا من خلق الله.
الود بين الزوجين من خلق الله، وهذا مقياس لنا جميعاً، يقول عليه الصلاة والسلام:
(( الحمد لله الذي رزقني حب عائشة ))
[ ورد في الأثر]
مهمة الشياطين التفريق بين الرجل و أهله:
كل إنسان يحب حبيبته، يحب زوجته، التي هي أم أولاده، هذه من علامة إيمانه، وكلما أبغض الإنسان أهله، لأن الشيطان أكبر نشاط يمارسه أن يبغض الرجل بزوجته.
﴿ يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ﴾
( سورة البقرة الآية: 102 )
آية قرآنية، الشياطين مهمتهم التفريق بين الرجل وبين أهله.
لذلك: ومن آياته الدالة على عظمته: ﴿ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا ﴾
معنى السكنى ؛ أن الرجل يكمل نفسه بزوجته، يكمل نقصه العاطفي بزوجته، وأن المرأة تكمل نقصها القيادي بزوجها، إذاً هما متكاملان، كل طرف يكمل الطرف الآخر والحب بين الزوجين لا يخبو كما يتوهم الفسقة، الأعمال الفنية التي يصنعها الفسقة تبين أن دفء المرأة أنه لا يكون إلا بالعشيقة، لا في الزوجة، وهذا أكبر إضلال يضل به الناس دفء المرأة يكون في الزوجة. الزواج الإسلامي شيء عظيم مبني على الود والرحمة:
إذاً:
﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ﴾
بالآية ملمح دقيق جداً، المودة هنا سلوك يُعبر به عن الحب، الحب شعور داخلي، يعبر عنه بابتسامة، يعبر عنه بثناء، يعبر عنه بمعاونة، يعبر عنه بشكر، يعبر عنه بهدية، فالمودة سلوك، يعبر به عن الحب، فإذا كانت المرأة ملء عين زوجها وضمن طموحه طبعاً يحبها، وإذا أحبها عبر عن هذا الحب بسلوك لطيف، ابتسامة، محبة، معاونة، هدية، وكذلك المرأة إذا كان زوجها عينها، قوي، وكريم، يدافع عنها تحبه، وتعبر عن حبها له بالمودة، بخدمته، والبحث عن ما يرضيه.
لكن لا سمح الله ولا قدر لأن هذه المؤسسة العلاقة الزوجية، وهي أقدس علاقة على وجه الأرض هذه العلاقة وجدت لتبقى، فإن لم يكن سبب بقائها المودة تأتي الرحمة لتكون سبباً آخر لبقائها، كم من امرأة افتقر زوجها، فعملت وأنفقت عليه ؟ وكم من زوج أصيبت زوجته بمرض عضال فخدمها أعلى خدمة إلى آخر لحظة في حياتها ؟ هذا الزواج الإسلامي شيء عظيم مبني على الود والرحمة، على الود أو على الرحمة، أو عليهما معهاً.
لذلك الحب شعور، الود سلوك. الكون كله مظهر لمودة الله للإنسان:
شيء آخر: كيف نفسر محبة الله لعباده ؟ من دلائل هذه المحبة أنه سخر لعباده:
﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ ﴾
( سورة الجاثية )
كل ما في السماوات وما في الأرض مسخر للإنسان، الشمس، القمر، الليل ، النهار، الهواء، الماء، الينابيع، الأسماك، الأطيار، الأزهار، الورود، المحاصيل ، الفواكه، الخضراوات، الزوجة، الأولاد، الزوج، كل ما في الكون مسخر لهذا الإنسان، وهذا دليل مودة الله لعباده، لأنه يحبهم، الكون كله مظهر لمودة الله للإنسان.
شيء آخر: من يصدق أن هناك بضع آلاف من أنواع نباتات الزينة، هذه لا تؤكل، ولكن من أجل أن تستمتع بها أنواع العصافير التي لها ألوان تأخذ بالألباب، أنواع الفراشات، أنواع الورود، أنواع الأبصال، أنواع الأوراق، يوجد بالطبيعة جمال أخاذ هذا الجمال تقوم حياتنا من دونه، لكنه تعبير عن محبة الله لنا.
الطفل يملأ البيت فرحة، بجماله، بذاتيته، بعفويته، الزوجة خلقت من أجل الرجل، والرجل خلق من أجل زوجته، وكل واحد يكمل الآخر، حينما تنسب هذه النعم إلى المنعم ترى أن كل نعمة أنعم الله بها على الإنسان هي نوع من الود. الله عز وجل مع المؤمنين بالتوفيق و التأييد و النصر و الحفظ:
أيها الأخوة، علماء التوحيد قالوا: الميل، الحب يعني الميل، فالميل من شأنه الضعف والتحسر والألم، لكن الله عز وجل إذا قلنا أنه يحب عباده معنى الحب البشري لا ينطبق على الذات الإلهية، فالله عز وجل إذا أحب أحسن، إذا أحب أعطى، إذا أحب وفق ، إذا أحب حفظ، وهذا معنى الآيات الكثيرة التي تقول: إن الله مع:
﴿ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾
( سورة الأنفال )
﴿ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴾
( سورة البقرة )
﴿ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾
( سورة البقرة )
يعني معهم بالتوفيق، معهم بالتأييد، معهم بالنصر، معهم بالحفظ. ﴿ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴾
( سورة يوسف )
علاقة الحب هي العلاقة التي أرادها الله أن تكون بينك وبينه:
الإنسان إذا أحب خضع، وإذا أحب تذلل، وإذا أحب مال، لكن الله عز وجل إذا أحب وفق، إذا أحب أحسن، إذا أحب أعطى، إذا أحب حفظ، إذا أحب وفق، الله عز وجل يقول دققوا في هذه الآية:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾
( سورة المائدة الآية: 54 )
يعني العلاقة التي أرادها أن تكون بينك وبينه هي علاقة حب، لذلك قال: ﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ﴾
( سورة البقرة الآية: 156 )
الله ما أرادنا أن نأتيه مكرهين، بل أرادنا أن نأتيه طائعين، أن نأتيه من مبادرة منا ﴿ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾
وبدأ بحبه لهم، أحبك منحك نعمة الإيجاد، أحبك منحك نعمة الإمداد، أحبك منحك نعمة الهدى والرشاد، ﴿ وَيُحِبُّونَهُ ﴾
بالطاعة، والخضوع، والميل ، وأداء العبادات. من علامة إيمان المؤمن أنه يخضع لأخيه:
دققوا الآن:
﴿ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾
( سورة المائدة الآية: 54 )
من علامة إيمان المؤمن أنه يخضع لأخيه، والله عز وجل يقول: ﴿ أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً * وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً * وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَاناً نَصِيراً ﴾
( سورة الإسراء )
ثم يقول: ﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ * وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ﴾
( سورة الشعراء )
من علامات المحبين لربهم أنهم أذلة أعزة ؛ أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين:
الآن دققوا:
﴿ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ * إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾
( سورة الشعراء )
﴿ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾
( سورة المائدة الآية: 54 )
والعياذ بالله المنافق قاسٍ، وقوي على الضعيف، أما القوي ينبطح أمامه، أما الضعيف يتجبر عليه، المؤمن بالعكس، ﴿ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾
﴿ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾
( سورة المائدة )
علامة حبّ الإنسان لربه أن يُذكّر الناس بعفوه وغفرانه وتوبته:
أيها الأخوة، حب الإنسان إلى الله يعني أن تعرفه، أو أن تزداد معرفة به، و أن تحمل نفسك على طاعته، وأن تتقرب إليه بالأعمال الصالحة، بخدمة الخلق، وأن تدعو إليه، وأن تحبب الناس به، علامة حبك له أن تعرفه، أو أن تزداد معرفة به، أن تطيعه ، أن تعمل الأعمال الصالحة تقرباً إليه، أن تدعو إليه.
(( بلِّغُوا عني ولو آية ))
[ أخرجه البخاري والترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ]
وأن توالي أحبابه.
(( أي عبادك أحب إليك حتى أحبه بحبك ؟ فقال: أحب عبادي إلي تقي القلب نقي اليدين، لا يمشي إلى أحد بسوء، أحبني، وأحب من أحبني، وحببني إلى خلقي ))
[من الدر المنثور عن ابن عباس ]
لذلك أنا أقول: هناك دعاة إلى الله صادقون، وهناك منفرون، بقسوة، بغلظة ، بعنف، بفظاظة، بكبر، باستعلاء.
﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 159 )
علامة حبك له أن تدعو إليه، أن تحببه لخلقه، أن تذكر لهم رحمته، وعفوه ، وغفرانه، وتوبته. تقرب العبد إلى الله عز وجل بالأعمال الصالحة:
وإذا قلنا الله "الودود" الذي يتودد إلى خلقه، يعني ما في كلمة أراها أنسب من هذه الكلمة: المؤمن يخطب ود الله، كيف الخطيب إذا خطب فتاة أعجبته، وتعلق بها يخطب ودها، اتصال يومي، ساعتين ثلاثة الاتصال، بهدية، كلما دخل بيت أهل خطيبته معه هدية، فالهدية ود.
فالمؤمن يتقرب إلى الله بالأعمال الصالحة، والله عز وجل يخطب ود عباده بنعمه العظيمة، أنا أرى أن أكبر ود من قبلك للذات الإلهية أن تنصح عباده، أن تخدمهم ، أن ترحمهم، أن تنصفهم، أن تعطيهم، أن تطعم جائعهم، أن تكسو عاريهم.
(( ليس كل مصلٍ يصلي، إنما أتقبل الصلاة لمن تواضع لعظمتي وكف شهواته عن محارمي، واطعم الجائع، وكسا العريان، ورحم المصاب، وآوى الغريب ))
[ من كنز العمال عن حارثة بن وهبة ]
يعني خدمتك لعباد الله، بل خدمتك لكل البشر من دون استثناء، بل خدمتك لكل المخلوقات أحد مظاهر مودتك لله عز وجل، أن تكون لخدمة الخلق، ألا تأكل أموالهم بالباطل، ألا تعتدي على أعراضهم، ألا تلقي الرعب في قلوبهم، ألا تبتز أموالهم، إذا كنت منصفاً، محسناً، هذا أكبر شاهد على مودتك لله عز وجل. أول هدية من الله عز وجل للإنسان ثدي أمه:
أول هدية من الله عز وجل للإنسان ثدي أمه، حليب، معقم، ساخن في الشتاء، بارد في الصيف، تتبدل تركيباته أثناء الرضعة الواحدة.
﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ* وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ﴾
( سورة البلد )
هذه أول هدية، الأم أكبر هدية للطفل، تشقى ليسعد، تجوع ليشبع، تخاف ليأمن، الحقيقة قلب الأم من الآيات الدالة على عظمته، فالأم هدية، والأب هدية، نحن جميعاً كل أعمالنا في الحياة من أجل أولادنا، أنت حظك من الدنيا قليل، لكن تعمل وتعمل وتناضل وتجاهد بالمصطلحين القديم والحديث من أجل أن يسعد أولادك، الأب هدية، والأم هدية، ما الذي يدعونا جميعاً إلى تربية أولادنا ؟ ما أودع الله من حب في قلوبنا لهم، ولو نزع الله هذا الحب من قلوبنا ما ربى إنسان إنساناً. محبة الآباء والأمهات لأولادهم هي محبة الله:
أنا أرى أن محبة الآباء والأمهات لأولادهم هي محبة الله.
﴿ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي ﴾
( سورة طه الآية: 39 )
لو الله عز وجل نزع هذه الرحمة، وهذا الحب، ما ربى إنسان ابنه والقصة الشهيرة أرويها كثيراً هي معبرة رمزية لكنها معبرة:
مرة أحد أولياء الله الصالحين رأى أماً تخبز على التنور، كلما وضعت رغيفاً في التنور أمسكت ابنها وضمته وشمته وقبلته، قال: يا رب ما هذه الرحمة ! قال: ألقى في قلبه أن هذه رحمتي يا عبدي، أودعتها في قلب أمه، وسأنزعها (قصة رمزية طبعاً) ، فلما نزع الله الرحمة من قلب أمه وبكى ألقته في التنور، انتهى. رحمة الله عز وجل هي أحد أسباب التراحم فيما بيننا:
نحن نتراحم من رحمة الله، فرحمة الله عز وجل هي أحد أسباب التراحم فيما بيننا، لذلك قال تعالى:
﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 159 )
بسبب رحمة استقرت في قلبك يا محمد كنت ليناً لهم، ﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾
﴿ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ﴾
( سورة آل عمران )
أيها الأخوة الكرام، اسم "الودود" أقرب اسم إلى قلب الإنسان، هو يحبك وينبغي أن تحبه، هو يخطب ودك أيها الإنسان، بهذه النعم، وينبغي أن تخطب وده بالطاعة وخدمة عباده.
(( الخلق عيال الله فأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله ))
السعيد
08-31-2018, 01:01 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الثلاثون بعد المائة )
الموضوع : اسم الله - الحكيم -1 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: (الحكيم):
أيها الأخوة الأكارم، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "الحكيم".
ورود اسم الحكيم في القرآن الكريم مقترناً في أغلب المواضع باسم العزيز:
هذا الاسم ورد في القرآن الكريم في كثير من الآيات، وفي كثير من الأحاديث الشريفة، قال تعالى:
﴿ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾
( سورة البقرة )
هذا الاسم أيها الأخوة، ورد مقترناً في أغلب المواضع باسم العزيز، العزيز الحكيم، كقوله تعالى:
﴿ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾
( سورة آل عمران )
وقد ورد أيضاً مقترناً باسم الخبير، وكذلك باسم العليم. ورود اسم الحكيم في السنة النبوية:
أما في السنة ففي صحيح البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(( كما قال العبد الصالح عيسى بن مريم:
﴿ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾
))
( سورة المائدة )
أيها الأخوة، كتعليق على هذه الآية الكريمة التي قالها النبي عليه الصلاة والسلام تقييم العباد من شأن الله وحده، لا تفكر أن تقييم إنساناً، بل إنه من التألي على الله أن تحكم على إنسان حكماً قطعياً، قد تجد إنساناً الآن، ومن أدراك أنه سيتوب، وسيسبقك أحياناً فحجم الإنسان لا يسمح له أن يصدر حكماً قطعياً على إنسان آخر، فتقييم البشر من شأن خالق البشر، استرح وأرح، لكن ليس معنى هذا أن ترى إنساناً يقترف معصية كبيرة وتقول هذا ولي، هذا حمق، هذه معصية، لكن مستقبل هذا الإنسان لا يعلمه إلا الله. تقييم البشر من شأن خالق البشر:
لذلك دخل النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت أحد الصحابة، الذين توفاهم الله اسمه أبو السائب، فسمع امرأة تقول: هنيئاً لك أبا السائب لقد أكرمك الله، لأنه نبي مرسل ولأن كلامه حديث وتشريع، ولأن أفعاله سنة وتشريع، ولأن سكوته إقرار وتشريع، ينبغي ألا يسكت، فقال عليه الصلاة والسلام: ما يدريك أن الله أكرمه ؟ قولي أرجو الله أن يكرمه وأنا نبي مرسل، لا أدري ما يفعل بي ولا بكم.
يعني على وجه اليقين، أما على وجه الرجاء كل مؤمن يرجو رحمة الله، كل مؤمن مستقيم على أمر الله، مخلص يرجو الجنة، الرجاء شيء، والحكم القطعي المستقبلي على إنسان شيء آخر، فمن باب الأدب مع الله عز وجل لا تصدر حكماً على إنسان مستقبلياً هذا إلى النار، من قال لك كذلك ؟ الله تواب رحيم، الآن يعصي، كن عوناً له على الشيطان ولا تكن للشيطان عوناً عليه.
إذاً
﴿ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾
هذا أدب مع الله، فالمؤمن لا يتألى على الله، ولا يقيّم البشر، ولا يصدر أحكاماً قطعية مستقبلية، هذا ليس من شأن العبد، هذا من شأن الرب، العبد عبد، والرب رب. المعاني اللغوية التي وردت في المعاجم حول كلمة "الحكيم" :
أيها الأخوة، "الحكيم" في اللغة كما ألفنا في الأسماء السابقة صيغة مبالغة، على وزن فعيل، بمعنى فاعل، يعني حكيم بمعنى محكم، أحكم الصنعة أتقنها، والفعل حكم يحكم، حكماً، وحكومة.
و "الحكيم" يأتي على عدة معانٍ:
1 ـ الإحاطة:
منها الإحاطة، فلان أحكم قبضته على هذا المشروع، سيطر عليه، وأحاط به علماً، الإحاطة والمنع، حكم الشيء منعه، وسيطر عليه وأحاط به، حكمة اللجام يضعون في فم الحصان قطعة من الحديد تلجمه، اسمها حكمة اللجام.
2 ـ المدقق في الأمور:
"الحكيم" المدقق في الأمور، المتقن لها.
3 ـ الذي يحكم الأشياء:
"الحكيم" الذي يحكم الأشياء، ويحسن دقائق الصناعات ويتقنها، حكيم في صنعته، صنعة متقنة جداً، يقول أحدهم: أحكمته التجارب، علمته التجارب، أصبحت خبراته متراكمة.
4 ـ الذي يحكم الأمر:
"الحكيم" هو الذي يحكم الأمر، يضبطه، ويقضي فيه، وأمره نافذ فيه.
5 ـ المدرك لدقائق الأمور:
"الحكيم" هو المدرك لدقائق الأمور، يبين الأسباب والنتائج.
6 ـ الحاكم:
"الحكيم" هو الحاكم، كأن تقول قدير بمعنى قادر، وعليم بمعنى عالم، واستحكم الرجل ؛ أي ابتعد عن كل ما يضره في دنياه وآخرته.
هذه المعاني اللغوية التي وردت في المعاجم حول كلمة "الحكيم" .
الله جلّ جلاله حكيم متصف بحكمة حقيقية:
أما الله جل جلاله نقول هو "الحكيم" يعني متصف بحكمة حقيقية، عائدة إليه ، وقائمة به، كسائر صفاته، بحكمته:
﴿ خَلَقَ فَسَوَّى*وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ﴾
( سورة الأعلى )
وأسعد وأشقى، وأضل وهدى بحكمته، ومنع وأعطى، "الحكيم" هو المحكم لخلق الأشياء على مقتضى حكمته، لماذا جعل الله لنا عينين ؟ لمَ لم تكن عيناً واحدة، بالعين الواحدة ترى الطول والعرض، ترى السطوح ولا ترى الحجوم، بالعينين ترى البعد الثالث ، ترى العمق، أنت بعين واحدة لا تستطيع أن تُدخل الخيط في الإبرة، وقد تكون المسافة بينهما عشرة سنتمتر، أما بالعينين تدرك البعد الثالث، فمن حكمة الله عز وجل أنه جعل لنا عينين.
﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ﴾
( سورة البلد )
ومن الحكمة أن جعل لنا أذنين، بأذن واحدة لا تعرف جهة الصوت، أما بالأذنين يأتي الصوت من هنا، يدخل إلى هذه الأذن قبل هذه الأذن، بفارق يساوي على واحد على 1620 جزءاً من الثانية، تدرك جهة الصوت.
"الحكيم" هو الذي جعل قرنية العين تتغذى عن طريق الحلول، ولولا ذلك لو غُذيت قرنية العين كأي نسيج في جسم الإنسان لرأيت ضمن شبكة أوعية دموية تغذي قرنية العين، أما قرنية العين وحدها تتغذى عن طريق الحلول.
"الحكيم" لم يجعل في شعرك أعصاب حس، ولو جعل أعصاب حس لاضطررت إلى عملية جراحية اسمها الحلاقة.
"الحكيم" جعل لك قلباً ينبض ذاتياً، ولو ترك النبض إليك فالنوم يعني الموت. كل شيء في الكون يدل على حكمة الله عز وجل:
"الحكيم" يمكن أن ترى كل شيء في الكون يدل على حكمته، وأحد أكبر أسباب الإيمان بالله دليل الحكمة، الطفل الصغير فُتح ثقب بين أذنيه، وهو في رحم أمه اسمه ثقب بوتال، عند الولادة تأتي جلطة من "الحكيم" تغلق هذا الثقب، ولو لم تغلق لمات البشر بداء الزرق.
"الحكيم" أودع في طحال الجنين كمية من الحديد تكفيه سنتين، إلى أن يأكل الطعام، الحديث عن الحكمة لا ينتهي، لكن أوضح مثل قريب جداً:
مفتاح الكهرباء أين يوضع ؟ على مستوى الأرض ! من أجل أن تستخدمه ينبغي أن تنبطح، أم يوضع في رأس الحائط تحتاج إلى سلم، أين المكان المناسب ؟ أن يكون في مستوى كتف الإنسان، هذا المكان وضع بحكمة بالغة، وبإمكانك أن تكتشف حكمة الله في كل شيء.
الفم ليس فيه شعر، الأنف فيه شعر، الشعر بالأنف ليصطاد المواد العالقة بالهواء، أما الشعر بالفم يزعج في الطعام والشراب، الحديث عن الحكمة يحتاج إلى عمر مديد، أحد أكبر أدلة وجود الله عز وجل دليل الحكمة.
الماء ليس له لون، لو أن له لوناً للون كل أطعمتنا، لخرجنا من جلدنا من هذا اللون، لو أن له رائحة لكانت هذه الرائحة في كل ما نأكل، أيضاً لم نحتمل ذلك، ليس له لون، ولا طعم، ولا رائحة، شديد النفوذ، يتبخر بدرجة 14، لا ينضغط، لو وضعت متر مكعب من الماء وفوقه حجم ووزن يزيد عن مئة طن لا ينضغط ولا ميلي، وهذا الماء إذا تمدد ليس في الأرض قوة تقف في وجهه.
لذلك أحدث طريقة لاقتلاع الرخام تحفر أنفاق ضيقة تملأ بالماء، ويبرد الماء، فهذا التبريد يدفع هذه الكتلة من الصخر أن تنفصل عن أصل مكانها، خصائص الماء فيها حكمة بالغة،.
خصائص الهواء، الهواء يحمل بخار ماء، لولا أنه يحمل بخار ماء لما كانت أمطار، ولما كانت حياة.
السعيد
09-01-2018, 07:10 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الحادى و الثلاثون بعد المائة )
الموضوع : اسم الله - الحكيم -2 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: (الحكيم):
أيها الأخوة الكرام، لازلنا في اسم "الحكيم".
الله عز وجل حكيم حكمة مطلقة:
مقولة دقيقة عميقة قطعية تملأ القلب راحة، واستلاماً، وأمناً، وطمأنينة، كل شيء وقع أراده الله، لا يليق أن يقع في ملك الله ما لا يريد، ومعنى أراده الله ؛ أي سمح به، قد يسمح بوقوع شيء لحكمة بالغةٍ بالغة، مع أنه لم يأمر، ولم يرضَ، ولكن الإنسان مخير، وكل شيء أراده الله وقع، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، ومعنى الحكمة المطلقة أن الذي وقع لو لم يقع لكان الله ملوماً، وأن الذي وقع لو لم يقع لكان نقصاً في حكمة الله، وحكمة الله متعلقة بالخير المطلق، فالشر المطلق لا وجود له في الكون، بل هو يتناقض مع وجود الله.
ذلك أن الإنسان متى لا يكون حكيماً ؟ حينما يأتيه ضغط لا يحتمل، فيتكلم بكلام أو يتصرف بتصرف مناقض للحكمة، وقد يقع تحت إغراء شديد، فيفقد مع الإغراء الحكمة، وقد يكون جاهلاً فيفقد مع الجهل الحكمة، هل يمكن، أو يعقل، أو يقبل أن تكون الصفات صفة الإغراء الشديد، أو الضغط الشديد، أو الجهل، هذه الصفات هل يقبل عقل أن تنسحب على الله عز وجل ؟ مستحيل !.
إذاً الله عز وجل حكيم حكمة مطلقة، إن الله عز وجل حكيم حكمته مطلقة.
الدين الذي تدين له النفوس وتخضع له الفطر و تستسلم له العقول هو دين الله:
لذلك قال بعض العلماء ودققوا في هذا القول: الشريعة عدل كلها، حكمة كلها ، مصلحة كلها، رحمة كلها، فأية قضية خرجت من الحكمة إلى خلافها، من المصلحة إلى المفسدة، من الرحمة إلى القسوة، من العدل إلى الجور، ليست من الشريعة، ولو أدخلت عليها بألف تأويل وتأويل، ما معنى الدين ؟ الدين الذي تدين له النفوس، تخضع له الفطر ، تستسلم له العقول، هذا دين الله.
لذلك قال بعض العلماء: من دعا إلى الله بمضمون سطحي، بمضمون متناقض، بمضمون غير متماسك، أو بأسلوب غير علمي، أو بأسلوب غير تربوي، لا يعد المدعو إلى الدين بهذه الطريقة، وبهذا المضمون، وبهذا الأسلوب مبلغاً عند الله، ويقع إثم تفلته من منهج الله على من دعاه بهذه الطريقة.
الله عز وجل خالق السماوات والأرض، وكمال الخلق يدل على كمال التصرف فأي شيء لا تقبله الفطر السليمة، ولا العقول الراجحة، هو غير صحيح، لأن الحق دائرة تتقاطع فيها أربعة خطوط، خط العقل الصريح، وخط الفطرة السليمة، وخط الواقع الموضوعي، وخط النقل الصحيح، الحق ما جاء به النقل الصحيح، ليس الضعيف، ليس الموضوع، وقبله العقل الصريح، ليس العقل التبريري، وارتاحت له الفطرة السليمة، ليست الفطرة المنطمسة، وأقره الواقع الموضوعي، هذا هو الحق.
إذاً الشريعة عدل كلها، حكمة كلها، مصلحة كلها، رحمة كلها، أية قضية خرجت من العدل إلى الجور، من الحكمة إلى خلافها، من المصلحة إلى المفسدة، من الرحمة إلى القسوة، ليست من الشريعة ولو أدخلت عليها بألف تأويل وتأويل.
حكمة الله عز وجل حكمة مطلقة بينما حكمة الإنسان حكمة نسبية:
أيها الأخوة الكرام، لابدّ من توضيح حقيقة: الإنسان نسبي، لكن الله جلّ جلاله مطلق، بمعنى:
قاضي أصدر ألف حكم، خمسة أحكام ليست عادلة، هو عند الناس عادل، عن غير قصد، لكن في الأعم الأغلب هو قاضٍ عادل، أما الإله العظيم لو ظُلم في ملكه عصفور ليس عادلاً، عدله مطلق، رحمته مطلقة، حكمته مطلقة، فكل أسمائه حسنى، وكل صفاته فضلى.
أذكر قصصاً كثيرة، لكن واحدة منها: إنسانة أرادت أن تتوظف، وافقوا لها على عقد في بلد نفطي، عُينت في بلدة، هي اختصاصها رياضيات، المديرة فرزتها إلى تدريس مادة التربية الإسلامية، اعترضت، أنا اختصاصي رياضيات، هذه المادة لست مختصة بها، قالت لها: إما أن تدرسي هذه المادة، وإما أن أُنهي عقدك، دخلت إلى الصف وهي تحمل لسانس في الرياضيات كي تدرس التربية الدينية، الدرس الذي ينبغي أن يُدرس عن حجاب المرأة المسلمة، وهي في الأصل ليست محجبة، قرأت الآيات، تأثرت، أين هي من هذا الحكم الشرعي ؟ فبكت، ثم طلبت من الطالبات أن يعفينها من إلقاء الدرس وراجعت حساباتها، وكان هذا التكليف الغير الحكيم من قبل المديرة سبب هدايتها، خطأ المدير أحياناً وظف لمصلحة هذه المدرسة.
فكل شيء وقع أراده الله، وكل شيء أراده الله وقع، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، والحكمة المطلقة متعلقة بالخير المطلق.
إرادة الله عز وجل متعلقة بالحكمة المطلقة والحكمة المطلقة متعلقة بالخير المطلق:
بالمناسبة أيها الأخوة، كل واحد منا معه آلاف القصص، بحياته، بعلاقاته ، بمن حوله، بمشاهداته، من خلال أقربائه، عنده قصص كثيرة، لكن معظم هذه القصص يعرف آخر فصل فيها، القصة التي تعرف آخر فصل فيها لا معنى لها إطلاقاً، لكن كل واحد منا أيضاً عنده عدة قصص، من أول فصل إلى آخر فصل، هذه القصص القليلة التي يعرفها من أول فصل إلى آخر فصل تتبدى فيها حكمة الله، ويتبدى فيها عدله، ورحمته، هذه القصص يمكن أن تروى، لكن كل القصص الأخرى كهذه لكن أن لا تعرف المقدمات كل واحد منا في تعامله مع ربه يرى عدله المطلق، رحمته المطلقة، لكن الإنسان أحياناً يرى حادثاً في نهاية المطاف يا ترى ما الحكمة ؟ لا يعلم، أما المؤمن شأنه في موضوع الحكمة أنه موقن يقيناً تاماً، قطعياً لحكمة الله، مع أنه قد لا يعرفها.
مرة شخص سألني أنه يوجد شخص جاء إلى السوق ليكسب رزق أولاده، والعمل كما قال لي عبادة، سمع إطلاق رصاص مدّ رأسه فإذا برصاصة تصيب عموده الفقري، ويُشل فوراً، قال لي: ما الحكمة من هذا ؟ قلت له: أنا موقن بحكمة الله، لكن لا أعرف تفسير هذا الذي حدث.
بعد عشرين يوماً إنسان من الأخوة الكرام قال لي: لنا جار يسكن فوقنا، اغتصب بيتاً لأولاد أخيه الأيتام، وبذلوا كل ما بوسعهم كي يسترجعوا البيت من عمهم، فرفض فاحتكموا إلى أحد علماء دمشق، واستدعاه، ورفض بوقاحة أن يرد البيت لأولاد أخيه الأيتام قال لهم بالحرف الواحد: لا يليق بكم أن تشكو عمكم إلى القضاء، اشكوه إلى الله، هذا الحدث كان الساعة التاسعة مساءً هو نفسه الذي مدّ رأسه ليرى من أين أتى إطلاق الرصاص فجاءت رصاصة استقرت بعموده الفقري بعد اثنتي عشرة ساعة.
الإنسان المشاهد يعجب من هذا الذي حدث، لكن لو دققت في هذه القصة، وفي فصولها الأولى لعرفت أن كل شيء وقع أراده الله، وأن كل شيء أراد الله وقع، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، والحكمة المطلقة متعلقة بالخير المطلق.
توظيف عنف و ظلم الطغاة من قِبل الله عز وجل لخدمة دينه:
الله عز وجل يقول:
﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ﴾
( سورة إبراهيم الآية: 42 )
الله يوظف عنفهم وظلمهم للخير المطلق، والدليل: ﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ ﴾
( سورة القصص )
الشر المطلق لا وجود له في الكون لأنه يتناقض مع الخير المطلق و مع وجود الله تعالى:
إذاً الشر المطلق لا وجود له في الكون لأنه يتناقض مع الخير المطلق، لأنه يتناقض مع وجود الله، فالله عز وجل يوظف شر البشر لصالح البشر، بل ما من طاغية يطغى، أو يسمح الله له أن يكون طاغية إلا ويوظف الله طغيانه لخدمة دينه، ولخدمة المؤمنين من دون أن يشعر، ومن دون أن يريد، وبلا أجر، وبلا ثمن، والله عز وجل يقول:
﴿ وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾
( سورة لقمان )
اقتران اسم الحكيم بعدد كبير من أسماء الله الحسنى:
﴿ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعاً حَكِيماً ﴾
( سورة النساء )
﴿ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾
( سورة النور )
﴿ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ﴾
( سورة هود )
﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ ﴾
( سورة النور )
القرآن الكريم: ﴿ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾
( سورة فصلت )
﴿ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾
﴿ وَاسِعاً حَكِيماً ﴾
﴿ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾
﴿ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ﴾
﴿ تَوَّابٌ حَكِيمٌ ﴾
﴿ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾
عجز البشر عن أن يأتوا بآية واحدة مثل آيات الله عز وجل:
أيها الأخوة، هو حكيم وهو تواب، هو حكيم وهو حميد، هو حكيم وهو خبير ، هو حكيم وهو عليم، هو حكيم وهو واسع.
أيها الأخوة، الآن "الحكيم" جاءت وصفاً لقرآنه الكريم.
﴿ الر تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ ﴾
( سورة يونس )
يعني نظم محكم، هناك إعجاز علمي، بلاغي، بياني، إخباري، تشريعي ، يعجز البشر عن أن يأتوا بآية واحدة من آيات الله عز وجل. من عرف الآمر ثم عرف الأمر تفانى في طاعة الآمر :
الآن دققوا في هاتين الآيتين: ﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾
( سورة آل عمران )
هذه آية، هناك دعاء لسيدنا إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام: ﴿ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾
( سورة البقرة )
بين الآيتين تفاوت في الترتيب، دعاء سيدنا إبراهيم: ﴿ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ ﴾
الكونية التي تدل على عظمتك، وعلى وجودك، وعلى كمالك، وعلى وحدانيتك ﴿ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ﴾
هذا اجتهاد سيدنا إبراهيم، وهذا دعاء سيدنا إبراهيم وهذا الترتيب ﴿ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ﴾
أما الله جلّ جلاله يقول: ﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ﴾
يعني المؤمن إذا تفكر في خلق السماوات والأرض توجه إلى الله، فزكت نفسه ثم يأتي التشريع بعد ذلك.
لذلك: ﴿ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ﴾
الآية الثانية اجتهاد سيدنا إبراهيم، بالترتيب ﴿ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ﴾
الترتيب الإلهي ﴿ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ﴾
يعني إذا عرفت الآمر ثم عرفت الأمر تفانيت في طاعة الآمر، أما إذا عرفت الأمر ولم تعرف الآمر تفننت في التفلت من الأمر، وهذه مشكلة العالم الإسلامي، عرفوا الأمر ولم يعرفوا الآمر لذلك تفننوا في التفلت من الأمر، أما لو عرفوا الآمر ثم عرفوا الأمر لتفانوا في طاعة الآمر. الحكمة أسلوب فعال في الدعوة إلى الله عز وجل:
أيها الأخوة، أيضاً الحكمة قُرنت بكلمة الكتاب ﴿ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ﴾
فإذا قرنت الحكمة بالكتاب فتعني سنة النبي عليه الصلاة والسلام ﴿ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ ﴾
القرآن ﴿ وَالْحِكْمَةَ ﴾
بيانه وتفصيله، من قبل المعصوم.
والحكمة أيضاً جعلت أسلوباً في الدعوة إلى الله. ﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ﴾
( سورة النحل الآية: 125 )
دقق في دقة النظم، أو دقة الصياغة، ﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ﴾
يجب أن يكون كلامك حسناً، لأنه في دعوة إلى الله. ﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 159 )
يعني النبي عليه الصلاة والسلام أوتي الوحي، أوتي القرآن، أوتي المعجزات ، أوتي الفصاحة، أوتي جمال الصورة، أوتي كل شيء، ومع ذلك يقول الله له أنت أنت يا محمد، على كل هذه الخصائص ﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾
ليس نبياً، ولا رسولاً، ولم يؤتَ القرآن، ولم يؤتَ الوحي، ولم يؤتَ المعجزات، وليس فصيحاً، وليس جميل الصورة، ومع ذلك في دعوته غلظة وفظاظة. عند الجدال ينبغي على الإنسان أن يختار العبارة الأحسن:
لذلك: ﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ ﴾
بالاعتدال، بالتلطف، بالإحسان ، بالبيان، بأن تكون عوناً لأخيك على الشيطان، لا أن تكون عوناً للشيطان على أخيك، قال: ﴿ وَجَادِلْهُمْ ﴾
( سورة النحل الآية: 125 )
صار هناك حوار، بالمجادلة:
﴿ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾
( سورة النحل الآية: 125 )
يعني إذا في مئة عبارة حسنة بالجدال ينبغي أن تختار العبارة الأحسن، معنى الحُسن جاء صفة في الدعوة إلى الله ﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ﴾
بينما في المجادلة والحوار جاءت الكلمة المشتقة من الحسن جاءت اسم تفضيل، ﴿ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾
الحكمة أكبر عطاء إلهي للإنسان:
أيها الأخوة، الحقيقة أن الحكمة أكبر عطاء إلهي، أنت بالحكمة تسعد بزوجة من الدرجة العاشرة، ومن دون حكمة تشقى بزوجة من الدرجة الأولى، أنت بالحكمة تتدبر معيشتك بدخل محدود، ومن دون حكمة تبدد الأموال الطائلة، أنت بالحكمة تقلب الأعداء إلى أصدقاء، ومن دون حكمة تجعل الأصدقاء أعداء.
لذلك قال تعالى:
﴿ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾
( سورة البقرة )
بالمناسبة: الله عز وجل آتى المال لمن لا يحب، آتاه لقارون، وآتاه لمن يحب، وآتى الملك لمن لا يحب، آتاه لفرعون، وآتاه لمن يحب، سيدنا سليمان. ﴿ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي ﴾
( سورة ص الآية: 35 )
الذين لا يحبهم أعطاهم أحياناً الملك كفرعون، والذين لا يحبهم أعطاهم الله أحياناً المال، ولكن الذين يحبهم ماذا أعطاهم ؟ قال:
﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً ﴾
( سورة القصص الآية: 14 )
فأنت اسأل نفسك هذا السؤال: يا ترى العطاء من نوع عطاء الأنبياء ؟ آتاك الله حكمة ؟ آتاك الله علماً ؟.
﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾
( سورة النساء )
اسأل نفسك هذا السؤال المحرج: عطائي من الله من نوع عطاء الأقوياء والأغنياء ؟ أم من نوع عطاء الأنبياء ؟ ﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً ﴾
من عرف جميع الأشياء، ولم يعرف الله عز وجل لا يسمى حكيماً.
(( ابن آدم اطلبني تجدني فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإذا فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء ))
[من مختصر تفسير ابن كثير]
رأس الحكمة مخافة الله:
لذلك هناك عقل، وهناك ذكاء، الذكاء متعلق بالجزئيات، إنسان يحمل اختصاصاً نادراً، يحمل اختصاصاً في الفيزياء النووية، في الكيمياء العضوية، في الرياضيات الفلكية، اختصاصات نادرة، تدر على صاحبها أمولاً طائلة، فالذكاء متعلق بالاختصاصات المحدودة أما العقل متعلق بالكليات.
لذلك رأى النبي صلى الله عليه وسلم مجنوناً فسألهم سؤال العارف: من هذا ؟ قال: هذا مجنون، قال: لا، هذا مبتلى، المجنون من عصا الله.
قد تحمل أعلى شهادة، باختصاص نادر، لكن لأنك لا تصلي، لأنك لا تعرف الله، لأنك لا تعمل لآخرتك أنت لست عاقلاً، أقول أنت ذكي ولكن لست عاقلاً .
لذلك قالوا: ما كل ذكي بعاقل، تكون عاقلاً إذا عرفت الله، عرفت سر وجودك وغاية وجودك.
أيها الأخوة، رأس الحكمة مخافة الله.
كل إنسان طبق تعليمات الصانع و أطاع الله عز وجل يعد حكيماً:
أيها الأخوة، الحكم بين أيدينا، لكن البطولة أن تطبقها، فأن تقرأ حكمة أو أن تفهم حكمة شيئاً، وأن تعيشها شيئاً آخر.
حظ الإنسان من هذا الاسم أن "الحكيم" من يتحلى بها، فالمؤمن حكيم، والمؤمن يفعل الشيء المناسب في الوقت المناسب، في المكان المناسب، مع الشخص المناسب، فأي مؤمن اتصل بالله عز وجل يشتق منه الحكمة، وكل إنسان طبق تعليمات الصانع يعد حكيماً ، وكل إنسان أطاع الله يعد حكيماً، وكل إنسان توجه إلى الله يعد حكيماً، وكل إنسان عمل لآخرته يعد حكيماً، نسأل الله جل جلاله أن يرزقنا الحكمة.
السعيد
09-01-2018, 07:13 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الثانى و الثلاثون بعد المائة )
الموضوع : اسم الله - الغفور -1 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: (الغفور):
أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "الغفور" وكما أن اسم المجيب من أقرب الأسماء إلى المؤمن، كذلك اسم "الغفور" من أقرب الأسماء إلى المؤمن.
ورود اسم الغفور في القرآن الكريم و السنة الشريفة:
اسم الله "الغفور" ورد معرفاً ومنوناً، ورد معرفاً بالألف واللام في أحد عشر موضعاً في القرآن الكريم، كما في قوله تعالى:
﴿ نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾
( سورة الحجر )
هناك من يُغفل تتمة الآية: ﴿ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ ﴾
( سورة الحجر )
غفور رحيم إذا تبت إليه، أما إذا لم تتب فعذابه عذاب أليم، وفي قوله تعالى: ﴿ وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ ﴾
( سورة الأنعام الآية: 133 )
الله عز وجل خاطب النبي الكريم، وهو أرحم الخلق بالخلق، فقال له: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 159 )
﴿ وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ ﴾
فإذا تراحم الخلق فبرحمة من الله ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾
توكيل تقليل برحمة ﴿ وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ ﴾
وورد في اثنتين و سبعين آية في القرآن الكريم، منوناً، كما في قوله تعالى: ﴿ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾
( سورة البقرة )
أما في السنة: أبو بكر رضي الله عنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم:
(( يا رسولَ الله، عَلمني دُعاء أَدعو بِهِ في صَلاتي، قال: قُلْ: اللهمَّ إني ظَلمتُ نَفسي ظُلْما كثيراً، ولا يَغفِرُ الذُّنُوبَ إِلا أَنتَ، فَاغْفِر لي مَغْفِرَة من عِنْدِكَ، وارحمني إنك أَنتَ الغَفُورُ الرَّحيمُ ))
[أخرجه البخاري عن ابن عمر ]
هذا دعاء علمه النبي صلى الله عليه وسلم لسيدنا الصديق:
(( عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى على رجل ـ كان قد مات ـ فقال اللهم إن فلان ابن فلان في ذمتك، وحبل جوارك، فأعذه من فتنة القبر وعذاب النار، أنت أهل الوفاء والحمد، اللهم اغفر له وارحمه، إنك أنت الغفور الرحيم ))
[أبو داود عن واثلة بن الأسقع]
هذا دعاء النبي للميت، هذا فيما ورد في الكتاب والسنة عن اسم "الغفور" . معاني اسم الغفور في اللغة:
"الغفور" في اللغة، من صيغ المبالغة على وزن فعول، غافر، فاعل، غفور من صيغ المبالغة، يعني كثير المغفرة، ولا تنسوا أيها الأخوة، أن الاسم إذا جاء على صيغة المبالغة يعني المبالغة كماً ونوعاً، يغفر مليار ذنب، ويغفر أكبر ذنب، معنى غفور يدل على الكثرة والقوة، الكم والنوع في الفعل، طبعاً الفعل من هذا الاسم غفر، يغفر، غفراً، ومغفرة، وغفراناً، أصل الغفر التغطية، والستر، وكل شيء سترته فقد غفرته، كأن الله عز وجل حينما يغفر الذنب يستره عن صاحبه، لئلا يتعذر به، فطرة الإنسان فطرة سليمة، فإذا أخطأ الإنسان، أو سبب إيذاء لمخلوق يتعذب.
فالمغفرة: أن يستر الله عنه هذا الذنب، وكل شيء سترته فقد غفرته، والمغفر غطاء الرأس، والمغفرة التغطية على الذنوب والعفو عنها، وغفر الله ذنوبه أي سترها:
(( يُدنى المؤمن من ربه حتى يضَع عليه كنَفَه - أي ستره - فيقرِّرُه بذنوبه: تَعْرِفُ ذَنّبَ كذا وكذا ؟ فيقول: أعرف ربِّ، أعرفُ - مرتين - فيقول سَتَرْتُها عليك في الدنيا، وأغْفِرُها لك اليومَ، ثم تُطوى صحيفةُ حسناته، وأما الآخرون - أو الكفار أو المنافقون - فينادى بهم على رؤوس الخلائق: هؤلاء الذين كَذَبوا على ربهم، ألا لعنةُ الله على الظَّالمين ))
[ البخاري عن ابن عمر]
كما قلت قبل قليل: إن اسم "الغفور" من أقرب الأسماء الحسنى إلى المؤمن، لأن المؤمن مذنب تواب، والله عز وجل غفور. الله عز وجل غفور يستر العيوب والذنوب:
الآن الله عز وجل غفور، ما المعنى الدقيق ؟ قال: "الغفور" هو الذي يستر العيوب ويستر الذنوب، مهما بلغ الذنب، مهما بلغ الذنب من الكبر، ومهما تكرر من العبد وأراد الرجوع إلى الرب، فإن باب المغفرة مفتوح في كل وقت، ما لم تغرغر النفس، وليس التوبة:
﴿ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآَنَ ﴾
( سورة النساء الآية: 18 )
عند الغرغرة لا تقبل التوبة، أو تطلع الشمس من مغربها، وقد ذكرت لكم من قبل: أن من معاني طلوع الشمس من مغربها، أن المسلمين حينما يستصغرون دينهم ويرون أن الغرب بما فيه من فسق، وفجور، وانحلال، وتطاول، وغطرسة، وكبرياء ، هم القوم، هم المتحضرون، هم الأخلاقيون، إذا أغفلنا ديننا، وتطلعنا إلى الغرب على أن الحضارة منه، والقيم منه، والحسن ما فعله، والقبيح ما قبحه، لا تعطى رخصة في أي مكان في العالم لفندق من نوع الخمس نجوم إلا إذا كان فيه الخمر، هكذا، حينما نرى الغرب مصدر الحضارة، مصدر الرقي، الغرب هم الأناس الذين عرفوا كيف يعيشون.
(( كل نفس تحشر على هواها، فمن هوي الكفر فهو مع الكفرة، ولا ينفعه عمله شيئاً ))
[أخرجه الطبراني عن جابر بن عبد الله ]
حينما نرى الغرب كل شيء ونحن لا شيء، نحن على ما نحن عليه، عندنا وحي السماء، عندنا دين القيمة، عندنا سيد الأنبياء والمرسلين، عندنا منهج الخالق، عندما لا نرى أنفسنا شيئاً، ونرى الغرب كل شيء، عندئذٍ يغلق باب التوبة، لماذا يتوب الإنسان ؟ هذا أخطر شيء بالإنسان أن تهتز مبادئه و قيمه من الداخل.
لذلك باب المغفرة مفتوح في كل وقت، ما لم تغرغر النفس وتطلع الشمس من مغربها، طبعاً من معاني طلوع الشمس من مغربها، أن نرى الغرب في أعلى درجات الرقي على ما هم فيه من إباحية، من تفلت، من انحلال، لكن في تقدم مادي مذهل. الاستغفار نوعان: عام و خاص:
اسم الله "الغفور" يدل على دعوة العباد للاستغفار بنوعيه، هناك استغفار عام واستغفار خاص، ما الاستغفار العام ؟ هو الاستغفار من صغائر الذنوب، وقبائح العيوب ، وما يدور من خواطر السوء في القلوب، فالقلب فيه منطقتان، منطقة حديث النفس، ومنطقة الكسب، وأنت ساكت، هناك حديث داخلي، وهناك حديث ذاتي.
شخص ركب بمركبة إلى حلب، لوحده، طوال الطريق يحدث نفسه، قال: يا ترى هل أزور فلاناً ؟ لا، لا أريد أن أزوره، حوار ذاتي، يسموه كتّاب المسرح منولوج، حوار الذات، ففي منطقة الحديث حديث النفس، قد يأتيك خاطر لا يرضي الله، قد تفكر بإيذاء إنسان، قد تستصغر إنساناً مؤمناً لكن فقير، كل خاطر، كل حديث ذاتي لا يرضي الله ينبغي أن تستغفر الله من هذه الخواطر، هذا الاستغفار العام، يعني الله عز وجل تفضل علينا، وكأنه عفا عنا فيما حدثنا به أنفسنا، أما إذا انقلب إلى عمل، صار في استغفار خاص، في ذنب ارتكبته، في سلوك فعلته، في موقف وقفته، في نظرة نظرتها، في استعلاء استعليت به، مادام في سلوك، انتقلنا إلى منطقة أخرى، منطقة الكسب، في خواطر، خطرات، أفكار قد لا ترضي الله، تحتاج إلى استغفار عام، وفي منطقة الكسب في سلوك، وقفت موقفاً عنيفاً، وقفت موقفاً في استعلاء، من أنت ؟
﴿ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ﴾
( سورة فصلت الآية: 15 )
الموقف الذي في استعلاء، الذي في خطأ، الذي في كبر، الذي في تجاوز الذي في مخالفة، هذا يستدعي استغفار خاص، أن تستغفر الله من هذا الذنب بالذات. من نعم الله الكبرى على الإنسان أن الله يغفر لنا ما خطر في أذهاننا من خواطر لا ترضيه:
أيها الأخوة، قال تعالى:
﴿ وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾
( سورة يوسف )
أي من نعم الله الكبرى أن الله يغفر لنا ما خطر في أذهاننا من خواطر لا ترضيه:
(( والله إِني لأستغفرُ الله وأَتوبُ إليه في اليومِ سَبعينَ مَرة ))
[ البخاري عن أبي هريرة]
إلا أن توبة النبي هناك من أعطاها معنىً آخر، يعني كلما أقبل على الله انكشفت له من حقيقة الذات الإلهية ما رأى أن رؤيته السابقة ذنباً تستحق الاستغفار، هذا الكلام في شأن النبي صلى الله عليه وسلم.
(( والله إِني لأستغفرُ الله وأَتوبُ إليه في اليومِ سَبعينَ مَرة ))
[ البخاري عن أبي هريرة]
و:
(( إِنه لَيُغَانُ على قَلبي ـ ليغطى على قلبي ـ حتى أَستَغفِر الله في اليومِ مئةَ مرة ))
[مسلم عن الأغر المزني]
وقال بعض العلماء: كلمة مئة تدل على الكثرة، لا على العدد المحدد، هذا الاستغفار العام، أما الاستغفار الخاص هذا كما قلت قبل قليل: متعلق بمنطقة الكسب، بعد تعمد الفعل، يعني سخر، اغتاب، نمّ، احتقر، ضرب، استكبر، استعلى، بعد تعمد الفعل واقتراف الإثم في اللسان والجوارح كقوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ آثاما * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً *إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ﴾
( سورة الفرقان )
أي قبل التوبة كان بخيلاً، بعد التوبة أصبح كريماً، قبل التوبة كان غضوباً، بعد التوبة أصبح حليماً، قبل التوبة كان قليل الورع، بعد التوبة أصبح كثير الورع. الله عز وجل خلق الإنسان بإرادة حرة تميز بين الحق والباطل:
أيها الأخوة الكرام، الله عز وجل خلق البشر بإرادة حرة، أنت حر، أنت مخير ، لولا أنك مخير لا معنى للجنة ولا للنار، ولا للثواب ولا للعقاب، ولا للسعادة ولا للشقاء ، أنت مخير.
﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾
( سورة الكهف الآية: 29 )
﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً ﴾
( سورة الإنسان )
فالله عز وجل خلق البشر وأعطاهم إرادة حرة. ﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ﴾
( سورة البقرة الآية: 148 )
﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تخرصون َ ﴾
( سورة الأنعام )
إذاً خلقهم بإرادة حرة، مخيرة بين الحق والباطل، بين الخير والشر، بين الخطأ والصواب، وأعلمهم أنه غفور رحيم، و تواب كبير، ليظهر لهم الكمال في أسمائه، وليحقق فيهم مقتضى أوصافه، لتعود المنفعة عليهم أجمعين.
(( كُلُّ بَني آدمَ خطَّاءٌ وخيرُ الخَطَّائينَ التَّوابونَ ))
[ الترمذي عن أنس بن مالك]
العاقل من حاسب نفسه حساباً عسيراً قبل لقاء الله عز وجل:
عند مسلم من حديث أبي أيوب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
(( لو لم يكن لكم ذنوب يغفرها الله لكم لجاء الله بقوم لهم ذنوب يغفرها لهم ))
هذا الحديث يحتاج إلى شرح، له رواية أخرى:
(( لَو لَم تُذنِبُوا لَذَهَبَ الله بكُمْ، وَلَجَاءَ بقوم يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ، فَيَغْفِرُ لهم ))
الحقيقة ليس معنى الحديث أن تسارع إلى الذنب، مستحيل وألف ألف مستحيل ولكن معنى الحديث أن الذي لا يشعر بذنبه هالك، منتهٍ، لا يعبأ الله به، يفعل الكبائر، يقول لك ماذا فعلت ؟ لم أفعل شيئاً ؟ هذا الذي لا يرى ذنبه إطلاقاً، (( لَو لَم تُذنِبُوا ))
بمعنى لو لم تشعروا بذنوبكم، يسهر سهرة كلها غيبة ونميمة، يقول لك ماذا فعلت ؟ نتسلى ! لا، كل كلمة ذكرتها فيها حساب شديد، (( لَو لَم تُذنِبُوا ))
أنتم هالكون عند الله، لا يعبأ بكم، يأتي بقوم إذا أخطأ بكلمة لا ينام الليل، إذا أكل قرشاً حراماً يحاسب نفسه حساباً عسيراً.
رأى النبي تمرة على السرير، قال: يا عائشة ! لولا أني أخشى أنها من تمر الصدقة لأكلتها، يحاسب نفسه حساباً عسيراً.
(( وركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلط ))
[ الجامع الصغير عن أنس ]
أيها الأخوة، إذاً (( كُلُّ بَني آدمَ خطَّاءٌ وخيرُ الخَطَّائينَ التَّوابونَ ))
[الترمذي عن أنس]
(( لَو لَم تُذنِبُوا لَذَهَبَ الله بكُمْ، وَلَجَاءَ بقوم يُذْنِبُونَ ))
[ رَوَاهُ مُسلِمٌ عن أبي أيوب خالد بن يزيد]
بمعنى يشعرون بذنوبهم، يتألمون منها، في حياة، إذا إنسان حي ضربته يتألم إذا ميت لا يتألم.
ليس من مات فاستراح بميت إنما ميتُ ميت الأحياء
* * *
فالذي لا يشعر بذنبه إطلاقاً، ولا يعبأ به، يقول لك ماذا فعلنا ؟ الناس كلهم هكذا. الغفور من أقرب الأسماء إلى المؤمن لأن الله عز وجل أعطى الإنسان أملاً بالمغفرة:
أيها الأخوة، مرة ثانية: هذا الاسم من أقرب الأسماء إلى المؤمن، لأن العبد من شأنه أن يذنب، وأن الله تعالى من شأنه أن يغفر، شأن العبد أنه يذنب، وشأن الرب أنه يغفر، وما أمرك أن تستغفره إلا ليغفر لك، وما أمرك أن تستغفره إلا لأنه علم ضعفك وغفلتك أحياناً، في ضعف أمام بعض الشهوات، وفي غفلة، فالمغفرة علاج الضعف البشري، أو الغفلة، لولا أن الله جلّ جلاله غفور رحيم ماذا حلّ بنا ؟ وماذا نفعل بذنوبنا ؟ وكيف نواجه ربنا ؟ لكن الله سبحانه وتعالى غفور، يستر ذنبك عن الخلق، ويعفو عنك، ويحول بينك وبين العقاب.
تصور ما في مغفرة، ولا في توبة، الإنسان من أقل ذنب يفجر، ما في أمل أحياناً الطغاة لا يرحموا، ولا يغفروا، فالإنسان لما ييأس يرتكب أكبر الكبائر ما في أمل، أما الله عز وجل أعطاه أملاً.
﴿ وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى ﴾
( سورة طه )
شروط المغفرة العودة والتوبة والإنابة والإقلاع عن الذنب:
لكن في فهم ساذج أن الله غفور رحيم، لا، غفور رحيم إذا تبت إليه
﴿ نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾
رجعت إليه تائباً، مستقيماً، مقلعاً عن الذنب، الله عز وجل يقول:
﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً ﴾
( سورة الزمر الآية: 53 )
تتمة الآية: ﴿ وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ * أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ ﴾
( سورة الزمر )
يعني غفور رحيم إن عدت إليه، غفور رحيم إذا تبت إليه، غفور رحيم إذا أنبت إليه، غفور رحيم إذا استغفرته، أما غفور رحيم على إطلاقها، الآية واضحة جداً، ﴿ نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾
﴿ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ ﴾
( سورة الحجر )
غفور شرط العودة، والتوبة، والإنابة، والإقلاع عن الذنب. العفو لا قيمة له إلا إذا كنت مقتدراً:
أيها الأخوة، أحياناً الإنسان لضعفه يقول لك سامحته، لأنك ضعيف، لأنك لا تملك أن تحاسبه، لا تملك أن تعاقبه، ضعيف، لكن أنت حينما تعفو عن عدوك وهو في قبضتك، وبإمكانك أن تسحقه، وبإمكانك أن تذيقه ألوان العذاب، وتعفو عنه هذا العفو يرقى بك عند الله.
لذلك حينما ائتمرت قريش على رسول الله عشرين عاماًً، ونكلت بأصحابه ، وحاربته مرات عديدة، ثم وقعوا في قبضته عند فتح مكة، عشرة آلاف سيف متوهجة ينتظرون كلمة من فمه الشريف، قال:
(( ما تظنون إني فاعل بكم ؟ قالوا: أخ كريم، وابن أخ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء ))
[ السيرة النبوية]
لذلك العفو لا قيمة له إلا إذا كنت مقتدراً، وقد قيل العفو عند المقدرة، أحياناً يقول لك: أنا أديت الحق، أنت موقع سنداً، موقع إيصالات، وأعطيت مكان إقامتك وخصمك ليس سهلاً، يقيم دعوى، يأخذ المبلغ كاملاً منك، أنت إذا أديت هذا المبلغ ما فعلت شيئاً، أما حينما لا تكون مداناً في الأرض.
أقسم لي إنسان بالله أودع معه إنسان عشرين مليوناً ليستثمرها عنده، ولم يعلم أحداً، ولا أخذ وصلاً، ومات بحادث، في الأرض ليس مداناً، توجه إلى الورثة، وقدم لهم المبلغ، هذه الأمانة، أنت تؤدي ما عليك، ولست مداناً في الأرض.
لذلك هناك صفات أخلاقية يجب أن تكون معك، أداء الأمانة ألا تكون مداناً، العفو أن تكون مقتدراً، العفو عند المقدرة.
أيها الأخوة، لها الاسم العظيم شرح طويل إن شاء الله نتممه في لقاء آخر.
السعيد
09-01-2018, 07:14 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الثالث و الثلاثون بعد المائة )
الموضوع : اسم الله - الغفور - 2 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
من أسماء الله الحسنى: (الغفور):
أيها الأخوة الكرام، لازلنا في اسم "الغفور".
على المؤمن أن يستغفر الله لأن الله ما أمره أن يستغفره إلا ليغفر له:
في هذا الدرس الثاني نتحدث عن علاقة المؤمن بهذا الاسم، أول واجب على المؤمن أن يستغفر الله، فلابدّ من أن تستغفر لأن الله ما أمرك أن تستغفره إلا ليغفر لك، فدوام الاستغفار حظك من هذا الاسم.
والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:
(( إِني لأستغفرُ الله في اليومِ مئة مَرة ))
[أبو داود عن الأغر المزني]
وقد ننوه أن استغفار النبي له تفسير خاص، فكلما أقبل على الله، وانكشفت له رؤية جديدة، استغفر من رؤيته السابقة، لأنه مهما تعرفت إلى الله، فالله أعظم مما عرفت ولا يعرف الله إلا الله.
أيها الأخوة، قال بعض العلماء: الأولى أن يستغفر الله صباحاً لما كان له في الليل وأن يستغفر الله مساءً لما كان له في النهار، لكن الحديث البشارة أنه:
(( من صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله حتى يمسي، ومن صلى العشاء في جماعة فهو في ذمة الله حتى يصبح ))
[أحمد]
يعني صلاتا الفجر والعشاء، إذا كانتا في مسجد، وفي جماعة، فكل صلاة ضمانة لما بعدها.
(( من صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله حتى يمسي، ومن صلى العشاء في جماعة فهو في ذمة الله حتى يصبح ))
[أحمد]
مغفرة الله عز وجل للإنسان مرتبطة بالتوبة و الإقلاع عن الذنب:
لكن لابدّ من التحفظ حول أن كلمة غفور رحيم لا تعني إطلاقاً أن افعل ما تشاء والله غفور رحيم، لا تعني إطلاقاً هذا المعنى، ولكن تعني أنك إذا أذنبت وأدركت أنك أذنبت وندمت، واستغفرت، وأقلعت، وأصلحت فإن الله غفور رحيم، لو تتبعت آيات المغفرة في القرآن الكريم، لوجدت كلمات من بعدها:
﴿ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾
( سورة النحل )
ما أراده الله إطلاقاً، بل هو استخفاف بعظمة الله عز وجل، بل إنك إذا أخطأت، وندمت، ثم أقلعت، ثم تبت إلى الله اعلم يقيناً أن الله غفور رحيم: ﴿ نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ ﴾
( سورة الحجر )
﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾
( سورة الزمر الآية: 53 )
﴿ وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ﴾
( سورة الزمر )
إذاً المغفرة تعني أنك إذا طرقت باب الله، وخطبت وده، وتبت إليه، وأقلعت عن الذنب، وأصلحت ما كان مضى، ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾
أفضل أنواع الاستغفار الاستغفار الوقائي:
أيها الأخوة، الإنسان ينبغي ألا يغتر بالله.
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً ﴾
( سورة التحريم الآية: 8 )
الاعتزاز بالله أن ترتكب الذنب وأن تقول إن الله غفور رحيم.
أيها الأخوة، جاء العلماء بمصطلح لطيف، هي المغفرة الوقائية، أنت إذا كنت متصلاً بالله عز وجل، مستغفراً له الاستغفار العام، هذه مغفرة وقائية، أنت تستغفر لا لذنب وقع منك، ألا تقع بالذنب، أنا أقول قياساً على هذه القاعدة: الإنسان الواعي قبل أن يبرم العقد ينبغي أن يستشير المحامي، هذه الاستشارة استشارة وقائية، في بعض البلاد مهمة المحامي لا أن يدافع عنك لكن يقيك أن تخطئ، أن تتقي بمشورته أن تقع في الخطأ، فيجب أن ننمي مفهوم الاستغفار الوقائي، أنت إذا كنت مع الله واستغفرته على الدوام كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام، بل إن بعض العلماء يرون استغفار النبي حيث يقول:
(( إِني لأستغفرُ الله في اليومِ مئة مَرة ))
[أبو داود عن الأغر المزني]
هو الاستغفار الوقائي، تستغفر لئلا تذنب. تطبيقات اسم الغفور:
1 ـ دوام الصلة بالله ليكون القلب مستنيراً لئلا يقع الإنسان في الذنب:
بشكل أو بآخر، راكب مركبتك، وبالطريق، في أكمات و حفر و صخور، معك مصباح شديد، هذا المصباح يقيك أن تقع في مطب، هي الصلاة، الصلاة نور.
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ ﴾
دققوا الآن: ﴿ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ ﴾
( سورة الحديد الآية: 28 )
أنت حينما تكون متصلاً بالله يلقي الله في قلبك نوراً ترى به الحق حقاً، والباطل باطلاً. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً ﴾
( سورة الأنفال الآية: 29 )
إذاً يصح أن نقول: أفضل أنواع الاستغفار، الاستغفار الوقائي، يعني دوام الصلة بالله ليكون القلب مستنيراً لئلا تقع في الذنب . 2 ـ على المؤمن أن يغفر لمن أساء إليه:
أيها الأخوة، التطبيق الثاني من تطبيقات اسم الغفور بالنسبة للمؤمن أن تغفر لمن أساء إليك.
(( أَمَرَنِي رَبِّي بِتِسْع: خَشْيَةِ الله في السِّرِّ والعلانية، وكلمة العدل في الغضب والرضا، والقصد في الفقر والغنى ـ الآن دققوا ـ وأن أَصِلَ مَنْ قَطَعَنِي، وأعطي مَنْ حَرَمَنِي، وأعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَنِي، وأن يكون صَمْتي فِكْرا، ونُطْقِي ذِكْرا، ونظري عبرة ))
[أخرجه زيادات رزين عن أبي هريرة ]
التطبيق الثاني لهذا الاسم: أن تغفر لمن أساء إليك، لكم مرّ معي في قصص العرب: أن رجلاً يطوف حول الكعبة، ويقول: ربي اغفر لي ذنبي ولا أظنك تفعل ؟ وراءه رجل، قال له: يا هذا ما أشد يأسك من رحمة الله ؟ قال له: ذنبي عظيم، قال له: ما ذنبك ؟ قال له: كنت جندياً في قمع فتنة، فلما قُمعت أُبيحت لنا المدينة، فدخلت أحد البيوت فرأيت فيه رجلاً، وامرأة، وطفلين، قتلت الرجل، وقلت لامرأته أعطيني كل ما عندك أعطتني كل ما عندها، فقتلت ولدها الأول، ولما رأتني جاداً في قتل الثاني أعطتني درعاً مذهبة (من الذهب)، أعجبتني أيما إعجاب، تأملتها، تفحصتها فإذا عليها بيتان من الشعر قرأتهما فوقعت مغشياً عليّ، البيتان:
إذا جار الأمير وحــاجباه وقاضي الأرض أسرف في القضاء
فـــويل ثم ويل ثم ويل لقاضي الأرض من قاضي السماء
* * *
من ازداد معرفة بالله ازداد خوفاً منه:
أخوانا الكرام، كلما ازدادت معرفتك بالله يزداد خوفك منه.
لكن تطبيقات من صحابة رسول الله: هل تعتقد أن هناك إساءة أبلغ، وأعظم من أن يتهم أحد ابنتك الشريفة، الطاهرة، العفيفة أنها زانية ؟ هذا مسطح، الذي روج حديث الإفك، الصديق كان من نخبة أصحاب رسول الله:
(( ما طلعت شمسٌ ولا غربت على أحد بعد النبيين والمرسلين أفضل من من أبي بكر ))
[ من كنز العمال عن أبي الدرداء ]
(( ما دعوت أحداً إلى الإسلام إلا كانت له كبوة إلا أخي أبا بكر ))
[من مختصر تفسير ابن كثير ]
كان الصديق يحسن إليه، فإذا بمسطح يروج حديث الإفك الذي يمس ابنته السيدة عائشة، فأوقف المعونة عنه، فجاء العتاب الإلهي، هذا درس: ﴿ وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾
( سورة النور )
كان الصديق يقرأ هذه الآية ويبكي، يقول: بلى، بلى، أحب أن يغفر الله لي وتابع مساعدته له.
وهذه قصة نموذجية، كن أكبر من ذنب الآخر، اعفُ عنه فأنت كبير، والإنسان أحياناً يكبر، ويكبر، ويكبر، عند الله، ولا ترى كبره فيتضاءل أمامه كل كبير، ويصغر ولا ترى صغره فيتعاظم عليه كل حقير، الإنسان إذا عفا يكون كبيراً، وإذا انتقم يكون صغيراً. العفو والمغفرة لمن أساء إليك خُلق يرضى الله عنه:
أيها الأخوة، هذا درس من دروس السيرة، يعلمنا كيف نعفو عمن أساء إلينا الله عز وجل قال:
﴿ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾
( سورة فصلت )
شيء دقيق جداً ﴿ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾
هذه أخلاق الدعوة، المنتقم صغير، والمنتقم لا يحب الله عز وجل، والعفو والمغفرة لمن أساء إليك خُلق يرضى الله عنه، ﴿ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ﴾
﴿ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾
﴿ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴾
( سورة فصلت )
من كان نصيبه من الله نصيباً كبيراً يستطيع أن يعفو عمن ظلمه، وأن يعطي من حرمه.
أيها الأخوة، أخلاق الجهاد موضوع آخر: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وأغلظ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾
( سورة التوبة )
هنا أخلاق الجهاد، وأنت في المعركة، في السلم، في الحياة المدنية ﴿ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾
المؤمن الصادق عليه أن يقبل عذر أخيه إن أتاه معتذراً:
أيها الأخوة، استمعوا لهذا الحديث:
(( ومن أتاه أخوه متنصلا ))
[أخرجه الحاكم عن أبي هريرة ]
أي معتذراً، إنسان قال لك أنا أخطأت، سامحني، ما كنت أقصد بكلمتي ما ظننت من معنى، المؤمن الصادق لمجرد أن يأتيه أخ له يعتذر منه، أو يتنصل من ذنبه:
(( فليقبل ذلك منه ))
اللام لام الأمر، يأمرك النبي، وهو سيد الخلق، وحبيب الحق، ولا ينطق عن الهوى، يأمرك أن تقبل منه، الآن دقق:
(( محقا كان أو مبطلا ))
يعني اعتذر منك، قال لك أنا ما قصدت، هو قصد، قال لك: ما قصدت المعنى الذي فهمته، هو رأى نفسك قد أخطأ فتنصل من ذنبه، فالمؤمن الكريم:
(( ومن أتاه أخوه متنصلا فليقبل ذلك منه محقا كان أو مبطلا فإن لم يفعل لم يرد علي الحوض ))
[أخرجه الحاكم عن أبي هريرة]
هكذا كان أصحاب النبي، هكذا كان التابعون، هكذا كان تابعو التابعين، هكذا كان السلف الصالح، أما الأحقاد ! والله أيها الأخوة الأحقاد مزقت الأمة، على مستوى البلاد الإسلامية، على مستوى المدن، على مستوى القرى، على مستوى الأسر، تجد عداوات لا تنتهي بين الأسرة الواحدة. المؤمن صاحب خلق رفيع يقابل إساءات الآخرين بالغفران إن اعتذروا منه:
قالوا: المؤمن المتخلق بهذا الاسم لا يرى عورة إلا سترها، الله عز وجل ستيّر والمؤمن يستر، والنبي عليه الصلاة والسلام استعاذ من:
(( جار سوء إن رأى خيراً دفنه وإن رأى شراً أذاعه ))
[أخرجه البزار عن عبد الله بن عمر ]
واستعاذ النبي صلى الله عليه وسلم من إمام سوء:
(( إمام إن أحسنت لم يشكر وإن أسأت لم يغفر ))
[أخرجه البزار عن عبد الله بن عمر ]
فالمؤمن عليه أن يكون متخلقاً باسم "الغفور"، إذاً المؤمن لا يرى عورة إلا سترها، ولا زلة إلا غفرها، وإن اعتذر إليه أخ قَبِل منه، وعامله بالإحسان بل يقابل جميع إساءاته بالغفران لأنه صاحب الخلق الرفيع.
لذلك يصير هذا الإنسان بين الناس كالشجرة الظليلة، تُرجم بالحجارة، وتلقي عليهم الثمار، كن كبيراً، الإنسان الكبير عند الله له مكانة عظيمة، النبي عليه الصلاة والسلام علمنا دعاءً سماه سيد الاستغفار، الدعاء أن تقول:
(( اللَّهُمَّ أنْتَ رَبِّي، لا إِلَهَ إلا أنت، خَلقْتني، وأَنا عَبدُكَ، وأنا على عَهدِكَ ووعْدِكَ ما اسْتَطَعتُ، أَعوذُ بِكَ مِن شَرِّ ما صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعمَتِكَ ـ يعني أعترف لك بنعمتك علي ـ وأبُوءُ لك بذنبي فَاغْفِر لي إِنَّهُ لا يَغْفِرُ الذنوبَ إلا أنتَ ))
[ أخرجه أبو داود عن بريدة بن الحصيب ]
قال: من قالها من النهار موقناً بها فمات في يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة.
(( اللَّهُمَّ أنْتَ رَبِّي، لا إِلَهَ إلا أنت، خَلقْتني، وأَنا عَبدُكَ، وأنا على عَهدِكَ ووعْدِكَ ما اسْتَطَعتُ، أَعوذُ بِكَ مِن شَرِّ ما صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعمَتِكَ ـ يعني أعترف لك بنعمتك علي ـ وأبُوءُ لك بذنبي فَاغْفِر لي إِنَّهُ لا يَغْفِرُ الذنوبَ إلا أنتَ ))
[ الترمذي عن شداد بن أوس]
الله عز وجل رحمته وسعت كل شيء:
من رحمة الله بنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(( الصلاة المكتوبة إلى الصلاة التي بعدها كفارة لما بينهما ))
[ أخرجه الحاكم عن أبي هريرة ]
وقال:
(( والجمعة إلى الجمعة والشهر إلى الشهر يعني من شهر رمضان إلى شهر رمضان كفارة لما بينهما ))
[ أخرجه ابن حبان الحاكم عن أبي هريرة ]
هذا من فضل الله علينا، ومن كرمه أن الصلاة تمحو الذنوب التي ما بين الصلاتين، وأن الجمعة كأنك فتحت مع الله صفحة جديدة، تمحو ما كان بين الأسبوعين وأن رمضان إلى رمضان يمحو ما بينهما.
يعني كما قالوا: العبد عبد، والرب رب، العبد شأنه الاستغفار، والرب شأنه الغفران، يعني من لنا غير الله، مهما أذنبنا ليس لنا إلا الله ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً ﴾
أي الله عز وجل رحمته وسعت كل شيء، وأنت شيء، أنت شيء من الأشياء، ورحمة الله وسعت كل شيء. ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ﴾
( سورة النساء الآية: 84 )
من ناجى ربه عز وجل لن يخيب الله مؤمله:
سيدنا الصديق كما تعلمون، وذكرت لكم ذلك سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال:
(( اللهمَّ إني ظَلمتُ نَفسي ظُلْما كثيراً، ولا يَغفِرُ الذُّنُوبَ إِلا أَنتَ، فَاغْفِر لي مَغْفِرَة من عِنْدِكَ، وارحمني، إنك أَنتَ الغَفُورُ الرَّحيمُ ))
[ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنهم ]
يعني الذنب بيني وبينك، أحياناً الإنسان يُذنب والناس يعلمون ذنبه، بعضهم يعفو وبعضهم لا يعفو، قال له: فَاغْفِر لي مَغْفِرَة من عِنْدِكَ، مباشرة.
مما روي في الكتب أن أعرابياً وقف أمام الروضة الشريفة، قال: اللهم هذا حبيبك، وأنا عبدك، والشيطان عدوك، فإن غفرت لي سُرّ حبيبك، وفاز عبدك، وغضب عدوك، وإن لم تغفر لي غضب حبيبك، ورضيك عدوك، وهلك عبدك، وأنت أكرم من أن تغضب حبيبك، وأن ترضي عدوك، وأن تهلك عبدك، يعني إذا الإنسان له مع الله مناجاة الله يحبك بهذه الطريقة، افتح خطاً ساخناً مع الله، والله لا يخيب مؤمله.
(( أنا عند ظن عبدي بي فليظن في ما شاء ))
[ أخرجه الدرامي والطبراني عن واثلة بن الأسقع ]
أعرابي آخر قال: يا رب ! إن العرب الكرام إذا مات فيهم سيد أعتقوا على قبره وإن هذا سيد العالمين، اعتقني وأنا على قبره. على المؤمن أن يُظهر الجميل ويستر القبيح تخلقاً بأخلاق الله عز وجل:
أيها الأخوة، الله عز وجل من كمالاته أنه إذا غفر يستر، يغفر لك ويسترك، يعني يظهر محاسنك ويخفي أخطاءك، من هنا علمنا الصديق أنه إذا مُدح الإنسان مُدح هو مرتين، فقال: اللهم إنك أعلم بي من نفسي، وأنا أعلم بنفسي منهم، اللهم اجعلني خيراً مما يقولون، واغفر لي ما لا يعلمون، ولا تؤاخذني بما يقولون.
والله عز وجل يظهر الشيء الحسن للناس، ويستر الشيء القبيح، وهذا من فضل الله عز وجل .
وعود نفسك أن تبرز أفضل ما عند الناس، وأن تسكت عن أخطائهم، في أشخاص قناصون (قناص) إذا عثر على خطأ أذاعه، أما الميزات، والإيجابيات، والكمالات يُعتم عليها، هذا إنسان يبغضه الله عز وجل أنا أسميه قناصاً، وأما المؤمن يظهر الجميل، ويستر القبيح، تخلقاً بأخلاق الله عز وجل.
السعيد
09-01-2018, 07:16 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الرابع و الثلاثون بعد المائة )
الموضوع : اسم الله - الحميد - 1 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: (الحميد):
أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "الحميد".
ورود اسم الحميد في القرآن الكريم:
هذا الاسم "الحميد" ورد في القرآن الكريم في كثير من الآيات، ورد مفرداً كما في قوله تعالى:
﴿ وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ ﴾
( سورة الحج )
وكأن الطيب من القول طريق إلى "الحميد". ﴿ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً ﴾
( سورة البقرة الآية: 83 )
(( إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم سبعين خريفاً ))
[ الترمذي عن أبي هريرة ]
(( لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه ))
[أخرجه الإمام أحمد عن أنس بن مالك ]
﴿ وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ ﴾
اقتران اسم الحميد بعدد من أسماء الله الحسنى منها:
1 ـ العزيز:
ورد هذا الاسم مقترناً باسم العزيز في قوله تعالى:
﴿ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ﴾
( سورة إبراهيم الآية: 1 )
الظلمات جاءت جمعاً، والنور جاء مفرداً، لأن الحق لا يتعدد، بينما الباطل لا يعد ولا يحصى.
بين نقطتين لا يرسم إلا خط مستقيم واحد، لكن بين هاتين النقطتين يرسم ملايين الخطوط المنكسرة، أو المنحنية، فالباطل لا يعد ولا يحصى.
لذلك عمر الإنسان أقل بكثير من أن يستوعب الباطل، من أجل أن تستوعب فرقة ضالة تحتاج إلى سنوات طويلة، هناك آلاف الفرق الضالة، أما هذا العمر يكفي لاستيعاب الحق، البطولة أن تستوعب الحق، وان يكون الحق مقياساً، أما أن تبذل الجهود المضنية والوقت الطويل لاستيعاب الباطل، الاستيعاب شبه مستحيل.
﴿ وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ ﴾
جاء مفرداً. بطولة الإنسان أن يكون مستغنياً عن الناس والناس يحمدونه:
أما المقترن بالعزيز:
﴿ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ﴾
﴿ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴾
( سورة إبراهيم )
هو عزيز يحتاجه كل شيء في كل شيء، ومع ذلك هو حميد، أحياناً الإنسان إذا كان غنياً لا يعبأ بسمعته، معه مال، تحل به كل المشكلات، لكن البطولة أن تكون مستغنياً عن الناس والناس يحمدونك.
الإنسان أحياناً يكون لطيف، يكون متواضعاً لأن له حاجات عند الناس، أما إذا كان مستغنياً عنهم قد لا يكون كاملاً، أما ربنا جل جلاله عزيز حميد. 2 ـ الغني:
وقد اقترن هذا الاسم باسم الغني، كما قي قوله تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ﴾
( سورة فاطر )
﴿ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴾
﴿ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ﴾
في أخلاق البشر، من شأن القوي أن لا يعبأ بسمعته، من شأن الغني ألا يعبأ بسمعته، من شأن القوي ألا يكون كاملاً، من شأن الغني ألا يكون كاملاً، لكن الله جل في علاه ذات كاملة له الأسماء الحسنى، والصفات الفضلى. 3 ـ الولي:
واقترن هذا الاسم باسم الولي، كما في قوله تعالى:
﴿ وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ ﴾
( سورة الشورى )
يتولى أمرك لكن هذا التولي تحمده عليه، أحياناً تولي محامياً، يهمل في كتابة المذكرات، أو ينحاز إلى خصمك، مقابل مبلغ كبير، أنت وليته لكن لا تحمده على هذه التولية، لكنك إذا وليت الله، إذا جعلت الله وليك، والله عز وجل نقلك من حال إلى حال ، من مستوى إلى مستوى، من مقام إلى مقام، من أعماق أعماق قلبك تحمده على أنه وليك. ﴿ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾
( سورة الحج الآية: 38 )
4 ـ المجيد:
هذا الاسم أيضاً اقترن باسم المجيد، كما في قول الله عز وجل:
﴿ قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ ﴾
( سورة هود )
يعني إنسان له سلطة قوية يعطي أمراً بلا تعليل، افعل وانتهى الأمر، لا تحاور، لا تناقش، لكن الله سبحانه وتعالى هو الآمر، هو المجيد، هو القوي، كن فيكون، زل فيزول، ومع ذلك يقول لك: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾
( سورة البقرة )
أعطاك التعليل.
﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ ﴾
( سورة التوبة الآية: 103 )
مجيد، آمر، ناهي، عظيم، كن فيكون، زل فيزول، ومع ذلك، مع أنه مجيد هو حميد، ﴿ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ﴾
﴿ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ ﴾
﴿ حَمِيدٌ مَجِيدٌ ﴾
﴿ الْعَزِيزِ ؤ الْحَمِيدِ ﴾
5 ـ الحكيم:
أيضاً هذا الاسم اقترن باسم الحكيم، في قوله تعالى:
﴿ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾
( سورة فصلت )
أي أنك إذا تأملت في أفعاله تحمد حكمته، فكل شيء وقع أراده الله، وكل شيء أراده الله وقع، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، والحكمة المطلقة متعلقة بالخير المطلق، كل شيء وقع أراده الله، لأنه لا يليق أن يقع في ملك الله ما لا يريد، وكل شيء أراده الله وقع، هذه الإرادة بمعنى السماح متعلقة بالحكمة المطلقة، أي أن الذي وقع لو لم يقع لكان الله ملوماً، أو أن الذي وقع لو لم يقع لكان نقصاً في حكمة الله، هذه الحكمة المطلقة متعلقة بالخير المطلق.
ففي العالم المادي الشيء الذي وقع قد يكون شراً نسبياً، لكن لأن الله سمح به ورآه خيراً، علمه من علمه، وجهله من جهله، قال تعالى: ﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾
( سورة السجدة )
ورود اسم الحميد في السنة الشريفة:
أما هذا الاسم في السنة الصحيحة فقد ورد عند البخاري من حديث كعب بن عجرة رضي الله عنه أنه قال:
(( سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا: يا رسول الله كيف الصلاة عليكم أهل البيت ؟ قال: قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيب، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد ))
هذا القسم من هذا الدرس أين ورد هذا الاسم في القرآن مفرداً ومقترناً في الكتاب وفي السنة. معاني الحميد في اللغة:
أما في اللغة "الحميد" أيها الأخوة، صيغة مبالغة لاسم الفاعل، هذه الصيغة على وزن فعيل، حميد، فعيل، كريم، جريح، على وزن فعيل، هذا الوزن بمعنى اسم المفعول جريح أي مجروح، حميد أي محمود، المعنى الدقيق لهذا الاسم محمود، وزن فعيل يعني معنى اسم المفعول، كأن تقول جريح مجروح، حميد محمود، الفعل حمد يحمد حمداً الحمد نقيض الذم، يحمد ويذم، والحمد بمعنى الشكر، هناك معنى آخر هو المكافأة على العطاء، الشكر والثناء والمكافأة على العطاء.
لكن أيها الأخوة، الحمد والشكر متقاربان، لكن الحمد أعم من الشكر، إنك تحمد في الإنسان صفاته الذاتية، ما شاء الله ! طويل القامة، صبوح الوجه، لكن لا تشكره على ذلك، الشكر مقابل عمل صالح، هناك فرق بين الحمد والشكر مع أنهما مقترنان ومتقاربان لكن الحمد أعمّ من الشكر، تحمد الإنسان على صفاته الذاتية، وعلى عطائه، ولا تشكره على صفاته.
الآن يقال: فلان محمود إذا حُمد، ومحمد إذا كثرت خصاله المحمودة، هي بالأساس حميد اسم مبالغة، صيغة مبالغة لكن محمد مبالغة المبالغة، يقال للإنسان حميد إذا حمدته على أفعاله، أما إذا كثرت خصاله الحميدة فهو محمد، والنبي عليه الصلاة والسلام محمد، هذا في اللغة.
الحميد المستحق للحمد والثناء وليس أحد إلا الله يستحق الحمد والثناء الحقيقيين:
كيف نفهم اسم "الحميد" في شأن الله عز وجل ؟ أولاً "الحميد" المستحق للحمد والثناء، وليس أحد إلا الله يستحق الحمد والثناء الحقيقيين.
يعني الإنسان أحياناً له أم تحبه، يحبها، يحمدها، لكن لولا أن الله أودع في قلب الأم محبة ابنها ما أكرمته، فهذا الحمد الموجه إلى الأم هو في الحقيقة موجه إلى الله.
"الحميد" هو المستحق للحمد والثناء، والله عز وجل حمد نفسه، وقال في الفاتحة التي تقرأ في اليوم عشرات المرات:
﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾
( سورة الفاتحة )
المؤمن يرى النعم من الله تعالى وغير المؤمن يعزو النعم إلى غير الله:
هناك ملمح دقيق: الحمد معروف، وكل إنسان يعرفه، يعني إنسان يتمتع بصحة جيدة، الصحة نعمة كبيرة، يتمتع بدخل يغطي نفقاته نعمة كبيرة، له بيت نعمة كبيرة، له زوجة نعمة كبيرة، له أولاد نعمة كبيرة، في رأسه عقل تفوق باختصاص يدر عليه مبلغاً كبيراً نعمة كبيرة، لكن الفرق بين المؤمن وبين غير المؤمن، المؤمن: الحمد لله، أما قارون قال:
﴿ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي ﴾
( سورة القصص الآية: 78 )
الفرق بين المؤمن وغير المؤمن، المؤمن يقول: الحمد لله، هذا شيء واقع وحقيقي وعلمي وموضوعي، أما غير المؤمن يقول لك بتعبي، بكد يميني وعرق جبيني، بأموالي الطائلة، بأسرتي العريقة، بمنصبي الرفيع، ﴿ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي ﴾
الفرق الدقيق بين المؤمن وبين غير المؤمن أن المؤمن يرى هذه النعم من الله، بينما غير المؤمن يعزو هذه النعم إلى غير الله، يعني المؤمن مع المنعم، وغير المؤمن مع النعمة، أما النعمة موجودة.
مرة حدثني أخ قال لي: دُعيت إلى حفل في فندق من أرقى الفنادق، يعني دولة تقيم بعيدها الوطني حفل استقبال، ومأدبة عشاء، قال لي: المدعوون على اختلاف مللهم ، ونحلهم، وانتماءاتهم، وأفكارهم، وأعراقهم، وأنسابهم، واتجاهاتهم، وتياراتهم، من كل أطياف المجتمع، أما هذا الطعام النفيس الذي قدم لهم قاسم مشترك بينهم جميعاً، يعني المؤمن يأكل طعاماً ويستمتع به، والكافر يأكل طعاماً ويستمتع به، والعاصي يأكل طعاماً ويستمتع به، والفاجر يأكل طعاماً ويستمتع به، النعمة موجودة.
بالعكس العالم الغربي استطاع أن يستغل النعم التي خلقها الله في أعلى مستوى، لا يوجد مجتمع استفاد من نعم الله كما استفاد العالم الغربي، فهو مع النعمة، أما المؤمن مع المنعم، هذا الفرق.
أنت معقول تُدعى لبيت مائدة فيها ما لذّ وطاب، أثاث فخم، مقبلات، عصير ، ورود، كل أنواع الإكرام معقول تأكل وتمشي ؟ لا تقول لصاحب هذه المأدُبة جزاك الله خيراً شكر على هذه الدعوة. الله عز وجل يريد من كل إنسان أن يكون مع المنعم لا مع النعمة:
المؤمن كريم، يشكر المنعم، أما غير المؤمن لئيم يستمتع بالنعمة وكفى.
مرة كنا نقدم قطعة حلويات لكل طفل جاء مع أبيه للمسجد تشجيعاً له، لاحظ الأطفال أنواع منوعة، طفل يمتنع عن أخذها عفة، لولا أن أباه يجبره على أخذها لما أخذها ، طفل آخر يأخذها بسهولة، لكن يشكر المعطي عليها، هذا مستوى أرقى، الأول أرقى، العفيف أرقى شخص، الأقل منه يأخذها بسهولة لكنه يشكر المعطي، الثالث عينه على هذه القطعة يأخذها ويمشي دون أن يقول كلمة، الرابع يحتال يأتي مرتين أو ثلاثة.
أنت كمؤمن علاقتك مع المنعم، هناك إنسان يشكر الله، دخل إلى بيته الحمد لله الذي آواني وكم من لا مأوى له، أمامه زوجة تعتني به، أي معتنية بهندامه، الطعام جاهز، عنده أولاد أبرار، يرى نعم الله عليه كثيرة، وما دمت تشكر هذه النعم لا تتوقف، تستمر، وبالشكر تدوم النعم.
المخلص في قوله تعالى:
﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ ﴾
أي أن الله يريدك أن تكون مع المنعم لا مع النعمة، مع النعمة لؤم، لكن مع المنعم كرم. الله عز وجل محمود على ما خلق وشرع ووهب ونزع:
لذلك قال بعض العلماء: الله جلّ جلاله المحمود، وحميد، حميد يعني محمود ، محمود على ما خلق وشرع، خلق الإنسان، خلق له زوجة، أولاداً، شمساً، قمراً، ليلاً، نهاراً، نجوماً، أطياراً، أسماكاً، سماء زرقاء، أرضاً خضراء، بحاراً، بحيرات، مياهاً عذبة، أنهاراً، ينابيع، يحمد الله على ما خلق، وشرع الصيام، وشرع غض البصر، وشرع الصدق والأمانة، وشرع الزواج، وحرم الزنا، أي شرع التجارة وحرم السرقة، يحمده على ما خلق وشرع، ووهب ونزع.
﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 26 )
وضر ونفع، يضر لينفع، يأخذ ليعطي، يبتلي ليجزي، يخفض ليرفع، يذل ليعز.
إذاً محمود على ما خلق وشرع، ووهب ونزع، وضر ونفع، وأعطى ومنع.
إحدى بنات النبي توفي ابنها، فأرسلت تخبره، فكان يقول:
(( إن للهِ ما أَخذَ، وله ما أعطى ))
[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن أسامة بن زيد]
أخذ وأعطى، وعلا بذاته وشأنه فارتفع، وأمسك السماء عن الأرض أن تقع، وفرش الأرض فانبسط سهلها واتسق، حمد نفسه، وحمده الموحدون، فله الحمد كله، هذا معنى اسم "الحميد". الله عز وجل محمود على طاعات العباد ومعاصيهم وإيمانهم وكفرهم:
أحد العلماء الكبار شرح هذا الاسم شرحاً لطيفاً من المناسب أن أنقله إليكم، قال ابن القيم: الحمد كله لله رب العالمين، فإنه المحمود على ما خلق، والمحمود على ما أمر به، والمحمود على ما نهى عنه، فهو المحمود أيضاً على طاعات العباد ومعاصيهم، كيف على معاصيهم ؟ يعني هناك شهوة مستحكمة، هذه الشهوة أصبحت حجاباً بين العبد وربه، فالله عز وجل يسمح له أن يطلقها كي يرتاح ثم يؤدبه.
إذاً محمود على طاعات العباد، وعلى معاصيهم، وعلى إيمانهم، وعلى كفرهم ، أعطاهم حرية الاختيار، المحمود على وجود الأبرار والفجار، كان من الممكن أن يكون الفجار في كوكب آخر، أو في قارة أخرى، أو في حقبة أخرى، لكن شاءت حكمة الله أن نجتمع معاً في كل العصور، لماذا ؟ لأن الحق لا يقوى إلا بالتحدي، ولأن أهل الحق لا يستحقون العطاء بالآخرة إلا بصمودهم أمام أهل الباطل، الحق والباطل معهم معركة أزلية أبدية، هذا قدرنا، يوم القيامة نحمد الله على أننا كنا في الأرض مع أهل الباطل، وقد تعبنا منهم، وأتعبونا، وضغطوا علينا، واحتلوا، واجتاحوا، وأساؤوا، وظلموا، وقهروا وكانوا سبب عودتنا إلى الله.
﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ ﴾
( سورة القصص )
إذاً وهو المحمود على وجود الأبرار والفجار، والملائكة الأخيار، والمحمود على إرسال الرسل، ووجود أعدائهم. الله عز وجل محمود على فضله وإنعامه على أوليائه:
يأتي إنسان يؤلف كتاباً فيه شبهات حول الإسلام، الكتاب يثير ضجة كبيرة طلاب العلم يلجؤون إلى علمائهم، هذا الكتاب على أنه ضلالات يعمل حركة بالبلد، شدد من توثيق العلم، دفع الطلاب إلى علمائهم، اجتهد العلماء في الرد عليه، هذا شأن إبليس نشاطه في إضلال الخلق لكن في المآل، هذا النشاط يعود بالخلق إلى ازدياد إيمانهم وتعلقهم بربهم.
إذاً محمود أيضاً على عدله في أعدائه، كما هو محمود على فضله وإنعامه على أوليائه، كل ذرة من ذرات الكون شاهدة بحمده، ولهذا:
﴿ تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ﴾
( سورة الإسراء )
الله عز وجل حميد يحمده عباده الموحدون:
الآن الله عز وجل حميد، يحمده عباده الموحدون، لأنهم يعلمون أن الله خلق الدنيا للابتلاء، إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء، ومنزل ترح لا منزل فرح، فمن عرفها لم يفرخ لرخاء، ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى، وجعل الآخرة دار عقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سبباً، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضاً، فيأخذ ليعطي، ويبتلي ليجزي.
إذاً حميد يحمده عباده الموحدون لأنه يعلمون أن الله خلق الدنيا للابتلاء، وخلق الآخرة للجزاء، يحمدونه على السراء والضراء.
الله تعالى خلق الدنيا للابتلاء والآخرة للجزاء فالعاقل من حمده في السراء والضراء:
(( عَجَبا لأمر المؤمن ! إنَّ أمْرَه كُلَّه له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابتْهُ سَرَّاءُ شكر، فكان خيراً له، وإن أصابتْهُ ضرَّاءُ صَبَر، فكان خيراً له، وليس ذلك لغير المؤمن ))
[أخرجه مسلم عن صهيب الرومي ]
يحمدونه ويوحدونه في العبادة والاستعانة والدعاء، حتى يكرمهم بجنته عند اللقاء إن ابتلاهم صبروا، إن أنعم عليهم شكروا، لذلك قال الله في وصفهم: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ ﴾
( سورة الأعراف الآية: 43 )
شخص درس جامعة، وأخذ شهادة عليا، وجاءه دخل وفير مرّ بعد عشرين سنة أمام الجامعة قال: الفضل لهذه الجامعة التي تربيت فيها، وتعلمت فيها، وهذا الدخل الذي جاءني الآن بفضل هذا الاختصاص، يعني مثلاً يذكر النعم، وفي آية ثانية: ﴿ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ ﴾
( سورة فاطر الآية: 34 )
في الدنيا هناك كبر، هناك مرض، هناك هم، هناك زوجة سيئة، هناك ابن عاق، هناك اجتياح، هناك ضغوط، هناك حصار، هناك جفاف، هناك غلاء أسعار، أما في الآخرة ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ ﴾
﴿ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ﴾
( سورة فاطر )
وفي لقاء آخر إن شاء الله نتابع هذا الاسم.
السعيد
09-01-2018, 07:19 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الخامس و الثلاثون بعد المائة )
الموضوع : اسم الله - الحميد - 2 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
من أسماء الله الحسنى: (الحميد):
أيها الأخوة الكرام، لازلنا في اسم "الحميد".
الله عز وجل حمد نفسه في القرآن الكريم في مواضع كثيرة من هذه المواضع:
1 ـ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ:
الله سبحانه وتعالى حمد نفسه في القرآن الكريم في مواضع كثيرة، من هذه المواضع:
﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ﴾
( سورة الأنعام الآية: 1 )
وفي آية أخرى يقول الله عز وجل دققوا: ﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾
( سورة هود الآية: 119 )
معنى ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ﴾
أي خلق الخلق ليسعدهم، خلق الخلق ليرحمهم، هذه آية أولى. 2 ـ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ:
الآية الثانية:
﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ ﴾
( سورة الأعراف الآية: 43 )
(( يا عبادي، كُلُّكم ضالّ إلا مَنْ هَدَيتُه، فاسْتَهدُوني أهْدِكم ))
[أخرجه مسلم والترمذي عن أبي ذر الغفاري ]
﴿ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ ﴾
( سورة الأنعام الآية: 71 )
فما لم تتوجه إلى الله لمعرفة الحقيقة فلن تصل إليها، لأن هذه العين مهما تكن دقيقة لا قيمة لها من دون ضوء يتوسط بينك وبين المرئي، وكذلك العقل كالعين تماماً لا قيمة له إطلاقاً من دون وحي يعينك على فهم الحقيقة، من دون وحي: ﴿ إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ﴾
( سورة المدثر )
إذاً أيها الأخوة ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ﴾
خلقنا ونورنا، لذلك أنت أيها الإنسان تتمتع بنعم ثلاث، أنت تتمتع بنعمة الإيجاد ، بالطعام، بالشراب، بمظاهر الكون، بزوجة، بأولاد، وتتمتع بنعمة الهدى والرشاد، خلق الكون ونوره بالوحي، خلق الكون وهداك إليه. 3 ـ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ:
ومن هذه المواضع:
﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ ﴾
( سورة الكهف الآية: 1 )
جعل لك منهجاً، افعل ولا تفعل، في أشياء، وفي أحكام، لماذا المؤمن يعيش في سلام ؟ لأنه يطبق الأحكام، يوجد بحياته حرام، يوجد بحياته حلال، يوجد بحياته واجب، يوجد بحياته مكروه، يوجد بحياته مستحسن، يوجد بحياته سنة، يوجد بحياته فرض، يوجد بحياته أحكام كثيرة ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ ﴾
﴿ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً ﴾
( سورة الكهف)
لذلك قال تعالى: ﴿ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً ﴾
( سورة المائدة الآية: 48 )
4 ـ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ:
الآن:
﴿ وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً ﴾
( سورة الإسراء )
على ماذا حمد نفسه ؟ حمد نفسه على عدم اتخاذ الولد، لأن اتخاذ الولد لا يؤكد صمدية الله عز وجل، الله صمد لا يحتاج إلى أحد، اتخاذ الولد لا يؤكد صمدية الله عز وجل، ولا يؤكد غناه عن خلقه، ولا يؤكد ملكه، ولا عبوديتنا له.
شيء آخر: اتخاذ الولد ينافي الألوهية، ينافي الربوبية، ينافي الصمدية، ينافي الغنى ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً ﴾
الآن: ﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ ﴾
حمد نفسه أيضاً على عدم اتخاذ الشريك، لأن الله متفرد بالربوبية والألوهية. 5 ـ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ:
أيها الأخوة:
﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ ﴾
( سورة إبراهيم الآية: 39 )
يعني أنت لك ولد، أنت مجبول على حبّ وجودك، وعلى حبّ سلامة وجودك ، وعلى حبّ كمال وجودك، وعلى حبّ استمرار وجودك، أنت بالولد تستمر، يعني يعيش ابن بار كل حياته يقول والدي الله يرحمه. 6 ـ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ:
شيء آخر:
﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾
( سورة المؤمنون )
الله فوق الأقوياء، فوق الظالمين، فوق الطغاة، الطغاة عصي بيده، في أي لحظة ينهيهم، ينتقم منهم، يكف شرهم، الله موجود. ﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾
( سورة الزمر )
﴿ لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ﴾
( سورة الأعراف الآية: 54 )
﴿ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ﴾
( سورة هود )
﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ ﴾
( سورة الزخرف الآية: 84 )
﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾
كيف انتهى فرعون ؟ غرق في البحر، ولئلا يتوهم الناس أنه صعد إلى السماء قذف الله بجثته إلى البر، والآن محنط بمتحف في باريس. 7 ـ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ:
أيها الأخوة:
﴿ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ ﴾
( سورة الزمر الآية: 87 )
أي بشكل أو بآخر: ﴿ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ ﴾
( سورة التحريم الآية: 8 )
الجنة وعد من خالق السماوات والأرض لكل إنسان مؤمن:
أنت معك وعد من خالق السماوات والأرض.
﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ ﴾
( سورة النور الآية: 55 )
﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وابشروا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ﴾
( سورة فصلت )
الله عز وجل يقول:
﴿ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً ﴾
( سورة النساء )
﴿ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ﴾
( سورة التوبة الآية: 111 )
﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ﴾
( سورة الزمر )
8 ـ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ:
أحياناً يكون في ضيق، في يأس، في ألم، في قهر، الله عز وجل يزيح عنا هذا الألم.
﴿ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ﴾
( سورة فاطر الآية: 34 )
يعني في مواضع كثيرة حمد الله ذاته العلية على أنه خلقنا، على أنه هدانا، على أنه أنزل على رسوله الكتاب، على أنه نجانا من القوم الظالمين. حمد النبي عليه الصلاة والسلام الله عز وجل من خلال صلاته و تهجده:
أما النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا قام من الليل يتهجد قال:
(( اللهم لك الحمد، أنتَ نور السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد، أنت قيم السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد، أنت ملك السماوات والأرض ومن فيهن ولك الحمد، أنت الحق، ولقاؤك حق، ووعيدك حق، وعذاب القبر حق، والجنة حق ، والنار حق، والساعة حق، والقبور حق، ومحمد حق، اللهم بك آمنت، ولك أسلمت وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قدمت وما أخَّرت، وما أسررت وما أعلنت، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت، ولا إله غيرك ))
[أخرجه مسلم وابن خزيمة عن عبد الله بن عباس ]
هذا من تهجد النبي عليه الصلاة والسلام. ﴿ أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً * وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً ﴾
( سورة الإسراء )
أعلى مقام في بني البشر المقام المحمود، بل هو الوسيلة، وقد قال عليه الصلاة والسلام:
(( سَلُوا الله ليَ الوَسِيلةَ، قالوا: يا رسولَ الله، وما الوسيلةُ ؟ قال: أعلى درجة في الجنة، لا ينالُها إِلا رجل واحد، أرجو أن أكونَ [ أنا ] هو ))
[أخرجه الترمذي عن أبي هريرة ]
حمد العبد لربه يقوم على مدحه بصفات الكمال و الجلال:
أيها الأخوة، لو دخلنا في التفاصيل، حمد العبد لربه، يقتضي اعتقاداً وسلوكاً ، هناك اعتقاد، وهناك سلوك، أي أنك أيها الإنسان لا تسمى حامداً إلا إذا اعتقدت اعتقاداً معيناً، وإلا إذا سلكت سلوكاً معيناً، أما الاعتقاد فأن توقن بأن الحمد يقتضي مدح المحمود بصفات الكمال كله.
﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾
( سورة الأعراف الآية: 180 )
يقتضي الاعتقاد الصحيح لمن حمد الله أن يمدحه بصفات الكمال كلها، ونعوت الجلال كلها، صفات الكمال، وصفات الجلال، صفات الكمال رحيم، صفات الجلال قوي قهار مع المحبة، ما عبد الله من أطاعه ولم يحبه، وما عبد الله من أحبه ولم يطعه، مع المحبة، والرضا، والخضوع، لابدّ لكي تكون حامداً لله من اعتقاد وسلوك، الاعتقاد أن تعتقد أن الله سبحانه وتعالى كمالاته مطلقة، صاحب الأسماء الحسنى، والصفات الفضلى ومع أن هذا الكمال ذو جلال، ومع الجلال المحبة، ومع المحبة الرضا، ومع الرضا الخضوع، هكذا تكون عقيدة الحامد لله عز وجل.
لكن لا يكون حامداً لله من جحد صفات المحمود، يعني إذا إنسان اعترض على شيء من أفعال الله لا يعد حامداً. الطرق لمعرفة الله ثلاثة ؛ من خلال خلقه أو كلامه أو أفعاله:
بالمناسبة: الطرق لمعرفة الله ثلاثة، يمكن أن تعرفه من خلال خلقه، ويمكن أن تعرفه من خلال كلامه، ويمكن أن تعرفه من خلال أفعاله، لكن أسلم طريق أن تعرفه من خلال خلقه، إذا تفكرت في مخلوقات الله الطريق آمن وسالك، مهما تفكرت في ملكوت السماوات والأرض تزداد تعظيماً ومحبة لله عز وجل، والطريق الثاني أن تتأمل كلامه أيضاً كلامه يدل عليه.
يعني أحياناً تجد بلداً غارقاً في المعاصي والآثام، إباحي، ظالم، متجبر ، مستكبر، قوي، غني، وبلد مسلم يعاني ما يعاني، تقرأ القرآن الكريم، تقرأ قوله تعالى:
﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً ﴾
( سورة الأنعام الآية: 44 )
قدم الله لك تفسيراً لهذا التناقض في أمة غارقة في المعاصي والآثام، وأمة مسلمة تعاني ما تعاني، يعني الأمة التي شردت عن الله عز وجل يعطيها ما تريد، ويؤخر عقابها إلى يوم الدين، أما الأمة التي تعاني ما تعاني هي ضمن العناية المشددة، هكذا معنى الآية.
إذاً أضاء الله لك حالة تدعو إلى العجب. إثبات عدل الله أن تصدقه لأنك لن تستطيع إثبات عدل الله بعقلك:
أيها الأخوة، إذاً لابدّ من أن تعتقد بكمال الله المطلق، وبجلاله، وأن تحبه، وأن ترضى عنه، وأن تخضع له، هكذا يكون الحامد.
لكن الطريق الثالث لمعرفة الله، الأول خلقه، الثاني كلامه، الثالث أفعاله، هذا طريق خطر، كأنه حقل ألغام، قد تفاجأ أن طفلاً صغيراً مات، أو طفلاً أصيب بمرض عضال وهو صغير، قبل التكليف، إنسان ولد فاقد البصر، ففي حالات كثيرة لا تستطيع تفسيرها وحدك، بل إن الحقيقة الدقيقة إنك لن تستطيع إثبات عدل الله بعقلك، لأن عقلك قاصر بل تستطيع إثبات عدل الله بعقلك بحالة واحدة مستحيلة، أن يكون لك علم كعلم الله هذا مستحيل.
لذلك إثبات عدل الله أن تصدقه إذا قال:
﴿ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾
( سورة النساء )
﴿ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ ﴾
( سورة غافر الآية: 17 )
﴿ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ ﴾
( سورة الروم الآية: 9 )
﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ*وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ﴾
( سورة الزلزلة )
عندئذٍ تصدق الإله العظيم بقرآنه الكريم بأنه لا يظلمك، أما أن تبحث من خلال أفعاله لا تستطيع إثبات عدل الله من أفعاله إلا أن يكون لك علم كعلمه، لأن كل الذي تراه هي قصة من آخر فصل، آخر فصل لا يكفي لحكم الله عز وجل ، هناك فصول أولى.
لذلك أحياناً في حياة كل واحد منا عدة قصص يعرفها من أول فصل لآخر فصل لذلك يرى عدل الله مطلقاً، أما إذا سمعت عن إنسان فقد بصره، أو فقد حركته، أو الله امتحنه بشيء أنت لا تعلم الفصول الأولى من حياته، الله عز وجل يستر، ستير. من جحد صفات الله عز وجل أو أعرض عن محبته كان غير حامد له:
أيها الأخوة، ولا يكون المرء حامداً لله من جحد صفات الله، ولا من أعرض عن محبته، أو لم يخضع له، ما دام لم تخضع لله أنت لست حامداً له، ما دام لست راضياً عنه أنت لست حامداً له، ما دام محبتك ضعيفة أنت لست حامداً له، ما دام هناك شك بكماله أنت لست حامداً له.
وأقول لكم بشكل صريح: قد لا تجد مسلماً يعترض على أفعال الله بلسانه لكن قد يعترض بقلبه، هذا الاعتراض دليل نقص معرفته بالله، مثل بسيط:
النبي عليه الصلاة والسلام قال لأصحابه قبيل معركة بدر ـ دققوا قصة مهمة جداً ـ قال: لا تقتلوا عمي العباس، عمه العباس في مكة، ومع قريش، وفي بدر سيأتي فرسان قريش ليحاربوا النبي، والعباس عنده، فهذا الصحابي فكر تفكيراً محدوداً أن أحدنا يقتل أباه وأخاه، وينهانا عن قتل عمه ! ما فهم هذا التوجيه، أو فهمه فهماً لا يليق برسول الله، ثم تبين بعد حين أن عمه قد أسلم وهو هناك، وهو عينه في قريش، وكل قرار يتخذ هناك ينقله للنبي، إدارة النبي إدارة ذكية جداً، يعني اخترق خصمه عن طريق عمه، فعمه مسلم وأخفى إسلامه، الآن دققوا لو أنه قال: لا تقتلوا عمي العباس لأنه أسلم، كشفه وانتهت مهمته، لو أن أمر عنه العباس ألا يشترك بالمعركة كشف نفسه وانتهت مهمته، لو أنه سكت لقتله أصحابه، إذاً هو لا يمكن إلا أن يقول كلمات معدودة، لا تقتلوا عمي العباس فقط.
هذا الصحابي يقول: إن أحدنا يقتل أباه وأخاه وينهانا عن قتل عمه ؟ يعني التفسير ما راق له، ثم يقول: ظللت أتصدق عشر سنين رجاء أن يغفر الله لي سوء ظني برسول الله.
هذا مع إنسان فكيف مع الواحد الديان ؟ إياك أن تتهم الله في عدله، إياك أن تتهم الله في رحمته، إياك أن تتهم الله في أفعاله، أنت لا تعلم، وعقلك لا يمكن أن يحيط بعظمة الله، عقلك مثل مركبة تصل بك إلى البحر، لكن لن تستطيع بهذه المركبة أن تخوض غمار البحر.
لذلك: تفكروا في مخلوقات الله، ولا تفكروا في ذاته فتهلكوا.
لا يكون حامداً من جحد صفات المحمود، ولا من أعرض عن محبته، ولا من لم يخضع له، وكلما كانت صفات المحمود أكثر كان حمده أكمل.
من ازداد معرفة بالله ازداد محبة له:
الحمد معرفة بالله، يعني طفل صغير على كرسي طبيب الأسنان، أحياناً يصرخ، أحياناً يبكي، الطفل صغير جداً، أحياناً يضرب يد الطبيب، لأنه لا يعلم أن هذا الذي يفعله معه لصالحه، أما الراشد قد يقول طبيب الأسنان لراشد: قلبك لا يتحمل مخدر، فتتحمل الآلام، فهذا المريض الكبير الراشد يضع يديه على الكرسي، ويضغط على أسنانه كي يتحمل الألم لأنه موقن أن هذا الألم لمصلحته.
فكلما ازدادت معرفتك بالله ازداد رضاك عنه.
لذلك الله عز وجل ذم آلهة الكفار، وعابها بسلب أوصاف الكمال عنها، فقال إنها لا تسمع، ولا تبصر، ولا تتكلم، ولا تهدي، ولا تنفع، ولا تضر، ولا تميت، ولا تحيي، سلب الله عنها صفات الكمال.
من لوازم معرفة الله عز وجل أن تحمده:
الآن أيها الأخوة، بالفطر السليمة، وبالعقول القويمة، والكتب السماوية الحكيمة هذا كله يؤكد أن فاقد صفات الكمال لا يكون إلهاً، ولا مدبراً، ولا رباً، بل هو مذموم ناقص ليس له الحمد، لا في الأولى، ولا في الآخرة، إنما الحمد في الأولى والآخرة لمن له صفات الكمال، هو أهل التقوى وأهل المغفرة.
أيها الأخوة، الله عز وجل يقول: هو الحي الباقي على الدوام.
﴿ هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾
( سورة غافر )
يعني الحمد لا أن تقول الحمد لله ولك ألف اعتراض على الله، الحمد لا أن تقول الحمد لله وفي شك بعدل الله، الحمد أن تعرف الله، من لوازم معرفته أنك تحمده. العبد الحامد يحمد الله بالقلب واللسان والجوارح:
الآن هذه العقيدة، سلوك، سلوك العبد الحامد يحمد بالقلب، وباللسان ، وبالجوارح، هناك حمد بالقلب، يعني معتقد الله كامل، أفعاله كاملة، عدله مطلق، رحيم ، حتى إذا شيء ما فهمه يقول هناك حكمة لا أعرفها، ظنه بالله حسن، يحسن الظن بالله، أما الذي يسيء الظن بالله ليس مؤمناً.
﴿ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ ﴾
( سورة الفتح الآية: 6 )
﴿ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا ﴾
( سورة الأحزاب )
كن عن هموك معرضا وكل الأمور إلى القضـا
وابشر بخــير عاجل تنسى فيه ما قـد مضى
فلرب أمر مسخط لك فــي عواقبه رضـا
* * *
ولربما ضـاق المضيق ولــربما اتسع الفضـا
الله يفـــعل ما يشاء فــــلا تكن معترضا
الله عودك الـــجميل فــقس على قد مضى
لا بد من أن تعرف الله حتى تحبه.
أيها الأخوة، سيدنا علي رضي الله عنه يقول: يا بني الناس ثلاثة، عالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع، أتباع كل ناعق، لم يستضيؤوا بنور العلم، ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق، فاحذر أن تكون منهم، ما الناس سوى قوم عبدوك، وغيرهم همجٌ همجُ.
الآن نحن نعيش بمجتمع همجي، مجتمع القتل، مجتمع القهر، مجتمع التطهير العرقي، مجتمع العنصرية، مجتمع الحصار الاقتصادي، مجتمع إذلال الإنسان، مجتمع سلب حقوق الإنسان، ما الناس سوى قوم عبدوك، وغيرهم همجٌ همجُ.
السعيد
09-01-2018, 07:21 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( السادس و الثلاثون بعد المائة )
الموضوع : اسم الله - الحفيظ - 1 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
من أسماء الله الحسنى:(الحفيظ):
أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى والاسم اليوم "الحفيظ".
ورود اسم الحفيظ في القرآن الكريم:
ورد هذا الاسم في قوله تعالى:
﴿ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ ﴾
( سورة سبأ )
وفي قوله تعالى عن هود عليه السلام: ﴿ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ ﴾
( سورة هود )
وقد ورد أيضاً هذا الاسم مقيداً، الاسم كما تعلمون يرد مطلقاً أو مقيداً، ورد مقيداً في قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ﴾
( سورة الشورى )
ولم يرد هذا الاسم في السنة. معاني اسم الحفيظ في اللغة:
أما من حيث اللغة فالحفيظ في اللغة صيغة مبالغة من اسم الفاعل الحافظ، الحافظ اسم فاعل صيغة المبالغة منه "الحفيظ" الفعل حفظ، يحفظ، حفظاً.
الآن حفظ الشيء صيانته من التلف والضياع، ويستعمل الحفظ في العلم على معنى الضبط، وعدم النسيان، أو تعاهد الشيء وقلة الغفلة عنه، رجل حافظ، وقوم حفاظ هم الذين رزقوا حفظ ما سمعوا وقلّما ينسون شيئاً.
بالمناسبة: الذكاء شيء، والذاكرة القوية شيء آخر، لكن بينهما منطقة مشتركة يعني كل ذكي لابدّ من ذاكرة تعينه في استرجاع الحقائق، وكل من يملك ذاكرة قوية على شيء من الذكاء، أما الذكاء شيء في النهاية، وصاحب الذاكرة القوية شيء آخر.
والحافظ و "الحفيظ" أيضاً هو الموكل بالشيء يحفظه، ومن ذلك الحفظة من الملائكة كما في قوله تعالى:
﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ ﴾
( سورة الرعد الآية: 11 )
المؤمن ﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ ﴾
﴿ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ﴾
( سورة الرعد الآية: 11 )
﴿ يَحْفَظُونَهُ ﴾
وقف ﴿ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ﴾
يعني الله عز وجل كرّم المؤمن بأنه أوكل ملائكة ﴿ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾
المؤمن محفوظ، الملائكة الحفظة الذين يحصون الأعمال، ويكتبونها على بني آدم كما قال تعالى:
﴿ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَاماً كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ﴾
( سورة الانفطار )
ويقال: حفظ المال والسر حفظاً رعاه وصانه، واحتفظ بالشيء بنفسه، يعني خصها به، والتحفظ قلة الغفلة في الأمور والكلام، هذا ما يتعلق بمصدر الحفظ في اللغة. الحفيظ من أقرب الأسماء للمؤمن من معانيها:
1 ـ الحفيظ سبحانه وتعالى هو العليم و المهيمن:
أما أن الله سبحانه وتعالى هو "الحفيظ" أيها الأخوة، هذا الاسم من أقرب الأسماء للمؤمن.
أما "الحفيظ" سبحانه وتعالى هو العليم، المهيمن، لن تكون مهيمناً إلا أن تكون عليماً، العليم، المهيمن، لا تغيب عنه لا شاردة، ولا واردة.
﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ﴾
( سورة غافر )
لا تخفى عليه خافية، "الحفيظ" هو العليم، والمهيمن، هو الرقيب على خلقه. ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ﴾
( سورة النساء )
﴿ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ﴾
( سورة الفجر )
من لوازم أنه حفيظ يعلم كل شيء، لا يغيب عنه شيء، العليم، المهيمن ، الرقيب على خلقه، لا يعزب عنه مثقال ذرة في ملكه. 2 ـ الحفيظ هو الذي يحفظ أعمال المكلفين:
الآن: و "الحفيظ" هو الذي يحفظ أعمال المكلفين، أعمالك محفوظة عنده حركاتك، وسكناتك محفوظة عنده، والذي شرف
﴿ كِرَاماً كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ﴾
يدونون على العباد القول، أقوالهم، وخطراتهم، وحركاتهم، وسكناتهم، الآية الكريمة: ﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ * وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ * وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُوم ﴾
( سورة الشعراء )
حركاتك، وسكناتك، وخطراتك، وكل جزئيات حياتك، محفوظة عند الله عز وجل. 3ـ الحفيظ يحفظ على عباده أسماعهم وأبصارهم وجلودهم:
وهو "الحفيظ" بمعنى ثالث، يحفظ على عباده أسماعهم، وأبصارهم، وجلودهم يحفظ لهم أسماعهم، وأبصارهم، وجلودهم، لماذا ؟ قال: لتشهد عليهم يوم اللقاء.
﴿ شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ ﴾
( سورة فصلت الآية: 20 )
4ـ الحفيظ يحفظ من يشاء من الشر والأذى والبلاء:
أيها الأخوة، و "الحفيظ" بمعنى رابع هو يحفظ من يشاء من الشر، والأذى والبلاء، أرأيت إلى هذا الاسم ؟ يتصل بحياتنا اتصالاً وثيقاً.
5 ـ الحفيظ هو الذي يحفظ أهل الإيمان والتوحيد ويعصمهم من الهوى وشبهات الشيطان:
و "الحفيظ" هو الذي يحفظ أهل الإيمان والتوحيد، ويعصمهم من الهوى وشبهات الشيطان، ويحول بين المرء وقلبه من الوقوع بالعصيان.
﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾
( سورة الفاتحة )
لا حول ولا قوة إلا بالله، لا حول عن معصيته إلا به، ولا قوة على طاعته إلا به، يحفظ أهل التوحيد والإيمان، ويعصمهم من الهوى، وشبهات الشيطان، ويحول بين المرء وقلبه من الوقوع في العصيان. 6 ـ الحفيظ هو الذي يهيئ الأسباب التي تعينك على الطاعة والإيمان:
الآن: و "الحفيظ" هو الذي يهيئ الأسباب بتوفيقه إلى الطاعة والإيمان، يحفظك من الوقوع في العصيان، ويمدك بالأسباب التي تعينك على الطاعة والإيمان.
ثبت من حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو ويقول:
(( اللهم احفظني بالإسلام قائماً، واحفظني بالإسلام قاعداً، واحفظني بالإسلام راقداً، ولا تشمت بي عدوا حاسداً، اللهم إني أسألك من كل خير خزائنه بيدك، وأعوذ بك من كل شر خزائنه بيدك ))
الشر المطلق يتناقض مع وجود الله فالله عز وجل يوظف الشر النسبي للخير المطلق:
لكن النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
(( والشَّرُّ لَيسَ إليكَ ))
[أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن علي بن أبي طالب ]
كلام دقيق، يعني الشر نسبي، ليس هناك شر مطلق، الشر المطلق يتناقض مع وجود الله، هناك خير مطلق، و هناك شر نسبي، يعني هذه المصيبة بالنسبة إليك تعد شراً لكنها بالنسبة إلى مآلك ومستقبل حياتك تعد خيراً.
لذلك الله عز وجل يوظف الشر النسبي للخير المطلق.
(( والشَّرُّ لَيسَ إليكَ ))
للتوضيح: مركبة من أحدث المركبات، ساقها صاحبها وهو ثمل، شرب الخمر وساقها، نزل في الوادي، تحطمت، هذا المنظر المشوه للمركبة هل يحتاج إلى صانع ؟ لا، الصانع أخرجها من معمله كاملة، أما حينما أسيء استخدامها، وتحطمت نقول هذا الشر ناتج من مخالفة التعليمات.
(( والشَّرُّ لَيسَ إليكَ ))
الشر سلبي، الشر ناتج عن إنسان أعطاه الله حرية الإرادة، أعطاه الشهوات ، ولم يتحرك وفق منهج الله، لو تحرك وفق منهج الله لما كان شراً إطلاقاً، فالشر ناتج من كائن أودع الله فيه الشهوات، ومعه حرية الاختيار، وتحرك من غير ضابط من منهج الله لذلك قال تعالى:
﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ ﴾
( سورة القصص الآية: 50 )
الشر المطلق لا وجود له في الكون:
إذاً الشر نسبي،
(( والشَّرُّ لَيسَ إليكَ ))
بينما الشر المطلق لا وجود له في الكون، بل الشر المطلق يتناقض مع وجود الله، الشر ناتج عن سوء الاستعمال، الملح مادة مهمة جداً، إذا وضعت في الحلويات لا تأكلها صار حلويات لا تؤكل، الأصل الملح مادة مفيدة، والسكر مادة مفيدة، والمواد التي صنعت منها الحلويات مواد مفيدة، أما حينما أسيء استخدم الملح وضع في الحلويات هذا هو الشر النسبي، ناتج من سوء الاستعمال، والسكر مادة مفيدة، والمسحوق الأبيض للتنظيف مادة مفيدة، إن وضعت في الطعام فالطعام لا يؤكل.
فالشر سلبي لا يحتاج إلى صانع، يحتاج إلى إنسان مخير تحرك بقوة شهوته من دون ضابط من شرع، والدليل الواضح: ﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ ﴾
معنى ذلك الذي يتبع هواه وفق هدى الله عز وجل لا شيء عليه. 7 ـ الحفيظ هو الذي حفظ السماوات والأرض بقدرته:
الآن: و "الحفيظ" أيضاً هو الذي حفظ السماوات والأرض بقدرته، قال تعالى:
﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حفظيهما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ﴾
( آية الكرسي من سورة البقرة )
فالله حفيظ لمخلوقاته أي أنه يبقيها على حالها، لغاياتها، وينظم ترابط العلل بالمعلولات، هذه قوانين، هناك علة، وهناك معلول، أي هناك سبب، وهناك نتيجة، من نظّم علاقة الأسباب بالنتائج ؟ هو الله عز وجل، يعني الله تفضل علينا بمليارات القوانين، قوانين ثابتة، هذه القوانين الثابتة تنظم الحياة، أنت أمام قوانين، والقانون يعطيك قدرة على التنبؤ، الآن يوجد فواصل تمدد، التمدد قانون، أثناء البناء تراعي هذا القانون، فالبناء لا يتصدع، لو ما في قوانين الحياة لا تُعاش، تصبح الحياة شاقة جداً، كل شيء له قانون. 8 ـ الحفيظ يبقي مخلوقاته على حالها و لغاياتها:
إذاً "الحفيظ" يبقي مخلوقاته على حالها، لغاياتها، وينظم ترابط العلل بمعلولاتها وهو سبحانه وتعالى يحفظ الأشياء بذواتها وصفاتها.
الله تعالى هو الحافظ للسماوات والأرض والموجودات التي يطول أمدها والتي لا يطول:
الإمام الغزالي رحمه الله تعالى ذكر أن الحافظ على وجهين، يعني الحفظ الإلهي على وجهين، الوجه الأول إدامة وجود الموجودات، وإبقائها، ويضاده الإعدام، الشيء الموجود يعني محفوظ، الحفظ يعني البقاء، الله عز وجل أبقى الشمس شمساً، والقمر قمراً ، والنجوم نجوماً، أبقى الماء ماءً، والهواء هواءً، أبقى المعادن معادن، أعطاها خواص، خواصها ثابتة.
والله تعالى هو الحافظ للسماوات والأرض والملائكة والموجودات التي يطول أمدها والتي لا يطول.
هناك شيء، يقول لك: القمح مثلاً وجد في الأهرامات، من ستة آلاف عام فلما زُرع نبت، والقمح في رشيم، والرشيم كائن حي، معنى هذا الكائن الحي عاش ستة آلاف عام في أشياء يمد لها في العمر، وهناك أشياء عمرها سريع، جسمك أقصر خلية عمرها 48 ساعة خلايا زغابات الأمعاء، تتجدد كل 48 ساعة، وأطول خلية بالإنسان عمرها خمس سنوات، الخلية العظمية، يعني أنت أيها الإنسان تتجدد كلياً كل خمس سنوات، عدا خلايا الدماغ وخلايا القلب.
كل المعلومات والأفكار والخبرات والمهارات والذواكر بالدماغ، لو أنها تبدلت يفقد الإنسان كل اختصاصه، يقول لك: أنا كنت طبيباً، كنت، فالدماغ ثابت، وجميع المشاعر والأذواق في القلب، وتبديل القلب في مشكلة كبيرة جداً، مشاعر القلب، صاحب القلب الأول تتأتى للذي زُرع هذا القلب له.
الحفظ الإلهي على وجهين:
1 ـ إدامة وجود الموجودات وإبقائها:
فأول وجه من وجوه الحفظ إدامة وجود الموجودات، وإبقائها، وهذا يعاكسه الإعدام، والله تعالى هو الحافظ للسماوات والأرض، والملائكة، والموجودات التي يطول أمد بقائها، والتي لا يطول.
2 ـ الحفظ صيانة للمتقابلات والمتضادات بعضها عن بعض:
الوجه الثاني للحفظ: أن الحفظ صيانة للمتقابلات والمتضادات بعضها عن بعض، الآن الماء يطفئ النار، فالماء والنار متضادان، والنار تحيل الماء بخاراً والماء والنار أيضاً متضادان، ما الذي يحفظ للماء وجوده وللنار وجودها ؟ هو الله عز وجل، هما يتعادلان، ويتناقضان.
أيها الأخوة، وقد جمع الله عز وجل بين هذه المتضادات المتنازعة، في سائر العناصر والمركبات، وسائر الأحياء كالإنسان، والحيوان، والنبات.
الآن ارتباط العلل بمعلولاتها، يعني الأسباب بنتائجها ارتباط من خلق الله عز وجل، لولا هذا الارتباط لتنافرت، وتباعدت، وبطل امتزاجها، واضمحل تركيبها.
الحفظ الحقيقي الذي يسعى إليه كل إنسان لا يكون بجهده ولكن يكون بحفظ الله له:
الآن لو دخلنا في موضوع يمسنا كثيراً، كل إنسان وصل لمنصب يحافظ عليه بل إن أربع أخماس وقته للحفاظ على هذا المنصب، كل إنسان وصل إلى مكتسب يحافظ عليه، وصل إلى ثروة يحافظ عليها، وصل إلى مركز يحافظ عليه، فالحفاظ على الشيء من طباع الإنسان، لكن الحفظ الحقيقي الذي تسعى إليه جاهداً لا يكون بجهدك، ولكن يكون بحفظ الله لك، والله عز وجل قال:
﴿ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴾
( سورة يوسف )
يعني جميع الأسباب التي تتخذها للحفاظ على مالك قد لا تُفلح، أما حفظ المال يكون بأن تؤدي زكاته.
(( ما تلف مال في بر ولا بحر إلا بحبس الزكاة ))
[ أخرجه الطبراني عن أبي هريرة ]
بطولة الإنسان لا أن يتخذ الأسباب المادية لحفظ ما هو فيه بل يتخذ الأسباب التشريعية:
الآن البطولة لا أن تتخذ الأسباب المادية لحفظ ما أنت فيه، تتخذ الأسباب التشريعية لحفظ ما أنت فيه، يعني مع الله لا يوجد ذكي.
(( ولا ينفعُ ذَا الجَدِّ منك الجَدُّ ))
[ أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي عن أبي سعيد الخدري ]
ويؤتى الحذر من مأمنه، والله عز وجل له أفعال عجيبة، حتى إن بعضهم قال: عرفت الله من نقض العزائم، جميع الجهود الجبارة التي تبذل من أجل الحفاظ على الشيء لا تجدي، لا يجدي إلا أن يحفظك الله، ﴿ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴾
على الإنسان أن يأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء ثم يتوكل على الله وكأنها ليست بشيء:
أنا لا أرفض أن آخذ بالأسباب خذ بالأسباب، لكن البطولة أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، وأن تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء، هذه البطولة، البطولة أن أراجع مركبتي مراجعة تامة قبل السفر، أراجع كل شيء فيها، وبعد هذه المراجعة التامة أتوجه إلى الله عز وجل وأقول له: يا رب أنت الحافظ، أنت الموفق، أنت المسلم، أدرس دراسة متقنة جداً، وقبل الامتحان أقول له يا رب أنت الموفق، أنت المعين على النجاح، من السهولة بمكان أن تأخذ بالأسباب وأن تنسى الله عز وجل، ومن السهولة أيضاً أن تكون كسائر المسلمين لا يأخذون بالأسباب إطلاقاً، يقول لك الله الموفق، هذا موقف غير صحيح وغير علمي، ينبغي أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، وأن تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء.
بل إن السلوك الصحيح طريق عن يمينه وادٍ سحيق، وعن يساره واد سحيق، إن أخذت بالأسباب واعتمدت عليها، ونسيت الله عز وجل، أو ألهتها كالغرب وقعت في وادي الشرك، وإن لم تأخذ بها كالشرقيين، وتواكلت على الله تواكلاً ساذجاً وقعت في وادي المعصية، الصواب أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، وثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء.
هذا الدرس البليغ يحتاجه المسلمون.
(( إِن الله يَلُومُ على العَجْز ))
[ أخرجه أبو داود عن عوف بن مالك ]
تستسلم ؟ تقول ما بيدنا شيء، انتهينا، المصير بيد الله عز وجل، وأنت لا تعمل، هذا موقف انهزامي، موقف بعيد عن الموقف الصحيح اعتقاداً، أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء.
(( إِن الله يَلُومُ على العَجْز، ولكن عليكَ بالكَيْس، فإِذا غَلَبَك أَمر، فقل حَسبيَ الله ونعم الوكيل ))
[ أخرجه أبو داود عن عوف بن مالك ]
أنت تأخذ بالأسباب، أما حينما يحال بينك وبين النتائج عندئذٍ لك أن تقول: (( حَسبيَ الله ونعم الوكيل ))
إذاً الحفاظ على الشيء لا يقل عن تحصيله، والحفظ الحقيقي يكون بأخذ الأسباب والتوكل على رب الأرباب.
(( ولا ينفعُ ذَا الجَدِّ منك الجَدُّ ))
[ البخاري عن معاوية]
مع الله لا يوجد ذكي، يوجد مستقيم، المستقيم يحفظه الله عز وجل، أما الذكي يؤتى من مأمنه، يؤتى من جهة ليست متوقعة. حفظ الله عز وجل للإنسان يكون بطاعته و الاستقامة على أمره:
كما تعلمون أيها الأخوة، الإنسان معرض لأخطار لا تنتهي، مهما أخذ الإنسان بأسباب الحفظ فقد يؤتى الحذر من مأمنه والنبي عليه الصلاة والسلام علمنا أن نأخذ بالأسباب، اعقل وتوكل.
طبيب في أمريكا، رفع راية الجري، والجري مفيد جداً للقلب، لكنه قال: إن الذي يجري لا يصاب بآفة قلبية إطلاقاً، وله مقالات، وندوات، وكتب، وهو يجري في اليوم 20 كم، عمره بين الأربعين والخمسين، مات وهو يجري، لا لأن الجري خطأ، الجري صواب، ولكنه لأنه أله الجري ونسي الله عز وجل ، يؤتى الحذر من مأمنه، في آلاف القصص حول ذلك.
ورد في الأثر القدسي أن الله عز وجل يخاطب بعض عباده يوم القيامة، يقول:
(( عبدي أعطيتك مالاً فماذا صنعت فيه ؟ يقول: يا رب ! لم أنفق منه شيئاً مخافة الفقر على أولادي من بعدي، يقول الله له: ألم تعلم بأني أنا الرزاق ذو القوة المتين ؟ إن الذي خشيته على أولادك من بعدك قد أنزلته بهم، يقول لعبد آخر: عبدي أعطيتك مالاً فماذا صنعت فيه ؟ يقول: يا رب أنفقته على كل محتاج ومسكين، لثقتي أنك خير حافظاً وأنت أرحم الراحمين، فيقول الله له: أنا الحافظ لأولادك من بعدك ))
[ورد في الأثر]
أيها الأخوة، قضية الحفظ شيء يهم كل مؤمن، حفظ الله هو المنجي، هو الحقيقي، أما إذا أخذت أسباب الحفظ ما في مانع، بل لابدّ من أن تأخذها، لكن إياك أن تنسى الله عز وجل، لو نسيت الله عز وجل، يؤتى الحذر من مأمنه.
(( ولا ينفعُ ذَا الجَدِّ منك الجَدُّ ))
[ البخاري عن معاوية]
واسم "الحفيظ" من أقرب الأسماء إلى الإنسان، الله عز وجل يحفظ له صحته ، يحفظ له ماله، يحفظ له أهله، يحفظ له إيمانه، وهذا الحفظ له ثمن هو طاعة الله عز وجل.
السعيد
09-01-2018, 07:22 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( السابع و الثلاثون بعد المائة )
الموضوع : اسم الله - الحفيظ - 2 -
حمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى:(الحفيظ):
أيها الأخوة الكرام، لازلنا مع اسم "الحفيظ"، والحقيقة الدقيقة أن أكبر أسباب حفظ الله للمؤمن أن يكون المؤمن مع الله.
كن مع الله ترَ الله معـك واترك الكل وحاذر طمعك
وإذا أعطاك من يمنـعه ثم من يعطي إذا ما منعك
* * *
أكبر خصائص الإيمان أن الله مع المؤمن:
أيها الأخوة، في القرآن الكريم معيتان، معية عامة، ومعية خاصة، الله عز وجل مع كل الخلق، مع المؤمن، ومع الكافر، ومع الملحد، ومع الفاسق، ومع الفاجر، ومع الطائع.
﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾
( سورة الحديد الآية: 4 )
أي معكم بعلمه، هذه معية عامة لكل الخلق، مع كل مخلوق، مع كل كائن، مع كل شيء، لكن المعول عليه هو المعية الخاصة فإذا قال الله عز وجل: ﴿ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾
( سورة الأنفال )
إن الله مع الصادقين.
﴿ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴾
( سورة التوبة )
هذه المعية الخاصة المعول عليها، أي أن الله مع المؤمن يحفظه، أي أن الله مع المؤمن يوفقه، أي أن الله مع المؤمن ينصره، أي أن الله مع المؤمن يؤيده، فأحد أكبر خصائص الإيمان أن الله مع المؤمن. المعية الخاصة أحد أكبر أسباب حفظ الله عز وجل للمؤمن:
الحقيقة التي أُرددها كثيراً: إذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟ إذا كان الله معك من يستطيع في الكون أن ينال منك، وإذا كان عليك فمن معك ؟ لو أنك تملك كل شيء فإن الله سبحانه وتعالى يلقي البغضاء في قلوب الخلق.
أيها الأخوة، المعول عليه المعية الخاصة، لأن حفظ الله لك أحد أكبر أسبابه المعية الخاصة، إلا أن الحقيقة الدقيقة هي أن معية الله الخاصة التي يعول عليها لها ثمن.
أن تطمع بعطاء كبير بلا ثمن، من السذاجة، الله عز وجل لا يحابي خلقه أبداً هناك قواعد دقيقة، فكلما كان المؤمن أكثر وعياً يطبق هذه القواعد لينال هذه النتائج.
إذاً المعية الخاصة هي المعية المعول عليها في الحفظ، الله عز وجل يحفظك إذا كنت معه، وإذا كنت معه كان معك.
(( ابن آدم اطلبني تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء ))
[ تفسير ابن كثير ]
من اصطلح مع الله ألقى الله في قلبه الأمن و السعادة و الطمأنينة:
أيها الأخوة، أحد أكبر أسباب التوجيه إلى الدين، ما الذي يربطك بالدين ؟ لماذا أنت تقبل على رب العالمين ؟ لماذا تحرص على طاعة الله ؟.
سؤال: قد يقول قائل إن أفكار الدين هي التي تشدني إليه، هذا الكلام صحيح إلى حدٍّ ما، أفكار الدين رائعة، الدين قدم لك تفسيراً عميقاً، دقيقاً، متناسقاً، للكون والحياة والإنسان، أعطاك التفسير الجامع المانع، أعطاك التفسير الذي لم يظهر في المستقبل ما ينقضه، فالمؤمن يتمتع بما يسمى بالأمن العقدي، هناك حقائق صارخة، ودقيقة للكون والحياة والإنسان.
﴿ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ﴾
( سورة طه )
﴿ فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾
( سورة البقرة )
الدين قدم لك تفسيراً علمياً، فلسفياً، صحيحاً، عميقاً، دقيقاً للحياة، للكون للإنسان، ولكن الذي يشدك إلى الدين معاملة الله لك، معاملة الله لك المتميزة حينما تصطلح معه، وحينما تنيب إليه، وحينما تقبل عليه، وحينما تؤثر طاعته على كل شيء، المعاملة المتميزة التي تشدك للدين هي أهم ما في السلوك إلى الله عز وجل، تشعر أن الله معك ، تشعر أن الله يؤيدك، تشعر أن الله يحفظك، أن الله يلهمك الصواب، أن الله يلقي في قلبك الأمن، أن الله يلقي في قلبك السعادة، كل هذه المشاعر، وهذه التوفيقات، وهذه التكريمات بسبب صلحك مع الله. المعاملة المتميزة التي تشد الإنسان للدين هي أهم ما في السلوك إلى الله عز وجل:
الحقيقة الدقيقة أن الذي يشدك إلى الدين فضلاً عن أنه قدم لك تفسيراً عميقاً دقيقاً، متناسقاً للكون، والحياة، والإنسان، أن الذي يشدك إلى الدين معاملة الله لك.
لذلك هذا معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه:
(( وإن تَقَرَّبَ إِليَّ شِبْرا تَقَرَّبتُ إِليه ذِراعا، وإن تقرَّب إِليَّ ذِرَاعا اقْتَرَبتُ إِليه باعا، وإِن أَتاني يمشي أتيتُه هَرْوَلَة ))
[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة ]
لمجرد أن تتخذ قراراً بالصلح مع الله، بالإقبال على الله، بطاعة الله، بتقديم ما تملك في سبيل الله ترى معاملة تفوق حدّ الخيال.
لذلك هنيئاً لمن عرف الله، هنيئاً لمن عامله، هنيئاً لمن خطب وده، حفظ الله لك أحد نتائج الإقبال على الله، الله عز وجل حفيظ، ويحفظ المؤمن من كل مكروه، من كل شيء مؤلم، من كل خطر.
﴿ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ﴾
( سورة الطور الآية: 48 )
هذه الآية فيما يبدو موجهة للنبي عليه الصلاة والسلام، ولكن العلماء قالوا: آية موجهة إلى النبي عليه الصلاة والسلام هي في الحقيقية موجهة لكل مؤمن بقدر إيمانه وإخلاصه واستقامته. أحد أكبر نتائج الإيمان أن الله مع الإنسان يحفظه و يسدد خطاه:
أيها الأخوة، أنت متى تحافظ على استقامتك ؟ أنت متى تسعى للحفاظ على ما أنت فيه ؟ حينما تصل من خلال الدين إلى شيء ثمين، الذي وصل من خلال الدين إلى شيء ثمين ذاق طعم القرب، ذاق طعم الحب، ذاق طعم الإقبال على الله، ذاق طعم أن يكون الله معك، هذه النتائج الباهرة التي يحصها الإنسان هي التي تحمله على طاعة الله.
إنسان دُعي إلى طعام، وجلس على الطاولة، لكنه لم يأكل لسبب أو لآخر، فإذا دُعي ثانية زهد في هذا الطعام، لأنه ما أكله، وما ذاقه، أما إذا ذاق الطعام النفيس الذي قُدم له، إذا دُعي ثانية يسارع إلى تلبية الدعوة.
فالإنسان حينما يصلي صلاة شكلية، وحينما يصوم صياماً شكلياً، وحينما يؤدي العبادات أداء شكلياً لأنه ليس مستقيماً على أمر الله، يزهد في الدين، لا يبالي أصلى أم لم يصلِ، لا يبالي أأطاع الله أم لم يطعه، لأنه محجوب بالمعاصي، محجوب بالعيوب ، محجوب بالذنوب، أما إذا أخلص الصدق مع الله، أما إذا أطاع الله، أما إذا أقبل على الله يصل إلى نتائج، عندئذٍ يحافظ عليها، يحافظ عليها فيحفظه الله، لابدّ من أن تقدم شيئاً، أن يتوهم الإنسان أنه بإمكانه أن يأخذ كل شيء، من دون أن يقدم شيئاً، هذا سذاجة في الإنسان وغباء فيه، لابد من أن تقدم شيئاً، هذا الذي تقدمه طاعة الله عز وجل.
﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ﴾
( سورة الأحزاب )
أنت متى تحافظ على ما أنت فيه ؟ إذا وصلت إلى شيء نفيس أحد أكبر نتائج الإيمان أن الله معك، أن الله قريب منك، أن الله يحفظك، أن الله يؤيدك، أن الله يسعدك ، أن الله يسدد خطاك. بطولة الإنسان لا أن يصل إلى القمة بل أن يبقى فيها:
الآن أيها الأخوة، كلكم يعلم أن بلوغ القمة شيء يحتاج إلى جهد كبير، لكن البطولة لا أن تصل إلى القمة أن تبقى فيها، أناس كثيرون في ساعة من ساعات الإقبال على الله يتألقون، ثم لا يتابعون سيرهم إلى الله، عندئذٍ يتراجعون، هذا الوضع الذي يتكرر أحياناً يقبل ثم يدبر، يتألق ثم يخبو، يتحرك ثم يسكن، هذا الوضع لا يرضي الله عز وجل.
