تفسير سور القران الكريم كاملا - الصفحة 37 - منتديات رياض الأنس
  التسجيل   التعليمات   التقويم   البحث   مشاركات اليوم   اجعل كافة الأقسام مقروءة

سَمَاءُ الأُنسِ تُمطِر حَرْفًا تُسْقِي أرْضَهَا كلِمة رَاقِيَة وبِـ قَافِيَة مَوزُونَة و نبْضُ حرْفِ يُفجِّرُ ينَابِيع الفِكْرِ سَلسَبِيلًا، كُن مَع الأُنِسِ تُظِلُّ بوارِفِ أبجدِيَتِهَا خُضْرَة ونُظْرَة وبُشْرَى لـ فنِّ الأدبِ و مَحَابِرَهُ. وأعزِف لحنًا وقَاسِم النَاي بِروحَانِيَة وسُمُوِ الشُعُورَ و أَرْسُم إبْدَاعًا بِـ أَلْوَانٍ شَتَّى تُحْيِ النَفْسَ بِـ شَهقَةِ الفَنِّ نُورًا وسًرُورَا كَلِمةُ الإِدَارَة




جديد المواضيع


رِيَاضُ الإعْجَازُ القُرْآنــي ( الاعجاز العلمي و البياني وتفسير الآيات والعلوم القرآنية)

الإهداءات

إضافة رد
نسخ الرابط
نسخ للمنتديات
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
قديم 04-03-2018, 08:23 AM   #361


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: تفسير سور القران الكريم كاملا



بسم الله الرحمن الرحيم

سورة فصلت ( 41 )

الدرس العاشر



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، الآية الثالثة والخمسون من سورة فصلت، وهي قوله تعالى:
﴿سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (53)﴾
[ سورة فصلت ]
السِّين للاستقبال، سَنُريهم ! من هم ؟ المُتَكَلِّم هو الله، والمُخاطب هو النبي عليه الصلاة والسلام والمؤمنون، وهم الطَّرف الثالث الذين لم يؤمنوا فالحديث عن الذين لم يؤمنوا، قال سَنُريهم ! يُفْهم من هذه السِّين أنَّ معجزات الأنبياء كلّها كانت حِسِيَّة، بِمَعنى أنها وقَعَت في عهد الأنبياء، ثمّ انتَهتْ، وأصْبَحَت خبرًا يُصَدِّقهُ من يُصَدِّقهُ، ويُكَذِّبُهُ من يُكَذِّبُهُ، إلا معْجزة نبِيِّنا عليه الصلاة والسلام إنّها معجزة القرآن الكريم ! كلّما تقدَّم العِلم في كلّ يومٍ، وفي كلّ شهرٍ، وفي كلّ سنة، يكشِفُ العِلم جانبًا من القرآن الكريم، لذلك هذا الكتاب معجزةٌ خالدة إلى يوم القيامة، ولا يزال الناس الذين لم يؤمنوا يكْتشِفُوا حقائق تُؤيِّدُهُ إلى يوم القيامة، فنحن مع معجزةٍ بين أيدينا، وليْسَت معْجزة نبيِّنا عليه الصلاة والسلام خبرًا ؛ إما أن نصدِّقُه أو لا نصدِّقه ! إنَّها معجزةٌ حيَّةٌ، قال: سَنُريهِم، فبَعْدَما تقدَّمَتْ البُحوث تقدُّمًا كبيرًا اكْتُشف أنَّ الذي يُحدِّد جنس المولود ذكرًا كان أو أنثى ليْست بُوَيضة المرأة ولكنَّه حُوَين الرَّجل، فهناك كروموزنات أي مورِّثات، هناك شكل واي وشكل أكس بالإنجليزي ! الواي ذكر و الإكس أنثى، فالبويضة لا دخل لها في تحديد جنس المولود، هذا بعد ألف وخمس مائة عام اكْتُشِفت هذه الحقيقة ربُّنا عز وجل:
﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى(45)مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى(46)﴾
[ سورة النجم ]
اكْتُشِف أنّ الشَّمس تدور حول الأرض، ثمّ عُلم أنَّ الأرض هي التي تدور حول الشمس، ثمّ اكتُشف أنَّ الشمس تجري، وتُشَكِّل في جريانها مع الأرض لولبًا، قال تعالى:
﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ(38)﴾
[ سورة يس ]
الإنسان إذا كان على سطح كرة وابتعد ابتِعادًا كبيرًا، يصبح الخط مائل ومنحني فالبلاغة في البُعد ليْسَت من مكان بعيد، ولكن من مكان عميق قال تعالى:
﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ(27)﴾
[ سورة الحج ]
ما قال: بعيد فالبعد سطحي، أما العمق حجمي ؛ كُرة، فالذي يأتي من أمريكا يسير بِخَط منحني، جرَتْ معركة بين الفرس والروم في غَوْر فلسطين، هكذا تؤكِّد الروايات التاريخيّة ثمّ عن طريق اللّيزر اكْتُشف أنّ أعمق نقطة في الأرض هي غَورُ فلسطين قال تعالى:
﴿غُلِبَتْ الرُّومُ(2)فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ(3)﴾
[ سورة الروم ]
هذا النقطة اكْتُشِفت بعد اكتِشاف اللَّيْزر ! وهناك آية بقي العلماء مئات السِّنين في حَيرة منها، وهي قوله تعالى:
﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ(19)بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ(20)﴾
[ سورة الرحمن ]
ما هو البرزخ ؟ هذا البحر الأحمر وذاك المتوسّط، وأين البرزخ ؟ فَمِن خِلال المركبات الفضائيّة وُجِد خطّ بين كلّ بحرين، ثمّ اكْتُشف أنَّ مُكَوِّنات كلّ بحر مستقلّة عن البحر الآخر ملوحته وكثافته وكائناته، وأنّ مياه كلّ بحرٍ لا يُمكن أن تخلِط بِمياه البحر الآخر، ثمّ قيل لا بدّ مِن حاجزٍ بين البحرين يمنعُ تداخل المياه، أما طبيعة هذا الحاجز فغير معروفة إطلاقًا حتى الآن! قال تعالى:
﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ(19)بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ(20)﴾
[ سورة الرحمن ]
الأرض تدور حول الشمس هذه حقيقة، ولكنّ هذه الكواكب من يحملها ؟ قال تعالى:
﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ(2)﴾
[ سورة الرعد ]
فهي بأعمدة لا نراها، ثمّ اكْتُشف أنَّ الأرض مرتبطة مع الشَّمس بقُوَّة جذب تُساوي مليون مليون حبل فولاذي، ثخن كلّ حبلٍ خمسة أمتار ‍! ويقاوم كلّ حبل مليونين طنّ، والخيط الواحد الذي قطره مليمتر واحد من الفولاذ يحمل طنّ
قال تعالى:
﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ(2)﴾
[ سورة الرعد ]
وقال تعالى:
﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ(11)وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ(12)﴾
[ سورة الطارق ]
اكْتُشف أنَّ بخار الماء يصعد إلى السماء ثمّ يعود مطرًا، ثمّ اكْتُشف أنّ الأمواج الكهرطيسيَّة ترْسَل إلى الفضاء، وفي الفضاء طبقة اسمها الأثير تردُّها إلى الأرض، ولولا هذه الطَّبقة التي ترد الأمواج إلى الأرض لما كان هناك بثّ إذاعيّ إطلاقًا ! يقولون أحيانًا: حدث اضْطراب في طبقة الأثير وصبحَ الإرسال مُشوَّش، فالسماء ترجع البخار مطرًا وترجِعُ الأمواج الكهرطيسيّة إرسالاً، ثمَّ اكْتُشف أنَّ كلّ كوكبٍ في الكون يتحرَّك على مسار مُغْلق، معنى مسار مغلق أنَّه يرجع إلى مكان انْطِلاقه دائمًا فالصِّفة التي تجمع الكون كلّه قوله تعالى:
﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ(11)وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ(12)﴾
[ سورة الطارق ]
والحديث طويل حول الآيات الكونيّة التي أشار القرآن إليها، وسوف نكتشف أشياء أخرى.
قال تعالى:
﴿سَنُرِيهِمْ ﴾
[ سورة فصلت ]
هؤلاء الكافرون، والذين لم يؤمنوا، وأنكروا سوف يرَوْن مِن خِلال العِلم أنَّ حقائق القرآن صادقة وصحيحة، فمثلاً هذه علبة فيها سكر، أنا أقول لك: هذه العلبة فيها سكَّر، فأنت تُصدِّقني لأنَّني عندك صادق، ولكن هناك دليل آخر، افتح العلبة وخذ المسحوق وافْحَصهُ فالذي جاء بالحق والصحابة صدّقوه، أما العلم في المستقبل سيَكْشف أنّ كلّ ما قاله النبي صلى الله عليه وسلّم صحيح، سَنُريهِم ! طبعًا المتكلّم هو الله، والمُخاطب هو النبي والمؤمنون، والحديث عن الذي أنكروا، قال تعالى:
﴿سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا﴾
[ سورة فصلت ]
آيات القرآن الكريم التي جاء بها النبي عليه الصلاة والسلام مطابقة لآيات الكون، قال تعالى:
﴿سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ﴾
[ سورة فصلت ]
في المجرَّات، وقالوا أنّ القمر انشَقَّ عن الشمس، وهذه نظريّة فلمَّا ذهب رُوَّاد الفضاء إلى القمر قبل عشرين عامًا تقريبًا اكْتُشف أنَّ طبيعة القمر ليْسَت من طبيعة الأرض ! والحقيقة أنَّ كلّ حقيقة عِلْمِيّة تُكْتَشف سوف تُلقي ضَوءً على آية قرآنيّة، فالأصل هو القرآن، وبعض إخواننا لهم خطأ كبير وهو أنَّهم يفْرحون إذا كان العِلم أيَّد القرآن ! فهو الأصل عنده هو العِلم !! بالعكس يجب أن تفرح للعِلم إن توافقَ مع القرآن، لأنَّه ما لم يتوافق مع القرآن فليس علمًا، هذا كلام الصانع والخالق، قال تعالى:
﴿ سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾
[ سورة فصلت ]
مائة وثلاثين مليون عُصيَّة بالشَّبكِيَّة، ومائة وأربعون خليَّة بالدِّماغ اسْتِنادِيَّة وخمسة وثلاثون مليون عُصارة هاضمة بالمعدة، ومائة كيلو متر بالمعدة وخمسة آلاف وظيفة للكبد، وأمعاء الإنسان تتجدَّد كلّ ثمانية وأربعون ساعة ! وأقصر عمر خليّة هي خليّة بطانة الأمعاء، وهي التي تأخذ الغذاء وتجعله في الدم،و أطول عمر خمسة سنوات، معنى ذلك أنَّ الإنسان يتجدَّد كُلِيًّا كلّ خمسة سنوات، الجلد والعضلات والعظم عدا الدِّماغ والقلب فلو كان الدِّماغ يتجدَّد لقال الواحد: كنتُ دكتورًا، ولكنَّني فقدْتُ دماغي ! قال تعالى:
﴿ سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾
[ سورة فصلت ]
لماذا ؟! قال تعالى:
﴿ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (53)﴾
[ سورة فصلت ]
الهاء تعود على القرآن، قال تعالى:
﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ(1)﴾
[ سورة الانعام ]
فالكون آياته في خلقه، والقرآن آياته في كلامه والحوادث آياته في أفعاله ! هناك عالم باليمن اشْتُهر بالإعجاز العلمي في القرآن الكريم، أطْلعوني مرَّة على بحثٍ أجراه، وهو كان طموحًا جدًّا وسافر إلى معظم بلاد العالم ولا يلتقي إلا بِكِبار العلماء، بالجغرافيا والطبّ، ويأتي لهم بأحاديث، فالنبي من ألف وخمسمائة عام يقول: إذا كنتم في أرض فيها طاعون فلا تخرجوا منها ! الدخول إليها واضح، ولكن كيف الخروج ؟! هناك إنسان سليم يحْمل مرضًا، فكيف عرف النبي صلى الله عليه وسلّم أنَّ هذا الإنسان الذي في أرض الطاعون ينبغي أن لا يخرج منها، نَّه ناقل للمرض غير مريض ! وهذا الآن اكْتُشف، نقَّبوا بالرُّبع الخالي، وجدوه صحراء رمال فوق حضارة، وفوق مدن، وفوق بساتين وينابيع، من قال للنبي عليه الصلاة والسلام سَتَعود بلاد العرب مروجًا وأنهارًا ! صدِّقوني أيها الإخوة ممكن أن نتكلّم سنوات في الإعجاز العِلمي ولا ينتهي الحديث، أما هذه الآية فهي تجمع الحقائق كلّها قال تعالى:
﴿ سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾
[ سورة فصلت ]
الذي حرَّم الزنا وهو الله، خلق في الفتاة غشاء وهو غشاء البكارة، سلْ أطِبَّاء الأرض ؛ هل لِهذا الغشاء وظيفة فيزيولوجيَّة ؟! له وظيفة اجْتِماعيَّة فقط ! تشتري أحيانًا شريط كاسيت مغلّف بِنايلون، ومختوم، فهذا دليل أنَّ غير مستعمل سابقًا، وكلّ البنات هكذا، فالذي خلق هذا الغشاء في الفتاة ولا يقوم هذا الغشاء بأيّ وظيفة فيزيولوجيّة، ولكن له وظيفة اجتماعيّة وأنَّ هذه الفتاة عذراء ! قال تعالى:
﴿ سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾
[ سورة فصلت ]
البروستات في الإنسان تلْتهب في حال عدم الزَّواج، فالذي أمر بالزَّواج جعل هذه الغدَّة خطيرة تلتهب في حال العزوف عن الزواج، والموضوع طويل جدًّا، وكذا الذي أمرك بالصلاة لما يسجد الإنسان بِفِعل الجاذبيَّة الدم ينصبّ على الرأس فتحْتقنُ أوْعِيَة الرأس، ويرتفع ضغط الأوعِيَة في الرأس، ولما يرفع الإنسان فجأةً ينزل الضَّغط، تنشأ حالة اسمها مرونة الشرايين بالدِّماغ ! فالذي أمر بالصلاة هو الله تعالى، وهو الذي أعطى هذه الأوعيّة خواصَّها، وهناك مرض اسمه انقلاب الرَّحِم لا تُصاب به المرأة المسلمة إطلاقًا، ولو سألتَ الطبيب علاج هذا المرض لقال لك: حركات رياضيَّة كالصَّلاة، وسرطان القضيب لا يُعرف بالعالم الإسلامي لأنّ عندنا الخِتان ! فالذي أمر بالخِتان هو الله، قال تعالى:
﴿ سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾
[ سورة فصلت ]
والخمر حُرِّمَت في الاتِّحاد السوفياتي قبل أن ينهار ! والإنسان له حقّ إنجاب الأولاد، ولكن بالصِّين يُجبر الزَّوج على أن لا يُنجِبَ أكثر من واحد ! لذا موضوع الآية كبير جدًّا، لا عِلم والحياة والتجارب والخِبرات تؤكِّد أنَّ هذا الدِّين هو الحق، وأنَّه هو الذي سيَغدو في المستقبل قال تعالى:
﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ(33)﴾
[ سورة التوبة ]
قال تعالى:
﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (53)﴾
[ سورة فصلت ]
أيْ يشهد لك، فالله تعالى:
﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(97)﴾
(سورة النحل)
الحياة الطيِّبة التي يَحياها المؤمن هي شهادة الله لآياته، فتأويل القرآن هو الحوادث التي تقع وتؤيِّد القرآن، فالمُرابي يُفلِّس وتُصادر أمواله، وتحرق أمواله، فهذه الأخيرة هي تأويل الآية العملي فأفعال الله تؤيِّد كلامه، قال تعالى:
﴿سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (53)﴾
[ سورة فصلت ]
فيكفي أنَّ الله يشهد للخَلق أنَّ هذا القرآن كلامه من خلال أفعاله ! يتصدَّق الإنسان فتنقص نقوده التي في جَيبِهِ، وما يكاد يرى إلا ويأتيه رِزق عشرة أضعاف ! فهذا الفِعل يؤكِّد أقوال الله، فأفعال الله تدعمُ كلامه.




