تفسير سور القران الكريم كاملا - الصفحة 41 - منتديات رياض الأنس
  التسجيل   التعليمات   التقويم   البحث   مشاركات اليوم   اجعل كافة الأقسام مقروءة

سَمَاءُ الأُنسِ تُمطِر حَرْفًا تُسْقِي أرْضَهَا كلِمة رَاقِيَة وبِـ قَافِيَة مَوزُونَة و نبْضُ حرْفِ يُفجِّرُ ينَابِيع الفِكْرِ سَلسَبِيلًا، كُن مَع الأُنِسِ تُظِلُّ بوارِفِ أبجدِيَتِهَا خُضْرَة ونُظْرَة وبُشْرَى لـ فنِّ الأدبِ و مَحَابِرَهُ. وأعزِف لحنًا وقَاسِم النَاي بِروحَانِيَة وسُمُوِ الشُعُورَ و أَرْسُم إبْدَاعًا بِـ أَلْوَانٍ شَتَّى تُحْيِ النَفْسَ بِـ شَهقَةِ الفَنِّ نُورًا وسًرُورَا كَلِمةُ الإِدَارَة




جديد المواضيع


رِيَاضُ الإعْجَازُ القُرْآنــي ( الاعجاز العلمي و البياني وتفسير الآيات والعلوم القرآنية)

الإهداءات

إضافة رد
نسخ الرابط
نسخ للمنتديات
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
قديم 04-07-2018, 01:23 PM   #401


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: تفسير سور القران الكريم كاملا



بسم الله الرحمن الرحيم

سورة محمد ( 47 )

الدرس التاسع



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، الآية الثانية والعشرون من سورة محمَّد صلى الله عليه وسلَّم، وهي قوله تعالى:
﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (22) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (23)﴾
[ سورة محمد ]
وقْفتُنا في هذه الآية عند قوله تعالى:
﴿وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (22)﴾
[ سورة محمد ]
أجمع العلماء على أن الأرحام هم الأقرباء من جهة الأب أو من جهة الأم، و النظام الإسلامي يقيم تكافلا اجتماعيا على مستوى الأسرة، فالإنسان مكفَّل بمَن يلوذ به، بوالديه و أولاده و زوجته على إجماع الفقهاء، فالإنسان مكلَّف أن ينفق على أبيه و جده مهما علَوْا، و على ابنه و ابن ابنه مهما نزلوا، و على زوجته، بإجماع الفقهاء، فربُّنا عز وجل جعل التكافلَ الاجتماعي أحدَ أنظمة الإسلام الاقتصادية، وكل أسرة مُتكفِّلة بأفرادها إلا أنَّ صِلَة الرَّحِم ورَدَتْ فيها أحاديث كثيرة صحيحة، مُفادُها أنَّ كلّ إنسانٍ عليه أنْ يصِلَ رحِمَهُ ؛ كيف ؟ نبدأ بالزِّيارة، لا تعلم وَقع الزِّيارة عند نفسي هؤلاء الذين ينْتمون إليك، فالواحد إذا زارَ أُخْتهُ رفَعَ مَعْنويّاتها، ولو على مُسْتوى اتِّصال هاتفي، والصِّلة الأعلى أن تتفقَّدَ أحْوالها ؛ هل هي بِحاجة إلى مُساعدة ماليَّة أو اجْتِماعِيَّة أو زوْجِيَّة، فالزِّيارة وسيلة والهَدَف هو التَّفَقُّد، والدليل أنَّ الله سبحانه وتعالى يأمرنا أن ندْفع الزّكاة والصَّدقات لا إلى الذين يُلِحُّون في الطَّلَب، بل إلى الذين يحسَبهم الجاهل أغنِياء مِن التَّعَفُّف، وتعرفهم بِسيماهم، والأقربون أولى بالمعروف، فالإنسان إذا زار أهْله وأقرباءَهُ ينبغي أن يقفَ عند وضْعِهم المعاشي، والتَّعليمي، والصِّحي، والاجْتِماعي، فالزِّيارة وسيلة والهدف هو التَّفقُّد، فلو أنَّكَ حلَلْتَ قضاياهم الاجْتِماعِيَّة، وفي حلّ خِلاف زوْجي وقدَّمْتَ لهم بعض الدَّعْم، وقدَّمتَ لهم بعض المال، تأتي المرحلة الثالثة، وهي الأخذ بيَدِهم إلى الله عز وجل، وأن تدْعوهم إلى الصلاة، وحُضور مجالس العِلم، وإلى الحِجاب، فَكُلّ واحِد له طريق إلى الله من خلال رحمه، والطرائق إلى الخالق بعَدَدِ أنفاس الخلائق، فلو فرضنا أنَّ إنسانًا عظيمًا لا تستطيع أن تصِلَ إليه ماذا تسْتفيد منه، هناك أشْخاص أقوياء، وأغنياء، فإن وصَلْتَ إليه أعْطاكَ مِمَّا عندهُ، ولكن الطُّرُق إليه كلّها مسْدودة، لا يُوجد أملٌ، إلا أن الله جل جلاله مؤمنٌ بذاته أنه يُسعِد خلقَه و أن الأمر بيده وأنه إذا تجلَّى على عبدٍ أسعده، هو المغني وهو المعطي ولكنه جعل لك آلافَ الوسائل كي تصل إليه، منها صلةُ الأرحام، الزيارة أوَّلا و التفقُّد ثانيا و الدعوةُ ثالثا، وهذا الشهر شهر الأرحام، و العيد أكبر مناسبة لزيارة الأقارب و الإحسان إليهم و إسداء النصح لهم.
فيا أيها الإخوة الكرام، باب صلة الأرحام من أكبر الأبواب التي تقرِّب إلى الله، و الرحم تقول: يا رب من وصلني وصلتَه و من قطعني قطعتَه قال تعالى:
﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (22) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (23)﴾
[ سورة محمد ]
الإنسان أحيانا يتسلَّى بعمل مهمٍّ، و يتنكَّر لأهله و ينساهم، و هناك إنسان أصيلٌ لا ينسى الذين كانوا حوله قبل أن يصل إلى هذا المكان الدقيق.
موضوع الدرس اليوم هو صلةُ الأرحام، مَن هم الأرحام ؟ هم الأقرباء قاطبةً من جهة الأب و من جهة الأم، بل إن النبيَّ عليه الصلاة و السلام سأله أحدُ أصحابه: ماذا بقيَ عليَّ من برِّ والديَّ بعد موتهما ؟ فقال عليه الصلاة و السلام: أن تصلي عليهما الجنازة و أن تدعوَ لهما عقب الصلوات الخمس و أن تصل الرحم التي لم يكن لها صلةٌ إلا بهما.."
واحد له خالٌ تُوفِّيت والدتُه، السبب هي والدتُه، فينبغي أن يصل أخواله بعد موت أمه، و له أعمام ينبغي أن يصل أعمامه بعد موت أبيه، له أولاد أخت و تُوفِّيت أختُه عليه أن يصل أولاد أخته بعد موت أخته، و أن تصل الرحم التي لم يكن لها صلة إلا بهما، و في رواية: أن تصل صديقهما " و أن تنفذ عهدهما، فالأرحام الأقارب مطلقا، ذكورا و إناثا من جهة الأب و من جهة الأم، هم و أولادهم، و الشيء الثاني الصلة، و الزيارة وسيلة، نبدأ بالاتصال ؛ رسالة، زيارة، و تفقد وضع معاشي و اجتماعي و صحي و تعليمي، فإن كان ثمة نقص قدمنا المساعدة، و إذا انتهينا من تقديم المساعدة ندعوهم إلى المسجد و إلى طاعة الله و إلى الحجاب و إلى إقامة الصلوات في البيت، هذا باب كبير من أبواب الجنة.
و لو أن كلَّ إنسان تفقَّد أهله و إخوته و أخواته و عمَّاته و خالاته و أقرباءه لكنا في حال غير هذه الحال، قال تعالى:
﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (22) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (23)﴾
[ سورة محمد ]
مرَّةً كانت هناك مشكلة تُحلُّ عن طريق إنسان يحتلُّ منصبا رفيعا، والدُه يحضر عندنا، فقلتُ له سأذهب معك إلى فلان لنحلَّ هذه المشكلة، فأجاب و لكنَّه كان متردِّدا، فما إن دخلتُ على ابنه حتى قال لأبيه: أبو فلان اجلسْ هناك، و ما أشعر أحدا من الحاضرين أنه أبوه و تنكَّر له، لذلك قال تعالى:
﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (22) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (23)﴾
[ سورة محمد ]
الإنسان الأصيلُ الذي يعرف الله عز وجل كلما أكرمه الله يزداد غراما لأهله الأقربين، وهذه الرحم يصل اللهُ من وصلها و يقطع من قطعها، و قد حدَّثني أخٌ كان بألمانيا أنه نزل في بيت، و صاحبة البيت امرأة مسِنَّة عندها حديقة، أقسمَ لي بالله أنه لم يرَ مثلها في حياته، هذه الحديقة تعتني بها هذه العناية رجاء أن يتكرَّم أولادُها الخمسةُ أن يزوروها في العام يومًا واحدا، و كان من المفروض أن يأتوا في عيد الميلاد، و كان هذا الصديق مستأجِرا غرفةً عندها في عيد الميلاد، و هيّأتْ كلَّ أنواع الحلويات و الورود، و نظَّمت الحدائق، ثم لم يأتِ أحدٌ، هذا الذي يعيشه الناس في الغرب نحن مُعافَون منه والحمد لله.
شَخصٌ قال لي: أسْكُن بِغرفة بِبِناء في لندن طابق أوَّل، وفي الطابق السادس إنسان، في أيَّام الشِّتاء القارصة تُوُفِّي وبقِيَ في غرفتِهِ بعد وفاتِهِ سِتَّة أشْهر ! إلى أن خرَجَتْ رائحة من الغرفة لا تُحْتَمَل، والغريب أنَّ له سِتَّة أولاد مُقيمين في لندن، لم يُفكِّر ولا واحد منهم ان يزور أباه في هذه المدَّة الطويلة ؛ هكذا يعيشون هناك، وعندنا الأب مُقدَّس، فَصِلَةُ الرَّحِم باب كبير جدًّا للقُرْب من الله عز وجل، ومرَّةً ثانِيَة رسالة اتِّصال زيارة وتفقُّد ومساعدة، ثمَّ الأخْذ بيَدِهم إلى الله عز وجل، وعندها تكون كلّ أسرة قد تكفَّلَتْ بأفرادها اقْتِصادِيًّا واجْتِماعيًّا وطِبِيًّا، أما أن توزر لا زِّيارة التي لا تتفقّد بها المزور، ولا تُلبِّي له حاجاته، ثمَّ تدَّعي زيارة الرَّحِم فأنت إن لم تُقدِّم يد المساعدة، وتحلّ المشاكل فلا تُعْتبر زيارةً، وقد ورَدَ عند الفقهاء: لا تُقْبَلُ زكاة إنسانٍ، وفي أقْربائِهِ محاويج ! ابْدأ بالأقرَبْ فالأقرب، الأقربُ إليكَ نسبًا، ثمّ الأقرب إلى الإيمان.





والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 04-07-2018, 01:26 PM   #402


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: تفسير سور القران الكريم كاملا



بسم الله الرحمن الرحيم

سورة محمد ( 47 )

