العقيدة الاسلامية من مفهوم القران والسنة - الصفحة 4 - منتديات رياض الأنس
  التسجيل   التعليمات   التقويم   البحث   مشاركات اليوم   اجعل كافة الأقسام مقروءة

سَمَاءُ الأُنسِ تُمطِر حَرْفًا تُسْقِي أرْضَهَا كلِمة رَاقِيَة وبِـ قَافِيَة مَوزُونَة و نبْضُ حرْفِ يُفجِّرُ ينَابِيع الفِكْرِ سَلسَبِيلًا، كُن مَع الأُنِسِ تُظِلُّ بوارِفِ أبجدِيَتِهَا خُضْرَة ونُظْرَة وبُشْرَى لـ فنِّ الأدبِ و مَحَابِرَهُ. وأعزِف لحنًا وقَاسِم النَاي بِروحَانِيَة وسُمُوِ الشُعُورَ و أَرْسُم إبْدَاعًا بِـ أَلْوَانٍ شَتَّى تُحْيِ النَفْسَ بِـ شَهقَةِ الفَنِّ نُورًا وسًرُورَا كَلِمةُ الإِدَارَة




جديد المواضيع


رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة ( يختص بالعقيدة والفقه الاسلامي على نهج أهل السنة والجماعة)

الإهداءات

إضافة رد
نسخ الرابط
نسخ للمنتديات
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
قديم 07-02-2018, 06:38 AM   #31


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: العقيدة الاسلامية من مفهوم القران والسنة



بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية من مفهوم القران والسنة

الدرس : ( الثلاثون )

الموضوع : مستلزمات التوحيد ( 10 ) الادب





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
ما ينبغي أن تتمثل به :
أيها الأخوة الكرام، مع الدرس الثلاثين من دروس العقيدة، ولا زلنا في حقيقة أن الاعتقاد ليس ما ينبغي أن تعتقد فحسب، ولكن ما ينبغي أن تتخلق به، فشطر العقيدة حقائق يجب أن تؤمن بها بعد البحث والتدقيق، وشطرها الآخر أخلاق وأحوال ومقامات ينبغي أن تتمثل فيك, من أجل أن تكون سبباً لسعادتك في الدنيا وفي الآخرة، تلك السعادة التي خلقت من أجلها:
﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾
[سورة هود الآية: 119]
ما يتميز به المؤمن :

أيها الأخوة الكرام، إذا ذكرت كلمة مؤمن, فينبغي أن يقفز إلى ذهنك أنه أديب، يا رسول الله ما هذا الأدب؟ قال:

((أدبني ربي فأحسن تأديبي))
لا يمكن أن تقع عينك على مؤمن غير مؤدب، فظ غليظ، وقح متطاول، مستحيل، لا مع الله ، ولا مع أنبيائه، ولا مع كبار المؤمنين، ولا مع عامة الناس .
إذا قلت: مؤمن، أي أنه مؤدب، لطيف، يعرف حقه ويعرف حق غيره، يعرف حدوده و يعرف حدود غيره .

أنواع الأدب :
1-الأدب مع الله :
أيها الأخوة, موضوع الأدب ينشعب إلى ثلاثة فروع:
أولها: الأدب مع الله، فالأدب مع الله جل جلاله أن تصف الله فيما وصف به نفسه من غير تمثيل ولا تعطيل، فهو الله سبحانه وتعالى فوق سماواته، على عرشه، بائن من خلقه، ليس في ذاته شيء من مخلوقاته، ولا في مخلوقاته شيء من ذاته، هو معهم بسمعه وبصره وعلمه، له وجه تبارك اسم ربك ذو الجلال والإكرام:
﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾
[سورة الرحمن الآية: 27]
وله نفس:
﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ﴾
وله يد: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾
[سورة الفتح الآية: 10]
وله ساق، وله قدم، وله عين، وله سمع، وكل شي ليس كمثله شيء .
أوصاف الله عز وجل هكذا وردت في كتابه، نقر بها من دون تمثيل ولا تعطيل، لا نمثل أي ولا نعطل, أي بل نفوض إلى الله المعنى الذي يليق بكماله، أن تصف الله بما وصف به نفسه، وأن تفوض المعاني لهذه الأوصاف إلى الله عز وجل, بحيث تليق بكماله من دون تمثيل ولا تعطيل، من دون زيادة ولا نقصان ولا نفي، هذا نوع من الأدب مع الله عز وجل. ما ينبغي أن تعتقد :
يقول عليه الصلاة و السلام:
((ما السموات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة في أرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة))
أيها الأخوة, يقول الله عز وجل عن ذاته العلية: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾
[سورة الصافات الآية: 180-182]
الأدب مع ذات الله، الأدب مع صفات الله، الأدب مع أسماء الله، أن تصف الله بما وصف به نفسه من دون تعطيل ولا تمثيل، من دون زيادة ولا نقصان، وأن تفوض إلى الله تأويل هذه الصفات بما يليق بكماله، والقضية قضية عدة آيات لا تزيد على أصابع اليد, لا يوجد داع أن أقحم نفسي، وأن أُعمل عقلي في شيء نهيت عن البحث فيه .
رُوي عن النبي عليه الصلاة والسلام:
((تفكروا في مخلوقات الله، ولا تفكروا في ذاته فتهلكوا))
من فروع الأدب مع الله :
1-الأدب في التوجه إلى الله :
الآن الأدب في التوجه إلى الله: فرع آخر من فروع الأدب مع الله، سيدنا عيسى سئل:
﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾
[سورة المائدة الآية: 116]

قد يخطر في بالنا أن هذا النبي الكريم ينفي عن نفسه هذا القول، يقول: والله يا رب ما قلت هذا، قال:

﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾
[سورة المائدة الآية: 116]
أرأيت إلى هذا الأدب الجم مع الله عز وجل؟ ثم يقول: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾
[سورة المائدة الآية: 117-118]
قد تجد إنساناً تافهاً جداً يقول لك: فلان في النار قطعاً، من أنت؟ أنت ربه؟ لا يمكن أن تحكم على المستقبل بحكم قطعي، هذا يتناقض مع عبوديتك لله عز وجل .
تقييم الأشخاص جملة وتفصيلاً ليس من شأن الإنسان :
إنسان جاهد مع رسول الله، دخل عليه النبي، وقد مات، سمع امرأة تقول: هنيئاً لك أبا السائب، لقد أكرمك الله، انظر إلى أدب النبي مع الله, قال: ومن أدراك أن الله أكرمه؟ قولي: أرجو الله أن يكرمه، وأنا نبي مرسل, لا أدري ما يفعل بي ولا بكم؟ .
الحكم على المستقبل القطعي ليس من شأن الإنسان، تعلموا هذه القاعدة، تقييم الأشخاص جملة وتفصيلاً ليس من شأن الإنسان، لا توزع الألقاب والتهم على الناس، إن رأيت إنساناً جيداً ومحسناً قل: أحسبه صالحاً، ولا أزكي على الله حداً، إن رأيته مسيئاً قل: أسأل الله أن يغفر له، وأن يتوب عليه، هذا الذي تراه مسيئاً, لو أنه تاب وصدق في توبته, لسبق من انتقده.
انظر إلى هذا الأدب الجم من خطاب الأنبياء لله عز وجل :
سيدنا موسى حينما فعل خيراً، وسقى المرأتين، الإنسان أحياناً يعمل عملاً بسيطاً, يقول لك : أنا فعلت كذا، وفعلت كذا، ولحم كتف فلان من خيري، وفلان أنا عملته رجلاً، أما سيدنا موسى حينما أجرى الله على يديه هذا الخير، قال:
﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾
[سورة القصص الآية: 24]
حتى قال بعض علماء القلوب: إن رؤية العمل نوع من الشرك، سيدنا أيوب يقول:
﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾
[سورة الأنبياء الآية: 83]
سيدنا آدم: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾
[سورة الأعراف الآية: 23]
الجن: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً﴾
[سورة الجن الآية: 10]
هل تلاحظون هذا الأدب الجم من خطاب الأنبياء لله عز وجل؟ . ماذا تعني كلمة مؤمن؟ :

إذا قلت: مؤمن أي مؤدّب، مؤدب مع الله، ومؤدب مع أنبيائه، ومؤدب مع كبار العلماء، و مؤدب مع عامة الناس، ماذا أقول لكم؟ إنسانة تقم المسجد، تكنسه، تنظفه، في السلم الاجتماعي لا أعتقد أن إنساناً يقع في مرتبة أدنى من هذه المرتبة، توفيت امرأة، والصحابة الكرام اجتهدوا, أن هذه المرأة من قلة الشأن وضعفه, لا ينبغي أن يبلغ النبي بموتها، من هي؟ فلما سأل عنها قيل له: ماتت، قال: هلا أعلمتموني؟ ذهب إلى قبرها، صلى عليها استثناءً، حكم خاص، من خصوصيات النبي، صلى عليها، وهي في قبرها .
سيد الخلق متأدب مع أقل إنسان مرتبة في الأرض، إذا قلت: مؤمن، أي مؤدب مع الله، و مع أنبيائه، ومع الذين ينقلون العلم للناس، ومع المؤمنين، ومع عامة الخلق .
من أقوال العلماء حول موضوع الأدب مع الله :
قال بعض العلماء: من تأدب بأدب الله, صار من أهل محبة الله، وقال بعضهم: الأدب للعارف كالتوبة للمستأنف، العارف بالله يتأدب مع الله أشد الأدب .
وقد ورد في الأثر, أنه قيل لرسول الله صلى الله عليه و سلم: مثل بهم هؤلاء الذين مثلوا بعمك، قال: لا أمثل بهم فيمثل الله بي، ولو كنت رسولا .
إنسان متطاول جلس عند عالم, فقال له العالم: يا بني, نحن إلى أدبك أحوج منا إلى علمك.

ماذا يعلمنا النبي في هذا الدعاء؟ :
انظر إلى هذا الدعاء النبوي الذي يعلمنا الأدب، عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ, عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((إِنَّ سَيِّدَ الِاسْتِغْفَارِ أَنْ يَقُولَ الْعَبْدُ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي، وَأَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ, فَاغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، فَإِنْ قَالَهَا حِينَ يُصْبِحُ مُوقِنًا بِهَا فَمَاتَ دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَإِنْ قَالَهَا حِينَ يُمْسِي مُوقِنًا بِهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ))
2- الأدب مع أحكام الله وشرعه :
الآن الأدب مع أحكام الله وشرعه، قال تعالى:
﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾
[سورة الحج الآية: 32]
تعظيم شعائر الله، تعظيم مناسك الحج، تعظيم أحكام الصيام، تعظيم أحكام الصدقة، تعظيم أحكام الصدقة:
﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾
[سورة الحج الآية: 32]
﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾
[سورة الحج الآية: 30]
ملخص ما يجري في العالم الإسلامي اليوم :
وربما لخصت لكم ما يجري في العالم الإسلامي الآن: هان أمر الله عليهم فهانوا على الله، لم يعظموا حرمات الله .
قال بعض السلف: من تهاون بالأدب مع الله عوقب بحرمان السنن، ومن تهاون بالسنن عوقب بحرمان الفرائض، ومن تهاون بالفرائض عوقب بحرمان المعرفة، يبدأ الحرمان من سوء الأدب .
وقال بعضهم: الزم الأدب ظاهراً وباطناً، فما أساء أحد الأدب في الظاهر إلا عوقب ظاهراً ، وما أساء أحد الأدب باطناً إلا عوقب باطناً .
2-الأدب مع أنبيائه صلوات الله عليهم :
البند الثاني في هذا الدرس: الأدب مع أنبيائه صلوات الله عليهم:
﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا﴾
[سورة آل عمران الآية: 146]
أي كانوا في قمة الأدب مع رسول الله، ما تململوا، ولا تبرموا، ولا حوقلوا، بل صبروا، و نصروا، وتواضعوا، وتحملوا:
﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾
[سورة آل عمران الآية: 146]
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾
[سورة الحجرات الآية: 1]
معنى لا تقدموا لا تقترحوا، لا تقترح في حياته وأمام حضرته اقتراحات تخالف منهجه، أي إنسان يقول لك: أنا أرى أن هذا لا يصلح لهذا العصر، فهو مشرع، وغاب عن النبي أن هذا الشيء الذي يأمر به لا يصلح لهذا العصر .
يقولون هذا عندنا غير جائز ومن أنتم حتى يكون لكم عند؟
لذلك ورد في بعض الأحاديث الصحيحة: إذا رأيت شحاً مطاعاً، مادية مقيتة، يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل .
واقعة :

حدثني أخ التقى مع محامٍ, له اهتمام كبير بالجرائم الكبيرة التي تقع، قال هذا المحامي: مرة قضية إرث، وقضية حجمها بعشرات الملايين تقترب من ستين مليونًا، ويوجد في القضية شاهد إذا شهد، وأقسم بالله أنه رأى وسمع, عدت شهادته حاسمة، وتغير الوضع كلياً، والشاهد شاهد زور، وهو كاذب، لكن القاضي يعلم الحقيقة، إلا أنه مقيد بالقوانين، هذا الشاهد استدعي ليشهد، فإن وضع يده على كتاب الله, وأقسم بالله العظيم أن يقول الحق، وتكلم بشهادة معينة, فالستين مليونًا تنتقل من الورثة إلى واحد، هذا المحامي رأى ذلك رأي العين، وضع يده على المصحف، ونطق بالقسم، وقال الرواية التي قبض ثمنها مبالغ طائلة، ثم رفع يده عن المصحف، وبقيت يده مرفوعة، قال له القاضي: أنزل يدك، فإذا به قد وقع، بقيت مرفوعة، وافته المنية فجأة، اختل توازنه فوقع، يقول هذا القاضي: رأيت هذا رأي العين:

﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾
[سورة الأنعام الآية: 11]
الفاء للترتيب على التعقيب، ويوجد آية:
﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا﴾
[سورة الأنعام الآية: 11]
وقد يشهد الشاهد شهادة زور، ويحلف يمين غموسًا، ويُغمس بهذه اليمين في النار، ولا يأتي العقاب سريعاً، هذا أدب مع رسول الله، أن تأخذ سنته بكل إكبار، لا أن تنتقض هذه السنة، لماذا الطواف سبعة أشواط؟ يتفلسف، لماذا السعي بين الصفا والمروة؟ ما الفائدة؟ لماذا الصلاة؟ لماذا السنن؟ هذا الذي يسخر من سنة النبي عليه الصلاة والسلام، ليس متأدباً مع رسول الله .
علام تحضنا هذه الآيات؟ :
قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾
[سورة الحجرات الآية: 2]
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ * إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾
[سورة الحجرات الآية:2-3]
يقول الله عز وجل: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً﴾
[سورة النور الآية: 63]
لذلك: أقرب الصحابة إلى الله أشدهم أدباً مع رسول الله، وأقرب الناس إلى الله الآن أشدهم أدباً مع رسول الله، وكما أنه يمكن أن تكون مؤدباً مع رسول الله في حياته, يمكن أن تكون مؤدباً مع رسول الله بعد مماته:
﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾
[سورة النساء الآية: 65]
ما محور هذا الحديث؟ :
أيها الأخوة، عَنْ عِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ قَالَ:
((صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْفَجْرَ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا، فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً، ذَرَفَتْ لَهَا الْأَعْيُنُ، وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، قُلْنَا: أَوْ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَأَنَّ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ، فَأَوْصِنَا، قَالَ: أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا ...))
من روائع سيرة النبي عليه الصلاة والسلام :
يوجد شيء في السيرة يفوق حد الخيال، شاب في الثامنة عشرة من عمره, يعيّنه النبي قائدًا لجيشه، من جنوده؛ أبو بكر, وعمر, وعثمان, وعلي، سيدنا أسامة بن زيد يمشي أبو بكر، و هو خليفة المسلمين، وسيدنا أسامة راكب على الجمل، وسيدنا أسامة كتلة من الأدب، قال: يا خليفة رسول الله! لتركبن أو لأمشين، قال: والله لا ركبت، ولا نزلت، وما علي أن تغبرّ قدماي ساعة في سبيل الله .
سيدنا الصديق حينما دخل المدينة، كان يمشي قبل رسول الله، كان يمشي قبله ليكون دريئة له، وكان يمشي وراءه إذا شعر أن الطلب من ورائه، وكان يمشي عن يمينه إذا خاف القتل من على يمينه، وكان يمشي عن يساره، لما دخل المدينة كان يمشي قبله، وكان أهل المدينة لا يعرفون رسول الله، فظنوا أبا بكر رسول الله، فأقبلوا عليه معظمين، ماذا يقول؟ أمسك رداءه، وظلل به النبي عليه الصلاة والسلام، فعرف الناس أن هذا هو رسول الله .
ما الذي يقرب العبد من الله؟ :

أحياناً إنسان يتمتع بثقافة عالية جداً، لكن له تصرفات -والعياذ بالله- كإنسان أحمق، أو كإنسان أرعن، أو كإنسان جلف كما يقال، وتجد إنساناً عنده أدب، هذا الأدب هو الذي يجعلك قريباً من الله عز وجل .
أيكما أكبر أنت أم رسول الله؟ قال: هو أكبر مني، وأنا ولدت قبله .
وما لم نتحلَ بالأدب فيما بيننا، إنسان أكبر منك، إنسان أقدم منك في المسجد، إنسان أكثر منك علماً، تأدب معه، استمع منه، أحياناً يجلس إنسان لا يسمح لإنسان أن يقول كلمة في المجلس، هو وحده يتكلم، والباقون يسكتون، نوع من الأدب، لكن تكلم قليلاً واستمع كثيراً، تكلم وافسح لغيرك أن يتكلم، بقدر ما الصحابة الكرام كانوا يعظمون رسول الله, بقدر ما كان النبي عليه الصلاة والسلام متواضعاً .
كان مع أصحابه في سفر، فقال أحدهم:
((علي ذبح الشاة، وقال الثاني: علي سلخها، وقال الثالث: علي طبخها، قال عليه الصلاة والسلام: وعلي جمع الحطب، قالوا: يا رسول الله! نكفيك ذلك، قال: أعلم أنكم تكفونني، ولكن الله يكره أن يرى عبده متميزاً على أقرانه))
بقدر ما الصحابة عظموا رسول الله، بقدر ما كان النبي عليه الصلاة والسلام متواضعاً . ماذا نستنبط من هذين الحديثين؟ :
أنا أقول لكم: يمكن أن تستنبطوا من هذين الحديثين مئات النتائج .
إن أعرابياً دخل على رسول الله مع أصحابه، قال:
((أيكم محمد؟ -فقط، هل فهمتم كل شيء؟ ليس له كرسي ضخم، ولا هيئة معينة، ولا ثياب معينة، ولا مقام، ولا طراريح- فقال عليه الصلاة والسلام: أنا))
ومرة دخل أعرابي قال: ((أيكم محمد؟ فقال له أحد الصحابة: ذاك الوضيء))
كان يخسف نعله، كان يحلب شاته، كان يضع الإناء للهرة، كان إذا دخل بيته بساماً ضحاكا ، كان إذا دخل بيته واحداً من أهل البيت، كان يمشي على أربع ليركب الحسن والحسين على ظهره، وهو سيد الخلق، وحبيب الحق، كان إذا رأى صبية قال: السلام عليكم يا صبية، وإذا كانوا يتسابقون جرى معهم، وتسابق معهم، شيء لا يصدق . وأحْسَنُ مِنْكَ لم تَرَ قَطُّ عَيْني وَأجْمَلُ مِنْكَ لَمْ تَلِدِ النّسَاءُ
خُلِقْتَ مُبَرَّأَ مِنْ كُلّ عَيْــبٍ كَأنّكَ قَدْ خُلِقْتَ كمَا تَشاءُ

3-الأدب مع حملة ميراث النبوة :
بقي: الأدب مع حملة ميراث النبوة .
عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((لَيْسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ لَمْ يُجِلَّ كَبِيرَنَا، وَيَرْحَمْ صَغِيرَنَا، وَيَعْرِفْ لِعَالِمِنَا حَقَّهُ))
[أخرجه الطبراني في المعجم الكبير, والإمام أحمد في مسنده]
بالمناسبة: ليس من أمتي هذا وعيد خطير جداً، أنت لا تنتمي لهذه الأمة، من لم يجل كبيرنا ويرحم صغيرنا، ويعرف لعالمنا حقه .
سائل يسأل :
عَنْ قَيْسِ بْنِ كَثِيرٍ قَالَ:
((سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَبْتَغِي فِيهِ عِلْمًا, سَلَكَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضَاءً لِطَالِبِ الْعِلْمِ، وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ، حَتَّى الْحِيتَانُ فِي الْمَاءِ، وَفَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، إِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، إِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَ بِهِ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ))
ما تفسير: حتى الحيتان في الماء تستغفر للعالم؟ سألني مرة أحدهم عن هذا الحديث، قلت له : المؤمن إذا اشترى سمكاً، واصطيد أمامه, لا يسمح بتنظيفه مباشرةً حتى تموت، السمك لا تزال حية, يشق بطنها، وتنزع أحشاءها، وقد عذبت مرتين, فالمؤمن يرحم، يرحم حتى السمكة إذا اشتراها، ولم تمت بعد . انظر إلى هذا الفرق بين العالم والعابد :
عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ قَالَ:
((ذُكِرَ للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلَانِ؛ أَحَدُهُمَا عَابِدٌ، وَالْآخَرُ عَالِمٌ، ثم قَالَ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ, وَمَلَائِكَتَهُ, وَأَهْلَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرَضِ، حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا، والحيتان في البحر, لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ))
[أخرجه الترمذي في سننه]
من سمات المؤمن :

إنسان من الدعاة إلى الله، أنا والله أظنه صالحاً، ولا أزكي على الله أحداً، رجل صالح مستقيم، في أثناء قيادة مركبته رجع قليلاً إلى الوراء، فصدم سيارة, وتأثرت تأثراً طفيفاً جداً، فكتب ورقة باسمه وهاتفه, كي يتولى إصلاح المركبة التي آذاها، ثم جاء صاحبها فتكلم كلاماً بذيئاً، تكلم كلاماً وقحاً، تكلم كلاماً لا يسمع مع هذا الإنسان الصالح، ماذا يفعل هذا الإنسان؟ في اليوم الثاني كان هذا الرجل البذيء في مزرعته في ضواحي دمشق، ودعا أصدقاءه، وأحد الأصدقاء لم يعرف طريق المزرعة، فاتصل به على الهاتف المحمول، أن كن في المكان الفلاني، وسآتي إليك، وصل إليه، وسار أمامه، فإذا بمركبة تصدمه، والآن هو مشلول شللا نصفيًا، وهو في مقتبل حياته، الله كبير، لا تتطاول على إنسان ينتفع الناس منه، لا تتواقح عليه ، لذلك الأدب مع الله، ومع رسوله، ومع تشريعه، ومع أهل العلم من سمات المؤمن، حتى الأدب مع طلاب العلم، تواضعوا لمن تعلمون، يجب أن تتواضع لمن تعلم، يجب أن تتواضع لمن تتعلم منه، ويجب أن تتواضع لمن تعلمه، الأدب مع كبار السن .
يقول عليه الصلاة والسلام:
((البركة مع أكابركم، وليس منا من لم يرحم صغيرنا, ويعرف حق كبيرنا))
دقق في هذا الحديث :
الآن دققوا في هذا الحديث: عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ, أن رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قال:
((إِنَّ مِنْ إِجْلَالِ اللَّهِ, إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ، وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ، وَلا الْجَافِي عَنْهُ، وَإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ))
[أخرجه أبو داود في سننه]
ليس عالماً فقط، بل متقدم في السن، مسلم، صائم، مصلٍّ، مستقيم، محمود السيرة .
((إِنَّ مِنْ إِجْلَالِ اللَّهِ, إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ، وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ، وَلا الْجَافِي عَنْهُ، وَإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ))
واجب في عنقك :
مدير ناحية ما سمعنا عنه إلا خيراً، مستقيم، منصف، متواضع, يحترم الناس، يحل مشكلاتهم، دخل الغرفة، لا أقف له، هذا إنسان له منصف، ومستقيم، وما فعل شيئاً يخالف منهج الله عز وجل، ينبغي أن تحترمه، لا مانع أن تحترم إنساناً الله ولاه عليك احترامًا مؤدبًا من دون نفاق، من دون مبالغة، من دون جفاء أيضاً .
((إِنَّ مِنْ إِجْلَالِ اللَّهِ, إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ، وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ، وَلا الْجَافِي عَنْهُ، وَإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ))
4-الأدب مع عامة الناس :
الآن: الأدب مع عامة الناس: نكتفي بأدب سيدنا يوسف مع أخوته، قال تعالى:
﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾
[سورة يوسف الآية: 100]
أيهما أخطر الجب أم السجن؟ السجن حياته مضمونة، لكن الجب مظنة موت وهلاك، لم يذكر الجب لئلا يذكر أخوته بجريمتهم، ثم قال تعالى:
﴿وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾
[سورة يوسف الآية: 100]
لم يقل: أنتم فقراء، تموتون من الجوع، فجئتم إلي فأطعمتكم، لا، قال: جاء بكم من البدو، ولم يقل: إن أخوته ظلموا، بل قال: من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين أخوتي، ما جعلهم مسيئين، قال: من بعد أن نزغ الشيطان، تعلموا الأدب من الأنبياء، قال تعالى:
﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾
[سورة يوسف الآية: 100]
إذا كنت في قوم من عشرين رجلاً، أو أقلّ أو أكثر، فتصفحت وجوههم، فلم تر فيهم رجلاً يهاب في الله عز وجل, فاعلم أن الأمر قد رق، هناك إنسان له هيبة، كل إنسان موصول بالله له هيبة، عشرون رجلاً، ولا إنسان يهاب، فاعلم أن الأمر قد رق، لذلك في آخر الزمان ألف كأف، ومع أصحاب رسول الله واحد كألف .
خاتمة القول :
أختم هذا الدرس: أن سيدنا الصديق جاءته رسالة من سيدنا خالد, يطلب خمسين ألفاً نجدة لمعركة في نهاوند، يبدو أنهم كانوا ثلاثين ألفاً، وواجهوا ثلاثمئة ألف، فطلب خمسين ألفاً، بعث له الصديق بواحد اسمه القعقاع، قال له: أين النجدة؟ قال: أنا، قال له: أنت؟ معه كتاب، فتح الكتاب، يقول سيدنا الصديق: يا خالد، والذي بعث محمداً بالحق, إن جيشًا فيه القعقاع لا يهزم بإذن الله، وانتصر الجيش بواحد .






والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 07-02-2018, 06:41 AM   #32


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: العقيدة الاسلامية من مفهوم القران والسنة



بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية من مفهوم القران والسنة

الدرس : ( الواحد و الثلاثون )

الموضوع : مستلزمات التوحيد ( 11 )الشكر




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
من لوازم التوحيد :
أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في موضوع أظنه مهم جداً، ألا وهو أن حقيقة العقيدة ليس ما ينبغي أن أعتقد، بل ما ينبغي أن أكون عليه، فهذه المركبة يجب أن تسير، فإن لم تسر, إذاً ليس فيها محرك، تعتقد أن الله غني، وأنه أنعم عليك بنعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، ونعمة الهدى والرشاد، ولا تشكره؟! إذاً هذه الحقائق لا تعرفها، ولم تخطر على بالك، العبرة ما ينبغي أن أكون عليه، لا ما ينبغي أن أعتقده .
فالدرس اليوم: من لوازم توحيده أن تشكره، الشكر نصف الإيمان، والشكر من أخص خصائص المؤمن .

من تعريفات الشكر :
قال بعضهم: الشكر سيلان اللسان بذكر الله ونعمائه، إذا أحببت شيئاً أكثرت من ذكره ، علامة محبتك لله أنك تكثر من ذكره، علامة أنك تعلم ما أنعم الله به عليك من نعم، أنك تشكره، وقالوا: اختلاج القلب وتلهفه وتواضعه لكرمه، وإعمال الجوارح في طاعته، وتعظيم أوامره، هذا هو الشكر، هذا من تعريفات الشكر .
من الأولويات عند الإنسان المسلم :
أيها الأخوة الكرام، يقول عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام أحمد في مسنده:
((والذي نفسي بيده, إن دواب الأرض لتسمن وتشكر شكراً))
﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لاَ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾
.
فإذا كانت دواب الأرض تسمن وتشكر الله عز وجل, فالأولى أن نكون نحن الذين كلفنا حمل الأمانة، وسخر لنا الكون من أجلنا, أن نشكر الله عز وجل .
من تعريفات الشكر أيضاً كما أوردها العلماء في هذا المقام :
وقال بعضهم: الشكر ظهور أثر النعمة على لسان العبد ثناءً واعترافاً، وعلى قلبه شهوداً ومحبةً، وعلى جوارحه انقياداً وطاعة .
الشكر كما قال بعض العلماء: ألا ترى نفسك أهلاً للنعمة، أن ترى النعمة أعظم من عملك .
بعضهم قال: أن ترى النعمة، أن ترى نفسك فيها طفيلياً، لست أهلاً لها، هذا من تواضع الإنسان .
الشكر معرفة العجز عن الشكر، والعجز عن الإدراك إدراك، لأن الله عز وجل يقول:

﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾
[سورة النحل الآية: 18]
أنتم عاجزون عن إحصائها، فلأن تكونوا عاجزين عن شكرها من باب أولى .
وقال بعضهم: الشكر معرفة العجز عن الشكر، والشكر استفراغ الطاقة، أو هو مشاهدة المنة، وحفظ الحرمة، وقيل: هو عكوف القلب على محبة المنعم، والجوارح على طاعته، وجريان اللسان بذكره، والثناء عليه، هذه بعض التعريفات التي أوردها العلماء حول مقام الشكر الذي هو من أخص خصائص المؤمن .

تعريف الشكر بشكل مختصر :
أيها الأخوة الكرام، بشكل مختصر: الشكر: إدراك بالعقل أن هذه النعمة من الله، وامتنان بالقلب، وعمل صالح لعباده كتعبير صارخ على شكره، لقوله تعالى:
﴿اعْمَلُوا آَلَ دَاوُدَ شُكْراً﴾
[سورة سبأ الآية: 13]
فاللسان يشكر، والقلب يمتن، والجوارح تعمل، العقل يدرك، والقلب ممتن، والجوارح تتحرك بنسق واحد، فالعقل يدرك أنه في نعمة عظمى . من دلائل العجز والضعف عند الإنسان :
أمسك أحد الخلفاء كأس ماء، فقال له وزيره: يا أمير المؤمنين, كم تشتري هذا الكأس إذا منعت منك؟ قال: بنصف ملكي، قال: فإذا منع إخراجه؟ قال: بنصف ملكي الآخر .
أنت مفتقر إلى كأس ماء .
مرة قرأت في الأخبار: أن إنساناً أتى من الكويت إلى الشام, قبل أن يكون هناك طريق معبد، ضل الطريق، عثر عليه ميتاً هو وزوجته وأولاده من شدة العطش، وقد جرح وجهه بأظافره من شدة العذاب، الإنسان, ومكانته, وشهاداته, وقيمته, وهيمنته, وسيطرته في كأس ماء، من حكم الصوم حينما تجوع وتعطش تعرف أنك عبد لله، وأنك مفتقر لكأس ماء، إدراك بالعقل، وامتنان بالقلب، وعمل لخدمة العباد هذا الشكر .

إليكم هذا الدليل من الكتاب على أن الشكر من أخص خصائص المؤمن :
أيها الأخوة الكرام، أؤكد لكم أن الشكر من أخص خصائص المؤمن، من أخص خصائص المؤمن، الدليل: قال تعالى:
﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ﴾
[سورة النساء الآية: 147]
أنت حينما تشكر، وحينما تؤمن, حققت الهدف من وجودك، حققت علة وجودك، حققت غاية وجودك .
الدليل الآخر: أن هذا الكون مسخر لك تسخير تعريف وتكريم، أي شيء خلقه الله عز وجل, وظيفته الأولى أن تعرف الله من خلاله، وظيفته الثانية أن تنتفع به .

انظر إلى هذا الفرق بين من يعيش في النعمة ومن يعيش مع المنعم :
ضربت اليوم مثلاً لطلاب، قلت لهم: لو أن واحداً دخله قليل جداً، حيث لا يستطيع أن يلعق لعقة عسل واحدة لفقره، لكن وقع تحت يده كتاب عن العسل، فبكى تعظيماً لله على هذه الآية الدالة على عظمته، هذا الذي لم يستطع أن يلعق لعقة عسل واحدة, حقق الهدف الأكبر من خلق العسل، مع أنه لم يأكل العسل، وبالتعبير العامي الذي انفزر عسلاً، وما فكر فيه, عطل الهدف الأكبر من خلق العسل، الغرب أتقن الانتفاع بالنعم، والمؤمنون في عصور ازدهارهم, أتقنوا شكر هذه النعم، لذلك هناك من يعيش في النعمة، وهناك من يعيش مع المنعم.
ممكن لإنسان أن يدعوك إلى طعام نفيس، ويتفنن في ألوان الطعام، ويتفنن في الترحيب، ويتفنن في وضع الزهور، والعصير مقدماً، ويأتي إنسان عينه على الطعام يجلس، ويلتهم الطعام كالدابة، ثم ينصرف، ولا يسلم على صاحب البيت، ولا يشكره، هذا فعلاً دابة, في إنسان يرتدي ثياباً غالية جداً، وعنده عطر، يقول لك: هذه ثمن القارورة أربعة آلاف وخمسمئة ليرة، أخذتها من باريس، لكن هو دابة, إذا تنعم ولم يشكر، فلذلك الشكر من أخص خصائص المؤمن .
من أدعية النبي عليه الصلاة والسلام :
كان عليه الصلاة والسلام يقول:
((الحمد لله الذي أذهب عني ما يؤذيني, وأبقى لي ما ينفعني))
((الحمد لله الذي أذاقني لذته الطعام, أبقى في قوته, وأذهب عني أذاه))
كان إذا رأى وجهه في المرأة: ((اللهم كما حسنت خَلقي حسن فحسن خُلقي))
كان إذا ارتدى ثوباً جديداً له دعاء خاص .
كان إذا دخل على بيته, قال:
((الحمد لله الذي آواني، وكم ممن لا مأوى له))
كان إذا استيقظ: ((الحمد لله الذي رد إلي روحي، وعافاني في بدني، وأذن لي بذكره))
لا تغفل عن هذه النعم :
أيها الأخوة الكرام, تلبد الحس مصيبة كبيرة، اسأل أخاً اضطر لزرع أسنانه، ثمن زرع الأسنان كلها مليونا ليرة سورية، الذي عنده أسنان طبيعية سليمة، الذي عنده كليتان سليمتان, زرع الواحدة يكلف حوالي مليون، الآن الذي عنده قلب يعمل بانتظام, لا يحتاج إلى زرع شريان، هذه نعمة، الذي عنده الغدد الصماء تعمل بانتظام، هذه نعمة كبيرة، أنت بصحتك التامة غني .
تاج النعم العقل :
أيها الأخوة الكرام، الشكر من أخص خصائص المؤمن، الشكر لله -دقق- والحمد، الحمد صفة مشتركة بين كل البشر .
إنسان ملحد يشتري بيتاً، يزينه، يفرشه، يستقبل الضيوف، بعد أن تنتهي السهرة يقول : تفضلوا وتفقدوا البيت، هذه ستة بسبعة، الغرفة ما شاء الله، هذه الشرفة مطلة على الحديقة، هذا الحمام مستواه كذا، هو مع النعمة، هو يحمد، لكن يحمد من؟ في الفاتحة: )الْحَمْدُ للهِ(، الخلاف لا على الحمد، على من ينبغي أن تحمد .
إنسان يحمل شهادة عليا من باريس، دكتوراه في الجيولوجيا، ترقى في المناصب حتى صار معاون وزير، شاب في مقتبل الشباب، زوجته شابة، دخله كبير، بيته بأرقى أحياء دمشق، مركبته فارهة، فقد بصره، جاملوه شهرًا، ثم عزل من منصبه، زاره صديق لي، قال له: والله يا فلان أتمنى أن أتسول على الطريق، ولا أملك إلا ثيابي، وأن يرد لي بصري، هل تعلم قيمة نعمة البصر؟ .
إنسان اختل توازنه العقلي، ضغطه ممتاز، لكن لا عقل له، ضغطه جيد، نبضه ثمانون ، أجرى فحوصات، تامة كلها، لكن لا عقل له، تاج النعم العقل .

