تفسير سور القران الكريم كاملا - الصفحة 11 - منتديات رياض الأنس
  التسجيل   التعليمات   التقويم   البحث   مشاركات اليوم   اجعل كافة الأقسام مقروءة

سَمَاءُ الأُنسِ تُمطِر حَرْفًا تُسْقِي أرْضَهَا كلِمة رَاقِيَة وبِـ قَافِيَة مَوزُونَة و نبْضُ حرْفِ يُفجِّرُ ينَابِيع الفِكْرِ سَلسَبِيلًا، كُن مَع الأُنِسِ تُظِلُّ بوارِفِ أبجدِيَتِهَا خُضْرَة ونُظْرَة وبُشْرَى لـ فنِّ الأدبِ و مَحَابِرَهُ. وأعزِف لحنًا وقَاسِم النَاي بِروحَانِيَة وسُمُوِ الشُعُورَ و أَرْسُم إبْدَاعًا بِـ أَلْوَانٍ شَتَّى تُحْيِ النَفْسَ بِـ شَهقَةِ الفَنِّ نُورًا وسًرُورَا كَلِمةُ الإِدَارَة




جديد المواضيع


رِيَاضُ الإعْجَازُ القُرْآنــي ( الاعجاز العلمي و البياني وتفسير الآيات والعلوم القرآنية)

الإهداءات

إضافة رد
نسخ الرابط
نسخ للمنتديات
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
قديم 03-05-2018, 08:20 AM   #101


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: تفسير سور القران الكريم كاملا



بسم الله الرحمن الرحيم


سورة الرعد (13 )

الجزء الثانى



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، الآية الثامنة من سورة الرعد وما بعدها وهي قوله تعالى:
﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (8) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ(9)﴾
(سورة الرعد )
ما الفرق بين أن يقول الله: يعلم الله ما تحمل كل أنثى وبين أن يقول: الله يعلم ؟ الفرق كبير جِدًّا ! كالفرق بين أن تقول: نعبد الله، وبين أن تقول: اللهَ نَعْبُدُ التَّقديم والتأخير يُعطي معنًى جديدًا، إذا قلْتَ: يعلم الله ما تحمل كل أنثى فهذا يعني أنَّ غير الله كذلك يعلم، أما إذا قلتَ: الله يعلم فهذا يعني أنّه وحْده الذي يعْلم، لكن قد يقول لك: لكنَّ الآن قد عرفوا ! تذْهب إلى الطبيب فيقول لها: ذَكَر أم أُنثى ! أين الآية ؟ فالله تعالى لم يقل: يعلم مَن تحمل ! وإنَّما قال: ما تحْمل، فَمَا قال العلماء: البُوَيْضَة والحُوَيْن المنوي يَحْمِلان مِن المُوَرِّثات ما يزيد عن خمسة آلاف مليون معلومة، وهذا الرَّقَم أذْكُرُهُ بِدِقَّة، عُرِفَ منها حتَّى الآن ثمان مائة ! أسْمع بالمَجَلات والصُّحف ؛ الهَنْدَسة الوِراثِيَّة، فهذه البُوَيْضَة في نواتِها كروموزونات ومُوَرِّثات، هذه المُوَرِّثات تَحْمِل في طيَّاتِها خمسة آلاف مليون معلومة مُبَرْمجَة تُسْهِم في تَخليق الجنين، هذا الجنين له شامة على خدِّه الأيْسَر، وذاك شعْرُهُ جعد، والآخر سبك وهذا أنفه أفْطَس، وذاك مُنْحَني، خمسة آلاف مليون صِفة كلُّها مُتَوَضِّعَة سَلَفًا على الكروموزونات ومُبَرْمَجَة زَمَنِيًّا، هذه هي التي يعلمُها الله، أما أن تعلم هذا ذَكَر أم أنثى، لذلك الله عز وجل يقول:
﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ﴾
[ سورة الرعد ]
هذا الجنين ما مصيرُهُ ؟ مُصْلِحٌ كبير ؟ أم مُجْرِمُ كبير ؟ لا نعرف ! غنيّ أم فقير ؟ الله يعلم ما تحْمِل كلّ أنثى، أَهُوَ مسلم أم كافر ؟ فاسق أم تقيّ ؟ كلّ هذا لا نعرفهُ ! هل سيكون عنصر إيجابي في الأمَّة ؟ ممْكِن، هل سيَقود أُمَّة ؟ مُمْكِن.
قال تعالى:
﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ﴾
[ سورة الرعد ]
المرأة إن لم تُنْجِب، وقوله تعالى:
﴿وَمَا تَزْدَادُ﴾
[ سورة الرعد ]
إذا أنْجَبَت أولادًا كثيرين، قال تعالى
﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (8)﴾
[ سورة الرعد ]
كلّ هذا وِفْق قرارٍ ووِفْق حِكْمَةٍ مطلقة، فالكَون لا يَحْمِل العَبَثِيَّة والصُّدْفَة، قال تعالى:
﴿ لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ(49)أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ(50)﴾
[ سورة الشورى ]
كل هذا بِحِكْمَة، وبعضهم عبَّرَ عن الحِكْمَة فقال: إنَّ الشيء إذا وَقَع لو لم يقَع لكان نَقْصًا في حِكْمة الله، ولَكَان الله تعالى مُلامًا على عدم وُقوعِهِ ولِهذا عبَّر الإمام الغزالي عن هذا الموضوع فقال: ليس في الإمكان أبْدَعُ مِمَّا كان، فالذي هو كائِنٌ أبْدَعُ ما يكون، وليس في إمْكاني أبْدَعُ مِمَّا أعْطاني، فأنسَب شيء لِوَضْعِك أن يكون لك أولاد ذُكور أو إناث أو لك أولاد وإناث، أو دون أولاد.
قال تعالى:
﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (9)﴾
[ سورة الرعد ]
فعالِمُ الغيب أيْ عَلِمَ ما كان، وعَلِمَ ما يكون، وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون ‍‍! لذلك كما قال تعالى:
﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (10)﴾
[ سورة الرعد ]
همَسَ وأضْمر شيئًا بِقَلْبِهِ أو فكَّر بِشَيء، فالواحد يذهب لأوروبا ويدخل للمركز الإسلامي ويأتي بِواحِدَة فرنسية، والعقْد شرعي مائة بالمائة، ولكنَّه ينوي بها أربعة سنَوَات ولمَّا ينتهي من الدِّراسة يُطَلِّقُها، ويأتي نظيف على بلده ويأخذ واحدة بالشام فالظاهر لا شيء يَكْشِف هذه الحقيقة، أما الله يعلم ما في قلب هذا المجرِم، لذلك مَن تَزَوَّج امْرأةً على صداقٍ وفي نِيَّتِهِ لا يُؤَدِّيه لها لَقِيَ الله وهو زانٍ، فكيف لو تزوَّج الله على نيَّة مُؤَقَّتَة ؟! هل يوجد أب يقبل أن يُزَوِّج ابنتَهُ على أربع سنوات ؟ مَن يعْلم ؟ قال تعالى:
﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (8) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (9) سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ﴾
[ سورة الرعد ]
تجد له منزل يصنع فيه الموبقات ويقول لزوجته كنت بالمصنع ! يسْتخفي في هذا المنزل، وقال تعالى:
﴿وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (10)﴾
[ سورة الرعد ]
أي يتحرَّك بالنَّهار، قال تعالى :
﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾
[ سورة الرعد ]
مُراقَب أشَدّ المُراقبة، وفي سِرِّكَ وعَلَنِك، وفي سُكونِك وحركتِك، فأنت إن فَهِمْتَ هذه المَقولة تسْتقيم، أدقُّ النوايا والخواطِر والطُّموحات كلّ هذا مَكْشوف عند الله عز وجل، قال تعالى:
﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾
[ سورة الرعد ]
كل شيء مُسَجَّل، قال تعالى:
﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ(18)﴾
[ سورة ق ]
ثمَّ قال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾
[ سورة الرعد ]
فأنت تعيش ضِمْن هذه الدائرة، ولكن حولك دائرة لها قِوى مُخيفَة، فالحاصل أنَّ هناك دائرتين ؛ دائرة أنت فيها ولك عليها سُلطان، ودائرة مُحيطة بك لا سلطان لك عليها، فالدائرة التي أنت فيها، عن هذه الدائرة التي تُحاسَب، فإذا أَقَمْت أمْر الله في هذه الدائرة، الله جل جلاله تولَّى عنك وحفظك مِن القِوى الشِّريرَة في الدائرة التي تُحيط بك، أما إن أهْمَلْتَ ما أنت عليه قادِر في هذه الدائرة أوْكَلَكَ الله إلى القِوى الشِّريرَة المُحيطة بك، قال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾
[ سورة الرعد ]
هذه الآية أيها الإخوة الكرام تَحُلّ مليون مُشكلة، أنت بِبَحْبوحة ومُرْتاح لِهذا الدَّخل، إنَّ هذا الدَّخل لن ينقص إذا أدَّيْتَ زَكَاةَ مالِك، وتتواضَع وتُعين الفقراء والمساكين ؛ فالله أكرم مِن ذلك، وكذا الأمر إن كُنتَ مَزْعوجًا مِن مسألة اِبْحَث عن المعاصي، لن تتغيَّر الحالة إلا بالاسْتِقامة والتَّوبة، فالآية لها معْنيان مُتَعاكِسان: إذا كنت في بَحبوحة إن لم تُغَيِّر فالله لن يُغَيِّر، وإذا كنتَ في ضيق إن لم تُغَيِّر فالله لن يُغَيِّر، فكلمة: ما بِقَوم هي الظروف القاهِرَة التي لا تمْلِكُها، فأنت لا تمْلِك أن تكون بِصِحَّةٍ جيِّدَة طول الحياة، وأنَّ القلب يعمل بِشَكل منتَظم وكذا الكلية والكبد، والفيروسات، فأنت لا تملِك لا الصِّحة ولا الدَّخل ولا الخُصوم، ولا الأقوِياء ؛ فهذه أمطار صاعقة حطَّمَت مستودعات النَّقل، وصاعقة أخرى أسالت النَّفط فأحْرَقَ قريَةً كاملة ! وهل تملك بناية خمسون طابق لا تتحطَّم في ثانية من الزمن بِزِلزال ؟ صاعِقَة وزلزال وبركان وفيَضَان، وحروب أهْلِيَّة، فأنت لا تمْلك شيئًا، إنَّما تملك نفسَك وبيْتك وأهلك، فما عليك إلا أن تُغَيِّر هذا والباقي ليس عليك، فهذه الآية أيها الإخوة، تَحُلّ مليون مشكلة.
لو أنَّ أوَّلكم وآخركم وإنسكم....المخيط.." آخر فقرة بالحديث والمهمَّة: ((فمن وجَدَ خيرًا فليَحْمد الله، ومن وجدَ غير ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسَه ))
فالمُختصر المفيد ؛ إذا كنت مُرتاحًا لا تُغَيِّر لا يُغَيِّر، وإذا كنت مَزعوج غيِّر يُغَيِّر.


والحمد لله رب العالمين



 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 03-05-2018, 08:21 AM   #102


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: تفسير سور القران الكريم كاملا



بسم الله الرحمن الرحيم


سورة الرعد (13 )