الدرس العاشر




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، الآية الثامنة والثلاثون من سورة محمَّد صلى الله عليه وسلَّم، وهي قوله تعالى:
﴿ هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (38)﴾
[سورة محمد]
أحيانًا يتوهَّم الإنسان أنَّ له عملاً طيِّبًا يُدِلُّ به، ويَمُنُّ به ويفْتَخِرُ به، هذا العمل من فضْل الله عز وجل، والإنسان إذا دُعِيَ إلى الإنفاق فَبَخِلَ، وأبتْ نفْسُهُ أن تُنْفق، الله جلَّ جلاله يُهَدِّدُهُ، قال تعالى:
﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (38)﴾
[سورة محمد]
فإذا سمَّعَك الله عز وجل الحق، فهذا شرَفٌ عظيم وبِشارة، قال تعالى:
﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ(23)﴾
[سورة الأنفال]
علامة الخَيْرِيّة أنَّهُ أْمَعَكَ الحق، والذي يبْقى عليك أن تسْتجيب، وأن تُنْفق وأن تعْملَ صالحًا، فإن أبَيتَ اسْتَبْدَلَ قومًا غيرَكَ.
قال تعالى:
﴿ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلْ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ(17)﴾
[سورة الحجرات]
لا يوجد إنسان آتاهُ الله من فضْلِهِ، وشَكَر إلا زادَهُ، أما إذا اعْتدَّ بِنَفْسِه، وظنَّ أنَّ هذا الفضْل مِن صُنْعِهِ، وخِبْرَتِهِ، وذكائِهِ، فلعلَّ الله سبحانه وتعالى يحْرِمُهُ منه فشُعور المؤمن كما قال الله عز وجل في الحديث القدسي: إذا أراد الله إظهار فضْلِهِ عليك خلقَ الفضْل ونسَبَهُ إليك، فالإنسان حينما يُوَحِّد يتواضَع وحينما يُعرض عن التَّوحيد يتكبَّر، وهناك علاقة بين التَّوحيد والإخلاص وبين التَّوحيد والتَّواضُع، فالمُوَحِّد يشْكر الله عز وجل، ويرى فضْه، لذلك يتواضَع، وغير المُوَحِّد يرى فضْلَهُ، وإنفاقهُ، ودَعْوَتَهُ، ويرى اسْتِقامتَهُ، والمُوَحِّد يُخْلِص، وغيرهُ يُشْرك، فإذا علِمْتَ أنّ الأمْر كلَّهُ بيَدِ الله لا تتَّجِهُ إلى أحدٍ غيرِهِ، أما إذا توهَّمْتَ جِهَةً في الأرض تُعطي أو تمْنَع وترفع أو تخفض، فتوجَّهُ إليها، أصبَحَ هناك شِرك، وديننا دين توحيد لا دين الشِّرْك، وما مِن إنسان على وَجه الأرض إلا ما قلَّ أو شذَّ أن ندَرَ يقول: لا إله ! لكنّ معظم الشُّعوب في الأرض تُؤمن أنّ لهذا الكون خالقًا وهذا الإيمان لا يُقَدِّم ولا يؤخِّر، ولأنّ إبليس قال:
﴿ قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(82)﴾
[سورة ص]
آمن بِعِزّة الله، ومع ذلك هو أكْفر أهل الأرض ! فالإيمان بالله تعالى خالقًا لا يرْفَعُكَ عند الله، أما الإيمان بالله تعالى مُسيِّرًا، وفعَّالاً، وبيَدِهِ الأمْر ؛ إن آمنْتَ هذا الإيمان، وأنت لا تشْعُر أخْلصْتَ لله تعالى، وأنت لا تشْعُر تتواضَع، والكبرياء إزاري، والعظمة ردائي، فمن نازَعني شيئًا منهما أذَقْتُهُ عذابي ولا أُبالي، وكنتُ قول دائمًا: هناك أخطاءٌ تُغْفر، ولكنَّ خطأ الكِبْر لا يُغْفر، لأنّ هذا الخطأ يتناقض مع عُبودِيَّة الله عز وجل، فاللَّبن قد يحْتمل الماء، ولكن لا يَحْتَمِل قطرة مازوت واحِدَة ! فهذه القطْرة تُفْسِدُهُ، فالتَّوحيد يُؤدِّي إلى التَّواضُع، والعبودِيَّة لله عز وجل، والشُّعور بِفَضْل الله عز وجل، والشِّرْك يؤدِّي إلى الكِبْر، والاسْتِعلاء والعُنْجُهِيَّة والغَطْرسة، والتَّوحيد يُدِّي إلى الإخلاص، فالله هو المُنْعِم المُتفضِّل فتَتّجِهُ إليه وحْدَهُ، طبعًا هذا لا يعني أنَّ الإنسان إذا أصابَهُ خيرٌ مِن إنسانٍ أن يتجاهَلَهُ، قال عليه الصلاة والسلام: من لم يشْكر الناس لم يشْكر الله..." يُرْوى أنَّ أحدَ أصْحاب النبي عليه الصلاة والسلام نزَعَ على ثوْبِهِ ريشَة، فرفَعَ النبي يَدَيْه إلى السَّماء: اللَّهمّ اجْزِهِ عنِّي خيرًا ! ومن أجْزى إليكم معْروفًا فجاءوه، فإن لم تَجِدُوا ادْعوا له حتَّى تعلموا أنّكم كافأتُموه والتَّوحيد لا يتناقض مع شُكْر الناس، ولكن الأصْل أنَّ قلْبَكَ مُتَعَلِّق بالله تعالى، فأنت ترى أنَّ هذا الذي خدمك كان بِمَعونة نم الله تعالى، فهو سبحانه الذي ألْقى في قلبه معونتك، فالشُّكر لله أوّلاً، فهذه عائشة رضي الله عنها في حادثة الإفك التي تألَّم لها النبي عليه الصلاة والسلام، ولِحِكمة أرادها الله تأخَّر الوحي أربعين يومًا ! فالله أراد أن يُبيِّن للناس أنَّ الوَحي كيانٌ مُستقلّ عن النبي عليه الصلاة والسلام حينما قال لها أبوها أبو بكر: قومي فاشْكريه للنبي عليه الصلاة والسلام قالت له: والله لا أقوم إلا لله تعالى ! فالنبي عليه الصلاة والسلام تبسَّم وقال: عرفت الحق لأهْلِهِ فالأصْل هو الله تعالى.
إذا خدَمَك إنسان فاشْكُرهُ، وقدِّم له هدِيَّة، وأثْنِ عليه، ولكن قلبَ المؤمن الصادِق رأى أنَّ هذا فضْل الله ساقَهُ إليك عن طريق فلان، وهذا هو التَّوحيد أن لا ترى نِعْمةً إلا مِن الله تعالى، فإن كانت لك زوْجة صالحة وكان مِن المُمْكن أن تأتيك زوْجة كالجحيم، والله هو الذي ساق لك هذه الزَّوجة، ويسَّرَها لك، تحْترِمُك، وتعتني بك، فإذا قال لك: أنا أعرف تنْقِيَة الزَّوجة فهذا قد أشْرَكَ ! أما إذا قال: لقد أكرمني الله بهذه الزَّوجة فقد وحَّد.
وهذا له تِجارة، فيقول: هذا من كرامي الله لي، والله هو الذي أعانني على هذا، ورزقني، فهذا الشُّعور الذي يُبارِكُ في الرِّزق، وإن جاءَكَ مولود يملأُ البيتَ سُرورًا، إذْ هناك بيوت ليس فيها أولاد، يدْفَعُ الملايين على أن يأتيه مولود ! والله حتَّى الضَّحِك عليك أن تشْكر الله عليه، أذْكُر أنِّي كنتُ مدعُوًّا لطعام الغذاء في أحد الحدائق لإخواننا، وكنَّا نحو ثلاثين شَخصًا، ونحن جُلوس مرَّ علينا شَخص فما سلَّم، فقلْتُ لِمَن دعانا ما بِهِ من هذا ولِمَ لمْ يُسَلِّم ؟! فقال: هذا عمِّي، وهو صاحب البستان، وقد جاء من مستشفى غسيل الكلية !! لا يرى بِعَيْنَيْه شيئًا مِن شِدَّة الخوف والقلق فاشْكر الله على أنَّه أضْحَكَكَ، والدليل قوله تعالى:
﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى(43)﴾
[سورة النجم]
فالذي يُصاب بٍمُصيبة لا يضْحك مهما كانت النُّكتة مُضْحِكة !
إن وجَدتَ الناس يَحْترِموك معناه أنَّ الله تعالى ألْقى محبَّتَك في قلوبهم، وكان بإمكانِهِم أن يُبْغِضوك، قال تعالى:
﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي(39)﴾
[سورة طه]
وما أخْلصَ عبدٌ لله تعالى إلا جعلَ قلوب المؤمنين تهْفو إليه بالمودَّة والرَّحمة وأنت حينما تعْزو الفضْل إلى الله تزْدادُ فضلاُ، قال تعالى:
﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ(7)﴾
[سورة إبراهيم]
وحينما تعزوهُ إلى ذاتِك تُشْرك وتسْقط من عَين الله، ولأَن يسْقط الإنسان من السماء إلى الأرض أهْوَنُ من أن يسقط من عَين الله.
فالله تعالى قال:
﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (38)﴾
[سورة محمد]
فالواحد لا يمنّ على الله عز وجل لحُضورهِ مجالس العلم، وإنفاقه المال وأخْتِمُ لكم الكلام بهذه القِصَّة ؛ إنسانٌ قدَّمَ بيتًا ثمنُهُ خمسة ملايين، وثمنهُ الآن أثنى عشرة مليونًا، قدَّمَهُ لِجَمْعِيَّة خَيْريَّة لِيَكون مرْكزًا لِتَدريب الفتيات الفقيرات الخياطة، لِيَنقلوا هؤلاء الفتيات من مُتَسَوِّلات إلى مُنْتِجات، ومن آخذة زكاة إلى دافعة زكاة، وأُقيم حَفل لِتَكريم هذا المُحسِن، فكُلّ الناس أثْنَوا على إحسانه وفضْله وكرمِهِ، فأحدُ الإخوة قال له: كان مِن المُمْكن أيُّها الأخ الكريم، وأيُّها المُحْسِنُ الكبير أن تكون أحَد المُنتفِعين من جَمْعِيَّتنا فالإنسان لا يعْتدّ بالمال أو القوَّة فقد يفقدهما فجْأةً، وإذا أردتَ أن تعتمد فاعْتَمِد على الله عز وجل.



والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 04-07-2018, 01:29 PM   #403


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: تفسير سور القران الكريم كاملا



بسم الله الرحمن الرحيم

سورة الفتح ( 48 )

الدرس الاول





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، الآية الأولى من سورة الفتح، وهي قوله تعالى: ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً (1) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً (2)﴾
[سورة الفتح]
كلُّ إنسانٍ بِحَسَبِ مرْتبَتِهِ عند الله له ذَنْبٌ يَحْجُبُهُ عن الله، فكلَّما ارْتقى مقامُ الإنسان أصْبَحَتْ صغائِرُ الذُّنوب تحْجُب عن الله عز وجل، وأصْبحَت المباحات التي يفْعَلُها مُعْظمُ الناس، وهم مُطمئِنُّون إذا قاموا بها حُجِبوا عن الله عز وجل، فما ذَنْبُ النبي عليه الصلاة والسلام ؟ وهو الذي أثْنى الله عليه فقال تعالى:
﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ(4)﴾
[سرة القلم]
النبي عليه الصلاة والسلام مِن أعْظَمِ القُوَّاد ؛ وعالِمٌ مِن أعْظَمِ العلماء، يا أيُّها الأُمِّيُّ حَسْبُكَ رتْبةً في العِلْم أنْ دانَتْ لك العُلماء ! خطيبٌ وأعظم خطيب، وأعظمُ عالمٍ، وأعظَمُ مجْتَهِدٍ، وأعظَمُ قائِدٍ، وأعْظَمُ سِيَاسِيٍّ، كلُّ هذه الصِّفات التي توافَرَتْ فيه لم يُثني الله عليه بها، إنَّما أثْنى عليه بِخُلُقِهِ العظيم.
التَّفسير اجْتِهادي، بعضهم قال: الله جلَّ جلاله لا نِهايةَ لِعَظَمَتِهِ، ولا نِهايَةَ لِكمالِهِ، وكلّما أقْبلْتَ إليه رأيْتَ رؤيَْةً أكْبر مِن التي رأيْتَها من قبل وكلَّما أقْبلْتَ إليه رأيْتَ مِن كماله، ومِن رحْمَتِهِ، ومن عِلْمِهِ، ومِن قدْرَتِهِ رؤيةً لمْ تكُن تراها من قبل، ذَنْبُ النبي عليه الصلاة والسلام أنَّه إذا أقْبَلَ على الله إقْبالاً جديدًا رأى رؤْيَتَهُ السابقة لا تليق بالله عز وجل، فهذا هو ذَنْبُهُ، وهذا الذَّنْب يتناسبُ مع مقام النبي عليه الصلاة والسلام، فأحيانًا الإنسان إذا كان غارِقًا في المعاصي يكْفيهِ أن يَدَع شُرْب الخمْر، نقول له: هنيئًا له على هذه التَّوبة، وهو لا يزال عنده آلاف المعاصي، فهو إن ترَكَ الكبائِر نُسَمِّيهِ إنسانًا تائِبًا، الآن ترك الكبائر، ما سواها الذُّنوب، ثمّ ترَكَ الذُّنوب، هناك صغائر الذُّنوب تحْجبُهُ عن الله عز وجل، فكلَّما ارْتقى إيمان الإنسان دقَّتْ ذُنوبُهُ التي تحجُبُهُ عن الله تعالى ؛ لذا قال عليه الصلاة والسلام: لو لم تُذنبوا لأبدل الله قوما غيركم..." قد يتبادَر إلى الذِّهْن أنّ هذا الحديث يَدعونا لارْتِكاب الذُّنوب حتَّى يُغْفَرَ لنا ! لكنَّ الحديث يُشير أنَّهُ مِن خصائص المؤمن أنْ يشْعُرَ بِذَنْبِهِ، فإن لم يشْعُر فهو ميِّت، فالطَّبيب يُمْسِكُ بنَبْض المريض، فيأتي بِمِرآة فيضَعُها على أنفه فلا يرى بخار الماء، فيقول لعلَّ هذا البخار قليل جدًّا، فيأتي بِمِصباح فيَضَعُهُ في بؤْرة عَيْنهِ، فإذا لمْ تَضِق قُزَحِيَّةُ العَين يقول: هذا ميِّت ‍‍! وكذا الإنسان إن لم يشْعُر بِذَنبِهِ فهو ميِّت، قال تعالى
﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ(22)﴾
[سورة فاطر]
فالذي لا يشْعُر بِذَنبِهِ هو ميِّت، قال تعالى:
﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ(21)﴾
[سورة النحل]
والحياةُ حياتان أيُّها الإخوة ؛ حياة الجِسم، فالقضِيَّة سَهلة، وهي بِفَحْص الأعضاء أما حياة النَّفس فلا تكون بِفَحص الأعضاء، ولكن بِمَعْرِفة الله عز وجل، وحياة النَّفس بِطاعة الله، فالذي لا يعرف الله، ولا يُطيعُهُ، ويرْتَكِبُ لا ذَّنْبُ ثمَّ يقول: هل هناك مشكلة ؟! وهذا الذي يأكل مال الحرام، ويَعُدُّ هذا ذكاءً، والذي يعْتدي على أعراض الناس، ويعُدُّ هذا حَيَوِيَّةً !! فالمَعْصِيَة في زماننا أصْبَحَت حَيَوِيَّة مُتَدَفِّقة، وذكاءً وشطارةً، هذا الإنسان ميِّت عند الله تعالى.
أيُّها الإخوة، اِكْتَشِفوا حياتكم، وحياة قلوبكم، وإيمانكم مِن إحساسِكُم بالذَّنْب، إن لم تُحِسَّ بالذَّنْب فالمرضُ خطير جدًّا، قال تعالى:
﴿ وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ(36)﴾
[سورة هود]
فلذلك اِبْحَث عن الذي يَحْجُبُكَ عن الله تعالى، إن لم تَحْجُبهُ الغيبة، ولا النَّميمة، ولا إطلاق البصر، ولا خَلوة مع الأجنبيَّات، ولا أكل المال الحرام، فلْيَعْلَم عِلْمَ يقين أنَّهُ ميِّت، ولا خَيْر فيه إطلاقًا، فالثَّوْب الأبيَض المصنوع من الحرير، إن وقَعت عليه ذبابة وتركتْ أثرًا لظَهَر أثرها من بعيد وكذا نفس المؤمن كهذا الثَّوب، وهناك إنسانٌ آخر، يرْتدي ثوبًا أصلُهُ أزرقًا، ومن الوَحْل والزَّيت أصْبح أسْوَدًا لو جِئْتَ بِلِتر حِبْر، ووضَعْتَهُ فوقهُ فلَوْنُهُ لا يتأثَّر ! لذلك سيِّدنا عمر رضي الله عنه يقول: تعاهَد قلْبَكَ، هل تكلَّمْتَ كلمةً تَجْرح ؟ وهل في كلمة احْتِقار للآخرين ؟ فهذه السيِّدة عائشة قالتْ لأُختها صفيَّة: يا صفيّة، إنَّك قصيرة ! فقال عليه الصلاة والسلام: يا عائشة قد قلت كلمة لو مُزِجَت بِمياه البحر لأفْسدتْهُ..." فالإنسان الذي يتَّهِم الناس، ويغْتاب النَّاس، ويتحدَّث في أعراضِهم، ذمامة وجوههم ؛ هذا كُلُّه مُحَرَّم، ولن يستقيم إيمانُ عبدٍ حتَّى يسْتقيم قلبُهُ، ولا يستقيمُ قلبُهُ حتَّى يستقيم لِسانُه، فالإنسان قد يتكلّم كلمات يُثيرُ بها الشَّهوات، والنبي قال لِفتاةٍ ترتدي ثيابًا شفَّافة: إنَّ هذه الثِّياب تكشف حجم عظْمِكِ..." هل هناك عِظام ؟! لم يُرِد أن يتكلَّم الكلام المُثير، وأنت تعرف الإنسان مِن منْطِقِهِ، شخصٌ كان يرتدي ثيابًا جميلة جدًّا، ثمَّ تكلَّم كلامًا بذيئًا، فقال له أحدهم: إمَّا أن تتكلَّم بِمُستوى ثِيابِك، وإما أن ترْتدي ثِيابًا بِمُسْتوى كلامك ! فَضَبْطُ اللِّسان جزْء من الكلام، وقد أدْرج الإمام الغزالي بابا سماه آفات اللِّسان فارْجِعوا إليها.
قال تعالى:
﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً (2)﴾
[سورة الفتح]
ما تقدَّم ؛ هذه مغْفرة الشُّعور بالذَّنب، ولن ما تأخَّر هذه مغفرة وِقائِيَّة فالإنسان يمكن أن يقع بِحُفرة، فالمِصباحُ يُعفيه من الوقوع، فهذا المصباح وِقائي، وكذا إن كان لك قريبًا غنيًّا، وأنت تتوهَّم معه مليون، وهو معه ألف مليون، تُعامله على أساس مليون، فإن عُرِضَ مشروع بِثَلاثة ملايين تقول له: هذا فوق طاقتك، فإذا به يقول لك: أنا معي مائة مليون !! ألا تشْعر أنَّك لا تعرفهُ ؟ هذا مِن باب التَّقريب، وكذا لا يعرف الله إلا هو، ومهما ارْتقى الإنسان، وحتَّى سيِّدُ الأنام، ولكنَّ النبي الكريم عليه الصلاة والتسليم أعْرفنا بالله تعالى على الإطلاق، ومع ذلك قال تعالى:
﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ(159)﴾
[سورة آل عمران]
فالذي يرى الأخبار ويملأُ عَيْنَيه من هذه التي تُذيع ألا يشْعر بِشَيء ؟ هذا نوعٌ من الذُّنوب، فكلَّما ارْتقى الإنسان عند الله تضيقُ القَنَوات التي يتعامل معها، حتَّى يصل إلى الله عز وجل، فالذي يتباهى بِتَرْك الكبائر ! الكبائر بديهِيَّة جدًّا، ومُجْتَمَعُ الكُفْر موضوعٌ ثاني، أنت ضِمْن مجتَمَعٍ إسلامي، بل إنّ الشيطان نفسُه يئِس أن يُعبَدَ في أرض المسلمين لكن رضِيَ فيما نحْقِرُ مِن أعمالنا، فكلَّما ارْتقى مقام الإنسان لم يعد هناك مجال لارتِكاب الذُّنوب، إلى أن يصِل إلى المنهج القويم الذي سنَّهُ سيِّدُ المرسلين عليه الصلاة والسلام.
تأخَّر نزول الوحي على النبي عليه الصلاة والسلام فقال لِعائشة لعلَّها تمرة أكلْتُها من صدقة المسلمين ! هذا هو الورَع.
والآن تُقام سَهَرات، والاخْتِلاط، والنِّساء مع الرِّجال يضْحَكنَ، ثمَّ يقول لك: هذه كأُختي !! كلّ هذا خَلط في خَلْط، فَمَنْهجُ الله أحقُّ أن يُتّبَع، وكلمة ليغفر الله لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخَّر، لعلَّ ذَنْب النبي عليه الصلاة والسلام إذا رأى رؤيَة جديدة استحيا بِرُؤْيَتِهِ القديمة، وأما ما تأخَّر فهو النور الذي ألْقِيَ في قلبِهِ يقيهِ أن يقَع في الذَّنْب.
ولكن كلمة ويُتِمُّ نعْمته عليك، أقِفُ عندها دقيقة واحدة، الإنسان عنده زوْجة ومأوى، وأولاد، وله دخْل يكفيه، لا شكَّ أنَّ هذه نِعَم، لكنَّها تنتهي عند الموت، ولكنَّ تمام النِّعمة هو الهُدى، فأنت إن اهْتَدَيْتَ إلى الله فقد أتمَّ الله عليك نِعْمتَهُ، لذلك هذه النِّعَم الدُّنْيَوِيَّة ما دامَت تنتهي بالموت فليس لها معنى النِّعمة الحقيقي، أما النِّعمة الحقيقيَّة هي أن تهتدي إلى الله، وتسعَدَ به إلى أبد الآبدين.




والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 04-07-2018, 01:31 PM   #404


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: تفسير سور القران الكريم كاملا



بسم الله الرحمن الرحيم

سورة الفتح ( 48 )

الدرس الثانى





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، الآية الثامنة عشْرة من سورة الفتح، وهي قوله تعالى: ﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً (18)﴾
[سورة الفتح]
لا شكَّ أنَّ أعْظَمَ شيءٍ تصلُ إليه في الدنيا أن يرْضى الله عنك، وهو أعظمُ شيء على الإطلاق، وهو خير لك من الدنيا وما فيها، لأنَّ الدنيا زائلة، والآخرة باقِيَة، ولأنَّ الله سبحانه وتعالى إذا وفَّقَكَ في الحياة الدنيا فليس في الأرض كُلِّها جِهةٌ تَستطيع أن تحول بينَكَ وبين هذا التَّوفيق قال تعالى:
﴿ مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(2)﴾
[سورة فاطر]
وإذا حجَبَ الله عن الإنسان التَّوفيق، لو أنَّ الدنيا كلَّها معه لا يُوَفَّق، فأَنْ يرضى الله عنك خير لك من الدنيا وما فيها، ولا يعْرِفُ حقيقة هذا الكلام إلا من اتَّصَل بالله عز وجل، وذاق مِن طَعْمِ قُرْبِهِ عندها يشْعُر أنَّ طاعة اله هي أَثْمَنَ شيءٍ يفعلها في الحياة الدنيا.
الثِّمار ؛ أوَّلاً الصَّحابة الكرام رضي الله عنهم تَحْقيقًا، وتقريرًا، ولكنَّ الناس إذا ذَكَروا إنسانًا فاضِلاً أو عالمًا جليلاً وقالوا رضي الله عنه فهذا دُعاءً، وفرْقٌ كبير بين أن تقول: رضي الله عنه تَحقيقًا، وبين أن تقولها دعاءً، فأنت لك أن تقول لإنسانٍ فقير أغناك الله، أما إن رأيْتَ إنسانًا غنيًّا تقول: قد أغناك الله، فأغناك الله التَّقريريَّة غير أغناك الله الدُّعائِيَّة فنحن إذا ذكرنا إنسانًا جليلاً وقلنا رضي الله عنه فهذا رضا دُعائي، أما التَّحقيقي فلأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلَّم.
الشيء الثاني ؛ أنَّني ما دُمتُ قلتُ قبل قليل إنَّ رِضاء الله عز وجل أثْمَنُ شيءٍ تَمْلِكُهُ، فالشيء الذي يُثْلِجُ الصَّدْر أنَّ هذا الرِّضا سُبُلُهُ مُيسَّرة لك، فسبيلُهُ الوحيد أن تُطيعَهُ، قال تعالى ﴿: يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا(71)﴾
[سورة الأحزاب]
والأدَقُّ من ذلك أنَّ بِفِطْرتِكَ وحِسِّك السليم، وجِبِلَّتِك في أيِّ لحْظةٍ نم حياتِك تعْلم ما إن كان هذا العمل يُرضي الله أم لا يُرضيه، فإن صَدَقْتَ يرْضى الله عنه، وإن كذَبْت يغْضَبُ عنك، وإن أخْلَصْتَ يرْضى الله عنك، وإن خُنْتَ لا يرْضى عنك، وإن غَششْتَ الناس لا يرْضى الله عنك، وإن استَغْلَّيْتَ ضَعْف زوْجَتِكَ، وأنَّ أهْلها ليْسُوا في بلَدِك، وقسَوْتَ عليها لا يرْضى الله عنك، أنا أُؤَكِّد لكم أنَّ الواحِد مِنَّا من دون أن يقرأ، ومن دون أن يكْتُب، ومن دون أن يسْتمع أَوْدَعَ الله فيه مُفتيا صغيرًا، أو جهازًا حسَّاسًا جدًّا، فن حادَ عن الصَّواب شَعَرَ بالضِّيق، والبرّ ما اطمأنّت إليه النَّفس، والإثْم ما حاك في صَدرك، وكرهْت أنْ يطَّلِع عليه الناس ‍! فالله تعالى قال:
﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً (18)﴾
[سورة الفتح]
في كلّ مكان وزمان، ونحن اليوم في آخر الزَّمان يُمْكن أن نسْعى إلى رِضاء الله عز وجل عن طريق طاعته، ولكن أنت بِحاجَة فضْلاً عن الفِطرة السليمة، أنت بِحاجَة إلى أن تعرف دقائق الأمْر والنَّهي، فَتَعلُّم أحكام الفقه مُهِمٌّ جدًّا لِمَن أراد أن يُرْضِيَ الله عز وجل، فهو تعالى لا يرْضى عليك إلا إذا أطعته وفْق المنهَج الذي أنزلَهُ الله على نبيِّه صلى الله عليه وسلَّم.
الثَّمرَة ؛ قال تعالى:
﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً (18)﴾
[سورة الفتح]
من لوازم رضاء الله عز وجل أنَّ قلْبَكَ مُفْعَمٌ بالسَّكينة والطمأنينة، والسُّرور والسَّعادة، والثِّقة والمستقبل، فالمؤمن لا يتشاءَم، ويُصَدِّق قوله تعالى:
﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ(51)﴾
[سورة التوبة]
والمؤمن لا يَحقِد لأنَّ يد الله فوق أيدي الناس جميعًا، والمؤمن لا يسْتسْلِم لأنَّ الله تعالى معه، وإذا كان الله معه فَمَن عليه، فهذا هو معنى إنزال السَّكينة على قُلوبهم، قال تعالى :
﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ﴾
[سورة الفتح]
علِمَ صِدق نِيَّتِهِم، وعَلِمَ صدْق بَيْعَتِهِم وعَلِمَ حُبَّهم وشُعورهم بالطاعة، قال تعالى:
﴿ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾
[سورة الفتح]
هذا مِن الداخل، ومن الخارج الفَتْحُ، والفَتْحُ هو مُطْلقُ التَّوفيق، فالإنسان قد تُفْتَحُ له التِّجارة، أو الصِّناعة والدَّرجات العِلْمِيَّة، وتُفْتَحُ معْركةً ينتصِرُ بها وأثابهم فتْحًا قريبًا، راحةٌ من الداخل، ونجاحٌ من الخارِج، والثَّمن هو الطاعة، والطاعة ثمنها أن تعرفَ الآمِر، وأن تعرفَ الأمْر، ومن عرف الآمر والأمر تفانى في طاعة الآمر، ومن لم يعرِف الآمر وعرف الأمْر تفنَّنَ بالتَّفلُّت من هذه الطاعة بأساليب شَتَّى، إذا رضاء الله عز وجل أثْمن شيء، بل هو أثمنُ شيء في الدنيا والآخرة.
في الآخرة هناك جنَّاتٌ تجري من تحتها الأنهار، وهناك حورٌ عين ووِلدانٌ مُخَلَّدون، وهناك نَظْرةٌ إلى وَجه الله الكريم، وهناك رضوان نم الله أكبر كما قال تعالى، فنكادُ نَصِل إلى أنَّ رِضوان الله عز وجل أعْظمُ شيءٍ في الدُّنيا، وأعظمُ شيءٍ في الآخرة، والشيء المُفْرِحُ أنَّ هذا الرِّضْوان تمْلِكُ أسبابهُ، ألا تمْلِكُ أن تكون صادِقًا ؟ أو مُتَوَكِّلاً ؟ أو نظيفًا ؟ أقرأ القرآن، وقِفْ عند قوله تعالى إنَّ الله يُحِبُّ، وهناك اثنتا عشرة خصْلة يُحِبُّها الله عز وجل كنتَ في رِضْوان الله عز وجل.
أيها الإخوة الكرام، أعْقَلُ العقلاء الذي سَعَى إلى رِضْوان الله عز وجل، وأحْمَقُ الحَمْقى الذي اغْترَّ بالدُّنيا ونسِيَ الآخرة، والدُّنيا ساعة تمْضي سريعًا، ويبقى العذاب، فنحن الآن في رمضان، البارحة فقط بدأ، ونحن اليوم في اليوم الثامن والعشرين، فالذي صامَهُ وقامَهُ، وضَبَطَ لِسانَهُ انتهى التَّعَب وبقِيَ الثَّواب، والذي أفْطر، وسَهِرَ سهراتٍ لا تُرضي الله عز وجل انتهى السَّهر ورمضان وبقيَ العِقاب، لذا القضِيَّة دقيقة جدًّا ؛ رِضْوانُ الله عز وجل مُيسَّرٌ لِكُلِّ إنسان، وهو أثْمَنُ شيءٍ في الدُّنيا، وهو أثْمَنُ شيءٍ في الآخرة، وأتن برضوان الله تجد الله معك، وإذا وَجَدْتَهُ ما فاتَكَ شيء، وإن فاتَكَ ربُّك ما وَجَدْتَ شيء، ومَن عامَلَ الناس فلم يظْلمهم، وحدَّثهم فلمْ يكْذِبْهم، ووعدَهم فلم يخْلِفهم، فهو مِمَّن كَمُلَت مروءَتُه، وظَهَرَت عدالَتُه، ووجَبَتْ أخوَّتُه، وحرُمتْ غيبتُه.
وما دام الصَّحابة الكرام رضي الله عنهم، هل يُعْقل أن يرْضى الله عنهم وهم على غير استِقامة ؟ فأيَّةُ قِصَّة لا تنبؤُنا بِطُهْر أصحاب النبي وصِدْقهم وصِدقهم وعِفَّتِهِم، هي قِصَّة مكْذوبة، ومن هنا قال عليهم الصلاة والسلام: إذا ذُكِر أصحابي فأمْسِكوا..." فشهادة الله أقوى من شهادة العالمين، فالذي يُشَكِّك في أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام كاذِب منافق، وهو يُكَذِّب هذه الآية، ألَمْ يُبايِعوا النبي عليه الصلاة واللام تحت الشَّجرة واحِدًا واحِدًا ؟ بدءً من الصِّديق وانتِهاءً بآخِرِ صحابيٍّ، فمن ردَّ على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلَّم فهو كذَّاب، ومن كذَّب آيةً فقد كفر، وأصحابي لو تركوا العُشْر لهلكوا..." لأنَّ فيهم النبي صلى الله عليه وسلّم فالإنسان قبل أن يخوض في القرآن الكريم، وقبل أن يتكلَّم عليه أن يحْسب الحساب الكبير، ونحن نُحبُّ صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ونتأسَّى بهم.
والشيء الثاني ؛ أليس بين المسلمين قواسِم مُشْتركة ؟ نعم، هناك آلاف القواسِم المشتركة، أفلا يستطيع الدُّعاة إلى الله أن يبْقَوا في المُتَّفقِ عليه ؟‍ يستطيعون بالتَّأكيد، ونحن إذا بقينا على الكتاب والسنَّة اتَّحَدْنا ولن نختلف وبذلك نقْوى، ونتعاوَن، وما مِن هدف يُثْلِجُ صَدْر أعدائِنَا إلا تفرُّق المسلمين، لذا ندعو إلى وِحدة المسلمين في المشارق والمغارب، فهؤلاء الذين يشْهدون أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمَّدًا رسول الله أليسُوا مؤمنين ؟ قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ(159)﴾
[ سورة الأنعام ]
والخوض في ما حصل بين الصحابة ليس مِن شُغلِك، فَجُزءٌ من عقيدتك أن تضْبِطَ لسانَك مع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، وقد قال عليه الصلاة والسلام: إنَّ الله اختارني واختار لي أصحابي...".