(( أحبَّ الأعمال إلى الله أدْوَمُها وإنْ قلَّ ))
[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي ومالك عن عائشة أم المؤمنين ]
فلذلك دقق في هذه الكلمة: ليست البطولة أن تصل إلى القمة، البطولة أن تبقى فيها، أنت حينما تحافظ على هذه الصلة من أن تنقطع، أنت حينما تحافظ على هذا التوثيق من أن ينقطع، أنت حينما تحافظ على هذا التأييد من أن يلغى تكون قد بلغت القمة وحافظت عليها. أسباب حفظ الله للإنسان هي طاعته والتوكل عليه والاستقامة على أمره والإخلاص له:
أيها الأخوة، نحن في عالم الدنيا إنسان أحياناً يصل إلى منصب رفيع، يبذل جهداً كبيراً للحفاظ عليه، حينما يصل إلى دخل كبير يبذل جهداً كبيراً للحفاظ عليه، هذا شيء من طبيعة الإنسان، ولكن الحقيقة الدقيقة في هذا اللقاء الطيب أنك لن تحافظ على ما أنت فيه لأسباب أرضية، بل لأسباب علوية، كيف ؟
إنسان معه أموال طائلة، يضع الأقفال، يوثق، يسجل، يقدم كل سبب للحفاظ على هذا المال لكن إن لم يكن مستقيماً على أمر الله، الله عز وجل يحبط له كل هذه المساعي، وكنت أقول دائماً: الله عز وجل لا يجدي معه أن تكون معه ذكياً، يؤتى الحذر من مأمنه، يحفظك لا بأسباب أرضية، بل بأسباب علوية، أنت حينما تكون مستقيماً يحفظك، أنت ينبغي أن تأخذ بالأسباب ولكن حفظ الله عز وجل لا يكون بالأخذ بالأسباب وحدها، لابدّ من أن تأخذ بأسباب أرادها الله عز وجل أن تأخذ بها.
أنت حينما تستقيم، حينما تتوكل، حينما لا تسمح لدخلك أن يكون فيه شبهة ، حينما تصل إلى مكاسب كبيرة، عندئذٍ تسعى للحفاظ عليها لا بأسباب أرضية فقط، بل بأسباب علوية هي طاعة الله، والتوكل عليه، والاستقامة على أمره، والإخلاص له.
امتحان الله عز وجل للإنسان من أصعب الامتحانات :
أيها الأخوة، الله عز وجل يقول:
﴿ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾
( سورة المؤمنون )
يعني الله عز وجل يمتحن الإنسان، من أصعب الامتحانات، أحياناً تغلق أمام الإنسان كل الأبواب المشروعة، يفتح له باباً غير مشروع، ضعيف النفس يقول: ماذا أفعل ؟ أنا مضطر، طرق كسب الحلال مغلقة، في طريق سهل للكسب الحرام، هنا الامتحان الصعب، فحينما ترى أن الأبواب كلها موصدة أمامك، و هناك باب واحد لا يرضي الله مفتوح على مصراعيه اعلم أنك أمام امتحان صعب، ينبغي أن تنجح فيه، كيف تنجح ؟ تقرأ قوله تعالى:
﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ﴾
( سورة الطلاق )
والله أيها الأخوة، لو لم يكن في القرآن الكريم إلا هذه الآية لكفت، ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ﴾
كن عن همومك معرضا وكلِ الهموم إلى القضا
وابشر بخــير عاجل تنسى به ما قـد مضى
فلرب أمـر مسخــط لك في عواقبه رضـا
* * *
ولربما ضاق المضيق ولربما اتسع الـفضـا
الله يفــعل ما يشاء فلا تـــكن معترضا
الله عودك الــجميل فقس على ما قد مضى
* * *
وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً:
المؤمن الصادق لو أن كل أبواب الحلال مغلقة باب الحرام مفتوح يقول:
﴿ مَعَاذَ اللَّهِ ﴾
( سورة يوسف الآية: 23 )
﴿ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ﴾
( سورة الحشر )
فحينما يعلم الله منه هذا الورع، وهذا الحرص على طاعة الله، يفتح له الأبواب المشروعة على مصارعها، أنا أقول أي إنسان يعاني من ضائقة، من ضائقة مادية، من مشكلة صحية، من مشكلة اجتماعية، من مشكلة في العمل، من مشكلة في البيت، عليه بهذه الآية، ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ﴾
وزوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين. قانون العناية الإلهية يحمي الإنسان من المشكلات و ينال رضوان الله:
أيها الأخوة، كل بلد له خصوصية، كل مجتمع له خصوصية، الخصوصية يعني من حركة الحياة تستنبط حقائق، قد تكون غير مشروعة، أي بلد له خصوصية، أو بتعبير آخر له تركيبة خاصة، فمن حركة الحياة تستنبط قواعد، هذه القواعد إن فعلت كذا ، إن لم تفعل كذا، غضب الناس عليك، وإذا غضب الناس عليك أتعبوك، هذه القواعد في معظمها قد تكون غير صحيحة، وتتناقض مع منهج الله عز وجل.
الآن دققوا: لما إنسان يواجه مشكلة فإذا أراد حلّها وفق القواعد المستنبطة من حركة الحياة قد لا ينجح عند الله، قد يسقط، أما إذا طبق منهج الله، ولم يعبأ بهذه القواعد هناك حكمة بالغة بالغة يخضعه الله لقانون لا يعلمه، هذا القانون هو قانون العناية الإلهية فينجو من هذه المشكلات، وينال رضوان الله عز وجل .
أحياناً تجد إنساناً يقول يجب أن أفعل هذا حتى أنجو، هذا الفعل لا يرضي الله عز وجل، فالذي لا يعبأ بمنهج الله، يطبق القواعد المستنبطة من حركة الحياة، ظناً منه أنها تنجيه هي لا تنجيه، لكن حينما يصر على طاعة الله، يصر على منهج الله، أحياناً طبيعة الحياة تقتضي أن تفعل كذا، من أجل أن تنجو، من أجل أن تسلم، من أجل أن يقوى مركزك، وقد يكون هذا الفعل لا يرضي الله، فالمؤمن من حرصه على طاعة الله، وحرصه على إرضائه، لا ينفذ هذه القاعدة، فيبدو أنه دمر نفسه، لكن الله سبحانه وتعالى يخضعه لقانون لا يعرفه هو قانون العناية الإلهية فيزداد مركزه قوة.
فلذلك: إن الله يمنعك من يزيد، ولكن يزيد لا يمنعك من الله.
هذه حقيقة مهمة جداً.
ما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه:
من هنا أقول مرة ثانية:
كن مع الله تـرى ال له واترك الكل وحاذر طمعك
وإذا أعطاك من يمنعه ثم من يعطي إذا ما منعك
* * *
الحقيقة التي لابدّ منها في موضوع الحفظ: الله متى يحفظك ؟ ورد في بعض الأحاديث أنه:
(( ما ترك عبد شيئاً لله، إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه ))
[الجامع الصغير عن ابن عمر]
هذه القاعدة قاعدة ذهبية كما يقولون، قانون.
(( ما ترك عبد شيئاً لله، إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه ))
[الجامع الصغير عن ابن عمر]
تركت هذا المنصب لله، تركت هذه الصفقة الكبيرة لأن فيها شبهة، تركت هذا المكسب الكبير لأنه فيه شبهة، تركت هذا العمل لأن الله لا يرضى عنه.
(( ما ترك عبد شيئاً لله، إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه ))
[الجامع الصغير عن ابن عمر]
أنا أتكلم الآن عن أسباب حفظ الله لك، الله "الحفيظ" متى يحفظك ؟ حينما تدع شيئاً لله، في صفقة كبيرة أرباحها طائلة، لكن البضاعة محرمة، أو طريقة التعامل محرمة فيقول المؤمن: ﴿ مَعَاذَ اللَّهِ ﴾
﴿ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ﴾
يركلها بقدمه، فالله عز وجل يكافئه على هذا الموقف البطولي بعطاء كبير في الدنيا قبل الآخرة.
أروي قصة: هناك فلاح أُعطي عشرون دنم من أراضي إنسان أُخذت منه غصباً بسبب أو بآخر، هذا الفلاح له شيخ، سعى إليه والفرحة تملأ نفسه، عاش كل عمره فقيراً الآن أصبح يملك عشرين دنم، أرض زراعية، كاد يطير فرحاً، فشيخه قال: يا بني هذا المال مغتصب، ولا يجوز أن تأخذه، كل هذا التألق، وهذا الفرح انطفأ، قال له: هذا مال حرام لا تأخذه، فلما رآه قد علته الكآبة، قال له: يا بني اذهب لصاحب الأرض، لعله يبيعها لك تقسيطاً، افعل، حاول هذه المحاولة، وذهب إليه، قال له: أنا أُعطيت عشرين دنم من أرضك، ولي شيخ قال لي: إن أخذها حرام، هل تبيعني إياها بالتقسيط ؟ قال له: يا بني أنا أُخذ مني أربعمئة دنم، ولم يأتِ أحد إلا أنت، هذه هدية لك.
(( ما ترك عبد شيئاً لله، إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه ))
[الجامع الصغير عن ابن عمر]
مرة ثانية: زوال الكون أهون على الله من أن تدع شيئاً من أجله ثم يضيعك. الله عز وجل هو الوحيد معك ومع أهلك في وقت واحد:
الآن أنت مسافر، ماشي، أهلك في بلد آخر، في بلدك الأصلي، يا ترى أثناء غيابك في مشكلة، في حادث، في مرض شديد، في إنسان اعتدى عليهم، ابنك بالطريق أصابه مكروه، في قلق دائم، فالنبي عليه الصلاة والسلام علمنا هذا الدعاء:
(( اللهم أنت الرفيق في السفر، والخليفة في الأهل والمال والولد ))
[ورد في الأثر]
أي لا يوجد جهة بالكون هي معك ومع أهلك في وقت واحد:
(( أنت الرفيق في السفر، والخليفة في الأهل والمال والولد ))
ولازلنا في حفظ الله لهذا الإنسان، الدعاء المشهور الذي كان النبي يدعو به:
(( اللهم اقسم لنا من خشيتك ما يحول بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك، ومن اليقين ما تهون علينا مصائب الدنيا، اللهم أمتعنا بأسماعنا ، وأبصارنا، وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ))
[ رزين عن نافع مولى ابن عمر]
هذا الدعاء من أدعية النبي التي كان يكثر الدعاء بها. التولي و التخلي:
أيها الأخوة الكرام، الآن لابدّ من حقيقة دقيقة: أنه من اعتمد على نفسه أوكله الله إياها، أنت بين كلمتين، إما أن تقول أنا، وإما أن تقول الله، إن قلت أنا تخلى الله عنك وإذا قلت الله تولاك، أي أنت بين التولي والتخلي، تقول أنا معي اختصاص، معي شهادة عليا، أنا من أسرة فلانية، أنا عندي خبرات متراكمة، أنا حجمي المالي كبير، إذا قلت أنا تخلى الله عنك، فإذا قلت الله تولاك الله، أنت بين التولي والتخلي.
الله حفيظ لا يخفى عليه شيء فبطولة الإنسان أن يصفي قلبه من كل شيء لا يرضي الله:
آخر شيء أيها الأخوة، من تطبيقات هذا الاسم أن الله حفيظ بمعنى لا يخفى عليه شيء، فالبطولة أن تصفي قلبك من كل شيء لا يرضي الله.
(( عبدي طهرت منظر الخلق سنين، أفلا طهرت منظري ساعة ))
[ورد في الأثر]
ما منظر الله عز وجل ؟ قلب المؤمن، طهر قلبك من كل حقد، من كل احتيال، من كل كراهية.
الشيء الثاني: الله حفيظ، يحفظ عباده، وأنت كمؤمن اشتق من هذا الكمال كمالاً تقرب به إلى الله، احفظ من حولك، احفظ أولادك، احفظ دينهم، احفظ عقيدتهم ، احفظ عباداتهم، احفظ دراستهم، احفظهم بكل ما تملك حتى الله عز وجل يكرمك بحفظهم بعد موتك.
أيها الأخوة الكرام، هذا الاسم من ألصق الأسماء الحسنى بحاجات الإنسان، ألا تتمنى أن يحفظك الله ؟
(( احفظ الله يَحْفَظْك ))
السعيد
09-01-2018, 07:24 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الثامن و الثلاثون بعد المائة )
الموضوع : اسم الله - الفتاح - 1 -
حمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى:(الفتاح):
أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "الفتاح".
ورود اسم الفتاح في القرآن الكريم في نص واحد:
سمى الله ذاته العلية بالفتاح في نص واحد من النصوص القرآنية ؛ وهو قوله تعالى:
﴿ قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ ﴾
( سورة سبأ )
ولم يرد هذا الاسم في السنة. معاني اسم الفتاح في اللغة:
أيها الأخوة، "الفتاح" كما تعلمون صيغة مبالغة على وزن فعال، من اسم الفاعل فاتح، فاتح فتاح، الفعل فتح، يفتح، فتحاً.
الفتح نقيض الإغلاق، الله عز وجل يقول:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ ﴾
( سورة الأعراف الآية: 40 )
وماذا يعني أن تفتح أبواب السماء ؟ إذا فتحت لك أبواب السماء ألقى الله في قلبك نوراً، يريك الحق حقاً، والباطل باطلاً، أكبر عطاء إلهي أن ينور قلبك، أنت تأتي رؤيتك صحيحة، أن يأتي كلامك سديداً، أن تأتي قيمك مما يرضي الله عز وجل، إذا فتح لك أبواب السماء فتح لك باب التوفيق، إذا فتح لك أبواب السماء فتح لك باب الحفظ، إذا فتح لك أبواب السماء فتح لك باب الحكمة.
﴿ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ﴾
( سورة البقرة الآية: 269 )
إذا فتح لك باب السماء فتح لك باب الرضا، إذا فتح لك أبواب السماء فتح لك باب النصر، شيء كبير جداً أن تفتح لك أبواب السماء، فالذي يكذب بآيات الله الدالة على عظمته ﴿ وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ ﴾
يقول عليه الصلاة والسلام:
(( أُعْطِيتُ مفاتيحَ الكلم، ونُصِرْتُ بالرُّعْبِ ))
[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أبي هريرة ]
كلام النبي أعلى نص في مستوى المتانة والبلاغة والإحكام والروعة بعد القرآن الكريم:
نحن تعلمنا في الجامعة في كلية الآداب أن أعلى نص في اللغة العربية بعد القرآن الكريم كلام النبي عليه أتم الصلاة والتسليم، قال مرة:
(( أنا أفصح العرب بيد أني من قريش ))
[ من كشف الخفاء عن أبي سعيد الخدري ]
وقريش أفصح قبائل العرب، قال: هذا أسلوب يسمى أسلوب تأكيد المديح بما يشبه الذم.
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب
* * *
هذا الأسلوب أسلوب بلاغي:
(( أنا أفصح العرب بيد أني من قريش ))
[ من كشف الخفاء عن أبي سعيد الخدري ]
أوتي الفصاحة، أوتي جوامع الكلم، أوتي اللغة الناصعة، أوتي البيان الرائع.
لذلك أعلى نص في مستوى المتانة، والبلاغة، والإحكام، والروعة، والجمال بعد القرآن الكريم كلام النبي عليه أتم الصلاة والتسليم، قال:
(( أعطيت جَوَامِعَ الكلم، ونُصِرْتُ بالرُّعْبِ ))
[أخرجه البخاري ومسلم الترمذي والنسائي وابن ماجة وأحمد من حديث أبي هريرة]
حينما طبقت أمته منهجه نصرت بالرعب. من طبق منهج الله عز وجل و سنة النبي الكريم في حياته لن يُعذب أبداً:
﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾
( سورة الأنفال الآية: 33 )
ما دامت سنة النبي صلى الله عليه وسلم مطبقة في حياتهم ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ ﴾
ومن خلال هذه الآية يمكن أن تفسر في العالم الإسلامي، لأنهم لم يطبقوا منهج نبيهم، لم يأتمروا بما أمر الله، ولم ينتهوا عما نهى عنه الله، لذلك أعداؤهم سُلطوا عليهم ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾
(( أعطيت جَوَامِعَ الكلم، ونُصِرْتُ بالرُّعْبِ ))
[أخرجه البخاري ومسلم الترمذي والنسائي وابن ماجة وأحمد من حديث أبي هريرة]
أما حينما لم تطبق أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم منهج النبي هُزمت بالرعب. يوشكُ الأُمَمُ أنْ تَدَاعَى عليكم:هذا حال المسلمين في آخر الزمان:
أيها الأخوة، من أدق الأحاديث التي تشير إلى هذا المعنى قول النبي عليه الصلاة والسلام، والله كأنه معنا:
(( يوشكُ الأُمَمُ أنْ تَدَاعَى عليكم ))
[ أخرجه أبو داود عن ثوبان ]
الأمم ! ثلاثين دولة حليفة، في عدد من بلاد المسلمين، ثلاثين دولة، حلفاء.
(( يوشكُ الأُمَمُ أنْ تَدَاعَى عليكم كما تَدَاعَى الأَكَلةُ إلى قَصْعَتِها ))
[ أخرجه أبو داود عن ثوبان ]
طعام نفيس، أناس جائعون تداعوا إلى هذه القصعة ليأكلوا، وكأن بلادنا قصعة، وكأن ثرواتنا قصعة، والأمم تداعت عليها، قال:
(( يوشكُ الأُمَمُ أنْ تَدَاعَى عليكم كما تَدَاعَى الأَكَلةُ إلى قَصْعَتِها ))
[ أخرجه أبو داود عن ثوبان ]
في بعض البلاد بإفريقيا تم ذبح ثمانمئة ألف إنسان في أسبوع، في راوندا، الغرب لم يتدخل، وقال بعض زعماء الغرب: لو تدخلنا لأنقذنا أربعمئة ألف إنسان من الذبح، ما تدخلوا، لأن هناك لا يوجد بترول:
(( يوشكُ الأُمَمُ أنْ تَدَاعَى عليكم كما تَدَاعَى الأَكَلةُ إلى قَصْعَتِها، فقال قائل: من قِلَّة نحن يومئذ ؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير ))
[ أخرجه أبو داود عن ثوبان ]
مليار وخمسمئة مليون إنسان، ربع سكان الأرض، يتربعون على أهم المواقع في العالم، مناطق إستراتيجية، تحتهم ثروات لا يعلمها إلا الله، ومع ذلك متفرقون، أعداؤهم يتعاونون وبينهم خمسة بالمئة قواسم مشتركة، والمسلمون يتقاتلون والدماء تسيل في بلادهم وبينهم 95% قواسم مشتركة.
(( قالوا: من قِلَّة نحن يومئذ ؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير، ولكنَّكم غُثاء كَغُثَاءِ السَّيْلِ ))
تصور سيل عرمرم، مخيف، على سطح هذا السيل بعض القش، هذا القش هل بإمكانه أن يغير مجرى السيل ؟ هل بإمكانه أن يوقف السيل ؟ هل بإمكانه أن يخفف من أخطار السيل ؟.
(( ولكنَّكم غُثاء كَغُثَاءِ السَّيْلِ ))
هذا الكلام قيل قبل ألف و أربعمئة عام.
(( ولَيَنْزِعَنَّ الله مِنْ صدور عدوِّكم المهابةَ منكم ))
ينزع المهابة، ما في هيبة، قبل العدوان على العراق، أعتقد في العالم سارت مظاهرات بالملايين، في كل بلاد العالم، إن تذكرتم ذلك، ومع ذلك (( غُثاء كَغُثَاءِ السَّيْلِ ))
(( وليقذفنَّ في قُلُوبكم الوَهْنَ ـ الضعف ـ قيل: وما الوْهنُ يا رسول الله ؟ قال: حُبُّ الدُّنيا وكراهيَةُ الموتِ ))
[ أخرجه أبو داود عن ثوبان ]
هذا الحديث الشريف يصف حال المسلمين في آخر الزمان، ينزع الله من قلوب أعدائهم المهابة، لا يهابونهم، لا يهابون نبيهم، يشوهون صورته، لا يهابون كتابهم، لا يهابون دينهم، يتهمون دينهم بأنه دين إرهاب، ودين قتل، ودين تخلف. الفتاح سبحانه وتعالى يفتح أبواب الرحمة والرزق لعباده أجمعين:
أيها الأخوة، "الفتاح" في اللغة الذي يفتح، يعني يحكم، يفتح أبواب الحق، و "الفتاح" الحاكم، ومن معاني "الفتاح" أيضاً الذي يفتح أبواب الخير، أو يفتح أبواب التأديب للعصاة، في فتح، فتح أبواب الخير، أو فتح أبواب التأديب، أو الحكم بين المتخاصمين.
أيها الأخوة، "الفتاح" سبحانه وتعالى هو الذي يفتح أبواب الرحمة، والرزق لعباده أجمعين، كم دابة تُذبح في اليوم كطعام للبشر ؟ بالمليارات، كم من الأطنان من القمح يستهلك البشر ؟ كم من الأطنان من المواد الغذائية يستهلك البشر ؟ يفتح الله لعباده أبواب الخير، كم من الأمطار يهطل كل عام ؟ كل ثانية 16 مليار طن، ينزل من السماء إلى الأرض، كل ثانية، بحار، سحب، أمطار، جبال، بحيرات، أنهار، أسماك، أطيار حيوانات، أنعام، يفتح الله أبواب الخير،
﴿ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ ﴾
يفتح أبواب الرزق، يفتح أبواب العمل، كل واحد الله عز وجل مكنه من شيء، وجعله بحاجة إلى مليون شيء ، فنحن نعيش معاً مقهورين، لأنك أنت تتقن شيئاً، وبحاجة إلى مليون شيء. الله عز وجل يفتح لكل إنسان:
1 ـ أبواب العمل و الرحمة:
إذاً الله عز وجل يفتح أبواب العمل جعل فيها معايش، كم إنسان يعيش على طول الشعر بالأرض ؟ كم إنسان يعيش على المرض ؟ المستشفيات، والأطباء، والدراسات ، والجامعات، وكليات الطب، معامل الدواء، كم إنسان بالأرض يعيش على المرض ؟ مرض الجسم أبواب للعيش، كم إنسان يعيش على الحر ؟ المرطبات، والثلج، والتكييف والمراوح، كم إنسان يعيش على البرد ؟ البرد أحد أسباب الرزق، والحر أحد أسباب الرزق، والمرض أحد أسباب الرزق، وكم إنسان يعيش على التعليم بالعالم ؟ كم معلم بالأرض ؟ كم جامعة ؟ كم مدرسة ؟ وكم إنسان يعيش على ترفيه الإنسان ؟ المقاصف، والفنادق، والأماكن الجميلة، والخدمات، ملايين مملينة تعيش على ترفيه الإنسان، ملايين مملينة تعيش على تعليم الجيل الصاعد، ملايين مملينة تعيش على معالجة الأجسام.
2 ـ أبواب الرزق:
"الفتاح" يفتح أبواب الرزق، بعد ذلك كل واحد منا مكنه الله من عمل يتقنه تماماً ، تجد جراح القلب عمله سهل، يشق الجلد، يأتي بالمنشار، يقص عظم القص، أنا شاهدت عدة أفلام لعملية جراحة قلب، شيء دقيق، يأتي بكلابات، يباعد القفص الصدري، يصل إلى القلب، يفتح القلب، يصل إلى الدسام، يبدل الدسام، مكن الله هذا الإنسان من تبديل دسام للقلب، والقلب متعطل، والدم محول إلى قلب صناعي، أقول لهذا الجراح: ما شاء الله ! الله مكنك من هذه الجراحة، وكل واحد مكنه الله من عمل، لما الله عز وجل مكنك من عمل، هناك عمل تجاري، عمل صناعي، عمل خدمي، مهندس، طبيب، مدرس، محامي، قاضي، صانع، صناعي، مزارع، كل واحد مكنه الله من عمل، من فتح أبواب الرزق ؟ الله عز وجل.
الله خلق مواد، خلق غذاء، لكن كيف نقتسم هذا الغذاء ؟ يعني تظهر حشرة في حقل، صاحب الحقل يذهب إلى الصيدلي الزراعي، ويريه نمطاً من الآفة، يصف له الدواء يشتري مرشة، يذهب إلى بستان يرش هذا النبات، كم إنسان يعيش من أمراض النبات ؟ ملايين مملينة، الحشرات، والآفات، والمرشات، والأدوية، وما إلى ذلك.
فلو نظرت إلى فتح أسباب الرزق لوجدت العجب العجاب، بكل مدينة، بكل بلد ، بكل محافظة، بكل دولة، يوجد شعب أشخاص يعملون بالزراعة، أشخاص بالصناعة، أشخاص التجارة، أشخاص بالوظيفة، أشخاص بالجيش، أشخاص شرطة مثلاً، أشخاص بالتدريس، كل إنسان الله عز وجل فتح له باب الرزق، إذاً الله "الفتاح" العوام يقولون: يا فتاح يا عليم، افتح لنا باب رحمتك.
3 ـ أبواب البلاء بامتحان المؤمنين:
"الفتاح" سبحانه وتعالى هو الذي يفتح أبواب الرحمة والرزق لعباده أجمعين، وأحياناً يفتح أبواب البلاء بامتحان المؤمنين، يظهر مرض يستنفر الناس، يستنفر الأطباء، يبحثون عن دواء، صار في حركة، يفتح أبواب الرزق والرحمة لعباده أجمعين، ويفتح أبواب البلاء لامتحان المؤمنين، الله عز وجل قال:
﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ و الْأَرْضِ ﴾
( سورة الأعراف الآية: 96 )
أيضاً فتح، أحياناً تجد أمطاراً غزيرة، أمطاراً تهطل في الليل، تطلع الشمس في النهار، شيء رائع جداً، أحياناً مطر غزير، أنهار ممتلئة، الأرض خضراء، يفتح الله أبواب الرزق، وحينما يعصي العباد ربهم، حينما يقل ماء الحياء يقل ماء السماء. ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾
( سورة الأعراف )
من آمن أن أمره بيد الله عز وجل اتجه إليه وحده:
الآن التوحيد: هناك آية بليغة، قال:
﴿ مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ ﴾
( سورة فاطر الآية: 2 )
الله فتح أبواب السماء، فتح أبواب الأرض، فتح أبواب كثيرة جداً. ﴿ مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾
( سورة فاطر )
الأمر بيد الله عز وجل، هو القابض، هو الباسط، هو المعطي، هو المانع ، هو الرافع، هو الخافض، هو المعز، هو المذل، أنت حينما تؤمن أن الأمر كله بيد الله وأنه لا إله الله، ولا معطي إلا الله، ولا مانع إلا الله، ولا ناصر إلا الله، ولا معز إلا الله، ولا مذل إلا الله، حينما تؤمن أن أمرك بيد الله، تتجه إلى الله وحده. فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ: من معانيها:
1 ـ فتحنا عليهم أبواب أمراض لا يعلمها إلا الله:
أيها الأخوة، وأحياناً يفتح باب البلاء تجد زلزالاً، إعصاراً، فيضاناً، مرضاً، وباء، معنى الفتح الآخر الفتح السلبي، فتح البلاء، قال:
﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾
( سورة الأنعام الآية: 44 )
الآن في أمراض لم تكن معروفة من قبل، مرض الإيدز، كان الإنسان قديماً لما يسافر يتعرض إلى تحرش أنثى به يقول: ﴿ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ﴾
( سورة يوسف الآية: 23 )
يقول لك: أنا الله عز وجل أكرمني، وضبط نفسي، وكنت عفيفاً، شيء رائع الآن يمتنع لا خوفاً من الله، ولكن خوفاً من الإيدز. ﴿ فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ ﴾
( سورة الأحزاب الآية: 19 )
كان يمتنع يكون عند الله بطلاً، عفيفاً، خاف من الله، قال: ﴿ مَعَاذَ اللَّهِ ﴾
﴿ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ﴾
( سورة المائدة الآية: 28 )
الآن مع الأسف الشديد يمتنع لكن إني أخاف الإيدز، بدل أن يخاف من الله يخاف من مرض فُتح على البشر. 2 ـ آتيناهم المال والغنى والبلاد الجميلة والقوة العسكرية:
﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾
الآية لها عدة معانٍ، تحتمل معنىً آخر، أن المال، والغنى، والبلاد الجميلة، والقوة العسكرية، والقوة الإعلامية، والأقمار الصناعية، تصدر الشاشات، التصريحات، الاستعلاء، الغطرسة، الاستكبار ﴿ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾
أو فتحنا عليهم أبواب أمراض لا يعلمها إلا الله. ﴿ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ﴾
( سورة الأنعام )
الله عز وجل يحكم بين عباده:
أيها الأخوة، "الفتاح" هو الذي يحكم بين العباد، يختلف شريكان، ويفصلان الشركة، تُحل الشركة، الله عز وجل "الفتاح" كيف يحكم على الظالم ؟ بعدم التوفيق، ويحكم على المظلوم بالتوفيق، عقب فسخ شركة الله عز وجل مع المظلوم يوفق الشريك المظلوم ويحبط مسعى الشريك الظالم.
زوجان يفترقان، إذا كان الزوج ظالم الله عز وجل يبتليه بزوجة تكيل له الصاع عشرة، والزوجة المظلومة الله يهيئ لها زوجاً صالحاً يعرف قيمتها، فالله يحكم، هناك حكم يوم القيامة وهناك حكم في الدنيا، فالتوفيق الإلهي حكم، والتعسير حكم، فالله عز وجل يفتح بين عباده أن يحكم على الظالم منهم بعدم التوفيق.
﴿ رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ ﴾
( سورة الأعراف )
الله تعالى يفتح خزائن جهده وكرمه لعباده الطائعين وأبواب البلاء والهلاك على الكافرين:
من معاني "الفتاح" اسم الله "الفتاح" أن الله يفتح خزائن جهده وكرمه لعباده المؤمنين، ويفتح أبواب البلاء والهلاك لأعدائه الكافرين.
إنسانة اشترت بيتاً مع أخيها من جمعية تعاونية، والبيت باسمها لأنها محامية، وأخوها وثق بها ما طلب أن يكون له اسم في البيت، فالبيت ارتفع مئة ضعف لما صار ثمنه عشرين مليوناً طردته من البيت، البيت باسمها، ولم تعبأ بحقه في السكنى، وعنده أولاد كُثر، أحد أولاده حدثني عن هذه القصة المؤلمة جداً، قلت له: الله كبير، والله أيها الأخوة، بعد شهر من هذا العدوان الظالم الآثم ابتليت بورم خبيث، وبعد شهر آخر توفيت، وذهبت إلى البيت وألقيت كلمة في التعزية، ووريثها الوحيد أخوها، عاد إلى البيت الله حكم.
والله هناك قصص أيها الأخوة تدع الحليم حيران من العدل الإلهي، لكن نحن معظم قصصنا نعرفها من آخر فصل، قد لا تفهم أما لو أنك تعرف القصة من أول فصل ترى عظمة الله عز وجل، الله يفتح بين عباده، يحكم بينهم.
إذاً هو الذي يفتح خزائن جهده وكرمه لعباده الطائعين، ويفتح أبواب البلاء والهلاك على الكافرين، وهو الذي يفتح على خلقه من غلق عليه من أموره، تجد مصائب ، مشكلات، ضيق شديد، ثم يفرج.
ضاقت فلما استحكمت حلقاته ا فرجت و كان يظن أنها لا تفرج
* * *
الله عز وجل يحكم بين البشر يوم القيامة:
أيها الأخوة، "الفتاح" من أسمائه، يعني اسم ذات، و "الفتاح" من أوصافه، اسم صفة، و "الفتاح" من أفعاله، هو اسم ذات، واسم صفة، واسم فعل.
لكن كما قال بعض العلماء وهو ابن القيم، قال: "الفتاح" يفتح بالأقدار، ويفتح بالتكليف، يكلفك بتطبيق شيء لا تطبقه تدفع ثمنه، لأن التكاليف الإلهية بينها وبين النتائج علاقة علمية، يعني علاقة سبب بنتيجة، أحياناً يكلف الله عز وجل، فالذي لا ينصاع لحكم الله يدفع الثمن باهظاً، هذا تكليف و له عقاب، وأحياناً الله عز وجل:
﴿ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾
( سورة النساء الآية: 84 )
على كلٍ الآية التي قرأت قبل قليل: ﴿ مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾
وهناك آية ثانية: ﴿ قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ ﴾
بالنهاية الله هو الحكم، الآن يوجد بالأرض خلافات، نزاعات، مهاترات، خصومات، من يحكم بين البشر يوم القيامة ؟ هو الله عز وجل. كل إنسان بحاجة إلى أبواب رحمة الله و فضله في كل لحظة:
أيها الأخوة، الشيء الدقيق:
(( إذا دخَل أحدُكم المسجد، فَلْيَقُلْ: اللَّهمَّ افْتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليقل: اللَّهمَّ إني أسألك من فضلك ))
[مسلم عن أبي حميد]
وأنت في المسجد أنت بحاجة إلى أبواب رحمة الله تفتح لك، فإذا خرجت من المسجد أنت بحاجة إلى أبواب الفضل أن تفتح لك، ففي البيت، وفي الطريق، وفي العمل ، وفي المستشفى، وفي المدرسة، وفي الجامعة، وفي الدكان، وفي الحقل الزراعي، اسأله أن يفتح لك أبواب فضله، فتوفق بزراعتك، توفق بصناعتك، توفق بتجارتك، توفق بوظيفتك، افتح لي أبواب فضلك، وإن دخلت إلى بيت من بيوت الله اسأله أن يفتح لك أبواب رحمته.
أيها الأخوة الكرام، أيضاً هذا الاسم يتصل بالمؤمن اتصالاً وثيقاً، يفتح الله له كل خير، يفتح الله له باب الخير، باب التأييد، باب التوفيق، باب النصر.
السعيد
09-01-2018, 07:29 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( التاسع و الثلاثون بعد المائة )
الموضوع : اسم الله - الفتاح - 2 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى:(الفتاح):
أيها الأخوة الأكارم، لا زلنا في اسم "الفتاح".
حرص الإنسان على وجوده و سلامة وجوده و على رزقه :
قبل أن نتابع الحديث عن هذا الاسم العظيم لابدّ من مقدمة:
الله عز وجل أراد أن يكون الإنسان كائناً متحركاً، ما الذي يبعثه على الحركة ؟ حاجات أودعها فيه، حاجاته إلى الطعام والشراب، حفاظاً على وجوده، وحاجاته إلى الطرف الآخر، إلى المرأة، وحاجة المرأة إلى الرجل حفاظاً على بقاء النوع، وحاجات إلى تأكيد ذاته حفاظاً على الذكر، فالآن الله سبحانه وتعالى أودع بالإنسان هذه الحاجات الأساسية لذلك هو كائن متحرك يبحث عن عمل ليأكل، يبحث عن زوجة لينجب، يبحث عن عمل يرفع ذكره بين الناس.
الشيء الآخر: أن هذا الكون تنتظمه قوانين بالغة الدقة، مليارات القوانين، وأن الله سبحانه وتعالى لحكمته البالغة ثبت كل هذه القوانين تثبيتاً مطلقاً، فالحديد حديد لا يتبدل والذهب ذهب، خصائص المعادن ثابتة، خصائص المواد ثابتة، حركة الأفلاك ثابتة ، ملايين القوانين ثابتة، كي تنتظم الحياة، ولكن لحكمة بالغةٍ بالغة، حرك شيئين، حرك الصحة، وحرك الرزق، لتكون الصحة والرزق وسيلتين لتأديب الإنسان، فالإنسان حريص حرصاً لا حدود له على بقائه، وعلى وجوده، وعلى سلامة وجوده، وعلى كمال وجوده ، وعلى استمرار وجوده، وحريص على رزقه.
فلذلك هذه القضية الأولى قضية الوجود، وسلامة الوجود، وكمال الوجود ليست ثابتة، والقضية الثانية قضية الرزق ليست ثابتة، تجد إنساناً أموره ميسرة، و إنساناً أموره معسرة.
الله عز جل بيده أبواب كل شيء:
أيها الأخوة، الآن قد تُغلق أمام إنسان أبواب الرزق، كلما طرق باباً أُغلق يعني أن الله سبحانه وتعالى يفتح لعبده المؤمن باب رزق حلال، هو "الفتاح" يفتح باب الرزق، قد يأتي عضال مستحكم، يجمع الأطباء على أنه لا أمل في الشفاء فيفتح الله لهذا المؤمن باب الشفاء.
أعرف صديقاً، أجمع الأطباء وهم قمم على أن الورم الخبيث في الرئة ليس هناك من أمل في الشفاء، والقضية قضية وقت، يعني أشهر، والقصة طويلة، والله سبحانه وتعالى فتح له باب الشفاء والقصة من اثنتين و عشرين عاماً، والآن حي يرزق يتمتع بأعلى صحة، والذين أجمعوا على أنه لا أمل في شفائه أطباء كبار، من هذا البلد ومن بلد بعيد.
فتح باب الشفاء، فتح باب الرزق.
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها فرجت و كان يظن أنها لا تفرج
* * *
من فتح لك باب الشفاء ؟ من فتح لك باب الرزق ؟ من فتح لك باب الزواج ؟ من فتح لك باب الإنجاب أنجبت أولاداً أبراراً ؟ من فتح لك باب العمل ؟ من فتح لك باب العمل الصالح ؟ من فتح لك باب الدعوة إلى الله ؟ من أطلق لسانك ؟ من جعلك تعلو عند الناس ؟ هو "الفتاح"، "الفتاح" العليم، العوام يقولون: يا فتاح يا عليم، يا رزاق يا كريم هو يعلم ما أنت عليه، يعلم نواياك، يعلم إخلاصك.
الأمر بيده، هذا هو التوحيد، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد. مهمة الإنسان الأولى طاعة الله عز وجل و الانصياع لأوامره:
الحقيقة التوحيد مريح، أنت حينما تجمع كل علاقاتك مع جهة واحدة ترتاح.
﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ﴾
( سورة الشعراء )
المؤمن علاقته بربه، وكأن مهمة المؤمن محصورة في شيئين، لا ثالث لهما والدليل:
﴿ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ﴾
( سورة الزمر )
تنتهي مهمتك في طاعة الله، عليك أن تطيعه والله سبحانه وتعالى متكفل لك بكل شيء.
(( ابن آدم اطلبني تجدني فإن وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء ))
[ تفسير ابن كثير]
ويا رب ماذا فقد من وجدك، وماذا وجد من فقدك ؟ وإذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟ ارتباط اسم الفتاح بالمؤمن أشد الارتباط:
إذاً حينما تغلق أبواب الرزق يفتح الله لك باباً واسعاً من رزق حلال وفير ، وحينما تغلق أبواب الأمل في شفاء من مرض عضال يفتح الله لك باب الشفاء التام، علاقتك بالله عز وجل، وحينما تحصر علاقتك بالله وحده لا يخيب ظنك، وهذا أدق ما في اسم "الفتاح".
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها فرجت و كان يظن أنها لا تفرج
* * *
أعرف صديقاً آخر أنجب مولود بولادة عسرة، واضطر الطبيب أن يسحبه بآلة شفط، سببت له أذية في الدماغ، فأنا سمعت من أطباء كُثر وكبار هذا الطفل من أذية الدماغ إما أنه سيصاب بالشلل، أو بالعمى، أو بأمراض وبيلة، وتواترت أقوال الأطباء، واستحكم الألم بنفس أبيه، وتمنى أن يأتي ميتاً، أما هذا سيعيش معاقاً، وسيكون عبئاً على والديه لكن الله سبحانه وتعالى بالدعاء، والثقة بالله فتح له باب الشفاء، والآن يحمل شهادة عليا من الأزهر، ويعمل في عمل طيب.
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها فرجت و كان يظن أنها لا تفرج
* * *
حينما تعقد الأمل على الله، وحينما لا ترجو غير الله، ولا تدعو غير الله، ولا تثق بغير الله، أنت حينما تتوجه إلى الله، فالله فتاح عليم، يعلم إخلاصك في الدعاء، ويعلم استقامتك، والأمر بيده، أنت قوي بالله، الله عز وجل بيده كل شيء، الله غني، أنت غني بالله، الله قادر أنت قادر بالله، الله عليم أنت تعلم بالله.
فلذلك باب الغنى يفتحه "الفتاح"، وباب النجاة من الظلام يفتحه "الفتاح"، وباب الزواج يفتحه "الفتاح"، وباب العمل يفتحه "الفتاح"، وباب الدراسة العليا يفتحها "الفتاح" ، وباب النجاح في العمل يفتحه "الفتاح"، هذا الاسم يرتبط أشد الارتباط بالمؤمن. وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً :
الآن كلمة:
﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ﴾
( سورة الطلاق )
بالآية معنى ظني، أنه أنت وجدت في مكان ولم تجد مخرجاً، أنت في حيرة، في حيص بيص كما يقال، في قلق شديد، ليفتح لك باباً ليفرج عنك يجب أن تكون متقياً لله، هذا الذي عليك. الإنسان مخير و الاختيار يثمن عمله:
الآن نعود للآية مرة ثانية:
﴿ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ ﴾
مهمتك أن تطيعه، وأن تعبده، والعبادة كما تعلمون طاعة طوعية، وليست قسرية، الأقوياء يطاعون قسراً، لكن الله سبحانه وتعالى ما أرادك أن تطيعه قسراً.
﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ﴾
( سورة البقرة الآية: 256 )
أرادك أن تأتيه بمبادرة منك، أرادك أن تحبه، أرادك أن تكون حراً، تطيعه أو لا تطيعه، تصلي أو لا تصلي، تصوم أو لا تصوم، تصدق أو لا تصدق، ترحم أو لا ترحم أنت مخير، والاختيار يثمن عملك.
﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾
( سورة الكهف الآية: 29 )
﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً ﴾
( سورة الإنسان )
﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ﴾
( سورة البقرة الآية: 148 )
جعلك مريداً وجعلك مختاراً، ليثمن عملك، ولولا أنك مختار، لولا أنك مريد لولا أن الله سبحانه وتعالى منحك إرادة لا قيمة لا لطاعتك، ولا لانضباطك، تطيعه مختاراً تلتزم منهجه مختاراً، تقبل عليه مختاراً، تصلي له مختاراً، تتقرب له مختاراً، لأن الله سبحانه وتعالى منحك إرادة حرة إذاً عملك له قيمة.
إذاً حينما تثق به يفتح لك ما أغلق من الأبواب، بل يفتح لك ما استعصى عليك من الأبواب، بل يفتح لك أبواب كل شيء. أمور كل إنسان بيد الله عز وجل:
اليوم انتقلنا إلى التوحيد، التوحيد واضح جداً في هذه الآية:
﴿ مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا ﴾
( سورة فاطر الآية: 2 )
أي إذا أرادك الله بخير لو اجتمع أهل الأرض ليمنعوا عنك هذا الخير لن يستطيعوا، وإذا أراد الله أن يعالج إنساناً لحكمة بالغةٍ بالغة لو اجتمع أهل الأرض على أن يمنعوا هذه المعالجة أن تصيبه لن يستطيعوا.
دخلت لدائرة، عشرة طوابق، كل طابق فيه عشرات الموظفين، وأمرك لا يوافق عليه إلا من قبل المدير العام، هل يعقل أن تبذل ماء وجهك لغير المدير العام ؟ ما يبده شيء.
وأنت حينما تؤمن أن أمرك بيد الله، زواجك بيد الله، صحتك بيد الله، من هم فوقك بيد الله، من هم دونك بيد الله، الطواغيت الكبار في الأرض بيد الله، هم عصي بيد الله.
﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾
( سورة هود )
آيات قرآنية تبث الأمن في النفس:
هناك آيات تبث الأمن بنفس الإنسان.
﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾
( سورة الزمر )
﴿ لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ﴾
( سورة الأعراف الآية: 54 )
﴿ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً ﴾
( سورة الكهف )
﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ ﴾
( سورة الزخرف الآية: 84 )
﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ﴾
( سورة هود الآية: 123 )
إذاً "الفتاح" ينقلك إلى التوحيد. كل شيء في الحياة فتوح من الله عز وجل:
﴿ مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾
( سورة فاطر )
كل علاقتك بيد الله عز وجل.
أيها الأخوة، سمعنا كثيراً عن السلف الصالح عن علماء المسلمين السابقين، أنهم إذا رأوا شاباً متفتحاً، متوثباً لطاعة، مشتاقاً لقرب الله عز وجل يقولون له: فتح الله عليك فتوح العارفين، العلم فتح، والتوفيق فتح، والنجاح بالزواج فتح، والنجاح بالعمل فتح ، والنجاح بامتلاك ثقة الناس فتح، هذا كله فتح، الله عز وجل فتاح، كما تحدثنا في الدرس السابق فاتح اسم فاعل، لكن الفتاح صيغة مبالغة لاسم الفاعل.
وكان بعض العلماء إن رأوا شاباً ليس صادقاً في طلبه، ليس منضبطاً يقولون له: يا ولدي فتوحك على يد غيرنا. معاني اسم الفتاح:
1 ـ الفتاح يفتح لك أبواب كل شيء:
الآن هناك موضوع آخر، "الفتاح" بالمعنى الأول يفتح لك باب العلم، باب الرزق باب العمل، باب الدراسة، باب الزواج، باب الإنجاب، باب إنجاب أولاد صالحين .
2 ـ الله يفصل بين الصراعات بين الأفراد والصراعات بين الشعوب:
المعنى الثاني: في الصراعات بين الأفراد، في الصراعات بين الشعوب، في الصراعات كما هو مصطلح حديث بين الحضارات، الله هو "الفتاح"، الآية:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾
( سورة الحج )
الحياة مفعمة بالصراعات.
كل يدعي وصلاً بليلى وليلى لا تقر لهم بذاكا
* * *
كل جهة تدعي أنها على حق، وأنها المصيبة، وأنها تعمل وفق المنطق، ووفق المصلحة، هذا ادعاء، لكن من يفصل ؟ أحياناً يختلف زوجان، تستمع إلى كل منهما تؤخذ بكل واحد منهما، الأول معه الحق، والثاني معه الحق.
يروى أن شخصاً عمل قاضياً، فجاءه متخاصمان، تكلم الأول فأفاض، قال له: والله معك حق، تكلم الثاني فأفاض، قال له: معك حق، فيبدو زوجته من وراء الستار تسمع كلامه، قالت له: كيف تقول هذا الكلام لهذا ولهذا معاً ؟ قال له: والله أنت معك حق أيضاً. الله عز وجل يفصل بين الناس في كل ما يختلفون فيه:
تجد كل شخص معه حجج، كل شخص ينظر من زاويته، شيء يحير، من الذي يفصل بين هذه الخصومات ؟ هذه الصراعات، هذه المنازعات، هذا التنطع،
﴿ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾
هناك آية ثانية:
﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾
( سورة السجدة )
هذا المعنى أحياناً له حالات خاصة، يعني زوجان يختلفان، يتشاجران، ينتهي الأمر بينهما بالطلاق، الله كيف يفصل بينهما ؟ الطرف المظلوم يوفق في زواجه القادم وكـأن هذا حكم الله عز وجل، شريكان يختلفان، ثم يفترقان، الشريك الظالم لا يوفق في عمله القادم، والشريك المظلوم يوفق في عمله القادم، فهذا واضح جداً في حالات الخلافات الزوجية، والخلافات بين الشركاء، الله عز وجل يفصل، بمعنى يوفق، من عرف نفسه ما ضرته مقالة الناس به.
﴿ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ ﴾
( سورة الأنعام )
من عرف نفسه ما ضرته مقالة الناس به:
إذا كان الله معك فمن عليك، هذه تعمل قوة شخصية، ما دام أنت مستقيم، ما دام أنت واثق من استقامتك، من التزامك، واثق من نواياك الطيبة، لا تعبأ بكلام الناس ، إرضاء الناس غاية لا تدرك، لا تعبأ بهم ﴿ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ ﴾
﴿ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ ﴾
( سورة النمل )
أي من عرف نفسه ما ضرته مقالة الناس به، أنا أقول لا يعبأ لا استخفافاً بالناس، ولكن وثوقاً باستقامته، وثوقاً بنيته الطيبة، لا تعبأ إلا أن هناك معنى فرعياً يقتضي أن يكون واضحاً، لا تضع نفسك موضع التهمة، ولو كنت نقياً نظيفاً، لا تضع نفسك موضع التهمة، ثم تلوم الناس إذا اتهموك.
هناك موقف للنبي الكريم رائع جداً، يمشي في الليل مع زوجته صفية، مرّ صحابيان كريمان، فقال عليه الصلاة والسلام: على رسليكما، انتظرا، هذه زوجتي وضح، البيان يطرد الشيطان.
في حساب بينك وبين إنسان، لا تقول له الحساب أصبح واضحاً، لا، بيّن له الحساب، بيّن، البيان يطرد الشيطان. السعيد من أطاع الله عز وجل و الشقي من بعد عن الله عز وجل:
إذاً المعنى الأول:
﴿ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ ﴾
﴿ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ ﴾
ولا تقلق إذا كنت على حق، والناس توهموا أنك لست على حق، أنا أضرب هذا المثل:
إذا عندك كيلو معدن، وليكن ذهباً خالصاً، واتهمك الناس أن هذا المعدن ليس ذهباً خالصاً، بل هو معدن خسيس، من الرابح ؟ أنت، مع أن الناس توهموا أن هذا المعدن الذي بحوزتك ليس ذهباً خالصاً، وهو في الحقيقة ذهب خالص، أنت الرابح الأول، ولو كنت تملك معدناً خسيساً، وبذكاء، و طلاقة لسان أوهمت الناس أنه معدن ثمين أنت الخاسر الأول، فالمشكلة معك.
﴿ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ ﴾
( سورة النمل الآية: 47 )
﴿ طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ ﴾
( سورة يس الآية: 19 )
يعني أنت تكون سعيداً بطاعتك لله، والإنسان يشقى ببعده عن الله، وكلام الناس لا يقدم ولا يؤخر، يعني بشكل أو بآخر لو أن أهل الأرض ذموك، وأنت لست معنياً بهذه الصفات لا تقلق، من عرف نفسه ما ضرته مقالة الناس به، ولو أن أهل الأرض مدحوك ولم تكن على حق، هذا المديح لا يقدم، ولا يؤخر، علاقتك مع الله. الأمر بيد الله فمن تعلق بالدنيا جعل الله فقره بين عينيه وشتت عليه شمله:
بعض الآثار القدسية:
(( عبدي خلقت لك السماوات والأرض ولم أعيَ بخلقهن، أفيعييني رغيف أسوقه لك كل حين، عبدي لي عليك فريضة، ولك علي رزق، فإذا خالفتني في فريضتي لم أخالفك في رزقك، وعزتي وجلالي، إن لم ترضَ بما قسمته لك فلأسلطن عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحش في البرية، ثم لا ينالك منها إلا ما قسمته لك ولا أبالي، وكنت عندي مذموماً، أنت تريد، وأنا أريد، فإذا سلمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد، وإن لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فما تريد، ثم لا يكون إلا ما أريد ))
الأمر بيد الله، أنت تريد يا عبدي (( وأنا أريد، فإذا سلمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد، وإن لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فما تريد، ثم لا يكون إلا ما أريد ))
(( من أصبح وأكبر همه الآخرة جعل الله غناه في قلبه، وجمع عليه شمله ، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن أصبح وأكبر همه الدنيا جعل الله فقره بين عينيه وشتت عليه شمله، و لم يؤته من الدنيا إلا ما قدر له ))
[الترمذي عن أنس]
وقد قيل: ما تعلق أحد بحب الدنيا إلا أصيب منها بثلاث، شغلٍ عناء، وأملٍ لا يدرك منتهاه، وفقر لا يدرك غناه.
(( من أصبح وأكبر همه الآخرة تأتيه الدنيا وهي راغمة، أما ومن أصبح وأكبر همه الدنيا ـ تتفلت منه، يخسر الدنيا والآخرة.))
من بعض الأدعية:
اللهم إنا نعوذ بك من عضال الداء ـ من مرض وبيل ـ ومن شماتة الأعداء ومن السلب بعد العطاء. على كل عبد ألا يخافن العبد إلا ذنبه ولا يرجون إلا ربه:
الشيء الأخير: أن المؤمن واثق من حفظ الله له، وقد علمنا القرآن الكريم أن نكون بهذه الثقة، قال:
﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ﴾
( سورة التوبة الآية: 51 )
﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ ﴾
( سورة فصلت )
لذلك أيها الأخوة، آية في كتاب الله وحيدة، وهي:
﴿ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ﴾
( سورة هود الآية: 88 )
لا يحقق شيء في الأرض إلا بتوفيق الله، وإذا كنت في مشكلة ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ﴾
لذلك: لا يخافن العبد إلا ذنبه، ولا يرجون إلا ربه.
السعيد
09-01-2018, 07:33 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الاربعون بعد المائة )
الموضوع : اسم الله - المجيد - 1 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى:(المجيد):
أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "المجيد".
ورود اسم المجيد في القرآن الكريم و السنة الشريفة:
"المجيد" اسم من أسماء الله الحسنى، ورد في القرآن الكريم، وفي السنة، قال تعالى:
﴿ قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ ﴾
( سورة هود )
وقال تعالى: ﴿ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ * فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ﴾
( سورة البروج )
دقة اللغة العربية:
﴿ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ ﴾
إذاً هو اسم من أسماء الله الحسنى، و ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدِ قُرأت هكذا، إذاً هو صفة، حركة واحدة جعلت هذه الكلمة اسماً، وحركة أخرى جعلته صفة، اللغة العربية دقيقة جداً أحياناً حركة واحدة تنقل الإنسان من الجنة إلى النار الصحابي الجليل قبل أن يُقتل قال:
ولست أبالي حينما أُقتل مسلماً على أي جنب ألقى في الله مصرعي
* * *
إلى الجنة، أما إذا قُرئ هذا البيت:
ولست أبالي حينما أَقتل مسلما ً على أي جنب ألقى في الله مصرعي
* * *
إلى جهنم وبئس المصير، حركة واحدة تنقل الإنسان من الجنة إلى النار، يعني كلمة تجارب، جمع تجربة، هناك من يتفاصح ويقول تجارُب، العدوى بالجرب فقط التجارُب العدوى بالجرب، أما التجارب جمع تجربة، حركة واحدة.
يكتب الطبيب على البطاقة أخصائي، يعني الذي يخصي، وصوابها اختصاصي هناك أخطاء شائعة في اللغة العربية كثيرة جداً، يقول أحدهم: أنا مولّع بالمطالعة، المولّع هو الثور الأحمر، ينبغي أن يقول أنا مولَعٌ بالمطالعة، حركة واحدة من مطالع إلى ثور.
تقول قِمة، وقُمة، إن قلت قُمة من القمامة، وإن قلت قِمة من الذورة. الله عز وجل اختار اللغة العربية لتكون لغة كلامه:
الله عز وجل قال:
﴿ وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى ﴾
( سورة التوبة الآية: 40 )
الإنسان قد يتوهم يتابع:
﴿ وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ﴾
( سورة التوبة الآية: 40 )
المعنى فاسد ﴿ وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى ﴾
بعد أن كانت عليا، لكن لا يصح أن نقول ﴿ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ﴾
ماذا كانت قبل ذلك ؟ ﴿ وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى ﴾
وقف ﴿ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ﴾
دائماً، حركة واحدة تنقل الإنسان من الكفر إلى الإيمان، أو من الإيمان إلى الكفر، أو من الجنة إلى النار، أو من النار إلى الجنة، لغة عربية اختارها الله لتكون لغة كلامه.
فقد قيل:
(( يا رسولَ الله، كيف نصلِّي عليك ؟ قال: قولوا: اللَّهمَّ صَلِّ على محمد وعلى أَزواجهِ وذُرِّيَّتِهِ، كما صلَّيْتَ على آل إِبراهيم، وبَارِك على مُحمدٍ، وعلى أَزْواجِهِ وذُريته، كما باركتَ على آلِ إِبراهيم، إِنَّكَ حَميدٌ مجيدٌ ))
[ البخاري عن أبي حميد الساعدي]
"المجيد" من أسماء الله الحسنى. معاني المجيد في اللغة:
الآن "المجيد" في اللغة من صيغ المبالغة على وزن فعيل، ماجد، مجيد، فعله مجد، يمجد، مجداً، وتمجيداً، الماضي، والمضارع، والمصدر.
و "المجيد" هو الكريم الفعّال، وقيل إن جمع في الإنسان شرف الذات إلى حسن الفعال سمي مجيداً، وفعيل أبلغ من فاعل، فاعل قد يعني مرة واحدة، كاتب، قارئ.
إذاً "المجيد" هو الذي يجمع معنى الجليل، والوهاب، والكريم، عظيم، وهاب كريم.
المجد المروءة والكرم، والسخاء والشرف، والفخر والحسب، والعزة والرفعة، والمجد أيضاً الأخذ من الشرف والسؤدد ما يكفي، هناك بحياتنا أشخاص كبراء، يقول له أنت كبير، الكبير يكبر، ويكبر، ويكبر ولا نرى كبره فيتضاءل أمامه كل عظيم، وغير الكبير يصغر، ويصغر، ويصغر ولا نرى صغره فيتعاظم عليه كل حقير، تشعر أحياناً إنسان كبير، كبير بعلمه، كبير بأخلاقه، كبير بعفوه، كبير بتسامحه، كبير بعطائه.
وأنا أرى الإنسان ليس له سقف، النبي عليه الصلاة والسلام إنسان واحد جاء إلى الدنيا وغادرها، ونشر الهدى في الآفاق، أين ما ذهبت ترى مسلمين لهم مسجدهم، لهم أخلاقهم، لهم مبادئهم، لهم قيمهم، بفضل هذا الإنسان الأول الذي اصطفاه الله هادياً للناس ورحمة للعالمين.
ما الذي يمنع أن تكون كبيراً ؟ ما الذي يمنع أن تكون رقماً صعباً ؟ ما الذي يمنع أن تحمل همّ أمتك ؟ ما الذي يمنع أن تكون في قلوب الخلق ؟
من ارتقى مقامه عند الله اتسعت دائرة اهتماماته :
﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً ﴾
( سورة النحل الآية: 120 )
كان أمة، يوجد إنسان يأتي إلى الدنيا ويغادرها همّه الوحيد أن يأكل وأن يشرب وأن يسكن في بيت، همومه صغيرة، إذاً هو رقم تافه، لا معنى له، وهناك إنسان همّه كبير همّه الإنسانية، وكلما علا همّ الإنسان اتسعت دائرة همومه، وهناك إنسان همّه أسرته فقط، إنسان همّه أسرته الكبيرة، له ابن عم، له ابن أخت، يعانيان ما يعانيان، يحمل هذا الهم، وكلما ارتقى مقامك عند الله اتسعت دائرة همومك، وكلما ارتقى مقامك عند الله اتسعت دائرة رؤيتك، قل لي ما الذي يهمك أقل لك من أنت، هل يهمك أمر المسلمين ؟ هل تتألم إن رأيت المسلمين في بعض أقطارهم يعانون ما يعانون ؟ قتل، ونهب، وقهر، وإذلال، وأنت ما عندك مشكلة معافى، هل تقول ما لي وما لهم ؟ لا، يمتحنك الله أحياناً حينما تتطلع إلى مأساة يعاني منها المسلمون وأنت لا تتأثر، كلما ارتقى مقامك عند الله اتسعت دائرة اهتمامك بل كلما ارتقى مقامك عند الله ازدادت مسؤوليتك عند الله.
أيها الأخوة، أحياناً تقرأ كتاباً تافهاً، ثمانمئة صفحة، قصة تنتهي من قراءتها تتثاءب وتنام، وأحياناً تقرأ كتيباً صغيراً، مقالة صغيرة تنتهي من قراءتها فتبدأ متاعبك وضعك هذا الكتب أمام مسؤوليتك. على كل مؤمن أن يؤمن بالله العظيم و يثني عليه:
أيها الأخوة، المجد: المروءة، والكرم، والسخاء، والشرف، والفخر ، والحسب، والعزة، والرفعة، ولا تنسوا المرأة التي قالت: وا معتصماه، كيف ردّ عليها المعتصم، وقد قال بعض الشعراء:
ربّ وامعتصماه انطلقت ملء أفواه الــبنات اليتم
لامست أسماعهم لـكنها لم تلامس نخوة المعتصم
* * *
فالمجد، والمروءة، والكرم، والسخاء، والشرف، والفخر، والحسب، والعزة والرفعة.
الآن أمجده ومجده يعني عظمه وأثنى عليه، والمؤمن يمجد الله عز وجل ويعظمه.
﴿ إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ ﴾
( سورة الحاقة )
آمن بالله خالقاً، لكن ما آمن به عظيماً، العبرة أن تؤمن بالله العظيم. تمجيد الله عز و جل و تعظيمه مهمة المؤمن الأساسية:
أيها الأخوة، لا تنسوا أن الله سبحانه وتعالى حينما قال:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً ﴾
( سورة الأحزاب )
الأمر على ما ينصب ؟ على الذكر الكثير، لأن المنافق يذكر الله، ولكن يذكره ذكراً قليلاً، حتى إن النبي عليه الصلاة والسلام أعطى مقاييس، قال:
(( برئ من النفاق من أكثر من ذكر الله، وبرئ من الكبر من حمل حاجته بيده ))
(( برئ من الشح من أدى زكاة ماله ))
[أخرجه الطبراني عن جابر بن عبد الله ]
إذاً كما أن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً ﴾
قال: ﴿ إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ ﴾
تحت كلمة ﴿ الْعَظِيمِ ﴾
خط، يعني الأمر يتعلق بأن تؤمن بالله العظيم، إبليس آمن بالله، قال ربي: ﴿ فَبِعِزَّتِكَ ﴾
( سورة ص الآية: 82 )
آمن به رباً وعزيزاً، آمن به خالقاً، قال: ﴿ خَلَقْتَنِي ﴾
( سورة ص الآية: 76 )
آمن باليوم الآخر، قال: ﴿ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾
( سورة الأعراف )
ومع ذلك هو إبليس اللعين ﴿ إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ ﴾
إذاً لا يصح إيماننا إلا إذا مجدنا ربنا، وعظمناه، أمجده ومجده أي عظمه وأثنى عليه، وتماجد القوم فيما بينهم ذكروا أمجادهم، هذا ما يتعلق باللغة. القرآن مجيد لأنه كلام الله وصفة الكلام من صفات الله العليا:
أما الله جلّ جلاله وصف في كتابه العزيز، وصف قرآنه الكريم قال:
﴿ ق وَالْقُرْآَنِ الْمَجِيدِ ﴾
( سورة ق )
يعني الله عز وجل قال:
﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ﴾
( سورة الأنعام الآية: 1)
في آية ثانية:
﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ ﴾
( سورة الكهف الآية: 1 )
كأن الكون كله في كفة، والقرآن المجيد في كفة.
أيها الأخوة، القرآن مجيد لأنه كلام الله، وصفة الكلام من صفات الله العليا ، والقرآن كريم فيه الإعجاز والبيان، وفيه روعة الكلمات، وحسن المعاني، وفيه كمال السعادة للإنسان فهو كتاب مجيد، عظيم، رفيع الشأن. "المجيد" سبحانه وتعالى هو الذي علا وارتفع بذاته:
الآن "المجيد" سبحانه وتعالى، الآن دخلنا في صلب الموضوع، "المجيد" سبحانه وتعالى هو الذي علا وارتفع بذاته، له المجد في أسمائه، وصفاته، وأفعاله، مجد الذات الإلهية بيّن في جمال الله.
(( إن الله جميل يحب الجمال ))
[أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي عن عبد الله بن مسعود ]
مجد الذات الإلهية بين في جمال الله، وسعته، وعلوه، واستوائه على عرشه فعند مسلم من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:
(( إن الله جميل يحب الجمال ))
هذا مجد الذات، مجد الذات أنه جميل.
و روي أيضاً:
(( حِجَابُه النُّورُ، لو كَشَفَهُ لأحْرَقتْ سُبُحات وجهه ما انتهى إليه بصرُه من خلقه ))
[مسلم عن أبي موسى]
﴿ اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾
( سورة النور الآية: 35 )
هذا جمال الذات، أما كيفية جمال الذات أمر لا يدركه أحد، عين العلم به، عين الجهل به، وكل شيء خطر ببالك فالله بخلاف ذلك، والعجز عن إدراك الإدراك إدراك كيفية جمال الذات لا يعلمه إلا الله، وليس عند المخلوقين منه إلا ما أخبر به عن نفسه، من كمال وصفه، سبحانك لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، كمال وصفه وجلال ذاته، وكمال فعله، ومن مجد ذاته أنه استوى على العرش، فهو العلي بذاته على خلقه. الله عز وجل مجّد ذاته باستوائه على العرش:
﴿ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى ﴾
( سورة طه )
في ملكه، وهو القائم عليهم والمحيط بهم، قال تعالى: ﴿ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ﴾
( سورة طه )
الاستواء معلوم، والكيف مجهول، وهناك آيات معدودة من الحكمة البالغة أن تصوغ معناها إلى الله، الاستواء معلوم والكيف مجهول.
الآن ثبت أن العرش أعلى المخلوقات، والله جلّ جلاله فوق ذلك محيط بالخلائق والكائنات، ويعلم ما هم عليه.
(( فإذا سألتُم الله فاسألوه الفِرْدَوس، فإنه أوسطُ الجنة وأعلى الجنة، وفوقَه عرش الرحمن، ومنه تَفَجَّرُ أنهار الجنة ))
[ البخاري عن أبي هريرة]
الله جلّ جلاله من كمال مجده أنه خصّ الكرسي بالذكر دون العرش:
وقد ذكر الله جلّ جلاله: من كمال مجده الكرسي، خصه بالذكر دون العرش في أعظم آية في كتاب الله، فقال:
﴿ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ﴾
( آية الكرسي من سورة البقرة )
لقد بيّن الله جلّ جلاله في كتابه الكريم من كمال وصفه وسعة ملكه لمن أعرض عن طاعته، وعن توحيده في عبادته، أن مُلك من أشركوا لو بلغ السماوات السبع، ولو بلغ الأراضين كلها وما فيهن، وما بينهم، على عرضهن، ومقدارهن، وسعة حجمهن، لا يمثلن شيئاً في الكرسي، الذي تحت قدم الملك، فما بالك بعرشه ومجده، وما بالك باتساع ملكه.
هذا الإله العظيم ألا يخطب وده ؟ ألا ترجى جنته ؟ ألا تتقى ناره ؟
تعصي الإله وأنت تظهر حبه ذاك لعمري في المقال شنيع
لو كان حبك صادقاً لأطـعته إن المحب لـمن يحب يطيع
* * *
عظمة الله عز وجل لا نهاية لها:
الله عز وجل يقول:
﴿ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا ﴾
يعني هو: ﴿ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا ﴾
( سورة فاطر الآية: 41 )
﴿ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا ﴾
أي لا يعجزه حفظهما، لأنه لا يقوى غيره على حفظهن، وإدارتهن، حتى لو ادعى لنفسه ملكهن، فالله من حلمه على خلقه أمسك بهن بقدرته، وأبقاهن لحكمته لذلك قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً ﴾
( سورة فاطر )
(( إني والإنس والجن في نبأ عظيم، أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر سواي، خيري إلى العباد نازل، وشرهم إلي صاعد، أتحبب إليهم بنعمي وأنا الغني عنهم ، ويتبغضون إلي بالمعاصي وهم أفقر شيء إلي، من أقبل عليّ منهم تلقيته من بعيد، ومن أعرض عني منهم ناديته من قريب، أهل ذكري، أهل مودتي، أهل شكري، أهل زيادتي أهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي، إن تابوا فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم ، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من الذنوب والمعايب، الحسنة عندي بعشرة أمثالها وأزيد والسيئة بمثلها وأعفو، وأنا أرأف بعبدي من الأم بولدها ))
[ رواه البيهقي والحاكم عن معاذ، والديلمي وابن عساكر عن أبي الدرداء ]
ورد أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(( ما السماوات السبع مع الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على الحلقة ))
[ ابن حبان عن أبي ذر]
يعني لا نهاية لعظمة الله، وصحّ عن ابن عباس رضي الله عنهما موقوفاً أنه قال:
(( الكرسي موضع قدميه والعرش لا يقدر قدره))
[رواه الحاكم و الدارمي عن ابن عباس]
المجيد وصف جامع لكل أنواع العلو التي يتصف بها الله عز وجل:
أيها الأخوة، أما مجد أوصافه، تحدثنا عن مجد ذاته، وعن مجد أفعاله، والآن عن مجد أوصافه، له علو الشأن، لا ند له، لا مثل له، ولا نظير له، ولا شبيه له، ولا مثيل، فالمجد وصف جامع لكل أنواع العلو التي يتصف بها المعبود، فهو العلي العظيم، لأن أي معبود سواه إذا علا مجده بعض الخلق، وغلب على العرش، واستقر له الملك، فإنه مسلوب العظمة، أي عظيم سواه مسلوب العظمة في علوه إما لمرضه، الأقوياء يمرضون، والأقوياء ينامون، والأقوياء يموتون، أو لغلبة غيره على ملكه، أية عظمة لعلو المخلوق وهو يعلم أن قدرته محدودة وأيامه معدودة، أيستحق المخلوق أن يكون معبوداً ؟ لأنه يموت، كل مخلوق يموت.
أيها الأخوة الكرام، من لوازم الإيمان أن نمجد الله سبحانه وتعالى، من لوازم الإيمان أن نذكر الله ذكراً كثيراً، من لوازم الإيمان أن نحبه حباً عظيماً، من لوازم الإيمان أن نخضع له، بل إن قمة لوازم الإيمان أن نعبده، والعبادة طاعة طوعية، ممزوجة بمحبة قلبية، أساسها معرفة يقينية، تفضي إلى سعادة أبدية.
السعيد
09-01-2018, 12:43 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الحادى و الاربعون بعد المائة )
الموضوع : اسم الله - المجيد - 2 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
من أسماء الله الحسنى:(المجيد):
أيها الأخوة الكرام، لازلنا في اسم "المجيد" ، ولابدّ من مقدمة متعلقة باسم "المجيد".
التوافق بين خصائص النفس وبين كمالات الله جلّ جلاله:
النفس البشرية فُطرت على حبّ الكمال، وعلى حبّ الجمال، وعلى حبّ النوال، وحينما يؤمن الإنسان بالله الإيمان الصحيح يرى أن أصل الكمال، وأن أصل الجمال، وأن أصل النوال عند الله.
لذلك الذات الإلهية كاملة كمالاً مطلقاً، ولن تخضع النفس إلا للكمال، ولن تخضع إلا للإحسان، إلا للجمال، فهناك توافق بين خصائص النفس، وبين كمالات الله جل جلاله.
إذاً أنت حينما تؤمن باسم "المجيد" معنى ذلك أن تقبل عليه، أن تصل إليه، أن تتوكل عليه، أن تسعد بقربه، توافق عجيب بين خصائص النفس التي لا يملؤها إلا معرفة الله عز وجل، هي مصممة تصميماً لا نهائياً، فأي هدف أرضي محدود أقبلت عليه، واتجهت إليه بعد أن تصل إلى مبتغاها منه، تشعر بالسأم، والملل، والضجر، هذا شأن النفس البشرية.
السعادة في الدنيا متناقصة لا متنامية من حكمة الله عز وجل:
لذلك بناءً على هذه الخصيصة في النفس، لا يمكن للدنيا أن تمد الإنسان بسعادة متنامية، ولا مستمرة، بل متناقصة، هذه حقيقة، الإنسان قبل أن يصل إلى الشيء يراه كبيراً، فإذا وصل إليه يراه بحجم أقل من حجمه، فإذا ألفه يراه صغيراً، شاءت حكمة الله ألا يسمح للدنيا أن تمدنا بسعادة لا متنامية، ولا مستمرة، بل متناقصة.
فالإنسان حينما يختار هدفاً أرضياً محدوداً يختار أن يكون غنياً مثلاً، أو يختار أن يكون قوياً، أو يضع اللذة نصب عينيه، مثل هذا الإنسان بعد حين يكتشف فراغاً كبيراً في حياته.
وهذا ما يفسر حينما يتجه الناجحون في حياتهم إلى القمار أحياناً، أو إلى الشذوذ لماذا ؟ لأن هدفه اللذة، هذه اللذة ألفها، بل ملّ منها، يبحث عن نوع آخر، أو عن شكل جديد، فحياة الإنسان الذي لم يعرف الله عز وجل حياة فيها فراغ كبير، أما هذه النفس البشرية لأن الله سبحانه وتعالى فطرها على طبيعة لا نهائية، فلا يقنعها، ولا يملأ فراغها إلا أن تتجه إلى المطلق، اللانهائي.
لذلك من خصائص هذه النفس أنها إذا اتجهت إلى المطلق، وإلى اللانهائي وإلى الآخرة هي في شباب دائم، الإنسان إذا عرف الله في شباب دائم، تقدم سنه يظهر له بعض السلبيات في صحته، هذا شيء طبيعي، أما همته، تطلعاته، نشاطاته، معنوياته في أعلى مستوى.
أي تفسير في الدين لا يظهر كمال الله المطلق تفسير باطل غير صحيح:
لذلك النفس البشرية تحب الكمال، وتحب الجمال، وتحب النوال، وأصل الجمال، والكمال، والنوال عند الله، وحينما تتجه إليه تطمئن.
﴿ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾
( سورة الرعد )
فحينما ترى أن الله "المجيد" يعني متناهٍ في الصفات العليا، من عرف الله زهد بما سواه.
أيها الأخوة، أي تفسير في الدين لا يظهر كمال الله المطلق، أي شرح لآية، أي شرح لحديث، أي شرح لواقعة، أي شرح لحادثة، لا يؤكد كمال الله المطلق فهذا الشرح غير صحيح، لأن الله عز وجل يقول: ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾
( سورة الأعراف الآية: 180 )
أي كمال الله عز وجل كمال مطلق. الطرق الكبرى لمعرفة الله:
1 ـ التفكر في خلقه:
لكن الآن طريق معرفته يحتاج إلى تأنٍ، أحد طرق معرفته التفكر في خلقه فنحن أمام كون معجز، أمام كون معجز بمجراته، بكازاراته، بمذنباته، بكواكبه، بنجومه ، بشمسه، بقمره، بليله، بنهاره، بمخلوقاته، بالأطيار، بالأسماك، بالنبات، بالحيوان، بالإنسان، بالبحيرات، بالبحار، يعني أنت أمام كون لا نهاية لعظمته، هذا الكون يدل عليه، هذا الكون مظهر لأسمائه الحسنى وصفاته الفضلى، أنا أسمي الكون الثابت الأول في الإيمان، يعني الله عز وجل خلق هذا الكون، في رحمة، في حكمة، في عظمة، في قوة، في غنى أسماء الله الحسنى تظهر في خلقه.
لذلك أنت حينما تتفكر في خلق السماوات والأرض تتقرب من معرفة الله، والله عز وجل حينما قال:
﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾
( سورة آل عمران )
إذاً أحد الطرق الكبرى لمعرفة الله أن تتفكر في خلقه، هذا الطريق سالك وآمن ولا يوجد به أخطار أبداً، وكلما تفكرت في خلق السماوات والأرض ازددت معرفة به، ازددت رؤية لكمالاته. 2 ـ تدبر كلامه:
هناك طريق آخر: أن تتدبر كلامه، الله عز وجل له خلق، وله كلام، وله أفعال فالتفكر في خلقه طريق، وتدبر قرآنه له طريق.
﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ﴾
( سورة الأحقاف الآية: 33 )
﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾
يعني القرآن الكريم تعريف بالله، هذا باب آخر. 3 ـ التفكر في أفعاله:
لكن الطريق الثالث: التفكر في أفعاله يحتاج إلى وقفة متأنية، أن ترى على شبكية العين شعوب مسلمة فقيرة مضطهدة، تعاني ما تعاني، وترى شعوباً متخلفة دينياً متقدمة حضارياً، تسمى شعوباً متطورة لكنها غير متحضرة متوحشة، وهي قوية، وتفعل ما تقول، هناك مفارقات إذا تأملت فيما يجري في الكون.
الطريق الثالث ينبغي أن يأتي في المرتبة الثالثة، بالأولى تعرفه من خلقه ، وبالثانية تعرفه من كلامه، عظمة خلقه، ودقة كلامه تلقي لك ضوءاً على أفعاله، ولن تستطيع أن تثبت عدل الله بعقلك، إلا بحالة مستحيلة إلا أن يكون لك علم كعلمه، إذاً أنت أمام طرق ثلاث، أن تعرفه من خلقه، ثم من كلامه، ثم من أفعاله.
أخطر شيء أن تقول على الله شيئاً لا تعرفه:
الآن يقول بعض العلماء: العوام إذا ارتكبوا الكبائر أهون من أن يقولوا على الله ما لا يعلمون، أخطر شيء أن تقول على الله شيئاً لا تعرفه، أن الله خلقه كافراً، وقدر عليه الكفر، مستحيل، وألف ألف مستحيل.
إنسان شرب الخمر وجيء به إلى سيدنا عمر، فقال: أقيموا عليه الحد ، قال: والله يا أمير المؤمنين إن الله قدّر عليّ ذلك، فقال: أقيموا عليه الحد مرتين، مرة لأنه شرب الخمر، ومرة لأنه افترى على الله، قال له: ويحك يا هذا ! إن قضاء الله لن يخرجك من الاختيار إلى الاضطرار، العوام لأن يرتكبوا الكبائر أهون من أن يقولوا على الله ما لا يعلمون.
بل إن المعاصي رتبها الله ترتيباً تصاعدياً، فذكر الفحشاء والمنكر، ذكر الإثم والعدوان، ذكر الشرك، ذكر الكفر، وجعل على رأس المعاصي الكبيرة:
﴿ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾
( سورة البقرة )
لا تقبل تفسيراً لا يظهر كمال الله، لا تقبل تفسيراً لا يظهر عظمة الله، لا تقبل تفسيراً يتناقض مع الكمال المطلق، الله عز وجل كماله كمال مطلق، فلذلك قال تعالى: ﴿ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ ﴾
( سورة الفتح الآية: 6 )
حسن الظن بالله ثمن الجنة:
أيها الأخوة، آية ثانية:
﴿ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ ﴾
( سورة المائدة الآية: 154 )
لذلك حسن الظن بالله ثمن الجنة، حسن الظن بالله أن توقن برحمته، أن توقن بعدله، أن توقن بحكمته، وهناك مقولة لو فهمنا أبعادها فهماً يقينياً وعميقاً لأحسنّا الظن بالله هذه المقولة: كل شيء وقع أراده الله، بمعنى سمح به، لحكمة بالغةٍ بالغةٍ بالغة، كل شيء وقع أراده الله، وكل شيء أراده الله وقع، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، معنى الحكمة المطلقة أن الذي وقع لو لم يقع لكان الله ملوماً، أن الذي وقع لو لم يقع لكان نقصاً في حكمة الله، يؤكد هذا المعنى قوله تعالى:
﴿ وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ﴾
( سورة القصص الآية: 47 )
وما من مصيبة في الأرض من آدم إلى يوم القيامة إلا بما قدمت أيدي الناس. ﴿ وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً ﴾
( سورة القصص الآية: 47 )
المصائب رسائل من الله عز وجل:
لو أصبنا بمصيبة، وهنا جاءت المصيبة بكلمة مقابلة، رسالة، إذاً اعلموا علم اليقين أن المصائب رسائل من الله، رسالة إلهية:
﴿ وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾
( سورة القصص )
فكل شيء وقع أراده الله، وكل شيء أراده الله وقع، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، وحكمته المطلقة متعلقة بالخير المطلق.
لذلك الشر المطلق لا وجود له في الكون، الشر المطلق يتناقض مع وجود الله، لكن هناك شر نسبي، بالنسبة للإنسان شر نسبي موظف للخير المطلق، وهذا من حسن الظن بالله عز وجل . التفكر في خلق السماوات والأرض يضعنا وجهاً لوجه أمام عظمة الله تعالى:
أسماء الله الحسنى هي الأسماء التي تخضع لها النفس، لذلك أصل الدين معرفته، كنت أقول لكم دائماً: إن التفكر أحد أقصر المسافات إلى الله، أو أحد أقصر الطرق إلى الله، والتفكر أحد أوسع الأبواب التي ندخل منها على الله، مثل بسيط وسريع:
هذا الأنف تتنفس من خلال الأنف، ما الذي يحصل في هذا الأنف ؟ هناك سطوح متداخلة، هذه السطوح مزودة بأوعية دموية لها عضلات، هذه العضلات توسعها، فأنت إذا كنت في يوم بارد، ونظرت إلى أنفك بالمرآة رأيته أحمر اللون، لماذا صار أحمر اللون ؟ لأن الأوعية الدموية في البرد تتوسع، لتأتي كمية دم أكبر، والدم حرارته 37 فيسخن هذا الأنف، حتى الهواء الذي بدرجة صفر يدخل منه من هنا، يصبح هنا 37، حتى نضمن تسخين الهواء لئلا تؤذى الرئة، فصار بالأنف سطوح متداخلة، هذه السطوح المتداخلة مزودة بأوعية ذات خاصة تتميز بها، فيها عضلات تتوسع.
إذاً الهواء البارد إذا دخل في طرق طويلة وملتوية يسخن، لذلك الذي يتنفس من فمه يصاب برشوحات كثيرة جداً، خطأ كبير الإنسان يتنفس من فمه، يكون عطل الجهاز، هذه السطوح عليها مادة لزجة، فإذا في هواء مع غبار، هواء مع دخان، المواد العالقة بالهواء تعلق على السطوح اللزجة، هذه الخاصة الثانية، لو أن ذرة غبار تمكنت أن تمشي في الفراغ لا أن تقتنصها السطوح هناك أشعار تصطادها، أصبح هناك سطوح متداخلة والطريق طويل حتى يسخن الهواء، والسطوح لزجة حتى تصطاد الغبار، و بالفراغات أشعار كي تقتنص هذه الذرات.
صنع من ؟ حكمة من ؟ عظمة من ؟ أنت حينما تتفكر في خلق السماوات والأرض تجد نفسك وجهاً لوجه أمام عظمة الله، لذلك الآية التي هي أصل في التفكر:
﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾
المجيد متناه في صفاته الكاملة و أفعاله العظيمة :
الآن اسم الله "المجيد"، العظيم، المتناهي في صفاته الكاملة، المتناهي في أفعاله العظيمة، اسم "المجيد" يملأ النفس، من هنا قيل: إن الله يعطي الصحة، والذكاء، والمال ، والجمال للكثيرين من خلقه، ولكنه يعطي السكينة بقدره لأصفيائه المؤمنين، أنت حينما تؤمن باسم الله "المجيد" تتجه إليه، وإذا اتجهت إليه تسعد بقربه، هو الدين كله، تعرفه ، تطيعه، تسعد بقربه، ثلاث كلمات، تعرفه، تطيعه، تسعد بقربه، أو بالتعريف المفصل العبادة طاعة طوعية، ممزوجة بمحبة قلبية، أساسها معرفة يقينية، تفضي إلى سعادة أبدية يعني هناك جانب معرفي، جانب سلوكي، جانب جمالي.
للتقريب: لو وضعت قطعة حديد تحت أشعة الشمس، لابدّ من أن تشتق هذه القطعة من الشمس الحرارة، ضع قطعة حديد تحت أشعة الشمس في أيام الصيف الحارة ثم أمسك هذه القطعة لا تستطيع، اكتسبت حرارة، إذا كان قطعة الحديد تعرضت لأشعة الشمس تأخذ من هذه الأشعة الحرارة، فالنفس البشرية تعرضت لأنوار الله عز وجل.
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً ﴾
( سورة الأنفال الآية: 29 )
الاتصال بالله شيء ثمين لكنه مشروط بمعرفته:
هل بقلبك نور ترى به الخير خيراً والشر شراً ؟
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ ﴾
( سورة الحديد لآية: 28 )
أنت قد لا تعرف أبعاد الاتصال بالله، تتصل بالحكيم، تشتق منه الحكمة. ﴿ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ﴾
( سورة البقرة الآية: 269 )
تتصل بالرحيم، تشتق منه الرحمة، فأنت رحيم. ﴿ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ ﴾
( سورة الزمر الآية: 22 )
تتصل بالقوي تقوى بقوته، تتصل بالعليم يلقي الله في قلبك النور، إذاً الاتصال بالله شيء ثمين جداً، لكن السبب أن تعرفه.
أيها الأخوة، بعد أن تتصل بالحكيم، الرحيم، بالعظيم، بالمجيد ما الذي يحدث ؟ تشتق منه الكمال، لذلك يقول عليه الصلاة والسلام:
(( إن الله يحب معالي الأمور وأشرافها ويكره سفسافها ))
[أخرجه الطبراني عن حسين بن علي ]
المؤمن تطلعاته مقدسة يسعى لنشر الهدى و غير المؤمن يعيش في وحول الشهوات:
أخوانا الكرام، المؤمن يعيش بأفق عالٍ، وهو بالأفق الأعلى، همومه مقدسة ، رغباته مقدسة، تطلعاته مقدسة، يحمل همّ الأمة، يسعى لنشر الهدى، يسعى لحل مشكلات الناس، يعيش بآفاق عليا، وهناك أناس يعيشون بالوحل، بالغيبة، والنميمة، والكيد ، والافتراء، والعدوان، والزنا، وشرب الخمر، وأكل المال الحرام، فالمؤمن يعيش في الأفق الأعلى، بينما غير المؤمن يعيش في وحول الشهوات، والدعاء الذي أبدأ به كل درس:
" اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ".
لذلك:
(( من أصبح و أكبر همه الدنيا جعل الله فقره في عينيه، وشتت عليه شمله ولم يؤته من الدنيا إلا ما قدر له ))
[الترمذي عن أنس]
و:
(( من جعل الهموم هماً واحداً ـ هناك آلاف الهموم فجعلها هماً واحداً ـ كفاه الله الهموم كلها ))
[ الجامع لأحكام القرآن ]
هم في مساجدهم والله في حوائجهم.
(( مَن شَغَلَهُ قراءةُ القرآن عن مسألتي: أعطيتُهُ أفضلَ مَا أُعْطِي السائلين ))
[أخرجه الترمذي عن أبي سعيد الخدري ]
الصفة الرائعة في المؤمن أنه ترك الخلق، واتجه إلى الحق، ترك وحول البشر واتجه إلى جنات القرب مع رب العالمين. القرآن الكريم يسعد كل إنسان لأنه شفاء للنفوس و العقول:
القرآن الكريم، ما دمنا في اسم الله "المجيد" وصف بأنه مجيد، فضل كلام الله على كلام خلقه، كفضل الله على خلقه، القرآن الكريم وصف بأنه قرآن مجيد، بمعنى أنه مسعد، إذا قرأته حلت كل المشكلات، لأنه شفاء للنفوس، هناك شيء دقيق، قال تعالى:
﴿ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ﴾
( سورة طه )
لا يضل عقله، ولا تشقى نفسه. ﴿ فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾
( سورة البقرة )
معنى الآيتين ؛ من يتبع هدى الله عز وجل، والأصل فيه القرآن، لا يضل عقله ولا تشقى نفسه، عقله مستنير، ونفسه سعيدة، لا يندم على ما فات، ولا يخشى مما هو آت لا يضل عقله، ولا تشقى نفسه، لا يندم على ما فات، ولا يخشى مما هو آت، ماذا بقي من سعادة الدنيا والآخرة ؟. خمسة أشياء من فعلها فقد تلا القرآن حق تلاوته:
أيها الأخوة:
﴿ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ ﴾
( سورة البقرة الآية: 121 )
لأنه قرآن مجيد، ما حق تلاوته ؟ قال بعض العلماء: حق تلاوته أن تتلوه وفق قواعد اللغة العربية، تعلموا العربية ـ كلام سيدنا عمر ـ فإنها من الدين، أن تتلوه وفق قواعد اللغة، ثم أن تتلوه وفق قواعد التجويد، ثم أن تفهمه، ثم أن تتدبره، الفهم شيء والتدبر شيء آخر، التدبر أن ترى أين أنت من هذه الآية، أن تسأل نفسك السؤال المتكرر أين أنا من هذه الآية ؟ هل أنت مطبق لها ؟ هل أنت في مستواها، هل تنطبق عليك صفات المؤمنين ؟ التدبر، ثم التطبيق، ثم قراءته وفق قواعد اللغة العربية، قراءته وفق قواعد علم التجويد، فهم لآيات الله، تدبر لها، عمل بها، خمسة أشياء إن فعلتها فقد تلوت القرآن حق تلاوته، والقرآن الكريم وصف في القرآن الكريم أنه قرآن مجيد.
لذلك اسم الله "المجيد" من أجل أن تتجه إليه، من أجل أن تطيعه، من أجل أن تقبل عليه، من أجل أن تسعد به، من أجل أن تبدأ سعادتك بمعرفته وتستمر إلى أبد الآبدين.
السعيد
09-01-2018, 12:46 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الثانى و الاربعون بعد المائة )
الموضوع : اسم الله - الواسع - 1 -
لحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى:(الواسع):
أيها الأخوة الأكارم، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "الواسع".
ورود اسم الواسع في القرآن الكريم فقط:
اسم الله "الواسع" ورد في القرآن الكريم مطلقاً، وقد اقترن باسمه العليم بعدة مواضع، منها قوله تعالى:
﴿ وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾
( سورة البقرة )
وفي قوله تعالى: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾
( سورة البقرة )
وقد ورد هذا الاسم مقيداً، أي مضافاً، في قوله تعالى: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ ﴾
( سورة النجم الآية: 32 )
ولم يرد هذا الاسم في السنة النبوية الصحيحة. معنى الواسع في اللغة:
أيها الأخوة، "الواسع" في اللغة على وزن فاعل، أي اسم فاعل للموصوف بالوسع، فعله وسع، يسع، سعة، فهو واسع وأوسع الله عليك أي أغناك.
ورجل موسع يعني مليء بالمال والثراء، يقال إناء واسع، وبيت واسع، وقد يستعمل في الغنى.
﴿ لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ ﴾
( سورة الطلاق الآية: 7 )
وتوسعوا في المجلس، أي تفسحوا، والسعة الغنى والرفاهية، فكلمة "الواسع" مشتقة من السعة، والسعة تضاف إلى العلم، إذا اتسع وأحاط بالمعلومات الكثيرة، وتضاف أيضاً إلى الإحسان، وبسط النعم، فالله واسع وسعت رحمته كل شيء، وسع علمه كل شيء، وسعت قدرته كل شيء، وسع غناه كل شيء، هذا من حيث اللغة. الله "الواسع" وسع علمه جميع المعلومات والمخلوقات ووسعت قدرته جميع المقدورات:
أما اسم الله "الواسع" ماذا يعني ؟ "الواسع" هو الذي وسع علمه جميع المعلومات، أي إنسان مهما تفوق في العلم، يقول لك هذا الشيء لا أعرفه، جاء وفد من المغرب إلى المشرق، وقطع آلاف الأميال، واستغرقت الرحلة أشهراً عديدة، معه 37 سؤال، وجهه إلى الإمام أحمد بن حنبل، أجاب عن عشرين، والأسئلة الباقية قال: لا أعلم، فقالوا: الإمام أحمد بن حنبل لا يعلم ؟! فقال: قولوا لهم: الإمام أحمد بن حنبل لا يعلم.
علامة العلم البشري أن تقول لا أعلم، ورحم الله عبداً عرف حدّه فوقف عنده، والذي يعلم كل شيء لا يعلم شيئاً، لذلك قالوا: يفضل في الإنسان أن يملك ثقافتين، ثقافة اختصاصية، وثقافة موسوعية، يعني تعلم كل شيء عن شيء اختصاصك، و شيئاً عن كل شيء، لكن أي إنسان مهما تفوق في العلم نقول له:
﴿ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ﴾
( سورة يوسف )
شاب في العصور السابقة، دعا إلى الله، وتألق تألقاً شديداً، أثار حفيظة العلماء الآخرين، فجاء واحد منهم ليصغره، فحضر مجلسه، ولما انتهى وقف وقال: يا هذا ! هذا الذي قلته ما سمعناه ! تصغيراً له، فالشاب أديب جداً، قال له: يا سيدي وهل حصّلت العلم كله ؟ سؤال محرج، قال له: لا، قال له: كم حصّلت منه ؟ ازداد حرجاً، قال له: شطره قال له: هذا الذي قلته من الشطر الذي لا تعرفه ﴿ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ﴾
أما الله "الواسع" وسع علمه جميع المعلومات، وجميع المخلوقات، ووسعت قدرته جميع المقدورات. علة خلق السماوات والأرض معرفة الله من خلالهما :
حينما قال الله عز وجل:
﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ ﴾
( سورة الطلاق الآية: 13 )
ما علة خلق السماوات والأرض ؟ قال: ﴿ لِتَعْلَمُوا ﴾
( سورة الطلاق الآية: 13 )
علة خلق السماوات والأرض أن نعرف الله من خلالهما، ﴿ ِتَعْلَمُوا﴾
نعلم ماذا ؟ قال: ﴿ ِتَعْلَمُوا﴾
﴿ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً ﴾
( سورة الطلاق )
لماذا اختار الله من بين كل أسمائه اسمين فقط، اختار اسم العلم، واسم القدرة ، أنت أيها المؤمن متى تستقيم على أمر الله يقيناً ؟ إذا علمت أن علم الله يطولك، وأن قدرته تطولك، وأي تاجر في أي بلد مستورد يحاسب على الصفقات التي استوردها، فإذا أغفل صفقة، والمالية يصلها من دوائر أخرى كل الصفقات، إذا أغفل صفقة تهدر حساباته ، ويكلف بضريبة تفوق إمكاناته.
لذلك أنت حينما توقن أن إنساناً مثلك لكنه أقوى منك، علمه يطولك، وقدرته تطولك لا يمكن أن تعصيه، كلمتان، خفيفتان، ثقيلتان، أنت حينما تؤمن أن علم الله يطولك وأن قدرته تطولك، لا يمكن أن تعصيه. الله عز وجل له مطلق الجمال والكمال في الذات والصفات والأفعال:
لذلك "الواسع" هو الذي وسع علمه جميع المخلوقات، ووسعت قدرته جميع المقدورات، علمه يطول الخلق جميعاً، وقدرته تطول الخلق جميعاً.
ويضاف إلى ذلك ووسع سمعه جميع المسموعات، ووسع رزقه جميع المخلوقات، فله مطلق الجمال، والكمال، في الذات، والصفات، والأفعال.
وعند البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت:
(( الحمد للّه الذي وسعَ سَمْعُهُ الأصواتَ ))
[ البخاري عن عائشة]
فأنزل الله تعالى على النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿ قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ﴾
( سورة المجادلة )
الله جلّ جلاله واسع وسعت رحمته كل شيء وهو المحيط بكل شيء:
أيها الأخوة، الله عز وجل سميع، إن تكلمت فهو سميع، وإن تحركت فهو بصير، وإن سكت ووقفت، وجاء في خاطرك الخواطر فهو عليم، سميع، بصير، عليم.
﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ﴾
( سورة غافر )
أي لحكمة بالغةٍ بالغة هناك عدد كبير من المعاصي محرمة في دين الله، ومحرمة في القوانين الوضعية، كالسرقة، فهذا الذي لا يسرق لماذا لا يسرق ؟ الله أعلم لعله خائف من الله عز وجل، أو خائف من المدير العام لأنه دقيق جداً، ومسيطر تماماً لكن هناك معاصٍ لا يحاسب عليها إلا الدين فقط، من غض البصر، ليس في الأرض كلها جهة تمنعك أن تنظر، إلا القرآن الكريم: ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ﴾
( سورة النور الآية: 30 )
فالله جل جلاله واسع، وسع غناه كل فقير، وهو كثير العطاء، يده سحّاء في الليل والنهار، وسعت رحمته كل شيء، وهو المحيط بكل شيء، واسع علماً، واسع قدرة، بشكل ملخص واسع علماًً، واسع قدرة: ﴿ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً ﴾
الله عز وجل واسع فهو:
1 ـ المحيط علمه بكل شيء:
لكن أحياناً أيها الأخوة، قد يسأل إنساناً، لماذا جُمع اسم "الواسع" مع اسم العليم ؟ قال: لئلا يستبعد العبد مضاعفة الأجر، يعني الله واسع وعليم، يعلم إخلاصك، يعلم طهارتك، يعلم ما تنطوي عليه من نية عالية جداً، يعلم براءتك، فيضاعف لك الثواب ، يضاعف لأنه واسع، وحكمة المضاعفة هو عليم، واسع العطاء، واسع الغنى، واسع الفضل.
ولكن لئلا تتوهم أن كل عطاء يقابله إكرام، الله عليم، الذي أعطى قد يعطيه الله وقد لا يعطيه لأنه عليم بنواياه، خبير بالبواعث الحقيقية، خبير بالأهداف التي يبتغيها.
أما الإنسان لا يتسع إدراكه لسماع شخصين، ولا يستطيع أن ينصرف إلى جهتين، فهو غير واسع، أما ربنا جلّ جلاله واسع لا يشغله معلوم عن معلوم، ولا شأنٌ عن شأن، لو أن كل العباد دعوه في وقت واحد يسمعهم جميعاً.
لكن تعلمنا في علم النفس أن الذي يبدو لنا أنه يستمع إلى جهتين نحن واهمون هو يستمع إلى جهة واحدة، ولكن يملك قدرة خاصة اسمها سرعة التحول، أما في دقيقة واحدة، في وقت واحد لا يمكن أن تنصرف، وتستمع، وتستوعب إلا جهة واحدة، جرب افتح المذياع على الأخبار، ولو استمعت من الشاشة إلى درس ديني، هل تستطيع أن تتابع ؟ مستحيل، لكن أحياناً تلتفت إلى نصف دقيقة للأخبار، نصف دقيقة للدرس الديني ، تتوهم أنك تستمع إليها معاً.
لكن سبحانك يا رب !على الأرض ستة آلاف مليون، وكلهم يلجؤون إلى الله أو معظمهم، يستمع إليهم جميعاً، فهو "الواسع".
قيل "الواسع" المحيط علمه بكل شيء، وسع علمه كل شيء.
يعني تركب مركبة، أمامك مكشوف الأمر، عينك على الطريق، لكن شعرت أن هناك من يريد التجاوز تنظر إلى المرآة اليسارية، تركت الطريق ونظرت إلى المرآة اليسارية، أنت لا يمكن أن تحيط بكل شيء، أنت نائم في بيتك، غرفتك التي أنت فيها تحت بصرك، لكن بقية الغرف ليست تحت بصرك، لست واسعاً، لكن يمكن أن تكون الأذن مسيطرة على كل البيت، تقول في صوت في المطبخ مثلاً.
وأحياناً الأذن لا تكفي، الله عز وجل جعل الرائحة، إذا الشيء غائب عن عينك وليس له صوت، وتفسخ، تظهر الرائحة، يعني بشكل أو بآخر العلم محدود، لا يوجد مخلوق واسع.
أيها الأخوة، "الواسع" العالم المحيط علمه بكل شيء.
2 ـ وسع علمه جميع المعلومات:
وقيل "الواسع" الذي وسع علمه جميع المعلومات، الناس جميع الناس، يقول لك هذا ليس في اختصاصي، يعني حتى الأطباء، هو طبيب، ويحمل دكتوراه، لكن طبيب في القلب، بالصدر هناك اختصاص ثانٍ، في العضلات اختصاص ثالث، في الهضم اختصاص رابع، في الأعصاب خامس، في الكليتان سادس، في العظام سابع، وسع علمه جميع المعلومات، وسعت قدرته كل المقدورات.
اسم "الواسع" عجيب، يتصل بمعظم الأسماء، تقول: واسع الرحمة، واسع الغنى، واسع السلطان، واسع العلم، واسع القدرة، واسع الإحسان، هناك أسماء شمولية ومنها "الواسع".
3ـ لا حدود لمدلول أسمائه وصفاته:
وبعضهم قال: "الواسع" هو الذي لا حدود لمدلول أسمائه وصفاته، فاسم الرحيم ليس له حدود، اسم الكريم ليس له حدود، اسم الغني ليس له حدود، اسم القوي ليس له حدود، هذا معنى التكبير، الله أكبر مما عرفت، طبعاً أكبر من كل شيء بديهة، أما المعنى الدقيق لله أكبر، مهما عرفت الله فهو أكبر، وكل ما خطر ببالك فالله بخلاف ذلك.
الإنسان أحياناً عنده قدرة على أن يظهر بحجم أكبر من حجمه، تعلمنا هذا في الجامعة، هناك أشخاص عندهم قدرة أن يظهروا بحجم أكبر من حجمهم، لكن هؤلاء الأشخاص في ظروف معينة يحجمون، ينكشف أمرهم.
نحن في الشام في حي متواضع جداً الحجر الأسود، قال له: أين ساكن ؟ قال له: ( بلاك ستون ) سيدي، تتوهم أنه حيّ راقٍ جداً.
فهناك إنسان يعطيك معلومات إذا اجتمعت تتوهم أنه شخصية نادرة، هو ليس كذلك لكن سبحانك يا رب، الله عز وجل يتولى تحجيم كل إنسان، فكل إنسان أراد أن يوهم الناس بحجم أكبر من حجمه، حجمه الله عز وجل.
4 ـ لا نهاية لبرهانه ولا نهاية لسلطانه:
بعض العلماء قال: "الواسع" هو الله عز وجل الذي لا نهاية لبرهانه، ولا نهاية لسلطانه، واسع في علمه فلا يجهل، واسع بقدرته فلا يعجل.
عالم كبير يقول لك: هذه الفكرة غابت عني، فقيه كبير غاب عنه حديث شريف فجاء حكمه بعيداً عن الصواب.
لذلك قالوا:
﴿ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ﴾
وأنا والله أيها الأخوة، أنا لا أستسيغ أن تقول عن نفسك عالماً، كلمة قاسية، قل طالب علم، إذا أردت الدنيا فعلك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً، ويظل المرء عالماً ما طلب العلم، فإذا ظن أنه قد علم، فقد جهل.
وهو القدير لا يعجل، أحياناً إنسان بعيد عن الدين يستهزئ بالذات الإلهية، يتطاول قد يسب، وصحته جيدة، ونبضه 80، وضغطه 8 ـ 12، وصحته بأعلى مستوى والله عز وجل لا يعجل، وهو الحليم لا يعجل، وهو القدير لا يعجل.
أحياناً من تقاليد بعض البلاد أن يكون قبل صلاة الفجر تذكير، أي يقول المؤذن: وهو العاطي لا يسأل، وهو الكريم لا يبخل، وهو الحليم لا يعجل.
مرة إنسانة طلبت من إنسان كريم عطاء، أعطاها فوق ما تتوقع، فله صديق عاتبه، قال له: كان يرضيها القليل، وهي لا تعرفك، فقال هذا الكريم: إذا كان يرضيها القليل، فأنا لا أرضى لها إلا بالكثير، وإذا كانت لا تعرفني فأنا أعرف نفسي، هذا شأن الكريم يعطي العطاء الجزيل، يعطي بغير حساب.
لذلك كنت أقول دائماً: البطولة أن تتاجر مع الله، إذا أعطى أدهش، وبالمقابل إذا حاسب فتش. 5 ـ لا يغيب عنه أثر الخواطر في الضمائر:
و "الواسع" هو الذي لا يغيب عنه أثر الخواطر في الضمائر، أي لا يوجد قوة في الأرض يمكن أن تكشف ما الذي يدور بخاطرك لكن الله يحول بين المرء وقلبه، أقرب إليك من حبل الوريد، ممكن تتأمل إنسان قوامه، طوله، لون جلده، لون عينيه، شعره، ثيابه، أناقته، انسجام الألوان في ثيابه، حركته، نظرته، لفتته، نبرة كلامه، ممكن، إذا كنت ذكياً جداً، لكن هل بالإمكان أن تكتشف خواطره ؟ مستحيل ! الله عز وجل واسع يسع علمه خواطر كل إنسان.
6 ـ أفضاله شاملة وعطاياه كاملة:
بعضهم قال: "الواسع" أفضاله شاملة، عطياه كاملة.
7 ـ الواسع هو المطلق:
بعضهم قال: "الواسع" هو المطلق، نحن عندنا محدود ومطلق، ما سوى الله محدود، الذات الإلهية مطلق.
أيها الأخوة، إذا كان بالمحدود أمامنا لا حدود له كالكون، فكيف اللا محدود.
أيها الأخوة، أصل الدين معرفة الله، إنك إن عرفت الله، ثم عرفت أمره تفانيت في طاعة الآمر، أما إذا عرفت الأمر ولم تعرف الآمر تفننت في التفلت من الأمر.
السعيد
09-01-2018, 12:48 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الثالث و الاربعون بعد المائة )
الموضوع : اسم الله - الواسع - 2 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. الله عز وجل وسع إحسانه جميع الخلائق:
أيها الأخوة الكرام: لازلنا مع اسم "الواسع"، "الواسع" هو الله جلّ جلاله، وسع علمه كل شيء، ووسعت قدرته كل شيء، ووسعت رحمته كل شيء، يسع الخلق علماً ، وقدرة، ورحمة، وحكمة، وعدلاً، وكأن هذا الاسم يتصل بمعظم أسماء الله الحسنى.
"الواسع" هو المطلق، الذي لا يشغله معلوم عن معلوم، ولا شأن عن شأن، ولا مسموع عن مسموع، ولا دعاء عن دعاء، أحياناً الإنسان ينشغل بعمله عن أسرته، أو ينشغل بأسرته عن عمله، أو ينشغل بدراسته عن علاقاته، أو بعلاقاته عن دراسته، لكن الله سبحانه وتعالى لا يشغله شأن عن شأن.
وسع إحسانه جميع الخلائق، ولا يمنعه إغاثة ملهوف عن إغاثة غيره، العلماء يرجحون أن اسم "الواسع" اقترن بالمجيب، لو أن الخلق جميعاً، لو أن البشر جميعاً، ستة آلاف مليون دعوه في لحظة واحدة لأجابهم معاً.
أيها الأخوة، يسمع أصواتهم جميعاً، يعلم ضمائرهم جميعاً، يحصل مراداتهم جميعاً، واسع عليم، واسع قدير، واسع رحيم، ولك أن تتابع الأسماء الحسنى مع كلمة واسع.
الله جلّ جلاله واسع ليس له نهاية:
أيها الأخوة، الله جلّ جلاله واسع، إذ نظرنا إلى علمه، لا ساحل لعلمه، أما بنو البشر:
﴿ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ﴾
( سورة يوسف )
وإذا نظرنا إلى إحسانه ونعمه فلا نهاية لإحسانه ونعمه. ﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ ﴾
( سورة إبراهيم الآية: 34 )
هل يمكن أن تقول لإنسان عدّ هذه الليرة، هي واحدة، أي إن تعدوا فضائل النعمة الواحدة أنتم عاجزون عن إحصائها، فلأن تكونوا عاجزين عن شكرها من باب أولى ، وكل سعة مهما عظمت تنتهي إلى طرف، يعني الكون لأنه ما سوى الله له نهاية، ومع ذلك الكون الذي هو ما سوى الله، ونظرياً له نهاية عندنا ليس له نهاية، أربع سنوات ضوئية أقرب نجم ملتهب.
أن نصل إليه مليون سنة، القفزة الثانية نجم القطب من أربع سنوات ضوئية لأربعة آلاف سنة، القفزة الثالثة من نجم القطب إلى المرأة المسلسلة، مليونا سنة ضوئية وهناك قفزات، آخر قفزة نجم يبعد عنا 24 مليار سنة ضوئية، إلى هنا وصل علمنا. ﴿ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ﴾
( آية الكرسي من سورة البقرة الآية: 255 )
هذا الكون ونظرياً له نهاية، لأنه ما سوى الله، يعني أكبر محيط المحيط الهادي بعد شهرين تصل إلى شاطئه، له نهاية.
رواد الفضاء القمر وصلوا إليه، وصلوا إلى أية مسافة ؟ ثانية ضوئية واحد بعد القمر عنا ثانية ضوئية 360 ألف، الضوء يقطع بالثانية الواحدة ثلاثمئة ألف يعني ثانية وقليل، يقول لك: غزونا الفضاء، أنتم تجاوزتم ثانية ضوئية واحدة، والـ 24 مليار سنة ضوئية ؟ الإنسان المعاصر إنسان متأله، يدّعي ما ليس له، كل شيء مهما بدا لك واسعاً له نهاية، لكن الله سبحانه وتعالى ليس له نهاية، هذا معنى من معاني "الواسع". الله عز وجل واسع خلق كل إنسان بميزات تختلف عن الآخر و يتميز عن الآخرين بـ:
1 ـ قزحية العين:
هناك معنى آخر لطيف، إذاً الله "الواسع"، ستة آلاف مليون إنسان كل إنسان له قزحية عين خاصة.
2 ـ نبرة الصوت:
لا يوجد إنسان بالستة آلاف مليون إنسان تشبه نبرة صوته نبرة صوتك.
3 ـ رائحة الجلد:
لا يوجد إنسان بالستة آلاف إنسان رائحة جلده تشبه رائحة جلدك، ولولا هذه الخصوصية لما كان من معنى لاستخدام الكلاب البوليسية.
4 ـ بصمة الأصبع:
توقيع هذه البصمة فيها جزر، فيها خلجان، فيها رؤوس، فيها خطوط، فيها منحنيات، فيها أشجار، فيها مئة علامة، يا رب لو تشابهت سبع علامات من المئة لكانتا لإنسان واحد، سبعة، بعض المجرمين أخذوا قطعة لحم من مكان آخر وضعوها فوق بصمة الإصبع، كي تختفي معالم الجريمة، بعد أربعة أشهر ظهرت ملامح البصمة الأصلية على الجلد الذي زُرع فوق بصمة الأصبع، هوية.
يعني بالعقود مع التوقيع يستخدمون بصمة الأصبع، لأنه عندما تقدم الوثيقة يقال لك التوقيع مزور، ثمان سنوات لجان تفحص التوقيع كي تصل إلى صحة التوقيع، استخدموا بصمة الأصبع.
5 ـ النطفة:
الآن النطفة، نطفة الإنسان هوية له، وهناك مؤتمر علمي حضرته في القاهرة ألقى أحد المندوبين محاضرة عن النطفة، وكيف أنها هوية، فعند المرأة جهاز يستقبل هوية هذه النطفة، بالتعبير الأجنبي: ( الكود ) ويُخزن، ما دامت هذه العلامة تأتي تباعاً فهو زوجها، فإذا جاءت علامة أخرى فهو الزنا، لكن متى يمكن للمرأة أن تستقبل علامة أخرى وهي امرأة شريفة ؟ بعد أربعة أشهر، هذه العدة، يموت زوجها، وبعد انقضاء العدة تتزوج الآن تستقبل نطفة جديدة.
6 ـ الزمرة النسيجية:
الآن الزمرة النسيجية هوية، الدموية شيء، أما أنا الآن أتحدث عن الزمرة النسيجية، لكل إنسان زمرة نسيجية خاصة به، هذا معنى اسم "الواسع"، يارب لو تشابهت ورقتا زيتون لما سميت "الواسع".
7 ـ ملامح الوجه:
الآن ملامح الوجه، تقريباً ليس هناك وجه يشبه وجهاً آخر، قد يكون هناك تشابهاً بالخطوط العريضة، أما بالتفاصيل الوجه هوية، اللون، بآلات التصوير نرى الألوان متقاربة أما بالعين هذه العين تفرق بين 8 ملايين لون، أنت إذا جلست إلى مجموعة أشخاص ترى كل شخص بلون، لو صورتهم تراهم جميعاً بلون متقارب.
8 ـ قوام الإنسان:
قوام الإنسان، طريقة مشيه، طريقة حديثه، الله عز وجل خلق كل شيء من لا شيء، على غير مثال سابق، لكن الإنسان يخلق مجازاً شيئاً من كل شيء، على مثال سابق، فرق كبير، لذلك سمح الله لذاته العلية أن يوازنها مع خلقه، قال:
﴿ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾
( سورة المؤمنون )
9 ـ الكلية الصناعية:
الكلية الصناعية بحجم هذه الطاولة، ولابد من أن تستلقي إلى جانبها 8 ساعات وثلاث مرات في الأسبوع، وتنقية الدم ليست تامة، يبقى بعض حمض البول، وهذا يسبب شدة نفسية، وتعصيب غير اعتيادي، أما الكلية التي صنعها الله عز وجل بحجم البيضة تعمل بصمت.
الله عز وجل مبدع خلق كل شيء فأحسن خلقه:
أنت تصمم مركبة بسنة الخطوط كلها منحنية، بسنة الزوايا حادة، بسنة النافذة الخلفية صغيرة، كالمركبات القديمة، بسنة واسعة جداً، لكن أنت تلاحظ بعد حين يعودون إلى نموذج قديم، خيالهم الإبداعي محدود، تصور إنسان يعيش فرضاً بالمريخ، له رأس وجذع، ويدان، ورجلان، هذا خيال الإنسان، لكن الله عز وجل مبدع، كيف ؟
هل تستطيع أن تحصي أشكال أوراق النبتات من أوراق كبيرة، إلى أوراق مسننة، إلى أوراق إبرية ؟ والله لو ذهبت أو أمضيت كل حياتك في تعداد أنواع أوراق النبتات لا تنتهي، الله مبدع.
﴿ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾
( سورة البقرة الآية: 117 )
أنواع السمك مليون نوع من الأسماك، هناك أسماك كالمزهرية، أسماك كالسحابة السوداء، أسماك شفافة، أسماك فسفورية، أسماك تدافع عن نفسها بصعقة كهربائية، ستة آلاف فولت أحياناً، أنواع الأسماك لا يعلمها إلا الله، هناك أسماك تمشي على أرجل في قاع المحيطات.
ثمانية عشر مجلداً حول نبتات الأبصال، وكل صفحة نوع من النبتات، ملون، وتحت هذه الصورة طباعه، يحتاج إلى هواء، إلى شمس، إلى ماء، ثمانية عشر مجلداً وكل مجلد هكذا حجمه، وكل صفحة نبات، يا رب لو تشابهت ورقتا زيتون لما سميت "الواسع". فضل الله عز وجل واسع لا حدود له:
الله عز وجل "الواسع"، فضله عميم، لكن ما عند الإنسان محدود، يقول لك ما في شواغر، أتمنى والله، أما فضل الله عز وجل واسع لا حدود له، قال:
قل لمن بات لي حاسداً أتدري على من أسأت الأدبا
أسأت على الله في فعله إذ لـــم ترضَ بما وهبا
* * *
﴿ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾
( سورة البقرة )
وفضل الله يسعك، ويسع أخاك، ويسع الناس جميعاً.
لذلك المؤمن بدل أن يحسد الناس يسأل الله، مرة قرأت بيتين:
ملك الملوك إذا وهب لا تسألن عن السبب
الله يعطـي من يشاء فقف على حدّ الأدب
* * *
أنا عدلته، قلت:
ملك الملوك إذا وهب قم فاسألن عن السبب
* * *
فضل الله عميم، فضل الله عز وجل له قواعد.
ملك الملوك إذا وهب قم فاسألن عن السبب
* * *
الله يعطي من يشاء من عباده، من يشاء تعود على العباد.
فقف على حدّ الأدب
* * *
من علا مقامه اتسعت رؤيته و إحسانه:
أيها الأخوة، مرة كنت أركب طائرة من الجزائر إلى دمشق، قائد الطائرة دعاني إلى أن أشهد الهبوط في غرفة القيادة، والله بهذه العين، ونحن داخلون إلى بلدنا الطيب، قال لي: هذا مطار بيروت، وهذه طرابلس، وأستطيع أن أرى إلى صيدا، وإلى طرطوس بنظرة واحدة، ماذا نفهم من هذا ؟ كلما علا مقام الإنسان تتسع رؤيته، أنا على ارتفاع 30 ألف قدم، بنظرة واحدة، بهذه العين رأيت بيروت، وطرابلس، وبإمكاني أن أرى قريباً من صيدا، وقريباً من طرطوس 30 ألف قدم، رواد الفضاء رأوا الأرض كلها.
النقطة الدقيقة: كلما علا مقامك اتسعت رؤيتك، كلما علا مقامك اتسع إحسانك، الآن معظم الناس اهتمامه ينصب على أولاده فقط، في إنسان أرقى اهتمامه على أفراد عائلته الكبيرة، يقول لك:عميد العائلة، يهتم بالشباب، بالشابات، يزوجهم، يدخل وسيطاً، إذا تدخل في حلِّ مشكلات هذه الأسرة الكبيرة، وهناك إنسان يهتم بأبناء بلده، لكن الأنبياء وحدهم يهتمون بالبشرية كلها، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:
(( لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيراً ولضحكتم قليلاً ))
[أخرجه الحاكم عن أبي الدرداء ]
أخوانا الكرام، الله واسع، في بعض الأحاديث القدسية:
(( يا عبادي، لو أنَّ أوَّلكم وآخرَكم، وإنسَكم وجِنَّكم، قاموا في صعيد واحد فسألوني، فأعطيتُ كُلَّ إنسان مسألتَهُ، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما يَنْقُص المِخْيَطُ إذا أُدِخلَ البحرَ ـ ذلك لأن عطائي كلام، كن فيكون، وأخذي كلام، زل فيزول ـ فمن وَجَدَ خيراً فليَحْمَدِ الله، ومن وجد غير ذلك فلا يَلُومَنَّ إلا نَفْسَهُ ))
[ أخرجه مسلم والترمذي عن أبي ذر الغفاري ]
أيها الأخوة، تصور لو أن العباد جميعاً كانوا كسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لأعطاهم كما أعطى محمد صلى الله عليه وسلم، فضل الله واسع، الدنيا فيها تنافس، أما الآخرة تسع جميع الخلق.
لذلك أعرابي انزعج من أصحاب رسول الله لما عنفوه، قال: يا رب ارحمني ومحمداً، ولا ترحم معنا أحداً، قال له: يا لقد حجرت واسعاً، فضل الله عميم. على كل إنسان أن يتخلق بكمال مشتق من كمال الله عز وجل:
أخوانا الكرام، إذا عرفنا اسم "الواسع" لا نتقاتل، نتعاون، التقاتل على الدنيا ، على النفط، على مصادر المياه، على القمح، هناك معركة مناطق نفوذ، وهناك معركة قمح هذه قادمة، وهناك معركة مياه، وهناك معركة نفط، وكل هذه المعارك غير مقدسة.
الظالم ! قال: لو يعلم الظالم ماذا أعدّ الله للمظلوم بسبب ظلمه، لضن عليه أن يظلمه، الله مع المظلوم، لو يعلم الظالم ماذا أعدّ الله للمظلوم من عطاء، لضن عليه أن يظلمه.
بالمناسبة من باب التخلق بهذا الكمال:
(( إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم ))
[أخرجه أبو يعلى عن أبي هريرة ]
بإمكانك أن تكون لطيفاً مع الجميع، كان عليه الصلاة والسلام لا يطوي بشره عن أحد، ابتسامته، ترحيبه، تألق وجهه، لا يطوي بشره عن أحد.
(( تَبَسُّمُكَ في وجه أخيك صدقة ))
[أخرجه الترمذي عن أبي ذر الغفاري ]
(( إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم ))
[أخرجه أبو يعلى عن أبي هريرة ]
أنا أرى من أن التخلق بهذا الاسم، وكنت أقول لكم دائماً: ينبغي أن تتخلق بكمال مشتق من الله عز وجل، الله واسع يجب أن تتسع دائرة علمك، لا تكن جاهلاً، يجب أن تتسع دائرة إحسانك، يجب أن تتسع دائرة عفوك لتشمل كل الناس، كلما اتسعت دائرة علمك، ودائرة إحسانك، ودائرة عفوك كنت أقرب إلى الله عز وجل، هناك قلب صغير لا يتسع للآخر، هناك قلب كبير يكبر ويكبر، ولا ترى كبره فيتضاءل أمامه كل كبير، وهناك قلب صغير ينتقم، يصغر ولا ترى صغره، فيتعاظم عليه كل حقير.
مرة رئيس فرنسي ألقى خطبة تعد أقصر خطبة في تاريخ فرنسا بعد الانتخابات قال: أشكر من انتخبني، وأحترم من لم ينتخبني، وأنا لكل الفرنسيين.
وأنت كمؤمن أنت لكل الناس، تفرقة ما عندك أبداً، تقدم إحسانك لكل الناس، تقدم خبرتك لكل الناس، تقدم عفوك لكل الناس، يعني الأصل أن الكبير يسع الصغير ، والحليم يسع الأحمق، والعالم يسع الجاهل، والغني يسع الفقير، بل إن المؤمن يتسع للحسود وغيره، بل يتسع لمن أساء إليه.
الملخص أن يتسع حلمك لكل الناس، وعطفك لكل الأولاد، لأقربائك ولغير أقربائك.
أيها الأخوة، اسم "الواسع" اسم عظيم، وأنت مرشح أن تأخذ كمالاً كبيراً من هذا الاسم.
السعيد
09-01-2018, 12:50 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الرابع و الاربعون بعد المائة )
الموضوع : اسم الله - الغفار - 1 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى:(الغفار):
أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "الغفار".
ورود اسم الغفار في القرآن الكريم:
الله سبحانه وتعالى سمّى نفسه بهذا الاسم على سبيل الإطلاق، لكنه مقرون باسمه تعالى العزيز، في ثلاثة مواقع، كما في قوله تعالى:
﴿ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ ﴾
( سورة ص )
يعني العزيز الذي يحتاجه كل شيء في كل شيء ﴿ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ ﴾
وقد ورد مطلقاً منوناً من دون اقتران باسم آخر في قوله تعالى:
﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً ﴾
( سورة نوح )
النبي الكريم بشر وتجري عليه كل خصائص البشر:
في صحيح الجامع الصغير السيوطي من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم : كان إذا تضور من الليل (تضور أي تقلب وتلوى من شدة الألم) النبي بشر، وتجري عليه كل خصائص البشر، ولأنه بشر، ولأنه تجري عليه كل خصائص البشر، ولأنه انتصر على بشريته كان سيد البشر.
ما من أمر إلهي يستطيعه إلا ويستطيعه سائر البشر، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:
(( وإنَّ الله أمرَ المؤمنين بما أمر به المرسلين ))
[أخرجه مسلم والترمذي عن أبي هريرة ]
يعني في الاستقامة لا يوجد تفاوت، التفاوت بالمقامات، مقام النبي عليه الصلاة والسلام في أعلى مقام.
(( سَلُوا الله لي الوسيلةَ، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكونَ أنا ))
[أخرجه الترمذي عن أبي هريرة ]
لكن في شأن الاستقامة:
(( وإنَّ الله أمرَ المؤمنين بما أمر به المرسلين ))
كيف ؟ أي أقل ممرض في مستشفى في موضوع معين كإعطاء حقنة لمريض يستوي في أسلوبه مع أعلى جراح قلب، لابدّ من تعقيم الموضع، والحقنة، وما إلى ذلك.
ففي شأن الاستقامة القضية حدية.
(( وإنَّ الله أمرَ المؤمنين بما أمر به المرسلين ))
لماذا ؟ هناك من يقول: أخي أنا لست نبياً، ومن قال لك إنك نبي ؟ الذي يقود مركبة وهو ملك كمن يقود مركبة وهو في أقل درجة من المجتمع، لابدّ من مكبح، لابدّ من تحريك المركبة، لابدّ من إطلاق البوق أحياناً.
فالأساليب التفصيلية في قيادة مركبة، لا يختلف فيها أقل إنسان خفير مع أمير هكذا، حينما نفهم أن الاستقامة حدية يستقيم جميع الناس، أحياناً هناك أناس متواضعون جداً لكن يتكلمون الحقيقة، يقول أنا لا أساوي غباراً في نعل النبي، صح، لكنك مأمور أن تستقيم على أمر الله. ورود اسم الغفار في السنة النبوية:
لذلك كان عليه الصلاة والسلام إذا تلوى من الألم ماذا يقول ؟ قال:
(( لا إله إلا الله الواحد القهار رب السماوات والأرض وما بينهما العزيز الغفار ))
[أخرجه النسائي عن عائشة أم المؤمنين ]
لذلك قال عليه الصلاة والسلام:
(( وأُوذِيت في الله ما لم يُؤذَ أحد، ولقد أتى عليَّ ثلاثون من يوم وليلة، ومالي ولبلال طعامٌ إِلا شيء يُواريه إِبطُ بلال ))
[أخرجه الترمذي عن أنس بن مالك ]
لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا:
مرة ثانية: لولا أن النبي صلى الله عليه وسلم بشر.
﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ﴾
( سورة الكهف الآية: 110 )
لولا أنه بشر، وتجري عليه كل خصائص البشر، وانتصر على بشريته، لما كان سيد البشر.
وكل ما جاء به النبي من افعل ولا تفعل، في وسع البشر أن يفعلوه.
﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا ﴾
( سورة البقرة الآية: 286 )
لكن وسع الإنسان لا تحدده أنت أيها الإنسان، يحدده لك خالقك، كل إنسان له مزاج، يقول لك لا أستطيع، من قال لك ذلك ؟ ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا ﴾
من ارتكب أكبر ذنب في الأرض و تاب توبة نصوحة غفر الله ذنبه و تقبّل توبته:
أيها الأخوة، "الغفار" في اللغة من صيغ المبالغة، وكما تعلمنا كثيراً أن صيغة المبالغة إن جاء بها اسم من أسماء الله الحسنى تعني شيئين، تعني مبالغة كم، أو مبالغة نوع، أي أكبر ذنب يتصور على وجه الأرض، الله عز وجل يغفره، ومليار ذنب من حيث الكم:
(( إذا رجع العبد العاصي إلى الله نادى منادٍ في السماوات والأرض أن هنئوا فلاناً فقد اصطلح مع الله ))
[ورد في الأثر]
(( من تاب إلى الله تعالى توبة نصوحاً أنسى الله حافظيه ـ الملكين ـ وبقاع الأرض كلها خطاياه وذنوبه ))
[ أبو العباس بن تركان الهمذاني في كتاب التائبين عن أبي الجون ]
(( إذا قال العبد يا رب وهو راكع، يقول الله له: لبيك يا عبدي، فإذا قال يا رب وهو ساجد، يقول الله له: لبيك يا عبدي، فإذا قال يا رب وهو عاصٍ يقول الله له: لبيك، ثم لبيك، ثم لبيك ))
[ ورد في الأثر ]
ينتظره لأنه، لذلك:
(( لله افرح بتوبة عبده من الضال الواجد، والعقيم الوالد، والظمآن الوارد ))
[ أخرجه ابن عساكر في أماليه عن أبي هريرة ]
ينتظره.
﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ ﴾
( سورة الحديد الآية: 16 )
إلى متى أنت باللذات مشغول وأنت عن كل مـا قدمت مسؤول
***
تعصي الإله وأنت تظهر حبه ذاك لعمري فـــي المقال شنيع
لو كان حـبك صادقاً لأطعته إن الــــمحب لمن يحب يطيع
***
في بعض الآثار القدسية التي وردت في كتاب ابن القيم مدارج السالكين:
(( عبادي إن تابوا فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من الذنوب والمعايب، الحسنة عندي بعشرة أمثالها وأزيد، والسيئة بمثلها وأعفو، وأنا أرأف بعبدي من الأم بولدها ))
الغفار في اللغة:
أيها الأخوة، "الغفار" في اللغة من صيغ المبالغة، على وزن فعال، أي كثير المغفرة، كماً ونوعاً، الفعل غفر، يغفر، غفراً، ومغفرةً، وأصل المغفرة التغطية والستر.
"الغفار" سبحانه وتعالى هو الذي يستر الذنوب بفضله، ويتجاوز عن عبده بعفوه، من كمال الله عز وجل لا يكفي أنه يسامحك بهذا الذنب لكنه يستره عنك.
إنسان أحياناً يتكلم كلمة غير لائقة إطلاقاً، إن لم ينسها تصبح حياته جحيماً لا يطاق.
إنسان مركب جهاز بين غرفة الضيوف وبين المطبخ، بحسب تصوره، يأتيه ضيف يقول لزوجته اصنعي لنا كذا وكذا، وهو جالس بمكانه، فالجهاز مفتوح جاءه ضيوف ثقلاء، فذهب إلى المطبخ وقال: هؤلاء ثقلاء، طبعاً سمعوا كلامه، لو الإنسان ما ينسى هذا الموقف تكون حياته جحيماً لا يطاق.
فالله عز وجل يغفر ويستر عنك هذا الذنب، ومن نعم الله الكبرى أنك تنسى لا تقل النسيان مشكلة، أحياناً هناك ميزة كبيرة جداً، أن الأخطاء والمواقف الحرجة بعد حين تنساها.
الثقة بكمال الله و محبته و حكمته شأن كل عبد مع الله تعالى:
"الغفار" هو الذي يستر الذنوب بفضله، ويتجاوز عن عبده بعفوه، أما إذا كان العبد موحداً فذنوبه تحت مشيئته الله وحده، الله عز وجل كما يقول بعض العلماء: طليق الإرادة إن شاء عفا لحكمة بالغةٍ بالغةٍ بالغة، وإن شاء أدب، ويعفو بعدها، يعني ليس في الإمكان أبدع مما كان، الله عز وجل لحكمة بالغة قد يعفو من دون تأديب، وقد يؤدب فيعفو ، أي شأنك مع الله أن تثق بكماله، وأن تثق بحكمته، وأن تثق بمحبته.
﴿ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ﴾
( سورة الزمر )
طرفة ! إنسان قال لعبد عند سيد، قال: بلغني أن سيدك سيبيعك، قال: هذا شأنه (يعرف شغله)، قال له: أفكر أن أشتريك، قال له: هذا شأنك أنت (تعرف شغلك)، قال له: اهرب، قال له: أعرف شغلي، كل شخص له مهمة.
فأنت كعبد مهمتك أن تطيعه، ﴿ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ ﴾
وانتظر الخير، وانتهى الأمر، الله ما كلفك أن تقنع الغرب أن يكفوا عن عدوانهم، شيء فوق طاقتك أساساً، أما كلفك أن تقيم الإسلام في بيتك، وأن تقيمه في عمله، وهاتان الدائرتان بملكك، فإذا أقمت أمر الله فيما تملك كفاك ما لا تملك، إذا أقمت أمر الله فيما تملك.
هناك سلوك الآن لائق بين المسلمين، هناك ألم، وهناك تبرم من الوضع العام الدولي، الذي في ملكك بيتك وعملك، وأنت قادر أن تقيم فيهما أمر الله، أنت مقصر فيه هنا، أدِ الذي عليك، واطلب من الله الذي لك، لا تتشاغل فيما ضمنته لك عما افترضته عليك. الفرق الدقيق بين الغفور و الغفار:
الغفور و "الغفار" قريبان في المعنى من بعضهما، لكن "الغفار" أبلغ من الغفور، الغفور من يغفر الذنوب العظام، أما "الغفار" من يغفر الذنوب الكثيرة، الغفور للذنوب العظام، أما "الغفار" للذنوب الكثيرة، يعني غفور للنوع، وغفار للكم، هذا هو الفرق الدقيق بين الغفور و "الغفار".
نحن في اللغة عندنا قاعدة: زيادة في المبنى تعني زيادة في المعنى، يعني السين وسوف، حرفا استقبال، سوف للمستقبل البعيد، أما السين للمستقبل القريب، وفي باللغة دقة بالغة، يعني عثر به، غير عثر عليه، عثر به صدفة، أما عثر عليه بعد بحث طويل، ويكفي هذه اللغة العربية شرفاً أن الله اختارها لكلامه، هناك دقة باللغة مذهلة، لكن اللغة ترقى برقي أهلها وتتخلف بتخلف أهلها.
مرة سمعت أن القرآن مترجم إلى ثلاثين لغة، أما الإنجيل مترجم إلى ألف و ثلاثمئة لغة معناها يعملون ليلاً نهاراً.
اسم الله "الغفار" على وزن فعال، له موضوعه في حسابات السماء بدقة، واسم الله الغفور على وزن فعول، وله أيضاً حساباته في حسابات الإعجاز الحسابي إن صحّ التعبير.
الخواطر لا يحاسب عليها الإنسان إلا إذا انقلبت إلى عمل:
أيها الأخوة، يبدو أن هناك نظاماً دقيقاً وضع للملكين الذين يكتبان الحسنات والسيئات، هناك مكان اسمه حديث النفس، أنت راكب بسيارة والطريق طويل تأتيك خواطر والله فلان ينبغي أن أوقفه عند حدّه، ينبغي أن أفك شركتي معه، هذا خاطر، وقد يكون فلان مستقيم معه، قد يكون مخلصاً، قد يكون له كفاءة عالية، لكن جاءك خاطر أن تستقل بهذه الشركة، ولأن اسمه ليس وارد بالسجلات، أنت أقوى منه، تضايقه، يضجر، تفك الشركة معه، هذا خاطر لكن خاطر سيء فيه ظلم، وفيه عدوان، هذا الخاطر لا تحاسب عليه، ما لم تفعل، هذا من فضل الله علينا، الخواطر لا تحاسب عليها.
أحياناً لا سمح الله ولا قدر إنسان وجد فجأة نفسه في بيت مع امرأة، قد تأتيه خواطر شيطانية، أن يعتدي عليها لكن ما فعل شيئاً، في النهاية خوفه من الله ردعه، مادامت هذه الخواطر لن تنقلب إلى عمل فالمؤمن مكلف أن يستغفر الله من هذه الخواطر، لكن الله لكرمه، ورحمته تجاوز لنا عن هذه الخواطر لما في الحديث الشريف:
(( إنَّ الله تعالى تجاوزَ لأُمَّتِي ما حدَّثَثْ به أنفُسَها، ما لم يَعْمَلُوا به أَو يتكلَّمُوا ما وسْوَستْ به صُدُورها ))
[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن أبي هريرة ]
ما تعلم تعمل أو تتكلم، أنا والله أحياناً تأتيني حالات كثيرة بحكم عملي في الدعوة أن خواطر تكاد تسحق هذا الإنسان، أقول له اطمئن، إن كنت متأملاً فيها فإنها ليست منك والعلامة الصارخة والواضحة والحاسمة إذا تألمت من هذه الخواطر هي ليست منك من وسوسة الشيطان، الله عز وجل يتجاوز عن هذه الخواطر، ما لم تنقلب إلى عمل، أما إذا جاءتك هذه الخواطر وارتاحت نفسك لها هذه منك، هنا الخطر، مع أنه لا تحاسب عليها لكن إذا قبلتها يمكن أن تنقلب إلى عمل، لذلك نقول يجب أن تستغفر ربك من هذه الخواطر التي ارتحت لها لئلا تنقلب إلى عمل، والمعصية تبدأ بخاطرة، ثم بفكرة، ثم بشهوة، ثم بإرادة ، ثم بعمل، فإذا تبعها الإنسان انقلبت إلى عادة وعندئذٍ من أصعب الأشياء أن تدع عادة استحكمت فيك، من أصعب الأشياء.
لهذا: الإنسان المؤمن بحاجة إلى استغفار عام لمحو الخواطر الشريرة النابعة من هوى النفس، خواطر الشيطان تزعجك أما خواطر الهوى لا تزعج، الخطر أبلغ من خواطر الهوى، يقول لك الشيطان من خلق الله، لا تنام الليل، هذا الخاطر ليس منك وله إجابة كبيرة جداً. باب التوبة مفتوح على مصراعيه لمن تاب و رجع إلى ربه قبل:
الآن هناك منطقة ثانية منطقة الكسب، أنت جاءك خاطر وقمت إلى تنفيذه، صار عملاً، هذه المنطقة خطيرة جداً، عندئذٍ تسجل عن الإنسان أفعاله، ما دقّ منها وما جلي، يسجل كبير الأفعال وصغيرها، فإذا تاب العبد من الذنب محيت سيئاته، صار في عمل، خاطر انقلب إلى عمل، وغفرت بأثر رجعي، ما دام في توبة رجع العبد إلى الله، محا الله هذه الذنوب، وما أمرك أن تستغفره إلا ليغفر لك، أما معنى قوله تعالى:
﴿ إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ﴾
( سورة الفرقان )
اجتهاد شخصي مني تبديل السيئات بالحسنات بمعنى: أن هذا الإنسان كان بخيلاً فلما عرف الله صار كريماً، كان جباناً فلما عرف الله أصبح شجاعاً، كان حريصاً فلما عرف الله أصبح سخياً، هذا المعنى يتناسب مع الكمال الإلهي.
فلذلك ﴿ فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ﴾
لذلك الله جلّ جلاله غفار أي كثير المغفرة، لم يزل ولا يزال للعفو معروفاً وبالغفران والصفح عن عباده موصوفاً، وكلٌّ مضطر إلى عفوه ومغفرته، كما هو مضطر إلى كرمه ورحمته، وقد وعد عباده بالمغفرة والعفو، لمن أتى منهم بأسبابها. الله غفور رحيم لمن تاب من ذنوبه وأقلع عنها وعزم ألا يعود إليها:
يا أخوان، هناك ملاحظة دقيقة جداً، هناك فكرة ساذجة عند عوام المسلمين، يا أخي الله غفور رحيم.
﴿ وَإِنِّي لَغَفَّارٌ ﴾
كلامك صحيح، لكن لمن ؟
﴿ لِمَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى ﴾
( سورة طه )
هذه ناحية دقيقة.
﴿ نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾
( سورة الحجر )
أكمل:
﴿ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ ﴾
( سورة الحجر )
لمن أنا غفور رحيم ؟ ﴿ وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى ﴾
من تاب و آمن و عمل صالحاً غفر الله له ذنوبه:
هناك آيات كثيرة:
﴿ إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا ﴾
من بعد التوبة، والإيمان، والعمل الصالح:
﴿ إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾
( سورة النحل )
دليل آخر:
﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾
( سورة الزمر )
على الإنسان أن يستغفر ربه قبل فوات الأوان:
دقق:
﴿ وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ ﴾
( سورة الزمر )
غفور رحيم لمن تاب من ذنوبه، وأقلع عنها، وعزم ألا يعود إليها، وأصلح الخطأ السابق، ﴿ إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾
وابحثوا بالحاسوب في القرآن الكريم ضعوا كلمة البحث ﴿ مِنْ بَعْدِهَا ﴾
لرأيتم العجب العجاب، غفور متى ؟ حينما تتوب على الله، حينما تبعد عن الذنب، حينما تعزم ألا تعود إليه، حينما تصلح الخطأ.
وعند الطبراني من حديث صحيح، من حديث شداد بن أوس رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم يا شداد:
(( إذا رأيت الناس يكنزون الذهب والفضة فاكنز هؤلاء الكلمات ))
[ الطبراني عن شداد بن أوس]
شخص معه ملايين مملينة، ومعه أموال منقولة، وغير منقولة، وعقارات وأراضي، وأسهم، وشركات، ومعامل... إلخ.
(( إذا رأيت الناس يكنزون الذهب والفضة فاكنز هؤلاء الكلمات: اللهم إني أسألك التثبيت في الأمور، وعزيمة الرشد، وأسألك موجبات رحمتك ))
[ الطبراني عن شداد بن أوس]
كل إنسان مسؤول عن عمله أمام ربه سبحانه و تعالى :
ملك له ابن، قال له يا بني: اطلب وتمنى، قال له: مركبة، أغلى مركبة ، طائرة خاصة، طائرة خاصة، يخت في البحر، يخت في البحر، قال له: أريد أن أكون رئيس جامعة، قال له: لا، هذه بجهد منك، اِئتني بالدكتوراه وبعدها أعطيك هذا المنصب ، هناك أشياء تحتاج إلى جهد شخصي، الطيارة سهلة، المركبة سهلة، اليخت سهل، أما أستاذ جامعي ؟ تحتاج إلى دكتوراه، هذه عليك، اِئتني بهذه الشهادة وخذ هذا المنصب، هذه موجبات رحمتك، انظر إلى الأدب، إذا شخص جاهل: يا رب لا تسألنا عن شيء، من قال لك ذلك ؟ الله قال:
﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾
( سورة الحجر )
هذا الدعاء في أدب جم:
(( وأسألك موجبات رحمتك ))
أي أسألك عملاً يعد ثمناً لرحمتك.
(( وعزائم مغفرتك، وأسألك شكر نعمتك ))
(( مَنْ أصبَحَ منكم آمِنا في سِرْبه، مُعافى في جَسَدِهِ، عندهُ قوتُ يومِه، فكأنَّما حِيزَتْ له الدنيا بحذافيرها ))
[أخرجه الترمذي عن عبد الله بن محصن ]
((...... وحسن عبادتك، وأسألك قلباً سليماً، ولساناً صادقاً، وأسألك من خير ما تعلم، وأعوذ بك من شر ما تعلم، وأستغفرك لما تعلم، إنك أنت علام الغيوب ))
[ الطبراني عن شداد بن أوس]
أيها الأخوة، اسم "الغفار" نحن جميعاً بأمس الحاجة إليه، ولعل بعضهم يرى أن اسم الله الأعظم هو الاسم الذي في ظرف معين أنت بحاجة إليه، فإذا كنت مريضاً فاسم الله الأعظم هو الشافي، وإذا كنت فقيراً فاسم الله الأعظم هو المغني، وإذا كنت مذنباً فاسم الله الأعظم هو "الغفار"، هذا اجتهاد.
السعيد
09-01-2018, 12:51 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الخامس و الاربعون بعد المائة )
الموضوع : اسم الله - الغفار - 2 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
من أسماء الله الحسنى:(الغفار):
أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في اسم "الغفار".
فاعل الخير خير من الخير وفاعل الشر شرّ من الشر :
حقيقة دقيقة وردت في قول للإمام علي رضي الله عنه هذه الحقيقة:
فاعل الخير خير من الخير، وفاعل الشر شر من الشر.
أي أعظم عمل خيري في الدنيا، أنشأ بكل مدينة مستشفى، ويعالج فيها المرضى مجاناً، لكن هذا العمل الخيري العظيم ينتهي عند قيام الساعة، ويبقى صاحبه في جنة عرضها السماوات والأرض إلى أبد الآبدين، العمل مهما يكون كبيراً انتهى، وبقيت جنة عرضها السماوات والأرض لفاعل هذا الخير، إلى أبد الآبدين.
وأعظم عمل شرير، قرار بإلقاء قنبلة على هيروشيما، ثلاثمئة ألف إنسان ماتوا في ثوانٍ معدودة، وعند قيام الساعة هذا العمل الشرير انتهى، لأن هؤلاء الذين ماتوا بهذه القنبلة لو لم يموتوا بها لماتوا حتف أنوفهم، هذا العمل الشرير انتهى، حرب عالمية ثانية خلّفت خمسين مليون قتيل، عند قيام الساعة هذا الشر انتهى، ويبقى الذي أمر بإلقاء هذه القنبلة إلى أبد الآبدين في النار، ففاعل الخير خير من الخير، وفاعل الشر شر من الشر.
