| كَلِمةُ الإِدَارَة |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
| جديد المواضيع |
| رِيَاضُ الإعْجَازُ القُرْآنــي ( الاعجاز العلمي و البياني وتفسير الآيات والعلوم القرآنية) |
الإهداءات |
![]() |
|
|
|
أدوات الموضوع | إبحث في الموضوع |
|
|
#381 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة الزخرف ( 43 ) الدرس الثامن الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيُّها الإخوة الكرام، الآية الثانية والسبعون من سورة الزخرف، وهي قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (72)﴾ [ سورة الزخرف ] هذه الآية الكريمة لو جمعناها مع حديث شريف صحيح نقَعُ في إشكال يقول عليه الصلاة والسلام: لن يدخل أحد منكم الجنة بعَمله، قالوا: ولا أنت...يتغمَّدني " فكيف نُوَفِّق بين هذه الحديث الصحيح الذي يُؤكِّد أنَّ الإنسان لن يدخل الجنة بِعَمَلِهِ إنما يدخل الجنَّة بِرَحمة الله، وبين هذه الآية ومثيلاتها من الآيات التي تؤكِّد أنّ الجنَّة بالعمل، قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (72)﴾ [ سورة الزخرف ] أضَعُ بين أيديكم مثَلَين يُوَضِّحان لكم طريقة التوفيق بين هذه الآية وهذا الحديث. لو أنَّ شابًا في مُقتبل العمر تُوفِّيَ والدُه، وليس بين يديه مال يُنفقه على نفسه لِيُتابِعَ دِراسته، فجاء عمُّه وقال: يا بن أخي، إن عاهَدْتني أن أدْرُس فأنا أُنفقُ عليك إلى آخر مرحلةٍ من مراحل الدِّراسة، ففي السَّنة الأولى نال الدرجة الأولى فتشَجَّع العمّ وأنفق عليه، وتابع هذا الشاب دراسته إلى أن دخل الجامعة، وكليَّة الطبّ، والعمّ دائمًا يُنفق، وابن الأخ يتفوّق، وأنهى دراسته، فأرسله العمّ إلى أمريكا فنال درجة البورد، وفتح عيادةً، ومرَّةً يجلسان معًا، ويتسامران فقال الطبيب: لولا فضْلك عليّ لما كنتُ في هذا المقام، ولولا إنفاقُك لما كنتُ بهذا المقام، فقال العمّ: ولولا اجتهادك لما نِلْت ما أنت عليه، فقد حِزْت هذا بالاجْتِهاد، فكلام العمّ صحيح، وكلام ابن العمّ صحيح ! فإذا قلنا إنَّ الجنَّة هي بِعَمَل الإنسان الله جلّ جلاله جعل مفتاح الجنَّة عمل الإنسان، أما الجنَّة فهي بِفَضل الله عز وجل، تمامًا لو قلتَ: أنا سأهَبكَ بيتًا ثمنهُ خمسون مليون، أنت عليك أن تُدِّم لي ثمن المفتاح، خمسة عشرة ليرة، ولن أُعْطِيَن البيت إلا بهذا المفتاح ! فالمفتاح لا يساوي قيمة البيت، إلا أنَّني أردتُ أن أجعل نظاما فهذا البيت أمْنحُهُ لمَن يُقدِّم لي ثمن المِفتاح. مثلٌ آخر، لو أنَّ أبًا وعد ابنهُ بِدَرَّاجةغاليَة جدًّا لِتَفوُّقِهِ، فلمَّا تلقَّى الابن نتيجة الدِّراسة إذا بِجَلائه امتياز، يتوجَّه مباشرةً إلى بائع الدرجات ويقول له: أعْطِني هذه الدراجة، وهذا هو الجلاء !! هل يعطيه البائع الدراجة ؟! هذه الدراجة لها ثمن يدفعُهُ الأب، ولكنّ الأب ربَطَ الدراجة بِالتَّفوُّق فالدَّراجة محظ فضْل من الأب، أما ثمنها تفوّق الابن، فإذا قلنا في أكثر آيات القرآن إنَّ الجنَّة بالعمل أيْ أنَّ الله جلّ جلاله لِيَكون عادلاً بين خلقه ولِيكون هناك تكافؤ فُرَص، واقتِسام للجنَّة بِحَسب العمل، قال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ(19)﴾ [ سورة الأحقاف ] جعل هذه الجنَّة ثمنها أو سبَبُها العمل الصالح أما هي محْض فضْل من الله عز وجل، عندها يقول عليه الصلاة والسلام: لا يدخل أحدكم الجنة بعمله..." فالعمل لا يكفي ان يكون ثَمن الجنّة ولكنّ الله تعالى جعل هذا العمل الصالح والمستقيم سببًا لدُخول الجنَّة، فالمفتاح ثمنها خمسة عشرة ليرة لا يكفي ثمنًا للبيت، لكن هذا المفتاح سبب لِدُخول البيت وليس ثمنًا، ونحن كلّ أعمالنا الصالحة، وكل استقامتنا، وكلّ ارتباطنا وصدقاتنا، وأداء العبادات، والمعاملات ؛ كلّ هذه الأعمال هي سبب لِدُخول الجنَّة وليْسَت ثمنًا لها لأنَّها لا تُقدَّر بِثَمَن، إنما هي مِنْحة من الله عز وجل، وفضْل منه ولذا قال علماء العقيدة: الجنّة مَحضُ فضْل، والنار محْض عَدلٍ، وعلماء النحو يقولون: هذه الباء هي باء السَّببِيَّة، قال تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ(32)﴾ [ سورة النحل ] بِسَبب عملكم، وليس تعويضًا عن عملكم لأنَّها أكبر بِكَثير، لذلك لو استقام الإنسان وقال: أنا أسْتَحِقّ الجنَّة ! فهذا كلام غلط، لأنَّك باستِقامتك قدَّمْت سبب الجنَّة وليس ثمنها، فثَمَنُ الجنَّة لا يُقدّر، أحد الصحابة الكرام اسمهُ زَيد الخير، وهو من الشخصيات النادرة في الجاهليَّة، وكان طويل القامة إلى درجة أنَّه إذا ركب فرسَهُ لامَستْ رِجلاه الأرض ! وكان صَبوح الوَجه، ومن أجمل خلق الله، وكان شُجاعًا وكريمًا...ولمَّا سَمِع بِدَعوة النبي عليه الصلاة والسلام قَدِم المدينة فدَخَل المدينة وقْت صلاة الجمعة، والنبي عليه الصلاة والسلام يخطب، فقال عليه الصلاة والسلام مُنوِّهًا للحاضرين: أنا خير لكم من الجمل الأسود، وخير لكم من الذَّهب والفضَّة، وخير لكم مما تعبدون، تقدَّم منه بعد انتهاء الصلاة وعرَّفهُ بِنَفسهِ، وقال: أن زيد الخيل فقال عليه الصلاة والسلام: بل أنت زيد الخير ! وأخذهُ إلى بيته، وفي البيت قال له: يا زيد، ما وُصِف لي رجل فرأيتُهُ إلا رأيْتُه دون ما وُصِف إلا أنت يا زيد !! ولله درُّك أيُّ رجلٍ أنت ؟! فقال: أعْطِني ثلاث مائة فارس لأغْزُوَ بهم الروم ! فأعطاهُ النبي وِسادةً لِيَتَّكِأ عليها، فقال له: والله يا رسول الله لا أتكئ في حضْرتك، ثمَّ ودَّع النبي وسار إلى أهله، وفي الطريق وافتْهُ المنيَّة، وهو أقْصر عمر صحابي وافتْهُ المنيَّة !!! فالجنَّة ليسَت بعَمَلنا، ولكنَّها بِفَضْل الله تعالى، أما عملنا فهو سبب للجنَّة، وليس ثمنًا لها، لذا ورد عن الإمام جعفر رضي الله عنه أنَّه روى قدسيًا يقول الله عز وجل: اُدخلوا الجنَّة بِفَضلي، واقْتَسِموها بِأعمالكم، قال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ(19)﴾ [ سورة الأحقاف ] هناك درجات عالية، كما أنَّ هناك درجات منخفضة، والنبي عليه الصلاة والسلام قال: عُلُوّ الهمَّة من الإيمان..." الآية الكريمة: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (72)﴾ [ سورة الزخرف ] فالعمل سبب وليس ثمن، ولذا ورد في سورة يونس: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتْ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ(108)﴾ [ سورة هود ] قال علماء التفسير: ليس هناك خر زج من الجنَّة، ولكن ينبغي أن لا يتوهَّم أهل الجنَّة وهم في الجنَّة أنَّهم دخلوها بِعَمَلهم، فأنت قد تشتري بيتًا بِثلاثة ملايين دون أن يُنقص لك صاحبهُ شيئًا، فأنت لا تشعر بالفضل من صاحب البيت إطلاقًا، أما في الجنَّة فالإنسان إن قال: هي بِعَملي ! لا، هي بِفضْل الله ورحمته، فالعمل سببًا لدخولنا الجنَّة وليس ثمنًا، فهذه الآية وهذا الحديث ينبغي أن نفهمهما فهمًا جيِّدًا، قال عليه الصلاة والسلام: لن يدخل الجنَّة.....يتغمَّدني الله برحمته ". والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#382 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة الزخرف ( 43 ) الدرس التاسع الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيُّها الإخوة الكرام، الآية التاسعة والسبعون من سورة الزخرف، وهي قوله تعالى: ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (79)﴾ [سورة الزخرف] أبْرَمَ الأمر أي عقَدَهُ وأقَرَّهُ وأنْفَذَهُ، والآية دقيقة جدًّا، فالإنسان أحيانًا يتَّخذُ قرارًا فيغْتَصِبُ مالاً ويتّخذُ قرارًا فيَنْتَهِكُ عِرْضًا، يتَّخِذُ قرارًا فَيُطَلِّقُ زوْجةً، يتَّخِذُ قرارًا فيَغُشُّ في بيْعِهِ وشِرائِهِ، هذا الإنسان حينما يتَّخِذُ هذا القرار ليْتَ أنَّهُ يعْلمُ أنَّهُ في قبْضَةِ الله، وأنَّ الله تعالى قد يُعاقِبُهُ عِقابا سريعًا، فيَجْعَلُهُ يدْفعُ الثَّمَن باهِظًا. حدَّثني رجلٌ أنَّهُ عَمِلَ مكان أبيه في تِجارة الصوف، توهَّم أنَّ الذَّكاء أنْ تأخذ ما ليس لك، فذَهَبَ لِيَشْتَرِيَ الصوف مِن البادِيَة وقال لي بالحرف الواحِد: بدأتُ أوهِمُ صاحب الصوف أنَّ الوزْن دقيق جدًّا، فيقول له مثلاً: ثلاثة وعشرون وسبع مائة غرام، فصاحِبُ الصوف ما سَمِعَ بِحياتِهِ وزنٌ بالغرامات، فَطَرِبَ أشَدّ الطَّرَب وأثنى على هذا التاجِر الصادِق الدقيق والورِع، ولكنَّهُ كان يُنَقِّص عشرة كيلو غرامات ويُضيف له ثلاث مائة غرام، فلمَّا جمَعَ هذه البِضاعة في الشاحِنَة ؛ نظَرَ هذا البدَوي إلى هذه الكَمِيَّة، ووازَنَ بين الوَزن الذي أعطاهُ إيَّاه، فشعَرَ بالحاسَّة السادسة أنَّ هذا الوَزن الذي أعطاه إيَّاه لا يتناسَب مع هذا الحجْم فقال له: إن شاء الله بِرَقَبتِك !! يقول لي صاحب العمل: بعد أن خَرَجتُ من عند هذا البدَوي، واتَّجَهْتُ نحو الشام، ومعي سيارة شاحِنَة فيها صوف وسَمن بلدي، دَخَلتُ في صِراع ؛ هل أعود إليه فأدْفَعُ له الفرْق، أم أُتابِعُ السَّير إلى دمشق، قال لي: دَخَلتُ في صِراعٍ مديد مِن مكان بيع الصوف إلى قرب مدينة كذا وكذا، وبهذا المكان بالذَّات قلتُ: لن أعود ! فهذا أقْسَمَ بالله العظيم ما إن أتمَّ قرارهُ هذا النفسي فإذا به يصْطَدِم بِشاحنة أخرى، ووجدَ نفسهُ في وسَط من الدِّماء، وتدفَّق السَّمن وعَلِمتُ أنَّ الله تعالى قد أبْرَمَ قرارًا بعد أن أبْرَمتُ قرارًا ! قال تعالى: ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (79)﴾ [سورة الزخرف] هذه الآية دقيقة جدًّا، فقبْلَ أن تتَّخِذ قرارًا بأخْذ ما ليس لك، وقبل أن تتّخِذ قرارًا باغْتِصاب بيْتٍ أم دُكَّانٍ أو أرْضٍ وقبل أن تتَّخِذ قرارًا بأن تتلاعب في التَّرِكَة، فإذا كنتَ أخًا أكبر، وأخذتَ حقّ إخوتِكَ الصِّغار، ويخافون منك، ونِلْتَ الحِصَّة الأوْفى، وسكتوا خوفًا منك، يجب أن تعلم أنَّك إن اتَّخَذْتَ قرارًا باغْتِصاب بيتٍ فالله تعالى يتَّخِذُ قرارًا، وأنت في قبْضَتِهِ. حدَّثني رجل يعْمَل في تصليح السيارات، وجاءهُ شَخص معه سيارة حديثة جدًّا، وهو يجهل طبيعة الخلل الذي أصابها، فقال له المصلِّح هذه تحتاج إلى عشرة آلاف ! وهي تحتاج إلى عشرة آلاف ليرة، وتصليحها يدوم ثلاثة أيَّام ! فهذا المصَلِّح أخذَ أهله أوَّل اليوم إلى الزَّبداني، وثاني يوم إلى المطار، وثالث يوم إلى الوادي، وصلَّحها بِرُبْع ساعة، وبعدها جاء صاحبُ السيارة فأعطاهُ سيَّارتهُ، وأخذ عشرة آلاف ليرة، جارُه أحدُ إخواننا بالمسْجد قال له: هذا لا يجوز، فقال له الغاشّ: هكذا الأصول ! في التالي دفَّعَهُ الله خمسة وعشرون ألف ليرة لِمُصيبةٍ أصابت ابنَهُ كلَّفته هذا المبلغ ! قال تعالى: ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (79)﴾ [سورة الزخرف] لذا قبل أن تُبْرِمَ أمرا تذكَّر أنَّ الله يُبْرِم، وقبل أن تعتَدي تذكّر أنَّ الله تعالى أقْدرُ عليك مِمّن اعْتَدَيتَ عليه، حديث: اعلم أبا ذرّ أنَّ الله أقْدر عليك مِنك عليه..." وقفَ رجلٌ مُتَّهَمٌ أمام الحجَّاج وأراد أن يقتُلَهُ، فقال: أسألكَ بالذي أنت بين يدَيه أذَلُّ مِنّي بين يدَيك، وهو على عِقابِكَ أقدرُ منك على عِقابي ! فالإنسان إذا تكبَّر أو تجبَّر أو تبخْتر أو إذا تَعَجْرف وتغَطْرس، وقال: أنا أفعلُ ما أشاء، وأنا سأتّخذُ هذا القرار لِيَذْكُر أنَّ الله سبحانه وتعالى له بالمِرصاد، وأنَّ الله قد يُحاسِبُه ُحِسابًا عسيرًا، وإنَّ بطش ربِّك لشديد، الله جلَّ جلاله إذا أخذ العبد الظالم أخَذَهُ أخْذَ عزيز مُقْتَدِر، وجَعَلَهُ عِبرةً لِمَن يعْتَبِر. وقِصصٌ كثيرة لا تُحصى أمام هذه الآية، فكُلَّما كنتَ عاقلاً، وكنتَ مُوَفَّقا، ومؤمنًا خاف الله، وقد قال عليه الصلاة والسلام: رأس الحكمة مخافة الله..." أنت إذا خِفْتَ من الله عز وجل كنتَ أعْقَل الناس، وأذْكر أنَّني قلتُ مرَّةً لِرجُلٍ وبإمكانِهِ أن يؤْذي الناس جميعًا ولا يُحاسَب فقلتُ له: اعْلَم أنَّ الله تعالى عندهُ تَشَمُّع كَبِد، و خثْرة بالدِّماغ، وسرطَان، وعنده أمراضٌ لا تُعَدُّ ولا تُحْصى، وكلُّ مرضٍ إذا ساقَه الله للإنسان يجْعَلُ حياتَهُ جحيمًا، فهُنَاك مَن يدُهُ طولى في الأذى، فجأةً كفَّ عن الأذى، فلمَّا سُئِلَ ؛ قال: أربعة أولادٍ بُلْهٍ جاءوني ! وهناك مَن يُحِبُّ أن يُثْبِتَ وُجوده بالإيقاع أمام الآخرين، هؤلاء الناس الذين يعيشون على أنقاض الآخرين، ويبْنون سَعادتهم على شَقاء الآخرين، ويبْنون اموالهم على إفْقار الآخرين، وهؤلاء الذين يحْتالون في البيع والشِّراء، هناك أساليب للغِشّ لا تُعَدُّ ولا تُحْصى، وأساليب للاحْتِيال لا تُعَدُّ ولا تُعْصى، فهؤلاء الذين تَغُشُّهم وتُؤذيهم تُخيفُهم، لهم ربّ وأنت بِيَدِهِ، وصِحَّتُكَ بيَدِه، وقلبُكَ بيَدِهِ، ودسَّاماتُ قلبِكَ بيَدِهِ، وشرايينُكَ بيَدِهِ، وكلّ أجْهِزَتِك، فقد تنْمو الخلايا نموًّا غير طبيعيّ، وأحيانًا يتلقَّى الإنسان خبرًا عن صِحَّتِهِ، يموت مِن شِدَّة الخوف، قال له الطبيب: معك مرض خبيث، ومعك أربعة أشْهر كَعُمْرٍ أقصى ! في اليوم الثاني مات ذلك المريض !! فالإنسان جِسْمُهُ بِقَبْضة الله. فقُلتُ له: كلُّ هؤلاء الناس عِباد الله، والله عنده أورام، وفشَل كَلَوي ذكَر لي شَخص توفِّي رحمه الله: أنَّ الطبيبة بِمَركز غسيل الكلاوي ضربتْهُ وقالت له لا تشْرب الماء كثيرًا !! وهناك تشمُّع كبد، وورم خبيث، وخثرة بالدِّماغ، وفقْد ذاكرة، قال تعالى: ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (79)﴾ [سورة الزخرف] هذه الآية أيها الإخوة يجب أن تبْقى في ذِهْن كلّ إنسان فالطبيب أحيانًا يقول لك: أنا أستطيع تَحصيل دَخل كبير جدًّا وبطَريقة يسيرة ؛ فقط عشرة تحاليل للمريض، يتَّفِق مع المُحَلِّل، والباقي يُرمى ! فهذا أبْرَمَ أمرًا، شَهِدَ الله تعالى أنّهُ زارني طبيب معه اثنان بورْد وخرَّج خمسين جيلاً من الأطِبَّاء، عمره سبعون سنة، وأنا أحْسبُهُ صالحًا ولا أُزكِّي على الله أحدًا، قال لي: جاءَتني طبيبة معها سرطان بالصَّدر ومنتَشِر إلى الكَتِف، فتألَّم أشَدّ الألم لِحالها، وعنَّف زوْجها في غرفة أخرى، وقال لِزَوجها أنت مُجرِم بحَقِّها، فقال الزَّوج: ولماذا ؟ فقال الطبيب: لأنَّ هذا المرض لمَّا كان كَحَبَّة الحِمِّص ما عالَجتَهُ، فلماذا أنت مُهْمِل لِزَوجتك ؟ فقال الزَّوج: أنا لسْتُ مهمِلاً، وإنّما كنتُ أُعالج عند الطبيب الفلاني سنَتَين !! قال لي هذا الطبيب: والله طالب طِبّ صفّ ثاني يعلم أنَّه مرض خبيث ! ولو أرْسلَهُ إلى طبيب مخْتصّ لعالَجَهُ، ولكن تركَهُ لِيَبْتزَّ مالهُ، وبعد سِتّة أيَّام ماتَتْ المرأة، وبعد أحَدَ عشرة شهْرًا يدْخُل عليَّ إنسان أنيق المظْهر، وجلسَ على الكرسي الذي جلسَ عليه زوْج المريضة المُتَوَفّاة، وجلسَ مُتهالِكًا، فقلتُ له: أهْلاً وسَهلاً ما الموضوع ؟ فقال لي: سرطان بالصَّدر، فقال له وما اسْمُك ؟ فقال له: الطبيب الفلاني، وكان هو الطبيب نفسُه الذي عالَجَ المرأة المُتَوَفَّاة !! يُقْسِم بالله العظيم بِحَسبِ خِبْرتِهِ أنَّ هذا المرض بدأ ينْمو ساعة مُخاطبة زوج المُتَوَفَّاة ربَّه !! قال تعالى: ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (79)﴾ [سورة الزخرف] وهذا إنسان في طريق عريض أراد أن يخْتبِرَ قُدراتهِ في سياقة السيارة فقصَّ يدي كلبٍ كان جلسًا على الطريق بِمهارة فائِقَة، وأطْلَقَ ضِحْكةً هِسْتيرِيَّة، وكان يوْمها السَّبت، وفي السَّبت التالي ؛ تعطَّلَت سيارة ذلك الأبله، فرفَع سيارته على الجهاز، ونزَعَ الدولاب مِن مكانِهِ، فوَقَعَت السيارة فوق الدُّولاب، والدُّولاب فوق يَدَيه، وإلى أن ذَهَب إلى المستشفى اسْوَدَّت يداه، فقُطِعَتَا من رُسُغَيْه في السَّبت التالي، قال تعالى: ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (79)﴾ [سورة الزخرف] وهذا رجل طرقَ الباب على عائِلَة وهم يأكلون، فهمَّت الزَّوجة أن تُعْطيه بعض الطعام، فقال الزَّوج: اطْرُديه ! بعد ذلك ساءَت العلاقة بين الزَّوجين حتَّى طلَّقها، فتزوَّجَت مِن إنسانٍ آخر، فكانت جالسَة مع الزَّوج الجديد فَطُرِقَ الباب، وذَهَبت لِتَفْتَحَ الباب فرَجَعَت مُضْطربة، فقال: من السائل ؟ فقالت: سائل ! فقال: من هو ؟ فقالت: زوْجي الأوَّل، فقال لها: هل تعلمين مَن أنا ؟ أنا السائل الأوَّل، قال تعالى: ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (79)﴾ [سورة الزخرف] أحدهم ذَهَب للحجّ على الباخرة، وحوله حُجَّاج كلُّهم تُجَّار، جلسوا يتكلَّمون على تِجارتهم، وكان هو مُوَظَّف مالِيَة، فلمَّا رجع إلى بلَدِهِ حاسبهم واحِدًا واحدًا ! فأُصيبَ بِمَرض عُضال !! سبحان الله وهو بالحجّ يشتغل للدنيا ! فهذه الآية دقيقة جدًّا، وعلى المؤمن أن يُفَكِّر فيها دائمًا فقبْلَ أن تغْتصب، وقبل أن تُطَلِّق، وقبل أن تنتهِكَ عرضًا، اقْرأ هذه الآية. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#383 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة الزخرف ( 43 ) الدرس العاشر الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيُّها الإخوة الكرام، ربنا جلَّ جلاله هو الذي خلقنا، وأنزل علينا الكتاب وجعلهُ منْهجًا لنا، وجَعَل الكون كلَّه دالاًّ عليه ؛ على وُجودِهِ ووحْدانِيَّتِهِ وكمالِهِ، فلو تركنا وشأننا دون أن يُربِّيَنا، ففي الأعمِّ الأغلب يموت الناس كُفَّارًا، ولكنَّ الله ربُّ العالمين، بِمعنى أنَّنا إن ارْتَكَبنا خطأً يُحاسبنا، ويُرْشِدُنا، ويُقَرِّبُنا، ويحْمِلُنا على التَّوبة. أَضْربُ لكم مثلاً، لو أنَّ صاحب معمل أو مُؤسَّسة تِجاريَّة أراد أن يُعَيِّن مُوَظَّف، فهذا المُوَظَّف قد يُعَيِّنُهُ على شرْط التَّدريب، ستَّة أشْهر تدريب فإمَّا أن يقْبلَهُ ويُثَبِّتَهُ، وإمَّا أن يصْرِفَهُ، ومدير هذه المؤسَّسة لو كان ينْطوي على قلبٍ رحيم، وعلى حِرصٍ شديد على هذا الموظَّف، كلَّما أخْطأ أرْشَدَهُ إلى خطئِهِ، ودلَّهُ على الصَّواب، فإذا هذا الموظَّف يصْعد في خِبراتِهِ إلى أن يُرْضِيَ صاحِبَ المعمَل، والموقف الآخر كلَّما أخطأ نُسَجِّل عليه خطأَهُ، ولا نقول له شيئًا فإذا تراكَمَتْ أخطاؤُهُ نصْرِفُهُ مِن العَمَل، فالموقف الأوَّل هو موقف ترْبيَة، والموقف الثاني قمْص، لذا الكون يدُلُّ على الله، والأنبياء يدْعون إلى الله، والكتُب السماوِيَّة تُشير إلى عظمة الله، وانتهى الأمْر، ويَدَعنا ربُّنا وشأننا، وعِنْدئِذٍ يستسْلِم الإنسان لِشَهواتِهِ، وينْساق مع لذَّاته، وإلى أن يأتِيَ ملكُ الموت فإذا هو حاسِر. قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ(47)﴾ [سورة القصص] لولا أنَّ الله يؤدِّبُنا يرْشِدُنا ويُخيفنا أحيانًا، ويُضَيِّقُ علينا ويُقنِّنُ علينا رزْقنا، لما الْتَفَتنا إليه، و فهو تعالى ربُّنا، فالبديل أن تُلغى الأمراض ويُلغى الفقْر، وكلّ شيء متوافِر، والله عز وجل إذا قنَّن لا يُقَنِّن عن عَجْز، ولكن للتَّأديب، فالتَّقنين هو تقنين تأديب، لأنَّ ما مِن شيءٍ إلا وعند الله خزائِنُهُ، قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ(21)﴾ [سورة الحجر] فلمَّا يفْهم الإنسان المُصيبة فهْمًا عميقًا وفَهْم ترَوي، وفَهم تأديبي يتفاعَل معها، ويستفيد منها. مرَّةً جاءني رجل، وقال لي بالحرف الواحِد: أنا كنتُ في فرنسا أدْرس وما مِن معْصِيَةٍ على الإطلاق تطر في بالِك إلا ارْتَكَبتُها، ومهما تكن شاذَّة إلا القتْل، وجئتُ إلى البلد، ونقلتُ ما في فرنسا مِن معاصي إلى بلدي ؛ بيتي فيه الاخْتِلاط والرَّقص والغناء والنوادي الليليَّة، وفجأةً الصورة التي أمامي بدأتْ تهتزّ، وفقدْتُ القُدرة على التَّوافق الحركي مِن أجل أن أمْسِك بالكأس أحاول الكثير حتَّى تأتي يدي مع الكأس، وإذا سِرْتُ فقَدْتُ التَّوازُن، ولا بدَّ مِن إنسانين يقوداني إلى هدفي، وفي الشام الْتَقَيتُ بِسَبعة عشر طبيبًا، ولم أسْتَفِد شيئًا، وعُدتُ إلى فرنسا، ودخَلتُ أرْقى مشْفى فيها، وأوَّل ما فَحَصوني على بِساط إلكتروني قالوا لي: هذا المرض نادِر جدًّا في العالم، نِسبة حُصولِهِ واحِد على ثلاثة عشرة مليون !! وقالوا لي كلامًا آلَمَني أشَدَّ الإيلام ؛ أنت ضَيفٌ فرنسا ذهابًا وإيَّابًا وإقامةً ونفقَةً !! قال لي: صِرتُ حقْل تجارب !! فهو يَهُمُّهم مُتابعة المرض مِن أجل الاسْتِفادة منه، والتَقى مع أعلى طبيب في العالم في هذا الاخْتِصاص، جاءوا به مِن بلدة أخرى بِطائرة، وبعد مُعالجات دامَتْ سِتَّة أشهر قال الطبيب: هذا المرض لا شِفاء له ! اِذْهَب إلى الهِند ومارِس رِياضة اليوكا فلعلَّكَ تنسى بِها مرضَك !! وهذه القِصَّة مِن فَمِهِ إلى أُذُني، فعاد هذا الأخ إلى الشام، فساقهُ أحدُ الأشخاص إلى درس مِن دروسِك، وأثناء الدَّرس خاطَب الله عز وجل، وقال له: يا ربّ إن شَفَيتني سأُصَلِّي ! لأنَّني ما صلَّيتُ بِحياتي ولا ركعة، ولا توضَّأْتُ ولا اغْتَسَلتُ ! فَحَضِرَ درسًا ثاني فألْهَمَني الله تعالى أن قلتُ في درسي: الله جلَّ جلاله، لا يُشارَط ولا يُجَرَّب ! فنوى هذا الأخ أن يُصَلِّي، فذَهَب إلى البيت، واسْتعان بِزَوجَتِهِ على أن يتوضَّأ، وصلَّى أوَّل ركعتين في حياتِهِ، وانْهَمَرَتْ دُموعِهِ بالبُكاء، ثمَّ فوجئ بعد ساعة أنَّ صورة للأشياء ثَبَتَتْ، فلمَّا وقفَ وقَعَ، وبعد ساعة ثانِيَة وُفِّق إلى تناوُل كأس الماء وإلى أن يمْشي وحْدهُ، والْتَزَم دُروس العِلم، وتاب إلى الله توبةً نصوحة، فهذا الذي آتاهُ الله ذكاءً وشَكلاً ووسامةً لو تركَهُ بلا مرض لماتَ وهو على الكُفر والعِصْيان، وهذه القِصَّة تتكرَّر ملايين المرَّات قال تعالى: ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ(17)﴾ [سورة القلم] في نهاية هذه القِصَّة قال تعالى عن أوسَطِهم، قال تعالى: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ(28)﴾ [سورة القلم] ربُّنا عز وجل