والحمد لله رب العالمين



 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 04-07-2018, 01:34 PM   #405


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: تفسير سور القران الكريم كاملا



بسم الله الرحمن الرحيم

سورة الفتح ( 48 )

الدرس الثالث





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، الآية الثامنة و العشرون من سورة الفتح وهي قوله تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً (28)﴾
[ سورة الفتح ]
ربُّنا سبحانه و تعالى في هذه الآية يبيِّن أن هذا الدين العظيم سيظهر على الأديان كلِّها، ولا شكَّ أنكم تسمعون كلَّ يوم أن عدد المسلمين في أمريكا و فرنسا و إنجلترا و الصين و الهند و اليابان و إفريقيا يتزايد في سلسلة هندسية، و قبل عامين أو أكثر احتُفِل في فرنسا بإنشاء مسجد رقم ألف، و في الجزائر أُنشِأتْ أربعة آلاف كنيسة في أثناء الاستعمار الفرنسي وأقبلتْ كلُّها إلى مساجد الآن، و في بعض بلاد الغربية عدد المسلمين يشكِّلون نسبة كبيرة بحيث أصبح دينُ الدولة الثاني هو الإسلام، و على كلٍّ لا عنينا هذه الأرقام، و إنما يعنينا شيءٌ آخر هو أن العالم شرقا و غربا عاد مقهورا من الإسلام، لا عودة تعبُّد بل لا عودة قهر، فقد جرَّب الناسُ الفردية فإذا هي مدمِّرة، فأكرموا الفرد على حساب المجتمع ففسد المجتمع و أكرموا المجتمع على حساب الفرد فسُحِق الفردُ، و العالم كلُّه شرقا و غربا عاد إلى الإسلام مقهورا لا عودة تعبُّد و لكن عودة قهر، لذلك المذاهب الو ضعية الغربية خفَّفت من غلائها و عادت إلى الوسطية الإسلامية، و المذاهب الشرقية خفَّفت من غلائها و عادت إلى الوسطية الإسلامية، و يبدو أن كلّ المذاهب الوضعية سقطتْ في الوحل و لم يبقَ في الساحة إلا الإسلام، لذلك هو يُحارَب هذه المُحاربة في شتَّى بقاع الأرض لا لأنه دين الله فحسب، بل لأن هذا الدين كشف أخطاء بقية المذاهب الوضعية.
أضرب لكم بعضَ الأمثلة، كلُّ الأنظمة الوضعية أساسها الرابع الخارجي، ضبط المجتمع يتمُّ عن طريق أجهزة و عن طريق كواشف و عن طريق كميرات التصوير، و لو تعطَّلت هذه الأجهزة لتُم العجب العُجاب، فقد قُطِعتْ الكهرباء في إحدى الليالي في نيويورك، تمَّتْ في هذه الليلة مائتا ألف سرقة، و صارت في بعض ولايات أمريكا اضطرابات عِرقية، خسائر أعمال العنف بلغت ثلاثين مليار دولار، كُسِرت المحلَّات و سُرقت، فهذه الأنظمة الغربية أساسها الردعُ الخارجي، و لكنَّ دين الله عز وجل أساسه الوازع الداخلي، و لما سيدنا عمر قال للراعي بِعْني هذه الشاة و خذْ ثمنها، قال ليست لي، قال: قل لصاحبها ماتت أو أكلها الذئب، قال: ليست لي و إنني في أشدِّ الحاجة إلى ثمنها، و لو قلتُ لصاحبها ماتت أو أكلها الذئب لصدَّقني فإني عنده صادق أمين و لكنْ أين اللهُ ؟
أروعُ ما في هذا الدين الوازع الداخلي، و أقلُّ ما في الأنظمة الوضعية الرادع الخارجي، هذا الذي يرى في برميل الزيت فأرةً يبيعها في اليوم التالي إلا أن يخاف اللهَ عز وجل، و في التاريخ الإسلامي قصص لا تُصدَّق، و أروع مثلٍ شهر الصيام، و لو أن هذا الشهر جاء في شهر الصيف الحارِّ و دخلتَ أنت إلى الحمَّام وحدك، و في الحمَّام صنبور ماء بارد عذب زلال، هل تستطيع أن تشرب قطرةً واحدة ؟ فما الذي يمنعك ؟ الله معك.
أيها الإخوة، لا تنجح الحياةُ من دون دين، وهذا الذي يدخل إلى دورة المياه وهو يعمل في عجن العجين، لو أنه كان بعيدا عن الله، من الذي يضبط غسلَ يديه قبل أن يعجن العجينَ و قد كان في دورة المياه ؟ إيمانه هو الذي يضبطه، لذلك مرَّة جاءت كلمة من وزير المعارف قبل خمسين عاما، قال: كلُّ ما نملك من السلطة على المدرِّس و المعلِّم أن ندخله الصفَّ الساعة الثامنة، وهو في الصفِّ يعلِّم أو لا يعلِّم بحسب إيمانه و بحسب ضميره المسلكي، و بحسب اعتقاده أن الله يراقبه، و مراقبة الإنسان تنتهي عند إدخاله الصفَّ عند الساعة الثامنة، ثم انظُرْ إلى مدير ثانوية، كلُّ سيطرته على المدرِّسين إذا قُرِع الجرسُ يدخل المدرّسون الصفَّ، أما وهو في الصفِّ يعلِّم أو لا يعلِّم يصحِّح أو لا يصحِّح، يتابع مستوى الطلَّاب أو لا يتابع، هذا لا يكون إلا من خلال رجل مؤمن، فالحياة لا تستقيم إلا بالإيمان، كما أن المقولة الشهيرة: الحياة لا تُعاش بلا قِيَم، و الحياة لا تستقيم بلا إيمان، لأنك لو أردتَ أن تقيم على كلّ إنسان مراقب لاحتجتَ إلى مليون شرطي إذا كان عندك مليون مواطن، فإذا تواطأ هذا الشرطي مع المواطن لزمك مليون ثالث يراقب عدم التواطؤ و القضية لا تنتهي إلا أن ينموَ الوازع الداخلي، فإذا نما الوازع الداخلي حدِّث و لا حرج.
إنسان يحمل تاجَ كسرى و يحمل سواري كسرى و قميص كسرى و يحمل متاعا يساوي اليوم مئات الملايين، دولةٌ عظمى تنهار أمام جيوش المسلمين يأتي جنديٌّ يحمل تاج كسرى وقميص كسرى و سواري كسرى كلُّه من الذهب الخالص المُرصَّع بالألماس، يحمله إلى المدينة، و يرفض أن ينطق باسمه لئلا يشكره أحد، يقول عمر: إن هذا الذي أدَّى لأمين، يقول له عليٌّ، يا أمير المؤمنين لقد عففْتَ فعفُوا و لو وقعتَ لوقعوا، فمجتمع المسلمين شيء لا يُصدَّق، و نحن نعيش أفكار الإسلام، و لا نعيش واقع الإسلام، الأمانة و الصدق و الورع و الخوف، هذا كلُّه في تاريخنا، هل تصدِّقون أن الزكاة جُبِيتْ من اليمن و لم يجد والي اليمن فقيرا يعطيه الزكاة، أرسلها كلَّها إلى عمر.
في الحقيقة الذي يلفت نظر الناس إلى الإسلام تطبيقُه لا أفكارُه، و ذكرتُ البارحة في خطبة الجمعة أن النبيَّ عليه الصلاة و السلام يقول: ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان..." قلتُ: حلاوة الإيمان شيء و منطق الإيمان شيء، أنت إن أعملتَ عقلك اهتديتَ إلى منطق الإيمان، لكنَّ منطق الإيمان لا يساوي حلاوة الإيمان، و ضربتُ مثل: لو أنه وُضع على الطاولة خرائط لقصر فخم،الطابق الأول و الثاني و الثالث، و تقسيم الغرف و تقسيم الأبهاء، و الحسابات الهندسية، ثم تزيين القصر، ثمَّ إكْساء القصر، وفرْشُهُ، والحدائق، معك مائة خريطة عن قَصْر لا يوصَف، وأنت لا تَمْلِك ثَمَن غرفة في أحد أحياء دِمشق، فرْق كبير بين أن تمتلِكَ هذه الخرائِط وبين أن تمْتَلِكَ هذا القصْر، فحَلاوَةُ لا إيمان يذوقها مَن رضي بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمُحمَّد صلى الله عليه وسلَّم رسولاً ونبيًّا.
حلاوَةُ لا إيمان لها شروط، قال عليه الصلاة والسلام: ثلاث مَن كنَّ فيه وجَدَ حلاوَة الإيمان..." طبعًا كلّ إنسان يقول: أنا أُحبّ الله ورسوله أكثر من أيّ شيءٍ آخر ؛ هذا كلامٌ لا يُقَدِّم ولا يؤخِّر، فالعِبْرة إن جاءَكَ أمرٌ من الله، وجاءَكَ أمرٌ من إنسان، والأمْران مُتعارضان ؛إن عصَيتَ الخالق، وأطعْتَ المخلوق، فأنت تُحبّ المخلوق أكثر مِمَّا تُحبُّ الخالق ؛ هذا كلامٌ دقيق، ولو جاءَكَ أمرٌ مِن أُمِّك أن تزورها، أمرٌ من صديقك كي تزورَهُ وادَّعيْتَ أنَّك تُحبُّ أمَّك حبًّا جمًّا، ولم تعبأ بِدَعْوة أمِّك، ولبَّيْتَ دَعوة الصَّديق فأنت تُحبُّ صديقَكَ ولا تحِبُّ أُمَّك.
وأن يحبَّ المرْء لا يُحِبُّه إلا لله، فهل تستطيع أن تُحبّ إنسانًا لا تنتفِعَ منه لا نفْعًا مادِيًّا ولا معْنوِيًّا، وقد يكون فقيرًا وضعيفًا، فأنت إن فَعَلْتَ هذا حُبًّا في الله فهذه خصْلة عظيمة، بها يُذيقَكَ الله حلاوة الإيمان.
ثمَّ إنَّ إعْمال العَقْل في أمور العقيدة والشّريعة يُكْسِبُكَ منطِق الإيمان، ولكنَّكَ إذا أطعتَ الله عز وجل وآثرْتَهُ على كلِّ مَخلوق، وأحْبَبْتَ الناس وِفْق الولاء والبراء، وكرِهْتَ الجاهِليَّة التي كُنتَ فيها كما تكرهُ أن تُلقى في النار عندئذٍ تَذوقُ حلاوة الإيمان، فلذلك النِّظام الوّضْعي أساسهُ الرادِعُ الخارجي، وهذا قد لا يكون مُحْكمًا، فلإنسان لا يُمْكِنُ أن يُراقبَ الإنسان فإذا دخل بيته، وإلى دُكَّانِهِ لا يُراقب، فملايين المخالفات تُرْتَكَب في ظلّ الرقابة الرَّدْعِيَّة، أمَّا في ظِلّ الوازع الداخلي لا يُمكن أن يُرْتَكَب ولا خطأ لأنَّ الله مع الإنسان، وهو رقيب عليه، ويعلم سِرَّهُ ونَجْواه، فكما أنّ الحياة من دون قِيَمٍ لا تُعاش فالحياة لا تستقيم من دون إيمان، والذي ترونهُ أمامكم ؛ مُوظَّف ما الذي يمْنَعُهُ أن يأخذ ما ليس له ؟ خوف الله فقط ! فإن لم يكن الموظّف مؤمن وأمين سيَأخُذ ما ليس له، وقد لا تَكْشِفُهُ إلا في وقتٍ متأخِّرٍ جدًّا، فلذلك كما قال تعالى:
﴿ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً (28)﴾
[ سورة الفتح ]
وهذه بِشارة، وقد لاحَتْ معاِلمُها، سَمِعتُ في بعض البلاد الغربيَّة أنَّ عدد المسلمين في زيادة كبيرة جدًّا، وقد وصَلوا إلى بعض المراكز، فهذا من بشائر الله عز وجل، فنحن علينا أن نسْعى لإحقاق الحق، ولِنَشْر هذا الدِّين بالحُسنى، وبالمعروف، وكفى بالله شَهيدًا فمعنى وكفى بالله شَهيدًا أنَّ أفعال الله تأتي مُطابقةً لأقواله، فهو يشْهَدُ لنا أنَّ هذا القرآن كلامهُ، فأنت تقرأ القرآن تجد أنَّ أفعال الله تأتي مُطابقَةً لأقواله، فالذي ترَكَ ذِكر الله، طاعته ؛ مَعيشَتَهُ الضَّنْك شهادة الله أنَّ هذا القرآن كلامه، وكذا إن أكلْتَ الرِّبا ومُحِقَ مالك فهذه شهادة الله على صِدق كلامه، لذلك أجمل في القرآن تأويلُهُ، وأولُهُ وُقوع الوَعد والوعيد، فتلف المال تأويل أكل مال الربا، وزكاة المال تأويل آيات الصَّدَقة، قال تعالى:
﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً (28)﴾
[ سورة الفتح ]








والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 04-07-2018, 01:37 PM   #406


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: تفسير سور القران الكريم كاملا



بسم الله الرحمن الرحيم

سورة الفتح ( 48 )