الجزءالثالث



أيها الأخوة المؤمنون، الآية الثامنة عشرة من سورة الرعد وهي قوله تعالى:
﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى﴾
[ سورة الرعد ]
الاستِجابة لله عز وجل الانْصِياع لأمْرِهِ، والتوبة له، وطاعته، وفتْحُ صفْحةٍ جديدة معه، والإنابة إليه، والتَّوَكُّل عليه، فالله تعالى دعانا فاسْتَجَبْنا، والله عز وجل يقول:
﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى﴾
[ سورة الرعد ]
أمَرَكَ بِغَضِّ البَصَر فغَضَضْتَهُ، معنى هذا أنَّك اسْتَجَبْتَ، اِدْفَعْ زكاة مالِكِ، وانْصِف الناس فزكَّيْتَ وأنْصَفْت ؛ هذه هي الاسْتِجابَة، كُنْ عفيفًا ومُنْصِفًا ومُحْسِنًا ورحيمًا، وأدِّ الصلوات الخمس، وغضّ بصرَك، وحرِّرْ دَخْلَك أنْفِق مالك في الوجه الصحيح ؛ كل هذا يعني أنَّك اسْتَجَبْتَ.
المُطْلَق على إطْلاقِهِ، ماذا يعني الحُسنى ؟ حُسْنى في صِحَّتك وزواجِك وحُسنى في عملك، هناك فندق في ألمانيا خمس نُجوم ذكر لي أخ نام في هذا الفندق مَكتوب على لَوْحَة: إذا تَقلَّبْتَ بالليل، وأصابك الأرق فالعِلَّة ليْسَت في السرير ولكن فيك ‍! الحُسنى سلامة مع نفْسِك، يمكن أن تصل إلى أكبر مرتبة اجْتِماعِيَّة، وإلى أكبر دَخْل، ولكنّ هذا الدَّخْل مَبني على إنقاذ الآخرين، وعلى الكذب والغِشّ والاخْتِيال، الذي له حساسِيَّة لا يرْتاح، المؤمن العاقل يطلب السلامة لِنَفْسِه، إذْ يُمكن أن يكون إنسان لا يكذب ودخلهُ حلال، وهو عند الناس بالدَّرجة الدنيا ولكنَّه عند الله تعالى في أعلى عِلِيِّين، دخل على النبي صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه فقال عليه الصلاة والسلام: ((أهلاً بِمَن خبَّرني جبريل بِقدومه ‍ ! فقال هذا الصحابي: أَوَ مِثْلي ! قال: نعم، أنت خامِل في الأرض علم في السماء...))
يجوز أن يكون ضارب آلة كاتبة، والمدير له ثمانية تلفونات، وسِكْرتارْيا، ومكتب طوله ثمانية أمتار وقد يكون هذا الخادم أفضل منه عند الله، التقوى ترفع الإنسان، لذلك قال تعالى:
﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى﴾
[ سورة الرعد ]
وعظمة القرآن أنّ المطلَق على إطْلاقِهِ، حُسنى في أسْرته، وحُسنى في عملهِ، وحُسنى في صِحَّتِه، وحتى في مماتِه، فقد كنتُ في تَعْزِيَة، وإلى جانبي كان أحد عُلماء دمشق الأكارم ؛ وله دعوة، خرج من بيْت التَّعْزِيَة، وما إن خرَجَ من بيت التَّعْزِيَة حتى رآهُ رجل، فقال له: هل لي أن أوصِلَكَ إلى البيت ؟! وكان هذا الشَّخص بيتُهُ إلى جانب بيت التَّعْزِيَة، فأوْصَلَهُ ونزل هذا العالِم من السيارة، وصَعِد أربعة طوابق نزع ثيابه وتسطَّح على فِراشِهِ، وقُبِضَتْ روحُهُ، فالله سخَّر إنسانًا يوصِلُهُ إلى بيتِه ويموت فيها مرتاحًا، ولا يموت كما يموت البعض شرّ موتة، فأحيانًا يموت الإنسان بالطريق ويبقى بها خمس ساعات حتى يؤخَذ، وهناك من يموت بالمرحاض، كما أنّ هناك من يموت وهو ساجِد، وهناك من يموت في الحج، وكذا الحسنى بالآخرة:
﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى﴾
[ سورة الرعد ]
أيْ كيفَما تحرَّكْت يكْرِمُكَ الله، ولهذا قال العلماء: هناك أمَّة الاسْتِجابة، وهناك أمَّة التَّبليغ، فأُمَّة الاسْتِجابة الذين اسْتَجابوا لِرَبِّهم، وأمَّة التَّبليغ هم الذين يولدون مسلمين بِحُكم أنَّ أوْلِياءهم مسلمين، فكلمة مسلم بالهَوِيَّة لا تُقَدِّم ولا تؤخِّر، أمَّة التبليغ إذا كنت منها لا ميِّزَة لك، ولكنّ الميِّزة أن تكون من الذين استجابوا ؛ اسْمعوا لهذه الآية:
﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ(24)﴾
[سورة الأنفال ]
عندنا بِأصول الفقه قواعِد كُلِيَّة، عندنا المعنى والمعنى المُخالِف العكسي يعني، فإذا الواحِد ما اسْتَجاب فَمَن هو ؟ ميِّت، والله تعالى قال: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ(22)﴾
[ سورة فاطر ]
وقال تعالى:
﴿ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ(21)﴾
[ سورة النحل ]
فالطبيب إذا فحص مُصابًا على الأرض ورأى أنَّ النَّبْض معدوم، وكذا التَّنفس والاسْتِجابة منعدمة، معنى هذا أنّ المُصاب مُنْتَه، قال لي فلان: فلانة سافرة ومُتَبَرِّجة ومات زوْجُها، ومُوَظَّفة فكيف العدَّة بالنِّسبة لها ؟! فقلتُ له: هذه لا عُدَّة لها، لا صلاة ولا صوم ؛ هذه مُنعدِمَة، قال تعالى:
﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى﴾
[ سورة الرعد ]
فالاستِجابة حياة، والإنسان إذا بدأ يُصَلِّي، وغضَّ بصره، وينفق ماله فهذا دليل الحياة، وأنَّ فيه نبْض ! أما أن تجعل القرآن للموتى فقط فهذا جَهل، مَن دخل الأربعين فقد دَخَل أسواق الآخرة، تجده لا يدخل المنزل إلا ليلاً، أين كنت ؟!
ثمَّ قال تعالى:
﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ﴾
[ سورة الرعد ]
لم يُزَكِّ ماله، ولم ينفق، وما غضَّ بصره، وما عَدَل، وما حرَّر دَخْلَهُ، قال تعالى:
﴿لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً﴾
[ سورة الرعد ]
إذا كان الواحد له محلّ بالحمراء ؛ يقول لك: المتر بمائة وخمسون ألف ! لو أنَّ لك الشام كلّها، وكل شركات الطيران، وكل النَّفط لك، ثمّ قال تعالى:
﴿وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (18)﴾
[ سورة الرعد ]
أحيانًا يُكتب بالجريدة ثلاث كلمات: أنَّنا سَنَسْتَوْرِد سيارات، تجد في اليوم التالي أنَّ أسعار السيارات نزَلَت إلى مائتان ألف ليرة ! إذا إنسان صرَّح تتغيَّر كل أسعار البلد، وهذا إله يقول لك: لو تَمْلِك كلّ الدنيا وكل الأسواق والشركات ؛ هناك شركات ضَخمة جدًا كما في اليابان تجد الفائض من الشركات الملايير، الله تعالى:
﴿لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ﴾
[ سورة الرعد ]
أي خلِّصوني وخُذوا كلّ شيء، لن يتخلَّص إنسان، هذا كلام إله وخالق الكون، قال تعالى:
﴿أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (18)﴾
[ سورة الرعد ]
قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه(7)وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه(8)﴾
[ سورة الزلزلة ]
فهذه الآية تكفينا:
﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (18)﴾
[ سورة الرعد ]
فالكافر يستعِد أن يدْفع كلّ شيء ويتدَيَّن من أجل أن ينفذ من سوء الحِساب ! قال تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(92)﴾
[ سورة الحجر ]
لماذا أعْطَيْتَ ؟ ولماذا مَنَعْتَ ؟ ولماذا طلَّقْت ؟ ولماذا صافَحْتَ ؟ والآن نحن في بَحْبوحة، ومادامت هناك حركة بالقلب، فباب التَّوبة مَفتوح، مُشكلة الإيمان أنَّ الخِيار ليس قبول أو رفْض، قال تعالى:
﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ(88)إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ(89)﴾
[ سورة الشعراء ]
ففِرْعَون آمن بعد فوات الأوان.



والحمد لله رب العالمين






 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 03-05-2018, 08:23 AM   #103


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: تفسير سور القران الكريم كاملا



بسم الله الرحمن الرحيم


سورة الرعد (13 )

الجزء الرابع



أيها الإخوة المؤمنون، الآية التاسعة عشرة من سورة الرعد، وهي قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (19) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (20)﴾
[ سورة الرعد ]
وصَفَ الله لنا أولوا الألباب، لا إيمان لِمَن لا أمانة له، ولا دين لِمَن لا عَهْد له، ويُطْبَعُ المؤمن على الخِلال كلِّها إلا الخِيانَة والكذب، فإذا خانَ أو كذب، إنَّ أطْيَب الكَسب كَسب التُّجار كما ورد في الأثر ؛ الذين إن حدَّثوا لم يكذبوا، وإن وَعَدوا لم يُخْلِفوا، وإذا ائتُمِنوا لم يخونوا، وإذا اشْتَروا لم يَذُمُّوا، وإذا باعوا لم يُطْروا، وإذا كان لهم لم يُعَسِّروا، وإذا كان عليهم لم يُنْقِذوا، فالدِّين صِدْقٌ وأمانة ووفاء بالعَهْد، لا إيمان لِمَن لا أمانة له، ولا دين لِمَن لا عَهْد له وهؤلاء أولوا الألباب الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق ؛ شخص اشْترى بيت بِمَساكن دُمَر، فقال له صاحبها: البيت بثلاثمائة ألف ليرة الحاصل أنّ البائع جاءه من دفع له أكثر من هذا المبلغ، فلم يرضَ بيْعَهُ مِن أجل أنَّ وعد وسلَّم البيت، فلما جاء هذا الشّخص ؛ قال له: هل جاءك مَن أعطاك أكثر مِنِّي ؟ فقال البائِع: نعم، ولكنَّني لا أبيعُ ديني مِن أجل مبلغٍ بخْس من الدنيا ! فأُعْجِب هذا الشخص بِعَهد هذا البائِع، ولم تمْض أيام حتَّى طلبت الجمعيات السَّكنِيَّة من البائِعين دَفْع مبلغًا ماليًا كبيرًا ؛ فَدَفَعَ المُشتري هذا المبلغ دون أن يُعْلِم البائِع !!
فهذه المُعاملات النادرة تُثلِجُ الصَّدْر، وإذا نظرنا إلى الخيانات التي تكون بين الناس تجعل القلب يضيق، فلو أنّ الإيمان عَشْعش قلوبنا لَعِشْنا في جنَّة، سبعمائة ألف بيت مُغْلَق في دمشق، فلو كان هناك ثقة وعَهْد لما غُلِقَتْ، وحتى قالوا: ليس هناك أزْمَة سَكَن، ولكن أزْمَة إسْكان ! فأزْمة سكَن يعني لا توجَد بُيوت، أما أزْمة إسْكان يعني لا توجَد ثِقَة، إذًا لا إيمان لِمَن لا أمانة له، ولا دين لِمَن لا عَهْد له، والمؤمن يُنْفِذ وعْدهُ ولو على قَطْعِ رأسِهِ، أحد الصحابة قبل الهِجْرة أُلْقِيَ عليه القَبْض من قِبَل الكفار فقال لهم: أطْلِقوا صراحي وأُعاهِدُكم على أن لا أُقاتِلَكُم ! فجاءَت الغزْوَة فلما أراد أن يُقاتِل قال له النبي عليه الصلاة والسلام: ((اِرْجِع ألم تُعاهِدهم أن لا تُقاتِلَهُم ))
لذلك إذا عامَلْتَ مؤْمِنًا تشْعر أنَّ كلمته أثقل شهادة أحد.
قال تعالى :
﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (20) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (21)﴾
[ سورة الرعد ]
هذه صِفات أولي الألباب، يَصِلون ما أمرَ به الله أن يوصَل، يَصِلُ رحِمَهُ والمؤمنين وإخوانهُ، أما الكفار والفجار والعُصاة، هؤلاء ينبغي أن تبتعِدَ عنهم، ولكنَّ الذي يَحْصَل أنَّ الإنسان يبْحث عن مصالِحِهِ ؛ يَصِلُ أهل الدنيا ويَقْطعُ أهْل الحقّ، ويُؤْثِر مجالس الطَّرَب على مجالس العِلْم، إذًا قُلْ لي مَن تَصِلُ ومَن تَقْطَعُ أقول لك مَن أنت ؟‍ تؤثِر ماذا ؟ أما المؤمن فَيَصِلُ أهْل الحق، ويصِلُ المؤمنين وأهل الحق، وغير المؤمن يَصِل الأقوِياء ومَن عندهم الجاه.
قال تعالى:
﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (21)﴾
[ سورة الرعد ]
ساعة الحِساب نافِذة بين يَدَيْه وعَيْنَيْهِ ولا تغيب عنه لَحْظة، قال تعالى:
﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (22)﴾
[ سورة الرعد ]
كما قلتُ لكم في درسٍ سابِق صَبْرٌ على الطاعة، وصبْر عن المَعْصِيَة وصَبْرٌ على أمر الله وقضاء الله، قد تصبر على إنسانٍ قهَرَكَ، هذا ليس لِوَجْه الله، أما الذي لِوَجه الله أن تكون أنت القويّ والطرف الآخر ضعيف، صَبَرْتَ على زوْجَتِك وأولادِك ؛ هذه هي البُطولة، أما القوي فَكُل الناس يصبرون لأنَّك لا تستطيع أن تتنفَّس معه، فالصَّبر الحقيقي أن تصبر عمَّن هو دونك.
شدَّ أعرابي النبي عليه الصلاة والسلام من ثوبه...فهذا المال ليس مالك ولا مال أبيك...." هذا هو الصَّبر، قال تعالى: وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ...علانية " فمثلاً الإنسان يتجبَّر عمَّن هم دونه في الوظيفة، وأمام مُديره تجده كالطِّفل ‍! إذا لم تَقْدِر على القويّ، فارْحَم الضعيف، أما مع الضعيف مُتَجَبِّر ومع القوي كالطِّفل فهذا موقف مُتناقض ولا أخلاقي، قال تعالى:
﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (22)﴾
[ سورة الرعد ]
كلمة ومما رزقناهم عامَّة ؛ أعطاك مال أنْفِقِ المال، وأعطاك علم أنْفِقِ العِلْم، فلو وضَعَ أخ عندك ابنه لِيَتَعَلَّم مَصْلحة واسْتَخْدَمْتَهُ لِمَصالِحِك الخاصَّة ولم تُعَلِّمْهُ المَصْحلة، فالله كبير، فالمؤمن يُعْطي من مالهِ وعِلْمِهِ وجاههِ وخِبْرَتِهِ ومن كل شيء، فالآية واضِحَة ينفق سِرًّا وعلانِيَة، فإذا هو أنْفَقَ علانِيَةً لِيُشَجِّعَ الناس، وخاف الرِّياء أنْفَقَ سِرًّا، وكل واحِدٍ حكيم نفسِهِ فالضابِط هو النيَّة.
قال تعالى:
﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (22)﴾
[ سورة الرعد ]
الإنسان يغلط لكنَّ الله تعالى مِن كريم رحْمته قال لك: إذا غلطْت اصْنع المعروف فإنَّ الحسنات يُذْهِبن السيِّئات، كلَّما شَعَرْتَ بِعَلاقة سيِّئة مع والدَيك أو أقارِبِك أو إخوانِك قدِّم لهم الهدِيَّة وبادِرْهم بالحسنى واسْتَرْضِهِ، وإذا لم يكن معك اِقرأ القرآن، صُم، اِسْتَغْفِر، قدِّم مَعونتَك.
ثمَّ قال تعالى:
﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آَبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23)﴾
[ سورة الرعد ]
مِن كل بابٍ مِن أبواب الخير، هناك المنفقون والدعاة إلى الله والذين أمروا بالمعروف ونهَوا عن المنكر، والذين تركوا عِلْمًا ينتَفَعُ به من بعدهم، والذين أسَّسوا مشاريع خَيْرِيَّة ؛ كل هذه أبواب خَيْرِيَّة، قال تعالى:
﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (24)﴾
[ سورة الرعد ]
هؤلاء هم أولوا الألباب ؛ يوفون بِعَهْد الله، و:
﴿يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (21) وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلَانِيَةً﴾
﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾
فالأمْر واضِح، وهذه صِفات المؤمنين، لا تعيش بالأحلام الدِّين يُسر، ولا تَشْديد في ديننا، ولا يوجد أمر تَعْجيزي، ألا تستطيع أن تفْعَل عوض السيِّئة حسَنَة، إن فَعَلْت كنتَ مِن أهل الألباب.




