المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : العقيدة الاسلامية من مفهوم القران والسنة


السعيد
07-01-2018, 06:02 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية من مفهوم القران والسنة

الدرس : ( الاول )

الموضوع : مفهوم الايمان (1)





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين . مقدمة :
أيها الأخوة الكرام، من سنوات عشر تقريباً: ألقيت في هذا المسجد المبارك دروسًا في العقيدة الإسلامية، وكان لها أثر طيب بفضل الله عز وجل، ثم بعد حين ألقيت سلسة دروس من كتاب العقيدة الطحاوية، وقد مضى على دروس العقيدة زمن طويل، والحاجة تشتد الآن إلى دروس أخرى في العقيدة، لأن العقيدة من أصول الدين، ولأن الدين أصول وفروع، والعقيدة أخطر شيء في الدين، فمن صحت عقيدته صح عمله، ومن فسدت عقيدته فسد عمله ، ولو لم يكن هناك من علاقة بين العقيدة وبين السلوك, فاعتقد ما شئت، ولكن ما من عقيدة إلا ولها منعكس على السلوك .
فلذلك: اعتمدت على الله عز وجل، وأردت أن أبدأ سلسلة من دروس العقيدة لها خصائص، من خصائصها: أنها تعتمد على الكتاب والسنة.
والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:
(( تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ, لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا؛ كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ رسوله))
[أخرجه مالك في الموطأ]
لا نريد عقيدة تأخذ من كتب الإغريق، ولا من أقيسة منطقية محضة، نريد عقيدة مأخوذةً من كتاب الله، ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم .
فنحن أمام سلسلة, أرجو الله سبحانه وتعالى أن يوفقني في شرح دقائق العقيدة الإسلامية، معتمداً على ما في الكتاب وما في السنة من آيات بينات واضحات، ومن أحاديث شريفة صحيحة .
ما الدليل من الكتاب على أن الناس رجلان؛ مؤمن وكافر؟ :
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3333/01.jpg
أيها الأخوة، بادئ ذي بدء، الناس على اختلاف أجناسهم، وأعراقهم، وألوانهم، ومللهم, ونحلهم، وانتماءاتهم، ومذاهبهم، وطوائفهم، لا يزيدون على رجلين؛ مؤمن وكافر، وهناك أدلة كثيرة من الكتاب، فالله عز وجل يقول:
﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾
[سورة الليل الآية: 5-10]
كأن الله سبحانه وتعالى جعل الناس فريقين لا ثالث لهما، إنسان صدق أنه مخلوق للجنة، وهذه العقيدة، بناء على عقيدته السليمة والصحيحة: اتقى أن يعصي الله، ومع اتقائه أن يعصي الله, بنى حياته على العطاء كثمن للجنة، فكان رد الإله عليه أنـه يسره لليسرى، قال تعالى:
﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾
الحسنة هي الجنة، وأبرز ما في العقيدة أننا مخلوقون للجنة، وأن الدنيا دار ندفع فيها ثمن الجنة، من خلال معرفتنا بالله وطاعتنـا له، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى، وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾
العقيدة الفاسدة أنه كذب بالجنة، وآمن بالدنيا فقط، لأنه آمن بالدنيا، ولم يتعدَ نظره إلى غيرها، ذلك مبلغهم من العلم، يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا، لأنه آمن بالدنيا فقط، ليس بحاجة إلى طاعة الله، استغنى عن طاعة الله، ولما استغنى عن طاعة الله, بنى حياته على الأخذ لا على العطاء، وكان رد الإله عليه أنه يسره للعسرى . هذه حركة الإنسان :
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْمُؤْمِنُ غِرٌّ كَرِيمٌ، وَالْفَاجِرُ خِبٌّ لَئِيمٌ))
[أخرجه أبو داود والترمذي في سننهما]
والآن: في آخر الزمان تمايز واضح جداً، كان هناك مئات الألوان بين الأبيض والأسود، الآن لونان صارخان، الآن مؤمن أو كافر، محسن أو مسيء، صادق أو كاذب, مخلص أو خائن، هناك تمايز بين الطرفين، ولي أو شيطان أو إباحي، رحماني أو شيطاني، من آهل الآخرة أو من أهل الدنيا، يخاف من الله أو يخاف ممن سواه، يسعى للآخرة أو يسعى للدنيا، هذا تمايز واضح كالشمس .
انظر إلى هذا المدح الرباني للمؤمن :
الله عز وجل في كتابه الكريم مدح المؤمنين أيّما مديح، قال تعالى:
﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾
[سورة السجدة الآية: 15]
يعني آمن بالآيات، لكن أعضاءه وجوارحه, أظهرت هذا الإيمان خشوعًا، وسجودًا وإنابة، وبكاء .
ما لوازم الكفر, وما لوازم الإيمان؟ :
يقول الله عز وجل:
﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ﴾
[سورة السجدة الآية: 18]
الحقيقة: أن خلاف المؤمن الكافر، لمَ لمْ يقل الله عز وجل: أفمن كان مؤمناً كمن كان كافراً؟ من لوازم الكفر الفسق، ومن لوازم الإيمان الاستقامة، ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا﴾
مستقيماً، كمن كان كافراً فاسقاً، ﴿لَا يَسْتَوُونَ﴾
من معاني الإسلام :
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3333/02.jpg
المؤمنون ينتمون إلى جهة واحدة، انتماء المؤمنين إلى مجموع المؤمنين، لا تفرقة في ديننا :
﴿آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾
[سورة البقرة الآية: 285]
في الحقيقة الدين واحد، والدين عند الله الإسلام، ولو قرأتم القرآن الكريم, لوجدتم أن كل الأنبياء من دون استثناء, وُصفوا في القرآن الكريم بأنهم مسلمون، الإسلام له معنى واسع ، وله معنى ضيق، المعنى الواسع: هو الاستسلام لله، إيماناً وطاعةً، والمعنى الضيق: أن تؤمن بالدين الذي جاء به النبي عليه الصلاة والسلام، وبالقرآن الذي نزل عليه، وبالسنة التي جاء بها، أما كلمة الدين: فتعني الإسلام بمفهومه الواسع، فالله عز وجل يقول:
﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾
[سورة آل عمران الآية: 19]
انظر إلى محتويات هذه الدائرة :
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3333/03.jpg
إن الله يثني على المؤمنين:
﴿إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾
[سورة العصر الآية: 3]
ولكن الإيمان درجات، هناك إيمان لا يجدي، وهناك إيمان مُنْجٍ، وهناك إيمان مُسعد، تصور أن دائرة كبيرة جداً هي دائرة أهل الإيمان، فكل من آمن أن لهذا الكون إلهاً موجوداً، وواحداً, وكاملاً, فهو في هذه الدائرة، لكن إن لم يستقم على أمره, فلا ينفعه إيمانه، كإيمان إبليس تماماً:
﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ﴾
[سورة صاد الآية: 81]
آمن بالله رباً، وآمن به عزيزاً، وآمن به خالقاً، قال: خلقتني، وآمن يوم الآخر:
﴿قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾
[سورة الأعراف الآية: 14]
ما دام إبليس لم يطع الله عز وجل، واستنكف عن طاعته، فإيمانه لا يجدي، إذاً: مَا كلُّ من قال: الله خالق الأكوان ينجيه إيمانه، في هذه الدائرة الكبيرة دائرة صغيرة، هذا الذي آمن وعمل بإيمانه، آمن وعمل بمقتضيات إيمانه، آمن وحمله إيمانه على طاعة الله، هذا في الدائرة الثانية، وفي مركز الدائرة أنبياء الله عز وجل المعصومون، فإما أن يكون الإنسان خارج الدائرة، وهو الكافر والملحد، وإما أن يكون في دائرة الإيمان، لكن إيمانه لا ينجيه، وإما أن يكون في الدائرة الثانية، أي إيمانه ينجيه، وفي وسط هذه الدائرة الكبيرة مركز فيها أنبياء الله ورسله الذين هم قمم البشر، والقدوة للبشر، والذين عصمهم الله عز وجل، وأمرنا أن نأخذ عنهم .
من أيّ مادة في اللغة تشتق كلمة الإيمان؟ :
1-من الأمن :
أيها الأخوة، من أيّ مادة في اللغة تشتق كلمة الإيمان؟ من أمن، اطمأن، يعني ليس من طريق إلى أن تكون آمناً, مطمئناً, متوازناً, راضياً, متفائلاً, إلا أن تكون موصولاً بالله عز وجل، ذاكراً له، لقول الله عز وجل:
﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾
[سورة الرعد الآية: 28]
مستحيل، وألف ألف أَلف مستحيل أن تسعد وأنت معرض عن الله، لأن الله عز وجل يقول:
﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾
[سورة طه الآية: 124]
من المعلوم عند المؤمن :
ما من إنسان على وجه الأرض إلا ويتمنى السلامة والسعادة، وحينما يتحقق إذا كان موفقاً أن سلامة الإنسان في طاعة ربه، لأن أوامر الله عز وجل بمنزلة تعليمات الصانع، وما من جهة أجدر أن تتبع تعليماتها كالصانع، لأنه خبير، وقد قال الله عز وجل:
﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾
[سورة فاطر الآية: 14]
فالمؤمن لا يسلم إلا بطاعة الله، ولا يسعد إلا بالقرب من الله . افتح هذا الملف واستنتج :
هذه الحياة بين أيديكم, قال تعالى:
﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾
[سورة طه الآية: 124]
فقال بعض المفسرين: تساءل فما بال ملوك الأرض, والأرض كلها ملك لهم، ما بال أغنياء الأرض، والأموال بين أيديهم, والمعيشة الضنك لهؤلاء، وضيق القلب؟ الغافل عن الله, والعاصي لله، مهما كان قوياً أو غنياً في قلبه ضيق, فيما لو وزع على أهل بلد لكفاهم.
قال أحد العارفين بالله: الذي ترك الملك، كان ملكاً، وفر إلى الله عز وجل.
وقال بعضهم: لو يعلم الملوك ما نحن عليه, لقاتلونا عليها بالسيوف. الإيمان من الأمن.
لم المؤمن يتمتع بنعمة الأمن على غيره من بني جنسه؟ :
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3333/04.jpg
﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا﴾
[سورة الأنعام الآية: 81-82]
ما من إنسان على وجه الأرض يتمتع بنعمة الأمن حقيقة إلا المؤمن، لأنه أيقن أنه مع خالق السموات والأرض، وأن الله يراه، والذي يراك حين تقوم :
﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾
[سورة الشعراء الآية: 219]
وأن الله سيكافئه، وأن الله يعده بجنة عرضها السموات والأرض، وأن الله يحفظه. من نعم الله على الإنسان :
تشتق كلمة الإيمان من الأمن، والأمن أكبر نعمة تسبغ على الإنسان، والدليل هذه الآية:
﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾
[سورة الأنعام الآية: 81-82]
2-من التصديق :
تشتق كلمة الإيمان من التصديق، بمعنى:
﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾
[سورة يوسف الآية: 17]
أيْ: وما أنت بمصدق لنا، فإما أن نفهم الإيمان على أنه أمن, وراحة، وتوازن واستقرار، وسعادة, وسلامة، أو أن نفهم الإيمان على أنه تصديق لما جاء به الأنبياء والرسل.
المفهوم الشرعي للإيمان :
أيها الأخوة، أما المفهوم الشرعي للإيمان: فهو اعتقاد وإقرار وعمل، تعتقد أن لهذا الكون خالقاً ومربياً ومسيراً، وأنه موجود وكامل وواحد، وأن أسماءه حسنى وصفاته فضلى، وأنه خلق الإنسان ليسعده، وأن الدنيا دار فيها يتأهل الإنسان لجنة خلقه الله من أجلها، وأنه أرسل الأنبياء والرسل، وأنزل الكتب، وأنه خلق الملائكة، وأن كل شيء بفعله وقضائه وقدره ، هذا هو الإيمان .
فالإيمان اعتقاد، والإيمان اعتراف باللسان، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمد رسول، والإيمان سلوك، وأداء العبادات، وضبط الجوارح، وضبط الأعضاء، وضبط الدخل، وضبط الإنفاق، وضبط البيت، اعتقاد وإقرار وسلوك، لأن الكفر اعتقاد فاسد، وسلوك منحرف، هناك كفر اعتقادي، وهناك كفر كلامي، وهناك كفر سلوكي .
أتريد أن لا يضل عقلك وأن لا تشقى نفسك؟ لك ذلك :
أيها الأخوة، قال تعالى:
﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾
[سورة طه الآية: 123]
لو لم يكن في كتاب الله إلا هذه الآية لكفت، لا يضل عقله، ولا تشقى نفسه : ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾
[سورة البقرة الآية: 38]
لا يخاف مما سيكون، ولا يندم على ما كان، هذه الآية غطت الزمان كله، أنت في هذه النقطة، لا تخشى مما هو آت، ولا تندم على ما فات، اجمع الآيتين، الذي يتبع هدى الله عز وجل لا يضل عقله، ولا تشقى نفسه، ولا يندم على ما فات، ولا يخشى مما هو آت، فماذا بقي من سعادة الدنيا والآخرة؟ .
من أين جاءت حقائق الإيمان؟ :
أيها الأخوة، حقائق الإيمان جاءتنا عن طريق الوحي، نحن ديننا دين وحي، هناك من يصف الإسلام أنه تراث، الإسلام ليس تراثاً، إنه دين الله، هناك من يصف النبي بأنه عبقري، النبي نبي، لا ينبغي أن يطرح إلا على أنه نبي يوحى إليه، عندنا مسلَّمات، أساس ديننا الوحي ، وحي من السماء على إنسان معصوم بأحاديثه الشريفة، بيّن دقائق الوحي، وحي من خلال كتاب أنزل على قلب نبي معصوم، وبيان هذا النبي تفصيل لما في الكتاب، هذا هو أصل الدين ، لا هو ثقافة، ولا معطيات بيئة، ولا تفكير فلاسفة، ولا تنظير مصلحين، الدين وحي من السماء، وبيان من معصوم، الكتاب والسنة، وحي الله فيه الكليات، والسنة فيها التفصيلات.
ماذا ينتظر المؤمن إذا آمن بالله عز وجل؟ :
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3333/05.jpg
1- أن ينصره الله على أعدائه :
أيها الأخوة, المؤمن هو الفائز، هو الناجح، هو الفالح، هو الموفق، هو المتفوق، هو الناجي، هو المعافى، هو المكافئ، ماذا ينتظر المؤمن إذا آمن بالله عز وجل؟ ينتظر المؤمن أن ينصره الله على أعدائه :
﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾
[سورة الروم الآية: 47]
2-أن يدافع عنه :
والمؤمن يدافع الله عنه :
﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا﴾
[سورة الحج الآية: 38]
3-أن يكون وليه :
والمؤمن وليه الله :
﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا﴾
[سورة البقرة الآية: 257]
آية تركت أثراً في نفسي :
استمعت إلى آية قرآنية تركت في نفسي أثراً لا يوصف، الآية تقول:
﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾
[سورة محمد الآية: 11]
وازن بين ابن له أب من أعلى مستوى، فهم، وعلم، وقدرة، وغنى، وحكمة، رباه أعلى تربية، ربى جسمه، وربى عقله، وربى نفسه، وربى ثقافته، فكان مثلاً أعلى، وتصور ابنًا شاردًا من مخفر إلى مخفر، ومن مكان إلى مكان، ومن سجن إلى سجن، ومن سقوط إلى سقوط، ومن فاحشة إلى فاحشة، الله عز وجل وعد المؤمنين أن ينصرهم على أعدائهم، ووعد المؤمنين أن يدافع عنهم. 4-أن يتولى هدايته :
والله سبحانه وتعالى يتولى هداية المؤمن :
﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
[سورة الحج الآية: 54]
5-أن لا يسلط الكافر عليه :
قد وعد الله المؤمنين بألاّ يسلط الكفار عليهم :
﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾
[سورة النساء الآية: 141]
من أين الخلل؟ :
وازنوا بينكم وبين أنفسكم ، الوعد:
﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾
[سورة النساء الآية: 141]
إذا كانوا لهم علينا ألف سبيل وسبيل، والوعد أن ينصرنا على أعدائنا، فإذا انتصروا علينا فالخلل فينا، الوعد أن يدافع عنا، فإن لم يدافع عنا فالخلل فينا، الوعد أن يتولانا، فإن لم يتولنا فالخلل فينا، إيماننا ليس في المستوى الذي يستحق تحقيق وعود الله عز وجل.
6-وعده بالاستخلاف :
المؤمن وعده الله أن يستخلفه في الأرض :
﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾
[سورة النور الآية: 55]
وعدهم بالاستخلاف .
7-وعده بالتمكين :
﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾
[سورة النور الآية: 55]
وعدهم بالتمكن . 8-وعده بالتطمين :
﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً﴾
[سورة النور الآية: 55]
وعدهم بالتطمين، والواقع المؤلم أنه لا استخلاف، ولا تمكين، ولا تطمين، إذاً: الإيمان الذي نحن عليه, ليس في المستوى الذي يستحق أن تتحقق وعود الله لنا.
9-وعده بالرزق الطيب :
وعد الله المؤمن بالرزق الطيب :
﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾
[سورة الأعراف الآية: 96]
10-وعده بالعزة :
وعد الله المؤمن بالعزة:
﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾
[سورة المنافقون الآية: 8]
أما مشاهد الذل التي ترونها أحياناً من قبل أعداء المسلمين, فهذا شيء يتنافى مع حقيقة الإيمان، قال تعالى:
﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾
[سورة المنافقون الآية: 8]
11-وعده بحياة طيبة :
وعد الله المؤمنين بحياة طيبة :
﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾
[سورة النحل الآية: 97]
هذه حقيقة الناس :
الناس رجلان؛ مؤمن وكافر، ومعنى الإيمان من الأمن، ومعنى الإيمان من التصديق، فالمؤمن يتمتع بأمن لا يتمتع به سواه، والمؤمن مصدق لما جاء به الأنبياء والمرسلون.
الإيمان بالمعنى الدقيق: اعتقاد، وإقرار، وعمل، وعود الله للمؤمنين في الدنيا تلوتها على مسامعكم .
هذا ما أعد الله للمؤمن في الآخرة :
فماذا عن وعود الله للمؤمن في الآخرة؟ قال:
﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً * خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً﴾
[سورة الكهف الآية: 107-108]
﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ * خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقّاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾
[سورة لقمان الآية: 8-9]
بماذا يزيد الإيمان وبماذا ينقص؟ :
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3333/06.jpg
أيها الأخوة، لأن الإيمان اعتقاد، ومن لوازم الاعتقاد: الإقبال على الله، والاتصال به، والتوكل عليه، والخشوع في الصلاة، ومحبته، والإخلاص له، الإيمان له مقتضيات، آمنت أن لهذا الكون إلهاً، من مقتضيات هذا الإيمان: أن تتجه إليه، وأن تقبل عليه، وأن تحبه، وأن تلتزم بأمره ونهيه، وأن تصلح شأن عباده، وأن تكون معطاءً خيّراً، لذلك الإيمان يزيد وينقص ، يبدو كحقائق لا يزيد ولا ينقص، الساعة الخامسة، هذه حقيقة ثابتة، لها معنى واحد، لكن الإيمان يزيد وينقص، بمعنى أنك في ساعة إقبال أو فتور، في حالة توكل أو عدم توكل، في حالة حب مع الله، أو في حالة قعود عن طاعة الله، فالإيمان يزيد وينقص، والدليل:
﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً﴾
[سورة الأنفال الآية: 2]
طبعاً: الإيمان يزيد وينقص بالإقبال وعدم الإقبال، ويزيد وينقص بما تعرف عن الله عز وجل، فكل شيء عرفته عن الله فهو أكبر من ذلك، وهذا من معاني الله أكبر، يعني الله أكبر مما أعرف عنه، والأصل أن الله عز وجل لا يعرفه إلا الله، فكلما نمت معرفتك بالله عز وجل ازداد إيمانك، وكلما ازداد إقبالك على الله ازداد إيمانك، فالإيمان يزيد وينقص، قد يضعف الإيمان بالشبهات، وقد يضعف بالمعاصي، وقد يقطع المؤمن عن الله عز وجل بقواطع الذنوب، أو بقبائح العيوب، أو بشبهات لم يجد لها حلاً، فالإيمان في الأصل يزيد وينقص . إليكم هذه الأدلة من الكتاب على أن الإيمان يزيد وينقص :
الأدلة:
﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾
[سورة مريم الآية: 76]
﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آَمَنُوا إِيمَاناً﴾
[سورة المدثر الآية: 31]
﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾
[سورة الفتح الآية: 4]
﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً﴾
[سورة آل عمران الآية: 173]
هذه من مسلَّمات العقيدة، أن الإيمان يزيد، يزيد كلما تأملت في آيات الدالة على عظمته، كلما اطلعت على خبايا هذا الكون, وأسرار هذا الكون، ودقة صنع الله عز وجل، كلما اطلعت على آياته الكونية والتكوينية والقرآنية ازددت إيماناً، وكلما أقبلت عليه أكثر ازددت إيماناً، ويضعف الإيمان بالشبهات التي لم تجد لها حلاً، أو لم تبحث عن حل لها، يضعف الإيمان بالمعاصي والمخالفات، فالإيمان يزيد وينقص . جدد إيمانك :
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3333/07.jpg
الإيمان يحتاج إلى تجديد, لذلك: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((جَدِّدُوا إِيمَانَكُمْ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ نُجَدِّدُ إِيمَانَنَا؟ قَالَ: أَكْثِرُوا مِنْ قَوْلِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ))
[أخرجه الحاكم في مستدركه]
يزيد وينقص ويتجدد .



كيف نفهم هذا الحديث؟ :
عَنْ أَنَسٍ, عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ, وَوَلَدِهِ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, والنسائي في سننه]
طبعاً: كلٌّ يدّعي أنه يحب الله أكثر من والديه، ومن ولده، ومن الناس أجمعين، ولكن هذا الحديث معناه عند التعارض، لو أن مصلحة بين يديك لا بد من نيلها إلا بمخالفة، فآثرت هذه المصلحة التي بين يديك على طاعة الله عز وجل، فأنت لا تحب الله أكثر من مصالحك, هنا يقول عليه الصلاة والسلام:
((لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ, وَوَلَدِهِ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ))
إذا اعتز الإنسان بأبيه، ولم يكن أبوه على حق, فإيمانه فيه خلل، إذا آثر أن يكون ابنه في مكان عالٍ، ولكن على حساب دينه فإيمانه فيه خلل . إليكم هذا الدليل من السنة على أن الإيمان يزيد وينقص :
ومن الدلائل من حديث النبي عليه الصلاة والسلام, على أن الإيمان يزيد وينقص, أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
((لا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ حتَّى يُحِبَّ لأخِيهِ ما يُحبُّ لِنَفْسِ))
وهذا الحديث من أدق الأحاديث المتعلقة بالدافع الإنساني، أخيه يعني أخاه في الإنسانية ، الإسلام إنساني، وقد تجد بعض البلاد تعامل رعاياها معاملة راقية جداً، أما الشعوب الأخرى فيسحقونها، هذا ليس من شأن الإسلام إطلاقاً، الإسلام إنساني. ((حتَّى يُحِبَّ لأخِيهِ ما يُحبُّ لِنَفْسِ))
أخيه في الإنسانية، لأن المطلق على إطلاقه . هذا قول عمر بن عبد العزيز عن الإيمان :
لسيدنا عمر بن عبد العزيز قول رائع يقول: إن للإيمان فرائض, وشرائع, وسنناً، فمن استكملها استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان .
الإيمان فيه عقيدة، وعبادة، وعبادة تعاملية، وفضائل، هرم العقيدة في أعلى هذا الهرم ، ثم العبادة، ثم التعامل، ثم الفضائل، فمن صحت عقيدته، وأتقنت عبادته، وسلم تعامله، وكرمت فضائله, فقد استكمل الإيمان، الإيمان يزيد .
انظر إلى أقوال الصحابة :
لقول سيدنا معاذ: اجلس بنا نؤمن ساعة .
سماع درس يزيدك إيماناً، الإطلاع على آية كونية يزيدك إيماناً، معرفة حديث رسول الله يزيدك إيماناً .
يقول ابن مسعود: اليقين الإيمان كله، الإيمان يقين، معلومات قطعية، حقيقة مقطوع بها، يؤيدها الواقع، عليها دليل .
ويقول ابن عمر: لا يبلغ العبد حقيقة التقوى حتى يدع ما حاك في صدره، ليس له اضطراب في الأفكار، ولا تردد، ولا ارتياب :
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾
[سورة الحجرات الآية: 15]
الريب يتناقض مع الإيمان، الشك يتناقض مع الإيمان، الوهم يتناقض مع الإيمان.
ويقول عمار رضي الله عنه: ثلاث مَن جمعهن فقد جمع الإيمان؛ الإنصاف من نفسه ، وبذل السلام للعالم، والإنفاق من الإقتار .
علامة المؤمن أنه منصف، بل ينصف الناس من نفسه، علامة المؤمن أنه إذا أخطأ يعتذر، ويقول: هذا خطأ مني، ينصف الناس من نفسه، من علامة الإيمان: الإنصاف من نفسك، وبذل السلام للعالم، والإنفاق من الإقتار .
وسيدنا عمر رضي الله عنه يقول: هلموا نزدد إيماناً، معناها دروس العلم، درس تفسير، درس حديث، درس عقيدة، درس سيرة، آيات كونية، سماع خطبة، قراءة كتاب، سماع شريط، هذا يزيدك إيماناً .
الآن الإقبال على الله، والاتصال به، وإتقان العبادة يزيدك إيماناً، الاطلاع على الشبهات، ولا تجد رغبةً في حلها يضعف إيمانك، الشكوك والشبهات والمعاصي والآثام تضعف الإيمان، والحقائق واليقينيات والطاعات تقوي الإيمان، فالإيمان يزداد وينقص، والإيمان يخلق في صدر أحدكم، يحتاج إلى تجديد.
وفي بعض الأحاديث:
((جَدِّدُوا إِيمَانَكُمْ))
ديننا دين وحي من السماء :
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3333/08.jpg
أيها الأخوة، كما قلنا قبل قليل: الإيمان مصدره الوحي من السماء، نحن ديننا دين وحي من السماء، والوحي خطاب السماء إلى الأرض، وهناك أدلة لا تعد ولا تحصى على أن هذا القرآن الذي جاء به جبريل من عند الله عز وجل، ونزل على قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم هو نفسه الذي بين أيدينا، دون أن يزيد حرفاً أو حركة، موضوع القراءات موضوع آخر، القراءات احتمال قراءة للرسم القرآني من دون تنقيط، فناداها مِن تحتِها، أو فناداها مَن تحتَها، هذا موضوع آخر، أما النص الذي نزل به جبريل على قلب محمد الأمين عليه أتم الصلاة والتسليم فهو الذي بين أيدينا، فديننا دين وحي، ولهذا البحث تفاصيل كثيرة.
إليكم هذه الأمثلة التي تشير على أن الدين الإسلامي وحي من السماء :
حينما تحدث الناس في عفة السيدة عائشة، لو أن الوحي من عند رسول الله، بعد ساعة جاءت آية وبرأتها، بقي هذا الاتهام أربعين يوماً، والنبي عليه الصلاة والسلام لا يملك أدلة إثبات، ولا أدلة نفي، إلى أن جاء الوحي، لو أن الوحي بيد رسول الله, لجاءت آية بعد خمس دقائق, برئت السيدة عائشة.
لو كان الوحي من عند رسول الله, لما ذكر آيات تعاتبه أحياناً، لو أن الوحي يأتيه وهو نائم, لظن أنه حلم، لكنه يأتيه جبريل وهو يقظان .
وفي بعض الأحاديث، في أشد أيام البرد يتصبب عرقاً، ولمّا ضمّه ضمةً كادت أضلاعه تختلف، ليس بقضية نائم، أو حلم، أو منام، وهو في أعلى درجات اليقظة, يأتيه جبريل .
أيها الأخوة، في صحيح مسلم, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ: ((بَيْنَمَا نَحْنُ جلوس عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ, إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ، لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ، وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ، حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَخْبِرْنِي عَنْ الْإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْإِسْلَامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنْ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا، قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ الْإِيمَانِ، قَالَ: أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ، قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ الْإِحْسَانِ، قَالَ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ السَّاعَةِ، قَالَ: مَا الْمَسؤولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنْ السَّائِلِ، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَاراتِهَا، قَالَ: أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا، وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ، قَالَ: ثُمَّ انْطَلَقَ، فَلَبِثْتُ مَلِيًّا، ثُمَّ قَالَ لِي: يَا عُمَرُ أَتَدْرِي مَنْ السَّائِلُ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ))
[أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي في سننهم]
نحن ديننا وحي من السماء، أركان الإيمان، أركان الإسلام، الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، وعلامة الساعة أن تلد الأمة ربتها، يعني أم صالحة جداً تنجب فتاة، تتعلم هذه الفتاة، فإذا هي تصف أمها بأنه لا تعلم شيئاً، كأن هذه الأم ولدت ربتها، هذا في بعض معاني هذا الحديث.
ما أعلى درجات الإيمان؟ :
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3333/09.jpg
الإيمان درجات، الإيمان كما قال عليه الصلاة والسلام، ففي الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الْإِيمَانِ))
أعلى مستوى الإيمان أن تكون موحداً، ألا ترى مع الله أحداً، ألا ترى جهة غير الله فاعلة في الكون : ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾
[سورة هود الآية: 123]
﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾
[سورة الفتح الآية: 10]
﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾
[سورة الزخرف الآية: 84]
﴿مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً﴾
[سورة الكهف الآية: 26]
ما أفضل درجات الإيمان وما أدناها؟ :
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
((الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ، أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الْإِيمَانِ))
مشى إنسان في الطريق، فوجد شيئاً يؤذي المارة، فدفع هذا الشيء إلى طرف الطريق ، لماذا فعل هذا؟ إيمانه بالله، إنسان يركب مركبة، وهو في طريق سفر، وجد حجرًا كبيرًا، وقف، وأزاح الحجر إلى طرف الطريق، ما الذي دفعه لهذا العمل؟ إيمانه بالله، هؤلاء الذين يزيحون الحجارة من الطريق عباد الله عز وجل، وقد يسبب هذا الحجر حادثاُ مروعاً، إذاً أزاحه .
فالإيمان أعلى مستوى فيه أن توحد الله، وأن ترى يد الله فوق أيدي الخلق، وأن ترى الله عز وجل فعالا لما يريد، وأدنى مستوى أن تطعم هرة، أو أن تسقي هرة، أو أن تميط الأذى عن الطريق، هذا أيضاً من الإيمان، والحياء شعبة من الإيمان، والخُلق الحسن من الإيمان، الحياء واللطف والعفو هذه صفات المؤمنين . هذا الإيمان :
أيها الأخوة، الإيمان أن تؤمن بالله كما وصف نفسه، من غير تمثيل, ولا تأويل، ولا تعطيل، بل أن تنزه أسماء الله الحسنى، وصفاته الفضلى عما لا يليق بجلاله، بل أن تؤمن أن الله سبحانه وتعالى له أسماء وصفات كمّا علّمها النبي عليه الصلاة والسلام، ومصدر كل هذا العلم الوحي الكريم، لذلك وقع الوحي شديداً على النبي عليه الصلاة والسلام فقال له:
﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً﴾
[سورة المزمل الآية: 5]
كيف كان ينزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ :
يروي الإمام البخاري, عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا, أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ, سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ:
((يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يَأْتِيكَ الْوَحْيُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَحْيَانًا يَأْتِينِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ، وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ، فَيُفْصَمُ عَنِّي وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْهُ مَا قَالَ، وَأَحْيَانًا يَتَمَثَّلُ لِي الْمَلَكُ رَجُلًا، فَيُكَلِّمُنِي فَأَعِي مَا يَقُولُ))
قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ فِي الْيَوْمِ الشَّدِيدِ الْبَرْدِ فَيَفْصِمُ عَنْهُ, وَإِنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا .
الصلصلة وقوع الحديد بعضه على بعض . ((وَهُوَ أَشَدّهُ عَلَي فَيَفْصِمُ عَنّي وَقَدْ وَعَيْتُ مَا قَالَ))
هذا شيء واضح وضوح الشمس.
وأخرج البخاري رحمه الله تعالى, في كتاب بدء الوحي, عن عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَتْهُ, أَنَّهَا قَالَتْ: ((أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةَ فِي النَّوْمِ، وكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلَاءُ، وكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ فيَتَحَنَّثُ فِيهِ -وَهُوَ التَّعَبُّدُ- اللَّيَالِيَ ذوات الْعَدَدِ، قَبْلَ أَنْ ينزع إِلَى أَهْلِهِ، وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ, ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا، حَتَّى جاءه الْحَقُّ، وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ، فَجَاءَهُ الْمَلَكُ، فَقَالَ: اقْرَأْ، قَالَ: قلت: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، قَالَ: فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرَأْ، قَالَ: قُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، قَالَ: فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: -اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ-))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح]
هذا موقف السيدة خديجة بنت خويلد عندما علمت بأمر النبي :
أيها الأخوة، بعد أن جاء النبي عليه الصلاة والسلام الوحي وعاد إلى بيته، أخبر السيدة خديجة، التي كانت سكناً له، انتبه سيد الخلق، سيد ولد آدم، يأتيه الوحي, فيخبر زوجته ما جرى له، أناس كثيرون يرون نساءهم لا شيء، يخبر زوجته بأخطر حدث مر به، فينبغي أن تكون الزوجة محل خبرك، وأن تكون رفيقة في الطريق إلى الله عز وجل، أليس كذلك؟ أخبرها بما جرى.
الشيء الذي لا يصدق: أن هذه المرأة البطلة, يوم دخل النبي مكة فاتحاً, دعته بيوت مكة أن يبيت عندها، فقال: انصبوا لي خيمة عند قبر خديجة، وركز لواء النصر أمام قبرها, ليشعر العالم كله أن هذه المرأة التي في البيت لها نصيب من هذا النصر، لأنها كانت مثال المرأة التي أعانته على دعوته، وتنازلت عن حظوظها من أجل دعوته .
هذه المرأة، لم يأتِ الوحي بعد، ما جاء من الوحي إلا
﴿اِقْرَأْ﴾
قالت له السيدة خديجة: كَلَّا، أَبْشِرْ، فَوَ اللَّهِ لَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا، وَاللَّهِ إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ .
من أين جاءت بهذه القاعدة؟ لم يتنزل من الوحي إلا: ﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾
من أين جاءت بهذه القاعدة؟ هذه الفطرة . بشرى لك أيها الشاب الطائع لربك:
أقول لكم أيها الأخوة: شاب مستقيم, صادق، أمين، عفيف، يغض بصره عن محارم الله، لا يكذب، يعين على نوائب الدهر، يجب أن تعلموا علم اليقين: أن الله عز وجل لا يخزي هذا الشاب أبداً، فقير، غني، عنده بيت، ليس عنده بيت، ميسر له عمل، من دون عمل، ما دام إنساناً مستقيماً، صادقاً, أميناً، عفيفاً، يرجو رحمة الله عز وجل، لزوال الكون أهون على الله من أن يخيب ظن هذا الشاب، هذه قاعدة.
تقول هذه السيدة خديجة: كَلَّا، أَبْشِرْ، فَوَ اللَّهِ لَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا، وَاللَّهِ إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ .
ينبغي أن تطمئنوا أن الله سبحانه وتعالى يقول:
﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾
[سورة الجاثية الآية: 21]
مستحيل، وألف ألْف ألف مستحيل أن تطيعه وتخسر، ومستحيل، وألف ألف أَلف مستحيل أن تعصيه وتربح، ومستحيل أن يعامَل شاب مستقيم, عفيف, طاهر, صادق, أمين, كما يعامَل فاسق, عاص, غارق في لذاته وشهواته.
موقف فيه تقليد :
من أين جاءت السيدة خديجة بهذه الحقائق؟ من فطرتها، أنا هذا العبد الفقير تقليداً لهذا الموقف، إن رأيت شابًا مستقيمًا، يخشى الله، يحب الله، يسعى لخدمة الخلق, أقول له: أبشر، وليس عندي أي دليل على أن الله سيكرمه إلا حسن ظن بالله عز وجل، فقط أبشر، لن يضيعك الله عز وجل ما دمت مستقيماً على أمر الله، لن يضيعك الله عز وجل ما دمت خائفاً منه، لن يضيعك الله عز وجل ما دمت محسناً لخلقه، لن يضيعك الله عز وجل ما دمت موحداً له .
قف عند هذه الكلمة :
هذه كلمة ينبغي أن نقف عندها كثيراً،
((كَلَّا، أَبْشِرْ، فَوَ اللَّهِ لَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا، وَاللَّهِ إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ))







.والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-01-2018, 06:06 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية من مفهوم القران والسنة

الدرس : ( الثانى )

الموضوع : مفهوم الايمان (2)







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين . الصحابة كلهم عدول وعنهم نأخذ :
أيها الأخوة المؤمنون, مع الدرس الثاني من دروس العقيدة، وكان محور الدرس الأول: مفهوم الإيمان, ولا زلنا في هذا الموضوع إن شاء الله تعالى .
أيها الأخوة الكرام, الصحابة الكرام أخذوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, وكانوا جميعاً عدولاً فيما نقلوا عن النبي صلى الله عليه وسلم، لذلك يعد عصر النبي صلى الله عليه وسلم والعصر الذي تلاه عصر التابعين، والعصر الذي تلا عصر التابعين هي العصور الثلاثة التي تعد عصوراً زاهية في تاريخ المسلمين، لذلك هذه القرون الثلاثة كما قال عليه الصلاة والسلام:
((خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم))
هؤلاء فهموا القرآن الكريم, وفهموا توجيهات النبي عليه أتم الصلاة والتسليم الفهم الصحيح، ولا يعقل أن يأتي أناس في آخر الزمان فيفهمون عكس فهمهم، فلذلك نحن فيما نختلف فيه أحياناً: نعود إلى فهم الصحابة الكرام لما جاء في القرآن الكريم، ونعود إلى فهم الصحابة الكرام لما جاء من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم . من مواقف الإيمان :
1-اتباع النبي :
أيها الأخوة الكرام, الموقف الأول من مواقف الإيمان: اتباع النبي عليه أتم الصلاة والتسليم، بدليل أن الله سبحانه وتعالى يقول:
﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾
[سورة آل عمران الآية: 31]
والصحابي الأول الذي قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم: ((ما طلعت شمس بعد نبي أفضل من أبي بكر))
هذا قال: إنما أنا متبع ولست بمبتدع .
بل إن الله سبحانه وتعالى أمر النبي عليه الصلاة والسلام أن يقول: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾
[سورة الأنعام الآية: 50]
وأمره أن يقول: ﴿وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾
[سورة الأنعام الآية: 50]
وأمره أن يقول: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾
[سورة الزمر الآية: 13]
وأمره أن يقول: ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً﴾
[سورة الجن الآية: 21]
وأمره أن يقول: ﴿لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلَا نَفْعاً﴾
[سورة يونس الآية: 49]
فكلما عظم المنهج صغر الشخص، وكلما كبر الشخص صغر المنهج، فنحن معنا منهج من الله عز وجل؛ هو الكتاب والسنة، فأعظم إنسان في حياة المسلمين . ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾
أمرنا أن نتبعه، إذاً: اتباع النبي صلى الله عليه وسلم هو الإيمان، الإيمان أن تتبع النبي العدنان . 2- اتباع الصحابة الذين فهموا عن النبي بأعلى فهم وكانوا عدولاً في النقل عن رسولهم
مرحلة ثانية: علينا أن نتبع أصحابه الكرام الذين فهموا عنه أعلى فهم, وكانوا عدولاً في النقل عن رسولهم, وعن رسولنا صلى الله عليه وسلم، فقال تعالى:
﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾
[سورة النساء الآية: 115]
يجب أن تعتقد :
ما أجمعت عليه الأمة أحد مصادر التشريع، لقول النبي عليه الصلاة والسلام:
((لا تجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلاَلَةٍ))
لذلك يعد من العقيدة الإسلامية أن نعتقد أن النبي صلى الله عليه وسلم معصوم بمفرده، لأن الله عصمه، ولأن الله أمرنا أن نأخذ عنه، فكيف نأخذ عن غير المعصوم؟ مستحيل، عصمه وأمرنا أن نأخذ عنه، فهو لا يخطئ لا في أقواله، ولا في أفعاله، ولا في إقراره، ولا في مواقفه، ولا في صفاته، معصوم نأخذ عنه ما أمرنا, وننتهي عما عنه نهانا. دقق هنا :
يقول الله عز وجل:
﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾
[سورة النور الآية: 54]
الآن دقق: لمَ لم يقل: قل أطيعوا الله ورسوله؟ فرق كبير بين أطيعوا الله ورسوله وبين: ((قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول))
يعني النبي عليه الصلاة والسلام يطاع استقلالاً من دون أن تربط أنره بآية، يطاع استقلالاً، لأن الله سبحانه وتعالى جعل كليات الدين في القرآن, وأوكل إلى النبي عليه الصلاة والسلام تفاصيل الدين، فهو مشرع، الشرع يستقى من كتاب الله, ويستقى من حديث رسول الله الصحيح . الحق لا يتعدد :
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3334/01.jpg
ثم يقول الله عز وجل:
﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾
[سورة الأنعام الآية: 153]
الحق واحد لا يتعدد، أبداً، أما الباطل متعدد، لذلك أتت كلمة الصراط مفردة, وأتت كلمة السبل المنحرفة جمعاً . ﴿وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾
[سورة المائدة الآية: 16]
جمع: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾
الحق لا يتعدد, فإذا توهمت أن الحق متعدد, فالحق واحد, وما سواه باطل، لكن توهمت أن الثاني هو حق, الحق لا يتعدد، وينهانا الله عز وجل أن نختلف . أنواع الاختلاف :
قال:
﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾
[سورة آل عمران الآية: 105]
أخواننا الكرام, عندنا اختلاف طبيعي حينما تقل المعلومات، اختلاف نقص المعلومات، وهذا اختلاف طبيعي، لا محمود ولا مذموم وصاحبه معذور، لكن هناك اختلاف قذر، بعد أن تأتي الحقائق، وبعد أن تتوضح معالم هذا الدين, من يختلف؟ فهو في نفسه مرض, قال تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾
[سورة الشورى الآية: 14]
كتابنا واحد، ونبينا واحد، وإلهنا واحد، والجنة حق، والنار حق، والآخرة حق، ونختلف؟ هذا اختلاف مصالح, واختلاف أهواء, واختلاف حظوظ، وهذا الاختلاف يعد من أكبر المعاصي:
﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾
﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾
[سورة الأنعام الآية: 159]
لذلك: أي إنسان يحاول أن يشق صفوف المسلمين، وأن يقيم الفرقة بينهم، مهما ادعى لهذا الشق وتلك التفرقة من أهداف براقة:
﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾
من علامة الإخلاص :
أيها الأخوة, علامة إخلاصك: أنك تنتمي إلى مجموع المؤمنين، وعلامة ضعف إخلاصك: أنك تنتمي إلى فقاعة صغيرة، لا شك أن للأخ الكريم مسجد، شيء طبيعي، لكن انتماءه لمجموع المؤمنين، لا شك أن لكل واحد منا أم يحبها ويقدسها, لكن لا يستطيع أن يبخس أمهات الآخرين، يعني نحن تماماً كمدارس منهجها واحد، وكتابها واحد، والمدرسون في هذه المدارس لهم أساليب متنوعة في نقل هذه المعرفة للطلاب .
من مفاهيم الإيمان :
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3334/02.jpg
أبرز ما في الإيمان الاتباع، في حقل الإيمان ما في تفرد، ولا في شذوذ, ولا في آراء شخصية، لأن الدين من عند الله، لأنه توقيفي، والإله كامل في وحيه، وكامل في تكليف النبي أن يشرح هذا القرآن الكريم، فلذلك: الدين لا يحتمل خطأ أبداً :
﴿اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً﴾
[سورة المائدة الآية: 3]
الدين لا يحتمل خطأ، فإما أن نعتقد جازمين, وهذا من لوازم الإيمان: أن القرآن كله حق، وأن حديث رسول الله الصحيح حق، وأن هذين المصدرين معصومان من الخطأ, هذا هو الإيمان، أنا في موضوع مفاهيم الإيمان .
أول مفاهيم الإيمان: الاعتقاد بعصمة مصدري هذا الدين؛ الكتاب والسنة الصحيحة، وثاني حقيقة من لوازم الإيمان: اتباع الكتاب والسنة . ما المقصود: (فعليكم بسنتي في هذا الحديث)؟ :
ففي صحيح الترمذي عن العرباض بن سارية قال:
((وَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً, ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ, وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، فقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ الله! كَأَنّ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدّعٍ, فَمَاذَا تَعْهَدُ إلَيْنَا؟ فقَالَ: أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى الله, وَالسّمْعِ, وَالطّاعَةِ, وَإِنْ عَبْداً حَبَشِيّا, فَإِنّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي, فَسَيَرَى اخْتِلاَفاً كَثِيراً، فَعَلَيْكُم بِسُنّتِي -ومعنى سنتي: يعني أقوال النبي وأفعاله وإقراره وصفاته-, وَسُنّةِ الْخُلَفَاء الرّاشِدِينَ المَهْدِيّينَ تَمَسّكُوا بِهَا، وَعَضّوا عَلَيْهَا بِالنّوَاجذ, وَإِيّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأمُورِ، فَإِنّ كُلّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكلّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَة))
ما معنى هذا القول لابن مسعود؟ :
قال ابن مسعود: من كان مستناً فليستن بمن قد مات, فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة.
يعني الصحابي الذي مات, وقد رضي عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم, هذا مأمون من أن نفتن بأقواله، أما الحي قد يخطئ، وقد يجتهد، وترون وتسمعون كم من كتاب صدر, وفيه من الضلالات ما لا تعد ولا تحصى، فالأحياء يفتنون، أو يتوهمون، أو تأتيهم ضغوط، أو تأتيهم إغراءات، فكأن هذا الصحابي الجليل أدرك أن الشيء الذي مات عليه النبي هو السنة، أما المفتوح لغير المعصوم مظنة خطأ، مفتوح لغير معصوم .
اعرف قدر أجدادك :
أيها الأخوة, أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا أفضل هذه الأمة، أبرها قلوباً, وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه .
((إن الله اختارني واختار لي أصحابا))
[أخرجه الطبراني في المعجم الكبير]
أولئك قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم في آثارهم، وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم ودينهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم.
((إذا ذكر أصحابي فأمسكوا))
مما يقتضيه الإيمان: أن تكف لسانك عن أن تخوض فيما يتناقله الناس، أو فيما يتوهمه الإنسان من أخطاء بعض الصحابة . لا اجتهاد في مورد النص :
وقال عمر: السنة ما سنه الله ورسوله، ولا تجعلوا خطأ الرأي سنة للأمة .
السنة ما سنه الله ورسوله، أنت لاحظ هناك مشكلات كثيرة جداً, يعاني منها المسلمون، الصحابة الكرام هذه الموضوعات ما طرقوها أبداً، ولنضرب على ذلك مثل: خلق القرآن، هل بحث أصحاب النبي عليهم رضوان الله بموضوع خلق القرآن؟ كم كانت فتنة عمياء في العصور العباسية حينما جاء من يقول: إن القرآن مخلوق؟ هذا الموضوع بأكمله ما بحثه أصحاب رسول الله إطلاقاً .
وقال بعض الصحابة: لم يكن أحد أهيب لما لا يعلم من أبي بكر، ولم يكن بعد أبي بكر أهيب لما لا يعلم من عمر، وإن أبا بكر نزلت به قضية فلم يجد في كتاب الله منها أصلاً، ولا في السنة أثراً, فاجتهد برأيه, ثم قال: هذا رأيي فإن يكن صواباً فمن الله، وإن يكن خطأ فمني واستغفر الله .
الإمام أحمد بن حنبل, جاءه وفد من المغرب, ومعه 33 سؤالاً، أجاب عن 17 سئل والباقي؟ قال: لا أعلم، قال: الإمام أحمد بن حنبل لا يعلم؟ قال: قولوا لهم: الإمام أحمد بن حنبل لا يعلم .
كلما كنت أكثر إيماناً, وأكثر ورعاً, تتهيب أن تقحم نفسك في موضوع لم تحط به علماً، لا تملك له دليلاً، فكلمة لا أدري وسام شرف لطالب العلم، وهذا الذي يتوهم أنه يعلم كل شيء لا يعلم شيئاً .
ما لوازم الإيمان؟ :
1- الاتباع :
من لوازم الإيمان الاتباع، اتباع من؟ اتباع المعصوم فيما أمر, والانتهاء عما عنه نهى وزجر، ثم اتباع أصحابه الذين شهد لهم بالفضل.
((فَعَلَيْكُم بِسُنّتِي, وَسُنّةِ الْخُلَفَاء الرّاشِدِينَ المَهْدِيّينَ تَمَسّكُوا بِهَا، وَعَضّوا عَلَيْهَا بِالنّوَاجذ))
[أخرجه أبو داود والترمذي في سننهما]
ومن نواقض الإيمان: الاختلاف . من مفاهيم الإيمان أيضاً :
الشيء الذي ينبغي أن يذكر في موضوع مفهوم الإيمان: أن الدين واحد، الدين لا يتعدد أبداً، الدين أن تخضع لله، الدين أن تطيع الله، الدين أن تصدق بوحي الله، الدين أن تكون محسناً، فالدين لا يتغير أبداً، لكن الشرائع تتغير، فالشريعة التي جاء بها موسى غير الشريعة التي جاء بها عيسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، وغير الشريعة التي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم، الشرائع متعلقة بالتطور، ومتعلقة بتعقب الحياة الاجتماعية، الدين واحد, والشرائع متبدلة :
﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾
[سورة آل عمران الآية: 19]
بالمعنى الواسع: أن تستسلم لله عز وجل، أن تخضع له، أن تطيعه، أن تحبه: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾
﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾
من خصائص الإيمان :
أيها الأخوة, هذا الإيمان الذي محور هذا الدين العظيم له خصائص، من خصائصه: أنك إذا كنت مخلصاً, وهديت إلى الحق بتوفيق الله عز وجل, تشعر أن الحق لا يتعدد, ولا يمكن أن يتعدد الحق :
﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾
[سورة آل عمران الآية: 85]
لكن: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً﴾
[سورة المائدة الآية: 48]
الشرعة والمنهج تتغير بتغير الأزمان، من نبي إلى آخر، بينما الدين هو عند الله الإسلام، يضاف إلى ذلك: أنه ما من نبي في القرآن الكريم إلا وصف بأنه مسلم، بمفهوم الإسلام الواسع، الاستسلام لله عز وجل, والأنبياء أخوة؛ أمهات شتى ودينهم واحد، كما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه .
2- الابتعاد عن الغلو والتقصير :
من لوازم الإيمان: أن يبتعد عن الغلو وعن التقصير :
﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾
[سورة النساء الآية: 171]
أن يبتعد عن الغلو وعن التقصير، الغلو في الدين؛ يعني أن تأخذ فرعاً من فروع الدين وتجعله أصلاً، أو أن تأخذ قضية جزئية وتجعلها قضية كبرى، أو أن تأخذ فصلاً وتجعله كتاباً، هذا هو الغلو، والغلو في الدين سبب تفرقة المسلمين، يعني كل إنسان يعتز بما عنده من الدين، ويزدري الفروع الأخرى، ويرى أن الدين كله هو اختصاصه, فهذه مشكلة كبيرة، هذه توقع الأمة في أزمات، وتوقع في مشادات، وفي خصومات, وتفتت شمل الأمة، وتضعف قوتها, وتذهب بريحها، فلا نغلو ولا نقصر . إليكم هذه الأمثلة التي تشير إلى قضية الغلو في الدين :
مضطر أن أضرب هذا المثل، خطيب في هذه البلدة, صعد المنبر, وقال: من يصرف مئة ليرة فقد أكل الربا، كيف؟ لأن النبي قال:
((يدا بيد وسواء بسواء))
فهذه المئة ليرة قطعة واحدة، استبدلها بأربع قطع, هذا غلو في الدين, ما أنزل الله به من سلطان، وصار هناك مشادة في هذا المسجد، يعني أوقعت الناس جميعاً في الربا، هذا غلو، وهناك أمثلة كثيرة جداً، يعني الإنسان حينما يغالي, و يريد أن يزدري دون أن يشعر، لا تبالغ، لا تغال, إن هذا الدين يسر, إن الله رفع عن هذه الأمة الحرج، إن الله رفع عن أمة سيدنا محمد الحرج، فحينما تأخذ الأمور بتشدد لا يحتمل، وبقسوة لا تقبل، وبفهم ضيق جداً.
يعني مثلاً النبي قال: البنت إذنها صمتها، إذا جاءك خاطب, وعرضته على ابنتك, فسكتت، فإذنها صمتها، في بعض المذاهب التي فيها غلو، لو أنها قالت: يا أبتِ أنا أوافق على الزواج من هذا الشاب، شاب جيد فيما أعلم، العقد باطل، لأنها تكلمت، أبلغ من السكوت كلامها، قبل منها السكوت فقط, فإن تكلمت فكلامها أبلغ . من الغلو :
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3334/03.jpg
فتوى طُلِب مني البارحة أن أجيب عنها، أنه أنشئ صندوق عافية في محافظة, هذا عمل طيب، لكن في علماء قال: لا يجوز، لأن المريض لم يُملك المال، والله شيء عجيب، طيب: الإسلام ألا يجيز أن يوكل الإنسان إنساناً لدفع زكاة ماله؟ يجوز، فلو وكل صندوق العافية بإنفاق زكاة المسلمين، ثم إن الصندوق وكّل المريض بأن يعطي الأجرة للمستشفى، انتهت العملية .
أيام تشعر أن قضية الغلو في الدين عقبة أمام قبول الدين، هؤلاء المتشددون بلا مبرر، المتشددون بلا نص، أو بلا فهم مرن للنص، هؤلاء عبء على الأمة.
يعني: أحياناً خمسة أشخاص يجتمعون, يدفع كل إنسان ألف ليرة بالشهر, يعطون أول شهر لفلان خمسة آلاف, عنده مشكلة يحلها، قال: هذه حرام، والله لا أشعر أن هذه فيها حرمة إطلاقاً، لا فيها زيادة, ولا فيها ربا، ولا فيها حظ، عبارة عن تعاون، فالأشياء المألوفة جداً التي ليس فيها شبهة إطلاقاً، ولا تخالف أي نص فقهي، حينما نحرمها نكون قد غلونا :
﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾
[سورة المائدة الآية: 77]
موقع خطر :
يوجد غلو أخطر بكثير والعياذ بالله، الزكاة فقط على الذهب والفضة, لأن النص هكذا، والذي عنده عشرون مليون دولار، ما في عليه زكاة، لأن هذا ورق، ألغيت الزكاة بهذه الطريقة، يعني هناك فهم -والعياذ بالله- لا يقبل إطلاقاً، فلذلك: الإيمان بين الغلو وبين التقصير، التساهل، عدم التدقيق، عدم الورع، عدم التطبيق.
﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالاً طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾
[سورة المائدة الآية: 87-88]
موضوع الغلو والتقصير في السنة :
على موضوع الغلو والتقصير, في الصحيحين: عن عائشة رضي الله عنها, أن أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, سألوا أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عبادته في السر .
((جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا, فَقَالُوا: فأَيْنَ نَحْنُ مِنْ رسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, وقَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ؟ قَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا, وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلَا أُفْطِرُ, وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ ولَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا, فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ, فَقَالَ: أَنْتُمْ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا, أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ, لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ, وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ, وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ, فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنّي))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, والنسائي في سننه]
﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾
لا تغلوا ولا تقصروا، طبعاً هناك أمثلة كثيرة جداً على الغلو في الدين، لكن أبرز ما في هذه الأمثلة: أن تأخذ فرعاً صغيراً من فروع الدين, وتجعله أصلاً من أصوله، وتقاتل من أجله . من خصائص هذا الدين :
من خصائص هذا الدين العظيم: أن هذا الإيمان ينبغي أن يبتعد عن التشبيه والتعطيل, فالله سبحانه وتعالى قال:
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾
[سورة الشورى الآية: 11]
كل ما خطر ببالك فالله بخلاف ذلك، وبالمناسبة: قال: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾
إذا أثبت الله لذاته العلية السمع والبصر, أنت لا ينبغي أن تنفي عن الله السمع والبصر، لا تعطل ولا تشبه، لذلك: في بالقرآن الكريم بعض الآيات القليلة التي تتحدث عن ذات الله عز وجل، نحن بين أن نفوض إلى الله معناه، أربع خمس آيات، ليس غير، بين أن نفوض لله معناها، يعني لها معنى يليق بكمال الله، أو أن نؤوّلها تأويلاً يليق بتأويل كماله أيضاً ، لكن ممنوع أن نشبه الذات العلية بشيء أخر، وممنوع أن نعطل صفة أثبتها الله لذاته، لذلك نحن فيما يتعلق بالذات الإلهية: لا نستطيع أن نضيف على القرآن, ولا على السنة شيئاً، نكتفي بما وصف الله ذاته العلية, وبما وصفه النبي، أما أن نخترع صفات ما أنزل الله بها من سلطان, هذا يتناقض مع مفهوم الإيمان . هذه الخطوط العريضة لخصائص الإيمان :
أنا أعطيكم الخطوط العريضة لخصائص الإيمان، الدين واحد, والشرائع متعددة, الآن: الغلو منهي عنه، والتقصير منهي عنه، تعطيل صفات أثبتها الله لذاته منهي عنها, وتشبيه الذات الإلهية.
يعني مرة واحد قال: إذا كان ثلث الليل الأخير, نزل ربكم إلى السماء الدنيا كما أنزل أنا، هذا شيء والعياذ بالله، لا تشبه ولا تعطل، وابتعد عن أن تشبه، أو عن أن تعطل، واكتف بما وصف الله صفاته العلية، والأكمل أن تفوض لله معنى هذه الآيات التي لا تزيد عن أصابع اليد المتعلقة بالذات الإلهية، العقل البشري لا يستطيع أن يحيط بالله عز وجل، يصل إليه ولا يحيط به .
3- أن لا تعتقد بالجبر :
الآن من لوازم الإيمان، ومفهومات الإيمان: ألا تعتقد أن الله أجبرك على أعمالك إطلاقاً، إذا اعتقدت بالجبر فعقيدتك فاسدة، لأنك إذا اعتقدت بالجبر, ألغيت الجنة, والنار, والثواب, والعقاب، ما ذنب هذا الذي أجبر على معصية في الدنيا أن يستحق جهنم؟ ما له ذنب ، فالذي يعتقد أن الله أجبر عباده على فعل المعاصي, من يعتقد هذا فهو فاسد العقيدة, الله عز وجل يقول:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾
[سورة الأعراف الآية: 28]
﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾
[سورة الكهف الآية: 29]
﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾
[سورة الإنسان الآية: 3]
﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾
[سورة البقرة الآية: 148]
﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾
[سورة الأنعام الآية: 148]
يعتقد المؤمن الصادق أن أفعاله مبعثها من اختياره، وأن فعلها من الله عز وجل, الفعل فعل الله، والباعث من اختيارك أنت، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾
[سورة البقرة الآية: 286]
الفعل فعل الله، والاختيار اختيار الإنسان، وأنت محاسب على اختيارك، لأنك لو اخترت الحق, والطريق الصحيح, لأعانك الله عليه, وهذا من قوله تعالى:
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾
[سورة الفاتحة الآية: 5]
أما إذا أصررت على عمل سيء, لأنك مخير, فإذا أصررت عليه, يمكنك الله منه من دون أن يكون على حساب أحد إطلاقاً .

الإيمان بين الترغيب والترهيب :
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3334/04.jpg
المفهوم الصحيح للإيمان بين الأمن وبين اليأس, يعني أن تعبد الله رغباً ورهباً، أن ترجو رحمته، وأن تخشى عذابه، أي يكون في قلبك محبة وخوف وتعظيم، الإنسان لا يتحرك بالخوف فقط، كما أنه لا ينبغي أن يفهم الدين على أن الله سبحانه وتعالى لن يعذب أحداً، هؤلاء موجودون، يعني حسن ظن بالله غير صحيح, يعني نهى الله عنه، إنسان غرق بالمعاصي، يعني إنسان تارك الصلاة كلياً، ماله كله حرام، شارب خمر، يموت، تراه ابنته بالمنام وجهه يتألق نور، هذا كلام غير صحيح, أن تكون ساذجاً فتفهم أن الله لن يعذب أحداً، مع أن الله عز وجل يقول:
﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾
[سورة الحجر الآية: 92-93]
وبين أن تيأس من رحمة الله . ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ﴾
[سورة الزمر الآية: 53]
أن تعبده راجياً، وأن تعبده خائفاً، أن تعبده راغباً, وأن تعبده راهباً، رغباً ورهباً، راجياً وخائفاً، أن تذكر رحمته, وأن تذكر عذابه .
يا رب, أي عبادك أحب إليك حتى أحبه بحبك؟ قال: أحب عبادي إلي؛ تقي القلب, نقي اليدين, لا يمشي إلى أحد بسوء، أحبني وأحب من أجبني، وحببني إلى خلقي، قال: يا ربي, إنك تعلم أنني أحبك, وأحب من يحبك, فكيف أحببك إلى خلقك؟ قال: ذكرهم بآلائي, ونعمائي, وبلائي، ذكرهم بآلائي كي يعظموني, وذكرهم بنعمائي كي يحبوني، وذكرهم ببلائي كي يخافوني.
أي لا بد من أن يجتمع في قلب المؤمن محبة وخوف وتعظيم، هكذا الإيمان، خوف ورجاء، أمل وخشية، طمع برحمة الله, وخوف من عقابه، وهذا كلام للدعاة، لا تجعل الخطبة كلها جهنم والنار والثعابين، طول بالك، وكل الحياة جنة، والله غفور رحيم، وافعل ما بدا لك، وشفاعتي لأهل الكبائر من أمتي أيضاً غلط، ينبغي أن توازن بين تخويف الناس بالنصوص والأدلة، وبين تطمينهم بالنصوص والأدلة، وكأن الخطيين ينبغي أن يتلازما في الدعوة إلى الله عز وجل؛ بين الأمن واليأس, بين الجبر وعدم الجبر, بين التشبيه والتعطيل, بين الغلو والتقصير, والدين واحد, والشرائع مختلفة .
نهاية المطاف :
أيها الأخوة, إن شاء الله مفهومات الإيمان دقيقة جداً, وسوف نأتي على موضوعات دقيقة جداً من موضوعات العقيدة، وأنا أقول وأكرر: أن أخطر شيء في هذا الدين هو العقيدة؛ إن صحت صح العمل، وما من انحراف في سلوك المسلم إلا بسبب ضعف في عقيدته, أو خطأ في عقيدته, فلو صحت العقيدة صح العمل، والعقيدة ميزان، والخطأ في الميزان لا يصحح، بينما الخطأ في السلوك يصحح، وزن الخطأ في الميزان لا يصحح, بينما الخطأ في الوزن لا يتكرر، فأفضل ألف مرة أن يكون الخطأ في السلوك, من أن يكون الخطأ في العقيدة.
أرجو الله سبحانه وتعالى أن نتابع هذه الدروس في دروس قادمة .








والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-01-2018, 06:09 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية من مفهوم القران والسنة

الدرس : ( الثالث )

الموضوع : مقتضيات الايمان






الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا, إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
من مقتضيات الإيمان :
أيها الأخوة المؤمنون, مع الدرس الثالث من دروس العقيدة الإسلامية، الموضوع اليوم مقتضيات الإيمان، إذا كان إيمان المؤمن صحيحاً, فلهذا الإيمان مقتضيات, لا بد من أن تلازم الإيمان، فإذا ادعى أنه مؤمن، ولم يكن مطبقاً لمقتضيات الإيمان، فإيمانه ادعاء لا قيمة له إطلاقاً .
أيها الأخوة, من مقتضيات الإيمان: التصديق بكل ما جاء من عند الله، ولكن لهذا المقتضى شرح بسيط، أنت حينما نظرت في الكون, فوجدت أن في الكون حكمة، وعلماً، ورحمةً، وخبرةً، وقدرةً، وغنى، وأن هذا الكون لا بد له من خالق عظيم، وأن هذا الخالق العظيم أنزل على رسله الكتب, هذه الكتب من خالق الكون، فالذي خلق الأكوان هو الذي أنزل القرآن :
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾
[سورة الأنعام الآية: 1]
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾
[سورة الكهف الآية: 1]
أنت متى تصدق بكل ما جاء في القرآن؟ بأنك آمنت بخالق الأكوان، وآمنت بأن هذا القرآن كلامه، فمن البديهي أن تصدق الله بكل ما يقول .
نقطة هامة :
أيها الأخوة, أن تأتي لإنسان لا يؤمن بعد بالله, ولا صدق بكل ما جاء بالقرآن, فهذا أسلوب في الدعوة غير صحيح، أنت حينما تدعوه بالإيمان بالله من خلال الكون، وحينما يؤمن إيماناً كما أراده الله عز وجل، ومن لوازم إيمانه: أن الله لم يدع خلقه بلا كتاب ومنهج ينبئهم, لماذا خلقهم؟ وماذا يريد منهم؟.
الآن: بعد أن تؤمن بالله موجوداً وواحداً وكاملاً، خالقاً مربياً ومسيراً، أسماؤه حسنى, وصفاته عُليا، بعد أن تؤمن, وأنه أرسل رسولاً، وأنزل كتباً، وأن الكتاب الذي بين يديك هو القرآن الكريم، دليله أنه كلام الله إعجازه، ودليل أن الذي جاء به رسول الله هو القرآن نفسه، لأنه معجز .
الآن: أي شيء تقرأه في القرآن الكريم, ينبغي أن تصدقه، وأي شيء يبينه لك النبي عليه أتم الصلاة والتسليم, ينبغي أن تصدقه، فالتصديق مرحلة تسبقها مراحل، رأيت عظمة الكون، وانتقلت منها إلى عظمة خالقها، ورأيت إعجاز القرآن، وانتقلت منه إلى الذي جاء به, الآن تصدق ما قاله الله في كتابه، وتصدق ما جاء به النبي في سنته .
إذاً: التصديق بكل ما جاء به القرآن الكريم، وبكل ما جاءت به السنة الصحيحة مرحلة لاحقة لمراحل عدة ينبغي أن تكون قبلها .
إن لم تكن مع أهل الحق فأنت مع أهل الباطل :
أيها الأخوة, الحقيقة: أن الأرض فيها حق وباطل، سوف نسمي هذين الشيئين المتقابلين، أو المتعاكسين الإثنينية، فيها حق وباطل، فيها خير وشر، فيها طاعة ومعصية، فيها إيمان وكفر، فالحقيقة الدقيقة: أنه إن لم تكن مع أهل الحق, فأنت مع أهل الباطل قطعاً، إن لم تستجب لله, فاعلم أنك تتبع هواك :
﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾
[سورة القصص الآية: 50]
يعني إن لم تكن هنا على هذا الخط الأول, فأنت على الخط الثاني قطعاً، لأنه ماذا بعد الحق إلا الضلال؟ طريق واحد لا ثاني له، وعن يمينه وادٍ سحيق، وعن يساره وادٍ سحيق، فإن لم تكن أنت على الطريق أنت أين؟ في أحد الواديين قطعاً، ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾
ماذا بعد الحق إلا الضلال؟ : ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآَيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾
[سورة الجاثية الآية: 6]
ليس هناك خيارات، هناك خياران فقط؛ إن لم تكن على الحق فأنت متبع للهوى، إن لم تكن مع أهل الحق فأنت مع أهل الباطل، إن لم تتبع القرآن الكريم أنت تتبع الهوى . قف هنا :
﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ * أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾
[سورة التين الآية: 7-8]
يقول الله تعالى في الحديث القدسي:
((شتمني ابن آدم وما ينبغي له أن يشتمني, وكذبني وما ينبغي له أن يكذبني، أما شتمه إياي فقوله: إن لي ولد, وأنا الله الأحد الصمد, لم ألد ولم أولد, ولم يكن لي كفواً أحد، وأما تكذبه إياي, وقوله: ليس يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته))
من لوازم الإيمان :
1-التصديق بما جاء في القرآن وما جاء في السنة الصحيحة
تصديقك بما جاء في القرآن من لوازم الإيمان، تصديقك بما جاء في القرآن, وما جاء في السنة الصحيحة, من لوازم الإيمان, ومقتضيات الإيمان، لذلك:
﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾
[سورة الشعراء الآية: 88-89]
القلب السليم: هو القلب الذي سلم من تصديق خبر يتناقض مع وحي الله، قد تظن القضية سهلة، لستَ مقتنعا بشيء جاء به القرآن، هذا كفر، لستَ مقتنعا بتوجيه نبوي بحديث صحيح، هذا كفر، إن لم تعتقد يقيناً أن الذي جاء به القرآن حق مطلق، وأن الذي جاء به النبي عليه الصلاة والسلام فيما صح عنه حق مطلق، ففي الإيمان خلل، وهذا نوع من الكفر، ولكنه كفرٌ دون كفرٍ، أحيانا إنسان دون أن يشعر يقول لك: أنا لستُ مقتنعا بهذا الشيء، هذا الشيء فيه آية، هذا الشيء فيه حديث صحيح، إذا قال لك: لستُ مقتنعا بهذا الشيء، ومغطى بآية، لستُ مقتنعا بهذا الشيء، ومغطى بحديث, فهذا نوع من الكفر .
لكن كما قلت قبل قليل: لا بد من أن تؤمن بالله أولاً من خلال الثابت الأكبر وهو الكون، الكون مظهر لأسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى، الكون تجسيد لأسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى، فإذا آمنت بالله من خلال الكون، ثم آمنت بأن هذا القرآن كلامه من خلال إعجازه، ثم آمنت بأن الذي جاء بهذا القرآن المعجز هو رسوله, الآن ينبغي أن يصدق بكل ما جاء به القرآن، وبكل ما جاء به النبي العدنان، هذا اللازم الأول من لوازم الإيمان . 2- طاعة الله وطاعة رسوله :
المقتضى الثاني من مقتضيات الإيمان ومن لوازم الإيمان: طاعة الله عز وجل وطاعة رسوله، من أعجب العجب أن تعرفه ثم لا تحبه، ومن أعجب العجب أن تجبه ثم لا تطيعه .
تعصي الإله وأن تظهر حب ه ذاك لعمري في المقال شنيع
لـو كان حبك صادقاً لأطعت ه إن المحب لمن يحب يطيـع
لذلك: لا يعد عابداً لله من أطاعه ولم يحبه، ولا يعد عابداً لله من أحبه, ولم يطعه طاعة طوعية ممزوجة بمحبة قلبية، هذه العبادة.
هذه فطرة الإنسان :
أيها الأخوة، ما منا أحد على وجه الأرض إلا ويطلب السلامة والسعادة, إلا ويتمنى الفوز المطلق، النجاح، التفوق، التوفيق، التمييز، هذه فطرة الإنسان، الإنسان يحب أن يتناهى في الكمال، فيما يتصور طبعاً، لذلك الله عز وجل يقول:
﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً﴾
[سورة النساء الآية: 69]
إليكم هذه الآيات التي تشير إلى دعوة التلازم بين الإيمان والعمل الصالح ونحوه :
الفوز الأكبر أن تطيع الله عز وجل، إيمان بلا طاعة كلام فارغ، في مئتي آية في القرآن الكريم تلازمَ الإيمانُ مع العمل الصالح:
﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾
[ سورة محمد الآية: 12]
﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾
[سورة فصلت الآية: 30]
تلازم الطاعة مع الإيمان، وتلازم العمل الصالح مع الدعوة إلى الله، ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾
[سورة فصلت الآية: 33]
لذلك: الله عز وجل ربط عطاءه بالعمل . ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾
[سورة الإسراء الآية: 19]
﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾
[سورة الكهف الآية: 110]
المسلم حركي، أما الإسلام السكوني، جالس ببيته، لا يتحرك، لا يقدم شيء، لا يؤدي واجباته، يتابع الأخبار، يقيم الناس، فهذا ليس مؤمناً، الإيمان حركة . علام يرمز هذا الحديث؟ :
يقول عليه الصلاة والسلام فيما رواه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى, فقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ من يَأْبَى؟ قَالَ: مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ, وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى))
[أخرجه البخاري في الصحيح]
يعني حينما تعصي الله عز وجل كأنك ترفض دخول الجنة، وحينما تطيع الله عز وجل كأنك تدفع ثمن الجنة .
إذاً: من لوازم الإيمان الطاعة .
اعلم هذا الإيمان :
أنا مضطر أن أقول: هناك إيمان إبليسي، إبليس قال:
﴿ فَبِعِزَّتِكَ﴾
[سورة ص الآية: 81]
آمن بالله رباً، وآمن به عزيزاً، وقال: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾
[سورة الحجر الآية: 36]
آمن باليوم الآخر، وقال: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ﴾
[سورة الأعراف الآية: 12]
آمن به خالقاً، ولكنه إبليس عصى مستكبراً، إذاً: كل إنسان يؤمن ولا يطيع, فإيمانه إبليسي، يؤمن ولا يطيع، من لوازم الإيمان الطاعة، حجمك عند الله بحجم طاعتك له : ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾
[سورة الحجرات الآية: 13]
لا يرفعك عند الله إلا طاعتك له:
سيدنا سعد, كان من أحب الأصحاب إلى النبي عليه الصلاة والسلام، كان إذا دخل عليه داعبه، يقول: هذا خالي، أروني خالاً مثل خالي، ما فدى النبي أحداً في حياته إلا سعد بن أبي وقاص.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ قَالَ:
((سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُول: مَا جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَوَيْهِ لِأَحَدٍ غَيْرِ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ, فَإِنَّهُ جَعَلَ يَقُولُ لَهُ يَوْمَ أُحُدٍ: ارْمِ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي))
قال له عمر مرةً: يا سعد لا يغرنك أنه قد قيل: خال رسول الله، فالخلق كلهم عند الله سواسية، ليس بينه وبينهم قرابة إلا طاعتهم له، لا يرفعك عند الله إلا طاعتك.
أيها الأخوة, أما لو رفعت ألف شعار إسلامي، الآن في مدخل محل التجار: بسم الله الرحمن الرحيم، وبصدر المحل: إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً، بمحل آخر: هو الرازق وأنا عبده، ارفع ألف شعار، وضع الآيات على جدران المحل، وضع المصحف بالسيارة تحت المرآة، معناها أنت مسلم، فإذا أطلقت بصرك في محارم الله, لا تنفعك كل هذه المظاهر، من لوازم الإيمان الطاعة, لذلك: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾
[سورة الأحزاب الآية: 71]
ليس الولي الذي يمشي على وجه الماء، ولا الذي يطير في الهواء، الولي كل الولي الذي تجده عند الحلال والحرام، أن يراك حيث أمرك، وأن يفتقدك حيث نهاك.
3-أداء الفرائض :
من لوازم الإيمان: أداء الفرائض .
فإن القلب الذي عمر بالإيمان, تنطلق منه إشارات, لامتثال الأعمال الصالحة, والاجتهاد لأداء الفرائض، وأما من ادعى الإيمان بقلبه, دون القيام بالفرائض, فقد خدعه الشيطان .
في صحيح البخاري: من حديث النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ, يَقُولُ:
((سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ, وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ, فَمَنْ اتَّقَى الْمُشَبَّهَاتِ, اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ, وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ, كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى, يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ, أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى, أَلَا إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ, أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً, إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ, وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ, أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ))
أداء الفرائض، ما عبد الله في الأرض بأفضل من أداء الفرائض . علام تشير هذه الأحاديث؟ :
روى الطبراني, عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال:
((قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خمس من جاء بهن مع إيمان دخل الجنة))
[أخرجه الطبراني في المعجم الكبير]
((من حافظ على الصلوات الخمس على وضوئهن, وركوعهن, وسجودهن, ومواقيتهن, وصام رمضان، وحج البيت إن استطاع إليه سبيلاً، وأعطى الزكاة طيبة بها نفسه, وأدى الأمانة، قيل: يا نبي الله! وما أداء الأمانة؟ قال: الغسل من الجنابة, إن الله لم يأمن ابن آدم على شيء من دينه غيرها))
[أخرجه الطبراني في المعجم الكبير]
من فعل هذه العبادات الخمس, فقد استوجب دخول الجنة، إذاً: من لوازم الإيمان أداء الفرائض.
((الصلاة عماد الدين, من أقامها فقد أقام الدين, ومن تركها فقد هدم الدين))
((بين الرجل والكفر ترك الصلاة، فمن تركها فقد كفر))
((الصلاة غرة الطاعات، ومعراج المؤمن إلى رب الأرض والسموات))
الصلاة هي الفرض المتكرر الذي لا يسقط بحال . 4-القيام بالواجبات والانتهاء عن المحرمات :
من لوازم الإيمان: القيام بالواجبات والانتهاء عن المحرمات, فلا يتم إيمان عبد إلا بقيامه بما أوجبه الله عليه، وانتهاءه عما حرمه الله عليه، طبقاً لما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام .
الفرائض معروفة: أقام الصلاة، وآتى الزكاة، وصام رمضان، وحج البيت .
الواجبات: كل أمر أمرَ به النبي عليه الصلاة والسلام فهو واجب، لأن الله عز وجل يقول:
﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾
[سورة الحشر الآية: 7]
في الصحيحين: حَدَّثَنَا عَنْ أَبِي أَيُّوبَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ, أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ, فقَالَ القوم: مَا لَهُ, مَا لَهُ؟ فقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَرَبٌ مَا لَهُ, تَعْبُدُ اللَّهَ لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا, وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ, وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ, وَتَصِلُ الرَّحِمَ))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, والنسائي في سننه]
إذاً: النبي الكريم أمر بصلة الرحم فهي واجب، أمر بعيادة المريض هو واجب, أمر بتلبية الدعوة، كل أمر في السنة يقتضي الوجوب، أنت كمؤمن من لوازم إيمانك: ينبغي أن تصدق الله بكل ما جاء به في القرآن، وأن تصدق النبي بكل ما جاء به في السنة, وينبغي بعد التصديق أن تطيع الله بالمعنى الواسع، ثم عليك أن تؤدي الفرائض الكبرى، ثم عليك أن تؤدي الواجبات التي وردت في السنة، أن تأتمر بما أمر، وأن تنتهي عما عنه نهى وزجر .
هذا نموذج من نماذج اللعب بدين الله :
لعن الرسول صلى الله عليه وسلم آكل الربا، وموكله، وشاهده، وكاتبه، والواشمة والمستوشمة، ومانع الصدقة، والمحلِلَ والمحَللَ له، يعني اللعب بدين الله، إذا طلق الإنسان زوجته طلاقاً بائناً بينونةً كبرى, لا تحل له إلا بعد أن تنكح زوجاً غيره زواجاً طبيعياً، ثم يطلقها طلاقاً طبيعياً، أما أن نأتي بتيس لليلة واحدة، سمي التيس المستعار، أن نأتي بتيس لليلة واحدة يقارب هذه الزوجة، ويطلقها صباحاً, لتكون حلالاً لزوجها الأول, هذا لعنه رسول الله, لأنه لعب بدين الله .
العلم حرف, والتكرار ألف، هذا نموذج من نماذج اللعب بدين الله، لو أن إنسان أراد أن يسكن مع امرأة لا تحل له، مع امرأة أجنبية، ولتكن زوجة أخيه، يأتون بطفلة صغيرة رضيعة من أحد بيوت الحارة، وتأتي امرأة أخيه وترضعها، فإذا أرضعتها كانت أمها من الرضاع، يعقد على هذه الطفلة التي ترضع، إذاً هي زوجته، والتي أرضعتها أم زوجته, يطلقها بعد حين، تبقى محرمة أم الزوجة إلى الأبد، يسكن معها، هذا لعب بدين الله، هذا استخفاف بالشرع.
كثير في أشياء بدأت تحدث، أنا أرى أن منه زواج المسيار، مع أنه قضية خلافية، ما دام إحدى زوجات النبي عليه الصلاة والسلام قبيل وفاته: استأذنها أن تهب ليلتها لأختها عائشة لتحسن تمريضه، إذاً: قبلت هذه الزوجة أن تسقط حقها في المبيت مع رسول الله، الآن تقبل امرأة أن تتزوج زواج مسيار، لا نفقة، ولا مساكنة، لكن له زوجة مثلاً بالقاهرة، إذا في العام بكامله له سفرة للقاهرة, فعنده بيت وزوجة، من غير إنفاق، ولا مساكنة، ولا شيء، أسقطت حقها بالمبيت، وفي الإنفاق، هذا لعب بدين الله، طبعاً بهذه الطريقة أخرجنا الزواج عن مقاصده الشرعية.
يقدم لمسكين رغيف خبز, فيه خمسة آلاف ليرة، بعد أن يعطيه إياه, يقول له: أتعطيني إياه بـ25 ليرة؟ يعطيه إياه، ويكون قد استرد زكاة ماله، هذه الحيل الشرعية دليل الحمق والغباء والبعد عن الله عز وجل، لا أقول: هذه تتكرر، إنما كانت تقع فيما مضى.
لم يحب شخص أن يصلي الجمعة, وضع بفمه الثوم، من أكل الثوم فلا يقرب مصلانا ، انتهى، هذا لعب بدين الله، طبعاً نحن ذكرنا هنا التيس المستعار؛ المحلِل والمحللَ له .
5- المسارعة إلى التوبة :
المؤمن -كما قال عنه النبي عليه الصلاة والسلام- مذنب تواب، كل ابن آدم خطاء, وخير الخاطئين التوابون، والآية الكريمة:
﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾
[سورة آل عمران الآية: 135]
إذاً: المؤمن يسارع إلى التوبة، المؤمن كثير التوبة، المؤمن يتوب من قريب، لا يسمح للذنب أن يتمادى، يتوب فور وقوعه بالذنب، إن المؤمن خلق مفتناً، تواباً، نسياً، إذا ذُكر ذكر.
من لوازم الإيمان: المسارعة إلى التوبة .
عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ:
((كُنْتُ رَجُلًا إِذَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثًا, نَفَعَنِي اللَّهُ مِنْهُ بِمَا شَاءَ أَنْ يَنْفَعَنِي, وَإِذَا حَدَّثَنِي أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ اسْتَحْلَفْتُهُ, فَإِذَا حَلَفَ لِي صَدَّقْتُهُ قَالَ: وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ, وَصَدَقَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ, أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَا مِنْ عَبْدٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا فَيُحْسِنُ الطُّهُورَ, ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ, ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ, إِلَّا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ, ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ:
﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ))
6- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر :
من لوازم الإيمان: بعد أن صدق بما جاء به القرآن، وصدق بما جاء به النبي العدنان ، وبعد أن أطاع الله بكل ما أمر، وبعد أن أدى الفرائض، وأدى الواجبات، الآن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وهي الفريضة السادسة .
أحياناً: يروق لبعض الصحفيين أن يقول: إنه ثمة سلطة تشريعية, وتنفيذية, وقضائية، وثمة السلطة الرابعة الصحافة، بيانًا لأهمية الصحافة .
هنا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الفريضة السادسة، بل إن علة خيرية هذه الأمة: أن تقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي اللحظة التي لا نأمر بالمعروف ولا ننهى عن المنكر فقدنا خيريتنا، أصبحنا كأية أمة خلقها الله عز وجل، الله عز وجل يقول:
﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾
[سورة التوبة الآية: 71]
ما هو المعروف؟ :
ما هو المعروف؟ تعريف المعروف دقيق، يعني الفطرة السليمة تعرفه ابتداء, الفطرة السليمة تعرفه بداهة، الفطرة السليمة تعرفه من دون تعليم، المعروف أن تكون زوجاً صالحاً, أن تكون بائعاً صادقاً، أن تكون صانعاً متقناً، أن تكون صادقاً إذا تكلمت، أن تكون أميناً إذا عوملت، أن تكون عفيفاً إذا ثارت شهوتك، هذا المعروف، ما تعارفت عليه الفطر السليمة، لذلك:
﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾
[سورة الشمس الآية: 7-8]
النفس الطيبة السليمة تعرف الخير بفطرتها، وتعرف الشر بفطرتها، إذا أحسنت تعرف أنها أحسنت، وإذا أساءت تعرف أنها أساءت .
بعض العلماء قال: الأمر بالمعروف دعوة للخروج من الشرك إلى الإسلام، ونهي عن المنكر, نهي عن عبادة الأوثان، هذا طبعاً تعريف ضيق، كل شيء يقربك إلى الله عز وجل فهو معروف، وكل شيء يبعدك عن الله عز وجل فهو منكر، كل شيء تعرفه الفطر السليمة معروف، كل شيء تنكره الفطر السليمة منكر . قف عند هذه الأحاديث :
((كيف بكم إن لم تأمروا بالمعروف ولم تنهوا عن المنكر, قالوا: أوكائن هذا يا رسول الله؟ قال: وأشد منه سيكون، قالوا: وما أشد منه؟ قال: كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف، قالوا: أوكائن ذلك يا رسول الله؟ قال: وأشد منه سيكون, قالوا: وما أشد منه؟ قال: كيف بكم إذا أصبح المعروف منكراً والمنكر معروفاً))
-والله كان هذا-.
يكاد يصبح المعروف منكراً والمنكر معروفاً، لذلك في صحيح مسلم: عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ: ((أَوَّلُ مَنْ بَدَأَ بِالْخُطْبَةِ يَوْمَ الْعِيدِ قَبْلَ الصَّلَاةِ مَرْوَانُ, فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ: الصَّلَاةُ قَبْلَ الْخُطْبَةِ، فَقَالَ: قَدْ تُرِكَ مَا هُنَالِكَ، فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: أَمَّا هَذَا فَقَدْ قَضَى مَا عَلَيْهِ, سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ, فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ, فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ, وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ))
[أخرجه مسلم في الصحيح]
إن لم تنكر المنكر بيدك, ولا بلسانك, ولا بقلبك, فاعلم علم اليقين: أنه ليس في قلبك حبة خردل من إيمان .
في رواية أخرى لهذا الحديث:
((وليس وراء ذلك حبة خردل من إيمان))
الدليل القرآني: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾
[سورة العصر الآية: 1-3]
التواصي بالحق ربع النجاة، أتحبون أن تستمعوا إلى حديث يفسر لكم؟ لماذا حل بالمسلمين ما حل بهم؟.
هذا الحديث في مسند الإمام أحمد: عَنْ حُذَيْفَةَ, أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ, لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ, وَلَتَنْهَوُنَّ عَنْ الْمُنْكَرِ, أَوْ ليوشكن الله عَلَيْكُمْ عقاباً منه, ثُمَّ تَدْعُونَهُ فَلَا يُسْتَجَيبُ لَكُمْ))
[أخرجه الترمذي في سننه]
ألم يدع المسلمون في حرب العراق عشرين يوماً في كل الصلوات في المساجد، ولم يستجب لهم؟.
7- الدعوة إلى الله :
من لوازم الإيمان: الدعوة إلى الله, بالدليل القرآني:
﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾
[سورة يوسف الآية: 108]
فإن لم تدع إلى الله على بصيرة, فأنت لست متبعاً لرسول الله، الآية الكريمة:
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾
[سورة فصلت الآية: 33]
يعني لا تجد على وجه الأرض إنساناً أفضل: ﴿مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾
.
ومن كرم الله: أنه من دعا إلى هدى, كما قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح، الذي رواه الإمام مسلم عَنْ أَبِيهِ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى, كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ, لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا, وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ, كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ, لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أوزارهم شَيْئًا))
[أخرجه مسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي في سننهما, ومالك في الموطأ]
ما هي التجارة الرابحة في القرآن الكريم؟ :
تفضل الله عليك، وهديت إنساناً إليه، أو كنت سبب هداية إنسان، هذا الذي كنت سبب هدايته, كل أعماله الصالحة إلى يوم القيامة، يعني تزوج امرأة صالحة بعد ما اهتدى، اختار امرأة صالحة، أنجب أولاد رباهم تربية إسلامية، والأولاد تزوجوا، كل أعمال هذا الذي اهتدى على يديك إلى يوم القيامة، كل أعماله وأعمال ذريته إلى يوم القيامة في صحيفة الذي هداه إلى الله، ما من عمل على وجه الأرض يفوق أن تكون سبباً في هداية إنسان، لأنه:
﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً﴾
[سورة المائدة الآية: 32]
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾
[سورة الصف الآية: 10-11]
أربح تجارة، التجارة الآن يقول لك: أخذنا بالمئة عشرين، ممتاز، هناك شركات وزعت بالمئة سبعة، وخمسة، وأربعة، وثلاثة، وثمانية، وتسعة، عند الله بالمئة مليار، الإنسان قد يضع في فم زوجته لقمة, يراها يوم القيامة كجبل أحد . اعلم هذه الحقيقة :
مر النبي عليه الصلاة والسلام بقبر فقال:
((صاحب هذا القبر إلى ركعتين مما تحقرون من تنفلكم, خير له من كل دنياكم))
هناك شركة في اليابان فيها أربعون ألف عامل، أرباحها تساوي الدخل القومي لدولة عددها خمسون مليونًا، شركة عمالها أربعون ألفًا، أرباحها السنوية تساوي الدخل القومي، كلمة دخل قومي مجموع كل الإنتاج لدولة فيها خمسون مليونًا، وهناك شركات عملاقة، شركات لها ميزانيات تفوق ميزانيات مجموعة دول .
قال: ((-هذا الميت- في القبر إلى ركعتين مما تحقرون من تنفلكم, خير له من كل دنياكم))
اغتنم هذا الخير :
قال لعليّ:
((فَوَ اللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا, خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ))
[أخرجهما البخاري ومسلم في الصحيح]
خمس قارات، الذي عنده حقول النفط كلها مثلاً، ما دخله هذا؟ يقول لك: ثلاثة ملايين برميل كل يوم، والبرميل 28 دولارا يومياً، لو أن واحد ملك كل حقول النفط في العالم، كم دخله اليومي؟!.
قال لعليّ: ((فَوَ اللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا, خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ))
رواية ثانية: ((خير لك من الدنيا وما فيها))
أعلى أنواع الإبل، فإذا أقنع إنسانٌ إنسانًا بالاستقامة، أقنعت إنسانًا أن يحضر معك درس الأحد، أو درس الجمعة، أقنعت امرأةً أن تتحجب، أقنعت إنسانًا ليصلي، هذه أكبر تجارة ، لذلك هذه صنعة الأنبياء.
أنا لا أستغرب أو أنا لا أعجب, أشد مما أعجب من إنسان لا يفكر أبداً أن يهدي الناس ، مع أن الإناء إذا امتلأ ينبغي أن يفيض على غيره، أنا لا أصدق أن مؤمنًا صادقًا لا يفكر بهداية أحد .
مرة أخ أنا معجب به جداً، لا يقرأ, ولا يكتب، ولا يحسن التكلم بكلمة، قال لي: اشتريت مئة شريط، ووزعتها على أقربائي، إعارة، قال لي: بعد سنة نصفهم أصبح في المسجد، هذا لا يملك أن يتكلم كلمة، لكن وجد أن يوزع، يعير . 8- موالاة المؤمنين والتبرؤ من الكافرين :
من لوازم الإيمان: مولاة المؤمنين والتبرؤ من الكافرين .
الولاء: الحب, والود, والمناصرة, والتأييد، أهم مقتضيات الإيمان: أن توالي المؤمنين ، وأن تتبرأ من الكفار والمشركين، أما إذا واليت الكفار فهذا ينقض إيمانك، أما إذا أعنتهم على المسلمين فهذا يجعلك مجرماً، أما إذا أعنتهم على قتلهم, هذا يجعلك في الدرك الأسفل من النار, لذلك: من لوازم الإيمان: مولاة المؤمنين والتبرؤ من الكفار والمشركين :
﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾
[سورة المائدة الآية: 55-56]
ولاؤك يعني محبتك، مناصرتك، تأييدك، تمنياتك بالنصر، ألمك لما يصيب المسلمون، هذا كله من لوازم الإيمان، تبرؤك وبغضك ونفورك من أهل الكفر والمعصية, هذا من لوازم الإيمان، أما إذا أحببت الكفار، وكرهت المؤمنين, فهذا من نواقض الإيمان، أما إذا أعنت الكفار، وخذلت المؤمنين, فهذا من الأعمال الكبيرة، أما إذا أعنتهم على قتل المؤمنين, فهذا من الأعمال الإجرامية، من لوازم الإيمان موالاة المؤمنين، ولو كانوا ضعافاً، ولو كانوا فقراء ، والتبرؤ من الكفار, ولو كانوا أقوياء وأغنياء، الله يقول: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾
[سورة التوبة الآية: 71]
إن الله يحبنا أن نوالي بعضنا بعضاً، أن نتعاون، أن نتواصل، أن نتزاور، أن نتناصح ، أن نتبادل فيما بيننا، هذا الذي يحبنا الله من أجله, أما التبرؤ من الكفار. ففي قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾
[سورة الممتحنة الآية: 4]
ملخص الدرس :
1-من لوازم الإيمان: التصديق بما في القرآن الكريم، وما في السنة الصحيحة .
2- من لوازم الإيمان: مطلق الطاعة لله ورسوله .
3-من لوازم الإيمان: أداء الفرائض .
4- من لوازم الإيمان: أداء الواجبات .
5- من لوازم الإيمان: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
6- من لوازم الإيمان: الدعوة إلى الله .
7-من لوازم الإيمان: موالاة المؤمنين والبراءة من الكفار والمشركين .
من لم يفعل هذه فقد برئت منه ذمة الله، من فعل عكسها انتقض الإيمان في قلبه .
نهاية المطاف :
أيها الأخوة الكرام, العقيدة أخطر شيء في الدين: إن صحت صح العمل، وإن فسدت فسد العمل، العقيدة ميزان، والخطأ في الميزان لا يصحح، بينما مفردات الشريعة وزن, والخطأ في الوزن لا يتكرر.
يعني: إنسان وقع في شبهة، أو وقع في بدعة، أو وقع في عقيدة فاسدة, أن يتوب منها، لكن سهل جداً لو كان الخطأ سلوكيًا تتوب منه، التوبة من خطأ سلوكي سهلة جداً، أما التوبة من عقيدة فاسدة -والعياذ بالله- فصعبة جداً، لأن الذي فسدت عقيدته, يتوهم أنه على صواب وحده، وأن ما سواه مخطئ .








والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-01-2018, 06:11 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية من مفهوم القران والسنة

الدرس : ( الرابع )

الموضوع : الربوبية







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين . ما معنى رباني؟ :
أيها الأخوة المؤمنون, مع الدرس الرابع من دروس العقيدة, وموضوع الدرس اليوم الربوبية، لأن الله سبحانه وتعالى يقول:
﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾
[سورة آل عمران الآية: 79]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3337/01.jpg
ومعنى ربانيين: أنكم مؤمنون برب العالمين، طائعون له، محبون له، متقربون إليه، فماذا يعني الإيمان برب العالمين؟ ماذا يعني الإيمان بالربوبية؟ لماذا اجتهد بعض العلماء, فقال: إن كلمة رب من أسماء الله الحسنى, بل هو اسم الله الأعظم؟.
أيها الأخوة, معنى أن تكون ربانياً، معنى أن تكون مؤمناً برب العالمين: أن تقر بأن الله عز وجل هو الفعال المطلق، هو الذي خلق ودبر، هو الذي يغير، هو الذي يسير، هو الذي يزيد، هو الذي ينقص، هو الذي يحيي، هو الذي يميت، هو الحكم، هو المشرع، هو الضار، هو النافع, لا فعال في الكون إلا الله، هذا معنى أن تكون ربانياً، وهذا معنى أن تؤمن برب العالمين, والله عز وجل يقول:
﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾
[سورة يونس الآية: 31]
﴿لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾
[سورة الأعراف الآية: 54]
ما معنى رب العالمين؟ :
معنى رب العالمين الحكاية، أو معنى رب العالمين على الإعراب: أنه خالق، وأن الأمر بيده، له الخلق والأمر.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3337/02.jpg
أيها الأخوة, معنى الرب أي المربي، من التربية، بل إن أقرب أسماء الله تعالى إلى الإنسان: اسم رب العالمين، هو الذي يربيك، هو الذي منحك نعمة الوجود، هو الذي يمدك بما تحتاج من هواء، وماء، وطعام، وشراب، وأهل، وأولاد، وعقل، وفكر، وتوازن، وأعضاء، منحك نعمة الوجود، ومنحك نعمة الإمداد، ثم دلك عليه، منحك نعمة الهدى والرشاد.
إذاً: الرب بمعنى المربي، من التربية والإصلاح، والرباني هو الذي يؤمن بهذا المربي، ويحب هذا المربي، ويخضع لهذا المربي، ويتصل بهذا المربي، ويخلص لهذا المربي ، ويتقرب إلى هذا المربي، هذا الرباني أمر إلهي، وكل أمر في القرآن يقتضي الوجوب:
﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾
[سورة آل عمران الآية: 79]
قال ابن عباس: معنى ربانيين: أي حكماء علماء حلماء.
وقال الحسن: ربانيين؛ أي فقهاء، أي أهل عبادة وتقوى.
من معاني رب العالمين أنه المربي، ومن معاني الرب أيضاً أنه المالك، ماذا عبد المطلب؟ قال لأبرهة الأشرم, حينما أراد هدم الكعبة, قال: إني أنا رب الإبل، يعني مالك هذه الإبل، وإن للبيت رباً سيمنعك.
وأنا أطمئنكم، ذكرت هذا كثيراً، لا تقلقوا على هذا الدين، إنه دين الله الذي بيده كل شيء، هو الذي يحميه، ولولا أن هذا دين الله, لتلاشى من مئات السنين، ولكن ينبغي أن تقلق ما إذا سمح لك أو لم يسمح, أن تكون جندياً له.
الرب بمعنى المالك، ولكني أنا رب الإبل، وإن للبيت رباً سيمنعه، والرب بمعنى السيد ، حينما قال سيدنا يوسف عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾
[سورة يوسف الآية: 50]
أي إلى سيدك، الرب هو المربي، والرب هو المالك، والرب هو السيد.
من مقتضيات أن تكون ربانياً مؤمناً برب العالمين :
1-أن تؤمن أنه لا خالق إلا الله :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3337/03.jpg
أيها الأخوة, ماذا يعني أن تكون ربانياً؟ وماذا يعني أن تؤمن برب العالمين؟ يجب أن تؤمن أنه لا خالق إلا الله، فكل من آمن أن أحداً غير الله, ينشئ شيئاً من العدم فهو كافر، لذلك قلما تسمع من مؤمن كلمة خلقتُ، وكثيراً ما تسمع من كافر كلمة خلقتُ، لأن الله عز وجل يقول:
﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَا يُوقِنُونَ﴾
[سورة الطور الآية: 35-36]
أول بديهيات أن تكون ربانياً، وأن تكون مؤمناً برب العالمين: أن تعتقد اعتقاداً جازماً أنه لا خالق إلا الله، طبعاً كل شيء في الكون يدل على الله.
وفي كل شي له آية تدل على أنه واحد
من القواسم المشتركة بين كل البشر :
أيها الأخوة, يقول الله عز وجل:
﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾
[سورة الأعراف الآية: 54]
أيها الأخوة, لكن أن تؤمن أن لهذا الكون خالقاً, هذا شيء يكاد يكون قاسماً مشتركاً بين كل البشر، بدليل أن الله عز وجل يقول:
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾
[سورة العنكبوت الآية: 61]
إلى أي جهة يتجهون؟ إلى أن جهة ينصرفون؟.
إذاً: من مقتضيات أن تكون ربانياً، أو أنك تؤمن برب العالمين: أن تعتقد أنه لا خالق إلا الله، إلا أنك إذا رأيت فئةً شاذةً قليلةً, محدودة العدد في الأرض, تتوهم أنه لا إله, فاعلم علم اليقين: أنه كلام فيه مكابرة، بدليل أن الله عز وجل يقول: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾
[سورة النمل الآية: 14]
أيها الأخوة, حتى الذي ينكر وجود الله عز وجل, ينكر هذا الوجود إرضاءً لجهة أو لمصلحة، أما في أعماق أعماقه, فهو يؤمن بالفطرة أن لهذا الكون خالقاً:
﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى﴾
[سورة طه الآية: 49]
جاء التعريف الدقيق لرب العالمين من موسى لفرعون، قال: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾
[سورة طه الآية: 50]
يعني خلق وهدى. ما الدليل على أن الله خلق السموات والأرض؟ :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3337/04.jpg
الآن: أدلة أن الله خلق السموات والأرض، طبعاً الإنسان وهبه الله قوة إدراكية، وهذه القوة الإدراكية تتعرف إلى الأشياء بالأدلة، فما دليل أن الله خلق السموات والأرض؟ قالوا: هناك دليل الفطرة، يعني أي إنسان من دون تعليم، من دون توجيه, يعرف ابتداءً أن لهذا الكون خالقاً عظيماً.
إليكم هذه الأمثلة التي تبرهن على أن الإيمان بالله موجود بالفطرة :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3337/05.jpg
مرة حدثني أخ, قال لي: سافرت بحكم عملي إلى جهة، فإذا بعاصفة اقتلعت ما يزيد عن مئةً وخمسين بيتاً زراعياً، ومعنى أن يدمر بيتًا زراعيًا, أي أن مئات الألوف خسرها صاحبها ثمن البيت، وثمن الغطاء البلاستيكي، قال: التقيت مع أناس من مشارب مختلفة، ومن طوائف مختلفة، ومن أديان مختلفة، ومع ذلك فكلهم يقول: إن المسيء دمر بيته, إيمان فطري.
فإذاً: بالفطرة يقول الإنسان: يا الله.
حدثني أخ كريم, يركب طائرةً إلى بلد, يؤمن في مجموعه أن لا إله، فالإلحاد مذهب رسمي في هذه البلاد، ودخلت الطائرة في سحابة مكهربة، وكانت على وشك السقوط، وعلى متن الطائرة عدد كبير من الخبراء, الذين يؤمنون أنه لا إله، أقسم لي بالله, أن معظمهم قال: يا الله.

أدلة الإيمان بالله :
إذا ركب البحر، وكان على وشك الغرق، أو ركب طائرةً، وكان على وشك السقوط, لا يدعو إلا الله، واسأل إنساناً ينكر وجود الله, لو جاءه مرض خبيث, يقول: يا الله، هذا الإيمان الفطري, لا يحتاج إلى دليل، ولا إلى تعليم، ولا إلى إعجاز علمي في الكتاب والسنة، ولا إلى شيء، أنت مؤمن بالله فطرةً, والدليل:
﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾
[سورة النمل الآية: 62]
المضطر يقول: يا الله.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3337/06.jpg
العقل يقول: لا بد لكل شيء من خالق، العقل يقول لك، وهذا شيء مجمع عليه: إن النظام يحتاج إلى منظم، والتسيير يحتاج إلى مسير، والخلق يحتاج إلى خالق، والحكمة تحتاج إلى حكيم، والبعرة تدل على البعير، والماء يدل على الغدير، والأقدام تدل على المسير، أفسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، ألا تدلان على الحكيم الخبير؟.
هذا الإيمان العقلي، هل أنت مصدق أنه في مستودع للحديد, جئنا بمتفجرات وفجرناها، وفي نهاية التفجير طائرة بوينج 777، هل تصدق هذه الحقيقة؟ هل تصدق انفجاراً حصل في مطبعة المحصلة قاموس لاروس الأحمر, والأبيض, والأسود, والصور, ودائرة المعارف، والفعل, والفاعل، واسم مكان، هل يعقل ذلك؟.
هذا الذي يعتقد أن هذا الكون لا إله له, يحتاج إلى مستشفى للأمراض العقلية، هذا الدليل الثاني، والدليل الثالث دليل الشرع، يقول الله عز وجل: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾
[سورة إبراهيم الآية: 10]
وأما الحس فحينما يجاب دعاء المضطرين, يزداد يقين المؤمنين، قالوا: إجابة الدعاء من الله عز وجل يقوي العقيدة، الله سمعك.
ما وراء هذا المثال :
حدثني أخ, كنت في سفر إلى الساحل، فإذا بمسجد رائع بني في مكان بعيد عن البيوت، وكأنه للمسافرين، صليت به فريضة الظهر، فإذا برجل يدعوني إلى غرفة في المسجد ، وهو مدير المسجد، من حديث لآخر, أخبرني أنه هو الذي أنشأ هذا المسجد، أقسم لي بالله, أنه حينما انتهى من الخدمة الإلزامية قبل عشرين عاماً تقريباً, أخذ من أخته سِوارين من الذهب وباعهما، واشترى بثمنهما بطاقة طائرة إلى الخليج، قال لي: وأنا على متن الطائرة، ولم تتحرك شفتاي، ولم أنطق بكلمة, إلا أن خاطراً جاء لي: لو أن الله أكرمني هناك, لعمرت لله مسجداً في بانياس، قال: أقمت مدة لا بأس بها، وقد أكرمني الله كثيراً, جئت إلى بلدي، أنظمة عمارة المساجد تقتضي أن يكون المسجد ضمن المدينة، ضمن منطقة سكنية، أما في الفلاة فلا ترخيص، هكذا الأنظمة النافذة، رد طلبه, فالتقى بمسؤول كبير في المحافظة، وذكر له مشكلته، يرفع الهاتف، يخبر رئيس البلدية، يقول له: غض البصر عن بناء هذا المسجد، وبعد حين تحققت، أقسم لي أنه ما تكلم بكلمة خاطر.
فأنت حين تدعو الله ولو بقلبك، قال تعالى:
﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً﴾
[سورة مريم الآية: 3]
ويستجيب الله لك, يزداد يقينك بالله عز وجل.
أول مقتضيات أن تكون ربانياً: أن تؤمن أنه لا خالق لهذا الكون إلا الله، والأدلة فطرية، وعقلية، وتشريعية، وحسية. 2- يجب أن تؤمن يقيناً أنه لا مالك ولا متصرف في الكون إلا الله :
الآن من مقتضيات الإيمان برب العالمين، ومن مقتضيات أن تكون ربانياً: يجب أن تؤمن يقيناً أنه لا مالك ولا متصرف في الكون إلا الله، استمع إلى الأخبار، قد تتوهم أن زيداً قصف، وأن عبيداً قتل، وأن فلاناً هدم، يجب أن تعلم علم اليقين: أنه لا فعال إلا الله، وأن كائناً من كان لا يستطيع أن يفعل شيئاً إلا إذا سمح الله، والله يخاطب سيد البشر بقوله:
﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾
﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾
[سورة الأنفال الآية: 17]
هذا الإيمان.
ذكر الله عز وجل في القرآن الكريم أحد الأنبياء الكرام يقول: ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾
[سورة هود الآية: 55-56]
الآن دققوا: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾
[سورة هود الآية: 56]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3337/07.jpg
فوحيد القرن أيضاً دابة، والله عز وجل أخذ بناصيتها: ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
[سورة هود الآية: 56]
هذا الإيمان، لذلك الإيمان أمن وسلام، الإيمان راحة، الإيمان شعور أن علاقتك بالله، وأن الله مطلع عليك، ويعلم كل شيء، وهو يعلم السر وأخفى.
﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾
[سورة آل عمران الآية: 189]
﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾
[سورة هود الآية: 123]
﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾
[سورة الزمر الآية: 63]
﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾
[سورة آل عمران الآية: 128]
﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾
[سورة الأعراف الآية: 188]
ما محور هذا الحديث؟ :
أيها الأخوة, في مسند الإمام أحمد بسند صحيح, عَنْ أَبِي تَمِيمَةَ الْهُجَيْمِيِّ, عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَلْهُجَيْمٍ قَالَ:
((قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِلَامَ تَدْعُو؟ قَالَ: أَدْعُو إِلَى اللَّهِ وَحْدَهُ؛ الَّذِي إِنْ مَسَّكَ ضُرٌّ فَدَعَوْتَهُ كَشَفَ عَنْكَ, وَالَّذِي إِنْ ضَلَلْتَ بِأَرْضٍ قَفْرٍ دَعَوْتَهُ رَدَّ عَلَيْكَ, وَالَّذِي إِنْ أَصَابَتْكَ سَنَةٌ فَدَعَوْتَهُ أَنْبَتَ عَلَيْكَ, قَالَ: قُلْتُ: فَأَوْصِنِي, قَالَ: لَا تَسُبَّنَّ أَحَدًا, وَلَا تَزْهَدَنَّ فِي الْمَعْرُوفِ, وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ وَأَنْتَ مُنْبَسِطٌ إِلَيْهِ وَجْهُكَ, وَلَوْ أَنْ تُفْرِغَ مِنْ دَلْوِكَ فِي إِنَاءِ الْمُسْتَسْقِي, وَاتَّزِرْ إِلَى نِصْفِ السَّاقِ, فَإِنْ أَبَيْتَ فَإِلَى الْكَعْبَيْنِ, وَإِيَّاكَ وَإِسْبَالَ الْإِزَارِ, فَإِنَّ إِسْبَالَ الْإِزَارِ مِنْ الْمَخِيلَةِ, وَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَا يُحِبُّ الْمَخِيلَةَ))
بالمناسبة: دخل أعرابي على رسول الله، وهو بين أصحابه, فقال: ((أيكم محمد؟))
ماذا تستنبط؟ يعني ما كان متميزاً على أصحابه.
وفي رواية: قال أحد أصحابه: ((ذاك الوضيء))
عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَلْهُجَيْمٍ قَالَ: ((قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِلَامَ تَدْعُ؟ قَالَ: أَدْعُو إِلَى اللَّهِ وَحْدَهُ؛ الَّذِي إِنْ مَسَّكَ ضُرٌّ فَدَعَوْتَهُ كَشَفَ عَنْكَ -من هو الله؟ من إذا كان بك ضر فدعوته فكشفه عنك-, وَالَّذِي إِنْ ضَلَلْتَ بِأَرْضٍ قَفْرٍ دَعَوْتَهُ رَدَّ عَلَيْكَ, وَالَّذِي إِنْ أَصَابَتْكَ سَنَةٌ فَدَعَوْتَهُ أَنْبَتَ عَلَيْكَ))
في المرض الشديد: يا رب اشفني فيشفيك، غابت عنك حاجة: يا رب اجمعني بها فيجمعك، في قحط: صلينا صلاة الاستسقاء فأمطر علينا السماء؛ هو وحده المالك والمتصرف.
3- أن تعتقد اعتقاداً قاطعاً أنه لا ضار ولا نافع على الحقيقة إلا الله :
الآن من لوازم أن تكون ربانياً، ومن لوازم أن تؤمن بالله رب العالمين: أن تعتقد اعتقاداً قاطعاً: أنه لا ضار ولا نافع على الحقيقة إلا الله، مهما رأيت من بطش الطغاة، ومهما رأيت من إكرام الكرماء, لا ضار ولا نافع إلا الله، من أسماء الله النافع، ومن أسماء الله الضار، ولكن علماء العقيدة لا يستحسنون أن تقول: الله ضار فقط، ينبغي أن تذكر هذين الاثنين معاً، الضار النافع، يضر لينفع، ويمنع ليعطي، ويخفض ليرفع، ويذل ليعز، فينبغي أن تعتقد اعتقاداً جازماً على وجه اليقين: أنه لا ضار ولا نافع على الحقيقة إلا الله، لذلك:
﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللهِ مَا لاَ يَنْفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا﴾
بربكم إن كانت لك قضية, لا تحل إلا مع مدير مؤسسة, فهل تبذل ماء وجهك لحاجب على بابه أو لموظف صغير؟ أليس هذا من الحمق؟ القضية مع الله وحده, لذلك قال تعالى: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا﴾
[سورة الأنعام الآية: 71]
اعتقاد باطل :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3337/08.jpg
ما يعتقده العوام من التمائم، التمائم حلقة توضع في الرقبة, لئلا يموت من يضعها في رقبته, قال الشاعر:
وتجلدي للشامتين أريهم أني بغيب الدهر لا أتضعضع
فرد عليه, فقال:
وإذا المنية أنشبت أظفارها ألفيت كل تميمة لا تنفـــع
أكثر أصحاب السيارات يضعون نعل حصان، أو حذاءً لطفل صغير، أو حدوة، أو نعلا قديمة، أو عجينة، ويتشاءمون من يوم الأربعاء، ومن صوت البوم، ومن القط الأسود، هذا كله اعتقادات جاهلية, ما أنزل الله بها من سلطان, تبيع وتشتري, دخل شخص فلم تتم البيعة قدمه شؤم، لا شؤم ولا طيرة، كل شيء تقدير الله عز وجل، حتى إن كلمة فلان محظوظ، مسكينة ابنتي حظها قليل، كلام ليس له معنى، هناك توفيق وتعسير، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾
[سورة الليل الآية: 5-10]
تيسير وتعسير، والتيسير سببه الإيمان بالحسنى، بالجنة، وأن يتقي أن يعصي الله، وأن يعطي مما أعطاه الله، رد الإله على هذا الإنسان, أنه ييسره لما خلقه له، وأما الذي يؤمن بالدنيا فقط، ويستغني عن طاعة الله، ويبني حياته على الأخذ, ييسر إلى هلاكه في الدنيا والآخرة.
اعلم هذا :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3337/09.jpg
أيها الأخوة, كلام قطعي، ما نزل بلاء إلا بذنب، ولكن الناس يقولون لك: استعمار، وإمبريالية، وماسونية, وشارون.
لا يخافن العبد إلا ذنبه, ولا يرجون إلا ربه.
ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا يرفع إلا بتوبة، هذا كلام جامع مانع قاطع, قال تعالى:
﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾
[سورة الزمر الآية: 38]
الإيمان مريح، ولا سيما هذه الأيام؛ أيام القهر، أيام القتل، أيام القصف، أوقات الأسر ، أوقات الإفقار، أوقات الإذلال، أوقات الإضلال، أوقات القهر، في الأوقات العصيبة ينفع الإيمان.
ما موضوع هذه الأحاديث؟ :
أخرج الإمام أحمد بسند حسن عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ, أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبْصَرَ عَلَى عَضُدِ رَجُلٍ حَلْقَةً أُرَاهُ, قَالَ:
((مِنْ صُفْرٍ، فَقَالَ: وَيْحَكَ مَا هَذِهِ؟ قَالَ: مِنْ الْوَاهِنَةِ، قَالَ: أَمَا إِنَّهَا لَا تَزِيدُكَ إِلَّا وَهْنًا، انْبِذْهَا عَنْكَ، فَإِنَّكَ لَوْ مِتَّ وَهِيَ عَلَيْكَ, مَا أَفْلَحْتَ أَبَدًا))
أنا أمسك بهذه الحلقة, لئلا أصاب بهذا المرض, فقال عليه الصلاة والسلام: ((أَمَا إِنَّهَا لَا تَزِيدُكَ إِلَّا وَهْنًا، انْبِذْهَا عَنْكَ، فَإِنَّكَ لَوْ مِتَّ وَهِيَ عَلَيْكَ, مَا أَفْلَحْتَ أَبَدًا))
عَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَتْ: ((كَانَ عَبْدُ اللَّهِ إِذَا جَاءَ مِنْ حَاجَةٍ, فَانْتَهَى إِلَى الْبَابِ تَنَحْنَحَ, وَبَزَقَ كَرَاهِيَةَ أَنْ يَهْجُمَ مِنَّا عَلَى شَيْءٍ يَكْرَهُهُ, قَالَتْ: وَإِنَّهُ جَاءَ ذَاتَ يَوْمٍ فَتَنَحْنَحَ, قَالَتْ: وَعِنْدِي عَجُوزٌ تَرْقِينِي مِنْ الْحُمْرَةِ, فَأَدْخَلْتُهَا تَحْتَ السَّرِيرِ, فَدَخَلَ فَجَلَسَ إِلَى جَنْبِي, فَرَأَى فِي عُنُقِي خَيْطًا, قَالَ: مَا هَذَا الْخَيْطُ؟ قَالَتْ: قُلْتُ: خَيْطٌ أُرْقِيَ لِي فِيهِ.
-يعني يحفظني هذا الخيط، والله أنا أقول أحياناً لا سمح الله ولا قدر: لو أن الإنسان ما كان مستقيماً، ووضع مصحفاً, لا يحميه من عقاب الله، فكيف بخيط إذا وضعه، ولم يعمل به؟ لأنه رُبَّ تال للقرآن والقرآن يلعنه، وما آمن بالقرآن من استحل محارمه-.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3337/10.jpg
قَالَتْ: فَأَخَذَهُ فَقَطَعَهُ, ثُمَّ قَالَ: إِنَّ آلَ عَبْدِ اللَّهِ لَأَغْنِيَاءُ عَنْ الشِّرْكِ, سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِنَّ الرُّقَى وَالتَّمَائِمَ وَالتِّوَلَةَ شِرْكٌ))
خرزة زرقاء, نعل, فرس, وحذاء طفل صغير, هذا كله من الشرك.
في السنة الصحيحة: عَنْ أَبِي بَشِيرٍ الْأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ, أَخْبَرَهُ أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ, قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: ((حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ, وَالنَّاسُ فِي مَبِيتِهِمْ, فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَسُولًا أَنْ لَا يَبْقَيَنَّ فِي رَقَبَةِ بَعِيرٍ قِلَادَةٌ مِنْ وَتَرٍ أَوْ قِلَادَةٌ إِلَّا قُطِعَتْ))
كانوا يضعون قلادة في عنق البعير لئلا يمرض، أو لئلا يموت، هذا من الشرك؛ التبرك بالأحجار, والأشجار, والقبور, والتماثيل, والأصنام, هذا كله من الشرك، العوام أحياناً يا شيخ محي الدين أريد ولدًا، الشيخ محي الدين لا يأتي بالولد، الله والباز, مَن هذا الباز؟ هذا كله شرك. أنواع الرقى في الإسلام :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3337/11.jpg
توضيحاً للحقيقة: الرقى نوعان: مشروعة وممنوعة، فالمشروعة ما كانت بالقرآن الكريم، إذا قرأ الإنسان القرآن الكريم, هذا من الرقى المشروعة، أو وضع آية في جيبه، هذا من الرقى المشروعة، أو أسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى، أو ما صح عن الرسول صلى الله عليه وسلم من أدعية ومأثورات، هذا كله صحيح، أما الممنوعة فرقى الجاهلية، تعاويذ مجهولة، شبروش موبروش، أو كلام بغير العربية، أو بحروف مقطعة، أو بأرقام، أو بخطوط ، هذا كله بالحجب, تجدونها خطوطًا، وأرقامًا، وحروفًا، أو قرآنًا معكوسًا، حرف عكس حرف.
عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ قَالَ:
((كُنَّا نَرْقِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ, فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَيْفَ تَرَى فِي ذَلِكَ؟ فَقَالَ: اعْرِضُوا عَلَيَّ رُقَاكُمْ لَا بَأْسَ بِالرُّقَى مَا لَمْ يَكُنْ شِرْكٌ))
[أخرجه الحاكم في مستدركه]
إنسان قرأ القرآن، دعا بدعاء النبي، وضع مصحفاً في جيبه، لا مانع، هذه رقى مشروعة، أما الرقى الممنوعة فبلغة أجنبية، بحروف، بتقاطيع، بصور عفاريت، أو بكلام غير مفهوم.
4- أن تعتقد أنه لا مشرع للخلق إلا الله وحده :
ومن لوازم أن تكون ربانياً مؤمناً برب العالمين: أن تعتقد أنه لا مشرع للخلق إلا الله وحده، من يحل الحلال؟ الله وحده, من يحرم الحرام؟ الله وحده, من يقول: هذا حق؟ الله وحده, من يقول: هذا باطل؟ الله وحده, من يقول: هذا خطأ؟ الله وحده, من يقول: هذا صواب؟ الله وحده.
معقول!!! :
في ندوة دينية، والمتكلم دعي لهذه الندوة, على أنه رجل دين، فقال أحدهم: قطع اليد سلوك عنيف لا يتناسب مع الحضارة الحديثة، إله يقول لك:
﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾
[سورة المائدة الآية: 38]
لذلك كنت أقول دائماً: خذوا دينكم عن الأرضيات لا عن الفضائيات، هناك انحرافات في الفكر، وأسبابها معروفة، الفضائية لها ممول، وله خط معين، وله هدف معين، قال تعالى:
﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾
[سورة الشورى الآية: 21]
الله وحده ما أحله فهو حلال، وما حرمه فهو حرام، ما قال عنه باطل فهو باطل، ما قال عنه شرك فهو شرك.
قف عند هذه الآيات :
الآيات كثيرة أيها الأخوة, قال تعالى:
﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾
[سورة الأعراف الآية: 54]
﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾
[سورة الرعد الآية: 41]
﴿وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً﴾
[سورة الكهف الآية: 26]
﴿وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً﴾
[سورة الإسراء الآية: 12]
﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ﴾
[سورة النحل الآية: 89]
نقطة دقيقة :
هناك نقطة دقيقة في هذه الآية، قال تعالى:
﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾
[سورة التوبة الآية: 31]
رجل الدين لا يمكن أن يكون مشرعاً، لا يقبل منه أن ينطق بكلمة من دون دليل، نحن في حياتنا كمسلمين, رجل واحد كلامه هو الدليل، هو رسول الله، وما سوى رسول الله, يحتاج كلامه إلى دليل, مهما عظم شأنه، يقول لك إنسان: أنا أقول لك كذا، ينبغي أن تطيعني.
عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:
((بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَرِيَّةً, فَاسْتَعْمَلَ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ, وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُطِيعُوهُ, فَغَضِبَ, فَقَالَ: أَلَيْسَ أَمَرَكُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُطِيعُونِي؟ قَالُوا: بَلَى, قَالَ: فَاجْمَعُوا لِي حَطَبًا, فَجَمَعُوا, فَقَالَ: أَوْقِدُوا نَارًا؟ فَأَوْقَدُوهَا, فَقَالَ: ادْخُلُوهَا؟ فَهَمُّوا, وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يُمْسِكُ بَعْضًا, وَيَقُولُونَ: فَرَرْنَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ النَّارِ, فَمَا زَالُوا حَتَّى خَمَدَتْ النَّارُ, فَسَكَنَ غَضَبُهُ, فَبَلَغَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَقَالَ: لَوْ دَخَلُوهَا مَا خَرَجُوا مِنْهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ, الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ))
الله يرضى عليك طلقها يا بني، لماذا؟ لم أحبها، مؤمنة, صالحة, طاهرة, محجبة، يحتجون بحجة سيدنا عمر, حين أمر ابنه أن يطلق زوجته فطلقها، إذا كان أبوك عمر فطلقها ، عمر عملاق الإسلام، عمر صحابي كبير، إذا قال لابنه: طلق امرأتك؛ فلسبب كبير، ولسبب وجيه، ولسبب ديني، أما كلما عنّ لأب خاطر, لم يعجب بزوجة ابنه, يقول له: طلقها, إنما الطاعة في معروف، الأبلغ من ذلك: أن الله حينما وصف معصية رسول الله, قال: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾
[سورة الممتحنة الآية: 12]
المعصية مقيدة في المعروف، هناك أمر تشريعي، وأمر تنظيمي، حتى النبي عليه الصلاة والسلام حينما عصاه الرماة في أُحد صلى عليهم, لمَ؟ لأنهم عصوا أمراً تنظيمياً، ولم يعصوا أمراً تشريعياً.
أصغ السمع إلى النبي في شرح هذه الآية :
قال تعالى:
﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾
[سورة التوبة الآية: 31]
الآن استمعوا إلى شرح النبي لهذه الآية:
في جامع الترمذي بسند حسن, عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ:
((أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي عُنُقِي صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ, فَقَالَ: يَا عَدِيُّ اطْرَحْ عَنْكَ هَذَا الْوَثَنَ, وَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ, قَالَ: أَمَا إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ, وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا أَحَلُّوا لَهُمْ شَيْئًا اسْتَحَلُّوهُ, وَإِذَا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا حَرَّمُوهُ))
[أخرجه الترمذي في سننه]
إنسان يطيع قوياً، ويعصي الله، لو قلت له: أنت تعبده من دون الله, يقول: أعوذ بالله، أنا أعبده؟! أنت حينما أمرك بمعصية فعلتها، وأغضبت الله، وحينما أمرك بطاعة فلم تفعلها خوفاً منه، وحينما أمرك بمعصية ففعلتها، ولم تعبأ بأمر الله عز وجل، أو حينما نهاك عن طاعة فتركتها خوفاً منه، أنت بهذا تعبده من دون الله، هذه عبادته، لمجرد أن تطيع مخلوقاً، وتعصي خالقاً، فأنت تعبده من دون الله.
هناك أشخاص يتوهمون بسذاجة أنه يقول: هذا ربي، لا، لا أحد يقول: هذا ربي، لمجرد أن تطيعه وتسخط الله عز وجل، ولمجرد أن تعصي الله إرضاءً له, فأنت تعبده من دون الله.
منعطف خطير :
أيها الأخوة, كل ما شرع للناس أو رضي بتشريع مخالف لتشريع الله سبحانه وتعالى, داخلاً في وعيد الله وتهديده، أي إنسان مشرع أو يرضى بهذا التشريع، ليس بعيداً عنا أن بعض الأسر في بلاد الغرب, إذا اختصمت الزوجة مع زوجها, لا ترفع قضيتها لقاض مسلم في المركز الإسلامي، بل ترفع قضيتها لحاكم أمريكي, لماذا؟ لأن القانون الأمريكي يعطي المطلقة نصف أملاك زوجها، بينما الشريعة تعطي المطلقة مهرها فقط، فهذا الذي يحتكم لغير شرع الله, داخلاً في وعيد الله:
﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾
[سورة المائدة الآية: 44]
5-أن تعتقد أن كل شيء بقضاء وقدر :
شيء آخر من لوازم أن تكون ربانياً أو مؤمناً برب العالمين: أن تعتقد أن كل شيء بقضاء وقدر، كلمة لو ليس في قاموس المسلم، أحداث الحادي عشر من أيلول, وقعت بقضاء وقدر.
أشخاص كثيرون يقولون: لو لما تقع, لم تحدث حرب أفغانستان، ولا حرب العراق، كل شيء بقضاء وقدر، كل شيء وقع أراده الله لحكمة بالغة، وكل شيء أراده الله وقع، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، وحكمته المطلقة متعلقة بالخير المطلق، زلزال، بركان، اجتياح، لكن قد يكون المقضي شراً، فأنت مكلف أن تدفعه وأن تقاومه.
إن كل شيء خلقناه بقدر، القضاء والقدر نظام التوحيد, كل شيء بقضاء من الله وقدره ، هذا الاعتقاد يريح النفوس، إنسان لم ينجب أطفالاً بقضاء من الله و قدره، يسعى، يعالج نفسه ، بعد كل المحاولات لم ينجح، هكذا يريد الله عز وجل.
6- أن تعلم علم اليقين أنه لا يعلم الغيب إلا الله :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3337/12.jpg
أيها الأخوة, ومن لوازم أن تكون ربانياً مؤمنًا برب العالمين: أن تعلم علم اليقين أنه لا يعلم الغيب إلا الله، فكل أنواع السحر, والشعوذة, وقراءة الفنجان, وقراءة حظك هذا الأسبوع, وبرج التيس, والثور، وهذه الأبراج كلها, هذا كله كفر.
من أتى كاهناً فصدقه فقد كفر، من أتى ساحراً فلم يصدقه, لن تقبل له صلاة أربعين صباحاً، ولا دعاء أربعين ليلة. لا يعلم الغيب إلا الله:
﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾
[سورة الأنعام الآية: 59]
بربكم. إذاً: لا تسقط من ورقة إلا هو يعلمها، والقنبلة أخطر، من باب أولى أن يعلمها، الأمر بيد الله عز وجل، هذا الكلام ليس فيه دعوة إلى الاستسلام، لا، القضاء والقدر, الشرير الذي ظاهره فيه شر يجب أن يقاوم، لكن ينبغي ألا تنهار معنوياتك، الأمر بيد الله عز وجل، قاوم، أما أن تستخذي فلا، يقول الله عز وجل:
﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾
[سورة آل عمران الآية: 139]
إذاً: من مقتضيات أن تكون ربانياً مؤمناً برب العالمين: أن تعتقد اعتقاداً جازماً أنه لا يعلم الغيب إلا الله، وحينما تعتقد هذا الاعتقاد, تلغي من حياتك مليون قصة لا أصل لها، و مليون توهم لا أصل له، لا يعلم الغيب إلا الله.
إليكم هذه الأدلة من الكتاب والسنة على أنه لا يعلم الغيب إلا الله :
والله عز وجل يقول:
﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾
[سورة النمل الآية: 65]
وفي سورة الجن: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً﴾
[سورة الجن الآية: 26]
وفي صحيح البخاري: عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا, عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((مَفَاتِيحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللَّهُ؛ لَا يَعْلَمُ مَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ إِلَّا اللَّهُ, وَلَا يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ إِلَّا اللَّهُ, وَلَا يَعْلَمُ مَتَى يَأْتِي الْمَطَرُ أَحَدٌ إِلَّا اللَّهُ, وَلَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِلَّا اللَّهُ, وَلَا يَعْلَمُ مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا اللَّهُ))
[أخرجه البخاري في الصحيح]
قصة :
يروى أن أحد كبار الأئمة؛ الإمام مالك, رأى في منامه ملك الموت, قال له: يا ملك الموت كم بقي لي؟ فأشار له ملك الموت بخمسة أصابع، فلما استيقظ الإمام مالك, ازداد اضطراباً، يا ترى خمس سنوات، أم خمسة أشهر، أم خمسة أسابيع، أم خمسة أيام، أم خمس ساعات، فسأل أحد من اشتهر بتعبير الرؤيا، الإمام ابن سيرين، فقال له: يا إمام, إن ملك الموت يقول لك: إن سؤالك هذا من خمسة أشياء لا يعلمها إلا الله، هذا الجواب.
قف هنا :
أيها الأخوة, لكن من يقول: إنهم عرفوا نوع الجنين ذكراً أو أنثى، هذا الكلام صحيح، لكن الله عز وجل يقول:
﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾
[سورة لقمان الآية: 34]
لم يقل: ويعلم من في الأرحام، من أي ذكر أم أنثى، يوجد خمسة آلاف مليون مورث وجين في النوية, في الحوين, وفي البويضة، خمسة آلاف مليون معلومة مبرمجة لا يعلمها إلا الله.
من مفسدات العقيدة :
الآن: حينما تعتقد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم الغيب, فقد فسدت عقيدتك، النبي لا يعلم إلا أن يعلمه الله، فإذا تكلم بما سيكون, هذا من إعلام الله له, كحديث قيام الساعة ، أما إنه يعلم الغيب, لولا أنه بشر, تجري عليه كل خصائص البشر, لما كان سيد البشر، لو كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم الغيب, لما خفيت عليه أمور كثيرة.
يروي الشيخان عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ, عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ, وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ, وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ, وَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ, فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَلَا يَأْخُذْ, فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ))
ألم يأت النبي وفد، وطلبوا منه قراء القرآن الكريم، أعطاهم سبعين قارئاً، وذبحوهم في الطريق؟ معنى هذا أنه لا يعلم الغيب، لا يعلم إلا أن يُعلم، ويوجد قضايا كثيرة جداً أعلمه الله ، ويوجد قضايا لم يعلمه، هو بشر، لولا أنه بشر تجري عليه كل خصائص البشر, لما كان سيد البشر، كل من يعتقد أن بشراً كائناً من كان يعلم الغيب فقد كفر، إلا أن النبي عليه الصلاة والسلام حينما ينبئنا بما سيكون من إعلام الله له: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾
[سورة الجن الآية: 26-27]
الرسول وحده، ما سوى الرسول لا يعلم الغيب إلا الله، بربكم أنتم تعيشون هذه المرحلة, هل كان يخطر ببال أحد أن تضرب أمريكا؟ أبداً، هذه الأحداث المتلاحقة التي جرت, هل كانت تخطر على بال أحد؟:
﴿لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾
[سورة النمل الآية: 65]
والآن: لا تقل: انتهينا، لا يعلم الغيب إلا الله، وقد تكون هذه الأحداث المريرة سبباً لخير كبير لا يعلمه إلا الله، التبصر بالكف, والرمل, والفنجان, والأبراج, والسحر, والكهانة, كله كفر, والعياذ بالله.
ملخص الدرس :
أيها الأخوة, هذا الدرس ملخص آية واحدة:
﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾
[سورة آل عمران الآية: 79]
الرباني هكذا يعتقد، والرباني هكذا يفعل، أرجو الله سبحانه و تعالى أن ينفعنا بعلم العقيدة، هذا العلم أخطر علم في الدين، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا جميعاً إلى توضيح الحقائق من منابعها الأصيلة من كتاب الله, ومما صح من سنة رسول الله.








والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-01-2018, 06:14 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية من مفهوم القران والسنة

الدرس : ( الخامس )

الموضوع : توحيد الالوهية



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين . ماذا يقتضي الإيمان بالله؟ :
أيها الأخوة الكرام, مع الدرس الخامس من دروس العقيدة، وقد كان موضوع الدرس السابق: كيف نؤمن بالله رب العالمين؟ كيف نؤمن بأن الله خالق السموات والأرض؟ كيف نؤمن بأن الله جل جلاله ممد السموات والأرض؟ هو الذي يعطي، هو الذي يمنع، هو الذي يرفع، هو الذي يخفض، هو صاحب الأسماء الحسنى، صاحب الصفات الفضلى.
الحديث عن وجود الله, وعن كماله, وعن وحدانيته, وعن ربوبيته، وعن أفعاله، مقتضى الإيمان برب العالمين، ولكن هذا الإيمان بأن الله خالقنا ومربينا ومسيرنا، وأنه إليه المصير، وأنه خلقنا إلى جنة عرضها السموات والأرض، وأن الأمر كله بيده، وأنه لا معطي إلا هو، ولا مانع، ولا رافع, ولا خافض، ولا معز, ولا مذل إلا هو سبحانه، هذا الإيمان ماذا يقتضي؟.
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3338/01.jpg
هنا موضوع هذا الدرس، يقتضي أن نعبده، أن نتوجه إليه، أن نفرده بالعبادة, ألا نعبد إلا إياه, إياك نعبد وإياك نستعين، لذلك أن تعبد الله عز وجل وحده, أي أن تفرده بجميع أنواع العبادات الظاهرة والباطنة، بل ينبغي أن تعتقد يقيناً: أن الله وحده هو المستحق للعبادة، وهذا معنى لا إله إلا الله, لا معبود بحق إلا الله دائماً، هناك حقيقة لكن ما موقفك منها؟ ماذا فعلت من أجلها؟:
﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾
[سورة فصلت الآية: 6]
يقتضي إيمانك بالله خالقاً, ومربياً, ومسيراً, وواحداً في وجوده، واحداً في صفاته، واحداً في أسمائه، يقتضي إيمانك بكماله أن تعبده، أن تتوجه إليه، أن تفرده بالعبادة، أن تتوكل عليه، أن تستعين به، أن ترجوه، أن تسأله، أن تستغفره, لذلك من مقتضيات الإيمان بالله رب العالمين: أن تفرده بكل أنواع العبادات الظاهرة والباطنة، وأن الله وحده هو المستحق للعبادة.
أيها الأخوة الكرام, كلمة لا إله إلا الله تقتضي أن تعبده، وأن تؤمن بربوبيته، لا معنى أن تعبده دون أن تؤمن به، لكن إذا آمنت بربوبيته لا يعني أنك تعبده، إن آمنت بألوهيته أنه المستحق وحده للعبادة، هذا يقتضي أنك آمنت بربوبيته، أما العكس فغير صحيح. لم خلق الله الخلق وأرسل الرسل؟ :
أيها الأخوة الكرام, من أجل هذا التوحيد في العبادة, خلق الله الخلق، وأرسل الرسل، وأنزل الكتب، وبه افترق الناس إلى مؤمنين وإلى كافرين، إلى سعداء في الجنة عرضها السموات والأرض، وإلى أشقياء في نار لا ينتهي عذابها، وعلة خلقنا أن نعبده، لكن كلمة نعبده, قد يفهم الواحد منا: أنه ينبغي أن نطيعه، هذا صحيح، ينبغي أن نطيعه، ولكن الطاعة ليست هدفاً، إنما هي وسيلة للسعادة في الدنيا والآخرة، خلقنا لنسعد به، فأمرنا أن نعبده، وملخص الدين كله: تعرفه, فتعبده, فتسعد بعبادته في الدنيا والآخرة، لذلك العبادة طاعة طوعية، ممزوجة بمحبة قلبية، أساسها معرفة يقينية، تفضي إلى سعادة أبدية.
ما فحوى هذه الآية؟ :
أيها الأخوة الكرام, تكاد تكون هذه الآية ضغطاً للدين كله, قال:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾
[سورة الأنبياء الآية: 25]
جميع الرسالات التي نزلت من السماء فحواها هو وحده المستحق للعبادة، لا معبود بحق إلا الله، ينبغي أن نعبده، في أكثر آيات القرآن آية متكررة على لسان كل الأنبياء:
﴿فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾
[سورة الأعراف الآية: 59]
ما معنى أن تفرده بالعبادة؟ :
أقدم لكم أيها الأخوة الكرام: ضرورة توحيده في العبادة، وتوحيده في الربوبية, قال تعالى:
﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آَللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ * أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أإله مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ * أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أإله مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أإله مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ * أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أإله مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ * أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أإله مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾
[سورة النمل الآية: 59-64]
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3338/02.jpg
يقتضي إيمانك بالله رب العالمين: أن تفرده بالعبادة.
أيها الأخوة الكرام: معنى أن تفرده بالعبادة: أن تعتقد اعتقاداً جازماً, أنه ليس هناك شركاء له، ولا شفعاء، ولا وسطاء، ومن حق كل إنسان أن يهرع إلى ربه عز وجل، وأن ينكر من أقام نفسه وسيطاً بين الله وبين عباده، ليس بينك وبين ربك حجاب، أي مخلوق بإمكانه أن يعقد اتصالاً مع الله عز وجل، بإمكانه أن يدعوه، بإمكانه أن يستغفره، بإمكانه أن يتوب إليه، بإمكانه أن يتصل به.
هذا الذي قلته بهذه الدقائق, ينشعب إلى شعبتين، ينبغي أن تعرفه، وأن تتأكد من معرفتك له، ثم ينبغي أن تتوجه إليه، أليس في الإيمان تصديق وإقبال؟ أليس في الكفر تكذيب وإعراض؟ ينبغي أن تعرفه، وينبغي أن تتوجه إليه، فالمعرفة من مقتضياتها أن تتوجه إليه، وأي معرفة ليس معها توجه لا قيمة لها، ذلك لأن العلم في الإسلام ليس هدفاً بذاته. ما ذكر سابقاً :
كما قلت في درس سابق، بل وفي دروس سابقة: إن إبليس أقرّ بربوبيته، وأقر بعزته ، وأقر بأنه خالق الأكوان، وأقر باليوم الآخر، ولكن هذه المعرفة التي لا ينبثق منها توجه إلى الله، وعبادة له، وإخلاص له, لا قيمة لها إطلاقاً، طبعاً هذه الحالة, حالة مرضية شائعة جداً.
﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾
[سورة المؤمنون الآية: 84-85]
﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾
[سورة المؤمنون الآية: 86-87]
﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾
[سورة المؤمنون الآية: 88-89]
أن تعتقد أن الله خالق الأكوان، وأن الأمر بيده، وأن صفاته عليا، وأن أسماءه حسنى, دون أن تتوجه إليه, لا قيمة لهذا الاعتقاد إطلاقاً، لأن العلم ما عمل به، فإن لم يعمل به كان الجهل أولى.
ماذا تقتضي العبودية لله؟ :
أيها الأخوة الكرام, شهد الله أن الإنسان إذا آمن حق الإيمان, حلت كل مشكلاته، تصبح علاقته بجهة واحدة، من جعل الهموم هماً واحداً, كفاه الله الهموم كلها، اعمل لوجه واحد يكفك الوجوه كلها، ابن آدم اطلبني تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء.
تقتضي العبودية لله عز وجل, أن توقن أنه لا خالق لهذا العالم إلا الله، بيده الرزق، بيده الخير، بيده الشر، يحيي ويميت، مالك كل شيء، المعز والمذل، المعطي، الممسك، الصمد ، الذي يلجأ إليه في النازلات، المدبر، المصرف للمقادير في هذا الكون، هذا معنى أن تعبده، ينبغي أن يسبق عبادتك له, أن تؤمن بكل صفاته، وبكل أسمائه، وبكل أفعاله، وأن توحده.
ما علة وجودنا؟ :
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3338/03.jpg
أيها الأخوة الكرام, الآن الحقيقة: أن العبادة علة وجودنا، قال تعالى:
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾
[سورة الذاريات الآية: 56]
أنت حينما تذهب إلى بلد من أجل أن تنال شهادة عليا، وأن كل آمالك معقودة على هذه الشهادة، بهذه الشهادة تعين بهذا المنصب، بهذا المنصب لك دخل بهذا الدخل، تتزوج، بهذا الزواج تشتري بيتًا، كل آمالك بالدنيا متعلقة بنيل هذه الشهادة، فإذا ذهبت إلى بلد لنيل هذه الشهادة, ماذا ينبغي أن تفعل؟ أدق أدق أدق جزئيات حركتك في هذا البلد مرتبطة بهذا الهدف الكبير، وهكذا المؤمن في الدنيا, أدق حركاته وسكناته مرتبط بعلة وجوده، علة وجودنا أن نعبده.
قف عند هذا الكلام :
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3338/04.jpg
الكلمات الكبيرة أحياناً التي وردت في القرآن وفي السنة, لكثرة تداولها من دون فهم عميق, لا تأخذ المعنى الذي أراده الله عز وجل، مثلاً: يظن الإنسان أن العبادة هي الصوم والصلاة والحج والزكاة، لا، العبادة أن تعرفه أولاً، ثم أن تطيعه في كل ما أمر، وذكرت هذا في درس سابق، الطاعة أداء الفرائض، أداء الواجبات، الأمر بالمعروف، النهي عن المنكر، الدعوة إلى الله، هكذا يقتضي الإيمان، فلذلك لا يمكن أن نفهم العبادة فهماً ضيقاً، ينبغي أن نفهمها فهماً واسعاً، أن تعرفه أولاً، وأن تطيعه ثانياً، وأن تكون المحبة مع هذه الطاعة، ثم أن تسعد بقربه ثالثاً.
السعادة هي الثمرة، السعادة ثمرة جمالية، والمعرفة سبب، والطاعة أصل، الأصل أن تطيعه, لا طاعة إلا إذا عرفته، والثمرة إن أطعته، أنت في قمة السعادة، السلامة والسعادة مطلبان ثابتان لكل مخلوق على وجه الأرض، لا يوجد إنسان يتمنى ألاّ يَسلم، ما من واحد من بني البشر إلا ويتمنى أن يَسلم، وأن يسعد.
لذلك قالوا: العبادة غاية الحب، أعلى درجات الحب العبادة، غاية القرب العبادة، غاية الخضوع العبادة.
من تعريفات العبادة :
هناك تعريفات للعبادة منوعة، أنا ذكرت تعريفاً, يعد تعريفاً جامعاً شاملاً: طاعة طوعية، ممزوجة بمحبة قلبية، أساسها معرفة يقينية، تفضي إلى سعادة أبدية، لكن بعضهم عرف العبادة فقال: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة.
عالم آخر يقول: العبادة هي طاعة الله بامتثال ما أمر على ألسنة الرسل.
أيها الأخوة الكرام, العبادة في القلب، وفي اللسان، وعلى الجوارح، ما وقر في القلب ، وأقر به اللسان، وصدقه العمل.
الآن: ما من حركة على وجه الأرض إلا وتتنقل بين الأحكام الشرعية التالية: بين واجب، ومستحب، وحرام، ومكروه، ومباح، ما من شيء تفعله منذ أن تستيقظ, حتى تؤوي إلى فراشك, إلا وهذه الأعمال ما بين واجب، فرض، وبين مستحب، وبين مباح، وبين مكروه ، وبين حرام، عندنا واجبات، مستحبات، مباحات، مكروهات، محرمات، في القلب، وعلى اللسان، وفي الجوارح، كم حالة؟ خمس عشرة.
وبعضهم قال: العبادة طاعته بفعل المأمور وترك المحظور.
وهذه حقيقة الدين، فعل المأمور، وترك المحظور، من هو الولي؟ ليس الولي الذي يطير في الهواء، ولا الذي يمشي على وجه الماء، ولكن الولي كل الولي الذي تجده عند الحلال والحرام، أن يراك حيث أمرك، وأن يفتقدك حيث نهاك:
﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾
[سورة النحل الآية: 36]
من لوازم العبادة :
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3338/05.jpg
من لوازم عبادة الله اجتناب الطاغوت، عندك في الحياة الدنيا خاصة اسمها الإثنينية, يعني إيمان يقابله كفر، توحيد يقابله الشرك، طاعة تقابلها معصية، هناك إنسان رباني، وإنسان شيطاني، إنسان خيّر، وإنسان شرير، إنسان مستقيم، وإنسان منحرف، هذه إثنينية.
يجب أن نعلم إن لم تكن على الخط الأول, فأنت على الثاني قطعاً، قال تعالى:
﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾
[سورة القصص الآية: 50]
لا يوجد حالة ثالثة، فلذلك أكثر الآيات التي تأمر بالعبادة تنهى عن الشرك:
﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ﴾
[سورة النساء الآية: 36]
ما الطاغوت؟ :
من لوازم العبادة: اجتناب الطاغوت، الطاغوت الشيطان، الطاغوت أي إنسان يدعوك إلى معصية, يدعوك إلى التفلت، يدعوك إلى استباحة الحرام، يدعوك إلى فعل المنكرات، لا يكفي أن تطيع الله، لو أنك جمعت بين طاعة الله وبين طاعة الشيطان لا تفلح إطلاقاً، أن تعبد وأن تجتنب.
يا معاذ, ما حق الله على عباده؟ قال: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً:
﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾
[سورة الكهف الآية: 110]
ما وراء هذا المثل :
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3338/06.jpg
الخلاصة: أن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق ليكرمهم بعبادته، وليرفعهم إلى أعلى المستويات، لامتثالهم لأوامره، واجتنابهم لنواهيه، فكانت العبودية أعظم نسب ومقام في الأرض.
مثلاً: الآن في التعليم: هذا يحمل وثيقة إتمام مرحلة، هذه أقل شهادة، شهادة إعدادية، وهناك ثانوية علمية، وأدبية، العلمية أقوى، هناك اختصاص ليسانس، أو بكالوريوس، دبلوم عام، ودبلوم خاص، بعد هذا ماجستير، وبعد هذا دكتوراه، دكتوراه دولة، وماذا بعد هذا؟ جائزة نوبل، في بعض البلاد شهادة متميزة جداً، إن كان في بعض البلاد بورد، وفي بلاد إف أر أس، وفي بلاد أ ر ج، هذه الشهادات العليا، نحن في تسلسل العبودية, تسلسل مراتب الإنسان, أعلى مقام في الذروة, لا يرقى إلى هذا المقام، مقام أن تكون عبداً لله.
إليكم هذه الأدلة من الكتاب على أن أعلى مقام عند الله أن تكون عبداً له :
الدليل:
﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾
[سورة الإسراء الآية: 1]
هذا سيد الخلق، وحبيب الحق, سيد ولد آدم، الذي أقسم الله بعمره, فقال:
﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾
[سورة الحجر الآية: 72]
ناداه الله بأنه عبده: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾
[سورة الإسراء الآية: 1]
﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾
[سورة الجن الآية: 19]
﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾
[سورة النجم الآية: 10]
وهو في سدرة المنتهى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾
[سورة البقرة الآية: 23]
إذاً: العبودية لله أعلى مقام، كيف أن الآن في التاريخ الحديث, هناك قطب واحد؟ وكيف يكون أعلى منصب في الأرض من يتربع على رئاسة هذه الدولة العظمى؟ هذا أعلى منصب في العالم، للتقريب: أعلى مقام يناله إنسان أن يكون عبداً لله.
إليكم الدليل من السنة على أن أعلى مقام عند الله أن تكون عبداً له:
أيها الأخوة الكرام, كلما ازددت عبودية له رفعك إلى أعلى عليين، وكلما قلت: سلطت الأضواء على شخصك, هوت بك هذه الرغبة إلى أسفل سافلين، لذلك حينما خير سيدنا جبريل نبينا عليه الصلاة والسلام أن يكون ملكاً أو يكون عبداً، فقال: بل أكون عبداً لله .
أخرج ابن حبان في صحيحه, عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:
((جلس جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فنظر على السماء، فإذا ملك ينزل, فقال له جبريل: هذا الملك ما نزل منذ خلق قبل ساعة، فلما نزل, قال: يا محمد! أرسلني إليك ربك؛ أملكاً أجعلك أم عبداً رسولاً؟ فقال له جبريل: تواضع لربك يا محمد, فقال عليه الصلاة والسلام: لا بل عبداً ورسولاً))
أنت في أعلى مقام حينما تكون عبداً لله. متى يرفع الله شأن الإنسان؟ :
أيها الأخوة الكرام, ما من إنسان يخضع لله, يمرغ جبهته في أعتابه, يسأله، يتذلل إليه ، ينكسر على بابه, إلا أعزه الله، ورفع شأنه، يقول الملك الظاهر بيبرس: ما استقر ملكي حتى مات العز بن عبد السلام، عالم جليل، بقدر عبوديتك لله يرفعك الله، وبقدر أن تقول أنا، وأنا فعلت، وأنا تركت، وأن تنسى الله عز وجل، وأن تشهد عملك الكبير فيما تتوهم, فأنت في طريق الهلاك.
يا محمد, ماذا تريد أن تكون: نبياً عبداً أم نبياً ملكاً؟ قال:
((بل نبياً عبداً، أجوع يوماً فأذكره، وأشبع يوماً فأشكره))
ما من مؤمن ليس له صلة بالله، أحياناً يناجي ربه، أحياناً يتذلل إليه، أحياناً يعلن توبته له، هذه المناجاة، هذا الخضوع، هذا التذلل، هذا قمة العبودية لله عز وجل، هذا الذي وقف في وجه التتار, سجد لله, هو نور الدين الشهيد، قال: يا رب, من هو الكلب نور الدين حتى تنصره؟ انصر دينك، يا رب أنا لا شيء، أنا كذا، انصر دينك.
بقدر ما تتذلل له فيما بينك وبينه يرفع شأنك، ويعلي قدرك، ويعزك، ويقهر أعداءك، وبقدر ما تقول أنا يخذلك. قف هنا :
قال المتنبي يمدح نفسه:
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي وأسـمعت كلماتي من به صمم
أنام ملء جفوني عن شوارده ويسهر الخلق جراها ويختصم
وجاهل مده في جـهله ضحك حتى أتته يد صرافة وصــم
كان يمشي بين حلب وبصرى، خرج عليه أعداؤه فولى هارباً، هذا الذي نظر الأعمى إلى أدبه، هذا الذي قال:
الخيل والليل والبيداء تعرفني والسيف والقرطاس والقلم
قال له غلامه: ألم تقل هذه الأبيات؟ قال له: قتلتني قتلك الله، وعاد فقتل، إذا قلت الله: تولاك، وإذا قلت: أنا، تخلى عنك.
أكاد أقول لكم: هذه تجربتان؛ تجربة بدر، وتجربة حنين، والصحابة هم هم، في بدر افتقروا إلى الله فنصرهم، وفي حنين قالوا: لن نغلب من قلة فتخلى الله عنهم. من المهلكات :
ملخص الملخص: إذا قلت: أنا، تخلى الله عنك، تقول: أنا ابن فلان، أنا أحمل دكتوراه, تخلى الله عنك، أنا عندي خبرات متراكمة، ماذا قال فرعون؟:
﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ﴾
[سورة الزخرف الآية: 51]
أهلكه الله، ماذا قال قارون؟: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾
[سورة القصص الآية: 78]
أهلك الله عز وجل قوم بلقيس: ﴿نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾
[سورة النمل الآية: 33]
تخلى الله عنهم، قال الشيطان: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾
[سورة الأعراف الآية: 12]
أهلكه الله عز وجل، أربع كلمات مهلكات: أنا، ونحن، ولي، وعندي، فلذلك حينما يتذلل الإنسان لله عز وجل، ويخضع له، ويتوب إليه، وينكسر على أعتابه، ويلزم طاعته, يعزه الله عز وجل.
أيها الأخوة, إذا أعزك الله, سخر لك أعداءك الألداء لخدمتك، وإذا أذل الله عبداً, يضربه أقرب الناس إليه.
من أدعية النبي :
أيها الأخوة, هذا دعاء من أدعية النبي عليه الصلاة والسلام, أخرج الإمام أحمد بسند صحيح, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا أَصَابَ أَحَدًا قَطُّ هَمٌّ وَلَا حَزَنٌ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ, وَابْنُ عَبْدِكَ, وَابْنُ أَمَتِكَ, نَاصِيَتِي بِيَدِكَ, مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ, عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ, أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ, سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ, أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ, أو علمته أحداً من خلقك, أَوْ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ, أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي, وَنُورَ صَدْرِي, وَجِلَاءَ حُزْنِي, وَذَهَابَ هَمِّي, إِلَّا أَذْهَبَ اللَّهُ هَمَّهُ, وَأَبْدَلَهُ مَكَانَ حزنه فَرَجًا, قَالوا: يا رسول الله! ينبغي لنا أن نتعلم هؤلاء الكلمات؟ قال: أجل ينبغي لمن سمعهن أن يتعلمهن))
[أخرجه الطبراني في المعجم الكبير, والبزار في مسنده, والإمام أحمد في مسنده]
هذا الدعاء في منتهى العبودية لله عز وجل.
ما الفرق بين العباد والعبيد؟ :
الحديث القدسي الدقيق جداً الصحيح, الذي ورد في صحيح مسلم, عَنْ أَبِي ذَرٍّ, عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فِيمَا رَوَى عَنْ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى, أَنَّهُ قَالَ:
((يَا عِبَادِي, إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي, وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا.
-ليس هناك تشريف للإنسان أعلى من أن تنسب إلى ذات الله، يا عبادي، لذلك فرق كبير بين العباد والعبيد، العبيد جمع عبد القهر، بينما العباد جمع عبد الشكر، وكل إنسان مقهور من قبل الله عز وجل، مقهور بضربات قلبه، مقهور بسيولة دمه، مقهور بحركته، الإنسان فجأة يفقد حركته، أحياناً يفقد ذاكرته، أحيانًا يفقد حركة قلبه، يقال: سكتة قلبية، فكل إنسان مقهور، ولو كان ملحداً، فهذا العبد المقهور جمعه عبيد:
﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾
[سورة فصلت الآية: 46]
أما هذا العبد الذي تعرف إلى الله، وأقبل عليه, فهذا العبد جمعه عباد:
﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ﴾
[سورة الزمر الآية: 53]
بماذا ألزم الله نفسه في هذا الحديث؟ :
إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا.
-الإله العظيم، خالق الأكوان، من بيده كل شيء، ومن لا يستطيع أحد أن يسأله، لا يسأل عما يفعل-.
إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا.
-والشيء بالشيء يذكر, يقول مستشار دولة عظمى، هي قطب العالم: من يستطيع أن يلزمنا بتنفيذ عهودنا؟
الإله العظيم ألزم نفسه بالاستقامة:
﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
[سورة هود الآية: 56]
الإله العظيم ألزم نفسه بالاستقامة، وإنسان قوي عنده طائرات، عنده سلاح نووي، قال : من يستطيع أن يلزمنا بتنفيذ عهودنا.
فحينما الإنسان يسقط في الوحول, وينتهي على مزابل التاريخ, وحينما يرقى يدخل التاريخ.
إلى ماذا يفتقر الإنسان؟ :
قَالَ-: يَا عِبَادِي, إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي, وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا, يَا عِبَادِي, كُلُّكُمْ ضَالٌّ إلا مَنْ هَدَيْتُهُ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ.
-يعني نحن مفتقرون إلى هداية الله عز وجل.
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3338/07.jpg
أخواننا الكرام, حقيقة دقيقة جداً: عين الإنسان هذه, إذا فحصها في درجات الرؤية, يعطونه حروفًا إلى أي جهة، آخر سطر، إذا عرف الصواب, يأخذ 12/10 أعلى درجة، فإذا كان الإنسان يتمتع ببصر حاد، بأعلى مستوى، ولم يكن ثمة نور, ما قيمة هذا البصر؟ صفر، ضع في غرفة مظلمة ظلاماً دامساً أعمى وبصيرًا ألا يستويان؟ معنى ذلك: أنه لا قيمة لهذه العين من دون نور, يتوسط بينها وبين الأشياء، بالمقابل: لا قيمة لهذا العقل إطلاقاً إن لم يكن هناك وحي يهتدي إليه.
مشكلة العالم الغربي يشقى ويشقي, يقول لك ببعض البلاد: قريبًا الثلاثين مليون مصاب بالإيدز، وسلسلة الشقاء تتفاقم، شقاء ما بعده شقاء، الإنسان استخدم عقله بعيداً عن وحي السماء, فلذلك: http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3338/08.jpg

﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ﴾
[سورة المدثر الآية: 18-22]
فلو استخدم الإنسان عقله من دون وحي السماء, لشقي وأشقى من حوله.
قَالَ-: يَا عِبَادِي, إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي, وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا, يَا عِبَادِي, كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ.
-نحن جميعاً مفتقرون إلى وحي السماء-.
يَا عِبَادِي, كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ.
-إذا لم تنزل أمطار لا ينبت نبات، ويموت الحيوان، ويموت الإنسان، بلاد فيها مجاعات بسبب الجفاف، وإذا نزلت الأمطار غزيرة كما أكرمنا الله بها في هذا الموسم, ترى الأرض كأنها مزدهرة-.
هذا الحديث جامع مانع للعبودية لله :
يَا عِبَادِي, كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ, يَا عِبَادِي, إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا, فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ, يَا عِبَادِي, إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي, وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي, يَا عِبَادِي, لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ, كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ, مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا, يَا عِبَادِي, لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ, كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ, مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا, يَا عِبَادِي, لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ, قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي, فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ, مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ, يَا عِبَادِي, إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ, ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا, فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ, وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ, فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ))
[أخرجه مسلم في الصحيح]
هذا الحديث جامع مانع للعبودية لله، نحن مفتقرون إلى هدايته، وإلى رزقه، وإلى إكسائه، وإلى طاعته، وهو لا يظلم، وغني عنا إذا آمنا، وغني عنا إذا كفرنا.
من ألوان الشرك :
1- ألا تعتقد أن الله فعال في الأرض :
أيها الأخوة الكرام, الشرك ألوان، أحد أنواع الشرك: ألا تعتقد أن الله فعال في الأرض ، مع أن الله عز وجل يقول:
﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾
[سورة الزخرف الآية: 84]
2- أن تجعل لله أنداداً، أن تحبهم كحب الله تعالى :
من الشرك: أن تجعل لله أنداداً، أن تحبهم كحب الله تعالى، قال تعالى:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾
[سورة البقرة الآية: 165]
3- أن تطلب العزة مما سوى الله :
من ألوان الشرك: أن تطلب العزة مما سوى الله:
﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آَلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزّاً * كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً﴾
[سورة مريم الآية: 81-82]
بتاريخنا المعاصر: كم جهة اعتمدت على جهة مما سوى الله اعتماداً كبيراً، ثم طعنتها بالظهر، التاريخ بين أيديكم:
﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آَلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزّاً * كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً﴾
[سورة مريم الآية: 81-82]
4- أن تستنصر بغير الله :
من ألوان الشرك: أن تستنصر بغير الله:
﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آَلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ * لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾
[سورة يس الآية: 74-75]
5- أن يفرح الإنسان، وأن يستبشر إذا ذكر الشركاء لله عز وجل
من ألوان الشرك: أن يفرح الإنسان، وأن يستبشر إذا ذكر الشركاء لله عز وجل.
﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾
[سورة الزمر الآية: 45]
الآن: قدم تفسيراً أرضيًا للأحداث يستبشر الناس، قدم تفسيراً توحيدياً, يعود بلائمة على المسلم، يتألم المسلم.
6- إذا ذكرت الله وحده نفر الناس :
من ألوان الشرك: أنك إذا ذكرت الله وحده نفر الناس، وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده:
﴿وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُوراً﴾
[سورة الإسراء الآية: 46]
7- أن تحلل ما حرم الله، وأن تحرم ما أحل الله :
من ألوان الشرك: أن تحلل ما حرم الله، وأن تحرم ما أحل الله، أي أن تكون أنت المحلل والمحرم:
﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيباً فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾
[سورة الأنعام الآية: 136]
هو يحلل ويحرم، أن تتخذ أنداداً تحبهم كحب الله، أن تطلب العزة مما سوى الله، أن تطلب النصر مما سوى الله، أن تستبشر إذا ذكر الشركاء لله عز وجل، ألا تستبشر، بل تشمئز إذا ذكر الله وحده، وأن تحلل وتحرم, هذا كله من ألوان الشرك بالله عز وجل.
ما هي الأسباب الكبيرة التي تحمل على الشرك وهو نقيض التوحيد؟ :
1- أن تعجب بعقلك، أو أن تتبع رأياً لا علاقة له بالوحي، أو أن تتبع هواك :
أيها الأخوة الكرام, ما هي الأسباب الكبيرة التي تحمل على الشرك وهو نقيض التوحيد؟.
أولاً: أن تعجب بعقلك، أو أن تتبع رأياً لا علاقة له بالوحي، أو أن تتبع هواك, هذه آفات ثلاث، أن تعجب بعقلك، وأن تعد العقل مرجعاً لكل شيء:
﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾
[سورة المدثر الآية: 18-19]
أن يحجب العقل عن وحي السماء، هو شيء كبير جداً، لكن لا قيمة للعين من دون ضوء، كما أنه لا قيمة للعقل من دون وحي، الضوء للعين كالوحي للعقل، فعقل بلا وحي ضال مضل، والعالم يتخبط في صراعات، وفي حروب، وفي تدمير، وفي شقاء، وفي رذيلة، وفي إباحية، لماذا؟ لأن العقل البشري استقل عن وحي السماء.
أكاد أقول لكم: إن ما تعانيه البشرية من مشكلات, بسبب عقل بلا وحي، وكل ما جاء به الإسلام من تقدم ومن خير, هو عقل يهتدي بالوحي، أنت كمسلم لك عقل يهتدي بالوحي، والكافر عقل بلا وحي، لذلك المؤمن الله عز وجل يكرمه بالحكمة:
﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾
[سورة البقرة الآية: 269]
والكافر أكبر عقاب له أن الله يتخلى عنه، فإذا هو يرتكب حماقات ما بعدها من حماقات، فحينما تعتقد أن عقلك هو كل شيء، وأنه وحده يعطيك الحل لكل مشكلة، وتستغني عن وحي السماء، فهذا أحد أكبر أسباب الشرك، فحينما تقبل رأياً يتناقض مع وحي السماء، أيضاً هذا أحد أكبر أسباب الشرك، وحينما تحكم الهوى والمصلحة تقع بالشرك، فالآراء والعقول والأهواء, هي سبب الشرك الذي هو المهلك:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾
[سورة النساء الآية: 48]
2- اتباع الشهوات، والخضوع للغرائز :
عندنا سبب آخر للوقوع بالشرك هو: اتباع الشهوات، والخضوع للغرائز، إما إنسان عنده ضلال بعقله، أو إنسان عنده انحراف بشهواته:
﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾
[سورة طه الآية: 123]
لا يضل عقله، ولا تشقى نفسه. انظر إلى هذا التكامل بين الدرس السابق والدرس اليوم :
أيها الأخوة, الدرس السابق والدرس الحالي متكاملان, الدرس السابق من هو الله؟ هو الخالق, هو البارئ, هو المصور, أسماؤه حسنى:
﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾
[سورة الإسراء الآية: 110]
الدرس السابق: من هو الله؟ الدرس الحالي: ما واجبنا تجاه هذا الإله العظيم؟ أن نعبده وحده، الدرس الماضي الحمد لله رب العالمين، الدرس الحالي لا إله إلا الله، لا معبود بحق إلا الله، هذه كلمة التوحيد، هذه كلمة الإسلام الأولى، أن تفرده بالعبودية، أن تعبده وحده، وأن تأخذ مراده منك من خلال رسوله، لا إله إلا الله محمد رسول الله، أول كلمة العبودية لله وحده, ما قال الإله هو الله، هناك نفي, لا معبود بحق إلا الله, الكلمة الثانية مراد الله منك, تعرفه من خلال رسول الله.
نهاية المطاف :
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3338/09.jpg
أرجو الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علماً، وهذه الدروس من أدق دروس الإسلام، دروس العقيدة، إن صحت عقيدتنا صحت عملنا، وإن فسدت فسد عملنا, وأعيد وأكرر: العقيدة هي الميزان، ومفردات الدين هي الوزن، فالخطأ في الميزان لا يصحح ، بينما الخطأ في الوزن لا يتكرر، أخطر شيء أن يكون خطؤك بالميزان، هذه العقيدة.
أكثر المقصرين لا يرى أن الله وحده يتصرف، يرى شركاء لله عز وجل، لذلك يخاف من زيد وعبيد، يتمزق، لو أنه وحد لانتهت كل مشكلاته، ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، فنحن حينما نقول: لا إله إلا الله, يعني لا معبود بحق إلا الله، أنت عرفت الله, من مقتضيات هذه المعرفة أن تعبده.
إنسان يكاد يموت من العطش, علم أن في هذا المكان نبع ماء، هل يتم واقفًا؟ مستحيل ، عندك معرفة، ومقتضى هذه المعرفة أن تتحرك نحو الحقيقة.
درس اليوم: مقتضى هذه المعرفة؛ أن أنتقل وأشرب من هذا الماء فأرتوي، درس اليوم العبادة، الدرس الماضي كان معرفة رب العالمين.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-01-2018, 06:17 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية من مفهوم القران والسنة

الدرس : ( السادس )

الموضوع : شروط لااله الا الله (1)







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. درس اليوم :
أيها الأخوة الكرام, مع الدرس السادس من دروس العقيدة الإسلامية.
تحدثنا في درس سابق عن معنى لا إله إلا الله، وتحدثنا في الدرس قبل السابق عن معنى رب العالمين، وكيف أن المؤمن يؤمن بالربوبية ويؤمن بالألوهية، واليوم الحديث عن شهادة لا إله إلا الله، وهي كلمة الإسلام الأولى، وقد جمعت في هذه الكلمة مبادئ العقيدة الأساسية بأكملها.
ما ملخص دعوة الأنبياء؟ :
أيها الأخوة الكرام, بادئ ذي بدء: أن الله سبحانه وتعالى لخص في القرآن الكريم دعوة جميع الأنبياء من دون استثناء، فقال تعالى:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾
[سورة الأنبياء الآية: 25]
فالإسلام: عقيدة, وشريعة، إيمان, وعمل، العقيدة ملخصة بلا إله إلا الله، والعمل ملخص بالعبادة، لذلك قالوا: نهاية العلم لا إله إلا الله، ونهاية العمل عبادة الله، فمن عرف أنه لا إله إلا الله وعبده, فقد حقق المراد من وجوده، وحقق الهدف من خلقه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾
[سورة الأنبياء الآية: 25]
والعبادة كما تكلمت في دروس سابقة بالمفهوم الواسع لا بالمفهوم الضيق: غاية محبة الله، وغاية الخضوع له، وغاية التقرب إليه، وغاية التوكل عليه، طاعة طوعية, ممزوجة بمحبة قلبية، أساسها معرفة يقينية، تفضي إلى سعادة أبدية، وهي علة وجودنا.
ما مضامين هذه الأمثلة؟ :
وللتوضيح نمثِّل: بتاجر يسافر إلى بلد أجنبي كي يعقد صفقة، ويعقد على هذه الصفقة كل الآمال، فإذا سافر إلى هذا البلد, كانت علة وجوده في هذا البلد, أن يعقد هذه الصفقة، وإلا لا معنى لوجوده، ولا معنى لتجشم مشاق السفر, ولا معنى لدفع نفقات السفر، علة وجوده أن يعقد هذه الصفقة، والطالب الموجود في بلد لينال الدكتوراه, علة وجوده تحصيل هذه الشهادة.
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3339/01.jpg
أدق فكرة: أنك حينما تكون واعياً لعلة وجودك في أي مكان, تأتي حركتك صحيحة، بل إن أدق أدق الجزئيات في حركتك اليومية, ينبغي أن ترتبط بهدفك الكبير، كيف؟ ذكرت هذا سابقاً:
أنت في باريس من أجل نيل الدكتوراه, كل حركة من حركاتك متعلقة بهدفك، تبحث عن بيت قريب من الجامعة، تصاحب صديقاً يتقن الفرنسية، تشتري مجلة تتعلق باختصاصك ، تذهب إلى المعرض من أجل أن ترى الإنجازات العلمية مما تتعلق به دراستك، فكل حركة ، وكل سكنة متعلقة بهذا الهدف الكبير، فنحن في الأرض علة وجودنا عبادة الله، أي أن نعرفه، ثم نعبده، ثم نسعد بقربه.
الحقيقة الدقيقة: أن علة خلقنا أن نسعد، خلافاً لما يتوهم معظم الناس، ومعظم الناس يتوهم أن الله خلقنا ليعذبنا، يرى مصائب، وأمراضًا، وحروبًا، وفتنًا، ودمارًا، وقتلاً، واضطهادًا، فيتوهم خطأ كما يوسوس له الشيطان أن الله خلقنا ليعذبنا، تماماً كطالب في مدرسة قصر تقصيراً شديداً، فأنزلت به بعض العقوبات فقال: إن هذه المدرسة إنما أنشئت لتعذيب الطلاب، لا يا سيدي، إنما أنشئت لتعليم الطلاب، أنشئت لتهذيبهم، أنشئت ليكونوا قادة لأمة، أنشئت ليكونوا الطلاب علماء، أنشئت ليكونوا الطلاب أخلاقيين، هذه أهدافها الكبيرة، أما إذا قصر الطالب, أو سمح لنفسه أن يقصر، أو أن يعتدي على غيره, تنزل به العقوبات، ولكن ليس الأصل في هذه المؤسسة إيقاع العقوبات بالطلاب، الأصل: التعليم والتهذيب والتربية.
لم خلقنا الله؟ :
الله عز وجل قال:
﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾
[سورة هود الآية: 119]
خلقهم ليرحمهم، خلقهم ليسعدهم، خلقهم لينعموا بجنة عرضها السموات والأرض:
﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾
[سورة هود الآية: 119]
هذا هو الاتجاه الصحيح في الدين، ولو كنت في آخر الزمان، ولو رأيت المصائب تترا على المسلمين، ينبغي ألا تتزعزع عقيدتك من أن الله خلق عباده ليسعدهم، لكنهم عصوه ، لكنهم تفلتوا من منهجه.
من أركان التوحيد :
أيها الأخوة الكرام, كلمة التوحيد لا إله إلا الله فيها ركنان؛ فيها نفي لا إله، وفيها إثبات إلا الله.
لا إله، هذه لا نافية للجنس، كيف؟ لو أن جاراً لك طرق بابك ليلاً, قال لك: أعندك رغيف خبز؟ إذا قلت له: لا خبزٌ عندي، هذا شيء، وإن قلت له: لا خبزَ عندي شيء آخر، إذا قلت: لا خبزَ عندي, فـ لا هنا نافية للجنس، أي ليس عنده خبز، ولا كعك، ولا قمح، جنس القمح ومشتقاته ليست عنده، أما إذا قال: لا خبزٌ عندي، هذه لا يسميها النحاة لا الحجازية، تنفي المفرد، ولا تنفي الجنس، أي إذا قلنا: لا طالبٌ في الصف، بل طالبان، نفينا ماذا؟ المفرد أما: لا طالبَ في الصف، بل طالبة, نفينا الجنس، فهذه لا في: لا إله للجنس أم للمفرد؟ للجنس ، أي ليس في الكون إله إلا الله، لا معطي ولا مانع، ولا رازق، ولا خافض ولا رافع، ولا معز ولا مذل، ولا متصرف إلا الله، لا إله إلا الله، الله علم على الذات، صاحب الأسماء الحسنى، والصفات الفضلى، الله واجب الوجود، وما سواه ممكن الوجود، إذاً هناك نفي وإثبات ، لا إله إلا الله.
هذه الكلمة خفيفة على اللسان، لكنها ثقيلة في الميزان، خفيفة على اللسان، لا إله إلا الله, أما هي فثقيلة في الميزان، إذا أيقنت بمعناها الدقيق، وأنه لا معبود بحق إلا الله، ولا أحد يستحق العبودية إلا الله، لكنت في منجاة من هموم ساحقة لا تنتهي.
أيها الأخوة الكرام, أركان هذه الكلمة نفي وإثبات، لا إله إلا الله.
ما حق الله علينا وما حق العباد على الله؟ :
الحديث الذي تعرفونه، والذي أردده كثيراً، فعَنْ مُعَاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:
((كُنْتُ رِدْفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حِمَارٍ, يُقَالُ لَهُ: عُفَيْرٌ, فَقَالَ: يَا مُعَاذُ, هَلْ تَدْرِي حَقَّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ, وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ, قَالَ: فَإِنَّ حَقَّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا.
-الله له حق عليك؛ أن تعبده، أن تطيعه، أن تأتمر بأمره، أن تنتهي عما عنه نهاك، أن تتوكل عليه، أن تتوجه إليه، أن تثق به، أن تحبه، حق الله على عباده أن يعبدوه، فسأله مرة ثانية-:
ثُمَّ سَارَ سَاعَةً, ثُمَّ قَالَ: يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ, قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ, فَقَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ إِذَا فَعَلُوهُ؟.
-والله لو لم يكن في السنة إلا هذا الحديث لكفى، هذا الحديث يملأ قلب المؤمن طمأنينة، ويملأ قلب المؤمن ثقة بالله عز وجل-.
قَالَ: حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ))
أنت معك ضمانة من الله ألا يعذبك إذا عبدته. أنت بين التولي والتخلي :
أيها الأخوة, وبشكل مختصر ما دمت تحت مظلة الله عز وجل فأنت في أمن وسلام، مختصر ما دمت تحت مظلة الله عز وجل فأنت في بحبوحة، مختصر ما دمت تحت مظلة الله عز وجل فأنت في حمى الله، لذلك إذا قلت: الله تولاك الله عز وجل، وإذا قلت: أنا تخلى الله عنك، وأنت بين التولي والتخلي, قل: أنا ولو كنت صحابياً لتخلى الله عنك، لن نغلب من قلة، تخلى الله عنهم:
﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾
[سورة التوبة الآية: 25]
في بدر قالوا: الله فتولاهم الله، هذا الامتحان تمتحن به كل يوم، تقول: أنا ابن عائلة، خير إن شاء الله، تقول: أنا معي شهادة عليا، أنا تاجر، ترتكب حماقة بالتجارة فتفلس، حينما تعزو قدراتك إلى ذاتك, فقد وقعت في الشرك الخفي، في أيّ مجال؛ إن كان في العمل الجراحي، إن كان بالدعوة إلى الله، إن كان بالخطابة، إن كان بالتدريس، إن كان بالصناعة.
قصة :
أخ من أخواننا, يكاد يكون الأول في إصلاح الحواسيب الصناعية، وقضاياه سهلة جداً ، متفوق تفوقاً كبيراً، مرة طلبه معمل فطلب مبلغاً، فصاحب المعمل بالغ في محاككته, فتضايق منه, قال له: هذا المبلغ لا آخذ أقل منه، أنا لست بحاجة إليك، أنت بحاجة إلي، وانصرف، بعد يوم اتصل به صاحب المعمل، وقال له: تعال وأصلح هذا الحاسب، قال لي: بالعادة ساعة وتحل معي المشكلة، مرت ساعة، ساعتان، ثلاث، أربع، ثماني ساعات، مضى النهار، والطريق مغلق، ثاني يوم، ثالث يوم، رابع يوم، خامس يوم، سادس يوم، سابع يوم، ولم يصلح، الطريق مغلق، قال له: أريد أن أغيب يوماً، قال لي: غبت يوماً وراجعت نفسي، أنا ماذا فعلت؟ ما الذي قلته, وليس فيه أدب مع الله, حتى أستحق هذا الإغلاق؟ تذكر أنه قال له : أنا لست بحاجة إليك، لكنك بحاجة إلي، اعتد، استغفر، واسترجع، وتاب، ودفع صدقة، فثاني في يوم ربع ساعة انحلت المشكلة، بأي مجال تقول: أنا يتخلى عنك، قل الله يتولاك، أنت بين التولي والتخلي.
متى يتولى الله العبد؟ :
أيها الأخوة، لمجرد أن تقول الله, وأن تعبده, فأنت في حمايته, وأنت في رعايته, وأنت تحت مظلته، وأنت لك معاملة متميزة، والله عز وجل يتولاك بالرعاية, والتوفيق, والتأييد, والنجاح، وهذا معنى قوله تعالى:
﴿وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾
[سورة الأنفال الآية: 19]
معهم بالتوفيق، ومعهم بالتأييد، ومعهم بالنصر، ومعهم بالحفظ، يحفظك, ويؤيدك, و ينصرك, ويتولاك.
إذاً: هناك ضمان من الله أننا إذا عبدناه لن يعذبنا، لنا حق على الله بشرط أن نعبده ألاّ يعذبنا.
من شروط لا إله إلا الله :
1-العلم بها :
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3339/02.jpg
أيها الأخوة: هذه أركانها, فما شروطها؟ الشرط الأول لكلمة لا إله إلا الله: العلم بها، لا يقبل الله من إنسان عقيدة بالتقليد، ولو كانت صحيحة، لأنك إذا قلدت في العقيدة تكون مقاومتك هشة، لا تصمد أمام إغراء وضغط، أقل إغراء يخرجك عن طاعة الله، وأقل ضغط يخرجك عن طاعة الله، أما إذا بنيت عقيدتك على علم, وعلى بحث, وعلى درس, وعلى دليل, وعلى فقه, هذا الإيمان المطلوب، الإيمان التقليدي مرفوض، بل لو أن الله قبل من عباده عقيدة بالتقليد, لكانت كل الفرق الضالة على حق، وناجية عند الله، أليس كذلك؟ ماذا يقولون يوم القيامة؟ يا رب سمعنا فلاناً يقول فصدقناه، نحن قلدناه، لا تقبل عقيدة التوحيد تقليداً، لا تقبل إلا تحقيقاً، لا تقبل إلا عن بحث ودرس، لا تقبل عن استسلام ساذج، لا تقبل إلا عن علم.
ما العلاقة في هذه الآية: -فاعلم أنه لا إله إلا الله- وبين:-واستغفر لذنبك- :
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3339/03.jpg
والدليل:
﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾
[سورة محمد الآية: 19]
الحقيقة: يوجد علاقة رائعة بين قوله تعالى:
﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله﴾
وبيــن: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾
من رأى شيئاً يسره فليحمد الله، ومن رأى غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه، فليستغفر ربه ، هل ترى هذه الحقيقة؟ لا تدع يأساً، ولا حقداً، ولا قهراً، إن جاءت الأمور كما تتمنى فاحمد الله، وإن لم تأت كما تتمنى فاستغفر لذنبك، ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾
الأمر بيد الله عز وجل. وهم طرق في أذهان بعض المسلمين :
الآن يحلو لبعض المسلمين أن يقول: هناك مؤامرات كبيرة على المسلمين، الدول الغربية دول قوية جداً، ودول معها أسلحة مخيفة، ومعها الإعلام، ومعها الاقتصاد، ومعها أسلحة، ونحن ضعفاء، ماذا نفعل؟.
﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾
الأمر بيد الله، لا بيد الغربيين، ولا بيد وحيد القرن، ولا بيد الموساد، ولا بيد الصهيونية العالمية، بيد الله عز وجل، وكلنا عباده، فإذا كنا نعاني من مشكلة كبيرة فلنستغفر لذنوبنا، لأنه ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا يرفع إلا بتوبة، على مستوى أفراد, وعلى مستوى جماعات، ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا يرفع إلا بتوبة. ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾
النقطة الدقيقة: أن عقيدة التوحيد لا تقبل تقليداً، لا تقبل إلا تحقيقاً وبحثاً ودرساً. قف عند هذا الموطن :
الدليل الثاني في صحيح مسلم: عَنْ عُثْمَانَ قَالَ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ))
ويوجد حديث آخر رواه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح]
اليقين لا يحتمل الريب أبداً :
أيها الأخوة, أحياناً عندك عقيدة لا بأس بها، لكن لست متأكداً، لا يوجد يقين، قال الشاعر:
زعم المنجم والطبيب كلاهما لا تبعث الأموات قلت إليكما
أي لا يوجد آخرة:
إن صح قولهما فلست بخاسر أو صح قولي فالخسار عليكما
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3339/04.jpg
هذا في ريب، اليقين لا يحتمل الريب أبداً، اليقين قطعي، يوجد وهم ثلاثين بالمئة، يوجد شك خمسين بالمئة، يوجد ظن ثمانين بالمئة، يوجد غلبة ظن تسعين بالمئة، هذا كله يتناقض مع الإيمان، الإيمان قطع بالمئة مليون، فلا يكفي أن أكون مؤمناً، ولكن لست متأكداً، ينبغي أن أكون مؤمناً يقيناً، يقيناً قطعياً، والدليل أن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾
[سورة الحجرات الآية: 15]
لم يرتابوا: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾
[سورة الأحزاب الآية: 23]
باليقينيات. انظر إلى هذه الهجمة الشرسة ضد المسلمين اليوم :
قد تجد العالم كله يحارب المسلمين، أينما ذهبت إلى أي مكان بالأرض المسلم محارب, هل يتضعضع يقينك أن هذا الدين ليس دين حق؟ لا والله، هو الدين الحق، وهو الدين الذي سيظهره الله على الدين كله، ولو كره الكافرون، هذا هو الدين الحق، ولو أن أهل الأرض جميعاً حاربوه لأنه دين الحق يحارب.
متى يدخل العبد الجنة؟ :
وفي الحديث الصحيح الذي رواه الإمام مسلم: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:
((كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَسِيرٍ, فَنَفِدَتْ أَزْوَادُ الْقَوْمِ, فَقَالَ عِنْدَ ذَلِكَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ, لَا يَلْقَى اللَّهَ بِهِمَا عَبْدٌ غَيْرَ شَاكٍّ فِيهِمَا, إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ))
[أخرجه مسلم في الصحيح]
العلم واليقين.
أحياناً تسأل طالباً سؤالاً, يأتيك بالجواب الصحيح, قد تشعر كفاحص, أن هذا الجواب الصحيح رمية من غير رام، وقد تشعر أنه قالها صدفة، فتحاول أن تغالطه، فإذا كان غير متأكد سريعاً ما يتخلى، يتكلم كلاماً آخراً خطأ، معنى ذلك لا يكفي أن تأتي بالصحيح، ينبغي أن تكون متأكداً، كثيراً بالفحوص الشفهية يشعر الفاحص أن الطالب أجاب إجابة صحيحة، لكنه غير متأكد، مضطرب، فالأستاذ يسأله سؤالاً آخراً كيف؟ مباشرة يتخلى عن إجابته الصحيحة، وينحو منحى خطأ، معنى أجاب إجابة صحيحة، لكنه غير متأكد، غير متيقن، فلا يكفي أن تعلم أنه لا إله إلا الله، أن تقول: لا إله إلا الله، ولو كنت تحت سياط الجلادين، كسيدنا بلال الحبشي، كان يقول: أحَد أحَدٌ، وهو يتلقى التعذيب، أن تؤمن أنه لا إله إلا الله، وأمامك سبائك الذهب اللامعة, تقول: معاذ الله أن أخون ديني، وأن تقول: لا إله إلا الله, وأنت تحت سياط الجلادين اللاذعة، هذا الإيمان الذي يصمد أمام الإغراء تارة، وأمام الضغط تارة أخرى. 2- أن تكون مخلصاً في النطق بها :
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3339/05.jpg
شروط هذه الكلمة كلمة التوحيد، كلمة الإسلام الأولى لا إله إلا الله: أن تكون مخلصاً في النطق بها، والإخلاص من أين يؤتى؟ من أين يشترى الإخلاص؟.
لو أن شخصاً, سأل طبيباً متفوقاً جداً, قال له: بربك لي عندك طلب صغير جداً، قال له: تفضل، قال له: علمني كيف أكتب الوصفة؟ تبسم الطبيب, قال له: كتابة الوصفة محصلة كتابة ثلاث وثلاثين سنة، بعد دراسة ثلاثاً وثلاثين سنة, تكتب للمريض وصفة صحيحة، فهذا الأخ طلب شيئاً بسيطاً جداً، فقط يتعلم كيف يكتب الوصفة، فالإخلاص محصلة إيمانك كله، محصلة جهاد نفسك وهواك، محصلة صلاتك، محصلة توحيدك وإيمانك بالربوبية، محصلة عملك الصالح، الإخلاص نهاية النهاية، الإخلاص كيف أن سعر العملة يقيد اقتصاد أمة، العملة سعرها يعبر عن اقتصاد أمة، النمو الاقتصادي, والتصنيع, والتجارة الرابحة, والتصدير، كل هذه العوامل ملخصة بسعر العملة، فلذلك محصلة دينك كله: إخلاصك لله عز وجل.
من علامة إخلاصك :
بالمناسبة: المخلص لا يتأثر بالمديح إيجاباً، ولا يتأثر بالذم سلباً، يبتغي وجه الله، ولا يعبأ، أمدح أم لم يمدح:
﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً﴾
[سورة الإنسان الآية: 9]
والمخلص لا يتغير عمله في خلوة عن جلوة، هو في الخلوة وفق منهج الله، ومع الناس وفق منهج الله، لا يتغير سلوكه بإقامة أو بسفر.
قال لي شخص: يوجد إنسان دينه جغرافي، أي في بلده منضبط، أما إذا سافر إلى بلاد أخرى لا ينضبط، فعلامة الإخلاص: ألاّ يتبدل عملك لا بالمكان, ولا بالزمان، ولا بالخلوة, ولا بالجلوة، ولا بالمديح, ولا بالذم، علامة إخلاصك: أنك إذا عملت عملاً يرضي الله, شعرت بالسكينة في قلبك، لأن الله أعاد عليك إخلاصك, سكينة ألقاها في قلبك.
من عدم الإخلاص :
من تعلم العلم ليجادل به العلماء، أو ليماري به السفهاء، أو ليصرف وجوه الناس إليه, فليتجهز إلى النار.
أحياناً يتكلم أخوك كلاماً طيباً, أنت أصبحت بالتعتيم, فلا بد من أن تعارضه كي تثبت شخصيتك في المجلس، موضوع الحق لم يخطر في بالك إطلاقاً، موضوع أنه أنا موجود، فأكثر الاعتراضات تكون من إنسان غير مخلص.
قال سيدنا الصديق لسيدنا عمر: يا عمر ابسط يدك لأبايعك، قال له: أنا!؟ أي أرض تقلني, وأي سماء تظلني, إذا كنت أميراً على قوم فيهم أبو بكر، قال له: يا عمر أنت أقوى مني ، قال له: يا خليفة رسول الله أنت أفضل مني، فقال له عمر: قوتي على فضلك نتعاون.
من منعكسات الإخلاص :
أخواننا الكرام, الإخلاص له منعكسات رائعة، أحد منعكساته التعاون، أحد منعكساته التواضع، أحد منعكساته حمل هم المسلمين، أحد منعكساته أن المخلص يضحي بمصلحته الخاصة مقابل مصالح المسلمين العام، هذا المخلص.
أنواع العبادة :
قال تعالى:
﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ﴾
[سورة البينة الآية: 5]
العبادة نوعان؛ عبادة الجوارح، وعبادة القلب، عبادة الجوارح أن تصلي، وأن تصوم، وأن تحج، وأن تزكي، وأن تغض البصر، وعبادة القلب الإخلاص، الإخلاص ينفع معه كثير العمل وقليله، وعدم الإخلاص لا ينفع معه لا كثيره ولا قليله، الإنسان دون أن ينتبه, بفلتة لسان يشف عن عدم إخلاصه، إذا كانت له مكانة معينة في مجتمع، وظهر من بيته مخالفة شرعية, لا يتألم أن هناك مخالفة، ماذا يقول الناس عني فقط؟ لو أن هذه المخالفة ارتكبت دون أن يعلم الناس بها, فلا مشكلة عنده أبداً، المشكلة ماذا يقول الناس عني؟ هذا عدم إخلاص.
صلى إنسان خلف الإمام في الصف الأول، وأدرك التكبيرة الأولى أربعين عامًا في صلاة الفجر، فلما فاتته الصلاة في المسجد في أحد الأيام, تألم ألماً لا حدود له، قال: ماذا يقول الناس عني في هذا اليوم؟ معنى ذلك أن عمل أربعين عامًا لا قيمة له عند الله، فشتان بين أن تعمل للناس، وبين أن تعمل لله، اعمل لوجه واحد يكفك الوجوه كلها.
إليكم الدليل من السنة على أنه من شروط لا إله إلا الله الإخلاص :
أيها الأخوة, إضافة إلى الدليل القرآني على أن الإخلاص من شروط لا إله إلا الله, هناك دليل من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ففي حديث البخاري: فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ:
((قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَنْ لَا يَسْأَلُنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ, لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْحَدِيثِ, أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ, مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ أَوْ نَفْسِهِ))
ورد أيضاً: أنه من قال: ((لا إله إلا الله بحقها دخل الجنة، قيل: وما حقها؟ قال: أن تحجزه عن محارم الله))
وفي صحيح الإمام مسلم: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ, يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح]
العلم، واليقين، والإخلاص، حتى تصح تكون هذه الكلمة محور عقيدتنا، ومحور إيماننا.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-01-2018, 06:20 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية من مفهوم القران والسنة

الدرس : ( السابع )

الموضوع : شروط لااله الا الله (2)







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. ما الفرق بين حالة المؤمنين في عهد النبي وبين حالتهم في العصور المتأخرة؟ :
أيها الأخوة الكرام, مع الدرس السادس من دروس العقيدة الإسلامية، وقد بدأت في الدرس الماضي بفضل الله عز وجل بمعنى لا إله إلا الله, وذكرت بعضاً من شروطها، وها أنذا أتم الشروط، ولكن لا بد من كلمات في هذا الموضوع.
أخوتنا الكرام, قد تجد بوناً شاسعاً بين حالة المؤمنين في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وبين حالتهم في العصور المتأخرة، أضع بين أيديكم هذا المثل:
قد يرتدي طبيب ثوباً أبيضَ، وقد يضع على عينيه نظارة، وقد يضع في جيبه ميزان حرارة، وقد يضع في عنقه سماعة قلب، هذا المظهر، لكن الحقيقة: أن هذا الطبيب أمضى ثلاثة وثلاثين عاماً في الدراسة، واجتاز امتحانات صعبة جداً، واجتاز امتحانات عملية، وله تجارب كثيرة، حتى إن مجموع هذه المعلومات، وتلك الخبرات، وهذه التجارب, شكّل إنساناً يعلم بدقائق عمل هذا الجسم.
الآن لو جاء إنسان لا يقرأ ولا يكتب، وارتدى ثوباً أبيضاً، ووضع على عينيه نظارة، ثم وضع في جيبه ميزان حرارة، ووضع في عنقه سماعة قلب، هل يعد هذا طبيباً؟ المظهر متقارب, أما البون فشاسع وكبير.
ما سبب فتح مشارق الأرض ومغاربها في عهد الصحابة؟ :
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3340/01.jpg
أخوتنا الكرام, هذه الكلمة لا إله إلا الله التي لما آمن بها أصحاب رسول الله, فتحوا مشارق الدنيا ومغاربها، والأرض هيَ هي، كيف الآن لدينا دولة قوية جداً، وقبل سنوات كان يوجد دولتان قويتان جداً يملكان زمام القوة في العالم، وفي عهد النبي عليه الصلاة والسلام كان هناك دولتانِ قويتان قطبان الفرس والروم، والفرق بين قوة أصحاب رسول الله وهم قلةٌ قليلة عاشوا في الصحراء، وبين قوة هذه الدول الكبيرة في عهد النبي الفرق نفسه, لكن هذه الكلمة حينما فهمها أصحاب رسول الله فهماً كما ينبغي، وعملوا بها كما ينبغي، كانت نتائج فهمهم لها كبيرةً جداً.

ما معنى لا إله إلا الله, لا معبود بحق إلا الله؟ :
أيها الأخوة، لا تعتد بمن يقول: لا إله إلا الله بلسانه، لا تعتد بمن يقول: لا إله إلا الله ولم يؤمن بها قلبه، لا تعتد بمن يقول: لا إله إلا الله ولا ترى أثرها في عمله، يعني لا إله إلا الله: لا معبودٍ بحقٍ إلا الله، والمعبود هو الذي يعطي، وهو الذي يمنع, وهو الذي يخفض، وهو الذي يرفع، وهو الذي يعز, وهو الذي يذل، هذا المعبود, إن الله وحده يعطي ويمنع، ويخفض ويرفع، ويعز ويذل، إذاً: يجب أن تعبده وحده.
الآن: أي مسلم يبتغي أمراً بمعصية الله, لا يؤمن بهذه الكلمة أبداً.
كنت أقول دائماً: أن كلمة الله أكبر يقولها الإنسان في اليوم عشرات المرات، إذا أعجبه منظر قال: الله أكبر، إذا سأل عن السعر: الله أكبر، الله أكبر ما هذا السعر؟ نرددها عشرات المرات، لكن لو أنك أطعت زوجتك، ولم تطع ربك، لو أنك أرضيت زوجتك بمعصية ربك، لو أنك أرضيت أولادك بمعصية ربك، لو أنك أطعت مخلوقاٌ وعصيت خالقاً، لم تقل الله أكبر ولا مرة، ولو رددتها بلسانك ألف مرة، فالمشكلة لا مع كلمات تردد، بل مع مضامين يعتقد بها، لا مع كلمات مؤلفة من حروف تردد، ولكن مع مضامين.
لما أرسل خليفة المسلمين هارون الرشيد رسالة قال لنقفور الروم: من هارون الرشيد إلى كلب الروم، ما الذي حصل؟ إنه حاربهم، وانتصر عليهم، وانتزع منهم الجزية، قلّدها إنسان آخر لم تنجح القضية، ليست باللفظ، بل بالعمل.
تعمق في معنى هذه الكلمة :
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3340/02.jpg
فنحن في الدرس الماضي بدأنا بالحديث عن شروط هذه الكلمة: كلمة لا إله إلا الله.
لو تعمقنا في معناها لحوصرنا, تنافق من أجل ماذا؟ من أجل أن تنال عند هذا القوي مكانةً، العز عند الله، الله عز وجل هو الذي يعز، فإن العزة لله جميعاً، لو أيقنت أن الله وحده يعز ووحده يذل, لما نافقت مع هذا الإنسان، لو آمنت أن الله وحده يرزق ووحده يقدر, لما كسبت رزقك بالحرام.


ما سبب وجود هذه الأمراض بين المسلمين اليوم؟ :
لو أردت أن تحلل كل ما يفعله المسلمون من انحرافات عن منهج الله, وجدت أنها بسبب ضعف توحيدهم، وبسبب ضعف إيمانهم بلا إله إلا الله، لا إله إلا الله، لا معبود بحقٍ إلا الله، ليس في الكون جهةٌ تستحق أن تعبد إلا الجهة التي تتصرف وحدها، وتعطي وحدها، وتمنع وحدها، وترفع وحدها، وتخفض وحدها.
أكاد أقول: إن معظم أمراض المسلمين من ضعف توحيدهم، إن معظم معاصي المسلمين من ضعف توحيدهم، إن معظم انحرافات المسلمين من ضعف توحيدهم، إن معظم المخاوف التي تأكل قلوب المسلمين من ضعف توحيدهم.
هذه كلمة التوحيد الأولى لا إله إلا الله، والله يمكن أن تتكلم عن هذه الكلمة سنوات، الإله الذي يمنح الحياة هو الله، والذي ينهي الحياة هو الله، التغى الجبن، التغى الخوف، الذي يمنحك الحياة هو الله وحده، والذي يأخذها منك هو الله وحده، من هنا تأتي الشجاعة، الذي يرزقك هو الله وحده، والذي يقتر عليك الرزق هو الله وحده، من هنا تأتي الاستقامة في كسب المال، الذي يعزك هو الله وحده، من هنا يلغى الرياء، ما في داع أن أمدح نفسي، ولا أن أنتزع إعجاب الناس، ولا أن أمضي الساعات الطويلة في الحديث عن نفسي، وعن مكانتي, وعن إمكاناتي، وعن إنفاقي, وعن مالي، حتى أكون في مكان مرموق في نظر الناس، تكاد تكون معظم أمراضنا بسبب ضعف التوحيد، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، تكاد تكون معظم آلامنا بسبب ضعف التوحيد.
ما مطلب هذا الدليل من القرآن؟ :
الدليل:
﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾
[سورة الشعراء الآية: 213]
أخواننا الكرام, الشهوة إله، وسمعتك التي تحرص عليها إله، قد تعصي الله فيما بينك وبينه، وتتألم أشد الألم إذا علم الناس بهذه المعصية، معنى ذلك: أنك تعبد سمعتك من دون الله، الحديث عن لا إله إلا الله لا ينتهي، لكن الجهة الوحيدة التي ينبغي أن تطيعها، وأن تحبها، وأن تخلص لها، وأن تتوكل عليها، وأن تقبل عليها، وأن تسلم إليها مصيرك، هي الله عز وجل، هي الجهة الوحيدة، الجهة الصانعة. هذا ما قاله علماء النفس :
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3340/03.jpg
أيها الأخوة, سمعت من بعض علماء النفس: أن أشد الناس ذكاءً، بل إن العباقرة من الناس, لم يستخدموا من طاقاتهم العقلية إلا النذر اليسير، أودع الله فيك إمكانات شيء لا يصدق، إمكانات كبيرة جداً، لكن الناس يعيشون على هامش الحياة، لو سألت ألف إنسان ما هدفك؟ يعيش بحكم أنه حي, والتعبير العامي عم ندفش، لماذا أنت في الحياة؟ ما هدفك؟ أهدافه غير واضحة، يسوقه التيار العام، تسوقه ما يفعله الناس في الخط العريض، أما أنه هدفه واضح, وسائل الهدف واضحة عنده، وقته ثمين جداً, يراقب نفسه, يحكم نفسه، ولا تحكمه، هذا إنسان يكاد يكون قليلاً.
من شروط لا اله إلا الله :
1-أن تكون صادقاً في قولها وفي العمل بها :
من شروط لا إله إلا الله: أن تكون صادقاً في قولها، وفي العمل بها، لأن هناك كلامًا لا معنى له.
قد تسأل ملحدًا: كيف صحتك؟ يقول لك: الحمد لله، هذا الملحد ينكر وجود الله، فكيف يحمد الله عز وجل؟! هذا الكلام ليس له معنى، هذا مثل كثيرٍ من الكلام يقوله الناس لا معنى له إطلاقاً، وأحياناً هذه الكلمة العظيمة التي هي كلمة الإسلام الأولى, قد يرددها الناس دون أن يفقهوا معناها، لا إله إلا الله ينبغي أن تكون صادقاً في قولها، وصادقاً في العمل بها، لو أجبرك قوي على معصية, وتقول أنت: لا إله إلا الله, صادقاً في قولها, لا يمكن أن تقبل، ولو كان التهديد في حياتك.
سيدنا بلال كان يقول: أحدٌ أحد، لو قلت: لا إله إلا الله صادقاً في قولها, لا يمكن أن تطيع مخلوقاً وتعصي خالقاً، لو قلت: لا إله إلا الله صادقاً بها, لا يمكن أن تبتغي وسيلة غير شرعية إلى هدف مشروع، أما ما يقوله الناس: إن الغايات تبرر الوسائل، هذا كلام شيطاني، هذه في الحقيقة كلمات كثيرة جداً, جاءتنا من جهات تعادي الدين، نحن أخذناها دون أن نفهمها.
دع ما لقيصر لقيصر، وما لله للهِ، الدين لله، والوطن للجميع، يعني أن الدين علاقة شخصية فقط، لكن الدين لا ينبغي أن يأخذ به في نظم الحياة، يمكن أن يكون أي تشريع أرضي نابع من مصلحة فئةٍ معينة، أما الحياة فينبغي أن ينظمها الدين، ما هدف الجهاد؟ أن يكون الدين لله، ليخضع الناس لله في تشريعاتهم.
أيها الأخوة, الصدق أن تكون صادقاً في قولها, وأن تعتقد بها اعتقاداً جازماً، أن تعمل بها, يؤكد صدقك في قولها, أنك تعمل بها.
ما وراء هذا المثل :
أنا ذكرت هذا المثل مرات عديدة: لو أنك ذهبت إلى طبيب، وكنت ذكيا لبقاً اجتماعياً ، وعالجك، ووصف لك وصفة، وأنت فيما بينك وبين نفسك, تعتد بعلم هذا الطبيب، فصافحته ، وأثنيت عليه، وشكرته بحرارة، ودفعت له الأجر، وأخذت الوصفة، لكنك لم تشتر الدواء، ولم تعبأ بتوجيهاته، إنك تكذبه مع كل الاحترام والتبجيل الذي قدمته له، هذا التكذيب اسمه التكذيب العملي، مع كل الوقار والتبجيل الذي منحته لهذا الطبيب, لأنك لم تفكر أن تشتري الدواء الذي وصفه لك, فأنت تكذبه تكذيباً عملياً.
أنا أقول لكم أيها الأخوة: التكذيب اللفظي قلّما نجده في العالم الإسلامي، لا تجد إنساناً مسلماً يقول لك: ليس هناك آخرة، لكن لأن عمله لا يتناسب مع الآخرة إطلاقاً، لأن كسبه للمال لا يتناسب مع يوم الحساب، لأنه اختيار عمل في أصله لا يرضي الله, لا يتناسب مع الآخرة، لأن طريقة سلوكه لا تؤكد أنه يخاف الله عز وجل، فالكلام ليس له قيمة أبداً، ونحن في عصر ذهبي للكلام المنمق؛ كلمات رنانة، مشاعر طيبة، مشاعر الأسى والحزن في المناسبات الحزينة.
قصة :
توفيت قريبة أحد الأشخاص، وهي بخيلة جداً، وهو وريثها الوحيد، وتركت الملايين المملينة، طبعاً بحسب التقاليد: لبس الأسود، وأطل لحيته، وبدا وكأنه حزين، فجاء صديقه في أثناء التعزية, وقال له: تهانينا، هذه كلمة صدق، رقص قلبه بموتها، لكن هناك كلام، وهناك شكل، وهناك سلوك, ينبغي أن يأخذ به, لئلا يتهم أنه شامت بموت قريبته.
فيا أيها الأخوة, أن تقولها صادقاً بها، يؤكد صدق هذه الكلمة؛ كسبك للمال, إنفاقك للمال، بيتك, بناتك, زوجتك، علاقاتك, مناسبات أفراحك، مناسبات أحزانك لا سمح الله.
متى تكشف حقيقة الإنسان؟ :
أيها الأخوة, مسموح لك أن تقول ما شئت، لكن الله متكفل أن يحجمك، بدليل قوله تعالى:
﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾
[سورة العنكبوت الآية: 2]
فقضية أن تقول ما تشاء, قل ما شئت، لكن الله متكفل أن يحجم هذا الإنسان، أن يضعه بظرف يكشفه تماماً، أحياناً الإنسان يترفع عن أكل المال الحرام، يترفع عن مئة ليرة، ألف, خمسة آلاف، عشرة آلاف، عرض عليه مبلغ مليون، يقول: عندي أولاد، غير النغمة، عندي أولاد، هذه بلوى عامة، وهذا ماله حرام لا بد أن نأخذه منه، اختلف الوضع كله، مقاومته هشة.
الله عز وجل قال:
﴿وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾
[سورة المؤمنون الآية: 30]
مهما ادعيت أنك أنت بأعلى درجة، الله عز وجل يضع الإنسان بظرف، الظرف عجيب الظرف, يكشف حقيقة الإنسان. عملية فرز :
حدثني أخ من مصر, حينما وقع زلزال في القاهرة، الأطباء من دون زلزال مخلصون متفانون في خدمة المواطنين، ويعملون ليلاً ونهاراً، لما حدث الزلزال, عدد كبير منهم هرب إلى الإسكندرية، وعدد قليل بقي في المستشفيات, يعمل ليلاً ونهاراً لخدمة المصابين، ما الذي كشفهم؟ الزلزال، من الذي فرزهم؟ الزلزال، من الذي بين صالحهم من طالحهم؟ الزلزال، لذلك الله عز وجل قال: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾
[سورة آل عمران الآية: 179]
عملية فرز، قال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾
[سورة العنكبوت الآية: 2]
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾
[سورة العنكبوت الآية: 3]
ما الشاهد في هذا الحديث؟ :
النبي عليه الصلاة والسلام يقول في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام البخاري, عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ, أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمُعاذٌ رَدِيفُهُ عَلَى الرَّحْلِ, قَالَ:
((يَا مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ, قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ, قَالَ: يَا مُعَاذُ, قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ, ثَلَاثًا, قَالَ: مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ, وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ, إِلَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ, قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَفَلَا أُخْبِرُ بِهِ النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا؟ قَالَ: إِذًا يَتَّكِلُوا, وَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثُّمًا))
يشهد صادقاً من قلبه إلا حرّم الله عليه النار. من صفات الإيمان بلا إله إلا الله :
الآن: من صفات الإيمان بلا إله إلا الله: أن تقبل كل ما جاءك عن الله، الله عز وجل يقول:
﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونََ﴾
[سورة الصافات الآية: 35]

هؤلاء الذين يستحقون العذاب، الناس لا يقبلون تفسيراً للأحداث توحيدياً، يميلون إلى قبول التفسير الشركي الأرضي، نحن أمةٌ من أعلى مستوى, لكن يوجد مؤامرة كبيرة علينا، ماسونية, وصهيونية, واستعمار, وبوش, وشارون، ونحن لم نفعل أي شيء أبداً، التفسير التوحيدي الذي يضعك عند مسؤوليتك، والذي يجعل الكرة في ملعبك، والذي يدفعك أن تغير من سلوكك مرفوض، والتفسير الشركي مقبول، الإنسان يهرب من المسؤولية، يهرب من أن يكون هو المسؤول.
لو أن أباً قصر في تربية ابنه، وابنه فسد، أسأله فيقول: الزمن صعب، المدرسة فاسدة ، والطريق فاسد، والكتاب فاسد، والمناهج فاسدة، والشاشة فاسدة، والإنترنت، وأنت أين كنت ؟ يميل الأب المقصر أن يتهم كل الأطراف الأخرى عدا نفسه، هو غير مسؤول، إذًا: أن تقبَل عن الله عز وجل كل ما جاءك في كتاب الله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونََ﴾
[سورة الصافات الآية: 35]
هذه حقيقة الاستكبار على الله :
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَمِّهِ: قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ, أَشْهَدُ لَكَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ, قَالَ: لَوْلَا أَنْ تُعَيِّرَنِي قُرَيْشٌ, يَقُولُونَ: إِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ الْجَزَعُ, لَأَقْرَرْتُ بِهَا عَيْنَكَ))
[أخرجه مسلم في الصحيح, والترمذي في سننه]
إنسان يأبى أن يأتي إلى مجلس علم، أكبر من هذا بكثير, مع أنه طالب العلم، والذي يعلمه في الأجر سواء.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا, سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ))
[أخرجه الترمذي وأبو داود في سننهما]
الترحيب بطالب العلم لا نهاية له في الدين، لك عند الله مكانة كبيرة, حينما تجلس في مجلس علم، لكن هناك من يستكبر، هو أكبر من أن يكون طالب علم، من هذا الذي يدرس هو أفهم منه. المتكبر محجوب عن الله، مبغوض من قبل الخلق :
أخواننا الكرام, كنت أقول لكم: شخص جاءه ضيوف فجأةً، عشرون شخصاً، وليس عنده شيء، عنده كيلو لبن، وضع خمسة أمثاله ماء، ووضع بعض الملح والثلج، وقدم شراب عيران، هذا الكيلو من اللبن قبِل خمسة كيلو من الماء، وصار شراباً طيباً، لو وضعت في اللبن نقطة بترول لم يشرب، الكبر يفسد العمل، المتكبر محجوب عن الله، مبغوض من الخلق, قال تعالى:
﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونََ﴾
[سورة الصافات الآية: 35]
انظر إلى هذا القول لأحد العلماء :
يقول أحد العلماء: والله لأن أكون ذنباً في الحق أفضل من أن أكون رأساً في الباطل.
وربّ أشعث أغبر ذي طمرين مدفوع بالأبواب, لو أقسم على الله لأبره.
الله له مقاييس رائعة جداً، الله عز وجل ينظر إلى قلوبنا، قد يأتي إنسان طالب علم, منيب إلى الله، مستقيم على أمره, خائفٌ منه، يكون أفضل من ألف ألف إنسان له سمعة وشهرة كبيرة.
من علامة الولاء والبراء :
الآن: الحب المماثل للبغض، يجب أن تحب الله، يجب أن تحب المؤمنين، يجب أن تحب أمتك الإسلامية على ما فيها من خلل، في إنسان يعتز بالكفر، يمدحهم, يثني على تخطيطهم، يثني على قوتهم، يثني على بطشهم، على ثرواتهم، ويقول: هذه أمة متخلفة، كل إنسان واقعي، في تقصير كبير.
يا سلمان, لا تبغضني فتفارق دينك، سيدنا سلمان قال: يا رسول الله! كيف نبغضك وبك هدانا الله؟ قال: يا سلمان, تبغض العرب فتبغضني.
أي هذه الأمة التي شرفها الله بهذا الدين, الآن مقصرة، الآن كبى جوادها، الآن في محنة، لكن ينبغي ألا تتخلى عنها.
إذا واحد له أب, أحسن تربيته, قدم له روحه, وجعله إنسان مرموق، والأب ليس متعلماً، ممكن أن يقول الابن: هذا أبي متخلف لا يطاق، حديثه صعب وممل، يعيد القصة مئة مرة، ولكن لولاه لكنت أنت من الأشخاص السيئين، لما ينسى الإنسان أصله، وينسى منشأه، وينسى أمته، ويلتصق بالأجانب، بأعداء الله، ويكونوا أذكياء أكثر، وعندهم نظام، وعندهم تفوق، وعندهم شيء جميل، المؤمن انتماؤه للمؤمنين، لا أقول: نحن في الأوج، لا, عندنا مشاكل لا تعد ولا تحصى، لكن من علامة إيمانك: أنك تلتصق بأمتك، أصلحها، أرشدها، خذ بيدها، ساهم في حل مشكلتها، خفف عنها الأعباء، أحمل همومها، ابتعد عنها، انسلخ منها، أراقبها عن بعد، أحتقرها، أمجد أعداءها، أنا مسلم، ينبغي أن تحب الله ورسوله، وأن تحب المؤمنين، الأبلغ من ذلك: ينبغي أن تحب المؤمن، ولو نالك منه أذى، وينبغي أن تبغض الكافر، ولو نالك منه خير.
لذلك ورد في بعض الأدعية: أن يا رب لا تجعل لي خيراً على يد كافر.
لعلك تحبه, ولعلك تمجده، ولعلك تثني عليه دون أن تشعر.
وبالمناسبة: إن الله ليغضب إذا مدح الفاسق.
إنسان لا يصلي، ماله حرام، لبق، ذكي، معه شهادة عليا، أين بقيت الصلاة, وماله الحرام، وكذبه، ونفاقه؟ إن الله ليغضب إذا مدح الفاسق، فكيف إذا مدح الكافر؟ لكن الحمد لله, أعانونا على أن نكفر بهم، رأينا قيمهم في العراق، رأينا حريتهم، وديمقراطيتهم، وعدالتهم، ورحمتهم بالحيوان، أما الإنسان فلا يرحمونه.
ما الفرق بين حلاوة الإيمان وبين حقائق الإيمان؟ :
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ, عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ؛ مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا, وَمَنْ أَحَبَّ عَبْدًا لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ, وَمَنْ يَكْرَهُ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ, كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ))
لذلك هناك حقائق الإيمان، وهناك حلاوة الإيمان، حقائق الإيمان: المعلومات التي بين أيدي المسلمين، لكن حلاوة الإيمان: هذه السفينة التي يلقيها الله في قلب المؤمن، يعني أنه بصراحة إن لم تقل: أنا أسعد الناس, فهناك ضعف في إيمانك.
مرتً زرت أخًا, توفي رحمه الله، كان بالحج، فزرته، قال كلمة رائعة، قال لي: والله ليس في الأرض من هو أسعد مني, إلا أن يكون أتقى مني، وصل إلى شيء ثمين. 2-الانقياد التام لله عز وجل :
الآن من شروط لا إله إلا الله: الانقياد التام لله عز وجل:
﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾
[سورة الزمر الآية: 54]
أنيبوا إلى ربكم، أي قضية في الدين خاضعة للمناقشة عند الإنسان. مؤتمر عقد في لوس أنجلوس :
مرة كنت في مؤتمر, عقد في لوس أنجلوس، قام أحد الخطباء فقال: هنا في هذه البلاد, ليس هناك شيء مقدس، وليس هناك شيء غير قابلٍ للبحث، كل شيء يبحث، وكل شيء يُكشف خطؤه وصوابه، وقد يرفض، لا يوجد مسلَّمات.
مرة اضطر أولو الأمر في بلاد الحجاز, أن يستخدموا فريقًا خبيرًا في السير، لعُقَد السير المستعصية في مِنى, وفي عرفات، فالفريق أجنبي، لحل أزمة السير في مشاعر الحج، فالخبراء درسوا، وأخذوا إحصاءات، وراقبوا عن كثب، وصوروا، ودرسوا، واجتمعوا، وقرروا، وقدموا تقريرًا، فكان التقرير أن يكون الحج على خمس دورات في العام، كل شهرين حج، هم في واد، والمناسك في واد، فالمؤمن يستسلم لله، يقبل هذه الشريعة.
من الأخبار :
يأتي إنسان متفلسف يقول: قطع اليد همجية.
مرة سمعت برنامجاً إخبارياً من إذاعة بعيدة جداً، والله الذي سمعته لا يصدق، إنهم مدهشون أن إنساناً فرضاً يحمل مليون ريال في كيس، ويمشي في الطريق، سابقاً طبعاً إنسان يقود شاحنة فيها رواتب محافظة, تبعد ألفي كيلو متر عن مركز العاصمة، وهو آمن، قطارات مصفحة مع مرافقة مسلحة، وتسرق، الشيء الذي يرونه لا يصدقونه.
أنا سمعت أخبارًا, قبل هذه الأيام, قبل عشرين عاماً، صراف العملة كل ماله في صندوق مكشوف، يؤذن المؤذن, فيذهب إلى الصلاة، يضع قماشًا فوق العملة، في أي مكان في العالم توجد هذه؟.
الإمام الشافعي سئل:
يد بخمس مئين عسجد وديت ما بالها قطعت بربع دينار؟
وديت؛ أي ديتها خمسمئة دينار ذهبي.
فأجاب الإمام الشافعي: عز الأمانة أغلاها وأرخصها ذل الخيانة فافهم حكمة الباري
لما كانت أمينة كانت سليمة، فلما خانت هانت، يعني تقطع في ربع دينار، إذا قطعت خطأً, ديتها خمسمئة دينار عسجدا، أي بحدود خمسة ملايين، دية يد قطعت خطاً بحادث، أما إذا سرقت ثلاثة دراهم تقطع.
عز الأمانة أغلاها وأرخصها ذل الخيانة فافهم حكمة الباري
3- أن تكفر بالطواغيت :
أخواننا الكرام, آخر شرط من شروط لا إله إلا الله: أن تكفر بالطواغيت, من هوي الكفرة حشر معهم، ولا ينفعه عمله شيئاً، أنت قلبك ممتلئ تعظيماً لله ولرسوله وللصادقين من المؤمنين، تعظيماً لهذا القرآن لهذا المنهج، لو شققت عن صدر واحد من ضعاف المؤمنين, لوجدته مُلِئَ تعظيماً بالشركة الفلانية، سوني، ما هذه الشركة؟ بالسيارات الماركة المعينة، يعظم صنعة الإنسان، ولا يعظم صنعة الواحد الديان، هناك إتقان بالصنعة عال جداً، لكن الله عز وجل قال:
﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾
[سورة الروم الآية: 7]
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3340/04.jpg
فينبغي أن يملأ قلبك خلق الله عز وجل, آياته الدالة على عظمته، الشمس والقمر، والليل والنهار، هذا الطعام الذي تأكله كل يوم: من صنعه؟ من صممه؟.
سمعت عن البطيخ, أن سبعة وتسعين بالمئة منه ماء، وثلاثة بالمئة مواد أخرى، كيف جمد هذا الماء؟ وله قشرة صلبة, وشكل بيضوي، وينتقل عبر مئات الكيلو مترات بشاحنة كبيرة، وكله فوق بعضه بعضاً، وينضج خلال تسعين يوماً، ليغطي فصل الصيف، تصميم من هذا؟ الله عز وجل، المؤمن يتفكر بآيات الله, يقول الله عز وجل: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾
[سورة البقرة الآية: 256]
أي يبدو أنه مستحيل أن تؤمن بالله قبل أن تكفر بالطاغوت، لا يجتمع إيمان بالله وإيمان بالطواغيت، فلذلك المؤمن الصادق يكفر بالطاغوت، الطواغيت كل من دعاك إلى معصية، كل من دعاك إلى الدنيا، صغراء عنده, لا يعظمهم, لا يعبأ بهم، ولا يخشى بطشهم، ولا يطمع في ما عندهم.
أمر الحجاج بقتل أحد التابعين، قال له: والله لو علمت أنك تستطيع أن تميتني, لما عبدت غيرك، لكنك لا تستطيع، هذا المؤمن يعتز بالله عز وجل.
أيها الأخوة, في صحيح مسلم: عَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْجَعِيِّ قَالَ: ((سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ, وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ, حَرُمَ مَالُهُ وَدَمُهُ وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ))
[أخرجه مسلم في الصحيح]
خاتمة القول :
انتهتْ في هذا الدرس الثاني شروط لا إله إلا الله، وهي بين أيديكم، فأرجو الله سبحانه وتعالى أن ننتفع بها، وأن نكون في المستوى الذي أن ينبغي نفعله, كي ننجو من عذاب الدنيا وعذاب الآخرة.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-01-2018, 06:23 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية من مفهوم القران والسنة

الدرس : ( الثامن )

الموضوع : نواقض الاسلام (1)







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. موضوع الدرس اليوم :
أيها الأخوة الكرام, مع الدرس الثامن من دروس العقيدة الإسلامية, وصلنا في موضوعات العقيدة إلى موضوعٍ ينبغي أن ندقق في فهمه، ألا وهو نواقض الإسلام، لو أن إنساناً معه ورقة مالية بمليون أو بمئة مليون، وهي ورقةٌ مزورة، الأَولى أن يعلم أو لا يعلم؟ الأولى أن يعلم، لماذا؟ من أجل ألا يبني آمالاً من دون أسباب، من أجل ألا يبني أحلاماً من دون أسس، فالحقيقة المرة دائماً وأبداً هي أفضل ألف مرة من الوهم المريح.
الحقيقة: كل واحد من المسلمين راضٍ عن إيمانه، لكنه ليس راضياً عن رزقه، والأولى ألا ترضى على ما تتوهم ما هو إيمان، فلذلك باب نواقض الإسلام بابٌ خطيرٌ وأساسيٌ في العقيدة الإسلامية، فالشرك ينقض الإسلام، وقد قال الله عز وجل:
﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾
[سورة يوسف الآية: 106]
احفظ هذه المعادلة :
لو تصورنا أن عقيدة التوحيد راسخة في الإنسان، هناك آلاف الأمراض يشفى منها، أمراض القلق، وأمراض الخوف، وأمراض النفاق، وأمراض الخنوع والخضوع، هذه الصفات التي تزري بالإنسان, والتي تحبط به عن أن يكون عزيزاً، كل هذه الأمراض بسبب ضعف التوحيد، لأن الإنسان إذا أيقن أن الذي وهبه الحياة, لا يمكن أن يسمح لأحد أن يأخذها منه إلا الذي وهبه إياها، وأن الله سبحانه وتعالى تكفل بأرزاق العباد، وكلمة الحق لا تقطع رزقاً، ولا تقرب أجلاً، لذلك تقوى شخصيته ويتفاءل ويطمئن إلى عهد الله عز وجل، فالصحة النفسية تساوي التوحيد، والأمراض النفسية تساوي الشرك:
﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾
[سورة يوسف الآية: 106]
متى يحبط العمل؟ :
قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾
[سورة الزمر الآية: 65]

إذا أشركت يحبط العمل، كيف؟ لو كان العملُ مقبولاً عند الناس، لكنك لم تقدم عليه ابتغاء وجه الله، بل ابتغاء أن يرضى الناس عنك، إذاً هذا شرك، بل ابتغاء السمعة، إذاً هذا شرك، ابتغاء الثناء العطر هذا شرك، ابتغاء أن تعلو في الأرض هذا شرك، فهذا العمل على أنه عمل عظيم, لا وزن له في الآخرة.
يا رب قرأت القرآن في سبيلك، فيقال له: كذبت، قرأت القرآن ليقال: قارئ، وقد قيل: يا رب علمت العلم في سبيلك، فيقال له يوم القيامة: كذبت، علمت العلم ليقال: عالم، وقد قيل: يا رب قاتلت في سبيلك، فيقال له: كذبت، قاتلت ليقال عنك شجاع، وقد قيل، هكذا فحوى الحديث.
إذاً: إذا أشرك الإنسان حبط عمله، يعني سقطت قيمة العمل، لا قيمة له، هذا إذا كان عملاً عظيماً.
المعنى الآخر للإحباط: أن الإنسان حينما يشرك, يصبح عمله ساكناً، يرتكب أبشع الأعمال، يسلك أضيق الطرق، ينحط انحطاطاً لا حدود له، فإحباط العمل إما بذهاب قيمته أو بهبوط مستواه: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾
[سورة الزمر الآية: 65]
من المعلوم :
ومعلوم إليكم: أن الله سبحانه وتعالى لا يغفر أن يشرك به، هناك ذنبٌ يغفر، وهناك ذنبٌ لا يغفر، وهناك ذنبٌ لا يترك، ما كان بينك وبين العباد لا يترك، وما كان بينك وبين الله يغفر، وما كان شركاً لا يغفر إلا أن تتوب:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾
[سورة النساء الآية: 48]
الحق واحد والباطل متعدد :
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3341/01.jpg
الحقيقة: الشرك أنواع، أنواع منوعة, الباطل متعدد، أما الحق واحد:
﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾
[سورة الأنعام الآية: 153]
السبل جاءت جمعاً، أما الصراط المستقيم فجاء مفردا، يخرجهم من الظلمات جمع, إلى النور مفرد، الحق لا يتعدد.
بالمناسبة: من السهل جداً أن تستوعب الحق، لأنه واحد، ويكفي أن تستوعبه ليكون ميزاناً لك، لكن من المستحيل، ومن أشد أنواع الاستحالات، مستحيل وألف مستحيل أن تستطيع في عمر محدود أن تستوعب الباطل، الباطل لتعدده وكثرته لا يستوعب، فمن سلك في هذا الطريق فهو طريق مسدود، من أجل أن تستوعب عقيدة فئة ضالة تحتاج إلى أعوام مديدة ، فلو أردت أن تستوعب كل الضلالات, لا تكفي أعمار أمة لاستيعابها، ففرق كبير بين أن تستوعب الحق فيكون مقياساً تقيس به كل شيء، وبين أن تخوض في الباطل فتمضي الأعمار ، ولا تصل إلى مبتغاك. من أنواع الشرك :
1- أن تجعل لله شريكاً في الملك والتصرف :
أيها الأخوة, هناك من يؤمن بالله، ولكن يجعل لله شريكاً في التصرف, في الملك, وفي التصرف؛ أي خلقاً, وحياةً, ورزقاً, وموتاً, وضراً, ونفعاً.
يعني نحن في هذه الأحداث: لمجرد أن تعتقد أن وحيد القرن بإمكانه أن يدمر أمة كما فعل في العراق، لمجرد أن تعتقد أن الله لا علاقة له بهذا، إلا أن هذا القوي دمر أمة, هذا الكلام هو عين الشرك، حينما تعتقد أن لهذا الكون مالكاً غير الله، وحينما تعتقد أن لهذا الكون متسلطاً غير الله، فهذا الشرك بعينه.
أحد أنواع الشرك: أن تعتقد أن لهذا الكون مالكاً غير الله، وأن لهذا الكون متصرفاً غير الله، هذا شرك دون أن تشعر، حينما تستمع إلى الأخبار، وقد تكون الأخبار قاسية جداً، شعب مسلم يدمر، حينما تتوهم أن الله لا علاقة له بهذا، ولكن هذا القوي الجبار استطاع أن يفعل هذا، هذا هو الشرك بعينه.
من نتائج الشرك :
الشرك من نتائجه: الانقباض, الضيق, والقلق، ثم الإحباط، الشرك أن تؤمن بالله، وأن تؤمن مع إيمانك بالله: أن في الأرض أقوياء يفعلون ما يريدون، ويدمرون ما يشاؤون، ويفقرون ويغنون، فالخلق بيد الله، والحياة بيد الله، والرزق بيد الله، والموت بيد الله، والضر بيد الله، والنفع بيد الله، هذا هو الإيمان، مع الإيمان راحة نفسية، مع الشرك عذاب نفسي، والدليل:
﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾
[سورة الشعراء الآية: 213]
أحد أكبر أسباب العذاب النفسي: أن تدعو مع الله إلهاً آخر. قف هنا :
يقول النبي عليه الصلاة والسلام, فيما يرويه عن ربه, في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام البخاري: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ:
((كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُكَذِّبَنِي, وَشَتَمَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَشْتُمَنِي, أَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ: إِنِّي لَا أُعِيدُهُ كَمَا بَدَأْتُهُ, وَلَيْسَ آخِرُ الْخَلْقِ بِأَعَزَّ عَلَيَّ مِنْ أَوَّلِهِ, وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ: اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا, وَأَنَا اللَّهُ الْأَحَدُ الصَّمَدُ, لَمْ أَلِدْ وَلَمْ أُولَدْ, وَلَمْ يَكُنْ لِي كُفُوًا أَحَدٌ))
الآن كلام الناس دون أن يشعروا: الدهر قلب لي ظهر المجن، ما هو الدهر؟ الدهر إله ، الآخر يقول: سخر القدر منك، ثالث يقول: دارت الأيام عليه، كلمة أيام لا معنى لها، وكلمة دهر لا معنى لها، وكلمة فلان ليس له حظ لا معنى لها، لا حظ ولا قدر بالمفهوم الشركي، ولا دهر إلا الله، فأنت حينما تعتقد أن في الأرض شيئاً ظاهراً أو مخفياً، هو الذي يفعل كل شيء, والله لا علاقة له بذلك، فهذا عين الشرك أيضاً. 2-من يصف نفسه بصفات هي لله عز وجل :
الآن هناك نوع آخر من الشرك: من يصف نفسه بصفات هي لله عز وجل، ماذا قال فرعون؟:
﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾
[سورة النازعات الآية: 24]
﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾
[سورة القصص الآية: 38]
من الأقوال التي نعتقد فيها الشرك :
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3341/02.jpg
وبعضهم قال: عقب سنوات القحط، وعقب التوهم الساذج, أن بالإمكان أن تنزل الأمطار بطريقة أو بأخرى، فقال: استغنينا عن رحمة السماء، هذا شرك، فإذا أقمنا سداً لا نستغني عن رحمة السماء، لأن مياه السد من السماء، فحينما تدعي أنك فعلت شيئاً هو فعل الله عز وجل, من هو الرزاق؟ هو الله.
حينما شحت الأمطار في هذه البلاد في سنوات مضت, والمياه الجوفية هبطت وكادت تغور, والمزروعات هددت والقلق عم، والناس جأروا بالدعاء، ألا تستطيع جهة أرضية أن تستصدر قراراً بإنزال الماء، من الذي يهب الحياة؟ من الذي يهب أسباب الحياة؟ الله عز وجل تفضل علينا في هذا العام بأمطار عالية النسب، بمستويات في التهاطل, تكاد تصل إلى الضعف في معظم المناطق، لولا أن الله تفضل علينا ماذا نفعل؟:
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾
[سورة الملك الآية: 30]
ما قيمة هذه المدينة دون ماء؟ والله عز وجل يرينا في بعض المناطق أثر الجفاف وانعدام الأمطار، يموت النبات، ويموت الحيوان، يرحل الإنسان.
مرت أيام كنا مهددين بكأس الماء، من ثلاثة وثلاثين متراً في الثانية إلى نصف متر مياه عين الفيجة، حينما تقول: أنا بهذا السد أستغني عن رحمة السماء، وأنا ربكم الأعلى كما قال فرعون، وبيدي أن أعطي وأن أمنع، هذا نوع آخر من الشرك، أي أن تلبس لبوساً ليس لك. عاقبة المستكبر على الله :
ورد في بعض الأحاديث الشريفة: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:
((قَالَ اللَّهُ تعالى: الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي, وَالْعِزَّةُ إِزَارِي, فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا, قذفتهِ فِي النَّارِ))
[أخرجه مسلم في الصحيح, وأبو داود في سننه]
وأنا أسأل الله أن يلهم أعداءنا أن يتكبروا، وهم يتكبرون، لأن تكبرهم سينتهي إلى أن يقصمهم الله عز وجل.
قيل قبل أسابيع: من يستطيع في العالم أن يجبرنا على أن نفي بعهودنا ومواثيقنا؟ الحقيقة لا أحد، ما أهلك الله قوماً إلا وذكرهم أنه أهلك من هم أشد منهم قوة إلا عاداً، لما أهلكها قال:
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾
[سورة فصلت الآية: 15]
ما كان فوق عاد إلا الله.
حديث آخر: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي, وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي, فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا, قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ))
[أخرجه مسلم في الصحيح, وأبو داود وابن ماجه في سننهما، وأحمد في مسنده]
حديث ثالث:
((الكبرياء ردائي, فمن نازعني في ردائي قصمته))

3-أن تعبد غير الله :
هناك شرك من نوع آخر: شرك من يعبد غير الله، بأي لون من ألوان العبادة، لئلا نتوهم أننا لا نعبد غير الله.
قد يقول قائل: من منا يقول: أنا أعبد غير الله؟ لا أحد يقول، ولكن حينما تطيع مخلوقاً وتعصي خالقاً شئت أم أبيت، علمت أم لم تعلم، أنت تعبد هذا الإنسان، إذا أطعت إنساناً وعصيت خالقاً, فهذا نوع من العبادة، قال تعالى:
﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾
[سورة الزمر الآية: 64]
﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾
[سورة الزمر الآية: 65 - 66]
متى يدخل العبد في الشرك حسب نص هذا الحديث؟ :
أيها الأخوة, ورد في صحيح مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:
((سمعت رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنْ الشِّرْكِ, مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ))
[أخرجه مسلم في الصحيح]
أنا أبتغي وجه الله، وأبتغي السمعة بين الناس، دخل الشرك، أنا أبتغي وجه الله, لكن كنت أتوقع من هذا المريض الذي أجريت له عملية ناجحة, أن يكتب كلمة في إحدى الصحف, يثني على مهارتي في إجراء العملية، الإنسان أحياناً يعمل عملاً، ثم يستجدي مديحاً، لو أنه سكت لكان أحسن له، إذا قدم لك إنسان شيئاً، وهذا الإنسان الذي قدم له الشيء بقي ساكتاً ينبهه: كيف وجدت هذه الهدية؟ هل أعجبتك؟ هو يسألك أن تثني عليه، دون أن يشعر الإنسان ، كلما عمل عملاً يحب أن يظهر، هذا مما يجرح إخلاص العمل:
﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً﴾
[سورة الإنسان الآية: 9]
مقياس دقيق :
المقياس الذي أقوله لكم دائماً: إذا ازداد عملك بالثناء، وقلَّ بعدم الثناء, فهناك مشكلةٌ في الإخلاص، وأن عملك إذا ازداد أمام الناس، وضعف بينك وبين الله، هذا مؤشر آخر، ليس في صالحك، وأنك إذا عملت عملاً صالحاً، ولم تشعر بشيء إطلاقاً, أيضاً هذا مؤشر ثالث.
ما العبرة من هذا الحديث؟ :
في حديث آخر: عن أبي الدرداء, يقول عليه الصلاة والسلام فيما يرويه عن ربه:
((يا بن آدم, مهما عبدتني ورجوتني, ولم تشرك بي شيئاً, غفرت لك على ما كان منك، وإن استقبلتني بملء السماء والأرض خطايا وذنوباً, استقبلتك بملئهن من المغفرة, وأغفر لك ولا أبالي))
العبرة ألا تشرك.
أيها الأخوة, هذه بعض أنواع الشرك؛ أن تجعل لله شريكاً في الملك والتصرف, أو أن تتخذ لنفسك صفات كصفات الله، أو أن تطيع مخلوقاً وتعصي خالقاً، هذه أنواع الشرك، وكل نوع في آيات واضحة جلية وفي أحاديث واضحة جلية. مصطلحات فيها شرك :
أخواننا الكرام, هذه المصطلحات في الإسلام ينبغي أن تكون واضحةً في أذهاننا، الشيء المألوف: أن المصطلح إذا كثر ترداده ضعف مدلوله الشرك، أي قد يشرك الإنسان وهو في المسجد، مثلاً: إذا شعر أن الشيخ راضٍ عنه، وهو يفعل الموبقات فيما بينه وبين نفسه، هذا شرك، ماذا يفعل الشيخ؟ هل يستطيع أن يمنع الله منك؟
والي البصرة قال للحسن البصري بعد أن جاءه توجيه من يزيد: إن نفذ هذا التوجيه أغضب الله، وإن لم ينفذ هذا التوجيه أغضب يزيد، فقال له الحسن البصري: إن الله يمنعك من يزيد، لكن يزيد لا يمنعك من الله.
حينما يبتسم لك إنسان فتطمئن، وأنت مع الله على غير ما يرام هذا شرك، حينما تتوهم أنه يكفي أن يرضى عنك والداك، وأنت لا تتقيد بأمر الله إطلاقاً، هذا نوع من الشرك، ترضي ما سوى الله، ترجو ما سوى الله, تطمئن لوعد ما سوى الله، تخاف من وعيد ما سوى الله، هذا شرك.
من أنواع الكفر :
1-كفر التكذيب :
أيها الأخوة, أما الكفر فهناك كفر التكذيب:
﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾
[سورة آل عمران الآية: 184]
تكذيب الرسول أحد أنواع الكفر، الكفر تكذيب, الشرك مع الإيمان في شريك، الكفر تكذيب.
يقول عليه الصلاة والسلام كما ورد في الصحيحين عَنْ أَبِي مُوسَى, عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ, كَمَثَلِ رَجُلٍ أَتَى قَوْمًا فَقَالَ: يَا قَوْمِ إِنِّي رَأَيْتُ الْجَيْشَ بِعَيْنَيَّ, وَإِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْعُرْيَانُ, فَالنَّجَاءَ, فَأَطَاعَهُ طَائِفَةٌ مِنْ قَوْمِهِ فَأَدْلَجُوا, فَانْطَلَقُوا عَلَى مَهَلِهِمْ فَنَجَوْا, وَكَذَّبَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ, فَأَصْبَحُوا مَكَانَهُمْ, فَصَبَّحَهُمْ الْجَيْشُ فَأَهْلَكَهُمْ وَاجْتَاحَهُمْ, فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ أَطَاعَنِي فَاتَّبَعَ مَا جِئْتُ بِهِ, وَمَثَلُ مَنْ عَصَانِي وَكَذَّبَ بِمَا جِئْتُ بِهِ مِنْ الْحَقِّ))
النبي جاء بالقرآن، والقرآن يصف أهل النيران، والقرآن يصف أهل الجنان، إن صدقت نجوت، وإن لم تصدق لا أحد يجبرك أن تصدق، لكن ادفع الثمن، هذا متى يخشى؟ عند مغادرة الدنيا: ﴿يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾
[سورة الفجر الآية: 24]
﴿يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾
[سورة الفجر الآية:24]
خيارك مع الإيمان خيار وقت :
أخواننا الكرام, خيارك مع الإيمان خيار وقت، أكثر كفار الأرض الذي قال: أنا ربكم الأعلى, حينما أدركه الغرق قال: آمنت بالذي آمنت به آل إسرائيل، يجب أن تعتقد أن كفار الأرض من دون استثناء, عندما يأتيهم الموت, يصدقون بما جاء به الأنبياء، ولكنهم صدقوا بعد فوات الأوان، ما قيمة الإيمان في غير أوانه؟ لا قيمة له، والدليل:
﴿لَا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آَمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً﴾
[سورة الأنعام الآية: 158]
2-كفر الإباء والاستكبار :
هناك كفر الإباء والاستكبار، هو قانع أن هذا هو الحق، ولكن مكانته الاجتماعية، ومنصبه الرسمي، ودرجته العلمية, تأبى أن يصلي في مكتبه، تأبى أن يخضع للدين، تأبى أن ينصاع لأهل الحق، هو أكبر من ذلك، هذا كفر الاستكبار، من زعيم الاستكبار؟ إبليس، هو الذي عصى استكباراً:
﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً﴾
[سورة الإسراء الآية: 61]
﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾
[سورة ص الآية: 75]
إبليس ما جحد أمر الله، ولا قابله بالإنكار بل قال: ﴿قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾
[سورة الأعراف الآية: 14]
ولكن الذي أهلكه استكباره، أبى أن يسجد لآدم، أبى واستكبر، لذلك معصية الاستكبار يصعب أن يتوب الإنسان منها، لكن معصية الغلبة من السهل جداً أن تتوب منها.
قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾
[سورة البقرة الآية: 34]
من مواطن الكبر :
في صحيح مسلم: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ, عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ))
نقطة من البترول إذا وضعتها في مئة كيلو من الحليب تفسدها، واللبن قد تمزجه بخمسة أضعافه ماء, فيكون شراباً سائغاً للإنسان، فالكبر آفة الآفات.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ, أن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ, فقَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً, قَالَ: إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ, الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ))
[أخرجه مسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي في سننهما]
هذه الكلمة التي يقولها الناس دائماً, تقال في هذا الموطن، لا في موطن أنك تملأُ عينيك من الحرام، فإذا عوتبت على ذلك قلت: إن الله جميل يحب الجمال، هذه الكلمة لا تناسب هذا الموقف، هذه معصية، أما حينما تعتني بثيابك، وتعتني بنظافة بيتك، وتكون أنيقاً، ولك مظهر حسن، إن سُئلت: لمَ تفعل هذا فالدنيا فانية؟ قل له: إن الله جميل يحب الجمال.
أيها الأخوة, أما الكبر: فبطر الحق وغمط النفس، البطر: رد الحق، بمجرد أن ترفع امرأة مسلمة دعوى تفريق أمام قاض غير مسلم في بلد أجنبي, لتأخذ نصف ثروة زوجها، مع أن الشرع يعطيها المهر فقط، حينما ترد الحق, لا تريد حكم الله في هذا الموضوع، تريد تشريعاً أرضياً، هذا بطر الحق وغمط النفس، لا يحتمل أن يكون إنساناً متفوقاً، يطعن به، لا يحب أن يمدح أحد أمامه، هو محور العالم.
من علامات قيام الساعة :
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3341/03.jpg
ومن علامات قيام الساعة:
((إذا رأيت شحاً مطاعاً, وهوى متبعاً
-أي مادية مفرطة، حرص على المال شديد.
واحد فقير جداً, أصيب بمرض في يديه, بسبب تيار كهربائي, فدل على طبيب, لعله يجري له عملية جراحية، لكنه لا يملك ثمن المعالجة, ففي محسن تبرع له بمبلغ, زار هذا الطبيب, قال له: هل يمكن أن تجرى عملية لما أنا فيه؟ قال له: لا، هذه العملية يحسنها طبيبٌ مقيم في بريطانيا، ربما أتى إلى القطر في الصيف، قال له: شكراً, كم تريد؟ سبعمئة ليرة، أقسم بالله على سؤال وجواب ومبلغ أخذه من محسن، هذه مادية شديدة جداً, تعالج، وخرج، نسي أن يسأل ماذا يأكل؟ أصبحت معالجة جديدة.
هناك مادية شديدة الآن، المادية الشديدة عبر عنها النبي بالشح المطاع، والهوى المتبع، الجنس كل شيء في حياة الناس-.
وإعجاب كل ذي رأي برأيه الكبر: -كل واحد محور العالم يقول: أنا لا أرى ذلك من حضرتك.
يقولون هذا عندنا غير جائز قلت: فمن أنتم حتى يكون لكم عند؟
يقول: أنا لا أرى ذلك، ويكون فيه نص شرعي، يكون هناك آية قرآنية، بكل بساطة يرفض الآية، يرفض الحديث، يرفض كلام للنبي عليه الصلاة والسلام اعتزازًا بالنفس-. توجيه نبوي :
إذا رأيتم شحاً مطاعًا، وهوىً متبعاً، وإعجاب كل ذي رأي برأيه -إذا بلغت هذا الزمان, هناك توجيه نبوي: -فالزم بيتك -وليس معناها ألا تخرج أبداً، أي من بيتك إلى عملك، أي ارجع إلى البيت، بيتك جنتك، المؤمن جنته بيته, اعتن بأولادك، خالط المؤمنين فقط- فالزم بيتك، وأمسك لسانك -لا تخض في أحاديث لا تعنيك- وخذ ما تعرف ودع ما تنكر، ودع عنك أمر العامة، وعليك بخاصة نفسك))
أخوانك في المسجد، جيرانك المخلصين، أقرباءك الأوفياء، زملاءك الطاهرين، هؤلاء من زميل، إلى جار، إلى قريب، إلى أخ في المسجد، هذا معنى خاصة نفسك، ودع عنك أمر العامة، الإنسان الآن لغم، لا نعرف متى ينفجر؟ . ما معنى هذا الحديث؟ :
وفي حديث آخر عن الكبر: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ))
[أخرجه مسلم في الصحيح، والترمذي وأبو داود وابن ماجه في سننهم، وأحمد في مسنده]
إياكم أن تظنوا أنه لا يدخله أبداً، بمعنى لا يبقى فيها الإنسان، قد يبقى ملايين السنين إلى أن يطهر، إذا كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ, أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:
((لَا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ, وَلَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ كبر))
[أخرجه مسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي في سننهما]
3-كفر الإعراض :
هذا كفر التكذيب، وكفر الاستكبار، الآن هناك كفر الإعراض، لا كذب ولا استكبر، الأستاذ يلقي الدرس، وهو ملء السمع والبصر، لو فرضنا أستاذ ضخم الهيئة, وصوته نحاسي ، يرن رناً، والطالب ينشغل عن سماع المحاضرة برسومات فارغة على ورق، ما احتقر، ولا استكبر، ولا كذب عليه، ولكن مشغول عنه، هذا اسمه كفر الإعراض، أعرض:
﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾
[سورة طه الآية: 124]
السعادة في القلب وليست في المال:
قبل أن آتي إليكم, كنت عند أخ كريم في زيارة حدثني وهو عندي صادق, قال: زار رجل في هذا البلد، وهو يعلم علم اليقين: أنه يملك على ما يزيد عن أربعة مليارات, شكا له بيته، شكا له أولاده، قال: أسافر إلى هذا المكان فلا أرتاح, سافرت إلى سويسرا, إلى أمريكا, لا تعجبني زوجتي، لا يعجبني أولادي، قال لي: والله بركت من شدة الشكوى.
جاءته امرأةٌ محجبة تطلب مساعدة ألف ليرة في الشهر، ذهب إلى بيتها في قرية من قرى دمشق، ليس معقولا، البيت تحت درج، بيت مستحيل أن يسكن، تقول: الحمد لله نحن سعداء، والله ينقصنا أجرة البيت ألف ليرة، لها زوج دخله يكفي للطعام والشراب, فقال لرئيس الجمعية الخيرية: أعطها ألفين، قالت: لا، يكفينا ألف، إنسان يسكن تحت الدرج وهو سعيد، وإنسان يتكلم بأربعة مليارات، وهو شقي:
﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾
[سورة طه الآية: 124]

مستحيل وألف مستحيل أن تعرض عن الله وتسعد, ولو كنت غنياً، ولو كنت قوياً, وأساساً العلماء سألوا: ما بال الأغنياء والملوك؟ قال: ضيق القلب في قلبه, قلق, وخوف, ما لو يوزع على أهل بلدٍ إلا كفاهم. ما موضع الشاهد في هذا الحديث؟ :
يروي البخاري رحمه الله في صحيحه, عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ, وَالنَّاسُ مَعَهُ, إِذْ أَقْبَلَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ, فَأَقْبَلَ اثْنَانِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, وَذَهَبَ وَاحِدٌ, قَالَ:
((فَوَقَفَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَرَأَى فُرْجَةً فِي الْحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا, وَأَمَّا الْآخَرُ فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ, وَأَمَّا الثَّالِثُ فَأَدْبَرَ ذَاهِبًا, فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: أَلَا أُخْبِرُكُمْ عَنْ النَّفَرِ الثَّلَاثَةِ؟ أَمَّا أَحَدُهُمْ فَأَوَى إِلَى اللَّهِ فَآوَاهُ اللَّهُ, وَأَمَّا الْآخَرُ فَاسْتَحْيَا فَاسْتَحْيَا اللَّهُ مِنْهُ, وَأَمَّا الْآخَرُ فَأَعْرَضَ فَأَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ))
أنت حينما تأوي إلى الله يقبلك الله، وحينما تقول: الله, يتولاك الله، وحينما تلجأ إلى الله, يجيبك الله عز وجل، فالمعرض أعرض الله عنه. واقعة :
قال لي أخ صديق: سافر إلى بلد بعيد بمركبته، والمؤذن يؤذن, وبإمكانه أن يصلي طبعاً يوم جمعة, فأعرض عن الصلاة، دخل إلى استراحة ليرتاح قليلاً، ثم تابع السفر، نسي في الاستراحة أوراقه الرسمية، سار مئة وثمانين كيلو مترًا، واضطر أن يرجع مئة وثمانين كيلو مترًا ليأخذ أوراقه.
أنت حينما تقتطع من وقتك وقتاً لعبادة الله عز وجل, يحفظ لك وقتك، كيف أنك تؤدي زكاة مالك، أيضاً ينبغي أن تؤدي زكاة وقتك، أداء العبادات, وحضور مجالس العلم، واقتطع وقتاً من وقتك الثمين لعمل صالح, هذا زكاة وقتك، عندئذ يحفظ الله لك وقتك، عندئذ يحفظ الله لك وقتك.
قد يمرض الابن، من طبيب إلى طبيب، من تحليل إلى تحليل، إلى إيكو، بعد ذلك يشفى، يكون قد ذهب أربعون أو خمسون ساعة، وعشرة آلاف ليرة، وكان من الممكن أن لا يمرض الإبن، فإذا ضن الإنسان بوقته لعبادة ربه، أو ضن بوقته لطلب العلم، ضن بوقته لعمل صالح, قد يتلف وقته بشكل مزعج.
حديث الختام :
عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ, وَالنَّاسُ مَعَهُ, إِذْ أَقْبَلَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ, فَأَقْبَلَ اثْنَانِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, وَذَهَبَ وَاحِدٌ, قَالَ:
((فَوَقَفَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَرَأَى فُرْجَةً فِي الْحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا, وَأَمَّا الْآخَرُ فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ, وَأَمَّا الثَّالِثُ فَأَدْبَرَ ذَاهِبًا, فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: أَلَا أُخْبِرُكُمْ عَنْ النَّفَرِ الثَّلَاثَةِ؟ أَمَّا أَحَدُهُمْ فَأَوَى إِلَى اللَّهِ فَآوَاهُ اللَّهُ, وَأَمَّا الْآخَرُ فَاسْتَحْيَا فَاسْتَحْيَا اللَّهُ مِنْهُ, وَأَمَّا الْآخَرُ فَأَعْرَضَ فَأَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ))
أيها الأخوة, في درس قادم إن شاء الله, ننتقل إلى كفر الشك، بقية أنواع الكفر من كفر الجحود أيضاً.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-01-2018, 06:25 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية من مفهوم القران والسنة

الدرس : ( التاسع )

الموضوع : نواقض الاسلام (2)





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. ما ذكر سابقاً :
أيها الأخوة المؤمنون, مع الدرس التاسع من دروس العقيدة، وقد كان موضوع الدرس الماضي نواقض الإسلام، وتحدثت بفضل الله تعالى عن أن الشرك أول ناقض للإسلام، وهو أنواع منوعة، هناك من يشرك في عبادة الله إلهاً آخراً، هناك من يصف نفسه بما لا ينبغي أن يصفها به، وهذا نوع من الشرك، والكفر أيضاً من نواقض الإسلام، فهناك كفر التكذيب، وهناك كفر الاستكبار، وهناك كفر الإعراض، ووصلنا إلى كفر الشك.
من خصائص هذا الدين :
من خصائص هذا الدين أنه يقيني، ودرجات الصحة تتراوح بين اليقين القطعي, وبين غلبة الظن، والظن، والشك، والوهم، من وهم إلى شك إلى ظن إلى غلبة ظن إلى قطع.
أعلى مستويات اليقين القطع مئة بالمئة، لأن الدين دين الله، ولأن الدين من عند الله، و لأن الله كماله مطلق, لا يقبل دين الله عز وجل أن يكون فيه خلل، أي شيء يمكن أن يكون فيه خلل إلا دين الله عز وجل:
﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً﴾
[سورة المائدة الآية: 3]
هذه نعمة لا تعدلها نعمة، أنت مع الحق الصرف، أنت مع الحق المطلق، دين الله عز وجل من عند خالق السموات والأرض.
من بديهيات الإيمان :
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3342/01.jpg
قد يصدر قاض من بني البشر ألف حكم عدلاً، خمسة أحكام منها لم يكن الحكم فيها دقيقاً، هو عند الناس جميعاً قاض عادل، فكل أحكام بني البشر أحكام نسبية، أما لو أن الله عز وجل ظلم مخلوقاً من آدم إلى يوم القيامة، مخلوقًا واحدًا، ولأن أسماء الله وصفاته مطلقة لا يعد عدلاً، الإله له شأن، والعباد لهم شأن، شأن العباد أن أحكامهم نسبية، لكن شأن الله عز وجل أن أحكامه قطعية مطلقة، والله في أفعاله عدل ورحيم.
أيها الأخوة, قضية الإيمان لا تحتمل الشك، قضية الإيمان لا تحتمل النسبية، أي الله عز وجل واحد ربما، لا يوجد ربما، الله عز و جل رحيم إلى حد ما، لا يوجد إلى حد ما، هذه عبارات الناس؛ إلى حد ما، وبما، ولعله كذلك، هذه تصح مع البشر، أما مع خالق البشر فديننا كله يقين، فالذي لا يجزم بصدق هذا القرآن وثبوته أنه من الواحد الديان، والذي لا يعتقد أن كلام النبي الذي قاله فعلاً حق لا يساوره شك فليس مؤمناً، وهذا من بديهيات الإيمان.
هل يوجد في حياة المسلم ظنيات؟ :
﴿وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾
[سورة إبراهيم الآية: 9]
يوجد شك، أي لم يكفروا كفراً قطعياً، ولم يكذبوا تكذيباً قطعياً: ﴿وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾
[سورة هود الآية: 62]
ليس في حياة المسلم ظنيات. ابحث عن اليقينيات :
أيها الأخوة, مسلمون كثيرون مترددون، هل أنت مؤمن إيماناً قطعياً أن هذا الدين حق ؟ هل أنت مؤمن أن هذه المعصية سوف تعاقب عليها؟ هل أنت مؤمن أن هناك آخرة؟ هل أنت مؤمن أن هناك جنة ونار؟ فكيف تفعل فعلاً يستوجب النار؟ معنى ذلك أنك لست متأكداً، لا يوجد حل وسط، بالدين لا يوجد حل وسط، إما أن تؤمن بكل ما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام من كتاب ومن سنة، أو أن إيمانك ببعض ما جاء به وعدم إيمانك بالبعض الآخر ليس ديناً، ولا ينطوي على إيمان دقيق، ولا يمكن أن تقطف ثمار الدين بهذه الطريقة، لذلك قال بعض الشعراء وأظنه المعري:

زعم المنجم والطبيب كلاهما لا تبعث الأموات قــلت إليكما
إن صح قولكما فلست بخاسر أو صح قولي فالخسار عليكما
أي هناك من يتندر، ويقول: أخي إن كان هناك جنة فنحن عملنا لها، وإذا لم يكن ثمة جنة, فنحن كسبنا في الدنيا سمعة طيبة، هذا ليس إيماناً، لا يمكن أن يقبل إيمان بهذه الطريقة، هذا إيمان الشك: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾
[سورة الحجرات الآية: 15]
لذلك ابحث عن اليقينيات. قصة فيها مغزى :
قصة قديمة من عشر سنوات، مرة قال لي شخص: أنا أتمنى أن أحضر درسك، لكن أخاف أن يأخذوا اسمي، قلت له: الإله الذي تعبده إن لم تكن واثقاً أنه يحميك لا تعبده، أنت في حمى الله عز وجل، أنت في طاعته، أنت في طلب العلم، أنت فيما يرضيه، ويسلمك لغيره، أهكذا تظن بالله عز وجل؟ وأنت في قمة الطاعة يسلمك إلى أعدائه؟ هذا مستحيل.
أيها الأخوة, كفر الشك أن تكون متردداً في قبول بعض الحقائق الإيمانية أو بعض الإخبارات الربانية.
سألني سائل :
سألني أخ, قال لي: يوجد سؤال كبير جداً سُئِلته وأنا في مجلس، ولم أستطع أن أجيب عليه، قلت: ما هو؟ قال: يقول الله عز وجل:
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾
[سورة الفيل الآية: 1]
ما أحد رأى هذا الذي حدث، أي بشكل دقيق: من منكم رأى ما فعل أبرهة بالكعبة؟ ما أحد رأى ذلك، ما معنى هذه الآية؟ قلت له: معنى هذه الآية: أنه كمؤمن ينبغي أن تستقبل خبر الله عز وجل الذي أخبرك به، وكأنك تراه بعينيك، يقتضي إيمانك بالله أنه إذا أخبرك عن شيء تستقبل هذا الشيء، وكأنك تراه بعينك.
هذا الصحابي وصل إلى ذروة الإيمان :
أحد أصحاب رسول الله قال للنبي عليه الصلاة و السلام: أصبحت وكأني أرى أهل النار يتعذبون، وأهل الجنة يتنعمون.
الله عز وجل أخبرنا عن نعيم أهل الجنة، وعن عذاب أهل النار، فقال: كأنني أرى أهل النار يعذبون، وأرى أهل الجنة يتنعمون.
يقاس على ذلك إنسان ماله حرام، وهو يتنعم بدنيا عريضة؛ بيت فخم، ومركبات، ومكانة، وولائم، وإنفاق، المؤمن الصادق يرى أن هذا المال سوف يتلف، وكأنه يعلم الغيب، هو لا يعلم الغيب أبداً، لكن يعلم قوانين الله عز وجل، المتكبر سوف يذله الله، هو لا يعلم الغيب، ولكنه يعلم قوانين الله عز وجل، أي مثلاً إذا كنت عالم فيزياء، وأنشِئ بناء، ولم يترك فيه فواصل تمدد، ماذا تتنبأ لهذا البناء في فصل الصيف؟ أن يتصدع، هذا ليس علماً بالغيب، ولكن علم بالقوانين، ما دام البناء أنشئ، ولم يؤخذ بفواصل التمدد، لم يؤخذ بقانون تمدد المعادن, فلا بد من أن تتصدع أركان هذا البناء.
نحن في صحن هذا المسجد، بلِّط هذا الصحن ببلاط متلاصق إلى أقصى درجة، في الصيف تكسر هذا البلاط، وانتفخ، فسألت: فقال: بفعل التمدد، لم تترك فواصل، مع أنه حجر، وآخر شيء يتمدد هو الحجر، الذي يعلم قوانين التمدد، ثم يتنبأ بانهيار بناء, لم يؤخذ في أثناء بنائه لهذه القوانين، هذا ليس علماً بالغيب، ولكنه علم بالقوانين، أما حينما أرى إنساناً غارقاً في المعصية أقول: أمامه حياة ضنك، هذا ليس علماً بالغيب، أما حينما أرى شاباً مستقيماً يخشى الله عز وجل, أتنبأ له بكل مستقبل زاهر، وليس علماً بالغيب، ولكنه علم بالقوانين، فلذلك يجب أن تؤمن أن قوانين الله عز وجل كالقوانين الفيزيائية شاملة ومطّردة.
من سنن الله في عباده :
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3342/02.jpg
أيها الأخوة, أكبر ضمانة لك كلام الله، أكبر ضمانة لأي شاب مستقيم:
﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾
[سورة النحل الآية: 97]
أكبر تهديد للعصاة: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾
[سورة طه الآية: 124]
أكبر عطاء من الله للذي يتبع هدى الله عز وجل: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾
[سورة طه الآية: 123]
لا يضل عقله، ولا تشقى نفسه: ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾
[سورة البقرة الآية: 38]
ما الذي يُثَبت المؤمن؟ القرآن، قال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾
[سورة إبراهيم الآية: 27]
أنت معك آية لصالحك: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾
[سورة التوبة الآية: 51]
هذه البشارة لك أيها المؤمن: ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾
[سورة سبأ الآية: 17]
رجل له ثقة بالله :
مرة أخ استيقظ صباحاً، فإذا ابنته مشلولة، فصرخت الزوجة بويلها، هو رجل مؤمن، وشاب مؤمن، ومنضبط انضباطًا تامًّا، أعرفه, ولا أزكي على الله أحداً، فصرخ، وقال: هذا المرض ما كان الله ليبتليني به، له ثقة بالله عز وجل، ثم اكتشف بعد حين, أن هناك مرضاً مشابهاً تماماً لمرض شلل الأطفال يزول بعد يومين، وبعد يومين شفيت ابنته من هذا المرض ، المؤمن له ثقة بالله عز وجل, هناك ابتلاء لا شك، لكن يوجد بلاء ماحق، والمؤمن يطمئن إلى أن الله يحفظه.
سمعت كثيراً من أناس كسبوا مالاً حلالاً محدوداً، ولم يتركوا لأولادهم شيئاً، وكانوا كلما عوتبوا على ذلك: لمَ لمْ تترك لأولادك شيئاً؟ لمَ لمْ تدع لأولادك شيئاً؟ يقول: الله يحفظهم.
شيء خطير :
مر معي بالأثر القدسي قولاً:
((إن الله يوقف عبداً يوم القيامة يقول له: يا عبدي, أعطيتك مالاً فماذا صنعت فيه؟ يقول: يا ربي لم أنفق منه شيئاً مخافة الفقر على أولادي من بعدي، فيقول الله له: ألم تعلم بأني أنا الرزاق ذو القوة المتين؟ إن الذي خشيته على أولادك من بعدك قد أنزلته بهم، ويسأل عبداً آخراً يقول له: يا عبدي, أعطيتك مالاً فماذا صنعت فيه؟ فيقول: يا ربي أنفقته على كل محتاج ومسكين, لثقتي بأنك خير حافظاً, وأنت أرحم الراحمين، فيقول الله لهذا العبد: عبدي أنا الحافظ لأولادك من بعدك))
إذا كان دخل الإنسان حلالاً، أطعم أولاده الطعام الحلال، الله عز وجل يتولى أولاده من بعده، وتجد أناساً كثيرين اتقوا ربهم في كسب أموالهم، وأطعموا أهلهم اللقمة الحلال، أولادهم من بعدهم في أعلى مقام، تولاهم الله بالحفظ والرعاية. ﴿وَاللهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾
من التنبؤات :
أيها الأخوة، أقسم بالله مرة ثانية: إنني أتنبأ لكل شاب مستقيم يحب الله، ويخشاه، ويطيع أمره، ويتجنب معصيته، ويخطب وده بمستقبل في الدنيا باهر، ليس معنى كلامي أنه سيكون مليونيراً؟ لا، سيعيش حياة طيبة، وقد تعيش حياة طيبة بدخل محدود، وقد تكون أسعد الناس في بيت متر متواضع، وقد تكون أسعد الأزواج بزوجة عادية, وليست بارعة الجمال، لكن الله إذا ألقى السكينة على قلب المؤمن, سعد بها ولو فَقَدَ كل شيء، وإذا حجب عنه السكينة, شقي بها ولو ملك كل شيء.
من أنواع الكفر :
أيها الأخوة, هذا الدين لا يحتاج إلى التردد، ولا إلى الشك، ولا إلى الارتياب، من خصائص هذا الدين أنه يقيني قطعي، لذلك هناك كفر اسمه كفر الشك، لست متأكداً، متردد، وهناك كفر آخر هو كفر الجحود: وهو أن يجحد الإنسان ما أنزله الله جملة، أو أن يجحد شيئاً مما هو معلوم بالضرورة.
ابتعد عن هذا الوهم :
مرة أحاور إنساناً، قال لي مسلم: قطع اليد غير معقول هذا، هذا عمل همجي، يوجد آية قرآنية، في كل ثلاثين ثانية ترتكب في أمريكا من عام خمسة وستين جريمة قتل، أو سرقة ، أو اغتصاب، وثمة بلاد، لم تكن متحضرة كثيراً, لكن أقيم هذا الحد في هذه البلاد, هل تصدق يوم كان مطبقاً تماماً: أن الصراف يدع صندوق العملات الأجنبية بالملايين، يضع فوقها قماشًا، ويذهب ليصلي في الحرم، وهو آمن؟.
يوجد قصص سمعت بها في هذا البلد الذي يطبق حد السرقة، والله تكاد لا تصدق، يمكن أن تحمل رواتب محافظة في الجنوب الجنوب قبيل اليمن على سيارة شاحنة مكشوفة، كلها أكياس فيها مئات الملايين، هكذا في الطريق، بأوربا قطارات مصفحة، وحراسة مشددة، وطائرة هيلوكبتر، وشرطة، وتسرق، ما هذا الحد؟ أنت حينما تجحد حكماً شرعياً، قضية غض البصر, الله عز وجل ما كلفنا ما لا نطيق:
﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾
[سورة البقرة الآية: 286]
حينما تتوهم أن هناك حكمًا شرعيًا مستحيل التطبيق فوق طاقة البشر، معنى ذلك: أن الله ليس خبيراً بعباده، كلفهم ما لا يطيقون، أو لا يعلم ما سيكون من عصر فتن, وانحراف, وتفلت أخلاقي، لا:
﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾
[سورة البقرة الآية: 286]
أيّ أمر كلفنا الله به, هو في وسعك أن تطبقه قطعاً، هذا اليقين، الجحود أن تجحد حكماً شرعياً.
ما هو كفر الجحود؟ :
هناك شخص يقول: لو وضع ماله في بيته فهو مقتول حتماً، أما إذا وضعه في مصرف ربوي فهو آمن، الله عز وجل كأنه إله في السماء لا في الأرض، مفهوم هذا الكلام لأنك خفت من الله، وخفت أن تضع مالك في بنك ربوي، في مصرف ربوي، فقد اقتحم بيتك وانتهت حياتك، والذي وضعه في فائدة ربوية ينام ناعم البال، آمناً مطمئناً، هكذا يعامل الله عباده؟:
﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ﴾
[سورة السجدة الآية: 18]
﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾
[سورة الجاثية الآية: 21]
يجب أن تفسر الأمور تفسيراً توحيدياً، بالإسلام لا يوجد شك، لا يوجد ريب، لا يوجد تردد، لا يوجد إلى حد ما، لا يوجد نوعاً ما، لا يوجد معقول, لكن لا أدري مبلغ هذا من الصحة، هذا كله مرفوض بالدين، أما كفر الجحود أن تجحد شيئاً علم من الدين بالضرورة.
ما مضمون هذه الآية؟ :
قال تعالى:
﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾
[سورة النمل الآية: 14]
هذه الآية دقيقة جداً تؤكد الإيمان الفطري، أنت حينما تجحد شيئاً عُلم من الدين بالضرورة, أنت في الحقيقة مؤمن به، لكنك تجحده لمصلحة، أو لمكسب، أو لرفعة في الدنيا، ثمة مثل واضح جداً أضربه دائماً:
إنسان يعمل عتالاً، وعنده دابة، فلما ماتت انقطع دخله كلياً، أصبح بلا دخل، خطرت في باله فكرة أن يدفنها، وبنى عليها بناء متواضعاً، ثم نصب قبة، وسماها ولياً من أولياء الله الصالحين، فأقبل الناس عليه بالهدايا, والذبائح، والدجاج، والسمن، وما إلى ذلك، فعاش في بحبوحة ما بعدها من بحبوحة، هل يمكن أن يقر أن في هذا المكان دفن دابة، وقد دفنها بنفسه؟ ، أي قناعته أنها دابة أشد من قناعة الذي يحاوره، لأنه دفنها بنفسه، لذلك المندفع لا يناقش:
﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾
[سورة النمل الآية: 14]
من مخلفات الكذب :
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3342/03.jpg
أيها الأخوة، آلاف آلافِ البشر يتكلمون كلاماً بصوت مرتفع، وهم لا يصدقون أنفسهم ، وهم يكذبون، لو ألغي الكذب من حياتنا فقط لكنا في حال غير هذا الحال، أكثر المواقف والكلمات ليست واقعية.
مرة قلت لكم: إن إنسانًا فقيرًا جداً, له قريبة تملك ملايين مملينة، هو وريثها الوحيد، فلما توفيت أطال لحيته، وارتدى قميصاً أسود، وأظهر أنه حزين جداً، فجاء الناس ليعزوه، له صديق ذكي، لما صافحه في التعزية قال له: مبارك، هنيئاً، هذا الصدق، والباقي كله كذب، لأنه اغتنى بموت هذه القريبة، فإذاً: لو ألغي الكذب من حياتنا لكنا في حال غير هذا الحال، الكذب فقط.
المؤمن قد يخطئ، وقد تزل قدمه، ولكن لا يكذب، يطبع المؤمن على الخلال كلها إلا الكذب والخيانة، لا يمكن لمؤمن أن يكذب أو يخون، فإذا خان أو كذب لم يبق مؤمناً، انتهى دينه كله:
﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً﴾
[سورة النمل الآية: 14]
لأنه يأتيه دخل كبير من هذا الكذب، أي منتفع؛ المنتفع لا يناقش، والغبي لا يناقش، و القوي لا يناقش، وقد يجتمعون في واحد: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾
[سورة النمل الآية: 14]
وقال تعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآَيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾
[سورة الأنعام الآية: 33]
ما موضوع هذه الأحاديث؟ :
وفي الحديث الصحيح: عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ:
((قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الْبَغْيَ مَنْ بَطِرَ الحق أَوْ قَالَ: سَفِهَ الْحَقَّ وَغَمَطَ النَّاسَ))
[أخرجه الحاكم في مستدركه]
وفي رواية أخرى: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ, عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ))
[أخرجه مسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي في سننهما]
بطر الحق؛ أي رده وجحوده، إنكاره، تكذيبه.
وفي صحيح مسلم: عن أبي هريرة رضي الله عنه, عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
((سيكون في آخر أمتي أناسي يحدثونكم بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم))
[أخرجه مسلم في الصحيح]
وعَنْ نَافِعٍ قَالَ: ((كَانَ لِابْنِ عُمَرَ صَدِيقٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ يُكَاتِبُهُ, فَكَتَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: أنه بَلَغَنِي أَنَّكَ تَكَلَّمْتَ فِي شَيْءٍ مِنْ الْقَدَرِ, فَإِيَّاكَ أَنْ تَكْتُبَ إِلَيَّ, فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِنَّهُ سَيَكُونُ فِي أُمَّتِي أَقْوَامٌ يُكَذِّبُونَ بِالْقَدَرِ))
[أخرجه الحاكم في مستدركه]
من نواقض الإسلام :
1-الشرك والكفر :
أيها الأخوة, الشرك من نواقض الإسلام، والكفر من نواقض الإسلام, والكفر أنواع: كفر الجحود، وكفر الشك، وكفر الإعراض، وكفر الاستكبار، وكفر التكذيب.
2-الردة :
ومن نواقض الإسلام الردة، قال الله عز وجل:
﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾
[سورة البقرة الآية: 217]
ما تعريف المرتد؟ :
أخواننا الكرام, تعريف المرتد: هو من ترك دين الإسلام، وهو عاقل مختار غير مكره إلى دين آخر، أو إلى غير دين كالإلحاد.
الإنسان عندما ينحرف بحثاً عن توازن نفسي, يعتقد عقيدة فاسدة, كي تغطي هذا الانحراف، لكن أية عقيدة تغطي له جرائمه كلها؟ الإلحاد، العقيدة التي تغطي جرائم الإنسان كلها, أن يبني مجده على أنقاض الآخرين، أن يبني غناه على إفقارهم، أن يبني حياته على موتهم، أن يبني عزه على إذلالهم، أن يبني أمنه على خوفهم، هذا يحتاج إلى عقيدة كي تغطي هذا كله، وليس من عقيدة تغطي هذا كله إلا الإلحاد، فلذلك يرتد عن الدين.
أو أنكر ما هو معلوم من الدين بالضرورة, أي أنكر بديهيات الدين.
ما معنى هذه الجملة من تعريف المرتد: ما هو معلوم من الدين بالضرورة؟ :
ما معنى ما هو معلوم من الدين بالضرورة؟ أي مثل طريف ذكرته مرة: إنسان مظلي, فقد يجهل شكل المظلة؛ بيضوي, مستطيل, مربع دائري، المظلة مطوية، وقد يجهل نوع القماش؛ خيوط طبيعية، صناعية، حرير بلدي، صناعي، وقد يجهل عدد الحبال، وقد يجهل أشياء كثيرة، لكن شيئاً واحداً لو جهله نزل ميتاً، طريقة فتح المظلة يجب أن تعلم بالضرورة.
يوجد بالدين أشياء كثيرة قد تجهلها، ولا يعنيك من جهلها شيئاً، وقد تصل إلى الجنة مع أنك تجهلها، إنسان فرضاً زواجه ناجح جداً، ولم يفكر بالطلاق في حياته، لو أنه جهل أحكام الطلاق لا يتأثر، إنسان موظف له دخل محدود يعيش به, لو جهل أحكام المضاربة لا يتأثر، لكن الفرائض والمحرمات هذه ينبغي أن تعلم بالضرورة، الأحكام الفقهية المتعلقة باختصاصه ومهنته, ينبغي أن تعلم بالضرورة.
فهناك الدين أشياء, ينبغي أن تعلم بالضرورة، من أنكرها، أو ردها، أو كذبها, فقد ارتد عن الدين، الصلاة هل هناك صلاة بالدين؟ هذا مرتد، الصلاة، الزكاة، الصوم، أو عمل عملاً نقيضاً للدين، قال قولاً لا يحتمل التأويل.
نقطة هامة :
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3342/04.jpg
أخواننا الكرام, الحقيقة أن الإنسان مخير، قال تعالى:
﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾
[سورة البقرة الآية: 256]
لكنك إذا دخلت في دين الله، ثم أردت أن تعتدي عليه, لتشويه صورته, ونقض تعاليمه، وكشف نقاط ضعف المسلمين, هذا عدوان على أقدس شيء في حياة الأمة، يوجب الحد، الدخول اختياري، أما الخروج من أجل أن تعتدي على هذا الدين، وأن تنشر ما يناقضه ، وأن تسفه أفكاره، وأن تحقر أعلامه, هذا عدوان على الدين، لكن لو ارتد إنسان فيما بينه وبين نفسه، ولم ينطق بكلمة، ولم يتصرف بتصرف, هل يناله عقاب الارتداد؟ لا.
الارتداد عقابه رد على عدوانه على الدين، إذا فيما بينه وبين نفسه لم يقتنع بأشياء كثيرة، وبقي صامتاً، ولم ينطق بكلمة، ولم يفسد على أحد دينه، ولم يهاجم الدين إطلاقاً، ولم يفعل شيئاً، كيف نكشفه نحن هذا؟ لا يكشف، الله عز و جل يستره, فلعله يتوب مما هو فيه. أنواع الارتداد :
1-ارتداد اعتقادي :
هناك ارتداد عقائدي، ردة الاعتقاد، مثلاً: من اعتقد أن هذا القرآن ليس كلام الله، من اعتقد أن هذا الحديث وهو صحيح، وأجمع العلماء على صحته، ليس كلام النبي، ولو قاله النبي فليس صحيحاً، هذا ارتداد، لكن الارتداد الاعتقادي لا يكشف.
2-ارتداد أقوال :
عندنا ارتداد أقوال، من حلف بغير ملة الإسلام كاذباً.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ حلف فقال: إِنِّي بَرِيءٌ مِنْ الْإِسْلَامِ, فَإِنْ كَانَ كَاذِبًا فَهُوَ كَمَا قَالَ, وَإِنْ كَانَ صَادِقًا فلن يرجع إِلَى الْإِسْلَامِ سَالِمًا))
[أخرجه النسائي وأبو داود في سننهما]
من أمثلة الارتداد الاعتقادي والقولي :
كنا في الارتداد الاعتقادي، أي بعد أن آمن ارتد، بعد أن آمن انتكس، بعد أن آمن قال: هذا شيء لا أقبله أبداً، فيوجد ارتداد اعتقادي، ويوجد ارتداد قولي، لو أنه قال: إني بريء من الإسلام, فإن كان كاذباً فهو كما قال، وإن كان صادقاً, لم يعد إلى الإسلام سالماً، من سبّ الله تعالى، أو سبّ القرآن، أو الرسول، أو أحداً من أنبياء الله فقد كفر سواء أكان مازحاً، أو جاداً ، أو مستهزئاً، كفر وارتد.
من رمى أم المؤمنين عائشة، وصدق ما قيل فيها، مع أن الله برأها بالقرآن الكريم, فقد ارتد عن دين الإسلام، من طعن في الدين، هاجم الإسلام وطعن في الدين، أو دعا إلى مبدأ إلحادي أو كفري, فهو مرتد عن هذا الدين.
3-ردة الأفعال :
أما ردة الأفعال: فقد أجمع العلماء على أن مما يوجب كفر المسلم؛ إلقاء المصحف أو جزء منه، أو تدقيقه بالقدر، ومثله كتب الحديث القدسي والنبوي، وكذا من استخف بالقرآن.
من الارتداد أيضاً :
يوجد مقالات تستخف بالقرآن، من سجد من المسلمين لصنم, أو لشمس, أو قمر, أو أتى بقول, أو فعل صريح, يدل على استهزائه بالدين, فقد ارتد عن دين الإسلام، من هرب من المسلمين إلى دار الكفر، واحتمى بهم، وناصرهم، وتآمر على المسلمين, فقد ارتد عن دين الإسلام:
﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾
[سورة المائدة الآية: 51]
من أمثلة الارتداد الفعلي :
وهذا حديث خطير جداً, ورد في معجم الطبراني، وهو في السلسلة الصحيحة:
((برئت الذمة ممن أقام مع المشركين في ديارهم))
لمجرد أن تنوي الإقامة الدائمة مع المشركين فهذا نوع من الارتداد، ارتداد الأفعال، من حارب الشريعة الإسلامية، واستبدلها بالقوانين البشرية تعطيلاً لهذه الأحكام فقد كفر: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾
[سورة المائدة الآية: 44]
ما حكم المرتد؟ :
أخواننا الكرام, الشرع واقعي، والشرع رحيم، المرتد يستتاب, فإن تاب ورجع إلى الإسلام, فلا شيء عليه، وإمام المسلمين ينبغي أن يفرز لهذا المرتد عالماً جليلاً, يقنعه إذا كان ارتداده عن اعتقاد بريء من المصلحة، فالمرتد يستتاب، وتجري له مناظرة, كي يعود عن خطئه، وإلا يقام عليه الحد.
نهاية المطاف :
بقي ناقض آخر من نواقض الإسلام: وهو النفاق، وسوف يكون الحديث عنه إن شاء الله تعالى في درس قادم.
هذه من أساسيات الدين أن تعرف ما الإيمان؟ ما هي مقتضيات الإيمان؟ ما هي نواقض الإيمان؟ ما هي نواقض الإسلام؟ ما هو الشرك؟ ما هو الكفر؟ ما هو الارتداد؟ ما هو النفاق؟ هذه من أساسيات الدين, وينبغي أن تكون معلومة بالضرورة.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-01-2018, 06:27 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية من مفهوم القران والسنة

