| كَلِمةُ الإِدَارَة |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
| جديد المواضيع |
| رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة ( يختص بالعقيدة والفقه الاسلامي على نهج أهل السنة والجماعة) |
الإهداءات |
![]() |
|
|
|
أدوات الموضوع | إبحث في الموضوع |
|
|
#71 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم (65) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: ( الغني): أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "الغني". ورود اسم الغني في القرآن الكريم: هذا الاسم ورد في القرآن الكريم كما في قوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ ﴾ ( سورة محمد الآية: 38 ) شأن الخالق أنه غني عن كل شيء، وشأن المخلوق أنه مفتقر إلى كل شيء ، الرب رب، والعبد عبد، وفي قوله تعالى: ﴿ وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ ﴾ ( سورة الأنعام الآية: 133 ) أحياناً يكون الإنسان رحيماً لكنه فقير، يتحرق قلبه ولا يستطيع أن يفعل شيئاً فقير، لكن عظمة الله عز وجل أنه غني، وأنه رحيم، فغناه ورحمته تعطيان الإنسان كل شيء. اقتران اسم الغني بعدة أسماء منها: 1 ـ الحميد: وغالباً ما يقترن اسم "الغني" باسم الحميد، كما في قوله تعالى: ﴿ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ﴾ ( سورة الحج ) هو غني عن عباده، لكنه يعاملهم معاملة يحمدونه عليها، هناك إنسان قد يكون غنياً، لا يحتاج إلى أحد، تراه فظاً، غليظاً، مستكبراً، مستعلياً، أما خالق السماوات والأرض، الذات الإلهية، الكاملة، غني، ومع أنه غني كامل، ما أروع أن يجتمع الغنى مع الكمال. الرحمة حسن لكن في الأمراء أحسن، هناك حديث طويل حول هذا الموضوع أحيانا تجتمع صفتان في الإنسان فيكون متألقاً أعلى تألقاً، الله عز وجل "الغني" حميد، مع أنه غني عن عباده، لو أن كل من في الأرض كفروا لا يحتاج إليهم أبداً، ومع ذلك يعاملهم معاملة كاملة يحمدونه عليها. 2 ـ الحليم: واقترن اسم الله "الغني" باسم الحليم. ﴿ قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ ﴾ ( سورة البقرة ) غني عن عباده لكنه يمدهم بالطعام والشراب والهواء، ويمدهم بكل ما يحتاجونه إذاً وهم يعصونه، يُعصى ويرحمهم. (( إني والإنس والجن في نبأ عظيم أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويُشكر سواي، خيري إلى العباد نازل، وشرهم إليّ صاعد، أتحبب إليهم بنعمي وأنا الغني عنهم، ويتبغضون إليّ بالمعاصي، وهم أفقر شيء إلي، من أقبل عليّ منهم تلقيته من بعيد، ومن أعرض عني منهم ناديته من قريب، أهل ذكري أهل مودتي، أهل شكري أهل زيادتي، أهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي، إن تابوا فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من الذنوب والمعايب، الحسنة عندي بعشرة أمثالها وأزيد، والسيئة بمثلها وأعفو، وأنا أرأف بعبدي من الأم بولدها )) [ رواه البيهقي والحاكم عن معاذ، والديلمي وابن عساكر عن أبي الدرداء ] 3 ـ الكريم: اقترن اسم الله "الغني" باسم الكريم: ﴿ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ ﴾ ( سورة النمل ) هناك غني بخيل، العدل حسن لكن في الأمراء أحسن، والسخاء حسن لكن في الأغنياء أحسن، والصبر حسن لكن في الفقراء أحسن، والتوبة حسن لكن في الشباب أحسن، والحياء حسن لكن في النساء أحسن. وفي الحديث الشريف: (( اللهم أنت الله، لا إِله إِلا أنت، أنتَ الغنيُّ، ونحن الفقراء، أنْزِلْ علينا الغيث واجعلْ ما أنزلت لنا قوة وبلاغا إِلى حين )) [ أبو داود عن عائشة] غنى الإنسان نسبي لأنه في الوقت نفسه مفتقر إلى أشياء لا تعد ولا تحصى: أيها الأخوة، الغني في اللغة صفة مشبهة باسم الفاعل، لمن اتصف بالغنى فعله غني غنىً، واستغنى واغتنى فهو غني، لكن الحقيقة الدقيقة أن غنى الإنسان نسبي. ﴿ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً ﴾ ( سورة الزخرف الآية: 32 ) كيف ؟ يعني إنسان يشعر بألم في صدره يقلق أشد القلق، قد يكون غنياً كبيراً يذهب إلى طبيب القلب، وهو في أعلى درجات التواضع له، يا ترى هل أحتاج إلى عمل جراحي، أم لا أحتاج ؟ هل هذا الألم عابر، أم مستمر ؟ هل هذا الألم يدل على خطر قادم أم أنه ألم عارض ؟ هذا الغني الكبير يقف أمام الطبيب في أعلى درجات الأدب والتواضع والافتقار إلى علم هذا الطبيب، إذاً في هذا الموقف هذا الغني مفتقر إلى هذا الطبيب، هو غني لكنه الآن مفتقر إلى هذا الطبيب. الاختصاصي في إصلاح المركبات، هو الآن أعلى من هذا، يأتي الآن طبيب، طبيب القلب نفسه، يستمع بسيارته إلى صوت غير طبيعي في المحرك، يقلق أشد القلق، يا ترى هل هذا مؤشر على تبديل المحرك ؟ يأتي إلى من اختص في إصلاح المركبات، هذا الطبيب المتفوق طبيب القلب يقف أمام هذا الإنسان بتواضع بالغ، يا ترى صوت عارض، طارئ، يحتاج إلى إصلاح، يحتاج إلى تبديل محرك، ماذا يحتاج ؟ بالموقف الأول الغني مفتقر للطبيب، الموقف الثاني الطبيب مفتقر لهذا الإنسان الذي يصلح المركبات، وكل إنسان متفوق في شيء إذا هو فيه غني، لكن مفتقر إلى أشياء ، مفتقر إلى مليون شيء. لذلك هذا معنى قوله تعالى: ﴿ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً ﴾ ﴿ وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾ ( سورة الزخرف ) فأنت في الأعم الأغلب قد تتفوق باختصاص، بحرفة، بخبرة، بمال، بعلم ، بمنصب، وفي الوقت نفسه أنت مفتقر إلى أشياء لا تعد ولا تحصى، أوضح شيء الصحة قد يكون قوياً ويقلق أشد القلق على صحته، قد يكون غنياً ويحتاج إلى خبير لإصلاح هذه الحاجة. توزيع الحظوظ في الدنيا توزيع ابتلاء: ![]() أيها الأخوة، لذلك الحظوظ وزعت في الدنيا توزيع ابتلاء، هذا ممتحن بالغنى، وهذا ممتحن بالفقر، وهذا ممتحن بالوسامة، وهذا ممتحن بالدمامة، وهذا ممتحن بالصحة فكل ما آتاك الله إياه أنت ممتحن فيه، وسوف ينظر الله ماذا تعمل، هل تتخذ الصحة أساساً للمعصية والإثم ؟ أم أن تتخذ الصحة لخدمة الخلق ؟ هل تتخذ وقت الفراغ للانحرافات التي لا ترضي الله ؟ أم تتخذ وقت الفراغ لطلب العلم ؟ أنت ممتحن بوقت الفراغ، ممتحن بالصحة ، ممتحن بالمال، ممتحن بالزوجة، ممتحن بالأولاد، ممتحن في كل ما آتاك الله، وممتحن في كل ما زوي عنك، لذلك من أدعية النبي عليه الصلاة والسلام: (( اللهم ما رزقتني مما أحب، فاجعله قوة لي فيما تحب )) [ الترمذي عن عبد الله بن يزيد الخطميّ الأنصاري] إذا امتحنتنا بالغنى، أو بالصحة، أو بالقوة، أو بالوسامة، فاجعل هذه الأشياء في خدمة عبادك يا رب، وإن امتحنتنا بالفقر أحياناً، بالمرض أحياناً، فاجعل الفراغ الناتج عن هذا الامتحان في طاعتك. ((اللهم ما رزقتني مما أحب فاجعله قوة لي فيما تحب، اللهم وما زويت عني مما أحب فاجعله فراغاً لي فيما تحب )) [ الترمذي عن عبد الله بن يزيد الخطميّ الأنصاري] الغنى الحقيقي هو غنى العمل الصالح: أيها الأخوة، الحقيقة الدقيقة: أنك إذا وصفت إنساناً بأنه غني فهذا في الحقيقة ليس بغني، هذا غنى نسبي، لماذا ؟ يعني الإنسان على حجم ماله الكبير، على هيمنته الكبيرة، على مكانته الرفيعة، على سيطرته، على كل ما يملك هذا منوط بقطر شريانه التاجي فإذا ضاق هذا الشريان دخل في متاعب لا تنتهي، وقد ينجو، وقد لا ينجو، إذاً ليس غنياً ، وهذا الغني، هذا القوي، هذا المتفوق، هذا المتغطرس، كل مكانته، وقوته منوطة بسيولة دمه، فإذا تجمدت قطرة دم في أحد أوعية دماغه في مكان أصيب بالشلل، في مكان فقد الذاكرة، في مكان فقد السمع، في مكان فقد البصر، في مكان فقد الحركة، إذاً ليس غنياً. ![]() أعرف شخصاً جاء بشهادة عليا، وصل لمنصب ما قبل الوزير، مكانة، وعلم ، وزوجة رائعة، وبيت فخم، ودخل كبير، فقد بصره، زاره أحد أصدقائي، قال له: يا فلان والله أتمنى أن أجلس على الرصيف، وأتسول، وليس عليّ إلا هذا المعطف، وأن يرد لي بصري. إذاً ما في غني، "الغني" هو الله. شيء آخر قاله الإمام علي رضي الله عنه: الغنى والفقر بعد العرض على الله. أما قبل العرض على الله لا يعد الغني غنياً، ولا الفقير فقيراً، وأصحّ ما في هذا اللقاء الطيب أن الغنى الحقيقي هو غنى العمل الصالح، والدليل: أن سيدنا موسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام حينما سقى للفتاتين ابنتي سيدنا شعيب، قال: ﴿ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ﴾ ( سورة القصص ) فيجب أن تعد نفسك غنياً إذا أكرمك الله بعمل صالح، إذا سخرك لخدمة خلقه، إذا كنت مفتاحاً للخير، مغلاقاً للشر، إذا بثثت في الناس الطمأنينة، والأمن، والسكينة ، إذا أطعمت جائعهم، إذا كسوت عاريهم، إذا عالجت مريضهم، إذا آويت مشردهم، إذا أنصفت مظلومهم، أنت الغني، الغنى الحقيقي غنى العمل الصالح. القرار البطولي الذي يتخذه الإنسان بالتوبة قد يدفع ثمنه و لكن يرقى به إلى الجنة: الآن الغنى في ذات الله عز وجل إذا تعلق الغنى بالمشيئة فهو من صفات الأفعال كقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ﴾ ( سورة التوبة الآية: 28 ) ![]() هناك ملمح لطيف بالآية دقيق جداً، أوضحه بالمثل التالي: إنسان يبيع الخمر في مطعم من أعلى مستوى، ثم أراد أن يتوب، فلما تاب انخفض الدخل إلى العشر، هذا الانخفاض له حكمة بالغة جداً، أراد الله جل جلاله أن يجعل لهذا القرار البطولي ثمن يدفعه، بهذا الثمن يرقى يوم القيامة ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَة ﴾ لكن بعد حين يفتح الله عليه أبواب الرزق. لابدّ من امتحان، إذا إنسان أراد أن يتخذ قراراً بطولياً قد يدفع ثمنه، هذا الثمن الباهظ لقراره هو الذي يرقى به في الجنة، لكنه إلى حين ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ﴾ ﴿ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ ( سورة التوبة ) هذه إذاً من صفات الأفعال، لأنه هو أغنى وأقنى. الغني سبحانه هو المستغني عن الخلق بذاته وصفاته وسلطانه: "الغني" صفة من صفات أفعال الله عز وجل، وإن لم يتعلق الغنى بالمشيئة، فهو صفة من صفات الذات. ﴿ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ﴾ ( سورة آل عمران ) هذه صفة ذات، وكقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ﴾ ( سورة فاطر ) لو دخلنا في تفاصيل معنى "الغني"، "الغني" سبحانه هو المستغني عن الخلق بذاته، وبصفاته، وبسلطانه، والخلق جميعاً فقراء إلى إنعامه، وإحسانه، فلا يفتقر إلى أحد في شيء، بل كل مخلوق مفتقر إليه في كل شيء، وهذا هو الغنى المطلق، وهو الغنى الحقيقي ، وغنى الإنسان غنى مجازي، يعني غني بماله، لكن مفتقر إلى الصحة، مفتقر إلى العقل ، مفتقر إلى التوفيق، مفتقر إلى النصر. الغني هو الذي يغني من يشاء من عباده بحكمته: و "الغني" أيضاً هو الذي يغني من يشاء من عباده بحكمته، وأي غني سوى الله فغناه نسبي، مقيد، مجازي، لا غني على الحقيقة إلا الله، أما غنى الحق جلّ جلاله فهو غنىً كامل ومطلق، ومهما بلغ المخلوق في غناه. كان هناك أحد أكبر أغنياء بريطانيا، دخل إلى غرفة أمواله، فالباب أغلق عليه خطأ، وكان كثير الأسفار، فظنه أهله أنه مسافر، بدأ يصرخ ويصرخ إلى أن أشرف على الموت، فجرح إصبعه، وكتب بدمه على الحائط: أغنى إنسان في بريطانيا يموت جوعاً وجوده ميتاً في غرفة أمواله. ملكية الله عز وجل ملكية مطلقة: الإنسان فقير، فقير إلى شربة ماء، يا أمير المؤمنين ! بكم تشتري هذا الكأس إذا منع عنك ؟ قال: بنصف ملكي، قال: فإذا منع إخراجه ؟ قال: بنصف ملكي الآخر. أنت وكل ما تملك رهن كأس ماء، مهما بلغ المخلوق في غناه، فهو فقير إلى الله، لأنه المنفرد بالخلق والتقدير، والملك والتدبير، هو المالك لكل شيء، خلقاً، وتصرفاً، ومصيراً، ملكية مطلقة، خلقاً، وتصرفاً، ومصيراً. قد تملك دولة طائرة، تبيعها إلى دولة أخرى، الآن المالك الحقيقي هو الثاني ، لكن قد تمتلك بيتاً، ملك رقبة، وقد تسكنه، وتملكه ملك منفعة، ولكن مصيره ليس إليك، إما أن يصادر، أو أن تنظم المنطقة فيؤخذ بطريق، أو أن يموت الإنسان ويتركه، أو أن يضطر إلى بيعه، آتي بأمثلة دقيقة: ملكية الله عز وجل ملكية مطلقة، خلقاً، وتصرفاً، ومصيراً، يعطي من يشاء ما يشاء من فضله، ويقسم لكل مخلوق ما يخصه من حياته ورزقه، عطاؤه لا يمتنع، ومدده لا ينقطع، وخزائنه ملأى، ولا تنفذ: (( يدُ الله ملأى، لا يَغيضُها ـ أي لا ينقصها ـ نفقة سحَّاء ـ مستمرة، دائمة ـ الليل والنهار ـ يعني طوال الليل والنهار ـ و قال: أَرَأَيتم ما أنْفَقَ منذُ خلق السماء والأرضَ ؟ فإنه لم يَغض ـ أي لم ينقص ـ ما في يده، وكان عرْشُه على الماء، وبيده الميزانُ، يَخفِضُ ويَرفَعُ )) [ متفق عليه عن أبي هريرة] و النبي صلى الله عليه وسلم قال فيما رواه عن ربه تبارك وتعالى: (( يا عبادي ! لو أنَّ أوَّلكم وآخرَكم، وإنسَكم وجِنَّكم، قاموا في صعيد واحد فسألوني، فأعطيتُ كُلَّ إنسان مسألتَهُ، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما يَنْقُص المِخْيَطُ إذا أُدِخلَ البحرَ يا عبادي، إنما هي أعمالُكم أُحصيها لكم، ثم أُوفّيكم إيَّاها، فمن وَجَدَ خيراً فليَحْمَدِ الله ومن وجد غير ذلك فلا يَلُومَنَّ إلا نَفْسَهُ )) [ مسلم عن أبي ذر] أيها الأخوة، "الغني" على سبيل الإطلاق، والقيام بالنفس هو من صفة الله وحده الغنى المطلق، والقيام على الخلق هو الله جل جلاله، وليس ذلك لأحد سواه، هو "الغني" بذاته عن العالمين، المستغني عن الخلائق أجمعين، واتصاف غير الله بالغنى لا يمنع أن يكون الحق متوحداً في غناه، لأن الغني في حق غيره مقيد، وفي حق الله مطلق، وهذا واضح معلوم، وذلك مطرد في جميع أوصافه بدلالة اللزوم. تقنين الله عز وجل تقنين تأديب و تقنين العباد تقنين عجز: ![]() بقي شيئاً آخر في الغنى، قد نرى شحاً في الأمطار، وقد نرى قلة في المحاصيل، وقد نرى قصراً في العمر، وقد نرى أشياء قليلة بالحياة، الحقيقة مستحيل وألف ألف مستحيل أن يكون تقنين الله عز وجل تقنين عجز، أما نحن البشر نقنن تقنين عجز الكهرباء قليلة نقطع التيار لساعات عن كل حي في المدينة، الماء قليل، نقطع الماء ساعات طويلة كل يوم، المحاصيل قليلة نرفع الأسعار، الإنسان يقنن تقنين عجز، إلا أن الله جل جلاله إذا قنن فتقنينه تقنين تأديب، الأدلة: ﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ﴾ ( سورة الحجر ) الآية الثانية: ﴿ وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ ﴾ ( سورة الشورى ) مرة كنت في العمرة، اطلعت على مجلة علمية رصينة، قرأت فيها بحثاً عن اكتشاف سحابة في الفضاء الخارجي، يمكن أن تملأ محيطات الأرض ستين مرة في اليوم بالمياه العذبة، ﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ ﴾ التقنين من الله تعالى تقنين تربية و معالجة و سوق إلى بابه الكريم: لذلك التقنين تقنين إلهي. ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ﴾ ( سورة الأعراف الآية: 96 ) ﴿ وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً * لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ﴾ ( سورة الجن ) ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ﴾ ( سورة المائدة الآية: 66 ) وقد يُحرم المرء بعض الرزق بالمعصية، فالتقنين فيما يبدو هو تقنين تأديب لا تقنين عجز، تقنين حكمة، تقنين تربية، تقنين معالجة، تقنين سوق إلى باب الله عز وجل ، فئة كبيرة جداً من عباد الله قد تساق إلى الله عز وجل بالتقنين والحرمان أحياناً، ولكن نسأل الله جلّ جلاله أن يجعل الرخاء والبحبوحة حالة يتمتع بها كل المؤمنين. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#72 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم (66) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: (المجيب): أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "المجيب". تسمية الله جلّ جلاله ذاته العلية باسم "المجيب" على سبيل الإطلاق و التعظيم: سمّى الله جلّ جلاله ذاته العلية باسم "المجيب" على سبيل الإطلاق، الإطلاق حُكم غير مقيد، مطلق، لو فرضنا قرأنا الآية الكريمة: ﴿ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً ﴾ ( سورة النمل الآية: 19 ) أي عمل صالح على الإطلاق ينضوي تحت هذه الكلمة، ﴿ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً ﴾ لكن الله سبحانه وتعالى قيده، فقال: ﴿ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ ﴾ ( سورة النمل الآية: 19 ) العمل الصالح لا يقبل عند الله إلا إذا كان خالصاً، صواباً، خالصاً ما ابتغي به وجه الله، وصواباً ما وافق السنة. أحياناً هناك عمل صالح يبتدعه الإنسان، يقول لك: حفل غنائي ساهر يرصد ريعه للأيتام، المبالغ التي سوف نجنيها من هذا الحفل الفني الساهر من أجل أيتام، أو نقول يانصيب خيري، الآية الكريمة: ﴿ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ ﴾ والله عز وجل يرضى عن العمل الصالح إذا كان خالصاً وصواباً، خالصاً ما ابتغي به وجه الله، وصواباً ما وافق السنة، أقول ﴿ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ ﴾ مقيد، إذا قرأنا الآية الكريمة: ﴿ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً ﴾ نقول مطلق، صالحاً وحدها مطلق، أما ﴿ صَالِحاً تَرْضَاهُ ﴾ مقيد، وقالوا: الصفة قيد. قل: إنسان، تشمل ستة آلاف مليون، قل: إنسان مسلم مليار وخمسمئة مليون، ضاقت الدائرة قل: إنسان مسلم عربي، أربعمئة مليون، كلما أضفت صفة ضاقت الدائرة. لذلك سمّى الله جل جلاله ذاته العلية باسم "المجيب"، على سبيل الإطلاق، والتعظيم. ورود اسم المجيب في القرآن الكريم معرفاً و منوناً: ورد هذا الاسم معرفاً في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ ﴾ ( سورة الصافات ) معرف، "المجيب"، وقد ورد أيضاً منوناً، في قوله تعالى: ﴿ فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ ﴾ ( سورة هود ) يعني مجيب، الفرق بين المعرف والمنون، الكلمات أيها الأخوة، في اللغة نكرة أو معرفة، المعرفة ما دلت على معين، دمشق معرفة، أما عاصمة نكرة، المدينة نكرة القاهرة معرفة، ما دلّ على معين فهو معرفة، وما لم يدل على غير معين فهو نكرة، وفي بيت جمعت به المعارف، قال: إن المعارف سبعة فيها كمُل أنا صالح ذا ما الفتى ابني يا رجل * * * يعني المعارف سبعة، أنا: الضمير معرفة، صالح: اسم العلم معرفة، أنا صالح ذا: اسم الإشارة معرفة، ما: اسم الموصول معرفة، ما الفتى: المعرف بأل معرفة، ابني: المضاف معرفة، يا رجل: المنادى معرفة، إن المعارف سبعة فيها كمُل أنا صالح من ذا الفتى ابني يا رجل * * * إذاً ورد هذا الاسم مطلقاً ومقيداً، وورد نكرة ومعرفة، ولم يرد هذا الاسم في السنة إطلاقاً، إلا في حديث سرد الأسماء الحسنى عند الترمذي وعند ابن ماجة، هذا في شأن ورود الاسم في القرآن والسنة. معاني المجيب في اللغة: أما في اللغة: "المجيب" اسم فاعل، أجاب، يجيب، فهو مجيب، اسم فاعل من الرباعي على صيغة المضارع، بعد إبدال حرف المضارعة ميماً مضمومة، وكسر ما قبل الآخر. "المجيب" اسم فاعل، والفعل أجاب، يجيب، جواباً، وإجابة، واستجابة ، والإجابة صدى الكلام، أو ترديده، هذا معنى، أو المحاورة في الكلام، يقول لك: حوار الآن، وهناك حوار، و هناك جدال، والفرق بينهما واضح، الحوار شيء جيد جداً، أما الجدال شيء غير جيد، سيء. والإجابة رد السؤال، كم الساعة ؟ تقول لي: الساعة السابعة، الإجابة رد السؤال. وعند البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت في حديث الإفك: (( فوجدتُ عِقْدِي بعد ما اسْتَمَرَّ الجيشُ، فجئتُ منزلَهم وليس فيه أحد - ومنهم من قال: فجئتُ منازلهم وليس بها منهم دَاعٍ ولا مجيبٌ )) [أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن عائشة ] فالله عز وجل من أسمائه "المجيب" سألتك فأجبتني، الآن سألتك حاجة فأعطيتني هناك فرق، سألتك عن قضية فأجبتني، أما سألتك حاجة فأعطيتني، والإجابة إجابة المحتاج بالعطية، إعطاء الفقير عند السؤال. إذاً أصبح للمجيب معنيان كبيران، إجابة السائل بالعلم، وإجابة النائل بالمال، تسألني إجابة عن سؤال فأجيبك، تسألني عطاءً فأعطيك. للمجيب معنيان كبيران إجابة السائل بالعلم وإجابة النائل بالمال: الآن إذا قلنا أن الله هو "المجيب" دخلنا في اسم الله "المجيب"، "المجيب" بالمعنى الأول الإجابة، بالمعنى الثاني أن يعطي الله السائل سؤله، يا رب ارزقني زوجة صالحة مثلاً شاب في مقتبل حياته، يقول: يا رب ارزقني زوجة صالحة، هذا اسمه نائل، والجواب: أن يزوجه زوجة صالحة، يا رب اهدنِ إلى معرفتك، سؤال من نوع آخر، فإذا سألت إنساناً يجيبك، وإن سألته حاجة يعطيك، سؤال علمي، أو سؤال عطاء، إما أن تكون الإجابة بيانية، حدثني عن الساعة، حدثني عن القضاء والقدر، حدثني عن عدل الله ، حدثني عن الدار الآخرة، حدثني عن عذاب القبر، حدثني عن حال الإنسان في الجنة، مثلاً هذا سؤال، فالله عز وجل مجيب، أو الإنسان أحياناً يسأل دون أن يحرك شفتيه، يا رب دلني عليك، يا رب هناك قضية بالدين ليست واضحة عندي، يا رب وضحها لي، نور قلبي هذا سؤال، قد يكون باللسان، وقد يكون بالقلب، ودليل القلب سيدنا ذكريا: ﴿ إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً ﴾ ( سورة مريم ) ما تكلم بلسانه، والإنسان من دقة هذا الشرع، وعظمة هذا الدين أنك في بعض الظروف يمكن أن تسأل الله بصدق وإخلاص دون أن تحرك شفتيك، ﴿ إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً ﴾ أخ كريم، كنت في سفر إلى اللاذقية، رأيت مسجداً في مكان جميل على الساحل مسجد رائع، صليت فيه ركعتين فإذا رجل يدعوني إلى غرفة في المسجد ليضيفني قهوة قال لي: أنا أنشأت هذا المسجد، قال لي: قبل عشرين عاماً، كنت متجهاً إلى الخليج، ولا أملك من حطام الدنيا شيئاً، أقسم لي بالله أنه في نفسه قال: يا رب أن أكرمتني لأبني لك بيتاً في هذا المكان , والله أكرمه , الشاهد لم ينطق بلسانه، يمكن أن تسأل ربك أكبر سؤال وأعظم سؤال , وأنت ساكت ﴿ إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً ﴾ الله أكرمه، ويسر له بناء هذا المسجد، وحدثني عن قصته الممتعة حينما طلب من الله عز وجل التوفيق، والله عز وجل سمعه ولم يحرك شفتيه ﴿ إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً ﴾ المجيب هو الذي يجيب المضطر إذا دعاه ويغيث الملهوف إذا ناداه: الإنسان أحيانا يقول: يا رب دلني عليك، سبحان الله ! هي ظروف عجيبة جداً يجتمع مع إنسان. والإنسان يدله على أهل الحق، ويلتقي بهم، وينتفع بهم، في عنده طلب. فأنت أي طلب تطلبه بلسانك أم بقلبك يسمعه الله ويجيبك، لأنه مجيب، بل هو ينتظرك , بل هو ينتظر هذا السؤال. أيها الأخوة، "المجيب " هو الذي يقابل السؤال بالإجابة، والدعاء بالقبول، "المجيب" هو الذي يجيب المضطر إذا دعاه، ويغيث الملهوف إذا ناداه. "المجيب" هو الذي يكشف السوء عن أوليائه، ويرفع البلاء عن أحبابه، أحياناً بلاء كبير ينزاح، مشكلة كبيرة تُحل، عدو متربص يصرفه الله عنك، الله مجيب ينتظر سؤالك، ودعاءك، كل الخلائق مفتقرة إليه، ولا قوام لحياتها إلا عليه، ولا ملجأ لها منه إلا إليه، في جهة واحدة في الكون هي الله جلّ جلاله، تلجأ منه إليه، تهرب منهم إليه. يغني لو فرضنا ابن أخطأ خطأ كبيراً في حق أمه , أمه توعدته أن تؤدبه فاتجه إليها، وأقبل عليها، وقبّل يدها، وقال: سامحيني، ماذا فعل ؟ هرب من عقابها إليها. هكذا شأن الإنسان مع الله عز وجل يفر منه إليه , يلجأ منه إليه , لا ملجأ ولا منجا لي منك إلا إليك. من أراد أن يعرف مقامه عند الله عز وجل فلينظر فيما استعمله الله تعالى: أيها الأخوة، الآية الكريمة: ﴿ يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ﴾ ( سورة الرحمن ) آية دقيقة جداً: ﴿ يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ﴾ كيف ؟ للتوضيح: طبيب مرّ على مريض أخذ لائحة الفحوصات، وجد الضغط مرتفعاً، أعطى أمراً بإيقاف الملح في الطعام، الطعام من دون ملح لا يستساغ، هذا قرار الطبيب، لأن شأن هذا المريض ارتفاع الضغط، فالموقف المناسب أن تمنعه من الملح، ﴿ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ﴾ وجد الضغط معتدلاً جداً، وجسم المريض بحاجة إلى غذاء دسم فأمر أن يُطعم أطيب الطعام. فأنت إن كان شأنك مع الله الطاعة فقرار الله الإكرام، وإن كان شأنك مع الله لا سمح الله ولا قدر المعصية فشأن الله معك التأديب ﴿ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ﴾ اليوم طور، الآن أنت مقبل، القرار الإلهي التكريم، الآن في جزء من المال حرام، القرار الإلهي تطهير مالك من هذا المال الحرام، يتلف المال، أنت متواضع شأن الله عز وجل أن يكرمك، أن يرفع شأنك، في تكبر، شأن الله عز وجل أن يحجمك، أنت منفق شأن الله أن يرزقك، أنت مقتر شأن الله أن يضيق عليك ﴿ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ﴾ إن أردت أن يكون الله لك كما تريد فكن له كما يريد. (( أنت تريد وأنا أريد فإذا سلمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد، وإن لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد، ثم لا يكون إلا ما أريد )) [ ورد في الأثر ] آية دقيقة جداً: ﴿ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ﴾ ما شأنك ؟ الطاعة ؟ شأن الله الإكرام ما شأنك ؟ لا سمح الله ولا قدر المعصية ؟ شأن الله التأديب، ما شأنك ؟ الإسراف في الإنفاق على ملذاتك ؟ شأن الله التقتير، ما شأنك ؟ الإنفاق في الأعمال الصالحة ؟ شأن الله التوسعة ما شأنك ؟ الخضوع لله ؟ شأن الله الإعزاز، يعزك، ما شأنك الكبر على العباد ؟ شأن الله الإذلال ﴿ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ﴾ إذا أردت أن تعرف مقامك فانظر فيما استعملك، جميع الخلائق تستند إليه وتعتمد عليه. صدق الإيمان والولاء شرط إجابة الدعاء: الآن شرط إجابة الدعاء: جميع الخلائق تدعوه إما بلسانها أو بحالها، عندنا لسان المقال، ولسان الحال، لذلك شرط إجابة الدعاء: صدق الإيمان والولاء، فالله حكيم في إجابته، قد يعجل أو يؤجل، على حسب السائل والسؤال، أو يلطف بعبد فيختار له ما يناسب الحال، أو يدخر ما ينفعه عند المصير والمآل، لكن الله تعالى يجيب عبده حتماً، ولا يخيب ظنه أبداً، كما وعد وقال وهو أصدق القائلين: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾ ( سورة البقرة ) ﴿ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي ﴾ يطيعوني ﴿ وَلْيُؤْمِنُوا بِي ﴾ يؤمنون بوحدانيتي، وأنني فعال لما أريد. ﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ ﴾ ( سورة الزخرف الآية: 84 ) لذلك شروط الإجابة أن تؤمن بالله الإيمان الذي يمنعك أن تؤذي عباده، والذي يحملك على طاعته، وأن تستقيم على أمره، ﴿ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾ إلى الدعاء المستجاب. الله عز وجل حكيم في إجابته: الآية الثانية: ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴾ ( سورة غافر ) لذلك قالوا: ما أمرك أن تدعوه إلا ليجيبك، وما أمرك أن تسأله إلا ليعطيك، وما أمرك أن تتوب إليه إلا ليتوب عليك، الآية الواضحة أن الله حكيم في إجابته، وقال تعالى: ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ﴾ ( سورة الإسراء الآية: 18 ) بالقدر الذي نشاء، وللسائل الذي نريد، هناك حكمة إلهية: ﴿ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُوماً مَدْحُوراً * وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً ﴾ ( سورة الإسراء ) ما من رجل يَدْعُو اللهَ بِدُعَاءٍ إِلا استُجِيبَ لَه: الآن دقق: ﴿ كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً ﴾ ( سورة الإسراء ) إن أردت الدنيا فلك الدنيا، إن أردت الآخرة فلك الآخرة، إن أردتهما معاً فلك الدنيا والآخرة، كل شيء له ثمن، والله عز وجل خلقك وأعطاك حرية الاختيار، وكأن الله سبحانه وتعالى تعهد لك أن يلبيك في اختيارك، وأنت اختار أي شيء وكل شيء له ثمن، لذلك: (( ما من رجل يَدْعُو اللهَ بِدُعَاءٍ إِلا استُجِيبَ لَه )) [ متفق عليه عن أبي هريرة] كيف ؟ (( ما من رجل يَدْعُو اللهَ بِدُعَاءٍ إِلا استُجِيبَ لَه )) لأن الله "المجيب"، لأن اسم الله "المجيب"، فإما أن يعجل له في الدنيا، يا رب أتمنى أن أكون غنياً، يجعله غنياً ، إنسان يطلب أن يكون عالماً كبيراً، يجعله عالماً كبيراً، إنسان يطلب أن يكون أقوى الأقوياء يجعله أقوى الأقوياء. (( فإمَّا أنْ يُعَجَّلَ له في الدنيا ـ سؤله ـ وإمَّا أنْ يُدَّخَرَ له في الآخرة ـ أجابه بمقام رفيع في الآخرة، أجابه بعطاء في الدنيا ـ وإمَّا أنْ يُكَفَّرَ عنه من ذُنُوبِهِ، بِقَدْرِ مَا دَعَا ـ إجابة الله للمذنب أنه يكفر عنه من ذنوبه، هذه إجابة أيضاً ـ ما لَمْ يَدْعُ بِإِثمٍ، أو قَطيعةِ رَحِّمٍ، أو يَسْتَعْجِلْ ـ متى لا يجاب السؤال ؟ إذا كان الدعاء بإثم، أو قطيعة رحم، أو يستعجل ـ قالوا: يا رسولَ الله، وكيف يَسْتَعجِلُ ؟ قال: يقول: دَعَوتُ رَبي فما استَجَابَ لي )) [ متفق عليه عن أبي هريرة] إياك أن تقول هذه الكلمة، دعوت ربي فما استجاب لي، هذا الإنسان لا يستجاب له، استعجلت. (( فإمَّا أنْ يُعَجَّلَ له في الدنيا، وإمَّا أنْ يُدَّخَرَ له في الآخرة، وإمَّا أنْ يُكَفَّرَ عنه من ذُنُوبِهِ، بِقَدْرِ مَا دَعَا، ما لَمْ يَدْعُ بِإِثمٍ، أو قَطيعةِ رَحِّمٍ، أو يَسْتَعْجِلْ، قالوا: يا رسولَ الله، وكيف يَسْتَعجِلُ ؟ قال: يقول: دَعَوتُ رَبي فما استَجَابَ لي )) [ متفق عليه عن أبي هريرة] بطولة الإنسان أن يسأل الله عزّ وجل و يقبل عليه دائماً من دون حاجة: أيها الأخوة، بقي معنىً رائعاً من معاني "المجيب" ينعم قبل النداء، يعطي قبل السؤال، ما سألته، ولا دعوته، ينعم قبل النداء، يعطي قبل السؤال، الأب لا ينتظر من ابنه أن يسأله، الأب رأى وجه ابنه مصفراً، أخذه إلى الطبيب دون أن يسأل، الابن سأل في حالات كثيرة الابن لا يسأل، لكن الأب الرحيم، المتمكن يبادر إلى العطاء قبل السؤال. إذاً من معاني "المجيب" أنه ينعم قبل النداء، ويتفضل قبل الدعاء، لكن الحكمة من تأخر العطاء إلى ما بعد السؤال، ما الحكمة ؟ هناك حكمة بالغة جداً، يعني الله عز وجل يحب أن يسمع صوتنا، يحب أن نقبل عليه، يحب أن نسأله، يحب أن نتضعضع أمامه، يحب أن نمرغ جبهتنا في أعتابه، لأن هذا الاتصال يسعدنا، نحن غافلين عن سرّ سعادتنا، سعادتنا بالإقبال على ربنا، سعادتنا بمناجاته، سعادتنا في التوجه إليه، سعادتنا في التذلل أمامه، هذا شيء يسعدنا، فلذلك يحيجنا إلى شيء، وينتظر أن نسأله، أن ندعوه، أن نتصل به، أن نناجيه، أن نمرغ جبهتنا في أعتابه، يحب أن يسعدنا بالاتصال به، فيجعل الحاجة وسيلة لهذا الهدف، الأصل أن تتصل به، أنت غافل لا سمح الله، يخلق لك حاجة، أو شبح مصيبة، أو إنسان يتوعدك، يا رب ما في غيرك، سمعنا صوتك، البطولة أن تسأله دائماً من دون حاجة، البطولة أن تقبل عليه دائماً، لكن نحن جميعاً مقصرون، نحتاج إلى من يسوقنا إلى بابه، أحياناً الحاجات التي تنشأ، أشباح المصائب التي تظهر تسوقنا إلى باب الله، وهذا المعنى أكده النبي عليه الصلاة والسلام فقال: (( عجب ربنا عز وجل من قوم يقادون إلى الجنة في السلاسل )) [ البخاري عن أبي هريرة] أيها الأخوة، اسم "المجيب" من أقرب الأسماء إلينا، والله ينتظرنا، ويحب أن يجيبنا. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#73 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم (67) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: (الولي): أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "الولي" هذا الاسم ورد مطلقاً معرفاً، معنى مطلق ؛ كأن تقول: قلم، أي قلم، أما إذا قلت: قلم المعلم، أضفت القلم إلى المعلم، أي قيدته بالمعلم، فإذا جاء الاسم مضافاً فهو مقيد، وإذا جاء غير مضاف فهو مطلق. ورود اسم الولي في القرآن الكريم مطلقاً معرفاً و مقيداً: إذاً هذا الاسم ورد مطلقاً معرفاً في قوله تعالى: ﴿ أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ ( سورة الشورى ) ولا ولي سواه، ورد مطلقاً معرفاً، وفي قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ ﴾ ( سورة الشورى ) وقد ورد هذا الاسم مقيداً (أي مضافاً) في نصوص كثيرة، كقوله تعالى: ﴿ إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ ﴾ ( سورة الأعراف ) وفي قوله سبحانه وتعالى: ﴿ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا ﴾ ( سورة المائدة الآية: 55 ) على المؤمن أن يتعامل مع المؤمن بالولاء ومع الآخر ولو كان قريباً بالواجب: أيها الأخوة، في السنة الصحيحة، كما في البخاري من حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه أنه قال: (( سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول جهارا غير سِرّ: إِن آل أبي ليسوا بأوليائي، إِنما وَلِيِّيَ اللهُ وصالحُ المؤمنين ولكن لها رحم أبُلُّهَا بِبلالها )) [البخاري من حديث عمرو بن العاص] أي أصِلُها بصلتها التي أُمرت بها، كلام دقيق، أنت مؤمن، من توالي ؟ من تحب ؟ من تعاشر ؟ مع من تتعاون، مع من تعمل ؟ مع المؤمنين، لكن لك أب، قد يكون هذا الأب ليس كما ينبغي، الله أمرك أن تبره، وأن تُحسن إليه، وأن تصله، الولاء شيء والواجب شيء آخر. يعني أنا ولائي، محبتي، إخلاصي، تعاوني مع المؤمنين، ورد في بعض الأحاديث: (( لا تُصَاحِبْ إِلا مُؤْمِنا، ولا يأكُلْ طَعَامَكَ إِلا تَقِيّ )) [أخرجه أبو داود والترمذي عن أبي سعيد الخدري ] أنت لا ترتاح إلا مع المؤمن لأنه صادق، لأنه متواضع، لأنه منصف، لأنه رحيم، لأنه متعاون، تتعامل مع المؤمن بالولاء، وتتعامل مع الآخر ولو كان قريباً بالواجب. ﴿ وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ﴾ ( سورة لقمان الآية: 15 ) على المؤمن أن يؤدي واجبه لكل من يلوذ به شاء أم أبى أما قلبه مع المؤمنين الصادقين: هناك واجبات، و هناك حقوق، يجب أن تصله، أن تحسن إليه، أن تقدم له ما يحتاج لأنه أبوك، أما إذا كان الأب مؤمناً يجتمع له الولاء والواجب، أما في آباء على غير ما ينبغي، في أقارب ليسوا كما ينبغي، في أقارب لا يقبلون من ابنهم أن يكون مستقيماً، مثلاً في حالة موجودة، ينبغي أن يكون ولاؤك لله، ولرسوله، وللمؤمنين، وينبغي أن تؤدي واجبك لكل من يلوذ بك شئت أم أبيت. (( إِن آل أبي ليسوا بأوليائي، إِنما وَلِيِّيَ اللهُ وصالحُ المؤمنين ولكن لها رحم أبُلُّهَا بِبلالها )) [البخاري من حديث عمرو بن العاص] أي أصلها بصلتها التي أُمرت بها، هذا الكلام مفاده: أن المؤمن يتمتع بما يسمى بالولاء والبراء، يوالي المؤمنين، يحمل همهم، ينصرهم، يتعاون معهم، يتألم لألمهم ، يسعد لسعادتهم، يفرح لمنجزاتهم، يدافع عنهم، أما أقرباؤه لهم حق عليهم، يؤدي هذا الحق بالتمام والكمال، لكن قلبك مع المؤمن، لولا أن هناك حالات كثيرة جداً، أن إنساناً تعرف إلى الله، واستقام على أمره، ومن حوله من أقربائه ليسوا كذلك، يؤدي لهم واجب القرابة لكن ولاؤه للمؤمنين، هذا موقف متوازن، معتدل، هذا موقف تؤدى فيه الحقوق أما قلبك لا تملكه، قلبك مع المؤمنين، قلبك مع الصادقين، مع المتواضعين، مع المنصفين، مع المحبين لله ولرسوله. معنى الولي في اللغة: أيها الأخوة، أما معنى "الولي" في اللغة، هي صيغة مبالغة من اسم الفاعل الوالي، الوالي صيغة مبالغته "الولي" فعله ولي، يلي، ولاية. و "الولي" هو الآن الذي يلي غيره، فلان جالس هنا، الولي إلى جانبه، الذي يلي غيره، بلا فاصل، يعني ليس بينهما أحد، إنسان جالس بمكان من جالس إلى جانبه تماماً هو "الولي" الذي يليه، ويكون هذا التقارب في المكان، أو النسب، أخوه، ابن أخيه، عمه ، إما في المكان، أو في النسب. ويطلق "الولي" على الوالد، أولياء الطلاب، يعني الوالد، والناصر وليه نصره والحاكم أولو الأمر، والسيد، فالسيد، والحاكم، والناصر، والوالد، هو "الولي"، والذي يجلس إلى جانبك ليس بينك وبينه أحد هو "الولي". من تواضع النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان لا يحب التميز: أما الولاية كمصدر تولي الأمر كقوله تعالى: ﴿ فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ ﴾ ( سورة البقرة الآية: 282 ) من يتولى أمرك، من يدير شؤونك، من يرعاك، من ترجع إليه، من تستشيره، من تعتمد عليه، وعند مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( إِذا صنعَ لأحدكم خادمُهُ طعاماً، ثم جاءه به وقد وليَ حرَّه ودخانه، فليُقعده معه فليأكل )) يعني لك خادم صنع لك طعاماً، ليأكل معك، من تواضع النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يأكل مع الخادم، أي ما كان يحب التميز. كانوا في سفر وأرادوا أن يعالجوا شاةً، فقال أحدهم: عليّ ذبحها يا رسول الله ، فقال الثاني: وعليّ سلخها، وقال الثالث: عليّ طبخها، فقال عليه الصلاة والسلام: وعليّ جمع الحطب، فقالوا: نكفيك ذلك يا رسول الله، قال: أعلم أنكم تكفوني، ولكن الله يكره أن يرى عبده متميزاً على أقرانه، هذا من تواضع النبي عليه الصلاة والسلام. دخل عليه أعرابي ما عرفه، قال: أيكم محمد ؟ والله يستنبط من هذه القصة القصيرة آلاف الاستنباطات، ما في تميز أبداً، أيكم محمد ؟ قال أحد أصحابه: ذاك الوضيء، وفي رواية: قال النبي الكريم: أنا، ما في أي تميز، هذا مجتمع المؤمنين. (( إِذا صنعَ لأحدكم خادمُهُ طعاماً، ثم جاء به - وقد وليَ حرَّه ودخانه - فليُقعده معه فليأكل )) [ أخرجه مسلم عن أبي هريرة] العاقل من أعدّ لساعة الموت عدتها: أيها الأخوة، لاشك أن الحياة محفوفة بالمخاطر، يعني إنسان بكل قوته ، وجبروته، وهيمنته، وحجمه المالي بثانية واحدة تتجمد قطرة دم في أحد أوعية دماغه يصاب بالشلل، بمكان آخر يصاب بالعمى، بمكان آخر يصاب بفقد الذاكرة، يعني لو أن الدم تجمد في أي مكان احتشاء، جلطة، حادث سير أصبح مشلولاً، ركب طائرة وقد مات جميع ركابها، يعني الحياة كلها مخاطر، ما في إنسان يضمن أن يعيش ساعة، وقد يأتي الموت بأسرع من لمح البصر، قد يكون رجلاً فإذا به خبر، لصقت على الجدران نعوته. لذلك من أقوال سيدنا عمر: واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا. كل واحد يقرأ في اليوم عشرات النعوات، لكن لابدّ في أحد الأيام من أن يقرأ الناس نعوتنا، كل يوم يخرج من بيته قائماً على قدميه، لكن في مرة واحدة لابدّ منها يخرج في نعش ولا يعود، يدخل إلى المسجد كل يوم، لكن في مرة واحدة يدخل إلى المسجد في نعش لا ليصلي بل ليُصلى عليه، هنا البطولة أن تعد لهذه الساعة التي لابدّ منها عدتها. الحياة محفوفة بالمخاطر فعلى الإنسان أن يغتنم صحته و قوته قبل فوات الأوان: لذلك الحياة محفوفة بالمخاطر، أحياناً فقر مفاجئ، والحديث الشريف: (( بادِرُوا بالأعمال سبعا: ـ بادروا أي سارعوا ـ فماذا ينتظر أحدكم من الدنيا ؟ ـ دقق ـ هل تُنْظَرون إلا فَقْرا مُنْسيا )) [ أخرجه الترمذي و النسائي عن أبي هريرة ] فقر مفاجئ، الأسعار عشرة أضعاف، رأسمالك لا يسمح لك أن تستعيد هذه البضاعة بعد ارتفاع سعرها، كساد مفاجئ، جفاف. (( هل تُنْظَرون إلا فَقْرا مُنْسيا، أو غِني مُطغيا )) غنى يحمل صاحبه على أن يعصي الله، بلاء هذا. (( أو مَرَضاً مُفسِداً )) يفسد على الإنسان حياته، يجعل حياته جحيماً لا يطاق، والله أسمع كثيراً فجأة فشل كلوي، يحتاج إلى زرع كلية، دخل في متاهة تنظيف الكلية، ثلاث مرات بالأسبوع وكل مرة مبلغ ضخم، وثمان ساعات على السرير، وآلام، الإنسان إما أن يصاب بالفقر فينسيه كل شيء وكاد الفقر أن يكون كفراً، أو غنىً يحمل الغني على معصية الله والكبر. (( أو مَرَضا مُفسِدا، أو هَرَما مُفنِدا )) تقدمت به السن، يعيد القصة مئة مرة، ظلّه ثقيل، يكره الناس ومن حوله وجوده، يتهربون منه. (( أو موتا مُجْهِزا، والدجالَ )) الذي يأتي إلى بلاد ليقيم فيها الحرية والديمقراطية، فإذا به يسفك الدماء وينهب الثروات. (( والدَّجَّالُ شَرُّ غائب يُنَتظَرُ، والساعةَ ؟ والساعةُ أدْهَى وأمرُّ )) [ أخرجه الترمذي و النسائي عن أبي هريرة ] دققوا في هذا الحديث: (( بادِرُوا بالأعمال سبعا: فماذا ينتظر أحدكم من الدنيا ؟ هل تُنْظَرون إلا فَقْرا مُنْسيا، أو غِني مُطغيا، أو مَرَضا مُفسِدا، أو هَرَما مُفنِدا، أو موتا مُجْهِزا والدجالَ ؟ والدَّجَّالُ شَرُّ غائب يُنَتظَرُ، والساعةَ ؟ والساعةُ أدْهَى وأمرُّ )) [أخرجه الترمذي والنسائي عن أبي هريرة ] إذاً هناك أخطار لا تعد ولا تحصى، أخطار بالصحة، أخطار بالعمل، أخطار بالدخل، أخطار بالرزق، أخطار أسرية، أخطار عامة، اجتياح، فقد الأمن، هناك مصائب لا تعد ولا تحصى، هذه المصائب تقلب حياة الإنسان إلى جحيم، إلى شقاء، بأسباب تافهة يقود مركبته أخذته سنة من النوم، تدمرت حياته كلها، فجأة ورم خبيث، في ريعان شبابه. أعرف إنساناً أخذ أعلى شهادة من فرنسا بالجيولوجيا، وتسلم منصباً رفيعاً جداً، وله مكانة كبيرة، وبيت فخم، وزوجة، وكل شيء، فقد بصره، راعوه شهر، يأتي موظف يعرض عليه المعاملات، ويعطي رأيه ويوقع، لكن بعدها سُرح، زاره صديق لي قال له: يا فلان ! أتمنى أن أجلس على الرصيف أتكفف الناس، وأن يرد الله لي بصري فجأة فقد بصره. لذلك من أدعية النبي عليه الصلاة والسلام: (( اللهم إنا نعوذ بك من فجأة نقمتك، وتحول عافيتك، وجميع سخطك، لك العتبى حتى ترضى )) [أبو داود عن ابن عمر ] من أطاع الله شعر براحة لا توصف لأنه بظل الله و رعايته: إذاً في أخطار كثيرة تجعل حياة الإنسان جحيماً لا يطاق، فمن الذي يحمي المؤمن ؟ من يحفظه ؟ من يربيه ؟ من يرشده ؟ من يرعاه ؟ من يؤيده ؟ من ينصره ؟ من يدافع عنه ؟ من ينبهه ؟ إنه الله. ﴿ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ ﴾ ( سورة البقرة الآية: 257 ) الإنسان إذا أطاع الله شعر براحة كبيرة، إذا أطاع الله شعر بالأنس، شعر بحماية الله، هو في ظل الله، هو في رعايته، معنى قوله تعالى: ﴿ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ﴾ ( سورة الطور الآية: 48 ) أي برعايتنا، وبحفظنا، وبتوفيقنا، وبتأييدنا، وبنصرنا. الله تعالى هو المتولي لأمور خلقه و القائم على تدبير ملكه: أيها الأخوة، الله هو "الولي" معنى "الولي" هو المتولي لأمور خلقه، القائم على تدبير ملكه، الذي يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، كما قال سبحانه: ﴿ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ ( سورة الحج ) يعني مثل بسيط: كتلتان مغناطيسيتان، وضعناهما على مستوٍ، وجئنا بكرة فولاذية وضعنا هذه الكرة بينهما، يعني في مكان لو أزحته واحد من مئة من المليمتر تنجذب هذه الكرة الحديدة إلى إحدى الكتلتين، أما في مكان وسط هندسي دقيق جداً تتوازن جاذبيات كل كتلة تبقى في مكانها، هذه حالة، الكتلتان متساويتان في الحجم، لو كتلة أكبر وكتلة أصغر الحساب صار أدق، يجب أن تكون في مكان بين الكتلتين لكن ليس في المنتصف، في مكان يتناسب مع جذب الكتلة الأكبر، وجذب الكتلة الأصغر، لو في ثلاث كتل، أصعب، لو في أربعة، أصعب، لو في خمس كتل متفاوتة بالحجم، وأنت يجب أن تضع كرة حديدية بين هذه الكتل الحسابات لا تنتهي، وقد يكون شيئاً مستحيلاً، وإن كانت هذه الكتل في الفراغ شيء أعلى، شيء أدنى، شيء أقرب، شيء أبعد، شيء أكبر، شيء أصغر، هذا يسميه العلماء توازن الحركي. الكون من آيات الله الدالة على عظمته: هكذا الكون، مجرات، وكواكب، ونجوم، وكبير، وصغير، وكثيف، وغير كثيف، والمحصلة توازن حركي، هذا من آيات الله الدالة على عظمته، يعني المحصلة في توازن، الأرض، والقمر، والشمس، المجموعة الشمسية، وفي مليون مليون مجرة، وبكل مجرة في مليون مليون نجم وكوكب، والمحصلة توازن، بحسب قانون التجاذب، الأكبر يجذب الأصغر. الأرض تسير حول الشمس، في مسار إهليلجي، طبعاً المسار الإهليلجي في قطر أصغر وقطر أكبر، إذا انتقلت الأرض من القطر الأكبر إلى الأصغر، المسافة قلّت بعدها عن الشمس أصبح أقل، إذاً احتمال أن تنجذب إلى الشمس احتمال قائم، وإذا انجذبت الأرض إلى الشمس تبخرت في ثانية واحدة، ما العمل ؟ الله عز وجل بيده ملكوت كل شيء، يرفع سرعة الأرض من هذه السرعة الجديدة تنشأ قوة نابذة تكافئ القوة الجاذبة، فتبقى في مسارها. ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا ﴾ ( سورة فاطر الآية: 41 ) الآن حينما تنتقل من القطر الأصغر إلى القطر الأكبر، المسافة زادت واحتمال تفلت الأرض من جاذبية الشمس قائمة، ما الذي يحصل ؟ يخفض الله سرعتها، هذه السرعة القليلة تنشأ قوة نابذة أقل تكافئ القوة الجاذبة الأقل فتبقى في مكانها. لذلك: ﴿ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ ولاية الله لعباده على وجهين: وقال تعالى: ﴿ أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ﴾ ( سورة الرعد الآية: 33 ) معنى دقيق جداً، كالطبيب تماماً، زار مريضاً، قرأ التحليل، الضغط مرتفع جداً، أعطى أمراً بإيقاف الملح فوراً، القضاء حكم، والقدر علاج، أحياناً الضغط منخفض جداً يعطي أمراً بإضافة ملح زائد إلى الطعام، الملح يحبس السوائل، الضغط يتوازن، أي موضوع القضاء والقدر شيء مبسط، واضح، القضاء حكم، والقدر معالجة. يرى الإنسان شارداً يُقدم له مصيبة تردّه إليه، الإنسان مقبل، يقدم له عطاء يكرمه به، فالقضاء والقدر الله عز وجل نظر إليك، حكم عليك بحالة، هيأ لك علاجاً لهذه الحالة، إما تأديباً، أو تكريماً، هذا القضاء والقدر، أوضح مثل: طبيب مرّ على مريض وجد ضغطه مرتفعاً قال: لما علم أن ضغطه مرتفع قال: أوقفوا الملح، الملح قضاء، وإيقاف الملح قدر، ﴿ أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ﴾ وولاية الله لعباده على وجهين، وهذان الوجهان يأتي شرحهما إن شاء الله في درس قادم. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#74 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم (68) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: (الودود): أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "الودود". ورود اسم الودود في القرآن الكريم فقط: هذا الاسم أيها الأخوة ورد معرفاً ومنوناً، معرف بألف ولام، منون على صيغة نكرة، في قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ * ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ * فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ﴾ ( سورة البروج ) وورد أيضاً في قوله تعالى: ﴿ وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ ﴾ ( سورة هود ) ولم يرد هذا الاسم في السنة، إلا في سرد الأسماء الحسنى عند الترمذي، وهذه الأسماء من إدراج الوليد بن مسلم كما تفضل. المعنى اللغوي لكلمة ودود: الآن المعنى اللغوي للـ "الودود"، "الودود" من صيغ المبالغة، وتعلمنا كثيراً أن صيغ المبالغة تعني مبالغة كم، ومبالغة نوع، مودة الله عز وجل لعباده كبيرة جداً ومتنوعة جداً، من حيث النوع، ومن حيث العدد. ودَ الشيء ودّاً، ووِدّاً، ووَدّاً، العلماء تسمي هذه الكلمات التي تأتي على حركات ثلاث كلمات مثلثة، كأن تقول مُصحف، ومِصحف، ومَصحف، وكل هذه الصيغ صحيحة نقول: هذه كلمة مثلثة، تأتي على حركات ثلاث بمعنى واحد، لكن هناك كلمات، وهذا من دقة اللغة العربية مثلثة، ولكن كل حركة لها معنى، قَدُم: أصبح طبيباً، قَدِم: حضر ، قَدَم: سبقه بقدمه، خُلق: من الأخلاق، خَلِق: من الاهتراء، خَلّق: من البنية، خَلّق ، خُلق، خَلِق. البَر ؛ اليابسة، البُر ؛ القمح، البِر ؛ الإحسان، من دقة اللغة العربية كل حركة من حركات الكلمة تعني شيئاً، فهناك كلمات مثلثة معناها واحد، وهناك كلمات مثلثة ذات معاني ثلاث. أيها الأخوة، إذاً ودَ الشيء، المصدر ودّاً، ووِدّاً، ووَدّاً، بالثليث. الودود من صيغ المبالغة وهي كلمة مثلثة معناها واحد من معانيها: 1 ـ التمني: المعنى الأول: التمني: ﴿ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ ﴾ ( سورة البقرة الآية: 96 ) يعني إنسان يعتني بصحته عناية فائقة، جيدة، جيد جداً، لكن لو أنه يقيم على معصية مهما عمر لابد من الوفاة. كل مخلوق يموت ولا يبقى إلا ذو العزة والـــجبروت والليل مهما طــــال فلا بد من طلوع الفـــجر والعمر مهما طــــال فلابد من نزل الـــــقبر * * * وكل ابن أنثى وإن طالت سلامته يوماً على آلة حدباء محمول فــإذا حملت إلى القبور جنازة فــاعلم أنك بعدها محمول * * * إذاً ﴿ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ ﴾ ﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ ﴾ ( سورة الغاشية ) ﴿ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ﴾ ( سورة الزمر ) ﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ﴾ ( سورة الكهف ) المعنى الأول: ﴿ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ ﴾ أي يتمنى أحدهم، من التمني. 2 ـ المحبة: المعنى الثاني: الودّ ؛ بمعنى المحبة، كما في قوله تعالى: ﴿ لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ﴾ ( سورة المجادلة الآية: 22 ) هذا المعنى في هذه الآية ينقلنا إلى ما يسمى بالولاء والبراء، فالمؤمن الصادق بل من لوازم إيمانه أنه يوالي المؤمنين، ولو كانوا فقراء، وضعفاء، والمؤمن الصادق من لوازم إيمانه أنه يتبرأ من الكفرة، والضالين، والمشركين ولو كانوا أقوياء وأغنياء، إلى من تنتمي أنت أيها المؤمن ؟ تنتمي إلى أهل الإيمان. إذاً المعنى الثاني من معاني الودّ الولاء والبراء أي الحب، ﴿ لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ﴾ 3 ـ المعية و المرافقة و المصاحبة: والودّ أيضاً في اللغة قد يأتي على معنى المعية، والمرافقة، والمصاحبة، هذا معنى ثالث، كلازم من لوزام المحبة، إن أحببت إنساناً راقبته، صاحبته، كنت معه، كنت كظله، من المعاني الفرعية الناتجة عن الحب: الملازمة. فلذلك المعنى دقيق جداً ورد في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر: (( أن رجلاً من الأعراب لقيه بطريق مكة، فسلم عليه عبد الله، وحمله على حمار كان يركبه، وأعطاه عمامة كانت على رأسه، فقال ابن دينار له: أصلحك الله إنهم الأعراب، وإنهم يرضون باليسير، فقال عبد الله: إن أبا هذا كان وداً لعمر بن الخطاب كان ملازماً له، وإني سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنَّ من أبَرِّ البرِّ صِلَةَ الرجل أهلَ وُدِّ أبيه )) [ مسلم عن عبد الله بن عمر] من فضل الله على الإنسان أنه يسمح له بأن يكون باراً بوالديه بعد موتهما: مرة شخص سأل النبي عليه الصلاة والسلام وقد توفي والداه، ماذا بقي عليّ من برّ والدي بعد موتهما ؟ قال: أربعة أشياء، أن تدعو لهما، الدعاء أثناء صلاة الجنازة، وأن تستغفر لهما، ربي اغفر لي ولوالدي، وأن تنفذ عهدهما، قبل أن يموت الأب عهد إلى أولاده شيئاً، وأن تنفذ عهدهما، وأن تصل صديقهما، وأن تصل الرحم التي لم يكن لها صلة إلا بهما، فهذا الذي بقي عليك من برهما بعد موتهما. أي من فضل الله عز وجل أتاح الله للابن أن يكون باراً بوالديه بعد موتهما حينما يصل الرجل أهل ود أبيه، حينما ينفذ عهد أبيه، حينما يصلي على أبيه صلاة الجنازة، حينما يدعو له في كل صلاة، هذه من مسلكيات البر بعد الموت. الله عز وجل ودود يحب رسله و أولياءه و يتودد إليهم بالنعم التي أحاطهم بها: أيها الأخوة، اسم "الودود" اسم له خصوصية، الآن الله عز وجل ودود كيف ؟ قال: "الودود" هو الذي يحب رسله، وأولياءه، ويتودد إليهم، الله عز وجل كيف يتودد إليك ؟ هو غني عنا جميعاً. (( لو أنَّ أوَّلَكم وآخرَكم وإنسَكم وجِنَّكم، كانوا على أفجرِ قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً، لو أنَّ أوَّلَكم وآخرَكم وإنْسَكم وجِنَّكم كانوا على أتْقَى قلب رجل واحدِ منكم، ما زاد ذلك في مُلْكي شيئاً، لو أنَّ أوَّلكم وآخرَكم، وإنسَكم وجِنَّكم، قاموا في صعيد واحد فسألوني، فأعطيتُ كُلَّ إنسان مسألتَهُ، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما يَنْقُص المِخْيَطُ إذا أُدِخلَ البحرَ، ذلك لأن عطائي كلام وأخذي كلام، فمن وَجَدَ خيراً فليَحْمَدِ الله ومن وجد غير ذلك فلا يَلُومَنَّ إلا نَفْسَهُ )) [ أخرجه مسلم والترمذي عن أبي ذر الغفاري ] أيها الأخوة، الله عز وجل ودود، يتودد إلينا بهذه النعم التي أحاطنا بها، يعني بشكل أو بآخر الله عز وجل ودود يعني تودد إلى عباده بالنعم الذين هم فيها، يعني نعمة الألوان، هناك مخلوقات لا ترى إلا الأبيض والأسود، أحياناً صورة أبيض وأسود لا تعجبك أما ملونة وهناك ألوان زاهية أحياناً، أعطاك الألوان، أعطاك اللون الأخضر، وقد يغطي مساحات شاسعة، جعل السماء زرقاء، جعل البحر أزرق اللون، في البيت طفل صغير ممتلئ حيويةً وجمالاً وروعةً وبهاءً، أليس هذا من الود، كل النعم التي يتمتع بها الإنسان تندرج تحت اسم "الودود". من أحب الله و أحسن إلى عباده أحبه الله عز وجل: "الودود" إذاً هو الذي يحب رسله، وأولياءه، ويتودد إليهم، يعني تأكد أنك إذا كنت مستقيماً على أمر الله، تأكد أنك إذا خطبت ود الله، تأكد أنك إذا أحسنت إلى العباد الله يحبك. والله مرة سمعت كلمة من متكلم في عقد قران روى حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، يخاطب النبي به معاذ قال: (( يا معاذ إني لأحبك )) [ النسائي عن معاذ بن جبل] يعني شيء لا يقدر بثمن أن يحبك رسول الله، أو أن يحبك المؤمنون، أو أن يحب الله عز وجل. ﴿ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾ ( سورة المائدة الآية: 54 ) بل إن الله أراد أن تكون العلاقة بينه وبين عباده علاقة حب، علاقة محبوبية لهذا قال: ﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ﴾ ( سورة البقرة الآية: 156 ) يريدك أن تأتيه محباً، طائعاً، برغبة منك، بمبادرة منك، من دون قهر، من دون إكراه. من أحبه الله ألقى محبته في قلوب الخلق جميعاً: لذلك الله "الودود" يعني يحب عباده، كيف يحبهم ؟ يرضى عنهم، كيف يحبهم ؟ يغفر لهم، كيف يحبهم ؟ يرحمهم، كيف يحبهم ؟ يتوب عليهم، كيف يحبهم ؟ يستجيب دعاءهم، كيف يحبهم ؟ يتقبل أعمالهم، وكيف يحبهم ؟ يوددهم إلى خلقه، إذا أحبك الله ألقى محبتك في قلوب الخلق، فهو ودود، إذا أحبك الله جعل الخلق يحبونك، هذا من نعم الله الكبرى. لذلك لا تتوهم أن الخلق إذا أحبوك بجهدك، وبذكائك، وبحنكتك، لا، ألقى الله في قلوب الخلق محبتك، إذا أحب الله عبداً ألقى محبته في قلوب الخلق، والدليل قوله تعالى: ﴿ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي ﴾ ( سورة طه الآية: 39 ) ألقيت عليك محبة في قلوب الخلق مني، أنا السبب، وأحياناً الله عز وجل يلقي بغض إنسان في قلوب الخلق، لا أحد يحبه، يكون على مستوى عالٍ من الذكاء، من الجمال، من المال، من القوة لا يُحب، أن يحبك الناس هذا أكبر عطاء من الله عز وجل. الله عز وجل يتودد إلى عباده بالمغفرة و التوبة و استجابة الدعاء: إذاً الله "الودود" يحب رسله، يحب أولياءه، يتودد إليهم بالمغفرة، بالتوبة، باستجابة الدعاء، يرضى عنهم. ﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ﴾ ( سورة الفتح الآية: 18 ) يعني أنت حينما تكون مستقيماً على أمر الله من فضل الله عليك يلقي في روعك أنه يحبك، هذا الشعور لا يعرفه إلا من ذاقه، عملك طيب، دخلك حلال، بيتك منضبط ، أولادك ربيتهم تربية عالية، بناتك محجبات، البيت إسلامي، الدخل إسلامي، الإنفاق إسلامي، النشاط إسلامي، المحبة لله ورسوله، عندئذٍ الله يحبك يلقي في روعك أني أحبك، وإذا أحبك الله وصلت إلى كل شيء. (( ابن آدم اطلبني تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء وأنا أحب إليك من كل شيء )) [من مختصر تفسير ابن كثير] المؤمن الصادق يجتمع في قلبه تعظيم لله وحب له وخوف منه: الآن يوددهم إلى خلقه، يحبب خلقه بهم، معنى "الودود" موقف المؤمن الموقف الذي يليق به، أن يحبب الله إلى عباده، كما أن الله يحبب المؤمنين إليك، أيضاً موقفك الأخلاقي أن تحبب الله إلى عباده. أحد أنبياء الله عز وجل قال: (( يا رب، أي عبادك أحب إليك حتى أحبه بحبك ؟ فقال: أحب عبادي إلي تقي القلب، نقي اليدين، لا يمشي إلى أحد بسوء )) [من الدر المنثور عن ابن عباس ] يعني ما فكر إطلاقاً أن يسيء لإنسان، بل لمخلوق. (( أحبني، وأحب من أحبني، وحببني إلى خلقي، قال: يا رب إنك تعلم أني أحبك وأحب من يحبك، فكيف أحببك إلى خلقك ؟ قال: ذكرهم بآلائي، ونعمائي وبلائي )) [من الدر المنثور عن ابن عباس ] أنت إن ذكرت الناس بنعماء الله تحبب الله إلى عباده، وإن ذكرتهم ببلاياه بالبلاء، والشدة، تخوفهم أن يعصوه وأنت إن ذكرتهم بآلائه العظيمة يعظموه، إذاً لابدّ من أن يجتمع في قلب المؤمن تعظيم، وحب، وخوف. من شعر أن الله عز وجل يؤثره و يحبه شعر بنشوة عظيمة لا تقدر بثمن: الآن الآية الكريمة وهي من أروع الآيات: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً ﴾ ( سورة مريم ) ما قولك ؟ المودة مع من ؟ مع خالق السماوات والأرض، ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً ﴾ أن تشعر بمودة مع الله عز وجل، أن تشعر أن الله يحبك، أن تشعر أن الله يؤثرك، الدعاء الشريف: (( اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارضَ عنا )) أنت حينما تشعر أن الله يؤثرك، ويحبك، ويعطيك، هذه نشوة ما بعدها نشوة. إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً: من معاني هذه الآية: 1 ـ شعور الإنسان بمودة عظيمة بينه و بين الله عز وجل: لذلك المعنى الأول: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً ﴾ فيما بينهم وبين الله، تشعر بمودة، بالتعبير الدارج أنت غالٍ على الله. 2 ـ شعور الإنسان بمودة عظيمة بينه و بين المؤمنين: هناك معنى آخر: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً ﴾ فيما بينهم، في مودة بين المؤمنين، لا يستطيع شيء في الأرض أن يقوضها. ﴿ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ﴾ ( سورة الأنفال الآية: 63 ) من علامة إيمان المؤمن أنه يحب الله و يحب المؤمنين: من علامة إيمانك أنك تحب الله، من علامة إيمانك أنك تحب المؤمنين، أنك تضحي من أجلهم، أنك تؤثرهم على كل شيء، علامة الإيمان الحب بين المؤمنين، وعلامة النفاق بغض المؤمنين. ﴿ إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ ﴾ ( سورة التوبة الآية: 50 ) اجعل هذا مقياساً لك، يعني إذا أخوك المؤمن أخذ شهادة عليا تتألم ؟ إن تألمت علامة نفاق، وإذا أخوك المؤمن تزوج زوجة صالحة تنزعج ؟ علامة نفاق، إذا أخوك المؤمن أسس عملاً ونجح العمل فالمؤمن إذا قوي قوته للمؤمنين، إذا اغتنى غناه للمؤمنين ، إذا تفوق تفوقه للمؤمنين فهذا مقياس دقيق، علامة إيمانك أنك تفرح لكل مؤمن لعطاء الله له أما إذا تألمت بادرة غير طيبة إطلاقاً هي علامة نفاق حينما يكون الله عز وجل ﴿ إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ ﴾ ﴿ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا ﴾ ( سورة آل عمران الآية: 120 ) يعني: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾ ( سورة النور الآية: 19 ) ما فعل شيئاً، ما تكلم كلمة، ما تحرك، ما غمز، ما لمز أبداً، لكن ارتاح لما الله دمر إنساناً، والإنسان محسوب مؤمن ارتاح، هذا شعور مخيف أن تتمنى أن يدمر المؤمنون، أن تتمنى ألا ينتصر المؤمنون، أن تتمنى أن يكون المؤمنون فقراء ﴿ إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ ﴾ لذلك: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً ﴾ فيما بينهم. (( إِنَّ اللهَ إِذا أحبَّ عبدا دعا جبريلَ، فقال: إِني أحبُّ فلاناً فأحِبَّه، قال: فيُحِبُّه جبريلُ، ثم ينادي في السماءِ، فيقول: إِنَّ اللهَ يحبُّ فلاناً فأحِبُّوه، فيحبُّه أهل السماء، ثم يوضَعُ له الَقبُولُ في الأرض )) [ البخاري عن أبي هريرة] قبله الناس، أحب الناس كلامه. الله عز وجل مع الصادقين بالتوفيق و التأييد و النصر و الحفظ : ابن عباس يُعرف "الودود" بأنه الحبيب، المجيد، الكريم، الآن الله عز وجل "الودود" لأنه يؤيد رسله، ينصر عباده الصالحين بمعيته الخاصة. ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾ ( سورة الحديد الآية: 4 ) معية عامة، الله مع الكافر، مع الملحد، مع المجرم، بعلمه ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾ بعلمه أما: ﴿ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ ( سورة الأنفال ) ﴿ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴾ ( سورة البقرة ) إن الله مع الصادقين، أي معهم بالتوفيق، معهم بالنصر، معهم بالتأييد، معهم بالحفظ، إذا كنت مع الله كان الله معك، وإذا كان الله عليك فمن معك، وإذا كان معك فمن عليك، ويا رب ماذا فقد من وجدك، وماذا وجد من فقد من وجدك ؟ الله عز وجل "الودود" يؤيد رسله وعباده الصالحين، بمعيته الخاصة ﴿ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴾ مع الصادقين، معهم بالحفظ، بالتأييد، بالنصر. فلا يخيب رجاءهم، ولا يرد دعاءهم، وهو عند حسن ظنهم به، وهو "الودود" لعامة خلقه، بواسع كرمه، وسابغ نعمه، يرزقهم، الآن عامة الخلق يرزقهم، يؤخر العقاب عنهم، لعلهم يرجعون إليه. الله سبحانه وتعالى هو وحده من يستحق أن تعبده وأن تحبه: قال ابن القيم: أما "الودود" ففي قولان، أحدهما: أنه بمعنى فاعل، الذي يحب أنبياءه ورسله والمؤمنين، والثاني هذا معنى جديد، والثاني بمعنى مودود أي محبوب، أن الله سبحانه وتعالى هو وحده يستحق أن تعبده، ويستحق أن تحبه، هو أهل لمحبتك، وأن يكون أحب إلى العبد من سمعه، وبصره، وجميع محبوباته. لذلك أيها الأخوة ﴿ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ * ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ * فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ﴾ يحبك، ويتودد إليك، فينبغي أن تحبه، وأن تتودد إليه بالأعمال الصالحة لخدمة خلقه. الدين هو اتصال بالله وإحسان إلى المخلوق: المؤمن من خصائصه أنه يحب الله، ويحسن إلى خلقه، وسيدنا عيسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام في القرآن ورد: ﴿ وَأَوْصْانِي بِالصّلاةِ والزَّكَاةِ مَا دُمْت حَيّاً ﴾ ( سورة مريم ) لخص بكلمتين حقائق الدين، اتصال بالله، وإحسان إلى المخلوق ﴿ وَأَوْصْانِي بِالصّلاةِ والزَّكَاةِ مَا دُمْت حَيّاً ﴾ والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#75 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم (69) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: (الحكيم): أيها الأخوة الأكارم، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "الحكيم". ورود اسم الحكيم في القرآن الكريم مقترناً في أغلب المواضع باسم العزيز: هذا الاسم ورد في القرآن الكريم في كثير من الآيات، وفي كثير من الأحاديث الشريفة، قال تعالى: ﴿ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ ( سورة البقرة ) هذا الاسم أيها الأخوة، ورد مقترناً في أغلب المواضع باسم العزيز، العزيز الحكيم، كقوله تعالى: ﴿ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ ( سورة آل عمران ) وقد ورد أيضاً مقترناً باسم الخبير، وكذلك باسم العليم. ورود اسم الحكيم في السنة النبوية: أما في السنة ففي صحيح البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( كما قال العبد الصالح عيسى بن مريم: ﴿ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ )) ( سورة المائدة ) أيها الأخوة، كتعليق على هذه الآية الكريمة التي قالها النبي عليه الصلاة والسلام تقييم العباد من شأن الله وحده، لا تفكر أن تقييم إنساناً، بل إنه من التألي على الله أن تحكم على إنسان حكماً قطعياً، قد تجد إنساناً الآن، ومن أدراك أنه سيتوب، وسيسبقك أحياناً فحجم الإنسان لا يسمح له أن يصدر حكماً قطعياً على إنسان آخر، فتقييم البشر من شأن خالق البشر، استرح وأرح، لكن ليس معنى هذا أن ترى إنساناً يقترف معصية كبيرة وتقول هذا ولي، هذا حمق، هذه معصية، لكن مستقبل هذا الإنسان لا يعلمه إلا الله. تقييم البشر من شأن خالق البشر: لذلك دخل النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت أحد الصحابة، الذين توفاهم الله اسمه أبو السائب، فسمع امرأة تقول: هنيئاً لك أبا السائب لقد أكرمك الله، لأنه نبي مرسل ولأن كلامه حديث وتشريع، ولأن أفعاله سنة وتشريع، ولأن سكوته إقرار وتشريع، ينبغي ألا يسكت، فقال عليه الصلاة والسلام: ما يدريك أن الله أكرمه ؟ قولي أرجو الله أن يكرمه وأنا نبي مرسل، لا أدري ما يفعل بي ولا بكم. يعني على وجه اليقين، أما على وجه الرجاء كل مؤمن يرجو رحمة الله، كل مؤمن مستقيم على أمر الله، مخلص يرجو الجنة، الرجاء شيء، والحكم القطعي المستقبلي على إنسان شيء آخر، فمن باب الأدب مع الله عز وجل لا تصدر حكماً على إنسان مستقبلياً هذا إلى النار، من قال لك كذلك ؟ الله تواب رحيم، الآن يعصي، كن عوناً له على الشيطان ولا تكن للشيطان عوناً عليه. إذاً ﴿ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ هذا أدب مع الله، فالمؤمن لا يتألى على الله، ولا يقيّم البشر، ولا يصدر أحكاماً قطعية مستقبلية، هذا ليس من شأن العبد، هذا من شأن الرب، العبد عبد، والرب رب. المعاني اللغوية التي وردت في المعاجم حول كلمة "الحكيم" : أيها الأخوة، "الحكيم" في اللغة كما ألفنا في الأسماء السابقة صيغة مبالغة، على وزن فعيل، بمعنى فاعل، يعني حكيم بمعنى محكم، أحكم الصنعة أتقنها، والفعل حكم يحكم، حكماً، وحكومة. و "الحكيم" يأتي على عدة معانٍ: 1 ـ الإحاطة: منها الإحاطة، فلان أحكم قبضته على هذا المشروع، سيطر عليه، وأحاط به علماً، الإحاطة والمنع، حكم الشيء منعه، وسيطر عليه وأحاط به، حكمة اللجام يضعون في فم الحصان قطعة من الحديد تلجمه، اسمها حكمة اللجام. 2 ـ المدقق في الأمور: "الحكيم" المدقق في الأمور، المتقن لها. 3 ـ الذي يحكم الأشياء: "الحكيم" الذي يحكم الأشياء، ويحسن دقائق الصناعات ويتقنها، حكيم في صنعته، صنعة متقنة جداً، يقول أحدهم: أحكمته التجارب، علمته التجارب، أصبحت خبراته متراكمة. 4 ـ الذي يحكم الأمر: "الحكيم" هو الذي يحكم الأمر، يضبطه، ويقضي فيه، وأمره نافذ فيه. 5 ـ المدرك لدقائق الأمور: "الحكيم" هو المدرك لدقائق الأمور، يبين الأسباب والنتائج. 6 ـ الحاكم: "الحكيم" هو الحاكم، كأن تقول قدير بمعنى قادر، وعليم بمعنى عالم، واستحكم الرجل ؛ أي ابتعد عن كل ما يضره في دنياه وآخرته. هذه المعاني اللغوية التي وردت في المعاجم حول كلمة "الحكيم" . الله جلّ جلاله حكيم متصف بحكمة حقيقية: أما الله جل جلاله نقول هو "الحكيم" يعني متصف بحكمة حقيقية، عائدة إليه ، وقائمة به، كسائر صفاته، بحكمته: ﴿ خَلَقَ فَسَوَّى*وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ﴾ ( سورة الأعلى ) وأسعد وأشقى، وأضل وهدى بحكمته، ومنع وأعطى، "الحكيم" هو المحكم لخلق الأشياء على مقتضى حكمته، لماذا جعل الله لنا عينين ؟ لمَ لم تكن عيناً واحدة، بالعين الواحدة ترى الطول والعرض، ترى السطوح ولا ترى الحجوم، بالعينين ترى البعد الثالث ، ترى العمق، أنت بعين واحدة لا تستطيع أن تُدخل الخيط في الإبرة، وقد تكون المسافة بينهما عشرة سنتمتر، أما بالعينين تدرك البعد الثالث، فمن حكمة الله عز وجل أنه جعل لنا عينين. ﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ﴾ ( سورة البلد ) ومن الحكمة أن جعل لنا أذنين، بأذن واحدة لا تعرف جهة الصوت، أما بالأذنين يأتي الصوت من هنا، يدخل إلى هذه الأذن قبل هذه الأذن، بفارق يساوي على واحد على 1620 جزءاً من الثانية، تدرك جهة الصوت. "الحكيم" هو الذي جعل قرنية العين تتغذى عن طريق الحلول، ولولا ذلك لو غُذيت قرنية العين كأي نسيج في جسم الإنسان لرأيت ضمن شبكة أوعية دموية تغذي قرنية العين، أما قرنية العين وحدها تتغذى عن طريق الحلول. "الحكيم" لم يجعل في شعرك أعصاب حس، ولو جعل أعصاب حس لاضطررت إلى عملية جراحية اسمها الحلاقة. "الحكيم" جعل لك قلباً ينبض ذاتياً، ولو ترك النبض إليك فالنوم يعني الموت. كل شيء في الكون يدل على حكمة الله عز وجل: "الحكيم" يمكن أن ترى كل شيء في الكون يدل على حكمته، وأحد أكبر أسباب الإيمان بالله دليل الحكمة، الطفل الصغير فُتح ثقب بين أذنيه، وهو في رحم أمه اسمه ثقب بوتال، عند الولادة تأتي جلطة من "الحكيم" تغلق هذا الثقب، ولو لم تغلق لمات البشر بداء الزرق. "الحكيم" أودع في طحال الجنين كمية من الحديد تكفيه سنتين، إلى أن يأكل الطعام، الحديث عن الحكمة لا ينتهي، لكن أوضح مثل قريب جداً: مفتاح الكهرباء أين يوضع ؟ على مستوى الأرض ! من أجل أن تستخدمه ينبغي أن تنبطح، أم يوضع في رأس الحائط تحتاج إلى سلم، أين المكان المناسب ؟ أن يكون في مستوى كتف الإنسان، هذا المكان وضع بحكمة بالغة، وبإمكانك أن تكتشف حكمة الله في كل شيء. الفم ليس فيه شعر، الأنف فيه شعر، الشعر بالأنف ليصطاد المواد العالقة بالهواء، أما الشعر بالفم يزعج في الطعام والشراب، الحديث عن الحكمة يحتاج إلى عمر مديد، أحد أكبر أدلة وجود الله عز وجل دليل الحكمة. الماء ليس له لون، لو أن له لوناً للون كل أطعمتنا، لخرجنا من جلدنا من هذا اللون، لو أن له رائحة لكانت هذه الرائحة في كل ما نأكل، أيضاً لم نحتمل ذلك، ليس له لون، ولا طعم، ولا رائحة، شديد النفوذ، يتبخر بدرجة 14، لا ينضغط، لو وضعت متر مكعب من الماء وفوقه حجم ووزن يزيد عن مئة طن لا ينضغط ولا ميلي، وهذا الماء إذا تمدد ليس في الأرض قوة تقف في وجهه. لذلك أحدث طريقة لاقتلاع الرخام تحفر أنفاق ضيقة تملأ بالماء، ويبرد الماء، فهذا التبريد يدفع هذه الكتلة من الصخر أن تنفصل عن أصل مكانها، خصائص الماء فيها حكمة بالغة،. خصائص الهواء، الهواء يحمل بخار ماء، لولا أنه يحمل بخار ماء لما كانت أمطار، ولما كانت حياة. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#76 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم (70) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: (الغفور): أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "الغفور" وكما أن اسم المجيب من أقرب الأسماء إلى المؤمن، كذلك اسم "الغفور" من أقرب الأسماء إلى المؤمن. ورود اسم الغفور في القرآن الكريم و السنة الشريفة: اسم الله "الغفور" ورد معرفاً ومنوناً، ورد معرفاً بالألف واللام في أحد عشر موضعاً في القرآن الكريم، كما في قوله تعالى: ﴿ نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ ( سورة الحجر ) هناك من يُغفل تتمة الآية: ﴿ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ ﴾ ( سورة الحجر ) غفور رحيم إذا تبت إليه، أما إذا لم تتب فعذابه عذاب أليم، وفي قوله تعالى: ﴿ وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ ﴾ ( سورة الأنعام الآية: 133 ) الله عز وجل خاطب النبي الكريم، وهو أرحم الخلق بالخلق، فقال له: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾ ( سورة آل عمران الآية: 159 ) ﴿ وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ ﴾ فإذا تراحم الخلق فبرحمة من الله ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾ توكيل تقليل برحمة ﴿ وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ ﴾ وورد في اثنتين و سبعين آية في القرآن الكريم، منوناً، كما في قوله تعالى: ﴿ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ ( سورة البقرة ) أما في السنة: أبو بكر رضي الله عنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: (( يا رسولَ الله، عَلمني دُعاء أَدعو بِهِ في صَلاتي، قال: قُلْ: اللهمَّ إني ظَلمتُ نَفسي ظُلْما كثيراً، ولا يَغفِرُ الذُّنُوبَ إِلا أَنتَ، فَاغْفِر لي مَغْفِرَة من عِنْدِكَ، وارحمني إنك أَنتَ الغَفُورُ الرَّحيمُ )) [أخرجه البخاري عن ابن عمر ] هذا دعاء علمه النبي صلى الله عليه وسلم لسيدنا الصديق: (( عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى على رجل ـ كان قد مات ـ فقال اللهم إن فلان ابن فلان في ذمتك، وحبل جوارك، فأعذه من فتنة القبر وعذاب النار، أنت أهل الوفاء والحمد، اللهم اغفر له وارحمه، إنك أنت الغفور الرحيم )) [أبو داود عن واثلة بن الأسقع] هذا دعاء النبي للميت، هذا فيما ورد في الكتاب والسنة عن اسم "الغفور" . معاني اسم الغفور في اللغة: "الغفور" في اللغة، من صيغ المبالغة على وزن فعول، غافر، فاعل، غفور من صيغ المبالغة، يعني كثير المغفرة، ولا تنسوا أيها الأخوة، أن الاسم إذا جاء على صيغة المبالغة يعني المبالغة كماً ونوعاً، يغفر مليار ذنب، ويغفر أكبر ذنب، معنى غفور يدل على الكثرة والقوة، الكم والنوع في الفعل، طبعاً الفعل من هذا الاسم غفر، يغفر، غفراً، ومغفرة، وغفراناً، أصل الغفر التغطية، والستر، وكل شيء سترته فقد غفرته، كأن الله عز وجل حينما يغفر الذنب يستره عن صاحبه، لئلا يتعذر به، فطرة الإنسان فطرة سليمة، فإذا أخطأ الإنسان، أو سبب إيذاء لمخلوق يتعذب. فالمغفرة: أن يستر الله عنه هذا الذنب، وكل شيء سترته فقد غفرته، والمغفر غطاء الرأس، والمغفرة التغطية على الذنوب والعفو عنها، وغفر الله ذنوبه أي سترها: (( يُدنى المؤمن من ربه حتى يضَع عليه كنَفَه - أي ستره - فيقرِّرُه بذنوبه: تَعْرِفُ ذَنّبَ كذا وكذا ؟ فيقول: أعرف ربِّ، أعرفُ - مرتين - فيقول سَتَرْتُها عليك في الدنيا، وأغْفِرُها لك اليومَ، ثم تُطوى صحيفةُ حسناته، وأما الآخرون - أو الكفار أو المنافقون - فينادى بهم على رؤوس الخلائق: هؤلاء الذين كَذَبوا على ربهم، ألا لعنةُ الله على الظَّالمين )) [ البخاري عن ابن عمر] كما قلت قبل قليل: إن اسم "الغفور" من أقرب الأسماء الحسنى إلى المؤمن، لأن المؤمن مذنب تواب، والله عز وجل غفور. الله عز وجل غفور يستر العيوب والذنوب: الآن الله عز وجل غفور، ما المعنى الدقيق ؟ قال: "الغفور" هو الذي يستر العيوب ويستر الذنوب، مهما بلغ الذنب، مهما بلغ الذنب من الكبر، ومهما تكرر من العبد وأراد الرجوع إلى الرب، فإن باب المغفرة مفتوح في كل وقت، ما لم تغرغر النفس، وليس التوبة: ﴿ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآَنَ ﴾ ( سورة النساء الآية: 18 ) عند الغرغرة لا تقبل التوبة، أو تطلع الشمس من مغربها، وقد ذكرت لكم من قبل: أن من معاني طلوع الشمس من مغربها، أن المسلمين حينما يستصغرون دينهم ويرون أن الغرب بما فيه من فسق، وفجور، وانحلال، وتطاول، وغطرسة، وكبرياء ، هم القوم، هم المتحضرون، هم الأخلاقيون، إذا أغفلنا ديننا، وتطلعنا إلى الغرب على أن الحضارة منه، والقيم منه، والحسن ما فعله، والقبيح ما قبحه، لا تعطى رخصة في أي مكان في العالم لفندق من نوع الخمس نجوم إلا إذا كان فيه الخمر، هكذا، حينما نرى الغرب مصدر الحضارة، مصدر الرقي، الغرب هم الأناس الذين عرفوا كيف يعيشون. (( كل نفس تحشر على هواها، فمن هوي الكفر فهو مع الكفرة، ولا ينفعه عمله شيئاً )) [أخرجه الطبراني عن جابر بن عبد الله ] حينما نرى الغرب كل شيء ونحن لا شيء، نحن على ما نحن عليه، عندنا وحي السماء، عندنا دين القيمة، عندنا سيد الأنبياء والمرسلين، عندنا منهج الخالق، عندما لا نرى أنفسنا شيئاً، ونرى الغرب كل شيء، عندئذٍ يغلق باب التوبة، لماذا يتوب الإنسان ؟ هذا أخطر شيء بالإنسان أن تهتز مبادئه و قيمه من الداخل. لذلك باب المغفرة مفتوح في كل وقت، ما لم تغرغر النفس وتطلع الشمس من مغربها، طبعاً من معاني طلوع الشمس من مغربها، أن نرى الغرب في أعلى درجات الرقي على ما هم فيه من إباحية، من تفلت، من انحلال، لكن في تقدم مادي مذهل. الاستغفار نوعان: عام و خاص: اسم الله "الغفور" يدل على دعوة العباد للاستغفار بنوعيه، هناك استغفار عام واستغفار خاص، ما الاستغفار العام ؟ هو الاستغفار من صغائر الذنوب، وقبائح العيوب ، وما يدور من خواطر السوء في القلوب، فالقلب فيه منطقتان، منطقة حديث النفس، ومنطقة الكسب، وأنت ساكت، هناك حديث داخلي، وهناك حديث ذاتي. شخص ركب بمركبة إلى حلب، لوحده، طوال الطريق يحدث نفسه، قال: يا ترى هل أزور فلاناً ؟ لا، لا أريد أن أزوره، حوار ذاتي، يسموه كتّاب المسرح منولوج، حوار الذات، ففي منطقة الحديث حديث النفس، قد يأتيك خاطر لا يرضي الله، قد تفكر بإيذاء إنسان، قد تستصغر إنساناً مؤمناً لكن فقير، كل خاطر، كل حديث ذاتي لا يرضي الله ينبغي أن تستغفر الله من هذه الخواطر، هذا الاستغفار العام، يعني الله عز وجل تفضل علينا، وكأنه عفا عنا فيما حدثنا به أنفسنا، أما إذا انقلب إلى عمل، صار في استغفار خاص، في ذنب ارتكبته، في سلوك فعلته، في موقف وقفته، في نظرة نظرتها، في استعلاء استعليت به، مادام في سلوك، انتقلنا إلى منطقة أخرى، منطقة الكسب، في خواطر، خطرات، أفكار قد لا ترضي الله، تحتاج إلى استغفار عام، وفي منطقة الكسب في سلوك، وقفت موقفاً عنيفاً، وقفت موقفاً في استعلاء، من أنت ؟ ﴿ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ﴾ ( سورة فصلت الآية: 15 ) الموقف الذي في استعلاء، الذي في خطأ، الذي في كبر، الذي في تجاوز الذي في مخالفة، هذا يستدعي استغفار خاص، أن تستغفر الله من هذا الذنب بالذات. من نعم الله الكبرى على الإنسان أن الله يغفر لنا ما خطر في أذهاننا من خواطر لا ترضيه: أيها الأخوة، قال تعالى: ﴿ وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ ( سورة يوسف ) أي من نعم الله الكبرى أن الله يغفر لنا ما خطر في أذهاننا من خواطر لا ترضيه: (( والله إِني لأستغفرُ الله وأَتوبُ إليه في اليومِ سَبعينَ مَرة )) [ البخاري عن أبي هريرة] إلا أن توبة النبي هناك من أعطاها معنىً آخر، يعني كلما أقبل على الله انكشفت له من حقيقة الذات الإلهية ما رأى أن رؤيته السابقة ذنباً تستحق الاستغفار، هذا الكلام في شأن النبي صلى الله عليه وسلم. (( والله إِني لأستغفرُ الله وأَتوبُ إليه في اليومِ سَبعينَ مَرة )) [ البخاري عن أبي هريرة] و: (( إِنه لَيُغَانُ على قَلبي ـ ليغطى على قلبي ـ حتى أَستَغفِر الله في اليومِ مئةَ مرة )) [مسلم عن الأغر المزني] وقال بعض العلماء: كلمة مئة تدل على الكثرة، لا على العدد المحدد، هذا الاستغفار العام، أما الاستغفار الخاص هذا كما قلت قبل قليل: متعلق بمنطقة الكسب، بعد تعمد الفعل، يعني سخر، اغتاب، نمّ، احتقر، ضرب، استكبر، استعلى، بعد تعمد الفعل واقتراف الإثم في اللسان والجوارح كقوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ آثاما * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً *إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ﴾ ( سورة الفرقان ) أي قبل التوبة كان بخيلاً، بعد التوبة أصبح كريماً، قبل التوبة كان غضوباً، بعد التوبة أصبح حليماً، قبل التوبة كان قليل الورع، بعد التوبة أصبح كثير الورع. الله عز وجل خلق الإنسان بإرادة حرة تميز بين الحق والباطل: أيها الأخوة الكرام، الله عز وجل خلق البشر بإرادة حرة، أنت حر، أنت مخير ، لولا أنك مخير لا معنى للجنة ولا للنار، ولا للثواب ولا للعقاب، ولا للسعادة ولا للشقاء ، أنت مخير. ﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾ ( سورة الكهف الآية: 29 ) ﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً ﴾ ( سورة الإنسان ) فالله عز وجل خلق البشر وأعطاهم إرادة حرة. ﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ﴾ ( سورة البقرة الآية: 148 ) ﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تخرصون َ ﴾ ( سورة الأنعام ) إذاً خلقهم بإرادة حرة، مخيرة بين الحق والباطل، بين الخير والشر، بين الخطأ والصواب، وأعلمهم أنه غفور رحيم، و تواب كبير، ليظهر لهم الكمال في أسمائه، وليحقق فيهم مقتضى أوصافه، لتعود المنفعة عليهم أجمعين. (( كُلُّ بَني آدمَ خطَّاءٌ وخيرُ الخَطَّائينَ التَّوابونَ )) [ الترمذي عن أنس بن مالك] العاقل من حاسب نفسه حساباً عسيراً قبل لقاء الله عز وجل: عند مسلم من حديث أبي أيوب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( لو لم يكن لكم ذنوب يغفرها الله لكم لجاء الله بقوم لهم ذنوب يغفرها لهم )) هذا الحديث يحتاج إلى شرح، له رواية أخرى: (( لَو لَم تُذنِبُوا لَذَهَبَ الله بكُمْ، وَلَجَاءَ بقوم يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ، فَيَغْفِرُ لهم )) الحقيقة ليس معنى الحديث أن تسارع إلى الذنب، مستحيل وألف ألف مستحيل ولكن معنى الحديث أن الذي لا يشعر بذنبه هالك، منتهٍ، لا يعبأ الله به، يفعل الكبائر، يقول لك ماذا فعلت ؟ لم أفعل شيئاً ؟ هذا الذي لا يرى ذنبه إطلاقاً، (( لَو لَم تُذنِبُوا )) بمعنى لو لم تشعروا بذنوبكم، يسهر سهرة كلها غيبة ونميمة، يقول لك ماذا فعلت ؟ نتسلى ! لا، كل كلمة ذكرتها فيها حساب شديد، (( لَو لَم تُذنِبُوا )) أنتم هالكون عند الله، لا يعبأ بكم، يأتي بقوم إذا أخطأ بكلمة لا ينام الليل، إذا أكل قرشاً حراماً يحاسب نفسه حساباً عسيراً. رأى النبي تمرة على السرير، قال: يا عائشة ! لولا أني أخشى أنها من تمر الصدقة لأكلتها، يحاسب نفسه حساباً عسيراً. (( وركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلط )) [ الجامع الصغير عن أنس ] أيها الأخوة، إذاً (( كُلُّ بَني آدمَ خطَّاءٌ وخيرُ الخَطَّائينَ التَّوابونَ )) [الترمذي عن أنس] (( لَو لَم تُذنِبُوا لَذَهَبَ الله بكُمْ، وَلَجَاءَ بقوم يُذْنِبُونَ )) [ رَوَاهُ مُسلِمٌ عن أبي أيوب خالد بن يزيد] بمعنى يشعرون بذنوبهم، يتألمون منها، في حياة، إذا إنسان حي ضربته يتألم إذا ميت لا يتألم. ليس من مات فاستراح بميت إنما ميتُ ميت الأحياء * * * فالذي لا يشعر بذنبه إطلاقاً، ولا يعبأ به، يقول لك ماذا فعلنا ؟ الناس كلهم هكذا. الغفور من أقرب الأسماء إلى المؤمن لأن الله عز وجل أعطى الإنسان أملاً بالمغفرة: أيها الأخوة، مرة ثانية: هذا الاسم من أقرب الأسماء إلى المؤمن، لأن العبد من شأنه أن يذنب، وأن الله تعالى من شأنه أن يغفر، شأن العبد أنه يذنب، وشأن الرب أنه يغفر، وما أمرك أن تستغفره إلا ليغفر لك، وما أمرك أن تستغفره إلا لأنه علم ضعفك وغفلتك أحياناً، في ضعف أمام بعض الشهوات، وفي غفلة، فالمغفرة علاج الضعف البشري، أو الغفلة، لولا أن الله جلّ جلاله غفور رحيم ماذا حلّ بنا ؟ وماذا نفعل بذنوبنا ؟ وكيف نواجه ربنا ؟ لكن الله سبحانه وتعالى غفور، يستر ذنبك عن الخلق، ويعفو عنك، ويحول بينك وبين العقاب. تصور ما في مغفرة، ولا في توبة، الإنسان من أقل ذنب يفجر، ما في أمل أحياناً الطغاة لا يرحموا، ولا يغفروا، فالإنسان لما ييأس يرتكب أكبر الكبائر ما في أمل، أما الله عز وجل أعطاه أملاً. ﴿ وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى ﴾ ( سورة طه ) شروط المغفرة العودة والتوبة والإنابة والإقلاع عن الذنب: لكن في فهم ساذج أن الله غفور رحيم، لا، غفور رحيم إذا تبت إليه ﴿ نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ رجعت إليه تائباً، مستقيماً، مقلعاً عن الذنب، الله عز وجل يقول: ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً ﴾ ( سورة الزمر الآية: 53 ) تتمة الآية: ﴿ وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ * أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ ﴾ ( سورة الزمر ) يعني غفور رحيم إن عدت إليه، غفور رحيم إذا تبت إليه، غفور رحيم إذا أنبت إليه، غفور رحيم إذا استغفرته، أما غفور رحيم على إطلاقها، الآية واضحة جداً، ﴿ نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ ﴿ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ ﴾ ( سورة الحجر ) غفور شرط العودة، والتوبة، والإنابة، والإقلاع عن الذنب. العفو لا قيمة له إلا إذا كنت مقتدراً: أيها الأخوة، أحياناً الإنسان لضعفه يقول لك سامحته، لأنك ضعيف، لأنك لا تملك أن تحاسبه، لا تملك أن تعاقبه، ضعيف، لكن أنت حينما تعفو عن عدوك وهو في قبضتك، وبإمكانك أن تسحقه، وبإمكانك أن تذيقه ألوان العذاب، وتعفو عنه هذا العفو يرقى بك عند الله. لذلك حينما ائتمرت قريش على رسول الله عشرين عاماًً، ونكلت بأصحابه ، وحاربته مرات عديدة، ثم وقعوا في قبضته عند فتح مكة، عشرة آلاف سيف متوهجة ينتظرون كلمة من فمه الشريف، قال: (( ما تظنون إني فاعل بكم ؟ قالوا: أخ كريم، وابن أخ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء )) [ السيرة النبوية] لذلك العفو لا قيمة له إلا إذا كنت مقتدراً، وقد قيل العفو عند المقدرة، أحياناً يقول لك: أنا أديت الحق، أنت موقع سنداً، موقع إيصالات، وأعطيت مكان إقامتك وخصمك ليس سهلاً، يقيم دعوى، يأخذ المبلغ كاملاً منك، أنت إذا أديت هذا المبلغ ما فعلت شيئاً، أما حينما لا تكون مداناً في الأرض. أقسم لي إنسان بالله أودع معه إنسان عشرين مليوناً ليستثمرها عنده، ولم يعلم أحداً، ولا أخذ وصلاً، ومات بحادث، في الأرض ليس مداناً، توجه إلى الورثة، وقدم لهم المبلغ، هذه الأمانة، أنت تؤدي ما عليك، ولست مداناً في الأرض. لذلك هناك صفات أخلاقية يجب أن تكون معك، أداء الأمانة ألا تكون مداناً، العفو أن تكون مقتدراً، العفو عند المقدرة. أيها الأخوة، لها الاسم العظيم شرح طويل إن شاء الله نتممه في لقاء آخر. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#77 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم (71) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: (الحميد): أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "الحميد". ورود اسم الحميد في القرآن الكريم: هذا الاسم "الحميد" ورد في القرآن الكريم في كثير من الآيات، ورد مفرداً كما في قوله تعالى: ﴿ وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ ﴾ ( سورة الحج ) وكأن الطيب من القول طريق إلى "الحميد". ﴿ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً ﴾ ( سورة البقرة الآية: 83 ) (( إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم سبعين خريفاً )) [ الترمذي عن أبي هريرة ] (( لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه )) [أخرجه الإمام أحمد عن أنس بن مالك ] ﴿ وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ ﴾ اقتران اسم الحميد بعدد من أسماء الله الحسنى منها: 1 ـ العزيز: ورد هذا الاسم مقترناً باسم العزيز في قوله تعالى: ﴿ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ﴾ ( سورة إبراهيم الآية: 1 ) الظلمات جاءت جمعاً، والنور جاء مفرداً، لأن الحق لا يتعدد، بينما الباطل لا يعد ولا يحصى. بين نقطتين لا يرسم إلا خط مستقيم واحد، لكن بين هاتين النقطتين يرسم ملايين الخطوط المنكسرة، أو المنحنية، فالباطل لا يعد ولا يحصى. لذلك عمر الإنسان أقل بكثير من أن يستوعب الباطل، من أجل أن تستوعب فرقة ضالة تحتاج إلى سنوات طويلة، هناك آلاف الفرق الضالة، أما هذا العمر يكفي لاستيعاب الحق، البطولة أن تستوعب الحق، وان يكون الحق مقياساً، أما أن تبذل الجهود المضنية والوقت الطويل لاستيعاب الباطل، الاستيعاب شبه مستحيل. ﴿ وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ ﴾ جاء مفرداً. بطولة الإنسان أن يكون مستغنياً عن الناس والناس يحمدونه: أما المقترن بالعزيز: ﴿ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ﴾ ﴿ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴾ ( سورة إبراهيم ) هو عزيز يحتاجه كل شيء في كل شيء، ومع ذلك هو حميد، أحياناً الإنسان إذا كان غنياً لا يعبأ بسمعته، معه مال، تحل به كل المشكلات، لكن البطولة أن تكون مستغنياً عن الناس والناس يحمدونك. الإنسان أحياناً يكون لطيف، يكون متواضعاً لأن له حاجات عند الناس، أما إذا كان مستغنياً عنهم قد لا يكون كاملاً، أما ربنا جل جلاله عزيز حميد. 2 ـ الغني: وقد اقترن هذا الاسم باسم الغني، كما قي قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ﴾ ( سورة فاطر ) ﴿ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴾ ﴿ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ﴾ في أخلاق البشر، من شأن القوي أن لا يعبأ بسمعته، من شأن الغني ألا يعبأ بسمعته، من شأن القوي ألا يكون كاملاً، من شأن الغني ألا يكون كاملاً، لكن الله جل في علاه ذات كاملة له الأسماء الحسنى، والصفات الفضلى. 