لذلك الله عز وجل وصف الشرير في القرآن بأنه ظالم لنفسه، ووصفه أيضاً بأنه ظلوم، ووصفه أيضاً بأنه ظلام.
ظالم، وظلوم، وظلام، من أسماء الله الحسنى الغافر و الغفور و الغفار، ظالم، وظلوم، وظلام، غافر، وغفور، وغفار.
أدب النبي عليه الصلاة والسلام:
أيها الأخوة، روي من حديث عبد الله بن بُسر، قال:
(( نزلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبِي، فَقَرَّبْنا إليه طعاماً ورُطَبَة ـ قال هو طعام يتخذ من التمر ـ فأكل منها، ثم أُتِيَ بتمْر ))
[ مسلم عن عبد الله بن بسر]
الآن دققوا، الوصف دقيق جداً، النبي عليه الصلاة والسلام وضع أمامه طبق تمر، أمسك تمرة وأكلها، ماذا ينبغي أن يفعل ؟ أن يأخذ النواة، لو أخذ النواة بإصبعيه وضع التمرة على الخوان، وأمسك تمرة ثانية ليأكلها، فإذا بها قاسية، تركها وأخذ غيرها ما الذي حصل ؟ انتقل لعابه الشريف إلى تمرة لم يأكلها، فكان عليه الصلاة والسلام إذا أكل التمر وضع النواة على ظاهر إصبعيه، يجمع أصابعه الثلاثة يضع النواة هنا لتبقى باطن إصبعيه جافة، أرأيت إلى دقة ما بعدها دقة ؟! أرأيت إلى رقي ما بعده رقي ؟! أرأيت إلى مستوى بالتعبير المعاصر حضاري ؟! ما كان يلتقط النواة بباطن إصبعيه، لأنه لو فعل هذا لنقل لعابه إلى تمرة لم يأكلها، فكان يضع النواة هنا ويضعها على الخوان، فهذا معنى الحديث.
(( فَقَرَّبْنا إليه طعاماً ورُطَبَة ـ والرطبة طعام يتخذ من التمر ـ فأكل منها، ثم أُتِيَ بتمْر، فكان يأكله، ويُلْقِي النَّوَى بين إصبعيه، ويجمعُ السَّبابةَ والوُسْطَى، ثم أُتِيَ بشراب فشربه، ثم ناوله الذي عن يمينه، فقال أبي وأخَذَ بِلِجَام دَابَّتِه: ادْعُ الله لنا ـ هنا الشاهد ـ فقال: اللهم باركْ لهم فيما رَزَقْتَهُم، واغْفِر لهم وارْحَمْهم ))
[ مسلم عن عبد الله بن بسر]
من بارك الله له في رزقه كفاه رزقه و لو كان قليلاً:
سبحان الله ! الآلة الحاسبة فيها أزرار كثيرة، من واحد إلى عشرة، وفيها ذاكرة، وفيها جذر، وفيها نسبة، وفيها جمع، وفيها طرح، وفيها ضرب، وفيها تقسيم ، لكن لا يوجد زر للبركة، البركة في القرآن الكريم، أحياناً الله عز وجل يبارك لك برزقك، الرزق محدود لكن يغطي كل حاجاتك، يعفيك الله من آلاف المصائب التي تحتاج إلى مبالغ كبير، سماه العلماء الرزق السلبي.
لذلك:
(( اللهم باركْ لهم فيما رَزَقْتَهُم، واغْفِر لهم وارْحَمْهم ))
وروى أبو داود من حديث عبد الله بن عمر أنه قال:
(( كلماتٌ لا يَتَكلَّمُ بِهنَّ أحدٌ في مجلسهِ، عند قيامِه ثلاثَ مرَّاتٍ إلا كُفرَ بِهِنَّ عنه ولا يقُولهُنَّ في مجلسِ خيرٍ، ومجلسِ ذِكْرٍ إلا خُتِمَ له بهنَّ عليه، كما يُخْتَمُ بالخاتم على الصحيفة: سبحانك اللَّهمَّ وبِحَمدِكَ، لا إلهَ إلا أنت، أستغفِرُكَ وأتوبُ إليك ))
[ أبو داود عن عبد الله بن عمر]
في كل مجلس مهما يكن نوعه، مهما يكن الحديث فيه، أنهِ المجلس بهذا الدعاء:
(( سبحانك اللَّهمَّ وبِحَمدِكَ، لا إلهَ إلا أنت، أستغفِرُكَ ـ الله غفار ـ وأتوبُ إليك ))
الحوار أسلوب حضاري وأخلاقي و ديني:
أيها الأخوة، الآن كل الناس يقولون بالحوار، حوار، حوار، حوار الحضارات، مع أي خصومة هناك حوار، دققوا في فعل النبي عليه الصلاة والسلام:
(( يا رسول الله، ائذن لي بالزنا، فأقبل القوم عليه فزجروه، وقالوا: مهْ مَهْ. فقال: "ادنه". فدنا منه قريبًا فقال اجلس. فجلس، قال: "أتحبه لأمك ؟" ـ حوارـ قال: لا والله، جعلني الله فداك. قال: "ولا الناس يحبونه لأمهاتهم". قال: "أفتحبه لابنتك" ؟ قال: لا والله يا رسول الله، جعلني الله فداك. قال: "ولا الناس يحبونه لبناتهم"، قال: "أتحبه لأختك"؟ قال: لا والله، جعلني الله فداك. قال: "ولا الناس يحبونه لأخواتهم"، قال: "أفتحبه لعمتك" ؟ قال: لا والله جعلني الله فداك. قال: "ولا الناس يحبونه لعماتهم" قال: "أفتحبه لخالتك" ؟ قال: لا والله، جعلني الله فداك. قال: "ولا الناس يحبونه لخالاتهم ))
[ أحمد عن أبي أمامة ]
هذا الحوار، حاور الآخر، حاور ابنك، حاور شريكك، حاور جارك، حاور زوجتك، بلا قمع، بلا سُباب، بلا شتائم، بلا ضرب، حاورهم، شاب طلبَ طلباً فيه وقاحة، لكن النبي استوعبه، وحاوره.
قال فوضع يده عليه، وقال: (( اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصن فرجه ))
قال: فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء.
أنت أب، أنت معلم، أنت مدير مستشفى، مدير جامعة، مدير مؤسسة بمنصب قيادي، صاحب شركة، هؤلاء الذين حولك بدل أن تقمعهم، وأن تعفنهم، حاورهم، لذلك:
(( علموا ولا تعنفوا ))
[أخرجه الحارث عن أبي هريرة]
عامل الناس كما تحب أن يعاملوك:
أخوانا الكرام، هناك قول مستنبط من أحاديث رسول الله، بمجموعها، هذا القول: عامل الناس كما تحب أن يعاملوك، أنت الآن تعامل زوجة ابنك معاملة لا ترضاها لابنتك لو كانت في بيت حماها، إذاً أنت عنصري، ما معنى عنصري ؟ كلمة عنصري تبدأ من زوج، وتنتهي بحق الفيتو، حق الفيتو عنصري، عنصرية صارخة، لماذا الخمس دول إذا قالوا القرار لا يلغى ؟ لا يلغى، لماذا ؟.
فالعنصري يرى لنفسه ما ليس للآخرين، لمجرد أن تسخر من أم زوجتك، وإن تكلمت كلمة عن أمك تقيم عليها الدنيا، أنت عنصري، لمجرد أن تعامل مواطن معاملة لا ترضاها لو كنت مكانه، عنصري، بالتجارة، بالصناعة، بالزراعة، بأي مجال بالحياة حينما ترى لنفسك ما ليس لغيرك، وحينما ترى على غيرك ما ليس عليك أنت عنصري بدءاً من مواطن، من زوج، وانتهاءً بمجلس أمن، بالنهاية بشر جميعاً إما أنهم إنسانيون، وإما أنهم عنصريون حاسب نفسك قبل أن تحاسب الناس.
يقول لك هذا انتحاري، قتلت له والده، وأمه، وهدمت بيته، جردت له بستانه ، هدمت له بئره، صار ثمنه رصاصة، أراد أن يموت ومعه خمسة، يريد أن ينتقم، تقول لي انتحاري، تقول لي فدائي، وضعته في ظرف صعب مهما فعل معذور، أوصلت الناس إلى أن يكونوا عنيفين، في حمق بالعالم، 10% من سكان الأرض من دول الشمال يتمتعون بتسعين بالمئة من ثروات الأرض، الذي سافر للغرب يرى بذخاً يفوق حدّ الخيال، لوحة بحجم ورقة بـ58 مليون دولار، تحل مشاكل أمة، بذخ، إنفاق، الآن مشكلة العالم أن غذاء الفقراء صار وقوداً للطائرات، الذرة، فول الصويا، المواد الغذائية الأساسية، لذلك الأسعار ارتفعت عشرة أضعاف، حتى الأغنياء يركب طائرة من دون تلوث، يتمتع بالطائرة حرم ملايين الغذاء، يقول لماذا يوجد عنف ؟ لماذا يوجد إرهاب بالأرض ؟ في حمق.
من كان إنسانياً أحبه الناس و التفوا حوله:
لا تتوهم في نفسك حق لا تمنحه لغيرك، ولا تتوهم أن على غيرك واجب لا تلزم به نفسك.
سيدنا ربيعة خدم رسول الله سبعة أيام، قال له: سلني حاجتك، رأى خدمة ربيعة ديناً عليه، ما رآها حقاً له، وهو سيد الخلق وحبيب الحق، لما تكون إنساني يحبك الناس، ويلتفون حولك.
أراد النبي مع أصحابه أن يعالجوا شاة في سفر، قال أحدهم: عليّ ذبحها ، وقال الثاني: عليّ سلخها، وقال الثالث: وعليّ طبخها، وقال عليه الصلاة والسلام: وعليّ جمع الحطب، قال: نكفيك يا رسول الله ! قال: أعرف أنكم تكفونني، ولكن الله يكره أن يرى عبده متميزاً على أقرانه.
دخل أعرابي على النبي الكريم، قال: أيكم محمد ؟ ما له عرش ؟ ما له كرسي فخم جداً ؟ لا يوجد ثياب ألوانها صارخة ؟ واحد من أصحابه، قال له أنا.
في معركة بدر، ثلاثمئة راحلة وألف صحابي، قائد الجيش رسول الله، زعيم الأمة رسول الله، رئيس الدولة رسول الله، قال: كل ثلاثة على راحلة ـ أمر ـ وأنا قائد الجيش، وعلي، وأبو لبابه على راحلة، ركب الناقة فلما جاء دوره في المشي توسلا صاحباه أن يبقى راكباً، قال ما أنتما بأقوى مني على السير، ولا أنا بأغنى منكما عن الأجر.
بهذا التواضع التف أصحابه حوله، بهذا التواضع وصل هذا الإسلام إلى أطراف الدنيا.
الكِبر و الأثرة يبعدان الناس عن بعضهم:
أما بالكبر، والأثرة، وأن أعيش لوحدي، ومن بعدي الطوفان، هذا شعار كل إنسان الآن، أهجى بيت قالته العرب:
دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
* * *
والله الذي لا إله إلا هو هذا البيت شعار كل إنسان الآن، تجد ببلاد مجاورة القتل يومي بالمئات، الدماء تسيل، النازحون، المشردون، المعاقون، القتلى، قال لي شخص بالعراق: أودع أهلي كل يوم، احتمال أن أموت بالـ%50، تجد في بلاد ثانية حفلات ، وسهرات، وأغاني، كأن الناس ما عندهم مشكلة، فقد قال النبي أثناء حفر الخندق:
(( إن تَغْفِر اللهمَّ تَغفِرْ جَمّا، وأَيُّ عبدٍ لكَ لا أَلَّما ؟ ))
[ الترمذي عن ابن عباس]
الإكثار من الاستغفار و التوبة إلى الله طريق الإنسان للنجاة من عذاب الله:
أيها الأخوة، أن تؤمن بأن الله غفار يقتضي أن تكثر من الاستغفار، والتوبة إلى الله مهما بلغت الذنوب، عندنا غافر، غفور، غفار، الظالم ؛ غافر ، والظلوم ؛ غفور، والظلام ؛ غفار.
النبي عليه الصلاة والسلام فيما يحكيه عن ربه أنه قال: أذنب عبد فقال:
(( أَذْنَبَ عبد ذنبا، فقال: اللهمَّ اغْفِرْ لي ذَنْبي، فقال تبارك وتعالى: أَذْنَبَ عَبدِي ذَنبا فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ ربّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بالذَّنْبِ، ثم عاد فَأذْنَب، فقال: أيْ رَبِّ، اغْفِرْ لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: عبدي أَذْنَبَ ذَنبا، فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ ربّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بالذَّنْبِ، ثم عادَ فَأذْنَبَ، فقال: [ أي ] ربِّ، اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: أَذْنَبَ عَبدِي ذَنبا فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ ربّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بالذَّنْبِ، اعْمَلْ ما شئْتَ، فقد غفرتُ لك ))
[أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة ]
هناك من يوهم الناس أن التوبة مرة واحدة، فإذا وقعت في الذنب مرة ثانية لا توبة لك، لا، غير صحيح، ما لنا إلا الله، لا يوجد طريق إلا التوبة، لو مليون مرة المؤمن مذنب تواب، أنا أتكلم الآن كلاماً واقعياً، يوجد أشياء صغيرة لا يصر عليها سريعاً ما يتوب منها، لكن الله عز وجل لا يعذب مستغفراً، لكن من أصرّ على ذنب وطلب المغفرة هذا ليس استغفاراً.
﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ ﴾
( سورة الزمر )
﴿ نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ ﴾
( سورة الحجر )
بالمناسبة: الاستغفار والتوبة إذا تفرقا اجتمعا، الاستغفار يعني التوبة، يعني التوبة وطلب المغفرة، والتوبة تعني الإقلاع عن الذنب والاستغفار. حظ المؤمن من اسم "الغفار" أن يستر من غيره ما يستره الله منه:
أيها الأخوة، قال حظ المؤمن من اسم "الغفار" أن يستر من غيره ما يستره الله منه، لك ذنب والله سترك، لا تفضح أحداً بذنب أنت اقترفته سابقاً، كن واقعياً، كن أديباً مع الله عز وجل، لك ذنب ستره الله عليك، لو رأيت ذنباً على أخيك لا تفضحه كما ستر الله عليك استر عليه، الأدب مع الله في هذا الاسم أن تستر من أخيك ما ستره الله منك.
امرأة زنت في عهد عمر أقيم عليها الحد، ثم تابت، ثم جاء من يخطبها، فجاء أخوها إلى عمر رضي الله عنه وقال: يا أمير المؤمنين جاء من يخطب أختي، أخبره بذنبها؟ فقال رضي الله عنه وقد غضب أشد الغضب: والله لو أخبرته لأدبتك.
هذا كلام دقيق، بالعالم الغربي الآن يمنحون المواطن فرصة يتوب، وأنت كقائد، كأب، كزوج، امنح الطرف الآخر فرصة أن يتوب، إذا تاب يجب أن يوسد.
(( التَّائِبُ مِنْ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ ))
[أخرجه ابن ماجه عن عبد الله بن مسعود ]
أما البشر الآن لا يرحمون، إنسان أخطأ، كلما رأيته تذكر خطأه للناس، العالم الغربي عالم ما عنده من تحلل، حتى بالصحيفة الاجتماعية إذا شخص ارتكب مخالفة سير ومضى سنتان ما ارتكب ولا مخالفة تمحى آلياً، إذا أنت تعمل بعمل قيادي كل واحد أخطأ واعترف بخطئه يجب أن تذكره به ؟ أبداً لأن:
(( التَّائِبُ مِنْ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ ))
المجتمع لا يناقض إلا بهذه الطريقة، والله بحالات كثيرة جداً يقول لي: زوجتي أخطأت، أقول له أعطها فرصة تتوب، وراقبها، فإن تابت فأنت بطل، أما تطليقها سهل ، وفضحها سهل، وسحقها سهل، لكن البطولة أن تحملها على التوبة.
لذلك قالوا: الذنب شؤم على غير صاحبه، إن ذكره فقد اغتابه، وإن رضيه فقد شاركه في الإثم، وإن عيره ابتلي به. المؤمن يظهر الإيجابيات و يتغافل عن السلبيات:
الآن كل إنسان يتغافل عن السيئات، ويظهر الحسنات، هذا إنسان مبارك، والآخر يتغافل عن كل الحسنات، ويظهر السيئات، من هنا دعا النبي الكريم فقال:
(( وأعوذ بك من جار سوء تراني عيناه وتسمعني أذناه إن رأى حسنة دفنها وإن رأى سيئة أذاعها ))
[أخرجه الطبراني عن عبد الله بن عباس ]
(( اللهم إن أعوذ بك من إمام سوء إن أحسنت لم يقبل، وإن أسأت لم يغفر ))
جاء عكرمة مسلماً ماذا قال النبي الكريم ؟:
(( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: يأتيكم عكرمة بن أبي جهل مؤمناً مهاجرا فلا تسبوا أباه ـ من أبوه ؟ أبو جهل، ألد أعداء النبي ـ فلا تسبوا أباه فإن سبّ الميت يؤذي الحي ولا يبلغ الميت ))
[أخرجه الحاكم عن عبد الله بن الزبير ]
أبوه لعنه الله، كان أبوه كافراً، جاء عكرمة مسلماً، فقال النبي الكريم:
(( فلا تسبوا أباه فإن سب الميت يؤذي الحي ولا يبلغ الميت ))
أرأيت إلى هذه الرقة ؟.
يروى أن سيدنا عيسى كان مع أصحابه الحواريون رأوا شاة متفسخة، لها ريح لا يحتمل، فقالوا ما أنتن ريح هذه الشاة، قال: بل ما أشد بياض أسنانها، انظر إلى المؤمن يرى الإيجابيات، والآخر يرى السلبيات، قناص، كل المحاسن يتغافل عنها.
النبي الكريم رأى صهره مع الأسرى، صهره جاء ليحاربه، رآه مع الأسرى فلما رآه قال: والله ما ذممناه صهراً، كان صهراً ممتازاً، ما نسي المحاسن، والآن يقاتله وقع أسيراً، فقال: والله ما ذممناه صهراً .
أيها الأخوة، هذا موقف المؤمن من اسم "الغفار".
السعيد
09-01-2018, 12:53 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( السادس و الاربعون بعد المائة )
الموضوع : اسم الله - الرقيب - 1 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى:(الرقيب):
أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى والاسم اليوم "الرقيب".
ورود اسم الرقيب في القرآن الكريم:
1 ـ منوناً ومطلقاً و وروده مقترناً بمعاني العلو والفوقية:
هذا الاسم أيها الأخوة، ورد في القرآن الكريم منوناً مطلقاً، غير مضاف، وقد ورد مقترناً بمعاني العلو والفوقية، كما في قوله تعالى:
﴿ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً ﴾
( سورة الأحزاب )
والله أيها الأخوة، لو لم يكن في كتاب الله إلا هذه الآية لكفت، أنت في الحياة المدنية، لو نمي إليك أن هاتفك مراقب، تدقق في كلامك، تختار أفضل كلمة، أبعد كلمة عن الشبهة، لو نمي إليك أنك مراقب تراقب نفسك في حركاتك وسكناتك بدرجة غير معقولة، لأنه نمي إليك ولست متأكداً أنك مراقب من إنسان، من بني جلدتك، لكنه أقوى منك، أن تكون مراقباً من إنسان تتبدل كل تصرفاتك، وتضبط كل حركاتك وسكناتك، وكل أقوالك وكلماتك، فكيف إذا الواحد الديان خالق السماوات والأرض، رقيباً عليك ؟ ﴿ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً ﴾
2 ـ وروده مقيداً:
أيها الأخوة، الله جلّ جلاله من فوق عرشه رقيب، له الكمال المطلق في إحاطته بخلقه، له الكمال في علو شأنه، فإن أضفت إلى الإطلاق اجتماع معاني العلو كان ذلك من كمال الكمال، في الاسم والصفة.
وقد ورد هذا الاسم مقيداً، يعني مضافاً في قوله تعالى عن سيدنا عيسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام:
﴿ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾
( سورة المائدة )
وفي قوله تعالى: ﴿ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً ﴾
3 ـ وروده في السنة النبوية الشريفة:
أيها الأخوة، هذا في القرآن، فماذا ورد في السنة ؟ النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(( فأقول كما قال العبد الصالح عيسى ابن مريم: وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ، إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ))
[ البخاري و مسلم عن ابن عباس]
نستفيد من هذه الآية التي ذكرها النبي عليه الصلاة والسلام في حديثه الشريف أن تقييم العباد من شأن رب العباد وحده، ولا تجشم نفسك متاعب تقييم العباد هذا من شأن رب العباد، (( إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ))
الرقيب في اللغة:
"الرقيب" في اللغة، على وزن فعيل بمعنى فاعل.
أيها الأخوة، أي الموصوف بالمراقبة، فعيل صيغة مبالغة اسم الفاعل الموصوف بالمراقبة، فعله رقب، يرقب، رقابة، أما الرقابة تأتي بمعنى الحفظ، والحراسة، والانتظار، مع الحذر والترقب.
وعند البخاري رحمه الله تعالى من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن أبا بكر رضي الله عنه قال:
(( ارْقُبُوا محمداً في أهل بيته ))
أي احفظوه فيهم، وقال هارون عليه السلام:
﴿ إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي ﴾
( سورة طه )
فالـ "الرقيب" الموكل بحفظ الشيء، المترصد له، المتحرز عن الغفلة، فيه رقيب القوم حارسهم، هو الذي يشرف على المراقبة ليحرسهم، رقيب الجيش طليعتهم، الرقيب الأمين، ارتقب المكان أشرف عليه وعلى فوقه.
هذا ما ورد في المعاجم عن كلمة "الرقيب". من معاني الرقيب:
1 ـ المطلع على الخلق في كل صغيرة و كبيرة:
أما إذا قلنا الله جلّ جلاله هو "الرقيب" أي المطلع على خلقه، يعلم كل صغيرة وكبيرة في ملكه، لا يخفى عليه شيء لا في الأرض ولا في السماء، قال تعالى:
﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾
( سورة المجادلة )
رقيب، وقال تعالى:
﴿ أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ ﴾
( سورة الزخرف )
2 ـ يرى أحوال العباد ويعلم أقوالهم:
أيها الأخوة، "الرقيب" هو الذي يرى أحوال العباد مقبل، مدبر، حاقد، بريء ، سليم النية، يحب الآخرين، يحقد عليهم، يستعلي عليهم، يحتال عليهم، يتآمر عليهم، يرقى بهم، يحمل همهم، هو الذي يرى أحوال العباد، ويعلم أقوالهم، إن تكلمت فهو يسمعك وهو رقيب عليك، وإن تحركت فهو يراك وهو رقيب عليك، وإن أضمرت فهو يعلم وهو رقيب عليك، لا تخفى عليه خافية.
3 ـ يراقب عباده و يحصي أعمالهم ويحيط بمكنونات أسرارهم:
وقيل "الرقيب" هو الذي يراقب عباده، يحصي أعمالهم، ويحيط بمكنونات أسرارهم، ولا يغيب عنه شيء، في الأرض ولا في السماء.
قالوا: مراقبة الله لخلقه مراقبة عن استعلاء وفوقية، لأنه ربهم وخالقهم، وقدرة وصمدية، لا تتحرك ذرة إلا بإذنه، ولا تسقط ورقة إلا بعلمه.
﴿ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا ﴾
( سورة الأنعام الآية: 50 )
يا رب الورقة تعلمها ! والصواريخ تعلمها أيضاً، ملك له الملك كله، وله الحمد كله، أزمة الأمور كله بيده، ومصدرها منه، ومردها إليه، مستوٍ على عرشه لا تخفى عليه خافية، عالم بما نفوس عباده، أنت ساكت خطر في بالك أن تذهب إلى فلان وأن تقدم له هدية، يعلم وأنت ساكت، عالم بما نفوس عباده، مطلع على السر والعلانية، علم ما كان، وعلم ما يكون، وعلم ما سيكون، وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون. الله عز وجل رقيب راصد لأعمال العباد وكسبهم:
يسمع ويرى، ويعطي ويمنع، ويثيب ويعاقب، ويكرم ويهين.
﴿ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ ﴾
( سورة الحج الآية: 18 )
إذا أكرمك الله عز وجل خدمك عدوك، وإذا أهان العبد تطاول عليه أقرب الناس إليه، يخلق ويرزق، يميت ويحيي، يقدر ويقضي، يدبر أمور خلقه، مراقبته لخلقه مراقبة حفظ دائمة، وهيمنة كاملة، وعلم وإحاطة، لا مراقبة قهر، مراقبة حفظ.
حينما تجلس الأم في الحديقة عينها على ابنها، تراقبه لا مراقبة قمع مراقبة حفظ .
الله عز وجل رقيب راصد لأعمال العباد وكسبهم، عليم بالخواطر التي تدب في قلوبهم، يرى كل حركة وسكنة في أبدانهم، ووكل ملائكته في كل أعمالهم، وإحصاء حسناتهم وسيئاتهم، قال تعالى:
﴿ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَاماً كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ﴾
( سورة الانفطار )
قد يغيب عن ذهن الإنسان أنه إذا قال عند انتهاء الصلاة السلام عليكم ورحمة الله السلام عليكم ورحمة الله، يسلم على الملكين، ملك اليمين وملك الشمال، الله سبحانه وتعالى راصد لأعمال العباد وكسبهم، عليم بالخواطر التي تدب في قلوبهم، يرى كل حركة وكل سكنة، ووكل ملائكته بكتابة أعمالهم، وإحصاء سيأتهم، وقال تعالى: ﴿ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَاماً كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ﴾
فالملائكة تسجل أفعال الجنان والأبدان، قال تعالى عن تسجيلهم لقول القلب وقول اللسان:
﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾
( سورة ق )
الإنسان مراقبته محدودة فلا يصلح أن يكون مشرعاً:
أيها الأخوة، لما الإنسان يشرع، الإنسان مراقبته محدودة، يقول لك السرعة القصوى مئة، في أمريكا هذا القرار كيف يضبط ؟ يضبط بأجهزة في الطرق العامة تكتشف السرعة الزائدة، ولأن واضع هذا القانون إنسان، والمواطن إنسان، وقد يكون هذا المواطن أذكى من واضع القانون، يخترع جهازاً للسيارة، فإذا اقترب من الجهاز الذي يكشف سرعته نبهه، خفض السرعة.
مرة كنت راكباً بأمريكا مع صديق، سمعت صوتاً جديداً في السيارة، سألته عن الصوت، قال لي: هذا ينبهني إلى وجود جهاز في الطريق يضبط السرعات الزائدة، انتهى القانون، الآن الدولة في طور اختراع جهاز يكشف هذه الأجهزة التي في السيارات.
إذاً ما دام المشرع إنسان معركة بين عقلين، الأذكى ينتصر، أما إذا كان الله سبحانه وتعالى "الرقيب" أمرك أن تصوم، دقق في أيام الصيف، في شهر آب الإنسان يكاد يموت من العطش، وهو في البيت وحده، ودخل إلى المطبخ، والثلاجة فيها ماء بادر، ولا أحد يمكن أن يضبط هذه المخالفة في الأرض، لا يستطيع أن يضع في فمه قطرة ماء، هذه عظمة الدين.
أنا مرة تصورت أن الدول الراقية حرصاً منها على صحة رعاياها أصدرت مرسوماً بفرض الصيام على الناس، تصور الصيام مفروض من الدولة، طبعاً لا أحد يجرؤ أن يأكل في النهار يعاقب، لكن إذا دخل إلى بيته، إذا دخل إلى الحمام يشرب، لا يوجد قوة في الأرض مهما تكن جبارة وقمعية أن تحمل الناس على الصيام، أذكر أن أمريكا في عام 1933 حرمت الخمر، البحث طويل جداً، بالمليارات دفعت لتوعية الناس، أعدمت ثلاثمئة شخص، أكثر من خمسة ملايين إنسان دخلوا السجن، بعد عشر سنوات أعلنت إفلاسها، ثم سمحت به، دولة قوية بكل إمكانياتها، صنعت بواخر لتهريب الخمر، بواخر لها مخابئ سرية، إلى أن أيقنت أنها مستحيل أن تضبط الأمر.
الآن بالعالم الإسلامي برمضان مليار وخمسمئة مليون ما في إنسان ممكن أن يضع قطرة ماء بفمه.
الدين هو قوام الحياة و الحياة لا تصلح إلا بالدين:
الكلام الدقيق أن الدين هو قوام الحياة، وأن الحياة لا تصلح إلا بالدين، لأن المشرع في الدين ليس إنساناً لا يراك، المشرع في الدين خالق الأكوان، هل يستطيع إنسان مؤمن يدخل الحمام وهو يعجن العجين أن لا يغسل يداه ؟ هل تستطيع أي وزارة في الأرض أن تراقب من يعجن العجين في الساعة الثانية ليلاً ؟ لا تقدر، لكن الدين يقدر.
﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾
( سورة الحديد الآية: 4 )
﴿ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً ﴾
أنا والله أرى أن الشيء العملي الحقيقي أن الإنسان المؤمن يخاف من الله فيستقيم، أي شيء تقوله آخر كلام غير واقعي، يقول لك ضمير مسلكي، ما هذا الضمير المسلكي ؟ يقول لك انضباط ذاتي، وتربية بيتية، هناك إنسان يرى أن الله سيحاسبه فيستقيم، وهناك إنسان يرى أن الله لا يحاسبه، إيمانه بالله ضعيف، يستقيم لينتزع إعجاب الناس، فإذا خلا بينه وبين نفسه أخذ ما ليس له.
قال الله عز وجل من فوقهم رقيب، وعلى تدوينهم قدير، رقيب على أفعال الإنسان قال تعالى:
﴿ وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ ﴾
( سورة يونس الآية: 61 )
نائم، قائم، في غرفتك، وراء الشاشة، على الكمبيوتر، فاتح الانترنيت من الذي يعلم ماذا تفعل، على أي موقع تفتح، على أي فضائية تدير جهازك ؟ من الذي يعلم ؟ إن الله يعلم، ﴿ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً ﴾
﴿ وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآَنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ﴾
( سورة يونس الآية: 61 )
الإنسان المؤمن يخاف من الله فيستقيم على أمره:
أيها الأخوة الكرام، إذا شعرت أنك مراقب فلابد من أن تنضبط، شعور الإنسان بأنه مراقب ولو من جهة أرضية، ولو من إنسان من بني جلدتك، لكنه أقوى منه، إذا كنت مراقباً فلابد من أن تنضبط فكيف إذا أيقنت أن الله جل جلاله هو "الرقيب"؟
قلت لكم في بداية هذا اللقاء الطيب: والله لو لم يكن في كتاب الله إلا هذه الآية لكفت:
﴿ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً ﴾
النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
(( أفضل إيمان المرء أن يعلم أن الله معه حيث كان ))
[ أخرجه ابن مردويه والبيهقي عن عبادة بن الصامت]
الآية الكريمة:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ﴾
( سورة النساء )
إنسان استأجره النبي لعمل ما فاغتسل عرياناً، فقال خذ أجارتك لا حاجة لنا بك، فإني أراك لا تستحي من الله. علة خلق السماوات والأرض أن تعلم أن علم الله يطولك و قدرته تطولك:
هذه الآية أيها الأخوة، أساسية جداً:
﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ ﴾
لماذا ؟ قال:
﴿ لِتَعْلَمُوا﴾
( سورة الطلاق الآية: 12 )
هذه اللام لام التعليل، أي علة خلق السماوات والأرض أن تعلم.
﴿ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً ﴾
( سورة الطلاق )
العجيب في هذه الآية أن الله اختار من بين أسمائه كلها اسمين فقط، اختار اسم العليم، واسم القدير، معنى ذلك أن علمه يطولك، وأن قدرته تطولك.
وضحت هذا سابقاً، أنت مواطن تركب مركبة في النهار الإشارة حمراء والشرطي واقف، والشرطي على دراجة نارية، بإمكانه أن يلحق بك، وهناك ضابط مرور في السيارة، وأنت مواطن من الدرجة الخامسة، هل يعقل أن تمشي ؟ مستحيل وألف ألف مستحيل، أولاً علم واضع القانون يطولك من خلال هذا الشرطي، فإذا هربت منه علم واضع القانون يطولك من خلال هذا الشرطي الذي على دراجة، فإذا تواطأت مع الشرطي علم واضع القانون يطولك من خلال هذا الضابط الذي في السيارة، فأنت موقن بالمليون أن علم واضع القانون يطولك، وبالإمكان الآن أن تثقب إجازتك، هناك اثنتا عشرة ثقباً بمرة واحدة ، بعد عدة مرات ممنوع أن تقود مركبة، تجد هناك حرص، و هناك انضباط عجيب، لأن واضع القانون يطولك من خلال هؤلاء الشرطي الواقف، والشرطي على الدراجة، وضابط المرور، وقدرته تطولك بسحب الإجازة، بإيقاع مخالفة كبيرة جداً، بحجز المركبة.
أما أنت حينما توقن أن واضع القانون هو من جنسك بشر، لكنه أقوى منك علمه يطولك، وقدرته تطولك، لا يمكن أن تعصيه، لا يمكن، فكيف إذا أيقنت أن واضع هذا التشريع علمه يطولك وقدرته تطولك، كيف ؟ من آمن أن الله يراقبه و هو له بالمرصاد لا يمكن أن يعصيه:
لذلك:
﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً ﴾
لكن لا زلنا في المثل، ممكن الساعة الثالثة في منتصف الليل أن تخترق القانون لأن علم واضع القانون لا يطولك، ويمكن في وضح النهار، نهاراً وجهاراً أن تخترق هذا القانون، قد تكون أقوى من واضع القانون، فلا يجرؤ أن يوقفك، فهذا مثل دقيق جداً.
فأنت حينما تؤمن أن الله يراقبك، وأن الله لك بالمرصاد، وأن علم الله يطولك، وأن قدرته تطولك، بتفكير بسيط لا يمكن أن تعصيه، الله عز وجل يقول: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ﴾
الحياة لا تصلح إلا بالإيمان بالله:
أيها الأخوة، هذا الاسم إذا أدركت أبعاده يمكن أن يكون أحد أسباب سعادتك الأبدية، تأثرت، الله معك، الله معك لطيف، إذا شخص رافقك تضجر منه، يا أخي حل عني، الله معك لكن بلطف،
﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾
المعلم إذا علم أن الله يراقبه لا يعطي الطلاب عملاً سخيفاً و ينام ويرتاح.
فأنت حينما تشعر أن الله يراقبك تؤدي الواجب كاملاً، والله أيها الأخوة، هذه الحياة لا تصلح إلا بالإيمان بالله، أحياناً إنسان يخطئ معك بالحساب يرد لك المبلغ.
والله حدثني أخ، قال لي: والله وجدت بالسيارة 20 مليون ليرة، نسيها من ركب معي، بقيت أربعة أيام أبحث عنه، إلى أن وصلت إليه وقدمت إليه المبلغ، قال له: أنت عندك سيارة ؟ قال له: لا، أخذه لسوق السيارات واشترى له سيارة بمليون، من يجد بسيارته 20 مليون وينجو من أي مساءلة ؟ يبحث عن صاحبها، يوجد بالعالم الإسلامي بطولات مذهلة.
السعيد
09-01-2018, 12:55 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( السابع و الاربعون بعد المائة )
الموضوع : اسم الله - الرقيب - 2 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
من أسماء الله الحسنى:(الرقيب):
أيها الأخوة الأكارم، لا زلنا في اسم "الرقيب".
حال الأنبياء مع ربهم إقبال دائم ويقظة مستمرة أما حال المؤمنين فساعة وساعة:
تطبيقات هذا الاسم على المؤمن هناك مقام اسمه مقام المراقبة، أي أن العبد يراقب ربه، وكلمة مقام تنقلنا إلى موضوع دقيق.
النبي عليه الصلاة والسلام يشرح هذا المقام حينما مرّ أبو بكر رضي الله عنه بصحابي رآه يبكي، هذا الصحابي اسمه حنظلة، سأله الصديق مالك يا حنظلة تبكي ؟ قال نافق حنظلة، قال له: ولِمَ يا أخي ؟ قال حنظلة: نكون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن والجنة كهاتين (كأننا في جنة)، فإذا عدنا إلى بيوتنا وعافسنا الأهل، أي دخل في الحياة اليومية، ننسى هذا الحال، فظن هذا الصحابي الجليل أنه نافق، فسيدنا الصديق من تواضعه الشديد قال: أنا كذلك يا حنظلة، انطلق بنا إلى رسول الله، فانطلقا إلى النبي عليه الصلاة والسلام وحدثاه بهذا الحال، فقال عليه الصلاة والسلام: لو بقيتم على الحال التي أنتم عليها عندي، لصافحتكم الملائكة، ولزارتكم في بيوتكم، ولكن أنتم يا أخي ساعة وساعة ، أما نحن معاشر الأنبياء فتنام أعيننا ولا تنام قلوبنا.
من خلال هذا النص الدقيق يتضح أن حال الأنبياء إقبال دائم، يقظة مستمرة ، هذا حال الأنبياء، أما حال المؤمنين ساعة وساعة، إياكم أن تفهموا أنها ساعة طاعة وساعة معصية، هذا مستحيل وألف ألف مستحيل، ساعة تألق وساعة فتور، أما أنتم يا أخي ساعة وساعة، نحن معاشر الأنبياء تنام أعيننا ولا تنام قلوبنا، أما أنتم يا أخي فساعة وساعة لو بقيتم على الحال التي أنتم عليها عندي، لصافحتكم الملائكة، ولزارتكم في بيوتكم.
المؤمن علاقته باسم الرقيب أنه موقن أن الله معه فوق عرشه يتابعه في كل حركاته:
معنى ذلك المؤمن له حال مع الله، حال التوكل، حال المحبة، حال الإقبال ، حال الاستسلام، حال التفويض، أنت لك حال، يعني حالتك النفسية، هناك إنسان قلق، هناك إنسان خائف، هناك إنسان يائس، هناك إنسان محبط، هناك إنسان واثق من الله عز وجل، هناك إنسان مستسلم، هناك إنسان راضٍ، هذه المشاعر التي لها أثر كبير جداً في سعادتك، وفي نشاطك، وفي حيويتك، نسميها الآن حال، هذا الحال نتيجة طبيعية لمن استقام على أمر الله، ثمرة يانعة لمن أحب الله، تحصيل حاصل وهو أنك إذا استقمت على أمره، إن حصّلت هذا العمل فلابدّ من حال ينعكس على قلبك، لك أن تسميه سكينة، لك أن تسميه تألقاً، لك أن تسميه رضا، لك أن تسمه سعادة، أنا لا أصدق أن مؤمناً ما ليس له حال مع الله، أحياناً الإنسان راضٍ عن الله، أحياناً الإنسان متفائل، أحياناً الإنسان واثق أن الله لن يسوق له إلا الخير، إنسان واثق أن شأنه كله مع الله، هذا الحال مسعد، إذا حلّ محله حال آخر، حال القلق، الإحباط، الخوف، اليأس، هذا حال آخر، فالطاعة لها حال، والمعصية لها حال، المعرفة بالله لها حال ينعكس على صاحبه، والجهل له حال آخر، لكن هذا الحال سمي حالاً لأنه يحول، يتغير، قد ينصرف عنك هذا الحال، وقد يأتيك هذا الحال، أما إذا استقر هذا الحال إلى أمد طويل، ينقلب إلى مقام.
وكيف أن الإنسان ينقلب إلى جو معين يكون له حال معين، فإذا انحسر عنه هذا الجو، انحسر عنه هذا الحال، فمادام هذا الحال يأتي ويذهب هو حال، فإذا استقر فهو مقام، هذا سبب شرح مقام المراقبة، المؤمن يراقب الله دائماً، المراقبة المتعقلة بالمؤمن، يعني تطبيق اسم الرقيب على المؤمن أن النوع الذي ينبغي أن يكون واضحاً من هذا المقام مقام المراقبة مراقبة العبد لربه، بالمحافظة على حدوده وشرعه، واتباعه لسنة نبيه، المؤمن علاقته باسم الرقيب أنه موقن أن الله معه، فوق عرشه يتابعه، يراه، يسمعه.
كما ورد من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له:
(( يا غلام، إِني أُعَلِّمك كلمات احفظ الله يحفظك، احفظ الله تَجِدْهُ تُجاهَكَ، إِذا سألتَ فاسأل الله، وإِذا استعنتَ فاستَعِنْ بالله ))
[ الترمذي عن ابن عباس]
أفضل إيمان المرء أن يعلم أن الله تعالى معه حيث كان:
أذكر مرة أنني أردت أن أشتري حاجة من المتجر، فأحالني صاحب المتجر إلى المستودع، كي أنتقي ما يعجبني من الألوان، قطعة كهربائية، ذهبت إلى المستودع فرأيت محاسب على طاولة يكتب، وفوقه آلة تصوير، فلما نزلت إلى صاحب المحل وجدت شاشة أمامه تراقب هذا الموظف، تعلمت شيئاً من هذا المثل كثيراً، هذا الموظف تحت المراقبة إذا شرب كأس ماء صاحب المتجر يراه، إن ترك محله وغاب يراه، فكيف هذا الموظف تسجل آلة تصوير كل حركاته وسكناته، فهو في حال المراقبة، فهذا الموظف يعلم علم اليقين أن كل حركة من حركاته يراها صاحب المتجر.
للتقريب: هكذا حال المؤمن مع الله، يشعر أن الله معه، ويراقبه.
﴿ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ﴾
( سورة الفجر )
﴿ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً ﴾
( سورة الأحزاب )
وإنه تحت المراقبة، إن تكلم فإن الله يسمعه، وإن سكت فإن الله يعلم نوياه، وإن تحرك فإن الله يراه، هذا الشعور الدائم أن الله معك، ويراقبك، ويستمع إلى أقوالك، ويرى أفعالك، ويعلم السريرة، هذا الحال اسمه حال المراقبة، من بعض الأحاديث الشريفة:
(( إن من أفضل إيمان المرء أن يعلم أن الله تعالى معه حيث كان ))
[أخرج ابن مردويه والبيهقي عن عبادة بن الصامت]
الشعور بمراقبة الله عز وجل تولد الاستقامة على أمره:
من ثمرات هذا الاسم اسم "الرقيب" أنك تشعر أنك مراقب من قبل الله عز وجل وحينما تشعر أنك مراقب لابدّ من أن تستقيم على أمر الله ﴿ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً ﴾
هذا حال مثمر، دائماً وأبداً تتساءل هل هذا العمل يرضي الله ؟ هل هذا العمل لا يرضي الله ؟ هل هذه الكلمة تكلمت بها من رضاء الله أم من سخط الله ؟.
(( إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم سبعين خريفاً ))
[ الترمذي عن أبي هريرة ]
يا غلام إني أعلمك كلمات:
(( احفظ الله يَحْفَظْك ))
[أخرجه الترمذي عن عبد الله بن عباس ]
في كل حركة، وسكنة، وكلمة، وصلة، وقطيعة، وعطاء، ومنع، وغضب ، ورضا، اجعل نفسك تحت المراقبة.
بشكل أو بآخر، لو أن إنساناً أبلغك أنك مراقب، أو أن الهاتف مراقب، أو أن الرسائل مراقبة، أو أن الحركات مراقبة، ينضبط أشد الانضباط، أحد أكبر أسباب الانضباط أن تشعر أنك مراقب، يحاسب نفسه على كلمة، على لفتة، على ابتسامة، يقول لك مراقب. الإسلام و الإيمان و الإحسان:
أيها الأخوة، القصد هذا الحال الذي ينبغي أن يكون فيك حال المراقبة أن تصل إلى درجة الإحسان، حال المراقبة أن تشعر أن الله يراقبك دائماً، هذا الحال يأخذ بيدك إلى درجة عالية جداً، اسمها الإحسان، فهناك الإسلام، وهناك الإيمان، وهناك الإحسان ، الإسلام أن تخضع جوارحك لمنهج الله، استسلمت، أي أديت الصلوات، صمت رمضان ، حججت بيت الله الحرام، أديت زكاة مالك، غضضت بصرك، ضبطت لسانك، ضبطت بيتك، هذا إسلام، أما حينما تتجه بقلبك إلى الله، وتقبل عليه، وتسعد بقربه، هذا إيمان الحال، المقام الثالث، مقام الإحسان شرحه عليه أتم الصلاة والسلام، فقال:
(( أن تعبدَ الله كأنك تراه، فإن لم تكن تَراه، فإنه يَراكَ ))
[أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن عبد الله بن عمر ]
أنواع المراقبة:
1 ـ أن ترى أن الله يراقبك و سيحاسبك:
حال المراقبة حينما تتعرف لاسم "الرقيب"
﴿ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً ﴾
حينما تتعرف لاسم "الرقيب" هذا الاسم يجعلك في حال المراقبة، وحال المراقبة أن ترى نفسك في حال المراقبة الدائمة، وكل إنسان يرى نفسه تحت المراقبة الدائمة يستقيم على أمر الله عز وجل .
لذلك ذكر النبي عليه الصلاة والسلام تعريف مقام الإحسان، الإسلام مقام ، والإيمان مقام، والإحسان مقام.
﴿ قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ﴾
( سورة الحجرات الآية: 14 )
صار في إسلام، في إيمان، والمرتبة الثالثة مرتبة الإحسان:
(( أن تعبدَ الله كأنك تراه، فإن لم تكن تَراه، فإنه يَراكَ ))
[ مسلم عن أبي هريرة ]
2 ـ أن تعلم علم اليقين أن الله يراقب عباده:
أيها الأخوة، هناك نوع آخر من حال المراقبة، أن تؤمن بمراقبة الله لعباده، وحفظه لهم، وإحصائه لكسبهم، كقول سيدنا عيسى في القرآن الكريم:
﴿ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ﴾
( سورة المائدة الآية: 117 )
إياك أن تنظر إلى أن هؤلاء البشر لا رقيب عليهم.
﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾
( سورة الحجر )
﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ﴾
( سورة إبراهيم )
﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ﴾
( سورة إبراهيم )
أنت حينما تعلم علم اليقين أن الله يعلم، ويراقب، وبالمرصاد لكل حركات عباده وسكناتهم، ترتاح نفسياً، سيحاسبهم، لا تقلق الأمر بيد الله، وهم في قبضته، وليس غافلاً عنهم، لكنه أرخى لهم الحبل لحكمة بالغةٍ بالغة، كي يأخذوا أبعادهم، كي تنكشف حقيقتهم ، ليعاقب من يسيء على بينة و يكافئ المحسن على بينة. من همّ بسيئة و تركها كتبت عند الله عز وجل حسنة:
﴿ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ﴾
هذا نوع آخر من أنواع المراقبة، النوع الأول أن ترى أن الله يراقبك، والنوع الثاني أن تعلم علم اليقين أن الله يراقب عباده، هناك آية ثانية:
﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ﴾
( سورة النساء )
و:
(( قالت الملائكةُ: ربِّ، ذاك عُبيْدُكَ، يريد أن يعملَ سيئة، وهو أبْصَرُ به فقال: ارقُبُوه، فإن عَمِلَها فاكتبوها له بمثلها، وإن تَرَكَها فاكتبوها له حسنة، إنما تركها من جَرَّايَ ))
[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة ]
إذا الإنسان همّ بسيئة وترك هذه السيئة تكتب حسنة. أثر اسم الرقيب في المؤمن دوام الملاحظة ودوام التوجه إلى الله ظاهراً وباطناً:
أيها الأخوة، أثر هذا الاسم في المؤمن دوام الملاحظة، ودوام التوجه إلى الله ظاهراً وباطناً، لأن الله سبحانه وتعالى خصّ المخلصين بألا يكلهم في جميع أحوالهم إلى أحد سواه، ما أوكل أمرك إلى أحد، أمرك بيد الله، هذا من كرامة الإنسان على الله، أمرك بيد الله، ما أسلم أمرك إلى أحد، قال تعالى:
﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ﴾
( سورة هود الآية: 123 )
لذلك هناك بدع كثيرة، من هذه البدع أن إنساناً، أو إنسانة تسأل إنسانة أخرى أن تجري لها استخارة، لماذا ؟ لا يوجد استخارة بالنيابة، ليس هناك من حجاب بينك وبين الله، لك أن تستخيره مباشرة أنت، يعني الله عز وجل مع كل المؤمنين.
فلذلك اسم يعني "الرقيب" ألا ترى بينك وبين الله حجاب، ليس بينك وبين الله وسيط. المراقبة تفضي بالإنسان إلى الانضباط:
المراقبة تعني علم القلب بقرب الرب، المراقبة تكمل صاحبها، تصور طرق الباب، جاء رجل من وجهاء أقربائك، رجل له قيمة، له مكانة، علم، وفهم، وحكمة وخبرة، وهو زعيم العائلة، عميد العائلة، طرق بابك، أول شيء بثياب لائقة جداً، لا تستقبله بثياب مبتذلة، ترتدي ثياباً تليق به، تجلس أمامه جلسة أدب لا تجلس جلسة فيها استعلاء وكبر، لأن إنسان من وجهاء القوم، عميد أسرتهم تستقبله بأدب، ترتدي ثياباً تليق به، تجلس جلسة فيها أدب، تحدثه بلطف، لأنه يراقبك، لأنه في بيتك، لأنه معك.
فشيء طبيعي جداً أنك حينما تشعر أن الله يراقبك، أن تكون منضبطاً، فحال المراقبة، يفضي بك إلى الانضباط.
مقام المراقبة دوام علم القلب بعلم الرب:
تعريف آخر: مقام المراقبة دوام علم القلب بعلم الرب في سكونك وحركاتك علماً لازماً في القلب بصفاء اليقين، أن تشعر أن الله معك، وأن الله يراقبك، والله عز وجل قال:
﴿ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً ﴾
السيدة عائشة رضي الله عنها، قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
(( يُحْشَر الناسُ حفاة عراة غُرْلا '، قالت عائشةُ، فقلت: الرجالُ والنساء جميعاً ينظر بعضهم إلى بعض ؟ قال: الأمرُ أشد من أن يُهِمَّهم ذلك ))
[أخرجه البخاري ومسلم والنسائي عن عائشة أم المؤمنين ]
لو أن الإنسان سيق إلى الإعدام، في أثناء الطريق رأى امرأة متفلتة، هل منظر هذه المرأة المتفلتة يثيره ؟ ذاهب إلى الإعدام، قال لها يا أم المؤمنين:
(( الأمرُ أشد من أن يُهِمَّهم ذلك ))
وفي رواية: الأمر أفظع من أن ينظر بعضهم إلى بعض.
و الحديث له تتمة، أنه قد تقع عين الأم على ابنها، تقول له:
(( يا بني جعلت لك صدري سقاء، وحضني وعاء، هل من حسنة يعود عليّ خيرها اليوم، يقول ابنها: ليتني أستطيع ذلك يا أماه، إنما أشكو مما أنت منه تشكين ))
﴿ فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ ﴾
( سورة المؤمنون )
و عند أبي داود من حديث ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه علّمنا خُطبة الحاجة، قال:
(( علّمنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم خُطبَة الحاجة: إِنَّ الحمدَ لله. نستعينه ونستغفره. ونعوذ به من شرور أنفسنا. مَنْ يهد الله فلا مُضِلّ له. ومن يُضْلِلْ فلا هادي له. وأشهد أن لا إِله إِلا الله. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إِن الله كان عليكم رقيبا ))
[ أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي عن عبد الله بن مسعود ]
الله عز وجل معك و مُطّلع على أحوالك أينما كنت:
والله هذه يمكن أن توضع في مكان بارز في البيت
﴿ إِن الله كان عليكم رقيبا ﴾
يعني أنا أعلم علم اليقين أن في بعض المدارس يوجد بكل صف آلة تصوير، عنده جهاز يمكن أن يرى ماذا يقول الأستاذ في هذه الساعة، فحينما يعلم جميع المدرسين أن مدير المدرسة يراقبهم، أو أي مدرس يريد أن يرى حاله في الصف يراه، يختلف الوضع اختلافاً كبيراً، أما حينما تعلم أنك مراقب من قبل فكيف إذا كنت مراقباً من قبل الواحد الديان؟
اسم "الرقيب" أيها الأخوة، مهم جداً، حركاتك، وسكناتك، مثلاً الآية الكريمة:
﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ * وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ * وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ ﴾
( سورة الشعراء )
مضجع، في غرفة النوم، وحدك في البيت، تأكل، تشرب، تتابع فيلماً معيناً قد لا يرضي الله، ولا أحد يراك في هذا المكان.
﴿ الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ * إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾
( سورة الشعراء )
مكان المراقبة ينقل الإنسان إلى أعلى درجات المراقبة مع الله عز وجل:
قصة تروى في بعض الكتب (كتاب الرقائق)، أن أحد الشيوخ كان له جمعاً من التلاميذ، وكان قد خصّ واحداً منهم بالعناية الزائدة، فيبدو أن بقية التلاميذ تألموا وحسدوا هذا المتفوق، فسأله بقية التلاميذ عن سبب هذه العناية، بسبب غيرتهم من هذا التلميذ الصغير وقالوا له: لماذا تخصه في هذه العناية ؟ قال: سأبين لكم، أعطى لكل واحد منهم طائر قال لكل واحد منهم: اذبح هذا الطائر، حيث لا يراك أحد، فمضى كل واحد من هؤلاء إلى جهة واختبأ بها، وذبح هذا الطائر، ما عدا هذا التلميذ الصغير، رجع إلى شيخه، والطائر في يده، وقال: أنت يا سيدي قلت أن نذبح هذا الطائر حيث لا يرانا أحد، ولم أجد موضعاً في أي مكان لا يراني الله فيه، فالتفت الشيخ إلى بقية التلاميذ وقال: من أجل هذا خصصته بمزيد من العناية، يرى أن الله معه.
أخوانا الكرام، لمجرد أن تشعر أن الله معك تستقيم على أمره، هذا الحال حال المراقبة، وإن صحّ التعبير، مكان المراقبة ينقلك إلى أعلى درجات المراقبة مع الله عز وجل ، إن مقام المراقبة يكبلك، ويجعلك أكثر انضباطاً.
يعني بشكل أو بآخر النبي عليه الصلاة والسلام عدّ المسافر وحده شيطاناً، الإنسان إذا سافر مع بعض إخوانه، بالجماعة رحمة، الجماعة فيها انضباط، أحدهم يدعو الآخرين إلى الصلاة، إلى عمل صالح، الإنسان بالجماعة يزيد ارتباطه، من هنا كانت بعض العبادات جماعية، الآن الصلاة في المسجد لها معنى آخر، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:
(( من صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله حتى يمسي، ومن صلى العشاء في جماعة فهو في ذمة الله حتى يصبح ))
السعيد
09-01-2018, 12:59 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الثامن و الاربعون بعد المائة )
الموضوع : اسم الله - القابض - 1 -
مد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى:(القابض):
أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم: "القابض".
ورود اسم القابض في السنة النبوية الصحيحة و عدم وروده في القرآن الكريم:
أولاً لم يرد هذا الاسم في القرآن الكريم، ولكن ورد في السنة الصحيحة، يقول عليه الصلاة والسلام:
(( إنَّ الله هو المُسَعِّرُ، القابضُ، الباسط، الرازق، وإني لأرجو أن ألقى اللهَ وليس أحدٌ منكم يُطَالبني بِمَظْلَمَةٍ في دَمٍ ولا مَالٍ ))
[ أخرجه أبو داود والترمذي عن أنس بن مالك ]
حينما يسعر ولي الأمر تسعيراً يظلم به البائع، أو حينما يبيع التاجر بيعاً فيه غبن فاحش هناك ظلم، مرة البائع يظلم، ومرة المشتري يظلم.
لذلك يقول عليه الصلاة والسلام:
(( إنَّ الله هو المُسَعِّرُ، القابضُ، الباسط، الرازق، وإني لأرجو أن ألقى اللهَ وليس أحدٌ منكم يُطَالبني بِمَظْلَمَةٍ في دَمٍ ولا مَالٍ ))
القابض في اللغة:
أما في اللغة "القابض" اسم فاعل، الفعل قبضه، يقبضه، قبضاً، وقبضة ، والقبض خلاف البسط، القابض الباسط، وهو في حقنا جمع الكف على الشيء، يعني في حق الإنسان، وهو من أوصاف اليد وفعلها، والقبضة ما أخذت بجمع يدك كله، يمكن أن تملأ كفك بالقمح، نسمي كمية القمح التي استوعبتها يدك قبضة، هذه قبضة كفي، أي ما تقبض عليه كفي، ومنه فقبضت قبضة من أثر الرسول، من التراب الذي تأثر بحافر فرس الرسول، و قد ورد عند مسلم من حديث إياس بن سلمة عن أبيه:
(( غَزَوْنا مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم حُنَيْنا، فلما وَاجَهْنَا العدوَّ تقدَّمْتُ فَأعْلُو ثَنِيَّة، فاستقبلني رجل من العدوِّ، فأرميه بسهم، فتوارى عني، فما دَرَيْتُ ما أصنعُ ؟ ونظرتُ إِلى القوم، فإذا هم قد طلعوا من ثنيَّة أخرى، فَالْتَقَوا هم وأصحابُ النبي صلى الله عليه وسلم، فولّى أصحابُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فأَرجعُ مُنْهَزِما وعليَّ بُردَتان، مُتَّزِر بإِحداهما، مُرْتَد بالأُخرى، فاسْتَطْلَقَ إِزَاري، فجمعتُهُمَا جميعاً، ومَرَرْتُ على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم مُنهزِما، وهو على بغلته الشَّهباءِ، فقال: لقد رأى ابن الأكوع فَزَعا، فلما غَشُوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم نزل عن بغلته، ثم قبض قَبْضَة من ترابِ الأرض، ثم استقبلَ به وجوهَهم، وقال: شاهَتِ الوجوه، فما خلق الله منهم إِنسانا إِلا مَلأ عينيه ترابا بتلك القبضة، فَوَّلوْا مُدبرين، فهزمهم الله عز وجل ))
[ مسلم عن إياس بن سلمة عن أبيه]
لا زلنا في معنى قبض، يقبض، قبضاً، وقبضة، والقبض يأتي بمعنى تأخير اليد، وعدم مدها، قبض يده أي أخرها، أبعدها، فقد ورد:
(( أن امرأة مدت يدها إلى النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب فقبض يده، فقالت يا رسول الله مددت يدي إليك بكتاب فلم تأخذه، فقال: إني لم أدرِ أيد امرأة هي أو رجل ))
[ النسائي عن عائشة]
تحريم مصافحة المرأة الأجنبية الشابة في الإسلام:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3031/01.jpg
أيها الأخوة، هذا المعنى الدقيق في قبض يد النبي عن أن تمس يده يد امرأة ينقلنا إلى حكم فقهي.
في موسوعة الفقه الإسلامي الكويتية ما نصها:
أما مصافحة الرجل للمرأة الأجنبية الشابة فقد ذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، في الرواية المختارة إلى تحريمها، وقال الحنابلة: وسواء أكانت من وراء حائل كثوب أن نحوه أم لا، واستدل الفقهاء على تحريم مصافحة المرأة الأجنبية الشابة بحديث عائشة رضي الله عنها قالت والله:
(( مَا مَسَّتْ يَدُ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يَدَ امْرَأَةٍ قَطُّ ))
[ أخرجه مسلم عن عائشة]
يعني امرأة أجنبية، الحقيقة مرة كنت أُلقي محاضرة في أمريكا في ديترويت وجاءني سؤال من أخت كريمة، تسأل عن حكم المصافحة، هي طبيبة تعمل في المستشفى ، قلت لها: الملكة إليزابيث لا يصافحها إلا سبعة رجال من رعاياها، لعلو مقامها في مجتمعها بحكم القانون البريطاني، والمرأة المسلمة ملكة أيضاً، لا يصافحها إلا سبعة من محارمها لعلو مقامها في مجتمعها بحكم القانون القرآني، فهذا الجواب أعجبها كثيراً وقبلته.
سمعت قصة في بلدٍ عربي استقبل وزيرة، فكانت الوزير المثيل لها في المطار مع كبار موظفيه، أحد هؤلاء الموظفين لم يصافحها، يبدو أنه ملتزم، متفوق جداً في اختصاصه، لكنه ملتزم، فضلاً عن أنه متفوق ملتزم، فما صافحها، فالوزير المضيف انزعج جداً منه، وعنفه، وأعفاه من حضور مأدبة الغداء، هذه الوزيرة الضيفة سألت الوزير المُضيف، هناك موظف كبير عندك لم يصافحني، أين هو ؟ قال: والله لعله اعتذر هو صرفه من انزعاجه، قالت: أريد أن أراه، فأصرت على ذلك، طلبت أن يحضر فحضر، قالت له: لمَ لم تصافحني ؟ قال لها: أنا مسلم متمسك بمنهج الله، ونحن في هذا المنهج لا نصافح امرأة أجنبية، فسمعت شرحه، وتأثرت تأثراً بالغاً، وقالت للوزير المضيف: لو أن المسلمين أمثال هذا الموظف لكنا تحت حكمكم.
الآن عندما يسافر الإنسان إلى بلد بعيد، يريد أن يأخذ وكالة يُمتحن امتحاناً بدينه فإن كان متمسكاً أعطوه الوكالة، لأن الإنسان حينما يتمسك بمبدأ معنى ذلك أن هذا الإنسان ينطلق من قيم. ما ورد في معاجم اللغة أيضاً عن القابض:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3031/02.jpg
على كلٍ لا زلنا في اللغة، قبضتُ الشيء قبضاً، يعني أخذته، والقبض قبولك المتاع، يعني رأيت المتاع فاستلمته، ولو لم تحوله إلى مكانه، صار تقابضاً، والقبض أيضاً تحول المتاع إلى حيزك، أي إلى مستودعك، فالقبض قد يكون بالعين، رأى البضاعة تفحصها بعينه، فقبضها، وقد يكون القبض أن ينقلها إلى مستودعه، وصار الشيء في قبضتي، أي في ملكي، وقُبض المريض إذا توفي أو أشرف على الموت.
(( أَرسلتْ بنتُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم إِليه: إن ابنا لي قُبض، فائتنا ))
[ البخاري عن أسامة بن زيد]
أرادت أنه في حال القبض على وشك القبض، ومعالجة النزاع، وقال تعالى في وصف المنافقين:
﴿ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ ﴾
( سورة التوبة الآية: 67 )
أي يبخلون، أي يقبضونها عن النفقة والصدقة، فلا يؤتون الزكاة، هذا ما ورد في معاجم اللغة عن "القابض". الله جلّ جلاله هو القابض الذي يمسك الأرزاق عن العباد بلطفه وحكمته:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3031/03.jpg
أما الله جلّ جلاله هو "القابض" الذي يمسك الرزق وغيره من الأشياء عن العباد بلطفه وحكمته، يمسك الأرزاق عن العباد بلطفه وحكمته.
يقبض الأرواح عند الممات بأمره وقدرته، ويضيق الأسباب على قوم، ويوسع على آخرين ابتلاءً وامتحاناً، وقبضه تعالى وإمساكه وصف حقيقي، لا نعلم كيفيته، تجد بلاداً تنعم بأمطار غزيرة، والنبات ينمو، وفي بلاد أخرى أمطارها قليلة، والنبات يموت.
يؤمن به على ظاهره وحقيقته، لا نمثل، ولا نكيف، ولا نعطل، ولا نحرف ، فالإيمان بصفات الله فرع من الإيمان بذاته، والقول في صفاته كالقول في ذاته، لأننا ما رأينا الله تعالى وما رأينا بذاته مثيلاً، فهو أعلم بكيفية قبضه وبسطه، وإمساكه وأخذه، ولا داعي للتأويل الذي انتهجه المتكلمون بكل شيء، فنؤمن أن هذا من العقيدة الصحيحة، فنؤمن بما أخبر الله جلّ جلاله بلا تمثيل ولا تعطيل، وهكذا كان اعتقاد الأمة في جميع الصفات والأفعال، قال تعالى:
﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾
( سورة الزمر )
وقد ورد:
(( إنَّ الله تباركَ وتعالى خَلَقَ آدَمَ مِنْ قَبضَةٍ قَبضها مِنْ جَميع الأرضِ، فجاءَ بَنو آدَمَ على قدر الأرض، منهم الأحَمرُ، والأبيَضُ، والأسوَدُ، وبين ذلك، والسَّهلُ والحَزْنُ والخَبيث، والطَّيِّبُ ))
[ أبو داود عن أبي موسى الأشعري]
دائماً وأبداً بالأسماء الحسنى يوجد أسماء يجب أن تلفظ معاً:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3031/04.jpg
أخوانا الكرام، لا ينبغي أن يقول أحدنا إن الله قابض، تصفه بالمنع والبخل ، ولكن ينبغي أن تقول إن الله قابض باسط، معنى ذلك أنك وصفته بالقدرة المطلقة وبالحكمة ، لا تقل ضار، قل ضار نافع، لا تقل مذل، مذل معز، لا تقل مانع، مانع معطي، لا تقل خافض، خافض رافع، يعني يخفض ليرفع، يأخذ ليعطي، يبتلي ليجزي، يذل ليعز، يضر لينفع، هذه الأسماء الأولى أن تذكر مثنى مثنى، قال تعالى:
﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾
( سورة البقرة )
إن أردت أن تعلل، يقبض ليبسط، يضر لينفع، يمنع ليعطي، يذل ليعز، عندئذٍ أنت سائر في طريق الصواب. موضوع الرزق من أنواع القبض والبسط:
أيها الأخوة، الشيء الثاني في معنى القبض باللغة: هو الأخذ والتضييق ، والتوسيع هو البسط والنشر، قبض وبسط، هذان الشيئان يعمان جميع الأشياء، فكل أمر ضيقه الله عز وجل فقد قبضه، وكل أمر وسعه الله عز وجل فقد بسطه، أحياناً تجد رزقاً واسعاً، أحياناً رزقاً قليلاً، أحياناً الأمور موسعة، مريحة، الأمور ضيقة متعبة.
من أنواع القبض والبسط، موضوع الرزق، الله عز وجل:
﴿ اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾
( سورة العنكبوت )
يبسط الرزق ويقبض، يوسع ويضيق، يعطي ويمنع. الأرزاق تضيق وتتسع امتحاناً للعباد و حكمة من الله عز وجل:
أيها الأخوة الكرام، ينبغي أن نؤمن وهذا من صلب العقيدة، ولا تنسوا أن في الإسلام عقائد، عبادات، معاملات، آداب، أخطر شيء في الإسلام العقائد، العقيدة إن صحت صحّ العمل، وإن صحّ العمل سلم الإنسان وسعد، والعقيدة إن لم تصح ساء العمل وإن ساء العمل شقي الإنسان وهلك.
لذلك الخطأ في العقيدة لابدّ من أن ينعكس خطأ في السلوك، قبض الإنسان قبض عجز، لكن الله سبحانه وتعالى إذا قبض الأرزاق والأمطار قبض تأديب، والدليل:
﴿ وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ ﴾
( سورة الشورى )
إذاً الأرزاق تضيق وتتسع، أولاً امتحاناً للعباد، وابتلاء، أو حكمة من الله عز وجل، إن من عبادي من لا يصلح إلا بالغنى فإذا أفقرته أفسدت عليه دينه، وهناك شريحة أخرى من عبادي لا يصلح له إلا الفقر، فإذا أغنيته أفسدت عليه دينه، يوجد إنسان على الدخل المحدود مستقيم، لكن الله يعلم لو أن هذا الإنسان كان دخله غير محدود لتفلت من منهج الله.
بالمناسبة: في نهاية الأمر حينما يكشف الله للإنسان يوم القيامة ما ساق له من شدائد ينبغي أن يذوب كالشمعة محبة لله عز وجل. من معاني اسم الله القابض:
1 ـ أن الله عز وجل يقبض الأرواح:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3031/05.jpg
من معاني اسم الله "القابض" أن الله عز وجل يقبض الأرواح، فإذا قبض روح الإنسان يعني أماته، وإذا بسط روحه يعني أحياه، وكل إنسان أمامه بوابة خروج هي مرض الموت:
(( لكلِّ داء دواءً ))
[أخرجه أبو داود عن أبي الدرداء ]
من دون استثناء أو:
(( ما من داء إلا وله دواء ))
وهذا الحديث إذا سمعه المريض امتلأ قلبه تفاؤلاً بالشفاء.
(( ما من داء إلا وله دواء ))
وإذا سمع هذا الحديث طبيب يشعر بالتقصير إن لم يكتشف الدواء لداء ما، إذاً هو يحث الطبيب على اكتشاف الدواء، ويملأ قلب المريض ثقة بالشفاء، هذا من الأحاديث الرائعة التي تملأ نفس المريض ثقة بالشفاء، وتدفع الطبيب إلى البحث عن الدواء. 2 ـ أن الله عز وجل يقبض الأرض:
أيضاً من معاني اسم "القابض" أنه يقبض الأرض، قال تعالى:
﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ﴾
( سورة الزمر الآية: 67 )
أخوانا الكرام، الأرض تدور حول الشمس في مسار بيضوي (إهليلجي)، وهذا الشكل البيضوي مسار مغلق، هذا الشكل له قطران: أصغر، وأطول، فإن كانت الأرض في القطر الأطول واتجهت نحو القطر الأصغر، المسافة سوف تقل بينها وبين الشمس، هناك احتمال أن تنجذب إلى الشمس، وإذا انجذبت الأرض إلى الشمس تبخرت في ثانية واحدة يكون الهلاك.
لذلك الله عز وجل قابض وباسط، ترتفع سرعة الأرض، وهي جماد غير عاقل يرفع الله سرعة الأرض لينشأ من سرعة الأرض قوة نابذة تكافئ القوة الجاذبة فتبقى على مسارها.
﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا ﴾
( سورة فاطر الآية: 41 )
بقاء الأرض على مسارها آية من آيات الله الدالة على عظمته:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3031/06.jpg
بقاء الأرض على مسارها آية من آيات الله الدالة على عظمته، لماذا بقيت مع أنها انتقلت من قطر أطول إلى قطر أصغر، وقانون الجاذبية متعلق بالكتلة والمسافة ؟ المسافة قلت، الانجذاب يزيد، احتمال انجذاب الأرض إلى الشمس قائم، وإذا انجذبت تبخرت في ثانية واحدة، لأن مركز الشمس تزيد الحرارة فيه عن عشرين مليون درجة، الآن إذا انتقلت من قطرها الأصغر إلى قطرها الأطول هناك احتمال التفلت من جاذبية الشمس لأن المسافة إذا زادت ضعفت الجاذبية.
لذلك يقبض الله الأرض أي يخفض سرعتها، لينشأ من خفض سرعتها قوة نابذة أقل تكافئ القوة الجاذبة الأقل فتبقى في مكانها،
﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا ﴾
بعضهم قال: لو أنها تفلتت، وأردنا أن نعيدها إلى الشمس، قال نحتاج إلى مليون مليون حبل فولاذي، من الفولاذ المضفور، وهذا أمتن عنصر في الأرض، الحبل قطره خمسة أمتار، والحبل الذي قطره خمسة أمتار يحمل مليوني طن، بشكل أو بآخر قوة جذب الشمس للأرض تساوي مليون مليون ضرب مليوني، يعني مليون مليون 12 صفر ضرب مليونين ضرب اثنين بستة أصفار، شيء مذهل، كل هذه القوة الكبيرة الجاذبة للأرض من أجل أن تحرفها ثلاثة ميلي كل ثانية حتى ينشأ مسار مغلق تسير عليه الأرض في دورتها حول الشمس، التي تستغرق 365 يوماً.
معناها الله عز وجل قابض يقبض الأرض فيخفض سرعتها، ويبسطها فيزيد سرعتها، من أجل أن تبقى على مسارها من أجل ألا تنجذب إلى الشمس فتتبخر في ثانية واحدة، ومن أجل ألا تتفلت من الشمس فتدخل في الصفر المطلق حيث تنتهي الحياة.
يد من تسير الأرض ؟ ﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ﴾
أخوتنا الكرام، هذه الآيات الدالة على عظمة الله ينبغي أن نتفكر فيها، لأن الله عز وجل يقول:
﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ﴾
( سورة الرعد الآية: 2 )
معنى الآية أنه رفعها بعمد لا ترونها. 3 ـ أن الله عز وجل يقبض الصدقات بيده من عباده المؤمنين:
الآن من معاني "القابض" الله عز وجل قابض أنه يقبض الصدقات بيده، من عباده المؤمنين، يقول عليه الصلاة والسلام:
(( إن العبد إذا تصدق من طيب تقبلها الله منه، وأخذها بيمينه فرباها كما يربي أحدكم مهره أو فصيله، وإن الرجل ليتصدق باللقمة فتربو في يد الله، أو في كف الله حتى تكون مثل الجبل، فتصدقوا ))
[أخرجه ابن خزيمة عن أبي هريرة ]
الإنسان يضع لقمة في فم زوجته يراها يوم القيامة كجبل أُحد، إذاً الله عز وجل قابض يقبض صدقة المؤمن الذي أنفقها من مال حلال بيمينه، والله عز وجل قابض يقبض الأرض ويبسطها، ﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾
4 ـ أن الله عز وجل يقبض الرزق تأديباً لا ضعفاً:
الله عز وجل قابض يقبض أرواح البشر، يعني يميتهم، أو يبسطها ليحيهم، والله عز وجل قابض يقبض الرزق تأديباً لا ضعفاً.
الله عز وجل قابض يربي الناس لسعادتهم و سلامتهم:
هذه كلها من معاني اسم "القابض" والله عز وجل قابض بمعنى المربي.
عفواً، المركبة السيارة، لماذا صنعت ؟ صنعت لتسير، لكن فيها مكابح المكابح تتناقض مع علة صنعها، هي صنعت من أجل أن تسير، والمكبح يوقفها لكنه ضروري جداً لسلامتها، وكما أن المكبح يتناقض مع علة صنع السيارة، فيحول بينها وبين أن تسير كذلك "القابض" هو سلامة لسعادة الإنسان لأن الله سبحانه وتعالى يربيه فهو رب العالمين، فالإنسان فهم المصائب بهذا الفهم يكون فقيهاً وعندئذٍ يرضى.
لذلك ربما أعطاك فمنعك، المركبة انطلقت بأعلى سرعة، فتدهورت فمات صاحبها، ربما أعطاك فمنعك، منع منك الحياة، وربما منعك فأعطاك وإذا كشف لك حكمة المنع عاد المنع عين العطاء.
السعيد
09-01-2018, 01:01 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( التاسع و الاربعون بعد المائة )
الموضوع : اسم الله - القابض - 2 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى:(القابض):
أيها الأخوة الأكارم، لازلنا في اسم "القابض".
على كل إنسان أن يأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء ثم يتوكل على الله وكأنها ليست بشيء:
اسم "القابض" قد يعطي معنى التوحيد، بعمق شديد، كان عليه الصلاة والسلام يدعو ويقول:
(( اللهم لك الحمد كله، اللهم لا قابض لما بسطت ولا باسط لما قبضت، ولا هادي لمن أضللت ولا مضل لمن هديت، ولا معطي لما منعت ولا مانع لما أعطيت، ولا مقرب لما بعدت ولا مباعد لما قربت، اللهم إني أعوذ بك من شر ما أعطيتني، ومن شر ما باعدت عني ))
[ أخرجه أبو داود الطيالسي عن أُبيّ بن كعب ]
أحياناً يمنع عنك، فالمنع عطاء، وأحياناً يعطيك، والعطاء بلاء، لذلك ربما أعطاك فمنعك، وربما منعك فأعطاك، أحياناً يعطي الإنسان من الدنيا فتبعد عنه رحمة الله ، وأحياناً يمنع إنساناً من الدنيا فتأتيه رحمة الله.
﴿ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾
( سورة البقرة الآية: 216 )
أحياناً تأتي الدنيا من كل أبوابها، هذه الدنيا تغر، وتضر، وتمر، وتكون حجاباً كثيفاً بين العبد وربه، وأحياناً تأتي الضغوط، تأتي المشكلات، يأتي التضييق، تأتي الشدة ، فيكون هذا باعثاً إلى أبواب الله، باعثاً إلى عبادة الله، باعثاً إلى الصلح مع الله، فالمؤمن يستسلم للقضاء والقدر، والقضاء والقدر نظام التوحيد، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، يستسلم بعد أن يأخذ بكل الأسباب، فإذا أخذ بكل الأسباب، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في الهجرة، أخذ بكل الأسباب ووصلوا إليه، إلى غار ثور، فلما وصلوا إليه استسلم، وقال:
(( يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما ))
[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أنس بن مالك ]
يعني خذ بالأسباب وكأنها كل شيء، ثم توكل على الله وكأنها ليست بشيء.
(( ولكل شيء حقيقة وما بلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه ))
[أخرجه الطبراني عن أبي الدرداء ]
(( فلا تَقُل: لو أنَّي فعلتُ لكان كذا وكذا، ولكن قل: قَدَّر الله وما شاءَ فَعَل فإن ' لو ' تفتحُ عَمَلَ الشيطان ))
[أخرجه مسلم عن أبي هريرة ]
المصيبة الكبيرة أن يفتن الإنسان بالدنيا ثم يقبض وهو مفتون:
إذاً:
(( لا قابض لما بسطت، ولا باسط لما قبضت، ولا هادي لمن أضللت، ولا مضل لمن هديت، ولا معطي لما منعت، ولا مانع لما أعطيت، ولا مقرب لما بعدت، ولا مباعد لما قربت، اللهم إني أعوذ بك من شر ما أعطيتني ))
[ أخرجه أبو داود الطيالسي عن أُبيّ بن كعب ]
قد يعطي الدنيا فتبتعد عنا رحمة الله، وشر ما منعت عنا، وقد يمنعنا من الدنيا وقد نقع في اليأس، وسوء الظن بالله، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو ويقول:
(( اللَّهمَّ إِني أَسألك فعلَ الخيراتِ، وترك المنكراتِ، وحُبَّ المساكين، وإذا أردت بقومٍ فِتنَة فَاقبِضْني إليك غير مفتون ))
[الترمذي عن ابن عباس مرفوعاً]
المصيبة الكبيرة أن يفتن الإنسان بالدنيا ثم يقبض وهو مفتون.
أعرف صاحب مطعم يبيع الخمر من ربع قرن، ثم تاب، وذهب إلى الحج ، فلما عاد انخفضت المبيعات انخفاضاً مريعاً، فعاد إلى بيع الخمر، وبعد عشرة أيام قبضه الله عز وجل، قُبض مفتوناً بالدنيا. التطبيق العملي لاسم القابض:
أيها الأخوة، اسم "القابض" ما تطبيقه العملي ؟ هناك حقيقة دقيقة هو أن الشيء الذي منعت عنه، الذي منعك عنه أصلاً هو الله، ثم خلق الأسباب كي يبتعد عنك، هناك منع أولي من قبل الله عز وجل، ثم في تنفيذ لهذا المنع، فأنت كمؤمن تؤمن بالقابض والباسط، لا تحقد على من حرمك، ولا تشكر من أعطاك، المعطي هو الله عز وجل، والذي منعك هو الله، ولكن الله أمرك إذا ساق لك خيراً على يد إنسان أن تشكر الله أولاً، ومن الأدب الذي ألزمك به النبي أن تشكر هذا الإنسان، فأنت حينما تشكر إنساناً لأن النبي أمرك بذلك، أما الذي أعطى حقيقة هو الله، المعطي الأول هو الله، وألهم هذا أن يعطيك، فأنت في الحقيقة يمتلئ قلبك امتناناً لله عز وجل، الذي أعطاك على يد فلان، تشكره كما أمر النبي عليه الصلاة والسلام، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، هذا هو الأدب، هناك أشخاص عندهم غلظة وفظاظة، أنا لا أحد له فضل عليّ، الله أمرك أن تكون شكوراً للناس، هذا بينك وبين الله، يا رب أنت المعطي، الفضل لك، أنا لولا عطاؤك ما كنت شيئاً.
أما أمام إنسان ساهم بحل مشكلتك، قل له أنا أشكرك لا أنسى لك هذا الفضل ، التوحيد لا يتناقض مع الأدب مع الناس.
لذلك المؤمن لا يحمد أحداً على ما أعطاه الله، ولا يذمه على ما منع الله، ولكن الأدب أشكر من ساق الله الخير على يديه، وأن تذم من بخل لأن الله عز وجل قال:
﴿ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ﴾
( سورة الحديد )
وقال تعالى:
﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾
( سورة آل عمران )
التوحيد يبعد الإنسان عن الحقد و النفاق:
أيها الأخوة، التوحيد يبعدك عن الحقد، لا تحقد ولا تنافق، التوحيد يعطيك شخصية قوية، علاقتك مع الله.
(( اجعل الهموم هماً واحداً يكفك الهموم كلها ))
[ورد في الأثر]
لذلك الله عز وجل وكل ملكين ينزلان من السماء، أحدهما يدعو لكل منفق والآخر يدعو على كل ممسك:
(( مَا مِنْ يوم يُصبِحُ فيه العبادُ إلا مَلَكانِ يَنْزِلان، يقول أحدُهما: اللهم أعْطِ مُنْفِقا خَلَفا ))
[ البخاري عن أبي هريرة]
والله أسمع قصصاً يقشعر لها جسم الإنسان، ينفق، ينفق، ينفق، فجمع الله له هذا الإنفاق، ورزقه رزقاً ببساطة ما بعدها بساطة، والله مئة ضعف عما أنفق، وأنا أقول لكم: الذي يشدك إلى الله ليس أن الدين أعطى تفسيراً عميقاً، ودقيقاً، ومتماسكاً، للحياة والإنسان، ولكن الذي يشدك إلى الله معاملة الله لك.
(( اللهم أعْطِ مُنْفِقا خَلَفا، ويقول الآخر: اللهم أعْطِ مُمْسِكا تَلَفا ))
[ البخاري عن أبي هريرة]
حسن التوكل على الله من آثار الإيمان باسم القابض:
الآن حسن التوكل على الله من آثار الإيمان باسم "القابض".
أخوانا الكرام، الله عز وجل ثبت ملايين، ملايين، ملايين القوانين، أراحنا، الحياة منتظمة، هناك استقرار، هناك قوانين، الدوران ثابت، هل هناك يوم في احتمال ما في شمس ؟ لا ما في دعاء الشروق، هناك دعاء السقيا، الدوران ثابت، الخصائص ثابتة، الحديد حديد، والذهب ذهب، الفضة فضة، البذور بذور، أقول لكم ولا أبالغ ملايين، ملايين القوانين ثابتة، انتظمت الحياة، لكن حرك قانون الصحة، وقانون الرزق، هذان متحركان ليؤدب الله بهما عباده، هؤلاء الذين يفهمون بالنواحي المادية، وهناك مستوى أرقى حرك الانشراح والانقباض، الانبساط والانقباض، أحياناً أنت منقبض، تصلي فلا تشعر بشيء، تقرأ القرآن لا تشعر بشيء، تذكر الله لا تشعر بشيء، هناك انقباض، هناك حجاب، يا رب ماذا فعلت ؟! أي كلمة تفوهت ؟! أي ظن أسأت ؟! هذا الوضع يؤكد أن الله يربي عباده يربيهم بالقبض والبسط.
تجد شخصاً مرتاحاً، سعيداً، متفائلاً، مشرقاً، يقول لك: أنا متفائل جداً، لا أحد أسعد مني، يكون وضعه عادي جداً، الله وهبه زوجة صالحة، ومأوى صغير، ورزق يكفيه، على هذا المأوى الصغير، والرزق القليل، والزوجة الصالحة، هو أسعد الناس.
هناك إنسان عنده بيوت لا يعلمها إلا الله، قصور، مركبات، مكانة، قوة، يقول لك لست مرتاحاً، منقبض.
يقسم لي أحد الأخوة الكرام، أنه زار إنساناً حجمه المالي أربعة مليارات، قال لي: شكا لي ضيقه وضجره وتأففه من أهله، من بيته، من تجارته، من البلد، قال لي: لم أستطع أن أقف على قدمي بعد هذا الكلام.
من مفارقات الحياة أن امرأة طرقت بابه لمساعدة شهرية، فلما زار بيتها، قال لي: والله البيت تحت الدرج، تحت الدرج يوجد غرفة في المنطقة العالية، والأقل المطبخ، والأقل الحمام، وهناك فسحة صغيرة، لا يمكن لإنسان أن يسكن فيه، وهذا البيت فيه سرور، فيه راحة نفسية، الأولاد ثيابهم نظيفة، وصاحب البيت يحمد الله عز وجل، قال لي: مفارقة عجيبة، إنسان حجمه أربعة مليارات، شكا لي لدرجة أنني لم أستطع أن أقف على قدمي، والمرأة شكرت لله أنه أعطاها زوجاً، وأولاداً، ينقصهم بالشهر ألف لير أجرة هذا البيت، فكتب ألفين، قالت له: يكفي ألف، نحن نحتاج إلى ألف، هناك مفارقة حادة، ربما أعطاك فمنعك، وربما منعك فأعطاك، أحياناً الله عز وجل يلقي في قلبك الرضا، راضٍ عن الله، راضٍ عن بيتك، راضٍ عن زوجتك، راضٍ عن أولادك.
قال ملك لوزيره من الملك ؟ قال له: أنت، قال له: لا لست أنا، الملك رجل لا نعرفه ولا يعرفنا، له بيت يؤويه، ورزق يكفيه، وزوجة ترضيه.
من قصّر بالعمل ابتلاه الله بالهم:
إذاً الله عز وجل عن طريق اسم "القابض" والباسط يؤدب عباده.
أخوانا الكرام، أحياناً التقصير في العبادات يأتي معه انقباض، لماذا أنا منقبض ؟ هناك تقصير، من قصّر بالعمل ابتلاه الله بالهم، يقول لك: لست مرتاحاً، وأحياناً يتقن صلواته، يتقن عبادته، يتقن أذكاره، يتقن تلاوته للقرآن، أحياناً يتقرب بعمل صالح، أكاد أقول ولا أبالغ يكاد يرقص من الفرح، الله يبسط ويقبض، إن بسط تشجيعاً، وإن قبض تأديباً، يبسط ويقبض.
بالتقصير، من قصر بالعمل ابتلاه الله بالهم، لكن انقباض المؤمن شيء، وانقباض العاصي شيء آخر، انقباض العاصي عقاباً، العقاب هو القبض، أما انقباض المؤمن، أحياناً بالتعبير المستخدم تعطيشاً، يقبض عنه الأحوال ينطلق انطلاقة أخرى، يجدد عهده، يجدد طاعاته مع الله، يجدد أعماله الصالحة، فإذا الله عز وجل قبض الأحوال عن مؤمن هذا قبض حافز، القبض يخلق عنده حافزاً إلى متابعة السير، وإلى تجديد الهمة، وإلى مزيد من العمل الصالح، هذا قبض تشجيع، قبض حفز، أما العاصي يشعر بالقبض لكن قبض عقاب.
الكآبة التي يشعر بها معظم الناس هي عقاب الفطرة وهي التربية النفسية للمؤمن:
أخوانا الكرام، تجلس مع إنسان ما عنده مشكلة، لكن عنده أكبر مشكلة، يقول لك: لست مسروراً، لست مرتاحاً، الدنيا مملة، سئمت كل شيء، مللت الطعام، مللت السفر، كل المتع مللت منها، هذا قبض، هذا قبض إنسان انغمس بالدنيا فأراه الله حقيقتها ، هذا القبض أحياناً نعمة، يتوق إلى الله، يتوق إلى أن يقرأ القرآن، يتوق إلى أن يصلي ويبكي، ملّ من الأجهزة التي عنده، والريموت كنترول، وكله تحكم ذاتي، والأمور كلها بالتعبير المستخدم فل أوبشن، ملّ، يريد رحمة الله.
فأحياناً الله عز وجل يقبض عنك الأحوال، وتحتقر الدنيا، وأحياناً يفتح لك باب القرب منه فتسعد بهذا القرب.
لذلك الكآبة التي يشعر بها معظم الناس هي عقاب الفطرة، لخروج الإنسان عن مبادئ فطرته، هذا اسمه التربية النفسية للمؤمن، الله عز وجل يسوق مرضاً أحياناً، يسوق شدة، يسلط ظالماً، يلوح للإنسان شبح مصيبة، شبح مرض عضال، هذا تأديب، أما في تأديب أنعم، ما في شيء ! لكن في انقباض، مصائب لا يوجد، حادث سير لا يوجد، مرض لا يوجد، البيت منتظم، الزوجة، الأولاد، كله تمام، لكن يقول لك لست مسروراً، هذا تأديب من نوع آخر، تأديب، طبعاً الله يحجب بهذا القبض عن عبده الأحوال، فإذا حجب عن عبده الأحوال تضايق.
الله تعالى يُقلب عباده بين القبض والبسط:
أخوانا الكرام، أحوال البسط فيها منزلق، الإنسان حينما يبسط له قد ينزلق إلى التقصير بالعبادات، والتساهل في الطاعات، وأحياناً القبض منزلق لليأس فالله عز وجل حكيم يبسط فإذا اقتربت من التساهل في العبادات والطمع برحمة الله بلا مبرر، يأتي القبض تقترب من اليأس يأتي البسط، فالله يقلب عباده بين القبض والبسط.
لذلك سيدنا علي يقول: إن للنفس إقبالاً، وإدباراً، إن أقبلت فاحملها على النوافل، وإن أدبرت فاحملها على الفرائض، بحالات القبض إياك أن تتساهل بالفرائض، أدِ الفرائض بالتمام والكمال، وإذا جاء البسط أدِ النوافل.
﴿ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً ﴾
( سورة المزمل )
الانشراح و الانقباض:
في البسط منزلق إلى التساهل في العبادات، والطاعات، ومع القبض هناك منزلق أن ينقلك القبض إلى اليأس، لكن الله حكيم، إن اقتربت من اليأس بسط الله لك الأحوال ، وإن اقتربت من التساهل جاء القبض ليكون تأديباً، لذلك ورد في بعض الآثار:
(( لو لم تكونوا تذنبون لخشيت عليكم ما هو أكبر منه ـ ما الذي أكبر من الذنب ؟ ـ: العجب ))
[أخرجه البزار عن أنس بن مالك ]
الصحابة الثلاثة.
﴿ وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾
( سورة التوبة )
صار في انقباض، لكن بعد الانقباض صار في فرج، سآتيكم بمثل:
شاب دخل إلى بيته الساعة الواحدة ليلاً، أمه قالت له: أريد هذا الدواء يا بني أنا متألمة جداً، إذا قال لها: الآن الصيدليات مغلقة، تسكت الأم، لكنه يعلم أن هناك صيدليات مناوبة، تملص من خدمتها بهذه الطريقة، يأتي لينام يشعر بالقبض، خان الأمانة خان برها، الآن حالة ثانية:
يا بني: أريد هذا الدواء، الساعة الواحدة بالليل، فخرج من البيت، ودار على كل الصيدليات المناوبة، فلم يجد الدواء، وعاد إلى البيت، واعتذر لأمه، ونام ارتاح، بالحالتين الدواء لم تأخذه، لكن بالمرة الأولى جاء القبض عقاباً، ممكن أن تجده في صيدلية مناوبة، في الحالة الثانية طاف على كل الصيدليات فلم يجده، فارتاحت نفسه.
فإذا الإنسان عنده إيمان صار عنده حساسية دقيقة جداً،عندما يقصر يُحجب، عندما يؤدي واجبه يشعر بالانشراح. أسباب القبض:
1 ـ العجب بالذات:
أيها الأخوة، العُجب بالذات أحد أسباب القبض، ينتبه لمكانته، لمنصبه، لحجمه المالي، لذكائه، لأناقته، لثيابه الغالية جداً، لخضوع الناس له، حينما ينتبه لمكانته ولذكائه، ولخبراته، ولحجمه المالي، وسلطته يُحجب عن الله عز وجل، والإنسان كلما اقترب من الله يشعر بسعادة، العجب إذاً أحد أسباب القبض.
2 ـ الشبهات:
الآن الشبهات، هناك قضية فيها شبهة، فيها فتوى لكن ضعيفة، هناك علماء منعوا ذلك، وحرموا ذلك، ومعهم أدلة قوية، وهناك علماء تساءلوا، أخذ بالفتوى الثانية، عنده شبهة، هذه الشبهة أحياناً تؤدي إلى القبض، في بعض الأدعية:
(( اللهم لا تجعل لي خيراً على يد كافر ))
[ورد في الأثر]
يوجد إنسان بعيد عن الله بعداً شديداً، يكرمك، تحبه، هذا الحب سرى منك إليه، هو عنده بعد عن الله، فيأتي مع هذا الحب قبض.
(( خياركم الذين إذا رؤوا ذكر الله بهم ))
[البيهقي عن عمر ]
(( لا تُصَاحِبْ إِلا مُؤْمِنا، ولا يأكُلْ طَعَامَكَ إِلا تَقِيّ ))
[أخرجه أبو داود والترمذي عن أبي سعيد الخدري ]
أحياناً تحب شخصاً ما فيه دين، قرابتك، قريب وخدمك خدمة كبيرة تحبه، تتعلق فيه، تحكي عنه، تمدحه زيادة، تشعر بقبض.
فلذلك الإنسان الأفضل أن تكون علاقاته مع المؤمنين، لأنه يوجد تبادل أحوال طيبة مع المؤمنين.
قصر في أداء حق تجاه والدته، يشعر بقبض، قصر بأداء حق تجاه أولاده يشعر ب قبض، تجاه زوجته، فكلما ارتقى إيمانك عندك ميزان حساس، تشعر بالخطأ الصغير، كلما ارتقيت عند الله يزداد ميزانك حساسية. 3 ـ الشرك:
لذلك:
﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ﴾
( سورة الشعراء )
أحد أكبر أسباب القبض الشرك:
﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ * وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ * وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ * إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾
( سورة الشعراء )
من فهم على الله تأديبه وقبضه وبسطه نجا من عذاب الدنيا وعذاب الآخرة:
هناك حديث آخر يؤكد هذه الحقائق.
أحد الصحابة الكرام سأل النبي العدنان عن البر والإثم فقال:
(( البِرُّ: حُسْنُ الْخُلُق، والإثمُ: مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ وَكَرِهتَ أَن يَطَّلِعَ عليه النَّاسُ ))
[أخرجه مسلم والترمذي عن النواس بن سمعان ]
فالإنسان حينما يرتكب الإثم يشعر بالانقباض، فإذا عندك حساسية بالغة تعهد قلبك، متى انقبضت ؟ متى انبسطت ؟ متى تفاءلت ؟ متى تشاءمت ؟ متى شعرت أنك أسعد الناس ؟ متى شعرت أنك في حال صعب ؟ في ملل، في سأم، في ضجر، في ضيق، إذا فهمت على الله تأديبه، وقبضه، وبسطه، نجوت من عذاب الدنيا وعذاب الآخرة.
السعيد
09-01-2018, 01:03 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الخمسون بعد المائة )
الموضوع : اسم الله - الحكم - 1 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
من أسماء الله الحسنى:(الحكم):
أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم " الحكم".
ورود اسم الحكم في السنة النبوية الشريفة:
هذا الاسم ورد في السنة النبوية الصحيحة، ورد مطلقاً معرفاً بأل:
(( لما وَفَدَ بي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة مع قومِهِ، سمِعَهُمْ يُكَنُّونَهُ بأبي الحكم ـ سمع النبي صلى الله عليه وسلم قوم راوي الحديث يكنونه بأبي الحكم ـ فدعاه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم. فقال: ' إنَّ الله هو الحكَمُ وإليه الحُكْمُ فلم تُكْنَى أبا الحَكَم ؟ ' فقال: إنَّ قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمتُ بينهم، فرَضِيَ كلا الفريقَيْنِ بحكمي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ' ما أحسَنَ هذا ؛ ـ يعني أن تكون وسيطاً، وحكماً، وأن يأتي حكمك مقبولاً عند الطرفين شيء طيب ـ ما أحسَنَ هذا فما لكَ من الوُلْدِ ؟ ' قال: لي شُرَيح، ومسلم وعبد الله، قال: ' فمن أكبرُهم ؟ قال قلتُ: شريح، قال: ' فأنت أبو شريح ))
[ أبو داوود من حديث شريح عن أبيه هانئ]
هذا الحديث الذي رواه أبو داود يبين أن النبي صلى الله عليه وسلم سمّى الله جلّ جلاله " الحكم ". النبي عليه الصلاة والسلام ينادي أصحابه بأحب الأسماء إليهم:
أيها الأخوة، أحياناً قد يخاطبك إنسان باسمك، لا تتألم كثيراً لأن الله سبحانه وتعالى ما خاطب بالكنية إلا أبا لهب.
﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ ﴾
( سورة المسد )
والحقيقة باللغة هناك اسم، وهناك كنية، وهناك لقب، وهناك نسبة، الاسم سيدنا عمر، الكنية أبو، أو أم، أو ابن، أو بنت، أبو حفص كنية، اللقب الفاروق، النسب القرشي، فالإنسان له اسم، وله كنية، وله لقب، وله نسب.
أيها الأخوة، كان عليه الصلاة والسلام ينادي أصحابه بأحب الأسماء إليهم وكان يغير بعض الأسماء.
من الرجل ؟ قال له: زيد الخيل، فقال له: بل زيد الخير.
إذا كنت معلماً، إذا كنت مديراً في مؤسسة، وهناك اسم يثير الضحك أحياناً اختر له اسماً آخر، أنت معلم، اسمه محمد، كنيته قد تثير بعض الضحك، الأكمل أن تناديه باسمه، لا بكنيته، ولا بلقبه. الحكم في اللغة:
" الحكم " في اللغة، من صيغ المبالغة، اسم الفاعل حاكم، " الحكم " صيغة مبالغة، وكما تعلمون حينما يأتي الاسم بصيغة المبالغة فهذا يعني مبالغة كم أو نوع، يعني مليار، مليار، مليار، مليار حكم من الله عز وجل عدل، وفي أكبر قضية الحكم عادل كماً، أو نوعاً.
الحاكم اسم فاعل، صيغة المبالغة الحكم، هو الذي يحكم، ويفصل، ويقضي في سائر الأمور، الفعل حكم، يحكم، حكماً، والحكم العلم والفقه.
﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً ﴾
( سورة القصص الآية: 14 )
الحُكم العلم والفقه، الله عز وجل أعطى الحكم لمن لا يحب، أعطاه لفرعون، وأعطاه لمن يحب، سيدنا سليمان، آتاه الله الملك، أعطى المال لمن لا يحب، أعطاه لقارون، أعطاه لمن يحب لسيدنا عثمان رضي الله عنه، لسيدنا عبد الرحمن بن عوف. من أحبه الله أعطاه العلم و الحكمة معاً:
لكن الذي يحبه الله عز وجل العلم والحكمة، العلم والحُكم،
﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً ﴾
إذاً:
﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾
( سورة النساء )
﴿ يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ ﴾
( سورة مريم الآية: 12 )
كن قوياً في طاعة الله.
﴿ وَآَتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً ﴾
( سورة مريم )
استخدام الإنسان الحكم الموجودة في القرآن و السنة لئلا يغفل عن الحق ومن هذه الحكم:
1 ـ تذكير القاضي بأن يحكم بين الناس بالعدل:
العلم، والفقه، والحُكم القضاء بالعدل، قال تعالى:
﴿ وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ﴾
( سورة النساء الآية: 58 )
بمحكمة الجنايات في دمشق هناك قصر العدل مكتوب فوق رأس المذنبين: ﴿ وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ﴾
من يقرأها هذه ؟ القاضي، القاضي يرأس قاعة كبيرة هكذا اتجاهه فوق رأس المذنبين (الذين في قفص الاتهام) لوحة كبيرة يقرأها القاضي، ﴿ وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ﴾
2 ـ تذكير المذنب بالقصاص:
فوق رأس القاضي هناك لوحة كبيرة مكتوب عليها:
﴿ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ ﴾
( سورة البقرة الآية: 179 )
من يقرأها هذه ؟ المذنبون، المذنبون يقرؤون هذه الآية ﴿ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ ﴾
والقاضي يقرأ هذه الآية. 3 ـ عدم ظلم الناس و التأكد مما يقوله بعضهم:
رجل يعمل في الأمن كُتب فوق رأسه آية قرآنية:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ﴾
( سورة الحجرات الآية: 5)
أنسب آية لمن يعمل في هذا الحقل هذه الآية، مكتب نقل بضائع في مكتبه حديث شريف:
(( من أخذ أَموال الناس يُريدُ أَداءها أدَّى الله عنه، ومن أخذ أَموال الناس يُرِيدُ إِتْلافها أتلفه الله ))
[أخرجه البخاري عن أبي هريرة ]
4 ـ الاعتزاز بآية كريمة لأنها قد تكون مرتبطة باسمه:
محامي اسمه إبراهيم، عامل لوحة:
﴿ وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً ﴾
( سورة النساء )
كان مفتي في الشام رحمه الله، اسمه الأول عبد الرزاق، فقد كتب لوحة وضعها في غرفة الاستقبال: هو الرزاق وأنا عبده، أحياناً الإنسان يعتز بآية. 5 ـ التذكير بالأمن و الأمان:
دخلت إلى مطار القاهرة:
﴿ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ ﴾
( سورة يوسف )
6 ـ التذكير بأن الله عز وجل بيده كل شيء:
بالقرآن الكريم أحياناً حكم، والإنسان يستخدم هذه الحكم، شيء لطيف، الطبيب:
﴿ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ﴾
( سورة الشعراء )
الحُكم و الحَكَم:
الآن " الحكم " بفتحتين،
﴿ وَآَتَيْنَاهُ الْحُكْمَ ﴾
شيء، و " الحكم " اسم، " الحكم " بفتحتين، هو الحاكم، وحكمه في المال تحكيماً إذا جعل الحكم إليه، واحتكموا إلى الحاكم وتحاكموا المعنى واحد.
أيها الأخوة، والمحاكمة هي المخاصمة إلى الحاكم، الآن دققوا في هذه الآيات الثلاث:
﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾
﴿ فَلَا وَرَبِّكَ ﴾
هناك قسم:
﴿ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ﴾
( سورة النساء الآية: 65 )
فيما نشأ بينهم من خلاف.
﴿ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ﴾
( سورة النساء )
علامة إيمانك أن تخضع لحكم رسول الله، علامة إيمانك أن تخضع لحكمه في حياته، وعلامة إيمانك أن تخضع لحكمه بعد مماته، كيف ؟ القاضي اعتمد في إصدار حكمه على حديث صحيح للنبي عليه الصلاة والسلام، فالذي لا يقبل حديث رسول الله ﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ﴾
نعم، امرأة مسلمة تدعي أنها مسلمة ينشب خلاف بينها وبين زوجها في العالم الغربي، لا تقبل أن ترفع أمرها إلى المركز الإسلامي، وهناك قاضٍ مسلم ليحكم لها بالمهر، ترفع أمرها إلى القضاء الغربي ليحكم لها القاضي بنصف أملاك زوجها، إذاً هي رفضت حكم رسول الله، حكم النبي المهر، أما النظام هناك تأخذ المرأة نصف أموال زوجها ﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ﴾
آية خطيرة جداً، ينفي الله الإيمان عن المؤمن حينما لا يقبل حكم رسول الله في حياته أو بعد مماته، يعني أي إنسان حكم، أو قاضي أصدر حكماً اعتماداً على توجيهات النبي صلى الله عليه وسلم إن لم تقبل ذلك فلست مؤمناً. علامة إيمان المسلم أن يخضع لتوجيهات الله عز وجل و لحكم رسول الله:
دققوا: الشيء بالشيء يذكر، الله عز وجل قال:
﴿ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنْ الْخُلَطَاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾
( سورة ص الآية: 23 )
من الخلطاء ؟ الزوجات، الشركاء، الورثة، الأولاد، الأقرباء، كلهم خلطاء ﴿ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنْ الْخُلَطَاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾
نتابع الآية:
﴿ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ ﴾
( سورة ص الآية: 23 )
استنبط الإمام الشافعي أن الذي يبغي على خليطه ليس مؤمناً، ليس مؤمناً أصلاً ﴿ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنْ الْخُلَطَاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ ﴾
المؤمن لا يبغي على خليطه.
الحقيقة حينما قال الله عز وجل:
﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً ﴾
( سورة الأنعام الآية: 115 )
من معاني هذه الآية أن القرآن الكريم فيه ستمئة صفحة، في دفتي المصحف الشريف آيات كثيرة، كل هذه الآيات لا تزيد عن أن تكون أمراً أو خبراً، إن كانت أمراً فالأمر عدل، وإن كانت خبراً فالخبر صدق، ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً ﴾
صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ:
سوف أمهد لهذه الفكرة:
البعوضة هذا المخلوق الحقير الذي لا شأن له في حياة الناس، وقد أكد هذا المعنى النبي عليه الصلاة والسلام حينما قال:
(( لو كانت الدنيا تزن عند الله تبارك وتعالى جناح بعوضة، ما أعطى كافراً منها شربة ماء ))
[أخرجه ابن أبي شيبة عن رجل من بني فهم ]
هذه البعوضة بعد أن وضعت تحت مجهر إلكتروني يكبر آلاف المرات تبين أن في رأسها مئة عين، وفي فمها ثمانية و أربعون سناً، وفي صدرها قلوب ثلاثة، قلب مركزي، وقلب لكل جناح، ولكل قلب أذينان، وبطينان، ودسامان، وتملك جهاز استقبال حراري، حساسيته واحد على ألف من الدرجة المئوية، تملك جهاز تحليل دم، تملك جهاز تخدير، تملك جهاز تمييع، في خرطومها ستة سكاكين، في يديها وأرجلها مخالب ومحاجم، ما علاقة هذا المثل والحكم الذي نحن في صدده ؟ إذا كانت عظمة الخلق بهذه الدقة لبعوضة، وعظمة الخلق تدل على عظمة التشريع، كيف أن خلقه فيه دقة بالغة، فيه إحكام، فيه إتقان.
﴿ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾
( سورة النمل الآية: 88 )
الحكم الإلهي في القرآن لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه:
إعجاز الخلق يقابله إعجاز للتشريع، يعني التشريع الإلهي، الحكم الإلهي في القرآن لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ليس هذا التشريع منتجاً بشرياً، إنه منتج سماوي، وحي السماء، هذا التشريع الإلهي لا يخضع للبحث ولا للدرس، لا يخضع للتعديل، ولا للتطوير، ولا للتحديث، لا يخضع للحذف ولا للزيادة.
﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾
( سورة الأحزاب الآية: 36 )
شيء حكم الله به في القرآن حكماً قطعياً، لا يمكن أن يكون هذا الموضوع قابلاً للبحث، التشريع الإلهي وحي السماء، لا يقبل لا البحث، ولا الدرس، ولا التعديل ولا التطوير، ولا الزيادة، ولا الحذف، إنه من عند الله جل جلاله.
لذلك: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾
القلب السليم القلب الذي لا يحتكم إلا لشرع الله ولا يُحكّم غير شرع الله:
القلب السليم القلب الذي لا يحتكم إلا لشرع الله ولا يُحكّم غير شرع الله:
الآية الثالثة:
﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾
( سورة الشعراء )
من أدق ما قيل في القلب السليم، القلب السليم هو القلب الذي لا يشتهي شهوة لا ترضي الله، القلب السليم القلب الذي لا يصدق خبراً يتناقض مع وحي الله، القلب السليم القلب الذي لا يحتكم إلا لشرع الله، القلب السليم القلب الذي لا يُحكّم غير شرع الله، ولا يعبد إلا الله.
أنا قلت لكم قبل أيام، حضرت مؤتمراً السكان في القاهرة، قلت في هذا المؤتمر: إن العالم الإسلامي مع أنه يعاني ما يعاني، لا يمكن أن يقبل حلاً لمشكلاته، بعيداً عن الكتاب والسنة، عن ثوابته الدينية، عن ثوابته الإيمانية، عن قيمه الأصيلة، هذا شأن عظيم لهذا الشرع الكريم.
ذكرت كلمة قالها بعض الفلاسفة في الشرق، قال: أنا أفتح النوافذ لأجدد هواء غرفتي، شيء طيب لا يوجد مانع، ولكنني لن أسمح للرياح العاتية أن تقتلعني من جذوري أنا أفتح النوافذ، وأجدد الهواء، لكن أحافظ على هويتي، أحافظ على مبادئي، على ديني على قيمي، أفتح النوافذ لأجدد الهواء، ولا أسمح أبداً للرياح العاتية أن تقتلعني من جذوري.
لأحد المفكرين كلمة رائعة، يقول: إن ثقافة أية أمة ملك البشرية جمعاء، لأنها بمثابة عسل استخلص من زهرات مختلف الشعوب على مرّ الأجيال، وهل يعقل إذا لدغتنا جماعة من النحل أن نقاطع عسلها ؟ لا، الإنجاز الحضاري ملك البشرية جمعاء، لأنه بمثابة عسل استخلص من زهرات مختلف الشعوب على مرّ الأجيال. الحكم الكوني و الحكم التشريعي:
أيها الأخوة، الآن:
﴿ مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ﴾
( سورة المائدة الآية: 117 )
هو الذي يحكم في خلقه كما أراد، يحكم في خلقه حكماً إلزامياً لا يرد.
﴿ وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ﴾
( سورة الرعد الآية: 41 )
أحياناً القاضي (قاضي الصلح) يحكم، يحكم كما يأتي في مقدمة حكمه باسم الشعب السوري أصدر هذا الحكم، لكن في محكمة الاستئناف تنقض هذا الحكم، تعقب عليه وتلغيه، وقد يحكم قاضي الاستئناف، باسم الشعب السوري يصدر هذا الحكم، فتأتي محكمة النقض فتنقض هذا الحكم، لكن الله عز وجل يقول: ﴿ وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ﴾
إذاً الله عز وجل يحكم في خلقه كما أراد حكماً لا يرد، ولا يعقب عليه، حكماً كونياً، يعني هذا الإنسان الله عز وجل ساق له بعض الشدائد، هذا حكم إلهي، فلان ساق له بعض الخير، هذا حكم، هذا حكم مبرم كوني، وهناك حكم تكليفي، حكم للمرأة بالمهر، هذا حكم، وحكم في الإرث لهذه الأنصبة التي وردت في القرآن الكريم، هذا حكم، الله عز وجل له حكم كوني، جعل هذا الإنسان عقيماً، هذا حكم، وقد يكون ملكاً، وبيده طب العالم كله، ومع جهود جبارة لم يستطع أن يُنجب من هذه الملكة، هذا حكم، العقم حكم.
لذلك: ﴿ وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ﴾
هناك حكم كوني، وهناك حكم تشريعي. الحكم الكوني حكم واقع لا محالة:
أيها الأخوة، الحكم الكوني واقع لا محالة، كل شيء وقع أراده الله، وكل شيء أراده الله وقع، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، والحكمة المطلقة متعلقة بالخير المطلق، لا يليق بألوهية إلهنا العظيم أن يقع في ملكه ما لا يريد، كل شيء وقع أراده الله، كل شيء أراده الله وقع، إرادته متعلقة بالحكمة المطلقة، حكمته المطلقة متعلقة بالخير المطلق.
لذلك لا يوجد بقاموس المؤمن لو.
(( فلا تَقُل: لو أنَّي فعلتُ لكان كذا وكذا، ولكن قل: قَدَّر الله وما شاءَ فَعَل فإن ' لو ' تفتحُ عَمَلَ الشيطان ))
[أخرجه مسلم عن أبي هريرة ]
(( ولكل شيء حقيقة وما بلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه ))
[ أخرجه الطبراني عن أبي الدرداء ]
﴿ وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ﴾
يحكم حكماً تكوينياً "أفعاله"، جعل هذا عقيماً، جعل هذا وسيماً، جعل هذا دميماً، جعل هذا متألقاً، جعل هذا محدوداً، هذا حكم إلهي. مشكلة الخلق مع الله عز وجل ملخصة بكلمة واحدة هي الحمد:
لكن دققوا: حينما يكشف الله للإنسان يوم القيامة الحكمة مما ساق له من شدائد، أو الحكمة من الحظوظ التي منحه إياها، حينما يكشف الله لهذا الإنسان يوم القيامة لماذا زوى عنه هذا ؟ ولماذا أعطاه هذا ؟ ينبغي أن يذوب كالشمعة محبة لله عز وجل، لأن مشكلة الخلق مع الله عز وجل ملخصة بكلمة واحدة، هي الحمد:
﴿ وَآَخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾
( سورة يونس )
للعبد مما أعطاه الله عز وجل، هذا حكم كوني، أي جعلك ذكراً ما جعلك أنثى، أحد سألك ؟ أحد خيرك ؟ جعلك من هذا الأب وهذه الأم، جعلك في هذه البلدة، جعلك في التسعينات، في الثمانينات، من اختار لك زمن الولادة ؟ ومكان الولادة ؟ والأب والأم والجنس ؟ هذه أشياء أنت مسير بها، هذا حكم إلهي، لكن حينما تكتشف الحقائق، تكشف الحكمة من القضاء والقدر يوم القيامة، المؤمن يقول كلمة واحدة: يا رب لك الحمد على ما سقت لي، لذلك من أدق الأدعية النبوية:
(( اللَّهمَّ ما رَزَقْتَني مما أُحِبُّ فاجعَلْهُ قُوَّة لي فيما تُحِبُّ، وما زَوَيْتَ عني مما أُحِبُّ فاجعَلْهُ فَرَاغا لي فيما تُحِبُّ ))
[أخرجه الترمذي عن عبد الله بن يزيد الخطمي ]
(( عَجَبا لأمر المؤمن ! إنَّ أمْرَه كُلَّه له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابتْهُ سَرَّاءُ شكر، فكان خيراً له، وإن أصابتْهُ ضرَّاءُ صَبَر، فكان خيراً له ))
[أخرجه مسلم عن صهيب الرومي ]
من عرف أسماء الله الحسنى و صفاته الفضلى التزم منهجه سبحانه:
أيها الأخوة، هناك حكم ثانٍ حكم تشريعي، حكم تكليفي، يوجد فرائض، ويوجد سنن، هناك مستحبات، هناك مكرهات، هناك افعل، هناك لا تفعل، هناك مئات الألوف من الأحكام، المنهج الإسلامي منهج واسع جداً، مثلاً:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ﴾
( سورة المائدة الآية: 1 )
الله عز وجل أمرنا بأمر صريح، أن تلتزم بالعقد الذي أبرمته مع المسلم، المسلمون عند شروطهم، هذا أمر إلهي.
الآن:
﴿ وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ﴾
( سورة الشورى )
إلى الكتاب وإلى السنة.
أيها الأخوة، الحقيقة أن الله عز وجل حينما نعرف أسماءه الحسنى، وصفاته الفضلى نحبه، وحينما نحبه نطيعه، ومن أعجب العجب أن تعرفه ثم لا تحبه، ومن أعجب العجب أيضاً أن تحبه ثم لا تطيعه.
السعيد
09-01-2018, 01:06 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الحادى و الخمسون بعد المائة )
الموضوع : اسم الله - الحكم - 2 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
من أسماء الله الحسنى:(الحكم):
أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في اسم " الحكم ".
رفض الناس أحياناً التفسير التوحيدي للأحداث وإيثارهم التفسير الشركي الأرضي:
الله سبحانه وتعالى يقول:
﴿ ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ ﴾
( سورة غافر )
الحقيقة أن الناس أحياناً يرفضون تفسيراً للأحداث توحيدياً، ويؤثرون عليه تفسيراً شركياً أرضياً.
لا شك أن الزلزال اضطراب بقشرة الأرض، هذا التفسير العلمي القريب، ولكن من هو مسبب الأسباب ؟ لابدّ من أن نفهم الأحداث فهماً علمياً، وفهماً توحيدياً في آنٍ واحد ذلك بأن الله وحده إذا كان الطرح أن الله وحده المتصرف بيده كل شيء.
﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ ﴾
( سورة هود الآية: 123 )
﴿ فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ ﴾
( سورة الزخرف الآية: 84 )
يسوق للعباد ما يصلحهم، أو يؤدبهم، هذا التفسير التوحيدي مرفوض، أما صراع الحضارات، والقوى، والمصالح الكبرى، وما إلى ذلك من تفسيرات أرضية شركية هذا المقبول. الحكم لله العلي الكبير في كل شيء:
﴿ ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ ﴾
كيف الحكم لله ؟ طبعاً أضرب أمثلة بسيطة:
يموت الأب ويترك أولاداً وثروة طائلة، أكبر الأولاد يستأثر بهذه الثروة ويجعل أخوته تحت جناحه، لكن الله عز وجل كيف يحكم على هذا الابن الأكبر ؟ الظالم الذي استأثر بالثروة وحده ولم يعطِ أخوته منها شيئاً تتراجع أحواله، ويوفق الله الآخرين إلى أن يعمل عندهم موظفاً، فالله " الحكم "، هو ظالم، الله عسّر أموره ويسّر أمور الصغار، وكم من حادثة يشيب لهولها الولدان، المغتصب أصبح أجيراً عند أخوته الصغار الذين اُغتصبت أموالهم وظُلموا فوفقهم الله عز وجل.
أحياناً يكون طلاقاً بين زوجين، الظالم تأتيه زوجة تريه النجوم ظهراً، والزوجة المظلومة يأتيها زوج يعرف قيمتها ويحسن إليها، الله حكم.
شريكان، زوجان، أخوان، وريث:
﴿ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنْ الْخُلَطَاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ ﴾
( سورة ص الآية: 23 )
أسماء الله الحسنى كلها محققة في الدنيا إلا اسم العدل فهو محقق جزئياً:
أي هناك حكم بالآخرة شيء واضح تمام، الله عز وجل أسماؤه الحسنى كلها محققة في الدنيا إلا اسم العدل، محقق جزئياً، يعني الله عز وجل يكافئ بعض المحسنين تشجيعاً للباقين، ويعاقب بعض المسيئين ردعاً للباقين، ولكن الحساب الختامي:
﴿ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 185 )
نحن في دار عمل، لسنا في دار جزاء، هناك في هذه الدنيا عمل ولا جزاء وفي الآخرة جزاء ولا عمل.
﴿ وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾
( سورة الروم الآية: 27 )
﴿ لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى ﴾
( سورة طه )
عدل الله عز وجل محقق كلياً يوم القيامة:
لذلك في بعض الآيات:
﴿ وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ﴾
( سورة مريم الآية: 71 )
قالوا: ورود النار غير دخولها، ورود النار كإنسان (شخص مهم جداً) يؤخذ إلى السجن ليطلع على السجن، المستقبل على مدخل السجن، يرى الزنزانات، يرى المساجين، جاء زائراً ليطلع، فالله عز وجل حينما يقول: ﴿ وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ﴾
قال علماء التفسير: ورود النار غير دخولها، ورود النار لا يتأذى واردها ولا بوهجها، لكن ليرى عدل الله في الأرض، ليرى هؤلاء الطغاة ما مصيرهم، ليرى المؤمن مكانه في النار لو لم يكن مؤمناً.
لذلك عدل الله عز وجل محقق كلياً يوم القيامة، وفي الدنيا محقق جزئياً، فالحكم بالآخرة شيء بديهي، أما الحكم في الدنيا، الله يوفق المظلوم أحياناً، ويعاقب الظالم. بطولة الإنسان أن يكون على حقٍّ لأن الله عز وجل سينصره لا محالة:
آية ثانية:
﴿ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ ﴾
( سورة غافر )
أي يوجد في الأرض صراعات، و مذاهب، و طوائف، و أديان، و أعراق، و أنساب، و تقسيمات، كلٌ يدعي وصلاً بليلى، يوم القيامة يقول الله عز وجل: ﴿ إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ ﴾
﴿ إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾
( سورة الحج )
كل جهة بالأرض تدعي أنها على حق، أحياناً ترتكب جرائم باسم قيم ليست محققة، يقول لك من أجل الحرية والديمقراطية، تُقتل الشعوب، تستباح الحُرمات، تُنهب الثروات، تحت شعار الحرية والديمقراطية، هذه كلمات ما أنزل الله بها من سلطان، لكن الله سبحانه وتعالى يقول:
﴿ الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ ﴾
( سورة يس الآية: 65 )
لا يسمح الله لهذا المجرم أن يقول كلمة، اسكت، انظر إلى عملك، هو أحقر من أن يستطيع أن يقول كلمة، كان كاذباً في الدنيا.
﴿ إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ ﴾
( سورة غافر )
الله عز وجل يقول:
﴿ وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ ﴾
( سورة يونس )
بطولتك أن تكون على حق، لأن الله سينصرك، لأن الله سوف يكشف الحق، البطولة أن تكون على حق. أنواع الاختلاف بين الناس:
لكن الله سبحانه وتعالى يرخي الحبل للظالم أحياناً، وفي أية لحظة هذا الظالم في قبضة الله عز وجل، كان عليه الصلاة والسلام يدعو بهذا الدعاء:
(( اللهم فَاطِرَ السماوات والأرضِ، عَالمَ الغَيبِ والشهادَةِ، أَنتَ تَحكم بَينَ عِبَادِكَ فيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفون ))
[أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن عائشة أم المؤمنين ]
وعند مسلم من حديث عبد الرحمن بن عوف قال:
(( سألتُ عَائِشَةَ أُمَّ المؤمنين. بِأي شيءٍ كانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَفْتَتِحُ صَلاتَهُ إِذَا قَامَ من اللَّيلِ ؟ قالت: كان إذا قَامَ من اللَّيلِ افْتَتَحَ صَلاتَهُ قال: اللَّهمَّ رَبَّ جِبرِيلَ ومِيكائِيلَ وإِسرَافِيلَ، فَاطِرَ السماوات والأرضِ، عَالمَ الغَيبِ والشهادَةِ، أَنتَ تَحكم بَينَ عِبَادِكَ فيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفون، اهدني لِما اختُلِفَ فيه من الحقِّ بِإِذنِكَ، إِنَّكَ تَهدي مَن تَشاءُ إلى صِراطٍ مُستَقيمٍ ))
1 ـ الاختلاف الطبيعي:
العلماء قالوا أيها الأخوة: هناك اختلاف طبيعي، صاحبه ليس محموداً ولا مذموماً، نحن في التاسع والعشرين من شعبان مثلاً يا ترى غداً رمضان ؟ لا ندري، سمعنا صوتاً، صوت مدفع يا ترى مدفع رمضان أم تفجير في الجبل، يُشق طريق، هناك صخرة كؤود ففجرت، يا ترى تفجير أم مدفع رمضان ؟ صار في اختلاف، هذا الاختلاف بسبب نقص المعلومات، لكن هناك مدفع ثانٍ، وثالث، ورابع، إذاً رمضان، نفتح الإذاعة يقول المذيع: غداً أيام رمضان، القضية حُسمت.
أحياناً الاختلاف هو نقص المعلومات، ثم يُحسم الخلاف، هذا اختلاف صاحبه ليس محموداً، ولا مذموماً.
2 ـ الاختلاف القذر:
لكن هناك اختلاف قذر.
﴿ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 19 )
أي حسد بينهم، اختلاف حسد، المسلمون إلههم واحد، ونبيهم واحد، وقرآنهم واحد، هم مختلفون اختلاف مصالح، اختلاف أهواء، اختلاف حسد، هذا الاختلاف القذر. 3 ـ الاختلاف المحمود:
وهناك اختلاف آخر اختلاف محمود.
(( اهدني لِما اختُلِفَ فيه من الحقِّ بِإِذنِكَ ))
[ مسلم عن عبد الرحمن بن عوف]
الاختلاف المحمود إنسان يرى أن أفضل عمل بناء المساجد، إنسان آخر يرى أفضل عمل تأليف الكتب، إنسان ثالث الدعوة إلى الله، إنسان رابع إنشاء ميتم، فأحياناً المؤمنين يتنافسون، وتختلف وجهات نظرهم في الأعمال الصالحة، هذا اختلاف محمود اختلاف تنافس.
﴿ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ﴾
( سورة المطففين )
﴿ لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ ﴾
( سورة الصافات )
﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 133 )
يوجد مسارعة، ويوجد تنافس، هذا محمود. من قصر بالعمل ابتلاه الله بالهم:
التنافس على فعل الخيرات محمود، والتنافس على مصالح الدنيا بسبب اختلاف الأهواء والمصالح هذا تنافس قذر، والاختلاف بسبب نقص المعلومات هذا اختلاف طبيعي، فقد روى الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
(( ما أصاب مسلماً قط هم ولا حزن، فقال: ))
[ أحمد عن عبد الله بن مسعود]
في بعض الآثار:
(( من قصر بالعمل ابتلاه الله بالهم ))
الهم مصيبة، هناك كآبة، هناك قلق، هناك إحباط، هناك ضيق، هناك شدة نفسية.
(( من قصر بالعمل ابتلاه الله بالهم ))
يقول عليه الصلاة والسلام:
(( ما أصاب مسلماً قط همّ ولا حزن، فقال: اللهم إني عبدك وابن أمتك ناصيتي في يدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، وجلاء حزني، وذهاب همّي، إلا أذهب الله همه، وأبدله مكان حزنه فرحا، قالوا: يا رسول الله ألا نتعلم هذه الكلمات ؟ قال: بلى ينبغي لمن سمعهن أن يتعلمهن ))
[ أحمد عن عبد الله بن مسعود]
أدعية النبي عليه الصلاة والسلام في صلاة التهجد:
لا زلنا في الآيات والأحاديث التي تتحدث عن أن الله هو الحكم.
(( النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل يتهجد ))
[ البخاري عن عبد الله بن عباس]
ألم يقل الله عز وجل:
﴿ أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً * وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً ﴾
( سورة الإسراء )
(( كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل يتهجد، قال: ' اللهم لك الحمد، أنتَ نور السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد، اللهم بك آمنت، ولك أسلمت وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قدمت، وما أخَّرت، وما أسررت، وما أعلنت، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت، ولا إله غيرك ))
[أخرجه مسلم وابن خزيمة عن عبد الله بن مسعود ]
هذه أدعية النبي عليه الصلاة والسلام في صلاة التهجد. علاقة المؤمن باسم الحكم:
أنت كمؤمن ما علاقتك باسم " الحكم " ؟ أولاً ينبغي ألا تتخذ حكماً من دون الله، من هو صاحب القلب السليم ؟ الله عز وجل حينما قال:
﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾
( سورة الشعراء )
من صاحب القلب السليم ؟ قال: الذي لا يشتهي شهوة لا ترضي الله، ولا يصدق خبراً يتناقض مع وحي الله، ولا يعبد إلا الله، ولا يقبل إلا حكم الله، لذلك من صفات المؤمن أنه لا يتخذ من دون الله حكماً.
﴿ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾
( سورة يوسف )
ثم يقول الله عز وجل عن نبيه صلى الله عليه وسلم:
﴿ أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً ﴾
( سورة الأنعام الآية: 114 )
من لا يقبل حكم الله عز وجل و حكم نبيه فليس بمؤمن:
أخوانا الكرام، كلام خطير، أنت حينما تختلف مع أخٍ، أو مع زوجةٍ، أو مع شريك، أو مع وريث، والذي يحكم بينكما يقدم لك حكم رسول الله ولا تقبل به، أقسم لكم بالله أنك لست مؤمناً، الدليل:
﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾
( سورة الأحزاب الآية: 36 )
الله عز وجل ورسوله من خلال الكتاب والسنة حكما للمرأة المطلقة بمهرها، المرأة المسلمة التي تقيم في بلاد الغرب، القاضي هناك يحكم بنصف أموال الزوج، لا تقبل حكم رسول الله، بأن تأخذ مهرها حينما تُطلق، ترفع أمرها إلى قاضٍ غير مسلم ليحكم لها بنصف أملاك زوجها، ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾
الحقيقة أن المؤمن علاقته بهذا الاسم لا يقبل حكماً إلا الله، إلا الله في قرآنه، و إلا النبي عليه الصلاة والسلام في سنته. بطولة الإنسان إذا كُلف بالحكم أن يحكم بالعدل:
لكن قد يغيب عن الناس أن كلمة قاضٍ، هو إنسان بقصر العدل، يعتلي منصة القضاء، ويحكم بين الناس، من قال لك ذلك ؟ أنت في مئات الحالات قاضٍ، أنت أب عندك بنت متزوجة، جاءت البنت إليك تشكو زوجها، فأنت أردت أن تكيل الصاع صاعين لزوجها، أبقيتها عندك، ومنعتها من الاتصال به، سألته أنت ؟ هل سألت زوجها ما الذي يزعجه منها ؟ أبداً، انحاز إلى ابنته انحيازاً كاملاً، هو حكم الآن، لكن ما كان حكماً عادلاً، ما سمع من الطرفين.
شخص سأل شيخاً قال له: إنسان تلقى ضربة من إنسان، فرد عليه بضربة ثانية، قال له: لا شيء عليه، المضروب كان الأب، قالوا: الفتوى على قدر الوصف، فالبنت حكت لك، أنت ما قبلت أن تلتقي بزوجها كي تستمع منه أيضاً، لست أباً عادلاً، أحياناً الأب يكون حكماً عادلاً بين ولدين، أو بين زوجين، يكون حكماً بين شريكين أحياناً.
فأنت شئت أم أبيت في مئات الحالات أنت حكم، فالبطولة إذا آمنت باسم " الحكم " وكلفت أن تحكم أن تحكم بالعدل، أما الانحياز صفة ناقصة بالإنسان، يقول عليه الصلاة والسلام:
(( كَتَبَ أبي، وكتبتُ له إِلى ابنه عبد الله بن أبي بكرة وهو قاض بسِجِسْتان أن لا تَحْكُمَ بين اثنين وأنت غضبان، فإني سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان ))
[ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن أبي بكرة ]
العلماء حملوا على هذا النهي 33 حالة، أحياناً شخص جائع جداً، الجائع جداً ليس أهلاً أن يحكم، كيف ما كان يريد إنهاء الموضوع، لأنه جائع، أحياناً يكون متألماً، أحياناً عنده مشكلة، العلماء بتفاصيل الأحكام الفقهية قاسوا 33 حالة على هذا النهي لا تحكم وأنت غضبان. ما من قضية يتنازع عليها إلى يوم القيامة إلا فيها حكم الله بالقرآن والسنة:
إذاً المؤمن إذا حُكم يحكم بالعدل، وإذا احتكم لا يحتكم إلا لله، إذا حكم لا يحكم إلا بالعدل، ولا يقبل أن ينحاز إلى ابنه أو إلى من يلوذ به.
تجد هناك أشخاص عنده حاسة سادسة وذكي جداً، له مشكلة، هذه لا تحل عند العلماء، تحل في القانون، لذلك يلجأ إلى المحاكم، وقد يكون القانون غير شرعي، لكن مشكلته تحل بالقانون، يقول لك: نحن في بلد، في محاكم، في قانون، نخضع له، هو نفسه في قضية أخرى كبيت مستأجر بنظام قديم لا يحل في القانون، المستأجر قوي القانون حاميه يأتي إلى عند العلماء، نريد شرع الله، لماذا أنت هنا تريد حكم القانون ؟ هنا تريد شرع الله ؟ هذه المزاوجة، والتقلب، والتنوع، وراءه يوجد خبث، فأنت إما أن تقبل بحكم الله، أو بحكم القانون، أما مرة بالقانون، مرة بحكم الله عز وجل، النقطة الدقيقة، قال تعالى:
﴿ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ﴾
( سورة النساء الآية: 59 )
تنازعت مع جهة علوية، من هو الحكم ؟ ﴿ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ ﴾
في القرآن الكريم ﴿ وَالرَّسُولِ ﴾
في سنته، والآية فيها ملمح دقيق جداً، أي ما من قضية يتنازع عليها إلى يوم القيامة إلا فيها حكم الله بالقرآن والسنة، أيعقل أن يحيلك الله إلى شيء غير صحيح، قال لك: ﴿ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ﴾
مرة طائرة فيها أربعون أو خمسون خبيراً، بأعلى مستوى من دولة عربية هؤلاء الخبراء ذهبوا إلى بلد أجنبي، وتلقوا علومهم العسكرية لتطوير الأسلحة وما إلى ذلك وعادوا جميعاً في طائرة واحدة، هذه الطائرة أُسقطت، بالقرآن:
﴿ وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ ﴾
( سورة يوسف الآية: 67 )
كان من الأولى أن يأتي كل واحد برحلة، فلما اجتمع أربعون خمسون خبيراً بطائرة واحدة، هذه الطائرة أُسقطت.
لو دققت لتجد كل قضايانا لها حلول في القرآن وفي السنة. علامة إيمانك أن ترضى بحكم الله ورسوله:
شيء آخر، وهذا كلام خطير، يقول الله عز وجل:
﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ﴾
( سورة النساء )
هذه علامة الإيمان أن ترضى بحكم الله ورسوله، فكل إنسان يكون حكماً، فإذا حكم أن يحكم بالعدل، وكل إنسان قد يحتكم، فإذا احتكمت فاحتكم إلى الشرع، وإذا كنت حكماً اجعل هذه الآية منهجاً لك:
﴿ قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ﴾
( سورة النمل )
حقق، لا تقبل كلاماً من طرف واحد، هناك قاضٍ أراد أن يُعفى من منصبه فسأله الخليفة لماذا ؟ قال له: قبل أيام قدم لي طبق من الرطب، وأنا معروف في البلدة أنني أحب الرطب في بواكيرها، فسأل غلامه من جاء بهذا الطبق ؟ قال له: رجل، قال له: صفه لي قال: كيت وكيت، فإذا هو أحد المتخاصمين عنده، في اليوم التالي يقول للخليفة: والله في اليوم التالي تمنيت أن يكون الحق مع الذي قدم الطبق مع أني لم آخذه فكيف لو أخذته ؟ وجد نفسه غير مؤهل أن يكون قاضياً، وكيف لو طلب منه مبلغاً معيناً ؟الآن ؟ يقول له: هذه تحتاج نصف مليون، أحكم لك لكن تحتاج نصف مليون.
لذلك إن كنت حكماً فاحكم بالعدل، وأي واحد منا شاء أم أبى يكون قاضياً آلاف المرات في حياته، دون أن يشعر، وإن احتكمت فاحتكم إلى الشرع.
السعيد
09-02-2018, 08:07 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الثانى و الخمسون بعد المائة )
الموضوع : اسم الله - المالك - 1 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى:(المالك):
أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "المالك"، اسم الله " المالك".
ورود اسم المالك في القرآن الكريم و السنة النبوية:
اسم الله " المالك" ورد في القرآن الكريم مضافاً، وإن كانت الإضافة تحمل معنى الإطلاق في الملكية، ولكنه ورد أيضاً في السنة النبوية مطلقاً، فمن القرآن الكريم قوله تعالى:
﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 26 )
كل شيء يُملكه هو مالكه، أما المُلك مطلق هذا الاسم في مقابل الملكوت، فالملك يراد به عالم الشهادة غالباً، أو الحياة الدنيا بصفة عامة، والملكوت يراد به في الأعمّ الأغلب عالم الغيب أو عالم الآخرة، والله عز وجل مالك المُلك والملكوت، يعني مالك عالم الدنيا وعالم الآخرة، مالك عالم الشهادة، وعالم الغيب، هو رب العالمين الذي يملك عالم الغيب وعالم الشهادة بما فيهما، قال تعالى:
﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾
( سورة الأعراف الآية: 158 )
مُلك الدنيا والآخرة، مُلك عالم الغيب، وعالم الشهادة، فالمالك هو المنفرد لملكية الملك والملكوت، المُلك في الدنيا، والملكوت في الآخرة، المُلك عالم الشهادة، والملكوت عالم الغيب. الحق سبحانه وتعالى مالك لعالم الغيب والشهادة وما فيهما:
الله سبحانه وتعالى أفرد نفسه بملكيته لعالم الملك، وأفرد نفسه بملكيته لعالم الغيب أو عالم الملكوت، قال تعالى:
﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾
( سورة الفاتحة )
مالك الدنيا، ومالك الآخرة، مالك عالم الشهادة، ومالك عالم الغيب.
الآن إذا كان الحق سبحانه وتعالى مالكاً لعالم الغيب والشهادة وما فيهما كما بينت الأدلة السابقة، فهو المالك إذاً على سبيل الإطلاق، أزلاً وأبداً.
وقد ثبت ذلك عند مسلم عن أبي هريرة حين ورد اسم " المالك" في الحديث الصحيح مطلقاً، فقد قال عليه الصلاة والسلام:
(( إِنَّ أَخْنَعَ اسم عند الله ))
[ متفق عليه عن أبي هريرة]
يعني إن أذلّ اسم، وأوضع اسم عند الله:
(( رجلٌ تَسَمَّى مَلِك الأمْلاك، لا مالك إِلا الله ))
[ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة ]
"المالك" هو الله عز وجل، مالك عالم الغيب، وعالم الشهادة، مالك الملك والملكوت. المالك في اللغة:
أيها الأخوة، "المالك" في اللغة اسم فاعل، الفعل ملك، يملك، فهو مالك، والله عز وجل مالك الأشياء كلها، مالكها ومصرفها، نحن في عالمنا، في عالم الإنسان قد تملك بيتاً، ولا تنتفع منه.
في بعض البلاد نظام إيجار ظالم، فالمستأجر هو المالك، أما الذي له ملك الرقبة لا ينتفع به، فقد تملك بيتاً ولا تنتفع به، وقد تنتفع ببيت ولا تملكه، وقد تنتفع بالبيت وتملكه لكن مصيره ليس إليك، صدر قرار تنظيم، قرار استملاك، ذهب البيت.
لكن ملكية الله جلّ جلاله ملكية مطلقة، مالك الملك، مالك كل شيء خلقاً، وتصرفاً، ومصيراً.
أحياناً دولة تصنع طائرة هي صنعتها، لكنها إذا باعتها إلى دولة أخرى الآن لا تملك التصرف بها، الدولة التي اشترت هذه الطائرة هي التي تملكها، فقد تطلقها لتقصف وتدمر، والدولة الصانعة مبدئياً لا علاقة لها بهذا القصف، صنعتها وباعتها، لكن الله سبحانه وتعالى مالك كل شيء:
﴿ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾
( سورة الأنعام )
ملكية الله جلّ جلاله لعالم الغيب والشهادة و للدنيا والآخرة ملكية مطلقة:
ملكية الله جلّ جلاله لعالم الغيب وعالم الشهادة للدنيا والآخرة ملكية مطلقة، إذاً مالك الأشياء كلها ومصرفها على إرادته، لا يمتنع عليه منها شيء، آلاف الأشياء قد نملكها ملكاً ظاهراً ولا نملك التصرف فيها، لأن مالك الشيء في كلام العرب هو المتصرف والقادر عليه.
وقد قرأ نافع وحمزة ملك يوم الدين، بغير ألف، وقد قرأ عاصم الكسائي
﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾
بألف وكلا القراءتين صحيحة، وقد رويت القراءتان عن النبي صلى الله عليه وسلم، في بعض الأئمة في الركعة الأولى يقول ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾
في الركعة الثانية يقول ملك يوم الدين.
والله عز وجل مالك المُلك، ملكه عن أصالة واستحقاق، لأنه الخالق ( أي معمل صنع هذه الآلة، مبدئياً هي ملكه لأنه صنعها )، لأنه الخالق الحي القيوم الوارث، علة استحقاق الملك أمران، الأول: صناعة الشيء و إنشاؤه واختراعه، فالعاقل يعلم عقلاً أن المخترع له براءة الاختراع، والمؤلف له حق الطبع والنشر.
(( من أحيا أرضاً مَيْتَةً فهي له ))
[ البخاري عن عمر بن الخطاب]
والله ما من تشريع حضاري، ما من تشريع يقلب الأرض القاحلة جنة كهذا التشريع.
(( من أحيا أرضاً مَيْتَةً فهي له ))
[ البخاري عن عمر بن الخطاب]
أرض جرداء حفر فيها بئر واستخرج ماءً، وشجّرها، وزرعها، وسورها، لو طبقنا هذا التشريع النبوي بشكل واسع لانقلبت بلادنا جنات خضراء، في بعض البلاد يعطون قرض المشروع الأخضر، يعطون قرضاً للكل، إنسان اختار أرضاً جرداء، وسورها، واستخرج منها الماء، وشجّرها، وجعلها جنة خضراء.
(( من أحيا أرضاً مَيْتَةً فهي له ))
[ البخاري عن عمر بن الخطاب]
فإذا كان لملوك الدنيا لا يمكن لأحدهم أن يؤسس ملكه بجهده منفرداً، فلابدّ له من ظهير، أو معين، سواء في أهله وقرابته، أو في حزبه، أو في جماعته، أو قبيلته، أو عشيرته، فالله سبحانه وتعالى هو المنفرد في الملكية حقيقة. الله عزّ وَجَل لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ:
الله عز وجل لم يساعده أحد في إنشاء الخلق، ولا عاونه على استقرار الملك، أو يمسك معه السماء أن تقع على الأرض، قال سبحانه وتعالى:
﴿ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾
( سورة الأعراف )
وقال أيضاً:
﴿ مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً ﴾
( سورة الكهف )
يعني نظريات فيها توهم لتاريخ البشرية لمئات آلاف السنين، يقول لك: الإنسان الحجري يستخدم الأحجار، الإنسان المتوحش، مع أن الله سبحانه وتعالى بدأ الخلق بنبي كريم، يقول عليه الصلاة والسلام:
(( آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة ولا فخر ))
[أخرجه أبو يعلى والإمام أحمد عن عبد الله بن عباس ]
بدأ البشرية بنبي كريم، وأنهاها بسيد الأنبياء والمرسلين، أما في الموسوعات العلمية عندنا إنسان متوحش، إنسان حجري، يستخدم الأحجار كأدوات هذا من تخيلاتهم مثلاً: لو أن إنساناً اشترى محلاً تجارياً في الثلاثينات، اشتراه بمبلغ معين، جالس يتكلم مع أصدقائه بعد خمسين عاماً، قال: اشتريت هذا المحل بالمبلغ الفلاني، فله ابن ولد بالستينات، يقول له: لا بابا، المبلغ ليس كذلك، يقول له: هل كنت معي أنت ؟ اشتريت هذا المحل قبل أن تولد بعشرين عاماً، هل كنت معي ؟. الله عز وجل بدأ البشرية بنبي كريم وأنهاها بسيد الأنبياء والمرسلين:
فكرة لطيفة، إلهنا وربنا بيّن لنا في الكتاب، في وحي السماء، أن البشر بدأهم بآدم، ونحن في جميع الموسوعات العلمية نؤكد لطلابنا هذا، وعندئذٍ يتمزقون بين كلام مدرس التربية الإسلامية، وبين كلام مدرس العلوم الطبيعية، الطفل أحياناً يتمزق حينما يرى تفسيرات متناقضة.