يقول فيها: ﴿ كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ(33)﴾ [سورة القلم] أي يا عبادي، كلُّ أنواع العذابات التي أسوقها لكم مِن هذا النَّوع التَّأديبي قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ(30)﴾ [سورة الشورى] الآية الثانِيَة، وهي قوله تعالى: ﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ(21)﴾ [سورة السجدة] فآية اليوم إذا الإنسان أدخلهُ الله تعالى بالهُدى البياني، وما اسْتَجاب فأدْخَلَهُ بِمَرحلة التَّأديب التَّرْبَوي فما تاب، فأدْخلهُ بِمَرحلة التَّأديب الاسْتِدراجي فما شَكَر، لم يبْق إلا أن يقْصِمَهُ، فآيَةُ اليوم: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (83) [سورة الزخرف] هذه آية تَهديد، فالإنسان إذا ما اسْتَجاب لله تعالى، فالله جلَّ جلاله يقول: ذَرْهم، أما حينما يأتون سَيُصْعَقون قال تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (83)﴾ [سورة الزخرف] وقال تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (84)﴾ [سورة الزخرف] هو يُربِّينا وحينما تعتَقِدُ أنَّ جهةً غير الله تُديرُ أمْر العالم فهذا هو الكُفْر بِعَينِهِ، أو هذا هو الشِّرك بِعَيْنِهِ ؛ الشِّرك الجليّ ومن هذه القِصَّة التي ذَكَرتها لكم آلاف القِصص، بل إنَّ كلَّ ُمصيبةٍ يسوقها الله تعالى للإنسان هدفُها أن تأخذ بِيَدِهِ إلى الله، وأدَقُّ ما في الموضوع أنَّ الله سبحانه وتعالى يقول في آيتَين تدَعان الإنسان في حَيْرة، قال تعالى: ﴿ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ(118)﴾ [سورة التوبة] وفي أخرى، قال تعالى: ﴿تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ(89)﴾ [سورة آل عمران] يا ترى توبة الله ما معناها ؟ما معناها إذا جاءَت قبل توبة العبد ؟ وما معناها إذا جاءَت بعد توبة العبد ؟ العلماء قالوا: تاب عليهم لِيتوبوا ؛ أي ساق لهم مِن الشَّدائد ما حَمَلهم بها على التَّوبة، وألْجأهم إلى أن يتوبوا وضيَّقَ عليهم، أما الثانيَة تابوا فتاب عليهم أي تابوا فقَبِلَ توبتَهُم، وفرْقٌ بين أن يتوبوا فَيَقْبَلَ الله تعالى توبتَهم، وبين أن يسوق لهم مِن الشَّدائِد ما يحْملهم على التَّوبة، فآية اليوم: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (83) وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (84)﴾ [سورة الزخرف] أصحاب المراكز القوِيَّة الذين معهم السِّلاح النَّوَوِي، والذين معهم أزرار هؤلاء عندهم من الأسلِحَة النَّوَوِيَّة ما يُدمِّرون بها الأرض خمسة مرَّات فغير المؤمن ينظر إلى هؤلاء، مع أنّ الله عز وجل يقول: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتْ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ(24)وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(25)﴾ [سورة يونس] آخر آية بالدَّرس، هناك آية تُحيِّر العُقول، قال تعالى: ﴿أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ(53)﴾ [سورة الشورى] ما معنى صارَ ؟ تقول: صار الماء ثلجًا، فإذا قلنا إلى الله تصير الأمور، فَبِيَدِ مَن كانت حتَّى صارَت إليه ؟ فأهل الدنيا لا يرَوْنَ أنَّ الأمر بيَد الله، أما إذا توفَّاهم الله يوم القيامة أكثر كفَّار الناس يرى أنَّ الأمر بيَدِ الله، أما في الدنيا يراه بيَدِ زيدٍ أو عُبيْدٍ أو علاَّن أما في الآخرة يوَحِّد شاء أم أبى، وهذا توحيد لا قيمة له، فَفِرْعون ووحَّد قال تعالى: ﴿الآن وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ(91)﴾ [سورة يونس] فنحن خيارنَا مع الإيمان خِيار وقت، وليس خِيار قَبول أو رفض. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#384 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة الدخان ( 44 ) الدرس الاول الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما ، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه ، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين . أيُّها الإخوة الكرام ؛ الآية الثامنة والثلاثون من سورة الدُّخان ، وهي قوله تعالى : ﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ ﴾ [ سورة الدخان الآية : 38 ] فهذا الذي يقول : جِئْتُ مِن أين ؟ ولكنِّي أتَيْتُ ! فرأيتُ قُدَّامي طريقًا فَمَشَيْتُ أينَ كنتُ ؟ لسْتُ أدْري ! فهذا الذي يقول : لا أدري ، يظنُّ أنَّ الله سبحانه وتعالى خلقَ السماوات والأرض لَعِبًا ! لكنَّ الله عز وجل يقول : ﴿ مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [ سورة الدخان الآية : 39 ] الحقيقة أنَّ الله عز وجل في بعض آيات كتابه الكريم يصف القرآن الكريم بأنَّه مثاني ، وقد فسَّر بعض العلماء كلمة مثاني بأنَّ كلّ تنْثني على أُخْتِها فَتُفسِّرُها ، وأعلى مُستوى في تفسير كلام الله عز وجل أنْ تُفسَّرهُ بكلام الله يقول الله عز وجل : ﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [ سورة الدخان الآيات : 38-39 ] الله جل جلاله أثبَتَ أنَّ السماوات والأرض بالحق ، ونفى أنْ يكون الخلق لَعِبًا ، فما تعريف الحق ؟ فالحق ضِدُّ اللَّعِب ، طيِّب وما تعريف اللَّعِب ؟ هو العَبَث ، يعني عملٌ لا هَدَف له ، فالإنسان الشارد قد يلْعب النَّرْد إلى ساعة متأخِّرة من الليل ، فهل يكون أحد اللاعِبَين طبيبًا ؟ وهل يُصْبحُ تاجِرًا كبيرًا ؟ أو شَخْصِيَّةً مرموقة ؟ هذا لا يفعل شيئًا ، فالعمل الذي لا ينفع والذي لا هدف له ، ولا أثر له في المستقبل ينقضي بانْقِضائِهِ ، أو العمل العابِث ، فاللَّعِب هو العبَث ، وبعضهم قال : إنَّما الحياة الدنيا لهو ولعب ! اللَّهو هو اشْتِغالك بالخسيس عن النَّفيس ، والنَّفيس هو عبادة الله عز وجل ، قال تعالى : ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِي ﴾ الآية : 56 ] سورة الذاريات ] الشيء الذي خُلِقْتَ من أجله ، والذي جاء بِكَ الله من أجله هو أن تعبُدَ الله تعالى ، فالخسيس أن تلْهو بالدنيا وتهتمَّ بِحُطامها ومالها ، وزُخْرها ، وبيوتها ومركباتها ، ثمَّ يأتي ملك الموت وأنت صفْر اليَدَين ، فهذا هو اللَّهو ؛ تَلْهو بالخسيس عن النَّفيس ، واللَّعب كلَّما دخلتَ لى مرحلة وخرجْتَ منها رأيتها مُحْتقرة في نَظَرِك ، فالطِّفل الذي يبكي مِن أجل دُمْيَة ، لمَّا يكْبُر يسْخر مِن نفسِهِ كيف أنَّه كان يبْكي من أجل دُمْيَة ! والشاب الذي يهْتَمّ بأشياء حينما يبْلغُ الأربعين يَحْتَقِرُها ، وكيف أنَّه كان مَعْنِيًّا بها ، فالدُّنيا كلُّها كما وصفها الله عز وجل لهو ولعب تدخل مرحلة الدِّراسة تعيش سنوات طويلة في حُلم أنَّك سَتَكون مُجازًا ومعك دكتوراه ، وبعد أن تأخذ هذه الشهادة بِأسابيع تَبدو لك طبيعيَّة ، وتهتمّ بالزَّواج ، وتظنّ أنَّه قِطعة من الجنَّة ، فتتزوَّج وتأتي الزَّوجة إلى البيت ، وبعد حينٍ يغْدو الزَّواج عادِيًّا جدًّا ، وتَطمَح أن تُسافر ، وتطمَحُ أن تُنْجِب أولادًا ، وأنْ تُزَوِّجهم ، فَكُلَّما نِلْتَ مرحلةً صَغُرَت في نَظَرِكَ ، لذلك لا يُمْكن للدُّنيا أن تمِدَّ إنسانًا بِسعادةٍ مُستَمِرَّة ، فضلاً أن تكون صاعِدة ، إنَّها تُمِدُّه بسعادة متناقصة ، وموطِنُ الشهادة أنَّ الإنسان نفسُهُ، نفْسُهُ ليسَتْ نِهائِيَّة ، إذا تعلَّق في الدُّنيا فالدُّنيا محدودة فالشاب يشْعر بِالسَّعادة لأنَّه يعيش الأحلام، يحْلُم بِبَيتٍ مُعَيَّن وبِمَساحة مُعيَّنة ، وبِتَرتيب مُعَيَّن ، وبِثَقافة معَيَّنة ، وبِمَركز مُعَيَّن ، وبعَمَلٍ ودَخْل ، وبعد حينٍ تبدو هذه الأحلام وقائِع محدودة ، ونفسُهُ لا نِهائِيَّة ، ويبدأ الإنسان بالسَّأم والضَّجَر والضّيق حينما تُحَدَّدُ كلُّ أهدافِهِ ، فهي كانت مفتوحة فأُغْلِقَت ، فلا بيت ولا زوجة ولا دخل ، فمن يغْدو شابًّا طوال حياتِهِ ؟ هو الله جعل الله هدفَهُ ، فالنَّفس لا نهائِيَّة ، والله لا نهائي، فأنت تَجِد المؤمن وهو في التِّسعين شابّ - وأنا أعني ما أقول - لأنَّ طلبهُ كبير جدًّا ، وهدفه مُقَدَّس جدًّا ، ويسعى دائِمًا إلى الرُّقِي ، والتَّقرُّب إلى الله عز وجل ، لذا ورَدَ عن رسول الله أنَّه مَن تعلَّم القرآن متَّعَهُ الله بِعَقلِهِ حتَّى يموت ، لأنَّه يقرأ القرآن ويفهمه ، وينقلهُ للناس ، والله جعل تعليمهُ جِهادًا كبيرًا ، وهذا الجِهاد المُتاح الآن أنْ تتعلَّم القرآن وتُعَلِّمهُ ، ولو طالبْتني بالدَّليل، أقول لك : قال تعالى : ﴿ فَلَا تُطِعْ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا ﴾ [ سورة الفرقان الآية : 52 ] الله جَلَّ جلاله يأمر النبي عليه الصلاة والسلام أن يجاهد بالقرآن جِهادًا كبيرًا ، فَتَعَلُّم القرآن مُتاحٌ لك ، وتعليمُهُ مُتاحٌ لك والإنسان يغْدو شابّا إذا جعَلَ الله همَّهُ ، قال الشاعر : اِعْمَل لِوَجهٍ واحِدٍ يكْفِكَ الوُجوهَ كُلّهــــا من جعَلَ الهُموم همًّا واحِدًا كفاهُ الله الهموم كلَّها أما إذا جَعَلَ الدنيا هَدَفَهُ ، ومنتهى آمالِهِ ، ومحطَّ رِحالهِ ، حينها تبْدو الدنيا صغيرة في نظرِهِ ، ويبْدأ السَّأم والضَّجَر ، وتَجِد أهل الدنيا بِضيقٍ قال تعالى : ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾ [ سورة طه الآية : 124 ] الضِّيق النَّفسي ، والضَّجَر والملل ، ولكنَّ الذي آمن بالله وعمِلَ صالحًا فهو في أعلى عِلِيّين ، فاللَّعِب إذًا مرحلة كلَّما دخلتها وخرجتَ منها احْتَقَرْتها وهو أن تلْهو بالخسيس عن النَّفيس ، والنَّفيس طاعة الله ، والخسيس الدُّنيا الفانية ، وقد قال تعالى : ﴿ اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾ [ سورة الحديد الآية : 20 ] إنَّما هذه أداة حصْر ، وهذا إخبار الله لنا ، أنَّ الدنيا لهو ولعِب ، وتفاخر وتكاثر ، لذلك الله عز وجل هو أكبر وأجلُّ مِن أن يخلق الدنيا لهْوًا ولَعِبًا ، قال تعالى : ﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [ سورة الدخان الآيات : 38-39 ] السؤال الآن ؛ ما الذي يُقابل اللَّعِب ؟ الهَدَف النَّبيل ، فمثلاً يُنشأ سيرك ! هذا دوره التَّرفيه واللَّعِب ليس إلا ، ولكن إذا أنشأنا جامعة ، فهذه غير السيرك ، إذْ نُخَرِّج بها قادة وعلماء ، وأُدباء، واخْتِصاصِيُّون وأطِبَّاء فَبِناء الجامعة ليس لعبًا ، فَعكس اللَّعِب هو الهَدَف ، فالعمل العابث لعب والعَمَل الهادف حق ، وفي آيةٍ ثانِيَة ، قال تعالى : ﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ النَّارِ ﴾ [ سورة ص الآية : 27 ] فالحق غير الباطل ، والباطل الشيء الزائل ، وكلّ شيءٍ لا يتَّصِل بالله ، ولا بِمَنهَجِهِ ، ولا بالعقيدة الصَّحيحة لا بدَّ مِن أن ينهار ، ولو عاشَ سبعين عامًا ، قال تعالى : ﴿ وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا ﴾ [ سورة الإسراء الآية : 81 ] فكلَّما مرَّت بك كلمة حقّ بالقرآن الكريم اِعْتَقِد اعْتِقادًا جازِمًا مُسْتنْبَطًا مِن كتاب الله كُلِّه أنَّ الحق الشيءُ الهادف ، والشيء الثابت ، فرَبُّنا حينما نفى أن يكون خلقُهُ للسماوات والأرض لَعِبًا وباطِلاً ، فَمُقابل الباطل الشيء الثابت والحق ، ومُقابل اللَّعِب الشيء الهادِف ، والله هو الحق وقد خلق البشر لِيرْحَمَهم ، ويقول الله عز وجل : ﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [ سورة الدخان الآيات : 38-39 ] الشيء اللَّطيف أنَّ حياة المؤمن مُتَعَلِّقَة بالحق ، والحق ثابت ، لذا لن يفاجئ المؤمن أنَّ الذي كان يَعْتَقِدُهُ باطِلاً ، وأنَّ الذي كان يعْمَلُهُ كان سُدًا ، وربنَّا عز وجل يقول : ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ﴾ [ سورة المؤمنون الآية : 115 ] العلماء يقولون ؛ حينما يقول الله عز وجل خلق السماوات والأرض بالحق أيْ أنَّ الحق لاَبَسَ خلق السماوات والأرض ، وهي خلقَتْ لِهَدَف عظيم وخُلِقَت لِتَبقى لا لِتَزول ، فالزَّوال مِن صفات الباطل . والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#385 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة الجاثية ( 45 ) الدرس الاول الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيُّها الإخوة الكرام، الآية الواحدة والعشرون من سورة الجاثية، وهي قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (21)﴾ [سورة الجاثية] أوَّلاً إذا توهَّم الإنسان لِثانِيَة واحِدَة أنَّه يمْكنُ أن يُعامِلَ المحْسِنُ كالمُسيء والمستقيم كالمنحرف، والذي له دَخل حلال مع الذي له دخْلٌ حرام والكاذب مع الصادِق ؛ إذا اسْتويا هؤلاء فهذا الاسْتِواء يتناقض مع وُجود الله، ويتناقض مع كمالِهِ، ويتناقضُ مع عدالَتِهِ، وأقْسِمُ بالله العظيم لو لم يكن في كاتب الله إلا هذه الآية لَكَفتنا جميعًا. ربُّنا عز جل يُطَمئِنُنَا ؛ أنَّه لا يمْكن أن يُعامَلَ المؤمن كالكافر، أو الكافر كالمؤمن، لا يُعامَل المستقيم كالمنحرِف، والصادق كالكاذب والمخلص كالخائن، والرحيم كالقاسي، والذي يكْسِبُ المال الحلال مع الذي يكْسِبُ المال الحرام ؛ هذه آية ولكن يقول قد يقول أحدكم: المستقيم له أجر، ولعلَّ الأجْر في الآخرة، وليس في الدنيا ! نحن نقول له الآية تقول: ﴿مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (21)﴾ [سورة الجاثية] محياهم في الدنيا، قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(97)﴾ [سورة النحل] وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى(124)﴾ (سورة طه) معنى ذلك أنَّ المؤمن حياته في بيْتِهِ، وحياته في عمله وصِحَّته وأولاده وأهْلُهُ، وسُمْعتهُ ومكانته ؛ هذه مُتَمَيِّزَة، لذا ورد انَّه إذا رُئِيَ أولياء أُمَّتي ذُكِر الله بهم ! حينما قال الله عز وجل عن بعض الطُّغاة: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمْ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ(29)﴾ [سورة الدخان] هذا الكلام في علم أصول الفقه قاعدة اسْمُها العِلم المُخالف ؛ هؤلاء الذين أساءوا حينما ماتوا ما بكَت عليهم السماوات والأرض، فالذين أحْسنوا إذا ماتوا ما الذي يكون ؟ تبْكي عليهم السماوات والأرض، والأرض تتبارَك بالمؤمن. أيُّها الإخوة، أن يستوي المؤمن وغير المؤمن ؛ هذا غير ممكن، ويتناقض مع كمال الله، إنسان مُسيء، ويغُشُّ الناس، ويحْتال عليهم ويعتدي عليهم، ويبني حياته على فقرهم، أَتُريد من الله عز وجل أن يُعامل المؤمن كغير المؤمن ؟! مؤمن مستقيم، ومؤمن يخاف الله، وفي قلبه خَشية وخوف، ويبْحث عن الدِّرهم الحلال، ويُنفقُهُ في الوجه الصحيح، فهذا خلاف من يسلب أموال الناس، لذلك الآية الكريمة: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ(18)﴾ [سورة السجدة] وقال تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ(35)﴾ [سورة القلم] وقال تعالى ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ الْمُحْضَرِينَ(61)﴾ [سورة القصص] وقال تعالى: ﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى(9)عَبْدًا إِذَا صَلَّى(10)﴾ [سورة العلق] وقال تعالى: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمْ اقْرَءُوا كِتَابِي(19)إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِي(20)فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ(21)فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ(22)قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ(23)كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ(24)وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِي(25)وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِي(26)يَالَيْتَهَا كَانَتْ الْقَاضِيَةَ(27)مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِي(28)هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِي(29)خُذُوهُ فَغُلُّوهُ(30)ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ(31)ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ(32)﴾ [سورة الحاقة] وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(107)﴾ [سورة آل عمران] فهذه مسافة كبيرة جدًّا بين المؤمن وغير المؤمن، لذلك يتوهَّم الإنسان ويقول: شيءٌ يُحَيِّر ! هذه الآية تدفع عنك الحَيرة، لا يمكن أن يُعامَل المحْسِن كالمُسيء، إنسانٌ دَخلُهُ حلال، وبِمالٍ قليل ينتفِعُ به انتِفاعًا كبيرًا، وبِمالٍ كثير يُدمَّر المال ولا يُنتفَعُ به، وإنسانٌ اختار زوْجةً صالحة مؤمنةً متديِّنة يسْعَدُ بها وتَسْعَدُ به، أما من تزوَّجها لِجَمالها فقط أذَلَّهُ الله تعالى، ومن تزوَّجها لِمالها أفْقرَهُ الله، ومن تزوَّجها لِحَسَبِها زادَهُ الله تعالى دناءة. وإنسان بنى دَخلَهُ على إفساد أخلاق الآخرين، صاحب دار سينما جمَّع ثروةً طائلة قبل خمسة وعشرين عامًا، وجمَّع خمسة ملايين، وأُصيب بِمَرض خبيث، وله ابن أخت هو تلميذي، فقال لي: رأيْتُهُ يبكي، فقال له: ما لك تبكي ؟! فقال له: جَمَعْتُ هذا المال لأتمتَّع به في خريف عمري، وهذا المرض قد عاجلني، فهذا جَمَع المال على حِساب أخلاق الشَّباب، وعلى حساب دينهم، وتوجُّههم إلى الله عز وجل، فالمال الحلال له عند الله حِساب، والحرام له حِساب، والمُحْسِن له حِساب والمسيء له حِساب، والعابِد له حِساب وغير العابد له حِساب، والأمين له حِساب، والخائن له حِساب، أما حينما تتوهَّم أنَّه قد يسْتوي الخائِن والأمين، والصادق والكاذب، والأب الكامل والأب المُتَفَلِّت، والأمّ الحنون، والأم المتفلِّتة، والمعلِّم الذي يُلْقي درْسهُ بإخلاص والمعلِّم الذي لا يلقي درسه بإخلاص، والطبيب الذي ينْصحُ المريض، والطبيب الذي لا ينصحُ المريض ويبْتزّ ماله، والمحامي الذي يعلمُ أنَّ هذه القضِيَّة سلفا فيأخذُها ويُماطِل الموكِّل إلى ما شاء الله، والمحامي الذي ينْصح الموكِّل. الله عز وجل عنده لِكُلّ إنسانٍ درجة، فإذا كان على وَجه الأرض خمسة آلاف مليون إنسان، فهذا يعني أنَّه يوجد خمسة آلاف مليون درجة، والدليل قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ(19)﴾ [سورة الأحقاف] فأنت لك عند الله تعالى درجة بمَعرفتِكَ واسْتقِامَتِكَ، وبإخلاصك، بِأُبوَّتِكَ الكاملة، وبُنُوَّتِكَ الكاملة، والإنسان العاق غير الإنسان البارّ، فلذلك أيُّها الإخوة هناك معايير دقيقة، قال تعالى: فو ربِّك لنسألنَّهم أجمعين عمَّا كانوا يعملون أنت إذا أنفذت نملة وأنت تتوضَّأ فهذه لها عند الله ثمن، وما أكْرمَ شابٌّ شَيْخًا لِكِبَر سِنِّه إلا سخَّر الله له مَن يُكْرِمهُ عند سِنِّه، وبُرُّوا آباءَكم تبُرُّكم أولادكم. أيُّها الإخوة الكرام، عليكم أن لا تتوهَّموا ولو ثانِيَة أنَّ المُحْسِن يُعامَل كالمُسيء، قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (21)﴾ [سورة الجاثية] لِمَ لم يقل أم حَسِبَ الذين كفروا واجْترحوا السيِّئات ؟ طبعًا الحسَنَات تحتاج إلى إيمان، أما السيِّئات فلا تحتاج إلى إيمان لأنَّ غير المؤمن سيَكذب ويسرق ويزني ويحتال على الناس، ويظنُّ نفسهُ ذَكِيّ وهو أحمقهم، قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (21)﴾ [سورة الجاثية] اجْتِراحُ السيِّئات يعني أنَّك لسْتَ مؤمنًا، والإمام الغزالي يقول: يا نفسُ لو أنَّ طبيبًا منعَكِي مِن أكْلةٍ تُحِبِّينها، فلا شكَّ أنَّك تمْتَنِعين، أفيَكون الطبيب أصدَقَ عندك من الله ؟ فما أجهلكي، فكلُّ إنسانٍ يرتَكِب معْصِيَة فهذا مدموغ، قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (21)﴾ [سورة الجاثية] ثمّ قال تعالى: ﴿ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (21)﴾ [سورة الجاثية] تدخل إلى بيت ثمنهُ ثلاثين مليون فإذا بالدَّاخِل جحيم لا يُطاق، ونَكَد، وبغْضاء، وخُصومة، والأب في جهة والزّوجة في جهة أخرى، وبالمقابل تجد بيتًا متواضِع وفي الجبل والدّخل محدود جدًّا، وأهله في نعيم مطلق، فعند الله كلّ شيءٍ بِحِسابه قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (21)﴾ [سورة الجاثية] فالذي يموت بالمسجد، والذي يموت بِلَيلة القَدر، ويموت وهو يتلو القرآن يموت بين أهلِهِ مُعَزَّزًا مُكَرَّما، وآخر تجد قد مات بالمرحاض ! وقد يموت ولا يدري به أحد، ويموت وهو يركِّب الدّش ! فالإنسان يأتيه ملك الموت بِطَريقةٍ يُلَخِّص حياته كلَّها، ومرَّةً كنتُ بِتَعْزِيَة وأمامي شيخ عالم، وبعدها خرج من التَّعزِيَة، فما مشَى رجل لا يعرفه ولا يعرف اسمه، وبيت هذا الرَّجل إلى جانب التَّعزِيَة، فأراد أن ينقلَهُ إلى بيتِهِ، فهذا الشيَّخ أوصله هذا الأخ إلى بيتِهِ، فصَعِدَ الطوابق الأربعة، ودخل بيتهُ، ودخل إلى غرفتِهِ، ونزع العمامة، واسْتلقى في الفراش، وسُلِّم أمرهُ إلى رب الأرض والسماء ! فهذا لو أراد أن يأخذ التَّاكسي لما وصل إلى بيتِهِ !! فالله سخَّر له إنسان لِيُوصِلَهُ إلى بيتِهِ، ويموت على سريره. وبالمقابل كنتُ مارًّا بالحريقة فوَجَدتُ إنسانًا مُلقى ميِّتًا على الأرض، فرجعتُ من العَمَل بعد ثماني ساعات وهو على حاله الأولى ! فهذه الآية يجب أن تبقى في أذْهاننا وعقولنا، وكلّ شيء بِحِساب دقيق، فالمال فيه بركة، والزَّوجة الصالحة مُسْعِدَة، تَسْعَدُ وتُسْعِدُ، قال تعالى: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ(221)﴾ (سورة البقرة ) هذه الآية محْوَرِيَّة، وإحْدى دعائِم العقيدة وهو أنَّ الله بيَدِهِ كلّ شيء ويُعطي كلَّ ذي حقٍّ حقَّه. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#386 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة الجاثية ( 45 ) الدرس الثانى الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيُّها الإخوة الكرام، الآية الخامسة عشْرة من سورة الجاثِيَة، وهي قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (15)﴾ [ سورة الجاثية ] النُّقطة الدقيقة في هذه الآية كلمة اللام، وكلمة على. اللام تُفيدُ التَّمَلُّك ؛ يبْدو أنَّ العمل السيئ كالصَّخرة الجاثمة على صَدر الإنسان تسْحَقُهُ في الدنيا حِجابًا، وفي الآخرة ندمًا، وقد ورَدَ في الحديث الشريف: إنّ العار ليَلْزمُ المرء يوم القيامة حتَّى يقول....