| كَلِمةُ الإِدَارَة |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
| جديد المواضيع |
| رِيَاضُ الإعْجَازُ القُرْآنــي ( الاعجاز العلمي و البياني وتفسير الآيات والعلوم القرآنية) |
الإهداءات |
![]() |
|
|
|
أدوات الموضوع | إبحث في الموضوع |
|
|
#301 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة سبأ ( 34 ) الدرس الثانى الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيُّها الإخوة الكرام، في سورة سبأ قصص كثيرة من أبرزها قصة سيدنا داود و قصة سيدنا سليمان وقصة قوم سبأ. نستفيد من قصة سيدنا سليمان أن اله سبحانه وتعالى حينما قال: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ (14)﴾ [سورة سبإ] فسيدنا سليمان سُخِّرت له الجن والطير والريح، فقد كلَّف الجنَّ بأعمال مجهدة ومات، و عصاته حينما أكلتْها دابة الأرض ونخرتْ انكسرت فخرَّ سليمانُ على الأرض ولو أنهم يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين. نستنبط من هذه الآية الكريمة أنَّ أحدا في الأرض لا يعلم الغيب، قال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ(65)﴾ [سورة النمل] وهذه القصة وهذه الآية وتلك الحقيقة يمكن أن تنفي من خلالهما آلاف القصص، لا أحد في الأرض يعلم الغيب إلا الله، وكل أقوال الكهان والسحرة افتراءات باطلة، قال عليه الصلاة والسلام (( حَدَّثَنَا خِلَاسٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَالْحَسَنِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ أَتَى كَاهِنًا أَوْ عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ )) [رواه أحمد] وقال: من أتى ساحرا فصدقه لم تُقبل منه صلاة أربعين يوما وبين العوام آلاف القصص تُروَى أن فلانا علم الغيب و فلانا قال كذا والذي قاله وقع، فأنت حينما تؤمن أن إنسانا كائنا من كان يعلم الغيب تكذَّب القرآن لأنه لا يعلم الغيب إلا الله، وقد أُمر النبي أن يقول لمن حوله كما قال تعالى ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ ﴾ [سورة الأنعام] و قال تعالى: ﴿وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنْ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِي السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ(188)﴾ [سورة الأعراف] العقيدة الصحيحة تحتاج إلى تنقية، لأن آلاف القصص يرويها العوام مُؤدَّاها أن من الناس من يعلم الغيب إلا أن الأحاديث الصحيحة التي قالها النبي صلى الله عليه وسلم في شأن آخر الزمان من الغيب الذي أطلعه الله عليه، فإذا قلنا: لا يعلم الغيب إلا الله ؛ أي بذاته، أما إذا أطلع الله أحد أنبياءه على ما سيكون هذا غيب و لكن بإعلام الله له قال تعالى ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا(26)﴾ [سورة الجن] فكل أحاديث آخر الزمان و أحاديث قيام الساعة التي تنبَّأ النبي صلى الله عليه وسلم إنما أعلمه إياها ربُّه، أما إنسانا يعلم الغيب بذاته فهذا شيء مستحيل، فلذلك القرآن ميزان و مقياس، فأيَّة قصة مهما بدت محكمة و مهما بدت واقعية بأن فلانا يعلم الغيب فلك أن تركلها بقَدَمِك من خلال هذه الآية، قال عليه الصلاة والسلام: من أتى كاهنا..." و من هو الكاهن؟ هو الذي يتنبَّأ بالغيب، لذلك ما يلجأ إليه الناس في المجلات لمعرفة حظ الأسبوع وقراءة هذه الزاوية حرام لأنك بقراءتك لها فإنك تصدق من كتبها و لا يعلم الغيب إلا الله، والمنجِّمة في النزهات الإصغاء لها حرام، فنجان القهوة و تصديق فاعله حرام، كل تنبُّإ بالغيب تكذيب لآيات القرآن، ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ(65)﴾ [سورة النمل] من كان صدِّق قبل خمس سنوات أن نصف الأرض القوي ينهار ؟ من قال بهذا وُضع في المستشفى، النبي عليه الصلاة والسلام كان عند أحد أصحابه الذين توفَّاهم الله عز وجل، وهو مُسجًّى، وكان من عادة النبي أنه إذا مات أحد أصحابه ذهب إلى بيته، فسمع امرأة تقول: هنيئا لك يا ابن السائب لقد أكرمك الله فقال عليه الصلاة والسلام: ومن أدراكِ أن الله أكرمه ؟ قولي أرجو الله أن يكرمه من خلال آيات القرآن الكريم والأحاديث الصحيحة لك أن تركل بقَدَمِك آلاف القصص التي يتعلق بها العامة، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ (14)﴾ [سورة سبإ] فالله عز وجل وكَّل سيدنا سليمان بأمر الجن و كلفهم بأعمال شاقة، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ (14)﴾ [سورة سبإ] وهذه آية من أوضح الآيات على أن مخلوقا ما كائنا من كان لا يعلم الغيب. عِظَةٌ أخرى من قصة قوم سبأ، قال تعالى: لَقَدْ كَانَ لسبأ فِي مَسْكَنِهِمْ ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آَيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (15)﴾ [سورة سبإ] وهناك آية أخرى في هذه القصة تلق في قلب الإنسان كلَّ الطمأنينة إذا كان مستقيما، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (17)﴾ [سورة سبإ] استفهام إنكاري، فكن مستقيما ولك عند الله معاملة خاصة قال تعالى: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمْ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ(61)﴾ [سورة الزمر] قال تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ(87)﴾ [سورة الأنبياء] فأنت إذا استقمت على منهج الله فلك معاملة خاصة ولو كنت في طوفان المعاصي و لو كنت في مجتمع متفلِّت فاسد ومنحط ؛ إن استقمتَ على أمر الله في أي مجتمع فلك معاملة خاصة و الدليل قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ(30)﴾ [سورة فصلت] هذه الآية لِتبقى في ذهنك ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (17)﴾ [سورة سبإ] أي في كل التاريخ يا عبادي هل رأيتم أني أهلكت إنسانا مستقيما أو دمَّرت قرية صالحة ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (17)﴾ [سورة سبإ] قال تعالى ﴿ وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا(59)﴾ [سورة الكهف] وقال تعالى ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ(117) ﴾ [سورة هود] ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (17)﴾ [سورة سبإ] أنت عليك أن تطيع الله وعلى الله أن يحفظك و يرعاك ويؤيدك وينصرك، أما إذا تفلَّت المسلمون من أمر الله و منهج ربهم ولا فرق بينهم وبين الكفار إلا بالانتماء الشكلي ؛ فهذا الانتماء الشكلي لا قيمة له وهناك شيء آخر قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً آَمِنِينَ (18)﴾ [سورة سبإ] و من شدَّة الرخاء والأمطار والبساتين بلادهم متصلة، و علامة الرخاء اتصال البناء وعلامة القحط تباعد البناء فقال قوم سبأ شيئا يصعب تصديقه، قال تعالى: ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ [سورة سبإ] أي اجعل بلادنا قاحلة و جرداء و باعد بين قرانا، وهل هناك إنسان في الأرض عاقل يدع بهذا الدعاء ؟! بماذا فسره المفسِّرون، قالوا يا رب امحق رزقي،: إن الإنسان إذا عصى ربه كأن لسان حاله يقول: يا ربي دمِّرني يا ربي أهلكني، ومثله الإنسان المدخِّن الذي يعلم أضرار التدخين، كأن لسان حاله يقول: يا مرض تعال إليَّ، والعلماء قالوا: الذي يعصي ربه لسنُ حاله يقول: يا ربي دمرني يا ربي أهلكني يا ربي امحق رزقي يا ربي أنزل بيَ النوازل ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ [سورة سبإ] و العرب بالأندلس لما فتحوها مخلصين نصرهم الله، فلما التفتوا للموشحات والغناء والخمور والجواري خرجوا منها وقد ذُبِّحوا وقتِّلوا فالذي يعصي ربه كأنه يقول: ربي دمرني، ربي أتلف رزقي، هذا هو معنى الآية، أما الإنسان ذو العقل لا يقول هذا الكلام، بلاد متصلة وكلها رخاء ؛ جنات و أنهار و بساتين و أسعار رخيصة، و سيدنا شعيب لما قال لقوم سبأ كما ذكر الله تعالى عنه في كتابه: ﴿إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ(84)إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ(84)﴾ [سورة هود] فما معنى بخير ؟ فسَّر العلماء هذا الخير بوفرة المواد و رخص الأسعار، وفي حالة أشد، وفرة المواد و ارتفاع الأسعار و في حالة أشد لا مواد ولا أسعار، فوفرة المواد ورخص الأسعار هذا هو الخير أم وفرتها و غلاؤها هذا بعض الشر، أما عدم وفرتها و ندرتها هذا شرٌّ من الشر. أيها الإخوة، قال تعالى: ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ [سورة سبإ] كانوا أقواما فجعلناهم أحاديث، لذلك كان النبي عليه الصلاة والسلام يدعو فيقول: اللهم لا تجعلني عبرة لأحد من خلقك" و أنا أقول لكم إن الحياة مسرح فيها مقاعد للمشاهدين وفيها خشبة مسرح، فإن استقمتَ على أمر الله و التزمتَ منهجه لك مقعد مع المشاهدين أما إذا لم تستقم على أمره ولم تلتزم منهجه لابد من أن تُجَرّ إلى خشبة المسرح وأن تُضرَب ضربا مبرَّحا لتصبح قصة تُروَى ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ [سورة سبإ] كانوا قوما ملء السمع والبصر ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (19)﴾ [سورة سبإ] والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#302 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة سبأ ( 34 ) الدرس الثالث الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيُّها الإخوة الكرام، الآية السادسة و الأربعون من سورة سبأ وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (46)﴾ [سورة سبإ] الموضوع في هذه الآية أن الله سبحانه وتعالى لا يقبل عقيدة بالتقليد ولا يقبلها إلا بالتحقيق، فالإنسان إذا استمع إلى خطبة أو إلى درس ولم يتفكّر فيما سمع ولم يطالب بالدليل ولم يبحث عن التعليل و لم يتبنَّ هذا الذي سمعه فكأنه ما سمع، لأنه لو قبل الله من عبد كائنا من كان أن يعتقد عقيدة من دون تحقيق لكانت كل الطوائف المنحرفة معهم الحُجة على الله يوم القيامة، فكل أصحاب الملل والنحل يقولون كما حكى الله عنهم فقال تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ(23)﴾ [سورة الزخرف] فكل أصحاب الملل والنحل المنحرفون هؤلاء ما ذنبهم ؟ لذلك ربنا سبحانه و تعالى أمرنا في آيات كثيرة، فقال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ(117)﴾ [سورة المؤمنون] و قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا(36)﴾ [سورة الإسراء] أنت في الدنيا تدقِّق و تسأل و تحقِّق و توازن، لماذا لا تفعل هذا في حقِّ الآخرة ؟ وفي شأن العقيدة، فالنقطة الدقيقة هو أنه أيَّة آية في كتاب الله إذا فيها أمر فتقتضي الوجوب وما تخلَّف المسلمون إلا حينما مسخوا دينهم إلى عبادات تُؤدَّى بلا مضمون، أمَّا كل أمر في كتاب الله فيقتضي الوجوب، مثلا ؛ قال تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ(119)﴾ [سورة التوبة] فأنت مأمور بنص القرآن أن تكون مع المؤمنين و مع الصادقين، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ(90)﴾ [سورة النحل] فأنت مأمور أن تكون محسنا، ولو تتبعتم الآيات الكريمة التي فيها أوامر جليلة من الله عز وجل، كل أمر من هذه الأوامر يقتضي الوجوب، هذا فضلا عن الصلاة و الصيام والزكاة والحج التي فهم الناس أنها هي الإسلام ؛ مع أن الإسلام منهج كبير ودقيق وتفصيلي و متكامل، هذا أمر من الأوامر التي قد تغيب عن معظم المسلمين، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (46)﴾ [سورة سبأ] أي عليكم أن تتدارسوا هذا الدين و أحكامه و أوامره وشرائع هذا الدين أن تدرسوا القرآن الكريم وأن تصغوا إلى تفسيره وتسألوا عن محكمه و عن متشابه وعن أمره و نهيه وعن حلاله وحرامه وعن أخباره الماضية والحاضرة والمستقبلة قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (46)﴾ [سورة سبأ] فماذا يمنع أن يكون بين الجيران و بين الإخوة و الأقرباء لقاء دوري تُدرَس فيه بعض آيات القرآن وبعض أحاديث رسول الله و بعض أحكام الفقه، نقرأ القرآن أمام بعضنا بعضا، فجلسة على مستوى أبٍ و أولاده و أخ و إخوته و جارٍ و جيرانه، لقاء أسبوعي، لو تدارسوا كلام الله و تدارسوا حديث رسول الله و تدارسوا فحوى هذه الدعوى ليس هناك من ليس له لقاءات أسبوعية للولائم على مستوى أصدقاء تجار و موظفين، هذه اللقاءات التي فيها الغيبة والنميمة و الكلام الذي لا يرضي الله أو الكلام المباح لكنه يفرق ولا يجمع، ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (46)﴾ [سورة سبأ] فلنوازن بين أمر الله عز وجل وبين ما يفعله الناس، الفكر سلطان ولما يعطل الإنسان فكره و يتلقى تلقِّيًّا بدون تمحيص يمرُّ عليه كل دلالة، والمشكلة أن الإنسان أحيانا يكون خاليا، وقد قال أحد الشعراء: عرفتُ هواها قبل أن أعرف الهوى فصـادف قلبـا فارغا فتمكَّنا إذا الإنسان سمع ضلالة أو شبهة أو طرحا معيَّنا أو تفسيرا منحرفا و ليس عنده ميزان و ليس عنده ضوابط يقبل هذا الضلال و يقبل هذه الشبهات فإذا قبلها تمكنت منه وانبنى سلوكه عليها، هذا هو الضلال المبين، ما الذي يعيدك إلى جادة الحق ؟ أن تتعلم أصول الدين فمشكلة الناس ـ و أقول كلاما خطيرا ـ لا يفقه شيئا عن أصول الدين ولكنه يدرس الشبهات، ماذا قال كتاب " قراءات معاصرة " ماذا قال فلان، يقرأ كل كتب فيها ضلالات وانحرافات و يدع أصول الدين ليصل إلى خلافات المسلمين، و أنت لستَ أهلا، و أوضح مثل لهذا أن طالبا يحمل الكفاءة و نوى أن يصير طبيبا، هل هذا ممكن أن ندخله في متاهة وجهات النظر المتباينة بين جراحة القلب في أمريكا وجراحة القلب في روسيا هل ممكن هذا ؟ ليس ممكنا، و إذا أراد أن يقفز إلى هذه الخلافات و تلك المعضلات ولم يدرس بعد قواعد الطب ولا أسس الطب و لا علم التشريح و لا علن الفيزيولوجيا ولا علم الأمراض ولا علم الأدوية، هذا هو حال المسلمين، الكتاب أصل و السُّنة أصل و الأحكام الفقهية أصل و السيرة أصل فهل قبل أن نقرأ الدين في أصوله نقفز إلى الشبهات وإلى الخلافيات و إلى ما طُرِح في الأسواق و إلى مناحرات العلماء و خلافاتهم، مادة دسمة ومغرية فترى الناس ينصِّب نفسه حَكَما على العلماء وهو لم تبتل بعد قدمُه ببحر المعرفة، ولا يعرف أحكام الصلاة، فلذلك قبل أن نصل إلى الخلافيات إلى ما يفرقنا وما يمزقنا ويجعلنا مللا و نحلا و إلى ما يضعف قوتنا، ينبغي أن نفهم أصل ديننا، آيات القرآن المحكمة كثيرة جدا، الآيات المتشابهة قليلة تعد على أصابع اليد، فدعْك من هذه الآيات و افهم الآيات المحكمة، مليون موضوع متفق عليه و عشرات الآلاف من الأحاديث المتفق عليها الآلاف من الأحكام المتفق عليه فقبل أن تنتقل من المتفق إلى المختلف ؛هل أتقنت المتفق ؟ وهل أتقنت أصول الدين ؟ هل عرفتَ أحكام الشريعة، لو فرضنا أن هيئة طبية عالية جاءها مريض معه جلطة مستحكِمة في أماكن حسَّاسة و له أظافر طويلة هؤلاء الأطباء لو تركوا قلبه وقلَّموا أظافره ما قولكم ؟! مريض أظافره طويلة وقلبه خطير، تركوا قلبه و قلَّموا أظافره، هناك في المسلمين من يفعل هذا، فتجد شخصا قد ترك أصلا من أصول الدين وذهب يجول في أمور بعيدة عنه تماما، لذلك، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (46)﴾ [سورة سبأ] ليس عبقريا و ليس مصلحا اجتماعيا و لكنه رسول الله و نبي الله يُوحى إليه حتى حديثه وحي غير متلُوٍّ لقول الله عز وجل: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى(3)﴾ [سورة النجم] وهناك دعوة خطيرة جدا إلى ترك السنة، وأن نبقى في القرآن الكريم ولو صدر قانون من ثمانية وعشرين مادة ثم صدر مرسوم تفصيلي في مائة وخمسين مادة تبين أحكام القانون، فلو أغفلنا المرسوم و لم نعبأ به فهل نفهم القانون وحدنا ؟ وهل من الناس من يفهم القرآن بغير السنة، كم زكاة البقر ؟ وكم زكاة الإبل ؟ و كم زكاة عروض التجارة ؟ الله تعالى قال: ﴿ وَآتُوا الزَّكَاة ﴾ [سورة البقرة] في حكم إجمالي، أما النبي فقد فصَّل، ومن دون السنة كيف نصلي ؟ وكيف نؤدي مناسك الحج ؟ و كيف نصوم رمضان ؟ والله عز وجل يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [سورة الحشر] والذي يهمل السنة يعصي كلام الله عز وجل أين قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى(3)إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى(4)﴾ [سورة النجم] أين قوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ(44)﴾ [سورة النحل] اليوم وقع تحت يدي كتابا يدعو إلى ترك السنة كلها، فإذا قرأه شخص و أُعجب به لان عقله خالٍ، على قول الشاعر: عرفتُ هواها قبل أن أعرف الهوى فصـادف قلبـا فارغا فتمكَّنا فلو كان مطَّلعا على أصول الدين ينبذ هذا الكلام بشكل يسير و لا يقبله أتمنى على إخوتنا الكرام قبل أن نقحم أنفسنا في الخلافيات و في المتاهات وفي قضايا لا تقدِّم ولا تؤخِّر علينا أن نتقن أصول الدين و هذه الآية الكريمة: ٌ ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (46)﴾ [سورة سبأ] لقاء مع أخيك ومع أولادك و مع أصدقاءك وجيرانك ومع زملائك في حرفتك وفي دائرتك ﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ [سورة سبأ] قال تعالى ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا(36)﴾ [سورة الإسراء] قال بعض العلماء: الفؤاد إذا جاء مع السمع والبصر فهو الفكر ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا(36)﴾ [سورة الإسراء] لِم لمْ تفكر، قد يقول الواحد: سألت شيخا وهكذا قال لي، طيب عندك بيت و أردت أن تبيعه، خرجتَ من بيتك سألت صاحب مكتب عقاري كم ثمنه ؟ فقالَ كذا، فهل تبيعه له ؟ طبعا لا، ستسأل مائة مكتب عقاري، فلماذا في أمر بيع بيت تعدِّد السؤال و تستقصي وتبحث و تمحِّص، لذلك حتى لو عُرض عليك فكر منحرف ضال، أو كتاب مشبوه أو فكر يعطل أحكام الدين، أو فكر يريد أن يميِّع الدين إلى السلوك المعاصر، أو أن يربط الدين بالدنيا، والآن أيقن أعداء الدين أنهم لا يستطيعون أن يواجهوا الدين مباشرة فلجئوا إلى طريق آخر وهو طريق التفجير من الداخل عن طريق اصطناع فكر مزيَّف لإنهاء تمسك الناس بدينهم، هذه الخطة الجديدة لأعداء الدين، فهذه الآية ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (46)﴾ [سورة سبأ] والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#303 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة سبأ ( 34 ) الدرس الرابع الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيُّها الإخوة الكرام، الآية السابعة و الأربعون من سورة سبأ وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (47)﴾ [ سورة سبأ ] الإنسان أحيانا - كما يقول بعضهم - يكون ضحيّةَ داعيةِ منحرِف يقول لك: أنا ضحيَّتُه فما ذنبي ؟ لماذا لا تقرأ القرآن الكريم ؟ فقد أشار كتاب الله جل جلاله إلى صفاتِ الدعاة الصادقين، فقال تعالى: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ(20)اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ(21)﴾ [ سورة يس ] وما دام هناك مكاسب و منافع ومكانة و سيطرةٌ و مغنم فالدعوةُ مشبوهةٌ، أما إذا لم تكن هناك أيُّ علاقة بالدنيا قال تعالى: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (47)﴾ [ سورة سبأ ] و لو أن النبيّ عليه الصلاة و السلام أراد الأجرَ لشكَّ الناسُ في دعوته إلى تعالى: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (47)﴾ [ سورة سبأ ] فإن استقمتم فاستقامتكم لكم، و إن أحسنتم فهو لكم ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (47)﴾ [ سورة سبأ ] تصوَّروا إنسانا أعطى درسًا لطالب، و الدرس تعويضُه خمسمائة ليرة قال لك أحدهم وهو يملك كلَّ شيء: أعطِهِ و لا تأخذْ منه شيئا و أنا أعطيك على كلِّ درس مليون ليرة، فلما يعرف المؤمن ما عند الله من العطاء لاستصغر أن ينال على عمله أجرا، فلذلك المؤمن بنى حياتَه على العطاء، و أنه يرجو رحمة الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ(32)﴾ (سورة الزخرف) و لو جمع الإنسانُ في السنة مائة مليون ﴿وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ(32)﴾ [ سورة الزخرف ] هذه أولُ علامةٍ، قال تعالى: ﴿تَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ(21)﴾ [ سورة يس ] الآية الثانية قال تعالى: ﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ(108)﴾ [سورة يوسف ] فالدعوة إلى الله على بصيرة مع الحجة و البرهان و الدليل و المنطق و العقل و الفطرة و النقل، هذا هو الحق، دعوة الله لا تخشى البحث ودعوةُ الله تُلقَى تحت ضوء الشمس، ودعوة الله لا تخشى التدقيق ومهما دقَّقتَ فإنها من عند الله تعالى، وهذا معنى قول الله تعالى ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ(108)﴾ (سورة يوسف) هناك علامةٌ ثالثة، قال تعالى: ﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(18)﴾ (سورة آل عمران) من يشهد لك على عدالة الله تعالى فهو من أولي العلم، ومن شهد لك بعكس ذلك فهو جاهل، و مثال ذلك أن يقول لك: يمكن أن تفنيَ حياتَك في طاعته و يمكن ان يضعك في النار، أين قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه(7)وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه(8)﴾ (سورة الزلزلة) هذه دعوة لا تحبِّب الناسَ بالله تعالى و لا ترقى إلى الدعوة الصحيحة، قال يا ربي أيُّ عبادك أحبُّ إليك حتى أحبَّه بحبِّك ؟ ال أحبُّ العباد إليَّ تقيٌّ القلب نقيُّ اليدين لا يمشي إلى أحد بسوءٍ، أحبَّني و أحبَّ من أحبَّني و حبَّبَني إلى خلقي، يا داود ذكِّر عبادي بإحساني إليهم فإن النفوسَ جُبِلتْ على حبِّ من أحسنَ إليها و بغضِ من أساء إليها، فلو لقيْتَ صورةً غيرَ صحيحة عن الله تعالى تُظهِر أنه يظلم العبادَ، إنما هما قبضتان، فقبضةٌ إلى جنَّتي و لا أبالي و قبضةٌ إلى النار و لا أبالي، هذا الحديث يحتاج إلى تفسير طويلٍ، و قال، عليه الصلاة و السلام: لو لم تذنبوا.." فالإنسانُ مكلَّفٌ أن يحبِّب الناس بربهم عن طريق الفهم الصحيح و النطق الصحيح، لا أن ينقل نصوصا لا يفقه معناها فيُنفِّ الناسَ عن الله تعالى، و ما غضب النبيُّ غضبا أشدَّ من غضبه على أحد أصحابه حينما صلى و أطال، فقال له: إنما أنت منفر..." قال فكيف أحبِّبهم ؟ قال ذكِّرْهم بآلائي و نعمائي وبلائي، فآلاؤه تدعو إلى تعظيمه و نعماؤه تدعو إلى محبَّته و بلاؤه يدعو إلى الخوف منه. العلامةُ الأولى، ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (47)﴾ [ سورة سبأ ] و العلامة الثانية ﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ(108)﴾ (سورة يوسف) و العلامة الثالثة ﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(18)﴾ (سورة آل عمران) و العلامة الرابعة، قال تعالى: ﴿وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ(124)﴾ (سورة البقرة) متى جعله الله للناس إماما ؟ بعد أن امتحِن و نجح في الامتحان، قال تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ(24)﴾ (سورة السجدة) و قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا(39)﴾ (سورة الأحزاب) و لو أن هذا الداعي خاف غيرَ الله و سكت عن الحق إرضاءً للقوي و تكلَّم بالباطل إرضاءً له فماذا بقيَ من دعوته ؟ فكأن الله تعالى أشار في القرآن إشاراتٍ لطيفة إلى من ينبغي أن تأخذ عنه، قال تعالى: ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ(15)﴾ (سورة لقمان) و قال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا(28)﴾ (سورة الكهف) فالآية، قال تعالى: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (47)﴾ [ سورة سبأ ] فإذا طلب النبيُّ منا شيئا فهو لنا، كالصلاة و الحج و الصوم، و ضبط اللسان و الإقبال على الله فهو لنا، و ما طلب شيئا لذاتِه، و خرج من الدنيا كأن لم يكن شيئا، وكلُّكم يعلم أن النبيّ عليه الصلاة و السلام خيَّره سيِّدُنا جبريل: أتحبُّ أن تكون نبيًّا ملِكًا أم نبيًّا عبدًا ؟ قال: بل نبيًّا عبدًا،أجوع يوما فأذكره و أشبع يوما فأشكره، قال تعالى: ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (47)﴾ [ سورة سبأ ] أيها الإخوة الكرام، تطبيقًا لهذه الآية، إذا ليس للإنسان عملٌ خالصٌ لوجه الله تعالى لا يرجو منه سُمعةً و لا مكانةً و لا رزقا و لا مالا و لا مديحا إنما يبتغيه لوجه الله تعالى، هذا الذي ينفعه يوم القيامة لأن الإنسانَ لما يُوضَع في قبره، يقول اللهُ عز وجل: (( عبدي رجعوا و تركوك و في التراب دفنوك و لو بقُوا معك ما نفعوك، و لم يبقَ لك إلا أنا، و أنا الحيُّ الذي لا يموت )) فمهما كانت الجنازةُ عظيمةً رجعوا و تركوك، و في التراب دفنوك و لو بقُوا معك ما نفعوك و لم يبقَ لك إلا أنا، و أنا الحيُّ الذي لا يموت ثم قال تعالى ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ (50)﴾ [ سورة سبأ ] هذه الآية فيها معنى دقيقًا، أن الخيرَ من الله تعالى، والجنَّة محض ُ فضل من الله و الهداية محضُ فضل من الله و الاستقامة محضُ فضل من الله، و لكنَّ الشرَّ يتأتَّى من أنفسنا و من بعدنا عن منهج الله تعالى، قال تعالى: ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ (49) قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ(50)﴾ [ سورة سبأ ] ثم يقول الله تعالى في آخر هذه السورة: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [ سورة سبأ ] فالإنسانُ مركَّبٌ من جميع الشهواتِ و يأتي الموتُ فيحول بينه و بين كلِّ الشهواتِ ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [ سورة سبأ ] ولو عدَّد الإنسانُ مباهجَه في الدنيا، بيتًا و مركبةً و وليمة و سفرًا و زوجة و مكانةً كل هذه الشهواتِ التي إذا تعلَّق الإنسانُ بها سوف يُحالُ بينه و بينها عند الموتِ ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ﴾ [ سورة سبأ ] فمن هو العاقل ؟ العاقل هو الذي يُعِدُّ لهذه اللحظة أيها الإخوة الأكارم الإنسانُ يُولد و حوله يضحكون وهو يبكي وحده أما إذا مات فكلُّ من حوله يبكي، و بقيَ هو، فإن كان بطلاً يضحك وحده، دقَّقْ !! كلُّ إنسانٍ إذا جاءته منِيَّتُه كلُّ من حوله سيبكي، و بطولتُه تتبدَّى في أن يضحك وحده إذا بكى الناسُ حوله، لأن الله تعالى قال: ﴿ قِيلَ ادْخُلْ الْجَنَّةَ قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ(26)بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنْ الْمُكْرَمِينَ(27)﴾ (سورة يس) و مَنْ هو العاقل ؟ الذي لا يندم، و أيُّ ندمٍ يدلُّ على نقص في العقل و العقل كلُّ العقل في الإعداد لمفارقة الدنيا، لذلك قال عليه الصلاة و السلام: إن أكيسكم أكثركم للموت ذكرا و أحزمكم أشدكم استعدادا له ألا و إن من علامات العقل التجافي عن دار الغرور و الإنابة إلى دار الخلود و التزود لسكنى القبور و التأهب ليوم النشور و الكيس من دان نفسه و عمل لما بعد الموت، و العاجز من أتبع نفسه هواها و تمنى على الله الأمانيَّ " هذا هو العاجز، يقول: نحن عبيد إحسان و لسنا عبيدَ امتحان، و يقول: لا تسعنا إلا رحمتُه، هذه أمانيُّ، و الكيس من دان نفسه و عمل لما بعد الموت، و العاجز من أتبع نفسه هواها و تمنى على الله الأمانيَّ والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#304 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة فاطر ( 35 ) الدرس الاول الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيُّها الإخوة الكرام، في سورة فاطر آيةٌ كريمة هي الآيةُ الثانيةُ وهي قوله تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (2)﴾ (سورة فاطر) هذه الآية أيها الإخوة فيها معانٍ دقيقةٌ جدًّا، هناك دنيا و هناك المالُ و هناك السلطانُ وهناك النساءُ و هناك الطعام و الشراب و هناك البيت الفخمةُ و المزارع الغنَّاءُ، و هناك الأموال الكبيرةُ، هذه الدنيا، و هناك رحمة الله التي تجمع كلَّ شيء، وقد يعطي اللهُ المالَ و صاحبُه أشقى الناسِ، و قد يقتله أولادُه، وقد ُنهَى حياتُه بسب ماله، وقد يكون مالُه سببَ شقائه في الدنيا، و قد يأتيه المرضُ العُضالُ الذي لا ينفع معه المالُ، فأُعطِيَ المالَ و أُمسَكتْ عنه رحمةُ الله تعالى، و قد يُعطَى رحمةَ الله، و بمالٍ قليل يبارك اللهُ له فيه و يسعد أهلُه به و أولادُه وينفقه في طاعة الله، و كما قلتُ في البداية، المال الوفيرُ و النساء الجميلات و البيوت الفاخرة و المراكب الرائعة و الحدائق الغنَّاء و القصور ؛ هذه الدنيا، و رحمة الله تعالى شيءٌ آخر، قال تعالى: ﴿وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ(32)﴾ (سورة الزخرف) و قد يُحرَم الإنسان الولدَ و تأتيه رحمة الله، فهو أسعدُ الناس بها، و قد يأتيه أولادٌ أشرارٌ و بناتٌ منحرفاتٌ ينغَّصون حياتَه، و ليس معنى هذا أننا نرفض الولدَ، و لكن نريد رحمة الله، و ما أروعَ رحمةُ الله مع الأولاد و مع الأموال و مع الزوجة الصالحة، فربنا تعالى يقول: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (2)﴾ (سورة فاطر) وليس في الأرض كلِّها جهةٌ مهما قوِيتْ يمكن أن تحول بينك و بين رحمة الله تعالى، لذلك كلمة الحق لا تقطعه رزقًا و لا تقرِّب أجلا إذا طَلَبْتَ رحْمة الله تعالى نِلْتَها، ولكنَّ النبي عليه الصلاة والسلام كان في أعلى درجات الأدب،وكان يقول: اللهمّ إنِّي أسألك موجبات رحمتك..." فالأديب يسأل موجبات الرحمة، وقد يُعْطِيَكَ الله مرْتبةً اجْتِماعِيَّة فإذا هذه المرتبة سبب الحسَد، والكَيْد والعَدَاوة وتنتهي هذه العَدَاوة بِمَرَضِكَ وقد تأتيك رحْمة الله وتأتيك معها مرْتبةً دينِيَّة، فإذا الناس حوْلك مُحشبُّون ولك مُخْلصون، فأنت ما عليك إلا أن تطلبَ رحْمة الله، وكلّ شيءٍ من الله تعالى مَقْبول، فالفقْر مَقبول، والغِنَى مَقبول، والصِّحة مَقْبولة والمرض مَقبول، فكَمْ مِن صَحابيٌّ جَليل فَتَح البِلاد وهو مريض مرضًا شديدًا ! فَرَحمة الله عز وجل لا تتأثَّر لا بِمَرضٍ ولا بِخَوفٍ ولا بِقَلَق، ولكن ما تعريفها ؟ أردْتُ وأنا بِطَريقي إلى المسْجِد أردْتُ أن أضْرِبَ مثلاً، فلو أنَّ ملِكًا كبيرًا يمْلِكُ ممالِك كبيرة، ورضِيَ عن أحَدِ رعاياه ؛ بيتٌ ومركبة ومرتبة ومنْصِب وصلاحِيَّات، فهذا الملِكَ رضِيَ عن هذا الإنسان وملَّكَهُ ما يَحْتاج، فهذا مَلِكٌ مِن بني البشَر إن رضِيَ عن إنسانٍ أعْطاهُ كلّ شيءٍ، فإذا كان الواحدُ الدَّيان رضِيَ عن مؤمنٍ، فما معنى رحْمة الله مع هذا المؤْمِن ؟! الصِّحة ضِمْن الرَّحْمة، وكذا الزَّوْجة الصالحَة ضِمْن الرَّحمة والمكانة، إلا أنَّ هناك شيءٌ آخر، قال تعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنْ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ(72)﴾ (سورة التوبة) فإحْساس المؤمن أنَّ الله راضٍ عنه هذا شيءٌ لا يُقَدَّر بِثَمَن، ورحمة الله في الآخرة هِيَ النَّظَر إلى وجْهه الكريم ؛ الجِنان والحُور العين والوِلدان المُخلَّدون، والأنهار العسل واللَّبَن، كلّ ما وصَف الله لنا في الجنَّة لا يُعادِل رِضْوان الله عز وجل، والنظرُ إلى وجه الله الكريم لذلك ورد في بعض الأحاديث الصحيحة أن المؤمن ينظر إلى وجه الله الكريم فيغيب خمسين ألف سنة من نَشوة النظر، قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ(22)إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ(23)﴾ (سورة القيامة) و قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(107)﴾ (سورة آل عمران) اللهُ تعالى خالق الكون إذا أراد أن يسعدك يعرف كيف يسعدك من كلِّ النواحي و من كلِّ الألوان و الأشكال، فالإنسانُ لِيطلبْ رحمةَ الله اللهم رحمتَك نرجو فلا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، هكذا كان يدعو النبيُّ عليه الصلاة والسلام. فالعبرة أيها الإخوة من هذه الآية أن الله تعالى قد يعطي عبدَه المالَ وهو لا يحبُّه، قال تعالى: ﴿ إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنْ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾ (سورة القصص) وهو لا يحبُّه، و أعطى فرعونَ الملكَ وهو لا يحبه، و أعطى سليمانَ الملكَ وهو يحبه و أعطى عبد الرحمن بن عوف المالَ وهو يحبه، فرحمة الله لا علاقة لها بالدنيا، فقد تأتي و قد تذهب، و لكنَّ! رحمة الله شيءٌ ثمين جدًّا. فلذلك أيها الإخوة رحمة الله لها أسبابٌ، و لو أنكم قرأتم القرآنَ الكريمَ ما هي أسبابُ رحمة الله؟ قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ(56)﴾ (سورة النور) فثمنُ رحمة الله الطاعةُ، وهي بين يديكم، فكلُّ إنسان بإمكانه أن يطيع الله تعالى أطعْ أمرنا نرفعْ لأجلك حجبنا فإنا منحنا بالرضا من أحبَّنــا و لُذْ بحمانا واحتمِ بجنابنــا لنحميك ما فيه أشرارُ خلقنــا و عن ذكرنا لا يشغلَنَّك شاغلٌ و أخلصْ لنا تلقَ المسرَّة و الهنا و سلِّم لنا الأمرَ في كلِّ ما يكن فما القربُ و الإبعادُ إلا بأمرنا وجدناك مضطرًّا فقلنا أُدعونـا نُجِبْك، فهل أنت حقًّا دعوتَنـا دعوناك للخيرات أعرضْتَ نائيًا فهل تلق من يحسن لمثلك مثلَنا فيا خجلي منه إذا هو قال لـي يا عبد نا ما قرأتَ كتابـــنا أما تستحي منا و يكفيك ما جرى أما تختشي من عتقنا يوم جمعنا أما آنَ أن تقلع عن الذنب راجعا وتنظر ما به جاء وعدُنـــا أيها الإخوة، هذه الآية دقيقة جدًّ،قال تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (2)﴾ (سورة فاطر) قد يعطيك المالَ الوفيرَ و يحجب عنك رحمتَه، فإذا المالُ سببُ شقائك وقد يعطيك المنصبَ الرفيعَ و يحجب عنك رحمتَه، فإذا هذا المنصب سببُ شقائك و هلاكك، و قد يعطيك الذرِيةَ الكثيرةَ ويحجب عنك رحمته فإذا هذه الذرِّيةُ سببُ شقائك في الدنيا و الآخرة، تقول البنتُ يوم القيامة: يا رب لا أدخل النارَ حتى يدخل أبي قبلي، هو سببي، لم يعلِّمني، فتُعطَى المالَ و تُحجَب عنك حمة الله فالمالُ سببُ الشقاء، وتُحرَم من المال و تأتيك رحمة الله فأنت أسعد الناس، اللهم من أحبَّني فاجعل رزقَه كفافا، تُحرَم من المكانة العالية في المجتمع و تكون عبدا خفيًّا و تأتيك رحمة الله فأنت أسعدُ الناس، قال تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (2)﴾ (سورة فاطر) و رحمة الله تعالى بالطاعة ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ(56)﴾ (سورة النور) و قال تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنْ الْمُحْسِنِينَ(56)﴾ (سورة الأعراف) أحسِنْ لكلَّ الناسِ و لكلِّ المخلوقات ﴿إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنْ الْمُحْسِنِينَ(56)﴾ (سورة الأعراف) لو أن الإنسانَ قرأ القرآن ووقف عند كلمة " رحمة الله " ما أسبابها ؟ و هل تصدِّق أن علَّةَ خلق الكون أن يرحم اللهُ مخلوقاتِه، قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ (سورة هود) خلقَنا ليرحمنا، و رحمة الله أسبابها الطاعة و الإحسان، و إذا ملكْتَها ملكْتَ كلَّ شيءٍ، و إن غابتْ عنك غاب عنك كلُّ شيءٍ، " يا ربي ماذا فقدَِ من وجدك واللهِ ما فقَد شيئا، و ماذا وجد من فقدك " أحدُ الأغنياء في العالم ترك البلايين، ماتتْ بنتُه منتحِرةً، وهي الوارثةُ الوحيدةُ، فلذلك العبرة أن يرحمك اللهُ، يرحمك بأولاد صالحين و بدخل معتدلٍ و بزوجة صالحةٍ، فإذا رحمك اللهُ أعطاك كلَّ شيءٍ يا ربي ماذا فقدَِ من وجدك، و ماذا وجد من فقدك والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#305 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة فاطر ( 35 ) الدرس الثانى الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيُّها الإخوة الكرام، الآية الخامسةُ من سورة فاطر، وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (5)﴾ (سورة فاطر) أوَّلاً ؛ إن وعد الله حق، أيْ واقعٌ لا محالةَ، لذلك ربنا تعالى يغبر عن المستقبل بالفعل المضارع، قال تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ (سورة النحل) و قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (سورة المائدة) و لم يحدث هذا بعدُ، فاستخدامُ الفعل الماضي مكان المستقبل هدفُه أن وعد الله حق، وعدنا بالجنة فالجنةُ حقٌّ، ووعد العصاةَ بالنار فالنارُ حقٌّ، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (5)﴾ (سورة فاطر) فو الذي نفس محمد بيده ما بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار و معنى "لا تغرنكم " أي لا ينبغي أن تبدوَ لكم الحياةُ الدنيا بحجمٍ أكبرَ من حجمها، و الإنسانُ أحيانا يتوهَّم أن المالَ كلُّ شيءٍ و أن المرأةَ كلُّ شيء، و أن المنصبَ كلُّ شيءٍ، و أن السياحة و السفرَ كلُّ شيء و كلما تقدَّم به العمُرُ قلَّتْ قيمةُ هذه الأشياء، يقول: المالُ كلُّ شيء و ليس كلَّ شيء، أما إذا شارف القبرَ، يقول لك: المالُ ليس بشيء، فالمشكلةُ أن الإنسانَ قد يكشف الحقيقة و لكن بعد فوات الأوان، و ما قيمة التعليم إذًا ؟ أن تعرف الحقيقة في الوقت المناسب، الإنسان حينما يستجيب لأمر الله، و اللهُ هو الخالق، أعطى كلَّ شيء حجمَه الحقيقي، قال تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾ (سورة الحديد) ﴿و قال تعالى:وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ(20)﴾ (سورة الحديد) و قال تعالى ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنْ اتَّقَى﴾ (سورة النساء) ﴿و قال تعالى "كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ(26)وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ(27)﴾ (سورة الرحمن) و النبيُّ الكريم يقول: ((الدنيا جيفة..." " الدنيا دار من لا دار له..)) والدنيا ممرٌّ و ليست مقرًّا، هذا كلام الخبير، و الله هو الخبير و النبيُّ هو المبيِّنُ، فإذا كشف الإنسانُ الحقيقةَ بنفسه في الثمانين فليسعدنه من الوقت ما يستفيد منه، أما إذا عرفها بالثلاثين يتوازن، فربنا تعالى يقول: ﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (5)﴾ (سورة فاطر) و الشابُ يحلم ببيتٍ و زوجة و سيارة ومنصب رفيع و شهادة عليا بعد حين هذه الأشياءُ تصغر و تصغر إلى أن تصبح في عين الإنسان و ليستْ بشيء، و الشيءُ الوحيد هو رحمة اللهِ تعالى، و طاعة الله قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا(71)﴾ (سورة الأحزاب) و الشيء الوحيد هو معرفة الله، فالإنسانُ الغافل لا يغترُّ بالدنيا. ذكرْتُ لكم قصَّةً عدَّة مراتٍ و هي تناسب المقامَ، كان هنالك رجل تُوفِيَ رحمه الله و كان صانعا في الحميدية، و عنده دُعابةٌ، كلما دخل المحلَّ جمع قمامته في علبةٍ، و يلُفُّها لفًّا أنيقا جدًّ بورق الهدايا و يضع عليها شريطا أحمرَ، و يضعها على الرصيف، يأت الإنسان المغفَّلُ و يظن أن فيها هديةً ثمينةً، يحملها و يمشي، و يلحقه هذا الرجلُ، بعدها يفكُّ له شريطها و بعده يفك الورقَ، و يفتح فيلقي القمامةَ في وجهه، خيبة أمل مُرَّة، فإذا علَّق الإنسانُ آمالا على شيء ثم يكتشف أنها ليست بشيء، و أحد الرجال من أهل الدنيا اشترى بيتا و كسر البلاطَ كلَّه، و السيراميك و الأبواب و كسى البيتَ من جديد اشتغل فيها سنتين، بعد انتهاء البيت بأسبوع واحد جاءته المنيَّةُ القصص في هذا كثيرة جدًّا، " ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (5)﴾ (سورة فاطر) أوقفني أحد الإخوة عند محلِّ المفروشات فجاءه زبونٌ يطلب غرفة النوم من الدرجة الأولى، كلفتْه ثلاثُ سنوات، واتصلا بعجها بهذا المشتري، فأخبره أهلُه انه مات، و أحدهم اشترى بيتا له إطلالةٌ جميلةٌ بعد عشرة أيام جاءه الأجلُ ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (5)﴾ (سورة فاطر) إياك أن تراها بحجم أكبرَ من حجمها، قال عليه الصلاة و السلام: من أصبح آمنا...بحذافرها " قال أحد الملوك لوزيره: من الملكُ؟ قال: أنت، قال: لا الملكُ رجلٌ لا نعرفه و لا يعرفنا، له بيتٌ يؤويه و زوجةُ ترضيه و دخلٌ يكفيه " الآية دقيقة جدا، أحيانا يغترُّ الإنسانُ بالحياة الدنيا فيضَيِّع آخرتَه، " ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (5)﴾ (سورة فاطر) و الغرور هو الشيطان يقول لك " إن الله لا يدقِّق معك و الله غفور رحيم، والنبي يشفع لنا يوم القيامة، تماما كالطالب في أول العم الدراسي، قال له أحد الطلاب: أَعطِ للأستاذ هديةَ يعطيك الأسئلة ثم فوجِئَ في آخر السنة أن الأستاذَ نزيهٌ، رسب، لك قضيةٌ مع القاضي قال لك رجلٌ: بهديةٍ يحكم لك، فقدّ!َمت هديةً فرفضها و حكم ضدَّك الغرور هو الشيطانُ، وهو الذي يوهم الإنسانَ أن الله لا يحاسبك وأنه يفسِّر آيات القرآن الكريم تفسيرا ما أراده اللهُ، قال تعالى: ﴿ قُلْ يَاعِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ(53)﴾ [سورة الزمر] و قال تعالى ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ(49)وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ(50)﴾ (سورة الحجر) ﴿و قال تعالى فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(92)﴾ (سورة الحجر) فهناك سؤال و حساب، و قاتل تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه(7)وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه(8)﴾ (سورة الزلزلة) أيها الإخوة الكرام، هذه الآية خطورتها من مُنْزَلَقَيْن، أوَل منزلق أن تبدوَ لك الحياةُ بحجم كبير فتسعى إليها على حساب آخرتك و دينك وعقيدتك، و المنزلق الثاني أن تصغِيَ إلى كلام الشيطان لأنه يصرفك عن الله و يمنِّيك، قال تعالى: ﴿وَمَا يَعِدُهُمْ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا(64)﴾ (سورة الإسراء) فهنا عدُوَّان ؛ الدنيا و الشيطانُ، الدنيا إذا بدَتْ لك بحجم كبير فاستهوتْكَ و مِلْتَ إليها على حساب دينك و الشيطانُ يُشكِّكُك بِعدَالة الله يُطَمئِنُكَ طمأنينة ساذجة أساسها الوَهم المُريح، والنبي عليه الصلاة والسلام يُقال له: اِرْفَع ! فيقول: لا أرفع حتَّى تشْفَعَ لأمَّتي، فَيُقال له: اِرْفَع واشْفَع تُشَفَّع فيَكْفي أن تنْضَمَّ لأمَّتي النبي حتَّى تنالكَ شفاعته صلى الله عليه وسلَّم فالشَّفاعة حق وفيها آيات وأحاديث ولكنْ لها معنى آخر غير هذا المعنى الساذِج، قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنقِذُ مَنْ فِي النَّارِ(19)﴾ (سورة الزمر) يا فاطمة بنت