الحقيقة هناك سؤال دقيق جداً، مع أن نظرية دارون تحت الأقدام الآن، لا عند علماء المسلمين، لا والله، عند علماء الغرب، عند العلماء الذين آمنوا بهذه النظرية هم نقضوها نقضاً كلياً، وهناك أدلة قاطعة، أن هذه النظرية انتهت، لا عندنا كمسلمين، عندنا منتهية، انتهت عند علماء الغرب، لأن دارون قال: إن لم تثبت العلوم نظريتي فهي باطلة، دارون صاحب النظرية تنبأ ببطلانها، لأنه كان يتصور أن الفأرة تأتي من خرق بالية، وأن الدود يأتي من تفسخ اللحم، وأن الضفدع يأتي من الوحل، شيء مضحك، لو رجعتم لكتاب أصل الأنواع لدارون لا تملك إلا أن تضحك، شيء سخيف جداً.
تمسك الناس بنظرية دارون مع إثبات بطلانها:
لكن هناك نقطة دقيقة: ما دام المخلوقات تطورت، التطور يقتضي وجود مخلوق مرحلي، من سمكة، إلى زاحفة، إلى ديناصور، إلى، إلى، فنظرية دارون تقتضي أن هناك مخلوقاً مرحلياً، بعد اكتشاف المستحاثات، التي كُشفت قبل 530 مليون عام وجد أن معظم المخلوقات والحيوانات عن طريق الأحافير هي نفسها اليوم، العلم لم يثبت وجود مخلوق مرحلي، أن تخلق الضفدع من الوحل شيء مضحك، وأن يُخلق الدود من اللحم المتفسخ شيء مضحك، وأن تخلق الفأرة من الخرق البالية شيء مضحك، وأن لا توجد في تاريخ البشرية عن طريق المستحاثات مخلوقات مرحلية هذا يبطل هذه النظرية، هي نظرية باطلة، تحت الأقدام، بالدليل القطعي الذي ليس فيه كلمة واحدة من علماء المسلمين، من علماء الغرب الذين آمنوا بهذه النظرية.
السؤال: لماذا يتمسك الناس بهذه النظرية ؟ في العالم كله الآن، في المناهج والجامعات، في الموسوعات العلمية كلها، هناك سبب، لابدّ من التوضيح:
إنسانان أرادا شراء سيارة، أحدهما اشترى والثاني لم يشترِ، سرت إشاعة في البلد، أن هناك قانون يخفض الرسوم إلى النصف، الذي اشترى يكذب هذه الإشاعة من دون دليل، لأن تكذيبها يريحه، لأنه اشترى، والذي لم يشترِ يصدق هذه الإشاعة من دون دليل لأن التصديق يريحه.
فهناك حالات كثيرة جداً الإنسان يصدق أو يكذب من دون دليل، لأن التصديق ليس له علاقة بالواقع، له علاقة براحته النفسية.
منطق العالم اليوم أن يبني مجده على أنقاض الشعوب:
لذلك لا يوجد نظرية تريح الطغاة كنظرية دارون، ما في إله، ولا في حساب، ولا في عذاب، أيها الطاغية ابنِ مجدك على أنقاض الشعوب، دمر، اقتل، ما في شيء لا في آخرة، ولا في جنة، ولا في نار، ولا في إله يحاسب، والقوي يأكل الضعيف، والغني يأكل الفقير، وانتهى الأمر، هذا منطق العالم اليوم، منطق العالم أن تضربه حتى لا ينطق كما ترون مليون قتيل بالعراق، مليون معاق، خمسة ملايين مشرد، والعالم كله مرتاح لأنه لا أحد يؤمن أن هناك إله سيحاسب.
﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ﴾
( سورة إبراهيم )
﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾
( سورة الحجر )
﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ﴾
( سورة إبراهيم )
إيمان العالم اليوم بنظرية دارون مع أنها باطلة ليس إيماناً حقيقياً لكنه إيمان يريحهم:
ادعاء العالم اليوم بجامعاته، ومؤسساته، وموسوعاته العلمية أن الإنسان تطور من كائن وحيد الخلية، إلى إنسان معقد هذا الإيمان يريح المتفلتين، الآن مثلاً:
حتى الإنسان الذي يبيع المواد المغشوشة، ويحقق أرباحاً طائلة يحتاج إلى غطاء إيديولوجي، حضر درساً فالمتكلم بهذا الدرس قال:
(( شفاعتي لأهل الكبائر مِنّ أمَّتي ))
[أخرجه أبو داود والترمذي عن أنس بن مالك ]
الحديث صحيح لكن له تفسير دقيق جداً، هو أخذه على ظاهره مريح جداً الحديث.
(( لَوْلا أنَّكم تُذْنِبُون لذَهَبَ الله بِكُم، وخلق خَلْقا يُذْنِبُون ))
[أخرجه مسلم والترمذي عن أبي أيوب ]
هناك نصوص مريحة جداً، تجد الجاهل يتمسك بها، يتمسك بها ويؤذي الناس فكل إنسان دون أن يشعر يحتاج إلى غطاء إيديولوجي، أوسع غطاء إيديولوجي للجريمة الإلحاد، ما في إله.
لذلك إيمان العالم اليوم بنظرية دارون مع أنها باطلة، ومع أنها ركلت بالأقدام، وعلى أنها تحت الأقدام، ليس إيماناً حقيقياً لكنه إيمان يريحهم، هذا تفسير لماذا يتمسك العالم اليوم بهذه النظرية.
لكنني مرة قلت لطلابي: يا بني أنا مؤخراً آمنت بهذه النظرية، لكنها معكوسة كان إنساناً فأصبح قرداً، ما معنى قرد ؟ همه بطنه، ما معنى خنزير ؟ همه فرجه، فالإنسان اليوم مُسخ إلى قرد وخنزير، همه بطنه، وهمه فرجه، هذا الإنسان ليس فيه قيم.
كنت أقول من باب الطرفة: الحياة من دون قيم لا تعاش، الآن الحياة من دون مكيف لا تعاش، لأنه ما عاد في قيم إطلاقاً، الذي يجري في العالم شريعة الغاب، القوي يأكل الضعيف، لا في حق، ولا في منطق، ولا في قيمة، ولا في شيء، هناك سيناريو متقن أو غير متقن، هناك صفقة كبيرة أو غير كبيرة. علة الخلق وعلة دوام الحياة علتان كبيرتان توجبان أن الله مالك كل شيء:
أيها الأخوة، الآية تقول:
﴿ مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً ﴾
و النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
(( كانَ اللَّهُ ولم يكن شيءٌ قَبْلَهُ ))
[ البخاري عن عمران بن الحصين]
كان تامة باللغة، نحن كان فعل ماض ناقص، معنى فعل ماض ناقص تربط التركيب إلى زمن معين، نافية معنى الحدث، الجو ممطر، هذا مسند ومسند إليه، مبتدأ وخبر، تقول: كان الجو ممطراً، فكان لم تعطِ معنى الحدث، أعطت معنى الزمن فقط، إذاً هي فعل ماض ناقص، لكن تأتي كان أحياناً تامة، فعل ماض تام، كان الله بمعنى وجد الله ولم يكن معه شيء.
(( اتق الله حيث كنت ))
[ أخرجه الترمذي والحاكم عن أبي ذر ]
نعرب كنت فعل ماض تام مبني على السكون لاتصاله بتاء الفاعل، هنا:
(( كانَ اللَّهُ ولم يكن شيءٌ قَبْلَهُ ))
[ البخاري عن عمران بن الحصين]
(( وكان عَرْشُهُ على الماءِ، ثُمَّ خَلَقَ السماوات والأرضَ، وَكَتبَ فِي الذِّكرِ كُلَّ شيء ))
[أخرجه البخاري والترمذي عن عمران بن الحصين ]
العلة الثانية لأن الله ملك كل شيء في عالم الشهادة والغيب، دوام الحياة علة أخرى لاستحقاق الملك، لأن الموت يوجب انتقال الملكية من جهة إلى جهة، الله عز وجل حيّ باق على الدوام، الوارث الباقي بعد فناء خلقه، فعلة الخلق، وعلة دوام الحياة علتان كبيرتان توجبان أن الله مالك كل شيء، أزلاً وأبداً، دنيا وآخرة، شهادة وغيباً. من كان مع مالك الملك كان في أمن و بحبوحة:
ومعلوم أيها الأخوة، أن كل من على الأرض ميت، كما قال تعالى:
﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾
( سورة الرحمن )
وقوله أيضاً:
﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ﴾
( سورة العنكبوت )
ولما كانت الحياة وصفاً لذات الله عز وجل فالله عز وجل يقول:
﴿ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ﴾
( سورة غافر )
فإذا كنت أنت مع مالك المُلك، مع مالك الدنيا والآخرة، كنت في أمنٍ وبحبوحة، إذا كان الله معك فمن عليك، وإذا كان عليك فمن معك، والآية التي قرأناها في دروس سابقة:
﴿ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾
( سورة آل عمران )
التوحيد يمنح الإنسان العزة و الشجاعة و الراحة النفسية:
أيها الأخوة، أنت حينما تؤمن أن الله مالك المُلك، مالك الدنيا والآخرة، مالك عالم الغيب وعالم الشهادة، مصيرك إليه، وأمرك إليه، بيده رزقك، بيده حياتك، بيده التوفيق، بيده النصر، بيده النجاح، بيده التفوق، بيده السعادة، بيده الرضا، بيده كل شيء، هذا هو التوحيد، وهذه الكلمة أرددها كثيراً: ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد.
﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ﴾
( سورة الشعراء )
أحد أكبر أسباب العذاب النفسي أن تتوهم أن مع الله إلهاً آخر، التوحيد يعطيك الراحة النفسية، التوحيد يعطيك الشجاعة، التوحيد يعطيك عزة النفس، التوحيد يبعدك عن أن تستجدي مديح الناس، التوحيد يجعلك متماسكاً، التوحيد يجعلك عزيزاً.
اجعل لربك كل عزك يستقر ويثبت فإذا اعتززت بمن يموت فإن عزك ميت
* * *
أفعال الله عز وجل:
أيها الأخوة، الإيمان له منعكس مريح جداً، لذلك:
﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 26 )
ما قال والشر، لأن إيتاء الملك خير، ونزعه خير، الإعزاز خير، والإذلال خير، لأن الله جل جلاله يذل ليعز، ويأخذ ليعطي، ويبتلي ليجزي، ويخفض ليرفع، ويضر لينفع، هكذا أفعال الله عز وجل:
(( عَجَبا لأمر المؤمن ! إنَّ أمْرَه كُلَّه له خير، إن أصابتْهُ سَرَّاءُ شكر، فكان خيراً له، وإن أصابتْهُ ضرَّاءُ صَبَر، فكان خيراً له، وليس ذلك لغير المؤمن ))
السعيد
09-02-2018, 08:11 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الثالث و الخمسون بعد المائة )
الموضوع : اسم الله - المالك - 2 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى:(المالك):
أيها الأخوة الكرام، لازلنا في اسم " المالك".
انفراد المالك بالخلق و التدبير و الملك و التقدير:
من معاني هذا الاسم العظيم "المالك":
﴿ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ ﴾
( سورة لقمان الآية: 29 )
﴿ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ﴾
( سورة الأنعام الآية: 95 )
فالمُلك لله في المبتدأ عند إنشاء الخلق، فلم يكن أحد سواه، والمُلك لله في المنتهى عند زوال الكون فلم يبقَ أحد سواه، هو الملك من فوق عرشه، لا خالق، ولا مدبر للكون إلا الله، هو الملك المتصرف في الأمر والنهي في مملكته، هو القائم بسياسة خلقه، ملكه هو الحق الدائم بدوام الحياة، ولما كان الله تعالى هو المنفرد بالخلق والتدبير فإنه ينفرد بالمُلك والتقدير.
وينفرد أيضاً بأنه " المالك" المستحق للملك ولا مالك إلا الله. القدرة من لوازم المُلك:
الآن ولما ذكر الله ملكيته للأشياء، وأنه هو الذي يمنحها لمن يشاء، ذكر من لوازم المُلك القدرة، فالقدرة من لوازم ملكيته، فالمالك قدير، قال تعالى:
﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 29 )
أي شيء في الكون يُملك يا رب أنت مالكه.
﴿ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 29 )
مرة كنت في بلد عربي، وحدثني طبيب، قال: له زوجة على وشك الولادة وفيها وضع عسر جداً، فاستشار أعلى طبيب في هذا البلد، فقال له: القضية سهلة، فلما طلب منه أن يستشر غيره أرغى وأزبد، وقال: ليس في هذا البلد كله طبيب في مستوى علمه، ارتكب هذا الطبيب خطأ لا يرتكبه طالب طب، وهذا البلد العربي لأول مرة منذ الاستقلال تسحب من طبيب شهادته، نُزعت عنه هذه الشهادة.
ولو أنك عالم لكن حينما تعزو هذا إليك ينزعه الله منك، والقصص كثيرة، قد يغدو الإنسان فقيراً بعد أن كان غنياً، قد يغدو ملقىً ضعيفاً ملقى في غيائب السجن بعد أن كان قوياً. من افتقر إلى الله عز وجل كان الله معه:
﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ ﴾
أي شيء تتصور أنك ملكته يُنزع منك، في أية لحظة، وأحياناً هناك مواعظ كبيرة جداً، إنسان يملك أموالاً طائلة يعمل محاسباً ليأكل فقط، فكأنما الله إذا أعطى أدهش، إذا أخذ أدهش، الفاتحة:
﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾
( سورة الفاتحة )
ورد في بعض الآثار أن القرآن كله جُمع في الفاتحة، وأن الفاتحة جُمعت في ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾
نعبدك ونستعين على عبادتك.
فلذلك أنت حينما تقف في الصلاة وتقرأ الفاتحة وسورة، تركع خضوعاً لهذا الأمر إذا قرأت بعد الفاتحة:
﴿ وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾
( الإسراء الآية: 53 )
هذا أمر، ما معنى الخضوع ؟ أنا يا رب خاضع إليك هذا الأمر، ما معنى السجود ؟ يا رب أعني على تنفيذ هذا الأمر، الركوع خضوع، والسجود طلب المعونة من الله، هذا العبد شأنه الافتقار إلى الله، إذا افتقر العبد إلى الله كان الله معه. درسا بدر و حنين كل مسلم بحاجة إليهما:
مرة ثانية أقول لكم: أنت في حاجة ماسة إلى درسين، درس بدر ودرس حنين، درس بدر قال الصحابة: الله، فنصرهم، في حنين قالوا وهم قمم البشر، ومعهم سيد البشر:
(( ولن يُغْلَبَ اثنا عَشَرَ ألفا مِنْ قِلَّةٍ ))
[أخرجه أبو داود والترمذي عن عبد الله بن عباس ]
اعتدوا بكثرتهم فلم ينتصروا.
﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً ﴾
( سورة التوبة الآية: 25 )
فلذلك جُمع القرآن كله في الفاتحة، وجُمعت الفاتحة بـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾
وأنت حينما تقول لا حول ولا قوة إلا بالله، يعني لا حول عن معصيته إلا به ولا قوة على طاعته إلا به. أي شيء تتوهم أنك تملكه الله عز وجل طليق الإرادة ويمكن أن ينزعه منك:
من هو سيد أهل العفاف ؟ سيدنا يوسف، ماذا قال ؟ قال:
﴿ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ ﴾
( سورة يوسف الآية: 33 )
من هو سيد الموحدين ؟ سيدنا إبراهيم، قال تعالى:
﴿ وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ ﴾
( سورة إبراهيم )
فأي شيء يُملك، أو أي شيء تتوهم أنك تملكه الله عز وجل طليق الإرادة يمكن أن ينزع منك.
النبي عليه الصلاة والسلام قال لسيدنا معاذ:
(( يا معاذ ألا أعلمك دعاء تدعو به لو كان عليك مثل جبل أحد ديناً لأدى الله عنك ؟ ))
[أخرجه الطبراني عن أنس بن مالك ]
بالمناسبة الحديث الشريف:
(( من أخذ أَموال الناس يُريدُ أَداءها ـ فقط، ما الذي منه ؟ الإرادة فقط ـ أدَّى الله عنه، ومن أخذ أَموال الناس يُرِيدُ إِتْلافها ـ نقول أتلفها ـ أتلفه الله ))
[أخرجه البخاري عن أبي هريرة ]
(( يا معاذ ألا أعلمك دعاء تدعو به لو كان عليك مثل جبل أحد ديناً لأدى الله عنك ؟ قل يا معاذ: اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير، رحمن الدنيا والآخرة تعطيهما من تشاء وتمنع منهما من تشاء ارحمني رحمة تغنيني بها عن رحمة من سواك ))
[أخرجه الطبراني عن أنس بن مالك ]
الله عز وجل بيده كل شيء و هو على كل شيء قدير: >الله عز وجل يقول:
﴿ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ ﴾
( سورة الملك الآية: 1 )
سمعك بيده، بصرك بيده، عقلك بيده، يكون الإنسان سيد البيت، أب، أولاد، بنات، أصهار، كنائن، مكانة، تجارة، يختل عقله، يذهب أهله إلى أقرب الناس إليهم يتوسطون لإيداعه في مستشفى المجانين، عقلك بيده، سمعك بيده، حركتك بيده، زوجتك بيده، يقول بعض العارفين بالله: أعرف مقامي عند ربي من أخلاق زوجتي، أحياناً يسلس قياد الزوجة، أحياناً تعانده.
أيها الأخوة:
﴿ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾
( سورة الملك )
النبي الكريم لا يملك لأحد نفعاً و لا ضراً:
النبي عليه الصلاة والسلام ماذا يقول ؟ قل يا محمد لأصحابك:
﴿ قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً ﴾
( سورة الأعراف الآية: 188 )
فإذا كنت لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً فمن باب أولى أنني لا أملك لكم نفعاً ولا ضراً، دقق أيها الأخ سيد الخلق، وحبيب الحق، وسيد ولد آدم، الذي اصطفاه على كل الأنبياء والرسل، والذي أقسم بعمره الثمين، والذي ما خاطبه باسمه أبداً، يا أيها النبي، يا أيها الرسول، هذا قمة البشر، ومع ذلك قل:
﴿ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ ﴾
( سورة الأنعام الآية: 50 )
لا أملك لكم نفعاً ولا ضراً، ﴿ قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً ﴾
﴿ قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾
( سورة الأنعام )
الشرك الخفي:
أربع آيات، أي إنسان من المسلمين إلى يوم الدين ادعى أنه يعلم الغيب فهو كاذب، اركل كلامه بقدمك، وأي إنسان من المسلمين إلى يوم الدين ادعى أنه يفعل ولا يفعل اركل كلامه بقدمك، لا أملك لكم نفعاً ولا ضراً،
﴿ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ ﴾
﴿ قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً ﴾
﴿ قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾
أخوانا الكرام التوحيد شيء مهم جداً، إنسان يدعي أنه يتنبأ الغيب، إنسان يدعي أنه يفعل ولا يفعل، هذا كله من أنواع الشرك الخفي، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:
(( إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الخفي ـ أما إني لست أقول أنكم تعبدون صنما ولا حجراً ـ ولكن شهوة خفية وأعمال لغير الله ))
[ أخرجه البزار عن عبد الرحمن بن غنم ]
علاقة المؤمن باسم المالك:
أيها الأخوة، علاقة المؤمن بهذا الاسم، علاقته بهذا الاسم اعتقاد وسلوك، فالمؤمن ينبغي أن يعتقد أنه عبد في ملك سيده، وكلما تواضع العبد لربه رفعه الله، هل هناك من إنسان رفع الله ذكره كرسول الله ؟ وكان في أعلى درجات العبودية لله، علاقة المؤمن بهذا الاسم أن يعتقد أنه عبد في ملك سيده، مستخلف في أرضه، أمين على ملكه، قد ابتلاه الله فيما أعطاه، امتحنك فيما أعطاك، أعطاك قوة، أعطاك مالاً، أعطك ذكاءً، أعطاك طلاقة لسان، أعطاك علماً، أنت ممتحن فيما أعطاك، امتحنه واسترعاه.
أنا ونحن ولي وعندي أربع كلمات مهلكات:
الآن هذا الإنسان أيرد الملك إلى المالك، أم ينسب للمخلوق أوصاف الخالق ؟ ماذا قال قارون ؟
﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي ﴾
( سورة القصص الآية 78 )
ماذا قال فرعون ؟
﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ ﴾
( سورة الزخرف الآية: 51 )
ماذا قال أهل وجماعة بلقيس ؟
﴿ نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ ﴾
( سورة النمل الآية: 33 )
ماذا قال إبليس ؟
﴿ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ ﴾
( سورة الأعراف الآية: 12 )
أربع كلمات مهلكات: أنا، ونحن، ولي، وعندي. الموحد الصادق يتحرى في قوله وفعله توحيد الله في اسمه المالك:
أيرد المُلك إلى المالك، أم ينسب للمخلوق أوصاف الخالق، فيتكبر على العباد بنعم الله، ويتعالى عليهم بما منحه الله وأعطاه ؟ فالموحد الصادق يتحرى في قوله وفعله توحيد الله في اسمه "المالك"، لا يتوكل إلا عليه، ولا يلجأ إلا إليه، لعلمه أن أمور الرزق بيده، وأن المبتدا منه والمنتهى إليه.
﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ ﴾
( سورة الغاشية )
﴿ قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ ﴾
( سورة يونس )
من عرف نفسه حقّ المعرفة فهو إلى المالك الأوحد أذل من كل ذليل:
أيها الأخوة، المؤمن الموحد لله بهذا اسم " المالك" ينبغي أن يعرف نفسه، وينبغي أن يعرف حقيقتها، وحقيقة النعم وملكيتها.
قلت لكم: سألوا راعٍ يرعى الإبل، لمن هذه الإبل ؟ قال: (أجاب إجابة رائعة) هي لله في يدي، لمن هذا البيت ؟ هو لله في يدي أسكنه، لمن هذه المركبة ؟ لله في يدي، لمن هذه التجارة ؟ لله في يدي، الإنسان مهما عرف نفسه حقّ المعرفة، فإنه إلى المالك الأوحد أذل من كل ذليل.
أعرف رجلاً ذهب إلى باريس وجاء بشهادة عليا، تسلم منصب معاون وزير لوزارة مهمة جداً، ويحمل شهادة عليا، وله زوجة تروق له، ومنزل بأرقى أحياء دمشق، ومركبة فاخرة، فقد بصره، فقال لأحد أصدقائه وهو صديقي، قال له: والله أتمنى أن أجلس على الرصيف، وأتكفف الناس، وأن يرد الله لي بصري، لا تملك شيئاً.
﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 26 )
كن مع الله ترى الله معك واترك الكل وحاذر طـمعك
وإذا أعطاك من يمنــعه ثم من يعطـي إذا ما منعك
* * *
التذلل إلى الله يرفع شأن الإنسان و يعلي قدره و يلهمه السداد في القول والعمل:
المؤمن إذا عرف نفسه حق المعرفة، فهو إلى " المالك" الأوحد أذل من كل ذليل، التذلل إلى الله عز، يرفع شأنك، يعلي قدرك، يلهمك السداد في القول والعمل، يطلق لسانك، كن عبد الله، فعبد الله حر، إن لم تكن عبداً لله فأنت حتماً عبد لعبد لئيم، إن لم تكن عبداً لله تنبطح أمام القوي، تتذلل أمامه، أما إن كنت عبداً لله فأنت في عزّ ومنعة.
أحد خلفاء بني أمية، جاء إلى الحج فقال: ائتوني بعالم أنتفع بعلمه، فذهبوا إلى الإمام مالك، فقال: قولوا له العلم يؤتى ولا يأتي، فلما قالوا له ذلك قال: صدق، أنا آتيه أبلغوه أنه سيأتي، قال: قولوا له إن أتاني لن أسمح له بتخطي الرقاب، قال: صدق أجلسوه على كرسي، فقال الإمام مالك: من تواضع لله رفعه، ومن تكبر وضعه، قال: خذوا عني هذا الكرسي.
أنت حينما تكون مع الله تكن عزيزاً، والمؤمن إذا آمن باسم الله " المالك" يشكره على ما أعطاه وأولاه، ويصبر عند المنع، لذلك قال ابن عطاء الله السكندري: ربما أعطاك فمنعك، وربما منعك فأعطاك، وإذا كشف لك الحكمة في المنع عاد المنع عين العطاء، ورد في بعض الآثار القدسية:
(( أنا مالك الملوك وملك الملوك، قلوب الملوك بيدي، وإن العباد إذا أطاعوني حولت قلوب ملوكهم عليهم بالرأفة والرحمة، وإن العباد إذا عصوني حولت قلوبهم عليهم بالسخط والنقمة، فساموهم سوء العذاب، فلا تشغلوا أنفسكم بالدعاء على الملوك، فادعوا لهم بالصلاح فإن صلاحهم بصلاحكم ))
[أخرجه الطبراني عن أبي الدرداء ]
من معاني اسم المالك:
1 ـ يستغني في ذاته و صفاته عن كل موجود و يحتاجه كل موجود:
أيها الأخوة، لو دققنا فيما نقول أي وصف للملكية لغير الله فهو وصف مجازي على سبيل المجاز، لأن الملك هو الذي يستغني في ذاته وصفاته عن كل موجود، ويحتاجه كل موجود، الملك الحقيقي الذي يستغني في ذاته وصفاته عن كل موجود، ويحتاجه كل موجود، بل لا يستغني عنه شيء في شيء، لا في ذاته ولا في صفاته، فهو مالك في ذاته، وفي وجوده، وفي صفاته، مستغنٍ عن كل شيء، يحتاجه كل شيء، هذا الوصف الدقيق للمالك لا ينطبق إلا على الله، لا يوجد مالك حقيقي، حتى القوي الله سمح له أن يكون قوياً، بلحظة يفقد قوته.
كان هناك كتلة شرقية مخيفة تملك قنابل ذرية لا يعلم عددها إلا الله، ومع ذلك تداعت من الداخل، لا قوي إلا الله.
الآن كل من يصف نفسه بأنه مالك، مالك هذه الدار، مالك هذه الدكان، مالك هذه التجارة، صاحب هذه الشركة، هذا من باب المجاز، اعرف حجمك الحقيقي، رحم الله عبداً عرفه قدره فوقف عنده.
2 ـ من معاني اسم المالك أنه مملك:
الآن هناك معنى جديد، من معاني اسم " المالك" مالك مملك، ولا يسمى " المالك" إلا إذا ملك، فالجهة التي لا تستطيع أن تملكك ليست مالكة.
من لوازم اسم المالك أنه مملك لذلك الآية الشهيرة:
﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ ﴾
هذه من النواحي المادية، المعنوية:
﴿ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾
( سورة آل عمران )
لذلك مرة قرأت دعاء:
(( اللهم إني أعوذ بك أن أكون عبرة لأحد من خلقك ))
يعني اللهم إني أعوذ بك أن أكون قصة، أحياناً ينهار يصبح حديث البلد، كيف انهار ؟ كيف أُذل ؟ كيف كان جبراً ثم أُعدم ؟ ﴿ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ ﴾
3 ـ الملك الحقيقي من ملك نفسه و هواه:
هناك معنى ثالث: الملك الحقيقي أن تملك نفسك وهواك، والدليل، سيدنا يوسف ماذا قال في القرآن:
﴿ رَبِّ قَدْ آَتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ ﴾
( سورة يوسف الآية: 101 )
بعض علماء التفسير رجح هناك أقوياء كثر، وليسوا على ما ينبغي، أما أنت حينما تملك نفسك وهواك، أنت ملك حينما تملك نفسك وهواك.
ومرة قال أحد زعماء بريطانيا الذي حقق نصراً في الحرب العالمية الثانية، ملكنا العالم ولم نملك أنفسنا.
وأنا أقول دائماً: إن لم تكن طرفاً في مؤامرة قذرة هدفها إفقار المسلمين، أو إضلالهم، أو إفسادهم، أو إذلالهم، أو إبادتهم، فأنت ملك، إن لم تكن طرفاً.
تعلمون أنه في رئيس دولة عظمى، أغرته امرأة في قصره، فتورط معها وكُتبت فضائحه في الإنترنيت في ألفي صفحة، دقائق فضائحية. الملك من ضبط نفسه و كان أخلاقياً:
الإنسان متى يكون ملكاً ؟ إذا ضبط نفسه، وكان أخلاقياً، هذا ملك.
أحد الشيوخ قيل له: أوصنا، قال: كن ملكاً في الدنيا تكن ملكاً في الآخرة، قال: وكيف ؟ قال: ازهد في الدنيا تكن ملكاً في الآخرة، استغنِ عن الرجل تكن نظيره، احتج إليه تكن أسيره، أحسن إليه تكن أميره، الإنسان في أول ليلة في قبره ينادى:
(( أن عبدي رجعوا وتركوك، وفي التراب دفنوك، ولو بقوا معك ما نفعوك ولم يبقَ لك إلا أنا، وأنا الحي الذي لا يموت ))
الإمام الحسن البصري سُئل: بمَ نلت هذا المقام ؟ قال: باستغنائي عن دنيا الناس وحاجتهم إلى علمي، لو جاء وقت هذا الذي يحمل العلم استغنى الناس عن علمه، هو احتاج إلى دنياهم، انتهى، سقط العلم، إذا احتاج العالم إلى دنيا الناس، وزهد الناس بعلمه، سقط العلم، أما الحسن البصري بمَ نلت هذا المقام ؟ قال: باستغنائي عن دنيا الناس وحاجتهم إلى علمي.
أنا أتمنى على كل داعية أن يكون له عمل يرتزق منه، حتى لا يتضعضع أمام الأثرياء والأغنياء، اعمل واكسب رزقك بعزة نفس، ولا تتذلل لأحد.
(( من دخل على غني فتضعضع له ذهب ثلثا دينه ))
السعيد
09-02-2018, 08:13 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الرابع و الخمسون بعد المائة )
الموضوع : اسم الله - المقيت - 1 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
من أسماء الله الحسنى:(المقيت):
أيها الأخوة الأكارم، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "المقيت".
ورود اسم المقيت في القرآن الكريم في موقع واحد:
سمىّ الله جلّ جلاله ذاته العلية في القرآن الكريم باسم "المقيت"، فقد ورد في موقع واحد في القرآن الكريم، وهو قوله تعالى:
﴿ وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً ﴾
( سورة النساء )
كما تعلمون في آية الكرسي.
﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ﴾
( سورة البقرة الآية: 255 )
يعني لا تتم شفاعة في الكون بين جهتين إلا بإذن الله، فإذا كنت سبباً في عمل صالح فلك من هذا العمل الصالح نصيب، مثلاً أعنت إنساناً على نفسه فتاب إلى الله، كل أعمال الخير التي فعلها هذا الإنسان لك منها نصيب، وإذا دللت إنساناً على عمل سيئ أو على معصية، كل هذه المعاصي التي يفعلها عليك منها وزر، شيء خطير، ﴿ وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا ﴾
فأنت أي عمل تكون وسيطاً به، إن كان خيراً فلك منه نصيب، وإن كان شراً عليك منه وزر ﴿ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً ﴾
قبل أن تدل إنساناً، قبل أن تكون وسيطاً، قبل أن تكون سبباً، قبل أن تقنع إنساناً على معصية، أو بعمل، أو بسفر، أو باختلاط، أو بتأسيس تجارة أساسها محرم، قبل أن تدل إنساناً، قبل أن تروج، قبل أن تحبب، قبل أن تمدح، انتبه، هذا العمل الذي نتج عن توجيهك، وتبيينك، إن كان خيراً لك منه نصيب، وإن شريراً عليك منه وزر.
فالله عز وجل من فوق عرشه مقيت، له الكمال المطلق في إقاتة خلقه، ورزقهم، فإذا أضيف إلى الإطلاق اجتماع معاني العلو فكان هذا كمال الكمال. المقيت في اللغة:
أما في اللغة، "المقيت" اسم فاعل، للموصوف بالإقاتة، فعله أقات، هذا الرباعي، اسم الفعل قات، يقوت، قوتاً، والقوت هو ما يمسك الرمق من الرزق، الحد الأدنى من الطعام والشراب، قوت، قات الرجل و أقاته أي أعطاه قوتاً، والمصدر هو القوت المحفوظ الذي يقتات به حين الحاجة.
يعني امرأة قالت لزوجها: ما عندنا شيء، هذا الزوج بكى، سبب بكائه تذكر أنواع القوت التي في بيته، أنواع منوعة، وكثيرة، وكافية، كلمة ما عندنا شيء كلمة ما فيها أدب مع الله عز وجل، عندك كل شيء.
كفى بالمرء إِثما أن يُضَيِّع مَن يقوتُ:
لذلك المدخر المحفوظ الذي يُقتات به حين الحاجة، هذا هو القوت.
(( كفى بالمرء إِثما أن يُضَيِّع مَن يقوتُ ))
[ أبو داود عن عبد الله بن عمر]
من يقوت، من يطعم، أي أولاده، أطعمهم، سقاهم، ألبسهم، كساهم، لكن ما أدبهم، ما علمهم، ما عرفهم بربهم.
(( كفى بالمرء إِثما أن يُضَيِّع مَن يقوتُ ))
[ أبو داود عن عبد الله بن عمر]
لذلك أي أب في الأرض يرتاح إذا شبع أولاده، ولبسوا، وكانوا في بحبوحة ، لكن الأب المؤمن يتميز على بقية الآباء أنه يقلق لحال ابنه الإيماني، يتمنى أن يكون ابنه مؤمناً، يدعوه إلى الصلاة.
﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا ﴾
( سورة طه الآية: 132 )
إذا جاء الأب مساء لا يكتفي أن يسأل زوجته أأكل الأولاد، يقول لها: أأكلوا ؟ هل صلوا العشاء ؟.
سيدنا عمر لما طُعن رضي الله عنه، وكان على وشك مفارقة الحياة، الشيء الذي أقلقه أنه قال: هل صلى المسلمون الفجر ؟.
فأنت كأب ما الذي يقلقك على أولادك ؟ يا ترى صحتهم ؟ كسوتهم ؟ تفوقهم الدراسي ؟ أما يقلقك دينهم ؟ وصلاتهم ؟ واستقامتهم ؟.
(( كفى بالمرء إِثما أن يُضَيِّع مَن يقوتُ ))
[ أبو داود عن عبد الله بن عمر]
هناك آباء يعتنون بحاجات أولادهم المادية، لكنهم يغفلون عن حاجاتهم الروحية. الله عز وجل خلق الأقوات وتكفل بإيصالها إلى الخلق:
الله عز وجل هو "المقيت" ماذا يعني أن الله جلّ جلاله هو "المقيت" بكلمة مختصرة ؟ "المقيت" هو المقتدر
﴿ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً ﴾
أي مقتدراً، الذي خلق الأكوان.
أنت تصور بيوم واحد كم دابة تُذبح في العالم، في الخمس قارات ؟ كم طن قمح يحتاج البشر يومياً ؟ كم طن شعير ؟ كم طن قمح ؟ كم طن ؟ كم طن ؟ تجد أياماً، شخص أحياناً يذهب إلى السوق، سوق الخضر يرى جبالاً من الفواكه، جبالاً من الخضراوات، من صنع هذا ؟ المقتدر.
نهر الأمازون بالثانية الواحدة كثافته، وغزارته ثلاثمئة ألف متر مكعب، بالثانية الواحدة، هذا الماء من أين؟ بالثانية الواحدة يهطل من ماء السماء 16 مليار طن بكل ثانية، مجموع التهطال في الأرض 16 مليار طن بكل ثانية، رزق من؟ رزق "المقيت"، المقتدر الذي خلق الأقوات، وتكفل بإيصالها إلى الخلق.
حفيظ عليها، بآسيا يوجد جبال هملايا، في قمم هذه الجبال يعيش الوعول، والوعل يحتاج إلى ماء، يوجد ينابيع ماء في القمم، معنى ذلك أن مستودعات هذه الينابيع في قمم أعلى، بإندونيسيا هناك 13 ألف جزيرة، كل جزيرة لها نبع ماء، ونبع الماء لابدّ من تمديدات تحت الأرض إلى اليابسة، أحياناً يكون نبع ماء بجزيرة، كل أمطار الجزيرة لا تكفي لهذا النبع، فلابدّ من أن هذا النبع موصول بمستودع إلى جبل خارج هذه الجزيرة.
قال: هناك سحابة بالفضاء الخارجي، يمكن أن تملأ محيطات الأرض ستين ألف مرة في اليوم بالمياه العذبة.
﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ﴾
( سورة الحجر )
تقنين الله عز وجل تقنين تأديب لا تقنين عجز:
لذلك أيها الأخوة، تقنين الله عز وجل إذا قنن تقنين تأديب لا تقنين عجز.
﴿ وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ ﴾
( سورة الشورى الآية: 27 )
إذاً الله عز وجل هو "المقيت"، هو المقتدر، الذي خلق الأقوات وساقها إلى العباد وتكفل بإيصالها إلى العباد، هو حفيظ عليها.
مثلاً لماذا بعض الحبوب تصاب بالسوس ؟ من أجل ألا تخزنها، لو لم تصب بأي آفة، يكون احتكاراً لا يحتمل، فكل مادة غذائية لها خصائص.
فالله عز وجل معنى "المقيت" أنه يعطي كل مخلوق قوته ورزقه، على ما حدده سبحانه وتعالى من زمان، أو مكان، أو كم، أو كلمة، بمقتضى المشيئة والحكمة، فربما يعطي المخلوق قوتاً يكفيه لأمد طويل، أو قصير كيوم، أو شهر، أو سنة، وربما يبتليه لحكمة أرادها، فلا يحصل عليه إلا بمشقة وكلفة، هناك أرزاق سهلة، هناك أرزاق صعبة.
أحياناً إنسان يعمل عشرين ساعة وهو يصيح ليحصّل رزق يومه، وهناك إنسان يعمل عملاً بسيطاً، يأتيه رزق وفير، هذا من فضل الله على الإنسان.
لذلك يقولوا: الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه، أحد أسباب اتجاهه إلى طلب العلم أنه قرأ حديثاً:
(( من طلب العلم تكفل الله له برزقه ))
[الخطيب والديلمى وابن عساكر عن زياد بن الحارث الصدائى]
ليس معنى هذا أن يجد تحت الوسادة ليرة ذهبية كل يوم، لا، معنى ذلك أن الله يسر له عملاً مريحاً وله دخل معقول. على الإنسان أن يؤدي زكاة ماله عن الأشجار المثمرة بعد قطف الثمار وإجراء الحساب:
الله عز وجل خلق الأقوات على مختلف الأنواع والألوان، ويسر أسباب نفعها للإنسان، والحيوان.
﴿ وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ ﴾
(سورة الأنعام الآية:141)
بالزكاة.
﴿ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ﴾
( سورة الأنعام )
دقق ﴿ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ ﴾
لا تأكل فاكهة فجة، إنها تؤذي، ﴿ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ ﴾
إذا أينعت الفاكهة كُلْها، لا تأكلها قبل أن تكون يانعة.
﴿ وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ ﴾
( سورة الأنعام الآية: 141 )
لو كان الله عز وجل كلف بأداء الزكاة عن هذا الإنتاج الزراعي بشكل مطلق هناك عبء كبير جداً، ﴿ وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ ﴾
أما كل شيء أُكل قبل هذا الوقت ليس فيه زكاة، يوم قطف الثمار تجري الحساب الدقيق، تدفع العشر، أو نصف العشر، كزكاة هذا المحصول الزراعي. الله عز وجل مقيت يوفي كامل الرزق للناس:
بعض العلماء قالوا: "المقيت" هو المقتدر، فيرجع معناه إلى صفة القدرة.
و "المقيت" هو الذي يوفي كامل الرزق للناس، أنا للتوضيح أضرب هذا المثل:
يوجد بستان في منطقة معينة، نحن في الشام هنا عندنا الزبداني، في الزبداني يوجد بستان، الشجرة السابعة، الغصن الثالث، التفاحة السادسة، هذه لفلان، فلان يمكن أن يأكلها وقد اشتراها بماله شراء، يمكن أن يأكل هذه التفاحة وقد قدمت له هدية، يمكن أن يأكلها وقد قدمت له ضيافة، يمكن أن يتسولها، يمكن أن يسرقها، سرقها، أو تسولها، أو أكلها ضيافة، أو قُدمت له هدية، أو اشتراها بماله، هي في الأصل له، لكن طريقة وصولها إليه باختياره، هي في الأصل له، لكن طريقة وصولها إليه باختياره، لذلك:
(( نفث روح القدس في روعي أن نفساً لن تخرج من الدنيا حتى تستكمل أجلها وتستوعب رزقها فأجملوا في الطلب، واستجملوا مهنكم ))
[أخرجه الطبراني عن أبي أمامة الباهلي ]
أخطر شيء في حياة الإنسان اختيار حرفته و زوجته :
ألصق شيء بالإنسان حرفته وزوجته، فإذا كان اختار حرفة فيها نفع للناس، لا تختار حرفة تبث الرعب في قلوب الآخرين، إياك أن تختار هذه الحرفة، لا تختار حرفة فيها ابتزاز لأموال الناس، لا تختار حرفة فيها إفساد لأخلاقهم، لا تختار حرفة فيها تشتيت لجمعهم، إياك، اختر حرفة فيها عطاء، بث الأمن في قلوب الآخرين.
لذلك حجمك عند الله من نوع حرفتك، أخطر شيء في حياة الإنسان اختيار حرفته، أحياناً إنسان في وظيفة يقتضي أن يفتح مسجداً، وأن يعين خطيباً، هذه وظيفة، هناك وظيفة أخرى تقتضي أن يفتتح ملهى، وأن يعين راقصة، فرق كبير، يوجد إنسان عنده مدرسة، و إنسان عنده ملهى، فالبطولة أن تحسن اختيار حرفتك، لأنها ألصق شيء بك، وأن تحسن اختيار زوجتك، لأنها أم أولادك.
الكسب و الرزق:
"المقيت" هو المقتدر، فيرجع معنى هذا الاسم إلى صفة القدرة، وقيل "المقيت" الحفيظ، وهو معطي القوت، فيكون من صفات الفعل، إما اسم ذات أو اسم فعل.
أما في صحيح مسلم حديث دقيق جداً دعائي، يقول عليه الصلاة والسلام:
(( اللَّهمَّ اجعَل رِزقَ آلِ محمدٍ قُوتا ))
[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة ]
وفي رواية كفافاً.
ليس معنى هذا أنه فقير، أبداً، لكن معنى هذا أن رزقه يغطي كل حاجاته، من دون أموال طائلة يحار في إدارتها، تشغله عن الله عز وجل، يعني ما قلّ وكفى، خير مما كثر وألهى.
هذا مكان مناسب للتوضيح أن هناك فرق بين الرزق وبين الكسب، الرزق من انتفعت به، هذه من الرزق، هذه الطاولة، هذه الوجبة التي أكلتها، هذا السرير الذي تنام عليه، هذه المركبة التي تركبها، هذه الثياب التي ترتديها، هذا رزق، ما انتفعت به مباشرة أما الكسب حجمك المالي، الرصيد، الأموال المنقولة، والغير منقولة، هذه لم تنتفع بها أبداً لكنك محاسب عليها، فرق كبير بين الرزق وبين الكسب. محاسبة الإنسان على الكسب مع عدم انتفاعه به:
لذلك في الحياة الدنيا الرزق له سقف، لو معك مئة مليار ماذا تأكل ؟ وجبة طعام، كم ثوباً ترتدي ؟ ثوب واحدة، على كم سرير تنام ؟ على سرير واحد، كم مركبة تركب في وقت واحد ؟ مركبة واحدة، هذا هو الرزق، ما تنتفع به مباشرة، لكن الكسب ما حصلته في عمر مديد، وجعل لك حجماً مالياً كبيراً، هذا الكسب محاسباً عليه كيف اكتسبته ؟ وكيف أنفقته ؟ مع أنك لم تنتفع به.
لذلك إذا شخص سألته، وقال لي: الحمد لله، الله كافيني، حاجتي مؤمنة، رزقي يغطي حاجاتي، أقول له مداعباً: إذاً أصابتك دعوة رسول الله.
(( اللهم من أحبني فاجعل رزقه قوتاً ـ كفافاً ))
[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة ]
لا أقول فقيراً، ولا أقول معه أموالاً طائلة لا تأكلها النيران، لا، أقول هذا الذي آتاه الله رزقاً، يغطي كل حاجاته، من دون أن يجعله هذا الرزق غارقاً في الدنيا، بعيداً عن الله، غارقاً في إدارة أمواله.
(( اللهم من أحبني فاجعل رزقه قوتاً ـ كفافاً ))
[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة ]
والدعاء في صحيح مسلم:
(( اللَّهمَّ اجعَل رِزقَ آلِ محمدٍ قُوتا ))
[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة ]
مشتقات الألبان من أعظم الأرزاق الإلهية:
وروى ابن ماجة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
(( مَن أَطْعَمَهُ الله طعاماً فَلْيَقُلْ: اللَّهمَّ بارِك لنا فيه، وأطعِمنا خيراً منه، ومن سَقاهُ الله لبنا، فليقل: اللَّهمَّ بارك لنا فيه وزِدْنَا منه، فإنه ليس شيءٌ يُجْزئ من الطعام والشراب إلا اللبنُ ))
[ ابن ماجه عن ابن عباس]
هذه مشتقات الألبان من أعظم الأرزاق الإلهية.
﴿ وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ ﴾
( سورة النحل الآية: 5 )
هل تملون مشتقات الألبان ؟ يومياً، يومياً تأكلها ولا تملها، بخلاف أي طعام آخر، أي طعام آخر تمله، لأن النبي عليه الصلاة والسلام إذا شرب اللبن قال:
(( اللهم زدنا منه ))
و:
(( أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فبعث إلى نسائه فقلن: ما معنا إلا الماء ))
[ البخاري عن أبي هريرة]
الحكمة من فقر النبي عليه الصلاة والسلام:
هناك سؤال: لماذا شاءت حكمة الله أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم فقيراً ؟ هو هو، لو كان غنياً لقالوا هذه الثروة الطائلة هي هدفه من هذه الدعوة، لكن أراد الله سبحانه وتعالى أن يبين أن هذه المتاعب، وهذه الجهود، وهذا الجهاد، ودنياه خشنة محدودة ، محدودة جداً، لما سأله سيدنا جبريل.
(( يا محمد إن الله يخيرك بين أن تكون نبياً عبداً أو نبياً ملكاً ؟ فتلفت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جبريل عليه السلام كالمستشير، فأومأ إليه: أن تواضع. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل نبياً عبداً ))
[أخرجه الطبراني عن عبد الله بن عباس ]
أجوع يوماً فأذكره، وأشبع يوماً فاشكره، فقالت نساؤه:
(( ما معنا إلا الماء ))
فقال عليه الصلاة والسلام:
(( من يضيف هذا ؟ ))
الآن الصحابة فقراء، فقال أنصاري: أنا يا رسول الله، فانطلق به إلى امرأته ففال أهلاً بضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: والله ما عندنا إلا قوت صبياني ، فقال: هيئي طعامك، وأصلحي سراجك، ونومي صبيانك، إذا أرادوا عشاء، نوميهم ودعي عشاءهم لهذا الضيف، والعشاء لا يكفي الأنصاري وزوجته والضيف، يكفي الأولاد فقط فهيأت طعامها، وأصلحت سراجها، ونومت صبيانها، وقامت كأنها تصلح سراجها فأطفأته، فجعلا يريانه أنهما يأكلان، فباتا طاويين، وضعت لهذا الضيف طعام أولادها ، وأطفأت السراج، وأوهمت الضيف أنهما يأكلان معه، هما في الحقيقة لا يأكلان شيئاً.
فلما أصبح غدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ضحك الله أو عجب من فعلهما، فأنزل الله قوله تعالى:
﴿ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾
( سورة الحشر )
الشح مرض خبيث يصيب النفس الإنسانية:
أخوانا الكرام، كيف الإنسان لا سمح الله ولا قدر يصاب بورم خبيث، مرض عضال، مرض مميت، مرض قاتل، والشح مرض خبيث يصيب النفس الإنسانية، الشح مرض، هذا الشحيح يعيش فقيراً ليموت غنياً، لذلك قال تعالى:
﴿ وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً ﴾
( سورة الإسراء )
يقول عليه الصلاة والسلام:
(( ما ملأ آدمي وعاء شراً من بطنه، حسب ابن آدم ثلاث أكلات يقمن صلبه فإن كان لا محالة فثلث طعام وثلث شراب وثلث لنفسه ))
[ أخرجه الحاكم عن المقدام بن معد يكرب ]
وقالوا: عشر ما نأكله يكفي لبقائنا أحياء، وتسعة أعشار ما نأكله يكفي لبقاء الأطباء أحياء، نحن أكثر متاعب الناس من طعام يزيد عن حاجتهم.
فلذلك أيها الأخوة، موضوع الرزق موضوع دقيق جداً، أهم شيء أن تفرق بين الرزق الذي تنتفع به مباشرة، وبين الكسب الذي تحاسب عليه ولم تنتفع به.
السعيد
09-02-2018, 08:16 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الخامس و الخمسون بعد المائة )
الموضوع : اسم الله - المقيت - 2 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
من أسماء الله الحسنى:(المقيت):
أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في اسم "المقيت".
المقيت هو الذي خلق القوت المادة الأساسية التي لا يستطيع الإنسان الاستغناء عنها:
"المقيت" هو الذي خلق القوت، والقوت ما يمسك الرمق من الرزق، الحد الأدنى ما يقوت الإنسان، ما يقيم أوده، ما يجعله يقف على قدميه، أي هناك أنواع من الفواكه ليست قوتاً.
﴿ فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ ﴾
( سورة الصافات )
من نوع التكريم، من باب الود، لكن القمح، والعدس، والحمص، والمحاصيل الأساسية هذه أقوات.
الآن يصنعون هذه الأقوات وقوداً للطائرات، لذلك ترتفع الآن أسعار المواد الغذائية على الشعوب الفقيرة من أجل أن يركب الأغنياء الطائرات بوقود لا يسبب التلوث.
فالقوت المادة الأساسية، بالتعبير المعاصر المحصول الاستراتيجي، القمح، هناك حرب قمح، هناك حرب مياه.
لذلك "المقيت" هو الذي خلق القوت، والقوت ما يمسك به الرمق، من الرزق ما يقيت الإنسان، ما يقيم أوده، ما يجعله يقف على قدميه، ما يعينه على مزاودة نشاطه.
فالخبز من القوت، والحليب من القوت، كان عليه الصلاة والسلام إذا شرب اللبن قال:
(( اللَّهمَّ بارك لنا فيه وزِدْنَا منه ))
[ أخرجه ابن ماجة من حديث ابن عباس رضي الله عنه ]
العلاقة بين الغذاء و الذكاء:
أخوانا الكرام، هناك مصطلحات جديدة، هناك جوع كمي، وجوع نوعي ، الجوع النوعي لا يوجد مواد أساسية بالغذاء، لا يوجد بروتينات كافية، لا يوجد مواد مرممة، لا يوجد مواد فيها فيتامينات، لا يوجد مواد فيها معادن، فهناك جوع نوعي، أكل، وملأ معدته، وشبع لكن ما استوفى حاجته من الغذاء.
لذلك من أحدث البحوث العلمية، أن هناك علاقة بين الغذاء والذكاء، أية جهة في الأرض تقلل القيمة الشرائية للعملة بحيث لا يستطيع الموظف أن يؤمن لأهله الغذاء النوعي، لا الغذاء الكمي، هذا عمل يسيء للأمة.
لذلك من أحدث البحوث أن هناك علاقة بين الغذاء وبين الذكاء، وقد تعاني الأمة من جوع نوعي، لا من جوع كمي، هذا الإنسان يحتاج إلى طعام، والذي خلقه خلق له الطعام، وجعل توافقاً بين هذا الطعام وبين بنية جسم الإنسان، ثم هيأ في هذا الجسم أجهزة لتلقي هذا الطعام، ولهضمه، ولتحويله إلى طاقة، وإلى نسج.
خلق طعام، و توافق مذهل بين خصائص هذا الطعام وبين خصائص جسم الإنسان، و أجهزة بجسم الإنسان تستقبل هذا الطعام، وتحوله إلى طاقة، وإلى نسج.
الغدة الثديية في البقرة من آيات الله الدالة على عظمته:
أخوانا الكرام، الأطفال الذين يشربون الحليب ليس من ثدي أمهم هذا الحليب فيه من المواد خمسة أضعاف ما يتحمله جهاز هضم الطفل، فيه حموض أمينية خمسة أضعاف ما يتحمله جسم الطفل، لذلك هناك آفات قلبية ووعائية في المستقبل، تنشأ من عدم إرضاع الأطفال من ثدي أمهم.
لذلك معامل الحليب الآن ملزمة أن تكتب: لا شيء يعدل حليب الأم، عملية خلق للطعام، عملية توافق، عملية خلق أجهزة بالجسم تستقبل هذا الطعام، مثلاً:
الغدة الثديية في البقرة، في قبة، يجول في أعلاها أوعية دموية كثيفة جداً ، وهذه الخلية الثديية تأخذ حاجتها من الدم الذي يجول على ظهرها.
﴿ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ ﴾
( سورة النحل الآية: 66 )
بالدم يوجد حمض بول، حمض البول فرث سائل، وهناك فرث غازي الزفير، وفرث كتلي، الشيء الآخر.
إذاً هذه الخلية الثديية هي عاقلة، تختار المواد، السكريات، الشحوم، الدهون ، البروتينات، المعادن، أشباه المعادن، الفيتامينات من الدم، وتصنعها حليباً، ويقطر من أسفل هذه الخلية قطرة حليب، أما كيف تختار هذه الخلية حاجتها من الدم ؟ لا أحد يعلمه إلا الله.
إلا أن هذه الخلايا الثديية التي كالقباب تمنح الحليب من الطبقة السفلى إلى درع البقرة، درع البقرة قد يستوعب إلى أربعين كيلو غرام، لئلا يتمزق هذا الضرع مدعم بجدارين متعامدين، يعني وفق علم الميكانيك، وكل ربع من هذا الضرع ينتهي بحلمة، لو أن أربعة أشخاص شركاء في بقرة واحدة، كل واحد يأخذ ربع الحليب بالتمام والكمال، من جعل هذه البقرة المعمل الصامت، لا ضجيج، لا دخان، تأكل الحشيش وتعطيك أعلى غذاء تستخدمه، مشتقات الألبان. ﴿ وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ ﴾
( سورة النحل الآية: 5 )
الآن كم لتر من الدم يجول في الأوعية الدموية المحيطة بالخلايا الثديية ؟ أربعمئة ضعف، كل أربع لتر دم تجول في هذه الأوعية يصنع منها لتر حليب واحد. من معاني المقيت:
1 ـ المقتدر على خلق الأقوات و خلق التوافق و خلق الأجهزة:
أيها الأخوة، إذاً "المقيت" هو المقتدر على خلق الأقوات، وخلق التوافق، وخلق الأجهزة، فالمقتدر له معنى علمي، ومعنى قدرة، المقتدر علماً، وقوة.
2 ـ الحفيظ:
بعض العلماء يقول: "المقيت" هو الحفيظ، ما الذي يحفظ لك صحتك ؟ "المقيت"، حينما يسد شريان يغذي القلب، ما الذي يحصل ؟ تنشأ شرينات قد تصل إلى عشرة شرينات مجموع أقطارها يساوي هذا الشريان المسدود، قدرة من ؟.
قدرة الله عز وجل على حفظ صحتك:
أيها الأخوة، القلب مثلاً حينما نبرده يقف، نبدل صمامه، نبدل بعض حاجاته كالأوعية المغذية له، ثم نعطيه صعقة كهربائية فيعمل، لو أن القلب إذا بردناه وسكن ولا يستجيب للصعقة، ألغيت عمليات القلب كلها، ما الذي يجعل العمل الجراحي للقلب ناجح ؟ أن من خصائصه أنك إذا بردته فسكن، إن أعطيته صعقة بعد أربع ساعات يعود فيعمل، لولا هذه الخاصة ما في جراحي إطلاقاً.
أيها الأخوة، الخلية العظمية حينما ينمو جسم الإنسان ويكتمل، هذه الخلية تنام لكنه إذا حصل كسر بعد السبعين تعيد ترميم القسم المكسور.
هناك ميكانيكي، أو من يعمل في السيارات، حينما تكسر قطعة في السيارة يقول لك: دعها بعد حين تعود ملتصقة، شيء مضحك، أما في جسم الإنسان مهمة جراح العظام أن يضع طرف العظمة مع طرفها الآخر، وعندئذٍ تستيقظ هذه الخلايا، وتلتئم قطعتا العظم الذي كُسر.
خلية الكبد، الكبد أحياناً يقوم من 500 وظيفة إلى 5000 وظيفة، كل خلية من خلايا الكبد تقوم بكل الوظائف، لذلك حينما يضطر الطبيب يستأصل القسم المتشمع من الكبد، لو أنه استأصل أربعة أخماس الكبد، أسرع خلية بالنمو خلية الكبد، يعيد الكبد بناء نفسه بأربعة أسابيع، من أعطى هذه الأجهزة تلك الخصائص ؟.
أحد أخوتنا الكرام يعمل جراح قلب في بيروت، قال لي: استأصلت أربعة أخماس الكبد بالمشرط، وبعد أربعة أسابيع أعاد الكبد بناء نفسه.
كليتا الإنسان فيها عشرون ضعفاً من حاجة الإنسان لتصفية الدم، عشرون احتياطاً.
تكفل الله عز وجل برزق الإنسان بعد أن خلقه:
أيها الأخوة، من معاني "المقيت" الحفيظ، يحفظ لك هذا الجسم، هناك جهاز توازن معقد جداً، قنوات، وأشعار، وسائل، لما تميل قليلاً السائل يبقى مستوياً، لما تميل يصل السائل إلى أشعار معينة، أنت تغير، لولا هذه الأشعار، وهذا الجهاز، لا يوجد راكب دراجة، لا يوجد إنسان يمشي، هل بالإمكان أن نجعل ميتاً يقف ؟ لا يقف، بل حتى هذه التماثيل في محلات الألبسة النسائية، انظر إلى القاعدة، سبعين سنتيمتر، حتى هذا الجسم يبقى منتصباً يحتاج إلى قاعدة استناد واسعة جداً، أما أنت بقدمين لطيفتين تمشي، تقف وتستقر بفضل جهاز التوازن في الأذن، لولا هذا الجهاز الإنسان ما فيه يمشي.
من معاني "المقيت"، يعني الحفيظ.
الآن كي يطمئنك ربك عز وجل قال لك:
﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ﴾
( سورة الروم الآية: 40 )
جعل الفعل بصيغة الماضي.
﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾
( سورة الروم )
الله عز وجل مقيت يخلق قوت الأشباح ويرزق قوت الأرواح:
الآن هناك موضوع جديد، الله عز وجل خلق قوت الأشباح، هذا الجسم شبح، لماذا هو شبح ؟ لأنه بعد الموت يفنى، هذا اسمه عالم الأشباح، هذا الجمع الغفير المبارك أعتقد بعد مئة عام لن يكون أحد منا فوق الأرض، ولم يبقَ من جسمه إلا العظام.
أنا كنت في البحرين ودخلنا إلى متحف البحرين، وجدنا عظاماً من ألفي عام قبل الميلاد، هذا الذي بقي من هذا الإنسان، قبر يعود تاريخه إلى ألفي عام قبل الميلاد.
هذا العالم عالم الأشباح.
﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾
( سورة الرحمن )
لذلك الله عز وجل مقيت يخلق قوت الأشباح (الأجسام)، لكن ويرزق قوت الأرواح، لذلك هناك مصطلح عند علماء القلوب اسمه قوت القلوب، كما أن الجسم يحتاج إلى قوت، والنفس تحتاج إلى قوت.
مثلاً: ابن بالبيت، الأب أطعمه، في طعام، ثلاث وجبات، طعام جيد، في لباس، في مرافق بالبيت جيدة جداً، لكن هذا الأب لا يكلم هذا الابن، يتحطم، هذا الابن يحتاج إلى قوت آخر، يحتاج إلى أن يضمه أبوه، يحتاج إلى أن يداعبه، إلى أن يبتسم في وجهه، إلى أن يسأله عن أحواله، هذا قوت آخر.
لذلك المربون يعلمون هذه الحقيقة، لا يكتفي الأب المربي أن يقدم الطعام لأولاده، يجلس معهم، يؤانسهم، يسألهم عن أحوالهم، يداعبهم أحياناً، يدخل على قلبهم الفرح هذا قوت آخر.
لو شخص دعاك إلى طعام، وما رحب بك أبداً، كُلْ، هل تقبل ؟ تريد الطعام والترحيب في ود. حاجة الإنسان الماسة إلى قوت الأرواح مع قوت الأشباح:
لذلك قالوا: هناك قوت الأشباح، وقوت الأرواح، قوت الأرواح، العلم، الخشوع بالصلاة، البكاء أثناء تلاوة القرآن، التقوى، صار عندنا موضوع جديد عندنا قوت الأشباح، وقوت الأرواح، أي قوت الأجساد، وقوت النفوس، طعام وشراب، وعلم وحكمة، فواكه وسكينة، ماء وتجلٍّ إلهي.
إذاً كما أننا بحاجة ماسة إلى قوت الأشباح نحن في أمس الحاجة إلى قوت الأرواح، لذلك:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً ﴾
( سورة مريم )
هذا الود بين العبد المؤمن وربه لا يقدر بثمن، يشعر بسعادة لا توصف أن خالق السماوات والأرض يحبه.
هناك معنى آخر من قوت الأرواح، يقول عليه الصلاة والسلام:
(( لا يَقْعُدُ قومٌ يذكرون الله عزَّ وجلَّ ـ وهذا مجلس ذكر إن شاء الله ـ إِلا حَفَّتْهُم الملائكةُ، وغشيتهم الرحمةُ ونزلت عليهم السكينةُ، وذكرهم الله فيمن عنده ))
[أخرجه مسلم والترمذي عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري ]
إذاً أنت في مجلس الذكر تغذي نفسك بقوت الأرواح، في البيت على المائدة تغذي جسمك بقوت الأشباح، أما إذا جئت إلى المسجد، وحضرت مجلس علم تغذي قلبك بغذاء خاص. إلزام الله عز وجل نفسه برزق العباد:
هناك معنى جديد هو أن "المقيت" فضلاً عن أنه يخلق الأقوات، ووفق بين الأقوات وبين الأجسام، وخلق في الأجسام أجهزة لتلقي هذه الأقوات، تكفل بهذا القوت، وهذا المعنى نأخذه من أن الله عز وجل حينما تأتي كلمة على مع لفظ الجلالة ألزم نفسه ذاتياً برزق العباد الآية الكريمة:
﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا ﴾
( سورة هود الآية: 6 )
كلمة على إذا جاءت قبل اسم الجلالة يعني ذلك أن الله ألزم نفسه برزق العباد. افتقار الإنسان إلى نعم الله عز وجل إذا مُنعت عنه:
أيها الأخوة، نحن قد لا نعرف قيمة الغذاء، هناك قصة فرنسية مترجمة، أن إنساناً كان على ناقته وعليها طعامه وشرابه، ضلّ الطريق، فنفذ طعامه وشرابه، وصار على وشك الهلاك، لمح عن بعد بركة ماء أشرق في نفسه الأمل، صار أمل على أن يبقى حياً بعد أن أيقن بالموت، هرع إلى هذه الواحة، رأى بركة ماء شرب منها حتى ارتوى لكنه جائع جوعاً شديداً، ثم تولى إلى الظل فحالت منه التفاتةٌ فرأى كيساً هو يحسب أن فيه خبزاً، فتح الكيس فلم يجد فيه إلا لآلئ، فصاح وا أسفاه هذه لآلئ.
أي لو أنت جائع و معك مئة مليار، لا تساوي شيئاً، بالحرب العالمية الثانية بيع رغيف الخبز بليرة ذهبية، رغيف الخبز، فالقوت، الله عز وجل يديم فضله علينا.
سُئل مرة أحد خلفاء بني العباس، وقد طلب كأس ماء، سأله وزيره: يا أمير المؤمنين بكم تشتري هذا الكأس لو منع منك ؟ قال: بنصف ملكي، قال له: فإذا منع إخراجه ؟ قال: بنصف ملكي الآخر، أنت مفتقر لكأس ماء. الحجب عن الله عز وجل أكبر عقاب إلهي يصيب الإنسان:
قال بعض العلماء: "المقيت" من شهد النجوى فأجاب، وعلم البلوى وكشف واستجاب.
وقالوا: قوت القلوب معرفة علام الغيوب، الآن أكبر عقاب إلهي، أكبر عقاب أن تحجب عن الله.
﴿ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ﴾
( سورة المطففين )
لذلك النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا أكل طعاماً له دعاء خاص يقول:
(( الحمد لله الذي أذاقني لذته ))
[ البيهقي عن عائشة]
هناك إنسان يأكل سيروم، أنت تأكل، تأكل طعاماً طيباً.
(( أذاقني لذته وأبقى في منفعته ))
[ البيهقي عن عائشة]
في طعام، في بروتينات، والطعام يعطيك نشاطاً.
(( وأذهب عني أذاه ))
[ البيهقي عن عائشة]
إذا أكل طعاماً، ودخل إلى الخلاء يقول:
(( الحمد لله الذي أذاقني لذته، وأبقى في منفعته، وأذهب عني أذاه ))
[ البيهقي عن عائشة]
النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
(( أذيبوا طعامكم بذكر الله والصلاة ولا تناموا عليه فتقسوا قلوبكم ))
[أخرجه الطبراني عن عائشة أم المؤمنين ]
على الإنسان أن يبتعد عن الوجبات الدسمة قبل النوم:
الإنسان إذا أكل ونام كحال بعض البلاد ونحن منهم، يأكل عشاء دسماً، وينام وصباحاً يعمل نفسه أكابر، أنا صباحاً لا آكل، أهم وجبة هي وجبة الصباح، وجبة الطعام صباحاً بعدها في ثماني ساعات عمل، ولكن بعض الشعوب ونحن منها مع الأسف الشديد الوجبة الدسمة قبل النوم.
لذلك لما الإنسان ينام القلب يضعف نبضه يصبح خمسة و خمسين، يمشي الدم ببطء، إذا مشى الدم ببطء ترسب في جدران الأوعية المواد الدهنية، تضيق هذه الأوعية، وتفقد مرونتها، عندئذٍ:
(( ولا تناموا عليه فتقسوا قلوبكم ))
[أخرجه الطبراني عن عائشة أم المؤمنين ]
القلب يقسو، لأن القلب مضخة، فهذا الوعاء إذا مرن صار قلباً ثانياً، يتلقى الوعاء يتوسع، لأنه مرن يرجع ينقبض، صار قلباً ثانياً، الأوعية كلها قلوب، امسك النبض هنا، تجد في نبض، هذا الوعاء مرن، يعني يتوسع وينكمش، ما دام يتوسع وينكمش معناها مرن، معناها صار قلباً ثانياً، لما الإنسان يأكل وينام، تترسب المواد الدهنية بالأوعية الدموية يفقد مرونته، فيتعب القلب.
(( فتقسوا قلوبكم ))
الآداب مع اسم "المقيت":
1 ـ أن تأكل الحلال الطيب لذاته ولغيره:
قال: الأدب مع اسم "المقيت" أول أدب ألا نقبل إلا الحلال الطيب، عندنا طعام حرام لذاته، وهناك حرام لغيره، طبعاً لحم الخنزير حرام لذاته، ولحم الضأن إن لم تدفع ثمنه حرام لغيره، أيضاً حرام، إذا شخص دخل إلى مطعم وغافل صاحب المطعم وما دفع وأكل طعاماً حلالاً مذبوحاً على الطريقة الإسلامية، لكن هذا الأكل حرام، ما دفع ثمنه، أول حالة نقول حرام لذاته الخنزير، والحالة الثانية حرام لغيره، هناك حالة ثالثة، إذا كسبه فيه غش، فيه تدليس، فيه كذب، فيه احتيال، فيه إيهام، فيه احتكار، دخله فيه شبهة ، صار الطعام الذي يأكله ليس طيباً.
(( يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة ))
[أخرجه الطبراني عن عبد الله بن عباس ]
أي اعمل عملاً شريفاً، ومتقناً، واقبض المبلغ حلالاً زلالاً، هذا المبلغ الحلال إذا اشتريت به طعاماً كان بمصطلح النبي الكريم طعاماً طيباً .
(( أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة ))
زرت والد صديقي قال لي: يا عم أنا عمري 98 سنة أجريت البارحة تحليلات كاملة، قال لي: كله طبيعي، قال لي: ما أكلت قرشاً حراماً بحياتي، من عاش تقياً عاش قوياً.
(( يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة ))
2 ـ أن تنتقل من النعمة إلى المنعم:
الأدب الثاني: أن تنتقل من النعمة إلى المنعم، على الطاولة أنواع منوعة من الطعام، يجب أن تذوب محبة لله، على هذا الطعام الذي على المائدة.
3 ـ ألا تطلب حوائجك إلا من الله:
والأدب الثالث: ألا تطلب حوائجك إلا من الله.
(( يا موسى سلني حتى ملح قدرك و شراك نعلك ))
أول أدب: أن تأكل الحلال الطيب، لذاته ولغيره، وأن يكون دخلك حلالاً حتى يكون طعامك طيباً بوصف النبي الكريم.
والأدب الثاني: أن تنتقل من النعمة إلى المنعم.
والأدب الثالث: ألا تطلب حوائجك إلا من الله.
السعيد
09-02-2018, 08:18 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( السادس و الخمسون بعد المائة )
الموضوع : اسم الله - الحسيب - 1 -
د لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى:(الحسيب):
أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى والاسم اليوم "الحسيب".
ورود اسم الحسيب في القرآن الكريم مطلقاً و مقيداً:
هذا الاسم ورد في القرآن الكريم مطلقاً في قوله تعالى:
﴿ وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً ﴾
( سورة النساء )
فالله سبحانه وتعالى من فوق عرشه حسيب باسمه وبصفته، له الكمال المطلق في محاسبته لخلقه، وله الكمال المطلق في علو شأنه، وقد ورد هذا الاسم أيضاً مقيداً في قوله تعالى:
﴿ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً ﴾
( سورة النساء )
دققوا في هذه اللغة التي أكرمها الله عز وجل فجعلها لغة كلامه، ولغة قرآنه. الحسيب في اللغة:
"الحسيب" على وزن فعيل من صيغ المبالغة، الفعل، حسِبَ، يحسبُ، حساباً وحسباناً، ولكن دقة اللغة في حسبَ ويحسبُ، ظن، ويظن، وفي حسب يحسب، عدّ يعد وفي حسُب يحسبُ، كان ذا حسب، افتخر بحسبه، وفي حسِبَ يحسبُ، حاسب غيره ، حركة، أربعة أفعال كل فعل له معنى مستقل عن الآخر.
على كلٍ: اسم الفاعل حاسب، صيغة المبالغة حسيب، حينما نصف إنساناً بأنه يحاسب غيره فهو حاسب كاسم فاعل، حسيب كصيغة مبالغة لاسم الفاعل، الحساب ضبط العدد، بيان المقادير الدقيقة، سواء أكان هذا الحساب والضبط جزماً أو ظلماً.
الحسيب هو الكافي الرفيع الشأن يعلم و يرزق و يكفي:
الآن "الحسيب" هو الكافي، الكريم، الرفيع الشأن، الحسب في حقنا نحن البشر هو الشرف الثابت في الآباء، فلان ذو حسب، ينتمي إلى أرومة عالية.
الحسب هو العمل الصالح، رُب حسيب الأصل غير حسيب، له آباء أبرار لكن الابن ليس كذلك، هذا في شأن اللغة.
أما إذا قلنا الله جلّ جلاله هو "الحسيب"، هو العليم، هو الكافي، الذي قدر أرزاق الخلائق قبل خلقهم، هو الحسيب، ووعد باستكمال العباد لأرزاقهم على مقتضى حكمته، فهو "الحسيب"، وضمن ألا تنفذ أرزاقه، فهو "الحسيب"، أليس الله بكافٍ عبده ؟ وأنه سينال الأرزاق، فهو "الحسيب" يعني الرازق، الكافي، "الحسيب" الرزاق.
قال أبو حامد الغزالي: "الحسيب" هو الكافي، وهو الذي من كان له كان حسبه، إذا كان الله لك فهو حسبك، أحياناً إنسان يقدم لك خدمة، لكن أنت بحاجة إلى خدمة أكبر، يقدم لك معونة، لكنك بحاجة إلى شفاء من مرض، لكن الله سبحانه وتعالى إذا تولاك، كن مع الله ترَ الله معك.
إذا كنت في كل حالٍ معي فعن حمل زادي أنا في غنى
* * *
"الحسيب" الكافي، يعلم، ويرزق، ويكفي، والإنسان حينما يعرف الله منتهى طموحه أن يصل إليه.
والله سبحانه وتعالى حسيب كل أحد وكافيه، كل شخص الله يحاسبه حساباً دقيقاً اطمأن.
﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ﴾
( سورة إبراهيم )
الحقيقة الذي يكفيه كفاية مطلقة، لا يمكن أن ينال هذه الصفة إلا الله، أي إنسان يقدم شيئاً لكنك تحتاج إلى أشياء، الله يقدم لك الأمن، يقدم لك الحكمة، يقدم لك الصحة، يقدم لك نجاح الزواج، يقدم لك أولاداً أبرار، يقدم لك كفاية تزيد عن حاجتك، يقدم لك راحة نفسية، يقدم لك رضا، يقدم لك حياة نفسية رائعة جداً، يقدم لك حياة مادية رائعة، الله عز وجل حسبك، يكفيك كل شيء النواحي المادية والمعنوية. الله عز وجل حسيب يكفي عباده إذا التجؤوا إليه واستعانوا به واعتمدوا عليه:
إذاً هو الله وحده كافٍ لكل شيء، لا لبعض الأشياء، كافٍ ليحصل به وجود الشيء، واستمرار الشيء، وكمال الشيء، وجودك هو "الحسيب"، استمرارك هو "الحسيب" ، كمال وجودك هو "الحسيب".
"الحسيب" يكفي عباده إذا التجؤوا إليه، واستعانوا به، واعتمدوا عليه، دققوا:
﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا ﴾
( سورة آل عمران الآية: 173 )
أحياناً تشعر في حالات معينة أن العالم كله يحارب الإسلام، وكأن حرباً عالمية ثالثة معلنة على هذا الدين، والعجيب أن هذا الدين ينمو، ينمو في كل مكان.
أنا زرت فرنسا، الخبر أن خمسين فرنسياً من أصول فرنسية يدخلون في الإسلام يومياً، وأن في فرنسا ألفين و سبعمئة مسجد، وأن الدين الثاني هو الإسلام، والحرب على الإسلام جهاراً نهاراً معلنة وليست مبطنة. الله عز وجل لا تحتاج معه إلى أحد إذا توكلت عليه:
﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾
( سورة آل عمران )
والله كلمة رائعة: ﴿ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾
﴿ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ﴾
( سورة آل عمران )
لا تحتاج معه إلى أحد، لا تحتاج معه إلى معين، لا إلى قوي هو القوي، هو الغني، هو الموفق:
(( حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، قالها إبراهيمُ حينَ أُلقِيَ فِي النَّارِ ))
[ البخاري عن ابن عباس]
يعني النار أُضرمت كنار عظيمة ليلقى بها هذا النبي الكريم، فإذا قال حسبي الله ونعم الوكيل قال الله عز وجل :
﴿ يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﴾
( سورة الأنبياء )
وقد لا ننتبه لدقة هذا الكلام، ﴿ كُونِي بَرْداً ﴾
لو لم يقل ﴿ وَسَلَاماً ﴾
لمات من البرد ﴿ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً ﴾
ولو لم يقل ﴿ عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﴾
لألغي مفعول النار إلى أبد الآبدين ﴿ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﴾
بالذات.
﴿ وَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ ﴾
( سورة الأنبياء )
الله عز وجل حسيب حسابه واقع لا محالة:
الآن "الحسيب" يحصي أعداد المخلوقات وهيئاتها، يضبط مقاديرها وخصائصها، يحصي أعمال المكلفين في مختلف الدواوين، يحصي أرزاقهم، أسبابهم، أفعالهم، مآلهم أحوالهم.
الله عز وجل حسيب بالمفهوم الشمولي، عليم، حسيب، يحاسب، قال حسابه واقع لا محالة.
﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾
( سورة الحجر )
والله يا أخوان أتعجب ممن يترنم بكلمة مسؤول كبير، والله لو علم معناها لارتعدت فرائصه، مسؤول كبير !.
يقول سيدنا عمر: والله لو تعثرت بغلة في العراق (هو في المدينة)، لحاسبني الله عنها، لِمَ لم تصلح الطريق لها يا عمر ؟.
سيدنا عمر بن عبد العزيز دخلت عليه زوجته فاطمة بنت عبد الملك رأته يبكي قالت له: مالك تبكي ؟ قال لها: دعيني وشأني، فلما ألحت عليه، قال: ويحك يا فاطمة إني وليت أمر هذه الأمة، فرأيت المريض الضائع، والفقير الجائع، والشيخ الكبير، والأرملة الوحيدة، وذي العيال الكثير، والرزق القليل، والمأسور، والمظلوم، وأمثالهم في أطراف البلاد، فعلمت أن الله سيسألني عنهم جميعاً، وأن خصمي دونهم رسول الله، فخفت ألا تثبت حجتي فلهذا أبكي، دعيني وشأني ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾
لماذا طلقتها ؟ ماذا فعلت معك ؟ لماذا قبلت هذه الشراكة ؟ من أجل أن تأخذ خبرته ثم تطرده ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾
أنا دائماً أقول إذا كنت بطلاً هيئ لربك جواباً يوم القيامة، لكل ما تفعل، حسابه واقع لا محالة، لا يشغله حساب عن آخر، كما لا يشغله سمع عن سمع. الله تعالى سريع الحساب لا يشغله شأن عن شأن:
نحن ثبت علمياً لا تستطيع إطلاقاً أن تنتبه إلى صوتين في آن واحد، ومن توهم أنه يستطيع هو في الحقيقة عنده ما يسمى سرعة التحول، أما أنت في وقت واحد لا تسمع إلا صوتاً واحداً، الدليل: ائتِ بمسجلة وضعها على النافذة، واجلس مع صديق حميم ساعة، ثم اسمع ما سجلته المسجلة، كل هذه الأصوات التي سجلتها لم تسمعها أنت هنا، كنت غارقاً مع صديقك في حديث طويل.
فالإنسان يصطفي، الله عز وجل لا يشغله سمع عن سمع، ولا دعاء عن دعاء ، ولا شأن عن شأن، فهو سريع الحساب.
﴿ الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾
( سورة غافر )
أحياناً بالكمبيوتر تسأل السؤال وتطلب الجواب، يأتي فوراً، يقول لك: سرعته عالية جداً، المعالج بمستوى عالٍ جداً، إذا إنسان صنع شيئاً يعطيك الجواب سريع، فكيف خالق الأكوان ؟ الله عز وجل سمح لذاته العلية أن توازن مع مخلوقاته كي نعرف من هو الله:
الله عز وجل سمح لذاته العلية أن يوازنها مع مخلوقاته قال:
﴿ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ ﴾
( سورة الأنعام )
﴿ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾
( سورة المؤمنين )
كلية صغيرة لا صوت، ولا ضجيج، ولا ألم، تعمل ليلاً نهاراً حينما لا سمح الله ولا قدر تفشل كلية الإنسان يضطر بالأسبوع ثلاث مرات، وكل مرة ثماني ساعات، وكل جلسة خمسة أو ستة آلاف، معقدة، وبالنهاية التصفية غير كاملة، وازن بين كلية صناعية وبين طبيعية، أحياناً نجد القلب الصناعي بغرف عمليات القلب خزانة، أجهزة، قلب يعمل ليلاً نهاراً، بلا كلل، وبلا ملل. الله عز وجل يعلم السر و ما يخفى:
"الحسيب" هو الكريم، العظيم، المجيد، الذي له علو الشأن، ومعاني الكمال له في ذاته وصفاته مطلق الجمال والجلال.
﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾
( سورة الشورى )
هل تعلم له سمياً، أي مشابهاً.
﴿ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ﴾
( سورة البقرة الآية: 284 )
أنت مع طبيب إن لم تقل أنا أحس بألم في هذا المكان لا يعلم، الطبيب لا يعلم إن أخفيت عنه الألم لا يعلم، لكنك إن أخفيت عن الله عيوبك فالله عز وجل سيعالجك بها، إن أعلنتها أو لم تعلنها، إن أبديتها أو أخفيتها ﴿ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ﴾
من شاء المغفرة غفر الله له ومن شاء العذاب عذبه الله:
الآن دقق:
﴿ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ ﴾
( سورة البقرة الآية: 284 )
من شاء المغفرة غفر الله له، ومن شاء العذاب عذبه الله، كيف يعني ؟ يقول طبيب لمريضه: معك التهاب معدة حاد، هذا الالتهاب يشفى قطعاً بحمية صارمة، فإن لم تتقيد بهذه الحمية الصارمة لابدّ من عمل جراحي، الأمر بيدك، تطبق حمية صارخة وصارمة تشفى من دون عمل جراحي، تتساهل، الأكل غالٍ عليك، لابدّ من عمل جراحي.
كلام دقيق، وكأن الله عز وجل يقول لك: تتوب، تمتنع، تسلم، تتابع هذا الخطأ وهذا التجاوز، لابدّ من تأديب ﴿ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ ﴾
إما بالحمية، أو بعمل جراحي، إما من دون ألم أو مع ألم.
(( أَثنى رجل على رَجُل عند النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقال: ويلك، قطعتَ عُنق صاحبك، - ثلاثا - ثم قال: مَنْ كان منكم مادحاً أخاه لا محالةَ، فليقل: أَحْسِبُ فلاناً واللهُ حسيبه، ولا يُزَكِّي على الله أحداً، أَحْسِبُ كذا وكذا إن كان يعلم ذلك منه ))
[ البخاري عن أبي بكرة]
على كل إنسان أن يكون متأدباً في تقييم الأشخاص:
يبدو أن سيدنا الصديق لما ولى سيدنا عمر بعده، بعض الصحابة خافوا شدته ، وقلقوا على مصيرهم مع سيدنا عمر، فجاؤوا وعاتبوا سيدنا الصديق، وكأنهم خوفوه بالله عز وجل، اتقِ الله يا رجل هذا شديد جداً، فقال الصديق: تخوفونني بالله ؟ والله لو أن الله سألني يوم القيامة لقلت: يا رب وليت عليهم أرحمهم، هذا علمي به، فإن بدل وغير فلا علم لي بالغيب.
أحياناً إنسان يسألك على شخص، والله أحسبه صالحاً، لكني لست ضامناً، هذا علمي به، فقال سيدنا أبو بكر: فإن بدل وغير فلا علم لي بالغيب.
كن متأدباً في تقييم الأشخاص، أحسبه صالحاً ولا أزكي على الله أحداً.
هذه التي قالت لرسول الله، وقد كان في زيارة أحد أصحابه، وقد توفاه الله هنيئاً لك أبا السائب لقد أكرمك الله، النبي قال لها: ومن أدراكِ أن الله أكرمه ؟ قولي: أرجو الله أن يكرمه، وأنا نبي مرسل لا أدري ما يفعل بي ولا بكم، سماه العلماء التألي على الله أن تحكم على مصير إنسان، من أنت ؟.
الترضي على معنيين إما التقرير أو الدعاء:
أيها الأخوة، قال له:
(( قطعتَ عُنق صاحبك، - ثلاثا - ثم قال: مَنْ كان منكم مادحاً أخاه لا محالةَ، فليقل: أَحْسِبُ فلاناً، واللهُ حسيبه، ولا يُزَكِّي على الله أحداً، أَحْسِبُ كذا وكذا إن كان يعلم ذلك منه ))
[ البخاري عن أبي بكرة]
أيها الأخوة، نحن نقول رضي الله عنه، الحقيقة هذا الترضي على معنيين إما على معنى التقرير، أو على معنى الدعاء، فإذا قلت عن صحابي جليل بشره الله بالجنة تقول رضي الله عنه، يعني لقد رضي الله عنه، فإذا رضي الله عنه، كيف أنت لا ترضى ؟ من أنت ؟ إذا كان خالق السماوات والأرض في عليائه رضي عن كل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين بايعوه تحت الشجرة، من أنت حتى لا ترضى عنهم ؟ هذه رضية تقريرية، أما إذا في عارف بالله (عالم جليل) إذا قلت رضي الله عنه هذه دعائية، التقريرية شيء والدعائية شيء. على الإنسان أن يكون قوياً و متواضعاً في الوقت نفسه:
(( جاء جبريل النبي صلى الله عليه وسلم: يا محمد أتحب أن تكون نبياً ملكاً أم نبياً عبداً ؟ قال: بل نبياً عبداً، أجوع يوماً فأذكره، وأشبع يوماً فأشكره ))
[ورد في الأثر]
الحقيقة التحليل دقيق، العبودية أقرب إليها أن تكون فقيراً أو ضعيفاً، أقرب إليها يعني بالمئة قوي قد ينجو عشرة، بالمئة ضعيف قد ينجو عشرون، الإنسان الضعيف أقرب إلى الانكسار من القوي، فإذا الإنسان يستطيع أن يكون قوياً ومتواضعاً وثابتاً، يكون قوياً لأن القوي متاح له من الأعمال الصالحة ما لم يتح لغيره، بجرة قلم يحق حقاً، يبطل باطلاً، يزيل منكراً، يقرر معروفاً، بتوقيع، لأنه قوي، والغني كذلك، يحل مشكلات لا تعد ولا تحصى، يزوج شباباً، ينشئ معاهداً، ينشئ مستشفيات، فرص الأعمال الصالحة أمام الغني واسعة جداً، وفرص الأعمال الصالحة أمام القوي واسعة جداً، لكن مع القوة أحياناً هناك مزلق شعور بالقوة، شعور بالاعتدال، إذا شخص اقترب شعرة تسحقه، لأنك قوي، فيوجد مع القوة مزلق، ومع الغنى مزلق، إذا كان واثقاً من نفسه يكون قوياً، مالاً أو سلطة، وإذا كان ليس واثقاً من نفسه فهو أقرب إلى العبودية من القوة.
(( يا محمد أتحب أن تكون نبياً ملكاً أم نبياً عبداً ؟ قال: بل نبياً عبداً، أجوع يوماً فأذكره، وأشبع يوماً فأشكره ))
وهو في أعلى مرتبة في الأرض. أعلى مقام يصل إليه الإنسان أن يكون عبد الله وعبد الله حرّ:
﴿ فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى ﴾
( سورة النجم )
أعلى مقام تصل إليه أن تكون عبد الله، وعبد الله حر، أعلى مقام تصل إليه وهو في سدرة المنتهى ﴿ فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى ﴾
سبحان الله ! العبودية لله عز ، العبودية لله فخر، تجد الأقوياء الذي يستنكفون عن عبادة الله، هم أمام من أقوى منهم منبطحون، خاضع ذليل لإنسان، فأنا أقول دائماً: إن لم تكن عبداً لله فأنت عبد لعبد لئيم ، كن عبد الله فإن عبد الله حر. العمل الصالح له مكافأة عند الله عز وجلو لو كان صغيراً:
الله سبحانه وتعالى يحب إجابة الدعوات، تفريج الكربات، إغاثة اللهفات مغفرة الذلات، تكفير السيئات، دفع البليات، المؤمن مع المؤمن متذلل، لكن مع غير المؤمن عزيز، مع ربه يمرغ جبهته في أعتابه، لكن مع غير المؤمن عنده عزة، ولو وزعت على أهل بلد لكفتهم.
(( اطلبوا الحوائج بعزة الأنفس، فإن الأمور تجري بالمقادير ))
[ ابن عساكر عن عبد الله بن بسر بسند ضعيف]
ولا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه.
اجعل لربك كل عزك يستقر ويثبت فإذا اعتززت بمن يموت فإن عزك ميت
* * *
أيها الأخوة، قال عليه الصلاة والسلام:
(( حُوسِبَ رَجُلٌ مِمَّن كان قبلكم، فلم يوجد له من الخير شيءٌ، إلا أنه كان يُخالِطُ الناسَ، وكان موسِراً، فكان يأمُرُ غِلْمَانَه أن يتجاوزا عن المُعْسِرِ، قال: قال الله عز وجل: نحن أحق بذلك منه، تجاوزوا عنه ))
[أخرجه البخاري ومسلم عن حذيفة وأبي مسعود البدري ]
يعني أي عمل صالح عند الله له مكافأة.
السعيد
09-02-2018, 08:20 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( السابع و الخمسون بعد المائة )
الموضوع : اسم الله - الحسيب - 2 -
حمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى:(الحسيب):
أيها الأخوة الكرام، لازلنا مع اسم "الحسيب".
الاعتماد على غير الله مذلة:
الاعتماد على غير الله، من اعتمد على ماله ضلّ، من اعتمد على من حوله ذلّ، من اعتمد على الله لا ضلّ ولا ذلّ.
مرة إنسان أحسبه مؤمناً ولا أزكي على الله أحداً، لكنه أخطأ، فقال: الدراهم مراهم، يعني أنت بالمال تصنع كل شيء، يقسم لي بالله وهو عندي صادق أنه بعد حين اتهم تهمة هو بريء منها، هذه التهمة أودت به إلى المنفردة لأربعة وستين يوماً، وفي هذه الأيام الطويلة التي مضت عليه كالسنوات الطويلة، يأتيه هذا الخاطر، الدراهم مراهم ؟!.
الذي يوفق هو الله، الذي يحفظ هو الله، إن اعتمدت على المال في مشكلة، إن اعتمدت على من حولك، قد يخيبون ظنك.
(( لو كنتُ متخذاً من أُمَّتي خليلاً لاتَّخذتُ أبا بكر، ولكن أخي وصاحبي ))
[ أخرجه البخاري عن عبد الله بن عباس ]
الله عز وجل محاسب و مكافئ كل إنسان على عمله:
أيها الأخوة، "الحسيب" المحاسب، يوجد أخ مرة التقيت به في لقاء خاص فحدثني عن القصة التالية:
كان محامياً بجريمة قتل، قال لي: بعد سنوات عديدة صدر الحكم على هذا المتهم بالإعدام، قال لي: لما أبلغته الحكم تلقاه بأعصاب باردة، وهو يؤكد لي طوال هذه المحاكمة أنه بريء من هذه الجريمة، قال لي: هذا الوضع أثار فضولي، فأردت أن أحضر إعدامه، الآن بدأت القصة، صعد إلى الخشبة التي سوف يعدم عن طريقها، وقال: أنا بريء من هذه الجريمة، ولكني قتلت رجلاً قبل ثلاثين عاماً، كنت رئيس مخفر في أحد أحياء دمشق في الميدان، وجاء ضابط فرنسي أيام الاستعمار الفرنسي، أعطاني رجلاً ليحكم غداً بالإعدام، أودعته في الإسطبل وقفلت الباب، صباح ذلك اليوم افتقدته، هرب، من شدة خوفه من هذا الذي أعطاه هذا الإنسان، أخذ بدوياً من الطريق وباع ناقته، وأودع ثمنها في جيبه، ووضعه محل هذا الرجل، في اليوم الثاني أخذوه وأعدموه، مضى على هذا الحادث ثلاثون عاماً، واتهم بجريمة هو منها بريء وانتهت هذه التهمة بإعدامه، والقصة طويلة.
الله عز وجل حسيب أي محاسب، حسيب أي مكافئ، حسيب أي كافٍ.
من أكبر أفضال الله على الإنسان أنه سمح له أن ينتسب إليه:
الآن الله حسيب يعني ذو شرف، عظيم معنى رابع، لذلك من أكبر أفضال الله علينا أنه سمح لنا أن ننتسب إليه.
﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ ﴾
( سورة الزمر الآية: 53 )
أنت عبد من ؟ عبد خالق السماوات والأرض، ما قولك أن هناك أناساً في العالم يعبدون الشجر، أن هناك أناساً يعبدون الشمس والقمر، أن هناك أناساً يعبدون النار، أن هناك أناساً يعبدون بعض الحيوانات، هناك جماعات كثيرة جداً في آسيا يعبدون الجرذان والحديث طويل، في اليابان يعبدون ذكر الرجل، وقد شرفنا الله عز وجل بأن نعبد الله، بأن نعبد خالق السماوات والأرض، بأن نعبد من له ملكوت كل شيء، أن نعبد من إليه يرجع الأمر كله، أن نعبد من هو في السماء إله وفي الأرض إله، أن نعبد خالقنا، الرحمن، الرحيم، القوي ، الغني، الحكيم. عبد القهر و عبد الشكر:
أيها الأخوة، لذلك قال العلماء: فرق كبير بين العباد وبين العبيد، العبيد جمع عبد القهر، والعباد جمع عبد الشكر، العبد الذي عرف الله ابتداءً، وأقبل عليه، وأحبه ، واستسلم لأمره، وسعى لخدمة خلقه، وتقرب إليه بالعمل الصالح، يجمع على عباد.
﴿ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ﴾
( سورة الحجر الآية: 42 )
﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً ﴾
( سورة الفرقان الآية: 63 )
أما العبد الذي قلبه بيد الله، وحركته بيد الله، وسمعه بيد الله، وبصره بيد الله ، ومن فوقه بيد الله، ومن تحته بيد الله، وهو في قبضة الله، وفي أية لحظة سكتة دماغية ، في أية لحظة احتشاء في القلب، في أية لحظة من أهل القبور، هذا العبد المقهور ببقائه ، وباستمرار بقائه، المقهور بصحته، المقهور بأجهزته، هذا اسمه عبد القهر ويجمع على عبيد.
﴿ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾
( سورة فصلت )
فشتان بين أن تكون عبد القهر، وبين أن تكون عبد الشكر، بين أن تكون عبداً أحبّ الله. إرادة الله عز وجل في أن تكون العلاقة بيننا و بينه علاقة حب لا علاقة إكراه:
لذلك الذي يلفت النظر أن الله سبحانه وتعالى ما أراد أن تكون العلاقة بيننا وبينه علاقة قهر، ولا علاقة إكراه.
﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ﴾
( سورة البقرة الآية: 256 )
أراد الله جل جلاله أن تكون العلاقة بيننا وبينه علاقة حب، قال:
﴿ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾
( سورة المائدة الآية: 54 )
من اعتمد على غير الله فقد أشرك:
أيها الأخوة، الآن لو دخلنا في بعض التفاصيل، من الشرك أن تعتمد على غير الله، يعني صحابة رسول الله وهم قمم البشر، ومعهم سيد البشر، في حنين اعتمدوا على كثرتهم، فقالوا:
(( ولن يُغْلَبَ اثنا عَشَرَ ألفا مِنْ قِلَّةٍ ))
[ أخرجه أبو داود والترمذي عن عبد الله بن عباس ]
فتخلى الله عنهم، ولو أنه نصرهم لسقط التوحيد، وفي أحد عصوا الله، هم قمم البشر، وفيهم سيد البشر، فهم لم ينتصروا، لأنهم لو انتصروا لسقطت طاعة رسول الله فإذا كان الصحابة الكرام هكذا، فما بال المسلمين اليوم، وهم واقعون في مئات المعاصي والآثام ؟
فلذلك من الشرك أن تعتمد على غير الله، لا تعتمد لا على مالك، ولا على مكانتك، ولا منصبك، ولا على صحتك، ولا على من حولك، ولا على من يلوذ بك، اعتمد على الله وحده.
أما إذا قلت حسبي الله ونعم الوكيل يعني يكفيني الله عز وجل، يرزقني، يوفقني، ينصرني، يحفظني، يكفيني الله عز وجل، يعطيك الدنيا والآخرة، من أحبنا أحببناه، ومن طلب منا أعطيناه، ومن اكتفى بنا عن مالنا، كنا له ومالنا، الله يكفيني، لأنه قوي. الله سبحانه وتعالى إذا أعطى وفى وكفى:
أخوانا الكرام، لا يجوز إعطاء الزكاة لابن الغني (الابن فقير)، لكن العلماء قالوا: هو غني بغنى أبويه، غني بغنى أبيه، والمؤمن قوي بقوة الله، وغني بغنى الله ، وحكيم بحكمة الله، أن يكفيني الله لأنه قوي، ولأنه رزاق، ولأنه غني، ولأنه عليم، ولأنه كريم، ولأنه سميع، ولأنه مجيب، ولأنه رؤوف، ولأنه رحيم، هو المعطي، هو المانع ، هو الرافع، هو الخافض، هو المعز، هو المذل.
لذلك حسبي الله ونعم الوكيل أي أن الله يكفيني، هو "الحسيب" لا تحتاج حين سؤاله إلى سؤال أحد، أحياناً إنسان يتكرم عليك بوظيفة دخلها قليل، لا يكفي، مع أنك بذلت ماء وجهك له، ورجوته أعطاك هذه الوظيفة، الدخل قليل جداً تبحث عن وظيفة أخرى، عن عمل بعد الظهر، عن عمل قبل الدوام، عن محاسبة أحياناً، لأنه سألته وأعطاك العطاء غير كافٍ، لكن الله سبحانه وتعالى إذا أعطى وفى، إذا أعطى كفى، لأنه حسيب.
لذلك العلماء قالوا: حسبي الله ونعم الوكيل هذه الكلمة من أفضل الأذكار، حسبي الله ونعم الوكيل، يكفيني.
وهي من أذكار النبي عليه الصلاة والسلام، والسنة أن تذكر الله بأذكار النبي عليه الصلاة والسلام، ومن أبرز أذكار النبي حسبي الله ونعم الوكيل.
عدم قبول كلمة حسبي الله و نعم الوكيل منك إلا إذا بذلت ما في وسعك:
لكن نقطة دقيقة جداً الآن، النقطة الدقيقة أن هذه الكلمة قد تقال في غير موضعها يعني طالب ما درس أبداً، وما نجح يقول للناس: حسبي الله ونعم الوكيل، هذه مشيئة الله ماذا أفعل ؟ هكذا أراد الله ! لا، هذا كذب، أنت لم تدرس، لذلك لم تنجح، فعدم النجاح جزاء التقصير، لا تقال كلمة حسبي الله ونعم الوكيل، معنى ذلك كل كسول، كل مقصر، كل مهمل، كل مرجئ، يغطى بهذه الكلمة ؟ لا، تقول حسبي الله ونعم الوكيل إذا درست الدراسة التي في وسعك ولم تقصر، ولم تضيع الوقت إطلاقاً جاء عارض صحي حال بينك وبين الامتحان، عندئذٍ تقول حسبي الله ونعم الوكيل.
إنسان فقير، لأنه كسول، لا يتقن عمله، لا يؤدي واجبه، لا ينجز وعده، لا يعتني بعمله، لا يطوره، فأصبح فقيراً، هذا الإنسان ليس له الحق أن يقول حسبي الله ونعم الوكيل، هذا الذي يعيشه جزاء التقصير، أما إذا بذل كل وسعه، ولم يدع مجالاً إلا فعله، وشاءت حكمة الله أن يكون بدخل محدود الآن يقول حسبي الله ونعم الوكيل، المؤمن من علامة إيمانه أنه يرضى بقضاء الله وقدره، إذا كان مستقيماً على أمر الله، وسلك طريقاً وهو مستقيم، وأخذ بالأسباب وتوكل على رب الأرباب، ورأى الطريق مسدوداً، عندئذٍ يقول حسبي الله ونعم الوكيل، أنت حينما تأخذ بالأسباب، وكأنها كل شيء، ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء، وتقتضي حكمة الله ألا تكون في مصاف من نجح في هذا الموضوع هذه حكمة الله، عندئذٍ تقول حسبي الله ونعم الوكيل.
حسبي الله ونعم الوكيل تقال لمن بذل كل الجهد وشاءت حكمة الله ألا يحقق مراده:
لذلك مرة قضى النبي صلى الله عليه وسلم بين رجلين، فالذي عليه الحق والذي قضى النبي لخصمه قال: حسبي الله ونعم الوكيل فعاتبه النبي، لا تقل هذه الكلمة أنت مقصر، كأن حسبي الله ونعم الوكيل ينبغي أن تقال لمن بذل كل الجهد، وشاءت حكمة الله ألا يحقق مراده، يقول عندئذٍ حسبي الله ونعم الوكيل تأدباً مع الله عز وجل، أما الذي يقصر، لا يأخذ بالأسباب، لا يعتني.
مثلاً، طبيب إسعاف يأتي المريض الخطر، يجري حديثاً مع ممرضة، يحتسي كأس شاي، يقول: دعوه الآن، بعد حين مات، هذا الطبيب مقصر لأنه ما أسعفه، الذي آثر على إسعافه حديثاً ممتعاً مع ممرضة، إذا قال حسبي الله ونعم الوكيل، تعد هذه الكلمة ذنباً من ذنوبه، لا تقل حسبي الله ونعم الوكيل، انتهى أجله، سبحان الله ! مات بأجله، لا أنت قصرت في حقه، قال عليه الصلاة والسلام:
(( مَنْ تَطَبَّبَ ولا يُعْلَمُ منه طِبّ، فهو ضامِن ))
[أخرجه أبو داود والنسائي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ]
عليه مسؤولية جزائية، علمنا النبي عليه الصلاة والسلام أنه إذا جاءت الأمور كما تتمنى فاشكر الله عز وجل، وإذا جاءت الأمور بعكس ما تريد فقل حسبي الله ونعم الوكيل، وقد بذلت كل الجهد، وأخذت بكل الأسباب عندئذٍ لك أن تقول حسبي الله ونعم الوكيل. من ابتعد عن الله عز وجل فهو في فقر دائم:
الحقيقة لا يوجد على وجه الأرض جهة غير الله تغني، علم الله هو كل شيء ، يعطيك منصباً، يعطيك مساعدة، يعطيك دفعة، أما يغنيك، يكفيك، لا تحتاج معه إلى أحد، هو الله وحده، فإما أن تكون مع الله فأنت المكتفي، وإما أن تبتعد عنه فأنت في فقر دائم ، لذلك أنت من خوف الفقر في فقر، خوف الفقر فقر، أنت من خوف المرض في مرض، توقع المصيبة مصيبة أكبر منها، لذلك قل حسبي الله ونعم الوكيل، وليس في الوجود حسيب سواه.
يروى أن امرأة سألت أميراً أن يعطيها من ماله، أعطاها وأجزل، أعطاها فوق ما تتمنى، فقال له من في حضرته من أتباعه: أيها الأمير لقد كان يكفيها القليل، فهي لا تعرفك، فقال هذا الأمير: إذا كان يرضيها القليل فأنا لا أرضى إلا بالكثير، وإن كانت لا تعرفني فأنا أعرف نفسي، هذا إنسان كريم، هذه أخلاقه، فكيف بأكرم الأكرمين ؟ إذا أعطى أدهش.
لذلك، لا تقل يا رب ارحمني إن شئت، هو يشاء ربك الرحمة، يا رب ارحمني، يا رب وفقني، يا رب أغنني عمن سواك.
عطاء الله عز وجل يبدأ بعد الموت:
أخوانا الكرام، لساعة غفلة عن الله، نتوهم أن الدنيا كل شيء، هي ليست بشيء، لأن عطاء الدنيا ينقطع عند الموت، ولا يليق بكرم الله أن يعطيك عطاءً ينقطع عند الموت، هذا ليس عطاء إله، هذا عطاء إنسان يعطيك بيتاً، ما دمت حياً تستمتع به، فإذا وافته المنية انتهى البيت، يعطيك منصباً، أما الإله يعطيك الآخرة، يعطيك سعادة الدنيا والآخرة.
﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾
( سورة الرحمن )
لا تصدق أن يكون عطاء الله منقطعاً، لا تصدق أن يكون عطاء الله ينتهي عند الموت، هذا عطاء أهل الدنيا لكن عطاء الله عز وجل يبدأ بعد الموت، لذلك:
(( لو كَانت الدُّنيا تَعْدِلُ عند الله جَناحَ بَعُوضَةٍ ما سقَى كافراً منها شَرْبَة مَاءْ ))
[أخرجه الترمذي عن سهل بن سعد الساعدي ]
الدنيا هينة على الله. عطاء الله عز وجل عطاء أبدي لا ينتهي:
﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾
( سورة الأنعام الآية: 44 )
ليس باباً واحداً، بل أبواب، ليس باب شيء ﴿ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾
﴿ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ﴾
( سورة الأنعام )
لذلك هناك كلمة رائعة جداً للإمام علي رضي الله عنه يخاطب ابنه يقول له: يا بني ! " ما خير بعده النار بخير ".
قد تصل إلى أعلى منصب، قد تمتلك أكبر ثروة، قد تتمتع بأعلى مكانة، قد تقترن بأجمل زوجة، قد تبلغ أموالك مبلغاً لا يصدق.
" يا بني ! ما خير بعده النار بخير، وما شر بعده الجنة بشر ".
قد تكون فقيراً، قد يموت الإنسان في السجن، بعض العلماء الكبار ماتوا في السجن، لكن لأن هذه الحياة المتعبة انتهت بجنة عرضها السماوات والأرض فهذا الذي كانوا فيه ليس شراً.
" ما خير بعده النار بخير، وما شر بعده الجنة بشر، وكل نعيم دون الجنة محقور، وكل بلاء دون النار عافية ".
فلما إنسان الله يعطيه الدنيا وهو لا يحبه هذا العطاء منوط بدقات قلبه، إذا توقف القلب انتهى كل شيء، هذا العطاء منوط بقطر شريانه التاجي، فإذا ضاق هذا الشريان دخل في متاهات لا تنتهي، هذا العطاء منوط بنمو خلاياه، فإذا نمت نمواً عشوائياً (ورم خبيث) انتهى، لكن الله سبحانه وتعالى يعطيك جنة عرضها السماوات والأرض، فيها: (( ما لا عين رأتْ ولا أذن سمعتْ، ولا خطَر على قلبِ بَشَرْ ))
[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة ]
من حاسب نفسه في الدنيا حساباً عسيراً كان حسابه يوم القيامة يسيراً:
أيها الأخوة، دقق في هذه الآية، الله عز وجل حدثنا عن قارون، قال:
﴿ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ ﴾
( سورة القصص الآية: 79 )
الإنسان أحياناً يدهشك بمركبته، ببيته الواسع، بإطلالته الرائعة، بدخله الوفير ، بحجمه المالي، بمكانته الاجتماعية، بمنصبه الرفيع، يترنم بكلمة مسؤول كبير، والله لو علم معنى مسؤول كبير لارتعدت فرائصه.
﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾
( سورة الحجر )
فاطمة دخلت على زوجها رأته يبكي، مالك تبكي ؟ قال: دعيني وشأني، قال ويحك يا فاطمة، إني رأيت المريض الضائع، والفقير الجائع، والشيخ الكبير، والأرملة الوحيدة، وذي العيال الكثير، والرزق القليل، والمأسور، والمظلوم، وابن السبيل ، وأمثالهم، بطول البلاد وعرضها فعلمت أن الله سيسألني عنهم جميعاً، وأن خصمي دونهم رسول الله، فخفت ألا تثبت حجتي فلهذا أبكي.
﴿ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ ﴾
( سورة القصص )
العاقل من حاسب نفسه قبل أن يلقى الله عز وجل:
الآن هناك معنى فرعي من معاني اسم "الحسيب" أن الله هو المحاسب، فإذا كنت بطلاً، حاسب نفسك قبل أن تحاسب، زن عملك قبل أن يوزن عليك، من حاسب نفسه في الدنيا حساباً عسيراً كان حسابه يوم القيامة يسيراً، ومن حاسب نفسه في الدنيا حساباً يسيراً كان حسابه يوم القيامة عسيراً.
أيها الأخوة، كان سيدنا عمر يقول: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، و سيتخطى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا.
(( الكَيِّس مَنْ دانَ نفسَه، وعَمِلَ لما بعد الموت، والعاجِزُ مَنْ أتْبَعَ نَفَسَهُ هَواهَا وتمنَّى على الله الأماني ))
السعيد
09-02-2018, 08:22 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الثامن و الخمسون بعد المائة )
الموضوع : اسم الله - الوارث - 1 -
لحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى:(الوارث):
أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم "الوارث".
ورود اسم الوارث في القرآن الكريم مطلقاً و معرفاً:
ورد هذا الاسم في القرآن الكريم على سبيل الإطلاق، أي من دون إضافة، والتعظيم معرفاً، كما في قوله تعالى:
﴿ وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ ﴾
( سورة القصص )
وفي قوله تعالى:
﴿ وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ ﴾
( سورة الحجر )
وقد ورد هذا في دعاء سيدنا زكريا عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام:
﴿ وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ ﴾
( سورة الأنبياء )
الله عز وجل سمح لذاته العلية أن توازن مع مخلوقاته كي نعرف من هو الله:
أولاً سمح الله لذاته العلية أن يوازنها مع بعض مخلوقاته، فحينما قال الله عز وجل :
﴿ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾
( سورة المؤمنين )
هل من خالق غير الله ؟ لكن سمّى الله هذا الإنسان الذي يصنع شيئاً، سماه خالقاً مجازاً، ووازنه مع ذاته العلية، كيف ؟
يعني الإنسان يصنع كلية صناعية، حجم هذه الكلية كحجم هذه الطاولة، ولابدّ أن يستلقي الإنسان إلى جانبها ثماني ساعات، ولا تستطيع أن تصفي الدم تصفية كاملة ، وتجري هذه العملية كل أسبوعين مرتين أو ثلاثة، و يدفع مبلغاً كبيراً، لو وازنت بين هذه الكلية الصناعية ذات الحجم الكبير، والنفقات الباهظة، وتضييع الوقت الطويل، ويبن كلية طبيعية أودعها الله في جسمك، لا صوت، ولا حركة، كأنك لا تعرف، تعمل بصمت، تصفي الدم تصفية تامة. الموازنة بين خلق الله عز وجل وخلق الإنسان تبين عظمة الله عز وجل:
حينما قال الله عز وجل:
﴿ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾
سمح لذاته العلية أن توازن مع مخلوقاته لبيان أن الله خلق كل شيء من لا شيء، وعلى غير مثال سابق، وأن الإنسان خلق شيئاً من كل شيء ولا على مثال سابق، هذه الموازنة تبين عظمة الله عز وجل .
في المستشفيات التي يجري بها عملية قلب مفتوح قلب صناعي، حجمه بحجم الخزانة، ولابدّ من أن توصل الشرايين بهذا القلب، ولو وازنته مع القلب الحقيقي، الذي يعمل بلا كلل، ولا ملل، وبلا صوت.
﴿ هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ ﴾
( سورة لقمان الآية: 11 )
لو وازنت هذه العين التي ترى الأشياء بحجمها الحقيقي، بألوان دقيقة، العين البشرية تفرق بين ثمانية ملايين لون، وفي الميليمتر من شبكية العين مئة مليون مستقبل ضوئي، بينما في أعلى آلة تصوير رقمية احترافية، يوجد بالميليمتر عشرة آلاف مستقبل ضوئي، من عشرة آلاف إلى مئة مليون، فهذه الموازنة تبين عظمة الله عز وجل .
لو وازنت بين مجسم لامرأة في محلات بيع الأقمشة، وبين المرأة الحقيقية، من لحم ودم كم هي المسافة ؟ لو وازنت بين وردة صنعت من البترول (البلاستيك)، وبين وردة طبيعية ﴿ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾
بطولة الإنسان أن ينقل اهتماماته إلى الدار الآخرة:
قال الله عز وجل :
﴿ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ ﴾
( سورة الأنعام )
الآن ببعض الحواسيب الراقية جداً ليس هناك مسافة زمنية، بين إعطاء الأمر وتلقي النتيجة، فكيف بالذات العلية إذا حاسبت، كن فيكون، زل فيزول، وسمح لذاته العلية أن يوازن مع بعض مخلوقاته، قال: والله ﴿ خَيْرُ الْوَارِثِينَ ﴾
شخص في هذه البلدة الطيبة توفي أحد أقربائه وترك ألف مليون، نصيبه وحده 90 مليوناً، أغلق محله التجاري، وتابع الإجراءات القانونية لأخذ هذا المبلغ كي يقيم المشروعات، ويشتري البيت الفخم، والمركبة الفارهة، ستة أشهر ما دخل محله التجاري وهو يتابع هذه المعاملات، ووافته المنية بعد ستة أشهر ولم يقبض من هذا الإرث شيئاً والله ﴿ خَيْرُ الْوَارِثِينَ ﴾
﴿ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا ﴾
( سورة مريم الآية: 40 )
﴿ كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ﴾
( سورة الدخان )
فالإنسان لما يضع كل أهدافه في الدنيا يكون مقامراً و مغامراً، لأنه قد ينال الدكتوراه ولا ينتفع بها، والله عشرات الأشخاص الذين أنفقوا في كسوة بيوتهم سنتين متتاليتين ولم يسكن هذا البيت.
في بعض الأبنية سبعة طوابق في أرقى أحياء دمشق، وفي أعلى أسعار البيوت سبعة طوابق في بناء واحد لم تسكن إطلاقاً، اشتُريت، وزُينت، ولما انتهت وافت المنية أصحابها قبل أن يسكنوها، هو ﴿ خَيْرُ الْوَارِثِينَ ﴾
البطولة أن تنقل اهتماماتك إلى الدار الآخرة، البطولة أن تقدم على الله، ولك عمل صالح تلقى الله به، البطولة أن تعمر بيتك في الدار الآخرة لا أن تعمر بيتك في الدنيا. العاقل من أعدّ لساعة مغادرة الدنيا العدة اللازمة:
أيها الأخوة:
﴿ وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ ﴾
( سورة القصص )
أحياناً من الواجبات الاجتماعية أن تقدم التعزية لقريب وافته المنية، أحياناً يكون بيت هذا القريب في أرقى أحياء دمشق، وثمنه فلكي، يعني مئة مليون، وأنا أؤدي واجب التعزية أسأل: من اختار هذا البلاط ؟ صاحب البيت، أين هو الآن ؟ من اختار هذه المناظر الرائعة ؟ صاحب البيت، من اختار هذه الثريات ؟ صاحب البيت، من اختار هذا الفرش ؟ صاحب البيت، أين هو صاحب البيت ؟ تحت أطباق الثرى، فالبطولة أن تعد لبيت في الآخرة.
أيها الأخوة الكرام:
كل مخلوق يمـــــوت ولا يبقى إلا ذو العزة والـــــــجبروت
***
والليل مهما طال فلا بد من طلوع الفجر والعمر مهما طال فلا بد من نزول القبر
وكل ابن أنثى وإن طـــالت سلامته يوماً على آلة حـــــدباء محمول
فـــــإذا حملت إلى القبور جنازة فاعلم أنــــــــك بعدها محمول
***
البطولة أن تعد لهذه الساعة ساعة مغادرة الدنيا، أن تعد لهذه الساعة العمل الصالح، الإنسان كل يوم يقرأ عشرات النعوات، لماذا لا يوقن أنه في أحد الأيام لابدّ من أن يقرأ الناس نعوته، يكون ملقى على فراشه وقد فاضت روحه إلى السماء، والأهل بعضهم يبحث عن قبر، وبعضهم يجري معاملة الدفن، وبعضهم، وبعضهم، ويخرج هذا الإنسان من بيته لا على رجليه بل بالنعش، فعليه أن يعد لهذا اليوم العصيب، كل يوم ندخل إلى المسجد لنصلي، لمَ لا نوقن أنه في أحد الأيام لابدّ من أن ندخل المسجد لا لنصلي، بل ليصلى علينا.
مرة كنت في المغرب، في بلدة اسمها فاس، عاصمة الإيمان، محل تجاري صغير مكتوب على واجهته كلمات لطيفة، هذه الكلمات : صلِّ قبل أن يصلى عليك. الموت بوابة الخروج:
لذلك كلمة "الوارث" هذا المال ليس لك، هذا البيت لن تبقى فيه إلى أبد الآبدين، هذه الزوجة الرائعة لن تبقى معها، إما أن تغادرك، أو أن تغادرها، هذا المحل التجاري ، هذا المكتب الفخم، هذه السيارة الفارهة، هذا الذي تستمتع به، لا يمكن أن يبقى لك دائماً.
بالمناسبة، يستطيع واحد منا وأنا معكم أن يقول أنا أستيقظ كل يوم كاليوم السابق إلى ما شاء الله ؟ مستحيل، لابدّ أن يطرأ علينا طارئ في أحد الأيام، هذا الطارئ لا نعلم، من الدماغ، من القلب، من الكليتين، من الكبد، بحادث سير لا نعرف، هذا المرض الذي ينهي الإنسان أنا أسميه بوابة الخروج، ماذا أعددت لبوابة الخروج ؟.
المعنى اللغوي لكلمة الوارث:
أيها الأخوة، "الوارث" اسم فاعل للموصوف بالوراثة من غيره، يقال: ورث فلان أباه يرثه وراثة وميراثاً، وورث الرجل ولد مالاً، وَرَّثَ ووَرِثَ، أي أشركه في ماله ، والوراثة في حقنا انتقال المال أو الملك من المتقدم إلى المتأخر.
ورد في بعض الآثار أن روح الميت ترفرف فوق النعش، تقول يا ولدي يا أهلي لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي، جمعت المال مما حلّ وحرم، وأنفقته في حلّه، وفي غير حلّه، فالهناء لكم والتبعة عليّ.
والله مرة كنت مشاركاً في تشييع جنازة، قريب لأحد أخوتنا، فلما وضع النعش وفتح غطاؤه وحمل الميت ووضع في القبر، وضعت الحجرة الكبيرة، و أهيل التراب عليه، والله الذي لا إله إلا هو ما وجدت على وجه الأرض إنساناً أذكى ممن يعمل لهذه الساعة التي لابدّ منها.
ماذا أعددنا للقبر ؟ ما العمل الصالح الذي تدخره لساعة فراق الدنيا ؟ إذا لقيت الله عز وجل، والله عز وجل سألك يا عبدي خلقتك، وكرمتك، وأمددتك بكل ما تحتاج ، وخلقت لك ما في السماوات وما في الأرض من أجلك، ماذا فعلت من أجلي ؟ هل واليت لي ولياً ؟ هل عاديت فيّ عدواً ؟ هل أنفقت من مالك ؟ هل أنفقت من وقتك ؟ هل أنفقت من صحتك ؟ هل أنفقت من جاهك ؟ هل أطعمت مسكيناً ؟ هل رعيت أرملة ؟ هل نشأت طفلاً صغيراً يتيماً ؟ هل أطعمت جائعاً ؟ ماذا فعلت ؟ يا رب استمتعت بالدنيا، ما شاء الله ! هناك أناس ليس لهم عمل صالح، هم الفقراء حقاً.
أيها الأخوة، وارث مال الميت الذي يملك تركته، ووارث الملك يرث سلطانه، هذا المعنى اللغوي لكلمة "الوارث".
من معاني الوارث:
1 ـ الوارث سبحانه و تعالى هو الباقي الدائم بعد فناء الخلق:
أما "الوارث" سبحانه وتعالى قال هو الباقي الدائم بعد فناء خلقه، أحياناً يخطر في بالي، حينما أرى سوقاً من أسواق دمشق العريقة وليكن سوق الحمدية، أقول: كل خمسين عاماً يكون في أشخاص جدد في هذه المحلات، يكبر الإنسان، يقعد في البيت، يتولى أولاده العمل من بعده، توافيه المنية، يبيعون المحل، يقتسمون التركة، يأتي إنسان جديد، هذه البيوت كلها، وهذه الأسواق كلها، كل خمسين عاماً تقريباً هناك أناس جدد.
مرة قرأت كتاباً من أربعة أجزاء عن قصص العرب، اتعظت بعد قراءته موعظة بالغة، وجدت أن الأقوياء ماتوا، والضعفاء ماتوا، والأغنياء ماتوا، والفقراء ماتوا، والأصحاء ماتوا، والمرضى ماتوا، والأذكياء ماتوا، والأغبياء ماتوا، وكل مخلوق سوف يموت، ماذا بعد الموت ؟ هنا البطولة.
"الوارث" سبحانه وتعالى هو الباقي الدائم بعد فناء الخلق.
و "الوارث" صفة من صفات الله جلّ جلاله، وهو الباقي الدائم الذي يرث الخلائق ويبقى بعد فنائهم، فالله:
﴿ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا ﴾
وهو ﴿ خَيْرُ الْوَارِثِينَ ﴾
هذه المنطقة، منطقة الشرق الوسط، جاءها الرومان، وجاءتها شعوب كثيرة ، أين هي ؟ تحت أطباق الثرى، الله يرث الخلق، بل هو ﴿ خَيْرُ الْوَارِثِينَ ﴾
أي يبقى بعد فناء خلقه جميعاً فيفنى من سواه، ويرجع ما كان، فيرجع الأمر إلى الله عز وجل ﴿ خَيْرُ الْوَارِثِينَ ﴾
إذا كان الخلائق يتعاقبون على الأرض، فيرث المتأخر المتقدم، ويرث الولد الوالد، والزوج زوجته، وهكذا، ويستمر التوارث حتى ينقطع حبل الحياة في الدنيا، فإنه لا يبقَ إلا الوارث هو الله مالك الملك، قال تعالى:
﴿ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾
( سورة آل عمران )
فالوارث هو الباقي بعد فناء خلقه، أو "الوارث" لجميع الأشياء بعد فناء أهلها. 2 ـ الذي أورث المؤمنين ديار الكافرين في الدنيا:
الآن و"الوارث"، هو معنى جديد، هو الذي أورث المؤمنين ديار الكافرين في الدنيا، كما قال تعالى:
﴿ وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً ﴾
( سورة الأحزاب )
يعني يرث ويورث. 3 ـ الذي أورث المؤمنين مساكنهم في الجنة:
ثم إن الله سبحانه وتعالى "الوارث" الذي أورث المؤمنين مساكنهم في الجنة، أنا حينما أعزّي أحداً، وأدعو له أقول له: اللهم أبدله أهلاً خيراً من أهله، وداراً خيراً من داره، وجيراناً خيراً من جيرانه.
إذاً الله "الوارث" يبقى بعد فناء خلقه، ويورث المؤمنين بعض ما كان بأيدي الكافرين، وثالثاً قد يورث المؤمن قصراً في الجنة.
﴿ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ ﴾
( سورة الزمر الآية: 73 )
المعنى دقيق جداً، أحياناً إنسان درس في الجامعة، ونال الدكتوراه، وفتح عيادة، وفتح الله عليه دخلاً وفيراً، وعاش في بحبوحة، مسكن فخم، وزوجة، وأولاد، ومكانة اجتماعية، إذا مرّ أمام الجامعة ماذا يخطر في باله ؟ يقول: لولا هذه الجامعة والتحاقي بها، و دراستي فيها، ونيل الدكتوراه، ما كنت بهذه البحبوحة. العمل الصالح في الحياة الدنيا ثمن للآخرة:
الآن الله جعل العمل الصالح في الحياة الدنيا ثمناً للآخرة، جعل من العمل الصالح في الدنيا ثمناً للآخرة، فالإنسان وهو في الجنة يقول: لولا أن الله جاء بنا إلى الدنيا، وفي الدنيا تعرفنا إلى الله، تعرفنا إلى أسمائه الحسنى وصفاته الفضلى، تعرفنا إلى عظمته ، أطعناه، عبدناه، أدينا الصلوات الخمس، صمنا رمضان، حججنا بيت الله الحرام، أنفقنا من أموالنا، حضرنا مجالس العلم، لولا أن الله أورثنا الأرض، وفي الأرض تعرفنا إلى الله، وتبنا إليه، واصطلحنا معه، وقدمنا الأعمال الصالحة، لما كنا في الجنة، الآن هذا معنى الآية:
﴿ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ ﴾
لولا أننا جئنا إلى الأرض، وعرفنا ربنا في الأرض، واستقمنا على أمره في الأرض، وعملنا الأعمال الصالحة، لما كنا في الجنة.
كما يمر الطبيب أمام جامعته، لولا أنني التحقت في الجامعة، وأمضيت سنوات سبع، أدرس، وأحضر، وأذاكر، وأتابع، وأجرب، لما كنت في هذه الحياة المريحة بعد التخرج، وقال تعالى:
﴿ تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيّاً ﴾
( سورة مريم )
من خاف الله في الدنيا أمنه الله يوم القيامة:
لذلك الإنسان حينما يتقي الله في الدنيا، يكرمه الله في الآخرة، من خاف الله في الدنيا أمنه الله يوم القيامة، ومن أمنه في الدنيا أخافه يوم القيامة، بقاء الإنسان في الجنة إلى أبد الآبدين ليس بذاته، بل بإبقاء الله له، يا ترى الله عز وجل بقاؤه ذاتي، واحد أحد، فرد صمد، وجوده ذاتي، فالإنسان إذا سمح الله له أن يبقى في الجنة إلى أبد الآبدين، هذا إبقاء الله له، وليس إبقاء بذاته، والآية التي قال الله عز وجل:
﴿ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾
( سورة الأعراف )
لما الإنسان يكون مؤهلاً أن يدير الدنيا يعطيه الله الدنيا، فإن لم يكن مؤهلاً لها لا يعطيه إياها.
لذلك الدنيا تصلح بالكفر والعدل، ولا تصلح بالإيمان والظلم، يعني أنت مسلم لا سمح الله وظالم ؟ لن تعطى الدنيا، أما إذا في عدل ولو كان كافراً يملكها، من هنا قال بعض العلماء: إن الله ينصر الأمة الكافرة العادلة، على الأمة المسلمة الظالمة. أكبر باطل في الأرض زهوق و لو بعد حين:
وقال تعالى:
﴿ وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ ﴾
( سورة الأعراف )
يعني هذا المعسكر الكبير العملاق، الذي دام سبعين عاماً، يرفع شعار لا إله أين هو الآن ؟ من حاربه ؟ تداعى من الداخل.
﴿ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً ﴾
( سورة الإسراء )
زهوق صيغة مبالغة، يعني أكبر باطل في الأرض زهوق، ومليون باطل في الأرض زاهق.
﴿ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ ﴾
( سورة الأنبياء )
بطولة المؤمن لا أن يموت وتنتهي دعوته بل أن تستمر دعوته بعد موته:
بطولة المؤمن لا أن يموت وتنتهي دعوته، بطولة المؤمن أن يكون حوله دعاة على شاكلته، هذا يسمى اليوم العمل المؤسساتي، العمل المؤسساتي لا يتأثر بموت أصحابه ، العمل المؤسساتي حضارة، لا يتأثر بموت أصحابه، وأول من أشار إلى هذا العمل المؤسساتي سيدنا زكريا.
﴿ إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً ﴾
( سورة مريم )
﴿ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ ﴾
( سورة الأنبياء )
كان يبتغي الولد مع انقطاع الأسباب، فدعا ربه فقال ﴿ إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً ﴾
﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً * وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آَلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً * يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيّاً ﴾
( سورة مريم )
صلاح الدنيا بالكفر والعدل و عدم صلاحها بالإيمان والظلم:
الآية الدقيقة أيها الأخوة:
﴿ وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ﴾
( سورة الأنبياء )
العلماء قالوا: لعل معنى الصالحين غير المعنى المتبادر، الصالحون أي الصالحون لإدارتها، إذا أقاموا العدل يملكونها ولو كانوا كفاراً، وإذا ظلم المسلمون بعضهم بعضاً يخسرونها، ولو كانوا مؤمنين.
المعنى الأخير: اللهم متعني بسمعي وبصري، واجعلهما الوارث مني، هو الإنسان يرث سمعه وبصره، يفقد بصره، يفقد سمعه وهو حي ؟ لا، اجعل السمع والبصر يرثاني، وانصرني على من يظلمني، وخذ منه بثأري.
أيها الأخوة، "الوارث" معنى دقيق جداً، وفي لقاء آخر نتابع هذا الاسم.
السعيد
09-02-2018, 08:24 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( التاسع و الخمسون بعد المائة )
الموضوع : اسم الله - الوارث - 2 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
من أسماء الله الحسنى:(الوارث):
أيها الأخوة الأكارم، لا زلنا في اسم "الوارث".
أسعد الناس في الدنيا أرغبهم عنها وأشقاهم فيها أرغبهم فيها:
قال ابن عمر:
(( أخَذَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بِمَنْكبي، فقال: ' كُنْ في الدنيا كأنك غَريبٌ، أو عابِرُ سَبيلٍ '. وكان ابن عمر يقول: إذا أمسيتَ فلا تَنتَظِر الصَّباحَ، وإذا أصبحتَ فلا تنتظر المساءَ، وخُذْ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك ))
[ البخاري عن ابن عمر]
إن كنت صحيحاً فاستغل هذه النعمة، وأطع ربك، وبادر إلى الأعمال الصالحة، و املأ وقتك وأنت صحيح بالأعمال التي تنفعك بعد مضي الوقت، وخذ من حياتك لموتك ، عند الموت يقف العمل، ويبدأ الجزاء، ونحن في الدنيا عمل ولا جزاء، وبعد الموت جزاء ولا عمل.
(( وخُذْ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك ))
[ البخاري عن ابن عمر]
الحقيقة إن أسعد الناس في الدنيا أرغبهم عنها، وأشقاهم فيها أرغبهم فيها، أنت حينما تعرف حقيقة الدنيا إنها دار التواء لا دار استواء، لا تستقيم لإنسان، منزل ترح لا منزل فرح، فمن عرفها لم يفرح لرخاء، لأنه مؤقت، ولم يحزن لشقاء لأنه مؤقت، قد جعلها الله دار بلوى، وجعل الآخرة دار عقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سببا، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضا، فيأخذ ليعطي، ويبتلي ليجزي.
حينما تعرف حقيقتك في الدنيا تسعد بها، وحينما تظنها حياة مستقرة هي محط الرحال، ومنتهى الآمال، تشقى بها. كل شيء على سطح الأرض سيؤول إلى الله وهو خير الوارثين:
أيها الأخوة، هذا من معاني اسم "الوارث" كل شيء بيدك سوف يزول، سألوا أعرابياً معه قطيع إبل، سألوه لمن هذه الإبل ؟ قال (أجاب إجابة رائعة): لله في يدي، هي لله لكنها الآن في يدي.
فبيتك لله في يدك، ومركبتك لله بيدك، ومكتبك التجاري لله في يدك، وثروتك لله في يدك:
(( دخل عمر رضوان الله عليه على النبي صلى الله عليه وسلم وهو على سرير قد أثر في جنبه فقال: يا رسول الله ! لو اتخذت فراشا أوثر من هذا، فقال يا عمر: ما لي وللدنيا وما للدنيا ولي ؟ والذي نفسي بيده ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف فاستظل تحت شجرة ساعة من نهار ثم راح وتركها ))
[ الترمذي عن عبد الله بن عمر]
للحديث روايات عديدة، بعض هذه الروايات أن سيدنا عمر بكى قال: رسول الله ينام على الحصير ؟ وكسرى ملك الفرس ينام على الحرير ؟ وهناك إجابات متعددة قال له: يا عمر ! إنما هي نبوة وليست ملكاً، أنا لست ملك إنما هي نبوة، وليست ملكاً.
هناك رواية ثانية: قال يا عمر ! أفي شك أنت من نبوتي ؟ هكذا النبي قدوة.
وهناك رواية ثالثة: يا عمر ! أما ترضى أن تكون الدنيا لهم والآخرة لنا ؟.
اسم "الوارث" أن كل شيء بيدك ليس لك، سيؤول إلى غيرك، وكل شيء على سطح الأرض سيؤول إلى الله وهو:
﴿ خَيْرُ الْوَارِثِينَ ﴾
( سورة الأنبياء )
علاقة المؤمن باسم الوارث:
أيها الأخوة، الآن علاقة المؤمن بهذا الاسم، أولاً أن يتقي الله في حقوق الإرث والله أيها الأخوة، هناك حديث يقصم الظهر.
(( إن الرجل ليعمل، وإن المرأة لتعمل بطاعة الله ستين عاماً، ثم يحضرهما الموت، فيضران في الوصية، فتجب لهما النار ))
[ أخرجه أبو داود والترمذي عن أبي هريرة ]
صائم، مطبق لكل العبادات، لكن حرم البنات، كتب هذا المحل العملاق الضخم لابنه، وعنده أربع بنات، توهم أنه إذا أعطى البنات انتقل المال إلى أسر أصهاره، لا، هل أنت مشرع ؟ قضية توزيع الإرث ما سمح الله للنبي أن يوزعها، تولى الله بذاته توزيع الإرث، والله معظم الأسر المسلمة يحرمون البنات، الأخ الأكبر يأخذ وكالة عامة من أخواته البنات، ويتولى الثروة بأكملها، وتحت سمع الأب وبصره.
(( إن الرجل ليعمل أو المرأة بطاعة الله ستين سنة، ثم يحضرهما الموت فَيُضَاران في الوصية، فتجب لهما النار ))
[ أخرجه أبو داود والترمذي عن أبي هريرة ]
فلذلك علاقتك بهذا الاسم"الوارث" أن تتقي الله في الإرث، أن تعطي كلاً حقه ، الابن البار يأخذ كالابن العاق، والعاق كالبار، شأنهما مع الله، لو حرمت العاق لزدته عقوقاً.
لذلك: "الوارث" أن يتقي الله في حقوق الإرث، ولا يظلم أحداً مما فرضه الله بحسب الآيات الكريمة، ولا سيما إذا كانوا إناثاً، المرأة مظلومة فيما يفعله المسلمون من سلوك لا يرضي الله عز وجل. تطبيقات اسم الوارث:
أيها الأخوة، هذا أهم تطبيق لهذا الاسم، أن تتقي الله فيما تدع من مال، بين بناتك وبين أولادك.
عندنا تطبيق آخر: علاقة المؤمن بهذا الاسم "الوارث" أن تشعر أن الذي بين يديك ليس لك، بل هو صائر إلى غيرك، يدك عليه يد الأمانة، وأنت مستخلف فيه، وعليك أن تحاسب نفسك حساباً عسيراً، لأن الله ملكك، ما ملكك لينظر ماذا ستفعل.
أيها الأخوة، كنت في الكويت مكتوب على قصر الأمير عبارة رائعة: لو دامت لغيرك ما وصلت إليك، اجعل هذا شعاراً، لو دامت لغيرك ما وصلت إليك.
يدك على ما تملك يد الأمانة، الملكية مؤقتة، أنت ممتحن في هذا المال، ممتحن في هذا المنصب، ممتحن في هذا البيت، ممتحن في هذه المركبة، فالخيل مثلاً إما أن يكون نعمة، أو نقمة، أو ستراً.
ستراً: أي أركبت أهلك بها، والنعمة إذا سخرتها للأعمال الصالحة، والنقمة إذا سخرتها لمعصية الله.
الإرث الحقيقي الذي ينبغي أن تتركه لأولادك هو العلم والأدب:
ينبغي أن يوقن المؤمن من أجل أن تتوضح علاقته بهذا الاسم "الوارث" أن الله هو الذي يقسم الأرزاق، وأن الميراث الحقيقي هو ميراث العلم والأخلاق، أكبر شيء تقدمه لأولادك أنك عرفتهم بالله، وحملتهم على طاعته.
والله في هذه البلدة إنسان ترك أموالاً فلكية، صديق المتوفى رأى ابنه بعد أيام سلم عليه، قال: إلى أين أنت ذاهب ؟ هكذا قال والله ! أنا ذاهب لأشرب الخمر على روح أبي، ترك له أموالاً طائلة، لكن ما ترك له علماً، ولا خُلقاً، ولا ديناً، ولا ورعاً.
لذلك هذا المال الذي بين يديك هل تعلم ما مصيره بعد وفاتك ؟ ماذا سيفعل أولادك به ؟ هل عرفتهم بربهم ؟ هل حملتهم على طاعة الله ؟ هل بثثت فيهم الإيمان والورع.
إذاً ينبغي أن تعلم علم اليقين أن الإرث الحقيقي هو العلم والأدب.
لذلك يكتبون على بعض الأبنية في بلدنا: الملك لله، كلمة طيبة، الملك لله.
عطاء الله عز وجل ابتلاء و حرمانه دواء:
حينما تشعر أن يدك على ممتلكاتك يد الأمانة، وأن يدك على مالك يد الأمانة، هذا الشعور يجعلك بنفسية رائعة، نفسية من سيحاسب، هذا المال وضع بين يدك مؤقتاً لينظر الله كيف تفعل، ماذا تفعل بهذا المال ؟.
﴿ فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ* وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ﴾
( سورة الفجر )
جاء الجواب ردعاً ونفياً:
﴿ كَلَّا ﴾
( سورة الفجر الآية: 17 )
أي ليس عطائي إكراماً، ولا منعي حرماناً، عطائي ابتلاء وحرماني دواء. المال موقوف على طريقة كسبه وإنفاقه:
قلت لكم أيها الأخوة، أنت حينما تعلم أنه ليس نعمة، وليس نقمة، المال موقوف على طريقة كسبه وإنفاقه، فإذا كان كسبه حلالاً وإنفاقه حلالاً كان المال نعمة، وإذا كان كسبه حراماً وإنفاقه حراماً كان المال نقمة، أية نعمة تتمتع بها، أي حظ من حظوظ الدنيا مكنك الله منه، ليس نعمة، وليس نقمة، ولكنه موقوف على طريقة كسبه وإنفاقه، الله عز وجل قال:
﴿ آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ﴾
( سورة الحديد الآية: 7 )
أنت مستخلف، أنت خليفة الله في هذا المال، أنت أمين على هذا المال.
﴿ فَالَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ ﴾
( سورة الحديد )
مرة حدثني أخ: رجل عنده مكتبة ضخمة، وفيها كتاب ثمين، صديق حميم رجاه أن يعيره هذا الكتاب لليلة واحد، اعتذر، أقسم بالله صديق هذا الرجل الذي عنده المكتبة رأى الكتاب بعد موته في الحاوية، عندك مكتبة ضخمة لكن ما علمت أولادك، ما ثقفتهم، فهانت عليهم فألقوها في الحاوية، شيء دقيق.
مرة شخص على فراش الموت عنده مكتبة ضخمة جداً، فقال: يا أولادي إياكم أن تعيروا كتاباً منها، قالوا: لِمَ ؟ قال: لأن كل هذه الكتب استعرتها بزماني، ولم أردها لأصحابها، في إنسان يستعير كتاباً لا يرده أبداً.
أحد أكبر أغنياء بريطانيا، كان يقرض الدولة البريطانية، فخزانة المال عبارة عن غرفة، غرفة كبيرة، هو كثير الأسفار، يتناول طعام الإفطار في باريس، العشاء في لندن، رجل ملياردير، فدخل إلى غرفة أمواله، فأغلق الباب خطأ عليه، وبدأ يصيح، إلى أن وافته المنية، فجرح يده وكتب على الحائط أغنى رجل في العالم يموت جوعاً.
هذا المال الذي بين يديك ليس لك، أنت مستخلف عليه والله ناظر كيف تنفقه. المؤمن في الدنيا والآخرة يرى أن الأمر بيد الله دائماً:
أيها الأخوة، الآية الدقيقة:
﴿ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ ﴾
( سورة الشورى)
هناك سؤال دقيق: بيد من كانت حتى آلت إلى الله ؟ العلماء قالوا: هي في يد الله دائماً، لكن العوام عوام الناس يرون هذا المال بيد هذا الطاغية، الذي يقبع في بلاد بعيدة ، ويتحكم في مصائر الشعوب، هذه نظرة ساذجة، الأمر بيد الله أولاً وآخراً، ولكن جميع الخلق يوم القيامة يرون أن الأمر بيد الله، في الدنيا يرونه بيد الطغاة لا بيد الله، لذلك يعبدون الطغاة من دون الله، من ضعف الإيمان، من ضعف التوحيد، يتوهم المتوهم أن بيده الأمر، بيده العطاء والأمر، بيده الحرب والسلم، بيده كل شيء، هذا من ضعف الإيمان ، لذلك عامة الناس يرون الأمر في الدنيا بيد الطغاة، لكن يوم القيامة يرون أن الأمر بيد الله، أما المؤمن في الدنيا وفي الآخرة يرى الأمر بيد الله، الآية الكريمة:
﴿ وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾
( سورة الحديد الآية: 10 )
المال بيدك، أنا أقسم لكم أن عندي في مكتبتي عشرات الوصايا من أناس أوصوا بأموالهم بالأعمال الصالحة، والله لم تنفذ ولا وصية، لا تكن تحت رحمة الورثة أنفق المال في حياتك، ولا وصية نفذت، والله ترك لهم أربعة أبنية ضنوا عليه بخمسة وعشرين ألفاً صدقة، وعد بدفعها قبل أن يموت فلم ينفذوها، لا تكن تحت رحمة الورثة، أنفق في حياتك ، درهم تنفقه في حياتك خير من ألف درهم ينفق بعد مماتك، وقد لا ينفق. الإرث الحقيقي إرث العلم و الحكمة:
الآن المعنى الدقيق أن الإرث الحقيقي إرث العلم، الله عز وجل أعطى الملك لمن لا يحب، ولمن يحب، أعطاه لفرعون وهو لا يحبه، أعطاه لسيدنا سليمان وهو يحبه، إذاً الملك ليس مقياساً، أعطى المال لمن لا يحب أعطاه لقارون، أعطاه لمن يحب لسيدنا عثمان، إذاً المال ليس مقياساً، لكن الذي أحبه ماذا أعطاه ؟ قال:
﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً ﴾
( سورة القصص الآية: 14 )
أنا دائماً أذكر هذا المثل: لو أن طفلاً صغيراً، قال لك عقب العيد (أنت صديق والده)، قال لك: معي مبلغ عظيم، أبوه مدرس، يعني معه مبلغ 200 ليرة، عند الطفل مبلغ عظيم، لو قال مسؤول كبير بالبنتاغون: أعددنا لهذه الحرب مبلغاً عظيماً، نقدره بمئتي مليار دولار، نفس الكلمة قالها طفل فقدرناها بمئتي ليرة، وقالها مسؤول كبير بالبنتاغون فقدرناها بمئتي مليار دولار. من تعرف إلى الله استقام على أمره و انصاع له:
إذا قال ملك الملوك:
﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾
( سورة النساء )
أنت حينما تجلس بمجلس علم وتتعرف إلى الله عز وجل هذا أكبر عطاء على الإطلاق، لأن هذا العلم ينعكس استقامة، ينعكس عطاءً، ينعكس تواضعاً، ينعكس حباً لله ينعكس انصياعاً لأمره، ينعكس إحساناً لخلقه.