طرفة :
طرفة: كنت أقول سابقاً، وسأعود إلى ذلك إن شاء الله، كل طفل جاء مع أبيه, نقدم له أكلة طيبة عقب صلاة الجمعة، مرة أحدهم أطول مني، قال: أين هديتي؟ فهمت أن عقله خفيف، قلت له: تفضل، قلت: سبحان الله! ليس ثمة شيء ثمين في حياته كالعقل، يسكت أحيانا ، أحياناً يبتسم، أحياناً يتكلم، أحياناً يسترحم، لكن لا عقل له، مشكلته مشكلة .
من لوازم المؤمن :
أيها الأخوة الكرام، قواعد الشكر خمسة؛ الخضوع للمشكور، قبل أن نبدأ بهذه القواعد أقول: المسلم المؤمن الصادق إذا سمع خبراً سار, يسجد سجدة الشكر، نجح, يسجد سجدة الشكر، استلم المحل, يسجد سجدة الشكر، تزوج, يسجد سجدة الشكر, مشكلة انحلت, يسجد سجدة شكر .
واقعة :
حدثني أخ, قال لي: أعمل بالكمبيوتر خمس ساعات، فضاعت كلها، غلط غلطة، محا العمل كله، تألم ألماً شديداً، ثم هداه الله إلى طريقة, استرجع هذه المعلومات، فصلى ركعتين شكراً لله، فالشكر من لوازم المؤمن، أنت حسنة من الله عز وجل، منحك نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، ونعمة الهدى والرشاد .
من المنسيات عند الإنسان :
مرة كنت في المطار, شاهدت طفلاً صغيراً يجمع أن يسافر مع والديه، لكن وسطه كرة كبيرة جداً، يبدو أنهم يخافون أن يحدث شيء في الطائرة، وضعوا فوطًا مضاعفة، قلت: هذا إذا صار في منصب رفيع عندما يكبر, يتذكر نفسه في المطار في وسطه كرة فيها فوط مضاعفة، الإنسان يكون طفلاً، لا يلحظ نفسه، يكبر، ينسى أنه كان طفلاً، خرج من عورة إلى عورة، وخرج من عورة ثلاث مرات، يقول: أنا، من أنت؟ .
قواعد الشكر خمسة: الخضوع للمشكور، ومحبته، والاعتراف بنعمته، وثناؤه عليه، وصرفها فيما يحب ويرضى .

أنواع الشكر :
1-شكر العامة :
الشكر: شكر العامة، وشكر الخاصة, العامة تشكر الله على المال الوفير، يقول لك أحدهم: الله مفضلها، يشكر الله على الصحة فقط، على الزوجة، يشكر الله على كل شيء مادي ، لأن المادة مبلغه من العلم:
﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾
[سورة النحل الآية: 78]
2-شكر الخاصة :
أيها الأخوة الكرام, الخاصة ما نوع شكرهم؟ يشكر الله على معرفة الله، يشكر الله على طاعة الله، يشكر الله على معرفة القرآن، على معرفة السنة، يشكر الله أن أجرى الله على يديه العمل الصالح:
﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾
[سورة النحل الآية: 78]
كلما ارتقى مستواك يرتقي مستوى شكرك، لا مستوى الشكر من حيث الدرجة، مستوى مضمون الشكر .
إليكم هذا الفرق بين شكر العامة والخاصة :
أيها الأخوة الكرام، عامة الناس يشكرون الله على النعم المادية، ولكن خواص المؤمنين يشكرون الله على نعمة المعرفة، ونعمة الطاعة، ونعمة الصلة، ونعمة العمل لصالح ، وأن الله سخر له أناساً يتاح من خلالهم أن يتقرب إلى الله .
إذا أحب عبدي لقائي أحببت لقاءه، وإذا كره لقائي كرهت لقاءه، أنا أغنى الأغنياء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيره, تركته وشركه .

قواعد الشكر :
1-الخضوع للمشكور :
أيها الأخوة الكرام، القاعدة الأولى: الخضوع للمشكور، لا يمكن أن تكون شاكراً إذا كنت عاصياً، من لوازم الشكر الخضوع لله عز وجل:
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾
[سورة الفاتحة الآية: 5]
﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾
[سورة الحج الآية:35]
﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾

[سورة آل عمران الآية: 172]
إذاً: القاعدة الأولى: الخضوع لله عز وجل، وما شكر الله من لم يخضع له .
2-محبة المشكور والثناء عليه :
الشيء الثاني: محبة المشكور والثناء عليه، فيجب أن يمتلئ القلب محبة لله عز وجل، للتقريب: لا يوجد عندك بيت، وعاقد عقدك على فتاة، ولم تجد بيتاً، ولا تملك ثمن بيت، ولا تملك أجرة بيت، وجاء إنسان، وقدم لك بيتاً بحي جيد، بمواصفات جيدة، قال لك: هذا هدية مني لك، اسكن، واعمل عرسك، وتزوج، يقول لك: لا يذهب من بالي، أقعد، وأقوم، وأدعو له ، بشكل طبيعي إنسان قدم لك شيئاً، الله قدم لك الوجود، قدم لك الهدى، قدم لك عينين، قدم لك لساناً تنطق به، قدم لك أذنين، قدم لك عقلاً، قدم لك أجهزة، قدم لك أعضاء، قدم لك كليتين تعملان بانتظام .
قصة :
مرة أخ دعانا إلى بستان في الربيع، وقال لي: هذا البستان لعمي، ونحن جالسون, دخل عمه، ولم يسلم علينا، أنا عتبت عليه أشد العتب، هذه جفوة، سألت ابن أخيه، قال لي: دعه بحاله، جاء من غسيل كليتيه, لا يرى في وجهه أحداً، معك كليتان تعملان بانتظام، لك عينان، لك أذنان، لك عقل في رأسك، لك قلب يعمل بانتظام، رئتان، معدة، أمعاء، بنكرياس .
هذه مهمة الغدة النخامية :
أحد أصدقائي زار ألمانيا، ويوجد معمل له مديرة مبيعات، يعرفها جيداً، فوجئ أن صوتها أصبح خشناً، ونبت الشعر في وجهها، واختلفت معالم وجهها، دهش من هذا التبدل المفاجئ، سألها، قالت له: والله تعطلت الغدة النخامية، أنا أدفع نصف دخلي حتى أبقى بهذه الحال، الأمر يزداد .
أيها الأخوة, النخامية وزنها نصف غرام، تفرز هرمون الجنس، وهرمون النمو، و هرمون توازن السوائل، وهرمونات كثيرة جداً، الغدة النخامية تفرز اثني عشر هرموناً، لو تعطل أحد هذه الهرمونات لأصبحت حياة الإنسان جحيماً لا يطاق، هرمون توازن السوائل، لو تعطل هذا الهرمون يجب أن تستقر دائماً بين الصنبور، ودورة المياه، يمكن أن تشرب باليوم عشرة براميل، توازن السوائل، كأس، كأسان، عشر كؤوس في الأربع والعشرين ساعة تكتفي ، لأنه يوجد هرمون يضبط توازن السوائل، يجب أن تنتبه إلى الهرمون التابع للغدة النخامية، والدرقية، والكظر، والبنكرياس، وعمل الكليتين، وعمل القلب، والضغط، وبلازما الدم .

من أنشطة الطحال في جسم الإنسان :
لي قريب آخر من أسرة غنية، وصحته جيدة، معه فقر دم، لم يدع طبيباً، من طبيب إلى طبيب, إلى طبيب، إلى بريطانيا، بعد التحليل الدقيق, وجد أن مقبرة كريات الدم الحمراء لا تعمل، الطحال هذه مهمتها إذا ماتت كرية أن تدفنها، وأن تحللها إلى عناصرها الأولية هيموغلوبين وحديد، الحديد يرسل إلى معامل كريات الدم الحمراء في نقي العظام, و الهيموغلوبين يرسل في نقي العظام، والهيموغلوبين يرسل إلى الصفراء، فيغدو صفراء مع الكبد، هذا الطحال يقوم بنشاط أكبر مما ينبغي، يأخذ الكرية الحية يقتلها ويحللها، نحن دفن الموتى للموتى، وليس للأحياء نقتله، ونضعه في الموتى، هذه مشكلة الطحال، مات بهذا المرض، ممكن لإنسان يموت بتوقف نشاط الطحال، قام بنشاط أكبر مما يجب، مهمته تحليل الكريات الميتة إلى عناصرها الأساسية, صار يقتل الكرية الحية، ويحللها, صار معه فقر دم, مات بهذا المرض .
إنسان آخر مات بمرض اسمه: فقر دم اللامصنع، معامل كريات الدم الحمراء توقفت فجأة عن توليد هذه الكريات بلا سبب، المرض حتى الآن لا يعرف سببه، فقر دم اللامصنع، مات به ملِك .

ألا يستحق هذا الإله الحب؟!!! :
أيها الأخوة الكرام، أن تحب الله، منحك نعمة الإيجاد، منحك الأعضاء، منحك السلامة ، منحك أجهزة، منحك حواسًّا، منحك قوامًا، منحك عقلاً، الآن منحك زوجة، منحك بيتًا، منحك أولادًا، منحك اختصاصًا، منحك مكانة، منحك محبة الناس، المؤمن من سماته أنه يشكر الله دائماً، الله عز وجل شكور، إذا أحببته, ألقى محبتك في قلوب الخلق .
3-أن تعترف بنعم الله :
الآن هناك صفة ثالثة للشكر: أن تعترف بنعم الله، يكون في مرتبة عالية، يقول: أنا تعبت على نفسي، أنا ما نمت الليل ثلاثا وثلاثين سنة، تراني في مكانة عالية، هذه ثمنها، عرق، وسهر، ودراسة، أين الله؟ نسي الله، عمل عملاً طيباًً، هذه تربية بيتية، والدي ربانا لا يذكر الله أبداً، إذا مرض ابنه، وأخذه إلى الطبيب، وشفي، والله هذا الطبيب معه بورد، ممتاز ، نسي أن الله أذن له أن يشفى، البطولة أن تعترف بنعمة الله عز وجل .
قال عليه الصلاة والسلام:

((إن الله ليرضى عن العبد, أن يأكل الأكلة فيحمده عليها, ويشرب الشربة فيحمده عليها))
[أخرجه مسلم في الصحيح, والترمذي في سننه]
انظر كيف ختم عمر طعامه :
أنا لا أنسى لما جاء رسول عامل سيدنا عمر على أذربيجان، كره أن يطرق بيته ليلاً، فذهب إلى المسجد، سمع من يبكي، وينادي ربه: يا رب، هل قبلت توبتي فأهنئ نفسي، أم رددتها فأعزيها؟ قال: من أنت يرحمك الله؟ قال: أنا عمر، قال: يا سبحان الله! ألا تنام الليل؟ قال: إني إن نمت ليلي كله أضعت نفسي أمام ربي، وإن نمت نهاري أضعت رعيتي، أخذه صباحاً إلى بيته، قال: تأكل عندنا أم مع فقراء المسلمين؟ قال: عندك -الثانية ليست واردة أبداً- فإذا في بيت عمر خبز وملح، قال: يا أم كلثوم، ما عندك من طعام؟ قالت: والله ما عندنا إلا خبز وملح، قال: هاته لنا، أكل مع ضيفه خبزاً وملحاً، حمد الله على أن أطعمه فأشبعه، وحمد الله أن سقاه فأرواه .
من المعاني التي ابتعد عنها المسلمون في هذا العصر :
الآن يبدأ بكأس عصير، ثم ثمانية عشر صحن مقبلات، بعد الشوربة، بعد الفتة، بعد أكلة الطبخ، بعد أكلة اللحم، بعد هذا الفواكه، بعد هذا الحلويات، بعد هذا القهوة، مثل الدابة يأكل ويمشي، أين الله عز وجل؟ على خبز وملح، الحمد لله الذي أطعمني فأشبعني، وأسقاني فأرواني، على خبز وملح، وليس خبزًا أبيض مثل الذي نأكل، ابتعد المسلمون عن هذه المعاني الدقيقة .
جلست إلى مائدة يمكن أن يأخذ السيروم، يقول: تبخش بدني، لا طعام، ولا شيء، يجب أن تعترف أن هذا من فضل الله عليك، يقول لك: هذا البيت حتى اشتريته ثلاث سنوات, رأيت مئتي بيت، هذا أنا اخترته، الله عز وجل أكرمك في هذا البيت، ومكنك أن تملك ثمن هذا البيت، ويسر لك شراء هذا البيت .

من ضعف إيمان الإنسان :
دائماً الإنسان من ضعف إيمانه يعزو النعم إلى جهده، قارون قال تعالى عنه: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾
[سورة القصص الآية: 78]
﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾
[سورة القصص الآية: 81]
احفظ هذا الدعاء :
اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت, خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، هذا الدعاء النبوي الشريف .
4-الثناء على المشكور :
الآن الثناء على المشكور، أول قاعدة: الخضوع، الثانية: المحبة، الثالثة: الاعتراف، الرابعة: الثناء .
يقول عليه الصلاة والسلام:

((لئن أقول: سبحان الله, والحمد لله, ولا إله إلا الله, والله أكبر, وأحب إلي مما طلعت عليه الشمس))
وفي حديث آخر: عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَلَا أُخْبِرُكَ بِأَحَبِّ الْكَلَامِ إِلَى اللَّهِ؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَخْبِرْنِي بِأَحَبِّ الْكَلَامِ إِلَى اللَّهِ، فَقَالَ: إِنَّ أَحَبَّ الْكَلَامِ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ))
عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: ((جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: عَلِّمْنِي كَلَامًا أَقُولُهُ، قَالَ: قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، سُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ))
هذا مما يؤكد شكرك؛ خضوع، محبة، اعتراف، ثناء . 5-أن تستخدم النعم لطاعة الله :
الشيء الخامس: أن تستخدم النعم لطاعة الله، هذه العين ينبغي ألا تستخدمها في النظر إلى عورات المسلمين، هذه الأذن ينبغي ألا تستخدمها في سماع ما نهى الله عن سماعه, من غيبة أو نميمة أو غناء، هذا اللسان ينبغي ألا يغتاب أحداً، أن يكون رطباً بذكر الله، هذه اليد للعمل الصالح، هذه الرجل للمجيء إلى المساجد، إلى الطاعات، إلى صلة الرحم، من لوازم الشكر أن تستخدم هذه النعم فيما شرع الله، لا فيما لم يشرع الله، إذا آتاك الله مالاً فليرَ أثر نعمة الله عليك .
أدوات الشكر :
1-اللسان :
الآن آلات الشكر: اللسان، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ, أَنَّ رَجُلًا قَالَ:
((يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ قَدْ كَثُرَتْ عَلَيَّ, فَأَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ أَتَشَبَّثُ بِهِ, قَالَ: لَا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ))
أول أداة للشكر: اللسان، أن تذكره فلا تنساه، وأن تشكره فلا تكفره، وأن تطيعه فلا تعصيه .
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قال:
((كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ؛ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, والترمذي في سننه]
هذا الذكر البرمجة اللغوية العصبية، سموه التكرار الكثيف، أحياناً إذا كررت شيئاً بكثافة تتعلق به، وتقبل عليه .
2-القلب :
أيها الأخوة الكرام، الشكر أدواته: اللسان، والقلب، والجوارح، فالقلب شكره بالبعد عن الشبهات، ودفع وساوس الشيطان .
فعَنْ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ الْأَسَدِيِّ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِوَابِصَةَ:

((جِئْتَ تَسْأَلُ عَنْ الْبِرِّ وَالْإِثْمِ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَجَمَعَ أَصَابِعَهُ فَضَرَبَ بِهَا صَدْرَهُ، وَقَالَ: اسْتَفْتِ نَفْسَكَ، اسْتَفْتِ قَلْبَكَ يَا وَابِصَةُ، ثَلَاثًا، الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ، وَاطْمَأَنَّ إِلَيْهِ الْقَلْبُ، وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي النَّفْسِ، وَتَرَدَّدَ فِي الصَّدْرِ، وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ))
البعد عن الشبهات، وعن المخالفات، وعن وساوس النفس، هذا شكر القلب لله عز وجل، من شكر القلب: امتناعه عن الحسد، والغل، والحقد، ومدافعة هذه الأمراض . 3-الجوارح :
بقي شكر الجوارح، الجوارح أن تستعملها في طاعة الله، كل جوارحك، بدءاً من العين إلى اللسان، إلى الأذن، إلى اليد، إلى الرجل، إذا استخدمت هذه الجوارح في طاعة الله, فقد شكرت الله عز وجل .
أيها الأخوة الكرام، هذه بعض ما في الشكر من آيات وأحاديث وحقائق، والإيمان نصف صبر، ونصف شكر، بل الشكر مع الإيمان هو تحقيق لغاية الإنسان .

كلمة الختام :
وكلمة أخيرة في قوله تعالى:
﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ﴾
[سورة النساء الآية: 147]
الإيمان مع الشكر تحقيق لكل أهداف الإنسان، أنت في الأساس نعمة من نعم الله، عرفته، وشكرته على هذه النعمة، ما دام الكون مسخرًا تسخير تعريف وتكريم، التعريف يقتضي الإيمان، والتكريم يقتضي الشكران، فإذا آمنت وشكرت, فقد حققت الهدف من وجودك.








والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 07-02-2018, 06:44 AM   #33


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: العقيدة الاسلامية من مفهوم القران والسنة



بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية من مفهوم القران والسنة

الدرس : ( الثانى و الثلاثون )

الموضوع : مستلزمات التوحيد ( 12 ) الصبر





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
من لوازم العقيدة الصحيحة :
أيها الأخوة الكرام، مع الدرس الثاني والثلاثين من دروس العقيدة، ولا زلت أؤكد لكم: أن حقيقة العقيدة لا ما ينبغي أن تعتقد، بل ما ينبغي أن تكون عليه، ومن لوازم العقيدة الصحيحة، من لوازم الفهم الصحيح، من لوازم معرفة الله عز وجل، من لوازم معرفة حقيقة الدنيا: أن تصبر.
أيها الأخوة, أنت في مدرسة، في شدة، في استماع، في انتباه, في اهتمام، في وظائف، في واجبات، في دوام، في تبكير إلى الدرس، في احترام المدرس، هكذا طبيعة المدرسة، في الملهى شيء آخر، إذا كنت في ملهى فهذا موضوع آخر، فكل إنسان في مدرسة, يظن نفسه في ملهى, يقع في إشكال كبير، أنت في مدرسة، كلمة مدرسة؛ أي إعداد لمستقبل مشرق .
أنت في الدنيا معنى إعداد للآخرة، ما دامت الدنيا مرحلة إعدادية، ما دامت الدنيا ممرًّا وليست مقراً، ما دامت الدنيا دار عمل، ما دامت الدنيا دار تكليف، ما دام الإنسان أودعت فيه الشهوات، أعطي العقل والمنهج، وقد يغفل، وقد يزيغ، وقد يقصر, فلا بد من تأديب، لا بد من توجيه، لا بد من شدة، لا بد من دفع إلى باب الله عز وجل، لذلك كان الصبر.

متى يصبر العبد؟ :
حينما تفهم على الله سر وجودك في الدنيا تصبر، حينما تعلم علم اليقين أنك مخلوق للجنة، وأن الحياة الدنيا إعداد لها تصبر، حينما تعلم أن الله سبحانه وتعالى كماله مطلق تصبر ، حينما تعلم أن الله حكيم تصبر، حينما تعلم أن الله عليم تصبر، حينما تعلم أن الله عادل تصبر، أنت حينما تؤمن بوجود الله أولاً، وبعلمه، لا يخفى عليه شيء، وبعدله، وبحكمته، وبرحمته، خبرته بما خلق، حينئذ تصبر, أما الذي لا يصبر فهناك خلل في فهمه، خلل في عقيدته، خلل في إيمانه، خلل في معرفته لسر وجوده .
من هو الجاهل؟ :
الصبر محصلة أشياء كثيرة، الصبر محصلة، تماماً كما لو كنت إنساناً راشداً بالغاً عاقلاً، وأنت عند طبيب أسنان، وضعف القلب -لا سمح الله ولا قدر- لا يسمح بالمخدر، ولا بد من قلع هذا الدرس، ألم مستمر، والقلب لا يحتمل المخدر، والطبيب أقنعك، لذلك تتمسك بالمقعد وتصبر، لماذا تصبر؟ لأنك تعلم أنه لا بد من قلع هذا السن، ولماذا تصبر؟ لأنك تعلم أن المخدر لا يناسبك، ولماذا تصبر؟ لأن هذا الطبيب في أعلى مستوى، إذاً تصبر، أما لو أن طفلاً صغيراً أردنا أن نقلع، أو أن نزيل سنه يبكي، ويتحرك، ويصدر حركات غير معقولة، وقد يتفلت لسانه بكلمات غير معقولة للطبيب، لأنه جاهل، إذاً: الذي لا يصبر جاهل، والذي يصبر فهو على حد أدنى من معرفة الله .
علامة الحب الصدق :
الله عز وجل جعل هذه الدنيا دار ابتلاء، كل إنسان بالإكرام يميل قلبه لمن أكرمه، لكن متى يظهر الولاء الحقيقي؟ متى يظهر الحب الحقيقي؟ .
والله وإن فتّتوا في حبهم كبدي باق على حبهم راض بما فعلوا
علامة الحب الصدق، أما العطاء فلا يولّد محبة، يولّد منفعة، لذلك هناك عبيد إحسان، وليس هناك عبيد امتحان .
لك صديق غني، وكل يوم في مطعم، إكرامه منقطع النظير، أنت تحبه لأنه تأتيك من قِبَله مزايا كثيرة، لو أن مرة لم يقدم لك شيئاً فانصرفت عنه، إذاً أنت لا تحبه، أنت تحب نفسك، فهذا اليوم الذي قطع عنك العطاء انصرفت عنه، لأنك تحب نفسك .

هذا ملخص الإيمان :
يمكن أن يلخَّص الإيمان في الصبر، لأنه هو الإيمان كله، معرفة بالله، وضبط الشهوات، الإيمان ضبط، فما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا جعل لها قناة نظيفة، ولكن ليس قنوات، قناة واحدة، المرأة بالزواج فقط، المال بالكسب الحلال فقط، العلو في الأرض شهوة بطاعة الله، وبطلب العلم، لا بإيذاء الناس، ولا ابتزاز أموالهم، فقضية الصبر قضية مركزية في الدين، الصبر ضبط، المؤمن منضبط، منضبط بمنهج الله .
الإيمان قيد الفتك لا يفتك مؤمن :
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
((الْإِيمَانُ قَيْدُ الْفَتْكِ، لَا يَفْتِكُ مُؤْمِنٌ))
[أخرجه أبو داود في سننه]
هل من المعقول: أن الفرنجة حينما فتحوا القدس أن يقتلوا سبعين ألف إنسان؟ والذي ترونه الآن، وتسمعون به, قتل بلا تمييز، قتل بلا سبب، موت كعقاص الغنم، لا يدري القاتل لمَ يَقتل، ولا المقتول لمَ قُتل؟ فلذلك أنت مكلف أن تنضبط بالإيمان، الفرنجة ذبحوا سبعين ألف مسلم في القدس في يومين، فلما فتح صلاح الدين الأيوبي -رحمه الله تعالى- القدس, لم يسفك قطرة دم واحدة، لأنه لا يستطيع، مقيَّد، الإيمان قيَّده، الإنسان بنيان الله، وملعون من هدم بنيان الله .
ما تعريف الصبر في اللغة؟ :
أيها الأخوة، الصبر في اللغة الحبس والكف، الصبر حبس اللسان, والقلب, والنفس, والجوارح عن التشكي, والجزع, والتسخط, والتذمر، ولو أفضنا في هذا الموضوع, لأننا في هذه الأيام في أمسّ الحاجة إليه، واللهِ مصائب كالجبال، واللهِ محن لا تقوى على حملها الجبال، والمسلمون مبتلون الآن أشد أنواع البلاء، فلا بد من فهم حقيقة الصبر .
الصبر الثبات مع الله .
((واللهِ يا عمّ، لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في شمالي, على أن أدع هذا الأمر ما تركته، حتى يظهره الله))
قال تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾
[سورة الأحزاب الآية: 23]
الثبات مع الله، تلقي البلاء بالترحيب والدعة، هذا قرار الله عز وجل، هذه الشدة إرادة الله عز وجل، الذي يحب الآخر يحترم إرادته، الذي يحب الآخر يحب فعله، الصبر حبس النفس عن الجزع والتسخط، وحبس اللسان عن الشكوى، وحبس الجوارح عن التشويش .
المسير من الدنيا إلى الآخرة سهل هيّن على المؤمن، وهجران الخلق في جنب الله شديد، والمسير من النفس إلى الله صعب، والصبر مع الله أشد، هذه بعض أقوال العلماء في شأن الصبر .

من لوازم العلم بأسماء الله تعالى أن تصبر :
الصبر ورد في القرآن في تسعين موضعاً، قال بعض العلماء: الصبر من لوازم العلم بأسماء الله وصفاته، فإن علمت حقيقة أن الله رحيم، وأن الله حكيم، وأن الله قدير، وأن الله عدل، وأن الله خبير، وأنك مخلوق للجنة، وأن الدنيا دار ممر، وأن الدنيا لا شأن لها عند الله .
وفي الحديث: عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ:

((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَوْ كَانَتْ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ, مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ))
[أخرجه الحاكم في مستدركه]
من لوازم العلم بأسماء الله تعالى أن تصبر . من علامات الإيمان بالقضاء والقدر :
الصبر يدلّ على صدق مراقبة لله عز وجل، الصبر يدل على إيمان العبد بالقضاء والقدر، من علامات الإيمان بالقضاء والقدر أن تصبر، الصدق توحيد الله بأسمائه، العليم، والحكيم، والخبير، والبصير .
أنت حينما تؤمن أن الله يقدر المحن والبلاء كيفما يشاء، وهو يعلم، وأنت لا تعلم، أيّ لا تنصِّب نفسك محللاً لكل أفعال الله، قل: لا أعلم، نحن في محنة شديدة، ما الحكمة منها؟ واللهِ لا أعلم، أنا أعلم أن المحن كلها رسالة من الله، أن يا عبدي غيِّر، غيِّر حتى أغيِّر، هذا هو ردي، آيات كثيرة .
هذه مهمة المصائب :
المصائب تقريب من الله، والمصائب تطهير، والمصائب تزكية، والمصائب تحذير، والمصائب دفع إلى باب الله عز وجل، الله وحده يعلم ما هو أفضل لحال المؤمن، يوجد إنسان يسوقه الله إليه في الشدائد، يوجد إنسان بالرخاء، يوجد إنسان يعزه, فيستحيي من الله، فيقبل عليه، يوجد إنسان يضيق عليه، هو الخبير، يعلم, وأنت لا تعلم، أنت مع طبيب من بني البشر، لأنه كتب على اللوحة: بورد من دولة عظمى, تجد نفسك مستسلماً، خذ هذا الدواء، حاضر، حلل فتحلل، صور فتصوِّر، ولا كلمة، ولا اعتراض، لأنه كاتب: بورد، فهذا الإله العظيم, كل هذا الكون, يشهد له بعلم، وحكمة، وقدرة، وعدل، ألا تستسلم له؟ ألا تقول: يا رب أنا راض؟ راض كيفما فعلت بي . وقفة متأنية :
لا يمكن أن يقول إنسان دعاء أبلغ من هذا الدعاء، في الطائف قال عليه الصلاة والسلام:
((اللهم إليك أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس -أنا لا أصدق أنه في تاريخ الإسلام كله مرت فترة, المسلمون هانوا على العالم كله كهذه الفترة، أبداً، إذا قُتل شخص منهم، مات واحد اليوم، نحن بالمئات، بالألوف، لا قيمة لنا أبداً- يا رب المستضعفين، إلى من تكلني؟ إلى صديق يتجهمني، أم إلى عدو ملكته أمري -لكن يا رب، إذا كانت هذه الشدة تعني أنك غاضب علي -لك العتبى حتى ترضى- وإن كانت هذه الشدة لا علاقة لها بغضبك ورضاك, فأنا راض بهذا، لكن الأدب التام- لكن عافيتك أوسع لي))
انظر إلى هذه الفترة التاريخية التي يعيشها المسلمون اليوم :
ما من دعاء ينطبق على المسلمين اليوم كهذا الدعاء، تعويض مئتين وسبعين راكباً، كل راكب خمسمئة مليون ليرة ديته، مئتان وسبعون راكباً ضرب خمسمئة مليون، هذا الهوان على الله، لئلا تعتبوا على الله, هان أمر الله علينا فهنا على الله .
يوجد بلد نحو الشرق ألغيت كلية الشريعة، وسمح للبرامج الساقطة المستوردة، وقال: أراها أنا وحفيداتي، هان أمر الله على المسلمين فهانوا على الله عز وجل، برنامج غنائي، مغنيتان يتنافسان على المرتبة الأولى، ستة وثمانون مليون اتصال من العالم العربي والإسلامي، وكلفت هذه الاتصالات بمليارات الليرات، لذلك قال وزير حرب العدو: مشكلتنا ليست مع المسلمين، إذاً الحمد لله، مشكلتنا مع الإسلام، وليست مع المسلمين، لأن المسلمين انتهوا.
أضع بين أيديكم حقائق يدمى لها القلب، ألا ينبغي أن يرى الله منا اهتماماً بأمره، وتعظيماً لشرائعه؟:
﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾
[سورة الحج الآية: 32]
من أوجه الصبر كما ورد في القرآن الكريم :
1-الأمر به والنهي عن ضده :
أيها الأخوة، الصبر في القرآن الكريم ورد على سبعة أوجه:
الوجه الأول: الأمر به، والنهي عن ضده:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾
[سورة البقرة الآية: 153]
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾
[سورة آل عمران الآية: 200]
﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾
[سورة النحل الآية: 127]
﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾
[سورة الأحقاف الآية: 35]
﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾
[سورة آل عمران الآية: 139]
متى يكون الصبر؟ :
يوجد ملمح لطيف في الصبر، فَعَنْ أَنَسٍ يَقُولُ لِامْرَأَةٍ مِنْ أَهْلِهِ:
((أَتَعْرِفِينَ فُلَانَةَ؟ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِهَا, وَهِيَ تَبْكِي عَلَى قَبْرٍ, فَقَالَ لَهَا: اتَّقِي اللَّهَ، وَاصْبِرِي، فَقَالَتْ لَهُ: إِيَّاكَ عَنِّي، فَإِنَّكَ لَا تُبَالِي بِمُصِيبَتِي، قَالَ: وَلَمْ تَكُنْ عَرَفَتْهُ، فَقِيلَ لَهَا: إِنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَخَذَ بِهَا مِثْلُ الْمَوْتِ، فَجَاءَتْ إِلَى بَابِهِ، فَلَمْ تَجِدْ عَلَيْهِ بَوَّابًا، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي لَمْ أَعْرِفْكَ، فَقَالَ: إِنَّ الصَّبْرَ عِنْدَ أَوَّلِ صَدْمَةٍ))
لكن بعد الصدمة الأولى, لا بد من أن نصبر، شئنا أم أبينا، ماذا نفعل؟ شخص عنده ابن توفاه الله، ماذا يفعل؟ مات وانتهى، الصبر حاصل، ولكن بعد الصدمة الأولى، لكن لا تكون صابراً إلا إذا صبرت عند الصدمة الأولى، عند أول خبر، يا رب لك الحمد، يا رب لك الشكر . قف عند هذا الملمح لهذا الحديث :
هناك ملمح ثان: ممنوع منعاً باتاً أن تتمنى الموت، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال:
((قَالَ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمْ الْمَوْتَ مِنْ ضُرٍّ أَصَابَهُ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ فَاعِلًا فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتْ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتْ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي والنسائي في سننهم]
أحياناً يأتي الموت رحمة، أيّ إنسان فَقَدَ قدراته، فَقَدَ حركته، أصابه شلل، ضعفت ذاكراته، فَقَدَ وعيه، أصبح عبئاً، ما من شيء أرحم له من الموت .
كنت أسمع شريطاً لخطيب, توفي رحمه الله، كان يقول: اللهم من أراد بي سوءاً في هذا المسجد, فأصبه بعمى في عينيه، وشلل في يديه، وسرطان في دمه، حتى يتمنى الموت فلا يجده .

((لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمْ الْمَوْتَ مِنْ ضُرٍّ أَصَابَهُ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ فَاعِلًا فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتْ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتْ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي))
الصبر لا يتنافى مع الحزن :
الآن: عَنْ أُسَامَةَ, أَنَّ بِنْتًا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِ، وَمَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ, وَسَعْدٌ, وَأُبَيٌّ: أَنَّ ابْنِي قَدْ احْتُضِرَ، فَاشْهَدْنَا، فَأَرْسَلَ يَقْرَأُ السَّلَامَ، وَيَقُولُ:
((إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَمَا أَعْطَى، وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ مُسَمًّى، فَلْتَصْبِرْ وَتَحْتَسِبْ، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ تُقْسِمُ عَلَيْهِ، فَقَامَ وَقُمْنَا مَعَهُ، فَلَمَّا قَعَدَ رُفِعَ إِلَيْهِ، فَأَقْعَدَهُ فِي حَجْرِهِ، وَنَفْسُ الصَّبِيِّ جُئِّثُ، فَفَاضَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ سَعْدٌ: مَا هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: هَذِهِ رَحْمَةٌ يَضَعُهَا اللَّهُ فِي قُلُوبِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ))
إذاً: الصبر لا يتنافى مع الحزن .
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:
((دَخَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ، وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ))
ما موضع الشاهد في هذا الحديث؟ :
أيها الأخوة الكرام، روى الإمام مسلم في صحيحه, عَنْ صُهَيْبٍ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((كَانَ مَلِكٌ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، وَكَانَ لَهُ سَاحِرٌ، فَلَمَّا كَبِرَ قَالَ لِلْمَلِكِ: إِنِّي قَدْ كَبِرْتُ, فَابْعَثْ إِلَيَّ غُلَامًا أُعَلِّمْهُ السِّحْرَ -وفي رواية: كان هذا الساحر أو الكاهن يتكهن للملك، يقدم له غطاء إيديولوجيًا، أي هو متواطئ مع الملك- فَبَعَثَ إِلَيْهِ غُلَامًا يُعَلِّمُهُ، فَكَانَ فِي طَرِيقِهِ إِذَا سَلَكَ رَاهِبٌ -في طريق الغلام إلى الساحر راهب- فَقَعَدَ إِلَيْهِ، وَسَمِعَ كَلَامَهُ -الراهب يمثل الدين السماوي، أما الملك متألّه، والذي يقنع الناس بأنه إله الساحر، لكن الساحر ليس مقتنعاً أن هذا الملك إله، بالتعبير الشعبي على هامان يا فرعون، لكنه يقنع الناس أن هذا الملك إله- فَكَانَ إِذَا أَتَى السَّاحِرَ مَرَّ بِالرَّاهِبِ, وَقَعَدَ إِلَيْهِ، فَإِذَا أَتَى السَّاحِرَ ضَرَبَهُ، فَشَكَا ذَلِكَ إِلَى الرَّاهِبِ، فَقَالَ: إِذَا خَشِيتَ السَّاحِرَ فَقُلْ: حَبَسَنِي أَهْلِي، وَإِذَا خَشِيتَ أَهْلَكَ, فَقُلْ: حَبَسَنِي السَّاحِرُ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ, إِذْ أَتَى عَلَى دَابَّةٍ عَظِيمَةٍ, قَدْ حَبَسَتْ النَّاسَ - وحش وقف على مداخل بلدة، وحبس الناس عن الخروج- فَقَالَ: الْيَوْمَ أَعْلَمُ: الساحر أَفْضَلُ أَمْ الرَّاهِبُ أَفْضَلُ؟ فَأَخَذَ حَجَرًا, فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ أَمْرُ الرَّاهِبِ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ أَمْرِ السَّاحِرِ, فَاقْتُلْ هَذِهِ الدَّابَّةَ, حَتَّى يَمْضِيَ النَّاسُ، فَرَمَاهَا, فَقَتَلَهَا، وَمَضَى النَّاسُ، فَأَتَى الرَّاهِبَ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ لَهُ الرَّاهِبُ: أَيْ بُنَيَّ، أَنْتَ الْيَوْمَ أَفْضَلُ مِنِّي -أي رأى على يديه كرامة- قَدْ بَلَغَ مِنْ أَمْرِكَ مَا أَرَى، وَإِنَّكَ سَتُبْتَلَى، فَإِنْ ابْتُلِيتَ فَلَا تَدُلَّ عَلَيَّ، وَكَانَ الْغُلَامُ يُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ، وَيُدَاوِي النَّاسَ مِنْ سَائِرِ الْأَدْوَاءِ، فَسَمِعَ جَلِيسٌ لِلْمَلِكِ, كَانَ قَدْ عَمِيَ، فَأَتَاهُ بِهَدَايَا كَثِيرَةٍ، فَقَالَ: مَا هَاهُنَا لَكَ أَجْمَعُ إِنْ أَنْتَ شَفَيْتَنِي، فَقَالَ: إِنِّي لَا أَشْفِي أَحَدًا، إِنَّمَا يَشْفِي اللَّه عز وجل، فَإِنْ أَنْتَ آمَنْتَ بِاللَّهِ, دَعَوْتُ اللَّهَ فَشَفَاكَ، فَآمَنَ بِه, فَشَفَاهُ اللَّهُ، فَأَتَى الْمَلِكَ، فَجَلَسَ إِلَيْهِ كَمَا كَانَ يَجْلِسُ، فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: مَنْ رَدَّ عَلَيْكَ بَصَرَكَ؟ قَالَ: رَبِّي، قَالَ: وَلَكَ رَبٌّ غَيْرِي؟ قَالَ: رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ، فَأَخَذَهُ، فَلَمْ يَزَلْ يُعَذِّبُهُ, حَتَّى دَلَّ عَلَى الْغُلَامِ، فَجِيءَ بِالْغُلَامِ، فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: أَيْ بُنَيَّ، قَدْ بَلَغَ مِنْ سِحْرِكَ مَا تُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ، وَتَفْعَلُ وَتَفْعَلُ؟ قال: فَقَالَ: إِنِّي لَا أَشْفِي أَحَدًا، إِنَّمَا يَشْفِي اللَّهُ، فَأَخَذَهُ, فَلَمْ يَزَلْ يُعَذِّبُهُ, حَتَّى دَلَّ عَلَى الرَّاهِبِ، فَجِيءَ بِالرَّاهِبِ، فَقِيلَ لَهُ: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ، فَأَبَى، فَدَعَا بِالْمِئْشَارِ، فَوَضَعَ الْمِئْشَارَ فِي مَفْرِقِ رَأْسِهِ، فَشَقَّهُ حَتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ، ثُمَّ جِيءَ بِجَلِيسِ الْمَلِكِ، فَقِيلَ لَهُ: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ, فَأَبَى، فَوَضَعَ الْمِئْشَارَ فِي مَفْرِقِ رَأْسِهِ, فَشَقَّهُ بِهِ حَتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ، ثُمَّ جِيءَ بِالْغُلَامِ -القصة رواها النبي عليه الصلاة والسلام، والقصة تفسر آية في الكتاب أتلوها عليكم بعد قليل- فَقِيلَ لَهُ: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ، فَأَبَى، فَدَفَعَهُ إِلَى نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: اذْهَبُوا بِهِ إِلَى جَبَلِ كَذَا وَكَذَا، فَاصْعَدُوا بِهِ الْجَبَلَ، فَإِذَا بَلَغْتُمْ ذُرْوَتَهُ، فَإِنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ، وَإِلَّا فَاطْرَحُوهُ، فَذَهَبُوا بِهِ, فَصَعِدُوا بِهِ الْجَبَلَ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِمَا شِئْتَ، فَرَجَفَ بِهِمْ الْجَبَلُ فَسَقَطُوا، وَجَاءَ يَمْشِي إِلَى الْمَلِكِ، فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: مَا فَعَلَ أَصْحَابُكَ؟ قَالَ: كَفَانِيهِمُ اللَّهُ، فَدَفَعَهُ إِلَى نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: اذْهَبُوا بِهِ فَاحْمِلُوهُ فِي قُرْقُورٍ -أي في قارب- وَتَوَسَّطُوا بِهِ الْبَحْرَ، فَإِنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ، وَإِلَّا فَاقْذِفُوهُ، فَذَهَبُوا بِهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِمَا شِئْتَ، فَانْكَفَأَتْ بِهِمْ السَّفِينَةُ، فَغَرِقُوا، وَجَاءَ يَمْشِي إِلَى الْمَلِكِ، فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: مَا فَعَلَ أَصْحَابُكَ؟ قَالَ: كَفَانِيهِمُ اللَّهُ -احتار الملك كيف يقتله- فَقَالَ لِلْمَلِكِ: إِنَّكَ لَسْتَ بِقَاتِلِي حَتَّى تَفْعَلَ مَا آمُرُكَ بِهِ، قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: تَجْمَعُ النَّاسَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، وَتَصْلُبُنِي عَلَى جِذْعٍ، ثُمَّ خُذْ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِي، ثُمَّ ضَعْ السَّهْمَ فِي كَبِدِ الْقَوْسِ، ثُمَّ قُلْ: بِاسْمِ اللَّهِ رَبِّ الْغُلَامِ، ثُمَّ ارْمِ، فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ قَتَلْتَنِي -الملك وقع في مأزق كبير، ولكنه لم ينتبه- فَجَمَعَ النَّاسَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، وَصَلَبَهُ عَلَى جِذْعٍ، ثُمَّ أَخَذَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ، ثُمَّ وَضَعَ السَّهْمَ فِي كَبْدِ الْقَوْسِ، ثُمَّ قَالَ: بِاسْمِ اللَّهِ رَبِّ الْغُلَامِ، ثُمَّ رَمَاهُ، فَوَقَعَ السَّهْمُ فِي صُدْغِهِ, فَوَضَعَ يَدَهُ فِي صُدْغِهِ, فِي مَوْضِعِ السَّهْمِ, فَمَاتَ، فَقَالَ النَّاسُ: آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلَامِ، آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلَامِ، آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلَامِ، فَأُتِيَ الْمَلِكُ، فَقِيلَ لَهُ: أَرَأَيْتَ مَا كُنْتَ تَحْذَرُ؟ قَدْ وَاللَّهِ نَزَلَ بِكَ حَذَرُكَ, قَدْ آمَنَ النَّاسُ، فَأَمَرَ بِالْأُخْدُودِ فِي أَفْوَاهِ السِّكَكِ، فَخُدَّتْ، وَأَضْرَمَ النِّيرَانَ، وَقَالَ: مَنْ لَمْ يَرْجِعْ عَنْ دِينِهِ فأقحموه فِيهَا، أَوْ قِيلَ لَهُ: اقْتَحِمْ، فَفَعَلُوا, حَتَّى جَاءَتْ امْرَأَةٌ، وَمَعَهَا صَبِيٌّ لَهَا، فَتَقَاعَسَتْ أَنْ تَقَعَ فِيهَا، فَقَالَ لَهَا الْغُلَامُ: يَا أُمَّهْ, اصْبِرِي، فَإِنَّكِ عَلَى الْحَقِّ))
[أخرجه مسلم في الصحيح, والترمذي في سننه]
هذا الحديث أحياناً يستخدم كدليل على الأعمال الاستشهادية:
﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾
[سورة البروج الآية: 4-7]
ومعركة الحق والباطل قديمة قدم الإنسان، ولا تزال مستمرة إلى نهاية الدوران .
2- أن الله أثنى على أهله، وبيّن محبته لهم، ومعيته لهم :
الوجه الثاني من وجوه الصبر في القرآن الكريم: أن الله سبحانه وتعالى أثنى على أهله، وبيّن محبته لهم، ومعيته لهم، فقال تعالى:
﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾
[سورة آل عمران الآية: 16-17]
﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾
[سورة آل عمران الآية: 146]
نهاية المطاف :
عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأَانِ، أَوْ تَمْلَأُ مَا بَيْنَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَالصَّلَاةُ نُورٌ، وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ، وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ، وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ، كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو، فَبَايِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا))
[أخرجه مسلم في الصحيح, والترمذي والنسائي في سننهما]
أيها الأخوة، نحن في أمسّ الحاجة إلى الصبر، لكن إلى الصبر الإيجابي لا الصبر السلبي، الصبر الإيجابي أن يبلغ سعيك أقصاه، ثم حيث انتهى بك السعي فاصبر، لا أن تقعد، ولا تتحرك، ولا تعمل شيئاً، ولا تحمل همّ المسلمين، ولا تسهم بشيء في خدمة المسلمين، وتقول : أنا صابر، لا، الصبر السلبي ألا تفعل شيئاً وتصبر، أما الصبر الإيجابي أن تفعل كل ما تستطيع، وحيث انتهى بك الفعل والسعي تصبر، لا يقبل منا إلا هذا الصبر الثاني، الصبر الإيجابي، أما أن تصبر دون أن تفعل شيئاً, فهذا ليس من أخلاق المؤمنين .
وللدرس تتمة إن شاء الله في الأسبوع القادم .









والحمد لله رب العالمين








 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 07-02-2018, 06:46 AM   #34


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: العقيدة الاسلامية من مفهوم القران والسنة



بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية من مفهوم القران والسنة

الدرس : ( الثالث و الثلاثون )

الموضوع : مستلزمات التوحيد ( 13 ) الرضا



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
من لوازم التوحيد :

أيها الأخوة الكرام, مع الدرس الثالث والثلاثين من دروس العقيدة، ومع موضوع هو من لوازم التوحيد، ولا زلنا في عدد غير قليل من دروس لوازم التوحيد .
من لوازم التوحيد اليوم: الرضا، إن آمنت أن الله سبحانه وتعالى صاحب الأسماء الحسنى و الصفات الفضلى، صاحب الكمال المطلق، وأن الأمر كله بيده، وأنه لا معبود بحق إلا هو، و أن كماله كمال مطلق، إذاً يقتضي الإيمان بهذا الكمال, وهذه الأسماء, وتلك الصفات, أن يكون فعله خيراً مطلقاً، تدركه عقولنا أو لا تدركه، ليست العبرة أن ندرك الكمال، كماله مطلق، لكن قد يكون العقل قاصراً عن إدراك الكمال، فهل أنت راض عن الله؟ هل أنت راض أنه منحك نعمة الوجود؟ هل أنت راض عن الله إذ جعلك إنساناً؟ هل أنت راض عن الله إذ جعلك تعرف إليه وتهتدي إليه؟ إن رأيت الأحداث الجسام في الأرض, هل أنت راض عن الله؟ .
هذه هي البطولة :

الذي يجري في الأرض الآن لا يحتمله إلا مؤمن، لو عزلت الإيمان عما يجري لاختل توازن الإنسان، أناس أقوياء يملون إرادتهم على كل البشر، ينتهكون الأعراض، يقتلون الرجال، والله سمح لهم، وأناس مؤمنون بالله عز وجل, ينالهم أذى كبير من هؤلاء الطغاة، هل أنت راض عن الله مع كل هذه الأخبار؟ هنا البطولة .

هل أنت مؤمن أن كل شيء يقع بأمر الله, وبقضائه, وقدره, وأن الذي يقع له حكمة؟ أنا قد لا أدركها، ولكن قد تكشف الأيام عن حقيقتها، هل أنت مؤمن أنه كل شيء وقع أراده الله، و كل شيء أراده الله وقع؟ هل أنت مؤمن أنه لكل شيء حقيقة، وما بلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه؟ هل أنت راض عن الله في معاملته لك؟ أنت إنسان ذو دخل محدود، هل أنت راض عن الله؟ هل إذا رأيت إنساناً معه أموال قارون ترى أن هناك حكمة بالغة، وأن الذي اختاره الله لك هو عين الكمال؟ هل أنت راض عن الله إذا وجد في الجسم مرض؟ يا رب لولا هذا المرض لكنت في حال آخر، كأنك تتهم حكمة الله عز وجل .
محصلة إيمانك بالله أنك راض عنه :
هذا الدرس مهم جداً، محصلة إيمانك بالله أنك راض عنه:
هم الأحبة إن جاروا وإن عدلوا
هذا تعبير رمزي:
هم الأحبة إن جاروا وإن عدلوا فليس لي عنهم معدل وإن عدلوا
والله وإن فتتوا في حبهم كبدي باق على حبـهم راض بما فعلوا
***
لو قال تيهاً قف على جمر الغض ا لوقفــــت ممتثلاً ولم أتوقف
أو كان من يرضى بخدي موطئاً لوضعتـــه أرضاً ولم أستنكف

الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين :

حالة الرضا حالة مسعدة، راض عن الله أنه أوجدك؟ راض عن الله أنه خلقك في بلد معين؟ من أم معينة؟ من أب معين؟ بخصائص معينة؟ بدخل معين؟ بقدرات معينة؟ يا رب هل أنت راض عني؟ .
إنسان يطوف حول الكعبة يقول: يا رب هل أنت راض عني؟ كان وراءه الإمام الشافعي قال: يا هذا, هل أنت راض عن الله حتى يرضى عنك؟ قال له: يا سبحان الله! كيف أرضى عنه وأنا أتمنى رضاه؟ قال له: إذا كان سرورك بالنقمة كسرورك بالنعمة فقد رضيت عن الله ، الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين، أن يمتلئ القلب رضىً عن الله في السراء وفي الضراء، في الغنى وفي الفقر، في الصحة والمرض، في الزواج وفي عدم الزواج، هل أنت راض عن الله؟ .
ما هي حقيقة العقيدة الصحيحة؟ :

أيها الأخوة الكرام, أعود و أذكر: أن حقيقة العقيدة الصحيحة ليست ما ينبغي أن تعتقد فحسب, بل ما ينبغي أن تكون عليه؛ من حب، ومن شكر، ومن صبر، ومن رضا، ومن استسلام، هذا هو الرضا، المؤمن راض عن الله، يا رب لك الحمد في جميع الأحوال .
ما من دعاء يناسب هذا المقام كدعاء النبي عليه الصلاة والسلام وهو في الطائف -إن صح التعبير- إن كان هناك خط بياني لدعوة النبي في الطائف كانت في الحضيض، مشى إليهم ثمانين كيلو متراً في جبال وعرة حتى وصل إليهم، دعاهم إلى الله فكذبوه، وسخروا منه، ونالوه بالأذى، أراد الله أن يبين عظمة هذا النبي، أرسل له ملك الجبال، قال: يا محمد, أمرني ربي أن أكون طوع إرادتك, لو شئت لأطبقت عليهم الجبلين, قال: لا يا أخي، اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون، لعل الله يخرج من أصلابهم من يوحده .
لماذا ساق الله للنبي عليه الصلاة والسلام هذه المحنة الشديدة؟ :
ماذا دعا؟ قال:
((يا رب, إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا رب المستضعفين, وأنت ربي, إلى من تكلني؟ إلى صديق يتجهمني، أم إلى عدو ملكته أمري؟ اللهم إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي، ولك العتبى حتى ترضى، لكن عافيتك أوسع لي))
ألا يحتاج هذا المسلمون اليوم في شتى أقطارهم؟ لأن حرباً عالمية ثالثة كائدة لئيمة غادرة تشن عليهم في كل بقاعهم، لماذا ساق الله للنبي عليه الصلاة والسلام هذه المحنة الشديدة؟ ليكون قدوة لنا، هو مبعوث العناية الإلهية، هو سيد ولد آدم ولا فخر، هو سيد الخلق حبيب الحق، ومع ذلك امتحنه الله امتحاناً, لا أعتقد أن هناك امتحانًا أصعب منه، ونجح في الامتحان.
((يا رب, إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا رب المستضعفين, وأنت ربي, إلى من تكلني؟ إلى صديق يتجهمني، أم إلى عدو ملكته أمري؟ اللهم إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي، ولك العتبى حتى ترضى، لكن عافيتك أوسع لي))
أي يا رب, إذا كانت هذه المحنة والشدة, تعبر عن غضبك علي, فأنا أعتذر، وأنا أستغفر، وإن كانت هذه المحنة لا علاقة لها بغضبك, فأنا راض بها، لك العتبى حتى نرضى، لكن أنا بشر يا رب، لكن عافيتك أوسع لي .
هذا الدعاء هو دعاء اليوم، أقوياء، أشداء، لؤماء، طغاة، يتلذذون بقتل البشر، يتلذذون بإهانتهم, بتعذيبهم، وهذه الفضيحة التي ظهرت في سجون العراق تعبر عنهم بالضبط، وحوش ، وبيدهم قوة كبيرة جداً، إن لم يكن بك غضب علينا فلا نبالي، ولك العتبى حتى نرضى، هل أنت راض عن الله؟ راض عن الله بمرض؟ .
قصة :
لي صديق أحسبه صالحاً، ولا أزكي على الله أحداً, أصابه مرض عضال، مرض خبيث في أمعائه، بقي يعاني سنتين من آلام لا تحتمل، تقول زوجته لأبيها: إنه ما سمعت منه كلمة في السنتين, إلا يا رب أنا راض عنك، هل أنت راض عني؟ وتوفاه الله عز وجل .
ماذا تستنتج من هذين المشهدين؟ :
حدثني أخ طبيب, جاءه مريض معه مرض خبيث في أمعائه، أقسم بالله غيّر وضع المستشفى كله، كلما دخل عليه زائر يقول له: اشهد أنني راض عن الله، يا رب لك الحمد، إذا نادى يتهافت الأطباء على خدمته، إذا دخلوا يأنسون به، كأن في هذه الغرفة أنوارًا، ثم توفاه الله عز وجل بأحلى حال، لحكمة بالغة ساق الله لهذه المستشفى مريضاً آخر بالمرض نفسه بالغرفة نفسها، لا يوجد نبي ما سبّه، إذا دخلت إلى غرفته شعرت بانقباض، سخط، وغضب، وسباب، وتبرم، وضجر، وكفر، إلا أن توفاه الله، أي سبحانك يا رب، مرض واحد في إنسانين مختلفين .
مقالة علمية :

أنا قرأت مقالة علمية في موضوع رائع جداً، وهذا الموضوع هو: أن الله سبحانه وتعالى زود الجسم ببوابات للألم، الآلام تنتقل من السطوح الخارجية عبر النخاع الشوكي إلى قشرة الدماغ، عبر هذا الطريق, هناك بوابات تفتح أو تغلق، فإذا أغلقت انخفض الألم إلى العشر، المقالة مترجمة, والذي كتبها يغلب على ظني أنه لا يعرف الله، لكن كتب, هذه البوابات تتحكم بها الحالة النفسية للمريض، إذا كنت مؤمناً أغلقت هذه البوابات، ووصلك من الألم واحد بالمئة أحياناً، إذا كان الشخص ساخطاً عن الله عز وجل, تفتح هذه البوابات على مصارعها, فالألم لا يحتمل .

هذا اختيار الله لك :
أيها الأخوة الكرام, هذا امتحان كبير، أنت لك وجود بزمن معين، بمكان معين، من أم معينة ، من أب معين, أنت ذكر، ولست أنثى, هذا اختيار الله لك، لك قدرات معينة، لك شكل معين ، وسيم أو غير وسيم، من أب غني أو من أب فقير .
مرة كنت ماشياً في حي في دمشق, وجدت طفلاً، ربط علبة سمك مستعملة بخيط، وملأها ترابًا يجرها، وكأنها سيارة، وتجد ابناً عنده ألعاب على الكهرباء، وعنده غرفة فيها ألعاب بمئات الألوف، الله اختار له هذا الأب، وهذا اختار له هذا الأب، لكن والله الذي لا إله إلا هو, يوم القيامة حينما يكشف الغطاء, سأستخدم هذه العبارة: إن لم تذب كالشمعة محبة لله, فهذا الدين باطل:
﴿وَآَخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾
[سورة يونس الآية: 10]
يا رب لك الحمد . من علامة إيمانك :
حينما تأتي المصيبة, ما من وسام شرف تتقلد به, كأن تقول: يا رب لك الحمد، أنا راض عنك في السراء والضراء، في الغنى وفي الفقر، في الصحة وفي المرض، في إقبال الدنيا و في إدبارها، من علامات إيمانك الصحيح أنك راض عن الله، والذي يسخط عن الله ليس فيه إيمان إطلاقاً .
عبد غير راض عن الله عز وجل :
إنسان له زوجة صالحة, توفاها الله قبل أجله بعشر سنوات تقريباً، لها أخت عمرت خمسًا وتسعين سنة، وزوجها توفي من عهد طويل، قال له: كنت أخذت الثانية، ودع لي هذه، هذا ليس راض عن الله عز وجل، لكل شيء حقيقة، وما بلغ عبد حقيقة الإيمان, حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه .
ربما أعطاك فمنعك، وربما منعك فأعطاك :

ابن عطاء الله السكندري رحمه الله عز وجل, له كلمة, يقول: ربما أعطاك فمنعك، وربما منعك فأعطاك .
لو دخلنا في بعض التفاصيل: تجد في بلاد الحياة فيها صعبة جداً، الأسعار غالية جداً، فرص العمل قليلة جداً، البيوت غالية جداً، طرق الزواج شبه مستحيلة، لكن هذه البلاد على ما فيها من صعوبات، وعلى ما فيها من ضآلة دخل، وعلى ما فيها من شدائد, يوجد إقبال على الدين عجيب، تذهب إلى بلاد أخرى, كأنها جنة الله في الأرض، فيها بعد عن الله شديد، يا رب كأن هذه الشدة كي نتقرب إليك، لعل هذه الشدة كي نقبل عليك، لعل هذه الشدة كي تسوقنا إليك .
أوحى ربك إلى الدنيا أن تشددي، وتكدري، وتضيقي على أوليائي, حتى يحبوا لقائي .
مرة قال لي شاب, في درس من دروس السبت: ما الحكمة أن الزوجة سيئة؟ قلت له: حتى نراك في الدرس، ما كان لك طريق إلى المسجد, لو كانت زوجتك من الدرجة الأولى، تجلس معها، وتنسى كل شيء، يوجد حكمة بالغة، أحياناً الابن المتعب له حكمة، والزوجة المتعبة لها حكمة، الدخل القليل أحياناً يكون لك دخل قليل، وعندك كرم شديد، أحياناً تؤثر أخاك بشيء أنت في أمسّ الحاجة إليه، ألم يقل الله عز وجل: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾
[سورة الحشر الآية: 9]
الحزن خلاق :
أخواننا الكرام, الحزن خلاق، أما النعيم في الدنيا يكسب النفس صفات بغيضة، أما الفقر أحياناً فيعلم التواضع، يقول لك: كن عصامياً، ولا تكن عظامياً، أشخاص الله يوفقهم في الحياة, لهم بداية صعبة جداً، هذه البداية تهذب أخلاقهم .
امتحن إيمانك :
أيها الأخوة الكرام, يجب أن تمتحن إيمانك، علامة إيمانك أنك راض عن الله، في السراء و في الضراء، أعيدها مرة ثالثة، في الغنى وفي الفقر، في الصحة وفي المرض، في إقبال الدنيا وفي إدبارها، بيتك ملك أم أجرة؟ كبير أم صغير؟ بأعلى مكان أم بأدنى مكان؟ بأدنى حي، أو بحي متواضع؟ راض عن الله، يا رب لك الحمد .
عملية مقارنة :
مرة قرأت عن سيدنا عمر, جاءه رسول من أذربيجان، وطمع الرسول أن يأكل في بيت الخليفة طعامًا نفيسًا جداً، هو خيّره بين أن تأكل مع فقراء المسلمين، أو أن تأكل عندي؟ فاختار أن يأكل عنده في البيت، فوجئ، قال لها: يا أم كلثوم, ماذا عندك من طعام؟ قالت له: والله ما عندنا إلا خبز وملح، قال لها: هاتيه لنا، هذا جاء من أذربيجان، قطع الفيافي والقفار حتى يأكل ملحاً وخبزاً, بعد أن انتهى عمر قال: الحمد لله الذي أطعمنا فأشبعنا، وسقانا فأروانا.
أنا لاحظت أنك تدعى أحياناً إلى طعام كأس عصير، ثم المقبلات، ثم الشوربة، بعد ذلك طبق لحم، ثم طبخ، ثم فواكه، ثم حلويات، ثم مياه غازية، بعد ذلك, فنجان قهوة، ثم ..... ، و هو ساكت لا يتكلم ولا كلمة .
أيها الأخوة, هذا الذي يتنعم ولا يشكر كالبهيمة تماماً، يأكلون ويتمتعون كما تأكل الأنعام, والنار مثوى لهم، دابة، فقط يرفس .
الرضا لا يعني أن يتوقف طموحك:

الرضا أحد مؤشرات الإيمان أنك راض عن الله، ولكن حتى لا تفهموا فهماً أنا ما أردته، أي أنا لا أحسن وضعي، أنا راض، كلا، هذا غير صحيح، يجب أن تسعى لتحسين وضعك المعاشي, والاقتصادي, والعلمي, والوظيفي، وأن تكون طموحاً، أما حينما تبذل كل ما تستطيع ، و ينتهي بك السعي إلى هذا المكان, أنت راض عن الله، طالب لم يدرس، فلم ينجح، قال: أنا راض عنك يا رب، هذا قضاء وقدر، أنا راض، هذا زعبرة، ادرس، أنت حينما تدرس ليلاً نهاراً، ويأتي مرض -لا سمح الله- في أثناء الامتحان، ويحول بينك وبين النجاح, فأنت راض عن الله، لكن الذي لا يدرس، لا أسعى، يوجد تسيب، يوجد تكاسل .
أنا كنت أقول دائماً: هناك فقر الكسل، وهناك فقر القدر، وهناك فقر الإنفاق، فقر الإنفاق بطولة، قال له: يا أبا بكر! ماذا أبقيت لنفسك؟ قال: أبقيت الله ورسوله، هذا فقير فقر إنفاق، هذا وسام شرف .
متى يستيقظ عندك الوازع الإنساني؟ :

ذهبنا إلى جنوب السودان، رأينا مشاهد لا يصدقها العقل، أطفال عراة، لا يوجد ثمن ملابس، لا طعام، ولا شراب، ولا كساء، ولا طب، ولا صحة، ولا مدارس، ولا تعليم، ولا شيء، بيوت من القش، أنت حينما ترى ما يحل ببعض الشعوب, يستيقظ عندك الوازع الإنساني إلى درجة تفوق حد الخيال، نحن في نعم كبيرة .
يقول عليه الصلاة والسلام:
((انظر لمن هو أدنى منك, فذلك أحرى ألا تحتقر نعمة الله عليك))
حروب دامت أربعين عاماً هدتهم، نحن كنا أول وفد عربي يزور هذه المنطقة من أربعين عاماً . للتقريب بين بلدنا فرضاً، وبلد متقدم جداً بالميزان الحضاري؛ المستشفيات، الجامعات، المدارس، الطرقات، المطارات، المعامل، المرافئ، أي بهذا المستوى، ليس بميزان إسلامي، ولا بميزان إيماني، بميزان حضاري، قد يوجد بلاد تسبقنا أربعين ضعفاً، خمسين ضعفاً، بين البلاد التي زرتها وبيننا ألف ضعف، أن تجد كأس ماء في البيت قضية سهلة, كأس ماء سهل ، أن تجد لك مأوى، أن تجد كساء تلبسه, تستر به عورتك, قضية سهلة، عندنا هذا شيء بديهي، شيء طبيعي .
النبي دخل إلى بيته قال: أعندكم شيء؟ قالوا: لا، قال: فإني صائم، يوجد بيت مهما يكن أهله فقراء, لا يوجد شيء يؤكل .
ما هي مقامات الرضا عن الله؟ :
1-أن ترضى بربوبيته، وأن ترضى بألوهيته :
أيها الأخوة الكرام, قالوا: الرضا غاية التوكل، ومن ذاق طعم الإيمان، وآمن بأسماء الله و صفاته كما يليق بجلاله سبحانه رضي عن الله .
مقامات الرضا ثلاثة: مقامات الرضا عن الله، وأن ترضى بربوبيته، وأن ترضى بألوهيته, بربوبيته خلق وأمد، بألوهيته يسيّر، أي سمح لبلاد قوية أن تحتل بلاداً إسلامية، راض عنه؟ ليس معنى هذا ألا أقاوم -والعياذ بالله- ليس هذا هو المعنى، لكن ألم يسمح الله لهم؟ إذًا رسالة من الله .
رسالة شكر :

أنا أقول لكم أيها الأخوة: لا يمكن أن تؤمن بالله إلا بعد أن تكفر بالطاغوت، أنا أشكرهم على أنهم أعانونا على أن نكفر بهم، أليس كذلك؟ قبل خمسين سنة, هذه البلاد خطفت أبصار أهل الأرض؛ غنى، و ذكاء، وتفوقًا، وعلمًا، وطرحوا مبادئ رائعة، أن تكون حراً فيما تقول، أن يكون لك حقوق مقدسة، قبل الحادي عشر من أيلول, اتهم إنسان بعمل، وأودع في السجن عدة أيام، ثم تبين أنه بريء، أقام دعوى, أخذ ستة ملايين دولار، فطرحوا الحرية و المساواة، وتكافؤ الفرص، والرفق بالحيوان، وحقوق الإنسان، هذه خطفت أبصار أهل الأرض ، بكلمة أخرى نافسوا الدين، حضارة، الإنسان محترم جداً، له حقوق، بعد هذا التاريخ, بعد الحادي عشر من أيلول, انكشفت الحقيقة، وبعد فضائح سجن أبو غريب تعروا، كما أنهم عروا السجناء تعروا هم، وسقطوا من عين أهل الأرض، وهذا أكبر إنجاز للإسلام، أكبر إنجاز، لم يعد هناك شيء ينافسه، الخلق الأصيل عند المؤمن فقط، أما كل إنسان ذكي, يتكلم كلاماً كما يحلو له، أما عند التنفيذ فهو وحش، الرضا عن الله، عن ربوبيته، وعن ألوهيته .