والحمد لله رب العالمين



 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 03-05-2018, 08:25 AM   #104


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: تفسير سور القران الكريم كاملا



بسم الله الرحمن الرحيم


سورة الرعد (13 )

الجزء الخامس





أيها الأخوة المؤمنون، فالآية الخامسة والعشرون من سورة الرعد، وهي قوله تعالى:
﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (25)﴾
[ سورة الرعد ]
اللَّعْنُ هو الإبْعاد، أكبر عِقابٍ يُعاقَب به الإنسان أن يطْردَهُ من رحْمتِه تعالى، فَمَعنى أن يلْعَنَهُ أيْ يطْرُدَهُ فاللَّعْنُ هو الطَّرْد.
قد يُعْطيك الله المال كما تشاء، ويُعطيك القوَّة كما يشاء، والجمال والذَّكاء والشَّأن، ولكنْ يطردهُ من رحمتِهِ ! يا رب، ماذا فَقَدَ مَن وَجَدَك ؟ وماذا وَجَدَ مَن فقَدَك ؟ والمصير: لهم سوء الدار، ماذا يَفْعَلُ هؤلاء ؟ قال: ينقضون عهْد الله من بعد ميثاقِه ! أحدهم قال لِصَديقِهِ وكان تاجِر عَمار: هل عندَكَ بيت ؟ فقال له هذا: أنا لا أُؤجِّر ولكن أبيع، فهذا الطالب قال له: والله، إن أرَدْتَ البيت أُسَلِّمُهُ لك بعد أربعٍ وعِشرين ساعة ! فبعد إلْحاحٍ سلَّمَهُ هذا الأخ البيت، والقِصَّة قديمة سكَنَ هذا فيه ثماني سَنَوات، فجاء زبون بِثَماني مائة ألف ؛ فدَقَّ بابهُ وقال له: أنت وَعَدْتني أنَّك تخرج بعد أرْبَعٍ وعشرين ساعة، وأنا أعْطيك ستَّة أشْهر، فقال هذا الأخ: أنا قلتُ لك أربعًا وعشرين ساعة!
فهذا لم يُصَدِّق كلامهُ، وكذا الجيران، سألوا عنه ؛ أين هو ؟ قالوا بالفندق، باع أثاثهُ !! ذهب إليه وقال له: هذا البيت لك وسأبيعُكهُ بِسِعر يوم سَكَنْتَهُ، والنبي عليه الصلاة والسلام قال: ((ألا لا إيمان لِمَن لا أمانة له، ولا دين لِمَن لا عهْد له...." ))
أنا قلتُ لكم: أزْمَتُنا أزْمة إسكان وليس سَكَن ! لا يوجد هناك ثِقَة ؛ قال تعالى:
﴿ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾
أحْيانًا يطوف الإنسان حول الكعبة ويُعاهِد الله على أن لا يعصِيَهُ فإذا وصل إلى الشام ؛ رَجَعَتْ حليمة إلى عادَتِها القديمة ! غِشّ بالبيع، وأيمان كاذِبَة.
قال تعالى:
﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾
[ سورة الرعد ]
شَخص عادي تائِه شارِد، دخل المَسْجد فإذا بالناس يقولون له: ما لك والمَسْجِد، ولمَ الصلاة ؟!! لماَّ كان تائِهًا لم يسأل عنه أحد فإذا تاب عارَضَتْ شياطين الإنس ؛ هذا موقف لا أخلاقي، المؤمن يصل ولا يقْطع، أما غيره الطَّعْن والحسَد وتَفْنيد، دِقَّة الآية: ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾
الله أمَرَك بِوَصْل والِدَتِك، تقول لك زوْجتُك: لا تَصِل أمَّك ! لماذا ؟ ألم يأمرني الله بِوَصْلِها ؟! والنبي سُئِل: مَن أعظم الرِّجال حقًّا على المرأة ؟ قال: زوْجُها، فلمَّا سُئِل ؛ مَن أعظم النِّساء حقًّا على الرجل ؟ قال: أمُّه، ولم يقل زوْجتُهُ، فَمَن منَعَك أن تصِل والِدَيك فلا تردّ عليه وأيُّ إنسانٍ أمَرَكَ أن توقِعَ بين الناس فهذا يقْطع ما أمر به أن يوصَل والنبي الكريم قال: ((ليس مِنَّا من فرَّق..." ))
وبالمناسبة أيها الأخوة الدعاة إلى الله صِنفان: دُعاة إلى الله، ودُعاةٌ إلى ذواتِهم بِدَعوة مُغَلَّفَة إلى الله، فَمِن لوازِم الدَّعوة إلى الذات الحسَد والتنافس والطَّعن وعدم الإنصاف، ومِن لوازم الدعوة إلى الله الاتِّباع والتَّعاوُن والإنصاف والاعْتِراف بالفَضْل، فينبغي أن يكون الدعاة يدًا واحِدة مُتَعاوِنين ومُتَفاهمين، أما الطَّعْن والتَّجريح، والتَّقليل مِن أهَمِيَّة الآخرين مِن أجل أن تبْرز وحْدَك، فهذا ليس من الدِّين في شيء، والآية دقيقة جدًا
﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾
[ سورة الرعد ]
إما أنَّهُ عاهَدَ الله أو أشْهَدَ الله على شيء فإذا أشْهَدْتَهُ على شيء فينبغي أن تُنَفّذ العَهْد، لذلك المؤمن يُنَفِّذ وَعْدَهُ ولو كان مُرًّا.
ثمَّ قال تعالى:
﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾
[ سورة الرعد ]
فالله أمرَكَ بِوَصْل أقْرِبائِك، وَصْل حِكم، ووصْل العلماء، وحُضور مَجالس العِلْم فَكُلّ مَن نهاك عن شيء أمَرَك الله به فتُطَبَّقُ عليه هذه الآية.
قال تعالى:
﴿وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾
[ سورة الرعد ]
فالماء مثلاً لو وَضَعْت فيه قطرة نفط أو غسَلْتَ فيه يدك أو مَحْرَمَة أصبحَ فاسِدًا، فالإفْساد إخْراج الشيء عن طبيعَتِهِ، فالله عز وجل جَعَلَ المَوَدَّة والرحمة بين الزِّوْج وزَوْجته فيكفي أن تقول لأُخْتِك: جاء العيد ولم يُهْدِكِ شيئًا ‍‍! أهذا زَوج ؟! فأنت خَرَبْتَ بيْت أُخْتِك، وأَفْسَدْتَ العلاقة بينها وبين زوْجِها، فكلَّما تريد أن تُنقِص من أزواج أختك أو بنتك، حتى تصبح العلاقة بينهم سيِّئَة فهذا مُفْسِد، فالإفْساد إما علاقات أو إفْساد البيئة، بنْتٌ طاهرة وتقِيَّة تُفْسِدُها قدَّم له ستلايتْ ! أحدهم تزوَّجَت بنته وبعد الزواج قدَّم لها ستلايْت فأصبَحتْ لا تعتني به، وتسْهر للساعة الثانية ليلاً، وكذا الحال في زوجها.
فهذه ثلاث صِفات ؛ ينقضون عهْد الله من بعد ميثاقه، ويقطعون ما أمر الله به أن يوصَل، ويُفْسِدون في الأرض، فلو كنت تَسكن في بيت ضَخم، فلماذا تقول لِغَيرِك: هل هذا بيت تسْكنهُ ؟! لماذا تَطعن بِبَيْت أخيه ؟! أو تقول لأختك كيف يمكنك أن تعيشي مع زوْجك ؟ فهذا كيفما تحرَّك أفْسَد ! إما أن يُخبِّب امرأةً على زوْجِها، أو عَبْدًا على مَوْلاه، أو يُفْسِد العلاقات والأجوَاء، أو يُلْقي بُذور الحسَد والعَدَاوَة والبَغْضاء، لذا نَعوذ بالله أن نكون من المُفْسِدين.
قال تعالى:
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11)﴾
[ سورة البقرة ]
هذا هو الإفساد، والشيء الثاني أن تقطعَ ما أمَرَ به الله أن يوصَل، يجد أخاه الْتَزَم عند داعِيَة فيقول له: لا تلتزِم معه فهذا لا يعْرِف شيئًا ! لقد رأيتَهُ طوال حياته في الشَّهوات فما كلَّمْتَهُ، وحينما رأيْتَهُ أراد الالْتِزام أردْتَ أن تُعَكِّر عليه أجواء الدِّين !! كُنْ أداة جَمْعٍ لا أداة تَفْريق، وأداة إصْلاح لا أداة إفْساد.
فالأولى ينقضون عهْد الله من بعد ميثاقه، والثانية يقطعون ما أمر الله به أن يوصَل، والثالثة يُفْسِدون في الأرض، اِسْمعِ العِقاب الآن قال تعالى:
﴿أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾
[ سورة الرعد ]
مَلْعون ومَقطوع عن الله، وقلبهُ مُتَصحِّر وإذا جالَسْتَهُ تضايَقْت، كلُّهُ إساءة ونقذ وكلام قاسي وبذيء.
قال تعالى عن هؤلاء:
﴿أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (25)﴾
[ سورة الرعد ]
فالقضِيَّة خطيرة جدًا، أحد الصحابة قال: أو نُؤاخذ بما نقول ؟ قال: ويحك..." قبل أن تتكلَّم الكلمة عُدَّ للمليون، ولو بالإشارة فهذه غَْبَتة: ((إنَّ الرجل ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالاً...".))
وقد قالت عائشة عن أختها صفِيَّة أنَّها قصيرة..." المياه السوداء بالبِحار تمشي خمسين كيلومتر، ومع ذلك البحر ماؤُهُ طويل، هذِّب لِسانَك واضْبُطْهُ وإلا تهوي بِكَلامِك سبعين خريفًا، فهذه ثلاث صِفات فالأولى ينقضون عهْد الله من بعد ميثاقه، والثانية يقطعون ما أمر الله به أن يوصَل، والثالثة يُفْسِدون في الأرض، قال تعالى:
﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (25)﴾
[ سورة الرعد ]










والحمد لله رب العالمين




 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 03-05-2018, 08:26 AM   #105


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: تفسير سور القران الكريم كاملا



بسم الله الرحمن الرحيم


سورة الرعد (13 )