لذلك يقولون عن العلماء هذا وارث محمدي، وارث أي ورث عن النبي صلى الله عليه وسلم العلم والحكمة والعمل.
لذلك ينبغي لكل واحد منا أن يكون وارث محمدي، يرث عن رسول الله العلم والعمل والأدب والأخلاق، لذلك ورد في أحد الأحاديث:
(( وَإِنَّ الأنبياءَ لم يُوَرِّثُوا دِينارا ولا دِرْهما، وَرَّثُوا العلم، فَمَن أَخَذَهُ أَخَذَ بِحظّ وَافِر ))
[أخرجه أبو داود والترمذي عن أبي الدرداء ]
أكبر عطاء أن تتعرف إلى الله عز وجل:
أكاد أقول لكم أيها الأخوة، إن أكبر عطاء على الإطلاق أن تعرف الله.
(( ابن آدم اطلبني تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء ))
[ تفسير ابن كثير]
مرة كنت في مدينة في الشمال أروني قصراً، أنا أتصور الآن ثمنه قريب من خمسمئة مليون، على النمط الصيني، جيء بمهندسين كبار، فيه بذخ، وفيه مواد بناء بأعلى مستوى، الوصف طويل، وصف لي هذا البناء رأيته من الخارج، صاحبه كان طويل القامة، مات في الثانية والأربعين، ولحكمة أرادها الله القبر كان أقصر من قامته، فلما وضع في القبر دفعه الحفار بصدره فصار رأسه هكذا، يعني زاوية قائمة، قلت: سبحان الله ! القصر الذي كان يسكنه الآن قيمته خمسمئة مليون، ماذا أصبح ؟ أصبح بهذا القبر.
فالله عز وجل هو "الوارث"، لا تقول هذا البيت لي، إنسان جاهد حتى اشترى بيتاً فخماً جداً، وأعاده على الهيكل، كساه كسوة على ذوقة، بقي سنتين يشرف على كسوته من الداخل، ولم يسكن فيه ما سمح الله له أن يسكن به، والله ﴿ خَيْرُ الْوَارِثِينَ ﴾
بطولة المرء إذا حقق نجاحاً في الدنيا أن يكون هذا النجاح مستمراً بعد وفاته:
الآن هناك معنى دقيق جداً: سيدنا زكريا.
﴿ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ ﴾
( سورة الأنبياء )
يعني أنت لو تفكر أن عملك الصالح يستمر بعد وفاتك، تهيئ من ينوب عنك ، هذا يسمونه "عمل مؤسساتي"، هناك أعمال عملاقة إذا مات صاحبها انتهت، هذا عمل شخصي صار، إن كنت في دعوة إلى الله، أسست مشروعاً، أسست ميتماً، أسست عملاً خيرياً، إذا نجحت بعملك بطولتك هذا العمل أن يستمر، عن طريق أن تهيئ من ينوب عنك، أن يحل محلك، أن تربي بعض أولادك على متابعة هذا العمل، فاجعل في ذهنك أن بطولة المرء إذا حقق نجاحاً في الدنيا أن يكون هذا النجاح مستمراً.
أعرف أناساً لهم أعمال كبيرة صالحة جداً، هيؤوا أموالاً جمدوها في حياتهم لتكون سبب الإنفاق على مشاريعهم بعد موتهم، البطولة أنك إذا عملت عملاً ينبغي أن يستمر بعد مماتك.
أيها الأخوة، الدعاء النبوي الشهير:
(( اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغها به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، ومتعنا اللهم بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا ))
[رواه الترمذي وحسنه الشيخ الألباني عن ابن عمر ]
يعني إنسان يعيش عمراً يتمتع بسمعه، وبصره، ونطقه، ولسانه، وقوته.
(( واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ))
[رواه الترمذي وحسنه الشيخ الألباني عن ابن عمر ]
اسم "الوارث" يجعل يدك على ما تملك يد أمانة:
أخوانا الكرام، اسم "الوارث" يجعل يدك على ما تملك يد أمانة، و قد قيل " أندم الناس من دخل ورثته بماله الجنة ـ له أولاد صالحون، كسبوا هذا المال من أبيهم حلالاً ـ ودخل هو بماله النار ".
هو كسبه حرام، أولاده دخلوا الجنة بهذا المال، وهو دخل النار بهذا المال ، قضية الأموال، وتوزيع الأموال بين الأولاد، والإرث قضايا دقيقة جداً، أذكركم في نهاية هذا اللقاء:
(( إن الرجل والمرأة ليعملان بطاعة الله ستين عاماً، ثم يضران في الوصية ثم تجب لهما النار ))
[ أخرجه أبو داود والترمذي عن أبي هريرة ]
هل عندك استعداد أن تلغي كل عملك، صلاتك، صيامك، حجك، زكاتك استقامتك، من أجل أن تحابي ابنك الذكر.،
والله كنت مرة في بلد عربي، اتصلت بي امرأة قالت: نحن تسع بنات، حرمنا أبونا كل شيء، وأعطى ابنه الوحيد، ترك له كل الثروة، عادات جاهلية، ضيق أفق، جهل فاضح، وزع الإرث كما أمر الله عز وجل.
السعيد
09-02-2018, 08:26 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الستون بعد المائة )
الموضوع : اسم الله - البر - 1 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
من أسماء الله الحسنى:(البر):
أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "البَر".
ورود اسم البر في القرآن الكريم مطلقاً يفيد المدح والثناء على الله تعالى:
هذا الاسم ورد في القرآن الكريم مطلقاً يفيد المدح والثناء على الله جل جلاله في قوله تعالى:
﴿ إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ ﴾
( سورة الطور )
"البَر" اسم فاعل لمن اتصف بالبِر، و البِر كلمة مثلثة، بَر، وبُر، وبِر،البَر اليابسة، والبُر القمح، والبِر المحسن.
أيها الأخوة، الفعل بَر، يبرُ، فهو بار، وجمعه بررة.
﴿ كِرَامٍ بَرَرَةٍ ﴾
( سورة عبس )
والبِر هو الإحسان، والبر في حق الوالدين والأقربين من الأهل ضد العقوق ، والعقوق الإساءة إلى الوالدين، وتضييع حقهما.
والبر والبار بمعنى واحد، بر، وبار، لكن الذي ثبت في أسماء الله الحسنى "البر" دون البار، لم يرد في أسماء الله الحسنى البار، في اللغة البر والبار واحد، أما الذي ثبت في أسماء الله الحسنى "البر". التواضع و الإنصاف و الإحسان صفات تدعو الطرف الآخر إلى الإسلام بشكل غير مباشر:
أسماء الله الحسنى كما تعلمون توقيفية، وليست اجتهادية قال تعالى:
﴿ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾
( سورة الممتحنة )
هناك ملمح دقيق جداً في هذه الآية، هذا الإنسان الغير ملتزم، لكنه لا ينكر عليك بل يقدرك، بل يثني عليك، بل يكبر فيك التزامك، هذا الإنسان الغير ملتزم، لكن لا يعاديك، لا ينتقصك، لا يحاربك، لا يؤذيك، هذا يسمى في المصطلح الحديث حيادي، إياك بغلظة منك أن تضمه إلى الطرف الآخر، الآية دقيقة: ﴿ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ ﴾
إن لك جاراً غير مسلم ينبغي أن تبره، أن تكرمه، أن تحسن إليه، أن تريه منك إيجابية، تفهماً، خدمة، أن تهنئه بمولود، أن تقدم له هدية، أو تساعده، أن تعاونه، كيف سيقتنع أنك على حق ؟ من أخلاقك، من تواضعك، من خدمتك، هذه النقطة الدقيقة. لا تحارب إلا من يحاربك:
في عصور الظلام فهم المسلمون أن كل إنسان ليس مسلماً ، ينبغي أن تحاربه ، أن تقاتله، أن تشتمه، أن تعاديه، هذا خطأ كبير، والآية واضحة تماماً:
﴿ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ ﴾
أن تحسنوا إليهم ، أن تتلطفوا معهم، أن تتقربوا إليهم، بإحسان، بالكلمة الطيبة، بالتهنئة، بالخدمة، بالهدية.
﴿ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾
أنت لا تحارب إلا من يحاربك.
﴿ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾
( سورة البقرة )
عندنا أخلاق هي أخلاق الجهاد، هذه الأخلاق في أثناء الحرب.
﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ﴾
( سورة التوبة الآية: 73 )
هذه أخلاق الجهاد، أخلاق المعركة، لكن في السلم:
﴿ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾
( سورة فصلت )
هذا الغير مسلم كيف يقتنع أن الإسلام على حق، إن رأى منك إنصافاً، تفهما إحساناً، لطفاً، إكراماً، هذه الصفات تدعوه إلى الإسلام بشكل غير مباشر. الكافر إن رآك فظاً و غليظاً اعتقد بكفره وصواب كفره:
أخوانا الكرام، الآية الدقيقة:
﴿ رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا ﴾
( سورة الممتحنة الآية: 5 )
فيها ملمح دقيق جداً، هذا الكافر إن رآك فظاً غليظاً، إن رآك غير منصف، إن رآك عدواً مبيناً، إن رآك متعصباً، اعتقد بكفره، وصواب كفره، ولم يقبل هذا الدين الذي مثلته بالغلظة والفظاظة، من أنت أمام سيد الخلق ؟ سيد الخلق، حبيب الحق، سيد ولد آدم ، الذي يوحى إليه، الذي أوتي القرآن، الذي أوتي المعجزات، الذي أوتي جمال الصورة ، الذي أوتي الفصاحة والبيان، الذي أوتي عراقة النسب، كأن الله عز وجل يخاطبه ويقول أنت، أنت يا محمد على كل هذه الخصائص، وعلى كل هذا التفوق، وعلى كل هذا الفلاح، أنت، أنت بالذات:
﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 159 )
فكيف إذا إنسان ليس نبياً، و لا رسولاً، ولا يوحى إليه، ولا أوتي المعجزات ولا أوتي الفصاحة، ولا أوتي البيان، ومع ذلك فهو فظ غليظ القلب، وكأن الآية تعطي معادلة.
﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 159 )
بسبب رحمة استقرت في قلبك يا محمد كنت ليناً لهم، رحمة، لين، التفاف ، التفوا حولك، ﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾
لو كنت بعيداً عنا لامتلأ قلبك قسوة، ولانعكست القسوة غلظة، ومع الغلظة الانفضاض. قانون الالتفاف والانفضاض:
أصبحت المعادلة اتصال ، رحمة، لين، التفاف، انقطاع، قسوة، انفضاض، هذه الآية يحتاجها الآباء، الأمهات ، المعلمون، كل إنسان يحتل منصباً قيادياً، أنا سميت هذا المعنى في هذه الآية قانون الالتفاف والانفضاض، كل إنسان له منصب قيادي، مدير مؤسسة، مدير مستشفى، مدير جامعة ، وزير، أب، أم، معلم، الشيء الدقيق جداً في عمله أن يلتف من حوله حوله، أن يلتفوا حوله، أن ينصاعوا إليه، أن يحبوه، أن يطيعوه، متى يحبوه ؟ متى يطيعوه ؟ متى يلتفوا حولوه
﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾
إذاً لابدّ من أن تتصل بالله، لتستقر في قلبك رحمة، كي تنعكس الرحمة ليناً، كي يكون اللين سبب التفاف الناس حولك، فإذا كنت منقطعاً عن الله امتلأ القلب قسوة، ومن نتائج القسوة الغلظة، ومن نتائج الغلظة الانفضاض. المسلم مُحبب أو مُنفر:
إذاً الآية الدقيقة:
﴿ رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا ﴾
هذا الذي ليس مسلماً، إن رأى منك تقصيراً، إن رأى منك غلظة، إن رأى منك فظاظة، إن رأى منك قسوة، إن رأى في عملك إهمالاً، إن رأى تقصيراً في أداء واجبك ، إن رآك تنطق بكلامك ولست منضبطاً، فاعتقد بصواب ما هو عليه وألغى ما أنت عليه ﴿ رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا ﴾
من الذي فتن الكافر أن يكون كافراً ؟ المسلم المقصر، المسلم المنفر، أنا أسمي الآن مسلم منفر، وهناك مسلم محبب، إما أن تحبب الناس بهذا الدين من خلال رقتك، ولطفك، وتواضعك، وإتقان عملك، وعفتك، وصدقك، وأمانتك، وإما أن تنفر الناس من هذا الدين حينما تؤدي العبادات وتسيء في المعاملات، هذه المشكلة، حينما تؤدي العبادات، وتسيء في المعاملات تصنف مع المنفرين، أما حينما تؤدي العبادات وتحسن في المعاملات، تصنف مع المحببين.
(( يا رب أيّ عبادك أحب إليك حتى أحبه بحبك ؟ قال: أحب عبادي إلي تقي القلب، نقي اليدين، لا يمشي إلى أحد بسوء، أحبني، وأحب من أحبني، وحببني إلى خلقي، قال: يا رب إنك تعلم أنني أحبك، وأحب من يحبك، فكيف أحببك إلى خلقك ؟ قال: ذكرهم بآلائي، ونعمائي، وبلائي ))
[من الدر المنثور عن ابن عباس ]
بطولة الإنسان أن يكون منصفاً مبادراً للخير:
أيها الأخوة، إذاً البطولة أن تكون محسناً، أن تكون متواضعاً، أن تكون منصفاً، أن تكون مبادراً للخير، لا أن تكون مكافئاً.
هناك إنسان يزورك فتزوره، يقدم لك هدية فتقدم له هدية، يدعوك إلى وليمة تدعوه إلى وليمة.
آية مناسبة جداً لهذا المعنى، قال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا ﴾
( سورة المائدة الآية: 8 )
من هو العدو التقليدي للمؤمن ؟ الكافر، يعني يا أيها المؤمن لا تحملنك عداوة هذا الإنسان ألا تعطيه حقه، أعطه حقه، ﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ ﴾
أي بغض قوم ﴿ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا ﴾
﴿ اعْدِلُوا ﴾
( سورة المائدة الآية: 8 )
مع من ؟ مع من تبغضه، ﴿ اعْدِلُوا ﴾
مع من ؟ مع الطرف الآخر ﴿ اعْدِلُوا ﴾
مع من ؟ مع الذي ليس مسلماً ﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا ﴾
أمر إلهي، وكل أمر إلهي يقتضي الوجوب.
﴿ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ﴾
( سورة المائدة الآية: 8 )
تنفيذ تفاصيل المنهج الإسلامي مع غير المسلم تحمله على الإسلام و تحببه بالدين:
إنك إن عدلت مع هذا الذي ليس من ملتك، ليس على دينك قربته إليك، وقربته إلى الله.
هذه الفكرة المرفوضة، هذا ليس مسلماً، لكن إنسان، الإنسان إن رآك محسناً ، منصفاً، أعطيته حقه، متواضعاً، أنا أقسم لكم بالله، هناك مئات ألوف الحالات ممن دخلوا في الإسلام من موقف أخلاقي، من موقف فيه إنصاف، فيه إحسان، فأحب هذا الإسلام فدخل في الإسلام.
أيها الأخوة الكرام، أنت حينما تنفذ تفاصيل هذا المنهج مع غير المسلم، تحبب غير المسلم إليك، وقد تحمله على أن يُسلم.
معاني البر:
1 ـ البر سبحانه وتعالى هو العطوف على عباده ببره ولطفه:
الآن "البر" سبحانه وتعالى هو العطوف على عباده، ببره ولطفه، فهو أهل البر والعطاء، يحسن إلى عباده في الأرض والسماء.
روى البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال الله عز وجل :
(( أنفقْ أُنفِقْ عليك ))
[ البخاري عن أبي هريرة]
وقال عليه الصلاة والسلام:
(( يدُ الله ملآى، لا يَغيضُها نفقة، سحَّاء الليل والنهار ـ يعني مستمرة في الليل والنهار ـ وقال: أَرَأَيتم ما أنْفَقَ منذُ خلق السماوات والأرضَ ؟ فإنه لم يَغض ما بيده وكان عرْشُه على الماء، وبيده الميزانُ، يَخفِضُ ويَرفَعُ ))
[ البخاري عن أبي هريرة]
"البر" هو العطوف على عباده، ببره ولطفه، فهو أهل البر والعطاء، يحسن إلى عباده في الأرض والسماء.
(( أنفقْ أُنفِقْ عليك ))
الأحاديث كثيرة.
(( أنفق بلالُ ولا تخش من ذي العرش إقلالاً ))
[أخرجه الطبراني عن بلال ]
(( الخلق عيال الله فأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله ))
[أخرجه أبو يعلى عن أنس بن مالك ]
هذا الفهم الدقيق لهذه الآيات وتلك الأحاديث، يجعل المسلم محبباً إلى الآخرين، عندئذٍ فيما أظن يدخل الناس في دين الله أفواجا، فإذا كان المسلم منفراً، قاسياً، فظاً، غليظ القلب، يخرج الناس من دين الله أفواجاً. 2 ـ البر هو الصادق في وعده المتجاوز عن عبده:
الآن "البَر" هو الصادق في وعده، الذي يتجاوز عن عبده، وينصره ويحميه ، الصادق في وعده.
﴿ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ ﴾
( سورة الزمر الآية: 74 )
زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين:
﴿ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ ﴾
( سورة التحريم الآية: 8 )
يعني هذه الوعود التي وعد الله بها، زوال الكون أهون على الله من ألا تتحقق، من الذي يعدك ؟ رب السماوات والأرض، خالق السماوات والأرض، إله السماوات والأرض، لذلك حينما يقول الله عز وجل :
﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي ﴾
( سورة النور الآية: 55 )
عليك أن تعبده وعلى الله الباقي، على الله عز وجل، ومعنى على إذا اقترنت بلفظ الجلالة أي هناك إلزام ذاتي من الله، على الله أن يستخلفك في الأرض ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي ﴾
فإذا أخل الفريق الثاني بما عليه من عبادة الله، فالله جل جلاله في حلٍّ من وعوده الثلاث.
﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً﴾
( سورة مريم )
3 ـ البر هو المحسن إلى عباده:
أيها الأخوة، "البَر" هو المحسن إلى عباده، الذي عمّ بره وإحسانه جميع خلقه ، فما منهم من أحد إلا وتكفل الله برزقه، الدعاء الذي تقرؤونه في القرآن الكريم:
﴿ وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ ﴾
سيدنا إبراهيم، لكن من ؟:
﴿ مَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ﴾
فرد الله عليه:
﴿ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً﴾
( سورة البقرة الآية: 126 )
يوم القيامة الفرز الدقيق بين الناس:
الله عز وجل كلهم عباده، في الدنيا يعطي كل عباده، يطعمهم، يأكلون ، يشربون، يتمتعون بالحياة، ينجبون الأولاد، أما الفرز الدقيق في الآخرة.
﴿ وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ ﴾
( سورة يس )
ما في الدنيا كالعام الدراسي تماماً، جميع الطلاب يرتدون الثياب، ويأكلون ، ويشربون، ومعهم محافظهم، ويتوجهون إلى مدارسهم، لكن متى يكرم هذا الطالب؟ بعد الامتحان.
(( الدنيا عرض حاضر أكل منها البر والفاجر ))
[أخرجه الطبراني عن شداد بن أوس ]
المؤمن يأكل والفاجر يأكل، المؤمن يركب مركبة والثاني كذلك، في الدنيا الأوراق مختلطة، لكن يوم القيامة يكون الفرز.
إذاً "البَر" الذي عمّ بره وإحسانه جميع خلقه، فما منهم من أحد إلا تكفل الله برزقه، قال أبو السعود: "البَر" الكثير الرحمة، الذي إذا عُبد أثاب، وإذا سُئل أجاب:
(( إِنَّ مِن عِبادِ الله مَنْ لَوْ أَقْسَمَ على الله لأَبَرَّه ))
[ البخاري عن أنس بن مالك]
(( رُبَّ أَشْعَثَ مَدْفُوعٍ بالأبواب لو أقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبَرَّهُ' ))
[ أخرجه مسلم عن أبي هريرة ]
4 ـ البر هو الله و مطلق عطاء الله:
الآن "البر" هو الله، والبِر عطاء الله، مطلق عطاء الله، إحسانه في الدنيا ، إحسانه في الآخرة، سعادة تملأ القلب، صحة تحفظ للإنسان مكانته، هيبة تعين الإنسان على معيشته.
أيها الأخوة، البِر مطلق عطاء الله، الله عز وجل بَر، واسم عطائه بِر.
انطواء كل أنواع الخير تحت كلمة البِر:
البِر أنواع الخير، تنطوي تحت هذه الكلمة كل أنواع الخير، لذلك قال تعالى:
﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾
( سورة آل عمران الآية: 92 )
وقال بعض العلماء: البِر التقوى، أو التوسع في فعل الخير، وقيل هو اسم جامع لكل الطاعات، ولكل أعمال الخير المقربة لله عز وجل ، أو اسم جامع للمرضي من الخصال، يعني جميع خصال الإحسان مجموعة في كلمة البِر، هذا شيء دقيق، اسم جامع لكل الطاعات، اسم جامع لكل القربات، اسم جامع لكل الخصال، اسم جامع لكل الأفعال المرضية.
والبِر هو التقوى، و البِر خير الدنيا والآخرة، ﴿ إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ ﴾
هو بَر، وعطاؤه بِر.
أيها الأخوة: دعاء عائشة رضي الله عنها:
(( اللَّهُمَّ إِنِّي أَدْعُوكَ اللَّهَ وَأَدْعُوكَ الرَّحْمَنَ وَأَدْعُوكَ الْبَرَّ الرَّحِيمَ وَأَدْعُوكَ بِأَسْمَائِكَ الْحُسْنَى كُلِّهَا مَا عَلِمْتُ مِنْهَا وَمَا لَمْ أَعْلَمْ أَنْ تَغْفِرَ لِي وَتَرْحَمَنِي ))
[ ابن ماجة عن عائشة]
أيها الأخوة، الإنسان حينما يركب دابته، أو يركب مركبته يوجد دعاء، هذا الدعاء:
﴿ سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ ﴾
( سورة الزخرف الآية )
(( اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البِرَّ والتقوى، ومن العمل ما تَرْضى، اللَّهمَّ هَوِّن علينا في سفرنا هذا ))
[أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي عن عبد الله بن عمر ]
الإسلام منهج كامل:
أيها الأخوة، الآية الدقيقة الآن:
﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴾
( سورة البقرة )
يعني أن تتوهم لمجرد أن تصلي ركعتين انتهى كل شيء، كيف دخلك؟ من حلال أم من حرام؟ كيف إنفاقك؟ كيف بيتك؟ كيف أولادك؟ كيف علاقاتك؟ كيف إحسانك؟ ﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ ﴾
أن تكتفي بعبادات شكلية، أن تكتفي بركعات تؤديها، بحجة أو عمرة دون أن يدخل الإسلام في منهجك، في كسب رزقك ، في إنفاقك، في مالك، في تربية أولادك، في حلك وترحالك، في عطائك، في منعك، في علاقاتك الاجتماعية، الإسلام منهج كامل، يبدأ من فراش الزوجية، وينتهي بالعلاقات الدولية. سلعة الله غالية:
﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ﴾
آتى المال بدافع محبته لله، أو آتى المال بالرغم من محبته للمال، ﴿ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ ﴾
إيتاء الزكاة شيء، وإنفاق المال على حب الله شيء آخر، الثانية الزكاة المفروضة، أما الأولى الصدقة، الإنسان بالصدقة يرقى، ﴿ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴾
أي الدين له ثمن، ثمن باهظ، أما النتائج سعادة إلى أبد الآبدين، النتائج جنة عرضها السماوات والأرض، النتائج:
(( ما لا عين رأتْ ولا أذن سمعتْ، ولا خطَر على قلبِ بَشَرْ ))
[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة ]
لكن سلعة الله غالية ﴿ لَيْسَ الْبِرَّ ﴾
هذا الإله العظيم، هل تظن عطاءه بركيعات تؤديها شكلياً ؟ لا، بمنهج كامل، بمبادئ، بقيم، بالتزام، بعطاء، بانضباط في الدخل، في الإنفاق، في تربية الأولاد، بجهد جهيد، بعطاء مديد، هذه الآية لها شأن خاص في القرآن الكريم حقيقة الدين إيمان، وعلم، وعمل، والتزام، واستقامة، وعمل صالح ، وإخلاص، وتواضع .
السعيد
09-02-2018, 08:29 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الحادى و الستون بعد المائة )
الموضوع : اسم الله - البر - 2 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
من أسماء الله الحسنى:(البَرّ):
أيها الأخوة الكرام، يحرص اسم "البَر" على أن يفعل كل أنواع البِر، الله "البَر" وعطاؤه بِر.
الإيمان بالله و اليوم الآخر يحمل الإنسان على طاعة الله عز وجل:
علاقة المؤمن بهذا الاسم أن يحرص حرصاً لا حدود له على أن يفعل كل أنواع البِر، فجلّ جلاله يقول:
﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ﴾
( سورة البقرة الآية: 177 )
أن تكفي لعبادة شكلية، أن تقل سقط الوجوب وإن لم يحصل المطلوب، أن تؤدي ركيعات، والذي يؤديها ساهٍ ولاهٍ، وأن يتحرك حركة بعيدة عن منهج الله، أن يرى الدين طقوس، وحركات، وسكنات، وتمتمات، وإشارات، يفعلها الإنسان وانتهى الأمر.
﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ﴾
( سورة البقرة الآية: 177 )
أي آمن بالله إيماناً يمنعه أن يخرق استقامة الله عز وجل ﴿ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ﴾
آمن بالله إيماناً يمنعه أن يؤذي مخلوقاً.
﴿ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴾
( سورة البقرة )
المسلم في هذه الأيام له إطار ديني باهت:
الإنسان يصلي ولا تكلفه الصلاة شيئاً، يتوضأ ليصلي، يصوم، والصيام أصبح عادة من عادات المسلمين، ويحج بيت الله الحرام، وقد يصبح الحج سياحة، فنادق فخمة جداً، تسوق من أعلى مستوى، وقضية سهلة جداً، طواف، وسعي، وقص شعرتين، وانتهى الأمر، فهذا الفهم للدين الفهم الطقوسي، أنه صلينا وانتهى الأمر، أما حياتنا، وكسب أموالنا، وعلاقاتنا، ونشاطاتنا، وعلاقاتنا بالنساء، أفراحنا، أتراحنا، يعيش المسلم اليوم حياة الغرب، له إطار باهت ديني، الجمعة يرتدي ثوباً أبيض، يتعطر، معه مسبحة، يذهب إلى الجامع، كيف أمضى هذا الأسبوع ؟ كيف أمضى ليالي هذا الأسبوع ؟ مع من جلس ؟ مع من أكل ؟ مع من تسامر ؟ ماذا قال في كلامه ؟.
جوانب البر:
1 ـ الجانب العقدي:
لذلك:
﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴾
هذه الأنواع المنوعة من البر لو حللناها، لوجدنا براً عقدياً، هناك جانب عقدي ﴿ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ ﴾
العاقل من آمن بيوم الحساب الذي سيحاسب فيه على كل همسة و بسمة:
أركان الإيمان آمنت بالله واحداً، وموجوداً، وكاملاً، خالقاً، ومربياً، ومسيراً، آمنت بالله، بأسمائه الحسنى وصفاته الفضلى، آمنت بأنه على كل شيء قدير، هو القوي، هو الغني، هو الرحيم، هو المعطي، هو المانع، هو الرافع، هو الخافض، هو المعز، هو المذل،
﴿ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ ﴾
وآمنت أيضاً أن هناك يوم آخر تحاسب فيه على كل كلمة، وعلى كل همسة، وعلى كل بسمة.
﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾
( سورة الحجر )
﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ﴾
( سورة الزلزلة )
﴿ وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ ﴾
( سورة الأنبياء )
أن تؤمن بالله إيماناً يحملك على طاعة الله، وأن تؤمن باليوم الآخر إيماناً يمنعك أن تؤذي مخلوقاً.
﴿ وَالْمَلَائِكَةِ ﴾
يكتبون عليك كل أعمالك ﴿ وَالْكِتَابِ ﴾
المنهج، افعل ولا تفعل ﴿ وَالنَّبِيِّينَ ﴾
هؤلاء قمم البشر الذين أرسلهم الله عز وجل ليكونوا قدوة لنا، هذا الجانب العقدي. 2 ـ الجانب العبادي:
أما الجانب العبادي
﴿ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ ﴾
أقام صلة مع ربه، وصلة مع خلقه، أقام صلة مع ربه طاعة، وإنابة، وحباً، وتوكلاً، وأقام صلة مع خلقه إحساناً، كما قال الله عز وجل:
﴿ وَأَوْصْانِي بِالصّلاةِ والزَّكَاةِ مَا دُمْت حَيّاً ﴾
( سورة مريم )
هناك حركة نحو الخالق، إيمان، وإقبال، وطاعة، وحركة نحو المخلوق انضباط وإحسان، هذا الجانب العبادي. 3 ـ الجانب الخيري:
و هناك الجانب الخيري.
﴿ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ ﴾
ينفق. 4 ـ الجانب الخلقي:
هناك جانب خلقي
﴿ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ﴾
﴿ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ﴾
إذا أديت الجانب العقدي، والجانب الخيري، والجانب الأخلاقي كنت عند الله صادقاً.
لذلك الله هو "البَر" المحسن، وعطاؤه بر، والبِر أن تؤمن، وأن تستقيم، وأن تعبد الله، وأن تحسن إلى خلقه، وأن تتخلق بالخلق الذي أراده الله لك. البر و الإثم:
أيها الأخوة، السنة المطهرة أكدت أن البِر حسن الخلق، وكأن الدين مجموعة أخلاقية، هذا الذي قاله ابن القيم رحمه الله تعالى، قال: الإيمان هو الخلق، من زاد عليك في الخلق زاد عليك في الإيمان.
لذلك قال النواس رضي الله عنه:
(( سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن البِر والإثم، فقال عليه الصلاة والسلام البر: حسن الخلق، والإثم: ما حاك في صدرك، وكرهت أن يطلع عليه الناس ))
[ مسلم عن النواس]
كل شيء تستحي منه، تستحي أن تفعله أمام الناس، هذا هو الإثم، كل شيء لا تتمنى أن ينسب إليك هذا هو الإثم، لذلك قال عليه الصلاة والسلام: (( وإياك وما يعتذر منه ))
[ أخرجه الطبراني عن عبد الله بن عمر ]
أي موقف، أي كلمة، أي حركة، أي سكنة تضطر أن تعتذر عنها لا تفعلها. أفضل الناس إسلاماً وإيماناً وقرباً ومكانة أحسنهم أخلاقاً:
أيها الأخوة، الإيمان أساس الفضائل، ولجام الرذائل، وقوام الضمائر، وقد بيّن النبي عليه الصلاة والسلام ذلك في مجموعة من أحاديثه الصحيحة فقال:
(( وإن أحسن الناس إسلاماً أحسنهم خلقاً، وإن خير الناس إسلاماً أحسنهم خلقاً. ))
[أخرجه أبو يعلى والطبراني عن جابر بن سمرة ]
وإن من أحبّ العباد إلى الله أحسنهم خلقاً، وإن من أقرب المؤمنين مجلساً من رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم القيامة أحسنهم خلقاً.
(( وأن خير ما أعطي الإنسان خلق حسن ))
[أخرجه الطبراني عن أسامة بن شريك ]
(( مَا مِنْ شَيْءٍ أَثْقَلُ فِي مِيزانِ المؤمِنِ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنْ خُلُقٍ حَسَنٍ ))
[ أخرجه أبو داود والترمذي عن أبي الدرداء ]
(( إِنَّ المؤمنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقهِ دَرَجَةَ الصَّائِمِ القَائِمِ ))
[أخرجه أبو داود عن عائشة أم المؤمنين ]
(( إن العبد ليبلغ بحسن خلقه عظيم درجات الآخرة ))
[أخرجه الطبراني عن أنس بن مالك ]
وكما قال عليه الصلاة والسلام:
(( الخلق الحسن يذيب الخطايا كما يذيب الماء الجليد، والخلق السوء يفسد العمل كما يفسد الخل العسل ))
[أخرجه الطبراني عن عبد الله بن عباس ]
كلها أحاديث صحيحة، من أصحّ الأحاديث أن أفضل الناس إسلاماً، وإيماناً ، وقرباً، ومكانة ، وثقلاً في الميزان أحسنهم أخلاقاً، فإذا ألغيت الخلق الحسن ألغيت الدين. الدين ليس طقوساً هو منهج و استقامة و التزام:
أيها الأخوة، هذه حقيقة أولى، أتريد عطاء الله ؟ تريد توفيقه ؟ تريد تأييده ؟ تريد نصره ؟ تريد قربه ؟ تريد السكينة ؟ تريد الحكمة ؟ تريد الرضا ؟ تريد أن يجري الله على يديك الخير ؟ افعل هذه الأفعال.
﴿ منْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴾
أنا أحذر من فهم بدأ ينتشر بين الناس، فهم للدين على أنه طقوس، يعني افعل ما يشاء لكن ادعِ لنا أستاذ، لا تكفي هذه.
(( أعني على نفسك بكثرة السجود ))
[أخرجه البزار عن عبد الملك بن عمير ]
يريد عملاً لا يكلفه شيئاً، كلمات يقولها وتنتهي مشكلاته، هذا فهم طقوسي للدين الدين منهج، الدين التزام، الدين استقامة. أعظم البِر بِرُ الوالدين:
الآن أيها الأخوة، من أعظم البِر بِرُ الوالدين، كما قال تعالى:
﴿وَبَرّاً بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيّاً ﴾
( سورة مريم )
باراً بوالديه، يعني هذان اللذان كانا سبب وجودك، إن لم تكن وفياً لهما لم تكون وفياً لأحد، من أعظم الأعمال بر الوالدين، لذلك قال تعالى:
﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ﴾
( سورة الإسراء الآية: 23 )
رفع بر الوالدين إلى مستوى عبادته، ﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ﴾
أيها الأخوة، شيء آخر: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا في صحيح البخاري، فقال:
(( يا رسول الله، مَنْ أحَقُّ الناس بِحُسْن صَحابتي ؟ قال: أمُّك '، قال: ثم مَنْ ؟ قال: أمُّك، قال: ثم مَنْ ؟ قال: أمُّك، قال: ثم مَنْ ؟ قال: أبُوك. وفي رواية قال أمَّك، ثم أمك، ثم أباك ))
[أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة ]
سُل النبي عليه الصلاة والسلام:
(( فأي الناس أعظم حقاً على الرجل ؟ ))
[أخرجه الحاكم عن عائشة أم المؤمنين ]
يوجد بحياتك نساء كثيرات، في بنت، في أخت، في زوجة.
(( فأي الناس أعظم حقا على الرجل ؟ قال: أمه ))
[أخرجه الحاكم عن عائشة أم المؤمنين ]
فلما سئل:
(( أي الناس أعظم حقاً على المرأة ؟ ))
[أخرجه الحاكم عن عائشة أم المؤمنين ]
امرأة لها أب، لها أخ، لها عم، لها خال، لها ابن أخ، ابن أخت، لها زوج.
(( أي الناس أعظم حقاً على المرأة ؟ قال: زوجها ))
[أخرجه الحاكم عن عائشة أم المؤمنين ]
فلذلك أحد أكبر أبواب البِر، أحد أسباب القرب من الله بِرُ الوالدين، لذلك ورد في بعض الآثار:
(( ليعمل العاق ما شاء أن يعمل فلن يدخل الجنة ))
[ الحاكم في تاريخه عن معاذ ]
الأمن أعظم شعور يناله الإنسان:
الآن هذا البر عطاء الله، توفيق الله، إكرام الله، تأييد الله، نصر الله، السكينة تلقى في قلبك، الرضا يفعم بها قلبك، الحكمة تكون في أعلى عليين عند الله، وعند الناس بالحكمة، الأمن أعظم شعور يناله الإنسان.
﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ* الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾
( سورة الأنعام )
فهذه العطاءات الكبيرة جداً، هذه العطاءات الكبيرة تحتاج إلى بذل، إلى إنفاق المؤمن بنى حياته على العطاء وغير المؤمن بنى حياته على الأخذ:
بالإسلام يوجد استقامة، الاستقامة تودي بك إلى السلامة، أنا ما كذبت، جيد، أنا ما غشيت، لم أحتال على أحد، لم أسيء إلى أحد، هذه استقامة، بالاستقامة تسلم، لكن التألق والسعادة والشعور بأنك أسعد الناس هذا يحتاج إلى بذل، من مالك، من وقتك، من علمك، من خبرتك، من جاهك.
﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾
( سورة البقرة )
المؤمن بنى حياته على العطاء، وغير المؤمن بنى حياته على الأخذ، والأقوياء يأخذون ولا يعطون، والأنبياء يعطون ولا يأخذون، الأنبياء ملكوا القلوب، والأقوياء ملكوا الرقاب، الأنبياء عاشوا للناس، والأقوياء عاش الناس لهم، الأنبياء يمدحون في غيبتهم وبعد ألف و خمسمئة عام، والأقوياء يمدحون في حضرتهم. لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ:
لذلك:
﴿ لَن﴾
لتأبيد النفي:
﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 92 )
أحياناً سامحهم الله، البضاعة الكاسدة، التي لم تبع لعشر سنوات، تعتبر زكاة أموالهم، الآن الأحذية كل حذاء رقم 42 ـ 40 ـ، تفضل هذه زكاة مالي، هذا على الحاوية، يقدم زكاة ماله أسوأ بضاعة عنده، البضاعة الكاسدة، ذات الألوان المنفرة القياسات الغير معقولة، يقول لك: هذه زكاة مالي ﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾
الشيء الجيد الرائع.
والله أنا سمعت عن محسن يدفع زكاة ماله بطاقة عليها مبلغ خمسة آلاف ليرة، وهناك أربعة محلات فروع للألبسة من الطراز الأول، صاحب هذه البطاقة يختار أجمل ثياب، أجمل قميص، هو يختار، فيقدم البطاقة مجموع الذي اختاره بأربعة آلاف و ثمانمئة، يبقى له مئتي ليرة فيعطونه إياها، مجموع الذي اختاره ستة آلاف يطلبوا منه ألفاً، يختار أجمل شيء ﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾
أنا لي معاناة كثيرة مع بعض الأخوة الكرام يقدمون زكاة مالهم بضاعة سيئة جداً، أضعها في الحاوية أحياناً، فإذا سألني أقول له وضعتها في المكان المناسب ﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ ﴾
الطعام الطيب أطعمه للمسكين، أكلة من ثلاثة أيام ما عاد أحد أكلها، لا تنفق شيئاً تكرهه. الجنة منهج لها ثمن باهظ:
أيها الأخوة، البِر، الله "البَر"، محسن، وعطاؤه بِر، البِر بشرح تفصيلي مطلق عطاء الله، إحسانه في الدنيا، وإحسانه في الآخرة، كفاية تحفظ للإنسان ماء وجهه، سعادة تملأ قلبه، صحة يحفظ الله بها عبده، هيبة ترفع ذكر الإنسان، كل أنواع الخير تنطوي تحت كلمة البِر، وهذا البِر ثمنه الإنفاق
﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾
أكبر خطأ أن تتوهم أن الجنة ركعتان، وليرتان، وانتهى الأمر، لا الجنة منهج لها ثمن باهظ، منهج والله لا أبالغ قد يصل لخمسمئة ألف بند.
(( ألا أن سلعة الله غالية ألا أن سلعة الله غالية ))
[أخرجه الحاكم عن أبي هريرة ]
الْبِرِّ صلاح الدنيا وَالتَّقْوَى صلاح الآخرة :
أيها الأخوة، الآن:
﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى ﴾
( سورة المائدة الآية: 2 )
هنا البِر صلاح الدنيا، يعني الشباب بحاجة إلى بيوت، هل هناك مشروع لإسكان الشباب وحلّ مشكلاتهم ؟ يوجد عنوسة عالية، هل هناك مشروع للتوفيق من أجل الزواج ؟ هذا عمل عظيم، في بطالة، ممكن تعمل مشروعاً صناعياً ضخماً تهيئ فرص عمل للناس ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ ﴾
هنا صلاح الدنيا ﴿ وَالتَّقْوَى ﴾
صلاح الآخرة.
﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾
( سورة المائدة الآية: 2 )
في شارع من الشوارع فيه 90 ملهى ليلي، وفي طرق فيها ضفاف أنهار، وعلى ضفاف الأنهار مئات الملاهي، والنوادي الليلية، على المعصية ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾
"البَر" أبلغ من البار لأن "البَر" هو الله:
أيها الأخوة، قال: "البَر" أبلغ من البار، بَر يبر، براً وباراً، تقول علامة وعالم العلامة أبلغ من العالم، "البَر" أبلغ من البار.
لذلك الله عز وجل من أسمائه "البَر"، "البَر" تتالى بره، توالى إحسانه، كثر عطاؤه، كثر خيره، "البَر" أبلغ من البار، "البَر" هو الله، والبِر الأعمال التي تقرب إليه.
وقل بعضهم: "البَر" هو الذي من على السائلين حسن عطائه، وعلى العابدين بجميل جزائه، وقيل "البَر" الذي لا يقطع الإحسان بسبب العصيان، فإذا قال يا رب وهو ساجد قال الله له: لبيك يا عبدي، فإذا قال العبد: يا رب وهو عاصٍ، قال الله له: لبيك ثم لبيك، ثم لبيك، لأن الله ينتظره.
تماماً كابنٍ عاق فالأب ينتظره، فعودة العاق إلى أبيه مسعدة للأب، لبيك، ثم لبيك، ثم لبيك.
(( لله أفرح بتوبة عبده من الضال الواجد، والعقيم الوالد، والظمآن الوارد ))
السعيد
09-02-2018, 12:45 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الثانى و الستون بعد المائة )
الموضوع : اسم الله - الرؤوف - 1 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
من أسماء الله الحسنى:(الرؤوف):
أيها الأخوة الأكارم، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "الرؤوف".
ورود اسم الرؤوف في القرآن الكريم:
سمى الله جلّ جلاله ذاته العلية باسم الرؤوف وقد ورد هذا الاسم في القرآن الكريم في قوله تعالى:
﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ(20) ﴾
( سورة النور)
وفي قوله تعالى:
﴿ رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ(10) ﴾
( سورة الحشر)
وقد ورد أيضاً هذا الاسم مقيداً في الآيتين السابقتين، وورد مطلقاً، وورد مقيداً بالإضافة في قوله تعالى:
﴿ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ(207) ﴾
( سورة البقرة )
يشري بمعنى يبيع ويشتري، السياق هنا يبيع نفسه ابتغاء مرضاة الله:
ً بالإضافة في قوله تعالى:
﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ (111) ﴾
( سورة المائدة)
واشترى نفسك ومالك، آية أخرى:
﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ(143) ﴾
( سورة البقرة )
من آثر الآخرة على الدنيا ربحهما معاً:
أي تخطب ود الله، تترك شيئاً لله، تؤثر طاعة الله على مكاسب مادية، وتضيع عند الله ؟ من سابع المستحيلات، مستحيل وألف ألف مستحيل أن تدع شيئاً لله ثم تخسر:
(( ما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه ))
[ الجامع الصغير عن ابن عمر ]
مستحيل وألف ألف مستحيل أن تدع شيئاً لله، أن تخاف الله فيما بينك وبينه ثم تضيع، مستحيل وألف ألف مستحيل أن تطيعه وتخسر، مستحيل وألف ألف مستحيل أن تعصيه وتربح، مستحيل وألف ألف مستحيل أن تعتز به وتذل، مستحيل وألف ألف مستحيل أن تعتز بغيره وترتفع.
ورد في الأثر القدسي:
(( ما من مخلوقٍ يعتصم بي من دون خلقي أعرف ذلك من نيَّته، فتكيده أهل السماوات والأرض إلا جعلت له من بين ذلك مخرجاً، وما من مخلوقٍ يعتصم بمخلوقٍ دوني أعرف ذلك من نيَّته، إلا جعلت الأرض هوياً تحت قدميه، وقطَّعت أسباب السماء بين يديه ))
هذه حقائق مطلقة، أن تؤثره على مكاسب دنيوية وتخسر ؟ مستحيل، أن تؤثر الدنيا على طاعته وتربح ؟ مستحيل، من ابتغى أمراً بمعصية كان أبعد مما رجا، وأقرب مما اتقى، الذي يؤثر الآخرة على الدنيا يربحهما معاً، والذي يؤثر الدنيا على الآخرة يخسرهما معاً، مستحيل أن تخافه ثم يخيفك من أحد من خلقه، مستحيل أن تخافه ثم يخيفك من واحد من خلقه مستحيل. عدم استواء المؤمن مع الفاسق:
أيها الأخوة، هذه حقائق مطلقة، لذلك:
﴿ رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ(10) ﴾
( سورة الحشر)
يعني إنسان خاف من الله فترك صفقة كبيرة:
اجعل لربك كل عزك يستقر ويثبت فإذا اعتززت بمن يموت فإن عزك ميت
***
يعني من البديهيات:
﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ ﴾
( سورة السجدة )
﴿ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾
( سورة القلم )
﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ﴾
( سورة القصص )
﴿ أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ ﴾
( سورة الجاثية الآية: 21 )
الرؤوف في اللغة:
أيها الأخوة، الرؤوف صيغة مبالغة من اسم الفاعل رائف، وهو الموصوف بالرأفة فعله رأف، يرأف، رأفة، فهو رؤوف، والرأفة في حق الإنسان أن يمتلئ قلبه بالرقة وهي أشد من الرحمة، رحمة، فرأفة، وقيل بل شدة الرحمة ومنتهاها، قال تعالى:
﴿ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ (2) ﴾
(سورة النور)
الرأفة رقة القلب، مشاعر العطف والرحمة، ويمكن أن نقول: إن الرحمة تسبق الرأفة، والرأفة منزلة تأتي بعدها، فلان رحيم، فإذا اشتدت رحمته فهو رؤوف، أو الرأفة آخر ما يكون من الرحمة يعني في أعلى درجات الرحمة الرأفة، لذلك قدمت الرأفة على الرحمة تقديم أهمية، وذلك في هذه الآية:
﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (128) ﴾
( سورة التوبة)
لذلك قالوا أرحم الخلق بالخلق رسول الله. أبعد القلوب عن الله عز وجل القلب القاسي:
مع ذلك:
﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 159 )
نكرة، من الله لنت لهم:
﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 159 )
دقق:
﴿ وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ (58) ﴾
( سورة الكهف )
يعني رحمة جزء من مليار مليار مليار مليار إلى أن ينقطع نفسك من رحمة الله، فكنت ليناً لهم، والآية الدقيقة:
﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 159 )
يعني يا محمد بسبب رحمة استقرت في قلبك من خلال اتصالك بنا كنت ليناً لهم، انعكست هذه الرحمة التي في قلبك ليناً لهم، فالتفوا حولك، ولو كنت منقطعاً عنا لامتلأ القلب قسوة، وانعكست القسوة غلظة، فانفضوا من حولك، معادلة رياضية تتصل بنا، يمتلئ قلبك رحمة، تنعكس الرحمة ليناً، يلتف الناس حولك، تنقطع عنا يمتلئ القلب قسوة، تنعكس القسوة غلظة، فينفض الناس من حولك، هذه الآية يحتاجها الآباء، الأمهات، المعلمون، أي إنسان له منصب قيادي يحب أن يلتف الناس حوله، أن يطيعوه، أن ينصاعوا له، أن يقدروا قيادته، ليتصل بالله، ليكن رحيماً، فإذا رحمت الخلق أحبك الخلق، وإذا قسوت عليهم أبغضك الخلق، لذلك أبعد القلوب عن الله عز وجل القلب القاسي، عبادي إن أردتم رحمتي فارحموا خلقي، الراحمون يرحمهم الله، والرأفة تأتي في قمة الرحمة، لكن هذه الرأفة تتعلق بخاصة المؤمنين، الرحمة بحقنا والرأفة بحقنا رقة القلب، أما الرحمة في اسمه الرحمن فإنها تتعلق بالخلائق أجمعين. من عاش تقياً عاش قوياً:
أيها الأخوة، رأفة النبي بأصحابه ما بعدها رأفة، التفاف الصحابة حوله، فدوه بأنفسهم وبأرواحهم لأنه كان رحيماً بهم، أما إذا قلنا الله جلّ جلاله رؤوف شيء آخر، الله رؤوف بعباده أن يتعطفوا على عباده، يحفظ لهم سمعهم وأبصارهم وحركاتهم وسكناتهم، يعني أحد علماء دمشق بدأ بالتعليم في الثامنة عشر وتوفاه الله في الثامنة والتسعين، وكان يدير مدرسة خرجت كبار القادة في هذا البلد، هذه المدرسة طبعاً استمرت ثمانين عاماً، كان إذا مشى في الطريق ورأى شاباً يقول له: يا بني أنت كنت تلميذي، وكان أبوك تلميذي، وكان جدك تلميذي، علم ثمانين عاماً تعليماً إيمانياً شرعياً علمياً وكان منتصب القامة، حاد البصر، مرهف السمع، أسنانه في فمه، يقال له يا سيدي ما هذه الصحة التي حباك الله بها ؟ يقول يا بني حفظناها في الصغر فحفظها الله علينا في الكبر من عاش تقياً عاش قوياً.
الرأفة و الرحمة:
أيها الأخوة، والرؤوف هو الذي يدفع السوء عن عباده، يجلب لهم الخير، يحفظ لهم سمعهم، وبصرهم، واختصاصاتهم، لكن هناك معنى جديد أن اسم الرؤوف يتعلق بالوقاية، وأن اسم الرحيم يتعلق بالعلاج، قبل أن تقع المصيبة الله رؤوف بعباده، إياك أن تقع في هذا الخطأ، لئلا تستحق هذا العقاب، فالرؤوف رأفته وقائية، أما الرحيم بعد أن تقع المصيبة، بعد أن يقع العبد في ذنب كبير، في أكل مال حرام، الله رحيم به، فالرحمة بعد الوقوع والرأفة قبل الوقوع، الرحمة علاجية والرأفة وقائية، الرحمة تخفيف الألم عن المصاب بينما الرأفة هي الحيلولة بين المتعطف عليه وبين الوقوع في الشدة. الفرائض و النوافل:
(( وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضت عليه ))
[ البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
أي أدِّ الفرائض تكن أعبد الناس:
(( وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل ))
[ البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
صلى الضحى، صلى قيام الليل، صلى صلاة الأوابين، تصدق من ماله فوق أنه أدى زكاة ماله، كلها نوافل:
(( وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ))
[ البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
إذاً الفرائض شيء والنوافل شيء آخر:
﴿ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ (177) ﴾
( سورة البقرة)
بدافع محبته لله، أو أنفق هذا المال على الرغم من أنه يحب المال:
﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾
( سورة آل عمران الآية: 14 )
أنفق المال بدافع محبته لله، أو أنفق هذا المال على الرغم من أنه يحب المال، يحبه وأنفقه. عند المؤمن خطوط حمراء ممنوع أن توضع على بساط البحث:
(( وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته، هنا، الآن دقق في النتائج، كنت سمعه ))
[ البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
كيف ؟ لا يستمع إلى شيء إلا وفق مقياس القرآن الكريم، أحياناً يقول لك يطرح إنسان بمقالة فكرة " الاختلاط يهذب المشاعر "، هذا الكلام خلاف القرآن الكريم والسنة، هذا الكلام لا يستمع إليه، لا يستمع إلا ما كان وفق الكتاب والسنة، الكتاب والسنة من عند الله، السنة بيان المعصوم والقرآن كلام خالق السماوات والأرض، فالذي جاء به القرآن هو الحق:
﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾
(سورة الأحزاب: الآية 36)
الآن بالمفاوضات يقولون: هناك مجموعة قضايا خارج نطاق البحث، لا يبحث بها، هذه مسلمات، والمؤمن بحياته يوجد مسلمات، حكم الله عز وجل مُسَلَّم عنده، هذا الحكم ليس خاضعاً للبحث، ولا للدرس، ولا للتعديل، ولا للتبديل، ولا للتطوير ولا شيء آخر، لا يحذف، ولا يضاف عليه، ولا يعدل، ولا يطور، هذا حكم الله، أي هناك خطوط حمر في حياة المؤمن ممنوع أن توضع على بساط البحث:
﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾
(سورة الأحزاب: الآية 36)
الوحي للعقل كالنور للعين:
كنت مرة في بلد غربي بعيد في مؤتمر إسلامي فقام أحد المتكلمين وقال: هنا في هذا البلد ليس هناك شيء مقدس، كل شيء خاضع للبحث، والدرس، والإلغاء، هو يشرح ثقافة هذا البلد، شيء مقدس لا يوجد أبداً، أي شيء خاضع للبحث، والدرس، والإلغاء، والقبول.
﴿ إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (20) ثُمَّ نَظَرَ (21) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (22) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (23) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (24) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (25) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (26) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (27) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (28﴾
(سورة المدثر)
العقل من دون وحي يقع في خطأ كبير، كما أن النور ضروري للعين كذلك الوحي ضروري للعقل، الوحي للعقل كالنور للعين. المسلم يستمع في ضوء الوحيين ويرى في ضوء مقاييس القرآن الكريم:
(( فإذا أحببته كنت سمعه ))
عنده تصفية، أي كلام يتناقض مع القرآن الكريم، ومع السنة يركله بقدمه، تحت قدمه، لا يسمع إلا وفق ما جاء بالوحيين، هذا الذي يسمعه ويقدره (( وبصره ))
نظر إلى بيت شيء لا يصدق في فخامته، وأناقته، وفي أبهائه، وشرفاته، وحدائقه، وجماله، وتزييناته، لكن صاحبه تاجر مخدرات، لا يرى هذا البيت إلا بعين الإيمان صاحبه مجرم، صاحبه يبني ثروته على تدمير الشباب، لا يرى الشيء إلا بمقياس القرآن، قد يحترم موظفاً صغيراً نظيف اليد مستقيماً، يحتقر إنساناً يتمتع برفاه يفوق حدَّ الخيال لكن ماله حرام (( كنت بصره ))
يستمع في ضوء الوحيين ويرى في ضوء مقاييس القرآن الكريم:
(( رُبَّ أَشْعَثَ مَدْفُوعٍ بالأبواب لو أقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبَرَّهُ ))
[أخرجه مسلم عن أبي هريرة ]
(( كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها ))
[ البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
من كان مع الله كان الله معه: أي لا يتحرك إلا وفق منهج الله، لا يعطي، ولا يمنع، ولا يغضب، ولا يرضى، ولا يصل، ولا يقطع إلا لله:
(( ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها ))
[ البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
لا يذهب إلا إلى طاعة، إلا إلى بيت من بيوت الله، إلا لإصلاح ذات بين، إلا لصلة رحم، أما إلى ملهى، إلى رحلة كلها تفلت، وكلها تكشف، وكلها عورات، وكلها كلام لا يرضي الله، حركته لله، عطاؤه ومنعه لله، سمعه لله، بصره لله:
(( وإن سألني أعطينه ))
يصبح مستجاب الدعوة:
(( ولئن استعاذ بي لأعيذنه ))
وإذا كنت مع الله كان الله معك:
(( وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته ))
[ البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
الإنسان يحب الحياة، يحب أن يكون معمراً، لكن أحياناً يكون الموت أولى لذلك من دعاء النبي عليه الصلاة والسلام:
اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا.
يعني أحيينا ما دامت الحياة خيراً لنا وأمتنا ما دام الموت خيراً لنا. من دلائل رأفته جلّ جلاله أنه يفتح باب التوبة ما لم تغرغر النفس:
الرؤوف يدل على معنى التعطف على عباده المذنبين، يفتح لهم باب التوبة أجمعين، ما لم تغرغر النفس أو تطلع الشمس من مغربها، عند الغرغرة قفل باب التوبة، وإذا طلعت الشمس من مغربها، يعني بعض أنواع الفهم لهذا النص حينما ترى القيم كلها من الغرب أي مستحيل أن نعطي رخصة لفندق خمس نجوم إلا ويبيع الخمر، لأن هذه التعليمات مقدسة، لا تعطى رخصة في أي بلد لفندق من فئة الخمس نجوم إلا بشرط أن يبيع الخمر ويقدم لحم الخنزير لأنه حضارة، إذا طلعت الشمس من مغربها، إذا توهمنا الحق والقيم والمبادئ والتقدم والحضارة كل ما يفعلونه أغلق باب التوبة.
(( من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه ))
[أخرجه مسلم عن أبي هريرة ]
إنسان يصل إلى حالة لن يتوب، يرى الدين لا يصلح إطلاقاً لهذا العصر، رؤى ضبابية، اعتقاد بشي ما وراء الطبيعة، كن واقعياً، عش حياتك، الفتاة ينبغي أن تظهري كل مفاتنك هذا من حقك، مثلاً هناك طروحات خلاف القرآن الكريم والسنة، لذلك من دلائل رأفته جلّ جلاله أن الله عز وجل يبسط يده في الليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها.
طبعاً أنا لا أنفي التفسيرات الأخرى، هناك تفسيرات أخرى لهذه الظاهرة، لكن من المعاني التي قد تأتي إلى الخاطر أنه إذا رأينا الغرب كل شيء، ونمط حياته هو النمط الصحيح، وعلاقاته هي العلاقات الصحيحة، مبادئه وقيمه هي القيم الصحيحة، الاختلاط والتفلت والتعري، يعني حينما نرى أن هذا النمط هو النمط الصح الذي ينبغي أن نقلده أغلق باب التوبة، لماذا تتوب ؟ الرؤوف يخفف عن عباده فلا يكلفهم ما يشق عليهم ولا يخرجهم عن وسعهم وطاقتهم:
الرؤوف هو الذي يخفف عن عباده فلا يكلفهم ما يشق عليهم، ولا يخرجهم عن وسعهم وطاقتهم، قال تعالى:
﴿ يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (28) ﴾
(سورة النساء )
و قال تعالى:
﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا (286) ﴾
( سورة البقرة )
أيها الأخوة، هناك حديث ضعيف وأنا أؤكد على ضعفه:
(( كيف بكم إذا لم يرأف الله بكم ولم يرحمكم ؟ قالوا: وكائن ذلك يا رسول الله ؟ قال: أي والذي بعث محمدا بالحق إذا استعمل عليكم شراركم فقد تخلى الله عنكم ))
[ضعفاء العقيلي عن جابر بن عبد الله]
طبعاً هذه الرواية لا يصح الاحتجاج بها، أنا أكدت على ضعف الحديث لكن المعنى دقيق جداً:
﴿ وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا (16) ﴾
(سورة الإسراء)
هناك قراءة أمرنا مترفيها:
﴿ أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (16) ﴾
(سورة الإسراء)
يعني من علامات قيام الساعة أن تنزع الرحمة من قلوب الأمراء، وأن يذهب الحياء من وجوه النساء، وأن تنزع النخوة من رؤوس الرجال، لا نخوة في رأس الرجل، ولا حياء في وجه المرأة، ولا رحمة في قلب الأمير، لذلك:
(( إذا كان أمراؤكم خياركم، وأغنياؤكم سمحاءكم، وأمركم شورى بينكم، فظهر الأرض خير لكم من بطنها، وإذا كان أمراؤكم شراركم، وأغنياؤكم بخلاءكم، وأمركم إلى نسائكم، فبطن الأرض خير لكم من ظهرها ))
[ الترمذي عن أبي هريرة ]
أيها الأخوة الكرام، لهذا الاسم تتمة غداً إن شاء الله.
السعيد
09-02-2018, 12:47 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الثالث و الستون بعد المائة )
الموضوع : اسم الله - الرؤوف - 2 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
من أسماء الله الحسنى:(الرؤوف):
أيها الأخوة الأكارم، لازلنا في مع اسم الرؤوف.
من امتلأ قلبه رحمة و رأفة أحسن إلى الناس فارتقى إلى الله عز وجل:
هذا الاسم ما أثره في المؤمن ؟ أو ما علاقة المؤمن بهذا الاسم ؟ العلماء قالوا: ينبغي أن يمتلئ قلب المؤمن بالرحمة والرأفة التي تشمل عامة المسلمين وخاصتهم، هذا القلب إذا امتلأ رحمة أحسن إلى الخلق فارتقى الإنسان إلى الله، والقاعدة الدقيقة أنك إذا اتصلت بالله اكتسبت منه الرحمة، فانعكست الرحمة في المعاملة ليناً، فالتف الناس حولك، وسعدوا بك، وسعدت بهم، وارتقيت بهم وارتقوا بك، فكان المصير الجنة التي خلقت من أجلها، وإذا كان العبد منقطعاً عن الله عز وجل امتلأ القلب قسوة، وانعكست القسوة غلظة، فانفض الناس من حولك، ولم تحقق الهدف الذي خلقت من أجله.
محبة الطفل أودعها الله في قلب أمه وأبيه و هي في الحقيقة محبة الله:
لذلك لئلا يتوهم الإنسان أنه يرحم أولاده، رحمة الأولاد أودعها الله في الإنسان كطبع، هل يعقل أن يصدر قرار من حكومة بإلزام المؤمنين بتناول طعام الإفطار ؟ تناول طعام الإفطار طبع في الإنسان، من أجل أن تسير الحياة، من أجل أن يربى الصغار، جعل الله محبة الصغار والعناية بهم طبعاً في الإنسان، لكن الرحمة التي نقصدها في هذا المقام رحمة عامة، أن ترحم الخلق جميعاً، أن ترحم إنساناً لا ينتمي إليك ولا تنتمي إليه، أن ترحم طفلا ليس ابنك، بطولة المؤمن أن الرحمة التي في قلبه، والتي اشتقها من الله رحمة عامة، تشمل جميع الكائنات والمخلوقات، الرحمة الخاصة الله عز وجل أودعها فيك شئت أم أبيت، أي كملاحظة لو شخص زار مستشفى أطفال يأخذه العجب، السافرة تبكي، والمحجبة تبكي، والمتعلمة تبكي، والجاهلة تبكي، والغنية تبكي، والفقيرة تبكي، محبة الطفل أودعها الله في قلب أمه وأبيه، بل هي في الحقيقة محبة الله:
﴿ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي ﴾
( سورة طه الآية: 39 )
الرحمة العامة تقتضي أن تعامل الناس معاملة واحدة:
أما الحديث الآن ليس عن رحمة أودعها الله في قلوبنا جميعاً، الحديث عن رحمة اشتققناها من الله عز وجل، هذه الرحمة نرحم بها كل الخلق،. يعني للتوضيح يوجد في البيت خادمة وهناك ابنتك، الرحمة العامة تقتضي أن تعامل هذه الخادمة كما تعامل ابنتك، بالبيت هناك ابنتك وزوجة ابنك، الرحمة العامة تقتضي أن تعامل زوجة ابنك كما تعامل ابنتك، الأمثلة كثيرة، لذلك ورد في بعض الأحاديث:
(( الراحمون يرحمهم الرحمن ))
[الترمذي عن عبد الله بن عمرو]
(( إن كنتم تحبون رحمتي فارحموا خلقي ))
[الديلمى عن أبى بكر]
(( ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء ))
[الترمذي عن عبد الله بن عمرو]
الوسيلة الفعالة للتقرب إلى الله أن تشتق منه كمالاً تتقرب به إليه:
كنت أقول دائماً الوسيلة الفعالة للتقرب إلى الله أن تشتق منه كمالاً تتقرب به إليه، إن اتصلت به تشتق الرحمة، تقرب إلى الله بأن ترحم خلقه، أن ترحم الضعيف، لذلك من أدق الأحاديث الشريفة التي أرى أن فيها الخلاص للمسلمين:
(( هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلَّا بِضُعَفَائِكُمْ ))
[ البخاري عن سهل بن سعد]
إن أطعمت الضعيف، سقيت الضعيف، كسيت الضعيف، نصرت الضعيف، آويت الضعيف، علمت الضعيف، زوجت الضعيف، أنصفت الضعيف، يكافئك الله مكافأة من جنس عملك، ينصرك على من هو أقوى منك، والله عز وجل يقول في شأن عباده الموحدين المؤمنين الذين وحدوه باسم الرؤوف:
﴿ ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آَثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآَتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ (27) ﴾
(سورة الحديد)
دققوا:
﴿ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً (27) ﴾
(سورة الحديد)
الرأفة في غير موضعها هلاك ودمار:
أيها الأخوة، ولكن لابدّ من تنبيه دقيق، لابد أن تكون الرأفة في موضعها، فالرأفة في غير موضعها دمار، وهلاك، يعني عندك ابن تحبه كثيراً معه التهاب معدي حاد، الطبيب أمرك أن تمنعه عن الطعام إلا الحليب لسبعة أيام، الطعام في البيت يحبه الصغير، و أنت تحب ابنك كثيراً، فإذا أشفقت عليه، ولم تتقيد بتعليمات الطبيب، انقلبت هذه الحالة المرضية في المعدة إلى قرحة، والقرحة تحتاج إلى عمل جراحي، فكان من الممكن أن يشفى ابنك بحمية فقط، الآن في عمل جراحي وله مضاعفات، فالرأفة في غير موضعها هلاك، ودمار، لذلك ينبغي أن تكون الرأفة في موضعها:
﴿ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ (2) ﴾
(سورة النور)
إن آمنتم أن الله حكيم، وعدل، ورحيم، وأن هذا الحد لصالح المؤمنين، لصالح المسلمين جميعاً، لصالح البشر جميعاً، لذلك قالوا: القتل أنفى للقتل. بطولة الإنسان أن يعرف متى يجب أن يرحم ومتى ينبغي أن يقسو:
هناك ملاحظة الغرب أحياناً يتسامح مع جرائم كثيرة جداً أخلاقية، أن الإنسان حر، هذه الحرية الغير المنضبطة، الحرية أن تعتدي على أعراض الآخرين، الحرية أن تفسد الفتيات باسم الحرية، معنى ذلك أن المجتمع بأكمله يمشي في طريق الهاوية:
﴿ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ (2) ﴾
(سورة النور)
تماماً كسلة فيها فواكه، فالحبة الفاسدة بعد حين تفسد مئة حبة حولها، فالبطولة أن تعرف متى يجب أن ترحم، ومتى ينبغي أن تقسو:
﴿ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ (2) ﴾
(سورة النور)
التسامح في غير موضعه دمار وهلاك:
التسامح في غير موضعه دمار وهلاك، والأمثلة لا تعد ولا تحصى، وأوضح مثل: عندما تتسامح الأم الجاهلة مع ابنها في مواقف ينبغي أن تكون فيها حازمة، تسامح الأم الجاهلة مع ابنها في مواقف تجعله منحرفاً، تجعله سارقاً، تجعله معتدياً.
سيدنا عمر يروى أن بعض أصحابه شكوا شدته فبكى الذي نقل هذه الشكوى،. سيدنا أبو ذر قال: والله يا أبا ذكر لو يعلم الناس ما في قلبي من الرحمة لأخذوا عباءتي هذه، ولكن هذا الأمر لا يناسبه إلا كما ترى.
أنت تتصور أب يحب أولاده ما درسوا أبداً ؟ لم يعاقبهم، ولم يقسُ عليهم، فلما كبروا لا شهادة، ولا علم، ولا وظيفة، ولا زواج، ولا بيت، ولا حرفة، فنقموا عليه، الأب الآخر الشديد الدقيق الذي قسا على أولاده في مرحلة ما فأصبحوا بمراتب عالية، هؤلاء الأولاد يثنون على أبيهم، لولا تربيته الحازمة، لولا قسوته أحياناً لما كنا بهذا المقام.
(( ثلاثة لا يدخلون الجنة أبداً ))
[البيهقي عن عمار بن ياسر]
من هؤلاء الثلاثة الديوث، من هو ؟ الذي لا يبالي من دخل على أهله.
هناك تساهل، أعطى أهله حرية كاملة، قد يزورهم أجنبي في غيبته، وقد يقع حب، وقد يتطور هذا الحب إلى خيانة، هناك ضوابط لابدّ منها:
(( ثلاثة لا يدخلون الجنة أبداً الديوث والرجلة من النساء ومدمن الخمر ))
[البيهقي عن عمار بن ياسر]
تزويد الله عز وجل الإنسان بمقومات التكليف لرأفته به:
أيها الأخوة، الله عز وجل أعطانا عقلاً وأعطانا فطرة، وسخر هذا الكون لنا، وأنزل على نبيه الكتاب، أعطانا شهوة، أعطانا حرية، أعطانا تكليفاً، أعطانا وحياً، كون ينطق بوجود الله ووحدانيته وكماله، عقل أداة أساسية لمعرفة الله، فطرة خصيصة في الإنسان يكشف بها خطأه، منهج، كتاب مشروح بكلام سيد الخلق، حرية اختيار، أعطانا مقومات التكليف، ومع ذلك، لأنه رؤوف بنا، لأنه رحيم بنا، يؤدبناً أحياناً، يعالجنا، يسوق لنا بعض الشدائد، يخوفنا أحياناً، هذه رحمته دقق في الآية:
﴿ فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ﴾
( سورة الأنعام )
يعني تقتضي رحمته الواسعة أن لا يرد بأسه عن القوم المجرمين. الاتصال بالله عز وجل يملأ القلب رأفة و رحمة:
لذلك هذا الذي يتحدث عنه العالم، أي تساهل ؟ أي تسامح ؟ إلى أن أصبح المجتمع منحل الأخلاق، منحرف السلوك، يشقى الإنسان إذا انحرف، إذاً رغم أن الله أعطانا كوناً، وعقلاً، وفطرة، وشهوة، وحرية، ومنهجاً، وتكليفاً، ربانا، وعالجنا، وساق لنا من الشدائد ما يحملنا بها على التوبة، هذا شأن المؤمن الذي اتصل بالله وامتلأ قلبه رحمة ورأفة، يضع حدوداً ويضع منظومة قيم لمن حوله، ولا يتساهل حتى يصبح الذين حوله في أعلى عليين.
يروى أنه سيدنا معاوية قال لعمرو بن العاص: يا عمر ما بلغ من دهائك ؟ قال: والله ما دخلت مدخلاً إلا أحسنت الخروج منه، فقال له: يا عمرو لست بداهية، أما أنا والله ما دخلت مدخلاً أحتاج أن أخرج منه.
يعني أنت إذا امتلأ القلب رحمة ورأفة تبتعد عن احتمال الخطأ كثيراً لك ولمن حولك، فكلما امتلأ القلب رأفة ورحمة بمن حولك تبعدهم عن احتمال الخطأ.
شخص عمره ثلاث وسبعون سنة، ما دخل مخفراً، آخذ احتياطاً بعلاقاته المالية، بعقوده، البطولة أن تبتعد عن أسباب الخطأ.
من رحمة الله بالإنسان أنه إذا أخطأ في الاختيار أدبه:
الله عز وجل رؤوف معنى رؤوف أن هذا العبد مخير، فلو اختار السوء لأدبه الله من شدة الرأفة والرحمة، يعني هناك من يقول حر أنا، بينت له ليفعل ما يريد، هذا يقوله إنسان غريب أما الأب لا يقول هذا، لو أنه شركة طلبت موظفاً أعطته مهلة ستة أشهر للتجريب، مهمة الشركة أو مدير الشركة أن يحصي على هذا الموظف أخطاءه فقط، فإذا تراكمت طردوه، لو كان هذا الموظف ابن صاحب الشركة، الموضوع آخر، ليس الموضوع موضوع إحصاء أخطاء، موضوع رأفة ورحمة، فكلما أخطأ يأتي به أبوه إلى مكتبه هذا خطأ يا بني افعل كذا، تقتضي رحمة الأب أن ينبه ابنه على أخطائه، ليتخلص منها لا أن يحصي عليه أخطاء، هناك فرق، فلذلك من رحمة الله بنا أننا إذا أخطأنا في الاختيار أدبنا، ضيق علينا، شدد علينا، أوحى ربك إلى الدنيا أن تشددي وتضيقي وتكدري على أوليائي حتى يحبوا لقائي.
(( وعزتي وجلالي لا أقبض عبدي المؤمن وأنا أحب أن أرحمه، إلا ابتليته بكل سيئة كان عملها سقماً في جسده، أو إقتاراً في رزقه، أو مصيبة في ماله أو ولده، حتى أبلغ منه مثل الذر، فإذا بقي عليه شيء شددت عليه سكرات الموت حتى يلقاني كيوم ولدته أمه ))
[ورد في الأثر]
أكبر كسب يناله الإنسان أن يصل إلى القلب السليم قبل موته:
تأديب الله لنا إذا أوصلنا قبل الموت إلى قلب سليم هذا أكبر كسب يناله الإنسان، لقوله تعالى:
﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89) ﴾
(سورة الشعراء)
ورد في بعض الآثار القدسية :
(( إني والإنس والجن في نبأ عظيم، أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر سواي، خيري إلى العباد نازل، وشرهم إلي صاعد، أتحبب إليهم بنعمي وأنا الغني عنهم ، ويتبغضون إلي بالمعاصي وهم أفقر شيء إلي، من أقبل عليّ منهم تلقيته من بعيد، ومن أعرض عني منهم ناديته من قريب، أهل ذكري، أهل مودتي، أهل شكري، أهل زيادتي أهل معصيتي، الله رؤوف رحيم، رؤوف رحيم، لا أقنطهم من رحمتي، إن تابوا فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم ، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من الذنوب والمعايب، الحسنة عندي بعشرة أمثالها وأزيد، والسيئة بمثلها وأعفو، وأنا أرأف بعبدي من الأم بولدها ))
[ رواه البيهقي والحاكم عن معاذ، والديلمي وابن عساكر عن أبي الدرداء ]
(( إني والإنس الجن لفي نبأ عظيم، أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر سواي، خيري إلى العباد نازل، وشرهم إليّ صاعد، أتحبب إليهم بنعمي، وأنا الغني عنهم، ويتبغضون إليّ بالمعاصي، وهم أفقر شيء إليّ، من أقبل عليّ منهم تلقيته من بعيد، ومن أعرض عني منهم ناديته من قريب، أهل ذكري أهل مودتي، أهل شكري أهل زيادتي، أهل معصيتي ـ الله رؤوف رحيم ـ أهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي، إن تابوا فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من الذنوب، والمعايب، الحسنة عندي بعشرة أمثالها، وأزيد، والسيئة بمثلها، وأعفو، وأنا أرأف بالعبد من الأم بولدها))
[ورد في الأثر]
أي إن تابوا فأنا رؤوف بهم، رحيم بهم، وإن لم يتوبوا فأنا رؤوف بهم و رحيم بهم. من دلائل رحمته جلّ جلاله أنه يصون عباده عن موجبات عقوبته:
قال ومن دلائل رحمته جلّ جلاله أنه يصون عباده عن موجبات عقوبته.
أحيانا الأب وضع نظام الابن ما طبقه، فاستحق عقوبته، لكن الأب الأكمل يمنع ابنه من عمل يستوجب عقوبته، أو الطبيب الناجح يمنع مريض من أكلة تستوجب عملاً جراحياً ما أوصله إلى هذا، يعني إذا عصم الله عباده عن عمل يوجب لهم عقاباً رحمة بهم فهذا أعلى درجة من الرحمة، أي حال الله بينه وبين معصية تستوجب عقاباً.
قال بعض العارفين بالله: ربما أعطاك فمنعك وربما منعك فأعطاك، وإذا كشف لك الحكمة في المنع عاد المنع عين العطاء.
فالمؤمن ينظر بنور الله، هذه النعمة أحياناً سبب هلاك الإنسان يحجبها عنه:
﴿ وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ ﴾
( سورة الشورى )
إذاً ربما أعطاك فمنعك وربما منعك فأعطاك، يعني أحياناً الدنيا العريضة يمكن أن تكون حجاباً بين العبد ربه، وأحياناً بعض ألوان الشدة يمكن أن تسوق العباد إلى باب ربهم فيسعدوا بقربه، وما خلق الله الإنسان ضعيفاً إلا ليفتقر بضعفه فيسعد بافتقاره، ولو خلقه قوياُ لاستغنى بقوته فشقي باستغنائه. رأفة الله عز وجل بالعباد تقتضي أن يؤدبهم إذا اتجهوا إلى غيره:
الآن من رأفة الله بنا أنك إذا توجهت إلى غيره، واعتمدت على غيره، ووضعت الأمل بغيره، يؤدبك حتى تبقى معه، حتى تبقى موحداً له، حتى تبقى مقبلاً عليه، حتى تبقى واثقاً به، حتى تبقى متوكلاً عليه، فأحياناً يأتي التأديب من الشرك الخفي، وقد قال عليه الصلاة والسلام:
(( أخوف ما أخاف على أمتي الشرك الخفي، أما إني لست أقول أنكم تعبدون صنماً ولا حجراً، ولكن شهوة خفية، وأعمال لغير الله ))
[ورد في الأثر]
أيها الأخوة، النبي عليه الصلاة والسلام أمره الله أن يقول:
﴿ قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً ﴾
( سورة الأعراف الآية: 188 )
سيد الخلق وحبيب الحق أعلى إنسان في الأرض، ومع ذلك لا أملك لكم نفعاً ولا ضراً، يعني أراد الله أن نتجه إليه، أن نعتمد عليه، أن نقبل عليه، كي نسعد، فرأفته تقتضي أنه يغار علينا، يغار أن نتجه إلى غيره، وإذا اتجهنا إلى غيره أدبنا، لأنه رؤوف بنا ورحيم. الحكمة من الشدائد التي يسوقها الله تعالى للإنسان تكشف يوم القيامة:
فملخص الملخص أن الإنسان في حياته الدنيا يسوق الله له بعض الشدائد، يوم القيامة يكشف له عن حكمة الذي ساقه له من الشدائد، أنا أقول دائماً إن لم تذب كالشمعة محبة لله على ما ساق لك من الشدائد يكون في إيمانك خلل، الله عز وجل يقول:
﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 147 )
فكل ما يساق للإنسان من شدة من أجل أن يستحق جنة عرضها السماوات والأرض، وعندئذ تلخص علاقتك بالله يوم القيامة بكلمة واحدة:
﴿ وآخِرُ دَعْوَاهُمْ أنِ الحَمْدُ لِلَّه رَبّ العالَمِينَ ﴾
السعيد
09-02-2018, 12:52 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الرابع و الستون بعد المائة )
الموضوع : اسم الله - الرحمن - 1 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى:(الرحمن):
أيها الأخوة الأكارم، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم: " الرحمن".
ورود اسم الرحمن في القرآن الكريم و السنة النبوية:
عدّ بعض العلماء هذا الاسم اسم الله الأعظم لقوله تعالى:
﴿ قُلْ ادْعُوا اللَّهَ أَوْ ادْعُوا الرَّحْمَانَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (110) ﴾
( سورة الإسراء)
وقد قال بعضهم اسم الله الأعظم متعلق بكل مؤمن، فالمؤمن الفقير اسم الله الأعظم بالنسبة إليه المغني، والمؤمن المريض اسم الله الأعظم بالنسبة إليه الشافي، والمؤمن الضعيف اسم الله الأعظم بالنسبة إليه القوي، هذا اجتهاد.
أيها الأخوة، اسم الله الرحمن ورد في القرآن والسنة كما في قوله تعالى:
﴿ الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4) ﴾
( سورة الرحمن )
الترتيب في هذه الآية أن الله سبحانه وتعالى علم القرآن خلق الإنسان ولا يعقل أن يعلم الإنسان القرآن قبل أن يخلق، لكن العلماء قالوا: هذا الترتيب ترتيب رتبي، وليس ترتيباً زمنياً، بمعنى أن وجود الإنسان لا معنى له من منهج يسير عليه، فقدم الله المنهج على وجود الإنسان لأهميته، وفي قوله تعالى:
﴿ قُلْ ادْعُوا اللَّهَ أَوْ ادْعُوا الرَّحْمَانَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (110) ﴾
( سورة الإسراء)
اقتران اسم الرحمن باسم الرحيم في ستة مواضع:
ورد هذا الاسم في خمسة وأربعين موضعاً من القرآن الكريم، اقترن في ستة منها باسم الرحيم، ولم يقترن بغيره في بقية المواضع، قال تعالى:
﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَانُ الرَّحِيمُ(22) ﴾
( سورة الحشر)
وقال تعالى:
﴿ تَنزِيلٌ مِنْ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ(2) ﴾
( سورة فصلت)
ومما ورد في السنة المطهرة:
(( الْخَيْلُ ثَلَاثَةٌ فَفَرَسٌ لِلرَّحْمَنِ وَفَرَسٌ لِلْإِنْسَانِ وَفَرَسٌ لِلشَّيْطَانِ، فَأَمَّا فَرَسُ الرَّحْمَنِ فَالَّذِي يُرْبَطُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَعَلَفُهُ وَرَوْثُهُ وَبَوْلُهُ وَذَكَرَ مَا شَاءَ اللَّهُ، وَأَمَّا فَرَسُ الشَّيْطَانِ فَالَّذِي يُقَامَرُ أَوْ يُرَاهَنُ عَلَيْهِ، وَأَمَّا فَرَسُ الْإِنْسَانِ فَالْفَرَسُ يَرْتَبِطُهَا الْإِنْسَانُ يَلْتَمِسُ بَطْنَهَا فَهِيَ تَسْتُرُ أي أودعت فيه النطفة في بطنه، أي لقح ))
[ أحمد عن ابن مسعود رضي الله عنه ]
الخيل ثلاثة لرجل أجر ولرجل ستر ولرجل وزر:
طبعاً حينما قال الله عز وجل:
﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾
( سورة آل عمران الآية: 14 )
الخيل المسومة، تطورت الآن المركبة، السيارة، أي نوع الركوب في وقت نزول الوحي ما كان هناك إلا الخيل المسومة، تطورت الآن المركبة، السيارة، يعني نوع الركوب في وقت نزول الوحي ما كان إلا الخيل المسومة، أما هي رمز الآن لكل شيء يركبه الإنسان، فالمركبة الحديثة الآن تأتي في بنود الشهوات تحت بند: ﴿ َالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ﴾
لكن هناك حديث آخر يقول النبي عليه الصلاة والسلام:
(( الخيل ثلاثة، فهي لرجل أجر, ولرجل ستر, ولرجل وزر ))
[ البخاري و مسلم عن أبي هريرة ]
أي إنسان يقتني مركبة يستر بها أهله، له أهل ملتزمون مطبقون لمنهج الله عز وجل فيسترهم بها، ستر، وهناك إنسان يسخر هذه المركبة لخدمة الناس، أجر، وهناك إنسان يرتكب فيها المعاصي والآثام، وزر، والآن المركبة إما أنها ستر أو أنها أجر أو أنها وزر.
(( أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت له اسماً من اسمي ـ الرحمن والرحم ـ فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته ))
[ البيهقي عن عبد الرحمن بن عوف ]
(( قل أعوذ بكلمات الله التامة من شر ما خلق وذرأ وبرأ، ومن شر ما ينزل من السماء، ومن شر ما يعرج فيها، ومن شر فتن الليل والنهار، ومن شر كل طارق يطرق إلا طارقاً يطرق بخير يا رحمن ))
[رواه أحمد عن عبد الرحمن التميمي]
هذه نماذج من الآيات والأحاديث التي ورد فيها اسم الرحمن منفرداً أو مقترناً بالرحيم. الرحمن في اللغة:
الآن الرحمن في اللغة، صفة مشبهة وهي أبلغ من الرحيم، الرحمة في حقنا بني البشر رقة في القلب تقتضي الإحسان إلى المرحوم، وتكون بالمسامحة واللطف أو المعاونة والعطف، والرحمة تستعدي مرحوماً فهي من صفات الأفعال، هذا في اللغة.
أما إذا قلنا الله جلّ جلاله هو الرحمن، الرحمن اسم يختص بالله عز وجل، ولا يجوز إطلاقه في حق غيره، هذه خصيصة، والرحمن سبحانه هو المتصف بالرحمة العامة الشاملة، حيث الخلق كلهم عباده، يرزقهم، ويهديهم سبلهم، ويمهلهم فيما استخلفهم وخولهم، ويسترعيهم في أرضه، ويستأمنهم في ملكه، ليبلوهم أيهم أحسن عملاً، وإن رحمة الله في الدنيا وسعتهم جميعاً، الله يرحم المؤمن وغير المؤمن، أي يطعمهم، ويسقيهم، ويحفظهم، والرحمة تشمل المؤمنين والكافرين، للتقريب أب عنده أولاد واحد منهم بار والآخر عاق لكنه يطعمهم جميعاً، وفي مناسبة العيد يكسوهم جميعاً لكن قلبه مع من ؟ مع الابن البار، أما فعله سواء مع كل أولاده.
الله جلّ جلاله رحيم سبقت رحمته غضبه:
الرحمة أيها الأخوة، تفتح باب الرجاء والأمل، وتثير ممكنون الفطر، وتبعث على صالح العمل، وتدفع أبواب الخوف والنقمة، وتشعر الشخص بالمن والأمان، الله رحيم، والله جل جلاله سبقت رحمته غضبه، ولم يجعل من واسع رحمته إلا جزءاً يسيراً، يعني الله عز وجل يقول:
﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 159 )
رحمة نكرة، تنكير تقليل، والنبي عليه الصلاة والسلام أرحم الخلق بالخلق، ومع ذلك:
﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 159 )
أما الله عز وجل:
﴿ وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ ﴾
( سورة الكهف الآية: 58 )
إذاً سبقت رحمته غضبه، ولم يجعل من واسع رحمته إلا جزءاً يسيراً في الدنيا، يتراحم به الناس ويتعاطفون، حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها. الله عز وجل أرحم بالعباد من الأم بولدها:
هناك حيوان اسمه البطريق، طائر يعيش في القطب الجنوبي، يجتمع حوالي عشرة آلاف بطريق في قارة متجمدة، الرياح الباردة سرعتها مئة كيلو متر في الساعة، والحرارة خمسون تحت الصفر، يجتمعون هناك في هذا الوقت العصيب الأنثى تلد، تلد بيضة، يضعها الذكر على قدميه، ويبقى واقفاً لا يتحرك، ولا يأكل، ولا يشرب أربعة أشهر، لأن هذه البيضة لو وقعت من على رجليه وقعت على الثلج لفسدت لذلك يحافظ عليها ويغطيها بفروه أربعة أشهر، ولا يأكل شيئاً، ولا يشرب شيئاً، وفي حوصلته كمية غذاء تكفي هذه البيضة حينما تفقص، فإذا فقصت وضع الكمية من الغذاء في فم البطريق الصغير، إلى أن تأتي الأم من البحر وتتولى متابعة العناية بهذا البطريق، شيء لا يصدق أن كائناً يرعى هذه البيضة أربعة أشهر لا يأكل ولا يشرب شيئاً، لذلك سبقت رحمته غضبه ولم يجعل من واسع رحمته إلا جزءاً يسيراً في الدنيا يتراحم به الناس، ويتعاطفون، حتى ترفع الدابة حافرها عن والدها خشية أن تصيبه:
(( جعل الله الرحمة مئة جزء فأمسك عنده تسعة وتسعين جزءاً وأنزل في الأرض جزءاً واحداً، فمن ذلك الجزء يتراحم الخلق حتى ترفع الفرس حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه ))
[ البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه ]
(( قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبي، فإذا امرأة من السبي تبتغي فإذا وجدت صبياً في السبي أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته، فقال النبي عليه الصلاة والسلام وقد رآها وتأثر، قال: أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار ؟ قلنا: لا والله وهي تقدر على ألا تطرحه، فقال عليه الصلاة والسلام: لله أرحم بعبده من هذه بولدها ))
[ البخاري عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ]
حديث بليغ، تصور امرأة على التنور كلما وضعت رغيفاً تأخذ ابنها تضمه وتشمه، هل يعقل أن تطرح هذه المرأة ولدها في التنور ؟ الله عز وجل فيما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام لله أرحم بعبده من هذه بولدها. الرحمة التي دلّ عليها اسم الرحمن رحمة عامة بالناس أجمعين:
أيها الأخوة، الرحمة التي دلّ عليها اسم الرحمن رحمة عامة، تظهر مقتضى الحكمة في أهل الدنيا، فمن رحمته أن الله عز وجل أنعم علينا لنذكره، ولكن كثيراً منهم جاحدون، قال تعالى:
﴿ وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ(73)﴾
( سورة القصص )
نعمة الليل والنهار، لا تقدر بثمن، الإنسان إذا لم ينم اضطربت حياته، وجعل الله الليل سكناً:
﴿ وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا(48) ﴾
( سورة الفرقان)
الرحمة التي دلت عليها هذه الآيات رحمة عامة بالناس أجمعين. اقتران اسم الرحمن باستوائه سبحانه على العرش:
هذا الاسم خصّه وقرنه باستوائه على العرش في جميع المواضع التي وردت في القرآن الكريم، قال تعالى:
﴿ الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى(5) ﴾
( سورة طه)
أيها الأخوة:
(( فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن ))
[عن أبي هريرة رضي الله عنه ]
عدم استغناء المؤمن و الكافر عن الله عز وجل:
الله جلّ جلاله فوق الخلائق أجمعين سواء أكانوا مؤمنين أو كافرين، حياتهم قائمة بإذنه، أرزاقهم مكنونة في غيبه، بقاؤهم رهن مشيئته وأمره، وأنه لا حول ولا قوة لهم إلا بقوته وحوله، فهو الملك وهو الرحمن الذي استوى على عرشه، ودبر أمر الخلائق في ملكه، فلا يستغني عنه في الحقيقة مؤمن ولا كافر، قال تعالى:
﴿ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَانُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا(59) ﴾
( سورة الفرقان)
هل سألت خبيراً عن الله عز وجل ؟ هل من علم يعلو على أن تعرف الله ؟ أن تعرف خالق السماوات والأرض ؟ أن تعرف أسماءه الحسنى وصفاته الفضلى ؟
﴿ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا(59) ﴾
( سورة الفرقان)
هذا أمر وكل أمر في القرآن الكريم يقتضي الوجوب، أمر إلهي:
﴿ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا(59) ﴾
( سورة الفرقان)
من عرف قدره و عبوديته و افتقاره ارتقى عند الله عز وجل:
أيها الأخوة، اسمان مشتقان من الرحمة، الرحمن والرحيم، الرحمة تستدعي مرحوماً، كما أن العلم يقتضي المعلوم، والرحمة تقتضي المرحوم، ولا مرحوم إلا وهو محتاج، الإله لا يكون مرحوماً بل هو راحم، أما المخلوق فهو مرحوم لأنه ضعيف، ولأنه عاجز، ولأنه فقير، ولأن قيامه ليس بذاته، بل قيامه بغيره، إذاً هو مرحوم، يعني العبد عبد، والرب رب، العبد مرحوم، نحن جميعاً ضعاف وفقراء وجهلاء، بالله نعلم، وبالله نقوى، وبالله نغتني، فالعبد مفتقر إلى سيده، فكلما عرف الإنسان قدره، وعرف عبوديته، وعرف افتقاره، ارتقى عند الله، وكلما تأله، وتكبر، واستعلى، واستنكف، سقط من عين الله، الرب راحم لأنه رب، والعبد مرحوم لأنه ضعيف، وأي إنسان خرج عن دائرة العبودية في ساعة غفلة ينسى أنه في حاجة ماسة إلى رحمة الله، مرة شخص قال عندما أنشئ سد: استغنينا به عن رحمة الله. كلام فيه غباء ما بعده غباء، نحن جميعاً في أمس الحاجة إلى رحمة الله.
أنا أقول لكم المعجزة أن تستيقظ سليماً من أي مرض، الإنسان تركيبه بالغ التعقيد، يعني نقطة دم لا تزيد عن رأس دبوس لو تجمدت في أحد شرايين الدماغ أصيب بالشلل، فقد ذاكرته، فقد سمعه، فقد بصره، شريان القلب التاجي إذا ضاق دخل في متاعب لا تنتهي، شعر بآلام في صدره الذبحة الصدرية، شعر بوهن في قوته، أي الإنسان تحت ألطاف الله، لا يوجد إنسان يقول أنا إلا في غيار، من أنت ؟ قل الله، نحن في لطف الله وفي رحمة الله.
إنما الأعمال بالنيات:
أيها الأخوة، الشيء الذي تنقضي بسببه حاجة المحتاج من غير قصد ولا إرادة ولا عناية بالمحتاج هذا الشيء لا يسمى رحيماً، الرحمة مقصودة، أنت حينما ترحم إنساناً تريد أن تنقذه، تريد أن تسلمه من عطب، تريد أن تحفظه، فإذا أردت ورحمت، فأنت قد اشتققت من اسم الله الرحمن الرحمة، أما إنسان ما أراد ولا قصد، أنا أقول دائماً لا يسمح الله لطاغية في الأرض أن يكون طاغية إلا ويوظف طغيانه لخدمة دينه والمؤمنين من دون أن يشعر، ومن دون أن يريد، وبلا أجر، وبلا ثواب، للتقريب أب منحرف انحرافاً شديداً عقيدة وسلوكاً، وعنده ابن صالح وهو يعنفه ليلاً نهاراً على صلاحه، وعلى صلاته، وعلى تدينه، ويتهمه بالتزمت والتخلف والحمق، هذا الابن لو أن الله جعله داعية هل لأبيه أجر ؟ لا والله ولا شيء لأنه ما أراده هكذا.
الفكرة دقيقة لا تسمى راحماً إلا إذا أردت أن ترحم، فإن لم ترد وجاءت رحمة منك دون أن تقصد للناس، أنت موظف بدائرة وقعت على قرار بعثات، وذهب طالب تعلم علم الغرب، وعاد إلى بلده ليقوي المسلمين، أنت بحكم وظيفتك أرسلت هذه البعثة ليس لك أجر، فإن لم تكن مؤمناً وترد هذا الخير لا أجر لك، لا يسمى الرحيم رحيماً إذا جاءت الرحمة عن غير قصد منه وعن غير إرادة وعن غير نية طيبة، هذا ليس من باب التضييق على الناس ولكن من باب:
(( إِنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى ))
[ أخرجه البخاري عن عمر بن الخطاب ]
لذلك ابن عمر رضي الله عنهما يقول:
(( من استعاذ بالله فأعيذوه ومن سألكم بالله فأعطوه، ومن استجار بالله فأجيروه ومن آتى إليكم معروفاً فكافئوه، فإن لم تجدوا فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه ))
[النسائي عن ابن عمر رضي الله عنه ]
الذي أتمنى أن يكون واضحاً الله عز وجل قال:
﴿ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ(118)إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ (119) ﴾
( سورة هود)
من رحم الناس استحق رحمة الله عز وجل:
دقق الآن في كلام الله:
﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ (119) ﴾
( سورة هود)
خلقهم ليرحمهم، خلقهم ليكرمهم، خلقهم ليسعدهم، لكن هذا الذي نراه في الأرض من مشكلات بسبب انحرافهم وتقصيرهم وبعدهم عن الله عز وجل، وأنا ألخص حال المسلمين بكلمتين، هان أمر الله عليهم فهانوا على الله، يا أيها الأخوة الكرام:
﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا (180) ﴾
( سورة الأعراف)
أنت بإمكانك أن تتقرب إلى الله بكمال مشتق من كماله، اسم الرحمن عند بعض العلماء اسم الله الأعظم، بإمكانك أن ترحم الناس فتستحق رحمة الله، إن أردتم رحمتي فارحموا خلقي، الراحمون يرحمهم الله. أكثر الصفات الكاملة تنبع من الرحمة:
أيها الأخوة الكرام، لا يوجد صفة لها شمول كصفة الرحمة، أنت لطيف لأنك رحيم، كريم لأنك رحيم، منصف لأنك رحيم، أكثر الصفات الكاملة تنبع من الرحمة، لذلك قال تعالى:
﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 159 )
يعني يا محمد بسبب رحمة استقرت في قلبك من خلال اتصالك بنا كنت ليناً لهم، فلما كنت ليناً لهم التفوا حولك، ولو كنت منقطعاً عنا لامتلأ القلب قسوة، ولانعكست القسوة غلظة، فانفضوا من حولك، هذه الآية يحتاجها كل أب، كل معلم، كل داعية، كل مدير، كل إنسان له منصب قيادي، تتصل بالله يمتلئ القلب رحمة تنعكس الرحمة ليناً، يلتف من حولك حولك، فإذا انقطع الإنسان عن الله امتلأ القلب قسوة وانعكست القسوة غلظة فانفضوا من حولك:
﴿ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ (159) ﴾
السعيد
09-02-2018, 12:54 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الخامس و الستون بعد المائة )
الموضوع : اسم الله - الرحمن - 2 -
لحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى:(الرحمن):
أيها الأخوة الأكارم، الأخوة الكرام لا زلنا في اسم الرحمن.
الرحمة العامة و الرحمة الخاصة:
لابد من مقدمة كي نفرق بها بين الرحمة الخاصة، والرحمة العامة، يعني عندك ابن في البيت، هذا الابن أودع الله فيك محبته ابتداءً من دون كسب منك، فأي أب في الأصل، وأي أم ترحم ابنها، لكن الإنسان لا يرقى بهذه الرحمة الخاصة، لأنها ليست كسبية، بل وهبية، الإنسان يرقى بالرحمة العامة، أنت حينما ترحم طفلاً ليس ابنك، حينما ترحم موظفاً في محلك التجاري ليس ابنك، ترقى بالرحمة العامة، وفي بعض الآثار يقول عليه الصلاة والسلام: ولكنها رحمة عامة.
يعني أنت حينما ترحم زوجة ابنك التي في البيت كما لو أنها ابنتك، وحينما ترحم شاباً في محلك التجاري كما لو أنه ابنك، هنا ترقى عند الله بالرحمة العامة، لا بالرحمة الخاصة، الرحمة الخاصة أودعها الله فينا كي تستمر الحياة، ولولا هذه الرحمة الخاصة التي أودعها الله فينا لأولادنا الحياة تقف، طبعاً هناك دليل رمزي أن أحد الصالحين رأى أماً تقبل ابنها وهي على التنور، فكلما وضعت رغيفاً ضمت ابنها وشمته وقبلته، فتعجب من هذه الرحمة، فالله نزعها، فلما بكى ألقته في التنور، يعني الرحمة الخاصة ليست كسبية، إنما هي وهبية من أجل أن تستمر الحياة، من أجل أن يربي الأب المؤمن، والكافر، والفاسق، والمستقيم ابنه، وأوضح مثل اذهب إلى مستشفى الأطفال الأم المتعلمة تبكي، والجاهلة تبكي، والمحجبة تبكي، والسافرة تبكي، يعني شيء طبيعي، الذي يرقى بنا عند الله الرحمة العامة لا الرحمة الخاصة، هذه واحدة.
رحمة الله تقتضي أن يعالج عباده الشاردين ليحملهم على طاعته:
الآن كلمة الرحمن تعني الإله العظيم الذي يؤدب عباده، يسوقهم إلى بابه، يحملهم على طاعته، أي هناك رحمة ساذجة، لو فرضنا أماً جاهلة تحب ابنها، والطعام الذي طبخته رائع جداً، لكنه يؤذي معدة ابنها، ابنها معه التهاب معدي حاد، فالأم الجاهلة تطعمه هذا الطعام، وتسبب له الأذى دون أن تشعر، لكن الأم الواعية لا يمكن أن تطعم ابنها هذا الطعام، ولو بكى تمنعه أن يأكل، وفي الظاهر أنها ظالمة له، لأنه وعيها حملها على أن تمنعه من هذا الطعام. فلذلك الله عز وجل يقول:
﴿ فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ﴾
( سورة الأنعام )
تقتضي رحمة الله أن يعالج عباده الشاردين، الله رحمن ومع أنه رحمن يسوق لعباده من الشدائد ما يحملهم على طاعته:
﴿ فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ﴾
( سورة الأنعام )
كما يحمي أحدكم مريضه من الطهي، إن الله يحمي عبده المؤمن من الدنيا كما يحمي الراعي الشفيق غنمه من مراعي الهلكة. أي شيء خلقه الله عز وجل هو تكريم للإنسان ينتفع به:
كلمة رحمن لا تعني حياة مريحة، وصحة، ودخل كبير، ومعاصٍ، وآثام، رحمن طبيب، رحمن يعالج، الآية واضحة:
﴿ فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ﴾
( سورة الأنعام )
تقتضي رحمته الواسعة ألا يرد بأسه عن القوم المجرمين:
﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 147 )
إذن هو يعذبكم كي تؤمنوا، يعذبكم كي تؤمنوا وتشكروا، فإذا آمنتم وشكرتم حققتم الهدف من وجودكم، لأن الله سبحانه وتعالى سخر هذا الكون تسخير تعريف وتكريم، فأي شيء خلقه الله عز وجل يدلك على الله، وأي شيء خلقه الله عز وجل هو تكريم لك تنتفع به، فهناك هدف نفعي و هناك هدف إرشادي، فالذي عرف الله من خلال هذا الكون حقق الهدف الإرشادي، والذي انتفع بهذا الذي خلقه الله عز وجل حقق الهدف النوعي. من آمن بالله و شكره حقق الهدف من وجوده:
لذلك أنت حينما تؤمن، وحينما تشكر، حققت الهدف من وجودك حينما تؤمن وحينما تشكر، أي رد فعل التعريف أن تؤمن، الله عز وجل نصب لك هذا الكون كل شيء في هذا الكون يدل على الله، نصب لك هذا الكون ليدلك عليه، وأكرمك بهذه النعم كي تشكره، فإذا آمنت، وشكرت حققت الهدف من وجودك، آية ثالثة سيدنا إبراهيم:
﴿ يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنْ الرَّحْمَانِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا(45) ﴾
( سورة مريم )
الله عز وجل أنعم على الإنسان بنعم ظاهرة و باطنة ليؤمن به و يشكره:
لذلك:
﴿ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ﴾
( سورة لقمان الآية: 20 )
هناك نعم ظاهرة مألوفة، الصحة، والمال، والباطنة المصائب، لأن الله عز وجل عن طريق هذه المصائب يسوقنا إلى بابه عبّر عن هذا المعنى النبي عليه الصلاة والسلام فقال:
(( عجب ربنا من قوم يقادون إلى الجنة بالسلاسل ))
[رواه أحمد والبخاري وأبو داود عن أبي هريرة]
آية أخرى:
﴿ قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَانُ مَدًّا ا(75) ﴾
( سورة مريم )
وأحياناً تقتضي حكمة الله عز وجل أن يمده برحمة، بعلم، بحكمة، وآية أخرى:
﴿ إِنْ يُرِدْنِي الرَّحْمَانُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنقِذُونِي(23)إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ(24) ﴾
( سورة يس )
آية أخرى:
﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنْ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ(126) ﴾
( سورة البقرة )
من رحم الناس ارتقى عند الله عز وجل بالرحمة العامة:
الآن اسم الله الرحمن، يعني الرحمة العامة، يعني الله عز وجل يطعم المؤمن، والكافر، والملحد، والفاسق، والمنحرف، والمجرم، كلهم يطعمهم، كلهم يستنشقون الهواء، كلهم يشربون الماء، كلهم يتزوج وينجب أولاداً، هذه الرحمة العامة، الله عز وجل هذا موضوع ثانٍ، كلفك أن ترحم كل الناس ترقى عند الله بالرحمة العامة، لأنه هو رحم كل الناس الدليل:
﴿ وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمْ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا(58) ﴾
( سورة الكهف)
معنى ذلك رحم كل عباده مؤمنهم وكافرهم، مستقيمهم ومنحرفهم، قال تعالى:
﴿ قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنْ الرَّحْمَانِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ(42) ﴾
( سورة الأنبياء)
معنى يكلؤكم أي يحرسكم ويحفظكم، آية ثالثة:
﴿ وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ(73)﴾
( سورة القصص)
ومن رحمته أنه يرحم جميع خلقه مؤمنهم، وكافرهم، مستقيمهم، ومنحرفهم، آية رابعة:
﴿ وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلْ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ(21) ﴾
( سورة يونس)
الناس بالقرآن تعني كل الخلق والخطاب لجميع المكلفين. من كان مؤمناً بالله مطيعاً له فله معاملة خاصة و سكينة تلقى في قلبه:
إذاً فهمنا أن الله باسم الرحمن يرحم خلقه رحمة عامة، كالأب تماماً عنده عدد من الأولاد، أحدهم بار، والآخر عاق، أحدهم لطيف، والآخر قاسٍ في كلامه، يطعمهم جميعاً، يكسوهم جميعاً، يسكنون في البيت جميعاً، يأخذون المال من بيت أبيهم جميعاً، يقدم لهم في العيد الحلويات جميعاً، لكن قلبه مع من ؟ مع الابن البار، فأن يتجلى الله عليك شيء وأن يطعمك شيء آخر، يطعم كل خلقه، يسقيهم، يكسوهم، ولكن إذا كنت معه، إذا كنت مؤمناً به، إذا كنت مطيعاً له، لك معاملة خاصة، لك سكينة تلقى في قلبك تسعد بها ولو فقدت كل شيء وتشقى بفقدها لو ملكت كل شيء.
أفضل أنواع الدعاء أن تطلب من الله رحمته:
الآن أيها الأخوة، من أفضل أنواع الدعاء أن تطلب من الله رحمته، لأن الله خلقنا ليرحمنا، قال تعالى:
﴿ إ لاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾
( سورة هود الآية: 119 )
فمريم بنت عمران دعت باسم الرحمن عندما تمثل لها جبريل بشراً سوياً، وبشرها بعيسى قال تعالى:
﴿ قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَانِ مِنْكَ إِنْ كُنتَ تَقِيًّا(18) ﴾
( سورة مريم )
أي إن كنت تقياً تتقي الله، وتخشى الاستعاذة، وتعظمها، فإني عائذة بالرحمن منك، فجواب الشرط محذوف دلّ عليه ما قبله، كما يقول علماء النحو، يعني إن كنت تقياً فأنا أستعيذ بالله منك، إن كنت تعرف معنى الاستعاذة، ومعنى أن الله موجود، ويجيبني أستعيذ بالله منك. من كان صادقاً لأداء دين عليه الله عز وجل يوفقه في عليائه ليقضي هذا الدين:
النبي عليه الصلاة والسلام قال لمعاذ بن جبل رضي الله عنه:
ألا أعلمك دعاء تدعو به لو كان عليك مثل جبل أحد دين لأداه الله عنك ؟ هذا الدعاء لوفاء الدين، وبالمناسبة ورد في بعض الأحاديث:
(( من أخذ أَموال الناس يُريدُ أَداءها أدَّى الله عنه، ومن أخذ أَموال الناس يُرِيدُ إِتْلافها أتلفه الله ))
[ أخرجه البخاري عن أبي هريرة ]
فأي إنسان عليه دين إذا كان صادقاً في أداء الدين، إذا كان يريد أن يؤدي هذا الدين الله جلّ جلاله في عليائه يوفقه لأداء هذا الدين.
قال: يا معاذ ألا أعلمك دعاء تدعو به لو كان عليك مثل جبل أحد دين لأداه الله عنك، قل يا معاذ: اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء، وتنزع الملك ممن تشاء، وتعز من تشاء، وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير، رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما تعطيهما من تشاء، وتمنع منهما من تشاء، ارحمني رحمة تغنيني بها عن رحمة من سواك.
هذا دعاء الدين، وفي الآية الكريمة:
﴿ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (286) ﴾
( سورة البقرة)
لذلك يا الله برحمتك نستغيث. كلمة رحمة أوسع كلمة فيها عطاء الله عز وجل:
كلمة رحمة كلمة واسعة جداً، يا ترى الرحمة صحة ؟ صحة، زواج ناجح ؟ زواج ناجح، أولاد أبرار ؟ أولاد أبرار، يا ترى الرحمة كفاية ؟ كفاية، مكانة اجتماعية ؟ مكانة اجتماعية، راحة نفسية ؟ راحة نفسية، سعادة ؟ سعادة، رضا ؟ رضا، حكمة ؟ حكمة، أمن ؟ أمن، كلمة رحمة أوسع كلمة فيها عطاء الله عز وجل بدءاً من صحتك إلى حاجاتك إلى رزقك، وانتهاء بسعادتك في الدنيا والآخرة.
لذلك من الأفضل أن نسأل الله رحمته:
﴿ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (286) ﴾
( سورة البقرة)
﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا(23)وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا(24) ﴾
( سورة الإسراء)
كلمة يا رب ارحمني، أو يا رب ارحم فلاناً كلمة واسعة جداً، تبدأ من صحتك، إلى زوجة صالحة، إلى أولاد أبرار، إلى سلامة، إلى راحة نفسية، إلى ثقة بالله، إلى حكمة، إلى سعادة، إلى رضا، يعني عطاء الله المطلق يسمى رحمة الله فاسأل الله عز وجل أن يرحمك. الله عز وجل وسعت رحمته كل شيء:
قال الله في وصف عباده الموحدين:
﴿ إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ(109)فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي (110) ﴾
( سورة المؤمنون)
وفي آية أخرى:
﴿ وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ(118) ﴾
( سورة المؤمنون)
لذلك يا رب نستغيثك برحمتك:
﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ (156) ﴾
( سورة الأعراف)
وأنت شيء.. أنت أيها الإنسان شيء، على كل ما عندك من ذنوب:
﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ (156) ﴾
( سورة الأعراف)
رحمتي سبقت غضبي، الذين قالوا: إن اسم الرحمن لعله اسم الله الأعظم ليسوا بعيدين عن هذا التصور. المتصل بالرحيم يمتلئ قلبه رحمة والمنقطع عن الرحيم يمتلئ قلبه قسوة:
وقال تعالى:
﴿ قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ(64) ﴾
( سورة يوسف)
لأنه أعطى الخلق جميعاً رحمة واحدة، عنده التسعة والتسعون، الآن السؤال علاقة المؤمن بهذا الاسم، علاقته، أولاً ينبغي أن يمتلئ قلب المؤمن بالرحمة، الدليل:
﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 159 )
ينبغي أن يمتلئ قلبك بالرحمة من خلال اتصالك بالله.. المتصل بالرحيم يوجد بقلبه رحمة، والمنقطع عن الرحيم بقلبه قسوة، لذلك:
﴿ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ ﴾
( سورة الزمر الآية: 22 )
من صفات المؤمن أن قلبه رحيم، ومن صفات المنقطع عن الله أن قلبه قاسٍ:
﴿ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً (74) ﴾
( سورة البقرة )
لذلك من علامات آخر الزمان أن ينزع الحياء من وجوه النساء، وأن تذهب النخوة من رؤوس الرجال، وأن تنزع الرحمة من قلوب الأمراء، لا يوجد بالنساء حياء، ولا بالرجال نخوة، ولا بقلوب الأمراء رحمة، لذلك أنت كمؤمن علاقتك بهذا الاسم أن يمتلئ قلبك بالرحمة، والحب، والحرص على ما ينفع عموم الخلق. بطولتك كمؤمن أن ترحم كل الخلق أما كل الناس يرحمون أولادهم:
مرة ثانية أخوانا الكرام: لا ترقى عند الله إلا بالرحمة العامة، والله مرة كنت بمحل تجاري، لكن حالة غريبة جداً، يبيع أقمشة فحمل الموظف في المحل وهو شاب صغير أول ثوب، الثاني، الثالث، الرابع، قال: لم أعد أتحمل، قال له: أنت شاب، ابنه إلى جانبه بسن موحد، حمل ثوباً واحداً، قال له: بابا انتبه لظهرك.
لا ترقى عند الله إلا إذا كانت الرحمة عامة، أقول لكم كلمة أرجو أن تعذروني بها إن لم ترحم الخادمة في البيت كما لو أنها ابنتك أنت مقصر جداً في الإيمان، إن لم ترحم زوجة ابنك في البيت كما لو أنها ابنتك أنت عنصري، لذلك ولكنها رحمة عامة، بطولتك كمؤمن أن ترحم كل الخلق، أما كل الناس يرحمون أولادهم.
توحيد العبد لاسم الرحمن في سلوكه يقتضي الرحمة العامة بعباد الله:
توحيد العبد لهذا الاسم في سلوكه يقتضي الرحمة العامة بعباد الله سواء كانوا مؤمنين أو كافرين، فالمؤمنون يحبون لهم ما يحبون لأنفسهم، فيوقرون كبيرهم، ويرحمون صغيرهم، ويجعلون رحمتهم موصولة إليهم، يسعدون بسعادتهم، ويحزنون لحزنهم، أما رحمتهم بالآخرين فيحصروها على دعوتهم، ويسهمون في إخماد كفرهم، والنار التي تحرقهم، ويجتهدون في نصحهم، والأخذ على أيديهم، فلذلك ينبغي أن تكون الرحمة عامة، يقول الله عز وجل:
﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا(27)يَاوَيْلَتِي لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا(28)لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنْ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا(29) ﴾
( سورة الفرقان)
(( الراحمون يرحمهم الرحمن، أرحموا أهل الأرض يرحمكم من في السماء ))
[أبو داود عن عبد الله بن عمرو]
والله لا يضيع عند الله شيء، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء.
النبي صلى الله عليه وسلم قال وهو على المنبر:
(( ارحموا ترحموا، واغفروا يغفر الله لكم، ويل لأقماع القول ))
[أحمد داود عن عبد الله بن عمرو]
كلام دقيق، ويل للمصرين الذين يصرون على ما فعلوا وهو يعلمون، من هم الأقماع ؟ هم الذين يسمعون القول ولا يعملون به، شبه النبي أذانهم بالأقماع، القمع تصب فيه السائل لا يمسكه، القمع ممر، فهناك إنسان آذانه كالقمع يدخل الكلام منها، ويخرج ولا يتأثر. المقرب من الله عز وجل من كانت الرحمة في قلبه رحمة عامة:
أيها الأخوة الكرام:
(( إن أحب أسمائكم إلى الله عبد الله وعبد الرحمن))
[مسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما]
هذا من جهة التسمية، فقد تسمى به كثير من المسلمين، وعلى رأسهم عبد الرحمن بن عوف وهو من العشرة المبشرين بالجنة هاجر الهجرتين، وشهد بدراً وأحد، والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
إذن البطولة أن ترحم كل الخلق، وأن تكون الرحمة التي أودعها الله في قلبك رحمة كسبية، فضلاً عن الرحمة الوهبية، بالوهبية ترحم أولادك، أما بالكسبية ترحم جميع الخلق، ولن تكون عند الله مقرباً إلا إذا كانت الرحمة التي في قلبك رحمة عامة.
السعيد
09-02-2018, 12:58 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( السادس و الستون بعد المائة )
الموضوع : اسم الله - الوهاب - 1 -
من أسماء الله الحسنى:(الوهاب):
أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "الوهاب".
ورود اسم الوهاب في القرآن الكريم فقط:
هذا الاسم أيها الأخوة ورد في القرآن الكريم مطلقاً، معرفاً في ثلاثة مواضع، منها قوله تعالى:
﴿ أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ ﴾
( سورة ص )
وفي قوله سبحانه وتعالى:
﴿ رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ﴾
( سورة آل عمران)
ولم يرد هذا الاسم في صحيح السنة. الوهاب في اللغة:
الوهاب في اللغة صيغة مبالغة على وزن فعَّال من الواهب، وهو المعطي للهبة، والفعل وهب، يهب، وهباً، وهبةً، والهبة عطاء بلا عوض، لكن كملاحظة في العبارات التي نتداولها العبرة بالمقاصد لا بالصور التي نعطيها، كيف ؟ لو قلت لك: بعتك هذا الكتاب بلا ثمن، هذا عقد هبة، مع أن في العبارة لفظة بعتك
ولو قلت لك وهبتك هذا المصحف بمئة ليرة أي بعتك هذا المصحف، فالعبرة للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني.
الهبة: العطية الخالية من الأعواض، نحن عندنا في الفقه شيء اسمه معاوضات، فالبيع يندرج تحت المعاوضات، أما الهبة تندرج تحت عملية لا علاقة للعوض بها، فالهبة هي العطية الخالية عن الأعواض والأغراض، فإذا كثرت سمي صاحبها وهاباً، واهب أو وهاب، وهو من أبنية المبالغة. الله تعالى نعمه كاملة في الأنفس وظاهرة وبادية في سائر المخلوقات:
أما إذا قلنا الله جلّ جلاله هو الوهاب، فالوهاب سبحانه هو الذي يكثر العطاء بلا عوض، ويهب ما يشاء لمن يشاء بلا غرض، ويعطي الحاجة بغير سؤال، ويسبغ على عباده النعم والأفضال، نعمه كاملة في الأنفس، وجميع المصنوعات، وظاهرة وبادية في سائر المخلوقات، نعم وعطاء وجود وهبات تدل على أنه المتوحد في اسمه الوهاب، قال تعالى:
﴿ لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (49) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ(50) ﴾
( سورة الشورى)
الخلق كلهم عند الله سواسية ليس بينه وبينهم قرابة إلا طاعتهم له:
الوهاب صيغة مبالغة من واهب، إذا كثر عطاء الواهب سمي وهاباً، قال بعض الشعراء:
ملك الملوك إذ وهب لا تسألن عن السبب
الله يعطي من يشاء فقف على حدِّ الأدب
***
أنا عدلت هذا البيت:
ملك الملوك إذا وهب قم فاسألن عن السبب
الله يعطـي من يشاء فقف على حـدِّ الأدب
***
عطاء الله وفق قوانين، لأن الله سبحانه وتعالى عدل بين كل عباده، سيدنا سعد كان من أحب أصحاب رسول الله إلى رسول الله، كان إذا دخل عليه يداعبه يقول هذا خالي أروني خالاً مثل خالي.
ما فدى أحداً من أصحابه بأبيه وأمه إلا سعداً :
(( ارْمِ سَعْدٌ فِدَاكَ أَبِي وَأُمّي ))
[ أخرجه الشيخان عن علي بن أبي طالب ]
ومع ذلك التقى به سيدنا عمر بعد وفاة رسول الله، قال له: يا سعد لا يغرنك أنه قد قيل خال رسول الله، فالخلق كلهم عند الله سواسية، ليس بينه وبينهم قرابة إلا طاعتهم له.
كلكم من آدم وآدم من تراب.
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ (13) ﴾
( سورة الحجرات )
الناس عند الله عز وجل صنفان لا ثالث لهما:
أخوتنا الكرام، البشر وضعوا مقاييس، مئات المقاييس، آلاف المقاييس، دول الشمال ودول الجنوب، دول متقدمة ومتخلفة، الملون والأبيض والأصفر، المستغل والمُستغل، القوي والضعيف، لذلك الحقيقة الدقيقة والصارخة البشر على اختلاف مللهم، ونحلهم، وانتماءاتهم، وأعراقهم، وأنسابهم، وطوائفهم، هؤلاء جميعاً لا يزيدون عند الله عن صنفين، صنف عرف الله فانضبط بمنهجه، وأحسن إلى خلقه فسلم وسعد في الدنيا والآخرة، وصنف غفل عن الله، وتفلت من منهجه، وأساء إلى خلقه فشقي وهلك في الدنيا والآخرة، ولن تجد في مقاييس القرآن الكريم نموذجاً ثالثاً، ولي كلمة أرددها كثيراً، لا يُضاف على كلمة مؤمن ولا كلمة، المؤمن تحبه فقيراً عفيفاً، تحبه غنياً متواضعاً وسخياً، تحبه متعلماً مستنيراً، تحبه غير متعلم على الفطرة، تحبه مدنياً، تحبه ريفياً، إذا قلت مؤمن لا يُضاف على هذه الكلمة ولا كلمة، الإيمان صبغه، الإيمان أعطاه صفات، أعطاه صفات الإنصاف، والرحمة، والتواضع، والحب، فلذلك يعيش الناس اليوم في جاهلية، التقسيمات التي وُضعت للبشر لا تُعد ولا تُحصى، هذه التقسيمات فرقتهم، بل حملتهم على أن يقتتلوا ، وسالت الدماء مع أن البشر عند الله صنفان، مؤمن وغير مؤمن، المؤمن عرف الله، انضبط بالمنهج، أحسن إلى الخلق، سلمَ وسعدَ في الدنيا والآخرة، وغير المؤمن غفل عن الله، تفلت من المنهج، أساء إلى الخلق، شقي وهلك في الدنيا والآخرة.
اعتماد القرآن الكريم على قيمتي العلم و العمل في الترجيح بين البشر:
أما تقسيم القرآن، القرآن اعتمد قيمتين مرجحتين، اعتمد قيمة العلم، واعتمد قيمة العمل، قال تعالى:
﴿ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (9) ﴾
( سورة الزمر )
قال تعالى:
﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ﴾
( سورة المجادلة )
قال تعالى:
﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا(132) ﴾
( سورة الأنعام)
هذا هو مقياس القرآن، علم وعمل، وما سوى ذلك الناس سواسية كأسنان المشط، هذان المقياسان إن اعتمدا في أمة تقدمت، وإن لم يعتمدا في أمة تخلفت. توزيع الحظوظ في الدنيا توزيع ابتلاء و في الآخرة توزيع جزاء:
أيها الأخوة، الله عز وجل يهب العطاء في الدنيا، يهب مالاً، يهب قوة، يهب وسامة، يهب ذكاءً، يهب حكمةً، الله عز وجل يهب العطاء في الدنيا ابتلاءً، فالحظوظ المال حظ، العلم حظ، الذكاء حظ، الوسامة حظ، الصحة حظ، فالحظوظ وُزعت في الدنيا توزيع ابتلاء، قال تعالى:
﴿ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ (2) ﴾
( سورة الملك)
وسوف تُوزع في الآخرة توزيع جزاء، قال تعالى:
﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (21) ﴾
( سورة الإسراء)
طبعاً هناك فرق كبير في الدنيا بين قائد جيش وبين مجند، بين جراح قلب وبين ممرض، بين رئيس غرفة تجارة وبائع متجول، بين أستاذ جامعي ومعلم في قرية، هناك فرق كبير جداً، بين غني وفقير، بين قوي وضعيف، بين صحيح ومريض: ﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (21) ﴾
( سورة الإسراء)
مراتب الدنيا مؤقتة و مراتب الآخرة أبدية سرمدية:
مراتب الدنيا مؤقتة، الموت ينهي كل شيء، ينهي قوة القوي، وضعف الضعيف، ووسامة الوسيم، ودمامة الدميم، وصحة الصحيح، ومرض المريض، ينهي كل شيء، لكن مراتب الآخرة أبدية سرمدية، مراتب الدنيا لا تعني شيئاً وقد تعني العكس:
﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ (44) ﴾
( سورة الأنعام )
قوة، بلاد جميلة، أمطار غزيرة، أموال، يعني الإنسان حينما يريد الدنيا، ويصر عليها، ولا يرى غيرها، وحينما يخرج من دائرة العناية الإلهية، يُعطى الدنيا، خذها ولكن حينما يكون ضمن العناية الإلهية يُعالج، لا تنسوا هذا المثل، التهاب معدة حاد يقتضي حمية بالغة، وورم خبيث منتشر في أنحاء الجسم، لو سأل الأول الطبيب ماذا آكل ؟ يقول له: حليب فقط، لو سأل الثاني الطبيب ماذا آكل ؟ يقول له: كُلْ ما شئت، أيهما أفضل ؟ الذي خضع لحمية شديدة. كل شيء في الحياة الدنيا موقوف على طريقة استعماله :
إذاً عطاء الله في الدنيا عطاء ابتلاء، يعني المال نعمة ؟ الجواب: لا، نقمة ؟ لا، إذاً ما المال ؟ المال عطاء موقوف على طريقة إنفاقه، إن أنفقته في طاعة الله فهو نعمة، إن أنفقته في معصية الله فهو نقمة، يا ترى القوة نعمة ؟ لا، نقمة ؟ لا، ما هي القوة ؟ إن سخرت القوة لإحقاق الحق فهي نعمة، وإن سخرت القوة للطغيان والعدوان فهي نقمة، الوسامة نعمة ؟ لا، نقمة ؟ لا، إن استخدمت الوسامة للعمل الصالح، وتحبيب الناس بك فهي نعمة، وأما إذا استخدمتها لإغواء الفتيات فهي نقمة، يعني كل حظ من حظوظ الدنيا يمكن أن يكون نعمة ترقى بها أو دركات تهوي بها، العلاقة الجنسية، إذا كانت وفق منهج الله، زواج، وإنجاب أولاد، تربية أولاد، أصهار أطهار، فتيات عفيفات طاهرات، أولاد نجباء، تجد هذه الأسرة كلها خير، قال لي أحد علماء دمشق: عندي ثمانية وثلاثون حفيداً، ثلاثة عشر طبيباً، أحد عشر حافظاً لكتاب الله، هذا الكم الكبير من المثقفين، والحفاظ، والورعين، والفتيات الشريفات العفيفات، كل هذا الكم الكبير أساسه علاقة جنسية، وبأي بيت دعارة هناك علاقة جنسية، شهوة حيادية، سلم نرقى بها، أو دركات نهوى بها.
الناجح من أدرك حقيقة الابتلاء و استعان بالله على تحقيق الرجاء:
لذلك الله عز وجل يهب الحظوظ في الدنيا هبة امتحان، ويهب العطاء الكبير في الآخرة هبة جزاء، في الدنيا ابتلاء وفي الآخرة جزاء.
السبب قال: ليتعلق العبد بربه عند النداء والرجاء، ويسعد بتوحيده بين الدعاء والقضاء، هذا أعظم فضل وأكبر هبة وعطاء، وإذا أدرك العبد حقيقة الابتلاء، واستعان بالله على تحقيق الرجاء كان موفقاً وناجحاً، أي:
(( عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن. إن أصابته سراء شكر وكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له، وليس ذلك لغير المؤمن ))
[ أخرجه أحمد في مسنده عن صهيب ]
العمل المؤسساتي:
من الآيات التي تتحدث عن العطاء، عن الهبة، عن الوهاب:
﴿ وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً (5 ﴾
( سورة مريم)
هذا يسمى الآن بالعمل المؤسساتي، أي شيء نجح الذي كان السبب في نجاحه لو توفاه الله العمل مستمر من بعده، الإشارة الأولى في القرآن الكريم للعمل المؤسساتي هذه الآية:
﴿ وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي (6) ﴾
( سورة مريم)
أي دعوة ناجحة جداً ينبغي أن تستمر بعد وفاة الداعية، أن تستمر بتربية أناس على أعلى مستوى يتابعون دعوته، قال تعالى:
﴿ وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا(74) ﴾
( سورة الفرقان)
إذا الإنسان أحسن اختيار زوجته وفق منهج الله، فعليك بذات الدين تربت يداك، معنى ذلك أنه أحسن الاختيار، اختار صاحبة الدين، تسره إن نظر إليها، وتحفظه إن غاب عنها، وتطيعه إن أمرها. الإنسان مخير بين الدنيا و الآخرة:
ولكن من أراد الدنيا هنا المشكلة، يقول الله عز وجل:
﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (18) وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ (19) ﴾
(سورة الإسراء)
دقق أنت مخير:
﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ (18) ﴾
(سورة الإسراء)
الدنيا.
﴿ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (18) وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (19) كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (20) ﴾
(سورة الإسراء)
أما في الآخرة فله الجنة. الدنيا دار عمل و تكليف و الآخرة دار جزاء و تشريف:
الدنيا مبنية على السعي:
﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (6) ﴾
(سورة الانشقاق)
أما الآخرة نظام آخر:
﴿ لَهُم مَّا يَشَاءونَ فِيهَا ﴾
( سورة ق الآية: 35 )
أي شيء تطلبه تراه أمامك، نظام الجنة:
﴿ لَهُم مَّا يَشَاءونَ فِيهَا ﴾
( سورة ق الآية: 35 )
الدنيا نظام آخر:
﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (6) ﴾
(سورة الانشقاق)
النظر إلى وجه الله الكريم أعظم عطاء يحصّله الإنسان في الآخرة:
من أجل أن تكون طبيباً هناك دراسة في ثلاث وثلاثين سنة، من أجل أن تكون غنياً هناك عمل مجهد في البدايات، من أجل أن تكون ذا سمعة طيبة هناك انضباط شديد من حيث القيم الأخلاقية.
أما في الآخرة:
﴿ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (35) ﴾
( سورة ق)
المزيد النظر إلى وجه الله الكريم، لذلك الله عز وجل من أسمائه الوهاب، أن يهب ما يشاء لمن يشاء، وكيف يشاء، ومتى يشاء، وفي أي مكان يشاء، لذلك ما يعطيه لعباده ظاهراً وباطناًً، في الدنيا والآخرة، إنما هي نعم وهبات وهي من الكثرة بحيث لا تحصيها الحسابات. علاقة اسم الوهاب بالحب :
هذا الاسم له علاقة بالحب، كيف ؟ ورد في بعض الآثار القدسية:
(( يا داود ذكر عبادي بإحساني، فإن القلوب جبلت على حبِّ من أحسن إليها وبغض من أساء إليها ))
[ ورد في الأثر ]
فالوهاب يعني أن تحبه، لأنه وهبك نعمة الإيجاد، أنت موجود، تأكل، وتشرب، ولك زوجة، ولك أولاد، وتسافر، وترى بلاد الله الواسعة، منحك نعمة الإيجاد، ومنحك نعمة الإمداد، أمدك بالهواء، أمدك بالماء، أمدك بالطعام، أمدك بزوجة، أمدك بأولاد، أمدك بمأوى، أمدك بألوان الطعام، بألوان الشراب، بالمتع، بالورود، بالأسماك، بالأطيار.
(( يا داود ذكر عبادي إحساني، فإن القلوب جبلت على حبِّ من أحسن إليها وبغض من أساء إليها ))
[ ورد في الأثر ]
لا يُعقل أن تحب مخلوقاً، وأن تنسى الذي منحك نعمة الوجود، نعمة الإمداد، نعمة الهدى والرشاد، سأريكم بعض الأمثال:
خبيب بن عدي، كان على مشارف القتل، أُلقي القبض عليه من قبل كفار مكة ليُصلب، صلبه المشركون على جذع نخلة تمهيداً لرميه بالسهام، قال له أبو سفيان: يا خبيب أتحب أن يكون محمد مكانك ؟ اسمعوا إلى هذا الجواب، قال: والله ما أحب أن أكون في أهلي، زوجته أمامه، أولاده أمامه، بيت مريح، فيه فواكه وخضروات وطعام طيب وشراب، بالمقاييس المعاصرة فيه تكييف، فيه ورود، بيت واسع له إطلاله جميلة، زوجة جميلة، أولاد، كل شيء في البيت موجود، قال: والله ما أحب أن أكون في أهلي وولدي وعندي عافية الدنيا، ليس هناك مرض، ليس هناك قلق، ليس هناك خوف، وعندي عافية الدنيا ونعيمها ويصاب رسول الله بشوكة. فقال أبو سفيان: ما رأيت أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمد محمداً. لا إيمان لمن لا محبة له:
الإيمان حب، الإيمان أن تحب الله، أن تحب رسول الله، أن تحب المؤمنين، أن تحب العمل الصالح، أن تحب بيوت الله، أن تحب الدعوة إلى الله، أن تحب خلق الله جميعاً، الإيمان حب:
ألا لا إيمان لمن لا محبة له، ألا لا إيمان لمن لا محبة له، ألا لا إيمان لمن لا محبة له.
سيدنا الصديق له خدمة لبعض جيرانه، يحلب لهم الشياه، فلما أصبح أمير المؤمنين، طبعاً جارته حزنت، لأنه هذه الخدمة سوف تتوقف، في صبيحة تسلمه منصب الخلافة طُرق باب هذه الجارة، صاحبة البيت قالت لابنتها يا بنيتي افتحي الباب، فلما فتحت الباب قالت: من الطارق ؟ قالت: جاء حالب الشاة يا أماه، أي جاء سيدنا الصديق ليحلب الشياه، وهو خليفة المسلمين، أنت حينما تحب الله تفعل المعجزات، تقدم الغالي والرخيص والنفس والنفيس، أنت حينما تحب الله تتألق، تصبح أسعد إنسان في الأرض.
نعم الله عز وجل ينبغي على الإنسان أن يترجمها إلى حب و مودة:
أقول لكم هذه الكلمة وسامحوني بها، إن لم تقل أنا أسعد الناس ففي الإيمان خلل، أنت مع الله، أنت مع الموجود، مع الواحد، مع الكامل، مع المعطي، مع الرافع الخافض، مع القوي، مع الغني، مع الرحيم، أنت مع من؟ مع خالق السموات والأرض.
لذلك ألا لا إيمان لمن لا محبة له، والمؤمن له علامة:
﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًَا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ(2) ﴾
( سورة الأنفال)
هذا الاسم مرتبط بالحب، لأنه وهبك الحياة، أمامك زوجة جميلة من جنسك من بني البشر، لها مشاعر، لها عواطف، تتكلم، ترعى أولادك، لك أولاد يملؤون البيت فرحة، هذه كلها نعم الله عز وجل، ينبغي أن تترجم إلى حب.
السعيد
09-02-2018, 01:00 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( السابع و الستون بعد المائة )
الموضوع : اسم الله - الوهاب - 2 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى:(الوهاب):
أيها الأخوة الأكارم، لازلنا في اسم "الوهاب".
كل شيء أنت فيه هبة من الله تعالى:
ذكرت لكم أن هذا الاسم من لوازمه الحب، لأنه ورد في الأثر القدسي:
(( يا داود ذكر عبادي إحساني، فإن القلوب جبلت على حب من أحسن إليها ))
[ ورد في الأثر ]
كل شيء أنت فيه هبة من الله، حتى لو دققنا في بعض الأشياء الصغيرة أنت حين تشتري الفاكهة لم تدفع ثمنها دفعت ثمن خدمتها فقط، أنت حينما تنال الجنة من الله ماذا دفعت بالضبط ؟ دفعت ثمن مفتاح بيت ثمنه مئة مليون، كل عملك في الدنيا يساوي ثمن المفتاح ؟ لا، ثمن البيت، فأي شيء أنت فيه وجودك، إمداد الله لك، هدايته لك، أولادك، زوجتك، خبراتك، قدراتك، هذه هبة من الله عز وجل، أنت قائم بالله، ومن أدق أدعية النبي عليه الصلاة والسلام :
(( اللهم أنا بك قائم بك ))
كل ما أنت فيه هبة من الله عز وجل:
(( اللهم أنا بك وإليك ))
أنا بك قائم بك وإليك، وأي شيء وعدك الله به إنما هو هبة من الله، وكلفك أن تدفع ثمناً رمزياً، بالضبط بيت ثمنه مئة مليون دفعت عشر ليرات، ثمن المفتاح فقط، كل عملك في الدنيا لا يزيد عن ثمن المفتاح. كل شيء موجود هو من فضل الله علينا:
ادخلوا الجنة برحمتي، واقتسموها بأعمالكم أي:
﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (8) ﴾
(سورة البلد )
الألوان، الجمال في الأرض، الزوجة، الأولاد، الورود، الرياحين، الجبال الخضراء، البحار، الأرض جميلة جداً، كل هذا الجمال لولا العين لما أدركته:
﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (8) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (9) ﴾
( سورة البلد)
تعبر عن حاجاتك، عن رغباتك، عن مشاعرك، عن أفكارك، بكلمات، هذه اللغة من فضل الله علينا:
﴿ الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4) ﴾
( سورة الرحمن)
مرة حدثني أخ: طفل يبكي في سفر بكاء كثيراً، أكل ويبكي، نظفوه ويبكي، متألم دبوس عالق بجسمه في بعض ثيابه لأنه لا يملك القدرة على التعبير حار أهله فيه، أنت تعبر عن حاجتك بكلمة أنا جائع:
﴿ الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4) ﴾
( سورة الرحمن)
فكل شيء أنت فيه هبة من الله عز وجل. عجز الإنسان عن تعداد نعم الله عز وجل:
إذا طالبك الله بعمل، هذا العمل بالتعبير المعاصر ثمن رمزي وليس حقيقي، يعني لو اجتمع أهل الأرض على أن يصنعوا حليباً فقط لا يستطيعون، البقرة معمل صامت، تأكل الحشيش، وتقدم لك الحليب، البيضة من الدجاجة، الشجرة تقدم لك الفاكهة، الحقيقة لو دققت في نعم الله عز وجل لوجدت أن الله غمرنا بنعمه والآية الكريمة:
﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ﴾
( سورة إبراهيم الآية: 34 )
هل يعقل أن أقول خذ هذه الليرة وعدها، كيف أعد ليرة واحدة ؟ يعني لو أمضيت حياتك في تعداد بركات نعمة واحدة لما استطعت، أنتم عاجزون عن إحصائها، فلا أن تكونوا عاجزين عن شكرها من باب أولى. الابن الصالح هبة من الله عز وجل للإنسان:
أيها الأخوة:
(( إن أولادكم هبة الله لكم، هدية الله لكم، يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ، فهم وأموالكم لكم إذا احتجتم إليها ))
[ البيهقي عن عائشة رضي الله عنها ]
أنت ومالك لأبيك، إذا احتجت لمال ابنك، ورحم الله والداً أعان ولده على بره، أنت ومالك لأبيك، لا يعني أن تأخذ مال ابنك كله، لا، معنى ذلك أنك إذا احتجت فلك أن تأخذ من مال ابنك بقدر حاجتك، هذا هو المعنى الدقيق، الآية الكريمة:
﴿ وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ ﴾
( سورة ص الآية: 30 )
يعني أخواننا الكرام، الذي عنده ابن صالح ينبغي أن يقبل الأرض شكراً لله عز وجل، لأنه هبة الله عز وجل، هناك أبناء يجعلون حياة أهلهم جحيماً لا يطاق، وقد يكون الأب عالماً، يعني حينما ترى ابنك كما تتمنى، حينما يكون ابنك قرة عين لك، هذه نعمة لا تقدر بثمن، لذلك الابن هبة، أي الذي عنده ابن صالح ينبغي أن لا يكثر من هذه المعلومات: أنا ربيته، أنا تعبت فيه، هذه نتائج جهدي، قل هذه نتائج فضل الله عليّ، هناك آباء بأعلى درجة من الثقافة، والعلم، والفهم، والتربية، وعندهم أولاد أشرار، هذه حقيقة، كلمة:
﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ﴾
( سورة الأنعام الآية: 84 )
أي الابن هبة من الله عز وجل فإذا كان صالحاً فهذه نعمة بالغة. بطولة الإنسان لا أن ينجو من الابتلاء ولكن أن يقف من كل مصيبة موقفاً كاملاً:
بالمناسبة أيها الأخوة، ليست بطولة الإنسان أن ينجو من الابتلاء، الإمام الشافعي سئل ندعو الله يا إمام بالابتلاء أم بالتمكين ؟ فقال الإمام الشافعي: لن تمكن قبل أن تبتلى.
﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴾
( سورة العنكبوت )
لابدّ من أن تمتحن، الامتحان قدرنا جميعاً:
﴿ وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾
( سورة المؤمنون )
فالبطولة لا أن تنجو من الابتلاء، ولكن البطولة أن تقف من كل مصيبة موقفاً كاملاً. الإنسان في الدنيا ممتحن في بندين كبيرين ؛ فيما أعطاه الله و فيما زوى عنه:
مرة ثانية أنت في الدنيا ممتحن في بندين كبيرين، البند الأول فيما أعطاك، والبند الثاني فيما سلب منك، الذي أعطيته أنت ممتحن به، أعطيت المال مادة امتحانك عند الله عز وجل المال، سلبت منك بعض الصحة هذا الذي سلب منك امتحان آخر، أنت ممتحن فيما أعطاك الله، ممتحن فيما زوى عنك، من هنا كان دعاء النبي عليه الصلاة والسلام:
(( اللهم ما رزقتنا فيما نحب فاجعله عونا لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغا لنا فيما تحب ))
ما منا واحد إلا وهناك أشياء تتوق نفسه إليها مكنه الله منها، و أشياء تتوق نفسه إليها زواها عنه فأنت في حالتين، حالة الامتحان بما أعطاك، وحالة الامتحان بما سلب منك، الآية الكريمة:
﴿ وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (30) ﴾
( سورة ص )
﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا (53) ﴾
( سورة مريم)
الذي عنده زوجة هبة من الله ، الذي عنده ولد هبة من الله، الذي عنده بنت صالحة تحبه، تخدمه هبة من الله، الذي عنده شريك في العمل صالح مستقيم هبة من الله:
﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا (53) ﴾
( سورة مريم)
يعني أي شيء أنت فيه هو في الحقيقة هبة من الله عز وجل، وأنت ممتحن فيما أعطاك، ممتحن فيما زوى عنك:
﴿ فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (49) ﴾
( سورة مريم)
من عنده ابن صالح ينبغي أن يزداد شكراً و محبة لله عز وجل:
أيها الأخوة، الحقيقة الأولى: أن الأولاد هبة الله لنا صحتهم، مرة قال لي أخ إذا الله رزق الإنسان ابناً سليماً (أي زوجته ولدت أنجبت ابناً سليماً هكذا قال لي) كأن معه مليون ليرة، قلت له: ماذا تقصد ؟ قال: لأنه ابن ابنتي نزل إلى الدنيا والوريد بمكان آخر مكان الشريان، والشريان مكان الوريد، لابدّ من عمل جراحي خلال ساعات، في سوريا ليس هناك مختص بهذه العملية نقلوه إلى لبنان طلب الطبيب ثلاثمئة ألف والمستشفى أربعمئة ألف، ونقل الطفل من دمشق إلى بيروت خمسين ألفاً، قال لي سبعمئة وخمسين ألفاً دفعتهم خلال ساعات، فأن يأتي الابن سليم , هبة من الله عز وجل، يعني أي خطأ بالمولود يكلف ملايين، فالأولاد هبة الله، صحتهم، صلاحهم ؛ ابن صالح، ابن بار، ابن يطيعك، يتأدب معك، يحبك، حتى مستقبل الابن بيد الله عز وجل، هناك ابن تعتز به، وهناك ابن آخر تذوب ألماً حينما يذكر أمامك.