2-الرضا برسول الله، وتمام الانقياد له :

المقام الثاني: الرضا برسول الله، وتمام الانقياد له، المقام الثالث: الرضا بدينه، و التحاكم له، والتسليم لمراده .
أي أنت راض عن الله عز وجل أنه أوجدك, راض عن هذا الدين العظيم، لكن تجد فيه حرجاً شديداً، يا أخي الحياة المعاصرة حياة مصارف، وفوائد، وبالدين الفائدة حرام، أيدينا مربوطة بالدين، إذاً أنت لست راضياً، رأيت الدين حجر عثرة أمام النمو الاقتصادي مثلاً، يا أخي المرأة نصف المجتمع، خذ طريق، ويا الله بحسب مقاييس أهل الدنيا هذا الدين عبء، هل أنت راض عن هذا الدين؛ بصلواته الخمس، بحجه، بصيامه، بزكاته؟ صلاة الفجر صعبة جداً ، لو ما زلنا نائمين، لو جعل الله الصلاة الساعة العاشرة أحسن، الساعة العاشرة استيقظ، أكل ، ارتاح، ثم صلى، راضٍ عن الصلوات الخمس؟ عن صيام رمضان؟ عن حج بيت الله الحرام ؟ ثلاثة ملايين بوقت واحد يقفون في عرفات، يا أخي والله غير معقول، اعملوا الحج على خمس دورات، كل شهرين دورة، أحسن، راض أن الحج بيوم واحد؟ الأربع ملايين معاً واقفون، هذا شرع الله عز وجل، يجب أن ترضى عن الله، وعن ربوبيته، وعن ألوهيته، وأن ترضى عن رسوله، وعن منهج رسوله، وأن ترضى عن دينه إجمالاً .
قف عند هذه الآيات :
قال تعالى:
﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾
[سورة الأنعام الآية: 164]
﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً﴾
[سورة الأنعام الآية: 114]
﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾
[سورة الأنعام الآية: 14]
متى يطمئن العبد؟ :
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال:
((قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بهن طعم الْإِيمَانِ؛ مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَمَنْ أَحَبَّ عَبْدًا لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَمَنْ يَكْرَهُ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ, كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, والترمذي والنسائي في سننهما]
أي أن يكون الله في قرآنه والرسول في سنته أحب إليه مما سواهما، حينما تتعارض نصوص القرآن ونصوص السنة مع مصالحك, هل أنت راض عن الله؟ الإنسان الجاهل يحس الشرع قيودًا، وهي في الحقيقة حدود .
أنت تسير بأرض فلاة، وجدت لوحة كتب عليها: ممنوع الاقتراب، حقل ألغام، هل تشعر بحقد على واضع هذه اللوحة؟ لا أبداً، تشعر بامتنان، لأن هذه اللوحة ليست حداً لحريتك ، لكنها ضمان لسلامتك، حينما تفهم أوامر الدين أنها ضمان لسلامتك تطمئن .
هدية :
مرة قدم لي أحد الأخوة، وهو مدير سجون بالقطر، قدم لي كتاباً من تأليفه، فيه ثلاث وستين جريمة، ولكن أجمل ما في الكتاب, حينما تنتهي الجريمة, يبين لك سبب وقوعها، ومخالفة الشرع في ذلك، تجد أن الشرع ضمان لسلامتك .
رسالة جاهل :
أذكر أول خطبة خطبتها في هذا المسجد عام أربعة وسبعين, سألني إنسان وصار يبكي، قال لي: زوجتي تخونني، قلت له: مع من؟ قال لي: مع جارنا، قلت له: كيف تعرف إليها؟ قال لي: مرة زارني، وقلت لها: تعالي واجلسي معنا أم فلان، هو مثل أخيك، قلت له: لو كنت تحضر درس علم واحد ما فعلت هذا بنفسك، أنت السبب .
احفظ هذا القانون :

يقولون في الأمن الجنائي: وراء كل جريمة امرأة، أنا عدلتها: وراء كل مصيبة معصية، يكاد يكون هذا قانونًا, فتش عن المعصية، خيانة زوجية، اختلاط، مشكلة أسرية، يوجد تسيب ، خيانة تجارية, يوجد عدم توثيق العقود، هذا الشرع ضمان لسلامتنا:

﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾
[سورة الإسراء الآية: 9]
يهديهم سبل السلام، فحينما تفهم الشرع أنه قيد, فأنت لا تفقه شيئاً، وحينما تفهم الشرع ضمان لسلامتنا فأنت فقيه، إذاً أن يكون الله في قرآنه, ورسوله في سنته, عند التعارض مع مصالحك, أن ترضى بهذا، عندئذ تذوق حلاوة الإيمان .

تعريف الرضا :
يقول بعض العلماء: الرضا هو صحة العلم الواصل إلى القلب، فإذا باشر القلب حقيقة العلم, أدى به إلى الرضا .
حالة الرضا حالة مهمة جداً، أن ترضى عن الله، لكن إذا كان واقعك مؤلمًا، وسببه تقصير منك, فهذا موضوع آخر، كسول، هذا معه فقر الكسل، يوجد عندنا فقر الإنفاق، تحدثت عنه قبل قليل، هذا وسام شرف، يوجد عندنا فقر القدر، عنده عاهة، معذور، فقير لكنه معذور، أما الذي يعد وصمة عار أن تكون فقيراً فقر الكسل . هذا فقر الكسل :

تلاحظ أحياناً إنسانًا لا يعمل شيئاً، تسويف، وتأجيل، ومماطلة، وانسحاب من المسؤولية، جالس ينظر إلى الناس .
شخص يجلس ساعة أمام بابه, يمر شخص ينظر إليه، والثاني ينظر إليه، لا يعمل شيئاً، إما أن يتابع مسلسلات، أو في غيبة ونميمة، أنت ماذا فعلت؟ ماذا قدمت لهذه الأمة؟ لم يقدم شيئاً، يقول لك: فقير، لا يوجد عمل، صحيح، هذا فقر الكسل، فقر الكسل وصمة عار بحق الإنسان، تحرك، بكل عصر يوجد شخص يعمل، الذي يعمل يلقى نتيجة عمله .


متى يكون الإنسان راضياً عن الله؟ :

قال بعض العلماء: متى يكون الإنسان راضياً عن الله؟ إذا أقام نفسه على أربعة أصول؛ يقول: يا رب إن أعطيتني قبلت، وإن منعتني رضيت، وإن تركتني عبدتك، وإن دعوتني أجبتك، دعاك للصلاة أجبت، دعاك للحج أجبت، دعاك لإنفاق مالك أنفقت، شعرت بوحشة, لا يوجد إقبال، إذا لم تلاحظ إقبال بالصلاة, فالصلاة لا تترك، يوجد شخص إذا لم يجد نفسه مرتاحاً يدع العبادات، لا، وإن تركتني -أي حجبتني عن السكينة, وعن تجلياتك- أنا داومت على عبادتك.

الآن: أن ترضى عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، عَنْ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قال:
((إنه سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا))
[أخرجه مسلم في الصحيح, والترمذي في سننه]
النبي عليه الصلاة والسلام منع المرأة أن تحج مع غير ذي محرم، منع المرأة أن تسافر إلا مع محرم، الآن تشعر المرأة تضجر من هذا الحكم، تقول لك: بالطائرة في ساعتين، من المطار إلى المطار، لا يوجد فتوى، هل أنت راض عن هذا الرسول العظيم؟ هذا التشريع من عنده؟ لا، لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى .
قرأت عدة قصص، امرأة ببلد عربي وزوجها ببلد خليجي، خطبها بالإجازة، وتهيئ نفسها للسفر إليه، كان في ذلك الوقت تلكس، استلم التلكس أحد الموظفين عنده، استقبلها بالمطار، وانفرد بها، وانكشفت جريمة كبيرة جداً، قصص كثيرة جداً، المرأة في السفر مطموع بها، فالتي لا ترضى عن رسول الله بهذا التشريع, هذا من عند الله، ما كان لهذا النبي الكريم أن يشرع شيئاً من عنده:
﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾
[سورة الأحقاف الآية: 9]
من مشاكل أهل الشام :
أحياناً التشريع لا يروق للناس، معظم أهل الشام يقول لك: نحن أهل، نجلس جميعاً على طعام واحد، أما أن نصنع طعاماً مرتين فهذا مستحيل، أكثر النساء الموجودين مع الرجال أجنبيات عن الرجال، والإنسان يتمتع بمنظر الحسناوات، ويتمنى أن تكون زوجته كتلك مثلاً، هذه مشكلة طبعاً، لا أحد يتكلم بشيء، كلها خواطر داخلية، لكن هذه مفاسد اجتماعية، فيوجد عندنا عدم اختلاط، أنت راض عن رسول الله بهذا التشريع، بعدم الاختلاط:

﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾
[سورة التوبة الآية: 128]
عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ, أن رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ الْمُؤَذِّنَ: وأنا أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ, وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا, غُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ))
[أخرجه مسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي والنسائي في سننهم]
الآن: لو كنت في عهد النبي، واختصمت مع إنسان، ورفعت الأمر إليه، يقول الله عز وجل:
﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾
[سورة النساء الآية: 65]
بماذا يتصف مقام النبوة؟ :
يروى أن صحابياً عندما قال النبي لأصحابه: لا تقتلوا عمي العباس -فهمها فهماً آخر- أن أحدنا يقتل أباه وأخاه، و ينهانا عن قتل عمه؟ -فهمها فهماً آخر, لا يليق بالنبي- ثم اكتشف أن هذا الصحابي الجليل كان مسلماً في مكة، وكان عين النبي، و كان كل ما يجري في قريش يوصله للنبي، وكان يكتم إيمانه -لأنه لو قال: عمي مسلم، لا تقتلوه, كشفه، وانتهى دوره، والطريق لا زالت في البداية، لو أن العباس ما شارك في بدر كشف نفسه، هذه الثانية، لو سكت النبي لقتلوه، فيجب أن يقول لهم كلمة واحدة من دون تعليق: لا تقتلوا عمي العباس، فهذا الذي ظن برسول الله غير ما يليق به, اكتشف الحقيقة بعدئذ- يقول: ظللت أتصدق عشر سنين رجاء أن يغفر الله لي سوء ظني برسول الله .
أيها الأخوة, مقام النبوة مقام فيه كمال:

﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾
[سورة النساء الآية: 65]
اقرأ هذا القول :
بعض العلماء يقول: إياك أن تستوحش من التفرد، أنت جالس ببيتك، لا يوجد معك ، والرضا به رباً، وبمحمد رسولاً، وبالإسلام ديناً، هو الكمال المطلق، وكلما ذاق الإنسان حلاوة الانفراد، وحلاوة التفرد, رأى الوحشة عين الأنس للناس، والذلة عين العز بهم، و الجهل عين الوقوف على أبوابهم، والانقطاع عين التقيد برسومهم، فلم يؤثر بنصيبه من الله أحداً من الخلق، ولم يبع حظه من الله بموافقتهم فيما لا يجدي عليه إلا الحرمان .
أيها الأخوة, الإنسان المؤمن له حياته الخاصة، له مجتمعه الخاص، أما مع الناس في سرائهم وضرائهم، في سخافاتهم وسقوطهم، هذا ليس مؤمناً . 3- أن ترضى بدين الله سبحانه وتعالى، وأن تحتكم إليه :
المقام الثالث: أن ترضى بدين الله سبحانه وتعالى، وأن تحتكم إليه, قال:
﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾
[سورة النساء الآية: 59]
أي أطيعوا الله في قرآنه، أطيعوا الرسول في سنته، وأولي الأمر منكم، أولي الأمر هم العلماء والأمراء، العلماء يعلمون الأمر، والأمراء ينفذون الأمر، أحدهم مشرع، والآخر منفذ .
ما ملمح هذه الآية؟ :
قال: فإن تنازعتم، مع من؟ طبعاً ليس من المعقول أن تنازعتم مع الله عز وجل، ولا مع رسوله، فإن تنازعتم في شيء من أمور الدنيا، أو أمور الدين مع علمائكم، أو مع أمرائكم, من هو المرجع؟:
﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾
[سورة النساء الآية: 59]
إلى كتاب الله، وإلى سنة النبي عليه الصلاة والسلام .
في هذه الآية ملمح دقيق جداً: وهو أنه ما من قضية يعاني منها البشر إلا و لها غطاء تشريعي في القرآن والسنة، وإلا فلا معنى لهذه الآية .
أيها الأخوة, هل يعقل أن يقول الله كلاماً لا معنى له؟ لا يعقل أن يقول الله كلاماً لا معنى له، أن يردنا إلى القرآن والسنة, فنأتي إلى القرآن والسنة, فلا نجد جواباً لهذه المشكلة, مستحيل . امتحان صعب :
إذا كانت المرأة مقيمة ببلد غربي، وتنازعت مع زوجها، وانتهى الأمر إلى الطلاق، هل ترضى بحكم رسول الله: أن تأخذ مهرها, أم ترفض هذا الحكم, وتطمع أن يكون الحكم حكم القوانين؟ هناك تأخذ نصف ثروة زوجها، هذا امتحان صعب، لذلك قال تعالى:
﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾
[سورة المائدة الآية: 44]
اعلم هذه الحقيقة :
يقول بعض العلماء، وهذه حقيقة مرة: كثير من الناس يرضى بالله رباً، ولا يبغي رباً سواه ، لكنه لا يرضى به وحده ولياً وناصراً -له شبكة علاقات، يعتمد على زيد، وعلى عبيد، و علاقاته متينة مع فلان، يعتد بما سوى الله، يتوكل على غير الله، هذا الذي لا يرى أن الإيمان وحده يكفي، نحن بهذه المحنة الشديدة يوجد كثير من الطروحات، لا بد من أن نخضع لمشيئتهم حتى نسلم، أما يقول لك: لا بد من أن نخضع لله وحده حتى نسلم، هذا الآن كلام غير مطروح، المطروح شيء آخر-, بل يوالي من دونه أولياء, ظناً منه أنهم يقربونه إلى الله، قال: وهذا عين الشرك، بل التوحيد ألا يتخذ من دون الله أولياء, وكثير من الناس يبغي غيره حكماً يتحاكم إليه ويتخاصم .
هذه المقامات الثلاثة: أن ترضى عن الله، وأن ترضى عن رسوله، وأن ترضى عن دينه, هي ثمرة يانعة من ثمرات التوحيد، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، لذلك في المحن الشديدة تهتز هذه القيم .
هذه وظيفة المحن :

أنا أقول لكم دائماً: هناك امتحان صعب، أي أن الله يقوي الكافر، ويقويه، ويقويه, حتى يظن أن الله ترك أمر الدنيا لهؤلاء، هذا امتحان صعب نحن فيه الآن، ثم يظهر الله آياته, حتى يقول الكافر: لا إله إلا الله، أي نبتلى بالسراء وبالضراء .
يوجد بالإسمنت حقيقة لطيفة: كلما طبخوا طبخة إسمنت, يصبون مكعبات صغيرة، هذا المكعب يوضع على جهاز, يمسك من قسمه الأعلى، وقسمه الأسفل توضع فيه كفة, توضع فيها أوزان بالتسلسل، على أي وزن ينكسر, هذا الإسمنت كانت هذه مقاومته، يوجد إنسان يكسر لسبب تافه، موت إنسان قريب له يفقد توازنه، إنسان إذا فقد ماله كله يفقد توازنه ، إنسان إذا فقد مكانته الاجتماعية يفقد مكانته، فالمؤمن الكامل القوي بإيمانه لا يفقد توازنه أبداً؛ مهما ادلهمت الخطوب، مهما اشتدت المحن، هو راضٍ عن الله عز وجل، هذه تحتاج إلى قوة إيمان، لكن والله أناس كثيرون تركوا الصلاة الآن، أين الله؟ يرى ما سوى الله أنه هو الفعال لما يريد، فهذه المحن تكشف درجات الإيمان .
قال تعالى:
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾
[سورة آل عمران الآية: 142]
﴿وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾
[سورة المؤمنون الآية: 30]
﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾
[سورة العنكبوت الآية: 2-3]
وطن نفسك أنك مبتلى، وطن نفسك أنك ممتحن، ومستحيل وألف ألف مستحيل أن تستحق عطاء الله من دون امتحان .
أيها الأخوة, قل ما شئت، أعطِ نفسك أي مقام، حدث الناس عن نفسك كما تريد، لكن الله متكفل أن يحجمك، أو أن يعيدك إلى حجمك الحقيقي، فالامتحان يكشف حقائق الرجال .
خاتمة القول :
أيها الأخوة الكرام, أعود وأقول: إن هذه الدروس الكثيرة, تنطلق من محور واحد، ليست عقيدة المسلم هي ما ينبغي أن يعتقد فحسب، بل ما ينبغي أن يكون عليه؛ من خضوع لله ، ومن محبة له، ومن شكر له، ومن صبر على قضائه وقدره، ومن رضا عنه، وعن رسوله, وعن دينه .






والحمد لله رب العالمين








 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 07-02-2018, 06:49 AM   #35


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: العقيدة الاسلامية من مفهوم القران والسنة



بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية من مفهوم القران والسنة

الدرس : ( الرابع و الثلاثون )

الموضوع : مستلزمات التوحيد ( 14 ) المحبة والهمة



الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
دقق في معنى هذا الكلام :
أيها الأخوة الكرام, مع الدرس الرابع والثلاثين من دروس العقيدة، ولا زلنا في هذه السلسلة من لوازم العقيدة الصحيحة، من لوازم التوحيد الصحيح: أن تحب الله.
أيها الأخوة الكرام, دققوا فيما سأقول: يمكن أن تتحدث ساعتين أو أكثر في القرآن، و في السنة، وفي الأحكام الفقهية، وفي الأحكام الشرعية، وفي دقائق الدين، وفي جزئيات الدين ، وفي تفاصيل الدين، ويمكن أن تملك أقوى الأدلة، وأنت لا تعرف الله، ويوجد شواهد من حياتنا المعاصرة تؤكد ذلك؛ إن عرفت الله لا تعصيه، إن عرفت الله تشعر أنه يراقبك، إن عرفت الله تحس أنك في قبضته، إن عرفت الله لا تأخذك في الله لومة لائم، فأن تعرف جزئيات, وتفاصيل, ودقائق, ومعلومات, وأفكار, وأدلة, وأخبار عن الدين شيء، وأن تعرف الله شيء آخر.

أنواع العلوم التي تختص بمعرفة الله جل جلاله :
1-علم بخلقه :
العلماء قالوا: هناك علم بخلقه؛ جامعات الأرض بكل أقسامها وفروعها, مهمتها أن نعرف خلق الله، الجيولوجيا، الجغرافيا، الفيزياء، الكيمياء، الرياضيات، الفلك، الطب، الهندسة ، علم النفس، علم الاجتماع، العلوم كلها, هذه علوم أدوات المعيشة العلم بخلقه, يمكن أن تدلك على الله, لو أردت أن تقرأها قراءة إيمانية، قد تجد طبيباً يتفوق في الطب، ولا يعرف الله، و تجد طبيباً آخر, كلما قرأ عن عظمة خلق الله في الإنسان, خشع قلبه, وانهمرت دموعه.
أي علم في الأرض يمكن أن يوصلك إلى الله، لأن هذه العلوم هي قوانين خلق الله عز وجل، إنك تشعر أن وراء هذا الكون إلهاً عظيماً, وخالقاً حكيماً, ورباً رحيماً، هذا العلم بخلقه.

2-علم بأمره :
العلم بأمره؛ كليات الشريعة في العالم الإسلامي متخصصة في معرفة أمر الله، الحلال والحرام، والخير والشر, وأحكام الوكالة, والوديعة, والحوالة، شروط البيع والشراء، أحكام البيع والشراء، وخيار الشرط، وخيار الوقت، أبحاث كأي علم آخر, الإنسان الذي يوجد عنده ذكاء يحفظها، والذي عنده طلاقة لسان يعرضها، لكن أن تعرف الله شيء آخر.
إذا كنت تعرف الله لا تستطيع أن تدوس نملة، ولا أن تحبس هرة، أما الذي يحبس ما فوق الهرة، ويموتون في السجن، ويعذبون، وينكل بهم، ويعرون كما تشاهدون كل يوم، هؤلاء لا يعرفون الله، ولو كتبوا على عملتهم ثقتنا بالله، أنا أؤكد على معرفة الله.

من لوازم معرفة الله :
1-أن تحبه :
أيها الأخوة الكرام, من لوازم معرفة الله أن تحبه، مستحيل وألف ألف مستحيل أن تعرفه ثم لا تحبه، ومستحيل وألف ألف مستحيل أن تحبه ثم لا تطيعه، ومستحيل وألف ألف مستحيل أن تؤثر غيره عليه، وأن تؤثر الدنيا على الآخرة.
انظر إلى هذا القول لأحد العلماء الكبار :
يقول أحد العلماء الكبار: المحبة سمة المسافرين إلى ربهم، الله عز وجل قال:
﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾
[سورة الذاريات الآية: 50]
إنسان يسافر إلى أوربا، إلى أمريكا، إلى منتجع، إلى جزيرة، إلى مشتى في أسوان بالشتاء، إلى موسيه في جبال الألب بالصيف، والمؤمن سافر إلى الله:
﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾
[سورة الذاريات الآية: 50]
﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾
[سورة الصافات الآية: 99]
قال: هي سمة المسافرين إلى ربهم، الذين ركبوا جناح السفر إليه، ثم لم يفارقوه إلى حين اللقاء، هم الذين قعدوا على الحقائق, وقعد من سواهم على الرسوم.
هذا اختيار المؤمن :
تجد إنساناً بكل كيانه، بكل قطرة من دمه، بكل خليه بجسمه؛ الكرة، والفريق الفلاني، واللاعب الفلاني، تجد بدمه يتابع المباريات، إنسان همه التحف، إنسان همه الطيور، إنسان همه الصقور، أما المؤمن فهمه الله، التعبير البسيط: المؤمن عرف أن ينقي، انتقى الذي لا يموت، انتقى الذي يعيش معه إلى أبد الآبدين:
﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾
[سورة الرحمن الآية: 26]
كل مخلوق يموت، لو أحببت أجمل امرأة على وجه الأرض ونلتها, فلا بد من أن تفارقها، ولا بد من أن تفارقك:
كـــــــــل مخـلوق يموت ولا يبقى إلا ذو الـــعزة والجبروت
والليل مهما طال فلابد من طلوع الفجر والعمر مهما طال فلابـد من نزول القبر
وكل ابن أنثى وإن طـــالت سلامته يوماً على آلــة حــــدباء محمول
فإذا حملـــت إلى القــبور جنازة فاعلــم بأنــــك بعــدها محمول

عش ما شـــــئت فإنــك ميت أحبب ما شــئت فإنــــك مفارق
اعمل ما شئت فإنك مجزي به نظرة وعبرة :
دخلنا على قصر كمال أتاتورك في تركيا, قاعة الاستقبال ألف متر، هل يوجد أحد عنده غرفة الضيوف مساحتها ألف متر, مزينة بخمسة أطنان ذهباًَ، كل شيء فيها من أعلى مستوى، الثريات كريستال، الرخام شفاف أونيكس؟ أين صاحب هذا القصر؟ في القبر، عندما تعرف المصير, يهون عليك كل شيء، لذلك في بعض البرامج النفسية, ابدأ من النهاية، النهاية القبر، تسكن منزلا بثمانين مليونًا، سبعين مليونًا، له إطلالة رائعة، أربعمئة متر فرضاً، قبو تحت الأرض، شمالي، كله مؤقت، والدليل على النعي، وسيشيع إلى مثواه الأخير، هذا بالمفهوم الأخير، البيت الذي كان فيه مثوى مؤقت.
عملية مقارنة :
أيها الأخوة الكرام, هؤلاء المؤمنون عرفوا الحقائق، وسواهم عرف الرسوم الأشباه، سبحانك يا رب, لحكمة أردتها لا يمكن أن تمد الدنيا، الإنسان بلذة مستمرة, بل لذة متناقصة تعقبها كآبة، لاحظ الإنسان, حقق كل أهدافه بالحياة بحالة نفسية, لا بد من أن أعبر عنها باللغة الدارجة؛ يَقرف ويُقرف، ملل، أكل حتى شبع، لم يدع بلداً إلا وسافر له، كل المتع ملّ منها بعد ذلك، والشيء الذي لا يصدق: أن الإنسان أحياناً من دون منهج، من دون قيم، من دون مبادئ، يميل إلى الانحراف، يمل من الشيء الطبيعي الفطري الصحيح، ينحرف نحو أشياء لا ترضي الله عز وجل.
ينبغي أن تعلم هذه الحقيقة :
أيها الأخوة، حقيقة دقيقة جداً أضعها بين أيديكم: الإنسان قبل أن يحقق أهدافه, أسعد الناس يعيش بالأمل، يعيش بالخيال، يتصور بيتاً معيناً، يتصور زوجة معينة، يتصور دخلاً معيناً، بعد أن يصل إلى بعض أهدافه, تنكشف له الحقيقة المرة: أن الدنيا أقل بكثير مما هي عليه.
طرفة :
يروون طرفة: أن إنساناً بالعهد العثماني, النساء كلهن محجبات بحجاب كامل، فإنسان منحرف, تبع امرأة من شارع إلى شارع، من طريق إلى طريق، من حارة إلى حارة، من دخلة إلى دخلة، ثم التفتت نحوه، وكشفت عن وجهها, فإذا هي سوداء، فقالوا: وكذلك الدنيا تكشف عن وجهها عند الموت:
﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي * فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾
[سورة الفجر الآية: 24-26]
منعطف هام :
أيها الأخوة الكرام, المحبة عنوان طريقة المؤمنين، والمحبة دليل صدق المؤمنين، و المحبة تؤكد أن هذا الإنسان من أهل الطريق إلى الله عز وجل .
من لوازم معرفة الله أن تحبه، المحبة أصل كل شيء، خالق كل شيء, رب كل شيء، مصدر كل شيء، كل جمال المخلوقات مسحة من جمال الله .
أحياناً تجد طفلاً, تقول: سبحان الله على هذه القسمات التي منحه الله إياها, أجمل وجه في الأرض مسحة من جمال الله، أجمل امرأة مسحة من جمال الله، أجمل جبل أخضر، أجمل ساحل بحر، أجمل نسيم عليل، أجمل فاكهة طيبة، هذه لذائذ الدنيا هي مسحة من جمال الله, فالمؤمن وصل إلى أصل الجمال، وغيره وصل إلى فروع الجمال, فروع الجمال فانية, أما أصل الجمال باق.

قف هنا :
قال عليه الصلاة و السلام:
((أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني))
في الدنيا جنة, من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة، إنها جنة القرب, والدليل: ﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾
[سورة محمد الآية: 6]
في الدنيا: المؤمن ذاق طعم القرب.
من أدعية النبي عليه الصلاة والسلام: عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, كَانَ يَقُولُ عِنْدَ الْكَرْبِ:
((لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَرَبُّ الْأَرْضِ, لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه َرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح، والترمذي في سننه]
2-3 أن تحب أمره ونهيه, وأن تحب أنبياءه وكتبه :
المرتبة الثانية: إن كنت صادقاً في محبته, تحب أمره ونهيه، لذلك المؤمنون يفرحون بما نزل إليهم، يوجد إنسان يكره أمر الله عز وجل، يكره المنال, يا أخي المؤمن الناس كلهم طلقاء، يذهب إلى أي مكان يشتهيه، يجلس مع من يشتهي، يصافح من يشتهي، يملأ عينيه من محاسن من يشتهي، إلا المؤمن؛ حرام وحلال، وشبهة، ويجوز ولا يجوز، وعند الأحناف كذا، وعند الشافعية كذا.
إذاً: من لوازم محبة الله عز وجل: أن تحب أمره ونهيه، ومن لوازم محبة الله عز وجل: أن تحب أنبياءه وأن تحب كتبه.

الإيمان قيد الفتك :
أيها الأخوة, الإيمان قيد الفتك، عظمة الإنسان أنه عنده منظومة قيم تقيده، سيدنا صلاح الدين فتح القدس, ما تمكن أن يهرق دم إنسان واحد، أما عندما فتح الفرنجة القدس, ذبحوا سبعين ألفًا في يومين، والآن ترون كل يوم يموت أربعون، خمسون، مئة وخمسة و عشرون، موت كعقاص الغنم، لا يدري القاتل لمَ يقتل، ولا المقتول فيم قتل؟ أليس هذا صحيحاً ؟ يوم يذوب قلب المؤمن في جوفه مما يرى، ولا يستطيع أن يغير، إن تكلم قتلوه، وإن سكت استباحوه.
ما يتميز به المؤمن عن أهل الدنيا :
أهل الدنيا لا يرون إلا كبار أهل الدنيا، دون أن يشعر، إن كان تاجراً يقول لك: بصفقة حقق ثمانية عشر مليونًا، ارفع يدك، أخذ خمسة ملايين، الذي يتكلم هذا الكلام يذوب قلب المسكين, الذي دخله لا يكفيه أربعة أو خمسة أيام، الذين يحبون المال يتغنون بأرباب الأموال، والذين يحبون القوة يتغنون بالأقوياء، والذين يحبون المتع الرخيصة يتغنون بمن لهم مغامرات في ملذات لا ترضي الله عز وجل، أما المؤمن فيتغنى بالله عز وجل، يتغنى بما عند الله، يتغنى بما عند الله من نعيم مقيم، يتغنى بأعماله الصالحة، يتغنى بالطاعات، يتغنى بالصلة بالله عز وجل.
بشرى لك :
يوجد شاهد قوي جداً يطمئننا إن شاء الله: عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ قَالَ:
((كُنَّا مَعَ رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي سَفَرٍ, فَبَيْنَا نَحْنُ عِنْدَهُ, إِذْ نَادَاهُ أَعْرَابِيٌّ بِصَوْتٍ جَهْوَرِيٍّ: يَا مُحَمَّدُ، فَأَجَابَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بنحو مِنْ صَوْتِهِ: هَاؤُمُ, فَقُلْنَا لَهُ: وَيْحَكَ، اغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ, فَإِنَّكَ عِنْدَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَقَدْ نُهِيتَ عَنْ هَذَا, فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أَغْضُضُ, قَالَ الْأَعْرَابِيُّ: الْمَرْءُ يُحِبُّ الْقَوْمَ وَلَمَّا يَلْحَقْ بِهِمْ, قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ))
[أخرجه الترمذي في سننه]
هذه بشارة لمن يحب، وليس في مستوى من يحب، هم القوم لا يشقى بهم جليسهم، كن عالماً, أو متعلماً, أو مستمعاً, أو محباً.
يوجد إنسان غير متعلم, إذا دخل طالب علم, يرحب به، يكرمه، يقول لك: هذا إنسان يعرف الله، لكن يجب أن تعلموا: أنك إذا دعوت إلى الله، وكرمك الناس, فهذا التكريم ليس لك, هو لله، لكنك كنت السبب، فإذا كنت وفياً لله, تكون في مستوى هذا التكريم، تكون في مستوى حسن ظنهم بك.

4-أن تحب أولياءه والصالحين من عباده :
المرتبة الرابعة: أن تحب أولياء الله والصالحين من عباده، سبحانك يا رب, تجد أحياناً إنساناً يكره المؤمنين ويغتاظ منهم، ويحب المنافقين والمنحرفين لأنه منهم:
﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾
[سورة الفتح الآية: 29]
استنبط بعض العلماء: أن الذي يكره أصحاب رسول الله ليس مؤمناً، ليس مؤمناً قطعاً، علامة إيمانك: أنك تحب الله, ورسوله, وأنبياءه, والصحابة الكرام جميعاً، والمؤمنين في كل زمان ومكان.
5-أن تحب لقاءه وأن تسعى إلى جنته والنظر إلى وجهه ورضوانه :
المرتبة الخامسة في المحبة: أن تحب لقاءه, وأن تسعى إلى جنته, والنظر إلى وجهه ورضوانه، يوجد عندنا الجنة، فوق الجنة النظر إلى وجه الله الكريم، فوق النظر إلى وجه الله الكريم رضوان من الله أكبر.
دخلت إلى بيت, وجدت فيه أثاثًا لا يوصف، وطعامًا نفيسًا، إطلالة رائعة، أما إذا رأيت صاحب البيت، وقد منحه الله جمالاً أخاذاً, هذا مستوى أرقى، فإذا رحب بك، وآنسك، و طيب قلبك، وأكرمك, فهذا مستوى آخر، فبين أن تدخل جنته، أو أن تملأ نظرك بوجهه الكريم:

﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾
[سورة القيامة الآية: 22-23]
ثم أن يرضى الله عنك, فتسعى بقربه إلى أبد الآبدين. المحبة أساسها المعرفة :
أيها الأخوة الكرام, هذه المحبة، والمحبة أساسها المعرفة، تعرفه فتحبه، هذا شيء طبيعي.
أحياناً الإنسان يذهب إلى بلد, يسر سروراً كبيراً, يشتاق إليه، يذهب إلى العمرة أو إلى الحج, يتجلى الله على قلبه الشيء الكثير, يشتاق أن يعود إلى هذه البلاد، يلتقي بإنسان, يأنس به, يشتاق إليه.
فالمحبة أساسها المعرفة, تعرفه فتحبه، ومن أعجب العجب: أن تعرفه ثم لا تحبه، من أجب العجب: أن تحبه ثم لا تطيعه، من أعجب العجب: أن تحبه وأن تطيعه ثم لا تؤثره على غيره.

مشكلة :
يوجد عندنا مشكلة، تجد إنساناً يقنع بكل شيء، ولكن لا يوجد عنده همة، يعرف كل شيء، يحضر دروس لثلاثين سنة، تتكلم بحديث يتمه لك، تتكلم بآية يتمها، تتكلم بقصة يكملها ، حافظ كل شيء, ولكن لا يوجد همة ليفعل شيئاً، تنقصه الهمة والإرادة.
من ثمرات المحبة :
ابن القيم يقول: الهمة ثمرة المحبة.
أنت لاحظ: إذا إنسان خطب فتاة، وكان معجباً بها, عشر ساعات يفكر كيف سيقدم لها هدية؟ كيف يتلطف معها بالكلام؟ كيف يتصل بها؟ كيف يفاجئها بشيء تسر به؟ تشغل كل ساحته، هذه فتاة, وامرأة يمكن بعد الزواج بسنتين لا تتكلم معها بكلمة، لا يعطس أبداً، كان ست ساعات يكلمها على الهاتف، لماذا؟ لأن كل شيء يمل، إلا أن تكون مع الله, فيوجد شوق مستمر.
يروي الأدباء: أن مجنون ليلى لو تزوجها لطلقها، فالهمة ثمرة المحبة, وأعلى منتوجاتها: التعلق بالحق منهجاً وسلوكاً، الهم من مبدأ الإرادة:

﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾
[سورة يوسف الآية: 24]
يا الله هذا همّ، أراد أن يفعل شيئاً، الهمة من ثمرات المحبة، والهمة أول درجات الإرادة، تحب فتهم فتريد.
حلقة مفقودة في العالم الإسلامي :
يوجد حلقة مفقودة بالعالم الإسلامي, كل شيء واضح، دروس، ومحاضرات، و ندوات، أي بكل بيت يقول لك: رأينا الندوة الفلانية، والعالم الفلاني، والدكتور الفلاني، وفلان حجته قوية، وفلان جاء بأدلة رائعة، كلما تجلس مع شخص, عنده اهتمامات إسلامية، يتابع هذه الندوات, صار عنده ثقافة مذهلة، لو طبق واحد بالمليون منها, لكان في أعلى عليين، و لكن همة على تطبيق لا يوجد.
أمر فيه حيرة :
شخص تركي عنده قط، وعنده وليمة، وجاء بلحم غال وكثير، فهذا القط أكل اللحم، هذا التركي امتلأ منه غيظاً، تمنى أن يمزقه، هذا القط له ورد، أي يخرخر، فنظر إليه بغيظ, قال له: أوراد شوك أمانات يوك.
الآن تجد شخصاً يتكلم بالدين ساعة، بالفلسفة، وبالعقيدة، والصوفيين، والسلفيين، والماترديين، والأشاعرة، والدليل الفلاني، والآية الفلانية، والحديث الفلاني، ليس عند الحلال والحرام، هذه مشكلة، يوجد حلقة مفقودة، هي الإرادة، يعرف كل شيء ولا يطبق شيئاً، لا يوجد عنده إرادة، ولا يوجد عنده همة، الهمة أساسها المحبة، والمحبة أساسها المعرفة، ما تعرف إلى الله ولا أحبه, لذلك لا يوجد عنده همة، هذه مشكلة المشكلات، هذه آفة الآفات، هذه معضلة المعضلات.
مشكلة المؤمن يعرف, لا ينعم بثمرات الإيمان لأنه مقصر، ولا يعد مع الكفار لأنه مؤمن، الوضع محير؛ لا أخذ من هؤلاء سعادتهم، ولا أخذ من هؤلاء حريتهم، مقيد.