الجزء السادس





أيها الإخوة المؤمنون، فالآية السادسة والعشرون من سورة الرعد، وهي قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ (26)﴾
[ سورة الرعد ]
لو أنَّ الله تعالى قال: يبسط الله الرزق لِمَن يشاء ويقدِر، وهذا الكلام يعني أنَّ الرزق من عند الله ومن عند غيرِهِ، أما حينما قال الله عز وجل:
﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ (26)﴾
[ سورة الرعد ]
تَقْديم لفْظ الجلالة يُفيد القَصْر والحَصْر فالله وحده الذي يبسط الرِّزْق ويمْنعهُ، والإنسان عنده في حياتِهِ شيئين خطيرين ؛ حياتُهُ ورِزْقُه، فحياتُكَ بِيَدِهِ وموتك بِيَدِهِ، ورِزْقُكَ بِيَدِهِ كثرةً وقِلَّة، فماذا بَقِيَ للبشر ؟ إذا أيْقَنْتَ أنّ حياتَكَ بِيَدِهِ، وأنَّ الرزق بِيَدِهِ وأنَّ كلمة الحق لا تقطعُ رزْقًا ولا تُقَرِّب أجلاً.
الله عز وجل يبسط الرزق لِمَن يشاء، لكن مشيئة الله عز وجل مُتَعَلِّقَة بالحِكْمة المُطْلقَة ؛ فهُوَ تعالى يبْسُطُ الرِّزق لِمَن يستقيم على شرْعِهِ قال تعالى:
﴿وَأَلَّوْ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا(16)﴾
(سورة الجن )
وقال تعالى:
﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ(96)﴾
[ سورة الأعراف ]
وقال تعالى:
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ(66)﴾
[ سورة المائدة ]
فهذه الآية:
﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ (26)﴾
[ سورة الرعد ]
هذه آية مُجْمَلَة ومُفَصَّلة بآياتٍ كثيرة.
قال تعالى:
﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى(132)﴾
[ سورة طه ]
معنى ذلك أنَّ البيت المُسلِم الذي تُقامُ فيه الصلاة ويأمر الأب أهله بالصلاة هذا البيت مَرْزوق، فهذا عامِلٌ للرِّزق، عامِلٌ آخر ؛ قال عليه الصلاة والسلام:
(( الأمانة غِنًى...))
فالأمين غَنِيّ، ومعه أكبر رأس مال، وهو الثِّقَة به، والناس يتهافتون عليه، فالاسْتِقامة والأمانة تزيدان في الرِّزق، و يقول عليه الصلاة والسلام:
(( صلة الرحم تزيد في الرزق...))
فالذي له أخوات إناث أو ذُكور، أولاد أخ أو أخت تفقَّدَهم وأعانهم ؛ فهذا إنسان مَرْزوق.
قال تعالى:
﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا(10)يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا(11)وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا(12)﴾
[ سورة نوح ]
معنى ذلك أنّ هذا الذي يسْتغفِر ويتوب ويُحاسِب نفسه، ويُصلي ويقرأ القرآن فهذا يجْلب الرِّزق، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:
(( اسْتمطِر والرزق بالصدقة...))
فالذي يتصَدَّق يجْلب لِنَفْسِه الرِّزْق، إذًا الاستقامة والأمانة والصدقة وصلة الرحم ؛ هذه كُلُّها تزيد الرزق، فحينما يقول الله: الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر.." مشيئتُهُ وِفْق حِكْمةٍ مُطْلَقة؛ فالمُستقيم يرْزقُهُ الله، وفي الأثر:
(( قد يُحْرَمُ المرء بعض الرِّزْق بالمَعْصِيَة ‍!))
فالمَحَلاَّت إذا صارَتْ أماكن الغَزَل والمُحادَثَة ومعْصِيَة الله، فهذا المحلّ يُمْحَق الرِّزْق فيه.
المعْصِيَة تقْطع الرِّزق، والاسْتِقامة تجْلبُهُ، صلةُ الرحم تجْلبهُ، وقطيعة الرحم تقطع، وكذا الأمانة والخِيانة ؛ وأحيانًا إتْقان العَمَل يجْلب الرِّزق، قال النبي صلى الله عليه وسلم:
(( إنَّ الله يحب من العبد إذا عمل عملاً أن يتقنَهُ...))
لكنَّ الله تعالى يعلم ما تخفي الأنفس، فهناك من يسْتقيم في الضيق، ويفلت في الرخاء، هؤلاء بِعِلْم الله يُعطيهِ رِزْق مَحْدود، والدليل قوله تعالى:
﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ(27)﴾
[ سورة الشورى ]
فالرِّزق في بعض عواملِهِ مُتَعَلِّق بِحِكمة الله ؛ إنّ من عبادي من لا يصلحُ له إلا الغِنى فإذا أفْقَرْتُهُ أفْسَدْتُ عليه دينَهُ، وإنَّ مِن عِبادي مَن لا يصلحُ له إلا الفقْر فإذا أغنَيْتُهُ أفْسَدْتُ عليه دينهُ.
نُلَخِّص الموضوع ؛ الاستِقامة والاستِغفار والأمانة وصلة الرحم والصلاة هي عوامل زِيادة الرِّزق، وحينما تتوفَّر كل هذه الحالات ويبقى الرِّزق مَحْدودًا فهُناك حِكْمَةٌ لو كُشِفَ الغِطاء لاخْتَرتم الواقِع، قال تعالى
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ(101)﴾
[ سورة المائدة ]
وليس بالإمكان أبدعُ مِمَّا كان، فالله تعالى يبسط الرزق لمن يشاء و يقدر، لكن هناك ناحِيَة مهمَّة جدًا ؛ قال تعالى:
﴿فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِي(15)وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِي(16)كَلَّا بَل لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾
[ سورة الفجر ]
ماذا تعني كلاَّ ؟! هي ليْسَت حرف نَفْي، إنمَّا حرف رَدْع، فلو قلتُ لك: هل أنت جائع ؟ تقول لي: لا، ولكن إن قلتُ لك هل أنت سارق: فتقول لي: كلاَّ ترْدَعُني، فالله عز وجل يقول لنا ردْعًا ليس عطائي لكم إكرامًا وليس مَنْعي لكم حِرْمانًا ! عطائي ابتِلاء وحِرْماني دواء، فإذا كان الرزق قليل لا تشْعر أنَّك مُهان ! هذا غلَط، فلو أنّ الأب كان رحيمًا ومنَعَ ابنه مِن تناوُل أكلةٍ يُحِبُّها مِن أجل أنَّه مريض فهل هذه إهانَة للابن ؟! لا فالله تعالى يَحمي عبدَهُ المؤمن من الدنيا كما يَحمي أحدكم مريضه من الطعام، فالله تعالى: فأما الإنسان إذا فأكرمه: هذا ليس إكرام بل ابتِلاء، ثمّ قال تعالى:
﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِي(16)كَلَّا بَل لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾
[ سورة الفجر ]
وليس كذلك هذا مَنعًا.
آخر نقطة بالدرس ؛ الله تعالى أعْطاكَ مالاً، فهل يُسَمَّى هذا المال نِعْمَةً ؟ الجواب: لا يُسَمَّى هذا المال نِعْمةً، ولا نِقْمة، فهُوَ حِيادي وهو ابْتِلاء فإذا أنْفَقْتَهُ في طاعة الله انْقَلَبَ إلى نِعْمة، وإذا أنْفَقْتَهُ في مَعْصِيَة الله انْقَلَبَ إلى نِقْمة، فَعَطاء الله ابْتِلاء وليس إكرامًا لكن بعد أن يُعْطِيَكَ المال أو الصِحَّة أو الجمال وتُوَظِّفُ هذا في طاعة الله تنقلبُ هذه النِّعَم إلى إكرام، وكذا لو حرَمَ الله عبدهُ من الدنيا، وكان هذا سبَبًا لإقبال العبد على طاعة الله، هذا الحِرْمان ينقلب إلى عَطاء، فَرُبَّما كان المَنْعُ عَيْن العَطاء، وربَّما كان العطاء عَين الحرمان، فهذا المعنى يرفع معنوِيَّات المؤمنين، فإذا أراد الله أن يجعلَكَ ذا دَخْلٍ مَحدود فهذه حكمة ما بعدها حِكْمة، ولو كُشِفَ الغِطاء لاخْتَرْتُم الواقِع.
أيها الإخوة، يقول سيدنا علي رضي الله عنه: الغِنى والفقْر بعض العَرْض على الله، ولا يُسَمَّى الغنِيّ غنيًا ولا الفقير فقيرًا، إنَّما الغِنى الحقيقي بعد العَرْض على الله، قال تعالى:
﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾
[ سورة آل عمران ]
قال تعالى:
﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ (26)﴾
[ سورة الرعد ]
ما أخذت الدنيا من الآخرة إلا كما يأخذ المخيط إذا غُمِسَ في مياه البحر ! والمؤمن ينتقل من ضيق الدنيا إلى سَعَة الآخرة كما ينتقل الجنين من ضيق الرحم إلى سعة الدنيا، لذلك الآخرة هي الحياة الحقيقيَّة، قال تعالى:
﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى(23)يَقُولُ يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي(24)فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ(25)وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾
[ سورة الفجر ]
كلمة الحق لا تقطع رِزْقًا ولا تُقرِّب أجلاً، وهذا هو التوحيد، والضامِن هو الله تعالى، قال تعالى:
﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ(123)﴾
[ سورة هود ]
الأمر مُعَرَّف بأل وهي للاسْتِغراق، ولا طاعة لِمَخلوق في معْصِيَة الخالق.
الذي أراد أن يزيد رِزْقهُ عليه بالاسْتِغفار والاستِقامة والأمانة والصلاة والإتْقان وهي عوامل زيادة الرزق، فإذا اجْتَمَعَت هذه العوامل ولم يرزق فهناك حكمة ما بعدها حكمة ولو كُشف لك الغطاء لَذُبْت كما تذوب الشَّمْعة، لذلك قال تعالى:
﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنْ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(10)﴾
[ سورة يونس ]
فلو ضربك إنسان من أجل مَصْلحَتِك لرُبِّما كان هناك عقرَبًا فأبْعَدَك عُنْفًا كي لا يلْدَغَكَ فهل تغضب منه ؟! لا، بل تشْكرهُ، قال تعالى:
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ(216)﴾
[ سورة البقرة ]








والحمد لله رب العالمين





 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 03-05-2018, 08:28 AM   #106


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: تفسير سور القران الكريم كاملا



بسم الله الرحمن الرحيم


سورة الرعد (13 )