أقسم لي أحد الآباء أنه إذا مات ابنه سيقيم احتفالاً من شدة عقوقه، من شدة انحرافه، من شدة المتاعب التي سببها لأبيه، فالذي عنده ولد صالح ينبغي أن يزداد لله شكراً ومحبة، الآية:
﴿ قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (35) ﴾
( سورة ص )
على الإنسان أن يسأل الله حاجته كلها مهما عظمت أو قلّت:
يعني يا رب لا نسألك ردّ القضاء ولكن نسألك اللطف به، لماذا هذا الدعاء ؟ يا رب اصرف عني هذا البلاء كلياً، الله عز وجل إذا أعطى أدهش، كأن دعاءك يفهم أنك لا تريد أن تحل المشكلة كليا جزئياً، لماذا جزئياً ؟ هناك أدعية لم يدع بها النبي عليه الصلاة والسلام، لا نسألك رد القضاء كلياً نسألك اللطف به، أي سيأتيني حجر يا رب اجعله صغيراً، لماذا هذا الدعاء ؟ يا رب اصرف عني هذا البلاء كلياً، كن طموحاً، اطمع بفضل الله عليك، فلذلك:
﴿ قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (35) ﴾
( سورة ص )
اسأل الله حاجتك كلها، اسأل الله ملح طعامك، اسأل الله شسع نعلك إذا انقطع، اسأل الله كل حاجاتك، اسأل الله ما عظم من حاجاتك، وما قل. اصدق في طلب ما تريد تنل كل ما تريد:
بالمناسبة أيها الأخوة، يعني السنة الإلهية أن الله خلقك، ويعطيك كل شيء تطلبه بصدق مهما يكن كبيراً، من هو العاجز ؟ الذي يعجز عن أن يطلب من الله، والله لو طلبت منه أي طلب مهما يبدو لك كبيراً، وكنت صادقاً في هذا الطلب لنلته من الله:
﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (18) وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (19) ﴾
( سورة الإسراء )
الآن دقق:
﴿ كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (20) ﴾
( سورة الإسراء )
للتقريب: شخص من أفقر الفقراء طلب من الله أن يكون أغنى الأغنياء في الأرض وقدم الثمن، الثمن صدق، لوصل إلى ما يريد، أنا هذا إيماني، الله عز وجل أتاح لك أي شيء تطلبه صادقاً، الآن ما أنت فيه هو صدقك، وما لست فيه تمنياتك. الله عز وجل جاء بك إلى الدنيا ليعطيك سؤلك بصدق:
هذا المعنى ينطبق على الدنيا والآخرة، أردت أن تكون أكبر عالم ممكن، والقصة التي أرويها كثيراً، إنسان أرسل ابنه إلى الأزهر ليتعلم بعد خمس سنوات عاد يحمل الشهادة، وعين خطيباً في قريته، فلما ألقى خطبة أمام أبيه الأمي، والده أمي، عمره خمسة وخمسون عاماً، لما ألقى الخطبة أمام أبيه الأمي، بكى الأب بكاء مراً، كل من حول الأب توهموا أنه بكى فرحاً بابنه، والحقيقة خلاف ذلك هو بكى أسفاً على نفسه، كيف أمضى حياته في الجهل، أمي جاهل، ركب دابته هو في صعيد مصر، وبين صعيد مصر و القاهرة حوالي ألف كيلو متر، ركب دابته واتجه نحو القاهرة، وبقي يمشي شهراً إلى أن وصل إلى القاهرة، قال: أين الأزعر ؟ لا يحفظ اسمه، قالوا له: ما الأزعر ؟ قال: مكان التعلم، قال: اسمه الأزهر، النتيجة أوصلوه إلى الأزهر، وفي الخامسة والخمسين بدأ في تعلم القراءة، والكتابة، وتابع وما مات إلا شيخاً للأزهر، في السادسة والتسعين، والله لو كنت بالسبعين ولا تقرأ ولا تكتب، وطلبت أن تكون أكبر عالم لمكنك الله من هذا، حقيقة خطيرة جاء بك إلى الدنيا، ليعطيك سؤلك بصدق، اصدق في طلب ما تريد تنل كل ما تريد:
﴿ كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (20) ﴾
( سورة الإسراء )
عن أحد:
﴿ رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (8) ﴾
( سورة آل عمران )
من رضي الله عنه خدمه عدوه و من تخلى الله عنه تطاول عليه ابنه:
هناك دعاء يؤثر تأثيراً كبيراً في النفس، اللهم إنا نعوذ بك من السلب بعد العطاء، تكون تاجراً كبيراً تضطر إلى أن تتسول، يا لطيف، تكون بمكانة عالية إذا أنت وراء القضبان، أحياناً من أشد البلايا، من أشد المصائب السلب بعد العطاء، اللهم إنا نعوذ بك من السلب بعد العطاء، ونعوذ بك من عضال الداء، والله هناك أمراض تجعل حياة الإنسان جحيماً لا يطاق، نقطة دم لا ترى في العين كرأس الدبوس إذا تجمدت في أحد أوعية الدماغ شلل، فقد ذاكرة، فقد حاسة من حواسه، الذي عنده زوجة سيئة لا يوجد حل ؟ هناك حل الآية:
﴿ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى (90) ﴾
( سورة الأنبياء )
خذ هذه الآية على إطلاقها:
﴿ وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ (90) ﴾
( سورة الأنبياء )
الأمر بيد الله عز وجل، اسأل الله أن تكون العلاقة في البيت علاقة طيبة، الله يهبك إياها، هو وهاب، لأنه أحياناً يلين قلب الزوجة تراك كبيراً تنصاع لأمرك.
بعض أئمة القلوب يقولون: أعرف مقامي عند ربي من أخلاق زوجتي.
فالعلاقة مع الزوجة بيد الله عز وجل، مع الأولاد بيد الله، أحياناً إذا رضي الله عنك يخدمك عدوك، وإذا تخلى عنك يتطاول عليك ابنك. من افتقر إلى الله تولاه الله و من اعتد بنفسه تخلى الله عنه:
أنا أقول دائماً المسلم بحاجة ماسة إلى درسين بليغين درس بدر، ودرس حنين، ببدر المسلمون قالوا الله:
﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 123 )
بحنين قالوا لن نغلب من قلة:
﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ﴾
( سورة التوبة )
إذا قلت: الله تولاك، وإذا قلت: أنا تخلى عنك، انتبه أنت بحاجة لهذا الدرس كل ساعة، كان عليه الصلاة والسلام إذا استيقظ من الليل قال:
(( لا إله إلا أنت سبحانك اللهم إني أستغفرك لذنبي، وأسألك برحمتك، اللهم زدني علماً، ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني، وهب لي من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب ))
[ البيهقي عن عائشة رضي الله عنها ]
من خصائص المؤمن وقد آمن بالله الوهاب أن يكون كريماً معطاءً سخياً:
أيها الأخوة، علاقة المسلم بهذا الاسم أن يتصف بالكرم، الله وهاب، وأنت أعطي:
(( أنفق، أنفق عليك ))
[ متفق عليه عن أبي هريرة ]
(( أنفق بلالا ولا تخشى من ذي العرش إقلالا ))
[ أخرجه برموز السيوطي عن بلال، وعن أبي هريرة، عن ابن مسعود ]
من خصائص المؤمن وقد آمن بالله الوهاب أن يكون كريماً معطاءً سخياً، لذلك روى النبي عليه الصلاة والسلام في حديث دقيق:
(( لا يحل لأحد أن يهب هبة ثم يرجع فيها إلا من ولده ))
[أبو داود عن ابن عباس رضي الله عنه ]
يعني اشترى له سيارة، ربما كانت هذه السيارة سبب انحرافه، أما غير الابن لا يجوز:
((لا يحل لأحد أن يهب هبة ثم يرجع فيها إلا من ولده، فمن فعل ذلك فمثله كمثل الكلب يأكل ثم يقيء ثم يعود في قيئه ))
[أبو داود عن ابن عباس رضي الله عنه ]
والعائد من هبته كالعائد في قيئه، قال تعالى:
﴿ لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (49) ﴾
( سورة الشورى)
قدم البنت تكريماً لها، وأخر الصبي، لكن عرفه (بأل). نعم الله علينا لا تعد ولا تحصى إن حجبت نعمة كانت حياتنا جحيماً:
طبعاً هذا الدرس متعلق بآيات كونية، العين هبة، السمع هبة، النطق هبة، الشم هبة، اللمس هبة، القلب هبة، الرئتان هبة، جهاز الهضم هبة، المثانة هبة، لولا هذه المثانة في كل عشرين ثانية نقطة تبول، ماذا يفعل الإنسان إن لم يكن هناك مثانة ؟ يعني منعكس المص هذا المنعكس لو لم يكن لما كان هذا الدرس، ولما كانت دمشق، ولما كان إنسان على وجه الأرض، حينما الطفل يولد يملك آلية معقدة جداً هي مص الثدي يحكم شفتيه على حلمة ثدي أمه، ويسحب الهواء فيأتيه الحليب ترتيب من ؟
أيها الأخوة، نحن غارقون في نعم الله وأية نعمة نألفها لو حجبت عنا لأصبحت حياتنا جحيماً لا يطاق، يعني القناة الدمعية قناة دقيقة جداً تأخذ الدمع الفائض إلى الأنف مهمة هذا الدمع الفائض من العين أن يرطب الأنف، فأنفك رطب، من أين الرطوبة ؟ من القناة الدمعية، أحياناً تسد هذه القناة فالدمع يسيل على الخد دائماً، حتى يحفر أخدوداً له، تحتاج دائماً إلى مسح الدموع الفائضة من عينيك، القناة الدمعية، يعني أي شيء تتصوره سهلاً، لو ألغي لأصبحت حياة الإنسان جحيماً لا يطاق، فإذا قلت: يا رب لك الحمد أن سلمتني وعافيتني، حتى كان النبي عليه الصلاة والسلام إذا نظر في المرآة يقول:
(( اللهم كما حسنت خلقي فحسن خلقي ))
[ الجامع الصغير بسند صحيح عن ابن مسعود ]
يعني كامل الخلق، لا يوجد شيء منفر، هذا من نعم الله علينا.
أيها الأخوة الكرام إلى اسم آخر إن شاء الله.
السعيد
09-02-2018, 01:02 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الثامن و الستون بعد المائة )
الموضوع : اسم الله - العليم - 1 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
من أسماء الله الحسنى:(العليم):
أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى والاسم اليوم "العليم".
ورود اسم العليم في القرآن الكريم و السنة النبوية:
هذا الاسم ورد في القرآن الكريم بمواضع كثيرة، من هذه المواضع قوله تعالى:
﴿ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾
( سورةالبقرة )
وقد ورد هذا الاسم مقترناً في الكتاب والسنة بأسماء أخرى كثيرة، ورد مع اسم السميع ﴿ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾
ومع اسم الحكيم، ومع اسم العزيز، ومع اسم الحليم، ومع اسم الخلاق، ومع اسم القدير، ومع اسم الفتاح، ومع اسم القوي، هذا الاسم الخبير هذا "العليم" ورد مقترناً مع عدد ليس بالقليل من أسماء الله الحسنى.
أما في السنة، والسنة كما تعلمون أقوال النبي عليه الصلاة والسلام، بل ما صحّ من أقوال النبي صلى الله عليه وسلم، وما صحّ من أفعاله، وما صحّ من إقراره، فورد أيضاً في نصوص كثيرة منها ما رواه أبو داود من حديث أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(( أعوذُ بِاللهِ السَّميعِ العليمِ من الشَّيطان الرجيم، مِنَ هَمْزِهِ ونَفْخِهِ ونَفْثِهِ ))
[أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي عن أبي سعيد الخدري ]
الله عز وجل يحول بين المرء وقلبه:
أيها الأخوة، كما تعلمون الإنسان إن تكلم فالله سميع، وإن تحرك فالله بصير ، وإن أضمر شيئاً فالله عليم، إن تكلم فهو سميع، وإن تحرك فهو بصير، وإن أضمر شيئاً في نفسه فالله عليم.
بل إن الله يحول بين المرء وقلبه، أقرب شيء إليك قلبك، وخواطرك، وسرك، وباطنك، الله عز وجل يحول بينك وبين قلبك، وبينك وبين سرك، وبينك وبين باطنك، بل هو أقرب إليك من حبل الوريد.
العليم في اللغة:
أيها الأخوة، "العليم" في اللغة من صيغ المبالغة، على وزن فعيل، وصيغ المبالغة كما ذكرت كثيراً تأتي بمعنى الكم، أو النوع، فأدق شيء الله به عليم، وكل شيء الله عز وجل به عليم، عليم على وزن فعيل، من فعل علم، يعلم، علماً، ونقول: هذا الرجل عالم، وعليم، وعلامة، والعلم في أدق تعاريفه علاقة بين شيئين، أي يأخذ شكل القانون، علاقة ثابتة بين شيئين، هذه العلاقة مقطوع بصحتها مئة بالمئة ليست وهماً، ولا شكاً، ولا ظناً، الوهم ليس علماً، والشك ليس علماً، والظن ليس علماً، علاقة بين شيئين ثابتة، تأخذ شكل قانون، مقطوع بصحتها، تطابق الواقع، عليها دليل، إن لم تطابق الواقع فهي الجهل بعينه، لابدّ من لفت النظر، من هو الجاهل ؟
إذا تصورنا أن الإنسان وعاء، وعاء الجاهل ليس فارغاً، لكنه ممتلئ بمعلومات خاطئة، الجهل عدم مطابقة الواقع.
حينما يتألق ضوء أحمر في لوحة البيانات في سيارتك، الجهل أن تتوهمه تألقاً تزيينياً، والعلم يقول لك هو تألق تحذيري، فالذي يفهم التألق على أنه تألق تزييني جاهل، هذه معلومة لكنها غير صحيحة.
التوهم أخطر شيء في حياة الإنسان:
لذلك أخطر شيء بحياة الإنسان كما قال الواحد الديان:
﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ﴾
( سورةالكهف )
طالب توهم أن المعلم قبل الامتحان بيومين بهدية بسيطة يعطيه الأسئلة، فما درس إطلاقاً، هو يظن نفسه ذكياً، وفالحاً بهذه الطريقة، قبل يومين طرق باب الأستاذ وقدم له الهدية، وطلب منه الأسئلة، تلقى صفعة على وجهه، وركلة بقدمه، ﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ﴾
وقد ورد في الأثر: أن روح الميت ترفرف فوق النعش، هذا إذا كان منحرفاً تائهاً، شارداً، تقول: يا أهلي، يا ولدي، لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي، جمعت المال مما حلّ وحرم، وأنفقته في حله، وفي غير حله، فالهناء لكم والتبعة عليّ. الله سبحانه وتعالى كامل في علمه وطلاقة وصفه:
أيها الأخوة، نحن كما تعلمنا هناك أسماء يجوز أن يوصف بها الإنسان، من هذه الأسماء اسم "العليم" فسيدنا يوسف قال:
﴿ قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ﴾
( سورةيوسف )
فهو ذو علم، وقد وصف نفسه بالعلم، وقد قال الله عنه:
﴿ وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ ﴾
( سورةيوسف الآية: 68 )
لكن محور هذا اللقاء الطيب كم هو الفرق بين علم الإنسان وبين علم الواحد الديان ؟ شتان بين علم مقيد محدود، وبين علم مطلق بلا حدود، سبحانه وتعالى كامل في علمه، وطلاقة وصفه، علمه فوق كل علم، قال تعالى:
﴿ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ﴾
( سورةيوسف )
فالله عز وجل عليم بما كان، وعليم بما يكون، وعليم بما سيكون، وعليم بما لم يكن لو كان كيف كان يكون، لم يزل عالماً، ولا يزال عالماًَ، وعلمه أزلي وأبدي، ولا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، أحاط علمه بجميع خلقه، أحاط علمه بجميع الأشياء، ظاهرها، وباطنها، دقيقها وجليلها.
واسم الله "العليم" اشتمل على مراتب العلم الإلهي. ما من عبد يخطب ود الله عز وجل إلا كرمه الله بكرامة:
الآن سأتكلم حقيقة نحن في أمس الحاجة إليها: ما من مؤمن على وجه الأرض يخطب ود الله بتوبة، بطاعة، بعمل صالح، بأداء عبادة، بتلاوة قرآن، بإطعام جائع، بإرشاد ضال، ما من عبد يخطب ود الله عز وجل إلا كرمه الله بكرامة، هناك كرامة تيسير، أموره ميسرة، وهناك كرامة توفيق، وكرامة تأييد، و كرامة نصر، و كرامة انشراح صدر، و كرامة سرور، و كرامة أمن، ما من عبد مؤمن يخطب ود الله إلا وسيكافئه الله عز وجل بكرامة، ولكن أعظم كرامة على الإطلاق هي كرامة العلم، لابدّ من التوضيح:
طفل صغير عقب العيد جاء عمه إلى البيت، قال له: يا عمي أنا أملك مبلغاً عظيماً، طفل بالحضانة، بالعملة السورية مئتا ليرة سورية، كلمة عظيم حينما قالها طفل قدرناها بمئتي ليرة، فإذا قال مسؤول كبير بدولة عظمى أعددنا لهذه الحرب مبلغاً عظيماً نقدره بالحد الأدنى بمئتي مليار دولار، الكلمة نفسها، قالها طفل فقدرناها بمئتي ليرة، وقالها مسؤول كبير في دولة عظمى فقدرناها بمئتي مليار دولار، فإذا قال ملك الملوك، ومالك الملوك، ورب السماوات والأرض:
﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾
( سورةالنساء )
كرامة العلم أعظم كرامة على الإطلاق:
إذا سمح الله لك أن تتعرف إليه، إذا سمح الله لك أن تعرفه، إذا سمح الله لك أن تعرف أسماءه الحسنى، وصفاته الفضلى، إذا سمح الله لك أن تعرف سرّ وجودك، وغاية وجودك، إذا سمح الله لك أن تعرف حقيقة الدنيا، إذا سمح الله لك أن تعرف أفضل شيء في الدنيا، تكون قد حصلت كرامة من أفضل أنواع الكرامات
﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾
الله عز وجل أعطى الملك لمن لا يحبه، ولمن يحبه، أعطى الملك لفرعون وهو لا يحبه، وأعطى الملك لسيدنا سليمان، وهو يحبه، أعطى المال لمن لا يحبه لقارون ، وأعطى المال لمن يحبه لسيدنا عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، أما الأنبياء ماذا أعطاهم ؟ حصراً:
﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً ﴾
( سورةالقصص الآية: 14 )
اسأل نفسك نصيبك من الله من نوع نصيب الأقوياء، أم الأغنياء، أم الأنبياء ؟. الإنسان بالعلم والقدرة يستقيم وبالعلم والشكر يحسن:
أيها الأخوة، من خلال أسماء الله الحسنى، هناك اسمان إن تحققا استقمت على أمر الله، إذا أيقنت أن علمه يطولك، وأن قدرته تطولك، تستقيم على أمره، تركب مركبة والإشارة حمراء، أنت مواطن عادي، ومن الدرجة الثانية، والشرطي واقف، وقانون السير صارم، لا يمكن أن تخالف، لأن واضع قانون السير علمه يطولك، وقدرته تطوله، إذاً لن تعصيه.
﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً ﴾
( سورةالطلاق )
اختار من أسمائه اسمين، العلم والقدرة، إذاً بمعرفة اسم "العليم" والقدير تستقيم على أمره، الآن وبمعرفة اسم "العليم" والشكور تحسن إلى خلقه.
﴿ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً ﴾
( سورةالنساء )
هذا العمل الصالح، هذه الصدقة، هذه الخدمة، هذا العطاء يعلمه الله وسيشكرك عليه، إذاً تدفع، بالعلم والقدرة تستقيم، وبالعلم والشكر تحسن، فإذا استقمت وأحسنت حققت الهدف من وجودك علم الله عز وجل أزلي أبدي و علم الإنسان حادث وطارئ:
الله جلّ جلاله محيط بكل شيء علماً، في الظاهر وفي الباطن، في دقائق الأشياء، وفي جليلها، في أولها، وفي آخرها، في فاتحتها، وفي عاقبتها، ومع ذلك فعلم الله جل جلاله من طبيعة أخرى.
الآن أن مضطر أن أضرب مثلاً للتوضيح وللتقريب، والأمثال نجدها بكثرة في القرآن الكريم:
لو أن رجلاً عبقرياً اخترع آلة فائقة، عظيمة النفع، وجاء من بعده أجيال ودرسوا هذه الآلة، وعرفوا دقائق صنعها، واكتشفوا العلاقات فيما بين أجزائها، واكتشفوا القوانين التي على أساسها بنيت هذه الآلة، علم الجيل اللاحق الذي بحث، ودرس، واستنبط يختلف اختلافاً كلياً عن علم العبقري الذي اخترع الآلة، علم المخترع سبق وجود الآلة، لكن علم الدارس جاء بعد وجود الآلة، وجاء استنباطاً من دقائقها.
هذا المثل ضربه عالم جليل، علم الله سابق للوجود، علم الله أصل للوجود، بينما علم البشر لاحق للوجود، بل هو مكتسب من الوجود، فرق كبير بين علم الله، وبين علم خلقه، علمك أيها الإنسان مستنبط من الوجود، مستنبط من القواعد التي قعدها الله عز وجل، مستنبط من القوانين التي قننها الله عز وجل، مكتسب من الخصائص التي خصصها الله عز وجل، علم الله عز وجل أزلي أبدي، أما علمك حادث وطارئ.
العلم الإلهي سبب وجود الأشياء:
أيها الأخوة، علم الله هو الذي قنن هذه القوانين، هو الذي خصص هذه الأشياء بخصائصها، هو الذي سنن هذه السنن، فرق كبير بين أن تكتشف الخصائص الثابتة في شيء موجود، وبين أن تخلق هذه الخصائص.
من قنن أن البذور لابدّ منها لاستمرار الوجود ؟ لو الله خلق مليار، مليار، مليار، مليار، طن قمح وانتهوا، كيف القمح مستمر إلى قيام الساعة ؟ عن طريق البذور ، فكرة البذور من خلقها ؟ فكرة الزواج والإنجاب من خلقها ؟ نحن نستنبط لكن الله خلق، قنن، قعد القواعد، سنن السنن، قنن القوانين.
لذلك فرق كبير أن توجد شيئاً من العدم، ومن غير مثال سابق، وبين أن تكتشف خصيصة في شيء موجود، من هنا نقول الله عز وجل خلق كل شيء من لا شيء وعلى غير مثال سابق.
بل الإنسان إذا سميناه تجاوزاً، وقد سماه القرآن تجاوزاً خالق، قال الله:
﴿ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾
( سورةالمؤمنون )
فإذ سميناه خالقاً تجاوزاً فهو صنع من كل شيء وعلى مليون مثال سابق ، الغواصة صنعت تقليداً للسمكة، والطائرة صنعت تقليداً للطائر، بل هناك موسوعة علمية تتحدث عن الطيور إن أعظم طائرة صنعها الإنسان لا ترقى إلى مستوى الطائر.
أيها الأخوة، علم البشر لاحق للوجود، كسبي، وعلم الخالق سابق للوجود وسببي، العلم الإلهي سبب وجود الأشياء، تعلق علمه بهذا الشيء، تعلقت إرادته، تعلقت قدرته، فكان هذا الشيء.
(( ما شاءَ اللهُ كانَ، وما لم يشأْ لم يكن ))
[أخرجه أبو داود عن بعض بنات النبي صلى الله عليه وسلم ]
وقف أمام النبي عليه الصلاة والسلام فقال: ما شاء الله وشئت، قال: بئس الخطيب أنت، جعلتني لله نداً، (( ما شاءَ اللهُ كانَ، وما لم يشأْ لم يكن ))
علم الخالق سابق للوجود وسببي وعلم البشر لاحق للوجود وكسبي:
إذاً تعلق علم الله وإرادته، وقدرته بشيء فكان، ما شاء الله كان، بل إن علمه سبب لوجود هذا الشيء، أما علم البشر لاحق للوجود، هناك جبال، هناك أنهار، بحيرات ، عرفنا خصائص المياه، خصائص الهواء، عرفنا خصائص المياه صنعنا الباخرة، من جعل الماء يدفع الأجسام إلى الأعلى ؟ لولا هذا القانون قانون أرخميدس لما كان إبحار في الأرض، ولولا قوانين الهواء، الآن الطائرة تحمل ثمانمئة راكب، مدينة، ما الذي يحملها ؟ الهواء، الإنسان صنع وفق خصائص الماء البواخر، هناك بواخر فيها مليون طن، مدن، كل معلومات الإنسان، وكل علم الإنسان مستنبط من القواعد لتي قعدها الله، ومن القوانين التي قننها الله، ومن السنن التي سنها الله، ومن العلاقات الثابتة التي ثبتها الله، ومن الخصائص التي خص بها الأشياء.
إذاً فرق كبير بين أن تقول الله جل جلاله عليم، وفلان عليم، مع أن الله سمح في قرآنه،
﴿ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ﴾
أيها الأخوة، في لقاء آخر إن شاء الله نتابع هذا البحث.
السعيد
09-02-2018, 01:04 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( التاسع و الستون بعد المائة )
الموضوع : اسم الله - العليم - 2 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى:(العليم):
أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في اسم "العليم".
جسم الإنسان وحده أقرب آية إلينا:
نؤكد اليوم أن الكون كله، والكون ما سوى الله أثر من آثار "العليم"، ولنأخذ في هذا اللقاء جسم الإنسان وحده، لأن الله سبحانه وتعالى يقول:
﴿ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴾
( سورة الذاريات )
إنه أقرب آية إلينا، ويمكن من خلال جسم الإنسان أن تصل إلى ملايين الأدلة القاطعة على علم الله.
أولاً لو أن الواحد منا وضع على طرف أصبعه شيئاً من لعابه، ومسّ ملحاً من دون ضغط، أي ليأخذ طبقة واحدة، وجاء بمكبر، هذه الذرة ذرة الملح تساوي حجم البويضة التي يخلق منها الإنسان، والحوين المنوي أو النطفة أقل حجماً بكثير، واحد من مئة من حجم البويضة، وفي اللقاء الزوجي يخرج من الزوج من ثلاثمئة إلى خمسمئة مليون حوين منوي، وتحتاج البويضة إلى حوين واحد، كيف يدخل هذا الحوين إلى البويضة ؟ في رأس الحوين مادة نبيلة مغلفة بقشرة رقيقة، إذا اصطدم الحوين بالبويضة تتمزق القشرة، والمادة النبيلة تذيب جدار البويضة فيدخل، هذه البويضة تتكاثر إلى عشرة آلاف جزء، دون أن يزيد حجمها، لأنها تسير بقناة فالوب، لو زاد حجمها لامتنع سيرها، قناة دقيقة جداً، ما الذي يحركها ؟ ليس لها أرجل، في أرضية هذه القناة أشعار، تتحرك نحو الرحم، تنتقل هذه البويضة إلى الرحم، قال تعالى:
﴿ أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ ﴾
( سورة الطور )
إعجاز الله عز وجل في خلق الإنسان:
ذرة كذرة الملح ملقحة بحوين لا يرى بالعين، بعد تسعة أشهر طفل، له رأس ، وجمجمة، ودماغ، وشعر، وعينان، وأذنان، وأنف، وشفتان، ولسان، ويدان، ومفاصل، وعظام عضلات، وجلد، وقلب، وشرايين، وأوردة، ومعدة، وأمعاء، وكليتان، وكبد، وبنكرياس، ما هذا ؟!.
﴿ أَإلَهٌ مَعَ اللَّهِ ﴾
( سورة النمل الآية: 61 )
﴿ هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ ﴾
( سورة لقمان الآية: 11 )
ملامح من علم الله في خلق الإنسان تتجلى بـ:
1 ـ الشعر:
شعر الإنسان ثلاثمئة ألف شعرة، لكل شعرة وريد، وشريان، وعضلة، وعصب، وغدة دهنية، وغدة صبغية، ولحكمة بالغةٍ بالغة ليس في الشعر أعصاب حس، هناك أعصاب حركة، ولو كان في الشعر أعصاب حس لاضطررت كل أسبوع أن تجري عملية في المستشفى اسمها عملية الحلاقة، تحتاج إلى تخدير كامل.
2 ـ الدماغ:
الدماغ يحوي مئة و أربعين مليار خلية سمراء استنادية لم تعرف وظيفتها بعد، مغطى بأربعة عشر ملياراً من الخلايا القشرية، في الدماغ المحاكمة، في الدماغ الذاكرة، في الدماغ مركز الرؤية، مركز السمع، أي قشرة الدماغ أعقد ما في الكون، ولا يزال الدماغ عاجز عن فهم ذاته، ولم يستخدم معظم العباقرة من إمكانات الدماغ واحد بالمئة.
بالمناسبة أنت أيها الإنسان كل خمس سنوات تتبدل تبدلاً كاملاً، جلدك يتبدل ، شعرك يتبدل، عظامك تتبدل، عضلاتك تتبدل، أي شيء في الجسم يتبدل كل خمس سنوات، لأن أطول عمر خلية في الإنسان الخلية العظمية عمرها خمس سنوات، وأقل خلية عمراً خلايا بطانة الأمعاء، عمر الخلية 48 ساعة، أي كل 48 ساعة تتبدل خلايا بطانة الأمعاء، ولحكمة بالغةٍ بالغةٍ بالغة الدماغ لا يتبدل، لو تبدل الدماغ لخسرت اختصاصك، وخبراتك، ومعارفك، وطاقاتك، كل شيء يتبدل في الدماغ، أسماء أولادك بالدماغ، الدماغ ثابت ، والقلب ثابت، وله بحث رائع.
3 ـ العين:
العين، القرنية طبقة شفافة شفافية تامة، ما السر ؟ أن القرنية وحدها من بين كل خلايا الجسم تتغذى بطريقة خاصة، لو غُذيت بالطريقة العامة طريقة الأوعية لرأيت ضمن شبكة، القرنية وحدها تتغذى عن طريق الحلول، أي أن الخلية الأولى تأخذ غذاءها وغذاء جارتها، والغذاء يتسرب عبر الغشاء الخلوي، لولا هذا الاستثناء لما رأيت رؤية شفافة تماماً.
أيها الأخوة، أودع الله في ماء العين مادة مضادة للتجمد، الشبكية لا يزيد حجمها عن ميلي وربع، في أعلى آلة تصوير رقمية في بالميلي متر مربع عشرة آلاف مستقبل ضوئي، بينما في الميلي متر مربع بالشبكية مئة مليون مستقبل ضوئي، من أجل أن ترى رؤية دقيقة، فالعين البشرية تفرق بين ثمانية ملايين لون، ولو درجنا اللون ثمانمئة ألف درجة لاستطاعت العين السليمة أن تفرق بين درجتين.
﴿ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾
( سورة النمل الآية: 88 )
﴿ أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ ﴾
4 ـ الأذن:
أيها الأخوة، من منا يصدق أن في دماغه جهازاً بالغ التعقيد يكشف لك جهة الصوت ؟ فأنت إذا كنت تمشي في الطريق، وأطلقت مركبة من ورائك البوق، المركبة هنا دخل الصوت "صوت البوق" إلى هذه الأذن قبل هذه الأذن، هنا المركبة، فإن كانت هنا دخلت إلى هذه الأذن قبل هذه الأذن، هذا الجهاز يحسب تفاضل الصوتين ويكتشف جهة الصوت، تفاضل كم ؟ واحد على ألف وستمئة وعشرين جزءاً من الثانية، ببساطة ما بعدها بساطة يطلق قائد المركبة البوق يدخل الصوت إلى هذه قبل هذه، بفاصل واحد على ألف وستمئة وعشرين جزءاً من الثانية فتكتشف أن المركبة عن يمينه، يأتي أمر من الدماغ إلى الرجلين تنحرف نحو اليسار
﴿ أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ ﴾
5 ـ العصب الشمي:
العصب الشمي يتفرع إلى عشرين مليون عصب، وفي كل عصب سبعة أهداب، هذه الأهداب مغمسة بمادة تتفاعل مع الرائحة، من تفاعل المادة مع الرائحة يتشكل شكلاً هندسياً، هو رمز هذه الرائحة، هذا الشكل ينتقل إلى الدماغ، إلى الذاكرة الشمية، يوجد بالذاكرة الشمية عشرة آلاف بند، يعرض هذا الرمز على هذه البنود بنداً بنداً حيثما كان التطابق اكتشفت أن في بالطعام نعنع مثلاً، من خلال الرائحة،
﴿ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾
﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾
( سورة فاطر الآية: 28 )
6 ـ اللعاب:
أيها الأخوة، وأنت نائم غارق في النوم، يجتمع اللعاب في فمك، تذهب رسالة إلى الدماغ، زاد اللعاب في الفم، يأتي أمر من الدماغ وأنت غارق في النوم، يأمر لسان المزمار يغلق فتحة التنفس، ويفتح فتحة المريء، فتبلع لعابك، وأنت نائم، هذه الآلية من صممها ؟.
7 ـ الهيكل العظمي:
وأنت نائم وغارق في النوم هيكلك العظمي فوقه عضلات، وتحته عضلات، وزن الهيكل العظمي مع العضلات التي فوقه تضغط على ما تحته، تحته يوجد عضلات وفيها أوعية دموية، الأوعية تنضغط تضيق لمعتها، الإنسان وهو يقظ يشعر بالتنميل، ثم يفقد الحس، إذا إنسان جلس بالمسجد لفترة طويلة بوضعية ثابتة، بعد ذلك يفقد الحس برجله، و سبب ذلك أن التروية ضعفت، وأنت نائم، غارق في النوم الأوعية ضُغطت، ضاقت لمعتها، قلت التروية، تذهب رسالة إلى الدماغ، هناك مراكز إحساس بالضغط، يأتي الأمر تقلب، بعد ربع ساعة يأتي أمر معاكس تقلب، الله عز وجل قال:
﴿ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ ﴾
( سورة الكهف الآية: 18 )
هذا التقلب لولاه لما أمكن أن تنام، لو أن التقلب بجهة واحدة مشكلة، تنام على السرير بعد حين تجد نفسك على الأرض، لكن: ﴿ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ ﴾
نعمة التقلب هل نعرفها ؟ الذي يصاب بالثبات ولا يقلبه أهله لحمه يتسلخ، الآن في أسرة تقلب المريض تقلباً آلياً، نعمة التقلب، نعمة إرسال اللعاب إلى المريء، هذه نعم لا نعرفها إلا إذا فقدناها. 8 ـ الغدة النخامية:
أيها الأخوة، تمشي في بستان، رأيت ثعباناً، ما الذي يحصل ؟ الذي يحصل أن صورة الثعبان تنطبع على شبكية العين إحساساً، الصورة بالشبكية لا تقرأ، لا يوجد ملفات للثعبان حتى تقرأ من خلالها، تنتقل الصورة إلى الدماغ، إلى مركز الرؤية، في مركز الرؤية تقرأ الصورة في ضوء ملفات الثعبان من أين جاءت هذه الملفات ؟ من الدراسة، من قصص سمعتها، من مشاهدات شاهدتها، تتجمع هذه في ملف واحد أو مجلد واحد هو الثعبان، في ضوء هذه الملفات تقرأ هذه الصورة.
والدماغ يدرك الخطر، هناك خطر، الدماغ ملك الجهاز العصبي، له زميلة اسمها الغدة النخامية، ملكة الجهاز الهرموني، هذه الغدة أوامرها هرمونية، بينما الدماغ أوامره كهربائية، يلتمس الدماغ وهو ملك الجهاز العصبي من الغدة النخامية وهي ملكة الجهاز الهرموني أن تواجه هذه الملكة الخطر، هذه الملكة عندها وزير داخلية اسمه الكظر تأمره أن يواجه الخطر، الكظر يرسل أمراً إلى القلب، يرتفع النبض إلى مئة و ثمانين نبضة، الخائف لو قاس نبضه لوجده مئة و ثمانين، الكظر يرسل أمراً آخر إلى الرئتين يرتفع وجيبهما، الخائف يلهث، الكظر يصدر أمراً ثالثاً إلى الأوعية الدموية المحيطة بالجلد تضيق لمعتها، ليتوافر الدم إلى العضلات، بدل الجلد، فالخائف لا يحتاج إلى لون وردي يحتاج إلى أن ينجو، فالخائف يصفر لونه.
أمر رابع إلى الكبد يطلق كمية سكر إضافية، فلو فحصنا دم الخائف لكان السكر فيه مرتفعاً.
أمر خامس إلى الكبد يفرز هرمون التجلط، هذا يتم في ثوانٍ معدودة، الخائف يزداد نبض قلبه، ووجيبه رئتيه، ويصفر لونه، ويزداد السكر في دمه، ويصبح دمه لزجاً، لذلك الخوف الشديد يسبب جلطة أحياناً، من أين تأتي الجلطة ؟ لأنه يوجد توازن دقيق، يفرز الجسم هرموناً يميع الدم وهرموناً آخر يجلطه، ومن التوازن الدقيق بين إفراز الهرمونين يحافظ الدم على مستوى من السيولة و التجلط.
9 ـ المشيمة و الغشاء العاقل:
الآن هذه المرأة حامل عقب الولادة ينزل مع الجنين قرص لحمي، اسمه المشيمة، هذا القرص تجتمع فيه دورة دم الأم مع دورة دم الجنين، ودم الجنين زمرة، ودم الأم زمرة، ولا يختلطان، فلو اختلطا لماتت الأم والجنين معاً كيف لا يختلطان ؟ قال: بينهما غشاء، هذا الغشاء يقوم بأعمال يعجز عنها أطباء الأرض مجتمعين، سماه الأطباء الغشاء العاقل، ماذا يفعل ؟ يأخذ من دم الأم الأوكسجين يضعه في دم الجنين، يأخذ من دم الأم السكر يضعه في دم الجنين، يأخذ من دم الأم الأنسولين يضعه في دم الجنين، قام بدور جهاز الهضم، وجهاز التنفس، والبنكرياس، توافر للجنين الأوكسجين، والسكر، والأنسولين، يحترق السكر بالأوكسجين عن طريق الأنسولين، تتولد الطاقة، الجنين حرارته 37، من أين جاءت هذه الحرارة ؟ من هذا الاحتراق، هناك فضلات ؛ الفضلات ثاني أكسيد الكربون، ثاني أوكسيد الكربون يأخذه الغشاء العاقل من دم الجنين ويطرحه في دم الأم، فجزء من نفس الأم هو نفس جنينها، الغشاء العاقل يأخذ عوامل المناعة من الأم يضعها في دم الجنين، فجميع الأمراض التي أصيبت بها الأم الجنين محصن أن يصاب بها، الغشاء العاقل يقيم حجراً صحياً، فكل السموم التي تصل إلى دم الأم يمنع الغشاء العاقل وصولها إلى دم الجنين، لو أن الأم لا سمح الله تسممت بمادة غذائية هذا السم لا ينتقل إلى دم الجنين.
يد من ؟ حكمة من ؟ قدرة من ؟ علم من ؟.
الغشاء العاقل من آيات الله الدالة على عظمته:
الآن أخطر مهمة أن هذا الغشاء العاقل يعلم بالضبط ما يحتاجه من مواد ، البروتين، والمواد الدسمة، والسكريات، والنشويات، والمعادن، وأشباه المعادن، وغيرهم، و مئات الأنواع من الأغذية يحتاجها الجنين، الغشاء العاقل يعرف هذه الأغذية، والمقدار الدقيق والذي يتبدل كل ساعة بحسب نمو الجنين، ويقوم بتنفيذها، وهذه أعقد مهمة للغشاء العاقل، يأخذ الغذاء من دم الأم، السكريات، الشحوم، البروتين، المعادن، أشباه المعادن ، يأخذها بكميات مدروسة تناسب حاجة الجنين، وتتبدل هذه الكميات كل ساعة، وينفذ هذه المهمة ويطرح هذه المواد في دم الجنين، يحدث الآن ما يسمى بالاستقلاب، تحول الغذاء إلى نسج، ينمو الجنين، تنمو عظامه، ينمو جلده، تنمو عضلاته، ينمو دماغه، هذا النمو سببه المواد الغذائية التي أتت من دم الأم إلى دم الجنين، هذا الاستقلاب ينتهي بنواتج هذه النواتج حمض البول، يأتي الغشاء العاقل يأخذ حمض البول من دم الجنين، يضعه في دم الأم، الغشاء العاقل أحياناً هناك نقص بغذاء الأم، كيف يُعلم هذا الغشاء الأم أن تأكل هذه المادة ؟ تشتهي الأم في أثناء الحمل بعض الأكلات، هذه الأكلات تقابل حاجة الجنين إلى هذه المادة، صنع من ؟ قدرة من ؟ حكمة من ؟.
10 ـ الطحال:
أيها الأخوة، الطحال: الطحال مقبرة للكريات الدم الحمراء، تحلل هذه الكريات الميتة، يؤخذ الحديد منها، يعاد إرساله إلى معامل كريات الدم الحمراء في نقي العظام، والمادة الثانية الهيموكلوبين يذهب إلى الكبد ليشكل الصفراء.
11 ـ تقلص الرحم و انقباضه:
شيء رائع جداً، الرحم يتقلص قبل الولادة تقلصاً خفيفاً متزامناً لطيفاً، حتى يخرج الجنين من الرحم، فإذا خرج تقلص الرحم تقلصاً حاداً وقوياً حتى يغلق آلاف الأوعية الدموية التي انقطعت، لو انعكس التقلص العنيف قبل الولادة، واللطيف بعد الولادة لماتت الأم وجنينها.
﴿ ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ﴾
( سورة عبس )
12 ـ الثقب بين الأذنين:
بين الأذنين ثقب، والطفل في رحم أمه الدم ينتقل مباشرة من أذين إلى أذين وطريق الرئتين مغلق، لأنه لا يوجد هواء، بعد الولادة يفتح الطريق، تأتي جلطة تغلق هذا الثقب.
13 ـ طحال المولود فيه كمية حديد تكفيه سنتين إلى أن يأكل:
أيها الأخوة، حليب الأم لا يوجد به حديد، أودع الله في طحال الطفل كمية حديد تكفيه سنتين حتى يأكل الطعام.
هذه أيها الأخوة، ملامح من علم الله في خلق الإنسان فإذا قرأت أن الله عليم الكون كله، والمخلوقات كلها أثر من آثار علم الله.
السعيد
09-02-2018, 01:07 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( السبعون بعد المائة )
الموضوع : اسم الله - الكريم - 1 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى:(الكريم):
أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى والاسم اليوم "الكريم".
ورود اسم الكريم في القرآن الكريم:
سمّى الله جلّ جلاله ذاته العلية باسم "الكريم"، حيث ورد هذا الاسم في كثير من نصوص القرآن الكريم، ومن نصوص السنة النبوية الصحيحة، كما في قوله تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ ﴾
( سورة الانفطار )
عدم نجاح الخطاب الديني إلا إذا اتجه إلى قلب الإنسان وعقله معاً:
من أدق هذه الآيات أن الله في آية واحدة خاطب قلب الإنسان وعقله، ولا ينجح الخطاب الديني إلا إذا اتجه إلى قلب الإنسان وإلى عقله معاً، فالإنسان عقل يدرك، وقلب يحب، وجسم يتحرك، غذاء العقل العلم، وغذاء القلب الحب، وغذاء الجسم الطعام والشراب، فإذا لُبيت حاجات الإنسان كلها تفوق، أما إذا لبى حاجة ولم يلبِ الأخرى تطرف وفرق كبير بين التفوق وبين التطرف.
﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ﴾
يتجه إلى قلبه ﴿ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ ﴾
﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾
( سورة التين )
﴿ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾
( سورة النمل الآية: 88 )
اقتران اسم الكريم باسم الغني:
أيها الأخوة، اقترن اسم "الكريم" باسم الغني، في قوله تعالى:
﴿ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ ﴾
( سورة النمل )
في عالم البشر قد تجد الغني شحيحاً، الغني بخيلاً، يمسك، الآية الكريمة:
﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً ﴾
( سورة المعارج )
لا ينفق، لكن الله جل جلاله غني كريم، قد تجد إنساناً كريماً لكنه فقير، وقد تجد إنساناً غنياً لكنه بخيل، فأن يجتمع الغنى مع الكرم هذا من أرقى الصفات ﴿ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ ﴾
ورود اسم الكريم في السنة النبوية الشريفة:
هذا في القرآن فماذا في السنة ؟ من حديث علي رضي الله عنه أنه قال:
(( قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا علي ألا أعلمك كلمات إن قلتهن غفر الله لك، قال قل: لا إله إلا الله العلي العظيم، لا إله إلا الله الحليم الكريم، لا إله إلا الله سبحان الله رب العرش العظيم ))
[ الترمذي عن علي]
و:
(( إن ربكم تبارك وتعالى حييّ كريم يستحي أن يرفع العبد يديه فيردهما صفراً ))
[ الطبراني في الكبير من حديث ابن عمر مرفوعاً]
الدعاء مخ العبادة:
لذلك قال تعالى:
﴿ قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً ﴾
( سورة الفرقان )
الدعاء هو العبادة، الدعاء مخ العبادة، لأن الذي يدعو الله عز وجل مؤمن بوجوه، ومؤمن بأنه يسمعه، ومؤمن بأنه قدير على إجابته، ومؤمن بأنه يحبه، فإذا آمنت أن الله موجود، وسميع عليم، وعلى كل شيء قدير، وأنه أرحم الراحمين، فهذا أعلى درجات الإيمان.
لذلك إن الله يحب الملحين بالدعاء، إن الله يحب من عبده أن يسأله شسع نعله إذا انقطع، إن الله يحب من عبده أن يسأله ملح طعامه، إن الله يحب من عبده أن يسأله حاجته كلها.
الدعاء هو العبادة، وإذا قال الله عز وجل:
﴿ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ ﴾
( سورة المعارج )
﴿ دَائِمُونَ ﴾
بالدعاء، فالدعاء الذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم السيدة عائشة أن تدعو به ليلة القدر:
(( اللهم إنك عَفُوٌّ كَرِيمٌ تُحِبُ الْعَفْوَ فاعْفُ عَنِّي يا كَريّم ))
[أخرجه الترمذي عن عائشة أم المؤمنين يا كَريّم ]
من أكثر الأدعية التي كان النبي عليه الصلاة والسلام يدعو بها.
(( اللهم إنك عَفُوٌّ كَرِيمٌ تُحِبُ الْعَفْوَ فاعْفُ عَنِّي يا كَريّم ))
[أخرجه الترمذي عن عائشة أم المؤمنين يا كَريّم ]
هذه النصوص التي وردت في القرآن والسنة، وقد جاء بها اسم "الكريم".
الكريم في اللغة:
أيها الأخوة، على المستوى اللغوي، "الكريم" صفة مشبهة باسم الفاعل، لمن اتصف بالكرم، من اتصف بالكرم يسمى كريماً، والكرم نقيض اللؤم، لعل فضائل كثيرة جمعت في الكرم، ولعل نقائص كثيرة جمعت في اللؤم، الكرم نقيض اللؤم، في اللغة يكون الكرم في الرجل، ويكون الكرم في الخيل، وفي الإبل، وفي الشجر، وغيرها.
الفعل كرُم الرجل كرماً وكرامة، كرُم، كرماً، وكرامة، فهو كريم، والمرأة كريمة، كريمة فلان ابنته وجمع الكريم كرماء.
والكريم في اللغة هو الشيء الحسن، أحجار كريمة، الشيء النفيس، الشيء الواسع، الإنسان السخي، والفرق بين الكريم وبين السخي أن الكريم كثير الإحسان من دون سؤال، وأن السخي كثير الإحسان عند السؤال، السخي إذا سُئل، أما الكريم أرقى من السخي، يعطي قبل أن يسأل.
والكرم السعة، والعظمة، والشرف، والعزة، والسخاء عند العطاء.
الناس رجلان:
الناس رجلان:
(( الْمؤمِنُ غِرّ كريم، والفاجر خَبّ لئيم ))
[ الترمذي عن أبي هريرة]
المؤمن على الفطرة، نفسه طاهرة، يصدق ما يقال له، يحسن الظن بالآخرين، غرّ، كريم هذه صفة مدح، والفاجر خَبٌ، وهناك ضبط آخر خِبٌ لئيم.
(( الْمؤمِنُ غِرّ كريم، والفاجر خَبّ لئيم ))
[ الترمذي عن أبي هريرة]
لكن أروع ما قال سيدنا عمر عن نفسه قال:
" لست بالخِب ولا الخُِب يخدعني ".
يعني لست من السذاجة بحيث أُخدع، ولا من الخبث بحيث أًخدع، لا أُخدع ولا أًخدع، كلام دقيق.
شخص وجد لوزة في موسم الحج أثناء الطواف، فملأ من حوله صياحاً، من صاحب هذه اللوزة، فكان سيدنا عمر أمامه، غضب وقال: كلها يا صاحب الورع الكاذب كلها وخلصنا.
إنسان سأل سيدنا علي، قال له: بمَ انصاع الناس بأبي بكر وعمر، ولم ينصاعوا لك ؟ يريد أن يقلل من شأنه، قال له: لأن أصحابهم أمثالي، وأصحابي أمثالك.
" لست بالخِب ولا الخِبُ يخدعني ".
لست من الخبث بحيث أَخدع، ولا من السذاجة بحيث أُخدع، هذا الموقف الكامل هذا في اللغة. من معاني الكريم:
1 – الله عز وجل واسع بذاته و صفاته و أفعاله:
أما إذا قلنا الله كريم موضوع آخر، الله سبحانه وتعالى هو "الكريم" الواسع بذاته، وصفاته، وأفعاله.
لأنكم كما تعلمون هناك أسماء ذات، وأسماء صفات، وأسماء أفعال، من سعته أنه:
﴿ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ﴾
( سورة البقرة الآية: 255 )
والسماوات والأرض مصطلح قرآني يعني الكون، والكون ما سوى الله، قال تعالى:
﴿ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ﴾
( سورة البقرة )
2 ـ الذي له المجد والعزة، والرفعة والعظمة، والعلو والكمال:
وصف عرشه بأنه كريم، فقال تعالى:
﴿ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ ﴾
( سورة المؤمنون )
وهو "الكريم" الذي له المجد والعزة، "الكريم" عزيز الذي له المجد والعزة، والرفعة والعظمة، والعلو والكمال، فلا سميّ له، معنى سميّ: مثلاً فلان سميّ فلان، أي اسم فلان كاسم فلان، أو السميّ هو الند، المثيل، الله عز وجل لا سميّ له، لا ند له، لا شريك له، لا مثيل له، كما قال رب السماوات والأرض:
﴿ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً ﴾
( سورة مريم )
هل تعلم له مثيلاً، مشابهاً ؟ مفهومات العبادة:
﴿ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ ﴾
والعبادة كما تعلمون هي طاعة طوعية، ممزوجة بمحبة قلبية، أساسها معرفة يقينية، تفضي إلى سعادة أبدية، بل إن العبادة علة وجودنا قوله تعالى:
﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾
( سورة الذاريات )
1 – عبادةُ الهوية:
هناك عبادة الهوية، من أنت ؟ أنت غني ؟ عبادتك الأولى إنفاق المال، من أنت ؟ أنت قوي ؟ عبادتك الأولى إحقاق الحق، وإنصاف المظلوم، من أنت ؟ أنت عالم ؟ عبادتك الأولى تعليم العلم.
﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ ﴾
( سورة الأحزاب الآية: 39 )
من أنتِ ؟ أنتِ امرأة ؟ العبادة الأولى رعاية الزوج والأولاد.
(( انصرفي أيتها المرأة، وأعلمي من وراءك من النساء أن حسن تبعل إحداكن لزوجها وطلبها مرضاته واتباعها موافقته يعدل ذلك كله ـ أي يعدل الجهاد في سبيل الله ))
[أخرجه ابن عساكر وأخرجه البيهقى فى شعب الإيمان عن أسماء بنت يزيد الأنصارية]
هذه عبادة الهوية. 2 ـ عبادة الظرف:
وهناك عبادة الظرف، عندك أب مريض ؟ العبادة الأولى رعايته، عندك ضيف ؟ العبادة الأولى إكرامه، عندك ابن عنده امتحان ؟ العبادة الأولى تهيئة جو مناسب لدراسته.
3 – عبادةُ الوقت:
عناد عبادة الوقت، وقت الفجر وقت عبادة، وقت صلاة، وقت قرآن، وقت طاعة، في النهار وقت عمل.
رأى النبي الكريم شاباً يتعبد الله في وقت العمل، سأله من يطعمك ؟ قال: أخي قال: أخوك أعبد منك، إن لله عملاً في الليل لا يقبله في النهار، وإن لله عملاً في النهار لا يقبله في الليل.
فلذلك:
(( ولو علموا ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبواً ))
[أخرجه البخاري وابن خزيمة عن أبي هريرة ]
(( من صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله حتى يمسي، ومن صلى العشاء في جماعة فهو في ذمة الله حتى يصبح ))
[ ورد في الأثر]
3 ـ الذي كرم الإنسان عندما حمل الأمانة:
"الكريم" هو الذي كرّم الإنسان عندما حمل الأمانة، "الكريم" الذي كرمه وشرفه، واستخلفه في الأرض، واستأمنه في ملكه، وفضله على كثير من خلقه، قال تعالى:
﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ﴾
( سورة الإسراء الآية: 70 )
لأنه قَبِل حمل الأمانة:
﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ﴾
( سورة الإسراء )
الإنسان هو المخلوق الأول رتبة:
بالمناسبة أيها الأخوة، الإنسان هو المخلوق الأول رتبة، لقوله تعالى:
﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ ﴾
( سورة الأحزاب الآية: 72 )
والإنسان هو المخلوق المكرم ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ﴾
والإنسان هو المخلوق المكلف ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾
مخلوق أول، ومخلوق مكلف، ومخلوق مكرم، ومن عرف نفسه عرف ربه. 4 ـ الذي بشر عباده المؤمنين بالأجر الكريم الواسع و المغفرة الواسعة:
و "الكريم" هو الذي بشر عباده المؤمنين بالأجر الكريم الواسع، والمغفرة الواسعة.
﴿ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ ﴾
( سورة النجم الآية: 32 )
الرزق الواسع:
﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ﴾
( سورة الأعراف الآية: 96 )
﴿ وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً ﴾
( سورة الجن )
لذلك قد يحرم المرء بعض الرزق بالمعصية، وأنا أقول كلما قلّ ماء الحياء قلّ ماء السماء، وكلما رخص لحم النساء غلى لحم الضأن.
إذاً "الكريم" هو الذي بشر عباده المؤمنين بالأجر الكريم الواسع، والمغفرة الواسعة والرزق الواسع، قال تعالى:
﴿ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾
( سورة الأنفال )
في رزق حلال، تكسب المال وأنت مطمئن، وتنفقه وأنت مطمئن. 5 ـ الجواد المعطي الذي لا ينفذ عطاؤه ولا ينقطع سخاؤه:
و "الكريم" هو الجواد المعطي، الذي لا ينفذ عطاؤه، ولا ينقطع سخاؤه، الذي يعطي ما يشاء لمن يشاء، إذا أعطى أدهش، وكيف يشاء، بسؤال وبغير سؤال، هو الذي لا يمنّ إذا أعطى، فيكبر العطية بالمن.
لذلك الإنسان أحياناً يتمنى العطاء من الله مباشرة، الإنسان أحياناً إذا أعطاك من حين لآخر يذكرك، إن شاء الله هذا البيت مرتاح فيه ؟ إذا قدم لك هدية، على الاستعمال جيدة إن شاء الله ؟ دائماً الإنسان يمن، الله عز وجل كريم من دون أن يمن على المعطي.
هو سبحانه يعفو عن الذنوب، لأنه كريم، ويستر العيوب، ويجازي المؤمنين بفضله، ويجازي المعرضين بعدله.
6 ـ الكريم الذي يكرم:
و "الكريم" هو الذي يكرم، كريم أي يكرم، فعند البخاري من حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه أن أم العلاء رضي الله عنها قالت عند موت عثمان بن مظعون قالت:
(( رحمة الله عليك أبا السائب، فشهادتي عليك: لقد أكرمك الله ـ هذا كلام قالته لزوجها بحضرة النبي، فلو سكت النبي لكان كلامها صحيحاً، لأن سنة النبي الكريم أقواله، وأفعاله، وإقراره، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وما يدريك أن الله أكرمَهُ ؟ ـ هذا سماه العلماء تألٍ على الله، ـ فقلت: بأبي أنت وأُمِّي يا رسول الله، فمن يكرمه الله ؟ فقال: أمّا هو فقد جاءه اليقين ـ كلام علمي ـ أمّا هو فقد جاءه اليقين والله إِني لأرجو له الخير ))
كل إنسان من الأدب مع الله عز وجل ألا يحكم حكماً جازماً :
قل أرجو، لا تقل لقد أكرمك الله، من أنت حتى تحكم حكماً جازماً على المستقبل.
(( والله ما أدري - وأنا رسول الله - ما يُفعَلُ بي ولا بكم ))
[البخاري عن زيد بن ثابت ]
هذا الأدب، نحن على الرجاء نرجو رحمة الله، لكن قطعاً فلان من أهل الجنة من أنت ؟ فقالت بعد كلام النبي:
(( فوالله لا أُزَكِّي أحداً بعده أبداً ))
[البخاري عن زيد بن ثابت ]
سيدنا الصديق لما استخلف سيدنا عمر لامه بعض أصحابه أنه شديد قال: أتخوفونني بالله ؟ لو أن الله سألني يوم القيامة لمَ وليته ؟ أقول يا رب وليت عليهم أرحمهم، هذا علمي به، فإن بدل وغير فلا علم لي بالغيب، في أدب، قل والله أعلم، قل أظنه صالحاً ولا أزكي على الله أحداً، هذا كلام المؤمن.
من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان يدعو به إذا دخل المسجد يقول:
(( أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسُلطَانِهِ القديم، من الشيطان الرجيم قال: قد قلتَ ؟ قال: نعم، قال: فإذا قال ذلك قال الشيطان: حُفِظَ مني سائرَ اليوم ))
[أخرجه أبو داود عن عبد الله بن عمرو بن العاص ]
وسمع أحد الصحابة الكرام النبي الكريم يدعو لأحد أصحابه الذي توفاه الله قال:
(( اللهم اغفِر له وارْحَمْه، وعافِهِ واعفُ عنه، وأكْرِم نُزُلَهُ، ووسِّعْ مَدْخَلَه ))
[أخرجه مسلم والترمذي والنسائي عن عوف بن مالك ]
أحد علماء دمشق قبل حين أين توفي ؟ وهو في المسجد يستمع إلى خطبة الجمعة.
(( وعافِهِ واعفُ عنه، وأكْرِم نُزُلَهُ، ووسِّعْ مَدْخَلَه، واغسله بالماء والثلج والبَرَد، ونَقِّه من الخَطَايا كما يُنَقَّي الثَّوبُ الأبْيَضُ من الدَّنَس ))
[أخرجه مسلم والترمذي والنسائي عن عوف بن مالك ]
أي عمل صالح تجاه أي مخلوق يعد قرضاً لله عز وجل:
الآن أي عمل صالح تجاه أي مخلوق، بشر أو غير بشر، تجاه أي حيوان، تجاه النبات، أي عمل صالح تجاه أي مخلوق يعد قرضاً لله عز وجل، الله عز وجل يقول:
﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ ﴾
( سورة الحديد )
لذلك ننتهي من القسم الأول من اسم "الكريم" بأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
(( إِذَا أَتَاكُمْ كَرِيمُ قَوْمٍ فَأَكْرِمُوهُ ))
السعيد
09-02-2018, 01:10 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الحادى و السبعون بعد المائة )
الموضوع : اسم الله - الكريم - 2 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى:(الكريم):
أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في اسم "الكريم".
ورود اسم الكريم بصيغة الصفة المشبهة باسم الفاعل و صيغة اسم التفضيل:
كما أن هذا الاسم العظيم ورد بصيغة الصفة المشبهة باسم الفاعل، "الكريم" على وزن فعيل، ورد هذا الاسم أيضاً بصيغة اسم التفضيل، كما في قوله تعالى بسم الله الرحمن الرحيم:
﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ *عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾
( سورة العلق )
ارتباط طلب العلم بالإيمان:
أيها الأخوة، أول كلمة في أول آية في أول سورة نزلت على قلب سيدنا محمد كلمة:
﴿ اقْرَأْ ﴾
أي اطلب العلم، لبِّ الحاجة العليا فيك، الله عز وجل كرم الإنسان بأن منحه قوة إدراكية، وما لم تلبَ هذه القوة الإدراكية لطلب العلم هبط الإنسان عن مستوى إنسانيته، إلى مستوىً لا يليق به.
﴿ اقْرَأْ ﴾
ينبغي أن يكون طلب العلم مرتبطاً بالإيمان. أنواع القراءات أربعة منها:
1 ـ قراءة البحث والإيمان:
﴿ اقْرَأْ ﴾
من أجل أن تؤمن، هذه القراءة سماها العلماء قراءة البحث والإيمان ﴿ اقْرَأْ ﴾
من أجل أن تؤمن ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴾
وأقرب آية لك نفسك التي بين جنبيك ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ ﴾
2 ـ قراءة الشكر والعرفان:
أما القراءة الثانية:
﴿ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ﴾
منحك نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، ونعمة الهدى والرشاد.
إذاً القراءة الثانية: قراءة الشكر والعرفان ﴿ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ﴾
3 ـ قراءة الوحي والإذعان:
أما القراءة الثالثة: قراءة الوحي والإذعان ﴿ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾
كل شيء عجز عقلك عن إدراكه أخبرك الله به. 4 ـ قراءة العدوان والطغيان:
إذاً أول قراءةٍ قراءةُ البحث والإيمان، والقراءة الثانية قراءة الشكر والعرفان، والقراءة الثالثة قراءة الوحي والإذعان، ونعود بالله من قراءة رابعة:
﴿ كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى ﴾
بالعلم.
﴿ أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى ﴾
( سورة العلق )
إذا قوي الإنسان من أجل أن يسيطر على ما عند الآخرين، يخترع أسلحة جرثومية تارةً، وأسلحة كيماوية تارةً أخرى، والقنابل العنقودية، والقنابل الحارقة والخارقة، والقنابل الانشطارية، والقنابل الذرية، قنابل تفني البشر وتبقي الحجر، ﴿ كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى ﴾
الحق عند الغرب ينبع من القوة فقط :
الإنسان أحياناً يطغى بالعلم، يستخدم العلم لإبادة البشر، يستخدم العلم للسيطرة على مقدرات البشر.
إذاً قراءة البحث والإيمان، قراءة الشكر والعرفان، قراءة الوحي والإذعان ، وقراءة العدوان والطغيان، القراءات الثلاثة الأولى لابدّ من أن تكون، أما القراءة الرابعة نعوذ بالله من أن تكون، لكن عند أهل الغرب أنت قوي إذاً أنت على حق، أما عند أهل الإيمان القوة تنبع من الحق لا الحق ينبع من القوة، لكن الحق يحتاج إلى قوة.
(( المؤمن القويُّ خيْر وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف ))
[أخرجه مسلم عن أبي هريرة ]
المعاني اللغوية لكلمة كريم:
لو رجعنا قليلاً للمعاني اللغوية لكلمة كريم، الحقيقة أن كلمة كريم كل صفة محمودة تسمى كرماً، كلمة جامعة مانعة، فالحلم كرم، والسخاء كرم، واللطف كرم ، والصبر كرم، والمروءة كرم، صفة جامعة لمجموعة كبيرة من الصفات الحسنة، بينما الصفات الخسيسة من جبن، إلى بخل، إلى حقد، تجتمع الصفات الخسيسة بكلمة لؤم.
فكلمة كرم تعني مجموعة كبيرة من الصفات الحسنة، وكلمة لؤم تعني مجموعة كبيرة من الصفات الخسيسة، هذه واحدة.
أنواع الكرم:
1 ـ كرم النسب:
هناك كرم النسب، من هو الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ؟ إنه سيدنا يوسف، قال عليه الصلاة والسلام:
(( عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل: من أكرم الناس ؟ قال: يوسف ))
[أخرجه الطبراني عن عبد الله بن مسعود ]
2 ـ كرم الصورة:
هناك كرم الصورة، قال تعالى:
﴿ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَراً إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ ﴾
( سورة يوسف الآية: 31 )
كرم الصورة. 3 ـ كرم المنفعة:
وهناك كرم المنفعة، الكريم الشيء الذي تكثر منافعه.
﴿ قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ ﴾
( سورة النمل )
هناك نفع كبير. 4 ـ كرم الكتاب:
وهناك كرم الكتاب، نقول كتاب كريم، كله منافع، كله فوائد ، كله حقائق، كله توجيهات صائبة، كله خيرات، كله بركات، إذاً نقول القرآن الكريم.
﴿ لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ﴾
( سورة فصلت الآية: 42 )
ليس فيه خلل، وليس فيه تناقض، وليس فيه مخالفة للواقع، ولا ضعف في الأسلوب، ولا غثاثة في المضمون، ليس فيه معالجة سريعة، ولا معالجة متناقضة، قرآن كريم خلا من كل شائبة.
أيها الأخوة، الكمال المطلق في القرآن الكريم، وفضل كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه. 5 ـ كرم المخلوقات:
الآن كرم المخلوقات ناقة كريمة، فرس كريم، الناقة الكريمة غزيرة اللبن درّها كثير.
والنبي عليه الصلاة والسلام حينما أرسل سيدنا معاذ إلى اليمن، من جملة ما قال له: أخبرهم أن الله فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم، فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوك يا معاذ إلى ذلك، فإياك وكرائم أموالهم.
يعني عنده بقرة يحبها، يؤثرها، دعها له، خذ بقرة أخرى إياك و كرائم أموالهم.
الزكاة تؤخذ ولا تعطى لأنها فريضة وهي أساس التكافل الاجتماعي:
بالمناسبة الله عز وجل حينما قال:
﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ ﴾
( سورة التوبة الآية: 103 )
أي الزكاة تؤخذ ولا تعطى، لأنها فريضة، لأنها أساس التكافل الاجتماعي، ﴿ خُذْ ﴾
والآية موجهة إلى النبي عليه الصلاة والسلام لا على أنه نبي في هذه الآية، بل على أنه ولي هذه الأمة ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ﴾
وجاءت الأموال جمعاً كي تشمل الزكاة كل أنواع الأموال، حتى البترول عليه زكاة، عشرون بالمئة من واردات البترول هي لكل المسلمين ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً ﴾
تؤكد صدقهم، تسمى الزكاة صدقة أحياناً لأنها تؤكد صدق الإنسان، المال محبب.
﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 14 )
﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ ﴾
أي تطهر الغني من الشح، والفقير من الحقد، وتطهر المال من تعلق حق الغير به ﴿ وَتُزَكِّيهِمْ ﴾
تنمي نفس الغني، يشعر بعمله العظيم، يشعر كيف أنه رسم البسمة على قلوب البائسين، وتنمي نفسية الفقير حينما يشعر أن مجتمعه أكرمه، وانتبه إليه، وأدخله في عنايته ﴿ تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ ﴾
هذه المعاني الدقيقة لكلمة "الكريم" أما لو تابعنا هذا الموضوع لوجدنا الأحجار الكريمة، هناك أحجار نادرة، غالية جداً، سميت الأحجار الكريمة. الكريم من صفات الله جلّ جلاله لأنه:
1 ـ يتغافل عن ذنوب عباده:
إذاً كلمة "الكريم" واسعة جداً، أما إذا قلنا الله جلّ جلاله "الكريم"، قال "الكريم" يتغافل، واللئيم يدقق في العيوب، "الكريم" من صفات الله جلّ جلاله لأنه يتغافل عن ذنوب عباده، بينما اللئيم يدقق في أدق الذنوب، لكن هناك تغافل، وهناك غفلة، الله عز وجل يتغافل، لكن كل شيء عنده بمقدار.
﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ﴾
( سورة غافر )
ولا تخفى عليه خافية، "الكريم" يتغافل، واللئيم يدقق في العيوب، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:
(( تعوذوا بالله من مجاورة جار السوء إن رأى خيرا كتمه وإن رأى شرا أذاعه وتعوذوا بالله من إمام سوء إن أحسنت لم يقبل وإن أسأت لم يغفر ))
[البيهقى فى شعب الإيمان عن أبى هريرة]
"الكريم" هو الذي يستر الذنوب ويخفي العيوب، هذا شأن الله عز وجل. 2 ـ يقابل من أتاه بالطاعات بالثواب الجزيل:
وإذا قلت الله "الكريم" إذا أتاه عباده بالطاعات اليسيرة قابلهم بالثواب الجزيل، هل تصدقون أن إنساناً يضع لقمة في فم زوجته يراها يوم القيامة كجبل أُحد، أي تاجروا مع الله، هل هناك مؤسسة استثمارية تعطيك على الليرة الواحدة مئة ألف مليون ؟ وأن تضع اللقمة في فم زوجتك هي لك صدقة، وتراها يوم القيامة كجبل أُحد، لذلك قال تعالى:
﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾
( سورة آل عمران )
3 ـ يجعل العبد الحقير الضعيف شيئاً مذكوراً:
إذا قلنا الله "الكريم"، يعني الله عز وجل يجعل هذا العبد الحقير، العبد الفقير ، العبد الضعيف، العبد الذليل، يجعله شيئاً مذكوراً، يرفع الله لك ذكرك، يعلي قدرك، يلقي محبتك في قلوب الخلق.
(( عبدي أنت تريد وأنا أريد، فإذا سلمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد، وإن لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد، ثم لا يكون إلا ما أريد ))
[ورد في الأثر]
إذاً يجعل هذا العبد الفقير، الضعيف، الذليل، الحقير، يجعله شيئاً مذكوراً يخفي عن الناس عيوبه، ويظهر محاسنه.
﴿ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ﴾
( سورة البقرة )
(( يقول الرب تباركَ وتعالى: مَن شَغَلَهُ قراءةُ القرآن عن مسألتي: أعطيتُهُ أفضلَ مَا أُعْطِي السائلين ))
[أخرجه الترمذي عن أبي سعيد الخدري ]
4 ـ التعليل من كرم الله عز وجل:
إذا قلنا الله "الكريم"، الله خالق السماوات والأرض، يخاطب إنساناً من خلقه يعطيه أمراً ويعلل له الأمر، الله عز وجل يمكن أن يأمر فقط، إنسان قوي يعطيك أمراً من دون تعليل، افعل أو أسحقك، لكن خالق السماوات والأرض يقول لك:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾
( سورة البقرة )
يعطيك التعليل ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ ﴾
إذاً التعليل من كرم الله عز وجل، أحياناً أب قاس، يعطي ابنه أمراً ما نفذه يضربه، وهناك أب رحيم يعطيه أمراً ويقول له: يا بني هذا الأمر لمصلحتك، من أجل مستقبلك، من أجل سمعتك، من أجل تفوقك. 5 ـ أعطى الإنسان كل شيء لمجرد أنه قبل حمل الأمانة:
وإذا قلنا الله "الكريم" أعطانا كل شيء لمجرد أننا قبلنا حمل الأمانة سخر لنا:
﴿ مَا في السماوات وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ ﴾
( سورة الجاثية الآية: 13 )
﴿ هُوَ خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ﴾
( سورة البقرة الآية: 29 )
﴿ خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ﴾
خصيصاً لكم، أنواع الأزهار بمئات الألوف، أنواع النباتات، نباتات الزينة فقط بمئات الألوف، نباتات البيوت التي تعيش من دون شمس في الغرف آلاف الأنواع.
يروون طرفة أن إنساناً أعطى حماراً فلة فأكلها، هذه خُلقت للإنسان ليشمها فالحمار هو الذي أعطاها للحمار.
﴿ وسَخر لَكُمْ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ ﴾
إذا قلنا الله "الكريم" أعطى فأجزل ، وإذا عُصي يجمل، يستر، أعطى فأجزل، وإذا عُصي أجمل.
6 ـ لا تتخطاه الآمال:
وإذا قلنا الله "الكريم" هو الذي لا تتخطاه الآمال، للتقريب:
يقول لك: إنسان محسن أي شيء تحتاجه اسألني وحدي، لا تسأل غيري، هناك أشخاص كرماء إلى درجة عالية جداً يغار عليك أن تبذل ماء وجهك لغيره، سلني كل حاجتك أستحلفك بالله لا تسأل غيري.
فلذلك الله عز وجل إذا سألت غيره يغضب عليك. لا تسألن بُني آدم حــاجة وسل الذي أبوابه لا تغلــق
الله يغضب إن تركت سؤاله وبني آدم حين يسـأل يغضب
* * *
7 ـ لا يضيع من لاذ به و لا يضيع من التجأ إليه:
من معاني الله "الكريم"، الله "الكريم" لا يضيع من لاذ به، ولا يضيع من التجأ إليه:
﴿ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ ﴾
( سورة محمد )
ضع كل أملك بالله، ضع كل ثقتك بالله، توكل على الله.
(( أَن تكون بما في يَدِ الله تعالى أَوثَقَ منك بما في يَدَيْكَ ))
[أخرجه الترمذي عن أبي ذر الغفاري ]
الكريم يتقرب إلى الله بكمال مشتق من كماله:
الآن كما تعودنا أنك تتقرب إلى الله بكمال مشتق من كماله، وهذا معنى قوله تعالى:
﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾
( سورة الأعراف الآية: 180 )
ينبغي أن تتقرب إلى الله بكمال مشتق من كماله، هو كريم، هل أنت كريم ؟.
مرة كان في الشام عندنا قاضي كبير، جاءته امرأة وزنها كبير، وفي درجة قبل أن تصل إليه، فلما صعدت هذه الدرجة صدر منها صوت قبيح من دون أن تقصد، فذابت خجلاً (كادت تذوب خجلاً)، وإلى جانبها أختها، فلما وصلت إلى هذا القاضي، قال لها: ما اسمك يا أختي ؟ قالت له اسمها، قال لها: ما سمعت، ارفعي صوتك، رفعت، قال لها: ما سمعت، ارفعِي أيضاً، أنا سمعي ضعيف، قالت لأختها: معناها ما سمعنا.
الكريم يتغافل لا يدقق، هناك أشخاص لؤماء، إذا غلطت أمامه غلطة قناص شعر أنها خجلت من هذا الصوت فادعى أنه ضعيف السمع، ارفعِي صوتك ما سمعت، ارفعِي صوتك، قالت لها: معناها ما سمعنا، هذا الإنسان الكريم هكذا. الإنسان الكريم إذا هجرته وصلك و إذا رفعت إليه حاجة عاتب نفسه:
الإنسان الكريم إذا هجرته وصلك، بعض الأحاديث ورد:
(( أَمَرَنِي رَبِّي بِتِسْع: خَشْيَةِ الله في السِّرِّ والعلانية، وكلمة العدل في الغضب والرضا ))
[أخرجه زيادات رزين عن أبي هريرة ]
مثلاً يخطب شاب من بيت يجعلونه ملاكاً، فإذا لم تتم الخطبة صار مصاباً بأمراض، ويقع بالساعة، أهله سيئون، تجد مليون صفة سيئة صبت عليه.
(( أَمَرَنِي رَبِّي بِتِسْع: خَشْيَةِ الله في السِّرِّ والعلانية، وكلمة العدل في الغضب والرضا، والقصد في الفقر والغنى، وأن أَصِلَ مَنْ قَطَعَنِي، وأعطي مَنْ حَرَمَنِي، وأعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَنِي، وأن يكون صَمْتي فِكْرا، ونُطْقِي ذِكْرا، ونظري عبرة ))
[أخرجه زيادات رزين عن أبي هريرة ]
فالكريم يصل من قطعه، ويعطي من حرمه، ويعفو عمن ظلمه، هل أنت كريم ؟ الكريم من إذا هجرته وصلك، وإذا مرضت عادك، وإذا وافيت من سفر زارك ، وإذا افتقرت أحسن إليك.
الكريم من إذا رفعت إليه حاجة عاتب نفسه، دقق الآن، هذا مستوى رفيع جداً إذا سأله إنسان سؤالاً يعاتب نفسه، لمَ لم يبادر إلى تلبية حاجته من دون أن يسأله ؟ لك قريب تفقده أنت، طرق بابك، طلب منك قرضاً، الأولى أن تسأل عنه، وألا تحيجه إلى أن يسألك أن تسأل أنت عنه. الكريم يتجاوز ذنوب المسيئين ويوصل النفع إلى خلق الله أجمعين:
لذلك الكريم إذا رفعت إليه حاجة عاتب نفسه، لمَ لم يبادر قبل أن يُسأل عنها ؟ لما أحوجته إلى السؤال قصرت في حقه، طبعاً الشاهد قوي جداً، قوله تعالى:
﴿ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ ﴾
( سورة البقرة الآية: 273 )
هذا سماه الله المحروم.
﴿ وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ﴾
( سورة الذاريات )
للسائل الذي يقتحم عليك، والمحروم من كرامته وعزته وعفته لا يسأل، فإن لم يُسأل يُحرم، ماذا تقتضي هذه الصفات لمن يستحق العطاء ؟ أن تبحث أنت عنه، أن تسأله من حين لآخر، الكرماء لا ينتظرون أن يُسألوا، يتفقدون من حولهم، ويعطونهم حاجاتهم من دون أن يحرجوهم إلى أن يسألوا.
والكريم الذي يتجاوز ذنوب المسيئين، ويوصل النفع إلى خلق الله أجمعين، لا يفرق، هناك عادات سيئة جداً، قبل أن يساعده أنت من أين ؟ لا، هذا عبد لله، الإنسان بنيان الله، وملعون من هدم بنيان الله. من تعرف إلى أسماء الله الحسنى أقبل عليه:
لذلك حينما يقول الله عز وجل:
﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾
يعني لن تصل إلى الله إلا إذا تخلقت بكمال مشتق من كماله، وحينما قال الله عز وجل مرة ثانية: ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾
أنت حينما تتعرف إلى أسماء الله الحسنى تقبل على الله.
تماماً كما لو أنك بحاجة ماسة إلى بيت، وعلمت أن إنساناً محسناً عنده بيت ويبحث عن إنسان صالح ليعطيه إياه، عندئذٍ تتجه إليه، متى اتجهت إليه ؟ بعد تلك المعلومة التي نقلت إليك.
فأنت إذا تعرفت إلى أسماء الله الحسنى، أقبلت عليه.
(( من جعل الهموم هما واحدا كفاه الله هم دنياه ))
[أخرجه الحاكم عن عبد الله بن عمر ]
واعمل لوجه واحد يكفك الوجوه كلها.
السعيد
09-03-2018, 08:06 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الثانى و السبعون بعد المائة )
الموضوع : اسم الله - الشهيد - 1 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى:(الشهيد):
أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "الشهيد".
ورود اسم الشهيد في القرآن الكريم :
هذا الاسم ورد في كثير من النصوص القرآنية كما في قوله تعالى:
﴿ قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾
(سورة سبأ)
وفي قوله تعالى:
﴿ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾
( سورة فصلت )
وقد ورد مقيداً في آيات كثيرة كما في قوله تعالى:
﴿ لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً ﴾
(سورة النساء )
ورود اسم الشهيد في السنة النبوية الشريفة:
أيضا أيها الأخوة ورد هذا الاسم بالسنة الصحيحة، في صحيح البخاري ومسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنه مرفوعاً يقول عليه الصلاة والسلام في حديث طويل:
(( ألا وإنه سَيُجاءُ برجال من أُمتي ـ دققوا الحقيقة المرة أفضل ألف مرة من الوهم المريح ـ فيؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: يا ربِّ أصحابي، فيقول: إنَّك لا تدري ما أحدثوا بعدَك، فأقول كما قال العبد الصالح : وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ قال: فيقال لي: إنَّهم لم يزالوا مرْتَدِّينَ على أعقابِهِمْ منذ فارقتَهم ))
[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن عبد الله بن عباس ]
يعني وضع العالم الإسلامي في آخر الزمان لا يرضي النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
(( أَصْحَابِي، أَصْحَابِي، فَقِيلَ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، قَالَ: فَأَقُولُ: بُعْدًا، بُعْدًا، أَوْ قَالَ: سُحْقًا، سُحْقًا لِمَنْ بَدَّلَ بَعْدِي ))
[أحمد عن أبي سعيد الخدري]
ثمن النصر و الاستخلاف و التمكين عبادة الله عز وجل:
أيها الأخوة، قال الله عز وجل :
﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً ﴾
( سورة النور الآية: 55 )
هذه وعود خالق السماوات والأرض، وزوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين، نحن في الحقيقة المرة لسنا مستخلفين، ولسنا ممكنين، ولسنا آمنين الآية: ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ ﴾
كقانون ﴿ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً ﴾
الشرط:
﴿ يَعْبُدُونَنِي ﴾
( سورة النور الآية: 55 )
عظمة هذا الدين أنه دين اجتماعي شمولي أممي وفردي:
أيها الأخوة، هناك بعض الأحاديث الشريفة تملأ قلب المؤمن ثقة، وراحة ، وتفاؤلاً، وأمناً.
(( النبي عليه الصلاة والسلام أردف وراءه سيدنا معاذ بن جبل، قال له يا معاذ ـ على أسلوب الحوار ـ: ما حق الله على عبادة ؟ فقال: الله ورسوله أعلى ـ سأله ثانية وثالثة ثم أجابه ـ قال: يا معاذ حق الله على عباده أن يعبدوه، ولا يشركوا به شيئاً، ثم سأله، يا معاذ ما حق العباد على الله إذا هم عبدوه ؟ ـ الله جل جلاله بكرمه، ورحمته أنشأ لك حقاً عليه ـ يا معاذ ما حق العباد على الله إذا هم عبدوه ؟ قال: الله ورسوله أعلم ـ سأله ثانية وثالثة على أسلوب الحوار، تشويقاً له ثم أجابه ـ قال: يا معاذ حق العباد على الله إذا هم عبدوه ألا يعذبهم ))
[ متفق عليه عن معاذ]
عظمة هذا الدين، دين اجتماعي، شمولي، أممي، ودين فردي، لو أن الناس تفلتوا من منهج الله عز وجل، وعود الله للمؤمن قائمة وحدها، حق العباد على الله إذا هم عبدوه ألا يعذبهم. الإنسان في مأمن من عذاب الله عز وجل إن طبق سنة النبي الكريم في حياته:
تأتي الآية الكريمة:
﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾
( سورة الأنفال الآية: 33 )
ما دامت سنتك مطبقة في حياتهم، في بيوتهم، في أعمالهم، في مناسباتهم الاجتماعية، في أخذهم للمال، في إنفاقهم للمال، في حلهم، في ترحالهم، في أفراحهم، في أتراحهم ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾
أي أن سنتك قائمة فيهم.
فلذلك:
(( يا عباس عم رسول الله، يا فاطمة بنت محمد، أنقذا نفسيكما من النار، أنا لا أغني عنكما من الله شيئاً ))
[ مسلم عن أبي هريرة ]
(( من يبطئ به عمله لم يسرع به نسبه ))
[ أحمد عن أبي هريرة]
(( لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم ))
[ أحمد عن أبي هريرة]
فلذلك يقول أمتي، أمتي:
(( فيقول: إنَّك لا تدري ما أحدثوا بعدَك ))
[أحمد عن أبي سعيد الخدري]
فلذلك الآية الواضحة:
﴿ أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ ﴾
( سورة الزمر )
العذاب الأليم لمن تمكّن من انتزاع فتوى من فم رسول الله و لم يكن محقاً:
شيء آخر: بعض المسلمين يتوهمون أنه إذا انتزع من فم إمام مسجد فتوى نجا من عذاب الله، يقول لك: أنا معي فتوى، وغاب عنه أن الإنسان لو استطاع بذكاء، وطلاقة لسان، وقوة حجة أن ينتزع من فم سيد الخلق، وحبيب الحق، من المعصوم، من الذي يوحى إليه فتوى لصالحه، ولم يكن محقاً، لا ينجو من عذاب الله، الدليل:
(( ولَعَلَّ بعضكم أن يكونَ أَلْحَنَ بحُجَّتِهِ مِن بعض، فأقضي نحو ما أسمع، فمن قضيتُ له بحَقِّ أخيه، فإنما أَقْطَعُ له قطعة من النَّار ))
[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن أم سلمة أم المؤمنين ]
لا ينجيك أن تتوهم أن الفتوى معك، هناك الفتوى، وهناك التقوى.
مرة ثانية: إن تمكنت أن تنتزع من فم النبي صلى الله عليه وسلم، وهو المعصوم، وهو الذي يوحى إليه فتوى لصالحك، ولم تكن محقاً لا تنجو من عذاب الله.
ومرة ثانية وثالثة أؤكد لكم أن الحقيقة المرة أفضل ألف مرة من الوهم المريح.
الشهيد في اللغة:
في اللغة، "الشهيد" كما تعلمون صيغة مبالغة، من اسم الفاعل الشاهد، شاهد شهيد، على وزن فعيل، والفعل شهد، يشهد، شهوداً، وشهادة، والشهود هم الحضور مع الرؤية والمشاهدة، الحضور الذين رأوا بأعينهم الذي وقع.
أنت تركب مركبة، وصار في حادث، وأنت رأيت رأي العين أن السائق لم يخطئ، لكل الطفل هو الذي ألقى بنفسه أمامه، أما أن تشهد أمام أولي الأمر بما وقع هذا واجب يرقى إلى مستوى الفرض.
﴿ وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا ﴾
( سورة البقرة الآية: 282 )
عدل ساعة خير من أن تعبد الله ثمانين عاماً، فلما الإنسان يتهرب من أن يدلي بشهادته بوضع صعب، في حادث سير، في مشكلة، فهو آثم عند الله عز وجل.
فالشهود هم الحضور، مع الرؤية والمشاهدة، وهذا الحديث فيه بشارة لنا، و فيه يقول عليه الصلاة والسلام بعد أن قال أُبيّ بن كعب:
(( صلَّى بنا النبيُّ صلى الله عليه وسلم يوماً الصبحَ، فلما سلَّم قال: أشاهد فلان ؟ قالوا: لا، قال: أشاهد فلان ؟ قالوا: لا، قال: إنَّ هاتين الصلاتين أثقلُ الصلوات على المنافقين، ولو تعلمون ما فيهما لأتَيْتُموهما ولو حَبْوا على الرُّكَبِ ))
[ أبو داود عن أبيّ بن كعب ]
وفي حديث آخر:
(( ولو يعلمون ما في العَتَمة والصبح لأتوهما ولو حَبْوا ))
[أخرجه البخاري ومسلم والنسائي ومالك عن أبي هريرة ]
بل إن النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
(( من صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله حتى يسمي، ومن صلى العشاء في جماعة فهو في ذمة الله حتى يصبح ))
[ورد في الأثر]
أي في حفظ الله، في رعاية الله، في تأييد الله. من معاني الشهادة:
1 ـ الإخبار بما شاهده المرء:
الشهادة هي الإخبار بما شاهده المرء، شهد فلان على فلان بحق فهو شاهد وشهيد، والشاهد يلزمه أن يبين ما علمه على الحقيقة، واجب يرقى إلى مستوى الفرض.
و:
(( ألا أُنبِّئكم بأكبر الكبائر - ثلاثاً - قلنا: بلى يا رسولَ الله، قال: الإشراكُ بالله، وعقوقُ الوالدين، وكان متكئا فجلس فقال: وشهادة الزور ثلاثا أو قول الزور))
[ البخاري عن أبي بكرة]
وهناك أناس كثيرون يكذبون كلما تنفسوا، كل كلامه كذب.
أيها الأخوة، دققوا في هذا القول الخطير كما قال النبي الكريم:
(( يطبع المؤمن على الخلال كلها ))
[أخرجه الإمام أحمد عن أبي أمامة الباهلي ]
الخلال ؛ أي الطباع، الآن في علم الطباع، إنسان يحب الوحدة، إنسان اجتماعي، إنسان يحب السفر، إنسان انطوائي، إنسان ينفق أكثر من دخله، إنسان يدقق في إنفاقه، لكن بالمناسبة:
(( برئ من الشح: من أدى زكاة ))
[أخرجه الطبراني عن جابر بن عبد الله ]
برئ من الكبر من حمل حاجته بيده، برئ من النفاق من أكثر من ذكر الله.
فالإنسان أحياناً يقصر، أو يتكلم بكلام غير صحيح، هذا قول الزور، وأن تشهد ولم ترَ.
مرة إنسان في دعوى احتاج إلى شاهد، في عصور التخلف الديني، هناك من يشهد له بالأجرة، مع أنه لم يكن حاضراً، فاتفق مع إنسان أن يدلي له بشهادة مقابل مبلغ من المال يقدر بخمسة آلاف، فلما دخل أمام القاضي قال له: ضع يدك على المصحف، قال له: لحظة، عاد إلى الذي كلفه قال له: هناك يمين أريد عشرة آلاف، مشكلة كبيرة جداً.
أقول لكم أيها الأخوة: أي إنسان يدلي بشهادة زور بأي رقم انتهى عند الله. من غيّر قناعته بمبلغ مهما كان كبيراً سقط من عين الله:
بالمناسبة: أي إنسان يغير قناعته بمبلغ مهما كان كبيراً سقط من عين الله.
(( وكان متكئا فجلس فقال وشهادة الزور ثلاثا أو قول الزور))
[ البخاري عن أبي بكرة]
إذاً:
(( يطبع المؤمن على الخلال كلها ))
[أخرجه الإمام أحمد عن أبي أمامة الباهلي ]
هناك إنسان منفتح، إنسان منغلق، إنسان اجتماعي، إنسان فردي، إنسان يحب السفر، إنسان يحب الإقامة، إنسان عصبي المزاج، هذه كلها طباع على العين والرأس، إنسان يعتني بثيابه كثيراً، إنسان أقل عناية، إنسان ينفق كثيراً، إنسان أقل إنفاقاً، إنسان يعتني ببيته كثيراً، كلها طباع.
(( يطبع المؤمن على الخلال كلها إلا الخيانة والكذب ))
[أخرجه الإمام أحمد عن أبي أمامة الباهلي ]
فإذا كذب أو خان فليس مؤمناً، هذا يذكرني بآية كريمة:
﴿ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنْ الْخُلَطَاء ﴾
( سورة ص الآية: 24 )
الخلطاء الأزواج، الشركاء، الأقرباء، الأخوة، الورثة:
﴿ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنْ الْخُلَطَاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ ﴾
( سورة ص الآية: 24 )
استنبط الإمام الشافعي أن الذي يبغي على خليطه ليس مؤمناً، يعني الشريك الذي يريد أن يأخذ الشركة وحده، ولا يسمح لشريكه الذي دخل معه بوضوح تام هذا ليس مؤمناً، أي إنسان أراد أن يغتصب حقّ أخيه بنص هذه الآية ليس مؤمناً. 2 ـ الحُكم:
أيها الأخوة، الشهادة لها معنى آخر، المعنى الآخر: هو الحُكم، فقد جاء النبي عليه الصلاة والسلام إلى بيت أبي السائب وهو مسجى على السرير، فسمع امرأة من وراء الستر تقول:
(( رحمة الله عليك أبا السائب، فشهادتي عليك لقد أكرمك الله ـ فالنبي عليه الصلاة والسلام كلامه سنة، تشريع، فعله تشريع، وإقراره تشريع، لو بقي ساكتاً لكان كلام أم العلاء صحيحاً ـ رحمة الله عليك أبا السائب، فشهادتي عليك: لقد أكرمك الله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وما يدريك أن الله أكرمَهُ ؟ فقلت: بأبي أنت يا رسول الله، فمن يكرمه الله ؟ فقال: أمّا هو فقد جاءه اليقين ))
[أخرجه البخاري عن أم العلاء الأنصارية ]
﴿ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ﴾
( سورة الحجر )
الموت.
(( والله إِني لأرجو له الخير. والله ما أدري وأنا رسول الله ما يُفعَلُ بي ؟ قالت: فوالله لا أُزَكِّي أحداً بعده أبداً يا رسول الله ))
[أخرجه البخاري عن أم العلاء الأنصارية ]
أي أخطأت، إذا سُئلت عن إنسان، أظنه صالحاً فيما أعلم، ولا أزكي على الله أحداً، وفي رواية قالت:
(( فأحْزَنني ذلك، فَنِمْتُ، فرأيتُ لعثمان عينا تجري، فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت له ذلك، فقال: ذلك عمله ))
[أخرجه البخاري عن أم العلاء الأنصارية ]
تقييم الأشخاص من شأن الله وحده:
الذي يحكم على الآخرين حكماً قطعياً على مستقبلهم في الجنة أو في النار وقع في معصية كبيرة، سماها العلماء التألي على الله، اعلم علم اليقين أن تقييم الأشخاص من شأن الله وحده، وليكن قدوتك سيدنا عيسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام:
﴿ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾
( سورة المائدة )
هذا ليس من شأني، وطن نفسك ألا تقيّم أحداً، قل تقييم الأشخاص من شأن الله وحده، هذا من حيث اللغة. من معاني الشهيد:
1 ـ الله جلّ جلاله رقيب على خلقه أين ما كانوا:
أما أن الله جلّ جلاله هو "الشهيد" فهو الرقيب على خلقه أين ما كانوا، حاضر، شهيد، أقرب إليّهم من حبل الوريد، يسمع ويرى وهو بالمنظر الأعلى، وعلى العرش استوى فالقلوب تعرفه، والعقول لا تكيفه، يعني استوى على العرش، الاستواء معلوم والكيف مجهول.
وهو سبحانه فوق عرشه على الحقيقة، وبالكيفية التي تليق به، وشاهدته على خلقه شهادة إحاطة شاملة كاملة:
﴿ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾
لذلك قال بعضهم: الحمد لله على وجود الله، شهادته على خلقه شهادة إحاطة كاملة، تشمل العلم، والرؤية، والتدبير، والقدرة، إن تحركت فهو يعلم، فهو يراك، وإن تكلمت فهو يسمعك، وإن أضمرت شيئاً فهو يعلمه، إن تحركت فهو يراك، وإن نطقت فهو يسمعك، وإن أضمرت شيئاً فهو يعلمه. 2 ـ الله عز وجل شهد لنفسه بالوحدانية والقيام بالقسط:
هناك معنى آخر للشهيد، "الشهيد" جلّ جلاله هو الذي شهد لنفسه بالوحدانية والقيام بالقسط، كما قال الله عز وجل:
﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾
( سورة آل عمران )
هذا المعنى دقيق جداً، الإنسان حينما يعتمد على جهة غير الله عز وجل.
(( ما من مخلوق يعتصم بمخلوق دوني إلا قطعت أبواب السماء والأرض دونه فإن دعاني لم أجبه، وإن سألني لم أعطه، وما من مخلوق يعتصم بي دون خلقي إلا ضمنت السموات رزقه، فإن سألني أعطيته، وإن دعاني أجبته، وإن استغفرني غفرت له ))
[ كنز العمال عن علي]
لذلك الله يشهد لنفسه أنه الواحد الأحد، فإذا اعتمدت على سواه أمره أن يتخلى عنك تأديباً لك، يقول الله عز وجل:
﴿ قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ﴾
( سورة الأنعام الآية: 19 )
تأديب الله عز وجل من اعتمد على سواه:
الآن أي مؤمن يعتمد على ما سوى الله، الله عز وجل يؤدبه، حتى صحابة رسول الله، وهم صفوة البشر، وفيهم سيد البشر، حينما اعتمدوا في حنين على عددهم وقالوا:
(( ولن يُغْلَبَ اثنا عَشَرَ ألفا مِنْ قِلَّةٍ ))
[أخرجه أبو داود والترمذي عن عبد الله بن عباس ]
لم ينتصروا وقال الله عز وجل :
﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ﴾
(سورة التوبة )
الله عز وجل يشهد لكل مخلوق أن هذا القرآن كلامه من خلال:
1 ـ إذاقته للحياة الطيبة إذا استقام على أمره:
أيها الأخوة، قضية أن الله يشهد أنه واحد أحد فرد صمد دقيقة، يعني مثلاً إذا آمن الإنسان كما ينبغي، وعمل صالحاً بصدق وإخلاص، أذاقه الله طعم الحياة الطيبة من طمأنينة، واستقرار، وتيسير، وتوفيق، وسعادة، عندئذٍ يشعر من خلال الحياة الطيبة التي يحياها والتي ذاقها مصداق لوعد الله أن الله جلّ جلاله شهد له بأن هذا القرآن كلامه، وأن هذه الحياة الطيبة من فعله، قدرها له تحقيقاً لوعده.
وحينما أنظر إلى الشهادة، يطابق فعل الله مع ما في القرآن، يقوم الدليل القطعي على أن القرآن كلام الله، كيف يشهد الله جلّ جلاله للمؤمن أن هذا القرآن كلامه ؟ يؤمن كما ينبغي، يستقيم كما ينبغي، يفعل الأعمال الصالحة كما ينبغي، يذيقه الله الحياة الطيبة والحياة الطيبة من فعل الله.
إذاً إذاقته للحياة الطيبة شهادة من الله لهذا المؤمن أن التطابق بين ما في القرآن وما في حياته الطيبة دليل أن القرآن كلام الله.
2 ـ تحقق الوعد و الوعيد:
مثل آخر:
﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً ﴾
( سورة طه الآية: 124 )
الآن ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي ﴾
عن ذكر الله، والقرآن هو ذكر الله، هجره، وجعله وراءه ظهريا، استحل محارمه، ولم يعبأ لا بأمره ولا بنهيه، ولا بوعده ولا بوعيده، أذاقه الله مذاق المعيشة الضنك، من خوف، وقلق، وضيق، وشدة، وتعسير، وإحباط، وشقاء، وضياع، عندئذٍ يشعر من خلال هذه المعيشة الضنك التي ذاقها مصداقاً لوعيد الله أن الله شهد له بأن هذا القرآن كلامه، الله عز وجل يشهد لكل مخلوق، في كل وقت، وفي كل مكان، أن هذا القرآن كلامه، من خلال تحقق الوعد والوعيد، حينما تستقيم على أمر الله تذوق الحياة الطيبة.
إذاً كلام الله حق، وحينما يعرض الإنسان عن كلام الله يذوق الضنك، إذاًً كلام الله حق، الله عز وجل يشهد في كل وقت، وفي كل مكان، أن هذا القرآن كلامه، بل إن إعجاز القرآن العلمي شهادة من الله لخلقه، أن الذي خلق الأكوان هو الذي أنزل هذا القرآن، وللموضوع تتمة إن شاء الله.
السعيد
09-03-2018, 08:08 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الثالث و السبعون بعد المائة )
الموضوع : اسم الله - الشهيد - 2 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى:(الشهيد):
أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في اسم "الشهيد".
أعظم شهادة على الإطلاق شهادة الله عز وجل:
الله عز وجل يقول:
﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً ﴾
( سورة النساء )
على كل شيء، والمطلق على إطلاقه، وهناك آية ثانية يقول الله عز وجل:
﴿ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ ﴾
( سورة آل عمران )
كأن هذه الآية مخصصة للإنسان ﴿ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ ﴾
وهناك آية ثالثة:
﴿ قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ﴾
( سورة الأنعام الآية: 19 )
إذاً أعظم شهادة على الإطلاق شهادة الله عز وجل.
آية رابعة:
﴿ وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآَنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً ﴾
( سورة يونس الآية: 61 )
آية خامسة:
﴿ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾
( سورة فصلت )
أنت تحت المراقبة، الله عز وجل بالمرصاد.
﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ﴾
( سورة النساء )
الله حاضر، وشاهد، ويَعلم، ويُعلم. الله عز وجل حاضر وشاهدلا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء:
لذلك قال بعض العلماء: "الشهيد" الذي لا يغيب عنه شيء.
و "الشهيد" الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء.
و "الشهيد" مطّلع على كل شيء، مشاهد له، عليم بتفاصيله.
أيها الأخوة، قال بعض العلماء: إذا كان العلم مطلقاً فالله عليم، أما إذا أُضيف علم الله إلى الأمور الباطنة، المستترة، الخفية، فالله خبير، أما إذا أضيف إلى الأمور الظاهرة فهو شهيد، عليم، خبير، شهيد.
الله عز وجل حاضر وشاهد، ويشهد يوم القيامة، الله شهيد يشهد لعباده يوم القيامة، يُشهدهم أعمالهم، فقد قال تعالى:
﴿ اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً ﴾
( سورة الإسراء )
يشهدهم أعمالهم.
﴿ مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ﴾
( سورة الكهف الآية: 49 )
تسمية النبي عليه الصلاة والسلام في القرآن الكريم شاهداً و شهيداً:
النبي عليه الصلاة والسلام سماه الله في كتابه شاهداً وشهيداً، قال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً ﴾
( سورة الأحزاب )
وقال تعالى:
﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيداً ﴾
( سورة النساء )
تقديم المال في القرآن على النفس لأن تقديم المال أهون على النفس من تقديم الروح:
الآن المؤمن الذي يقدم أثمن شيء يملكه، حياته، هذا المؤمن يسمى شهيداً، الله عز وجل قدم المال على الأنفس، هذا الذي يجاهد بماله ونفسه، يعني يقدم ماله، ويقدم نفسه، وقد قدم الله المال على النفس لأن تقديم المال أفضل.
﴿ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ﴾
( سورة التوبة الآية: 88 )
في مواطن كثيرة جداً قدم الله تقديم المال على تقديم النفس، لأن تقديم المال أهون على النفس من أن تقدم ذاتك، إلا في آية واحدة قدم الله النفس على المال.
﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ ﴾
( سورة التوبة الآية: 111 )
هنا قدم الأهم، في آيات كثيرة قدم الأسهل. أفضل إيمان المرء أن يعلم أن الله معه حيث كان:
أيها الأخوة، من الآيات التي تشير إلى معنى الشهيد:
﴿ قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى * قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ﴾
( سورة طه )
الله مع المؤمن، معه في حركته، في سكنته، في عطائه، في منعه، في صلته، في قطعه، في غضبه، في رضاه، الله عز وجل يقول:
﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ * وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ * وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ * إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾
( سورة الشعراء )
أيها الأخوة، ورد في بعض الآثار:
(( يا موسى أتحب أن أكون جليسك ؟ فقال: كيف ذلك يا رب ؟ أنت رب العالمين، قال: أما علمت أني جليس من ذكرني، وحيث ما التمسني عبدي وجدني ))
[ورد في الأثر]
سيدنا الصديق في الغار، قال يا رسول الله:
(( لو أن أحدهم نظر إِلى قَدَمْيه أبْصَرَنَا تحت قدميه. فقال: يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما ))
[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أنس بن مالك ]
الله شهيد، والحمد لله أن الله شهيد، والحمد لله على وجود الله.
أخوانا الكرام، أفضل إيمان المرء أن يعلم أن الله معه حيث كان، الله عز وجل شهيد، يعني حاضر، يَعلم ويُعلم، لا تخفى عليه خافية، ولا تخفى عليه حركة ولا سكنة. نصر الله للضعيف الفقير شهادة من الله لخلقه أن الأمر بيده:
الآن لو دخلنا في بعض التفاصيل، كيف يشهد الله لخلقه أنه لا إله إلا هو ؟ قال بعضهم: عرفت الله من نقض العزائم، إنسان يملك خبرات واسعة، علمه عميق، خبراته واسعة، بأسه شديد، يُحكم الأمر، يسد كل الثغرات، ثم يؤتى من مأمنه، فلا يتحقق هدفه عرفت الله من نقض العزائم.
﴿ إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً * وَأَكِيدُ كَيْداً * فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً ﴾
( سورة الطارق )
الله شهيد، إنسان عنده خمسة أولاد، أكبر أولاده استولى على كل ثروة والده، وجعل أخوته الصغار تحت جناحه، حرمهم كل شيء، كيف يشهد الله أن هذا الأخ الأكبر كان ظالماً وأن أخوته الصغار مظلومون ؟ وفق الله الصغار، ودمر الكبير، حتى اضطر الكبير أن يعمل عندهم موظفاً، شهد الله له أنه ظالم، وشهد لإخوته أنهم مظلومون، هذا يحصل كثيراً في شؤون الزواج والشراكة، الزوج المظلوم يوفق بزواج ناجح بعد انفصال الزواج الأول، والشريك المظلوم يوفق بعمله بعد انفصام الشركة.
أيها الأخوة، نصر الله للضعيف الفقير شهادة من الله لخلقه أن الأمر بيده، افعل ما تشاء، تكلم ما شئت، اعمل ما شئت، لكن الأمر بيد الله، أوضح مثل:
أنت حينما تقرض قرضاً ربوياً، قدمت مئة ألف والفائدة عشرة بالمئة والمبلغ رد لك مئة وعشرة آلاف، أما إذا أقرضت قرضاً شرعياً بلا فائدة، قدمت المئة ألف، وعادت لك بعد سنتين مئة ألف وقد ضعفت قيمتها الشرائية، أنت بالآلة الحاسبة القرض الحسن فيه خسارة، والآلة الحاسبة القرض الربوي فيه ربح، أما بالقرآن:
﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ﴾
( سورة البقرة الآية: 276 )
الله شهيد أن هذا القرآن كلامه، ﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ﴾
الحكمة من ضعف الأنبياء في بداية دعوتهم أن يكون الإيمان بهم إيماناً حقيقياً:
تصور أن نبي هذه الأمة عليه الصلاة و السلام، رسول هذه الأمة، سيد البشر، سيد الخلق، حبيب الحق، كان في أول الدعوة ضعيفاً، كان يمر على عمار بن ياسر وهو يُعذّب، لا يستطيع أن يخلصه، ضعيف، ما الحكمة من أن الأنبياء في بداية الدعوة كانوا ضعافاً ؟ ليثمن الذي آمن به، لا يملك الدنيا.
(( لا أملك لكم من اللّه ضرّا ولا نفعا ))
[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أبي هريرة ]
نبي كريم، نبي صادق، نبي الله عز وجل، معه وحي السماء، ومع ذلك لا يملك أن يوقف العذاب عن أحد أخوانه، يقول:
(( صبراً آل ياسر فإن مصيركم إلى الجنة ))
[أخرجه الحارث عن عثمان بن عفان ]
إذاً ضعف الأنبياء في بداية دعوتهم لحكمة بالغةٍ بالغة، ليكون الإيمان بهم إيماناً حقيقياً، لأنهم لا يملكون ضراً ولا نفعاً.
لذلك عمار بن ياسر كان يُعذّب، وتُعذّب أمه، وما كان النبي لا يملك إلا أن يقول:
(( صبراً آل ياسر فإن مصيركم إلى الجنة ))
الأمور بخواتيمها:
الله شهيد، والله لا إله غيره، في فتح مكة فتح النبي صلى الله عليه وسلم مكة المكرمة، ومعه عشرة آلاف رجل، معهم السيوف المتوهجة، وكان بإمكانه أن يلغي وجودهم، قال:
(( ما تظنون أني فاعل بكم ؟ قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء ))
[ السيرة النبوية]
الله لا إله إلا هو وشهيد، انظر في بداية الدعوة، وكيف انتهت الدعوة، لذلك الأمور بخواتيمها.
﴿ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾
( سورة الأعراف )
وواحد أحد فرد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، الله شهيد، يشهد لعباده أنه لا إله إلا هو، قال تعالى:
﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾
( سورة الجاثية الآية: 21 )
تقوية الضعيف المؤمن وتدمير القوي الكافر شهادة من الله لخلقه أن الأمر بيده:
قد يكون الإنسان قوياً، وقد يكون ذكياً، وقد تكون خيوط كل شيء بيده، ومع ذلك يدمره الله، وقد يكون الآخر ضعيفاً لا حيلة له، ومع ذلك يقويه الله عز وجل، فتقوية الضعيف المؤمن، وتدمير القوي الكافر، شهادة من الله عز وجل لخلقه أن الأمر بيده، الله عز وجل لا كما يتوهم بعض المتوهمين أنه يشهد لعباده أنهم يسمعون كلامه، الأمر بيده فحينما يدمر الظالم القوي، ويقوي المؤمن الضعيف، حينما يوفق المظلوم، هذه شهادة الله لعباده أن الأمر بيده.
العوام لهم كلمات رائعة أحياناً، يقول لك أحدهم: ما في إلا الله، والله كبير، ما في إلا الله والله بيده، والله كبير.
هذه البلاد الشرقية التي رفعت شعار لا إله، وتملك من القنابل النووية ما تستطيع تدمير الأرض، كيف تداعت من الداخل بلا حرب وبلا قتال ؟ كيف أصبحت دولة أقل من الدول الأخرى ؟ سبعون عاماً من القوة، والغطرسة، وتلاشت.
﴿ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً ﴾
( سورة الإسراء )
الله يشهد لعباده الأمر بيده، سيدنا عمر رضي الله عنه جاءه رسول من معركة نهاوند، فقال حدثني ما الذي حصل ؟ قال له: مات خلق كثير، اذكر بعضهم، ذكر بعضهم، من أيضاً ؟ قال: إنك لا تعرفهم، فبكى، و بكى ثم قال: وما ضرهم أني لا أعرفهم، إذا كان الله يعرفهم، الله شهيد، لا تقلق، إذا كنت على حق لا تقلق.
﴿ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ ﴾
( سورة الأنعام الآية: 91 )
علامات المخلص لله:
1 ـ عمله لا يختلف أمام الناس وبينه وبين نفسه:
علامة المخلص لله، دخلنا في موضوع آخر، موضوع شكلي، يرى المخلص من غير المخلص، يرى الصادق من غير الصادق، يرى المستقيم من المنحرف، فالله عز وجل شهيد، فكيف يشهد الله لهذا العبد المؤمن أنه يقدم عملاً خالصاً له ؟.
قال العلماء: علامة المخلص أن عمله لا يختلف أمام الناس وبينه وبين نفسه ، ليس هناك مسافة بين خلوته وجلوته، ولا بين سره وجهره، ولا بين باطنه وظاهره، ولا بين ليله ونهاره.
المؤمن واحد، لا يختلف، لذلك ورد في بعض الأحاديث:
(( تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك ))
[أخرجه ابن ماجه والحاكم عن العرباض بن سارية ]
المؤمن واضح الذي في قلبه على لسانه، لا يوجد مسافة أبداً، ولا يوجد موقف مزدوج، موقف معلن، موقف حقيقي.
لذلك المخلص عنده توحد، ليس هناك مسافة بين أقواله وبين أفعاله، ولا بين ظاهره وبين باطنه، ولا بين خلوته وجلوته، هذه حالة من حالات المخلص، الله يشهد له بذلك. 2 ـ عمله لا يزداد مع المدح ولا ينقص مع الذم:
المخلص له صفة ثانية، عمله لا يزداد مع المدح، ولا ينقص مع الذم، هو هو، إن مدحته يبتغي وجه الله، إن ذممته يبتغي وجه الله.
﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾
( سورة الأنعام )
هذا هو. 3 ـ المخلص يعود عليه من الله السكينة والراحة:
لكن الشيء الدقيق جداً أن المخلص يعود عليه من الله السكينة، يسميه الناس الثواب، رفعت عملاً إلى الله تبتغي فيه وجه الله عاد من الله عليك راحة نفسية، سمها سكينة، سمها راحة، سمها انشراحاً، لأن الله عز وجل حبب إلينا الإيمان، وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر و الفسوق والعصيان.
الله عز وجل يشهد للمخلص إخلاصه حينما يوفقه و يسعده في حياته و عمله:
أيها الأخوة، الله عز وجل يشهد للمخلص إخلاصه، حينما يوفقه، وحينما يسعده، وحينما يأخذ في يده، فالمؤمن حيال هذا الاسم العظيم الله شهيد، ينبغي أن يكون دقيقاً في فهمه، كما أن الله سبحانه وتعالى لا تغيب عنه شاردة، ولا واردة، إذا كنت أنت مدير مؤسسة، مدير مستشفى، مدير جامعة، مدير مدرسة، صاحب شركة، ينبغي أن تكون دقيقاً في جمع الحقائق، ينبغي أن تعلم كل شيء، ينبغي أن تدير هذا العمل إدارة ذكية ، ينبغي أن تعرف من حولك، هذا من تطبيقات اسم "الشهيد" لأن الله يعلم، ويُعلم، وينبغي أن تحاسب، الله عز وجل حاضر، ويَعلم، ويُعلم.
فكلما غاب المرء عن عمله وجرى في غيبته مالا يحمد عقباه، لا يكون مشتقاً هذا الكمال من الله عز وجل، أنت كإنسان تعمل بإدارة مدرسة، إدارة جامعة، إدارة مؤسسة، ينبغي أن تجمع الحقائق اليقينية، وأن تبني على هذه الحقائق القرار.
هذا من تطبيقات اسم "الشهيد"، ونحن دائماً وأبداً نقول: ينبغي أن تتقرب إلى الله بكمال مشتق منه.
إنسان أب لا يدري ما يجري في البيت، البنت غابت لا يعلم أين هي، عند إحدى صديقاتها، هكذا قالت، لا يعرف أين ابنه، لا يعرف ماذا يجري في غيبته، هذا ليس بأب، الله عز وجل شهيد، لا تغيب عنه شاردة، ولا واردة، والمؤمن إذا أدار عملاً ينبغي أن يستقصي الحقائق، والمعلومات الدقيقة، وأن يبني على هذه المعلومات القرار، أما أن يتخذ قراراً بلا دراسة، بلا معلومات، هذا ليس من شأن المرء المؤمن.
العاقل من أعلم من حوله بأخطائهم إن كان يقودهم لما فيه صلاحهم:
شيء آخر: الله عز وجل يُشهد الإنسان عمله، وأنت كمؤمن لما يكون حولك إنسان بيّن له خطأه بصورة انفرادية، أنت ينبغي أن تُعلم من حولك بأخطائهم إن كنت تقودهم لما هو في صلاحهم، أما إنسان غافل عما يجري، لا يعلم ما يجري، هذا ليس مؤهلاً ليقود هذه المركبة إلى جانب الأمان.
أيها الأخوة، الآن علامة المخلص، أنه لا يبحث أبداً عن تقدير الناس، ولكن لسان حاله يقول: إلهي أنت مقصودي، ورضاك مطلوبي، ومن عرف نفسه ما ضرته مقالة الناس به.
على الإنسان أن يتقرب من الله عز وجل بكمال مشتق من كماله:
أخوانا الكرام، لا أكتمكم أحد أكبر أسباب الانضباط أن تشعر أن الله معك، يشهد عملك، يشهد حركاتك، وسكناتك، يسمع أقوالك، يرى حركتك، عليم بك.
لذلك الإيمان ضابط، الإيمان يردع.
(( الإِيمانُ قَيَّدَ الفَتْكَ، لا يَفْتِكُ مؤمِن ))
[أخرجه أبو داود عن أبي هريرة ]
أيها الأخوة، تعلمنا أنه لابدّ من أن تشتق كمالاً من كمالات الله تتقرب به إليه، وهذا معنى قوله تعالى:
﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾
( سورة الأعراف الآية: 180 )
أي تقرب إليه بكمال مشتق من كماله، أو إنك إن تعرفت إلى أسمائه الحسنى أقبلت عليه، لأن الله عز وجل يقول: ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾
كمال الله كمال مطلق.
السعيد
09-03-2018, 08:10 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الرابع و السبعون بعد المائة )
الموضوع : اسم الله - المقدم - 1 -
مد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى:(المقدم):
أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى والاسم اليوم "المقدم".
ورود اسم المقدم في السنة النبوية فقط:
هذا الاسم أيها الأخوة لم يرد في القرآن الكريم، ولكن ورد في السنة الصحيحة ففي صحيح البخاري ومسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قام من الليل يتهجد:
﴿ أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً * وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً ﴾
( سورة الإسراء )
وكان عليه الصلاة والسلام يقول:
(( سَلُوا الله ليَ الوَسِيلةَ، قالوا: يا رسولَ الله، وما الوسيلةُ ؟ قال: أعلى درجة في الجنة، لا ينالُها إِلا رجل واحد، أرجو أن أكونَ [ أنا ] هو ))
[أخرجه الترمذي عن أبي هريرة ]
قال:
(( اللَّهمَّ رَبَّنا لك الحمدُ، أنْتَ قَيِّمُ السماوات والأرضِ ومَن فِيهنَّ، ولك الحمدُ أنت نورُ السماوات والأرضِ ومن فيهن، ولك الحمدُ، أنتَ مَلِك السماوات والأرضِ ومن فيهن، ولك الحمدُ، أنت الحقُّ، وَوَعْدُكَ الحقُّ، ولقاؤكَ حَقٌّ، وقَولك حَقٌّ، والجنَّةُ حَقٌّ والنَّارُ حَقٌّ، والنَّبيُّونَ حَقٌّ، ومحمدٌ حَقٌّ، والساعةُ حَقٌّ، اللَّهمَّ لك أسلمتُ، وبِك آمَنتُ وعليك توكلتُ، وإليك أَنَبتُ، وبِكَ خَاصَمتُ، وإِليكَ حاكمتُ، فاغفر لي ما قَدَّمتُ، وما أخَّرْتُ، وما أسررتُ، وما أَعلَنتُ، أنت المقَدِّمُ وأنت المؤخِّرُ، لا إِلهَ إلا أنت، ولا إله غَيرُكَ ))
[ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي ومالك عن عبد الله بن عباس ]
هذه أدعية النبي صلى الله عليه وسلم في التهجد، وعند مسلم من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه كان إذا سجد، قال:
(( اللَّهمَّ لَكَ سَجدْتُ، وبِكَ آمَنْتُ، ولَكَ أسلَمتُ، وأنْتَ رَبِّي، سَجَدَ وَجْهي لِلَّذي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ، وَشَقَّ سَمعَهُ وبَصرَهُ تَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الخَالِقينَ ))
[مسلم عن علي بن أبي طالب]
وإذا سلم من الصلاة قال:
(( اللهمَّ اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أسرفت وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت ))
[أخرجه ابن خزيمة عن علي بن أبي طالب ]
هذا الاسم أيها الأخوة ورد في السنة الصحيحة. المقدم في اللغة:
"المقدم" اسم فاعل، من فعل رباعي مضعف، قدم، يقدم، مقدم، الفعل قدم يقدم، تقديماً، وعند البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
(( من صام رمضانَ إيمانا واحتسابا غُفِرَ له ما تقدَّم من ذَنْبِهِ ))
[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أبي هريرة ]
(( مَنْ قام رمضانَ إيمانا واحتسابا غُفِرَ له ما تقدَّم مِنْ ذَنْبِهِ ))
[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أبي هريرة ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3645/01.jpg
الآن القدم: كل ما قدمت أيها الإنسان من خير أو شر وتقدمت لفلان فيه، قدم أي تقدم في خير أو شر، القدم إنسان قدم شيئاً من خير أو من شر، الشاهد بالقرآن قال تعالى:
﴿ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾
( سورة يونس الآية: 2 )
العمل الصالح الذي قدمته ابتغاء وجه الله هو قدم، معنى ﴿ قَدَمَ صِدْقٍ ﴾
عمل صالح قدمه المؤمن بين يدي ربه يوم القيامة، سؤال:
لو شخص سأل نفسه هذا السؤال المحرج، أنا آكل وأشرب، وأصلي وأصوم، لكن ماذا قدمت من عمل بين يدي ربي يوم القيامة ؟ هناك آلاف النشاطات لمصلحتك ، لتحسين معيشتك، للحفاظ على منصبك، آلاف النشاطات تصب في النهاية لصالحك، أما عمل صالح خالص لا تبتغي منه إلا وجه الله عز وجل، أي عمل فعلته لله عز وجل ؟. الإنسان بالاستقامة يسلم وبالعمل الصالح يسعد وبتربية أولاده يستمر وجوده:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3645/02.jpg
لا تنسوا أيها الأخوة أن الإنسان إذا استقام على أمر الله حقق السلامة فقط، إذا طبق منهج الله افعل ولا تفعل حقق السلامة، لأن طبيعة الاستقامة طبيعة سلبية.
يقول لك أنا ما اغتبت، ما أكلت المال الحرام، ما فعلت فاحشة، ما أوقعت بين مؤمنين، ما ابتززت أموال الناس، رائع، لكن كل نشاطات الاستقامة نشاطات سلبية وليست إيجابية، لكن العمل الصالح الذي تقدمه خالصاً لوجه الله ويوافق السنة، هذا العمل الذي يرقى بك عند الله، قال تعالى:
﴿ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾
( سورة فاطر الآية: 10 )
﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً ﴾
( سورة الكهف الآية: 110 )
فأنت بالاستقامة تسلم، وبالعمل الصالح تسعد، وبتربية أولادك يستمر وجودك ، يقال لفلان قدم صدق، أي له عمل صالح. العمل الصالح الذي تبادره يصنفك مع المستقدمين:
قال تعالى:
﴿ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ ﴾
( سورة الحجر )
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3645/03.jpg
أي علمنا المستقدمين منكم في الطاعة، من بادر إلى هذه الطاعة ؟ من بادر إلى إنفاق ماله في سبيل الله ؟ من بادر إلى الإصلاح بين اثنين ؟ من بادر إلى رعاية الأيتام ؟ العمل الصالح الذي تبادره يصنفك مع المستقدمين.
﴿ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ ﴾
في الطاعة، أو من يأتي منكم إلى صلاة الجمعة في الوقت المبكر فكأنما قدم بدنة، بعد هذا الوقت كأنما قدم بقرة، بعد هذا الوقت كأنما قدم شاةً، بعد هذا الوقت كأنما قدم دجاجة، بعد هذا الوقت كأنه قدم بيضة، ثم تختم الصحف، وتجلس الملائكة كي تستمع الخطبة، أما عدد كبير من المسلمين يقول لك: أدركت صلاة الجمعة في الركعة الثانية، قبل أن يقوم الخطيب ليخطب ختمت الدرجات عند الله عز وجل.
﴿ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ ﴾
هؤلاء الذين يبكرون إلى الطاعات، أو من يتقدم على صاحبه في الموت، فلان مات في وقت مبكر، هذا مستقدم، هناك إنسان آخر الله أمد في عمره، هذا في شأن اللغة. التقديم من أنواع التدبير الذي يتعلق بفعل الله جلّ جلاله:
لكن إذا قلنا الله جلّ جلاله هو "المقدم"، ما معنى الله هو "المقدم" ؟ قال هو الذي يقدم ويؤخر وفق مشيئته، وإرادته، وحكمته، يقدم فلاناً، ويؤخر فلاناً وفق مشيئته وإرادته وحكمته، فالتقديم من أنواع التدبير الذي يتعلق بفعل الله جلّ جلاله، تدبير الله عز وجل أن يقدم زيداً، أو أن يؤخر عبيداً، هذا من تدبير الله عز وجل، بل من سياسته مع خلقه، هذا التقديم والتأخير على نوعين، تقديم كوني، وتقديم شرعي، معنى التقديم الكوني أن الله سبحانه وتعالى كما قال:
﴿ قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ﴾
( سورة الأعراف الآية: 188 )
﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ﴾
( سورة الأعراف )
الذي يموت قبل الآخر يعد مقدماً للموت، والذي يؤخر بعد الآخر يعد متأخراً في الموت.
والله عز وجل يقول:
﴿ قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ * ﴾
( سورة سبأ )
لذلك أنت حينما تؤمن إيماناً قطعياً أن حياتك بيد الله، ولها موعد لا يتقدم ولا يتأخر، ترتاح نفسك، وتصبح شجاعاً، وتصبح عزيزاً ولا تذلل أمام إنسان، ولا تتضعضع أمام إنسان، الأمر بيد الله، حياتك بيده، والموت بيده. من معاني المقدم:
1 ـ الله عز وجل يقدم في أجل إنسان ويؤخر في أجل إنسان آخر:
أيها الأخوة، إذاً المعنى الأول يقدم زيداً فيموت، ويؤخر عبيداً فيمد الله في أجله هذا المعنى، الله مقدم ومؤخر.
2 ـ يقدم الله بعض خلقه على بعض في الخصائص أو المقامات أو القدرات:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3645/04.jpg
هناك معنى آخر: يقدم بعض خلقه على بعض، بناء على حكمة في الابتلاء، يقدم نبياً على نبي، يقدم صحابياً على صحابي، يقدم مؤمناً على مؤمن.
﴿ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحاً وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾
( سورة آل عمران )
﴿ وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ ﴾
قدمها:
﴿ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 42 )
الكلمة الثانية تعني أنه اصطفاها من بين:
﴿ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ ﴾
( سورة آل عمران )
لأنها أنجبت مولوداً من دون زواج، هذا شيء مستحيل في النظام الإلهي، لكن هذا الشيء يعد كرامة لها لأنها ليست نبية، هذه كرامة، فخرق النواميس للأنبياء معجزة، وخرق النواميس لأولياء الله كرامة، وقوله جلّ جلاله عن طالوت قال:
﴿ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾
( سورة البقرة )
هذا اصطفاء، يصطفي نبياً على نبي، ولياً على ولي، قوياً على ضعيف، غنياً على فقير، الله عز وجل يقدم ويؤخر.
المعنى الأول يقدم في أجل الإنسان ويؤخر، المعنى الثاني في الخصائص، في القدرات، في المقامات. أنواع التقديم:
1 ـ التقديم الكوني:
التقديم الكوني، إنسان مقدم بالوسامة، إنسان مقدم بالذكاء، إنسان مقدم بالنسب، إنسان مقدم بالحكمة، إنسان مقدم بالسكينة، إنسان مقدم بالرضا، إنسان مقدم بالأمن، إنسان مقدم بالهيبة، الله عز وجل يخلع على المؤمن هيبة، تهابه كل الناس، وقد ينزع هذه الهيبة فيتطاول عليه أقرب الناس إليه، هذا التقديم الكوني، التقديم التكويني، التقديم بفعل الله.
2 ـ التقديم الشرعي و هو متعلق بمحبة الله لفعل دون فعل:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3645/05.jpg
أما التقديم الشرعي هذا متعلق بمحبة الله لفعل دون فعل.
(( إن الله يحب معالي الأمور وأشرافها ويكره سفسافها ))
[أخرجه الطبراني عن حسين بن علي ]
الله قدم في محبته معالي الأمور، يعني أنت أيها المؤمن هل تحمل هماً كبيراً ؟ هل تحمل همّ المسلمين ؟ هل أنت في الأفق الأعلى ؟ هل تعيش الدعوة إلى الله ؟ هل تعيش مصالحك الذاتية أم تعيش خصومات سخيفة بين الناس ؟ أم تعيش القيل والقال، وابتزاز الأموال، وإضاعة الوقت ؟
الله جلّ جلاله هو المقدم لأنه:
1 ـ يقدم الأشياء و يضعها في مواضعها على مقتضى حكمته وعلى مقتضى الاستحقاق:
المقدم هنا والمؤخر، الله أحب أعمالاً فقدمها في الثواب، وأبغض أعمالاً فأخرها في الثواب، مقدم ومؤخر، مثلاً يقول عليه الصلاة والسلام:
(( إنَّ الله وملائِكَتَه يُصَلُّون على الصفِّ المقدَّم، والمؤذِّنُ يُغْفَرُ له بمدِّ صوته ويصدِّقُه مَنْ سمعه مِن رَطْب ويابس، وله مثل أجرُ مَنْ صلَّى معه ))
[أخرجه النسائي عن البراء بن عازب ]
وفي صحيح مسلم:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3645/06.jpg
(( لو يعْلَمُونَ - أو تعلمون - ما في الصَّفِّ الأوَّلِ لكانت قُرْعة ))
[مسلم عن أبي هريرة ]
و:
(( أتِمُّوا الصفَّ المُقدَّم، ثم الذي يليه، فما كان من نقْص فليَكُن في الصف المؤخَّر ))
[أبو داود عن أنس]
أيها الأخوة، الله قدّم تجهيز الميت على أي شيء آخر، قال:
(( أسْرِعوا بجنائزكم، فإن تكُ صالحة، فخير تقدِّمونها وإن تَكُ سوى ذلك فَشَر تضعونه عن رقابكم ))
[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي ومالك عن أبي هريرة ]
أمرنا بالإسراع، فالمقدم هو الله جل جلاله الذي يقدم الأشياء، ويضعها في مواضعها على مقتدى حكمته، وعلى مقتضى الاستحقاق، يعني بشكل أو بآخر من استحق التقدم قدمه الله، ومن استحق التأخر أخره الله. 2 ـ قدم أحبابه ورفع ذكرهم وأعلى قدرهم وعصمهم:
الله تعالى هو "المقدم" هو الذي يرفع ذكرك، هو الذي يعلي قدرك، هو الذي يوفقك، قدمك بالتوفيق، قدمك بالنصر، قدمك بالتأييد، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، يعني قدمنا بالعطاء، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وارضَ عنا، كن لنا ولا تكن علينا، يعني قدمنا يا رب، المؤمن طموح.
الله عز وجل هو "المقدم" هو الذي قدم أحبابه، ورفع ذكرهم، وأعلى قدرهم وعصمهم.
3 ـ قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم على جميع الأنبياء:
وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم على جميع الأنبياء، النبي صلى الله عليه وسلم ما خُوطب باسمه إطلاقاً، الله عز وجل قال:
﴿ يَا يَحْيَى ﴾
( سورة مريم الآية: 12 )
﴿ يَا عِيسَى ﴾
( سورة آل عمران الآية: 55 )
﴿ يَا مُوسَى ﴾
( سورة النمل الآية: 9 )
لا يوجد آية واحدة في القرآن يا محمد، هناك:
﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾
( سورة الفتح الآية: 29 )
بالخطاب ما خاطبه باسمه أبداً، قال:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾
( سورة التحريم الآية: 9 )
﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ ﴾
( سورة المائدة الآية: 41 )
رفع قدره، جعله سيد الأنبياء والمرسلين، جعله سيد ولد آدم، جعل له المقام المحمود، مقام الوسيلة. 4 ـ قدم الأنبياء على الأولياء:
قدم الأنبياء على أوليائه، هناك شطحات مرفوضة، بعض الأولياء يقول: خطوا البحر الذي وقف بساحله الأنبياء، هذا مرفوض أشد الرفض، في مقامات عند الله عز وجل قدم الأنبياء، قدم النبي على كل الأنبياء، قدم أولي العزم على بقية الأنبياء.
5 ـ قدم الصحابة الكرام على التابعين والتابعين على تابعي التابعين:
الآن قدم الصحابة الكرام على التابعين، وقدم التابعين على تابعي التابعين وقال:
(( خير القرون قرني ثم الذي يلونهم، ثم الذين يلونهم ))
[ورد في الأثر]
المراتب في الدنيا مؤقتة:
الآن هناك شيء دقيق، قال تعالى:
﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾
( سورة الإسراء الآية: 21 )
تاجر كبير، رئيس غرفة تجارة، دخله بالملايين، صفقاته كبيرة جداً، هذا قُدّم على بائع متجول في بعض الأسواق في الدنيا أقول الآن.
رئيس أركان في غرفة مدفأة شتاء، مكيفة صيفاً، مركبات، هذا مقدم على جندي التحق بالخدمة الإلزامية، عُين في مكان في الجبهة في أيام البرد.
جراح قلب في كل عملية مقدم على ممرض ينظف المرضى.
أستاذ جامعي كبير يحتل كرسياً أساسياً في كلية كبيرة جداً مقدم على معلم في قرية، دقق الآية ﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾
هذه المراتب في الدنيا أولاً مؤقتة:
(( من عرفها لم يفرح لرخاء، ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى وجعل الآخرة دار عقبى ))
[ من كنز العمال عن ابن عمر ]
(( رب أشعث أغبر ذي طمرين مصفح عن أبواب الناس لو أقسم على الله لأبره ))
[أخرجه الطبراني عن أنس بن مالك ]
قد تجد مؤمناً خاملاً لا أحد يعرفه، معتم عليه، قُلامة ظفره تساوي مليون رجل فاسق. بطولة الإنسان ألا يوازن بين شخصين إلا إذا ضمّ مصيره في الآخرة إلى واقعه في الدنيا:
لذلك:
﴿ إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ * خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ ﴾
( سورة الواقعة )
أقول لكم الغنى والفقر بعد العرض على الله، الوسامة والدمامة بعد العرض على الله، قد تكون فتاة مستوى جمالها دون الوسط، أو دون بكثير، ما أتيح لها أن تتزوج لكنها صالحة، مؤمنة، تقية، نقية، تحب الله ورسوله، هذه قد تكون في الآخرة مع الملكات ، فالوسامة والدمامة بعد العرض على الله، والذكاء والمحدودية بعد العرض على الله، قد تجد إنساناً يحمل أعلى شهادة في الأرض لكنه فاسق فاجر، يأتي إنسان أميّ لكنه أطاع الله عز وجل، مقامه هذا يوم القيامة في أعلى عليين.
البطولة ألا توازن بين شخصين، ولا بين شيئين، ولا بين كيانين، ولا بين تجارتين، إلا إذا ضممت مصيره في الآخرة إلى واقعه في الدنيا. توزيع الحظوظ في الدنيا توزيع ابتلاء و في الآخرة توزيع جزاء:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3645/07.jpg
أيها الأخوة
﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾
شاءت حكمة الله أن يوزع الحظوظ، المال حظ، القوة حظ، الصحة حظ، شاءت حكمة الله أن يوزع الحظوظ على عباده في الدنيا توزيع ابتلاء، ثم توزع هذه الحظوظ في الآخرة توزيعاً آخر، توزيع جزاء، مراتب الآخرة أبدية، مستمرة، تعني كل شيء، أما في الدنيا قد يعطي الله الملك لمن لا يحب، الدليل أعطاه لفرعون وهو لا يحبه، وقد يعطيه لمن يحب أعطاه لسليمان عليه السلام، وقد يعطي المال لمن لا يحب، أعطاه لقارون، وقد يعطيه لمن يحبه، أعطاه لسيدنا عبد الرحمن بن عوف.
إذاً حظوظ الدنيا لا تعني شيئاً، وليست مستمرة، مؤقتة، الموت ينهي قوة القوي، ينهي ضعف الضعيف، ينهي غنى الغني، ينهي فقر الفقير، ينهي صحة الصحيح، ينهي مرض المريض، ينهي وسامة الوسيم، ينهي دمامة الدميم، الموت ينهي كل شيء فالبطولة تلك المرتبة التي تحتلها بعد الموت:
﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ﴾
( سورة القمر )
هذه البطولة، هذا الذكاء، هذا النجاح، هذا الفلاح، هذا التفوق. الله عز وجل يقدم استحقاقاً ويؤخر استحقاقاً:
أيها الأخوة، الله عز وجل يقدم استحقاقاً، ويؤخر استحقاقاً، الذي قدمك فيه في الأعمّ الأغلب عن استحقاق، والذي أخرك فيه في الأعمّ الأغلب عن استحقاق، وقد يقدم تفضلاً، تشجيعاً لك، وقد يؤخر حكمة، ربما أعطاك يعني قدمك فمنعك، وربما منعك فأعطاك، لو جاءتك الدنيا كما تتمنى ربما كانت حجاباً بينك وبين الله، وإذا حرمك منها لحكمة بالغةٍ بالغة ربما كان هذا الحرمان باعثاً لك إلى الله، إذاً ربما أعطاك فمنعك، وربما منعك فأعطاك، وإذا كشف لك الحكمة في المنع عاد المنع عين العطاء.
لكن بشكل أو بآخر مستحيل وألف ألف مستحيل أن تخطب ود الله ثم لا يقدمك الله، أن تخلص له، أن تطيعه، أن تحبه، أن تستقيم مع خلقه، أن تحب خلقه، أن تكرم خلقه ، مستحيل وألف ألف مستحيل أن تخطب وده لخدمة خلقه، والإخلاص لهم دون أن تكافأ مكافأة عالية جداً.
المقياس الانتمائي أفسد المجتمعات المسلمة:
أيها الأخوة، الآن تطبيقات هذا الاسم إنسان خطب ودك ينبغي أن تهتم به، أنت بموقع قيادي، بمؤسسة، بجامعة، بمستشفى، بمعمل، بمدرسة، إن لم تقدم المجتهد وتؤخر المقصر، أفسدت المجتمع في هذه المؤسسة، إن لم تقدم المتفوق زهدته في التفوق.
طالب يكتب وظيفته كل يوم ما في شيء، لا مكافأة ولا ثناء، طالب لا يكتبها لا يوجد عقاب، بعد حين لا أحد يكتب الوظائف، أنت إذا كنت في منصب قيادي ينبغي أن تقدم المتفوق، وأن تؤخره بمقياس موضوعي، لا بمقياس انتمائي، الذي أفسد المجتمعات المسلمة المقياس الانتمائي، بمقياس موضوعي يجب أن تقدم المتفوق وأن تؤخر المقصر.
السعيد
09-03-2018, 08:13 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الخامس و السبعون بعد المائة )
الموضوع : اسم الله - المقدم - 2 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى:(المقدم):
أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في اسم "المقدم".
الإنسان مسير ومخير في وقت واحد:
كلكم يعلم أن الإنسان مسير ومخير في وقت معاً، مسير في أمه وأبيه، مسير في كونه ذكراً أو أنثى، مسير في مكان ولادته، مسير في زمان ولادته، مسير في قدراته، في شكله، في قوامه، في قدراته العامة، لكن العلماء أجمعوا على أن هذا الذي سُير في الإنسان لصالحه، وليس في الإمكان أبدع مما كان، أو ليس في إمكاني أبدع مما أعطاني.
هذا "المقدم" الكوني، قدمك بالوسامة، قدمك بالذكاء، قدمك بالفصاحة، قدمك بالقدرات العامة، هو "المقدم" لحكمة بالغةٍ بالغة حينما تكشف يذوب الإنسان شكراً لله على ما أقامه.
انطلاقاً من مقولة رائعة قالها ابن عطاء الله السكندري: ربما أعطاك فمنعك وربما منعك فأعطاك، وإذا كشف لك الحكمة في المنع عاد المنع عين العطاء.
فأنت تتمتع بخصائص، بأشياء أنت فيها مقدم، من الذي قدمك ؟ "المقدم"، في أشياء أنت فيها متأخر من الذي أخرك ؟ ولدت من أسرة فقيرة، دخلك محدود، هناك طفل ولد من أسرة غنية جداً دخله غير محدود.
فالله عز وجل مقدم ومؤخر، قدمك في مجالات، وأخرك في مجالات لحكمة بالغةٍ بالغة عرفها من عرفها وجهلها من جهلها.
توزيع الحظوظ في الدنيا توزيع ابتلاء و في الآخرة توزيع جزاء:
الآن نستنبط أن الحظوظ حظ المال، حظ الذكاء، حظ الوسامة، حظ القدرات العامة العالية، أن الحظوظ موزعة في الدنيا توزيع ابتلاء.
﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾
( سورة الإسراء الآية: 21 )
وسوف توزع في الآخرة توزيع جزاء، لذلك:
﴿ إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ * خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ ﴾
( سورة الواقعة )
الأشياء التي تقدمت بها قدمك بها "المقدم"، والأشياء التي تأخرت بها أخرك بها "المقدم" لصالحك.
فلذلك الكلمة الوحيدة التي يوم القيامة لجميع الخلائق:
﴿ وَآَخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾
( سورة يونس )
المقدم اسم يتعلق بالتربية:
أيها الأخوة، الآن نستنبط أن "المقدم" اسم يتعلق بالتربية، هو يربينا، يعطينا ما يناسبنا، يكافئنا على أعمالنا الصالحة فيقدمنا، ويعاقبنا أحياناً على الأعمال التي ليست صالحة فيؤخرنا، فالله "المقدم"، أي شيء تفوقت فيه الفضل لله عز وجل، أي شيء لمعت فيه الفضل لله عز وجل، أي شيء حققت فيه نجاحاً لفضل لله عز وجل لأنه "المقدم".
لكن كما قلنا هناك تقديم شرعي، مثلاً:
(( عدل ساعة خير من عبادة ستين سنة ))
[رواه الأصبهاني بسند ضعيف عن أبي هريرة]
قدم العدل.
(( تفكر ساعة خير من عبادة سنة ))
[ تفسير القرطبي عن أبي هريرة]
﴿ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ﴾
( سورة القدر )
يوم عرفة أفضل الأيام إطلاقاً، كما أن ليلة القدر أفضل الليالي إطلاقاً، الصف الأول عند الله مقدم، برّ الوالدين مقدم، إغاثة الملهوف مقدم، إحقاق الحق مقدم، التحلي بالخلق الحسن هذا في الدرجة الأولى، الإيمان هو الخلق فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الإيمان.
الأوقات بعضها مقدم.
(( ولو يعلمون ما في العَتَمة والصبح لأتوهما ولو حَبْوا ))
[أخرجه البخاري ومسلم والنسائي ومالك عن أبي هريرة ]
الزوج الصالح مقدم على الزوج غير الصالح، أنت من خلال القرآن والسنة تكتشف الذي قدمه الله تشريعاً، قدم تكويناً، وقدم تشريعاً، الذي قدمك فيه تكويناً هذا فضل الله عليك، والذي أخره عنك تأخيراً هذه تربية حكيمة ينبغي أن تشكر الله عليها، والذي قدمه تشريعاً بادر إليه.
إذاً "المقدم" متعلق بالمربي، هو يربينا، الحمد لله رب العالمين، يربينا بالحوادث، يربينا بالقرآن، يربينا بالعلماء، يربينا أحياناً بالرؤى، إنسان صالح على وشك أن يقترف عملاً سيئاً، يرى رؤيا فيها تحذير. أية آية موجهة إلى النبي الكريم موجهة أيضاً للمؤمن بحسب إيمانه واستقامته وإخلاصه:
إذا قال الله عز وجل لسيد الخلق، وحبيب الحق:
﴿ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾
( سورة الشرح )
النبي مقدم، هو المخلوق الأول.
(( سَلُوا الله ليَ الوَسِيلةَ، قالوا: يا رسولَ الله، وما الوسيلةُ ؟ قال: أعلى درجة في الجنة، لا ينالُها إِلا رجل واحد، أرجو أن أكونَ [ أنا ] هو ))
[أخرجه الترمذي عن أبي هريرة ]
النبي مقدم، قال الله له: ﴿ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾
العلماء قالوا: أية آية موجهة إلى النبي صلى الله عليه وسلم هي موجهة أيضاً للمؤمن بحسب إيمانه، واستقامته، وإخلاصه.
وأنت أيها المؤمن حينما تخطب ود الله، حينما تقف عند الحلال والحرام، حينما يكون خيرك لعباد الله، حينما ترحم الناس، حينما تنصفهم، حينما تنصحهم، يرفع الله لك ذكرك، ويعلي قدرك.
إذا قال الله عز وجل يخاطب النبي عليه الصلاة والسلام:
﴿ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ﴾
( سورة الطور الآية: 48 )
ولكل مؤمن من هذه الآية نصيب على قدر إيمانه، واستقامته، وإخلاصه.
إذاً جميع الآيات التي وجهت لسيد الكائنات هي موجهة لكل مؤمن بنصيبه من إيمانه، واستقامته، وعمله الصالح. وراء كل محنة منحة من الله عز وجل:
الآن أخرك، أرسل لك محنة، يجب أن تعتقد اعتقاداً جازماً أن كل محنة وراءها منحة من الله.