الدرس الرابع




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، كما تعلمون مِن قبل أنَّ الله سبحانه وتعالى تَكريمًا لهذا النبي العظيم لم يُخاطِبْهُ باسْمِهِ إطلاقًا، يقول الله عز وجل:
﴿ يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدْ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ(9)﴾
[ سورة التحريم ]
وقال تعالى:
﴿ يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ(67)﴾
[ سورة المائدة ]
ولكنَّهُ ذكرهُ بِصيغَة الغائب، فقال الله تعالى:
﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً (29)﴾
[ سورة الفتح ]
أيها الإخوة الكرام، إنَّ مِن أخطر ما تُصاب به الأمَّة أي يكونوا أشِدَّاء فيما بينهم، ورحماء على غيرهم، وأن يُجْعَلَ بأسُهُم بينهم، ورحماء على الآخرين، ولكنَّ الله سبحانه وتعالى يصِفُ مجتَمَع المؤمنين، أو يصِفُ مجتَمَع الصَّحابة الكرام، وهم قِمَّة المجتَمَع الإسلامي أنَّه أشِدَّاء على الكُفَّار رُحماء بينهم، وهناك وصْفٌ آخر، قال تعالى:
﴿ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ(54)﴾
[ سورة المائدة ]
أما إن كُنَّا أشِدَّاء على بعضِنا، وأعزَّةً على بعضِنا، وأذِلاَّء على مَن سِوانا وعُكِسَت الآية فالهَلاك لِهذه الأُمَّة، قال تعالى:
﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾
(سورة محمد)
قد يقول قائِل: ولكن هو رسول الله ! نقول له: ألَمْ تقرأ قوله تعالى:
﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ(112)﴾
[ سورة هود ]
وألَم تقرأ قَول النبي عليه الصلاة والسلام: إنَّ الله أمرَ المؤمنين بما أمر..." قال تعالى
﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾
[ سورة محمد ]
معهُ في الطاعة، ومعهُ في البذْل، ومعه في التَّضْحِيَة، ومعه مُتعاوِنين ومعه مُتناصِرين، ومعه مُتباذِلين، ومعه مُتزاورين، إنَّهم معه، قال تعالى:
﴿ قَالُوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ(24)﴾
[ سورة المائدة ]
هؤلاء أصحابُ سيِّدنا موسى، أما أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام ؛ قال: والذي بعثَكَ بالحق، لقد آمنَّا بِكَ، وصَدَّقناك، وشَهِدنا أنَّما جئْتَ به هو الحق، فامْضِ بما أردْتَ، وصِل حِبال من شئْتَ، واِقْطَع حِبال مَن شئْتَ، سالِمْ مَن شئْتَ وعادي مَن شئْت، خُذْ مِن أموالنا ما شئْتَ، ودَعْ ما شئْت، فهو الذي بَعَثك بالحق، وسِرْ على بركة الله، ولو خُضْتَ بنا هذا البحر لَخُضْناهُ معَك، وما تخلَّفَ مِنَّا، ولعلَّ الله يُريكَ مِنَّا ما تقرُّ منه عَيْنُكَ، فهكذا كان أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام ؛ هؤلاء الذين نصروا الله، وهؤلاء الذين رضي الله عنهم، قال تعالى:
﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً (18)﴾
[ سورة الفتح ]
وبإمكانِكَ في أيّ زمانٍ أن تكون مسلمًا صادِقا مُتعاوِنًا مع إخوانِكَ، قال تعالى:
﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾
[ سورة محمد ]
أما أن تبْحَثَ عن الشيء الذي يُزْعِجُ أخاك ؛ مِن أين يتألَّم ؟ وكيف تُعَطِّل عليه الأمر ؟ وكيف تَجْعلُهُ لا ينام الليل وهو أخوك في الإسلام ؟ إذا كُنَّا كذلك فاقْرأ على هذه الأمَّة السَّلام !
وقفَ رجل على الحجَّاج، والحجَّاج يريدُ أن يقتُلَهُ قال: أسألُكَ بالذي أنت بين يَديه أذَلُّ مِنِّ بين يَدَيك، وهو على عِقابِكَ أقْدر منك على عِقابي، مرَّ النبي عليه الصلاة والسلام على صحابيٍّ وهو يضرب غلامه فقال له: اعْلم أبا ذّر أنَّ الله أقْدرُ عليك منك عليه، وهناك شَواهِد لا تُعَدُّ ولا تُحْصى نم حياتنا، ومن علاقاتنا، لا نرْحَمُ بعضَنا أبدًا، ويا عبادي إن أردتم رحمتي فارْحموا عِبادي.
أيُّها الإخوة مرضٌ خطير يسْري في أعضاء المجتمع الإسلامي أنَّهم أشِدَّاءُ على بعضِهم، ورُحَماء مع غيرهم، وضِعافٌ أمام غيرهم، ومُتَلطِّفون مع مَن سِواهم، وشديد في البيت، ورحيم خارجها، هذا لا يليق بالإنسان، قال عليه الصلاة والسلام: خيركم خيركم لأهله..." هذا وَصْفُ الله عز وجل للمؤمنين فيما بينهم ؛ أشِدَّاء على الكفار رُحَماء بينهم، فإذا الإنسان أكْرَمَهُ الله بِعَمَل، وأمامه شَخصٌ ضَعيف يرْجوه بإمكانِكَ أن تُيسِّر له أمْرهُ وبإمكانِكَ أن تُنْجِزَ له معامَلَتَهُ اليوم، لا تقلْ له تعالى غدًا، هو آتٍ من مكان بعيد !! فما معنى أن يأتيَكَ غدًا ؟ يجب أن ينام في الفندق، ويجب أن يدْفَعَ مئاتٍ وأُلوفًا، فيا أيُّها الإخوة الكرام إن أردْتُم رحمة الله فارْحموا خلق الله، إنسانٌ ذَهَب إلى طبيب يُريدُ جْراء عملِيَّة، أخذَ منه دَفعَة أولى والمبلغ كبير جدًّا، فقال له: اِذْهب، واجْمَع المال مِمَّن تشاء، لا أُجْري هذه العَمَلِيَّة أقلّ مِن مائة ألف !!! هناك أناس قُساة لا يرحمون الناس ولكنَّ الله بالمرصاد، وهؤلاء كلُّهم عباد الله إن كانت رؤيَتُكَ صحيحة فإن أردْتَ أن تُغْضِبَ الله فآذِي عباده، وإن أردْتَ أن تُرْضِيَهُ فاخْدُم عباده، والراحمون يرْحمهم الله، فكلّ واحِد منَّا يستطيع أن يرْحَمَ المسلمين بِخِدْمَتِهِ يبيعُهم بِضاعة جيِّدة، ويتلطَّف معهم، والتاجر الصَّدوق مع النَّبيِّين والصِّديقين يوم القيامة، وكذا إن كنتَ طبيبًا، وهذا الكلام للمحامي والمهندس والمعلِّم وللتاجر، والصانِع، والمزارع، تَجِدُ لا مزارِع يضَع هرمون لِكي ينمو النبات بسُرعة، وهذا الهرمون مُسَرْطِن !! فهذا الذي لا يراقب الله في أعماله فالله له بالمرصاد.
قال تعالى:
﴿ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً ﴾
[ سورة الفتح ]
يخضعون لأمر الله، ويستمدُّون منه العَون، قال تعالى:
﴿ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً ﴾

[ سرة الفتح ]
يريدون فضْله ورضْوانَهُ، فهناك من يريد فضْلَهُ فقط ؛ مال وبيتًا فخْمًا، وامرأةً، وتِجارةً ولا يرجو رِضوان الله، أما المؤمنون الصادقون يبْتغون فضْل الله ورِضْوانه، وهذا أعلى شيء، والجزاء الجنَّة من أنهار وعسل وخمر لذَّة للشاربين، وحور عين، وأعلى من ذلك، قال تعالى
﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(26)﴾

[ سرة يونس ]
ا لنَّظَر إلى وجْه الله الكريم، وأعلى من ذلك، ورِضوان من الله أكبر فأعلى شيء يُمْكِنُ أن تصِل إليه أن يرْضى الله عنك، وبِإمكانك أن ترْضِيَه أحْسِنْ إلى خلْقِهِ، يرْض عنك، وكُنْ مصْدَر نورٍ وإشعاع وخير، وإيَّاك وأن تقْبَلَ عملاً فيه إيذاءٌ للمؤمنين.
قال تعالى:
﴿ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾
[ سورة الفتح ]
وَجه صافي، ومُنيب، وبريء، واتَّقوا فِراسة المؤمن فإنَّه ينظُر بِنُور الله، طُهر وبساطة، ولا يوجد التَّعقيد والمكر، والخِداع فالإنسان يرْتاحُ مؤمن، والوَجْهُ صفحة النَّفس، وبراءتُكَ تظْهر على وَجهِك قال تعالى:
﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾
[ سورة الفتح ]
فالمؤمن مثلهُ في الإنجيل كَمَثَلِهِ في التَّوراة، كمَثَلِهِ في الإنجيل، كمثَلِهِ في القرآن.
قال تعالى:
﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾
[ سورة الفتح ]
الزَّيتون له فسيلة هذا اسمُهُ شطْ النبات، فالشَّجرة آزَرَت هذه الفسيلة، وفي تفسير آخر، الفسيلة آزَرت هذه الشَّجَرة، النبي يُقَوِّي المؤمنين، والمُؤمنين يَدْعمون النبي ! تعاوُن مُشْترَك، فالداعيَة يُعلِّم الناس، وهم يَدْعمون، ويتعاونون معه، قال تعالى:
﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ(2)﴾
[ سورة المائدة ]
قال تعالى:
﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾
[ سورة الفتح ]
هناك تَسلسُل، وتدرُّج، أنت تبدأُ طريق الإيمان، فيبْدأ وتشْتدُّ عزيمتُك، وتقْوى اسْتِقامتُك ويسْمو عملُك.
ثمَّ قال تعالى:
﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً (29)﴾
[ سورة الفتح ]
فأيُّ مؤمنٍ إلى آخر الدّوران آمنَ وعَمِلَ صالحًا، له مِن الأجْر والثَّواب كما لِهؤلاء الصَّحابة الكرام فربُّنا ربُّهم، والطريق إليه سالِك، ومنهم في الآية بيانِيَّة وليْسَت تبْعيضِيَّة أي مِن جنس الصَّحابة، فنحن إن كنَّا منهم، تقول هذا القمحُ من هذا الكيس، قال تعالى:
﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً (29)﴾
[ سورة الفتح ]








والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 04-08-2018, 08:45 AM   #407


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: تفسير سور القران الكريم كاملا



بسم الله الرحمن الرحيم

سورة الحجرات ( 49 )

الدرس الاول





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، الآية الأولى من سورة الحجرات، وهي قوله تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (1)﴾
[ سورة الحجرات ]
أي أنت تُقدِّم اقْتِراحًا، وبديلاً لأمر الله تعالى، ولِسُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلَّم فحينما تقْترِحُ شيئًا لم يكن في منْهج الله، وحينما تريد أن تُضيف شيئًا ليس مِن دين الله، وحينما تتمنَّى أنَّ هذا الحكْم الإلهي لا يتناسبُ مع هذا العصْر وحينما تريد أن يُضاف على الإسلام شيئًا، أو أن يُحْذَفَ منه شيئًا فأنت لا تعرف الله عز وجل، لأنّ الله الذي شرَّعَهُ هو الخبير والصانِع.
لذا لا تُقَدِّموا ؛ لا تضَع حُلولاً لم تَرِد في شَرْع الله، ولا تقْتَرِح اقْتراحاتٍ لا تتوافق مع سنَّة رسول الله، فالذي جاء به القرآن الكريم، والذي جاءَت به السُّنة المطهَّرة ؛ قوْلٌ فصْلٌ مِن عند خبير عليم ؛ لأنَّ الله سبحانه وتعالى يقول:
﴿ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنْ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ(3)﴾
[ سورة المائدة ]
فالتَّمام عَدَي، والكمال نَوْعي أيْ عدَدُ القضايا التي عالجهَا الدِّينُ الإسلامي تام لا يقْبَلُ زِيادَةً، ولا يَحْتَمِلُ نقْصًا، وطريقة المُعالجَة كاملة، ولا تقْبَلُ تَعْديلاً، ولا تطْويرًا، فالعَدد تانّ، والطريقة كاملة، لذلك أمر الله عز وجل بِأشياء لِحِكمةٍ مُطلقة، ونهى عن أشياء لِحِكمة مُطلقة، وسَكَتَ عن أشياء لِحِكمةٍ مُطلقة، فالذي سَكَتَ عنه يتعلَّق بالمُتَغَيِّرات ؛ اختلاف البيئات، والتَّقاليد والعادات، والأماكن الجغرافيَّة، والأعْراق، والأجناس، والذي سَكَتَ عنه مُتَعَلِّق بالمُتَغَيِّرات، والذي أمرَ به أمْرًا قَطْعِيَّ الدَّلال هذا مُتَعَلِّق بالثَّوابت، والذي نهى عنه نَهْيًا قَطْعيَّ الدَّلالة مُتَعَلِّق بالثَّوابت، والذي أمرَ به أمْرًا ظَنِيًّا فهذا مُتَعَلِّق بالمُتَغَيِّرات، والذي نهى عنه نَهْيًا ظَنِيًّا مُتَعَلِّق بالمُتَغَيِّرات، فحينما تعْلَمُ أنَّ هذا القرآن الكريم كلام خالق الكون، وأنَّ كلام النبي عليه الصلاة والسلام حقٌّ مِن عند خالق الكون، لِقَول الله تعالى:
﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى(3)إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى(4)عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى(5)﴾
[سورة النجم ]
فَحينما تعْتَقدُ ذلك لا تجرأ أن تُضيف على الدِّين شيئًا ولا أن تحْذِفَ منه شيئًا، ولا أن تتمنَّى أن يكون الحُكْم غير ذلك، ولا أن ترْجو أن تضَعَ بديلاً لِهذا المنْهج الإلهي، قال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (1)﴾
[ سورة الحجرات ]
لا تُقَدِّم اقْتِراحًا ولا بديل، ولا سُلوكا لم يفْعَلْهُ النبي عليه الصلاة والسلام.
ورَدَ عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم أن حد البشر....والذي نفسُ محمَّد بيدِه لا ينطق هذا اللِّسان إلا بحق..." في الرِّضَا وفي الغضب، ولو لم يعْصِمْهُ عن الخطأ كان الأمْر أن نُطيعَهُ في كلّ ما جاءَنَا به، وأن ننتَهي عن كلّ ما نهانا عنه ؛ أمْرًا لا معنى له، كأنَّ الله أمرنا أن نخطئ، لو أنَّه غير معصوم، وقد أمرنا الله تعالى في قوله تعالى:
﴿وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ(7)﴾
[ سورة الحشر ]
لو أنَّه غير مَعصوم، وأُمِرْنا أن نأخذ عنه كلّ شيء، وأن ننْتهي عن كلّ شيء نهانا عنه، لكان هناك أمْر بالمعْصِيَة إذا كان النبي غير معصوم إذًا هو معصوم بأقواله، وأفعاله، بل إنَّ سنَّتَهُ التي نطَقَ لها، والتي فعلها والتي أقرَّها هي وَحيٌ يوحَى، فالإنسان يتطاوَل، وهو لا يشْعُر، يريدُ أن يضَعَ توجيها ؛ يا أخي الحياة مُعَقَّدة ! وأن نُجمِّد المال بطريقة غير ربَوِيَّة ؛ هذا غير مألوف ! يريدُ هو أن يضَعَ بدائل لاسْتِثمار المال، ويريدُ نِسبًا ثابتة، فكثر التُّجار الآن يُعْطون رِبَحًا ثابتة ! وما معنى أرباحًا ثابتة ؟! يعني هذا ربا، لذا ينبغي أن لا تُقدِّم أتراح ولا بديلاً، ولا إضافةً ولا حذْفًا لما جاء به الله عز وجل، أتن لا تتعامَل مع جِهةٍ أرْضِيَّة تُصيبُ وتخطئ إنَّك لا تتعامَل مع مُشَرِّع مِن بني البشَر يكشِفُ حقيقةً، وتغيبُ عنه حقيقة ولا مع إنسان يُحابي نفسَه، إنَّكَ أمام تشْريعٍ إلهي خالق الكون.
فهذه الآية على مدار الأيام، قال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (1)﴾
[ سورة الحجرات ]
إنَّك إن قلتَ: هذه فيها نقْص، وأنا أضيف كذا، وهذه لا أُطيقها ! فأنت تتَّهِمُ الله تعالى، قال تعالى
﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾
[ سورة البقرة ]
فإذا قلتَ هذا لا نسْتطيعُهُ ! فمعنى ذلك أنَّ الله تعالى كلَّفَنا ما لا نُطيق.
أيها الإخوة، القِصَّة أنَّ الإنسان إذا عرفَ الله انْصاع إلى أمْرِهِ، وكنتُ أقول دائِمًا: إن عرفْتَ الآمِر، ثمَّ عرفْتَ الأمْر، تفانَيْتَ في تطبيق الأمر أما إن لم تعرف الآمر، وعرفْت الأمْر تفنَّنْت في التَّفلُّت منه، فبين أن تتفانى في تَطبيقه، وبين أن تتفنَّنَ في التَّفَلُّت منه ؛ مسافة كبيرة، لذا اِعْرِفِ الآمِر قبل الأمْر، وأنَّ هذا الذي شرَّعَ هذا الدِّن هو خالق الأرض والسماوات، فهذه مجرَّة تبْعُدُ عنَّا ثلاثمائة ألف بليون سنة ضَوْئِيَّة مع أنَّ الضوء يقْطع في الثانيَة الواحدة ثلاثمائة ألف كيلو متر، فالذي صَنَعَ هذه المجرَّة وخلقها هو الذي أنزَلَ الكاتب، وشرف الكتاب من شرف المرْسِل فالله هو الذي شرَّعَ، ومن هنا قال سيّدنا سَعد بن أبي وقاص: ثلاثة أنا فيهنّ رجل، وفيما سوى ذلك فأنا واحِد من الناس، من هذه الثلاثة قال: ما سَمِعْتُ حديثًا من رسول الله صلى الله عليه وسلَّم إلا علِمْتُ أنَّه حقٌّ نم الله تعالى، فالعِلْم كلَّما تقدَّم الْتقى مع الدِّين، فلا تفْرح بالدِّين إذا وافق العِلْم ولكن اِفْرَح بالعِلم إذا طابق الدِّين، فالأصل هو الدِّين، والأصْل كلام الله فأنت إن فرِحتَ مُطابقة الدِّين للعلم إنَّك بهذا تجْعل العِلم هو الأصْل، والعِلم تَجريبي يخطئ ويُصيب، وكلُّه تَجاريب ونظريَّات، درسناها وثبَتَ خطأها، قلتُ البارحة لإنسان: قال تعالى:
﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ(8)﴾
[ سورة النحل ]
في عصْر النبي كان هناك خيل وبِغال وحمير، ويُتباهى بها، فلو أنَّ القرآن من عند النبي لنتعت الآية هنا، يأتي إنسان في هذا العصْر ويركب أفْخر أنواع المركبات من سيارات وطائرات وقطارات، فأين الآية ؟ ولكنَّ الله تعالى قال:
﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ(8)﴾
[ سورة النحل ]
كلُّ شيءٍ دخَلَ هنا، لأنَّ الله يعلمُ ما سيصْنع الإنسان.
أيها الإخوة، يجب أن نعلم ونعتَقِد أنَّ هذا القرآن من عند الله الخبير، ومن عند الله الصانِع، ونحن أعْقَدُ آلةٍ في الكون، ونحن علينا أن نُطَبِّق تعليمات الصانِع.