الدرس : ( العاشر )

الموضوع : نواقض الاسلام (3)







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. ما ذكر آنفاً :
أيها الأخوة الكرام، مع الدرس العاشر من دروس العقيدة، ولا زلنا في موضوع نواقض الإسلام.
قلت لكم في درس سابق: إن الإنسان راضٍ عن عقله, وعن إيمانه، لكنه ليس راضياً عن رزقه، والبطولة أن تواجه حقيقة مرة، وهو أن الإيمان الذي أنت عليه لا يكفي، أو لا ينبغي لهذا الإيمان أن يحجزك عن محارم الله، فلذلك قد يقع من الإنسان ما ينقض إيمانه، وما ينقض إسلامه، وهو لا يدري.
وقد ذكرت في درس سابق: أن الإنسان قد يكفر كفراً اعتقادياً، وقد يكفر كفراً عملياً، وقد يكفر كفراً قولياً.
من البنود التي تنقض الإيمان وتنقض الإسلام :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3343/01.jpg
أيها الأخوة, ننتقل اليوم إلى بند أخير من البنود التي تنقض الإيمان وتنقض الإسلام، هذا البند الأخير خطورته أنه شائع، وخطورته أنه خفي عن معظم الناس: إنه النفاق.
أيها الأخوة، في أدق تعريفات النفاق: أن يظهر الإنسان للمسلمين إيمانه، وهو في الحقيقة كافر مكذب، مصلحته أن يرضي المسلمين، هو كافر ومكذب، لكنه يعيش في بيئة إسلامية، وهذه البيئة صارمة، إذاً يظهر ما يرضيهم، ويخفي كفره وجحوده.
الآن النفاق في العقيدة كفر، غير أن صاحبه لا يعامل معاملة الكافرين لعدم إظهار كفره، لماذا قال الله عز وجل:
﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً﴾
[سورة النساء الآية: 145]
لأنه أبطن كفره، وأظهر إيمانه, فحسب على المسلمين، وأخذ كل ميزات المسلمين، وفي الحقيقة أبطن كفره وجحوده، فكان مع الكافرين، فلما كان معهم أخذ أيضاً ميزاتهم، يظن نفسه ذكياً، أخذ ميزات الكافرين، وأخذ ميزات المسلمين، لذلك هو في الدرك الأسفل من النار. ما معنى هذه الآية؟ :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3343/02.jpg
مرة قلت: المسلم المؤمن واضح، واضح إيمانه، التعامل معه سهل، لأن الكتاب والسنة تحكمانه، صادق، أمين، عفيف، هدفه الآخرة، لا تأخذه في الله لومة لائم، الدنيا كلها لا تعدل عنده جناح بعوضة إذا حجبته عن الله عز وجل، المؤمن واضح، واضح جداً، والشيء المؤسف أن الكافر واضح، ولم يؤمن بالدين أصلاً، لم يعتقد بالدين، الدين يراه أفيون الشعوب ، الدين يراه تواكل، هو قد يستنبط من مجتمع المسلمين أخطاء كثيرة؛ تواكل، تقصير، عدم إتقان، خصومات، فهذه الأخطاء في مجموعها تجعله يعتد بكفره، أو تجعله يفتن بكفره، وهذا معنى قوله تعالى:
﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾
[سورة الممتحنة الآية: 5]
الكافر واضح، يقول لك: أنا لا أؤمن إلا بالدنيا، الدنيا هي كل شيء، والمال هو كل شيء، وتحقيق شهواتي هو كل شيء. شخصية مجهولة :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3343/03.jpg
مرة قال لي أحدهم من بلد أجنبي، وهو مندوب شركة، حدثته عن الدين قليلاً، فقال: هذه الموضوعات لا تعنيني إطلاقاً، ولا ألتفت إليها، يعنيني في حياتي أشياء ثلاثة؛ امرأة جميلة، وبيت واسع، وسيارة فارهة، والكافر واضح، والتعامل معه سهل مكشوف، والكافر بإعلان كفره، وإظهار معصيته, لا يغش أحداً، فكل مسلم يتقيه، فصار المؤمن واضحًا والكافر واضحًا.
أيها الأخوة, أما هذا الإنسان الثالث المنافق, فالبلاء كله منه، يتكلم كما تقول، يتكلم بكلامك، ويأتي معك إلى المسجد، ويصلي إذا كان في مجموع المسلمين، ويظهر إيمانه، ويبطن كفره وعدوانه، يتكلم بما تعرف، فإذا غبت عنه طعن فيك، هذا عليم اللسان، جاهل القلب، لذلك يقولون: نحن لا نخشى على الدين من أعدائه، بل نخشى على الدين من أدعيائه.
قف عند هذه الكلمة :
أقول لكم كلمة دقيقة جداً: الطرف الآخر أيقن أنه لا يستطيع أن يواجه الدين، لكنه يستطيع أن يفجره من داخله، الأسلوب الوحيد المتبع من قبل أعداء الدين: أن يصطنعوا جماعة إسلامية ترفع شعارات الدين، وتفعل عكس ما يأمر الدين، فهذه الجماعات الإسلامية التي تخالف أحكام الدين الصريحة، وترفع شعاراته بشكل صارخ, هي أخطر الفئات على الدين، لأنها تشوه صورة الدين.
ما حكم النفاق في العقيدة؟ :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3343/04.jpg
ذكرت مرة: أنك إذا رأيت إنساناً, يعتنق دينًا أرضيًّا, لا علاقة له بدين السماء، ورأيته قذراً، يتسول، ذا هيئة مزرية، هل تفكر لثانية واحدة أن تقرأ كتاباً عن دينه؟ لا، مستحيل، لأن مظهره القميء غير المعقول حجبك عن دينه، وأحيانا يحجب المسلم الإسلام عن دينه إذا كذب، أو إن لم يتقن عمله، أو إن أخلف وعده، أو إن نافق، أو إن سار في طريق ملتو، ومسلم آخر كالبللور الشفاف الصافي, يشف لك عن دينه، إنسان يقربك، وإنسان يبعدك، إنسان يجذبك، وإنسان ينفرك، النفاق في العقيدة كفر، غير أن صاحبه لا يعامل معاملة الكافرين، لأنه لا يظهر كفره، قال تعالى:
﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾
[سورة المنافقون الآية: 1]
كاذبون في هذه الشهادة.
أنواع النفاق :
1-النفاق الاعتقادي :
الله عز وجل يقول:
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾
[سورة المنافقون الآية: 3]
هذا النفاق الاعتقادي، يعتقد أن هذا الدين خرافة، هذا الدين لا شيء، هذا الدين من صنع أشخاص أذكياء، المنافق يعد النبي ذكياً عبقرياً، لا يعده رسولاً معه وحي من السماء، هذا النفاق الاعتقادي هو الكفر بعينه، لكن النفاق العلمي غير النفاق الاعتقادي، نحن في الكفر؛ هناك كفر اعتقادي، وهناك كفر قولي، وهناك كفر عملي.
2-النفاق العملي :
أيها الأخوة, أما في النفاق العملي: فأن يخون الأمانة، أن يكذب، أو يخلف الوعد، هذا نفاق عملي، لا يعد المنافق النفاق العملي كافراً، بل يعد عاصياً.
إنسان ضعفت نفسه فأخذ ما ليس له، ضعفت نفسه فأخلف وعده، ضعفت نفسه فكذب، إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان، هذه الصفات تجعل صاحبها عاصياً فاسقاً، ولا تجعله كافراً.
من صفات المنافقين :
1- الفساد في الأرض :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3343/05.jpg
الآن صفات المنافقين: هناك ملمح لطيف، وهو أنني حينما أتحدث عن صفات المنافقين, ليست القضية أن ألمح لزيد أو لعمر إطلاقاً، ولكن القضية تخصني أنا، أي إن هذه صفات المنافقين، فإذا كنت متصفاً بإحدى هذه الحالات, فحالتي خطيرة تستدعي المعالجة، إذاً ينبغي أن أسارع إلى تطهير نفسي من هذه الصفة.
من صفات المنافقين: أن المنافق يفسد في الأرض، هذه الفتاة خلقها الله على فطرة سليمة، خلقها الله والحياء يشملها، خلقها الله عز وجل ورغبتها أن تكون زوجة، فهذا الذي يفسد فتاة, يخرجها عن طهرها، يخرجها عن عفتها، يخرجها عن طاعتها لله، ماذا فعل بها؟ أفسدها، هذا مثل صارخ، المنافق ديدنه الإفساد، يفسد النفوس، يفسد العلاقات، يفسد البيئة، الإفساد إخراج الشيء عن أصل فطرته، إخراج الشيء عن خصائصه، قال تعالى:
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾
[سورة البقرة الآية: 11]
هو يفسد، يدعو إلى الاختلاط، ومع الاختلاط الفساد، يدعو إلى كشف الحجاب، ومع كشف الحجاب الفساد، يدعو إلى أن يخوض الإنسان في الدنيا مع الخائضين، ينبغي أن تعيش شبابك، طبعاً المنافق يختار عبارات مقبولة عند الجهلة، ينبغي أن تعيش شبابك، ينبغي أن تختبر الواقع، ينبغي أن تتفاعل معه، يا أخي تعلموا السحر ولا تعملوا به، هذا كلام المنافقين، يدعو إلى الفساد، يدعو إلى الاختلاط، يدعو إلى تبرج المرأة، يقول لك: هي نصف المجتمع، من حقها أن تظهر مفاتنها، هذا ما تعتز به، أنت حينما تمنعها من أن تظهر مفاتنها إنك تقمعها، كلام الجاهل يطرب له، لكن الذي أتاه الله العلم يراه كلاماً إبليسياً، يراه كلاماً مخرباً للعلاقات، يحب أن يكون هناك اختلاط في الحياة الاجتماعية، وما أدراك ما الاختلاط؟ وماذا يؤدي الاختلاط؟ . مأساة :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3343/06.jpg
أقول لكم هذه الكلمة: ما من مأساة كبيرة أو صغيرة، عامة أو خاصة تهلك الإنسان, إلا بسبب خروج عن منهج الله، وما من خروج عن منهج الله إلا بسبب الجهل.
العبد الفقير من خلال هذه الدعوة التي أكرمنا الله بها، ما من حكم شرعي يحرم شيئاً, واللهِ الذي لا إله إلا هو إلا وعندي عشرات، بل مئات القصص التي وقعت في هذا المجتمع، والتي هي بسبب هذه المعصية.
عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ: أَفَرَأَيْتَ الْحَمْوَ؟ قَالَ: الْحَمْوُ الْمَوْتُ))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, والترمذي في سننه]
أخو الزوج، والله في جعبتي عشرات، بل بضع عشرات القصص التي تهز أركان المجتمع, بسبب أن المسلم لم يأخذ بهذا الحديث، وما من حكم شرعي خولف, إلا وجرَّ مآسٍ لا تعد ولا تحصى، الإفساد في الأرض.
أعمال فنية يقوم بها المنافق :
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾
[سورة البقرة الآية: 11-12]
أحيانا يقول لك: مطعم، ليس هناك أي حكم شرعي يمنع أن يكون عندك مطعم، كلام طيب، يقول لك: أكل حلال، أنا أطعم الناس أكلاً حلالاً، لكن المطعم أضواؤه خافتة، وفي حي راقٍ جداً، وكل إنسان معه فتاة, يحب أن يجلس معها جلسة طويلة، وأن يفعل أشياء لا ترضي الناس في الطريق, يأخذها لهذا المطعم، فالإعلان مطعم، أما الحقيقة فهو بؤرة للفساد، فهذا مثل، إن في تجارته، إن في حركته، إن في أعماله، يقول لك: سياحة، أحياناً مجموعات، أكثر المعاصي والآثام تقترف في هذه المجموعات، كلمات براقة، فن، ساعة فن، ساعة سياحة، ساعة سلوك عصري، سلوك واقعي، ساعة التعبير عن الحياة بكل معانيها، هو كله فساد في الأرض. كيف يرى المنافق المؤمن حسب نص هذه الآية؟ :
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا كَمَا آَمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آَمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾
[سورة البقرة الآية: 13]
المنافقون يرون المؤمنين سفهاء، يعني محدودين، تفكيرهم محصور في المسجد، وكلمة الله، ما رأوا جمال الحياة، ما اطلعوا على بهجة الحياة، لم يستمتعوا بالحياة، محدودون، مغلقون، تفكيرهم مغلق، هؤلاء سفهاء معقدون، متزمتون، ديدنهم الله، الحياة فيها أشياء جميلة، فيها شهوات، فيها اختلاط، فيها أشياء تبهج النفس، هذا كلامهم، قالوا: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا كَمَا آَمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آَمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾
[سورة البقرة الآية: 13]
انظر إلى هذا الرد الإلهي لهذه الرؤية :
يقول الله عز وجل:
﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾
[سورة البقرة الآية: 13]
﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾
[سورة البقرة الآية: 130]
ما مِن إنسان يعرض عن الدين إلا وهو يحتقر نفسه، قد تعرض عن أشياء كثيرة لأنك تحتقرها، ولكن لمجرد أن تعرض عن الدين فإنك تحتقر نفسك:
﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾
[سورة يوسف الآية: 33]
هذا الذي يصبو إلى التي لا تحل له, هو عند الله جاهل، لأنه خسر الآخرة، خسر الأبد، خسر اتصاله بالله، خسر قربه من الله، لما عصى أبعد عن الله عز وجل. 2- خداع المؤمنين بإظهار الإيمان إذا قابلوهم ثم إظهار الكفر إذا خلوا
الصفة الثانية: خداع المؤمنين بإظهار الإيمان إذا قابلوهم، ثم إظهار الكفر إذا خلو بأوليائهم.
والله أحياناً تسمع كلمات من شخص معسولة؛ أهلاً وسهلاً، ومرحباً، نوّر البيت, تباركنا، ليست هذه الحياة، محدودون، مساكين، لم يروا شيئاً، الآن فقط مدحك، قال لك: نوّر البيت، تباركنا فيك، لذلك يقول الله عز وجل:
﴿لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾
[سورة البقرة الآية: 14-15]
هذه الصفة الثانية. 3- الإعراض عن التحاكم إلى شرع الله وصد الناس عن الحكم بما أنزل الله
الصفة الثالثة: الإعراض عن التحاكم إلى شرع الله، وصد الناس عن الحكم بما أنزل الله، أحياناً قضية من القضايا بالقوانين فيها مكسب كبير، أما بالشرع فما لها مكسب، فالمنافق يأتي طواعية إلى الحكم الوضعي، ويحتكم إليه، هو في الشرع ظالم، وهذا يظهر كثيراً في قضايا الطلاق في الجاليات الإسلامية، ترفع أمرها لا إلى قاضٍ مسلم، لأن القاضي المسلم يحكم لها بالمهر فقط، ترفع أمرها إلى قاضٍ غير مسلم, ليحكم لها بنصف ثروة زوجها، لا يحتكم إلى شرع الله، بل يحتكم إلى نظام وضعي:
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالاً بَعِيداً * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً﴾
[سورة النساء الآية: 60-61]
أيّ إنسان يحتكم إلى غير شرع الله فهو منافق، أي إنسان يحتكم إلى غير شرع الله تحقيقاً لمصالحه فهو منافق. قاعدة عامة :
يروي ابن جرير بسنده إلى عامر الشعبي قال: كانت بين رجل ممن يزعم أنه مسلم، وبين رجل من اليهود خصومة، فقال اليهودي: أحاكمك إلى أهل دينك, أو قال: إلى النبي، وقد علم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يأخذ الرشوة في الحكم، فاختلفا، فاتفقا على أن يأتيا كاهناً في جهينة، قال: فنزلت الآية:
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُوا﴾
قاعدة عامة: حينما تحتكم إلى نظام غير شرع الله عز وجل, فهذه صفة قد تتلبس بها النفس، وهي النفاق. 4- يأمر بالمنكر وينهى عن المعروف :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3343/07.jpg
المنافق من صفاته: أنه يأمر بالمنكر، وينهى عن المعروف، قال تعالى:
﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾
[سورة التوبة الآية: 67]
معنى: بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ: من صنف واحد، ملة الكفر واحدة، الكافر هو الكافر، في أي زمان، وفي أي مكان, يأمر بالمنكر، وينهى عن المعروف.
وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ؛ أي بخلاء لا ينفقون، وينهون عن أن تنفق، فعندنا فاسد مفسد لا ينفق، وينهاك أن تنفق.

قصة قرابة :
حدثني أخ قبل أشهر عن قصة, جرت مع أحد أقربائه، رجل في الستين في بحبوحة، أراد أن يتقرب إلى الله بدفع مبلغ مليون ليرة لإنشاء مسجد، حال الإنسان إذا اقترب من الوفاة، وشارف على ترك الدنيا, أن يعمل عملاً يلقى الله به، الرجل حي يرزق، الذي حدثني هذه القصة، هم أقرباء له، دفع المليون، له زوجة، وبنت طبيبة، وولدان، الأربعة رفعوا قضية، واتهموه بالسفه، وشهدوا جميعاً شهادة زور أن أباهم مجنون، الزوجة والبنت والابن، فحكم بإرجاع المبلغ، حكم أنه سفيه، والمبلغ استرد من الجمعية التي دفعه إليها، وانتهى الأمر، والذي روى لي القصة حي يرزق، خلال ستة أشهر الأربعة ماتوا، بأشكال عديدة؛ واحد في حادث، والبقية بأمراض عضالة، وبقي هو وحده حياً، والمبلغ استدره، وأنفقه مرة ثانية.
أيها الأخوة, إياك أن تفتري على إنسان محسن لا ينفق، ويمنعك أن تنفق.
درهم تنفقه في حياتك خير من مئة ألف درهم ينفق بعد مماتك :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3343/08.jpg
أيها الأخوة, بحكم عملي في الدعوة, عندي عدد لا بأس به من الوصايا، والله الذي لا إله إلا هو, لم تنفذ منها وصية واحدة، واحد ترك ثلاث بنايات، وأوصى بمئة ألف، لم تنفذ هذه الوصية، لذلك: درهم تنفقه في حياتك خير من مئة ألف درهم ينفق بعد مماتك، لماذا هو خير؟ لأنه لن ينفق بعد مماتك،
﴿يَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾
ينفقون على شهواتهم وحظوظ أنفسهم ملايين مملينة، أما إذا دعوا إلى إنفاق مبلغ بسيط لإنسان يعاني ما يعاني, ادعوا أنه لم يوجد سيولة معهم، إن أنفقوه أَنفقوه إسرافاً وتبذيراً، وإن أَمسكوه أمسكُوه بخلاً وتقتيراً، لذلك قال تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾
[سورة البقرة الآية: 195]
إن لم تنفقوا. 5-يتخذ الكافر ولياً :
الصفة الخامسة: من صفات المنافقين أنهم: ﴿يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾
[سورة النساء الآية: 139]
قد يكون الشخص محترمًا بمقياس الأرض؛ غني، قوي، ذو مكانة، ذو منصب، فالمنافق يعد هذا الإنسان مستشاراً له، يعده وليه، أنا لا أخالفه أبداً، انظر إلى وضعه كيف هو ، لو ما كان يفهم لما كان بهذه المكانة، يتخذ الكافر ولياً، يوليه أمره، ولياً يرجع إليه، ولياً يستشيره، ولياً يهتدي بتوجيهاته، ولياً ينفذ تعليماته، ولا يعبأ بتوجيهات رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً * الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً﴾
[سورة النساء الآية: 138-139]
هذا هو المؤمن :
أيها الأخوة, المؤمن يعتز بحاجب مؤمن، ولا يعتز بأكبر شخصية غير مؤمنة، يعتز بحاجب، هو أخي في الله هذا.
سيدنا الصديق, لما اشترى بلالاً من سيده, قال له سيده صفوان بن أمية: واللهِ لو دفعت به درهما لبعتكه، فقال له الصديق: واللهِ لو طلبت به مئة ألف لأعطيتك، هذا أخي، وضع يده تحت إبطه، وقال: هذا أخي حقاً.
كَانَ عُمَرُ يَقُولُ:
((أَبُو بَكْرٍ سَيِّدُنَا، وَأَعْتَقَ سَيِّدَنَا، يَعْنِي بِلَالًا))
[أخرجه البخاري في الصحيح]
لعلك لا تعلم :
عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا قَالَتْ:
((خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِبَلَ بَدْرٍ، فَلَمَّا كَانَ بِحَرَّةِ الْوَبَرَةِ, أَدْرَكَهُ رَجُلٌ قَدْ كَانَ يُذْكَرُ مِنْهُ جولة وَنَجْدَةٌ، فَفَرِحَ أَصْحَابُ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ رَأَوْهُ، فَلَمَّا أَدْرَكَهُ قَالَ: يا ِرَسُولِ اللَّهِ! جِئْتُ ِأَتَّبِعَكَ لأُصِيبَ مَعَكَ، قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَارْجِعْ فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ))
[أخرجه مسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي في سننهما]
اختلف رجلان على قطعة جبن، استعانوا بالثعلب، الثعلب رفع شعار العدل، جاء بميزان، وضع ثلثين وثلثًا، فلما رجحت كفة الثلثين أكل نصفها، فرجحت كفة الثلث، فأكل نصفها إلى أن أكل الجبن كله، هذا حكمه.
لما استعان المسلمون بغير المسلمين لحلِّ خلافاتهم ما الذي حصل؟ راحت كل الثروات، فإذا نقضوا عهد الله وعهد رسوله, سلط الله عليهم عدواً يأخذ ما في أيديهم.
قف عند هذه الأحاديث :
أيها الأخوة، عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ, عَنْ جَدِّهِ قَالَ:
((أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, وَهُوَ يُرِيدُ غَزْوًا لنا, وَرَجُلٌ مِنْ قَوْمِي، وَلَمْ نُسْلِمْ، فَقُلْنَا: إِنَّا نَسْتَحْيِي أَنْ يَشْهَدَ قَوْمُنَا مَشْهَدًا لَا نَشْهَدُهُ مَعَهُمْ، قَالَ: أَوَ أَسْلَمْتُمَا؟ قُلْنَا: لَا، قَالَ: إِنَّا لَا نَسْتَعِينُ بِالْمُشْرِكِينَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ، قَالَ: فَأَسْلَمْنَا، وَشَهِدْنَا مَعَهُ، فَقَتَلْتُ رَجُلًا، وَضَرَبَنِي ضَرْبَةً، فتَزَوَّجْتُ بِابْنَتِهِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَكَانَتْ تَقُولُ: لَا عَدِمْتَ رَجُلًا وَشَّحَكَ هَذَا الْوِشَاحَ، فَأَقُولُ: لَا عَدِمْتِ رَجُلًا عَجَّلَ أَبَاكِ إلى النَّارَ))
[أخرجه الطبراني في المعجم الكبير, والإمام أحمد في مسنده]
عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ قَالَ:
((كَانَ مُحَمَّدٌ أَحَبَّ رَجُلٍ إلي من النَّاسِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا تَنَبَّأَ وَخَرَجَ إِلَى الْمَدِينَةِ, شَهِدَ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ الْمَوْسِمَ وَهُوَ كَافِرٌ، فَوَجَدَ حُلَّةً لِذِي يَزَنَ تُبَاعُ، فَاشْتَرَاهَا بِخَمْسِينَ دِينَارًا, لِيُهْدِيَهَا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَدِمَ بِهَا عَلَيْهِ الْمَدِينَةَ، فَأَرَادَهُ عَلَى قَبْضِهَا هَدِيَّةً، فَأَبَى، قَالَ: إِنَّا لَا نَقْبَلُ شَيْئًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ، وَلَكِنْ إِنْ شِئْتَ أَخَذْنَاهَا بِالثَّمَنِ، فَأَعْطَيْتُهُ حِينَ أَبَى عَلَيَّ الْهَدِيَّةَ))
[أخرجه الطبراني في المعجم الكبير, والإمام أحمد في مسنده]
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:
((أنَّ رَجُلًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ لَحِقَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَاتِلَ مَعَهُ، فَقَالَ: ارْجِعْ، فَقَالَ: إِنَّا لَا نَسْتَعِينُ بِمُشْرِكٍ))
[أخرجه مسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي في سننهما]
إذاً المنافقون:
﴿يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾
نهاية المطاف :
المنافقون يعادون المؤمنين بإيمانهم، ويوالون الكافرين بكفرهم، قال تعالى:
﴿لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾
[سورة المجادلة الآية: 22]
لا تجد مؤمناً يؤمن بالله واليوم الآخر يودّ من حاد الله ورسوله: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾
[سورة البروج الآية: 8-9]
أنت حينما تبذل مودتك للكافر فأنت منافق، لا سمح الله ولا قدر: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ * إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾
[سورة المؤمنون الآية: 109-111]
عَنْ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ الْجُهَنِيِّ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((مَنْ أَعْطَى لِلَّهِ، وَمَنَعَ لِلَّهِ، وَأَحَبَّ لِلَّهِ، وَأَبْغَضَ لِلَّهِ، وَأَنْكَحَ لِلَّهِ, فَقَدْ اسْتَكْمَلَ الإيمان))
[أخرجه الحاكم في مستدركه]
والحمد لله رب العالمين

آفراح
07-01-2018, 12:43 PM
جوزيت كل خير وبورك فيك لطرح القيم
تحية

السعيد
07-01-2018, 03:31 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية من مفهوم القران والسنة

الدرس : ( الحادى العاشر )

الموضوع : الجهل بالكفر عذر الى حين


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
من الأخطاء التي يقع فيها كثير من المسلمين اليوم :
أيها الأخوة الكرام, مع الدرس الحادي عشر من دروس العقيدة الإسلامية، معنا اليوم موضوع دقيق جداً تأتي دقته: من أن معظم المسلمين لا يستوعبونه، فقد تجد إنساناً يرتكب خطأ كبيراً, وقد يكون الخطأ اعتقادياً, أو أن يكون الخطأ قولياً أو سلوكياً، فيتهم هذا الإنسان بالكفر أو بالشرك أو بالابتداع، مع أن إيمانه جيد لكنه لا يعلم، فهذا الذي لا يعلم عند الله معذور ينبغي أن تعلمه .
هذا الموقف الواقعي، الموقف الأخلاقي، الموقف الرحيم، هذا الذي ارتكب خطأ اعتقادياً, أو خطأ قولياً, أو خطأ سلوكياً, لأنه لا يعلم، لا ينبغي أن تطبق عليه القواعد الحرفية التي تعرفها .
مثلاً: أعرابي في الصحراء يمتطي ناقته, وعلى ناقته طعامه وشرابه، أراد أن يستريح, جلس ليستريح, وأخذته سنة من النوم فلما استيقظ لم يجد الناقة, -هذا الكلام لا يقدره إلا من عرف الصحراء، الإنسان إذا شردت عنه ناقته هو ميت لا محالة، أيقن بالهلاك- فجلس يبكي, ثم يبكي, ثم يبكي, إلى أن أدركته سنة من النوم، من شدة فرحته اختل توازنه، وقال: يا رب أنا ربك وأنت عبدي، ألم يقع هذا بالكفر؟ ألم ينطق بالكفر؟ لقد نطق بالكفر، ولكن عالماً جليلاً تعجبني كلمته يقول: ما كل من وقع في الكفر وقع عليه الكفر .
محور الدرس :
محور هذا الدرس: أنه قد تجد إنساناً يرتكب خطأ كبيراً في عقيدته لأنه يجهل، و يرتكب خطأ كبيراً في مقولته، ويرتكب خطأ كبيراً في سلوكه, بسبب أنه لا يعلم، فهذا الذي لا يعلم ينبغي أن تعلمه، لا أن تنصب نفسك عليه قاضياً, تحكم عليه بالكفر, وبالزندقة, وبالشرك, وبالابتداع، هذا الموقف أنك وصي عن المسلمين, وأنك مكلف أن توزع ألقاب الكفر والشرك والبدعة على كل الناس, هذا الموقف ليس مقبولاً .
قال بعض كبار الدعاة إلى الله: نحن دعاة ولسنا قضاة .
حقيقة ينبغي أن تعلمها :
هناك حقيقة أولى دقيقة صارخة هي: أن الجاهل معذور بجهله، ألم يقل الله عز وجل:
﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾
[ سورة التوبة الآية: 6]
فأنت مكلف أن تسمع المشرك كلام الله، أن تسمع الكافر كلام الله، أن تسمع الملحد كلام الله، ينبغي أن تعطيه فرصة، هو لا يعلم، دعاة كثيرون إذا نطق المتعلم كلمة فيها انحراف خطير, تقوم الدنيا ولا تقعد، يتهم بالكفر والزندقة والإلحاد .
لقطات رائعة من سيرة النبي عليه الصلاة والسلام :
لو اطلعت على سيرة النبي صلى الله عليه و سلم, وقد جاءه شاب يسأله: يا رسول الله! ائذن لي بالزنا, والله بمقياس التعلم وقاحة ما بعدها وقاحة, وتطاول ما بعده تطاول، ائذن لي بالزنا، كأن تقول لإنسان في أعلى درجة من النزاهة: ائذن لي بالسرقة، فالصحابة كبر عليهم كلامه، فالنبي قال: دعوه، تعال يا عبد الله اقترب، تعلم من رسول الله كيف يدعو إلى الله.
عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ:
((أِنَّ فَتًى أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي بِالزِّنَا, فَأَقْبَلَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ فَزَجَرُوهُ, قَالُوا: مَهْ مَهْ, فَقَالَ: ادْنُهْ, فَدَنَا مِنْهُ قَرِيبًا, قَالَ: أَتُحِبُّهُ لِأُمِّكَ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ يا رسول الله, جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ, قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأُمَّهَاتِهِمْ, قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لِابْنَتِكَ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ, جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ, قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِمْ, قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لِأُخْتِكَ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ, قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأَخَوَاتِهِمْ, قَالَ: أَتُحِبُّهُ لِعَمَّتِكَ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ يا رسول, جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ, قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِعَمَّاتِهِمْ, قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لِخَالَتِكَ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ, قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِخَالَاتِهِمْ, قَالَ: فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ, وَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ ذَنْبَهُ, وَطَهِّرْ قَلْبَهُ, وَحَصِّنْ فَرْجَهُ, فَلَمْ يَكُنْ بَعْدُ ذَلِكَ الْفَتَى يَلْتَفِتُ إِلَى شَيْءٍ))
[أخرجه الطبراني في المعجم الكبير, والإمام أحمد في مسنده]
هذا الشاب يتصور أن أخته تزني، هذا الذي يزني بها, ينبغي أن يقتله, يقول هذا الشاب: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم, وما شيء على وجه الأرض أحب عليّ من الزنا، وخرجت من عنده, ولا شيء أبغض إلي من الزنا .
أرأيت إلى هذا الصدر الواسع؟ أرأيت إلى هذا الحلم؟ في سيرة النبي لقطات رائعة .
مرة صحابي جليل, عنده بستان في المدينة, فإذا في البستان إنسان, يأكل من ثمرات البستان من دون إذنه, -إذاً: هو سارق أليس كذلك؟-, ساقه إلى النبي عليه الصلاة والسلام, و قال للنبي الكريم:
((يا رسول الله! هذا دخل بستاني, وأكل من ثمره من دون إذني, إذاً: هو سارق, -فأجاب النبي إجابة ما أروعها من إجابة-, قال عليه الصلاة والسلام: هلا علمته إذا كان جاهلاً، وهلا أطعمته إذا كان جائعاً؟))
مشكلة العالم اليوم :
نحن الآن مشكلتنا في العالم: أننا نعالج الأمر من آخر حلقة فيه، هذا إرهاب، هل واحد في العالم الغربي سأل هذا السؤال: ما هي أسباب الإرهاب؟ .
هذا الشاب الذي أراد أن يهز أركان العدو, لماذا فعل ذلك؟ لأنه آمن؟ لأن بيته قائم أم هدم بيته؟ لأن أمه موجودة أم قتلت؟ فقد أمه وأباه وبيته, ولا أمل له أن يعيش, ما عنده في حياته إلا أن يهز أركان العدو .
لو أنهم سألوا هذا السؤال: ما هي الأسباب التي حملت هذا الإنسان على أن يضحي بحياته؟ فنحن دائماً نعالج القضية من آخرها، المعالجة لن تنجح، لن تنجح المعالجة إلا إذا بدأت من أولها .
قال له:
((هلا علمته إذا كان جاهلاً، وهلا أطعمته إذا كان جائعاً؟))
عرف جرى في حي الصالحية :
أنا كنت أسمع في هذه البلدة الطيبة, كان هناك تقليداً عند كل أصحاب البساتين, أنهم في طريقهم إلى السوق, وهم يحملون إنتاجهم من الفواكه, يضعون جزءاً من إنتاجهم في مكان عام، كان يوجد في حي الصالحية مكان اسمه جرن الشاويش، ساقية ماء طاهر عذب, كل فلاح يأتي بسلة من الفواكه, ويوجد سكين، يوجد مشمش، يوجد دراق، يوجد أجاص، يوجد تفاح، إنسان يأكل حاجته، فإن كان هناك حالات لا يوجد سرقة .
من تقاليد هذه البلدة في شمالي لبنان :
مرة كنت في بلدة في شمالي لبنان متمسكة بالدين, كنت أمشي في الطريق, كلما مررت ببستان, هكذا قد اعتادوا, أن يقدموا للضيف شيء من الفواكه .
قال له:
((هلا علمته إذا كان جاهلاً، وهلا أطعمته إذا كان جائعاً؟))
المطلوب منك :
درسنا اليوم لا تكن عصبي المزاج، لا تكن ضيق الأفق، لا تكن وصياً على المسلمين ، لا تنصب نفسك قاضياً .
قد تجد إنساناً يرتكب خطأ فادحاً في اعتقاده، وقد تجد إنساناً يرتكب خطأ فادحاً في أقواله، وقد تجد إنساناً يرتكب خطأ فادحاً في سلوكه، إذا كان جاهلاً فهو معذور، علمه، فرق كبير بين أن تسحقه، وبين أن تتهمه، وبين أن تلغيه من وجود المسلمين، وبين أن تعلمه, وأن يتسع صدرك له، هكذا الدعوة إلى الله .
ما وراء هذا الحديث :
مرة قرأت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثاً ترك في نفسي أثراً بالغاً: عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ, أَنَّ رَجُلًا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, كَانَ اسْمُهُ عَبْدَ اللَّهِ, وَكَانَ يُلَقَّبُ حِمَارًا, وَكَانَ يُضْحِكُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ جَلَدَهُ فِي الشَّرَابِ, فَأُتِيَ بِهِ يَوْمًا, فَأَمَرَ بِهِ, فَجُلِدَ, فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ:
((اللَّهُمَّ الْعَنْهُ مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ, فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا تَلْعَنُوهُ, فَوَ اللَّهِ مَا عَلِمْتُ إِنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ))
اعتبر هذه معصية غلبة، فرق كبير بين معصية الغلبة وبين معصية الكبر، الإنسان قد تزل قدمه فيعصي، هذا الإنسان لا ينبغي أن يلغى من وجودك, لعله يستفيد، لعله يتوب، طبعاً: أنا لست مع الذين إذا رأوا شارب خمر لعله ولي هذا, لا نعرف، هذه السحبات ما أنزل الله بها من سلطان، هذا اسمه لعب بدين الله، الخمر الخمر، لكن هذا الذي يشرب الخمر, لعله يتوب و يسبق هذا الذي ازدراه .
المعصية معصية, أما أن تقول: هذا ولي، الله وضع سره بأضعف خلقه، وضع سره بالعصاة، هذا كلام فيه دجل, وفيه كذب, وفيه تزوير، العاصي عاصي في أي مكان, وفي أي زمان .
فأحبابنا اختاروا المحبة مذهباً وما خالفوا في مذهب الحب شرعاً
من هو الولي؟ ليس الذي يمشي على وجه الماء، ولا الذي يطير في الهواء، ولكن الولي كل الولي الذي تجده عند الحلال والحرام، أن يجدك حيث أمرك, وأن يفتقدك حيث نهاك، هذا محور الدرس . ما محور هذه الأدلة من الكتاب؟ :
إلى الأدلة: قال الله تعالى متحدثاً عن الحواريين:
﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾
[سورة المائدة الآية: 112]
أليس هذا خطأ اعتقادياً كبيراً؟ قال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾
[سورة المائدة الآية: 57]
هم يتوهمون أن الذي خلق الأكوان لا يستطيع أن ينزل مائدة من السماء، هذا خطأ اعتقادي، ما جاء وصفهم بأنهم كفار .
مثل آخر:
﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾
[سورة الأعراف الآية: 138]
هذا خطأ اعتقادي آخر من أتباع سيدنا موسى . ما مهمة هذا الحديث؟ :
أخرج الإمام أحمد في المسند، والإمام الترمذي في السنن بسند صحيح: عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ, أَنَّهُمْ خَرَجُوا عَنْ مَكَّةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى حُنَيْنٍ, قَالَ:
((وَكَانَ لِلْكُفَّارِ سِدْرَةٌ, يَعْكُفُونَ عِنْدَهَا, وَيُعَلِّقُونَ بِهَا أَسْلِحَتَهُمْ, يُقَالُ لَهَا: ذَاتُ أَنْوَاطٍ, قَالَ: فَمَرَرْنَا بِسِدْرَةٍ خَضْرَاءَ عَظِيمَةٍ, قَالَ: فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُلْتُمْ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى, اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةً, قَالَ: إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ, إِنَّهَا لَسُنَنٌ لَتَرْكَبُنَّ سُنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ سُنَّةً سُنَّةً))
أي شجرة يعكفون عليها, ويعلقون عليها أسلحتهم، هل اتهم هؤلاء أتباع السيد المسيح, وأتباع سيدنا موسى, وأصحاب النبي حينما قالوا: وهم حديثو عهد بكفر, أي أسلموا حديثاً، هل تصدقون: أن الإنسان إذا دخل في الإسلام حديثاً, وبعد يومين, جاء رمضان, ترك الطعام والشراب, ولكنه قارب أهله، لا يعلم، لا شيء عليه؟ لو أنه يعلم ينبغي أن يصوم ستين يوماً مقابله, لا يعلم لا شيء عليه .
حديثو العهد بالإسلام معذورون عند الله عز وجل، لا يكفرون ولا يشركون، أي لا يتهمون بالشرك، والله عز وجل يقول: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾
[ سورة الأحزاب الآية: 5]
هذه أول حقيقة في هذا الدرس الجاهل: حديث عهد بالإسلام معذور عند الله عز وجل.
كيف تنصح إنساناً وقع في وزر؟ :
إنسان يعقد مع الله توبة نصوحة, لكن مضى من عمره سنوات وسنوات, هو في المعاصي والآثام، تدخل قريبته غير المحرم, يصافحها أهلاً وسهلاً, هو لا يعلم أن المصافحة هذا حكم تفصيلي أنها حرام، لا ينبغي أن يعلو صوتك عليه, وأن توبخه توبيخاً عنيفاً، لا، هو لا يعلم، قل له: يا أخي هذا فيه حكم شرعي، طبعاً إياكم أن تظنوا أنني أعني بهؤلاء الذين يرتكبون بعض الأخطاء في عقيدتهم, وفي أقوالهم, وفي سلوكهم أنهم يعلمون، إذا كانوا يعلمون هذا حكم آخر، أنا بدأت هذا الدرس بأنه هناك فئة حديثة عهد بالإسلام، أو حديثة عهد بكفر، ليست من الكفر ببعيد, ترتكب أخطاء في عقيدتها, وفي سلوكها, وفي أقوالها, هذه ينبغي أن تكون عند المؤمنين معذورة، وينبغي أن يتسع صدرهم لمثل هذه الأخطاء:
﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾
[ سورة الأحزاب الآية: 5]
ليس عليكم جناح فيما أخطأتم به، وقد قال عليه الصلاة والسلام:
((رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه))
واجب وضع في عنق كل جاهل :
الآن البند الثاني في هذا الدرس: أن الواجب على الجاهل أن يتعلم الحق, وأن يصغي إليه، وأن يسأل أهل العلم، قال تعالى:
﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
[ سورة النحل الآية: 43]
اسأل أهل الذكر: هم أهل القرآن والسنة، من أسماء القرآن: الذكر، اسألوا أهل الذكر: أي أهل القرآن، اسألوا من أكرمهم الله بمعرفة أحكامه, وحدوده, ومحكمه, ومتشابهه, و قصصه, ومشاهد القيامة فيه:
﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
[ سورة النحل الآية: 43]
ويوجد آية ثانية: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً﴾
[ سورة الفرقان الآية: 59]
كأن هناك من يعرف الله عز وجل هذا عالم بالله، وهناك من يعرف أمره ونهيه, وهذا عالم بأمر الله، فأنت بحاجة مرة إلى أن تسأل أهل الذكر، أهل من يعرف الأمر والنهي، و أنت بحاجة مرة ثانية إلى أن تسأل أهل المعرفة بالله عز وجل:
﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً﴾
[ سورة الفرقان الآية: 59]
﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
[ سورة النحل الآية: 43]
من واجب العالم :
إني أقول: إن الذي عرف جانباً من عظمة الله عز وجل, يبادر إلى السؤال عن الحكم الشرعي في أي موضوع يعانيه، من علامة صدقه مع الله: أنه يسأل ما حكم الشرع في هذا العمل؟ في هذه النفقة؟ في قبض هذا المبلغ؟ في هذا العقد؟ في هذه التجارة؟ في هذه السفرة؟ في هذا الزواج؟ فعلامة إيمانه أنه يسأل .
بل من لوازم معرفته بالله أنه حريص على طاعته، الجاهل ينبغي أن يسأل، والعالم ينبغي أن يبين، هذان واجبان متقابلان، الجاهل يسأل، والعالم يبين، الدليل على أن العالم ينبغي أن يبين هو قول الله عز وجل:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا﴾
[سورة البقرة الآية: 159-160]
أي ما معنى أنه يدعو إلى الله؟ أي هو أمين على هذا العلم، أمين لا يمكن أن يكتم منه شيئاً .
علام يرشدنا هذا المثال؟ :
أوضح مثل: أن الصحابة الكرام رضوان الله عليهم لما رأوا أن الشمس كسفت في وقت يتزامن مع موت إبراهيم ابن رسول الله، لمحبتهم لرسول الله, ولتقديسهم له, ربطوا كسوف الشمس بموت إبراهيم، فقالوا: إن الشمس كسفت لموت إبراهيم، فلما سمع النبي هذا الكلام، هنا جمع أصحابه وقال: إن الشمس والقمر آيتان لا ينبغي أن تنكسفا لموت واحد من خلقه .
إذا إنسان مرتزق بالدعوة وقيل له: ربطوا ظاهرة طبيعية بحالة من حالات الشيخ، شيء مريح جداً، طبعاً يا بني هذه الحقيقة بارك الله بكم، هذا دجال، ينبغي أن تقول الحق، هذه أمانة، ينبغي أن تنطق بالحق، وألا تعجب بهذا الذي يقوله الناس عنك، لا يوجد علاقة، سيد الخلق كان قدوة .
الحقيقة: فكرة مريحة, الشمس كسفت يا أخي لعلو مقام هذا الإنسان عند الله، يوم توفي ابنه إبراهيم كسفت الشمس، قال لهم: لا، إن الشمس و القمر آيتان لا ينبغي أن تنكسفا لموت واحد من خلقه .
لا تعكر صفو هذا الدين :
شخص قال لشيخ: أنا عندما أضع يدي على الجرس في بيتك, يكون قلبي يدق مئة و ثمانين دقة, يرجع ثمانين طبيعي، قال له: والله غير صحيح, لا علاقة لها, هذا وهم .
دع الدين طبيعي، اجعل الدين حياة الإنسان الطبيعية، لا تبالغ، لا تقل: هذا يصلي الفجر أربعين عاماً بوضوء العشاء، هذه فوق طاقة البشر، لا تيئسنا، لا تعطنا فكرة نحن لم نصلِ أبداً، كلما تجعل الدين حالات نادرة جداً، حالات خاصة، حالات لا يمكن أن تقع نحيته عن الحياة، جعلته شيئاً غير واقعي، كلا أنام وأقوم، هكذا كان النبي, وهو أشد الناس خشية لله, أنام و أقوم، أصوم وأفطر، آكل اللحم، أتزوج النساء، هذه سنتي فمن رغب عنها فليس من أمتي .
أحياناً: المبالغة غير المعقولة يكون معها انحراف غير معقول، الإنسان يكون واقعي، هذا الدين دين الفطرة، هذا الدين دين الواقع، هذا الدين دين متوازن، دين وسطي، دين معتدل, لا يوجد فيه مبالغات، وأنت في حالاتك الطبيعية تأكل وتشرب, وتنام وتتزوج, وتؤسس عملاً, و تدرس وتأخذ شهادة, وقد تكون في أعلى حالات القرب مع الله عز وجل .
الجاهل يتعلم والعالم يبين .
بعضهم يقول: الولي يستحي بكرامته كما تستحي المرأة بدم حيضها، لما أنت الأضواء كلها تسلطها على ذاتك, وهذا الشيء صار كرامة لي, أي يوجد قصص ما أنزل الله بها من سلطان تروى .
حديث يتعلق بأهل العلم :
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ كَتَمَ عِلْمًا مِمَّا يَنْفَعُ اللَّهُ بِهِ فِي أَمْرِ النَّاسِ أَمْرِ الدِّينِ, أَلْجَمَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنْ النَّارِ))
[أخرجه ابن ماجه في سننه]
هذا الذي يكتم علماً, ألجمه الله بلجام من نار, هل يوجد حالة أشد من هذه؟ من يعرفها؟ الأشد منها أن تفتي بخلاف ما تعلم، تعلم الوجه الصحيح, تفتي بخلافه, طمعاً في إرضاء قوي, أو مبلغ, أو مكانة .
أي بالنهاية الدعاة إلى الله نوعان: داعية معه الحق والناس هنا، فهناك دعاة يسعون جاهدين لرفع الناس إلى مستوى الشريعة، وهناك دعاة آخرون بدل أن يرفعوا الناس إلى مستوى الشريعة يهبط إليهم، هذه أسهل، يعطي فتاوى بلا قيد ولا عدد، يعطي الفتاوى بلا حساب .
بشرى لك :
هذه بشارة لكم إن شاء الله ولي معكم، من غدا إلى المسجد, لا يريد إلا أن يتعلم خيراً, أو يعلمه, كان له كأجر حاج تامة حجته .
شخص له مع إنسان مبلغاً أين أجده؟ لم أجده، قال له: يوجد بالجامع يوم الأحد، فجاء ليأخذ دينه، يقول لي هذا الأخ: والله هدفي أن ألتقي مع غريمي، سمعت الدرس, أعجبني, لي سبع سنوات لم أترك الدرس أبداً، هذا قال عنه الإمام الغزالي: أردنا العلم لغير الله فأبى العلم إلا أن يكون لله .
وقد قيل: يقول بعض علماء القلوب: هم القوم لا يشقى بهم جليسهم .
مرة أخرى: من غدا إلى المسجد, لا يريد إلا أن يتعلم خيراً, أو يعلمه, كان له كأجر حاج تام الحجة .
اسلك هذا الطريق :
والحديث المعروف: عَنْ كَثِيرِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ:
((كُنْتُ جَالِسًا مَعَ أَبِي الدَّرْدَاءِ فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ, فَأَتَاهُ رَجُلٌ, فَقَالَ: يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ, إِنِّي أَتَيْتُكَ مِنْ الْمَدِينَةِ مَدِينَةِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحَدِيثٍ بَلَغَنِي عَنْكَ, أَنَّكَ تُحَدِّثُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قَالَ: فَمَا جَاءَ بِكَ تِجَارَةٌ؟ قَالَ: لَا, قَالَ: وَلَا جَاءَ بِكَ غَيْرُهُ؟ قَالَ: لَا, قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ بِهِ عِلْمًا, سَهَّلَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقًا مِنْ طُرُقِ الْجَنَّةِ))
إليكم هذه البنود التي وردت في هذا الدرس :
البند الأول: أن الجاهل حديث العهد بالإسلام معذور بجهله, وينبغي أن تستوعبه، وينبغي أن يتسع صدرك له، وينبغي ألا تعنفه، وينبغي ألا تتهمه بالكفر، ولا بالشرك، ولا بالفسق، و لا بالبدعة .
والبند الثاني: الجاهل عليه أن يطلب العلم, والعالم عليه أن يبين، وألا تأخذه في الله لومة لائم .
البند الثالث: لا عذر لأحد بعد العلم، كان معك فرصة قبل أن تعلم، بعد أن علمت لا عذر لأحد .
لا عذر للجاهل إذا علم :
بماذا احتج الله على أهل النار؟ قال تعالى:
﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ﴾
[سورة الملك الآية: 8-9]
فحينما يأتيك العلم انتهى العذر, وعندئذ لا حجة لك فيما تفعل: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً﴾
[سورة مريم الآية: 59]
وفي آية ثالثة: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾
[ سورة النساء الآية: 115]
وفي حديث صحيح يؤكد هذا المعنى: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ, عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, أَنَّهُ قَالَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ:
((ارْحَمُوا تُرْحَمُوا, وَاغْفِرُوا يَغْفِرْ اللَّهُ لَكُمْ, وَيْلٌ لِأَقْمَاعِ الْقَوْلِ, وَيْلٌ لِلْمُصِرِّينَ الَّذِينَ يُصِرُّونَ عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ))
يصر على ما يفعل . النبي عليه الصلاة والسلام معصوم بمفرده، أما أمته فمعصومة بمجموعها :
قالوا: النبي عليه الصلاة و السلام معصوم بمفرده، أما أمته فمعصومة بمجموعها، لكن النبي معصوم, والولي محفوظ أي لا تضره معصية، ليس معنى ذلك أنه يرتكب معصية فلا تضره، لا، إن ارتكب معصية سريعاً ما يتوب منها، ويغير أي لا يبقى على معصية, فوراً يتوب منها .
قف هنا قليلاً :
عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ قَالَ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ, حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ؟ وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ؟ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ, وَفِيمَ أَنْفَقَهُ؟ وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ؟))
ولأبي الدرداء رضي الله عنه كلمة طيبة قال: إنما أخشى من ربي يوم القيامة, أن يدعوني على رؤوس الخلائق فيقول لي: يا عويمر، فأقول: لبيك ربي، فيقول: ما عملت فيما علمت؟. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾
[سورة الصف الآية: 2-3]
ما يحتاج إليه الكادر الدعوي :
أيها الأخوة, الله عز وجل حينما أثنى على النبي صلى الله عليه و سلم, أثنى عليه بحسن خلقه, ويكاد حسن الخلق يذهب بالخير كله، بل إن حسن الخلق يعدل الصيام والقيام، النفل طبعاً .
فأيها الأخوة, نحن بحاجة إلى دعاة لهم صدر واسع، لهم نفس طويل، لهم حلم كبير، لهم بصيرة نافذة، لهم غيرة على هذا الدين، أما كل إنسان وقع بغلطة أمامك رأساً إعدام، كافر، مشرك، مبتدع، فاسق، عاص، ما هكذا يا سعد تورد الإبل، ما هكذا يدعى إلى الله .
ورد في بعض الآثار القدسية: لو يعلم المعرضون انتظاري لهم, وشوقي إلى ترك معاصيهم, لتقطعت أوصالهم من حبي، ولماتوا شوقاً إلي، هذه إرادتي في المعرضين فكيف في المقبلين؟ .
إذا الله عز وجل قال:
﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾
[سورة فصلت الآية: 34]
ماذا تبين لنا هذه الآية؟ :
يوجد توجيهات كثيرة جداً, تبين أنه عليك أن تحسن:
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا﴾
[ سورة المائدة الآية: 8]
﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾
[سورة التوبة الآية: 7]
﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾
[ سورة الممتحنة الآية: 8]
ممكن أن تتعايش مع غير المسلمين، يمكن أن تزورهم، وأن تهنئهم بمولود، وأن تساعدهم، وأن تبين لهم عظمة أخلاق المؤمن، ورحابة صدره وتسامحه، أما أن يختلط في ذهنك أخلاق الدعوة مع أخلاق الجهاد, فهذه الطامة الكبرى .
هناك أخلاق للدعوة, وهناك أخلاق للجهاد، أخلاق الجهاد شيء آخر:
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾
[سورة التوبة الآية: 73]
هذه أخلاق الجهاد، هذه أخلاق الحرب، أما في الحياة المدنية: فيما بينك وبين من حولك من الناس, لا أقول من المؤمنين، قال تعالى:
﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾
[سورة فصلت الآية: 34]
﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾
[ سورة فصلت الآية: 35]






والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-01-2018, 03:32 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية من مفهوم القران والسنة

الدرس : (الثانى العاشر )

الموضوع : كلمة التوحيد





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
اعلم أن الاعتقاد بلا إله إلا الله وأن محمد رسول الله تحقيقاً لا تقليداً :
أيها الأخوة الكرام, مع الدرس الثاني عشر من دروس العقيدة، وصلنا إلى بعض معاني لا إله إلا الله, إنها كلمة التوحيد الأولى, الإسلام كله في هاتين الكلمتين: لا إله إلا الله محمد رسول الله، لا إله إلا الله يعني لا معبود بحق إلا الله, ولكن أدق شيء يقال في هذه المناسبة: أن الاعتقاد بمضمون لا إله إلا الله تقليداً, لا يقبل أن تعتقد بمضمون لا إله إلا الله تقليداً, هذا لا يقبل منك أبداً, لا بد من أن تعتقد بمضمون لا إله إلا الله تحقيقاً، وفرق كبير بين التقليد والتحقيق, ذلك لأن الله عز وجل يقول:
﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾
[سورة محمد الآية: 19]
ما الذي ينجم عنه ضعف التوحيد؟ :
ما من مشكلة, ما من تقصير, ما من قلق, ما من خوف, ما من استغباء, ما من نفاق, ما من قلق, إلا بسبب ضعف بالتوحيد, ويمكن أن يعزى إلى الضعف بالتوحيد مئات بل عشرات المئات من أمراض المسلمين, حينما لا ترى مع الله يداً أخرى تعمل, حينما لا ترى إلا الله, وحينما ترى أن الأمر كله بيد الله, وحينما ترى أنه لا رافع إلا الله, ولا خافض إلا الله, ولا معز إلا الله, ولا مذل إلا الله, ولا معطي إلا الله, ولا مانع إلا الله, تتجه إلى الله, أما حينما ترى أن مع الله آلهة أخرى, ليس شرطاً أن تسميهم آلهة, يمكن أن تقول: أن هؤلاء بشر, لكنك تعتقد اعتقاداً جازماً, أنهم يملكون أن ينفعوك أو أن يضروك, فإذا ظننا أنهم يملكون أن ينفعوك أو أن يضروك, توجهت إليهم, من هنا يقول الله عز وجل:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾
[ سورة النساء الآية: 48]
لمجرد أن تشرك بالله عز وجل, فقد قطعت عنك الطريق إلى الله عز وجل .
ماذا قال النبي عليه الصلاة والسلام عن هذه الآية: -ولم يلبسوا إيمانهم بظلم- حينما سئل عنها؟
حينما قال الله عز وجل:
﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾
[سورة الأنعام الآية: 82]
قلنا: يا رسول الله! أينا لا يظلم نفسه؟ فقال عليه الصلاة والسلام: ليس كما تقولون, لم يلبسوا إيمانهم بظلم, أي بشرك .
وظلم النفس حينما تشرك، أشد أنواع الظلم قاطبةً هو ظلم النفس, أي أنت حينما تعلق الأمل على مخلوق ضعيف, لو أنك علقت الأمل على خالق الأكوان, لارتقيت إلى أعلى عليين, لنت سعادة الدارين, لكنت في المقدمة, أما حينما ربطت نفسك بمخلوق, وهو ضعيف, وقد يكون لئيماً, وقد يكون ضعيفاً, فأنت بهذه الحالة انتهيت .
دقق في هذه الكلمة :
أيها الأخوة الكرام, دققوا في هذه الكلمة: لا يليق بك أيها الإنسان, أن تكون لغير الله, ولمجرد أن تكون لغير الله, فإنك تحتقر نفسك .
ذكرت لكم مرةً: أن عالماً جليلاً, التقيت به في مصر مرتين, فسافر إلى بريطانيا لإجراء عملية جراحية, فانهالت الرسائل والاتصالات بشكل غير معقول, من شتى بقاع العالم الإسلامي, فالإذاعة هناك أجرت معه حواراً من هذه الأسئلة التي طرحت عليه, ما هذه المكانة التي حباك الله بها؟ فأجاب إجابةً رائعة, قال: لأنني محسوب على الله .
أنت كمؤمن يجب أن تكون محسوباً على الله فقط, أما أن تكون محسوباً على جهة أرضية, هذا يعني أنك تحتقر نفسك, أنت لله .
ببعض الآثار ورد: عبدي, خلقت لك ما في الكون من أجلك فلا تلعب, وخلقتك من أجلي فلا تلعب, فبحقي عليك, لا تتشاغل بما ضمنته لك عما افترضته عليك .
النبات للحيوان والحيوان للإنسان والإنسان؟ لله، هناك من يعيش ليأكل, هناك من يأكل ليعيش, وهناك من يعيش لله عز وجل.
ما معنى ظلم النفس هنا في هذه الآية؟ :
شيء آخر: يقول الله عز وجل:
﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾
[ سورة فاطر الآية: 32]
ظالم لنفسه؛ أي واقع بالشرك، الإنسان حينما يشرك يتجه إلى لا شيء, وأنا مرة قربت هذا المعنى لأخواننا:
لو فرضنا إنسان مسافر في حلب, وسوف يقبض مليون ليرة, الساعة الثانية عشرة, وركب قطار حلب, قد يرتكب أخطاء كثيرة, قد يجلس في عربة من الدرجة السادسة, وبطاقته من الدرجة الأولى, أخطأ, وقد يجلس مع شباب أزعجوه طوال الرحلة, وهذا خطأ ثاني, وقد يتلوى من الجوع, ولا يعلم أن في القطار مركبة مطعم, هذا خطأ ثالث, وقد يجلس بعكس اتجاه القطار, فيصاب بالدوار, وهذا خطأ خامس, لكن مع كل هذه الأخطاء, القطار سوف يصل إلى حلب في الوقت المحدد, وسوف يقبض المبلغ, أخطاء تغتفر, لأن القطار في اتجاه حلب, والمبلغ جاهز هناك، أما في خطأ لا يغتفر, أن تركب قطار درعا, لا شيء بهذا الاتجاه, لا يوجد شيء إطلاقاً .
الإنسان حينما يتجه إلى الله في كل شيء, إذا اتجه إلى غير الله لا يوجد شيء، لو جئتني بملء السموات والأرض خطايا غفرتها لك ولا أبالي, أما إذا اتجهت إلى غير الله :
﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾
[ سورة إبراهيم الآية: 22]
ما حق الله على عباده؟ :
الحديث الذي أكثر من تلاوته عليكم في الصحيحين: عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:
((كنت ردف رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ إِلَّا مؤخِرَة الرَّحْلِ, قَالَ: يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ, قُلْتُ: لَبَّيْكَ يا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ, ثُمَّ سَارَ سَاعَةً, ثُمَّ قَالَ: يَا مُعَاذُ بن جبل, قُلْتُ: لَبَّيْكَ يا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ, ثُمَّ سَارَ سَاعَةً, ثُمَّ قَالَ: يَا مُعَاذُ بن جبل, قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ, قَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ, قَالَ: حَقُّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ: أَنْ يَعْبُدُوهُ, وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا, ثُمَّ سَارَ سَاعَةً, ثُمَّ قَالَ: يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ, قُلْتُ: لَبَّيْكَ يا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ, قَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ إِذَا فَعَلُوهُ ذلك؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ, قَالَ: حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, والترمذي في سننه]
متى يحقق العبد الهدف الذي خلق من أجله؟ :
هل تستطيع أن تأتيني بآية تضغط الأديان السماوية كلها, أو تضغط الشرائع السماوية كلها؟ قال تعالى:
﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾
[سورة المؤمنون الآية: 32]
العقيدة: لا إله إلا الله, السلوك العبادة, لذلك قالوا: نهاية العلم التوحيد, ونهاية العمل التقوى، فإذا وحدته وعبدته, حققت الهدف الذي خلقت من أجله .
نقطة إليك توضيحها :
في نقطة أتمنى من الله أن يمكنني من أن أوضحها لك. قال: المطيع يستحق الجزاء, لكن هذا الاستحقاق استحقاق إنعام وفضل, وليس استحقاق مقابلة, كما يستحق المخلوق على المخلوق, طبعاً: هذا المعنى مأخوذ من قول النبي عليه الصلاة والسلام:
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ, حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الزِّبْرِقَانِ, حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ, عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, عَنْ عَائِشَةَ, عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((سَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا, فَإِنَّهُ لَا يُدْخِلُ أَحَدًا الْجَنَّةَ عَمَلُهُ, قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: وَلَا أَنَا, إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِمَغْفِرَةٍ وَرَحْمَةٍ, قَالَ: أَظُنُّهُ عَنْ أَبِي النَّضْرِ, عَنْ أَبِي سَلَمَةَ, عَنْ عَائِشَةَ, وَقَالَ عَفَّانُ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ, عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ, قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ, عَنْ عَائِشَةَ, عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: سَدِّدُوا وَأَبْشِرُوا, قَالَ: مُجَاهِدٌ قَوْلًا سَدِيدًا وَسَدَادًا صِدْقًا))
ما شرح هذا الحديث الذي سبق ذكره: (قال: سددوا وقاربوا ......)؟ :
الحديث يحتاج إلى شرح, لكن أوضح شرح: أب وعد ابنه, أنه إذا نجح بتفوق, سيشتري له دراجة غالية جداً, فالابن نجح بتفوق, فلما أخذ الجلاء, ذهب مباشرةً إلى بائع الدراجات, قال له: أريد هذه الدراجة, وهذا الجلاء, هل يأخذ الدراجة؟ لا بد من دفع الثمن, هو حقق السبب, أما ما دفع الثمن .
مثل آخر: بيت بأرقى أحياء دمشق, ثمنه ثمانون مليون, سبب دخوله مفتاح, ثمنه خمس عشرة ليرة, تدخل إلى هذا البيت بخمس عشرة ليرة, لكن ثمنه ثمانين مليون .
فكل أعمالك في الدنيا, وكل طاعتك في الدنيا, وكل إقبالك على الله في الدنيا, وكل ذلك في الدنيا, يساوي سبب دخول الجنة, ولكن الثمن, لا يمكن أن يدفعه أحد, لذلك قالوا: الجنة محض فضل, والنار محض عدل، النار بالعدل أما الجنة بالفضل .
أنت تدفع ثمن دخول الجنة؛ استقامتك, وعبادتك, وطاعتك, وإنفاقك, وبذلك لسنوات معدودة, الجنة إلى أبد الآبدين, وكلمة أبد من الصعب أن تتصورها, من الصعب أي شيء سأدلي به الآن محدود, واحد بالأرض أصفار إلى الشمس, كل ميليمتر صفر, ما هذا الرقم؟ مئة وستة وخمسون مليون كيلو متر, كل ميلي صفر, هذا الرقم ضعه صورة مخرجه, لا نهاية, قيمته صفر، أي رقم نسب إلى اللا نهاية فقيمته صفر, إذا كان الأبد لا نهاية, لو الإنسان عاش مليار سنة، يقول لك: ما شاء الله تسعة وسبعين, لو عاش مليار سنة عمره صفر، العمر صفر لا شيء بعده .
ما أجمع عليه أهل العلم :
أيها الأخوة الكرام, مرة ثانية لا يكفي أن تتلفظ بالشهادتين, لا بد أن تعلم بمضمون الشهادتين .
أيها الأخوة الكرام, أجمع أهل العلم على أن: النطق بكلمة التوحيد من غير معرفة بمعناها, ولا يقين, ولا عمل بمقتضاها من البراءة من الشرك, وإخلاص القول, والعمل قول القلب واللسان, وعمل القلب والجوارح, فغير نافع بالإجماع .
ما معنى إله؟ :
الدين يكاد يفرغ من مضمونه؛ قوالب, حركات, سكنات, عادات, تقاليد, الدين مضمون عميق جداً: لا إله إلا الله .
ما معنى إله؟ يقول بعض العلماء: الإله: هو الذي تألهه القلوب محبةً, وإجلالاً, وإنابةً, وإكراماً, وتعظيماً, وذلاً, وخضوعاً, وخوفاً, ورجاءً, وتوكلاً, هل في الأرض جهة يمكن أن تألهها القلوب, أن تحبها محبةً, وإجلالاً, وإنابةً, وإكراماً, وتعظيماً, وذلاً, وخضوعاً, وخوفاً, ورجاءً, وتوكلاً؟.
عند بعض العلماء الإله: هو الذي يطاع, فلا يعصى هيبةً, محبةً, وإجلالاً, وإنابةً, وإكراماً, وتعظيماً, وذلاً, وخضوعاً, وخوفاً, ورجاءً, وتوكلاً, وسؤالاً, ودعاءً, ولا يصلح هذا كله إلا لله .
مثلاً: في بلدنا الطيب, يجب أن تعبد جهةً تنزل الأمطار، هل في بكل أطراف الدنيا جهة بإمكانها أن تغدق على الناس الأمطار إلا الله؟ إذاً: ينبغي أن تعبد الله، يجب أن تعبد جهةً تستطيع, أو من قدرتها أن تشفي المرض العضال, هل في الأرض كلها جهة يمكن أن تشفي مرضاً عضالاً إلا الله؟ :
﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾
[ سورة الشعراء الآية: 80]
يجب أن تعبد من بيده كل شيء, من بيده حياتك, من بيده مماتك, من بيده نفعك, من بيده ضرك, من بيده قلوب الخلق, من إليه المصير .
إذاً: من أدق تعريف لا إله إلا الله: لا معبود بحق إلا الله، ليس في الكون جهة تستحق أن تعبد إلا الله.
ما مطلب هذا المثال؟ :
بالمثل البسيط: لازم تأخذ تأشيرة إلى بلد معين, فقال لك: الموظف هذه التأشيرة بالذات, لا يمكن أن تمنح إلا من قبل المدير العام, وهذه الدائرة فيها أربعة طوابق, بكل طابق في خمسة وعشرين موظف، ما دام أيقنت أن صلاحية منح هذه التأشيرة بيد إنسان واحد في هذا البناء, فهل تبذل ماء وجهك لغير هذا الإنسان؟ هل تقف على باب أحد من هؤلاء الموظفين متسكعاً ساعات طويلة؟ معنى هذا أنك أحمق، هذا الطلب بيد المدير العام, لذلك تتجه إليه, أنت حينما تعلم أمر رزقك, أمر زواجك, أمر صحتك بيد الله عز وجل, أمر مكانتك, أمر إسعادك, أمر تلبية حاجاتك, أمر حل مشكلاتك بيد الله عز وجل, هي بيد الله عز وجل .
لو تحققنا من التوحيد, لو أنك تعيش في أسوأ بلد في العالم, ترى من التوفيق ما لا تصدق, ومن لم يتحقق بمعنى التوحيد, قد يذهب إلى أرقى بلد في العالم, وتكون مصيبته هناك.
تعريف آخر لكلمة الإله :
تعريف ثالث: قال: الإله هو المعبود المطاع, فإن الإله هو المألوه، والمألوه هو الذي يستحق أن يعبد, وكونه يستحق أن يعبد, هو بما اتصف به من الصفات التي تستلزم أن يكون هو المحبوب غاية الحب, المخضوع له غاية الخضوع .
يعني العبادة غاية الحب, وغاية الخضوع, يعني أعلى درجة من الطاعة مع أعلى درجة من المحبة, لكنك في حياتك اليومية, قد تطيع جهةً ولا تحبها .
يقول لك: ابن حرام, لكنك تطيعه, تخاف منه, وقد تحب جهةً ولا تطيعها، إنسان له والدة يحبها, لكن هو مثقف ثقافة عالية جداً, شعر باختلال بصحته, قالت له: خذ طاسة الرعبة مثلاً, لا يرد عليها, هذا تقليد قديم فرضاً .
فقد تحب ولا تطيق, وقد تطيع ولا تحب, لكنك مع الله, ينبغي أن تطيعه وتحبه, لذلك في بحياتك شخص, تحترمه كثيراً ولا تحبه, قد يكون مدرس بالجامعة, شديد جداً في الامتحانات, ولئيم أحياناً, لكن فهمان باختصاصه, ما في أعلى منه, أو أيام طبيب لا يتكلم معه, لكنه أفضل طبيب, تحترمه ولا تحبه, وقد تحب جهةً ولا تحترمها, لكن الله وحده بقدر ما تعظمه, بقدر ما تحبه, وهذا معنى قوله تعالى:
﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾
[ سورة الرحمن الآية: 78]
المطلوب منك أيها الداعي إلى الله :
فيا أيها الأخوة, من دعا إلى الله, يجب أن تجمع في دعوتك بين الحب وبين الخوف, لا أن تجعل كل كلامك ينصب على الوعيد والتهديد, وألوان العذاب والثعبان الأقرع هذا، اجمع بين الرجاء والخوف, يجب أن تخوف, ويجب أن تطمع أحياناً برحمة الله .
التعريف الجامع الشامل للإله :
الإله: هو المحبوب المعبود, الذي تأله القلوب بحبها, وتخضع له, وتذل له, وتخافه, وترجوه, وتنيب إليه في شدائدها, وتدعوه في مهماتها, وتتوكل عليه في مصالحها, وتلجأ إليه, وتطمئن بذكره, وتسكن إلى حبه, وليس ذلك إلا الله .
مثلاً: إنسان قال لك: يجب أن تطيعني, تقول له: نعم, هل تستطيع أن تدفع عني الموت؟ يقول لك: لا، هل تستطيع أن ترزقني؟ لا, هل تستطيع أن تحفظني؟ لا .
قصة وردت عن أحد العارفين بالله :
في بعض القصص: أحد العارفين بالله, جاءه شاب يطلب منه أن يسمح له بالمعصية, قال له: خمسة أشياء إن فعلتها لا تضرك معصية, قال: ما هي؟ قال: إن أردت أن تعصيه فلا تسكن بلاده, قال: وأين أسكن إذاً؟ قال: تسكن أرضه وتعصيه؟ ألا تستحي تسكن أرضه وتعصيه؟ قال: هات الثانية, قال له: إذا أردت أن تعصيه, فلا تأكل من رزقه, قال: وماذا آكل إذاً؟ قال: تسكن أرضه, وتأكل رزقه, وتعصيه؟ قال: هات الثالثة, قال: إن أردت أن تعصيه فاعصه في مكان لا يراك فيه, كيف لا يراني؟ قال: تسكن أرضه, وتأكل رزقه, وتعصيه, وهو يراك؟ قال: هات الرابعة, قال: إذا أردت أن تعصيه, وجاءك ملك الموت, فلا تذهب معه, لا ترد عليه, قال: لا أستطيع, قال: تسكن أرضه, وتأكل رزقه, وتعصيه, وهو يعلم, ولا تستطيع أن تدفع عنك ملك الموت؟ قال: هات الخامسة, قال: إذا أردت أن تعصيه, ومت, ثم حشرت يوم القيامة, فلا تدخل إلى النار, قال: تسكن أرضه, وتأكل رزقه, وتعصيه, وهو يعلم, ولا تستطيع أن تدفع عنك ملك الموت, ولا عذاب الزبانية؟ قال له: كفاني ذلك .
اسمع هذا القول :
أيها الأخوة الكرام, يقول بعض العلماء: الأعمال لا تتفاضل بصورها وعددها, وإنما تتفاضل بتفاضل ما في القلوب .
إنسان ماشي في الطريق, وجد ألف ليرة, وفي مصور انحنى, وأخذ الألف, ووضعها في جيبه, صورناه, وفي نيته أن يبحث عن صاحبها، إنسان آخر وجد ألف ليرة, وفي مصور انحنى, وأمسك بالألف, ووضعها في جيبه, وفي نيته أن يأخذها، لو عرضت الصورتين, الصورتان متطابقتان تطابقاً تاماً, إنسان عمل طاعة, والثاني اجترح معصية, التفاضل أين؟ في النية, إنما الأعمال بالنيات .
ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد :
أيها الأخوة الكرام, لا أرتوي من هذه المقولة: ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد, في تعبير دارج لهذه الكلمة يقول: ما في إلا الله .
في قوى مخيفة, في أناس شريرين, في أمراض عضال, في فقر مدقع, في سجن مدمر, في تعذيب لا يحتمل, في ظلام, في قصف, في ألغام, في صواريخ, وفي اجتياح, وفي إذلال, لكن ما في إلا الله, إذا كان الله معك فمن عليك؟ وإذا كان عليك فمن معك؟ هذا التوحيد أن لا ترى مع الله أحداً, لذلك يقول بعضهم: إلهي أنت مقصودي ورضاك مطلوب .
الدعاء صلاة :
في حديث قصير جداً كلمتين بل أدائين: اللهم أنا بك وإليك .
أنا قائم بك، في أحيانا أدعية جامعة مانعة: اللهم ارزقني طيباً واستعملني صالحاً, اللهم اهدني واهد بي، اجعلني هادياً مهدياً, اللهم ارزقني طيباً واستعملني صالحاً, اللهم أقل عثرتي, واغفر زلتي, وآمن روعتي, وفرج كربتي .
الدعاء صلاة يا أخوان, قبل أن تدخل على مكان: اللهم إني تبرأت من حولي وقوتي, والتجأت إلى حولك وقوتك يا ذا القوة المتين .
خلاصة القول :
أيها الأخوة الكرام, أرجو الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بمضمون التوحيد, ونحن في أمس الحاجة إلى حقائق عن التوحيد, لكن فرق كبير بين أن تدرك الحقيقة وبين أن تعيشها، إدراك معاني التوحيد سهل جداً, كل إنسان الله آتاه إدراك سليم يدركها, لكن على المحك العملي, لا ينجو من الألف عدد قليل .
مثلاً: قد يأتيك ضغط لا يحتمل أن تعصي الله, فالموحد يقول: أحد أحد كسيدنا بلال, قد يأتيك تهديد بالقتل إن لم تعص الله, في التوحيد لا تأخذه بالله لومة لائم, وقد يأتيك إغراء شديد, بالتوحيد أيضاً هذا الإغراء لا يؤثر بالمسير إلى الله عز وجل .






والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-01-2018, 03:35 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية من مفهوم القران والسنة

الدرس : (الثالث العاشر )

الموضوع : آداب وأركان شهادة أن محمد رسول الله







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرِنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرِنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا مما يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
ما محورا هذا الدين؟ :
أيها الأخوة الكرام, مع الدرس الثالث عشر من دروس العقيدة, وننتقل اليوم إلى شهادة: أن محمداً رسول الله.
أيها الأخوة الكرام, يمكن أن يكون الدين كله في محورين: شهادة ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، شهادة ألا إله إلا الله كلمة التوحيد، وأن محمداً رسول الله, كلمة المنهج الذي جاء به النبي عليه الصلاة والسلام، مراد الله يتضح من سنة النبي عليه الصلاة والسلام؛ أي:
﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾
[سورة آل عمران الآية: 31]
ما مرتكزات شهادة أن محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ :
هذه الكلمة, كلمة شهادة أن محمداً رسول الله, أولاً فيها مرتكزات ثلاثة؛ المرتكز الأول: الأدب الذي ينبغي أن نكون عليه مع رسول الله، والمرتكز الثاني: مقتضيات هذه الكلمة، والمرتكز الثالث: مبطلات هذه الكلمة، الآداب والمقتضيات والمبطلات.
من الآداب التي بينها القرآن الكريم مع رسول الله صلى الله عليه و سلم :
1-الاستئذان :
فالله عز وجل حينما قال:
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾
[ سورة النور الآية: 62]
وإذا كانوا معه على أمر جامع, لم يذهبوا حتى يستأذنوه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
[ سورة النور الآية: 62]
أي أنت عضو في جماعة، أنت ضمن أسرة، ينبغي أن تتحرك بتنسيق مع رب الأسرة، هل يعقل أن يسافر ابن إلى مكان بعيد دون أن يستأذن أباه؟ مستحيل، ومجتمع المؤمنين مجتمع أسرة:
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾
[سورة الحجرات الآية: 10]
وعلى رأس هذا المجتمع سيد الخلق وحبيب الحق، فإذا كنت في مجتمع مسلم, ينبغي أن يكون هناك تنسيق بينك وبين بقية أخوتك، وأن يكون هناك استئذان بينك وبين من تتلقى العلم منه.
عتاب رقيق بين أخوين مؤمنين :
مرة لي درس في جامع آخر, فإمام المسجد إنسان أحبه وأقدره, لكن لاحظت أنه غاب عن الإمامة عدة أسابيع، من عادته أنه إذا غاب, في الأعم الأغلب يكون في العمرة, فلما عاد إلى الإمامة, وسلمت عليه, عاتبني, قال: أنا مريض لم تزرن؟ قلت له: غبت مرات عديدة و كنت في العمرة، أنا حينما غبت هذه المرة, غلب على ظني أنك في العمرة، ولو أنك طبقت سنة رسول الله, وأعلمتني قبل أن تذهب إلى العمرة, ثم عدت, فهنأتك, هذا الوضع الطبيعي, أما أنت حينما لم تعلمن في العمرات السابقات, غيابك هذه المرة ظننته في عمرة، إذاً: هناك خلل في العلاقة بيننا حتى على مستوى جامع، على مستوى جماعة, يوجد شيء اسمه استئذان ، إعلام، تنسيق، نوع من العلاقة الطيبة مع أخوانك الكرام.
علام تحضنا هذه الآية؟ :
فهو سيد الخلق لا ينبغي أن تذهب دون أن تستأذنه:
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
[سورة النور الآية: 62]
إذاً: من الأدب الذي بينه القرآن الكريم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن تستأذنه إذا سافرت.
2-الأدب مع رسول الله عليه الصلاة والسلام :
يوجد أدب آخر، يقول الله عز وجل:
﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً﴾
[سورة النور الآية: 63]
النبي عليه الصلاة والسلام لا يمكن أن يكون دعاءه مناداته مخاطبته كما تخاطب أخاً لك, أو كما تخاطب صديقاً لك.
من أدق التفاسير حول هذه الآية: أن ابن عباس رضي الله عنه قال: كانوا يقولون: يا محمد, يا أبا القاسم, فنهاهم الله عز وجل عن ذلك إعظاماً لنبيه صلى الله عليه وسلم، قال: فقولوا: يا نبي الله، يا رسول الله.
هذا الذي حصل في هذا المجلس :
أحد طلاب العلم جلس في مجلس علم, ولم يكن كما ينبغي, فقال له الشيخ: يا بني نحن إلى أدبك أحوج منا إلى علمك، والحياة كلها أدب.
بل إن النبي عليه الصلاة والسلام, حينما دهش أصحابه من أدبه الرفيع, سألوه مرة: يا رسول الله, ما هذا الأدب؟ فقال: أدبني ربي فأحسن تأديبي.
الأدب هو عنوان الإيمان :
لا تعرف قيمة الأدب عند المؤمن إلا إذا صاحبت غير المؤمن، مزاحه رخيص، ألفاظه فاحشة، طرفه جنسية، تستحي أن تستمع إليه، المؤمن يضبط لسانه، كلامه لطيف، رقيق الشعور، يعتذر، يستحيي، فالأدب هو عنوان الإيمان، لذلك قال بعض العلماء: الإيمان هو الخلق، فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الإيمان.
إليكم هذه الآية التي تؤكد معنى الأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم :
﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً﴾
[سورة النور الآية: 63]
كما قلت قبل قليل: لا تقولوا: يا محمد، يا أبا القاسم، يا بن عبد الله، ولكن قولوا: يا رسول الله، يا نبي الله، هذا هو الأدب.
يوجد آية ثانية تؤكد هذا المعنى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ * إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾
[سورة الحجرات الآية: 1-4]
أي عنوان إيمانك الأدب الرفيع الذي تتحلى به.
انظر هنا :
سيدنا حمزة سئل مرة: أيكما أكبر أنت أم رسول الله؟ قال: هو أكبر مني وأنا ولدت قبله، سيدنا يوسف قال:
﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾
[سورة يوسف الآية: 100]
أيهما أخطر بربكم: النجاة من السجن أم النجاة من الجب؟ الجب موت محقق, لكن لم يذكر الجب, لئلا يذكر أخوته بعملهم، قال:
﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾
[سورة يوسف الآية: 100]
من أخلاق المؤمن :
تلاحظ من أخيك المؤمن أدب رفيع جداً، هذا الأدب الرفيع هو ثمرة من ثمار الإيمان، كان عليه الصلاة والسلام لا يواجه الناس بما يكرهونه.
من أخلاق المؤمن أنه لا يحمر الوجوه، أحياناً تضيق على إنسان حتى تحرجه, وحتى تلجئه إلى أن يكذب، لا تحمر وجه أخيك، رد الطرف عن زلته، اقبل منه عذره, ولو لم يكن صادقاً، التمس لأخيك عذراً ولو سبعين مرة، من جاءه أخوه متنصلاً فليقبل منه محقاً كان أو مبطلاً، فالأدب مع رسول الله, هذه آيات كريمة تحدده, وتبينه, وتحدد معالمه، والأدب مع أخوانك المؤمنين أيضاً هذا ينبغي أن يكون.
بماذا تحذرنا هذه الآية؟ :
يوجد معنى آخر في قوله تعالى:
﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً﴾
[ سورة النور الآية: 63]
يقول الحسن البصري: أي لا تعتقدوا أن دعاءه على غيره كدعاء غيره، فإن دعاءه مستجاب، فاحذروا أن يدعوا عليكم فتهلكوا, ثم يقول الله عز وجل:
﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
[سورة النور الآية: 63]
من علامة محبة الله
اتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم :
أخواننا الكرام, علامة محبة الله اتباع سنة رسول الله, بدليل أن الله عز وجل يقول:
﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾
[سورة آل عمران الآية: 31]
ما مراد النبي عليه الصلاة والسلام هنا في هذا الحديث؟ :
من الأحاديث الشريفة الصحيحة: أن النبي عليه الصلاة و السلام فيما رواه سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه, قال عليه الصلاة والسلام:

((إني ممسك بحجزكم عن النار, هلم عن النار وتغلبونني, تقاحمون فيه تقاحم الفراش, فأوشك أن أرسل بحجزكم, وأنا فرطكم على الحوض, فتردون علي معاً وأشتاتاً, فأعرفكم بسيماكم وأسمائكم, كما يعرف الرجل الغريبة من الإبل في إبله, ويذهب بكم ذات الشمال, وأناشد فيكم رب العالمين, فأقول: أي ربي أمتي, فيقول: يا محمد إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك, إنهم كانوا يمشون بعدك القهقرة على أعقابهم, فلا أعرفن أحدكم يوم القيامة, يحمل شاةً لها ثغاء, فينادي: يا محمد يا محمد, فأقول: لا أملك لك شيئاً قد بلغتك, فلا أعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة, يحمل بعيراً له رغاء, فينادي: يا محمد يا محمد, فأقول: لا أملك لك شيئاً قد بلغتك, فلا أعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة, يحمل فرساً له حمحمة, ينادي: يا محمد يا محمد, فأقول: لا أملك لك شيئاً قد بلغتك, فلا أعرف أحدكم يوم القيامة, يحمل سقاءاً من أدم, ينادي: يا محمد يا محمد, فأقول: لا أملك لك شيئاً قد بلغتك))
[أخرجه البزار في مسنده]
هذا الحديث الطويل: أراد النبي عليه الصلاة والسلام أنك لا تستطيع أن ترد حوض النبي يوم القيامة إلا إذا كنت مستقيماً في الدنيا، فإذا اغتصبت شاة, أو اغتصبت ناقة, أو اغتصبت سقاء من أدم من جلد, وجئت النبي عليه الصلاة والسلام, وقلت: يا محمد يا محمد, يقول لك: قد بلغتك، وقد سأل النبي ربه أن ينجي أمته فيقول: يا محمد لا تدري ماذا أحدثوا بعدك؟.
لذلك الحديث الفيصل في هذا الموضوع: يا فاطمة بنت محمد، يا عباس عم رسول الله، أنقذا نفسيكما من النار، أنا لا أغني عنكما من الله شيئاً، لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم، من يبطئ به عمله لم يسرع به نسبه.
ما أدب المؤمن مع النبي بعد مماته؟ :
أيها الأخوة, علامة تقديرك لرسول الله أدبك معه، إذاً بعد موته صلى الله عليه و سلم؟ أدبك مع سنته، من ألطف ما قرأت حول قوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾
[سورة الحجرات الآية: 1]
أي يوجد آية واضحة لا تقدم أشياء أخرى تخالف هذه الآية، لا تقدم مقترحات تناقض سنة النبي، لا تبدي آراء تعاكس ما جاء به الوحيان الكتاب والسنة:
﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾
[سورة الحجرات الآية: 1]
بجلسة أحياناً تتكلم عن شيء من سنة النبي, يقول لك أحدهم: هذه غير معقولة، ماذا فعل؟ قدم بين يدي الله ورسوله، قدم كلاماًَ مناقضاً لفعل النبي، قدم كلاماً مناقضاً لسيرة النبي ، فأنت أدبك في حياته كما فعل أصحاب رسول الله، وأدبك بعد مماته أن تعظم سنة النبي عليه الصلاة والسلام.
متى يأمن العبد عذاب الله؟ :
قال الله تعالى:
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾
[سورة الأنفال الآية: 33]
ما دامت سنتك مطبقة في حياتهم, فهم في بحبوحة من عذاب الله، أي الإنسان إما أنه مطبق أو أنه مستغفر، في كلا الحالين هو في بحبوحة, وفي مأمن من عذاب الله، علامة أن الله سبحانه وتعالى يعطيك أماناً أنك في طاعته، أو أنك أخطأت لكنك تستغفر، فالأدب مع رسول الله في حياته واجب كل مؤمن، والأدب مع سنة النبي صلى الله عليه و سلم بعد مماته واجب كل مؤمن.
قول رائع :
أجمل ما قاله بعض الصحابة الكرام, أظنه سيدنا سعد بن أبي وقاص قال: ثلاثة أنا فيهن رجل وفيما سوى ذلك فأنا واحد من الناس، من هذه الثلاثة: ما سمعت حديثاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا علمت أنه حق من الله تعالى.
أتمنى لو أن كل مؤمن, قرأ أحاديث رسول الله, واعتقد أنها هي الحق, وأن مخالفتها يورث الهلاك, لكنا في حال غير هذا الحال.
أي النبي عليه الصلاة والسلام في بعض أحاديثه الجامعة المانعة الموجزة يقول: لا يخافن العبد إلا ذنبه ولا يرجون إلا ربه.
شيء واحد ينبغي أن تخاف منه أن تقع في ذنب, وإذا وقعت في مشكلة لا بد من جهة واحدة هي التي يمكن أن تنقذك منها, إنها الله عز وجل, هذه الجهة الوحيدة في الكون التي تنقذك مما أنت فيه, الله جل جلاله، لا يخافن العبد إلا ذنبه, ولا يرجون إلا ربه.
علام ترتكز شهادة لا إله إلا الله؟ :
أيها الأخوة, ركيزة شهادة أن لا إله إلا الله: أن تكون متأدب مع رسول الله, في حياته, وبعد مماته, في حياته مع شخصه, ومع توجيهاته, وبعد مماته مع سنته المطهرة, أن تعتقد أن النبي عليه الصلاة والسلام لا ينطق عن الهوى, إن هو إلا وحي يوحى, كلامه صلى الله عليه س من ثقافته, ولا من خبرته, ولا من بيئته, ولا من كلامه, فقط من وحي السماء, لذلك لا ينطق عن الهوى, إن هو إلا وحي يوحى. من مقتضيات شهادة أن محمد رسول الله :
1-أن تصدقه بأنه نبي يتلقى الوحي من الله :
الآن: شهادة أن محمد رسول الله ما مقتضياتها أو ما أركانها؟.
أول مقتضى لهذه الشهادة: أن تصدق النبي عليه الصلاة والسلام, الإيمان تصديق والكفر تكذيب, أن توقن حقاً أن هذا الإنسان ليس عبقرياً, ولا مصلحاً اجتماعياً, ولا شخصيةً فذةً, إنما هو رسول الله, هذا الإنسان هو رسول الله, لكن قد تلتقي مع أناس كثيرين, يطرحون عليك أنه عبقري, أنه مصلح اجتماعي, أنه استطاع أن يلم شمل الأمة, هذا كلام كله غير صحيح, إنه رسول الله يوحى إليه.
فأول مقتضى من مقتضيات الإيمان برسول الله: أن تصدق أنه رسول الله حقاً, يخبر عن الله عز وجل, ويوحى إليه بشرع ناسخ للشرائع السماوية السابقة.
هناك أشخاص كثيرون من أديان أخرى, يقدسون النبي عليه الصلاة والسلام ويعظمونه, ويتحدثون عن عبقريته, وعن إصلاحه للأمة, وعن جمعه لشمل الأمة, وعن ..., القضية الفيصل بينك وبينه, هل تعتقد أنه رسول يوحى إليه؟ أما التعظيم سهل.
فأول مقتضى من مقتضيات الإيمان برسول الله: أن تصدقه أنه رسول يتلقى الوحي من الله عز وجل, هكذا يجب أن تعتقد, أن هذا الإنسان هو رسول:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً بَعِيداً﴾
[سورة النساء الآية: 136]
هذا اعتقاد المؤمن :
النبي باعتقاد المؤمن هو رسول الله، في الصحيحين: عَنْ أَبِي جَمْرَةَ قَالَ:
((كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ, يُقْعِدُنِي عَلَى سَرِيرِهِ, فَقَالَ لِي: إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ لَمَّا أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَنْ الْوَفْدُ؟ قَالُوا: رَبِيعَةُ, قَالَ: مَرْحَبًا بِالْوَفْدِ أَوْ الْقَوْمِ غَيْرَ خَزَايَا وَلَا نَدَامَى, قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ كُفَّارَ مُضَرَ, فَمُرْنَا بِأَمْرٍ نَدْخُلُ بِهِ الْجَنَّةَ, وَنُخْبِرُ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا, فَسَأَلُوا عَنْ الْأَشْرِبَةِ, فَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ, وَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ, أَمَرَهُمْ بِالْإِيمَانِ بِاللَّهِ, قَالَ: هَلْ تَدْرُونَ مَا الْإِيمَانُ بِاللَّهِ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ, قَالَ: شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ, وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ, وَإِقَامُ الصَّلَاةِ, وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ, وَأَظُنُّ فِيهِ صِيَامُ رَمَضَانَ, وَتُؤْتُوا مِنْ الْمَغَانِمِ الْخُمُسَ .....))
أي بالإيمان لا يوجد حل وسط، التصديق حدي، هل أنت مصدق مئة بالمئة أن هذا الإنسان رسول الله, وأنه يوحى إليه, وأن كل أقواله, وأفعاله, وإقراره حق من الله تعالى؟ فانتهى الاعتراض, وانتهت المناقشة, وانتهى النقد. 2-الاتباع :
أيها الأخوة الأكارم, هل يكفي أن نؤمن أنه رسول الله, وأنه يوحى إليه, وأن ما جاء به من عند الله وحده, وأن كلامه, وإقراره, وفعله, وصفته تشريع, ينبغي أن نأخذ به؟ الجواب: نعم ولا، نعم ينبغي أن نؤمن بهذا، ولا لا يكفي أن نؤمن بهذا دون أن نتبع هذا النبي، الاتباع سهل جداً أن تنتمي لجماعة، من السهل جداً أن تعلن ولاءك لفئة، لكن البطولة لا في إعلان الولاء ولكن في الاتباع، الاتباع يقتضي جهد، الاتباع يقتضي مجاهدة النفس والهوى، الاتباع يقتضي أن تتنازل عن حظوظك لمرضاة الله عز و جل، الاتباع يقتضي أن تلزم نفسك بطاعة رسول الله:
﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾
[سورة آل عمران الآية: 31]
هذه الآية أصل في هذا الموضوع. من علامة إيمانك بالنبي عليه الصلاة والسلام :
الله عز وجل يقول:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾
[سورة الحجرات الآية: 1]
أي أن تتبع ولا أن تعترض، أن تتبع لا أن تقترح، أن تتبع مثلاً لو قالوا: الفجر أربع ركعات والظهر ركعتين مثلاً، النبي علمنا كيف نصلي؟ وصلوا كما رأيتموني أصلي.
يوجد أشياء كثيرة, الإنسان بحكم ضعف إيمانه, يتمنى أن تكون على غير ما هي عليه، علامة إيمانك برسول الله أنك تتبعه من أعماق أعماقك.
من صفات المؤمنين :
أذكر لكم صفات المؤمنين:
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُبِيناً﴾
[سورة الأحزاب الآية: 36]
أحياناً: بالمؤتمرات قبل أن يجتمعوا يقولون: هناك قضايا لا نوافق أن تدرج في جدول الأعمال، كذلك المؤمن إذا الله عز وجل قضى أمراً إما تشريعاً أو قضاء وقدراً:
﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾
[سورة الإسراء الآية: 23]
شيء الله قضاه، حكم شرعي جاء من كلام النبي عليه الصلاة والسلام، فهذا الذي قضاه النبي لا يمكن أن يكون في صدرك حرج منه.
أنت مخير في المباحات ولست مخيراً في الفرائض والأحكام :
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُبِيناً﴾
[سورة الأحزاب الآية: 36]
أي أنت مخير في المباحات ولست مخيراً في الفرائض والأحكام، علامة إيمانك أن تفعل ما أمرك به النبي.
شخص أحياناً يحتار, أشتري هذا البيت أم هذا البيت؟ هذا البيت صغير لكنه نحو الجهة القبلية، هذا البيت كبير لكنه نحو الجهة الشمالية، هنا في حيرة، شراء البيتين من المباحات، فالخيرة تأتي من أشياء مباحة, أما أصلي أم لا أصلي، هذه لا يوجد بها خيار، ينبغي أن أصوم أو لا أصوم لا يوجد خيار، إذا للزوجة فرضاً الربع أو الثمن بحسب قواعد الميراث لا يوجد خيار، الله عز وجل قضى بهذا، جميع الأحكام القرآنية والأحكام النبوية, لا يوجد لك خيار بها, هذا من مسلمات الإيمان بالله ورسوله:
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُبِيناً﴾
[سورة الأحزاب الآية: 36]
تدبر القرآن من معاني التدبر, أنه كلما قرأت آية تعرض نفسك عليها، هل أنا كذلك؟ أي قد يحرم الإنسان من نصيبه من الإرث, بحسب نوع قرابته, هل تعترض؟ هذا حكم الله عز وجل؟ الله عز وجل كماله مطلق، فحينما يقضي الله أمراً, وحينما يقضي النبي أمراً, لا يمكن لمؤمن أن يكون لهم الخيرة من هذا، هذا شرع الله عز وجل.
احذر أن تقع في هذا الخلل من الإيمان بالنبي :
يوجد آية ثانية:
﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾
[سورة النساء الآية: 65]
هذا كلام رب العالمين، لو أنه رفعت قضيتك إلى قاض شرعي, والقاضي الشرعي حكم لك بسنة النبي, وأنت لم تكن راضياً عن هذا الحكم، ففي إيمانك خلل كبير.
لو أنه اختلفت مع أخ, ورفعت القضية إلى قاض شرعي, وهذا القاضي الشرعي حكم لك وفق سنة النبي, وأنت كنت منزعجاً, لم تكن راضياً, ففي الإيمان خلل كبير:
﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾
[سورة النساء الآية: 65]
الأصح: ليس في إيمانك خلل, بل إنك لست مؤمناً: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾
[سورة النساء الآية: 65]
أي إنسان يعقد عقده على امرأة لأيام, ثم يجد أنه لا رغبة له فيها, فيطلب الفراق, يجب عليه نصف المهر، إنهم يومان ثلاثة، هل أنت منزعج؟ هذه ابنة كرام, الناس لها مكانة، لها مشاعر، ذاع بين الناس أنك خطيباً لها, وأنها زوجة لك، فهكذا الشرع، مليون، نصف مليون، خمسة أيام, كل يوم مئة ألف:
﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾
[سورة النساء الآية: 65]
قف عند هذه الآيات :
أيها الأخوة, ثلاث آيات تبين أن اتباع النبي جزء من إيمانك:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾
[سورة الحجرات الآية: 1]
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُبِيناً﴾
[سورة الأحزاب الآية: 36]
﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾
[سورة النساء الآية: 65]
احذر أن تسوء الظن برسول الله :
أروي قصة دائماً: النبي عليه الصلاة والسلام قال مرة لأصحابه قبيل معركة بدر: لا تقتلوا عمي العباس، أي يوجد شخص فكر قال: أيقتل أحدنا أباه وأخاه, وينهانا عن قتل عمه؟ -ما استساغ هذا، ثم اتضح له أن عم النبي كان مسلماً, وكان عينه في قريش، فلو أن عم النبي لم يخرج مع المشركين لكشف نفسه، ولو أن النبي عليه الصلاة والسلام ذكر أنه مسلم لا تقتلوه لكشفه، ولو أن النبي عليه الصلاة والسلام سكت لقتلوه, فلابد من أن يقول هذا الكلام المختصر: لا تقتلوا عمي العباس, ثم اتضح أن عمه كان مؤمناً، وكان مكلفاً بمهمة في قريش، و كان يعبد الله سراً، و كان عينه على قريش-، يقول هذا الرجل: والله ظللت أتصدق عشر سنين, رجاء أن يغفر الله لي سوء ظني برسول الله.
متى يذوق العبد طعم الإيمان؟ :
عَنْ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ, أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:
((ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ, مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا, وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا, وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا))
[أخرجه مسلم في الصحيح، والترمذي في سننه]

رضي بهذا الإنسان رسول الله، كلامه وحي، أفعاله سنة، إقراره تشريع، وانتهى الأمر.
أيها الأخوة, النبي عليه الصلاة والسلام أوتي القرآن ومثله معه، ما معنى مثله؟ أي السنة، الكتاب والسنة، فكلا الوحيين الكتاب والسنة من الله العظيم، القرآن وحي متلو, والسنة وحي غير متلو. 3-أن تزكي النفس بهديه وسنته :
مقتضيات الإيمان برسول الله: أن تزكي النفس بهديه وسنته، كيف كان مع أهله؟ مع أولاده؟ مع جيرانه؟ مع أصحابه؟ كيف كان غضبه؟ كيف كان رضاه؟ كيف يعامل زوجته؟ يجب أن تتزكى بهديه صلى الله عليه وسلم، والدليل قول الله عز وجل: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾
[سورة الأحزاب الآية: 21]
معرفة سنة النبي صلى الله عليه وسلم القولية فرض عين على كل مسلم :
أخوتنا الكرام, لابد من هذه القاعدة: ما لا يتم الفرض إلا به فهو فرض، ما لا تتم السنة إلا به فهو سنة، ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، الصلاة فرض فرض، هل تتم الصلاة من دون وضوء؟ لا، الوضوء إذاً فرض، هذه القاعدة طبقها على سنة النبي، الله عز وجل يقول:
﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾
[سورة الحشر الآية: 7]
إذاً: هذه الآية ماذا تقتضي؟ كيف يتم أن تأخذ ما آتاك الرسول, وأن تنتهي عما نهاك عنه الرسول؟ لا بد من معرفة ما آتاك وما نهاك، إذاً: معرفة سنة النبي القولية فرض عين على كل مسلم، أنت كيف تصلي؟ لأن الصلاة فرض، لماذا تصوم؟ لأن الصيام فرض.
يجب أن تتعرف إلى سنة النبي القولية, بماذا أمرك وعن أي شيء نهاك؟ لأن اتباع النبي فرض عليك.
أنا أقول دائماً: متى تعالج ارتفاع الضغط عندك؟ إذا علمت أنه معك ارتفاع ضغط، متى تستطيع أن تأخذ ما آتاك الرسول، ومتى تستطيع أن تنتهي عما نهاك عنه الرسول؟ إذا كنت تعلم ماذا آتاك, وماذا نهاك؟ إذاً: هذه الآية التي تقتضي الوجوب, لا يمكن أن تطبق إلا إذا تعرفت إلى سنة النبي صلى الله عليه وسلم القولية، إذاً: معرفة سنة النبي صلى الله عليه و سلم القولية فرض عين على كل مسلم.
ماذا تقتضي هذه الآية؟ :
إذا قال الله لك:
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾
[سورة الأحزاب الآية: 21]
كيف يكون النبي لك أسوة حسنة إن لم تتعرف إلي سيرته؟ إذاً: تقتضي هذه الآية أن تتعرف إلى سيرة النبي، إذاً: معرفة سيرة النبي أو سنته العملية فرض عين على كل مسلم من خلال هاتين الآيتين: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾
[سورة الحشر الآية: 7]
من خلال هاتين الآيتين يقتضي وهو فرض عين: أن تتعرف إلى سنة النبي القولية, وإلى سنته العملية, هذا واجب، أي في كل بيت يجب أن يكون هناك كتاب أحاديث صحيحة، في كل بيت ينبغي أن يكون هناك كتاب سيرة من أفضل كتب السيرة.
ما تفسير هذا الحديث؟ :
عَنْ أَنَسٍ قَالَ:
((قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ, وَوَلَدِهِ, وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, والنسائي في سننه]
المعنى الدقيق: كيف يكون النبي عليه الصلاة والسلام أحب إليك من والديك وأولادك والناس أجمعين؟.
الحقيقة: عند التعارض، أي إذا كان طلب ابنك أن تفتح له محلاً ليس شرعياً, يبيع موسيقا، يبيع أشرطة، يؤجر أفلام فيديو، وألح عليك, وأنت وجدت أن إرضاءه جيد, مع أن عصيت رسول الله في إرضائه, فهذه المشكلة ينبغي أن تحب رسول الله, أي أن تطبق سنته دون أن تعبأ بما يتمناه عليه والداك, أو أولادك, أو الناس أجمعين.
وقد قال عليه الصلاة والسلام: عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((مِنْ أَشَدِّ أُمَّتِي لِي حُبًّا نَاسٌ يَكُونُونَ بَعْدِي, يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ رَآنِي بِأَهْلِهِ وَمَالِهِ))
[أخرجه مسلم في الصحيح]
ما الشخصية التي تتمنى أن تكون على دربها؟ :
بصراحة: في حياة كل منا شخصية يتمنى أن يكونها، وشخصية يكره أن يكونها، و شخصية يكونها، أنت لك شخصية دائماً يوجد بذهنك شخصية هي قدوة لك، ويوجد شخصية أخرى تحتقرها.
قل لي: من الشخص الذي تتمنى أن تكون على دربه, أقل لك: من أنت؟ أهل الدنيا اجلس مع التجار مثلاً, فلان عنده ثروة فلكية، فلان بصفقة واحدة حقق ثلاثمائة مليون، فلان اشترى أرضاً كلما جلس يتحدث عن فلان، معنى فلان هو الشخصية التي يتمنى أن يكونها، هذا في عالم التجارة، في عالم الصناعة المعمل الفلاني ثلاث ورديات، حجم إنتاجه في اليوم ثلاثمائة ألف قطعة مثلاً، يتحدث.
فأنت اسأل نفسك هذا السؤال: ما الشخصية التي تتمنى أن تكون على دربها؟ المؤمن قطعاً الشخصية التي يتمنى أن يكونها هو رسول الله، أن يكون على دربها، على منهجها. متى يكون النبي لنا أسوة حسنة؟ :
الآية الثانية:
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾
[سورة الأحزاب الآية: 21]
لن يكون النبي لك أسوة حسنة إلا إذا أردت الله, وأردت رسول الله, والدار الآخرة، و ذكرت الله كثيراً.
من أخلاق النبي عليه الصلاة والسلام :
دخل إلى بيته قال:
((أعندكم شيء؟ قالوا: لا، قال: فإنني صائم))
أحياناً تدخل إلى البيت, الأكل لم ينضج, يقيم الدنيا ولا يقعدها، يوجد طعام لكن تأخر قليلاً, المؤمن دخل للبيت, يوجد مشكلة, النبي ماذا فعل؟ كان رقيقاً، كان حليماً، كان لطيفاً، كيف أن النبي كان واحداً من أصحابه وعليه جمع الحطب؟ كنت برحلة, يوجد أشخاص, يرتاح, ينام, يدعونه للطعام, لا يدفع, ولا يعمل، النبي قال: وعليّ جمع الحطب، قالوا: نكفيك ذلك، قالوا: أعلم أنكم تكفونني, ولكن الله يكره أن يرى عبده متميزاً على أقرانه.
دخل إلى البيت: أعندكم شيء؟ قالوا: لا، قال: فإني صائم.
أي أخلاقه رضية، حليم، رقيق، كان إذا أتى مريضاً أو أوتي به قال: ((أذهب البأس رب الناس، اشف وأنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقماً))
وأنت إذا زرت مريضاً ينبغي أن تتخلق بهذه الأخلاق.
كان إذا أتاه الأمر يسره قال: ((الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وإذا أتاه أمر يكرهه قال: الحمد لله على كل حال))
هذا من هدي النبي, ومن أخلاق النبي, ومن سمت النبي.
كان إذا أصبح وإذا أمسى قال: ((أصبحنا على فطرة الإسلام، و كلمة الإخلاص، ودين نبينا محمد، وملة أبينا إبراهيم حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين))
كان إذا أكل أو شرب قال: ((الحمد لله الذي أطعم, وسقى، وسوغه, وجعل له مخرجاً))
كان يمر بالصبيان فيسلم عليهم.
كان يمشي مشياً يعرف فيه أنه ليس بعاجز ولا كسلان. ما العينة كما وردت في هذا الحديث؟ :
كان عليه الصلاة و السلام يقول: عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ:
((سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ, وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ, وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ, وَتَرَكْتُمْ الْجِهَادَ, سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ))
[أخرجه أبو داود في سننه]
العينة: أي ربا على شكل بيع، وأنستم إلى الراحة. خذ هذه العبرة :
العبرة من هذه الفقرة الأخيرة: أنه ينبغي أن تقرأ سيرة النبي عليه الصلاة والسلام, وأن تهتدي بهديه, وأن تزكي نفسك بهديه صلى الله عليه وسلم، أي في الصحة والمرض، في الإقامة والسفر، في علاقتك الحميمة مع أهلك، مع أولادك، مع أخوانك، مع جيرانك، كيف كان النبي؟.
أهم شيء في هذا اللقاء الطيب إن شاء الله: أن تتزكى نفسك بهدي النبي عليه الصلاة والسلام.
من لوازم تنفيذ هذا الأمر: أن تتعرف إلى سيرة النبي, وأن تتخلق بأخلاقه, عندئذ يكون النبي أسوة حسنة، ولن يكون أسوة حسنة إلا إذا أردت الله ورسوله, والدار الآخرة, وذكرت الله كثيراً، والحمد لله رب العالمين.
دعاء الختام :
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-01-2018, 03:38 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية من مفهوم القران والسنة

الدرس : ( الرابع العاشر )

الموضوع : نواقض شهادة ان محمد رسول الله





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين . عنوان درسنا اليوم :
أيها الأخوة الكرام, مع الدرس الرابع عشر من دروس العقيدة, تذكرون أنه في درس سابق, تحدثت عن مقتضيات الإيمان بلا إله إلا الله, ثم تحدثت عن نواقض لا إله إلا الله, فالخسارة كبيرة جداً أن تتوهم أنك مؤمن بلا إله إلا الله, ثم إنك تقع في نقائضها .
أيها الأخوة الكرام, تعلمون أن الشيئين المتعاكسين غير الشيئين المتناقضين, فقد يجتمع المتعاكسان أبيض وأسود, ولا سيما في أحجار هذا المسجد, خط أبيض وخط أسود, ولونان متعاكسان, ولكن الشيئين المتناقضين لا يجتمعان, فالضوء ينقض وجود الظلام, والظلام ينقض وجود الضوء .
قد تتوهم أنك مؤمن بلا إله إلا الله, وهي كلمة التوحيد الأولى, ثم لا تدري أنك تعتقد أو تفعل ما ينقضها, وكأنك لست مؤمناً بها, وقد تتوهم أنك مؤمن بمحمد رسول الله, وقد لا تدري أنك تعتقد أو تفعل ما ينقضها .
فالحديث عن نواقض محمد صلى الله عليه وسلم, لا يقل عن الحديث عن مقتضيات الإيمان برسول الله، المقتضيات أن تؤمن أنه رسول, وليس عبقرياً, وليس ذكياً, وليس مصلحاً, رسول الله يوحى إليه وأن تتبعه, إلى آخر فقرات الدرس السابق .
اليوم ننتقل إلى درس جديد: نواقض شهادة أن محمداً رسول الله، هذه الشهادة التي هي نصف الإسلام, شهادة التوحيد: أن تعتقد أنه لا معبود بحق إلا الله, وشهادة الرسالة: أن تعتقد أن هذا الإنسان محمد بن عبد الله يأتيه الوحي, وقد جاءك الوحي متواتراً, وأنه يبين بحديثه مراد الله منك .
من نواقض شهادة أن محمد رسول الله :
1-إنكار رسالته :
أول ما ينقض هذه الشهادة: إنكار رسالة محمد صلى الله عليه وسلم, أنت حينما تصر على رسالة أخرى, ولا تعبأ بهذه الرسالة, فهذا الاعتقاد ينقض ما تدعيه بلسانك, في مناسبات, وفي مواقف, وفي كتابات, وفي تقارب، اعتقادك أنه ليس رسول الله, لكنه إنسان عظيم, يقع على رأس المئة الأوائل في العالم كله, إن لم تعتقد أنه رسول الله, فأنت لست مؤمناً, إنه رسول الله .
الدليل: ولولا الدليل لقال من شاء ما شاء, طالبوني بالدليل, لا يجرؤ إنسان في الأرض أن يتكلم بأخطر شيء في حياة الإنسان, وهو الدين برأيه, من أنت حتى تقول في الدين برأيك؟ لولا الدليل لقال من شاء ما شاء, قال الله تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾
[سورة محمد الآية: 32-33]
إذاً: إن لم تؤمن برسالة النبي, وإن لم تعززه وتنصره, فلست مؤمناً, وقد فعلت ما ينقض إيمانك برسول الله صلى الله عليه وسلم .
احذر أن تقع في هذا الخطر :
لعلكم تدركون معي, أن هذا البند الأول بعيد جداً عن المؤمنين, أن يقول لك مؤمن: لست مؤمناً برسالة محمد صلى الله عليه وسلم, لكن البند الثاني: أن تطعن في رسول الله, أن تطعن في أحقية رسالته, أن تظن أن الرسالة إلى جهة أخرى, لكن هناك خطأ, فكانت إلى رسول الله, هذا أيضاً طعن برسول الله, أو أن تطعن في صدقه, أو أن تطعن في أمانته, أو أن تطعن في عفته, إذا حدثك فهو صادق, إذا عاملك فهو أمين, إذا استثيرت شهوته فهو عفيف .
كنا قوماً أهل جاهلية, نعبد الأصنام, ونأكل الميتة, ونأتي الفواحش, حتى بعث الله فينا رجلاً, نعرف أمانته, وصدقه, وعفافه .
إذا عاملك فهو أمين, إذا استثيرت شهوته فهو عفيف, فضلاً إن طعنت في رسالته, أو في صدقه, أو في أمانته, أو في عفافه .
اعدل يا محمد, فقال عليه الصلاة والسلام:
((ويحك من يعدل إن لم أعدل))
لأن الله سبحانه وتعالى عصمه من أن يخطئ في أفعاله, وأقواله, وإقراره, وأمرنا أن نأخذ عنه كل شيء, وإن لم يكن معصوماً, لكان الأمر أن نأخذ عنه كل شيء أمراً بمعصية, وهذا مستحيل . 2-الاستهزاء أو الاستخفاف أو السباب :
الآن: الاستهزاء, أو الاستخفاف, أو السباب, هذه كلها تنقض إيمانك برسول الله, الدليل:
﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾
[ سورة التوبة الآية: 65-66]
هل هناك أنصع من هذا الدليل؟ قال بعض العلماء: من سب الله ورسوله طوعاً بغير إكراه، بل من تكلم بكلمات الكفر طائعاً غير مكره, ومن استهزأ بالله, وآياته, ورسوله, فهو كافر ظاهراً وباطناً .
أمر مستبعد عن المؤمن :
المؤمن لا يخطر ولا لثانية في حياته: أن يتكلم كلاماً يشم منه عدم ثقة بكلام رسول الله, أو في شيء من التهكم, أو السخرية, أو التندر, أو ترداد حديث من باب إضحاك الناس, والحمد لله رب العالمين, لا تجد مؤمناً فيه الحد الأدنى من الإيمان, يفكر للحظة واحدة أن يطعن, أو أن يستهزئ, أو أن يستخف بقول قاله النبي صلى الله عليه وسلم, إلا إذا كان هذا القول موضوعاً ليس لرسول الله, لك أن تستهزئ بهذا القول, مبيناً أنه حديث موضوع, ولا صلة له برسول الله إطلاقاً .
أجمع العلماء: أن شاتم النبي صلى الله عليه وسلم المنتقص له كافر, والوعيد جار عليه بعذاب الله .
إنكار الرسالة كلياً أو إنكارها جزئياً, كالطعن برسول الله, كانت لغيره فأصبحت له خطأً, أو في صدقه, أو في أمانته, أو في عفته, أو سبه, أو الاستهزاء به, أو الاستخفاف به, أو الطعن في تصرفاته الثابتة .
ما مقصد هذا الشاهد؟ :
سقت على هذا شاهداً ذكرته مراراً: أن أحدهم لما قال النبي عليه الصلاة والسلام:
((لا تقتلوا عمي العباس -فكر, وجد أن أصحاب النبي حينما تنشب المعارك مع المشركين, قد يقتلون آبائهم وأبناءهم- فقال: أحدنا يقتل أباه وأخاه, وينهانا عن قتل عمه -تصورها عصبيةً- وكان سيدنا العباس في مكة قد أسلم, وكان عين النبي صلى الله عليه وسلم في مكة, وكان يرسل له الأخبار تباعاً عن كل ما يجري في قريش -له مهمة, والنبي عليه الصلاة والسلام قيادته ذكية جداً في موطن القرار في قريش, يأتيه الخبر, لو أن النبي سكت لقتلوه, لو أنه بين لهم أنه مسلم لانتهت مهمته, كشف, لو أن سيدنا العباس لم يشاركهم في القتال لكشف أيضاً, ينبغي أن يشارك, وينبغي أن لا يذكر النبي حال إسلامه, وينبغي أن يتكلم لكي لا يقتل, قال: لا تقتلوا عمي العباس- .
يقول هذا الرجل: -الذي وقع في نفسه شيء من فعل النبي عليه الصلاة والسلام- والله ظللت أتصدق عشر سنين رجاء أن يغفر الله لي سوء ظني برسول الله .
3- الطعن في أحاديث الرسول الصحيحة أو تكذيبها :
الآن الطعن في أحاديث الرسول الصحيحة أو تكذيبها, ما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه حديث صحيح, وأنت لم تقبله أو رددته, فهذا نقض لإيمانك برسول الله صلى الله عليه وسلم .
هناك رجل يستمع إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ليس معقول هذا الحديث, لا يتناسب مع العصر, هو مرجع, فكر قليلاً, تأمل قليلاً, فرأى أن هذا ليس حديث رسول الله, لم يعبئ بسنده, ولا بسلسلته الذهبية, ولا بسنده المتصل, ولا بتواتره, أحياناً لمجرد أن ترد حديثاً متواتراً, أو صحيحاً, أو حسناً ترده, وتظن أن النبي عليه الصلاة والسلام ما قاله, لا لسبب وجيه, إلا لأنه ما راق لك, فهذا التصرف, وهذا الرد, يعد نقضاً لشهادة أن محمداً رسول الله .
ما أخبر به النبي عن آخر الزمان :
وفي صحيح ابن ماجه: عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ, عَنْ أَبِيهِ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ, يَأْتِيهِ الْأَمْرُ مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ, أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ, فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي مَا وَجَدْنَا فِي كِتَابِ اللَّهِ اتَّبَعْنَاهُ))
[أخرجه أبو داود والترمذي في سننهما]
كأن الله أخبره أنه سيكون في آخر الزمان: أناس يردون السنة بأكملها, ويقول: حسبنا القرآن، القرآن فقط, كيف عرفت أن الزكاة نصابها كذا؟ كيف عرفت أن صلاة الفجر ركعتان؟ عدد الركعات, ونصاب الزكاة, ومئات الأحكام, وآلاف القضايا, جاءت من النبي عليه الصلاة والسلام, فإذا أردت أن لا تأخذ عن النبي عليه الصلاة والسلام شيئاً, انتهى دينك, والله عز وجل يقول:
﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾
[سورة الحشر الآية: 7]
فأنت إن لم تأخذ كل ما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام, إنك ترد القرآن, أنت إذاً لست قرآنياً, لأن القرآن يأمرك أن تأخذ ما آتاك الرسول, وأن تنتهي عما نهاك الرسول .
ينبغي أن تعلم :
وفي صحيح ابن ماجه: عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ, عَنْ أَبِيهِ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ, يَأْتِيهِ الْأَمْرُ مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ, أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ, فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي مَا وَجَدْنَا فِي كِتَابِ اللَّهِ اتَّبَعْنَاهُ))
[أخرجه أبو داود والترمذي في سننهما]
كتاب الله فيه كليات, بينما التفاصيل جاءت في السنة, وأنت ينبغي أن تطيع الله استقلالاً, وأن تطيع النبي استقلالاً, لا أن تربط طاعة النبي عليه الصلاة والسلام بالكتاب, لكن ما سوى النبي عليه الصلاة والسلام تعلق طاعته على موافقته لما قاله النبي, فإن جاء الذي قاله مخالفاً لحديث رسول الله, ليس لك أن تطيعه, أما النبي عليه الصلاة والسلام هو مشرع. قال تعالى:
﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾
[سورة المائدة الآية: 92]
لماذا أعاد كلمة أطيعوا؟ لأن النبي عليه الصلاة والسلام يطاع استقلالاً, لكن بقية الناس لا يطاعون إلا تبعاً لطاعة رسول الله, لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق, جميع الناس عدا رسول الله, طاعتهم مشروطة بموافقة أمرهم لما في القرآن والسنة, إلا أن طاعة النبي وحدها واجبة لذاتها, من دون أن تربط بالقرآن, لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: أوتيت القرآن ومثله معه .
هي السنة, وقد أجمع علماء العقيدة على أن القرآن وحي متلو, وعلى أن السنة وحي غير متلو, بدليل أن الله عز وجل يقول:
﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾
[سورة النجم الآية: 3-4]
4- أن تجحد أحد الرسل الذين أرسلهم الله قبل محمد صلى الله عليه وسلم :
رابعاً: ينقض إيمانك بأن محمداً رسول الله: أن تجحد أحد الرسل الذين أرسلهم الله قبل محمد صلى الله عليه وسلم, هذا الدين دين موحد, الدين واحد, والشرائع مختلفة, الدين أن تسلم وجهك لله, هذا هو الدين, لكن الشرائع متبدلة ومختلفة وآخرها ينسخ ما سبقه, فيكفي أن تنكر رسالة سيدنا عيسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام, إذا أنكرت هذه الرسالة فلست مؤمناً, إذا أنكرت رسالة سيدنا موسى فلست مؤمناً, إذا أنكرت رسالة سيدنا موسى لست مؤمناً, سيدنا إبراهيم لست مؤمناً, قال تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً﴾
[سورة النساء الآية: 150-151]
أنبياء الله, رسل الله, الذين ذكرهم الله في القرآن, لمجرد أن تكفر بواحد منهم, فأنت لست مؤمناً .
إذاً: من نواقض إيمانك برسول الله صلى الله عليه وسلم: أن تنكر أصل رسالته, أو أن تطعن بها جزئياً, أو أن تطعن بصدق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم, أو أمانته, أو عفته, أو أن تستهزئ, أو أن تستخف بهذه الدعوة, أو أن تطعن بأحاديث النبي عليه الصلاة والسلام الصحيحة, أو أن تكذبها, أو أن تنفي الأخبار الثابتة التي أخبر عنها كظهور الدجال, وظهور سيدنا عيسى عليه الصلاة والسلام, وعذاب القبر, الشيء الذي أخبر به إذا أنكرته فأنت لست مؤمناً بهذه الرسالة, أو أن تجحد نبياً من أنبياء الله السابقين, أو رسولاً من رسل الله السابقين .
5- ادعاء النبوة بعد محمد صلى الله عليه وسلم :
ومما ينقض شهادة الرسالة, أي أن محمد صلى الله عليه وسلم رسول الله: ادعاء النبوة بعد محمد صلى الله عليه وسلم, لأن الله جل جلاله يقول:
﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾
[سورة الأحزاب الآية: 40]
لذلك في شرقي آسيا, هناك من يدعي أنه نبياً جاء بعد محمد صلى الله عليه وسلم, وهي فرقة ضالة اصطنعها الاستعمار كي يلغي الجهاد .
وفي بعض الأحاديث الصحيحة التي وردت في صحيح مسلم: عن أبي هُرَيْرَةَ يَقُول:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ, يَأْتُونَكُمْ مِنْ الْأَحَادِيثِ بِمَا لَمْ تَسْمَعُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ, فَإِيَّاكُمْ وَإِيَّاهُمْ, لَا يُضِلُّونَكُمْ وَلَا يَفْتِنُونَكُمْ))
[أخرجه مسلم في الصحيح]
إذاً: هناك من ادعى النبوة, أول واحد مسيلمة الكذاب, وكثيرون ادعوا النبوة .
6- أن تصفه بما لا يوصف به إلا الله :
أخواننا الكرام, ولكن الذي ألح عليه: أن الذي ينقض إيمانك برسول الله: أن تصفه بما لا يوصف به إلا الله, وهذا الشطط وقع به مسلمون كثير, أحد الشعراء يقول:
يا علام الغيوب قد لجأنا إليك
ويقصد رسول الله :
﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾
[سورة النمل الآية: 65]
يقول الله عز وجل: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾
[سورة النمل الآية: 65]
أن تظن أنه يعلم الغيب . مرة وقف خطيب أمام النبي يخطب, فقال:
((ما شاء الله وشئت، فقال عليه الصلاة والسلام: بئس الخطيب أنت، جعلتني لله نداً، قل: ما شاء الله كان, وما لم يشأ لم يكن))
إذاً: من نقائض شهادة أن محمداً رسول الله: أن تصفه بما لا يوصف به إلا الله . إليكم هذه الآيات التي تبطل هذا الاعتقاد الفاسد, بأن تصفه بما يوصف به الله :
ماذا قال الله عز وجل؟:
﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً﴾
[ سورة الأعراف الآية: 188]
﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾
[سورة الأعراف الآية: 188]
مرة ثانية:
﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً﴾
[سورة الأعراف الآية: 188]
فلأن لا أملك لكم من باب أولى، لا أملك لكم نفعاً ولا ضراً: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾
[سورة الأنعام الآية: 15]
هذه خصائص النبي، فمن وصف النبي صلى الله عليه وسلم بخصائص ليست إلا لله, فهذا نقض لشهادة أن محمداً رسول الله .
هذا التوحيد عند أبي بكر وعمر :
في صحيح البخاري: عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ, سَمِعَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ:
((سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ, فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ, فَقُولُوا: عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ))
[أخرجه البخاري في الصحيح]
أخواننا الكرام, أنا أعتقد: أنه ما من إنسان على وجه الأرض يحب رسول الله كسيدنا الصديق . ((ما دعوت أحداً إلى الإسلام إلا كانت له كبوة إلا أخي أبا بكر))
((ما طلعت شمس على رجل بعد نبي أفضل من أبي بكر))
أي يوجد أحاديث عن سيدنا الصديق لا تعد ولا تحصى، كيف يقول هذا الصديق يوم مات النبي الكريم: من كان يعبد محمداً, فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله, فإن الله حي لا يموت؟ .
انتبهتم إلى هذه الملاحظة, أي يكاد قلبه يتفطر من شدة الألم, وما من إنسان فيما أعتقد أحب إنساناً على سطح الأرض من آدم إلى يوم القيامة, كما أحب الصديق رسول الله، ومع ذلك إنقاذاً للتوحيد، لئلا يعبد من دون الله، لئلا يؤله .
قال: من كان يعبد محمداً فقط, لم يقل: رسول الله، لم يقل: من كان يعبد حبيبي، هو حبيبه، من كان يعبد محمداً, فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله, فإن الله حي لا يموت .
سيدنا عمر سار على هذا المنهج, عزل سيدنا خالد، قال له: لم عزلتني؟ قال: والله إني أحبك، قال له: لم عزلتني؟ قال له: والله إني أحبك، فلما ألح عليه، قال: والله ما عزلتك يا بن الوليد إلا مخافة أن يفتتن الناس بك, لكثرة ما أبليت في سبيل الله، لئلا يظن الناس أنك أنت الذي تنصر، الله هو الناصر, عزله والنصر مستمر, إنقاذاً للتوحيد . ((لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ, فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ, فَقُولُوا: عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ))
إذاً: أن تصفه بما لا يليق إلا لله, هذا نقض لشهادة رسول الله . 7- أن تطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لا يقدر عليه إلا الله :
أن تطلب من رسول الله صلى الله عليه و سلم ما لا يقدر عليه إلا الله، أي أن تسأله أن ينصرنا، هذا بيد الله النصر: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾
[سورة آل عمران الآية: 126]
الآية واضحة، فإذا قلت: يا رسول الله انصر المسلمين, رسول الله على العين والرأس, لكن نصر المسلمين بيد الله، لا تسأل رسول الله ما لا يقدر عليه إلا الله .
وقفة متأنية :
يروى أن أحد الخلفاء, كان بالحرم المكي, فالتقى بعالم جليل قال: سلني حاجتك؟ قال: والله أستحيي أن أسأل في بيت الله إلا الله، فالتقى به خارج الحرم, قال: سلني حاجتك؟ قال: و الله ما سألتها من يملكها, أفأسألها من لا يملكها؟ فلما ألح عليه قال: أدخلني الجنة، قال له: هذه ليس لي، قال له: إذاً ليس لي عندك حاجة .
دقق :
دققوا في هذا الحديث الصحيح: عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:
((كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فَقَالَ: يَا غُلَامُ, إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ, احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ, إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ, وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ ....))
[أخرجه الترمذي في سننه]
يا شيخ فلان أريد ولداً، هبط المستوى، هناك من يسأل شيوخاً في قبورهم, أن يقدموا فرجاً للأمة . 8-الاعتقادات الباطلة :
الآن: مما ينقض هذه الشهادة اعتقادات باطلة، مثلاً: بعضهم يقول: أن الله سبحانه وتعالى خلق الدنيا كلها من أجل محمد، هذا غير صحيح، لكن اسمحوا لي أن أدافع عن هؤلاء، هناك قاعدة: ما كل من وقع في الكفر وقع الكفر عليه .
الدليل: النبي عليه الصلاة و السلام روى لنا قصة قال: أعرابي امتطى ناقته, عليها طعامه وشرابه، جلس ليستريح, فاستيقظ فلم يجد الناقة، أيقن بالهلاك, فجلس يبكي, ثم يبكي, ثم يبكي, إلى أن أدركته سنة من النوم، نام قليلاً فاستيقظ, فرأى الناقة، من شدة فرحته, اختل توازنه، وقال: يا رب أنا ربك وأنت عبدي، هذا كلام كفر، هل وقع الكفر عليه؟ من المحبة تكلم كلمات ليست صحيحة, لكن لا نكفره نحن أيضاً، تكلم كلمات ليست صحيحة، نقول له: ما كل من قال هذا, خرج من هذه الشهادة, أما هذه الفكرة غير صحيحة، إذا كان معنا آية كريمة يقول الله فيها:
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾
[سورة الذاريات الآية: 56]
وعندنا حديث موضوع: لولاك ما خلقت الدنيا .
أيهما أصح؛ آية قرآنية نحن مخلوقون لعبادة الله، أما أننا مخلوقون من أجل محمد؟ هو سيد الخلق, وحبيب الحق, هذا كلام غير صحيح, لا دليل له إلا هذا الحديث الموضوع، الذي يزعمون أن الدنيا خلقت له, يقول له ربه: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾
[سورة الحجر الآية: 99]
إذاً: كلنا والنبي محمد صلى الله عليه وسلم على رأس الخلائق كلها, مأمورون أن نعبد الله:
﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾
[سورة النحل الآية: 36]
إذاً: مخلوقون لعبادة الله . اعتقاد لم يرد عن النبي :
هناك اعتقاد آخر: أن أول شيء خلقه الله هو نور سيدنا محمد، ثم خلقت الأشياء من بعده.
يقول عليه الصلاة و السلام في الحديث الصحيح: عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: خُلِقَتْ الْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ, وَخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ, وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ))
[أخرجه مسلم في الصحيح]
هي مبالغات أراد أصحابها أن يرفعوا قدر النبي, لكنهم غاب عنهم أن رفع قدره في أن يكون في الوصف الذي وصفه الله له : ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾
[سورة النجم الآية: 8-10]
﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً﴾

[سورة الجن الآية: 19]
هو عبد لله عز وجل، هو سيد الخلق, وحبيب الحق، وسيد ولد آدم ولا فخر, كما قال عليه الصلاة والسلام .
ويقول عليه الصلاة والسلام:
((كلكم بنو آدم, وآدم خلق من تراب))
كلام واضح كالشمس . ما شاع بين المسلمين في العصور المتأخرة :
أيها الأخوة, هذا الموضوع دقته: بأن عقائد كثيرة زائغة شاعت بين المسلمين في العصور المتأخرة، ولعل بعض الذين أشاعوها أرادوا رفع قدر النبي لكنهم أخطؤوا، لكن أن نقف عند حدود القرآن والسنة, وأن نصف النبي بما وصفه الله عز وجل، وأن نصف النبي بما وصف به نفسه، هذا من باب أولى، وهذا الأصح والأصوب، وهذا الذي يبعد عن الإسلام الشطط والمبالغات، ويبعده عن أن يكون كما هو منهج الله عز وجل، المبالغات تسيء ولا تحسن، والحمد لله رب العالمين .
من أسئلة السائلين :
يوجد سؤال ولكن والله وجيه جداً، يقول: في حديثك عن شهادة الرسالة, قدمت أدلة على أن سيدنا محمداً عليه الصلاة والسلام هو رسول الله, ولكن إذا جاءك رجل على غير دين الهدى, وطلب الدليل على أن سيدنا محمداً رسول الله من غير القرآن, فماذا تجيبه؟ .
إنسان جاء وليس مسلماً, ولا يؤمن بالقرآن, قال لك: هذا الإنسان الذي تدعي أنه رسول ليس رسولاً، إنسان ذكي جداً وعبقري، ماذا تقول له؟ .
نحن عندنا أولويات، الإنسان غير المسلم الذي لا يؤمن بالقرآن, لا يوجد داع أبداً أن تقول له: هذا الإنسان رسول الله، اجعله يؤمن بالله، نحن عندنا شيء ثابت هو الكون، هذا الشيء يخضع له كل البشر، إذا آمن من خلال الكون, أن لهذا الكون خالقاً, ومربياً, ومسيراً بالدليل القاطع، الآن تقول له: من كمال الخلق كمال التصرف، هذا الإله العظيم, القوي, الغني, العليم, العدل, خلق الخلق, لا بد من أن يبين لهم لماذا خلقهم؟ قل له: أنا أزعم أن هذا القرآن هو كلام الله، يقول لك: ما الدليل؟ بعد أن يؤمن بالله موجوداً, وواحداً, وكاملاً، وبعد أن يؤمن بأسمائه الحسنى من خلال الكون والعقل فقط، مليار دليل على أن لهذا الكون خالقاً, و مربياً, ومسيراً، بالعقل فقط, وبالآيات الكونية فقط, إذا آمن بالله, من لوازم كمال الإله: أن يبين لعباده لماذا خلقكم؟ .
أنا أقول له: أنا أزعم أن هذا القرآن كلام الله, ثم ائته بألف دليل من إعجاز القرآن العلمي على أنه كلام الله, إذا آمن أن هذا القرآن من خلال الإعجاز العلمي أنه كلام الله الذي جاء به رسول الله، عندما سيدنا موسى أمسك عصاه, فأصبحت ثعباناً مبيناً, هذه معجزة, ما معناها؟ أن هذا الذي فعل هذا ليس إنساناً عادياً, هو رسول الله، فنحن نؤمن بالله موجوداً, و واحداً, وكاملاً من الكون بالدليل العقلي، ثم نؤمن بأن هذا القرآن كلام الله من خلال إعجازه بالدليل العقلي، ثم نؤمن بأن الذي جاء به هو رسول الله من خلال الإعجاز، انتهى دور العقل ، جاء دور التلقي، آمن بالله, وآمن بكتابه, وآمن برسوله, لهنا العقل فقط .
الآن: ما دمت آمنت بمليون دليل على أن هذا القرآن كلام الله، القرآن يقول: هناك ملائكة, هذا إيمان تصديقي، يوجد جن، يوجد رسل سابقون، البشرية بدأت بآدم، يوجد آخرة، يوجد جنة، يوجد نار، هذا كله إيمان تصديقي، اعتقاد إخباري، عقيدة سمعية .
يوجد عندنا عقيدة حسية, وعقلية, وسمعية، فالإيمان بالله من خلال الكون، والإيمان بالقرآن من خلال الإعجاز، والإيمان برسول الله من خلال القرآن، دور العقل انتهى, جاء دور التلقي، الله عز وجل لأنك آمنت به من خلال الكون, وآمنت بقرآنه من خلال الإعجاز, وآمنت برسوله من خلال القرآن, قال لك: البشرية بدأت بآدم، إيمان تصديقي، قال لك: بعد الموت حساب، يوجد جنة ونار، يوجد ملائكة يكتبون ما تفعلون، هذا كله إيمان تصديقي، ليس له دليل علمي, ما دليله؟ إخباري .
أي أنت عاشرت إنساناً خمسين سنة, ما جربت عليه ولا كلمة كذب، دخلت بيته، وضعك في غرفة الضيوف, ويوجد غرفة إلى جانبها, قلت له: هنا ماذا يوجد؟ قال: هنا غرفة نوم, هل تصدقه؟ دليل ما معك وما شاهدتها, لكن لأن القائل صادق, فإيمانك أن هذه الغرفة غرفة نوم, هذا دليل تصديقي, دليل إخباري .
أنت عندما تفرق بين الإيمان الحسي والعقلي والإخباري، الإيمان هذه العين, هذا كرسي, هذه سجادة, هذا إيمان حسي, أما الإيمان بالله إيمان عقلي, لأن ذات الله غابت عنك بقي آثارها, لا تدركه الأبصار إيمان عقلي, والإيمان بالله إيمان عقلي, الإيمان بالقرآن إيمان عقلي, الإيمان بالرسل إيمان عقلي, بالملائكة إيمان إخباري, بالجن إخباري, بالجنة إخباري, بالحوض, بالعرش, بالكرسي, بالأنبياء السابقين, ببدء الخليقة, كل هذه إخباريات .
أنت حينما تناقش إنساناً غير مسلم, إياك ثم إياك أن تدخل معه في قضايا إخبارية, لأنها ليس لها دليل إلا أنك صدقتها عن الله, إياك ثم إياك ثم إياك أن تدخل في نقاش مع إنسان غير مسلم في قضايا أخبر عنها القرآن, لما يؤمن بالقرآن نقول له: هذه إخباريات .
الإيمان بالله أولاً, وبكتابه ثانياً, وبرسوله ثالثاً, أخبرك عن الجنة والنار, وبدأ الخليقة, والحوض, والكرسي, والعرش, والأنبياء السابقين, كل هذا إيمان إخباري, هذا بين المسلمين متداول فقط .
ما الدليل على أن هذا الإنسان رسول الله؟ لأنه جاء بكتاب معجز, ما الدليل على إعجازه؟ في مليون دليل بالقرآن حقائق ما أحد يعرفها في الأرض, معنى ذلك: أنها من عند الله, هذا نظام الإيمان .
أنا شاكر جداً للأخ الذي سأل هذا السؤال, لأنه سؤال قيم, لكن نحن بين المؤمنين نقول: إذا لم تؤمن بكذا, فقد نقضت إيمانك برسول الله, أما على مستوى التسلسل, هذا هو التسلسل .






والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-01-2018, 03:40 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية من مفهوم القران والسنة

الدرس : ( الخامس العاشر )

الموضوع : الأدلة على صدق رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم (1)





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين . من مسلمات هذا الدين :
أيها الأخوة الكرام, مع الدرس الخامس عشر من دروس العقيدة، وقد كان الموضوع السابق: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-3/3348/ar-3348/01.jpg
مقتضيات الإيمان بأن محمداً رسول الله, ثم تحدثنا عن نواقض شهادة أن محمداً رسول الله, واليوم ننتقل إلى الأدلة البينة على صدق رسالة محمد صلى الله عليه وسلم .
أيها الأخوة الكرام, هناك مسلمات في هذا الدين: المسلمة الأولى: أن الله سبحانه وتعالى واحد في خلقه, واحد في أفعاله, واحد في صفاته، شهادة أن لا إله إلا الله, وقد تحدثنا عنها كثيراً، المسلمة الثانية: أن محمد صلى الله عليه وسلم رسول الله, تحدثنا عن مقتضياتها, وعن نواقضها .


هل تقبل دعوة محمد بن عبد الله على أنه رسول الله من دون دليل؟ :
اليوم ننتقل إلى أدلتها. الله عز وجل يقول:
﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾
[سورة الحديد الآية: 25]
لا يمكن أن يقبل الناس دعوى إنسان, أنه رسول الله, من دون أدلة قطعية جامعة مانعة, فالله عز وجل ما كان له أن يرسل رسولاً بلا بينات, لأن هذه الرسالة مصيرية, تتعلق بها سعادة الإنسان الأبدية, فإنسان يمثل خالق السموات والأرض, مبعوث العناية الإلهية, ما في معه دليل, ما في معه بينة, هذا مستحيل .
من دلائل نبوة محمد عليه الصلاة والسلام :
1-المعجزة القرآنية :
﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾
[سورة الحديد الآية: 25]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-3/3348/ar-3348/02.jpg
هذه البينات أولها: المعجزة القرآنية, وأهم شيء في هذه المعجزة: أن الله حفظها من أي تعديل, أو تغيير, أو انتحال, أو تزوير, قال تعالى:
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾
[سورة الحجر الآية: 9]
يعني النبي عيسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام, معجزته شيء, وبيانه شيء آخر, حفظت المعجزة, وقعت ولم تقع مرةً ثانية, معجزة حسية, ليس هناك ارتباط بين المعجزة والبيان, كذلك سيدنا موسى معجزته العصا وبيانه التوراة, إلا أن النبي عليه الصلاة والسلام معجزته تنطبق على بيانه، بيانه القرآن الكريم وحي الله عز وجل, ومعجزته القرآن الكريم, لأن القرآن الكريم معجزة النبي المستمرة، لماذا هي مستمرة؟ لأن النبي خاتم الأنبياء, ولأن رسالته خاتمة الرسالات, إذاً: ينبغي أن تكون معجزته مستمرة, ولم تكن مستمرة إلا إذا كانت علمية بيانية .
وقالوا:
﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آَيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآَيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾
[سورة العنكبوت الآية: 50-51]
إليكم أدلة الإيمان بالله وبرسوله :
في ثلاثة أشياء مهمة جداً: يمكن أن تؤمن عن طريق العقل إيماناً قطعياً بوجود الله من خلال الكون؛ بوجود الله ووحدانيته وكماله, ويمكن أن تؤمن إيماناً عقلياً قطعياً, بأن القرآن كلام الله عن طريق إعجازه, ويمكن أن تؤمن إيماناً عقلياً قطعياً, أن هذا الإنسان الذي جاء بهذا القرآن, هو رسول الله من خلال القرآن، الإيمان بالله من خلال الكون, والإيمان بالقرآن من خلال المعجزات, والإيمان بالرسول من خلال القرآن .
إذا آمنت بأن الله موجود, وواحد, وكامل, وأن كلامه كلام قديم, وحي أوحاه الله إلى النبي, هذا الذي جاء بهذا الوحي المعجز, هو قطعاً رسول الله، انتهى دور العقل, جاء دور النقل الآن, بعد أن آمنت بخالق الكون الواحد والكامل, وبعد أن آمنت بهذا القرآن أن كلام الله, وبعد أن آمنت بهذا الإنسان, أنه جاء بهذا القرآن, أنه رسول الله, وبعد أن آمنت بأن هذا الإنسان الذي جاء بالقرآن هو رسول الله, الآن هذا الإنسان الذي آمنت به رسولاً, سيتكلم, كلامه وحي, آخر كلامه وحي غير متلو, كلامه بيان لهذا القرآن .
إذاً: نحن عندنا وحي متلو من خالق الأكوان, ومعنا وحي يبين الوحي المتلو من سيد الكائنات رسول الله صلى الله عليه وسلم، انتهى دور العقل, أي شيء أخبرك القرآن به, تؤمن به تبعاً, وأي شيء أخبرك النبي عليه الصلاة والسلام, تؤمن به تبعاً .
ما هما الثابتان اللذان لا يصل إليهما الشك في الدين الإسلامي؟ :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-3/3348/ar-3348/03.jpg
فنحن معنا كتاب وسنة, لذلك قال عليه الصلاة والسلام:
((شيئان ما إن تمسكتم بهما فلن تضلوا بعدي أبداً؛ كتاب الله وسنة رسوله))
الكتاب وحي يوحى, والسنة بيان المعصوم، عصم النبي من أن يخطئ في أقواله, وأفعاله, وإقراره, وصفاته .
عندنا ثابتين لا يصل الشك إليهما؛ القرآن والسنة, وعندنا ثابت أول هو الكون، الثابت الأول الذي يخضع له كل الخلق هو الكون, والثابت الثاني القرآن, والثالث السنة, لأن القرآن كلام الله, ولأن القرآن منهج الأمة كلها, ومنهج شعوب الأرض كلهم, يجب أن يكون محفوظاً. اعلم هذا :
من تمام حفظ القرآن حفظ السنة, لذلك قيض الله لهذه الأمة رجالاً, في مستوى من الإدراك, يفوق حد الخيال, واشتغلوا بعلم الحديث, حتى نقحوا أحاديث رسول الله, وأخذوا الصحيح, وأشاروا على الضعيف والموضوع .
لذلك القرآن قطعي الثبوت, بعضه قطعي الدلالة, وبعضه ظني الدلالة, والسنة ظنية الثبوت, لأن بعضها صحيح متواتر, صحيح حسن, وبعضها ضعيف وموضوع, والسنة ظنية الثبوت, وظنية الدلالة .
إليكم هذا الدليل أيضاً من الكتاب يؤكد فيه على أن محمد رسول من عند الله :
آية ثانية الأولى: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-3/3348/ar-3348/04.jpg

﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾
[سورة العنكبوت الآية: 51]
يعني أولم يكفهم دليلاً على أنك رسولي .
الدليل العقلي على أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم هو رسول الله القرآن, والدليل العقلي على أن هذا القرآن كلام الله هو الإعجاز, والدليل العقلي على أن الله عز وجل خالق الأكوان الكون, هذه الثوابت, الوحي يكمل الثوابت, أي شيء أخبرك الله به تؤمن به لا تحقيقاً ولكن تصديقاً, أخبرك أن هناك يوماً آخر, أخبرك أن هناك حوضاً, وصراطاً, وميزاناً, أخبرك أن هناك جنةً وناراً, أخبرك أن البشرية بدأت بآدم, فأي شيء عجز العقل عن إدراكه, أخبرك الوحي به . من معاني الميزان في هذه الآية :
قال تعالى: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-3/3348/ar-3348/05.jpg

﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾
[سورة الرحمن الآية: 7]
يعني من معاني كلمة ميزان: أنه العقل، أعطاك ميزان, لكن هذا الميزان استعماله محدود, شاءت حكمة الله أن يكون استعمال هذا الميزان محدوداً, يعني ميزان, في بقالية مكتوب عليه من خمسة غرامات إلى ثلاثة آلاف غرام, ما دمت تستخدمه ضمن هذين الحدين, أعطاك نتائج دقيقة جداً, لكن هذا الميزان محدود الاستعمال, لا تستطيع أن تزن به مركبتك تحطمه, إذاً: المركبة يعجز هذا الميزان عن وزنها, المركبة عليها لوحة, كتب وزنها كذا, فكل شيء عجز العقل عن إدراكه, أخبرك الله به, صار الوحي يتكامل مع العقل، بالعقل آمنت بالله موجوداً وواحداً وكاملاً, بالعقل آمنت بهذا القرآن كلام الله عز وجل, بالعقل آمنت بأن هذا الإنسان هو رسول الله, انتهى العقل .
هذا دور العقل :
مريض يبحث بعقله عن طبيب, يحمل أعلى شهادة, يتمتع بقدرات عالية, له سمعة طيبة, له اتجاه ديني, يخاف الله, يخشى الله, بحثت بحثت إلى أن وصلت إلى هذا الطبيب, وصلت إليه بعقلك, دخلت على عنده, قال لك: ممنوع استعمال الملح, لماذا هنا؟ ما في عقل, عقلك قادك إلى أنه أعلم الأطباء, الآن يتعطل العقل, تتلقى من تلقي, بعد أن آمنت بالله خالقاً, مربياً, مسيراً, واحداً, موجوداً, كاملاً من خلال هذا الكون وعن طريق العقل, بعد أن آمنت بأن هذا القرآن كلامه من خلال إعجازه وعن طريق العقل, بعد أن آمنت بأن هذا الإنسان رسوله من خلال قرآنه, وعن طريق العقل, انتهى دور العقل .
إليك دور النقل :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-3/3348/ar-3348/06.jpg
قال لك: في جن, أين؟ ما في, أين؟ هذا دليل, اسمه دليل إخباري, له اسم ثان: دليل سمعي, دليل نقلي, أو سمعي, أو إخباري, هذا دليل قطعي, لأنه بقدر ثقتك بالمتكلم, ثقتك بكلامه, هذا أخبرك الله به, أخبرك أن هذه البشرية بدأت من آدم، آدم انتهى, قال دارون: قرد أصله، أنا معي دليل نقلي قطعي, أخبرك الله أن الله لا يظلم, إذاً لا يظلم, لو رأيت حرباً أهلية, لو رأيت اجتياحاً, لو رأيت مجاعات في العالم, لو رأيت شعوباً ينكل بها, هناك حكمة لا أعلمها, لكن الله أخبرني, وهو الصادق, أنه لا يظلم أحداً .
ما تميز به النبي عن أخوانه من الأنبياء :
يقول عليه الصلاة والسلام فيما ورد في الصحيحين: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ, حَدَّثَنَا لَيْثٌ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((مَا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ نَبِيٍّ, إِلَّا قَدْ أُعْطِيَ مِنْ الْآيَاتِ مَا مِثْلُهُ, آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ, وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُ وَحْيًا أَوْحَى اللَّهُ إِلَيَّ, فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ))
يعني ما في نبي إلا معه أدلة قطعية بينات معجزات, تكون أدلةً كافيةً للناس, ليصدقوا أنهم نبي, وإنما كان الذي أوتي به سيدنا موسى العصا, سيدنا عيسى إكماه الأبره والأبرص, وسيدنا إبراهيم ألقي في النار . ((وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُ وَحْيًا أَوْحَى اللَّهُ إِلَيَّ, فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ))
يعني بنص حديث رسول الله بتصريح النبي, أنا معجزتي الوحي, والوحي بين أيدينا, وهذه نعمة لا تعدلها نعمة . 2-تحدي العرب أن يأتوا بمثل هذا القرآن :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-3/3348/ar-3348/07.jpg
أول شيء في هذا القرآن فصاحته, كما تعلمنا في الجامعة: أفصح كلام في اللغة العربية على الإطلاق, وأفصح كلام بعده كلام سيدنا محمد, هذا الكلام المعجز الفصيح, من حروف بين أيدينا, ألف لام ميم, حروف بين أيدينا, الحروف العربية, ثمانية وعشرين بين أيدي كل العرب, هل يستطيع العرب ولو اجتمعوا أن يأتوا بآية كآيات القرآن الكريم؟ الجواب: لا, ولو كان الوقت يسمح, لقرأت لكم الذين ادعوا النبوة, وكيف نظموا كلاماً يبعث على الضحك ليس غير, ككلام مسيلمة وما إلى ذلك ......
3- كلما قرأته وجدت فيه معاني جديدة لم تكن من قبل :


شيء آخر: هذا بالحقيقة بين أيديكم, تسمع خطبة مرة مرتين ثلاثة حفظتها http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-3/3348/ar-3348/08.jpg
تسمع نشيد للمرة الخامسة, طلعت من جلدك منه تسمع, محاضرة تسمع ... لكن تسمع السورة مئة ألف مرة في حياتك لا ترتوي منها, جرب, اسمع قرآن بسيارتك, اقرأ قرآن في بيتك, كل ما تقرأه, تحس أن هناك شيئاً جديداً, أحياناً كلمة لا تنتبه لها, أحياناً حرف أحياناً, وقف معين لا تنتبه له, ينطوي على معنى كبير, لذلك: فضل كلام الله على كلام خلقه, كفضل الله على خلقه لا يبلى على كثرة الرد, لو قرأته ليلاً ونهاراً, وصباحاً ومساءً, كلما قرأته, ازددت قرباً من الله عز وجل .
أول بينة قرآنية: أنه أفصح كلام في هذه اللغة, وثانياً: كلما قرأته وجدت فيه معاني جديدة لم تكن من قبل :
﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾
[سورة البقرة الآية: 23-24]
فصاحته وجدته . 4- إخبار القرآن بالغيب :
الآن: القرآن أخبرك بالغيب, الغيب لا يعلمه إلا الله, قال تعالى:
﴿غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾
[سورة الروم الآية: 2-3]
وقد أجمع المؤرخون على هذه المعركة تمت في غور فلسطين . ما اكتشف أخيراً :
اكتشف أخيراً: أن أدنى نقطة في الأرض إطلاقاً غور فلسطين, قبل أن تحتل الضفة الغربية .
زرتها, اتجهنا من أريحا إلى البحر الميت, في منتصف الطريق لوحة, كتب عليها مستوى سطح البحر، تابعنا إلى ستمئة متر تحت سطح البحر, هذه أعمق نقطة في الأرض, أعمق نقطة يابسة, أما أعمق نقطة تحت البحر, خليج مريانة في المحيط الهادي, اثنا عشر ألف متر تحت سطح البحر, وأعلى نقطة جبال هيمالايا, اثنا عشر ألف متر .
جاؤوا بكرة قطرها متر, مثلوا أعلى نقطة عليها, وأخفض نقطة عليها, فكانت سنتيمتر بسنتيمتر, يعني أعلى نقطة في الأرض جبال هيمالايا, وأخفض نقطة في الأرض خليج مريانة, مثلت على كرة قطرها متر سنتيمتر نحو الأعلى, وسنتيمتر نحو الأسفل .
من الغيبيات :
فالله عز وجل يقول:
﴿غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾
[سورة الروم الآية: 2-3]
وقصة طويلة جرت بين سيدنا الصديق وبين كفار قريش, وتحدى كل منهم الطرف الآخر, وفي العام السابع انتصر الروم على الفرس, هذا اسمه غيب المستقبل .
في القرآن غيب الماضي, وغيب الحاضر, وغيب المستقبل, غيب الماضي بعده زمن, وغيب المستقبل بعده زماني, وغيب الحاضر بعده مكاني .
هذا ما أخبرنا به النبي :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-3/3348/ar-3348/09.jpg
أنا حينما تقول لي: جرى في حلب الساعة الثامنة مساءً كذا وكذا, أنا في دمشق، حلب بالنسبة إلي غيب, هذا غيب الحاضر البعد مكاني, أما غيب المستقبل: وهم من بعد غلبهم سيغلبون، غيب الماضي :
﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾

[سورة آل عمران الآية: 44]
فالنبي عليه الصلاة والسلام أخبرنا عن غيب الماضي, وعن غيب الحاضر, وعن غيب المستقبل, إذاً: الدليل الثاني: إخبار القرآن بالغيب .


انظر إلى ثقة النبي بربه :
إنسان يدعي النبوة, يتورط مع الخلق جميعاً, أن الروم سيغلبون, وهو فرد مضطهد ملاحق, وضعت مئة ناقة لمن يأتي به حياً أو ميتاً, لولا أنه واثق أن الله جل جلاله لا يخيبه :
﴿فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾
[سورة الروم الآية: 3-4]
5-حماية الله لنبيه من أن يقتل :
الآن: حماية الله لنبيه من أن يقتل, قال تعالى:
﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ﴾
[سورة الإسراء الآية: 60]
﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾
[سورة المائدة الآية: 67]
لأن النبي عليه الصلاة والسلام واثق أشد الثقة أن الله لا يخزيه, صرف حراسه, واعتمد على الله, استثناءً هنا, ما في اعقل وتوكل, هنا معه وحي, والوحي زوال الكون أهون على الله من أن لا يحقق وعده لنبيه, صرف حراسه, والله يعصمك من الناس, يعني يعصمك من أن تقتل، نبي معه رسالة إذا قتل, أين الله؟ .
سؤال :
قد يقول أحدكم: ماذا نفعل بقوله تعالى:
﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾
[سورة آل عمران الآية: 144]
دخل احتمال قتله, كيف نوفق بين هذه الآية وبين هذه الآية؟ :
﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾
[سورة المائدة الآية: 67]
في أثناء التبليغ لا يمكن أن يقتل, إذا انتهى التبليغ موضوع ثان، الآية الثانية: لو أن التبليغ قد انتهى:
﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾
[سورة آل عمران الآية: 144]
كان النبي عليه الصلاة والسلام يحرس حتى نزلت هذه الآية, والله يعصمك من الناس, فأخرج النبي عليه الصلاة والسلام رأسه من القبة, فقال لهم: يا أيها الناس انصرفوا فقد عصمني الله .
6-أن الرسل تعاقبوا قبل مجيئه لكن بعد مجيئه لا رسول بعد رسول الله ولا نبي
أيضاً من أدلة نبوة النبي عليه الصلاة والسلام: أن الرسل تعاقبوا قبل مجيئه, لكن بعد مجيئه لا رسول بعد رسول الله, ولا نبي بعد نبي الله :
﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾
[سورة الأحزاب الآية: 40]
7-الإعجاز العلمي :
أيها الأخوة, ومن أدلة القرآن الكريم على أن هذا القرآن كلام الله, وعلى أن النبي عليه الصلاة والسلام هو رسوله: الإعجاز العلمي, هذا الموضوع موضوع واسع جداً, وأرجو الله سبحانه وتعالى, أن يكون كتب موسوعة العلمي عن قريب بين أيديكم, كتاب واسع جداً, أكثر من ثمانمئة صفحة, إن شاء الله سوف تكون بين أيدي الأخوة بعد حين, يعني:
﴿سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾
[سورة فصلت الآية: 53]
أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد؟ .
ما توصل إليه العلماء من الاكتشافات العلمية :
الإعجاز العلمي بالقرآن والسنة أكثر أن يحصى, بأدنى الأرض واحدة, لم يكن يعرف قبل اكتشاف أشعة الليزر, أن غور فلسطين أخفض مكان في الأرض:
﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ * فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾

[سورة الرحمن الآية: 19-21]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-3/3348/ar-3348/10.jpg
بعد أن اكتشفت سفن الفضاء, أن بين كل بحرين حاجزاً برزخاً, وحجراً محجورا, فسرت هذه الآية .
بعد أن اكتشفت مجرة تبعد عنا ثلاثة آلاف سنة ضوئية وشكلها كالوردة, قال تعالى:
﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ * فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾
[سورة الرحمن الآية: 37-38]
عرف أن هذا مما يؤكد كلام الله .
بعد أن قال الله عز وجل: ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾
[سورة الأنعام الآية: 125]
بعد أن ركب الإنسان الطائرة ونقص الأوكسجين, شعر بضيق لا يوصف .
بعد أن اكتشف أن الذكر والأنثى لا علاقة للبويضة بهما, وقد قال الله عز وجل:
﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى﴾
[سورة النجم الآية: 45-46]
تبين أن العامل الحاسم في كون المولود ذكراً أو أنثى, هو النطفة وليس البويضة .
بعد أن قال الله عز وجل:
﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾
[سورة يس الآية: 40]
اكتشف أن كل شيء يدور حول نواة من الذرة وإلى المجرة .
بعد أن ثبت أن الأرض تسير حول الشمس بسرعة ثلاثين كيلو متر في الثانية, الآن لنا نصف ساعة تقريباً, ثلاثين بالثانية بالدقيقة ألف, وثمانمئة بعشر دقائق ثمانية عشر ألف, بالعشرين دقيقة ستة وثلاثين ألف, بثلاثين دقيقة ثمانية وأربعين ألف كيلو متر ماشين من أول الدرس وإلى الآن، قال تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾
[سورة النمل الآية: 88]
بعد أن اكتشف أن كل نجم في الكون, يدور حول نجم آخر في مسار مغلق, قال تعالى:
﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ﴾
[سورة الطارق الآية: 11]
من المستحيل :
حديث طويل، آيات الله في المجرات, وفي الشمس والقمر, وفي الليل والنهار, وفي الجبال وفي السهول, وفي الصحارى وفي الوديان, وفي البحار وفي الأنهار, وفي الأسماك, وفي الأطيار, وفي الحيوانات، وفي خلق الإنسان, وفي خلق الطعام والشراب:
﴿سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾
[سورة فصلت الآية: 53]
أي مستحيل, وألف ألف مستحيل أن يأتي النبي بحقائق لم تكن معروفة, ولا إلى مئة عام ألف وثلاثمائة عام لم تكن معروفة، الآن عرفت .
إذاً: إعجاز القرآن الكريم أكبر دليل قطعي على أنه كلام الله، هذا موضوع واسع جداً جداً، أنا من فضل الله عز وجل, أي من خمس وعشرين سنة, في كل خطبة القسم الثاني موضوع في الإعجاز العلمي، فهذا موضوع إن شاء الله, سوف ترون تفاصيله في القريب العاجل .
8-الإسراء والمعراج :
الإسراء والمعراج أيضاً مما يؤكد نبوة النبي عليه الصلاة والسلام http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-3/3348/ar-3348/11.jpg
ذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام انتقل من مكة إلى بيت المقدس, ثم عرج من بيت المقدس إلى السماء, إلى سدرة المنتهى, وعاد إلى بيته في مكة, وكأن الله طوى له المكان والزمان، وحينما قال الله:
﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾
[سورة الإسراء الآية: 1]
أي أن هذه القصة, أو أن هذا الإسراء والمعراج, لا يخضع لقوانين الكون, إنما هو استثناء, لأن الذي خلق المكان والزمان, اختصر المكان واختصر الزمان لسيد الأنام، لأن النبي عليه الصلاة والسلام أكرمه الله بالإسراء والمعراج, وأعلمه أنه سيد الأنبياء والمرسلين ، عقب وقوفه بالطائف, حينما قال: إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي, ولك العتبى حتى ترضى, لكن عافيتك أوسع لي .
غداً إن شاء الله :
أيها الأخوة الكرام, في درس قادم إن شاء الله, نتحدث عن بعض المعجزات الحسية التي أكرم الله بها النبي, ليست معجزته عقلية فقط، هو أكبر معجزاته القرآن الكريم معجزة عقلية علمية بيانية مستمرة إلى يوم القيامة، لكنه كشأن الأنبياء والمرسلين, معه معجزات حسية وعملية, نتحدث عنها إن شاء الله في درس قادم، والحمد لله رب العالمين .
دعاء الختام :
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم .






والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-01-2018, 03:43 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية من مفهوم القران والسنة

الدرس : ( السادس العاشر )

الموضوع : الأدلة على صدق رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم (2)





الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. ما معنى الإعجاز؟ :
أيها الأخوة المؤمنون, مع الدرس السادس عشر من دروس العقيدة، ولا زلنا في أدلة أن محمد رسول الله.
تحدثنا في درس سابق عن الإعجاز العلمي في القرآن والسنة, واليوم ننتقل إلى الإعجاز العملي, ومعنى الإعجاز أن يأتي النبي بشيء لا يستطيع البشر جميعاً أن يأتوا به, إلا أن يكون هذا عن طريق الله عز وجل.
من المعجزات العملية :
1-معجزة الإسراء والمعراج :
لعل من أبرز معجزات النبي صلى الله عليه وسلم العملية: الإسراء والمعراج, فأنت حينما تقرأ سورة الإسراء وسورة النجم، في الأولى حديث عن الإسراء, وفي الثانية حديث عن المعراج.
أنت في هاتين السورتين, تطالع أحداث خارقة للعادة, لا ينبغي أن تحللها وفق قوانين الأرض، إن أردت أن تحللها وفق قوانين الأرض, لن تصل إلى نتيجة, لأن الله سبحانه وتعالى يقول:
﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾
[سورة الإسراء الآية: 1]
فهذه الآيات له، لم يقل: ليريكم من آياتنا، قال: لنريه من آياتنا, إذاً: هذا خرق لقوانين الأرض, أن ينتقل النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى بيت المقدس، ثم يعرج إلى السماء إلى سدرة المنتهى, ويعود إلى الأرض, ثم يعود إلى مكة, دون أن يكون للزمن حساب في هذه الرحلة. سؤال دقيق :
أيها الأخوة, هناك سؤال دقيق: لو أن النبي صلى الله عليه وسلم عرج إلى السماء من مكة, هذا ممكن, ما الذي يحصل؟ لا يستطيع أحد أن يعرف المكان الذي عرج إليه النبي عليه الصلاة والسلام, يبقى هذا العروج في إدراك النبي وحده، أما حينما أسري به إلى بيت المقدس، وسئل: صف لنا بيت المقدس، وهو في علم قريش لم يسافر إليه قبل هذا التاريخ, فجاء وصفه مطابقاً تماماً لوصف بيت المقدس، ثم قيل له: هل رأيت من قوافل في الطريق؟ فوصف قافلة أو عدة قوافل, وجاء وصفه مطابقاً تماماً لما حدث, فاستطاع النبي من خلال الإسراء: أن يثبت لهم أنه وصل إلى بيت المقدس، وأنه رأى قافلة حينما عادت إلى مكة المكرمة, وسألوها, جاء وصف النبي صلى الله عليه وسلم مطابقاً لها تماماً.
إذاً: الإسراء في إدراك النبي, وفي إدراك من حول النبي من المشركين والمؤمنين، فصار يقين الإسراء دليلاً إلى يقين المعراج، إذاً: هذه حكمة أن النبي صلى الله عليه وسلم أسري به من مكة إلى بيت المقدس, وهناك أدلة قطعية جاء بها من وصف دقيق لبيت المقدس, ولمن كان في الطريق, أما العروج إلى السماء فيبنى على الإسراء.
ما حكم من كذب بالإسراء والمعراج؟ :
من كذب بالإسراء فقد كفر، لكن من كذب بالمعراج فقد فسق وعصى، الدليل القطعي في الإسراء، أما ليس في طاقة البشر, أن يتأكدوا من عروجه صلى الله عليه وسلم إلى السماء, إلا بالدليل الإخباري الذي أخبرنا الله به, وهذا دليل عند المؤمنين قطعي الدلالة.
هناك دليل حسي، وهناك دليل عقلي، وهناك دليل إخباري، فالدليل العقلي للإسراء قائم، بينما الدليل العقلي للمعراج غير قائم, إلا أن الدليل القطعي للمعراج إخبار الله لنا, أنه عرج به إلى السماء: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى * وَلَقَدْ رَآَهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾
[سورة النجم الآية: 1-18]
إليك الدليل القرآني الذي يبين فيه بأن الإسراء والمعراج تمت بالروح والجسد :
أيها الأخوة, ينبغي في موضوع الإسراء والمعراج: أن ننفي روايات ضعيفة لا تقوم على حال، أن الإسراء كان مرة أو مرتين هذه روايات غير صحيحة، أو أنه كان في المنام، فإذا كان في المنام لا يمكن أن يكون خرقاً للعادات, لأن أي إنسان يرى في المنام ما يشاء، فليس بالمنام، وليس مرات عديدة، إنه مرة واحدة بالجسم وبالروح، والدليل بالجسم أن الله سبحانه وتعالى قال:
﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾
والعبد جسم والعبد روح: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى، فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾
وهو في السماء أوحى إلى عبده, فالدليل القرآني على أن العروج, تم بالروح وبالجسد، أنه أوحى إلى عبده, والعبد يشمل الجسم ويشمل الروح. إليكم هذه الحقائق التي تتحدث عن تفاصيل الإسراء والمعراج :
أيها الأخوة, هناك أحاديث صحيحة تتحدث عن تفاصيل الإسراء والمعراج, ولكن الذي يعنينا من هذه الأحاديث الحقائق التالية:
أن النبي صلى الله عليه وسلم في أصح الروايات, لم ير ربه, لأن الله سبحانه وتعالى أنبأنا أننا في الجنة, سوف نرى الله عز وجل:
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾
[سورة القيامة الآية: 22-23]
أما في الدنيا يقول الله عز وجل: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾
[سورة الأنعام الآية: 103]
أما الرؤية التي وردت في المعراج: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى، أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى، وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى، عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾
وفي قوله تعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾
هذه كلها تعني جبريل عليه السلام.
أيها الأخوة, يقول عليه الصلاة والسلام مما أخرجه مسلم في صحيحه, أنه قال: ((لقد رأيتني في الحجر, وقريش تسألني عن مسراي, فسألتني عن أشياء من بيت المقدس لم أثبتها, فكربت كربة ما كربت مثله قط, قال: فرفعه الله لي أنظر إليه, ما يسألوني عن شيء إلا أنبأتهم به))
أيها الأخوة, في المعراج نزلت خواتيم سورة البقرة أيضاً في الإسراء والمعراج، وفي المعراج فرضت الصلاة على المسلمين خمس صلوات على حديث طويل يصف هذه التفاصيل. إيمان النبي بالجنة والنار إيمان شهودي :
الشيء الدقيق: أن كل أهل الأرض من دون استثناء إيمانهم بالجنة والنار إيمان تصديقي, لأن الله أخبرنا أن هناك جنة وأن هناك ناراً، إلا النبي عليه الصلاة والسلام فإيمانه بالجنة والنار إيمان شهودي، النبي وحده إذا حدثنا عن الجنة أو عن النار حديث المشاهد، حديث اليقين، نحن نؤمن بأشياء نراها إيماناًً حسياًًَ، ونؤمن بأشياء لا نراها, لكن نرى آثارها إيمان عقلياً، ونؤمن بأشياء لا نراها ولا نرى آثارها, إلا أن الله أخبرنا بها فهذا إيمان إخباري ، إلا أن النبي وحده صلى الله عليه وسلم في المعراج, أطلعه الله على أهل الجنة, وأطلعه الله على أهل النار، فإيمانه بالجنة والنار إيمان شهودي.
من تكريم الله لنبيه :
أخرج البخاري في صحيحه, عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم, قال:
((بَيْنَمَا أَنَا أَسِيرُ فِي الْجَنَّةِ, إِذَا أَنَا بِنَهَرٍ, حَافَتَاهُ قِبَابُ الدُّرِّ الْمُجَوَّفِ, قُلْتُ: مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: الْكَوْثَرُ الَّذِي أَعْطَاكَ رَبُّكَ, فَإِذَا طِيبُهُ -أو طينه- مِسْكٌ أَذْفَرُ))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي والنسائي في سننهم]
هذا حديث صحيح يبين: أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل إلى الجنة, ورآها رأي العين, وهذا تكريم عظيم له.
ما سبب حادثة الإسراء والمعراج؟ :
أيها الأخوة, أنه يوم كان في الطائف, وقد بالغ أهل الطائف في الإساءة إليه تكذيباً, وسخرية, ورشقاً بالحجارة، فالتجأ إلى حائط, وقال: اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي, وقلة حيلتي, وهواني على الناس، يا رب المستضعفين إلى من تكلني، إلى صديق يتجهمني, أو إلى عدو ملكته أمري، اللهم إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي, ولك العتبى حتى ترضى, لكن عافيتك أوسع لي.
يعني إذا كان للدعوة خط بياني, وصل هذا الخط إلى النهاية الصغرى, في أصعب أوقات النبي تكذيب, وسخرية, وإساءة بالغة، فقال: يا رب, إن كانت هذه الشدة التي لحقت بي تعبيراً عن غضبك علي, لك العتبى حتى ترضى، وإن كنت راضياً عني فلا أبالي، لك العتبى حتى ترضى, وكان أديباً من الله عز وجل إذا قال: لكن عافيتك أوسع لي.
أيها الأخوة, تأكدوا: أنه ما من محنة إلا بعدها منحة، وما من شِدة إلا بعدها شَدة إلى الله عز وجل، رد الإلهي العظيم, الكريم, الشكور, على هذا الموقف الصعب, الذي وقفه النبي صلى الله عليه وسلم في الطائف, هو قوله تعالى:
﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ ءَايَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾
يعني رد الإله على صبر النبي في سبيل هداية قومه, أنه أسري به إلى بيت المقدس, وعرج به إلى السماء, أنه سيد الأنبياء والمرسلين, وأنه سيد ولد آدم. تعقيب :
من قرأ الآيات الأولى في سورة الإسراء, ولم يكن متقناً لحفظها, فإذا قال:
﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ ءَايَاتِنَا إِنَّه -لو لم يكن حفظه دقيقاً, التعقيب المناسب لهذه الآيات, إنه على كل شيء قدير، لا!- إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾
يعني يا محمد لقد سمعناك بالطائف، سمعنا دعاءك، ورأينا تحملك، ورأينا صبرك، ورأينا جهادك في سبيل نشر هذا الحق، فهذه المكافأة، أنك سيد الأنبياء والمرسلين، وأن الذي أُطلعت عليه لم يتح لأحد من العالمين، لقد رأى من آيات ربه الكبرى: أن الذي أطلعت عليه لم يتح لأحد من العالمين. ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى، لَقَدْ رَأَى مِنْ ءَايَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾
أيها الأخوة, إذاً: الإسراء والمعراج مكافأة بعد محنة، وشَدة إلى الله بعد شِدة، وإعلام لنبيه الصابر أنه سيد ولد آدم. هذا ما رآه النبي يوم المعراج :
في المعراج: رأى النبي صلى الله عليه وسلم عذاب الذين يغتابون الناس, ويقعون في أعراضهم.
فقد قال عليه الصلاة والسلام:
((لما عرج بي ربي عز وجل, مررت بقوم لهم أظفار من نحاس, يخمشون وجوههم وصدورهم, فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس, ويقعون في أعراضهم))
وفي المعراج: رأى النبي صلى الله عليه وسلم الذين يتكلمون كلاماً صحيحاً, لكن لا يطبقون كلامهم, رآهم في النار.
فقال: ((أتيت ليلة أسري بي على قوم, تقرض شفاههم بمقاريض من نار, كلما قرضت وفت -أي نمت- فقلت: يا جبريل, من هؤلاء؟ قال: خطباء أمتك الذين يقولون ما لا يفعلون, ويقرؤون كتاب الله ولا يعملون به))
وسيدنا رسول الله وهو في الجنة، طبعاً: هذا موضوع في العقيدة, لا يمكن إلا أن يكون مأخوذاً من آية قطعية الدلالة, ومن حديث صحيح، قضية عقيدة خطيرة جداً.
فقد أخرج البخاري في صحيحه, من حديث أنس: ((فلما علونا السماء الدنيا, فإذا رجل عن يمينه أسودة -يعني سواد كثيف- وعن يساره أسودة, فإذا نظر قبل يمينه ضحك, وإذا نظر قبل شماله بكى، فقال: مرحبا بالنبي الصالح والابن الصالح, قلت: يا جبريل من هذا؟ قال: هذا آدم, وهذه الأسودة عن يمينه, وعن شماله نسم بنيه -يعني ذريته- فأهل اليمين أهل الجنة، والأسودة التي عن شماله أهل النار، فإذا نظر قبل يمينه ضحك، وإذا نظر قبل شماله بكى))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح]
تعقيب آخر :
أيها الأخوة الكرام, أريد أن أعقب على حديث الإسراء والمعراج: أنه ما من مؤمن, وهذه قاعدة أصيلة, ما من مؤمن مستقيم على أمر الله, صابر على قضائه وقدره, تصيبه محنة, إلا ينبغي أن يعلم علم اليقين, إنه إذا استقبلها بالرضا وبالصبر, جاء بعدها منحة، وما من مؤمن مستقيم على أمر الله, حافظ لعهوده ومواثيقه, تصيبه شدة, إلا ينبغي أن يعلم علم اليقين أن بعدها شَدةً إليه، هذه حقيقة, لأن النبي صلى الله عليه وسلم قدوة، والله عز وجل يمتحننا ثم يفرج عنا، ففي الامتحان دليل على قوة إيمان الممتحن, وفي الفرج الذي يعقب هذه الشدة, دليل على كرم الله عز وجل.
المعجزة لا تخضع لقوانين الأرض ولا لمقاييس العقل وإنما هي خرق لنواميس الأرض
أيها الأخوة, لا شك أن المعجزات العملية التي هي خرق لقوانين الأرض ونواميس الكون، والتي لا تخضع لقواعد الحياة التي نحياها, هي معجزة, وهي دليل على أن الذي جاء بها نبي مرسل، ومن أولى المعجزات العملية الإسراء والمعراج.
طبعاً: بسذاجة ما بعدها سذاجة, لو قلت: كيف يصعد النبي إلى السماء، أو إلى أعلى طبقات السماء، أو إلى سدرة المنتهى؟ بالقوانين الأرضية هذا مستحيل، لكن كما أنك تؤمن أن الله سبحانه وتعالى, جعل إبراهيم في النار, والنار لم تحرقه، وكما تؤمن أن الأرض أصبح طريقاً يبساً، وكما تؤمن أن الجبل خرج منه ناقة لسيدنا صالح، وكما تؤمن أن العصا أصبحت ثعباناً مبيناً، هذه كلها معجزات لا يمكن أن تخضعها لقوانين الأرض ولا لمقاييس العقل، إنها خرق لنواميس الأرض وقوانين الكون، أول هذه المعجزات العملية كما قلت الإسراء والمعراج.
2-نصرته الرياح يوم الخندق :
من هذه المعجزات العملية: أن العرب حينما أحدقت بالمسلمين في معركة الخندق, وأرادوا استئصالهم, وإبادتهم, وجمعوا جمعاً لم يجمع مثله في تاريخ الجزيرة، جاءت كل القبائل لتحارب النبي عليه الصلاة والسلام, فحينما قال الله عز وجل:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً﴾
[سورة الأحزاب الآية: 9]
أيها الأخوة, هذه الرياح الشديدة أطفأت نيرانهم، وكفأت قدورهم، وهدمت أبنيتهم، واقتلعت خيامهم، وشردت خيلهم وجمالهم، وعاد المشركون من حيث أتوا، فهذه الرياح أيضاً إحدى معجزات النبي صلى الله عليه وسلم، لذلك من أدعية النبي عقب هذه الغزوة:
لا إله إلا الله وحده, نصر عبده, وأعز جنده, وهزم الأحزاب وحده, لا شيء قبله ولا شيء بعده. من المعجزات الحسية :
1- أن النعاس والمطر والملائكة نزلت لتأييد المسلمين يوم بدر :
أيها الأخوة, ومن معجزات النبي صلى الله عليه وسلم الحسية: أن النعاس والمطر والملائكة نزلت لتأييد المسلمين يوم بدر، قال تعالى:
﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ * إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آَمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾
[سورة الأنفال الآية: 11-12]
يقول عليه الصلاة والسلام فيما أورده الإمام أحمد في مسنده بإسناد صحيح, عن علي ابن أبي طالب رضي الله عنه قال:
((لقد رأيتنا يوم بدر, وما منا إلا نائم, إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم, -هذا النعاس الذي يطفي الأمن على النائم-, فإنه كان يصلي إلى شجرة, ويدعو, حتى أصبح, ثم إنه أصابنا من الليل طش -أي قليل من المطر- فانطلقنا تحت الشجر, نستظل تحتها من المطر, وبات النبي صلى الله عليه وسلم يدعو ربه, ويقول: اللهم إن تهلك هذه الفئة فلن تعبد بعد اليوم، فلما طلع الفجر, نادى: الصلاة عباد الله, فجاء الناس من تحت الشجر, فصلى بنا النبي صلى الله عليه وسلم, وحرضنا على القتال))
وقوله تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ -أي أنصركم- فَثَبِّتُوا الَّذِينَ ءَامَنُوا﴾
في شرح النووي على صحيح مسلم, قال ابن عباس: ((بينما رجل من المسلمين يومئذٍ, يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه, إذ سمع ضربة بالصوت فوقه, وصوت الفارس يقول: أقدم حيزوم, -وهو اسم فرس الملك- إذ نظر إلى المشرك أمامه, خر مستلقياً، فنظر إليه, فإذا هو قد خطم أنفه, وشق وجهه كضربة السوط, فاخضر ذلك أجمع, فجاء الأنصاري, فحدث بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: صدقت ذاك مدد من السماء))
[أخرجه مسلم في الصحيح, والترمذي في سننه]
قرآن:
﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ ءَامَنُوا﴾
يعني إذا كنا مع الله, كان الله معنا, وأرسل جنوداً لا نراها, لكنها تحسم المعركة. 2-ما وقع يوم الهجرة :
أيها الأخوة الكرام, ومن المعجزات الحسية, يقول الله عز وجل حينما وقعت الهجرة:
﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾
[سورة التوبة الآية: 40]
سيدنا الصديق وهو في الغار يقول: ((قُلْتُ للنّبيّ صلى الله عليه وسلم ونحْنُ في الْغَارِ: لَوْ أَنّ أَحَدَهُمْ يَنْظُرُ إِلَى قَدَمَيْهِ لأبْصَرَنَا تَحْتَ قَدَمَيْهِ, فقالَ: يَا أَبا بَكْرٍ, مَا ظَنّكَ بِاثْنَيْنِ الله ثَالِثُهُمَا؟))
3-خيبة أمل سراقة بالنيل من النبي :
ومن المعجزات الحسية: أن النبي في أثناء الهجرة, تبعه سراقة لينال مئة ناقة, لمن يأتي بالنبي حياً أو ميتاً, فساخت قدما فرسه في الرمال, حتى لامست بطن الفرس الأرض, وسقط من فوق فرسه، فأخذ سراقة يطلب من رسول الله الأمان.
ففي صحيح البخاري, عن أنس قال:
((فالتفت أبو بكر, فإذا هو بفارس قد لحقهم، فقال: يا رسول الله، هذا فارس قد لحق بنا, فالتفت نبي الله صلى الله عليه وسلم, فقال: اللهم اصرعه فصرعه الفرس، ثم قامت تحمحم، فقال: يا نبي الله، مرني بما شئت، قال: فقف مكانك، لا تتركن أحدا يلحق بنا, قال: فكان أول النهار جاهدا على نبي الله صلى الله عليه وسلم، وكان آخر النهار مسلحة له))
طبعاً: ثقة النبي بالله لا حدود لها، هو مهدور دمه، مئة ناقة لمن يأتي به حياً أو ميتاً, ويقول لسراقة: كيف بك يا سراقة إذا لبست سواري كسرى؟.
أي أنني سأصل، وسأنشئ دولة، وسأحارب أعظم دولتين في الأرض، وسأنتصر، وستأتي الغنائم من كسرى, ويا سراقة سوف تلبس سواري كسرى, ليس إلا الله: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ﴾
[سورة الأنفال الآية: 10]
إذا كان الله معك فمن عليك وإذا كان عليك فمن معك؟ :
إذا كنا مع الله كان الله معنا، نحن أمام عدو كبير، وعدو قوي، وعدو ذكي, وعدو غني، لكن أين الله؟ الله موجود، ولكن هان أمر الله علينا فهنا على الله، الله عز وجل وعد المسلمين في القرآن أن يمدهم بالملائكة، ما معنى أن ينتصر 300 إنسان, لا رواحل لهم, ولا أسلحة في أيديهم، على أضخم جيش في مكة, كله مدعم بالأسلحة والأبطال بالصناديد؟.
إذا كان الله معك فمن عليك؟ وإذا كان عليك فمن معك؟ هذه المعجزات تعطي الأمل، الله عز وجل بقدرته أن يفعل كل شيء:
﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾
﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾
[سورة محمد الآية: 7 ]
هان أمر الله علينا فهنا على الله :

﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ﴾
فأيدوا الذين آمنوا، أين التأييد؟ والله موجود، والله الذي نصر أصحاب رسول الله ينصرنا، والإله الذي أيدهم يأيدينا، والله الذي حفظهم يحفظنا، والإله الذي أحبط مسعى أعدائهم يحبط مسعى أعدائنا، ولكن أمر الله هان علينا فهنا على الله.
ونحن بين المسلمين في خصومات، وفي عدوان على الأموال والأعراض, ما يعلمه إلا الله، هذه أمة تستحق النصر؟! سبعة آلاف دعوى في قصر العدل كلها كيدية, وكلها ظلم وعدوان، هذا المسلم الذي يحضر مجالس العلم, ليس كهذا الصحابي الكريم الذي كان متألقاً. هذه أمة الإسلام اليوم :
سمعت من أحد الشعراء, الذين كانوا مقيمين في الشام, هو من العراق, يقول:
أكاد أومن من شك ومن عجب هذه الملايين ليست أمة العرب
ما هؤلاء عرب؟
لا بحسب تاريخهم قبل الإسلام, شجاعتهم, نخوتهم, إكرامهم للضيف، نجدتهم، ولا بحسب قيم الإسلام, كأن هذه الأمة لا هوية لها، ما هويتها؟ أنتم من؟ مع الشرق؟! مع الغرب المتقدم؟! في قيم حضارية ليست عندنا، مع التاريخ المسلم؟! في قيم إسلامية ليست عندنا، نحن مع من؟ المسلمون مع شهواتهم، ومع أهوائهم، ومع حظوظهم، وكلما رأيت من سقطات المسلمين، ومن انهيار القيم عندهم، ومن انكبابهم على سفاسف الأمور, هذه أمة تستحق النصر؟! هذه أمة ينظر لها؟!:
﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً﴾
[سورة الكهف الآية: 105]
لهم: ﴿صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾
[سورة الأنعام الآية: 124]
كهف المؤمن في آخر الزمان :
أيها الأخوة, نحن بحاجة إلى كهف نأوي إليه، كهفنا مسجدنا وبيتنا.
((إذا رأيت شحاً مطاعاً، وهوى متبعاً، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فالزم بيتك، وأمسك لسانك، وخذ ما تعرف، ودع ما تنكر، ودع عنك أمر العامة))
هذه آية الوقت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾
[سورة المائدة الآية: 105]
عليكم أنفسكم، أنا أحاول أن أصلح الناس, فإن لم أستطع أصلح نفسي، أحاول أن أعين الناس على أن يتصلوا بالله، فإن لم أستطع أتصل أنا بالله عز وجل، أحاول أن تكون دعوتي عامة, فإن لم أستطع, أجعلها خاصة لأهل بيتي, ولمن يلوذ بي:
﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾
[سورة الشعراء الآية: 214]
قف هنا :
أيها الأخوة الكرام, والله ليس من باب التشاؤم, والله هؤلاء المسلمون الغارقون بالشهوات, البعيدون عن ربهم، المتبعون لغرائزهم، المؤثرون لمصالحهم، الذين يعبدون المال من دون الله. ((إذا رأيت شحاً مطاعاً:
-مادية مقيتة.
يقسم بالله وبالكعبة وبالقرآن, أن رأس مالها أكثر من هذا السعر يكون ربحان بها بالمئة مئة، يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل-.
إذا رأيت شحاً مطاعاً وهوى متبعاً.
-يعبدون الجنس من دون الله، الناس هجروا القرآن, والتفتوا إلى الشهوات, أينما ذهبت في الطريق، على الشاشة، في الإنترنت، في المجلة، في الجريدة، في أي مكان-.
إذا رأيت شحاً مطاعاً وهوى متبعاً.
-الجنس يعبد من دون الله-.
وإعجاب كل ذي رأي برأيه))
كل إنسان قطب العالم، أنا أرى، من حضرتك؟ أنت من؟ في إله مشرع، في قرآن منزل, في حديث من المعصوم، أنت من؟ يقولون: عندنا هذا ليس جائز. من أنت؟!! :
أنا أرى أن قطع اليد همجية, من أنت؟ شيء نزل من السماء لقطع دابر السرقة.
يد بخـمس مئين عـسجد وديت مـا بالــها قطعت في ربـــع دينار
عز الأمانـــة أغلاها وأرخصها ذل الخيانـــة فافــهم حكمة الباري
يقولون: هذا عندنا غير جائز!
يقول الشاعر:
فمن أنتم حتى يكون لكم عند؟.
من أنت؟ إذا كان سيد الخلق الذي بلغ سدرة المنتهى: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى لَقَدْ رَأَى مِنْ ءَايَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾
قال: إنما أنا متبع: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾
[سورة الأعراف الآية: 203]
إذا سيد الخلق متبع, أنت مبتدع, رأي كذا، رأي أن المال لا بد له من أن يستثمر في بنك ربوي، هذا المال قوة كبيرة، أيعقل أن يجمد من دون استثمار؟ المرجع رأيه وعقله, فمثل هذه الأمة التي عبدت شهواتها, والتي ألهت مصالحها، والتي هبطت في سقوط مريع مثل هذه الأمة, لا تستحق وعد الله بالنصر, مع أن زوال الكون أهون على الله, من ألا يحقق وعوده للمؤمنين. من فوائد المعجزات الحسية :
أيها الأخوة الكرام, من فوائد المعجزات الحسية: أنك إذا كنت مع الله كان الله معك:
﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
[سورة المائدة الآية: 40]
سيدنا إبراهيم كسر الأصنام, أليس من الممكن: أن يختفي؟ ما اختفى، تم القبض عليه، أليس من الممكن: وقد أشعلت النار, أن تأتي أمطار تطفئها؟ نعم، لكن أراد الله أن تشتعل النار، أليس من الممكن: أنهم إذا قذفوه جمدوا, وماتوا فجأة؟ ممكن، لكن سمح الله لهم أن يقذفوه بالنار، سمح الله لهم أن يقبضوا عليه، وسمح الله لهم أن يضرموا النار، وسمح الله لهم أن تتأجج النار، ثم ألقوه في النار، كلمتين: ﴿يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾
[سورة الأنبياء الآية: 69]
في مفسرين جزاهم الله خيراً حللوا هذه الكلمات، قال: لو أن الله قال: يا نار كوني برداً, لمات إبراهيم من البرد، لو أن الله قال: يا نار كوني برداً وسلاماً, انتهى مفعول النار إلى يوم القيامة، لم يعد هناك نار، تطبق عليه, لأنه قال: يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا, برد غير مميت, عَلَى إِبْرَاهِيمَ بالذات.
الله معك، الله معنا دائماً، فإذا كنت مع الله كان الله معك، وإذا كان الله معك فمن عليك؟ وإذا كان عليك فمن معك.
خاتمة القول :
في فائدة للمعجزات: يجب أن تطمئن أن الله قد يخرق هذه العادات التي تظنها لا تخرق، إن خرقها لمؤمن فهي كرامة، وإن خرقها لنبي فهي معجزة، وإن رأيت شيئاً غير مألوف عادة, من ضال مضل فهي ضلالة، من إنسان ضال ضلالة، من إنسان مؤمن كرامة، من نبي معجزة.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-01-2018, 03:50 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية من مفهوم القران والسنة

الدرس : ( السابع العاشر )

الموضوع : الأدلة على صدق رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم (3)





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
من المعجزات التي وردت عن النبي عليه الصلاة والسلام :
أيها الأخوة المؤمنون, مع الدرس السابع عشر من دروس العقيدة، تحدثنا في دروس سابقة عن الأدلة التي تؤكد رسالة النبي صلى الله عليه وسلم، وكان الدرس السابق المعجزات العملية التي تمت على يديه صلى الله عليه وسلم, وقد وردت فيها آيات كريمة قطعاً، وهناك معجزات أيضاً وردت فيها أحاديث شريفة, من هذه المعجزات:
تكثير الماء القليل بين يديه، وتكثير الطعام القليل بين يديه، وحنين جزع النخلة إليه، وتسبيح الطعام، وحماية النبي صلى الله عليه وسلم من أعدائه وكشف مؤامراتهم .
تعليق :
أيها الأخوة, لكن لا بد من تعليق حول المعجزات أو الدلالات، الله عز وجل خالق السموات والأرض، الله عز وجل مقنن القوانين، فالذي قنن القوانين قادر في أية لحظة أن يقنن غيرها, والذي قنن القوانين قادر في أية لحظة أن يعطلها، أو أن يلغي وجودها إما بالإلغاء أو بالتعطيل، فالقوانين التي قننها الله عز وجل في أية لحظة قادر على أن يغيرها، فلذلك حينما نتحدث عن معجزات عملية تمت على يد النبي صلى الله عليه وسلم, ينبغي نعلم أن خرق العادات مقبول عقلاً, لكن قد لا نقبله عادة، هنا الإشكال .
عامة الناس غير المتعلمين قد يستغربون خرق هذه القوانين، لكن العلماء الراسخين يؤمنون أن الذي خلق الجامد والغاز والمائع, قادر أن يبدل طبيعة كل شيء، لو سألتم أحد علماء الفيزياء، ولو سألتموه عن بعض أبحاث الذرة, لهالكم أن كل شيء ترونه بأعينكم, إنما هو ذرات, والذرة فيها نواة، وفيها كهارب, وفيها مسارات، وفي حركة دائبة، وهذه الحركة تتوافق مع حركة المجرات في الاتجاه نفسه, وأن لكل ذرة عدد من الكهارب, على مسارات متعددة، فبين عنصر هو غازي، وعنصر هو صلب, كهروب واحد، زيادة كهروب أصبح العنصر صلباً، فإذا ضرب سيدنا موسى البحر بعصاه, فأصبح طريقاً يبساً, هذا شيء هين على قدرة الله عز وجل, تعديل طفيف في عدد الإلكترونات أو الكهارب, تنقلب المادة من غاز إلى صلب.
كيف تتعامل مع الأسباب؟ :
الله عز وجل أراد أن نصل إليه بلطف، فجعل لكل شيء سبباً، لكن ضيقو الأفق يظنون: أن السبب خالق النتيجة، لا السبب ترافق مع النتيجة، لكن الذي يخلق النتيجة هو الله, وتأكيداً لهذه الحقيقة, أنه قد يوجد السبب ولا تأتي النتيجة، قد يقترن شاب بشابة ولا ينجبان, وقد يأتي السيد المسيح من السيدة مريم ولم يمسها بشر، ففي الحالة الأولى عطل السبب, وفي الحالة الثانية ألغي السبب، عطل وألغي، ولكن المؤمن يعبد الله ولا يعبد السبب، أهل الغرب أخذوا بالأسباب، واعتمدوا عليها, وألهوها, وعبدوها من دون الله، وأهل الشرق في حقب تخلفهم لم يأخذوا بالأسباب، أهل الغرب وقعوا في الشرك، وأهل الشرق وقعوا في المعصية، بينما الموقف الكامل: أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، وأن تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء .
ما وراء هذا الدليل من السنة :
من أوضح الأدلة على هذا الكلام: أن النبي عليه الصلاة والسلام حينما هاجر إلى المدينة, أخذ بكل الأسباب وكأنها كل شيء، الطريق نحو الشمال الشرقي, هو اتجه نحو الغرب, تضليلاً للمطاردين، وكمن في غار ثور أياماً ثلاثة، وهيأ من يأتيه بالأخبار، وهيأ من يمحو الآثار، ثم اختار خبيراً في الطريق, رجح فيه الخبرة على الولاء، أخذ بكل الأسباب, لكنه متوكل على الله، فلما وصل المطاردون إلى غار ثور, بقي النبي هادئاً، أخذ بالأسباب تنفيذاً لأمر الله, لكنه معتمد على الله .
فقال سيدنا الصديق:
((يا رسول الله لقد رأونا، لو نظر أحد لموطئ قدمه لرآنا, قال يا أبا بكر: ما ظنك باثنين الله ثالثهم))
لو أن النبي عليه الصلاة والسلام أخذ بالأسباب, واعتمد عليها, ثم وصلوا إليه, لانهارت نفسه، أليس كذلك؟ أما الإنسان الآن قد يأخذ بالأسباب ويعتمد عليها, فإن لم تحقق هذه الأهداف هدفه, يصاب بخيبة أمل، فالذي لا يأخذ بالأسباب عاصٍ لله عز وجل .
قال له: أأعقلها أو أتوكل؟ قال له: اعقل وتوكل .
والذي يأخذ بها ويعتمد عليها فقد أشرك, والبطولة: أن تأخذ بها وكأنها كل شيء, وأن تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء . هذه البطولة
يعني مثل من حياتنا اليومية: عندك سفر إلى مكان بعيد، ومعك مركبة، الدين الإسلامي يأمرك أن تراجع المركبة مراجعة تامة؛ المكابح، الزيت، كل شيء فيها، وبعد أن تراجعها مراجعة تامة, تتوجه إلى الله مفتقراً يا ربي احفظني، يا رب سهل لي هذا السفر، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، هل تستطيع أن تأخذ بالأسباب بشكل تام وأن تفتقر إلى الله؟ هنا البطولة، لكن الذي يحدث أن الذي يأخذ بالأسباب يعتمد عليها دون أن يشعر، وينسى الله، والذي لا يأخذ بالأسباب, يعتمد على الله بخلاف ما أراد الله، يتواكل, كلاهما في خطأ كبير .
هذه عقيدة المسلمين :
أيها الأخوة, السبب يرافق النتيجة، وليس خالقاً للنتيجة، هذه عقيدة المسلمين، فلذلك الذي خلق الأسباب يعطلها أو يلغيها، والذي قنن القوانين يعطلها أو يقنن غيرها، شيء طبيعي جداً .
نحن وجدنا كوناً؛ في سموات, وفي أرض، وفي مجرات، وفي شمس، وفي قمر، وفي ليل, وفي نهار، لو أن الله سبحانه وتعالى خلق الأرض مكعباً، ثم قيل: سوف تصبح كرة, مستحيل, لماذا مستحيل؟ الذي خلقها مكعبة يخلقها كرةً، والذي خلق الماء سائلاً يجعله جامداً، فما دام الله هو المقنن, إلغاء القوانين أو تعديلها، أو الإضافة عليها، أو إلغاؤها, أمر على الله يسير، هذه عقيدة المسلم .
إليكم الفرق بين المعجزة والكرامة :
بالمناسبة: خرق القوانين هذه تكون للأنبياء معجزات، والأنبياء لأنهم معصومون, مكلفون أن يتحدوا بها الناس، فإذا خرقت لولي فهي كرامة، والأولى أن يصمت، هي لك أيها الولي, لا تتاجر بها، ولا تتحدى بها، لأنك لو تحديت بها, وأنت لست معصوماً، كُذبت, يتكلم بالنصوص، بالقواعد، بالقوانين، أما هذه الكرامة التي أكرمه الله بها بينه وبين الله, وأروع ما قرأت في هذا الموضوع: أن أعظم كرامة هي كرامة العلم، هذه كرامة عالية جداً, ولا تحتاج إلى خرق القواعد والقوانين :
﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً﴾
[سورة النساء الآية: 113]
نصيحة :
أنا حينما ألتقي بإنسان لم يؤمن بالله, بعد أنا أنصح كل أخ داعية, أن يبتعد عن خرق العادات والقوانين، لأن فكر هذا الإنسان الشارد غير مهيأ لقبول خرق العادات والقوانين، تكون قد أوقعته في مطب كبير، تكون قد أعنته على أن رفض هذا الدين، أنا أنصح كل داعية, ولو كان شاباً ناشئاً, أن يبتعد لمن يدعوهم عن خرق القوانين والعادات إطلاقاً, ابقَ بالتشريع، ابقَ بالقواعد الثابتة .
أنا لا أصدق أن إنساناً يخطب ود الله عز وجل، ويرجو رحمته، ويطيعه، ويتقرب إليه، دون أن يريه الله تكريماً وخرقاً لبعض القواعد والعادات, هذه كرامة لك وحدك، اشكر الله عليها وازدد محبةً له، وازدد اعتقاداً بأنه إله في السماء وفي الأرض, وانتهى الأمر، أما أن تتاجر بهذه الكرامة, هذا يسبب للناس اضطراباً, ولاسيما بعصر كثرت فيه الفتن، وشاعت فيه الضلالات، وصار الحق متهماً، والباطل مسيطراً, فمن باب الحكمة: ابتعد عن خرق العادات التي قد تستمع إليها من بعض الناس .
من المسلمات عند المؤمنين :
نحن كمؤمنين: خرق القوانين التي وردت بها نصوص, نسلم بها مئة بالمئة بكل قطرة في دمنا، وبكل خلية في جسمنا، أما أنا لست مستعد أن أصدق كرامة بلا دليل، لو صدقتها, لدخلنا في متاهة لا تنتهي، ولانتهى الدين، أما المعجزات التي وردت فيها نصوص هذه, نؤمن بها إيماناً قطعياًَ, لأن الله ذكرها في القرآن الكريم .
أنا ذكرت لكم في الدرس الماضي، المعجزات العملية التي تمت على يد النبي صلى الله عليه وسلم, والتي ورد بها نص قطعي الدلالة وقطعي الثبوت، والمعجزات الأخر وردت بها أحاديث شريفة صحيحة في أصح الكتب .
هذا ما يتعلق بخرق العادات، وقلت لكم: أن أفضل كرامة تركم بها أيها المؤمن كرامة العلم، والآية الكريمة:
﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾
هذا بند من بنود معجزات النبي العملية، نصدقها بكل قطرة في دمنا، وبكل خلية في أجسامنا . من دلائل نبوة النبي عليه الصلاة والسلام :
9-أن وصفه ورد في كتب سماوية سابقة :
شيء آخر: من دلائل نبوة النبي عليه الصلاة والسلام: أن وصفه ورد في كتب سماوية سابقة, فقد قال الله عز وجل:
﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾
[سورة الشعراء الآية: 196]
أي إن ذكر هذا النبي الكريم ورد في الكتب السابقة:
﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾
إليكم ما ورد في التوراة والإنجيل عن ذكر النبي محمد عليه الصلاة والسلام
1-في التوراة :
ففي التوراة مثلاً: جاء أن نبياً سيظهر في مكة، ومكة شرحت الديار التي سكنها قيدار، وهو أحد أبناء إسماعيل، وقيدار سكن مكة، كما تحكي التوراة، وإن اسمه يرتفع فيها، وأنه يركب الجمل، وأنه يحارب بالسيف، وأنه ينتصر هو وأصحابه، وأنه يبارك عليه كل يوم ، وأن ملوك اليمن تأتيه بالقرابين، وأن علامة سلطانه على كتفه بقدر بيضة الحمام، هذا ما جاء في التوراة، فالذي جاء في التوارة دليل نبوة النبي عليه الصلاة والسلام، وفي دليل يؤكد هذا الدليل: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾
[سورة البقرة الآية: 146]
هل في الأرض معرفة من أن تعرف ابنك؟ هل تجدون أباً في الأرض يقول لابنه: ما اسمك يا بني؟ ابنه يعرفه:
﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾
كما جاء في التوراة: أن الله تجلى على الناس في أماكن ثلاث؛ هي سيناء, حيث أعطي موسى عليه السلام التوراة، وساعير جبال فلسطين، حيث أعطي الإنجيل لعيسى عليه السلام، ومكة اسمها أيضاً بالتوراة فاران، حيث نزل القرآن على محمد عليه الصلاة والسلام.
وجاء في التوراة أيضاً: أنه جاء الرب من سيناء, وأشرق لنا من ساعير، وتلألأ يعني في سيناء, وفي فلسطين, وفي مكة: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾
[سورة التين الآية: 1]
فلسطين: ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾
[سورة التين الآية: 2]
سيناء: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾
[سورة التين الآية: 3]
مكة .
هذه أماكن نزول الوحي في الأماكن الثلاثة، إذاً: ما في التوراة يؤكد نبوة النبي عليه الصلاة والسلام .
2-في الإنجيل :
أما في الإنجيل: في إنجيل برنابا، في الباب 220, أن عيسى عليه السلام قال لأتباعه: وسيبقى هذا إلى أن يأتي محمد رسول الله, التي متى جاء, كشف هذا الخداع للذين يؤمنون بشريعة الله، هذا في إنجيل برنابا .
وفي إنجيل يوحنا: إن لي أموراً كثيرة أيضاً, لا أقول لكم, ولكن لا تستطيعون الآن أن تحتملوا, وأما متى جاء ذلك روح الحق, فهو يرشدكم إلى جميع الحق, لأنه لا يتكلم من نفسه, بل كل ما يسمع يتكلم, ويخبركم بأمور آتية، هذا ما جاءنا النبي به من أشراط قيام الساعة : ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾
[سورة الصف الآية: 6]
وقد قال عليه الصلاة والسلام: ((أنا دعوة أبي إبراهيم وبشارة عيسى))
[أخرجه الحاكم في مستدركه]
إذاً: ما جاء في التوراة، وما جاء في الإنجيل, يؤكد نبوة النبي عليه الصلاة والسلام .
10-أن أعداء النبي يشهدون له بالصدق :
أيها الأخوة, بقي أدلة دقيقة لنبوة النبي عليه الصلاة والسلام وهي: أن الذين حول النبي بل أعداء النبي, يشهدون له بالصدق, والصدق من أولى صفات الأنبياء، حتى إنه كان يلقب بالصادق الأمين .
وقد قال سيدنا جعفر للنجاشي: أيها الملك, كنا أهل جاهلية, نعبد الأصنام, ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الرحم، ونسيء الجوار, حتى بعث الله فينا رجلاً؛ نعرف أمانته وصدقه, وعفافه ونسبه, فدعانا إلى الله لنعبده ونوحده, ونخلع ما كان يعبد آباؤنا من الحجارة والأوثان, وأمرنا بصدق الحديث, وأداء الأمانة, وصلة الرحم, وحسن الجوار, والكف عن المحارم والدماء .
فأعداء النبي عليه الصلاة والسلام يشهدون له بالصدق، حتى قال أبو جهل: إنا لا نكذبك, ولكن نكذب ما جئت به، فأنزل الله قوله تعالى:
﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآَيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾
[سورة الأنعام الآية: 33]
11-كان صادقاً في أفعاله :
بعد الصدق في الأقوال, كان صادقاً في أفعاله، فما من شيء دعا إليه النبي عليه الصلاة والسلام إلا طبقه في حياته .
فقد أخرج البخاري ومسلم, عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: ((صلّى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتفخَتْ قدماهُ, فقيلَ لهُ: أتَتَكلفُ هذا, وقد غُفِرَ لك ما تقدمَ من ذنبكَ وما تأخر؟ قال: أفلا أكون عبداً شكوراً))
((كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي حتى ترم -أو تنتفخ- قدماه))
وفي صحيح أبي داود, ورد من شمائله صلى الله عليه وسلم, عن عبد الله: ((رَأيْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يُصَلّي, وفي صَدْرِهِ أزِيزٌ, كأزِيزِ الرّحَى مِنَ الْبُكَاءِ))
وكانت تقول السيدة عائشة: كان عليه الصلاة والسلام كان يذكر الله تعالى على كل أحيانه .
يعني ما في شيء دعا إليه إلا كان سباقاً إليه، أما سهل جداً: أن تدعو الناس إلى شيء وأنت مقصر فيه، من السهولة بمكان: أن تدعو الناس إلى شيء وأنت مقصر فيه، هذا في الصدق القولي والعملي .
أما في الشجاعة: روى مسلم, عن البراء قال: ((كنا إذا احمر البأس, نتقي برسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن الشجاع للذي يحاذي به))
يعني يحاذي النبي صلى الله عليه وسلم، وكان عليه الصلاة والسلام يؤكد أقواله بأفعاله، فقد قال مرةً:
((لَوْ أنّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحمّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي والنسائي في سننهم]
12-النبي قدوة للمسلمين :
من دلائل نبوة النبي عليه الصلاة والسلام: كانت أقواله تبليغاً, وكانت أفعاله قدوة، والله عز وجل أمرنا أن تأخذ من أقواله, وأن نتأسى بأفعاله، فقال:
﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾
[سورة الحشر الآية: 7]
وأمرنا أن يكون قدوة لنا، إذ يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾
[سورة الأحزاب الآية: 21]
بل كان عليه الصلاة والسلام مثلاً أعلى في كل شيء, كأنه جمع الكمالات في البشرية، واصطفاه الله من كل خلقه، وأمرنا أن نتبعه، وقد بين هذا في قوله تعالى:
﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾
[سورة القلم الآية: 4]
13-نفذ النبي ما أمره الله به :
الآن: النبي عليه الصلاة والسلام نفذ قول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾
[سورة المائدة الآية: 67 ]
فبلغ أصحابه، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الغمة, وجاهد في الله حق الجهاد، وهدى العباد إلى سبيل الرشاد، إما باتصالاته الشخصية، أو بدعوة الناس إلى طعام، أو بعرض نفسه على القبائل، أو بالاجتماع إلى الناس، أو بالتصدي للناس، أو بإرسال الدعاة من أصحابه، أو بإرسال الرسل إلى الملوك والأمراء، أو بالجهاد القتالي، وتعرض هو وأصحابه للأذى أكثر من مرة .
فقال:
((قد أخفت في الله عز وجل وما يخاف أحد, ولقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد, ولقد أتت عليَّ ثلاثون من بين يوم وليلة, ومالي ولا لبلال طعام يأكله ذو كبد, إلا شيء يواريه إبط بلال))
وحينما وقف في حجة الوداع, قال بعض أن خطب خطبته الشهيرة: ((اللّهُمّ هَلْ بَلّغْتُ؟ قالُوا: نَعَمْ ثَلاَثَ مَرّاتٍ، قالَ: اللّهُمّ اشْهَدْ ثَلاَثَ مَرّات))
[أخرجه أبو داود في سننه]
ونحن إذا زرنا مقامه الشريف, بعد السلام عليه نقول: أشهد أنك بلغت الرسالة, وأديت الأمانة, ونصحت الأمة, وكشفت الغمة, وجاهدت في الله حق الجهاد, وهديت العباد إلى سبيل الرشاد .
14- أن هذا التشريع الذي جاء به يصلح لكل زمان ومكان:
من دلائل نبوة النبي: أن هذا التشريع الذي جاء به, يصلح لكل زمان ومكان, وقد لا تصدقون للمفاجئة: أن القوانين الدولية اعتمدت الشريعة الإسلامية كأحد المصادر قوانين دولية، وهناك أقوال كثيرة تؤكد هذا, وشواهد كثيرة .
القرآن معجزة مستمرة إلى يوم القيامة :
أيها الأخوة الكرام, الأدلة على نبوة النبي لا تنتهي ولا تنقضي, ولكن يكفي أن هذا القرآن الكريم المعجز الذي جاء به, يعد أكبر دليل على نبوة النبي عليه الصلاة والسلام، وأبرز ما في القرآن الكريم آيات الإعجاز فيه .
ففي القرآن الكريم 1300 آية, تتحدث عن الكون, وعن خلق الإنسان والحيوان والنبات، وهذه الآيات كلما تقدم العلم, كشف جانباً من جوانبها، وكأن هذا القرآن معجزة مستمرة, تنطق بأن هذا الإنسان الذي جاء بهذا القرآن, هو رسول الله صلى الله عليه وسلم . ما مهمة الشبهات التي تلقى على المسلمين من هنا وهناك؟ :
أنا حينما أفصل في هذه الموضوعات, أتمنى أن الأخ الكريم المسلم فيما بينه وبين المسلمين, لا يوجد هناك مشكلة، لكن لو أنه جلس في جلسة, وكان فيها أحد من ينكر بعثة النبي، وقال له: هذا ليس نبياً، هل يزلزلك أو تزلزله؟ هنا البطولة، البطولة أن تزلزله, لا أن يزلزلك، لذلك الاعتراضات التي نسمعها من حين لآخر, هذه سمح الله بها، من أجل أن ترفع حرارة الإيمان, من أجل أن ينطلق الناس للتثبت من حقائق هذا الدين .
يعني: قد يقول لك قائل: هذا القرآن ليس كلام الله تتزلزل، تستنجد بالعلماء والدعاة إلى الله, يعطونك الأدلة القوية, هذا الذي قال لك: ليس كلام الله, ماذا فعل معك؟ ثبت إيمانك، دفعك إلى التثبت مما تعتقد .
لقاح قد لا يخطر في بالك :
قال تعالى:
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾
[سورة الأنعام الآية: 112]
كيف أنه بالضبط الجرثوم, حينما يدخل إلى الجسم, يحرك أجهزته، وتتصدى له الكريات البيضاء، وتأخذ شيفرته، وتنقلها إلى الغدد اللمفاوية, ويصنع المصل, ويقضى عليه, ويودع في ملف، فإذا عاد ثانية أطاحت به هذه الكريات، كذلك الشبهات التي تلقى على المسلمين هذه كاللقاح تماماً، هي مواد تتناقض مع الصحة لكن مضعفة، فالجسم عنده مصل مضاد لها . الشك طريق اليقين :
حينما يأتي إنسان, ويزعم أن هذا القرآن ليس كلام الله عز وجل, هو من حيث لا يريد ولا يشعر, دفع طلاب العلم إلى التأكد من أدلة أن هذا القرآن كلام الله، إذاً: هو يفعل شيئاً ما أراده, ولكن الله سمح به, أن يقوي إيمان المؤمنين، لذلك الشك طريق اليقين، فإذا الإنسان تطاول على القرآن, أو على النبي العدنان، وتكلم كلاماً ولا سيما في هذه الأيام, فهذا سمح الله به, من أجل أن يقوي إيمان المؤمنين، وأن يدفعهم إلى أن ينتقلوا من إيمان تصديقي إلى إيمان تحقيقي، والإيمان التحقيقي يصمد أمام الإغراءات وأمام الضغوط، أما الإيمان التصديقي هش, ينخرق أمام أي ضغط, وينخرق أمام أي إغراء, هذا معنى قول الله عز وجل :
﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾
أنت في الأعماق, وهذا معنى قول الله عز وجل: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾
[سورة الأحزاب الآية: 23]
هذا الذي حصل عقب أحداث العراق :
أيها الأخوة, عقب أحداث العراق, هناك من ترك الصلاة، إيمانه هش، فلما رأى المسلمين لم ينتصروا، وأن الله وعدهم بالنصر, ترك الصلاة، فلما عاتبه أبوه، قال له: لا تقل لي كلمة واحدة: لمَ لم ينصرنا؟ إيمانه هش .
فحينما تأتي الشبهات والضلالات هذه كاللقاحات تماماً, مهمتها أن تهيىء مصلاً مضاداً لهذه الجراثيم، فإذا سمح الله لبعض المضلين أن يضلوا, فمن أن يتقوى إيمان المؤمنين ، ومن حين لآخر يطلع علينا مؤلف بكتاب عجيب, فماذا فعل هؤلاء؟ قدموا خدمة للمؤمنين .
فأسأل الله جل جلاله أن يهدينا لصالح الأعمال, وأن يرشدنا إلى سواء السبيل .






والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-01-2018, 03:52 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية من مفهوم القران والسنة

الدرس : ( الثامن العاشر )

الموضوع : الذات الالهية (1)



الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. لا بد من مراعاة هذه الحقيقة :
أيها الأخوة الكرام, مع الدرس الثامن عشر من دروس سور العقيدة، وحينما نصل في بحوث علم العقيدة على الذات الإلهية, لا بد من مراعاة حقيقة دقيقة هي سياج لنا, وحصن من أن تذل أقدامنا, في أن نقول على الله ما لا نعلم، لأنكم تعلمون علم اليقين: أن الله جل جلاله حينما صنف المعاصي في القرآن تصنيفاً تصاعدياً, ذكر الفحشاء والمنكر, والإثم والعدوان, والشرك والكفر, وجعل على رأس هذه المعاصي:
﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾
[سورة البقرة الآية: 169]
فهناك مجموعة حقائق أضعها بين أيديكم في موضوع البحث عن الذات الإلهية، الحديث عن الذات الإلهية له خصوصية دقيقة جداً، وأي خطأ أو ذلل نقع فيما لا تحمد عقباه، لأن الموضوع ليس حكماً شرعياً, فيه اجتهادات عديدة، وليس الخطأ فيه كالخطأ في أي موضوع آخر.
إليكم هذه الحقائق التي تتعلق بالذات الإلهية :
1-ينبغي أن نثبت لله عز وجل ما أثبته لنفسه في كتابه :
أيها الأخوة, الحقيقة الأولى ينبغي أن نثبت لله عز وجل ما أثبته لنفسه في كتابه، أن نثبت له أسماء وصفات, لم ترد في كتاب الله, ولا في سنة رسوله, هذا انحراف خطير في العقيدة، أن نثبت لله ما أثبته الله تعالى لنفسه، وما أثبته له رسوله المعصوم، ففيما يتعلق بالذات الإلهية الأمر دقيق جداً، محاسبون على الحرف والكلمة والفكرة, من غير تحريف ولا تعطيل, ومن غير تكييف ولا تمثيل.
العقل يعجز عن إدراك الذات الإلهية :
إذا قال الله عز وجل: إذا كان ثلث الليل الأخير, نزل ربكم إلى السماء الدنيا، لا يصح أن يقول أحدنا: ينزل الله من درجة إلى درجة, هذا ممنوع، لا تمثيل:
﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾
[سورة الرعد الآية: 2]
الاستواء معلوم والكيف مجهول، ولا تعطيل, أثبت الله لذاته السمع، أنا أقول: السمع ليس جزءاً مضافاً لذاته، العقل هنا لا يستطيع أن يقول كلمة واحدة.
أخواننا الكرام, العقل متعلق بالمحسوسات، فالشيء إذا ظهرت آثاره وغابت ذاته, للعقل مجال كبير يصول ويجول، شيء غابت ذاته وبقيت آثاره، المجال عقلي، أما الذات الإلهية: مستحيل وألف ألف مستحيل أن نقترب من معرفة حقيقتها، الدليل:
﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾
[سورة البقرة الآية: 255]
من الأمور التوقيفية :
يقول الصديق رضي الله عنه: العجز عن إدراك الإدراك إدراك, أنت أمام البحر المتوسط، لو سألك إنسان كم لتر هذا البحر؟ أي رقم تقوله: معنى ذلك أنك جاهل، إذا قلت: لا أدري، فلا أدري هي العلم، فالله عز وجل أثبت لذاته في كتابه أسماء وصفات، وأثبت له النبي في سنته الصحيحة أسماء وصفات، وهذه أمور توقيفية, لا يجوز أن نثبت صفة لم ترد في الكتاب ولا في السنة, نثبت ما أثبت الله لذاته، وما أثبت له نبيه من دون تحريف, ولا تعطيل, ولا تكليف, ولا تمثيل، لأن ليس كمثله شيء.
درس العقيدة، لا مجال لرأي شخصي إطلاقاً، رأي شخصي مرفوض، الله قال: ليس كمثله شيء، أي من دون تمثيل، قال: ربي أرني أنظر إليك, قال: إنك لن تراني، إذاً: لا تدركه الأبصار؛ فلا تحريف, ولا تعطيل, ولا تمثيل, ولا تكليف، قال: لأن الله أعلم بنفسه من خلقه، ورسوله أعلم الخلق بربه، والحقيقة المطلقة: أنه لا يعرف الله إلا الله، بل إن أعرف الخلق بالله هو رسول الله, وهو معصوم، في موضوع الذات الإلهية لا يوجد ولا كلمة زائدة، نثبت ما أثبت الله لذاته في كتابه.
2- نفي ما نفاه الله عن نفسه في كتابه، أو ما نفاه عنه نبيه في كتابه مع اعتقاد كمال ضده
القاعدة الثانية: نفي ما نفاه الله عن نفسه في كتابه، أو ما نفاه عنه نبيه في كتابه, مع اعتقاد كمال ضده لله تعالى. كيف؟
الله عز وجل نفى عن ذاته الموت, هو الحي الباقي، إذاً: يتضمّن كمال حياته، نفى عن نفسه الظلم، إذاً: يتضمّن كمال عدله، نفى عن نفسه التعب:
﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾
[سورة ق الآية: 38]
هذا النفي يتضمن كمال قدرته، نفى عن نفسه, أنه لا يعذب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض لكمال علمه، ولا يظلم ربك أحداً، نفى عن نفسه الظلم لكمال عدله:
﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾
[سورة البقرة الآية: 255]
لكمال حياته وقيّومته، لا تدركه الأبصار لكرامة جلاله وعظمة كبريائه، إذا نفى عن نفسه شيء, يجب أن تعتقد كمال الضد، ليس الضد فقط، نفى عن نفسه الظلم, هناك عبارات يتصدق بها المثقفون إلى حد ما، لا يوجد عند الله إلى حد ما، هذا عند البشر فقط، نفى عن نفسه الظلم عدله مطلق، نفى عن نفسه التعب قدرته مطلقة، نفى عن نفسه الجهل بشيء علمه مطلق، هذه القاعدة الثانية، والحقيقة الثانية:
﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾
[سورة الأنعام الآية: 103]
هذا نفي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾
[سورة الشورى الآية: 11]
هذا نفي، فنثبت وننفي ما أثبت ونفى، ونثبت وننفي ما أثبت له النبي ونفى، من دون تحريف, ولا تعطيل, ولا تكليف, ولا تمثيل، لأن الله تعالى أعلم بنفسه من خلقه، والنبي صلى الله عليه وسلم أعلم بربه من كل الخلق.
هناك حقائق أضعها بين أيدي الأخوة المؤمنين, حينما يصلون في بحثهم وتصورهم إلى الذات الإلهية.
3- صفات الله عز وجل توقيفية، لا مجال للاجتهاد فيها :
صفات الله عز وجل توقيفية، لا مجال للاجتهاد فيها، أكبر عبقري ومجتهد وعالم لا يستطيع أن يضيف ولا يحذف، معنى توقيفي؛ أي محدد تحديد كامل، فلا يثبت منها إلا ما أثبته الله لنفسه، أو أثبته له رسوله, ولا ينفى عن الله عز وجل إلا ما نفاه عن نفسه, ونفاه عنه رسوله، الموضوع ليس اجتهادياً، يقابل الاجتهادي التوقيفي، موضوع منته محدد محصور, ما أثبته الله لنفسه, وما نفاه عن ذاته العلية؛ إضافات, واستدراكات, وحذف, وتعديل, ومداخلة, هذا كله ممنوع، هذه الحقيقة الثالثة.
4- في كلمات تتعلق بالذات الإلهية لكنها مجملة، لم يرد شيء في إثباتها أو نفيها :
الحقيقة الرابعة: في كلمات تتعلق بالذات الإلهية لكنها مجملة، لم يرد شيء في إثباتها أو نفيها، أما معناها: فإذا كان يقصد بها باطل, تنفى أشد النفي عن ذات الله عز وجل، أما إذا كان المعنى الذي أريد من هذه الصفة المجملة كمال الله عز وجل, نقبلها قبولاً من دون تردد.
للتقريب: واحد أراد أن يمدح رجال أبطال أقطاب, قال: لله رجال إذا أرادوا أراد، هذا كلام عام مجمل، ماذا تقصد: إذا أرادوا أراد؟ لعلك تقصد أن لهم إرادة مستقلة عن إرادة الله, هو عين الشرك، لعلك تقصد أنهم مستجابو الدعوة لا مشكلة، الكلام المجمل لك أن تلبسه ثوباً صحيحاً فنقبله، أما إذا ألبسته ثوباً لا نقبله بكمال الله نرفضه.
فمثلاً: كلمة الجهة, الله عز وجل في أي جهة؟ إن أردنا بالجهة المكان, أعوذ بالله هو خالق المكان, لا يحويه مكان، المكان من خلقه، إن أردنا بالجهة مكان يحويه, هذا كفر، أما إن أردنا بالجهة العلو:
﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾
[سورة الملك الآية: 16]
إن أردنا بالجهة التعظيم والتقديس والعلو لا مانع، فالكلمات العامة بحسب الثوب الذي نلبسه إياها، فإن ألبست ثوباً لا يليق بكمال الله نرفضها أشد الرفض، أما إذا ألبست ثوباً يليق بكمال الله نقبلها من دون تردد.
5- توافق العقل الصريح مع النقل الصحيح توافق حتمي :
حقيقة أخرى: هذه الصفات التي ثبتت بالنقل الصريح, العقل الصحيح يقبلها، لأن العقل مقياس أودعه الله فينا، وهذه الصفات ثبتت عن الله عز وجل، توافق العقل الصريح مع النقل الصحيح توافق حتمي.
يجب أن تقطع أملك في أن تدرك الكيفية، هذا طريق مسدود استرح وأرح, الله كيف يعلم كل مخلوق ماذا في نفسه؟ وجد ستة آلاف مليون إنسان، فليكن مليار المليار، الكيفية مستحيلة.
لو أتينا بورق دخينة, أرق ورقة صنعها الإنسان, وضعناها في فرن صهر الحديد, حرارته ألف وخمسمائة درجة, بعد عشر ساعات, قلنا: ماذا حل بالورقة؟ أي ورقة؟ هذه الورقة من الوهج تلاشت, في وصف المرجل ألف وخمسمائة درجة، الحديد ينصهر يصبح سائل، أما هذه الورقة ما مصيرها؟ تلاشت من الوهج.
اقطع هذا الأمل لأن الطريق مسدود :
أيها الأخوة, يجب أن تقطع أملك في إدراك الكيفية، كيف يعلم ما سيكون؟ الله عز وجل أثبت في قرآنه أنه يعلم ما سيكون؛ كيف؟ لا أعلم, وأقولها بملء فمي، وأقولها مفتخراً, وأعد العلم الحقيقي لا أعلم.
وقد قال بعض العلماء: عين العلم به عين الجهل به، وعين الجهل به عين العلم به, موضوع الكيفية يجب أن تقطع أملك من البحث فيه، شيء فوق طاقة البشر مجتمعين.
إنك لن تراني, ولكن انظر إلى الجبل, فإذا استقر مكانه, فسوف تراني, فلما تجلّ ربه للجبل, جعله دكاً وفر موسى صعقاً.
كيف الله عز وجل يعلم في وقت واحد, ما يجول في أذهان كل البشر, وكل المخلوقات؟ وكيف يعلم ما سيكون؟ هذا شيء فوق طاقة العقل البشري، والعقل البشري يجب أن تؤمن أنه محدود.
هذا حدود العقل :
هذا الميزان ميزان البقالية, ميزان حساس وغال جداً, لكن مصمم من خمسة غرامات لخمسة كيلو، مستحيل أن تزين به شاحنة لأنها ستكسره، لا تتهم المصنع, المصنع دقيق, لكنه خصص حدود من خمسة غرامات لخمسة كيلو، هذه طاقة الميزان.
يجب أن تؤمن أن العقل محدود، أن تقول أين الجن؟ عقلك لا يستوعب وجود الجن، لكن الله أخبرك أنهم موجودون انتهى الأمر، أين الملائكة؟ عقلك لا يستوعب هؤلاء المخلوقات؛ لكن الله أخبرك بذلك.
قف هنا :
أيها الأخوة, عندك حيز كبير بالدين, الأدلة شيء منها نقلية أو سمعية أو إخبارية، إن كان إيمانك بالله ضعيفاً, لا مجال للخوض في الإخباريات، أما حينما يقوى إيمانك لدرجة أنك تعلم أن الذي يقوله الله عز وجل حق مائة بالمائة, عندئذ تنفعك الأدلة النقلية, هذا دليل نقلي.
اقطع طمعك أن تبحث في موضوع الكيفية، كيف يفعل الله كذا؟ لا أعلم، وكلمة لا أعلم في موضوع الذات الإلهية وسام شرف، كلمة لا أعلم في موضوعات أخرى وصمة عار، في موضوع الذات الإلهية كلما كنت متحفظاً, كلما قلت: لا أعلم، فأنت عالم، وكلما خاض عقلك في تعليقات وتأويلات وتفسيرات ما أنزل الله بها من سلطان, فأنت لا تعلم.
6- من الأدب مع الله عز وجل أن نثبت الصفات التي أثبتها الله لنفسه تفصيلاً :
شيء آخر: من الأدب مع الله عز وجل: أن نثبت الصفات التي أثبتها الله لنفسه تفصيلاً، أثبت لنفسه الرحمة, والعلم, والقدرة, والحياة, و ...... أما ليس كمثله شيء؛ ليس شبحاً, ولا جثة, ولا صورة, ولا دماً, ولا شخصاً, ولا جوهرة, ولا عرضاً, ولا لون له, ولا رائحة له، هذا شيء غير معقول، بالنفي إجمال بالإثبات تفصيل.
الكمال يقتضي أنك إذا أثبت صفات أثبتها الله لذاته: أن تأتي بها مفصلة.
كل اسم يقتضي صفة، لكن ما كل صفة تقتضي اسم ما معنى هذا الكلام؟
إذا قال الله عز وجل:
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾
[سورة الشورى الآية: 11]
انتهى, لا داعي لأن أحضر مائة ألف شيء, وأن أنفي عن الله هذه الأشياء، نحن عندنا اسم وصفة، كل اسم يقتضي صفة، لكن ما كل صفة تقتضي اسم.
الله عز وجل قال: وجاء ربك, يستنبط من فعل جاء صفة، لكن هذه الصفة لا يستنبط منها اسم لله عز وجل.
﴿رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾
[سورة الرعد الآية: 2]
يستنبط أنه رافع, لكن لا يقال: الله اسمه رافع، الله بنى, لا يقال: اسمه باني، كل اسم يتضمن صفة، لكن ما كل صفة يشتق منها اسم، هذه قاعدة أخرى.
الرحمن يتضمن صفة الرحمة، اسم الكريم يتضمن صفة الكرم، اسم اللطيف يتضمن صفة اللطف وهكذا، أما الاستواء:
﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾
[سورة الرعد الآية: 2]
لا يوجد عندنا اسم المستوي: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾
[سورة الأنفال الآية: 30]
لا يوجد اسم الماكر، كل اسم يتضمن صفة, وما كل صفة تشتق من فعل تتضمن اسماً.
7- صفات الله تعالى كلها صفات كمال مطلق لا نقص فيها بوجه من الوجوه
حقيقة أخرى: صفات الله تعالى كلها صفات كمال مطلق, لا نقص فيها بوجه من الوجوه، لكن لضعف إيمان الإنسان أحياناً, ولضعف لغته وفهمه, الله منتقم، الانتقام من الله عين الكمال، ينتقم؛ أي يعاقب عباده الطغاة، يحجزهم عن إيذاء الخلق, متكبر, مهما تصورت من كرمه فهو أكرم، من قوته فهو أقوى، جبار يجبر الانكسار، فأسماء الله وصفاته متعلقة بكمال الله حتماً.
صفات الله صفات ذات وصفات أفعال :
صفات الله عز وجل, صفات ذات وصفات أفعال، صفات ذاته الحي القيوم، صفات أفعاله معطي مانع, رافع خافض, معز مذل، لا نهاية لصفات أفعاله, لأن أفعاله لا نهاية لها. الدليل:
﴿وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾
[سورة إبراهيم الآية: 37]
فيوجد أسماء متعلقة بالذات, وأسماء متعلقة بالأفعال، نقول: صفات ذات وصفات أفعال.
من الصفات التي يمكن أن يوصف الله بها جاءت في الكتاب والسنة :
الآن: الصفات التي يمكن أن يوصف الله بها, جاءت في الكتاب والسنة، ولكن ثبوت هذه الصفات, قد يكون بالتصريح أو بالتضمين، الله أثبت لنفسه صفة الرحمة؛ الرحمن والعزة والقوة, تبارك اسم ربك, يريدون وجهه, أثبت أن له وجه، يد الله فوق أيديهم, قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن، الله أثبت لنفسه هذه الصفات؛ لكن أحياناً:
الله قال: سميع بصير, كلمة بصير: أثبت لنفسه من خلالها صفة البصر، سميع, صفة السمع؛ فإما أن يعطي الإثبات صريحاً أو متضمناً، وصفات الله عز وجل يستعاذ بها ويحلف بها.
كان عليه الصلاة والسلام يدعو ويقول: أعوذ برضاك من سخطك.
الرضا صفة لله عز وجل, والسخط صفة, والكلام في صفة الله كالكلام في ذاته تعالى، كما أنه له ذات حقيقية لا تشبه ذواتاً أخرى, له صفات حقيقية لا تشبه الصفات الأخرى, كذلك إثبات الذات إثبات وجود لا كيفية، وكذلك إثبات الصفات إثبات وجود لا كيفية، كيف؟ ما في, في أي موضوع متعلق بذات الله كيف؟ ما في.
سؤال لطيف :
قال لي واحد البارحة سؤال لطيف: واحد استعصى عليه في هذا الدين قضية، قلت له: ما هي؟ قال: دليل عقلي غير نقلي, أن الله يفي بوعده بوضع المؤمنين في الجنة، خائف أن لا يجد شيء غداً، قال: الدليل عقلي, أنا بدأت معه مداعباً, قلت له: ومن أصدق من الله؟ قال: هذا قرآن، أريد شيء بالعقل, قلت له: واحد تبرع بمائة مليون, لإنشاء جمعيات خيرية, ومعاهد شرعية, ومساجد, قلت له: سرق عشر ليرات, قال: مستحيل, قلت له: هذا الدليل، فإذا كان هذا الكون كله يدل على عظمة الله وليس ضعيف ليعمل وعد كاذب، الله ماذا قال؟:
﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ﴾
[سورة التحريم الآية: 8]
مستحيل أن يخزي الله النبي، عندما يعدك الله وعداً حسناً كأنه وقع، إخبار الله يجب أن تأخذه, على أنه وقع بدليل:
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾
[سورة الفيل الآية: 1]
أنت ما رأيت, يجب أن تأخذ هذا الخبر, وكأنك رأيته: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾
[سورة النحل الآية: 1]
يعني: أنه لم يأت لنه أمر الله عز وجل إتيانه حق وكأنه أتى. أسماء الله تثبت من دون كيفية :
فأسماء الله تثبت من دون كيفية، كيف يعلم؟ أربعمائة راكب بالطيارة واحترقت, كل واحد مات على نيته, كيف جمعهم الله بالطيارة كلهم؟ كيف جمعهم وكل واحد مات على نيته؟ كيف؟ الإجابة عندنا مستحيلة, فوق طاقة العقل البشري.
واحد أقر بصفات السمع, والبصر, والإرادة، محبة الله؛ كيف يحب الله؟ الإنسان يحب أن يميل, يكون عنده نقص, شيء جميل, إن رأى يحبه, ليس كمثله شيء، الله أثبت لنفسه الحب قال: يحبهم ويحبونه، أما تفهم محبة الله كمحبة إنسان لفتاة, هذا مستحيل, ممنوع التمثيل والتشبيه، لكن كما أثبت الله لنفسه السمع والبصر, أثبت المحبة والكراهية والغضب, غضب الله عليهم ولعنهم.
فالله كما أثبت لنفسه السمع والبصر, أثبت لنفسه الرضا والغضب, والمحبة والكراهية.
ما ينبغي أن تعتقده :
إضافة شيء لله عز وجل إما أعيان أو معاني أعيان, قل: يا عبادي, إضافة تشريف, بيت الله إضافة تشريف، ناقة الله، عبد الله, إضافة تشريف، أما معاني؛ سمع الله, بصر الله, رضا الله, سخطه, هذه متعلقة بالصفات، يضاف إلى الله عز وجل شيء عيني كبيت الله, كعبة الله عز وجل, أو شيء معنوي، المعنوي من صفات الله عز وجل، يكفي أن يكون هناك حديث واحد متعلق بذات الله صحيح, فهو مقبول في العقيدة, معاني صفات الله عز وجل ثابتة في الكتاب والسنة، معلومة، أما كيفيتها فمجهولة، الأسماء والصفات معلومة, كيفيتها مجهولة.
الآن: لو قرأت صفة لله عز وجل لم تفهم حقيقتها، أو أنك ذكرت اسماً لم تفهم حقيقته, يجب أن تعتقد بهذا الاسم, وتلك الصفة, ولو لم تفهم حقيقتها, مع الله لا يوجد حاجة إلى أنني لا أؤمن حتى أفهم, مع الله ما ثبت عن الله وعن رسوله في الكتاب والسنة من صفات وأسماء أؤمن بها من دون قيد أو شرط.
8- صفات الله عز وجل لا يقاس عليها :
في حقيقة أخرى: أن صفات الله عز وجل لا يقاس عليها، الله عز وجل جواد، سخي, لا، لا تقيس، الله عز وجل قوي جلد, يعني يتحمل, هذا كلام باطل، صفات الله عز وجل لا يقاس عليها، صفات البشر شيء, وصفات الله عز وجل شيء آخر، الله قدير, هل يعني أنه يستطيع كل شيء؟ يستطيع، صفات الله عز وجل لا حصر لها, كل اسم يتضمن صفة، صفات الله عز وجل لا حصر لها, مستحيل أن تحصر, لأن كل اسم يقتضي صفة، وأسماء الله لا حصر لها، قال الله عز وجل في كتابه الكريم:
﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾
[سورة الأعراف الآية: 180]
أي يشركون في أسمائه كاللات من الإله، والعزة من العزيز، إشراك في الأسماء.
وفي الصحيحين: عن أَبِي هُرَيْرَةَ -رِوَايَةً- قَالَ:
((لِلَّهِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ اسْمًا مِائَةٌ, إِلَّا وَاحِدًا لَا يَحْفَظُهَا أَحَدٌ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ, وَهُوَ وَتْرٌ يُحِبُّ الْوَتْرَ))
[أخرجه البخاري في الصحيح]
غداً إن شاء الله :
في درس قادم إن شاء الله نتابع هذا الموضوع، ولكن انتهت الحقائق الأساسية التي هي بين يدي إنسان مؤمن, اقترب في بحثه, في دراسته, في تصوره للذات الإلهية، هذه الحقائق يجب أن تكون واضحة بين أيديكم في الحديث عن الذات الإلهية، وفي درس قادم نتابع هذا الموضوع، والحمد لله رب العالمين.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-01-2018, 03:55 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية من مفهوم القران والسنة

الدرس : ( التاسع العاشر )

الموضوع : سوء الظن بالله





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين . من أدوات البحث في هذا الموضوع :
أيها الأخوة الكرام, مع الدرس التاسع عشر من دروس العقيدة، تحدثت في درس سابق عن حقائق متعلقة بالذات الإلهية، إذا اقترب الإنسان من البحث في موضوع العقيدة الذات الإلهية, ينبغي أن يضع هذه الحقائق بين يديه, فهي تعصمه من أن يخطئ, أو يتوهم, أو يقع في خطأ متعلق بالعقيدة .
ما الفرق بين من يخطئ وبين من يقول على الله ما لا يعلم؟ :
أيها الأخوة, إن الله عز وجل في القرآن الكريم رتب المعاصي والآثام ترتيباً تصاعديً, فذكر الفحشاء والمنكر, والإثم والعدوان, والشرك والكفر, وجعل على رأس هذه المعاصي والآثام الكبيرة معصية, أن تقول على الله ما لا تعلم, قال:
﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾
[سورة الأعراف الآية: 33]
فشتان بين من يخطئ وبين من يقول على الله ما لا يعلم, من يخطئ يبقى مخطئاً لذاته وخطأه محصور به، أما الذي يقول على الله ما لا يعلم, ويصدقه من حوله, فكل أخطائهم الناتجة عن سوء تصورهم لله عز وجل, فهو في صحيفة من قال عن الله بغير علم . ما وراء هذا المثال :
لا أحب عن أذكر هذا المثل الصارخ لكنني مضطر لذكره: إنسان فتح مكتبة, وباع كتب, تروج الباطل والضلالات والانحراف, على أساس أن هذه مكتبة, كلها كتب, وهذه بضاعته .
يقول بعض العلماء الورعين: لو إنسان باع مادة محرمة وتاب, انتهى البيع، أما الذي باع كتاب, وفيه ضلالات, وهذه الضلالات انتشرت, ورسخت, وانقلبت إلى سلوك منحرف، هذا إثمه عند الله كبير جداً, هذا أكبر ممن يبيع مادة محرمة، لأن الخطأ السلوكي تسهل التوبة منه، أما الخطأ الاعتقادي يصعب التوبة منه .
لذلك قالوا: المبتدع لا توبة له، لأن المبتدع يبتدع أنه على حق, وأن الناس كلهم على باطل .
ما المقصود بمعنى هذا الحديث؟ :
ندخل في الدرس التاسع عشر, أنهيت الدرس الماضي بالحديث الصحيح: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا, مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3353/01.jpg
قد يتوهم الإنسان أن الإحصاء هو العدل، لكن الإحصاء شيء والعد شيء آخر, قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً﴾
[سورة مريم الآية: 94]
فاختلاف المبنى دليل اختلاف المعنى, بشكل مبسط: صف فيه ثلاثون طالباً، العد سهل, أما الإحصاء؛ كل طالب اجتهاده, مستواه, انضباطه, تحصيله, ذكاؤه, أخلاقه, انضباطه, شكله, علاقته بمدرسه, بأهله, مدى انضباطه بالوقت, حضوره, مئات بل آلاف الصفات, يجب أن تستشفها من الطالب خلال الإحصاء .
فالنبي عليه الصلاة والسلام حينما قال: ((إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا, مَنْ أَحْصَاهَا))
من استوعبها, وفهمها, وعاشها, وعاش في أجوائها, من فعل ما يجب أن يفعله حينما يفهمها، هذا معنى الإحصاء، لذلك من أحصاها دخل الجنة, وتعرف إلى الله وأسمائه, وانضبط وفق هذه الأسماء . من الشيء الذي ينبغي أن تعلمه :
أيها الأخوة, الأحاديث التي فيها عد لهذه الأسماء ليست صحيحة بل أقرب إلى الضعف منها إلى الصحة, والله عز وجل يبين من خلال بيان النبي عليه الصلاة والسلام, لأن النبي لا ينطق عن الهوى, لأن هذه الأسماء ليست محصورة في تسعة وتسعين اسما, بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا أَصَابَ أَحَدًا قَطُّ هَمٌّ وَلَا حَزَنٌ, فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ, وَابْنُ عَبْدِكَ, وَابْنُ أَمَتِكَ, نَاصِيَتِي بِيَدِكَ, مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ, عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ, أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ, سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ, أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ, أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ, أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ, أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي, وَنُورَ صَدْرِي, وَجِلَاءَ حُزْنِي, وَذَهَابَ هَمِّي, إِلَّا أَذْهَبَ اللَّهُ هَمَّهُ وَحُزْنَهُ, وَأَبْدَلَهُ مَكَانَهُ فَرَجًا, قَالَ: فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, أَلَا نَتَعَلَّمُهَا؟ فَقَالَ: بَلَى, يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَهَا أَنْ يَتَعَلَّمَهَا))
الأسماء الحسنى يجب أن نعيشها, ونفعل ما تقتضيه هذه الأسماء، الله عز وجل رحيم ينبغي أن ترحم من دونك، الله عدل ينبغي أن تكون منصفاً، الله كبير ينبغي أن تفتقر له، الله غني ينبغي أن تستغني بالله لا أن تستغني عنه، فهذا المعنى الذي أتمنى أن يكون واضحاً . من الإلحاد :
والله عز وجل يقول:
﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾
[سورة الأعراف الآية: 180]
الإلحاد هو التكذيب, والإشراك, وصرف الاسم عن حقيقته, وإسباغ معنى على الاسم يتناقض مع كمال الله عز وجل, هذا كله إلحاد :
﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾
[سورة الأعراف الآية: 180]
مدخل الدرس اليوم :
سوف ندخل في هذا الدرس في موضوع الإلحاد في الأسماء بشكل أو بآخر سوء الظن بالله, يقول الله عز وجل في معركة أحد:
﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾
[سورة آل عمران الآية: 154]
اسمحوا لي على غير عادتي, أن أقرأ لكم كلمة كلمة ما قاله بعض المفسرين في تفسير هذه الآية, هذه الآية فسرها مفسر, وقد وفق في تفسيرها كثيراً، وأنا والله لعلي ذكرتها مئات المرات في هذه السنوات العشرين الماضية, وضمنتها بعض الخطب، لأنني وجدت في هذه الصفحات قيمة لا تقدر بثمن .
كيف فسر ابن القيم في زاد المعاد هذا الظن الذي لا يليق بالله؟ :
1-أن الله لا ينصر رسوله :
الدرس الآن: كيف نفهم قوله تعالى:
﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾
[سورة آل عمران الآية: 154]
قال العلامة ابن القيم في زاد المعاد: قد فسر هذا الظن الذي لا يليق بالله, لأنه سبحانه لا ينصر رسوله، وإذا اعتقدتم أن المسلم على إيمانه, واستقامته, وورعه, وإخلاصه, أن الله لن ينصره، فقد وقعنا في أسوأ عقيدة نحاسب عليها, وهي سوء الظن بالله, وقد فسر هذا الظن الذي لا يليق بالله, لأنه سبحانه لا ينصر رسوله .
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3353/02.jpg
عندما تبعه سراقة, وهدر دمه, ووضع مائة ناقة لمن يأتي به حياً أو ميتاً, قال: يا سراقة, كيف بك إذا لبست سوار كسرى؟ ثقة النبي بنصر الله بلا حدود, وأن أمره سيضمحل ، يقول: الإسلام انتهى, لا لن ينتهي, لأنه دين الله، لا تقلق على هذا الدين, اقلق على نفسك ما إذا سمح الله لك أن تكون جندياً له أو لم يسمح، وأن أمر هذا النبي سيضمحل وأن يسلمه للقتل. قال تعالى:
﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾
[سورة المائدة الآية: 67]
وقد فسر أن ما أصابهم, لم يكن بقضائه وقدره, هذا فهم آخر للمسلمين .
الآن الدين شيء آخر، هذه دولة قوية متحكمة بالعالم نحن ماذا نفعل؟ معها أسلحة فتاكة, واتصالات تفوق حد الخيال, ومعها أموال, وقدرات, وتغطية, وأسلحة, تصيب الهدف بدقة ما بعدها دقة, انتهينا، هذا الذي يعتقد أن الله عز وجل سيتخلى عن المؤمنين, وأنه يقوي أعدائه المضلين, وقد قال الله عز وجل:
﴿وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً﴾
[سورة الكهف الآية: 51]
من المواطن التي يقع صاحبها في مسألة سوء الظن بالله :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3353/03.jpg
الذي يقول مثلاً: سبحان الله! في أشخاص يتمتعون بالأموال الوفيرة, وهم لا يستحقونها, وأناس لا يملكون أموال وهم صالحون، هذا الكلام مؤداه أن الله ليس بحكيم، الكلام دقيق جداً : ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾
[سورة آل عمران الآية: 154]
إذا ظننت أن الله لا ينصر رسوله, وأن أمر هذا الدين سيضمحل، وأن الذي جرى ليس بقضاء الله عز وجل وقدره، القوي يأكل الضعيف، أو لا حكمة فيه، إنكار القدر, أو الحكمة, أو نصر الرسول, أو إنكار ثبات الدين, هذا كله من سوء الظن بالله عز وجل، ثم إنكار أن يظهر الله هذا الدين على الدين كله .
أحياناً يقال: حرب عالمية ثالثة معلنة على الإسلام في شتى بقاع الأرض، صح, ولكن النصر العسكري شيء, ونصر المبادئ والقيم شيء آخر، فكم من دولة فاتحة تأثرت بدين الدول المفتوحة؟ فالعبرة بالانتصار المبدئي, والفكري, والعقائدي, لأن هذا سوف يجر إلى انتصار آخر .
من هم الذين أساؤوا الظن بالله كما ورد في بيان سورة الفتح؟ :
قال:
﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾
[سورة آل عمران الآية: 154]
هو ظن السوء الذي ظنه المنافقون والمسرفون به سبحانه وتعالى, وقد ورد هذا في سورة الفتح:
﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾
[سورة الفتح الآية: 6]
ما معنى سوء الظن بالله؟ :
الحقيقة: ظن السوء هو أن تظن بالله ظناً لا يليق بأسمائه الحسنى وصفاته الفضلى، لا يليق بوحدانيته, ولا بتفرده بالربوبية, ولا بالألوهية, ولا بتفرده بصفاته, هذا كله من الظن السوء, والذي يظن أن جند الله لا ينصرون، مع أن الله عز وجل يقول: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾
[سورة الصافات الآية: 173]
2- أكثر الناس يظنون غير الحق ظن السوء فيما يختص بهم :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3353/04.jpg
قال: أكثر الناس يظنون غير الحق ظن السوء فيما يختص بهم، لا يوجد واحد راض عن دخله, ولا عن زوجته, يستحق دخل أعلى من هذا, وزوجة أفضل, أو لا يرضى عما يرى حوله، لكن لا يسلم من ظن الله إلا من عرف الله, وأسماءه, وصفاته, وموجب حمده, وحكمته، فمن قنط من رحمته, وأيس من روحه, فقد ظن به ظن السوء .
3- أن تتوهم أن الله يعذب أولياءه مع إحسانهم وإخلاصهم ويسوي بينهم وبين أعدائه
من الظن السوء, من تصور أن الله يعذب أولياءه, مع إحسانهم, وإخلاصهم, ويسوي بينهم وبين أعدائه : http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3353/05.jpg

﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ﴾
[سورة السجدة الآية: 18]
الآية الثانية: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾
[سورة الجاثية الآية: 21]
مستحيل, وألف ألف مستحيل, أن يسوى الشاب المستقيم مع الشاب المنحرف، الصادق مع الكاذب, المخلص مع الخائن, المنصف مع الظالم, المحسن مع المسيء .
أقول لكم كلمة: أن يستوي المحسن مع المسيء, والمنصف مع الظالم, والمستقيم مع المنحرف, والمخلص مع الخائن, أن يستوي هؤلاء مع هؤلاء, هذا لا يتناقض مع عدل الله فحسب, بل يتناقض مع وجود الله، ومن جوّز عليه أنه يعذب أولياءه مع إحسانهم وإخلاصهم, ويسوي بينهم وبين أعدائه, فقد ظن به ظن السوء .
4-أن تظن أن الله يترك خلقه سدى من دون إرسال الرسل ولا تنزيل كتب وتركهم

http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3353/06.jpg
ومن ظن أن يترك خلقه سدى معطلين عن الأمر والنهي, ولا يرسل إليهم رسله، ولا ينزل عليهم كتبه, بل يتركهم هملاً كالأنعام, فقد ظن به ظن السوء، إله ما يرسل رسول؟ نحن قد نتوهم أن الديانات السماوية ثلاث، لا أكثر بكثير, لكن هذه الثلاث ذكروا في القرآن الكريم : ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾
[سورة غافر الآية: 78]
هناك رسل غير أنبياء, معهم كتب ودعوات, لم يقصص علينا ربنا ذكرهم .


5-أن تظن أن الله لن يجمع عبيده بعد موتهم للثواب والعقاب :
ومن ظن أنه لن يجمع عبيده بعد موتهم في الثواب والعقاب, في دار يجازى المحسن بإحسانه, والمسيء بإساءته, ويبين لخلقه حقيقة ما اختلفوا فيه, ويظهر للعالمين كلهم صدقه وصدق رسله, وأن أعداءه كانوا هو الكاذبين, فقد ظنوا به ظن السوء .
هذه الدنيا شعوب, غارقة في النعيم, والرفاه, والأموال, والبيوت الفخمة, والطعام النفيس, والعناية الصحية, وطرقات, ومركبات, وحفلات, وسفر, وسياحة, وعناية فائقة, وحقوق إنسان تفوق حد الخيال, ودول محتلة, ومسحوقة, ومضطهدة, ومنهوبة الثروات, ومقموع الإنسان فيها, وتنتهي الحياة هكذا، لا هذا مستحيل, وألف ألف مستحيل, لا بد من يوم تسوى فيه الحسابات, لأن كمال الخلق يدل على كمال التصرف .
6-أن تظن أنه أخبر عن نفسه وصفاته وأفعاله بما ظاهره باطن وتشبيه وتمثيل وترك الحق
ثم من قال: ومن ظن به أنه أخبر عن نفسه, وصفاته, وأفعاله, بما ظاهره باطن, وتشبيه, وتمثيل, وترك الحق لم يخبر به, وإنما رمز إليه رموزاً بعيدة, وأشار إليه إشارات ملغزة, لم يصرح بها .
صدقوا أن هذا يقال: الله عز وجل لو كان عنده لوحان من الخشب, جعل لوح باب قصر, ولوح باب خلاء, هل لك دعوة؟ اللوح ملكه، نقول له: أين العدل؟ يقال: عدله غير عدلنا، هذا يقال، أين الحكمة؟ لا يجب عليه الأصلح هذا سوء ظن بالله, الله عز وجل حكيم وعادل, الإنسان الجيد في مكان جيد, والسيء في مكان سيء، أما أن الله عز وجل يخبرنا عن نفسه أنه عادل, ومفهوم العدل ليس كما نتصوره, لا مستحيل، مفهوم العدل كما نفهمه نحن.
كثير من الدعاة كل شيء ظاهري, ليس هذا المقصود، يذهب بك بعيداً لمعاني غير مقصودة, لا تخطر في بالك أبداً، من فكر هذا التفكير, وسار في هذا الاتجاه, فقد ظن بالله ظن السوء .
القضية ليست بالصلاة ولا بالصوم ولا بالحج، أنا إيماني بقلبي، الله أمرنا بالصلاة عبثاً، ولا معنى للصلاة، هناك من يقول: العبرة ليس بالصلاة مع أنها فرض، نحن بالامتحانات لواضعي الأسئلة توجيهات دقيقة جداً, ينبغي أن لا تضع الطالبة أمام مشكلتين, مشكلة هل تعرف ماذا أقصد بهذا السؤال؟ هل تعرف جوابه؟ صاروا مشكلتين، ينبغي أن يضع الطالب أمام مشكلة واحدة, السؤال واضح كالشمس, هل تعرف جوابه؟ .
تجد آيات ظاهرها كذا, ولها معنى عميق, قد لا تنتبه إليه, الله عز وجل لا يستخدم الألغاز مع عباده، هذا من سوء الظن بالله عز وجل، الشر من الله لكن أدباً مع الله نقول من أنفسنا، هذا غير صحيح، الخير والشر من الله, والشر بمفهوم الإنسان، لكن الشر أيضاً خير مطلق :
﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
[سورة آل عمران الآية: 26]
لو كنت مدير مؤسسة وقلت: تريد كأس ماء, شيء واضح, فجاءك بكأس ماء, فأخبرته أنك تقصد شطيرة, غير معقول, يجب أن أفهم اللغة على نحو واضح, وأفهمه بشكل واضح، فكل إنسان يعطيك شعور أن الدين كل شيء تقرأه في الظاهر ليس مقصوداً, لكن في معاني عميقة جداً لا يعرفها أحد هي المقصودة, فقد ظن بالله ظن السوء .
7-أن تظن أن الله ليس قادراً أن يعبر عن إرادته من خلقه بكلام واضح :
إذا ظن أحد أن الله عز وجل ليس قادراً أن يعبر عن إرادته من خلقه بكلام واضح, فقد اتهمه بالعجز البياني, أيضاً مشكلة ثانية .
8-أن تظن أن في ملكه ما لا يشاء ولا يقدر على إيجاده وتكوينه :
من ظن أن يكون في ملكه ما لا يشاء, ولا يقدر على إيجاده وتكوينه, فقد ظن به ظن السوء .
9-أن تعزو الأمور إلى غير الله :
الأحداث الأخيرة التي جرت هذه بمشيئة الله, هناك من يرتاح ألا ينسبها إلى الله, يوجد إنسان قوي, وإنسان ضعيف, من قوى القوي, ومن ضعف الضعيف؟ إذا أملى القوي إرادته على الضعيف وسحقه, والله عز وجل صار في السماء إله, لكن ليس في الأرض إله، مع أن الله عز وجل يقول:
﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾
[سورة الزخرف الآية: 84]
أيضاً لقد ظن به ظن السوء . 10-أن تظن أن الله لا يحب ولا يغضب ولا يسخط ولا يوالي ولا يعادي .......:
ومن ظن أن الله لا يحب, ولا يرضى, ولا يغضب, ولا يسخط, ولا يوالي, ولا يعادي, ولا يقرب من أحد من خلقه, ولا يقرب منه أحد, وأن ذوات الشياطين في القرب من ذاته كذوات الملائكة المقربين, فقد ظن بالله ظن السوء .
11- أن تظن أنه يساوي بين المتضادين أو يفرق بين المتساوين من كل وجه
ومن ظن أنه يساوي بين المتضادين, أو يفرق بين المتساوين من كل وجه، كافر ومؤمن يسوي بينهما، أو إنسانان كلاهما مؤمن ومخلص, واحد في العذاب, وواحد في النعيم, هذا شيء يتناقض مع عدل الله عز وجل .
12-أن تظن أنه يضع المؤمن في النار والكافر في الجنة :
من ظن أنه يضع عباده الذين أفنوا عمرهم في طاعته في النار، وأنه يضع أعداءه الذين أفنوا عمرهم في معاداته في الجنة, فقد ظنوا به ظن السوء, وهو لا يعرف الله عز وجل.
أضرب مثل للتوضيح: إنسان مقيم في دمشق, وعاش بها عمراً مديداً, وسافر لبلاد بعيدة, ودخل لمكتبة بجامعة, وجد فيها أطلس جغرافي, ألفه ثمانية وثلاثون دكتور, وكل هؤلاء في أعلى مرتبة في الجامعة, ومكلف ملايين, فتح على الشرق الأوسط, وجد دمشق فوق بيروت على الساحل, يكونون مليون دكتور, هو ابن الشام, والشام مدينة داخلية ليست على الساحل، أحياناً يمر معك نص يفهم منه: أن الله يفعل ما يشاء, أو لا يسأل عما يفعل، إنسان من جهله يقول: يضع الكافر في الجنة, ويضع المؤمن في النار، ولا تستطيع أن تسأله.
إليك هذا الدليل القرآني الذي يبطل قول من يقول: أنه يضع المؤمن في النار والكافر في الجنة :
الله عز وجل قال:
﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾
[سورة الزلزلة الآية: 7-8]
الله عز وجل قال: ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾
[سورة سبأ الآية: 17]
قال: والوزن يومئذ القسط, إن تك مثقال حبة من خردل أتينا بها، مائة آية تؤكد عدل الله المطلق، لأن الله عز وجل لا يسأل عما يفعل، توجه الآية توجيه أنه يضع الكافر في الجنة والمؤمن في النار ولا تستطيع أن تسأله، ليس هذا المعنى, هذا سوء ظن بالله عز وجل, فالواقع أقوى .
تكليف لم تؤمر به
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3353/07.jpg
أحد شيوخ الأزهر اطلع على حديث: أن النبي الكريم إبراهيم عليه السلام كذب، فله تعليق رائع قال: والله لأن أتهم الراوي بالكذب أفضل من أن أتهم نبياً بالكذب .
على الإنسان أن يعمل عقله لا يعطله، فالله عز وجل لا يمكن أن يظلم، لكن أنت غير مكلف, أن تبحث عن أدلة عدالته بعقلك، لأن عقلك لا يستطيع أن يدرك عدل الله عز وجل، لكن الله أخبرنا وهو أصدق القائلين أنه لا يظلم :
﴿لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾
[سورة غافر الآية: 17]
﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾
[سورة النساء الآية: 77]
يوجد خيط بالنواة, ولا قطمير غشاء رقيق, ولا نقير رأس مؤنف, في النواة شيء لا يذكر لتفاهته, ولا حبة من خردل :
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾
[سورة العنكبوت الآية: 40]
﴿لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾
[سورة غافر الآية: 17]
﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾
[سورة الزلزلة الآية:7-8]
إذا أنت تتوضأ, خرجت نملة في حوض الوضوء, فانتظرت حتى تنجو من الماء, هذا عمل صالح، إذا نزعت قشة من المسجد وضعتها في جيبك, كي لا تؤذي أحد, هذا العمل مسجل عند الله، هذا الظن بالله الحسن, فينبغي أن نعتقد بما وصف الله نفسه وذاته العليا, وننفي عنه ما نفى عن ذاته العليا, أما أن نعمل عقولنا القاصرة في الخوض في ذات الله عز وجل, هذا شيء لا يقبل إطلاقاً .
يقول عليه الصلاة والسلام:
((تفكروا في مخلوقات الله, ولا تفكروا في ذاته فتهلكوا))
13-أن تظن خلاف ما وصف به نفسه وخلاف ما وصفه به رسله :
من ظن به خلاف ما وصف به نفسه, وخلاف ما وصفه به رسله، أو عطل حقائق ما وصف به نفسه, ووصفته به رسله, فقد ظن بالله ظن السوء .
اقرأ هذا النص :
وفي نص آخر لم يرد هنا: من اعتقد أن الله يضع في النار أوليائه الذين أفنوا عمرهم في طاعته, ويدع أعداءه الذين ناصبوه العداء في الجنة، النص وكل الأمرين في الحكم سواء ممكن، ولا يرجح أحدهما على الآخر إلا بالنص الصحيح, فهو لا يعرف الله .
مشكلة :
قال لي أخ البارحة: لي صديق عنده مشكلة في عقيدته قلت له: ما هي؟ قال لي: يريد دليل عقلي على أن الله سيضع المؤمنين في الجنة، أنا داعبته قلت له: وهو أصدق القائلين، قال: هذا نقلي أريد عقلي، قلت له: واحد دفع مائة مليون, لإنشاء مساجد, ودور علم, ومياتم, ومستشفيات, ثم سرق عشر ليرات، قال: مستحيل, قلت له: هذا الدليل, هل تقبل بهذا المنطق؟ الله عز وجل كلامه مطلق, وأسماؤه حسنى, وصفاته فضلى, وفي دليل قرآني:
﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ﴾
[سورة التحريم الآية: 8]
النبي بما وعد بأحاديثه, أن المؤمن للجنة والكافر للنار، لكن لا يليق بالمؤمن أن يحكم حكماً قطعياً على المستقبل .
من اليقينيات :
عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ, أَنَّ أُمَّ الْعَلَاءِ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِمْ, بَايَعَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, أَخْبَرَتْهُ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ, طَارَ لَهُمْ فِي السُّكْنَى, حِينَ اقْتَرَعَتِ الْأَنْصَارُ عَلَى سُكْنَى الْمُهَاجِرِينَ, قَالَتْ أُمُّ الْعَلَاءِ:
((فَاشْتَكَى عُثْمَانُ عِنْدَنَا, فَمَرَّضْتُهُ حَتَّى تُوُفِّيَ, وَجَعَلْنَاهُ فِي أَثْوَابِهِ, فَدَخَلَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَقُلْتُ: رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ أَبَا السَّائِبِ, شَهَادَتِي عَلَيْكَ لَقَدْ أَكْرَمَكَ اللَّهُ, فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَمَا يُدْرِيكِ أَنَّ اللَّهَ أَكْرَمَهُ؟ قَالَتْ: قُلْتُ: لَا أَدْرِي بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ, فَمَنْ قَالَ: أَمَّا هُوَ فَقَدْ جَاءَهُ وَاللَّهِ الْيَقِينُ, وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُو لَهُ الْخَيْرَ, وَمَا أَدْرِي وَاللَّهِ, وَأَنَا رَسُولُ اللَّه مَا يُفْعَلُ بِي, قَالَتْ: فَوَ اللَّهِ لَا أُزَكِّي أَحَدًا بَعْدَهُ))
نحن لا يوجد عندنا من أهل الجنة في اليقين إلا العشرة المبشرون في الجنة فقط, وأحد هؤلاء العشرة سيدنا عمر, أتى سيدنا حذيفة قال له: بربك اسمي مع المنافقين؟ والباقي على الرجاء لا على اليقين, لكن يغلب على الظن, وأدباً مع الله, أن المؤمن مصيره الجنة, أما أن يجزم, فهذا ليس من شأن العبد . قصة :
قصة سريعة جداً: النبي عليه الصلاة والسلام في معركة بدر, أعطى توجيه: لا تقتلوا عمي العباس، واحد قال: أحدنا يقتل أباه وأخاه في المعارك, وينهانا عن قتل عمه -القضية ذهب إلى العنصرية- ثم كشف أن عمه كان مسلم, وكان عين النبي في مكة, ولو أن عمه ما خرج معهم لانكشف أمره، لو أن النبي ما أفصح أنه مسلم لكشفه، لو سكت لقتلوه، فلا بد من أن يقول هذا الكلام: لا تقتلوا عمي العباس, يقول هذا الصحابي: ظللت عشر سنين أتصدق, رجاء أن يغفر الله لي سوء ظني برسول الله .
فإذا أسأت الظن به تحجب عن الله، إنسان معصوم, فكيف إذا أسأت الظن بالله عز وجل؟ فثمن الجنة حسن الظن بالله، كم تجد من أحداث؛ مجاعات, وفقر, وحروب, وقتلى, وجرحى, هذه الدنيا لا تساوي في الآخرة شيء، إذا امتحن الله أحد, ومات في المعركة, أو بصاروخ, وكان مصيره الجنة, أفضل مليار مليار مرة من هؤلاء الذين يتصدرون, ويقولون: انتصرنا وسوف نحقق كذا وكذا، لأن العبرة بالآخرة لقوله تعالى:
﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾
[سورة الأعراف الآية: 128]
فأنا أحسن الظن بالله تعالى، وأفوض الأمر إلى الله, وأتألم لما يصيب المسلمين, لكن لا أسيء الظن بالله أبداً، أعلم علم اليقين أن أسماء الله حسنى وصفاته فضلى, وهذا كلام قطعي, وهذا هو اليقين, وهذا هو حسن الظن بالله, وهذا هو ثمن الجنة، والحمد لله رب العالمين .






والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-01-2018, 03:57 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية من مفهوم القران والسنة

الدرس : ( العشرون )

الموضوع : رؤية الله يوم القيامة





الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين . من الثوابت عند المؤمنين :
فمع الدرس العشرين من دروس سورة العقيدة، والموضوع اليوم رؤية الله يوم القيامة.
أيها الأخوة, لقد أثبت الله جل جلاله للمؤمنين يوم القيامة, أنهم ينظرون لوجه ربهم عز وجل، فما أعطوا في الدنيا ولا في الآخرة نعمة هي أعظم من تلك النعمة، ولم يعطوا نعمة هي أقر لأعينهم من هذه النعمة، أعلى عطاء يناله الإنسان, أن يسمح له يوم القيامة, أن ينظر لوجه الله الكريم.
في بعض الآثار: ورد أن المؤمن إذا نظر لوجه الله الكريم, يغيب من نشوة النظرة خمسين ألف عام, لكن في الدنيا هذا مستحيل.
أدلة القرآن على نفي رؤية الله في الدنيا :
سيدنا موسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام كان من أولي العزم، ومع ذلك حينما قال: ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾
[سورة الأعراف الآية: 143]
لم يتحمل سيدنا موسى وهو من أولي العزم, أن يرى تجليَّ الله على الجبل، هذا المعنى تؤكده آية كريمة, هي قوله تعالى:
﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾
[سورة الأنعام الآية: 103]
أيها الأخوة, هاتان الآيتان أصل في هذا الموضوع. أدلة السنة :
إلى السنة النبوية الشريفة الصحيحة: في صحيح الإمام مسلم, عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ:
((قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَنَامُ, وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ, يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ, يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ, وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ, حِجَابُهُ النُّورُ))
وَفِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ: ((النَّارُ لَوْ كَشَفَهُ, لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ, مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ))
عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: ((سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟ قَالَ: نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ))
[أخرجه مسلم في الصحيح, والترمذي في سننه]
نفى النبي عليه الصلاة والسلام أن يكون قد رأى ربه.
أدلة القرآن على ثبوت الرؤيا للمؤمنين في الآخرة وحرمانها للكافرين :
أيها الأخوة, يوم القيامة: فيهيئ الله للمؤمنين ما يؤهلهم لرؤيته سبحانه, بعد أن يأذن لهم، فقال جل جلاله:
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ٌ﴾
[سورة القيامة الآية: 22-23]
نضارة العمل الصالح, والطهارة, والحب, والصفاء, والاستقامة، أما الكفار فبالمقابل: يحرمون من هذه النعمة العظيمة, فلا يبصرون إلا ما يخزيهم، قال جل جلاله:
﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾
[سورة المطففين الآية: 15]
إذا حجبت عنك نعم الأرض، وسمح الله لك أن تكون موصولاً به, فأنت أسعد الخلق ، وإذا أعطيت الدنيا وما فيها، وحجبت عن الله, فأنت أشقى الخلق.
أيها الأخوة, وفي التنزيل أيضاً:
﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾
[سورة يونس الآية: 26]
الحسنى هي الجنة، وزيادة: هي النظر لوجه الله الكريم: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾
[سورة يونس الآية: 26]
أدلة السنة على ثبوت الرؤيا في الآخرة للمؤمنين :
ففي صحيح مسلم: عَنْ صُهَيْبٍ, عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ, يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ, فَيَقُولُونَ: أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا؟ أَلَمْ تُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ وَتُنَجِّنَا مِنَ النَّارِ؟ قَالَ: فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ, فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ تبارك وتعالى, ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ))
[أخرجه مسلم في الصحيح, والترمذي في سننه]
العقيدة لا تؤتى إلا من الكتاب والسنة، ولا يستطيع إنسان كائن من كان, مهما علا شأنه، ومهما تألق في سماء المعرفة, أن يعطينا من العقيدة من عنده، هذه عقيدة, أصل الدين، إن صحت عقيدة الإنسان صح عمله، وإن فسدت فسد عمله.
وعن جابر رضي الله عنه من حديثه, عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:
((إن الله يتجلى للمؤمنين يضحك, أي يوم القيامة))
مما يدل على أن المؤمنين ينظرون إلى وجه الله الكريم، دليل القبول والرضا، إذا طرق بابك إنسان، واستقبلته مبتسماً, فابتسامتك دليل ترحيبك به.
عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْد ِاللَّهِ قَالَ: ((قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ عِيَانًا))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي في سننهما]
وفي رواية أخرى: عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ:
((كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَنَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةً, يَعْنِي الْبَدْرَ, فَقَالَ: إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَر,َ لَا تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ, فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ, قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ, وَقَبْلَ غُرُوبِهَا, فَافْعَلُوا, ثُمَّ قَرَأَ:
﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾
قَالَ إِسْمَاعِيلُ: افْعَلُوا لَا تَفُوتَنَّكُمْ)) في الآخرة: الله عز وجل يهيئ المؤمن بإمكانات, تتيح له أن يرى الله عز وجل، لكن طبيعة الأجسام في الدنيا لا تحتمل التجلي الإلهي.
((إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ, لَا تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ, فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ, قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ, وَقَبْلَ غُرُوبِهَا, فَافْعَلُوا))
ماذا تستنبطون؟ أن رؤية وجه الله العظيم لها ثمن في الدنيا، من ثمنها المحافظة على الصلاة، ومن أفضل الصلاة: محافظة صلاة الفجر وصلاة العصر قبل طلوع الشمس، وقبل غروبها: ﴿وَمِنْ آَنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾
[سورة طه الآية: 130]
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِي اللَّه عَنْه: أَنَّ أُنَاسًا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا:
((يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: نَعَمْ, هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ بِالظَّهِيرَةِ ضَوْءٌ لَيْسَ فِيهَا سَحَابٌ؟ قَالُوا: لَا, قَالَ: وَهَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ ضَوْءٌ لَيْسَ فِيهَا سَحَابٌ؟ قَالُوا: لَا, قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا تُضَارُونَ فِي رُؤْيَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا كَمَا تُضَارُونَ فِي رُؤْيَةِ أَحَدِهِمَا إِذَا كَانَ يَوْمُ القيامة))
هذا الحديث دليل آخر على أن الإنسان, إذا كان من أهل الجنة, يهيأ لرؤية الله جل جلاله. هل رأى النبي ربه في الدنيا؟ :
أيها الأخوة, عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ:
((لَقِيَ ابْنُ عَبَّاسٍ كَعْبًا بِعَرَفَةَ, فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ, فَكَبَّرَ, حَتَّى جَاوَبَتْهُ الْجِبَالُ, فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّا بَنُو هَاشِمٍ, فَقَالَ كَعْبٌ: إِنَّ اللَّهَ قَسَمَ رُؤْيَتَهُ وَكَلَامَهُ بَيْنَ مُحَمَّدٍ وَمُوسَى, فَكَلَّمَ مُوسَى مَرَّتَيْنِ, وَرَآهُ مُحَمَّدٌ مَرَّتَيْنِ.
قَالَ مَسْرُوقٌ: فَدَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ, فَقُلْتُ: هَلْ رَأَى مُحَمَّدٌ رَبَّهُ؟ فَقَالَتْ: لَقَدْ تَكَلَّمْتَ بِشَيْءٍ, قَفَّ لَهُ شَعْرِي, قُلْتُ: رُوَيْدًا, ثُمَّ قَرَأْتُ:
﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾
فَقَالَتْ: أَيْنَ يُذْهَبُ بِكَ؟ إِنَّمَا هُوَ جِبْرِيلُ, مَنْ أَخْبَرَكَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَأَى رَبَّهُ, أَوْ كَتَمَ شَيْئًا مِمَّا أُمِرَ بِهِ, أَوْ يَعْلَمُ الْخَمْسَ الَّتِي قَالَ اللَّهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾
فَقَدْ أَعْظَمَ الْفِرْيَةَ, وَلَكِنَّهُ رَأَى جِبْرِيلَ, لَمْ يَرَهُ فِي صُورَتِهِ إِلَّا مَرَّتَيْنِ؛ مَرَّةً عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى, وَمَرَّةً فِي جِيَادٍ, لَهُ سِتُّ مِائَةِ جَنَاحٍ قَدْ سَدَّ الْأُفُقَ)) [أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, والترمذي في سننه]
السيدة عائشة رضي الله عنها, نفت أشد النفي, أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون قد رأى ربه، لكنه رأى جبريل.
في رواية أخرى عَنْ مَسْرُوقٍ, قَالَ:
((قُلْتُ لِعَائِشَةَ رَضِي اللَّه عَنْهَا: فَأَيْنَ قَوْلُهُ:
﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾
؟ قَالَتْ: ذَاكَ جِبْرِيلُ, كَانَ يَأْتِيهِ فِي صُورَةِ الرَّجُلِ, وَإِنَّهُ أَتَاهُ هَذِهِ الْمَرَّةَ فِي صُورَتِهِ الَّتِي هِيَ صُورَتُهُ, فَسَدَّ الْأُفُقَ)) وله شاهد آخر في الصحيحين: عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيُّ قَالَ: ((سَأَلْتُ زِرَّ بْنَ حُبَيْشٍ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:
﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾
قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ مَسْعُودٍ, أَنَّهُ رَأَى جِبْرِيلَ, لَهُ سِتُّ مِائَةِ جَنَاحٍ)) تعليق هام :
أيها الأخوة, أحد كبار العلماء يقدم تعليقاً, يجمع بين رواية ابن عباس وبين نفي السيدة عائشة.
يقول هذا الإمام الجليل: ليس قول ابن عباس إنه رآه مناقضاً لهذا، ولا قوله رآه بفؤاده، وقد صح عنه أنه قال:

((رأيت ربي تبارك وتعالى، ولكن لم يكن هذا في الإسراء، بل في المدينة, لما احتبس عنهم في صلاة الفجر، ثم أخبرهم عن رؤية ربه تبارك وتعالى تلك الليلة في منامه))
أيها الأخوة, على هذا بنى الإمام أحمد رحمه الله تعالى وقال: نعم رآه حقاً، فإن رؤيا الأنبياء حق ولا بد، لكن لم يقل الإمام أحمد رحمه الله تعالى: أنه رآه بعيني رأسه يقظة، ومن حكى عنه ذلك, فقد وهم عليه، ولكن قال: مرة رآه, ومرة قال: رآه في فؤاده, فحكيت عنه مرتين.
أيها الأخوة, حينما قال: لقد رأيت ربي, كان هذا في المنام، وليس في الإسراء والمعراج, وليس بعيني رأسه، ولكن بعين قلبه، وهذا يمكن ولا يتناقض مع الآيات والأحاديث.
نريد أن نستنبط من هذه النصوص الصحيحة: أن المؤمن, عليه أن يسعى في دنياه الزائلة والفانية, على أن يصل إلى الجنة, فيكون قد حصّل أعظم عطاء, يناله مخلوق في الكون، المؤمن الذي يستحق دخول الجنة، ثم يؤهل كي يرى الله عز وجل, يكون قد حصّل أعظم عطاء, يناله مخلوق في الكون, منذ أن خلق الله الكون إلى نهاية الحياة. قف هنا :
الآن: في هذه الرؤيا المنامية ما تفاصيلها؟.
عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ: ((احْتُبِسَ عَنَّا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ غَدَاةٍ, عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ, حَتَّى كِدْنَا نَتَرَاءَى عَيْنَ الشَّمْسِ, فَخَرَجَ سَرِيعًا, فَثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ, فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, وَتَجَوَّزَ فِي صَلَاتِهِ, فَلَمَّا سَلَّمَ دَعَا بِصَوْتِهِ, فَقَالَ لَنَا: عَلَى مَصَافِّكُمْ كَمَا أَنْتُمْ, ثُمَّ انْفَتَلَ إِلَيْنَا, ثُمَّ قَالَ: أَمَا إِنِّي سَأُحَدِّثُكُمْ مَا حَبَسَنِي عَنْكُمُ الْغَدَاةَ, أَنِّي قُمْتُ مِنَ اللَّيْلِ, فَتَوَضَّأْتُ, وَصَلَّيْتُ مَا قُدِّرَ لِي, فَنَعَسْتُ فِي صَلَاتِي, فَاسْتَثْقَلْتُ, فَإِذَا أَنَا بِرَبِّي تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ, فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ, قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَبِّ, قَال: فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى؟ قُلْتُ: لَا أَدْرِي رَبِّ, قَالَهَا ثَلَاثًا, قَالَ: فَرَأَيْتُهُ وَضَعَ كَفَّهُ بَيْنَ كَتِفَيَّ, حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ أَنَامِلِهِ بَيْنَ ثَدْيَيَّ, فَتَجَلَّى لِي كُلُّ شَيْءٍ, وَعَرَفْتُ, فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ, قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَبِّ, قَالَ: فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى؟ قُلْتُ: فِي الْكَفَّارَاتِ, قَالَ: مَا هُنَّ؟ قُلْتُ: مَشْيُ الْأَقْدَامِ إِلَى الْجَمَاعَاتِ, وَالْجُلُوسُ فِي الْمَسَاجِدِ بَعْدَ الصَّلَوَاتِ, وَإِسْبَاغُ الْوُضُوءِ فِي الْمَكْرُوهَاتِ, قَالَ: ثُمَّ فِيمَ؟ قُلْتُ: إِطْعَامُ الطَّعَامِ, وَلِينُ الْكَلَامِ, وَالصَّلَاةُ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ, قَالَ: سَلْ؟ قُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ, وَتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ, وَحُبَّ الْمَسَاكِينِ, وَأَنْ تَغْفِرَ لِي وَتَرْحَمَنِي, وَإِذَا أَرَدْتَ فِتْنَةَ قَوْمٍ, فَتَوَفَّنِي غَيْرَ مَفْتُونٍ, أَسْأَلُكَ حُبَّكَ, وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ, وَحُبَّ عَمَلٍ يُقَرِّبُ إِلَى حُبـِّكَ, قَالَ رَسـُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّهَا حَقٌّ, فَادْرُسُوهَا, ثُمَّ تَعَلَّمُوهَا))
هكذا ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم. تأويل باطل مردود قطعاً :
أيها الأخوة, لا بد من أن أحيطكم علماً, أن هناك من يتأول الآية الكريمة:
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ٌ﴾
[سورة القيامة الآية: 22-23]
أي منتظرة، وهذا التأويل الموهوم مردود قطعاً، لأن هذا القرآن الكريم نزل بلغة العرب، بلسان عربي مبين، فما في هذه اللغة من قواعد، نظر إذا عدي بنفسه, فمعناه التوقف والانتظار، قوله تعالى:
﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾
[سورة الحديد الآية: 13]
أي انتظرونا، إذا عدّي بنفسه, يعني هذا الانتظار، وإن عدي بـ: في, فمعنى ذلك: التفكر والاعتبار:
﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ والأرض﴾
[سورة الأعراف الآية: 185]
وإذا عدي بـ إلى, فيعني المعاينة بالأبصار، نحو قوله تعالى:
﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾
[سورة الأنعام الآية: 99]
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ٌ﴾
[سورة القيامة الآية: 22-23]
بعيني الرأس المعاينة والتفحص .
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ٌ﴾
[سورة القيامة الآية: 22-23]
معنى ذلك: أنها تنظر إلى الله لا تنتظر، معنى الانتظار لا يأتي من تعدية الفعل بـ: إلى, لأن هذا يعني النظر والتمحيص، وتعديته بـ: في, يعني التفكر، وتعديته بذاته, معناه الانتظار.
انظر إلى هذا القول لمالك :
سئل مالك بن أنس رضي الله عنه, عن قوله تعالى:
﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ٌ﴾
[سورة القيامة الآية: 23]
فقيل: قوم يقولون: إلى ثوابه ناظرة على ثوابه، فقال: مالك كذبوا، فأين هم من قوله تعالى؟:
﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾
[سورة المطففين الآية: 15]
الآية الثانية: تفيد أن الأولى ناظرون بمعنى النظر، فقال مالك: الناس ينظرون لله يوم القيامة بأعينهم، وقال: لو لم ير المؤمنون ربهم يوم القيامة, لم يعبر الله عن الكفار بالحجاب فقال:
﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾
[سورة المطففين الآية: 15]
من المعاني المخالفة المعاكسة, أن الله عز وجل إذا قال:
﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾
[سورة المطففين الآية: 15]
المعنى المعاكس: أن المؤمنين ينظرون.
احذر أن تقع في هذه الخسارة :
ماذا ننتفع بهذا الكلام؟ ثبت لديكم أن رؤية المؤمن لله عز وجل ثابتة قطعاً في الكتاب والسنة، فماذا ينبغي أن يفعل حتى يصل على هذه الرؤيا؟.
أيها الأخوة, هذه الدنيا حينما يسعى الإنسان إليها، وينسى ربه, فقد باء بخسران مبين.
أيها الأخوة, ما من خسارة تحيط بالإنسان, كأن يخسر الآخرة، لأن الجنة أعظم عطاء.
هذا ما أعد الله لعباده الصالحين في الآخرة :
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَالَ اللَّهُ: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ, وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ, وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ, واقْرَؤوا إِنْ شِئْتُمْ: فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, والترمذي في سننه]
عين رأت، دائرة المرئيات محدودة، يقول لك واحد من الناس: أنا رأيت الصين ومصر فقط، يقول آخر: رأيت أمريكا وإنكلترا والمغرب، دائرة المرئيات محدودة جداً، أما دائرة المسموعات, فيكفي أن تستمع على الأخبار، فإذا أنت أمام أخبار, تدلك على بلاد, ودول, وعواصم, وأماكن, وسدود, وبحار, وجبال, وسهول, و ...., فإذا كانت دائرة المرئيات محدودة, فدائرة المسموعات غير محدودة، لكن دائرة الخواطر لا تنتهي.
لذلك جاء في الحديث القدسي:
((أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ, وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ, وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ))
من مراتب الجنة :
أيها الأخوة, أول مرتبة في الجنة أن تدخلها، وتستمتع بالبساتين والأنهار من العسل المصفى، ومن أنهار من لبن لم يتغير طعمه، ومن أنهار خمر لذة للشاربين، والأنهار من ماء غير آسن البساتين، الحور العين، لولدان المخلدين ....., هذه متع الجنة، لكن الله سبحانه وتعالى وصف متعاً أرقى من ذلك, فقال:
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ٌ﴾
[سورة القيامة الآية: 22-23]
﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾
[سورة يونس الآية: 26]
الله عز وجل وعد المؤمنين أن يسعدوا برؤيتهم إليه في أعلى, في الأعلى هو رضوان من الله أكبر، أن يرضى الله عنك، ويشعرك أنه يحبك، هذا أعلى شيء يناله إنسان، فبين جمال الجنة، وبين جمال وجه الله عز وجل، وبين رضوان الله عليك، هذا الذي ينبغي أن نسعى إليه.
المطلوب منك :
أسباب دخول الجنة بين أيديكم: ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً، أسباب دخول الجنة متاحة لكل مؤمن، لكن إذا قصر, فالمشكلة مشكلته, ملاحظة العلم في الإسلام ليس مطلوباً لذاته، المطلوب أن يعمل به، فالعلم ما عمل به، وإن لم يعمل به لا جدوى منه.
إليكم توضيح هذه الفكرة :
أوضح لكم هذه الفكرة وهي مهمة جداً: إنسان مصاب بمرض جلدي، علاجه الوحيد أن يتعرض لأشعة الشمس، فلو قبع في غرفة مظلمة ذات رطوبة عالية، ثم بدأ يتحدث عن الشمس، وعن سطوعها، وعن جمالها، وكيف أنها في رابعة النهار، وكيف أن أشعتها مطهرة, ما قيمة هذا الحديث؟ لا قيمة له إطلاقاً، لأنه لم يتعرض لأشعة الشمس.
لذلك: أحياناً المؤمن يظن أنه إذا طلب العلم، وأحاط بمعنى هذه الآيات، وتلك الأحاديث, انتهت المشكلة، لم ينته شيء، هذا الفرق الجوهري بين أصحاب النبي رضوان الله عليهم وبين المؤمنين المقصرين في آخر الزمان، ما لم تنقلب تلك المعلومات، وهذه الحقائق، وتلك النصوص إلى سلوك يومي, فلا جدوى من تعلم هذا العلم، فالعلم ما عمل به، فإن لم يعمل به, كان الجهل أولى, لأنك مسؤول، صار العلم حجة عليك، وليس حجة لك، يكون حجة لك إذا طبقته، ويكون حجة عليك إذا خالفته:
وعالم بعلمه لم يعملن معذب من قبل عباد الوثن
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾
[سورة الصف الآية: 2-3]
فهذه الجنة أبوابها مفتحة في الدنيا، وأسباب دخول الجنة بأيدي كل المؤمنين, فما علينا إلا أن نتحرك:
﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾
[سورة الأنفال الآية: 72]
ما لم يتحرك المؤمن إلى الله, فلا جدوى من حياته، لأنها تضييع للوقت من دون ثمرة يانعة يقطفها.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-02-2018, 06:14 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية من مفهوم القران والسنة

الدرس : ( الواحد و العشرون )

الموضوع : مستلزمات التوحيد ( 1 ) الاخلاص لله تعالى



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين . ما علة وجودنا على وجه الأرض؟ :
أيها الأخوة المؤمنون, مع الدرس الحادي والعشرين من دروس العقيدة، كما هو معلوم لديكم: العبادة علة وجودنا على وجه الأرض:
﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ﴾
[سورة البينة الآية: 5]
واللام لام التعليل، بل إن العبادة هي غاية الطاعة مع غاية الحب، من نتائجها سعادة يتميز بها المؤمن، لو وزعت على أهل بلد لكفتهم.
من لوازم العبودية لله :
1-الإخلاص لله :
هذه العبودية ما لوازمها؟ لوازم الغني: أنه معه ثمن الحاجة التي يشتريها، لأنه غني، فإذا قال لك: أنا غني، ولا أملك درهماً, فهذا الكلام فيه تناقض, إذا كنت غنياً, فهذا يعني أنك تملك ثمن هذه الحاجة، فالحقيقة: أن العبودية لله عز وجل من لوازمها الإخلاص لله، والحقيقة: أن الإخلاص ليس نصف الدين، ولكنه الدين كله، الدليل:
﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ﴾
[سورة البينة الآية: 5]
الجوارح تعبد الله، العين تغض البصر، الأذن لا تستمع إلا للحق، اليد لا تبطش إلا بالحق، الرجل لا تمشي إلا إلى خير، فالجوارح محل العبادة الظاهرة، والقلب محل العبادة الباطنة، فإذا لم تصح العبادة الباطنة حبطت العبادة الظاهرة، فهل الإخلاص هو نصف الدين أم الدين كله؟ لك ظاهر ولك باطن، عبادة الظاهر الخضوع لله، عبادة الباطن الإخلاص له.
ما فحوى هذه الآية؟ :
اليوم كنت ألقي درسًا, فذكرت تقسيمات العلوم الإسلامية، قلت: هناك علم العقيدة، ويعني علم العقيدة: الإيمان بالله, والملائكة, والكتب, والرسل، وأنه واحد، وكامل، وموجود، وله أسماء حسنى, وصفات فضلى، والإيمان باليوم الآخر، والقدر خيره وشره من الله تعالى، علم العقيدة، الآن علوم القرآن، وتفسير القرآن ثانياً، علوم الحديث، ومتن الحديث ثالثاً، أصول الفقه، الأحكام الفقهية، السيرة، تاريخ العقيدة، علوم الآلة، لو أن هناك مليون مليونَ كتاب في العلوم الإسلامية، كلها في كفة، والتطبيق في كفة ثانية، تماماً كأن تنطق بكلمة ألف مليون دولار، فرق كبير بين أن تنطق بها، وبين أن تملكها، كالفرق تماماً بين أن تتكلم عن أمور الدين، وبين أن تطبق الدين، أن تعلم، ثم أن تعمل بما تعلم، ثم أن تدعو لما تعلم، ثم أن تخلص في تعلمك، وفي عملك، ودعوتك، أربعة أركان للدين.
هذا فحوى قوله تعالى:
﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾
[سورة العصر الآية: 1-3]
آمنوا وعملوا الصالحات، عملوا بما علموا، وتواصوا بالحق، دعوا لما عملوا، وتواصوا بالصبر، صبروا على مجاهدة النفس والهوى كي يتحقق الإخلاص، لأن الإخلاص سر العبادة ، والإخلاص ينفع معه كثر العمل وقليله، بينما عبادة من دون إخلاص لا قيمة لها، لا إن كانت كثيرة، ولا إن كانت قليلة.
ما موضوع درسنا اليوم؟ :
الدرس اليوم عن الإخلاص، لكن من وجهة نظر نصية قطعية، قال تعالى:
﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾
[سورة البينة الآية: 5]
وما أمروا إلا ليعبدوا الله، يخضعون له مخلصين، عبادة الظاهر الخضوع، وعبادة الباطن الإخلاص.
آية ثانية:
﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾
[سورة الكهف الآية: 110]
هذه الآية لخصت القرآن كله. ما قيمة العمل الصالح؟ :
﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً﴾
[سورة الكهف الآية: 110]
قيمة هذا العمل ألا يخالطه شرك، أن تبتغي بعملك غير الله، إنسان داوم على صلاة الفجر في المسجد أربعين عاماً، وفي أحد الأيام غلبته نفسه فلم يستيقظ، فانتبه مذعوراً، وقال: ماذا يقول الناس عني هذا اليوم؟ شيء خطير, والله لولا أنه خطير لما خصصت هذا الدرس عن الإخلاص، هناك أعمال رائعة يجعلها الله هباء منثوراً، لولا أن هذا الموضوع يمس كل إنسان، ويشارك كل عمل, لما كان هذا الدرس حول الإخلاص.
لن ينال الله لحومها ولا دمائها, ولكن يناله التقوى منكم.
يناله أن يراكم مخلصين في هذه الطاعة.
من بنود هذه الآية :
﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
[سورة آل عمران الآية: 29]
إن أخفيت، أو لم تخف, فأنت مكشوف أمام الله، لا تخفى على الله خافية، فهو وحده يعلم، لك أن تقول كل شيء، وتبرر، وتعلل، وتفسر، ولكن تأكد أن كل شيء تفعله لا يخفى على الله عز وجل.
قف عند هذين الحديثين :
الحديث الصحيح المتواتر الشهير, الذي يعد أصلاً من أصول الدين، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ:
((سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ, وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى, فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا, أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يتزوجها, فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ))

[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي والنسائي في سننهم]
حديث آخر: عَنْ أَبِي كَبْشَةَ الْأَنَّمَارِيِّ, أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:
((ثَلَاثَةٌ أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ, وَأُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا فَاحْفَظُوهُ, قَالَ: مَا نَقَصَ مَالُ عَبْدٍ مِنْ صَدَقَةٍ, وَلَا ظُلِمَ عَبْدٌ مَظْلَمَةً فَصَبَرَ عَلَيْهَا, إِلَّا زَادَهُ اللَّهُ عِزًّا, وَلَا فَتَحَ عَبْدٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ, إِلَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَابَ فَقْرٍ, أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا, وَأُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا فَاحْفَظُوهُ, قَالَ: إِنَّمَا الدُّنْيَا لِأَرْبَعَةِ نَفَرٍ؛ عَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَعِلْمًا, فَهُوَ يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ, وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ, وَيَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا, فَهَذَا بِأَفْضَلِ الْمَنَازِلِ, وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ عِلْمًا, وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالًا, فَهُوَ صَادِقُ النِّيَّةِ, يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلَانٍ, فَهُوَ بِنِيَّتِهِ, فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ, وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا, وَلَمْ يَرْزُقْهُ عِلْمًا, فَهُوَ يَخْبِطُ فِي مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ, لَا يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ, وَلَا يَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ, وَلَا يَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا, فَهَذَا بِأَخْبَثِ الْمَنَازِلِ, وَعَبْدٍ لَمْ يَرْزُقْهُ اللَّهُ مَالًا وَلَا عِلْمًا, فَهُوَ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِي مَالًا, لَعَمِلْتُ فِيهِ بِعَمَلِ فُلَانٍ, فَهُوَ بِنِيَّتِهِ, فَوِزْرُهُمَا سَوَاءٌ))
علام يدور محور هذه الفقرة؟ :
أيها الأخوة، لو أن إنسان نوى نية طيبة، ولم يتح له أن يفعل هذا الذي نواه, كتب له عند الله هذا العمل كاملاً مكملاً، رزقه الله مالاً، لم يرزقه علماً, يخبط في ماله بغير علم، ولا يتقي فيه ربه، ولا يصل فيه رحمه، ولا يعلم لله حقاً, فهذا بأخبث المنازل، إنسان رزق مالاً، فعل به الخيرات، وإنسان آخر رزق المال, ففعل به السيئات، الذي آتاه الله علماً، ولم يؤته مالاً, قال: لو أنني أملك مالاً لفعلت كذا وكذا، فهو والذي أنفق ماله في سبيل الله سواء في الأجر، أما الرابع فعبد لم يرزقه الله مالاً ولا علماً, فهو يقول: لو أن لي مالاً لعملت فيه بعمل فلان، فهو بنيته, فوزرهما سواء، لو معي أموال لسافرت للبلد الفلاني، وفعلت كذا، وانغمست بالملذة الفلانية, وسهرت حتى الفجر في الحانة الفلانية، لكن لا أملك, وكأنه فعل, كل هذه المعاصي.
فلذلك: من شهد معصية فأنكرها, كان كمن غاب عنها، ومن غاب عن معصية فلم ينكرها، بل أرادها, كان كمن شهدها. ((إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ, وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى))
هل يوجد فرق بين من هم بالسيئة فلم يعملها خوفاً من الله وبين من هم بالسيئة فلم يعملها لأنه لم يستطع؟ :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3355/01.jpg
إن الله كتب الحسنات والسيئات، ثم بيّن ذلك في كتابه، فمن همّ بحسنة فلم يعملها, كتبها الله عنده حسنة كاملة.
نيته طيبة، فإن هم بها فعملها, كتب الله عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ومن هم بسيئة فلم يعملها, كتبها الله عند حسنة كاملة، لكن لم يعملها، لأنه خشي الله، لا لأنه لم يستطع، فرق كبير بين من همّ بسيئة فلم يعملها خوفاً من الله، وبين من همّ بسيئة فلم يعملها، لأنه لم يستطع، ومن هم بسيئة فلم يعملها, كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن هو هم بها فعملها, كتبها الله سيئة واحدة.
أيها الأخوة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((يَقُولُ اللَّهُ: إِذَا أَرَادَ عَبْدِي أَنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً, فَلَا تَكْتُبُوهَا عَلَيْهِ حَتَّى يَعْمَلَهَا, فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا بِمِثْلِهَا, وَإِنْ تَرَكَهَا مِنْ أَجْلِي, فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً, وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْمَلَ حَسَنَةً فَلَمْ يَعْمَلْهَا, فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً, فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, والترمذي في سننه]
ما هو العامل الحاسم في كل هذه الأحاديث؟ النية, ماذا تنوي؟ ماذا تريد؟.
قد يأتي إنسان إلى مسجد، يقول: أنا لي عمل، فإذا التحقت بهذا المسجد, يأتي أناس كثيرون, ليشتروا من عندي، حبط العمل، يجب أن تتجه إلى الله من دون قصد آخر:
﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ﴾
[سورة البينة الآية: 5]
حديث خطير :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3355/02.jpg
في حديث طويل: عن أبي هريرة َقَالَ:
((حَدَّثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى, إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ, يَنْزِلُ إِلَى الْعِبَادِ لِيَقْضِيَ بَيْنَهُمْ, وَكُلُّ أُمَّةٍ جَاثِيَةٌ, فَأَوَّلُ مَنْ يَدْعُو بِهِ, رَجُلٌ جَمَعَ الْقُرْآنَ, وَرَجُلٌ يَقْتَتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ, وَرَجُلٌ كَثِيرُ الْمَالِ, فَيَقُولُ اللَّهُ لِلْقَارِئِ: أَلَمْ أُعَلِّمْكَ مَا أَنْزَلْتُ عَلَى رَسُولِي؟ قَالَ: بَلَى يَا رَبِّ, قَالَ: فَمَاذَا عَمِلْتَ فِيمَا عُلِّمْتَ؟ قَالَ: كُنْتُ أَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ, فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: كَذَبْتَ, وَتَقُولُ لَهُ الْمَلَائِكَةُ: كَذَبْتَ, وَيَقُولُ اللَّهُ: بَلْ أَرَدْتَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ فُلَانًا قَارِئٌ, فَقَدْ قِيلَ ذَاكَ, وَيُؤْتَى بِصَاحِبِ الْمَالِ, فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: أَلَمْ أُوَسِّعْ عَلَيْكَ حَتَّى لَمْ أَدَعْكَ تَحْتَاجُ إِلَى أَحَدٍ؟ قَالَ: بَلَى يَا رَبِّ, قَالَ: فَمَاذَا عَمِلْتَ فِيمَا آتَيْتُكَ؟ قَالَ: كُنْتُ أَصِلُ الرَّحِمَ وَأَتَصَدَّقُ, فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: كَذَبْتَ, وَتَقُولُ لَهُ الْمَلَائِكَةُ: كَذَبْتَ, وَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: بَلْ أَرَدْتَ أَنْ يُقَالَ: فُلَانٌ جَوَادٌ, فَقَدْ قِيلَ ذَاكَ, وَيُؤْتَى بِالَّذِي قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ, فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: فِي مَاذَا قُتِلْتَ؟ فَيَقُولُ: أُمِرْتُ بِالْجِهَادِ فِي سَبِيلِكَ, فَقَاتَلْتُ حَتَّى قُتِلْتُ, فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ: كَذَبْتَ, وَتَقُولُ لَهُ الْمَلَائِكَةُ: كَذَبْتَ, وَيَقُولُ اللَّهُ: بَلْ أَرَدْتَ أَنْ يُقَالَ: فُلَانٌ جَرِيءٌ, فَقَدْ قِيلَ ذَاكَ, ثُمَّ ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رُكْبَتِي, فَقَالَ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ, أُولَئِكَ الثَّلَاثَةُ أَوَّلُ خَلْقِ اللَّهِ تُسَعَّرُ بِهِمُ النَّارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ))
هل هناك حديث أخطر من هذا الحديث؟ صاحب أموال طائلة أنفقها في سبيل الله، وإنسان قتل في سبيل الله، والأول قرأ القرآن في سبيل الله, وهم أول من تسعر بهم النار يوم القيامة، هذا حديث خطير, لا يدعو على اليأس, ولكن يدعو إلى اليقظة، حرر عملك من الشوائب. ما موقف معاوية بن أبي سفيان حينما أخبره الرجل بهذا الحديث الذي سبق ذكره؟ :
دخل رجل على معاوية بن أبي سفيان, فخبره بهذا الحديث، فقال معاوية: قد فعل بهؤلاء هذا, فكيف بمن بقي من الناس؟.
-لا يوجد عنده أجهزة لهو, يسهر بعد الفجر، غارق بالملذات، لا يوجد في دخله حرام، لا يوجد مال ربا، ولا انحراف خلقي، ولا اعتداء على أموال الناس، هؤلاء أحدهم قتل في سبيل الله، والثاني قرأ القرآن، والثالث كان محسناً، لأنهم أرادوا لهذا السمعة والدنيا, كان هذا مصيرهم، في هذا الدرس وفي درس آخر كلها في الصحاح:
﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾
[سورة النجم الآية: 3-4]
قال: فكيف بمن بقي من الناس؟ قال: فبكى معاوية بكاء شديداً, حتى ظننا أنه هالك، وكنا قد جاءنا هذا الرجل بشر، ثم أفاق معاوية، ومسح عن وجهه, وقال: صدق الله ورسوله:
﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾
[سورة هود الآية: 15-16]
ما مطلب هذه الأحاديث؟ :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3355/03.jpg
لا زلنا في السنّة الصحيحة، عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّه عَنْهَا, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((مَا مِنِ امْرِئٍ تَكُونُ لَهُ صَلَاةٌ بِلَيْلٍ, فَغَلَبَهُ عَلَيْهَا نَوْمٌ, إِلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ أَجْرَ صَلَاتِهِ, وَكَانَ نَوْمُهُ عليه صَدَقَةً))
[أخرجه أبو داود والنسائي في سننهما, ومالك في الموطأ]
لأنه وضع رأسه على الوسادة، ونوى أن يصلي الليل فلم يستيقظ، غلبته عينه، كتبت له, وكأنه قام الليل.
((إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ, وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى))
وقد قال عليه الصلاة والسلام: ((صلاة الرجل تطوعاً حيث لا يراه الناس, تعدل صلاته على أعين الناس خمساً وعشرين درجة))
ماذا يعلمنا هذا الحديث؟ :
أيها الأخوة الكرام, الذي تعرفونه جميعاً, حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّه عَنْهمَا قَالَ: ((سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: انْطَلَقَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ, حَتَّى أَوَوُا الْمَبِيتَ إِلَى غَارٍ فَدَخَلُوهُ, فَانْحَدَرَتْ صَخْرَةٌ مِنَ الْجَبَلِ, فَسَدَّتْ عَلَيْهِمُ الْغَارَ, فَقَالُوا: إِنَّهُ لَا يُنْجِيكُمْ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ, إِلَّا أَنْ تَدْعُوا اللَّهَ بِصَالِحِ أَعْمَالِكُمْ, فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمُ: اللَّهُمَّ كَانَ لِي أَبَوَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ, وَكُنْتُ لَا أَغْبِقُ قَبْلَهُمَا أَهْلًا وَلَا مَالًا, فَنَأَى بِي فِي طَلَبِ شَيْءٍ يَوْمًا, فَلَمْ أُرِحْ عَلَيْهِمَا حَتَّى نَامَا, فَحَلَبْتُ لَهُمَا غَبُوقَهُمَا, فَوَجَدْتُهُمَا نَائِمَيْنِ, وَكَرِهْتُ أَنْ أَغْبِقَ قَبْلَهُمَا أَهْلًا أَوْ مَالًا, فَلَبِثْتُ وَالْقَدَحُ عَلَى يَدَيَّ أَنْتَظِرُ اسْتِيقَاظَهُمَا, حَتَّى بَرَقَ الْفَجْرُ, فَاسْتَيْقَظَا فَشَرِبَا غَبُوقَهُمَا, اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ, فَفَرِّجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ, فَانْفَرَجَتْ شَيْئًا, لَا يَسْتَطِيعُونَ الْخُرُوجَ, قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَقَالَ الْآخَرُ: اللَّهُمَّ كَانَتْ لِي بِنْتُ عَمٍّ, كَانَتْ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَيَّ, فَأَرَدْتُهَا عَنْ نَفْسِهَا, فَامْتَنَعَتْ مِنِّي, حَتَّى أَلَمَّتْ بِهَا سَنَةٌ مِنَ السِّنِينَ, فَجَاءَتْنِي, فَأَعْطَيْتُهَا عِشْرِينَ وَمِائَةَ دِينَارٍ عَلَى أَنْ تُخَلِّيَ بَيْنِي وَبَيْنَ نَفْسِهَا فَفَعَلَتْ, حَتَّى إِذَا قَدَرْتُ عَلَيْهَا, قَالَتْ: لَا أُحِلُّ لَكَ أَنْ تَفُضَّ الْخَاتَمَ إِلَّا بِحَقِّهِ, فَتَحَرَّجْتُ مِنَ الْوُقُوعِ عَلَيْهَا, فَانْصَرَفْتُ عَنْهَا, وَهِيَ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ, وَتَرَكْتُ الذَّهَبَ الَّذِي أَعْطَيْتُهَا, اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ, فَافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ, فَانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ, غَيْرَ أَنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ الْخُرُوجَ مِنْهَا, قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَقَالَ الثَّالِثُ: اللَّهُمَّ إِنِّي اسْتَأْجَرْتُ أُجَرَاءَ, فَأَعْطَيْتُهُمْ أَجْرَهُمْ غَيْرَ رَجُلٍ وَاحِدٍ, تَرَكَ الَّذِي لَهُ وَذَهَبَ, فَثَمَّرْتُ أَجْرَهُ حَتَّى كَثُرَتْ مِنْهُ الْأَمْوَالُ, فَجَاءَنِي بَعْدَ حِينٍ, فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ, أَدِّ إِلَيَّ أَجْرِي, فَقُلْتُ لَهُ: كُلُّ مَا تَرَى مِنْ أَجْرِكَ مِنَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَالرَّقِيقِ, فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ, لَا تَسْتَهْزِئُ بِي, فَقُلْتُ: إِنِّي لَا أَسْتَهْزِئُ بِكَ, فَأَخَذَهُ كُلَّهُ فَاسْتَاقَهُ, فَلَمْ يَتْرُكْ مِنْهُ شَيْئًا, اللَّهُمَّ فَإِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ, فَافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ, فَانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ, فَخَرَجُوا يَمْشُونَ))
هذا الحديث الرائع يعلمنا أنك إذا كنت في ضائقة، وفي شدة، وفي أزمة، وفي خطر, فادع الله بصالح عملك، وينبغي أن يكون لكل واحد منا عمل صالح, يبتغي به وجه الله الكريم. اسمع قصة هذا التاجر :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3355/04.jpg
حدثني تاجر كبير من تجار الغنم, أنه ضل في الصحراء هو والغنم التي اشتراها، وكاد هو والغنم يموتون عطشاً، فصلى ركعتين، وذكر أن له عملاً صالحاً قبل سنوات، أنه كان في البادية، وجاءت امرأة تريده فدفعها، وقال: يا رب إن كنت دفعتها خوفاً منك ففرج عنا، وقد ساق الله لهم أناساً يعرفون مكان الماء، ودلوهم على الماء، وأنقذ الله حياتهم من الموت المحقق, فهذا من السنة, إذا كنت في شدة, أو ضائقة, أو محنة, أو مصيبة, أو خطر, فادع الله بصالح عملك كما علمنا النبي صلى الله عليه وسلم.
أيها الأخوة, هذه الآيات والأحاديث، ما تكلمت إلا بآية, أو آيات, وأحاديث شريفة صحيحة، وهذا توجيه الله، وتوجيه النبي عليه الصلاة والسلام، والموضوع خطير، الإخلاص هو صلب الدين، بل هو الدين كله، فحينما يشك الإنسان في إخلاصه, بإمكانه أن يفعل شيئاً دون أن تعلم شماله ما أنفقت يمينه، هل يستطيع الشيطان أن يأتيه, ليقول له: أنك لست مخلصاً ! http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3355/05.jpg
لو أنك صمت يوماً في سبيل الله، ولم تقل هذا لأحد، أحياناً يصوم الإنسان يوم نفل يطبق الدنيا، كلما التقى بإنسان: ألست صائم اليوم؟ يريد أن يقول لكل من يلتقي بهم: إنه صائم، نعوذ بالله من النفاق والرياء، لك أن تصوم، ولا تذكر كلمة أنك صائم، ولك أن تنفق، ولا تذكر كلمة أنك منفق، ولك أن تغض البصر, من يعلم هذه العبادة إلا الله؟.
أنت حينما تجلس في غرفتك, تفتح نافذة جارتك، وتطل من النافذة, فإذا غضضت عنها البصر, هل في الأرض كلها إنسان, يمكن أن يحاسبك, أو يعلم ماذا فعلت؟ هذا هو الإخلاص، إذا كنت في البيت في أيام رمضان الحارة، والصنبور أمامك، وليس في البيت أحد ، ولك أن تشرب وتشرب حتى ترتوي، ولا أحد يعلم، لا كبير ولا صغير، ما الذي يمنعك أن تشرب؟ خوف الله عز وجل، فكلما أكثرت من العبادات, التي تؤكد أنك مخلص, تشعر مع حين أنك مخلص، أنفق ولا تتكلم كلمة واحدة، صم ولا تتكلم، صلِّ الليل ولا تتكلم، وافعل ما تريد تقرباً لله عز وجل ولا تتكلم، ومع ذلك: فالله عز وجل يلقي في روعك أنك مخلص.
((إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ, وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى, فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا, أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا, فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ))
واقعة :
أحد ملاك الأراضي الكبار, بلغه أنه إذا تبرع بمساحة كافية لمسجد, لا بد من أن تنظم هذه الأراضي من قبل البلديات، وإذا نظمت على محاضر, ارتفع ثمنها أضعافاً مضاعفة، فجاء هذا الإنسان، وتبرع بخمسة دونمات, لينشئ عليها مسجدًا، والناس يتحدثون عن إحسانه, وفضله, ومحبته لله، ومحبته للمساجد، وكيف أن له مقعد صدق عند مليك مقتدر؟ وكيف أن له مكانًا في الفردوس الأعلى؟ لأنه قدم لله أرضاً لتكون مسجداً، وهو حينما قدم هذه الأرض, ما خطر في باله لحظة, أن يتقرب فيها إلى الله، لكن الذي خطر في باله: أن ترتفع أسعار الأراضي التي يملكها في هذا المكان، هل تريد من الله أن يعطيه مكانًا في الجنة, لأنه أراد أن يعطيه هذه الأرض؟ عمله قيمته هذه النية، النية المادية.
لو قد مت لإنسان شرابًا سائغاً، وتعلم أن له قرحة في المعدة، وأن هذا الشراب الحامض, ربما يؤذي معدته فيتفاقم مرضه، فلما قدمت له هذا الكأس، ورحبت به، وأردت أن تكرمه في الظاهر، واشرب فهو شراب طيب، تحاسب على أنك مسيء، ولو أنك قدمت لإنسان شيئًا فأودى بحياته، وفي نيتك أن تتقرب إلى الله بخدمته، لكن أجله قد انتهى, قد ترقى عند الله بعمل لم يكن كما تتمنى، أليس كذلك؟.
خاتمة القول :
((إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ, وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى))
فعلينا أن نحرر نوايانا، وأن ندقق فيما نفعل، لأن الله سبحانه وتعالى لا تخفى عليه خافية: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾
[سورة الفجر الآية: 14]
﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾
[سورة غافر الآية: 19]
والله يعلم ما تعلن وما تخفي، ويعلم سرك وما خفي عنك، فقد تخفي وقد يخفى عنك أشياء كثيرة، هو الذي يعلمها، أنت مكشوف أمام الله عز وجل، تكلم ما شئت، لكن الله سيحاسبك على نواياك.
لا بد من تحليل النية، ولابد من مراقبة الله عز وجل، وأن يكون العمل إن شاء الله خالصاً لوجه الله، والحمد لله رب العالمين.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-02-2018, 06:17 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية من مفهوم القران والسنة

الدرس : ( الثانى و العشرون )

الموضوع : مستلزمات التوحيد ( 2 ) تعظيم حرمات الله وتعظيم شعائره





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين . متى يستقيم العبد على أمر ربه؟ :
أيها الأخوة, مع الدرس الثاني والعشرين من دروس العقيدة، وقد بدأنا في الدرس الماضي بموضوع لوازم العبودية لله عز وجل، وتحدثنا عن أبرز هذه اللوازم، ألا وهي الإخلاص لله عز وجل، وسلامة الطوية، واليوم ننتقل إلى تعظيم حرمات الله عز وجل, وتعظيم شعائره، فيه آية تعد أصلاً في هذا الباب، ألا وهي قوله تعالى:
﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً﴾
[سورة نوح الآية: 13-14]
شدة القرب حجاب :
فالإيمان بالله شيء، وتوقيره شيء آخر، حينما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّهُ كَانَ لاَ يُؤْمِنُ بِاللهِ الْعَظِيمِ﴾
فالتركيز والإضاءة والخط تحت كلمة عظيم، لأن معظم الكائنات من دون استثناء يؤمنون بالله، حتى إن إبليس قال: ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾
[سورة ص الآية: 76]
﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾
[سورة ص الآية: 78-79]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3356/01.jpg
فالإيمان بوجود الله قاسم مشترك بين معظم الخلق، ولا يعد هذا الإيمان إيمان منجياً، لكن الإيمان بالله العظيم حينما تعظمه، وتوقره، وتراه عظيماً، عندئذ تستقيم على أمره، ويبدو أن الطاعة مرتبطة بالتعظيم : ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً﴾
[سورة نوح الآية: 13-14]
الشيء مألوف جداً، وكما قالوا: شدة القرب حجاب، أما أن ترى ابنك بين يديك يضحك، ويلعب، ويتكلم، ويبكي، ويأكل، ويتنفس، ودماغه فيه مئة وأربعون مليار خلية استنادية، وأربع عشرة خلية قشرية، ورئتان، ومعدة، وأمعاء، وعينان، وأذنان، ولسان، ومريء، وتنفس، وإفراز، وكليتان، لا أعتقد أن في الكون أعقد من الإنسان، إنه تعقيد إعجاز، لا تعقيد عجز، وأنت تعلم علم اليقين: أن هذا الابن, كان خلية من أربعمئة مليون خلية, خرجت منك في اللقاء الزوجي، تشكل هذا الطفل الذي أمامك من حوين واحد, من أربعمئة مليون حوين، يفكر, ويسأل، ويعترض، ويناقش، ويفرح، ويحزن، ويرى، ويسمع، ويتكلم، وينطق ..... ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً﴾
[سورة نوح الآية: 13-14]
شاءت حكمة الله أن ترى خلقك من ابنك، تراه رأي العين، لكن كما قالوا: شدة القرب حجاب، هذا الكون من دون خرق لنواميسه، ومن دون تعطيل لأنظمته, هو معجزة، وأية معجزة .
من لوازم العبودية لله :
1-طاعته وتعظيمه كي تطيعه :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3356/02.jpg
قال الإمام مجاهد: ما لكم لا تبالون لله عظمة، وقال ابن عباس: ما لكم لا تعلمون لله عظمة، وفي رواية: ما لكم لا تعظمون الله حق تعظيم، وقال ابن زيــد: ما لكم لا ترجون لله وقاراً، الوقار هو الطاعة، ما لكم لا تخافون عظمة الله عز وجل .
أيها الأخوة, دائماً الطاعة مقترنة بالتعظيم، أنت في الخدمة الإلزامية، ويوجد رتب تبدأ من سبعة، هذه أقل رتبة، ويوجد سبعتان، وثمانية، وثمانيتان، يوجد ثمانية ونجمة، أو ثمانيتان ونجمتان، أو ثمانيتان وثلاث نجمات، بعد هذا نجمة على الكتف، ثم اثنتان، ثم ثلاث، ثم تاج، ثم تاج ونجمة، وتاج ونجمتان، وتاج وثلاث، ثم سيفان, إذا كنت في الخدمة الإلزامية، وقال لك عريف: ازحف, يمكن ألا تزحف، أما إذا كان اللواء موجودًا تصير على الأرض، لأنك تعرف ما معنى الاستعصاء؟ إنه السجن .
مثل بين أيديكم :
﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً﴾
[سورة نوح الآية: 13-14]
أنت تطيعه بقدر ما تعظمه، وتعصيه بقدر ما يقلّ تعظيمك له، فمن لوازم العبودية لله عز وجل: طاعته وتعظيمه كي تطيعه .
ما موقفك من النعمة التي أكرمك الله بها؟ :
يقول عليه الصلاة والسلام:
((إن لله تعالى أقواماً, يختصهم بالنعم لمنافع العباد، ويقرها فيهم ما بذلوها، فإذا منعوها نزعها منهم، فحولها إلى غيرهم))
الآن: هذه النعمة التي أكرمك الله بها, ينبغي أن تراها من فضل الله عليك، فإذا رأيتها هكذا بذلتها، وإن رأيتها بجهدك كما قالها قارون:
﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾
[سورة القصص الآية: 78]
بخلت بها .
قد يقول لك التاجر: خبرات متراكمة، سهر، عمل دؤوب، حتى حصلت هذه الثروة، يوجد أذكى منه بمئات المرات، ولا يملك درهماً واحداً، فعطاء الله لا علاقة له بذلك، بل الذكاء، ولكن له علاقة بالاستقامة : ولو كانت الأرزاق تجري مع الحجى هلكن إذاً من جـهلـهن البهائم
من لوازم تعظيم الله :
1-تعظيم نعمه :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3356/03.jpg
فيا أيها الأخوة, من لوازم تعظيم الله عز وجل: تعظيم نعمه، الزوجة نعمة، فمن كفر بها حرم منها، والزوج نعمة، فإذا كفرت الزوجة, حرمت هذه النعمة، وأن تكون معافى في جسمك هذه نعمة .
كان عليه الصلاة والسلام إذا استيقظ يقول:
((الحمد لله الذي عافاني في بدني))
أن تتمتع بسمعك، وبصرك، وحركتك، وذاكرتك، وقوتك، وتخدم نفسك بنفسك، هذه نعمة لا تعدلها نعمة .((إن لله تعالى أقواماً, يختصهم بالنعم لمنافع العباد، ويقرها فيهم ما بذلوها، فإذا منعوها نزعها منهم، فحولها إلى غيرهم))

2- تعظيم ما حباك الله به :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3356/04.jpg
من لوازم تعظيم الله عز وجل: تعظيم ما حباك الله به، ومن نتائج تعظيم ما حباك الله به: أن تبذله للناس، لا أن تستأثر به، وتنفرد به .
عَنْ عَمْرِو ابْنِ الْحَمِقِ الْخُزَاعِيِّ, أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:
((إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا اسْتَعْمَلَهُ, قِيلَ: وَمَا اسْتَعْمَلَهُ؟ قَالَ: يُفْتَحُ لَهُ عَمَلاً صَالِحاً بَيْنَ يَدَيْ مَوْتِهِ, حَتَّى يَرْضَى عَنْهُ مَنْ حَوْلَهُ))
[أخرجه الطبراني في المعجم الكبير, والطبراني في المعجم الأوسط, والبزار في مسنده, والإمام أحمد في مسنده]
إذا أردت أن تعرف مقامك فانظر فيما استعملك :
أقول: إذا أردت أن تعرف مقامك فانظر فيما استعملك، إذا أحب الله عبداً استعمله في خير، وجعل حوائج الناس إليه، وفتح على يديه باب الأعمال الصالحة، واستعمله، أي جعله أداة خير للناس، فكلما رأيت إنسانًا منّ الله عليه بعمل صالح، بدعوة، بتعليم، ببناء مستشفى، أو ميتم، أو مسجد، أو بإدارة دعوة ناجحة لله عز وجل .
أنا لا أجد كلمة أهنئه بها كهذه الكلمة : إذا أردت أن تعرف مقامك فانظر فيما استعملك . تطبيق عملي لهذا الحديث :
في حديث آخر من طريق آخر:
((إذا أراد الله بعبد خيراً استعمله، قيل: كيف يستعمله؟ قال: يوفقه لعمل صالح قبل الموت، ثم يقبضه عليه))
أخ من أخواننا, يقيم في بلدة في أمريكا، لما سافرت إليها من عدة سنوات, حضر الدروس، ثم اقتنى الأشرطة، يقول لأحد أصحابه: هذه الأشرطة مضمونها أن أعود لبلادي، وأن أخدم أمتي، نوّر الله قلبه، قال: هذا كلام دقيق، وعليه أدلة، أقسم لي صديقه, توفي رحمه الله، شاب في مقتبل العمر، أنه في أوج نجاحه, أنهى عمله، وباع أثاث البيت، واستقال من وظيفته، وتنفيذاً لوصية رسول الله حيث يقول: ((من أقام مع المشركين برئت منه ذمة الله))
عاد إلى الشام، وخلال أيام ثلاثة توفي بحادث، على أي نية مات؟ على أعلى نية، إذا أراد الله بعبد خيراً استعمله، هذا لمجرد أنه أراد أن يعود لبلد مسلم, حيث المشكلات لا تعد ولا تحصى، وأن يتبرأ من بلد آخر, ترتكب فيه المعاصي على عارضة الطريق، أراد أن يعود لبلد مسلم، وأن يكون جهده في خدمة المسلمين، ومات على هذه النية . هذا الصحابي يحبه الله :
سيدنا زيد الخيل, كان من أجمل العرب, فلما زار مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم, رآه النبي, قال له:
((من الرجل؟ قال: أنا زيد الخيل، قال: بل زيد الخير -لكرم النبي وأخلاقه العلية, دعاه إلى داره- قال له: يا زيد, ما وصف لي رجل فرأيته, إلا رأيته دون ما وصف, إلا أنت يا زيد، لله درك، أعطاه وسادة ليتكئ عليها، قال: يا رسول الله! لا أتكئ بحضرتك -ما هذا الأدب؟!- قال: يا رسول الله! أعطني ثلاثمئة فارس لأغزو بلدهم الروم - أعجب به النبي عليه الصلاة والسلام- قال: لله درك يا زيد، واستأذن النبي، وغادر إلى بلده, وفي الطريق توفاه الله))
وهو من كبار الصحابة، وبين إسلامه وموته ثلاثة أيام فقط .
إذا أحب الله عبداً استعمله، قيل: كيف يستعمله؟ قال: يوفقه لعمل صالح قبل الموت، ثم يقبضه عليه . كيف يكون طهور العبد قبل موته؟ :
وفي حديث آخر:
((إذا أراد الله لعبد خيراً, طهره قبل موته، قالوا: وما طهور العبد؟ قال: عمل صالح يلهمه إياه حتى يقبضه عليه))
أناس صالحون كثر يموتون، وهم يصلون، يموت في ليلة القدر، وهو يقرأ القرآن، يموت في المسجد، وإنسان آخر يموت وهو يعالج الصحن، لأن محطة إباحية لا تأتي عنده، فصعد فوق السطح, ليعدل اتجاه الصحن, لعله يراها واضحة, فمات، موت الإنسان يلخص حياته كلها، وإنسان ادعى النبوة في شرق آسيا، وادعى أنه نبي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجدوه ميتاً في بيت الخلاء، فيبدو أن طريقة موت الإنسان تترجم حياته في الدنيا .
لذلك ورد في بعض الأحاديث الشريفة: ((صنائع المعروف تقي مصارع السوء))
الغنى الحقيقي غنى العمل الصالح، وأن الفقر الحقيقي فقر العمل الصالح :
مفاد كلامي: أن المؤمن يعظم النعمة، لأنها من الله، يشكرها ويبذلها، المؤمن يعظم العمل الصالح، يقبل عليه, لأنه قربة إلى الله، يعظم الله، ويعظم نعمه وأوامره, ويعظم الأعمال التي تقرب منه، بعد أن سقى سيدنا موسى للفتاتين, قال:
﴿فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾
[سورة القصص الآية: 24]
لذلك العلماء استنتجوا: أن الغنى الحقيقي غنى العمل الصالح، وأن الفقر الحقيقي فقر العمل الصالح .
الله عز وجل هدى على يد إنسان مئات الأشخاص، هذا أكبر غني في الأرض، والذي يملك ألوف الملايين، ولم يقدم لله عملاً صالحاً واحداً, هذا أفقر خلق الله .
3-التفكر في خلق السموات والأرض :
فمن وسائل التعظيم كما يقول الله عز و جل:
﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾
[سورة سبأ الآية: 46]
التفكر في خلق السموات والأرض . 4-التفكر في آياته :
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾
[سورة آل عمران الآية: 190-191]
من باب تعظيم الله عز وجل وتوقيره: التفكر في آياته . ما وراء هذا البحث :
قرأت بحثاً عن النملة والنحلة والمجرات, شيء لا يصدق، خلق الله يملأ ساحة نفسي ، الإنسان الآخر يقول: هل رأيت سيارة ب إم؟ ماركات السيارات، والأجهزة، والشركات العملاقة، والعطور، والمصانع الكبيرة في العالم التي تقدم للجسد ما يحتاج، هذه تملأ ساحة نفسه، ما الذي تهتم له؟ يهمك صنع الله أم صنع البشر؟ لذلك الأنبياء والصديقون والعلماء الكبار, ملأت نفوسهم عظمة الله عز وجل، بينما الأشخاص التافهون تملأ نفوسهم مصانع, تقدم سلعًا, وخدمات, ومركبات، وما شابه ذلك .
تعليق :
لي تعليق: لو أنك ركبت طائرة عملاقة، وهي تقلّ أربعمائة راكب، وكل شيء ميسر لك في الجو، وتقطع المحيط الأطلسي، أو تطير ساعات طويلة بلا توقف، يمكن من تعظيم هذه الطائرة, أن تنتقل لتعظيم الله عز وجل، كيف؟ .
هذا الإنسان أعطاه الله عقلاً، لولا هذا العقل لما اخترع هذه الطائرة، هل رأيت في مجتمع القرود من يصنع طائرة؟ الحيوانات هيَ هي، أما الإنسان فصنع طائرات، ونقل صورة عبر المسافات الشاسعة، وصارت الاتصالات سريعة جداً، هذا كله بفضل الجهاز الذي كرم الله به الإنسان .
قال تعالى:
﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾
[سورة الحج الآية: 32]






والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-02-2018, 06:20 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية من مفهوم القران والسنة

الدرس : ( الثالث و العشرون )

الموضوع : مستلزمات التوحيد ( 3 ) الخوف والخشية والخشوع لله تعالى







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. من لوازم الإيمان :
أيها الأخوة المؤمنون, نحن في دروس العقيدة، ومع الدرس الثالث والعشرين من دروس العقيدة.
أيها الأخوة, النبي عليه الصلاة والسلام حينما يصف المؤمن هذا الوصف, له هدف مزدوج، هو الهدف، وهو المقياس، فهو مقياس لك تقيس به إيمانك، وهدف ينبغي أن تسعى إليه، فمن لوازم الإيمان الشعورية، هناك لوازم سلوكية أن تكون مستقيماً، ملتزماً عند الأمر وعند النهي، أن يراك حيث أمرك، ويفتقدك حيث نهاك، لكن من اللوازم الشعورية أن تشعر بالخوف من الله، وأن تشعر بالحب له، وأن تشعر بالتعظيم.
ما المراد من هذا الحديث؟ :
ورد في بعض الآثار القدسية:
((أن يا رب, أي عبادك أحب إليك حتى أحبه بحبك؟ قال: أحب عبادي إلي؛ تقي القلب, نقي اليدين, لا يأتي إلى أحد بسوء، أحبني وأحب من أحبني, وحببني إلى خلقي، قال: يا رب, إنك تعلم أني أحبك, وأحب من يحبك, فكيف أحببك إلى خلقك؟ قال: ذكرهم بآلائي ونعمائي وبلائي))
كأن شرح الحديث: ذكرهم بآلائي كي يعظموني، وذكرهم بنعمائي كي يحبوني، وذكرهم ببلائي كي يخافوني، فمن علامة الإيمان: أن تشعر بالخوف من الله، لأن الله عز وجل يقول: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾
[سورة البروج الآية: 12]
إذا أخذ أدهش!: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾
[سورة البقرة الآية: 40]
وحينما يتقدم المفعول على الفعل فهو صيغة قصر، أي ارهبوني وحدي، وإياي فارهبون، وفي آية ثالثة:
﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ﴾
[سورة آل عمران الآية: 175]
علامة الغافل: أنه يخاف مما سوى الله، وعلامة اليقظ المؤمن: أنه لا يخشى إلا الله.
بماذا وصف الله المؤمنين من خلال هذه الآيات؟ :
وحينما يصف الله المؤمنين فيقول:
﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾
[سورة المؤمنون الآية: 57]
وفي آية أخرى: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾
[سورة الصافات الآية: 27]
﴿قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾
[سورة الطور الآية: 26]
علامة المؤمن الذي يستحق الجنة: أنه خائف في الدنيا: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ * إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾
[سورة الطور الآية: 27-28]
رأس الحكمة مخافة الله :
وفي آية أخيرة:
﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾
[سورة البقرة الآية: 150]
ينبغي أن تشعر إذا كنت مؤمناً حقاً: أن تخاف من الله، بل إن رأس الحكمة مخافة الله.
انظر إلى هذا القول للحسن البصري :
والإمام الحسن البصري يقول: إن المؤمن جمع إحساناً وشفقة، وإن المنافق جمع إساءة وأمناً، المستقيم المحسن خائف، والمسيء المتفلت مطمئن، لكنها طمأنينة الجهل والغباء والسذاجة، حينما وصف الله عباده المؤمنين:
﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾
[سورة المؤمنون الآية: 60]
آتوا أي أعطوا، أتوا بمعصية أو بذنب: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾
[سورة المؤمنون الآية: 60]
من علامة المؤمن :
أخرج الإمام أحمد في المسند, عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ:
((يَا رَسُولَ اللَّهِ! فِي هَذِهِ الْآيَةِ
﴿ الَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾
يَا رَسُولَ اللَّهِ! هُوَ الَّذِي يَسْرِقُ, وَيَزْنِي, وَيَشْرَبُ الْخَمْرَ, وَهُوَ يَخَافُ اللَّهَ؟ قَالَ: لَا يَا بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ, يَا بِنْتَ الصِّدِّيقِ, وَلَكِنَّهُ الَّذِي يُصَلِّي, وَيَصُومُ, وَيَتَصَدَّقُ, وَهُوَ يُخَافُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ)) علامة المؤمن، وأنت في طاعتك، وفي استقامتك، وأنت تعطي، وتضحي، وتلتزم, وتنفق، أنت خائف لعلو مقام الألوهية عندك، خائف ألا يقبل منك ذلك، هذا المعنى قاله النبي عليه الصلاة والسلام، والوجل والخوف والخشية والرهبة ألفاظاً منتقاة، وليس مترادفة، ونحن في صدد بيان الفروق الدقيقة بين هذه الألفاظ. هذا ما قاله العلماء حول موضوع الخوف من الله :
قال بعض العلماء: الخوف اضطراب القلب، وحركته من تذكر المخوف الذي تخاف منه.
كيف سيدنا عمر, حينما كان في المدينة يتفقد أحوال رعيته, رأى قافلة في ظاهر المدينة، ومعه عبد الرحمن بن عوف، قال: تعال يا عبد الرحمن نحرس هذه القافلة، سمع سيدنا عمر بكاء طفل، وقال لأمه: أرضعيه, أرضعته، ثم بكى، قال: أرضعيه، أرضعته، ثم بكى، فغضب، قال: أرضعيه، لعله قالها بقسوة، عندئذ غضبت الأم، وقالت له: وما شأنك بنا إنني أفطمه؟ فقال عمر: ولم؟ قالت له: لأن عمر - ولا تعلم أنه عمر- لا يعطينا العطاء إلا بعد الفطام، فيقال: إنه ضرب جبهته، وقال: ويلك يا بن الخطاب, كم قتلت من أطفال المؤمنين؟ وقيل: إنه ذهب إلى صلاة الفجر من شدة بكائه وخوفه من الله عز وجل, لم يفهم الصحابة وقد صلوا وراءه صوته، وكان يقول: يا رب هل قبلت توبتي فأهنئها, أم رددتها فأعزيها؟ لأنه اجتهد أن التعويض يعطى للمولود بعد الفطام، ثم أمر أن كل مولود يستحق عطاءه عند الولادة، إذا لم يكن في بالقلب خوف إطلاقاً, واللهِ هناك خلل كبير في الإيمان، وهناك مشكلة.
متى يفسد قلب المؤمن؟ :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3357/01.jpg
أيها الأخوة, يقول بعض العلماء: الناس على الطريق ما لم يزل عنهم الخوف، ما دمت خائفًا فأنت على طريق الله, على صراط مستقيم، كأن الخوف يحميك من أن تزل قدمك عن الطريق المستقيم، وقال بعض العلماء: ما فارق الخوف قلوبنا إلا كربت قلوبنا، وينبغي للقلب أن يغلب عليه الخوف، فإن غلب عليه الرجاء فسد.
شخص يغلب عليه الرجاء، لا تدقق، الله غفور رحيم، الله لن يحاسبنا، هو علي قدير، نحن ضعفاء، هذا يغلب عليه الرجاء، لكن رجاء السذاجة، والغباء، والتقصير، لكن بعض العلماء يقول: إن المؤمن يغلب عليه الخوف.

ما وظيفة الخوف من الله؟ :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3357/02.jpg
بالمناسبة: لا يمكن أن يكون الخوف مقصوداً لذاته، الخوف وسيلة للبعد عن الحرام، ليس العبرة أن تخاف, بل أن يحملك على طاعة الله فقط، أن يحجزك خوفك عن أن تعصي الله، هذا الخوف المحمود، ليس الخوف هدفاً بذاته، بل هو وسيلة لذلك، فما دام ليس هدفاً بذاته, بالجنة, فلا يوجد خوف:
﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾
[سورة فصلت الآية: 30]
فالخوف في الدنيا وسيلة وليس هدفاً، وظيفة الخوف أن يحجزك عن محارم الله فقط.
اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، اللهم اجعلنا نخشاك حتى كأن نراك وأسعدنا بلقياك، اللهم بارك لنا في قضائك وفي قدرك، حتى لا نحب تعجيل ما أخرت وتأخير ما عجلت.
دعاء في أعلى درجة من الدقة, إذا آمنت بالقدر خيره وشره من الله تعالى، وأن كل شيء وقع أراده الله، وأن كل شيء أراده الله وقع، وأن إرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، وأن حكمته المطلقة متعلقة بالخير المطلق، لا تستعجل شيئاً أخره الله, ولا تستبطئ شيئاً يعجل الله به. قد يقول قائل: لمَ سمح الله لهؤلاء أن يفعلوا ما فعلوا في الحادي عشر من أيلول؟ كنا في خير, الآن يوجد ضغط لا يعلمه إلا الله، لكل شيء حقيقة، وما بلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، أنت حينما تؤمن بعلم الله المطلق، وبحكمته المطلقة، وبرحمته المطلقة, لا تتمنى تأخير ما عجل، ولا تعجيل ما أخر، هذا هو الإيمان الصحيح.
ما الفرق بين العابد وبين العالم؟ :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3357/03.jpg
أخواننا الكرام, الخوف للمؤمنين، والخشية للعلماء، وأي واحد عرف الله على علم بالله ، أنا لا أقصد العلماء الذين يعملون في الدعوة، لكن يوجد عابد، ويوجد عالم، العابد يخاف الله ، لكن العالم الذي بنى إيمانه على بحث، ودرس، وتدقيق، وتمحيص، ودقة، وأدلة، فهذا الذي انتقل من العبادة إلى العلم, هذا مرتبته أعلى من مرتبة الخوف، هذا في خشية الله، العابد يخاف الله, لكن العالم الذي طلب العلم الشرعي، ومعه الأدلة القوية، ومعه علم بالله, هو يخشاه ، الدليل:
﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾
[سورة فاطر الآية: 28]
دليل آخر: عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ, أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
((أَيُقَبِّلُ الصَّائِمُ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: سَلْ هَذِهِ لِأُمِّ سَلَمَةَ, فَأَخْبَرَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يفعل ذَلِكَ, فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَتْقَاكُمْ لِلَّهِ وَأَخْشَاكُمْ لَهُ))
[أخرجه مسلم في الصحيح, ومالك في الموطأ]
هناك حديث يقسم الظهر: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ, لَا يَتَعَلَّمُهُ إِلَّا لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيَا, لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَعْنِي رِيحَهَا))
تعلم علم الفيزياء هذا نوع من الحرف، فيزياء، كيمياء، رياضيات، فلك، طب، هندسة، علم نفس، أو اجتماع، هذه حرف، لكن تعلم العلم بالله طلب العلم الشرعي، تعلم علماً في الأصل يبتغى وجه الله، اختار علماً في الأصل يختاره الطالب لوجه الله، لكنه بعد أن اختار هذا العلم فيما يبدو لوجه الله استخدمه للدنيا.
يقول الإمام الشافعي: لأن أرتزق بالرقص, أفضل من أن أرتزق بالدين. وفي توجيه نبوي كريم: عَنْ جَابِرِ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ, أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((لَا تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ لِتُبَاهُوا بِهِ الْعُلَمَاءَ, وَلَا ِتُمَارُوا بِهِ السُّفَهَاءَ, وَلَا تَجيزوا بِهِ الْمَجَالِسَ, فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَالنَّارُ النَّارُ))
[أخرجه ابن ماجه في سننه, وابن حبان في صحيحه, والحاكم في مستدركه]
احذروا النار النار .
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: ((كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا لَبِسَتْكُمْ فِتْنَةٌ, يَهْرَمُ فِيهَا الْكَبِيرُ, وَيَرْبُو فِيهَا الصَّغِيرُ, إِذَا تُرِكَ مِنْهَا شَيْءٌ, قِيلَ: تُرِكَتِ السُّنَّةُ, قَالُوا: وَمَتَى ذَاكَ؟ قَالَ: إِذَا ذَهَبَتْ عُلَمَاؤُكُمْ, وَكَثُرَتْ جُهَلَاؤُكُمْ, وَكَثُرَتْ قُرَّاؤُكُمْ, وَقَلَّتْ فُقَهَاؤُكُمْ, وَكَثُرَتْ أُمَرَاؤُكُمْ, وَقَلَّتْ أُمَنَاؤُكُمْ, وَالْتُمِسَتِ الدُّنْيَا بِعَمَلِ الْآخِرَةِ, وَتُفُقِّهَ لِغَيْرِ الدِّينِ))
[أخرجه الدارمي في سننه]

هذه حالة صعبة جداً: أن تلتمس الدنيا بعمل الآخرة.
وفي حديث آخر: عَنْ شَقِيقٍ, قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: ((كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا لَبِسَتْكُمْ فِتْنَةٌ, يَهْرَمُ فِيهَا الْكَبِيرُ, وَيَرْبُو فِيهَا الصَّغِيرُ, وَيَتَّخِذُهَا النَّاسُ سُنَّةً, فَإِذَا غُيِّرَتْ قَالُوا: غُيِّرَتِ السُّنَّةُ, قَالُوا: وَمَتَى ذَلِكَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ قَالَ: إِذَا كَثُرَتْ قُرَّاؤُكُمْ, وَقَلَّتْ فُقَهَاؤُكُمْ, وَكَثُرَتْ أُمَرَاؤُكُمْ, وَقَلَّتْ أُمَنَاؤُكُمْ, وَالْتُمِسَتِ الدُّنْيَا بِعَمَلِ الْآخِرَةِ))
[أخرجه الدارمي في سننه]
من علامات آخر الزمان :
الآن المؤمنون في خوف مستمر من الله العظيم, أن تزل أقدامهم في هذه الدنيا، من وقوع في معصية، أو اجتراح إثم، أو فاحشة، أو كسب حرام, لكن في آخر الزمان:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ, مَا يُبَالِي الرَّجُلُ مِنْ أَيْنَ أَصَابَ الْمَالَ: مِنْ حَلَالٍ أَوْ حَرَامٍ؟))
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ, عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ, وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا, فناظر كَيْفَ تَعْمَلُونَ, فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ))
زاد في رواية: ((فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِي النِّسَاءِ))
[أخرجه مسلم في الصحيح, والنسائي في سننه]
وصفة نبوية :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3357/04.jpg
الإنسان أحياناً حينما تصعب عليه قيادة نفسه وتغلبه نفسه, هناك وصفة نبوية:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ الْمَوْتَ))
[أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه في سننهم, والإمام أحمد في مسنده]
بالموت فإنه لم يذكره أحد في ضيق من العيش إلا وسعه الله عليه، ولا ذكره أحد في سعة إلا ضيقها عليه.
الحقيقة مفارقة رائعة: المحروم إذا تذكر الموت تذكر الجنة، والغني المنحرف إذا تذكر الموت تذكر الفقر، لأن العملة المتداولة يوم القيامة هي العمل الصالح، فالفقر يوم القيامة فقر العمل الصالح، والغنى غنى العمل الصالح.
انظر إلى هذا الخوف عند عمر :
مما يدل على أن الصحابة الكرام كانوا في أعلى درجات الخوف: سيدنا عمر حينما قرأ قوله تعالى: إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ, بكى، واشتد بكاؤه, حتى مرض، وعاده أصحابه، وقال لابنه: ويحك يا بني، ضع خدي على الأرض, عسى الله أن يرحمني، ثم قال: ويل أمي إن لم يغفر الله لي، ثلاثاً، ثم قضى، ثم أسلم روحه لله عز وجل، قال له ابن عباس وهو في هذه الحالة: يا أمير المؤمنين، لقد نصّر الله بك الأنصار، فتحت البلاد، وفتح بك الفتوح، وفعل، وفعل معك، فقال: وددت أني أنجو لا أجر ولا وزر.
هل هذا الخوف مصطنع للاستهلاك أم هو خوف حقيقي؟ نحن هل نخاف هذا الخوف؟ ما لنا عمل، ولا واحد بالمليار من أعمال عمر، ولا نخاف هذا الخوف، العلة فينا أم فيه؟ العلة فينا، عندنا خلل، علامة صحة إيمانك خوفك من الله عز وجل.
ما محور هذا الحديث؟ :
عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ, وَأَسْمَعُ مَا لَا تَسْمَعُونَ, أَطَّتِ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ, مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ, إِلَّا وَمَلَكٌ وَاضِعٌ جَبْهَتَهُ سَاجِدًا لِلَّهِ, وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ, لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا, وَمَا تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّسَاءِ عَلَى الْفُرُشِ, وَلَخَرَجْتُمْ إِلَى الصُّعُدَاتِ تَجْأَرُونَ إِلَى اللَّهِ, لَوَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ شَجَرَةً تُعْضَدُُ))
[أخرجه الترمذي في سننه]
وفي رواية: لو تعلمون ما أنتم عليه بعد الموت, ما أكلتم طعاماً عن لذة.
رسالة اطمئنان :
قال بعض العلماء: صاحب الخوف يهرب إلى الإمساك والزهد، وصاحب الخشية يلتجئ إلى الله بالاعتصام بالعلم.
أيها الأخوة, لكنني أطمئنكم: أن الله أجل وأعظم وأكرم من أن يجمع على عبد خوفين أو أمنين، إن خاف الله في الدنيا أمنه يوم القيامة، وإن أمنه في الدنيا أخافه يوم القيامة، فاختر أيهما تريد؟ الهيبة خوف مع التعظيم.
قاعدة :
ورد أنه: ما من أحد رأى النبي إلا هابه -خوف مع التعظيم- ولا عامله إلا أحبه. الإجلال خوف وتعظيم وحب.
قاعدة: إنك قد تحب ولا تعظم، أو تعظم ولا تحب، قد تحب إنساناً بسيطاً ساذجاً، لكنه قد أحسن إليك، وقد تبغض إنساناً عظيماً قوياً، لكنه قد أساء إليك، فقد تعظم ولا تحب، وقد تحب ولا تعظم، لكن الله تحبه وتعظمه، وهذا معنى:
﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾
[سورة الرحمن الآية: 78]
بقدر ما تحبه, بقدر ما تعظمه. ما الصفات التي يجب أن يتحلى بها صاحب الدعوة إلى الله؟ :
نحن في هذا العصر يوجد مفارقة، قد تعامل مؤمنًا معلوماته بسيطة جداً وساذجًا، لكنه طيب، لا يغش، سليم الصدر، تحبه، لكن ليس في نظرك كبيرًا، وقد تعامل إنسانًا ذكيًا جداً، لكنك لا تحبه، أما الشخص الآن الذي يمكن أن يكون سببًا في هداية الخلق, يجب أن يكون على أعلى درجة من العلم والفهم، وعلى أعلى درجة من الورع والتقى، أن يحبك الناس كما يحترموك، أو أن يحترموك كما يحبونك، هذا من فضل الله عليك، ولا يستطيع إنسان الآن أن يؤثر بالآخرين إلا بهاتين الصفتين مجتمعتين، على علم وعلى خلق، خلق بلا علم لا يكفي، وعلم بلا خلق لا يكفي، الإشفاق خوف معه رقة وحرص.
ما تعريف الخشوع؟ :
أيها الأخوة, يقول بعض العلماء: الخشوع قيام القلب بين يدي الرب بالخضوع والذل والاجتماع عليه، وفي معنى آخر: الخشوع هو الانقياد.
نحن قبل قليل قلنا: الخوف للمؤمنين والخشوع لطلاب العلم، أنت على علم بالله، معك أدلة، تعرف طرفاً من كماله ومنهجه، ينبغي أن تخشاه، والخشية فوق الخوف.
الجنيد يقول: الخشوع: تذلل القلوب لعلام الغيوب.
الحديث عن الأدب :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3357/05.jpg
بعضهم يقول: حسن أدب الظاهر عنوان أدب الباطن، بالظاهر يوجد أدب, معنى بالداخل يوجد أدب، إذا بالظاهر لا يوجد أدب، بالداخل لا يوجد أدب.
دخل على عالم جليل شاب متحزلق يتباهى, قال له: يا بني, نحن على أدبك أحوج منا إلى علمك.
والنبي عليه الصلاة والسالم حينما أثنى الله عليه أثنى على خلقه، لذلك حينما كان الصحابة يعجبون من خلقه يقول: أدبني ربي فأحسن تأديبي، وما من موقف يملأ الناس سعادة كأن تكون أخلاقياً.

ما هو خشوع النفاق؟ :
سيدنا حذيفة يقول: إياكم وخشوع النفاق, فقيل له: وما خشوع النفاق؟ قال: أن ترى الجسد خاشعاً، والقلب ليس بخاشع.
دخل أحدهم للمسجد, وهو يزمع الذهاب للحج, واحد معه مبلغ من الليرات الذهبية، يريد أن يضعها في أمانة إنسان مؤمن يخاف الله، فدخل للمسجد, وتفحص المصلين, أعجبه شاب في صلاته خشوع، لما انتهى قال له: والله أنا أعجبتني صلاتك، ومعي مبلغ من المال أحب أن يبقى عندك أمانة, ريثما أعود من الحج، قال: أنا أيضاً صائم سيدي، قال: والله صيامك ما أعجبني.
فخشوع النفاق هدفه أن ينصب، يتمثل بالخشوع، إياكم وخشوع النفاق، فقيل له: وما خشوع النفاق؟ قال: أن ترى الجسد خاشعاً، والقلب ليس بخاشع.
أول ما تفقدون من دينكم: الخشوع في الصلاة -أول بدعة ابتدعها المسلمون بعد وفاة رسول الله الشبع, نخل الدقيق, أول شيء فقدوه الخشوع في الصلاة- وآخر شيء تفقدونه الصلاة, -لا يصلي إلا بالمناسبات، أول ما تفقدون من دينكم الخشوع في الصلاة، وآخر شيء تفقدونه الصلاة-, ورب مصلٍّ لا خير فيه، ويوشك أن تدخل مسجد الجماعة, فلا ترى فيهم خاشعاً.
حدثني أخ: أن إمامًا صلى خمس ركعات، وخلفه عشرون رجلاً، ولم ينتبه واحد أنه في خامس ركعة، الكل غارق في مشاكله.
قيل لأحدهم: صليت المغرب ركعتين, قال: لا، ثلاثًا، لأن أول ركعة حللت مشكلة أول صندوق، الركعة الثانية الصندوق الثاني، الثالثة الصندوق الثالث، ثلاث ركعات، متأكد.
لما قال الله عز وجل:
﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾
[سورة الحديد الآية: 16]
عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ, عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, عَنْ أَبِيهِ, أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَالَ:
((مَا كَانَ بَيْنَ إِسْلَامِنَا وَبَيْنَ أَنْ عَاتَبَنَا اللَّهُ تعالى بقوله: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾إِلَّا أَرْبَعُ سِنِينَ))
[أخرجه مسلم في الصحيح]
نحن مضى على هذه البعثة ألف وأربعمئة عام وزيادة . ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾
[سورة الحديد الآية: 16]
ينبغي أن تعبد الله رغبة ورهبة، وأن ترجوه وتخافه :
ويقول ابن عباس: إن الله استبطأ قلوب المؤمنين, فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن، وقال الحسن: إن الله استبطأهم وهم أحب خلقه إليه.
يقول القرطبي: روي أن المزاح والضحك كثر في أصحاب النبي لما ترفهوا في المدينة.
أحياناً الشدة تخلق بطولات, الحزن خلاق، أيام الرخاء والأمن والسلم، تجد هناك ميلا للضحك، الأمور تؤخذ على وجه آخر، فالعبرة أن ترجو الله، وتخافه في وقت واحد، الرجاء المستمر خلل بالإيمان، والخوف المستمر خلل بالإيمان، ينبغي أن تعبده رغبة ورهبة، وأن ترجوه وتخافه.
بعضهم يقول كلامًا رائعًا: العارف بالله لا يرى له على أحد حقاً، ولا يشهد له على غيره فضلاً، لذلك لا يعاتب، ولا يضارب، ولا يطالب.
تجد شخصًا إذا أكرم شخصًا, لي فضل عليك، لحم أكتافك من خيري، هذا من بُعده عن الله عز وجل, يرى له على الناس فضلاً.
لا حظ ما أدق هذا الكلام: الإنسان إذا عرف الله, لا يرى له على أحد حقاً، إذا مكنني الله عز وجل وأكرمت من حولي بفضل الله عز وجل، الله مكنني، وسمح لي، وليس لي فضل على أحد، فكلما تبرأت من حولك وقوتك, كنت أقرب إلى الله، كلما اعتددت بما عندك وبعملك ، وشهدت بعمل لك, كان هذا نوعاً من الشرك الخفي.
هذا الافتقار إلى الله :
بعضهم يقول: مالي شيء، ولا مني شيء، ولا في شيء، وهذا الافتقار إلى الله، وهذا الحال سماه بعض علماء القلوب: حال الفناء.
أنا لا أريد خشوعًا مفتعلاً، سيدنا عمر رأى رجلاً يطأطئ رقبته في الصلاة، تجد شخصًا ينحني انحناء زائدًا، ويغمض عينه، ويعصر جبينه، ويشد على يده, هذا خشوع ظاهر.
سيدنا عمر رأى شخصًا عليه خشوع كهذا الخشوع، فقال له: يا صاحب الرقبة ارفع رقبتك, ليس الخشوع في الرقاب، ولكن الخشوع في القلوب.
هذا ما ترويه لنا السيدة عائشة عن عمر :
السيدة عائشة رضي الله عنها قالت مرة: رحم الله عمر, ما رأيت أكثر خشوعاً منه، قالت: كان عمر إذا قال أسمع، وإذا أطعم أشبع، وإذا سار أسرع، وإذا ضرب أوجع، وكان أخشع الناس في الصلاة.
مؤمن خنوع، ضعيف، متواكل، لا دخل لنا، كله شغل سيدك، قاعد في البيت، هذا النموذج السلبي، تحرك، خطط، اسع، حسن وضعك.
وكان سيدنا عمر يكره في الرجل, أن يري من نفسه الخشوع, أكثر مما في قلبه، أحياناً الإنسان يعمل مظاهر أكبر مما في قلبه.
يا بن آدم, لا تدري أي النعمتين عليك أفضل؛ نعمته فيما أعطاك، أو نعمته فيما زوى عنك.
قصة :
أعرف أخًا, اختار اختصاصًا في الطب نادرًا جداً في بلاد بعيدة، وهذا الاختصاص ولا أبالغ يدر عليه دخلاً, يكاد يكون فلكيًا، العملية بعشرة آلاف دولار، عنده في اليوم خمس عمليات، اختصاص نادر جداً، عنده دخل فلكي، وبيت، وحياة مرفهة لدرجة غير معقولة، فجأة خثرة بالدماغ فقد حركته، يقول لي هذا الرجل، أخ كريم، وصديق حميم: أخذ للمستشفى، وقد فقد حركته، والنطق، وعرف أن مصيره هذا الكرسي المتحرك، جلس في المستشفى، ونظر للنافذة، رأى من خلالها القمر فناجى الله عز وجل، يقول هذا الرجل: والله ناجيت الله بكل قطرة في دمي، وبكل خلية في جسمي، ملخص المناجاة أنه قال: يا رب, إن كان هذا مصيري, فأرجوك أن تأخذني إليك، وإن أردت أن تبقي لي بقية في الحياة, أرجوك أن تشفيني، والقصة غريبة جداً, مضت ساعة، واستعاد نشاطه، لم يصدق من حوله, أحد أقرب الناس إليه قال له: لا يوجد شيء، لكنه قال: يا رب أعاهدك على أن أقدم كل شيء في سبيلك، وقف في طريق الدنيا، واتجه نحو الآخرة.
ادرس، تعلم، استمع لأشرطة، وزع، هناك الآن داعية في أمريكا داعية كبير يقول: هذا المريض سبب اتجاهه مئة وثمانين درجة نحو الحق. http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3357/06.jpg

﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
[سورة البقرة الآية: 216]
كملاحظة عابرة: تدخل إلى مسجد, تجد فيه خمسة آلاف، عشرة آلاف، اعلم علم اليقين: التسعة آلاف من عشرة آلاف, عادوا إلى الله على أثر معالجة حكيمة، لولا معالجات الله لنا:
﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾
[سورة السجدة الآية: 21]
لولا معالجات الله الحكيم لعباده المؤمنين, لكانوا شردوا عن الله شرود البعير، فلذلك الله عز وجل رب العالمين.
هذه مهمة المصائب :
ذكرت في خطبة يوم الجمعة: أن هذه المركبة لم صنعت؟ علتها أن تمشي, أليس كذلك؟ هذه الطائرة التي بدوّار المطار هذه واقفة، وليست طائرة، لأنها لا تطير، شكلها طائرة ، داخلها مطعم، السيارة علة صنعها من أجل أن تسير، لكن فيها مكبح، ما حقيقة المكبح؟ وجوده متناقض مع علة صنعها، المكبح يوقفها، وهو ضروري جداً لسلامتها، ولأداء مهمتها، فكما أن الإنسان مخلوق للسعادة، لكن المصائب أحياناً من أجل سعادته.
لذلك علماء العقيدة يرفضون أن يقول الإنسان: الله ضار، هو ضار, والضار من أسماء الله الحسنى، لكن يرفضون أن تقول: الله ضار، الله ضار نافع، مانع معطي، مذل معز، خافض رافع، قابض باسط، يضر لينفع، ويخفض ليرفع، ويذل ليعز، ويقبض ليبسط.
من خطب النبي عليه الصلاة والسلام :
ومن أبلغ خطب للنبي عليه الصلاة والسلام:
((الدنيا دار التواء لا دار استواء، ومنزل ترح لا منزل فرح، فمن عرفها لم يفرح لرخاء، ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى، وجعل الآخرة دار عقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سبباً، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضاً، فيأخذ ليعطي ويبتلي ليجزي))








والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-02-2018, 06:22 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية من مفهوم القران والسنة

الدرس : ( الرابع و العشرون )

الموضوع : مستلزمات التوحيد ( 4 ) الرجاء و الدعاء





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين . مقدمة :
أيها الأخوة الكرام, مع الدرس الرابع والعشرين من دروس العقيدة، والموضوع اليوم من لوازم العقيدة؛ الرجاء, والدعاء, والاستعانة, والتوسل, والتوكل، وسوف نشرح بفضل الله عز وجل وتوفيقه بعض هذه الخصائص التي هي من لوازم الإيمان، ولا بد من مقدمة .
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3359/01.jpg
الحقيقة: أن علم العقيدة، وقد ذكرت قبل قليل, أننا في الدرس الرابع والعشرين من دروس العقيدة، الحقيقة: أن علم العقيدة لا يعني فقط أن تعرف ماذا ينبغي أن تعتقد؟ هذا شطر من علم العقيدة، العقيدة الكاملة أن تعرف ماذا ينبغي أن تعتقد، وماذا ينبغي أن يكون موقفك مما تعتقد؟ العقيدة الكاملة اعتقاد ووجهة إلى الله، اعتقاد وسلوك وموقف، فحينما نفهم أن العقيدة تعني أن تعتقد أنه لا إله إلا الله، ماذا كان موقفك من علم التوحيد؟ هل رجوت غير الله؟ هل استعنت بغير الله؟ هل توكلت على غير الله؟ هل عقدت الأمل على غير الله؟ هل خفت من غير الله؟ ما قيمة أن تعتقد أنه لا إله إلا الله, والتطبيقات العملية لهذا الاعتقاد لم تكن موجودة؟ فلذلك أن تعرف ماذا ينبغي أن تعتقد شطر العقيدة؟ .
العقيدة الكاملة أن تعرف ماذا ينبغي أن تعتقد، وأن تعرف أيضاً ماذا ينبغي أن تقف مما تعتقد؟ .
هذه العقيدة الإبليسية :
أوضح مثل: أنه إذا اعتقد أن هذا المرض الجلدي لا يشفى إلا بالتعرض لأشعة الشمس، فمهما حدثتنا عن أشعة الشمس, وعن فوائدها العظيمة في شفاء هذا المرض، ولم تتعرض أنت لأشعة الشمس، فإن هذه العقيدة لا قيمة لها إطلاقاً، ويمكن أن أسميها عقيدة إبليسية، آمن بالله رباً, وعزيزاً, وخالقاً, وآخر، ولكن عمله وسلوكه لا ينتمي إطلاقاً إلى هذه العقيدة .
لا يخافن العبد إلا ذنبه، ولا يرجون إلا ربه :
أيها الأخوة الكرام, نجتمع مع أناس كثيرين, تجده يعلق رجاءه على غير الله، إما على دولة كبرى، أو على جهة غنية, أو جهة قوية، ويرى أن في تدخلها الحل الناجح، وأن في عطائها الخلاص من الفقر، وأن في دعمها العز بعد الذل، هذا فاقد الإيمان كلياً, يجب أن تعقد الرجاء على الله عز وجل .
لا يخافن العبد إلا ذنبه، ولا يرجون إلا ربه .
ينبغي أن تخاف من شيء واحد هو ذنبك، وينبغي أن ترجو جهة واحدة هي ربك، لأن كل شيء بيد الله :﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾
[سورة الزمر الآية: 62]
وأن الأمر كله بيد الله : ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾
[سورة هود الآية: 123]
﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾
[سورة البروج الآية: 16]
فلا ينبغي أن تخاف من غيره .
ما معنى هذه الآية؟ :
أدق معنى ورد في هذه الآية الكريمة:
﴿وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ﴾
[سورة الأنعام الآية: 80]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3359/02.jpg
في قوى الآن بالأرض مخيفة؛ طواغيت، جبابرة، ظالمون، عتاة، يتمنون أن يبنوا أمجادهم على البشرية كلها، على الشعوب بأكملها، على حريتها، على ثقافتها وكرامتها، على فقرها، لكن الله عز وجل يقول:
﴿وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً﴾
[سورة الأنعام الآية: 80]
هؤلاء الطغاة الكبار أخافهم ولا أخافهم، أخافهم إذا سمح الله لهم أن يصلوا إليه، ولا أخافهم إذا لم يسمح الله لهم أن يصلوا إليه، بالضبط كمجموعة وحوش كاسرة, أزمتهم بجهة قوية حكيمة عادلة، علاقتي مع هذه الجهة وليس مع الوحوش، فإن أرخى زمامها وصلت إلي ، وإن أبعدها عني نجوت منها :
﴿فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
[سورة هود الآية: 55-56]
من لوازم معرفة الله عز وجل :
أيها الأخوة, المفهوم التقليدي لعلم العقيدة, أنه يجب أن تعتقد بكذا وكذا وكذا، وانتهى الأمر, لا, وأن يكون حالك كذا وكذا وكذا، لذلك: كان هذا الدرس من دروس العقيدة المتكاملة, من لوازم معرفة الله عز وجل؛ أن ترجوه، وألا ترجو أحداً سواه، أن تعلق عليه الآمال، أن يكون الله عز وجل محط الرحال عندك، أن ترجو ما عنده، أن ترجو الدار الآخرة، وكل ما قرب إليها من قول أو عمل .
أمر غير معقول :
آية دقيقة جداً, يقول الله عز وجل:
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً﴾
[سورة الإسراء الآية: 57]
هؤلاء المشركون الذين عبدوا أصناماً، وكانت هذه الأصنام رموزاً لأناس صالحين، هؤلاء الأناس الصالحون كانوا يرجون رحمة الله، ويخشون عذابه، أنتم لما تعبدون من دون الله, شيء غير معقول، هذا الذي تعبده من دون الله, يخشى رحمة الله وعذابه، ويبتغي إلى ربه الوسيلة، أية وسيلة أقرب يسلكها إليه، يرجو رحمته، ويخشى عذابه .
لو أردت أن أسقط معنى هذه الآية على واقع المسلمين: لو أن طالب علم بالتعريف الشرعي، أو مريداً بالتعريف القلبي, علق أمله على الشيخ، وظن أنه يرفعه أو يخفضه، يعطيه أو يمنعه، يقربه، ونسي الله عز وجل، والشيخ نفسه يفتقر إلى الله أشد الافتقار، ويرجو ما عند الله أشد مما ترجو أنت من الشيخ .
هذا التوحيد :
مرة دخل أحد كبار الأئمة, فرأى تلاميذه، وقد التفوا حوله، واجتمعوا عليه، ووقروه, وعظموه، فدعا هذا الدعاء فقال: يا رب لا تحجبني عنك بهم، ولا تحجبهم عنك بي، هذا التوحيد .
ماذا تفهم من هذا الموقف لأبي بكر؟ :
أنا أتصور -والله أعلم- أنه ما من رجلين على وجه الأرض, من آدم إلى يوم القيامة, أحبا بعضهما بعضاً, كسيدنا الصديق ورسول الله عليه الصلاة والسلام، أما حينما توفي النبي ماذا قال الصديق؟ قال: من كان يعبد محمداً -من دون أي لقب, من دون رسول الله, قل: من كان يعبد النبي محمداً، من كان يعبد الرسول محمداً، من كان يعبد هذا الرسول -من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت.
أنا أتصور أن قلبه كاد يتمزق من الأدب، ولكنه خشي على المسلمين أن يشركوا، خشي عليهم أن ينسوا ربهم، لذلك ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد .
احذر أن تزل قدمك إلى هذا المستوى :
هذا الذي تظنه يقدم لك شيئاً ثميناً, هو يرجو رحمة الله مثلك، ويخشى عذابه مثلك، فينبغي أن تتجه إلى الله، فيمكن أن أقول: ضمن هؤلاء الصالحين، وصحبة الصالحين من وسائل الوصول إلى الله عز وجل، لا أن تعبدهم من دون الله؟ ألم يقل الله عز وجل:
﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾
[سورة التوبة الآية: 31]
هذا شيء واقع : ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾
[سورة التوبة الآية: 31]
والمسلمون أحياناً تزل أقدامهم فيصلوا إلى هذا المستوى .
المطلوب منك :
أيها الأخوة الكرام, يجب أن ترجو الله، وتعقد الأمل عليه، وتضع كل الثقة به، وألا تعلق أملاً على غيره، إذا كان الله معك فمن عليك، وإذا كان عليك فمن معك؟ أولئك الذين يدعون، أي أولئك الذين يدعون من دون الله، ويقدسونهم، ويعظمونهم، ويعبدونهم من دون الله, هؤلاء صالحون يبتغون إلى ربهم الوسيلة، وأقربهم إلى الله عز وجل, من جعل وسيلته طاعته لله عز وجل :
﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾
[سورة الإسراء الآية: 57]
ما هي مقامات الإيمان؟ :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3359/03.jpg
قال بعض العلماء: ابتغاء الوسيلة, طلب القرب منه بالعبودية والمحبة، ومقامات الإيمان الثلاثة: الحب والخوف والرجاء .
يا رب إنك تعلم أني أحبك، وأحب من يحبك، فكيف أحببك إلى خلقك؟ قال: ذكرهم بآلائي، ونعمائي، وبلائي، ذكرهم بنعمائي كي يحبوني، وببلائي كي يخافوني، وبآلائي كي يعظموني .
ينبغي أن يمتلئ قلبك محبة وخوفاً وتعظيماً لله عز وجل .
عَنْ جَابِرٍ قَالَ: ((سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ وَفَاتِهِ بِثَلَاثٍ يَقُولُ: لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ بِاللَّهِ الظَّنَّ))
وفي الحديث القدسي: ((أنا عند حسن ظن عبدي بي, فليظن بي ما يشاء))
حديث :
أيها الأخوة, عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّهُ قَالَ:
((دَخَلْتُ عَلَيْهِ, وَهُوَ فِي الْمَوْتِ, فَبَكَيْتُ, فَقَالَ: مَهْلًا لِمَ تَبْكِ؟ فَوَ اللَّهِ لَئِنِ اسْتُشْهِدْتُ لَأَشْهَدَنَّ لَكَ, وَلَئِنْ شُفِّعْتُ لَأَشْفَعَنَّ لَكَ, وَلَئِنِ اسْتَطَعْتُ لَأَنْفَعَنَّكَ, ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ مَا مِنْ حَدِيثٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَكُمْ فِيهِ خَيْرٌ, إِلَّا حَدَّثْتُكُمُوهُ إِلَّا حَدِيثًا وَاحِدًا, وَسَوْفَ أُحَدِّثُكُمُوهُ الْيَوْمَ, وَقَدْ أُحِيطَ بِنَفْسِي, سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ, وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ, حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ النَّارَ))
ما هو التمني؟ :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3359/04.jpg
أيها الأخوة, الحديث عن الرجاء ينقلنا إلى علاقة الرجاء بالتمني، التمني أن تتمنى شيئاً كبيراً عظيماً دون أن تفكر في دفع الثمن، أن تتمنى الجنة دون أن تعمل لها، أن تتمنى النجاة من النار دون أن تتقيها، وفي الدنيا هل يكفي أن تكون غنياً وتقعد في البيت؟ هل يكفي أن تتمنى أن تكون عالماً من علماء الدنيا وتقعد في البيت؟ مستحيل, لذلك ربط الله عز وجل رجاء ما عنده بالعمل :﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾
[سورة الإسراء الآية: 19]
﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً﴾
[سورة الكهف الآية: 110]
من هنا قيل: طلب الجنة من غير عمل ذنب من الذنوب . ((يا بن آدم, إنك ما دعوتني ورجوتني, غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا بن آدم, لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك، يا بن آدم, إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا, ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً, أتيتك بقرابها مغفرة))
[أخرجه الترمذي في سننه]
ما علامة الرجاء؟ :
سئل بعض العلماء: ما علامة الرجاء؟ قال: أن يكون إذا أحاط بالإنسان الإحسان ألهم الشكر، راجياً بتمام النعمة من الله عليه في الدنيا والآخرة، وراجياً تمام عفوه في الآخرة.
جاءتك النعم ينبغي أن تشكر, جاءك البلاء ينبغي أن تصبر، هذا من علامات الإيمان .
ما مغزى هذه القصة؟ :
مرة أحد علماء دمشق الأجلاء, له ابن درس الطب، ثم نال البورد، ثم دخل كلية الشريعة، ثم حفظ القرآن، ثم أدى الخدمة الإلزامية، ثم خطب له وعرسه, بعد أيام وافته المنية بحادث سير، ذهبنا على مدينة بالشمال لتعزيته، والله ما كنت أصدق عيني أني أرى إنساناً باشاً عنده دعابة، قلت: يا رب إنسان فقد أثمن شيء له في الدنيا، وبهذا المرح، وبهذا الترحيب بالضيوف، كيف استقبل قضاء الله عز وجل؟ هذا من علامات الإيمان أن تستقبل قضاء الله بالرضا .
هذه علامة الإيمان :
هذه المرأة التي مات ابنها، فلما جاء زوجها, سألها عن الابن, قالت: هو في أهدأ حال، هيأت له الطعام, وتزينت له, وناما ليلة واستيقظا, فقالت له: لو أن الجيران أودعوا عندنا وديعة, ثم طلبوها, قال: هذا من حقهم، قالت: هكذا فعل الله عز وجل، فلما قص على النبي ما حدث له من زوجته أم سليم, قال له النبي الكريم: بارك الله لكم في ليلتكما .
مر معي في السيرة, أن بعض الصحابة, إذا توفي لهم ابن, كانوا يتزينون ليعبروا عن رضاهم بقضاء الله وقدره، هذه علامة الإيمان .
بالمقابل: أعرف رجلا ميسور الحال، وعنده معمل، وله ابن في الصف التاسع، توفي, فترك الصلاة نهائياً، لماذا قبضه الله؟ .
هذا الدين :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3359/05.jpg
الرسول عليه الصلاة والسلام أولاده جميعاً توفوا، زوجته الحبيبة الوفية توفيت، عمه توفي، ترك مكة، وهاجر إلى المدينة، أوذي في الله، وما أوذي أحد مثله، وخاف في الله، وما خاف أحد مثله، ومضى عليه ثلاثون يوماً لم يدخل جوفه إلا ما يواريه إبط بلال ....
هذا الدين, الدين أنت مع الله في السراء والضراء، في الغنى والفقر، في الصحة والمرض، بإقبال الدنيا وإدبارها، وإلا ما قيمة هذا الدين الذي يزول بمصيبة صغيرة؟ .
﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾
[سورة الأحزاب الآية: 23]
ما معنى هذا الحديث؟ :
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ((قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي, وَأَنَا مَعَهُ حَيْثُ يَذْكُرُنِي, وَاللَّهِ لَلَّهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ, يَجِدُ ضَالَّتَهُ بِالْفَلَاةِ, وَمَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا, وَمَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا, وَإِذَا أَقْبَلَ إِلَيَّ يَمْشِي, أَقْبَلْتُ إِلَيْهِ أُهَرْوِلُ))
معنى هذا الحديث: لمجرد أن تتوجه إلى الله، وتخطب وده، وتتقرب إليه بطاعة، بصيام، بصدقة، بقيام، بغض بصر، بشيء يرضيه, رأيت الله عز وجل يقبل عليك، ويملأ قلبك غنى، ويتجلى عليك بالسكينة، لمجرد أن تتحرك نحوه, أقبل الله عليك .
لو يعلم المعرضون انتظاري لهم, وشوقي إلى ترك معاصيهم, لتقطعت أوصالهم من حبي، ولماتوا شوقاً إلي، هذه إرادتي بالمعرضين, فكيف بالمقبلين؟ . ما نقل عن العلماء :
يوجد قول عن أحد العلماء: القرآن والسنة حق مئة في المئة، لكن ما سوى الكتاب والسنة, كلام له وجه مقبول، ووجه آخر قد يكون غير مقبول .
أحد العلماء يقول: إلهي أحيا العطايا في قلبي رجاؤك، وأعذب الكلام على لساني ثناؤك، وأحب الساعات إلي ساعة يكون فيها لقاؤك .
روي عنه أيضاً أنه قال: يكاد رجائي لك مع الذنوب يغلب رجائي لك مع الأعمال، لأني أجدني أعتمد في الأعمال على الإخلاص، وكيف أصفيها، وأحرزها، وأنا بالآفات معروف؟ وأجدني في الذنوب أعتمد على عفوك، وكيف لا تغفرها، وأنت بالجود موصوف؟ إذا اعتمدت على عملك, ربما كان العمل غير مخلص .
منعطف خطير :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3359/06.jpg
﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾
[سورة الفرقان الآية: 23]
وقد يكون لك أعمال كالجبال، وكجبال تهامة، فيجعلها الله هباء منثوراً، من هؤلاء؟.
عَنْ ثَوْبَانَ, عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:
((لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي, يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ, أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا, فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا, قَالَ ثَوْبَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! صِفْهُمْ لَنَا, جَلِّهِمْ لَنَا, أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ, وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ, قَالَ: أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ, وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ, وَيَأْخُذُونَ مِنَ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ, وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا))
[أخرجه ابن ماجه في سننه]
فهذا كلام عميق، لكن ينبغي أن يفسر الرجاء مع الذنب، يوجد فيه افتقار إلى الله، وقلق، واعتماد على عفو الله فقط، أما الرجاء مع العمل قد يكون الاعتماد على العمل، والعمل منوط بالإخلاص، والإخلاص ليس من السهل أن تكون مخلصاً، لأنه ضمن الحقل الديني في دنياك .
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ لِيُبَاهِيَ بِهِ الْعُلَمَاءَ, وَيُجَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ, وَيَصْرِفَ بِهِ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيْهِ, أَدْخَلَهُ اللَّهُ جَهَنَّمَ))
ماذا يرافق التمني وماذا يرافق الرجاء؟ :
أيها الأخوة, الرجاء شيء، والتمني شيء آخر، التمني بضاعة الحمقى، الأحمق يتمنى دائماً، أما الذي يريد الوصول لمرتبة معينة, هذا لا يتمنى بل يرجو، الرجاء يرافقه السعي :
﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾
[سورة الإسراء الآية: 19]
﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً﴾
[سورة الكهف الآية: 110]
أما التمني فمقرون بالكسل والقعود .
من لوازم الإيمان :
من لوازم الإيمان، ونحن في الحديث عن علم العقيدة عن شطرها الثاني، ماذا ينبغي أن تكون عليه؟ ينبغي أن تكون العقيدة هكذا، وينبغي أن تكون أنت هكذا، شطران؛ ماذا ينبغي أن تعتقد، وماذا ينبغي أن تكون عليه؟ .
ممكن لإنسان مجند غر, يساق على الخدمة الإلزامية، وقائده منضبط، وهو والده، ويأتي عنصر مجند، ويهدده فيبكي وينهار، هذا أحمق، هو منضبط، والذي على رأس الجيش كله والده وتقلق؟ إذا كان الله معك فمن عليك؟ وإذا كان الله عليك فمن معك؟ جزء من الثقة بالله من لوازم الإيمان، بهذه المحن التي ألمت بالمسلمين, بهذا الإحباط الذي ألم بهم يئسوا، تطلعوا إلى القوي فقط، يرحمون أو لا يرحمون، ونسوا الله فنسيهم :
﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾
[سورة آل عمران الآية: 173]
اعلم هذه الحقيقة :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3359/07.jpg
الدعاء, يوجد حقيقة, أتمنى على الله أن تكون واضحة عندكم، عد الله ترك الدعاء كبراً, والكبر من لوازمه الحجاب، الدليل:
﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾
[سورة غافر الآية: 60]
أخواننا الكرام, المؤمن فيما بينه وبين الله متذلل، يدعوه دائماً، يمرغ جبهته على أعتاب الله عز وجل، قد يكون له شأن كبير في الحياة، لكنه مع الله في أدق الدرجات من التذلل والخضوع له .
مثلاً: أحد كبار القادة الإسلاميين الذين انتصروا، وردوا التتار، والتتار اجتاحوا العالم ، سجد وقال: يا رب, من هو الكلب نور الدين حتى تنصره؟ انصر دينك يا رب، هو لا شيء ، فكلما تذللت إلى الله رفعك الله .....
ما روي عن التاريخ :
يوجد طاغية في أوروبا الشرقية قال: إذا حمل هذا الصفصاف الإجاص, أتنحى عن منصبي، فلما نحي عن منصبه بالقوة, وضع الشعب حبات الإجاص على الصفصاف، ربطوها ربط .
روى التاريخ, ما من قائداً فتح بلداً, إلا واستكبر، وتغطرس، واستعلى، وتعجرف, إلا أن النبي عليه الصلاة والسلام حين فتح مكة, دخلها متواضعاً لله, مطأطئ الرأس، حتى كادت ذؤابة عمامته, تلامس عنق بعيره, من تواضعه لله عز وجل .
اسأل ربك حاجتك كلها :
ترك الدعاء كبر، اسأل ربك حاجتك كلها، اسأله ملح طعامك، وشسع نعلك إذا انقطع.
إن الله يحب الملحين في الدعاء .
تذلل بين يديه، لك مكانة كبيرة، والله عز وجل يرفع لك ذكرك، لأنك بينه وبينك في منتهى الخضوع، لكن أهل الدنيا يستكبرون عن أن يدعو الله، فإذا جاءه من هو أقوى منه, أصبح ذليلاً أمامه كالقط, أليس كذلك؟ المؤمن ذليل أمام الله، لكنه على أهل الدنيا معتز بالله عز وجل .
من صفات المؤمنين :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3359/08.jpg
من صفات المؤمنين:
﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾
[سورة المائدة الآية: 54]
مشى أحد الصحابة، وتبختر أمام الأعداء، فقال عليه الصلاة والسلام:
((إن الله يكره هذه المشية إلا في هذا الموطن))
وقد قال الشافعي: التكبر على المتكبر صدقة، شيء مخيف والله :﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾
[سورة غافر الآية: 60]
أما المؤمنون:
تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ
[سورة السجدة الآية: 16]
اقرأ :
في جامع الترمذي بإسناد صحيح, عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ, قَالَ: ((لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ, انْجَفَلَ النَّاسُ إِلَيْهِ, وَقِيلَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَجِئْتُ فِي النَّاسِ لِأَنْظُرَ إِلَيْهِ, فَلَمَّا اسْتَثْبَتُّ وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, عَرَفْتُ أَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ, وَكَانَ أَوَّلُ شَيْءٍ تَكَلَّمَ بِهِ, أَنْ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ, أَفْشُوا السَّلَامَ, وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ, وَصَلُّوا وَالنَّاسُ نِيَامٌ, تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ))
عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: ((أَخَذَ بِيَدِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنِّي لَأُحِبُّكَ يَا مُعَاذُ, فَقُلْتُ: وَأَنَا أُحِبُّكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَلَا تَدَعْ أَنْ تَقُولَ فِي كُلِّ صَلَاةٍ: رَبِّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ))
عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: ((كُنْتُ مَعَ رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ, فَأَصْبَحْتُ يَوْمًا قَرِيبًا مِنْهُ, وَنَحْنُ نَسِيرُ, فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ, وَيُبَاعِدُنِي عَنِ النَّارِ, قَالَ: لَقَدْ سَأَلْتَنِي عَنْ عَظِيمٍ, وَإِنَّهُ لَيَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ, تَعْبُدُ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا, وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ, وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ, وَتَصُومُ رَمَضَانَ, وَتَحُجُّ الْبَيْتَ, ثُمَّ قَالَ: أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى أَبْوَابِ الْخَيْرِ؟ قلت: بلى يا رسول الله! الصَّوْمُ جُنَّةٌ, وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ, وَصَلَاةُ الرَّجُلِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ شعار الصالحين, ثُمَّ تَلَا قوله تعالى:
﴿ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ { تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً﴾
الآية [السجدة: الآية 16]
ثُمَّ قَالَ: أَلَا أُخْبِرُكَ بِرَأْسِ الْأَمْرِ كُلِّهِ وَعَمُودِهِ وَذِرْوَةِ سَنَامِهِ؟ قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ, قَالَ: رَأْسُ الْأَمْرِ الْإِسْلَامُ, وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ, وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ, ثُمَّ قَالَ: أَلَا أُخْبِرُكَ بِمَلَاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ؟ قُلْتُ: بَلَى يَا نَبِيَّ اللَّهِ, قَالَ: كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا, فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ, وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ؟ فَقَالَ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ, وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ -أَوْ قال: عَلَى مَنَاخِرِهِمْ- إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ))
[أخرجه الترمذي في سننه]
ما المقصود بهذا الحديث؟ :
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: ((حَكَيْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا فَقَالَ: مَا يَسُرُّنِي أَنِّي حَكَيْتُ رَجُلًا, وَأَنَّ لِي كَذَا وَكَذَا, قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, إِنَّ صَفِيَّةَ امْرَأَةٌ, وَقَالَتْ بِيَدِهَا: هَكَذَا, كَأَنَّهَا تَعْنِي قَصِيرَةً, فَقَالَ: لَقَدْ مَزَجْتِ بِكَلِمَةٍ لَوْ مَزَجْتِ بِهَا مَاءَ الْبَحْرِ لَمُزِجَ))
المياه المالحة لمدينة كبرى لا تنجس البحر، بينما كلمة قصيرة عن أختها . هل أدركت قيمة الدعاء؟ :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3359/09.jpg
أقوى حديث في الدعاء, لا يغني حذر من قدر، لأن الذي يستحق تأديب الله عز وجل, يؤتى من مأمنه، يأخذ كل الاحتياطات, فيأتيه الله من حيث لا يحتسب، يؤتى الحذر من مأمنه .
عَنْ مُعَاذٍ, عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
((لَنْ يَنْفَعَ حَذَرٌ مِنْ قَدَرٍ, وَلَكِنَّ الدُّعَاءَ يَنْفَعُ مِمَّا نَزَلَ وَمِمَّا لَمْ يَنْزِلْ, فَعَلَيْكُمْ عِبَادَ اللَّهِ بالدعاء))
[أخرجه الطبراني في المعجم الكبير, والإمام أحمد في مسنده]
وإن البلاء لينزل فيتلقاه الدعاء, فيعتلجان إلى يوم القيامة .
ما وظيفة هذه الأحاديث التي سمعناها اليوم؟ :
أيها الأخوة, مرة قلت لكم: إن هذه الأحاديث لها وظيفتان: الوظيفة الأولى أن تكون هدفاً لك في سعيك إلى الله، هكذا ينبغي أن تكون، والوظيفة الثانية أن تكون هذه الأحاديث مقياساً لك, أين أنت؟ هل أنت متمثل بهذه الصفات؟ هل ترجو الله عز وجل؟ هل تعقد الرجاء عليه؟ هل تيأس مما سواه؟ هل تطلب منه الرحمة والحفظ؟ قصص لا تعد ولا تحصى، أنه من أخذ بالأسباب، ولم يتوكل على الله، وتوكل عليها, يؤتى من مأمنه، من مكان أمنه، أما من أخذ بالأسباب، واعتمد على الله عز وجل, يحفظه الله عز وجل .
الدعاء من دون عمل استهزاء بالله عز وجل :
الحديث عن هذا الدرس إن شاء الله, من لوازم الإيمان الرجاء والدعاء، والرجاء شيء والتمني شيء آخر، التمني بضاعة الحمقى .
وقد قال الله عز وجل:
﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِه﴾
[سورة النساء الآية: 123]
بربكم في الأزمة الأخيرة, التي احتلت بها العراق, هل تصدقون أنه ما من مسجد في العالم الإسلامي, إلا وجأر إلى الله في الدعاء، وفي الصلوات الخمس، يذكرون ذلك شهرين وثلاثة، دعاء القنوت في كل الصلوات، هل استجاب الله لنا؟ لا, أدعو لليأس, معاذ الله، لكن الله عز وجل لا يعبأ بدعائنا من دون عمل .
واحد راكب سيارة، توقفت فنزل، فقال: يا رب ليس هناك غيرك، يا رب يسر، لم يستفد شيئا، لو تدعو عشر ساعات تبقى بمكانك، افتح الغطاء، وابحث عن الخلل، قل: يا رب يسر لي اكتشاف الخلل، يسر لي إصلاحها, لذلك قيل: الدعاء من دون عمل استهزاء بالله عز وجل .
طالب قال: يا رب وفقني، وأريد المرتبة الأولى، وأريد الطب، وهو لا يدرس، كلام فارغ، ادرس وادع أن يوفقك الله، يا رب ألهمني الصواب، وأعني على إجابة جيدة، وتطلق لساني, فأنا لا أصدق واحدًا يدعو من دون عمل .
سيدنا عمر رأى رجلا ناقته مصابة بالجرب، قال: يا أخا العرب ماذا تفعل مع ناقتك؟ قال له: أدعو الله أن يشفيها، قال: هلا جعلت مع الدعاء قَطِرانًا؟ هذا عملاق الإسلام .
مشكلة المسلمين اليوم :
في العالم الآن: اللهم دمر الأعداء، وشتت شملهم، واجعل الدائرة تدور عليهم، واجعل تدميرهم في تدبيرهم، اللهم أرنا قدرتك بهم، وهم قاعدون، لا حركة، ولا سكنة، ولا تعاون، ولا تعديل، ولا تغير، ولا تفكير، وخمول، وانغماس في الدنيا، وعليك بهم، فإنهم لا يعجزونك ، ما هذا الكلام؟ قم واسعَ :
﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾
[سورة التوبة الآية: 105]
الدعاء من دون عمل استهزاء، لا يوجد إنسان وصل إلى شيء دون تعب، هذه الدنيا دعك من الآخرة، ما من إنسان وصل إلى شيء ثمين في الدنيا إلا بالسعي .
قصة :
مرة زرت معملاً, أنبأني صديق لي, أن صاحب المعمل من خمس وعشرين سنة ، شيء لا يصدق، الساعة الخامسة يأتي، ويخرج آخر رجل، ضابط لكل شيء، التصنيع, والشحن، والتسليم، والحسابات، اشترى بيتًا بمئة وستين مليونًا، هذا البيت بسبب الخامسة صباحًا إلى الثامنة ليلاً، ضبط أموره، هكذا الدنيا لها قوانين، والآخرة لها قوانين، ليس لنا غير الدعاء، الدعاء أخطر شيء تفعله، وعليك بالسعي أولاً .
نهاية المطاف :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3359/10.jpg
لماذا زهد الناس في الدعاء؟ مهما دعوت لا يستجيب الله لك، لأننا لم نطبق شيئا :
﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾
[سورة الأعراف الآية: 55]
ما دام يوجد اعتداء على أخيك، اعتداء أدبي، مالي، تغشه، تحتال عليه، تبيعه بضاعة مصدرها تايواني فرضاً، على أنه من مستوى أرقى، ما دام هناك تدليس، وكذب، وغش، واحتيال, واحتكار، ومهما دعوت وصليت كل يوم في أول صف، إن الله نظر إلى أعمالنا وقلوبنا وسلامة نفوسنا .
فيا أخواننا الكرام, الدعاء أخطر سلاح بيد المسلم، لكنه لا يفلح إلا إذا رافقه عمل وسعي :
﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾
[سورة الأعراف الآية: 55]
إن شاء الله في درس قادم نتحدث عن الاستعانة، وعن ابتغاء الوسيلة، وهذان موضوعان دقيقان, ينبغي أن يوضحا إن شاء الله، والحمد لله رب العالمين .








والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-02-2018, 06:26 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية من مفهوم القران والسنة

الدرس : ( الخامس و العشرون )

الموضوع : مستلزمات التوحيد ( 5 ) الاستعانة - الوسيلة - التوسل - التوكل





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين . من لوازم الإيمان :
1-أن يكون قلبك على هذا الحال؛ حال التوكل والاستعانة والدعاء
أيها الأخوة المؤمنون, مع الدرس الخامس والعشرين من دروس العقيدة الإسلامية، بينت لكم في الدرس السابق: أن حقيقة الإيمان ليست ما ينبغي أن تعتقد، بل يضاف إلى ذلك ما ينبغي أن تكون عليه، الإيمان كل لا يتجزأ، ينبغي أن تعتقد كذا، وكذا، وكذا، وينبغي أن تكون على هذا الحال؛ حال التوكل, والاستعانة، والدعاء، وما إلى ذلك.
إذاً: من مقتضيات الإيمان: أن يكون قلبك بهذا الحال، وأن يكون إدراكك بهذا الاعتقاد، فالإيمان اعتقاد وسلوك, واعتقاد وحال.
من المحرمات :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3360/01.jpg
أيها الأخوة, حينما قال الله عز وجل:
﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾
[سورة الأنفال الآية: 72]
المؤمن ينبغي أن ينصر أخاه المؤمن: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾
[سورة القصص الآية: 15]
﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾
[سورة المائدة الآية: 2]
فالتعاون أمر إلهي، فالمؤمن مكلف أن يعاون أخاه، وأن ينصره، وأن يغيثه، ولكن في حدود ما يستطيعه البشر، أما فيما لا يستطيعه البشر, فمحرم أشد التحريم أن تستغيث بعبد بما لا يستطيع العباد أن يفعلوه.
من الشرك :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3360/02.jpg
امرأة تقف أمام مقام، وتقول: يا سيدي، يا فلان أريد ولداً، فلان المتوفى في قبره, قد يكون صالحاً، وعالماً كبيراً، وقد يكون، وقد يكون، ولكنه لا يستطيع أن يهب المرأة ولداً، هذا من فعل الله عز وجل، فمع أن الإنسان مكلف أن ينصر أخاه، ويعينه، ويغيثه، ولكن حينما تسأل مخلوقاً بحاجة لا يستطيعها إلا الخالق, فهذا خطأ كبير، وشرك عظيم.
هناك حديث شريف يؤكد هذا المعنى: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((لَا يَتَمَنَّى أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ, وَلَا يَدْعُ بِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُ, إِنَّهُ إِذَا مَاتَ أَحَدُكُمُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ, وَإِنَّهُ لَا يَزِيدُ الْمُؤْمِنَ عُمْرُهُ إِلَّا خَيْرًا))
الميت يحتاج لرحمة الله ومغفرته. من الخطأ الجليل :
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِي اللَّه عَنْه, أَنَّهُ قَالَ:
((سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: يَخْرُجُ فِيكُمْ قَوْمٌ, تَحْقِرُونَ صَلَاتَكُمْ مَعَ صَلَاتِهِمْ, وَصِيَامَكُمْ مَعَ صِيَامِهِمْ, وَعَمَلَكُمْ مَعَ عَمَلِهِمْ, وَيَقْرَؤونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ, يَمْرُقُونَ مِنَ …))
من في القبر مفتقر لرحمة الله، وإلى حفظ الله وعطائه، أن تستعين بالله فيما لا يستطيعه إلا الله.
من لوازم الإيمان؛ أن تستعين، أو تستنصر، أو أن تستغيث بمخلوقات الله, فيما لا يستطيعه إلا الله، هذا شرك كبير، وهذا خطأ جليل. 2-أن تبتغي إليه الوسيلة :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3360/03.jpg
أيها الأخوة, من لوازم الإيمان: أن تبتغي إليه الوسيلة.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو, أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:
((إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ, فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ, ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ, فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً, صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا, ثُمَّ سَلُوا لِيَ الْوَسِيلَةَ, فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ, لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ, وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ, وَمَنْ سَأَلَ لِيَ الْوَسِيلَةَ, حَلَّتْ عَلَيْهِ الشَّفَاعَةُ))
[أخرجه مسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي والنسائي في سننهم]
فالوسيلة هو رسول الله صلى الله عليه وسلم, مقام رفيع جداً, لا ينبغي إلا لواحد من خلقه، هو باب الخلق إلى الله، مقام رسول الله أعلى مقام في البشرية، وصل إلى سدرة المنتهى ، هو سيد ولد آدم ولا فخر، وقد منح مقام الوسيلة، وهو مقام لا ينبغي إلا لواحد من خلقه.
((سَلُوا لِيَ الْوَسِيلَةَ, فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ, لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ, وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا))
من وسائل التقرب إلى الله عز وجل :
1-أن تتقرب إلى الله بكمالات مشتقة من أسماء الله الحسنى
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3360/04.jpg
أخواننا الكرام, يمكن أن تتوسل إلى الله بكمالاته، هو رحيم، فإذا رحمت خلقه, كانت هذه الرحمة وسيلتك إلى الله، هو عليم, فإذا كنت منصفاً, كان إنصافك بالتقرب إلى العدل، هو لطيف، إذا كنت مع الخلق لطيفاً, هذا اللطف وسيلة إلى التقرب إلى الله عز وجل.
عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ رَضِي اللَّه عَنْه, عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((سَيِّدُ الِاسْتِغْفَارِ أَنْ يقول العبد: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ, خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ, وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ, أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ, أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ, وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي, فَاغْفِرْ لِي ذنوبي, فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ, مَنْ قَالَهَا مِنَ النَّهَارِ مُوقِنًا بِهَا, فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِيَ, فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ, وَمَنْ قَالَهَا مِنَ اللَّيْلِ, وَهُوَ مُوقِنٌ بِهَا, فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ, فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ))
[أخرجه البخاري في الصحيح, والترمذي والنسائي في سننهما]
بشكل أو بآخر: الله عز وجل صاحب الأسماء الحسنى، والصفات الفضلى، فإذا تقربت إليه بكمالاته, فهذه وسيلة من الله عز وجل، إذا أردتم رحمتي فارحموا خلقي، إذا أردتم عدلي فاعدلوا بين خلقي، إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى خلقه، وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل، يمكن أن تتقرب إلى الله بكمالات الله، وهذا مما يفهم من قوله تعالى:
﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾
[سورة الأعراف الآية: 180]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3360/05.jpg
لا يمكن أن تقبل على الله، وأن تقسو مع الخلق، وتظلمهم، ولا ترحمهم، أحد أكبر وسائل القرب من الله: أن تتقرب إلى الله بكمالات مشتقة من أسماء الله الحسنى، وصفاته الفضلى.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَال:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا أَصَابَ أَحَدًا هَمٌّ وَلَا حَزَنٌ قط فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ, وَابْنُ عَبْدِكَ, ابْنُ أَمَتِكَ, نَاصِيَتِي بِيَدِكَ, مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ, عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ, أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ, سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ, أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ, أو علمته أحداً من خلقك, أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ, أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي, وَنُورَ صَدْرِي, وَجِلَاءَ حُزْنِي, وَذَهَابَ هَمِّي, إِلَّا أَذْهَبَ اللَّهُ عز وجل هَمَّهُ, وَأَبْدَلَهُ مَكَانَه حزنه فَرَحًا))
[أخرجه الطبراني في المعجم الكبير, والبزار في مسنده, والإمام أحمد في مسنده]
انظر في هذه الأدلة :
لا أدري إن كانت هذه الحقيقة واضحة عندكم: أول وسيلة إلى الله: أن تتقرب إليه بكمالاته، بكمالات مشتقة من أسمائه الحسنى، وصفاته الفضلى، والدليل القوي: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾
[سورة الأعراف الآية: 180]
دليل آخر: إذا أردتم رحمتي فارحموا خلقي.
فأنت كلما تخلقت بخلق كريم, مشتق من أسماء الله الحسنى، وصفاته الفضلى، فهو وسيلة إلى القرب من الله عز وجل. 2-أن يتوسل الإنسان بدعاء الرجل الصالح :
لو قال المسلم: اللهم بإيماني بك، وحبي لرسولك, فرج عني، لو قال مسلم آخر: اللهم بحبي لأصحاب نبيك، والتماسي مناهجهم, اكشف مصيبتي، أو قال أحدهم: اللهم إني أسألك بالتعلق قلبي بالقرآن، وحب تلاوته, نور بصيرتي، وارفع محنتي, تقرب إلى الله بكمالاته.
ومن أنواع التوسل لله عز وجل: أن يتوسل الإنسان بدعاء الرجل الصالح.
الدليل :
كان عليه الصلاة والسلام يخطب يوم الجمعة، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ الْمَسْجِدَ يَوْمَ جُمُعَةٍ مِنْ بَابٍ كَانَ نَحْوَ دَارِ الْقَضَاءِ, وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِمٌ يَخْطُبُ, فَاسْتَقْبَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِمًا, ثُمَّ قَالَ:
((يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَلَكَتِ الْأَمْوَالُ, وَانْقَطَعْتِ السُّبُلُ, فَادْعُ اللَّهَ يُغِيثُنَا, فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَيْهِ, ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ أَغِثْنَا, اللَّهُمَّ أَغِثْنَا, اللَّهُمَّ أَغِثْنَا, قَالَ أَنَسٌ: وَلَا وَاللَّهِ مَا نَرَى فِي السَّمَاءِ, مِنْ سَحَابٍ وَلَا قَزَعَةً, وَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ سَلْعٍ, مِنْ بَيْتٍ وَلَا دَارٍ, قَالَ: وطَلَعَتْ مِنْ وَرَائِهِ سَحَابَةٌ مِثْلُ التُّرْسِ, فَلَمَّا تَوَسَّطَتِ السَّمَاءَ انْتَشَرَتْ, ثُمَّ أَمْطَرَتْ, فَلَا وَاللَّهِ مَا رَأَيْنَا الشَّمْسَ سِتًّا, ثُمَّ دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ فِي الْجُمُعَةِ, وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِمٌ يَخْطُبُ, فَاسْتَقْبَلَهُ قَائِمًا, فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَلَكَتِ الْأَمْوَالُ, وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ, فَادْعُ اللَّهَ يُمْسِكْهَا عَنَّا, قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَيْهِ, ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا, اللَّهُمَّ عَلَى الْآكَامِ, وَالظِّرَابِ, وَبُطُونِ الْأَوْدِيَةِ, وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ, قَالَ: فَأَقْلَعَتْ وَخَرَجْنَا نَمْشِي فِي الشَّمْسِ))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, وأبو داود والنسائي في سننهما, ومالك في الموطأ]
فمن الوسائل التي أمرنا أن نتخذها سبباً للقرب من الله عز وجل ولطلب رحمته: أن نتوسل بدعاء رجل صالح.
3-أن تتوسل إلى الله بأداء الفرائض التي فرضها عليك، والابتعاد عن المحرمات
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3360/06.jpg
يضاف إلى ما ذكرته البارحة, من أن من أدق معاني الوسيلة: أن تتوسل إلى الله بأداء الفرائض التي فرضها عليك، والابتعاد عن المحرمات التي حرمها عليك، وأن تطيعه في كل ما أمر، وأن تنتهي عن كل ما نهى عنه وزجر، وأن تتوسل إليه بالعمل الصالح، بدءاً من إماطة الأذى عن الطريق، وانتهاء بالدعوة إلى الله، هذه أيضاً من وسائل القرب من الله عز وجل, فهذا يعني قوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾
[سورة المائدة الآية: 35]


3-من لوازم الإيمان: التوكل على الله :
من لوازم الإيمان: التوكل على الله، لأن الله عز وجل يقول:
﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾
[سورة إبراهيم الآية: 12]
ويقول أيضاً:
﴿فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾
[سورة المائدة الآية: 23]
ويقول أيضاً: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً﴾
[سورة الطلاق الآية: 3]
﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾
[سورة الممتحنة الآية: 4]
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾
[سورة الأنفال الآية: 2]
آيات التوكل كثيرة جداً .
أيها الأخوة, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ قَالَهَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَام حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ, وَقَالَهَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ قَالُوا: إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.
خلاصة ما سبق ذكره :
التوكل على الله من لوازم الإيمان، أن تستنصر وتستعين، وتلتجئ في شيء لا يستطيعه إلا الله وحده، وأن لا تلتفت إلى ما سواه, هذا من لوازم الإيمان، وتبتغي إلى الله الوسيلة، بدءاً من التقرب إلى الله بكمالات مشتقة من أسمائه الحسنى، وصفاته الفضلى، هذا من لوازم الإيمان، وأن تتقرب إلى الله بطلب العلم، وبأداء الفرائض، وترك المحرمات، وطاعته في كل تفاصيل الشريعة، ثم بالعمل الصالح، هذا من لوازم الإيمان بالله، ثم أن تتقرب إلى الله بدعاء الصالحين، هذا أيضاً ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في موضوع السقيا.
هذه بعض المعاني التي تنطوي عليها الوسيلة.
ما الدليل على أن التوكل من لوازم الإيمان؟ :
آيات القرآن الكريم التي تتحدث عن التوكل كثرتها وتنوعها, يؤكد أن التوكل من لوازم الإيمان:
﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾
[سورة المائدة الآية: 23]
فإن لم تتوكلوا فلستم بمؤمنين، لكن أنت متى تتوكل على الله؟ حينما تكون مستقيماً على أمره، وحينما تعرفه، وتثق بقدرته, وبعلمه, وبرحمته، وبأنه سميع مجيب.
من أدعية التوكل :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3360/07.jpg
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ, أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((إِذَا خَرَجَ الرَّجُلُ مِنْ بَيْتِهِ فَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ, تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ, قَالَ: يُقَالُ: حِينَئِذٍ هُدِيتَ, وَكُفِيتَ, وَوُقِيتَ, فَتَتَنَحَّى لَهُ الشَّيَاطِينُ, فَيَقُولُ لَهُ شَيْطَانٌ آخَرُ: كَيْفَ لَكَ بِرَجُلٍ قَدْ هُدِيَ وَكُفِيَ وَوُقِيَ؟))
عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: ((مَا خَرَجَ رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ بَيْتِه قَطُّ, إِلَّا رَفَعَ طَرْفَهُ إِلَى السَّمَاءِ, فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَضِلَّ أَوْ أُضَلَّ, أَوْ أَزِلَّ أَوْ أُزَلَّ, أَوْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ, أَوْ أَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ))
[أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي في سننهم]
هذا توكل، إنسان يخرج من بيته, هناك مطبات، وأزمات، ومصائب، وظلمات أحياناً، فإذا دعا الله هذا الدعاء وقاه الله، وكفاه، وهداه.
ما قيل عن حقيقة التوكل :
بعض العلماء يقول: حقيقة التوكل أنها حال مركبة من مجموعة أمور, لا تتم حقيقة التوكل إلا بها، أول هذه الأمور: معرفة بالله, وبصفاته من قدرته, وكفايته, وقيومته، وانتهاء الأمور إلى علمه، وصدورها عن مشيئته وقدرته.
فالتوكل يحتاج إلى علم.
وقال هذا العالم الجليل: التوكل من أعم المقامات تعلقاً بالأسماء الحسنى، إن لها تعلقاً خاصاً بعامة أسماء الأفعال والصفات، فله تعلق باسم الغفار, والتواب، والعفو، والرحيم، وتعلق باسم الفتاح، والوهاب، والرزاق، والمعطي، والمحسن, وتعلق باسم المعز والمذل، والخافض والرافع، والمانع، من جهة توكله عليه في إذلال أعدائه، وخفضهم، ومنعهم من أسباب النصر، ولهذا التوكل تعلق بأسباب القدرة والإرادة، لا يوجد عبادة قلبية كالتوكل، فهي متعلقة بعدد كبير من أسماء الله الحسنى كعبادة التوكل:
﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً﴾
[سورة الأحزاب الآية: 22]
إليكم بيان هذه الحقيقة :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3360/08.jpg
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ آخِرَ قَوْلِ إِبْرَاهِيمَ حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.
أريد أن أوضح لكم حقيقة ضرورية جداً تتضح بمثل: لو أن طالب لم يدرس, وأدى امتحاناً, فلم ينجح، فلما تلقى النتيجة بالرسوب, قال: حسبي الله ونعم الوكيل, هذا كسل, أما حينما تدرس، وتبذل قصارى جهدك، ويأتي مرض لم يكن في الحسبان, يمنعك من أداء الامتحان، عندئذ قل: حسبي الله ونعم الوكيل، أما كلما قصرت في جهة، وتلقيت نتيجة عملك، فإذا جاءت النتائج لا على ما تحب على غير ما تحب، وتقول: حسبي الله ونعم الوكيل، هذا استهزاء بهذه الكلمة، الله عز وجل قد يسوق للإنسان جزاء التقصير، وجزاء المعصية، أنت ارض أو لا ترض، هذا هو الجزاء، أما حسبي الله ونعم الوكيل فلها معنى آخر، أنت حينما تأخذ بكل الأسباب، وتأتي الأمور على غير ما توقعت, عندئذ قل: حسبي الله ونعم الوكيل.
نقطة مهمة :
أيها الأخوة, الشدة التي يعانيها الناس في آخر الزمان, من فعل الطغاة والمستعمرين، هذه الشدة التي قد تجعل حياة الناس جحيماً, هي عند المؤمنين قليلة جداً، لتوحيدهم ولتوكلهم على الله عز وجل، فمثلاً قال تعالى:
﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ﴾
[سورة آل عمران الآية: 173-174]
الله أكبر من كل كبير، ومن كل ظالم، ومن كل طاغية، فأنت حينما تتعلق بالله عز وجل, تخف عليك وطأة الطغاة.
من أمثلة التوكل :
فيروى أن الحسن البصري رحمه الله تعالى, أدى أمانة العلم, بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يبدو أنه كان في زمن الحجاج، والحجاج كان طاغية كبيرة وظالماً، فحينما بلغه ما فعله الحسن البصري اشتد غضبه، وقال لمن حوله، وسماهم بالجبناء: والله يا جبناء لأروينكم من دمه، وأمر بقتلهم، وجاء السياف، ومد النطع, واستدعي الحسن البصري ليقتل، فلما دخل، ورأى السياف، ومد النطع, عرف كل شيء، فإذا به يحرك شفتيه، لكن لم يفهم أحد ما قال، المفاجأة التي لا تصدق, أن الحجاج وقف له, وقال: أهلاً بأبي سعيد، وما زال يقربه, حتى أجلسه على سريره, واستفتاه، وأثنى عليه، وقال له: يا أبا سعيد, أنت سيد العلماء، ثم شيعه إلى باب القصر، وهناك رجلان؛ السياف والحاجب، تبعه الحاجب, قال له: يا أبا سعيد, لقد جاء بك لغير ما فعل بك، فماذا قلت لربك؟ فقال: قلت: يا ملاذي عند كربتي، يا مؤنسي في وحشتي, اجعل نقمته علي برداً وسلاماً, كما جعلت النار برداً وسلاماً على إبراهيم، تغير الوضع.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِي اللَّه عَنْه:
((كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْغَارِ, فَرَأَيْتُ آثَارَ الْمُشْرِكِينَ, قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ رَفَعَ قَدَمَهُ رَآنَا, قَالَ: مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا؟))
هذا التوكل.
من أدعية التوكل أيضاً :
وفي بعض أدعية النبي عليه الصلاة والسلام: عن ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّه عَنْهمَا قَالَ:
((كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَتَهَجَّدُ, قَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ, أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ وَلَكَ الْحَمْدُ, لَكَ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ وَلَكَ الْحَمْدُ, أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ وَلَكَ الْحَمْدُ, أَنْتَ مَلِكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكَ الْحَمْدُ, أَنْتَ الْحَقُّ, وَوَعْدُكَ الْحَقُّ, وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ, وَقَوْلُكَ حَقٌّ, وَالْجَنَّةُ حَقٌّ, وَالنَّارُ حَقٌّ, وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ, وَمُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَقٌّ, وَالسَّاعَةُ حَقٌّ, اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ, وَبِكَ آمَنْتُ, وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ, وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ, وَبِكَ خَاصَمْتُ, وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ, فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ, وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ, أَنْتَ الْمُقَدِّمُ, وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ, لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ, أَوْ لَا إِلَهَ غَيْرُكَ))
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ, وَبِكَ آمَنْتُ, وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ, وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ, وَبِكَ خَاصَمْتُ, اللَّهُمَّ أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ, لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ, أَنْ تُضِلَّنِي, أَنْتَ الْحَيُّ الَّذِي لَا يَمُوتُ, وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ يَمُوتُونَ))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح]
قارن بين أصحاب رسول الله وبين المسلمين اليوم :
أيها الأخوة, عَنْ أَنَسٍ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ:
((غَابَ عَمِّي أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ عَنْ قِتَالِ بَدْرٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! غِبْتُ عَنْ أَوَّلِ قِتَالٍ قَاتَلْتَ الْمُشْرِكِينَ, لَئِنِ اللَّهُ أَشْهَدَنِي قِتَالَ الْمُشْرِكِينَ لَيَرَيَنَّ اللَّهُ مَا أَصْنَعُ, فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ, وَانْكَشَفَ الْمُسْلِمُونَ, قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلَاءِ, يَعْنِي أَصْحَابَهُ, وَأَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلَاءِ, يَعْنِي الْمُشْرِكِينَ, ثُمَّ تَقَدَّمَ, فَاسْتَقْبَلَهُ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ, فَقَالَ: يَا سَعْدُ بْنَ مُعَاذٍ, الْجَنَّةَ وَرَبِّ النَّضْرِ, إِنِّي أَجِدُ رِيحَهَا مِنْ دُونِ أُحُدٍ, قَالَ سَعْدٌ: فَمَا اسْتَطَعْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا صَنَعَ, قَالَ أَنَسٌ: فَوَجَدْنَا بِهِ بِضْعًا وَثَمَانِينَ ضَرْبَةً بِالسَّيْفِ, أَوْ طَعْنَةً بِرُمْحٍ, أَوْ رَمْيَةً بِسَهْمٍ, وَوَجَدْنَاهُ قَدْ قُتِلَ, وَقَدْ مَثَّلَ بِهِ الْمُشْرِكُونَ, فَمَا عَرَفَهُ أَحَدٌ إِلَّا أُخْتُهُ بِبَنَانِهِ, قَالَ أَنَسٌ: كُنَّا نُرَى أَوْ نَظُنُّ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ وَفِي أَشْبَاهِهِ:
﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾
إِلَى آخِرِ الْآيَةِ, وَقَالَ: إِنَّ أُخْتَهُ, وَهِيَ تُسَمَّى الرُّبَيِّعَ, كَسَرَتْ ثَنِيَّةَ امْرَأَةٍ, فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْقِصَاصِ, فَقَالَ أَنَسٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا تُكْسَرُ ثَنِيَّتُهَا, فَرَضُوا بِالْأَرْشِ, وَتَرَكُوا الْقِصَاصَ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ)) الناس في آخر الزمان, يتطلعون إلى المغانم فقط، لكن أصحاب النبي تطلعوا للوفاء بما عاهدوا الله عليه. بم يتعلق هذا الحديث؟ :
مما يتعلق بالتوكل أيضاً: عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ:
((أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ, فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إِذَا أَنَا عَمِلْتُهُ, أَحَبَّنِي اللَّهُ وَأَحَبَّنِي النَّاسُ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبَّكَ اللَّهُ, وَازْهَدْ فِيمَا فِي أَيْدِي النَّاسِ يُحِبُّوكَ))
[أخرجه ابن ماجة في سننه]
لا تسألن بـني آدم حاجـة وســل الذي أبوابه لا تغلق
الله يغضب إن تركت سؤاله و بني آدم حين يسأل يغضب
من أدعية النبي عليه الصلاة والسلام :
من أدعية النبي عليه الصلاة والسلام: عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ, أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, أَوْصَى رَجُلًا فَقَالَ: ((إِذَا أَرَدْتَ مَضْجَعَكَ فَقُلِ: اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ, وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ, وَوَجَّهْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ, وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ, رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ, لَا ملجأ وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ, آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ, وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ, فَإِنْ مُتَّ مُتَّ عَلَى الْفِطْرَةِ))
خاتمة القول :
أيها الأخوة الكرام, عود على بدء، لا بد من أن تتيقن أن الإيمان ليس أن تعرف ماذا ينبغي؟ أن تعلم ماذا ينبغي أن تكون عليه, من حال الإنابة، وحال الاستنصار بالله، والاعتماد عليه، والتوكل عليه، وطلب الوسيلة إليه؟ هذا بعض ما ينبغي على المؤمن أن يكون عليه.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-02-2018, 06:28 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية من مفهوم القران والسنة

الدرس : ( السادس و العشرون )

الموضوع : مستلزمات التوحيد ( 6 ) الانابة




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين . من لوازم التوحيد: الإنابة إلى الله :
أيها الأخوة الكرام, مع الدرس السادس والعشرين من دروس العقيدة الإسلامية، ومع موضوع الإنابة, على أنها من لوازم التوحيد .
الشيء الذي أتمنى أن يكون واضحاً لديكم تماماً: أن في كتب تقليدية, العقيدة أن تؤمن بكذا، وكذا، وكذا, لكن يضاف الآن: أن العقيدة أن تؤمن بكذا، وكذا، وأن يكون لك هذه الأحوال؛ أن تكون متوكلاً، أن تكون منيباً، أن تكون تائباً، أن تكون مخلصاً، فمن لوازم التوحيد: أن تكون منيباً إلى الله .
الدليل :
والدليل: أن الله عز وجل يقول:
﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾
[سورة هود الآية: 75]
﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ * وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾
[سورة ق الآية: 6-8]
﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آَيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقاً وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ﴾
[سورة غافر الآية: 13]
﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾
[سورة الزمر الآية: 54]
يصف جل ثناؤه المؤمنين, بأنهم منيبون إليه، قال تعالى: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾
[سورة الروم الآية: 31]
فالإنابة إلى الله من لوازم التوحيد، الشيء الذي أتمنى أن يكون واضحاً لديكم: شطر العقيدة ما ينبغي أن تعتقد، وشطرها الثاني ما ينبغي أن تكون عليه، فإن كنت تعتقد الصواب، ولم تكن كما ينبغي, فهناك خلل في عقيدتك، لأنك لم تنتفع بهذا الذي اعتقدت به . هذه الإنابة العامة :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3364/01.jpg
أيها الأخوة الكرام, الإنابة إنابتان، هؤلاء أهل الأرض, ستة آلاف مليون إنسان, كلهم ينيبون إلى الله عند الشدة، فسّاقهم، وكفّارهم، ملحدوهم, ومؤمنوهم، أيّ إنسان إذا ركب في البحر، وكاد يغرق, يلتجئ إلى الله عز وجل .
حدثني أخ, كان في طائرة, تنقلُّه من بلد مسلم إلى بلد كان سابقاً يؤمن بأنه لا إله، وعلى متن هذه الطائرة خبراء ملحدون جميعاً، ودخلت الطائرة في سحابة مكهربة، وأوشكت على السقوط، فإذا بكل هؤلاء الملحدين يرفعون أكفهم إلى الله يستغيثون به، قال تعالى:
﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ * انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾
[سورة الأنعام الآية: 23-24]
هذه الإنابة الأولى، أيّ إنسان مؤمن أو كافر، ملحد أو مستقيم، عاص, وفاسق, وفاجر, إذا جاءته الشدة، كأنْ أجرى فحصًا لورم خبيث, يقول: يا رب, لا إله ولا شافي غيرك، هذا الضعيف لا يتذكر ربه إلا عند الشدة، هذه إنابة عامة، هذا شيء يذكرنا بقوله تعالى:
﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾
[سورة الحديد الآية: 4]
مع كل عباده، مع مؤمنهم، مع كافرهم، فاسقهم، وعاصيهم، وفاجرهم, وملحدهم، معهم بعلمه .
هذه الإنابة الخاصة :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3364/02.jpg
أيها الأخوة, لكن الله إذا قال: إن الله مع المؤمنين، مع المتقين، مع الصادقين، مع التائبين، معهم بالحفظ، والتأييد، والنصر، والتوفيق، فالإنابة صفة مشتركة بين كل الخلق عند الشدة، لكن المؤمن ينيب إلى الله في الرخاء، يعود إليه مختاراً، يعود إليه وهو قوي، يعود إليه وهو صحيح، وهو في مقتبل الحياة، وهو في أوجه، يعود إليه محبةً، يعود إليه شوقاً، فلذلك ينبغي أن نفرق بين إنابة عامة وإنابة خاصة، كما نفرق بين معية عامة ومعية خاصة .



الدليل من الكتاب على الإنابة العامة :
الدليل على الإنابة العامة قوله تعالى:
﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ﴾
[سورة الزمر الآية: 8]
حدثني أخ في بلد إسلامي, أصابه زلزال مخيف، أقسم لي أن المساجد في الصلوات الخمس لا تتسع للمصلين، كانوا يصلون في صحن المسجد، بينما في الرخاء لا تجد صفَّين، أما عقب الزلزال, جاءت الإنابة إلى الله عز وجل .
أنا أقول لكم: أنت حينما تعود إلى الله وأنت صحيح من دون مصيبة, فهذا شوق، وهذا حب، وهذا اختيار، وهذه بطولة، أما عند الشدة فأيّ إنسان يعود إلى الله، قال تعالى:
﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾
[سورة الروم الآية: 33]
ثم يقول الله عز وجل: ﴿فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾
[سورة النحل الآية: 55]
إليكم شرح هذا الحديث :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3364/03.jpg
أيها الأخوة, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، وْيُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنْ الدُّنْيَا))
[أخرجه مسلم في الصحيح، والترمذي في سننه]
حينما تؤثر الدنيا على حساب دينك، أحياناً الإنسان يبيع دينه بفتوى، يفتي بخلاف ما يعلم، يقول مثلاً: على المسلمات في البلد الفلاني أن يخلعن الحجاب، يفتي بخلاف ما يعلم، ويقول: الذين منعوا الحجاب معهم الحق، باع دينه، باع كل آخرته بفتوى، أنت حينما تؤثر الدنيا على دينك, فقد بعت دينك بعرض من الدنيا قليل، إذاً: نحن في زمن الفتن، فتن كقطع الليل المظلم، ظلمات وراء ظلمات، ظلمات الضلالات، ظلمات الشبهات، ظلمات المعاصي، ظلمات الانحرافات، يوجد انقباض، وتطرح فكرة تتناقض مع الدين، يروج لها أعداء الدين، كل يوم ينتقص من الدين .
هذا زمن الفتن :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3364/04.jpg
صدر كتاب في بلد عربي، هذا الكتاب محوره وعنوانه: مراثي اللات والعزى، الأصنام قبل الإسلام, عاشت حياة ديمقراطية، فكل صنم يؤمن بالصنم الآخر، أي سمح الصنم اللات للعزى أن تكون موجودة, أما صنم محمد فقد ألغى كل الآلهة، قمعي، كتاب لا يصدق، أي إنّ الإله الذي دعا إليه النبي عليه الصلاة والسلام إله قمعي، لم يسمح بإله معه أبداً، أما الآلهة التي كانت قبل البعثة, فعاشت حياة ديمقراطية، وكل صنم اعترف بالصنم الآخر، وتعايشوا، ظلمات بعضها فوق بعض، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم .
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنْ الدُّنْيَا))
[أخرجه مسلم في الصحيح، والترمذي في سننه]
أعرف شخصاً, له ابن, توفاه الله في العاشرة من عمره، فترك الأبُ الصلاة كلياً.
أعرف أناساً الآن عقب محن المسلمين، ولاسيما سقوط بغداد, تركوا الصلاة .
((يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنْ الدُّنْيَا))
طرفة :
كطُرفة لعلي ذكرتها كثيراً: رجل بدوي, له أرض شمالي جدة, فلما توسعت جدة, اقتربت من أرض المدينة الواسعة، وارتفعت أسعارها، فأراد أن يبيعها، اشتراها مكتب خبيث جداً بربع ثمنها، وأنشؤوا بها بناء عالياً, يزيد على عشرة طوابق، لكن هم شركاء ثلاثة؛ أول شريك وقع من سطح البناء فنزل ميتاً، وثاني شريك دهسته سيارة، فانتبه الثالث، فبحث عن صاحب الأرض ستة أشهر حتى عثر عليه، ونقده ثلاثة أضعاف حصته ليسامحه، فقال له هذا البدوي: أنت لحقت حالك .
((بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنْ الدُّنْيَا))
قصة :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3364/05.jpg
أنا ذكرت قصة الإمام الذي ركب مركبة في بريطانيا، ودفع للسائق قطعة ورق نقدية كبيرة، ردّ له السائق الباقي، وهذا السائق جلس الإمام في مقعده، عدّ المبلغ الذي رده له, فوجده يزيد على ما يستحق عشرين سنتا، فلما حدث نفسه أنه أنا مسلم, ينبغي أن أردّ الزيادة إلى السائق, جاءه خاطر شيطاني, أنه مبلغ زهيد جداً، والشركة عملاقة، ودخلها فلكي، ولا تتأثر بهذا المبلغ، لعله هبة من الله خصني به، النتيجة: أن كلامه الثاني خطأ، هذا كلام شيطاني، فلما جاء وقت نزوله من المركبة, وقف أمام السائق دون أن يشعر، وأعطاه العشرين سنتاً، قال له: هذه زيادة، فتبسم السائق، وقال له: ألست إمام هذا المسجد؟ قال: بلى، قال له: والله حدثت نفسي أن أزورك في مسجدك, لأتعبد الله عندك، ولكنني أردت أن أمتحنك قبل أن أزورك، فصعق، ووقع على الأرض، فلما استعاد وعيه, قال: يا رب كدت أبيع الإسلام بعشرين سنتاً .
واللهِ كل يوم ملايين المسلمين يبيعون دينهم بالسنتات، أو بالدولارات، أو بالليرة السورية، أو بحصة من محل، أو باغتصاب لإرث، أو باغتصاب لشركة، أو باغتصاب لبيت ، هذا الذي يقيم شعائر الله، ويأخذ حقوق الناس، هذا يعمل عملاً معاكساً للدعاة، هذا منفّر، هذا الذي يسبب أن يكفر الناس بالدين، هذا الذي يسبب أن يقول الرجل: أتعامل مع الشيطان، ولا أتعامل مع إنسان متدَيِّن، هذه المشكلة الكبرى الآن .
ماذا تنتظر من الدنيا؟ :
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سَبْعًا؛ هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلَّا فَقْرًا مُنْسِيًا, أَوْ غِنًى مُطْغِيًا, أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا, أَوْ هَرَمًا مُفَنِّدًا, أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا, أو الدَّجَّالَ, والدجال فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ, أوْ السَّاعَةَ, والسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ؟))
[أخرجه الترمذي والنسائي في سننهما]
هل ينتظر الإنسان من المستقبل في الدنيا إلى أن يخسر بعض تجارته؟ هذا شيء واقع دائماً، أو أن يأتيه المال فيكون طاغياً به، أو يأتيه مرض يفسد عليه حياته، أو خرف وتقدُّم في السن، يصبح مخرّفاً، أو يأتيه الموت مجهزاً، أو الدجال كما تسمعون، يقتلون، ويقصفون، ويبيدون، وينهبون الثروات، وجئنا من أجل حريتكم، وجئنا من أجل أن تستمتعوا بالديمقراطية التي نستمتع بها، كلام يخرجك من جلدك، هذا الدجال .
أنواع الإنابة :
1-إنابة بالاستغفار :
أيها الأخوة, أنواع الإنابة: إنابة بالاستغفار، المؤمن لا يفتأ يستغفر الله عز و جل، عن شَدَّادُ بْنُ أَوْسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ, عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
((سَيِّدُ الِاسْتِغْفَارِ أَنْ يقُولَ العبد: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي, لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي, فَاغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، مَنْ قَالَهَا مِنْ النَّهَارِ مُوقِنًا بِهَا, فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِيَ, فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَمَنْ قَالَهَا مِنْ اللَّيْلِ وَهُوَ مُوقِنٌ بِهَا, فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ, فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ))
[أخرجه البخاري في الصحيح]
هكذا يقول عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح، سيد الاستغفار أن تقول هذا الدعاء .
بماذا وصف الله المؤمنين في هذه الآية؟ :
وقد وصف الله المؤمنين بأنهم يستغفرون:
﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾
[سورة آل عمران الآية: 135]
مما يؤكد معنى هذه الآية: حديثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ, عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, أَنَّهُ قَالَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ:
((ارْحَمُوا تُرْحَمُوا، وَاغْفِرُوا يَغْفِرْ لَكُمْ، وَيْلٌ لِأَقْمَاعِ الْقَوْلِ، وَيْلٌ لِلْمُصِرِّينَ الَّذِينَ يُصِرُّونَ عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ))
[أخرجه أحمد في مسنده]
يبدو أن أسوأ المذنبين الذي يرتكب الذنب، ويصر عليه، ويفتخر، الله عز وجل يطمئننا ويبشرنا:
﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً﴾
[سورة النساء الآية: 110]
من الأحاديث التي وردت بشأن الاستغفار :
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ))
[أخرجه البخاري في الصحيح, والترمذي في سننه]
ومن أذكار النبي عليه الصلاة والسلام: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ قَالَ:
((كَلِمَاتٌ لَا يَتَكَلَّمُ بِهِنَّ أَحَدٌ فِي مَجْلِسِهِ, عِنْدَ قِيَامِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ إِلَّا كُفِّرَ بِهِنَّ عَنْهُ، وَلَا يَقُولُهُنَّ فِي مَجْلِسِ خَيْرٍ, وَمَجْلِسِ ذِكْرٍ إِلَّا خُتِمَ لَهُ بِهِنَّ عَلَيْهِ، كَمَا يُخْتَمُ بِالْخَاتَمِ عَلَى الصَّحِيفَةِ، سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ, لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ, أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ))
[أخرجه أبو داود في سننه]
ما معنى هذا الحديث؟ :
الحديث الذي قد يدعو إلى الحيرة، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ, لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ, فَيَغْفِرُ لَهُمْ))
[أخرجه مسلم في الصحيح]
المعنى هناك: إن لم تشعروا بذنوبكم فأنتم هالكون، لو لم تذنبوا بمعنى لو لم تشعروا بذنوبكم، فالمؤمن ذنبه كالجبل، بينما المنافق ذنبه كالذباب، لا يعبأ به، هذه الإنابة الأولى، إنابة الاستغفار .
2-إنابة القلب بمعاكسة انشغال الإنسان بأحوال الدنيا ومجاهدة النفس والهوى :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3364/06.jpg
الإنابة الثانية: إنابة في القلب بمعاكسة انشغال الإنسان بأحوال الدنيا، أقول دائماً: الشيطان يوسوس للإنسان أن يكفر إن رآه على إيمان، يوسوس له أن يشرك إن رآه على توحيد، يوسوس له أن يبتدع إن رآه على سنة، يوسوس له بكبيرة إن رآه على طاعة، يوسوس له بصغيرة إن رآه على ورع, يوسوس له بالتحريش بين المؤمنين، عي، حوار، مشاكل، فلان يفهم، فلان لا يفهم، فلان ليست هذه نيته، ليس له همّ إلا أن ينتقد من حوله، الورقة قبل الأخيرة بيد الشيطان، أما آخر ورقة فهي المباحات، يغرق في المباحات, إلى أن ينسى الله عز وجل، هذه أوراق الشيطان .
الآن إنابة القلب بمعاكسة انشغاله بأحوال الدنيا، ومجاهدة النفس والهوى، وأنا أرى أن هذه المجاهدة هي الأولى، لا تستطيع أن تجاهد أيَّ جهاد آخر قبل أن تجاهد نفسك وهواك ، إن لم تنتصر على نفسك فلا تستطيع أن تواجه نملة، جهاد النفس والهوى، ثم الجهاد الدعوي ، ثم الجهاد البنائي، ثم الجهاد القتالي إن أتيح للمسلمين .
قال بعض العلماء: خير القلوب قلب رجاع إلى الله، لهاج بذكره، وذكر نعمائه وفضله، متقلل من دنياه، ومن إعمال النظر في زخارف الدنيا، هذا أفضل قلب عند الله .
3-الإنابة إلى الله بالمال :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3364/07.jpg
الإنابة الثالثة: الإنابة إلى الله بالمال، تنيب إليه بالاستغفار، وتنيب إليه بمجاهدة النفس والهوى، وتنيب إليه بإنفاق المال:
﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾
[سورة البقرة الآية: 195]
المعنى إن لم تنفقوا، إن لم تنفقوا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة، ويوجد معنى آخر:
﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾
[سورة البقرة الآية: 195]
نسيتم أهلكم وأولادكم، ومن يلوذ بكم، نسيتم أن هناك حاجات أساسية لأولادك، أولادك من لهم غيرك؟ فإنفاق المال كله بشكل عشوائي أيضاً هذا نوع من الهلاك، لكن المؤمنين ينفقون في السراء والضراء، كما قال الله عز وجل .
من الأحاديث التي وردت عن النبي بشأن إنفاق المال :
أخرج الإمام البخاري في صحيحه, عَنْ عُقْبَةَ قَالَ:
((صَلَّيْتُ وَرَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ الْعَصْرَ, فَسَلَّمَ, ثُمَّ قَامَ مُسْرِعًا, يتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ إِلَى بَعْضِ حُجَرِ نِسَائِهِ, فَفَزِعَ النَّاسُ مِنْ سُرْعَتِهِ, فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ, فَرَأَى أَنَّهُمْ عَجِبُوا مِنْ سُرْعَتِهِ, فَقَالَ: ذَكَرْتُ شَيْئًا مِنْ تِبْرٍ عِنْدَنَا, فَكَرِهْتُ أَنْ يبيت عندنا, فَأَمَرْتُ بِقِسْمَتِهِ))
[أخرجه البخاري في الصحيح، والنسائي في سننه]
وعن أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:
((جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ أَجْرًا؟ قَالَ: أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ, تَخْشَى الْفَقْرَ وَتَأْمُلُ الْغِنَى، وَلَا تُمْهِلُ, حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ الْحُلْقُومَ قُلْتَ: لِفُلَانٍ كَذَا، وَلِفُلَانٍ كَذَا، وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ))
البطولة: أن تنفق المال وأنت في أشد الحاجة إليه، أن تنفق المال وأنت صحيح، أن تنفق المال وأنت شحيح . 4-الصبر على المحن :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3364/08.jpg
الإنابة الرابعة: الصبر على المحن، نحن في محن الآن، فالمؤمن متماسك، المؤمن واثق من حكمة الله، واثق من رحمته، مستسلم لقضائه وقدره، مع أن الأشياء صعبة جداً، لذلك قال تعالى:
﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾
[سورة الزمر الآية: 17-18]
وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: حُفَّتْ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ، وَحُفَّتْ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ))
[أخرجه مسلم في الصحيح، والترمذي في سننه]
اسلك هذا الطريق :
المؤمن يسيء فهمَ المعصية، المعصية محببة، المعصية أن تجلس في البيت، لا أن تأتي إلى مسجد, فيه درس علم، بيتك مريح دافئ، وفيه كل وسائل الراحة، أما في الجامع فلعله يكون أقلَّ، لكنك سلكت طريق العلم .
عنْ قَيْسِ بْنِ كَثِيرٍ قَالَ:
((سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يطلب فِيهِ عِلْمًا, سَلَكَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقًا من طرق الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضَى لِطَالِبِ الْعِلْمِ))
[أخرجه أبو داود والترمذي في سننهما]
لم خصصت التكاليف بالأجر الكبير؟ :
أيها الأخوة, هناك تكاليف، والتكاليف تعني أشياء ذات كلفة، غض البصر فيه جهد، أداء الصلوات فيه جهد، ضبط اللسان فيه جهد، الاستيقاظ إلى الصلاة فيه جهد، فالتكاليف تعاكس طبيعة الجسد، وهي ذات كلفة، لذلك لها أجر كبير، يجمعها قوله تعالى:
﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآَثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾
[سورة النازعات الآية: 37-41]
من علامة الإيمان :
هناك قول لبعض العلماء: لن تفقه كل الفقه, حتى تمقت الناس في ذات الله، ثم ترجع إلى نفسك فتكون أشد لها مقتاً .
تجد أناساً يكذبون, ويمزحون مزاحاً ساقطاً، ويختلطون مع نساء لا يحللن لهم، ويحتالون، ويتلطفون، يقيمون حفلات جميلة، فأنت منسجم مع الجماعة، مرتاح تماماً، ما دام منسجمًا مع هذا المستوى, فأنت بعيد عن الإيمان، أما حينما يغضبك كذبهم ونفاقهم، حينما تغضبك شهواتهم المحرمة التي يأتونها، حينما يغضبك احتيالهم، حينما يغضبك كسب أموالهم بالحرام، حينما تشعر بغربة، حينما تمقت العصاة في ذات الله, فأنت مؤمن، أما إذا كنت منسجمًا معهم, الناس كلهم خير وبركة، الحمد لله كل الناس جيدون، يرى بعينيه انحرافهم, وكذبهم, ونفاقهم, وشركهم, وتملقهم، فأنت إن لم تمقتهم, معنى ذلك أنت منهم، علامة إيمانك بآخر الزمان: إحساسك بالغربة، لا تركن إلا لمؤمن صادق، ليس فيه كذب، مؤمن ورع، عفيف، أمين، ترتاح له، أما إذا كنت مرتاحاً لكل الناس على فسقهم, وفجورهم, ونفاقهم, وكذبهم, فهذه علامة خطيرة ليست في صالحك .
هناك قول لبعض العلماء: لن تفقه كل الفقه, حتى تمقت الناس في ذات الله، ثم ترجع إلى نفسك فتكون أشد لها مقتاً .
نقطة دقيقة :
قال بعض العلماء: الخروج من التبعات, والتوجع للعثرات، واستدراك الفائتات، والخلاص من لذة الذنب، وترك الاستهانة بأهل الغفلة تخوفاً عليهم مع الرجاء لنفسك .
النقطة دقيقة جداً: أن تخشى على الناس، ولا تخشى على نفسك، قال لي واحد: سوف أعتمر، وأهبها للنبي، قلت له: انفد بريشك أنت، هو مغفور له كل ذنبه، مبشر بالجنة، فسوف يقدم للنبي هدية عمرة، لم ترد هذه في السنة إطلاقاً، يتوجع على الناس، وهو غارق في أخطائه .
5- إنابة إلى الله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3364/09.jpg
من الإنابة أيضاً: إنابة إلى الله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هذه سماها العلماء الفريضة السادسة، وهي في القرآن الكريم من علة خيرية هذه الأمة، فإن لم تأمر بالمعروف ولم تنه عن المنكر فقدت خيريتها، وأصبحت كأيّ أمة خلقها الله، قال تعالى:
﴿كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾
[سورة النساء الآية: 59]
فإن لم نأمر بالمعروف ولم ننه عن المنكر فقدنا خيريتنا، لذلك: أهلَك الله بني إسرائيل لأنهم كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه، لا تجامل أحداً، يجب ألاّ تأخذك في الله لومة لائم، من أعان ظالماً سلطه الله عليه، من أعان ظالماً، ولو بشطر كلمة, سلطه الله عليه .
قال تعالى:
﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾
[سورة الأعراف الآية: 165]
﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾
[سورة آل عمران الآية: 104]
هذا ما قاله النبي عليه الصلاة والسلام :
يقول عليه الصلاة والسلام:
((والذي نفسي بيده, لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر, أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً منه، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم))
[أخرجه الترمذي في سننه]
بربكم, هذه الثياب التي تصف أعضاء المرأة، هذه الفتاة أليس لها أب، وعم، وأخ، وخال؟ كلهم مسلمون، لا يوجد أحد ينهاها عما تفعل؟ هذا أقرب شيء إلينا، هؤلاء الفتيات في الطرقات بنات من؟ بنات المسلمين، تكون أمها إلى جنبها محجبة حجاباً كاملاً، كيف رضيت من ابنتها أن تخرج هكذا؟ كيف رضي أبوها؟ كيف رضي أخوها، عمها، خالها؟ .
هذا الذي يقول عنه النبي عليه الصلاة والسلام:
((والذي نفسي بيده, لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر, أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً منه، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم))
الآن في حرب العراق, أنا فيما أعلم: أنّ مساجد العالم الإسلامي بأكملها في كل الصلوات قنتت، وقالت: اللهم دمر أعداء المسلمين، اللهم شتت شملهم، اللهم اجعل بأسهم بينهم ، اللهم اجعل تدميرهم في تدبيرهم، الله ما استجاب، لأن المسلمين لم يتناهوا عن منكر فعلوه. حديث دقيق :
يقول عليه الصلاة والسلام في حديث دقيق جداً، ونحن في أمس الحاجة إليه:
((يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله, ينفون عنه تحريف الغالين، وتأويل الجاهلين, وانتحال المبطلين))
[أخرجه البزار في مسنده]
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا))
[أخرجه أبو داود في سننه]
من هم القرون الذين شهد النبي لهم بالخيرية؟ :
قال عبد الله بن مسعود: من كان مستناً فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة .
أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم, كانوا أفضل هذه الأمة، وأبرّها قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً، اختارهم الله لصحبة نبيه، ولإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم على آثارهم .
لذلك:
((إن الله اختارني, واختار لي أصحابي))
هؤلاء شهد لهم النبي بالخيرية، وهم القرون الثلاثة الأولى .
عَنْ عِمْرَان بْنَ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: ((قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: خَيْرُ الناس قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثم إِنَّ بَعْدَهم قَوْمًا يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَنْذِرُونَ وَلَا يَوفُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمْ السِّمَنُ))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي والنسائي في سننهم]
6- الإنابة إلى الله عند الشعور بدنوِّ الأجل
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3364/10.jpg
الإنابة إلى الله عند الشعور بدنوِّ الأجل، فيرضى المؤمن عن الله، وعن قضائه، ويستسلم لأمره.
عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَى شَابٍّ وَهُوَ فِي الْمَوْتِ, فَقَالَ:
((كَيْفَ تَجِدُكَ؟ قَالَ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أَرْجُو اللَّهَ، وَإِنِّي أَخَافُ ذُنُوبِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا يَجْتَمِعَانِ فِي قَلْبِ عَبْدٍ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْطِنِ, إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ مَا يَرْجُو، وَآمَنَهُ مِمَّا يَخَافُ))
[أخرجه الترمذي في سننه]


بماذا ينهانا النبي في هذا الحديث؟ :
عَنْ أُمِّ الْفَضْلِ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَى الْعَبَّاسِ، وَهُوَ يَشْتَكِي، فَتَمَنَّى الْمَوْتَ، فَقَالَ:
((يَا عَبَّاسُ، يَا عَمَّ رَسُولِ اللَّهِ، لَا تَتَمَنَّ الْمَوْتَ، إِنْ كُنْتَ مُحْسِنًا تَزْدَادُ إِحْسَانًا إِلَى إِحْسَانِكَ خَيْرٌ لَكَ، وَإِنْ كُنْتَ مُسِيئًا فَإِنْ تُؤَخَّرْ تَسْتَعْتِبْ خَيْرٌ لَكَ، فَلَا تَتَمَنَّ الْمَوْتَ))
ينهى النبي عليه الصلاة والسلام عن تمني الموت . خلاصة القول :
أيها الأخوة, هذه مرتبة من مراتب التوحيد، أن تنيب إلى الله؛ إما بالاستغفار، وإما بمجاهدة النفس والهوى، وإما بإنفاق المال، وإما بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإما بالاستعداد للموت، هذه أنواع الإنابة إلى الله عز وجل .
أختم هذا الدرس بالفكرة التي أحرص عليها حرصاً شديداً: ليس علم العقيدة أنك تعتقد ما ينبغي أن تعتقد، ينبغي أن تعتقد ما ينبغي أن تعتقد، وأن تكون على ما ينبغي أن تكون، فالإنابة من لوازم التوحيد، والاستغفار من لوازم التوحيد .
في درس قادم إن شاء الله, نتحدث عن التوبة لأنها من لوازم التوحيد .








والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-02-2018, 06:31 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية من مفهوم القران والسنة

الدرس : ( السابع و العشرون )

الموضوع : مستلزمات التوحيد ( 7 ) التوبة





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين . من لوازم سلامة العقيدة أن تكون تائباً إلى الله :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3365/01.jpg
أيها الأخوة الكرام, مع الدرس السابع والعشرين من دروس العقيدة الإسلامية، ولعلكم لاحظتم أن مفهومات العقيدة الصحيحة: أنه ما ينبغي أن تعتقد، وما ينبغي أن تقول، وليس علم العقيدة هو ما ينبغي أن تعتقد، علم العقيدة ما ينبغي أن تعتقد، وما ينبغي أن تقول، فمن لوازم سلامة العقيدة: أن تكون تائباً إلى الله عز وجل .
الحقيقة: أن التوبة حبل النجاة، التوبة صمام الأمان، التوبة سبيل الخلاص، التوبة هي علاج الضعف البشري، الإنسان ركب من شهوة وعقل، إن غلبت عليه شهوته, فالعلاج هو التوبة، تصوروا أن ديناً ليس فيه توبة, ما الذي يحصل؟ بأقل ذنب يفجر الإنسان، ما مادام باب التوبة مغلقاً, فلابد من متابعة المعصية .
حينما يقول الله عز وجل:
﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾
[سورة الزمر الآية: 53]
معنى ذلك: أن التوبة صمام الأمان، والتوبة حبل النجاة، أو قارب النجاة .
أيها الأخوة الكرام, لكن الله عز وجل يقول:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً﴾
[سورة التحريم الآية: 8]
أجمل ما في هذه الآية: أن التوبة النصوح تنصح بها نفسك، وأعظم نصيحة تقدمها إلى نفسك: أن تتوب من الذنوب قبل فوات الأوان .
مراحل التوبة :
1-علم وحال :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3365/02.jpg
التوبة في الحقيقة: علم وحال وعمل، فيها جانب معرفي، وفيها جانب سلوكي، وفيها جانب نفسي، فأنت مثلاً: لا يمكن أن تعالج نفسك من ضغط مرتفع, إلا إذا علمت أن معك ضغطًا مرتفعًا، لا يمكن أن تتوب من ذنب, لا تعرف أنه ذنب، ربما تتوهمه عملاً صالحاً، إذاً: تبدأ التوبة من طلب العلم، ما لم تطلب العلم فلن تتوب، لأن الغارق في المعاصي إن سألته: ما هذه المعاصي؟ يقول: أيّ معاص؟ إنسان تاب الله عليه، وكان في حقل لا يتناسب مع الدين, التقى بإنسان من أرباب هذا الحقل، قال له: لماذا تبت؟ وماذا فعلت حتى تتوب؟ .
فالتوبة لا تبدأ إلا من معرفة الله، ومعرفة منهج الله، فقبل أن تطلب العلم لا تطمع أن تتوب، لأن الأمور عندك مختلطة، القسم الحرام تظنه حلالاً، والفكرة التي تتناقض مع وحي الله, تظنها من الدين .
هناك قصص كثيرة جداً, تشير إلى أن الإنسان إن لم يطلب العلم, يتوهم أن أخطاءه أشياء مألوفة، يفعلها كل الناس، وليس فيها معصية، إذاً: التوبة علم، علم يتبعه حال، التوبة ندم.
قال عليه الصلاة والسلام:
((التوبة الندم))
والحقيقة: أن في هذا الحديث ملمحًا رائعًا، ذكر النبي عليه الصلاة والسلام أخطر مراحل التوبة، قال شارحو الحديث: الندم يستوجب علماً، ويعقبه عمل، فكأن ضربة النبي عليه الصلاة والسلام كما يقال: ضربة معلم، التوبة ندم؛ يسبقه علم، ويتبعه عمل . 2-الندم :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3365/03.jpg
الآن كي أوضح هذه الحقيقة: أنت أمام إنسان في بستان, رأى أفعى، ما الذي يحصل ؟ أول شيء بحلق بها، فإذا هي أفعى، فاضطرب الحال، فولى هارباً، أو قتلها، وهذا قانون، علاقة الإنسان بالمحيط الخارجي؛ إدراك، انفعال، سلوك، ولا يمكن أن يكون الإدراك من دون انفعال، ولا يمكن أن يكون الانفعال من دون سلوك .
تعرف أنك متلبس بمعصية كبيرة، تعرف أن هذه المعصية حجاب بينك وبين الله، تعرف أن هذه المعصية قد تقودك إلى الهلاك، تندم أشد الندم، تتألم، تضطرب، تخاف، تعقد العزم على أن تقلع عن هذا الذنب، وألاّ تعود إليه أبداً، وأن تصلح ما مضى .


3-عمل :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3365/04.jpg
المرحلة الثالثة التي هي عمل؛ فيها عزيمة، وفيها إقلاع، وفيها إصلاح، الإقلاع فورًا ، والعزيمة مستقبلاً، والإصلاح إذا كان موضوع التوبة متعلقاً بحق من حقوق البشر، والآية التي عدها العلماء أرجى آية في القرآن الكريم:
﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾
[سورة الزمر الآية: 53]
أيها الأخوة الكرام, أحياناً تختلط الأوراق، الله عز وجل غفور رحيم، وقد يغيب عن هذا الذي يقول: إن الله غفور رحيم؛ أنه شديد العقاب، وأرجى آية في القرآن الكريم لو تابعتها:

﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾
[سورة الزمر الآية: 53-55]
أرجى آية في القرآن الكريم في نهايتها: إن لم تتب, فالعذاب آت لا محالة .
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3365/05.jpg
مرة قال طبيب لمريض كلمة رائعة, قال له: معك مشكلة في القلب، إن تلافيتها فهي صغيرة، وإن أهملتها فهي كبيرة، كلام جميل، والذنب أحياناً: إن أردت أن تتوب منه, فالقضية سهلة جداً، وإن أهملته, فهذا الذنب قد ينقلب إلى عادة، ومن أصعب الأشياء: أن يتخلى الإنسان عن عاداته، أنت تبدأ بخاطرة، بفكرة، بهمٍّ، بإرادة، بفعل، بعادة، هذا الذي قاله الله عز وجل:
﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾
[سورة الحديد الآية: 16]
من هنا: أدق معنى نحتاجه في هذا الدرس قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾
[سورة النساء الآية: 17]
لا تجعل مسافة طويلة بين ارتكاب الذنب -لا سمح الله- وبين التوبة منه، هذه المسافة الطويلة تجعلك تألف الذنب، وهذه المسافة الطويلة تجعلك تظن أنه ليس بذنب، لأنك ألفته .
حدثني أخ ذهب إلى بلاد بعيدة في الغرب، قال لي: المعاصي والآثام التي نعرفها في بلادنا, أنه معاص وآثام كبيرة جداً, هناك هينة جداً على الناس لكثرة ألفتها .
في اللغة أداة توكيد، قال تعالى:
﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾
[سورة الزمر الآية: 53]
فما من ذنب لا يغفر، ولكن هناك أسباب للمغفرة، القصة المألوفة: أن الذي قتل تسعة وتسعين رجلاً، ثم جاء ليتوب، سأل راهباً قليل العلم بحقائق النفس، وبأسماء الله، فقال له: هل لي من توبة؟ فقال له: لا، فكمّل به المئة، أما الثاني فقال له: لك توبة، على أن تغادر هذه الأرض .
سؤال خطير :
الآن سأجيب عن أخطر سؤال يطرح، أنا هذا السؤال تواتر كثيراً علي، أنه يُقترف ذنب، ثم يتوب الإنسان منه، ثم يعود، ثم يتوب، ثم يعود، ثم يتوب، يقول لي: إلى متى؟ لأنك ما دمت تعيش في أجواء تدعوك إلى المعصية, فلا بد من أن تعصي، لأنك تغافلت عن قوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾
[سورة التوبة الآية: 119]
وتغافلت عن قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾
[سورة الكهف الآية: 28]
ابحث عن البيئة التي أنت فيها . http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3365/06.jpg
أنا أقول لكم دائماً أيها الأخوة: عش مع المترفين تتمنَّ الترف، عش مع الساقطين تشتهِ السقوط, عش مع أهل الشهوات ترَ أن الشهوات شيء ممتع جداً، عش مع طلاب العلم ترَ أن طلاب العلم حققوا نجاحاً كبيراً، قل لي من تصاحب, أقل لك: من أنت؟ لذلك: موضوع الحمية الاجتماعية, الإسلام ركز عليه كثيراً، قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾
[سورة الممتحنة الآية: 13]
﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾
[سورة المائدة الآية: 51]
أنا لا أرى طالب علم تفوق إلا مع حمية اجتماعية، أما أن يصاحب أي إنسان، فأي إنسان يتكلم كما يشتهي، قد ينطق بالمعصية، قد ينطق بالشهوات، قد يزين لك الشهوات، وهذا الذي يزين لك المعصية, يقوم بدور الشيطان تماماً، قال تعالى:
﴿فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾
[سورة النحل الآية: 63]
يمكن أن نلخص موضوع التوبة: أنه قبل كل شيء طلب علم، فما لم تطلب العلم, فلا تستطيع أن تتوب .
من عشر سنوات تقريباً, استوقفني بجريدة يومية خبر، أن سائق سيارة استوقفته امرأة، فلما سألها: إلى أين ذاهبة؟ قالت له: إلى حيث تريد، ففهم، وعدّ هذه غنيمةً كبيرة، وبعد أن قضى ما يتمناه منها, أعطته ظرفين؛ الظرف الأول فيه خمسة آلاف دولار، والظرف الثاني فيه رسالة مكتوب فيها: مرحباً بك في نادي الإيدز، والمبلغ مزور، فأودِع في السجن، السجن والرسالة جعلته في نادي الإيدز .
تعليقي على هذه القصة: أن هذا الإنسان لو حضر مجلس علم ما كان بهذه الحالة، ولركل هذه المرأة بقدمه حينما قالت له: خذني حيث تريد .
أول خطبة خطبتها في هذا المسجد, أذكر في عام أربعة وسبعين، استوقفني أخ كريم ، وقال لي وهو يبكي، عمره في الستين، بكاؤه لفت نظري، قلت: خيرًا؟ قال: زوجتي تخونني من سنتين، ولي منها خمسة أولاد، قلت له: مع من؟ قال: مع الجار، قلت له: كيف عرفها الجار؟ قال: أنا السبب، كنت مرة في سهرة أنا وإياها, فجاء جارنا، فدعوتها أن تكون معنا، قال لها: إنه مثل أخيكِ، فجلست، فقلت له: لو أنك حضرت درس علم واحدًا, لما دعوتها إلى أن تجلس معك, فلذلك: الاختلاط, والغفلة, والبعد الطويل عن البيت, أسباب للانحراف، أنت حينما تطلب العلم تطلب السلامة، تطلب السعادة، الحمد لله, قلما تجد مؤمنًا طالب علم وقع في ورطة كبيرة .
إذاً: أن يطلب العلم، وأن يندم، وإذا ما ندم, معنى ذلك: أن طلبه للعلم ليس صحيحاً، حينما ترى ثعباناً مخيفاً ولا تخاف منه, فهناك خلل في إدراكك، ومشكلة كبيرة، المؤمن يخاف من الله .
لم يقع الناس في الحرام؟ :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3365/07.jpg
يا أيها الأخوة الكرام, أنا متأكد أن الحلال بيّن والحرام بيّن، ولكن السؤال: لمَ يقع الناس في الحرام؟ لأن صحبتهم سيئة، بيئتهم فاسدة، من حولهم ليسوا على ما ينبغي، لذلك في آخر الزمان قال تعالى:
﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقاً﴾
[سورة الكهف الآية: 16]
العلماء يقولون: من الوسيلة التي أمرنا بها صحبة الصالحين، قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾
[سورة المائدة الآية: 35]
الوسيلة من معانيها صحبة الصالحين . لا تسوف في التوبة :
قال تعالى:
﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً * مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً﴾
[سورة نوح الآية: 10-13]
كلما وقرت ربك أكثر, خفت أن تعصيه أكثر، وكأن هناك علاقة بين الخشية والتوبة، والله أعلم هناك مداخل للشيطان لا تعد ولا تحصى، الإنسان إذا استمر في الذنب, يستمرىء متابعة الذنب، وقعت، غداً تتوب، ومن يدري أنك تصل إلى الغد؟ معظم الناس يقول لك: أنا الآن شاب، غداً حينما أتقدم في السن, أتوب إلى الله، وأحج بيت الله الحرام، وأتوب، كم من إنسان لم يستطع أن يصل إلى ما يسمو إليه؟ الموت يأتي بغتةً، والقلب صندوق العمل، من أخطر المشاعر أو من أخطر الأوهام: أن تتوهم أن الوقت طويل، الوقت يمضي سريعاً .
أنا حينما كنت أذكر لكم كثيراً, رجلاً جلست معه ساعة, حدثني فيها عن عشرين سنة قادمة عن خططه، وفي المساء قرأت نعيه على الجدران .
حينما تعلم أن الله سبحانه وتعالى يحب التائبين، حينما تعلم أن الله سبحانه وتعالى يريد أن يتوب علينا، حينما تعلم أن الله سبحانه وتعالى أشد فرحًا بتوبة عبده من الضال الواجد، والعقيم الوالد، والظمآن الوارد، لا شك أن التوبة تغدو إحدى أهم وسائل النجاة من عذاب الله عز وجل .
التوبة تجلب الراحة:
سبحانك يا رب، الإنسان إذا تاب, من كرم الله عز وجل: أنه يلقي في روعه أنه قبل توبته، يشعر براحة كبيرة جداً .
أيها الأخوة الكرام, إن الراحة التي يشعر بها التائبون من الصعب أن توصف، والله كأن جبالاً أزيحت عن صدره، كأن كابوساً تحرر منه، كأن ضيقاً خرج منه إلى فضاء الله عز وجل، فالتائب يكون الله معه .
أنا أقول دائماً: الذي يشدك إلى الدين, ليس لأن الدين قدم لك تصورًا صحيحًا للكون والحياة والإنسان، الفكر في الدين رائع، والدين يعطيك تصورًا متناسبًا منسجمًا، فكل شيء في الدين له تفسير، أما لو جلست مع أهل الدنيا فيوجد تفوق بجانب، لكن يوجد خلل بجانب آخر، ويوجد أحياناً تناقض فيما يتصورونه، لكن منهج الله عز وجل، والعقيدة التي تستشف من كتاب الله وسنة نبيه, تؤكد أن هناك تناسقًا بين مخلوقات الله، أما من دون إيمان بالله ينشأ تناقض، وتتفجر أسئلة ليس لها جواب .
الشيء الثاني: أن الله سبحانه وتعالى أشد فرحًا بتوبة عبده من الضال الواجد، أحياناً عندك وصل لخمسمئة ألف ليرة، وقال لك المدين: أين الوصل حتى أعطيك المبلغ؟ فإن لم تأت بالوصل, فلا شيء لك عندي، حينما تعثر عليه, يكون فرحك أشد من الضال الواجد، والعقيم الوالد، والظمآن الوارد .
كتوجيه: أنت حينما -لا سمح الله ولا قدر- تقع في الذنب مرة ثانية, تشعر أن التوبة أصعب، لكن ما الذي يسهلها؟ أن تعمل عملاً صالحاً يرمم هذا الذنب، لقوله تعالى:
﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾
[سورة هود الآية: 114]
وعَنْ مُعَاذٍ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قَالَ لَهُ:
((يَا مُعَاذُ، أَتْبِعْ السَّيِّئَةَ بِالْحَسَنَةِ تَمْحُهَا، وَخَالِقْ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ))
فلذلك: إذا وقع الإنسان في الذنب مرة ثانية, فعليه أن يضيف إلى التوبة الصدقة، فإن كان لا يملك مالاً, فعليه أن يضيف إلى التوبة الصيام، لا بد من شيء يرمم هذه السقطة الثانية. علامات العزم على ترك الذنب :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3365/08.jpg
أيها الأخوة الكرام, العزيمة الصادقة، أو العزم على ترك الذنب له علامات، من هذه العلامات:
الشيء الأول: أن يكون المرء بعد التوبة خيراً مما كان عليه قبلها، أي أن يجد هناك فرقًا واضحًا جداً بين حاله بعد التوبة وحاله قبل التوبة .
الشيء الثاني: أن يبقى الخوف مصاحباً للإنسان، الخوف علامة تعظيم الله عز وجل.
وقد قال عليه الصلاة والسلام:
((أشدكم لله خشية أنا))
وقال عليه الصلاة والسلام: ((رأس الحكمة مخافة الله))
فالخوف يصاحب التائب، لعل الله قبله، أو لعل في التوبة خللاً, يدعو إلى عدم قبوله، فهذا القلق قلق مقدس .
الشيء الثالث: أن يظهر أثر هذا العزم بالتواضع بين المؤمنين والانكسار والخشوع .
أنا حينما أقول: تواضع، انكسار، خشوع، أعني به بين المؤمنين، لأن المؤمنين يقدِّرون هذه المشاعر، بينما عند أهل الدنيا ينبغي أن تظهر قوة، وأن تظهر عزة .
ورد هذا من قول النبي عليه الصلاة والسلام, حينما وجد صحابياً كريماً, يتبختر في مشيته قبيل المعركة، فقال عليه الصلاة والسلام: ((إن هذه المشية يكرهها الله ورسوله إلا في هذا الموطن))
إذا كان هناك ذنوب تعلق بها حقوق العباد, فهذه الذنوب لا تغفر إلا أن تؤدى الحقوق ، وأكبر وهمٍ يتوهمه المسلمون: أنهم إذا حجوا بيت الله الحرام، أو جاء رمضان وصاموه, وقاموا ليله إيماناً واحتساباً, تغفر لهم كل الذنوب، نقول: تغفر لهم كل الذنوب التي كانت بين العبد وربه، أما التي بين العباد: فهذه لا تغفر إلا بالأداء أو المسامحة .
كن في مجتمع المؤمنين ولا تكن في غيره :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3365/09.jpg
حينما قال الله عز وجل:
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾
[سورة النساء الآية: 97]
هذه البيئة، فإذا كان الإنسان في أرض، أو كان في مجتمع، أو كان في بيئة, حالت بينه وبين عبادة الله, فينبغي أن يغادر، فإن لم يغادر, فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيراً، إذاً: لعل في التوبة خللاً، ولعل أخطر شيء في التوبة: أن تكون بين المؤمنين، فمجتمع الإيمان يعينك على الطاعة، بينما مجتمع آخر قد يدعوك إلى الطاعة .
من آثار الصحبة الفاسدة :
شارب خمر ذهب إلى بيت الله الحرام، وتاب توبةً نصوحًا، وعاد إلى بلده، فتابع السهر مع أصدقائه الشاربين، بعد أسبوعين أو ثلاثة, قال له أحدهم: اشرب، قال: أنا تبت إلى الله، وحججت بيت الله الحرام، قال له: كم كلفتك الحجة؟ قال له: مئة ألف، قال: هذه مئة ألف، فشرب .
هناك إنسان آخر عنده مطعم يبيع الخمر، أيضاً حج بيت الله الحرام، وتاب توبة نصوحًا، فلما عاد, وجد الغلة إلى العشُر، أصدقاؤه المتفلتون عنّفوه على توبته، فعاد إلى بيع الخمر، وبعد اثني عشر يوماً توفاه الله، توفاه الله وهو يبيع الخمر، فالصحبة الفاسدة تحول بينك وبين التوبة .
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3365/10.jpg
أيها الإخوة, أمّا حديثُ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ, لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ, فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ))
[أخرجه مسلم في الصحيح]
فهذا الحديث إذا أخذ على ظاهره فهناك مشكلة كبيرة، كأن الحديث يشير إلى أن المؤمن من صفاته أنه يشعر بذنبه، وذنبه كالجبل الجاثم على صدره، وذنب المنافق كالذبابة، لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا؛ أي إن لم تشعروا بذنوبكم لذهب الله بكم، ففي حالة موت القلب لا يشعر الإنسان بالذنب، وعلامة صحوة الإنسان وحياة القلب أنه يشعر بذنبه .
خاتمة القول :
أيها الأخوة الكرام, لا شك أن موضوع التوبة عولج بشكل مفصل جداً في دروس كثيرة، وفي خطب، وفي دروس مدارج السالكين، لكن هنا يقتضي درس العقيدة: أن نؤكد أن العقيدة الصحيحة ليست فيما ينبغي أن تعتقد، بل يضاف إلى ذلك فيما ينبغي أن تكون، فالذي لا يتوب, ففي عقيدته خلل، والذي لا يراقب نفسه, في عقيدته خلل .








والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-02-2018, 06:33 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية من مفهوم القران والسنة

الدرس : ( الثامن و العشرون )

الموضوع : مستلزمات التوحيد ( 8 ) المراقبة والاستقامة



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين . من لوازم الإيمان بالله وتوحيده :
1-أن تراقبه :
أيها الأخوة الكرام, مع الدرس الثامن والعشرين من دروس العقيدة الإسلامية، والموضوع اليوم: من لوازم الإيمان بالله وتوحيده أن تراقبه، ومقام المراقبة مقام واضح جداً عند المؤمنين، وألح وأكرر: أن دروس العقيدة ليست أن تعلم ما ينبغي أن نعتقد، ولكن أن تعلم ما ينبغي أن نعتقد، وما ينبغي أن تكون عليه بناءً على هذه العقيدة، جانب ينبغي أن تعتقده، وجانب ينبغي أن تكون عليه، وحينما أهمل الجانب الثاني في دروس العقيدة, فإني أهمل بذلك شطر الإيمان، ينبغي أن تقول: الله واحد، وينبغي أن تتجه إليه وحده .
المراقبة في الحقيقة مقام كبير، أن تراقب الله، بل إن النبي عليه الصلاة والسلام جعله أعلى مقام، سماه مقام الإحسان .
((أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك))
[أخرجه مسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي والنسائي في سننهم]
ماذا نستنبط من هذا الحديث؟ :
أيها الأخوة الكرام, يقول عليه الصلاة والسلام يخاطب أحد أصحابه، وهو عبد الله بن عباس، فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:
((كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا, فَقَالَ: يَا غُلَامُ, إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ؛ احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ, لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ, لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتْ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ))
أي أن الأمر كله بيد الله، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد . من أنواع المراقبة :
1-مراقبة القلب :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3366/01.jpg
الشيء الأول: أن تراقب قلبك، سيدنا عمر قال: تعهد قلبك، القلب بيت الرب .
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أن رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:
((إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ))
[أخرجه مسلم في الصحيح]
البيت منظر الرب، طهرت منظر الخلق سنين، تعتني ببيتك وغرفة الضيوف، تعتني بثيابك، بمركبتك، تعتني بمدخل بيتك، تعتني بمكتبك التجاري، أفلا طهرت منظري ساعة؟ .
لذلك: هناك من المقصرين من يكون الله أهون الناظرين إليه، يستحي من صديق، يستحي من أستاذ، يستحي من قريب محتم، ولا يستحي من الله .
لذلك المراقبة درجات وأنواع، لكن أبرزها: أن تراقب قلبك، هل يحب غير الله؟ هل يعتمد على غير الله؟ هل يرجو غير الله؟ هل يخاف من غير الله؟ هل يتوكل على غير الله؟ مراقبة القلب .
((احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ))
2- مراقبة اللسان :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3366/02.jpg
أيها الأخوة الكرام, البند الثاني: مراقبة اللسان، القلب ساكت، هناك خواطر لا ترضي الله، وهناك خواطر فيها معاص، وخواطر فيها حقد، وخواطر فيها حسد، وخواطر بها تشفٍّ، وخواطر فيها قيد، راقب قلبك، إذا أحسنت مراقبة قلبك راقب لسانك، قال:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾
[ سورة آل عمران الآية: 5]
عَنْ بلالِ بْنِ الْحَارِثِ الْمُزَنِيَّ, صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, أنه سمع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:
((إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ, ومَا يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ, فَيَكْتُبُ اللَّهُ لَهُ بِهَا رِضْوَانَهُ إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ, ومَا يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ, فَيَكْتُبُ اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا سَخَطَهُ إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ))
[أخرجه ابن ماجه في سننه, وابن حبان في صحيحه, والحاكم في مستدركه]
تعليق :
مرة قرأت في مجلة تعليقًا: أنك أنت أخلاقي لأنك ضعيف، وأنت ضعيف لأنك أخلاقي، يعني ما من كلمة تسفه الأخلاق كهذه الكلمة، لماذا أنت أخلاقي؟ لأنك ضعيف، ولماذا أنت ضعيف؟ لأنك أخلاقي، هذه الكلمة الذي كتبها, قد لا يلقي لها بالاً, يهوي بها في جهنم سبعين خريفاً .
ما محور هذه الأحاديث؟ :
أيها الأخوة الكرام, مراقبة اللسان .
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:
((سمعت رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ, لَا يَرَى بِهَا بَأْسًا, يَهْوِي بِهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا فِي النَّارِ))
[أخرجه الترمذي في سننه]
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ صَمَتَ نَجَا))
[أخرجه الترمذي في سننه]
عن شقيق قال:
((لبى عبد الله رضي الله عنه على الصفا, ثم قال: يا لسان قل خيراً تغنم ، اسكت تسلم, من قبل أن تندم، قالوا: يا أبا عبد الرحمن, هذا شيء أنت تقوله أم سمعته؟ قال : لا، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أكثر خطايا ابن آدم في لسانه))
أيها الأخوة الكرام, شيء آخر: ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام: ((ليس شيء من الجسد إلا يشكو إلى الله اللسان على حدته))
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: ((الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ الْأَصْوَاتَ، لَقَدْ جَاءَتْ الْمُجَادِلَةُ: خولة إِلَى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, وكلمته فِي جانب الْبَيْتِ, ومَا أَسْمَعُ مَا تَقُولُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا, وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ, إِلَى آخِرِ الآيَةِ﴾))
[أخرجه البخاري في الصحيح, والنسائي في سننه]
قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾
[سورة غافر الآية: 19]
من علامة النفاق :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3366/03.jpg
أيها الأخوة الكرام, المراقبة الأولى: مراقبة القلب، تعاهد قلبك، أخوك أصابه خير، فتألمت، هذا مؤشر خطير، لو أنك تراقب قلبك لقلت: هذه صفات المنافقين، قال تعالى:
﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾
[سورة التوبة الآية: 50]
إذا أصاب أخاك خير فتألمت فهذه علامة النفاق، وإن أصاب أخاك شر ففرحت فهذه علامة النفاق، لو لم تفرح ارتحت، ما تكلمت ولا كلمة، لكنك ارتحت لهذا المصاب الذي ألمّ بأخيك، فهذا علامة النفاق، هذه مراقبة القلب، أن تراقب قلبك، أن تحاسبه في حسد، في غيرة ، في حقد، في تشفٍّ، في شرك، في تعلق بغير الله، في اعتماد على المال فقط، اعتماد على صديق قوي فقط، والصحابة الكرام ومعهم خير الأنام، وفي معركة فاصلة في حنين, قالوا: لن نغلب من قلة، اعتمدوا على عددهم فخذلهم الله عز وجل .
ما ينبغي أن تفعله :
أيها الأخوة, أما اللسان فينبغي أن تعدّ كلامك من عملك، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ:
((كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَقَالَ: رَأْسُ الْأَمْرِ وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ, وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ، ثُمَّ قَالَ: أَلَا أُخْبِرُكَ بِمِلَاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ؟ فَقُلْتُ لَهُ: بَلَى يَا نَبِيَّ اللَّهِ، فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ فَقَالَ: كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ؟ فَقَالَ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ عَلَى وُجُوهِهِمْ فِي النَّارِ, أَوْ قَالَ: عَلَى مَنَاخِرِهِمْ, إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ؟))
قذف محصنة يهدم عمل مئة سنة، قالت عائشة عن صفية: ((إنها قصيرة يا رسول الله، قال: يا عائشة, لقد قلت كلمة لو مزجت بمياه البحر لأفسدته))
3- مراقبة الجوارح :
ثالثاً: مراقبة الجوارح، مراقبة العين، قال تعالى:
﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾
[سورة غافر الآية: 19]
قال تعالى: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾
[سورة الشعراء الآية: 218-219]
لذلك أفضل إيمان: أن تؤمن أن الله يراقبك، وأنك تحت المراقبة، وإن ربك لبالمرصاد.
أيها الأخوة الكرام, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أن رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قال:
((إِنَّ اللَّهَ يَغَارُ، وَإِنَّ الْمُؤْمِنَ يَغَارُ، وَإن غَيْرَةُ اللَّهِ: أَنْ يَأْتِيَ الْمُؤْمِنُ مَا حَرَّمَ عَلَيْهِ))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح]
هذا بند ثالث: مراقبة الجوارح، هل ينطق هذا اللسان بالباطل؟ هل تنظر هذه العين إلى عورة؟ هل تستمع هذه الأذن إلى أغنية؟ مراقبة الجوارح، هل تبطش هذه اليد؟ هل تتحرك بالباطل؟ هل تقودك رجلاك إلى مكان منكر؟ مراقبة القلب أولاً، ثم مراقبة اللسان ثانياً، ثم مراقبة الجوارح ثالثاً . 4- مراقبة الخلق والسلوك والنفوس والمشاعر :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3366/04.jpg
الآن: مراقبة الخلق والسلوك والنفوس والمشاعر، اتق الله حيثما كنت؛ في إقامتك، وفي سفرك، اتق الله مع الناس، وفي خلوتك، وأنا أبشر أن الذي لا يختلف بين خلوته وجلوته ، ولا بين إقامته وسفره، ولا بين ما يعلن ويسر, فهذه بشارة طيبة جداً، ظاهرك كباطنك، وباطنك كظاهرك، سرك كعلانيتك، وعلانيتك كسرك، خلوتك كجلوتك، وجلوتك كخلوتك، سفرك كإقامتك .
كثير من المسلمين أو المسلمات في بعض البلاد, لمجرد ركوب الطائرة, يخلعون كل شيء، وبدت امرأة متفلتة، محجبة فقط في بلدها، لأن هناك مراقبة شديدة، هذا دين جغرافي، دين جغرافي، في بلدك دين, أما إذا سافرت ينتهي كل شيء .
عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اتَّقِ اللَّهِ حَيْثُمَا كُنْتَ, وَأَتْبِعْ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ))
[أخرجه الترمذي في سننه]
من التطرف في الدين :
أحياناً يكون ثمة تطرف في الدين، يضغط، في الضبط ضبط المشاعر والجوارح مع المرأة جيد، لكن كسب المال فيه كسب حرام، وأحياناً الدين يضبط في الكسب الحلال، وفي التعامل مع الناس، أما مع المرأة ففيه تساهل كبير جداً، أحياناً الضبط فقط في العبادات، لا بد من ضبط شمولي؛ أن تضبط قلبك، أن تراقب قلبك، وأن تراقب لسانك، وأن تراقب جوارحك ، وأن تراقب كسب المال .
قال عليه الصلاة والسلام: يأتي على الناس زمان, لا يبالي الرجل من أين أصاب المال من حلال أو حرام؟ وأطيب الكسب عمل الرجل بيده، وكل بيع مبرور، وإن أطيب الكسب كسب التجار, الذين إذا حدثوا لم يكذبوا، وإذا وعدوا لم يخلفوا، وإذا ائتمنوا لم يخونوا، وإذا اشتروا لم يذموا، وإذا باعوا لم يطروا، وإذا كان لهم لم يعسروا، وإذا كان عليهم لم يمطلوا .
في بعض الأحاديث, قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
((إِنَّ التُّجَّارَ هُمْ الْفُجَّارُ، قالوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَوَلَيْسَ قَدْ أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ؟ قَالَ: بَلَى, وَلَكِنَّهُمْ يُحَدِّثُونَ فَيَكْذِبُونَ, وَيَحْلِفُونَ, وَيَأْثَمُونَ))
[أخرجه أحمد في مسنده]
أضع بين أيديكم المجالات التي ينبغي أن نراقب الله فيها، القلب مجال، اللسان مجال، الجوارح؛ سمع، بصر، يد، رجل مجال، كسب المال مجال، الخلق والسلوك والمشاعر مجال .
5- مراقبة الله في القوة والعافية :
الآن: مراقبة الله في القوة والعافية، أنت قوي شاب، كنت في تعزية، الآن رجال ينتظرون المصعد، أما الشاب فهبط إلى الطابق الأرضي بشكل لا يصدق، شاب في مقتبل الحياة، القوة ينبغي أن تكون في طاعة الله .
هذه همة الشاب الطائع لله عز وجل :
كنت مرةً في الحج، والله ما غبط من الحجاج إلا الشباب، شاب نشأ في طاعة الله, يطوف بهمة عالية، ويسعى، ويخدم الحجاج، يقول الله عز وجل:
﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾
[سورة القصص الآية: 24]
سيدنا موسى حينما سقى المرأتين، رأى أن هذا عمل صالح كبير، وهو فقير إليه، لذلك الغنى الحقيقي غنى العمل الصالح، والفقر الحقيقي فقر العلم الصالح .
احذر أن تقع في هذه الآفة الخطيرة :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3366/05.jpg
أحياناً مع القوة, والشباب, والوسامة, والجمال, والأناقة, والغنى, ينشأ حالة خطيرة وصفها النبي عليه الصلاة والسلام, فقال:
((لو لم تذنبوا لخفت عليكم ما هو أكبر, ما هو أكبر من الذنب؟ قال: العجبَ العجب))
أن تعتد بحالك، تعتد بشكلك، تعتد بطولك، تعتد بوسامتك، تعتد بأناقتك، تعتد بنسبك، تعتد بوظيفتك، بمركزك، بشهادتك، بمكانتك، تشعر أنك فوق الناس . ((لو لم تذنبوا لخفت عليكم ما هو أكبر, ما هو أكبر من الذنب؟ قال: العجبَ العجب))
انظر إلى أدب هذا العالم مع ربه :
عالم جليل توفاه الله عز وجل, اضطر لإجراء عملية في بريطانيا، وانهالت الرسائل بشكل عجيب، إلى أن أقيم معه ندوة في الإذاعة البريطانية، سئل: ما هذا المقام الذي حباك الله به؟ فاعتذر، فلما ألح عليه بالسؤال, أجاب إجابة رائعة، قال: لأنني محسوب على الله، كلمة محسوب ما فيها كبر، ولا فيها عجب، فيها تواضع، لكن أنا محسوب على خالق الأكوان، لأنني محسوب على الله .
أنا أستمع أحياناً من كبار العلماء, أنني أنا طالب علم، أرى هذه الكلمة فيها أدب جم، أنا طالب علم، نحن معاشر العلماء، ما هذا الكلام؟ قل: أنا طالب علم، أنت طالب علم، قال تعالى:
﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً﴾
[سورة النساء الآية: 113]
6- مراقبة الله عز وجل في الوقت :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3366/06.jpg
الآن: هناك مراقبة من نوع آخر، مراقبة الله عز وجل في الوقت، أحياناً يضيع من الوقت كمّ كبير لهدف حقير، أنت وقت، رأس مالك الوقت، أثمن شيء تملكه هو الوقت، ينبغي أن ينفق بترشيد، لذلك الآن في إدارة الوقت لا يعقل أن تستهلك استهلاكاً رخيصاً، الآن لاحظ أكثر احتفالاتنا الأكابر يأتون بعد ساعة، ترى الاحتفال ثلاث ساعات، لمَ لا يكون ساعة ونصفًا؟ الكل يحضرون بأول الاحتفال، لا يمتد ثلاث ساعات، ليس ثمة إنسان عنده وقت، يحضر ثلاث ساعات، يأتي إما في الأول، أو في الأخير، أنت اجعل وقتًا محددًا، ساعة ونصفًا، الكل يأتون، كثير من الحالات فيها تضييع وقت .
من الوقائع :
مرة نزلت إلى طريق الصالحية الساعة العاشرة والنصف، لا يوجد محل فاتح، لا ترى حركة، الحركة في الشام لا تتم قبل الساعة الحادية عشرة أو الثانية عشرة، في غير بلادنا الساعة الخامسة فجرًا، لا تجد مكانا في الطريق، امتداد الوقت يضيع بلا ثمن، أنت وقت ، رأس مالك الوقت، أثمن شيء تملكه هو الوقت، لو ضبطت المواعيد لرشد استهلاك الوقت، لو ضبطت الاحتفالات لرشد استهلاك الوقت، لو ضبط كل شيء بنظام لرشد استهلاك الوقت.
اعلم أنك سوف تسأل يوم القيامة عن هذه الأشياء :
عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ, عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((لَا تَزُولُ قَدَمُ ابْنِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ, حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ خَمْسٍ؛ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ, وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَ أَبلاهُ, وَمَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ, وَفِيمَ أَنْفَقَهُ, وَمَاذَا عَمِلَ فِيمَا عَلِمَ؟))
النبي عليه الصلاة والسلام أقسم الله بعمره الثمين, قال تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾
[سورة الحجر الآية: 72]
العلماء الكبار تركوا مئات المؤلفات، أما الناس بتفاهة ما بعدها تفاهة, لا يعملون ولا يقدمون، إلا أنه يستمع، ويشاهد، ويعلق، وله موقف سلبي دائماً .
قف هنا :
أنا في الخطبة ذكرت, أنه من أدق معاني الهجرة: أن تكون إيجابياً، السلبية, والتلقي, والانسحاب, وعدم الاهتمام بقضايا المسلمين, هذا سلبية خطيرة .
((حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ خَمْسٍ؛ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ, وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَ أَبلاهُ, وَمَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ, وَمَاذَا عَمِلَ فِيمَا عَلِمَ؟))
هذه الأسئلة مسربة، تفضلوا، الأسئلة التي سوف تسألون عليها يوم القيامة سربت . قصة تائب :
مرة أخ يعمل في أعمال لا ترضي الله أبداً، طبعاً قبل أن يكون أخاً لنا، لكنه تاب عقب مرض، والمرض ألح عليه حتى أماته، لكن يقول لي: والله أشعر أنني أكاد أموت ندماً على هذا العمر المديد الذي أمضيته في المعاصي، أنا لا أغبط إلا شابًا نشأ في طاعة الله، ليس في الإسلام حرمان، فيه تنظيم، فيه سمو، فيه رقي .
((حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ خَمْسٍ؛ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ, وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ, وَمَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ, وَمَاذَا عَمِلَ فِيمَا عَلِم؟))
2- من لوازم الإيمان بالله، ومن لوازم التوحيد الاستقامة :
هذه المراقبة، أما الاستقامة أيضاً؛ فمن لوازم الإيمان بالله، ومن لوازم التوحيد الاستقامة .
أيها الأخوة الكرام, الاستقامة تشمل صحة فهم الدين .
ابن عمر دينكَ دينك، إنه لحمك ودمك، خذ عن الذين استقاموا، خذ عن الذين استقاموا عقيدتهم وتصوراتهم، خذ عن الذين استقاموا عقيدتهم وتصوراتهم، خذ عن الذين استقاموا، ولا تأخذ عن الذين مالوا .
سيدنا أبو بكر قال: الاستقامة ألا تشرك بالله شيئاً .
سيدنا عمر قال: الاستقامة أن تستقيم على الأمر والنهي، ولا تروغ روغان الثعلب .
سيدنا عثمان قال: استقاموا أخلصوا العمل لله .
سيدنا علي قال: استقاموا؛ أدوا الفرائض .
تعريف الاستقامة :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3366/07.jpg
الاستقامة كلمة جامعة آخذة بمجامع الدين: هي القيام بين يدي الله على حقيقة الصدق والوفاء، والاستقامة فضلاً عن صحة العقيدة الثبات على الحق، أول مجال أن تأخذ عقيدتك عن الذين استقاموا، أن تصح عقيدتك، والاستقامة أن تثبت على ما أنت عليه .
عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ قَالَ:
((قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! قُلْ لِي فِي الْإِسْلَامِ قَوْلًا, لَا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا بَعْدَكَ, وَفِي حَدِيثِ أَبِي أُسَامَةَ غَيْرَكَ, قَالَ: قُلْ: آمَنْتُ بِاللَّهِ فَاسْتَقِمْ))
شيء آخر: أنه مع الاستقامة لا بد من المقاربة، سددوا وقاربوا، هذا رد على الغلو في الدين، ورد على التشدد، ورد على التطرف، ورد على المبالغة، سددوا وقاربوا.

من جوانب الاستقامة :
ومن جوانب الاستقامة: الاستقامة في القول والعمل، أول استقامة صحة العقيدة، ثاني استقامة الثبات على هذا الدين والاستمرار، وإن الله يحب من الأعمال أدومها وإن قلّ، وكان عمله ديمة .
والمعنى الثالث: استقامة في القول والعمل .
الآن: الاستقامة يمكن أن تكون في علاقتك مع الله، ويمكن أن تكون في علاقتك مع العباد .
ما مضامين هذه الأحاديث؟ :
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أن رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:
((لَا تَحَاسَدُوا, وَلَا تَنَاجَشُوا, وَلَا تَبَاغَضُوا, وَلَا تَدَابَرُوا, وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ, وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ أخْوَانًا, الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ؛ لَا يَظْلِمُهُ, وَلَا يَخْذُلُهُ, وَلَا يَحْقِرُهُ, التَّقْوَى هَاهُنَا, وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ, بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنْ الشَّرِّ, أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ, كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ؛ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي في سننهما, ومالك في الموطأ]
في رواية أخرى: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ, فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ, وَلَا تَحَسَّسُوا, وَلَا تَجَسَّسُوا, وَلَا تَحَاسَدُوا, وَلَا تَدَابَرُوا, وَلَا تَبَاغَضُوا, وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ أخْوَانًا))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي في سننهما, ومالك في الموطأ]
كما أمركم الله .
وفي رواية أخرى: عَنْ أَنَسٍ قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا تَقَاطَعُوا, وَلَا تَدَابَرُوا, وَلَا تَبَاغَضُوا, وَلَا تَحَاسَدُوا, وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ أخْوَانًا))
ويوجد رواية: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((لَا تَهَجَّرُوا, وَلَا تَدَابَرُوا, وَلَا تَحَسَّسُوا, وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ, وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ أخْوَانًا))
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ, أن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حبة مِنْ كِبْرٍ, فقَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً, قَالَ: إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ, الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاس))
[أخرجه مسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي في سننهما]
أن ترد الحق، و أن تظلم الناس، هذا هو الكبر .
خلاصة القول:
أيها الأخوة, المراقبة والاستقامة من لوازم الإيمان، لعلي ألححت أكثر مما يجب: على أن العقيدة الصحيحة ليست أن تعلم ما ينبغي، لكن العقيدة الصحيحة الكاملة أن تعلم ما ينبغي أن تعتقد، وأن تكون على ما ينبغي أن تكون؛ من استقامة، ومن توكل، ومن توحيد، ومن مراقبة، ومن أعمال صالحة، دائماً اسأل نفسك: أين أنا من صفات المؤمن الناجي؟ .
أيها الأخوة الكرام, يقول عليه الصلاة والسلام:
((إنما العلم بالتعلم، وإنما الكرم بالتكرم، وإنما الحلم بالتحلم))
وروعة هذا الدرس: أن ينقلب إلى سلوك، إلى سمت حسن، إلى صمت واع، إلى نطق بذكر الله، أمرت أن يكون صمتي فكراً، ونطقي ذكراً، ونظري عبرة, أي لا يكون المسلم مسلماً, إلا إذا كان متميزاً بأخلاقه، وسمته، وهيبته، وسكونه . من أسئلة السائلين :
السؤال الأول: ما معنى أن يكون الإنسان لا تختلف جلوته عن خلوته؟ :
أخ كريم يسأل: ما معنى أن يكون الإنسان لا تختلف جلوته عن خلوته؟ .
الجلوة وأنت بين الناس، والخلوة وأنت وحدك، فإذا إنسان بين الناس أتقن صلاته, وحده لم يتقن صلاته, إذاً: يوجد نفاق، إذا بين الناس غض بصره, وإذا كان وحده بحلق بصره, هذه مشكلة كبيرة, معنى هذا يوجد نفاق، بين الناس بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين دائماً، أما وحده يأكل كالبهائم، الذي تختلف جلوته عن خلوته يوجد علامة نفاق، أما إذا كانت خلوتك كجلوتك, وسرك كعلانيتك, وظاهرك كباطنك, فهذا مظنة صلاح إن شاء الله .
السؤال الثاني: هل يحاسب المسلم على خواطره التي تخطر في نفسه؟ :
يقول: هل يحاسب المسلم على خواطره التي تخطر في نفسه؟ .
أولاً: لا يحاسب، لكن يوجد كلمة قالها مرة طبيب أعجبتني، كنت في أمريكا, قال لي مرة طبيب: هذا العمل كبير صغير؛ صغير إذا لحقته, وكبير إذا أهملته, خاطر كبير صغير إذا تابعته وقصمته, لا يوجد مشكلة أبداً، لا تحاسب إلا على العمل، أما خاطرة، تابعت الخواطر أصبحت فكرة، تابعت الخواطر أصبحت شهوة، تابعت أصبحت همة، تابعت أصبحت إرادة، تابعت أصبحت عملاً، تابعت أدمنت عليه:
﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾
[سورة الحديد الآية: 16]
الخواطر كبيرة صغيرة؛ إن تابعتها صغيرة، إن أهملتها كبيرة .





والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-02-2018, 06:36 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية من مفهوم القران والسنة

الدرس : ( التاسع و العشرون )

الموضوع : مستلزمات التوحيد ( 9 ) الحياء





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
بماذا يتعلق موضوع الدرس اليوم؟ :
أيها الأخوة الكرام, لا زلنا في موضوعات العقيدة، ومع الدرس التاسع والعشرين من دروس العقيدة الإسلامية، والشيء الذي ينبغي أن يكون واضحاً جداً, هو أن العقيدة الإسلامية ليس ما ينبغي ما تعتقد فحسب، بل هو ما ينبغي أن تكون عليه في حال مع الله، وقد مرت معنا بعض المقامات التي يمكن أن تكون معياراً لسلامة عقيدتك .
واليوم الموضوع متعلق بالحياء، إذا صحت عقيدتك كنت حيياً، إذا دخلت على عظيم, وكنت منضبطاً, ومهذباً, ومستحياً منه, فهذا دليل معرفتك به، أما إذا كنت متطاولاً، ولست مستحياً, فهذا دليل عدم معرفتك به، ففي هذه الدروس إن شاء الله, لا نفرق أبداً بين ما ينبغي أن تعتقد, وما ينبغي أن تكون عليه .
الحياء من الله ثمرة يانعة من فهمك :
أيها الأخوة الكرام, الحياء ثمرة يانعة من فهمك, لقوله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾
[سورة النساء الآية: 1]
لاحظ نفسك إذا كنت في حضرة إنسان, ممن تجلّه أو تحترمه, فإنك تضبط كلامك، تضبط هندامك، تجلس جلسةً مؤدبة، تنطق بكلام مضبوط، هذا مع إنسان تظنه عظيماً، فكيف مع خالق الأكوان؟ فالحياء ثمرة يانعة لإدراكك الصحيح, لقوله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾
[سورة النساء الآية: 1]
وأفضل إيمان المرء: أن يعلم أن الله معه حيث كان، وثمرة أخرى لمن يفهم حقيقة هذه الآية:
﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾
[سورة غافر الآية: 19]
لو أن عينك شردت إلى إلقاء نظرة لا ترضي الله، واللهُ يعلمها، فحينما تضبط بصرك إلى درجة تعلم فيها أن الله يراك, إذا اختلست نظرةً لا ترضيه, فهذا دليل حيائك من الله، والحياء ثمرة يانعة بفهمك الدقيق, لقوله تعالى:
﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾
[سورة العلق الآية: 14]
أنواع الحياء :
1-حياء الإجلال والتعظيم :
أيها الأخوة الكرام, الحياء أنواع، يقع في رأسها حياء الإجلال والتعظيم .
ففي الصحيحين: عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, عَنْ أَبِيهِ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ, وَهُوَ يَعِظُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
((دَعْهُ فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنْ الْإِيمَانِ))
عالج موضوع الإيمان، لأنه لو آمن لاستحيا، وهذا سر إدخال هذا الموضوع في دروس العقيدة، لو انه آمن بالله حق الإيمان لاستحيا من الله .
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ, أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً, فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ, وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ, وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الْإِيمَانِ))
قال بعضهم: من استحيا من الله مطيعاً, استحيا الله منه وهو مذنب، يعني إذا كنت مطيعاً له وأنت في الطاعة تستحي منه، فلو أنه -لا سمح الله- زلت قدمك, فالله سبحانه وتعالى يستحي منك، وأنت مذنب .
حياء الإجلال لمقام الله وعظمته، لأنه يراك، لأن قلبك منظره فتستحي منه . 2-حياء التقصير وتعظيم الجناية :
وهناك نوع آخر من الحياء، وهو حياء التقصير وتعظيم الجناية .
أيها الأخوة الكرام, من صفات المؤمن أنه يلوم نفسه دائماً، قال تعالى:
﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾
[سورة القيامة الآية: 1-2]
المؤمن الصادق دائماً يتهم نفسه، لا يحابيها أبداً، هذا الحياء الثاني، حياء التقصير وتعظيم الجناية .
ما قيل حول هذا الجانب من الحياء حياء التقصير :
يقول الله عز وجل:
﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾
[سورة الأعراف الآية: 201]
يدرك حقيقة التقصير في جانب عظمة الله عز وجل، يقول الإمام الجنيد رحمه الله تعالى: الحياء رؤية الآلاء، ورؤية التقصير معاً، ترى عظمة الله، وترى عظم الجناية في حق الله، فلا بد من هاتين الرؤيتين معاً، ترى الله، وترى تقصيرك في حقه .
الإمام الفضيل رحمه الله تعالى قال: خمس من علامات الشقوة؛ قسوة في القلب، وجمود في العين، وقلة حياء، ورغبة في الدنيا، وطول أمل، هذه كلها من علامات الشقاء في الدنيا والآخرة .
هذا الحياء؛ حياء التقصير وتعظيم الجناية, يمثله الملائكة الكرام الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون، حتى إذا كان يوم القيامة، ورأوا من آيات الله ما لم يروا, شعروا بالتقصير ، فقالوا: سبحانك يا رب ما عبدناك حق العبادة .
أيها الأخوة الكرام, الحياء الثاني حياء التعظيم مع التقصير معاً، أسميه تجاوزاً حياء التقصير، الأول حياء الإجلال .
أمرٌ دقيق: ما لم تشعر بهذه المشاعر، ما لم يكن قلبك مفعماً بهذه الأحوال, فهناك خلل في الإيمان . 3-حياء الكرم والإحسان :
نوع آخر من الحياء، هو حياء الكرم والإحسان، الإنسان إذا أعان إنساناً، والذي أعانه خجل، وتطامن أمامه، وتضعضع أمامه، فأنت كإنسان كريم جداً, تستحي منه إذا تضعضع لك، وهذه علامة إيمانك، أما إذا كان الإنسان -والعياذ بالله- لئيمًا, ينتعش حينما يتضعضع أمامه إنسان، وحينما يذل أمامه إنسان، أما الكريم فلا ينتعش، بل يستحي من الله عز وجل، فهناك إنسان بعيد عن الله، متأله، كأنك تطربه إذا تضعضعت أمامه، ينتشي، يزداد استعلاءً، يستمتع بخضوع الناس له، أما المؤمن فبالعكس .
بم يخص هذان الدليلان من السنة؟ :
دخل على النبي عليه الصلاة والسلام رجل فأصابته رعدة، قال عليه الصلاة والسلام:
((هوّن عليك, إنما أنا ابن امرأة من قريش, كانت تأكل القديد بمكة))
هذا حياء الكرم والإحسان، فهل ترضى أن يخضع الناس لك؟ أن يتذللوا لك؟ لا ترضى، لا والله ، فمما يؤكد إيمانك أنك لا ترضى إلا أن تعاملهم كأخوانك تماماً .
دليل آخر: النبي عليه الصلاة والسلام كان مع أصحابه في سفر، فأرادوا أن يعالجوا شاةً، فقال أحدهم: ((علي ذبحها، وقال الثاني: علي سلخها، وقال الثالث: علي طبخها، فقال عليه الصلاة والسلام: وعلي جمع الحطب، فقالوا: نكفيك ذلك يا رسول الله؟ قال: أعلم أنكم تكفونني ، ولكن الله يكره أن يرى عبده متميزاً على أقرانه))
ما يتصف به المؤمن :
قال تعالى:
﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنّاً وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾
[سورة البقرة الآية: 262]
لا يتبعون ما أنفقوا مناً ولا أذى، كذلك كان السلف الصالح، ولأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
((اليد العليا خير من اليد السفلى))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, وأبو داود والنسائي في سننهما, ومالك في الموطأ]
كان يدع الصدقة في يد أخيه من تحت, ليجعل يد أخيه هي العليا، هذا من التأدب مع الله عز وجل، قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾
[سورة البقرة الآية: 264]
أخواننا الكرام, حتى لو رأيت عاصياً، وأنت في طاعة, فيجب أن تعتقد أنه إذا تاب فقد يسبقك، لا يوجد أبداً استعلاء في الدين، ولا كبر، حتى لو رأى عاصيا، فلعله يتوب، ويسرع الخطى إلى الله فيسبقه .
حياء الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك .
كان عليه الصلاة والسلام أشد حياءً من العذراء في خدرها، هذا الوقح، سليط اللسان، المتجهم، هذا الإنسان بعيد عن الإيمان، الحياء من الإيمان، المؤمن حيي . 4-حياء الحشمة :
نوع آخر من الحياء: حياء الحشمة، وحياء المرء من نفسه، حياء النفوس العزيزة العالية الرفيعة التي حصلت لها من الرقة والشفافية, ما يحملها على الاحتشام والحياء، فالمؤمن في مشيته, في جلسته, في حديثه, في أخذه, في عطائه, في دخول بيته, في ركوب مركبته, في أدب، في تواضع، مقبول، أما الإنسان البعيد عن الله فمتغطرس مستعل، لا يحتمل ، ولو بقي ساكتاً، لذلك هذا الحياء حياء الحشمة يتأتى من صحبة الصالحين، كان ثمة مصطلح فلان ابن طريق، وفلان ابن الطريق، وشتان بين الاثنين، واحد طُرُق الإيمان ربّته على الحياء والأدب .
الحقيقة: أن الذي يميز المؤمن عن غير المؤمن ليست عباداته، بل معاملاته، بل أحواله مع الناس .
انظر إلى هذا القول لأحد العلماء :
وفي الحديث الذي روي مرفوعاً: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اسْتَحْيُوا مِنْ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ, قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّا نَسْتَحْيِي وَالْحَمْدُ لِلَّهِ, قَالَ: لَيْسَ ذَاكَ, وَلَكِنَّ الِاسْتِحْيَاءَ مِنْ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ؛ أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى, وَالْبَطْنَ وَمَا حَوَى, وَلْتَذْكُرْ الْمَوْتَ وَالْبِلَى, وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا, فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ, فَقَدْ اسْتَحْيَا مِنْ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ))
أحد العلماء يقول: إن الحياء والأنس يطرقان القلب، فإن وجدا فيه الزهد والورع, وإلا رحلا .
يتناسب مع الحياء والأنس أن يكون المرء زاهداً ورعاً، فإذا لم يكن هناك زهد ولا ورع, فربما ذهب الحياء، وأحياناً الإنسان المتزوج, ووالد الزوجة موجود, يحلو له أن يخوض في علاقات زوجية، يحدث عن العلاقات الزوجية، وعن، وعن، ولا ينتبه أن الأب موجود، وأن هذه ابنته، طبعاً كلام مشروع، لا يقول كلامًا غير مشروع .
سيدنا علي قال: كنت رجلاً مذاءً، يعني كثير المذي، فأمرت رجلاً أن يسأل النبي عليه الصلاة والسلام لمكان ابنته، فسأل، فقال: ((توضأ واغسل ذكرك))
يعني استحيا أن يسأل النبي عن قضية متعلقة بالزواج وابنته زوجته . ما مصدر الحياء؟ :
أيها الأخوة الكرام, الخلاصة: أن الحياء يتولد من علم العبد بنظر الحق إليه، فإن العبد متى علم أن الله عز وجل ناظر إليه, أورثه هذا العلم حياء منه, يحمله على احتمال أعباء الطاعة، ومجاهدة النفس، واستقباح الجناية، هذا طعم من طعوم العبودية لله عز وجل، وثمة مثل يقال دائماً: أين الثرى من الثريا؟ فالمؤمن الحيي له مقام كبير عند الله وبين الناس .
ما الفرق بين الحياء والخجل؟ :
عَنْ قَتَادَةَ قَالَ:
((سَمِعْتُ أَبَا السَّوَّارِ الْعَدَوِىَّ يُحَدِّثُ, أَنَّهُ سَمِعَ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ الْخُزَاعِيَّ يُحَدِّثُ, عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: الْحَيَاءُ لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ, فَقَالَ بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ: مَكْتُوبٌ فِي الْحِكْمَةِ: أَنَّ مِنْهُ وَقَارًا وَمِنْهُ سَكِينَةً, فَقَالَ عِمْرَانُ: أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, وَتُحَدِّثُنِي عَنْ صُحُفِكَ))
لكن لا بد من التفريق بين الحياء والخجل، الحياء فضيلة، بينما الخجل مذمة، الخجل أن تخجل من الحق، معك الحق تكلم، الخجل أن تخجل أن تطالب بحقك، أن تخجل أن تأمر بالمعروف، أن تنهى عن المنكر، الخجل أن تخجل أن تنطق بكلمة الحق، هذا خجل، والخجل مذمة ومرض، بينما الحياء أن تستحي أن تعصي الله عز وجل، فالحياء لا يأتي إلا بخير . ما المعنيان المتعاكسان لهذا الحديث؟ :
عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ, أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قال:
((إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الأولى, إِذَا لَمْ تَسْتَحْ فَافعل مَا شِئْتَ))
[أخرجه البخاري في الصحيح, وأبو داود في سننه]
هذا الحديث له معنيان متعاكسان، المعنى الأول: ما دام الحياء غير موجود, فلا قيمة إطلاقاً, لكل أفعالك، لأن أفعالك لا تشف عن إيمان .
المعنى الثاني المقبول: أنه إذا لم تستحِ من الله عز وجل فاصنع ما شئت، ولا تعبأ بكلام الناس، أحياناً يكون الإنسان من المصلحة الراجحة أن يتزوج بامرأة ثانية، لكن في معظم المجتمعات مرفوض رفضاً قطعياً الزواج بامرأة ثانية، مرفوض رفضاً اجتماعياً، فهو قد يعصي الله، وقد تزل قدمه, حفاظاً على مكانته الاجتماعية، لا نقول لك: الزوجة الثانية مسموح بها عند تحقيق الشروط الشرعية، فإذا لم تستح من الله في هذا الزواج الثاني فاصنع ما شئت، أما أن تستحي من الناس، وأن تعصي الله فيما بينك وبينه, حفاظاً على مكانتك, فهذا شيء غير مقبول .
المعنى الثاني أشار له بعض العلماء حين قال: انظر إلى الفعل الذي تريد أن تفعله، فإن كان مما لا يستحيا منه فافعله .
من ثمار الحياء :
1-المعية :
أيها الأخوة الكرام, من ثمار الحياء المعية، الذي يستحي من الله, يكافئه الله عز وجل, أنه يجعله في معيته، وهل من معية أعظم من معية الله عز وجل؟ .
روى الإمام أحمد, عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ قال:
((قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ ربكم حَيِيٌّ كَرِيمٌ, يَستَحي إِذَا رَفَعَ الرَّجُلُ إِلَيْهِ يَدَيْهِ, أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا خَائِبَتَيْنِ))
[أخرجه أبو داود والترمذي في سننهما]
من حياء الله لهذا الإنسان: أن هذا الإنسان إذا رفع يديه إلى الله, يستحي الله جل جلاله أن يردهما صفراً خائبتين، إذاً: جعلك في معيته، وحينما قال الله عز وجل:
﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾
[سورة الحديد الآية: 4]
قالوا: هذه معية عامة، يعني معكم بعلمه، لكن المؤمنين لهم معية خاصة، فإذا قال الله عز وجل:
﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾
[سورة النحل الآية: 128]
﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾
[سورة البقرة الآية: 153]
﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾
[سورة العنكبوت الآية: 69]
هذه معية خاصة، والمعية الخاصة هي معية التوفيق، ومعية النصر, والتأييد، والحفظ ، فإذا استحققت توفيق الله, وتأييده، وحفظه, فأنت في المقام الأرفع .
أول ثمرة من ثمار الحياء من الله: أنك تكون في معية خاصة؛ معية التأييد والحفظ والنصر والتوفيق .
ما معنى أن الله يتردد في هذا الحديث؟ :
وفي حديث آخر: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ, وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ, وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ, حَتَّى أُحِبَّهُ, فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ, كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ, وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ, وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا, وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا, وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ, وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ, وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ, تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ, وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ))
أرأيتم إلى هذا المعنى، ما معنى أن الله يتردد؟ أي أن هذا العبد المؤمن الذي أمضى حياته يستحي من الله, عبر الله عن محبته لهذا العبد، وعن حرصه على سروره وسعادته, أنه إذا أراد قبضه, يتردد الله عز وجل في قبض نفسه . هذا منظار المؤمن :
الحقيقة أيها الأخوة:
((مَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ, وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ, حَتَّى أُحِبَّهُ, فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ, كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ, وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ, وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا, وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا))
يعني لا يسمع إلا وفق منهج الله، ولا يرى الدنيا إلا من منظار المؤمنين، كيف؟ قد يحترم إنساناً دخله محدود جداً، لكنه شريف، ولا يحترم إنساناً غنياً جداً، لكن دخله مشبوه، قد يحترم إنساناً في الدرجة الدنيا من المجتمع، لكنه مؤمن، وقد لا يحترم إنساناً في درجة عليا في المجتمع، لكنه فاسق، فهو ينظر بنور الله، يسمع وفق منهج الله، لا يحرك يديه إلا بالحق، ولا يمشي إلا لخير .
أيها الأخوة, هذه ثمرة من ثمار الحياء، أنك في معية الله، وإذا كنت في معيته, فأنت في حرز حريز . 2-القرب من الله :
الثمرة الثانية: القرب من الله عز وجل، قال تعالى:
﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾
[سورة البقرة الآية: 186]
كما تعلمون: هذه الآية الوحيدة من مجموعة آيات تزيد على عشر آيات، قال تعالى:
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾
[سورة البقرة الآية: 219]
﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾
[سورة البقرة الآية: 219]
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾
[سورة البقرة الآية: 222]
بين كل سؤال وجواب كلمة قل، إلا في هذه الآية، فإنه ليس هناك كلمة قل، إشارةً إلى أن العبد إذا دعا الله عز وجل, ليس هناك جهة تكون بين الله وبين عبده .
دقق في معنى هذه الأحاديث :
عن ابن عمر رضي الله عنهما قال:
((قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من بات على طهارة, بات في شعاره ملك, فلا يستيقظ إلا قال الملك: اللهم اغفر لعبدك فلان فإنه بات طاهراً))
[أخرجه الطبراني في المعجم الكبير, والبزار في مسنده, وابن حبان في صحيحه]
مؤمن ينام طاهراً، ويستيقظ طاهراً .
وفي حديث آخر: ((ما من مسلم يبيت طاهراً, فيتعار من الليل -أي يستيقظ من الليل- فيسأل الله من خير الدنيا والآخرة, إلا أعطاه الله إياه))
وعن ابن مسعود رضي الله عنه موقوفاً: ((إن الله ليضحك إلى رجلين؛ رجل قام في ليلة باردة من فراشه ولحافه ودثاره، فتوضأ، ثم قام إلى الصلاة، فيقول الله عز وجل إلى ملائكته: ما حمل عبدي هذا على ما صنع؟ فيقولون: ربنا رجاء ما عندك، وشفقة مما عندك ، فيقول: إني قد أعطيته ما رجا، وأمنته مما يخاف، ورجل غزا في سبيل الله, وانهزم أصحابه, وعلم ما عليه في الانهزام, فرجع حتى يهرق دمه, فيقول الله لملائكته: انظروا عبدي رجع رجاء فيما عندي, وشفقة فيما عندي, حتى يهرق دمه))
الله عز وجل يضحك لهذين الرجلين؛ الذي قام في الليل، والذي واجه العدو في الجهاد. خلاصة القول :
أيها الأخوة الكرام, خلاصة موضوع الحياء أنه ثمرة لمعرفة الله، وخلاصة المعية لله والقرب منه, أنه ثمرة للحياء، وأحب في هذه الدروس: أن أركز تركيزاً شديداً على أن قيمة عقيدة المسلم لا بما ينبغي أن يعتقد، بل يضاف إلى ذلك فيما ينبغي أن يكون عليه من أحوال مع الله عز وجل، وما من إنجاز أعظم من أن تأتي الله بقلب سليم، قال تعالى:
﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾
[سورة الشعراء الآية: 88-89]






والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-02-2018, 06:38 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية من مفهوم القران والسنة

الدرس : ( الثلاثون )

الموضوع : مستلزمات التوحيد ( 10 ) الادب





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين . ما ينبغي أن تتمثل به :
أيها الأخوة الكرام، مع الدرس الثلاثين من دروس العقيدة، ولا زلنا في حقيقة أن الاعتقاد ليس ما ينبغي أن تعتقد فحسب، ولكن ما ينبغي أن تتخلق به، فشطر العقيدة حقائق يجب أن تؤمن بها بعد البحث والتدقيق، وشطرها الآخر أخلاق وأحوال ومقامات ينبغي أن تتمثل فيك, من أجل أن تكون سبباً لسعادتك في الدنيا وفي الآخرة، تلك السعادة التي خلقت من أجلها:
﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾
[سورة هود الآية: 119]
ما يتميز به المؤمن :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3368/01.jpg
أيها الأخوة الكرام، إذا ذكرت كلمة مؤمن, فينبغي أن يقفز إلى ذهنك أنه أديب، يا رسول الله ما هذا الأدب؟ قال:
((أدبني ربي فأحسن تأديبي))
لا يمكن أن تقع عينك على مؤمن غير مؤدب، فظ غليظ، وقح متطاول، مستحيل، لا مع الله ، ولا مع أنبيائه، ولا مع كبار المؤمنين، ولا مع عامة الناس .
إذا قلت: مؤمن، أي أنه مؤدب، لطيف، يعرف حقه ويعرف حق غيره، يعرف حدوده و يعرف حدود غيره .

أنواع الأدب :
1-الأدب مع الله :
أيها الأخوة, موضوع الأدب ينشعب إلى ثلاثة فروع:
أولها: الأدب مع الله، فالأدب مع الله جل جلاله أن تصف الله فيما وصف به نفسه من غير تمثيل ولا تعطيل، فهو الله سبحانه وتعالى فوق سماواته، على عرشه، بائن من خلقه، ليس في ذاته شيء من مخلوقاته، ولا في مخلوقاته شيء من ذاته، هو معهم بسمعه وبصره وعلمه، له وجه تبارك اسم ربك ذو الجلال والإكرام:
﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾
[سورة الرحمن الآية: 27]
وله نفس:
﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ﴾
وله يد: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾
[سورة الفتح الآية: 10]
وله ساق، وله قدم، وله عين، وله سمع، وكل شي ليس كمثله شيء .
أوصاف الله عز وجل هكذا وردت في كتابه، نقر بها من دون تمثيل ولا تعطيل، لا نمثل أي ولا نعطل, أي بل نفوض إلى الله المعنى الذي يليق بكماله، أن تصف الله بما وصف به نفسه، وأن تفوض المعاني لهذه الأوصاف إلى الله عز وجل, بحيث تليق بكماله من دون تمثيل ولا تعطيل، من دون زيادة ولا نقصان ولا نفي، هذا نوع من الأدب مع الله عز وجل. ما ينبغي أن تعتقد :
يقول عليه الصلاة و السلام:
((ما السموات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة في أرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة))
أيها الأخوة, يقول الله عز وجل عن ذاته العلية: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾
[سورة الصافات الآية: 180-182]
الأدب مع ذات الله، الأدب مع صفات الله، الأدب مع أسماء الله، أن تصف الله بما وصف به نفسه من دون تعطيل ولا تمثيل، من دون زيادة ولا نقصان، وأن تفوض إلى الله تأويل هذه الصفات بما يليق بكماله، والقضية قضية عدة آيات لا تزيد على أصابع اليد, لا يوجد داع أن أقحم نفسي، وأن أُعمل عقلي في شيء نهيت عن البحث فيه .
رُوي عن النبي عليه الصلاة والسلام:
((تفكروا في مخلوقات الله، ولا تفكروا في ذاته فتهلكوا))
من فروع الأدب مع الله :
1-الأدب في التوجه إلى الله :
الآن الأدب في التوجه إلى الله: فرع آخر من فروع الأدب مع الله، سيدنا عيسى سئل:
﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾
[سورة المائدة الآية: 116]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3368/02.jpg
قد يخطر في بالنا أن هذا النبي الكريم ينفي عن نفسه هذا القول، يقول: والله يا رب ما قلت هذا، قال:
﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾
[سورة المائدة الآية: 116]
أرأيت إلى هذا الأدب الجم مع الله عز وجل؟ ثم يقول: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾
[سورة المائدة الآية: 117-118]
قد تجد إنساناً تافهاً جداً يقول لك: فلان في النار قطعاً، من أنت؟ أنت ربه؟ لا يمكن أن تحكم على المستقبل بحكم قطعي، هذا يتناقض مع عبوديتك لله عز وجل .
تقييم الأشخاص جملة وتفصيلاً ليس من شأن الإنسان :
إنسان جاهد مع رسول الله، دخل عليه النبي، وقد مات، سمع امرأة تقول: هنيئاً لك أبا السائب، لقد أكرمك الله، انظر إلى أدب النبي مع الله, قال: ومن أدراك أن الله أكرمه؟ قولي: أرجو الله أن يكرمه، وأنا نبي مرسل, لا أدري ما يفعل بي ولا بكم؟ .
الحكم على المستقبل القطعي ليس من شأن الإنسان، تعلموا هذه القاعدة، تقييم الأشخاص جملة وتفصيلاً ليس من شأن الإنسان، لا توزع الألقاب والتهم على الناس، إن رأيت إنساناً جيداً ومحسناً قل: أحسبه صالحاً، ولا أزكي على الله حداً، إن رأيته مسيئاً قل: أسأل الله أن يغفر له، وأن يتوب عليه، هذا الذي تراه مسيئاً, لو أنه تاب وصدق في توبته, لسبق من انتقده.
انظر إلى هذا الأدب الجم من خطاب الأنبياء لله عز وجل :
سيدنا موسى حينما فعل خيراً، وسقى المرأتين، الإنسان أحياناً يعمل عملاً بسيطاً, يقول لك : أنا فعلت كذا، وفعلت كذا، ولحم كتف فلان من خيري، وفلان أنا عملته رجلاً، أما سيدنا موسى حينما أجرى الله على يديه هذا الخير، قال:
﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾
[سورة القصص الآية: 24]
حتى قال بعض علماء القلوب: إن رؤية العمل نوع من الشرك، سيدنا أيوب يقول:
﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾
[سورة الأنبياء الآية: 83]
سيدنا آدم: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾
[سورة الأعراف الآية: 23]
الجن: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً﴾
[سورة الجن الآية: 10]
هل تلاحظون هذا الأدب الجم من خطاب الأنبياء لله عز وجل؟ . ماذا تعني كلمة مؤمن؟ :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3368/03.jpg
إذا قلت: مؤمن أي مؤدّب، مؤدب مع الله، ومؤدب مع أنبيائه، ومؤدب مع كبار العلماء، و مؤدب مع عامة الناس، ماذا أقول لكم؟ إنسانة تقم المسجد، تكنسه، تنظفه، في السلم الاجتماعي لا أعتقد أن إنساناً يقع في مرتبة أدنى من هذه المرتبة، توفيت امرأة، والصحابة الكرام اجتهدوا, أن هذه المرأة من قلة الشأن وضعفه, لا ينبغي أن يبلغ النبي بموتها، من هي؟ فلما سأل عنها قيل له: ماتت، قال: هلا أعلمتموني؟ ذهب إلى قبرها، صلى عليها استثناءً، حكم خاص، من خصوصيات النبي، صلى عليها، وهي في قبرها .
سيد الخلق متأدب مع أقل إنسان مرتبة في الأرض، إذا قلت: مؤمن، أي مؤدب مع الله، و مع أنبيائه، ومع الذين ينقلون العلم للناس، ومع المؤمنين، ومع عامة الخلق .
من أقوال العلماء حول موضوع الأدب مع الله :
قال بعض العلماء: من تأدب بأدب الله, صار من أهل محبة الله، وقال بعضهم: الأدب للعارف كالتوبة للمستأنف، العارف بالله يتأدب مع الله أشد الأدب .
وقد ورد في الأثر, أنه قيل لرسول الله صلى الله عليه و سلم: مثل بهم هؤلاء الذين مثلوا بعمك، قال: لا أمثل بهم فيمثل الله بي، ولو كنت رسولا .
إنسان متطاول جلس عند عالم, فقال له العالم: يا بني, نحن إلى أدبك أحوج منا إلى علمك.
ماذا يعلمنا النبي في هذا الدعاء؟ :
انظر إلى هذا الدعاء النبوي الذي يعلمنا الأدب، عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ, عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((إِنَّ سَيِّدَ الِاسْتِغْفَارِ أَنْ يَقُولَ الْعَبْدُ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي، وَأَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ, فَاغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، فَإِنْ قَالَهَا حِينَ يُصْبِحُ مُوقِنًا بِهَا فَمَاتَ دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَإِنْ قَالَهَا حِينَ يُمْسِي مُوقِنًا بِهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ))
2- الأدب مع أحكام الله وشرعه :
الآن الأدب مع أحكام الله وشرعه، قال تعالى:
﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾
[سورة الحج الآية: 32]
تعظيم شعائر الله، تعظيم مناسك الحج، تعظيم أحكام الصيام، تعظيم أحكام الصدقة، تعظيم أحكام الصدقة:
﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾
[سورة الحج الآية: 32]
﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾
[سورة الحج الآية: 30]
ملخص ما يجري في العالم الإسلامي اليوم :
وربما لخصت لكم ما يجري في العالم الإسلامي الآن: هان أمر الله عليهم فهانوا على الله، لم يعظموا حرمات الله .
قال بعض السلف: من تهاون بالأدب مع الله عوقب بحرمان السنن، ومن تهاون بالسنن عوقب بحرمان الفرائض، ومن تهاون بالفرائض عوقب بحرمان المعرفة، يبدأ الحرمان من سوء الأدب .
وقال بعضهم: الزم الأدب ظاهراً وباطناً، فما أساء أحد الأدب في الظاهر إلا عوقب ظاهراً ، وما أساء أحد الأدب باطناً إلا عوقب باطناً .
2-الأدب مع أنبيائه صلوات الله عليهم :
البند الثاني في هذا الدرس: الأدب مع أنبيائه صلوات الله عليهم:
﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا﴾
[سورة آل عمران الآية: 146]
أي كانوا في قمة الأدب مع رسول الله، ما تململوا، ولا تبرموا، ولا حوقلوا، بل صبروا، و نصروا، وتواضعوا، وتحملوا:
﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾
[سورة آل عمران الآية: 146]
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾
[سورة الحجرات الآية: 1]
معنى لا تقدموا لا تقترحوا، لا تقترح في حياته وأمام حضرته اقتراحات تخالف منهجه، أي إنسان يقول لك: أنا أرى أن هذا لا يصلح لهذا العصر، فهو مشرع، وغاب عن النبي أن هذا الشيء الذي يأمر به لا يصلح لهذا العصر .
يقولون هذا عندنا غير جائز ومن أنتم حتى يكون لكم عند؟
لذلك ورد في بعض الأحاديث الصحيحة: إذا رأيت شحاً مطاعاً، مادية مقيتة، يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل .
واقعة :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3368/04.jpg
حدثني أخ التقى مع محامٍ, له اهتمام كبير بالجرائم الكبيرة التي تقع، قال هذا المحامي: مرة قضية إرث، وقضية حجمها بعشرات الملايين تقترب من ستين مليونًا، ويوجد في القضية شاهد إذا شهد، وأقسم بالله أنه رأى وسمع, عدت شهادته حاسمة، وتغير الوضع كلياً، والشاهد شاهد زور، وهو كاذب، لكن القاضي يعلم الحقيقة، إلا أنه مقيد بالقوانين، هذا الشاهد استدعي ليشهد، فإن وضع يده على كتاب الله, وأقسم بالله العظيم أن يقول الحق، وتكلم بشهادة معينة, فالستين مليونًا تنتقل من الورثة إلى واحد، هذا المحامي رأى ذلك رأي العين، وضع يده على المصحف، ونطق بالقسم، وقال الرواية التي قبض ثمنها مبالغ طائلة، ثم رفع يده عن المصحف، وبقيت يده مرفوعة، قال له القاضي: أنزل يدك، فإذا به قد وقع، بقيت مرفوعة، وافته المنية فجأة، اختل توازنه فوقع، يقول هذا القاضي: رأيت هذا رأي العين:
﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾
[سورة الأنعام الآية: 11]
الفاء للترتيب على التعقيب، ويوجد آية:
﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا﴾
[سورة الأنعام الآية: 11]
وقد يشهد الشاهد شهادة زور، ويحلف يمين غموسًا، ويُغمس بهذه اليمين في النار، ولا يأتي العقاب سريعاً، هذا أدب مع رسول الله، أن تأخذ سنته بكل إكبار، لا أن تنتقض هذه السنة، لماذا الطواف سبعة أشواط؟ يتفلسف، لماذا السعي بين الصفا والمروة؟ ما الفائدة؟ لماذا الصلاة؟ لماذا السنن؟ هذا الذي يسخر من سنة النبي عليه الصلاة والسلام، ليس متأدباً مع رسول الله .
علام تحضنا هذه الآيات؟ :
قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾
[سورة الحجرات الآية: 2]
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ * إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾
[سورة الحجرات الآية:2-3]
يقول الله عز وجل: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً﴾
[سورة النور الآية: 63]
لذلك: أقرب الصحابة إلى الله أشدهم أدباً مع رسول الله، وأقرب الناس إلى الله الآن أشدهم أدباً مع رسول الله، وكما أنه يمكن أن تكون مؤدباً مع رسول الله في حياته, يمكن أن تكون مؤدباً مع رسول الله بعد مماته:
﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾
[سورة النساء الآية: 65]
ما محور هذا الحديث؟ :
أيها الأخوة، عَنْ عِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ قَالَ:
((صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْفَجْرَ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا، فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً، ذَرَفَتْ لَهَا الْأَعْيُنُ، وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، قُلْنَا: أَوْ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَأَنَّ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ، فَأَوْصِنَا، قَالَ: أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا ...))
من روائع سيرة النبي عليه الصلاة والسلام :
يوجد شيء في السيرة يفوق حد الخيال، شاب في الثامنة عشرة من عمره, يعيّنه النبي قائدًا لجيشه، من جنوده؛ أبو بكر, وعمر, وعثمان, وعلي، سيدنا أسامة بن زيد يمشي أبو بكر، و هو خليفة المسلمين، وسيدنا أسامة راكب على الجمل، وسيدنا أسامة كتلة من الأدب، قال: يا خليفة رسول الله! لتركبن أو لأمشين، قال: والله لا ركبت، ولا نزلت، وما علي أن تغبرّ قدماي ساعة في سبيل الله .
سيدنا الصديق حينما دخل المدينة، كان يمشي قبل رسول الله، كان يمشي قبله ليكون دريئة له، وكان يمشي وراءه إذا شعر أن الطلب من ورائه، وكان يمشي عن يمينه إذا خاف القتل من على يمينه، وكان يمشي عن يساره، لما دخل المدينة كان يمشي قبله، وكان أهل المدينة لا يعرفون رسول الله، فظنوا أبا بكر رسول الله، فأقبلوا عليه معظمين، ماذا يقول؟ أمسك رداءه، وظلل به النبي عليه الصلاة والسلام، فعرف الناس أن هذا هو رسول الله .
ما الذي يقرب العبد من الله؟ :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3368/05.jpg
أحياناً إنسان يتمتع بثقافة عالية جداً، لكن له تصرفات -والعياذ بالله- كإنسان أحمق، أو كإنسان أرعن، أو كإنسان جلف كما يقال، وتجد إنساناً عنده أدب، هذا الأدب هو الذي يجعلك قريباً من الله عز وجل .
أيكما أكبر أنت أم رسول الله؟ قال: هو أكبر مني، وأنا ولدت قبله .
وما لم نتحلَ بالأدب فيما بيننا، إنسان أكبر منك، إنسان أقدم منك في المسجد، إنسان أكثر منك علماً، تأدب معه، استمع منه، أحياناً يجلس إنسان لا يسمح لإنسان أن يقول كلمة في المجلس، هو وحده يتكلم، والباقون يسكتون، نوع من الأدب، لكن تكلم قليلاً واستمع كثيراً، تكلم وافسح لغيرك أن يتكلم، بقدر ما الصحابة الكرام كانوا يعظمون رسول الله, بقدر ما كان النبي عليه الصلاة والسلام متواضعاً .
كان مع أصحابه في سفر، فقال أحدهم:
((علي ذبح الشاة، وقال الثاني: علي سلخها، وقال الثالث: علي طبخها، قال عليه الصلاة والسلام: وعلي جمع الحطب، قالوا: يا رسول الله! نكفيك ذلك، قال: أعلم أنكم تكفونني، ولكن الله يكره أن يرى عبده متميزاً على أقرانه))
بقدر ما الصحابة عظموا رسول الله، بقدر ما كان النبي عليه الصلاة والسلام متواضعاً . ماذا نستنبط من هذين الحديثين؟ :
أنا أقول لكم: يمكن أن تستنبطوا من هذين الحديثين مئات النتائج .
إن أعرابياً دخل على رسول الله مع أصحابه، قال:
((أيكم محمد؟ -فقط، هل فهمتم كل شيء؟ ليس له كرسي ضخم، ولا هيئة معينة، ولا ثياب معينة، ولا مقام، ولا طراريح- فقال عليه الصلاة والسلام: أنا))
ومرة دخل أعرابي قال: ((أيكم محمد؟ فقال له أحد الصحابة: ذاك الوضيء))
كان يخسف نعله، كان يحلب شاته، كان يضع الإناء للهرة، كان إذا دخل بيته بساماً ضحاكا ، كان إذا دخل بيته واحداً من أهل البيت، كان يمشي على أربع ليركب الحسن والحسين على ظهره، وهو سيد الخلق، وحبيب الحق، كان إذا رأى صبية قال: السلام عليكم يا صبية، وإذا كانوا يتسابقون جرى معهم، وتسابق معهم، شيء لا يصدق . وأحْسَنُ مِنْكَ لم تَرَ قَطُّ عَيْني وَأجْمَلُ مِنْكَ لَمْ تَلِدِ النّسَاءُ
خُلِقْتَ مُبَرَّأَ مِنْ كُلّ عَيْــبٍ كَأنّكَ قَدْ خُلِقْتَ كمَا تَشاءُ
3-الأدب مع حملة ميراث النبوة :
بقي: الأدب مع حملة ميراث النبوة .
عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((لَيْسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ لَمْ يُجِلَّ كَبِيرَنَا، وَيَرْحَمْ صَغِيرَنَا، وَيَعْرِفْ لِعَالِمِنَا حَقَّهُ))
[أخرجه الطبراني في المعجم الكبير, والإمام أحمد في مسنده]
بالمناسبة: ليس من أمتي هذا وعيد خطير جداً، أنت لا تنتمي لهذه الأمة، من لم يجل كبيرنا ويرحم صغيرنا، ويعرف لعالمنا حقه .
سائل يسأل :
عَنْ قَيْسِ بْنِ كَثِيرٍ قَالَ:
((سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَبْتَغِي فِيهِ عِلْمًا, سَلَكَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضَاءً لِطَالِبِ الْعِلْمِ، وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ، حَتَّى الْحِيتَانُ فِي الْمَاءِ، وَفَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، إِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، إِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَ بِهِ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ))
ما تفسير: حتى الحيتان في الماء تستغفر للعالم؟ سألني مرة أحدهم عن هذا الحديث، قلت له : المؤمن إذا اشترى سمكاً، واصطيد أمامه, لا يسمح بتنظيفه مباشرةً حتى تموت، السمك لا تزال حية, يشق بطنها، وتنزع أحشاءها، وقد عذبت مرتين, فالمؤمن يرحم، يرحم حتى السمكة إذا اشتراها، ولم تمت بعد . انظر إلى هذا الفرق بين العالم والعابد :
عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ قَالَ:
((ذُكِرَ للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلَانِ؛ أَحَدُهُمَا عَابِدٌ، وَالْآخَرُ عَالِمٌ، ثم قَالَ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ, وَمَلَائِكَتَهُ, وَأَهْلَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرَضِ، حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا، والحيتان في البحر, لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ))
[أخرجه الترمذي في سننه]
من سمات المؤمن :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3368/06.jpg
إنسان من الدعاة إلى الله، أنا والله أظنه صالحاً، ولا أزكي على الله أحداً، رجل صالح مستقيم، في أثناء قيادة مركبته رجع قليلاً إلى الوراء، فصدم سيارة, وتأثرت تأثراً طفيفاً جداً، فكتب ورقة باسمه وهاتفه, كي يتولى إصلاح المركبة التي آذاها، ثم جاء صاحبها فتكلم كلاماً بذيئاً، تكلم كلاماً وقحاً، تكلم كلاماً لا يسمع مع هذا الإنسان الصالح، ماذا يفعل هذا الإنسان؟ في اليوم الثاني كان هذا الرجل البذيء في مزرعته في ضواحي دمشق، ودعا أصدقاءه، وأحد الأصدقاء لم يعرف طريق المزرعة، فاتصل به على الهاتف المحمول، أن كن في المكان الفلاني، وسآتي إليك، وصل إليه، وسار أمامه، فإذا بمركبة تصدمه، والآن هو مشلول شللا نصفيًا، وهو في مقتبل حياته، الله كبير، لا تتطاول على إنسان ينتفع الناس منه، لا تتواقح عليه ، لذلك الأدب مع الله، ومع رسوله، ومع تشريعه، ومع أهل العلم من سمات المؤمن، حتى الأدب مع طلاب العلم، تواضعوا لمن تعلمون، يجب أن تتواضع لمن تعلم، يجب أن تتواضع لمن تتعلم منه، ويجب أن تتواضع لمن تعلمه، الأدب مع كبار السن .
يقول عليه الصلاة والسلام:
((البركة مع أكابركم، وليس منا من لم يرحم صغيرنا, ويعرف حق كبيرنا))
دقق في هذا الحديث :
الآن دققوا في هذا الحديث: عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ, أن رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قال:
((إِنَّ مِنْ إِجْلَالِ اللَّهِ, إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ، وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ، وَلا الْجَافِي عَنْهُ، وَإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ))
[أخرجه أبو داود في سننه]
ليس عالماً فقط، بل متقدم في السن، مسلم، صائم، مصلٍّ، مستقيم، محمود السيرة .
((إِنَّ مِنْ إِجْلَالِ اللَّهِ, إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ، وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ، وَلا الْجَافِي عَنْهُ، وَإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ))
واجب في عنقك :
مدير ناحية ما سمعنا عنه إلا خيراً، مستقيم، منصف، متواضع, يحترم الناس، يحل مشكلاتهم، دخل الغرفة، لا أقف له، هذا إنسان له منصف، ومستقيم، وما فعل شيئاً يخالف منهج الله عز وجل، ينبغي أن تحترمه، لا مانع أن تحترم إنساناً الله ولاه عليك احترامًا مؤدبًا من دون نفاق، من دون مبالغة، من دون جفاء أيضاً .
((إِنَّ مِنْ إِجْلَالِ اللَّهِ, إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ، وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ، وَلا الْجَافِي عَنْهُ، وَإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ))
4-الأدب مع عامة الناس :
الآن: الأدب مع عامة الناس: نكتفي بأدب سيدنا يوسف مع أخوته، قال تعالى:
﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾
[سورة يوسف الآية: 100]
أيهما أخطر الجب أم السجن؟ السجن حياته مضمونة، لكن الجب مظنة موت وهلاك، لم يذكر الجب لئلا يذكر أخوته بجريمتهم، ثم قال تعالى:
﴿وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾
[سورة يوسف الآية: 100]
لم يقل: أنتم فقراء، تموتون من الجوع، فجئتم إلي فأطعمتكم، لا، قال: جاء بكم من البدو، ولم يقل: إن أخوته ظلموا، بل قال: من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين أخوتي، ما جعلهم مسيئين، قال: من بعد أن نزغ الشيطان، تعلموا الأدب من الأنبياء، قال تعالى:
﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾
[سورة يوسف الآية: 100]
إذا كنت في قوم من عشرين رجلاً، أو أقلّ أو أكثر، فتصفحت وجوههم، فلم تر فيهم رجلاً يهاب في الله عز وجل, فاعلم أن الأمر قد رق، هناك إنسان له هيبة، كل إنسان موصول بالله له هيبة، عشرون رجلاً، ولا إنسان يهاب، فاعلم أن الأمر قد رق، لذلك في آخر الزمان ألف كأف، ومع أصحاب رسول الله واحد كألف .
خاتمة القول :
أختم هذا الدرس: أن سيدنا الصديق جاءته رسالة من سيدنا خالد, يطلب خمسين ألفاً نجدة لمعركة في نهاوند، يبدو أنهم كانوا ثلاثين ألفاً، وواجهوا ثلاثمئة ألف، فطلب خمسين ألفاً، بعث له الصديق بواحد اسمه القعقاع، قال له: أين النجدة؟ قال: أنا، قال له: أنت؟ معه كتاب، فتح الكتاب، يقول سيدنا الصديق: يا خالد، والذي بعث محمداً بالحق, إن جيشًا فيه القعقاع لا يهزم بإذن الله، وانتصر الجيش بواحد .






والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-02-2018, 06:41 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية من مفهوم القران والسنة

الدرس : ( الواحد و الثلاثون )

الموضوع : مستلزمات التوحيد ( 11 )الشكر




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
من لوازم التوحيد :
أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في موضوع أظنه مهم جداً، ألا وهو أن حقيقة العقيدة ليس ما ينبغي أن أعتقد، بل ما ينبغي أن أكون عليه، فهذه المركبة يجب أن تسير، فإن لم تسر, إذاً ليس فيها محرك، تعتقد أن الله غني، وأنه أنعم عليك بنعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، ونعمة الهدى والرشاد، ولا تشكره؟! إذاً هذه الحقائق لا تعرفها، ولم تخطر على بالك، العبرة ما ينبغي أن أكون عليه، لا ما ينبغي أن أعتقده .
فالدرس اليوم: من لوازم توحيده أن تشكره، الشكر نصف الإيمان، والشكر من أخص خصائص المؤمن .
من تعريفات الشكر :
قال بعضهم: الشكر سيلان اللسان بذكر الله ونعمائه، إذا أحببت شيئاً أكثرت من ذكره ، علامة محبتك لله أنك تكثر من ذكره، علامة أنك تعلم ما أنعم الله به عليك من نعم، أنك تشكره، وقالوا: اختلاج القلب وتلهفه وتواضعه لكرمه، وإعمال الجوارح في طاعته، وتعظيم أوامره، هذا هو الشكر، هذا من تعريفات الشكر .
من الأولويات عند الإنسان المسلم :
أيها الأخوة الكرام، يقول عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام أحمد في مسنده:
((والذي نفسي بيده, إن دواب الأرض لتسمن وتشكر شكراً))
﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لاَ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾
.
فإذا كانت دواب الأرض تسمن وتشكر الله عز وجل, فالأولى أن نكون نحن الذين كلفنا حمل الأمانة، وسخر لنا الكون من أجلنا, أن نشكر الله عز وجل . من تعريفات الشكر أيضاً كما أوردها العلماء في هذا المقام :
وقال بعضهم: الشكر ظهور أثر النعمة على لسان العبد ثناءً واعترافاً، وعلى قلبه شهوداً ومحبةً، وعلى جوارحه انقياداً وطاعة .
الشكر كما قال بعض العلماء: ألا ترى نفسك أهلاً للنعمة، أن ترى النعمة أعظم من عملك .
بعضهم قال: أن ترى النعمة، أن ترى نفسك فيها طفيلياً، لست أهلاً لها، هذا من تواضع الإنسان .
الشكر معرفة العجز عن الشكر، والعجز عن الإدراك إدراك، لأن الله عز وجل يقول:
﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾
[سورة النحل الآية: 18]
أنتم عاجزون عن إحصائها، فلأن تكونوا عاجزين عن شكرها من باب أولى .
وقال بعضهم: الشكر معرفة العجز عن الشكر، والشكر استفراغ الطاقة، أو هو مشاهدة المنة، وحفظ الحرمة، وقيل: هو عكوف القلب على محبة المنعم، والجوارح على طاعته، وجريان اللسان بذكره، والثناء عليه، هذه بعض التعريفات التي أوردها العلماء حول مقام الشكر الذي هو من أخص خصائص المؤمن .
تعريف الشكر بشكل مختصر :
أيها الأخوة الكرام، بشكل مختصر: الشكر: إدراك بالعقل أن هذه النعمة من الله، وامتنان بالقلب، وعمل صالح لعباده كتعبير صارخ على شكره، لقوله تعالى:
﴿اعْمَلُوا آَلَ دَاوُدَ شُكْراً﴾
[سورة سبأ الآية: 13]
فاللسان يشكر، والقلب يمتن، والجوارح تعمل، العقل يدرك، والقلب ممتن، والجوارح تتحرك بنسق واحد، فالعقل يدرك أنه في نعمة عظمى . من دلائل العجز والضعف عند الإنسان :
أمسك أحد الخلفاء كأس ماء، فقال له وزيره: يا أمير المؤمنين, كم تشتري هذا الكأس إذا منعت منك؟ قال: بنصف ملكي، قال: فإذا منع إخراجه؟ قال: بنصف ملكي الآخر .
أنت مفتقر إلى كأس ماء .
مرة قرأت في الأخبار: أن إنساناً أتى من الكويت إلى الشام, قبل أن يكون هناك طريق معبد، ضل الطريق، عثر عليه ميتاً هو وزوجته وأولاده من شدة العطش، وقد جرح وجهه بأظافره من شدة العذاب، الإنسان, ومكانته, وشهاداته, وقيمته, وهيمنته, وسيطرته في كأس ماء، من حكم الصوم حينما تجوع وتعطش تعرف أنك عبد لله، وأنك مفتقر لكأس ماء، إدراك بالعقل، وامتنان بالقلب، وعمل لخدمة العباد هذا الشكر .
إليكم هذا الدليل من الكتاب على أن الشكر من أخص خصائص المؤمن :
أيها الأخوة الكرام، أؤكد لكم أن الشكر من أخص خصائص المؤمن، من أخص خصائص المؤمن، الدليل: قال تعالى:
﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ﴾
[سورة النساء الآية: 147]
أنت حينما تشكر، وحينما تؤمن, حققت الهدف من وجودك، حققت علة وجودك، حققت غاية وجودك .
الدليل الآخر: أن هذا الكون مسخر لك تسخير تعريف وتكريم، أي شيء خلقه الله عز وجل, وظيفته الأولى أن تعرف الله من خلاله، وظيفته الثانية أن تنتفع به .
انظر إلى هذا الفرق بين من يعيش في النعمة ومن يعيش مع المنعم :
ضربت اليوم مثلاً لطلاب، قلت لهم: لو أن واحداً دخله قليل جداً، حيث لا يستطيع أن يلعق لعقة عسل واحدة لفقره، لكن وقع تحت يده كتاب عن العسل، فبكى تعظيماً لله على هذه الآية الدالة على عظمته، هذا الذي لم يستطع أن يلعق لعقة عسل واحدة, حقق الهدف الأكبر من خلق العسل، مع أنه لم يأكل العسل، وبالتعبير العامي الذي انفزر عسلاً، وما فكر فيه, عطل الهدف الأكبر من خلق العسل، الغرب أتقن الانتفاع بالنعم، والمؤمنون في عصور ازدهارهم, أتقنوا شكر هذه النعم، لذلك هناك من يعيش في النعمة، وهناك من يعيش مع المنعم.
ممكن لإنسان أن يدعوك إلى طعام نفيس، ويتفنن في ألوان الطعام، ويتفنن في الترحيب، ويتفنن في وضع الزهور، والعصير مقدماً، ويأتي إنسان عينه على الطعام يجلس، ويلتهم الطعام كالدابة، ثم ينصرف، ولا يسلم على صاحب البيت، ولا يشكره، هذا فعلاً دابة, في إنسان يرتدي ثياباً غالية جداً، وعنده عطر، يقول لك: هذه ثمن القارورة أربعة آلاف وخمسمئة ليرة، أخذتها من باريس، لكن هو دابة, إذا تنعم ولم يشكر، فلذلك الشكر من أخص خصائص المؤمن . من أدعية النبي عليه الصلاة والسلام :
كان عليه الصلاة والسلام يقول:
((الحمد لله الذي أذهب عني ما يؤذيني, وأبقى لي ما ينفعني))
((الحمد لله الذي أذاقني لذته الطعام, أبقى في قوته, وأذهب عني أذاه))
كان إذا رأى وجهه في المرأة: ((اللهم كما حسنت خَلقي حسن فحسن خُلقي))
كان إذا ارتدى ثوباً جديداً له دعاء خاص .
كان إذا دخل على بيته, قال: ((الحمد لله الذي آواني، وكم ممن لا مأوى له))
كان إذا استيقظ: ((الحمد لله الذي رد إلي روحي، وعافاني في بدني، وأذن لي بذكره))
لا تغفل عن هذه النعم :
أيها الأخوة الكرام, تلبد الحس مصيبة كبيرة، اسأل أخاً اضطر لزرع أسنانه، ثمن زرع الأسنان كلها مليونا ليرة سورية، الذي عنده أسنان طبيعية سليمة، الذي عنده كليتان سليمتان, زرع الواحدة يكلف حوالي مليون، الآن الذي عنده قلب يعمل بانتظام, لا يحتاج إلى زرع شريان، هذه نعمة، الذي عنده الغدد الصماء تعمل بانتظام، هذه نعمة كبيرة، أنت بصحتك التامة غني .
تاج النعم العقل :
أيها الأخوة الكرام، الشكر من أخص خصائص المؤمن، الشكر لله -دقق- والحمد، الحمد صفة مشتركة بين كل البشر .
إنسان ملحد يشتري بيتاً، يزينه، يفرشه، يستقبل الضيوف، بعد أن تنتهي السهرة يقول : تفضلوا وتفقدوا البيت، هذه ستة بسبعة، الغرفة ما شاء الله، هذه الشرفة مطلة على الحديقة، هذا الحمام مستواه كذا، هو مع النعمة، هو يحمد، لكن يحمد من؟ في الفاتحة: )الْحَمْدُ للهِ(، الخلاف لا على الحمد، على من ينبغي أن تحمد .
إنسان يحمل شهادة عليا من باريس، دكتوراه في الجيولوجيا، ترقى في المناصب حتى صار معاون وزير، شاب في مقتبل الشباب، زوجته شابة، دخله كبير، بيته بأرقى أحياء دمشق، مركبته فارهة، فقد بصره، جاملوه شهرًا، ثم عزل من منصبه، زاره صديق لي، قال له: والله يا فلان أتمنى أن أتسول على الطريق، ولا أملك إلا ثيابي، وأن يرد لي بصري، هل تعلم قيمة نعمة البصر؟ .
إنسان اختل توازنه العقلي، ضغطه ممتاز، لكن لا عقل له، ضغطه جيد، نبضه ثمانون ، أجرى فحوصات، تامة كلها، لكن لا عقل له، تاج النعم العقل .
طرفة :
طرفة: كنت أقول سابقاً، وسأعود إلى ذلك إن شاء الله، كل طفل جاء مع أبيه, نقدم له أكلة طيبة عقب صلاة الجمعة، مرة أحدهم أطول مني، قال: أين هديتي؟ فهمت أن عقله خفيف، قلت له: تفضل، قلت: سبحان الله! ليس ثمة شيء ثمين في حياته كالعقل، يسكت أحيانا ، أحياناً يبتسم، أحياناً يتكلم، أحياناً يسترحم، لكن لا عقل له، مشكلته مشكلة .
من لوازم المؤمن :
أيها الأخوة الكرام، قواعد الشكر خمسة؛ الخضوع للمشكور، قبل أن نبدأ بهذه القواعد أقول: المسلم المؤمن الصادق إذا سمع خبراً سار, يسجد سجدة الشكر، نجح, يسجد سجدة الشكر، استلم المحل, يسجد سجدة الشكر، تزوج, يسجد سجدة الشكر, مشكلة انحلت, يسجد سجدة شكر .
واقعة :
حدثني أخ, قال لي: أعمل بالكمبيوتر خمس ساعات، فضاعت كلها، غلط غلطة، محا العمل كله، تألم ألماً شديداً، ثم هداه الله إلى طريقة, استرجع هذه المعلومات، فصلى ركعتين شكراً لله، فالشكر من لوازم المؤمن، أنت حسنة من الله عز وجل، منحك نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، ونعمة الهدى والرشاد .
من المنسيات عند الإنسان :
مرة كنت في المطار, شاهدت طفلاً صغيراً يجمع أن يسافر مع والديه، لكن وسطه كرة كبيرة جداً، يبدو أنهم يخافون أن يحدث شيء في الطائرة، وضعوا فوطًا مضاعفة، قلت: هذا إذا صار في منصب رفيع عندما يكبر, يتذكر نفسه في المطار في وسطه كرة فيها فوط مضاعفة، الإنسان يكون طفلاً، لا يلحظ نفسه، يكبر، ينسى أنه كان طفلاً، خرج من عورة إلى عورة، وخرج من عورة ثلاث مرات، يقول: أنا، من أنت؟ .
قواعد الشكر خمسة: الخضوع للمشكور، ومحبته، والاعتراف بنعمته، وثناؤه عليه، وصرفها فيما يحب ويرضى .
أنواع الشكر :
1-شكر العامة :
الشكر: شكر العامة، وشكر الخاصة, العامة تشكر الله على المال الوفير، يقول لك أحدهم: الله مفضلها، يشكر الله على الصحة فقط، على الزوجة، يشكر الله على كل شيء مادي ، لأن المادة مبلغه من العلم:
﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾
[سورة النحل الآية: 78]
2-شكر الخاصة :
أيها الأخوة الكرام, الخاصة ما نوع شكرهم؟ يشكر الله على معرفة الله، يشكر الله على طاعة الله، يشكر الله على معرفة القرآن، على معرفة السنة، يشكر الله أن أجرى الله على يديه العمل الصالح:
﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾
[سورة النحل الآية: 78]
كلما ارتقى مستواك يرتقي مستوى شكرك، لا مستوى الشكر من حيث الدرجة، مستوى مضمون الشكر .
إليكم هذا الفرق بين شكر العامة والخاصة :
أيها الأخوة الكرام، عامة الناس يشكرون الله على النعم المادية، ولكن خواص المؤمنين يشكرون الله على نعمة المعرفة، ونعمة الطاعة، ونعمة الصلة، ونعمة العمل لصالح ، وأن الله سخر له أناساً يتاح من خلالهم أن يتقرب إلى الله .
إذا أحب عبدي لقائي أحببت لقاءه، وإذا كره لقائي كرهت لقاءه، أنا أغنى الأغنياء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيره, تركته وشركه .
قواعد الشكر :
1-الخضوع للمشكور :
أيها الأخوة الكرام، القاعدة الأولى: الخضوع للمشكور، لا يمكن أن تكون شاكراً إذا كنت عاصياً، من لوازم الشكر الخضوع لله عز وجل:
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾
[سورة الفاتحة الآية: 5]
﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾
[سورة الحج الآية:35]
﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾

[سورة آل عمران الآية: 172]
إذاً: القاعدة الأولى: الخضوع لله عز وجل، وما شكر الله من لم يخضع له .
2-محبة المشكور والثناء عليه :
الشيء الثاني: محبة المشكور والثناء عليه، فيجب أن يمتلئ القلب محبة لله عز وجل، للتقريب: لا يوجد عندك بيت، وعاقد عقدك على فتاة، ولم تجد بيتاً، ولا تملك ثمن بيت، ولا تملك أجرة بيت، وجاء إنسان، وقدم لك بيتاً بحي جيد، بمواصفات جيدة، قال لك: هذا هدية مني لك، اسكن، واعمل عرسك، وتزوج، يقول لك: لا يذهب من بالي، أقعد، وأقوم، وأدعو له ، بشكل طبيعي إنسان قدم لك شيئاً، الله قدم لك الوجود، قدم لك الهدى، قدم لك عينين، قدم لك لساناً تنطق به، قدم لك أذنين، قدم لك عقلاً، قدم لك أجهزة، قدم لك أعضاء، قدم لك كليتين تعملان بانتظام .
قصة :
مرة أخ دعانا إلى بستان في الربيع، وقال لي: هذا البستان لعمي، ونحن جالسون, دخل عمه، ولم يسلم علينا، أنا عتبت عليه أشد العتب، هذه جفوة، سألت ابن أخيه، قال لي: دعه بحاله، جاء من غسيل كليتيه, لا يرى في وجهه أحداً، معك كليتان تعملان بانتظام، لك عينان، لك أذنان، لك عقل في رأسك، لك قلب يعمل بانتظام، رئتان، معدة، أمعاء، بنكرياس .
هذه مهمة الغدة النخامية :
أحد أصدقائي زار ألمانيا، ويوجد معمل له مديرة مبيعات، يعرفها جيداً، فوجئ أن صوتها أصبح خشناً، ونبت الشعر في وجهها، واختلفت معالم وجهها، دهش من هذا التبدل المفاجئ، سألها، قالت له: والله تعطلت الغدة النخامية، أنا أدفع نصف دخلي حتى أبقى بهذه الحال، الأمر يزداد .
أيها الأخوة, النخامية وزنها نصف غرام، تفرز هرمون الجنس، وهرمون النمو، و هرمون توازن السوائل، وهرمونات كثيرة جداً، الغدة النخامية تفرز اثني عشر هرموناً، لو تعطل أحد هذه الهرمونات لأصبحت حياة الإنسان جحيماً لا يطاق، هرمون توازن السوائل، لو تعطل هذا الهرمون يجب أن تستقر دائماً بين الصنبور، ودورة المياه، يمكن أن تشرب باليوم عشرة براميل، توازن السوائل، كأس، كأسان، عشر كؤوس في الأربع والعشرين ساعة تكتفي ، لأنه يوجد هرمون يضبط توازن السوائل، يجب أن تنتبه إلى الهرمون التابع للغدة النخامية، والدرقية، والكظر، والبنكرياس، وعمل الكليتين، وعمل القلب، والضغط، وبلازما الدم .
من أنشطة الطحال في جسم الإنسان :
لي قريب آخر من أسرة غنية، وصحته جيدة، معه فقر دم، لم يدع طبيباً، من طبيب إلى طبيب, إلى طبيب، إلى بريطانيا، بعد التحليل الدقيق, وجد أن مقبرة كريات الدم الحمراء لا تعمل، الطحال هذه مهمتها إذا ماتت كرية أن تدفنها، وأن تحللها إلى عناصرها الأولية هيموغلوبين وحديد، الحديد يرسل إلى معامل كريات الدم الحمراء في نقي العظام, و الهيموغلوبين يرسل في نقي العظام، والهيموغلوبين يرسل إلى الصفراء، فيغدو صفراء مع الكبد، هذا الطحال يقوم بنشاط أكبر مما ينبغي، يأخذ الكرية الحية يقتلها ويحللها، نحن دفن الموتى للموتى، وليس للأحياء نقتله، ونضعه في الموتى، هذه مشكلة الطحال، مات بهذا المرض، ممكن لإنسان يموت بتوقف نشاط الطحال، قام بنشاط أكبر مما يجب، مهمته تحليل الكريات الميتة إلى عناصرها الأساسية, صار يقتل الكرية الحية، ويحللها, صار معه فقر دم, مات بهذا المرض .
إنسان آخر مات بمرض اسمه: فقر دم اللامصنع، معامل كريات الدم الحمراء توقفت فجأة عن توليد هذه الكريات بلا سبب، المرض حتى الآن لا يعرف سببه، فقر دم اللامصنع، مات به ملِك .
ألا يستحق هذا الإله الحب؟!!! :
أيها الأخوة الكرام، أن تحب الله، منحك نعمة الإيجاد، منحك الأعضاء، منحك السلامة ، منحك أجهزة، منحك حواسًّا، منحك قوامًا، منحك عقلاً، الآن منحك زوجة، منحك بيتًا، منحك أولادًا، منحك اختصاصًا، منحك مكانة، منحك محبة الناس، المؤمن من سماته أنه يشكر الله دائماً، الله عز وجل شكور، إذا أحببته, ألقى محبتك في قلوب الخلق .
3-أن تعترف بنعم الله :
الآن هناك صفة ثالثة للشكر: أن تعترف بنعم الله، يكون في مرتبة عالية، يقول: أنا تعبت على نفسي، أنا ما نمت الليل ثلاثا وثلاثين سنة، تراني في مكانة عالية، هذه ثمنها، عرق، وسهر، ودراسة، أين الله؟ نسي الله، عمل عملاً طيباًً، هذه تربية بيتية، والدي ربانا لا يذكر الله أبداً، إذا مرض ابنه، وأخذه إلى الطبيب، وشفي، والله هذا الطبيب معه بورد، ممتاز ، نسي أن الله أذن له أن يشفى، البطولة أن تعترف بنعمة الله عز وجل .
قال عليه الصلاة والسلام:
((إن الله ليرضى عن العبد, أن يأكل الأكلة فيحمده عليها, ويشرب الشربة فيحمده عليها))
[أخرجه مسلم في الصحيح, والترمذي في سننه]
انظر كيف ختم عمر طعامه :
أنا لا أنسى لما جاء رسول عامل سيدنا عمر على أذربيجان، كره أن يطرق بيته ليلاً، فذهب إلى المسجد، سمع من يبكي، وينادي ربه: يا رب، هل قبلت توبتي فأهنئ نفسي، أم رددتها فأعزيها؟ قال: من أنت يرحمك الله؟ قال: أنا عمر، قال: يا سبحان الله! ألا تنام الليل؟ قال: إني إن نمت ليلي كله أضعت نفسي أمام ربي، وإن نمت نهاري أضعت رعيتي، أخذه صباحاً إلى بيته، قال: تأكل عندنا أم مع فقراء المسلمين؟ قال: عندك -الثانية ليست واردة أبداً- فإذا في بيت عمر خبز وملح، قال: يا أم كلثوم، ما عندك من طعام؟ قالت: والله ما عندنا إلا خبز وملح، قال: هاته لنا، أكل مع ضيفه خبزاً وملحاً، حمد الله على أن أطعمه فأشبعه، وحمد الله أن سقاه فأرواه .
من المعاني التي ابتعد عنها المسلمون في هذا العصر :
الآن يبدأ بكأس عصير، ثم ثمانية عشر صحن مقبلات، بعد الشوربة، بعد الفتة، بعد أكلة الطبخ، بعد أكلة اللحم، بعد هذا الفواكه، بعد هذا الحلويات، بعد هذا القهوة، مثل الدابة يأكل ويمشي، أين الله عز وجل؟ على خبز وملح، الحمد لله الذي أطعمني فأشبعني، وأسقاني فأرواني، على خبز وملح، وليس خبزًا أبيض مثل الذي نأكل، ابتعد المسلمون عن هذه المعاني الدقيقة .
جلست إلى مائدة يمكن أن يأخذ السيروم، يقول: تبخش بدني، لا طعام، ولا شيء، يجب أن تعترف أن هذا من فضل الله عليك، يقول لك: هذا البيت حتى اشتريته ثلاث سنوات, رأيت مئتي بيت، هذا أنا اخترته، الله عز وجل أكرمك في هذا البيت، ومكنك أن تملك ثمن هذا البيت، ويسر لك شراء هذا البيت .
من ضعف إيمان الإنسان :
دائماً الإنسان من ضعف إيمانه يعزو النعم إلى جهده، قارون قال تعالى عنه: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾
[سورة القصص الآية: 78]
﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾
[سورة القصص الآية: 81]
احفظ هذا الدعاء :
اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت, خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، هذا الدعاء النبوي الشريف .
4-الثناء على المشكور :
الآن الثناء على المشكور، أول قاعدة: الخضوع، الثانية: المحبة، الثالثة: الاعتراف، الرابعة: الثناء .
يقول عليه الصلاة والسلام:
((لئن أقول: سبحان الله, والحمد لله, ولا إله إلا الله, والله أكبر, وأحب إلي مما طلعت عليه الشمس))
وفي حديث آخر: عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَلَا أُخْبِرُكَ بِأَحَبِّ الْكَلَامِ إِلَى اللَّهِ؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَخْبِرْنِي بِأَحَبِّ الْكَلَامِ إِلَى اللَّهِ، فَقَالَ: إِنَّ أَحَبَّ الْكَلَامِ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ))
عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: ((جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: عَلِّمْنِي كَلَامًا أَقُولُهُ، قَالَ: قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، سُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ))
هذا مما يؤكد شكرك؛ خضوع، محبة، اعتراف، ثناء . 5-أن تستخدم النعم لطاعة الله :
الشيء الخامس: أن تستخدم النعم لطاعة الله، هذه العين ينبغي ألا تستخدمها في النظر إلى عورات المسلمين، هذه الأذن ينبغي ألا تستخدمها في سماع ما نهى الله عن سماعه, من غيبة أو نميمة أو غناء، هذا اللسان ينبغي ألا يغتاب أحداً، أن يكون رطباً بذكر الله، هذه اليد للعمل الصالح، هذه الرجل للمجيء إلى المساجد، إلى الطاعات، إلى صلة الرحم، من لوازم الشكر أن تستخدم هذه النعم فيما شرع الله، لا فيما لم يشرع الله، إذا آتاك الله مالاً فليرَ أثر نعمة الله عليك .
أدوات الشكر :
1-اللسان :
الآن آلات الشكر: اللسان، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ, أَنَّ رَجُلًا قَالَ:
((يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ قَدْ كَثُرَتْ عَلَيَّ, فَأَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ أَتَشَبَّثُ بِهِ, قَالَ: لَا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ))
أول أداة للشكر: اللسان، أن تذكره فلا تنساه، وأن تشكره فلا تكفره، وأن تطيعه فلا تعصيه .
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قال: ((كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ؛ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, والترمذي في سننه]
هذا الذكر البرمجة اللغوية العصبية، سموه التكرار الكثيف، أحياناً إذا كررت شيئاً بكثافة تتعلق به، وتقبل عليه .
2-القلب :
أيها الأخوة الكرام، الشكر أدواته: اللسان، والقلب، والجوارح، فالقلب شكره بالبعد عن الشبهات، ودفع وساوس الشيطان .
فعَنْ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ الْأَسَدِيِّ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِوَابِصَةَ:
((جِئْتَ تَسْأَلُ عَنْ الْبِرِّ وَالْإِثْمِ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَجَمَعَ أَصَابِعَهُ فَضَرَبَ بِهَا صَدْرَهُ، وَقَالَ: اسْتَفْتِ نَفْسَكَ، اسْتَفْتِ قَلْبَكَ يَا وَابِصَةُ، ثَلَاثًا، الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ، وَاطْمَأَنَّ إِلَيْهِ الْقَلْبُ، وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي النَّفْسِ، وَتَرَدَّدَ فِي الصَّدْرِ، وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ))
البعد عن الشبهات، وعن المخالفات، وعن وساوس النفس، هذا شكر القلب لله عز وجل، من شكر القلب: امتناعه عن الحسد، والغل، والحقد، ومدافعة هذه الأمراض . 3-الجوارح :
بقي شكر الجوارح، الجوارح أن تستعملها في طاعة الله، كل جوارحك، بدءاً من العين إلى اللسان، إلى الأذن، إلى اليد، إلى الرجل، إذا استخدمت هذه الجوارح في طاعة الله, فقد شكرت الله عز وجل .
أيها الأخوة الكرام، هذه بعض ما في الشكر من آيات وأحاديث وحقائق، والإيمان نصف صبر، ونصف شكر، بل الشكر مع الإيمان هو تحقيق لغاية الإنسان .
كلمة الختام :
وكلمة أخيرة في قوله تعالى:
﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ﴾
[سورة النساء الآية: 147]
الإيمان مع الشكر تحقيق لكل أهداف الإنسان، أنت في الأساس نعمة من نعم الله، عرفته، وشكرته على هذه النعمة، ما دام الكون مسخرًا تسخير تعريف وتكريم، التعريف يقتضي الإيمان، والتكريم يقتضي الشكران، فإذا آمنت وشكرت, فقد حققت الهدف من وجودك.








والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-02-2018, 06:44 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية من مفهوم القران والسنة

الدرس : ( الثانى و الثلاثون )

الموضوع : مستلزمات التوحيد ( 12 ) الصبر





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
من لوازم العقيدة الصحيحة :
أيها الأخوة الكرام، مع الدرس الثاني والثلاثين من دروس العقيدة، ولا زلت أؤكد لكم: أن حقيقة العقيدة لا ما ينبغي أن تعتقد، بل ما ينبغي أن تكون عليه، ومن لوازم العقيدة الصحيحة، من لوازم الفهم الصحيح، من لوازم معرفة الله عز وجل، من لوازم معرفة حقيقة الدنيا: أن تصبر.
أيها الأخوة, أنت في مدرسة، في شدة، في استماع، في انتباه, في اهتمام، في وظائف، في واجبات، في دوام، في تبكير إلى الدرس، في احترام المدرس، هكذا طبيعة المدرسة، في الملهى شيء آخر، إذا كنت في ملهى فهذا موضوع آخر، فكل إنسان في مدرسة, يظن نفسه في ملهى, يقع في إشكال كبير، أنت في مدرسة، كلمة مدرسة؛ أي إعداد لمستقبل مشرق .
أنت في الدنيا معنى إعداد للآخرة، ما دامت الدنيا مرحلة إعدادية، ما دامت الدنيا ممرًّا وليست مقراً، ما دامت الدنيا دار عمل، ما دامت الدنيا دار تكليف، ما دام الإنسان أودعت فيه الشهوات، أعطي العقل والمنهج، وقد يغفل، وقد يزيغ، وقد يقصر, فلا بد من تأديب، لا بد من توجيه، لا بد من شدة، لا بد من دفع إلى باب الله عز وجل، لذلك كان الصبر.
متى يصبر العبد؟ :
حينما تفهم على الله سر وجودك في الدنيا تصبر، حينما تعلم علم اليقين أنك مخلوق للجنة، وأن الحياة الدنيا إعداد لها تصبر، حينما تعلم أن الله سبحانه وتعالى كماله مطلق تصبر ، حينما تعلم أن الله حكيم تصبر، حينما تعلم أن الله عليم تصبر، حينما تعلم أن الله عادل تصبر، أنت حينما تؤمن بوجود الله أولاً، وبعلمه، لا يخفى عليه شيء، وبعدله، وبحكمته، وبرحمته، خبرته بما خلق، حينئذ تصبر, أما الذي لا يصبر فهناك خلل في فهمه، خلل في عقيدته، خلل في إيمانه، خلل في معرفته لسر وجوده .
من هو الجاهل؟ :
الصبر محصلة أشياء كثيرة، الصبر محصلة، تماماً كما لو كنت إنساناً راشداً بالغاً عاقلاً، وأنت عند طبيب أسنان، وضعف القلب -لا سمح الله ولا قدر- لا يسمح بالمخدر، ولا بد من قلع هذا الدرس، ألم مستمر، والقلب لا يحتمل المخدر، والطبيب أقنعك، لذلك تتمسك بالمقعد وتصبر، لماذا تصبر؟ لأنك تعلم أنه لا بد من قلع هذا السن، ولماذا تصبر؟ لأنك تعلم أن المخدر لا يناسبك، ولماذا تصبر؟ لأن هذا الطبيب في أعلى مستوى، إذاً تصبر، أما لو أن طفلاً صغيراً أردنا أن نقلع، أو أن نزيل سنه يبكي، ويتحرك، ويصدر حركات غير معقولة، وقد يتفلت لسانه بكلمات غير معقولة للطبيب، لأنه جاهل، إذاً: الذي لا يصبر جاهل، والذي يصبر فهو على حد أدنى من معرفة الله .
علامة الحب الصدق :
الله عز وجل جعل هذه الدنيا دار ابتلاء، كل إنسان بالإكرام يميل قلبه لمن أكرمه، لكن متى يظهر الولاء الحقيقي؟ متى يظهر الحب الحقيقي؟ .
والله وإن فتّتوا في حبهم كبدي باق على حبهم راض بما فعلوا
علامة الحب الصدق، أما العطاء فلا يولّد محبة، يولّد منفعة، لذلك هناك عبيد إحسان، وليس هناك عبيد امتحان .
لك صديق غني، وكل يوم في مطعم، إكرامه منقطع النظير، أنت تحبه لأنه تأتيك من قِبَله مزايا كثيرة، لو أن مرة لم يقدم لك شيئاً فانصرفت عنه، إذاً أنت لا تحبه، أنت تحب نفسك، فهذا اليوم الذي قطع عنك العطاء انصرفت عنه، لأنك تحب نفسك .
هذا ملخص الإيمان :
يمكن أن يلخَّص الإيمان في الصبر، لأنه هو الإيمان كله، معرفة بالله، وضبط الشهوات، الإيمان ضبط، فما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا جعل لها قناة نظيفة، ولكن ليس قنوات، قناة واحدة، المرأة بالزواج فقط، المال بالكسب الحلال فقط، العلو في الأرض شهوة بطاعة الله، وبطلب العلم، لا بإيذاء الناس، ولا ابتزاز أموالهم، فقضية الصبر قضية مركزية في الدين، الصبر ضبط، المؤمن منضبط، منضبط بمنهج الله .
الإيمان قيد الفتك لا يفتك مؤمن :
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
((الْإِيمَانُ قَيْدُ الْفَتْكِ، لَا يَفْتِكُ مُؤْمِنٌ))
[أخرجه أبو داود في سننه]
هل من المعقول: أن الفرنجة حينما فتحوا القدس أن يقتلوا سبعين ألف إنسان؟ والذي ترونه الآن، وتسمعون به, قتل بلا تمييز، قتل بلا سبب، موت كعقاص الغنم، لا يدري القاتل لمَ يَقتل، ولا المقتول لمَ قُتل؟ فلذلك أنت مكلف أن تنضبط بالإيمان، الفرنجة ذبحوا سبعين ألف مسلم في القدس في يومين، فلما فتح صلاح الدين الأيوبي -رحمه الله تعالى- القدس, لم يسفك قطرة دم واحدة، لأنه لا يستطيع، مقيَّد، الإيمان قيَّده، الإنسان بنيان الله، وملعون من هدم بنيان الله .
ما تعريف الصبر في اللغة؟ :
أيها الأخوة، الصبر في اللغة الحبس والكف، الصبر حبس اللسان, والقلب, والنفس, والجوارح عن التشكي, والجزع, والتسخط, والتذمر، ولو أفضنا في هذا الموضوع, لأننا في هذه الأيام في أمسّ الحاجة إليه، واللهِ مصائب كالجبال، واللهِ محن لا تقوى على حملها الجبال، والمسلمون مبتلون الآن أشد أنواع البلاء، فلا بد من فهم حقيقة الصبر .
الصبر الثبات مع الله . ((واللهِ يا عمّ، لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في شمالي, على أن أدع هذا الأمر ما تركته، حتى يظهره الله))
قال تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾
[سورة الأحزاب الآية: 23]
الثبات مع الله، تلقي البلاء بالترحيب والدعة، هذا قرار الله عز وجل، هذه الشدة إرادة الله عز وجل، الذي يحب الآخر يحترم إرادته، الذي يحب الآخر يحب فعله، الصبر حبس النفس عن الجزع والتسخط، وحبس اللسان عن الشكوى، وحبس الجوارح عن التشويش .
المسير من الدنيا إلى الآخرة سهل هيّن على المؤمن، وهجران الخلق في جنب الله شديد، والمسير من النفس إلى الله صعب، والصبر مع الله أشد، هذه بعض أقوال العلماء في شأن الصبر .
من لوازم العلم بأسماء الله تعالى أن تصبر :
الصبر ورد في القرآن في تسعين موضعاً، قال بعض العلماء: الصبر من لوازم العلم بأسماء الله وصفاته، فإن علمت حقيقة أن الله رحيم، وأن الله حكيم، وأن الله قدير، وأن الله عدل، وأن الله خبير، وأنك مخلوق للجنة، وأن الدنيا دار ممر، وأن الدنيا لا شأن لها عند الله .
وفي الحديث: عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَوْ كَانَتْ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ, مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ))
[أخرجه الحاكم في مستدركه]
من لوازم العلم بأسماء الله تعالى أن تصبر . من علامات الإيمان بالقضاء والقدر :
الصبر يدلّ على صدق مراقبة لله عز وجل، الصبر يدل على إيمان العبد بالقضاء والقدر، من علامات الإيمان بالقضاء والقدر أن تصبر، الصدق توحيد الله بأسمائه، العليم، والحكيم، والخبير، والبصير .
أنت حينما تؤمن أن الله يقدر المحن والبلاء كيفما يشاء، وهو يعلم، وأنت لا تعلم، أيّ لا تنصِّب نفسك محللاً لكل أفعال الله، قل: لا أعلم، نحن في محنة شديدة، ما الحكمة منها؟ واللهِ لا أعلم، أنا أعلم أن المحن كلها رسالة من الله، أن يا عبدي غيِّر، غيِّر حتى أغيِّر، هذا هو ردي، آيات كثيرة . هذه مهمة المصائب :
المصائب تقريب من الله، والمصائب تطهير، والمصائب تزكية، والمصائب تحذير، والمصائب دفع إلى باب الله عز وجل، الله وحده يعلم ما هو أفضل لحال المؤمن، يوجد إنسان يسوقه الله إليه في الشدائد، يوجد إنسان بالرخاء، يوجد إنسان يعزه, فيستحيي من الله، فيقبل عليه، يوجد إنسان يضيق عليه، هو الخبير، يعلم, وأنت لا تعلم، أنت مع طبيب من بني البشر، لأنه كتب على اللوحة: بورد من دولة عظمى, تجد نفسك مستسلماً، خذ هذا الدواء، حاضر، حلل فتحلل، صور فتصوِّر، ولا كلمة، ولا اعتراض، لأنه كاتب: بورد، فهذا الإله العظيم, كل هذا الكون, يشهد له بعلم، وحكمة، وقدرة، وعدل، ألا تستسلم له؟ ألا تقول: يا رب أنا راض؟ راض كيفما فعلت بي . وقفة متأنية :
لا يمكن أن يقول إنسان دعاء أبلغ من هذا الدعاء، في الطائف قال عليه الصلاة والسلام:
((اللهم إليك أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس -أنا لا أصدق أنه في تاريخ الإسلام كله مرت فترة, المسلمون هانوا على العالم كله كهذه الفترة، أبداً، إذا قُتل شخص منهم، مات واحد اليوم، نحن بالمئات، بالألوف، لا قيمة لنا أبداً- يا رب المستضعفين، إلى من تكلني؟ إلى صديق يتجهمني، أم إلى عدو ملكته أمري -لكن يا رب، إذا كانت هذه الشدة تعني أنك غاضب علي -لك العتبى حتى ترضى- وإن كانت هذه الشدة لا علاقة لها بغضبك ورضاك, فأنا راض بهذا، لكن الأدب التام- لكن عافيتك أوسع لي))
انظر إلى هذه الفترة التاريخية التي يعيشها المسلمون اليوم :
ما من دعاء ينطبق على المسلمين اليوم كهذا الدعاء، تعويض مئتين وسبعين راكباً، كل راكب خمسمئة مليون ليرة ديته، مئتان وسبعون راكباً ضرب خمسمئة مليون، هذا الهوان على الله، لئلا تعتبوا على الله, هان أمر الله علينا فهنا على الله .
يوجد بلد نحو الشرق ألغيت كلية الشريعة، وسمح للبرامج الساقطة المستوردة، وقال: أراها أنا وحفيداتي، هان أمر الله على المسلمين فهانوا على الله عز وجل، برنامج غنائي، مغنيتان يتنافسان على المرتبة الأولى، ستة وثمانون مليون اتصال من العالم العربي والإسلامي، وكلفت هذه الاتصالات بمليارات الليرات، لذلك قال وزير حرب العدو: مشكلتنا ليست مع المسلمين، إذاً الحمد لله، مشكلتنا مع الإسلام، وليست مع المسلمين، لأن المسلمين انتهوا.
أضع بين أيديكم حقائق يدمى لها القلب، ألا ينبغي أن يرى الله منا اهتماماً بأمره، وتعظيماً لشرائعه؟:﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾
[سورة الحج الآية: 32]
من أوجه الصبر كما ورد في القرآن الكريم :
1-الأمر به والنهي عن ضده :
أيها الأخوة، الصبر في القرآن الكريم ورد على سبعة أوجه:
الوجه الأول: الأمر به، والنهي عن ضده:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾
[سورة البقرة الآية: 153]
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾
[سورة آل عمران الآية: 200]
﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾
[سورة النحل الآية: 127]
﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾
[سورة الأحقاف الآية: 35]
﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾
[سورة آل عمران الآية: 139]
متى يكون الصبر؟ :
يوجد ملمح لطيف في الصبر، فَعَنْ أَنَسٍ يَقُولُ لِامْرَأَةٍ مِنْ أَهْلِهِ:
((أَتَعْرِفِينَ فُلَانَةَ؟ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِهَا, وَهِيَ تَبْكِي عَلَى قَبْرٍ, فَقَالَ لَهَا: اتَّقِي اللَّهَ، وَاصْبِرِي، فَقَالَتْ لَهُ: إِيَّاكَ عَنِّي، فَإِنَّكَ لَا تُبَالِي بِمُصِيبَتِي، قَالَ: وَلَمْ تَكُنْ عَرَفَتْهُ، فَقِيلَ لَهَا: إِنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَخَذَ بِهَا مِثْلُ الْمَوْتِ، فَجَاءَتْ إِلَى بَابِهِ، فَلَمْ تَجِدْ عَلَيْهِ بَوَّابًا، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي لَمْ أَعْرِفْكَ، فَقَالَ: إِنَّ الصَّبْرَ عِنْدَ أَوَّلِ صَدْمَةٍ))
لكن بعد الصدمة الأولى, لا بد من أن نصبر، شئنا أم أبينا، ماذا نفعل؟ شخص عنده ابن توفاه الله، ماذا يفعل؟ مات وانتهى، الصبر حاصل، ولكن بعد الصدمة الأولى، لكن لا تكون صابراً إلا إذا صبرت عند الصدمة الأولى، عند أول خبر، يا رب لك الحمد، يا رب لك الشكر . قف عند هذا الملمح لهذا الحديث :
هناك ملمح ثان: ممنوع منعاً باتاً أن تتمنى الموت، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال:
((قَالَ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمْ الْمَوْتَ مِنْ ضُرٍّ أَصَابَهُ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ فَاعِلًا فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتْ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتْ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي والنسائي في سننهم]
أحياناً يأتي الموت رحمة، أيّ إنسان فَقَدَ قدراته، فَقَدَ حركته، أصابه شلل، ضعفت ذاكراته، فَقَدَ وعيه، أصبح عبئاً، ما من شيء أرحم له من الموت .
كنت أسمع شريطاً لخطيب, توفي رحمه الله، كان يقول: اللهم من أراد بي سوءاً في هذا المسجد, فأصبه بعمى في عينيه، وشلل في يديه، وسرطان في دمه، حتى يتمنى الموت فلا يجده .
((لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمْ الْمَوْتَ مِنْ ضُرٍّ أَصَابَهُ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ فَاعِلًا فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتْ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتْ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي))
الصبر لا يتنافى مع الحزن :
الآن: عَنْ أُسَامَةَ, أَنَّ بِنْتًا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِ، وَمَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ, وَسَعْدٌ, وَأُبَيٌّ: أَنَّ ابْنِي قَدْ احْتُضِرَ، فَاشْهَدْنَا، فَأَرْسَلَ يَقْرَأُ السَّلَامَ، وَيَقُولُ:
((إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَمَا أَعْطَى، وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ مُسَمًّى، فَلْتَصْبِرْ وَتَحْتَسِبْ، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ تُقْسِمُ عَلَيْهِ، فَقَامَ وَقُمْنَا مَعَهُ، فَلَمَّا قَعَدَ رُفِعَ إِلَيْهِ، فَأَقْعَدَهُ فِي حَجْرِهِ، وَنَفْسُ الصَّبِيِّ جُئِّثُ، فَفَاضَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ سَعْدٌ: مَا هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: هَذِهِ رَحْمَةٌ يَضَعُهَا اللَّهُ فِي قُلُوبِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ))
إذاً: الصبر لا يتنافى مع الحزن .
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: ((دَخَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ، وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ))
ما موضع الشاهد في هذا الحديث؟ :
أيها الأخوة الكرام، روى الإمام مسلم في صحيحه, عَنْ صُهَيْبٍ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((كَانَ مَلِكٌ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، وَكَانَ لَهُ سَاحِرٌ، فَلَمَّا كَبِرَ قَالَ لِلْمَلِكِ: إِنِّي قَدْ كَبِرْتُ, فَابْعَثْ إِلَيَّ غُلَامًا أُعَلِّمْهُ السِّحْرَ -وفي رواية: كان هذا الساحر أو الكاهن يتكهن للملك، يقدم له غطاء إيديولوجيًا، أي هو متواطئ مع الملك- فَبَعَثَ إِلَيْهِ غُلَامًا يُعَلِّمُهُ، فَكَانَ فِي طَرِيقِهِ إِذَا سَلَكَ رَاهِبٌ -في طريق الغلام إلى الساحر راهب- فَقَعَدَ إِلَيْهِ، وَسَمِعَ كَلَامَهُ -الراهب يمثل الدين السماوي، أما الملك متألّه، والذي يقنع الناس بأنه إله الساحر، لكن الساحر ليس مقتنعاً أن هذا الملك إله، بالتعبير الشعبي على هامان يا فرعون، لكنه يقنع الناس أن هذا الملك إله- فَكَانَ إِذَا أَتَى السَّاحِرَ مَرَّ بِالرَّاهِبِ, وَقَعَدَ إِلَيْهِ، فَإِذَا أَتَى السَّاحِرَ ضَرَبَهُ، فَشَكَا ذَلِكَ إِلَى الرَّاهِبِ، فَقَالَ: إِذَا خَشِيتَ السَّاحِرَ فَقُلْ: حَبَسَنِي أَهْلِي، وَإِذَا خَشِيتَ أَهْلَكَ, فَقُلْ: حَبَسَنِي السَّاحِرُ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ, إِذْ أَتَى عَلَى دَابَّةٍ عَظِيمَةٍ, قَدْ حَبَسَتْ النَّاسَ - وحش وقف على مداخل بلدة، وحبس الناس عن الخروج- فَقَالَ: الْيَوْمَ أَعْلَمُ: الساحر أَفْضَلُ أَمْ الرَّاهِبُ أَفْضَلُ؟ فَأَخَذَ حَجَرًا, فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ أَمْرُ الرَّاهِبِ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ أَمْرِ السَّاحِرِ, فَاقْتُلْ هَذِهِ الدَّابَّةَ, حَتَّى يَمْضِيَ النَّاسُ، فَرَمَاهَا, فَقَتَلَهَا، وَمَضَى النَّاسُ، فَأَتَى الرَّاهِبَ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ لَهُ الرَّاهِبُ: أَيْ بُنَيَّ، أَنْتَ الْيَوْمَ أَفْضَلُ مِنِّي -أي رأى على يديه كرامة- قَدْ بَلَغَ مِنْ أَمْرِكَ مَا أَرَى، وَإِنَّكَ سَتُبْتَلَى، فَإِنْ ابْتُلِيتَ فَلَا تَدُلَّ عَلَيَّ، وَكَانَ الْغُلَامُ يُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ، وَيُدَاوِي النَّاسَ مِنْ سَائِرِ الْأَدْوَاءِ، فَسَمِعَ جَلِيسٌ لِلْمَلِكِ, كَانَ قَدْ عَمِيَ، فَأَتَاهُ بِهَدَايَا كَثِيرَةٍ، فَقَالَ: مَا هَاهُنَا لَكَ أَجْمَعُ إِنْ أَنْتَ شَفَيْتَنِي، فَقَالَ: إِنِّي لَا أَشْفِي أَحَدًا، إِنَّمَا يَشْفِي اللَّه عز وجل، فَإِنْ أَنْتَ آمَنْتَ بِاللَّهِ, دَعَوْتُ اللَّهَ فَشَفَاكَ، فَآمَنَ بِه, فَشَفَاهُ اللَّهُ، فَأَتَى الْمَلِكَ، فَجَلَسَ إِلَيْهِ كَمَا كَانَ يَجْلِسُ، فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: مَنْ رَدَّ عَلَيْكَ بَصَرَكَ؟ قَالَ: رَبِّي، قَالَ: وَلَكَ رَبٌّ غَيْرِي؟ قَالَ: رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ، فَأَخَذَهُ، فَلَمْ يَزَلْ يُعَذِّبُهُ, حَتَّى دَلَّ عَلَى الْغُلَامِ، فَجِيءَ بِالْغُلَامِ، فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: أَيْ بُنَيَّ، قَدْ بَلَغَ مِنْ سِحْرِكَ مَا تُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ، وَتَفْعَلُ وَتَفْعَلُ؟ قال: فَقَالَ: إِنِّي لَا أَشْفِي أَحَدًا، إِنَّمَا يَشْفِي اللَّهُ، فَأَخَذَهُ, فَلَمْ يَزَلْ يُعَذِّبُهُ, حَتَّى دَلَّ عَلَى الرَّاهِبِ، فَجِيءَ بِالرَّاهِبِ، فَقِيلَ لَهُ: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ، فَأَبَى، فَدَعَا بِالْمِئْشَارِ، فَوَضَعَ الْمِئْشَارَ فِي مَفْرِقِ رَأْسِهِ، فَشَقَّهُ حَتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ، ثُمَّ جِيءَ بِجَلِيسِ الْمَلِكِ، فَقِيلَ لَهُ: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ, فَأَبَى، فَوَضَعَ الْمِئْشَارَ فِي مَفْرِقِ رَأْسِهِ, فَشَقَّهُ بِهِ حَتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ، ثُمَّ جِيءَ بِالْغُلَامِ -القصة رواها النبي عليه الصلاة والسلام، والقصة تفسر آية في الكتاب أتلوها عليكم بعد قليل- فَقِيلَ لَهُ: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ، فَأَبَى، فَدَفَعَهُ إِلَى نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: اذْهَبُوا بِهِ إِلَى جَبَلِ كَذَا وَكَذَا، فَاصْعَدُوا بِهِ الْجَبَلَ، فَإِذَا بَلَغْتُمْ ذُرْوَتَهُ، فَإِنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ، وَإِلَّا فَاطْرَحُوهُ، فَذَهَبُوا بِهِ, فَصَعِدُوا بِهِ الْجَبَلَ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِمَا شِئْتَ، فَرَجَفَ بِهِمْ الْجَبَلُ فَسَقَطُوا، وَجَاءَ يَمْشِي إِلَى الْمَلِكِ، فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: مَا فَعَلَ أَصْحَابُكَ؟ قَالَ: كَفَانِيهِمُ اللَّهُ، فَدَفَعَهُ إِلَى نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: اذْهَبُوا بِهِ فَاحْمِلُوهُ فِي قُرْقُورٍ -أي في قارب- وَتَوَسَّطُوا بِهِ الْبَحْرَ، فَإِنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ، وَإِلَّا فَاقْذِفُوهُ، فَذَهَبُوا بِهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِمَا شِئْتَ، فَانْكَفَأَتْ بِهِمْ السَّفِينَةُ، فَغَرِقُوا، وَجَاءَ يَمْشِي إِلَى الْمَلِكِ، فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: مَا فَعَلَ أَصْحَابُكَ؟ قَالَ: كَفَانِيهِمُ اللَّهُ -احتار الملك كيف يقتله- فَقَالَ لِلْمَلِكِ: إِنَّكَ لَسْتَ بِقَاتِلِي حَتَّى تَفْعَلَ مَا آمُرُكَ بِهِ، قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: تَجْمَعُ النَّاسَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، وَتَصْلُبُنِي عَلَى جِذْعٍ، ثُمَّ خُذْ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِي، ثُمَّ ضَعْ السَّهْمَ فِي كَبِدِ الْقَوْسِ، ثُمَّ قُلْ: بِاسْمِ اللَّهِ رَبِّ الْغُلَامِ، ثُمَّ ارْمِ، فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ قَتَلْتَنِي -الملك وقع في مأزق كبير، ولكنه لم ينتبه- فَجَمَعَ النَّاسَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، وَصَلَبَهُ عَلَى جِذْعٍ، ثُمَّ أَخَذَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ، ثُمَّ وَضَعَ السَّهْمَ فِي كَبْدِ الْقَوْسِ، ثُمَّ قَالَ: بِاسْمِ اللَّهِ رَبِّ الْغُلَامِ، ثُمَّ رَمَاهُ، فَوَقَعَ السَّهْمُ فِي صُدْغِهِ, فَوَضَعَ يَدَهُ فِي صُدْغِهِ, فِي مَوْضِعِ السَّهْمِ, فَمَاتَ، فَقَالَ النَّاسُ: آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلَامِ، آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلَامِ، آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلَامِ، فَأُتِيَ الْمَلِكُ، فَقِيلَ لَهُ: أَرَأَيْتَ مَا كُنْتَ تَحْذَرُ؟ قَدْ وَاللَّهِ نَزَلَ بِكَ حَذَرُكَ, قَدْ آمَنَ النَّاسُ، فَأَمَرَ بِالْأُخْدُودِ فِي أَفْوَاهِ السِّكَكِ، فَخُدَّتْ، وَأَضْرَمَ النِّيرَانَ، وَقَالَ: مَنْ لَمْ يَرْجِعْ عَنْ دِينِهِ فأقحموه فِيهَا، أَوْ قِيلَ لَهُ: اقْتَحِمْ، فَفَعَلُوا, حَتَّى جَاءَتْ امْرَأَةٌ، وَمَعَهَا صَبِيٌّ لَهَا، فَتَقَاعَسَتْ أَنْ تَقَعَ فِيهَا، فَقَالَ لَهَا الْغُلَامُ: يَا أُمَّهْ, اصْبِرِي، فَإِنَّكِ عَلَى الْحَقِّ))
[أخرجه مسلم في الصحيح, والترمذي في سننه]
هذا الحديث أحياناً يستخدم كدليل على الأعمال الاستشهادية:
﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾
[سورة البروج الآية: 4-7]
ومعركة الحق والباطل قديمة قدم الإنسان، ولا تزال مستمرة إلى نهاية الدوران .
2- أن الله أثنى على أهله، وبيّن محبته لهم، ومعيته لهم :
الوجه الثاني من وجوه الصبر في القرآن الكريم: أن الله سبحانه وتعالى أثنى على أهله، وبيّن محبته لهم، ومعيته لهم، فقال تعالى:
﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾
[سورة آل عمران الآية: 16-17]
﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾
[سورة آل عمران الآية: 146]
نهاية المطاف :
عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأَانِ، أَوْ تَمْلَأُ مَا بَيْنَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَالصَّلَاةُ نُورٌ، وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ، وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ، وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ، كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو، فَبَايِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا))
[أخرجه مسلم في الصحيح, والترمذي والنسائي في سننهما]
أيها الأخوة، نحن في أمسّ الحاجة إلى الصبر، لكن إلى الصبر الإيجابي لا الصبر السلبي، الصبر الإيجابي أن يبلغ سعيك أقصاه، ثم حيث انتهى بك السعي فاصبر، لا أن تقعد، ولا تتحرك، ولا تعمل شيئاً، ولا تحمل همّ المسلمين، ولا تسهم بشيء في خدمة المسلمين، وتقول : أنا صابر، لا، الصبر السلبي ألا تفعل شيئاً وتصبر، أما الصبر الإيجابي أن تفعل كل ما تستطيع، وحيث انتهى بك الفعل والسعي تصبر، لا يقبل منا إلا هذا الصبر الثاني، الصبر الإيجابي، أما أن تصبر دون أن تفعل شيئاً, فهذا ليس من أخلاق المؤمنين .
وللدرس تتمة إن شاء الله في الأسبوع القادم .








والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-02-2018, 06:46 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية من مفهوم القران والسنة

الدرس : ( الثالث و الثلاثون )

الموضوع : مستلزمات التوحيد ( 13 ) الرضا



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين . من لوازم التوحيد :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3371/01.jpg
أيها الأخوة الكرام, مع الدرس الثالث والثلاثين من دروس العقيدة، ومع موضوع هو من لوازم التوحيد، ولا زلنا في عدد غير قليل من دروس لوازم التوحيد .
من لوازم التوحيد اليوم: الرضا، إن آمنت أن الله سبحانه وتعالى صاحب الأسماء الحسنى و الصفات الفضلى، صاحب الكمال المطلق، وأن الأمر كله بيده، وأنه لا معبود بحق إلا هو، و أن كماله كمال مطلق، إذاً يقتضي الإيمان بهذا الكمال, وهذه الأسماء, وتلك الصفات, أن يكون فعله خيراً مطلقاً، تدركه عقولنا أو لا تدركه، ليست العبرة أن ندرك الكمال، كماله مطلق، لكن قد يكون العقل قاصراً عن إدراك الكمال، فهل أنت راض عن الله؟ هل أنت راض أنه منحك نعمة الوجود؟ هل أنت راض عن الله إذ جعلك إنساناً؟ هل أنت راض عن الله إذ جعلك تعرف إليه وتهتدي إليه؟ إن رأيت الأحداث الجسام في الأرض, هل أنت راض عن الله؟ .
هذه هي البطولة :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3371/02.jpg
الذي يجري في الأرض الآن لا يحتمله إلا مؤمن، لو عزلت الإيمان عما يجري لاختل توازن الإنسان، أناس أقوياء يملون إرادتهم على كل البشر، ينتهكون الأعراض، يقتلون الرجال، والله سمح لهم، وأناس مؤمنون بالله عز وجل, ينالهم أذى كبير من هؤلاء الطغاة، هل أنت راض عن الله مع كل هذه الأخبار؟ هنا البطولة .
هل أنت مؤمن أن كل شيء يقع بأمر الله, وبقضائه, وقدره, وأن الذي يقع له حكمة؟ أنا قد لا أدركها، ولكن قد تكشف الأيام عن حقيقتها، هل أنت مؤمن أنه كل شيء وقع أراده الله، و كل شيء أراده الله وقع؟ هل أنت مؤمن أنه لكل شيء حقيقة، وما بلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه؟ هل أنت راض عن الله في معاملته لك؟ أنت إنسان ذو دخل محدود، هل أنت راض عن الله؟ هل إذا رأيت إنساناً معه أموال قارون ترى أن هناك حكمة بالغة، وأن الذي اختاره الله لك هو عين الكمال؟ هل أنت راض عن الله إذا وجد في الجسم مرض؟ يا رب لولا هذا المرض لكنت في حال آخر، كأنك تتهم حكمة الله عز وجل .
محصلة إيمانك بالله أنك راض عنه :
هذا الدرس مهم جداً، محصلة إيمانك بالله أنك راض عنه:
هم الأحبة إن جاروا وإن عدلوا
هذا تعبير رمزي:
هم الأحبة إن جاروا وإن عدلوا فليس لي عنهم معدل وإن عدلوا
والله وإن فتتوا في حبهم كبدي باق على حبـهم راض بما فعلوا
***
لو قال تيهاً قف على جمر الغض ا لوقفــــت ممتثلاً ولم أتوقف
أو كان من يرضى بخدي موطئاً لوضعتـــه أرضاً ولم أستنكف
الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3371/03.jpg
حالة الرضا حالة مسعدة، راض عن الله أنه أوجدك؟ راض عن الله أنه خلقك في بلد معين؟ من أم معينة؟ من أب معين؟ بخصائص معينة؟ بدخل معين؟ بقدرات معينة؟ يا رب هل أنت راض عني؟ .
إنسان يطوف حول الكعبة يقول: يا رب هل أنت راض عني؟ كان وراءه الإمام الشافعي قال: يا هذا, هل أنت راض عن الله حتى يرضى عنك؟ قال له: يا سبحان الله! كيف أرضى عنه وأنا أتمنى رضاه؟ قال له: إذا كان سرورك بالنقمة كسرورك بالنعمة فقد رضيت عن الله ، الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين، أن يمتلئ القلب رضىً عن الله في السراء وفي الضراء، في الغنى وفي الفقر، في الصحة والمرض، في الزواج وفي عدم الزواج، هل أنت راض عن الله؟ .
ما هي حقيقة العقيدة الصحيحة؟ :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3371/04.jpg
أيها الأخوة الكرام, أعود و أذكر: أن حقيقة العقيدة الصحيحة ليست ما ينبغي أن تعتقد فحسب, بل ما ينبغي أن تكون عليه؛ من حب، ومن شكر، ومن صبر، ومن رضا، ومن استسلام، هذا هو الرضا، المؤمن راض عن الله، يا رب لك الحمد في جميع الأحوال .
ما من دعاء يناسب هذا المقام كدعاء النبي عليه الصلاة والسلام وهو في الطائف -إن صح التعبير- إن كان هناك خط بياني لدعوة النبي في الطائف كانت في الحضيض، مشى إليهم ثمانين كيلو متراً في جبال وعرة حتى وصل إليهم، دعاهم إلى الله فكذبوه، وسخروا منه، ونالوه بالأذى، أراد الله أن يبين عظمة هذا النبي، أرسل له ملك الجبال، قال: يا محمد, أمرني ربي أن أكون طوع إرادتك, لو شئت لأطبقت عليهم الجبلين, قال: لا يا أخي، اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون، لعل الله يخرج من أصلابهم من يوحده .
لماذا ساق الله للنبي عليه الصلاة والسلام هذه المحنة الشديدة؟ :
ماذا دعا؟ قال:
((يا رب, إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا رب المستضعفين, وأنت ربي, إلى من تكلني؟ إلى صديق يتجهمني، أم إلى عدو ملكته أمري؟ اللهم إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي، ولك العتبى حتى ترضى، لكن عافيتك أوسع لي))
ألا يحتاج هذا المسلمون اليوم في شتى أقطارهم؟ لأن حرباً عالمية ثالثة كائدة لئيمة غادرة تشن عليهم في كل بقاعهم، لماذا ساق الله للنبي عليه الصلاة والسلام هذه المحنة الشديدة؟ ليكون قدوة لنا، هو مبعوث العناية الإلهية، هو سيد ولد آدم ولا فخر، هو سيد الخلق حبيب الحق، ومع ذلك امتحنه الله امتحاناً, لا أعتقد أن هناك امتحانًا أصعب منه، ونجح في الامتحان.
((يا رب, إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا رب المستضعفين, وأنت ربي, إلى من تكلني؟ إلى صديق يتجهمني، أم إلى عدو ملكته أمري؟ اللهم إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي، ولك العتبى حتى ترضى، لكن عافيتك أوسع لي))
أي يا رب, إذا كانت هذه المحنة والشدة, تعبر عن غضبك علي, فأنا أعتذر، وأنا أستغفر، وإن كانت هذه المحنة لا علاقة لها بغضبك, فأنا راض بها، لك العتبى حتى نرضى، لكن أنا بشر يا رب، لكن عافيتك أوسع لي .
هذا الدعاء هو دعاء اليوم، أقوياء، أشداء، لؤماء، طغاة، يتلذذون بقتل البشر، يتلذذون بإهانتهم, بتعذيبهم، وهذه الفضيحة التي ظهرت في سجون العراق تعبر عنهم بالضبط، وحوش ، وبيدهم قوة كبيرة جداً، إن لم يكن بك غضب علينا فلا نبالي، ولك العتبى حتى نرضى، هل أنت راض عن الله؟ راض عن الله بمرض؟ .
قصة :
لي صديق أحسبه صالحاً، ولا أزكي على الله أحداً, أصابه مرض عضال، مرض خبيث في أمعائه، بقي يعاني سنتين من آلام لا تحتمل، تقول زوجته لأبيها: إنه ما سمعت منه كلمة في السنتين, إلا يا رب أنا راض عنك، هل أنت راض عني؟ وتوفاه الله عز وجل .
ماذا تستنتج من هذين المشهدين؟ :
حدثني أخ طبيب, جاءه مريض معه مرض خبيث في أمعائه، أقسم بالله غيّر وضع المستشفى كله، كلما دخل عليه زائر يقول له: اشهد أنني راض عن الله، يا رب لك الحمد، إذا نادى يتهافت الأطباء على خدمته، إذا دخلوا يأنسون به، كأن في هذه الغرفة أنوارًا، ثم توفاه الله عز وجل بأحلى حال، لحكمة بالغة ساق الله لهذه المستشفى مريضاً آخر بالمرض نفسه بالغرفة نفسها، لا يوجد نبي ما سبّه، إذا دخلت إلى غرفته شعرت بانقباض، سخط، وغضب، وسباب، وتبرم، وضجر، وكفر، إلا أن توفاه الله، أي سبحانك يا رب، مرض واحد في إنسانين مختلفين .
مقالة علمية :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3371/05.jpg
أنا قرأت مقالة علمية في موضوع رائع جداً، وهذا الموضوع هو: أن الله سبحانه وتعالى زود الجسم ببوابات للألم، الآلام تنتقل من السطوح الخارجية عبر النخاع الشوكي إلى قشرة الدماغ، عبر هذا الطريق, هناك بوابات تفتح أو تغلق، فإذا أغلقت انخفض الألم إلى العشر، المقالة مترجمة, والذي كتبها يغلب على ظني أنه لا يعرف الله، لكن كتب, هذه البوابات تتحكم بها الحالة النفسية للمريض، إذا كنت مؤمناً أغلقت هذه البوابات، ووصلك من الألم واحد بالمئة أحياناً، إذا كان الشخص ساخطاً عن الله عز وجل, تفتح هذه البوابات على مصارعها, فالألم لا يحتمل .

هذا اختيار الله لك :
أيها الأخوة الكرام, هذا امتحان كبير، أنت لك وجود بزمن معين، بمكان معين، من أم معينة ، من أب معين, أنت ذكر، ولست أنثى, هذا اختيار الله لك، لك قدرات معينة، لك شكل معين ، وسيم أو غير وسيم، من أب غني أو من أب فقير .
مرة كنت ماشياً في حي في دمشق, وجدت طفلاً، ربط علبة سمك مستعملة بخيط، وملأها ترابًا يجرها، وكأنها سيارة، وتجد ابناً عنده ألعاب على الكهرباء، وعنده غرفة فيها ألعاب بمئات الألوف، الله اختار له هذا الأب، وهذا اختار له هذا الأب، لكن والله الذي لا إله إلا هو, يوم القيامة حينما يكشف الغطاء, سأستخدم هذه العبارة: إن لم تذب كالشمعة محبة لله, فهذا الدين باطل:
﴿وَآَخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾
[سورة يونس الآية: 10]
يا رب لك الحمد . من علامة إيمانك :
حينما تأتي المصيبة, ما من وسام شرف تتقلد به, كأن تقول: يا رب لك الحمد، أنا راض عنك في السراء والضراء، في الغنى وفي الفقر، في الصحة وفي المرض، في إقبال الدنيا و في إدبارها، من علامات إيمانك الصحيح أنك راض عن الله، والذي يسخط عن الله ليس فيه إيمان إطلاقاً .
عبد غير راض عن الله عز وجل :
إنسان له زوجة صالحة, توفاها الله قبل أجله بعشر سنوات تقريباً، لها أخت عمرت خمسًا وتسعين سنة، وزوجها توفي من عهد طويل، قال له: كنت أخذت الثانية، ودع لي هذه، هذا ليس راض عن الله عز وجل، لكل شيء حقيقة، وما بلغ عبد حقيقة الإيمان, حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه .
ربما أعطاك فمنعك، وربما منعك فأعطاك :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3371/06.jpg
ابن عطاء الله السكندري رحمه الله عز وجل, له كلمة, يقول: ربما أعطاك فمنعك، وربما منعك فأعطاك .
لو دخلنا في بعض التفاصيل: تجد في بلاد الحياة فيها صعبة جداً، الأسعار غالية جداً، فرص العمل قليلة جداً، البيوت غالية جداً، طرق الزواج شبه مستحيلة، لكن هذه البلاد على ما فيها من صعوبات، وعلى ما فيها من ضآلة دخل، وعلى ما فيها من شدائد, يوجد إقبال على الدين عجيب، تذهب إلى بلاد أخرى, كأنها جنة الله في الأرض، فيها بعد عن الله شديد، يا رب كأن هذه الشدة كي نتقرب إليك، لعل هذه الشدة كي نقبل عليك، لعل هذه الشدة كي تسوقنا إليك .
أوحى ربك إلى الدنيا أن تشددي، وتكدري، وتضيقي على أوليائي, حتى يحبوا لقائي .
مرة قال لي شاب, في درس من دروس السبت: ما الحكمة أن الزوجة سيئة؟ قلت له: حتى نراك في الدرس، ما كان لك طريق إلى المسجد, لو كانت زوجتك من الدرجة الأولى، تجلس معها، وتنسى كل شيء، يوجد حكمة بالغة، أحياناً الابن المتعب له حكمة، والزوجة المتعبة لها حكمة، الدخل القليل أحياناً يكون لك دخل قليل، وعندك كرم شديد، أحياناً تؤثر أخاك بشيء أنت في أمسّ الحاجة إليه، ألم يقل الله عز وجل: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾
[سورة الحشر الآية: 9]
الحزن خلاق :
أخواننا الكرام, الحزن خلاق، أما النعيم في الدنيا يكسب النفس صفات بغيضة، أما الفقر أحياناً فيعلم التواضع، يقول لك: كن عصامياً، ولا تكن عظامياً، أشخاص الله يوفقهم في الحياة, لهم بداية صعبة جداً، هذه البداية تهذب أخلاقهم .
امتحن إيمانك :
أيها الأخوة الكرام, يجب أن تمتحن إيمانك، علامة إيمانك أنك راض عن الله، في السراء و في الضراء، أعيدها مرة ثالثة، في الغنى وفي الفقر، في الصحة وفي المرض، في إقبال الدنيا وفي إدبارها، بيتك ملك أم أجرة؟ كبير أم صغير؟ بأعلى مكان أم بأدنى مكان؟ بأدنى حي، أو بحي متواضع؟ راض عن الله، يا رب لك الحمد .
عملية مقارنة :
مرة قرأت عن سيدنا عمر, جاءه رسول من أذربيجان، وطمع الرسول أن يأكل في بيت الخليفة طعامًا نفيسًا جداً، هو خيّره بين أن تأكل مع فقراء المسلمين، أو أن تأكل عندي؟ فاختار أن يأكل عنده في البيت، فوجئ، قال لها: يا أم كلثوم, ماذا عندك من طعام؟ قالت له: والله ما عندنا إلا خبز وملح، قال لها: هاتيه لنا، هذا جاء من أذربيجان، قطع الفيافي والقفار حتى يأكل ملحاً وخبزاً, بعد أن انتهى عمر قال: الحمد لله الذي أطعمنا فأشبعنا، وسقانا فأروانا.
أنا لاحظت أنك تدعى أحياناً إلى طعام كأس عصير، ثم المقبلات، ثم الشوربة، بعد ذلك طبق لحم، ثم طبخ، ثم فواكه، ثم حلويات، ثم مياه غازية، بعد ذلك, فنجان قهوة، ثم ..... ، و هو ساكت لا يتكلم ولا كلمة .
أيها الأخوة, هذا الذي يتنعم ولا يشكر كالبهيمة تماماً، يأكلون ويتمتعون كما تأكل الأنعام, والنار مثوى لهم، دابة، فقط يرفس .
الرضا لا يعني أن يتوقف طموحك:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3371/07.jpg
الرضا أحد مؤشرات الإيمان أنك راض عن الله، ولكن حتى لا تفهموا فهماً أنا ما أردته، أي أنا لا أحسن وضعي، أنا راض، كلا، هذا غير صحيح، يجب أن تسعى لتحسين وضعك المعاشي, والاقتصادي, والعلمي, والوظيفي، وأن تكون طموحاً، أما حينما تبذل كل ما تستطيع ، و ينتهي بك السعي إلى هذا المكان, أنت راض عن الله، طالب لم يدرس، فلم ينجح، قال: أنا راض عنك يا رب، هذا قضاء وقدر، أنا راض، هذا زعبرة، ادرس، أنت حينما تدرس ليلاً نهاراً، ويأتي مرض -لا سمح الله- في أثناء الامتحان، ويحول بينك وبين النجاح, فأنت راض عن الله، لكن الذي لا يدرس، لا أسعى، يوجد تسيب، يوجد تكاسل . أنا كنت أقول دائماً: هناك فقر الكسل، وهناك فقر القدر، وهناك فقر الإنفاق، فقر الإنفاق بطولة، قال له: يا أبا بكر! ماذا أبقيت لنفسك؟ قال: أبقيت الله ورسوله، هذا فقير فقر إنفاق، هذا وسام شرف .
متى يستيقظ عندك الوازع الإنساني؟ :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3371/08.jpg
ذهبنا إلى جنوب السودان، رأينا مشاهد لا يصدقها العقل، أطفال عراة، لا يوجد ثمن ملابس، لا طعام، ولا شراب، ولا كساء، ولا طب، ولا صحة، ولا مدارس، ولا تعليم، ولا شيء، بيوت من القش، أنت حينما ترى ما يحل ببعض الشعوب, يستيقظ عندك الوازع الإنساني إلى درجة تفوق حد الخيال، نحن في نعم كبيرة .
يقول عليه الصلاة والسلام:
((انظر لمن هو أدنى منك, فذلك أحرى ألا تحتقر نعمة الله عليك))
حروب دامت أربعين عاماً هدتهم، نحن كنا أول وفد عربي يزور هذه المنطقة من أربعين عاماً . للتقريب بين بلدنا فرضاً، وبلد متقدم جداً بالميزان الحضاري؛ المستشفيات، الجامعات، المدارس، الطرقات، المطارات، المعامل، المرافئ، أي بهذا المستوى، ليس بميزان إسلامي، ولا بميزان إيماني، بميزان حضاري، قد يوجد بلاد تسبقنا أربعين ضعفاً، خمسين ضعفاً، بين البلاد التي زرتها وبيننا ألف ضعف، أن تجد كأس ماء في البيت قضية سهلة, كأس ماء سهل ، أن تجد لك مأوى، أن تجد كساء تلبسه, تستر به عورتك, قضية سهلة، عندنا هذا شيء بديهي، شيء طبيعي .
النبي دخل إلى بيته قال: أعندكم شيء؟ قالوا: لا، قال: فإني صائم، يوجد بيت مهما يكن أهله فقراء, لا يوجد شيء يؤكل .
ما هي مقامات الرضا عن الله؟ :
1-أن ترضى بربوبيته، وأن ترضى بألوهيته :
أيها الأخوة الكرام, قالوا: الرضا غاية التوكل، ومن ذاق طعم الإيمان، وآمن بأسماء الله و صفاته كما يليق بجلاله سبحانه رضي عن الله .
مقامات الرضا ثلاثة: مقامات الرضا عن الله، وأن ترضى بربوبيته، وأن ترضى بألوهيته, بربوبيته خلق وأمد، بألوهيته يسيّر، أي سمح لبلاد قوية أن تحتل بلاداً إسلامية، راض عنه؟ ليس معنى هذا ألا أقاوم -والعياذ بالله- ليس هذا هو المعنى، لكن ألم يسمح الله لهم؟ إذًا رسالة من الله .
رسالة شكر :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3371/09.jpg
أنا أقول لكم أيها الأخوة: لا يمكن أن تؤمن بالله إلا بعد أن تكفر بالطاغوت، أنا أشكرهم على أنهم أعانونا على أن نكفر بهم، أليس كذلك؟ قبل خمسين سنة, هذه البلاد خطفت أبصار أهل الأرض؛ غنى، و ذكاء، وتفوقًا، وعلمًا، وطرحوا مبادئ رائعة، أن تكون حراً فيما تقول، أن يكون لك حقوق مقدسة، قبل الحادي عشر من أيلول, اتهم إنسان بعمل، وأودع في السجن عدة أيام، ثم تبين أنه بريء، أقام دعوى, أخذ ستة ملايين دولار، فطرحوا الحرية و المساواة، وتكافؤ الفرص، والرفق بالحيوان، وحقوق الإنسان، هذه خطفت أبصار أهل الأرض ، بكلمة أخرى نافسوا الدين، حضارة، الإنسان محترم جداً، له حقوق، بعد هذا التاريخ, بعد الحادي عشر من أيلول, انكشفت الحقيقة، وبعد فضائح سجن أبو غريب تعروا، كما أنهم عروا السجناء تعروا هم، وسقطوا من عين أهل الأرض، وهذا أكبر إنجاز للإسلام، أكبر إنجاز، لم يعد هناك شيء ينافسه، الخلق الأصيل عند المؤمن فقط، أما كل إنسان ذكي, يتكلم كلاماً كما يحلو له، أما عند التنفيذ فهو وحش، الرضا عن الله، عن ربوبيته، وعن ألوهيته .
2-الرضا برسول الله، وتمام الانقياد له :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3371/10.jpg
المقام الثاني: الرضا برسول الله، وتمام الانقياد له، المقام الثالث: الرضا بدينه، و التحاكم له، والتسليم لمراده .
أي أنت راض عن الله عز وجل أنه أوجدك, راض عن هذا الدين العظيم، لكن تجد فيه حرجاً شديداً، يا أخي الحياة المعاصرة حياة مصارف، وفوائد، وبالدين الفائدة حرام، أيدينا مربوطة بالدين، إذاً أنت لست راضياً، رأيت الدين حجر عثرة أمام النمو الاقتصادي مثلاً، يا أخي المرأة نصف المجتمع، خذ طريق، ويا الله بحسب مقاييس أهل الدنيا هذا الدين عبء، هل أنت راض عن هذا الدين؛ بصلواته الخمس، بحجه، بصيامه، بزكاته؟ صلاة الفجر صعبة جداً ، لو ما زلنا نائمين، لو جعل الله الصلاة الساعة العاشرة أحسن، الساعة العاشرة استيقظ، أكل ، ارتاح، ثم صلى، راضٍ عن الصلوات الخمس؟ عن صيام رمضان؟ عن حج بيت الله الحرام ؟ ثلاثة ملايين بوقت واحد يقفون في عرفات، يا أخي والله غير معقول، اعملوا الحج على خمس دورات، كل شهرين دورة، أحسن، راض أن الحج بيوم واحد؟ الأربع ملايين معاً واقفون، هذا شرع الله عز وجل، يجب أن ترضى عن الله، وعن ربوبيته، وعن ألوهيته، وأن ترضى عن رسوله، وعن منهج رسوله، وأن ترضى عن دينه إجمالاً .
قف عند هذه الآيات :
قال تعالى:
﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾
[سورة الأنعام الآية: 164]
﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً﴾
[سورة الأنعام الآية: 114]
﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾
[سورة الأنعام الآية: 14]
متى يطمئن العبد؟ :
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال:
((قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بهن طعم الْإِيمَانِ؛ مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَمَنْ أَحَبَّ عَبْدًا لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَمَنْ يَكْرَهُ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ, كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, والترمذي والنسائي في سننهما]
أي أن يكون الله في قرآنه والرسول في سنته أحب إليه مما سواهما، حينما تتعارض نصوص القرآن ونصوص السنة مع مصالحك, هل أنت راض عن الله؟ الإنسان الجاهل يحس الشرع قيودًا، وهي في الحقيقة حدود .
أنت تسير بأرض فلاة، وجدت لوحة كتب عليها: ممنوع الاقتراب، حقل ألغام، هل تشعر بحقد على واضع هذه اللوحة؟ لا أبداً، تشعر بامتنان، لأن هذه اللوحة ليست حداً لحريتك ، لكنها ضمان لسلامتك، حينما تفهم أوامر الدين أنها ضمان لسلامتك تطمئن .
هدية :
مرة قدم لي أحد الأخوة، وهو مدير سجون بالقطر، قدم لي كتاباً من تأليفه، فيه ثلاث وستين جريمة، ولكن أجمل ما في الكتاب, حينما تنتهي الجريمة, يبين لك سبب وقوعها، ومخالفة الشرع في ذلك، تجد أن الشرع ضمان لسلامتك .
رسالة جاهل :
أذكر أول خطبة خطبتها في هذا المسجد عام أربعة وسبعين, سألني إنسان وصار يبكي، قال لي: زوجتي تخونني، قلت له: مع من؟ قال لي: مع جارنا، قلت له: كيف تعرف إليها؟ قال لي: مرة زارني، وقلت لها: تعالي واجلسي معنا أم فلان، هو مثل أخيك، قلت له: لو كنت تحضر درس علم واحد ما فعلت هذا بنفسك، أنت السبب .
احفظ هذا القانون :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3371/11.jpg
يقولون في الأمن الجنائي: وراء كل جريمة امرأة، أنا عدلتها: وراء كل مصيبة معصية، يكاد يكون هذا قانونًا, فتش عن المعصية، خيانة زوجية، اختلاط، مشكلة أسرية، يوجد تسيب ، خيانة تجارية, يوجد عدم توثيق العقود، هذا الشرع ضمان لسلامتنا:
﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾
[سورة الإسراء الآية: 9]
يهديهم سبل السلام، فحينما تفهم الشرع أنه قيد, فأنت لا تفقه شيئاً، وحينما تفهم الشرع ضمان لسلامتنا فأنت فقيه، إذاً أن يكون الله في قرآنه, ورسوله في سنته, عند التعارض مع مصالحك, أن ترضى بهذا، عندئذ تذوق حلاوة الإيمان .

تعريف الرضا :
يقول بعض العلماء: الرضا هو صحة العلم الواصل إلى القلب، فإذا باشر القلب حقيقة العلم, أدى به إلى الرضا .
حالة الرضا حالة مهمة جداً، أن ترضى عن الله، لكن إذا كان واقعك مؤلمًا، وسببه تقصير منك, فهذا موضوع آخر، كسول، هذا معه فقر الكسل، يوجد عندنا فقر الإنفاق، تحدثت عنه قبل قليل، هذا وسام شرف، يوجد عندنا فقر القدر، عنده عاهة، معذور، فقير لكنه معذور، أما الذي يعد وصمة عار أن تكون فقيراً فقر الكسل . هذا فقر الكسل :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3371/12.jpg
تلاحظ أحياناً إنسانًا لا يعمل شيئاً، تسويف، وتأجيل، ومماطلة، وانسحاب من المسؤولية، جالس ينظر إلى الناس .
شخص يجلس ساعة أمام بابه, يمر شخص ينظر إليه، والثاني ينظر إليه، لا يعمل شيئاً، إما أن يتابع مسلسلات، أو في غيبة ونميمة، أنت ماذا فعلت؟ ماذا قدمت لهذه الأمة؟ لم يقدم شيئاً، يقول لك: فقير، لا يوجد عمل، صحيح، هذا فقر الكسل، فقر الكسل وصمة عار بحق الإنسان، تحرك، بكل عصر يوجد شخص يعمل، الذي يعمل يلقى نتيجة عمله .


متى يكون الإنسان راضياً عن الله؟ :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3371/13.jpg
قال بعض العلماء: متى يكون الإنسان راضياً عن الله؟ إذا أقام نفسه على أربعة أصول؛ يقول: يا رب إن أعطيتني قبلت، وإن منعتني رضيت، وإن تركتني عبدتك، وإن دعوتني أجبتك، دعاك للصلاة أجبت، دعاك للحج أجبت، دعاك لإنفاق مالك أنفقت، شعرت بوحشة, لا يوجد إقبال، إذا لم تلاحظ إقبال بالصلاة, فالصلاة لا تترك، يوجد شخص إذا لم يجد نفسه مرتاحاً يدع العبادات، لا، وإن تركتني -أي حجبتني عن السكينة, وعن تجلياتك- أنا داومت على عبادتك.
الآن: أن ترضى عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، عَنْ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قال:
((إنه سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا))
[أخرجه مسلم في الصحيح, والترمذي في سننه]
النبي عليه الصلاة والسلام منع المرأة أن تحج مع غير ذي محرم، منع المرأة أن تسافر إلا مع محرم، الآن تشعر المرأة تضجر من هذا الحكم، تقول لك: بالطائرة في ساعتين، من المطار إلى المطار، لا يوجد فتوى، هل أنت راض عن هذا الرسول العظيم؟ هذا التشريع من عنده؟ لا، لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى .
قرأت عدة قصص، امرأة ببلد عربي وزوجها ببلد خليجي، خطبها بالإجازة، وتهيئ نفسها للسفر إليه، كان في ذلك الوقت تلكس، استلم التلكس أحد الموظفين عنده، استقبلها بالمطار، وانفرد بها، وانكشفت جريمة كبيرة جداً، قصص كثيرة جداً، المرأة في السفر مطموع بها، فالتي لا ترضى عن رسول الله بهذا التشريع, هذا من عند الله، ما كان لهذا النبي الكريم أن يشرع شيئاً من عنده:
﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾
[سورة الأحقاف الآية: 9]
من مشاكل أهل الشام :
أحياناً التشريع لا يروق للناس، معظم أهل الشام يقول لك: نحن أهل، نجلس جميعاً على طعام واحد، أما أن نصنع طعاماً مرتين فهذا مستحيل، أكثر النساء الموجودين مع الرجال أجنبيات عن الرجال، والإنسان يتمتع بمنظر الحسناوات، ويتمنى أن تكون زوجته كتلك مثلاً، هذه مشكلة طبعاً، لا أحد يتكلم بشيء، كلها خواطر داخلية، لكن هذه مفاسد اجتماعية، فيوجد عندنا عدم اختلاط، أنت راض عن رسول الله بهذا التشريع، بعدم الاختلاط: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3371/14.jpg

﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾
[سورة التوبة الآية: 128]
عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ, أن رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ الْمُؤَذِّنَ: وأنا أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ, وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا, غُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ))
[أخرجه مسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي والنسائي في سننهم]
الآن: لو كنت في عهد النبي، واختصمت مع إنسان، ورفعت الأمر إليه، يقول الله عز وجل:
﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾
[سورة النساء الآية: 65]
بماذا يتصف مقام النبوة؟ :
يروى أن صحابياً عندما قال النبي لأصحابه: لا تقتلوا عمي العباس -فهمها فهماً آخر- أن أحدنا يقتل أباه وأخاه، و ينهانا عن قتل عمه؟ -فهمها فهماً آخر, لا يليق بالنبي- ثم اكتشف أن هذا الصحابي الجليل كان مسلماً في مكة، وكان عين النبي، و كان كل ما يجري في قريش يوصله للنبي، وكان يكتم إيمانه -لأنه لو قال: عمي مسلم، لا تقتلوه, كشفه، وانتهى دوره، والطريق لا زالت في البداية، لو أن العباس ما شارك في بدر كشف نفسه، هذه الثانية، لو سكت النبي لقتلوه، فيجب أن يقول لهم كلمة واحدة من دون تعليق: لا تقتلوا عمي العباس، فهذا الذي ظن برسول الله غير ما يليق به, اكتشف الحقيقة بعدئذ- يقول: ظللت أتصدق عشر سنين رجاء أن يغفر الله لي سوء ظني برسول الله .
أيها الأخوة, مقام النبوة مقام فيه كمال:
﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾
[سورة النساء الآية: 65]
اقرأ هذا القول :
بعض العلماء يقول: إياك أن تستوحش من التفرد، أنت جالس ببيتك، لا يوجد معك ، والرضا به رباً، وبمحمد رسولاً، وبالإسلام ديناً، هو الكمال المطلق، وكلما ذاق الإنسان حلاوة الانفراد، وحلاوة التفرد, رأى الوحشة عين الأنس للناس، والذلة عين العز بهم، و الجهل عين الوقوف على أبوابهم، والانقطاع عين التقيد برسومهم، فلم يؤثر بنصيبه من الله أحداً من الخلق، ولم يبع حظه من الله بموافقتهم فيما لا يجدي عليه إلا الحرمان .
أيها الأخوة, الإنسان المؤمن له حياته الخاصة، له مجتمعه الخاص، أما مع الناس في سرائهم وضرائهم، في سخافاتهم وسقوطهم، هذا ليس مؤمناً . 3- أن ترضى بدين الله سبحانه وتعالى، وأن تحتكم إليه :
المقام الثالث: أن ترضى بدين الله سبحانه وتعالى، وأن تحتكم إليه, قال:
﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾
[سورة النساء الآية: 59]
أي أطيعوا الله في قرآنه، أطيعوا الرسول في سنته، وأولي الأمر منكم، أولي الأمر هم العلماء والأمراء، العلماء يعلمون الأمر، والأمراء ينفذون الأمر، أحدهم مشرع، والآخر منفذ .
ما ملمح هذه الآية؟ :
قال: فإن تنازعتم، مع من؟ طبعاً ليس من المعقول أن تنازعتم مع الله عز وجل، ولا مع رسوله، فإن تنازعتم في شيء من أمور الدنيا، أو أمور الدين مع علمائكم، أو مع أمرائكم, من هو المرجع؟:
﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾
[سورة النساء الآية: 59]
إلى كتاب الله، وإلى سنة النبي عليه الصلاة والسلام .
في هذه الآية ملمح دقيق جداً: وهو أنه ما من قضية يعاني منها البشر إلا و لها غطاء تشريعي في القرآن والسنة، وإلا فلا معنى لهذه الآية .
أيها الأخوة, هل يعقل أن يقول الله كلاماً لا معنى له؟ لا يعقل أن يقول الله كلاماً لا معنى له، أن يردنا إلى القرآن والسنة, فنأتي إلى القرآن والسنة, فلا نجد جواباً لهذه المشكلة, مستحيل . امتحان صعب :
إذا كانت المرأة مقيمة ببلد غربي، وتنازعت مع زوجها، وانتهى الأمر إلى الطلاق، هل ترضى بحكم رسول الله: أن تأخذ مهرها, أم ترفض هذا الحكم, وتطمع أن يكون الحكم حكم القوانين؟ هناك تأخذ نصف ثروة زوجها، هذا امتحان صعب، لذلك قال تعالى:
﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾
[سورة المائدة الآية: 44]
اعلم هذه الحقيقة :
يقول بعض العلماء، وهذه حقيقة مرة: كثير من الناس يرضى بالله رباً، ولا يبغي رباً سواه ، لكنه لا يرضى به وحده ولياً وناصراً -له شبكة علاقات، يعتمد على زيد، وعلى عبيد، و علاقاته متينة مع فلان، يعتد بما سوى الله، يتوكل على غير الله، هذا الذي لا يرى أن الإيمان وحده يكفي، نحن بهذه المحنة الشديدة يوجد كثير من الطروحات، لا بد من أن نخضع لمشيئتهم حتى نسلم، أما يقول لك: لا بد من أن نخضع لله وحده حتى نسلم، هذا الآن كلام غير مطروح، المطروح شيء آخر-, بل يوالي من دونه أولياء, ظناً منه أنهم يقربونه إلى الله، قال: وهذا عين الشرك، بل التوحيد ألا يتخذ من دون الله أولياء, وكثير من الناس يبغي غيره حكماً يتحاكم إليه ويتخاصم .
هذه المقامات الثلاثة: أن ترضى عن الله، وأن ترضى عن رسوله، وأن ترضى عن دينه, هي ثمرة يانعة من ثمرات التوحيد، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، لذلك في المحن الشديدة تهتز هذه القيم .
هذه وظيفة المحن :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3371/15.jpg
أنا أقول لكم دائماً: هناك امتحان صعب، أي أن الله يقوي الكافر، ويقويه، ويقويه, حتى يظن أن الله ترك أمر الدنيا لهؤلاء، هذا امتحان صعب نحن فيه الآن، ثم يظهر الله آياته, حتى يقول الكافر: لا إله إلا الله، أي نبتلى بالسراء وبالضراء .
يوجد بالإسمنت حقيقة لطيفة: كلما طبخوا طبخة إسمنت, يصبون مكعبات صغيرة، هذا المكعب يوضع على جهاز, يمسك من قسمه الأعلى، وقسمه الأسفل توضع فيه كفة, توضع فيها أوزان بالتسلسل، على أي وزن ينكسر, هذا الإسمنت كانت هذه مقاومته، يوجد إنسان يكسر لسبب تافه، موت إنسان قريب له يفقد توازنه، إنسان إذا فقد ماله كله يفقد توازنه ، إنسان إذا فقد مكانته الاجتماعية يفقد مكانته، فالمؤمن الكامل القوي بإيمانه لا يفقد توازنه أبداً؛ مهما ادلهمت الخطوب، مهما اشتدت المحن، هو راضٍ عن الله عز وجل، هذه تحتاج إلى قوة إيمان، لكن والله أناس كثيرون تركوا الصلاة الآن، أين الله؟ يرى ما سوى الله أنه هو الفعال لما يريد، فهذه المحن تكشف درجات الإيمان .
قال تعالى:
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾
[سورة آل عمران الآية: 142]
﴿وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾
[سورة المؤمنون الآية: 30]
﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾
[سورة العنكبوت الآية: 2-3]
وطن نفسك أنك مبتلى، وطن نفسك أنك ممتحن، ومستحيل وألف ألف مستحيل أن تستحق عطاء الله من دون امتحان .
أيها الأخوة, قل ما شئت، أعطِ نفسك أي مقام، حدث الناس عن نفسك كما تريد، لكن الله متكفل أن يحجمك، أو أن يعيدك إلى حجمك الحقيقي، فالامتحان يكشف حقائق الرجال .
خاتمة القول :
أيها الأخوة الكرام, أعود وأقول: إن هذه الدروس الكثيرة, تنطلق من محور واحد، ليست عقيدة المسلم هي ما ينبغي أن يعتقد فحسب، بل ما ينبغي أن يكون عليه؛ من خضوع لله ، ومن محبة له، ومن شكر له، ومن صبر على قضائه وقدره، ومن رضا عنه، وعن رسوله, وعن دينه .






والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-02-2018, 06:49 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية من مفهوم القران والسنة

الدرس : ( الرابع و الثلاثون )

الموضوع : مستلزمات التوحيد ( 14 ) المحبة والهمة



الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
دقق في معنى هذا الكلام :
أيها الأخوة الكرام, مع الدرس الرابع والثلاثين من دروس العقيدة، ولا زلنا في هذه السلسلة من لوازم العقيدة الصحيحة، من لوازم التوحيد الصحيح: أن تحب الله.
أيها الأخوة الكرام, دققوا فيما سأقول: يمكن أن تتحدث ساعتين أو أكثر في القرآن، و في السنة، وفي الأحكام الفقهية، وفي الأحكام الشرعية، وفي دقائق الدين، وفي جزئيات الدين ، وفي تفاصيل الدين، ويمكن أن تملك أقوى الأدلة، وأنت لا تعرف الله، ويوجد شواهد من حياتنا المعاصرة تؤكد ذلك؛ إن عرفت الله لا تعصيه، إن عرفت الله تشعر أنه يراقبك، إن عرفت الله تحس أنك في قبضته، إن عرفت الله لا تأخذك في الله لومة لائم، فأن تعرف جزئيات, وتفاصيل, ودقائق, ومعلومات, وأفكار, وأدلة, وأخبار عن الدين شيء، وأن تعرف الله شيء آخر.
أنواع العلوم التي تختص بمعرفة الله جل جلاله :
1-علم بخلقه :
العلماء قالوا: هناك علم بخلقه؛ جامعات الأرض بكل أقسامها وفروعها, مهمتها أن نعرف خلق الله، الجيولوجيا، الجغرافيا، الفيزياء، الكيمياء، الرياضيات، الفلك، الطب، الهندسة ، علم النفس، علم الاجتماع، العلوم كلها, هذه علوم أدوات المعيشة العلم بخلقه, يمكن أن تدلك على الله, لو أردت أن تقرأها قراءة إيمانية، قد تجد طبيباً يتفوق في الطب، ولا يعرف الله، و تجد طبيباً آخر, كلما قرأ عن عظمة خلق الله في الإنسان, خشع قلبه, وانهمرت دموعه.
أي علم في الأرض يمكن أن يوصلك إلى الله، لأن هذه العلوم هي قوانين خلق الله عز وجل، إنك تشعر أن وراء هذا الكون إلهاً عظيماً, وخالقاً حكيماً, ورباً رحيماً، هذا العلم بخلقه.
2-علم بأمره :
العلم بأمره؛ كليات الشريعة في العالم الإسلامي متخصصة في معرفة أمر الله، الحلال والحرام، والخير والشر, وأحكام الوكالة, والوديعة, والحوالة، شروط البيع والشراء، أحكام البيع والشراء، وخيار الشرط، وخيار الوقت، أبحاث كأي علم آخر, الإنسان الذي يوجد عنده ذكاء يحفظها، والذي عنده طلاقة لسان يعرضها، لكن أن تعرف الله شيء آخر.
إذا كنت تعرف الله لا تستطيع أن تدوس نملة، ولا أن تحبس هرة، أما الذي يحبس ما فوق الهرة، ويموتون في السجن، ويعذبون، وينكل بهم، ويعرون كما تشاهدون كل يوم، هؤلاء لا يعرفون الله، ولو كتبوا على عملتهم ثقتنا بالله، أنا أؤكد على معرفة الله.
من لوازم معرفة الله :
1-أن تحبه :
أيها الأخوة الكرام, من لوازم معرفة الله أن تحبه، مستحيل وألف ألف مستحيل أن تعرفه ثم لا تحبه، ومستحيل وألف ألف مستحيل أن تحبه ثم لا تطيعه، ومستحيل وألف ألف مستحيل أن تؤثر غيره عليه، وأن تؤثر الدنيا على الآخرة.
انظر إلى هذا القول لأحد العلماء الكبار :
يقول أحد العلماء الكبار: المحبة سمة المسافرين إلى ربهم، الله عز وجل قال:
﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾
[سورة الذاريات الآية: 50]
إنسان يسافر إلى أوربا، إلى أمريكا، إلى منتجع، إلى جزيرة، إلى مشتى في أسوان بالشتاء، إلى موسيه في جبال الألب بالصيف، والمؤمن سافر إلى الله:
﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾
[سورة الذاريات الآية: 50]
﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾
[سورة الصافات الآية: 99]
قال: هي سمة المسافرين إلى ربهم، الذين ركبوا جناح السفر إليه، ثم لم يفارقوه إلى حين اللقاء، هم الذين قعدوا على الحقائق, وقعد من سواهم على الرسوم.
هذا اختيار المؤمن :
تجد إنساناً بكل كيانه، بكل قطرة من دمه، بكل خليه بجسمه؛ الكرة، والفريق الفلاني، واللاعب الفلاني، تجد بدمه يتابع المباريات، إنسان همه التحف، إنسان همه الطيور، إنسان همه الصقور، أما المؤمن فهمه الله، التعبير البسيط: المؤمن عرف أن ينقي، انتقى الذي لا يموت، انتقى الذي يعيش معه إلى أبد الآبدين:
﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾
[سورة الرحمن الآية: 26]
كل مخلوق يموت، لو أحببت أجمل امرأة على وجه الأرض ونلتها, فلا بد من أن تفارقها، ولا بد من أن تفارقك:
كـــــــــل مخـلوق يموت ولا يبقى إلا ذو الـــعزة والجبروت
والليل مهما طال فلابد من طلوع الفجر والعمر مهما طال فلابـد من نزول القبر
وكل ابن أنثى وإن طـــالت سلامته يوماً على آلــة حــــدباء محمول
فإذا حملـــت إلى القــبور جنازة فاعلــم بأنــــك بعــدها محمول
عش ما شـــــئت فإنــك ميت أحبب ما شــئت فإنــــك مفارق
اعمل ما شئت فإنك مجزي به نظرة وعبرة :
دخلنا على قصر كمال أتاتورك في تركيا, قاعة الاستقبال ألف متر، هل يوجد أحد عنده غرفة الضيوف مساحتها ألف متر, مزينة بخمسة أطنان ذهباًَ، كل شيء فيها من أعلى مستوى، الثريات كريستال، الرخام شفاف أونيكس؟ أين صاحب هذا القصر؟ في القبر، عندما تعرف المصير, يهون عليك كل شيء، لذلك في بعض البرامج النفسية, ابدأ من النهاية، النهاية القبر، تسكن منزلا بثمانين مليونًا، سبعين مليونًا، له إطلالة رائعة، أربعمئة متر فرضاً، قبو تحت الأرض، شمالي، كله مؤقت، والدليل على النعي، وسيشيع إلى مثواه الأخير، هذا بالمفهوم الأخير، البيت الذي كان فيه مثوى مؤقت.
عملية مقارنة :
أيها الأخوة الكرام, هؤلاء المؤمنون عرفوا الحقائق، وسواهم عرف الرسوم الأشباه، سبحانك يا رب, لحكمة أردتها لا يمكن أن تمد الدنيا، الإنسان بلذة مستمرة, بل لذة متناقصة تعقبها كآبة، لاحظ الإنسان, حقق كل أهدافه بالحياة بحالة نفسية, لا بد من أن أعبر عنها باللغة الدارجة؛ يَقرف ويُقرف، ملل، أكل حتى شبع، لم يدع بلداً إلا وسافر له، كل المتع ملّ منها بعد ذلك، والشيء الذي لا يصدق: أن الإنسان أحياناً من دون منهج، من دون قيم، من دون مبادئ، يميل إلى الانحراف، يمل من الشيء الطبيعي الفطري الصحيح، ينحرف نحو أشياء لا ترضي الله عز وجل.
ينبغي أن تعلم هذه الحقيقة :
أيها الأخوة، حقيقة دقيقة جداً أضعها بين أيديكم: الإنسان قبل أن يحقق أهدافه, أسعد الناس يعيش بالأمل، يعيش بالخيال، يتصور بيتاً معيناً، يتصور زوجة معينة، يتصور دخلاً معيناً، بعد أن يصل إلى بعض أهدافه, تنكشف له الحقيقة المرة: أن الدنيا أقل بكثير مما هي عليه.
طرفة :
يروون طرفة: أن إنساناً بالعهد العثماني, النساء كلهن محجبات بحجاب كامل، فإنسان منحرف, تبع امرأة من شارع إلى شارع، من طريق إلى طريق، من حارة إلى حارة، من دخلة إلى دخلة، ثم التفتت نحوه، وكشفت عن وجهها, فإذا هي سوداء، فقالوا: وكذلك الدنيا تكشف عن وجهها عند الموت:
﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي * فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾
[سورة الفجر الآية: 24-26]
منعطف هام :
أيها الأخوة الكرام, المحبة عنوان طريقة المؤمنين، والمحبة دليل صدق المؤمنين، و المحبة تؤكد أن هذا الإنسان من أهل الطريق إلى الله عز وجل .
من لوازم معرفة الله أن تحبه، المحبة أصل كل شيء، خالق كل شيء, رب كل شيء، مصدر كل شيء، كل جمال المخلوقات مسحة من جمال الله .
أحياناً تجد طفلاً, تقول: سبحان الله على هذه القسمات التي منحه الله إياها, أجمل وجه في الأرض مسحة من جمال الله، أجمل امرأة مسحة من جمال الله، أجمل جبل أخضر، أجمل ساحل بحر، أجمل نسيم عليل، أجمل فاكهة طيبة، هذه لذائذ الدنيا هي مسحة من جمال الله, فالمؤمن وصل إلى أصل الجمال، وغيره وصل إلى فروع الجمال, فروع الجمال فانية, أما أصل الجمال باق.
قف هنا :
قال عليه الصلاة و السلام:
((أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني))
في الدنيا جنة, من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة، إنها جنة القرب, والدليل: ﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾
[سورة محمد الآية: 6]
في الدنيا: المؤمن ذاق طعم القرب.
من أدعية النبي عليه الصلاة والسلام: عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, كَانَ يَقُولُ عِنْدَ الْكَرْبِ: ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَرَبُّ الْأَرْضِ, لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه َرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح، والترمذي في سننه]
2-3 أن تحب أمره ونهيه, وأن تحب أنبياءه وكتبه :
المرتبة الثانية: إن كنت صادقاً في محبته, تحب أمره ونهيه، لذلك المؤمنون يفرحون بما نزل إليهم، يوجد إنسان يكره أمر الله عز وجل، يكره المنال, يا أخي المؤمن الناس كلهم طلقاء، يذهب إلى أي مكان يشتهيه، يجلس مع من يشتهي، يصافح من يشتهي، يملأ عينيه من محاسن من يشتهي، إلا المؤمن؛ حرام وحلال، وشبهة، ويجوز ولا يجوز، وعند الأحناف كذا، وعند الشافعية كذا.
إذاً: من لوازم محبة الله عز وجل: أن تحب أمره ونهيه، ومن لوازم محبة الله عز وجل: أن تحب أنبياءه وأن تحب كتبه.
الإيمان قيد الفتك :
أيها الأخوة, الإيمان قيد الفتك، عظمة الإنسان أنه عنده منظومة قيم تقيده، سيدنا صلاح الدين فتح القدس, ما تمكن أن يهرق دم إنسان واحد، أما عندما فتح الفرنجة القدس, ذبحوا سبعين ألفًا في يومين، والآن ترون كل يوم يموت أربعون، خمسون، مئة وخمسة و عشرون، موت كعقاص الغنم، لا يدري القاتل لمَ يقتل، ولا المقتول فيم قتل؟ أليس هذا صحيحاً ؟ يوم يذوب قلب المؤمن في جوفه مما يرى، ولا يستطيع أن يغير، إن تكلم قتلوه، وإن سكت استباحوه.
ما يتميز به المؤمن عن أهل الدنيا :
أهل الدنيا لا يرون إلا كبار أهل الدنيا، دون أن يشعر، إن كان تاجراً يقول لك: بصفقة حقق ثمانية عشر مليونًا، ارفع يدك، أخذ خمسة ملايين، الذي يتكلم هذا الكلام يذوب قلب المسكين, الذي دخله لا يكفيه أربعة أو خمسة أيام، الذين يحبون المال يتغنون بأرباب الأموال، والذين يحبون القوة يتغنون بالأقوياء، والذين يحبون المتع الرخيصة يتغنون بمن لهم مغامرات في ملذات لا ترضي الله عز وجل، أما المؤمن فيتغنى بالله عز وجل، يتغنى بما عند الله، يتغنى بما عند الله من نعيم مقيم، يتغنى بأعماله الصالحة، يتغنى بالطاعات، يتغنى بالصلة بالله عز وجل.
بشرى لك :
يوجد شاهد قوي جداً يطمئننا إن شاء الله: عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ قَالَ:
((كُنَّا مَعَ رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي سَفَرٍ, فَبَيْنَا نَحْنُ عِنْدَهُ, إِذْ نَادَاهُ أَعْرَابِيٌّ بِصَوْتٍ جَهْوَرِيٍّ: يَا مُحَمَّدُ، فَأَجَابَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بنحو مِنْ صَوْتِهِ: هَاؤُمُ, فَقُلْنَا لَهُ: وَيْحَكَ، اغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ, فَإِنَّكَ عِنْدَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَقَدْ نُهِيتَ عَنْ هَذَا, فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أَغْضُضُ, قَالَ الْأَعْرَابِيُّ: الْمَرْءُ يُحِبُّ الْقَوْمَ وَلَمَّا يَلْحَقْ بِهِمْ, قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ))
[أخرجه الترمذي في سننه]
هذه بشارة لمن يحب، وليس في مستوى من يحب، هم القوم لا يشقى بهم جليسهم، كن عالماً, أو متعلماً, أو مستمعاً, أو محباً.
يوجد إنسان غير متعلم, إذا دخل طالب علم, يرحب به، يكرمه، يقول لك: هذا إنسان يعرف الله، لكن يجب أن تعلموا: أنك إذا دعوت إلى الله، وكرمك الناس, فهذا التكريم ليس لك, هو لله، لكنك كنت السبب، فإذا كنت وفياً لله, تكون في مستوى هذا التكريم، تكون في مستوى حسن ظنهم بك.
4-أن تحب أولياءه والصالحين من عباده :
المرتبة الرابعة: أن تحب أولياء الله والصالحين من عباده، سبحانك يا رب, تجد أحياناً إنساناً يكره المؤمنين ويغتاظ منهم، ويحب المنافقين والمنحرفين لأنه منهم:
﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾
[سورة الفتح الآية: 29]
استنبط بعض العلماء: أن الذي يكره أصحاب رسول الله ليس مؤمناً، ليس مؤمناً قطعاً، علامة إيمانك: أنك تحب الله, ورسوله, وأنبياءه, والصحابة الكرام جميعاً، والمؤمنين في كل زمان ومكان.
5-أن تحب لقاءه وأن تسعى إلى جنته والنظر إلى وجهه ورضوانه :
المرتبة الخامسة في المحبة: أن تحب لقاءه, وأن تسعى إلى جنته, والنظر إلى وجهه ورضوانه، يوجد عندنا الجنة، فوق الجنة النظر إلى وجه الله الكريم، فوق النظر إلى وجه الله الكريم رضوان من الله أكبر.
دخلت إلى بيت, وجدت فيه أثاثًا لا يوصف، وطعامًا نفيسًا، إطلالة رائعة، أما إذا رأيت صاحب البيت، وقد منحه الله جمالاً أخاذاً, هذا مستوى أرقى، فإذا رحب بك، وآنسك، و طيب قلبك، وأكرمك, فهذا مستوى آخر، فبين أن تدخل جنته، أو أن تملأ نظرك بوجهه الكريم:
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾
[سورة القيامة الآية: 22-23]
ثم أن يرضى الله عنك, فتسعى بقربه إلى أبد الآبدين. المحبة أساسها المعرفة :
أيها الأخوة الكرام, هذه المحبة، والمحبة أساسها المعرفة، تعرفه فتحبه، هذا شيء طبيعي.
أحياناً الإنسان يذهب إلى بلد, يسر سروراً كبيراً, يشتاق إليه، يذهب إلى العمرة أو إلى الحج, يتجلى الله على قلبه الشيء الكثير, يشتاق أن يعود إلى هذه البلاد، يلتقي بإنسان, يأنس به, يشتاق إليه.
فالمحبة أساسها المعرفة, تعرفه فتحبه، ومن أعجب العجب: أن تعرفه ثم لا تحبه، من أجب العجب: أن تحبه ثم لا تطيعه، من أعجب العجب: أن تحبه وأن تطيعه ثم لا تؤثره على غيره.
مشكلة :
يوجد عندنا مشكلة، تجد إنساناً يقنع بكل شيء، ولكن لا يوجد عنده همة، يعرف كل شيء، يحضر دروس لثلاثين سنة، تتكلم بحديث يتمه لك، تتكلم بآية يتمها، تتكلم بقصة يكملها ، حافظ كل شيء, ولكن لا يوجد همة ليفعل شيئاً، تنقصه الهمة والإرادة.
من ثمرات المحبة :
ابن القيم يقول: الهمة ثمرة المحبة.
أنت لاحظ: إذا إنسان خطب فتاة، وكان معجباً بها, عشر ساعات يفكر كيف سيقدم لها هدية؟ كيف يتلطف معها بالكلام؟ كيف يتصل بها؟ كيف يفاجئها بشيء تسر به؟ تشغل كل ساحته، هذه فتاة, وامرأة يمكن بعد الزواج بسنتين لا تتكلم معها بكلمة، لا يعطس أبداً، كان ست ساعات يكلمها على الهاتف، لماذا؟ لأن كل شيء يمل، إلا أن تكون مع الله, فيوجد شوق مستمر.
يروي الأدباء: أن مجنون ليلى لو تزوجها لطلقها، فالهمة ثمرة المحبة, وأعلى منتوجاتها: التعلق بالحق منهجاً وسلوكاً، الهم من مبدأ الإرادة:
﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾
[سورة يوسف الآية: 24]
يا الله هذا همّ، أراد أن يفعل شيئاً، الهمة من ثمرات المحبة، والهمة أول درجات الإرادة، تحب فتهم فتريد.
حلقة مفقودة في العالم الإسلامي :
يوجد حلقة مفقودة بالعالم الإسلامي, كل شيء واضح، دروس، ومحاضرات، و ندوات، أي بكل بيت يقول لك: رأينا الندوة الفلانية، والعالم الفلاني، والدكتور الفلاني، وفلان حجته قوية، وفلان جاء بأدلة رائعة، كلما تجلس مع شخص, عنده اهتمامات إسلامية، يتابع هذه الندوات, صار عنده ثقافة مذهلة، لو طبق واحد بالمليون منها, لكان في أعلى عليين، و لكن همة على تطبيق لا يوجد.
أمر فيه حيرة :
شخص تركي عنده قط، وعنده وليمة، وجاء بلحم غال وكثير، فهذا القط أكل اللحم، هذا التركي امتلأ منه غيظاً، تمنى أن يمزقه، هذا القط له ورد، أي يخرخر، فنظر إليه بغيظ, قال له: أوراد شوك أمانات يوك.
الآن تجد شخصاً يتكلم بالدين ساعة، بالفلسفة، وبالعقيدة، والصوفيين، والسلفيين، والماترديين، والأشاعرة، والدليل الفلاني، والآية الفلانية، والحديث الفلاني، ليس عند الحلال والحرام، هذه مشكلة، يوجد حلقة مفقودة، هي الإرادة، يعرف كل شيء ولا يطبق شيئاً، لا يوجد عنده إرادة، ولا يوجد عنده همة، الهمة أساسها المحبة، والمحبة أساسها المعرفة، ما تعرف إلى الله ولا أحبه, لذلك لا يوجد عنده همة، هذه مشكلة المشكلات، هذه آفة الآفات، هذه معضلة المعضلات.
مشكلة المؤمن يعرف, لا ينعم بثمرات الإيمان لأنه مقصر، ولا يعد مع الكفار لأنه مؤمن، الوضع محير؛ لا أخذ من هؤلاء سعادتهم، ولا أخذ من هؤلاء حريتهم، مقيد.
ما الذي يحجب المسلم عن الله؟ :
أيها الأخوة, معظم المسلمين لا يزنون، ولا يسرقون، ولا يقتلون، ولا يشربون الخمر ، ما الذي يحجبهم عن الله؟ الصغائر فقط، يوجد حجاب ثخين لأسباب وجيهة، إنسان قاتل، إنسان زان، شارب خمر، سارق، طبعاً محجوب بحجب كثيفة جداً، لكن إنسان لم يسرق، ولم يكذب، ولم يشرب الخمر، و لم يزنِ، ولم يقتل، ومحجوب عن الله بالصغائر، لذلك هذه الذنوب الصغيرة التي لا نعبأ بها, تجتمع على الرجل حتى تهلكه.
إن الشيطان يئس أن يعبد في أرضكم، ولكن رضي فيما تحقرون من أعمالكم، إن الصغائر تجتمع على الرجل حتى تهلكه. ما فروع الهمة؟ :
1-همة في طلب العلم :
الهمة ما فروعها؟ همة في طلب العلم، طلب العلم يحتاج إلى وقت، وإلى جهد، وإلى تواضع، يوجد إنسان أكبر همه أن يطلب العلم، معه دكتوراه من بلد أجنبي، لا ينظر لأحد، أما هو فأمّيٌّ في العلم بالدين، بدليل: أحضر أكبر عالم دين، وأعطيه تخطيط قلب, لا يفهم منه شيئاً، إذاً: هذا العالم الكبير في الدين, أمي في تخطيط القلب، وبالمقابل: ائت بأكبر طبيب قلب, لم يطلب العلم الشرعي, هو أمي في الدين، الإنسان أحياناً يستنكف أن يطلب العلم، يستنكف أن يستمع إلى شريط، يستنكف أن يطالع كتاباً إسلامياً, معه بورد، أي عنده شعور أنه فوق البشر، أكبر خطر بالعلم الكبر.
ومن التعريفات الجامعة اللاذعة: أنها مدرسة يدخلها الطالب جاهلاً متواضعاً, يخرج منها جاهلاً متكبراً، بقي جاهلاً، ولكنه أضاف إلى جهله التكبر.
علام تؤكد هذه الآيات؟ :
الهمة الأولى في طلب العلم, يمكن أن تجلس في مجلس على ركبتيك، لكن:
﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾
[سورة الكهف الآية: 28]
طبعاً لو ذهبت إلى بيت صديق, يوجد كرسي مريح وثير، يوجد ضيافة، في بيت الله لا يوجد إلا الأرض، ولا يوجد ضيافة، وقد يكون الدرس طويلاً أحياناً، وقد يتأخر الشيخ، فهمة في طلب العلم:
﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾
[سورة الزمر الآية: 9]
﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾
[سورة محمد الآية: 19]
فضيلة طلب العلم :
فضل العلم خير من فضل العبادة، أي شخص يقوم الليل فقط، وآخر يتبحر في العلم، الذي يتبحر في العلم ليعلم الناس، ليهدي الناس إلى صراط الله عز وجل, أفضل عند الله من فضل العبادة.
يقول عليه الصلاة والسلام أيضاً:
((وخير دينكم الورع))
ركعتان من ورع, خير من ألف ركعة من مخلط.
من لم يكن له ورع يحجزه عن معصية الله إذا خلا, لم يعبأ الله بشيء من عمله.
عن عَبْد اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ, قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ, وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا))
حجمك عند الله بحجم عملك الصالح :
أتمنى أن أوضح لكم أنه؛ أنا مقياس الغنى عندي الحجم المالي، لكن مقياس الغنى عند الله العمل الصالح، لما سيدنا موسى سقى للمرأتين قال:
﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾
[سورة القصص الآية: 24]
صدقوا أيها الأخوة, الغني الحقيقي: من له أعمالاً صالحة كبيرة جداً؛ إما في الإنفاق، إما في بناء المساجد، إما في إلقاء الدروس، إما في تأليف الكتب، إما في إنشاء دور يتامى، في معاهد شرعية، إما في خدمة الناس.
حجمك عند الله بحجم عملك الصالح، يجب أن توقن يقيناً قطعياً: أن الفقر الحقيقي فقر العمل الصالح.
ما محور هذا الحديث؟ :
عَنْ قَيْسِ بْنِ كَثِيرٍ قَالَ:
((قَدِمَ رَجُلٌ مِنْ الْمَدِينَةِ عَلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ وَهُوَ بِدِمَشْقَ, فَقَالَ: مَا أَقْدَمَكَ يَا أَخِي؟ فَقَالَ: حَدِيثٌ بَلَغَنِي أَنَّكَ تُحَدِّثُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قَالَ: أَمَا جِئْتَ لِحَاجَةٍ؟ قَالَ: لَا, قَالَ: أَمَا قَدِمْتَ لِتِجَارَةٍ؟ قَالَ: لَا, قَالَ: مَا جِئْتُ إِلَّا فِي طَلَبِ هَذَا الْحَدِيثِ, قَالَ: فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَبْتَغِي فِيهِ عِلْمًا, سَلَكَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ, وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضَاءً لِطَالِبِ الْعِلْمِ, وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ, حَتَّى الْحِيتَانُ فِي الْمَاءِ, وَفَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ, كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ, إِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ, إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا, إِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ, فَمَنْ أَخَذَ بِهِ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ))
2-همة في طلب المعالي :
الآن: هذه الهمة التي هي نتيجة المحبة، المحبة تولد همة؛ همة في طلب العلم، وهمة نحو المعالي.

((إن الله يحب معالي الأمور, ويكره سفسافها ودنيها))
تجد إنساناً همه المغني الفلاني، عنده جميع أشرطته، ومُرَتبها، ومصنفها، ويوزعها أيضاً، هذا همه الموسيقا، هذا همه التواضع، تجد هموم, ومبالغ, وأوقات، أما المؤمن همه الله.
قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾
[سورة الحجرات الآية: 7]
3-همة في الجهاد في سبيل الله :
الآن: محبتك لله عز وجل, ولرسوله, ولأنبيائه, ولكتبه، ولأوليائه، وللمؤمنين؛ التي نقلتك إلى همة في طلب العلم، وهمة في طلب المعالي, تنقلك أيضاً إلى همة في الجهاد في سبيل الله, والجهاد أنواع منوعة، دعونا موقتاً من الجهاد القتالي، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يتاح لنا في وقت من الأوقات، لكن يوجد جهاد النفس والهوى وهو أهم أنواع الجهاد، لأن المنهزم أمام نفسه لا يمكن أن يواجه نملة، الجهاد البنائي: أن تطور عملك ليكون في خدمة المسلمين، وليكون قوة في أيدي المسلمين.
ما مشروع هذه الآية؟ :
التقيت مع إنسان بسفرتي الأخيرة يشغل منصباً رفيعاً، قلت له: لو عرضت عليك مشروعاً بمليونين، فسألتك: أمعك مال لهذا المشروع؟ فقلت لي: ليس عندي مال لهذا الذي تعرضه علي، أنا قد أحتاج منك إلى مليون، معك نصف مليون، تقول: ليس عندي مال، أما لو قلت لي: ليس عندي من مال ولا درهم، ماذا أفادت كلمة من؟ استغراق أفراد النوع، الآن: إذا الله عز وجل قال:
﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾
[سورة الأنفال الآية: 60]
أي إن أي إنسان مسلم بعمله إذا أتقنه، وخدم المسلمين, وفر عليهم أن يستوردوا، و أعطاهم حاجة جيدة جداً, متينة تقاوم، وتخدم مدة طويلة، وبسعر معتدل، هذا ساهم في بناء الأمة.
يوجد جهاد النفس والهوى، ويوجد الجهاد الدعوي، ويوجد الجهاد البنائي، ونسأل الله عز وجل أن يرزقنا الجهاد القتالي.
سؤال دقيق :
موضوع الهمة موضوع حساس ومتداول، يقول لك شخص: أول ما تعرفت إلى الله في هذا المسجد, كنت شعلة، بركانًا، الآن فترت همتي، كنت أبكي كثيراً، الآن لم أعد أبكي، كنت أصلي كثيراً طويلاً، الآن أصلي صلاة اعتيادية كالناس، كنت لا أنام الليل من محبتي لله، الآن والله عادي, يتكلم بألم، وكأنه فقد إيمانه، أقول له: لا، أنا أطمئن هؤلاء الذين لم يخطئوا مع الله، لكن أحوالهم التي تألقوا بها, ضعف تأثيرها عندهم، هؤلاء لو كنت في مكان بارد جداً، وكدت تموت من البرد، ثم دخلت إلى مكان دافئ خلال دقائق أو عشر دقائق, تشعر بقيمة الدفء، بعد ذلك أنت في الدفء, والدفء هو هو، لكن قوة تأثيره عليك ضعفت مع استمراره، لو أن شخصًا لا سمح الله ارتكب معصية, يحس نفسه وكأنه في جهنم، ما دام مستقيماً فهو مرتاح، هذه الراحة نوع من الصلة؛ لكن مخففة.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو, أَنَّهُ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنْ قُرَيْشٍ, فَكَانَ لَا يَأْتِيهَا, كَانَ يَشْغَلُهُ الصَّوْمُ وَالصَّلَاةُ, فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ...... فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:
((إِنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ شِرَّةً, وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةٌ, فَمَنْ كَانَتْ شِرَّتُهُ إِلَى سُنَّتِي فَقَدْ أَفْلَحَ, وَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ هَلَكَ))
إلى يوم غد إن شاء الله :
أيها الأخوة الكرام, المحبة ثمرة المعرفة، والهمة ثمرة المحبة، النتيجة الثالثة للدرس القادم: الغربة، ما لم تشعر بغربة بهذا العصر, ففي الإيمان خلل، يجب أن تشعر كأنك غريب، قيمك نادرة، مبادئك، أخلاقك، كلامك، مزاحك متميز، فيه عفة، لا يؤذي أحد، لا يتجاوز حدوده، الغربة من لوازم الإيمان الصحيح.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:
((إن رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا, وسَيَعُودُ غريباً كما بدَأَ, فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ))
[أخرجه مسلم في الصحيح]
والغربة تحل بأن تكون مع المؤمنين، أن يكون لك مجتمع مؤمن، أصدقاء مؤمنين، تتصل بهم، تسمر معهم، تلتقي بهم، تبثهم وجدك، يبثونك مواجيدهم، فبدل الشعور بالغربة أن تأنس بالمؤمنين، أما أن تأنس بعامة الناس, هذا دليل خطير جداً على أنك منهم، والاستئناس بالناس من علامات الإفلاس, أما أن تستأنس بالمؤمنين, فهذا دليل على إيمانك الصحيح إن شاء الله.
من أسئلة السائلين :
السؤال الأول: ما هو الشيء أو الفعل أو القول الذي يطمئن المسلم في محبة الله
س- ما هو الشيء أو الفعل أو القول الذي يطمئن المسلم في محبة الله وفي الالتزام بشرعه؟
ج- إنك إذا فعلت عملاً صالحاً ولم تذكره لأحد، و لم تحتاج أن تتباهى به، هذا دليل إخلاصك لله عز وجل، وإذا استوت استقامتك وحدك أو مع الناس دليل محبتك لله عز وجل، استواء العمل في الخلوة والجلوة دليل محبة الله عز وجل، وبقاء العمل بالذم والمديح دليل محبة الله عز وجل، إذا كنت محباً لله, عملك لا يتغير بين أن تكون في جلوتك أو في خلوتك، وإذا كنت محباً لله عز وجل, لا يزيد عملك بالمديح ولا يقل بالذم، وإذا كنت ممن يحب الله عز وجل, تشعر أنك لا تحتاج أن تذكر عملك لأحد، يا ربي أنت مقصودي ورضاك مطلوبي:
﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً﴾
[سورة الإنسان الآية: 8-9]
فعدم طلب الشكر والجزاء, واستواء العمل في الخلوة والجلوة, واستواء العمل مع المديح و الذم دليل محبة الله عز وجل.
السؤال الثاني: دلنا على ورد يزيد من طمأنينة قلوبنا في حب الدين والالتزام؟ :
س- دلنا على ورد يزيد من طمأنينة قلوبنا في حب الدين والالتزام؟ .
ج- أنا أقترح أيها الأخوة, أربع أرباع الساعة، ربع ساعة تصلي، ربع ساعة تقرأ القرآن، ربع ساعة تفكر، ربع ساعة تذكر، أذكار الإمام النووي هذا أصح الأذكار، إذا كنت تستطيع ربع ساعة ذكر, وتلاوة, واتصال بالله عز وجل, وتفكر في مخلوقات الله، هذه الساعة صباحاً تساوي حجة تامة تامة تامة، بعد ذلك يوجد ذكر طوال النهار:
﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾
[سورة المعارج الآية: 23]
كلما أقدمت على عمل تدعو الله أن يوفقك, وأن يكون خالصاً لوجهه الكريم، فالدعاء ذكر, والاستغفار ذكر, وتلاوة القرآن ذكر, والتفكر ذكر.
عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:
((قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ, وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ, وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ, وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ, وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ, فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى, قَالَ: ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى, قَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: مَا شَيْءٌ أَنْجَى مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ))






والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-02-2018, 06:52 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية من مفهوم القران والسنة

الدرس : ( الخامس و الثلاثون )

الموضوع : مستلزمات التوحيد ( 15 ) الغربة





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. مستلزمات العقيدة :
أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس الخامس والثلاثين من دروس العقيدة، والموضوع الذي لا زلنا بفضل الله عز وجل نعالجه من أشهر: أن حقيقة العقيدة ليست كما يتوهم بعض المسلمين, ماذا ينبغي أن تعتقد؟ ولكن حقيقة العقيدة ماذا ينبغي أن تكون عليه من الشوق والحب، والتوكل, والطاعة، والالتزام، وما إلى ذلك؟.
الشعور بالغربة :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3373/01.jpg
في هذا الدرس الحديث عن الغربة، ما لم تشعر بالغربة فهناك خلل في إيمانك، ما لم تشعر بالغربة في هذا الزمان فهناك خلل في إيمانك. الآية الدقيقة جداً التي تتصل بهذا الدرس أشد الاتصال هي قول الله عز وجل:
﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ﴾
[سورة هود الآية: 116]
حتى الذين ينهون عن الفساد في الأرض قلة منهم ناجون، معنى ذلك أن هي سهل، لكن التطبيق يحتاج إلى صدق مع الله عز وجل.
والحديث الشريف الصحيح: عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَنَّةَ, أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:
((بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا، ثُمَّ يَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَنْ الْغُرَبَاءُ؟ قَالَ: الَّذِينَ يُصْلِحُونَ إِذَا فَسَدَ النَّاسُ ...))

[أخرجه الطبراني في المعجم الكبير, وعبد الله بن أحمد في المسند]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3373/02.jpg
فساد عميم. ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾
[سورة الروم الآية: 41]
حالة انهيار خلقي، حالة انحلال خلقي، حالة ضبابية في الرؤيا، حالة تفلت من منهج الله، صار الفساد هو الأصل، وأن الاستقامة شاذة، حينما يصبح المعروف منكراً والمنكر معروفاً, فنحن في فساد عريض، أن تشعر بالغربة في هذا المجتمع فهذه علامة طيبة، وأن تستأنس بهؤلاء الناس المنحرفين, الشاردين, الغارقين في الفساد, فهذه حالة تحتاج إلى مراجعة.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3373/03.jpg
أخواننا الكرام، أنت غريب في الناس، وأحياناً غريب بين المسلمين، وأحياناً غريب بين المؤمنين، وأحياناً غريب بين العلماء الذين خففوا على الناس دينهم، أي تساهلوا، هذا الموضوع فيه فتوى، هذا الموضوع فيه رأي ضعيف، وهذا الموضوع هناك من يجيز فعله، إذاً: هناك غربة تلو غربة, تلو غربة, تلو غربة.
أخرج الإمام مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ))
عَنْ ابْنِ عُمَرَ, أن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((إِنَّ الْإِسْلَامَ بَدَأَ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ، وَهُوَ يَأْرِزُ بَيْنَ الْمَسْجِدَيْنِ كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ فِي جُحْرِهَا))
[أخرجه مسلم في الصحيح]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3373/04.jpg
يوجد أخوة كرام, قلبهم معلق بالحرمين الشريفين، يسافر إليهما, فيجد سعادته في هذين الحرمين، لا يستأنس في بلاد الغرب، هناك من يطمح أن يتجه إلى بلاد الحرمين ليتعبد الله هناك، وهناك من يطمح إلى أن يسافر إلى بلد متفوق جميل فيه كل ما تشتهيه الأنفس مثلاً، فرق كبير.
وفي مسند الإمام أحمد: عن عَبْد اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي قَالَ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ وَنَحْنُ عِنْدَهُ: طُوبَى لِلْغُرَبَاءِ، فَقِيلَ: مَنْ الْغُرَبَاءُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: أُنَاسٌ صَالِحُونَ فِي أُنَاسِ سُوءٍ كَثِيرٍ، مَنْ يَعْصِيهِمْ أَكْثَرُ مِمَّنْ يُطِيعُهُمْ))
الغربة بين المسلمين:
الآن: هناك غربة بين المسلمين هي غربة المنهج، المنهج غير مطبق، القواعد الشرعية لا يؤخذ بها، توجيهات النبي في سنته لا يعتد بها، فحوى القرآن الكريم لا يقام له وزن في مجتمع التفلت، فأنت في مجتمع مسلم، وكلهم ولد من أم وأب مسلمين، ومع ذلك تشعر بأن هذه مخالفة، وهذا تجاوز، وهذا تقصير، تشعر كأنك لست من هؤلاء.
حينما يتبع المسلمون أهواءهم، حينما يألفوا حياة الغرب، حينما تسيطر عليهم أنماط المعيشة الغربية، حينما يضعف تمسكهم بأصول دينهم، عندئذ يكون المؤمن الصادق المستقيم الملتزم غريباً بين المسلمين، هو غريب بين الناس، وغريب بين المسلمين.
لو أن شاباً هداه الله إليه، وطلب من أهله أن يبتعد عن الاختلاط, لأقاموا عليه الدنيا، وأهله من رواد المساجد، وأهله ممن يتحدثون بالدين، ومع ذلك يقيمون عليه النكير إذا رفض الاختلاط، يقيمون عليه النكير إذا رفض أن يتعامل بمعاملة ربوية، أين الخطأ؟ علماء كبار أفتوا بذلك، من أنت؟ فقد تجد نفسك غريباً، وأنت في أسرة مسلمة ترتاد المساجد.
أخواننا الكرام، أهل الغربة يقيمون الحجة على الناس جميعاً: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا﴾
[سورة هود الآية: 116]
لو تقدم شاب لخطبة فتاة، والشاب غني، وله بيت فخم، وعنده معمل مسجل باسمه، وله مركبة فارهة، لكن لا يصلي, تجد معظم المسلمين يرحبون بهذا الشاب، ولا يعبؤون بقوله تعالى:
﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾
[سورة البقرة الآية: 221]
هذه غربة، إنسان يأبى أن يتعامل مع المصارف الربوية, يجد أن معظم من حوله ينكرون عليه، إذاً: هو غريب.
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ, عَنْ أَبِيهِ, أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ, خَرَجَ مِنْ عِنْدِ مَرْوَانَ نَحْوًا مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ، فَقُلْنَا:
((مَا بَعَثَ إِلَيْهِ السَّاعَةَ إِلَّا لِشَيْءٍ سَأَلَهُ عَنْهُ، فَقُمْتُ إِلَيْهِ، فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ : أَجَلْ، سَأَلَنَا عَنْ أَشْيَاءَ سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ غَيْرَهُ، فَإِنَّهُ رُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ ...))
ليس بفقيه؛ أي لا يطبق أحكام الفقه، يعرفها، ويحفظها، وينقلها للناس، لكنه لا يطبقها. ومن فقرات هذا الحديث:
((... مَنْ كَانَ هَمُّهُ الْآخِرَةَ, جَمَعَ اللَّهُ شَمْلَهُ، وَجَعَلَ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كَانَتْ نِيَّتُهُ الدُّنْيَا, فَرَّقَ اللَّهُ عَلَيْهِ ضَيْعَتَهُ، وَجَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنْ الدُّنْيَا إِلَّا مَا كُتِبَ لَهُ ...))
((عبدي خلقت لك السموات والأرض، ولم أعي بخلقهم، أفيعييني رغيف أسوقه لك كل حين؟ لي عليك فريضة ولك عليّ رزق، فإذا خالفتني في فريضتي, لم أخالفك في رزقك، وعزتي و جلالي, إن لم ترض بما قسمته لك, فلأسلطن عليك الدنيا, تركض فيها ركض الوحش في البرية، ثم لا ينالك منها إلا ما قسمته لك ولا أبالي، وكنت عندي مذموماً، أنت تريد وأنا أريد, فإذا سلمت لي فيما أريد, كفيتك ما تريد، وإن لم تسلم لي فيما أريد, أتعبتك فيما تريد, ثم لا يكون إلا ما أريد))
صفات الغرباء :
1-حجتهم قوية ورؤيتهم صحيحة:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3373/05.jpg
أول صفة الغرباء: أن الله سبحانه و تعالى آتاهم الحجة، معهم حجة قوية، معهم دليل، عرضهم قوي، تعبيرهم متماسك، أدلتهم قاطعة، رؤيتهم صحيحة، هذا هو الغريب.







2-مصادرهم موثوقة:
الصفة الثانية للغريب: أن دينه تلقاه من مصادر موثوقة, لا يستطيع إنسان أن يقول كلاماً في الطب إلا إذا كان طبيباً، وإلا يحاسب، ويلاحق، ويعاقب، لا يستطيع إنسان أن يقول في العلوم كلاماً إلا إذا كان من أهل اختصاصها، إلا في الدين، فكل من هبّ ودبّ يدلي برأي في الدين، لذلك اختلط الحديث الصحيح مع الضعيف مع الموضوع، اختلط الحق مع الباطل، التصور مع العقيدة الصحيحة، يقول لك: قرأتها بمجلة، أي مجلة؟ يوجد شيخ قال هذا الكلام، مصادر غير موثوقة, وغير معتمدة، من دون تحقيق، من دون تمييز، المؤمن الذي يشعر بالغربة, دينه قد أخذه من جهات موثوقة. ((ابن عمر دينك دينك، إنه لحمك ودمك، خذ عن الذين استقاموا، ولا تأخذ عن الذين مالوا))
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾
[سورة الحجرات الآية: 6]
((إن هذا العلم دين, فانظروا عمن تأخذون دينكم))
المؤمن الغريب لا يقبل إلا بالدليل، ولا يرفض إلا بالدليل، لأن دينه مصيره، لأن دينه سعادته أو شقاؤه، فلذلك: بقضايا الدين آراء شخصية لا يوجد، ولا يستطيع أحد على وجه الأرض أن يدلي برأي في الدين. الدين توقيفي, أي العالم الذي ينجو من الله يوم القيامة, هو الذي ينقل نقلاً أميناً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, من دون زيادة، من دون نقصان.
عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ, عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((مَنْ حَدَّثَ عَنِّي حَدِيثًا وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ كَذِبٌ, فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبِينَ))
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا, فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ))
[أخرجه مسلم في الصحيح]
لكن الحديث الأول:
((مَنْ حَدَّثَ عَنِّي حَدِيثًا وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ كَذِبٌ, فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبِينَ))
لذلك: أي حديث ننقله، وأي حديث ننشره من دون تحقق، من دون تدقيق، من دون بحث، من دون استيثاق، من دون توثيق، هذا لا يرضي الله عز وجل. في بعض الفتن التي وقعت في العصور الإسلامية, كان يقول ابن سيرين: سمّوا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم.
يقولون: هذا عندنا غير جائز فمن أنتمُ حتى يكون لكم عند؟
الدين توقيفي، الدين كتاب الله، الدين سنة رسول الله.
3-الغريب يحزن لفقد العلماء:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3373/06.jpg
روي عن مجاهد قال: جاء بشير العدوي إلى ابن عباس, فجعل يحدث، ويقول: قال عليه الصلاة والسلام، قال عليه الصلاة والسلام، فجعل ابن عباس لا يأبه لحديثه، ولا ينظر إليه، فقال: يا بن عباس! مالي لا أراك تسمع لحديثي؟ أنا أحدثك عن رسول الله ولا تسمع، فقال ابن عباس: إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلاً يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم, ابتدرته أبصارنا، وأصغينا إليه بآذاننا، فلما ركب الناس الصعب والذلول, لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف.
إنسان ليس مستقيماً، ليس منضبطاً، يوجد بدخله شبهة، يوجد بإنفاقه شبهة، هذا الذي جاء من المدينة إلى البصرة, ليأخذ عن أحد الأشخاص حديثاً لرسول الله، فلما رآه يوهم فرسه أن في طرف ثوبه شعيراً, من أجل أن تأتي إليه، فلما اقترب لم يجد الشعير, فلم يكلمه بكلمة، وعاد إلى المدينة، هذا الذي يكذب على فرسه, ليس أهلاً أن يروي حديث رسول الله.
أيها الأخوة الكرام، الغريب يحزن لفقد العلماء، لأن هذا العلم لا ينتزع انتزاعاً، إنما ينتزع بموت العلماء، والله من شعر بالغربة فهذه بشارة له.
الغرباء هم أهل السنة المطبقون لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن الله عز وجل يقول:
﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾

[سورة آل عمران الآية: 31]
لكن من لوازم اتباع السنة: أن تعلم ما السنة؟ شيء بديهي، لذلك لا بد من أن تحضر درساً في سنة رسول الله، درس العلم يكاد يكون فرض عين على كل مسلم.
يا بني! العلم خير من المال، لأن العلم يحرسك وأنت تحرس المال، والمال تنقصه النفقة، والعلم يزكو على الإنفاق.
قصص واقعية:
أذكر لكم قصتين؛ الأولى في أول خطبة خطبتها في هذا المسجد في عام أربعة وسبعين، تقدم مني أخ كبير في السن، كانت سنه في ذلك الوقت قريبًا من الخامسة والخمسين، وبدأ يبكي، فلفت نظري بكاؤه، قال: لي زوجتي تخونني -أعوذ بالله- قلت له: مع من؟ قال لي: مع جارنا، قلت له: كيف تعرفت عليه؟ قال لي: مرة كنا بسهرة، وكان بزيارتي، قلت: هذه أم المؤمنين تجلس وحدها، تعالي أم فلان اجلسي معنا، هذا مثل أخيك، بدأت من هنا، قلت له: لو كنت تحضر درس علم واحد ما فعلت ذلك، وحينما لا تفعلها لا تكون هذه المشكلة.
العلم حارس، لا تستغرب، مليون مطب أنت ناج منه باستقامتك، مليون مصيبة صرفها الله باستقامتك.
سائق تكسي أشارت له إحداهن: أين تريدين؟ قالت له: أينما تريد، عدها مغنماً كبيراً، قضى حاجته، وناولته ظرفين، ظرف فيه مبلغ من الدولارات كبير مكافأة له، وظرف فيه رسالة، فتح ظرف الرسالة, مكتوب سطراً واحداً: مرحباً بك في نادي الإيدز، ذهب ليصرف الدولارات, هي مزورة، أودع في السجن، لو كان يحضر درس العلم, تقول له: خذني أينما تريد، يفتح الباب، ويخرجها بقدمه، هذا جهل.
أخواننا الكرام، ما من مصيبة على وجه الأرض تقع إلا بسبب معصية، وما من معصية تكون إلا بسبب الجهل، والجهل أعدى أعداء الإنسان، والجاهل يفعل في نفسه ما لا يستطيع عدوه أن يفعله به.
لمحة عن حياة المؤمن المستقيم :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3373/07.jpg
تجد مؤمناً حياته متوازنة، حياته هادئة، حياته سليمة، حينما تتبع منهج الله عز وجل, يهديك الله سبل السلام، سلام مع نفسك، لا يوجد انهيار داخلي، لأنك مستقيم, وقاف عند كتاب الله, لا يوجد عندك انهيار داخلي، لا يوجد عندك شعور بالنقص، شعور بالذنب، لا يوجد عندك حجاب عن الله كبير، أنت تمشي بشكل صحيح، لم يحرمك من شيء إلا من الشيء الحرام، سلام مع أهلك، أنت شريف، وهي شريفة، أما حينما تكتشف أنك تخونها, تسمعك كلاماً لا يحتمل, سقطت من عينها، وسقطت من عين الله، يهديهم سبل السلام، مع أولاده كبير, في نظر أولاده، أبوهم إنسان مستقيم، مع التجار إذا كان تاجراً، مع الموظفين إذا كان موظفاً، يشار إليه بالبنان, هذا صالح، هذا صاحب دين.