ما الذي يحجب المسلم عن الله؟ :
أيها الأخوة, معظم المسلمين لا يزنون، ولا يسرقون، ولا يقتلون، ولا يشربون الخمر ، ما الذي يحجبهم عن الله؟ الصغائر فقط، يوجد حجاب ثخين لأسباب وجيهة، إنسان قاتل، إنسان زان، شارب خمر، سارق، طبعاً محجوب بحجب كثيفة جداً، لكن إنسان لم يسرق، ولم يكذب، ولم يشرب الخمر، و لم يزنِ، ولم يقتل، ومحجوب عن الله بالصغائر، لذلك هذه الذنوب الصغيرة التي لا نعبأ بها, تجتمع على الرجل حتى تهلكه.
إن الشيطان يئس أن يعبد في أرضكم، ولكن رضي فيما تحقرون من أعمالكم، إن الصغائر تجتمع على الرجل حتى تهلكه.
ما فروع الهمة؟ :
1-همة في طلب العلم :
الهمة ما فروعها؟ همة في طلب العلم، طلب العلم يحتاج إلى وقت، وإلى جهد، وإلى تواضع، يوجد إنسان أكبر همه أن يطلب العلم، معه دكتوراه من بلد أجنبي، لا ينظر لأحد، أما هو فأمّيٌّ في العلم بالدين، بدليل: أحضر أكبر عالم دين، وأعطيه تخطيط قلب, لا يفهم منه شيئاً، إذاً: هذا العالم الكبير في الدين, أمي في تخطيط القلب، وبالمقابل: ائت بأكبر طبيب قلب, لم يطلب العلم الشرعي, هو أمي في الدين، الإنسان أحياناً يستنكف أن يطلب العلم، يستنكف أن يستمع إلى شريط، يستنكف أن يطالع كتاباً إسلامياً, معه بورد، أي عنده شعور أنه فوق البشر، أكبر خطر بالعلم الكبر.
ومن التعريفات الجامعة اللاذعة: أنها مدرسة يدخلها الطالب جاهلاً متواضعاً, يخرج منها جاهلاً متكبراً، بقي جاهلاً، ولكنه أضاف إلى جهله التكبر.

علام تؤكد هذه الآيات؟ :
الهمة الأولى في طلب العلم, يمكن أن تجلس في مجلس على ركبتيك، لكن:
﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾
[سورة الكهف الآية: 28]
طبعاً لو ذهبت إلى بيت صديق, يوجد كرسي مريح وثير، يوجد ضيافة، في بيت الله لا يوجد إلا الأرض، ولا يوجد ضيافة، وقد يكون الدرس طويلاً أحياناً، وقد يتأخر الشيخ، فهمة في طلب العلم:
﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾
[سورة الزمر الآية: 9]
﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾
[سورة محمد الآية: 19]
فضيلة طلب العلم :
فضل العلم خير من فضل العبادة، أي شخص يقوم الليل فقط، وآخر يتبحر في العلم، الذي يتبحر في العلم ليعلم الناس، ليهدي الناس إلى صراط الله عز وجل, أفضل عند الله من فضل العبادة.
يقول عليه الصلاة والسلام أيضاً:

((وخير دينكم الورع))
ركعتان من ورع, خير من ألف ركعة من مخلط.
من لم يكن له ورع يحجزه عن معصية الله إذا خلا, لم يعبأ الله بشيء من عمله.
عن عَبْد اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ, قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
((لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ, وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا))
حجمك عند الله بحجم عملك الصالح :
أتمنى أن أوضح لكم أنه؛ أنا مقياس الغنى عندي الحجم المالي، لكن مقياس الغنى عند الله العمل الصالح، لما سيدنا موسى سقى للمرأتين قال:
﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾
[سورة القصص الآية: 24]
صدقوا أيها الأخوة, الغني الحقيقي: من له أعمالاً صالحة كبيرة جداً؛ إما في الإنفاق، إما في بناء المساجد، إما في إلقاء الدروس، إما في تأليف الكتب، إما في إنشاء دور يتامى، في معاهد شرعية، إما في خدمة الناس.
حجمك عند الله بحجم عملك الصالح، يجب أن توقن يقيناً قطعياً: أن الفقر الحقيقي فقر العمل الصالح.

ما محور هذا الحديث؟ :
عَنْ قَيْسِ بْنِ كَثِيرٍ قَالَ:
((قَدِمَ رَجُلٌ مِنْ الْمَدِينَةِ عَلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ وَهُوَ بِدِمَشْقَ, فَقَالَ: مَا أَقْدَمَكَ يَا أَخِي؟ فَقَالَ: حَدِيثٌ بَلَغَنِي أَنَّكَ تُحَدِّثُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قَالَ: أَمَا جِئْتَ لِحَاجَةٍ؟ قَالَ: لَا, قَالَ: أَمَا قَدِمْتَ لِتِجَارَةٍ؟ قَالَ: لَا, قَالَ: مَا جِئْتُ إِلَّا فِي طَلَبِ هَذَا الْحَدِيثِ, قَالَ: فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَبْتَغِي فِيهِ عِلْمًا, سَلَكَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ, وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضَاءً لِطَالِبِ الْعِلْمِ, وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ, حَتَّى الْحِيتَانُ فِي الْمَاءِ, وَفَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ, كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ, إِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ, إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا, إِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ, فَمَنْ أَخَذَ بِهِ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ))
2-همة في طلب المعالي :
الآن: هذه الهمة التي هي نتيجة المحبة، المحبة تولد همة؛ همة في طلب العلم، وهمة نحو المعالي.

((إن الله يحب معالي الأمور, ويكره سفسافها ودنيها))
تجد إنساناً همه المغني الفلاني، عنده جميع أشرطته، ومُرَتبها، ومصنفها، ويوزعها أيضاً، هذا همه الموسيقا، هذا همه التواضع، تجد هموم, ومبالغ, وأوقات، أما المؤمن همه الله.
قال تعالى:
﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾
[سورة الحجرات الآية: 7]
3-همة في الجهاد في سبيل الله :
الآن: محبتك لله عز وجل, ولرسوله, ولأنبيائه, ولكتبه، ولأوليائه، وللمؤمنين؛ التي نقلتك إلى همة في طلب العلم، وهمة في طلب المعالي, تنقلك أيضاً إلى همة في الجهاد في سبيل الله, والجهاد أنواع منوعة، دعونا موقتاً من الجهاد القتالي، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يتاح لنا في وقت من الأوقات، لكن يوجد جهاد النفس والهوى وهو أهم أنواع الجهاد، لأن المنهزم أمام نفسه لا يمكن أن يواجه نملة، الجهاد البنائي: أن تطور عملك ليكون في خدمة المسلمين، وليكون قوة في أيدي المسلمين.
ما مشروع هذه الآية؟ :
التقيت مع إنسان بسفرتي الأخيرة يشغل منصباً رفيعاً، قلت له: لو عرضت عليك مشروعاً بمليونين، فسألتك: أمعك مال لهذا المشروع؟ فقلت لي: ليس عندي مال لهذا الذي تعرضه علي، أنا قد أحتاج منك إلى مليون، معك نصف مليون، تقول: ليس عندي مال، أما لو قلت لي: ليس عندي من مال ولا درهم، ماذا أفادت كلمة من؟ استغراق أفراد النوع، الآن: إذا الله عز وجل قال:
﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾
[سورة الأنفال الآية: 60]
أي إن أي إنسان مسلم بعمله إذا أتقنه، وخدم المسلمين, وفر عليهم أن يستوردوا، و أعطاهم حاجة جيدة جداً, متينة تقاوم، وتخدم مدة طويلة، وبسعر معتدل، هذا ساهم في بناء الأمة.
يوجد جهاد النفس والهوى، ويوجد الجهاد الدعوي، ويوجد الجهاد البنائي، ونسأل الله عز وجل أن يرزقنا الجهاد القتالي.

سؤال دقيق :
موضوع الهمة موضوع حساس ومتداول، يقول لك شخص: أول ما تعرفت إلى الله في هذا المسجد, كنت شعلة، بركانًا، الآن فترت همتي، كنت أبكي كثيراً، الآن لم أعد أبكي، كنت أصلي كثيراً طويلاً، الآن أصلي صلاة اعتيادية كالناس، كنت لا أنام الليل من محبتي لله، الآن والله عادي, يتكلم بألم، وكأنه فقد إيمانه، أقول له: لا، أنا أطمئن هؤلاء الذين لم يخطئوا مع الله، لكن أحوالهم التي تألقوا بها, ضعف تأثيرها عندهم، هؤلاء لو كنت في مكان بارد جداً، وكدت تموت من البرد، ثم دخلت إلى مكان دافئ خلال دقائق أو عشر دقائق, تشعر بقيمة الدفء، بعد ذلك أنت في الدفء, والدفء هو هو، لكن قوة تأثيره عليك ضعفت مع استمراره، لو أن شخصًا لا سمح الله ارتكب معصية, يحس نفسه وكأنه في جهنم، ما دام مستقيماً فهو مرتاح، هذه الراحة نوع من الصلة؛ لكن مخففة.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو, أَنَّهُ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنْ قُرَيْشٍ, فَكَانَ لَا يَأْتِيهَا, كَانَ يَشْغَلُهُ الصَّوْمُ وَالصَّلَاةُ, فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ...... فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:

((إِنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ شِرَّةً, وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةٌ, فَمَنْ كَانَتْ شِرَّتُهُ إِلَى سُنَّتِي فَقَدْ أَفْلَحَ, وَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ هَلَكَ))
إلى يوم غد إن شاء الله :
أيها الأخوة الكرام, المحبة ثمرة المعرفة، والهمة ثمرة المحبة، النتيجة الثالثة للدرس القادم: الغربة، ما لم تشعر بغربة بهذا العصر, ففي الإيمان خلل، يجب أن تشعر كأنك غريب، قيمك نادرة، مبادئك، أخلاقك، كلامك، مزاحك متميز، فيه عفة، لا يؤذي أحد، لا يتجاوز حدوده، الغربة من لوازم الإيمان الصحيح.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:

((إن رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا, وسَيَعُودُ غريباً كما بدَأَ, فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ))
[أخرجه مسلم في الصحيح]
والغربة تحل بأن تكون مع المؤمنين، أن يكون لك مجتمع مؤمن، أصدقاء مؤمنين، تتصل بهم، تسمر معهم، تلتقي بهم، تبثهم وجدك، يبثونك مواجيدهم، فبدل الشعور بالغربة أن تأنس بالمؤمنين، أما أن تأنس بعامة الناس, هذا دليل خطير جداً على أنك منهم، والاستئناس بالناس من علامات الإفلاس, أما أن تستأنس بالمؤمنين, فهذا دليل على إيمانك الصحيح إن شاء الله.
من أسئلة السائلين :
السؤال الأول: ما هو الشيء أو الفعل أو القول الذي يطمئن المسلم في محبة الله
س- ما هو الشيء أو الفعل أو القول الذي يطمئن المسلم في محبة الله وفي الالتزام بشرعه؟
ج- إنك إذا فعلت عملاً صالحاً ولم تذكره لأحد، و لم تحتاج أن تتباهى به، هذا دليل إخلاصك لله عز وجل، وإذا استوت استقامتك وحدك أو مع الناس دليل محبتك لله عز وجل، استواء العمل في الخلوة والجلوة دليل محبة الله عز وجل، وبقاء العمل بالذم والمديح دليل محبة الله عز وجل، إذا كنت محباً لله, عملك لا يتغير بين أن تكون في جلوتك أو في خلوتك، وإذا كنت محباً لله عز وجل, لا يزيد عملك بالمديح ولا يقل بالذم، وإذا كنت ممن يحب الله عز وجل, تشعر أنك لا تحتاج أن تذكر عملك لأحد، يا ربي أنت مقصودي ورضاك مطلوبي:

﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً﴾
[سورة الإنسان الآية: 8-9]
فعدم طلب الشكر والجزاء, واستواء العمل في الخلوة والجلوة, واستواء العمل مع المديح و الذم دليل محبة الله عز وجل.
السؤال الثاني: دلنا على ورد يزيد من طمأنينة قلوبنا في حب الدين والالتزام؟ :
س- دلنا على ورد يزيد من طمأنينة قلوبنا في حب الدين والالتزام؟ .
ج- أنا أقترح أيها الأخوة, أربع أرباع الساعة، ربع ساعة تصلي، ربع ساعة تقرأ القرآن، ربع ساعة تفكر، ربع ساعة تذكر، أذكار الإمام النووي هذا أصح الأذكار، إذا كنت تستطيع ربع ساعة ذكر, وتلاوة, واتصال بالله عز وجل, وتفكر في مخلوقات الله، هذه الساعة صباحاً تساوي حجة تامة تامة تامة، بعد ذلك يوجد ذكر طوال النهار:

﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾
[سورة المعارج الآية: 23]
كلما أقدمت على عمل تدعو الله أن يوفقك, وأن يكون خالصاً لوجهه الكريم، فالدعاء ذكر, والاستغفار ذكر, وتلاوة القرآن ذكر, والتفكر ذكر.
عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:

((قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ, وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ, وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ, وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ, وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ, فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى, قَالَ: ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى, قَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: مَا شَيْءٌ أَنْجَى مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ))






والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 07-02-2018, 06:52 AM   #36


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: العقيدة الاسلامية من مفهوم القران والسنة



بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية من مفهوم القران والسنة

الدرس : ( الخامس و الثلاثون )

الموضوع : مستلزمات التوحيد ( 15 ) الغربة





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
مستلزمات العقيدة :
أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس الخامس والثلاثين من دروس العقيدة، والموضوع الذي لا زلنا بفضل الله عز وجل نعالجه من أشهر: أن حقيقة العقيدة ليست كما يتوهم بعض المسلمين, ماذا ينبغي أن تعتقد؟ ولكن حقيقة العقيدة ماذا ينبغي أن تكون عليه من الشوق والحب، والتوكل, والطاعة، والالتزام، وما إلى ذلك؟.
الشعور بالغربة :

في هذا الدرس الحديث عن الغربة، ما لم تشعر بالغربة فهناك خلل في إيمانك، ما لم تشعر بالغربة في هذا الزمان فهناك خلل في إيمانك.
الآية الدقيقة جداً التي تتصل بهذا الدرس أشد الاتصال هي قول الله عز وجل:
﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ﴾
[سورة هود الآية: 116]
حتى الذين ينهون عن الفساد في الأرض قلة منهم ناجون، معنى ذلك أن هي سهل، لكن التطبيق يحتاج إلى صدق مع الله عز وجل.
والحديث الشريف الصحيح: عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَنَّةَ, أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:
((بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا، ثُمَّ يَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَنْ الْغُرَبَاءُ؟ قَالَ: الَّذِينَ يُصْلِحُونَ إِذَا فَسَدَ النَّاسُ ...))

[أخرجه الطبراني في المعجم الكبير, وعبد الله بن أحمد في المسند]

فساد عميم.
﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾
[سورة الروم الآية: 41]
حالة انهيار خلقي، حالة انحلال خلقي، حالة ضبابية في الرؤيا، حالة تفلت من منهج الله، صار الفساد هو الأصل، وأن الاستقامة شاذة، حينما يصبح المعروف منكراً والمنكر معروفاً, فنحن في فساد عريض، أن تشعر بالغربة في هذا المجتمع فهذه علامة طيبة، وأن تستأنس بهؤلاء الناس المنحرفين, الشاردين, الغارقين في الفساد, فهذه حالة تحتاج إلى مراجعة.

أخواننا الكرام، أنت غريب في الناس، وأحياناً غريب بين المسلمين، وأحياناً غريب بين المؤمنين، وأحياناً غريب بين العلماء الذين خففوا على الناس دينهم، أي تساهلوا، هذا الموضوع فيه فتوى، هذا الموضوع فيه رأي ضعيف، وهذا الموضوع هناك من يجيز فعله، إذاً: هناك غربة تلو غربة, تلو غربة, تلو غربة.
أخرج الإمام مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ))
عَنْ ابْنِ عُمَرَ, أن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((إِنَّ الْإِسْلَامَ بَدَأَ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ، وَهُوَ يَأْرِزُ بَيْنَ الْمَسْجِدَيْنِ كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ فِي جُحْرِهَا))
[أخرجه مسلم في الصحيح]

يوجد أخوة كرام, قلبهم معلق بالحرمين الشريفين، يسافر إليهما, فيجد سعادته في هذين الحرمين، لا يستأنس في بلاد الغرب، هناك من يطمح أن يتجه إلى بلاد الحرمين ليتعبد الله هناك، وهناك من يطمح إلى أن يسافر إلى بلد متفوق جميل فيه كل ما تشتهيه الأنفس مثلاً، فرق كبير.

وفي مسند الإمام أحمد: عن عَبْد اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي قَالَ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ وَنَحْنُ عِنْدَهُ: طُوبَى لِلْغُرَبَاءِ، فَقِيلَ: مَنْ الْغُرَبَاءُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: أُنَاسٌ صَالِحُونَ فِي أُنَاسِ سُوءٍ كَثِيرٍ، مَنْ يَعْصِيهِمْ أَكْثَرُ مِمَّنْ يُطِيعُهُمْ))
الغربة بين المسلمين:
الآن: هناك غربة بين المسلمين هي غربة المنهج، المنهج غير مطبق، القواعد الشرعية لا يؤخذ بها، توجيهات النبي في سنته لا يعتد بها، فحوى القرآن الكريم لا يقام له وزن في مجتمع التفلت، فأنت في مجتمع مسلم، وكلهم ولد من أم وأب مسلمين، ومع ذلك تشعر بأن هذه مخالفة، وهذا تجاوز، وهذا تقصير، تشعر كأنك لست من هؤلاء.
حينما يتبع المسلمون أهواءهم، حينما يألفوا حياة الغرب، حينما تسيطر عليهم أنماط المعيشة الغربية، حينما يضعف تمسكهم بأصول دينهم، عندئذ يكون المؤمن الصادق المستقيم الملتزم غريباً بين المسلمين، هو غريب بين الناس، وغريب بين المسلمين.
لو أن شاباً هداه الله إليه، وطلب من أهله أن يبتعد عن الاختلاط, لأقاموا عليه الدنيا، وأهله من رواد المساجد، وأهله ممن يتحدثون بالدين، ومع ذلك يقيمون عليه النكير إذا رفض الاختلاط، يقيمون عليه النكير إذا رفض أن يتعامل بمعاملة ربوية، أين الخطأ؟ علماء كبار أفتوا بذلك، من أنت؟ فقد تجد نفسك غريباً، وأنت في أسرة مسلمة ترتاد المساجد.
أخواننا الكرام، أهل الغربة يقيمون الحجة على الناس جميعاً: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا﴾
[سورة هود الآية: 116]
لو تقدم شاب لخطبة فتاة، والشاب غني، وله بيت فخم، وعنده معمل مسجل باسمه، وله مركبة فارهة، لكن لا يصلي, تجد معظم المسلمين يرحبون بهذا الشاب، ولا يعبؤون بقوله تعالى:
﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾
[سورة البقرة الآية: 221]
هذه غربة، إنسان يأبى أن يتعامل مع المصارف الربوية, يجد أن معظم من حوله ينكرون عليه، إذاً: هو غريب.
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ, عَنْ أَبِيهِ, أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ, خَرَجَ مِنْ عِنْدِ مَرْوَانَ نَحْوًا مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ، فَقُلْنَا:
((مَا بَعَثَ إِلَيْهِ السَّاعَةَ إِلَّا لِشَيْءٍ سَأَلَهُ عَنْهُ، فَقُمْتُ إِلَيْهِ، فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ : أَجَلْ، سَأَلَنَا عَنْ أَشْيَاءَ سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ غَيْرَهُ، فَإِنَّهُ رُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ ...))
ليس بفقيه؛ أي لا يطبق أحكام الفقه، يعرفها، ويحفظها، وينقلها للناس، لكنه لا يطبقها. ومن فقرات هذا الحديث:
((... مَنْ كَانَ هَمُّهُ الْآخِرَةَ, جَمَعَ اللَّهُ شَمْلَهُ، وَجَعَلَ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كَانَتْ نِيَّتُهُ الدُّنْيَا, فَرَّقَ اللَّهُ عَلَيْهِ ضَيْعَتَهُ، وَجَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنْ الدُّنْيَا إِلَّا مَا كُتِبَ لَهُ ...))
((عبدي خلقت لك السموات والأرض، ولم أعي بخلقهم، أفيعييني رغيف أسوقه لك كل حين؟ لي عليك فريضة ولك عليّ رزق، فإذا خالفتني في فريضتي, لم أخالفك في رزقك، وعزتي و جلالي, إن لم ترض بما قسمته لك, فلأسلطن عليك الدنيا, تركض فيها ركض الوحش في البرية، ثم لا ينالك منها إلا ما قسمته لك ولا أبالي، وكنت عندي مذموماً، أنت تريد وأنا أريد, فإذا سلمت لي فيما أريد, كفيتك ما تريد، وإن لم تسلم لي فيما أريد, أتعبتك فيما تريد, ثم لا يكون إلا ما أريد))
صفات الغرباء :
1-حجتهم قوية ورؤيتهم صحيحة:

أول صفة الغرباء: أن الله سبحانه و تعالى آتاهم الحجة، معهم حجة قوية، معهم دليل، عرضهم قوي، تعبيرهم متماسك، أدلتهم قاطعة، رؤيتهم صحيحة، هذا هو الغريب.







2-مصادرهم موثوقة:
الصفة الثانية للغريب: أن دينه تلقاه من مصادر موثوقة, لا يستطيع إنسان أن يقول كلاماً في الطب إلا إذا كان طبيباً، وإلا يحاسب، ويلاحق، ويعاقب، لا يستطيع إنسان أن يقول في العلوم كلاماً إلا إذا كان من أهل اختصاصها، إلا في الدين، فكل من هبّ ودبّ يدلي برأي في الدين، لذلك اختلط الحديث الصحيح مع الضعيف مع الموضوع، اختلط الحق مع الباطل، التصور مع العقيدة الصحيحة، يقول لك: قرأتها بمجلة، أي مجلة؟ يوجد شيخ قال هذا الكلام، مصادر غير موثوقة, وغير معتمدة، من دون تحقيق، من دون تمييز، المؤمن الذي يشعر بالغربة, دينه قد أخذه من جهات موثوقة. ((ابن عمر دينك دينك، إنه لحمك ودمك، خذ عن الذين استقاموا، ولا تأخذ عن الذين مالوا))
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾
[سورة الحجرات الآية: 6]
((إن هذا العلم دين, فانظروا عمن تأخذون دينكم))
المؤمن الغريب لا يقبل إلا بالدليل، ولا يرفض إلا بالدليل، لأن دينه مصيره، لأن دينه سعادته أو شقاؤه، فلذلك: بقضايا الدين آراء شخصية لا يوجد، ولا يستطيع أحد على وجه الأرض أن يدلي برأي في الدين. الدين توقيفي, أي العالم الذي ينجو من الله يوم القيامة, هو الذي ينقل نقلاً أميناً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, من دون زيادة، من دون نقصان.
عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ, عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((مَنْ حَدَّثَ عَنِّي حَدِيثًا وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ كَذِبٌ, فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبِينَ))
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا, فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ))
[أخرجه مسلم في الصحيح]
لكن الحديث الأول:
((مَنْ حَدَّثَ عَنِّي حَدِيثًا وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ كَذِبٌ, فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبِينَ))
لذلك: أي حديث ننقله، وأي حديث ننشره من دون تحقق، من دون تدقيق، من دون بحث، من دون استيثاق، من دون توثيق، هذا لا يرضي الله عز وجل. في بعض الفتن التي وقعت في العصور الإسلامية, كان يقول ابن سيرين: سمّوا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم.
يقولون: هذا عندنا غير جائز فمن أنتمُ حتى يكون لكم عند؟
الدين توقيفي، الدين كتاب الله، الدين سنة رسول الله.
3-الغريب يحزن لفقد العلماء:

روي عن مجاهد قال: جاء بشير العدوي إلى ابن عباس, فجعل يحدث، ويقول: قال عليه الصلاة والسلام، قال عليه الصلاة والسلام، فجعل ابن عباس لا يأبه لحديثه، ولا ينظر إليه، فقال: يا بن عباس! مالي لا أراك تسمع لحديثي؟ أنا أحدثك عن رسول الله ولا تسمع، فقال ابن عباس: إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلاً يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم, ابتدرته أبصارنا، وأصغينا إليه بآذاننا، فلما ركب الناس الصعب والذلول, لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف.
إنسان ليس مستقيماً، ليس منضبطاً، يوجد بدخله شبهة، يوجد بإنفاقه شبهة، هذا الذي جاء من المدينة إلى البصرة, ليأخذ عن أحد الأشخاص حديثاً لرسول الله، فلما رآه يوهم فرسه أن في طرف ثوبه شعيراً, من أجل أن تأتي إليه، فلما اقترب لم يجد الشعير, فلم يكلمه بكلمة، وعاد إلى المدينة، هذا الذي يكذب على فرسه, ليس أهلاً أن يروي حديث رسول الله.

أيها الأخوة الكرام، الغريب يحزن لفقد العلماء، لأن هذا العلم لا ينتزع انتزاعاً، إنما ينتزع بموت العلماء، والله من شعر بالغربة فهذه بشارة له.
الغرباء هم أهل السنة المطبقون لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن الله عز وجل يقول:
﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾

[سورة آل عمران الآية: 31]
لكن من لوازم اتباع السنة: أن تعلم ما السنة؟ شيء بديهي، لذلك لا بد من أن تحضر درساً في سنة رسول الله، درس العلم يكاد يكون فرض عين على كل مسلم.
يا بني! العلم خير من المال، لأن العلم يحرسك وأنت تحرس المال، والمال تنقصه النفقة، والعلم يزكو على الإنفاق.
قصص واقعية:
أذكر لكم قصتين؛ الأولى في أول خطبة خطبتها في هذا المسجد في عام أربعة وسبعين، تقدم مني أخ كبير في السن، كانت سنه في ذلك الوقت قريبًا من الخامسة والخمسين، وبدأ يبكي، فلفت نظري بكاؤه، قال: لي زوجتي تخونني -أعوذ بالله- قلت له: مع من؟ قال لي: مع جارنا، قلت له: كيف تعرفت عليه؟ قال لي: مرة كنا بسهرة، وكان بزيارتي، قلت: هذه أم المؤمنين تجلس وحدها، تعالي أم فلان اجلسي معنا، هذا مثل أخيك، بدأت من هنا، قلت له: لو كنت تحضر درس علم واحد ما فعلت ذلك، وحينما لا تفعلها لا تكون هذه المشكلة.
العلم حارس، لا تستغرب، مليون مطب أنت ناج منه باستقامتك، مليون مصيبة صرفها الله باستقامتك.
سائق تكسي أشارت له إحداهن: أين تريدين؟ قالت له: أينما تريد، عدها مغنماً كبيراً، قضى حاجته، وناولته ظرفين، ظرف فيه مبلغ من الدولارات كبير مكافأة له، وظرف فيه رسالة، فتح ظرف الرسالة, مكتوب سطراً واحداً: مرحباً بك في نادي الإيدز، ذهب ليصرف الدولارات, هي مزورة، أودع في السجن، لو كان يحضر درس العلم, تقول له: خذني أينما تريد، يفتح الباب، ويخرجها بقدمه، هذا جهل.
أخواننا الكرام، ما من مصيبة على وجه الأرض تقع إلا بسبب معصية، وما من معصية تكون إلا بسبب الجهل، والجهل أعدى أعداء الإنسان، والجاهل يفعل في نفسه ما لا يستطيع عدوه أن يفعله به.
لمحة عن حياة المؤمن المستقيم :

تجد مؤمناً حياته متوازنة، حياته هادئة، حياته سليمة، حينما تتبع منهج الله عز وجل, يهديك الله سبل السلام، سلام مع نفسك، لا يوجد انهيار داخلي، لأنك مستقيم, وقاف عند كتاب الله, لا يوجد عندك انهيار داخلي، لا يوجد عندك شعور بالنقص، شعور بالذنب، لا يوجد عندك حجاب عن الله كبير، أنت تمشي بشكل صحيح، لم يحرمك من شيء إلا من الشيء الحرام، سلام مع أهلك، أنت شريف، وهي شريفة، أما حينما تكتشف أنك تخونها, تسمعك كلاماً لا يحتمل, سقطت من عينها، وسقطت من عين الله، يهديهم سبل السلام، مع أولاده كبير, في نظر أولاده، أبوهم إنسان مستقيم، مع التجار إذا كان تاجراً، مع الموظفين إذا كان موظفاً، يشار إليه بالبنان, هذا صالح، هذا صاحب دين.


ما هي الجماعة؟ :

أيها الأخوة الكرام، الغريب هو الناجي الآن، ثم ما هي الجماعة؟ لو ببلد يوجد عشرة ملايين إنسان, شخص منهم فقط مستقيم، هذا الواحد المستقيم هو الجماعة، كلمة الجماعة نقصد بها الملتزمة بطاعة الله عز وجل، لذلك:
﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾

[سورة الأنعام الآية: 116]
يقول لك: سرية ليست هي الناجية, الناجون هم الأقلون، فإذا كنت مع الأقلين هذه بشارة، و إذا كنت مع الخط العريض في المجتمع هذه أيضاً مظنة انحراف.
عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ, عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((لَا يَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ, حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ))
هؤلاء الغرباء، يوجد فئة قليلة هي حجة على من سواها.
عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ, لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ, حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ))

[أخرجه مسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي في سننهما]
أما معنى قول النبي عليه الصلاة والسلام: (لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ ): لا يعبأ بالباطل ولو كان كثيراً، أي إذا دخل إنسان للحمام، واغتسل، وتطيب، وارتدى ثياباً جديدة, نظيفة، ومشى في الطريق, فإذا ببركة فيها مياه آسنة، والناس يسبحون، ويمرحون، ويضحكون، هل يتمنى أن يكون معهم؟ هو إنسان نظيف جداً، أنت اجلس بأيّ جلسة، اسمع مزاحهم، كله مزاح جنسي، تعليقات خبيثة جداً، كلمات ملغومة، كل كلامهم ملغوم، كل كلامهم يحمل معاني جنسية ساقطة، يضحكون، إن لم تشعر بالتميز لا بالكبر، إن لم تشعر أنك من طينة أخرى، أن لك هموماً أخرى، أنك تحمل هم المسلمين، أن الله يحب معالي الأمور، ويكره سفسافها ودنيها، من مزاحهم، من موضوع أحاديثهم، من تعليقاتهم الوقحة، من مزاحهم الخشن، من تفلتهم من منهج الله، من قسوتهم في معاملتهم.
إذاً معنى: لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ: بمعنى أنهم لا يعبؤون بمن خذلهم، ولا بمن خالفهم.
والمعنى الثاني: أن الله يعصمهم ويحفظهم، فالطرف الآخر لا يصل إليهم، يوجد بشارة لهؤلاء.
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ:
((قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَيَنْزِلُ عِيسَى, فَيَقُولُ أَمِيرُهُمْ: تَعَالَ صَلِّ لَنَا، فَيَقُولُ: لَا، إِنَّ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ أُمَرَاءُ، تَكْرِمَةَ اللَّهِ هَذِهِ الْأُمَّةَ))

[أخرجه مسلم في الصحيح]
أي تمتلئ الأرض ظلماً وجوراً كما هي الآن، فيأتي أخي عيسى فيملؤها قسطاً وعدلاً.
الابتعاد عن الناس في آخر الزمان:
أيها الأخوة الكرام، الحديث الشهير: عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ الشَّعْبَانِيِّ قَالَ: ((قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ... إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا، وَهَوًى مُتَّبَعًا، وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً، وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ, فَعَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ ...))
شحاً مطاعاً؛ أي المادية، السلوك المادي، الحرص على الدرهم والدينار، أن تبيع دينك وأمانتك بعرض من الدنيا قليل، هوى متبعاً؛ أي الجنس والكبر، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، بربكم أليس السلوك المادي، والانشغال بالشهوات، والكبر سمة هذا العصر؟ همه بطنه، وهمه فرجه، ومعنى أن الله سبحانه وتعالى مسخ بعض بني إسرائيل قردة وخنازير، القرد همه بطنه، والخنزير همه فرجه.
لذلك: ((إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا، وَهَوًى مُتَّبَعًا، وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً، وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ))
هذا حديث صحيح. هذا من توجيهات النبي عليه الصلاة والسلام:
((إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا، وَهَوًى مُتَّبَعًا، وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً، وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ, فالزم بيتك -ليس معنى هذا ألا تخرج، لكن دعك من أمر الناس، اكتف بأهلك وبأخوانك في مسجدك- وخذ ما تعرف -أعرف الصلاة فرض، الصوم فرض، الحج فرض، لكن يوجد وسائل لكسب المال عجيبة، فيها شبهات، فيها ربا، فيها جهالة، فيها غرر، فيها غش- ودع من تنكر، وعليك بخاصة نفسك -أولادك، أخوانك، جيرانك، من حولك، من يلوذ بك- ودع عنك أمر العامة))
أيها الأخوة, مباراة يذهب عشرة قتلى، مباراة كرة قدم، ما هذا المجتمع؟ يوجد مباراة ببعض البلاد فيها ستون قتيلاً، تجد الحماس على كرة، هذا دين جديد عندنا. مرة كنت راكباً بسيارة من مكة إلى جدة، وجدت هذا السائق يكاد يتمزق من الألم، لأن الفريق الذي يحبه لم يربح المباراة، وشعرت أن هناك دينًا جديدًا، وقد يكون لاعباً كبيراً جداً, يباع ويشترى من فريق إلى فريق بالملايين، وهو شاذ، والناس معجبون به، وصوره على ألبسة الشباب دائماً، هذا دين جديد.
فيا أيها الأخوة الكرام، بدأ الدين غريباً، وسيعود كما بدأ, فطوبى للغرباء، أناس صالحون في قوم سوء كثير. أيها الأخوة الكرام، في بعض الأحاديث: يشير النبي عليه الصلاة والسلام إلى أحبابه، فقال أصحابه: أو لسنا أحبابك؟ قال: لا, أنتم أصحابي، أحبابي: أناس يأتون في آخر الزمان, القابض منهم على دينه كالقابض على الجمر، أجره كأجر سبعين, فقالوا: منا أم منهم؟ فقال: بل منكم، قالوا: ولمَ؟ قال: لأنكم تجدون على الخير معواناً، ولا يجدون.
أنقل لكم الحديث الذي قرأته قبل قليل، لكن برواية أخرى مطولة، فعند الترمذي في جامعه, عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ الشَّعْبَانِيِّ قَالَ: ((أَتَيْتُ أَبَا ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيَّ فَقُلْتُ لَهُ: كَيْفَ تَصْنَعُ بِهَذِهِ الْآيَةِ؟ قَالَ: أَيَّةُ آيَةٍ؟ قُلْتُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ، قَالَ: أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْهَا خَبِيرًا، سَأَلْتُ عَنْهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: بَلْ ائْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ، وَتَنَاهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ، حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا، وَهَوًى مُتَّبَعًا، وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً، وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ, فَعَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ، وَدَعْ الْعَوَامَّ، فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامًا, الصَّبْرُ فِيهِنَّ مِثْلُ الْقَبْضِ عَلَى الْجَمْرِ، لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلًا، يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِكُمْ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: وَزَادَنِي غَيْرُ عُتْبَةَ, قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَجْرُ خَمْسِينَ مِنَّا أَوْ مِنْهُمْ؟ قَالَ: بَلْ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ))
الخاتمة:
أي إذا تمسك الإنسان في زمن الفتن, فله أجر خمسين صحابيًا، هكذا قال عليه الصلاة و السلام، كل شيء بثمنه. ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾
[سورة فصلت الآية: 46]
من تمسك بالدين فله معاملة خاصة من الله عز وجل: ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾
[سورة الأنبياء الآية: 88]
مستحيل وألف ألف مستحيل أن تطيعه وتخسر، ومستحيل أن تعصيه وتربح، ومستحيل أن يذل من والى الله، ومستحيل من يعز من عادى الله، هذه الدنيا أمامكم, والبطولة أن تتعظ بغيرك لا بنفسك.






والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 07-02-2018, 06:54 AM   #37


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: العقيدة الاسلامية من مفهوم القران والسنة



بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية من مفهوم القران والسنة

الدرس : ( السادس و الثلاثون )

الموضوع : مستلزمات التوحيد ( 16 ) الحكم بغير ما انزل الله



اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
ما سبق ذكره :
أيها الأخوة الكرام، مع الدرس السادس والثلاثين من دروس العقيدة الإسلامية.
أيها الأخوة، في دروس سابقة كثيرة, كان محورها: أن العقيدة الصحيحة ليست ما ينبغي أن تعتقد فحسب، بل ينبغي أن تكون على عدد من الصفات؛ أن تكون متوكلاً، أن تكون راجياً رحمة الله عز وجل، أن تكون منيباً، أن تكون صابراً، فليس الإيمان أن تعتقد فحسب، بل الإيمان أن تتحلى بصفات الذي اعتقد هذا الاعتقاد.
هذه نقطة أمضينا فيها دروساً عديدة.

ما يقع به كثير من الناس اليوم :
أيها الأخوة, اليوم من مقتضيات الإيمان والتوحيد: أن تنتهي عن صفات يفعلها الجهلة، والذين ضعف الإيمان في قلوبهم.
أيها الأخوة الكرام، مما نهى عنه الشارع الحكيم: أن يتحاكم الإنسان لغير الله، وقد قال الله عز وجل:

﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾
[سورة التوبة الآية: 31]
لا حكم إلا لله، وهذا الذي ينطق بالحق له مهمة محدودة، أن يعرفك بالله عز وجل، وأن يصلك به، لكن أن تتخذه إلهاً أو رباً فلا، وقد يقول أحدكم: ما هذا الكلام؟ أنت حينما تطيع إنساناً وتعصي خالقاً, فكأنك أخذته إلهاً، أنت حينما تطيع مخلوقاً وتعصي خالقاً, فكأنك أعطيت هذا المخلوق صفات المعبود، تطيعه وتعصي الله عز وجل، فلذلك: كلمة الله أكبر التي نقولها, أصبحت كلمةً تردد كثيراً، ولكن حينما تطيع مخلوقاً وتعصي خالقاً, ما قلتها ولا مرة، ولو رددتها ألف مرة، حينما تعطي نفسك ما تشتهي، وقد حرم الله عليك هذا الذي تشتهيه, فأنت ما قلتها ولا مرة، ولو رددتها بلسانك ألف مرة، لذلك الألفاظ التي يرددها المسلمون ولا تؤكدها أفعالهم, لا قيمة إطلاقاً لهذا الترداد، ذلك لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال:
((من قال لا إله إلا الله بحقها دخل الجنة، قيل: وما حقها؟ قال: أن تحجزه عن محارم الله))
ما موضع الشاهد في هذا الحديث؟ :
الآن: ورد في جامع الترمذي بسند صحيح, أن النبي عليه الصلاة والسلام تلا هذه الآية:
[اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللهِ]
تلا هذه الآية على عدي بن حاتم الطائي، فقال: ((يا رسول الله! لسنا نعبدهم، فقال عليه الصلاة والسلام: أليس يحلون لكم ما حرم الله فتحلونه، ويحرمون ما أحل الله فتحرمونه؟ قال: بلى، فقال عليه الصلاة والسلام: فتلك عبادتهم))
أنت حينما تطيع إنساناً من بني جلدتك، وتعصي خالق الأكوان, فكأنك جعلته معبوداً، كأنك رفعته إلى مقام الألوهية، كأنك عبدته من دون الله، والآية واضحة جداً، قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾
[سورة التوبة الآية: 31]
هذا الذي خطب في حضرة النبي, فقال:
((يا رسول الله! ما شاء الله وشئت، فقال: بئس الخطيب أنت، أجعلتني لله نداً؟ قل: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن))
من مقتضيات التوحيد :
1-ألا تحتكم لغير الله :
فنحن في دروس كثيرة, تحدثت عن مقتضيات التوحيد: أن تعلق أملك بالله؛ فهو الرافع، وهو الخافض، وهو المعز، وهو المذل، وهو المعطي، وهو المانع، أن تتوكل عليه، أن تنيب إليه، أن تخلص إليه.
الآن من مقتضيات التوحيد: ألاّ تحتكم لغير الله، لذلك: أحياناً القوانين المدنية هناك أحكام تتناقض مع الشرع، فالذي يلجأ إلى هذه القوانين, لأنها تعطيه أكثر مما يعطيه الشرع, فقد احتكم لغير الله، هذا شيء مطبق في البلاد البعيدة حيث الجاليات الإسلامية, يختارون بين حكم الشرع عن طريق قاض في مركز إسلامي، وبين حكم القانون عن طريق قاض من تلك البلاد، فمعظم المسلمين الذين هم في ضعف شديد في إيمانهم, يلجؤون إلى القاضي الذي يحكم لهم, بما يتوهمون أنه أكثر مما يحكم لهم الشرع، هؤلاء احتكموا لغير الله.

متى يعبد الزوج زوجته؟ :
أعيد الحديث:
[اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللهِ]
تلا هذه الآية على عدي بن حاتم الطائي، فقال: ((يا رسول الله! لسنا نعبدهم، فقال عليه الصلاة والسلام: أليس يحلون لكم ما حرم الله فتحلونه، ويحرمون ما أحل الله فتحرمونه؟ قال: بلى، فقال عليه الصلاة والسلام: فتلك عبادتهم))
لو أن إنساناً أمرته زوجته بما يغضب الله, وإرضاءً لها فعل ذلك, فهو عبدها من دون الله، العبادة طاعة. هل الذين تعبدونهم من دون الله يملكون عنكم كشف الضر؟ :
أيها الأخوة الكرام, الله عز وجل يقول:
﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلاً﴾
[سورة الإسراء الآية: 56]
هؤلاء الذين تعبدونهم من دون الله, لا يملكون عنكم كشف الضر، ولا تحويله إلى غيركم، فهذا الجسم الدقيق من يملك أوعيته؟ لو أن خثرة دم وقفت في وعاء في الدماغ, لفقد الإنسان حركته، أو فقد سمعه، أو فقد بصره، أو فقد ذاكرته، قلبك بيد من؟ وأوعيتك بيد من؟ وسيولة دمك بيد من؟ وحركة قلبك بيد من؟ الله عز وجل يقول: إليه يرجع الأمر كله.
قف عند هذا الحديث :
وفي صحيح مسلم: عَنْ أَبِي مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ:
((سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ, حَرُمَ مَالُهُ, وَدَمُهُ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ))
لأن أهل الشرك كانوا يعبدون من دون الله آلهة, ما أنزل الله بها من سلطان. أنواع الشرك :
أيها الأخوة الكرام، من لوازم الشرك الخفي, كلكم يعلم: أن الشرك نوعان؛ شرك جلي ، وشرك خفي، الشرك الجلي: أن تتخذ من صنماً يعبد من دون الله، هذا شرك جلي، لكن الشرك الخفي: أن تعتمد على مالك، أو على ذكائك، أو على مكانتك، أو على إنسان قوي, تظن أنه يقدم لك كل عون، حينما تعتمد على غير الله، أو أن تعتمد على تمائم، أو أشياء توضع على المركبات، أو توضع على الصغار كحبات من الخرز, من أجل أن تدفع عن هذا الطفل المرض، أو عين الحسود، هذا كله من الشرك الخفي، لذلك يقول الله عز وجل في سورة الزمر:
﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾
[سورة الزمر الآية: 38]
من الفهم السقيم :
لو وضع إنسان في مقدمة مركبته مصحفًا فلا مانع، أما لو اعتقد أن هذا المصحف وحده من دون أن تستقيم على أمر الله، من دون أن تلتزم الأمر والنهي, يحميك من كل حادث, هذا فهم سقيم لدور هذا المصحف، هذا المصحف منهج.
لذلك: أحد الصحابة رأى شاباً لا يعمل، لكنه يقرأ القرآن في وقت العمل، فقال: إنما أنزل هذا القرآن ليعمل به، فاتخذت قراءته عملاً، إنما أنزل هذا القرآن ليعمل به, أفاتخذت قراءته عملاً؟.
إذاً: تعليق التمائم والخيوط، وكما ترون أيام حدوة فرس، وحذاء صغير، وخرزة، هذه كلها أشياء ما أنزل الله بها من سلطان، الله وحده يحمي ويحفظ.

أنواع المعية :
الدليل: أن الله عز وجل حينما قال:
﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾
[سورة الحديد الآية: 4]
قالوا: هذه معية عامة، أي معكم بعلمه، مع كل الخلق، مع الكفار، مع المؤمنين، مع العصاة، مع الطائعين، لكن حينما يقول الله عز وجل:
﴿وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾
[سورة الأنفال الآية: 19]
﴿مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾
[سورة البقرة الآية: 194]
﴿مَعَ الصَّادِقِين﴾
[سورة التوبة الآية: 119]
قالوا: هذه معية خاصة؛ أي معية الحفظ، والتأييد، والنصر، والتوفيق، إذا كنت مؤمناً, إيمانك سبب لحفظك، إذا كنت مؤمناً حقاً, إيمانك سبب لتوفيقك، إذا كنت مؤمناً حقاً, إيمانك سبب لنصرك، لذلك: هذه التمائم، وهذه الخرزات، وهذه الرموز لا تقدم ولا تؤخر.
أشياء لا تنفع ولا تضر :
أخرج الإمام أحمد بسند حسن عَنِ الْحَسَنِ قَالَ:
((أَخْبَرَنِي عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ, أَنَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبْصَرَ عَلَى عَضُدِ رَجُلٍ حَلْقَةً -أُرَاهُ قَالَ: مِنْ صُفْرٍ- فَقَالَ: وَيْحَكَ مَا هَذِهِ؟ قَالَ: مِنْ الْوَاهِنَةِ، قَالَ: أَمَا إِنَّهَا لَا تَزِيدُكَ إِلَّا وَهْنًا، انْبِذْهَا عَنْكَ، فَإِنَّكَ لَوْ مِتَّ وَهِيَ عَلَيْكَ, مَا أَفْلَحْتَ أَبَدًا))
[أخرجه الطبراني في المعجم الكبير, والإمام أحمد في مسنده]
هذه الخرزات مثلاً، أو بعض القطع المعدنية، أو بعض الأساور، أو أشياء يتوهم أنها تحفظ الإنسان، وهي لا أصل لها في السلوك.
عن عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ يَقُولُ:

((سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَنْ تَعَلَّقَ تَمِيمَةً فَلَا أَتَمَّ اللَّهُ لَهُ، وَمَنْ تَعَلَّقَ وَدَعَةً فَلَا وَدَعَ اللَّهُ لَهُ))
وفي رواية: من تعلق تميمة فقد أشرك. ما هي الواهنة كما وردت في نص هذا الحديث؟ :
طبعاً: الحديث الأول: رأى رجلاً في يده حلقة من صفر, أَبْصَرَ عَلَى عَضُدِ رَجُلٍ حَلْقَةً -أُرَاهُ قَالَ: مِنْ صُفْرٍ-, فَقَالَ: وَيْحَكَ مَا هَذِهِ؟ قَالَ: مِنْ الْوَاهِنَةِ .
الواهنة عرق يؤخذ من المنكب، وفي اليد، وقيل: مرض يؤخذ في العضد, يصيب الرجال دون النساء، يلقى به عادةً، فنهاه النبي عن اتخاذ تلك الحلقة، فإنها لا تنفعه بل تضره، وتزيده بعداً عن الله عز وجل.

ما هي التمائم؟ :
التمائم شيء يعلق على الأولاد يتقون به العين، قال المنذري: هي خرزة كانوا يعلقونها، يرون أنها تدفع عنهم الآفات، وهذا جهل وضلالة، إذ لا مانع لما أعطى الله، ولا نافع غير الله عز وجل.
وقال ابن أبي حاتم صاحب التفسير: عن حذيفة, أنه رأى رجلاً في يده خيط من الحمة فقطعه، وتلا قوله تعالى:

[وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ]
من الشرك الخفي :
أيها الأخوة، لكل عصر تمائمه، أحياناً يرسمون عينًا، وداخل بها سهم، يقول لك: عين الحاسد تبلى بالعمى -مثلاً-, هناك أفكار سخيفة، وساذجة، ورموز لا تقدم ولا تؤخر، بل هي نوع من الشرك، لكن الرقية بالقرآن واردة، لكن بغير القرآن ليست واردة، وبغير اللغة العربية محرمة، أحياناً يلتقون بإنسان يدعي أنه ولي، فيتكلم بكلام لا معنى له إطلاقاً، حروف مقطعة لا تعني شيئاً، يوهم الآخر أنه يرقى له، والرقية لا تكون إلا بالقرآن الكريم وباللغة العربية.
أيضاً: أحياناً يأتي الحاج, يذبحون تحت قدميه الخراف، الذبح لا يكون إلا لله، تعظيماً لله، أما أن تذبح الدابة تحت أقدام إنسان تعظيماً له, فهذا أيضاً من الشرك الخفي.
الأصل في هذا الموضوع قوله تعالى:
﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾
[سورة الأنعام الآية: 162]
النسك هو ذبح الأنعام تعظيماً لإنسان، ينبغي أن تكون تعظيماً للواحد الديان، لا أن تكون تعظيماً لإنسان، أيضاً هذا من الشرك.
2- أن ينهى النبي عليه الصلاة والسلام عن النذر لغير الله تعالى :
أيضاً من مقتضيات التوحيد: أن ينهى النبي عليه الصلاة والسلام عن النذر لغير الله تعالى، فالله عز وجل يقول:
﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾
[سورة البقرة الآية: 270]
ويقول في آية أخرى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً﴾
[سورة الإنسان الآية: 7]
من مقتضيات هذا الحديث :
أيها الأخوة, يروي البخاري, عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا, عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلَا يَعْصِهِ))
[أخرجه البخاري في الصحيح, وابن خزيمة في صحيحه]
يعني النذر إذا كان مضمونه يتناقض مع القرآن الكريم أو مع سنة النبي, فهذا نذر باطل لا قيمة له.
وفي سنن النسائي: عن عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ:

((سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: النَّذْرُ نَذْرَانِ؛ فَمَا كَانَ مِنْ نَذْرٍ فِي طَاعَةِ اللَّهِ, فَذَلِكَ لِلَّهِ وَفِيهِ الْوَفَاءُ، وَمَا كَانَ مِنْ نَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ, فَذَلِكَ لِلشَّيْطَانِ وَلَا وَفَاءَ فِيهِ، وَيُكَفِّرُهُ مَا يُكَفِّرُ الْيَمِينَ))
[أخرجه النسائي في سننه]
3- الاستعاذة بغير الله :
ومن مقتضيات التوحيد، بل من المنهيات التي نهى عنها النبي عليه الصلاة والسلام: الاستعاذة بغير الله، فالاستعاذة هي الالتجاء والاعتصام، أما أن يلتجئ الإنسان، ويعتصم ويستغيث بغير الله, فهذا نوع من الشرك، يقول الله عز وجل:
﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾
[سورة الأعراف الآية: 200]
هذا ما نهى عنه النبي :
قال ابن جريج: كان الرجل في الجاهلية ينزل الأرض, فيقول: أعوذ بكبير هذا الوادي ، فذلك استمتاعهم، فاعتذروا يوم القيامة:
﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾
[سورة الأنعام الآية: 128]
وكما أنه نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن أن تستعيذ بغير الله, نهى عن أن تستغيث بغيره، قال تعالى:
﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلَا نَفْعاً وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾
[سورة المائدة الآية: 76]
علام تحضنا هاتين الآيتين؟ :
آيات كثيرة جداً تؤكد هذا المعنى، قال تعالى:
﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾

[سورة الأعراف الآية: 55]
﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾
[سورة الرعد الآية: 14]
أيها الأخوة, هذا الكلام مفاده: أنك حينما تؤمن بالله ينبغي أن تتجه إليه، وألاّ تتعلق بمخلوق دونه، فأنا لا أعبأ كثيراً بما تعتقد، ولكني أعبأ كثيراً بما ينتج عن هذا الاعتقاد، هل ينتج عن هذا الاعتقاد اعتماد على الله؟ توكل عليه؟ إخلاص له؟ هل ينشأ عن هذا الاعتقاد بعد عن كل رمز؟ ليس له شأن إطلاقاً، ولكن الناس تعارفوا على أنه يحمي من بعض النكبات, ينبغي أن يكون الإيمان موجوداً وصارخاً عند الإنسان.
من هو الصالح؟ :
أيها الأخوة الكرام، الصالحون لهم دور كبير في حياة المؤمنين، لكن الصالح من هو؟ الصالح الإنسان الذي عرف الله، واستقام على أمره، والدليل: أن الله عز وجل يقول:
﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾
[سورة يونس الآية: 62-63]
هل يعلم النبي الغيب, وهل يملك النفع والضر؟ :
الآن: تعالوا بنا إلى سيد الأنبياء والمرسلين، أعلى مخلوق من مخلوقات الله عز وجل، يقول الله له:
﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ﴾
[سورة النمل الآية: 65]
هذه أول صفة, قال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلَا نَفْعاً﴾
[سورة يونس الآية: 49]
﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً﴾
[سورة الأعراف الآية: 188]
﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾
[سورة الأنعام الآية: 15]
إذا كان هذا مقام النبي عليه الصلاة والسلام لا يعلم الغيب، ولا يملك النفع والضر، ولا يملك الموت, ولا الحياة، ولا النشور، وفضلاً عن ذلك: لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً.
من الكذب :
أيها الأخوة, فكيف يجرؤ إنسان أن يدعي أنه يعلم الغيب؟ إذاً: كل ما ينشر في المجلات من حظك هذا الأسبوع، ومن أبراج السماء, هذا هو ضلال بضلال, وكذب بكذب، و الأحاديث ذكرتها لكم كثيراً.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَالْحَسَنِ, عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((مَنْ أَتَى كَاهِنًا أَوْ عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ, فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ))
((من أتى ساحراً فلم يصدقه, لم تقبل له صلاة أربعين صباحاً, ولا دعاء أربعين ليلة))
في أمور العقيدة لا يوجد بها ذل, نحن نتسلى، أمور العقيدة خطيرة جداً، حتى لو أنك أتيت إنساناً منجماً، وأنت لا تصدقه, لم تقبل لك صلاة أربعين صباحاً . من هو المعصوم في عقيدة المسلمين؟ :
أيها الأخوة, الناس يتعلقون بأشخاص، ويتوهمون أن كل شيء يقوله هذا الشخص هو الدين، هذا الشخص غير معصوم، نحن في حياتنا معصوم إنسان واحد, هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن الله عصمه عن أن يخطئ في أقواله وأفعاله وإقراره، ولذلك أمرنا أن نأخذ عنه, قال:
﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾
[سورة الحشر الآية: 7]
ولو أن النبي عليه الصلاة والسلام غير معصوم, لكأن الله أمرنا أن نأخذ عن غير المعصوم، إذاً: كأن الله أمرنا بالمعصية, وهذا مستحيل، النبي عليه الصلاة والسلام معصوم من أن يخطئ في أقواله وأفعاله وإقراره، ومع ذلك:
﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾
[سورة فصلت الآية: 6]
نحن يوجد في حياة المسلمين طبعاً إنسان واحد معصوم هو رسول الله، الآن: أي إنسان آخر, كائناً من كان, نطيعه إذا جاءت توجيهاته وفق توجيهات النبي، فنحن إذاً لا نطيعه، بل نطيع النبي، أما إنسان يأمره النبي بأمر، ويأتي إنسان يدعي أنه ولي، ويأمرك بأمر مناف لأمر النبي, هذا أيضاً من الشرك.
قف هنا :
أنا كنت دائماً: إذا أراد إنسان أن يحاورني, أقول له: إذا كان من الممكن أن تعتقد: أن قول إنسان كائناً من كان, في شيء خالف به قول النبي, أن هذا القول جيد، وينبغي أن نأخذ به, فلست مستعداً أن أجلس معك ولا دقيقة، النبي عليه الصلاة والسلام لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، وهو المعصوم، وما سواه ليس بمعصوم.
ماذا تفهم من هذا الموقف لأبي بكر؟ :
بأعلى درجة من التوحيد، وأعلى درجة من الحب, كان سيدنا الصديق، ومع ذلك: لما مات النبي عليه الصلاة والسلام، وانتقل إلى الرفيق الأعلى, قال: من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات.
ما كان بالإمكان أن يقول رسول الله؟ لماذا اكتفى بالاسم فقط من دون لقب نبوة، ومن دون لقب وإشارة؟ لأنه أراد أن يعزز التوحيد.
من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت.
لذلك: ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد.
لم الطرق غير سالكة إلى الله في المجتمعات الإسلامية في هذه الأيام؟ :
في المجتمعات الإسلامية: من الخرافات, والأوهام, والتمائم, والتعاويذ, والرقى بغير ما أمر النبي عليه الصلاة والسلام الشيء الكثير، لذلك الطرق إلى الله ليست سالكة، ما دمت تعلق الأمل على غير الله فهذا شيء، أي إذا الإنسان كان موحداً, يكون مع توحيده في غاية الأدب مع الصالحين، هذا لا يتنافى مع التوحيد.
لو كنت متخذاً من العباد خليلاً, لكان أبو بكر خليلي، ولكن أخ وصاحب في الله.
أنت التوحيد لا يعني أنك في غلظة، لا، التوحيد يعني أنك تعرف الله، وتعرف أنه بيده كل شيء، وأنه:

﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾
[سورة فاطر الآية: 2]
هذا التوحيد.
من هنا قال:
﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾
[سورة هود الآية: 123]
نهاية المطاف :
كان من تقاليد نهر النيل: أن تلقى فتاة في ريعان الشباب بالنيل كقربان لئلا يفيض، فيهلك القرى التي على ضفتيه، جاء سيدنا عمر، وألغى هذه البدعة التي كانت مطبقة من قديم الزمان، بمعنى أنها سلوك وثني، ولم يحدث شيء، الدين تحرير للعقول، لذلك: الأديان دائماً في بداياتها رائعة جداً, يضاف لها أشياء ليس منها، فنحن في أمسّ الحاجة إلى التجديد، ماذا يعني التجديد؟ أي فقط أن ننزع عن الدين كل ما علق به مما ليس منه، لأن الدين توقيفي من عند الله عز وجل، لا يضاف عليه، ولا يحذف منه، ولا يبدل ولا يغير، ولا يعدل ولا يطور.








والحمد لله رب العالمين




 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 07-02-2018, 06:57 AM   #38


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: العقيدة الاسلامية من مفهوم القران والسنة



بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية من مفهوم القران والسنة

الدرس : ( السابع و الثلاثون )

الموضوع :العين والحسد (1)





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
مدخل الدرس :
أيها الأخوة الكرام, مع الدرس السابع والثلاثين من دروس العقيدة الإسلامية، الموضوع اليوم موضوع العين، لا بد من مقدمة ذلك: أن الإنسان في عصر العلم, جمح به عقله إلى إنكار بعض الحقائق التي وردت في القرآن الكريم إنكاراً لفظياً, وهذا قليل جداً, ولكن الإنكار الواسع هو الإنكار العملي، قضية عين قضية حسد, هذه المعاني التي ورد فيها نص قرآني, وورد فيها أحاديث صحيحة, قلما يعبأ الإنسان بها.
أيها الأخوة, يجب أن نعلم علم اليقين: أن الذي ورد في القرآن الكريم حق بكل ما في هذه الكلمة من معنى، لأن الذي أنزل هذا القرآن؛ هو رب الأكوان, هو خالق الإنسان, هو الخبير, هو العليم, فلمجرد ألا تكترس بقضية, نبه إليها القرآن الكريم, لمجرد أن لا تهتم لقضية حذر منها القرآن الكريم, فهذا ضعف شديد في عقيدة الإنسان.

حقيقة غفل عنها كثير من الناس :
بربكم, لو سألتم ألف إنسان من عامة المسلمين عن قضية العين, لا أحد يعبأ بهذا المعنى، لا أحد يأخذ الحيطة من عين الحاسد.
الآن: في هذا الموضوع المتعلق في العين فقط, لا بد من أن نأتي بالآيات والأحاديث الصحيحة, التي تبين حقيقة غفل عنها الناس كثيراً، مصائب كثيرة تقع أحياناً بسبب العين، لا أقول لكم: إن الذي أصابته العين إنسان مستقيم منيب، لا في خطأ منه، في خطأ أنه أظهر ما عنده, ليعلو في نظر الناس, هذا ذنب كبير، أنت حينما تريد أن تستعلي على الناس, وأن تخطف الأبصار إليك, وإلى بيتك, وإلى مركبتك, وإلى أولادك, وإلى قوامك, وإلى أناقتك, هذا منطلق غير شرعي، المنطلق الشرعي أن تشكر الله، المنطلق الشرعي أن تتواضع لله، المنطلق الشرعي ألا تتوجه إلى إغاظة من حولك، فحينما يتجه الإنسان إلى إظهار ما عنده, إلى الافتخار, إلى الكبر, ويأتي إنسان محروم, وله عين هذه العين, تضع الجمل في القدر, والرجل في القبر.

قضية تثير الانتباه :
أيها الأخوة, نحن في أمور الدين, لا يجرؤ إنسان كائناً من كان أن يدلي بآرائه الشخصية، في أمور الدين توقيفي من عند الخالق، في الدين في نصوص قطعية قرآن وسنة, فالإنسان حينما ينتبه إلى هذا الموضوع الدقيق؛ موضوع العين, آلاف المصائب أو تسعون بالمئة من المصائب, سببها عين حاسد, وسببها الآخر إنسان غافل، عين حاسد والمحسود غافل، غافل عن الله, فافتخر بما عنده, وحاسد محروم, نظر إلى هذه النعمة, فكأن شعاعاً مؤذياً خرج من عينه إلى المحسود.
من ضعف الإيمان :
موضوع العين موضوع دقيق, لمجرد أن يرد في القرآن الكريم, لمجرد أن يرد في السنة النبوية الشريفة, فهو موضوع حق, ولا بد من أن نأخذ منه موقفاً، أما أن تدعي أنك ذو تفكير علمي, وأن هذه الأشياء التي وردت في القرآن والسنة, دون أن تشعر بعقلك الباطن, لا تعبأ بها, خرافات, خزعبلات، حينما تنظر إلى قضية عالجها القرآن الكريم, ونبه إليها, ولم تأخذ منها الحيطة والحذر, فهناك ضعف شديد في إيمانك.
إليكم هذه الآيات الثلاثة التي تؤكد أن العين لها فعل خطير :
1-الآية الأولى: (وقال يا بني ...... وعليه فليتوكل المتوكلون) :
أيها الأخوة الكرام, إلى الآيات, ثم إلى الأحاديث، الله عز وجل يقول:
﴿وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾
[سورة يوسف الآية: 67]
يعني إنسان حرمه الله الأولاد, أنت عندك أولاد, في وسامة, وفي أناقة, وفي جمال, وفي تفوق مدرسي, تأخذهم إلى هذا الإنسان, وتبين لهذا الإنسان هذا الأولي كان، وهذا الثاني, وهذا نال الدرجة الأولى, وهذا أخذ جائزة, ما هذا الكلام؟ هذا تحجيم له, هو يتألم لما أعطاه, ولم يعطن هنا الخطأ, المنطلق حينما تنطلق إلى أن تتباهى بما عندك, اجعل هذه الآية منهجاً لك, قال تعالى:
﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾
[سورة القصص الآية: 81]
الإنسان قد ينعم الله عليه, يزداد بهذه النعمة تواضعاً, يزداد بهذه النعمة محبة لله, يزداد بهذه النعمة خدمةً للآخرين, والإنسان إذا تواضع مع النعمة, كان في أعلى درجات الكمال.
دعوة لقاء :
أيها الأخوة الكرام, أحياناً ألتقي بأناس أغنياء, والله قد يشتهي كل إنسان أن يكون غنياً مثلهم, من تواضعهم, ومن أدبهم مع الفقراء, ومن نفسهم الطيبة, يلبون أية دعوة, يتواضعون, لا يكسرون قلوب الآخرين، فلذلك هذه الآية الأولى:
﴿وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾
[سورة يوسف الآية: 67]
من المؤلم :
تعلمون قبل سنوات عدة, أن ثمانية وثلاثين ضابطاً كبيراً, درسوا في دولة بعيدة أعلى الاختصاصات العسكرية, وعادوا إلى بلدهم في طائرة واحدة, هذه الطائرة أسقطت، هذا توجيه قرآني؛ ثمانية وثلاثون ضابطاً كبيراً باختصاصات عالية, كلفوا أمتهم ملايين الدولارات, يعودون في رحلة واحدة, صيد ثمين, والأرجح أن هذه الطائرة أسقطت من الأرض، والآن في تقنية عالية جداً, أنه يمكن أن توجه الطائرة بخلاف توجيه ربانها من الأرض.
إنسان محاولة إظهار ما عنده, أو الحديث عن دخله الكبير أمام أناس مؤمنين, أصحاب دخل محدود, أو الحديث عن بيته ....