والحمد لله رب العالمين



 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 04-08-2018, 08:47 AM   #408


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: تفسير سور القران الكريم كاملا



بسم الله الرحمن الرحيم

سورة الحجرات ( 49 )

الدرس الثانى





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، يقول الله عز وجل:
﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ(32)﴾
[ سورة الحج ]
سيِّدُنا زَيد الخَيْر حينما أسْلَمَ، أخَذَهُ النبي صلى الله عليه وسلَّم إلى بيتِهِ تَكريمًا له، أعطاهُ وِسادةً لِيَتَّكأ عليها ؛ فقال: والله يا رسول الله لا أتكئ في حَضْرتِكَ ! إذًا هذا الصَّحابي عرف قيمة النبي عليه الصلاة والسلام في حَضْرَتِهِ.
سُهَيْل بن عَمرو حينما وقَّعَ مع النبي عليه الصلاة والسلام صُلْحَ الحُدَيْبِيَّة رفضَ أن يُكْتب فيما تعاهَد عليه محمد بن عبد الله رسول الله ! قال: اُمْحوا رسول الله، أما حينما أسْلَمَ كان يتمنَّى ان يُفدي النبي عليه الصلاة والسلام بِرُوحِهِ ! مَوْقِفُه قبل الإسلام غير موقفِهِ بعده.
وهذا سُراقة مِن أجل مائة ناقة أراد أن يقْتُل النبي عليه الصلاة والسلام أراد أن يقتُلَ النبي عليه الصلاة والسلام ! فلمَّا أسْلَمَ أيْقَنَ أنَّ نُوقَ الدنيا كلّها لا تعْدل ظفْر النبي عليه الصلاة والسلام
فأنتَ يُمْكن أن تقيس إيمانَكَ بقَدْر ما تُعَظِّمُ الله ورسوله صلى الله عليه وسلَّم، فكتاب الله، ورسول الله، وبيتُ الله، ودينُ الله، وشرْعِهِ، ومنْهَجِهِ، وكذا المؤمنين، فقد تَجِدُ من المؤمنين من هم فقراء لا يمْلِكون شيئًا، فأنت تَحْتَرِمُ هذا المؤمن وكأنَّهُ إنسانٌ عظيم، لذا يُمْكنُ أن يكون مِقياس تَعظيم شَعائِر الله هو مِقياس لإيمانِك.
يقول الله عز وجل
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (2)﴾
[ سورة الحجرات ]
أحَدُ كبار العلماء كان لا يرْفَعُ صوتَهُ أمام درْس حديث رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، وكان يتوضَّأ ويرْتدي أجْمَلَ ثِيابِهِ، ويُحَدِّث بِحَديث رسول الله، ولا يسْمَحُ لأحدٍ أن يرْفَعَ صَوْتَهُ في مجْلس حديث رسول الله، وأنا أسوق لكم هذه الأمثلة مِن أجل أن نسْتنبِط حقيقة واحِدَة، وهي بِقَدْر ما تُعَظِّم الله ورسوله وكاتبَهُ، ودينهُ، والمؤمنين هو قَدْرُ إيمانِكَ بالضَّبط، قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (2)﴾
[ سورة الحجرات ]
كان أصْحاب النبي عليه الصلاة والسلام يطْرقون باب النبي عليه الصلاة والسلام بأظافِرِهم، ولم يرْفعوا صَوتهم أمامه صلى الله عليه وسلَّم، وبعد موتِهِ نُعَظِّم سيرتَهُ، وحديثهُ، وتَوْجيهَهُ فلا نستهزئ بِتَوْجيهِ النبي عليه الصَّلاة والسَّلام.
قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (2)﴾
[ سورة الحجرات ]
لذا قال العلماء هناك كُفْر قَولي، وكُفْر عَمَلي، وكُفْر اعْتِقادي، فإذا أمْسَكَ الإنسان بالمصْحف لِيُهينَهُ فقد كَفَر ؛ هذا كُفْر عملي، وهناك كُفْر اعْتِقادي وهو أن تعْتَقِدَ مع الله إلهًا آخر، أو أن ترفضَ آيةً في كتاب الله، أو حديث رسول الله، والقول أن تنْطِق بالكفر، والسُّلوكي أن تفْعَلَ شيئا فيه إهانةٌ لِكِتاب الله، لذا نهى العلماء عن أن تقول لإنسانٍ اسمُهُ يحيى: يا يحيى خُذ الكتاب! لأنَّكَ تستخْدِمُ آيةً قرآنِيَّة لِغَرَضٍ دُنيَوي، ونهَوا على أن تقول لإنسان تريد أن تدْفَع: اِدْفَع بالتي هي أحْسَن ! فأنت تسْتخدم آيات القرآن الكريم لٍغَير ما اسْتُخْدِمَت له.
أردْتُ من هذه الأمثلة أن تقيس إيمانَك بِقَدْر ما تُعَظِّم الله عز وجل ورسوله وكتابه وشعائرهُ، قال تعالى:
(( ومن يُعَظِّم شعائر الله فإنّها من تقوى القلوب.." ))
هناك إنسان يضَعُ القرآن في غرفة نومِهِ بِمَكانٍ غير لائِق والأولى أن لا يكون في غرفة نوْمِهِ مصْحف ! وإن لم يكن لك إلا هذه الغرفة فضَعهُ في مكانٍ عالٍ.
قال تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (3)﴾

[ سرة الحجرات ]
هناك مواقف في السيرة مُذْهِلَة، قال له: أيُّهما أكبر ؟ أنت أم رسول الله ؟ سيِّدنا العباس، فقال له: هو أكبر مِنِّي، وأنا وُلِدْتُ قبلَهُ !
تعظيمُ رسول الله وتَعظيمُ سنَّتِهِ من بعده، وتعظيم كتاب الله، وتعظيم الذين ينقلون هذا العِلْم، هذا جزءٌ من دينِك، فلو وقفْتَ بالسيارة لإنسان يرتدي جبَّة في الطريق، فأنت عظَّمتَ هذا الأخ لأنَّه يرتدي لِباس رسول الله، فَكُلّ مَن يُساهِم في تَكريم مَن يرْتدي الزَّي الإسلامي ؛ هذا عمل رفيع يقول عليه الصلاة والسلام: إنَّ من إجلال الله إكرام ذي الشَّيبة المسلم..." فالإنسان يحْرصُ على الدِّين حينما يُكَرِّم أهل الحق، هذا بعد وفاة رسول الله، فهؤُلاء ينيبون عنه في إبلاغ الناس الحق، أما في حياة النَّبي فما استطاع أصحابُهُ أن يصفوه، لأنَّهم ما دقَّقُوا في وَجْهه مِن شِدَّة حيائِهم منه وخجَلِهم، ومِن شِدَّة وقاره صلى الله عليه وسلَّم.
فالمرأة مساحة دينها مُتَعَلِّقة بِلِباسها، فكلَّما كانت ثيابها مستورة كلَّما كان دينها أقْوى، فكلَّما كانت ثيابها ساترةً وفضْفاضَةً، ودينُ الرجل يُقاسُ بتَعظيمه لأمر الله عز وجل، فأحيانًا تجِدُ أشخاصًا يرفعون أصْواتهم في المساجِد، هذا بيتُ الله، ويرفع صَوتَهُ، فهذا النبي عليه الصلاة والسلام الذي هو سيِّدُ الخلق وحبيب الحق ما رُئِيَ مادًّا رِجْلَيه أمام الأصحاب النبي عليه الصلاة والسلام ؛ وهو سيِّدُهم. فهذه الآيات ذَكَرتها ما أُريدُ منها التَّفاصيل، ولكن أريدُ جَوهرها، والآية واضِحَة، قال تعالى
﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ(32)﴾
[ سورة الحج ]
والله أذْكُر أنَّني كنتُ بِمَكان، فرأيتُ أحدهم يأخذ لُبَّ الخُبْز فيمْسَحُ به حِذاءَهُ ‍! والله تعالى:
﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ(12)﴾
[ سورة البروج ]
وهذا ورقٌ فيه آيات يرْميهِ بِسَلَّة المُهْملات !!
مُلخَّصُ الدرس، وهو قوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (2)﴾
[ سورة الحجرات ]
هناك أشْخاص يُصَلُّون بِقَميص داخلي ! الإنسان يقف بين يدي الله، أنت تستحي أن تقف أمام إنسان بهذا القميص، فكيف بالله عز وجل ؟! ولقد كان الصَّحابة الكرام إذا صلُّوا قيام الليل يلْبِسون أجْمَلَ ثِيابِهم ويتعطَّرون ويغْتسلون، ويُصَلُّون، فَكُلَّما عظّمْتَ شعائِر الله كلَّما كان إيمانُك أكْبر، وهذا الذي يرْفَعُ صَوْته فوق صَوت النبي حبِط عملُه، قد يقول أحدهم: لا حياء في الدِّين!! هذه آية أم حديث بل الدِّين كلُّه حياء، قال تعالى:
﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ(29)إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ(30)فَمَنْ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْعَادُونَ(31)﴾
[ سورة المعارج ]
تعلَّم من كلام الله الأدَب، قال تعالى:
﴿وَإِنْ كُنتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمْ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا(43)﴾
[ سورة المائدة ]
وقال تعالى:
﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنْ الشَّاكِرِينَ(189)﴾
[ سورة الأعراف ]
فهذه الحالات بأسمائِها وتفاصيلها يتنافى مع أصول الدِّين، قال لها عليه الصلاة والسلام: يا بُنَيَّتي إنَّ هذه الثِّياب تصِفُ حجْم عِظامك..." أدَبٌ جمّ، وقال عليه الصلاة والسلام: أدَّبني ربِّي فأحْسن تأديبي..." فَفَرْقٌ كبير بين مؤمن مُنضبِطِ في حركاته وسكناته وبين آخر لا يعرف من الانْضباط إلا اسمه.
قال تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (3)﴾
[ سورة الحجرات ]
فهذا أبو بكر رضي الله عنه كان يمْشي مرَّة أمام النبي، ومرَّة من خلف ومرَّة من اليمين، وأخرى عن يساره، فيقول له عليه الصلاة والسلام: ما هذا يا أبا بكر ؟ فيقول: والله ما أخاف على نفسي، ولكن أخاف عليك !! وهذا الذي يقول عنه صلى الله عليه وسلَّم: ما ساء ني قطّ !! وهناك أعرابي مسَكَ النبي من ثوبه، وقال له: اعْدل فإنَّ هذا المال ليس مالك ولا مال أبيك ! فالإنسان عليه أن يقيسَ إيمانه بِقَدر تَعظيمه لأمر الله، فأنت إن رأيت الكعبة هناك دُعاء، وإيَّاك ورفْع الصَّوت، فعَدَم رفع الصوت من شعائر الله، وكان النبي يغْضب أشدّ الغضب إذا استُخْدم المسْجد لِغَرض الدنيا.
فنحن علينا أن نتَّبِع النبي عليه الصلاة والسلام وقد توفِّي، ونستنُّ بِسُنَّتِهِ وهذا الذي يُرضيه بعد موته صلى الله عليه وسلَّم، قال تعالى:
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ(33)﴾
[ سورة الأنفال ]
مادام سنَّته صلى الله عليه وسلَّم فينا فلن يُعذِّبنا الله تعالى إن شاء الله وقد قال عليه الصلاة والسلام: إنَّ من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المؤمن..." وقال عليه الصلاة والسلام: ليس مِنَّا من لم يُوقّر كبيرنا، ويرحم صغيرنا..." والإنسان يرْقى بالأفعال الطَّيِّبة.
كان عليه الصلاة والسلام لا يُواجِه أحدًا بما يكْره، فكان يقول: ما بال أقوامٍ ! سمعتُ عن قاضي دخلَتْ عليه امرأة ذاتُ صِحَّة جيِّدة، وهي تصْعد الدَّرج خرج منها صوتٌ فاحْمرَّ وجهها، وقالت لأختها: سَمِعنا القاضي: فوصَلتْ إليه: فقال لها: ما اسْمُكِ يا أختي ؟ فقالت: فلانة، فقال لها: ما سمِعْتُك ! فأعادتْ عليه، وهو يقول: ما سمِعْتُك، فقالت لأختها: أرأيتِ، الحمد لله لم يسْمَعنا! وسيِّدنا أنس خدم النبي عليه الصلاة والسلام السِّنين فلم يقل له النبي صلى الله عليه وسلَّم لِمَ فعلْتَ كذا، أو لِمَ لمْ تفْعل كذا ؟ فهناك مواقف على المؤمن أن يُحْسِن الأدب فيها.