والحمد لله رب العالمين




 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 04-03-2018, 01:41 PM   #362


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: تفسير سور القران الكريم كاملا



بسم الله الرحمن الرحيم

سورة الشورى ( 42 )

الدرس الاول





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، الآية الثامنة من سورة الشورى وهي قوله تعالى:
﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (8)﴾
[سورة الشورى]
معنى هذه الآية يتكرِّر كثيرا في القرآن الكريم، قال تعالى:
﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنْ الْجَاهِلِينَ(35)﴾
[سورة الأنعام]
وقال تعال:
﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾
[سورة الشورى]
قد يفهم بعض الناس هذه الآية و مثيلاتها فهما ما أراده الله، أن الله لو شاء لهدانا أجمعين، و لكن لم يشأ، قال تعالى:
﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ(13)﴾
[سورة السجدة]
و لكن لم نشأ، و هذا المعنى هو ظنُّ سوءٍ بالله عزوجل، و هذا المعنى لا يليق بكمال الله، قال تعالى:
﴿ وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمْ الَّذِي ظَنَنتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنْ الْخَاسِرِينَ(23)﴾
[سورة فصلت]
فالإنسان إذا ظنَّ بالله ظن السوء، و إذا ظن أن الله يجبر العباد على أعمالهم السيئة، يقول لك أحدهم قال تعالى:
﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا(8)﴾
[سورة الشمس]
و يقول قال تعالى :
﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ(96)﴾
[سورة الصافات]
وأخطر شيء في العقيدة أن تعقد عقيدة لا تليق بكمال الله عز وجل، و إنك بهذا تنقطع عنه و أنت لا تدري فلذلك الآية الكريمة قال تعالى:
﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا(6)﴾
[سورة الفتح]
يجب أن تفهم القرآن إما فهماً يليق بكمال الله أو فهماً مأخوذا عن أولياء الله لأن الله تعالى يقول ﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ(43)﴾
[سورة النحل]
و قال تعالى:
﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَانُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا(59)﴾
[سورة الفرقان]
فالإنسان إذا ظن أن الله سبحانه و تعالى يمكن أن يضع أولياءه في النار أو أن يضع أعداءه في الجنة لا لشيء إلا لأن الله لا يُسأَل عما يفعل فقد ظنَّ بالله ظنَّ الجاهليَّة، وظنَّ بالله تعالى ظنَّ السَّوء، وقد قال عليه الصلاة والسلام: حُسن الظنّ بالله ثمن الجنَّة.." لأنَّ نفسَكَ ليْسَت بيَدِك فنفْسُكَ لها قوانين، إنَّها مَفطورة على حبِّ المُحسِن، وبُغْض المُسيء، ومَفطرة على حب العَدل، وبُغض الظُّلم، فإذا وجَّهتَ قِصَّة مُفادُها أنَّ في أسمائه تعالى ظلم، فالنَّفسُ تنْفر، فلِذلك حُسن الظَّن بالله ثَمَن الجنَّة، وهذه الآية ومثيلاتها لا تعني أنَّ الله تعالى لم يشأ أن يهْدِيَنا، فهذا المعنى ما أراده الله عز وجل، ولكن أراد الله عز وجل أن يقول لنا: أنَّ هَوِيَّة الإنسان أنَّه مختار، لأنَّ الله تعالى قال :
﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا(72)﴾
[سورة الأحزاب]
فالإنسان هو المخلوق الأوَّل المُتفرِّد بِحُريَّة الاختيار، فما لم يأت ربَّهُ مُختارًا فهذا الهُدى لا قيمة له، وأوْضَحُ مثل ذَكرتُهُ من قبل أنَّ رئيس جامعة بإمكانِهِ أن يجْعل نِسبة النَّجاح في جامعَتِهِ مائة بالمائة، وهذا عن طريق إعطاء الطلاب الأسئلة قبل الامْتِحان ! ويأخذون جميعًا علامات جيِّدة، وكلُّهم ينْجحون، ولكن ما قيمة هذا النَّجاح ؟! ليس له قيمة لا عند الناس ولا عند الطلاب، ولا عند الجامعة، فلو أنَّ الأستاذ أعطى لِطُلابِّه في كليَّة الطبّ الأسئلة، ثمّ قال: أنا من فضل الله تعالى نِسبة النَّجاح عندي مائة بالمائة !! فهذه وصْمة عار للجامعة، وكذا لو أنَّ الله تعالى أراد أن يهْدِيَنا الهُدى الذي لا يُسْعِدُنا، والهُدَى القصري لَهَدانا، ولكن هذا الهدى لا يُدخِلنا الجنَّة، ويتناقض مع هويَّتنا، ويتناقض مع أنَّ الإنسان مُكلَّف، وهو مخيَّر، لذا ما لم تكن الله تعالى طائِعًا مُخْتارًا لا يقوم لِهذا الإنسان سعادة في الجنَّة، وهذا معنى قوله تعالى:
﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾
[سورة الشورى]
فالله تعالى يضَعُ منْهجًا، وكلّ مَن خالفَهُ يأتيه العِقاب بعد ثانيَة، لو أنَّ الإنسان نظرَ إلى امرأةٍ فَفَقَدَ بصَرَهُ، لما نظرَ أحدٌ لامرأة ولكن هل مع هذه الطاعة حبّ لله تعالى ؟ وهل مع هذه الطاعة سعادة ؟ وهل مع هذه الطاعة إقْبال ؟ لذا لو أنَّ الله تعالى أجْبرنا على طاعتهِ لبَطَل الثَّواب والجنَّة، وفُقِدتْ السّعادة، فالبُطولة أن تأتِيَهُ طائِعًا، وأن تأتِيَهُ مُختارًا، وبِمُبادرةٍ منك، وأن تحِبَّهُ، والبطولة أن تُطيعَهُ وأنت بإمكانِكَ أن تعْصيه، وأن تُصلِّي وبإمكانِكَ أن لا تُصلِّي، وأن تصْدُق وبإمكانِكَ أن لا تصْدق، وأن تستقيم وبإمكانِكَ أن لا تستقيم، وأن تُحْسِن وبإمكانِكَ أن لا تُحْسِن، فما دام هناك خِيار فالعمَلُ لهُ قيمة، أما لو ألْغَينا لما أصبَحَ للعمل قيمة إطلاقًا ! لو أنَّك سيَّرْتَ إنسانًا بِطَريقةٍ إجْباريَّة لما أصبَحَ هناك شيء اسْمهُ بطولة، وحُسن اخْتيار، فأنت إن ألْغَيتَ الاخْتِيار أبْطَلتَ الثَّواب، ومن هنا قال الإمام الحسن البصري: لو أنَّ الله أجْبَرَ عبادهُ على الطاعة لبطَل الثَّواب، ولو أجْبرَهُم على المعْصِيَة لبَطَل العِقاب، ولو تركهم هملاً لكان عَجْزًا في القدرة، إنَّ الله أمرَ عبادهُ تخييرًا، ونهاهم تَحذيرًا، وكلَّفَ يسيرًا، ولم يُكَلِّف عسيرًا، وأعطى على القليل كثيرًا، فأنت تأتي إلى هذا المسجد باختيارك، وبإمكانِكَ أن لا تأتي ما دُمتَ قد جئتهُ مُختارًا فلك عند الله أجر كبير، أما لو أنَّ الله تعالى أجْبرنا على الإتيان لما كان هناك أجر وأصبح هناك إكْراهٌ، وقد قال الله عز وجل:
﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(256)﴾
[سورة البقرة]
كلّ شيءٍ يُمْكن أن تُكْرَهَ عليه إلا الدِّين، لأنَّ أساسه الاخْتيار والمُبادرة الفرْدِيَّة فأنت تأتي الله مُحِبًّا، ومن هان فرَّق العلماء بين العبيد والعباد، فالعبيد جمع عبْد، والعباد جمْع عبْدٍ ! أذكُر أنَّني كنتُ في عَقْد قِران، وأحدُ العلماء الأفاضِل تُوفِّي رحمه الله أراد أن يُداعِب المنْشدين، فقال: أنتم بلابل هذا الحفل !! والبلابل جمعُ بلْبُل لا جَمع بَلْبَلَة ! لأنّ بلْبلة جمعها بلابل كذلك ففرَّق بين الاصْطِلاحين، وكذا عبيد وعباد، فالفرق بينهما كما قال ربنا عز وجل:
﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَانِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمْ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا(63)﴾
[سورة الفرقان]
وقال تعالى:
﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ(46)﴾
[سورة فصلت]
والعلماء قالوا: العبيد جَمعُ عَبد القهْر، والعباد جمع عَبْد الشُّكر ! فكلٌّ مِنّا عبد لله تعالى قَهْرًا، هل تسْتطيع أن تُلْغي التَّنَفُّس ؟ فأنت عبْدٌ إذًا لله تعالى وهل تستطيع أن تُلي الأكل ؟ وهل تستطيع أن لا تشْرب ؟فأنت مُفتقر إلى الطَّعام والهواء والشَّراب، وإلى زوْجة وأولاد، فهذا عَبْدُ القهْر فَوُجودنا مُتوقِّف على إمداد الله، قال تعالى:
﴿ قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(26)﴾
[سورة آل عمران]
من الذي يملِك أن لا تنْمُوَ خلاياه نموًّا عَشْوائِيًّا ؟! ومن يمْلِك أن يبقى الدَّم سائلاً في أوْعِيَتِهِ ؟ ونم يمْلك أن تبقى شرايينه مرِنَة ؟ فنحن عبيد لله تعالى قَهْرًا أما العباد فهم عباد الشُّكْر، هذا فكَّر في الكون فأطاع الله تعالى فأطاعهُ وبِإمكانِهِ أن يعْصِيَهُ، وأنفَ مالهُ وبِمكانه أن لا ينْفقَهُ، قال له: كيف أصْبَحتَ يا عمر ؟ قال: أصْبحتُ أُحِبُّك اكثر من مالي وولدي والناس أجمعين إلا نفسي التي بين جنبي..." فالدِّين أساسُهُ الحب، لذلك دينٌ من بِعقيدة وشواهد وأدِلَّة، وخالي من المحبَّة والاتِّصال به تعالى، فهذا دينُ ثقافة، فالدِّين في آخر الزَّمان ؛ إما أنَّهُ ثقافة عند المفكِّرين الإسلامِيِّين، أو أنَّه فلْكلور عند الميلويَّة وهي تقاليد شَعبيَّة، أو أنَّه طرب عند المنْشِدين أو أنَّه احْتِفالات وتعظيم وتبْجيل فيما يجري بين الناس، والدِّين غير هذا إطلاقًا، الدِّين أنْ تتَّجِهَ كلّ خليَّة في جِسْمِكَ إلى الله، وأن تُحِبَّهُ، وهذا هو قول الله تعالى:
﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾
[سورة الشورى]
القضِيَّة سَهلة جدًّا، قال تعالى:
﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا(31)﴾

[سورة الإنسان]
فَرحمة الله لا تأتي بالقهْر، ولكن بالاخْتِيار من يشاء رحمة الله يُدْخِلُهُ فيها، فلو أنَّ أبًا ملكًا قال لابنِهِ: اُطْلُب وتمنَّى، قال: أريد بيتًا فخْمًا جدًّا فالقضيَّة سهْلة، وأريد مركبة من أفْخم المركبات ؛ القضيَّة سهلة، أريد طائرة خاصَّة يقول له: القضيَّة سهلة، ولكن إذا قال له: أُريد أن أكون أُستاذًا في الجامعة ! يقول له: هذه ليْسَت لي ! هذه بِسَعْيِك لذلك الله تعالى يُعطيك صحَّة، ومالاً ووسامةً، وذكاءً، ويُعطيك زوْجةً، ولكن لا يتجلَّى عليك إلا إذا أقْبَلْتَ عليه فلذلك قال تعالى:
﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾
[سورة الشورى]
قال تعالى :
﴿وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (8)﴾
[سورة الشورى]
لعلَّكم تفهموا أنَّهم الذين ظلموا الناس ! لا، أشَدُّ أنواع الظُّلم أن تظْلم نفْسَكَ التي بين جَنْبيْك، قال تعالى:
﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ(57)﴾
[سورة البقرة]
أشدُّ أنواع الظلم أن تُبْقي نفْسَكَ جاهِلةً، ومن دون عملٍ صالِح، ومِمَّا يُلفِتُ النَّظر، قال تعالى ﴿ وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ(195)﴾
[سورة البقرة]
الآية واضِحة، ولكن القسم التالي يُحيِّر، قال تعالى:
﴿وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ(195)﴾
[سورة البقرة]
قال العلماء: إن لم تُنْفق مالَكَ في سبيل الله ألْقَيتَ نفسَكَ إلى التَّهْلُكَة، لأنَّ الذي لا عملَ له صالح هو هالِكٌ عند الله تعالى، قال تعالى:
﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (8)﴾
[سورة الشورى]
فإذا شِئْتم رحمتي فارْحموا عبادي، والظالمون هم الذين ظَلموا أنفسهم أشَدَّ الظلم حينما تركوها جاهلةً، تقول له: تعال، واحْضَر مَجلسَ العِلم، فيقول لك: ليس لي وقت !! هذه الكلمة خطر، فهذا الذي ليس له وقت فراغ ليَتَعلَّم دينه ظلمَ نفسَه، قال تعالى عنهم:
﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (31)﴾
[سورة الشورى]
ليس لهم وليّ يتولاَّهم، ولا نصيرٍ ينْصرُهم، تصوَّر طفلاً من دون أب ومن دون عمل ولا أمّ، ولا خال، ويسْرق، ويدخل السِّجن، وتصوَّر ابنًا له أب عظيم وفهم، قال تعالى:
﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ(11)﴾
[سورة محمد]
فإذا قَبِلَ الله أن يتولاَّنا فهذا عطاءٌ عظيم منه تعالى، قال تعالى:
﴿ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمْ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنْ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(257)﴾
(سورة البقرة)









والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 04-03-2018, 01:43 PM   #363


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: تفسير سور القران الكريم كاملا



بسم الله الرحمن الرحيم

سورة الشورى ( 42 )

الدرس الثانى





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، الآية العاشرة من سورة الشورى، وهي قوله تعالى:
﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (10)﴾
[سورة الشورى]
الحقيقة ؛ في مِساحة الأفكار، ملْيار ومليار مَقولة ؛ بعضها خطا وبعضها صواب، والآخر حق، وبعضها باطل، وبعضها مُبالَغٌ به، وبعضها مُزوَّر، وبعضها مُقلَّل من قيمته، فالإنسان أمام رُكام لا أفكار والمَطروح في الساحة الفِكريّة مليار مليار مقولة ؛ جمود وتزمُّت، والْتِزام وإباحِيَّة، وتَجديد وعَصْرنة وعقْلنة !! فأنا كإنسان كيف أُميِّز بين هذه الأفكار ؟ قلتُ لكم: أنت كبائِع أقمِشَة أمام مائة ثوب، كلّ ثوب عليه رقم وقيل لك: هذه الأرقام غلط، فإذا اشْتَريتها على هذه الأرقام تكون مَغبون، أنت بِحاجة لى متر، وإلى مِقياس تكشِف صِحَّة هذه الأرقام أو خطأها، فنحن أهمّ شيء أن نمْلِكَ منْهجًا لِنُنَقِّي به، أنا كمُسلم ؛ يُطرح بالإعلان وبالنَّدَوات وبالخُطَب، وبالكُتب، كلّ يلقي سمَّه، فأنا في هذه المتاهة، وفي هذا الخِضَمّ ؛ كيف أهْتَدي إلى الحق، لا بدّ من منْهج تلقِّي هذه الآية أحدُ بنود منْهج التَّلقِّي قال تعالى:
﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (10)﴾
(سورة الشورى)
كلّ شيخ له دَعوة، وله أفكار، يا ترى كلام الشيخ صحيح أم باطل ؟ له مقْصد دنيوي ! هل هو صادِق مع نفْسِهِ أو كاذِب ؟ كيف أعرف الحقيقة ؟ وما هو المِقياس ؟ نحن يهمُّنا أن نكشِف بالقرآن الكريم مناهِج التَّلقِّي ؛ ما الذي أقْبلُهُ ؟ وما الذي أرفضهُ ؟
مثلٌ آخر ؛ دَخَلتَ إلى غرفة فيها ألف قِطعة صَفراء لامعة ؛ قيل لك: مائة قطعة منها ذَهَب خالص عيار أربع وعشرون، وقطعة أخرى عيار واحد وعشرون، ومائة ثالثة عيار ثمانية عشرة، وقطعة أخرى عيار ستَّة عشر والخامسة إحدى عشر، والسادسة نحاسٌ مَطليّ ذهبًا، والأخيرة تنَك إلا أنَّ كل هذه المعادن صَفراء تلْمَع، فما الذي يحتاجه الإنسان كي يأخذ قطَع الذّهب الأعلى عيارًا ؟ لا بدّ مِن مقياس تفْحص به، فهذا هو الواقِع، هناك أفكار مَطروحة في المساجد، وفي الإعلام، وفي الكتب، أفكارٌ تُطرح ليل نهار، بعضها صحيح والآخر غلط، وبعضها باطل، وباطل فيها مكْر فأنت بِحاجة إلى منهج تلقِّي، وإلى مِقياس، فربُّنا عز وجل في آية أخرى يقول:
﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا(59)﴾
[سورة النساء]
قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: أولوا الأمْر هم الأمراء، والعلماء، فالعلماء يعلمون الأمر، والأمراء يُنفِّذون الأمر، وقال تعالى:
﴿ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا(59)﴾
[سورة النساء]
إلى الله تعالى بِكِتابِهِ، وإلى الرسول بِسُنَّتهِ، فنحن عندنا مِقياسَين صحيحيْن، قال عليه الصلاة والسلام:
((مَا إِنْ تَمَسَّكْتُم بِهِمَا لَنْ تَضِلُّوا بعْدِي أَبَدًا كِتَاب الله وسُنَّتِي))
[ رواه مالك ]
قال تعالى:
﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (10)﴾
(سورة الشورى)
يقول لك أحيانًا: يجب أن نُنَمِّي أنفسنا إذًا يجب اسْتقراض قرضًا ربَوِيًّا لإنشاء عمل جديد، لكنَّ الله تعالى يقول:
﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ(276)﴾
[سورة البقرة]
نحن بِمَنْهج التَّلَقِّي الرّبا حرام، وبِمَنْهج التَّلَقِّي الاخْتِلاط حرام، والكذب حرام، والنِّفاق حرام، فلو أنَّه كان لك كمبيوتر، وتعطَّل، ولك جار خُضَري تُحبُّه كثيرًا، هل يمكن أن تعْطِيَه حاسوبكَ كي يصلِّحُهُ لك ؟‍‍!! فالمحبَّة والعطف والقرب موضوع ثاني لا علاقة له بإصلاح الحاسب فالله عز وجل قال:
﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ(14)﴾
[سورة فاطر]
من هو الخبير ؟ هو الله، فهذا هو كلام الله، وهذه تعليمات الصانِع وهذا كتالوك الإنسان، قال تعالى:
﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (10)﴾
(سورة الشورى)
اختلفنا في موضوع المرأة فَحُكْمُهُ إلى الله واختلفنا في موضوع كَسْب المال فَحُكْمُهُ إلى الله، واختلفنا حول موضوع الاخْتِلاط، فَحُكمُهُ إلى الله تعالى، واخْتلفنا في مواضيع كثيرة ؛ كلُّها حكمها إلى الله تعالى، فالله عز وجل قال:
﴿ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنْ الْمُسْلِمِينَ(15)﴾
[سورة الأحقاف]
فيجب أن يكون عملُكَ صالحًا وِفْق مِقياس الله، ووفق سنَّة رسول الله فالذي يصِحُّ في منهج الله ومنهج رسوله صلى الله عليه وسلَّم تأخذُهُ والذي لا يصِحُّ عنهما ترْكِلُهُ بِقَدَمِك، فأكثرُ الفتيات غير الملتزمات ما يدفعها لِتَغيير لِباسها ما في هذه الإعلانات، هل يُعْقَل من واحِدٍ يهودي أو نصراني في فرنسا يُصَمِّم ويفتح ما يشاء من لا ثِّياب، وأنا ألبسُهُ ؟؟ أليس لي منهج ؟ فنحن لمَّا نْعف بالمهَج، وفي فهْم كتاب الله، وفي فهْم سنَّة رسول الله يصبح لدينا مصادر تغذِيَة أخرى غير صحيحة.
على كُلٍّ هذه الآية أحَدُ بنود منْهَج التَّلَقِّي، قال تعالى:
﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ﴾
(سورة الشورى)
قد تسْمع أنَّ دواءً صُنِعَ وظيفَتُهُ إطالة العُمْر ‍‍!! فأنت إن كان لك منْهج تعلم أنَّ آيةً قرآنيَّة ترفض هذا الكلام
﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ(34)﴾
[سورة الأعراف]
وقد تسْمع أنَّ فلانًا الفلاني يعلَم الغيب !! فلك آية تبطل هذه المقولة قال تعالى:
﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ(65)﴾
[سورة النمل]
إذا الإنسان قرأ القرآن واسْتَوعَبَه وفهِمَه جيِّدًا أصبَحَ له ألف مِقياس ومِقياس، فأيَّة قصَّة، وأيُّ فِكْر، وأيُّ طرحٍ، أو مقالةٍ، أو ندْوةٍ أو خُطبة، تكلَّم ما شئْتَ فأنا معي مِقياس فإمَّا أن أقْبَلَ كلامك إن كان وِفق المِقياس، وإما أن أرْفُضَهُ إذا كان خلاف المقياس، فالحقيقة أنَّ الإنسان يمْلِكُ ميزانًا ؛ الخَطَر الكبير أن يكون هناك خلَلٌ بالميزان، أما أحيانًا يكون الميزان صحيح ولكن أنا الذي توهَّمْتُ أنَّ الميزان اثنان كيلو غرام، فهذا خطأ ولكن بالوزن، وهو لا قيمة له لأنَّه لا يتكرَّر ! فليس مِنّا مَن هو مَعْصوم ولكنَّ الخطأ الكبير أن يكون ميزان التَّلَقِّي عندك خطأ، لو فرضنا أنَّ واحدًا يُتْقن اللُّغة العربيَّة وقام أحدهم يتكلَّم أمامه، فهذا يكشف له أخطاءً لا تُغْتفر، أما إن كان أقلّ منه عِلْمًا يقول: لا يوجد أرْوَعَ منه !! فالاختِصاص يكْشف لك الخطأ، لذا العِبرة لا أن أكون وِعاءً لِمَعلومات، بل أن أكون ميزانًا لهذه المعلومات، وهذه هي الآية:
﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (10)﴾
(سورة الشورى)
من الذي حُكمُهُ إليه ؟ هو الله، وله الأسماء الحسنى، الصِّفات العليا، قال عليه الصلاة والسلام: لا يكن أحدكم إمَّعة..." وطِّنْ نفْسَكَ على أن تُحْسِنَ إذا أحْسَنَ الناس، وعلى أن تُحسن إذا أساء الناس، والشِّعر الجاهلي يقول:
وما أنا إلا من غزيَّة إن غَوَتْ غَوَيتُ وإن ترشُد غزيَّة أرشُد
فالمجتمع الآن مُتَفَلِّت، ومنْحرف، فلا بدّ أن يكون لك رأي واسْتِقلاليَّة عن البيئة الفاسدة، قال تعالى:
﴿وَإِذْ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا(16)﴾
[سورة الكهف]
إمَّا أن يأوي الإنسان إلى بيت من بيوت الله ليتلقَّى العلم الصحيح، أو أن يأوي إلى بيتِهِ يعبُدُ الله، أما إن خاض في غمار الحياة التي فيها الفساد والباطل، والغلوّ، وفيها ما فيها، والإنسان سَيُحاسِب، فالإنسان لا يُعقل أن يُسلِّم نفسه لِطَبيب لا يعرفه ! من أجل عمليَّة فقط، طيِّب نم أجل دينك أليس الأولى أن تسل إن كان هذا العالم كلامه صحيح أم لا ؟ منضبط أو لا وإنَّ هذا العلم دين فانْظروا عمَّن تأخذوا دينكم، وخذ عن الذين استقاموا، ولا تأخذ عن الذين مالوا.




والحمد لله رب العالمين





 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 04-03-2018, 01:45 PM   #364


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: تفسير سور القران الكريم كاملا



بسم الله الرحمن الرحيم

سورة الشورى ( 42 )

