| كَلِمةُ الإِدَارَة |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
| جديد المواضيع |
| رِيَاضُ الإعْجَازُ القُرْآنــي ( الاعجاز العلمي و البياني وتفسير الآيات والعلوم القرآنية) |
الإهداءات |
![]() |
|
|
|
أدوات الموضوع | إبحث في الموضوع |
|
|
#231 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم
ســــورة الشعراء ( 26 ) الدرس الخامس عشر 15 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيها الإخوة الكرام، الآيات الأخيرة من سورة الشعراء، وهي قوله تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (221) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (222)﴾ (سورة الشعراء) الأفاك هو الكذاب، والأثيم الذي يرْتكب الآثام، ودَقِّقوا في العلاقة بين الكذاب والأثيم، فالكذَّاب كَذِبُهُ يَحْمِلُهُ على الإثْم، والأثيم كذَّاب، قال تعالى: ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ (223) وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (224) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (225) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (226)﴾ (سورة الشعراء) الشِّعْر كما عرَّفَهُ النُّقاد: كلام مَوْزون مُقَطَّع، والشِّعْر تَعْبير فَنِّي وصِياغَة بديعة فلو أنَّ أحدًا قال باللُّغَة العامِيَّة: تضرب هذه الدنيا ! بالفصيح: ضاقَت عليَّ الدنيا، أما الشاعر فقال: بلاني الدَّهْر بالأرْزاءِ حَتَّـى فُؤادي في غِشاء من نِبـــــالي فَكُنتُ إذا أصابَتْني سِهـــامٌ تَكَسَّرَتِ النِّصال على النِّصال *** هذا تعبير فَنِّي وبديع، والله عز وجل قال: ﴿الرَّحْمَانُ(1)عَلَّمَ الْقُرْآنَ(2)خَلَقَ الْإِنسَانَ(3)عَلَّمَهُ الْبَيَانَ(4)﴾ [ سورة الرحمن ] مِن تَكْريم الله للإنسان أنَّهُ علَّمَهُ البيان، وعلَّمَهُ أن يُعَبِّرَ عن مشاعِرِهِ وعن أفكارِهِ، أن يُعَبِّر عن أفكارِهِ وبالنَّثْر، عن مشاعرِهِ بالشِّعْر، ثمَّ إنَّ هذا البيَان له جانِب آخر خطير جدًا، والبيان يُكْتَب ويُقْرَأ، وبِفَضْل البيان المَكْتوب والمقروء يُمْكِن أن تنتقل الثَّقافات والعُلوم والمعارف مِن إنسا لآخر، ومن جيل لآخر، ومن عصْر إلى عصْر، فَعُلومُ البشَرِيَّة كُلُّها تتراكَمُ فوق بعضِها البعْض والإنسان يأخذُ النَّتيجة بِفَضْل البيان المَكْتوب والمقروء، لذلك قال الله تعالى: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ(1)خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ(2)اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ(3)الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ(4)عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ(5)﴾ [ سورة العلق ] الإمام الغزالي كما قلتُ لكم: كان يحْضر درْسه أربع مائة عمامة، فلمَّا انتهى الدرس، لكِنَّ كتابه الإحْياء أبْقاهُ ألف سنة وأكثر، والقرطبي من الأندلس ألَّف تفْسيرهُ المَشْهور ومات لكنَّ هذا التَّفسير يقرؤُهُ المسلمون في شتَّى بِقاع العالم، فاللُّغَة حينما تُكْتَب وتُقرأ معناها ثقافة أمَّة بأكْمَلِها يتوارثُها الأجْيال، وكم مِن كِتابٍ قيِّم في اللُّغة الأجْنبيَّة تُرْجِم إلى اللُّغة العربيَّة. نحن نقطتنا بالدَّرس أنَّ هذا البيان الذي يحوي القدرة على التعبير عن أفكارك ومشاعرك، والقدرة على التَّعبير الفنِّي، قال أحمد شوقي: آمَنْتُ بالله واسْتَثْنَيْتُ جنَّتَـــــهُ دمشق روح وجنات ورَيْحان قال الرِّفاق وقد هبَّتْ خمائِلُها الأرض دار لها الفيْحاء بُسْتان جرى وصفَّق يلْقان بها بردى كما تلقَّاك دون الخلد رِضْوان *** هذا في القديم طبْعًا، فبين أن تقول: دمشق جميلة، وبين أن تصِفَها بِبَلاغَةٍ فرق كبير، والحقيقة التَّعبير الفنِّي له أثَر كبير جدًا، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: (( جَاءَ رَجُلَانِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَخَطَبَا فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا )) [ رواه البخاري ] فهُناك تعبير عِلْمي وتعبير أدَبي وتعبير ساذج عامِّي، والقرآن الكريم إعْجازُهُ في صِياغَتِهِ ولعلَّ من أكبر تأثيرات كتاب الله تعالى فينا هذا النَّظم الدقيق، ولكنَّ الشِّعْر كما قال الفقهاء: كلامٌ حَسَنُهُ حسَن وقبيحُهُ قبيح، فنحن لا نتَّهِمُ الشِّعْر بالذات، ولكن موضوع الشِّعْر، فلو جاء شاعر ومَدَحَ النبي عليه الصلاة والسلام لعلَّ هذا المديح يفْعَلُ فينا فِعْل السِّحْر، إلا أنَّني أوَدُّ أن أضَعَ بين أيْديكم هذه الحقيقة ؛ وهي كما قال بعض الأُدباء الشِّعْر مِصْباح يكْشِفُ لك عن بعض كُنوزِك المَخْبوءَة في أعْماقِك ولكِنَّه ليس بالكيس المملوء الذي يُفْرَغُ في خزائِنِك فأحيانًا الورْد إذا هَزَزْتَهُ تفوحُ رائِحَتَهُ، فالذي عنده مع الله تجارب وأشْواق ومحبَّة لله إذا اسْتَمَع إلى الشِّعر في مُناجاة الله تعالى، أو مديحِ رسول الله صلى الله عليه وسلَّم فَكُلُّ هذه الكُنوز تظْهر أمامهُ، فالشِّعْر يجْعلك تفتح ما سرَرْتَهُ، ويكْشف لك عن كنوزِك، فالشِّعر لا يُضيف شيئًا ولكن يكْشف عن الخبايا المخبوءة فيك، فلو نشَّد واحد منَّا وناجى ربَّهُ بِصَوْتٍ عذْب، ونَغَمٍ طيِّب، أو يمْدح رسول الله صلى الله عليه وسلم تجِدُ بعض الحاضِرين يبْكي، وبعضهم الآخر كالصَّخْر لا يتأثَّر أبَدًا فَهُوَ يكْشِفُ لك عن كُنوزِك، إنَّهُ ليس بالكيس المَمْلوء الذي يُلقى في خزائِنِك، فالشِّعْر يُحَرِّك المواجد والمشاعر، ويُحَرِّك الحبّ والشَّوْق أما إن لم يكن هناك حبّ ولا شَوْق فإنَّه لا يَفْعَلُ شيئًا، لذا الفقهاء والعلماء قالوا: كلامٌ حَسَنُهُ حسَن وقبيحُهُ قبيح ! هناك شِعْر هِجائي فأحدهم وصَفَ مُغَنِّي قال: عِواءُ كلبٍ على أوْتار مِندفةٍ في قُبْحِ قِرْدٍ وفي اسْتِكْبار هامان وتَحْسبُ العَيْنُ فكَّيْهِ إذا اخْتَلَفا عند التَّنَغُم فكَّيْ بَغْل طَحَّـــانِ *** فهناك أمور ممنوعة بالإسلام، المديح الكاذِب ممنوع، والنِّفاق والرِّثاء المُبالَغَ به، وهناك كذِب بالشِّعْر، فالحُكْم الشَّرْعي أنَّ الشِّعْر كلامٌ حَسَنُهُ حسَن وقبيحُهُ قبيح، فهو لا يحوي قيمة ذاتِيَة ولكن قيمة لغيْرِهِ فَمَن أوتِيَ مَقدرةً على نَظْم الشِّعْر، وعلى صِياغة كلامه، فإن وظَّف هذه القُدْرة على نشْر الحق نقول له: أنْعِم وأكْرم، فهذا سيِّدُنا حسَّان ابن ثابت كان مُدافِعًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ وأجْمَلَ مِنْكَ لم ترَ قطُّ عَيْن وأحْسَنَ منك لم تلِدِ النِّساء خُلِقْتَ مُبَرَّءً من كُلّ عَيْبٍ كأنَّك قد خُلِقْتَ كما تشاءُ *** إذًا هناك بالشِّعْر ما هو جميل، وما يَهُزّ المشاعِر، والإنسان يُغَذِّي قلبَهُ ومشاعِرَهُ، ولكن الشِّعْر مَوْقوف على موضوعِهِ فإن كان في مُناجات الله وفي تَوْضيح الحق فأنْعِمِ به، وقد قال عليه الصلاة والسلام: ((إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا )) [ رواه البخاري ] فَمَن أوتِيَ قُدْرةً على التَّعبير، ونَظْم الكلام هو مُحاسَبٌ عند الله تعالى حِسابًا خاصًّا إن لم يُوَظِّف هذه القُدْرَة في نَشْرِهِ فَهُوَ آثِم، وهناك شُعَراء يتغزَّلون، وآخرون يَهْجون، وهناك شُعراء منافقون وآخرون يَمْدحون مديحًا كاذِبًا، فلِذلك الحُكم الشَّرعي في الشِّعْر: كلامٌ حَسَنُهُ حسَن وقبيحُهُ قبيح، وإنَّ الله لَيَغْضَبُ إذا مُدِحَ الفاسِق، والآية الكريمة كما قال تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (224) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (225)﴾ (سورة الشعراء) أَحطّ شيء بالشُّعَراء أن يرْتَزِقوا بِشِعْرِهم، وقد ذكروا طُرفَةً عن أديب عاتَبَهُ زُمَلاؤُهُ على أنَّهُ باع فنَّهُ لِجِهَةٍ ما، فغَضِبَ أشَدَّ الغضَب وقال: أنا لم أبِعْهُ ولكِنَّني أجَّرْتُهُ ! عُذْرٌ أقْبَحُ مِن ذَنْب !! فالإنسان عليه أن لا يُوَظِّف طاقتِهِ التَّعْبيرِيَّة، وقُدراتِهِ الكلامِيَّة، وبلاغتِهِ وشِعْرهِ في الباطِل فهذا يُحاسَب عند الله تعالى حِسابًا عسيرًا لأنَّه لو وظَّفَهُ في الحق لأفاد ونفَعَ كثيرًا، فهذا الإمام البوصيري في قصيدَته البردَة ؛ هذه القصيدَةُ تُعَبَّر عن حُبٍّ صادِق لرَسول اله صلى الله عليه وسلَّم ؛ نُظِمَت في عُصور الدُّوَل المُتتابِعَة ؛ وعُصور الانْحِطاط ومع ذلك تُعَدُّ مِن أرْقى أنواع الشِّعْر، قال في بعض ما قال: فلا ترم بالمعاصي كثْرة شَهوتها إنَّ الطعام يُقَوِّي شَهْوَة النَّــــهِم *** ووصف أصحاب رسول الله فقال: كأنَّهم فوق ظَهْر الخَيْر نَبْتُ ربًى مِن شِدَّة الحزن لا مِن شَدَّة الحُزُم *** فما قلنا هناك أشياء لطيفة بالشِّعر، ولكن يجب أن تُوَظَّف في الحق قال تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (224) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (225)﴾ (سورة الشعراء) هناك شاعر بالعَصْر العباسي مدَحَ ثلاثًا وثلاثين أميرًا وهجاهم في الوقت نفْسِهِ، قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (226)﴾ (سورة الشعراء) قال المُتَنَبِّي: أنا الذي نظَر الأعْمى إلى أدبي وأسْمَعَتْ كلِمَاتي مَن به صَمَــــــمُ أنام ملئ جُفوني عن شوارِدِها ويسْهَرُ الخَلق جرَّاها وَيَخْتَصِــــمُ الخَيلُ والليل والبيْدَاءُ تعْرفُني والسَّيف والرمح والقِرطاس والقَلَمُ *** فكان في طريقِهِ من البصْرة إلى حلب فهاجَمَهُ أعْداؤُهُ فَوَلَّى هارِبًا !! فقال له غُلامُهُ ألم تقل: الخَيلُ والليل والبيْدَاءُ تعْرفُني والسَّيف والرمح والقِرطاس والقَلَمُ *** فقال قَتَلْتني قَتَلك الله !!! وعاد فقاتَلَ حتَّى قُتِل، ومات في هذه المعْرَكَة، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (225) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (226) ﴾ (سورة الشعراء) اُنْظر إلى هذا الاسْتِثناء ما أجْمَلَهُ، قال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ(227)﴾ (سورة الشعراء) القرآن دائِمًا به اسْتِثْناءَات، قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ(1)إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ(2)إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ(3)﴾ [ سورة العصر ] قال تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (224) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (225) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (226) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (227) ﴾ (سورة الشعراء) فالإنسان إذا أتْقَنَ عِبارَتهُ وقرَأ الأدَب الرَّفيع، إذا قرأتَ قصيدة وشَعَرْتَ أنَّها حرَّكَتْ مشاعِرَكَ السُّفْلى وتَفْكيرَكَ الهابِط، فأنت مع فنِّ رخيص، وهذا كالوباء، وعلى الإنسان أن يختار ما يقرأ لأنَّه يتأثَّر بِما يقرأ، وهو أن تختار الكتاب الجيِّد والشاعِر الجيِّد، فهذا يفْعَلُ فيك فِعْل السِّحْر، أما إن لم تخَتَر ما تقرأ فهذا قد يكون بِمَثابَة أصْدِقاء السُّوء، والصاحِب ساحِب، وهذا الشِّعْر حُكْمُهُ مَوْقوف على موضوعه. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#232 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة النمل (27) الدرس الاول الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيها الأخوة الكرام، الآية الثالثة والأربعون من سورة الفرقان، وهي قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً (43)﴾ (سورة الفرقان) من الإله ؟ هو الخالق والرازِق، وهو المُحْيي والمُمِيت، والرافِع الخافض، وهو المُعِزّ والمُذِلّ، والقابض الباسِط، فالإله الذي ينبغي أن تعْبُدَهُ ينبغي ان يكون حيًّا لا يموت، والإله الذي نبغي أن تعْبُدَهُ ينبغي أن يكون قَوِيًّا، وليس فوقه قويّ، وغنيًّا ليس بعد غنيّ، وبيَدِهِ مقاليد السماوات والأرض، قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ (سورة الفرقان) معنى ذلك أنَّ الإنسان أحدُ رَجُلين فإمَّا أن يتَّخِذ الله إلهًا له، يعْبُدُه ويأتَمِرُ بِأمْرِهِ وينْتَهي عمَّا عنه نهى، وإمَّا أن يَجْعل هواهُ إلهًا يُسَيِّرُهُ، ولو لم يقُل هذا بِلِسانِهِ، فالعِبْرة هذه الحركة، وهذا السُّلوك، وهذا العَطاء، وهذا المَنْعُ والأخْذ، وهذه الصِّلة، وهذه القَطيعة، وهذا الرِّضا، والغضَب كلَّ هذا بِدافِعِ الهوى، فإمَّا أن يكون بِدَافِعِ الهَوى وهذا مع الشَّيْطان وإمَّا أن يكون بِدافِعِ طاعة الله تعالى فهذا مع الرحمن، فالإنسانُ أحَدُ رَجُلَيْن، الذي يُحرِّكُهُ الهَوى أو الشَّرْع، وإرْضاءُ شَهْوَتِهِ أو إرْضاءُ ربِّه، والإنسان إمَّا يكون رَحْمانِيًّا، وإمَّا أن يكون شَهْوانِيًّا شَيْطانِيًّا فالناس رجلان برٌّ تقيّ كريم على الله" فإذا تمكَّن الإنسان من مُراقَبَة نفْسِهِ ويسْتبْطِنَ دوافِعَها، فإنْ كانتْ جامِحَةً نحو مُؤاثَرَة الهَوى فَهُوَ مع الشَّيْطان وهو مع الدُّنيا، وهو في طريقٍ مَسْدودة، أما إذا كان الذي يُحَرِّكُهُ هو طاعة الله عز وجل، لذا لا تكون الجنَّة جنَّةً لِمَن يدْخُلُها إلا إذا كان الهوى يُناقِض التَّكليف ؛ دَقِّق ! التَّكليف الذي جاء به الشَّرْعُ الحنيف يُناقِضُ الهوى، فالهَوى أن تنام إلى ساعةٍ مُتأخِّرة والتَّكليف أن تسْتَيْقِظَ لِصلاة الصُّبح، والهَوى أن تنْظُر، والتَّكليف أن تغُضَّ البصر، والهوى أن تُطلِقَ لِسانَكَ بالهوى والفحْشاء، أما التَّكليف أن تسْكُتَ وتصْمُتَ وتبتَعِدَ عن الغيبة، لذا لو لم يكنِ الهَوى مُناقِضًا للتَّكليف لما كانتْ هناكَ جنَّةٌ ولا نار، فالمؤمِنُ يسْتَحِقّ دُخول الجنَّة لأنَّهُ نهى النَّفْس عن الهَوَى، قال تعالى: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى(5)﴾ [سورة الليل] وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنْ الْهَوَى(40)فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى(41)﴾ [سورة النازعات] لذلك صار عندنا محرِّكين محرِّك طاعة الله، و محرِّك الهوى، فالإنسان العاقل هو الذي يُحلِّل نفسه و دوافعه و تصرُّفاته، هل هذا التصرُّفُ بدافع الهوى إذاً أنا مع الشيطانِ، أنا مع الشهوةِ، و أنا في غضب الله، و أنا في سخطِ الله، و المحرِّك الثاني ؛ طاعة الله و طلبُ رضوانه، فأنا مع الله، فالناسُ رجلانِ ؛ رحمانيٌّ وشيطانيٌّ ملائكيٌّ وشهوانيٌّ، أخْروِيٌّ و دُنيَويٌّ، ربَّانيٌّ و كهْنوتِيٌّ، إما مع الله و إما مع الكهنوتِ و إما مع العدل و إما مع الكهنوت، قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ (سورة الفرقان) ما قولك في معظمِ الناس الذين يعلنون بألسنتهم، أنهم عَبيدٌ لله عز وجل وهم في الحقيقة عبيدٌ لشهواتهم، إن معظم الذين يظنون أنهم في طاعة الله إن الهوى وحده يحركهم، فالحسدُ يحرِّكُه الهوى، و الغيبة يحركها الهوى، و النميمة يحركها الهوى، و قبض المالِ يحركه الهوى، و إمساكُ المال عن الإنفاق يحركه الهوى، و إطلاق البصر في محاسن النساء يحركه الهوى، وأخذُ المال الحرام يحركه الهوى، فالدينُ أكبرُ بكثير من أن تؤَدِّيَ هذه الصلوات الخمس، لم ينتهِ شيءٌ بعدُ، الدين أن تتحرك بدافع طاعة الله و دافع عبادته و طلب رضوانه وطلب جنَّتِه وما فيها، و الانحرافُ أن تتحرك بدافع الهوى، و أحيانًا يتكلم الإنسانُ بدافع الهوى و يبرزُ العيوبَ بدافع الهوى حتى يستعليَ على الآخرين، و يحتقر أخاه المسلم بدافع الهوى قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ (سورة الفرقان) أحيانا يغتصب بيتا بدافع الهوى، و يطمس حقًّا بدافع الهوى فالعبرةُ لا لأداء الصلوات دونَ معنى، العبرةُ أن تتحرك لدافع طاعة الله عز وجل، و العبرةُ أن يكون شرعه و رسوله وسنة نبيه هي التي تحرِّكُكَ، قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً (43)﴾ (سورة الفرقان) لا يستطيع النبي أن يهديَ إنسانًا جعل من هواه إلهًا له، فهو يعبد هواه من دون الله، لذلك أنت أيها المؤمنُ إن رأيتَ إنسانًا يركب هواه أو يركبُه هواه و مُسَيَّرًا من قِبَلِ شهوته و مصلحتُه قبْل كلِّ شيء و لا عبرةَ للحلال و الحرام عنده، فهذا الإنسان لا جدوى من تذكيره، لأن النبيَّ صلى الله عليه و سلم الذي أُوتِيَ جوامعَ الكلِم و الذي أُوتِيَ الوحيَ من السماء لا يستطيع أن يهديَه، أفأنت يا محمد تكون عليه وكيلا، كلُّ كماله صلى الله عليه و سلم ومنطقه و حُجَّتهما استفاد منها عمُّه أبو لهب و لا أبو جهل و كفارُ قريش الذين اتبعوا أهواءهم، لذلك قال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتْ الذِّكْرَى(9)﴾ [سورة الأعلى] فمن الذي ينتفع بالذكرى ؟ الذي لا يستخدم الهوى إلها له، قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً (43)﴾ (سورة الفرقان) هذا استفهامٌ إنكاريٌّ، أي أنت لن تستطيع أن تكون عليهم وكيلا فتهديَهم، لأنه يعبد همه من دون الله، فالمؤمن ربَّانيٌ رحمانيٌّ و ملائكِيٌّ، و المؤمن وفق الشرع، و المؤمن يعبد اللهَ و يرجو الله و اليوم الآخرَ، و المؤمن يسعى للجنة، و المؤمن يضع هواه تحت قدمه وا خجلتي من عتاب ربــي إذا قال لــي: أسرفْتَ يا فلانُ إلى متى أنت فــي المعاصي تسير مُرخى لك العِــــنـانُ عندي لك الصلحُ وهو بِــرِّي وعندك السيفُ والــســنـانُ ترضى بأن تنقضي اللـيالـي وما انقضتْ حربُك العَــــوان فاستحِ من كتابٍ كريــــم يحصِي به العقلُ و اللـــسـانُ واستحِ من شيبةٍ تـــراهـا في النار مسجونةً تُـــــهـانُ *** إن اتباعَ الهوى هوانٌ، ومن اتبع الهوى فقد هوى، و القضيةُ محدودةٌ و السنواتُ معدودةٌ، و الإنسان حينما يطيع الله عز وجل و يضع شهوتَه تحت قدمه ينتهي الامتحانُ و تبقى السعادةُ الأبديةُ، و حينما يتَّبع هوى نفسه و يلقي الشرعَ وراء ظهره، سنواتٌ معدودةٌ و تنقضي و تبقى جهنَّمُ إلا أبد الآبدين. هذه الآيةُ أيها الأخوة: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً (43)﴾ (سورة الفرقان) أيْ لا أنت و لا أكبرُ عالِمٍ و لا أكبر داعية و لا أكبرُ مرشد و لا خطيب و لا أكبر متكلِّم متمكِّن يستطيع أن يقنعَ إنسانًا بالطاعة إذا كان هذا الإنسانُ قد أتَّخذ هواه إلها له، قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً (43)﴾ (سورة الفرقان) ثم يقول الله عز وجل عن هؤلاء الذين اتخذوا هواهم لها لهم: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً (44)﴾ (سورة الفرقان) كالأنعام، قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [سورة الجمعة] دابة ضعٍ عليها كتاب الفيزياء تأليف "أنشتاين" و كتاب في الفلك تأليف" موريسون" و كتاب في علم النفس و كتاب في علم الاجتماع و كتاب في أصول الفقه، و بعد حين اسألها عن قضية، فهل تجيبك هذه الدابةُ؟! تشبيه رائعٌ جدًّا، ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [سورة الجمعة] وأحيانا الإنسانُ يُحمَّل القرآنَ لكنْ لا يحمله، يُلقَى على مسمعه القرآن الكريم و تفسيره لكن هواه حجاب بينه و بين الحقيقة، لا يستفيد شيئًا، قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا﴾ [سورة محمد] كلام سمعناه سابقًا و يُعاد في كل درس، لأنه مع هواه لا يدرك الفرقَ بين الدرسين، و الإنسانُ الذي يتبع هواه أعمى، قال تعالى: ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى(124)قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا(125)قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى(126)﴾ [سورة طه] فالذي نستفيده من هذه الآيةِ كتطبيق عمليٍّ ؛ قبل أن تتكلم ؛ ما الدافع ؟ و قبل أن تنتقد، ما الدافع ؟ و قبل أن ترحِّب بإنسانٍ لا يصلي ترحيبًا شديدا، ما الدافع ؟ و قبل أن تعاديَ ما الدافع ؟ الهوى، فإذا كشف الإنسانُ نفسَه وعلَّمها صار حكيما، قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾ (سورة البقرة) و قبل أن تمدح ما الدافع ؟ و قبل أن تذُمَّ ما الدافع ؟ و قبل أن تعطيَ ما الدافع ؟ و قبل أن تمنع ما الدافع ؟ و قبل أن تغضب ما الدافع ؟ و قبل أن تبتسم ما الدافع ؟ و قبل أن تزور فلانا ما الدافع؟ و تلبية دعوة الأغنياء و الأقوياء من الدنيا، و تلبية دعوة الفقراء و المساكين من الآخرة أيها الأخوة، هذه الآية أرجو الله عز وجل أن تُتَرجمَ إلى تحليل نفسي دقيق، فالإنسانُ المؤمن دائما يحلل دوافعه، فإّذا كان الدافع أن تنتزع إعجابَ الآخرين فهو من الهوى، وهي قضية ظهور و افتخار و انتزاع إعجاب الآخرين و إثبات الذات، قال تعالى : ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً (43)﴾ (سورة الفرقان) قبل أن تغتصب هذا البيت ما الدافع ؟ فالدين أكبر بكثير من أن تصلِّيَ و أكبر بكثير من أن تصوم رمضان و من أن ترتديَ زيًّا إسلاميًّا، و سواكا، الدين أكبر من ذلك، الدين التزام، و أن تنطلق من طاعة الله و عبادته لا من هوى نفسك، و المؤمن كما أقول لكم دائما يضع هواه و شهوته تحت قدمه إرضاءً لربِّه، هذا هو المؤمن، و أنا لا أعتقد أن هناك بشر أعزَّه اللهُ كما اعزَّ سيدَنا محمدًا، وكلُّ إنسان اتبع سيدَنا محمدًا يُعِزُّه اللهُ و يرفع شأنَه و قدرَه كثيرا، و إيَّاك أن ترفع قدرَك أنت باختيارك، الله تعالى يرفعك إلى ما لا تطمح إليه، اخضَعْ لله و انظُرْ إلى الأكحال وهي حجارةٌ لانَـتْ فصار مقرُّها في الأعينِ فالكُحلُ حجر مطحونٌ لكنَّه ليِّن و طُحِن فوُضِعتْ في العينِ الملخَّصُ، إياكَ أن تتبِّع الهوى، وضع نفسَك كأنك محلِّلٌ نفسِيٌّ، و كلُّ حركة و سكنة حلَّلْها، هذه الكلمة ما هدفها ؟ و هذه الابتسامة الساخرة ماذا أردتَ منها ؟ والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#233 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة النمل (27) الدرس الثانى الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيها الإخوة الكرام، في سورة النَّمل قِصَّة لها دلالات كبيرة، وبادئ ذي بدْء ؛ القِصَّة في القرآن الكريم ليْسَت قِصَّةٌ وقَعَت، وليْسَت قِصَّة لن تقَعَ بعد اليوم، إنَّها تُمَثِّل نموذَجًا مُتَكَرِّرًا، فما لم تسْتنبِط مِن القِصَّة الحقيقة والمَوْعِظَة والقانون فكأنَّنا لم نقرأ قِصَّة في كتاب الله، فربنا سبحانه وتعالى قال: ﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (15)﴾ (سورة النمل) هل تُصَدِّق أنَّ أعْظم نِعْمَةٍ على الإطلاق أن يُعَلِّمَكَ الله، ولأنّ رتْبة العِلْم أعلى الرُّتَب، ولأنَّ الله سبحانه وتعالى فضَّل الإنسان على باقي المخلوقات بالعِلْم، وأنَّك إن أرَدْتَ الدنيا فَعَلَيْك بالعِلْم، وإن أرَدْتَ الآخرة فَعَلَيْك بالعِلْم، وإن أرَدْتَهُما معًا فعليم بالعلم ! وفضْل العالم على العابِد كَفَضْل النبي على أدْنى الناس، وفضْل العالم على العابِد كَفَضْل القمر ليلة البَدْر على سائر الكواكب، ويَظلُّ المرء عالِمًا ما طلَبَ العِلْم فإذا ظنَّ أنَّهُ قد عَلِم فقد جَهِل، والإنسان دون عِلْم يشْقى في الدنيا والآخرة وأساس الدِّين تَعْرِفُهُ فَتُطيعُهُ فَتَسْعَدُ بِقُرْبِهِ، فالسَّعادة هي الهَدَف والطاعة هي الثَّمَن، والعِلْم هو السَّبب. أبْسَط مثال ؛ إنسانٌ ضَغْطُهُ مُرْتَفِع، والضَّغْط المُرْتفِع أحيانًا ليس له أيّ أعْراض، فقد تَجِدُه في أعلى درجات الحَيَوِيَّة والصِّحَة وضَغْطُهُ ثمانِيَة عشَرة، هل يستطيعُ أن يُعالِجَ هذا الضَّغْط إلا إذا عرَفَ أنَّ معه ضَغْط ؟! فأوَّل خُطْوَة من خطوات مُعالَجَة الضَّغْط المُرْتَفِع أن تقيس ضَغْطَكَ، ولذلك المعرِفَة أساس التَّوْبة، والإمام الغزالي له كلمة رائِعَة قال التَّوبة لها ثلاثة أركان: عِلْمٌ وحالٌ وعَمَل، الحال هو النَّدَم، ولن تنْدَمَ إلا إذا عَلِمْتَ، ولن تتوب إلا إذا نَدِمْتَ، فالإنسان متى يُعالِج نفْسَهُ؟! إذا عَلِمَ أنَّ الشُّحوم مُرتفعَة، والكولسترول نسبتُهُ رفيعة، فمتى يُحَدِّد الإنسان الغِذاء الخاص به ؟ بعد أن يقْرأ التَّحليل، إذًا هل هناك حرَكَة نحو الإصْلاح قبل العِلْم ؟ لا، العِلْمُ مَبْدَئِيًّا، تعْرفُ حجْمَكَ وفي أيِّ طريقٍ أنت، وفي أيِّ اتِّجاه، والمُشْكِلَةُ التي تُعاني منها، فالإنسان كيف يعْلم أنَّهُ على باطِل ؟ إذا لم يَحْضُر مَجْلس عِلْم، وكيف يعْرِف أنَّهُ على انْحِراف ؟ كيف يعْلم أنَّ دَخْلَهُ فيه مُشْكِلَة ؟ إذا لم يحْضُر مجالس العِلم، فَبِهِ تعْرف حجْمَكَ وعمَلَك، ومُطابَقَة عملِكَ للشَّرْع، لذا أكبر نِعْمة على الإطلاق أنْ تتعلَّم، وأن يُؤْتِيَكَ الله عِلْمًا صحيحًا، لذا رُتْبَةُ العلم أعلى الرُّتَب، قال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ(19)﴾ [ سورة الأحقاف ] فالإنسان لمَّا يُسْمَحُ له أن يتلقَّى العِلْم مِن مَنْبَعٍ صافٍ وِفْق الكتاب والسنَّة ؛ العِلْمُ الذي أرادهُ الله فهذه أكبر نِعْمةٍ يُنْعَمُ بها الإنسان قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (15)﴾ (سورة النمل) معنى ذلك أنَّ هناك مؤمن عابِد، وآخرَ عالِمٍ، العابِد مُقاوَمَتُهُ هذه الأشياء مِنَ السَّهْل جدا أن يعْصِيَ الله لأَتْفَه سبب، تنطلي عليه الأمور والخُزَعْبلات والخُرافات، يمْشي في طريق غلَط وهو لا يشْعر، ويأخذ فرْع من فُروع الدِّين، ويجْعَلُهُ هو الدِّين، ويأتي على أحد أصول الدِّين فَيَجْعَلُهُ فرْعًا، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (15)﴾ (سورة النمل) الآن على ماذا يشْكُر الناس ؟ يقول لك: بيْتي أربعين متْرًا ! والآخر يقول لك: لي بِضاعَة أرْبَعُ مائة ضِعْف ! اِنْتَبِه لِما تقول ! فإذا فضَّل الله عليك بالمال، فالمال زائِل، والبيت زائِل، والمركبة والمزْرعة...