الجزء السابع




أيها الأخوة المؤمنون، فالآية الواحدة والثلاثون من سورة الرعد، وهي قوله تعالى:
﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآَناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً أَفَلَمْ يَيْئَسِ الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (31)﴾
(سورة الرعد )
هذه الآية أيها الأخوة بالِغَة الدِّقَّة، وهي مُتَعَلِّقَة بِأصل العقيدة ؛ مَضمون هذه الآية أنَّ هذا الكون بِوَضْعِهِ الراهِن هو مُعْجِزَة وليس خلقُ قوانينِهِ هو المُعْجِزَة، مَن لم يرَ عظمة الله عز وجل في الشمس والقمر، ومن الليل والنهار، ومِن خلق الإنسان، ومِن المطر في السماء، ومن إنبات النبات، والسمك في البِحار، والطيور في الأجْواء، مَن لم يرَ عظمة الخَلْق مِن خِلال الخَلْق فهذا لا يُقْنِعُهُ خرق القوانين، فهذه الأمور لِضِعاف العُقول، فالله تعالى يقول:
﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآَناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ ﴾
[سورة الرعد]
قرأْنا آية فَمَشى الجَبَل، قال تعالى:
﴿أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ﴾
[سورة الرعد]
وقرأنا آية ثانِيَة فَوصَلْنا إلى الصِّين في دقيقة، قال تعالى:
﴿أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى ﴾
[سورة الرعد]
أو اسْتيقَظ الميِّت وجعل يُكَلِّمُنا، كلّ هذا خرْق للقوانين، فلو أنَّ القرآن الذي نزل على النبي عليه الصلاة والسلام قُطِّعت به الأرض أو سيِّرَت به الجبال أو كلِّم به الموتى، إذا لم يُرِد الإنسان أن يَهتدي - فالهِداية قرار داخِلي يتَّخِذُهُ الإنسان في أعْماق نفسِهِ، فإذا أراد أن يَهْتدِيَ إلى الله فأَصْغَر شيءٍ يهديه إلى الله ! أما إن أعْرَض عن الهِدايَة فلو عاشَ مع النبي عليه الصلاة والسلام كتِفًا بِكَتِف، ورآهُ رأْيَ العَيْن، وقرأ القرآن فمَشَتْ الجِبال، وقطع الأرض، وكُلِّم به الموتى، فخَرْق القوانين لا يمكن أن يُقْنِعَ إنسانًا بالهُدى، الكون بِوَضْعِهِ الراهِن يكْفي، فالإنسان حينما يولد، لو أمْعنَ النَّظر ! يُخَلَّق الإنسان مِن حُوَين مَنَوي ومِن بُوَيْضَة، والعِلْم أثْبَتَ أنَّ اللِّقاء الزَّوْجي يخرج من الذَّكَر خمسمائة مليون حُوَين ! وَحُوَيْنٌ واحِدٌ يَكفي لِتَلْقيح البُوَيْضَة، البُوَيْضَة والحُوَيْن على كلٍّ منهما مَعْلومات مُبَرْمَجَة تزيد عن خمسة آلاف مليون، وحتى الآن اكْتُشِف منها ثمان مائة وأكبر ضَجَّة عِلْمِيَّة الآن حول الهَنْدَسة الوِراثِيَّة ؛ هذه الجينات المُوَرِّثات خمسة آلاف مليون معلومة، فإذا عرفْتَ أنَّ في العَين مائة وثلاثون مليون عُصَيَّة ومخروط، وأنّ العصب البصري تسعمائة ألف عصب وأنَّ في شَعْر الإنسان ثلاثمائة ألف شَعْرة، وفي كُلّ شَعْرة وريد وشريان وعضلة وعصب وغُدَّة دِهْنِيَّة وصِبْغِيَّة، وإذا عرفت الخلايا في المعدة، خمسة وثلاثون مليون عُصَارَة، وفي كل نصف سنتمتر مربَّع بالمعِدَة، وإذا رأيْت خصائص الكبِد خمسة آلاف وظيفة، وخصائص السَّمع والبصر، والقلب ماذا يعْمَل ؟ فهل أنت بِحاجة لخرق هذه القوانين ؟! فالقوانين نفسُها ؛ الشمس والقمر، لِسان لَهَب الشمس مليون كيلومتر، عشرين مليون درجة في نواتها، وستَّة آلاف درجة على سطحها، مُتألِّقة من خمسة آلاف مليون عام، وقرأتْ مقالة أنَّهُ بقِيَ من عُمُرِها مائة مليار عام ! قال تعالى:
﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآَناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً أَفَلَمْ يَيْئَسِ الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (31)﴾
[سورة الرعد]
الجواب مَحْذوف ! وهو: ما آمنوا، ولن يؤمنوا، ولو فكَّروا في الكون لعرفوا الله من دون خرْق القوانين، قال تعالى:
﴿بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً﴾
[سورة الرعد]
قال تعالى:
﴿أَفَلَمْ يَيْئَسِ الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً﴾
[سورة الرعد]
فرئيس الجامعة هل يعْجز أن يُوَزِّع أوراقًا مَكْتوبة كاملة بالإجابة الصحيحة، وعلى الطالب فقط كتابة اسمِهِ ؟! فهل لِهذا النَّجاح قيمة ؟! ليس له قيمة لا عند الناس ولا عند إدارة الجامعة، ولا عند الطالب نفسِه، فالله تعالى:
﴿لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً﴾
لكن هذا الهُدى لا يُقَدِّم ولا يؤخِّر ولا يرفع عند الله عز وجل، فهذا المؤمن لا بد أن يعرف أنَّ لو القَضِيَّة قضِيَّة إجْبار لأجْبَر الناس على الهُدى، لكنّ هذا الإجبار لا يُسْعِدُهم ولا يجعلهم يَرْقَون، فالذي يجْعلهم يَرْقَون مُبادرتهم إلى الهُدى الذاتِيَّة، والإنسان بالخِيار يُقَيَّم عملُه.
إذًا خَرْقُ القوانين من دون أن تطلب الحقيقة من الداخل لا ينفع، فإذا أراد الإنسان الهُدى يمكن لِكأس الماء أن يوصِلُهُ إلى الله، وابنُهُ في البيت الذي يعلم أنَّه كان نقطة ماء وأصبحَ إنسانًا يتكلَّم ويضْحك وفيه قلب ومرارة وكبد وبنكرياس وكلية، وعضلات وأعصاب وعِظام وجلد وشعر، الكون وَحْدَهُ مُعْجِز، ورَدَ في الأثر: حَسْبكم الكَون مُعْجِزَة، فإذا كان بين الأرض والشمس مائة وستٌّ وخمسون مليون كيلومتر، وتكبر الشمس الأرض بِمِلْيون وثلاثمائة ألف مرَّة، ونجم العقرب يتَّسِعُ للشمس والأرض مع المسافة بينهما، فالأرض مثلاً تُسقى بِماء واحِد، وهذا فجل وذاك جزر، قال تعالى:
﴿يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (4)﴾
[سورة الرعد]
تفاح وبصل وموز وخيار، وفلفلة، وذكر لي صديق أنّ حقل بطيخ كان له شهرين وهو يأخذ منه، فقلتُ في نفسي: لو كان البطيخ كالتُّفاح ! ماذا نفعَل به ؟ نَرْميه، فَحِكْمَةُ الله شاءَت أن ينضج كلّ يوم قسمٌ، فسألْتُهُ كيف تختار التي نضَجت من غيرها، فالكل أخضر ؟ قال لي: الله تعالى جعَلَ حلَزون إلى جانب البطيخة تمسِكُه فإذا انْكَسَر كان دليل على أنَّها نضَجَت، وإن لم ينكسِر كان دليل عدم النُّضْج، قال تعالى: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ(16)﴾
[سورة النمل]
والله تعالى قال: ﴿فَلْيَنْظُرْ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ(24)أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا(25)﴾
[سورة عبس]
ثلاثة آلاف نوع قمْح بالعالم، وهو مادَّة أساسيَّة ينبت بِكُلّ الفُصول والله تعالى رحمةً بنا الأشياء التي هي من القوت تنضج بِيَوم واحِد، أما التفاح والمشمش والكمَّثرى هذه تنضج تِباعًا ؛ هذه كلُّها آيات دالة على عظمة الله عز وجل.
المُلخَّص أنَّ الكون بِوَضْعِهِ الحقيقي، وبِسَمائِهِ وأرْضِهِ، وبِمِياهِهِ وينابيعِه، وخلق الإنسان والحيوان وحْدَهُ يدلّ على الله، ولكنَّ خرْق الكون إذا لم يكن هُدى لا يفيد شيئًا، قال تعالى:
﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآَناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً أَفَلَمْ يَيْئَسِ الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (31)﴾
[سورة الرعد]
فلو كان هذا يَحْمِلُهم على الهُدى لفعَلَهُ الله، ولكن لا يفيدهم !
قال تعالى:
﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾
[سورة الرعد]
الكفار مطلوبون من قبَلِ الله، قال تعالى:
﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (31)﴾
[سورة الرعد]
كل الخَلْق خلقَهم لِيَرْحمهم ولو كفروا، وحتى الكافر، يسوق له من الشدائد ما يحْملهُ على الهُدى، وأنا أقول: تسعين بالمائة من الذين اهْتَدَوا على أثر تربيَة إلهِيَّة وحكيمة ؛ إما أن يُخيفَهُ أو يُمرِضُه.
آيتُنا فيها ثلاثة نِقاط أساسِيَّة ؛ الكَون بِوَضْعِهِ الراهِن هو المُعْجِزَة، ولو انَّ الله تعالى أراد أن يَهْدِيَ الناس جميعًا هُدى قَسْرِيًّا يسْلبهم اخْتِيارهم لَفَعَل ولكن هذا لا يُسْعِدُهم، والشيء الأخير أنَّ الخَلق كلهم مَطْلوبون عند الله عز وجل، لذلك حتى الكفار كما قال تعالى:
﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (31)﴾
[سورة الرعد]
لذا علينا أن نُفَكِّر في الكون كي نَتعرَّف إلى الله، وأن نأتِيَ الله مُخْتارين، وإذا قصَّرْنا يُرَبِّينا الله.



والحمد لله رب العالمين



 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 03-05-2018, 01:18 PM   #107


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: تفسير سور القران الكريم كاملا



بسم الله الرحمن الرحيم


سورة ابراهيم (14 )

الدرس الاول



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة المؤمنون، يقول الله تعالى في سورة إبراهيم في الآية الخامسة: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (5)﴾
[سورة إبراهيم]
في هذه الآية كلمتان هما مركزا الثِّقل فيها ! أيام الله ما تفسير أيام الله ؟ وهل في حياة كل مؤمن أيامٌ لله عز وجل ؟ يقول عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: ((أحبوا الله لما يغدوكم به من نعمه، و أحبوني بحب الله، وأحبوا آل بيتي بِحُبِّي..." ))
فالإنسان حتى يمتلأَ قلبُهُ بِحُبِّ الله ؛ هناك فِعْلٌ إرادي وهو أن يُذَكِّر نفسه بِأيام الله، فما هي أيام الله؟ اليوم الذي نجاه الله من مُشْكلة مُحَقَّقة، اليوم الذي يسَّر الله له الزواج من تلك المرأة الصالحة، واليوم الذي بنى في البيت، واليوم الذي شفاهُ الله من هذا المرض الخطير، واليوم الذي نجاه الله من هذا العدوّ الشرير.
لا يوجد مؤمن إلا وفي أيامه عشرات بل مئات الأيام التي أكْرَمَهُ الله بها، قد ينجحُ في امْتِحان صعب، قد ينال درجَةً عِلْمِيَّة عالِيَة، قد يُوَفَّقُ في وظيفةٍ جيِّدة، قد يشتري بيْتًا بِسِعْرٍ مُعْتَدِل فإذا به الآن هذا البيت بالمَلايين، قد يُؤَسِّس عمَلاً تِجارِيًّا يتنامى، قد يلوحُ له شبَحُ مُصيبة يُنَجِّيهِ الله منها، قد يَمْكُر به عدُوّ خصِم فَيُدافِعُ الله عنه، لا يوجد مؤمن إلا وفي أيامه أيام، هذه الأيام سمَّاها الله أيام الله، قال تعالى:
﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾
[سورة إبراهيم]
والإنسان تفتر هِمَّتُهُ، ويضعفُ إيمانُهُ وتضْعف صِلَتُهُ بالله عز وجل، عليه أن يذكر أيام الله، فأيام الله بالنِّسْبة إلى قَوْمِ موسى يومَ أنْجاهُم من فِرْعَون، كان يُذَبِّحُ أبناءَهم ويسْتحيي نِساءهم كما قال تعالى، وأيام الله بالنِّسْبة إليك تختلف من كلّ واحِد بالنِّسبة لِحياتِه، فلَعَلَّ زواجَهُ مِن أيام الله، ولعلّ سُكْناهُ في هذا البيت مِن أيام الله، ولعلَّه لما الْتقى بهذا الإنسان في المسجد كان هذا اللِّقاء يومًا من أيام الله، ولعلَّه يوم قرأ هذه الآية يوم من أيام الله وتعرَّف إلى الله معرِفَةً لم يكن يعرفها من قبل، فالإنسان كلَّما ضعُفَت هِمَّتُه وضاقَت نفْسُهُ، وصلته بالله عز وجل بِإمكانِهِ أن يُذَكِّر نفْسَهُ بِأيام الله.
قال تعالى:
﴿ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا(113)﴾
[سورة النساء]
هذه للنبي عليه الصلاة والسلام، وهي لِكُلّ مؤمن، ألَسْتَ الآن مَوجودًا ؟! فأنت الآن بِنِعْمة قد لا تعرفُها، وهي نِعْمة الإيجاد، أنت كائِن موجود، لماذا أوْجَدَك الله تعالى ؟ لِيَرْحَمَكَ، قال تعالى:
﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾
فأنت تتمتَّع بِنِعْمة عُظمى وهي أنَّك مَوجود.
ألم يمدّك الله بالصِّحة ؟ ألم يمدّك بالمال ؟ ألم يُهيِّء لك مأوًى تأوي إليه مساءً ؟ أليْس َلك زوْجة ؟ أليْس لك أولاد ؟ أليس معك قوت يومِك ؟ هذا مِن نِعَم الله عز وجل، لذلك نِعْمة الإيجاد، ونِعْمة الإمْداد ونعمة الهُدى والرَّشاد، بل إنّ نعمة الهُدى والرَّشاد هي أكبر نعمة على الإطلاق، لذلك حينما تقرأ في الفاتحة قوله تعالى:
﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ(6)﴾
[ سورة الفاتحة ]
إذا كنتَ فِعْلاً على الصراط المستقيم، ويسبق هذا معرِفَة الربّ الكريم، فهذه نِعْمَةٌ لا تعدلها نعمة، لن تعرف قيمة الهُدى إلا إذا رأيْتَ الضلال، والعقيدة الزائِغَة، والسُّلوك المنحَرِف، وشرب الخَمر، والعُدوان على الأعراض، لن تعرفها إلا إذا الْتَقَيْتَ مع أشْخاصٍ تائِهين شاردين مُعَذَّبين وأشْقِياء بِبُعْدِهم عن الله عز وجل.
قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ(46)﴾
[ سورة الزخرف ]
سؤال الآن ! لماذا الظلمات جمْع والنور مفرَد ؟! لِمَ لَمْ يُجمع النور ؟ أو أن يأتي لفظ الظلمات مفردًا ؟ قال: لأنّ الباطل يتعدَّد، لكنَّ الحقّ واحِد، هناك ضلالات فِكْرِيَّة وسُلوكِيَّة، وظلمات المعاصي، وظلمات الشِّرْك وظلمات أكْل المال الحرام، فَكُلّ مَعْصِيَةٍ هي ظُلْمَة إن أخْرَجْتَ يَدَكَ لم تَكَد تراها ! ظُلمات ؛ الغَفْلَة ظلمات والظُّلْم، وهدم حُقوق الناس وأن تعْتَقِد عقيدَةً زائِغَة ظُلمات، أما الحق فلا يتعَدَّد وهو واحِد، فلو الْتَقَيْتَ مع أهْل الحق في الأرض كلِّها فلن تجِدَ فرْقًا واحِدًا بينك وبينهم ؛ فالمبادئ والأهداف هِيَ هِيَ، وكذا الانْضِباط والعِفَّة والصِّدْق والأمانة والرَّحمة، وخِدْمَة الآخرين، النور واحِد.
ثمَّ قال تعالى:
﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾
[سورة إبراهيم]
لذلك قال الشاعِر: كُنْ عَن هُمومِكَ مُعْرِضًا وَكِلِ الأمور إلى القضا
وابْشِر بِخَيْرٍ عاجِـــلٍ تنْسى به ما قدْ مضـى
فَلَرُبَّ أمْرٍ مُسْخِــــطٍ لك في عواقِبِه رِضـا
ولَرُبَّما ضاق المضــيق ولرُبَّما اتَّسَع الفضــا
الله يفْعَلُ ما يشــــاء فلا تكن مُعْتَرِضـــا
الله عَوَّدَكَ الجميــــل فَقِفْ على ما قد مضى
***
المؤمن أيها الإخوة ربَّاني، معنى ربَّاني أي أنَّ علاقته بِرَبِّهِ طيِّبَةٌ جدًا أساسُها طاعَتُهُ وعملُهُ الصالِح، وأساسُها خِدْمَتُهُ للخَلْق، طاعتُهُ لله وعملُهُ الصالِح، تَجعل هذه الأعمال كلُّها علاقة المؤمن بالله تعالى طيِّبَة، يحبُّ الله عز وجل ويُحِبُّ خلْقَهُ، ويحبُّ خِدْمَتَهُم والدَّمْعة مِن على خُدودِهم، ويرسُم البَسْمَةَ على أفْواهِهِم، أساس حياتِه العَطاء وليس الأخْذ، أما الكافر فحياتُهُ يَبْنيها على الأخْذ، يمصّ الناس، ويأخذ الأموال بالحيلة والقَهر، فالمؤمن لا يُسْعِدُهُ إلا العطاء من مالهِ ووقْتِهِ وجُهْدِهِ وصِحَّتِهِ وخبرته ومكانَتِهِ، وكلَّما بالغَ في العَطاء أكْرَمَهُ الله تعالى بالسَّعادة، وألقى على قلبِهِ السَّكينة، لذلك يقول الإنسان أثناء الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام: اللهمّ صلِّ على أسْعَدِنا محمّد لأنَّه صلى الله عليه وسلَّم جاء الحياة فأعْطى ولم يأخذ، والطُّغاة أخَذوا ولم يُعْطوا، والأنبياء أعْطَوا ولم يأخذوا، ونحن نأخذ ونُعْطي، لذلك يا مَن جئتَ الحياة فأَعْطَيت ولم تأخذ، ويا مَن قدَّسْتَ الوُجود كلَّه ورعَيْت قضِيَّة الإنسان، ويا مَن زكَّيْتَ سِيادَة العَقْل، ونهنسْت سيادة القطيع، ويا مَن هيَّأك تفَوُّقك كي تكون واحِدًا فوق الجميع فَعِشْتَ واحِدًا بين الجميع، دخل عليه عمر وهو صلى الله عليه وسلم مُضطجِع على حصير، وقد أثَّر على خدِّه الشريف فَبَكى عُمَر، فقال: لمَ تبْكي يا عمر ؟ فقال: رسول الله ينام على الحصير، وكِسْرى ملِكُ الفرس ينام على الحرير، فقال:
((يا عمر: إنَّما هيَ نُبُوَّة ولَيْسَت مُلْكًا ))
فكان إذا سقى القوم كان آخرهم شُرْبًا، وإذا جلسَ جلسَ حيث ينتهي به المَجْلِس وكان إذا دَخَلَ عليه مَن لا يعْرِفُهُ ينظر ويقول: أيُّكُم محمّد ؟ لا علامة تدلّ عليه من بين أصْحابِهِ، كان مُتَوَاضِعًا عليه الصلاة والسلام، ولماذا أحَبَّهُ أصْحابُه هذا الحبّ الذي لا يوصَف ؟ يقول: ما رأيْتُ أحدًا يُحِبّ أحدًا كَحُبّ أصحاب محمدٍ مُحَمَّدًا ! وقع أحد الصحابة في قبْضة قُريش، وأرادوا صَلْبَهُ وقتْلهُ، اسمُه خبيب ابن عديّ، سأله أبو سفيان: أَتُحِبُّ أن يكون محمّد مكانَكَ ؟! وأنت مُعافًى في بيتِك ؟ اُنظروا ماذا قال هذا الصحابي وهو على وشك الموت: والله ما أُحِبُّ أن أكون في أهلي، وولدي، وعندي عافِيَة الدنيا ونعيمُها، ويُصابُ رسول الله بِشَوْكَة ! هكذا أحبّ أصْحابُ النبي عليه الصلاة والسلام محمَّدًا صلى الله عليه وسلَّم، عندها قال أبو سفيان: ما رأيْتُ أحدًا يُحِبّ أحدًا كَحُبّ أصحاب محمدٍ مُحَمَّدًا !
ونحن أيُّها الإخوة، إن لم نتعاوَن، ويحبّ بعضنا بعضًا، خدمنا بعضنا بعضًا، والله في عَون العَبد ما كان العَبْد في عَون أخيه، ومَن نفَّس عن مُؤمنٍ كربَةً نفَّس الله عنه كُربَةً مِن كُرب يوم القيامة، لذلك إذا أردْتَ أن تكون سعيدًا فأسْعِدِ الناس، قرأتُ كلمة في مجلَّة أربع كلمات: إذا أرَدْتَ أن تسْعَدَ فأَسْعِدِ الآخرين تكن أنت أسعدهم، أكْرِمهم وأعْطِهِم من وقتك وصِحَّتك ومالِك.
إذًا قال تعالى:
﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (5)﴾
[ سورة إبراهيم ]
مِحْوَر درسنا اليوم ؛ أيَّام الله، يومٌ نجَّاك الله مِن عَدُوّ، ويوم يُسِّر لك فيه شِراء بيْت، والزواج ورزق أولاد، وأعطاك درجة عِلْمِيَّة، فَكُلَّما ضاقَتْ نفْسُك واضطرب فُؤادُك، وفتُرت عبادك ذَكِّر نفْسَك بِأَيام الله كما أمرَ الله سيِّدنا موسى وقومه بني إسرائيل.


والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 03-05-2018, 01:21 PM   #108


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: تفسير سور القران الكريم كاملا



سم الله الرحمن الرحيم


سورة ابراهيم (14 )

الدرس الثانى




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة المؤمنون، الإنسان يميل إلى أن يُحَمِّل أخطاءَهُ للآخرين فالإنسان يَحْتَجّ أنَّ البيئة سيِّئَة، والمُجْتَمَع فاسِد، والشَّيْطان وَسْوَس وزَوْجَتُهُ ضَغَطَتْ عليه ! فَحينما يتبرَّأ مِن ذَنْبِهِ، ويُلْقي التَّبِعَة على الآخرين، يكون قد ضلَّ ضلالاً بعيدًا، فربُّنا عز وجل في الآية الثانية والعشرين من سورة إبراهيم يُحَدِّثُنا عن الشَّيْطان، وكيف أنَّ هذا الشيطان ليس له على بني آدمَ سُلطان، أما أن يقول الإنسان: لَعَنَ الله الشيطان، والله يخزيه فهو الذي وَسْوَس لي، ودفعَني إلى هذا العَمَل هذا كلام لا معنى له إطلاقًا.
يقول الله عز وجل:
﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ﴾
[ سورة إبراهيم ]
أي أنَّ الله جلّ جلاله حَكَمَ بين الخلائِق ؛ فريق إلى الجنَّة، وفريق إلى السعير، ففي الدنيا هناك تصانيف كثيرة ؛ أغْنِياء وفقراء، أقْوِياء وضُعَفَاء، وأصِحَّاء ومرْضى، مِن الشرق الذي يُؤمن بالجماعة، وبالغرب الذي يُؤْمِن بالفَرْدِيَّة، وهذا أصلُهُ سامي، وذاك آمي، وبيض وسود وطبقة كادِحَة وطبقة وُسْطى وطبقة أرستقراطِيَّة ؛ هذه التَّصْنيفات تنتهي في النِّهاية إلى صِنْفَيْن مؤمنٍ وكافر، ومُتَّصِل ومُنقَطِع، مُحْسِنٍ ومسيء وصادِق وكاذب، ووفِي وخائِن، رحيم وقاسٍ، فالمؤمن مُصَدِّق بِرَبِّهِ ومُتَعَرِّف إلى منهَج ربِّه، ومُتَّصِف ومُنضَبِط، ورحيم ومُحْسِن ومُنْصِف، أما الكافر فَمُكَذِّب ومَقْطوع ومُتَخَلِّف ومُسيء ؛ فريق إلى الجنَّة وفريق إلى السَّعير، فحين يُقْضى الأمْر ويُساق كلّ الناس إلى مصيرِهم الأبَدِي، ما معنى أبَد؟! قد نقولها ولا نعرف معناها ! معنى اللانِهاية لو تصَوَّرْت أكبر رقم وقسَّمْتَهُ على ما نِهايَة تكون النتيجة صِفْر، ما معنى خالدين فيها أبدًا ؟ معنى ذلك لو أنَّ الإنسان عاشَ سنَةً أو مائتان أو ألف سنة ومليون سنة، ومليار مليار...حتى ينقطِعَ النَّفَس لو قِسْتَ هذا بالآخرة ؛ فما عاش شيئًا ‍! لذا الإنسان لما يكفر بالله عز وجل أتدْرون ماذا خَسِرَ ؟ خسِرَ الأبد، وهذه هي الخَسارة الأبَدِيَّة قال تعالى:
﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ(21(﴾
[ سورة هود ]
قد يحترق محلّ فيَقُول الناس: هذه خَسارة ! لا، هذه ليْسَتْ خَسارة، فقد يكون هذا سبب الهِدايَة، فالخسارة قد تكون سبب الهِدايَة في الدنيا، أما الخَسارة الحقيقيَّة أن تَخْسَر الأبَدَ، قال تعالى:
﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا(103)﴾
[ سورة الكهف ]
لذا يقول الإمام عليّ رضي الله عنه: الغِنَى والفقْر بعد العَرْض على الله فالغِنى أن تدْخل الجنَّة، والفقْر أن تُحْرَمَ منها، والغِنى غِنى العمل الصالِح، والفقْر فقرُكَ من الأعمال الصالِحَة، ألم يقُل سيِّدنا موسى حينما سقى بنتي سيِّدنا شُعَيْب: ﴿ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ﴾
لماذا هو فقير ؟ للأموال الطائلة والأجْنبِيَّة وغير المنْقولة للعقارات... فالعمل الصالح هو الشيء الرابح يوم القيامة.
ربنا عز وجل يقول:
﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ﴾
[ سورة إبراهيم ]
قال تعالى:
﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمْ اقْرَءُوا كِتَابِي(19)إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِي(20)فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ(21)فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ(22)قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ(23)كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ(24)﴾
[ سورة الحاقة ]
ظنَّ هنا بِمَعنى أيْقَنَ، وحينما كنتُ في الدنيا علمْتُ أنَّ هناك يوم آخر وهناك جنَّة إلى الأبد ونار إلى الأبد، قال تعالى:
﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِي(25)وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِي(26)يَالَيْتَهَا كَانَتْ الْقَاضِيَةَ(27)مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِي(28)هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِي(29)خُذُوهُ فَغُلُّوهُ(30)ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ(31)ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ(32)إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ(33)وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ(34)﴾
[ سورة الحاقة ]
هذا اليوم المُخيف، والذي إن غَفَلَ عنه الإنسان فَهُوَ أحْمَق، هو يوم الحِساب والدَّيْنونة والجزاء، اِعْمَلوا ما شئْتُم فكلّ شيء مكتوب، قال تعالى:
﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمْ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ(181)﴾
[ سورة آل عمران ]
ردَّ عليهم الله وقال:
﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا﴾
فالإنسان إذا أَيْقن أنَّ كلّ ما فعَلَهُ مُسَجَّل شيء مُخيف، ففي أوروبا يضَعون جهاز تَصْوير لِمَن يُخالف قوانين السَّيْر ويعمل ليل نهار، فإذا الواحِد أيقَنَ أنَّه هذا الشارِع مُراقب بالرادار لن يُسْرِع، فالإنسان إذا أيْقَنَ أنَّ الله تعالى رقيب عليه انتهى الأمر.
قال تعالى:
﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ﴾
[ سورة إبراهيم ]
ضَحِكْتُ عليكم قال تعالى:
﴿إِنَّمَا ذَلِكُمْ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ(175)﴾
[ سورة آل عمران ]
فالشَّيْطان يُخَوِّفُك ويَعِدُكَ الفقْر، قال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ﴾
[ سورة إبراهيم ]
خالق الكون يؤَكِّد لك في ثمان آيات في كتابه، قال تعالى:
﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ(39)﴾
[ سورة سبأ ]
وعدك بالتَّعْويض ووعدَك بالنَّصْر قال تعالى:
﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ(139)﴾
(سورة آل عمران )
وقال تعالى:
﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا(141)﴾
[ سورة النّساء ]
فالشَّيْطان يُخَوِّفُك ويَعِدُكَ الفقْر.
قال تعالى:
﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾
[ سورة إبراهيم ]
هذه الآية تكفي، وما وَجَدْتُ مثلاً يُوَضِّحُ هذه الآية كالمَثَل التالي: إنسان يلبس بدْلة أنيقة ثمنها ثمان مائة ألف، وإذا به يصطدم بِبِرْكة، فيذْهب للشرطة يشْتكي، فإن قيل له: مَن الذي دَفَعَك ؟ يقول لا أحد، وهل مِن أحد رماك هناك ؟ فيقول: لا، فيقولون له: مَن إذًا ؟ فيقول: قال لي أحدهم اُدخل في هذه البركة ‍‍‍‍!! بِرَبِّكم ألا يُعْتَبَرُ هذا مَجنونًا، قال تعالى:
﴿فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾
[ سورة إبراهيم ]
لذا لا يقل الإنسان: لعن الله الشيطان فهو الذي أغواني !! فالشيطان لا علاقة له ولا سلطان له عليك، وليس له أن يفعل بك شيئًا، لكنَّه يَمْلِك أن يُوَسْوِسَ لك، قال تعالى:
﴿وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾
[ سورة إبراهيم ]
كلام خالق الكون، قال تعالى:
﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْغَاوِينَ(42)﴾
[ سورة الحِجر ]
أنت يكفي أن تقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وانتهى الأمر، قال تعالى:
﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنْ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(200)﴾
[ سورة الأعراف ]
قال تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنْ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ(201)﴾
(سورة الأعراف)
قال تعالى:
﴿فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾
[ سورة إبراهيم ]
مُلَخَّص الآية أنَّ الإنسان مسؤول ولا يتوهَّم أنَّ هذا لا علاقة له فيها ؛ يقول لك: البيئة والمُورِّثات، والضّغوط والأشرة والمُجتمع، لا تستطيع أن تدَّعي هذا الكلام لأنَّك حرّ، ومتى اسْتَعْبَدْتُم الناس وقد وَلَدَتهم أُمَّهاتهم أحْرارًا ورِزْقك وحياتك بيَدِ الله وحْدهُ، وكلمة الحق لا تقطع رِزْقًا ولا تُقَرِّب أجلاً، ولما الإنسان يُحجِم عن طاعة الله من أجل إنسان قويّ فهذا فهْمٌ سقيم، والأمر كلّ بيَدِ الله، إلهٌ يَدَعُكَ لِخَلْقِهِ ويقول لك: اعْبدني فلو أوْكَلَ أمرَكَ إلى الخلق لما اسْتَحَقَّ العبادة، وما معنى لا إله إلا الله ؟ لا مَعْبود بِحَقٍّ إلا الله، ومَن هو المَعْبود ؟ الذي يخلق ويُميت، ويعطي ويَمْنَع، ويعزّ ويذِلّ، ويرفع ويخفض، فهذه الآية أساسِيَّة في موضوع الشيطان، فلا أحد يَحْتَجّ بالشيطان، لأنّ لا علاقة له، اِلْعَنْهُ وتعوَّذ منه ولكن لا تجْعلْهُ السَّبب، فلو لم تكن هناك رغْبة مُمَاثِلَة لما فعَلْتَ ما أمرَكَ به.