محمَّد يا عبَّاس عمَّ رسول الله أنْقِذا نفسيْكما من النار فأنا لا أُغني عنكما من الله شيئًا، لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابِكم، مَن يبطئ به عمله لم يُسْرِع بِهِ نسَبُهُ إنَّ فلانة تذكر أنَّها تُكثر من صلاتها وصِيامِها وصَدَقَتِها غير أنَّها تؤذي جيرانها بِلِسانِها فقال: هي في النار ! فأنت في خطَرين وهي أن تبْدُوَ لك الدنيا بِحَجْم كبير تسْعى إليها على حِساب دينِكَ، أو أن تُصْغي إلى الشَّيطان الذي يصْرِفُكَ عن الدِّين ويَعِدُكَ ويُمَنِّيكَ وما يَعِدُكَ إلا غرورًا أو كذِبًا، فمثلاً البارحة كنت أقرأ لإنسان يعمل في الإعلان كان يقول: تعال إلى حيث النُّكْهَة، ويقصِد الدُّخان !! هذا الأخير مات بِسَرَطان في الرِّئتين وآخر كلمة قالها: كنت أكذِبُ عليكم !! فهذا هو الشَّيْطان يَعِدُهم ويُمَنِّيهم، فاليَهود قالت فيما قاله عنهم تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ (سورة البقرة) فالمُسلمون المُقَصِّرون والتائِهون يُمَنُّون أنفسَهم بأشياء لن تقَع. إذًا لِنَحْذَر هذين الخَطَرَيْن ؛ أن تبدُوَ الدنيا بِحَجْم كبير، وأن نُصْغي إلى الشيطان الذي يوهِمَنا أنَّ الله تعالى لن يُحاسِبَنا، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (5) إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (6)﴾ (سورة فاطر) والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#306 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة فاطر ( 35 ) الدرس الثالث الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيُّها الإخوة الكرام، الآية الثامنة من سورة فاطر، وهي قوله تعالى ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآَهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ(8)﴾ [سورة فاطر] النبي عليه الصلاة والسلام كان يدْعو ربَّهُ ويقول: اللَّهمّ أرِنَا الحقَّ حقًّا...." السَّبب أنَّ هناك أناسًا يرَوْن الحقَّ باطِلاً، والباطِل حقًّا، فما سِرُّ هذه الآية وهذا الدُّعاء ؟ الإنسان له بصَرٌ وبصيرة، فالبصَرُ عَينُهُ التي يرى بها الأشياء وهذه الأشياء لا يخْتَلِفُ عليها اثْنان، الأحمر أحمر، و الأبيض أبيض لكنَّ الخلافَ في رؤية البصيرة ؛ فهناك إنسانٌ يملك رؤيةً صحيحة استنار بنور الله و هناك إنسانًا يملك رؤيةً فاسدةً، ابتعد عن الله فعميَ قلبُه، و إذا أردتَ أن ترجع كلَّ مشكلاتِ الإنسان يمكن أن نرجعها إلى قلبٍ أعمى ؛ يرى الحقَّ باطلا و الباطلَ حقًّا، إذاً لان الإنسانَ يحبُّ نفسَه ووجودَه و يحبُّ سلامةَ وجوده و يحبُّ كمالَ وجوده و يحبُّ استمرار وجوده، لمجرَّد أن يرى رؤيةً صحيحةً يتحرَّك وفق الطريق الصحيح، فالعبرةُ أن تملك هذه الرؤيةَ الصحيحةَ، فالذي يسرق أموال الناس، لماذا يسرق ؟ لأنه يرى أن السرقةَ جهدٌ قليل و دخلٌ كبير، لكنَّ قلبَه الأعمى غفل عن العقاب الأليم و عن السجن المديد، وعن الفضيحة الاجتماعية، فأنْ يرى الإنسان الحقائق بِقَلبِهِ هذا أعظَم كَسْب يَصِل إليه الإنسان المؤمن لأنّ الإنسان إذا رأى الحقيقة سلَكَ طريقَها، وإن كان أعْمَى القلْب تاهَ في مجالات الحياة فارْتَكَب الأخطاء، أوْضَحُ مثلٍ ؛ يُمكن لإنسانٍ أن يرْكَبَ مرْكبةً وعن يَمين الطريق وادي وعن يسارِهِ وادٍ آخر، والطُّرق مُتَعَرِّجَة وليس مَعَهُ مِصباح !! سُقوطُه في الوادي حَتْمي. أيها الإخوة الكرَام، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ(28)﴾ [سورة فاطر] بائِعٌ يأتيه إنسان لِيَشْتري منه حاجة، يُدْرِك بِحاسَّتِهِ السادِسة أنَّه غِرّ، لا يعْرِفُ مُسْتويات البضاعة فيَبيعُهُ أدنى البضاعة بأعلى ثَمَن، ويغْتَبِطُ هذا البائِع وهو أنَّه اسْتَطاع أن يُحَقِّق أكبر ربْح في هذا اليوم، فهذا التاجِر نظْرتُهُ قاصِرَة، وهو يرى حتْف أنْفِهِ، لي قريب له جار جاءَهُ صاحِب مرْكبة جديدة، وقد تعطَّلَت، وأدْرَكَ هذا الإنسان أنَّ صاحب هذه المركبة قلق جدًّا على مرْكَبتِه، وأنَّ صاحبها مَيْسور فطلبَ منه عشْرة آلاف ليْرة ! هذا الشَّخص وافَقَ، فلمَّا انْصرَف صلَّحها له بِدَقائِق مَعْدودة، واتَّصَل بِأهْلِهِ، وأخذَهم إلى الزَّبداني، وثاني يوم أخَذَهم إلى المطار، وثالث يوم أخذَهم إلى الوادي، وفي اليوم الرابِع جاء صاحبها وتسلَّمَها، ودَفَع عشْرة آلاف ليرة ! فقال له جارُهُ: هذا حرامٌ عليك، وهذا غِشّ كبير، والقضِيَّة تَحتاج إلى مئات اللَّيرات فقط، فقال له: هكذا العَمل ! وهكذا الرِّبْح وبعد يوْمَين دَخَلَت بِعَين ابنِهِ ريشة ! فاضطرّ إلى أن يأخذه إلى بلدٍ مُجاوِر ويدْفع إحدى وعشرين ألف ليرة !! لو أنّه رأى أنَّ الله له بالمرصاد وسوف يُحاسِبُه حِسابًا عسيرًا في الدنيا والآخرة. وهذا إنسان أراد أن يُظهر مهارَتَهُ في السَّواقة، فرأى كلبًا نائِمًا فأراد أن يقطع له رِجْليه دون أن يمسَّ بقيَّة أعضائِهِ !! فقَطَع رِجليه وضَحِكَ ضحْكةً هِسْتيرِيَّة، وبعد أسبوع فقط وفي نفْس اليوم قُطِعَت يدا هذا السائِق ! أيُّها الإخوة، يُمكِنُ أن تُعْزى كلّ أخْطاء البشَر إلى عَمَى القلب، فهذا الذي يغشّ الناس في البِضاعة تأتيه مُصادَرات تَجْعلُهُ فقيرًا، وهو لا يرْبِطُ هذه المُصادرات و تلك الانحرافات، قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ(14)﴾ [سورة الفجر] و قال تعالى ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ(8)﴾ [سورة الحجرات] و قال تعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ(12)﴾ [سورة البروج] فلكلِّ مخلوق أمامك مخلوق يدافع عنه، فالذي يملك رؤيةً صحيحة يستقيم بدافع الخوف من الله، و بدافع طلب السلامة، و لكن بعد ذلك يتصل بالله، فإذا اتصل به اصطبغ قلبُه بصبغة الله، قال تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ(138)﴾ [سورة البقرة] أيها الإخوة، ما من انحرافاتٍ خطيرةٍ أو غير خطيرة ؛ إذْ أحيانا الإنسانُ يطلق بصرَه في الحرام، أو يرفع السعرَ بلا مبرِّرٍ، أو يبيع بضاعةً فاسدةً، أو يستغل جهلَ المشتري، النبيُّ الكريم يقول: غبنُ المسترسل حرام.." و من هو المسترسل؟ هو الذي لا يدري السعرَ و لا نوع البضاعة، فالعبرة أن يلقيَ اللهُ في قلبك نورا عند الاتصال به وهذا النور يريك الحق حقًّا و الباطل باطلا، و إذا ملكتَ الرؤية الصحيحة فقد ملك كلَّ شيءٍ لأنَّك لن تخطئ، ولن تنْحرف، ولن تأخذ ما ليس لك، ولن تعْتدي على الآخرين، ولن تتطاوَلَ على غيْرِكَ، أما الذي يتطاوَل ويأكل المال الحرام، ويأثَم بِجَوارِحِه ويعْتَدي بِلِسانِهِ، قال تعالى: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ(14)﴾ [سورة الفجر] فهو يفْعل هذا لأنَّه جاهِل، قال تعالى ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى(124)قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا(125)قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى(126)﴾ (سورة طه) لمَّا يفْتح الإنسان مَتجَر أو ملهى يقوم على المَعْصِيَة، يبيع الخمْر ويأتي بالراقِصات، وقد قال لي أحدهم في خمسةٍ وأربعين يوم ثمانيَة ملايين رِبْح !! فالذي يَمْلِكُ رؤْيَةً صحيحة ولو قطَّعْتَهُ إرْبًا إرْبًا لا يعْمَل عملاً في معْصِيَة الله، وأذْكر أنَّه كان لي طالب كان خالهُ يَمْلِك دار سينما، في الثانيَة والأربعين أُصيبَ بِسَرَطان في دَمِهِ، فدَخَل عليه فرآهُ يبْكي، فقال له: مالكَ تبْكي يا خال ؟! فقال له: جَمَّعْتُ خمسة ملايين ليْرة - يوم كان الدولار بثَلاثة ليْرات - لأُنْفِقَها في خريف عُمُري وأسْعَدَ بها، وها هو ذا المرض قد عاجَلني ولم يسْمَح لي أن أتمتَّعَ بهذا المال ! فهذا جَمَع المال على أنقاض الشباب وتَدْمير الأُسَر، فالإنسان الذي يمْلِكُ رؤْيَة صحيحة يعُدّ للملْيار قبل أن يقْتَرِف معْصِيَة أو يُؤْذي المَخلوق، وقبل أن يضرّ غيره. الطَّبيب لمَّا يرى إنسانًا يأكل الفاكِهَة من دون غسيل فإنَّه يراهُ أعْمى لا يعْرِف ما الجراثيم والعَدوى، طيِّب ؛ هذا الذي عرف أنَّ مرض الإيدْز انْتشَر ويزْني مع امرأةٍ ساقِطَة ألا تَظُنُّه جاهِلاً ؟ الإنسان كلَّما تعلَّم واتَّصَل بالله صحَّتْ رؤْيَتُهُ واسْتَقام عملُهُ، والآية الكريمة ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآَهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ(8)﴾ [سورة فاطر] عمل سيئ، وعمل فيه ظُلم وإثْم، وعَمَل فيه تَعَدِّي، وفيه غشّ، كلّ هذا يراهُ حسَنًا، يُرْوى أنَّ رجلاً كان يطوف حوْلَ الكعْبة وهو يقول: ربِّ اغْفِرْ لي، ولا أظُنُّكَ تفْعَلُ !! فَعَجِبَ منه رجلٌ وقال له: يا هذا ما أشَدَّ يأسَكَ مِن رحْمة الله، فقال: ذَنْبي عَظيم، فقال له: ما ذَنْبُكَ ؟ فقال له: كنتُ جُنْدِيًّا في حَمْلة قَمْعِ فِتْنة فلمَّا قُمِعَت الفِتْنة أُبيحَت لنا المدينة، دَخَلْتُ أحدَ البيوت فرأيتُ فيه رجلاً وامرأةً وولَدَين، فقَتَلْتُ الرَّجُل، وقلتُ للمرأة: اِعْطِني كلَّ ما عِنْدَكِ، فأعْطَتْهُ كلَّ ما عِنْدَه فقَتَلتُ ولَدَها الأوَّل فلمَّا رأتْني جادًّا في قَتْلِ الثاني أعْطَتْني ذِرْعًا من ذَهَب، تأمَّلْتُها فإذا عليها بَيْتَين مِن الشِّعْر فلمَّا قرأْتُهما صُعِقْتُ ! وأتَيْتُ إلى بيت الله الحرام، قرأ على هذه الذِّرْع المُذْهَبة: إذا جار الأمير وحـاجِباه وقاضي الأرض أسْرَفَ في القضاء فَوَيْلُ ثمَّ وَيلٌ ثمَّ وَيْـــلٌ لِقاضي الأرض مِن قاضي السَّماء إنسانة تعْمل في المُحاماة لها أخٌ مُوَظَّف له أربعة عشرة طِفلاً، عَرَضَتْ عليه قبل عِشرين عامًا أن تشْتري وإيَّاه بيتًا عن طريق جَمْعِيَّة تعاوُنِيَّة بِقَصْر العَدْل، ودَفَعَ لها نِصْف البيْت نقْدًا، ولم يُطالِبْها بالإيصالات لِثِقَتِهِ أنَّها أُخْتُهُ، والآن ثمنُهُ خمسة عشرة مليون !! وقبل عامَين قالَت له إمَّا أن تخْرج من هذا البيت وإمَّا أن أُخْلِيَكَ، والقانون معها، فَوَضَع أثاث بيْتِهِ في مُسْتَودعات، وقسَّم أُسْرته إلى قِسْمَين قسْم عند أهل زوْجَتِهِ، وقِسْم عند أهْلِهِ !! يقول لي ابن أخيها: أُصيبَتْ عمَّتي بِمَرضٍ خبيثٍ في أمْعائِها وهي تَصيحُ كلَّ الليل، فإذا بها بعد شَهْرٍ واحِدٍ تَموت، وذَهَبْتُ إلى البيت وألْقَيتُ فيه كلمة، وكان وريثُها الوحيد هو أخوها ؛ فعاد إلى البيت، واسْتَحَقَّت هي لعنة الله والملائكة فهذه لو أعْمَلَت عقْلها لما وصَلَت إلى ما وصَلَت إليه. أيها الإخوة، العِبرة أن ترى الحقَّ حقًا والباِطل باطِلاً، قال تعالى ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآَهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ(8)﴾ [سورة فاطر] والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#307 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة فاطر ( 35 ) الدرس الرابع الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيُّها الإخوة الكرام، الآية العاشرة من سورة فاطر، وهي قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ (10)﴾ [سورة فاطر] في الإنسان دَوَافِعَ فِطْرِيَّة ثلاث ؛ دافِعُ الطَّعام والشَّراب، ودافِعُ الجِنس ودافِع الأهَمِيَّة ؛ تأكيد الذَّات، فالدافِعُ الأوَّل للحِفاظ على الفَرْد والدافِع الثاني للحِفاظ على النَّوع، والدافِع الثالث للحِفاظ على الذِّكْر فالإنسان إذا أكل وشَبِعَ، وتزوَّجَ وكُفِيَ، فإنَّه يحْتاجُ حاجةً مُلِحَّة أن تكون له قيمة في المُجْتَمَع، وأن يكون إنسانًا ذا أهَمِيَّة ويُشار إليه بالبَنان، فهذه حاجة أوْدَعَها الله في الإنسان، وأيَّةُ حاجةٍ أوْدَعَها الله في الإنسان يُمْكِنُ أن تسْلُكَ طريقًا وقناةً نظيفةً شرَعَها الله عز وجل ويُمكنُ أن تسلُكَ قنَوات قَذِرَة نهى الله عنها، فلكَ أن تأكل ما لذَّ وطاب مِن كسْبٍ حلال ولا شيءَ عليك، أما إذا أكلتَ لقمةً من حرام جُرِحتْ عدالتُك، و لك أن تتزوج، أما إذا أردتَ أن تشبع هذه الرغبةَ خارجَ الزواج فهذا هو الزنا، و خارج الفطرة هذا هو اللواطُ، فأيَّةُ شهوة أودعها اللهُ في الإنسان رسم لها طريقا صحيحا و سنَّ لها سنَّة نظيفةً و صنع لها قناةً رائعةً. درسُنا اليوم، الدافع الثالث ؛ الشعور بالأهمِّية، فأحيانا الإنسانُ يُخيف الناسَ بظلمه، فحينما يبطش يريد أن يشعر الناسَ أنه ذو أهميةٍ و مَرهوبُ الجانب، هذا طريق خاطئٌ لإشباع هذا الهدف، أما حينما تُحسِن و حينما تعطي و تكون مثلاً أعلى و تكون في قلوب الناس و تعينهم على أمر حياتهم و تُخفِّف من آلامهم و تعلِّمهم وتنفق عليهم و تمسح دمعةَ الأسى عن وجوههم، و حينما تحُلُّ مشكلاتهم و توَفِّق بين خصوماتهم تشعر بأهميَّةٍ وترقى عند الله تعالى، الشعور الفطري و الشعور بالأهمية هذا يمكن أن يُلبَّى من طريق الإيمان، فالإنسانُ إذا فاته مجدُ النسب و مجد المال فمجدُ العلم بين يديه، و العلمُ هو كلُّ شيءٍ في الحياة حتى في مجتمع الكفر، لا يُتَّخذ قرارٌ إلا بعد استشارة العلماء فإذا فاتك مجد النسب أو مجد المال، فمجدُ العلم بين يديه تعلَّموا العلمَ فإن كنتم سوقة عِشتُم إن كنتم وسطا سُدْتُم و إن كنتم سادةً فُقْتُم، يتعلم الإنسانُ اختصاصا يأتيه منه دخلٌ يكفيه في حياته، فالعلم يرفع الإنسانَ العادي إلى منزلة الكفاية و يرفع الإنسانَ المتوسِّطَ إلى منزلة السيدة و يرفع الإنسانَ الشريف إلى مرتبة التفوُّقِ، فباب العلم مفتوحٌ، فهذه الحاجة النفسية التأكيد للذاتِ و الشعورُ بالأهمية، و هناك ناسٌ يحتلون وظائفَ يريدون أن يشعروا الناسَ بأهميتهم عن طريق تعقيد الأمور، فتقف أمامه ذليلا، عندك مشكلة و بإمكانه أن يحلَّها، فيعقَّدها لتعرف أهميتَه، فهذا يروي حاجةً في نفسه لكنْ بطريقةٍ خطأ، ولو سهَّل لك الأمرَ لاحترمْتَه أكثر. ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ (10)﴾ [سورة فاطر] فإذا أردتَ العزةَ و السيادةَ و الكرامةَ و أن تكون متفَوِّقا، وأن تكون متألِّقا أو يُشار إليك بالبنان و يتحدَّث الناسُ عنك في المجالس، اعلم أن هذا الدافع لا يُحقٌّق إلا من طريق الإيمان، باستقامتك و طاعتك وخدمتك و أعمالك الصالحة تسمو عند الله الناس. أيها الأخوة زوروا قبر النبيِّ عليه الصلاة و السلام، هل تصدِّق أن في الأرض كلِّها من آدمَ إلى يوم القيامة إنسانٌ أعزَّه اللهُ كمحمدٍ عليه الصلاة و السلام، أنت كلما خضعتَ لله رفعك اللهُ، و كلما تكبَّرتَ وضعك اللهُ، فالعلاقة عكسية، كلما خضعتَ لله رفعك اللهُ، و كلما تكبَّرتَ وضعك اللهُ، تجد إنسانا عاديا جدًّا لما طلب العلم واستقام على منهج الله صار يُشار إليه بالبنان، و قد سمعتُ قصَّةً قديمةً من خمسين سنة، جاء والى إلى الشام من طرف السلطان عبد الحميد جلس فغي المجالس و يقول: أنا خالع الملِكين، خلع مرةً ملكين مدحت باشا، فبلغ ذلك َ بدر الدين الحسني فقال له أنا سأخلعك أرسل برقية للسلطان فجاء خلعُه فورا، لأنه أطاع اللهَ تعالى اكتسب هيبةً فوق التصوُّرِ، من هاب اللهَ هابه كلُّ شيءٍ، الحسنُ البصري أطاع اللهَ عز وجل و أدَّى واجب العلماء و نصح الناسَ فأزعج الحَجَّاجَ فأمر بقتله، استدعاه ليقتله و السيَّاف جاهزٌ و قد مُدَّ النطْعُ، فلما دخل رأى السيَّافَ و النطع جاهز عرف القصةَ، فدعا اللهَ تعالى بكلام غير مسموع، و الحجَّج وهو لا يشعر وقف له واستقبله و رحّب به و قرَّبه إلى مجلسه و أجلسه على سريره وقال: يا أبا سعيد أنت سيِّد العلماء و استفتاه في قضيَّةٍ و عطَّره و أكرمه و شيَّعه إلى باب قصره الحاجب و السيَّفُ صُعِقا، فتبعاه و قالا له: يا أبا سعيد لقد جِيءَ بك لغير ما فُعِل بك، فماذا قلتَ ؟ قال: قلتُ: يا ملاذي عند كربتي و يا مؤنسي في وحشتي اِجعلْ نقمتَه عليَّ بردا و سلاما كما جعلتَ النارَ بردا و سلاما على إبراهيمَ، ماذا ألقى اللهُ في قلب الحجَّاجِ، لا أحد يعلم،ى كان يريد أن يقتله فرحَّب به ووضعه على سريره، قال تعالى ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ (10)﴾ [سورة فاطر] فطريق العزَّة طاعة الله، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [سورة الحجرات] طريق السيادة طاعةُ اللهِ، قال تعالى: وعد الله..الأرض " الطريق الذي يرضيك أن تكون في طاعة الله، أنت تريد من الله الكرامة و هو يريد منك الاستقامةَ، قال تعالى : ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا﴾ [سورة هود] و قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ(30)﴾ [سورة الزخرف] قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ (10)﴾ [سورة فاطر] السيادة و الشأن و المكانة و السمعة الطيِّبة و الذكر العطر و التألق و العلو الشرعي، فإذا طلبتَ العلم رفعك اللهُ و إذا خدمتً الناسَ أحبُّوك و إذا نصحتهم قدَّسوك، و إذا كنت وقَّفا عند كتاب الله التفُّوا حولك، و إذا كنتَ قدوةً لهم فَدَوْك بأرواحهم، ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ (10)﴾ [سورة فاطر] من عند الله تأتي، من طاعته و من التقرُّب إليه و طلب العلم، و من الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، إذا أردتَ العزةَ، و لا تصدِّقْ أحدا في الأرض لا يريد العزةَ إلا أن يكذب، فكلُّ إنسان يتمنى أن يكون له شأنٌ و مكانة، وهذا شيءٌ طبيعيٌّ، كما أنك تجوع كما أنك تشتهي أن تتزوَّج تشتهي أن تكون ذا شأن في المجتمع، و حتى أدنى حِرفي يقول لك: عملي متقَنٌ، و يفتخر بها، و أحيانا تتعطَّلُ سيارتُك فتقف أمام المُصَلِّح بكلِّ أدب، لأنك بهذا الموضوع جاهل فمارس عزَّتَه معك، هذا شيء فطريٌّ، لكن له قناةٌ نظيفةٌ وهي أن تسلك طريق الإيمان، و أن تطيع اللهَ و أن تكون مع الله فكن مع الله ترَ اللهَ معك و اترك الكلَّ و حاذر طمعَك يقول الظاهرُ بيبرس: ما استقرَّ مُلكي حتى مات العزُّ بن عبد السلام، لمكانه في المجتمع تفوق مكانة الظاهر بيبرس، و أحدج الخلفاء كان في الحرم المكي قال: أريد عالما أنتفع بعلمه، فاختاروا الإمامَ مالكًا من كبار علماء المدينة، و إمام دار الهجرة، طلبوه للخليفة فقال لهم: قولوا له يا هارون العلم يُؤتَى و لا يأتي، فقال: صدق، نحن نأتيه و قولوا له: إن أتانا لا يتخطَّى رقابَ الناسِ،قال: صدق، أتاه و أجلسوه على كرسيٍّ فقال الإمامُ مالك: من تواضع لله رفعه و من تكبَّر وضعه، فقال الخليفة: خذوا عني هذا الكرسي، هذه عزة ؛ خليفة المسلمين لا تغيب الشمسُ عن ملكه، كان يخاطب السحابةَ و يقول: اِذهبي أين شئْتِ فإن خراجَك يأتيني، و اضطر لأن يستجيب لهذا الإمام، و لو كان يريد العزةَ فلله العزة جميعا، فإله الصحابة إلهنا و إله الأقدمين إلهنا و إله الأنبياء إلهنا، و إله المؤمنين إلهنا، ما عليك إلا أن تعامله بصدق، ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ (10)﴾ [سورة فاطر] الآية دقيقةٌ جدًّا، الكلام يصعد إلى الله و تبقى أنت في الأرض،أما إذا كان عملُك مؤيِّدا لكلامك صعدتَ أنت إلى الله، و لا ترقى إلى الله إلا إذا جاء عملُك موافقا لعملك ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [سورة فاطر] فقد تقول كلاما أحلى من العسل لكنَّ واقعك مختلف عن هذا الكلام، أنت في الأرض و كلامك صعد إلى الله، أما إذا أردتَ أن تصعد أنت إلى الله و ترقى إليه و تقبل عليه يجب أن يكون عملُك موافقا و لقولك ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [سورة فاطر] إليه..يرفعه" ثم قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ (10)﴾ [سورة فاطر] قال تعالى ﴿:إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ(36)﴾ [سورة الأنفال] آثِرْ آخرتك على دنياك تربحهما معاً، و آثر دنياك على آخرتك تخسرهما معاً والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#308 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة فاطر ( 35 ) الدرس الخامس الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيُّها الإخوة الكرام، لأن الله سبحانه و تعالى شاءتْ حكمتُه أن يخلق الإنسانَ ضعيفا، وما خلقه ضعيفا إلا ليفتقر إلى الله، فإذا افتقر إليه سعد بافتقاره، و لو خلقه قويًّا لاستغنى بقوَّته، فإذا استغنى بقوَّته شقيَ باستغنائه، و الإنسانُ إن لم يعرف اللهَ وهو ضعيف توجَّه إلى البشر يدعوهم و يعلِّق عليهم الآمالَ، و يرجو ما عندهم و يخاف بطشه، هذا هو الشركُ، وهو أحدُ أكبر العذاب في الحياة، و الله تعالى يقول ﴿"فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنْ الْمُعَذَّبِينَ(213)﴾ [سورة الشعراء] لأن الإنسانَ لو أحبَّك قد لا يستطيع أن يستجيب لك، أحيانا الإنسانُ يكون معه مرضٌ عضالٌ لا يرحمه رغم وجود المال و الأولاد و الزوجة، فالإنسان ضعيف و ما عرف اللهَ القويَّ والتجأ إلى غير اللهِ يخيب أملُه و يحبط عملُه، قال تعالى: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (14)﴾ [سورة فاطر] هذا إذا سمعك قد لا يستجيب، و إن لم يسمعك لا يستجيب من باب أولى، فتَصوَّرْ إنسانا واقعا في الشرك معلِّقا أملا على زيد، و معلقا رجاءً على عُبَيد، و الله تعالى يؤدِّب هذا الإنسان المشركَ بمشكلة لا تُحلُّ عند هؤلاء إطلاقا أحد الناس ممن أعرف وهو من أهل الغنَى، قال مرةً كلمة كبيرة في مجلسٍ، قال ك المالُ يحلُّ كلَّ شيء، بعد مدَّةٍ، اُتُّهِم بتهمة هو منها بريءٌ، فمكث في السجن شهرين، و طوال هذه المدة كان يخاطب نفسه ؛ هل المال يحلُّ كلَّ شيء ؟ لا ؛ فلما قال إن المال يحل كلَّ شيء جعله إلها و اعتمد عليه، فخيَّب اللهُ ظنَّه، و دقِّق أيها الأخ ؛ أيُّ شيء تعتمد عليه و تنسى ربَّك من أجله، و أيُّ شيء تحطُّ عنده الرِّحالَ و يطمئنك من دون الله ؛ علاج هذا الإنسان المشرك الشركَ الخفيَ أن يخيِّب اللهُ آمالَه في الذي وضع آماله فيه، و أحيانا الإنسان يضع كلَّ آماله في ابنه، ويرسله إلى الخارج للدراسة فيتزوج و يقطع كلَّ المراسلات، و أحيانا يضع كلَّ آماله في زوجته فتتنكَّر له و تعامله أقسى معاملة، و أحيانا يضع آماله في ماله، و المال لا يحلب كلَّ المشاكل، فالله تعالى يقول: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (14)﴾ [سورة فاطر] فإذا معك رقم الهاتف و كنت في مكان ليس فيه هاتف ماذا تفعل ؟ أو الهاتف معطَّلٌ أو صاحب الهاتف مسافر، الإنسان أحيانا ينسى اللهَ تعالى و يعتمد على غيره، هذا هو الشرك الخفي، و النبيُّ عليه الصلاة و السلام قال: ((أخوف ما أخاف على أمتي الشرك الخفي، أما إني لست أقول إنكم تعبدون صنما و لا حجرا و لكن شهوةٌ خفيةٌ و أعمال لغير الله )) أما بالمقابل ربُّنا عز وجل يقول: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ(62)﴾ [سورة النمل] فإذا كنت مضطرا فالله معك، فقد كان مع سيدنا يونس في بطن الحوت، و هل يوجد مكانٌ أصعبَ من هذا المكان ؟ إنسان فوق سفينة يجد نفسه فجأةً في ثلاث ظلمات ؛ ظلمة بطن الحوت و ظلمة الليل و ظلمة البحر، و ينادي في بطن الحوت ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ(87)فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنْ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ(88)﴾ [سورة الأنبياء] فأينما كنت في أطباق السماء أو في أعماق البحار، في الصحراء و في الطريق و في خلوتك و في جلوتك و في عملك و حيثما كنت فالله تعالى معك قال تعالى: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ(14)﴾ [سورة فاطر] أما الشركاء فلا يسمعون، و لو سمعوا لم يقدروا، تنتهي صلاحياتُه هنا، ثم قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (14)﴾ [سورة فاطر] قال تعالى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِي مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(22)﴾ [سورة إبراهيم] لا يكفي أنه لم يسمعك و لا يكفي أنه سمعك و ما استجاب، ولكن يقول لك يوم القيامة: أنت كنتَ واهما، و أنا بريء منك، هناك كتاب وقع في يدي و ما أُتيح لي أن أقرأه إلا قبل أسبوع عن الدخانِ و مؤلِّف الكتاب أحد علماء مصر الكبار، ذهب إلى أمريكا و نظر بأمِّ عينه و زار معامل الدخان المشهورة في أمريكا، فإذا بأوراق التبغ تنقع في الخمر ثلاثُ سنوات، وهذه النكهةُ التي يتحدَّثون عنها، هي نكهة الخمر، وهذه الدخينة التي تبقى مشتعلة من أولها إلى آخرها فيها كحول، هذا الإنسان ذهب إلى أمريكا و شاهد معامل الخمر كيف تعتِّق أوراق التبغ في براميل الخمر ثلاثَ سنوات، و ألَّف كتابا على غلافه مرسومٌ شابًا في ريعان الشباب، و هذا الإنسان دائما يظهر في الدعايات للدخان، فهذا الإنسان مات بسرطان الرئة، و قبل أن يموت قال ما يلي: كنتُ أكذب عليكم، الدخان قتلني، فلذلك قال تعالى: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ(14)﴾ [سورة فاطر] دقِّقْ فيما يلي ؛ أنت عندك جهازٌ معقَّدٌ ؛ كومبيوتر عطَّل و من حولك مائة شخص يحبونك، هذا تاجر و هذا خضري و هذا لحَّام، تتوجَّه إلى من ؟ إلى الشركة الصانعة، و إلى الوكالة و إلى الخبير، هل يُعقَل أن تصلِّح هذا الجهاز عند الخضري ؟! هذا يحتاج إلى خبير فإذا أنت جهاز كومبيوتر بسيط لا تسخو نفسُك أن تعطيَه لإنسان غير خبير، و أنت أعظم مخلوق في الأرض و الإنسان الأول المكلَّف تسلِّم نفسَك لإنسان آخر، تستنصحه و تسترشده و تأخذ برأيه و تطيعه، قال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا(28)﴾ [سورة الكهف] ملخَّص الآية ؛ ما سوى الله إن دعوته لا يسمعك، و إن سمعك لا يستجيب، و فضلا عن أنه لا يستجيب يكفر بك و يسخر منك يوم القيامة، قال تعالى: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ(14)﴾ [سورة فاطر] و الخبيرُ هو اللهُ، و ليس هناك جهة أولى من أن تتَّبع تعليماتُها كالجهة الصانعة، فملخَّص الآية، لأنك بالأصل ضعيف، وهذا الضعف خَلقي و هو لحكمةٍ كبيرةٍ من أجل أن تلجأ إلى الله فتسعد بالتجائك له، فإن اتَّجهت إلى غير الله تعالى خاب ظنُّك، لأنه أو لا يسمعك، و لا يستجيبون و يسخرون منك يوم القيامة، قال تعالى: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ(14)﴾ [سورة فاطر] والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#309 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة فاطر ( 35 ) الدرس السادس الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيُّها الإخوة الكرام، الآيات التاسعة عشرة و العشرون و الواحدة والعشرون و الثانية و العشرون و الثالثة و العشرون من سورة فاطر وهي قوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (19) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (20) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (21) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (22)﴾ [سورة فاطر] تصوَّرْ أن إنسانا فاقدَ البصر، يمشي في طريق وعرة كلّها حفرٌ و أكمات و حشرات و حيوانات، و نسبةُ نجاته صفر، لأنه لا يرى هذا المثل ينسحب على إنسان مقطوع عن الله، أعمى، قال تعالى: ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى(124)قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا(125)قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى(126)﴾ [سورة فاطر] لأنك كنت أعمى في الدنيا، قال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ(46)﴾ [سورة الحج] ففرق واسعٌ جدًّا بين إنسان له بصيرة و إنسان طُمِست بصيرتُه، قال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (19)﴾ [سورة فاطر] و المؤمن له هدايتان ؛ هداية دلالة و هداية استنارة، هداية الدلالة معه كتاب و سنَّة افعل و لا تفعلْ، هذا حلال و هذا حرام وهذا مكروه وهذا مستحبٌّ وهذا مندوب وهذا واجب وهذا مباح، و كم موضوع في الحياة الدنيا له خمسة أحكام، بين الفرضية و الندب و بين الإباحة و الكراهة و التحريم، فهذه هداية الدلالة، أنت اجلسْ في مجلس العلم هذا حرام وهذا حلال، وفي الزَّواج هذا حلال وهذا حرام، فالمُسْلم بِهذه الدَّلالة يسْتنير، فأنت إذا دَخَلتَ إلى مَخْبَر تَجِد قوارير مواد سامَّة ومواد خَطرة وفيتامينات، فهذه اللُّصاقات على هذه القارورات هي هِدايَة ولكنَّ هذه الهِداية هي هِدايَة دلالة، وكأنَّكَ أصْبَحْتَ بصيرًا، فأنت لا تَمْلِكُ القُدْرة على معرفة هذه المواد الكيماوِيَّة، ولكنّ هذه اللُّصاقات أرْشَدَتْكَ، فالزّواج حلال، والزِّنا حرام، والبيْع حلال والرِّبا حرام والصِّدق حلال والكذب حرام، فأوَّل هِدايَة هي هِدايَة دلالة، فالإنسان إذا قرأ القرآن وقرأ سنَّة النبي عليه الصلاة والسلام، ثمّ قرأ كُتُبَ الفقْه يَستنْبِط منظومة أوامر ونواهي، أما حينما يتَّصِل بالله يُلْقي الله في قلبهِ نورًا، والدليل قوله تعالى ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ(28)﴾ [سورة الحديد] فنحن عندنا هِداية دلالة وهِداية اسْتِنارَة، فَعَالِمُ الكيمياء من دون لُصاقة يقول لك: هذا زِئبق، وهذا صوديوم ؛ يعرف المواد مِن دون لُصاقات، فالإنسان إذا حضَر مجالِسَ العِلْم يعرف الحلال والحرام وإذا اتَّصل بالله عز وجل تَطْهُرُ نفْسُهُ وتصْفو نفْسُهُ ويُلقي في قلبِهِ نورًا، والدليل أنَّ الصَّحابة الكِرام يفْرحون بِما أُنْزِل إليهم لماذا يفْرَحون ؟ لأنَّ فِطْرتهم كانت مُصَدِّقةً لما أُنْزِل إليهم، توافُق الفِطْرة مع التَّنْزيل، وهناك دليل آخر وهو قوله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا(7)﴾ [سورة الشمس] وقال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (19)﴾ [سورة فاطر] قِطْعَتا لَحْمٍ مِن خروفٍ واحِد، ومِن أصْلٍ واحِد، ومن مكانٍ واحِد فالأولى رائِحَتُها مِن مائة مِتْر، وتكاد تخْرج مِن جِلدِكَ مِن شِدَّة رائِحَتها، وقِطْعة لونُها وَرْدي، فالذي له مَجْلسُ عِلم، ويعرف الخَير مِن الشَّر والحق مِن الباطِل، وما ينبغي وما لا ينْبغي، وما يجوز وما لا يَجوز فهذا إنسان بصير. قال تعالى: ﴿وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (20)﴾ [سورة فاطر] النُّقْطة الدَّقيقة أنّ هذه العَيْن لو فَحَصْتها عند طَبيب العُيون، تَجِدُها مثلاً جيِّدة الرؤْيَة، ولكنَّ هذه العَين ما قيمتها مِن دون نورٍ ؟ صِفْر وكذا العَقل ؛ ما قيمته من دون وَحْي، فكما أنَّ النُّور ضَرورِيٌّ للعَين فالوَحي ضَرورِيّ لِعمَل العقْل فالذي يسْتَغني عن الوَحي يقَعُ في حماقات لا حُدود لها، وأكْبَر دليل المُجتمع الغربي، تَجِدُ في الأمراض والإيدْز، وتبادُل الزَّوجات، والمُخَدِّرات !! لِذا لا يستوي النور والظُّلمات ؛ مؤمنٌ مُسْتَنير مُهْتدي بِهداية الله مع إنسان يسْرِق ويزْني ؛ هذا أعْمى، بلغني أنَّ سائِق تاكسي أوْقَفَتْهُ أحدُ الفتيات فقال لها: إلى أين ؟ فقالتْ له إلى حيثُ ما تريد ! فَفَهِمَ ما تُريد، ولمَّا قضى منها حاجَتَهُ أعْطَتْهُ ظَرْفَيْن فلمَّا فَتَحَ الأوَّل وَجَد خمسة آلاف دولار، وفي الثاني فيه رِسالة مَكتوبٌ فيها: مرْحبًا بِكَ في نادي الإيدْز، والمبْلَغ كان مُزَوَّرًا فَوَضَعوه في السِّجْن فهذا لو كان بصيرًا لرَكَلَها بِقَدَمِهِ ! فالظُّلمات هو الباطل، قال تعالى: ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ [سورة النور] أما النبي عليه الصلاة والسلام قال: تركتكم على بيْضاء نَقِيَّة ليلها كنهارها..." فأنت مع مَنْهَج يُفَسِّر لك حقيقة الكَون، وحقيقة الحياة وحقيقة الإنسان، مِن أين ؟ وإلى أين ؟ ولماذا ؟ تَفاصيل دقيقة وتَفسيرات حقيقيَّة، وما بعد الموت ؛ هذا كلُّهُ نور. قال تعالى: ﴿وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (21)﴾ [سورة فاطر] هذا مَثَل نابِعٌ مِن بيئة الصّحراء فلو كنتَ جالسًا تحت أشِعَّة الشَّمس اللاهِبَة، وبين أن تَجْلس في ظِلّ ظليل، ونَسَماتٍ عليلة، ومِياه جارِيَةٍ أمامك ؛ فهل هُناك نِسْبَة بينهما ؟! فهكذا حالة المؤمن، كأنَّه في ظِلٍّ ظليل، وحالة الكافِر كأنَّه في لهَبٍ لا يسْتَمِرّ. فأوَّل نقطة، فالإنسان المؤمن و غير المؤمن والأعمى و البصير، و النقطة الثانية الهدى الإلهي الواضح البيِّنُ النيِّرُ، و الدلالات البشرية ظلمات بعضها فوق بعض ﴿وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (21)﴾ [سورة فاطر] الواحد يرى أن المرأة تمشي في الحياة من ملهى إلى ملهى ثم يأتيه الأجل وهو في أسوأ حال، في عذاب جهنم إلى أبد الآبدين، هذا أعمى و البصير هو الذي في النور و في الظلِّ، بصر دلالة و بصر استنارة فالذي مع الحق في النور و في الظلِّ السعادة النفسية، قال هذا هو الحيُّ و الأعمى الذي في الظلمات و في الحرور هذا هو الميِّتُ: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ [سورة فاطر] معناها أن علامة الحياة أن تكون متفتِّح البصيرة و أن تكون على هدًى من الله و أن تكون في السعادة الأبدية، أوَّلًا أعمى البصيرة في ظلماتٍ بعضها فوق بعض، وثانيا عقيدتُه و أفكاره ظلماتٌ، و الثالثة و في حرور البعد عن الله و في حرور الشهوة و في حرور الكآبة، قال هذا ميِّتٌ وهذا حيٌّ ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (22)﴾ [سورة فاطر] هذه الحياة ذكرها الله تعالى في آية أخرى فقال تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ(24)﴾ [سورة فاطر] معنى الحياة، أوَّلا البصيرةُ تهتدي بنور الله و ثانيا معرفة الحق من الباطل و الحلال من الحرام، ثالثا أنت على عقيدة صحيحة، و رابعا أنت في سعادة، فالحياة حق و بصيرة و سعادة قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ(24)﴾ [سورة فاطر] هذه هي الحياة،قال تعالى: فإن لم يستجيبوا لك..يتبعون أهواءهم " عندئذٍ:" ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (22)﴾ أيُّ قبر هذا ؟ قبر الشهوات و الضلالات و قبر المبادئ الوضعية و الأنانية لما يكون الإنسان منقطعا عن الله ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (22)﴾ [سورة فاطر] الله يسمع من يشاء أن يسمع من الناس ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ (23)﴾ [سورة فاطر] والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#310 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة فاطر ( 35 ) الدرس السابع الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيُّها الإخوة الكرام، الآية الثانية و الثلاثون و التي بعدها من سورة فاطر ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ(32)﴾ [سورة فاطر] من " هنا للتبعيض ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ [سورة فاطر] لم يأخذ هذا الكتابَ و لم يهتد به و لم يطبِّق أحكامه، و هذه هو أشدُّ أنواع الظلم، ﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ [سورة فاطر] ومنهم مقتصد، أخذ بالرخَصِ و فعل المباحات و لم يفعل العزائمَ ﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [سورة فاطر] فأنت لك موقفٌ مع هذا الكتاب إما أن يكون الإنسان سابقا بالخيرات و إما أن يكون مقتصِدا و إما أن يكون ظالما لنفسه، فإن لم يفهم هذا الكتابَ ولم يتدبَّرْ آياته و لم يحلَّ حلالَه و يحرِّمْ حرامه و لم يعبأ بوعده و لا بوعيده و لم يتَّعِظْ بقصصه و لم يصدِّق أخبارَه، ظلم نفسَه ن كتاب هداية و سعادة، منهم ظالم لنفسه، وهناك إنسان آخر اتَّخذ الحدَّ الأدنى، هذا ينجو، ومنهم مُقْتَصِد وهو مِن أصْحاب اليمين، وهناك إنسان جَعَل هذا القُرآن ربيعَ قلْبِهِ، وجَعَلَهُ منْهَجًا دقيقًا، وأخذَهُ بِكِلْتا يدَيْه، وقرأه آناء الليل وأطراف النَّهار، وعاشَ في رِحاب مَعانيهِ وصدَّق أخْبارَهُ، وأخَذَ وَعْدهُ ووعيدَهُ على مَحْمَل الجدّ، ومنهم سابِق بالخَيْرات، قال تعالى ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (32)﴾ [سورة فاطر] أما هناك مَن يرى أنَّ الفضْل الكبير أن تشْتري بيتًا بِعشرين ألف ليْرة واليوم ثَمَنُهُ سبعين مليون ليرة، فالفَضْل الكبير أن تكون وكيل شَرِكَة لها بِضاعة رائِجَة ومَحصورة فيك، ولكنَّ الله عز وجل يُخْبرُنا وهو العَليم الخبير، وهو رب العالمين أنَّ الفضْلَ الكبير أن يكون القرآن ربيعَ قلبِكَ، قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (32)﴾ [سورة فاطر] هذا الفضْل الكبير ينتهي إلى جنَّاتٍ عَدنٍ يدْخُلونها، حينما تُحِلُّ حلاله وتُحَرِّم حرامه، وتُصَدِّق وَعْد ووعيدَهُ، وتأخذ بما أمر وتنتهي عمَّا عنه نهى وزَجَر ؛ هذا هو الفضْل الكبير، فهذه العقيدة وذاك السُّلوك وهذا الحال ينتهي بِكَ إلى الجنَّة، فأحيانًا تَجِدُ الدارس سبعة سَنَوات دِراسَة كي يُعْطُونه ورقَة فيها كلمة ماجِسْتير، ولكنَّ هذه الوَرَقة الصَّغيرة تنتهي بِكَ إلى دَخْلٍ كبير، وهذا الفضْل الكبير ينتهي بِكَ إلى الجنَّة، فالله تعالى قال ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ(33)﴾ [سورة فاطر] كلّ ما في جنَّة غير ما في الأرض، أعْدَدْتُ لِعِبادي الصالحين ما لا عَيْنٌ رأتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَت ولا خَطَر على قلْبِ بشَر ؛ فهذا الوَصْف مِن باب التَّقريب. قال تعالى: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (34)﴾ [سورة فاطر] فالله تعالى وَعَدَنا بالجنَّة وهذه هِيَ الجنَّة، بِرَبِّكُم كم يوجد مِن مَصْدَرٍ للحَزَن ؟ مليون مصْدَر، مليون همّ مِن جِسْمِكَ ! ومليون ثاني مِن بيْتِكَ !! ومِن دَخْلك!! كلَّ هذه الهُموم تزول يوم القيامة، وينتهي الحَزَن مِن دون رَجْعة، والدُّنيا أيُّها الإخوة كلُّها أحْزان، ولا تَصْفو لِمُؤْمِن، ويقولون لا راحَةَ لِمُؤْمِنٍ إلا بِلِقاء وجْهِ ربِّه، فأحَدُهم سَمِعَ هذه الكلمة فقال: ولا الكافر يرْتاح !! فهذه الحياة مَبْنِيَّة على المتاعِب مِن أجل أن تسْعى إلى الجنَّة، فأجْمَل صِفَة للدُّنيا أنَّ الدنيا كلُّها حُزْن ومُقْلِقات والجنَّة راحةٌ ما بعدها راحة، ففي الدُّنيا شَبَح الأولاد والزَّوجة والفقْر ؛ هذه كُلُّها مشاكِل. ثمَّ يقول تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (34)﴾ [سورة فاطر] على ما كان مِنْك، وشَكَر أعمالكَ الصالحة، فآلَتْ بِكَ الأمور إلى الجنَّة، قال تعالى: ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ(35)﴾ [سورة فاطر] فلا تعَب ولا مشاكِل، ولا سِنَّ يُؤلِمُك، ولا بيت بالأُجْرة، فهذا حال أهل الجنَّة. ثمَّ قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ(36)﴾ [سورة فاطر] ما قرؤوا القرآن وما عبئوا به، وما الْتَزَموا به، وما أحَلُّوا حلاله، وما حرَّموا حرامهُ، قال تعالى: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (36)﴾ [سورة فاطر] أصْعَب أن تكون دون مَوتٍ ودون حياة، لا حَرْب ولا سِلْم. ثمّ قال تعالى ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (37)﴾ [سورة فاطر] ثلاثة وسبْعون سنة فهذا العُمْر كافي لِمَعرفة الله، أفلا يتذَكَّر فيه مَن تذَكَّر ؟! فهذا العمر كافي للتَّوبة وإصلاح الأخطاء، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ(37)﴾ [سورة فاطر] ما هو النَّذير ؟ هذا القرآن، والنبي العَدنان، وسِنُّ الأربعين والسِّتين والنَّذير الشَّيْب، عَبْدي كبرتْ سِنُّك، وضَعُف بصرُك، وانْحَنى ظَهْرك، وشاب شَعرك، فاسْتحي مِنِّي فأنا أسْتحي منك إلى متى أنت باللَّذات مَشْغول وأنت عن كلّ ما قدَّمْتَ مسؤول تَعْصي الإله وأنت تُظهر حبَّه ذاك لَعَمْري في المقال بديعُ لو كان كان حُبُّك صادِقًا لأطعْته إنَّ المُحِبَّ لِمَن يُحِبُّ يُطيعُ فالنَّذير ما سبَقَ وَصْفه، ومن دَخَل الأربعين دَخَل أسْواق الآخرة والنَّذير سِنُّ السِّتين، والنَّذير المصائِب، ومَوْتُ الأقارِب، هكذا قال الإمام القرطُبي في تَفسير معنى كلمة النَّذير، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (37) إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (38)﴾ [سورة فاطر] هذه الآخرة قُدِّمَت لنا صُوَر منها، وكأنَّنا نراها رأْيَ العَين، فالله سرَّب لنا مشاهِد الآخرة، وهذا كلام آخر الكون، وكلام الله تعالى وهو الذي قال لك: الفضْل الكبير أن تأخذ بِهذا الكِتاب، وتعملَ به وأن تُصَدِّق وَعْده، وتخاف من وعيدِهِ، قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [سورة فاطر] أحدهم سأل أحد العلماء: كم الزَّكاة ؟ فقال له: عِندنا أم عِندكم ؟! فقال: وهل لنا زكاة ولكم زكاة ؟!! فقال: يا ابني أما عندنا فالعَبد ومالهُ لِسَيِّدِه، وأما عندكم اثنان ونصف بالمائة ! قال تعالى: ﴿ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [سورة البقرة] فإيتاء المال على حُبِّه شيءٍ، وإيتاء الزَّكاة شيءٌ آخر، فلَكَ أن تأخذ الحدّ الأدنى وأنت مُقْتَصِد بهذا، ويمْكِنُ أن تأخذ الحدّ الأعلى فأنت سابق بالخيرات، لذا هذا الكتاب الكريم لك مِنه ثلاثة مواقف: فإن لم تعْبأ به فقد ظَلَمتَ نفْسَكَ، وإن أخَذْت الحدّ الأدْنى اقْتَصَدْت، وإن أخَذْتهُ بكلِّك سبَقت الخيرات، لذلك قالوا: العِلْم لا يُعْطيكَ كُلَّه إلا إذا أعْطَتَهُ كُلَّك، فإذا أعْطَيْتَهُ بعْضَكَ لم يُعْطِكَ شيئًا، ويظلُّ المرء عالمًا ما طلب العِلم فإذا ظنَّ أنَّه عَلِمَ فقد جَهِل. نسأل الله أن يجْعلنا من السابقين أو أقلّ شيء مِن المُقْتَصِدين، إما أن نكون من الظالمين فنَعوذ بالله تعالى من هذا. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| الكلمات الدليلية (Tags) |
| القران, الكريم, تفسير, صور, كاملا |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 5 ( الأعضاء : 0 , والزوار : 5 ) | |
| أدوات الموضوع | إبحث في الموضوع |
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| امثال من القران الكريم | السعيد | رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة | 36 | 08-21-2018 07:54 AM |
| الفواكه المذكورة في القران الكريم | السعيد | رِيَاضُ الإعْجَازُ القُرْآنــي | 3 | 11-16-2017 07:22 PM |
| اشهر قراء القران الكريم | السعيد | رِيَاضُ الإعْجَازُ القُرْآنــي | 2 | 11-13-2017 11:19 AM |
| مد التاءات وقبضها في القران الكريم | عاشقة الأنس | رِيَاضُ أَرْوِقَةُ الأُنْس | 6 | 10-31-2015 01:34 PM |
| قصة نبي ورد ذكره في القران الكريم ، بحث عن قصة نبي ورد ذكره في القران الكريم | سجى | ريآض سيرة الصحآبة رضوآن الله عليهم أجمعين | 1 | 09-17-2014 11:17 AM |