عملية موازنة :
مرة دخلت إلى بيت, جلست في غرفة الضيوف, فقال لي صاحب البيت: هذا البيت مساحته أربعمئة متر مربع، في أرقى أحياء دمشق, وقال لي: هذا البلاط أتيت به من إيطاليا بالشحن الجوي، وقال لي: هذا الأثاث مستورد, وهذه اللوحة كذا مئة ألف ثمنها, وهذه الثريا أتيت بها من إيطاليا، غريب أنا ما سألته ولا سؤال، لا يزال يحدثني عن هذا البيت, وعن مساحة البيت, وعن نوع البلاط, وعن الأثاث, وعن اللوحات الثمينة, إلى أن ضقت به ذرعاً, فقلت له: ما قولك ببيت في حي فقير جداً من أحياء دمشق, واحد ساكن في حي فقير, وسئل: أين تسكن؟ قال: في Black Stone city –منطقة فقيرة تدعى بالحجر الأسود-, فإنسان يسكن في حي فقير, بيت شمالي, المياه المالحة مكشوفة, البيت من دون كسوة, من دون طلاء, قلت له: وازن بين هذا البيت الذي تحدثني عنه, وبين ذلك البيت، قال لي: مسافة كبيرة جداً.
ما موضع الشاهد في هذا الحوار؟ :
أيام تجد في بعض البلاد قصر, مكلف مئة مليون إلى جانبه خيمة بدو، في حالات رأيتها بعيني خيمة إلى جانب قصر، خيمة لا يوجد فيها شيء، قلت له: الفرق بين دكتور في الجامعة وبين أستاذ معلم ابتدائي, يعني لا يكاد راتبه يكفيه أيام عدة, وبقرية, وعليه أن يمشي مسافة طويلة مشياً على قدميه, كم هي المسافة بين أستاذ في الجامعة, دخله كبير, وله مكتب فخم, وعنده ساعتان, ثلاثة, وهو أستاذ ذو كرسي, وبين معلم ابتدائي؟ قال لي: مسافة كبيرة جداً، قلت له: رئيس غرفة التجارة, وبائع متجول في أسواق دمشق, كلما رأى شرطياً ولى هارباً، هذا كهذا, ممرض ينظف المرضى من أوساخهم, وجراح قلب كبير, كل عملية بخمسمئة ألف ، أتيت له بأسئلة، مجند في خط أمامي في الشتاء بحفرة ممتلئة بالماء, عليه أن يقف فيها ليرقب العدو, وقائد الجيش في غرف فخمة جداً, وفي تدفئة, وفي ..، وازنت بين رئيس الأركان وبين مجند, وبين طبيب قلب وبين ممرض, وبين أستاذ جامعي وبين معلم, وبين رئيس غرفة تجارة وبين بائع متجول, وبيت في أرقى أحياء دمشق بثمانين مليون، في بالقاهرة ثمنه ألف مليون ليرة سوري, عشرين مليون دولار، وازنت بين هذه البيوت وبين تلك البيوت, ثم قلت له: تهيأ لهذه الآية:
﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً﴾
[سورة الإسراء الآية: 21]
أكبر درجات وأكبر تفضيلا، مراتب الدنيا لا تعني شيئاً, وقد تعني العكس, قال تعالى:
﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾
[سورة الأنعام الآية: 44]
لكن مراتب الآخرة أبدية لا تزول, وتعني كل شيء. هذه هي البطولة :
البطولة: أن تبحث عن مرتبة في الدنيا تنتهي عند الموت, وقد يكون الموت قريباً, أم تبحث عن مرتبة عند الله, في مقعد صدق عند مليك مقتدر؟ كم هي المسافة بين من يسعى لمقعد صدق عند مليك مقتدر, وبين من يسعى لمرتبة في الدنيا لا تعني شيئاً, وقد تكون سبب شقاء الإنسان وهلاكه؟.
الله عز وجل أعطى الدنيا لمن لا يحب ولمن يحب, أعطاها لقارون وهو لا يحبه, وأعطاها لعبد الرحمن بن عوف وهو يحبه، إذاً ليست مقياساً, أعطى الملك لفرعون, وهو لا يحبه, وأعطاه لسليمان الحكيم وهو يحبه, إذاً ليست مقياساً.
قال عليه الصلاة والسلام:
((ابتغوا الرفعة عند الله))
خطأ شرعي :
قضية أن تظهر ما عندك لإنسان محروم أو لغير محروم, هذا المنطلق في خطأ شرعي, الإنسان إذا أنعم الله عليه بنعمة الصحة, ورأى مبتلى, لا ينبغي أن يقول له: والله أنا الحمد لله, عملت تخطيط وفحوص وكله درجة أولى، هذا كلام فيه سوء أدب مع إنسان مريض، إن رأيت مبتلى, فيجب أن لا تشعره بهذا المصاب, وأن تشكر الله فيما بينك وبينه, على أنه عافاك من هذا البلاء.
ورد في بعض الأحاديث:

((أن الذنب شؤم على غير صاحبه, إن عيره ابتلي به, وإن رضيه شاركه بالإثم, وإن ذكره فقد اغتابه))
هذا الذي لم يفعل ذنباً, فكيف الذي فعل الذنب؟ هذه الآية الأولى.
2-الآية الثانية: (ولما دخلوا ....... قضاها) :
الآية الثانية:
﴿وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا﴾
[سورة يوسف الآية: 68]
الحاجة هي الحكمة, وهي معرفة طبيعة النفوس: ﴿إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا﴾
[سورة يوسف الآية: 68]
يعني خاف عليهم أن تصيبهم العين. من الطرائف :
يعني من الطرائف: أن في بلاد حولنا ذاقت الحروب الأهلية, وقد عافنا الله منها, ذاقت الحروب الأهلية ردحاً من الزمن, وأحرقت الأخضر واليابس, فبالتحليل لهذه الحروب: أنه صراع عربي, أو صراع دولي, أو صراع طائفي, وفي تحليل نسائي قالوا: أن حكمتها عين هذه البلاد, وفي تحليل قرآني:
﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾
[سورة النحل الآية: 112]
3-الآية الثالثة: (وإن يكاد الذين كفروا ........... للعالمين) :
الآية الثالثة, قال تعالى:
﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ﴾
[سورة القلم الآية: 51]
ينظرون إليك, وقد منحك الله صحةً, وكمالاً, وجمالاً, وفصاحةً, وانطلاقاً:
﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ * وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾
[سورة القلم الآية: 51-52]
آيات ثلاث تؤكد العين، أن العين أحياناً تفعل فعلاً خطيراً, لكن بالمناسبة ليس معنى هذا أن العين تفعل وحدها من دون إذن إله عظيم، ليس معنى هذا أن العين يمكن أن تحدث شيئاً من دون إذن الله عز وجل، لا يليق بألوهية الإله أن يقع في ملكه شيء لا يريده، فالأمر بيد الله, لكن أحياناً الله يقدر لهذه العين أن تؤذي, لأن الذي آذته العين, كان غافلاً عن الله عز وجل، وفي حركته كان مخطئاً، غفلة مع خطأ سببت عين تصيبه وتهلكه.
إليكم الأدلة من السنة التي تؤكد على أثر العين في المحسود :
عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا, أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى فِي بَيْتِهَا جَارِيَةً فِي وَجْهِهَا سَفْعَةٌ, فَقَالَ:
((اسْتَرْقُوا لَهَا, فَإِنَّ بِهَا النَّظْرَةَ))
[أخرجه الحاكم في مستدركه]
يعني أصابتها العين، استرقوا لها؛ أي اقرؤوا لها القرآن فإن بها النظرة، هذا حديث في البخاري, يشير إلى أن العين لها أثر في إيقاع الأذى بالذي أصابته العين.
حديث آخر: عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ, عَنْ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((الْعَيْنُ حَقٌّ وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابَقَ الْقَدَرَ, سَبَقَتْهُ الْعَيْنُ))
[أخرجه مسلم في الصحيح، والترمذي في سننه]
يعني هناك من ينظر بعينه وهو محروم إلى ذي نعمة غافل عن الله عز وجل, هذه العين يخرج منها شعاع يؤذي الإنسان .
وفي حديث ثالث: عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:

((دَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَسَمِعَ صَوْتَ صَبِيٍّ يَبْكِي, فَقَالَ: مَا لِصَبِيِّكُمْ هَذَا يَبْكِي, فَهَلَّا اسْتَرْقَيْتُمْ لَهُ مِنْ الْعَيْنِ!؟))
ثلاثة أحاديث تؤكد أثر العين في المحسود .
وفي حديث رابع: عَنْ عَائِشَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَأْمُرُهَا أَنْ تَسْتَرْقِيَ مِنْ الْعَيْنِ ُ.
أن تقرأ القرآن.
وأخرج البخاري وأحمد: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ, أن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((الْعَيْنُ حَقٌّ وَنَهَى عَنْ الْوَشْمِ))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح]
من السذاجة :
الآن: الناس بسذاجة مضحكة, يضع حدوة فرس على مركبته, أو حذاء صغير, أو خرزة، هذه الأشياء لا تقدم ولا تؤخر, وما أنزل الله بها من سلطان, الذي يقدم ويؤخر أن تكون متصلاً بالله, أن تكون مقبلاً عليه, أن تكون منيباً إليه, أن تكون مستقيماً على أمره.
هذا شعر:

وإذا المنية أنشبت أظفارها ألفيت كل تميمة لا تنفع
التميمة حلقة توضع في رجل الطفل, يعني على رغبة ألا يموت وهو صغير. قف عند هذه الأدلة من السنة أيضاً التي تؤكد على أثر العين في المحسود :
وفي حديث سادس: عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ تعالى من العين, فَإِنَّ الْعَيْنَ حَقٌّ))
[أخرجه الحاكم في مستدركه]
ويروى عن أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ قَالَتْ:
((يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ وَلَدَ جَعْفَرٍ, تُسْرِعُ إِلَيْهِمْ الْعَيْنُ, أَفَأَسْتَرْقِي لَهُمْ؟ فَقَالَ: نَعَمْ, فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابَقَ الْقَدَرَ, لَسَبَقَتْهُ الْعَيْنُ))
[أخرجه الترمذي في سننه]
ويروي الإمام أحمد, عَنْ أَبِي ذَرٍّ, قَالَ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ الْعَيْنَ لَتُولِعُ بِالرَّجُلِ بِإِذْنِ اللَّهِ, حَتَّى يَصْعَدَ حَالِقًا, ثُمَّ يَتَرَدَّى مِنْهُ))
[أخرجه البزار في مسنده, والإمام أحمد في مسنده]
أي جبلاً عالياً, ثم يتردى منه، تولع, تعلق، إن العين لتعلق الرجل بإذن الله, حتى يصعد حالقاً, أي جبلاً عالياً, ثم يتردى منه .
الحديث الثامن والتاسع: العين تدخل الرجل القبر, والجمل القدر .

قصة :
حدثني أخ, يعمل في الهندسة, يكسو بيت, ففي مركبة من أيام, خرجت من الوكالة -إن صح التعبير- جميلة جداً, يبدو أن أحد العمال, مس الضوء الخلفي, جرح فقط, فقال له: أقدم لك ثمن ضوء جديد, قال: لا، أريد مبلغاً كبيراً, يوجد عطل, والثمن بخس، وتعنت تعنتاً غير معقول، في اليوم التالي وجد مركبة سحقتها سحقاً, نصفها الخلفي حطم، أحياناً الإنسان يتباهى بشيء يتعنت من أجله, فيؤدبه الله عز وجل.
من الأدلة أيضاً التي تؤكد على أثر العين في المحسود :
الحديث العاشر: عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ الْعَيْنَ لَتُولِعُ بِالرَّجُلِ بِإِذْنِ اللَّهِ, حَتَّى يَصْعَدَ حَالِقًا, ثُمَّ يَتَرَدَّى مِنْهُ))
[أخرجه أحمد في مسنده]
والحديث الحادي عشر:
((أكثر من يموت من أمتي بعد قضاء الله وقدره بالعين))
والحديث الثاني عشر: عَنْ أَنَسٍ قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا رُقْيَةَ إِلَّا مِنْ عَيْنٍ, أَوْ حُمَةٍ, أَوْ دَمٍ لا يَرْقَأُ))
[أخرجه مسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي في سننهما]
الحمى السم، السم والعين والدم الذي لا يرقأ.
والحديث الثالث عشر: حَدَّثَنِي حَيَّةُ بْنُ حَابِسٍ التَّمِيمِيُّ, أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ, أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

((لَا شَيْءَ فِي الْهَامِ, وَالْعَيْنُ حَقٌّ, وَأَصْدَقُ الطِّيَرَةِ الْفَأْلُ))
[أخرجه البزار في مسنده]
من الموضوعات التي عالجها النبي :
بالمناسبة: في عندنا موضوع الطيرة، إنسان أيام يتشاءم أو يتفاءل, هذا الموضوع عالجه النبي عليه الصلاة والسلام.
فقال: سئل النبي عليه الصلاة والسلام عن الطيرة -يعني التشاؤم- فقال:

((أصدقها الفأل ولا يرد مسلماً))
يعني إنسان شعر بانقباض, والعمل مشروع وفيه خير, لا ينبغي أن يعتد بهذا الانقباض، يعني أسست جمعية خيرية لإطعام الفقراء أو لرعاية الأيتام, يا أخي متضايق, هذا الكلام ليس له معنى, قد تشعر بضيق أحياناً، هذه تصير بالمتزوجين, يوم يوافق على الزواج من واحدة, يدخل بوساوس، ترى في انقباض, هذا أحياناً من الشيطان، البنت جيدة ومناسبة, ولا يوجد فيها عيب, وأخلاقها عالية, ودينة, ومطواعة, يقول لك: متضايق، هذا الضيق ليس له معنى إطلاقاً، فالإنسان عليه ألا يأخذ بهذه المشاعر الغير منضبطة.
لهذا قال عليه الصلاة والسلام:
((وَأَصْدَقُ الطِّيَرَةِ الْفَأْلُ))
كان عليه الصلاة والسلام يحب الفأل. واقعة :
حدثني أخ, مستوى المياه في استانبول, هبط إلى الثلاثين بالمئة في السدود, وفي مشكلة كبيرة جداً, وهناك تحذير من الجفاف, في ليلة واحدة في شهر آب الماضي، نزل من الأمطار ما يساوي معدل سنة بأكملها، الذي نزل في عام بأكمله نزل في ليلة واحدة, فالنبي عليه الصلاة والسلام كان يحب الفأل، في شخص سوداوي إن شاء الله في أمل, يقول: لا ما في أمل أبداً، كلما تعطيه بصيص نور أمل, الله ينصرنا, انتهينا.
هذا إنسان سوداوي المزاج, واليأس والقنوط من الكفر، الله عز وجل عنده خير كبير, وبلحظة تتبدل الأحوال.

قف هنا :
من كان يظن أن هذه الكتلة الشرقية المرعبة التي تملك أسلحة نووية, بإمكانها أن تدمر القارات الخمس خمس مرات؟ كلام دقيق, عندها من الأسلحة النووية, ما يمكن أن تدمر بها القارات الخمس خمس مرات، من يصدق أن هذا العملاق الجبار, يتداعى من داخله من دون حرب؟ وكما أظهر الله لنا جبروته وقدرته في المشرق, قد يظهر الله لنا أيضاً إن شاء الله جبروته في المغرب، فلذلك كان عليه الصلاة والسلام يحب الفأل ما كان يحب التشاؤم، والتشاؤم يأس واليأس كفر، والقنوط يأس والقنوط كفر.
كان عليه الصلاة والسلام يقول:

((أصدقها الفأل ولا يرد مسلماً))
إذا الأمر واضح, هدف واضح, والوسائل واضحة, والحكم الشرعي واضح, وشعرت بانقباض, لا تعبأ بهذا الانقباض, هذا حال يحول. ما المراد بهذا الحديث؟ :
عَنْ عُرْوَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ:
((أَحْمَدُ الْقُرَشِيُّ قَالَ: ذُكِرَتْ الطِّيَرَةُ عِنْدَ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: أَحْسَنُهَا الْفَأْلُ وَلَا تَرُدُّ مُسْلِمًا, فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يَكْرَهُ, فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ لَا يَأْتِي بِالْحَسَنَاتِ إِلَّا أَنْتَ, وَلَا يَدْفَعُ السَّيِّئَاتِ إِلَّا أَنْتَ, وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِكَ))
[أخرجه أبو داود في سننه]
الإنسان قد ينقبض إذا أقدم على عمل جيد العمل؛ أقدم على سفر والسفر مشروع، أقدم على دراسة والدراسة مشروعة، أقدم على زواج والزواج مشروع، انتقل من بيت إلى بيت, في أيام يصيب الإنسان حالة اسمها التكلس العقلي, يعني لا يغير ما هو عليه, مهما كلف الأمر, بلا سبب، يعني الإنسان أيام ينقبض, ولا يشعر أنه ارتكب ذنباً, ليس مؤاخذاً على هذا الانقباض, ولكن ما دام الهدف واضح, والوسائل مشروعة, ينبغي ألا يصرفه انقباضه عن أن يفعل هذا الشيء . محور الدرس :
الحقيقة: القصص التي تتحدث عن مصيبة نزلت بإنسان, بسبب مباهاته, وبسبب عين الحسود, قصص كثيرة جداً لا تعد ولا تحصى، ولكن هناك أناس يعني لا يعبؤون بهذه الموضوعات إطلاقاً, وهي حق, وهناك ثلاثة عشر حديثاً صحيحاً في البخاري, أو مسلم, أو في الصحاح, تؤكد العين, وهناك آيات ثلاثة.
أنا موقفي من هذا الدرس: أنني أتواضع لله عز وجل, ولا أفكر أبداً أن أظهر ما عندي, بغية أن أستعلي, وأن أزهو على الناس, هذا الموقف العملي من هذا الموضوع.

سؤال ورد :
جاءني سؤالان: ما معنى قوله تعالى: وأما بنعمة ربك فحدث؟.
أيها الأخوة, مليون نعمة نحن جميعاً مشتركون بها, حدث الناس بنعم الله المشتركة؛ أن الله عز وجل أعطانا نعمة البصر, أعطانا ذاكرة، أعطانا مياه, في أمطار كثيرة تحدث عن هذه الأمطار, واشكر الله عليها, من قال لك: أن هذه الآية تعني أن تحدثنا عن نعمك أنت؟ في نعم لا تعد ولا تحصى بين كل الخلق.

قف عند هذا الكلام :
صدقوني أيها الأخوة الكرام: الإنسان إذا كان مهتدياً إلى الله, ومعافى في جسمه, وعنده قوت يومه, كأنما ملك الدنيا بحذافيرها، كلامي دقيق جداً.

((إذا أصبح أحدكم آمناً في سربه, معافىً في جسمه, عنده قوت يومه, فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها))
الباقي مظاهر فقط, دخلت على بيت بزماني, والبيت متواضع جداً, لا يوجد بلاط, يسمونها عدسي, والأثاث من أرخص أنواع الأثاث؛ بساط وطراحة, لا يوجد كنبات، أنا هكذا شعرت أن هذا البيت قطعة من الجنة, صاحب البيت مؤمن, وله زوجة يبدو أنه يحبها وتحبه, وفي أولاد أطهار, قد يكون بيت ثمنه مئة مليون قطعة من النار، لما الله عز وجل يسعد إنسان, المظاهر ليس لها قيمة. من هو الملك؟ :
يقولون: أن ملك سأل وزيره: من الملك؟ قال له: أنت, قال له: لا, الملك رجل لا نعرفه ولا يعرفنا, له بيت يؤويه, وزوجة ترضيه, ورزق يكفيه, إنه إن عرفنا جهد في استرضائنا, وإن عرفناه جهدنا في إحراجه.
أنا أقول لكم الآن: إن لم تكن طرفاً في مؤامرة قذرة, هدفها إفقار المسلمين, أو إضلالهم, أو إفسادهم, أو إذلالهم, أو إبادتهم, فأنت ملك الآن, قد تكون حاجب بدائرة, إن كنت أعلى, أفضل, ولكن إذا أنت مستقيم، قد تكون ضارب آلة كاتبة، قد تكون أمين مستودع, ما عندك شيء ثان, لكن ما دام تعرف الله وتطيعه, فأنت الملك.
قال عليه الصلاة والسلام: ابتغوا الرفعة عند الله.
إذا أصبح أحدكم آمناً في سربه, معافىً في جسمه, عنده قوت يومه, فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها.
الآن: ترى عدداً كبيراً في العالم يخضع للقطب الواحد، يخضع ويرتكب الجرائم من أجل أن يرضي هذا القطب الواحد, ويضحي بالمسلمين, وبثروات المسلمين, وبكرامة المسلمين, إرضاءً لهذا القطب الواحد، فإذا الإنسان ما كان طرفاً في مؤامرة قذرة, هدفها إفقار المسلمين, أو إضلالهم, أو إفسادهم, أو إذلالهم, أو إبادتهم, فأنت والله ملك, لكن لا تعرف قدر هذا الملك إلا يوم القيامة.









والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 07-02-2018, 06:59 AM   #39


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: العقيدة الاسلامية من مفهوم القران والسنة



بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية من مفهوم القران والسنة

الدرس : ( الثامن و الثلاثون )

الموضوع :العين والحسد (2)





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصداق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
مقدمة عن الحسد :
أيها الأخوة الكرام، مع الدرس الثامن والثلاثين من دروس العقيدة الإسلامية، الموضوع اليوم حول الحسد، ولكن لا بد من مقدمة في أصل الحسد.
أولاً: لا يعقل ولا يقبل أن يخلق الله الإنسان على صفات ذميمة، لأن الله عز وجل يقول:

﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾
[سورة الروم الآية: 30]
لا يعقل ولا يقبل من خالق عظيم, كماله مطلق، صنعته متقنة، خيريته مطلقة، أن يخلق إنساناً فيه خلل في نفسه.
إذا قلت مثلاً: والحسد من شيم النفوس، فأنت لا تعرف الله، لا يمكن أن تكون صنعة الله ذات خلل، مستحيل، ولكن الإنسان مخير، ولأنه مخير, فكلُّ خصائصه حيادية، ولأن تخييره يثمن عمله، فلا قيمة لعملك إطلاقاً الذي هو ثمن الجنة, إلا إذا كنت مختاراً، قيمة عملك: أنك تعمله وأنت مختار، لذلك: لأنك في الأصل خلقك الله عز وجل ذا اختيار، تختار الخير أو الشر، الحق أو الباطل، أن تستقيم أو أن تنحرف، أن تُصلح أو أن تفسد، لأنك في الأصل مخير، خصائص نفسك حيادية.

ما أصل الحسد؟ :
ما أصل الحسد؟ أن الله سبحانه وتعالى فطرك فطرة, أساسها: أنك تتمنى ما عند الآخرين، تتمنى لنفسك ما عند الآخرين، هذا التمني حيادي, يمكن أن يطبق في أمور الدنيا فيكون حسداً، أو أن يطبق في أمور الآخرة فيكون غبطة؛ إذا طبقته في شؤون الدنيا كان حسداً، وإذا طبقته في شؤون الآخرة كان غبطة، إذاً: تمني ما عند الآخرين خصيصة حيادية، لك أن تستخدمها سلّماً ترقى بها، ولك أن تستخدمها دركات تهوي بها.
قف هنا :
إذا قلت: الحسد, لمَ لا تقول: مليون إنسان تابوا إلى الله, لأنهم تمنوا أن يكونوا كأتراب لهم صالحين؟ كم من إنسان حفظ كتاب الله, لأنه لما رأى من يحفظ كتاب الله هو مكرم جداً؟ كم من امرأةٍ تحجبت, لأنها رأت امرأة محجبة محترمة جداً في المجتمع؟ إذاً: أن تتمنى ما عند الآخرين, حالة أو خصيصة حيادية توظف في الخير في شؤون الآخرة، وتوظف في الشر في شؤون الدنيا.
كيف أن المال حظ حيادي يوظف في الخير، ويوظف في الشر في وقت واحد؟ يمكن أن توظف المال لبلوغ أعلى درجات الآخرة، ويمكن أن توظف المال للوصول إلى أدنى دركات النار بالمال، حب المرأة يمكن أن يقودك إلى زواج طاهر تسعد به، ويسعد أولادك، ويمكن أن يقودك حب المرأة إلى الزنا، وإلى الفجور، وإلى أخفض دركات النار.

الحظوظ البشرية حيادية والخصائص البشرية حيادية توظف كلاً منهما في الخير والشر :
أخواننا الكرام، كل حظوظ النفس حيادية، وكل خصائص النفس حيادية، الحظوظ, المال, الذكاء، يمكن أن يوظف الذكاء لبلوغ أعلى مراتب الجنة، ويمكن أن يكون الذكاء دركات إلى أسفل دركات النار، هؤلاء الذين تفننوا في خلق أفكار تصرف الناس عن الدين وعن الآخرة، هؤلاء الذين فلسفوا الجريمة، وفلسفوا قتل الشعوب، هؤلاء الذين غطوا نهب الثروات، والسيطرة على العالم بكلام مقبول عند السذج، نحن نحارب الإرهاب، واللهِ شيء جميل، لكم أن تأخذوا كل ثروات العالم بهذه الطريقة، ولكم أن تذلوا كل الشعوب، ولكم أن تلغوا كل الثقافات، ولكم أن تحكموا السيطرة على ثروات الأرض تحت غطاء، هذا من إنتاج فكر.
أيها الأخوة, فالذكاء حظ, والمال حظ, والوسامة حظ، وأن تكون قوياً حظ، فالحظوظ حيادية؛ توظف في الخير أو الشر.

خصائص الجسد :
الخصائص حيادية؛ توظف في الخير أو الشر، خصيصة الإنسان: أنه مثلاً يتمنى ما عند الآخرين، هذه خصيصة. الدليل:
﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾
[سورة الشمس الآية: 7]
كيف سوى الله نفسك؟ كيف سوى جسدك؟ واضحة عندكم تماماً، إنسان له رأس، له عينان، له أذنان، له فم، له لسان، له يد، له أصابع، له سلاميات، يمشي على رجلين، يوجد مفاصل، يوجد جذع، يوجد أحشاء، يوجد جهاز هضم، هذه خصائص الجسم.
خصائص النفس :
ما خصائص النفس؟ قال تعالى:
﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾
[سورة الشمس الآية: 7-8]
من خصائصها: أنها تتمنى ما عند الآخرين، أي إنسان إن رأى مركبة فاخرة تمنى أن تكون له، وإن رأى قصراً منيفاً تمنى أن يكون له، وإن رأى تجارة رابحة تمنى أن تكون له، وإن رأى امرأة جميلة تمنى أن تكون زوجته مثلاً، إذاً: تمني ما عند الآخرين خصيصة، لكنها حيادية، وإن رأيت عالماً جليلاً تتمنى أن تكون مثله، وإن رأيت إنساناً مستقيماً تتمنى أن تكون مثله، وإن رأيت طالب علم مؤدباً تتمنى أن تكون مثله، وإن رأيت حافظ كتاب الله معززاً مكرماً محترماً تتمنى أن تكون مثله، وإن رأيت مؤمناً صادقاً تتمنى أن تكون مثله.
كيف يوظف المؤمن هذه الخصيصة؟ :
يوجد خصيصة ثابتة في الإنسان: أنك تتمنى أن يكون الذي تظنه خيراً لك، لذلك لما خرج قارون بزينته:
﴿قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾
[سورة القصص الآية: 79]
هذه خصيصة في الإنسان، إلا أن المؤمن يوظف هذه الخصيصة لبلوغ درجات الآخرة، سماها النبي غبطة، وسماها مرة حسداً؛ بمعنى الغبطة.
فعَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ, عَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ:

((لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَهُوَ يَتْلُوهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ, وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَهُوَ يُنْفِقُهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ))
تمنّي ما عند الآخرين إحدى خصائص النفس، لكنها درجات ترقى بها أو دركات تهوي بها، قد توظفها لبلوغ أعلى درجات الآخرة، وقد توظفها للوصول إلى أدنى دركات النار. وهم خاطىء :
أيها الأخوة, أن تتوهم أن الله عز وجل خلق إنساناً حسوداً، يا أخي الحسد من شيم النفوس، هكذا الإنسان حسود، بالتعبير العامي: أسود رأس حسود، من قال لك ذلك؟ الإنسان صنعة الله، كل مولود يولد على الفطرة:
﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾
[سورة النمل الآية: 88]
﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾
[سورة البقرة الآية: 138]
فأنت مخلوق كامل، لكن الأصح من ذلك: أنك تحب الكمال، تكون كاملاً إذا اتصلت برب الأرض والسموات، وتكون محباً للكمال، لأنك من صنعة الله عز وجل، لأن فطرة الله تعني أنك تحب الكمال، لكن اتصالك به يعني أنك كامل، تكمل إذا اتصلت به، وتحب الكمال قبل أن تتصل به، لكنه فرق كبير بين أن تحب الكمال وبين أن تكون كاملاً، بين أن تحب العدل وأن تكون عادلاً، بين أن تحب الكرم وأن تكون كريماً، هذه المقدمة لا بد منها.
قضية الحسد :
لا يذهبن أحدكم إلى أن يتوهم أن الحسد من شيم النفس، لا، من شيم النفس الحيادية التي قد توظف في الخير أو قد توظف في الشر: أن كل نفس بشرية تتمنى ما تظنه خيراً، تتمنى أن يكون عندها، تظنه خيراً عند الآخرين، فإذا كنت من أهل الدنيا, تتمنى أن تكون غنياً مثل أهل الدنيا، وإن كنت من أهل الآخرة, تتمنى أن تكون محسناً كأهل الآخرة، إذاً: قضية الحسد هي توظيف خاطئ لخصيصة حيادية أودعها الله في الإنسان. قف هنا :
طبعاً كما قلنا سابقاً: حينما يكون الموضوع قد ورد في القرآن الكريم, معنى هذا أن الموضوع مهم جداً، ومركزي في حياة الناس، وقد يكون تسعون في المئة من مشكلات الناس أساسها الحسد، أنا أؤكد ذاتي بإظهار ما عندي للطرف الآخر, فيتضور حقداً، لأن يكون هذا الذي عندي عنده.
ما هي مستويات الحسد؟ :
أيها الأخوة، الحسد له ثلاثة مستويات, أدنى هذه المستويات: أن تتمنى أن يتحول الذي عند أخيك إليك، هو غني, تتمنى أن ينتقل الغنى إليك، هذا مستوى، هو محبوب, تتمنى أن تنتقل هذه الصفة إليك، المستوى الأسوأ من هذا: أن تتمنى أن تزول النعمة عن أخيك دون أن تصل إليك تشفياً، لك أخ متألق، يعمل في مجال أنت لست أهلاً له إطلاقاً، إلا أن بُعد الإنسان عن الله، وانقطاعه عنه, حمله على أن يحسده، ففي المستوى الأسوأ: تتمنى أن تزول النعمة عنه دون أن تصل إليك تشفياً، هل يوجد مستوى أسوأ من هذا؟ المستوى الأسوأ: أن تسعى جاهداً بكتابة أو وشاية أو تحريض أن تزول النعمة عنه.
أدنى مستويات الحسد: أن تتمنى أن تنتقل النعمة من أخيك إليك، أن تزول عنك، وأن تأتي إليك, هذا أو مستوى سيء جداً، إلا أنه انتفعت من الحسد، تمنيت أن يكون المال الذي عند أخيك عندك.
المستوى الثاني يدل على لؤم شديد، تتمنى أن تزول النعمة عنه دون أن تصل إليك، يكفي أن تزول عنه كي تشمت به.
المستوى الأسوأ: أن تكتب تقريراً، أن تحرض إنساناً، أن تسعى لإيقاع الأذى به، هذه مستويات الحسد، ولا يحسدُ مؤمن إطلاقاً.

هل يتناقض الحسد مع أهل الإيمان؟ :
أيها الأخوة, الحسد يتناقض مع أهل الإيمان، المؤمن لا يحسد، إن رأى نعمة على أخيه يتمنى أن تدوم له، لذلك يمكن أن تكون هذه النقطة فيصلاً بين المؤمن والمنافق؛ المنافق :
﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾
[سورة آل عمران الآية: 120]
يمكن أن تمتحن نفسك من دون مواربة، من دون مجاملة، إذا أصابت أخاك نعمة مالية ، أو علمية، أو تجارية، أو اجتماعية، تزوج امرأة صالحة، أنجب أولاداً صالحين، ارتقى إلى منصب رفيع، نال شهادة عليا، اشترى بيتاً جميلاً، يمكن أن تمتحن إيمانك من هذه النقطة، هل تفرح له؟ هل تسرّ؟ هل تقول: واللهِ فرحت له، وكأن هذا البيت لي؟ علامة إيمانك، وعلامة انتمائك لمجموع المؤمنين: أنك تفرح لنعمة أصابت أخاك، علامة النفاق: أنك تتألم إن أصابت أخاك نعمة.
ما محور هذه الآية؟ :
والآية واضحة جداً: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾
[سورة آل عمران الآية: 120]
فحينما ترتاح نفسك لملمّة ألّمت بأخيك المؤمن, فاعلم علم اليقين: أنك في خندق المنافقين، لمجرد أن ترتاح نفسك لملمة ألمت بمؤمن, فاحكم على نفسك يقيناً: أنك في خندق المنافقين، ما دام الحسد قد ورد في القرآن الكريم في أربع آيات, معنى ذلك: أن الحسد شيء مركزي في حياة الناس.
إليكم هذه الآيات التي وردت في موضوع الحسد :
إلى الآيات؛ الآية الأولى:

وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
[سورة البقرة الآية: 109]
حسداً، إعراب حسداً: مفعول لأجله، أي بسبب الحسد, تمنوا لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً.
الآية الثانية في سورة النساء:

﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آَتَيْنَا آَلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآَتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً﴾
[سورة النساء الآية: 54]
بالمناسبة: أنت حينما تحسد, تعترض على الله عز وجل:
قل لمن بات لي حاسداً أتدري على من أسأت الأدبَ؟
أسأت على الله في فعله إذا لـم ترض لـي ما وهبَ

الآية الثالثة: ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلاً﴾
[سورة الفتح الآية: 15]
الآية الرابعة: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ * وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾
[سورة الفلق الآية: 1-5]
من الذي يتعرض لحسد الحاسدين, ولماذا المؤمن محصن من عين الحاسد؟ :
الآن ندخل في بعض التفاصيل: ذو النعمة الغافل عن الله عز وجل، أو ذو النعمة الذي يظهر ما عنده, ليستعلي بهذه النعمة على الناس، هذا معرّض لأذى الحاسد، ُيحسَد، أما ذو النعمة الشاكر لها، المتواضع، الذي لا يبغي علواً في الأرض ولا فساداً، فهذا محصّن من عين الحاسد.
مرة ثانية: ذو النعمة الذي غفل عن الله، واعتد بهذه النعمة، وأظهرها للناس من أجل أن يؤكد ذاته, هذا معرّض لحسد الحاسدين، ولو كتب: عين الحاسد تبلى بالعمى، لا تكفي هذه ، ولو وضع حدوة حصان، لو رسم عيناً في داخلها سهم، هذا لا يقدم ولا يؤخر، ما دام غافلاً عن الله، معتداً بهذه النعمة، يعلو بها على الآخرين، هو يعرّض نفسه لعين الحاسد، والحسد موجود، والحسد مؤذٍ.
أيها الأخوة, كيف أن العين تضع الجمل في القدر، والرجل في القبر، وكذلك المرأة، مثلاً حينما تفتخر بأولادها أمام امرأة عقيم، ابني الأول يحبونه في المدرسة كثيراً، هو جميل الصورة ومتفوق، كلما التقت بامرأة عقيم تبالغ بما عندها، قالت امرأة لضرتها العقيم: ولد في بطني، وولد على يدي، وولد يمشي, فموتي، الثلاثة ماتوا، أصابتهم عين الحاسد.

ينبغي أن تعلم :
أيها الأخوة الكرام، لا تستغربوا، سلوك الغافل اليومي إظهار ما عنده، يقول لك: كسرت عينه بهذه الوليمة، ثلاثة عشر نوعاً من الطعام وضعت، هذه وليمة؟ وليمة شيطانية، شر الطعام طعام الولائم، القصد الافتخار, إظهار ما في البيت من تحف، يأتي الضيف هو ساكت، البيت مساحته أربعمئة متر، ما شاء الله، الله يجزيك الخير، هنأك الله به، أنت ما هدفك من هذا الكلام؟ هدفك أن تستعلي عليه بهذا البيت، دون أن يشعر الإنسان، أنماط من السلوك كثيرة جداً هدفها الاستعلاء؛ فالذي يتمتع بنعمة، ويظهرها، ويعتد بها، ويعلو بها على الآخرين, هذا يعرّض نفسه لحسد الحاسدين، والذي يتمتع بنعمة يتواضع لله، يشكر الله عليها، يتأدب مع عباد الله، هذا محصّن ضد عين الحاسدين. ما الذي يناقض الحسد؟ :
إلى السنة النبوية المطهرة: روى الإمام أحمد, عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الْأُمَمِ قَبْلَكُمْ؛ الْحَسَدُ وَالْبَغْضَاءُ، وَالْبَغْضَاءُ هِيَ الْحَالِقَةُ، لَا أَقُولُ: تَحْلِقُ الشَّعْرَ، وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ, أَوْ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ, لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَفَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِمَا يُثَبِّتُ ذَلِكَ لَكُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ))
يبدو أن أخطر مرض يدب بين الناس هو الحسد, لذلك التهنئة تتناقض مع الحسد، أخوك اشترى بيتاً, أهنئه، وأقدم له هدية، متعك الله به، وجعله مأوى لك أنت وأهلك، أخوك اقتنى مركبة، جعل الله هذه المركبة في خدمة الحق وأهله، فأنت حينما تهنئ، وتقدم هدية, تعبر عن إيمانك، وعن غبطتك، وعن محبتك لأخيك, هذا يناقض الحسد. الحسد ينقل إلى البغي والعدوان :
وفي حديث آخر, أخرجه الحاكم بإسناد حسن, عن أبي هريرة -رضي الله عنه-, سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((سيصيب أمتي داء الأمم؛ الأشر, والبطر, والتكاثر, والتناجش في الدنيا، والتباغض والتحاسد، حتى يكون البغي))
[أخرجه الحاكم في مستدركه]
البغي؛ أي العدوان، أحياناً الحسد ينقل إلى العدوان، أحياناً يكون الحسد حالا نفسيًّا داخليًّا فقط، متألم من نجاح صديقه، هو لم ينجح، لكن صديقه نجح، ليته لم ينجح، يتمنى ألا ينجح، هذا حال، لكن أحياناً لو فرضنا -ولا أقر ذلك إطلاقاً- أن صديقه نجح بطريقة غير مشروعة، يفشي سرّه كي توقع به أشد العقوبات، أحياناً الحسد ينقل إلى البغي والعدوان.
الحسد حق :
وفي حديث آخر, رواه الإمام أحمد, عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: الْعَيْنُ حَقٌّ، وَيَحْضُرُ بِهَا الشَّيْطَانُ, وَحَسَدُ ابْنِ آدَمَ))
[أخرجه أحمد في مسنده]
الحسد حق. غداً إن شاء الله :
أيها الأخوة الكرام، إن شاء الله في درس قادم نتابع تفاصيل هذا المرض الخطير في النفس البشرية، وهو مرض متفشٍّ بين ضعاف المؤمنين، فسلامة الإنسان من الحسد: دليل عمق إيمانه وقوة إيمانه.
سؤال ورد :
يوجد بعض الأسئلة:
السؤال: يقول أحد الأخوة: إذا تمنى الشخص أن يكون له مثل ما عند الناس, من دون أن يتمنى زوالها عن زيد أو عبيد, فهل هذا حسد؟.
الجواب: لا، أنت –مثلاً- لست متزوجاً, لك صديق تزوج، واستقر، هنّأه الله، تقول: اللهم ارزقني زوجة صالحة مثله، لا يوجد فيها شيء أبداً، لك أخ اشترى بيتاً فرضاً، لك أخ تفوق في العلم, هنأه الله، وارزقنا اللهم ما رزقته، هذا موقف سليم, لا يوجد به مشكلة إطلاقاً، أن تتمنى ما عند أخيك المؤمن من غير دون أن يزول عنه, هذا هو الوجه الإيجابي، كتمني ما عند الآخرين، هذا وجه إيجابي، من خير الدنيا أو الآخرة، لكن له أخ أو صديق غارق في المعاصي إلى قمة رأسه، الله يهنئه، ويرزقك لي مثله، هذه ليست جيدة، أن تتمنى ما عند الآخرين من خير فقط، من خير الدنيا والآخرة.