(( إن هذا الدنيا دار التواء لا دار استواء، ومنزل ترح لا منزل فرح، فمن عرفها لم يفرح لرخاء ـ لأنه مؤقت ـ ولم يحزن لشقاء ـ لأنه مؤقت ـ قد جعلها الله دار بلوى، وجعل الآخرة دار عقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سببا، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضا فيأخذ ليعطي، ويبتلي ليجزي ))
[ الديلمي عن ابن عمر ]
فكل محنة تصيب المؤمن وراءها منحة من الله، من أجل أن تتفاءل، من أجل أن تثق بالله عز وجل.
﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾
( سورة آل عمران )
﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا ﴾
( سورة التوبة الآية: 51 )
لا علينا. من استقام على أمر الله قدمه و أعلى قدره و رفع شأنه:
مثلاً:
﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾
( سورة الجاثية )
حينما تستقيم على أمر الله تقدم، الله يقدمك، ويعلي قدرك، ويرفع شأنك ويحفظك، ويرعاك، يؤيدك، ينصرك.
﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ ﴾
( سورة السجدة )
يقدم المؤمن، ويؤخر الفاسق.
﴿ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾
( سورة القلم )
يقدم المسلم، ويؤخر المجرم.
﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾
( سورة القصص الآية: 61 )
الذي وعدناه وعداً حسناً يقدمه في الآخرة، والذي ﴿ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾
يؤخره في الآخرة، من أمن الله في الدنيا أخافه يوم القيامة، ومن خافه في الدنيا أمنه يوم القيامة. عدم استواء المنضبط مع المتفلت و المستقيم مع المنحرف:
الآن قدم الله الذين يعلمون على الذين لا يعلمون، كيف ؟
﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ﴾
( سورة المجادلة الآية: 11 )
﴿ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾
( سورة الزمر الآية: 9 )
قدم الذين يعلمون وأخر الذين لا يعلمون، هل يستوي المستقيم مع المنحرف ؟ مستحيل، الصادق مع الكاذب ؟ مستحيل، المنضبط مع المتفلت ؟ مستحيل ، المنصف مع الجاحد ؟ مستحيل، ﴿ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾
من اتقى الله هابه كل شيء:
أيها الأخوة، اسم "المقدم" اسم عظيم، كل شيء قدمك الله فيه، الفضل لله أولاً ومكافأة لك على استقامتك، وعلى إحسانك.
الآن عندنا حالة جديدة يكون شاب بأسرة مستقيم، منضبط، يطبق منهج الله، الله عز وجل يضفي عليه هيبة، ومكانة، أحياناً الأب يتقرب منه، الأم تتقرب منه، أخوته البنات يهابونه هيبة كثيرة، أحياناً الأسرة تمتنع عن بعض الأعمال أمامه، مع أنه شاب في الأسرة، أحياناً يكون موظف في دائرة مستقيم، الكل يتقرب إليه، حتى المدير العام يعتني به، يستقبله، يرحب به، يثني عليه، المستقيم بأية مرتبة كانت يقدمه الله.
مرة حدثني أخ، له مدير عام غير منضبط إطلاقاً، فسافر معه، أراه من الانضباط مالا يوصف، قال له: أنا أنضبط في هذا السفر من أجلك، احتراماً.
فالإنسان إذا وصل إلى الله أضفى الله عليه ثوب الهيبة، من اتقى الله هابه كل شيء ومن لم يتقِ الله أهابه الله من كل شيء، الله يقدم، يقدمك مكانة، يقدمك هيبة، يقدمك تألقاً، يقدمك توفيقاً، يقدمك تأييداً، يقدمك حفظاً، يقدمك نصراً، هو "المقدم".
مرة استمعت إلى كلمة قالها فيلسوف ألماني "تونبي" أنه: المسلم يتمتع بمكانة عالية، وكنا نجلّه ونحترمه أشد الإجلال والاحترام، لما استطعنا أن نجره إلينا على حساب دينه احتقرناه، لأنه لم يعد يملك شيئاً يقدمه لنا، عندما كان مستقيماً، عندما كان متمسكاً بدينه احترمناه بالغ الاحترام، فلما استطعنا أن نجره إلينا على حساب دينه وقيمه احتقرناه، لأنه لم يعد يملك شيئاً يقدمه لنا، عندما الإنسان يترك دينه سقط من عين الله ومن عين الناس، كان مقدماً فأخره الله.
الله عز وجل قدم العارفين على الجاهلين، يعني أنت أمام عشرات، بل مئات بل ألوف القصص، معظم هذه القصص تصلك من فصلها الأخير، صدق لا معنى لها.
علاقته المستقيم بالله علاقة انضباط و محبة و إخلاص فيقدمه الله عز وجل:
لذلك الله يقدم المستقيم، ولو أن استقامته فيما بينه وبين الله، تقول ما السبب في التوفيق الذي يتمتع فيه فلان ؟ ما السبب في هذا الإنجاز الضخم الذي أعطاه الله لفلان ؟ السبب علاقته بالله علاقة انضباط، علاقة محبة، علاقة إخلاص، يقدمك الله عز وجل، يقدم العالم على الجاهل، يقدم المستقيم على المنحرف، يقدم المنصف على الجاحد ، قدم العارفين على الجاهلين، وفتح لهم أبواب اليقين.
والله مرة زرت عالماً في مدينة هو في السادسة والتسعين، والله الذي لا إله إلا هو ما رأيت ملكاً على عرشه كهذا العالم، بيت متواضع، لكن حوله أخوة كرام يحبونه كثيراً، يبدو أنه في قلوبهم جميعاً، يبدو أنه قدم لهم خيراً كثيراً، متواضع، حياته بسيطة، لكنه عرف الله.
أحياناً تأتيك مكانة لا من أسرتك، ولا من منصبك، ولا من مالك، ولا من قوتك، ولكن من محبة الله لك.
بالمناسبة هناك حقيقة دقيقة جداً: أن الله سبحانه وتعالى إذا أحب عبداً ألقى محبته في قلوب الخلق، وهذا أكبر رأسمال يملكه الإنسان أن يثق الناس به، أن يحبه الناس، وإذا أبغض الله إنساناً ألقى بغضه في قلوب الخلق، يكون ذكياً جداً، ومع ذكائه مبغوض، يملك أموالاً طائلة ومع غناه مبغوض.
ألسنة الخلق أقلام الحق:
فلذلك أيها الأخوة، الله "المقدم"، أحياناً يقدمك في قلوب الخلق، لذلك قالوا: ألسنة الخلق أقلام الحق، حتى إن النبي عليه الصلاة والسلام في حديث فيه ملمح دقيق، حينما أثنى الناس على جنازة قال:
(( وجبت له الجنة ))
[ مسلم عن أبي سعيد الخدري]
لأن ألسنة الخلق هي أقلام الحق، يعني بصراحة المؤمن من لوازمه أن يعشقه الناس، متواضع، منصف، رحيم، عفو، كريم، يقدم شيئاً ثميناً للأمة يصبح محبوباً، لا تصدق مؤمناً لا يحبه الناس، لا تصدق مؤمناً ليس يتمتع بمكانة علية بين الناس، لأنه خطب ود الله إذا كان الله معك فمن عليك.
قدم العلماء على الجهلاء، وجعلهم نجوم الاهتداء، قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم على كل الخلق، وجعله حبيب الحق. أدب سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
سيدنا عمر حينما تولى الخلافة، وقف ليخطب، فنزل درجة، لم يقف في الدرجة التي كان يقف بها الصديق، ثم قال: ما كان الله ليراني أن أرى نفسي في مقام أبي بكر، من شدة أدبه ما أحبّ أن يقف على الدرجة التي وقف عليها أبو بكر، وكان يقول: كنت خادم رسول الله، وسيفه المسلول، فكان يغمدني إذا شاء، وتوفي وهو عني راضٍ الحمد لله على هذا كثيراً، وأنا به أسعد، انظر إلى الأدب، ثم كنت خادم أبي بكر، وسيفه المسلول، فكان يغمدني إذا شاء والحمد لله على هذا كثيراً، وأنا به أسعد، أما وقد آلت الأمور إليّ، فاعلموا أيها الناس أن تلك الشدة قد أُضعفت، هو كان شديداً لكن مع واحد رحيم، كالأم والأب تماماً الأب يقسو في الظاهر، والأم تشفع لابنها.
الآن النبي الكريم انتقل، والصديق انتقل، قال: لقد آلت الأمور إليّ، اعلموا أن هذه الشدة قد أُضعفت، وإنما تكون على أهل المعصية والفجور، أما أهل التقوى والإيمان فسأضع خدي ليطؤوه بأقدامهم، كلام سيدنا عمر، لكم عليّ أيها الناس خمس خصال خذوني بهن (حاسبوني) لكم عليّ ألا آخذ من أموالكم شيئاً إلا بحق، أهم شيء المال، وألا أنفقه إلا بحق، ولكم عليّ ألا أجمركم في البعوث (مسافر له زوجة، له أولاد، سنة بعيد عن أهله) ولكم عليّ ألا أجمركم، أي أجمدكم في البعوث، وإذا غبتم في البعوث فأنا أبو العيال حتى ترجعوا، ولكم عليّ أن أزيد عطاياكم إن شاء الله، هذا عمر.
سيدنا عثمان ما نزل درجة، لأن هناك حكمة بالغة، سأل أحد خلفاء بني أمية وزيره لِمَ لم ينزل عثمان درجة ؟ قال له: أما والله لو فعلها لكنت في قعر بئر، إذا كل خليفة نزل درجة، ممكن أن تكون مرة واحدة.
وبعض الروايات سيدنا عثمان نزل وطلع، نزل درجة أدباً ثم عاد إلى المرتبة التي هو فيها. حجمك عند الله بحجم عملك الصالح:
على كلٍ: الله يقدم، والله يؤخر، لك حجم عند الله بحجم عملك الصالح، اسأل نفسك كل يوم ماذا قدمت لله ؟ ماذا قدمت من عمل لا تبتغي به صنعة، ولا مكانة، ولا ثناء ولا تعويضاً ؟ عمل لوجه الله، فمكانتك عند الله بقدر عملك الصالح والدليل، دققوا:
﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ﴾
( سورة الأنعام الآية: 123 )
مكانتك عند الله بحجم عملك الصالح، والله عز وجل قال:
﴿ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾
( سورة فاطر الآية: 10 )
الآن لا يمكن أن يستوي عند الله إنسانان متفاوتان في عملهما أبداً، إذا كان عملك أصلح فمرتبتك أعلى، إذا كان ورعك أكثر، لِمَ المسلمين الآن بحال لا يحسدون عليه ؟ أقول لك كلمة موجزة جامعة مانعة: هان أمر الله عليهم فهانوا على الله. على المؤمن أن يشتق من كمال الله كمالاً يتقرب به إليه:
الآن أنت مؤمن وينبغي أن تشتق من كمال الله كمالاً تتقرب به إليه، أنت رئيس دائرة، مدير مستشفى، رئيس جامعة، صاحب شركة، عندك موظفون، يجب أن تقدم وأن تؤخر، لكن من تقدم ؟ هنا الآن الإنسان المؤمن يقدم بمقاييس موضوعية، وغير المؤمن يقدم بمقاييس انتمائية، والدول المتقدمة جداً والقوية جداً تقدم بمقاييس موضوعية، والدول المتخلفة تقدم بمقاييس انتمائية.
شيء آخر وأخير: المؤمن من تواضعه لا يعتم على من حوله، هناك أشخاص يعبدون ذواتهم، يعتمون على كل من حولهم، أما المؤمن يعترف بالآخر، ويقدر الآخر ويثني على الآخر، هذا من تواضعه ومن موضوعيته.
السعيد
09-03-2018, 08:16 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( السادس و السبعون بعد المائة )
الموضوع : اسم الله - المؤخر - 1 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى:(المؤخر):
أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "المؤخر".
ورود اسم المؤخر في السنة النبوية:
هذا الاسم كالاسم السابق المقدم لم يرد في القرآن الكريم، ولكن النبي عليه أتم الصلاة والتسليم سمّى ربه به، فقد ورد في السنة الصحيحة في قوله صلى الله عليه وسلم في دعاء التهجد:
(( أنتَ المُقَدِّمُ، وأنت المؤخِّرُ ))
[ أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن علي بن أبي طالب ]
ورود اسم المؤخر كوصف فعل في القرآن الكريم:
لكن ورد هذا الاسم كوصف فعل في القرآن الكريم في قوله تعالى:
﴿ وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾
( سورة المنافقون )
طبعاً الاشتقاق من الفعل مرجعيته إلى النص الأصلي في تسمية النبي صلى الله عليه وسلم:
(( أنتَ المُقَدِّمُ، وأنت المؤخِّرُ ))
[ أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن علي بن أبي طالب ]
وليس إلى اجتهادي الشخصي، فدور العلماء حيال الأسماء الحسنى الجمع والإحصاء ثم الحفظ والدعاء، وليس الاشتقاق والإنشاء، ولهذا فإن اسم "المؤخر" ثابت في السنة الصحيحة. المؤخر في اللغة:
أما في اللغة فالمؤخر عكس المقدم، قدّم وأخر، لذلك باللغة ظاهرة اسمها التطابق، وهناك التعاكس، الليل والنهار، الحق والباطل، الخير والشر، هذا من باب ذكر الشيء ونقيضه، فالله عز وجل يقدم ويؤخر.
أيها الأخوة، الفعل أخر، يؤخر، تأخيراً، وقد ورد عند البخاري من حديث عمر بن الخطاب:
(( لمَّا مَاتَ عبدُ اللهِ بن أُبيِّ بن سَلول ـ هذا رأس المنافقين ـ ودُعيَ له رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لِيُصليَ عليه، فلما قامَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وَثَبْتُ إِليه فقلتُ: يا رسولَ الله أَتُصلِّي على ابن أُبَيٍّ وقد قال كذا وكذا يوم كذا وكذا ؟ ! أُعَدِّدُ عليه قولَهُ، لئن رجعنا إلى المدينة ليخرج الأعز منا الأذل، فتبسَّمَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وقال: أَخِّرْ عَني يا عُمَرُ ـ أي ابتعد عني ـ فلما أَكْثَرْتُ عليه قال: أما إني خُيِّرْتُ فاخترتُ ـ هذا قراري ـ لو أَعلمُ أَني إن زدتُ على السبعين يُغْفرْ له، لَزِدْتُ عليها:
﴿ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ﴾
( سورة التوبة الآية: 80 )
لو أَعلمُ أَني إن زدتُ على السبعين يُغْفرْ له، لَزِدْتُ عليها، قال: فصلىَّ عليه رسوله الله صلى الله عليه وسلم، ثم انْصرَفَ، فلم يَمكُثْ إِلا يسيرا حتى نزلت الآيتان:
﴿ وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ ﴾
( سورة التوبة )
(( قال: فعجبتُ بعدُ من جُرْأَتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذٍ والله ورسولُهُ أعلم، فما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده على منافق، ولا قام على قبره، حتى قَبضَهُ اللهُ ))
[أخرجه البخاري والترمذي والنسائي عن عمر بن الخطاب ]
وهذه من موافقات سيدنا عمر، كان يدلي برأي فيأتي الوحي ويؤيده به، هذا ما رواه البخاري والترمذي والنسائي.
أيها الأخوة الكرام:
(( ما سُئِلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم يومئذ عن شيءِ قُدَّمَ ولا أُخَّرَ، إلا قال: افْعَلْ، ولا حَرَج ))
[ البخاري عن ابن عمر]
هذه في الحج.
و:
(( كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر ثم يجمع بينهما، وإذا زاغت صلى الظهر ثم ركب ))
[ البخاري عن أس بن مالك]
هذا في النصوص الصحيحة التي ورد فيها اسم "المؤخر" صراحة أو وصف فعله. من معاني المؤخر:
1 ـ الله عز وجل يؤخر الأشياء فيضعها في مواضعها:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3647/01.jpg
أما إذا قلنا الله "المؤخر"، هو المقدم وقد تحدثنا عن ذلك مطولاً في الدرسين السابقين، أما إذا قلنا الله جلّ جلاله هو "المؤخر" أي هو الذي يؤخر الأشياء فيضعها في مواضعها، إما تأخيراً كونياً فعن أم حبيبة أنها قالت:
(( اللَّهمَّ أَمتعني بِزَوجي رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وبأَبي أبي سفيان وبأَخي معاوية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: سَأَلْتِ الله لآجالٍ مَضْروبة، وأَيَّامٍ مَعدودةٍ، وأرزاقٍ مقسومة ـ يعني سؤالك لا يقدم ولا يؤخر ـ لن يعَجِّلَ شيئاً منها قبل حِلِّه ولا يُؤَخِّرَ، ولو كنْتِ سألتِ الله أَنْ يُعِيذَك من عذابٍ في النَّار وعذابٍ في القبرِ: كان خيراً وأفضلَ ))
[ مسلم عن ابن مسعود]
إذاً الأولى أن تسأل الله شيئاً سمح لك أن تسأله، هناك من يقول: يا رب لا تسألنا عن شيء، هذا كلام ليس له معنى، لأن الله عز وجل يقول:
﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾
( سورة الحجر )
فأي سؤال متعلق بالقضاء والقدر لا يقدم ولا يؤخر، لا معنى له، بحسب توجيه النبي عليه الصلاة والسلام. التأخير نوعان:
1 ـ تأخير كوني متعلق بالآجال:
إذاً هناك تقديم وتأخير كوني أو شرعي، الكوني فلان ولد قبل فلان مقدم، مؤخر: فلان جاء بعد فلان، التقديم والتأخير الكوني متعلق بالآجال.
2 ـ تأخير شرعي:
أما الشرعي كما ورد من حديث أبي عطية أنه قال:
(( قال: دخلتُ أنا ومسروق بن الأجدع على عائشةَ أمِّ المؤمنين فقلتُ: يا أمَّ المؤمنين، رَجُلانِ من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، أحدهما يعجِّلُ الإِفطار، ويعجِّل الصلاة، والآخرَ يؤخِّرُ الإِفطارَ ويؤخِّر الصلاةَ ))
[ مسلم عن أبي عطية ]
الآن في العبادات الأولى أن نعجل هذه الصلاة أم أن نؤخرها ؟ النبي أخر صلاة العشاء، فقضايا العبادات، والصلوات، والصيام، والإفطار، والسحور، هذه أشياء تسمى تأخير تشريعي، هناك تأخير كوني متعلق بالولادة والوفاة، وهناك تأخير تشريعي.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3647/02.jpg
(( قالت: أيُّهما الذي يُعجِّل الإِفطار ويعجِّل الصلاةَ ؟ قال: قلنا: عبد الله بن مسعود، قالت: كذا كان يصنع رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ))
[ مسلم عن أبي عطية ]
إذاً هناك تأخير كوني متعلق بالآجال، وهناك تأخير شرعي، والتأخير الكوني متعلق بالأعمال، الله عز وجل قدم فلاناً وأخر فلاناً، قدم فلاناً في المال، وأخر فلاناً في المال، الأول غني والثاني فقير، قدم فلاناً في العلم، وأخر فلاناً، الأول عالم والثاني أقل علماً، قدم فلاناً في المكانة، رفع ذكره، وأخر فلاناً في المكانة، الأول لامع والثاني خامل، فالله فضلاً عن الآجال المكانة، والغنى، والوسامة، والطلاقة، يقدم أناساً ويؤخر أناساً.
أحياناً امرأة قدمها في الجمال، وأخر هذه في الجمال، أما المؤخرة في الجمال قدمها في العلم وأخر الأولى في العلم، يقدم ويؤخر، هذا التقديم والتأخير الكوني، أما الشرعي شرع لنا أن نقدم الإفطار مباشرة، أن نؤخر السحور، قدم الإفطار وأخر السحور. 2 ـ الله عز وجل يؤخر العذاب بمقتضى حكمته ورحمته ابتلاء لعباده لعلهم يتوبوا إليه:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3647/03.jpg
"المؤخر" الآن معنى جديد، هو الذي يؤخر العذاب، بمقتضى حكمته ورحمته ابتلاء لعباده لعلهم يتوبوا إليه، قبل أن يستحقوا العذاب، الله حليم يرتكب الإنسان معصية يعطيه فرصة.
يروى أن سيدنا عمر أراد أن يعاقب سارقاً، فقال: والله يا أمير المؤمنين إنها المرة الأولى، قال له: كذبت إن الله لا يفضح من المرة الأولى، الله حليم.
بصراحة الإنسان إذا ارتكب ذنباً وأصرّ عليه، وما تاب منه، وتباهى به، وافتخر به يأتي العقاب، أما ارتكب ذنباً الله يعطيه مهلة، فإذا ندم فالندم توبة، إذا أقلع فالإقلاع توبة، فالله عز وجل لا يسمح بإنزال العقاب على عبد إلا بعد أن يصر على ذنبه.
﴿ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا ﴾
( سورة آل عمران الآية: 135 )
تأخير الله عز وجل البلاء لحكمة بالغة:
إذاً الله عز وجل يؤخر البلاء لحكمة بالغة، ولرحمة بالغةٍ لعباده العصاة.
(( ابن آدم اطلبنِي تجدني، فإن وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء ))
[ تفسير ابن كثير]
عباده إن تابوا فهو حبيبهم، وإن لم يتوبوا فهو طبيبهم، يبتليهم بالمصائب ليطهرهم من الذنوب والمعايب، الحسنة عند الله بعشرة أمثالها ويزيد، والسيئة بمثلها ويعفو، والله عز وجل أرأف بعبده من الأم بولدها.
الآية التي تؤكد تأخير العقاب هي قوله تعالى:
﴿ وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ﴾
( سورة النحل )
الله عز وجل خلق الإنسان ليرحمه و يسعده:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3647/04.jpg
أحياناً يقول أحدهم: إن الله عز وجل خلقنا للعذاب، هذا كلام يتناقض مع القرآن الله قال:
﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾
( سورة الذاريات )
الله عز وجل قال:
﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾
( سورة هود الآية: 119 )
خلقهم ليرحمهم، لكن إذا اقتضت حكمته أن يؤدب عبداً سها ولها، ونسي المبتدا والمنتهى، من الحكمة أن يعالجه الله عز وجل قبل أن يموت.
فلذلك ما يرى الإنسان من مصائب تنزل بالناس هي محض رحمة من الله عز وجل لقوله تعالى:
﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾
( سورة السجدة )
المصائب خمسة أنواع:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3647/05.jpg
العلماء قالوا: المصائب خمسة أنواع، نوعان يصيبان أهل الإثم والفجور ونوعان يصيبان المؤمنين، ونوع يصيب الأنبياء والمرسلين، أما مصائب الفجار والمشركين مصائب الردع والقصم، ردع وقصم، إذا فيه بقية خير (واحد بالألف خير) الله عز وجل يرسل له مصيبة يردعه بها عن فجوره، وعن عدوانه، وعن طغيانه، فالأولى مصيبة ردع، أما إذا علم الله أنه لن يرتدع، ولن يؤمن، يرسل له مصيبة يقصمه بها، هاتان المصيبتان مصيبة القصم والردع تصيب أهل الكفر والفجور والعدوان والطغيان، الله عز وجل منتقم، يعني ينتقم من الفاجر، ينتقم من المجرم، ينتقم من العابث، يوقفه عند حدّه، هذه مصائب أهل الفسق والفجور، والطغيان والعدوان، مصائب قصم أو مصائب ردع.
أما المؤمنون:
﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾
( سورة البقرة )
يعني من نعم الله الكبرى أنه يتولانا بالتربية، يتولانا بالعناية المشددة. مصيبة المؤمن مصيبة دفع إلى باب الله أو مصيبة رفع لمقامه:
أنا أقول أيها الأخوة: دائماً المؤمن في العناية المشددة، بل إن رأيت أن الله يتابعك ويحاسبك حساباً دقيقاً على كل ذلة، وعلى كل كلمة، فاشكر الله عز وجل، لأنك في عنايته المشددة، لأنه مطموع بك، لأن المشكلة التي بينك وبينه تحل.
تماماً كما لو أن طبيباً رأى قريبه المريض يعاني في التهاب في المعدة، هذا المرض قابل للشفاء يعطيه حمية قاسية جداً، ويشدد عليه، لأن مرضه قابل للشفاء، أما لا سمح الله ولا قدر لو أن لهذا الطبيب مريض مصاب بورم خبيث منتشر في أمعائه يقول له: كُلْ ما شئت، لأنه لا أمل في شفائه، وهذا معنى قوله تعالى:
﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً ﴾
( سورة الأنعام الآية: 44 )
هذه المصيبة تصيب المؤمنين، مصيبة النقص ﴿ نَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ﴾
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3647/06.jpg
مصيبة الدفع إلى باب الله، مصيبة الحث على مزيد من الطاعة.
لكن هناك مصيبة أخرى، مستقيم، وابتلاه الله بمصيبة ليرفع أجره عنده، مصيبة رفع، بإمكان هذا المؤمن أن يكون بوضع أحسن، والآن جيد، ومستقيم، لكن بإمكانه أن يكون بوضع أعلى من ذلك، يعني له عند الله مكانة، لم ينالها بعمله الصالح، ينالها بصبره على هذا البلاء، فإما أن تكون مصيبة المؤمن مصيبة دفع إلى بابه، أو أن تكون المصيبة مصيبة رفع لمقامه، على كلٍ:
(( عَجَبا لأمر المؤمن ! إنَّ أمْرَه كُلَّه له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابتْهُ سَرَّاءُ شكر، فكان خيراً له، وإن أصابتْهُ ضرَّاءُ صَبَر، فكان خيراً له ))
[أخرجه مسلم عن صهيب الرومي ]
الآن الله عز وجل إذاً يؤخر العقاب من أجل أن يتوب العباد أو من أجل استحقاق العقاب، قال تعالى:
﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ﴾
( سورة إبراهيم )
إذاً الله عز وجل يؤخر العقاب عن المؤمنين المقصرين، وعن الظلام. تعاريف أخرى للمقدم و المؤخر:
بعضهم قال: "المؤخر" هو الذي ينزل الأشياء منازلها، يقدم ما يشاء بحكمته ويؤخر ما يشاء بحكمته.
"المؤخر" دلّ على صفة من صفات الذات، ودلّ على صفة أيضاً من صفات الأفعال، في ذاته مؤخر، وفي أفعاله مؤخر.
وقال بعضهم: "المؤخر" في حق الله تعالى هو الذي يؤخر المشركين، ويقدم المؤمنين، يؤخر العصاة، ويرفع الطائعين.
وقال بعضهم: المقدم و "المؤخر" هو الذي يقدم من شاء، ويؤخر من شاء على بابه، يُطرق بابه يفتح لواحد، ولا يفتح للآخر بحسب حكمته.
بعض الأمثلة عن التقديم و التأخير:
أيها الأخوة، بعض الأمثلة، أبو سفيان زعيم قريش، يحتل أعلى مكانة في قريش، لم يؤمن برسول الله، بل حارب رسول الله، كان مقدماً في قومه بالجاه و المكانة، زعيم قريش، فلما أعرض عن ذكر ربه أخره الله.
تروي بعض الحكايات أنه وقف مرة على باب عمر مدة طويلة، ولم يؤذن له يرى صهيباً وبلالاً يدخلان ويخرجان بلا استئذان، فآلمه ذلك، قال: يا أمير المؤمنين أبو سفيان يقف بابك ولا يؤذن له، وصهيب وبلال يدخلان ويخرجان بلا استئذان، ماذا قال له ؟ قال له: أنت مثلهما ؟ بلال عبد، وصهيب رومي، لكن لأنهما عرفا ربهما قدمهم الله عز وجل، الله يقدم ويؤخر.
امرأة في قصر العزيز، تعرف يوسف عبداً مملوكاً، وقد دخل السجن، فلما رأته عزيز مصر، قالت: سبحان من جعل العبيد ملوكاً بطاعته، وسبحان من جعل الملوك عبيداً بمعصيته.
كل مؤمن خطب ودّ الله واستقام على أمره رفع الله ذكره و قدمه على غيره:
الله يقدم إنساناً يرفعه، فأنا أقول دائماً: المؤمن له من آية:
﴿ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾
( سورة الشرح )
نصيب، كل مؤمن خطب ود الله، واستقام على أمره، وأناب إليه، وأقبل عليه، يرفع الله ذكره، قبل الإيمان ما كان متقدماً، بعد الإيمان الله قدمه، والإنسان الذي كان على شيء من التدين ثم خرق استقامته، والتفت إلى الدنيا، ولم يعبأ بعباداته، كان مقدماً فأخره الله عز وجل.
اثنان قادمان إلى بلدهما من أوربا، نزلا في فندق في بلد أوربي شرقي (روى لي القصة أحدهما) قال لي: طُرق الباب ليلاً، والأمر معروف أحياناً إذا نزيل بفندق هناك نساء منحرفات هن يتحرشن به، قال لي: أنا ما فتحت الباب، صديقي فتح الباب، أي أحدهما ارتكب الفاحشة، والآخر لم يرتكب شيئاً، الذي ما ارتكب خوفاً من الله، سبحان الله بعد عدة سنوات الأول في عمله صاعد، والثاني في عمله هابط، إلى أن ضاق به الأمر سلم المحل وأصبح بلا عمل، واحد صاعد كان مؤخراً فقدمه الله عز وجل، والثاني كان مقدماً فأخره الله عز وجل.
بلال كان عبداً، كان أمية بن خلف يضربه ضرباً مبرحاً، جاء سيدنا الصديق واشتراه منه، قال له صفوان لسيدنا الصديق: والله لو دفعت به درهما لابعتكه، قال له: والله لو طلبت مئة ألف لأعطيتك إياها، ودفع ثمنه، ووضع يده تحت إبطه وقال: هذا أخي، فكان الصحابة الكرام إذا ذكروا الصديق قالوا: هو سيدنا وأعتق سيدنا، يعني بلالاً، معقول عبد حبشي يأتي إلى المدينة فيخرج عمر عملاق الإسلام خليفة المسلمين لاستقباله ؟! هذه مقاييس الإسلام، كان عبداً حبشياً، وكان صهيب رومياً، فلما أسلما وتعرفا إلى الله رفع الله ذكرهما.
فالله يقدم ويؤخر، وأحياناً يؤخر العقوبة لحكمة بالغة، حكمة بالغةٍ بالغة فالإنسان إذا أُخر فلحكمة بالغة، وإذا قُدم فبفضل من الله عز وجل، والدعاء:
" اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارضَ عنا ".
السعيد
09-03-2018, 08:18 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( السابع و السبعون بعد المائة )
الموضوع : اسم الله - المؤخر - 2 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
من أسماء الله الحسنى:(المؤخر):
أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في اسم "المؤخر".
من أصرّ على شيء من خير الدنيا أو الآخرة وكان صادقاً في إصراره أعطاه الله سؤله:
التقديم والتأخير أن يقدم إنسان في المال، وأن يؤخر إنسان آخر في المال، أن يقدم إنسان في الجاه، وأن يكون إنسان آخر في التعتيم، أن يقدم إنسان بالصحة، وأن يؤخر إنسان بالصحة، هذا التقديم والتأخير الذي تؤكده الآية الكريمة:
﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً ﴾
( سورة الإسراء )
هناك تفسير اجتهادي، وأن الإنسان حينما يكون طموحاً في الدنيا أم في الآخرة لقوله تعالى:
﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُوماً مَدْحُوراً * وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً * كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً ﴾
( سورة الإسراء )
المعنى: أن كل إنسان إذا أصرّ على شيء من خير الدنيا أو الآخرة، إذا أصرّ على الدنيا أو على الآخرة وكان صادقاً في إصراره، من سنن الله عز وجل أن يعطيه سؤله ﴿ كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً ﴾
يستنبط أن الإنسان إذا أصرّ أن يكون أولاً في الدنيا الله عز وجل يؤتيه سؤله، وأن الإنسان إذا أصرّ أن يكون أولاً في الآخرة يعطيه سؤله، فالإنسان يعطى قدرات بقدر طلبه، توزع القدرات متعلق بالاختيار، إنسان ليس له أي هدف بالحياة إلا بيت صغير وقدراته العامة تغدو محدودة، إنسان له طموح أن يترك أثراً كبيراً في الحياة، يعطى قدرات أكبر.
فهذا التقديم والتأخير لحكمة بالغةٍ بالغةٍ بالغة. التقديم والتأخير متعلق بطلب الإنسان وطموحه:
التقديم والتأخير متعلق بطلب الإنسان، التقديم والتأخير متعلق بطموح الإنسان، فكلما كان الطموح أكثر آتاه الله لهذا الإنسان من القدرات ما تعينه على تحقيق أهدافه، هذا تفسير اجتهادي بالتفاوت في القدرات بين البشر.
أيها الأخوة، نستنبط أن التقديم متعلق بتطلعات الإنسان، ومتعلق بحكمة الرحمن، ومتعلق بعدالة الله، في عدالة، وفي حكمة، وفي تطلع، وفي طلب.
أيها الأخوة، يستنبط أن الله إذا قدم عليك إنساناً في باب الخير معنى ذلك أن صدقه في فعل الخير أكبر من صدقك، إذا قدم الله عليك إنساناً في العلم، معنى ذلك أن صدقه في تعلم العلم وتعليم العلم أكبر من صدقك.
﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً ﴾
( سورة الأنعام الآية: 115 )
كأن الله سبحانه وتعالى يقول: منكم الصدق ومني العدل، يتفاوتون عندي بالصدق. الصدق و العدل كلمتان تحكمان العلاقة بين الله وبين عباده:
أحياناً الله عز وجل يجري على يد إنسان إنجازاً كبيراً جداً قد يفوق إمكاناته، لكن يتناسب مع صدقه، منكم الصدق ومني العدل، كلمتان تحكمان العلاقة بين الله وبين عباده، أنتم تتفاوتون بالصدق، وأنا أعاملكم بالعدل، فإذا وجدت إنساناً مقدماً عليك في المال، أو في الجاه، أو في العلم، أو في العمل الصالح، معنى ذلك صدقه في طلب المال أكبر من صدقك، وصدقه في أن يكون ذا مرتبة علية أكبر من صدقك، وصدقه في أن يكون معطاءً أكبر من صدقك،
﴿ كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً ﴾
هذا موضوع المقدم و "المؤخر" فيماا يتعلق بالحظوظ، بحظك من المال، بحظك من الجاه، بحظك من فعل الخير، بحظك من العلم. من معاني المؤخر:
1 ـ الذي قدم الأبرار وأخر الفجار:
لكن من معاني "المؤخر"، "المؤخر" هو الذي قدم الأبرار، وأخر الفجار، قد يكون الفاجر ذكياً لكنه لأنه فاجر يؤخره الله، وقد يكون البار محدوداً لكن الله يقدمه.
"المؤخر" هو الذي قدم الأبرار، وأخر الفجار، قدم الأبرار وشغلهم به، وأخر الفجار وشغلهم بالأغيار، أحياناً ينشغل الإنسان بربه.
(( مَن شَغَلَهُ قراءةُ القرآن عن مسألتي أعطيتُهُ أفضلَ مَا أُعْطِي السائلين ))
[أخرجه الترمذي عن أبي سعيد الخدري ]
2 ـ الذي قرب أنبياءه و أحبابه و أبعد أعداءه:
بعضهم قال: المقدم و "المؤخر" هو الذي يقرب ويبعد، يقرب أحبابه، ويبعد أعداءه.
لذلك أكبر عقاب يناله الإنسان من الله عز وجل الحجاب، يُحجب عن الله، يبعده الله، يؤخره فهو "المؤخر"، المنحرف غير المؤمن، غير المستقيم، الذي يعيش لذاته، الذي يؤذي خلقه، هذا يُحجب ويُبعد ويؤخر لأن الله هو "المؤخر".
وأكبر مكافأة ينالها أحبابه أن الله سبحانه وتعالى يتجلى على قلوبهم ويقربهم فهو المقدم، يقدم، ويؤخر، بحكمة، بعدل، باستحقاق.
وقال بعضهم: المقدم و "المؤخر" يقرب أنبياءه، وأولياءه، وأحبابه، يقربهم ويهديهم، ويؤخر أعداءه بإبعادهم وضرب الحجاب بينه وبينهم.
3 ـ الذي أخر قوماً تكبروا بغير الحق:
الله تعالى هو "المؤخر"، أي أنه يؤخر قوماً تكبروا بغير الحق، من يستطيع أن يتكبر بالحق ؟ الله وحده، لأنه صمد، ذاتي الوجود، ليس وجوده متعلقاً بجهة أخرى، أما الذي يتكبر بغير الحق هو الإنسان الضعيف، الذي هو في قبضة الله، يعني حجم الإنسان، مكانته، قدراته الكبيرة متعلقة بقطر شريانه التاجي، فإذا سُدّ هذا الشريان كتبت النعوة، أكبر إنسان، أقوى إنسان، أضخم إنسان، متعلق بسيولة دمه، فإذا تجمدت قطرة دم لا تزيد عن رأس دبوس في أحد أوعية الدماغ، في مكان أصيب بالشلل، في مكان أصيب بالعمى، في مكان أصيب بفقد الذاكرة.
الإنسان هو الذي يتكبر بغير حقٍّ:
الإنسان بحجمه الكبير، بقوته، وهيمنته، وجبروته متعلق بنمو خلاياه، فإذا نمت نمواً عشوائياً انتهت حياته.
فالذي يتكبر بغير حق هو الإنسان، لذلك قال تعالى، انظر إلى اسم "المؤخر":
﴿ سَأَصْرِفُ عَنْ آَيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آَيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ﴾
( سورة الأعراف الآية: 146 )
﴿ سَأَصْرِفُ عَنْ آَيَاتِيَ ﴾
الدالة على عظمتي.
سبيل الرشد يحد من شهواتهم، يحد من حركتهم، يمنعهم أن يعتدوا على الآخرين، يمنعهم أن يأخذوا أموال الآخرين، يمنعهم أن يعتدوا على أعراضهم ﴿ وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ﴾
﴿ وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ ﴾
( سورة الأعراف الآية: 146 )
يقول لك: العلمانية حضارة، لأنه فيها تفلت، لك أن تفعل ما تشاء، لك أن تأكل أموال الناس بالحق وبغير الحق، لك أن تمارس كل الشهوات.
﴿ وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ ﴾
( سورة الأعراف )
المتواضع يرى نفسه لا شيء أمام الذات الإلهية و المتكبر لا يرى الله إطلاقاً:
لذلك هؤلاء الذين تكبروا بغير الحق الله عز وجل يؤخرهم.
﴿ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآَخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ ﴾
( سورة الأعراف الآية: 147 )
معنى حبط العمل باللغة حبط: انتفخ وتورم من علة أو مرض، ذاته متضخمة، يرى نفسه فوق الآخرين، هذه الغطرسة، والكبر، والاستعلاء، والبعد عن الله، لا يوجد إنسان يؤمن بالله إلا ويتواضع، يرى نفسه لا شيء أمام الذات الإلهية، أما المتكبر لا يرى الله إطلاقاً، يرى نفسه.
لذلك هناك مصطلح جديد تأله الإنسان، الإنسان المعاصر بإنجازات معينة، إنجازات تقنية، أو إنجازات علمية، ألّه نفسه، ورأى نفسه نداً للخالق، يقول لك استنسخنا نعجة، هناك مئتان و خمس و ثمانون حالة لم تنجح سابقاً، وهذه النعجة أصيبت بشيخوخة مبكرة غير معقولة، لأنهم أرادوا طريقاً للخلق غير الطريق الذي رسمه الله عز وجل. الله المؤخر يؤخر بعض عباده تأخيراً جزائياً:
كل شيء الله عز وجل صممه إن صحّ التعبير هو الكمال المطلق، وأي عدول عن تصميم الخالق نحو الأسوأ، لكن الإنسان يتأله:
(( رسولُ الله صلى الله عليه وسلم رأى في أصحابه تأخُرا، فقال لهم: تقدَّمُوا فأتَمُّوا بي، وليأتَمَّ بكم مَنْ بَعْدَكم، ولا يزالُ قومُ يتأخرُونَ حتى يؤخِّرُهم الله ))
[ مسلم عن أبي سعيد الخدري]
الملمح دقيق جداً، متى أخرك الله ؟ هو "المؤخر" حينما تأخرت أنت، تأخير الله هو تجسيد لرغبتك في التأخر.
ينام ولا يفكر أن يصلي الفجر في وقته، فعلاً بعد حين لا يستيقظ أبداً، يقول لك لا أصحو، أنا لا أستيقظ، لما أراد ألا يصلي الفجر أخره الله عز وجل.
(( لا يزالُ قومُ يتأخرُونَ حتى يؤخِّرُهم الله ))
[ مسلم عن أبي سعيد الخدري]
صار الله "المؤخر" تأخيراً جزائياً مبنياً على تأخر اختياري، الله "المؤخر" يؤخر بعض عباده تأخيراً جزائياً مبنياً على تأخر اختياري. المؤمن يقدم ما قدمه الله ويؤخر ما أخره الله:
الآن إذا الله عز وجل قال:
﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ﴾
( سورة النساء الآية: 34 )
فإذا قدم الله الرجال في قيادة الأسرة، وجعلهم قوامين على النساء، الآن أي إنسان يقدم المرأة في القوامة فقد قدم ما أخره الله، وأي إنسان يؤخر الرجل في القوامة فقد أخر ما قدمه الله، فالمؤمن يقدم ما قدمه الله، ويؤخر ما أخره الله، آية ثانية:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ﴾
( سورة الحجرات )
طبعاً هذه الآية في حياة النبي لها معنىً معيناً، لكن بعد انتقال النبي إلى الرفيق الأعلى هناك معنى آخر، أنت حينما ترفع صوتك فوق صوت السنة، وترى أن هذه السنة لا تصلح لهذه الأيام، هذه السنة تصلح لعصر الصحراء والجمل، لا تصلح لعصر الكومبيوتر والفضائيات، أنت حينما تتهم السنة أنها لا تلبي حاجات العصر رفعت صوتك فوق صوت النبي، أيضاً إذا قدمت شيئاً لا يرضي الله على سنة رسول الله أنت قدمت ما أخر الله، حينما تؤخر سنة رسول الله عما تستحق من تقدم فقد فعلت ما لا يرضي الله. على المؤمن أن يحذر من تقديم ما أخره الله ولو اجتمع الخلق على تقديمه:
أيها الأخوة، ينبغي لمؤمن آمن بهذا الاسم "المؤخر" أن يحذر من تقديم ما أخره الله، ولو اجتمع الخلق على تقديمه، قد يجتمع الخلق على تقديم شيء، على تقديم لعبة الكرة مثلاً، أما أن تصبح هذه اللعبة ديناً، الإنسان يحدد خصومه من خلال انتصار فريق على فريق، الرياضة مطلوبة، ومقبولة، وضرورية لكن لا أن تكون ديناً، فإذا قُدمت على أنها دين هناك مشكلة كبيرة.
الأزياء ليس من المعقول مصمم أزياء ليس مسلماً، يصمم أزياء فاضحة لنساء المسلمين أنت جعلته مشرعاً، إذا كان نمط الثياب هكذا أن تكون ضيقة، أو أن تكون مظهرة لمفاتن المرأة، ونحن خاضعون لهذا المصمم، أنت قدمت إنساناً لا وزن له عند الله ورجحت مكانته على شرع الله القاضي بالتستر.
لذلك المؤمن الذي آمن بأن الله هو "المؤخر" وهو المقدم، ليحذر أشد الحذر من تقديم ما أخره الله، ولو اجتمع الخلق على تقديمه، أو أن يؤخر ما قدمه الله، ولو اجتمع الخلق على تأخيره، فإن الدنيا ملك لله لا لهم، ودخول الجنة بإذن الله لا بإذن مصممي الأزياء، بإذن رب السماوات والأرض.
كل إنسان محاسب على عمله يوم القيامة:
أيها الأخوة، هذا الاسم دقيق جداً "المؤخر"، بعض الناس يقدم مصالحه على دينه هذا قدم ما حقه التأخير، وأخر ما حقه التقديم، بعض الناس يقدم دخل مشبوه على النزاهة والاستقامة، أخر النزاهة والاستقامة، وقدم الدخل المشبوه، بعض الناس يقدم ما ينفعه في الدنيا ولكن يغضب ربه، ويؤخر ما ينفعه ويغضب ربه.
لذلك الله عز وجل قال:
﴿ يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ ﴾
( سورة القيامة )
قدمت صفقة فيها بضاعة مشبوهة، فيها بضاعة محرمة، لكن أرباحها طائلة، قدمت صفقة على طاعة الله، يقدم الغش على الاستقامة على أمر الله، الإنسان أحياناً يقدم شهوته على طاعة ربه، يقدم على كسب مال غير مشروع، يقدمه على طاعة ربه، كل إنسان يوم القيامة ﴿ يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ ﴾
جاءك خاطبان لابنتك، الأول غني، ووسيم، ومتألق، لكن دينه صفر، والثاني شاب مؤمن، مستقيم، طائع لله، لكن دخله قليل محدود، فالناس يقدمون هذا على ذاك، قدم ما ينبغي أن يؤخر، وأخر ما ينبغي أن يقدم، ﴿ يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ ﴾
هذا فضلته وهذا أهملته، هذا أعطيته وهذا منعته، هذه الشهوة فعلتها بخلاف منهج الله، وهذه الطاعة تركتها بخلاف منهج الله، قال تعالى: ﴿ يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ ﴾
﴿ بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ﴾
( سورة القيامة )
المؤمن الصادق يقدم ما يرضي الله ويؤخر ما يغضبه فهو أسعد إنسان في الدنيا:
أيها الأخوة، الإنسان يقدم ويؤخر، قال تعالى:
﴿ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ ﴾
( سورة الحجر )
الذين يتقدمون للطاعات، وللأعمال الصالحات، ولخدمة البشر، هؤلاء يعلمهم الله، والذي يؤخرون عطاءهم عمن يستحقه، يؤخرون عملهم عمن يستحقه، أيضاً يعلمهم الله ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ ﴾
وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
(( اللَّهمَّ ربِّ اغْفِر لي خَطِيئَتي وجَهلي، وإسرَافي في أمري، وما أَنت أَعلم به مني، اللَّهمَّ اغْفِر لي جِدِّي وهَزْلي، وخَطَئي وعَمْدي، وكلُّ ذلك عندي، اللَّهمَّ اغْفِر لي ما قَدَّمتُ وما أخَّرتُ ـ وما من حقه التأخير ـ اللَّهمَّ اغْفِر لي ما قَدَّمتُ وما أخَّرتُ، وما أسْرَرتُ وما أَعلنتُ، وما أنْتَ أعْلَمُ به مني، أنتَ الْمُقَدِّمُ، وأنت المُؤخِّرُ، وَأَنتَ على كلِّ شيءٍ قَدِيرٌ ))
[البخاري عن أبي موسى الأشعري]
بطولة المؤمن أن تكون مقاييسه وفق مقاييس القرآن الكريم:
لذلك المؤمن الصادق يقدم ما يرضي الله ويؤخر ما يغضبه، يقدم الصالحات ويؤخر الشهوات، إذا فعل ذلك فهو أسعد إنسان في الدنيا، أن تقدم ما قدمه الله، وأن تؤخر ما أخره الله، أن تأتي مقاييسك وفق مقاييس القرآن، أي:
﴿ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾
( سورة آل عمران )
لا يوجد إنسان إلا وعنده مقاييس، بطولة المؤمن أن تكون مقاييسه وفق مقاييس القرآن الكريم، الله عز وجل قال:
﴿ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾
( سورة الزمر الآية: 9 )
الله عز وجل يقول:
﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ﴾
( سورة المجادلة الآية: 11 )
الله عز وجل يقول:
﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ﴾
( سورة الأنعام الآية: 123 )
من قدم ما حقه التأخير يؤدبه الله عز وجل إذا كان مؤمناً:
المؤمن يقدم ما حقه التقديم، ويؤخر ما حقه التأخير، والمؤمن يتخذ مقاييس متوافقة مع مقاييس القرآن.
إنسان عليه زكاة مال (القصة وقعت في الشام)، رجل أعرفه زكاة ماله تقدر بعشرة آلاف و أربعمئة و خمسين ليرة، زوجته ضغطت عليه من أجل طلاء البيت، وتجديده، عليه زكاة يجب أن يؤديها، والبيت بحاجة إلى طلاء من أجل تجديده، من شدة الضغط الذي تلقاه من زوجته قدم طلاء البيت على دفع زكاة ماله، هذا الذي حصل، له مركبة، صار معه حادث، يقسم لي بالله: كلفة إصلاح المركبة وطلائها، وثمن القطع قدر بعشرة آلاف و أربعمئة و خمسين ليرة بالضبط، الرقم متطابق مع زكاة ماله مئة بالمئة، هو قدم طلاء البيت استجابة لضغط زوجته على أداء الزكاة وهي فرض فعاقبه الله عز وجل بحادث، دفع هذا المبلغ الذي يساوي الزكاة تماماً على إصلاح مركبته ديناً.
فلذلك الإنسان إذا قدم ما حقه التأخير يؤدبه الله عز وجل إذا كان مؤمناً، وإذا أخر ما حقه التقديم إذا كان مؤمناً الله يؤدبه.
فالبطولة أن تقدم ما قدمه الله، وأن تؤخر ما أخره الله، وأن ترعى حق الله وحق الناس، وأن تأتي مقاييسك متوافقة مع مقاييس القرآن الكريم، عندئذٍ تكون قد استفدت من اسم المقدم و "المؤخر"، الله مقدم ومؤخر.
السعيد
09-03-2018, 08:21 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الثامن و السبعون بعد المائة )
الموضوع : اسم الله - المقتدر - 1 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى:(المقتدر):
أيها الأخوة الأكارم، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "المقتدر".
ورود اسم المقتدر في القرآن الكريم :
اسم الله "المقتدر" سمّى الله نفسه به، في قوله تعالى:
﴿ وَلَقَدْ جَاءَ آَلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ * كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ ﴾
( سورة القمر )
وقال أيضاً:
﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ﴾
( سورة القمر )
ورد:
(( ابتغوا الرفعة عند الله ))
[كنز العمال عن ابن عمر]
الإنسان أحياناً يصل إلى الرفعة عند الناس، لكن هذه الرفعة زائلة، يموت ينتهي كل شيء، الموت ينهي كل شيء، ينهي قوة القوي، ينهي ضعف الضعيف، ينهي وسامة الوسيم، ينهي دمامة الدميم، ينهي غنى الغني، ينهي فقر الفقير، ينهي صحة الصحيح ، ينهي مرض المريض، ينهي كل شيء، ولكن الذي عرف الله، واستقام على أمره، وتقرب إليه له يوم القيامة ﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ﴾
ورود اسم المقتدر في الآيتين التاليتين مطلقاً منوناً مقترناً بالعلو والفوقية:
الاسم أيها الأخوة، ورد في الآيتين مطلقاً منوناً، وقد ورد مقترناً بالعلو والفوقية، العلو والفوقية تزيد الاسم إطلاقاً على إطلاقه، فقال تعالى:
﴿ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً ﴾
( سورة الكهف )
أنت إذا عرفت الله أنت مع من ؟ أنت مع القوي، أنت مع القادر، أنت مع القدير، أنت مع "المقتدر"، قادر، قدير، مقتدر، كل شيء بيده.
﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ﴾
( سورة الزمر الآية: 67 )
أقوى الأقوياء في الدنيا في قبضته، كن فيكون، زل فيزول ﴿ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً ﴾
كمال على كمال، هذه الآية بمفردها كافية في إثبات اسم "المقتدر"، ولم يرد هذا الاسم في حديث ثابت. المقتدر في اللغة:
أما في اللغة، "المقتدر" لغة اسم فاعل من اقتدر، يقتدر، اقتداراً، فهو مقتدر، الأصل قدّر، أصل اقتدر قدّر، يقدر، أصل الأصل قَدَر، قَدرَ ثلاثي، وأفعال اللغة العربية في الأصل بنيت على الثلاثي، الثلاثي فعل مجرد، الرباعي مزيد بحرف، الخماسي مزيد بحرفين، السداسي مزيد بثلاثة أحرف، قَدرَ، قَدّر، اقتدر خماسي.
هو أكثر مبالغة من القادر والقدير، "المقتدر" الوسط في كل شيء بالأساس "المقتدر" وسط في كل شيء، رجل مقتدر الخلق أي وسطه معتدل، كامل الأوصاف كما يقولون، ليس بالطويل ولا بالقصير.
و "المقتدر" على الشيء هو المتمكن منه تمكن إحاطة وقوة تامتين، والمهيمن عليه بإحكام كامل وقدرة فائقة، أحياناً يكون بمكان رجل قوي متمكن، معلوماته دقيقة جداً ، معه سلطة مطلقة، نقول هذا الرجل في هذا المكان هو الرجل الأول، أو القوي، أو القادر ، أو القدير، أو "المقتدر"، لا يعصى له أمر.
قال البيهقي: "المقتدر" هو التام القدرة الذي لا يمتنع عليه شيء، أحياناً يكون الحاكم قوياً مقتدراً في بلده طبعاً، أما في بلاد أخرى ليس له عليها أي سلطة، قدرته ليست هامة، الآية الكريمة:
﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ﴾
أي ما عرفوه حقّ معرفته، ما وصفوه حقّ صفته. المقتدر يقتدر على الأقوياء لا على الضعفاء فقط:
الآن قَدره أي عرفه، قَدره من التقدير، وقَدره من التعظيم، ومنها ليلة القدر:
﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ﴾
( سورة القدر )
في هذه الليلة قدر الإنسان فيها ربه، لذلك إذا قدرت ربك وعرفته خير لك من ألف شهر، ألف شهر يقدر بثمانين عاماً عبادة جوفاء، أما هذه الليلة التي عرفت فيها الله عز وجل تعدل عند الله أن تعبده ألف شهر.
"المقتدر" أيضاً من الاقتدار، وهو الاستيلاء على كل ما أعطاه الله حظاً من قدرة.
"المقتدر" يقتدر على الأقوياء لا على الضعفاء فقط، يقتدر على أقوى الأقوياء.
أيها الأخوة، و "المقتدر" القادر لما في البناء، لما في معنى التكلف والاكتساب ، الآن كتب غير اكتتب، كتب لمرة وحدة، أما اكتتب جعل الكتابة له حرفة، يعني اكتتب مكتتب، محترف، متفوق، يعلم أسرار الكتاب، عبارته متينة، ناصعة، فيها بلاغة. المقتدر بدايته من التقدير ونهايته من القدرة:
الآن إذا قلنا الله "المقتدر" ما معنى ذلك ؟ قال: الله "المقتدر" هو الذي يقدر الأشياء بعلمه، وينفذها بقدرته، علمه مطلق، وقدرته مطلقة.
فالمقتدر يجمع دلالة اسم الله القادر والقدير معاً، اسم الله القادر هو الذي يقدر المقادير بعلمه، وعلمه المرتبة الأولى لقضائه وقدره، والله قدر كل شيء قبل تصنيعه وتكوينه، ونظم أمور الخلق قبل إيجاده وإمداده، فالقادر يدل على التقدير.
عفواً، هذا المسجد، المهندس يقول لك: يحتاج إلى كذا طن و780 كيلو، و450 غرام إسمنت، لا يوجد مهندس بالأرض يستطيع أن يعطي التقدير الدقيق، يقول لك: بحدود خمسين طن مثلاً، بحدود، أحياناً يزيد، أحياناً ينقص.
التقدير الأول العلم المسبق، الدقيق، فالمقتدر من التقدير من العلم الدقيق، و "المقتدر" من القدرة من القوة التامة، علم وقدرة، تخطيط وتنفيذ.
القدير هو الذي يخلق بقدرته المطلقة وفق علم سابق، أحياناً يكون في تخطيط دقيق جداً، يأتي التنفيذ مطابقاً للتخطيط مئة بالمئة.
إذاً "المقتدر" فيه معنى العلم المسبق، القطعي، المطلق، الكامل، ومعنى القدرة القوية، المطلقة التي تنفذ هذا التخطيط.
أحياناً الإنسان يخطط، لكن لا يستطيع أن ينفذ، الآن نقول عن أعدائنا: ما كل شيء خططوه استطاعوا تنفيذه، إذاً قدرتهم ليست تامة، إما أن تقديرهم كان خاطئاً، أو أن التقدير جيد لكن نشأ مستجدات لم تكن في الحسبان، الآن أعداء المسلمين الأقوياء فقدوا الحسم، كانوا فيما مضى يخططون، وينفذون، ويحسمون الأمر لصالحهم، وانتهى الأمر، الآن يخططون، يبدؤون في التنفيذ، تنشأ مستجدات تحول بينهم وبين التنفيذ، إذاً ليسوا مقتدرين الله وحده "المقتدر"، فإذا كنت معه من يستطيع أن يصل إليك ؟ من يستطيع أن ينال منك ؟ إذا كنت مع القوي فأنت القوي.
فالمقتدر بدايته من التقدير، ونهايته من القدرة.
المقتدر لا يعجز عن شيء فكل شيء بيده:
أيها الأخوة، الجمع بين اسم الله القادر والقدير معاً هو أبلغ منهما في الدلالة على الوصف، يعني هناك قادر اسم فاعل، قدير اسم فاعل مبالغ به فعيل، مقتدر أبلغ من قادر ومن قدير، أي "المقتدر" أعلى درجة.
﴿ وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً ﴾
( سورة الكهف )
من أين تأتي قوة المسلم الحقيقية ؟ أنه مع "المقتدر"، أن "المقتدر" ينصره، يؤيده، يحفظه، يهزم أعداءه، من هنا لا يوجد حل لمشكلات المسلمين إلا أن يصطلحوا مع "المقتدر" لأنه "المقتدر" على أعدائه.
وقالوا: "المقتدر" هو "المقتدر" على كل شيء من الأشياء، يحييه ويفنيه بقدرته، لا يعجز عن شيء، قال تعالى عن فرعون وقومه:
﴿ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ ﴾
( سورة القمر )
أقوى الأقوياء بيد الله، كن فيكون، زل فيزول. اعتماد الإنسان على الوسيلة وهذا أحد أسباب ضعفه:
قال بعض العلماء: "المقتدر" هو المتمكن من الفعل بلا واسطة، أنت متمكن أن تصل إلى حلب، ولكن بواسطة سيارة، متمكن أن تصل إلى أمريكا لكن بالطائرة، متمكن أن تجلب الماء، لكن بعد حفر بئر، فالإنسان يعتمد على الوسيلة، وهذا أحد أسباب ضعفه، الإنسان ما عنده كن فيكون، هناك شح مياه، لا يملك الإنسان قراراً بإنزال المطر، أما الله عز وجل كن فيكون، زل فيزول.
كنا في بلد في إفريقيا أمطار هذا البلد في الليلة الواحدة ضعف أمطار دمشق بعام بأكمله،
﴿ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً ﴾
﴿ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﴾
( سورة الأنبياء )
انتهت الآية، فرعون وراء سيدنا موسى وقومه، والبحر أمامه، فرعون قوي ، جبار، متكبر، حاقد، متغطرس، وسيدنا موسى نبي من أولي العزم، ضعيف، معه شرذمة من بين إسرائيل خائفون.
﴿ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾
( سورة الشعراء )
بحر أصبح طريقاً يبساً، مشوا فيه فلما خرجوا منه تبعهم فرعون في منتصف الطريق عاد الطريق بحراً. من كان مع الله كان الله معه:
أنا أعتقد أن أقوى الأقوياء بثانية ينتهي عند الله، لا تقلق الأمر بيد الله عز وجل، يعني هؤلاء الذين رفعوا شعار لا إله، وعاشوا سبعين عاماً ينشرون الإلحاد في الأرض، من دون حرب، من دون أي مواجهة، هذا الكيان تداعى من الداخل.
﴿ وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ ﴾
( سورة الأحزاب الآية: 25 )
كن فيكون، زل فيزول، بالمناسبة: يوجد ببعض معامل الحديد رافعات كهربائية، رافعة حولها وشيعة كهربائية، الوشيعة الكهربائية تمغنط المكان، فهذه الرافعة تسري بها الكهرباء تصبح عندها قوة جذب، توضع فوق كتلة حديد كبيرة جداً، تجذبها، ترفعها لتنقلها من مكان إلى مكان، الآن دققوا: لا يملك الإنسان قوة الإنسان لينزع قطعة منها، أما العامل على هذه الرافعة معه مفتاح إذا ضغطه واحد على عشرة من الميلي، وقطع الكهرباء كله يسقط.
والأقوياء كذلك يحتاجون من الله إلى أمر، يملأ الدنيا رعباً، وطغياناً، وغطرسة، يصبح على المنفسة أربع سنوات ونصف، ولم يمت بعد.
هذا مقتدر، أما إذا كنت مع "المقتدر"، إذا كنت مع الله كان الله معك.
كن مع الله ترَ الله معك واترك الكل وحاذر طمعك
وإذا أعطـاك من يمنعه ثم من يعطي إذا ما منعك
* * *
الله عز وجل قادر على إصلاح الخلائق على وجه لا يقدر عليه إلا هو:
"المقتدر" هو المتمكن من الفعل بلا واسطة، فالعلة الغائية لا تليق بجلال الله عز وجل، نحن كبشر مقهورون بالوسيلة، نخترع ميكروسكوب كي نرى ما لا تراه عيننا ، فنحن رأينا الأشياء الدقيقة بواسطة، ونخترع تليسكوباً لنرى النجوم البعيدة التي لا تراها أعيننا، فنحن كبشر مقهورون بالواسطة.
أيها الأخوة، لذلك ينبغي لهذا الإنسان أن يعرف الله، لأن "المقتدر" هو الذي يقدر على إصلاح الخلائق على وجه لا يقدر عليه إلا الله.
أعرف رجلاً عنده ابن منحرف انحرافاً شديداً، جعل حياة أسرته جحيماً لا يطاق انحراف، ورعونة، ووقاحة، ما في قوة تهيمن على هذا الشاب، لكن أثناء قيادته للمركبة دهس طفلة وتوعده أهلها بالقتل، فقبع في البيت، لم يكن هناك أي قوة تقهر هذا الشاب، يتطاول على والده، وعلى أمه، وعلى أقربائه، وعلى من معه في العمل، لا يصوم، يفطر جهاراً، وقح، فبهذا الحادث أصبح ذليلاً خائفاً يتوارى عن الأنظار.
من لم يستجب لله هيأ الله له علاجاً مراً:
أحياناً الإنسان لا تستطيع أن توجهه إطلاقاً، الله يهيئ له علاجاً مراً، لذلك حينما قال الله عز وجل لنبينا:
﴿ ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً ﴾
( سورة المدثر )
إن لم يستجب لك دعه لي، شيء مخيف، ﴿ ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً ﴾
﴿ وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَمْدُوداً * وَبَنِينَ شُهُوداً * وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآَيَاتِنَا عَنِيداً * سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً * إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ * سَأُصْلِيهِ سَقَرَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ * لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ * عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ ﴾
( سورة المدثر )
سرّ محبة الناس والتفافهم حول القوي لا لأنه قوي بل ليحتمون بقوته:
الإنسان يحب القوي بصراحة، هذا شيء من طبعه، ومن فطرته، أي إذا وجد إنسان قوي في مجموعة من الناس، ترى الناس يلتفون حوله، ويرمقونه بأبصارهم ، ويدعونه لولائمهم، ويقدمون له الهدايا اتقاء لشره، من أجل أن يطمئنوا إلى أنه لن يسحقهم، هذا شأن البشر، القوي يقدسونه، يعظمونه، ينافقون له، خوفاً منه، وقد قال عليه الصلاة والسلام شر الناس من اتقاه الناس مخافة شره .
هناك تعبير في دمشق مشهور: نوم الظالمين عبادة، ينام الظالم يريح الناس والنبي الكريم حينما رأى جنازة قال:
(( مستريح، أو مُسْتَراح منه، فقالوا: يا رسول الله ما المستريحُ، وما المستَراح منه ؟ فقال: العبد المؤمنُ يستريح من نَصَب الدنيا، والعبد الفاجرُ: يستريح منه العبادُ والبلادُ، والشجر والدواب ))
[ أخرجه البخاري ومسلم والنسائي ومالك عن أبي قتادة ]
فالإنسان يحب القوي، الحقيقة سرّ محبة الناس والتفافهم حول القوي، لا لأنه قوي بل ليحتمون بقوته، لأنه يلبي عندهم حاجة. المؤمن واثق من المستقبل لأنه مع القوي سبحانه:
الآن المؤمن لماذا هو لا ينافق ؟ لأنه مع القوي، لماذا هو واثق من المستقبل ؟ لأنه مع القوي.
﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا ﴾
( سورة التوبة الآية: 51 )
مستحيل أن تكون مع القوي وتكون ضعيفاً، أحياناً يكون في شرطي مع وزير يمشي بالعرض، يقول أنا سائق الوزير، يستمد قوته من قوة الوزير، يمكن يتطاول على أكبر الموظفين بالوزارة، أنا سائق الوزير، فالإنسان الضعيف أحياناً يستمد قوته من القوي.
الآن مثلاً ببعض المجتمعات طفل صغير لا تستطيع أن تكلمه كلمة واحدة هو ضعيف جداً لكن أباه قوي جداً، الطفل ضعيف، يمكن أن تضربه، أن تسحقه، ولكن تخشى والده، فهذا الطفل ليس قوياً بذاته، هو قوي بقوة أبيه، هذا في شيء من واقع الحياة قوي بقوة أبيه لا بذاته.
المؤمن سرّ قوته ـ على الرغم من ضعفه ـ أنه يستمدها من الله، فإذا أردت أن تكون أقوى الأقوياء فتوكل على الله، إذا أردت أن تكون أقوى الأقوياء معك سلاح الدعاء، سلاح الدعاء يجعلك أقوى من الأقوياء، إذا كان الله معك فمن عليك، وإذا كان عليك فمن معك ؟ سيدنا هود تحدى قومه، قال:
﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾
( سورة هود )
أساس العلاقة بين الإنسان و ربه التوكل على الله:
ملخص الملخص: هناك وحوش مفترسون، لكن مربوطون بأزمة محكمة، بيد قوي، منصف، رحيم، الإنسان الضعيف علاقته ليست مع الوحوش، مع الذي بيده أزمتها، فإذا رضي الله عنك أبعدهم عنك، وإذا غضب عليك أرخى بعض الحبال فوصلوا إليك
﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾
كن مع الله ترَ الله معك واترك الكل وحاذر طمعك
وإذا أعطـاك من يمنعه ثم من يعطي إذا ما منعك
* * *
هذه ملة طه خذ بها.
السعيد
09-03-2018, 08:23 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( التاسع و السبعون بعد المائة )
الموضوع : اسم الله - المقتدر - 2 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى:(المقتدر):
أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في اسم "المقتدر".
الله عز وجل خلق كل شيء بقدر لحكمة بالغة:
الله عز وجل يقول:
﴿ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ﴾
( سورة القمر )
بتقدير دقيق، "المقتدر" من معانيها التقدير، حاسة البصر لها حساسية معينة فلو زادت هذه الحساسية لرأيت البكتريات في الماء فلم تشرب الماء، لرأيت هذا الجلد أخاديد، ونتوءات، وحفر، وغابات من الشعر، لا تستطيع أن تنظر إلى إنسان، ﴿ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ﴾
السمع: لو أن الموجة الصوتية لا تتخامد لكانت الحياة في الأرض لا تحتمل ، أصوات أمواج البحر في كل مكان، كل أصوات الأرض تصل إلى كل أنحاء الأرض، لكن لحكمة بالغةٍ بالغة أن الموجة الصوتية تتخامد، هذا المكان فيه هدوء، الشارع التحتي فيه ضجيج، الضجيج لا يصل إلى هنا، الموجة الصوتية تتخامد، بينما الموجة الكهرطيسية لا تتخامد.
أرسلوا مركبة إلى المشتري، سارت بأسرع سرعة صنعها الإنسان، أربعون ألف مايل في الساعة، بقيت تمشي ست سنين، إلى أن وصلت إلى هناك، وأرسلت رسائل عن طريق الموجات الكهرطيسية، هذه الموجات لا تتخامد، حكمة الله من تخامد الموجة الصوتية الحياة تحتمل في الأرض، ساكن بشارع بعيد عن الشارع الرئيسي، الجو هادئ لأن الموجة الصوتية تتخامد، ﴿ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ﴾
أحياناً الإنسان أثناء قص أظافره، يأخذ من مكان ينبغي ألا يأخذ منه، فإذا أكل طعاماً فيه حمض تحرقه يده، فلو كانت حساسية الجلد بأعلى مستوى الحياة لا تحتمل.
فحينما يقول الله عز وجل ﴿ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ﴾
هذا من التقدير. المقتدر من التقدير أو من القدرة:
إذاً "المقتدر" من التقدير، و "المقتدر" من القدرة، إما من التقدير، أو من القدرة.
﴿ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ ﴾
( سورة الأنعام الآية: 65 )
الصواعق قديماً، والآن الصواريخ. ﴿ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ ﴾
( سورة الأنعام الآية: 65 )
الزلازل قديماً، وحديثاً، والألغام. ﴿ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ﴾
( سورة الأنعام الآية: 65 )
الحرب الأهلية، أشد الحروب قساوة في تاريخ البشرية ليست الحرب بين فريقين متعاديين، الحرب في الأمة الواحد، في البلد الواحد، هي الحرب الأهلية، ﴿ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ﴾
الإنسان حينما يبطش يبطش بعنف ما بعده عنف، قال تعالى: ﴿ وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ ﴾
( سورة الشعراء )
الله عز وجل قادر، وقدير، و "المقتدر" والاقتدار إما من التقدير الدقيق، أو من القدرة. الإحساس بالقوة من لوازم الإيمان بالمقتدر:
أيها الأخوة، المؤمن إذا كان مع "المقتدر" يشعر بالقوة، المؤمن ضعيف لكن هو يستمد قوته من "المقتدر"، يشعر بقوة إذاً لا ينافق، يشعر بقوة إذاً لا يتضعضع أمام القوي الغني، يشعر بقوة يرفع رأسه عالياً، يشعر بقوة بسبب أن مصيره بيد الله، وأن الله جلّ جلاله لم يسلم الأعمار والأرزاق لبني البشر، العمر والرزق بيد الله.
أحد التابعين قال له الحجاج: سأقتلك، قال له: والله لو علمت أن حياتي بيدك لعبدتك من دون الله، ولكن حياتي بيد الله.
لمجرد أن تؤمن أن حياتك بيد الله، ترفع رأسك عالياً، ولا تنافق، ولا تنبطح ولا تتذلل، ولا تتضعضع.
(( من جلس إلى غني فتضعضع له ذهب ثلثا دينه ))
[ البيهقي في شعب الإيمان عن ابن مسعود]
فإذا كنت مع القدير، إذا كنت مع "المقتدر"، إذا كنت مع القادر، قادر، قدير ، مقتدر، شعرت بالقوة، والمؤمن يشعر بقوته التي يستمدها من الله، نظيف، واضح سريرته كعلانيته، وسره كجهره، وخلوته كجلوته.
(( تركتكم على بيضاء نقية، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا ضال ))
[ أحمد و ابن ماجه و الحاكم عن العرباض بن سارية]
الآن تشعر بالقوة إذ كنت مع "المقتدر" وتشعر بالضعف أمام "المقتدر"، شعوران متناقضان، إذا كنت مع "المقتدر" تشعر أنك في حماه، تشعر أن قدرته تحميك، أن قدرته تحول بينك وبين أعدائك، الإحساس بالقوة من لوازم الإيمان بالمقتدر وأنت أمام "المقتدر" ضعيف، الضعف يجعلك متواضعاً. أغبى الأغبياء من لا يدخل الله في حساباته:
المؤمن له حالان، حالة تواضع لأنه رأى عظمة الله عز وجل، وحالة قوة لأنه استعان بالله، إذا أردت أن تكون أقوى الناس فتوكل على الله.
هذان المعنيان ضروريان جداً، الإنسان أحياناً تغيب عنه قدرة الله فيتحرك بحمق وغباء، فالله عز وجل يؤدبه أشد التأديب.
بالمناسبة: أي إنسان لا يدخل الله في حساباته يكون أغبى الأغبياء، وأحمق الحمقى، المؤمن يتعامل ودائماً وأبداً الله موجود، الله على كل شيء قدير، أنا في قبضة الله، كل شؤوني بيده.
فلذلك المؤمن يستمد قوته من استقامته، هو ضعيف لكنه يستمد قوته من استقامته واتصاله بالله عز وجل، إذا غابت عنك قدرة الله تتعدى على الآخرين.
﴿ كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى ﴾
( سورة العلق )
رأى نفسه قوياً مستغنياً عن الله يطغى. المؤمن لا ينبطح و لا يتذلل أمام أحد لأنه يرى الله ويرى علاقته بالله عز وجل:
أيها الأخوة، هناك أناس كثيرون لضعف إيمانهم، ولضعف معرفتهم بالله، وهم أقوياء يتحركون بغطرسة، وكبر، واستعلاء، وقد يبطشون، ثم يفاجؤون أن الله يبطش بهم ، كل بطولتك، وكل ذكائك، وكل التفوق، في أية لحظة أن تشعر أن الله موجود.
الآن أحياناً تستمع إلى الأخبار تضعف همتك، تشعر بالإحباط أحياناً، الطرف الآخر قوي جداً، ويفعل ما يقول، ويتفنن أحياناً بإذلال الآخر، ونهب ثرواته، وقهره ، ولكن المؤمن بأية لحظة لا ينسى أن الله موجود، استمع إلى الأخبار، واستمع إلى التحاليل ، ولا تنس لثانية واحدة أن الله موجود، وأن الأمر بيد الله، وأن الله قادر على أن يقلب الموازين بلمح البصر.
(( ما شاءَ اللهُ كانَ، وما لم يشأْ لم يكن ))
[أخرجه أبو داود عن بعض بنات النبي صلى الله عليه وسلم ]
فإذا رأيت قوياً فاعلم أن الله سمح له أن يكون قوياً، لحكمة بالغةٍ بالغة بالغةٍ عرفها من عرفها، وجهلها من جهلها.
لذلك المؤمن لا يتضعضع، المؤمن لا ييأس، المؤمن لا يخضع، المؤمن لا ينبطح لأنه يرى الله، ويرى علاقته بالله عز وجل . دعاء الاستخارة دعاء سنّه النبي عليه الصلاة والسلام:
أيها الأخوة، كلما تطاول الإنسان، وكلما نسي الله، وكلما تحرك ولم ينتبه إلى أن الأمر كله بيد الله، يقع في إشكال كبير، إما في تأديب أو في خيبة أمل، لذلك:
اجعل لربك كل عزك يستقر ويثبت فإذا اعتززت بمن يموت فإن عزك ميت
* * *
فقد ورد عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم علمهم الاستخارة في الأمور كما علمهم السور من القرآن فقال:
(( إِذا همَّ أحدُكم بالأمرِ فليركَعْ ركعتين من غيرِ الفريضةِ، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرُكَ بعلمكَ، وأسْتَقْدِرُك بقدرتكَ، وأَسأَلكَ من فضلك العظيم، فإنك تقدِر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم، وأنت علامُ الغيوب، اللهم إِن كنتَ تعلم أن هذا الأمْرَ خير لي في ديني ومعاشي، وعاقبةِ أمري ))
[ أخرجه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي عن جابر رضي الله عنه ]
دققوا في الدعاء النبوي:
(( اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ))
إذاً:
((.....إِن كنتَ تعلم أن هذا الأمْرَ خير لي في ديني ومعاشي ـ يعني في دنيانا ـ وعاقبةِ أمري أو قال: عاجِلِ أمري وآجِلِهِ - فاقْدُرْهُ لي، ويسِّرْهُ لي، ثم بارك لي فيه اللهم إن كنتَ تعلمُ أنَّ هذا الأمر شَرّ لي في دِيني ومعاشي وعاقبةِ أمري - أو قال: في عاجِلِ أمري وآجِلهِ - فاصْرِفه عَنِّي، واصرفْني عنه ))
[ أخرجه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي عن جابر رضي الله عنه ]
يعني خطب فتاة أعجبته ثم لم يوفق إلى الاقتران بها، السؤال الرابع أن ينزع الله حبها من قلب الإنسان.
(( فاصْرِفه عَنِّي، واصرفْني عنه، واقْدُرْ لِي الخيرَ حيث كان، ثم رَضِّني به قال: ويُسَمِّي حاجَتَه ))
هذا دعاء الاستخارة، هذا سنّه النبي عليه الصلاة والسلام. على الإنسان أن يستخير ربه بنفسه فالاستخارة في المباحات لا في الفرائض والمحرمات:
لكن هناك أناس يتجاوزن حدود الشرع، يكلف إنساناً آخر أن يجري له الاستخارة، ليس بينك وبين الله حجاب، أو يستخير ويفتعل جواباً من الله، يفتح مصحفاً لا على التعيين.
إنسان أراد أن يشتري حمار فاستخار الله عز وجل، فتح المصحف فقرأ قوله تعالى:
﴿ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ ﴾
( سورة القصص الآية: 35 )
الإنسان قد يخترع أساليب ليست من الشريعة في شيء، الرد الإلهي التيسير فقط يسره لي، فمادام في تيسير، يقول لك ما انشرحت، هذا كلام غير منضبط، أو يفتح المصحف على آية معينة، لا، الرد الإلهي هو التيسير، الأمر ميسر، السفر ميسر، الجماعة وافقوا، إذا الله سمح بهذا الشيء، طبعاً الاستخارة في المباحات لا في الفرائض ولا في المحرمات، في المباحات فقط.
وروى النسائي من حديث عمار بن ياسر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
(( اللهمَّ بِعلْمِكَ الغَيبَ، وَقُدرَتِكَ على الخَلقِ، أحيني ما عَلِمْتَ الحيَاةَ خَيْرا لي وتَوَفَّني إذا عَلِمْتَ الوفاةَ خَيرا لي، اللهمَّ وأسألك خشيتك في الغيبِ والشهادة ))
(( من لم يكن له ورع يصده عن معصية الله إذاا خلا لم يعبأ الله بشيء من عمله ))
(( يؤتى برجال يوم القيامة لهم أعمال كجبال تهامة، يجعلها الله هباء منثورا قيل يا رسول الله جلهم لنا، قال: إنهم يصلون كما تصلون، ويأخذون من الليل كما تأخذون، ولكنهم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها ))
[ سنن ابن ماجه عن ثوبان ]
إذاً:
(( اللهمَّ وأسألك خشيتك في الغيبِ والشهادة، وأَسألك كلمة الحقِّ في الرضا والغضب ))
[ النسائي و أحمد عن عطاء بن السائب]
تغضب من إنسان تجعله أسوأ بني البشر، وترضى عن إنسان تجعله تقياً، نقياً، ورعاً، هناك مبالغات.
(( أحْبِبْ حبِيبَك هَوْنا مَّا، عسى أن يكونَ بَغِيضَكَ يوماً مَّا، وأبْغِضْ بغيضَك هَوْنا مَا عسى أن يكونَ حبيبَك يوماً ما ))
[أخرجه الترمذي عن أبي هريرة ]
بطولة الإنسان أن يعرف الله عز وجل وهو قوي شديد معافى:
(( وأَسألك كلمة الحقِّ في الرضا والغضب، وأسأَلك القَصْدَ في الفقر والغنى ))
الإنسان حينما يغتني ويقوى قد لا يسأل الله شيئاً، لأنه استغنى عن الله.
(( وأسأَلك القَصْدَ في الفقر والغنى ))
البطولة أن تسأله، وأن تتذلل إليه، وأن تمرغ جبهتك في أعتابه، وأنت غني ، وأنت قوي، وأنت صحيح، لكن البشر جميعاً حتى من ضعفت عقيدتهم عند الشدة دعوا الله مخلصين، فالبطولة أن تعرفه وأنت صحيح معافى، شديد، قوي.
(( وأسأَلك القَصْدَ في الفقر والغنى، وأسألك نعيما لا يَنْفَدُ، وأسألك قُرَّة عينٍ لا تنقطع، وأسألك الرِّضا بعدَ القَضاءِ، وأسأَلك بَردَ العَيشِ بَعدَ المَوتِ، وَأَسأْلك لَذَّةَ النظر إلى وَجهِكَ، والشَّوقَ إلى لِقَائِكَ، في غير ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ، ولا فِتْنَةٍ مُضِلَّة ))
الإنسان أحياناً بعد شدة لا تحتمل يتوب إلى الله، أو بعد قهر وإذلال يرجع إلى الله، فالبطولة أن تعود إليه من دون شدة ، من دون قهر، من دون إذلال.
(( اللهمَّ زَيِّنَّا بِزِينةِ الإيمانِ، واجعلنا هُدَاة مَهْدِيِّينَ ))
هذا من أدعية النبي عليه الصلاة والسلام في التهجد. أثر اسم المقتدر يظهر حينما يعلق الموحد أفعاله على مشيئة الله:
أيها الأخوة، أثر هذا الاسم في عبودية اللسان يظهر حينما يعلق الموحد أفعاله على مشيئة الله، أفعل هذا إن شاء الله، إن شاء الله الإيمانية، أما المنافق إن أراد أن يأتي يقول لك إن شاء الله سآتي، إن أراد أن لا يدفع ما عليه إن شاء الله أدفع لك، هذه إن شاء الله النفاقية، أما إن شاء الله الإيمانية عازم على التنفيذ لكن ربط مشيئته بمشيئة الله، إن شاء الله سواء في الماضي والحاضر والمستقبل.
وقد علمنا النبي صلى الله عليه وسلم أن الموحد يقول فيما وقع ومضى من الأحداث:
(( فلا تَقُل: لو أنَّي فعلتُ لكان كذا وكذا، ولكن قل: قَدَّر الله وما شاءَ فَعَل فإن لو تفتحُ عَمَلَ الشيطان ))
[أخرجه مسلم عن أبي هريرة ]
لو ممنوعة، ممنوعة في قاموس المؤمن.
(( فلا تَقُل: لو أنَّي فعلتُ لكان كذا وكذا، ولكن قل: قَدَّر الله وما شاءَ فَعَل فإن لو تفتحُ عَمَلَ الشيطان ))
ولكن العلماء استثنوا لو الإيجابية، يعني ما دفع زكاة ماله، فأتلف الله له ماله، لو قلت لو دفعت زكاة مالي لكان مالي محفوظاً، قل هذا الكلام، جيد، لولا أني ظلمت زوجتي، وطلقتها تعسفاً وظلماً ما علقت بهذه الزوجة التي أرتني النجوم ظهراً، قل لو الإيجابية، الإيجابية حينما ترتكب لا سمح الله ولا قدر خطأً فادحاً وتدفع ثمنه باهظاً، قل لو فعلت كذا لكان كذا، هذه لو سماها العلماء الإيجابية، لو السلبية ممنوعة.
لأنه لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، ولا سيما بعد نفاذ التدبير، ووقوع التقدير، لذلك يقول عليه الصلاة:
(( المؤمن القويُّ خيْر وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف ))
[ مسلم عن أبي هريرة]
خيارات العمل الصالح للقوي و الغني لا تعد ولا تحصى:
إذا كان طريق القوة، وطريق الغنى سالكاً وفق منهج الله، يجب أن تكون قوياً لأن خيارات العمل الصالح للقوي لا تعد ولا تحصى، ولأن خيارات العمل الصالح للغني لا تعد ولا تحصى.
(( المؤمن القويُّ خيْر وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف ))
لكن النبي بالتعبير الدارج جبار خواطر.
(( وفي كلّ خير ))
يعني أي مؤمن على العين والرأس.
(( احرِصْ على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجزْ، وإن أصابك شيء فلا تَقُل: لو أنَّي فعلتُ لكان كذا وكذا، ولكن قل: قَدَّر الله وما شاءَ فَعَل، فإن ' لو ' تفتحُ عَمَلَ الشيطان ))
[أخرجه مسلم عن أبي هريرة ]
على المؤمن ألا ينسب النعم الكبرى إلى فضله و ذكائه بل إلى فضل الله عز وجل ونعمه:
أيها الأخوة، الإنسان:
(( لا يبلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه ))
[أخرجه البزار عن أبي الدرداء ]
شظية طائشة عند الله لا يوجد، كل شيء بقدر، أما ردّ الأمر إلى المشيئة والقدرة في الحاضر فالمؤمن يقول دائماً: لا حول ولا قوة إلا بالله، ومن أدق ما قرأت عن تفسير هذه الكلمة لا حول عن معصيته إلا به، ولا قوة على طاعته إلا به، يعني:
﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾
( سورة الفاتحة )
لا حول عن معصيته إلا به، الأدب الجم الذي تمتع به سيدنا يوسف:
﴿ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ ﴾
( سورة يوسف الآية: 33 )
لا حول عن معصيته إلا به، ولا قوة على طاعته إلا به، ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾
لذلك المؤمن ينسب النعمة إلى المنعم لا إلى ذكائه. ﴿ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي ﴾
( سورة القصص الآية: 78 )
﴿ فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ ﴾
( سورة القصص الآية: 81 )
إذا كنت بنعمة، ببحبوحة، بمنصب رفيع، بشهادة عليا، بأولاد أبرار، لك مأوى، هذه النعم الكبرى لا تنسبها إلى جهدك، وذكائك، وخبرتك، وتعبك، وعرق جبينك ، وكد يمينك، انسبها إلى فضل الله عز وجل. على المؤمن التخلق بالكمال الإلهي الذي أساسه دقة التقدير والقدرة:
المؤمن يرى فضل الله عليه، وأما رد الأمر إلى مشيئة الله وقدرته في المستقبل فهو كقوله تعالى:
﴿ وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَداً ﴾
( سورة الكهف )
الأجانب أحياناً يسخرون من بعض المسلمين المقصرين يسمون الشرقي أي، بي إم، (أي إن شاء الله، إذا أراد ألا يفعل، وبي، بكرة، تأجيل، وإم، معلش، لا يهتم، لا يبالي وإذا بال فمن بال يبول، لا من بال يبالي.)
إذاً الإنسان حينما يرجئ، ويسوف يكون مقصراً، فالمؤمن لفهمه لهذا الاسم العظيم متمكن في عمله، متمكن في بيته، يعلم دقائق الأمور، ومهيمن على كل أطراف الأمور، مؤمن شكلي، صوري، ما في هيمنة، ما في قدرة، ما في معلومات صحيحة ، هذا يتناقض مع تخلق الإنسان المؤمن بهذا الكمال الإلهي الذي أساسه دقة التقدير والقدرة.
السعيد
09-03-2018, 08:27 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الثمانون بعد المائة )
الموضوع : اسم الله - الباسط - 1 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى:(الباسط):
أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "الباسط" القابض "الباسط".
ورود اسم الباسط في السنة الصحيحة:
هذا الاسم ورد في السنة الصحيحة في قول النبي صلى الله عليه وسلم:
(( إنَّ الله هو المُسَعِّرُ، القابضُ، الباسط، الرازق ))
[أخرجه أبو داود والترمذي عن أنس بن مالك ]
الباسط في اللغة:
"الباسط" في اللغة اسم فاعل، فعله بسط، يبسط، بسطاً، الآن انبسط الشيء على الأرض اتسع، وامتد، وتبسط في البلاد ؛ أي سار فيها طولاً وعرضاً، وبسيط الوجه يعني متهلل الوجه، مشرق.
والبسيط هو الرجل منبسط اللسان، وبسط إليّ يده بما أحب أو بما أكره، وصل إليّ، بسطها ؛ أي مدها، وفي الآية:
﴿ لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ﴾
( سورة المائدة الآية: 28 )
بسط الكف على أنواع منها:
1 ـ الطلب:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3778/01.jpg
بسط الكف تستعمل على أنواع، تارةً للطلب.
﴿ لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ ﴾
( سورة الرعد الآية: 14 )
بمعنى الطلب.
2 ـ الأخذ:
تارةً للأخذ.
﴿ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ ﴾
( سورة الأنعام الآية: 93 )
3 ـ الصولة و الضرب:
وتارةً للصولة والضرب.
﴿ وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ ﴾
( سورة الممتحنة )
4 ـ البذل و العطاء:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3778/02.jpg
وتارةً للبذل والعطاء.
﴿ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ ﴾
( سورة المائدة الآية: 63 )
وبسط اليد في حقنا نحن البشر معلوم المعنى والكيفية، بسط اليد، أما في حق الله جل جلاله معلوم المعنى، مجهول الكيفية، المعنى واضح، أما الكيفية لا نعلمها، هذا في اللغة.
من معاني الباسط:
1 ـ يبسط الرزق لعباده بجوده و كرمه:
ولكن لو قلنا الله جلّ جلاله هو "الباسط" هو الذي يبسط الرزق لعباده بجوده ورحمته.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3778/03.jpg
مرة أطلعتُ على سنبلة أصلها حبة قمح واحدة، أنبتت هذه الجبة خمس و ثلاثين سنبلة، عددت إحدى السنابل فإذا فيها خمسون حبة، ضربت خمسة و ثلاثين بخمسين، ألف و سبعمئة و خمسون حبة من حبة، أحياناً يقول لك: الكيس أعطى مئة كيس، أحياناً يعطي الكيس كيسين.
"الباسط" في الرزق الذي يعطي بلا حساب، هو الذي يبسط الرزق لعباده بجوده ورحمته، ويوسعه عليهم ببالغ كرمه وحكمته.
مرة طبيب توفي رحمه الله، كان عضواً في لجنة حوض دمشق، قال لي: انخفاض المياه في حوض دمشق ينبئ بمشكلة كبيرة جداً، ربما اضطر أهل دمشق أن يغادروا دمشق، تكلم كلاماً لم يمكّن الإنسان أن يقف على قدمه، هذه قصة قديمة، في العام الذي يليه نزل 350 مم، والمعدل السنوي 200، هناك ينابيع تفجرت، وقد انتهت من ثلاثين عام، مياه بعض القرى وصلت إلى دمشق، فإذا الله أعطى أدهش.
"الباسط" يبسط الرزق لعباده بجوده ورحمته، ويوسعه عليهم ببالغ كرمه وحكمته، فيبتليهم على ما تقتضيه مشيئته وحكمته، فإن شاء وسع، وإن شاء قتر، فهو "الباسط" القابض.
تقنين الله تقنين تأديب لا تقنين عجز:
لكن يجب أن نعلمhttp://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3778/04.jpg
علم اليقين أنه إذا قبض، أو إذا قنن فتقنين تأديب لا تقنين عجز، إذا قبض بما تقتضيه حكمته الباهرة، لا لشيء آخر، لأن خزائن ملكه لا تفنى.
﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ ﴾
( سورة الحجر الآية: 21 )
ومواد جوده لا تتناهى، كما قال تعالى:
﴿ لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾
( سورة الشورى )
كنت مرة في العمرة، فاطلعت على مجلة علمية رصينة فإذا فيها بحث لفت نظري، قال: هناك في الفضاء الخارجي سحابة، يمكن أن تملأ محيطات الأرض ستين مرة في اليوم الواحد بالمياه العذبة.
﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ﴾
( سورة الحجر )
طبعاً يؤكد أن تقنين الله تقنين تأديب لا تقنين عجز قوله تعالى:
﴿ وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ ﴾
( سورة الشورى الآية: 27 )
لذلك قالوا: الله سبحانه وتعالى علم ما كان، وعلم ما يكون، وعلم ما سيكون وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون.
إنسان له دخل محدود، صائم، مصلٍّ، صالح، يا ترى لو كان دخله غير محدود كيف يكون ؟ لا أحد يعلم إلا الله، لذلك في حكمة بالغة أن الحكيم عليم، حكيم عليم. 2 ـ يبسط يده بالتوبة لمن أساء:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3778/05.jpg
و "الباسط" بمعنى آخر، هو الذي يبسط يده بالتوبة لمن أساء، أو هو الذي يملي لهم فيجعلهم بين الخوف والرجاء، فقد قال عليه الصلاة و السلام:
(( إنَّ اللِهَ عزَّ وجلَّ يبْسُطُ يدَهُ باللَّيْلٍ ليَتوبَ مُسيءُ النهار، ويبسُطُ يدَه بالنَّهار ليتُوبَ مُسيء الليلِ، حتى تطْلُعَ الشمسُ من مغرِبِها ))
[ مسلم عن أبي موسى الأشعري]
طلوع الشمس من مغربها من أشراط الساعة، ولكن بعضهم له اجتهاد لطيف أنه حينما نرى أن العلم كله، وأن القيم كلها، وأن الحضارة كلها، وأن التقدم كله في الغرب يغلق باب التوبة، أنت حينما لا تعبأ بدينك، ولا بقيمك، ولا بماضيك المجيد، ولا بهذه الأمة العظيمة التي اختارها الله لتكون وسيطاً بينه وبين خلقه، حينما لا تعبأ بكل هذا التاريخ العظيم، وتلتفت إلى الغرب على حساب دينك وقيمك، ربما في مثل هذه الحالة يغلق باب التوبة.
النمط الغربي في الحياة مع التفلت، مع الإباحية، هو النمط السائد في الأرض الآن، النمط الغربي في الحياة، انعدام الضوابط، الاستمتاع بالحياة إلى أقصى درجة، الصد عن سبيل الله، هذا النمط إذا ساد في العالم الإسلامي الإنسان لن يتوب لأنه يرى هؤلاء هم القادة، هم السادة، هم الراقون. اقتران الباسط مع القابض لأن الاسمين متكاملان:
بعض أهل العلم يرى أنه ينبغي أن نقول القابض "الباسط"، الضار النافع ، المعطي المانع، المعز المذل، لأن كلاً من هذين الاسمين متكاملان، هو يضر لينفع، ويذل أحياناً ليعز، ويأخذ ليعطي، ويبتلي ليجزي، فقد ورد:
(( إن هذه الدنيا دار التواء لا در استواء ))
لا تستقيم لأحد نجح في زواجه، ولم ينجح في عمله، نجح في عمله لم ينجح في زواجه، نجح في زواجه وفي عمله ويعاني من صحته.
(( إن هذه الدنيا دار التواء لا در استواء، ومنزل ترح لا منزل فرح، فمن عرفها ـ عرف حقيقتها ـ لم يفرح لرخاء ))
لأنه مؤقت، الموت ينهي الرخاء، ينهي القوة، ينهي الغنى، يلغي الوسامة ، يلغي كل شيء.
(( فمن عرفها لم يفرح لرخاء، ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى وجعل الآخرة دار عقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سببا، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضا، فيأخذ ليعطي، ويبتلي ليجزي ))
[ من كنز العمال عن ابن عمر ]
الله عز وجل لا يسلب من مؤمن نعمة ما إلا ليزيده قرباً منه:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3778/06.jpg
هناك ملمح دقيق في الحديث القدسي التالي:
(( يا بنَ آدمَ مَرِضْتُ فلم تَعُدْني، قال: يا رب كَيْفَ أعُودُكَ وأنتَ ربُّ العالمين ؟ قال: أمَا علمتَ أنَّ عبدي فلاناً مَرِضَ فلم تَعُدْهُ ؟ أما علمتَ أنَّكَ لو عُدْتَهُ لوجَدتني عنده ))
[أخرجه مسلم عن أبي هريرة ]
يعني الله عز وجل إذا سلب من مؤمن بعض صحته، ليضاعف له القرب أضعافاً مضاعفة.
(( أمَا علمتَ أنَّ عبدي فلاناً مَرِضَ فلم تَعُدْهُ ؟ أما علمتَ أنَّكَ لو عُدْتَهُ لوجَدتني عنده ))
(( إنَّ اللِهَ عزَّ وجلَّ يبْسُطُ يدَهُ باللَّيْلٍ ليَتوبَ مُسيءُ النهار، ويبسُطُ يدَه بالنَّهار ليتُوبَ مُسيء الليلِ، حتى تطْلُعَ الشمسُ من مغرِبِها ))
[ رواه مسلم عن أبي موسى الأشعري]
أسماء الله كلها حسنى وكل واحد منها يفيد المدح والثناء على الله بنفسه:
لابدّ من أن تقول القابض الباسط، والمعطي المانع، والمعز المذل، قال هذا كلام لا بأس به لكن فيه نظر، أي يحتاج إلى تحفظ، ما هو التحفظ ؟ قال: أسماء الله كلها حسنى، الضار من أسمائه الحسنى، لو لم تقرنه بالنافع أسماء الله كلها حسنى، وكلها تدل على الكمال، وكل واحد منها يفيد المدح والثناء على الله بنفسه، من دون اسم آخر، وإن ذُكرا مقترنين زاد الكمال فيهما، في وصف رب العزة والجلال، كما هو الحال عند اقتران الحي القيوم، والرحمن الرحيم، والغني الكريم، والقريب المجيب، هذه كلها من أسماء الله الحسنى.
فالقول بالوجوب ذكر الاسمين معاً قال: وإن كان مستحسناً يعني المستحسن أن تقول الضار النافع، والمعطي المانع، والمعز المذل، والخافض الرافع.
الأعمال الصالحة تجعل عمر الإنسان مديداً من حيث الثمرة:
الآن يقول عليه الصلاة والسلام:
(( مَن سَرّه أن يَبْسُط الله له في رزقه، وأن يَنْسَأ له في أَثَره ))
[أخرجه البخاري والترمذي عن أبي هريرة ]
يعني في أجله، أن يطول عمره، العلماء في شرح يطول عمره لهم آراء لطيفة العمر لا يزيد ولا ينقص.
﴿ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ﴾
( سورة الأعراف )
فكيف يقول النبي الكريم:
(( مَن سَرّه أن يَبْسُط الله له في رزقه، وأن يَنْسَأ له في أَثَره ))
[أخرجه البخاري والترمذي عن أبي هريرة ]
فسر العلماء هذا الكلام، الإنسان فتح محله التجاري ساعة، ربح صفقة بمليون ، وإنسان فتح محله عشر ساعات ربح مئة ليرة، الزمن ليس له قيمة، القيمة بالربح.
فالإمام الشافعي عاش أقل من خمسين عاماً، هناك علماء كبار، ابن باديس بالجزائر عاش أقل من خمسين عاماً، هناك عمالقة في العلم عاشوا أقل منه، وتركوا أثراً لا يمحى، وهناك أناس يعيشون مئة و خمسة و عشرين عاماً، ما قدموا شيئاً.
لذلك معنى (( يَنْسَأ له في أَثَره ))
يعني يعطي أعمالاً صالحة تجعل عمره مديداً من حيث الثمرة، و هناك حديث:
((إن الله عز وجل يمهل حين يذهب ثلث الليل الأول، ثم ينزل إلى السماء الدنيا فيقول: هل من مستغفر فأغفر له، هل من سائل فأعطيه، هل من تائب فأتوب عليه، حتى ينفجر الفجر))
[ الدار قطني عن أبي هريرة]
وهذه والله نصيحة، حينما تتعقد الأمور، حينما تلوح أشباح المصائب، حينما يضيق الأمر، حينما تغلق الأبواب، استقيظ قبل صلاة الفجر، وصلِّ ركعتين واسأله في السجود حاجتك من خير الدنيا والآخرة. التهنئة الحقيقية حينما يعرف الإنسان ربه و يصطلح معه و يتصل به:
أخوتنا الكرام:
﴿ إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآَتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ ﴾
( سورة القصص الآية: 76 )
يعني سبعة رجال أشداء لا يستطيعون حمل مفاتيح كنوزه.
﴿ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ ﴾
( سورة القصص الآية: 76 )
الله عز وجل ذم الفرح ومدحه، ذمه حينما تفرح بالدنيا الفانية والزائلة، في حمق، في غباء، ومدحه حينما تفرح بفضل الله، إن فرحت بالهدى، إن فرحت أنك مستقيم، إن فرحت أن الله أجرى على يديك أعمالاً صالحة، هذا فرح حقيقي، لذلك:
(( إذا رجع العبد العاصي إلى الله نادى منادياً في السماوات والأرض أن هنئوا فلاناً فقد اصطلح مع الله ))
[ ورد في الأثر]
التهنئة الحقيقية حينما تعرفه، وحينما تصطلح معه، وحينما تتصل به، وحينما تعمل لآخرتك.
﴿ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ﴾
( سورة القصص )
يعني في الدنيا. وظيفة الإنسان في الدنيا معرفة الله و الاستقامة على أمره:
﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ ﴾
( سورة القصص الآية: 77 )
آتاك مالاً ابتغِ به الدار الآخرة، آتاك علماً ابتغِ به الدار الآخرة، آتاك جاهاً ابتغِ به الدار الآخرة.
﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ﴾
( سورة القصص الآية: 77 )
جئت إلى الدنيا كي تعرف الله، كي تستقيم على أمره، كي تعمل الأعمال الصالحة ﴿ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ﴾
﴿ وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ﴾
( سورة القصص )
إظهار الإنسان ما عنده والاستكبار على غيره صفة مذمومة:
فقال قارون:
﴿ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي ﴾
( سورة القصص الآية: 78 )
هذا كلام يقوله معظم الناس، بجهدي، بكد يميني وعرق جبيني، بخبراتي المتراكمة، من انتمائي إلى أسرة قوية... إلخ.
﴿ قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ ﴾
( سورة القصص )
مرة سألني أخ عن معنى هذه الآية ؟ قلت له: إذا شخص يُساق إلى الإعدام و عليه مخالفة سير يسامح بمخالفة السير ﴿ وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ ﴾
﴿ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ ﴾
( سورة القصص الآية: 79 )
هذه حاجة عند ضعاف النفوس، أن يظهر ما عنده، إذا عنده بيت يقول لك هذا أربعمئة متر، شيء جميل ! البلاط استيراد من إيطاليا، هذه اللوحة من إيطاليا، إظهار ما عندك كي تستعلي على الآخر، هذه صفة مذمومة. ﴿ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ ﴾
( سورة القصص الآية: 79 )
الله عز وجل جعل الآخرة لمن لا يريد علواً و لا فساداً في الأرض:
أحياناً إنسان يقف أمام بيت جميل تذوب نفسه ألماً، هنيئاً لأصحاب هذا البيت.
﴿ يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ * فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ ﴾
( سورة القصص )
أصلاً هو في شرع الله. ﴿ وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ ﴾
( سورة القصص )
التعقيب:
﴿ تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ * مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾
( سورة القصص )
الشاهد في الآية ﴿ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ ﴾
و لما كان يوم أُحد وانكفأ المشركون قال عليه الصلاة والسلام:
(( اللهم ابسط علينا من بركاتك ورحمتك وفضلك ورزقك، اللهم إني أسألك النعيم يوم القيامة والأمن يوم الخوف، اللهم إني عائذ بك من شر ما أعطيتنا وشر ما منعتنا، اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين، اللهم توفنا مسلمين وأحينا مسلمين وألحقنا بالصالحين، غير خزايا ولا مفتونين ))
[أحمد عن ابن رفاعة الزرقي]
منهج الدعاة يقوم على التخويف وبث الرجاء في قلوب الناس في آن واحد:
أيها الأخوة، قالوا القابض الذي يكاشفك فيقيك، و "الباسط" الذي بجلاله يكشفك بجماله فيبقيك، فأنت بين أن يقيك، القابض، وبين أن يبقيك، بالقبض يقيك، يمنعك أن تعصيه، يمنعك أن تشقى إلى أبد الآبدين، هو القابض "الباسط"، القابض الذي يقبض الصدقات، يأخذها بيمينه، من أربابها فيربيها.
"الباسط" يبسط النعمة فينميها، إذاً: يقبض الصدقات، ويبسط النعم، والقابض هو الذي يخوفك من فراقه، و "الباسط" يؤمن بعفوه وإطلاقه.
الإمام الغزالي يقول: القابض "الباسط" من العباد من أُلهم بدائع الحكم، وأوتي جوامع الكلم، داعية يخوف ويطمئن، يعبد الله خوفاً وطمعاً، يذكر أحوال أهل النار وأحوال أهل الجنة، يذكر عقاب الله وعدله، يذكر رحمته وفضله، في توازن، هناك دعاة يعتمد التخويف فقط، تخرج محطماً من كلامه، جهنم، والثعابين، غفور رحيم: يكون رحيماً حتى يدعو الناس إلى المعصية، لا، ينبغي أن تكون متوازناً بين التخويف وبث الرجاء في قلوب الناس.
على الإنسان أن يؤمن بالله العظيم من خلال آياته الكونية ويحبه من خلال نعمه:
طبعاً أختم هذا الاسم "الباسط" بأثر قدسي، أن سيدنا موسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام قال:
(( يا رب أي عبادك أحب إليك حتى أحبه بحبك ؟ قال: أحب عبادي إلي تقي القلب، نقي اليدين، لا يمشي إلى أحد بسوء، أحبني، وأحب من أحبني، وحببني إلى خلقي ))
الأثر القدسي قال:
(( يا رب إنك تعلم إني أحبك، وأحب من يحبك، فكيف أحببك إلى خلقك ؟ـ هذا توجيه للدعاة ـ ذكرهم بآلائي، ونعمائي، وبلائي ))
ذكرهم بآلائي كي يعظموني، وذكرهم بنعمائي كي يحبوني، وذكرهم ببلائي كي يخافوني، فلابد من أن يجتمع في قلب المؤمن تعظيم لله.
﴿ إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ ﴾
( سورة الحاقة )
معناها يجب أن نؤمن بالله العظيم من خلال آياته الكونية، ومحبة لله من خلال نعمه، وخوف منه من خلال نقمه وبلائه.
(( ذكرهم بآلائي، ونعمائي، وبلائي ))
هذا منهج للدعاة.
السعيد
09-03-2018, 08:30 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الحادى و الثمانون بعد المائة )
الموضوع : اسم الله - الباسط - 2 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى:(الباسط):
أيها الأخوة الأكارم، لا زلنا في اسم "الباسط".
الحالة الداخلية للإنسان لها أثر كبير جداً في سعادته :
بادئ ذي بدء: أثر الإيمان بهذا الاسم "الباسط" في المؤمن هو بسط القلب، هناك شيء يسمى الحالة النفسية، لك جسم، لك بيت، لك أولاد، لك دخل، هذه أشياء في الظاهرة، من الداخل لك حالة نفسية إما أن تكون منبسطاً، مرتاحاً، متفائلاً، تشعر بسعادة، وإما أن تكون متشائماً، منقبضاً، في ضيق، في شدة، تشعر بالسأم، والضجر، والإحباط، الحالة الداخلية للإنسان لها أثر كبير جداً بسعادته.
قد تجد إنساناً بوضع بسيط جداً، دخله قليل، بيته صغير، أثاثه قديم، طعامه خشن، لكنه سعيد سعادة لا توصف، وقد تجد إنساناً دخله فلكي، كل شيء بين يديه، ومع ذلك يقول لك: أنا أشقى الناس، طبعاً هذا يأتي من قوله تعالى:
﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾
( سورة النحل الآية: 97 )
فاسم "الباسط" يتجلى عليك، بيت صغير، عنده آلاف المشكلات، لكنه سعيد ، وإنسان آخر أعرض عن ذكر الله، يعيش حياةً ضنكا، يتجلى عليه اسم القابض، فالقابض و "الباسط" من أوضح الدلالات هي الحالة النفسية الداخلية.
فالمؤمن باسم "الباسط" المستقيم على أمره، المقبل عليه، يتجلى الله عليه باسم "الباسط"، ينشرح قلبه بتوحيد الله. الإنسان يسعد بطاعة ربه ويشقى بمعصيته:
الحقيقة الدقيقة الإنسان يسعد بطاعة ربه، ويشقى بمعصيته، قال تعالى:
﴿ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾
( سورة التغابن )
﴿ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾
( سورة الرعد )
الله عز وجل يقبض القلوب بإعراضها عنه، ويبسطها بإقبالها عليه، بالكون حقيقة واحدة، إن تقربت من الله سعدت بأي ظرف تعيشه، وإن ابتعدت عنه تشقى بأي ظرف تعيشه، هذا ملخص ملخصِ الملخص.
فالمؤمن يتقلب بين نوازع الخير، قرينه من الملائكة يأمره بالخير، يهتف له بطاعة ربه، حتى يصبح قلبه مثل الصفا، لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، وهذا هو البسط الحقيقي. التهنئة الحقيقية تكون بطاعة الله و امتثال أمره:
والله أيها الأخوة، لا أجد أن كلمة هنيئاً لك يستحقها إلا من عرف الله، نحن ألفنا أن نهنئ إنساناً بشراء بيت، بشراء مركبة، بتأسيس شركة، بالزواج، ألفَ الناس أن يهنئ بعضهم بعضاً بهذه المناسبات، لكن الحقيقة الصارخة أنه لا يمكن أن تكون التهنئة حقيقية وصحيحة إلا بطاعة الله.
(( إذا رجع العبد إلى الله نادى منادٍ في السماوات والأرض أن هنؤوا فلاناً فقد اصطلح مع الله ))
[ ورد في الأثر ]
إن لم تقل بعد أن تبت إليه، وأقبلت عليه، إن لم تقل أنا أسعد الناس إلا أن يكون أحد أتقى مني لا تكون مؤمناً بالمعنى الكامل، أنت حينما تقبل عليه يقذف الله في قلبك نوراً ترى به الحق حقاً، والباطل باطلاً، والخير خيراً، والشر شراً، هذا النور في نصوص قرآنية تؤكده:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ ﴾
( سورة الحديد الآية: 28 )
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً ﴾
( سورة الأنفال الآية: 29 )
فقد كان رسول الله يقول في دعائه:
(( اللهم اجعل في بصري نوراً، واجعل في سمعي نوراً، واجعل في لساني نوراً، واجعل في قلبي نوراً، واجعل عن يميني نوراً، واجعل عن شمالي نوراً، واجعل أمامي نوراً، واجعل من خلفي نوراً، واجعل من فوقي نوراً، واجعل من أسفل مني نوراً، واجعل لي يوم لقاءك نوراً وأعظم لي نوراً ))
[البخاري عن ابن عباس]
المؤمن يرى، له رؤية. بطولة المؤمن أن تكون رؤيته صحيحة:
أيها الأخوة، ما من عمل تقوم به من دون استثناء إلا قبله رؤية.
مرة أتيت من مدينة في الشمال، في منتصف الليل بمركبة عامة، وصلنا إلى الشام الأمطار لا تحتمل، أمطار كأفواه القرب، وفي أحد الشوارع الكبيرة شارع العدوي إنسان يركض كرياضي، قلت: الشام فيها خمسة ملايين ونصف، كلهم وراء المدافئ يأكلون ويشربون، ما الذي في عقل هذا الإنسان من قناعة بالجري ؟ في رؤية أمامه، رأى أن سلامة قلبه في المستقبل منوطة بهذا الجري اليومي، في رؤية.
ما من إنسان يتحرك حركة، يتكلم كلمة، يبتسم، يمنع، يقطع، يصل، إلا وراء عمله في رؤية، فبطولة المؤمن أن تكون رؤيته صحيحة، أن الله نوّر قلبه، أنه ينظر بنور الله، ينطق بتوفيق الله.
(( في قلبي نوراً، في بصري نوراً ))
إنسان قد يجد بيتاً راقياً جداً، فخماً جداً صاحبه تاجر مخدرات، مثلاً، لا يقول هنيئاً له، يرى هذا البيت بعين المؤمن، هذا يبني رفاهه على دمار الشباب، فينبغي أن ترى رؤية إيمانية، أنا قد أُعجب بإنسان بسيط جداً دخله حلال، مستقيم، ولا أُعجب بإنسان دخله فلكي، لكن جمع هذا المال من حرام. الفتن في آخر الزمان كقطع الليل المظلم:
أخوانا الكرام، هناك حديث دقيق جداً رواه سيدنا حذيفة بن اليمان قال:
(( كنا عند عمر فقال: أيكم سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الفتن ؟ ))
[ مسلم عن حذيفة بن اليمان ]
في بعض الأحاديث:
(( أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم ))
[أخرجه الحاكم عن أبو مويهبة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ]
(( سيدنا عمر قال: أيكم سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الفتن ؟ فقال قوم: نحن سمعناه، فقال: لعلَّكم تَعْنُون فتنة الرجل في أهل وجاره ؟ قالوا: أجل، قال: لا، تلك يُكَفِّرها الصلاة والصيام والصدقة، ولكن أيُّكم سمع النبي صلى الله عليه وسلم يذكر التي تموج موجَ البحر ؟ قال: حذيفة: فأسكتَ القومُ ، فقلت: أنا ، قال: أنت لله أبوك، قال حذيفة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: تُعْرَض الفتن على القلوب كالحصير عَودا عَوداً ))
[ مسلم عن حذيفة بن اليمان ]
الآن في فتنة المرأة في الطريق، كل مفاتنها ظاهرة، فتنة المحمول، تنقل عبر المحمول أفلام إباحية، ومشاهد ساقطة، فتنة الشاشة، قدروا أنه في ثمانمئة محطة فضائية أربعمئة محطة إباحية، ثلاثة و عشرون مليون موقع إباحي بالانترنيت، الانترنيت فتنة ، الشاشة فتنة، المحمول فتنة، المرأة في الطريق فتنة، المجلة فتنة، الصحيفة فتنة، الجامعة فتنة.
(( الفتن على القلوب كالحصير عَودا عَودا، فأيُّ قلب أُشْربَها ـ تعلق بها ، أعجب بها، ارتاح لها ـ فأيُّ قلب أُشْربَها طرب لها نُكِتَ فيه نُكتة سوداء، وأَي قلب أنكرها ـ أعوذ بالله، معاذ الله، الله الغني ـ وأَي قلب أنكرها نُكِتَ فيه نكتة بيضاء ))
[ مسلم عن حذيفة بن اليمان ]
تعرض الشباب اليوم إلى تطرفين تطرف تشددي تكفيري وتطرف تفلتي يلغي القيم:
أنا كنت أقول: قبل خمسين عاماً سوف أرمز للحق باللون الأبيض الناصع، وسوف أرمز للباطل باللون الأسود الداكن، وسوف أرمز لما بينهما حق وباطل باللون الرمادي فقبل خمسين عام مساحة الرمادي كبيرة جداً بيئتنا، أهلنا، ليسوا ملتزمين تاماً، وليسوا منحرفين تماماً وسط، معظم الناس هكذا كانوا، لكن الآن الشيء الجديد أن اللون الرمادي اختفى، إما أن تجد إنساناً عقيدته سليمة، سلوكه منضبط، مندفع إلى الدار الآخرة، أو تجد إنساناً إباحياً، أو الشباب أمل الأمة، هؤلاء هم المستقبل، معرضون الآن إلى تطرفين تطرف تشددي التكفير، ثم التفجير، وتطرف تفلتي، إلغاء القيم والإباحية.
فيقول عليه الصلاة والسلام:
(( حتى تصير على قلبين ))
[ مسلم عن حذيفة بن اليمان ]
كل هذه الملايين المملينة:
(( تصير على قلبين: أبيضَ مثل الصَّفا، فلا تَضرهِ فتنة، مادامت السماوات والأرضُ، والآخر: أسود مُرْبادا ـ يعني شدة البياض في سواد ـ كالكوزِ مُجَخِّيا ))
[ مسلم عن حذيفة بن اليمان ]
الكوز أي الإناء مقلوباً على فمه، الآن إذا كان قلبته على فمه هل يقبل شيء ؟ أي شيء تصبه عليه لا يقبله.
(( كالكوزِ مُجَخِّيا، لا يعرف معروفا، ولا ينكر منكرا، إلا ما أُشرب من هواه ))
[ مسلم عن حذيفة بن اليمان ]
أراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يصف الفتن الماحقة، الفتن الكبيرة، التي هي كقطع الليل المظلم، أن هذه الفتن تفرز الناس إلى زمرتين، زمرة مثل الصفا، بياض ، وصفاء، وطهر، ونقاء، واستقامة، وورع، وإقبال، وزمرة ثانية والعياذ بالله لا يقيم على خير، لا يفرق بين الحلال والحرام، ولا بين الخير والشر.
لذلك النبي عليه الصلاة والسلام قال:
(( كيف بكم إذا تركتم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؟ ـ صُعق الصحابة ـ قالوا: يا رسول الله إن هذا لكائن ؟ قال: نعم وأشد منه كيف بكم إذا رأيتم المنكر معروفاً والمعروف منكراً ))
[أخرجه أبو يعلى والطبراني عن أبي هريرة ]
على المؤمن أن يشكر الله عند البسط و يصبر عند القبض:
والله يا أخوان هناك مئات القيم الآن، مئات القيم الخيرة أصبحت تهمة، نحن الآن في عصر العمل الخيري متهم بالإرهاب، العمل الخيري الصافي النقي الذي فيه بطولة متهم، الدفاع عن الأمة متهم، يقول لك إرهابي، يدافع عن أرضه، أرضه محتلة، أسير واحد تقوم الدنيا ولا تقعد، واحد، وأحد عشر ألفاً و ثمانمئة أسير لا أحد ينطق بكلمة.
أيها الأخوة، لذلك المؤمن ينبغي أن يشكر عند البسط، وأن يصبر عند القبض، والله عز وجل يقلب حال المؤمن، من بسط إلى قبض، حينما يطيع الله كثيراً، ويقبل عليه ويخطب وده، ويحسن إلى خلقه، ويتقن عباداته، ويتلو كتابه، يتجلى الله عليه باسم "الباسط"، وحينما يتساهل في الاستقامة، ولا يتقن عبادته يؤدبه الله باسم القابض.
لذلك سيدنا علي أدرك هذه الحقيقة قال: إن لنفسي إقبالاً وإدباراً، إن أقبلت فاحملها على النوافل، وإن أدبرت فاحلمها على الفرائض.
أوتي عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه بطعام وكان صائماً فقال:
(( قُتِلَ مُصْعَب بنُ عُمَيرٍ وهو خيرٌ مني، فكُفِّنَ في بُرْدَة: إِن غُطِّيَ رأْسُه بَدَتْ رجلاه ـ كان أهله أغنياء جداً، لكنه لما آمن برسول الله حُرم كل شيء ـ وإِن غُطِّي رجلاه بَدَا رأسُه، وقُتِلَ حمزةُ، وهو خيرٌ مني، ورُوي: أَو رجلٌ آخَرُ شَكَّ إِبراهيم، فلم يُوَجد ما يُكفَّنُ به، إِلا بُرْدَة، ثم بُسِطَ لنا من الدنيا ما بُسِطَ، أو قال: أُعطينا من الدنيا ما أُعطينا وقد خشيتُ أن يكون قد عُجِّلَتْ لنا طَيِّبَاتُنا في حياتنا الدنيا، ثم جعل يبكي، حتى ترك الطعام ))
[البخاري عن عبد الرحمن بن عوف]
ليست القوة المادية دليل محبة الله عز وجل، أحياناً العكس.
لذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(( فوالله مَا الْفقْرَ أخْشى عليكم، ولكني أخشي أنْ تُبْسَط الدُّنيا عليكم كما بُسِطَتْ على من كان قبلكم، فَتَنافَسُوها كما تَنافسوها وتُهْلِكَكُمْ كما أهْلَكَتْهُمْ ))
[البخاري عن عبد الرحمن بن عوف]
رحمة الله عز وجل خير للإنسان من كل شيء :
هناك حالة بعد طلب الرزق الجمع، رزقه مُؤَمن، وبيته فخم، ودخله كبير، كل أموره ميسرة، وبالمكان الجميل منتجع، وبالمكان الساحلي منتجع، وعنده ببعض البلاد منتجع، ما عنده مشكلة رزق، مشكلة جمع، يريد أن يتنافس مع الآخرين أنداده بجمع الثروة، قال تعالى:
﴿ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾
( سورة آل عمران )
الجمع غير طلب الرزق.
عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
(( كيف بكم إذ فَسَقَ فِتْيانُكم، وطغى نِساؤُكم ؟ ))
[ جامع الأصول عن علي بن أبي طالب]
الفتيات حينما تبرز أجمل ما عندها لا لزوجها، لمن في الطريق، للشباب، حينما تبرز كل مفاتنها، أو حينما لا يبقى للزوج شيء يختص به، كل مفاتن المرأة الآن في الطريق مبذولة.
(( كيف بكم إذ فَسَقَ فِتْيانُكم، وطغى نِساؤُكم ؟ قالوا: يا رسول الله، وإنَّ ذلك لكائن؟ قال: نعم، وأشدُّ، كيف بكم إذا لمْ تأمروا بالمعروفِ ولم تَنْهَوْا عن المنكر قالوا: يا رسول الله، وإنَّ ذلك لكائن ؟ قال: نعم، وأشدُ، كيف بكم إذا أمرتُم بالمنكر ونهيُتم عن المعروف ؟ قالوا: يا رسول الله وإنَّ ذلك لكائن ؟ قال: نعم، وأَشدُّ كيف بكم إذا رأيتُمُ المعروفَ منكرا والمنكرَ معروفا ))
علة خيرية الأمة المسلمة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر:
أيها الأخوة، أنا أتمنى ألا يقع الإنسان بوهم، معظم المسلمين يتغنون بقوله تعالى:
﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 110 )
كان في خطيب في مصر كلما ذكر الأزهر يقول الأزهر الشريف سابقاً، هكذا كدعابة ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ ﴾
ما علة هذه الخيرية ؟ علتها: ﴿ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 110 )
لو أن هذه الأمة المسلمة لم تأمر بالمعروف، ولم تنهَ عن المنكر، فقدت خيرتها وأصبحت أمة كأي أمة خلقها الله، هؤلاء الذين قالوا: ﴿ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ﴾
( سورة المائدة الآية: 18 )
بماذا ردّ الله عليهم ؟ ﴿ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾
( سورة المائدة الآية: 18 )
ما لكم ولا ميزة، فإذا قال المسلمون اليوم: نحن أمة التوحيد، نحن أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ﴿ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾
أنا أعتقد الجواب جاهز، جواب الذات الإلهية: ﴿ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾
تقسيم الأمة إلى أمتين ؛ أمة الاستجابة و أمة التبليغ:
هذه المفارقة الحادة بين قوله تعالى:
﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾
وبين واقع المسلمين، اضطر العلماء إلى تقسيم الأمة إلى أمتين، أمة الاستجابة، وهي الأمة التي وصفها الله في القرآن الكريم، بأنها خير أمة أخرجت للناس، استجابت لله. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾
( سورة الأنفال الآية: 24 )
فالأمة التي استجابت وطبقت منهج الله، وطبقت منهج رسول الله، في بيوتها ، وفي أعمالها، وفي كسب أموالها، وفي إنفاق أموالها، وفي مناسباتها، وفي علاقاتها ، الأمة التي طبقت منهج الله هي الأمة التي ﴿ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾
أما حينما لا تأمر بالمعروف، ولا تنهى عن المنكر.
مثلاً: رجل مسلم صائم مصلٍّ، تزوره ابنة أخيه، شابة طالبة في الجامعة ثيابها فاضحها، كل خطوط جسمها ظاهرة، كل مفاتنها ظاهرة، يستقبلها، ويرحب بها ويثني على ذكائها، وعلى دراستها، ولا يخطر في باله لثانية واحدة أن يعاتبها على هذا التفلت، ما سبب هلاك بني إسرائيل ؟ قال:
﴿ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ ﴾
( سورة المائدة الآية: 79 )
فلذلك الوضع المؤلم للأمة الإسلامية، التي هي الآن لا تأمر بالمعروف، ولا تنهى عن المنكر، بل التي تأمر بالمنكر، وتنهى عن المعروف، بل الأمة أصبح فيها المعروف منكراً، والمنكر معروفاً، هذه الأمة ليست أمة الاستجابة، وليست من الأمة التي وصفها الله بالخيرية، بل هي أمة التبليغ، وهي أمة كأية أمة خلقها الله عز وجل. الله عز وجل لا يحابي أحداً و يحاسب كل إنسان على عمله:
لذلك الله عز وجل قل ما تحب أن تقول، لكن الله لا يحابي أحداً، يعامل كل إنسان على عمله.
﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ﴾
( سورة الأنعام الآية: 132 )
نحن ينبغي أن نصحو من غفلتنا، وأن نعود إلى رشدنا، وأن نطيع ربنا، وأن نعتقد جازمين أننا إذا طبقنا منهج رسول الله لا يمكن أن نُعذب.
﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾
( سورة الأنفال الآية: 33 )
أي منهجك فيهم مطبق، في احتفالاتنا تجد نساء كاسيات عاريات، في الأعراس بأبهى زينة، بثياب فاضحة، ويدخل العريس ليجلس ويملأ عينيه من محاسن هؤلاء، ثم يصور هذا الحفل بفيلم فيدو ويوزع، فالرجل يرى النساء و كل أقاربه بأبهى زينة، هذه فتنة كبيرة جداً.
أيها الأخوة، لابدّ من أن نرجع إلى ربنا، لابدّ من أن نأمر بالمعروف، وأن ننهى عن المنكر، لابدّ من ألا تأخذنا في الله لومة لائم، لعل الله سبحانه وتعالى يتجلى علينا باسم "الباسط".
السعيد
09-03-2018, 01:07 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الثانى و الثمانون بعد المائة )
الموضوع : اسم الله - القادر - 1 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى:(القادر):
أيها الأخوة الأكارم، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى والاسم اليوم "القادر".
ورود اسم القادر في القرآن الكريم:
سمّى الله ذاته العلية بالقادر في القرآن الكريم، وسماه النبي صلى الله عليه وسلم على سبيل الإطلاق والإضافة، ففي القرآن الكريم قوله تعالى:
﴿ فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ ﴾
( سورة المرسلات )
وقد ورد الاسم معرفاً مطلقاً على وجه المدح والكمال والتعظيم في قوله تعالى: ﴿ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ ﴾
( سورة الأنعام الآية: 65 )
يعني الصواعق، وحديثاً الصواريخ. ﴿ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ ﴾
( سورة الأنعام الآية: 65 )
الزلازل، وحديثاً الألغام. ﴿ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً ﴾
( سورة الأنعام الآية: 65 )
الحرب الأهلية.
﴿ وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ﴾
( سورة الأنعام الآية: 65 )
بطولة الإنسان أن يغفر لمن جاء القضاء والقدر على يديه:
أيها الأخوة، الحقيقة الزلازل مصيبة كبيرة، والصواعق مصيبة أكبر، ولكن أكبر المصائب أن يذوق الإنسان بأس أخيه، حينما يأتي القضاء والقدر من الله مباشرة، هو مؤلم أشد الألم لكن من الله مباشرة، أما حينما يأتي القضاء والقدر على يد إنسان فلابد من صبر أشد، لأن الله عز وجل حينما قال:
﴿ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾
( سورة لقمان الآية: 17 )
لكن في آية ثانية:
﴿ وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾
( سورة الشورى )
هذه اللام لام المزحلقة، أو لام التوكيد، حينما يأتي القضاء والقدر من الله مباشرة أنت ينبغي أن تصبر والصبر ﴿ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾
أما حينما يأتي القضاء والقدر على يد إنسان أنت ينبغي أن تعرف أن هذا قضاء الله وقدره، وأن تغفر لمن جاء هذا القضاء والقدر على يديه.
إنسان لا سمح الله ولا قدر وقع ابنه من الشرفة، فنزل ميتاً، هذا قضاء وقدر، جاءك من الله مباشرة، أما حينما يموت الطفل على يد سائق يقود مركبة، أمامك إنسان تتمنى أن تنتقم منه، لذلك الآية الثانية: ﴿ وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾
تحتاج إلى صبر أشد، وإلى يقين أشد. كل شيء وقع أراده الله و كل شيء أراده الله وقع:
كل شيء وقع أراده الله، و إرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، و الحكمة المطلقة متعلقة بالخير المطلق.
(( لكل شيء حقيقة وما بلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه ))
[أخرجه الطبراني عن أبي الدرداء ]
هذا هو التوحيد، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد.
﴿ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ﴾
فالقادر من أسماء الله الحسنى.
وعند الإمام أحمد من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قيل:
(( يا رسول الله ! كيف يحشر أهل النار على وجوههم ؟ قال: إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادر أن يمشيهم على وجوههم ))
[ أحمد عن أنس بن مالك]
الله عز وجل قدرته مطلقة، قدرته متعلقة بكل ممكن، أي شيء وقع الله عز وجل أراده، وأي شيء أراده الله وقع، وهو: ﴿ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ﴾
( سورة هود )
القادر في اللغة:
الآن "القادر" في اللغة، "القادر" اسم فاعل، من فعل قَدْر، يقدِر، ويقدُر، يقدِر عين المضارع جاءت مكسورة، وقد تأتي مضمومة، قَدَر، ويقدِر، قدْراً، وقدّراً لغة العرب واسعة جداً، يقال قدرت الأمر أقدره إذا نظرت فيه ودبرته، وقدر كل شيء ومقداره مقياسه، وقَدر الشيء بالشيء، وقدّرَهُ قاسه، والتقدير التروية والتفكير في تسوية الأمور، ويقال قَدْرتُ لأمر كذا إذا نظرت فيه ودبرته، وقايسته، هذا في شأن اللغة، واللغة العربية لغة واسعة جداً.
ومن بعض الأمثلة: أن فعل نظر، يعني أن تنظر إلى الشيء، لكن لمح نظرت وأعرضت، مفتوح باب، رأيت امرأة وأنت مؤمن، فغضضت بصرك عنها، لمحتها، لا تقل نظرت إليها، لمحتها، أما إذا رأيت طائرة بين الغيوم تقول لاحت طائرة، الشيء المنظور ظهر واختفى، أما إذا قلت حدجته ببصري التحديج النظر مع المحبة، حدث القوم ما حدجوك بأبصارهم.
أما إذا قلت نظرت شذراً، مع الاحتقار، أما إذا قلت شخصت نظرت مع الخوف.
﴿ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾
( سورة الأنبياء الآية: 97 )
أما إذا قلت: تمطيت، أي نظرت مع التمطي، أما إذا قلت: استشرف الشيء أي نظر إليه وقد تمدد قليلاً، استشف نظر إلى الشيء وقد لمسه بيده، أما إذا قلت: رنا، نظر مع المتعة، رنوت إلى المنظر، أما إذا قلت: رأى، هذه رؤيا قلبية، فالعربية واسعة جداً في التعبير، ولكن مع الأسف الشديد تضعف اللغة أحياناً بضعف أهلها، وتقوى اللغة بقوة أهلها. من معاني القادر:
1 ـ التقدير:
الآن "القادر" سبحانه وتعالى، هو الذي يقدر المقادير في علمه، وعلمه هو المرتبة الأولى في قضائه وقدره، فالله عز وجل قدّر كل شيء قبل صنعه، في خطة.
الآن البناء الشامخ العملاق، ناطحة السحاب تبدأ بورق، بخارطة.
و "القادر" هو الذي نظم أمور الخلق، قبل إيجادهم وإمدادهم، لذلك فإن القدر عند علماء العقيدة مبني على التقدير والقدرة، هناك علم وهناك قدرة، فبدايته في التقدير، قل تعالى:
﴿ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً ﴾
( سورة الأحزاب )
قدر مقدور، مخطط له، يسبقه علم دقيقٌ دقيق، وقال سبحانه: ﴿ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً ﴾
( سورة الطلاق )
أي من التقدير، ومن ثم إن "القادر" هو الذي يقدر المقادير قبل الخلق والتصوير، لكن نحن كبشر حينما نبني بناء، نأتي بكذا ألف متر من البلاط، لكن لا يوجد إنسان على وجه الأرض، ولا يوجد مهندس يقدر أن يقول لك نحتاج إلى ثلاثة و ثمانين ألف متر وسبع بلاطات، هذا التقدير فوق طاقة البشر، أما نشتري كمية من البلاط، قد يزيد أو قد ينقص، أما أن يأتي تقدير المساحة بالسنتيمتر مئة بالمئة هذا فوق طاقة البشر. 2 ـ القدرة:
الله عز وجل من معاني "القادر" فضلاً عن التقدير يأتي معنى "القادر" من القدرة علم دقيق دقيقٌ دقيق، وقوة خارقة، علم مخطط، وقدرة تنفذ، هذا معنى "القادر"، لذلك قال تعالى:
﴿ أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ ﴾
( سورة يس )
وقال أيضاً:
﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ * عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ﴾
( سورة المعارج )
أيها الأخوة، الآيات تتعلق بإمكانية تحقيق المقدر. ﴿ وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ ﴾
( سورة المؤمنون )
من يتقِ الله عز وجل يجعل له مخرجاً من كل ضيق:
الآن الله عز وجل وعد الناس، وعد المرابي بالدمار، وعد العاصي بالهلاك ، لكن قد يتاح لك أن ترى وعد الله ووعيده محققاً، وقد لا يتاح، بل إن النبي عليه الصلاة والسلام مع أنه سيد الخلق وحبيب الحق، قال تعالى:
﴿ وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ ﴾
( سورة يونس الآية: 46 )
يعني أنت حينما لا يسمح لك عمرك المحدود أن ترى مصير الطغاة، يجب أن توقن يقيناً قطعياً أن الله سيدمره ولكن بعد حين، فسيدنا ابن عباس قال:
(( كنتُ خَلْفَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً، فقال لي: يا غلام، إِني أُعَلِّمك كلمات احفظ الله يحفظك ))
[ الترمذي عن عبد الله ابن عباس]
احفظ أمر الله يحفظك، ابتعد عما نهى الله عنه يحفظك، اجعل دخلك حلالاً يحفظك، عامل الزوجة بالإحسان يحفظك، ربِّ أولادك على طاعة الله يحفظك من عقوقهم ، اجعل دخلك حلالاً يحفظ مالك من الدمار، اجعل علاقاتك علاقات إيمانية يحفظك من العدوان.
﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ﴾
( سورة الطلاق )
الآية كما قلت لها معنى سياقي، ولها معنى آخر، مستقل عن سياقها، يعني من اتق الله في اختيار زوجته يجعل الله له مخرجاً من الشقاء الزوجي، اختارها ذات دين، من يتقِ الله في تربية أولاده يربيهم في وقت مبكر على طاعة الله يجعل الله له مخرجاً من عقوقهم، من يتق الله فيكسب ماله يجعل الله له مخرجاً من إتلاف المال، من يتقِ الله في علاقاته الاجتماعية يجعل الله له مخرجاً من الدمار الاجتماعي. عزة النفس من صفات المؤمن:
لذلك:
(( احفظ الله يَحْفَظْك، احفظ الله تَجِدْهُ تُجَاهَكَ ))
[أخرجه الترمذي عن عبد الله بن عباس ]
إذا كنت معه كان معك، إذا حفظت أمره حفظك، إذا كنت وقافاً عند حدوده حفظك، إذا سألت فاسأل الله، هو الذي يستحق أن يُسأل، وما سوى الله فقير مثلك، ضعيف مثلك، مقيد مثلك، إذا سألت فاسأل الله.
كان أحد الخلفاء الأمويين في الحرم المكي، فالتقى عالماً جليلاً، قال له: سلني حاجتك ؟ قال: والله إني أستحي أن أسأل حاجتي في بيت الله لغير الله، مستحيل أنا في بيت الله، فسكت هذا الخليفة، التقاه خارج الحرم، قال له: سلني حاجتك ؟ قال له: والله ما سألتها من يملكها أفأسألها من لا يملكها ؟ قال له: سلني حاجتك ؟ قال: أنقذني من النار، وأدخلني الجنة، قال له: هذه لا أملكها، قال له: إذاً ليس لي عندك حاجة.
لذلك عزة النفس من صفات المؤمن، ابتغوا الرفعة عند الله.
(( إِذا سألتَ فاسألِ الله، وإِذا استعنت فاستَعِنْ بالله ))
[أخرجه الترمذي عن عبد الله بن عباس ]
علاقة الإنسان مع الله وحده:
الآن دقق في التوحيد:
(( واعلم أن الأمة ـ يعني أهل الأرض ـ لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إِلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إِلا بشيء قد كتبه الله عليك ))
[أخرجه الترمذي عن عبد الله بن عباس ]
هذه الحقيقة، علاقتك مع الله وحده، لذلك:
(( إِذا سألتَ فاسألِ الله، وإِذا استعنت فاستَعِنْ بالله ))
وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد.
(( رُفِعَتِ الأقلام، وجَفَّتِ الصُّحف ))
[أخرجه الترمذي عن عبد الله بن عباس ]
تقنين الله عز وجل تقنين تأديب لا تقنين عجز:
الله عز وجل يقول:
﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ﴾
( سورة الحجر )
الله غني، في جفاف، هذا التقنين في الأمطار تقنين تأديب لا تقنين عجز ﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ ﴾
كنت مرة في عاصمة في بلد إفريقي، قيل لي: أمطارها في الشتاء أربعمئة ميليمتر في الليلة الواحدة، يعني ضعف ما ينزل من الأمطار في العام كله في دمشق ﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ ﴾
نهر الأمازون كثافته ثلاثمئة ألف متر مكعب في الثانية ﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ﴾
وقال تعالى:
﴿ وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ ﴾
( سورة يس )
﴿ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ﴾
( سورة القمر )
من خلال هذه الآيات كلمة "القادر" من التقدير، وكلمة "القادر" من القدرة ، تخطيط وتنفيذ، علم وعمل، تصميم وتنفيذ، من التقدير ومن القدرة. القضاء و القدر:
نحن في القضاء والقدر، والقضاء والقدر يتضح جلياً في هذا الحديث الصحيح، عن عمر رضي الله عنه، لما رجع عن البلد التي فيها طاعون:
(( فقال أبو عُبَيْدَة بنُ الجراج رضي الله عنه: أَفِرارا من قَدَرِ اللَّه ؟ فقال عمر: لو غيرُك قالها أبو عُبَيْدَة ؟ نعم نَفِرُّ من قَدَرِ اللَّه إلى قَدَرِ اللَّه، أرأيتَ لو كانت لك إبلُ، فَهَبَطَتْ وَادِيا له عُدْوتَان: إحداهما خِصْبَةُ، والأخرى جَدْبة أليس إن رَعَيْتَ الخِصْبةَ رَعَيْتَها بقَدَرِ اللَّه، وإن رعيتَ الَجدْبة رعيتها بقدر اللَّه ؟ نعم نَفِرُّ من قَدَرِ اللَّه إلى قَدَرِ اللَّه ))
[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود ومالك عن عبد الرحمن بن عوف ]
المرض قدر الله، والصحة قدر الله، نفر من المرض عن طريق الأدوية إلى قدر الله وهو الصحة.
(( فجاء عبد الرحمن بن عوف - وكان مُتغيبا في بعض حاجاته - فقال: إن عندي من هذا عِلما، سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا سمعتم به بأرض: فلا تَقْدمُوا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها: فلا تخرجوا فِرارا، قال: فَحَمِدَ اللَّه عمرُ بن الخطاب، ثم انصرف ))
[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود ومالك عن عبد الرحمن بن عوف ]
إن رعيت هذه الأرض الجدباء ترعاها بقدر الله، وإن رعيت هذه الأرض المخصبة ترعاها بقدر الله، ونحن نفر من قضاء الله إلى قضاء الله، ومن قدر الله إلى قدر الله.
أخوانا الكرام، أحياناً الأمور تتعقد، والدين بسيط، الدين ينبغي أن يكون كالهواء نستنشقه بيسر، الدين يحتاجه كل إنسان، يحتاجه المثقف ثقافة عالية، يحتاجه الأمي ، يحتاجه البسيط، لذلك قالوا: الانتفاع بالشيء ليس أحد فروع العلم به، يعني إنسان أميّ لا يقرأ ولا يكتب، يشتري مكيفاً يفتح مفتاح التشغيل، يأتيه الهواء البارد، انتفع به، لكنه يجهل آلية العمل بهذا المكيف، ويأتي إنسان يحمل دكتوراه في التكييف، يشتري مكيفاً ويدير مفتاح التشغيل يأتيه الهواء البارد، فالانتفاع بالشيء ليس أحد فروع العلم به، يعني القضاء والقدر بشيء مبسط من أجل أن نعرف الله، من أجل أن نحبه. الإيمان بالقدر يذهب الهم والحزن:
القضاء هو الحكم، والقدر هو التقدير، فحينما يحكم الله على عبد بالانحراف عن منهجه يقدر له تدبيراً حكيماً يرده إليه، قال تعالى:
﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾
( سورة السجدة )
يعني إنسان يقف في شرفة، وأمام الشرفة ساحة، والساحة يتفرع منها عدة طرق فله شخص عزيز في هذه الساحة، مشى في طريق خطرة، علم هذا الذي وقف في الشرفة أن هذا الإنسان مشى في طريق مؤذية، ينتهي بملاهٍ ساقطة، فأرسل له من يقنعه أن يعود من هذا الطريق، فالقضاء والقدر، القضاء حكم، والقدر تقدير حكيم، تدبير.
الآن هذه الحقيقة الدقيقة سأقربها بمثل آخر، نقول: يطلع الطبيب على مؤشرات ضغط الدم لدى مريض، فيرى الضغط مرتفعاً، يعني 16 ـ 18، الإطلاع على ضغط الدم المرتفع هذا قضاء حكم، الآن الطبيب يتخذ قراراً، يمنع المريض من تناول الملح، ويعطيه دواءً مدراً بمقادير دقيقة، فاطلع على ضغطه المرتفع قضاء، أمر بإيقاف الملح في الطعام وإعطاء دواء مدراً، هذا القدر، القضاء والقدر.
الآن الطبيب نفسه بعد حين اطلع على هذا المريض، اطلع على مؤشر الضغط لدى هذا المريض رآه طبيعياً، هذا هو القضاء، هذا هو الحكم، فقال: أوقفوا حمية الملح، قدموا له طعاماً مع الملح، ويخفض مقدار الدواء المدر، هذا هو القدر.
فالقضاء والقدر علم دقيق، وأمر حكيم، الإيمان بالقدر يذهب الهم والحزن.
(( لكل شيء حقيقة وما بلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه ))
[أخرجه الطبراني عن أبي الدرداء ]
الدين شيء عظيم جداً ينبغي أن نبسطه و نعطيه تفسيراً معقولاً:
أخوتنا الكرام: هذا الدين العظيم حاجتنا إليه كحاجتنا إلى الهواء، يجب أن نبسطه، ويجب أن نعقلنه، ويجب أن نطبقه حتى نقطف ثماره، والتعقيد ليس في صالح المؤمنين أحياناً ترى الأمور معقدة جداً، يعني إنسان أراد أن يسلم على يد شيخ من شيوخ تقلديين، أبقاه بأحكام المياه ستة أشهر، حكم الوضوء بماء الحمص، حكم الوضوء بماء العدس، حكم أنواع المياه، القلة والقلتان حتى خرج هذا الإنسان من جلده، وترك هذا الدين، التقى بعالم آخر الأمور عنده بسيطة، قال: الماء الذي تشربه توضأ منه.
أنا أرى أن هذا الدين شيء عظيم جداً، لكن ينبغي أن نبسطه، ينبغي أن نعطيه تفسيراً معقولاً، مقبولاً.