الدرس الثالث



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، الآية الرابعة عشْرة من سورة الشورى، وهي قوله تعالى:
﴿وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (14)﴾
[سورة الشورى]
كلمة تفرَّقوا تقودنا إلى بحث موضوع التَّفرُّق بين المسلمين، بل التَّفرّق بين أتباع الأديان كلِّها التَّفَرُّق أنواع ثلاثة ؛ تفرّق طبيعي، وتفرّق مذموم وتفرّق محمود.
التَّفرّق الطبيعي سببُه نقْص المعلومات، كان الناس أُمَّة واحدة فاختلفوا لا يوجد وحي حاسِم فاختلفوا، أوْضح مثَل ليلة العيد، سَمعنا صوت مَدفع يا ترى هل هم يفتحون طريقًا في الجبل ؟ ناس يقولون: صخرة بالجبل هدَّموها، وناس قالوا: غدًا ليلة العيد، فنحن اختلفنا لِنَقص المعلومات وكل إنسان يتوهَّم شيء، ويأتي بالدليل الضَّعيف، فهذا النوع من الاختلاف نوع طبيعي، فلا توجد معلومات دقيقة، حينها نختلف، قال تعالى:
﴿ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمْ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(213)﴾
[سورة البقرة]
الآن بعدما نزل الوحي والكتاب المبين، والقرآن الكريم، وسنة واضحة وإله واحد، ونبي واحد ؛ حينها اخْتلف المسلمون هذا الاختلاف اختلاف قذِر، أساسه الحسَد، والبغي والعدوان والهوى قال تعالى :
﴿وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (14)﴾
[سورة الشورى]
البغي هو العدوان بِدافِع الحسَد، فالتّفرّق الطبيعي هو التفرّق الذي سببه نقص المعلومات والتّفرّق المذموم هو الذي سببه الحسَد والبغي، فالخِلافات التي بين الدُّعاة والخلافات بين الجماعات، والخلافات بين الأطراف ؛ هذه ليس مردُّها نقْص المعلومات، ولكن مردُّها التنافس على المكاسب، كُنَّا نُعْجب بِبِلادٍ في أقصى الشرق، فوقَفَت أمام أكبر دولةٍ في العالم ؛ ثمّ الآن نتألَّم أشَدّ الألم، وهذا الخلاف جرّهم إلى سفْك الدِّماء بينهم، فَخِلافهم الآن خلاف منصب، وبغي وعُدوان، وليس خلاف عقيدة، وهذا الخلاف عند الله مذموم، وقَذِر، فأنا حينما أختلف معك فلِمَصْلحةٍ مادِّية، وحينما أختلف معك لأُنافِسَك، وحينما أخْتلف معك لِمَكاسِب بين يدَيّ لا أُفرِّط بها، لذلك كنتُ أقول لكم دائِمًا ؛ هناك دعوة إلى الله تعالى خالصة، ودعوة إلى الذات باغيَة، دعوة إلى الذات مُغلّفة بِدَعوة إلى الله تعالى، فالدَّعوة إلى الذات مِن خصائصها ادّعاء التَّفرّد، ومن خصائصها الابتِداع، ومن خصائصها التنافس، ومن خصائصها جُحود ما عند الآخرين، أما الدعوة إلى الله تعالى الخالصة من خصائصها التَّواضع، ثمّ الاتِّباع، ثمّ التَّعاوُن ثمّ الإنصاف، فإذا كنت أيها الداعي مُتواضع ومُتَّبِع، وتعترف بِالآخرين، وتتعاون معهم، فأغلبُ الظنّ أنَّ دعوتك إلى الله تعالى خالصة، أما التنافس فهو دليل عدم الإخلاص، فيها دعوة إلى الذات، فنحن نُعاني لا من خلاف طبيعي مردُّه نقْص المعلومات، ولا من خلاف سيكون محمودًا بعد قليل، ولكن نحن نُعاني من خِلاف قَذِر سببهُ الحسَد والبغي، قال تعالى:
﴿ وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (14)﴾
[سورة الشورى]
بغْيًا مفعول لأجله، أيْ بِسَبب البغي والعدوان والحسد، إذًا هناك تفرّق طبيعي لا محمود ولا مذموم وتفرّق طبيعي سبه نقْص المعلومات.
الآن جاء الوحي الناصع، والنبي الصادق، وكلّ شيء واضِح ؛ قرآن كريم لا ريب فيه، وسنَّة مطهَّرة واضِحة، وقد قال عليه الصلاة والسلام((فيما رواه ابن ماجه أَنَّهُ سَمِعَ الْعِرْبَاضَ بْنَ سَارِيَةَ يَقُولُ وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَوْعِظَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هَذِهِ لَمَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا قَالَ قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا فَعَلَيْكُمْ بِمَا عَرَفْتُمْ مِنْ سُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَعَلَيْكُمْ بِالطَّاعَةِ وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا فَإِنَّمَا الْمُؤْمِنُ كَالْجَمَلِ الْأَنِفِ حَيْثُمَا قِيدَ انْقَادَ * ))
[ رواه ابن ماجه ]
أيها الإخوة الكرام، دقِّقوا في هذه الكلمات التي سأقولها ؛ ما من فرقة ضالة إلا ولها خصائص، أوَّل خاصَّة أن التَّركيز في الفرقة لا على المبادئ، ولكن على الأشخاص، وتأليه الأشخاص، ثمّ يصبح هذا الشَّخص مُشرِّع، وما قاله هو الحق، وما لم يقلهُ هو الباطل، فهذا أعلى إنسان على وجْه الأرض بعد رسول الله هو سيّدنا الصِّديق رضي الله عنه وفي أوّل خطبة خطبها قال: وُلِّيتُ عليكم ولسْتُ بِخَيركم، إنَّما أنا مُتَّبِع ولسْتُ بِمُبْتَدِع، إن أحْسنت فأَعينوني، وإن أسأتُ فقَوِّموني، فهذا كلام الصِّديق، قال: وأطيعوني ما أطعتُ الله فيكم، وإن عصيتُهُ فلا طاعة لي عليكم ! فهل يتجرأ أحدنا بعد الصِّديق أن يقول: أنا لا أخطئ ؟! أو يقول أنا خيركم !! وكلامي تشريع !!!! مستحيل، إذًا الدعوة إلى الذات شيء والدعوة إلى الله شيء آخر، فالدعوة إلى الله فيها تواضع واتِّباع وتعاون وفيها إنصاف، وإلى الذات فيها كِبر، وإنكار لفضل الآخرين، وتنافس، لذلك نحن لا يؤْلمنا إلا التَّفرّق، وكلاًّ يُغنِّي ليلاه، وكلّ يدَّعي وصلاً بليلى فالذي يتوقَّع أنَّ الله له فقط، فهو خاطئ، وأنّ الجنّة له فقط ! نقول له: إنَّ الله تعالى لكلّ المسلمين، قال تعالى:
﴿وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ ﴾
[سورة الشورى]
عُدوانا وطغيانا وحسدًا، ويتَّبعون الدنيا والمكاسب.
لو سألني أحدكم ؛ أين هو التنافس المحمود ؟ قال: التفرّق المحمود هو تفرّق التنافس، فهذا اتَّجه إلى إعمار المساجد وهو يظنّ أنّه أعظم عمل وهذا اتَّجَه إلى نشْر الحق، وهذا اتَّجَه إلى إطعام الفقراء والمساكين وهذا أسَّس معاهد شرْعِيَّة، فهؤلاء تنافسوا مع إخوانهم في الحق، ولِخِدمة هذا الدِّين، وهناك من يعنيهم أن يرَوا الناس في بحبوحة ؛ فَيُؤَسّس جمعيَّة خيريَّة، وإعانة المساكين وطلبة العلم، وإنسان نشر الحق، ونشر الفضيلة فنحن يمكن أن نتنافس تنافسًا شديدًا، والله عز وجل قال:
﴿ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ(26)﴾
[سورة المطففين]
وقال تعالى:
﴿ لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ(61)﴾
[سورة الصافات]
فالتنافس الشريف أن نتسابق لِخِدمة المسلمين، فالذي يُدرِّس يُساهم، والذي يبني يُساهم، والذي يُطعم الفقراء يُساهم، والذي يرعى الأيتام يُساهِم والذي ينشر الكتب يُساهم، فالاختلاف الأوّل طبيعي، والاختلاف الثاني قذِر ؛ اختلاف الحسد والبغي ولا تنافس على الدنيا، والاختلاف الثالث محمود، قال تعالى:
﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ(26)﴾
[سورة المطففين]
فهناك من يرى أن التجويد هو كل شيء، وآخر يرى الفقه، وذاك المواريث، وآخر مصطلح وذاك في التفسير، وآخر جرح وتعديل، وهذا عالم بالفقه المقارن والأحوال الشخصيَّة، وهناك من درس الإنجيل وردّ على مُدَّعيه، فكلّ عالم أخذ جانبًا وتفوَّق فيه، فكل هؤلاء العلماء أخذوا جانبًا وتفوّقوا فيه وهذا تنافس محمود عند الله عز وجل، فالمسلمون والعلماء متكاملون يشدّ بعضهم بعضًا، لذا لو تعاون الدّعاة إلى الله تعالى لكانوا وحدة متكاملة، والعقيدة الصحيحة أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام معصوم بِمُفردهِ، وأُمَّتُهُ معصومة بِمَجموعها، والله تعالى قال: وتعاونوا على البرّ..." فمُلخَّص الدرس أنَّ هناك تفرّق طبيعي سببه نقْص المعلومات، وآخر قذِر سببه المنافسة على الدنيا، وآخر محمود سبه التنافس في خِدمة هذا الدين، فأنت كُن مع الصِّنف الثالث، قال تعالى: فهدى الله الذين آمنوا....بإذنه " فكلٌّ مِنَّا يخدم الدِّين بما استطاع عليه، وبما يسَّر الله له، فكل إنسان يُيَسَّر لما خلق له، فأنْسب شيء يُناسبُك للجنَّة، وليس في الإمكان أبْدع مِمَّا كان.
أرجو الله أن يكون تنافسنا من أجل خدمة هذا الدِّين، وليس من أجل السعي للدنيا، وأن نُوطِّن أنفسنا من أجل التعاون لا التنافس القذِر، وأن لا نُنْكر فضل الآخرين، وأن تكون لنا أدوار، وأن نسمح لآخرين بإقامة أدوارهم.




والحمد لله رب العالمين



 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 04-03-2018, 01:47 PM   #365


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: تفسير سور القران الكريم كاملا



بسم الله الرحمن الرحيم

سورة الشورى ( 42 )

الدرس الرابع




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، من المظاهر المرَضِيَّة في حياة المسلمين ؛ أنَّ الإسلام صار فِكْرًا وثقافةً، أو ما يُسَمَّى في بعض المجتمعات إسلام صالونات مجلس نتحدَّث بالدِّين وبالإسلام وبِقِيَم الإسلام، والحركات الإسلاميّة في العالم، وما يُعانيه المسلمون، فهؤلاء الذين يتحدَّثون ويتصدَّقون ويُشقِّقون الأفكار، لو دَخلت إلى بيوتهم لا ترى استقامة لا في سلوكهم ولا في أهلهم ولا في بناتهم، ولا في أوقاتهم، فالإسلام انْفصَل عن الحياة إلى الفِكْر وأصبح هناك مُفكِّر إسلامي يُقيم نَدَوات وهو لا يُصَلِّي ! وقد يشْرب الخمر فهذه الظاهرة الخطيرة ؛ انفصال الإسلام، أصبح عندنا سلوك وفِكر، فالسُّلوك غير مُطبَّق، الآية الكريمة:
﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آَمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (15﴾
[ سورة الشورى ]
الدِّين فقط مهما تبحَّرت فيه، وتفنَّنْتَ في عرْضِهِ، ومهما تعمَّقت في دراسته، وطالَعْتَ، ومهما جمَّعت من الثقافات الإسلاميَّة، ومهما كان أفقُكَ واسِعًا الدِّين بالذات لا قيمة له إطلاقًا من دون الْتِزام، لذلك ربّنا عز وجل يقول:
﴿ فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آَمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (15﴾
[ سورة الشورى ]
إذا كان النبي صلى الله عليه وسلَّم وهو سيِّد الخلق، وحبيب الحق قد أُمر أن يستقيم فكيف بنا نحن ؟! لذا لا معنى للدَّعوة من دون استقامة، ولا معنى للتَّعاون الإسلامي من دون استقامة، ولا معنى من اقتناء كتب إسلاميَّة من دون استقامة، ولا معنى من اقتناء أشرطة من دون استقامة، تقريبًا ؛ فكيف أنَّ التِّجارة فيها نشاطات كبيرة جدًّا، ومتنوّعة جدًّا، إلا أنَّ هذه النَّشاطات تنتهي بشيء واحِدٍ هو الرِّبح، فإن لم ترْبَح فلسْتَ تاجِرًا ! كلّ هذه النشاطات ؛ من مَحلّ وموقع المحلّ، وتَزيين المحل، والمحاسب والكمبيوتر، والمستودعات والتِّلكسات، وكذا إن لم تسْتقِم فلسْتَ مؤمنًا وهذا كلام دقيق، وفِّروا وقتكم يقول عليه الصلاة والسلام:
(( عن أبي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهم قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَمَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي نَفْسَهُ وَمَالَهُ إِلَّا بِحَقِّهِ وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ *))
(رواه البخاري)
المؤمن الصادق يُراجِع حِساباته الدقيقة، ويُراجِع دَخْلهُ، وبيتهُ وبناته، وزوجته، وأوقات فراغِهِ، وأفراحِهِ، وأحزانِهِ، وعلاقاته، وذِمَمِهِ ودُيونِهِ وواجباته ؛ يراجعها كلّها فإن لم تنطبق على منهج الله فهناك تقْصير كبير، ومن هنا قال الله عز وجل:
﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آَمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (15﴾
[ سورة الشورى ]
فالرَّبط بينهما الدَّعوة والاستِقامة، فلو أنَّه دعا ولم يسْتقِم فَدَعوتُهُ ساقِطة، فالآن أيّ داعِيَة لو دعا ولم يسْتقم لا أحَدَ يعْبأ بِكَلامه إطلاقًا، ولا أحد يُفكِّر فيما يقول، والناس يتعلَّمون بأعْيُنِهم لا بِأُذونهم، ولأنّ لغة العمل أبْلغُ من لغة القَول، والله تعالى يقول
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ(2)كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ(3)﴾
[ سورة الصف ]
المقْت أشدّ أنواع الكراهِيَّة، فأنت إذا أردْت أن تكون عند الله تعالى بِحالة المقْت فقُل شيئًا ولا تفْعلْهُ، ومن هنا قال عليه الصلاة والسلام:
((عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِي اللَّه عَنْهم يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ شِبْتَ قَالَ شَيَّبَتْنِي هُودٌ وَالْوَاقِعَةُ وَالْمُرْسَلَاتُ وَعَمَّ يَتَسَاءَلُونَ وَإِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَت *))
[ رواه الترمذي ]
هود يعني سورة هود، والذي شيَّبَهُ فيها قوله تعالى:
﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ(112)﴾
[ سورة هود ]
وإيَّاك أيُّها الأخ الكريم أن تتوهَّم أنَّ هذا نبي !! إنَّ الله أمر المؤمنين بِما أمر به المرسلين، فأتن إن حضرْت الدروس، وأُعْجِبْتَ بِفلان، وأثَّر الداعية الفلاني في كلامك، كل هذا لا قيمة له إن لم تسْتقِم أنت، ومهما كنتَ مُستمِعًا أديبًا لا ينفعُكَ من الكلام إلا ما طبَّقت منه ومهما كان المتكَلِّمُ فصيحًا لا تنفعُهُ فصاحتُهُ إلا إن طبَّقَ ما يقول، فالمُتَكَلِّم يُحاسَب على مدى مِصداقيَّة ما يقول، والمستمع مُحاسب على مدى تطبيق ما يقول، فَمِن أجل أن تنالَ من الدِّين أعلى مردود اسْتَقِمْ، وكنتُ أقول دائِمًا: كلمة ألف مليون دولار لِمُواطِن عادي ؛ ماذا تعني ؟! فلو أنَّ واحِدًا لفظها وما معه قيمة خُبز ؛ ما قيمة هذا اللَّفظ ؟! فبين أن تلفظها وبين أن تمْلِكَها ؛ كم في المسافة ؟!! كبيرة جدًّا، فالمسافة نفسها، بين أن تدْعو إلى الله تعالى وأنت غير مستقيم، وبين أن تستقيم؛ إنَّك إن اسْتَقَمتَ قطَفْتَ ثِمار الدِّين، والحقيقة أنت تُعامِل خالق الكون، دقِّق بِصلاتك، والخشوع فيها، ودقِّق في معاملاتك التِّجاريَّة ؛ هل يوجد تدليس أو إيهام أو إخفاء عَيب أو احتِكار، دقِّق في بيتك هل بناتك يخرجن للشُّرفة من دون حِجاب أو سهرة لا تُرضي الله، أو حديث فيه غيبة، لا بدّ أن تُدقِّق، وأنت إن دقَّقت اتَّصَلْت بالله تعالى، فالذي يقوم للصلاة مُتكاسلاً، وهي من صفات المنافقين، قال تعالى:
﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا(142)﴾
[ سورة النساء ]
لأنَّه غير مستقيم، ومحجوب عن الله تعالى، أما إن كان مستقيمًا وِفْق المنهَج، إذا قام للصلاة يرى كلّ السَّعادة في الصَّلاة، وهذا النبي عليه الصلاة والسلام: قال له:
(( عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ قَالَ قَالَ رَجُلٌ قَالَ مِسْعَرٌ أُرَاهُ مِنْ خُزَاعَةَ لَيْتَنِي صَلَّيْتُ فَاسْتَرَحْتُ فَكَأَنَّهُمْ عَابُوا عَلَيْهِ ذَلِكَ فَقَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ يَا بِلَالُ أَقِمِ الصَّلَاةَ أَرِحْنَا بِهَا * ))
[ رواه أبو داود ]
أما لسان معظم المسلمين: أرِحنا منها !! وفرق كبير بين أرِحنا بها، وبين أرِحنا منها، يقول لك: صلَّيْتُ العشاء وارْتَحْتُ !! فهذه الآية دقيقة، فلذلك كما قال تعالى:
﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آَمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (15﴾
[ سورة الشورى ]
دعوتك لا قيمة لها إن لم تسْتَقِم فالمستقيم كبير عند الناس، وعند زوْجتك وعند أولادك، فالزَّوجة إن لاحَظت صلاح زوْجها، ودقَّته في الكلام ويغضّ بصرَهُ تحْتَرِمُهُ، ويقضي سهْراته بالغيبة فإنَّ هذا الزّوْج يسقط من عين زوجته.
ثمَّ قال تعالى:
﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آَمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾
[ سورة الشورى ]
بديل الاسْتِقامة هو اتِّباع الهَوَى فأنت بين أمرين إما أنَّك مستقيم على أمر الله، وإما أن تتَّبِعَ الهوى، وهذا مخالف لمنهج الله.
ثمَّ قال تعالى:
﴿وَقُلْ آَمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (15)﴾
[ سورة الشورى ]
المؤمن عملهُ كلُّه استقامة، ونُصْح، وتَطبيق لِمَنهج الله، ِدقٌ على خلاص على نصيحة على تواضُع، فالله عز وجل وصف المؤمن فقال:
﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى(5)وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى(6)فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى(7)وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى(8)وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى(9)فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى(10)وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى(11)﴾
[ سورة الليل ]
يبني حياته على العطاء، وهناك من يأخذ كلّ شيء فهذا ما أقرض الله عز وجل، قال تعالى ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ(245)﴾
[ سورة البقرة ]
قال تعالى:
﴿وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾
[ سورة الشورى ]
فالعدل حسَن ولكن في الأمراء أحْسن، والحياء حسَن ولكن في النِّساء أحْسَن، والورع حسن، ولكن في العلماء أحسن، والتوبة حسنة ولكن في الشباب أحْسن والصَّبر حسن، ولكن في الفقراء أحْسن، والسّخاء حسن ولكن في الأغنياء أحْسن، عبادة الغني السَّخاء، وعبادة الغني الصَّبر وعبادة المرأة الحياء، وعبادة العالم الورع، وعبادة الأمير العدل.
قال تعالى
﴿اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (15)﴾
[ سورة الشورى ]
فإذا كان الإنسان له خصْم وهذا الخصم قويّ وعنيد، ورد بأقوال سيِّدنا علي: كفاك على عدوّك نصْرًا أنَّه في معْصيَة الله، وكفاك انْتِصارًا عليه أنَّك في طاعتِه ! فمهما كان خصْمك قويّ فأنت منتصر عليه لأنَّك مع الحق وفي طاعة الله.
هدفنا الأوَّل التطبيق العملي، وهذا الذي نحْرص عليه ونُعوِّلُ عليه، وهو الذي يجْعلنا متألِّقي




والحمد لله رب العالمين



 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 04-03-2018, 01:49 PM   #366


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: تفسير سور القران الكريم كاملا



بسم الله الرحمن الرحيم

سورة الشورى ( 42 )

الدرس الخامس





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، الآية العشرون من سورة الشورى، وهي قوله تعالى:
﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآَخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (20)﴾
[ سورة الشورى ]
أنت مُخيَّر في أكثر من آية في القرآن الكريم، قطْعِيَّة الدلالة والثبوت، قال تعالى:
﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ(148)﴾

[ سورة الأنعام ]
إذا ظَنَنْتَ أنَّ الله تعالى أجْبرَكَ على عملك فهذه عقيدة أهل الشِّرك، فأنت مُخيَّر، قال تعالى:
﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا(29)﴾
[ سورة الكهف ]
قال تعالى:
﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا(3)﴾
[ سورة الإنسان ]
وقال تعالى:
﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ(17)﴾
[ سورة فصلت ]
وقال تعالى:
﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمْ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(148)﴾
[ سورة البقرة ]
وأيَّة آيةٍ يُشَمُّ منها رائِحَة الجَبْر يجب أن تُحْمَل على آيات الاخْتِيار لأنّ القاعدة الأصوليّة تقول: أنَّ الآيات المشتبهات مهما كثُرت تُحْمل على الآيات المحْكَمات مهما قلَّتْ.
شيءٌ يلْفتُ النَّظر، قال تعالى:
﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآَخِرَةِ﴾
[ سورة الشورى ]
إن أردْت الآخرة تأتيك الدنيا والآخرة، قال تعالى
﴿نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾
[ سورة الشورى ]
تأتيه الدنيا وهي راغمة، وهو في الآخرة من السُّعداء، قال تعالى
﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآَخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (20)﴾
[ سورة الشورى ]
ما قال نؤْتِه الدنيا، ولكن قال: نؤْتِهِ منها ‍! أي نؤْتيه بعضها ؛ يعطيه المال ويحْرِمُهُ الذريّة الصالحة، يُعطيه الذريَّة ويحْرمُهُ الزَّوجة الصالحة، يعْطيه الشَّأن والوَجَاهة ويحْرِمُهُ السَّعادة لأنّ هذه الدنيا لن يستطيع أحدٌ أن يُحصِّلها من كلّ أطرافها، لأنَّه إذا فعَل ذلك كرِهَ لِقاء الله عز وجل، هناك حِكمة بالغة فالله تعالى يأخذ لِيُعطي، ويبْتلي لِيَجزي، ذكرتُ البارحة في بعض الدُّروس أنَّ الله تعالى ضارّ ولكن ينبغي أن تقول: الضارّ النافع، فلا يجوز الإفراد في هذا الموضع لأنَّه يضرّ لِينفع،و يخفض لِيَرفع، ويُذِلّ لِيُعِزّ، ويأخذ ليُعطي، ويقبض لِيَبسط، لذلك كما قال تعالى:
﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآَخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (20)﴾
[ سورة الشورى ]
فالإنسان أراد الدنيا، وأصرّ عليها، ولم يعبأ بِغَيرها، وجعلها مُنتهى آمالِهِ ومحطّ رِحالِهِ، وكلّ طاقاته، وإمكاناته وقدراته، صرفها في الدنيا بعدها سيفاجئ أنَّه لا بدّ من مرض مُفْسِد، وهرم مُفنِّد، ومن موت مُجهِز، ومن فقْرٍ مُنْسي، ومن غِنًى مُطْغي، ومن دجَّال يُدجِّل، فهذه الساعة لا بدّ آتِيَة، فالذي أراد الدنيا لا بدّ من أن يُحْرمَها شاء أم أبى، أعْجبَهُ أم لم يُعْجِبْهُ، فهذا خِيار، ومن هنا قيل: من آثر دنياه على آخرته خسِرهما معًا، ومن آثر آخرتَهُ على دُنياه ربِحَهُما معًا.
أجْملُ دعاءٍ سَمِعتُهُ، كان في أحد الولائم، وقال أحدهم فدعا وقال: اللهمّ اجْعل نِعَم الدُّنيا متَّصِلة بِنِعم الآخرة ‍! فالله عز وجل يقول
﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا(147)﴾
[ سورة النساء ]
ممكن أن تعيش حياةً هانئة، ويأتي ملك الموت فتنتقل إلى جنَّة عرضها السماوات والأرض، لأنَّ المؤمن حينما يموت ينتقل من ضيق الدنيا إلى سعَةِ الآخرة، كما ينتقل الجنين من ضيق الرَّحِم إلى سعة الدنيا، رحم حجمه سبعمائة وخمسون سنتمتر مكعَّب الطِّفل إذا وُلد قد يسافر إلى أمريكا وإلى اليابان، وقد يصْعد إلى القمر، وازِن بين حجْم الرَّحم، وبين الفضاء والسَّفر من قارة إلى أخرى، أين كان يعيش ؟ فالمؤمن إذا مات انتقل من ضيق الدُّنيا إلى سعة الآخرة، لذلك الإنسان أيها الإخوة ونحن أحياء ونحن في بحبوحةٍ الآن ؛ نحن أمام خِيار صَعب، يجب أن تختار الآخرة وأن تنقل كلّ اهْتِماماتك إلى الآخرة، ويجب أن تكسب المال من أجل إنفاقه في سبيل الآخرة، ويجب أن تُربِّي أولادك من أجل أن يرْضى الله بك في الآخرة، وأن تأخذ بيَدِ زوْجَتِك إلى الله تعالى ورسوله من أجل أن تسْعد بها في الدنيا والآخرة، فلذلك هذا الخِيار الصَّعب ؛ إما أن تختار الدنيا وإما أن تختار الآخرة، فإن اخْترتَ الدنيا أعطاك بعضها، ومالك في الآخرة من خلاق، وإن اخْترتَ الآخرة أعطاك الدنيا والآخرة، من شغلهُ ذِكري عن مسألتي أعْطَيتُهُ فوق ما أُعطي السائلين، عبدي كُن لي كما أُريد أكُن لك كما تُريد، وكُن لي كما تُريد ولا تُعْلمني بِمَا يُصْلِحُك، أنت تريد وأنا أُريد فإذا سلَّمتَ لي فيما أريد كفَيْتُكَ ما تريد، وإن لم تُسلِّم لي فيما أريد أتْعَبتُكَ فيما تريد ثمَّ لا يكون إلا ما أُريد وخلقتُ لك السماوات والأرض ولم أعْيَ بِخَلقِهِنّ، أَفَيُعْييني رغيف أسوقُهُ لك كلّ حين، وعِزَّتي وجلالي لي عليك فريضة ولك عليّ رِزْق، فإذا خالفْتني في فريضتي لم أُخالفْكَ في رِزْقِك، إن لم ترْض بما قسَمْتُهُ لك فلأُسلِطَنَّ عليك الدنيا، ترقُد فيها رقْد الوَحش في بريَّة، ثمَّ لا ينالكَ منها إلا ما قسْمته لك ولا أُبالي، وكنتَ عندي مذمومًا.
آية دقيقة جدًّا، ونحن أمام خِيارٍ صَعب، ويجب أن تختار الآخرة، فإن اخْتَرتَ الآخرة جاءَتك الدنيا وهب راغمة، أما إن اخْترتَ الدنيا أعطاك الله بعضَها، قال تعالى:
﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآَخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (20)﴾
[ سورة الشورى ]
هناك معنى ضِمني، إذْ يستحيل أن تشتغل بِطاعة الله، ويشْغَلَك بِغَيرِهِ، أنت حينما تنْصرف إلى الله تتقدَّس نفْسُك، وعندها تكون أكرم على الله من أن يُخيفك، ومن أن يُذِلَّك ويشْغلَك بِنَفْسِكَ، فالذي ينصرف إلى الدنيا، وهو غافل ساهٍ لا بدّ من صَحْوةٍ يوقِضُه بها الله، أما إذا انْصرف إلى الله هو أكْرمُ على الله من أن يشْغلهُ بما سِواه، ذكروا أنَّ الإمام أبا حنيفة قرأ حديثًا عطفهُ مائة وثمانين درجة، قال: من طلب العِلم تكفَّل الله له بِرِزْقِه ‍! ليس المعنى أن يَجِد تحت الوِسادة مالاً، ولكن يُوفِّقُهُ إلى عملٍ وقْتهُ معقول، وأجْرهُ مَعقول ؛ فالذي يُحبّ أن يحضر مجالس العِلم، هذا وقت فأنت حينما تطلب العِلم يُيسِّر الله لك عملاً مُريحًا ووقْتُهُ قليل، ودخلُهُ كبير، فهذا يعني أنَّك طلبْتَ العِلم على حِساب الله، أما الذي يقول: أنا لا أطلب العِلم لأنَّه ليس لي وقت !! فهذا يحرق قلبه من العمل، والإنسان إذا أحبّ الدنيا منها بِثَلاث: شُغْل عناه ؛ أعمال فوق طاقته، والله تعالى قادِر أن يشغل لك أعمالك بِأشياء سَخيفة، وقادر على أن يخسرك المئات !! ولكنَّ الإنسان إذا حضر مجالس العلم فقد دفعَ زكاة وقته، وتجد وقته ثمين ولذا أجمل كلمة قيلَت: أنَّ المؤمن مُبارَك، كلمة مُتداولة كثيرًا بمعنى أنَّ الله تعالى بِمَال قليل يُعطيه الخير الكثير، وبِوَقت قليل يُنْجزُ فيه أعمال كثيرة، وبالمقابل تجد من له مال كثير لا يفعل به إلا القليل، وتجده قضى الشهور ولم يحصِّل ولا جزءً ممَّا أراد، ويا أيُّها الإخوة، كلُّكم يعلم أنَّ لو أنَّ أحدًا كلَّفته عمليَّة أربعة ملايين بفرنسا، وبيته ثمنه أربعة ملايين، فأنا لا أشكّ أنَّه يتردَّد ولا ثانية في بيع بيْتِه، طيِّب لو أنَّ إنسانًا مسَك خمسين ألف ليرة وحرقها، فهل تحترم أنت هذا الشخص ؟! تعُدُّه مجنونًا فالذي يُنفق وقته جُزافًا يُعدُّ أشدَّ سفهًا مِمَّن يُحرق خمسين ألف أمامك.
فَمِحور الدرس ؛ أنَّك إن أردت الدنيا وأصْررْت عليها أعطاك الله بعضها وأشقاك بِبَعضها الآخر، وليس لم في الآخرة من خلاق، أما إن أردْت الآخرة أعْطاك الآخرة، والدنيا، وكنتَ أسْعد الناس، فالله يُخيِّرنا بين أن نأخذ الدنيا فنأخذ بعضها ونشق بالبعض الآخر، وبين أن نختار الآخرة فنأخذهما معًا، ونكون أسْعد الناس، وطاعة الله هي سبب السعادة، قال تعالى:
﴿وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا(71)﴾
[ سورة الأحزاب ]
وقال تعالى:
﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ(132)﴾
[ سورة آل عمران ]










والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 04-03-2018, 01:51 PM   #367


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: تفسير سور القران الكريم كاملا



بسم الله الرحمن الرحيم

سورة الشورى ( 42 )