ما هي الجماعة؟ :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3373/08.jpg
أيها الأخوة الكرام، الغريب هو الناجي الآن، ثم ما هي الجماعة؟ لو ببلد يوجد عشرة ملايين إنسان, شخص منهم فقط مستقيم، هذا الواحد المستقيم هو الجماعة، كلمة الجماعة نقصد بها الملتزمة بطاعة الله عز وجل، لذلك: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾

[سورة الأنعام الآية: 116]
يقول لك: سرية ليست هي الناجية, الناجون هم الأقلون، فإذا كنت مع الأقلين هذه بشارة، و إذا كنت مع الخط العريض في المجتمع هذه أيضاً مظنة انحراف.
عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ, عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((لَا يَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ, حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ))
هؤلاء الغرباء، يوجد فئة قليلة هي حجة على من سواها.
عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ, لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ, حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ))

[أخرجه مسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي في سننهما]
أما معنى قول النبي عليه الصلاة والسلام: (لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ ): لا يعبأ بالباطل ولو كان كثيراً، أي إذا دخل إنسان للحمام، واغتسل، وتطيب، وارتدى ثياباً جديدة, نظيفة، ومشى في الطريق, فإذا ببركة فيها مياه آسنة، والناس يسبحون، ويمرحون، ويضحكون، هل يتمنى أن يكون معهم؟ هو إنسان نظيف جداً، أنت اجلس بأيّ جلسة، اسمع مزاحهم، كله مزاح جنسي، تعليقات خبيثة جداً، كلمات ملغومة، كل كلامهم ملغوم، كل كلامهم يحمل معاني جنسية ساقطة، يضحكون، إن لم تشعر بالتميز لا بالكبر، إن لم تشعر أنك من طينة أخرى، أن لك هموماً أخرى، أنك تحمل هم المسلمين، أن الله يحب معالي الأمور، ويكره سفسافها ودنيها، من مزاحهم، من موضوع أحاديثهم، من تعليقاتهم الوقحة، من مزاحهم الخشن، من تفلتهم من منهج الله، من قسوتهم في معاملتهم.
إذاً معنى: لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ: بمعنى أنهم لا يعبؤون بمن خذلهم، ولا بمن خالفهم.
والمعنى الثاني: أن الله يعصمهم ويحفظهم، فالطرف الآخر لا يصل إليهم، يوجد بشارة لهؤلاء.
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ:
((قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَيَنْزِلُ عِيسَى, فَيَقُولُ أَمِيرُهُمْ: تَعَالَ صَلِّ لَنَا، فَيَقُولُ: لَا، إِنَّ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ أُمَرَاءُ، تَكْرِمَةَ اللَّهِ هَذِهِ الْأُمَّةَ))

[أخرجه مسلم في الصحيح]
أي تمتلئ الأرض ظلماً وجوراً كما هي الآن، فيأتي أخي عيسى فيملؤها قسطاً وعدلاً.
الابتعاد عن الناس في آخر الزمان:
أيها الأخوة الكرام، الحديث الشهير: عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ الشَّعْبَانِيِّ قَالَ: ((قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ... إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا، وَهَوًى مُتَّبَعًا، وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً، وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ, فَعَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ ...))
شحاً مطاعاً؛ أي المادية، السلوك المادي، الحرص على الدرهم والدينار، أن تبيع دينك وأمانتك بعرض من الدنيا قليل، هوى متبعاً؛ أي الجنس والكبر، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، بربكم أليس السلوك المادي، والانشغال بالشهوات، والكبر سمة هذا العصر؟ همه بطنه، وهمه فرجه، ومعنى أن الله سبحانه وتعالى مسخ بعض بني إسرائيل قردة وخنازير، القرد همه بطنه، والخنزير همه فرجه.
لذلك: ((إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا، وَهَوًى مُتَّبَعًا، وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً، وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ))
هذا حديث صحيح. هذا من توجيهات النبي عليه الصلاة والسلام:
((إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا، وَهَوًى مُتَّبَعًا، وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً، وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ, فالزم بيتك -ليس معنى هذا ألا تخرج، لكن دعك من أمر الناس، اكتف بأهلك وبأخوانك في مسجدك- وخذ ما تعرف -أعرف الصلاة فرض، الصوم فرض، الحج فرض، لكن يوجد وسائل لكسب المال عجيبة، فيها شبهات، فيها ربا، فيها جهالة، فيها غرر، فيها غش- ودع من تنكر، وعليك بخاصة نفسك -أولادك، أخوانك، جيرانك، من حولك، من يلوذ بك- ودع عنك أمر العامة))
أيها الأخوة, مباراة يذهب عشرة قتلى، مباراة كرة قدم، ما هذا المجتمع؟ يوجد مباراة ببعض البلاد فيها ستون قتيلاً، تجد الحماس على كرة، هذا دين جديد عندنا. مرة كنت راكباً بسيارة من مكة إلى جدة، وجدت هذا السائق يكاد يتمزق من الألم، لأن الفريق الذي يحبه لم يربح المباراة، وشعرت أن هناك دينًا جديدًا، وقد يكون لاعباً كبيراً جداً, يباع ويشترى من فريق إلى فريق بالملايين، وهو شاذ، والناس معجبون به، وصوره على ألبسة الشباب دائماً، هذا دين جديد.
فيا أيها الأخوة الكرام، بدأ الدين غريباً، وسيعود كما بدأ, فطوبى للغرباء، أناس صالحون في قوم سوء كثير. أيها الأخوة الكرام، في بعض الأحاديث: يشير النبي عليه الصلاة والسلام إلى أحبابه، فقال أصحابه: أو لسنا أحبابك؟ قال: لا, أنتم أصحابي، أحبابي: أناس يأتون في آخر الزمان, القابض منهم على دينه كالقابض على الجمر، أجره كأجر سبعين, فقالوا: منا أم منهم؟ فقال: بل منكم، قالوا: ولمَ؟ قال: لأنكم تجدون على الخير معواناً، ولا يجدون.
أنقل لكم الحديث الذي قرأته قبل قليل، لكن برواية أخرى مطولة، فعند الترمذي في جامعه, عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ الشَّعْبَانِيِّ قَالَ: ((أَتَيْتُ أَبَا ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيَّ فَقُلْتُ لَهُ: كَيْفَ تَصْنَعُ بِهَذِهِ الْآيَةِ؟ قَالَ: أَيَّةُ آيَةٍ؟ قُلْتُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ، قَالَ: أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْهَا خَبِيرًا، سَأَلْتُ عَنْهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: بَلْ ائْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ، وَتَنَاهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ، حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا، وَهَوًى مُتَّبَعًا، وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً، وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ, فَعَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ، وَدَعْ الْعَوَامَّ، فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامًا, الصَّبْرُ فِيهِنَّ مِثْلُ الْقَبْضِ عَلَى الْجَمْرِ، لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلًا، يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِكُمْ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: وَزَادَنِي غَيْرُ عُتْبَةَ, قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَجْرُ خَمْسِينَ مِنَّا أَوْ مِنْهُمْ؟ قَالَ: بَلْ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ))
الخاتمة:
أي إذا تمسك الإنسان في زمن الفتن, فله أجر خمسين صحابيًا، هكذا قال عليه الصلاة و السلام، كل شيء بثمنه. ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾
[سورة فصلت الآية: 46]
من تمسك بالدين فله معاملة خاصة من الله عز وجل: ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾
[سورة الأنبياء الآية: 88]
مستحيل وألف ألف مستحيل أن تطيعه وتخسر، ومستحيل أن تعصيه وتربح، ومستحيل أن يذل من والى الله، ومستحيل من يعز من عادى الله، هذه الدنيا أمامكم, والبطولة أن تتعظ بغيرك لا بنفسك.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-02-2018, 06:54 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية من مفهوم القران والسنة

الدرس : ( السادس و الثلاثون )

الموضوع : مستلزمات التوحيد ( 16 ) الحكم بغير ما انزل الله



اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. ما سبق ذكره :
أيها الأخوة الكرام، مع الدرس السادس والثلاثين من دروس العقيدة الإسلامية.
أيها الأخوة، في دروس سابقة كثيرة, كان محورها: أن العقيدة الصحيحة ليست ما ينبغي أن تعتقد فحسب، بل ينبغي أن تكون على عدد من الصفات؛ أن تكون متوكلاً، أن تكون راجياً رحمة الله عز وجل، أن تكون منيباً، أن تكون صابراً، فليس الإيمان أن تعتقد فحسب، بل الإيمان أن تتحلى بصفات الذي اعتقد هذا الاعتقاد.
هذه نقطة أمضينا فيها دروساً عديدة.
ما يقع به كثير من الناس اليوم :
أيها الأخوة, اليوم من مقتضيات الإيمان والتوحيد: أن تنتهي عن صفات يفعلها الجهلة، والذين ضعف الإيمان في قلوبهم.
أيها الأخوة الكرام، مما نهى عنه الشارع الحكيم: أن يتحاكم الإنسان لغير الله، وقد قال الله عز وجل:
﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾
[سورة التوبة الآية: 31]
لا حكم إلا لله، وهذا الذي ينطق بالحق له مهمة محدودة، أن يعرفك بالله عز وجل، وأن يصلك به، لكن أن تتخذه إلهاً أو رباً فلا، وقد يقول أحدكم: ما هذا الكلام؟ أنت حينما تطيع إنساناً وتعصي خالقاً, فكأنك أخذته إلهاً، أنت حينما تطيع مخلوقاً وتعصي خالقاً, فكأنك أعطيت هذا المخلوق صفات المعبود، تطيعه وتعصي الله عز وجل، فلذلك: كلمة الله أكبر التي نقولها, أصبحت كلمةً تردد كثيراً، ولكن حينما تطيع مخلوقاً وتعصي خالقاً, ما قلتها ولا مرة، ولو رددتها ألف مرة، حينما تعطي نفسك ما تشتهي، وقد حرم الله عليك هذا الذي تشتهيه, فأنت ما قلتها ولا مرة، ولو رددتها بلسانك ألف مرة، لذلك الألفاظ التي يرددها المسلمون ولا تؤكدها أفعالهم, لا قيمة إطلاقاً لهذا الترداد، ذلك لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال:
((من قال لا إله إلا الله بحقها دخل الجنة، قيل: وما حقها؟ قال: أن تحجزه عن محارم الله))
ما موضع الشاهد في هذا الحديث؟ :
الآن: ورد في جامع الترمذي بسند صحيح, أن النبي عليه الصلاة والسلام تلا هذه الآية:
[اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللهِ]
تلا هذه الآية على عدي بن حاتم الطائي، فقال: ((يا رسول الله! لسنا نعبدهم، فقال عليه الصلاة والسلام: أليس يحلون لكم ما حرم الله فتحلونه، ويحرمون ما أحل الله فتحرمونه؟ قال: بلى، فقال عليه الصلاة والسلام: فتلك عبادتهم))
أنت حينما تطيع إنساناً من بني جلدتك، وتعصي خالق الأكوان, فكأنك جعلته معبوداً، كأنك رفعته إلى مقام الألوهية، كأنك عبدته من دون الله، والآية واضحة جداً، قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾
[سورة التوبة الآية: 31]
هذا الذي خطب في حضرة النبي, فقال:
((يا رسول الله! ما شاء الله وشئت، فقال: بئس الخطيب أنت، أجعلتني لله نداً؟ قل: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن))
من مقتضيات التوحيد :
1-ألا تحتكم لغير الله :
فنحن في دروس كثيرة, تحدثت عن مقتضيات التوحيد: أن تعلق أملك بالله؛ فهو الرافع، وهو الخافض، وهو المعز، وهو المذل، وهو المعطي، وهو المانع، أن تتوكل عليه، أن تنيب إليه، أن تخلص إليه.
الآن من مقتضيات التوحيد: ألاّ تحتكم لغير الله، لذلك: أحياناً القوانين المدنية هناك أحكام تتناقض مع الشرع، فالذي يلجأ إلى هذه القوانين, لأنها تعطيه أكثر مما يعطيه الشرع, فقد احتكم لغير الله، هذا شيء مطبق في البلاد البعيدة حيث الجاليات الإسلامية, يختارون بين حكم الشرع عن طريق قاض في مركز إسلامي، وبين حكم القانون عن طريق قاض من تلك البلاد، فمعظم المسلمين الذين هم في ضعف شديد في إيمانهم, يلجؤون إلى القاضي الذي يحكم لهم, بما يتوهمون أنه أكثر مما يحكم لهم الشرع، هؤلاء احتكموا لغير الله.
متى يعبد الزوج زوجته؟ :
أعيد الحديث:
[اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللهِ]
تلا هذه الآية على عدي بن حاتم الطائي، فقال: ((يا رسول الله! لسنا نعبدهم، فقال عليه الصلاة والسلام: أليس يحلون لكم ما حرم الله فتحلونه، ويحرمون ما أحل الله فتحرمونه؟ قال: بلى، فقال عليه الصلاة والسلام: فتلك عبادتهم))
لو أن إنساناً أمرته زوجته بما يغضب الله, وإرضاءً لها فعل ذلك, فهو عبدها من دون الله، العبادة طاعة. هل الذين تعبدونهم من دون الله يملكون عنكم كشف الضر؟ :
أيها الأخوة الكرام, الله عز وجل يقول:
﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلاً﴾
[سورة الإسراء الآية: 56]
هؤلاء الذين تعبدونهم من دون الله, لا يملكون عنكم كشف الضر، ولا تحويله إلى غيركم، فهذا الجسم الدقيق من يملك أوعيته؟ لو أن خثرة دم وقفت في وعاء في الدماغ, لفقد الإنسان حركته، أو فقد سمعه، أو فقد بصره، أو فقد ذاكرته، قلبك بيد من؟ وأوعيتك بيد من؟ وسيولة دمك بيد من؟ وحركة قلبك بيد من؟ الله عز وجل يقول: إليه يرجع الأمر كله.
قف عند هذا الحديث :
وفي صحيح مسلم: عَنْ أَبِي مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ:
((سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ, حَرُمَ مَالُهُ, وَدَمُهُ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ))
لأن أهل الشرك كانوا يعبدون من دون الله آلهة, ما أنزل الله بها من سلطان. أنواع الشرك :
أيها الأخوة الكرام، من لوازم الشرك الخفي, كلكم يعلم: أن الشرك نوعان؛ شرك جلي ، وشرك خفي، الشرك الجلي: أن تتخذ من صنماً يعبد من دون الله، هذا شرك جلي، لكن الشرك الخفي: أن تعتمد على مالك، أو على ذكائك، أو على مكانتك، أو على إنسان قوي, تظن أنه يقدم لك كل عون، حينما تعتمد على غير الله، أو أن تعتمد على تمائم، أو أشياء توضع على المركبات، أو توضع على الصغار كحبات من الخرز, من أجل أن تدفع عن هذا الطفل المرض، أو عين الحسود، هذا كله من الشرك الخفي، لذلك يقول الله عز وجل في سورة الزمر:
﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾
[سورة الزمر الآية: 38]
من الفهم السقيم :
لو وضع إنسان في مقدمة مركبته مصحفًا فلا مانع، أما لو اعتقد أن هذا المصحف وحده من دون أن تستقيم على أمر الله، من دون أن تلتزم الأمر والنهي, يحميك من كل حادث, هذا فهم سقيم لدور هذا المصحف، هذا المصحف منهج.
لذلك: أحد الصحابة رأى شاباً لا يعمل، لكنه يقرأ القرآن في وقت العمل، فقال: إنما أنزل هذا القرآن ليعمل به، فاتخذت قراءته عملاً، إنما أنزل هذا القرآن ليعمل به, أفاتخذت قراءته عملاً؟.
إذاً: تعليق التمائم والخيوط، وكما ترون أيام حدوة فرس، وحذاء صغير، وخرزة، هذه كلها أشياء ما أنزل الله بها من سلطان، الله وحده يحمي ويحفظ.
أنواع المعية :
الدليل: أن الله عز وجل حينما قال:
﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾
[سورة الحديد الآية: 4]
قالوا: هذه معية عامة، أي معكم بعلمه، مع كل الخلق، مع الكفار، مع المؤمنين، مع العصاة، مع الطائعين، لكن حينما يقول الله عز وجل:
﴿وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾
[سورة الأنفال الآية: 19]
﴿مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾
[سورة البقرة الآية: 194]
﴿مَعَ الصَّادِقِين﴾
[سورة التوبة الآية: 119]
قالوا: هذه معية خاصة؛ أي معية الحفظ، والتأييد، والنصر، والتوفيق، إذا كنت مؤمناً, إيمانك سبب لحفظك، إذا كنت مؤمناً حقاً, إيمانك سبب لتوفيقك، إذا كنت مؤمناً حقاً, إيمانك سبب لنصرك، لذلك: هذه التمائم، وهذه الخرزات، وهذه الرموز لا تقدم ولا تؤخر.
أشياء لا تنفع ولا تضر :
أخرج الإمام أحمد بسند حسن عَنِ الْحَسَنِ قَالَ:
((أَخْبَرَنِي عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ, أَنَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبْصَرَ عَلَى عَضُدِ رَجُلٍ حَلْقَةً -أُرَاهُ قَالَ: مِنْ صُفْرٍ- فَقَالَ: وَيْحَكَ مَا هَذِهِ؟ قَالَ: مِنْ الْوَاهِنَةِ، قَالَ: أَمَا إِنَّهَا لَا تَزِيدُكَ إِلَّا وَهْنًا، انْبِذْهَا عَنْكَ، فَإِنَّكَ لَوْ مِتَّ وَهِيَ عَلَيْكَ, مَا أَفْلَحْتَ أَبَدًا))
[أخرجه الطبراني في المعجم الكبير, والإمام أحمد في مسنده]
هذه الخرزات مثلاً، أو بعض القطع المعدنية، أو بعض الأساور، أو أشياء يتوهم أنها تحفظ الإنسان، وهي لا أصل لها في السلوك.
عن عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ يَقُولُ:
((سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَنْ تَعَلَّقَ تَمِيمَةً فَلَا أَتَمَّ اللَّهُ لَهُ، وَمَنْ تَعَلَّقَ وَدَعَةً فَلَا وَدَعَ اللَّهُ لَهُ))
وفي رواية: من تعلق تميمة فقد أشرك. ما هي الواهنة كما وردت في نص هذا الحديث؟ :
طبعاً: الحديث الأول: رأى رجلاً في يده حلقة من صفر, أَبْصَرَ عَلَى عَضُدِ رَجُلٍ حَلْقَةً -أُرَاهُ قَالَ: مِنْ صُفْرٍ-, فَقَالَ: وَيْحَكَ مَا هَذِهِ؟ قَالَ: مِنْ الْوَاهِنَةِ .
الواهنة عرق يؤخذ من المنكب، وفي اليد، وقيل: مرض يؤخذ في العضد, يصيب الرجال دون النساء، يلقى به عادةً، فنهاه النبي عن اتخاذ تلك الحلقة، فإنها لا تنفعه بل تضره، وتزيده بعداً عن الله عز وجل.
ما هي التمائم؟ :
التمائم شيء يعلق على الأولاد يتقون به العين، قال المنذري: هي خرزة كانوا يعلقونها، يرون أنها تدفع عنهم الآفات، وهذا جهل وضلالة، إذ لا مانع لما أعطى الله، ولا نافع غير الله عز وجل.
وقال ابن أبي حاتم صاحب التفسير: عن حذيفة, أنه رأى رجلاً في يده خيط من الحمة فقطعه، وتلا قوله تعالى:
[وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ]
من الشرك الخفي :
أيها الأخوة، لكل عصر تمائمه، أحياناً يرسمون عينًا، وداخل بها سهم، يقول لك: عين الحاسد تبلى بالعمى -مثلاً-, هناك أفكار سخيفة، وساذجة، ورموز لا تقدم ولا تؤخر، بل هي نوع من الشرك، لكن الرقية بالقرآن واردة، لكن بغير القرآن ليست واردة، وبغير اللغة العربية محرمة، أحياناً يلتقون بإنسان يدعي أنه ولي، فيتكلم بكلام لا معنى له إطلاقاً، حروف مقطعة لا تعني شيئاً، يوهم الآخر أنه يرقى له، والرقية لا تكون إلا بالقرآن الكريم وباللغة العربية.
أيضاً: أحياناً يأتي الحاج, يذبحون تحت قدميه الخراف، الذبح لا يكون إلا لله، تعظيماً لله، أما أن تذبح الدابة تحت أقدام إنسان تعظيماً له, فهذا أيضاً من الشرك الخفي.
الأصل في هذا الموضوع قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾
[سورة الأنعام الآية: 162]
النسك هو ذبح الأنعام تعظيماً لإنسان، ينبغي أن تكون تعظيماً للواحد الديان، لا أن تكون تعظيماً لإنسان، أيضاً هذا من الشرك.
2- أن ينهى النبي عليه الصلاة والسلام عن النذر لغير الله تعالى :
أيضاً من مقتضيات التوحيد: أن ينهى النبي عليه الصلاة والسلام عن النذر لغير الله تعالى، فالله عز وجل يقول:
﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾
[سورة البقرة الآية: 270]
ويقول في آية أخرى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً﴾
[سورة الإنسان الآية: 7]
من مقتضيات هذا الحديث :
أيها الأخوة, يروي البخاري, عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا, عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلَا يَعْصِهِ))
[أخرجه البخاري في الصحيح, وابن خزيمة في صحيحه]
يعني النذر إذا كان مضمونه يتناقض مع القرآن الكريم أو مع سنة النبي, فهذا نذر باطل لا قيمة له.
وفي سنن النسائي: عن عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ:
((سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: النَّذْرُ نَذْرَانِ؛ فَمَا كَانَ مِنْ نَذْرٍ فِي طَاعَةِ اللَّهِ, فَذَلِكَ لِلَّهِ وَفِيهِ الْوَفَاءُ، وَمَا كَانَ مِنْ نَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ, فَذَلِكَ لِلشَّيْطَانِ وَلَا وَفَاءَ فِيهِ، وَيُكَفِّرُهُ مَا يُكَفِّرُ الْيَمِينَ))
[أخرجه النسائي في سننه]
3- الاستعاذة بغير الله :
ومن مقتضيات التوحيد، بل من المنهيات التي نهى عنها النبي عليه الصلاة والسلام: الاستعاذة بغير الله، فالاستعاذة هي الالتجاء والاعتصام، أما أن يلتجئ الإنسان، ويعتصم ويستغيث بغير الله, فهذا نوع من الشرك، يقول الله عز وجل:
﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾
[سورة الأعراف الآية: 200]
هذا ما نهى عنه النبي :
قال ابن جريج: كان الرجل في الجاهلية ينزل الأرض, فيقول: أعوذ بكبير هذا الوادي ، فذلك استمتاعهم، فاعتذروا يوم القيامة:
﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾
[سورة الأنعام الآية: 128]
وكما أنه نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن أن تستعيذ بغير الله, نهى عن أن تستغيث بغيره، قال تعالى:
﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلَا نَفْعاً وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾
[سورة المائدة الآية: 76]
علام تحضنا هاتين الآيتين؟ :
آيات كثيرة جداً تؤكد هذا المعنى، قال تعالى:
﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾

[سورة الأعراف الآية: 55]
﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾
[سورة الرعد الآية: 14]
أيها الأخوة, هذا الكلام مفاده: أنك حينما تؤمن بالله ينبغي أن تتجه إليه، وألاّ تتعلق بمخلوق دونه، فأنا لا أعبأ كثيراً بما تعتقد، ولكني أعبأ كثيراً بما ينتج عن هذا الاعتقاد، هل ينتج عن هذا الاعتقاد اعتماد على الله؟ توكل عليه؟ إخلاص له؟ هل ينشأ عن هذا الاعتقاد بعد عن كل رمز؟ ليس له شأن إطلاقاً، ولكن الناس تعارفوا على أنه يحمي من بعض النكبات, ينبغي أن يكون الإيمان موجوداً وصارخاً عند الإنسان.
من هو الصالح؟ :
أيها الأخوة الكرام، الصالحون لهم دور كبير في حياة المؤمنين، لكن الصالح من هو؟ الصالح الإنسان الذي عرف الله، واستقام على أمره، والدليل: أن الله عز وجل يقول:
﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾
[سورة يونس الآية: 62-63]
هل يعلم النبي الغيب, وهل يملك النفع والضر؟ :
الآن: تعالوا بنا إلى سيد الأنبياء والمرسلين، أعلى مخلوق من مخلوقات الله عز وجل، يقول الله له:
﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ﴾
[سورة النمل الآية: 65]
هذه أول صفة, قال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلَا نَفْعاً﴾
[سورة يونس الآية: 49]
﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً﴾
[سورة الأعراف الآية: 188]
﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾
[سورة الأنعام الآية: 15]
إذا كان هذا مقام النبي عليه الصلاة والسلام لا يعلم الغيب، ولا يملك النفع والضر، ولا يملك الموت, ولا الحياة، ولا النشور، وفضلاً عن ذلك: لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً.
من الكذب :
أيها الأخوة, فكيف يجرؤ إنسان أن يدعي أنه يعلم الغيب؟ إذاً: كل ما ينشر في المجلات من حظك هذا الأسبوع، ومن أبراج السماء, هذا هو ضلال بضلال, وكذب بكذب، و الأحاديث ذكرتها لكم كثيراً.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَالْحَسَنِ, عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((مَنْ أَتَى كَاهِنًا أَوْ عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ, فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ))
((من أتى ساحراً فلم يصدقه, لم تقبل له صلاة أربعين صباحاً, ولا دعاء أربعين ليلة))
في أمور العقيدة لا يوجد بها ذل, نحن نتسلى، أمور العقيدة خطيرة جداً، حتى لو أنك أتيت إنساناً منجماً، وأنت لا تصدقه, لم تقبل لك صلاة أربعين صباحاً . من هو المعصوم في عقيدة المسلمين؟ :
أيها الأخوة, الناس يتعلقون بأشخاص، ويتوهمون أن كل شيء يقوله هذا الشخص هو الدين، هذا الشخص غير معصوم، نحن في حياتنا معصوم إنسان واحد, هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن الله عصمه عن أن يخطئ في أقواله وأفعاله وإقراره، ولذلك أمرنا أن نأخذ عنه, قال:
﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾
[سورة الحشر الآية: 7]
ولو أن النبي عليه الصلاة والسلام غير معصوم, لكأن الله أمرنا أن نأخذ عن غير المعصوم، إذاً: كأن الله أمرنا بالمعصية, وهذا مستحيل، النبي عليه الصلاة والسلام معصوم من أن يخطئ في أقواله وأفعاله وإقراره، ومع ذلك:
﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾
[سورة فصلت الآية: 6]
نحن يوجد في حياة المسلمين طبعاً إنسان واحد معصوم هو رسول الله، الآن: أي إنسان آخر, كائناً من كان, نطيعه إذا جاءت توجيهاته وفق توجيهات النبي، فنحن إذاً لا نطيعه، بل نطيع النبي، أما إنسان يأمره النبي بأمر، ويأتي إنسان يدعي أنه ولي، ويأمرك بأمر مناف لأمر النبي, هذا أيضاً من الشرك.
قف هنا :
أنا كنت دائماً: إذا أراد إنسان أن يحاورني, أقول له: إذا كان من الممكن أن تعتقد: أن قول إنسان كائناً من كان, في شيء خالف به قول النبي, أن هذا القول جيد، وينبغي أن نأخذ به, فلست مستعداً أن أجلس معك ولا دقيقة، النبي عليه الصلاة والسلام لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، وهو المعصوم، وما سواه ليس بمعصوم.
ماذا تفهم من هذا الموقف لأبي بكر؟ :
بأعلى درجة من التوحيد، وأعلى درجة من الحب, كان سيدنا الصديق، ومع ذلك: لما مات النبي عليه الصلاة والسلام، وانتقل إلى الرفيق الأعلى, قال: من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات.
ما كان بالإمكان أن يقول رسول الله؟ لماذا اكتفى بالاسم فقط من دون لقب نبوة، ومن دون لقب وإشارة؟ لأنه أراد أن يعزز التوحيد.
من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت.
لذلك: ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد. لم الطرق غير سالكة إلى الله في المجتمعات الإسلامية في هذه الأيام؟ :
في المجتمعات الإسلامية: من الخرافات, والأوهام, والتمائم, والتعاويذ, والرقى بغير ما أمر النبي عليه الصلاة والسلام الشيء الكثير، لذلك الطرق إلى الله ليست سالكة، ما دمت تعلق الأمل على غير الله فهذا شيء، أي إذا الإنسان كان موحداً, يكون مع توحيده في غاية الأدب مع الصالحين، هذا لا يتنافى مع التوحيد.
لو كنت متخذاً من العباد خليلاً, لكان أبو بكر خليلي، ولكن أخ وصاحب في الله.
أنت التوحيد لا يعني أنك في غلظة، لا، التوحيد يعني أنك تعرف الله، وتعرف أنه بيده كل شيء، وأنه:
﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾
[سورة فاطر الآية: 2]
هذا التوحيد.
من هنا قال: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾
[سورة هود الآية: 123]
نهاية المطاف :
كان من تقاليد نهر النيل: أن تلقى فتاة في ريعان الشباب بالنيل كقربان لئلا يفيض، فيهلك القرى التي على ضفتيه، جاء سيدنا عمر، وألغى هذه البدعة التي كانت مطبقة من قديم الزمان، بمعنى أنها سلوك وثني، ولم يحدث شيء، الدين تحرير للعقول، لذلك: الأديان دائماً في بداياتها رائعة جداً, يضاف لها أشياء ليس منها، فنحن في أمسّ الحاجة إلى التجديد، ماذا يعني التجديد؟ أي فقط أن ننزع عن الدين كل ما علق به مما ليس منه، لأن الدين توقيفي من عند الله عز وجل، لا يضاف عليه، ولا يحذف منه، ولا يبدل ولا يغير، ولا يعدل ولا يطور.








والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-02-2018, 06:57 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية من مفهوم القران والسنة

الدرس : ( السابع و الثلاثون )

الموضوع :العين والحسد (1)





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
مدخل الدرس :
أيها الأخوة الكرام, مع الدرس السابع والثلاثين من دروس العقيدة الإسلامية، الموضوع اليوم موضوع العين، لا بد من مقدمة ذلك: أن الإنسان في عصر العلم, جمح به عقله إلى إنكار بعض الحقائق التي وردت في القرآن الكريم إنكاراً لفظياً, وهذا قليل جداً, ولكن الإنكار الواسع هو الإنكار العملي، قضية عين قضية حسد, هذه المعاني التي ورد فيها نص قرآني, وورد فيها أحاديث صحيحة, قلما يعبأ الإنسان بها.
أيها الأخوة, يجب أن نعلم علم اليقين: أن الذي ورد في القرآن الكريم حق بكل ما في هذه الكلمة من معنى، لأن الذي أنزل هذا القرآن؛ هو رب الأكوان, هو خالق الإنسان, هو الخبير, هو العليم, فلمجرد ألا تكترس بقضية, نبه إليها القرآن الكريم, لمجرد أن لا تهتم لقضية حذر منها القرآن الكريم, فهذا ضعف شديد في عقيدة الإنسان.
حقيقة غفل عنها كثير من الناس :
بربكم, لو سألتم ألف إنسان من عامة المسلمين عن قضية العين, لا أحد يعبأ بهذا المعنى، لا أحد يأخذ الحيطة من عين الحاسد.
الآن: في هذا الموضوع المتعلق في العين فقط, لا بد من أن نأتي بالآيات والأحاديث الصحيحة, التي تبين حقيقة غفل عنها الناس كثيراً، مصائب كثيرة تقع أحياناً بسبب العين، لا أقول لكم: إن الذي أصابته العين إنسان مستقيم منيب، لا في خطأ منه، في خطأ أنه أظهر ما عنده, ليعلو في نظر الناس, هذا ذنب كبير، أنت حينما تريد أن تستعلي على الناس, وأن تخطف الأبصار إليك, وإلى بيتك, وإلى مركبتك, وإلى أولادك, وإلى قوامك, وإلى أناقتك, هذا منطلق غير شرعي، المنطلق الشرعي أن تشكر الله، المنطلق الشرعي أن تتواضع لله، المنطلق الشرعي ألا تتوجه إلى إغاظة من حولك، فحينما يتجه الإنسان إلى إظهار ما عنده, إلى الافتخار, إلى الكبر, ويأتي إنسان محروم, وله عين هذه العين, تضع الجمل في القدر, والرجل في القبر.
قضية تثير الانتباه :
أيها الأخوة, نحن في أمور الدين, لا يجرؤ إنسان كائناً من كان أن يدلي بآرائه الشخصية، في أمور الدين توقيفي من عند الخالق، في الدين في نصوص قطعية قرآن وسنة, فالإنسان حينما ينتبه إلى هذا الموضوع الدقيق؛ موضوع العين, آلاف المصائب أو تسعون بالمئة من المصائب, سببها عين حاسد, وسببها الآخر إنسان غافل، عين حاسد والمحسود غافل، غافل عن الله, فافتخر بما عنده, وحاسد محروم, نظر إلى هذه النعمة, فكأن شعاعاً مؤذياً خرج من عينه إلى المحسود.
من ضعف الإيمان :
موضوع العين موضوع دقيق, لمجرد أن يرد في القرآن الكريم, لمجرد أن يرد في السنة النبوية الشريفة, فهو موضوع حق, ولا بد من أن نأخذ منه موقفاً، أما أن تدعي أنك ذو تفكير علمي, وأن هذه الأشياء التي وردت في القرآن والسنة, دون أن تشعر بعقلك الباطن, لا تعبأ بها, خرافات, خزعبلات، حينما تنظر إلى قضية عالجها القرآن الكريم, ونبه إليها, ولم تأخذ منها الحيطة والحذر, فهناك ضعف شديد في إيمانك.
إليكم هذه الآيات الثلاثة التي تؤكد أن العين لها فعل خطير :
1-الآية الأولى: (وقال يا بني ...... وعليه فليتوكل المتوكلون) :
أيها الأخوة الكرام, إلى الآيات, ثم إلى الأحاديث، الله عز وجل يقول:
﴿وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾
[سورة يوسف الآية: 67]
يعني إنسان حرمه الله الأولاد, أنت عندك أولاد, في وسامة, وفي أناقة, وفي جمال, وفي تفوق مدرسي, تأخذهم إلى هذا الإنسان, وتبين لهذا الإنسان هذا الأولي كان، وهذا الثاني, وهذا نال الدرجة الأولى, وهذا أخذ جائزة, ما هذا الكلام؟ هذا تحجيم له, هو يتألم لما أعطاه, ولم يعطن هنا الخطأ, المنطلق حينما تنطلق إلى أن تتباهى بما عندك, اجعل هذه الآية منهجاً لك, قال تعالى:
﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾
[سورة القصص الآية: 81]
الإنسان قد ينعم الله عليه, يزداد بهذه النعمة تواضعاً, يزداد بهذه النعمة محبة لله, يزداد بهذه النعمة خدمةً للآخرين, والإنسان إذا تواضع مع النعمة, كان في أعلى درجات الكمال.
دعوة لقاء :
أيها الأخوة الكرام, أحياناً ألتقي بأناس أغنياء, والله قد يشتهي كل إنسان أن يكون غنياً مثلهم, من تواضعهم, ومن أدبهم مع الفقراء, ومن نفسهم الطيبة, يلبون أية دعوة, يتواضعون, لا يكسرون قلوب الآخرين، فلذلك هذه الآية الأولى:
﴿وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾
[سورة يوسف الآية: 67]
من المؤلم :
تعلمون قبل سنوات عدة, أن ثمانية وثلاثين ضابطاً كبيراً, درسوا في دولة بعيدة أعلى الاختصاصات العسكرية, وعادوا إلى بلدهم في طائرة واحدة, هذه الطائرة أسقطت، هذا توجيه قرآني؛ ثمانية وثلاثون ضابطاً كبيراً باختصاصات عالية, كلفوا أمتهم ملايين الدولارات, يعودون في رحلة واحدة, صيد ثمين, والأرجح أن هذه الطائرة أسقطت من الأرض، والآن في تقنية عالية جداً, أنه يمكن أن توجه الطائرة بخلاف توجيه ربانها من الأرض.
إنسان محاولة إظهار ما عنده, أو الحديث عن دخله الكبير أمام أناس مؤمنين, أصحاب دخل محدود, أو الحديث عن بيته ....
عملية موازنة :
مرة دخلت إلى بيت, جلست في غرفة الضيوف, فقال لي صاحب البيت: هذا البيت مساحته أربعمئة متر مربع، في أرقى أحياء دمشق, وقال لي: هذا البلاط أتيت به من إيطاليا بالشحن الجوي، وقال لي: هذا الأثاث مستورد, وهذه اللوحة كذا مئة ألف ثمنها, وهذه الثريا أتيت بها من إيطاليا، غريب أنا ما سألته ولا سؤال، لا يزال يحدثني عن هذا البيت, وعن مساحة البيت, وعن نوع البلاط, وعن الأثاث, وعن اللوحات الثمينة, إلى أن ضقت به ذرعاً, فقلت له: ما قولك ببيت في حي فقير جداً من أحياء دمشق, واحد ساكن في حي فقير, وسئل: أين تسكن؟ قال: في Black Stone city –منطقة فقيرة تدعى بالحجر الأسود-, فإنسان يسكن في حي فقير, بيت شمالي, المياه المالحة مكشوفة, البيت من دون كسوة, من دون طلاء, قلت له: وازن بين هذا البيت الذي تحدثني عنه, وبين ذلك البيت، قال لي: مسافة كبيرة جداً.
ما موضع الشاهد في هذا الحوار؟ :
أيام تجد في بعض البلاد قصر, مكلف مئة مليون إلى جانبه خيمة بدو، في حالات رأيتها بعيني خيمة إلى جانب قصر، خيمة لا يوجد فيها شيء، قلت له: الفرق بين دكتور في الجامعة وبين أستاذ معلم ابتدائي, يعني لا يكاد راتبه يكفيه أيام عدة, وبقرية, وعليه أن يمشي مسافة طويلة مشياً على قدميه, كم هي المسافة بين أستاذ في الجامعة, دخله كبير, وله مكتب فخم, وعنده ساعتان, ثلاثة, وهو أستاذ ذو كرسي, وبين معلم ابتدائي؟ قال لي: مسافة كبيرة جداً، قلت له: رئيس غرفة التجارة, وبائع متجول في أسواق دمشق, كلما رأى شرطياً ولى هارباً، هذا كهذا, ممرض ينظف المرضى من أوساخهم, وجراح قلب كبير, كل عملية بخمسمئة ألف ، أتيت له بأسئلة، مجند في خط أمامي في الشتاء بحفرة ممتلئة بالماء, عليه أن يقف فيها ليرقب العدو, وقائد الجيش في غرف فخمة جداً, وفي تدفئة, وفي ..، وازنت بين رئيس الأركان وبين مجند, وبين طبيب قلب وبين ممرض, وبين أستاذ جامعي وبين معلم, وبين رئيس غرفة تجارة وبين بائع متجول, وبيت في أرقى أحياء دمشق بثمانين مليون، في بالقاهرة ثمنه ألف مليون ليرة سوري, عشرين مليون دولار، وازنت بين هذه البيوت وبين تلك البيوت, ثم قلت له: تهيأ لهذه الآية:
﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً﴾
[سورة الإسراء الآية: 21]
أكبر درجات وأكبر تفضيلا، مراتب الدنيا لا تعني شيئاً, وقد تعني العكس, قال تعالى:
﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾
[سورة الأنعام الآية: 44]
لكن مراتب الآخرة أبدية لا تزول, وتعني كل شيء. هذه هي البطولة :
البطولة: أن تبحث عن مرتبة في الدنيا تنتهي عند الموت, وقد يكون الموت قريباً, أم تبحث عن مرتبة عند الله, في مقعد صدق عند مليك مقتدر؟ كم هي المسافة بين من يسعى لمقعد صدق عند مليك مقتدر, وبين من يسعى لمرتبة في الدنيا لا تعني شيئاً, وقد تكون سبب شقاء الإنسان وهلاكه؟.
الله عز وجل أعطى الدنيا لمن لا يحب ولمن يحب, أعطاها لقارون وهو لا يحبه, وأعطاها لعبد الرحمن بن عوف وهو يحبه، إذاً ليست مقياساً, أعطى الملك لفرعون, وهو لا يحبه, وأعطاه لسليمان الحكيم وهو يحبه, إذاً ليست مقياساً.
قال عليه الصلاة والسلام: ((ابتغوا الرفعة عند الله))
خطأ شرعي :
قضية أن تظهر ما عندك لإنسان محروم أو لغير محروم, هذا المنطلق في خطأ شرعي, الإنسان إذا أنعم الله عليه بنعمة الصحة, ورأى مبتلى, لا ينبغي أن يقول له: والله أنا الحمد لله, عملت تخطيط وفحوص وكله درجة أولى، هذا كلام فيه سوء أدب مع إنسان مريض، إن رأيت مبتلى, فيجب أن لا تشعره بهذا المصاب, وأن تشكر الله فيما بينك وبينه, على أنه عافاك من هذا البلاء.
ورد في بعض الأحاديث:
((أن الذنب شؤم على غير صاحبه, إن عيره ابتلي به, وإن رضيه شاركه بالإثم, وإن ذكره فقد اغتابه))
هذا الذي لم يفعل ذنباً, فكيف الذي فعل الذنب؟ هذه الآية الأولى.
2-الآية الثانية: (ولما دخلوا ....... قضاها) :
الآية الثانية:
﴿وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا﴾
[سورة يوسف الآية: 68]
الحاجة هي الحكمة, وهي معرفة طبيعة النفوس: ﴿إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا﴾
[سورة يوسف الآية: 68]
يعني خاف عليهم أن تصيبهم العين. من الطرائف :
يعني من الطرائف: أن في بلاد حولنا ذاقت الحروب الأهلية, وقد عافنا الله منها, ذاقت الحروب الأهلية ردحاً من الزمن, وأحرقت الأخضر واليابس, فبالتحليل لهذه الحروب: أنه صراع عربي, أو صراع دولي, أو صراع طائفي, وفي تحليل نسائي قالوا: أن حكمتها عين هذه البلاد, وفي تحليل قرآني:
﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾
[سورة النحل الآية: 112]
3-الآية الثالثة: (وإن يكاد الذين كفروا ........... للعالمين) :
الآية الثالثة, قال تعالى:
﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ﴾
[سورة القلم الآية: 51]
ينظرون إليك, وقد منحك الله صحةً, وكمالاً, وجمالاً, وفصاحةً, وانطلاقاً:
﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ * وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾
[سورة القلم الآية: 51-52]
آيات ثلاث تؤكد العين، أن العين أحياناً تفعل فعلاً خطيراً, لكن بالمناسبة ليس معنى هذا أن العين تفعل وحدها من دون إذن إله عظيم، ليس معنى هذا أن العين يمكن أن تحدث شيئاً من دون إذن الله عز وجل، لا يليق بألوهية الإله أن يقع في ملكه شيء لا يريده، فالأمر بيد الله, لكن أحياناً الله يقدر لهذه العين أن تؤذي, لأن الذي آذته العين, كان غافلاً عن الله عز وجل، وفي حركته كان مخطئاً، غفلة مع خطأ سببت عين تصيبه وتهلكه.
إليكم الأدلة من السنة التي تؤكد على أثر العين في المحسود :
عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا, أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى فِي بَيْتِهَا جَارِيَةً فِي وَجْهِهَا سَفْعَةٌ, فَقَالَ:
((اسْتَرْقُوا لَهَا, فَإِنَّ بِهَا النَّظْرَةَ))
[أخرجه الحاكم في مستدركه]
يعني أصابتها العين، استرقوا لها؛ أي اقرؤوا لها القرآن فإن بها النظرة، هذا حديث في البخاري, يشير إلى أن العين لها أثر في إيقاع الأذى بالذي أصابته العين.
حديث آخر: عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ, عَنْ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((الْعَيْنُ حَقٌّ وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابَقَ الْقَدَرَ, سَبَقَتْهُ الْعَيْنُ))
[أخرجه مسلم في الصحيح، والترمذي في سننه]
يعني هناك من ينظر بعينه وهو محروم إلى ذي نعمة غافل عن الله عز وجل, هذه العين يخرج منها شعاع يؤذي الإنسان .
وفي حديث ثالث: عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:
((دَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَسَمِعَ صَوْتَ صَبِيٍّ يَبْكِي, فَقَالَ: مَا لِصَبِيِّكُمْ هَذَا يَبْكِي, فَهَلَّا اسْتَرْقَيْتُمْ لَهُ مِنْ الْعَيْنِ!؟))
ثلاثة أحاديث تؤكد أثر العين في المحسود .
وفي حديث رابع: عَنْ عَائِشَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَأْمُرُهَا أَنْ تَسْتَرْقِيَ مِنْ الْعَيْنِ ُ.
أن تقرأ القرآن.
وأخرج البخاري وأحمد: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ, أن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((الْعَيْنُ حَقٌّ وَنَهَى عَنْ الْوَشْمِ))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح]
من السذاجة :
الآن: الناس بسذاجة مضحكة, يضع حدوة فرس على مركبته, أو حذاء صغير, أو خرزة، هذه الأشياء لا تقدم ولا تؤخر, وما أنزل الله بها من سلطان, الذي يقدم ويؤخر أن تكون متصلاً بالله, أن تكون مقبلاً عليه, أن تكون منيباً إليه, أن تكون مستقيماً على أمره.
هذا شعر:
وإذا المنية أنشبت أظفارها ألفيت كل تميمة لا تنفع
التميمة حلقة توضع في رجل الطفل, يعني على رغبة ألا يموت وهو صغير. قف عند هذه الأدلة من السنة أيضاً التي تؤكد على أثر العين في المحسود :
وفي حديث سادس: عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ تعالى من العين, فَإِنَّ الْعَيْنَ حَقٌّ))
[أخرجه الحاكم في مستدركه]
ويروى عن أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ قَالَتْ:
((يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ وَلَدَ جَعْفَرٍ, تُسْرِعُ إِلَيْهِمْ الْعَيْنُ, أَفَأَسْتَرْقِي لَهُمْ؟ فَقَالَ: نَعَمْ, فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابَقَ الْقَدَرَ, لَسَبَقَتْهُ الْعَيْنُ))
[أخرجه الترمذي في سننه]
ويروي الإمام أحمد, عَنْ أَبِي ذَرٍّ, قَالَ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ الْعَيْنَ لَتُولِعُ بِالرَّجُلِ بِإِذْنِ اللَّهِ, حَتَّى يَصْعَدَ حَالِقًا, ثُمَّ يَتَرَدَّى مِنْهُ))
[أخرجه البزار في مسنده, والإمام أحمد في مسنده]
أي جبلاً عالياً, ثم يتردى منه، تولع, تعلق، إن العين لتعلق الرجل بإذن الله, حتى يصعد حالقاً, أي جبلاً عالياً, ثم يتردى منه .
الحديث الثامن والتاسع: العين تدخل الرجل القبر, والجمل القدر .
قصة :
حدثني أخ, يعمل في الهندسة, يكسو بيت, ففي مركبة من أيام, خرجت من الوكالة -إن صح التعبير- جميلة جداً, يبدو أن أحد العمال, مس الضوء الخلفي, جرح فقط, فقال له: أقدم لك ثمن ضوء جديد, قال: لا، أريد مبلغاً كبيراً, يوجد عطل, والثمن بخس، وتعنت تعنتاً غير معقول، في اليوم التالي وجد مركبة سحقتها سحقاً, نصفها الخلفي حطم، أحياناً الإنسان يتباهى بشيء يتعنت من أجله, فيؤدبه الله عز وجل.
من الأدلة أيضاً التي تؤكد على أثر العين في المحسود :
الحديث العاشر: عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ الْعَيْنَ لَتُولِعُ بِالرَّجُلِ بِإِذْنِ اللَّهِ, حَتَّى يَصْعَدَ حَالِقًا, ثُمَّ يَتَرَدَّى مِنْهُ))
[أخرجه أحمد في مسنده]
والحديث الحادي عشر:
((أكثر من يموت من أمتي بعد قضاء الله وقدره بالعين))
والحديث الثاني عشر: عَنْ أَنَسٍ قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا رُقْيَةَ إِلَّا مِنْ عَيْنٍ, أَوْ حُمَةٍ, أَوْ دَمٍ لا يَرْقَأُ))
[أخرجه مسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي في سننهما]
الحمى السم، السم والعين والدم الذي لا يرقأ.
والحديث الثالث عشر: حَدَّثَنِي حَيَّةُ بْنُ حَابِسٍ التَّمِيمِيُّ, أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ, أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:
((لَا شَيْءَ فِي الْهَامِ, وَالْعَيْنُ حَقٌّ, وَأَصْدَقُ الطِّيَرَةِ الْفَأْلُ))
[أخرجه البزار في مسنده]
من الموضوعات التي عالجها النبي :
بالمناسبة: في عندنا موضوع الطيرة، إنسان أيام يتشاءم أو يتفاءل, هذا الموضوع عالجه النبي عليه الصلاة والسلام.
فقال: سئل النبي عليه الصلاة والسلام عن الطيرة -يعني التشاؤم- فقال:
((أصدقها الفأل ولا يرد مسلماً))
يعني إنسان شعر بانقباض, والعمل مشروع وفيه خير, لا ينبغي أن يعتد بهذا الانقباض، يعني أسست جمعية خيرية لإطعام الفقراء أو لرعاية الأيتام, يا أخي متضايق, هذا الكلام ليس له معنى, قد تشعر بضيق أحياناً، هذه تصير بالمتزوجين, يوم يوافق على الزواج من واحدة, يدخل بوساوس، ترى في انقباض, هذا أحياناً من الشيطان، البنت جيدة ومناسبة, ولا يوجد فيها عيب, وأخلاقها عالية, ودينة, ومطواعة, يقول لك: متضايق، هذا الضيق ليس له معنى إطلاقاً، فالإنسان عليه ألا يأخذ بهذه المشاعر الغير منضبطة.
لهذا قال عليه الصلاة والسلام: ((وَأَصْدَقُ الطِّيَرَةِ الْفَأْلُ))
كان عليه الصلاة والسلام يحب الفأل. واقعة :
حدثني أخ, مستوى المياه في استانبول, هبط إلى الثلاثين بالمئة في السدود, وفي مشكلة كبيرة جداً, وهناك تحذير من الجفاف, في ليلة واحدة في شهر آب الماضي، نزل من الأمطار ما يساوي معدل سنة بأكملها، الذي نزل في عام بأكمله نزل في ليلة واحدة, فالنبي عليه الصلاة والسلام كان يحب الفأل، في شخص سوداوي إن شاء الله في أمل, يقول: لا ما في أمل أبداً، كلما تعطيه بصيص نور أمل, الله ينصرنا, انتهينا.
هذا إنسان سوداوي المزاج, واليأس والقنوط من الكفر، الله عز وجل عنده خير كبير, وبلحظة تتبدل الأحوال.
قف هنا :
من كان يظن أن هذه الكتلة الشرقية المرعبة التي تملك أسلحة نووية, بإمكانها أن تدمر القارات الخمس خمس مرات؟ كلام دقيق, عندها من الأسلحة النووية, ما يمكن أن تدمر بها القارات الخمس خمس مرات، من يصدق أن هذا العملاق الجبار, يتداعى من داخله من دون حرب؟ وكما أظهر الله لنا جبروته وقدرته في المشرق, قد يظهر الله لنا أيضاً إن شاء الله جبروته في المغرب، فلذلك كان عليه الصلاة والسلام يحب الفأل ما كان يحب التشاؤم، والتشاؤم يأس واليأس كفر، والقنوط يأس والقنوط كفر.
كان عليه الصلاة والسلام يقول:
((أصدقها الفأل ولا يرد مسلماً))
إذا الأمر واضح, هدف واضح, والوسائل واضحة, والحكم الشرعي واضح, وشعرت بانقباض, لا تعبأ بهذا الانقباض, هذا حال يحول. ما المراد بهذا الحديث؟ :
عَنْ عُرْوَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ:
((أَحْمَدُ الْقُرَشِيُّ قَالَ: ذُكِرَتْ الطِّيَرَةُ عِنْدَ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: أَحْسَنُهَا الْفَأْلُ وَلَا تَرُدُّ مُسْلِمًا, فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يَكْرَهُ, فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ لَا يَأْتِي بِالْحَسَنَاتِ إِلَّا أَنْتَ, وَلَا يَدْفَعُ السَّيِّئَاتِ إِلَّا أَنْتَ, وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِكَ))
[أخرجه أبو داود في سننه]
الإنسان قد ينقبض إذا أقدم على عمل جيد العمل؛ أقدم على سفر والسفر مشروع، أقدم على دراسة والدراسة مشروعة، أقدم على زواج والزواج مشروع، انتقل من بيت إلى بيت, في أيام يصيب الإنسان حالة اسمها التكلس العقلي, يعني لا يغير ما هو عليه, مهما كلف الأمر, بلا سبب، يعني الإنسان أيام ينقبض, ولا يشعر أنه ارتكب ذنباً, ليس مؤاخذاً على هذا الانقباض, ولكن ما دام الهدف واضح, والوسائل مشروعة, ينبغي ألا يصرفه انقباضه عن أن يفعل هذا الشيء . محور الدرس :
الحقيقة: القصص التي تتحدث عن مصيبة نزلت بإنسان, بسبب مباهاته, وبسبب عين الحسود, قصص كثيرة جداً لا تعد ولا تحصى، ولكن هناك أناس يعني لا يعبؤون بهذه الموضوعات إطلاقاً, وهي حق, وهناك ثلاثة عشر حديثاً صحيحاً في البخاري, أو مسلم, أو في الصحاح, تؤكد العين, وهناك آيات ثلاثة.
أنا موقفي من هذا الدرس: أنني أتواضع لله عز وجل, ولا أفكر أبداً أن أظهر ما عندي, بغية أن أستعلي, وأن أزهو على الناس, هذا الموقف العملي من هذا الموضوع.
سؤال ورد :
جاءني سؤالان: ما معنى قوله تعالى: وأما بنعمة ربك فحدث؟.
أيها الأخوة, مليون نعمة نحن جميعاً مشتركون بها, حدث الناس بنعم الله المشتركة؛ أن الله عز وجل أعطانا نعمة البصر, أعطانا ذاكرة، أعطانا مياه, في أمطار كثيرة تحدث عن هذه الأمطار, واشكر الله عليها, من قال لك: أن هذه الآية تعني أن تحدثنا عن نعمك أنت؟ في نعم لا تعد ولا تحصى بين كل الخلق.
قف عند هذا الكلام :
صدقوني أيها الأخوة الكرام: الإنسان إذا كان مهتدياً إلى الله, ومعافى في جسمه, وعنده قوت يومه, كأنما ملك الدنيا بحذافيرها، كلامي دقيق جداً.

((إذا أصبح أحدكم آمناً في سربه, معافىً في جسمه, عنده قوت يومه, فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها))
الباقي مظاهر فقط, دخلت على بيت بزماني, والبيت متواضع جداً, لا يوجد بلاط, يسمونها عدسي, والأثاث من أرخص أنواع الأثاث؛ بساط وطراحة, لا يوجد كنبات، أنا هكذا شعرت أن هذا البيت قطعة من الجنة, صاحب البيت مؤمن, وله زوجة يبدو أنه يحبها وتحبه, وفي أولاد أطهار, قد يكون بيت ثمنه مئة مليون قطعة من النار، لما الله عز وجل يسعد إنسان, المظاهر ليس لها قيمة. من هو الملك؟ :
يقولون: أن ملك سأل وزيره: من الملك؟ قال له: أنت, قال له: لا, الملك رجل لا نعرفه ولا يعرفنا, له بيت يؤويه, وزوجة ترضيه, ورزق يكفيه, إنه إن عرفنا جهد في استرضائنا, وإن عرفناه جهدنا في إحراجه.
أنا أقول لكم الآن: إن لم تكن طرفاً في مؤامرة قذرة, هدفها إفقار المسلمين, أو إضلالهم, أو إفسادهم, أو إذلالهم, أو إبادتهم, فأنت ملك الآن, قد تكون حاجب بدائرة, إن كنت أعلى, أفضل, ولكن إذا أنت مستقيم، قد تكون ضارب آلة كاتبة، قد تكون أمين مستودع, ما عندك شيء ثان, لكن ما دام تعرف الله وتطيعه, فأنت الملك.
قال عليه الصلاة والسلام: ابتغوا الرفعة عند الله.
إذا أصبح أحدكم آمناً في سربه, معافىً في جسمه, عنده قوت يومه, فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها.
الآن: ترى عدداً كبيراً في العالم يخضع للقطب الواحد، يخضع ويرتكب الجرائم من أجل أن يرضي هذا القطب الواحد, ويضحي بالمسلمين, وبثروات المسلمين, وبكرامة المسلمين, إرضاءً لهذا القطب الواحد، فإذا الإنسان ما كان طرفاً في مؤامرة قذرة, هدفها إفقار المسلمين, أو إضلالهم, أو إفسادهم, أو إذلالهم, أو إبادتهم, فأنت والله ملك, لكن لا تعرف قدر هذا الملك إلا يوم القيامة.








والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-02-2018, 06:59 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية من مفهوم القران والسنة

الدرس : ( الثامن و الثلاثون )

الموضوع :العين والحسد (2)





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصداق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
مقدمة عن الحسد :
أيها الأخوة الكرام، مع الدرس الثامن والثلاثين من دروس العقيدة الإسلامية، الموضوع اليوم حول الحسد، ولكن لا بد من مقدمة في أصل الحسد.
أولاً: لا يعقل ولا يقبل أن يخلق الله الإنسان على صفات ذميمة، لأن الله عز وجل يقول:
﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾
[سورة الروم الآية: 30]
لا يعقل ولا يقبل من خالق عظيم, كماله مطلق، صنعته متقنة، خيريته مطلقة، أن يخلق إنساناً فيه خلل في نفسه.
إذا قلت مثلاً: والحسد من شيم النفوس، فأنت لا تعرف الله، لا يمكن أن تكون صنعة الله ذات خلل، مستحيل، ولكن الإنسان مخير، ولأنه مخير, فكلُّ خصائصه حيادية، ولأن تخييره يثمن عمله، فلا قيمة لعملك إطلاقاً الذي هو ثمن الجنة, إلا إذا كنت مختاراً، قيمة عملك: أنك تعمله وأنت مختار، لذلك: لأنك في الأصل خلقك الله عز وجل ذا اختيار، تختار الخير أو الشر، الحق أو الباطل، أن تستقيم أو أن تنحرف، أن تُصلح أو أن تفسد، لأنك في الأصل مخير، خصائص نفسك حيادية.
ما أصل الحسد؟ :
ما أصل الحسد؟ أن الله سبحانه وتعالى فطرك فطرة, أساسها: أنك تتمنى ما عند الآخرين، تتمنى لنفسك ما عند الآخرين، هذا التمني حيادي, يمكن أن يطبق في أمور الدنيا فيكون حسداً، أو أن يطبق في أمور الآخرة فيكون غبطة؛ إذا طبقته في شؤون الدنيا كان حسداً، وإذا طبقته في شؤون الآخرة كان غبطة، إذاً: تمني ما عند الآخرين خصيصة حيادية، لك أن تستخدمها سلّماً ترقى بها، ولك أن تستخدمها دركات تهوي بها.
قف هنا :
إذا قلت: الحسد, لمَ لا تقول: مليون إنسان تابوا إلى الله, لأنهم تمنوا أن يكونوا كأتراب لهم صالحين؟ كم من إنسان حفظ كتاب الله, لأنه لما رأى من يحفظ كتاب الله هو مكرم جداً؟ كم من امرأةٍ تحجبت, لأنها رأت امرأة محجبة محترمة جداً في المجتمع؟ إذاً: أن تتمنى ما عند الآخرين, حالة أو خصيصة حيادية توظف في الخير في شؤون الآخرة، وتوظف في الشر في شؤون الدنيا.
كيف أن المال حظ حيادي يوظف في الخير، ويوظف في الشر في وقت واحد؟ يمكن أن توظف المال لبلوغ أعلى درجات الآخرة، ويمكن أن توظف المال للوصول إلى أدنى دركات النار بالمال، حب المرأة يمكن أن يقودك إلى زواج طاهر تسعد به، ويسعد أولادك، ويمكن أن يقودك حب المرأة إلى الزنا، وإلى الفجور، وإلى أخفض دركات النار.
الحظوظ البشرية حيادية والخصائص البشرية حيادية توظف كلاً منهما في الخير والشر :
أخواننا الكرام، كل حظوظ النفس حيادية، وكل خصائص النفس حيادية، الحظوظ, المال, الذكاء، يمكن أن يوظف الذكاء لبلوغ أعلى مراتب الجنة، ويمكن أن يكون الذكاء دركات إلى أسفل دركات النار، هؤلاء الذين تفننوا في خلق أفكار تصرف الناس عن الدين وعن الآخرة، هؤلاء الذين فلسفوا الجريمة، وفلسفوا قتل الشعوب، هؤلاء الذين غطوا نهب الثروات، والسيطرة على العالم بكلام مقبول عند السذج، نحن نحارب الإرهاب، واللهِ شيء جميل، لكم أن تأخذوا كل ثروات العالم بهذه الطريقة، ولكم أن تذلوا كل الشعوب، ولكم أن تلغوا كل الثقافات، ولكم أن تحكموا السيطرة على ثروات الأرض تحت غطاء، هذا من إنتاج فكر.
أيها الأخوة, فالذكاء حظ, والمال حظ, والوسامة حظ، وأن تكون قوياً حظ، فالحظوظ حيادية؛ توظف في الخير أو الشر.
خصائص الجسد :
الخصائص حيادية؛ توظف في الخير أو الشر، خصيصة الإنسان: أنه مثلاً يتمنى ما عند الآخرين، هذه خصيصة. الدليل:
﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾
[سورة الشمس الآية: 7]
كيف سوى الله نفسك؟ كيف سوى جسدك؟ واضحة عندكم تماماً، إنسان له رأس، له عينان، له أذنان، له فم، له لسان، له يد، له أصابع، له سلاميات، يمشي على رجلين، يوجد مفاصل، يوجد جذع، يوجد أحشاء، يوجد جهاز هضم، هذه خصائص الجسم.
خصائص النفس :
ما خصائص النفس؟ قال تعالى:
﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾
[سورة الشمس الآية: 7-8]
من خصائصها: أنها تتمنى ما عند الآخرين، أي إنسان إن رأى مركبة فاخرة تمنى أن تكون له، وإن رأى قصراً منيفاً تمنى أن يكون له، وإن رأى تجارة رابحة تمنى أن تكون له، وإن رأى امرأة جميلة تمنى أن تكون زوجته مثلاً، إذاً: تمني ما عند الآخرين خصيصة، لكنها حيادية، وإن رأيت عالماً جليلاً تتمنى أن تكون مثله، وإن رأيت إنساناً مستقيماً تتمنى أن تكون مثله، وإن رأيت طالب علم مؤدباً تتمنى أن تكون مثله، وإن رأيت حافظ كتاب الله معززاً مكرماً محترماً تتمنى أن تكون مثله، وإن رأيت مؤمناً صادقاً تتمنى أن تكون مثله.
كيف يوظف المؤمن هذه الخصيصة؟ :
يوجد خصيصة ثابتة في الإنسان: أنك تتمنى أن يكون الذي تظنه خيراً لك، لذلك لما خرج قارون بزينته:
﴿قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾
[سورة القصص الآية: 79]
هذه خصيصة في الإنسان، إلا أن المؤمن يوظف هذه الخصيصة لبلوغ درجات الآخرة، سماها النبي غبطة، وسماها مرة حسداً؛ بمعنى الغبطة.
فعَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ, عَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ:
((لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَهُوَ يَتْلُوهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ, وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَهُوَ يُنْفِقُهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ))
تمنّي ما عند الآخرين إحدى خصائص النفس، لكنها درجات ترقى بها أو دركات تهوي بها، قد توظفها لبلوغ أعلى درجات الآخرة، وقد توظفها للوصول إلى أدنى دركات النار. وهم خاطىء :
أيها الأخوة, أن تتوهم أن الله عز وجل خلق إنساناً حسوداً، يا أخي الحسد من شيم النفوس، هكذا الإنسان حسود، بالتعبير العامي: أسود رأس حسود، من قال لك ذلك؟ الإنسان صنعة الله، كل مولود يولد على الفطرة:
﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾
[سورة النمل الآية: 88]
﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾
[سورة البقرة الآية: 138]
فأنت مخلوق كامل، لكن الأصح من ذلك: أنك تحب الكمال، تكون كاملاً إذا اتصلت برب الأرض والسموات، وتكون محباً للكمال، لأنك من صنعة الله عز وجل، لأن فطرة الله تعني أنك تحب الكمال، لكن اتصالك به يعني أنك كامل، تكمل إذا اتصلت به، وتحب الكمال قبل أن تتصل به، لكنه فرق كبير بين أن تحب الكمال وبين أن تكون كاملاً، بين أن تحب العدل وأن تكون عادلاً، بين أن تحب الكرم وأن تكون كريماً، هذه المقدمة لا بد منها.
قضية الحسد :
لا يذهبن أحدكم إلى أن يتوهم أن الحسد من شيم النفس، لا، من شيم النفس الحيادية التي قد توظف في الخير أو قد توظف في الشر: أن كل نفس بشرية تتمنى ما تظنه خيراً، تتمنى أن يكون عندها، تظنه خيراً عند الآخرين، فإذا كنت من أهل الدنيا, تتمنى أن تكون غنياً مثل أهل الدنيا، وإن كنت من أهل الآخرة, تتمنى أن تكون محسناً كأهل الآخرة، إذاً: قضية الحسد هي توظيف خاطئ لخصيصة حيادية أودعها الله في الإنسان. قف هنا :
طبعاً كما قلنا سابقاً: حينما يكون الموضوع قد ورد في القرآن الكريم, معنى هذا أن الموضوع مهم جداً، ومركزي في حياة الناس، وقد يكون تسعون في المئة من مشكلات الناس أساسها الحسد، أنا أؤكد ذاتي بإظهار ما عندي للطرف الآخر, فيتضور حقداً، لأن يكون هذا الذي عندي عنده.
ما هي مستويات الحسد؟ :
أيها الأخوة، الحسد له ثلاثة مستويات, أدنى هذه المستويات: أن تتمنى أن يتحول الذي عند أخيك إليك، هو غني, تتمنى أن ينتقل الغنى إليك، هذا مستوى، هو محبوب, تتمنى أن تنتقل هذه الصفة إليك، المستوى الأسوأ من هذا: أن تتمنى أن تزول النعمة عن أخيك دون أن تصل إليك تشفياً، لك أخ متألق، يعمل في مجال أنت لست أهلاً له إطلاقاً، إلا أن بُعد الإنسان عن الله، وانقطاعه عنه, حمله على أن يحسده، ففي المستوى الأسوأ: تتمنى أن تزول النعمة عنه دون أن تصل إليك تشفياً، هل يوجد مستوى أسوأ من هذا؟ المستوى الأسوأ: أن تسعى جاهداً بكتابة أو وشاية أو تحريض أن تزول النعمة عنه.
أدنى مستويات الحسد: أن تتمنى أن تنتقل النعمة من أخيك إليك، أن تزول عنك، وأن تأتي إليك, هذا أو مستوى سيء جداً، إلا أنه انتفعت من الحسد، تمنيت أن يكون المال الذي عند أخيك عندك.
المستوى الثاني يدل على لؤم شديد، تتمنى أن تزول النعمة عنه دون أن تصل إليك، يكفي أن تزول عنه كي تشمت به.
المستوى الأسوأ: أن تكتب تقريراً، أن تحرض إنساناً، أن تسعى لإيقاع الأذى به، هذه مستويات الحسد، ولا يحسدُ مؤمن إطلاقاً.
هل يتناقض الحسد مع أهل الإيمان؟ :
أيها الأخوة, الحسد يتناقض مع أهل الإيمان، المؤمن لا يحسد، إن رأى نعمة على أخيه يتمنى أن تدوم له، لذلك يمكن أن تكون هذه النقطة فيصلاً بين المؤمن والمنافق؛ المنافق :
﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾
[سورة آل عمران الآية: 120]
يمكن أن تمتحن نفسك من دون مواربة، من دون مجاملة، إذا أصابت أخاك نعمة مالية ، أو علمية، أو تجارية، أو اجتماعية، تزوج امرأة صالحة، أنجب أولاداً صالحين، ارتقى إلى منصب رفيع، نال شهادة عليا، اشترى بيتاً جميلاً، يمكن أن تمتحن إيمانك من هذه النقطة، هل تفرح له؟ هل تسرّ؟ هل تقول: واللهِ فرحت له، وكأن هذا البيت لي؟ علامة إيمانك، وعلامة انتمائك لمجموع المؤمنين: أنك تفرح لنعمة أصابت أخاك، علامة النفاق: أنك تتألم إن أصابت أخاك نعمة.
ما محور هذه الآية؟ :
والآية واضحة جداً: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾
[سورة آل عمران الآية: 120]
فحينما ترتاح نفسك لملمّة ألّمت بأخيك المؤمن, فاعلم علم اليقين: أنك في خندق المنافقين، لمجرد أن ترتاح نفسك لملمة ألمت بمؤمن, فاحكم على نفسك يقيناً: أنك في خندق المنافقين، ما دام الحسد قد ورد في القرآن الكريم في أربع آيات, معنى ذلك: أن الحسد شيء مركزي في حياة الناس.
إليكم هذه الآيات التي وردت في موضوع الحسد :
إلى الآيات؛ الآية الأولى:

وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
[سورة البقرة الآية: 109]
حسداً، إعراب حسداً: مفعول لأجله، أي بسبب الحسد, تمنوا لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً.
الآية الثانية في سورة النساء:
﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آَتَيْنَا آَلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآَتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً﴾
[سورة النساء الآية: 54]
بالمناسبة: أنت حينما تحسد, تعترض على الله عز وجل:
قل لمن بات لي حاسداً أتدري على من أسأت الأدبَ؟
أسأت على الله في فعله إذا لـم ترض لـي ما وهبَ
الآية الثالثة: ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلاً﴾
[سورة الفتح الآية: 15]
الآية الرابعة: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ * وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾
[سورة الفلق الآية: 1-5]
من الذي يتعرض لحسد الحاسدين, ولماذا المؤمن محصن من عين الحاسد؟ :
الآن ندخل في بعض التفاصيل: ذو النعمة الغافل عن الله عز وجل، أو ذو النعمة الذي يظهر ما عنده, ليستعلي بهذه النعمة على الناس، هذا معرّض لأذى الحاسد، ُيحسَد، أما ذو النعمة الشاكر لها، المتواضع، الذي لا يبغي علواً في الأرض ولا فساداً، فهذا محصّن من عين الحاسد.
مرة ثانية: ذو النعمة الذي غفل عن الله، واعتد بهذه النعمة، وأظهرها للناس من أجل أن يؤكد ذاته, هذا معرّض لحسد الحاسدين، ولو كتب: عين الحاسد تبلى بالعمى، لا تكفي هذه ، ولو وضع حدوة حصان، لو رسم عيناً في داخلها سهم، هذا لا يقدم ولا يؤخر، ما دام غافلاً عن الله، معتداً بهذه النعمة، يعلو بها على الآخرين، هو يعرّض نفسه لعين الحاسد، والحسد موجود، والحسد مؤذٍ.
أيها الأخوة, كيف أن العين تضع الجمل في القدر، والرجل في القبر، وكذلك المرأة، مثلاً حينما تفتخر بأولادها أمام امرأة عقيم، ابني الأول يحبونه في المدرسة كثيراً، هو جميل الصورة ومتفوق، كلما التقت بامرأة عقيم تبالغ بما عندها، قالت امرأة لضرتها العقيم: ولد في بطني، وولد على يدي، وولد يمشي, فموتي، الثلاثة ماتوا، أصابتهم عين الحاسد.
ينبغي أن تعلم :
أيها الأخوة الكرام، لا تستغربوا، سلوك الغافل اليومي إظهار ما عنده، يقول لك: كسرت عينه بهذه الوليمة، ثلاثة عشر نوعاً من الطعام وضعت، هذه وليمة؟ وليمة شيطانية، شر الطعام طعام الولائم، القصد الافتخار, إظهار ما في البيت من تحف، يأتي الضيف هو ساكت، البيت مساحته أربعمئة متر، ما شاء الله، الله يجزيك الخير، هنأك الله به، أنت ما هدفك من هذا الكلام؟ هدفك أن تستعلي عليه بهذا البيت، دون أن يشعر الإنسان، أنماط من السلوك كثيرة جداً هدفها الاستعلاء؛ فالذي يتمتع بنعمة، ويظهرها، ويعتد بها، ويعلو بها على الآخرين, هذا يعرّض نفسه لحسد الحاسدين، والذي يتمتع بنعمة يتواضع لله، يشكر الله عليها، يتأدب مع عباد الله، هذا محصّن ضد عين الحاسدين. ما الذي يناقض الحسد؟ :
إلى السنة النبوية المطهرة: روى الإمام أحمد, عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الْأُمَمِ قَبْلَكُمْ؛ الْحَسَدُ وَالْبَغْضَاءُ، وَالْبَغْضَاءُ هِيَ الْحَالِقَةُ، لَا أَقُولُ: تَحْلِقُ الشَّعْرَ، وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ, أَوْ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ, لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَفَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِمَا يُثَبِّتُ ذَلِكَ لَكُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ))
يبدو أن أخطر مرض يدب بين الناس هو الحسد, لذلك التهنئة تتناقض مع الحسد، أخوك اشترى بيتاً, أهنئه، وأقدم له هدية، متعك الله به، وجعله مأوى لك أنت وأهلك، أخوك اقتنى مركبة، جعل الله هذه المركبة في خدمة الحق وأهله، فأنت حينما تهنئ، وتقدم هدية, تعبر عن إيمانك، وعن غبطتك، وعن محبتك لأخيك, هذا يناقض الحسد. الحسد ينقل إلى البغي والعدوان :
وفي حديث آخر, أخرجه الحاكم بإسناد حسن, عن أبي هريرة -رضي الله عنه-, سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((سيصيب أمتي داء الأمم؛ الأشر, والبطر, والتكاثر, والتناجش في الدنيا، والتباغض والتحاسد، حتى يكون البغي))
[أخرجه الحاكم في مستدركه]
البغي؛ أي العدوان، أحياناً الحسد ينقل إلى العدوان، أحياناً يكون الحسد حالا نفسيًّا داخليًّا فقط، متألم من نجاح صديقه، هو لم ينجح، لكن صديقه نجح، ليته لم ينجح، يتمنى ألا ينجح، هذا حال، لكن أحياناً لو فرضنا -ولا أقر ذلك إطلاقاً- أن صديقه نجح بطريقة غير مشروعة، يفشي سرّه كي توقع به أشد العقوبات، أحياناً الحسد ينقل إلى البغي والعدوان.
الحسد حق :
وفي حديث آخر, رواه الإمام أحمد, عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: الْعَيْنُ حَقٌّ، وَيَحْضُرُ بِهَا الشَّيْطَانُ, وَحَسَدُ ابْنِ آدَمَ))
[أخرجه أحمد في مسنده]
الحسد حق. غداً إن شاء الله :
أيها الأخوة الكرام، إن شاء الله في درس قادم نتابع تفاصيل هذا المرض الخطير في النفس البشرية، وهو مرض متفشٍّ بين ضعاف المؤمنين، فسلامة الإنسان من الحسد: دليل عمق إيمانه وقوة إيمانه.
سؤال ورد :
يوجد بعض الأسئلة:
السؤال: يقول أحد الأخوة: إذا تمنى الشخص أن يكون له مثل ما عند الناس, من دون أن يتمنى زوالها عن زيد أو عبيد, فهل هذا حسد؟.
الجواب: لا، أنت –مثلاً- لست متزوجاً, لك صديق تزوج، واستقر، هنّأه الله، تقول: اللهم ارزقني زوجة صالحة مثله، لا يوجد فيها شيء أبداً، لك أخ اشترى بيتاً فرضاً، لك أخ تفوق في العلم, هنأه الله، وارزقنا اللهم ما رزقته، هذا موقف سليم, لا يوجد به مشكلة إطلاقاً، أن تتمنى ما عند أخيك المؤمن من غير دون أن يزول عنه, هذا هو الوجه الإيجابي، كتمني ما عند الآخرين، هذا وجه إيجابي، من خير الدنيا أو الآخرة، لكن له أخ أو صديق غارق في المعاصي إلى قمة رأسه، الله يهنئه، ويرزقك لي مثله، هذه ليست جيدة، أن تتمنى ما عند الآخرين من خير فقط، من خير الدنيا والآخرة.
شبهة :
سؤال: يقول الأخ الكريم:
والظلم من شيم النفوس فإن تجد ذا عفة فلعلة لا يظلم
هذه آية أم حديث؟.
الجواب: هذه اركلها بقدمك، هذا كلام الشاعر المتنبّي، قال:
والظلم من شيم النفوس
أي مثلاً: في بعض القرى يكون هناك مجمع ماء آسن، مياه مجاري أحياناً، هؤلاء الأطفال يسبحون، ويلعبون، ويضحكون، إذا وجدت أطفالاً يسبحون، ويمرحون في ماء آسن، هل هذا هو الأصل؟ هذه حالة مرضية، فإذا عاش إنسان بين أناس ظلاّم، عاش مجتمع المادة والقهر، عاش مجتمع التفلت، عاش مجتمع اللؤم، عاش مجتمع الابتزاز، مجتمع القسوة، يا أخي هكذا الله خلق الناس، لا، هذا ليس من خلق الله.
أنت يمكن أن تشاهد سيارة سائقها يشرب الخمر، فنزل في الوادي، فأصبحت معجونة عجناً، وتقول: أيّ معمل صنع هذه السيارة؟ هذه السيارة التي تشوّه منظرها, لا تحتاج إلى معمل يصنعها هكذا، بل تفسير هذا: أن سائقاً مخموراً هوى بها في الوادي، فكانت كذلك، فإذا كنت تعيش في مجتمع ظالم، أو مجتمع قاسٍ، أو مجتمع منافق، أو مجتمع يغلب عليه قلة الذمة والدين, لا تتوهم أن الإنسان هكذا، أنت تعيش في مجتمع منحرف، يوجد أسباب كثيرة جداً دعت إلى انحرافه, ولكن الله عز وجل قال: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾
[ سورة الروم : الآية 30]
فالظلم من شيم النفوس كلام لا صحة له إطلاقاً، ونحن دائماً وأبداً نقول: هناك نص قرآني قطعي الثبوت، مهمتك مع هذا النص أن تحاول فهمه فقط، وهناك نص نبوي قد يكون ظني الثبوت، وقد يكون قطعي الثبوت، لذلك أنت مع النص النبوي, يضاف إلى محاولة فهمه محاولة التأكد من صحته، مع النص النبوي تأكد من صحته أولاً، ثم افهم معناه ثانياً، مع النص القرآني افهم معناه فقط، لأنه قطعي الثبوت, مع نص آخر من آدم إلى يوم القيامة غير الكتاب والسنة، لك ثلاث مهمات؛ أن تتأكد من صحته أولاً، وأن تحاول فهمه ثانياً، وأن تعرضه على الكتاب والسنة الصحيحة، فإن وافقه فعلى العين والرأس، وإن خالفه فاركله بقدمك، وهذا بيت الشعر اركله بقدمك:
والظلم من شيم النفوس فإن تجد ذا عفة فلعلة لا يظلم
لذلك النبي -عليه الصلاة والسلام- ما روى في حياته إلا شطر بيت، هذا الشطر:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل
-باقي البيت-:
وكل نعيم لا محالة زائل
قال ابن مسعود: لا، نعيم أهل الجنة لا يزول، كلام غير صحيح، نعيم أهل الجنة لا يزول، لذلك قال هذا الشطر:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل
أما:
وكل نعيم لا محالة زائل
كلام لا أصل له، غير صحيح.
يروى أن شاعراً دخل على ملِك، لقاء مقتضب سريع، قال له الشاعر: إن، قال له الملك: وانتهى اللقاء.
ماذا تكلم؟ عندما خرج قيل له: ماذا قال لك الملك؟ أنت في الأساس ماذا قلت له؟ قال: قلت له: إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها.
قالوا: ماذا قال لك؟.
قال: إنه قال:
﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾
فالأصل أن الكلام أنواع ثلاثة: قرآن وسنة صحيحة وكلام الآخرين؛ القرآن نفهمه، والسنة نتأكد من صحتها ونفهمها، وكلام الآخرين نتأكد من صحته أولاً، ونفهمه ثانياً، ونعرضه على الكتاب والسنة ثالثاً، فإن وافقه فعلى العين والرأس، وإن خالفه نركله بأقدامنا.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-02-2018, 07:02 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية من مفهوم القران والسنة

الدرس : ( التاسع و الثلاثون )

الموضوع :العين والحسد (3) معالجة الحسد



الحمد لله رب العالمين، والصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
ما سبب هذه المشكلات والخصومات التي تسود الأسرة الإنسانية؟ :
أيها الأخوة الكرام، مع الدرس التاسع والثلاثين من دروس العقيدة الإسلامية، ولا زلنا في موضوع الحسد، ولكن حينما تجد في القرآن الكريم, الذي هو كلام الله، والذي تعبَّدنا الله بتلاوته، والذي يتلوه المسلمون آناء الليل وأطراف النهار، حينما تجد موضوعاً في القرآن الكريم, فهو من الأهمية بمكان، كتاب يتلى إلى آخر الدوران، وفيه موضوعات، هذه الموضوعات أساسية جداً في حياة الإنسان، لذلك حينما ذكر الله الحسد في أربع آيات في كتاب الله, معنى ذلك: أن الحسد يحتل مساحة كبيرة جداً، العلاقات بين بني البشر، وأن مشكلات لا تنتهي، وأن حروباً لا تنتهي أساسها الحسد، وأن خصومات بين الأسر وبين حالات طلاق, وبين انفصام شركات أساسها الحسد.
ما الذي يفتت عزيمة المجتمع الإسلامي؟ :
أيها الأخوة الكرام، الإنسان حينما يراقب نفسه، وحينما يتعاهد قلبه، وحينما يبلغ درجة الوعي والتأمل لحال قلبه, يكون قد قطع مسافةً جيدة في طريق سلامته وسعادته، أحياناً الإنسان -بالتعبير الحديث- بعقله الباطن يحسد دون أن يشعر، وبسبب حسده ينتقم، وبسبب حسده يقسو، وبسبب حسده يتحرك ليوقع الأذى بأخيه، وحينما يرى الأخ أن أخاه ناله بالأذى تنشأ العداوة والبغضاء، ولا شيء يخدم الشيطان كالعداوة والبغضاء بين المؤمنين، الحسد مع السلوك مع القسوة, يرافقه الغيبة والنميمة, هو الذي يفتت المجتمع.
من صفات الحاسد في القرآن الكريم :
1-الطعن بالآخرين وذلك ببخس أعمالهم والتقليل من شأنهم:
أيها الأخوة الكرام، حينما نبحث عن صفات الحاسد, فهذا البحث مفيد جداً، لأنه مقياس وإنذار مبكر، الله عز وجل يقول:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾
[سورة آل عمران الآية: 118]
إذا تفوقت طُعِنتَ في الظهر، إذا تفوقت هناك من يقول: إخلاصه ليس جيداً، هناك من يقول : لقد حققت مصلحة مادية من عمله، بل إن الناس الذين التقوا بالأنبياء وهم قمم البشر، وهم من الكمال بحيث لا يصدق، قالوا لهم: إن أنتم إلا بشر مثلنا, تريدون أن تتفضلوا علينا, أنتم همّكم الاستعلاء، هذه تهمة اتهم بها الأنبياء، فالحسود لا يفتأ يبخس عمل المتفوق، لا يفتأ يطعن في نيته، لا يفتأ يطعن في إخلاصه, لا يفتأ يقلل من قيمة عمله، هذا شأن الحسود، فالصفة التي ذكرها القرآن الكريم:
﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾
[سورة آل عمران الآية: 118]
صفة أخرى بينها القرآن الكريم من صفات الحاسد، وأنا متأكد أن الإنسان أحياناً يحسد دون أن يشعر، يحسد فيتجه إلى الطعن بالآخرين, إلى بخس عملهم، وإلى التقليل من شأنهم، وإلى إلصاق التهم بهم دون أن يشعر بدافع الحسد.
2-تألمه إن أصاب المؤمن خيراً وفرحه إن جاءته المصيبة :
قال تعالى:
﴿وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾
[سورة آل عمران الآية: 119]
حينما يحسد الإنسان, يأخذ وجهين حفاظاً على مكانته وسمعته، إذا التقى بإنسان تفوق عليه يهنئه، ويقول: نحن نعتز بك، لكن حينما ينطوي على نفسه, يتألم ألماً لا حدود له، وفي غيبته يطعن به، هذه مشكلة المسلمين حينما يضعف إيمانهم، فيفشوا بينهم الحسد والضغينة.
أيها الأخوة, صفة أخرى من صفات الحسود، قال تعالى:
﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾
[سورة آل عمران الآية: 120]
إن جاءكم الخير يتألمون، وإن جاءتكم المصائب تترى يفرحون، إذاً: هم في خندق آخر.
احذر أن تزل قدمك إلى هذا الخندق :
هذه الفكرة شرحتها مرة: هل تجد على وجه الأرض من دون استثناء أُمًّا تفرح بسقوط ابنتها؟ مستحيل، إلا أنك إن رأيت امرأة تفرح بفضيحة ابنتها, فاعلم أنها ليست ابنتها، ولا يمكن أن تجد مؤمناً يفرح بمصيبة نزلت بالمؤمنين، أو يتألم بخير أصاب المؤمنين، فإن فعل هذا, فاعلم أنه ليس مؤمناً، الإنسان حينما يحسد, يضع نفسه في خندق المنافقين، علامة النفاق الحسد، وعلامة الإيمان الغبطة.
صدق أيها الأخ: أن أخاً لك أصابه خير, إن لم تفرح له وكأن الخير أصابك, فأنت لست بمؤمن، إن لم تفرح له بهذا الخير فأنت لست بمؤمن، هذا كلام دقيق جداً أسوقه في هذا الموضوع، إن لم تفرح لخير أصاب أخاك فلست بمؤمن، إن لم تتألم لمصاب أصاب أخاك فلست بمؤمن:
﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾
[سورة آل عمران الآية: 120]
3-تعرفه في لحن القول :
من صفات الحاسدين في القرآن الكريم، قال تعالى:
﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ * وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ﴾
[سورة محمد الآية: 29-30]
تعرفهم في لحن القول، الإنسان حينما يخفي شيئاً, يظهر بفلتات لسانه، أراد رجل أن يمدح إنساناً لمصلحة، لكنه لا يحبه، بل يبغضه، بل يحسده، فقال: أحبُّ الصالحين ولستَ منهم، هي : ولستُ منهم، البيت الذي قاله الشافعي:

أحب الصالحين ولستُ منهـم لـعلّي أن أنال بهم شفاعـة
وأكره من بضاعته المعاصي ولـو كن سواءً في البضاعة
ماذا قال؟ أحب الصالحين ولستَ منهم، هذه فلتة لسان عبرت عن مكنون هذا الإنسان، إذاً: لحكمة أرادها الله عز وجل, الغيظ والحقد والحسد الذي ينطوي عليه الإنسان, يظهر من فلتات لسانه. ما معنى (بسيماهم) في هذه الآية؟ :
قال تعالى:
﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ * وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ﴾
[سورة محمد الآية: 29-30]
بسيماهم؛ أي صفحة الوجه، أيضاً لحكمة بالغة بالغة: جعل الله وجه الإنسان مرآة قلبه، وهناك أناس عندهم خبرة عالية، أنت حينما تغتاظ, يظهر الغيظ على صفحة وجهك، وحينما تتألم, يظهر الألم على صفحة وجهك، وحينما تظهر شيئاً مفرحا, تظهر ابتسامة ساخرة على ملامح وجهك، الوجه مرآة القلب، وما من شيء يضمره الإنسان في قلبه, إلا ويظهر في طريقتين؛ يظهر في صفحة وجهه وعلى لسانه، فلتات اللسان تعبر عن حقيقة القلب، وصفحة الوجه كذلك، لذلك أحياناً: تظهر على وجه, تراه ملائكياً, بريئًا, طاهرًا, لا يحمل حقداً، ولا غلاً، ولا حسداً، ولا شيئاً من هذا القبيل، فالوجه مرآة القلب.
هذه فراسة المؤمن :
مرة سيدنا عثمان -هكذا يروى- دخل على مسجده رجل قد ارتكب الزنا، فقال: أيزني أحدكم ويأتي إلى المسجد؟ فدهش الصحابة، قالوا: أوحي بعد رسول الله؟ قال: لا، ولكنها فراسة صادقة.
ما الثمرة التي يحصل عليها المؤمن حينما يتصل بالله؟ :
ترى الشهواني وجهه أزرق، المؤمن الطاهر وجهه منير مشرق، لكن أنا أتمنى ألاّ يستعملها أحد، قد تكون ضعيف الإحسان، وقد تكون ضعيف الخبرة, فتتهم إنسانًا من دون دليل، هذا شيء لا يمكن أن يتخذ دليل, قضيةِ الفراسة وقضية الإشراق، وأحياناً تجد إنسانًا لونه أبيض، ودائماً يشرب عصيرًا، وينام خمس, ست ساعات كل يوم، ترى وجهه مثل البدر، ما شاء الله على هذا الصلاح، يكون أكبر مجرم، ممكن، وقد تجد إنسانًا ملوّنًا، ولكن الطهر والبراءة في وجهه وكأنه بدر، القضية ليست قضية مادية؛ أن اللون أبيض، وعلى كل خد وردة، وفيه تألق، وعين زئبقية، ليس هذا هو المقياس، المقياس: أن إنسانا حينما يتصل بالله عز وجل, تظهر البراءة على وجهه، والإشراق على وجهه، قال تعالى:
﴿فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾
[سورة محمد الآية: 30]
انظر إلى هذا التطابق بين صفات المنافق وبين صفات الحسود :
أيها الأخوة الكرام، أن المنافق حسود، وأن الحسود منافق، وهناك تطابق بين صفات المنافق وبين صفات الحسود، فحينما تحسد, فهذا الحسد يدل على أنك في خندق المنافقين، لأن المؤمنين بعضهم لبعض نصحة متوادون، ولو ابتعدت منازلهم، والمنافقون بعضهم لبعض غششة متحاسدون، ولو اقتربت منازلهم.
ما هي الأوجه التي بارز بها الحاسد ربه في رأي القرطبي :
1- أنه أبغض كل نعمة ظهرت على غيره :
أحد كبار المفسرين، الإمام القرطبي يقول: الحاسد بارزَ ربَّه من خمسة أوجه -تطاول على الذات الإلهية من خمسة أوجه-, أحدها: أنه أبغض كل نعمة ظهرت على غيره, هناك نماذج بشرية, لا يتحمل أحد أن يكون أحسن منه، وحينما يشعر، وهذا في النساء أكثر، وحينما يشعر أن فلانًا أحسن منه دون أن ينتبه؛ يطعن به، يستصغره، يحتقره، يبحث عن نقائصه، وكأنه قناص، وينسى كل فضائله.
2- أنه ساخط لقسمة ربه :
وثانيها: أنه ساخط لقسمة ربه:
قل لي من بات لي حاسداً أتدري على من أسأت الأدبا؟
أسأت إلى الله في فعلـه إذ لم ترض لـي ما وهـبا
إنك تطعن بحكمة الله عز وجل.
3- أنه ضاد فعل الله :
ثالثها: أنه ضاد فعل الله؛ أي إن فضل الله يؤتيه من يشاء، وهو يتمنى ألاّ يؤتى هذا الإنسان فضل الله حسداً من عند أنفسهم.
4- أنه خذل أولياء الله :
رابعها: أنه خذل أولياء الله، الإنسان قد يتفوق، قد يأخذ الله بيده، الذي يحسده لا يريد لهذا الخير أن ينتشر، هو يقطع السبيل إلى الله، مثلاً: اثنان على مقاعد الدراسة، أحدهما تفوق في الدعوة إلى الله، والثاني بقي في مرتبة دنيا اجتماعية، لم يدرس، ولم يهتم، ولم يعتن بقلبه، ولم يعتن بعلمه، ولا بطلب العلم، ولا بحمل هم المسلمين، فلو أن هذا الرفيق الثاني الذي أهمل قلبه، وأهمل علمه، ولم يتحرك لخدمة المسلمين, سمع أن شاباً يحضر دروس هذا الصديق, الذي كان صديقه مباشرةً, يطعن به، مباشرة ينصحه ألاّ يتابع دروسه، لماذا؟ أنت لك أن تحل محله؟ لا، قال تعالى:
﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾
[سورة البقرة الآية: 27]
ترى كلام الناس أحياناً أربعة أخماسه كلام شياطين، يكون الشاب شاردًا، التقى بصديق دله على جامع، التزم، غض بصره، ضبط لسانه، صلى قيام الليل، قرأ القرآن، حفظ كتاب الله، قُلِب مئة وثمانين درجة، يأتي صديق الشيخ الذي هو عنده, فيقول له: الله يصلحك لم تجد غيره, ماذا تريد منه؟ هذا جاهل، بلا دليل، حسداً من عند أنفسهم.
هذه مهمة إبليس :
أيها الأخوة الكرام، الحاسد خذل أولياء الله، أو أراد خذلانهم، وزوال النعمة عنهم، الحاسد أعان عدو الله إبليس على تحقيق مراده، لأن إبليس يقطع ما أمر الله به أن يوصل، مهمة إبليس الأولى: أن يقطع ما أمر الله به أن يوصل.
قيل: الحاسد لا ينال في المجالس إلا ندامة، ولا ينال عند الملائكة إلا لعنة وبغضاء ، ولا ينال في الخلوة إلا جزعاً وغماً، ولا ينال في الآخرة إلا حزناً واحتراقاً، ولا ينال من الله إلا بعداً ومقتاً.
موضوع خطير :
موضوع الحسد خطير جداً، لأن هذا المرض الأول الذي يفشو بين ضعاف الإيمان، ترى المجتمع ممزقًا مشرذمًا، في البيت الواحد حسد، بين الأخوة حسد، بين الزملاء حسد، بين الأقرباء حسد، بين سكان القرية حسد، بين أصحاب الحرفة حسد، شيء لا ينتهي؛ عداوات، ومشاحنات، وطعن، واتهامات، وعدوان.
إليكم هذه البنود التي أحصى العلماء فيها صفات الحاسدين :
أيها الأخوة الكرام، بعض العلماء أحصى صفات الحاسدين في بنود, فقال: الحسود دائم السخط على أقدار الله، أينما جلس يشتكي، أينما جلس يتبرم، أينما جلس هو متشائم، لأن الحسد أكل قلبه، ولأن الحسد قطعه عن الله عز وجل، سخط من فضل الله عز وجل الذي آتاه لزيد أو عبيد.
من جنود إبليس :
أنا تحدثت في درس سابق, أنه من مستويات الحسد: أن تتمنى زوال النعمة عن أخيك لتصل إليك، المستوى الأسوأ: أن تتمنى زوال النعمة عن أخيك دون أن تصل إليك، المستوى الأسوأ: أن تكتب تقريرًا، أو أن توغر صدر فلان من أجل أن تزول هذه النعمة عن أخيك، شيطان يحرك الناس وهم لا يشعرون، إنما تخدم كيد الشيطان، دائماً الحسود أحد جنود إبليس , إذاً: متبرم ساخط.
هذه جلسة المتشائمين :
مرة التقيت بإنسان, من شدة تبرمه, وسخطه, وتشاؤمه, وسوداويته, وانتقاداته, شيء لا يحتمل، تجلس معه فتكاد لا تتحرك من الوهن الذي أصابك، هذا الإنسان عنده بيت خمسمئة متر، عنده مركبة، وتجارة كبيرة.
مرة التقيت بإنسان, أيضاً من شدة تبرمه, لا يحتمل أن يبقى مع الناس، ولا أن يسكن هذه البلدة، فلما لاح له شبح مرض عضال, اختلف اختلافًا كليًّا.
قف هنا :
أيها الأخوة الكرام، الإنسان يتشكى بلا سبب مبرر، أنا أخشى على هذا الإنسان أن يتشكى بعد حين لسبب مبرر، لا يوجد عنده مشكلة، صحته جيدة، زوجته جيدة, أولاده أصحاء، بيته ملكه، دخله جيد، عنده مركبة، يتشكى، وإلى متى؟ لذلك هذا الإنسان علاجه: أن تأتيه مصيبة حقيقية تستدعي أن يتشكى، إذا شكر إنسان الله عز وجل، لك مأوى, وكم ممن لا مأوى له؟ تتمتع بحواسك الخمس، وكم ممن لا يتمتع بحواسه؟ لك زوجة، وكم إنسان محروم من الزواج , ما تمكن أن يتزوج؟ أو امرأة لها زوج، أيّة امرأة سألت زوجها الطلاق من غير بأس, لم ترح رائحة الجنة.
رسالة تذكرة :
أخواننا الكرام، أتمنى عليكم أن تعدوا نعم الله، لا أن تتحدثوا عما ينقصكم، أن تتحدثوا عما بين أيديكم، مثلاً: نعمة قد لا ينتبه إليها أحد، أن زوجتك شريفة، تسافر خمسة أيام, لا يخطر ببالك لثانية أن إنسانًا دخل البيت، ولما ألتقي مع إنسان, يشكّ في زوجته أراه كالبركان يكاد ينفجر، أنت عندك نعمة كبيرة، أن زوجة شريفة لا يمكن أن تخونك، ولا بنظرة، ولا بكلمة، هذه نعمة كبيرة جداً، نعمة ثانية أنك تتمتع بصحة، اسأل إنسانًا لاح له شبح مرض خبيث، أو مرض عضال، يتمنى أن يكون دخله محدوداً، يتمنى أن يكون ساكنًا في بيت أجرة، يتمنى أن يفقد كل ميزاته.
من العبر :
صديق صديقي درس في فرنسا، وجاء إلى هنا، واعتلى منصباً رفيعاً جداً في إحدى الوزارات، معاون وزير، وتزوج امرأة تروق له، وعنده مركبة، وبيت، ومكانة، وشأن، فَقدَ بصره، خلال شهر يأتيه الموظف بالبريد، يقرأ له المعاملة، ويعطيه التوجيه، مرة زاره صديقه ، قال له: والله يا فلان، أتمنى أن أقبع على الرصيف أتسول، وليس لي من الدنيا إلا هذا المعطف، وأن يرد الله لي بصري، لا يريد دكتوراه، ولا معاون وزير، ولا بيت بالمالكي، ولا سيارة، يريد بصره أن يرده الله إليه.
إذا كنت بنعمة البصر والسمع، وعندك زوجة وأولاد، وتسكن بمنزل، ولك دخل يغطي حاجاتك الأساسية, فاشكر الله عز وجل، وكلما شكرته زادك نعمة، وكلما شكرك حصنك من ضياع النعمة.
تتمة البنود التي أحصى العلماء فيها صفات الحاسدين :
الحسود دائم التشكي، الحسود قليل الشكر لله عز وجل، ولو ملك الدنيا بأسْرها، الحسود يتتبع العثرات، ويلتمس الأخطاء، ويظهرها في المجالس ويضخمها، قناص لا همّ له إلا الحديث عن أخطاء الناس، الحسود يخفي المحاسن.
اللهم إني أعوذ بك من جار سوء، إن رأى خيراً كتمه، وإن رأى شراً أذاعه، اللهم إني أعوذ بك من إمام سوء؛ إن أحسنت لم يقبل، وإن أسأت لم يغفر.
الآن: الحسود يستخدم المزاح والسخرية للتقليل من قيمة المحسود، كيف يشفي غليله؟ بالسخرية والاستهزاء.
هذا الدليل الذي يتمسك به الحسود :
أيها الأخوة الكرام، في معظم الأحيان الحسود يتهم بلا دليل، الدليل حسده فقط، أو بدليل ضعيف، أو بدليل ظني، أو من دون تحقيق، أو من دون تريث، أو من دون سؤال، تهم لم يتحقق، لم يسأل، لم يتريث، لذلك:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾
[سورة الحجرات الآية: 6]
أهم شيء أنه ينتقد، ويوجه التهم من دون دليل. آخر بند من البنود التي أحصاها العلماء في الحسود :
الآن: الحسود لا يدع فرصة لإيقاع الأذى بمن يحسده إلا وانتهزها، الحسود إنسان مضطرب، توازنه مختل، ويوجد غليان، الحقد والحسد مؤلم جداً، الحقد والحسد يجعلان الإنسان كالمرجل، الحسود غالباً ما يكون كاذباً، يستخدم الكذب للنيل من المحسود.
كيف يعالج الحسد؟ :
1-الإكثار من ذكر الله, والإلحاح في الدعاء :
أيها الأخوة الكرام، كيف يعالج الحسد؟ قال بعض العلماء: يعالج بالإكثار من ذكر الله، والإلحاح في الدعاء، يا رب اشفن من كل مرضٍ نفسيّ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام: ثلاثة لا يرد دعاؤهم؛ الذاكر الله كثيراً، ودعوة المظلوم، والإمام المقسط.
إذا ذكر الإنسان الله كثيراً, فلعل الله سبحانه وتعالى يشفيه من الحسد.
2- أن تسأل الله من فضله :
أيها الأخوة, أما العلاج العظيم للحسد:
﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾
[سورة النساء الآية: 32]
في نهاية الآية: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾
[سورة النساء الآية: 32]
أنت عبد لله، وذاك عبد لله، كما أعطاه يعطيك، وكما رفعه يرفعك، وكما أكرمه يكرمك، وكما وفقه يوفقك، إله موجود، لذلك إذا تمنى أحدكم نعمة على أحد فليكثر، فإنما يسأل ربه، إذا تمنى الإنسان على ربه نعمة, فليسأله بإلحاح وليكثر، وإذا سأل أحدكم فليكثر، فإنما يسأل ربه.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: إِيَّاكُمْ وَالشُّحَّ، فَإِنَّهُ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، أَمَرَهُمْ بِالظُّلْمِ فَظَلَمُوا، وَأَمَرَهُمْ بِالْقَطِيعَةِ فَقَطَعُوا، وَأَمَرَهُمْ بِالْفُجُورِ فَفَجَرُوا))
أما المؤمنون فيتصرفون على عكس تصرف الحاسد، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾
[سورة الحشر الآية: 9]
كان بعض الصحابة الكرام يطوف بالبيت، ويقول: ربي قنِ شح نفسي، ربي قنِ شح نفسي، وقيل: إذا وقيت شح نفسك, فقد وقيت البخل والظلم والقطيعة.
أول علاج: أن تسأل الله من فضله، الذي أعطاه يعطيك، والذي كرمه يكرمك، والذي وفقه يوفقك، والذي أغناه يغنيك، والله رب الجميع، هذا علاج أول.
3-الاهتمام بمعالي الأمور والانصراف عن سفاسفها :
العلاج الثاني: أن تهتم بمعالي الأمور، وأن تنصرف عن سفاسفها، الإنسان الفارغ يحسد، عنده وقت، ليس له هدف، ما عنده رسالة يؤديها، لا يحمل هم المسلمين، التفاهة والفراغ، وعدم الاشتغال بمعال الأمور تدعو إلى الحسد، لذلك لا تجد بين عظماء الناس من يحسد، الوقت عنده ثمين جداً، وهدفه واضح، والوسائل واضحة لهدفه.
لذلك قال عليه الصلاة والسلام:
((إن الله يحب معالي الأمور ويكره سفسافها))
من اللهو :
قال تعالى:
﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآَخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾
[سورة العنكبوت الآية: 64]
إذا كان الابن عمره أربع أو خمس سنوات، والده اشترى له سيارات صغيرة، فهذا الطفل أمسك هذه السيارة على أثاث البيت، يرافقها صوت من عنده، في الصعود يقوي الصوت، وهو غارق بسعادة لا توصف بهذه السيارة الصغيرة التي اشتراها له أبوه، ويمشيها على أثاث البيت، لو صورناه في الخمس وأربعين سنة, كان يحتل منصبًا رفيعًا جداً، وعنده دور في الحياة كبير، وأطلعناه على هذه الفيلم، هل يليق به أن يمسك سيارة ويمشي بها؟ هذا هو اللهو واللعب.
إذا كان الإنسان بعيدًا عن الأهداف الكبرى, تراه غارقًا في موازنات، فلان اشترى بيتًا، مساحته خمسمئة متر، هذا إسراف يا أخي، ماله همّ إلا أن يرى الناس ماذا اشتروا؟ وماذا أكلوا؟ وماذا أنفقوا؟ هذا الاهتمام إلى ما عند الناس مشكلة كبيرة جداً، فلذلك الله عز وجل يقول :
﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾
[سورة العنكبوت الآية: 64]
لا تغفل عن هذه اللحظة :
قلت لواحد البارحة: الإنسان تتنامى خبراته، كلما تقدمت به السن, صار ناضجًا, يعرف كيف يتكلم؟ يعرف كيف يتصرف؟ كيف ينفق المال؟ كيف ينجو من متاهات ومن مطبات؟ فإذا بلغ ذروة النجاح والنضج, يأتي ملك الموت: تفضل، بأعلى درجة من النجاح والنضج يأتيه ملك الموت، هذه الحياة هكذا:
لكل شيء إذا ما تم نقصانُ فلا يغرّ بطيب العيش إنسانُ
قصة رمزية :
يروى أن إنساناً أراد أن ينتحر، القصة رمزية، جاءه ملك الموت، قال له: لا تنتحر، أنا أدلك على طريقة تكسب بها المال الوفير، اجعل نفسك طبيباً، فإن رأيتني عند رأس المريض فإياك أن تعالجه، فإنه سيموت، وإن رأيتني عند قدميه فعالجه، ولا تخشَ شيئاً، سوف يشفى، فهذا أعطاه ملك الموت هذه الطريقة, ربح أرباحًا طائلة، إن كان عند رأسه يقول: أعتذر، ليس اختصاصي، وإن كان عند قدميه يعالجه، يعطيه ماء ملونًا، ويتقاضى أجرًا كبيرًا، إلى أن مرضت بنتُ الملك، فقال الملك: من يشفها أزوجه إياها، ويكون ولي العهد، جاءها، فإذا ملك الموت عند قدميها، فعالجها، فشفيت، وأقيم عقد القران، وفي اليوم التالي سيتوج ولياً للعهد، جاءه ملك الموت، قال له: تشرّف، قال له: الآن؟ قال: والله سابقاً كان أهون.
هذه الدنيا إن تفوقت بها بعد النضج، وأن تملك كل شيء، وأن تعرف التصرف, يأتي ملك الموت، لذلك هي أحقر من أن تكون عطاءً لإنسان.
((لو أن الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة, ما سقى الكافر منها شربة ماء))
أنت حينما تهتم بمعالي الأمور؛ تحمل رسالة، تسعى لطلب العلم، تسعى لنشر العلم, ليس عندك وقت تحسد أحدًا، لذلك عظماء الناس والناجحون في الحياة, ليس عندهم وقت لهذه السفاسف كلها.
4-العيش مع الصالحين :
العلاج الثالث: أن تعيش مع الصالحين، تعيش مع الصالح سنوات، لا يحسد أحدًا، متواضع ، يشكر الله على نعمه التي أولاه الله إياها، تتعلم من أخلاق الصالحين؛ الأدب, والتواضع, والبعد عن السفاسف، والالتفات إلى معالي الأمور، قال تعالى:
﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾
[سورة الكهف الآية: 28]
وفي الحديث الصحيح: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, عَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ:
(( إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ، وَلَا تَجَسَّسُوا، وَلَا تَحَسَّسُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَكُونُوا أخْوَانًا، وَلَا يَخْطُبُ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ حَتَّى يَنْكِحَ أَوْ يَتْرُكَ))
5-الإكثار من ذكر الموت :
آخر علاج: الإكثار من ذكر الموت، وأن هذا الموت ينهي كل شيء، وأن هذا الموت ينهي غنى الغني، وفقر الفقير، ينهي قوة القوي، وضعف الضعيف، ينهي ذكاء الذكي، ومحدودية المحدود، يلغي وسامة الوسيم، ودمامة الدميم، كله ينتهي عند الموت.
هناك ملاحظة مهمة جداً: أنت حينما تبالغ بإظاهر ما عندك، وحينما تزهو على الناس بما عندك, كأنك تبذر بذور الحسد في المجتمع، لا تحاول أن تخرج على قومك بزينتك، حاول أن تكون متواضعاً، وأن تكون بين الناس.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-02-2018, 07:05 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية من مفهوم القران والسنة

الدرس : ( التاسع و الثلاثون )

الموضوع : الايمان باليوم الاخر





الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.ما هما الركنان اللذان تلازما في معظم آيات القرآن الكريم؟ :
أيها الأخوة الكرام, مع الدرس الأربعين من دروس العقيدة الإسلامية, وننتقل اليوم إلى موضوع كبير, وهو الإيمان باليوم الآخر.
أيها الأخوة الكرام, الإيمان بالله لا يكفي إلا إذا أضيف إلى الإيمان بالله إيمان باليوم الآخر, لذلك لا تجد ركنين من أركان الإيمان تلازما في معظم آيات القرآن الكريم, كالإيمان بالله واليوم الآخر؛ الإيمان بالله يحملك على طاعته, والإيمان باليوم الآخر يمنعك أن توقع الأذى بمخلوق.
لغز في الحياة :
أيها الأخوة الكرام, في بالحياة لغز كبير, كل ما في الكون رائع, ومحكم, وجميل, وعظيم, ومنظم, وحكيم, ومعجز، إلا أن العدل بالأرض غير محقق, إنسان يموت من الجوع, وإنسان يموت من التخمة، واحد يملك مليارات, ومليار لا يملكون واحداً، شعوب تعيش في بذخ, العقل لا يصدقه.
يعني كنت في بلد, الثلاجة كل مكان فيها, معه مشعرات الإلكترونية؛ البيض, الجبن, الزبدة, اللحم، العصير، الفواكه، الخضراوات، فكلما قلت الكمية, البراد نفسه عن طريق الإنترنت, يتصل بالسوبر ماركت, يبلغه النقص, ويدفع الثمن عن طريق البطاقة, يعطيه رقمها, يطرق الباب, فتأتي الكميات الناقصة، وأنت لا تحرك ساكناً.
قد تجد لوحة زيتية, تباع بخمسة وستين ألف دولار، لوحة زيتية عادية، شعوب الشمال تعيش في بذخ وبحبوحة يفوق حد الخيال, وباقي شعوب الأرض تموت من الجوع، الذي يسافر, يرى البذخ في مكان, والفقر والقهر في مكان آخر.
أيها الأخوة الكرام, في الأرض لغز, كل شيء محكم بخلق الله عز وجل، كل شيء منظم, كل شيء يعبر عن حكمة, عن رحمة, وعن دقة, وعن إعجاز, وعن غنى, وعن قدرة, إلا أن العدل في الأرض محقق جزئياً، الله عز وجل يعاقب بعض المسيئين ردعاً للباقين, ويكافئ بعض المحسنين تشجيعاً للباقين. ماذا لو ألغيت الآخرة؟!! :
أيها الأخوة, كم تجد من مسيء لا يعاقب, ومن محسن لا يكافئ؟ ذلك لأن هذه الحياة الدنيا لا يمكن أن تفهم من دون الآخرة، لو ألغيت الآخرة, لقفز أمامك مليون سؤال؛ لماذا الإنسان يعيش عمراً قصيراً؟ الإنسان حتى يكتب إلى جانب اسمه: د, يحتاج إلى خمس وأربعين سنة, وإذا بالطب قريب الخمسين كم بقي له؟ عشر سنوات، ليس معقول الإعداد للحياة بأطول من الحياة نفسها, هذا إذا ما أصيب بورم خبيث فجأةً, أو خثرةً بالدماغ, أو حادث سير، أو أصيب بمشكلة, فقد فيها حريته، تجد الحياة فيها متاعب, فيها قوى, فيها قهر, فيها فقر, فيها ظلم.
ما حل هذا اللغز؟ :
هذا سؤال كبير جداً: ما حل هذا اللغز؟ لا يحل هذا اللغز إلا في اليوم الآخر، فيه تسوى الحسابات, فيه ينال كل إنسان حقه، فيه ..... قال تعالى:
﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾
[سورة الأنبياء الآية: 47]
فيه تحاسب على ابتسامة ساخرة، فيه تحاسب عن لفتة حائرة، فيه تحاسب عن لقمة اقتطعتها من مال حرام، فيه تحاسب عن نظرة، فيه تحاسب عن عبوس، فيه تحاسب عن ابتسامة، لو أن ظالماً ظلم أحداً أمامك ونظر إليك ما موقفك؟ ابتسمت خوف منه, تحاسب على هذه الابتسامة, شجعته؟ أقررته على هذا الظلم؟ قال تعالى:
﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾
[سورة الحجر الآية: 92-93]
هل يستقيم العبد على أمر الله إن لم يؤمن باليوم الآخر؟ :
أيها الأخوة الكرام, الإيمان بالله لا يكفي, لا بد أن تضيف إليه الإيمان باليوم الآخر، الإيمان بالله يحملك على طاعته, لكن الإيمان باليوم الآخر يمنعك من أن توقع الأذى بالخلق، هؤلاء الطغاة لو أيقنوا أن يوماً سيحاسبون فيه عن كل قطرة دم أهرقوها, وعن كل يتيم يتموه, وعن كل أرملة جعلوها أرملة, وعن كل بيت هدموه, لعدوا للمليار قبل أن يفعلوا شيئاً, لكنهم كافرون باليوم الآخر، لذلك الإيمان قيد، الإيمان قيد الفتك ولا يفتك مؤمناً، ما لم نؤمن باليوم الآخر, لن نستقيم على أمر الله.
ما وراء هذا المثل :
أنا أضرب لكم مثل من واقع الحياة: في مواطن عاقل يقف على إشارة حمراء, والشرطي واقف, وشرطي على دراجة نارية, ونقيب بسيارة, وأنت مواطن عادي, مالك أي ميزة تتخطاها؟ مستحيل وألف ألف مستحيل, لأن واضع نظام السير علمه يطولك من خلال هذا الشرطي, وقدرته تطولك من خلال حجز المركبة, وسحب الإجازة, وإيقاع العقاب الكبير، أنت حينما توقن أنه سوف تحاسب عن كل حركة, وسكنة, وعن كل عطاء ومنع, وعن كل ابتسامة وعبوس, وعن كل صلة وقطع، لا يمكن أن تعصي الله عز وجل.
أيها الأخوة, لا تجد إنسان يغتصب أموال الناس إلا وهو عملياً كافر باليوم الآخر، إنسان يغتصب مال, يغتصب بيت، يغتصب أرض, يغتصب شركة إنسان, يحرم أخوته من الإرث لأنه الأكبر, وخافوا منه, أعطوه وكالة, ضم كل هذه الأملاك إلى ذاته, ومؤمن باليوم الآخر؟ تأتي على القاضي العدل ساعة, يتمنى فيها أن لو لم يقض بين اثنين في تمرة. لم اعتزل هذا القاضي منصب القضاء؟ :
قاضي طرق بابه رجل, أعطى الغلام طبقاً من الرطب في بواكيره، فسأل القاضي هذا الغلام: من الذي أعطاك هذا؟ قال: رجل في الباب, قال له: صفه لي, وصفه له, قال: كيت وكيت, فعرفه أنه أحد المتخاصمين, قال: رده، رد الطبق, بعد أيام طلب من الخليفة أن يعفيه من منصب القضاء، قال له: لماذا؟ قال: والله قدم لي أحد الخصمين طبقاً من الرطب, فرددته في اليوم التالي, تمنيت أن يكون الحق مع الذي قدم هذا الطبق، إذاً أنا لست عادلاً.
قارن :
سيدنا رسول الله يرى تمرة على السرير, يقول لعائشة: لولا أني أخشى أن تكون من تمر الصدقة لأكلتها، لعلها وقعت من طبق الصدقة, لا ينبغي أن آكلها.
الآن يستعد أن يخلصك البيت وهو لك، يستعد أن يسحب منك الوكالة وهي لك، يستعد أن يفقر أخوته الأربعة ويضم المال كله له، أقسم بالله العظيم, لو آمن الناس باليوم الآخر لما أخذوا شيئاً ليس لهم، ترى الذكي عند الناس, الذي يأخذ أكبر كم من الدنيا بغير حق, بقوته, أو بذكائه, أو باحتياله, ويقول له: دونك القضاء، هذا لو أنه آمن بيوم القيامة.
قصة رمزية :
يروى أن إنسان غني كبير بمصر توفي, فخاف أولاده عليه من أول ليلة في القبر, يروى بالأثر: أن أول ليلة هي أصعب ليلة عند الميت, ينادى؛ أن يا عبدي رجعوا وتركوك، تصور بيت ثمان وثمانين مليون، أربعمئة متر مربع، الأثاث، التحف، الثريات، التزيينات, الأجهزة, التكييف, المطبخ, منه إلى القبر، شيء لا يحتمل, أولاده خافوا عليه, فأقنعوا إنساناً فقيراً جداً, أن ينام معه ليلة واحدة, يعطوه عشرة جنيه, فنام إلى جانبه -طبعاً قصة رمزية- فلما جاء الملكان وجدوا اثنين, قالوا: عجيب! هذه أول مرة تصير معنا, هذا الثاني من خوفه حرك رجله, فقالوا: هذا طيب ليس ميت، تعال إلى أن نبدأ به, أجلسوه, من كثرة فقره, يلبس كيس خيش, فاتحه من الأعلى, يخرج منه رأسه, ومن الطرفين يديه ورابطه بحبل، بدؤوا بالحبل: من أين أتيت بها؟ قال: البستان الفلاني، كيف دخلت إلى البستان؟ ما عرف أن يجيب, قتلوه قتل، بقي كيس الخيش، كيف أخذ الحبل؟ كيف دخل؟ استأذن ما استأذن، هذا ثاني يوم خرج من القبر, وقال: الله يعين والدكم.
أنت حينما تؤمن, لا بد من أن تحاسب.
من العبر :
يروى أن إنساناً يطوف حول الكعبة, يقول: ربي اغفر لي ذنبي ولا أظنك تفعل، سمعه أحد وراءه, قال: يا هذا ما أشد يأسك من رحمة الله؟ قال له: ذنبي عظيم، قال: ما ذنبك ؟ قال: كنت جندياً بقمع فتنة, فلما قمعت, أبيحت لنا المدينة, دخلت أحد البيوت, رأيت فيه رجل وامرأة وولدين, فقتلت الرجل, وقلت لامرأته: أعطني كل ما عندك, أعطتني كل ما عندها, فقتلت ولدها الأول, فلما رأتني جاداً في قتل الثاني, أعطتني درعاً مذهبة, تأملتها, أعجبتني, إذاً عليها بيتان من الشعر:
إذا جار الأمير وحاجباه وقاضي الأرض أسرف في القضاء
فويل ثم ويل ثم ويــل لقاضي الأرض من قاضي السماء
نصيحة :
أنا أحياناً ألتقي بإنسان بمركز حساس, وبإمكانه أن ينفع الناس, أو أن يوقع بهم أشد أنواع الأذى, أقول له: الله في عنده سرطان, وأنواعه؛ في بالدماغ, في بالدم, في بالمعدة, في بالبنكرياس, وفي عنده خثره دماغية بمكان, ينشل بمكان, يفقد بصره بمكان, يجن بمكان, يفقد ذاكرته، وفي عنده تشمع كبد, وفي عنده فشكل كلوي, والأمراض تجعل حياة الإنسان جحيماً.
هذه هي غيرة المؤمن على دينه :
كان في خطيب بمصر, توفي رحمه الله, كان يقول بعد الخطبة: اللهم من أراد إطفاء النور في هذا المسجد, فأصبه بسرطان بدمه, وشلل بيديه, وعمى في عينيه, حتى يتمنى الموت فلا يجده.
إذا الإنسان لم يؤمن باليوم الآخر, يصبح بغل متفلت، يريد أن يأكل كل شيء, وأن ينهب كل شيء, وأن يعتدي على كل شيء, وأن يبني مجده على أنقاض الآخرين, أن يبني غناه على إفقارهم, أن يبني عزه على ذلهم, أن يبني أمنه على خوفهم هكذا.
قف عند هذه المحطة :
الإيمان بالله وحده لا يكفي، لا بد من أن تضيف إلى الإيمان بالله الإيمان باليوم الآخر ، وأنا أؤكد لكم: أن الإيمان باليوم الآخر وحده من بين أركان الإيمان يحتاج إلى العقل، العقل لا يقبل أن تنتهي الدنيا، شعوب تموت من الجوع، شعوب تموت من الأمراض، يبعثوا إلى الصومال باخرة أغذية مساعدة, ثلثيها نفايات ذرية, تدفن في المياه الإقليمية للصومال، تجد أن نسب السرطان أربعين ضعفاً، خمسين ضعفاً، نفايات مشعة، هؤلاء الذين أرسلوا هذه الباخرة إلى الصومال, تحت غطاء مساعدات غذائية, وألقوا بهذه النفايات في ساحل الصومال, الحياة تمضي ولا شيء عليهم؟ .
هذه حضارة أوربا :
أيها الأخوة الكرام, أكبر مشكلة بأوربا؛ النفايات الذرية الناتجة عن المحطات الحرارية ، تارةً يقول: باخرة محملة ألفا طن نفايات ذرية, تجول البحار سنة, لا توجد دولة قبلت أن تستقبلها, ثم أغرقت في مكان, هذا المكان لآلاف السنين, يصبح أمراض سرطانية كبيرة جداً.
خبر عاجل :
أنا سمعت مرة بالأخبار: أن إنسانة سألت عالم بالعراق, أنهم ألقوا عليهم قنابل, فيها يورانيوم مخضب، قال لها: لا يوجد مشكلة، قالت له: كيف!! مادة مشعة؟ قال لها: ليست مشكلة كلها, أربعمئة وخمسين ألف سنة وينتهوا، حتى ينتهي مفعول إشعاع هذه المواد، فإنسان يلقي على شعب هذه القنابل, ولا يوجد آخرة، تنتهي الحياة هكذا، هذا خلق الله, قال تعالى:
﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾
[سورة القيامة الآية: 36]
﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾
[سورة المؤمنون الآية: 115]
﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾
[سورة الحجر الآية: 92-93]
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾
[سورة إبراهيم الآية: 42]
من هو الملك في رأي الملك؟ :
سأل ملك وزيره: من الملك؟ قال: لا يوجد غيرك ملك، قال: لا, الملك رجل لا نعرفه ولا يعرفنا, له بيت يؤويه, وزوجة ترضيه, ورزق يكفيه، إنه إن عرفنا جهد في استرضائنا, وإن عرفناه جهدنا في إذلاله.
أتريدون أن أقول لكم الآن: الملك الذي لا علاقة له بمؤامرة على المسلمين لإفقارهم, ولإضلالهم، ولإفسادهم، ولإذلالهم, ثم لإبادتهم، فكل إنسان ما له علاقة بهذه المؤامرة العالمية ملك، الإنسان بنيان الله, وملعون من هدم بنيان الله.
هل تصدق .....!؟ :
هل تصدقون: أن الأدوية الآن تجرب في دول العالم الثالث, كانت قبل عشر سنوات تجرب على الفئران فقط, الآن تجرب على الإنسان؟ هل تصدقون: أن الدخان الذي يصدر إلينا في أربعة أضعاف نيكوتين، بتعبير السوق: زبالة الدخان، فوق أنه يدمرنا, ويضعفنا في أربعة أمثال من النيكوتين عن الذي يباع عندهم, تنتهي الحياة هكذا؟ شعوب تبني مجدها على أنقاض الآخرين, تبني رفاهها على قتلهم, ألا ترون كل يوم ماذا يجري؟ ألا ترون سبعين بيت هدمت في يومين؟ لا يوجد من يحاسب؟ هكذا الإيمان, ينبغي أن يؤمن أنه لا ينجو أحد من قبضة الله.
ما الدليل من الكتاب على أن لا ينجو أحد من قبضة الله؟ :
الدليل: قال تعالى:
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾
[سورة إبراهيم الآية: 42]
دليل آخر: أيظن الكافر أنه سيتفلت من قبضة الله؟ مستحيل، لا يمكن أن تستقيم على أمر الله, وأن لا تؤذي مخلوقاً, إلا إذا آمنت باليوم الآخر.
سيد الخلق, ماسك بيده سواك, يرسل خادم, يغيب عشرة أضعاف المدة, والنبي بشر, غضب لما رجع, قال له: والله لولا خوف القصاص, لأوجعتك بهذا السواك.
دل على موضع الشاهد في هذا المقطع :
الفرنجة عندما فتحوا القدس, ذبحوا سبعين ألف في يومين، هولاكو ذبح سبعمئة ألف, يقول لك: برج الروس، يعني أمر بذبح خمسين ألف إنسان, وأن توضع الجماجم على شكل برج، هذا برج الروس تسمعون به، وينجو, وتنتهي الدنيا هكذا؟ مستحيل, وألف ألف ألف مستحيل.
ما معنى ورود النار في هذه الآية؟ :
الله عز وجل يقول:
﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾
[سورة مريم الآية: 71]
النار؛ أي إنسان سوف يرد النار, لكن ورود النار غير دخولها، ورودها اطلاع مثل السائح, ليرى عدل الله الذي لم يكن محقق بالدنيا, لأننا دار ابتلاء لسنا في دار جزاء، قال تعالى:
﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾
[سورة الروم الآية: 27]
﴿إِنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾
[سورة طه الآية: 15]
حرب إبادة :
يصدروا نفايات، ينهبوا الثروات، يبيدوا الجماعات، بعض البلاد أبادوا أصحاب الأرض الأصليين إبادة كاملة؛ في أمريكا وأستراليا إبادة كاملة، والإبادة الآن حاصلة، الآن حرب إبادة, كل يوم في قتل, ما هو الذنب؟ صاحب الأرض ماذا فعل؟ قال تعالى:
﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾
[سورة التكوير الآية: 8-9]
يجب أن تعتقد :
أيها الأخوة, اعتقدوا أن الإيمان باليوم الآخر دليله عقلي، لا يوجد عقل يقبل أن تنتهي الدنيا هكذا.
أيها الأخوة الكرام, الله عز وجل جعلنا في دار ابتلاء, قال: إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء, ومنزل ترح لا منزل فرح, فمن عرفها, لم يفرح لرخاء ولم يحزن لشقاء, قد جعلها الله دار بلوى, وجعل الآخرة دار عقبى, فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سبباً, وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضاً, فيأخذ ليعطي ويبتلي ليجزي.
ما لم نؤمن باليوم الآخر, لا يمكن أن تستقيم حياتنا.
هذا قيد المؤمن :
لما فتح سيدنا صلاح الدين القدس, كم مئة ألف ذبح؟ ولا واحد، لا يستطيع, مقيد بالشرع, مقيد باليوم الآخر.
قيل للنبي عليه الصلاة والسلام: يا رسول الله! مثل بهؤلاء الذين مثلوا بعمك الحمزة, ماذا أجاب النبي عليه الصلاة والسلام؟ لا أمثل بهم فيمثل الله بي ولو كنت نبياً. هذا الإيمان.
من هو الشقي؟ :

أيها الأخوة, هذا الذي اغتصب أموال أخوته جميعاً, وجعلهم فقراء يتسولون الناس, هو تمتع بهذا المال كله, الحياة ما انتهت, ولو انتهت, في فصل آخر باليوم الآخر, تسوى فيه الحسابات, لذلك أشقى إنسان على الإطلاق: هو الإنسان الذي يغفل اليوم الآخر, هذا الذي يغفل هذا اليوم, قال تعالى:
﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾
[ سورة الزلزلة الآية:7-8]
متى فقه الرجل؟ :
جاء النبي عليه الصلاة والسلام أعرابي, قال: يا رسول الله! عظني موعظة لا أسأل بعدك أحداً عنها، تلا عليه قوله تعالى:
﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾
[ سورة الزلزلة الآية:7-8]
قال: كفيت, قال: فقه الرجل.
أيها الأخوة, متى فقه؟ أي أصبح فقيهاً, ما عرف الحكم، لأنه عرف لأن هناك حساب.
ملاحظة :
لي ملاحظة دقيقة: لو أنك تعالجت عند طبيب, وصف لك وصفة, ودفعت له الأتعاب الأجر, وأخذت الوصفة, وصافحته, وبجلته, وعظمته, وأثنيت على علمه, وقلت له: ما شاء الله, والدواء ما اشتريته, لأنك ما قنعت بهذا الطبيب، أنت الآن تكذبه تكذيباً عملياً لا تكذيباً لفظياً، التكذيب العملي أخطر.
أنت لا تجد في العالم الإسلامي واحد يجرؤ على أن يقول: ليس هناك يوم آخر, لكن تجد ملايين مملينة تكذب اليوم الآخر من عملها، عملها لا ينبئ أن هناك يوم آخر, يقول لها: البيت تكتبيه لي, وإذا لم تكتبيه أطلقك, كتبت البيت له، ثم طلقها.
من هو الغبي؟ :
مرة قال لي أخ قصة، عنده أخت عانس ساكنة عنده في البيت, زوجته تتفنن في إذلالها، مرة جالس هو على كنبة, وأخته على الأرض, فركلها بقدمه, قال لها: هاتي كأس ماء, وأخته كبيرة في السن، وزوجته شابة, لكنها لم يتح لها الزواج, فأصبحت عند زوجة أخيها خادمة, ثاني يوم سافر إلى مدينة في الشمال, ووقع بحادث سير, قطعت رجله الذي ركلها بها من أعلى الفخذ، لا ترى في عدل مطلق, لذلك الإنسان الذي لا يخاف الله إنسان أحمق وغبي، وهو في الدنيا عقاب, لكن في الدنيا يعاقب بعض المسيئين, يعاقب بعض الطغاة, وليس كلهم, لكن الحساب الختامي, قال تعالى:
﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾
[سورة آل عمران الآية: 185]
ما سبب الاستقامة؟ :
أيها الأخوة, فهذا الإيمان باليوم الآخر هو الذي يمنعك أن تؤذي الناس, هو الذي يمنعك أن تأكل أموالهم بالباطل, هو الذي يقيدك, هو الذي يجعلك تكسب المال الحلال, هو الذي يدفعك إلى إنفاق المال, لذلك الذي لا يؤمن باليوم الآخر, هو الذي لا يستقيم على أمر الله, الاستقامة سببها: الإيمان في اليوم الآخر.
خاتمة القول :
الإيمان باليوم الآخر له أدلة لا تعد ولا تحصى نقلية في الكتاب والسنة, بينما النبي عليه الصلاة والسلام وحده في الإسراء والمعراج, رأى الجنة والنار رأي العين، هو وحده مؤمن باليوم الآخر إيماناً شهودياً.
ومعنى قرآن, ومعنى سنة, في آلاف الأدلة النقلية, وفي آلاف الأدلة العقلية, وكل إنسان لا يدخل في حساباته اليوم الآخر, هذا إنسان شقي في الدنيا والآخرة.
أيها الأخوة الكرام, دروس العقيدة بشكل أو بآخر انتهت في هذا الدرس, والحمد لله رب العالمين.








والحمد لله رب العالمين







الختام

منال نور الهدى
07-07-2018, 06:22 PM
ملف كامل عن العقيدة الإسلامية
طرح قيم ومبارك أخي السعيد
بارك الله بك وجزاك خير جزاء

في أمان الله وحفظه