كُلُّ هذا زائِل، أما العِلْم هو المُسْتَمِرّ، وهو الذي تَسْعَدُ به في الدنيا والآخرة، لذا الإنسان إذا لم يطْلب العِلْم جهل، وطلب العلم فرض عين على كلّ مُسْلِم، فلا تقل لي أنا مهندس لا علاقة لي بالدِّين !! هذا كلام فارِغ، قال تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (16) وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (17) حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ ﴾ (سورة النمل) الآن نحن أمام إعجاز عِلْمي، الله جل جلاله أثْبَتَ للنَّمْل النِّظام الاجْتِماعي والمعرفة، فالنَّمْلة تُخاطِب، وخِطابُها عن طريق المواد الكيماوِيَّة، فإذا الإنسان سَحَق نمْلة بِيَدِهِ، فإنَّه ينْتشر من هذه النَّمْلة رائِحَة هي اسْتِغاثة لِكُلِّ النَّمْل، وبعد وقتٍ قليل تأتي مئات النَّملات أمامها، فهناك خِطاب، وأحيانًا تكون حبَّة القمْح أو الخبر أكبر من طاقتِها فَتُرْسِل إشارة فتأتي ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (16) وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (17) حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ ﴾ (سورة النمل) زميلاتُها، وأحْيانًا تُخَزِّن النَّملة حبَّة القمْح في وَكْرِها وتنْزَعُ رُشَيْمَها وتأكلهُ !! وهذا مِن أجل أن لا تنْمو هذه الحبَّة، لأنَّها إن ترَكَتْ الرُّشَيْم نَمَتْ هذه الحبَّة، وهناك بُذور لها رُشَيْمان، وحينها تأكل النَّملة الرُّشَيْمَين مِن اجل أن تكون هذه الحبَّة غِذاءً لا نباتًا، فالله سبحانه وتعالى أثْبَتَ للنَّمْلة النُّطْق والمعرفة. مرَّةً راقَبْتُ وَكْر نمْل ؛ شيء لا يُصَدَّق ! قطعة خبز تَجُرُّها نمْلة فاسْتَغاثَتْ بِزَميلاتِها فجاءها أربعة نِمال، وكلّ نَمْلة مِن طرَف، والنَّمْلة يمكِنُها أن تَحْمِل عشْرة أمْثال وزْنَها، فإذا الواحِد مِنَّا وزْنُه سبْعين كيلو، فهو لا يُمكنُهُ أن يحْمِل سبعمائة كيلو غرام ! لكنَّ النملة عشْرة أمْثال وزْنَها، وإذا كانت قطْعة الخبز أو الطَّعام ؛ فَمُجْتَمَعُ النَّمْل ومُجْتَمَعُ النَّحْل هو مُجْتَمَعٌ مُتَعاوِن بِأعلى درجات التَّعاوُن، إذْ هناك نِمال يُمَثِّلْن الشُّرْطَة، ويَقِفْنَ على الطريق، ولا يسْمَحْن بأيَّة نمْلة بالخُروج من الطريق، وأُخَر حارِسات، مُجْتَمَعٌ مُنَظَّم ومُتَعاوِن وهناك تنْسيق، وله قِيادة وشرطَة وجِهاز ضَبْط، ومع ذلك هذا المُجْتَمَع يستطيع أن يتواصَل إعلامِيًّا بالنُّطْق، فالله عز وجل تَبْسيطًا لِمَدارِكِنا قال: قالَتْ نمْلة ! قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (18) ﴾ (سورة النمل) أحَدُ شُيوخ الأزْهر كان أُمِيًّا، وبدأ يدْرس العِلْم فَوَجَدَهُ صعبًا فَتَرَكَهُ وحاوَلَ ثانِيًا ثمَّ ترَك، وبعدها يئِسَ، قال: كنت جالسًا مرَّة في مكان فوَجَدْتُ نمْلة تريدُ الصُّعود على الحائط، سَقَطَت فأعادَت الكرَّة، وعدَّ هذا المرات التي حاوَلَت فيها الصُّعود فَوَجَدَها أربعين مرَّة !! فقال: عَلَمَتْني نمْلة أن لا أيْأس، ورَجَع وطلبَ العِلْم، وما مات إلا وهو شيْخَ الأزْهَر ! والذي علَّمَهُ نمْلَةٌ: أخْلِقْ بذي الصَّبْر أن يحْظى بِحاجَتِهِ ومُدْمِنِ القرْع للأبواب أن يَلِجَ *** فالله تعالى يَمْتَحِنُ صِدْق الإنسان، فلا يُمْكِنُكَ أن تتعلَّم من أوَّل درْس، ولكن درس مع درس، وصلاة مع صلاة، وإنْفاق مع إنفاق تكون النتيجة، فهذه النَّمْلة علَّمت هذا الإنسان، وأصْبَحَ شيْخ الأزْهر بِفِعْلِها والمؤمن أيها الإخوة لا ييْأس. قال تعالى: ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (18) ﴾ (سورة النمل) فهذه النَّمْلة عَرَفَتْ مقام النُّبُوَّة، فهي شَهِدَت أنَّ هؤلاء المارَّة إن قَتَلْنَكم فهم لا يشْعرون وليس عن قصْد، لأنَّها عظَّمَت مقام النُّبُوَّة، قال تعالى: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (19)﴾ (سورة النمل) معنى ذلك أنَّ سيِّدَنا سُلَيْمان أوتِيَ أن يسْمَعَ حديث النَّمْل، والشيء الآخر أنَّ الآية الكريمة وهي قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا(44)﴾ [ سورة الإسراء ] وقد كان صلى الله عليه وسلَّم يخْطُب على جذع نخلة فقد روى البخاري عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللَّهِ رَضِي اللَّه عَنْهممَا أَنَّ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا أَجْعَلُ لَكَ شَيْئًا تَقْعُدُ عَلَيْهِ فَإِنَّ لِي غُلَامًا نَجَّارًا قَالَ: (( إِنْ شِئْتِ قَالَ فَعَمِلَتْ لَهُ الْمِنْبَرَ فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ قَعَدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَرِ الَّذِي صُنِعَ فَصَاحَتِ النَّخْلَةُ الَّتِي كَانَ يَخْطُبُ عِنْدَهَا حَتَّى كَادَتْ تَنْشَقُّ فَنَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أَخَذَهَا فَضَمَّهَا إِلَيْهِ فَجَعَلَتْ تَئِنُّ أَنِينَ الصَّبِيِّ الَّذِي يُسَكَّتُ حَتَّى اسْتَقَرَّتْ قَالَ بَكَتْ عَلَى مَا كَانَتْ تَسْمَعُ مِنَ الذِّكْرِ )) [ رواه البخاري ] دخل إلى بستان فرأى فيه جَمَلاً، ولمَّا نَظَر إلى النبي صلى الله عليه وسلَّم ذَرَفَتْ عَيْناهُ، فجاء النَّبي ومسَحَ دُموعَهُ لذلك قال عليه الصلاة والسلام: ((لو بقيتم على الحال التي أنتم عليها لصافحتكم الملائكة! )) فالإنسان كُلَّما ارْتَقى تَشِفُّ نفْسُهُ فيرى ما لا يراه الآخرون، ويسْمَعُ ما لا يسْمَعُهُ الآخرون، قال تعالى: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ ﴾ (سورة النمل) أوْزِعْني أيْ ألْهِمْني، نحن عندنا حُكْم، ما العَمَل الذي يرْضاهُ الله عز وجل ؟ وما العمل الذي يَقْبَلُهُ الله عز وجل ؟ وما العمل الذي ترْقى به عند الله عز وجل ؟ والذي تدخل به إلى الجنَّة ؟ العَمَل كما قال الفُضَيْل: لا يقبل إلا إذا كان صوابًا وخالِصا، فالخالِص ما ابْتُغِيَ به وَجْهُ الله وصَوَابًا ما وافَقَ السنَّة، هذا معنى قول الله تعالى: ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ﴾ (سورة النمل) ترْضاهُ بالمناسبة فِعْلٌ مُضارِع، والجملة في مَحَلّ نَصْب صِفَة، والصِّفة قَيْد، أي أن أعْمَلَ صالِحًا مَرْضِيًّا عنه، فالصالِح لا يُقْبَل إلا إذا كان مَرْضِيًّا عنه، ومتى يُقْبَلُ عنه ؟ إذا كان خالِصًا ومُوافِقًا للسنَّة قال تعالى: ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (19) ﴾ (سورة النمل) الحقيقة بعد أن قال الهُدهد، وسوف نأخذ قوله في المرَّة القادِمة، قال تعالى: ﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (27)﴾ (سورة النمل) سننْظُر أصَدَقْتَ أم كنتَ من الكاذِبين ! هذه الآية لِكُل إنسان ولاَّه الله على عشْر أشْخاص فما فوق رئيس دائرة، ومُدير مُستشفى، ومعلِّم بِصَفٍّ، قبل أن تتَّخِذ قرارًا يجب أن تتقصّى الحقائِق، وقبل أن تُنْزِل العِقاب بِزَيْد يجب أن تعرف ماذا فعَل ؟ لذلك هذه الآية يَحتاجُها كُلّ أب، تأتيك ابْنَتُك إلى البيْت تبكي وتتكلَّم عن زَوْجِها، فالأب يغْضب ويزَمْجِر ويتوَعَّد وليْتَهُ اسْتَدْعى زَوْجَها وسألَهُ لماذا أنت غاضِب عليها ؟ فربما حينها تسْكت عن أشياء كثيرة، لذا قال: سننْظُر أصَدَقْتَ أم كنتَ من الكاذِبين ! والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#234 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة النمل (27) الدرس الثالث الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيها الإخوة الكرام، لازلنا في قصَّة سيِّدنا سليمان مع ملِكَة بلْقيس وأُحِبُّ أن أُنَوِّهَ إلى أنّ أيَّ قِصَّة في القرآن الكريم لا يُمْكِن أن يكون الهَدَف منها فرْض الوقائِع لا غير !! قرْآننا أعظمُ وأجَلُّ مِن أن يكون كِتاب قِصص، بل إنَّ كُلَّ قِصَّة في القرآن الكريم تُمَثِّل نموذجًا مُتَكَرِّرًا ويُمْكِن أن نسْتنبِطَ من كُلِّ كلمةٍ ومن كُلِّ قَوْل، ومن كُلِّ حِوارٍ، ومِن كُلِّ تَصْوير حقيقةً وقانونًا، ومبْدَأً، وتَوْجيهًا، فَيَجِبُ أن نَعْتَنِيَ بالقِصَّة عِنايَةً بالِغَة ؛ لأنَّ كل فقْرةٍ فيها قانون يُلقي ضَوْءً على حياتنا اليَوْمِيَّة. نحن وصَلْنا في الدَّرْس الماضي أنَّ الهَدِيَّة يفْرَحُ بها أهْل الدنيا، لكنّ أصْحاب المبادئ لا يعبئون بها. قال تعالى: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (35)﴾ [ سورة النمل ] النبي عليه الصلاة والسلام عرَضوا عليه أن يكون أغْنى فِتْيان مكَّة وأن يتزوَّج أجْمَلَ فتاةٍ فيهم، وأن لا يُقْطَعَ أمْرٌ دون أن يُرْجَعَ إليه، ومع ذلك قال: ((يا عمّ، والله لو وضَعوا الشَّمي عن يميني والقمر عن يساري على أن أترُكَ هذا الأمر ما ترَكْتُهُ حتى يُظْهِرهُ الله أو أهلِكَ دونَهُ.)) المبادئ عند أصْحاب المبادئ هي كُلُّ شيء، والمادَّة تحت أقْدامِهِم والمادَّة عند أصْحاب الدنيا هي كُلّ شيء، والمبادئ تحت أقْدامِهِم لذلك مَلِكَة بلْقيس كانت ذَكِيّة حينما علِمَتْ أنَّ الهَدِيَّة وَحْدها تَكْشِفُ نُبُوَّة هذا النبي، فإمَّا أنَّهُ ملِكَ، ومِن شأنِ المَلِك إن دَخَل قرْيَةً أفْسَدَها وجعل أعِزَّة أهْلها أذِلَّة، وإما أنَّهُ نبيٌّ، والنبي يمْتلأُ قلبُهُ بالرَّحْمة والعَدْل وله رسالةٍ يُؤَدِّيها، فالفرق الفاصِل بين النُّبوَّة المُلْك ما إذا فرِحَ بهذه الهَدِيَّة أو لم يفْرَح، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آَتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آَتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (36) ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ (37)﴾ [ سورة النمل ] قال سيِّدنا سليمان كما قال تعالى: ﴿قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (38)﴾ [ سورة النمل ] أحيانًا نفْرح لمَّا نجد الاتِّصالات سريعَة جدًّا، وسيِّدُنا عمر رضي الله عنه قال: يا سارِيَة، الجَبَلَ الجَبَلَ ! دون تِلكْس وخط هاتفي، كما أنَّنا نفْرح نحن لمَّا ننقل شيئا ضَخما من مكان لآخر، فالقُدُرات التي أعْطاها الله للجِنّ تفوق حدَّ الخيال، والقُدْرات التي أعْطاها الله للملائكة تفوق قدْرات الجنّ، قال تعالى: ﴿قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (38)﴾ [ سورة النمل ] عرشٌ ضَخْم يأتي به مِن اليَمَن إلى القُدْس، هل في العالم اليوم شرِكَة نقْل تستطيع أن تنقل عرشًا ضَخْمًا من الإسمنت إلى فلسطين قبل أن تقوم مِن مقامِك ؟!! قال تعالى: ﴿قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (39) قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآَهُ مُسْتَقِرّاً عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (40)﴾ [ سورة النمل ] هنا الشاهِد، نحن كَمُؤمنين، كلَّما عايَنْتَ نِعْمَةً حلَّت بك ؛ هل تقول: هذا مِن فضْل ربِّي ؟! أجْهزتُكَ وأعْضاؤُك وحواسُّك، نِعْمَةُ المأوى والزَّوْجَة ونِعمة الأولاد، ونعمة الدَّخْل، ونِعمة الحريَّة ؛ هذه النِّعَم التي أكْرَمَنا الله بها ؛ هل نقول: هذا مِن فضل ربِّي، قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ(7)﴾ [ سورة إبراهيم ] ويا ابن آدم إن ذَكَرْتني شَكَرْتني، وإذا ما نسيتني كَفَرْتني، وإذا أردْتُم رحْمتي فارْحَموا خلْقي، أتمنَّى عليكم أن تكون كلّ حركاتك أيها الأخ وكل نشاطاتك وسكناتِك لابد أن لا تنْسى فضْل الله عليك، وحينما لا تنْسى فضْل الله عليك فهذه النِّعَم هي في ازْدِياد، ولن تنْقص، وهذا الشيء أكيد لأنَّه الله تعالى قال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ(11)﴾ [ سورة الرعد ] فخَطُّك البياني يكون صاعِدًا إن كنت دائِمًا في شُكْر دائِم، والشُّكْر أيها الإخْوَة أنواع، فأدْنى مُسْتَوَياتِهِ أن تعْلمَ أنَّ هذه النِّعْمة من الله، وأوْسَطُ مُسْتَوَياتِهِ أن يمتلأَ قلبُكَ حمْدًا لله تعالى، وأعلى مُسْتَوياتِهِ أن يُتَرْجَمَ إلى عملٍ صالِحٍ يُتَرْجم إلى عمل صالِحٍ يرفع العبادة به وهذا لقَول الله تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُورُ(13)﴾ (سورة سبأ ) ولذلك المؤمن يرى كُلَّ الخَلْق عِباد الله، وأيَّة خِدْمَةٍ يُقَدِّمُها لأيِّ إنسانٍ يراها قُرْبَةً إلى الله تعالى، ويراها قرْضًا حسَنًا لله تعالى، وسوف يُضاعِفُها الله له أضْعافًا كثيرة، والله تعالى خاطب النبي عليه الصلاة والسلام فقال: ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا(113)﴾ [ سورة النساء ] وخاطَبَ المؤمنين فقال تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(21)﴾ [ سورة النور ] هناك أشْخاص يعْبدون البقر، والحيوانات ويعبدون تماثيل، فأنت حينما أكْرَمَك الله تعالى بِنِعْمة الإيجاد ولم تكن شيئًا مذْكورًا، وأكرمَكَ الله بِنِعْمة الإمداد، وأكْرَمَك بِنِعْمة الهُدى والرَّشاد وهذه أكْبر نعمة عليك، لذلك نقف وقْفَةً قليلة ؛ كُلَّما عايَنْت نعمة من نعَمِ الله عليك قُل: هذا من فضْل الله عليّ، عوِّد لِسانَك أن لا تقول أنا، عوِّد لسانك أن تقول: هذا من فضل الله عليّ، والمؤمن دائِمًا يقول: هذا من فضْل الله عليّ، والله تعالى هو الذي أخَذ بِيَدي والله أكْرمني وأعانني، ولا تقل: هذه خِبْرة، وهذا من علمي. قال تعالى: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنْ المُنْتَصِرِينَ(81)﴾ [ سورة القصص ] كُلَّما اسْتَقَمْتَ على أمْرِهِ أمَدَّك الله بِقُوَّةٍ منه، وكنت عند الله قوِيًّا ومُقَرَّبًا: ما لي سِوى فقْري إليك وسيلة فبالافتِقار إليك فقْري أدْفَعُ وما لي سوى قرْعي لبابِكَ حيلةٌ فإذا رَدَدْتَ فأيَّ باب أقْرَعُ *** حالة الافْتِقار هي حالةُ العُبودِيَّة لله عز وجل، وهي صُعودٌ دائِمًا، وأنا أُقْسِمُ بالله العظيم، وغير حانِث أنَّ كُلَّ مؤمنٍ عايَنَ نِعَمَ الله عز وجل وامتلأَ قلبُهُ شُكْرًا لها، فهذه النِّعَم لن تزول عنه أبَدًا، وقد ذكرتُ لكم تفسير آيةٍ بالعامِيَّة مرَّةً ! وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ(11)﴾ [ سورة الرَّعد ] لا تُغَيِّر حتى لا يُغَيِّر، وإذا كانت هناك مُشكلة فالأصل غَيّر كي يُغَيِّر فإذا كنت في بَحبوحة وفي إكرام وصِحَّة جيِّدة، ولك مكانة فإذا لم تُغَيِّر لم يُغَيِّر، والعكْس كذلك فلو كنت في مُصيبَةٍ لا سَمَح الله غيِّر كي يُغَيِّر، قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ(11)﴾ [ سورة الرَّعد ] قال تعالى: ﴿قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (40) ﴾ [ سورة النمل ] (( عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَى عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ )) [رواه مسلم] ذلك لأنَّ عطائي كلام وأخْذي كلام، فَمَن وَجَدَ خيْرًا فلْيَحْمَدِ الله ومَن وجَدَ غير ذلك فلا يلومَنَّ إلا نفْسَه، ومَن كفر فإنَّ ربِّي غنِيٌّ كريم. قال تعالى: ﴿قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ (41)﴾ [ سورة النمل ] الآن عندنا موضوعَان صغيرَان الإنسان لا يهْتَدي إلا بِحالَيْن ؛ عقْل راجِح، وتواضَع، فالمُسْتَكبر لا يتعلَّم، والمُسْتحي لا يتعلَّم، فهذه مَلِكَة وقَدِمَتْ على سُلَيمان المَلِك، فإنْ عامَلَتْهُ ملِكَة لِمَلِك لن تتعلَّم شيئًا فلا بدّ مِن تحْجيمِها قليلاً، فالإنسان قد يسْتَعْلي ويرى أنَّهُ نِدًّا للآخر فلا يتعلَّم أبَدًا، إذاً لا بدّ من خُضوع المُتَعلِّم للمُعَلِّم، لذلك قال عليه الصلاة والسلام: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا وَلَا يَبْغِي بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ )) [رواه ابن ماجه] فهذه مَلِكَة، أراد أن يمْتَحِن ذكاءَها، قال تعالى: ﴿قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ (41)﴾ [ سورة النمل ] امْتِحان العَقْل أساس في الدَّعْوَة إلى الله، والنبي عليه الصلاة والسلام تزوَّج امْرأةً فقال لها اخْوتها قولي له إن دَخَلْتِ عليه: أعوذ بالله منك، فلمَّا قالتْ له ذلك قال لها: الْحَقي بِأهْلِكِ، فهذا الضَّعْف في التَّفْكير لا يسْمحُ لها أن تُحَدِّث عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، قال تعالى: ﴿قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ (41)﴾ [ سورة النمل ] فهي أجابَت بِرَجاحة عَقْل وقالتْ: كأنَّهُ هو ! وهذا جواب دِبْلوماسي ! فالامْتِحان انتهى، ولم يبْق إلا التَّحْجيم، قال تعالى: ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (44)﴾ [ سورة النمل ] جعل الأرض بِلَّوْر صافي، وتحته ماء يَجْري، قال تعالى: فالتَّحجيم زائِد امْتِحان الذَّكاء شَرطان أساسِيَّان لِطَلَب العِلْم. قال تعالى: ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (44) ﴾ [ سورة النمل ] فإذا دَعَوْتَ إلى الله عز وجل فأنت تحْتاج إلى ناسٍ عُقَلاء، لهم فِكْر قويم ومُحاكَمَة سليمة، أما الأغْبِياء، وَمحْدود و التَّفكير فهؤلاء عِبْءٌ على الدَّعْوَة، فرق بين مَن يحْمِلُ معك الدَّعْوَة، وبين مَن هو معك وفي الوقت نفْسِه عبء عليها،أعظمُ نِعْمَة على الإطلاق أن يَهَبَك الله تعالى عَقْلاً راجِحًا، والنبي عليه الصلاة والسلام عَجِبَ مِن سيِّدنا خالد لماذا تأخَّر إسْلامُهُ، وقال له: ((عَجِبْتُ لك يا خالد فإنِّي أرى لك فِكْرًا، وإنَّما الدِّين هو العَقْل ومَن لا عَقْل له لا دين له.)) ولا تفْهموا من رفْعِها عن ساقَيْها أنَّها ظهرت عورَتُها كما يفْهَمُهُ بعض الجُهَلاء، فهذه من الإسرائيليات ما أنزل الله من سلطان، والقِصَّة انْتَهت، وإلى قِصَّة أخرى إن شاء الله. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#235 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة النمل (27) الدرس الرابع الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيها الإخوة الكرام، لا لنا في قِصَّة سيِّدنا سليمان عليه السلام التي ورَدَت في سورة النَّمل، قال تعالى: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (22)﴾ (سورة النمل) ذَهَب الهُدْهُد إلى مملكة سبأ، وجاء سليمان الحكيم بنبأ يقين، قال تعالى: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (22) إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (23) وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ(24)﴾ (سورة النمل) هنا نقْطة دقيقة جدًّا وهي أنَّ الكافر في النِّعْمة، أما المؤمن ففي المُنْعِم فالشَّمس أساس الحياة والبقر أفْضل حيوان في الإنسان، لأنَّ الحليب منه، والهنود عبَدُوا البقر، وممْلكَةُ سبأ عبَدَتْ الشَّمس، فَكُلّ إنسان يبْقى في النِّعْمة، وقد حُجِبَ عن المُنْعِم فَهُوَ الكافر، أما المؤمن انْتَقل مِن النِّعْمة إلى المُنْعِم ومِن الشَّمْس إلى رب الشَّمس، ومِن البقرة إلى الذي سخَّرها وذلَّلها فالمؤمن مُوَحِّد والكافر مُشْرِك، قال تعالى: ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾ (سورة النمل) النُّقْطة الدقيقة هيأنَّ المؤمن يؤمِن أنَّ السَّماء والأرض كلَّها مُسَخَّرة للإنسان تسْخير تَعريفٍ وتسْخير تَكريم، وأُلِحُّ على هاتَين الكلمتين تَسْخير تعريف وتَكْريم، فهذا الكَون له مُهِمَّتان خطيرتان: الأولى أن ننتَفِعَ به، وننتَفِعُ بالشَّمس والقمر، وبالنبات والماء والهواء فَكُلّ شيءٍ خُلِق لنا، فَنَحْنُ مُسَخَّر له، والكون مُسَخَّر أيُّهما أكْرم على الله عز وجل ؛ المُسَخَّرُ له أم المُسَخَّر ؟! قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا(70)﴾ [سورة الإسراء] فالكون وظيفتهُ الأولى أن تعرف الله مِن خِلاله، فلو أنَّ واحِدًا دَخْلُهُ لا يكفي لِشِراء العَسَل ولكنَّه قرأ عن العسَل كِتابًا، وعن النَّحْل كِتابًا فانْهَمَرَتْ دُموعُهُ، وخشَعَ قلْبُهُ، وتعرَّف إلى الله مِن خِلال النَّحْل هذا الإنسان ذي الدَّخل المَحْدود حقَّقَ الغايَة القُصْوى مِن خلْق النَّحل والعسَل، والذي جَعَلَ طعامَهُ العسَل ودَخْلُهُ كبير جدًّا، ولم يصِل مِن العسَل إلى رب العسَل فهذا عطَّل أكْبرَ غايَةٍ مِن خلْق النَّحْل، فالمُشْكِلة أن تعرف الله تعالى فالواحد ممكن أن لا يسْمح له دَخْلُهُ أن يشْتري وردًا، لو وقَفَ أمام بائِع الوُرود، بألوانها ورائِحَتها، وتناسب ألوانها، وجمالها، وقال: سبحان الله العظيم، فأنت لو لم تشْتري هذا الورْد فأنت حقَّقْت الهدَف من مُرادِهِ، وهو تسْبيحك ! فالكون له مُهِمَّتان مُهِمَّة تعريف، ومُهِمَّة تكريم، فالتَّكريم حصَل، وبقِيَ التعريف، لذلك قال تعالى: ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (24)﴾ (سورة النمل) ثمَّ قال تعالى: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (25)﴾ (سورة النمل) شتَّان بين الشَّمس وربِّ الشَّمس، فالشَّمس لا تسْمَعُكَ إذا دَعَوتها وبالتالي لا تسْتجيب لك، ولك لله سبحانه وتعالى يُخرج الخبْأ في السماء والأرض، فالسماء تنْشَقُّ عن المَطَر، والأرض تنْشقّ عن النَّبات، مَن الذي يُنْبِتُ ؟ الله ومن الذي يُنزِل الخبأ من السماء ؟ الله والله يعلم ما نُخفي وما نُعْلن فأنت قُلْ ما شئْتَ فالله يعلمُ ما تُخْفي وأبْلغُ من ذلك يعلمُ السِّر وأخفى فالسِّر ما تُخْفيه، وأخْفى هو ما يَخْفى عنك، يعْلمُ علانِيَّتَك، ويعْلمُ سِرَّك، ويعْلمُ ما يخْفى عنك، فهذا الذي يعْلم، وهذا الذي كرَّمَ، اُعْبُد هذا الإله العظيم، وهذا كلام الهُدْهُد فكيف بِإنسانٍ عاقِل تجدهُ يعبُدُ الشَّمس من دون الله، والقمر من دون الله، أو يعبدُ البقر، وحتَّى الجُرذان، وباليابان يعْبدون ذَكَر الرَّجل !! قال تعالى: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (25) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (26)﴾ (سورة النمل) الأمْرُ كلُّهُ بيَدِهِ تعالى. الآية الدقيقة الدقيقة، قوله تعالى: ﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (27)﴾ (سورة النمل) يا أخي الكريم، إن كنتَ أبًا أو أخًا كبيرًا، أو مُعَلِّمًا، أو مُديرًا قبل أن تَحْكُم تَحَقَّق، قال تعالى: ﴿"يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ(6)﴾ [سورة الحجرات] كلُّ إنسانٍ ولاَّهُ الله تعالى على عشرة أشْخاص ؛ هذه الآية شِعارُهُ فَقَبْلَ أن تغْضَب وتَحْقِد وتُزَمْجِر وقبل أن تتَّخِذ قرارًا وتُعادي، وقبل أن تقْطَع وتحْسِن، قال تعالى: ﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (27)﴾ (سورة النمل) هذه آيةُ التَّحَقُّق، قال تعالى بعدها: ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ (28) قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (29) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (30)﴾ (سورة النمل) فهو لا يتكلَّم باسْمِهِ الشَّخصي، ولكنْ يتكلَّم باسْم خالقِ الكَون، فكما أنَّ القاضي يقول: باسم الشَّعب، فهو لا يحكم بصِفَتِهِ الشَّخْصِيَّة، ولكنْ يحْكُم نِيابَةً عن الشَّعْب، وهذه البسْملة لها معنى كبير جدًا، فأنت إذا أرَدْتَ أن تشْرب قلتَ بسْم الله، أيْ هذه نِعْمة الله وهذا الماء سخَّرهُ الله لك، فهو الذي جَعَلَهُ عذْبًا فراتًا وسَمَحَ له أن يصِلَ إليك، وهو الذي جَعَلَهُ مَيْسورًا، والمعنى الثانيكما في الحديث: (( كَانَ أَنَسٌ يَتَنَفَّسُ فِي الْإِنَاءِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا وَزَعَمَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَتَنَفَّسُ ثَلَاثًا )) [رواه البخاري] أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام أمرَكَ أن تشْربَ ثلاثًا، وأنت تشْرب قاعِدًا، وأن تُبْعِدَ الإناء عن فيكَ فيما بين الشَّرْبَتَيْن لأنَّهُ ثبتَ أنَّ زفير الهواء ينقل الأمراض، فالنبي عليه الصلاة والسلام رأى رجلاً يشْرب وينفُخُ في الإناء فقال له كما في حديث أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: ((أَبِنِ القَدَحَ عَن فِيكَ، ثُمَّ تَنَفَّس.)) [رواه البيهقي] وقالوا عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ((: مُصُّوا المَاءَ مَصًّا وَلَا تَعَبُّوهُ عَبًّا )) [رواه البيهقي] وأمرنا أن نُغَطِّي الوِعاء، فالنبي عليه الصلاة والسلام أوتِيَ جوامِعَ الكَلِم، والعلوم كلَّها، فالإنسان يدخل في الصَّيف إلى بيتِه وحرارته أكثر من خمس وثلاثين، يفْتح البرادّ ويأخذ زجاجة من الماء درجتها اثنان ! ويشْربها !! فالكبِد والمعِدَة من سبعٍ وثلاثين إلى الدرجة الثانية، قال: ((فإنّ الكُباد من العَبّ ! )) وثبتَ أنَّ هناك عصَبًا حائِرًا ومُبْهَمًا بين القلب والرِّئتين والمَعِدَة، فهناك حالات موت مفاجئ نتيجة تنبُّأ زائِد عن الحدّ لِهذا العصَب الحائِر، وهذا العصَب بين القلب والرِّئتين والمعِدَة، لذا أكثر أعراض الذَّبْحة الصَّدْرِيَّة مِن الأكل الثَّقيل، ويحسّ بِضيقٍ في صَدْرِهِ، ولذا قال عليه الصلاة والسلام: (( مُصُّوا الماء مصًّا ولا تَعُضُّوه عضًّا فإنّ الكُباد من العَبّ)) وكان النبي يُسَمِّي ويُبْعِدُ الإناء عن فِيه ؛ هذه آداب الشُّرب الثابتة عن النبي عليه الصلاة والسلام فإذا شرب الإنسان وقال: بسم الله، فأوَّل قِسْم هذه نِعْمة الله تعالى، وَمِنْ فضْل الله علينا أنَّ بلدنا فيه ماء فيجة وأنا ذَهَبْتُ إلى الحج، وكل قارورة ثمنها ثلاثة ريالات ! فأوَّل قِسْم بالتَّسْمِيَة أن ترى فضْل الله عليك، والقِسْم الثاني أن تُنَفِّذ الأمر وِفْقَ منْهَج الله، وأن ترى نِعمة الماء العَذْب الفُرات، وأن تشْربَهُ وِفْق السنَّة، وبالأكل معنى بِسْم الله فاللَّبَن ؛ مِن أين ؟ مِن البقَر والجبن والزَّيْتون، فأنت إذا اسْتَعْرضْت الأطباق طبقًا طبقًا، وعرفْتَ من مُصَمِّم ومُربِّي والخالق، وأنَّ هذه المائدة مائدة الله، وإذا أكلْتَ فَكُلْ باعْتِدال وامْضَغ جيِّدًا، وكُلْ أَكْلاً مُعْتَدِلاً، والنبي عليه الصلاة والسلام علَّمَنا بِرَمَضان أن نشْرب ونأكل ثلاث ثمرات، ونُصَلِّي المغرب والسنَّة البعْدِيَّة، فهذا السُّكَر الطبيعي ينتقل من الفم إلى الدم في عشرين دقيقة، ويصل إلى مركز تنبيه الجوع فيَشْبَع، حينها تأكل أكلاً مُعْتَدِلاً والآية الكريمة: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ(20)﴾ [سورة الواقعة] تقديم الفاكهة على اللَّحْم تقْديم إشاري، فالفاكهة مادَّة سُكَّرِيَّة لطيفة سريعة هَضْم وتنتقل مِن الفم إلى الدمّ بِعِشْرين دقيقة فالواحد مهما كان جائِعًا، حينما يأكل مادَّة سُكَّريَّة فإنَّها تصل إلى الدَّم وتشْبَع، أما الجُلوس على مائدة الطَّعام، والأكلات كلُّها دُسوم، لُحوم، فهذا كي يصل إلى الدَّم يحتاج إلى مُدَّة كثيرة، لذا نصيحة النبي عليه الصلاة والسلام أكل شيء حُلوٍ قبل الإفطار، وقال عليه الصلاة والسلام: ((أذيبوا طعامكم بِذِكْر الله" )) فإذا أكل الإنسان مع أهله، وجعله فرصةً للالْتِقاء، ونحن عندنا عادات سيِّئة. إذًا معنى بسم الله الرحمن الرحيم شَقَّين ؛ أن تعرف نِعمة الله، وأن تُمارِسَها وِفْق منهَجِ الله. قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (30) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (31)﴾ (سورة النمل) والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#236 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة النمل (27) الدرس الخامس الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيها الإخوة الكرام، لازلنا في قِصَّة سيِّدنا سليمان مع الملكة بلْقيس ملكة سبأ، وقد وصَلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى: ﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (27) ﴾ [سورة النمل] بيَّنتُ لكم في الدرس الماضي أنَّ كلَّ إنسان يتولى أمرَ عشرةٍ فما فوق عليه أن يجعلَ من هذه الآيةِ منهجًا له، لا ينبغِي أن يتخِذ قرارا إلاَّ بعدَ أن يتبَصَّر و يجمعَ المعلوماتِ ويسمعَ من الطرفِ الآخرِ، قال تعالى: ﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (27) اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ (28) قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (29) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (30)﴾ [سورة النمل] قلتُ لكم البارحةَ أيضًا أن البسملةَ التي أمرنا النبي عليه الصلاةُ و السلامُ أن نبدأ بها طعامنا وشرابنا وأعمالنا، وكلّ أمر لم يُذكر فيه اسم الله فهو أبْتَر، فالبسْمَلة تعني أنَّك إذا شَرِبْتَ الماء ينبغي أن تتذَكَّر أنَّ هذا الماء نِعمة الله عز وجل ساقَها إليك، وأنَّهُ ينبغي أن تشْرب الماء وِفْق منْهَج الله تعالى، فالبسملة فيها معنى تَكْريمي، ومعنى تَوْجيهي فالمعنى التكريمي أنَّ هذه نِعْمة أنْعَمَها الله عليك، والمعنى التَّوجيهي أنَّه ينبغي أن تتحرَّك مع هذه النِّعْمة وِفق منْهج الله ؛ هذا بيَّنتُهُ البارحة. أما قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (30) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (31)﴾ [سورة النمل] المُسْتعلي لا يتعلَّم، وشَخْصان لا يتعلَّمان ؛ المُسْتحيي، والمُسْتعلي لذلك أمر النبي عليه الصلاة والسلام الداعِيَة أن يتواضَعَ لِمَن يُعَلِّم تواضَعوا لِمَن تُعَلّمون، فالمُعَلِّم ينبغي أن يكون مُتواضِعًا حتى يُعين المُتَعَلِّم على التواضُع، إذا بدأ المتعلِّم فتواضَعَ فالمُتَعَلِّم من باب أولى يتواضَع، لذلك يقول عليه الصلاة والسلام: ((تواضعوا لِمَن تُعَلِّمون ")) والتواضع هو تصَنُّعُ الوضاعة ؛ هنا التَّذلُّل وهنا الضَّعف، لذلك فِعْلُ تفاعَل فيه معنى التَّصَنُّع، ومن تمارَضَ مرِضَ، أما التواضُع فلا يعني أنَّكَ وضيع فأنت عند الله كبير، لذلك طالب العِلْم تضَعُ له الملائكة أجْنِحَتَها وهو عند الله كبير، ولكن إذا تواضَع يتواضَعُ لِمَن يتعلَّم منه لأنَّ المُعَلِّم قد أُمِر مُسْبَقًا أن يتواضَعَ لِمَن يُعَلِّمُهُ. قال تعالى: ﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ (32) قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (33)﴾ [سورة النمل] وقد ذَكَرْتُ لكم أنَّ أرب كلماتٍ مُهْلِكاتٍ ؛ إذا قالها وقصَدَ بها الاعْتِداد بِنَفْسِهِ أهْلكَهُ الله، قال إبليس أنا خير منه، وقال قوم بلقيس نحن أولوا قوَّة وبأسٍ شديد، وقال قارون: إنَّما أوتيتُهُ على علم عندي، وقال فرعون أليس لي مُلْكُ مِصْر، فأنا ونحن ولي وعندي أربعُ كلماتٍ مُهلِكاتٍ إذا رافقها الاعْتِداد بالنَّفْس، لو سألْتَ واحِدًا: من الذي حضَرَ قبل قليل ؟ يقول لك: أنا الذي حضَرْتُ، فهذه ليس فيها اعْتِداد بالنَّفس ولكن إخْبار فقط. قال تعالى: ﴿قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (34)﴾ [سورة النمل] فيا تُرى سُليمان ملِكٌ أم نبيّ ؟! إن كان ملِكًا ودَخَلَ علينا أذَلَّنا وأكل أموالنا وانْتَهَكَ أعراضَنا، فهذه عادةُ المُلوك، قال تعالى: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (35)﴾ [سورة النمل] هذا ذكاء من ملكة بلقيس، فهي تريد أن تمْتَحِن ما إذا كان هذا الإنسان الذي أرْسَلَ إليها هذا الكتاب نبيًّا أم ملِكًا ؟ فإذا فرِحَ بالهَدِيَّة ورحَّب بها نَسِيَ مبدأهُ ! ماذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: ((والله يا عمّ لو وضَعوا الشَّمس في يميني والقمر في شِمالي على أن أدَعَ هذا الأمر ما ترَكْتُهُ حتَّى يُظْهِرَهُ الله أو أهْلِكَ دونَهُ )) معنى ذلك أنَّ الإنسان المؤمن الدنيا كلَّها تحت قَدَمِهِ مِن أجل مبدئِهِ، ولكنَّ الإنسان الدُّنْيَوي المبادئ كلَّها تحت قَدَمِهِ مِن أجل الدِّرْهم والدِّينار، رجلٌ ذَهَب إلى بلدٍ غربي فجَلس إلى حديقة، فجلس لِجانِبِهِ إنسان يبْدو أنَّهُ مُثَقَّف، سألهُ عن دينهِ فقال هذا الأخ: أنا مسلِم، فقال ما الإسلام ؟ فهذا الإنسان وكان عالِمًا جليلاً أوتِيَ مَقْدِرَةً على التَّوْضيح، وبيَّن له في خمْسين دقيقة حقيقة الإسلام، فما كان مِن هذا المُسْتَمِع إلا أنْ أخْرَجَ مِن يَدِهِ عُمْلَةً وقال: هذا ربِّي أعْبُدُهُ مِن دون الله، و عن عمر رضي الله عنه قال: ((دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُضْطَجِعٌ عَلَى حَصِيرٍ فَجَلَسْتُ فَأَدْنَى عَلَيْهِ إِزَارَهُ وَلَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ وَإِذَا الْحَصِيرُ قَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِهِ فَنَظَرْتُ بِبَصَرِي فِي خِزَانَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا أَنَا بِقَبْضَةٍ مِنْ شَعِيرٍ نَحْوِ الصَّاعِ وَمِثْلِهَا قَرَظًا فِي نَاحِيَةِ الْغُرْفَةِ وَإِذَا أَفِيقٌ مُعَلَّقٌ قَالَ فَابْتَدَرَتْ عَيْنَايَ قَالَ مَا يُبْكِيكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ قُلْتُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ وَمَا لِي لَا أَبْكِي وَهَذَا الْحَصِيرُ قَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِكَ وَهَذِهِ خِزَانَتُكَ لَا أَرَى فِيهَا إِلَّا مَا أَرَى وَذَاكَ قَيْصَرُ وَكِسْرَى فِي الثِّمَارِ وَالْأَنْهَارِ وَأَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَفْوَتُهُ وَهَذِهِ خِزَانَتُكَ فَقَالَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ أَلَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَنَا الْآخِرَةُ وَلَهُمُ الدُّنْيَا قُلْتُ بَلَى )) [رواه البخاري] إنَّما هي نُبوَّةٌ وليْسَت مُلْكًا، فالنبي يمْلِكُ القلوب أما الملِكُ فيَمْلِكُ الرِّقاب وشتَّان بين أن تمْلِكَ القلوب، وبين أن تمْلِكَ الرِّقاب، وأنت كَمُؤْمِنٍ ينبغي أن تمْلِكَ القلوب وليس الرِّقاب، فَمُلْكُ الرِّقاب زائل أما مُلْك القلوب لا ينتهي ولا في الجنَّة، قال تعالى: ﴿عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ(44)﴾ [سورة الصافات] لذلك هذه المَلِكَة أرادَت أن تمْتَحِنَ مُرْسِلَ هذه الرِّسالة أَهُوَ نبيُّ رحيم مُنْصِفٌ وذو مبدأ ويخاف الله عز وجل، ويَحْكُمُ بالعَدْل ولا يُذِلُّنا ولا يأخُذُ أموالنا، أم هو ملِكٌ كَغَيْرِهِ مِن المُلوك، ولكن ورد في الحديث القدسي أنا ملِكُ المُلوك ومالك الملوك، قلوب الملوك بِيَدي فإن العباد أطاعوني حوَّلتُ لهم عليهم قلوب الملوك بالرََّأفة والرحمة وإن العباد عَصَوني حوَّلتُ قلوب عبادهم عليهم بالسُّخْطة والنِّقْمة فلا تشْغُلوا أنْفسكم بِسَبِّ المُلوك وادْعوا لهم بالصَّلاح فإنَّ صلاحهم بِصَلاحكم. سُئِلَ تيْمورلَنْد ؛ مَن أنت ؟ فقال: أنا غضَبُ الربّ ! الإنسان إذا غضِبَ يتكلَّم كلامًا قاسِيًا، قد يخْبط بابًا، ولكنَّ الله جلَّ جلاله إذا غضِبَ يُسَلِّط علينا مَن لا يخافه ولا يرْحَمُنا، قال تعالى: ﴿قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (34) وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (35) فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آَتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آَتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (36)﴾ [سورة النمل] هذه قاعِدَة قال تعالى: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ(20)اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ(21)﴾ [سورة يس] قال تعالى: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُتَكَلِّفِينَ(86)﴾ [سورة ص] فأنت تسْلُك طريق الإيمان وتأتَمِر بأَمْر الله عز وجل ؛ هذا أجري فلا تقرُّ عَينُ النبي إلا إذا رأى أُمَّتَهُ مُطَبِّقةً لأمْر الله، وقبل أن يتوفَّاهُ الله عز وجل نَظَرَ إلى أصْحابِهِ نَظْرةً امتلأ قلبُهُ رضًا، فعن أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيُّ وَكَانَ تَبِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخَدَمَهُ وَصَحِبَهُ: (( أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ يُصَلِّي لَهُمْ فِي وَجَعِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ وَهُمْ صُفُوفٌ فِي الصَّلَاةِ فَكَشَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِتْرَ الْحُجْرَةِ يَنْظُرُ إِلَيْنَا وَهُوَ قَائِمٌ كَأَنَّ وَجْهَهُ وَرَقَةُ مُصْحَفٍ ثُمَّ تَبَسَّمَ يَضْحَكُ فَهَمَمْنَا أَنْ نَفْتَتِنَ مِنَ الْفَرَحِ بِرُؤْيَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَكَصَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى عَقِبَيْهِ لِيَصِلَ الصَّفَّ وَظَنَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَارِجٌ إِلَى الصَّلَاةِ فَأَشَارَ إِلَيْنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ وَأَرْخَى السِّتْرَ فَتُوُفِّيَ مِنْ يَوْمِهِ )) [رواه البخاري] قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آَتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آَتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (36) ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ (37)﴾ [سورة النمل] اتَّضَح لدى بلْقيس أنَّ مُرْسِل هذه الرِّسالة هو نَبِيٌّ وليس ملِكٌ لأنَّه لم يفْرح بِهَدِيَّتِها ولم يفْرح بها، بل كان مبْدؤُهُ فوق كلّ شيءٍ. أيها الإخوة، ذكرتُ لكم أنَّ كلّ عَمَلٍ يفْعلُهُ الإنسان وراءَهُ باعِثًا، إمَّا باعثًا دُنْيَوِيًّا أو باعِثًا أُخْرَوِيًّا، إمَّا باعث الهوى، أو باعث العَقل، وإما إرْضاء الله وإما إرْضاء الذات، وإما الخير أو الشرّ، أو الجَمْعُ أو التَّفريق، وإما العَطاءُ أو المنْعُ، فإن لم تكن على أحد هذين الباعِثَين فأنت على الباعث الآخر، والدليل قوله تعالى: ﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(50)﴾ [سورة القصص] هذه القِصَّة تُبيِّن أنَّ مرْتبة الأنبياء مرتبَةٌ عالِيَةٌ جدًّا، وأنَّ الله سبحانه وتعالى جَعَل بعْضَهم فقراء، لأنَّ الله تعالى قال: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ(20)اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ(21)﴾ [سورة يس] بل جَعَل بعضهم ضُعَفاء وبإمكانِ بعض الناس أن يقول عنهم تُهَمًا مُفْتَراتٍ، فهؤلاء قالوا عن النبي عليه الصلاة والسلام ساحر ومجنون وكاهِن !! وهذا الذي قال عنه هذه المقولات ما أصابَهُ مَكروه لِيَكون الإيمان بالنبي عليه الصلاة والسلام في أعلى المُسْتَوَياتٍ، لأنّ الشيء الذي يأتي بالإكْراه لا قيمة له، لذا أيُّها الإخوة، هذه القِصَّة فيها مراكِز ثِقَل، وهذا هو المركز الثاني ؛ أنَّ صاحِب المبدأ لا يفْرحُ بالهَدِيَّة بينما صاحِب الدنيا تُنْسيهِ الهَدِيَّةُ كلَّ مبادِئِهِ، وهذا هو الفرق بين المؤمن المُنْضَبِط وغيره من عباد الدِّرهم والدِّينار،عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ وَعَبْدُ الْخَمِيصَةِ إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ تَعِسَ وَانْتَكَسَ وَإِذَا شِيكَ فَلَا انْتَقَشَ طُوبَى لِعَبْدٍ آخِذٍ بِعِنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَشْعَثَ رَأْسُهُ مُغْبَرَّةٍ قَدَمَاهُ إِنْ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ وَإِنْ كَانَ فِي السَّاقَةِ كَانَ فِي السَّاقَةِ إِنِ اسْتَأْذَنَ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ وَإِنْ شَفَعَ لَمْ يُشَفَّعْ )) (رواه البخاري) وفي الدرس القادِم إن شاء الله تعالى نتحدَّث عن قَضِيّة نقْل العرْش ونقْلِهِ. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#237 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة النمل (27) الدرس السادس لحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، لازلنا في سورة النمل وقد انتهينا من قِصَّة سيِّدنا سليمان عليه السلام مع بلْقيس ملِكَة سبأ، ها نحن ننتقل إلى قِصَّة أخرى وهي قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ (45)﴾ [ سورة النمل ] في الحقيقة هناك في العالم شيء اسْمُهُ الاثْنَيْنِيَّة، فهُنَاك حق وهناك باطل، وخير وشرّ، وإحْسان وإساءة، وصِدْق وكذب، إخلاص وخِيانَة، دنيا وآخرة، إرْضاء الذات وإرْضاء الله، فالكَون كُلُّهُ مُرَكَّب على الاثْنَيْنِيَّة، وفي كُلّ عصْر وزمان، هناك حق وهناك باطل، وهناك أتْباع للحق، وأتْباعٌ للباطِل، أتْباعٌ للشَّهوة وأتْباعٌ للعَقْل فالعِبْرَة أن تكون مع أهل الحق، وأهل الخير، وأن تكون مع أهل الإحْسان والاسْتِقامة، وأن تعْمل للآخرة، وتسْتقيم على أمْر الله، وأن تكون مُنْصِفًا، وأن تكون شاكِرًا وعادِلاً، فَنحن عندنا دائِمًا نقْطتان أنت بينهما ؛ كُلَّما اقْتَرَبْتَ مِن إحْدى النُّقْطَتَيْن ابْتَعَدْت عن الأُخْرى، وكُلَّما ابْتَعَدْت عن الأخرى اقْتَرَبْت من الأولى، فالحلّ الوسَط لا يوجد، والدليل قوله تعالى: ﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(50)﴾ [ سورة القصص ] وقال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ(1)فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ(2)﴾ [ سورة الماعون ] ذَكَرتُ هذا عند قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ (45)﴾ [ سورة النمل ] في كُلِّ عصْر فريقان ؛ حق وباطِل، إنسانٌ يقول لك: لا تُدَقِّق والناس كُلّها تغشّ، وأنت لك أولاد، وإنسان اعْمَل لِيَوم لا ينفعُ مال ولا بنون إلا من أتى الله بِقَلب سليم وآخر يقول لك: أرْسِل ابنَكَ إلى أيِّ مكان المُهِمّ أن ياتِيَ بالمال، وآخر يقول لك: لا، العِبْرة دينُهُ وأخلاقُهُ فأنت مسؤول عن ابنك، لذلك قال تعالى: ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ(15)﴾ [ سورة لقمان ] وقال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا(28)﴾ [ سورة الكهف ] يجب أن تعتقد أنّ في كل زمان أهل حق وأهل باطل، وأهل دنيا وأهل آخرة، وأهل إحسان وأهل إساءة، وأُناس يتَّبِعون العقل وأناس يتَّبِعون الشَّهوة، وإن لم تكن مع هؤلاء فأنت حَتْمًا مع هؤلاء، قال تعالى: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (46) ﴾ [ سورة النمل ] الله عز وجل لخَّص القرآن كلَّه بِكَلمتين الكلمة الأولى قوله تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا(110)﴾ [ سورة الكهف ] هذه حقيقة، والآن التَّطبيق، فلو قال أحدهم إنَّ الملح يرْفع الضَّغط وكنت مِمَّن معه هذا المرض، ماذا سَتَفْعَل ؟ أوَّل وَجْبة طعام تُجَرِّدُها من المِلْح، فإن لم تفْعل هذا، فهذا يعني أنَّك لم تفْهَم ما قاله فأيُّ شيء إذا ألقي عليك ولم تأخذ مَوْقفا عمليا كأنَّك ما فَهِمْتَهُ، فأنت كإنْسانٍ عاقِل إذا أُلْقِيَت عليك حقيقة، لا بدّ أن تأخذ مَوْقفا من هذا الذي أُلْقِيَ عليك، فالإنسان إن لم يتَّخِذ مَوْقف يعني هذا أنَّهُ كذَّب أو لم يسمع. قال تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا(110)﴾ [ سورة الكهف ] والآية الثانِيَة قوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ(6)﴾ [ سورة فصلت ] فلو أنَّك سَمِعْتَ الآن حقيقة، ماذا ينبغي أن تفْعَل ؟ أن تأخذ مَوْقِفًا طيِّبا والماضي ؟! قال: الماضي مُغَطَّى بالاسْتِغْفار، قال تعالى: ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ(6)﴾ [ سورة فصلت ] كلمة فيها نكتَة رائِعَة، فالإنسان قد يسْتقيم أحْيانًا خَوْفًا على سُمْعَتِهِ وخَوْفًا مِن قوانين قاسِيَة جدًّا، أو خوْفًا مِن متاعِب لا يَحْتمِلُها فهذه الاسْتِقامة ليْسَت إليه، لأنَّها لا تصِل إليه، هذه اسْتقامة للدنيا وأنت تأخذ ثِمارها كلَّها في الدنيا، فإذا جاء الأجل فلا تجده عنده شيئا لأنَّك اسْتَقَمْتَ لِيُقال عنك مُسْتقيم، وأنت اسْتقمت حِفاظًا عن سمعتك نحن نريد اسْتِقامة توصِل لله تعالى، اسْتِقامة خالصة لله تعالى. قال تعالى: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (46) ﴾ [ سورة النمل ] الاسْتِغفار أحد أسباب الرحمة، وأنت حينما تستغفر تعلم أنَّ الذي تسْتغفر له يَغْفِر وأنَّه موجود ورحيم، وأمرَكَ أن تسْتغفرَهُ، وأنَّه علَّق رحْمتهُ على اسْتِغفارك. قال تعالى: ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (47)﴾ [ سورة النمل ] أي شيء يتعلَّق بالتّشاؤم لا يؤثِّر، لا يوجد رقم يُخَوِّف، ولا يوم أربعاء يُخَوِّف، ولا اليوم الثالث عشر يُخَوِّف، هذا كُلُّه خلْط بِخَلْط، قال تعالى: قال تعالى: ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (47)﴾ [ سورة النمل ] تشاءَمْنا منك، لا تقل ليس لي حظّ، الله تعالى قال: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى(5)وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى(6)فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى(7)وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى(8)وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى(9)فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى(10)﴾ [ سورة الليل ] وعندنا قانون التَّيْسير وقانون التَّعْسير، آمنْتَ واسْتَقَمْت على التَّيْسير ولم تؤمن ولم تسْتَقِم لا سَمَحَ الله على التَّعْسير، يقول لك: ضربتها بالشَّرق فجاءَت من الغرب ! هذا صحيح لأنّك لم تصْطَلح مع الله، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ(11)﴾ [ سورة الرعد ] قلبَ لي الدَّهر ظهر المِجَنّ ؛ هذا خلْط، وسَخِرَ القَدَر مِنِّي ؛ خلْط فالتَّشاؤُم لا يوجد في ديننا، تَسْتقيم تُطَبَّق عليك مادَّة التَّيْسير، وإن لم تسْتقِم تُطَبَّق عليك مادَّة التَّعْسير، عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَى عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ: (( يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ )) [رواه مسلم] ذلك لأنَّ عطائي كلام وأخْذي كلام، فَمَن وَجَدَ خيْرًا فلْيَحْمَدِ الله، ومَن وجَدَ غير ذلك فلا يلومَنَّ إلا نفْسَه، لذا لا تقل: هذا مِن الشيطان، وحظِّي تعيس، وظروف صَعْبة، لا تعْزُ الخطأ لأيِّ جِهَة، إنَّما اُعزوها لِنَفْسِك. قال تعالى: ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (47)﴾ [ سورة النمل ] الله بِيَدِه كُلُّ شيء، وأنتم اعْتَنَقْتُم الباطل وهو غلَط. قال تعالى: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (48) قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (49) وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (50)﴾ [ سورة النمل ] الإنسان الكافر إذا مَكَر يرُدُّ الله عليه بِمَكْرٍ يُدافِعُ به عن المؤمنين، فَهُوَ سُمِّيَ مَكْرًا مُشاكَلَةً في البلاغة، لأنّ الله عز وجل يُدَبِّر لِصالِحِ الفريقين وهناك آية أخرى: ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ(79)﴾ [سورة الزخرف] انْزَعَجَ أحدهم مِن هرَّة فرماها مِن سبْعة طوابِق، بعد يَوْمَين اِخْتَلَّ توازُنُه، وبقي كذلك عَشْر سنوات، فالإنسان قبل أن يُؤذي مَخلوق، وقد دَخَلت امرأة النار في هِرَّة حبسَتْها لا هي أطْعَمَتْها! الإله عظيم وكبير، قال تعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ(12)﴾ [سورة البروج] قال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (50) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (51) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (52) وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (53)﴾ [ سورة النمل ] ألا تكفي هذه الآية ؟! كُلُّ إنسانٍ آمَنَ بالله، واتَّقى أنْ يَعْصِيَهُ فالله جلَّ جلاله يُنَجِّيهِ مِن أيِّ عذاب، وكُلّ إنسان مَكَر يرُدُّ الله عليه بِمَكْرٍ مُحْكَم. هناك بلْدَة بالمغْرب اسْمُها آغادير ؛ هذه البلْدة ممنوع أن يدْخلها أهل المغرب لأنَّها مدينة للسُّواح، وفيها كل أنواع الموبِقات، أصابَها زلزال بِثَلاثة ثواني جعل عالِيَها سافِلَها، وفيها أضْخم فُندق ثلاثون طابقًا ولم يبْق منه إلا آخرهُ ؛ عليه اسم القبر، قال تعالى: ﴿سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ(145)﴾ [ سورة الأعراف ] كيف أنَّ الله تعالى قال: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [سورة الأنعام] فالمغزى قوله تعالى: ﴿وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (53)﴾ [ سورة النمل ] فإذا آمَنْت واسْتَقَمْت لن تخاف شيئًا، قال تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ(51)﴾ [سورة التوبة ] فهذا النبي دخل في بطْن الحوت ؛ قال تعالى: ﴿ وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ(87)﴾ [ سورة الأنبياء ] فنحن الآن أُلْقِيَ علينا كلامًا، والماضي مُغَطَّى بالاسْتِغفار، والحاضِر يجب أن نتَّخِذ موقِفًا حتَّى لا يُصيبنا ما أصاب المُنْحَرِفين. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#238 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة النمل (27) الدرس السابع الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيها الإخوة الكرام، في أواخِر السُّوَر عادَةً كلامٌ مُجْمَل فيه تَلْخيص لِفَحْوى السورة ومَضْمونها. فالله سبحانه وتعالى في أواخر سورة النَّمل يقول: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [ سورة النمل ] كلمة الحمد لله فيها دِقَّة بالِغَة ؛ الحمد للَّه، ليس هناك خِلاف في أنَّ هناك نعم في الكون عُظْمى، ولكِنَّ الخِلاف في عَزْو هذه النِّعَم، ليس هناك حَمْدا وعَدَم حمْدٍ، النِّعَمُ التي أنْعَمَ الله بها علينا تحْت سمْعِنَا وبَصَرِنا نِعْمة الصِّحة والحياة، ونِعْمة الإيجاد والهواء والماء، والطّعام والشَّراب، هذه النِّعَم ليس هناك خِلافٌ في وُجودِها، أو في عَدَمِ وُجودِها ! لكِنَّ الخلاف ؛ إلى مَن تُعْزَى ؟ فَغَيْرُ المؤمن يَعْزوها إلى قُدْرتِهِ، قال تعالى: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنْ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمْ الْمُجْرِمُونَ(78)﴾ (سورة القصص ) ويَعْزوها إلى الحظّ وإلى ذَكائِهِ، يَعْزوها إلى مالِهِ، يَعْزوها إلى مُلْكِهِ وسُلْطانِهِ، ويَعْزوها إلى الطبيعة، ويَعْزوها إلى ما وراء الطبيعة، لكِنَّ المؤمن يعْزو هذه النِّعَم إلى الله تعالى، فالحَمْد على هذه النِّعَم لله لا لِغَيْرِهِ، لذلك بِمُجَرَّدِ أن تعْلم أنَّ هذه النِّعَم من الله عز وجل فأنت في أحَدِ مراتب الشُّكْر ولِمُجَرَّد أن يمْتلأَ قلبُكَ امْتِنانًا لله عز وجل على هذه النِّعْمة فهذه مرْتبةٌ أعلى من الشُّكْر، ولِمُجَرَّد أن تعملَ عملاً تبْتغي به وَجْهَ الله عز وجل فهذه مرْتَبَةٌ ثالثَة من الشُّكر، قال تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُورُ(13)﴾ [ سورة سبأ ] فالله تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [ سورة النمل ] كُلُّ النِّعَم الظاهرة والباطِنَة مِن الله عز وجل، ولكنْ أيُّها الإخوة أريد أن أقول لكم كلمة، قال تعالى: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ(20)﴾ [ سورة لقمان ] فالنِّعَم الظاهِرَة ليس هناك شَكٌّ فيها ؛ نعْمة الزَّوجة والأولاد والمال والراحة، لكن هناك نِعَمٌ باطِنَة الإنسان ينْفِرُ منها، أحْيانًا الفقْر وأحْيانًا القَهْر، وأحْيانًا المرَض، والخوف والقلق والحُزْن، مُشْكِلات في بيتِهِ مع أولادِهِ و زوْجَتِه، وفي عملِهِ ومَعَ مَن هم أقْوى منه، فهذه المُشْكِلات التي تنْفِرُ النَّفْسُ منها هي في الحقيقة نِعَمٌ باطِنَة ! كيف ؟ لماذا صُنِعَتْ السيارة ؟ مِن أجل أن تسير، فهَدَفُها الأوَّل أن تسير ولماذا وُضِعَتْ فيها المكابِح ؟ مِن أجل أن توقِفَها، فهذه المكابِح هي عَكْس ما صُنِعَتْ له السيارة، وعكْس الهدف منها ولكنَّ هذه المكابِح ضرورِيَّة جدًّا لِسَلامتها، فكما أنَّ الأصْل أنْ تنْعُمَ بالنِّعَم، ولكن مِن أجل سلامَة هذه النِّعَم قد تأتي المصائِب، وهذا مِن أجل أن تلْتَفِتَ إلى الله، لذلك لا نُبالِغ إن قلنا أنّ تِسْعينًا بالمائة مِمَّن ساروا إلى الله تعالى على أَثَر نِعْمَةٍ باطِنَة وهي المُصيبة، فالمصائِب تلْفِتُ النَّظر إلى اللهو تَدْفَعُنا إلى بابِهِ تعالى، وتَحْمِلُنا على التَّوْبة وطلب الآخرة وتحْمِلُنا على العمل الصالح ؛ هذه هي النِّعَم الباطِنَة فأَنْ تشْكُرَ الله على النِّعَم الظاهرة هذا شيءٌ بديهي وسَهل، ولكنَّ البُطولَة أن تشْكُرَ الله تعالى على نِعَمٍ باطِنَة، والبُطولة كما قال الإمام الشافعي لِمَن كان يطوفُ حَوْل البيْت وهو يقول: يا رب هل أنت راضٍ عَنِّي، فقال له الإمام الشافِعي: وهل أنت راضٍ عن الله تعالى حتَّى يرْضى عنك ؟! قال: يا سبحان الله ! مَن أنت يرْحَمُكَ الله ؟ فقال: أنا مُحمّد بن إدْريس، فقال: كيف أرْضى عنه وأنا أتَمَنَّى رِضاه ؟ فقال الإمام الشافِعي: إذا كان سُرورُكَ بالنِّعْمة كَسُرورِكَ بالنِّقْمة فقد رضيتَ عن الله ! فَبُطولَتُكَ كَمُؤْمِن لا أن تقول: الحمد لله على نِعْمة الصِّحَّة، فأحْيانًا تأتي مُصيبَة، وإذا أحَبَّ الله عبْدَهُ ابْتَلاهُ معنى ابْتِلاه أيْ جَعَلَهُ في العِنايَة المُشَدَّد، فإنْ صَبَرَ اجْتَباهُ، وإن شَكَرَ اقْتناهُ، وإذا أحبَّ الله عبْدَهُ عجَّل له بالعُقوبَة، وأشَدُّ الناس بلاءً الأنبياء، وأنا أشَدُّهم بلاءً، ثمَّ الأمْثَل فالأمْثَل، فأنت كلَّما ارْتقى إيمانك تنتقل إلى حمْد الله لا على نِعَمِهِ الظاهرة، ولكن على نِعَمِهِ الباطِنَة، أحْيانًا تكون المُشْكِلَى العَويصة سبب تَوْبتِك، وإقْبالِكَ على الله، وورَعِكَ وسعادَتِك، فلا أُبالِغَ إذا قلتُ: إنَّ مُغْلَبَ الذين ساروا مع الله تعالى واصْطَلَحوا معه وأقْبلوا عليه وأنابوا إليه كان سببُ توْبتهم المشاكِل التي أقْلَقَتْ نُفوسَهُم، وشَغَلَتْ خواطِرَهُم، لذلك الإنسان يسْعَدُ حينما ينْجَحُ في الامْتِحان. أيها الإخوة، لا تَنْسَوا أنَّ بُطولتكم في شُكْر نِعَم الله الباطنة أعْظَمُ بِكَثير مِن بُطولَتِك في شُكْر النِّعَم الظاهرة، وقد كان عليه الصلاة والسلام إذا جاءَت الأمور على ما يريد يقول: الحمد لله الذي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصالحات، فإذا جاءَت الأمور على خِلاف ما يريد قال: الحمد لله على كُلّ حال، والصَّبْر في الحقيقة عند الصَّدْمة الأولى، فالإنسان بين أن يكون صابِرًا وناجِيًا وشاكِرًا، وبين أن يكون جحودًا كفورًا ! الإنسان إذا جاءَتْهُ مُصيبَة سواءٌ صَبَر أو لم يصْبِر فَهِيَ تَحُلُّ به، ولكنّ المؤمن حينما تَقَع يقول: يا رب لك الحمْد، وأنت الحكيم والعادِل وأنا عبْدُك وابن عَبْدِك وابن أمَتِك عدل فيّ قضاؤك، ماض فيّ حكمك لذا الشُّعور بالعُبودِيَّة لله عز وجل يُعْطيك مرْتبة النَّجاح، والإنسان إذا أُصيب بِمُصيبَة، وحَمِدَ الله عليها أبْدَلَهُ الله خيْرًا منها، فهذه أُمُّ سَلَمَة كانت تُحِبُّ أبا سلَمَة حُبًّا لا حُدود له، وكانت أشَدَّ النِّساء إعْجابًا بِأزْواجِهِنّ، فلمَّا مات قال لها النبي عليه الصلاة والسلام: ((قولي اللَّهم أبْدِلني من مصيبتي خيرًا منها !)) فقالت: ليس هناك من هو أفضل من أبي سلمة !! وبعد ذلك تَزَوَّجَها النبي عليه الصلاة والسلام، فالبُطولة أن تحمد الله تعالى على النِّعَم الباطنة، ولذلك قال الإمام عليّ: الرِّضا بِمَكْروه القَضاء أرْفَعُ درَجَات اليَقين، هذا الإله العظيم لا يُعْقَل أن يُعَذِّبَنا دون سبب، هل يُمكن أن تُحَمِّل شخْصًا كيسًا من الرَّمْل ثقيلاً دون هدف ولا فائِدَة ؟! يقول لك: ماذا أفْعَلُ به ؟ والله عز وجل يقول: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا(147)﴾ [ سورة النِّساء] ماذا يسْتفيد الله تعالى إن أمْرَضَنا وعذَّبَنا وأفقَرنا، وخوَّفنا ؟ لو أنَّ الإنس والجن كانوا على أتْقى قلب رجل واحد منكم ما زاد في مُلكي شيئًا، لكنَّ الله عز وجل يُرَبِّينا ويأخذ بِأيْدينا، ويُنَبِّهُنا، قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ(155)﴾ [ سورة البقرة ] فالذي يقول الحمد لله حينما تأتيه المُصيبَة فهذا إنسانٌ راضٍ عن الله. أعْمَقُ من ذلك، لمَّا يرى الطَّبيب في المعِدَة الْتِهابًا حادًّا، وأيُّ غلط بالطَّعام والشَّراب يتفاقَم هذا المرض إلى قرْحة، تجد الطَّبيب يُعطي التَّعْليمات مُشَدَّدة جدًا وبالغة، أما إن وَجَد ورَمًا خبيثاً فإنَّه يقول له: كُل ما شئْت، فالإنسان حينما يكون خارِج العِنايَة الإلهِيَّة يُعْطى ما يشاء، قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ(44)﴾ [ سورة الأنعام ] المال والصِّحة والجمال والنِّساء والبيوت والمرْكَبات والطائرات والبساتين ؛ أبواب كُلِّ شيء، فإذا فَرِحوا بِما أوتوا أُخِذُوا بَغْتَةً وصَدِّقوني في هذا الكلام أيُّها الإخوة، إذا كان الواحِد مِنَّا ضِمْن العِنايَة المُشَدَّدة عليه أن يشْكر الله عز وجل ويُقَبِّل الأرض من الفرح، فما دام المرض يُعالَج فهناك دِقَّة في العِنايَة وتدريبات ومُعالجات فيزْيائِيَّة، أما إن كان المرض لا يُعالَج فيُقال لك: كُلْ ما تشاء وأنت حُرّ، فعلى الإنسان أن لا ينْكسر شُعورهُ إن بعَثَ الله له مُصيبة، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِي(15)وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِي(16)كَلَّا﴾ [ سورة الفجر ] ولو أنَّ الدنيا تعدل عند الله جناح بَعوضَة ما سَقى منها شرْبَة ماء وقال تعالى: ﴿ لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ(196)﴾ [ سورة آل عمران ] لذا يجب أن تشْعُر بِمَعْنَوِيَّاتٍ عالِيَة وأنت في المُصيبَة، وأنت في الحِرْمان والفقر والمرض، وهذا يعني أنَّ الله يحبُّ أن يشْفيك، وإيَّاك أن تَعُدَّ الدنيا مِقْياسًا، والدنيا كُلَّها مُؤقَّتة، ودقِّقوا في عدد الجنازات والإنسان عليه أن لا يُغامِر ويجعل جلَّ إنجازاتِهِ في الدنيا، دَع للآخرة العَمَل الصالِح ؛ اُطْلب العِلْم، وابْحَث عن الحق، واخْدُم الناس، وافْهَم كلام الله وادْعوا إلى الله تعالى، هذه كُلُّها أعمال الآخرة، لذا مُشْكِلَةُ الموت أنَّهُ يُعَدُّ أكبَر مُصيبَة، وهو نفْسُهُ يُعَدُّ أكْبَرُ عطاءٍ، للمؤمن تُحْفَتُهُ وعُرْسُهُ ولِغَيْر المؤمن أكبر مصيبَة ونِهايَة كُلِّ شيء. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#239 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة النمل (27) الدرس الثامن الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، الآية الثامنة والخمْسون وهي قوله تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آَللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (59)﴾ [ سورة النمل ] ذَكَرنا أنَّ نِعْمة الله نِعْمتان ؛ نِعَمٌ ظاهِرَةٌ ونِعَمٌ باطِنَة، وإيمان الإنسان هو السَّبب في أن يشْكُرَهُ على النِّعم الباطِنَة، أما فطْرة الإنسان فهِيَ تَدْعوه على شُكْر النِّعَم الظاهرة، أما شُكْر الله عز وجل على النِّعم الباطِنَة هو إحْدى ثَمَراتِ إيمانِهِ، ومادام مؤمنًا فَهُوَ يرْضى عن الله تعالى في سرَّاء والضَّراء. قال تعالى: ﴿وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [ سورة النمل ] الذي عرفَ الله وسارَ على منْهَجِهِ وأحَبَّهُ وتقرَّب إليه ؛ هذا سلامٌ عليه وقال علماء الأصول المُطْلق في القرآن على إطْلاقِهِ، فهو تعالى ما قيَّدَ السلام بالدنيا أو الآخرة ! سلامٌ على عباده الذين اصْطفى، فأنت في الدنيا في سلامٍ مع الله، وفي الآخرة في سلام، ونِعَمُ الآخرة تتَّصِل بِنِعَمِ الدنيا فأنت في سلامٍ مع نفْسِك، فالإنسان أحْيانًا تكون له مَكَانَة كبيرة بين الناس إمَّا لِقُوَّتِهِ، وإما لِذَكائِه وأعمالهِ، ولكنْ قد يرْتَكِب أعْمالا خسيسَة فيما بينهُ وبين نفْسِهِ، فهو في نَظَر نفْسِهِ صغير، وعند الناس كبير، فلو أساء الإنسان ولم يوجَد مَن اكْتَشَفَ إساءَتَهُ؛ عندَهُ انْهِيارٌ داخِلِّي، واحْتِرام الإنسان لِنَفْسِهِ داخِلِيًّا ؛ شيءٌ لا يُقَدَّر بِثَمَن فالإنسان لمَّا يكْذِب ؛ كفى بها خِيانَةً أن تُحَدِّث أخاكَ بِحَديثٍ هو لك بِهِ مُصَدِّق وأنت له مُكَذِّب ! ومُعْظَم الكذِب يأتي مِن أجل المصالِح، فقد تَظُنُّ أنَّ الكذِب يأتي بالمال الكثير طبيب يطلب من المريض أن يقوم بِعَمَلِيَّة قدْرها أربعمائة ألف ليرة وعلى الفَوْر، والمريض ليس بِحاجَة لِعَمَلِيَّة، فالإنسان لما يكْذب مِن أجْل كَسْب المال، فهناك يتَوَهَّم أصْحابُها أنّ الكذب يدرّ دخْلاً كبيرًا ؛ هذا هو عَيْنُ الجَهْل، وهذا هو عَيْنُ الحُمْق، وكُلّ إنسانٍ بِحاجَة إلى أن يعْرِفَ الله كحاجَتِهِ إلى الطَّعام والشَّراب، لأنّه إن لم يعْرِفِ الله سوف يَقعُ في أوْهام وهذه الأوْهام لها مُضاعفاتٍ خطيرة فالسَّلام يأتي من عدم الكذب، وعدم الخِيانة والغِشّ، تسير على مَنْهَج الله، وتَحْتَرِمُ نفْسَكَ، وأنت حينما تحْتَرِمُ نفْسَكَ، وحينما تسير على مَنْهَجِ الله فالله تعالى كريم، فلو أنَّ أحدًا دخل عندهُ ألف زبون وما غشَّ أحَدًا، وما كذِب، هل يُعْقَل أن يُسَلِّط الله عليه مَن لا يرْحَمُه ؟ أنتَ ما دُمْتَ مُخْلِصا في تعامُلِكَ مع عِباد الله لنْ تَغُشَّهم وتبْتزَّ أموالهم فالله عز وجل يُلقي عليه هَيْبَةً وتَوْفيقًا ونصْرًا وتأييدًا، فهذا الذي يَغُشّ الناس، ويظن نفْسه ذَكِيّا قد يقف أمام مُوَظَّف صغير ترْتَعِد فرائسُهُ خَوْفًا، وهذا الخَوْف بِسَبب أنَّهُ غشَّهم، وكذَب عليهم فالسَّلام يأتي من طاعة الله عز وجل، فأنت مع نفْسِكَ في سَلام والمُستقيم مع نفْسِهِ كبير، لو أنَّك لا تمْلِكُ مثقالاً من المال وكنت مُسْتقيمًا فإنَّك تَشْعُرُ بقيمةٍ بِذاتِك، وهذه هي قيمة الطاعة، اللَّهم أخْرِجْنا مِن وُحول الشَّهوات إلى جنَّات القُرُبات، مِن ذُلّ المعْصِيَة إلى عِزَّة الطاعة، وقد مشَى سيِّدُنا الحسَن مَشْيَة الخُيَلاء فقالوا: ما هذه المِشْيَة يا سِبْط رسول الله ؟ فقال: عِزَّةُ الطاعَة، فالمُطيع يشْعُر بالعِزَّة لأنّه يُرْضي خالق الكَون، وهو يُرْضي ربَّ العالمين، وشريف ومُسْتقيم، وأمين وصادِق والسَّلام مع الخَلْق، ليس لك مُشْكِلَة مع الناس، فإن تَدَيَّنْتَ وضَعْتَ إيصالاً، وكذا في عَقْد الشَّراكَة، أنت تُحَصِّن شريكَك، فقد يغتَرُّ شريكك بالمال، ويأخُذ مالك ! وتكون أنت الذي أعَنْتَهُ على المال، وأنت السَّبب في أنَّهُ أكَلَ مالَك، أما إن مشيتَ على مَبْدَأ كُلُّ شيءٍ مُوَثَّق ومُسَجَّل وكُلّ شيء واضِح، فهذا نبِيُّنا عليه الصلاة والسلام كان خارِجًا مع زوْجَتِهِ صَفِيَّة فعَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ رَضِي اللَّه عَنْهمَا: (( أَنَّ صَفِيَّةَ رَضِي اللَّه عَنْهَا أَتَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ فَلَمَّا رَجَعَتْ مَشَى مَعَهَا فَأَبْصَرَهُ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَلَمَّا أَبْصَرَهُ دَعَاهُ فَقَالَ تَعَالَ هِيَ صَفِيَّةُ وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ هَذِهِ صَفِيَّةُ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ قُلْتُ لِسُفْيَانَ أَتَتْهُ لَيْلًا قَالَ وَهَلْ هُوَ إِلَّا لَيْلٌ )) [ رواه البخاري ] فأوَّل بند من بنود السَّلام أنَّك إن طبَّقْتَ منهجَ الله تعالى تحْتَرِمُ نفْسَكَ وإن طبَّقْتَهُ في العلاقات العامَّة، فالكُلّ يَحْتَرِمُك، فبالطاعة يكون رِضى النفس والناس عنك، بِهذا يرْضى خالق الكون عليك، فَكَلِمَة سَلامٌ لها ثلاثة أنواع ؛ سلامٌ مع النَّفس، وسلامٌ مع المُجتمع، وسلامٌ مع خالق الكون، وأنا أعْتَقِد أنَّه من الصَّعْب أن يدْخل الإنسان إلى قصْر العَدْل ؛ فأُمورُهُ كُلُّها واضِحَة، ولمَّا يسْمَح للخطيب أن يجْلس مع ابْنَتِهِ أشْهُرًا دون عَقْد قِران ثُمَّ يختفي الخطيب، والبنت حامِل ! عندها ينقلب البيْت رأسًا عن عَقِب، أما إن طبَّقْنا شرْع الله تعالى، فله أن يراها مرَّة ومرَّتين وثلاثة وانتهى الأمْر، وإما أن يكون عَقْد قِران أو لا، فإذا عَقَد عليها أصْبَحَت زوْجَتُه وأنت بِسَلام، فالسَّلام يأتي بِطَاعَة الله. والسَّلام ؛ هذه الكلمة معها طمأنينة وسلامَة، فأنت لك سلامَة مادِيَّة وسلامَة نفْسِيَّة، فقد يكون الإنسان سليمًا مادِيًّا ولكِنَّه مُنْهارٌ نَفْسِيًّا فأنت بِحاجَة إلى السلام المادِّي والمَعْنَوي، والصِّحة النَّفْسِيَّة والجسَدِّيَّة، ولو أنَّ الإنسان طبَّق منهجَ الله في طعامِه وشرابِهِ، وفي زواجِهِ،و في كُلّ شؤون حياته لكان سليمًا، لو طبَّقْت منهج الله تعالى في علاقاتِك الاجْتِماعِيَّة لما كانت هناك خِيانَة زَوْجِيَّة، نزهات وسهرات مُختلطَة ينشأ طلاق، ونشوز، وخِيانَة زَوْجِيَّة. فأنت إن طبقت منهج الله تعالى مع نفْسِكَ فأنت في سلامة مع نفْسِك إنْ طبَّقْتَ منهَج الله مع الناس فأنت في سلامة، وإن طبَّقْتَ منهَجَ الله وعبَدْت الله وأطَعْتَهُ و امتلأ قلبُكَ بالله فأنت في سلام مع الله، فقوله تعالى: ﴿وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [ سورة النمل ] هذا سلامٌ ثَمَنُهُ طاعتُهُ تعالى، ولذلك قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا(71)﴾ [ سورة الأحزاب ] فالله لمَّا قال فَوْزاٌ عظيما، الله هو الذي يقول هذا ! فما معنى هذا ؟! إذا الواحِد وجَدَ طِفْلاً وقال له: أنا معي مبلغ كبير، فما هو تقْديرُكَ لِهذا المبلغ ؟ خمس و عشرون ليرة فقط ؛ أما لو قال لك شخْص كبير: أنا معي مبلغ كبير، فقد يقصد مائة مليون، فكلمة عظيم وكبير تتناسَب مع القائِل، فهذا خالِقُ الكون، وإلهنا العظيم يقول: ﴿وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا(71)﴾ [ سورة الأحزاب ] لذا الذَّكاء كلّ الذكاء، والعَقل كل العَقل، والنَّجاح كل النَّجاح، والفَوْزُ كُلُّ الفَوْز في طاعة الله تعالى. الشيء الآخر، أن الله تعالى لمَّا يرى من بعضِ عبادِهِ اسْتِقامةً وإخْلاصًا وورَعًا وصِلَةً يصْطفيهم لأَرْقى المُهِمَّات، أحيانًا نجد شَخصًا يُتْقِن اللُّغَة الفِرَنْسيَّة والإنجليزِيَّة والألمانِيَّة، ومعه حُقوق، وآداب نستفيد نحن منه ونضعُهُ سفيرا، فالله عز وجل لمَّا يرى الاسْتِقامة والطاعة يصْطفيه لِمُهِمَّات كبيرة، وهذا مِن فضْل الله على الإنسان ولا يوجد إنسان يتفوَّق إلا ويصْطفيه، وهذا لِكُلّ الناس، وهذا ليس خاصا وهذا بِحَسب طلبِكَ، فالله ينتظر أن يرى منك أن تطلب منه عملاً صالحًا لأنَّهُ خلَقَكَ في الدنيا للعمل الصالح، والأب لمَّا يكون طُموحه تعلّم ابْنِهِ يبقى ينتظر من ابنه أن يقول له أريد أن أتعلَّم. لذا أيها الإخوة، الله تعالى خَلَقَنا لِيَرْحَمَنا، ورحْمتهُ لنا بِسَبب العمل الصالِح، والإنسان لمَّا يُغادِر الدُّنيا لا ينْدَمُ إلا على عملٍ صالحٍ فاتَهُ والدليل قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِي(99)لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ(100)﴾ [ سورة المؤمنون ] عند الموت لا شيء له قيمة، وكل شيء من حُطام الدنيا، الإسلام فيه أوامر عِدَّة في وُضوئِك وصلاتك ويقظتك ونومِك، وعلاقتِك مع زوْجتِك، في تربيَة أولادك، وإنفاق مالِك، وكسْب مالك، فأنت أمام منْهَج كامِل، ومن السَّذاجَة والحُمْق أنْ تظُنّ أنَّ الإسلام خمْس عبادات الإسلام منْهج كامِل لِكُل حركة وسَكَنَة، وهناك الحرام والواجب والمندوب والمكروه والمستحب، وكلّ شيء يدور مع هذه الأحكام، لذا طلب الفقه حَتْمٌ على كُلّ مُسلِم، ومعرفة أحكام الفقه جزء كبير من الدِّين، فأنت بالكون تعْرِفُهُ، وبالشَّرْع تعْبُدُه. ثمَّ يقول الله عز وجل: ﴿آَللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (59)﴾ [ سورة النمل ] أحيانًا يُوازن الإنسان بين بيت مائة متر شمالي، ومائة وعشرة قبلي يبقى تُفَكِّر ولكن لو خيِّر الإنسان بين سيارة ودراجة هل يُفَكِّر ؟ لو سكت ثانِيَة فهو أحْمق !!! وهذا إله عظيم يقول الذي أعَدَّ لك جنات عرضها السماوات والأرض وفيها ما لا عينٌ رأَتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَت ولا خطر على قلْب بشر، فهل يُعْقَل أن تكون مَحْسوبًا على إنسان ؟ كُن مَحْسوبًا على الله،: ﴿آَللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (59)﴾ [ سورة النمل ] فلا يوجد تناسُب بين أن تكون عَبْدًا لله، وبين أن تكون عبْدًا لِعَبْدٍ من بني البشَر، فالفرق كبير جدًا، وهؤلاء الذين اصْطفاهم الله لم يعبدوا شريكًا من دونه، والآية دقيقة: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آَللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (59) ﴾ [ سورة النمل ] فالحادِث غير الفاني، والمخلوق غير الخالق، والقوي غير الضعيف، والغني غير الجاهل، فلا تحقّ الموازنة هناك ! فأنت لا تستطيع أن تُوازٍن بين الكرة الأرْضِيَّة وبين ذَرَّة من التراب !! هذين الشيئَين غير خاضِعَين للموازَنة إطلاقًا. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#240 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة النمل (27) الدرس التاسع الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيها الإخوة الكرام: الآية الواحدة والسِّتون من سورة النَّمل وهي قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ(61)﴾ [ سورة النمل ] نحن بدأنا الصلاة الساعة الثانية عشرة إلا ربع وانتهينا الساعة الثانِيَة عشرة فالأرض في رحْلتها حول الشَّمس تدور حول الشَّمس كلّ عامٍ دوْرَةً، في رحلتِها حول الشمس تقْطع ثلاثين كيلومتر في الثانِيَة الواحِدَة، فكم تقطع بالدَّقيقة ؟ ألف وثمانمائة كيلومتر، وهي تقطع بِعَشْرة دقائق إحدى عشر ألف وثمان مائة كيلومتر ؛ رُبْع محيط الأرض فالأرض مُحيطُها أربعون ألفًا كيلومتر، فالسُّؤال: هذا المَسير أليْسَ له اهْتِزاز، فَمَن جعَلَ الأرض قرارًا ؟ الأرض لها حركَتان: حركة حول الشَّمس وحركة حول نفْسِها، فالتي حول الشَّمس سرعتها ثلاثون كيلومتر في الثانِيَة، أما حول نفسِها: ألف وستُّ مائة كيلومتر في الساعة، وهي مُسْتَقِرَّة، أمَّن جعل الأرض قرارًا، نِعْمة الاسْتِقرار مِن أجل أن تبْنِيَ البِناء، ومن أجل أن لا يتصَدَّع البناء، أما الزِّلزال فهو مِن أجل أن تعرِفَ نعْمة الاسْتِقْرار، وقبل يومين اهْتَزَّت دمشق أربعة على سلَّم ريشتر، وفي القاهرة ستَّة، فالإنسان على أيِّ شيءٍ يعْتَمِد ؟ بيْتٌ يُكَلِّف الملايين يقَعُ في عِدَّة ثواني ؛ أمَّن جعل الأرض قرارًا ؟ طبعًا إن كانت ساكِنَة فهي مُستَقِرَّة، وإن كانت مُتَحَرِّكَة فهي مُهْتَزَّة أمَّا أن تكون مُسْتَقِرَّة في حركَتِها فهذا مِن إتقان الله عز وجل، هل يمكن أن يخترع الإنسان سيَّارة لا تهْتَزّ أبَدًا ؟ مُسْتحيل، وكذا الطائرة، أما أن تسير الأرض بهذه السرعة ولا تهتزّ ؛ فهذا من آيات الله الدالة على عظَمَتهِ، قال تعالى: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً﴾ [ سورة النمل ] أي أنَّها مُسْتَقِرَّة في حركاتِها، ولولا أنَّها مُسْتَقِرَّة لما بَقِيَ بناءٌ قائِم. الشيء الآخر، أنّ الأرض مسارُها حول الشَّمس ليس مسارًا دائِرِيًّا بل هو مسار إهْليلجي ؛ بَيْضَوي، وهذا المسار لهُ خاصَّة، وهو أنَّ أقْطارَهُ ليْسَت مُتَساوِيَة، فالأرض إذا وصَلَتْ إلى القطْر الأصْغَر تزيدُ سُرْعَتُها زِيادَةً ينشأُ عنها قُوَّةً نابِذَة تُكافؤ القوَّة الجاذبة الناتِجَة عن اقْتِرابها من الشَّمس، فهي لمَّا اقْترَبَتْ أصْبَحَت الشَّمس أقوى على جَذْبِها، فلكي لا ترْطَمِها بها، فإنَّ الأرض تزيدُ سرعتها لِيَنشأ عن هذه الزِّيادة قوَّةً نابِذَة تُكافؤ القوَّة النابذة، فإذا ابْتَعَدَتْ لكي لا تتفلَّتَ مِن مَسارِها حول الشَّمْس تقِلُّ سرْعَتُها من أجل أن يتوازن ارْتِباطها بالشَّمس، والنُّقطة الدقيقة أنَّ هناك شيئًا اسْمُهُ التَّسارُع، وهو أن تكون مثلاً مرْكبة مُسْتَقِرَّة، أحيانًا يُكْتب في تعليمات السيارة أنَّ هذه السيارة تصل سرعتها إلى المائة بعد عشرة ثواني ؛ هذا هو التَّسارع، فلو أنَّ الأرض كانت سرعتها فجْأةً لانْهَدَم ما عليها، ولو أبطأت فجْأةً لانْهَدَمَ كُلّ ما عليها، فالأرض فضْلاً عن أنَّها تسير حول الشمس بسُرعة ثلاثون كيلومتر بالثانيَة وحول نفسها، حينما تصل إلى القطر الأصغر في مسارها حول الشمس تزيد سرْعتها كي لا تنجذِب إلى الشمس وينشأ عنها قوَّة نابِذة فإذا ابْتَعَدَتْ وبَقِيَتْ على سرعتها العالِيَة تَخَلَّفَتْ من مدارِها حول الشمس، تقِلُّ سرعتها لِتَنْعَدِم القوَّة النابِذَة وتبقى على اتِّصالِها بالشَّمس، قال تعالى: ﴿أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (61) ﴾ [ سورة النمل ] ولو تسارعَت فجْأةً لا تبقى ولو مدينة على وَجْه الأرض، أوْضَح مثل أن تضَع عُلَب على السيارة وتنطلق بها فجْأةً أو تقف فجْأةً فإنّ العلب كلَّها تضطرب، ويضطرب قانون العطالة، وهذا القانون ؛ الأشياء المُتَحَرِّكة ترْفض السُّكون، والثابتة ترفض الحركة، فإذا كان سائِق السيارة اسْتَعْمَلَ المِكْبح فجْأةً فإنَّ الرُّكاب يتقدَّمون، فلا بدّ مِن حزام أمان، لذلك الأرض إذا رَفَعَتْ سرْعَتَها فجْأةً انْهَدَم كُلُّ ما عليها، ولم يبْقَ بيْتٌ على وَجْه الأرض، ولو أنَّها أبْطأت لانْهَدَم كلّ مَن عليها، قال تعالى: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً﴾ [ سورة النمل ] هذه مِن آيات الله الدالة على عظَمَتِهِ تعالى. الآن هذا الكأس أضَعُهُ فيَسْتَقِرّ، ولو رَكِبْتُ مرْكَبَةً ووصَلْتُ إلى منطقة بين الأرض والقمر اسْمُها انْعِدام الجاذِبِيَّة ؛ تمْسِكُ الكأس فَيَهْرُبُ منك إلى الأعلى، وهذا شيء معروف في مركبات الفضاء، ورُوَّاد المركبة ينْزَعِجون، تجده في السَّقْف، لا وَزْنَ له ! مَن جَعَلَ الأشياء كُلَّها تنْجَذِبُ إلى مرْكَزِ الأرض ؟ الأشياء مُسْتَقِرَّة على الأرض بِفِعْل الجاذِبِيَّة، كلمة كيلو وخمسة كيلو تعني قُوَّة جَذْب الأرض لِهذا البرتقال مثلاً: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً﴾ [ سورة النمل ] فلو لم تكن الأرض مُسْتقرَّة لوَجَدْتَ الخزانة في السَّقف، فربُّنا عز وجل يلْفتُ نظَرَنا إلى هاتَين الآيتَين الدالَّتَين على عَظَمَتِهِ ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارا﴾ [ سورة النمل ] فالمعنى الأوَّل أنَّها مُسْتَقِرَّة في حركَتِها، والمعنى الثاني أنَّ الأشياء تسْتقرُّ عليها بِفِعْل الجاذِبِيَّة. قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ الْأَرْضَ كِفَاتًا(25)﴾ [ سورة المرسلات ] الأشياء تلتفتُ عليها، وتجذِبُها إلى مركزها. قال تعالى: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ ﴾ [ سورة النمل ] لا يُمْكِن أن نَشْرَب ماءً مُحَلَّى، الماء الذي نَشْرَبُهُ فيه معادِن ؛ أثنى عشَر معدَنًا مُذابًا في الماء، لذا حين يُحَلّ الماء بِآلات مُعَقَّدَة جدًا لا بدّ مِن أن يُضاف إليه مِياهُ الآبار، وهذه الينابيع التي فيها الكالسيوم والمغنزيوم واليود كُلُّها مُذابَة في ماء الشُّرب، فَمَن جَعَل هذه المُستَودعات في بُطون الجبال ؟ ومن جعَلَ الصُّخور في الجبال على شَكل إسفنج ينْحَلُّ منها بعضُ معادِنِها بِنِسَبٍ ضئيلةٍ جدًا ؟ من جعل هذه الأنهار ؟ ومن جَعَلَ طبقات الأرض؛ طبقة كتيمة وطبقة نافِذة، فربُّنا عز وجل نقَّى الماء وأذاب فيه بعض المعادِن وخزَّنَهُ، والله تعالى قال: ﴿ وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ(22)﴾ [ سورة الحجر ] وضعوا إحْصاءً دقيقًا مِن فَتْرة ؛ لو أنَّ الإنسان أراد أن يُخَزِّن الماء لِسَنَة ؛ يحْتاج إلى مساحَة تُعادِلُ مساحَةَ بيْتِهِ تمامًا، عندك بيت أربعمائة متر وارتِفاع ستَّة أمْتار ؛ فهذا الماء يَكفيك سنة، هذا إن لم يَكُن هناك خزانات بالجبال، وقد وضَعوا خزَّانا بِجَبل قاسيون كلَّف أُلوف الملايين، فالله عز وجل يقول: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ ﴾ [ سورة النمل ] الأرض تدور بِسُرْعة عالِيَةٍ جدًّا، وبعض الطائِرات التي تزيدُ سرْعَتُها عن سرعة الصَّوت ؛ إذا انْطَلَقَت من الشرق إلى الغرْب تتوقَّف الشَّمس ويتوقَّف الزَّمَن، ينطلق على الساعة السابِعَة ويصل إلى الساعة السابعة نفسها !! لأنَّهُ يدور مع الأرض أما مع العكس فالمسافة تتضاعَف سافَرْتُ مرَّةً إلى المغْرب وضاق الوقت، وبالعَودة تضاعَفَ الوقت لأنَّنا بالذَّهاب إلى الغرب نكون نمشي مع الأرض، وبالعَوْدَة عاكَسْنا جِهَة الأرض. فيا أيها الإخوة، يقول تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ﴾ [ سورة النمل ] هذه السرعة العالِيَة تضْطرب الأرض بِسُرْعتها، وتأتي الجبال، ولها هدَف ميكانيكي، فالجبال من أحد وظائِفِها تَحقيق اسْتِقْرار الأرض أثناء دورانِها السريع. قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً ﴾ [ سورة النمل ] ثبتَ عبْر المركبات الفضائِيَّة والرَّصْد الفَلَكي أنَّ بين البَحْرين حاجِزًا فالبحر الأحمر والبحر الهندي، والبحر الأسوَد والبحر الأبيَض، فبَيْن البَحْريْن حاجِزًا، وهذا الحاجِز حتَّى الآن لم تُعْرَف طبيعَتُهُ إلا أنَّهُ من الثابِت أنَّ مياهَ كُلِّ بَحْرٍ لها مُكَوِّناتُها الخاصَّة، ولها مُلوحَتُها الخاصَّة، ولها كثافتها الخاصَّة، وكذا خصائصها، فَمِياهُ بَحْرٍ لا تَطْغى على مياهٍ أخرى وظَهَرَ لهم هذا بالتَّصْوير الجَوِّي ؛ رأَوْا خطًّا بين البَحْرين وهو خطّ وَهْمي، وخط تفاضل ألوان، وَجَدوا أنَّ مياه البحر الأحْمَر لا يُمْكِن أن تخْتلِط بِمِياه البحر العربي، ولا بالبحر المتوسِّط، والشيء الآخر أنَّ هذا الحاجِز مُضْطرِب أيْ يَتَحَرَّك، قال تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ(19)بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ(20)فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ(21)﴾ [ سورة الرحمن ] فالله عز وجل يقول: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ(61)﴾ [ سورة النمل ] هذه الآيات دالَّة على الله، ويا أيها الإخوة الآيات الدالة على الله تعالى أوْسَعُ باب لِمَعْرِفَة الله، وأقْصر طريق إليه، وإنَّك إنْ فكَّرْت فيها واجَهْتَ عظمة الله وجْهًا لِوَجه، وهذه بعض آيات الله في الأرض ؛ دَوْرَتُها حول نفْسِها، وحول الشمس، والمسار بيْضَوي، وتسارع بطيء، وأقطار مختلفة، والتباطؤ بطيء، وإذا لم نلْتَفِت إلى نعْمة الاسْتِقرار فإنَّنا نعرف هذه النِّعْمة بالزِّلْزال، وخلال سبعة درجات على ريشْتر تنهدِم البيوت، ومدينة في الساحل من أكبر المُدن في المغرب جُعِلَ عاليها سافلها خلال ثواني !! لذا اُشْكروا نِعْمة الاسْتقرار. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| الكلمات الدليلية (Tags) |
| القران, الكريم, تفسير, صور, كاملا |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 5 ( الأعضاء : 0 , والزوار : 5 ) | |
| أدوات الموضوع | إبحث في الموضوع |
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| امثال من القران الكريم | السعيد | رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة | 36 | 08-21-2018 07:54 AM |
| الفواكه المذكورة في القران الكريم | السعيد | رِيَاضُ الإعْجَازُ القُرْآنــي | 3 | 11-16-2017 07:22 PM |
| اشهر قراء القران الكريم | السعيد | رِيَاضُ الإعْجَازُ القُرْآنــي | 2 | 11-13-2017 11:19 AM |
| مد التاءات وقبضها في القران الكريم | عاشقة الأنس | رِيَاضُ أَرْوِقَةُ الأُنْس | 6 | 10-31-2015 01:34 PM |
| قصة نبي ورد ذكره في القران الكريم ، بحث عن قصة نبي ورد ذكره في القران الكريم | سجى | ريآض سيرة الصحآبة رضوآن الله عليهم أجمعين | 1 | 09-17-2014 11:17 AM |