الدرس السادس




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، ربنا عز وجل يقول في سورة الشورى:
﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (22)﴾
[ سورة الشورى ]
من حكمة ربِّنا في كتابه الكريم أنَّه دائِمًا يُزاوِج بين وصْف أهل الجنَّة ووصف أهل النار، وبين الوعيد والوعد وبين حالات النَّعيم وحالات الجحيم.
الحقيقة أنَّ قلب المؤمن يجب أن ينطوي على ثلاثة مشاعر دائمًا: شُعور التعظيم لله تعالى، وشُعور الخوف من الله، وشُعور المحبَّة لله تعالى يُستنبط هذا من أثرٍ قدسي، يقول عليه الصلاة والسلام فيما يرويه عن ربّه: قال يا رب أيُّ العباد أحب إليك حتى أُحبَّه بِحُبِّك ؟ قال: أحبّ العباد إليّ تقيّ القلب، ونقي اليدين، لا يمشي إلى أحد بسوء، احبَّني، وأحبَّ من أحبَّني، وحبَّبني إلى خلقي ! فمِن لوازم محبَّتِك لله أن تُحبّ أنبياء الله وأن تحبّ رسله، وأن تحبّ أولياء، وأن تُحبّ المؤمنين، لذلك هذا الذي لا يحبّ المؤمنين هو دليل نفاقه، قال تعالى:
﴿ إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوا وَهُمْ فَرِحُونَ(50)﴾
[ سورة التوبة ]
قال: يا رب، إنَّك تعلم أنِّي أُحبُّك، وأُحبُّ من يحِبُّك، فكيف أُحبِّبُك إلى خلقك ؟ قال: ذَكِّرهم بآلائي ونعمائي وبلائي ! الآلاء هي الآيات العظيمة وهذا من أجل أن يُعظِّموا الله تعالى، والآلاء من أجل أن يُحِبُّوني، والبلاء من أجل أن يخافوني، فالدعاة إلى الله إذا أكثروا من ذِكر البلايا والمصائب، والأمراض الوبيلة أخطئوا لأنَّهم ملئوا القلب خوفًا ولم يملئوه محبَّةً، وإذا بالغوا بِإظهار النِّعَم، وأغفلوا المصائب والنِّقم، لذا لا بدّ من أن تعبد الله تعالى رغبًا ورهبًا، ولا بدّ من أن ترْجُوَ رحمته، وتخشى عذابه، ولا بدّ نم أن يجتمع في قلبك حبٌّ وخوف، فالحبّ والخوف يتكاملان ويتوازنان، ولو ازْداد الحبّ على الخوف لقصّرْت في الطريق على الله، ولو ازْداد الخوف على الحب لقعَدْت عن المتابعة إلى الله فالحِكمة البالغة أن تجمع بين الحب والخوف، فربُّنا عز وجل من حكمته في كتابه الكريم أنَّه يجمع بين حالات أهل الجنَّة، وحالات أهل النار.
قال تعالى:
﴿ تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ﴾
[ سورة الشورى ]
الإنسان أحيانًا إذا أراد أن يتحرَّك إلى هدف يحتاج إلى مُشَجِّعات، وأنت كأب أو معلِّم إذا كان عندك إنسان يتحرَّك نحو الأحْسن يجب أن تُشَجِّعهُ وقد ورَدَ عن النبي عليه الصلاة والسلام أنَّه ما مِن صحابيٍّ إلا وكان يظنّ أنَّه أقرب الناس إليه، فإذا كان يقول عن سيّدنا الصِّديق رضي الله عنه ما ساء ني قطّ، لقد أعطاني ماله وزوَّجني ابنته فاعْرِفوا له ذلك وما طلعت شمسٌ على رجل بعد نبيٍّ أفضل من أبي بكْر، ولو كان نبيّ بعدي لكان عمر رضي الله عنه، وكيف لا أستحي من عثمان والملائكة تستحي منه وما ضرّ عثمان بعدما فعله اليوم، أما علي رضي الله عنه فالحديث عنه كثير جدًّا، وسيدنا سعد كان يقول له: ارْمِ سعْدُ فداك أبي وأمي، وسيدنا معاذ قال له: والله إني لأحبّك، وسيّدنا عبيدة بن الجراح قال عنه: إنَّه أمين هذه الأمَّة، وخالد سيف من سيوف الله، فالنبي عليه الصلاة والسلام شجَّعَ أصْحابه، ومنهج الله تعالى في كتابه هو تشجيع المؤمنين على الطاعة، ويُعطيهِ دَفعة روحِيَّة، قال تعالى:
﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ (23)﴾
[ سورة الشورى ]
الآن مِحْور الدرس، قوله تعالى:
﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ (23)﴾
[ سورة الشورى ]
أحدُ أكبر علامات الدَّعوة الخالصة إلى الله تعالى أنّ الداعية الصادق لا يسأل أجْرًا لا مادِّي ولا معنوي، ولا مديح ولا ثناء، فهو يبتغي وجه الله عز وجل لكن هناك أداة استثناء في الآية وهو أدقّ ما في الآية، قال تعالى:
﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾
[ سورة الشورى ]
إلا أن تعمل عملاً يعبِّر عن مودَّتِك لله يقرِّبك من الله فلو أنَّ أبًا غنيًّا وقويًّا ولا يحتاج ابنه أبدًا، ولكنَّ رحمة الأب تقتضي أنّه إن كان ابنه سعيدًا يسْعد به، يقول له: يا بنيّ، لا أُريد أن تكون شيئًا إلا أن تكون إنسانًا عظيمًا وأن تُوفَّق في حياتك، وأن تكون لامِعًا في الحياة أما أنا فلا أُريد منك شيئًا هذا هو موقف الأنبياء، دخل سيدنا عدي بن حاتم إلى بيت النبي عليه الصلاة والسلام ؛ قال: قذف إليّ وسادةً من أدم محْشوَّة ليفًا، فقلتُ: بل أنت، فقال: بل أنت ‍! قال: فجلسْتُ عليها، وجلس عليه الصلاة والسلام على الأرض !! هذا هو بيته صلى الله عليه وسلَّم وكان إذا أراد ان يُصلِّي الليل ابْتَعَدت السيّدة عائشة حتَّى يُصَلِّي !! قال تعالى:
﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ (23)﴾
[ سورة الشورى ]
لا قريب ولا بعيد، ولا مادي ولا معنوي، ولا ثناء، ولا مديح، إلا أن تكون أنت مؤمنًا متألِّقًا مستقيمًا هذا يُسْعِد من يدعو إلى الله، فأعظم سعادة تدخل على قلب من يدعو إلى الله أن يرى من حوْله في المستوى المطلوب والراقي، فالداعية يثلج قلبه حينما يرى إخوانه في مستوى الإيمان الحقيقي، أما الذي يبحث عن مكسب مادِّي للدعوة إلى الله ؛ هذا مسكين، واختار الخسيس عن النفيس، وهذه هي الآية
﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ (23)﴾
[ سورة الشورى ]
الآية لها تفاسير كثيرة، أوْجه تفسير فيها أن تتودَّد إلى الله تعالى بِعَمل صالحٍ كي تتقرَّب إليه، أي أنا لا أريد شيئًا فكلمَّا ارتقى الإنسان مكانه عند الله لا يطلب المكاسب الأرْضيَّة، ولكن يطلب ما عند الله من أجر وثواب فالإنسان في زماننا لا يستطيع أن يدخل عند الطبيب وليس معه خمس مائة ليرة، وهل لك أن تدخل عند محامي أو مهندي من دون أتعاب ؟ إلا بيت الله تعالى ؛ لا رسم اشتراك، ولا بطاقة، قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ(17)﴾
[ سورة القمر ]
ذكر لي أخ أنّ سيارته تعطلت فيها العجلة فبقي يوقف الناس حوالي ساعة ونصف فلم يقف له أحد، إلى أن وقف له شخْص، فقال: له تفضَّل الكريك، فهذا الأخ كبر عند قلبه هذا الإنسان، كيف أنَّه أتعب حاله ووقف وفي الأخير هذا الذي وقف طلب من هذا الأخ نقودًا !! فقال الأخ في قلبه: ليْته لم يطلب منِّي !! فالإنسان الذي يأخذ الأجر على دعوته هذا إنسان لا قيمة لِعَمَله، أكيد أنّ المحامي والمهندس لا بد أن يأخذوا ثمن خدمتهم ؛ هذا موضوع ثاني ولكن الأمور الدِّينيَّة لا بد أن تكون له تامَّة.
هذه الآية كبيرة جدًّا تسعُ كلّ الناس، فهناك من لا يتحرّك إلا بِعُمولة، أما موقف الأنبياء والعلماء الصادقين هو: قل لا أسألكم عليه أجرًا ! لا تطلب شيئًا، أدِّ الذي عليك، واطْلب من الله الذي لك، هذا كلام ليس له علاقة بالأعمال الدنيويَّة، فهو حصْرًا في الأعمال الدِّينيَّة، وهناك آية أخرى تعضدها، وهي قوله تعالى ":
﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ(20)اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ(21)﴾
[ سورة يس ]
فحياة المؤمن مبْنِيَّة على العطاء، أما غير المؤمن فَيُسْعِدُهُ أن يأخذ، وإذا أردت أن تعرف ما إذا كنت من أهل الدنيا أم من أهل الآخرة اُنظر ما الذي يُسْعِدُك، فإن كان الذي يُسعدك العطاء فأنت من أهل الآخرة، وإن كان يُسعِدُك الأخذ فأنت من أهل الدنيا، قال تعالى:
﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى(5)وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى(6)فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى(7)وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى()وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى(9)فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى(10)﴾
[ سورة الليل ]
قال تعالى:
﴿وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ (23)﴾
[ سورة الشورى ]






والحمد لله رب العالمين




 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 04-04-2018, 08:06 AM   #368


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: تفسير سور القران الكريم كاملا



بسم الله الرحمن الرحيم

سورة الشورى ( 42 )

الدرس السابع




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، الآية السابعة والعشرون من سورة الشورى، وهي قوله تعالى:
﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (27)﴾
[سورة الشورى]
الإنسان أوَّل ما يعنيه وُجوده ؛ يُحِب الحياة ويكره الموت، وثاني ما يعنيه رزْقه ؛ وُجودُهُ ورِزقهُ وهذان الأمران بيَدِ الله وحده، فلِكُلّ إنسان أجلٌ لا يتقدَّمه ولا يتأخره فإذا آمن الإنسان هذا الإيمان كان شجاعًا ومِقْدامًا، أما إذا علِم أنَّ رِزقه بيَد الله ما طلبه من حرام، وقد ذكرتُ من قبل حقيقة الرِّزْق، وهي أنَّ تُفَّاحةً على الغصن الثالث في الفرع الرابع في الشجرة الثانية في بُستان فلان هذه التُّفاحة لفُلان إلا أنَّ الإنسان مُخيَّر في طريقة وُصولها إليه ؛ فقد يشْتريها وقد يسْرقها، وقد يأكلها ضِيافةً، وقد يأكلها هديَّةً، فَطَريقة وُصول الرِّزق هي باختيارك، أما ما دام الله عز وجل قد خلقَك، فقد خلق لك رِزْقك، قال تعالى:
﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ(23)﴾
[سورة الذاريات]
وقال تعالى:
﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ(22)﴾
[سورة الذاريات]
إلا أنّ الله سبحانه وتعالى في حياتنا ثبّ َت أشياء كثيرة، وحرَّك أشياء ؛ فَمَثلاً دورة الأرض حول الشمس ثابتة افْتح أيّ تقويم تجد أنّه بعد عشرين سنة سَتَشرق الشمس في الشهر الفلاني على الساعة كذا، معنى ذلك أنّ دورة الأرض ثابتة، وحركة الأفلاك ثابتة وخصائص الأشياء ثابتة، وهذا من أجل أن تنتظم الحياة، إلا أنَّ الله سبحانه وتعالى حرَّك الرِّزق، فقد تأتي أمطار غزيرة، وقد تشحّ الأمطار وقد يأتي رزْق وفير، وقد يقلّ الرِّزق، فالرِّزق متحرِّك، أما سوى الرزق فالكل ثابت، وهذه الثوابت من أجل انتظام الحياة، والمتغيِّرات من أجل تربيَة الإنسان.
أوَّل حقيقة في الآية أنَّ الله سبحانه وتعالى إذا قبض، وإذا قلَّل، وإذا قنَّن وإذا أفْقَر لا لِعَجزٍ عنده،
ولكن لِتَأديب الإنسان، فتقنين الله تعالى تقنينُ تأديب، أما تقنين الإنسان هو تَقنين عَجْز، فقد تقبضُ يَدَك لأنَّ دَخلك مَحدود، وقد تمْتَنِع عن الإنفاق لأنَّ لا تمْتلِكُ ما تُنفق ؛ هذا شأن الإنسان أما شأن الواحد الدَّيان فقد قال تعالى:
﴿ وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا﴾
[سورة الشورى]
لو هذه في الُّلغة هي حرْف امتِناع لِامتناع ؛ أيْ امْتَنَع البغي في الأرض لامتناع بسْط الرِّزق، الإنسان إذا كانت نفسهُ ضعيفة، فالمال الكثير يُعطيه خيارات للفسق كثيرة جدًّا، فربُّنا عز وجل يعْلم حقيقة الإنسان، ويعلم صمودهُ، ويعلم هشاشة مُقاوَمَتِهِ، فإذا علِمَ في عبده ضَعًا في الإرادة أو الثبات على الحق لا يُعطيه فرْصةً ِيَفْسِق، قال تعالى:
﴿ وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا﴾
[سورة الشورى]
فبَغْيُهم في الأرض بِسَبب الرِّزق، لذا ربُّنا عز وجل يُقَنِّن، من هنا قال الله عز وجل:
﴿ فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِي(15)وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِي(16)﴾
[سورة الفجر]
من قال لك: إنّ تَقنين الرِّزق إهانة ؟ إنَّه ترْبيَة، ومن قال لك إنَّ بسْط الرِّزق إكرام ؟ نَّه ابتلاء، أيْ يا عبادي ليس عطائي إكرامًا، ولا منْعي حِرمانًا، إنَّ عطائي ابتِلاء وحِرماني دواء؛ هكذا ينبغي أن نفْهم، وبالمناسبة أيُّ حظٍّ من حظوظ الدُّنيا أصابكَ منه شيء، لا يُسَمَّى نعمةً كما أنّه لا يُسَمَّى نِقمةً ؛ موقوف على نوع اسْتِخدامِهِ، فلو أنفقْت المال في طاعة الله تعالى، ووظَّفْته في سبيل الله، انْقلَبَ هذا المال من ابْتِلاء إلى نعمة ولو أُنْفِقَ هذا المال في معصِيَة الله، انْقلبَ المال من ابتلاء إلى نِقمة، فالمال والصِّحة والفراغ، والوسامة والقوَّة والذَّكاء، وطلاقة اللِّسان، والشَّان الاجْتماعي ؛ كلّ حُظوظ الدنيا سُلَّم نرْقى بها، أو دركات نهْوي بها كلّ حظوظ الدنيا موقوفة على نوع اسْتِخدامها، قال تعالى:
﴿ فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِي(15)وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِي(16)﴾
[سورة الفجر]
لذا لا تقل هذا إكرام، ولا تقل هذه إهانة، ليس العطاء إكرامًا ولا المنْعُ إهانةً ؛ إنَّما العطاء ابتِلاء، والحِرمان دواء.
إذًا كما قال تعالى:
﴿ وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا﴾
[سورة الشورى]
لأنَّ الله تعالى يقول:
﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ(21)﴾
[سورة الحجر]
يُقال لك: هناك نقْص بالمواد، وشحّ بالمياه، وحرب مياه، وتفجُّر سكاني لا يُقابله النموّ الزِّراعي ؛ هناك حِسابات خاطئة يقولها الذين لا يعرفون الله عز وجل، أذكر مرَّةً أنَّه في سنةٍ من السَّنوات كان مستوى المياه الجوْفيَّة في الشام إلى أدنى مستوى، وكنَّا على وشَك الجفاف الكامل، ثمّ جاءَت سنة كان في المطر غزيرًا ففجَّر ينابيع كان غائرة من ثلاثين عامًا، وجاء الإنتاج الزِّراعي بِكَمِّيات فلكِيَّة، فقد كانت حاجتنا مليون طنّ، وحصدنا ثلاثة ملايين طنّ ‍! فالله تعالى إذا أعطى أدْهش، والله تعالى ثبَّتَ أشياء، وحرَّكَ أشياء، فالذي ثبَّتَهُ لانتِظام الحياة، والذي حرَّكه لِتَربيَة الناس، قال تعالى:
﴿ وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ﴾
[سورة الشورى]
لو الواحد سأل هذا السُّؤال: كيف أزيدُ رِزقي ؟ الجواب: قال تعالى:
﴿وَأَلَّوْ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا(16)﴾
(سورة الجن)
والآية الثانية قوله تعالى:
﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ(96)﴾
[سورة الأعراف]
الثالثة قوله تعالى:
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ(66)﴾
[سورة المائدة]
وقال تعالى:
﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا(10)﴾
[سورة نوح]
فالاستغفار والاسْتِقامة، وصِلة الرَّحِم تزيد في الرِّزق، فكلٌ مِنَّا جعل الله له مالاً بين يَدَيه ؛ يستطيع أن يتفقَّد به من حوله ؛ هذه الصِّلة تزيد في الرِّزق، وإتقان العمل يزيد في الرِّزق، قال تعالى:
﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى(132)﴾
[سورة طه]
بيتٌ تُقامُ في الصَّلوات الخمس، والأب يأمر بالصلاة، هذا البيت مُبارك، وله رِزق وفير، لذا هناك عوامل كثيرة تزيد في الرِّزق ؛ منها ما سبق، ومنها الأمانة، فكلّ هذه العوامل تزيد في الرِّزق، والله سبحانه وتعالى كي يربِّينا، ويدفعنا إليه جعل الرِّزق غير ثابت، لماذا المُرابي بعيد عن الله فهذا له رِبْحٌ ثابت لا تهمُّه الأمطار، ولا رواج بِضاعة، أما غيره تجده يدعو الله تعالى، فبَيْع البضاعة بيدِ الله، والمُزارِع يدعو الله بالمطر فهؤلاء ينتظرون رحمة الله، لذا أراد الله سبحانه وتعالى أن يجعل الرِّزق متغيِّرًا كي يرْبطنا به، لأنّ ثاني أهمّ شيء في حياة الإنسان رِزقه، والله عز وجل خلق فينا دافِع الجوع، ودافِع الزَّواج، ودافِع العلوّ، وهذه الدوافِع الثلاث لولاها لما تحرَّك إنسان ؛ فَمِن أجل أن تأكل تدرس، ومن أجل أن تأكل تعمل، ومن أجل أن تأكل تُؤسِّس عملاً ؛ لذا دافِعُ الجوع هو الذي يُحرِّك الناس.
أيها الإخوة، قال تعالى:
﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ﴾
[سورة الشورى]
فلا رِّزق دقيق، والشيء الثاني، وهو أنَّ الرِّزق المُقنَّن يُمْتحنُ به الإنسان فإذا قال لك شخص: أقمْتُ عقْد قِران بِسِتِّين مليون، نقول له: نحن نُزوِّج به مائة وعشرين شاب، نزوِّجهم، وأنت أنفقْتهم في ليلة واحِدة ! لذا ما أتخم غنيّ إلا بِجُوع فقير، قال تعالى:
﴿وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ﴾
[سورة الشورى]
قال: بعض الكلاب في أمريكا، تأكل من اللحم ما لا يأكله الشّعب الهندي من اللحم ! شعوب تموت من الجوع، وشعوب تُطْعم كلابها من اللَّحم ما لا يأكله الشَّعب الهندي بأكمَلِهِ، وهذه أستراليا تعدم عشرين مليونًا غنمًا بالرَّصاص للحِفاظ على أسعار اللَّحم المرتفعة، وشعوب أخرى تموت من الجوع كالصومال ! لذلك العقاب كان أنَّ الله تعالى أنزل عليهم بلاءً بِقَتل ثلاثة عشرة مليون بقرة من أنّها مصابة بالجنون، وثمن هذه الأبقار ثلاثة وثلاثون مليون جنيه استرليني !! فكان هذا عقابهم، لأنَّهم كانوا يُطعمون البقر لحوم الجِيَف فجنَّ البقر ! وانتقل هذا المرض للإنسان، وقد قال بعضهم: إنَّ جنون البقر من جنون البشر، حينما خرجوا عن منهج الله جُنَّت البقر، وانتقل هذا المرض للإنسان ! قال تعالى:
﴿ وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ﴾
[سورة الشورى]
ولو بسَط الله الرزق لعباده لبغوا..يشاء" والحقيقة لما يكون الإنسان فقيرًا لا يكون معه فرصة لعصيان الله تعالى، فهذا له أجر على استقامته، أما الذي معه المال ويبقى على الصراط المستقيم ؛ فهذا له أجر عظيم جدًّا، وقد استعاذ النبي عليه الصلاة والسلام من الفقْر والكُفْر، وسأل الله التُّقى والعفاف والغنى،
(( فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ وَرُزِقَ كَفَافًا وَقَنَّعَهُ اللَّهُ بِمَا آتَاهُ *))
[ رواه مسلم ]
غِنَى الكِفاية لا غِنى البَطر، هذا الذي أراده النبي عليه الصلاة والسلام، كما أنّ هناك فقْر الكسل، وفقْر القَدَر، قال تعالى:
﴿ وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (27)﴾
[سورة الشورى]
يعلم حقيقة الإنسان، وهشاشة مُقاومتِهِ ومدى صُموده أمام المُغريات.
قال تعالى:
﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ (28)﴾
[سورة الشورى]
يقول أحد العارفين بالله: ربما كان المنعُ عَين العطاء، وربّما كان العطاء عَين المنْع ! وإذا كُشِفَت لك الحكمة في المنع عاد المنعُ عَين العطاء فالمؤمن مستسلِم لقضاء الله، لأنَّه يعلم أنَّه لكلّ شيء حقيقة، وما بلغَ عبدٌ حقيقة الإيمان حتَّى يعلم أنَّ ما أصابه لم يكن لِيُخطئهُ، وما أخطئه لم يكن ليُصيبه.



والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 04-04-2018, 08:07 AM   #369


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: تفسير سور القران الكريم كاملا



بسم الله الرحمن الرحيم

سورة الشورى ( 42 )

الدرس الثامن




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، الآية الكريمة الثلاثون من سورة الشورى، وهي قوله تعالى:
﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (30)﴾
[سورة الشورى]
مع أنَّ هذه الآية واضِحة الدلالة أو قطْعيَّة الدلالة، ومع أنَّ هذه الآية في كتاب الله، ولكن كثيرًا من المؤمنين ضِعاف الإيمان، لا يستطيعوا أن يفْهموا المصيبة كما أراد الله تعالى أن نفْهمها.
الله جلّ جلاله غنِيّ عن تعذيبنا، لأنَّه يقول:
﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا(147) ﴾
[سورة النساء]
ولأنّ الله سبحانه وتعالى في آيات كثيرة جدًّا، يبيِّن عدالته المطلقة قال تعالى:
﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه(7)وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه(8)﴾
[سورة الزلزلة]
ولأنَّه يقول في كتابه:
﴿لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ(17)﴾
[سورة غافر]
ولأنَّه تعالى يقول:
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ(40)﴾
[سورة العنكبوت]
ولأنَّ الله سبحانه وتعالى في الحديث القدسي يقول:
﴿عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ(36)﴾
[سورة التوبة]
فالإنسان حينما يتَّهِم نفْسه عندما تلِمُّ به المصيبة ؛ هذا الاتِّهام صحيح طبْعًا لا شكَّ أنَّ المصائب تنقسم إلى خمسة أقسام: قسمان منها تُصيبُ العُصاة، وثلاثة أقسام منها تُصيب المؤمنين.
أما المصائب التي تُصيب العصاة، إنَّها مُصيبة قصْمٍ، أم مصيبة ردْعٍ إنسان خارج المنهَج يأكل مالاً حرامًا، ويعتدي على أعراض الناس ويوقِع بينهم العداوة والبغضاء، ويخون ويكذب، ولا يستقيم على أمر الله هذا العاصي إما أن يقْصِمَهُ الله، قال تعالى:
﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ(36)﴾
[سورة هود]
إما أن يقْصِمَهُ الله تعالى، وإما أن يرْدَعَهُ، فالذي خارج منهج الله عز وجل، ولا يعْبأ بِكَلام الله، ولا يأتَمِر بما أمر، ولا ينتهي عمَّا عنه نهى وزَجَر، هذا تُصيبُهُ مصيبة القصْم أو الرَّدْع، أما هؤلاء المؤمنون، قال تعالى:
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ(155)﴾
[ سورة البقرة ]
أما المؤمنون يُصابون بالمصائب، وهم مستقيمون، فالقرآن الكريم يُخاطب كلّ الناس بهذه الآية:
﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (30)﴾
[سورة الشورى]
ويُخاطب المؤمنين بِآيةٍ أخرى هي قوله تعالى:
﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ(155)﴾
[ سورة البقرة ]
فالإنسان إذا كانت حركتُهُ إلى الله تعالى ضَعيفة، وهِمَّتُهُ بطيئة، وليْسَت عاليَة، ومُتكاسِل في السَّعي إلى الله عز وجل، تأتيه مُصيبة الدَّفْع، كأنّ الله سبحانه وتعالى يسوقهُ إلى بابه، ويدفَعُهُ إلى الجري السريع، ويحْمِلُ على أن يفْعَلَ النوافل، وعلى أن يُحْكِمَ الاتِّصال، ويُخْلِصَ النّيَّة، يا أبا ذرّ جدِّد السَّفينة فإنَّ البحر عميق، وأخْلص النيَّة فإنَّ الناقد بصير، وخَفِّف الأثقال فإنَّ في الطريق عقبة كؤود لا يَجتازوها إلا المُخِفُّون، وأثقِل الزاد فإنَّ السَّفَر بعيد، فهذه المصيبة هي مُصيبة الدَّفْع، فإذا كان الإنسان مستقيمًا وجاءَتهُ مصيبة، كلَّما أساء الظنّ بربِّه كان أفْضَل، ولكنَّه لو كان مستقيمًا فِعلاً، ويطلب رضاء الله فِعْلاً وجاءَتهُ مصيبة ؛ هذه مُصيبة المؤمنين، وهي مصيبة الدَّعاء إلى الله.
وقد تكون المصيبة مُصيبة الرَّفْع، فلو أنّ سيارة تستطيع حمْل خمسة أطنان وهي تحمل طُنًّا واحِدًا، والأجْر غالي جدًّا، فإذا حمَّلناها أربعة من أجل أن تقْبض أكبر مبلغ، نقول: هذه مصيبة رفْع الدَّرجات، أما مصيبة الأنبياء فهي مُصيبة كَشْف، فحينما ذَهَب صلى الله عليه وسلَّم إلى الطائف وقابلَهُ أهلها بالتَّكذيب والسُّخْريَّة، بل والضَّرب، وألْجِأ إلى حائِطٍ أو بستان
قال: إن لم يكن بِكَ غضب عليّ فلا أُبالي، ولك العُتبى حتّى ترضى، ولكنّ عافِيَتَك أوْسَعُ لي، وجاءَهُ جبريل، وقال له: يا محمد، لو شِئْتَ لأطْبقتُ عليهم الأخشبين ‍! فقبل أن يتمكّن نقول: صبَر، وكان مَقهورًا أما حينما مكَّنَهُ الله أن يجعلهم بين جبلَين، وأن يسْحقهم، وعالِيَها سافلها فقال: لا، اللَّهمّ اهْدِ قومي فإنَّهم لا يعلمون !! فهو لم يتخلَّى عنهم، ودعا لهم بالهِداية، واعتذَر عنهم، ثمَّ تفاءَلَ في المستقبل، فقال:لعلّ الله يُخرج من أصلابهم من يوحِّدك !! هذا الموقف سُجِّل للنبي عليه الصلاة والسلام، لذا قال ك سَلوا لي الوسيلة فإنَّها مقامٌ لا ينبغي إلا لواحِدٍ من خلقه، وأرجو أن أكون أنا، وبهذا الموقف الرائِع ارْتقى النبي إلى سِدرة المنتهى، متى ردَّ الله عليه هذا الدُّعاء ؟ كان الردّ الإلهي في الإسراء والمِعراج ؛ أعلَمَهُ الله أنَّه سيِّدُ الخلق أجمعين، وأنَّه سيّد الأنبياء والمرسلين، وأنّه سيّد ولد آدم وأنَّه حبيبه.
أيها الإخوة الكرام، نقيس على قياسًا صغيرًا، ما من عملٍ تعملهُ خالصًا لله، وتبتغي به رِضوان الله، ولو كان هناك متاعب، وتشْويش، ومُعارضَة، الله عز وجل له ردّ، ولو تأخَّر، فإذا علِمَ الله منك صبْرًا وإخلاصًا وثباتًا، وتضْحِيَةً بِمَصالِحِك، يأتيكَ بعد حين ردّ فوق الوصْف ويرفَعُكَ الله تعالى، قال تعالى:
﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ(1)وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ(2)الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ(3)وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ(4)فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا(5)إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا(6)فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ(7)وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ(8)﴾
[ سورة الشرح ]
وهذا لكلّ مؤمن، والمضايق التي مرَّ بها النبي عليه الصلاة والسلام والصُّعوبات التي عاناها، هذه ثَمَن مقامِهِ الرَّفيع، وثمن المقام المحمود قال تعالى
﴿ أَقِمْ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا(78)﴾
[ سورة الإسراء ]
وإذا أردتَ أيها المؤمن أن يرفَعَ الله ذِكْرك، ويرفعك إليه، يجب أن تلتزِمَ أمره ونهْيَهُ، لو طِرتَ في الهواء، ومشَيت على وجه الماء لسْتَ وليًّا ولكنَّ الوليّ كلّ الوليّ الذي تَجِدهُ عند الحلال والحرام، قال تعالى
﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ(62)﴾
[ سورة يونس ]
هذه هي الولاية فيا أيها الإخوة، النوع الثاني قضيَّة الدَّفع، والمصيبة الأولى للمؤمنين، والمصيبة الثانية رفْع، وأما للأنبياء فهي كَشف، فأصبَحَ عندنا قَصم، وردْع ودَفع، ورفع وكشف، أما الآية التي تسَعُ الناس جميعًا:
﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (30)﴾
[سورة الشورى]
ورد في الجامع الصغير: ما من عثرة، ولا اختلاج عرق ولا خدْش عود إلا بما كسبت أيديكم وما يعفو الله أكثر.
تُرْوى قِصَّة طريفة أنّ سوحة جاءت سيِّدنا سليمان، قالت له يا نبيّ الله سَل ربَّك: هو مَهول أم عَجول ؟! فلمَّا سال الله عز وجل، وقال: يا ربّ ماذا أُجيبها ؟! قل لها: إنَّني مهول ! أي لا أُعاقب سريعًا، فرأتْ أُناسًا يشْرون لحْمًا فخطفَت قِطعة اللَّحم وطارَت بها، وغاب عنها أنّ جمرة علِقت باللَّحم، فلمَّا وضَعت اللَّحم في العشّ احْترَقَ العُشّ ! واحترَقَ أبناؤُها وأصابتها مُصيبة كبيرة، فعادَت إلى سيّدنا سليمان، ألم تقل إنَّ الله مهول؟ فجاء الجواب: أنّ هذا الذي ألمَّ بك هو حِساب قديم !!! ما من عثرة، ولا اختلاج عرق ولا خدْش عود إلا بما كسبت أيديكم وما يعفو الله أكثر.
وهناك نقطة دقيقة، وهي أنّ أخوك إن أصابته مصيبة الأكمل أن تقول: إنَّها رفعُ درجات، وتَطهير، لأنَّني أعلم أنّ أخي صادِق، أحْسبهُ صادِقًا وأحْسبُهُ مستقيمًا، وأحْسبُهُ ورعًا، وأرجو أن تكون مصيبته رفْعًا لِدَرجاته عند الله، أما إذا أصابتني مصيبة فلا ينبغي أن أقول: هذه رفع لي للدرجات، ولكن قل: لعلّ هذه تَطهير من ذنوبٍ صَدَرتْ مِنِّي، وسيِّدنا عمر رضي الله عنه كان إذا أصابتْهُ مصيبة قال: الحمد لله ثلاثًا، الحمد لله إذْ لم تكن في ديني، والحمد لله إذْ لم تكن أكبر منها، والحمد لله إذْ أُلْهِمتُ الصبر عليها.
هناك مصائب لا تُعدُّ ولا تُحْصى، ومصائب بالنَّفس والأهل، والأهل والأولاد، وبالعلاقات الاجتماعيَّة، ومصائب بالصّحة ؛ هذه المصائب أنا أُشَبِّهها كالمِكْبح في السيارة ؛ فلماذا صُنِعَت السيارة ؟ صُنِعت من أجل أن تسير، طيِّب ما علاقة المِكْبح ؟ إذْ هو مُخالف لِهَدَفها، فهو يوقِفُها ‍! معنى ذلك أنّ المِكْبح ضَمانٌ لِسَلامتها، وأنت مَخلوق لِيَرحمك الله، ولِتَسْعد بالله تعالى، وتأتي المصائب ضَمانات لِسَلامة هذه السَّعادة، فالإنسان إذا انْحرف وبغى ترْدَعُهُ المصائب، ويعود إلى ما كان عليه، فكل إنسان إذا كان منْصِفًا، وخالصًا، وصادِقًا يكْشف الله حكمة المصيبة، قال تعالى
﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ(11)﴾
(سورة التغابن )
لأنَّ الله تعالى مُربِّي، فإذا ساق للإنسان مصيبة ولم يبَيِّن له حِكمتها فلا فائدة من هذه المصيبة، كيف يُبيِّن له سببها ؟ يُلقي في روعِهِ أنَّ هذه من أجل تلك، أو أن يجعل العقاب مُشابه للذَّنب، أو يُسَخِّر من يقول له ذلك ! فهذه كلُّها دلالات على فهم هذه المصيبة، أما أكبر مصيبة أن تأتي المصيبة ولا يتَّعظ بها الإنسان، ومن لم تُحْدِث المصيبة في نفسِهِ موعظةً فمُصيبتُهُ في نفسِهِ أكبر، فإذا ساق الله للإنسان مصيبة، وفسَّرها تفسيرًا سَخيفًا، هو أنّ الدنيا هكذا يوم لك ويوم عليك، وهذه الحياة إدبار وإقبال، ومدّ وجزر فهذا تفكير شِرْكي، وبعيد عن روح التوحيد، أما القرآن فيقول:
﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (30)﴾
[سورة الشورى]
والإنسان إذا راجَعَ نفسهُ هداه الله تعالى إلى العلّة، وتصوّر مؤمنًا جاءتْهُ مصيبة، يقول له: يا رب، أنت الحكيم والعليم والقدير، لما جاءَت هذه المصيبة ؟ أريد أن أعرف السبب حتَّى لا أعود ! هذا هو موقف المؤمن أما غير المؤمن فكالناقة عقلها أهلها ثمَّ أطلقوها، فلا تدري لا لِمَ عقلتْ، ولا لما أطْلقتْ !!