شبهة :
سؤال: يقول الأخ الكريم:
والظلم من شيم النفوس فإن تجد ذا عفة فلعلة لا يظلم
هذه آية أم حديث؟.
الجواب: هذه اركلها بقدمك، هذا كلام الشاعر المتنبّي، قال:
والظلم من شيم النفوس
أي مثلاً: في بعض القرى يكون هناك مجمع ماء آسن، مياه مجاري أحياناً، هؤلاء الأطفال يسبحون، ويلعبون، ويضحكون، إذا وجدت أطفالاً يسبحون، ويمرحون في ماء آسن، هل هذا هو الأصل؟ هذه حالة مرضية، فإذا عاش إنسان بين أناس ظلاّم، عاش مجتمع المادة والقهر، عاش مجتمع التفلت، عاش مجتمع اللؤم، عاش مجتمع الابتزاز، مجتمع القسوة، يا أخي هكذا الله خلق الناس، لا، هذا ليس من خلق الله.
أنت يمكن أن تشاهد سيارة سائقها يشرب الخمر، فنزل في الوادي، فأصبحت معجونة عجناً، وتقول: أيّ معمل صنع هذه السيارة؟ هذه السيارة التي تشوّه منظرها, لا تحتاج إلى معمل يصنعها هكذا، بل تفسير هذا: أن سائقاً مخموراً هوى بها في الوادي، فكانت كذلك، فإذا كنت تعيش في مجتمع ظالم، أو مجتمع قاسٍ، أو مجتمع منافق، أو مجتمع يغلب عليه قلة الذمة والدين, لا تتوهم أن الإنسان هكذا، أنت تعيش في مجتمع منحرف، يوجد أسباب كثيرة جداً دعت إلى انحرافه, ولكن الله عز وجل قال:
﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾
[ سورة الروم : الآية 30]
فالظلم من شيم النفوس كلام لا صحة له إطلاقاً، ونحن دائماً وأبداً نقول: هناك نص قرآني قطعي الثبوت، مهمتك مع هذا النص أن تحاول فهمه فقط، وهناك نص نبوي قد يكون ظني الثبوت، وقد يكون قطعي الثبوت، لذلك أنت مع النص النبوي, يضاف إلى محاولة فهمه محاولة التأكد من صحته، مع النص النبوي تأكد من صحته أولاً، ثم افهم معناه ثانياً، مع النص القرآني افهم معناه فقط، لأنه قطعي الثبوت, مع نص آخر من آدم إلى يوم القيامة غير الكتاب والسنة، لك ثلاث مهمات؛ أن تتأكد من صحته أولاً، وأن تحاول فهمه ثانياً، وأن تعرضه على الكتاب والسنة الصحيحة، فإن وافقه فعلى العين والرأس، وإن خالفه فاركله بقدمك، وهذا بيت الشعر اركله بقدمك:
والظلم من شيم النفوس فإن تجد ذا عفة فلعلة لا يظلم
لذلك النبي -عليه الصلاة والسلام- ما روى في حياته إلا شطر بيت، هذا الشطر:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل
-باقي البيت-:
وكل نعيم لا محالة زائل
قال ابن مسعود: لا، نعيم أهل الجنة لا يزول، كلام غير صحيح، نعيم أهل الجنة لا يزول، لذلك قال هذا الشطر:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل
أما:
وكل نعيم لا محالة زائل
كلام لا أصل له، غير صحيح.
يروى أن شاعراً دخل على ملِك، لقاء مقتضب سريع، قال له الشاعر: إن، قال له الملك: وانتهى اللقاء.
ماذا تكلم؟ عندما خرج قيل له: ماذا قال لك الملك؟ أنت في الأساس ماذا قلت له؟ قال: قلت له: إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها.
قالوا: ماذا قال لك؟.
قال: إنه قال:

﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾
فالأصل أن الكلام أنواع ثلاثة: قرآن وسنة صحيحة وكلام الآخرين؛ القرآن نفهمه، والسنة نتأكد من صحتها ونفهمها، وكلام الآخرين نتأكد من صحته أولاً، ونفهمه ثانياً، ونعرضه على الكتاب والسنة ثالثاً، فإن وافقه فعلى العين والرأس، وإن خالفه نركله بأقدامنا.





والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 07-02-2018, 07:02 AM   #40


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: العقيدة الاسلامية من مفهوم القران والسنة



بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية من مفهوم القران والسنة

الدرس : ( التاسع و الثلاثون )

الموضوع :العين والحسد (3) معالجة الحسد



الحمد لله رب العالمين، والصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
ما سبب هذه المشكلات والخصومات التي تسود الأسرة الإنسانية؟ :
أيها الأخوة الكرام، مع الدرس التاسع والثلاثين من دروس العقيدة الإسلامية، ولا زلنا في موضوع الحسد، ولكن حينما تجد في القرآن الكريم, الذي هو كلام الله، والذي تعبَّدنا الله بتلاوته، والذي يتلوه المسلمون آناء الليل وأطراف النهار، حينما تجد موضوعاً في القرآن الكريم, فهو من الأهمية بمكان، كتاب يتلى إلى آخر الدوران، وفيه موضوعات، هذه الموضوعات أساسية جداً في حياة الإنسان، لذلك حينما ذكر الله الحسد في أربع آيات في كتاب الله, معنى ذلك: أن الحسد يحتل مساحة كبيرة جداً، العلاقات بين بني البشر، وأن مشكلات لا تنتهي، وأن حروباً لا تنتهي أساسها الحسد، وأن خصومات بين الأسر وبين حالات طلاق, وبين انفصام شركات أساسها الحسد.
ما الذي يفتت عزيمة المجتمع الإسلامي؟ :
أيها الأخوة الكرام، الإنسان حينما يراقب نفسه، وحينما يتعاهد قلبه، وحينما يبلغ درجة الوعي والتأمل لحال قلبه, يكون قد قطع مسافةً جيدة في طريق سلامته وسعادته، أحياناً الإنسان -بالتعبير الحديث- بعقله الباطن يحسد دون أن يشعر، وبسبب حسده ينتقم، وبسبب حسده يقسو، وبسبب حسده يتحرك ليوقع الأذى بأخيه، وحينما يرى الأخ أن أخاه ناله بالأذى تنشأ العداوة والبغضاء، ولا شيء يخدم الشيطان كالعداوة والبغضاء بين المؤمنين، الحسد مع السلوك مع القسوة, يرافقه الغيبة والنميمة, هو الذي يفتت المجتمع.
من صفات الحاسد في القرآن الكريم :
1-الطعن بالآخرين وذلك ببخس أعمالهم والتقليل من شأنهم:
أيها الأخوة الكرام، حينما نبحث عن صفات الحاسد, فهذا البحث مفيد جداً، لأنه مقياس وإنذار مبكر، الله عز وجل يقول:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾
[سورة آل عمران الآية: 118]
إذا تفوقت طُعِنتَ في الظهر، إذا تفوقت هناك من يقول: إخلاصه ليس جيداً، هناك من يقول : لقد حققت مصلحة مادية من عمله، بل إن الناس الذين التقوا بالأنبياء وهم قمم البشر، وهم من الكمال بحيث لا يصدق، قالوا لهم: إن أنتم إلا بشر مثلنا, تريدون أن تتفضلوا علينا, أنتم همّكم الاستعلاء، هذه تهمة اتهم بها الأنبياء، فالحسود لا يفتأ يبخس عمل المتفوق، لا يفتأ يطعن في نيته، لا يفتأ يطعن في إخلاصه, لا يفتأ يقلل من قيمة عمله، هذا شأن الحسود، فالصفة التي ذكرها القرآن الكريم:
﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾
[سورة آل عمران الآية: 118]
صفة أخرى بينها القرآن الكريم من صفات الحاسد، وأنا متأكد أن الإنسان أحياناً يحسد دون أن يشعر، يحسد فيتجه إلى الطعن بالآخرين, إلى بخس عملهم، وإلى التقليل من شأنهم، وإلى إلصاق التهم بهم دون أن يشعر بدافع الحسد.
2-تألمه إن أصاب المؤمن خيراً وفرحه إن جاءته المصيبة :
قال تعالى:
﴿وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾
[سورة آل عمران الآية: 119]
حينما يحسد الإنسان, يأخذ وجهين حفاظاً على مكانته وسمعته، إذا التقى بإنسان تفوق عليه يهنئه، ويقول: نحن نعتز بك، لكن حينما ينطوي على نفسه, يتألم ألماً لا حدود له، وفي غيبته يطعن به، هذه مشكلة المسلمين حينما يضعف إيمانهم، فيفشوا بينهم الحسد والضغينة.
أيها الأخوة, صفة أخرى من صفات الحسود، قال تعالى:

﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾
[سورة آل عمران الآية: 120]
إن جاءكم الخير يتألمون، وإن جاءتكم المصائب تترى يفرحون، إذاً: هم في خندق آخر.
احذر أن تزل قدمك إلى هذا الخندق :
هذه الفكرة شرحتها مرة: هل تجد على وجه الأرض من دون استثناء أُمًّا تفرح بسقوط ابنتها؟ مستحيل، إلا أنك إن رأيت امرأة تفرح بفضيحة ابنتها, فاعلم أنها ليست ابنتها، ولا يمكن أن تجد مؤمناً يفرح بمصيبة نزلت بالمؤمنين، أو يتألم بخير أصاب المؤمنين، فإن فعل هذا, فاعلم أنه ليس مؤمناً، الإنسان حينما يحسد, يضع نفسه في خندق المنافقين، علامة النفاق الحسد، وعلامة الإيمان الغبطة.
صدق أيها الأخ: أن أخاً لك أصابه خير, إن لم تفرح له وكأن الخير أصابك, فأنت لست بمؤمن، إن لم تفرح له بهذا الخير فأنت لست بمؤمن، هذا كلام دقيق جداً أسوقه في هذا الموضوع، إن لم تفرح لخير أصاب أخاك فلست بمؤمن، إن لم تتألم لمصاب أصاب أخاك فلست بمؤمن:

﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾
[سورة آل عمران الآية: 120]
3-تعرفه في لحن القول :
من صفات الحاسدين في القرآن الكريم، قال تعالى:
﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ * وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ﴾
[سورة محمد الآية: 29-30]
تعرفهم في لحن القول، الإنسان حينما يخفي شيئاً, يظهر بفلتات لسانه، أراد رجل أن يمدح إنساناً لمصلحة، لكنه لا يحبه، بل يبغضه، بل يحسده، فقال: أحبُّ الصالحين ولستَ منهم، هي : ولستُ منهم، البيت الذي قاله الشافعي:

أحب الصالحين ولستُ منهـم لـعلّي أن أنال بهم شفاعـة
وأكره من بضاعته المعاصي ولـو كن سواءً في البضاعة

ماذا قال؟ أحب الصالحين ولستَ منهم، هذه فلتة لسان عبرت عن مكنون هذا الإنسان، إذاً: لحكمة أرادها الله عز وجل, الغيظ والحقد والحسد الذي ينطوي عليه الإنسان, يظهر من فلتات لسانه. ما معنى (بسيماهم) في هذه الآية؟ :
قال تعالى:
﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ * وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ﴾
[سورة محمد الآية: 29-30]
بسيماهم؛ أي صفحة الوجه، أيضاً لحكمة بالغة بالغة: جعل الله وجه الإنسان مرآة قلبه، وهناك أناس عندهم خبرة عالية، أنت حينما تغتاظ, يظهر الغيظ على صفحة وجهك، وحينما تتألم, يظهر الألم على صفحة وجهك، وحينما تظهر شيئاً مفرحا, تظهر ابتسامة ساخرة على ملامح وجهك، الوجه مرآة القلب، وما من شيء يضمره الإنسان في قلبه, إلا ويظهر في طريقتين؛ يظهر في صفحة وجهه وعلى لسانه، فلتات اللسان تعبر عن حقيقة القلب، وصفحة الوجه كذلك، لذلك أحياناً: تظهر على وجه, تراه ملائكياً, بريئًا, طاهرًا, لا يحمل حقداً، ولا غلاً، ولا حسداً، ولا شيئاً من هذا القبيل، فالوجه مرآة القلب.
هذه فراسة المؤمن :
مرة سيدنا عثمان -هكذا يروى- دخل على مسجده رجل قد ارتكب الزنا، فقال: أيزني أحدكم ويأتي إلى المسجد؟ فدهش الصحابة، قالوا: أوحي بعد رسول الله؟ قال: لا، ولكنها فراسة صادقة.
ما الثمرة التي يحصل عليها المؤمن حينما يتصل بالله؟ :
ترى الشهواني وجهه أزرق، المؤمن الطاهر وجهه منير مشرق، لكن أنا أتمنى ألاّ يستعملها أحد، قد تكون ضعيف الإحسان، وقد تكون ضعيف الخبرة, فتتهم إنسانًا من دون دليل، هذا شيء لا يمكن أن يتخذ دليل, قضيةِ الفراسة وقضية الإشراق، وأحياناً تجد إنسانًا لونه أبيض، ودائماً يشرب عصيرًا، وينام خمس, ست ساعات كل يوم، ترى وجهه مثل البدر، ما شاء الله على هذا الصلاح، يكون أكبر مجرم، ممكن، وقد تجد إنسانًا ملوّنًا، ولكن الطهر والبراءة في وجهه وكأنه بدر، القضية ليست قضية مادية؛ أن اللون أبيض، وعلى كل خد وردة، وفيه تألق، وعين زئبقية، ليس هذا هو المقياس، المقياس: أن إنسانا حينما يتصل بالله عز وجل, تظهر البراءة على وجهه، والإشراق على وجهه، قال تعالى:
﴿فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾
[سورة محمد الآية: 30]
انظر إلى هذا التطابق بين صفات المنافق وبين صفات الحسود :
أيها الأخوة الكرام، أن المنافق حسود، وأن الحسود منافق، وهناك تطابق بين صفات المنافق وبين صفات الحسود، فحينما تحسد, فهذا الحسد يدل على أنك في خندق المنافقين، لأن المؤمنين بعضهم لبعض نصحة متوادون، ولو ابتعدت منازلهم، والمنافقون بعضهم لبعض غششة متحاسدون، ولو اقتربت منازلهم.
ما هي الأوجه التي بارز بها الحاسد ربه في رأي القرطبي :
1- أنه أبغض كل نعمة ظهرت على غيره :
أحد كبار المفسرين، الإمام القرطبي يقول: الحاسد بارزَ ربَّه من خمسة أوجه -تطاول على الذات الإلهية من خمسة أوجه-, أحدها: أنه أبغض كل نعمة ظهرت على غيره, هناك نماذج بشرية, لا يتحمل أحد أن يكون أحسن منه، وحينما يشعر، وهذا في النساء أكثر، وحينما يشعر أن فلانًا أحسن منه دون أن ينتبه؛ يطعن به، يستصغره، يحتقره، يبحث عن نقائصه، وكأنه قناص، وينسى كل فضائله.
2- أنه ساخط لقسمة ربه :
وثانيها: أنه ساخط لقسمة ربه:
قل لي من بات لي حاسداً أتدري على من أسأت الأدبا؟
أسأت إلى الله في فعلـه إذ لم ترض لـي ما وهـبا
إنك تطعن بحكمة الله عز وجل.

3- أنه ضاد فعل الله :
ثالثها: أنه ضاد فعل الله؛ أي إن فضل الله يؤتيه من يشاء، وهو يتمنى ألاّ يؤتى هذا الإنسان فضل الله حسداً من عند أنفسهم.
4- أنه خذل أولياء الله :
رابعها: أنه خذل أولياء الله، الإنسان قد يتفوق، قد يأخذ الله بيده، الذي يحسده لا يريد لهذا الخير أن ينتشر، هو يقطع السبيل إلى الله، مثلاً: اثنان على مقاعد الدراسة، أحدهما تفوق في الدعوة إلى الله، والثاني بقي في مرتبة دنيا اجتماعية، لم يدرس، ولم يهتم، ولم يعتن بقلبه، ولم يعتن بعلمه، ولا بطلب العلم، ولا بحمل هم المسلمين، فلو أن هذا الرفيق الثاني الذي أهمل قلبه، وأهمل علمه، ولم يتحرك لخدمة المسلمين, سمع أن شاباً يحضر دروس هذا الصديق, الذي كان صديقه مباشرةً, يطعن به، مباشرة ينصحه ألاّ يتابع دروسه، لماذا؟ أنت لك أن تحل محله؟ لا، قال تعالى:
﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾
[سورة البقرة الآية: 27]
ترى كلام الناس أحياناً أربعة أخماسه كلام شياطين، يكون الشاب شاردًا، التقى بصديق دله على جامع، التزم، غض بصره، ضبط لسانه، صلى قيام الليل، قرأ القرآن، حفظ كتاب الله، قُلِب مئة وثمانين درجة، يأتي صديق الشيخ الذي هو عنده, فيقول له: الله يصلحك لم تجد غيره, ماذا تريد منه؟ هذا جاهل، بلا دليل، حسداً من عند أنفسهم.
هذه مهمة إبليس :
أيها الأخوة الكرام، الحاسد خذل أولياء الله، أو أراد خذلانهم، وزوال النعمة عنهم، الحاسد أعان عدو الله إبليس على تحقيق مراده، لأن إبليس يقطع ما أمر الله به أن يوصل، مهمة إبليس الأولى: أن يقطع ما أمر الله به أن يوصل.
قيل: الحاسد لا ينال في المجالس إلا ندامة، ولا ينال عند الملائكة إلا لعنة وبغضاء ، ولا ينال في الخلوة إلا جزعاً وغماً، ولا ينال في الآخرة إلا حزناً واحتراقاً، ولا ينال من الله إلا بعداً ومقتاً.

موضوع خطير :
موضوع الحسد خطير جداً، لأن هذا المرض الأول الذي يفشو بين ضعاف الإيمان، ترى المجتمع ممزقًا مشرذمًا، في البيت الواحد حسد، بين الأخوة حسد، بين الزملاء حسد، بين الأقرباء حسد، بين سكان القرية حسد، بين أصحاب الحرفة حسد، شيء لا ينتهي؛ عداوات، ومشاحنات، وطعن، واتهامات، وعدوان.
إليكم هذه البنود التي أحصى العلماء فيها صفات الحاسدين :
أيها الأخوة الكرام، بعض العلماء أحصى صفات الحاسدين في بنود, فقال: الحسود دائم السخط على أقدار الله، أينما جلس يشتكي، أينما جلس يتبرم، أينما جلس هو متشائم، لأن الحسد أكل قلبه، ولأن الحسد قطعه عن الله عز وجل، سخط من فضل الله عز وجل الذي آتاه لزيد أو عبيد.
من جنود إبليس :
أنا تحدثت في درس سابق, أنه من مستويات الحسد: أن تتمنى زوال النعمة عن أخيك لتصل إليك، المستوى الأسوأ: أن تتمنى زوال النعمة عن أخيك دون أن تصل إليك، المستوى الأسوأ: أن تكتب تقريرًا، أو أن توغر صدر فلان من أجل أن تزول هذه النعمة عن أخيك، شيطان يحرك الناس وهم لا يشعرون، إنما تخدم كيد الشيطان، دائماً الحسود أحد جنود إبليس , إذاً: متبرم ساخط.
هذه جلسة المتشائمين :
مرة التقيت بإنسان, من شدة تبرمه, وسخطه, وتشاؤمه, وسوداويته, وانتقاداته, شيء لا يحتمل، تجلس معه فتكاد لا تتحرك من الوهن الذي أصابك، هذا الإنسان عنده بيت خمسمئة متر، عنده مركبة، وتجارة كبيرة.
مرة التقيت بإنسان, أيضاً من شدة تبرمه, لا يحتمل أن يبقى مع الناس، ولا أن يسكن هذه البلدة، فلما لاح له شبح مرض عضال, اختلف اختلافًا كليًّا.

قف هنا :
أيها الأخوة الكرام، الإنسان يتشكى بلا سبب مبرر، أنا أخشى على هذا الإنسان أن يتشكى بعد حين لسبب مبرر، لا يوجد عنده مشكلة، صحته جيدة، زوجته جيدة, أولاده أصحاء، بيته ملكه، دخله جيد، عنده مركبة، يتشكى، وإلى متى؟ لذلك هذا الإنسان علاجه: أن تأتيه مصيبة حقيقية تستدعي أن يتشكى، إذا شكر إنسان الله عز وجل، لك مأوى, وكم ممن لا مأوى له؟ تتمتع بحواسك الخمس، وكم ممن لا يتمتع بحواسه؟ لك زوجة، وكم إنسان محروم من الزواج , ما تمكن أن يتزوج؟ أو امرأة لها زوج، أيّة امرأة سألت زوجها الطلاق من غير بأس, لم ترح رائحة الجنة.
رسالة تذكرة :
أخواننا الكرام، أتمنى عليكم أن تعدوا نعم الله، لا أن تتحدثوا عما ينقصكم، أن تتحدثوا عما بين أيديكم، مثلاً: نعمة قد لا ينتبه إليها أحد، أن زوجتك شريفة، تسافر خمسة أيام, لا يخطر ببالك لثانية أن إنسانًا دخل البيت، ولما ألتقي مع إنسان, يشكّ في زوجته أراه كالبركان يكاد ينفجر، أنت عندك نعمة كبيرة، أن زوجة شريفة لا يمكن أن تخونك، ولا بنظرة، ولا بكلمة، هذه نعمة كبيرة جداً، نعمة ثانية أنك تتمتع بصحة، اسأل إنسانًا لاح له شبح مرض خبيث، أو مرض عضال، يتمنى أن يكون دخله محدوداً، يتمنى أن يكون ساكنًا في بيت أجرة، يتمنى أن يفقد كل ميزاته.
من العبر :
صديق صديقي درس في فرنسا، وجاء إلى هنا، واعتلى منصباً رفيعاً جداً في إحدى الوزارات، معاون وزير، وتزوج امرأة تروق له، وعنده مركبة، وبيت، ومكانة، وشأن، فَقدَ بصره، خلال شهر يأتيه الموظف بالبريد، يقرأ له المعاملة، ويعطيه التوجيه، مرة زاره صديقه ، قال له: والله يا فلان، أتمنى أن أقبع على الرصيف أتسول، وليس لي من الدنيا إلا هذا المعطف، وأن يرد الله لي بصري، لا يريد دكتوراه، ولا معاون وزير، ولا بيت بالمالكي، ولا سيارة، يريد بصره أن يرده الله إليه.
إذا كنت بنعمة البصر والسمع، وعندك زوجة وأولاد، وتسكن بمنزل، ولك دخل يغطي حاجاتك الأساسية, فاشكر الله عز وجل، وكلما شكرته زادك نعمة، وكلما شكرك حصنك من ضياع النعمة.

تتمة البنود التي أحصى العلماء فيها صفات الحاسدين :
الحسود دائم التشكي، الحسود قليل الشكر لله عز وجل، ولو ملك الدنيا بأسْرها، الحسود يتتبع العثرات، ويلتمس الأخطاء، ويظهرها في المجالس ويضخمها، قناص لا همّ له إلا الحديث عن أخطاء الناس، الحسود يخفي المحاسن.
اللهم إني أعوذ بك من جار سوء، إن رأى خيراً كتمه، وإن رأى شراً أذاعه، اللهم إني أعوذ بك من إمام سوء؛ إن أحسنت لم يقبل، وإن أسأت لم يغفر.
الآن: الحسود يستخدم المزاح والسخرية للتقليل من قيمة المحسود، كيف يشفي غليله؟ بالسخرية والاستهزاء.

هذا الدليل الذي يتمسك به الحسود :
أيها الأخوة الكرام، في معظم الأحيان الحسود يتهم بلا دليل، الدليل حسده فقط، أو بدليل ضعيف، أو بدليل ظني، أو من دون تحقيق، أو من دون تريث، أو من دون سؤال، تهم لم يتحقق، لم يسأل، لم يتريث، لذلك:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾
[سورة الحجرات الآية: 6]
أهم شيء أنه ينتقد، ويوجه التهم من دون دليل. آخر بند من البنود التي أحصاها العلماء في الحسود :
الآن: الحسود لا يدع فرصة لإيقاع الأذى بمن يحسده إلا وانتهزها، الحسود إنسان مضطرب، توازنه مختل، ويوجد غليان، الحقد والحسد مؤلم جداً، الحقد والحسد يجعلان الإنسان كالمرجل، الحسود غالباً ما يكون كاذباً، يستخدم الكذب للنيل من المحسود.
كيف يعالج الحسد؟ :
1-الإكثار من ذكر الله, والإلحاح في الدعاء :
أيها الأخوة الكرام، كيف يعالج الحسد؟ قال بعض العلماء: يعالج بالإكثار من ذكر الله، والإلحاح في الدعاء، يا رب اشفن من كل مرضٍ نفسيّ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام: ثلاثة لا يرد دعاؤهم؛ الذاكر الله كثيراً، ودعوة المظلوم، والإمام المقسط.
إذا ذكر الإنسان الله كثيراً, فلعل الله سبحانه وتعالى يشفيه من الحسد.

2- أن تسأل الله من فضله :
أيها الأخوة, أما العلاج العظيم للحسد:
﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾
[سورة النساء الآية: 32]
في نهاية الآية: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾
[سورة النساء الآية: 32]
أنت عبد لله، وذاك عبد لله، كما أعطاه يعطيك، وكما رفعه يرفعك، وكما أكرمه يكرمك، وكما وفقه يوفقك، إله موجود، لذلك إذا تمنى أحدكم نعمة على أحد فليكثر، فإنما يسأل ربه، إذا تمنى الإنسان على ربه نعمة, فليسأله بإلحاح وليكثر، وإذا سأل أحدكم فليكثر، فإنما يسأل ربه.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ:

((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: إِيَّاكُمْ وَالشُّحَّ، فَإِنَّهُ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، أَمَرَهُمْ بِالظُّلْمِ فَظَلَمُوا، وَأَمَرَهُمْ بِالْقَطِيعَةِ فَقَطَعُوا، وَأَمَرَهُمْ بِالْفُجُورِ فَفَجَرُوا))
أما المؤمنون فيتصرفون على عكس تصرف الحاسد، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾
[سورة الحشر الآية: 9]
كان بعض الصحابة الكرام يطوف بالبيت، ويقول: ربي قنِ شح نفسي، ربي قنِ شح نفسي، وقيل: إذا وقيت شح نفسك, فقد وقيت البخل والظلم والقطيعة.
أول علاج: أن تسأل الله من فضله، الذي أعطاه يعطيك، والذي كرمه يكرمك، والذي وفقه يوفقك، والذي أغناه يغنيك، والله رب الجميع، هذا علاج أول.

3-الاهتمام بمعالي الأمور والانصراف عن سفاسفها :
العلاج الثاني: أن تهتم بمعالي الأمور، وأن تنصرف عن سفاسفها، الإنسان الفارغ يحسد، عنده وقت، ليس له هدف، ما عنده رسالة يؤديها، لا يحمل هم المسلمين، التفاهة والفراغ، وعدم الاشتغال بمعال الأمور تدعو إلى الحسد، لذلك لا تجد بين عظماء الناس من يحسد، الوقت عنده ثمين جداً، وهدفه واضح، والوسائل واضحة لهدفه.
لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

((إن الله يحب معالي الأمور ويكره سفسافها))
من اللهو :
قال تعالى:
﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآَخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾
[سورة العنكبوت الآية: 64]
إذا كان الابن عمره أربع أو خمس سنوات، والده اشترى له سيارات صغيرة، فهذا الطفل أمسك هذه السيارة على أثاث البيت، يرافقها صوت من عنده، في الصعود يقوي الصوت، وهو غارق بسعادة لا توصف بهذه السيارة الصغيرة التي اشتراها له أبوه، ويمشيها على أثاث البيت، لو صورناه في الخمس وأربعين سنة, كان يحتل منصبًا رفيعًا جداً، وعنده دور في الحياة كبير، وأطلعناه على هذه الفيلم، هل يليق به أن يمسك سيارة ويمشي بها؟ هذا هو اللهو واللعب.
إذا كان الإنسان بعيدًا عن الأهداف الكبرى, تراه غارقًا في موازنات، فلان اشترى بيتًا، مساحته خمسمئة متر، هذا إسراف يا أخي، ماله همّ إلا أن يرى الناس ماذا اشتروا؟ وماذا أكلوا؟ وماذا أنفقوا؟ هذا الاهتمام إلى ما عند الناس مشكلة كبيرة جداً، فلذلك الله عز وجل يقول :

﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾
[سورة العنكبوت الآية: 64]
لا تغفل عن هذه اللحظة :
قلت لواحد البارحة: الإنسان تتنامى خبراته، كلما تقدمت به السن, صار ناضجًا, يعرف كيف يتكلم؟ يعرف كيف يتصرف؟ كيف ينفق المال؟ كيف ينجو من متاهات ومن مطبات؟ فإذا بلغ ذروة النجاح والنضج, يأتي ملك الموت: تفضل، بأعلى درجة من النجاح والنضج يأتيه ملك الموت، هذه الحياة هكذا:
لكل شيء إذا ما تم نقصانُ فلا يغرّ بطيب العيش إنسانُ

قصة رمزية :
يروى أن إنساناً أراد أن ينتحر، القصة رمزية، جاءه ملك الموت، قال له: لا تنتحر، أنا أدلك على طريقة تكسب بها المال الوفير، اجعل نفسك طبيباً، فإن رأيتني عند رأس المريض فإياك أن تعالجه، فإنه سيموت، وإن رأيتني عند قدميه فعالجه، ولا تخشَ شيئاً، سوف يشفى، فهذا أعطاه ملك الموت هذه الطريقة, ربح أرباحًا طائلة، إن كان عند رأسه يقول: أعتذر، ليس اختصاصي، وإن كان عند قدميه يعالجه، يعطيه ماء ملونًا، ويتقاضى أجرًا كبيرًا، إلى أن مرضت بنتُ الملك، فقال الملك: من يشفها أزوجه إياها، ويكون ولي العهد، جاءها، فإذا ملك الموت عند قدميها، فعالجها، فشفيت، وأقيم عقد القران، وفي اليوم التالي سيتوج ولياً للعهد، جاءه ملك الموت، قال له: تشرّف، قال له: الآن؟ قال: والله سابقاً كان أهون.
هذه الدنيا إن تفوقت بها بعد النضج، وأن تملك كل شيء، وأن تعرف التصرف, يأتي ملك الموت، لذلك هي أحقر من أن تكون عطاءً لإنسان.

((لو أن الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة, ما سقى الكافر منها شربة ماء))
أنت حينما تهتم بمعالي الأمور؛ تحمل رسالة، تسعى لطلب العلم، تسعى لنشر العلم, ليس عندك وقت تحسد أحدًا، لذلك عظماء الناس والناجحون في الحياة, ليس عندهم وقت لهذه السفاسف كلها.
4-العيش مع الصالحين :
العلاج الثالث: أن تعيش مع الصالحين، تعيش مع الصالح سنوات، لا يحسد أحدًا، متواضع ، يشكر الله على نعمه التي أولاه الله إياها، تتعلم من أخلاق الصالحين؛ الأدب, والتواضع, والبعد عن السفاسف، والالتفات إلى معالي الأمور، قال تعالى:
﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾
[سورة الكهف الآية: 28]
وفي الحديث الصحيح: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, عَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ:
(( إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ، وَلَا تَجَسَّسُوا، وَلَا تَحَسَّسُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَكُونُوا أخْوَانًا، وَلَا يَخْطُبُ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ حَتَّى يَنْكِحَ أَوْ يَتْرُكَ))
5-الإكثار من ذكر الموت :
آخر علاج: الإكثار من ذكر الموت، وأن هذا الموت ينهي كل شيء، وأن هذا الموت ينهي غنى الغني، وفقر الفقير، ينهي قوة القوي، وضعف الضعيف، ينهي ذكاء الذكي، ومحدودية المحدود، يلغي وسامة الوسيم، ودمامة الدميم، كله ينتهي عند الموت.
هناك ملاحظة مهمة جداً: أنت حينما تبالغ بإظاهر ما عندك، وحينما تزهو على الناس بما عندك, كأنك تبذر بذور الحسد في المجتمع، لا تحاول أن تخرج على قومك بزينتك، حاول أن تكون متواضعاً، وأن تكون بين الناس.







والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدليلية (Tags)
مفهوم, لن, الاسلامية, العقيدة, القران, والسنة


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 3 ( الأعضاء : 0 , والزوار : 3 )
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG]متاحة
كود HTML معطلة



المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
العقيدة الاسلامية - الجن والسحر السعيد رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة 12 09-10-2018 01:29 PM
[ذائقة نورانية] العقيدة الاسلامية السعيد رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة 68 06-21-2018 03:20 PM
طرق اسلامية من القرآن والسنة النبوية في معالجة الغضب آفراح رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة 2 03-11-2017 11:41 AM
علّمي ولدك مفهوم الوقت جودي رِيَاض الأسرَة وَالطِفَل وَ أنَاقَة حَواء وآدَم 2 07-16-2014 02:32 AM
مفهوم النبوة في الإسلام منال نور الهدى رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة 3 06-10-2014 12:48 AM


الساعة الآن 05:39 PM