والحمد لله رب العالمين



 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 04-08-2018, 08:50 AM   #409


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: تفسير سور القران الكريم كاملا



بسم الله الرحمن الرحيم

سورة الحجرات ( 49 )

الدرس الثالث




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، الآية السادسة من سورة الحجرات، وهي قوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (6)﴾
[سورة الحجرات]
كأنَّ الله سبحانه وتعالى يريدُ أن يتماسَكَ المؤمنون، وأن يُحِبَّ بعضهم بعْضًا، وأن تكون العلاقات فيما بينهم مُحْكمةً متينة، فما الذي يقطع هذه العلاقات ؟ ما الذي يُضْعِفُهم ويُشَتِّتُهم أن يتفرَّقوا، قال تعالى:
﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ(46)﴾
[سورة الأنفال ]
وقال تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ(159)﴾
(سوة الأنعام)
الذي يُفَرِّق بينهم سوء العلاقة بينهم، وسوء العلاقة سببُهُ الغيبة والنَّميمة.
النَّميمة أن تنْقلَ خبرًا سيّئًا عن إنسان، قد يبْدو للناس أنَّ المجتمع مُتماسِكًا قال تعالى:
﴿ لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ(14)﴾
[سورة الحشر]
هذه الآية لو طُبِّقَت لَكنَّا في حالٍ غير هذا الحال، فن جاءَكَ خبَر لا بدَّ مِن التَّحَقُّق، ولا بدَّ من التَّثبُّت ولا بدّ من الاسْتِمْهال، فلو بلَّغَكَ أحدٌ عن شَخْصٍ أنَّه قال في حَقِّكَ: كذا وكذا، تريَّث ففي القرآن آية، وهي قوله تعالى:
﴿ قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنْ الْكَاذِبِينَ(27)﴾
[سورة النمل]
نصيحَةٌ لِوَجْه الله، إيَّاك أن تتَّخِذ قرارًا على خبر الآحاد، فلا بدَّ من التَّثبُّت والتَّحقُّق.
حدَّثني صديق له معمل حلويَّات، طلبَ من المعمل مائة علبة زبدة، فأرْسَلَها له، عدَّها صاحب المحلّ، فذَهَب إلى معطف أحد الموظَّفين فرأى في جَيْبِه قِطْعةً منها ! فالدليل قَوِيّ جدًّا ! كاد أن يطْرده، وأن يفْضَحَهُ وأن يسْحَقَهُ، ولكنَّ الله تعالى صبَّرَني، فقلتُ في نفسي: انْتَظِر ! ذَهَب إلى المعمل لِيُحاسِبَهم، فلما ذَهَب قالوا له: بعثْنا لك مائة باكيت، واشْترى أحد من يشْتغل عند باكيت، ونودُّ منك فقط ثمن التِّسعة و التِّسعين ! فالتَّثبُّت والتَّمَهُّل يريحُ.
سيِّدُنا عمر جاءتهُ رسالة من أحَدِ الوُلاة محتواها: أنَّ أُناسًا قد اغْتصَبوا مالاً ليس لهم، ولسْتُ على اسْتِخراجه منهم إلا أن أمسَّهم بالعذَاب، فإن أذَنْتَ لي فَعَلْتُ، قال: يا سبحان الله ! أتسْتأْذِنُنِي في تَعذيب بشر ؟! وهل أنا لك حِصْنٌ من عذاب الله ؟ وهل رِضائي عنك يُنْجيكَ من سَخَطِ الله ثمَّ قال له: أَقِم عليهم البيِّنة، فإن قامَت فَخُذْهم بالبيِّنة، وإن لم تقُم فادْعُهُم إلى الإقرار، فإن أقرُّوا فَخُذْهم بإقرارهم، فإن لم يُقِرُّوا فادْعُهُ لٍحلف اليمين فإن حلفوا فأطْلِق سراحهم، ويْمُ الله لأَنْ يلْقَوا الله بِخِيانتِهم أهْوَن عليَّ مِن ألقى الله بِدِمائِهم !! فإن جاءَتْك ابِنْتُكَ وقالت لك: فَعَل معي زوْجي كذا وكذا فإذا بِكَ تغْضَب، ولكن هل سألْتَ زوْجَكَ ماذا فَعَلتْ به ؟! أنت لسْتَ قاضي عَدل لأنَّ سَمِعْتَ مِن طرفٍ واحِد، لذا أيُّها الإخوة الكرام، أسأل الله أن لا تسْمعوا من طرَفٍ واحِدٍ بل من الطَّرَفَيْن، وتَحَقَّق، وقد ألْقَيْتُ درسًا في جامِع النابلسي عن القضاء، قال لي أحدهم: وما علاقتنا بِهذا الدَّرْس ؟ قلتُ له: كل إنسان بالحياة هو قاضٍ، فهو قاضٍ بين أولادِهِ، وقاضٍ بين أولادِهِ وزوْجاتهم، وقاضٍ بين إخوته، وشُركائِهِ، وقاضٍ بين جيرانِهِ شئْتَ أم أبيْت، لذا عَدلُ ساعةٍ أفْضَلُ مِن أن تعْبُدَ الله ثمانين عامًا !! إيَّاك أن تتسرَّع، فَكَم مِن جريمة قَتْل كانت المرأة ضَحِيَّة بريئة، وهناك مسْرَحِيَّة لِشِكْسبير مُلخَّصُها: أنَّ أحدهم شكَّ بِزوجتهِ بِوشاية، فقَتَلها، وبعد أن قتلها وهي بريئة ثبتَ له أنَّه بريئة فانْتَحَر !! فشيءٌ كبير أن تتَّهِمَ إنسانًا وهو بريء، قال تعالى:
﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (6)﴾
[سورة الحجرات]
وفي قراءة فتثبَّتوا، وقذْف مُحصنةٍ يهْدِمُ عملَ مائة سنة، إنسانة بريئة وشريفة تتَّهِمُها في شرفها بِبَساطة، ومن دون تَحَقُّق، بِمُجرَد أن تُقال فيها كلمة بِقيل تُرَوِّجُها، لذا قال عليه الصلاة والسلام: كفى بالمرء إثمًا أن يُحدِّث بكل ما سمِع..." ألا يوجد عندك رقابة، ومُصَفِّي للكلام، ولا سيما إن كان هذا المُخْبرُ فاسِقًا، لأنَّ الفاسق عادةً يكْذب، والشرع وحدة مُتكاملة لا تجزأ فالفضيلة لا تجزأ، فالذي يشْربُ الخمْر يكْذب، والذي يزْني يكْذب، والذي يُطْلقُ بصرَهُ في الحرام يكْذب، فالفِسق علامة الكذب، قال تعالى:
﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (6)﴾

[سوة الحجرات]
والله أيها الإخوة مئات القضايا لمَّا سَمِعْتها مِن طرفٍ واحِدٍ وجَدْتُ أنَّ الطرَف الآخر مُجْرِم، ولكن لمَّا اسْتَمَعْتُ من الطَّرف الثاني اسْتَحْيَيْتُ ! فالإنسان بِحُكم عمله بالمسْجد تُرْفَع على قضايا كثيرة فهذه خِبرة لمَّا سْمع من طرف واحِد أشعر بأنَّ الطرف الثاني مُجرم، ولكن عند استِماع الطرف الثاني أسْتَحي من الله على سوء ظَنِّي به.
قُبَيْل معركة بدْر قال لأصحابِهِ: لا تقْتُلوا عَمِّيَ العباس ! قال أحدهم: أحدنا يقْتُل أباهُ وأخاه وينهانا عن قَتل عمِّه !! فهذا الذي قال هذه الكلمة لمَّا كُشِفَت له الحقيقة يقول: تصدَّقْتُ عشْر سنين وأنا أرْجو اله أن يغْفِرَ سوء ظَنِّي بِرَسول الله !! عَمُّهُ العباس كان مُسلِمًا، ولكن كان عَيْنًا في مكَّة فهو إن لم يُشارِك قومه في مُحاربة رسول الله كشَف أمْره، وإن ذَكَر النبي لأصحابِهِ أنَّهُ مسلِم كشَفَهُ وانتهى دَوْرُهُ، وإن سَكَتَ النبي عليه الصلاة والسلام قَتَلوهُ ! وأنا أقول لكم: آلاف البيوت هُدِمَت بِخَبرٍ غير صحيح وآلاف الشركات وُقِّفَت بِخَبر سيئ غير صحيح، وآلاف الأُسَر شُرِّدَت بِخَبر غير صحيح فما دام عندنا حُكم شَرعي احْتلَّ سَطْرين مِن كلام الله، فهذا شيءٌ خطير، قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (6)﴾
[سورة الحجرات]
الشيء الدقيق أنَّ المُتَكَلِّم فاسِق، وما دام فاسِقًا فاحْتِمال أن يكون كلامُهُ كذِبًا قائِم، إذًا لا بدَّ من التَّحقُّق والدليل والتّثبُّت، ونحن إذا بنَيْنا علاقاتنا على سوء الظَّن انتَهَيْنا وخُرِبَت البيوت، وانتهى كلّ شيء، ولكنَّ الحياة لا تُبْنى إلا على وقائِع وعلى حقائق ويقينيَّات.
التاريخ الإسلامي يُؤكِّد لنا كثيرًا أنَّهُ لا بدّ مِن التَّحَقُّق، ولا بدّ من التَّثبُّت وعلامة نُضْج الإنسان، وعلامة رُقِيِّه النَّفسي، والاجْتِماعي، وذكائِهِ في علاقاته أنَّه لا يبْني حُكْمًا إلا بعد تحقيق وبَحث ودِراسة، فهو حينما يقول: هذا الشيء حُكمُهُ كذا ومع الأدلَّة، ولولا الدَّليل لقال مَنْ شاء ما شاء، فلا بدَّ من الدليل، وأنت عوِّدْ نفْسَكَ عدم قَبول اتِّهام من دون دليل، ولا تكن إمَّعة كما قال عليه الصلاة والسلام: إن أحسن الناس...."
ما أنا إلا مِن غَزِيَّة إن غَوَتْ غَوَيْتُ وإن ترْشُد غَزِيَّة أرْشُدِ
فهذه الآية تَكفينا، ونريد نحن التَّطبيق، فإن حدَّثَك شَخص عن أخيك انَّه قال فيك كذا وكذا، لا بدّ نم أن تطْلبَ الدليل، ومتى قال هذا الكلام ؟ وفي أيِّ مناسبة، وصدِّقوني آلاف القِصص لو عرفْتَ ملابساتها، وما رافقها، والسَّبب الذي قيلَتْ من أجلِهِ.
أذكر أنَّني قلتُ مرَّة: من قبَّل القرآن من وُجوهِهِ السِّتة، ثمّ لم يُطَبِّق أحكامه ما فعَلَ شيئًا لِقَول النبي الكريم: ما آمن بالقرآن من اسْتحلَّ محارِمَه...." أخٌ مِن إخواننا يحْمل شهادة هنْدسة قال لبعْض العلماء: الأستاذ ينهى عن تَقبيل المُصْحف ‍‍!! وهذا العالم غضِب، وقال في درْسٍ عام: هذا لا يجوز، أن ينْهى إنسانًا عن تقبيل المصحف، ومن يُعظِّم شعائر الله فإنَّها نم تقوى القلوب، وسبحان الله كان أحدُ الحُضور جالسًا في المجلس وقد سَمِع درسي، فقال له: ما هكذا قال !! الْتقى بي بعد حين وطلب منِّي العفْو، وقال لي: تسرَّعْتُ ! فَكَم مِن قصَّة نُقِلَت على غير ما قيلَتْ، والأمْر الثاني أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام علَّمنا أنْ لا نضَع أنفسنا مَوْضِعَ التُّهمة ثمَّ تلوم الناس إذا اتَّهَموك، ونبيُّنا أعظم من أن يُشْتَبَه، ولكن لمَّا كان يمشي مع صفيَّة رآه صحابيَّان فقال لهما: على رِسلكما، هذه زوْجتي صفيَّة ! فقالا: أفيك شُكَ ؟! فقال: لا، ولكن الشيطان يجري مجْرى الدَّم.
ذكر لي أحدُ إخواننا التُّجار أن يضْطرّ لِجَلبِ مسْتنَدِهِ الساعة الواحدة بالليل فهذا الأخ بلَّغ الحاجب، وأفْهمَهُ سبب أخْذِهِ لهذا المستند حتَّى لا يُقال عنه: أخذ نقود شريكِهِ بالليل !!
فأنت إن سافرْت ووصَّيْت أخاك أن يعتني بِبَيتِك في غِيابِك، عليك أن تُبَلِّغ وقلْ: أنا مسافر، وقد أوْصَيت أخو زوْجتي أن يتفقَّدها، أما أن يَرَوا أنّ رجلاً دَخَل، وآخر خرَج، فها يعني أنَّ مشكلةً بالبيت، والبيان يطْرُد الشَّيْطان، فأنت بيِّن، وإن جاءَكَ فاسِق فتثبَّت، وكقاعدة: أنت مُتَّهَم حتَّى تثْبُتَ براءَتُك، فكلّ شيءٍ بيِّنْهُ، عندها نتماسَك ونتحابَبْ، ويثِقُ بعضُنا بِبَعض، فأحدُ الإخوة كان عملهُ إداري، فكان يجْلب له أحدهم بيضًا، ظنَّ بعضهم أنَّ هذه رشْوَة، والأخ كان يُعطيه ثمنَهُ في الخارج، حتَّى نُصِح ذاك الأخ، فأصْبَحَ حينما يأتيه ذلك الشَّخص يُعطيه النقود أمامهم ‍‍! فالبيان يطْرد الشيطان.