والحمد لله رب العالمين



 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 04-04-2018, 08:09 AM   #370


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: تفسير سور القران الكريم كاملا



بسم الله الرحمن الرحيم

سورة الشورى ( 42 )

الدرس التاسع



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، الإنسان مخلوق مُخيَّر، وقد أُعْطِيَ منهَجًا دقيقًا، فإذا خرج عن منهَج الله اعْتدى على أخيه، فلأنّ الإنسان مُخيَّر، ولأنّ الإنسان أودِعَتْ فيه الشَّهوات، فإذا تحرَّك بِدَافِعِ من شَهَواتِهِ من دون منهَج من الله عز وجل وقَعَ العُدوان والفساد، فأسباب الفساد والعُدوان أنَّ مخلوقًا مُخيَّرا أودِعَتْ فيه الشَّهوات، فتحرَّك بِدافِعٍ منها من دون منْهجٍ صحيح فاعْتَدى على أموال الناس، وعلى أعراضِهم، ووقَع الخصومات والمُشاحنات.
أن تعتدي على الآخرين ؛ هذا سمّاهُ القرآن الكريم بَغْيًا، يقول الله عز وجل:
﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (37) وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (38) وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (39)﴾
[ سورة الشورى ]
الشاهد إذا أصابهم البغي هم ينتصرون، فمن صفات المؤمنين أنَّهم ليْسوا خانِعين، وليْسوا مستسلمين، وليْسوا ضِعافًا، فالله معهم، وهو ينصرهم فَمِن خصائص المؤمن المسلم أنَّه إذا أصابهُ بغْيٌ ينتصر، فإذا كان ضعيفًا يقول: ربِّي إنِّي مغلوب فانتَصِر، إما أن تنتصِر أو تدعوَ الله عز وجل أن ينْصرَكَ.
النقطة الدقيقة، إذا انتصروا لا ينبغي أن يُبنى على ردّ البغي بغْيٌ، إذْ هناك من يبني على ردّ البغي بغْيًا آخر، قال تعالى:
﴿ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (40)﴾
[ سورة الشورى ]
فقَوْلُ عوام الناس: سَأَكِلُ له الصاعَ صاعَين !!هذا خِلاف القرآن، وسأُنَكِّل به، هذا خلاف القرآن، ولكن المنهج القويم، ومنهج العدل قال تعالى:
﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾
[ سورة الشورى ]
ففي بعض الدِّيانات من ضربك على يدِّك الأيْمَن فأَدِر له الأيْسَر.
إلا أنَّه أحيانًا يغلبُ على يقينك، أنَّك إذا عفَوتَ عنه قرَّبتَهُ إلى الله وأصْلحته، وأنْهضْتَهُ، وأقلْت عثْرته، ومالك إليك، وإلى دينك، ومال إلى منْهج الله، قال تعالى:
﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾
[ سورة الشورى ]
العفو هنا مُقيَّد بالإصْلاح، فالعَفْو أحيانًا يُصَغِّرك عند خَصْمِكَ، ويظنُّك ضعيفًا ! فالعَفو مُقيَّد بالإصلاح، فإن غلب على ظنِّك أنَّ عَفْوَكَ على أخيك يُصْلِحُهُ ويُقرِّبه ويجعله يعظِّم الإسلام، يذوب في كرمك، قال: ينبغي أن تعفو عنه وحينما تعفو عنه الله جلّ جلاله هو الذي سيُكافئُكَ، لِتَوضيح المعنى لو قال ملكٌ لِمُواطِن: أنا سأُكافئُكَ، فما معنى أن يقول ملك لِمُواطِن سأُكافئُكَ ؟ ماذا سيُعْطيه ؟ مائة ليرة ! أقلّ عطاء بيت، أو فيلا، أو سيارة، قال تعالى:
﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾
[ سورة الشورى ]
إنَّك حينما تعْفو عن أخيك بِنِيَّة أن تُصْلِحَهُ وتأخذ بيَدهِ، فأنت تحْتسِبُ هذا العمل عند الله، وأقرضْتَ الله قرْضًا حسنًا ولأنَّه أحدُ عباده، والخلق كلُّهم عِيَالُ الله، وأحبُّهم إلى الله أنْفعهم لِعِيالِهِ فالآية تُنظِّم علاقتك مع الآخرين عند البغي والعدوان، صار هناك بغي أو تجاوُز أو عُدوان ؛ يجب أن تُفكِّر أن تنْتقِم لِنَفْسِكَ ليس هذا مِن شأن المؤمن، وأن تشْفِيَ غليلك فليس هذا من شأن المؤمن، الغِلّ والحقد والانتقام، المؤمن أرْقى من ذلك إلا أنّ المؤمن يتحرَّك وفْق منهج لو أنَّ هذا السائق الطائش الذي يسْتهين بِأرواح الناس لو عفَوْنا عنه لَزِدْناه طيْشًا وتجاوُزًا، فهذا يجب أن نوقِفَهُ عند حدِّه، ويجب أن تُسْلَب حريَّته وأن يدفَعَ ثمن طيْشِهِ واسْتِهتارِهِ بأرواح الناس، قال تعالى:
﴿ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (40)﴾
[ سورة الشورى ]
قال تعالى:
﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ(2)﴾
[ سورة النور ]
إنسان قصَّر وسبَّب مشكلةً كبيرة، جاء مريض للإسعاف، والطبيب تماهل في إسعافه فمات! لا تقل: هذا قضاء وقدر !! هذا يجب أن يُحاسب، وأن يدفع ثمن إهماله، ويجب أن يُرْدع، لذا لا تقوم حياة منظَّمة من دون عقوبات، والحقيقة الإسلام فيه وازِع، ولكن لا يكتفي به بل هناك رادِع فالوازع داخلي، والرادِع داخلي، والمنهج الكامل يجِب أن يعْتَمِدَ عليهما معًا، فلو اكتفينا بالوازع لصار هناك تسيُّب، ولو بالغنا بالرادع لصار هناك قسْوة، وظلم، وعُنف والعنف لا يلد إلا العنف، قال تعالى:
﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ(139)﴾
[ سورة آل عمران ]
وقال تعالى:
﴿ فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمْ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ(35)﴾
[ سورة محمد ]
وقال تعالى:
﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنْ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ(38)﴾
[ سورة الحج ]
وقال تعالى:
﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ(146)﴾
[ سورة آل عمران ]
نفس المؤمن عزيزة وقويَّة ويسْتعين بالله، ويتحرّك وفْق منهج الله، قال تعالى:
﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (39)﴾
[ سورة الشورى ]
الآن حينما تنتصر، قال تعالى:
﴿ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾
[ سورة الشورى ]
فإذا غلب على ظنِّك أنّ عفْوَكَ على أخيك يُقرِّبه إلى الله تعالى ينبغي أن تعْفوَ عنه، وعندها أجْرك على الله، قال تعالى:
﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾
[ سورة الشورى ]
أيها الإخوة، هناك نقطة دقيقة، حينما يأتيك عُدْوان خارجي، وبغي وظُلم، وعُدوان على مالك، وكرامتك، أوَّلاً لماذا المؤمن لا يحْقِد ؟ لأنَّه مُوَحِّد، ويرى أنَّ يد اتلله فوق أيدي كلّ الناس، قال تعالى:
﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(17)﴾
[ سورة الأنفال ]
وقال تعالى:
﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (30)﴾
[ سورة الشورى ]
لأنَّك موحِّد فلا تحْقد، الآن تتحرَّك وِفق منهَج، فإذا كان من الحِكمة أن آخذ على يده لن أعْفُوَ عنه، بل أعاقبه بِقَدر ذَنبِهِ، من هنا قال عليه الصلاة والسلام:
(( عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِي اللَّه عَنْهم يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا * ))
[ رواه البخاري ]
إذا وقف الناس أمام المعتدي موقفًا عنيفًا فالحياة تنتظِم عندئِذٍ، أما إن جامَلناه، وتركناه على حاله، وأيَّدناه انْتشَر الظلم، قال تعالى:
﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (39)﴾
[ سورة الشورى ]
أما إن غلب على ظنِّك أن عفْوَكَ يُقرِّبُه إلى الله، قال تعالى:
﴿ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (40)﴾
[ سورة الشورى ]
فهذا هو منهجنا ؛ لا يوجد الحِقد، لأنَّ لكل شيء حقيقة، وما بلغ عبدٌ حقيقة الإيمان حتَّى يعلم أنّ ما أصابه لم يكن لِيُخْطِئه وما أخطأهُ لم يكن لِيُصيبه، إنسان عنده موظَّف ولمَّا اختلف معه طردَهُ أراد هذا أن ينتقم فسبَّب له مع الجمارك متاعب كبيرة جدًّا، ففي ساعة حِقْدٍ وغضَب قتلَهُ !! وحُكِمَ بِثَلاثين عامًا سِجْنًا، فهو قتله لأنَّه لم يكن التوحيد في قلبه، فالحِقد سببه عدم التوحيد، فهذا هو منهجنا، والله عز وجل قال:
﴿يَابُنَيَّ أَقِمْ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنْ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ(17)﴾
[ سورة لقمان ]
وفي آية أخرى، قال تعالى:
﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (43)﴾
[ سورة الشورى ]
فالعلماء قالوا: قد يأتي القضاء والقدر مباشرة، فيجب أن تصبر، فلو أنّ إنسانًا وقَعَ ابنه من الشرفة فوقع ميِّتًا ! لا توجد جِهة تُطالب بِحقِّ ابنك منها أما لو أنَّ سائِقًا دهس ابنه، هذه مسألة أخرى، صبر على قضاء الله وغفر للذي أجرى الله القدر على يده، قال تعالى:
﴿ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (43)﴾
[ سورة الشورى ]
فالحقد أساسه الشرك والتوحيد يلغي الحقد، وبقي التصرف وفق هذا المنهج فإذا كان أن تأخذ على يده لِتُصْلِحَهُ ينبغي أن تأخذ بيده، وإن كان عفْوُكَ عنه يصلحه فينبغي أن تُصلِحه، فالمهمّ أن يكون الهدف في مصلحة وأجرك على الله.




والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدليلية (Tags)
القران, الكريم, تفسير, صور, كاملا


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 7 ( الأعضاء : 0 , والزوار : 7 )
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG]متاحة
كود HTML معطلة



المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
امثال من القران الكريم السعيد رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة 36 08-21-2018 07:54 AM
الفواكه المذكورة في القران الكريم السعيد رِيَاضُ الإعْجَازُ القُرْآنــي 3 11-16-2017 07:22 PM
اشهر قراء القران الكريم السعيد رِيَاضُ الإعْجَازُ القُرْآنــي 2 11-13-2017 11:19 AM
مد التاءات وقبضها في القران الكريم عاشقة الأنس رِيَاضُ أَرْوِقَةُ الأُنْس 6 10-31-2015 01:34 PM
قصة نبي ورد ذكره في القران الكريم ، بحث عن قصة نبي ورد ذكره في القران الكريم سجى ريآض سيرة الصحآبة رضوآن الله عليهم أجمعين 1 09-17-2014 11:17 AM


الساعة الآن 04:23 AM