لذلك هذا الذي التقى بالجالية الإسلامية في بريطانيا، قال: أنا لا أصدق أن يستطيع العالم الإسلامي اللحاق بالغرب على الأقل في المدى المنظور لاتساع الهوة بينهما، ولكنني مؤمن أشد الإيمان أن العالم كله سيركع أمام أقدام المسلمين لا لأنهم أقوياء، ولكن لأن خلاص العالم في الإسلام، ولكن بشرط ـ هنا الشاهد ـ أن يحسنوا فهم دينهم، أن يحسنوا تطبيقه، أن يحسنوا عرضه على الطرف الآخر.
السعيد
09-03-2018, 01:09 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الثالث و الثمانون بعد المائة )
الموضوع : اسم الله - القادر - 2 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
من أسماء الله الحسنى:(القادر):
أيها الأخوة الأكارم، لا زلنا في اسم "القادر".
التعرف إلى أسماء الله الحسنى و التخلق بها:
كما تعلمون قوله تعالى:
﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾
( سورة الأعراف )
لابدّ من التذكير لأن الإنسان إذا تعرف إلى أسماء الله الحسنى أقبل عليه، لأنه من أعجب العجب أن تعرفه ثم لا تحبه، ومن أعجب العجب أيضاً أن تحبه ثم لا تطيعه.
لذلك الإسلام إن صحّ التعبير يمثل هرماً، يقع في قسمه الأعلى العقيدة، وأهم موضوع في العقيدة معرفة الله، وأبرز طريق لمعرفته أن تعرف أسماءه الحسنى، وصفاته الفضلى﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾
تعرفوا إليها من أجل أن تقبلوا عليها هذا المعنى الأول.
المعنى الثاني: ما من طريق للتقرب إلى الله عز وجل إلا أن تتخلق بكمال من كمالاته، تتقرب بهذا الكمال إليه، أوضح مثل، الله عز وجل رحيم، فإذا رحمت عباده تتقرب إلى الرحيم.
(( إن كنتم تريدون رحمتى فارحموا خلقي ))
[رواه أبو محمد بن عدى في كتاب الكامل ]
الله عز وجل عدل، يمكن إذا كنت منصفاً، وقلت كلمة الحق ولو على نفسك أن تتقرب إلى الله بهذا الإنصاف. معرفة الله و عبادته علة وجود الإنسان في هذه الدنيا:
إذاً:
﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾
تعرفوا إليها ثم تخلقوا بها، هذا أبرز ما في الأسماء الحسنى، لذلك التطبيق العملي لاسم "القادر" أن تكون قوياً، لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال:
(( المؤمن القويُّ خيْر وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف ))
[أخرجه مسلم عن أبي هريرة ]
السبب، مرة قلت لكم: حينما تذهب إلى مدينة، ولك في هذه المدينة هدف واحد أن تلتحق بجامعتها، وأن تنال الدكتوراه، نقول: علة وجودك في هذه المدينة أن تنال هذه الشهادة، فقط علة واحدة، وعلة وجودك في الدنيا من أجل أن تعرفه وأن تعبده، إنك إن عرفته وإن عبدته دفعت ثمن الجنة، جاء بك إلى الدنيا كي تدفع ثمن جنة عرضها السماوات والأرض فيها:
(( ما لا عين رأتْ ولا أذن سمعتْ، ولا خطَر على قلبِ بَشَرْ ))
[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة ]
حجم الإنسان عند ربه بحجم عمله الصالح:
دفع ثمن الجنة يحتاج إلى عمل، الآن فرص العمل الصالح أمام القوي أضعاف مضاعفة عن فرص العمل الصالح أمام الفقير، مؤمنان، الأول غني لكن في أعلى درجة من الإيمان، بإمكانه أن ينشئ ميتماً، مستوصفاً، معهداً شرعياً، يزوج شباباً، يؤمن فرص عمل، يعمل مشروعاً ضخماً، يحتاج إلى ألف عامل.
كلما كنت قوياً بالمال، أو قوياً بالمنصب بجرة قلم تحق حقاً، وتبطل باطلاً، أو قوياً بالعلم، فرص العمل الصالح التي أمامك لا تعد ولا تحصى.
بالمناسبة: حجمك عند الله بحجم عملك الصالح، لذلك تطبيق اسم "القادر" أن تسلك طريق القوة، ولكن بشرط أن يكون هذا السلوك وفق منهج الله، هناك من يصبح قوياً على حساب دينه، على حساب مبادئه، على حساب قيمه، على حساب نجاحاته الأخرى إذا كان طريق القوة قوة المال، أو قوة العلم، أو قوة المنصب سالكاً وفق منهج الله يجب أن تكون قوياً لا من أجل أن تستمتع بالقوة، أو أن تستمتع بالسيطرة، لا، أبداً، من أجل أن تستطيع فعل الأعمال الصالحة بكم كبير جداً.
أيها الأخوة:
(( المؤمن القويُّ خيْر وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف ))
[أخرجه مسلم عن أبي هريرة ]
لكن النبي عليه الصلاة والسلام جبار الخواطر، قال:
(( وفي كلّ خير ))
[أخرجه مسلم عن أبي هريرة ]
يعني أي مؤمن على العين والرأس. التنوع بالأحكام تنوع رحمة لا تنوع تضاد:
يذكرني هذا بحديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم:
(( يطبع المؤمن على الخلال كلها ))
[أخرجه الإمام أحمد عن أبي أمامة الباهلي ]
قد تجد مؤمناً أنيقاً أناقة زائدة، تجد مؤمناً يعتني ببيته عناية فائقة، قد تجد مؤمناً يعتني بمركبته، قد تجد مؤمناً يحب السفر، قد تجد مؤمناً يحب الإقامة، قد تجد مؤمناً يحب العلاقات الخارجية، مؤمناً منطوياً على نفسه، كل هذه الطباع على العين والرأس، الله عز وجل من قضائه وقدره اختلاف الناس في طباعهم، اختلاف الطباع لا يعد مدحاً ولا ذماً، فلان مزاجه عصبي، سيدنا موسى كان عصبياً، حينما أخذ برأس أخيه هارون وجره إليه، وهناك مؤمن حليم حلماً فائقاً، وهناك مؤمن يعتني بمن حوله، عنده ذكاء اجتماعي، في مؤمن هو وربه، كل هذا مقبول، لذلك الحديث:
(( يطبع المؤمن على الخلال كلها ))
[أخرجه الإمام أحمد عن أبي أمامة الباهلي ]
هناك تنوع، أنا أرى دائماً أن التنوع يسمى تنوع غنى لا تنوع تضاد، وهذا ينسحب على الأحكام الفقهية، أحياناً تجد بالفقه في رحمة واسعة، أضرب على هذا مثلاً:
امرأة بقي عليها طواف الإفاضة، ودخلت في العذر الشرعي، ماذا تفعل ؟ عند بعض المذاهب عليها بدنة، إن ذبحت بدنة أجزأتها عن طواف الإفاضة، عند الأحناف، وفي بعض المذاهب تغدو أميرة الركب، ينتظرها قومها إلى أن تطوف، وفي مذهب آخر تطوف البيت ولا شيء عليها، أنت دقق، امرأة موسرة، نقول لها: قدمي بدنة للفقراء والمساكين هذا يجزئك عن طواف الإفاضة، امرأة لها ابن مقيم بجدة، نقول لها: اجلسي عند ابنك أياماً سبعة وبعدها تطهرين وتطوفين بالبيت، أما امرأة فقيرة جداً، لا تملك ثمن بدنة، ولا ينتظرها الفوج سبعة أيام، نقول لها: أنت على المذهب المالكي، طوفي البيت ولا شيء عليك.
هذا التنوع بالأحكام تنوع رحمة لا تنوع تضاد، تنوع غنى، فلذلك الحديث:
(( يطبع المؤمن على الخلال كلها إلا الخيانة والكذب ))
[أخرجه الإمام أحمد عن أبي أمامة الباهلي ]
الإنسان لمجرد أن يكذب، أو أن يخون فقد إيمانه. من طغى وبغى على شريكه ليس مؤمناً:
أخوتنا الكرام، هناك آيات دقيقة جداً، الله عز وجل قال:
﴿ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنْ الْخُلَطَاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾
( سورة ص الآية: 24 )
﴿ الْخُلَطَاء ﴾
الشركاء ﴿ الْخُلَطَاء ﴾
الزوجان ﴿ الْخُلَطَاء ﴾
القريبان ﴿ الْخُلَطَاء ﴾
الأخوان ﴿ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنْ الْخُلَطَاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾
تتمة الآية: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ ﴾
( سورة ص الآية: 24 )
لله درّ الإمام الشافعي، استنبط الإمام الشافعي أن المؤمن لا يطغى على قرينه، ولا على شريكه، ولا على خليطه، قال: ومن طغى وبغى على شريكه ليس مؤمناً، الآية واضحة ﴿ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنْ الْخُلَطَاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾
واضحة ﴿ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ ﴾
فاستنبط أن الذي يبغي على خليطه ليس مؤمناً.
حينما قال بعضهم:
﴿ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ﴾
ردّ الله عليهم: ﴿ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ ﴾
( سورة المائدة الآية: 18 )
استنبط الإمام الشافعي أن الله لا يعذب أحبابه، إن كنت محباً له صادقاً، وأكدت هذه المحبة بطاعتك له لن تُعذب. من أخلص في عبادته و طبق أمر الله عز وجل أنشأ الله له حقاً عليه ألا يعذبه:
أخوتنا الكرام هناك بعض الأحاديث تملأ القلب طمأنينة، حينما أردف النبي عليه الصلاة والسلام سيدنا معاذ خلفه قال له:
(( يا معاذ ما حقّ الله على عباده ؟ قال: الله ورسوله أعلم، سأله ثانية وثالثة ثم أجابه، قال: يا معاذ حق الله على عباده أن يعبدوه، وألا يشركوا به شيئاً، بعد حين قال له: يا معاذ ما حقّ العباد على الله إذا هم عبدوه ؟ ))
[ أخرجه البخاري عن معاذ ]
يا الله ! من نحن ؟ كائن ضعيف، ينشئ الله لك حقاً عليه.
(( قال: يا معاذ ما حق العباد على الله إذا هم عبدوه ؟ فجاء الجواب ألا يعذبهم ))
هل تصدقون أنك إذا أخلصت في عبادتك، وطبقت أمر ربك، يمكن أن تطالب الله بحقك، ألا يعذبهم.
من هنا قال تعالى:
﴿ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا ﴾
( سورة التوبة الآية: 51 )
لم يقل علينا. من تعرف إلى الله و عقد معه عقداً إيمانياً هو مستثنى مما يصيب عامة الناس:
أنا أتمنى أن يكون المؤمن متفائلاً، أنت غالٍ على الله، سلامتك وسعادتك أحد خصوصياتك، أنت حينما تعرفت إلى الله، وعقدت معه عقداً إيمانياً، والله عز وجل خاطبك فقال: يا أيها الذين آمنوا أنت مستثنى مما يصيب عامة الناس.
﴿ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾
( سورة الأنبياء )
﴿ إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾
( سورة غافر الآية: 51 )
لذلك:
(( المؤمن القويُّ ))
كتطبيق عملي لاسم "القادر" جاء الحديث الشريف:
(( المؤمن القويُّ خيْر وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف ))
[أخرجه مسلم عن أبي هريرة ]
ولأن النبي جبار الخواطر قال:
(( وفي كلّ خير ))
على العين والرأس، أحياناً يقول لك الداعية: عندي أخوة كُثر، قلة منهم يحملون معي، وكثرة منهم أنا أحملهم، يعني عليه أن يحل مشكلاتهم، أن يساعد ضعيفهم، فرق كبير بين من يحمل معك، وبين من تحمله (( وفي كلّ خير ))
هذا الأدب مع الله عز وجل. من سأل الله صادقاً أعطاه الله عز وجل سؤله:
(( احرِصْ على ما ينفعك، واستعن بالله ))
[أخرجه مسلم عن أبي هريرة ]
من هو البخيل ؟ الذي بخل أن يسأل الله شيئاً، منك السؤال ومنه العطاء، ينتظر أن تسأله، وصدقوا أيها الأخوة، ما منا واحد يسأل الله صادقاً إلا أعطاه الله سؤله والدليل: ﴿ كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً ﴾
( سورة الإسراء )
عن أحد، لمجرد أن تسأله صادقاً، فالله عز وجل يعطيك سؤلك بشرط الصدق. الصدق و العدل كلمتان تحكمان العلاقة بين العبد و ربه:
لذلك من أروع ما قرأت عن قوله تعالى:
﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً ﴾
( سورة الأنعام الآية: 115 )
يعني يا عبادي، كلمتان تحكم العلاقة بيني وبينكم، منكم الصدق، ومني العدل تتفاوتون عندي بالصدق وأنا أعدل بينكم، من هنا: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾
( سورة الحجرات الآية: 13 )
لو الإيجابية و لو السلبية:
(( احرِصْ على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجزْ ))
[ أخرجه البخاري عن معاذ ]
هذا كلام عامة الناس، انتهينا، من قال لك انتهينا ؟ الله عز وجل موجود، وأنا أقول دائماً استمع إلى الأخبار ما في مانع، وأصغِ إلى التحليلات، ولا تنسى لثانية واحدة أن الله موجود، وأن الله قادر أن يغير كل المعادلات، كن فيكون، زل فيزول.
(( واستعن بالله ولا تعجزْ، وإن أصابك شيء فلا تَقُل: لو أنَّي فعلتُ لكان كذا وكذا ))
يعني كلمة لو محذوفة من قاموس المؤمن.
(( فلا تَقُل: لو أنَّي فعلتُ لكان كذا وكذا، ولكن قل: قَدَّر الله وما شاءَ فَعَل ـ الله قادر ـ فإن لو تفتحُ عَمَلَ الشيطان ))
[ أخرجه البخاري عن معاذ ]
إلا أن بعض العلماء استثنى من أنواع لو، لو الإيجابية، لو شخص ارتكب خطأ كبيراً، كسب مالاً حراماً فدمر الله ماله، لو قال لو لم أكسب هذا المال الحرام لما دمره الله عز وجل، هذا كلام صحيح، هذه اسمها لو الإيجابية، أخطأ فدفع ثمن خطئه، لو قال في نفسه لو لم أتورط في هذه المعصية، لما كان كذا وكذا، هذا الدرس لك ولغيرك. اتخاذ الحكمة والموعظة الحسنة أساس لدعوة الناس إلى الحق لأن الإنسان مخير:
أيها الأخوة، كما تعلمون علة وجودنا أن نعبده، وينبغي أن نعبده كما جاء في بعض تعاريف العبادة، هي طاعة، العبادة طاعة، لكنها طاعة طوعية، لأن الأقوياء يطاعون قسراً، لكن الله جلّ جلاله، وهو خالق القوة في الكون، ما أراد أن نعبده، قال:
﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ﴾
( سورة البقرة الآية: 256 )
أنا الذي أعجب منه أن خالق السماوات والأرض، الذي بيده كل الأمر كن فيكون ما قَبِل أن نعبده قسراً، قال: ﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ﴾
فكيف أنت أيها المؤمن تريد أن تجبر الناس على الإيمان ؟ أنت ادعُهم إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، فقط، أما تجبرهم هذا ليس من شأنك لأن الله عز وجل خاطب نبيه، قال: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ ﴾
( سورة البقرة الآية: 272 )
لست مسؤولاً لأنك لا تستطيع، هم مخيرون، وقال: ﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ﴾
( سورة القصص الآية: 56 )
﴿ لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ ﴾
( سورة البقرة الآية: 272 )
﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ﴾
( سورة القصص الآية: 56 )
الإنسان مخير، فالعبادة طاعة طوعية، ممزوجة بمحبة قلبية، أساسها معرفة يقينية، تفضي إلى سعادة أبدية. مستويات العبادة:
1 ـ عبادة الهوية:
ولكن: الآن دخلنا في اسم "القادر" هناك عبادة الهوية، يعني الصلاة، والصوم والحج، والزكاة، والصدق، والأمانة، وغض البصر، والاستقامة، وإنجاز الوعد، وتنفيذ العهد، هذه العبادة التعاملية، لكن هناك استثنائية، الإنسان إذا كان غنياً له عبادة خاصة عبادة إنفاق المال، وإذا كان قوياً له عبادة خاصة، عبادة إحقاق الحق، إذا كان عالماً له عبادة خاصة عبادة إلقاء العلم دون أن يأخذه في الله لومة لائم، عندنا عبادة اسمها عبادة الهوية، ليس مطلوباً من المؤمن الغني أن يبالغ في قيام الليل، ومعه أموال طائلة، وحوله أناس فقراء جداً، نقول لك: أنت أيها الغني، بعد أن تؤدي العبادات الكاملة لك عبادة استثنائية إنفاق مالك، هناك عبادة اسمها عبادة الهوية، الأقوياء لهم عبادة إحقاق الحق ، والعلماء لهم عبادة ؛ عبادة العلماء:
﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ ﴾
( سورة الأحزاب الآية: 39 )
لأن العالم إذا خشي غير الله فسكت عن الحق خوفاً، وتكلم بالباطل تقرباً، انتهت دعوته كلها، ما من داعٍ لنتحدث عن صفات أخرى، صفة واحدة جامعة مانعة، إذا ألغيت ألغي علمه.
قيل للحسن البصري: يا إمام بمَ نلت هذا المقام ؟ قال: باستغنائي عن دنيا الناس، وحاجتهم إلى علمي.
لو أن العالم استغنى عن علمه انتهى علمه، باستغنائي عن دنيا الناس، وحاجتهم إلى علمي. العبادة معرفة الله عز وجل و طاعته:
أخوتنا الكرام، بالحياة قمم، هناك قمم الأقوياء، وهناك قمم الأنبياء، يوجد فرق كبير بينهما، يوجد إنسان قوي يرأس أقوى دولة في العالم، أمره على الشبكية نافذ في كل البلاد، هذا قوي، وهناك نبي، الأنبياء أعطوا ولم يأخذوا شيئاً، الأقوياء أخذوا ولم يعطوا، الأنبياء ملكوا القلوب.
إنسان له زوجة لا تنجب، فتمنت عليه أن يأخذها إلى الحج، يقول هذا الإنسان لصديقه: أنا لست مؤمناً بالدين أصلاً، أرى الدين أفيون الشعوب، قال له: ما صليت ركعتين في كل الحج، هو ذهب من أجل زوجته، لما وصل إلى قبر النبي عليه الصلاة والسلام لفت نظره بكاء الناس أمام هذا القبر، متى عاش ؟ قبل ألف و أربعمئة عام، ماذا أعطى هؤلاء ؟ انعقدت توبته أمام قبر النبي عليه الصلاة والسلام، شيء مذهل.
فالعبادة أن تعرف الله عز وجل ، وأن تطيعه.
2 ـ عبادة الظرف:
لذلك هناك عبادة الهوية، وهناك عبادة الظرف، يوجد ظرف استثنائي، عندك ضيف أول عبادة أن تكرم الضيف، عندك مريض أول عبادة رعاية المريض.
3 ـ عبادة الوقت:
هناك عبادة الوقت، إن لله عملاً بالليل لا يقبله في النهار، وإن لله عملاً في النهار لا يقبله بالليل.
4 ـ عبادة العصر:
هناك عبادة العصر، يعني إذا الطرف الآخر أراد إفقار المسلمين فاستصلاح الأراضي، واستخراج الثروات، وتطوير الصناعات أول عبادة للمسلمين، الإسلام هو الحياة.
من تطبيقات اسم القادر:
1 ـ القوة حين أخذ أمر الله عز وجل:
أيها الأخوة، الآن الله عز وجل "القادر" فالله عز وجل يقول:
﴿ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ ﴾
( سورة البقرة الآية: 63 )
كن قوياً حينما تأخذ أمر الله عز وجل، من تطبيقات اسم "القادر" ﴿ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ ﴾
﴿ فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ﴾
( سورة فصلت الآية: 15 )
فالمؤمن القوي خير وأحبّ إلى الله تعالى، لكن ما في استكبار، في تواضع.
دخل النبي عليه الصلاة والسلام مكة فاتحاً لها مطأطئ الرأس حتى كادت ذؤابة عمامته تلامس عنق بعيره. 2 ـ إعداد القوة اللازمة لنصر الدين الإسلامي:
من تطبيقات اسم "القادر":
﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ﴾
( سورة الأنفال الآية: 60 )
بصراحة الغرب لا يقنع إلا بالأقوياء، ما دمنا ضعفاء لا يقنع بنا ولا بديننا المؤمن القوي، فالله عز وجل "القادر" ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ﴾
لكن الكبر مع القوة مدمر، قال قوم بلقيس: ﴿ قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ ﴾
( سورة النمل )
يروى أن هناك وصف لسيدنا الصديق، وكان يُرى ضعيفاً مستضعفاً، فإذا جدّ الجدّ فهو الليث عادياً، المؤمن ليس عنده كبر، أما عند الضرورة قوي جداً، قالت: ﴿ يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ﴾
( سورة القصص )
يعني صفة رائعة جداً لمن تسلمه عملاً، قوي، أمين، كفء، مخلص، الكفاءة والإخلاص. 3 ـ المؤمن متواضع لله يمرغ جبهته في أعتابه:
الآن آخر معنى من معاني اسم "القادر":
﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ ﴾
لا يخنع، لا يستسلم، لا ينبطح. ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ ﴾
( سورة الشورى )
هو متواضع لله، يمرغ جبهته في أعتاب الله، لكن لا يضعف أمام خصمه ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ ﴾
لكن لا يوجد تطاول، لا يوجد عدوان، لا يوجد بغي، لا يوجد طغيان.
﴿ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ﴾
( سورة الشورى الآية: 40 )
الحق أساس وجودنا:
من هنا قيل، دققوا في هذا القول:
(( إن الله لا يقدس أمة لا يأخذ الضعيف حقه من القوي ))
[أخرجه الحاكم عن أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ]
أمة ليس فيها عدل، هذه أمة عند الله ليست مقدسة، يروى أنه عقب الحرب العالمية الثانية سأل زعيم بريطاني وزراءه واحداً واحداً، سأل وزير الصناعة، كيف الوضع عندك ؟ قال له: المعامل كلها مدمرة، سأل وزير الزراعة ؟ قال له: الحقول محروقة، سأل وزير الخزانة ؟ قال له: الخزانة فارغة، عقب حرب مدمرة، ذهب فيها خمسون مليوناً، فسأل وزير العدل، كيف العدل عندك يا سيد فلان ؟ قال له: العدل عندي بخير، قال له: كلنا إذاً بخير.
ممكن نمر بأزمات طاحنة، ونبقى أمة قوية، أما إذا ذهب الحق انتهينا عند الله، قال له: إذاً كلنا بخير، فلذلك:
(( إن الله لا يقدس أمة لا يأخذ الضعيف حقه من القوي ))
السعيد
09-03-2018, 01:12 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الرابع و الثمانون بعد المائة )
الموضوع : اسم الله - الرحيم - 1 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى:(الرحيم):
أيها الأخوة الأكارم، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "الرحيم".
ورود اسم الرحيم في القرآن الكريم والسنة الشريفة:
اسم الله الرحيم ورد في القرآن الكريم وفي السنة الصحيحة، ورد مطلقاً أي غير مضاف، ومعرفاً بأل، ومنوناً، واسم الله الرحيم اقترن مع اسم الله الرحمن في ستة مواضع في القرآن الكريم.
اسم الله الرحيم يؤكد رحمة الله الخاصة بالمؤمنين:
اقترن اسم الله الرحيم مع اسم التواب، والغفور، والرؤوف، والودود، والعزيز، وذلك لأن الرحمة التي دلّ عليها اسم الرحيم رحمة خاصة، بينما اسم الله الرحمن رحمة عامة، للتوضيح: عندنا مدرسة وفيها عام دراسي، في أثناء العام الدراسي جميع الطلاب بدون استثناء يتمتعون بميزات عامة، كلهم لهم مقاعد، لهم مقاصف خاصة بهذه المدرسة، لهم أعطيات، لهم تعويضات، العطاءات واحدة، وهناك متابعة، فالمقصر يحاسب، المقصر يؤدب، المقصر يستدعى والده، العطاءات واحدة للجميع، ويوجد تأديب و متابعة و عقوبات، لكن بعد أداء الامتحان هناك تكريم للناجحين، فاسم الله الرحمن يشمل كل الخلائق، المؤمن، والكافر، والملحد، والمستقيم، والمنحرف، أما اسم الله الرحيم يشمل الذين آمنوا بالله ورسوله واستقاموا على أمره، وحققوا الهدف الذي من أجله خُلقوا.
لذلك الرحمة التي دلّ عليها اسم الرحيم رحمة خاصة، تلحق المؤمنين، التكريم متعلق بالناجحين فقط، أثناء العام الدراسي جميع الطلاب لهم الميزات نفسها، مجتهد، مقصر، كل الميزات مشتركة لكل الطلاب، لكن بعد الامتحان المكافأة، والتكريم، و التعويضات، والحفل الذي يبين تفوق هؤلاء الطلاب هذا خاص بالناجحين.
لذلك اسم الله الرحيم يؤكد رحمته الخاصة بالمؤمنين، ذكرت من قبلُ أن الأب يُطعم كل أولاده، يكسوهم جميعاً، كل ابن له غرفة خاصة، لكن الابن البار له معاملة خاصة، فيها ود، و فيها حب.
الله عز وجل رحمن في الدنيا لكل الخلق ورحيم في الآخرة بالمؤمنين:
أيها الأخوة، الله عز وجل رحمن في الدنيا لكل الخلق، لكن في الدار الآخرة رحيم بالمؤمنين، الآيات، قوله تعالى:
﴿ تَنزِيلٌ مِنْ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ(2) ﴾
( سورة فصلت )
الرحمن رحمن الدنيا، والرحيم رحيم الآخرة:
﴿ سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ(58) ﴾
( سورة يس )
سلام، لما قال تعالى:
﴿ يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنْ الرَّحْمَانِ (45) ﴾
( سورة مريم )
باسم الرحمن هناك عذاب، زلزال، فيضانات، اجتياح:
﴿ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ﴾
(سورة الأنعام: من آية 65 )
كل هذا من خلال اسم الرحمن، طبيب وجد المريض قد التهبت زائدته، لابد من مستشفى، لابد من تخدير، لابد من فتح البطن، لابد ولابد بدافع الرحمة، العملية الجراحية بدافع الرحمة. المصائب معالجة إلهية من اسم الرحمن:
كل أنواع المصائب في الحقيقة معالجة إلهية من اسم الرحمن، رحمن الدنيا، لكن بعد انتهاء الدنيا، ودخلنا في الدار الآخرة، الله عز وجل رحيم بعباده المؤمنين الذين استجابوا، وأنابوا، وأقبلوا، وتوكلوا.
﴿ تَنزِيلٌ مِنْ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ(2) ﴾
( سورة فصلت )
﴿ سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ(58) ﴾
( سورة يس )
﴿ نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾
( سورة الحجر )
هذا في القرآن الكريم، أما في السنة:
(( يا رسول الله علمني دعاءً أدعو به في صلاتي، فقال عليه الصلاة والسلام: قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم ))
[البخاري عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه]
(( كنا نعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس الواحد مئة مرة رب اغفر لي وتب عليّ أنك أنت التواب الرحيم ))
[أبو داود من حديث بن عمر عن رضي الله عنه]
الرحمن في الدنيا، عطاء موحد، شمس، قمر، ليل، نهار، أمطار، نبات، وتأديب للمقصر، عطاء موحد، وتأديب للمقصر هذا في الدنيا، أما في الآخرة تكريم خاص لمن استجاب لله، وأقبل عليه، واستقام على أمره. الرحيم في اللغة:
الآن باللغة: الرحيم في اللغة من صيغ المبالغة، فعيل بمعنى فاعل، رحيم بمعنى راحم، سميع بمعنى سامع، قدير بمعنى قادر، وزن فعيل يأتي على معنى فاعل، فالله عز وجل رحيم أي راحم بعباده المؤمنين، إذاً هذا الاسم دلّ على صفة الرحمة الخاصة التي ينالها المؤمنون، فالرحمن الرحيم بُنيت صفة الرحمة الأولى على فعلان رحمن، لأن معناه الكثرة، يعني اسم الله الرحمن يشمل كل الخلائق من دون استثناء، فرحمته وسعت كل شيء، وهو أرحم الراحمين، وأما الرحيم فإنما ذكر بعد الرحمن لأن الرحمن مقصور على الله عز وجل، لا يمكن أن يسمى إنسان باسم الرحمن أما يوجد إنسان اسمه رحيم.
فالرحيم قد يكون لله ولغير الله، قد تقول الله عز وجل رحيم، وفلان عليم:
﴿ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا(43) ﴾
( سورة الأحزاب )
لذلك قال ابن عباس: هما اسمان رقيقان أحدهما أرق من الآخر. الرحيم رحمة خاصة بالمؤمنينوتمتد إلى ذريتهم من بعدهم:
أيها الأخوة، والرحمة الخاصة التي دلّ عليها اسم الرحيم شملت عباده المؤمنين في الدنيا والآخرة، فقد هداهم إلى توحيده، وعبوديته، وهو الذي أكرمهم في الآخرة بجنته، ومَنَّ عليهم في النعيم برؤيته، ورحمة الله لا تقتصر على المؤمنين فقط، بل تمتد لتشمل ذريتهم من بعدهم تكريماً لهم، قال تعالى في نبأ الخضر والجدار:
﴿ وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ (82) ﴾
( سورة الكهف )
إذاً: الرحيم رحمة خاصة بالمؤمنين، وتمتد إلى ذريتهم من بعدهم، والآية الثانية:
﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ﴾
( سورة الطور الآية: 21 )
قال علماء التفسير ألحقنا بهم أعمال ذريتهم. أفضل كسب الرجل ولده:
أيها الأخوة:
(( أفضل كسب الرجل ولده ))
[أخرجه الطبراني عن أبي بردة بن نيار ]
إذا وفق الله إنساناً إلى تربية أولاده، أعمال أولاده الصالحة، وأولاد أولاده، وأحفاده، وأحفاد أحفاده إلى يوم القيامة في صحيفته، فكما أن الإنسان مجبول على حبّ وجوده، وعلى حبّ سلامة وجوده، وعلى حبّ كمال وجوده، وعلى حبّ استمرار وجوده، استمرار وجودك بسبب تربيتك لأولادك، ذكرت لكم مرة التقيت بعالم جليل قال لي: عندي ثمانية وثلاثون حفيداً، أكثر من أربعة عشر منهم طبيباً، وأكثر من عشرة أحفاد من حفاظ كتاب الله، أي الخير العميم الذي ينال المؤمنين يمتد إلى ذريتهم من بعدهم.
﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ ﴾
( سورة الطور الآية: 21 )
يعني أنت تستمر في الأجر، والعطاء، والثواب إلى يوم القيامة إذا ربيت أولادك، مرة أحد علماء دمشق وهو خطيب من الخطباء الكبار توفي رحمه الله، أُقيم له العزاء في الجامع الأموي، وفي اليوم الثالث وقف ابنه وألقى خطبة كأبيه، فقلت في نفسي والله لم يمت مادام ترك من يخلفه من بعده، فكل إنسان إذا الله وفقه وربى ابنه، الأجر الذي يناله الأب لا يعلمه إلا الله، مرة قابلت شخصاً له ابن صالح جداً، أقسمت له بالله أن هذا الابن الصالح في الميزان المادي أغلى من مليار مليار مليار دولار، هذه تتركها وتموت، أما الابن يبدأ عطاؤه بعد الموت.
(( إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ ))
[ مسلم عن أبي هريرة ]
هنيئًا لمن كان له ولد صالح. أسباب الرحمة الخاصة :
1 ـ طاعة الله ورسوله:
الرحمة الخاصة لها أسباب ؟ مثلاً شخص عنده حاسوب، وكتب كلمة رحمة، وبحث في مشتقاتها، سيجد بحثاً لطيفاً جداً مثلاً:
﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ(132) ﴾
( سورة آل عمران )
إذاً طريق رحمة الله طاعة الله ورسوله، بالأحاديث:
(( غَفرَ الله لرجل كان قبلكم: سهلاً إذا باع، سَهلاً إذا اشترى، سهلاً إذا اقتضى ))
[أخرجه البخاري والترمذي عن جابر بن عبد الله ]
رحم الله عبداً سهلاً إذا باع، سهلاً إذا اشترى، سهلاً إذا قضى، سهلاً إذا اقتضى. 2 ـ المعاملة الطيبة في البيع والشراء:
المعاملة الطيبة في البيع والشراء أحد أسباب رحمة الله عز وجل، أنت افتح البحث بالدعاء، رحم الله، بالأحاديث، تجد كماً كبيراً ما هي أسباب رحمة الله ؟
﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ(132) ﴾
( سورة آل عمران )
﴿ وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ(155) ﴾
( سورة الأنعام )
ابحث لعلكم تُرحمون، ابحث رحم الله عبداً، تجد بحثاً رائعاً مديداً دقيقاً عميقاً يبين لك هذا البحث أسباب رحمة الله عز وجل. اسم الله الرحيم يدل على الذات والصفة معاً:
الآن اسم الله الرحيم من الجهة العلمية يدل على ذات الله، هو اسم ذات، ومن الجهة الوصفية يدل على صفة الرحمة الإلهية، اسم ذات واسم صفة، فهو يدل على الذات والصفة معاً، قال تعالى:
﴿ يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ(41)إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ(42) ﴾
( سورة الدخان )
أيها الأخوة، الآية التي ورد فيها الاسم على الوصف، آية دقيقة، وهذه رحمة خاصة بالمؤمنين، تضمنها اسمه الرحيم، قالت امرأة العزيز بعد توبتها:
﴿ وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ(53) ﴾
( سورة يوسف )
أيها الأخوة، والآية التي تقول:
﴿ وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ(54) ﴾
( سورة الأنعام )
أيها الأخوة الكرام، الآية التي تقول:
﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ (28) ﴾
( سورة الحديد)
انظر اتقوا الله، اتقوا أن تعصوه، اتقوا أن تقعوا في سخطه أو غضبه. في الدنيا جنة القرب من لم يدخلها لن يدخل جنة الآخرة:
﴿ اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ (28) ﴾
( سورة الحديد)
يكفل لكم رحمته مرتين، مرة في الدنيا ومرة في الآخرة، وفي قوله تعالى:
﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾
( سورة الرحمن )
جنة في الدنيا وجنة في الآخرة، ويقول بعض كبار العلماء، في الدنيا جنة من لم يدخلها لن يدخل جنة الآخرة، إنها جنة القرب، والدليل:
﴿ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (6) ﴾
( سورة محمد)
عرفها لهم في الدنيا، ذاقوا طعمها في الدنيا. من لم يكن أسعد الناس بمعرفة الله و الإقبال عليه فهو لم يذق طعم حلاوة الإيمان:
بشكل أو بآخر إن لم تقل من أعماق أعماقك ليس في الأرض من هو أسعد مني، فمعنى ذلك أنت لم تذق جنة الدنيا، لو يعلم الملوك (هذا كلام إبراهيم بن الأدهم الذي كان ملكاً وهو مدفون في جبلة) ما نحن عليه لقاتلونا عليه بالسيوف.
ماذا يفعل أعدائي بي ؟ بستاني في صدري، إن أبعدوني فإبعادي سياحة، وإن حبسوني فحبسي خلوة، وإن قتلوني فقتلي شهادة، فماذا يفعل أعدائي بي ؟ أين وجد سيدنا إبراهيم الجنة ؟ وقد ألقي في النار:
﴿ يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﴾
( سورة الأنبياء )
أين وجد أصحاب الكهف الجنة ؟ في الكهف. أين وجد سيدنا يونس الجنة ؟ في بطن الحوت، أي إذا كان الله معك فمن عليك ؟
فَلَيتَكَ تَحلو و الحَياةُ مَريــرَةٌ وَلَيتَكَ تَرضى وَالأَنامُ غِضـابُ
وَلَيتَ الَّذي بَيني وَبَينَكَ عامِـرٌ وَبَيني وَبَينَ العـالَمينَ خَرابُ
وليت شرابي من ودادك سائغ وشربي من ماء الفرات سراب
إذا صحّ منك الوصل فالكل هين وكل الـذي فوق التراب تراب
***
إن لم تقل أنا أسعد الناس على بيت صغير، ودخل محدود، وعدة علل بالجسم، ومتاعب في الدنيا، مع كل هذه المتاعب والحياة الخشنة إن لم تقل أنا أسعد الناس بمعرفة الله ، والإقبال عليه، ومحبته، فأنت لم تذق طعم حلاوة الإيمان، ولم تذق طعم القرب في الدنيا، في الدنيا جنة من لم يدخلها لن يدخل جنة الآخرة:
فلو شاهدت عيناك من حسننا الــذي رأوه لما وليت عنا لــــــغيرنا
ولو سمعت أذناك حســــن خطابنا خــلعت عنك ثياب الـعجب وجئتنا
ولو ذقت من طعم المــــحبة ذرة عذرت الـــذي أضحى قتيلاً بحبنا
ولــــو نسمت من قربنا لك نسمة لـــمت غريباً واشتياقــاً لقربنا
ولو لاح من أنوارنــــا لـك لائحٌ تركــت جميع الكـائنات لأجلنــا
***
كل شيء أراده الله وقع وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة:
وقال الله عز وجل يصف ويتحدث عن نبيه نوح عليه السلام ومن ركب معه السفينة:
﴿ وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِاِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ(41) ﴾
( سورة هود)
هؤلاء نجوا، ركبوا السفينة ونجوا، ﴿ إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ(41) ﴾
أما الفيضان أصاب القوم الذين استنكفوا عن طاعة الله باسم الرحمن، غرقوا باسم الرحمن، ونجا هؤلاء باسم الرحيم، الرحيم تعني الرحمة الخاصة بالمؤمنين:
﴿ لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ(57)سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ(58) ﴾
( سورة يس)
﴿ يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنْ الرَّحْمَانِ (45) ﴾
( سورة مريم)
الرحيم أيها الأخوة، في أغلب النصوص وصف بالرحمة الخاصة، نسأل الله رحمته، ونستعيذ به من عذابه، مع أن عذابه عدل، وفيه حكمة ما بعدها حكمة، وكل شيء وقع أراده الله، وكل شيء أراده الله وقع، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، والحكمة المطلقة متعلقة بالخير المطلق. اجتماع اسمي الله جلّ جلاله الرحمن الرحيم في معنى واحد وهو تعلقهما بالمشيئة:
أيها الأخوة، إن اسمي الله جلّ جلاله الرحمن الرحيم يجتمعان في معنى واحد وهو تعلقهما بالمشيئة، فاسم الله الرحمن اقتضى أن يسوق لعباده بعض العذاب، والدليل:
﴿ فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنْ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ(147) ﴾
(سورة الأنعام )
واسم الله الرحيم يقتضي التكريم، اسم يقتضي التأديب في الدنيا، واسم يقتضي التكريم في الآخرة، يفترق الاسمان (الرحمن والرحيم) من جهة تعلقهما بالحكمة، الحكمة تقتضي أن يساق العذاب لمن شرد عن الله في الدنيا، والحكمة تقتضي أن تكون رحمة الله لمن استجاب له في الآخرة. الله عز وجل خلق المؤمن ليرحمه و يسلمه و يسعده:
أيها الأخوة الكرام، اسم الله الرحيم خاص بالمؤمنين، فبذلك حينما قال الله عز:
﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾
( سورة هود الآية: 119 )
دقق ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾
خلقهم ليرحمهم، خلقهم ليسلمهم، خلقهم ليسعدهم، خلقهم ليعطيهم، الله عز وجل بيده الخير، دققوا في هذه الآية:
﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 26 )
إعطاء الملك خير، ونزعه خير، إعزاز الإنسان خير، والإذلال خير، بيدك الخير إنك على كل شيء قدير، نسأل الله رحمته، ونخشى عذابه، نسأل الله السلامة في الدنيا، النبي عليه الصلاة والسلام حينا دعا في الطائف قال:
(( اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا رب المستضعفين، إلى من تكلني ؟ إلى عدو يتجهمني، أم إلى قريب ملكته أمري، إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، ولك العتبى حتى ترضى، لكن عافيتك أوسع لي ))
[ الطبراني عن عبد الله بن جعفر، وفي سنده ضعف ]
ونحن نقول رحمة الله الخاصة بالمؤمنين أوسع لنا.
السعيد
09-03-2018, 01:14 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الخامس و الثمانون بعد المائة )
الموضوع : اسم الله - الرحيم - 2 -
مد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى:(الرحيم):
أيها الأخوة الكرام، لازلنا في اسم الرحيم.
الرحيم رحمة الله الخاصة بالذين آمنوا وأقبلوا عليه و الرحمن رحمته العامة لكل الخلق:
الله سبحانه وتعالى يقول هناك أدعية في القرآن الكريم: ﴿ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ(128) ﴾
( سورة البقرة )
وقد تبين في درس سابق أن اسم الرحيم يعني رحمة الله الخاصة بالمؤمنين، بينما اسم الرحمن رحمته العامة لكل الخلق، اسم الرحمن يعني رحمته العامة لكل الخلق وتأديبه للمقصرين، قال:
﴿ يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنْ الرَّحْمَانِ (45) ﴾
( سورة مريم )
لكن اسم الرحيم يعني رحمته الخاصة بالذين آمنوا وأقبلوا عليه، لذلك من أدعية القرآن الكريم:
﴿ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ(128) ﴾
( سورة البقرة )
الآية تشير إلى الرحمة الخاصة، آية ثانية قال تعالى:
﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ(16) ﴾
( سورة البقرة )
الكبر والاعتداد بالنفس والاستعلاء والاستكبار صفات تتناقض مع العبودية:
يتضح أن الإنسان أحياناً تزل قدمه، لكن الفرق كبير جداً بين من يعصي الله كبراً واستعلاءً واستكباراً:
﴿ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ ﴾
( سورة الأعراف الآية: 12 )
وبين من يعصي الله غلبة، يعني لو لم تذنبوا لخفت عليكم ما هو أكبر، ما الذي هو أكبر من الذنب ؟ العُجب، العُجب، إنسان عنده كمية لبن قليلة جداً وجاءه ضيوف، فأضاف لهذا اللبن أربعة أمثال الكمية ماء، فصار شراباً سائغاً للشاربين، لكن هذا اللبن لا يحتمل قطرة بترول واحدة، تحمل أربعة أمثاله ماء، وصار شراباً سائغاً للشاربين، لكن لا يتحمل قطرة بترول واحدة، الكبر، والاعتداد بالنفس، والاستعلاء، والاستكبار، هذه صفات تتناقض مع العبودية ، لأن الرب رب، والعبد عبد، شأن العبيد الافتقار إلى الله، وعندئذ ربهم يرفعهم، ويعزهم، ويوفقهم، ويتجلى عليهم، ويلقي هيبتهم في قلوب الخلق، وشأن الرب أنه كبير، وأنه جبار:
﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ(16) ﴾
( سورة البقرة )
وقوله سبحانه وتعالى عن أهل الجنة:
﴿ إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ(28) ﴾
( سورة الطور)
اسم الرحيم من أقرب الأسماء للمؤمن:
أعتقد أنه لا يوجد اسم أقرب للمؤمن من اسم الرحيم، كلمة رحمة والله لا أملك أن أشرحها، يعني مطلق عطاء الله، أحياناً الصحة رحمة، يعني معافى، الأجهزة تعمل بانتظام، الإنسان معه قوته، معه سمعه، بصره، عقله، حركته، نشاطه، أجهزته، أي جهاز في الجسم لو أصابه خللاً تصبح حياة الإنسان جحيماً لا يُطاق، فما من دعاء أكثر النبي منه كهذا الدعاء:
(( اللهم ارزقنا العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة ))
[أخرجه أبو داود عن عبد الله بن عمر ]
﴿ إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ(28) ﴾
( سورة الطور)
فالصحة رحمة، وراحة البال رحمة:
﴿ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (5) ﴾
( سورة محمد)
والزوجة الصالحة رحمة، والأولاد الأبرار رحمة، والسمعة الطيبة رحمة، والتيسير رحمة، والسكينة رحمة، والتجلي رحمة، والقرار السديد رحمة، والنظرة الثاقبة رحمة، والموقف الحكيم رحمة، والرضا عن الله رحمة، وامتلاك الحكمة رحمة، وامتلاك الرؤيا الصحيحة رحمة. الله عز وجل خلقنا ليرحمنا و يسعدنا:
ماذا أقول ؟ مطلق عطاء الله، بدءاً من الصحة، وانتهاءً بالسكينة، كلها رحمة الله، فالله عز وجل خلقنا ليرحمنا، خلقنا ليسعدنا، والدليل:
﴿ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾
( سورة هود الآية: 119 )
و:
(( رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل المسجد إذا رجل قد قضى صلاته وهو يتشهد فقال: اللهم إني أسألك يا الله بأنك الواحد الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤاً أحد، أن تغفر لي ذنوبي إنك أنت الغفور الرحيم، فقال عليه الصلاة والسلام قد غُفرَ له ثلاثاً ))
[النسائي عن حنظلة بن علي]
أي يا رحمن يا رحيم برحمتك نستغيث:
(( صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على رجل من المسلمين، فسمعته يقول: اللهم إن فلان بن فلان في ذمتك، وحبل جوارك، فقه من فتنة القبر ومن عذاب النار، وأنت أهل الوفاء والحمد، اللهم فاغفر له وارحمه، أنك أنت الغفور الرحيم ))
[أبي داود عن واثلة بن الأسقع]
يعني من أعظم الأدعية أن تقول في دعائك يا رب إنك أنت الغفور الرحيم، الغفور عفو عما مضى، والرحيم عطاء، أنت أحياناً تنظف الإناء مما علق به من قاذورات، ثم تملؤه شراباً لذيذاً، فالرحيم عطاء والغفور مسامحة.
(( اللهم ألف بين قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، واهدنا سبل السلام، ونجنا من الظلمات إلى النور، وجنبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وبارك لنا في أسماعنا وأبصارنا، وقلوبنا، وأزواجنا، وذرياتنا، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، واجعلنا شاكرين لنعمتك، وأتمها علينا ))
[أبو داود من دعاء ابن مسعود ]
من أحبه الله عز وجل ألقى محبته في قلوب خلقه:
أيها الأخوة، ومما ورد في الرحمة الخاصة الذي تضمنه اسم الله الرحيم قوله تعالى في شأن موسى:
﴿ قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ (151) ﴾
( سورة الأعراف )
يعني مطلق عطاء الله أن تكون في رحمة الله، وعن أيوب عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام:
﴿ وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83) ﴾
( سورة الأنبياء )
(( تهجد النبي صلى الله عليه وسلم في بيتي فسمع صوت عباد يصلي في المسجد، فقال: يا عائشة أصوت عباد هذا ؟ قلت: نعم، قال: اللهم ارحم عباداً
))
[البخاري عن عائشة رضي الله عنها ]
أي إذا الله رحم الإنسان عاش في سعادة، عاش في توفيق، عاش في هيبة، إذا أحب الله عبداً ورحمه ألقى محبته في قلوب الخلق. المؤمن من أتباع الأنبياء يبني حياته على العطاء لا على الأخذ:
أيها الأخوة:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ (218) ﴾
( سورة البقرة )
المؤمن يبذل ماله، يبذل وقته، يربي أولاده، ينصح المسلمين، يقدم خدماته، لماذا يفعل هذا ؟ يرجو رحمة الله، يرجو عطاء الله، أنا أضرب مثلاً بسيطاً لو أن ملكاً كلف معلماً أن يعطي ابنه بعض الدروس، فهذا المعلم أفقه ضيق جداً بعد عشرة دروس قال للابن أين الأجرة ؟ قال: أستاذ كم تريد ؟ قال له: كل درس ألف، بعد دقيقة جاءه، وقال: هذه عشرة آلاف، لكن مسكين هذا المعلم لو لم يطلب من الابن لأعطاه الأب بيتاً، ومركبة، ودخلا مستمراً، ملك، عطاء الملك يتناسب مع الملك، فعندما لا يتحرك الإنسان إلا بالأجر، لا يلقي كلمة إلا بالأجر لا يقبل أن يؤدي نصيحة إلا بالأجر المسبق، يكون لا يعرف الله، فحياة المؤمن مبنية على العطاء، بالتعبير المعاصر استراتيجيته العطاء، أساساً الهرم البشري الكبير يقع على قمته زمرتان، الأقوياء والأنبياء، الأقوياء أخذوا ولم يعطوا، الأنبياء أعطوا ولم يأخذوا، لذلك المؤمن من أتباع الأنبياء، يبني حياته على العطاء، يسعد إذا أعطى:
﴿ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً ﴾
( سورة الإنسان )
والله الذي لا إله إلا هو أحياناً إذا قدمت عملاً صالحاً وقال لك شخص كم تريد ؟ كأنك طعنته، ماذا أريد ؟ أريد رضوان الله عز وجل لا أريد شيئاً، فالإنسان المادي لا يفهم الموقف هذا، يراه ذا أفق ضيق، وفيه بساطة، وفيه سذاجة، ما تأخذ ؟ المسلم يرجو رحمة ربه و يخشى عذابه: أيها الأخوة:
﴿ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً ﴾
( سورة الإنسان )
من هنا يقول الله عز وجل:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (218) ﴾
( سورة البقرة )
المسلم يرجو رحمة الله، نرجو رحمتك ونخشى عذابك، والآية الكريمة:
﴿ وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرْ اللَّهَ يَجِدْ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا(110)﴾
( سورة النساء )
الإنسان عندما يقول: يا رب اغفر لي، يا رب تب علي، يا رب سامحني، الله عز وجل لحكمة بالغة يلقي في روعه أنه غفر له، وأنه تاب عليه. من كمال الله أنه إذا غفر لك يشعرك أنه غفر لك و تاب عليك:
قال بعض العلماء: من وقف في عرفات فلم يغلب على ظنه أن الله غفر له، فلا حج له لماذا ؟ لأن من كمال الله أنه إذا غفر لك يشعرك أنه غفر لك، وإذا تاب عليك يملأ قلبك طمأنينة، إذا تاب عليك يملأ قلبك ثقة بعطائه، وهناك آية أخرى:
﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ (74)﴾
( سورة المائدة )
ماذا تنتظر؟
إلى متى وأنت باللذات مشغول وأنت عن كل ما قدمت مسـؤول
***
أطع أمرنا نرفع لأجلك حجبنـا فإنا منحنا بالرضا من أحبنـــا
ولذ بحمانا واحتمِ بجنــابنـا لنحميك مما فيه أشرار خلقنـــا
وعن ذكرنا لا يشغلنك شاغـل وأخلص لنا تلقى المسرة والهنــا
وسلم إلينا الأمر في كل ما يكن فما القرب والإبعاد إلا بأمرنـــا
فيا خجلي منه إذا هـو قال لي أيا عبدنــا ما قرأت كتابنــــا
أما تستحي منا ويكفيك ما جرى أما تختشي من عتبنا يوم جمعنـا
أما آن أن تقلع عن الذنب راجعاً وتنظر ما به جـاء وعدنــــا
فأحبابنا اختاروا المحبة مذهبـاً وما خالفوا في مذهب الحب شرعنا
فـلو شاهدت عيناك من حسننا الذي رأوه لما وليت عنا لغيرنــا
ولو سمعت أذناك حسن خطابنا خلعت عنك ثياب العجب وجئتنــا
ولو ذقت مـن طعم المحبة ذرة عذرت الذي أضحى قتيلاً بحبنــا
ولو نسمت من قربنا لك نسمـة لمــــت غريباً واشتياقاً لقربنا
فما حبنا سهل وكل من ادعـى سهولته قلنا له قــــد جهلتنا
***
الولاء والبراء أحد أركان الإيمان بالله تعالى:
أيها الأخوة، الذي أريده في الدرس الثاني من كل اسم علاقة المؤمن بهذا الاسم، علاقة المؤمن بهذا الاسم الرحيم هو امتلاء القلب برحمة الولاء للمؤمنين، ورقة الوفاء لهم التي تدفع إلى حبّ المؤمنين، أنت من ؟ أنت مسلم، يجب أن يكون ولاؤك للمؤمنين ولو كانوا ضعافاً وفقراء، وينبغي أن تتبرأ من الكفرة والملحدين ولو كانوا أقوياء وأغنياء، تجد إنساناً أحياناً يذهب إلى الغرب فيستغرِب، ينتمي إليهم، يتمنى قوتهم، يتمنى نصرهم، يزدري أمته، هذا انتهى، لأنه أحد أركان الإيمان الولاء والبراء، أن توالي المؤمنين، أن تحمل همهم، أن تتألم لآلامهم، أن يبكيك حالهم المأساوي، لا أن تشمت بهم.
إذاً المؤمن الموحد بهذا الاسم الرحيم ينبغي أن يمتلئ قلبه رحمة الولاء، ورقة الوفاء التي تدفع إلى حبّ المؤمنين، وبغض المنحرفين، وأسوتنا في ذلك هو سيد الخلق أجمعين، قال تعالى:
﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (128) ﴾
( سورة التوبة)
المؤمنون وضعهم لا يرضي الآن، كبا بهم الجواد، اصطلحت عليهم المصائب، أعلن العالم كله حرباً عليهم، وأنت كمؤمن توالي المؤمنين، تدافع عنهم، تحمل همهم، تتألم لآلامهم، تفرح لانتصارهم.
﴿ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (128) ﴾
( سورة التوبة)
الطاعة تدفع إلى الرحمة والعفو والمغفرة:
كان النبي صلى الله عليه وسلم رحيماً بأصحابه، رفيقاً، حبيباً، قريباً، صديقاً:
(( أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في نفر من قومي، فأقمنا عنده عشرين ليلة، وكان رحيمًا رفيقاً، فلما رأى شوقنا إلى أهالينا، قال: ارجعوا، فكونوا فيهم، وعلموهم وصلوا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم ))
[البخاري عن مالك بن الحويرث ]
الشاهد: (( وكان رحيماً رفيقاً، فلما رأى شوقنا إلى أهالينا، قال: ارجعوا، فكونوا فيهم، وعلموهم وصلوا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم ))
أيها الأخوة:
(( قال النبي عليه الصلاة والسلام ذات يوم في خطبه: أهل الجنة ثلاثة، ذو سلطان مقسط، متصدق موفق، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم، وعفيف متعفف ذو عيال ))
[مسلم عن عياض ]
فالطاعة تدفع إلى الرحمة والعفو والمغفرة وتوحيد الله بهذا الاسم يقتضي أن تنتمي للمؤمنين. معرفة أسماء الله الحسنى جزء أساسي من عقيدة المؤمن:
أيها الأخوة، أريد أن أؤكد لكم أن الإسلام يشبه مثلثاً مقطعاً إلى أربعة مقاطع، المقطع الأعلى هو العقيدة، العقيدة أن تؤمن بالله موجوداً وواحداً وكاملاً، وأن تؤمن بالله خالقاً ومربياً ومسيراً، وأن تؤمن بأسمائه الحسنى وبصفاته الفضلى، وأن تؤمن أنه فعال لما يريد:
﴿ لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ (63) ﴾
( سورة الزمر)
﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ ﴾
( سورة الزخرف الآية: 84 )
﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ ﴾
( سورة هود الآية: 123 )
هذا الإيمان يقع على رأسه معرفة أسماء الله الحسنى، معرفة أسماء الله الحسنى جزء أساسي من عقيدة المؤمن، لكن آلية هذه المعرفة ينبغي أن تعرف الله حتى تقبل عليه، يعني لو أن إنساناً عقدة زواجه لا يوجد عنده بيت، وتأخر الدخول لعدم وجود البيت، وتململ أهل الزوجة، وكاد العقد أن يلغى وأن يفسخ، وهو في حيرة من أمره فسمع عن رجل صالح عنده بيت يريد أن يعطيه لطالب علم وهو طالب علم، هذه الفكرة يرقص لها طرباً، يذهب إليه، يعرض عليه، ما الذي دفعه إلى هذا المحسن ؟ لأنه علم أنه يبغي أن يعطي ذلك البيت لطالب علم، هذا مثل للتقريب، أنت حينما تعلم أن الله قوي وأنت ضعيف تتقوى به، أن الله غني وأنت فقير، أن الله كريم وأنت مفتقر إلى عطائه، أنت حينما تعرفه تقبل عليه، وتزهد فيمن سواه، علامة المؤمن موحد، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، تُقبل عليه وتزهد فيما سواه، فلذلك الرحمة أن ينالك عطاء الله عطاءً شاملاً كاملاً يجمع بين الدنيا والآخرة. الرحمة أن ينالك عطاء الله عطاءً شاملاً كاملاً يجمع بين الدنيا والآخرة:
أخواننا الكرام، معظم الناس الذين شردوا عن الله خطهم البياني صاعد صعوداً حاداً، وعند الموت هذا الخط الصاعد ينهار انهياراً مريعاً، عند الموت فقد كل شيء، فقد ماله، أهله، مكانته، أولاده، بيته، مركبته، مكتبه التجاري، فقد كل شيء، إلا أن المؤمن (ودققوا في هذا المثل) خطه البياني صاعد صعوداً مستمراً، والموت نقطة على هذا الخط الصاعد، لذلك أنا حينما أرى إنساناً محسناً في الدنيا أدعو له بهذا الدعاء، أقول له: اللهم اجعل نعم الدنيا متصلة بنعم الآخرة. أي في الدنيا الله متعك بصحة، متعك بأهل، بأولاد، لك بيت تأوي إليه، لك مكانة، لك سمعة، وافته المنية فهو في جنة عرضها السموات والأرض، يعني اتصلت نعم الدنيا مع نعم الآخرة.
من ذكره الله عز وجل منحه نعمة الأمن والسكينة و الحكمة:
لذلك أيها الأخوة عندما قال الله عز وجل:
﴿ اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ (45) ﴾
( سورة العنكبوت )
ذكر الله أكبر ما في الصلاة، المعنى الذي أردده كثيراً قال علماء التفسير: ذكر الله لك وأنت تصلي أكبر من ذكرك له، إنك إن ذكرته أديت واجب العبودية، لكنه إذا ذكرك منحك الأمن أكبر عطاء إلهي:
﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81) الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82) ﴾
( سورة الأنعام )
منحك الحكمة:
﴿ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيراً ﴾
( سورة البقرة الآية: 269 )
منحك السكينة تسعد بها ولو فقدت كل شيء، وتشقى بفقدها ولو ملكت كل شيء، منحك الرضا عن الله عز وجل، منحك التوفيق، منحك التأييد، منحك النصر، منحك الحفظ. عطاءات الله عز وجل التي يعطيها للمؤمن لا تعد و لا تحصى:
والله أيها الأخوة، عطاءات الله عز وجل التي يعطيها للمؤمن يصعب أن توصف، يعيش في سعادة، في ثقة، في طمأنينة، في قوة شخصية، في عزّ، في إباء، يعني الآية الكريمة:
﴿ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ (8) ﴾
( سورة المنافقون )
ونحن يومياً في دعاء القنوت، سبحانك إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولذلك:
﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (45) ﴾
( سورة العنكبوت )
العاقل من يفرح برحمة الله عز وجل له:
اقرأ هذه الآية:
﴿ وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (32) ﴾
( سورة الزخرف )
يقولون: بل جيتس يملك تسعين ملياراً، رحمة الله خير من التسعين ملياراً، الدولة الفلانية عندها نفط يقدر بأربعمئة وخمسين مليار برميل احتياطي، والنفط كان بستة دولارات صار بمئة وخمسين دولاراً، يقول لك: صاروا فوق الريح، يذهب شخص لبلد من بلاد النفط يقول لك: الأموال لا تأكلها النيران:
﴿ وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (32) ﴾
( سورة الزخرف )
كان عليه الصلاة والسلام إذا رأى بيتاً، إذا رأى شيئاً من حطام الدنيا، يقول:
(( اللهم لا عيْشَ إِلا عَيْشُ الآخِرَةِ فَأَصْلِحِ الأَنْـصَارَ وَالْمُهَاجِرَةَ ))
[ من صحيح البخاري عن أنس بن مالك ]
﴿ وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (32) ﴾
( سورة الزخرف )
يقول لك شخص معه وكالة مادة غذائية، أرباحه اليومية مليون ليرة، مليون يومياً ماذا يأكل ؟ له وجبة طعام صغيرة، هذا هو رزقه، وكسبه سيحاسب عليه، يعني لا تفرح بالكم، افرح برحمة الله عز وجل هكذا الله علمنا:
﴿ وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (32) ﴾
( سورة الزخرف )
القلب القاسي أبعد قلب عن الله:
نحن أحياناً بخطأ فاحش إذا شخص مات نقول: مسكين مات، الله عز وجل قال:
﴿ وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (158) فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ (159) ﴾
( سورة آل عمران )
إن لم يمتلئ قلبك رحمة فالأمر خطير جداً، أبعد قلب عن الله القلب القاسي:
﴿ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ ﴾
( سورة الزمر الآية: 22 )
قلوبهم كالحجارة، بل أشد منها قسوة:
﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ (159) ﴾
( سورة آل عمران )
الشيء الأخير، نحن نقبل على الله إذا عرفنا أسماءه، والطريقة الفعالة للتقرب منه أن تتخلق بكمال مشتق من كمال الله، فإذ أردت رحمة الله فارحم خلقه، إذا أردت عدل الله كن منصفاً، إن أردت عطاء الله كن معطياً، تقرب إلى الله بكمال مشتق من كماله.
السعيد
09-03-2018, 01:16 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( السادس و الثمانون بعد المائة )
الموضوع : اسم الله - الرزاق - 1 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
من أسماء الله الحسنى:(الرازق):
أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "الرازق".
ورود اسم الرازق في القرآن الكريم و السنة الشريفة:
هذا الاسم ورد في السنة، ففي حديث أنس رضي الله عنه الذي ورد في الأسماء الثلاثة السابقة قول النبي صلى الله عليه وسلم:
(( إنَّ الله هو المُسَعِّرُ، القابضُ، الباسط، الرازق ))
[أخرجه أبو داود والترمذي عن أنس بن مالك ]
وهذا الاسم ورد في القرآن الكريم مقيداً في قول الله عز وجل: ﴿ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيداً لِأَوَّلِنَا وَآَخِرِنَا وَآَيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ ﴾
( سورة المائدة )
الرازق في اللغة:
"الرازق" في اللغة اسم فاعل، رزق، يرزق، رزقاً فهو "الرازق"، والرزق ما يُنتفع به.
لذلك فرق العلماء بين الرزق والكسب، الشيء الذي تأكله، والثياب التي تلبسها، والبيت الذي تسكنه، هذا هو الرزق الذي انتفعت به، أما الرصيد: الحجم المالي هذا كسب لم تنتفع به، الذي تنفع به مباشرة هو الرزق، والذي لا تنتفع به وهو من كسبك هو الكسب، أما الكسب تحاسب عليه من أين اكتسبته ؟ وماذا فعلت فيه ؟ مع أنك لم تنتفع به، يعني الذي معه ألف مليون، ماذا يأكل ؟ يأكل وجبة محددة، ويرتدي ثياباً واحدة، وينام على سرير واحد، وطاقته في الاستمتاع بالحياة لها سقف، مهما كنت غنياً كم تأكل ؟ وجبة محدودة، كم ثوب ترتدي ؟ ثوب واحد، على كم تنام بليلة واحدة ؟ على سرير واحد. الرزق و الكسب:
الرزق: ما انتفعت به فقط، والكسب: حجمك المالي، حجمك المالي لم تنتفع به إطلاقاً لكنه أعطاك كبراً، وهيمنة، وسيطرة، وكل قرش اكتسبته تحاسب عليه، مع أنك لم تنتفع به.
لذلك ورد في بعض الآثار:
(( إن روح الميت ترفرف فوق النعش، تقول يا ولدي يا أهلي، لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي، جمعت المال مما حلّ وحرم، فأنفقته في حله وفي غير حله، فالهناء لكم والتبعة عليّ ))
[ ورد في الأثر]
الرزق هو العطاء، استرزقه، أي طلب منه الرزق، وزن استفعل في اللغة يفيد معنى الطلب، استغفر طلب المغفرة، استرحم طلب الرحمة، استرزق طلب الرزق، وقد يسمى المطر رزقاً، لأن المطر ينبت النبات، ينبت القمح، ينبت الخضراوات، فالرزق من آثار المطر. على المؤمن أن يعزو الرزق إلى الله لا إلى غيره:
أما قوله تعالى:
﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ﴾
( سورة الواقعة )
تهطل أمطار كثيرة، نستمع إلى من يقول: هناك منخفض متمركز فوق قبرص في طريقه إلينا، لأن هذا رزق الله، هذا فضل الله، هذه رحمة الله، نعزو الرزق إلى أسباب أرضية ﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ﴾
وقد ورد في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم عقب ليلة مطيرة قال:
(( هل تدرون ماذا قال ربكم ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر. فأما من قال: مُطِرْنا بفضل الله ورحمته: فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب وأما من قال: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كذا وكذا: فذلك كافر بي، مؤمن بالكواكب ))
[ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي ومالك عن زيد بن خالد الجهني ]
كتعليق على هذا الحديث هناك من ينسب ما يجري إلى أسباب أرضية فقط، يعني زلزال دمر كل شيء يقول لك اضطراب بالقشرة الأرضية فقط، لمَا وقع هنا ولم يقع هنا؟ مع أن الله تعالى يقول:
﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ﴾
( سورة هود )
على الإنسان أن يعزو الأسباب إلى مسبب الأسباب كي يصطلح و يتعامل معه:
لمَ لا تقبل التفسير الأرضي القريب، وتعزو التفسير البعيد إلى الله عز وجل ؟ الإنسان أحياناً يرفض التفسير العلوي، الإلهي، التوحيدي، ولا يقبل إلا التفسير الأرضي الشركي المحمود.
ما يعانيه المسلمين اليوم يعزى إلى الاستعمار فقط، والصهيونية العالمية فقط أين الله ؟ كيف سمح لهؤلاء أن يسيطروا على العالم، ألسنا عباده ؟ فلابد من أن تعزو الأسباب إلى مسبب الأسباب، إلى خالق السماوات والأرض، كي تتعامل معه، كي تصطلح معه.
لذلك لا ينبغي أن تفسر ما يجري فقط لأسباب أرضية شركية، لابدّ من أن نفسر ما يجري لأسباب أرضية، ومسبب الأسباب هو الله، لحكمة بالغةٍ بالغة.
الأرزاق نوعان ؛ أرزاق ظاهرة و أرزاق باطنة:
أيها الأخوة، الأرزاق نوعان، أرزاق ظاهرة كالأقوات للأبدان، انظر إلى سوق الخضر، كميات من الفواكه، كميات من الخضروات، المحاصيل، والقمح، والغنم، أرقام فلكية، كلها رزق العباد، أقوات للأبدان، وهناك أرزاق باطنة، هي المعارف والإيمان، إنسان الله عز وجل رزقه فهماً بكتاب الله، هذا رزق.
بالمناسبة: العلم هو أعلى أنواع الرزق، الدليل:
﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾
( سورة النساء )
﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً ﴾
( سورة القصص الآية: 14 )
الله عز وجل أعطى المال لمن لا يحب، وأعطاه لمن يحب، حتى نكون موضوعيين، أعطى المال لقارون وهو لا يحبه، وأمره: ﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ ﴾
( سورة القصص الآية: 77 )
وأعطاه لسيدنا عثمان وهو يحبه، أنفق على جيش العسرة، وقال النبي الكريم:
(( ما ضرّ عثمان ما عمل بعد هذا اليوم ))
[أخرجه الحاكم عن عبد الرحمن بن سمرة ]
رضي عنه من أعماق أعماقه، أعطى الملك لفرعون وهو لا يحبه، وأعطاه لسيدنا سليمان وهو يحبه، لكن الذين يحبهم ماذا أعطاهم ؟ الملك ليس مقياساً، والمال ليس مقياساً، لكن الذين يحبهم الأنبياء، قمم البشر ﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً ﴾
فإذا وهبك الله رزقاً من نوع الرزق الذي وهبه لأحبابه، فاشكر الله عز وجل ، بالأرض هناك من يعبد الجرذان في آسيا، وهناك من يعبد ذكر الرجل، و هناك من يعبد موج البحر، وهناك من يعبد البقر، و هناك من يعبد الشمس والقمر، وهناك من يعبد الحجر، فالله سبحانه وتعالى أكرمنا أن نعبد خالق السماوات الأرض. الله عز وجل "الرازق" تكفل باستكمال الرزق ولو بعد حين:
أما الله جلّ جلاله هو "الرازق"، هو الذي يرزق الخلائق أجمعين، وهو الذي قدّر أرزاقهم قبل خلق العالمين.
﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ﴾
( سورة الروم الآية: 40 )
يعني ترسل ابنك إلى بلد أوربي ليدرس، حتى يطمئن ترسل له مصروفه لستة سنوات دفعة واحدة، حتى يطمئن.
فالله عز وجل قال: ﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ﴾
فعل ماض ﴿ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ﴾
ما قال ثم يرزقكم ﴿ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ﴾
الله عز وجل "الرازق" تكفل باستكمال الرزق ولو بعد حين، كل إنسان له عند الله رزق لكن بحين معين، قالوا: من تعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه، قال عليه الصلاة والسلام:
(( أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ فَإِنَّ نَفْساً لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ رِزْقَهَا وَإِنْ أَبْطَأَ عَنْهَا فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ خُذُوا مَا حَلَّ وَدَعُوا مَا حَرُم. ))
[أخرجه ابن ماجه عن جابر بن عبد الله ]
في راوية:
(( استجملوا مهنكم ))
اختر حرفة شريفة، اختر حرفة فيها نفع للناس، وليس فيها ابتزاز لأموالهم ، اختر حرفة فيها نفع للناس، وليس فيها إلقاء الرعب في قلوبهم، اختر حرفة ينتفع بها من حولك، ولا تختر حرفة تبني دخلك على أنقاض الناس، لأنه ألصق شيء بحياة الإنسان رزقه، وحرفته، وزوجته، المركبة تُبدل، البيت يُبدل، أما زوجته أم أولاده، وحرفته، فإن كانت الحرفة مخالفة لمنهج الله هذه مشكلة أنت محجوب عن الله دائماً. أرزاق الله سبحانه وتعالى لا تعد ولا تحصى:
حديث آخر:
(( نفث روح القدس في روعي أن نفساً لن تخرج من الدنيا حتى تستكمل أجلها وتستوعب رزقها فأجملوا في الطلب، ولا يحملنكم استبطاء الرزق أن تطلبوه بمعصية الله، فإن الله لا ينال ما عنده إلا بطاعته ))
[ أخرجه الطبراني عن أبي أمامة الباهلي ]
والآية الكريمة: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ﴾
( سورة فاطر الآية: 3 )
قال بعض العلماء: الرزق اسم يشمل الإنسان وغير الإنسان، لكن هذه الكلمة تعم رزق الدنيا والآخرة، دخول الجنة رزق، النجاة يوم القيامة رزق، العلم في الدنيا رزق، اشتقاق الكمال من الله رزق، الحلم رزق، الورع رزق، نحن هكذا ببساطة أي كلمة رزق نتصورها المال فقط، قد تجد إنساناً دخله محدود، لكن يتمتع بعلم غزير، يتمتع بسمعة طيبة، يتمتع براحة نفسية، يتمتع بتوفيق من الله عز وجل، أو يتمتع بدعوة كبيرة، حجم المال صغير جداً، لكن حجمه عند الله كبير جداً.
فنحن ينبغي ألا نتوهم أن كل كلمة رزق تعني مال، لا، أرزاق الله سبحانه وتعالى لا تعد ولا تحصى، وقد قال الله عز وجل: ﴿ الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾
( سورة البقرة )
إلزام الله عز وجل ذاته العلية برزق العباد:
أحياناً الله عز وجل يرزق إنسان مكانة، بهذه المكانة تحل مشكلات كبيرة، هذا رأسمالك، أي الناس يهابونك، ينصاعون لأمرك، استخدم هذه الهيبة في خدمة الناس، في حلّ مشكلاتهم، في إنقاذ من يحتاج إلى إنقاذ، والآية الكريمة:
﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا ﴾
( سورة هود الآية: 6 )
على، متى جاءت على ؟ مع لفظ الجلالة، معنى ذلك أن الله ألزم نفسه ذاتياً برزق العباد ﴿ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا ﴾
بعدها ﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ ﴾
تفيد استغراق أفراد النوع.
لو دخل معلم إلى صف، وقال: أيها الطلاب لكم عندي هدية، يعني لهؤلاء الذين أمامه، أما لو قال: ما من طالب في هذا الصف إلا وله عندي هدية، هذه من تشمل حتى الغائب، حتى الذي لم يتح له أن يأخذها الآن، ما من طالب في هذا الصف إلا وله عندي هدية، هذه من تفيد استغراق أفراد النوع.
ما قال: ما دابة إلا على الله رزقها، قال: ﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ ﴾
يعني نملة تمشي على صخرة صماء، في الليلة الظلماء، على الله رزقها.
وعل يعيش في قمم الجبال، هناك ينابيع مياه في قمم الجبال، في القمم أي مستودع في جبل أعلى، تمديد مذهل من أجل الوعول، هناك وعول تعيش في قمم الجبال هناك ينابيع ماء لها، معنى ذلك أن هذه الينابيع تمديداتها تحت الجبال إلى جبال أعلى، يوجد بأرواد نبع، هذا النبع لا تكفي أمطار أرواد لهذا النبع، هذا النبع مستودعه في طرطوس وممدد تحت البحر، يوجد بإندونيسيا ثلاث عشرة جزيرة، ما من جزيرة إلا وفيها نبع ماء عذب، من آيات الله الدالة على عظمته.
إذاً ﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى ﴾
يعني ألزم الله ذاته العلية برزق العباد. بطولة الإنسان أن يأكل رزقه الذي كتبه الله له من طريق مشروع:
حتى الطعام الحرام الذي يتناوله الإنسان هو رزق من الله، يعني أضرب هذا المثل الذي أردده كثيراً:
بستان فيه شجر تفاح، الشجرة السابعة، الفرع الثالث، الغصن الرابع، التفاحة الخامسة، هذه لفلان، هذه له، فلان قد يشتريها بماله، وقد يأكلها ضيافة، وقد يأكلها هدية وقد يسرقها، وقد يتسولها، التسول، والسرقة، والهدية، والضيافة، والشراء اختياره، أما هي له.
فالبطولة أن تأكل رزقك الذي كتبه الله لك من طريق مشروع، هنا جاء الحديث مرة ثانية:
(( نفث روح القدس في روعي أن نفساً لن تخرج من الدنيا حتى تستكمل أجلها وتستوعب رزقها فأجملوا في الطلب ))
[ أخرجه الطبراني عن أبي أمامة الباهلي ]
لا تذل نفسك، لا تتضعضع أمام غني، ولا أمام قوي.
(( اطلبوا الحوائج بعزة الأنفس فإن الأمور تجري بالمقادير ))
[ ابن عساكر عن عبد الله بن بسر بسند ضعيف]
والله مرة زارني أخ متقدم بالسن، قدمتُ له ضيافة متواضعة، فقطع أول لقمة من هذه الضيافة، وقبل أن يأكلها قال: سبحان من قسم لنا هذا، ولا ينسى من فضله أحدا.
اعتقد هذا الاعتقاد، الله عز وجل لا ينسى من فضله أحداً، هو خلقك، تكفل لك بالرزق، تكفل لك بالزواج، تكفل لك بالعمل، لا تضجر، لا تقلق، لا تيأس، لا تتشكى، سبحان من قسم لنا هذا، ولا ينسى من فضله أحداً.
حتى أهل الدنيا الذين يسرقون، هو رزق الله عز وجل اختاروا أن يأخذوه سرقة محاسبون عليه، أما هو لهم. إحباط الأعمال في آخر الزمان نتيجة:
أخوانا الكرام، أحياناً الإنسان يعجب، الأمور تجري خلاف صالح العالم الإسلامي، هم يعيشون على ثروات هائلة، يحتلون موقعاً استراتيجياً مذهلاً، ومع ذلك هذه الثروات ليست لهم، يأتي من يأخذها منهم عنوة، فقد روى عبد الله بن عمر عن النبي الكريم قال:
(( أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ، لَمْ تَظْهَرْ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا ))
[ ابن ماجه و البزار و البيهقي عن عبد الله بن عمر ]
1 ـ انتشار الفاحشة:
الآن الشاذون بالعالم لهم منظمات، ولهم قيادات، ولهم مرجعيات، ومعهم بطاقات، ويطالبون الحكومة بأن يعاملوا كغيرهم من المواطنين، وهناك حكومات كثيرة جداً لهم، أحياناً يكون في سفير دولة عظمى يقام له حفل وداع في العاصمة، يحضر معه شريكه الجنسي، وهناك قانون في بعض البلاد الغربية الشريك الجنسي يمنح الجنسية، لو شخص معه شريك جنسي من بلد متقدم جداً شريكه الجنسي يستحق الجنسية، وهناك تعويضات.
الآن قال:
(( حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا ))
[ ابن ماجه و البزار و البيهقي عن عبد الله بن عمر ]
الشذوذ انحراف خطير، يتناقض مع الفطرة، في بلاد كثيرة وضمن القوانين معترف به، فصاحبه محترم، وله كل ميزات المتزوج. 2 ـ انتشار الأمراض:
(( لَمْ تَظْهَرْ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلَّا فَشَا فِيهِمْ الطَّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمْ ))
[ ابن ماجه و البزار و البيهقي عن عبد الله بن عمر ]
الإيدز يعني، كان قديماً إذا إنسان سافر وطرق بابه ليلاً يقشعر جلده خوفاً من الله ولا يفتح الباب، والآن يقشعر جلده ولكن خوفاً من الإيدز. ﴿ فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ ﴾
( سورة الأحزاب الآية: 19 )
3 ـ انتشار الغش:
(( وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ ))
الغش، أنوع الغش.
(( وَشِدَّةِ الْمَئُونَةِ، وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنْ السَّمَاءِ، وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا، وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ إِلَّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوّاً مِنْ غَيْرِهِمْ فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ ))
[ ابن ماجه و البزار و البيهقي عن عبد الله بن عمر ]
بأول حرب سبعمئة مليار نُقلت من بلادنا إلى بلاد الغرب، وكل حرب تنقل ألوف المليارات من بلادنا إلى بلاد الغرب. 4 ـ عدم الحكم بكتاب الله:
(( وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ ))
[ ابن ماجه و البزار و البيهقي عن عبد الله بن عمر ]
الحروب الأهلية.
(( وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ ))
عدو يتسلط عليهم، يأخذ ما في أيديهم.
(( مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنْ السَّمَاءِ ))
[ ابن ماجه و البزار و البيهقي عن عبد الله بن عمر ]
هذه كلها من الأخطاء الذي يرتكبها المسلمون في آخر الزمان. المعرفة أشرف الرزقين رزق الأبدان و رزق الأرواح:
العلماء قالوا: رزق الأبدان بالأطعمة، ورزق الأرواح بالمعرفة، المعرفة رزق، والمعرفة أشرف الرزقين، فإذا خصك الله بدخل وفير أكلت به أطيب الطعام، وخصّ عبداً آخر برزق المعرفة فاعلم علم اليقين أن العبد الآخر أكثر حظوة عند الله منك، لأنه منحه رزق النفوس، ورزق الأرواح، وهي المعارف، قال تعالى:
﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴾
( سورة القصص )
والنبي عليه الصلاة والسلام قال:
(( أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني ))
[ مسلم عن أبي هريرة]
أحياناً يكون بعض الأخوة في مجلس، مجلس مبارك فيه تجلٍّ، فيه نور، فيه سرور، فيه مودة، فيه محبة، فيه ذكر لله، يقول لك: جلست جلسة لا أنساها مدى الحياة، قُدم كأس شاي فقط، وأحياناً طعام نفيس، ألوان، أنواع منوعة، يقول لك ما ارتحنا، ما سررنا.
وقال بعض العلماء: "الرازق" من غذى نفوس الأبدان بتوفيقه، وحلّ قلوب الأخيار بتصديقه، الرزق رزقان، رزق الأبدان، ورزق النفوس، نحن بحاجة إلى رزق الأبدان، لكن لا تنسوا حاجتكم العظمى لرزق النفوس، إلى العلم بالله. ﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾
السعيد
09-03-2018, 01:18 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( السابع و الثمانون بعد المائة )
الموضوع : اسم الله - الرزاق - 2 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى:(الرازق):
أيها الأخوة الأكارم، لا زلنا في اسم "الرازق".
تثبيت الله عز وجل القوانين التي لا تعد ولا تحصى من أجل أن يطمئن الإنسان:
قبل أن نمضي في الحديث عن هذا الاسم لابدّ من التنويه إلى أن الله سبحانه وتعالى ثبت ملايين ملايين القوانين في الكون، ثبات هذه القوانين يوحي بالاستقرار، يوحي بالنظام، فالقوانين ثابتة، الذهب ذهب، والفضة فضة، والحديد حديد، خصائص المواد هي هي، هذه القوانين التي لا تعد ولا تحصى والتي ثبتها الله عز وجل من أجل أن يطمئن الإنسان.
أنت حينما تشيد بناء الحديد الذي فيه لو غيّر خصائصه لانهار البناء، أن حينما تشتري سبيكة ذهب تبقى ذهب ما دامت عندك، لو أنها تحولت إلى معدن خسيس خسرت كل مالك، ثبات خصائص المعادن، وأشباه المعادن، القوانين، قوانين الحركة، قوانين الفيزياء، الكيمياء، هذا الثبات يوحي بالنظام، يوحي بالاستقرار.
ولكن الله جلّت حكمته حرك موضوعين خطيرين، حرك الصحة، وحرك الرزق، الرزق ليس ثابتاً، والصحة ليست كذلك.
تحريك الله تعالى الصحة و الرزق لحكمة بالغة:
يبدو أن هذين الموضوعين الخطيرين، حينما تحركا ليؤدب الله بهما الإنسان، فالإنسان مهما ملك من ثروات طائلة كل استمتاعه بالحياة مبني على صحته، على قطر شريانه التاجي، على نمو خلاياه، على سيولة دمه، لو تجمد الدم في العروق لمات الإنسان احتشاء، لو نمت الخلايا نمواً عشوائياً ورم خبيث، لو ضاقت الشرايين ذبحة صدرية، هناك أمراض وبيلة قاتلة.
فالصحة ليست ثابتة، وكذلك الرزق، أحياناً تنقطع الأمطار، يموت النبات، يموت الحيوان، يهاجر الإنسان.
نحن آمنا أن الله سبحانه وتعالى وحده هو "الرازق" لكن بعد هذا الإيمان بيّن في قرآنه، والنبي المعصوم بيّن في سنته أسباب زيادة الرزق، وما منا واحد على وجه الأرض إلا حريص على صحته، وعلى رزقه.
الأسباب التي وردت في القرآن الكريم والتي جعلها الله سبباً لزيادة الرزق:
1 ـ تقوى الله عز وجل:
ما دمنا في اسم "الرازق" ما الأسباب التي وردت في القرآن الكريم، والتي جعلها الله سبباً لزيادة الرزق، الله عز وجل في أول سبب من أسباب الزيادة قال تعالى:
﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ﴾
( سورة الطلاق )
ضاقت فلما استحكمت حلقاته ا فرجت وكان يظن أنها لا تفرج
* * *
كن عن هـــمومك معرضا وكل الأمور إلى الــــقضا
وابشر بخـــــير عاجل تنسى به ما قد مضــــى
فلــــــرب أمر مسخط لك في عواقبه رضـــــا
* * *
وربما ضــــاق المضيق ولربما اتسع الفضـــــا
الله يفعل ما يشــــــاء فلا تكن معترضــــــا
الله عودك الــــــجميل فقس على ما قد مضـــى
* * *
الإنسان المؤمن لا يقنط ولا ييأس بل يتجه إلى الله عز وجل:
والله أيها الأخوة، لو لم يكن في كتاب الله إلا هذه الآية لكفتني ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ﴾
من اسم شرط جازم، اسم الشرط الجازم يحتاج إلى فعلين، الفعل الأول فعل الشرط، والثاني جوابه وجزاؤه، هذه الصيغة توحي بالقانون، من يجتهد ينجح، من سار على الدرب وصل ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ﴾
ماذا تعني كلمة مخرج ؟ أمامه الأبواب كلها مغلقة، أنت متى تقول أين المخرج ؟ حينما تحاول أن تخرج ولم تجد باباً تقول أين المخرج ؟.
كلمة ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ﴾
توحي أن أبواب الأرض أغلقت، تقدم طلباً لا يوافق له، يقدم بعثة مرفوض، يبحث عن عمل لا يجد، يحاول أن يستأجر دكاناً لا يستطيع، الأبواب كلها مغلقة، ولحكمة بَالغةٍ بالغةٍ بالغة أحياناً يكون هذا الامتحان الصعب يغلق الله كل أبواب الأرض، ويفتح لك أبواب السماء، فالإنسان المؤمن لا يقنط ولا ييأس يتجه إلى الله.
وكان عليه الصلاة والسلام إذا حزبه أمر بادر إلى الصلاة، في أي شأن، في شأن عملك، في شأن صحتك، في شأن زواجك، مشكلة لاحت لك بالأفق، مصيبة قريبة منك، شبح فقر، شبح مرض لابد من أن تقول:
الله عودك الــــــجميل فقس على ما قد مضــــى
* * *
﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ﴾
والله أيها الأخوة، لولا ضيق الوقت لكان هناك مئات القصص التي إذا رويت يقشعر البدن، كيف أن الأبواب كانت مغلقة ثم فتحت.
إذاً أول أسباب زيادة الرزق تقوى الله عز وجل، الإنسان حينما يرى الأمور معسرة الأبواب مغلقة، الأمل أصبح صفراً، يطرق باب السماء، ليتقِ الله ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ﴾
أحياناً مرض عضال يتم الشفاء الذاتي، أحياناً فقر مدقع يتم الغنى الذي هو فضل من الله عز وجل، أحياناً عدو متربص كيف يلين الله قلبه، وينصرف عنه ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ﴾
من عظمة القرآن الكريم أن الآية فيه لها ثلاثة معان سياقي سباقي و لحاقي:
بالمناسبة: عظمة القرآن الكريم أن الآية في القرآن لها معنى سياقي، ومعنى سباقي، ومعنى لحاقي، الآية لها مكان، هناك معنى يؤخذ من سياقها، أما إذا نُزعت وحدها لها معنى آخر، هذه الآية وردت في سورة الطلاق، بالسياق:
﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ ﴾
في تطليق زوجته ثلاث مرات ﴿ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ﴾
إلى إرجاعها، هذا المعنى السياقي، انزعها من سياقها هي قانون، في أي موضوع، في أي موضوع على الإطلاق ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ﴾
2 ـ صدق التوكل على الله:
أحد الأسباب لزيادة الرزق صدق التوكل على الله:
﴿ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾
( سورة الطلاق الآية: 3 )
لكن التوكل من عمل القلب، وليس من عمل الجوارح، المسلمون حينما تخلفوا في فهم دينهم جعلوا التوكل بالجوارح، لا يفعل شيئاً، يقول سلمت أمري إليك يا رب، لا يتحرك، مع أن الله عز وجل يقول:
﴿ وَقُلِ اعْمَلُوا ﴾
( سورة التوبة الآية: 105 )
(( إِن الله يَلُومُ على العَجْز، ولكن عليكَ بالكَيْس، فإِذا غَلَبَك أَمر، فقل حَسبيَ الله ونعم الوكيل ))
[أخرجه أبو داود عن عوف بن مالك ]
لا يسعى، ولا يتحرك، ولا يدرس، ولا يستطلع، ولا يفعل شيئاً إلا أنه يقول أنا توكلت على الله.
سيدنا عمر رأى أناساً يتكففون الناس في الحج، قال: من أنتم ؟ قالوا: نحن المتوكلون، قال: كذبتم، المتوكل من ألقى حبة في الأرض ثم توكل على الله.
سيدنا عمر، رأى رجلاً مع جمل مريض، قال: يا هذا ماذا تفعل بهذا الجمل ؟ قال: أدعو الله أن يشفيه، قال له: هلا جعلت مع الله قطراناً ؟. التوكل محله القلب و ليس الجوارح:
فالسبب الآخر هو صدق التوكل على الله، التوكل محله القلب، تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء، هذه البطولة أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، عندك سفر طويل، ومعك مركبة، تراجعها مراجعة كاملة، تراجع العجلات، المكابح، الزيت، تراجع كل شيء، وحينما تكون جاهزة تتوجه من أعماق قلبك إلى الله، يا رب أنت المسلم، أنت الحافظ، تدرس وتتوكل، تدرس طبيعة السوق وتتوكل، أي شيء تشبعه دراسة عميقة، وتتخذ قراراً وبعدها تتوكل، هكذا أفلح السلف الصالح، أما نحن لم نأخذ بالأسباب.
الطرف الآخر أخذ بالأسباب واعتمد عليها وألهها، ونسي الله فوقع بالشرك ، ونحن ندعي أننا مؤمنون، لم نأخذ بها أصلاً، وتوكلنا على الله توكلاً ساذجاً أي تواكلاً فوقعنا في شرّ عملنا، ينبغي أن تأخذ بالأسباب، وكأنها كل شيء، وأن تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء.
3 ـ صلة الرحم:
أحد أسباب زيادة الرزق صلة الرحم، يقول عليه الصلاة والسلام:
(( مَن سَرّه أن يَبْسُط الله له في رزقه ـ من اسم الباسط ـ وأن يَنْسَأ له في أَثَره فلْيَصِلْ رحمه ))
[ أخرجه البخاري والترمذي عن أبي هريرة ]
الإنسان حينما يتفقد أخواته البنات، المتزوجات، يتفقد من يلوذ به، التفقد بالضبط يعني ما يلي، أن تزورهم، أن تتفقد أحوالهم المعيشية، والتربوية، والدينية، وأن تمد لهم يد العون، وأن تأخذ بيدهم إلى الله، صلة الرحم من أعظم الأعمال، وكأن هذه الصلة صلة الغني للفقير، والقوي للضعيف، والعالم للجاهل. 4 ـ الشكر:
أيها الأخوة، من أسباب زيادة الرزق الشكر، قال تعالى:
﴿ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ﴾
( سورة إبراهيم الآية: 7 )
ما دمت تشكر نعم الله، هذه النعم لن تزول، بل تزيد، أنت حينما تدخل بيتك، يا رب لك الحمد آويتني بهذا البيت، لك عمل يا رب لك الحمد أكرمتني بهذا العمل ، معك شهادة عليا يا رب لك الحمد يسرت لي هذه الدراسة، أمامك زوجة، تحبك وتحبها ملء السمح والبصر يا رب لك الحمد أكرمتني بهذه الزوجة، فأنت حينما ترى نعم الله، وتشكر الله عليها هذه النعم لن تتحول عنك، سوف تزيد، ﴿ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ﴾
وبالشكر تدوم النعم، لكن الملمح الدقيق قال تعالى:
﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ﴾
( سورة إبراهيم الآية: 34 )
يعني ممكن أن أعطيك ليرة واحدة، وأقول لك عدها، ما هذا الطلب ؟ كيف أعد ليرة واحدة ؟ معنى الآية لو أمضيت حياتك في معرفة بركات نعمة واحدة لم تستطع.
بعض الكتّاب في مصر فقد بصره، يمضي الصيف في سويسرا، كان تعليقي لو كان أمضى الصيف بالصعيد في غرفة مكيفة كأنه في سويسرا، لأنه فقد البصر، نعمة البصر، ترى الجبال، ترى السهول، ترى ابنك الجميل، كل هذه النعم فقدها الإنسان ﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ﴾
5 ـ الاستغفار و التوبة:
الآن الاستغفار والتوبة أحد أسباب زيادة الرزق.
﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً ﴾
( سورة نوح )
أحد أسباب زيادة الرزق، سيد الاستغفار، وما أمرك الله أن تستغفره إلا ليغفر لك.
أيها الأخوة، بيت تؤدى فيه الصلوات من أهل البيت، محل تجاري تؤدى فيه الصلوات، أي مكان تؤدى فيه الصلوات هذا مكان له رزق خاص، والدليل: ﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى ﴾
( سورة طه )
قد نجد محلاً تجارياً مرزوقاً، الموظفون جميعاً يصلون، صاحب المحل يصلي، لا يوجد كلمة غلط مع من تشتري، لا يوجد نظرة غلط، هناك انضباط، محل باب رزق، إذاً مثل هذا المحل أصحابه يؤدون الصلاة شكراً لله عز وجل، وصاحب المحل يتقي الله في البيع والشراء، هذا المحل له معاملة خاصة.
أعرف محلاً تجارياً، ترتكب فيه الفواحش، احترق أول مرة والثانية، هناك تفسير دقيق، حينما ترتكب الفاحشة، احترق المحل، أول مرة، وثاني مرة. 6 ـ الصدقة:
أيها الأخوة، أحد أسباب زيادة الرزق الصدقة، قال تعالى:
﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾
( سورة البقرة )
(( أنفق بلالُ ولا تخش من ذي العرش إقلالاً ))
[أخرجه الطبراني عن بلال ]
(( يا ابن آدم، أنفقْ أُنفِقْ عليك ))
[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة ]
بالصدقة تستدر الرزق من الله عز وجل، وداوها التي كانت هي الداء، أنت في شدة بالغة، في فقر مدقع، تصدّق، أنت بالصدقة تستدر رزق الله عز وجل، ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾
أيها الأخوة، هذه الآية مذهلة، أي عمل صالح تجاه أي مخلوق، نملة على المغسلة أنت تريد أن تتوضأ، لو فتحت الصنبور لغرقت، أما إن انتظرتها حتى ابتعدت عن الماء، هذا عمل صالح، لا يوجد عمل صالح مهما بدا دقيقاً إلا والله عز وجل يؤجرك عليك، وعده قرضاً له ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً ﴾
لو أطعمت هرة، لو داويت كلباً صغيراً كُسرت يده، أخذته إلى مستوصف بيطري وعالجته، لك عند الله أجر كبير، أي خدمة لأي مخلوق هو صدقة جارية لك.
حتى هذه البغي التي سقت كلباً يأكل الثرى من العطش غفر الله لها. 7 ـ قراءة القرآن الكريم:
الآن قراءة القرآن الكريم، يقول عليه الصلاة والسلام:
(( إن البيت الذي يقرأ فيه القرآن يكثر خيره، والبيت الذي لا يقرأ فيه القرآن يقل خيره ))
[أخرجه البزار عن أنس بن مالك ]
بيت فيه قرآن، ما فيه أفلام فيه قرآن، فيه توجيه، فيه مجلس علم صغير، فيه ذكر لله عز وجل، هذا البيت مرزوق. 8 ـ التوسعة على العيال في الإنفاق:
الشيء الذي يلفت النظر أنك إذا وسعت على عيالك في الإنفاق الله عز وجل كافأك برزق وفير.
(( يا ابن آدم، أنفقْ أُنفِقْ عليك ))
[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة ]
(( ليس منا من وسع الله عليه ثم قتر على عياله ))
[ الديلمي عن عائشة ]
من تمام الطاعة لله، أن الله إذا وسع عليك وسع على أهلك، لبِّ حاجتهم المشروعة طبعاً من دون إسراف، من دون تبذير، من دون خيلاء، من لهم غيرك ؟ الآخرون أنت لهم، وغيرك لهم، أما أولادك، زوجتك، أقرباؤك من لهم غيرك ؟ فإذا وسع الله عليك وسع على عيالك، والتوسعة على العيال أحد أسباب زيادة الرزق. 9 ـ النكاح:
الآن الشيء العجيب أن الزواج يحتاج إلى إنفاق كبير، يحتاج إلى بيت، يحتاج إلى تأسيس البيت، شيء لا يعلمه إلا من دخل في هذا المشروع، يقول عليه الصلاة والسلام:
(( ثلاثة حقّ على الله عَوْنُهم: المجاهدُ في سبيل الله، والمُكَاتِبُ الذي يريد الأداءَ، والناكحُ الذي يريد العَفَافَ ))
[أخرجه الترمذي والنسائي عن أبي هريرة ]
والله يوجد بالجامع الصغير مجموعة أحاديث تبدأ بكلمة حق، حق الآباء على الأبناء، حق المسلم على المسلم، حق الجار على جاره، حق الأب على ولده، حق الزوجة على زوجها، الكتاب عبارة عن سلسلة مرتبة على الأبجدية، لكن هناك حديث إذا قرأته يقشعر جلدك حق المسلم على الله، معكوسة، أن يعينه إذا طلب العفاف، يعني الله عز وجل أنشأ للشاب المسلم حقاً عليه أنه إذا أراد العفاف أن يعينه.
فالنكاح أحد أسباب زيادة الرزق. 10 ـ الهجرة في سبيل الله:
الآن الهجرة، إنسان مقيم ببلد غربي، دخله فلكي، مركبته، بيته، دخله، بلاد جميلة، حريات كاملة، حاجاته مؤمنة، لكن فسق وفجور لا يعلمه إلا الله، خاف على أولاده، خاف على بناته، خاف على مستقبل أولاده، فأنهى أعماله، وعاد إلى بلده، البلاد النامية فيها متاعب كثيرة، فرص العمل قليلة، بيوت غالية جداً، هناك تعقيدات بالحياة، هذا شأن الدول النامية جميعاً، فضحى بكل ميزات العالم الغربي، ووضع هذا تحت قدمه، وعاد إلى بلده صوناً لأولاده، وأسرته، ولمستقبل بناته، هذا الذي هاجر في سبيل الله حق على الله أن يغنيه، اسمعوا الآية:
﴿ وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً ﴾
( سورة النساء الآية: 100 )
والله أخوة كُثر كانوا في أعلى دخل في البلاد الغربية، لكن خافوا على بناتهم وعلى أولادهم، فعادوا إلى بلدهم، عانوا من شدة في بادئ الأمر ولكن بعد ذلك فتح الله عليهم أبواب الرزق الواسعة، مكافأة لهم على خوفهم على أولادهم وعلى بناتهم ﴿ وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً ﴾
من طلب العلم تكفل الله له برزقه:
أيها الأخوة الكرام، مرة قرأت عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى، أن الذي دفعه إلى طلب العلم بصدق ما بعده صدق حديث قرأه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا هو الحديث:
(( من طلب العلم تكفل الله له برزقه ))
[الديلمى وابن عساكر عن زياد بن الحارث الصدائى]
يعني لا تفهموا هذا الحديث أن شخصاً طلب العلم فوجد تحت الوسادة ليرة ذهبية كل يوم، لا، ليس هذا هو المعنى، المعنى: من طلب العلم، الله هيأ له رزقاً، وقته قليل ودخله وفير، هناك أرزاق متعبة، أحياناً عشر ساعات وصياح بالأسواق، حتى يكسب قوت يومه، و هناك أرزاق جهدها قليل، ودخلها كبير، كأن الله سبحانه وتعالى تعهد لطالب العلم أن يرزقه رزقاً ميسوراً بجهد كبير، ما دام اقتطع من وقته وقتاً لمعرفة الله، ولتعريف الناس بالله، فهذا العمل يقتضي من الله مكافأة، ييسر له رزقاً حلالاً، دخل معقول يغطي حاجاته.
مرة سألت شخصاً، قلت له: كيف حالك ؟ قال لي: والله مستورة ـ أي دخله يغطي نفقاته، لكن زيادة لا يوجد ـ قلت له: معنى ذلك أصابتك دعوة رسول الله، أصابه قلق، قال لي: بماذا دعا ؟ ما فعلت شيئاً، لكن النبي قال:
(( اللهم من أحبني فاجعل رزقه كفافاً ))
[ورد في الأثر]
كفافاً: لا تعني أنه فقير، و لا تعني أنه غني، يعني دخله يغطي نفقاته.
قال ملك لوزيره: من الملك ؟ قال له: أنت، قال له: لا لست أنا، الملك رجل لا نعرفه ولا يعرفنا، له بيت يؤويه، وزوجة ترضيه، ورزق يكفيه، إنه إن عرفنا جهد في استرضائنا، وإن عرفناه جهدنا في إحراجه، الملك الذي لا يعرفنا ولا نعرفه، له بيت متواضع، له زوجة تحبه ويحبها، له دخل يغطي نفقاته.
فلذلك:
(( من طلب العلم تكفل الله له برزقه ))
السعيد
09-03-2018, 01:20 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( الثامن و الثمانون بعد المائة )
الموضوع : اسم الله - الوكيل - 1 -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
من أسماء الله الحسنى: ( الوكيل):
أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "الوكيل".
الآية التالية هي الموضع الوحيد في القرآن الكريم الذي ورد فيه اسم الوكيل مطلقاً معرفاً:
أيها الأخوة، ورد هذا الاسم في قوله تعالى:
﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾
( سورة آل عمران )
هذا هو الموضع الوحيد في القرآن الكريم الذي ورد فيه الاسم مطلقاً معرفاً بالألف واللام. اقتران اسم الوكيل بمعاني العلو:
لكن ورد في مواضع أخرى مقروناً بمعاني العلو، والعلو كما تقدم في دروس سابقة يزيد الإطلاق كمالاً على كمال، كما ورد في قوله تعالى:
﴿ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾
( سورة الأنعام )
هنا اقترن الاسم بالعلو، والعلو يزيد المطلق كمالاً.
وعند البخاري من حديث ابن عباس أنه قال:
(( حسبنا الله ونعم الوكيل ))
قالها إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار، وقالها محمد عليه الصلاة والسلام حين قالوا:
﴿ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾
( سورة آل عمران )
والله أيها الأخوة والناس في هذه الأيام قد جمعوا ليقفوا وقفة واحدة ضد المسلمين، وكأن حرباً عالمية ثالثة معلنة على هذا الدين.
وفي سنن الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(( كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن، وحنى جبهته، وأصغى السمع متى يؤمر ؟ قال: فسمع بذلك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فشق عليهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل ))
[ الترمذي عن أبي سعيد الخدري]
بعثة النبي عليه الصلاة والسلام أحد أشراط الساعة:
أيها الأخوة، يقول عليه الصلاة والسلام:
((بعثت والساعة كهاتين ))
[ البخاري عن سهل بن سعد]
فبعثة النبي عليه الصلاة والسلام أحد أشراط الساعة، وفي الآثار النبوية أحاديث كثيرة عن أشراط الساعة، من هذه الأحاديث:
(( موت كقعاص الغنم ))
[ الجامع الصغير عن معاذ بسند صحيح ]
(( لاَ يَدْرِى الْقَاتِلُ فِيمَ قَتَلَ وَلاَ الْمَقْتُولُ فِيمَ قُتِلَ ))
[ مسلم عن أبي هريرة]
ألف الناس أن يستمعوا كل يوم إلى مئات القتلى، ومئات الجرحى وكأنه خبر عادي.
(( موت كقعاص الغنم ))
[ الجامع الصغير عن معاذ بسند صحيح ]
(( لاَ يَدْرِى الْقَاتِلُ فِيمَ قَتَلَ وَلاَ الْمَقْتُولُ فِيمَ قُتِلَ ))
[ مسلم عن أبي هريرة]
يوم يذوب قلب المؤمن في جوفه مما يرى، ولا يستطيع أن يغير، إن تكلم قتلوه، وإن سكت استباحوه.
(( تمتلئ الأرض ظلماً وعدواناً حتى يأتي أخي عيسى فيملؤها قسطاً وعدلاً ))
[ ابن ماجه عن عبد الله بلفظ قريب منه ]
(( كيف بكم إذا لمْ تأمروا بالمعروفِ ولم تَنْهَوْا عن المنكر ؟ قالوا: يا رسول الله وإنَّ ذلك لكائن ؟ قال: نعم، وأشدُ، كيف بكم إذا أمرتُم بالمنكر ونهيُتم عن المعروف ؟ قالوا: يا رسول الله وإنَّ ذلك لكائن ؟ قال: نعم، وأَشدُّ، كيف بكم إذا رأيتُمُ المعروفَ منكراً والمنكرَ معروفاً ))
[ أخرجه زيادات رزين عن علي بن أبي طالب ]
نحن في زمن تبدلت القيم، نحن في زمن طمست الفطرة. من هان أمر الله عليه هان على الله:
شيء آخر:
(( يوشكُ الأُمَمُ أنْ تَدَاعَى عليكم ))
[أخرجه أبو داود عن ثوبان ]
الآن كل حر في دولة.
(( يوشكُ الأُمَمُ أنْ تَدَاعَى عليكم كما تَدَاعَى الأَكَلةُ إلى قَصْعَتِها، فقال قائل: من قِلَّة نحن يومئذ ؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير ))
[أخرجه أبو داود عن ثوبان ]
أي مليار وخمسمئة مليون لا وزن لهم، وللطرف الآخر عليهم ألف سبيل وسبيل، ليست كلمتهم هي العليا، أمرهم ليس بيدهم.
(( بل أنتم يومئذ كثير، ولكنَّكم غُثاء كَغُثَاءِ السَّيْلِ ))
قش يطفو على سطح السيل، هل يؤثر باتجاهه ؟ هل يؤثر في مساره ؟.
(( وليقذفنَّ في قُلُوبكم الوَهْنَ، قيل: وما الوْهنُ يا رسول الله ؟ قال: حُبُّ الدُّنيا وكراهيَةُ الموتِ ))
[أخرجه أبو داود عن ثوبان ]
كان الواحد بمليون، بألف، الآن الألف أو المليون بأف.
مخلصُ الملخص: هان أمر الله على المسلمين فهانوا على الله. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر علة خيرية هذه الأمة:
أيها الأخوة، حينما قال الله عز وجل:
﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 110 )
هذه الخيرية لها علة:
﴿ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 110 )
لماذا أهلك الله بني إسرائيل ؟ قال:
﴿ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ ﴾
( سورة المائدة الآية: 79 )
علة الخيرية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا لم نأمر بالمعروف ولم ننهَ عن المنكر فقدنا علة الخيرية، إذاً نحن الآن أمة كأية أمة خلقها الله.
﴿ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً ﴾
( سورة الكهف )
هذه الحقائق مؤلمة، لكنها ضرورية، لأن الحقيقة المرة أفضل ألف مرة من الوهم المريح. الوكيل في اللغة:
1 ـ الوكيل هو القيم و المشرف:
"الوكيل" في اللغة: هو القيم، المشرف، الكفيل، الذي تكفل بأرزاق العباد ، حقيقة الوكيل أنه يستقل بأمر الموكل إليه، وكيل كامل.
الآن هناك وكالة عامة، يمكن للوكيل العلم أن يطلق الزوجة، وكالة عامة، توكل بالأمر أي ضمن القيام به، وكلت أمري إلى فلان ألجأته إليه، واعتمدت فيه عليه، وكّل فلان فلاناً أي استكفاه أمره، إما ثقة بكفايته، أو عجزاً عن القيام بأمر نفسه، وكيلك في كذا أي سلمته الأمر، وتركته له، وفوضته إليه، واكتفيت به، فالتوكل قد يأتي بمعنى تولي الإشراف على الشيء ومراقبته، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:
(( من توكل لي ما بين لحييه وما بين رجليه توكلت له بالجنة ))
[ أخرجه الحاكم عن سهل بن سعد ]
حديث دقيق يدل على أن معظم معاصي الناس من كلامهم.
(( إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم سبعين خريفاً ))
[ الترمذي عن أبي هريرة]
و:
(( من توكل لي ما بين رجليه ـ شهوة الجنس ـ وما بين لحييه ـ فكيه ـ توكلت له بالجنة ))
[ البخاري عن سهل بن سعد الساعدي]
من ضبط شهوته و لسانه توكل الله له بالجنة:
من ضبط شهوته:
﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ﴾
( سورة المؤمنون )
لكن لا يوجد في الإسلام حرمان:
﴿ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ﴾
( سورة المؤمنون )
إذاً: من ضبط شهوته ومن ضبط لسانه، توكل الله له بالجنة.
الإمام الغزالي عدّد أكثر من عشرين أو ثلاثين معصية يقوم بها اللسان، غيبة، نميمة، بهتان، إفك، سخرية، فمعاصي اللسان لا تعد ولا تحصى.
(( لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه ))
[أخرجه الإمام أحمد عن أنس بن مالك ]
مرة ثانية:
(( إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم سبعين خريفاً ))
[ الترمذي عن أبي هريرة]
2 ـ الاعتماد على الغير و الركون إليه:
التوكل يأتي أيضاً بمعنى الاعتماد على الغير، والركون إليه، كما في قوله تعالى:
﴿ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾
( سورة الطلاق الآية: 3 )
من توكل على الله فهو أقوى الأقوياء:
لكن أيها الأخوة، لا بدّ من التنويه إلى أن التوكل محله القلب، أما الأعضاء ينبغي أن تسعى.
(( إِن الله يَلُومُ على العَجْز ))
[ أخرجه أبو داود عن عوف بن مالك ]
بعض المسلمين انتهينا، ما بيدنا شيء، الله يتوكل بهم، هذا اليأس ، والسوداوية، والانسحاب من المجتمع، والتشاؤم ليس من صفات المؤمن، الكرة في ملعبنا.
﴿ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ ﴾
( سورة الأنفال الآية: 19 )
والله عز وجل بيده كل شيء.
﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ﴾
( سورة هود الآية: 123 )
لذلك: ﴿ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾
أنت إذا توكلت على الله أنت أقوى الأقوياء، إذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟ القصص في القرآن الكريم شواهد مذهلة على عظمة الخالق سبحانه:
هناك شواهد مذهلة في القرآن الكريم، مثلاً: إنسان فجأة وجد نفسه في بطن حوت، الأمل صفر، الحوت وجبته المعتدلة بين الوجبتين أربعة طن، معناها لقمة واحدة، في ظلمة بطن الحوت، وفي ظلمة الليل، وفي ظلمة البحر.
﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ ﴾
فالله عز وجل قلب القصة إلى قانون:
﴿ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾
( سورة الأنبياء )
في أي زمان، في أي مكان، في أي ظرف، طاغية كبير " فرعون "، قوي جداً، معه أسلحة فتاكة، حاقد، متغطرس، وراء شرذمة قليلة على رأسهم سيدنا موسى، هو خلفهم، والبحر أمامهم، هل هناك أمل ؟ الأمل صفر.
﴿ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾
( سورة الشعراء )
أخواننا الكرام، اليأس يعني كفر بالله.
﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾
( سورة آل عمران )
لكن بشرط ألا يهون أمر الله علينا، من هان أمر الله عليه هان على الله. 3 ـ الكفيل:
أيها الأخوة، ربما تفسر كلمة "الوكيل" بالكفيل، هذا معنى إضافي، لكن "الوكيل" أعم من الكفيل، فكل وكيل كفيل، لكن ما كل كفيل بوكيل.
و قد ورد عن عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
(( لو أنكم توكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً ))
[ الترمذي عن عمر بن الخطاب]\
التوكل الحقيقي أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيءثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء
التوكل الحقيقي صدقوا أيها الأخوة أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، أنت مسافر سفراً طويلاً بمركبتك، ما هو التوكل ؟ أن تراجع هذه المركبة جزءاً جزءاً، المحرك، الزيت، المكابح، أن تراجع كل شيء، وأن تكون جاهزة في أعلى جاهزية، وبعد ذلك من أعماق أعماق قلبك: يا رب أنت المسلم، وأنت الحافظ، أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء، هذه بطولة، من السهل أن تأخذ بالأسباب وتعتمد عليها وتنسى الله، أو أن تؤله الأسباب كما يفعل الغرب، ومن السهل أيضاً ألا تأخذ بها، تواكل، يا رب لا يوجد غيرك.
المسلمون الآن لضعف فهمهم العميق لحقيقة الدين ينتظرون معجزة من الله تقضي على أعدائهم، أعداؤهم يزدادون قوة، هذه سذاجة، أفق ضيق، الله قال: ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ ﴾
( سورة الأنفال الآية: 60 )
بعد أن تعد لهم ما تستطيع قل: يا رب أنت الناصر، أنت الموفق، أنت الحافظ، أنت المؤيد، ينبغي أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء، هذا درس يحتاجه المسلمون.
سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام كان من الممكن كما نقله الله نقلة إعجازية من مكة إلى بيت المقدس على البراق، أن ينتقل إلى المدينة، لكن أعطانا درساً لا ينسى، هيأ من يأتيه بالأخبار، هيأ من يمحو الآثار، هيأ من يأتيه بالزاد، مشى مساحلاً، قبع في غار ثور أياماً ثلاثة، هيأ راحلة، هيأ خبيراً، غلب عليه الخبرة لا الولاء، كان الخبير مشركاً، أخذ بالأسباب كلية، فلما وصلوا إليه توكل على الله، قال:
(( يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما ))
[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أنس بن مالك ]
هذا درس لنا جميعاً.
تاجر تعمل دراسة صحيحة ميدانية، مستوى البضاعة ، أسعارها، المنافسون، بعد أن تجري دراسة تامة، وعقدت صفقة، يا رب أنت الجبار، أنت الجبار بعد الدراسة المستفيضة.
طالب، يدرس ليلاً نهاراً، أنت الموفق يا رب، يجب أن تأخذ بالأسباب، لأن الفرق بيننا وبين أعدائنا أنهم يأخذون بالأسباب. 4 ـ الوكيل من توكل بالعالمين خلقاً و تدبيراً و هداية و تقديراً:
أيها الأخوة، الآن إذا قلنا الله هو "الوكيل"، أي هو الذي توكل بالعالمين خلقاً ، وتدبيراً، وهداية، وتقديراً، هو المتوكل بخلقه إيجاداً وإمداداً
﴿ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾
من كانت علاقته مع الله كان من أسعد الناس:
أخواننا الكرام، الله عز وجل :
﴿ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ﴾
( سورة هود )
﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ ﴾
( سورة الزخرف الآية: 84 )
﴿ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً ﴾
( سورة الكهف )
هذه المعاني مسعدة، علاقتنا مع جهة واحدة.
(( من جعل الهموم هماً واحداً هم المعاد كفاه الله سائر همومه ))
[ ابن عساكر عن ابن مسعود ]
اعمل لوجه واحد يكفك الهموم كلها، والله أيها الأخوة مشاعر الموحد مشاعر رائعة، علاقته مع جهة واحدة، هذه الجهة تعلم ما يعمل.
حدثني أخ كان بالحج أنه عمل هدياً وأخذ إيصالاً، قال لي: أنا أول مرة الإيصال أتلفه لأن هذا لله عز وجل، الله يعلم هو لا يريد إيصالاً.
علاقتك مع الله لا تحتاج إلى بيان، ولا تحتاج إلى قسم، الله يعلم، حتى إن بعضهم قال: الحمد لله على وجود الله، الله موجود، ويعلم.
إذاً: ﴿ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾
الله عز وجل ألزم ذاته العلية أن يهدي الناس إلى الصراط المستقيم:
قال تعالى:
﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾
( سورة الزمر )
وقال هود عليه السلام متحدياً: افعلوا ما شئتم.
﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾
( سورة هود )
عندما تأتي على مع لفظ الجلالة تأتي بمعنى الإلزام الذاتي، أي الله عز وجل ألزم ذاته العلية بأن يكون مع خلقه مستقيماً، ﴿ إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾
الله سبحانه وتعالى وكيل المؤمنين لأنهم اعتقدوا في حوله وقوته:
"الوكيل" الكفيل بأرزاق العباد ومصالحهم، وهو سبحانه وتعالى وكيل المؤمنين.
﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾
( سورة الحج الآية: 38 )
أحياناً الإنسان يوكل محامياً، كلما كان المحامي أكثر خبرة، أو أقرب صلة مع القضاة، أو أكثر هيمنة في قصر العدل، يرتاح الموكل، يقول لك: المحامي فلان، الراحة تأتي من قوة المحامي، فإذا كان خالق السماوات والأرض وكيلاً لك ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾
إذاً: هو سبحانه وتعالى وكيل المؤمنين لأنهم اعتقدوا في حوله وقوته، تقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، أي لا حول عن معصية الله إلا بالله، ولا قوة على طاعته إلا به. توكل المؤمنين على الله:
المؤمنون لماذا توكلوا عليه ؟ لأنهم خرجوا من حولهم وقوتهم، وآمنوا بكمال قدرته، وأيقنوا أنه لا حول ولا قوة إلا بالله، فركنوا إليه في جميع أمورهم، فالله عز وجل إذا تولاك من يستطيع في الأرض أن ينال منك ؟ إذا كان الله معك فمن عليك ؟.
وجعلوا اعتمادهم عليه في سائر حياتهم، وفوضوا إليه الأمر قبل سعيهم ، واستعانوا به حال كسبهم، وحمدوه بالشكر بعد توفيقهم، وبالرضا بالمقسوم بعد ابتلائهم، قال تعالى:
﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾
( سورة الأنفال )
عليك ألا تتوكل توكلاً ساذجاً، هناك توكل ساذج، هناك توكل اسمه تواكل، هناك توكل الكسالى، وهناك توكل الجهلاء، أنا أرفض هذا التوكل، سيدنا عمر سأل جماعة من الناس قال لهم: من أنتم ؟ قال: نحن المتوكلون، قال لهم: كذبتم، المتوكل من ألقى حبة في الأرض ثم توكل على الله ﴿ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾
وقال الله عز وجل في وصف المؤمنين: ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾
من استقام على أمر الله استطاع التوكل عليه:
والله أيها الأخوة، أنا أشعر أحياناً أن هذا الاسم، أو هذا التوكل الذي ينبغي أن يكون للمؤمنين ضعيف جداً، دائماً خائف من الآخر، خائف من قوي.
تصور ابناً صغيراً، أو ابناً غير صغير التحق بقطعة عسكرية، من والده ؟ قائد الجيش، جاء عريف هدده فبكى، هذا أبوه أقوى من أكبر رتبة بالجيش، فعندما يبكي طفل أو شاب خوفاً من شخص هدده، ووالده بيده كل شيء يكون من أحمق الناس.
﴿ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾
الله عز وجل خاطب النبي الكريم فقال:
﴿ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً ﴾
( سورة الأحزاب )
﴿ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً ﴾
( سورة المزمل )
لكن لا بدّ من التنويه، الإنسان إذا كان يعصي الله فمعصيته حجاب بينه وبين الله، العاصي يخجل أن يتوكل على الله، المتوكل هو المستقيم، أنت حينما تستقيم على أمر لله تستطيع أن تتوكل على الله.
أحد العلماء ـ ابن القيم رحمه الله تعالى ـ يقول: توكيل العبد لربه يكون بتفويض نفسه إليه، وعزلها عن التصرف إلا بإذنه، يتولى الشؤون عن أهله، وهذا هو عزل النفس عن الربوبية وقيامها بالعبودية. من توكل على الله شعر بالأمن و الراحة و الطمأنينة:
أيها الأخوة، ذاق طعم التوكل من توكل على الله، يصبح عنده أمن، عنده راحة، عنده شعور أن الله لن يتخلى عنه، نحن نفتقد لحياة نفسية عالية، الإنسان قد يكون قوياً وغنياً لكن عنده خوف وقلق مستمر، أما إذا كنت مع الله كان الله معك، لأن الله سبحانه وتعالى يقول:
﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا ﴾
( سورة التوبة الآية: 51 )
والله عز وجل قال:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ ﴾
( سورة فصلت )
عدم استواء المحسن مع المسيء لأن هذا يتناقض مع عدل الله ووجوده:
﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾
( سورة الجاثية الآية: 21 )
فهل من المعقول أن يستوي عند الله المستقيم والمنحرف ؟ الصادق والكاذب ؟ المخلص والخائن ؟ المحسن والمسيء ؟ مستحيل !
أنا أقول كلمة: إذا استوى المحسن والمسيء هذا الاستواء لا يتناقض مع عدل الله فحسب بل يتناقض مع وجوده، اطمئن أية جهة قوية أرادت أن تبني مجدها على أنقاض الشعوب، أن تبني حريتها على ضغط الشعوب، أن تبني عزها على إذلال الشعوب، والله الذي لا إله إلا هو أن تنجح خططها على المدى البعيد هذا يتناقض مع وجود الله.
﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾
السعيد
09-03-2018, 01:22 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اسماء الله الحسنى
الدرس : ( التاسع و الثمانون بعد المائة )
الموضوع : اسم الله - الوكيل - 2 -
لحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: ( الوكيل):
أيها الأخوة الأكارم، لا زلنا في اسم "الوكيل".
التوكيل يحتاج إلى علم وحكمة:
قالوا: من توكل عليه تولاه وكفاه، ومن استغنى به أغناه وأرضاه، وإذا تولى الله عبده بجميل العناية كفاه، كفاه عن كل شغل، وأغناه عن كل غير.
و التوكل يحتاج إلى معرفة، لن تتوكل عليه إلا إذا عرفته، أنت في حياتك الدنيا إذا سافرت تسلم محلك التجاري لإنسان تثق به، تثق بعلمه، بكفاءته، بحكمته، بأمانته، لن تضع إنساناً مكانك في عمل له شأن كبير إلا إذا وثقت بصفات كثيرة، فالتوكل ليس كلمة تقولها، وليس وهماً تتوهمه، التوكل حقيقة أنت لن تتوكل إلا على القوي، العليم، الحكيم الذي يحبك، الذي لا يخونك، المخلص لك، فأنت في حياتك الدنيا لن تسلم عملك، شأنك ، بيتك أحياناً، لإنسان لا تثق به، بل توكل شقيق زوجتك الذي يحبك، وحريص على سمعتك، وحريص على مالك في غيابك.
إذاً التوكيل يحتاج إلى علم.
الضعف في أصل خلق الإنسان لحكمة من الله تعالى:
لكن هناك نقطة دقيقة: لو أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان قوياً، إن خلقه قوياً لن يتوكل عليه، إن خلقه قوياً لن يلجأ إليه، إن خلقه قوياً لن يتوب إليه، إن خلقه قوياً لن يطيع أمره، لكن لحكمة بالغةٍ بالغة خلقه ضعيفاً، خلقه ضعيفاً ليفتقر في ضعفه، فإذا افتقر في ضعفه سعد في الدنيا والآخرة، لم يخلقه قوياً لأنه لو خلقه قوياً لاستغنى بقوته فشقي باستغنائه، السعادة أن تكون معه، السلامة أن تكون معه، فالضعف في أصل خلقك في صالحه، عنده السعادة، عنده الأمن، عنده الرضا، عنده التفوق، خلقك ضعيفاً كي تلجأ إليه.
بعض العارفين قال:
إذا كنت في كل حـال معي فعن حمل زادي أنا في غنى
فأنتم والــحق لا غيركم فيــا ليت شعري أنا من أنا
* * *
وقالوا:
وإذا العناية لاحظتك جفونها نم فالمخاوف كلهن أمان
* * *
قرأت قصة عن طائرة تحطمت فوق جبال الألب، مكان انشقاق جسم الطائرة هناك راكب وقع فنزل بعد ثلاثة و أربعين ألف قدم على غابة في جبال الألب، الثلج فوق الأشجار خمسة أمتار، هذا الثلج والأغصان المرنة امتصت هذه الصدمة فنزل واقفاً، من أندر الحوادث في التاريخ أن إنساناً يقع من طائرة على ارتفاع ثلاثة و أربعين ألف قدم ينزل واقفاً ؟.
وإذا العناية لاحظتك جفونه ا نم فالمخاوف كلهن أمان
* * *
إذا توكلت على الله خدمك أعداؤك، وإذا اعتددت بنفسك قد يتطاول عليك أبناؤك.
آخر رحلة للكونكورد من باريس إلى واشنطن، في المطار حديدة صغيرة، هذه الحديدة الصغيرة سببت احتراق الطائرة بأكملها، مع أربعمئة و خمسين راكباً.
أحياناً الله عز وجل يهلك على أتفه سبب، وأحياناً يحفظ لأتفه سبب، الأخطار قائمة إذا كنت معه نجاك من هذه الأخطار. بطولة الإنسان أن يأتي ربه طائعاً و بمبادرة منه :
أخواننا الكرام مرة ثانية: نحن نعاني من متاعب، طبيعة الحياة الدنيا متعبة، هناك قلق على الصحة، هناك أمراض لا تعد ولا تحصى، وبعض هذه الأمراض يحيل حياة الإنسان جحيماً لا يطاق، هناك أمراض وبيلة، هناك نقص مياه، و غلاء أسعار، و عدو متسلط أحياناً، هناك شبه مصيبة، شبح حصار، شبح حرب أهلية، فرص عمل قليلة جداً، طرق مسدودة، لو أن أحدنا سأل هذا السؤال: يا رب لماذا هذه المتاعب ؟ لأنك في دار العمل، فإذا قصرت بالعمل ابتلاك الله بالهم، الله عز وجل يسوقنا إلى بابه.
(( عجب ربنا من قوم يساقون إلى الجنة بالسلاسل ))
[رواه أحمد والبخاري وأبو داود عن أبي هريرة]
هو البطولة أن تأتيه طائعاً، أن تأتيه بمبادرة منك.
مرة إنسان أراد أن يسألني سؤالاً، أنه أنت تدعو إلى الله من خمس و ثلاثين سنة، قلت: نعم، قال: ما ملخص هذه الدعوة ؟ قلت له: بالتعبير الدارج إما أن تأتيه ركضاً، أو أن يأتي بك ركضاً، اختر إحدى الحالتين، لأنه يحبنا، لأنه خلقنا ليرحمنا، خلقنا ليسعدنا، خلقنا لجنة عرضها السماوات والأرض، إذا غفلنا عنه، وانشغلنا بالدنيا، ولم نطعه، وأقمنا حجاباً بيننا وبينه هو رب، يسوقنا إلى بابه، أنا أقول دائماً: لو دخلت إلى مسجد، رأيت فيه عشرة آلاف مثلاً، اعتقد يقيناً أن تسعة آلاف من هؤلاء جاؤوا إلى الله عقب تدبير حكيم، هذا بمشكلة، هذا بمصيبة، هذا بمرض، الله عز وجل رب العالمين، يعالجنا في الدنيا، يسوق لنا بعض الشدائد، والله الذي لا إله إلا هو وهذا إيماني يوم القيامة إذا كشف الله لك عن حكمة الشدائد التي ساقها إليك يوم القيامة، إن لم تذب كالشمعة محبة له فهذا الدين باطل، هذا إيماني، والدليل:
﴿ وَآَخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾
( سورة يونس )
تعلق إرادة الله عز وجل بالحكمة المطلقة:
أيها الأخوة، دققوا في هذه الآية:
﴿ وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾
( سورة القصص )
هذه الشدائد لو لم تكن لكان الله ملوماً يوم القيامة، هذه الشدائد لو لم تكن لكان نقصاً في حكمة الله عز وجل، كل شيء وقع أراده الله، وكل شيء أراده الله وقع، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، والحكمة المطلقة متعلقة بالخير المطلق.
إذاً: سعادتك بالإقبال عليه، أمنك بالاتصال به، راحتك بمعرفته، فإذا قصرت بمعرفته ساق لك من الشدائد ما يدعوك إليه.
والله إنسان أصابته أزمة قلبية، وكان مفرطاً في المعاصي، لما شعر ببلوغ أجله وهو في العناية المشددة، قال لي: ناجيت ربي، قال له: يا رب أتحب أن آتيك عارياً ؟ ولا عمل صالح لي ؟ أمهلني أي أعطيني فرصة، أعطاه فرصة، بعد أيام تحسن وضعه وخرج، فبدأ يحضر دروس علم، قال لي: في إحدى ساعات النشوة مع الله، قلت له: يا رب كل هذه السعادة بالإقبال عليك، لمَ لم تأت هذه الأزمة من عشر سنوات ؟ لا أحد يعرف ما عند الله من سعادة لو اصطلح معه وأقبل عليه.
فأحياناً يسوق لك الشدائد من أجل أن تقبل عليه، من أجل أن تصل إليه، من أجل أن تتوكل عليه، التوكل على الله شيء مسعد، لكن قلّما يفعله الناس، التوكل يحتاج إلى استقامة، والتوكل يحتاج إلى معرفة، تعرفه وتستقيم على أمره الآن:
وإذا العناية لاحظتك جفونه ا نم فالمخاوف كلهن أمان
* * *
لكن إنسان معرفته بالله ضعيفة جداً كيف يتوكل عليه ؟ الآن الناس يحتاجون إلى سند أرضي، يريد ماله يهبه الأمن، يريد إنساناً قوياً يعتمد عليه يقيم علاقة مودة بينه، يريد راحته بأسباب أرضية، قلّما تجد إنساناً مؤمناً ثقته بالله وحده، ليس له سند أرضي إلا أن الله عز وجل يطمئنه. من أحبه الله ألقى هيبته في قلوب الناس:
أيها الأخوة، يقول عليه الصلاة والسلام:
(( إن قُلُوبَ بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن، كقلب واحد، يُصَرِّفُه حيث شاء ))
[أخرجه مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص]
هل تعلم أن هذا الحديث وحده يهبك الأمن، هؤلاء الأقوياء الذين حولك، الأقوياء الذين لا تستطيع أن تواجههم، قلوبهم بيد الله، فإذا أحبك الله ألقى هيبتك في قلوبهم، وإذا لم يحبك الله ألقى القسوة في قلوبهم عليك، أي إنسان يعاملك معاملة اعلم علم اليقين أن قلبه بيد الله، فإما أن يقسو هذا القلب، أو أن يرق، إما أن يمتلئ قلب عدوك هيبة منك، أو قسوة عليك، قال عليه الصلاة والسلام:
(( نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ ))
[ البخاري ومسلم عن أبي هريرة ]
وحينما تركت أمته منهجه هزمت بالرعب مسيرة عام، هذا الذي تخافه قلبه بيد الله.
(( إن قلوب بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يُصَرِّفُه حيث يشاء ))
[ رواه مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص]
في بعض الآثار:
(( أن عبدي أعطيتك مالاً فماذا صنعت فيه ـ بالآخرة لا يوجد كذب ـ يقول: يا رب لم أنفق منه شيئاً مخافة الفقر على أولادي من بعدي، الله عز وجل يقول له: إن الذي خشيته على أولادك من بعدك قد أنزلته بهم، ويقول لعبد آخر: عبدي أعطيتك مالاً فماذا صنعت فيه ؟ يقول: يا رب أنفقته على كل محتاج ومسكين لثقتي أنك خير حافظاً، وأنت أرحم الراحمين، فيقول الله له: أنا الحافظ لأولادك من بعدك ))
من أراد أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله:
أناس كثيرون ما تركوا لأولادهم شيئاً، لكن تركوا لهم سمعة طيبة، يقول أحد الآباء وقد عاتبه امرأته ما ترك لأولاده شيئاً، يقول لها: أنا ما أكلت مالاً حراماً، فاطمئني الله عز وجل سوف يرزقهم.
قالوا: إذا أرادت أن تكون أقوى الناس فتوكل على الله، وإذا أردت أن تكون أغنى الناس فكن بما في يدي الله، أوثق منك بما في يديك، وإذا أردت أن تكون أكرم الناس فاتقِ الله، دقق في هذه الآية:
﴿ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً ﴾
( سورة المزمل )
والله إنسان يوكل محامياً لامعاً جداً له هيبة بقصر العدل، ينام مرتاحاً، وكلت فلاناً، فإذا وكلت الواحد الديان، فإذا وكلت قيوم السماوات والأرض كيف تكون راحتك ؟. مشاعر المتوكل على الله مسعدة لأن علاقته مع الله فقط :
أخواننا الكرام، مشاعر المتوكل على الله مسعدة، أي علاقته مع جهة واحدة يرضيها، ويتقي أن يسخطها، وعلى الله الباقي، أنا لا أرى آية أشعر أنها حاسمة كهذه الآية:
﴿ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ ﴾
( سورة الزمر الآية: 66 )
مهمتك فقط أن تعبده:
﴿ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ﴾
( سورة الزمر )
﴿ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ﴾
عليك أن تعبده، وعلى الله الباقي، يتولاك ، يدافع عنك، ينصرك، يقربك، يلقي محبتك في قلوب الخلق، ويلقي هيبتك في قلوب الأعداء، ألا تكفينا هذه الآية ؟
﴿ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾
( سورة البقرة )
من خرج في سبيل الله توكل الله بأن يدخله الجنة أو يرجعه إلى بيته:
أيها الأخوة، دققوا في هذا الحديث الصحيح:
(( توكل الله بحفظ امرئ، خرج في سبيل الله، لا يخرجه إلا الجهاد في سبيل الله، وتصديق بكلمات الله حتى يوجب له الجنة، أو يرجعه إلى بيته، أو من حيث خرج ))
[ أحمد عن أبي هريرة ]
إنسان خرج في سبيل الله، لا يخرجه إلا الجهاد في سبيل الله، توكل الله بأن يدخله الجنة، أو يرجعه إلى بيته، أو من حيث خرج ﴿ قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ﴾
إما أن نستشهد، أو أن ننتصر، أبداً، و الأحاديث التي وردت عن الشام بعضها فيه كلمة رائعة:
(( فإن الله توكل لي بالشام وأهله ))
[أخرجه أبو داود عن عبد الله بن حوالة ]
وهناك حديث آخر رواه أبو داود:
(( عليك بالشام، فإنها خِيَرةُ الله في أرضه، يَجتبِي إليها خيرتَه من عباده ))
[أخرجه أبو داود عن عبد الله بن حوالة ]
(( فإن الله توكل لي بالشام وأهله ))
بلاد الشام هي البلاد التي حول بيت المقدس.
﴿ الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ ﴾
( سورة الإسراء الآية: 1 )
أحياناً تشعر أنه يوجد حفظ إلهي، يوجد رحمة، و عناية، أنا لا أقول بهذا المعنى لا يوجد عندنا مشكلة، لكن يبدو أن هذه البلاد، الإقبال على الدين فيها متميز. قوة المؤمن تأتي من توكله على رب العرش العظيم:
الدعاء القرآني:
﴿ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ ﴾
( سورة التوبة الآية: 129 )
هذا التوكل.
﴿ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ﴾
( سورة التوبة )
آية ثانية:
﴿ عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ ﴾
( سورة الأعراف )
كلمة توكل كلمة كبيرة جداً.
أحياناً طفل لا تستطيع أن تكلمه كلمة، هو لا يخيفك، هو طفل صغير، تخاف من أبيه، يكون أبوه إنساناً قوياً، المؤمن كذلك، الله عز وجل معه:
﴿ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ ﴾
( سورة التحريم )
هذه الآية دقيقة، إذا أردت أن تنال من مؤمن هل تعلم من وراءه ؟ أحياناً إنسان يتقي أن يؤذي موظفاً، يقول لك: الدولة كلها وراءه، قد يكون ضعيفاً لكن قوته بقوة من ينتمي إليه، كذلك المؤمن مع الفارق طبعاً.
(( مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ ))
[ البخاري عن أبي هريرة]
فالمؤمن تأتي قوته من الذي توكل أمره، إنه الله. من آمن بالله و توكل عليه حفظه الله من كل مكروه :
الآية الثالثة:
﴿ قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آَمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا ﴾
( سورة الملك الآية: 29 )
تعتقد الذي يعيش الظروف الصعبة يعرف معنى هذه الآية ؟ فرعون، فرعون قتل الإنسان أهون عليه من قتل ذبابة، كيف يقول له السحرة ؟
﴿ فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ﴾
( سورة طه )
الآن بالقصة القضية سهلة ، أما أنت عش الظرف، هم أمام فرعون، قالوا:
﴿ فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ﴾
( سورة طه )
ما هذه القوة ؟ من يستطيع أن يواجه أقل موظف في فرع قوي ؟ أقل موظف ﴿ فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ﴾
﴿ إِنَّا آَمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴾
( سورة طه )
التولي و التخلي:
أيها الأخوة، لذلك دعوات المكروب:
(( اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ أَرْجُو، فَلا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ ))
[ أبو داود عن أبي بكرة]
بالمناسبة أيها الأخوة، هذا قانون، تقول: أنا، يتخلى عنك، يكلك إلى نفسك، تقول: الله، يتولاك، أنت في كل دقيقة بين التولي والتخلي، تقول: أنا قوي، خبراتي متراكمة، اختصاصي نادر، أنا أعرف كيف أتصرف، يكلك إلى نفسك، تقول: الله عز وجل يحفظني، نحن مفتقرون إليه، يتولاك، من أنت ؟ الصحابة قمم البشر، وفيهم سيد البشر لما اعتمدوا على كثرتهم في حنين تخلى الله عنهم، قال:
﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ ﴾
( سورة التوبة الآية: 25 )
هم، هم، لما افتقروا إلى الله في بدر تولاهم الله، فأنت بين التولي والتخلي تحتاج لهذا الدرس كل يوم وكل دقيقة، تقول: أنا لي حجم مالي كبير، لي سمعة طيبة، أنا أستطيع أن أقنع فلاناً بأن ينتقم من عدوي، عندما تعزو الأمر إلى فلان يتخلى الله عنك، فإذا عزوته إلى الله موحداً يتولاك، فأنت بين التولي والتخلي، دعوات المكروب:
(( اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ أَرْجُو، فَلا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ، لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ ))
[ أبو داود عن أبي بكرة]
والنبي عليه الصلاة والسلام يخاطب فاطمة يقول:
(( يا فاطمة ما يمنعك أن تسمعي ما أوصيك به ؟ أن تقولي إذا أصبحت وإذا أمسيت يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين ))
[ أخرجه الحاكم عن أنس بن مالك ]
أركان التوكل:
1 ـ أن توقن بعلم الله وبقدرته وبرحمته وبمحبته:
بقي فكرة دقيقة جداً، المتوكل، ما أركان التوكل ؟ أو ما مراحل التوكل ؟ أو ما خصائص التوكل ؟ ثلاثة أركان، ثلاث مراحل، ثلاث خصائص، أول شيء أن توقن بعلمه، وبقدرته، وبرحمته، وبمحبته، هذا التوكل، واثق أن الله بيده كل شيء ، وأن الله قادر على كل شيء، وأن الله يحب أن يرحمك، وأن الله يحبك، عليم، قدير، حكيم، رحيم، محب، شرط التوكل أن تعرفه، فاجتهد أن تعرفه من أجل أن تتوكل عليه، هذه مرحلة إيمانية، آمنت به الإيمان الذي يحملك على التوكل عليه.
2 ـ أن تأخذ بالأسباب:
اثنان: أن تأخذ بالأسباب، هنا المشكلة الكبرى في العالم الإسلامي، توكل بلا أخذ بالأسباب، الجماعة في غاية الراحة، توكلنا على الله، المسلمون ينتظرون معجزة يقضي الله بها على عدوهم، هذا مستحيل، لا بد من أن تعد للأعداء عدتهم.
﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ ﴾
( سورة الأنفال الآية: 60 )
فالتوكل إيمان بالله، إيمان بقدرته، إيمان برحمته، بعلمه، بحكمته، بمحبته، ثم أخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، هذا الأخذ بالأسباب برع به الغربيون، واعتمدوا على الأسباب وألهوها، وقعوا في الشرك، وتركه المسلمون، تركوا الأخذ بالأسباب، وقعوا في المعصية، يجب أن تتوكل عليه بعد أن تعرفه وأن تأخذ بالأسباب. 3 ـ أن تستسلم للنهاية:
المرحلة الثالثة: وأن تستسلم للنهاية، أنت توكلت عليه ثقة وعلماً، وأخذت بالأسباب، الآن الله عز وجل ييسر أو لا ييسر، يسمح أو لا يسمح، يجيب أو لا يجيب، أنت راض عن الله عز وجل، العلم أولاً والأخذ بالأسباب ثانياً، والرضا بقضاء الله وقدره ثالثاً.
على الإنسان ألا يقول حسبي الله ونعم الوكيل إلا بعد أن يأخذ بالأسباب:
الحقيقة هناك نقطة دقيقة جداً: أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بين رجلين:
(( فقال المقضيُّ عليه لَمَّا أدبر: حَسْبيَ الله ونعم الوكيل ))
[رواه أبو داود والنسائي عن عوف بن مالك ]
هذا كذب ودجل، هذه الكلمة فيها سوء أدب، إنسان ما درس أبداً، فلم ينجح، قال: حسبي الله ونعم الوكيل، لم تنجح جزاء تقصيرك، فالنبي مشرع، فلما قال هذا الرجل الذي حكم عليه حينما أدبر: حسبي الله ونعم الوكيل، قال النبي الكريم له:
(( فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ردوا عليّ الرجل، فردوه عليه فقال: ما قلت ؟ قال: قلت: حسبي الله ونعم الوكيل، فقال عليه الصلاة والسلام: إِن الله يَلُومُ على العَجْز، ولكن عليكَ بالكَيْس، فإِذا غَلَبَك أَمر، فقل حَسبيَ الله ونعم الوكيل ))
[رواه أبو داود والنسائي عن عوف بن مالك ]
أي طالب ما درس أبداً فإذا رسب ينبغي ألا يقول حسبي الله ونعم الوكيل، ينبغي أن يرى عدم النجاح جزاء طبيعي لعدم الدراسة، أما حينما يدرس دراسة متقنة، ويأتيه مرض لا سمح الله، يحول بينه وبين الامتحان، الآن يقول: حسبي الله ونعم الوكيل، لا تقل حسبي الله ونعم الوكيل إلا بعد أن تأخذ بالأسباب.
ولحكمة بالغةٍ بالغة الله عز وجل يقرر ألا يستجاب دعاؤك، هذا موضوع ثان فهذه الكلمة إما أن تقال بأدب جم، وبحكمة بالغة، وإما أن تقال بسوء أدب مع الله.
مثلاً طالب ما درس إطلاقاً فلم ينجح، كلما سألوه، يقول: الله هكذا كاتب لي، أنا توكلت عليه، هذا دجل، أنت ما درست وما نجحت، بحسب قوانين ربنا ينبغي ألا تنجح، أما درست وأصبت بمرض منعني من أداء الامتحان، تقول: حسبي الله ونعم الوكيل.
تاجر ما درس الصفقة اشتراها ببساطة، ما ربحت، خسرت، الله هكذا كاتب لي، لا، أنت مقصر.
وهكذا نرى أن كل أخطائنا نردها للقضاء والقدر، هذا كذب ودجل، و لكن إذا أخذت بالأسباب، عندئذٍ تقول: حسبي الله ونعم الوكيل، لا تقال هذه الكلمة حينما لا تأخذ بالأسباب، إن لم تأخذ بالأسباب هناك نظام عند الله عز وجل، في أسباب المسببات، ذي القرنين:
﴿ وَآَتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً * فَأَتْبَعَ سَبَباً ﴾
الختام
Powered by vBulletin™ Version 3.8.7 Copyright © 2026 vBulletin Solutions, النسخة الماسية
diamond