وإنَّه ليعلم ما فيها مِن شِدَّة العذاب " وربُّنا عز وجل يعْجبُ ويقول: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ(175)﴾ [ سورة البقرة ] وقال تعالى: ﴿ كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا(56)﴾ [ سورة النساء ] وقال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (15)﴾ [ سورة الجاثية ] تقول: هذه الجَوْهرة لي، أما هذا الدَّيْنُ عليَّ، والدَّينُ همٌّ بالليل، وذلٌّ في النَّهار، والدَّين يُتْعِبُ صاحِبَهُ فالعَمَل الصالِح يُمَلَّك، أما العمل السيئ سيْحَق. الشيء الآخر، أنَّ مِن معاني الحُروف، أنَّ هذا الدِّين كُلُّه قُيود، وهو في الحقيقة ليس قُيودًا، ولكن حُدود، وليس حُدودًا، ولكن ضَمانات للسَّلامة، وفرقٌ كبير بين أن تفْهَمَ هذه اللَّوْحة على نحْوٍ أو على نَحْوٍ آخر فلو كنتَ تتجوَّل في أرضٍ واسِعَة، ورأيْتَ لوحَةً كُتِبَ عليها: أنت بحَقل الأنغام، لا تتجاوَز، فهل تشْعر أنَّ هؤلاء الذين وضَعوا هذه اللَّوحة قيَّدوا حُرِيَّتَك ؟ وكذا إن فَهِمْتَ أنَّ الدِّين تَقييد لِضمانات الإنسان فالفَهمُ خاطئ، أما إن فَهِمْتَهُ أنَّهُ ضمان لِسَلامَتِهِ فالفَهم صحيح، وكذا إن رأيْتَ أوامر الدِّين ونواهِيَهُ تَقييدًا لِحُرِيَّتِكَ، وحركتِكَ في الحياة فهذا فَهم الشَّيطان للدِّين ! فكلُّ أوامر الدِّين ضمانٌ لِسلامَتِك، وكلُّ التّفلُّت والانْطِلاق هو مخاطِر، لذلك هناك قاعدة، هي القُيود تُؤدِّي إلى الحريَّة على المستوى الدُّنْيَوي فالمواطِن المُنضبط بِقَوانين الدَّولة تَجدُه حُرّ، يُسافر، ويُغادر، ويشتغل أما إن ارْتَكَب مُخالفةً قانونِيَّة تسْتَوجِب حجْز الحُريَّة، فالتَّفَلُّت يُؤدِّي إلى التَّقَيُّد، والتَّقَيُّد يؤدِّي إلى الانْطِلاق، فالانْطِلاق أساسه التَّقَيُّد، وهناك آية قرآنِيَّة واحدة لو تأمَّلتُم فيها لَدُهِشْتُم يقول الله عز وجل: ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا(144)﴾ [سورة النساء] لمَّا يأكل الإنسان المال الحرام، ويعتدي على أعراض الناس، ويُطلق بصرهُ وسَمعَهُ، ويدَهُ، ويتفلَّت، ويفْعل ما يشاء، ويلتقي مع مَن يشاء ويُصافِح مَن يشاء، إذا تفلَّت صار لله عليه سُلطان هو التَّأديب، آتيكم بِمَثَل ؛ لو أنَّ محلاًّ تِجاريًّا كلَّ بِضاعَتهِ وَطَنيَّة، وكلَّها تحوي فواتير، ومرَّ ضابِط الجُمرك ؛ هل تتضايَق أو تخاف ؟! لا، أما إذا كان بِضاعتُكَ تَهريب، ومرَّ الجمرك، تجدهُ يرْجُف ! فأنت بِمُخالفَتِكَ النِّظام جَعَلتَ لهذا الإنسان عليك سُلطان، فكيف بالواحِد الدَّيان ؟! فأنت إذا اْستَقَمتَ وغضَضْتَ بصَرَك، وما كذَبتَ، وحرَّرْتَ دَخْلكَ، فالله عز وجل يقول: ﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا(147)﴾ [سورة النساء] أما إذا كانت هناك أخطاء كبيرة جدًّا، فلا بدَّ مِن التَّدَخُّلات، لذا كما قال تعالى: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ(46)﴾ [سورة فصلت] النُّقطة الثانيَة ؛ وهذه النُّقطة بِشارة، قال تعالى: ﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ(51)﴾ [سورة التوبة] هناك فرْق بين كتَبَ الله علينا، وكتَبَ لنا ! كتَبَ لنا يْ الخَير والتَّوفيق، والطُّمأنينة والسَّكينة، والبحبوحَة، السَّعادة، فَحُروف الجرّ وحدها مِن آيات الله الدالة على عَظَمَتِهِ، فمثلاً النبي عليه الصلاة والسلام يقول: بُعِثْتُ بِمُدارات الناس..." لو أنَّ النبي صلى الله عليه وسلَّم قال: بُعِثْتُ لِمُدارات الناس ! فرْقٌ كبير جدًّا، فلو قلنا باللام لصارَتْ المُدارات جُزْءً مِن الدِّين، أما النبي قال بالباء، والباء للاسْتِعانة، أيْ أسْتَعين على هِدايَتِهِم بِمُداراتِهِم، والعلماء فرَّقوا بين المُدارات والمُداهَنَة، قال تعالى: ﴿ وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ(9)﴾ [سورة القلم] المُداهَنَة أن تبْذِل الدِّين من أجل الدُّنيا، تُضَحِّي بِعِباداتكَ من أجل إرْضاء زَيْد أو عُبَيْد وتُضَحِّي باسْتِقامَتِكَ ونزاهَتِك، فأنت حينما تُضَحِّك بِدينِكَ مِن أجل دُنياكَ فأنت تُداهِنُ ! أما حينما تُضَحِّي بِدُنياك مِن أجل دينِكَ فأنت تُداري، ورأسُ العَقْل بعد الإيمان مُدارات الناس، وهو مَوقف حكيم جدًّا، فالحِكمة أرْوَعُ مثلٍ سَمِعْتُهُ حول الحِكمة ؛ الدَّواء المرّ الذي نُعْطيهِ الصّغير ؛ ماذا نفْعلُ به ؟ نخْلِطُهُ بالسُّكَّر حتَّى يحْلو، فالداعِيَة الحكيم يُقَدِّم مَضْمون دعوتهِ مع طَعمٍ عَذْبٍ، وحُلْوِ المذاق، فالحقيقة ذَكَرها ولكن معها مُرَغِّبات، أما الداعِيَة غير المُوَفَّق تَجِدُهُ سَلبي، يُرهِّب ولا يُرَغِّب، ويُحَذِّر ولا يُبشِّر، ويُنَفِّر ولا يُقرِّب، إذًا كما قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ(46﴾ [سورة فصلت] الآن معنا معنى آخر، قال تعالى: ﴿ قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ(24)﴾ [سورة سبأ] على تُفيد العُلُوّ، فالعُلَا يرْفَعُكَ، قال تعالى: ﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ(1)وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ(2)الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ(3)وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ(4)فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا(5)إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا(6)فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ(7)وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ(8)﴾ [ سورة الشرح ] الهُدَى يرْفَه، والضَّلال يُسْقِط، فالضَّال المُنْحرف آخرتُهُ بالسِّجن، أو آخرتُهُ فضيحَة أخلاقِيّة أو مالِيَّة، فالضَّلال والتَّفَلُّت ينتهي بِكَ إلى الفضيحة والفضيحة تنتهي إلى القَيد، قال تعالى: ﴿ أُوْلَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ(22)﴾ [ سورة الزمر ] أما المؤمن المُهتدي قال تعالى: ﴿ أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ(5)﴾ [ سورة البقرة ] الهُدى يرْفع والضَّلال يخْفض، لذا لو وقَفْنا على حُروف الجرّ وحْدَها لَوَجَدنا العَجَب العُجاب، قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (15)﴾ [ سورة الجاثية ] ثمَّ يقول تعالى ﴿ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (15)﴾ [ سورة الجاثية ] هناك إقْرار، وهناك إلْزام فأنت تُقِرّ أنَّ هذا الذّنْب فَعَلْتَهُ، ولكن هذا الذَّنب له عُقوبة، كما مرَّ بِنَا من قبل قول النبي عليه الصلاة والسلام: (( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ كُتِبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ نَصِيبُهُ مِنَ الزِّنَا مُدْرِكٌ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ فَالْعَيْنَانِ زِنَاهُمَا النَّظَرُ وَالْأُذُنَانِ زِنَاهُمَا الِاسْتِمَاعُ وَاللِّسَانُ زِنَاهُ الْكَلَامُ وَالْيَدُ زِنَاهَا الْبَطْشُ وَالرِّجْلُ زِنَاهَا الْخُطَا وَالْقَلْبُ يَهْوَى وَيَتَمَنَّى وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ الْفَرْجُ وَيُكَذِّبُهُ * )) [ رواه مسلم ] فسَّرْتُ هذا الحديث أنْ كُتِب على ابن آدَمَ أن ينالَ نصيبَهُ من عقوبة الزِّنا مُدْرِكٌ ذلك لا مَحَالة، وهذه فيها رَدعٌ، قال تعالى: ﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ(25) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ(26)﴾ [ سورة الغاشية ] أيُّها الإخوة، ثلاثة كلمات إن آمنْتُم بها، اسْتَقَمْتُم بها قَطْعًا ؛ إن علِمْتم أنَّ الله موجود، ويعلم، وسيُحاسِب، فلا يُمْكِنُ أن تعْصِيَهُ، فهل يستطيع الموظَّف العادي أن يسْرق من الخزنة أمام سيِّدِه ؟! هذا الحادِث لا يقع أبدًا وهل يستطيع صاحب السيارة أن يُخالف الإشارة والشُّرطي موجود أمامه ؟! مستحيل، وكذا إن أيْقَنْتَ أنَّ الله يعْم وموجود وسيُحاسِب لا يمكن أن تعْصِيَ الله تعالى، لأنَّك إن عصَيتَ فأنت لا توقِنُ به حقيقةً، وتكون حينها غبِيًّا، إذًا كما قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (15)﴾ [ سورة الجاثية ] والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#387 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة الجاثية ( 45 ) الدرس الثالث الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما ، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه ، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين . أيُّها الإخوة الكرام ؛ من آيات الله الكريمة ، قوله تعالى : ﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ﴾ [ سورة يوسف الآية : 106 ] هذا الذي يُعَدُّ عند الناس مؤمنًا ، وهذا المحْسوب على المؤمنين ، والذي يرْتاد بيوت الله ، ما هو الشريك الذي يتلبَّس به معظم الناس ؟ الهَوَى ، والدليل هذه الآية ، وهي الآية الثالثة والعشرون من سورة الجاثيَة ، وهي قوله تعالى : ﴿ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴾ [ سورة الجاثية الآية : 23 ] يعبُدُ شَهَواتِهِ ، ويعْبُدُ أهواءَهُ ، وهي التي تتحكَّم به ، ويعْبدُها من دون الله ، كيف يكون ذلك ؟ تُوَضِّح هذه الآية آيَةٌ أخرى ، وهي قوله تعالى : ﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾ [ سورة التوبة الآية : 24 ] أي إذا آثَرْتُم تِجارةً مُحَرّمة على طاعة الله ، والاسْتِثمار المال على طريقة غير مَشْروعة ، أيْ إذا أحْببت المال أكثر من حبِّ الله . زوْجَتُكَ تخرُجُ كما تريد ، وهي تُسْعِدُكَ بِطَريقةٍ أو بِأخرى ، وأتن تسْكُتُ عن انْحِرافها لأنَّها أحد أسباب سَعادَتِكَ في الدنيا ، آثرْتَ زوْجتكَ على طاعة الله ، أم أنَّ لك مِن أبيكَ نصيبٌ كبير ولكنَّه حَمَلَكَ على معْصِيَة تُؤْثِرُ نصيبَكَ مِن أبيك على طاعة الله ، والابن أحيانًا تبْحَثُ عن دُنياه ، ولا تبْحَثُ عن آخِرَتِهِ ، وتريد أن تفْتَخِر به ولو على حِساب دينِهِ ، قال تعالى : ﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا ﴾ [ سورة التوبة الآية : 24 ] هناك تِجارات غير شَرْعِيَّة يقول عليه الصلاة والسلام : الاقْتِصاد في المعيشة خير من بعض التِّجار، إذا كانت البِضاعة مُحَرَّمة ، وهناك شُبْهَة ، وأحيانًا يتأجَّر البيت بالليلة عشرة آلاف ، وصاحِبُهُ يعْلمُ عِلمَ يقين لماذا اسْتُأجِرَ هذه اللَّيلة وبِهذا المَبلغ ! وتَجِدُهُ يُصَلِّي ، ويقول لك : التَّأجير حلال !! فهذه المَعصِيَة التِّي تَمَّتْ فيه ، مَن أعانَهُ عليها ؟! صاحِبُ البيت ، لذا آلاف الطُّرُق لِكَسْب المال غير الَشروع ؛ الكَذِب والتَّدليس والغِشّ والاحْتِكار والاسْتِغلال ، وتغيير صِفات البِضاعة ، أو لإعلان أنَّها أجْنَبِيَّة وهي وَطَنِيَّة ، وبِضاعة يابانِيَّة وهي تايْوانِيَّة ، وشَرقِيَّة على أنَّها إنجليزِيَّة وتغيير خصائص البِضاعة ، فهذا كُلُّه يجْلِب مالاً كثيرًا ولكنَّ فيه الغِشّ فالذي يُؤْثِرُ المال على طاعة الله ، أو يُؤْثِرُ زوْجَتَهُ على طاعة الله ، أو أباهُ على طاعة الله ، أو ابنَهُ على طاعة الله، أو عشيرتَهُ على طاعة الله ، أو الذي يسْكُن بِمَسْكَن يُؤجِّره مائة ليرة على النِّظام القديم ، وثَمَن البيت الملايين ، وأنت لك بيتٌ ثاني ، وصاحِبُ هذا البيت ليس لديه سِواه وأنت تعلم علم اليقين حاجته لهذا البيت ، ثمَّ تجد هذا السارق يُصلِّي !! نحن لا نحكم على هذه المعاملات ، ولكن هناك مُؤجِّر ظالم ومستأجِر ظالم ، لو فرضْنا مستأجر عنده بيت ، ويسكن بيتًا بمائة ليرة قبل السَّبعين وصاحِب هذا البيت أرْمَلَة ، وليس لها موْرِد إلا أُجْرة هذا البيت ، فهل يكْفيها أجرةً ؟ مستحيل ، ثمَّ تُصَلِّي بالمسجد ، وتقول أنا صاحِب دين ! أيُّها الإخوة ، هناك نقطة دقيقة ذَكَرتُها في جامِع النابلسي ، وهي قوله تعالى : ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ ﴾ [ سورة المائدة الآية : 1 ] عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : مَا خَطَبَنَا نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا قَالَ : (( لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ وَلَا دِينَ لِمَنْ لَا عَهْدَ لَهُ )) [ رواه أحمد وأبو يعلى والبزار والطبراني في الأوسط ] لو صلَّيْتَ الخمس ، وقيام الليل ، وصُمْتَ ، وحجَجْتَ ، ولم تَكُن صاحِب عَهْد ، ولا أمينًا ، فَكُلّ هذه العِبادات لا قيمة لها ، لأنَّ النبي عليه الصلاة والسلام يقول : بُنِيَ الإسلام على خَمس ، فالإسلام بِناء أخلاقي ، قال تعالى : ﴿ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴾ [ سورة الجاثية الآية : 23 ] آخر شيءٍ يُشير إلى أنَّك مسلم أنَّك تُصَلِّي ، أما أوَّل شيء فَصِدْقُكَ وأمانتُكَ وإخلاصَك ، فأخلاق المؤمن صارِخَة ، وتَجِدُهُ مُتَمَيِّز ولا يكْذِب ، ولا يخون ، ويُؤدِّي الأمانات إلى أهلِها ، يَفِي بالعَهْد هذا هو المؤمن ، فهذا الذي يتَّخِذُ إلهه هواه ، أقْسَمَ لي بالله شَخص أنَّ بيتًا يزيدُ ثمَنُهُ عن سِتَّة ملايين ، مستأجَر مِن قِبَل إنسانٍ صاحِبَتُهُ أرْمَلَة وليس لها مِن الدُّنيا إلا هذا البيت ، اسْتَطاع أن يُخَلِّصها منه بِمِليون وسبعمائة ألف !! وهو مِن رُواد المساجِد !! فالدِّين المعاملة ، تَجِد إنسانًا حضَر مئات الدُّروس ، وآلاف الخُطَب ، ويقرأ كُتُبًا كثيرة ، ثمَّ يأكل المال الحرام ، فهذا دليل على أنَّه لا يعرف الله أبدًا ، لو ذَهَبتَ إلى قَصر العَدل لوَجَدْت عشرات الدَّعاوى الكّيْدِيَّة ، وكلُّهم يُصَلُّون في المساجِد ، لذا كثرتنا اليوم كَغُثاء السَّيْل ، يقول عليه الصلاة والسلام : عَنْ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( يُوشِكُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمُ الْأُمَمُ مِنْ كُلِّ أُفُقٍ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ عَلَى قَصْعَتِهَا قَالَ قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمِنْ قِلَّةٍ بِنَا يَوْمَئِذٍ قَالَ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ وَلَكِنْ تَكُونُونَ غُثَاءً كَغُثَاءِ السَّيْلِ يَنْتَزِعُ الْمَهَابَةَ مِنْ قُلُوبِ عَدُوِّكُمْ وَيَجْعَلُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ قَالَ قُلْنَا وَمَا الْوَهْنُ قَالَ حُبُّ الْحَيَاةِ وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ )) [ رواه أحمد] أخٌ يشْتكي على أخْتِهِ ، وأمٌّ ترْفَعُ دَعوى على ابنِها ! شيءٌ لا يُحْتَمَل ، فهذا المُجْتَمَع المُفَكَّك لا يسْتَحِق أن يسْتَخْلِفَهُ الله عز وجل ، قال تعالى : ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ ﴾ [ سورة الرعد الآية : 11 ] فلمَّا يفْهم الإنسان أنَّ الدِّين صلاةٌ بالمَسْجد ، وصَوم وحجّ وزكاة ثمَّ يأكل أموال النّاس بالباطل ، ويفْعَلُ ما يشاء فهذا يكون قد اتَّخَذَ إلهه هواه ، وهو بِهذه الحال مُشْرِك ، قال تعالى : ﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ﴾ [ سورة يوسف الآية : 106 ] فالمال أغلى عليه مِن الله ، وكذا زوْجَتُهُ ، فأنت لو قلتَ الله أكبر مائة ألف مرَّة وأطَعْتَ مخلوقًا وعَصَيْتَ خالقًا لم تَقُلْها أيَّ مرَّة ! صارتْ هذه عادات ، فأنت آثَرْت المال والزَّوجة والشَّأن على الله عز وجل ، وجلسْتَ في مكانٍ لا ينبغي أن تجلسَ فيه ، قال تعالى : ﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ﴾ [ سورة التوبة الآية : 24 ] إنَّك حينما تؤْثِرُ شيئًا من هذه الأشياء على طاعة الله فأنت اتَّخَذْتها إلهًا وعَبَدتها من دون الله ، وقد أشْرَكتَ بالله عز وجل . الآية الكريمة ، وهي قوله تعالى : ﴿ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴾ [ سورة الجاثية الآية : 23 ] أضلَّه الله على عِلْم ، فالعِقاب يتضاعَف هنا ، فهو يعْلم أنَّها مَعْصِية وأنَّه قد أكَلَ أموال اليتامى ظُلمًا ، فهذا الذي يجعل أموال اليتامى في تِجارته المشكوك فيها ، فإن ربِحَ في التِّجارة أدْخَلَ ماله ، وإنْ خَسِر في التِّجارة قال لليتامى : سبحان الله ! هذا تقدير الله !! قال عليه الصلاة والسلام : لا تجعل ماله دون مالِكَ ! المعنى الدقيق أدْركَهُ النبي عليه الصلاة والسلام ، وهذه الحقيقة لا يكْشِفُها إلا الله ، فأنت تاجِر ، ولكَ مائة صَفْقَة اخْتَرتَ صفْقة فيها مُغامرة وتاجَرتَ بأموال الأيتام ، أما الصَّفْقات الثابت رِبْحُها تُدْخل فيها مالك ! لذلك هناك أشخص لهم شأن كبير عند الناس أمَّا عند الله فلا نُقيم لهم يوم القيامة وزنًا . أيُّها الإخوة ، عَظَمة هذا الدِّين في اسْتِقامة المؤمن ، وفي صِدْقِهِ ، وفي إخلاصِهِ ، وفي تطبيقِهِ ، ومُؤاثرتِهِ لِجانب الله عز وجل ، والمؤمن الليرة مثل المليون إذا كانت في معصِيَة الله . فالله إما أن يُضِلَّهُ على عِلم ديني ، أو دُنْيَوي ، تَجدُه دكتور ويشْرب الخمْر ، ويزْني ، ويحْمِل شهادة عُليا ، كان عندنا أستاذ في الجامعة يَحمِل شهادة عالية ، وله شأن عندنا ، فإذا بي أراه دخل قاعة التَّدريس في رمضان ، وفي يَدِهِ فِنْجان القهْوة !! قال تعالى : ﴿ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴾ [ سورة الجاثية الآية : 23 ] والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#388 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة الاحقاف ( 46 ) الدرس الاول الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيُّها الإخوة الكرام، في القرآن الكريم أنواع مُنوَّعة من الآيات، آياتُ أمْرٍ وآياتُ نَهي، وآياتُ تَحليل، آيات تَحريم، وأخبار الأُمَم السابقة والآيات الكَوْنِيَّة ومشاهِدُ من يوم القيامة، إلا أنَّ نوعًا من الآيات مُرْتَبِط أَشَدَّ الارْتِباط بِحياة الإنسان، إنَّها آيات الكلمات، فالكلمة في القرآن الكريم تعني القانون، والسنَّة الثابتة، فلو أنَّ الإنسان تعامَلَ مع هذه الآيات تعامُلاً حقيقيًّا صحيحًا، وإيجابيًّا لسَعِدَ في الدنيا والآخرة. من هذه الآيات الكبرى، الآية التاسعة عشرة من سورة الأحقاف، وهي قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (19)﴾ [ سورة الأحقاف ] هذه الدَّرَجات عند الله، أما عند الناس فمالُكَ يرْفَعُ دَرجَتَكَ، ووسامَتُكَ ترفعُ مِن مقامِكَ، وذكاؤُكَ يرْفعُ شأنَكَ، فمقاييس الناس كثيرة ؛ المال والقوَّة والوسامة والذَّكاء والله عز وجل أوْدَعَ في الإنسان قدرات كثيرة ولكن كيف أنَّ الله سبحانه وتعالى يرفع عباده بعضهم على بعض ؟ عند الله يرفعهم بالعمل الصالح وإن أرَدْتَ الرِّفْعة عند الله فليس أمامك إلا العمل الصالح، فسيِّدنا موسى حينما سقى للمرأتين، سقى لهما ثمَّ تولَّى إلى الظِّل فقال: ربِّي إنِّي لما أنزلتَ إليّ مِن خيرٍ فقير، وغير المؤمن يظنُّ أنَّ الغِنَى غِنَى المال، وأنَّ الفقْر فقْر المال، أما المؤمن فهو يوقِنُ أنَّ الغِنَى هو غِنَى العَمَل الصالح، وأنَّ الفقْر الحقيقيّ أن تأتِيَ الله تعالى يوم القيامة ويداكَ صِفْر من العمل الصالح، فالآن هذه الآية: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (19)﴾ [ سورة الأحقاف ] لكل إنسان في أيِّ مكان، وفي أيِّ ومكان درجات مما عملوا، ولكن كيف يُقيَّم العمل ؟ أوَّلاً يُقيَّم باتِّساع رقْعتِهِ، والنبي عليه الصلاة والسلام نشر هذا الدِّين القويم في أرْجاء الأرض، فَمِن الصّين إلى المغرب، وإلى بعض دُوَل أوروبا، ومن أذْربيجان إلى جنوب إفريقيا، فالعمَل يُقيَّم باتِّساع رُقْعَتِهِ ويُقَيَّم أيضًا بامْتِداد أمَدِهِ، فَمِن ألف وأربعمائة عام ودَعْوةُ النبي عليه الصلاة والسلام تسْري في الأفاق، ويُقيَّم العمل من عمق تأثيره، والعمل يزداد عند الله تعالى قيمةً لمّا تشْتدُّ الصوارف عنه، وتكثر العوائق في طريق فالإنسان أحيانًا يأتي لِمَجْلس العِلم، ويأتي للمسجد ويجلس على رُكْبتَيْه، أما الآن فهناك مسلسلات، ومناظر، وطعام وشراب، فلمَّا الإنسان يأتي إلى بيت الله لِيَتَعَلَّم العِلم فقد دافَعَ صوارِف فأحيانًا يُلقي الخوف في قلبِكَ ؛ يقول لك: ليس مِن صالِحِكَ أن تأتي إلى المسْجِد، فهذا عائِق شيْطاني، وهناك صارِف، فَكُلَّما اشتدَّت الصوارف والعمل العائق يشْتدُّ العمل الصالح عند الله تعالى قيمةً، أما أكبر قيمة ينالُها العمل الصالح حينما يموتُ صاحِبُهُ ويسْتمِرُّ هذا العمل، ساهَمَ ببِناء مسْجِدٍ ومات، والمسْجِد تُقام فيه الصَّلوات والأذكار إلى يوم القيامة، أو أسَّسَ ملْهى وماتَ، فهو صدقة جارية له إلى يوم القيامة، لذا أخْطَر الأعمال ما اسْتَمرَّتْ بعد موتِ صاحِبِها، وأعظَم الأعمال ما اسْتَمَرَّت بعد موتِ صاحِبِها، (( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ وَعِلْمٌ يُنْتَفَعُ بِهِ وَوَلَدٌ صَالِحٌ يَدْعُو * )) [ رواه الترمذي ] الدَّرس اليوم ؛ حجْمُكَ عند الله بحَجْمِ عمَلِكَ الصالِح، فكُلَّما ازْدَدْتَ معرفةً بالله، وإقْبالاً عليه، إخلاصًا له قدَّر على يَدِكَ أعمالاً صالحة كثيرة. الإمام النَّووي جاء إلى الدنيا وغادَرَها، ولم يَعِشْ أكثر مِن خمسين عامًا ولكن ماذا تَرَكَ ؟ ترك الأذكار، ورياض الصالحين، ومغني المحتاج، وكتُبًا من أجلِّ الكُتُب الآن، فحَجم الإنسان عند الله بحَجم عمله، لذلك العُمر الزَّمني لا قيمة له، والعِبرة بالإنجاز، في هذا العمر ماذا فَعَل؟ هذا نبيُّنا صلى الله عليه وسلَّم عاشَ ثلاثًا وسِتُّون سنة نشَر خِلالها الخير والعطَاء والفضيلة والتُّقى، وكل هذا الخَير للآخرة، لهذا قال تعالى: ﴿ لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ(72)﴾ [ سورة الحجر ] أقْسَمَ بِعُمر النبي عليه الصلاة والسلام، ونحن إذا آمنَّا أنَّ حجْمَكَ عند الله بِحَجم عمَلِكَ الصالح، والدليل هذه الآية: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (19)﴾ [ سورة الأحقاف ] والعمل قيمتُهُ في نِيَّتِهِ، وقيمته في إخلاصِهِ، وحجْمِهِ، وزمَنِهِ، واتِّساع رُقْعتِهِ، وبُلوغ أمَدِهِ، وفي امْتِداد أثرِهِ بعد موت صاحِبِه، ولكن أعلى عمل صالح على الإطلاق أنْ يُوَفِّقَكَ الله عز وجل لِهِدايَة إنسان ؛ قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ(32)﴾ [ سورة المائدة ] فأنت إذا ساهَمْتَ في إعانة أخ للتَّزَوّج بِفَتاة مؤمنة، وإنشاء أسرة مؤمنة، ونشر الحق بهم، وينتفع جيرانه وأصحابه وإخوته، وبهذا يكون هذا الإنسان الذي هَدَيْتَهُ إلى الله تعالى أُمَّةً، وكلّ هؤلاء في صحيفَتِهِ، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (( أَخْبَرَنِي سَهْلٌ رَضِي اللَّه عَنْه يَعْنِي ابْنَ سَعْدٍ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ خَيْبَرَ لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يُفْتَحُ عَلَى يَدَيْهِ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ فَبَاتَ النَّاسُ لَيْلَتَهُمْ أَيُّهُمْ يُعْطَى فَغَدَوْا كُلُّهُمْ يَرْجُوهُ فَقَالَ أَيْنَ عَلِيٌّ فَقِيلَ يَشْتَكِي عَيْنَيْهِ فَبَصَقَ فِي عَيْنَيْهِ وَدَعَا لَهُ فَبَرَأَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ وَجَعٌ فَأَعْطَاهُ فَقَالَ أُقَاتِلُهُمْ حَتَّى يَكُونُوا مِثْلَنَا فَقَالَ انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ * )) [ رواه البخاري ] السؤال الآن، أنّ كلَّ واحِدٍ مِنّا عليه أن يسأل نفسَهُ سؤالاً خطيًا، ومُحْرِجًا وهو: ما العَمَل الذي أُقدِّمُهُ بين يَدَي الله عز وجل يوم القيامة ؟! مرَّةً حضَرْتُ جنازة، والمُتَوَفَّى كان مؤذِّنًا، وكان له شيخ حضر هذه الجنازة وأبَّنَهُ بِكَلمَتين ؛ فقال: يا إخوتي إنَّ أخوكم كان مؤذِّنًا فتَرحَّموا عليه وهذا الميِّت كان ثريًّا، وله أذواق عاليَة في الدُّنيا، وسافر إلى شتَّى بِقاع العالم فأنا لفتَ نظري أنَّ كلّ ما امْتَلكَهُ في الدُّنيا لا قيمة له إلا العمل الصالح، أما سيِّدُنا الصِّديق فتتكلَّم عنه الساعات ولا تنتهي، فأنت حجْمك بِحَجم عمل الصالح، أما أكلنا وجَمَعنا، وسُرِرْنا، وهي لا تجعلك ترقى عند الله فالذي ينفع ؛ هل واليْتَ في الله ؟ وهل عادَيتَ في الله ؟ وهل قَطَعتَ لله ؟ وهل وَصَلْتَ لله ؟ وراعَيْتَ الأيتام ؟ وهل أمرتَ بالمعروف ونهَيْتَ عن المنكر ؟ قال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (19)﴾ [ سورة الأحقاف ] وكل واحد يعرف نفسه حقيقة. قال له: ما الذي حصَل معك بأمريكا ؟ فأجابهُ أنَّه تزوَّج امرأةً عمرها خمسين سنة !! والهدف منها الإقامة ! فالله يعرف حقيقة النَّوايا، وخلْفِيَّة الأعمال، ومُؤدَّاها، ويعرف كلّ شيء، وما عليك إلا أن تُخْلص له، وتخْدُمَ عباده، وتبتغي بها وجْه الله، وما على الإنسان إلا أن يبْتغي الرِّفْعة عند الله، أما عند الناس فالمال والجاه والقوَّة هي الأصل عند الخلق أما عند الله فالذي يرْفعُكَ هو العمل الصالح والانْضِباط، والإخلاص وأن يكون العمل موافقًا للسُّنة. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#389 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة الاحقاف ( 46 ) الدرس الثانى الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيُّها الإخوة الكرام، الآية الكريمة، وهي التاسعة من سورة الأحقاف وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (9)﴾ [سورة الأحقاف] ترْوي كُتب السيرة أنَّ النبي صلى الله عليه وسلّم بلغه أنّ أحدَ أصْحابه وافتْهُ المنِيَّة، وهو أبو السائب، فَدَخَل عليه، وهذه مِن عادة النبي صلى الله عليه وسلَّم، فقد كان يتفقَّدُ أصْحابه فإذا بلغَهُ أنَّ أحدهم قد تُوُفِّي زار أهل الميِّت في بيتِهِ قبل أن يُدْفن فبعد أن زارهُ النبي عليه الصلاة والسلام سَمِع امرأةً تقول: هنيئًا لك أبا السائب، لقد أكْرَمَكَ الله ! صحابيٌّ جليل عاشَ مع رسول الله صى الله عليه وسلَّم، وخاض معه أكثر الغزوات وقدَّم كلّ ما يمْلِك في سبيل الله فماذا فعلتْ هذه المرأة؟ قالت: هنيئًا لك أبا السائب لقد أكْرمك الله ! النبي صلى الله عليه وسلّم مُشرِّع فكلامُهُ تَشريع، وصَمْتُهُ تَشْريع، وفِعلُه تَشريع، ونحن عندنا سنَّة قَوْليَّة، وسنَّة عَمَلِيَّة، وسنَّة إقْرارِيَّة، فلو أنَّ أحدًا فعل معهُ شَيئًا، وسكَتَ النبي صلى الله عليه وسلم فهذا الشيء صحيح أما أيُّ إنسان آخر، ولو جماعة من المسلمين لو سكتوا لما عنيَ ذلك أنَّ سكوتهم أنَّه ليس بِمُنْكر ؛ إلا النبي لأنَّه مُرْسَل ومُبلَّغ ومُكَلَّف، فهو لو رأى منكرًا وسكت، لكان هذا معروفًا، ماذا قالتْ هذه المرأة هنيئًا لك أبا السائب لقد أكْرمك الله، فقال عليه الصلاة والسلام: وما أدْراك أنَّ الله أكْرمه ؟! هذا سمَّاهُ العلماء تألِّي على الله، وهذا المرض شائِع في العالم الإسلامي، فَكُلّ واحِد تجِدُهُ يُقيِّم جماعةً من المسلمين، يُدْخِل جماعةً إلى جهنَّم، وأخرى إلى الجنَّة، وأناس يجعلهم عارفين بالله، وآخرين زنادقة وكأنّه مِحوَر العالم، وهو الذي وَسِع الإسلام، فَكُلّ مَن يتحدَّث عن المُسْتقبل فيما يتعلَّق بالأشْخاص هو يتألَّى على الله، فالنبي قال لها: وما أدراكي أنَّ الله أكْرمه، قولوا: أرْجو الله أن يُكْرِمهُ ! فرْق كبير بين لقد أكرمك الله؛ أيْ أنَّها تعلم الغيب، وتعلم ماذا سيفْعل الله به، يقول النبي عليه الصلاة والسلام: وأنا نبيٌّ مرسَل لا أدْري ما يُفعل بي ولا بكم ! ليس معنى هذا أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام يتوقَّعُ مِن ربِّه أن يُخْزيَه ! لا قال تعالى: ﴿ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(8)﴾ [سورة التحريم] ولكن معنى ذلك أنَّ ليس مِن شأن الإنسان أن يتحدَّث عن الغَيْب، وليس مِن شأن الإنسان أن يُصْدِر قرارًا قَطْعِيًّا، فهذا مِن شأن الخالق، فالنبي عليه الصلاة والسلام وقفَ موْقِفَ الأدب مع الله عز وجل، قال: وما أدْراكي أنَّ الله أكْرمَهُ، قولي أرْجو الله أن يُكْرِمَهُ ! الإنسان أحْيانًا يحْتَقِرُ شَخْصًا، طبعًا مُتَلَبِّس بالمعاصي والآثام، مَن أدْراك أنَّ هذا الشَّخص إذا تابَ إلى الله توبةً نصوحة وجدَّ في السَّعيِ إلى الله تعالى يسْبِقُكَ ؟! ونحن لا نُبالِغ كما يفْعل بعض الناس، حيث تجدُهُ مُتَلَبِّس في شُرب الخمْر والزِّنا، ثمَّ نقول: قد يكون هذا ولِيّ !!! هذا تشْويش في الدِّين، فالخمر خمر، والزِّنا زنا، فالعاصي عاصي، ولكن هل تدْري كيفَ يُخْتمُ له عملُهُ ؟ لعلَّهُ يتوب، ويسْبِقُكَ، وهذا مِن دواعي التَّأدُّب مع الله عز وجل. إذًا مِن شان الله أنَّه بِيَدِهِ مصيرُ خلْقِهِ، ومِن شأن الله أنَّه كفى به خبيرًا بصيرًا بِذُنوب عِبادِهِ، ومن شأن الله أنَّهُ أعلَمُ بِمَن اتَّقى مِن خلْقِهِ، قال تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ اتَّقَى(32)﴾ [سورة النجم] فلا تمدحْ نفسَك ولا تذُمّها ولا تُزكِّي على الله أحدًا، فإن كنتَ فاعِلاً فقل: والله أعلم، والدليل أنَّ سيّدنا عملا لمَّا اسْتخلفهُ سيِّدنا الصِّديق، تأثَّر الصَّحابة، فقالوا له: ألا تخاف الله عز وجل، اسْتَخْلفْتَ علينا عمر ؟ فقال سيِّدنا الصِّديق: والله لو سألني ربِّي لِمَ اسْتَخْلفْتُه لقلت: لقد اسْتخلفْتُهُ عليه لأنِّي وجدْتُهُ أرْحَمُهُم !! فإنْ بدَّل وغيَّر فلا عِلم لي بالغيب !! هذا هو الأدَب، ولذا التَّأدُّب مع الله أنَّك لا تمْدح إنسانًا إلا مع التَّحَفُّظ ؛ أحسبه كذا ولا أُزكِّي على الله أحدًا، أما المديح القطعي فهو ليس مِن شأنِكَ أنت، بل هو مِن شأن الله، فلا أحدَ يعلمُ مصائِر العباد إلا الله، هناك رجل في الهند بلغَ من علوم الدِّين مبلغًا لا يوصَف، ونهايتُهُ أنَّهُ ادَّعى الألوهِيَّة !! لماذا قال الله عز وجل: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ [سورة الإسراء] لِمَ لمْ يقُلْ ربِّ اجْعَلني صادِقًا ؟ لأنَّه قد تَدخُل صادِقًا ولا تخْرُجُ صادِقًا، فقد يُفْتَنُ الإنسان ضِمْن العمل الصالح، وقد تزِلُّ قدَمُه، فلذلك لا أحَدَ يعْلمُ مصائِر الخلق إلا الله، فالمعْصِيَة معْصِيَة، والطاعة طاعة، ولكِنَّ هذا الطائر لعلَّهُ تزِلُّ قدَمُه، ولعلَّهُ يُفتَن وهذا العاصي لعلَّهُ يتوب، وفي التاريخ الإسلام كِبار كبار العلماء كانوا عُصاة، وقُطَّاعُ طُرُق، وكانوا مُجْرمين وقتَلَة، والصُّلحة بِلمْحة، وإذا رجَعَ العبد العاصي إلى الله نادى مُنادٍ في السماوات والأرض أنْ هنئوا فلانًا فقد اصْطَلَحَ مع الله ! فالنبي يرْجُو مِن ربِّه كُلّ خير، ولكنَّهُ أديبٌ مع الله، يقول: أرْجو الله أن يرْحَمَني، وأرْجو الله أن يُدخِلني الجنَّة. سبحان الله ؛ سَمِعتُ شريطًا لأحد المدرِّسين، يقول لِتلامِذَتِهِ: أنتم غدًا تحتاجون إليّ في الجنَّة !! وكأنَّهُ ضَمِنَ دُخول الجنَّة !! فهذا سيِّدنا عمر يسأل حذيفة رضي الله عنهما ؛ بِرَبِّكَ هل اسمي مع المنافقين ؟ فسيِّدُنا عمر مُبشَّر بالجنَّة، فَمِن شِدَّة خوفِهِ مِن الله سأل حُذيفة هل أُدْرِجَ اسمُهُ مع المنافقين ! لأنَّ النبي عليه الصلاة والسلام أمْلى على حُذَيفة ابن اليمان أسماء المنافقين، والمؤمن يتقلَّب في اليوم الواحد بِأربعين حالة من شِدَّة خوفه من الله، وأما المنافق فيبقى على حالٍ واحِدٍ أربعين عامًا. فهذا ابن أبي مليْكة التقى بأربعين صحابي كلُّهم يَخشى على نفْسِهِ النِّفاق لذا إن قلنا رضي الله عن إنسان فهذه ليس تَقريرِيَّة ولكن دُعائِيَّة، أي نرْجو الله أن يرْضى عنه. قال تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (9)﴾ [سورة الأحقاف] قلتُ لكم سابقًا إنَّ أعداء الإسلام يطفون على النبي طابع العبْقرِيَّة والذَّكاء فهو كذلك ولكنَّه نبِيٌّ يوحَى إليه، وهو ناقل أمين على وحي السَّماء، والله جلَّ جلاله خاطبَهُ وقال: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ(272)﴾ [سورة البقرة] وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ(107)﴾ [سورة الأنعام] فالتَّأَلي على الله أن تُوَزِّع ألقاب الإيمان والكفر والشِّرْك بِبَساطة وسُهولة وأنت واثِقٌ مِن نفْسِك، وهذا مُخالفة شَرْعِيَّة كبيرة سمَّاها العلماء التَّأَلي وهي أن تُحِلَّ نفْسَكَ محلَّ الوَصِيّ، ومحلّ الذي يعلم الغيب ومحلَّ الذي يعلم مصائر الخلق، وتقول: هذا كذا، وهذا كذا. قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْراً مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ (11)﴾ [سورة الأحقاف] الكافر يدَّعي أنَّهُ ذكِيّ بِدَليل أنَّهُ يتوهَّم أنَّه على حق، والآخرون على باطل فلو كان الدِّين خيرًا ما سبقونا إليه، والجواري كما قاله أحد الأنبياء الكرام قال تعالى: ﴿ قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ(28)﴾ [سورة هود] إذا الإنسان ما ذاقَ العَسَل في حياته، وأقْسَمَ يمينًا مُعظَّما أنَّ أطْيبَ شيءٍ أكلَهُ في حياته هو الدِّبس ! هو صادِق لأنَّه ما ذاق العسَل فالكافر حاله هكذا فهو ما ذاق طعْم الإيمان، وطَعْم القُرْب، ومشاعر الإيمان، فالإيمان يذوقُهُ الإنسان، والإيمان له حلاوة، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: من غضَّ بصرهُ عن محارم الله أورثه الله حلاوةً يجدها في قلبه. أيها الإخوة الكرام، هذه الآية مِحْورُها ؛ إيَّاك أن تقول آيةً تتجاوَزُ بها قدْرَكَ، ورَحِم اله عبْدًا عرفَ قدْره، فوَقَف عنده، والله هو وحْده الخبير بِذُنوب عبادِهِ، قال تعالى: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا(17)﴾ [سورة الأسراء] وقال تعالى: ﴿ فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ اتَّقَى(32)﴾ [سورة النجم] والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#390 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة الاحقاف ( 46 ) الدرس الثالث الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيُّها الإخوة الكرام، الآية التاسعة والعشرون والتي بعدها من سورة الأحقاف، والتي تبدأ بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآَنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (29) قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (30) يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآَمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (31) وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (32)﴾ [سورة الأحقاف] أيها الإخوة، عندنا عذاب أليم، وهذا العذاب قد لا يحَتمِلُ الإنسان وبِمُجرَّد أن يُجيب داعِيَ الله أيْ أن يستجيب له، فربُّنا عز وجل يقول: ﴿ يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآَمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ [سورة الأحقاف] ماذا تُفيد مِن هذه ؟ لماذا لم يقل ربنا عز وجل يغْفر لكم ذنوبكم ؟ علماء التفسير قالوا: هذه مِن تُفيد التَّبعيض، يعني يغْفر لكم بعض ذُنوبِكم التي بينكم وبينه، أما التي بينكم وبين العباد فلا تُغْفر إلا بالأداء أو المُسامحة، فإمَّا أن تؤدّي الحق وإما أن يُسامِحَك، لذلك الذي يتوهَّم أنَّه إذا ذَهَب إلى الحج غفرَتْ له كلّ ذنوبه، فهذا وَهمٌ خاطئ، فالذُّنوب لا يُغْفَرُ منها إلا التي بينك وبين الله، أما التي بينه وبين العباد فلا بدّ أن يؤدِّيَها، حتَّى لا يقعَ الإنسان في وَهم. قال تعالى: ﴿ يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآَمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ [سورة الأحقاف] والحقيقة أنَّ أَكْمَل شيءٍ في الإنسان أن يسْتجيب للدَّعوة البيانِيَّة، وهو صحيح مُعافى قَوِيٌّ، وغنِيٌّ عن الناس، ولأنَّ النبي صلى الله عليه وسلَّم يقول: اللَّهمّ من أحبَّني فاجْعَل رِزْقهُ كفافًا، هكذا دعا لنا النبي عليه الصلاة والسلام، ثمَّ إنَّ هناك حقيقة ثانِيَة، وهو أنَّ الذي يُحِبُّ رسول الله لا بدَّ مِن أن يُنْفِقَ ماله على حُبِّه، لأنّ أحدًا سألهُ فقال: يا رسول الله، إنِّ أُحِبُّك فقال: اُنظر ماذا تقول ؟ هذا الفقْر اسْمُهُ فقْرُ الإنفاق ويُقابِلُهُ كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ(34)﴾ [سورة التوبة] فالمؤمن الذي أحبَّ الله ورسوله تجدهُ يُنْفقُ، فإذا افْتَقر فهذا فقْر الإنفاق وعندنا فقر الكسل ؛ هذا مذموم والإنسان محاسب عليه، ويوجد فقر القدَر ؛ الإنسان معذور ؛ إذْ أنّه قضاء الله وقدره، فالإنسان العاجز، والإنسان كفيف البصر، والمُصاب بشلل طفل عنده كساح هذا فقير إنه لا يستطيع أن يكسب قوت يومه فهذا فقير فقر القدر، أما إنسان كسول مهمل، لا يتقن عمله، ولا يداوم، وينام إلى الظهر، وإذا عمل عملا لا يتقنه، يسوِّف، يماطل، يهمل، فهذا إذا فتقر ففقره عقاب، اسْمُهُ فقْر الكسَل، ونحن عندنا فقْر القَدَر، وفقْر الكسَل، والفقْر الثالث هو فقْر الإنفاق ؛ فالصحابة الكرام كانوا يُنفقون أموالهم في سبيل الله، والنُّقطة الدقيقة أنَّه يستحيل عليك أنْ تُحِبَّ الله، وتُحِبَّ رسوله وأن تكْنِزَ الذَّهَب والفِضَّة، ولأنّ الله عز وجل يقول: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(35)﴾ [سورة المائدة] فإذا الإنسان أحبَّ فتاةً، وخطَبَها وعقَدَ عليها، فلا يأتيها إلا ومعه هدِيَّة وهذا شيء معقول، فالمؤمن إذا أحبَّ الله عز وجل يُقَدِّم له هَدِيَّة، أن يُنْفقَ مِن ماله على عباد الله تعالى، مرةً دُعيت إلى طعام لأيْتام، فالطَّعام نفيس جدًّا، وليس مِن صُنع المطاعم، ولكن مِن صُنْع البيوت،علمت أن هناك أسر تتنافس وتأخذ دور كي تصنع طعام للأيتام في رمضان، وهذا شيء جميل جدًّا، فالإنسان حينما يحب الله يبحث عما يرضيه، عن عملٍ يرضيه، عن إنسان يكرمه، لذلك المؤمن ينفق ماله، وإذا افتقر المؤمن فهذا ليس فقْر قَدَر ولا فَقْر كَسَل إنما فقر إنفاق، قال: انظر ما تقول قال: والله إني أحبك، قال:إن كنت صادقا فيما تقول لَلفقر أقرب إليك من شِرْك نَعْلَيْكَ، لذا أجمل شيء أن تستجيب لله وأنت صحيح معافى، وأنت قوي شاب وغَنِيّ، لكن الإنسان قد لا يسْتجيب فيأتي التَّأديب، فهو إن اسْتَجاب مع التَّأديب فهذا شيءٌ جيِّد، لكنَّ الأَجْوَدَ منه أن يستجيب إذا دُعِيَ إلى الله عز وجل، وأحيانًا يُعطي الله تعالى هذا العبد التائِهَ الشارد الدُّنيا، فنقول: الأولى أن يشْكر فإذا لم يسْتَجِب، ولم يشْكر، ولم يَتُب، فهذا موتُهُ خير مِن حياته، وهذا يأتي القَصْم فَيُنْهيه، قال تعالى: ﴿ يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآَمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ [سورة الأحقاف] أي لا تسْتَطيعوا أن تُجيبوا داعِيَ الله إلا إذا آمنْتُم به، لأنَّك إذا عرفتَ الأمر، ولم تعرف الآمر تفنَّنْتَ في معْصِيَة الآمِر، وفي حِيَلٍ تتهرَّبُ بها من طاعته أما إذا عرفْتَ الآمِر، ثمّ عرَفْتَ الأمْر تتفانى في طاعته. الجواب، قوله تعالى: ﴿ يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآَمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ [سورة الأحقاف] في الدنيا مغفرة وفي الآخرة نجاة من عذاب أليم، قال تعالى: ﴿ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ(185)﴾ [سورة آل عمران] ثمَّ قال تعالى: ﴿ وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (32)﴾ [سورة الأحقاف] قال له عليه الصلاة والسلام: قل آمنت بالله ثم استقم..."، فقوله ليس بِمُعْجِزٍ أي لا يستطيع أن يتفلَّتَ من ملَكِ الموت، وتُرْوى قِصَّة رَمْزِيَّة وهي أنَّ سليمان الحكيم كان عنده إنسان، وكان عندهُ ملَكُ الموت، فصار ملكُ الموت يُحدِّقُ في هذا الإنسان فسأل هذا الإنسان سليمان ؛ مَن هذا الذي يُحدِّق فيَّ ؟ فقال: ملَكُ الموت فانْخَلَع، وطلبَ منه أن يُرْسِلَهُ إلى أقْصى الدُّنيا على بِساطٍ الريح ! فَنُقِلَ إلى الهِنْد، بعد يومين ماتَ هناك، فسُليمان الحكيم سأل ملك الموت: لماذا كُنْتَ تُحِدُّ في البصَر ؟ فقال له: عَجِبْتُ له أنا كان معي أمْر قبْض روحِهِ بالهِند فما الذي جاء بِهِ هناك ؟! فكلُّ مَخلوقٍ يموت، ولا يبقى إلا ذو العِزَّة والجبروت، الليل مهما طال فلا بدَّ من طلوع الفَجر، والعمر مهما طال فلا بدّ مِن نزول القبر. قالوا: أنَّه بِقديم الزَّمان كان هناك ملِك جبَّار وبطَّاش، غضِبَ على أحد رعاياه، وكان يعْملُ نجَّارًا، فطالبَهُ بمائة كيس نجارة، فأدْرَكَ النَّجار أنَّه قاتِلُه، لأنَّ الطَّلَب مستحيل، فودَّع أهله، وكتَب وصِيَّتَهُ، ومع الفجْر طُرِق الباب، فقبَّل أهْلهُ وذهب لِيُقْتَل، فإذا الخَبَر أنَّ المَلِك هو الذي مات ! قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ﴾ [سورة الأحقاف] فَسُبحان مَن قهَر عبادهُ بالموت ! فلا بدّ من الموت، فهذا معنى. المعنى الثاني، لا يستطيع المؤمن لإنسان مهما كان قوِيًّا أن يتفلَّتَ مِن عِقاب الله، كنتُ عندَ طبيب، وجاءَهُ اتِّصال هاتفي من طبيب، فالذي سَمِعتُهُ، وكنتُ قريبًا من الهاتف، قال له: أيّ مكان بالعالم، وأيّ مبلَغ نحن جاهزون له ! فقال له الطبيب: والله لا يوجد أمَل ! فالسَّرَطان في الدَّرجة الخامسة، فالمرض يأتي أحيانًا في أوج نشاط الإنسان. أيها الإخوة، كلمة قاسي هي كلمة توصف بها المواد التي تُقاوِم قِوى الضَّغط، فأقسى عنصر في الأرض هو الألْماس، وعندنا قِوَى الشَّدّ فالله تعالى: ﴿ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ(183)﴾ [سورة الأعراف] فما معنى متين ؟ أمْتَنُ شيءٍ الحِبال الفولاذِيَّة فالتِّيليفريك يُحمل بها، أما أقسى شيءٍ هي الألماس، فالإنسان مهما كان قَويًّا، ومهما كان جبَّارًا، ومهما كان ذَكِيًّا، ومهما كان مُتَمَكِّنًا فالحَبْل متين لا ينْقَطِع، وبِلَحظة واحِدَة يأتي في قبْضَةِ الله، قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ﴾ [سوة الأحقاف] الإنسان في الدنيا له جماعة، وأنصار وأقْرباء وأعوان، وقد يقع الإنسان بِوَرْطة فيتَّصِل بفلان وفلان، أما في الآخرة قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمْ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُمْ مَا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ(94)﴾ [سورة الأنعام] والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| الكلمات الدليلية (Tags) |
| القران, الكريم, تفسير, صور, كاملا |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 5 ( الأعضاء : 0 , والزوار : 5 ) | |
| أدوات الموضوع | إبحث في الموضوع |
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| امثال من القران الكريم | السعيد | رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة | 36 | 08-21-2018 07:54 AM |
| الفواكه المذكورة في القران الكريم | السعيد | رِيَاضُ الإعْجَازُ القُرْآنــي | 3 | 11-16-2017 07:22 PM |
| اشهر قراء القران الكريم | السعيد | رِيَاضُ الإعْجَازُ القُرْآنــي | 2 | 11-13-2017 11:19 AM |
| مد التاءات وقبضها في القران الكريم | عاشقة الأنس | رِيَاضُ أَرْوِقَةُ الأُنْس | 6 | 10-31-2015 01:34 PM |
| قصة نبي ورد ذكره في القران الكريم ، بحث عن قصة نبي ورد ذكره في القران الكريم | سجى | ريآض سيرة الصحآبة رضوآن الله عليهم أجمعين | 1 | 09-17-2014 11:17 AM |