والحمد لله رب العالمين







 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 03-05-2018, 01:23 PM   #109


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: تفسير سور القران الكريم كاملا



بسم الله الرحمن الرحيم


سورة ابراهيم (14 )

الدرس الثالث



يها الأخوة الكرام، الآية الرابعة والعشرون من سورة إبراهيم وهي قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25)﴾
[ سورة إبراهيم ]
قبل بِعْثة النبي عليه الصلاة والسلام كيف كانت الجزيرة العَرَبِيَّة ؟ تموج بالفَوْضى والفِتَن والزنا والخمر والربا والإقلال والتَّناحر والبغْضاء ؛ مُجْتَمَعٌ بلَغَ من الجاهِلِيَّة ما يوصَف.
جاء النبي عليه الصلاة والسلام ؛ لماذا جاء النبي ؟ هل جاء بِصاروخ ؟ هل جاء بِمُخْتَرَع ؟ كلمة طيِّبَة، قال عليه الصلاة والسلام: ((الكلمة الطيِّبة صدقة..." ))
ربنا جل جلاله يقول:
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾
[ سورة إبراهيم ]
معنى طيِّبةً أي صادِقَةً وتُعَبِّر عن واقِع وليس خيال والطِّيبُ في الكلام يعني الإخلاص، ويَعْني الصِّدْق، والصِّدْق يعني أن يأتي الكلام مُطابِقًا للواقِع، بِماذا جاء الأنبياء ؟ بِكَلِمَة، لكنَّها طيِّبَة ؛ فيها إخْلاصهم للبَشَرِيَّة جمْعاء، وفيها صِدْقهم الذين يُعبِّرون به عن الواقِع، والله عز وجل شبَّه هذه الكلمة الطيِّبَة كشَجَرةٍ طيِّبَة، ولنَضْرِب على ذلك شَجَرة التِّين مثلاً ؛ هذه الشَّجرة أصلها بذرة وتحمل آلاف الثِّمار، وفي كلّ ثمرة آلاف البذور، فلو أرَدْتَ أن تأخذ كل ثِمار هذه الشَّجَرة، وان تأخذ كلّ بُذور هذه الثِّمار وأن تُحَوِّلَها إلى أشْجار وأنا أعْتَقِد أنَّ شَجَرَةً واحِدَة يمكن أن تصْنع غابة من الشِّجار، فالله تعالى شبَّه هذه الكلمة الطيِّبَة كشَجَرةٍ طيِّبَة.
دُعيتُ مرَّةً إلى تَعْزِيَة فألْقَيْتُ كلمَةً، وكان الحُضور عدد كبير، وأحد هؤلاء الحُضور جاءتْ كلمتي مُناسبة تمامًا معه فاصْطَلَحَ مع الله وتاب من فَوْرِهِ، وكان سببًا في هِدايَة بِضْع عَشَرات مِن أصْدِقائِهِ ؛ كلمة واحِدَة، لذا أيها الأخوة لا يبْخَل أحدكم بالكلمة، تتكلَّم كلمةً تقع في موقِعِها الصحيح، وقد يكون المُسْتَمِع تائِه وشارِد، وفي حَيْرَة وشَقاء، فقد تأتي كلمتُكَ بلْسَمًا له، فإذا اهْتَدى أقام الإسلام في بيتِهِ، وإذا أقامَهُ عملِهِ، وإذا اهْتَدَى جدعا إليه، وألَّم شَمْلاً كبيرًا بِهذه الكلمة، ولا ينسى أحدكم قَول النبي عليه الصلاة والسلام: ((لأَنْ يَهْدِيَ الله بك رجُلاً واحِدًا خير لك من حمر النعم..." ))
ما هي الدنيا ؟ تجد محلاًّ صغيرًا المتر مائة وخمسون متر، إن شاء الله كل المدينة وكل السوق والشركات ؛ الكلمة الطيِّبَة خير لك من الدنيا وما فيها، والأنبياء جاءوا بِكَلِمَة، وكذا النبي عليه الصلاة والسلام جاءوا بِكَلِمَة طيِّبة هي كلام الله، وسُنَّتُه، فَبِهذه الكلمة الطَيِّبَة الخالصة الصادِقَة قلَبَ وَجْهَ الأرض في رُبْع قرن، والإسلام وصَل إلى الصِّين، وإلى إسبانيا وأذربيجان وغطَّ مساحاتٍ شائعة رُفِعَت فيها كلمة الله عز وجل، وأنت كلمة طيِّبة أحْيانًا لِجارِك وأصْدِقائِك ولابنِك ولأخيك ؛ هذه الكلمة قد تأتي في الوقت المناسب وتفعلُ فِعْل السِّحْر في قلبِهِ، ويهْتدي ويهدي آلافًا كلّهم في صحيفَتِك، قال تعالى:
﴿ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) ﴾
[ سورة إبراهيم ]
لكنَّ الكلمة الطيِّبة تستند إلى واقِع وإلى أُسس، فالآن أيّ مذْهب وَضْعي بعد حينٍ يظْهر خطؤُهُ، وبعد حين ينْهار ويُصبح مصْدر سُخرِيّة لأنَّ لا أصل له ثابت، أما هذا القرآن فَهُوَ كلام خالق الكون، ومن أصدق من الله حديثًا.
قال تعالى:
﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾
[ سورة إبراهيم ]
فأنت قد تهدي الواحد، والواحد قد يهْدي عشرة، والعشرة مائة والمائة ألف ويوم القِيامة تُحْشر أمَّة، وما معنى قول الله تعالى:
﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ(120)﴾
[ سورة النحل ]
فالأب يبقى ذِكْرهُ عشرات السِّنين في قلوب أبنائِه إذا مكَّنَهُ الله تعالى أن يُرَبِّيهِم التَّرْبِيَة الحسَنَة، يموت ويبقى ذِكْرهُ عَشَرات السِّنين تجده يقول: أبي رحمه الله هكذا نصَحَنا، وأبي عوَّدنا هكذا، وعلى الصِّدْق وعلى الصلاة في وقتِها، فالأب توفي وبقِيَ عمله في أولاده عَشَرات السِّنين بل مئات السِّنين، أنا لا أريد أن يبقى الإنسان مُسْتَمِعًا، وأن يبقى مُتَلَقِّيًا ومُسْتَمِعًا، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: ((بلِّغوا عنِّي ولو آية..."))
لا يوجد مِنَّا مَن لا أهْل له، ولا جيران له، ولا زملاء، ألا يجْلس مع أولادِهِ ؟ ألا يزور بنْتَهُ ؟ أليس له أصْهار ؟ لا يوجد مَن يعيش لِوَحْدِهِ، هؤلاء الذين معك عمَّا تتحدَّثون ؟ عن الأسْعار والأمور العامَّة، لا تزيدُنا إلا انْقِباضًا ! حدِّثْهم عن ربِّهم وعن أخلاق نَبِيِّهِم وعن معاني كِتابهم، وعن أخلاق صَحابَة رسول الله صلى الله عليه وسلَّم فَلَعَلَّ هذه الكلمة تَصْنَعُ أُمَّةً، فالنبي الكريم عليه الصلاة والسلام جاء بِكَلِمَة طيِّبة، ولكن مرَّة ثانِيَة الكلمة الطَّيِّبَة هي الكلمة الصادِقَة ومعنى صادِقَة: هي الكلمة الواقِعِيَّة المُسْتَنِدَة إلى الواقِع، فَعَظَمَةُ الأنبياء مِن أين أتَتْ ؟ أنَّهم ما تكلَّموا كلِمَةً إلا طبَّقوها في حياتِهم، ولا يمكن أن يرى الإنسان مسافَةً بين أقْوالهم وأفْعالهم ؛ هذه معنى طيِّبَة الصادِقَة المُخْلِصَة تَفْعَل فِعْل السِّحْر في المجتمع، أما الكلمة غير الصادِقَة فَهِيَ تَسْتَدْعي السُّخْرِيَة، والانْتِقاد، أما الكلمة الطَيِّبَة كالشَّجرة الطَّيِّبَة أصلها ثابت وفرعها في السماء تُؤتي أُكُلَها كلّ حين، والله هناك آلاف القِصص عن إنسان تَكَلَّم كلِمَةً واحِدَة، فأنا الْتَقَيْت رجلاً يزيد سِنُّهُ عن السِّتِّين، فقال لي: كنتُ بالابْتِدائي وكان لي معلّم صالح بالابْتِدائي، فغاب يومًا عن المدرسة وذهب إلى السينما فالمُعَلِّم ضيَّقَ عليه، واسْتَدعى أولياءهُ فإذا الولد بالسينما، قال لي: ذكر الأستاذ كلمات والله لا أنساها حتى الآن، وما تركْتُ الصلاة حتَّى الآن، فأنت لا تدع الكلمة الطيِّبة للجار وللصاحب والابن والمُوَظِّف بيِّن له طريق الحق واتْلُ عليه آيةً، الكلمة الطَيِّبَة كالشَّجرة الطَّيِّبَة أصلها ثابت وفرعها في السماء، معنى أصلها ثابت أيْ مَبْنِيَّة على الواقِع، والواقِع هو الحق الذي لا يتغَيَّر ولا يتبدَّل، فالحق حق والباطل باطل، تُؤتي أُكلها حين ؛ فَوُكَلاء الشركات أحيانًا وهو جالس في مَكْتبِهِ يأتيه فاكس يقول: ثلاثين ألف دولار بِضاعة اِشْتَراها، فهذا في الدنيا إذا كنتَ وكيلاً فكل بيعة يبيعونها لك فيها حِساب.
قال تعالى:
﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25) ﴾
[ سورة إبراهيم ]
الشيء الغريب أَّن الله تعالى يقول بعد هذا:
﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ ﴾
[ سورة إبراهيم ]
كلمة تَدعوا إلى المعْصِية، وإلى الإباحِيَّة، والمُتْعَة التي لا تُرضي الله عز وجل، وإلى الفرقَة وعلى إنكار وُجود الله، تُبْنى على العِلْمانِيَّة، الدِّين باطل وخُرافة، ومشاعر في الإنسان الضعيف، هذه الكلمة تجد لها شُعوب بالهِند أربعمائة وخمسون مليون يعبدون بوذا من دون الله، هذا هو شأن الكلمة إن كانت طيِّبَة تنتشِر، وإن كانت خبيثة تنتشر، فالكلمتان اتَّفقتا في سرعة الانْتِشار، لكنَّ الله تعالى قال عن الكلمة الخبيثة:
﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ﴾
[ سورة إبراهيم ]
لا بدّ مِن أن تنْهار وتَسْقط، وكل مبْدَأ وَضْعي قام على الباطل فلابدّ أن يَنْهار ويسقط، والآيات التي نراها كلَّ يوم خير شاهِدٍ على ذلك، انْهارَتْ الدَّعَوات الباطلة كما ينْهار بيت العنكبوت، قال تعالى:
﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (26) ﴾
[ سورة إبراهيم ]
قال تعالى:
﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (27)﴾
[ سورة إبراهيم ]
وهو القرآن، زوال الكون أهْوَنُ على الله أن لا يقَعَ وعيدُهُ، فلما تقرأ قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(97)﴾
[ سورة النحل ]
هذا وَعْد إلهي، ولما يقول لك الله تعالى:
﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ(276)﴾
[ سورة البقرة ]
فلما تُطَبِّق منهج الله قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا(9)﴾
[ سورة الإسراء ]
وقال تعالى:
﴿ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا(141)﴾
[ سورة النساء ]
تطمئِنّ للقول قال تعالى:
﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (27)﴾
[ سورة إبراهيم ]
درسنا اليوم الكلمة الطَّيِّبَة والمُخْلِصَة والصادِقَة والواقِعِيَّة، فهذه تفْعل كلّ شيء، وقد جاء الأنبياء بهذه الكلمة، ولن نحتاج أكثر من كلمة طيِّبة وناصِعَة، وإخلاص في إلقائِك، وواقِعِيَّة في تَصْديقك، وعلى الله الباقي.