والحمد لله رب العالمين



 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 04-08-2018, 08:53 AM   #410


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: تفسير سور القران الكريم كاملا






بسم الله الرحمن الرحيم

سورة الحجرات ( 49 )

الدرس الرابع




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما
ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، الآية السابعة من سورة الحجرات، وهي قوله تعالى:
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (7)﴾
[سورة الحجرات]
النبي عليه الصلاة والسلام نبيُّ الله، ورسول الله، وهناك مَن يحْلو لهُ أن يقول: هو عَبْقَرِيّ، وفَطِن، ولكنَّهُ يتلقَّى مِن ربِّهِ وَحْيًا، فالذي يأتينا به ليس من عنده، ولا مِن عبْقَرِيَّتِهِ، ولا مِن خِبْرَتِهِ، ولا مِن ثقافَتِهِ، ولكن مِن وحَي السَّماء، فالله تعالى:
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (7)﴾
[سورة الحجرات]
كما قال تعالى:
﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(1)﴾
[سورة الحجرات]
لا تُقدِّم اقْتِراحات، ولا بديلاً لسُنَّتِهِ فإنَّ الذي بينكم هو رسول الله، وأُوحِيَ إليه، والوَحيُ كمالٌ مُطلق، وحِكمةٌ مُطلقة، وصوابٌ مطلق، قال تعالى:
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾
[سورة الحجرات]
معنى عنِتُّم أي هَلِكْتُم وأثمْتم، لأنَّ الله هو الخبير، وقد قال الله عز وجل:
﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ(14)﴾
[سورة فاطر]
هو الخالق والبارئ والمُصَوِّر، وهو الذي خلق الإنسان، وجبلَهُ جِبِلَّةً خاصَّة ويعرف خصائص النَّفس البشَرِيَّة فَتَشْريعُ الله عز وجل هو الصَّواب المطلق، فأيُّ إنسانٍ يُقَدِّم بين يدي رسول الله بديلاً لأمْر من الله عز وجل هو لا يعْلمُ حقيقة التَّشريع، قال تعالى:
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾
[سورة الحجرات]
هو يوحَى إليه، والوَحيُ هو تَوجيهُ الخالق، فأيُّ تَوجيهٍ أرضي، بين توجيه أهل الأرض، وتوجيهِ أهل الدنيا ما بين الخالق والمخلوق، وفضل كلام الله على كلام خلقهِ كَفَضل الله على خلْقِهِ، فلا يُمْكن أن تضعَ التَّشريع الإلهي جَنبًا إلى جنب مع التَّشريع الوضعي، ولا يُمكن أن تضَعَ التَّشريع الإلهي في دائرة المناقشة، قال تعالى:
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا(36)﴾
[سورة الأحزاب]
لا يُمكن أن يوضَعَ تشريع الله مَوْضِعَ الفحْص والدَّرس والمناقشة، فالحدّ الأدنى من الإيمان أنَّه إذا ثبت لك أنَّ هذا حُكمٌ شرعي مُستقى من كتاب الله تعالى، أو مِن سنَّة رسوله أن تُفَكِّر كيف تُطَبِّقُهُ فقط أما أن تفْحصَهُ وتضَعَهُ على بِساط البحث، وأن تُحَكِّمَ عقْلَكَ فيه، هذا كُلُّه لا يجوز فالعقْل وظيفته قبل النَّقْل التَّأكُّد مِن صِحَّة النَّقل، وبعد النَّقل فَهمُ النَّقْل، فالعقل له دوران مع العَقل دَورٌ تثبُّتي، ودوْر في فهْم النَّقْل أما أن يكون العقل حكَمًا على النَّقل، وأن أُفكِّر وأقول: هذه الآية لا تصلُحُ لهذا الزَّمان، مثل هذا الإنسان ينْطلق مِن جهْل كبير، قال تعالى:
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا(59)﴾
[ سورة النساء ]
قال الإمام الشافعي: أولوا الأمْر هم الأمراء والعلماء، فالعلماء يعرفون الأمْر، والأمراء يُطَبِّقون الأمر، قال تعالى:
﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا(59)﴾
[ سورة النساء ]
فالحَكَم هو الله في كتابه، والنبي صلى الله عليه وسلَّم في سنَّتِهِ، إذًا كما قال تعالى:
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾
[سورة الحجرات]
رآلاف العباقرة، فهناك شَخصيَّات لامعة، وشَخْصِيَّات قيادِيَّة، وعباقرة في شَتَّى العلوم، وكلُّهم في كفَّة، ورسول الله صلى الله عليه وسلَّم في كفَّة لأنَّه يتلقَّى عِلْمهُ من الله تعالى، قال تعالى:
﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى(5)﴾
(سورة النجم )
قد يقول أحدكم: إنَّهُ أُمِّيٌّ !! ولكنَّ أُمِّيَّتَهُ في الحقيقة كمالٌ فيه، ضربْتُ مثلاً مرَّةً لإخواننا الكرام فقلتُ لهم: لو جِئنَا بِعالِمٍ كبير كبير من أوروبا في الفيزياء ولْيَكُن آنْشتايْن الذي اكْتشَفَ النَّظَرِيَّة النِّسْبيَّة وأمْسَكَ كتابًا باللُّغة العربيَّة فلم يسْتَطِع أن يقْرأهُ !! وحدَّثناهُ باللُّغة العربيَّة فلم يفْهم شيئًا، هذا إذًا أُمِّيٌّ في هذه اللُّغة، لذا هل تعني كلمة أُمِّيّ أنّهُ جاهِل، وهو أعلمُ علماء الأرض بالفيزياء ‍‍!! فالله سبحانه وتعالى تولَّى تعليم النبي صلى الله عليه وسلَّم، ولكن لماذا منَعَهُ من ثقافة عصْرهِ ؟ لأنَّه لو حصَّل ثقافة عصْرِهِ ثمَّ جاءَهُ وَحْيُ السَّماء وتكلَّم الْتبسَ على الناس أَوَحْيٌ أم ثقافة ؟ ولو كان الأمر كذلك لسُئِلَ كلّ مرة: أهذا مِن ثقافَتِك أم من وحيٍ من السماء ؟! فالله جعلَهُ أُمِّيًا لكي لا يأتي إلى إنائِهِ شيء من ثقافات الأرض، ولِيَكون كلامه كلُّه مِن وَحيِ الله، قال تعالى:
﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى(3)﴾
[ سورة النجم ]
فإذا قال النبي شيئًا فهذا ليس مِن ثقافته، ولا مِن ذكائِهِ، ولا مِن مُحاكمتِهِ بل هو من الله عز وجل، بل إنَّ علماء الأُصول يؤكِّدون أنَّ سنَّة النبي عليه الصلاة والسلام وَحْيٌ غير مَتْلُوّ، خِلاف القرآن الذي هو وَحيٌ مَتْلُوّ، فأنت حينما تُلقي النَّظَر إلى حديث رسول الله فهذا ليس كلام بشَر، هذا وَحيٌ غير مَتْلُو، ومن هنا قال سيِّدنا سعْد بن أبي وقَّاص: ثلاثة أنا فيهنّ رجل، وفيما سِوى ذلك فأنا واحد من الناس، من هذه الثلاثة: ما سَمِعْتُ حديثًا من رسول الله صلى الله عليه وسلَّم إلا علِمْتُ أنَّهُ حقٌّ من الله تعالى، فلا مِن ذكائِهِ، ولا مِن تَجْرِبتِهِ، ولا مِن تحْصيلِهِ بل كلامهُ كلّه من السماء، وأُمِّيَّتُهُ كمال فيه، أما أُمِّيَّتُنا نحن فَنَقْصٌ فينا، فإن لم نتعلَّم مِن بعضِنا بعْضًا بقينا جُهَلاء، فإذا وصَفنا إنسانًا غير الرسول أنَّه أُمِيّ فهذا يعني أنَّ فيه نقْص، أما إن وصَفنا النبي الكريم أنَّ أُمِيّ فهذا كمال فيه لأنّ كلامه من عند الله وليس من عنده.
إذًا معنى قول الله تعالى:
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (7)﴾
[سورة الحجرات]
أيْ فيكم إنسان يتلقَّى مِن وَحي السَّماء، فهذا الذي يقولهُ لا يُمكن أن يخْضَعَ لِمُناقشاتكم ولا يخْضَعُ لِتَقييمِكُم، ولا يُمكن أن يكون عقْلكم حكمًا عليه، بل هو حكمٌ على عُقولِكم.
أما لو اسْتجاب لكم وأطاعَكم، واقْتَرحْتُم عليه اقْتِراحات فاسْتجاب لكم فأنتُم بشَر تُصيبون وتخطئون فإذا شرَّعْتُم فكثيرًا ما تخطئون، لأنَّكم تتملَّقون أنفسكم، وتجرون المصالح إليكم، فالتَّشريع لا يمْكن أن يضَعَهُ بشر لأنَّه إن وضَعَهُ بشر حابى نفْسَه، وحابى طبقَتَه، وجماعته، أما حينما يكون التَّشريع من عند الله يخْضَعُ له الجميع، قال تعالى:
﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (7)﴾
[سورة الحجرات]
فالعقل له مدى، فأنت لك مصالح، ولك أهواء وهناك منطقة قد لا تعرفها
قل لِمَن يدَّعي في العِلم فلْسفةً حَفِظْتَ شيئًا وغابَت عنك أشْياءُ
التَّشريعات الأرضيَّة تُعَدَّل، ثمّ تُعَدَّل، إلى أن يُصبح التَّعديل عشرة أمثال الأصل، ثمّ تُلغ وينشأ تشْريع جديد، وهكذا، فهذا مِن شأن البشر، أما شانُ خالق البشر أنَّ الحقيقة عندهُ مطلقة، والحكمة مطلقة والصواب مطلق ثمَّ قال تعالى:
﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (7)﴾
[سورة الحجرات]
هذه نقطة دقيقة جدًا، فقلبنا بيد الله، وهو لِمَصالحنا، فإذا اتَّخَذ الإنسان قرارًا حكيمًا، وأراد أن يعرف الله تعالى، وأن يسْتقيم على أمْرِهِ تَجِدُهُ يشْعر بِرَاحة وسعادة، وطمأنينة، ويشْعر بِسُرور، فهذا مَبْعَثُهُ أنَّ قلبَ العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن، قال تعالى:
﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (7)﴾
[سورة الحجرات]
فَمِن معاونة الله لنا أنَّنا إذا أردنا أن نعرف الله شرَحَ لنا صُدورنا،فإذا أردنا أن نعْصِيَهُ ضاقَت أنفسنا، فهذا لِصالحِنا، وكأنَّ الله تعالى يدعمنا دَعْمًا داخِلِيًّا.
الشيء الآخر، أنَّ الإنسان مُخَيَّر، والله هو المُسيِّر، فلو أنَّ الإنسان أطْلقهُ الله عز وجل لفَعَل الإنسان أشياء ما أرادها الله، فما دام قلبُ الإنسان بيَدِ الله فإذا أراد أن يرْحم الله إنسانًا ألْقى حُبَّهُ في قلوب الآخرين ون أراد أن يؤدِّب إنسانًا ألقى بُغْضهُ في قلوب الآخرين، فالآخرون يتحرَّكون وِفْقَ مشاعر تنْبع، هي من تسْيير الله عز وجل، وهذه قاعدة ثابتة، فالقلب الذي أمامك إما أن يلين لك، وإما أن يقْسو عليك لِحِكمة الله ومن هنا يُنسِّق الله بين العباد قال تعالى:
﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (7)﴾
[سورة الحجرات]
ومن هنا قال عليه الصلاة والسلام: قلب ابن آدم بين إصبع من أصابع الرحمن..." أراد الله أن ينقذ سيّدنا موسى وهو طفلٌ صغير في التابوت، قال تعالى:
﴿أَنْ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي(39)﴾
[ سورة طه ]
من الذي ألقى الحنان في قلب امرأة فرعون ؟ الله تعالى، قال تعالى
﴿ وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ(21)﴾
[ سورة يوسف ]
فَفِرْعون رأى في المنام أنَّ طفلاً من بني إسرائيل سيَقضي على مُلْكِهِ، فقَتَل كلّ أبناء بني إسرائيل، أما الذي سيَقضي على مُلْكِهِ ربَّاهُ في قصْرهِ !! قال تعالى:
﴿ فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ(8)﴾
[ سورة القصص ]
اللام هنا لام المآل، فالأقوياء قلوبهم بيَدِ الله عز وجل فلا تشغلوا أنفسكم.
يُنادى له في الكون أنَّا نُحِبُّه فَيَسْمَعُ من في الكون أمْر مُحِبِّنا
فإذا أراد الله أن يُكَرِّمَكَ ألقى حُبَّك في قلوب الخلائق، وإذا أراد الله أن يؤدِّب إنسانًا ألقى بُغضَهُ في قلوب الخلائق، وهذا لِصالح الإنسان، فالإنسان الواحد يقْسو على زيْد، ويرحم على عُبيْد !! قال تعالى:
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (7)﴾
[ سورة الحجرات ]
هناك بأوروبا مرض نفسي اسمهُ الكآبة، وهذا تأديب من الله، وهو من أكثر الأمراض النَّفسيَّة انتشارًا وهذا من تأنيب الفطرة، وتعذيب النَّفس لِصاحبها، والدليل قوله تعالى:
﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا(7)فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا(8)﴾
[ سورة الشمس ]
أحد الإخوة دهس طفلاً فلم يرهُ أحد فتابَعَ سيْرَهُ، وحينها أُصيب بمرض نفسي، فلا نام الليل ولا أكل، عشرين يومًا، ولمَّا ذهب لِطَبيب نفسي أخبره، فقال الطبيب: معك اكْتِئاب نفسي، ولا بدّ لك مِن أن تُعطي ديَّة هذا الطِّفل لأهله، فبحَث عنه، وأعطى أهلهُ مبلغًا كبيرًا كي يستطيع أن ينام !! فالنَّفس إن انْفجرت تشْعر أنَّها اكتأبَت، وإن اتَّقَتْ تشعر أنَّها اتَّقَت فتسْعَد.




والحمد لله رب العالمين




 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدليلية (Tags)
القران, الكريم, تفسير, صور, كاملا


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 4 ( الأعضاء : 0 , والزوار : 4 )
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG]متاحة
كود HTML معطلة



المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
امثال من القران الكريم السعيد رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة 36 08-21-2018 07:54 AM
الفواكه المذكورة في القران الكريم السعيد رِيَاضُ الإعْجَازُ القُرْآنــي 3 11-16-2017 07:22 PM
اشهر قراء القران الكريم السعيد رِيَاضُ الإعْجَازُ القُرْآنــي 2 11-13-2017 11:19 AM
مد التاءات وقبضها في القران الكريم عاشقة الأنس رِيَاضُ أَرْوِقَةُ الأُنْس 6 10-31-2015 01:34 PM
قصة نبي ورد ذكره في القران الكريم ، بحث عن قصة نبي ورد ذكره في القران الكريم سجى ريآض سيرة الصحآبة رضوآن الله عليهم أجمعين 1 09-17-2014 11:17 AM


الساعة الآن 06:35 PM