والحمد لله رب العالمين







 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 03-05-2018, 01:24 PM   #110


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: تفسير سور القران الكريم كاملا



بسم الله الرحمن الرحيم


سورة ابراهيم (14 )

الدرس الرابع




أيها الأخوة الكرام، الآية الكريمة السابعة والعشرون من سورة إبراهيم عليه السلام، وهي قوله تعالى:
﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (27) ﴾
[ سورة إبراهيم ]
هذا هو الفرق بين الحق والباطل، فالحق ثابت والباطل مُتَغَيِّر أو زائِل، والقول إذا كان حقًّا فهو ثابت، والمؤمن أحد أكبر سعادَتِهِ أنَّهُ شكَّل حياته وِفْق الحق، كما قال الله عز وجل:
﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(109)﴾
[ سورة التوبة ]
فلو أسَّس الواحد بُنيانَهُ على الصَّخر، وإنسان أسَّسَهُ على مغارة ؛ أليس هناك فرق كبير؟ نحن نقرأ أحيانًا أنَّ بيتًا هدم، وعند التحقيق نجد أنَّه أُسِّس على مغارة ! قال تعالى:
﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(109)﴾
[ سورة التوبة ]
القَول الثابت هو القول الحق، والله تعالى حق، لأنَّه قَديم أبَدِيّ، ولا يحول ولا يزول، لم يُسْبَق بِعَدم، مبادئه تعالى، وقوانينُهُ حق، وسُننُهُ وكذا أوامره و نواهِيه، معنى حق أنّه شيء ثابت، تعيش الزَّمَن كلَّه ولا يمكن أن ترى شيئًا يُناقِض الحق، أما أيّ شيء باطل، وأيّ تَشْريع أرضي بعد حينٍ يظهر فساده، ويُلْغى أو يُعَدَّل، الحق جِدار أنْشأتَهُ على شاقول مِن حجَر وأساس قَوِي، فهذا بُنِيَ لِيَبْقى، أما جِدارًا أنشئ على غير أساس ومن دون شاقول ؛ مائِل فهذا بُنِيَ لِيَنْهار فالحق هو الشيء الثابت، والباطل الشيء الزائِل، فالإنسان إذا انْطلَق من عقيدة صحيحة وثابِتَة ولا تتبدَّل، فهذا الكتاب الذي بين أيدينا نزَل على النبي عليه الصلاة والسلام قبل ألف وخمسمائة عام تقريبًا، والعِلْم تقدَّم تقَدُّمًا مُذْهِلاً فهل ظَهَر في العلم حقيقة تُناقض القرآن ؟ مهما امْتَدَّ بك العُمر لن تجد شيئًا يُناقض الحق، ما الذي يجعَل المؤمن ينفِقُ مالهُ ؟ لأنَّ الله عز وجل قال:
﴿ قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ(39)﴾
[ سورة سبأ ]
هذا قَوْل ثابت، وما الذي يجعل المؤمن يخاف من الربا ؟ قال تعالى:
﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ(276)﴾
[ سورة البقرة ]
وما الذي يجعل المؤمن يغضّ بصره ؟ قال تعالى:
﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ(30)﴾
[ سورة النور ]
فالمؤمن أحَدُ أكبَر سعادته أنَّهُ ينطلِق في علاقاتِه ؛ في كَسب المال وإنفاقِهِ من الحق، وهو ثابت، قال تعالى لِنَبيِّه فَتَوَكَّل على الله:
﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ(79)﴾
[ سورة النمل ]
فالإنسان بالتَّعبير الحديث إذا بَرْمَجَ حياته وِفْق الحق فلن تعتريه مُشكِلَة أبدًا، تجدهُ مِن خير لآخر، ومِن تَوفيق لِتَوفيق، ومِن رُقَيّ لآخر حتَّى يَعُدُّهُ الناس أكبر مُصيبَة على الإطلاق وهو الموت، فهو عند المؤمن عرسٌ ! والمَوت بِدايَة السَّعادَة وبِدايَة العَطاء، وبِدايَة الإكرام، لذلك قال تعالى:
﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (27) ﴾
[ سورة إبراهيم ]
لماذا لا يأكل مالاً حرامًا ؟ لأنَّ الله تعالى قال له::
﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ(276)﴾
[ سورة البقرة ]
ولماذا يتصَدَّق ؟ لأنَّ الله وعدَهُ بالتَّعويض والمُضاعفَة، قال تعالى:
﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ(261)﴾
[ سورة البقرة ]
فأنت اِقْرأ القرآن وبُطولتُكَ أن تكشف فيه القوانين.
قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ(33)﴾
[ سورة يونس ]
فإيَّاك أن تفْسق وتَعصِي، فإن لم تفْعَل فأنت أقربُ مَخلوقٍ إلى الإيمان، فالإنسان قد يتردَّد والتَّردُّد صَعْب، ينشأ عندهُ صِراع، ولكنَّ الله إذا وَعَدَهُ ونهاهُ عن كَسب الحرام، فهذا لا نَدَم عندهُ، فالمؤمن لا ينْدَم، فأحَد عوامِل الثبات أنَّك مُسْتَنِد إلى كلام خالق الكون، هذا أمْر وهذا نَهي، وذاك مُباح والآخر مَكروه ومُستَحب وحرام... لذلك طلب الفقه حَتْمٌ لازِم على كل مسلم، فلو فَرَضْنا أنَّك عَرَفْت الله من خلال الكون ومن خلال آياته التَّكْوينِيَّة، ومِن خِلال أفْعالهِ ؛ ما انتهى الأمر ! فأنت عرَفْتَهُ ولكن كيف تتقرَّب إليه ؟ بِطَاعَتِهِ، فأين أمرهُ إذًا ؟ الفقه كلّ واحِد مِن إخواننا الكرام على حسب اخْتِصاصِهِ، فالبائِع عليه أن يعرف أحكام البيع والشراء، وهي فرض عَين عليه، لأنَّه كيف يعبد الله ؟ باجْتِهاد الفقهاء ؛ هذه حرام وهذه حلال وتلك فيها شبْهة وتدليس وكذب إلى آخره، فأنت إذا عرفْت الله من خِلال الكون ومن خِلال آياته التّكوينيَّة، ومن خلال آياته القرآنيَّة ينشأ عندك حاجة مُلِحَّة كي تتقرَّب إليه ؛ كيف؟ بِطَاعَتِهِ، طيِّب أين أمرهُ ؟ الأحكام الفقْهِيَّة أمْرُهُ لذلك معرفة العبادات من صوم وصلاة وحج وزكاة، ومعرفة أحكام القرْض والهِبَة والحوالة والكفالة والمُضاربة والمُساقاة والمُزارَعة ؛ هذه كُلُّها أحكام فِقْهِيّة من خلالها تعبد الله، لذلك قالوا: أنت بالكَون تعْرِفُهُ، وبالشَّرْع تَعْبُدُه، لذا هناك خمْس آيات مُتَشابِهات ويُشْبِهُ بعضُها بعْضًا قوله تعالى: أن اعْبُدوا الله ما لكم من إله غيره.." سيِّدنا لوط وشُعَيب وإبراهيم أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، وآيةٌ مُوَحَّدَة قوله تعالى: وما أرسلنا من رسول إلا نوحي إليه..." الدِّينُ كلّه أن تؤمن أنْ لا إله إلا الله وهذا هو الجانب الفِكْري، وأن تُطيعَهُ، أنْ تَعْرِفَهُ أنَّه موجود وكامِل وواحِد، وأن تُطيعَهُ فيما أمَر ونهى، فأنت إن عَرَفْتَهُ بالكَون وعَبَدْتَهُ بالشَّرْع حَقَّقْتَ الهَدَف مِن وُجودِه، لذلك الإنسان لا يتردَّد فيما حرَّم الله عز وجل، إذا حرَّم الله شيئًا فهذا يعني أنَّه حرام، لا تقل فيه ربْح ملايين !! المُحَرَّم يبقى مُحَرَّم، وما الذي يُثَبِّتُكَ على هذا الشيء ؟ أنَّ الله تعالى حرَّمَهُ، وما الذي يَدْعوك إلى فِعل هذا الشيء مع أنَّه خطِر ؟ أنَّ الله أمرَكَ به، فالله أمَرَكَ أن تُصَلِّي وأن تُقيمَ الشعائِر في بيتِك، أعْجَبَ الناس أم لم يُعْجِبْهُم ؛ ما الذي يَمْنَعُكَ أن تُقيم احْتِفالاً على خِلاف ما يفْعَلُهُ الناس في الأعراس، فالله تعالى حرَّم الاخْتِلاط فأنت لا تَهُمّك العادات والتقاليد فهِيَ تحت قَدَمِك لأنّ هذا خِلاف الشَّرْع، مِن أين تأخذ مَوْقِفَك القويّ ؟ أنّ الله تعالى حرَّمَهُ، فأقْوى حُجَّة أنَّ الله حرَّم هذا وأحلَّ هذا، تَفْعل الحلال وتترك الحرام ولا تأخذك في الله لَوْمَة لائِم، كلمة يثبتُ الله الذين آمنوا ؛ لماذا تغضّ بصَرَك، قد تُتَّهَم أنَّك أجْدب ؛ يقول لك: هل سَتَأْكُلها ؟ أم سَتَأْكُلُك ؟ الله عز وجل قال:
﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ(30)﴾
[ سورة النور ]
وأحيانًا لا تُصافِح، وقد يكون هذا مَوْقِف حَرِج فقد جاءَت وزيرة إلى بلدِنا، وكان هناك مُوَظَّف كبير ما صافَحَها فَتَأَلَّمَتْ أشَدَّ الأَلَم، ومساءً قالتْ: أريد أن ألتقي بِهذا الذي لم يُصافِحني وسألَتْه باخْتِصار لمَ لمْ تُصافِحْني، فأجابها: لأنَّ ديني يَمْنعُني من هذا، وأنت امرأة أجْنَبِيَّة، فقالتْ على مَسْمَع الحاضِرين وقالتْ: لو أنَّ المُسلمين أمْثالَك لَكُنَّا تحت حُكْمِكُم ! هذا هو شأنُ المؤمن، فإذا تساهَلْنا وقلنا هذه بَلْوَة، وهذه ماذا نفعل لها ؟ وتلك وَضْعُها صَعب، وهذه عليَّ ضَغْط، انتهى الدِّين، لذا أنت تثْبت على الدِّين لأنَّ الله أمرك ونهاك ووعَدَكَ، قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ الْمُحْضَرِينَ(61)﴾
[ سورة القصص ]
ضَرَبْتُ مثلاً غريبًا وقلت: لو أنَّ إنسانًا فقيرًا جدًا معاشُهُ قليل، ومعاشُهُ بالأُجرة، وعليه دَعْوى أخلاق، ماذا تقول في هذا ؟ وله أخ معه خمسين ألف ليرة ولكنَّه بخيل ! وهذا الأخ مات بِحَادِث فجْأةً، وليس له أولاد، فَلِمَن هذا المبلغ ؟ لِهذا الفقير، إلى ان اسْتطاع أن يأخذ أوَّل دَفْعَة سَنَتين، لماذا هو في هاتين السَّنَتين أسْعَد إنسان ؟ لأنَّهُ دَخَل بالوَعْد، يقول: أنا معي خمسمائة مليون ! ثمّ يُصبح يتمنى، ويشعر بِسَعادة وغِبْطة قبل أن يتلَقَّى هذا المبلغ ! وهكذا حال المؤمن فالمؤمن وَعَدَهُ الله بالجنَّة، وهذا الوَعْد يَمْتَصّ كلّ مشَاكِل الحياة، قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ الْمُحْضَرِينَ(61)﴾
[ سورة القصص ]
لذا أيُّها الأخوة اقرؤوا القرآن وآيات الأمر والنَّهي، وطبِّق فالذي يُثَبِّتُكَ على هذا الوَعْد الإلهي، والذي يُسْعِدُكَ أنّ الله وَعَدَك، والذي يُخسفك أنَّ الله أوْعَدَكَ، فإذا صَدَّقْت وَعْدهُ ووعيده، وهذا هو القول الثابت، وهذا الكلام القرآني فيه إعْجاز وهو دليل أنَّه من عند الله، فإذا آمَنْتَ أنَّهُ كلام الله يقينًا أمَرَكَ ونهاكَ، فهذا الإنسان القويّ في زمننا إذا أعطى أمْرًا يُنَفَّذ بِحَذافيره ! لا تعصي مَن إذا قال فَعَل، فإذا كان الأمر مع البشر فما بالك مع رب البشر، لذا أحد عوامل التَّثبيت أنَّك تمشي على منهج إلهي، فهذه هي الآية التي أردْتُ أن تكون مِحْوَر الدرس، وهي قوله تعالى:
﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (27) ﴾
[ سورة إبراهيم ]
كَمَن وعَدْتَهُ وأنْجَزْتَ وَعْدَكَ يَشكُرك على هذا، لذا أنت بالدنيا مُصَدِّق، وفي الآخرة مُصَدِّق.



والحمد لله رب العالمين






 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدليلية (Tags)
القران, الكريم, تفسير, صور, كاملا


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 4 ( الأعضاء : 0 , والزوار : 4 )
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG]متاحة
كود HTML معطلة



المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
امثال من القران الكريم السعيد رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة 36 08-21-2018 07:54 AM
الفواكه المذكورة في القران الكريم السعيد رِيَاضُ الإعْجَازُ القُرْآنــي 3 11-16-2017 07:22 PM
اشهر قراء القران الكريم السعيد رِيَاضُ الإعْجَازُ القُرْآنــي 2 11-13-2017 11:19 AM
مد التاءات وقبضها في القران الكريم عاشقة الأنس رِيَاضُ أَرْوِقَةُ الأُنْس 6 10-31-2015 01:34 PM
قصة نبي ورد ذكره في القران الكريم ، بحث عن قصة نبي ورد ذكره في القران الكريم سجى ريآض سيرة الصحآبة رضوآن الله عليهم أجمعين 1 09-17-2014 11:17 AM


الساعة الآن 06:53 PM