3 ـ الولي: واقترن هذا الاسم باسم الولي، كما في قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ ﴾ ( سورة الشورى ) يتولى أمرك لكن هذا التولي تحمده عليه، أحياناً تولي محامياً، يهمل في كتابة المذكرات، أو ينحاز إلى خصمك، مقابل مبلغ كبير، أنت وليته لكن لا تحمده على هذه التولية، لكنك إذا وليت الله، إذا جعلت الله وليك، والله عز وجل نقلك من حال إلى حال ، من مستوى إلى مستوى، من مقام إلى مقام، من أعماق أعماق قلبك تحمده على أنه وليك. ﴿ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾ ( سورة الحج الآية: 38 ) 4 ـ المجيد: هذا الاسم أيضاً اقترن باسم المجيد، كما في قول الله عز وجل: ﴿ قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ ﴾ ( سورة هود ) يعني إنسان له سلطة قوية يعطي أمراً بلا تعليل، افعل وانتهى الأمر، لا تحاور، لا تناقش، لكن الله سبحانه وتعالى هو الآمر، هو المجيد، هو القوي، كن فيكون، زل فيزول، ومع ذلك يقول لك: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ ( سورة البقرة ) أعطاك التعليل. ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ ﴾ ( سورة التوبة الآية: 103 ) مجيد، آمر، ناهي، عظيم، كن فيكون، زل فيزول، ومع ذلك، مع أنه مجيد هو حميد، ﴿ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ﴾ ﴿ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ ﴾ ﴿ حَمِيدٌ مَجِيدٌ ﴾ ﴿ الْعَزِيزِ ؤ الْحَمِيدِ ﴾ 5 ـ الحكيم: أيضاً هذا الاسم اقترن باسم الحكيم، في قوله تعالى: ﴿ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾ ( سورة فصلت ) أي أنك إذا تأملت في أفعاله تحمد حكمته، فكل شيء وقع أراده الله، وكل شيء أراده الله وقع، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، والحكمة المطلقة متعلقة بالخير المطلق، كل شيء وقع أراده الله، لأنه لا يليق أن يقع في ملك الله ما لا يريد، وكل شيء أراده الله وقع، هذه الإرادة بمعنى السماح متعلقة بالحكمة المطلقة، أي أن الذي وقع لو لم يقع لكان الله ملوماً، أو أن الذي وقع لو لم يقع لكان نقصاً في حكمة الله، هذه الحكمة المطلقة متعلقة بالخير المطلق. ففي العالم المادي الشيء الذي وقع قد يكون شراً نسبياً، لكن لأن الله سمح به ورآه خيراً، علمه من علمه، وجهله من جهله، قال تعالى: ﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ ( سورة السجدة ) ورود اسم الحميد في السنة الشريفة: أما هذا الاسم في السنة الصحيحة فقد ورد عند البخاري من حديث كعب بن عجرة رضي الله عنه أنه قال: (( سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا: يا رسول الله كيف الصلاة عليكم أهل البيت ؟ قال: قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيب، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد )) هذا القسم من هذا الدرس أين ورد هذا الاسم في القرآن مفرداً ومقترناً في الكتاب وفي السنة. معاني الحميد في اللغة: أما في اللغة "الحميد" أيها الأخوة، صيغة مبالغة لاسم الفاعل، هذه الصيغة على وزن فعيل، حميد، فعيل، كريم، جريح، على وزن فعيل، هذا الوزن بمعنى اسم المفعول جريح أي مجروح، حميد أي محمود، المعنى الدقيق لهذا الاسم محمود، وزن فعيل يعني معنى اسم المفعول، كأن تقول جريح مجروح، حميد محمود، الفعل حمد يحمد حمداً الحمد نقيض الذم، يحمد ويذم، والحمد بمعنى الشكر، هناك معنى آخر هو المكافأة على العطاء، الشكر والثناء والمكافأة على العطاء. لكن أيها الأخوة، الحمد والشكر متقاربان، لكن الحمد أعم من الشكر، إنك تحمد في الإنسان صفاته الذاتية، ما شاء الله ! طويل القامة، صبوح الوجه، لكن لا تشكره على ذلك، الشكر مقابل عمل صالح، هناك فرق بين الحمد والشكر مع أنهما مقترنان ومتقاربان لكن الحمد أعمّ من الشكر، تحمد الإنسان على صفاته الذاتية، وعلى عطائه، ولا تشكره على صفاته. الآن يقال: فلان محمود إذا حُمد، ومحمد إذا كثرت خصاله المحمودة، هي بالأساس حميد اسم مبالغة، صيغة مبالغة لكن محمد مبالغة المبالغة، يقال للإنسان حميد إذا حمدته على أفعاله، أما إذا كثرت خصاله الحميدة فهو محمد، والنبي عليه الصلاة والسلام محمد، هذا في اللغة. الحميد المستحق للحمد والثناء وليس أحد إلا الله يستحق الحمد والثناء الحقيقيين: كيف نفهم اسم "الحميد" في شأن الله عز وجل ؟ أولاً "الحميد" المستحق للحمد والثناء، وليس أحد إلا الله يستحق الحمد والثناء الحقيقيين. يعني الإنسان أحياناً له أم تحبه، يحبها، يحمدها، لكن لولا أن الله أودع في قلب الأم محبة ابنها ما أكرمته، فهذا الحمد الموجه إلى الأم هو في الحقيقة موجه إلى الله. "الحميد" هو المستحق للحمد والثناء، والله عز وجل حمد نفسه، وقال في الفاتحة التي تقرأ في اليوم عشرات المرات: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ ( سورة الفاتحة ) المؤمن يرى النعم من الله تعالى وغير المؤمن يعزو النعم إلى غير الله: هناك ملمح دقيق: الحمد معروف، وكل إنسان يعرفه، يعني إنسان يتمتع بصحة جيدة، الصحة نعمة كبيرة، يتمتع بدخل يغطي نفقاته نعمة كبيرة، له بيت نعمة كبيرة، له زوجة نعمة كبيرة، له أولاد نعمة كبيرة، في رأسه عقل تفوق باختصاص يدر عليه مبلغاً كبيراً نعمة كبيرة، لكن الفرق بين المؤمن وبين غير المؤمن، المؤمن: الحمد لله، أما قارون قال: ﴿ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي ﴾ ( سورة القصص الآية: 78 ) الفرق بين المؤمن وغير المؤمن، المؤمن يقول: الحمد لله، هذا شيء واقع وحقيقي وعلمي وموضوعي، أما غير المؤمن يقول لك بتعبي، بكد يميني وعرق جبيني، بأموالي الطائلة، بأسرتي العريقة، بمنصبي الرفيع، ﴿ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي ﴾ الفرق الدقيق بين المؤمن وبين غير المؤمن أن المؤمن يرى هذه النعم من الله، بينما غير المؤمن يعزو هذه النعم إلى غير الله، يعني المؤمن مع المنعم، وغير المؤمن مع النعمة، أما النعمة موجودة. مرة حدثني أخ قال لي: دُعيت إلى حفل في فندق من أرقى الفنادق، يعني دولة تقيم بعيدها الوطني حفل استقبال، ومأدبة عشاء، قال لي: المدعوون على اختلاف مللهم ، ونحلهم، وانتماءاتهم، وأفكارهم، وأعراقهم، وأنسابهم، واتجاهاتهم، وتياراتهم، من كل أطياف المجتمع، أما هذا الطعام النفيس الذي قدم لهم قاسم مشترك بينهم جميعاً، يعني المؤمن يأكل طعاماً ويستمتع به، والكافر يأكل طعاماً ويستمتع به، والعاصي يأكل طعاماً ويستمتع به، والفاجر يأكل طعاماً ويستمتع به، النعمة موجودة. بالعكس العالم الغربي استطاع أن يستغل النعم التي خلقها الله في أعلى مستوى، لا يوجد مجتمع استفاد من نعم الله كما استفاد العالم الغربي، فهو مع النعمة، أما المؤمن مع المنعم، هذا الفرق. أنت معقول تُدعى لبيت مائدة فيها ما لذّ وطاب، أثاث فخم، مقبلات، عصير ، ورود، كل أنواع الإكرام معقول تأكل وتمشي ؟ لا تقول لصاحب هذه المأدُبة جزاك الله خيراً شكر على هذه الدعوة. الله عز وجل يريد من كل إنسان أن يكون مع المنعم لا مع النعمة: المؤمن كريم، يشكر المنعم، أما غير المؤمن لئيم يستمتع بالنعمة وكفى. مرة كنا نقدم قطعة حلويات لكل طفل جاء مع أبيه للمسجد تشجيعاً له، لاحظ الأطفال أنواع منوعة، طفل يمتنع عن أخذها عفة، لولا أن أباه يجبره على أخذها لما أخذها ، طفل آخر يأخذها بسهولة، لكن يشكر المعطي عليها، هذا مستوى أرقى، الأول أرقى، العفيف أرقى شخص، الأقل منه يأخذها بسهولة لكنه يشكر المعطي، الثالث عينه على هذه القطعة يأخذها ويمشي دون أن يقول كلمة، الرابع يحتال يأتي مرتين أو ثلاثة. أنت كمؤمن علاقتك مع المنعم، هناك إنسان يشكر الله، دخل إلى بيته الحمد لله الذي آواني وكم من لا مأوى له، أمامه زوجة تعتني به، أي معتنية بهندامه، الطعام جاهز، عنده أولاد أبرار، يرى نعم الله عليه كثيرة، وما دمت تشكر هذه النعم لا تتوقف، تستمر، وبالشكر تدوم النعم. المخلص في قوله تعالى: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ أي أن الله يريدك أن تكون مع المنعم لا مع النعمة، مع النعمة لؤم، لكن مع المنعم كرم. الله عز وجل محمود على ما خلق وشرع ووهب ونزع: لذلك قال بعض العلماء: الله جلّ جلاله المحمود، وحميد، حميد يعني محمود ، محمود على ما خلق وشرع، خلق الإنسان، خلق له زوجة، أولاداً، شمساً، قمراً، ليلاً، نهاراً، نجوماً، أطياراً، أسماكاً، سماء زرقاء، أرضاً خضراء، بحاراً، بحيرات، مياهاً عذبة، أنهاراً، ينابيع، يحمد الله على ما خلق، وشرع الصيام، وشرع غض البصر، وشرع الصدق والأمانة، وشرع الزواج، وحرم الزنا، أي شرع التجارة وحرم السرقة، يحمده على ما خلق وشرع، ووهب ونزع. ﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ﴾ ( سورة آل عمران الآية: 26 ) وضر ونفع، يضر لينفع، يأخذ ليعطي، يبتلي ليجزي، يخفض ليرفع، يذل ليعز. إذاً محمود على ما خلق وشرع، ووهب ونزع، وضر ونفع، وأعطى ومنع. إحدى بنات النبي توفي ابنها، فأرسلت تخبره، فكان يقول: (( إن للهِ ما أَخذَ، وله ما أعطى )) [أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن أسامة بن زيد] أخذ وأعطى، وعلا بذاته وشأنه فارتفع، وأمسك السماء عن الأرض أن تقع، وفرش الأرض فانبسط سهلها واتسق، حمد نفسه، وحمده الموحدون، فله الحمد كله، هذا معنى اسم "الحميد". الله عز وجل محمود على طاعات العباد ومعاصيهم وإيمانهم وكفرهم: أحد العلماء الكبار شرح هذا الاسم شرحاً لطيفاً من المناسب أن أنقله إليكم، قال ابن القيم: الحمد كله لله رب العالمين، فإنه المحمود على ما خلق، والمحمود على ما أمر به، والمحمود على ما نهى عنه، فهو المحمود أيضاً على طاعات العباد ومعاصيهم، كيف على معاصيهم ؟ يعني هناك شهوة مستحكمة، هذه الشهوة أصبحت حجاباً بين العبد وربه، فالله عز وجل يسمح له أن يطلقها كي يرتاح ثم يؤدبه. إذاً محمود على طاعات العباد، وعلى معاصيهم، وعلى إيمانهم، وعلى كفرهم ، أعطاهم حرية الاختيار، المحمود على وجود الأبرار والفجار، كان من الممكن أن يكون الفجار في كوكب آخر، أو في قارة أخرى، أو في حقبة أخرى، لكن شاءت حكمة الله أن نجتمع معاً في كل العصور، لماذا ؟ لأن الحق لا يقوى إلا بالتحدي، ولأن أهل الحق لا يستحقون العطاء بالآخرة إلا بصمودهم أمام أهل الباطل، الحق والباطل معهم معركة أزلية أبدية، هذا قدرنا، يوم القيامة نحمد الله على أننا كنا في الأرض مع أهل الباطل، وقد تعبنا منهم، وأتعبونا، وضغطوا علينا، واحتلوا، واجتاحوا، وأساؤوا، وظلموا، وقهروا وكانوا سبب عودتنا إلى الله. ﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ ﴾ ( سورة القصص ) إذاً وهو المحمود على وجود الأبرار والفجار، والملائكة الأخيار، والمحمود على إرسال الرسل، ووجود أعدائهم. الله عز وجل محمود على فضله وإنعامه على أوليائه: يأتي إنسان يؤلف كتاباً فيه شبهات حول الإسلام، الكتاب يثير ضجة كبيرة طلاب العلم يلجؤون إلى علمائهم، هذا الكتاب على أنه ضلالات يعمل حركة بالبلد، شدد من توثيق العلم، دفع الطلاب إلى علمائهم، اجتهد العلماء في الرد عليه، هذا شأن إبليس نشاطه في إضلال الخلق لكن في المآل، هذا النشاط يعود بالخلق إلى ازدياد إيمانهم وتعلقهم بربهم. إذاً محمود أيضاً على عدله في أعدائه، كما هو محمود على فضله وإنعامه على أوليائه، كل ذرة من ذرات الكون شاهدة بحمده، ولهذا: ﴿ تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ﴾ ( سورة الإسراء ) الله عز وجل حميد يحمده عباده الموحدون: الآن الله عز وجل حميد، يحمده عباده الموحدون، لأنهم يعلمون أن الله خلق الدنيا للابتلاء، إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء، ومنزل ترح لا منزل فرح، فمن عرفها لم يفرخ لرخاء، ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى، وجعل الآخرة دار عقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سبباً، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضاً، فيأخذ ليعطي، ويبتلي ليجزي. إذاً حميد يحمده عباده الموحدون لأنه يعلمون أن الله خلق الدنيا للابتلاء، وخلق الآخرة للجزاء، يحمدونه على السراء والضراء. الله تعالى خلق الدنيا للابتلاء والآخرة للجزاء فالعاقل من حمده في السراء والضراء: (( عَجَبا لأمر المؤمن ! إنَّ أمْرَه كُلَّه له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابتْهُ سَرَّاءُ شكر، فكان خيراً له، وإن أصابتْهُ ضرَّاءُ صَبَر، فكان خيراً له، وليس ذلك لغير المؤمن )) [أخرجه مسلم عن صهيب الرومي ] يحمدونه ويوحدونه في العبادة والاستعانة والدعاء، حتى يكرمهم بجنته عند اللقاء إن ابتلاهم صبروا، إن أنعم عليهم شكروا، لذلك قال الله في وصفهم: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ ﴾ ( سورة الأعراف الآية: 43 ) شخص درس جامعة، وأخذ شهادة عليا، وجاءه دخل وفير مرّ بعد عشرين سنة أمام الجامعة قال: الفضل لهذه الجامعة التي تربيت فيها، وتعلمت فيها، وهذا الدخل الذي جاءني الآن بفضل هذا الاختصاص، يعني مثلاً يذكر النعم، وفي آية ثانية: ﴿ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ ﴾ ( سورة فاطر الآية: 34 ) في الدنيا هناك كبر، هناك مرض، هناك هم، هناك زوجة سيئة، هناك ابن عاق، هناك اجتياح، هناك ضغوط، هناك حصار، هناك جفاف، هناك غلاء أسعار، أما في الآخرة ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ ﴾ ﴿ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ﴾ ( سورة فاطر ) وفي لقاء آخر إن شاء الله نتابع هذا الاسم. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#78 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم (72) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى:(الحفيظ): أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى والاسم اليوم "الحفيظ". ورود اسم الحفيظ في القرآن الكريم: ورد هذا الاسم في قوله تعالى: ﴿ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ ﴾ ( سورة سبأ ) وفي قوله تعالى عن هود عليه السلام: ﴿ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ ﴾ ( سورة هود ) وقد ورد أيضاً هذا الاسم مقيداً، الاسم كما تعلمون يرد مطلقاً أو مقيداً، ورد مقيداً في قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ﴾ ( سورة الشورى ) ولم يرد هذا الاسم في السنة. معاني اسم الحفيظ في اللغة: أما من حيث اللغة فالحفيظ في اللغة صيغة مبالغة من اسم الفاعل الحافظ، الحافظ اسم فاعل صيغة المبالغة منه "الحفيظ" الفعل حفظ، يحفظ، حفظاً. الآن حفظ الشيء صيانته من التلف والضياع، ويستعمل الحفظ في العلم على معنى الضبط، وعدم النسيان، أو تعاهد الشيء وقلة الغفلة عنه، رجل حافظ، وقوم حفاظ هم الذين رزقوا حفظ ما سمعوا وقلّما ينسون شيئاً. بالمناسبة: الذكاء شيء، والذاكرة القوية شيء آخر، لكن بينهما منطقة مشتركة يعني كل ذكي لابدّ من ذاكرة تعينه في استرجاع الحقائق، وكل من يملك ذاكرة قوية على شيء من الذكاء، أما الذكاء شيء في النهاية، وصاحب الذاكرة القوية شيء آخر. والحافظ و "الحفيظ" أيضاً هو الموكل بالشيء يحفظه، ومن ذلك الحفظة من الملائكة كما في قوله تعالى: ﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ ﴾ ( سورة الرعد الآية: 11 ) المؤمن ﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ ﴾ ﴿ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ﴾ ( سورة الرعد الآية: 11 ) ﴿ يَحْفَظُونَهُ ﴾ وقف ﴿ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ﴾ يعني الله عز وجل كرّم المؤمن بأنه أوكل ملائكة ﴿ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ المؤمن محفوظ، الملائكة الحفظة الذين يحصون الأعمال، ويكتبونها على بني آدم كما قال تعالى: ﴿ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَاماً كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ﴾ ( سورة الانفطار ) ويقال: حفظ المال والسر حفظاً رعاه وصانه، واحتفظ بالشيء بنفسه، يعني خصها به، والتحفظ قلة الغفلة في الأمور والكلام، هذا ما يتعلق بمصدر الحفظ في اللغة. الحفيظ من أقرب الأسماء للمؤمن من معانيها: 1 ـ الحفيظ سبحانه وتعالى هو العليم و المهيمن: أما أن الله سبحانه وتعالى هو "الحفيظ" أيها الأخوة، هذا الاسم من أقرب الأسماء للمؤمن. أما "الحفيظ" سبحانه وتعالى هو العليم، المهيمن، لن تكون مهيمناً إلا أن تكون عليماً، العليم، المهيمن، لا تغيب عنه لا شاردة، ولا واردة. ﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ﴾ ( سورة غافر ) لا تخفى عليه خافية، "الحفيظ" هو العليم، والمهيمن، هو الرقيب على خلقه. ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ﴾ ( سورة النساء ) ﴿ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ﴾ ( سورة الفجر ) من لوازم أنه حفيظ يعلم كل شيء، لا يغيب عنه شيء، العليم، المهيمن ، الرقيب على خلقه، لا يعزب عنه مثقال ذرة في ملكه. 2 ـ الحفيظ هو الذي يحفظ أعمال المكلفين: الآن: و "الحفيظ" هو الذي يحفظ أعمال المكلفين، أعمالك محفوظة عنده حركاتك، وسكناتك محفوظة عنده، والذي شرف ﴿ كِرَاماً كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ﴾ يدونون على العباد القول، أقوالهم، وخطراتهم، وحركاتهم، وسكناتهم، الآية الكريمة: ﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ * وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ * وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُوم ﴾ ( سورة الشعراء ) حركاتك، وسكناتك، وخطراتك، وكل جزئيات حياتك، محفوظة عند الله عز وجل. 3ـ الحفيظ يحفظ على عباده أسماعهم وأبصارهم وجلودهم: وهو "الحفيظ" بمعنى ثالث، يحفظ على عباده أسماعهم، وأبصارهم، وجلودهم يحفظ لهم أسماعهم، وأبصارهم، وجلودهم، لماذا ؟ قال: لتشهد عليهم يوم اللقاء. ﴿ شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ ﴾ ( سورة فصلت الآية: 20 ) 4ـ الحفيظ يحفظ من يشاء من الشر والأذى والبلاء: أيها الأخوة، و "الحفيظ" بمعنى رابع هو يحفظ من يشاء من الشر، والأذى والبلاء، أرأيت إلى هذا الاسم ؟ يتصل بحياتنا اتصالاً وثيقاً. 5 ـ الحفيظ هو الذي يحفظ أهل الإيمان والتوحيد ويعصمهم من الهوى وشبهات الشيطان: و "الحفيظ" هو الذي يحفظ أهل الإيمان والتوحيد، ويعصمهم من الهوى وشبهات الشيطان، ويحول بين المرء وقلبه من الوقوع بالعصيان. ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ ( سورة الفاتحة ) لا حول ولا قوة إلا بالله، لا حول عن معصيته إلا به، ولا قوة على طاعته إلا به، يحفظ أهل التوحيد والإيمان، ويعصمهم من الهوى، وشبهات الشيطان، ويحول بين المرء وقلبه من الوقوع في العصيان. 6 ـ الحفيظ هو الذي يهيئ الأسباب التي تعينك على الطاعة والإيمان: الآن: و "الحفيظ" هو الذي يهيئ الأسباب بتوفيقه إلى الطاعة والإيمان، يحفظك من الوقوع في العصيان، ويمدك بالأسباب التي تعينك على الطاعة والإيمان. ثبت من حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو ويقول: (( اللهم احفظني بالإسلام قائماً، واحفظني بالإسلام قاعداً، واحفظني بالإسلام راقداً، ولا تشمت بي عدوا حاسداً، اللهم إني أسألك من كل خير خزائنه بيدك، وأعوذ بك من كل شر خزائنه بيدك )) الشر المطلق يتناقض مع وجود الله فالله عز وجل يوظف الشر النسبي للخير المطلق: لكن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (( والشَّرُّ لَيسَ إليكَ )) [أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن علي بن أبي طالب ] كلام دقيق، يعني الشر نسبي، ليس هناك شر مطلق، الشر المطلق يتناقض مع وجود الله، هناك خير مطلق، و هناك شر نسبي، يعني هذه المصيبة بالنسبة إليك تعد شراً لكنها بالنسبة إلى مآلك ومستقبل حياتك تعد خيراً. لذلك الله عز وجل يوظف الشر النسبي للخير المطلق. (( والشَّرُّ لَيسَ إليكَ )) للتوضيح: مركبة من أحدث المركبات، ساقها صاحبها وهو ثمل، شرب الخمر وساقها، نزل في الوادي، تحطمت، هذا المنظر المشوه للمركبة هل يحتاج إلى صانع ؟ لا، الصانع أخرجها من معمله كاملة، أما حينما أسيء استخدامها، وتحطمت نقول هذا الشر ناتج من مخالفة التعليمات. (( والشَّرُّ لَيسَ إليكَ )) الشر سلبي، الشر ناتج عن إنسان أعطاه الله حرية الإرادة، أعطاه الشهوات ، ولم يتحرك وفق منهج الله، لو تحرك وفق منهج الله لما كان شراً إطلاقاً، فالشر ناتج من كائن أودع الله فيه الشهوات، ومعه حرية الاختيار، وتحرك من غير ضابط من منهج الله لذلك قال تعالى: ﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ ﴾ ( سورة القصص الآية: 50 ) الشر المطلق لا وجود له في الكون: إذاً الشر نسبي، (( والشَّرُّ لَيسَ إليكَ )) بينما الشر المطلق لا وجود له في الكون، بل الشر المطلق يتناقض مع وجود الله، الشر ناتج عن سوء الاستعمال، الملح مادة مهمة جداً، إذا وضعت في الحلويات لا تأكلها صار حلويات لا تؤكل، الأصل الملح مادة مفيدة، والسكر مادة مفيدة، والمواد التي صنعت منها الحلويات مواد مفيدة، أما حينما أسيء استخدم الملح وضع في الحلويات هذا هو الشر النسبي، ناتج من سوء الاستعمال، والسكر مادة مفيدة، والمسحوق الأبيض للتنظيف مادة مفيدة، إن وضعت في الطعام فالطعام لا يؤكل. فالشر سلبي لا يحتاج إلى صانع، يحتاج إلى إنسان مخير تحرك بقوة شهوته من دون ضابط من شرع، والدليل الواضح: ﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ ﴾ معنى ذلك الذي يتبع هواه وفق هدى الله عز وجل لا شيء عليه. 7 ـ الحفيظ هو الذي حفظ السماوات والأرض بقدرته: الآن: و "الحفيظ" أيضاً هو الذي حفظ السماوات والأرض بقدرته، قال تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حفظيهما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ﴾ ( آية الكرسي من سورة البقرة ) فالله حفيظ لمخلوقاته أي أنه يبقيها على حالها، لغاياتها، وينظم ترابط العلل بالمعلولات، هذه قوانين، هناك علة، وهناك معلول، أي هناك سبب، وهناك نتيجة، من نظّم علاقة الأسباب بالنتائج ؟ هو الله عز وجل، يعني الله تفضل علينا بمليارات القوانين، قوانين ثابتة، هذه القوانين الثابتة تنظم الحياة، أنت أمام قوانين، والقانون يعطيك قدرة على التنبؤ، الآن يوجد فواصل تمدد، التمدد قانون، أثناء البناء تراعي هذا القانون، فالبناء لا يتصدع، لو ما في قوانين الحياة لا تُعاش، تصبح الحياة شاقة جداً، كل شيء له قانون. 8 ـ الحفيظ يبقي مخلوقاته على حالها و لغاياتها: إذاً "الحفيظ" يبقي مخلوقاته على حالها، لغاياتها، وينظم ترابط العلل بمعلولاتها وهو سبحانه وتعالى يحفظ الأشياء بذواتها وصفاتها. الله تعالى هو الحافظ للسماوات والأرض والموجودات التي يطول أمدها والتي لا يطول: الإمام الغزالي رحمه الله تعالى ذكر أن الحافظ على وجهين، يعني الحفظ الإلهي على وجهين، الوجه الأول إدامة وجود الموجودات، وإبقائها، ويضاده الإعدام، الشيء الموجود يعني محفوظ، الحفظ يعني البقاء، الله عز وجل أبقى الشمس شمساً، والقمر قمراً ، والنجوم نجوماً، أبقى الماء ماءً، والهواء هواءً، أبقى المعادن معادن، أعطاها خواص، خواصها ثابتة. والله تعالى هو الحافظ للسماوات والأرض والملائكة والموجودات التي يطول أمدها والتي لا يطول. هناك شيء، يقول لك: القمح مثلاً وجد في الأهرامات، من ستة آلاف عام فلما زُرع نبت، والقمح في رشيم، والرشيم كائن حي، معنى هذا الكائن الحي عاش ستة آلاف عام في أشياء يمد لها في العمر، وهناك أشياء عمرها سريع، جسمك أقصر خلية عمرها 48 ساعة خلايا زغابات الأمعاء، تتجدد كل 48 ساعة، وأطول خلية بالإنسان عمرها خمس سنوات، الخلية العظمية، يعني أنت أيها الإنسان تتجدد كلياً كل خمس سنوات، عدا خلايا الدماغ وخلايا القلب. كل المعلومات والأفكار والخبرات والمهارات والذواكر بالدماغ، لو أنها تبدلت يفقد الإنسان كل اختصاصه، يقول لك: أنا كنت طبيباً، كنت، فالدماغ ثابت، وجميع المشاعر والأذواق في القلب، وتبديل القلب في مشكلة كبيرة جداً، مشاعر القلب، صاحب القلب الأول تتأتى للذي زُرع هذا القلب له. الحفظ الإلهي على وجهين: 1 ـ إدامة وجود الموجودات وإبقائها: فأول وجه من وجوه الحفظ إدامة وجود الموجودات، وإبقائها، وهذا يعاكسه الإعدام، والله تعالى هو الحافظ للسماوات والأرض، والملائكة، والموجودات التي يطول أمد بقائها، والتي لا يطول. 2 ـ الحفظ صيانة للمتقابلات والمتضادات بعضها عن بعض: الوجه الثاني للحفظ: أن الحفظ صيانة للمتقابلات والمتضادات بعضها عن بعض، الآن الماء يطفئ النار، فالماء والنار متضادان، والنار تحيل الماء بخاراً والماء والنار أيضاً متضادان، ما الذي يحفظ للماء وجوده وللنار وجودها ؟ هو الله عز وجل، هما يتعادلان، ويتناقضان. أيها الأخوة، وقد جمع الله عز وجل بين هذه المتضادات المتنازعة، في سائر العناصر والمركبات، وسائر الأحياء كالإنسان، والحيوان، والنبات. الآن ارتباط العلل بمعلولاتها، يعني الأسباب بنتائجها ارتباط من خلق الله عز وجل، لولا هذا الارتباط لتنافرت، وتباعدت، وبطل امتزاجها، واضمحل تركيبها. الحفظ الحقيقي الذي يسعى إليه كل إنسان لا يكون بجهده ولكن يكون بحفظ الله له: الآن لو دخلنا في موضوع يمسنا كثيراً، كل إنسان وصل لمنصب يحافظ عليه بل إن أربع أخماس وقته للحفاظ على هذا المنصب، كل إنسان وصل إلى مكتسب يحافظ عليه، وصل إلى ثروة يحافظ عليها، وصل إلى مركز يحافظ عليه، فالحفاظ على الشيء من طباع الإنسان، لكن الحفظ الحقيقي الذي تسعى إليه جاهداً لا يكون بجهدك، ولكن يكون بحفظ الله لك، والله عز وجل قال: ﴿ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴾ ( سورة يوسف ) يعني جميع الأسباب التي تتخذها للحفاظ على مالك قد لا تُفلح، أما حفظ المال يكون بأن تؤدي زكاته. (( ما تلف مال في بر ولا بحر إلا بحبس الزكاة )) [ أخرجه الطبراني عن أبي هريرة ] بطولة الإنسان لا أن يتخذ الأسباب المادية لحفظ ما هو فيه بل يتخذ الأسباب التشريعية: الآن البطولة لا أن تتخذ الأسباب المادية لحفظ ما أنت فيه، تتخذ الأسباب التشريعية لحفظ ما أنت فيه، يعني مع الله لا يوجد ذكي. (( ولا ينفعُ ذَا الجَدِّ منك الجَدُّ )) [ أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي عن أبي سعيد الخدري ] ويؤتى الحذر من مأمنه، والله عز وجل له أفعال عجيبة، حتى إن بعضهم قال: عرفت الله من نقض العزائم، جميع الجهود الجبارة التي تبذل من أجل الحفاظ على الشيء لا تجدي، لا يجدي إلا أن يحفظك الله، ﴿ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴾ على الإنسان أن يأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء ثم يتوكل على الله وكأنها ليست بشيء: أنا لا أرفض أن آخذ بالأسباب خذ بالأسباب، لكن البطولة أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، وأن تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء، هذه البطولة، البطولة أن أراجع مركبتي مراجعة تامة قبل السفر، أراجع كل شيء فيها، وبعد هذه المراجعة التامة أتوجه إلى الله عز وجل وأقول له: يا رب أنت الحافظ، أنت الموفق، أنت المسلم، أدرس دراسة متقنة جداً، وقبل الامتحان أقول له يا رب أنت الموفق، أنت المعين على النجاح، من السهولة بمكان أن تأخذ بالأسباب وأن تنسى الله عز وجل، ومن السهولة أيضاً أن تكون كسائر المسلمين لا يأخذون بالأسباب إطلاقاً، يقول لك الله الموفق، هذا موقف غير صحيح وغير علمي، ينبغي أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، وأن تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء. بل إن السلوك الصحيح طريق عن يمينه وادٍ سحيق، وعن يساره واد سحيق، إن أخذت بالأسباب واعتمدت عليها، ونسيت الله عز وجل، أو ألهتها كالغرب وقعت في وادي الشرك، وإن لم تأخذ بها كالشرقيين، وتواكلت على الله تواكلاً ساذجاً وقعت في وادي المعصية، الصواب أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، وثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء. هذا الدرس البليغ يحتاجه المسلمون. (( إِن الله يَلُومُ على العَجْز )) [ أخرجه أبو داود عن عوف بن مالك ] تستسلم ؟ تقول ما بيدنا شيء، انتهينا، المصير بيد الله عز وجل، وأنت لا تعمل، هذا موقف انهزامي، موقف بعيد عن الموقف الصحيح اعتقاداً، أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء. (( إِن الله يَلُومُ على العَجْز، ولكن عليكَ بالكَيْس، فإِذا غَلَبَك أَمر، فقل حَسبيَ الله ونعم الوكيل )) [ أخرجه أبو داود عن عوف بن مالك ] أنت تأخذ بالأسباب، أما حينما يحال بينك وبين النتائج عندئذٍ لك أن تقول: (( حَسبيَ الله ونعم الوكيل )) إذاً الحفاظ على الشيء لا يقل عن تحصيله، والحفظ الحقيقي يكون بأخذ الأسباب والتوكل على رب الأرباب. (( ولا ينفعُ ذَا الجَدِّ منك الجَدُّ )) [ البخاري عن معاوية] مع الله لا يوجد ذكي، يوجد مستقيم، المستقيم يحفظه الله عز وجل، أما الذكي يؤتى من مأمنه، يؤتى من جهة ليست متوقعة. حفظ الله عز وجل للإنسان يكون بطاعته و الاستقامة على أمره: كما تعلمون أيها الأخوة، الإنسان معرض لأخطار لا تنتهي، مهما أخذ الإنسان بأسباب الحفظ فقد يؤتى الحذر من مأمنه والنبي عليه الصلاة والسلام علمنا أن نأخذ بالأسباب، اعقل وتوكل. طبيب في أمريكا، رفع راية الجري، والجري مفيد جداً للقلب، لكنه قال: إن الذي يجري لا يصاب بآفة قلبية إطلاقاً، وله مقالات، وندوات، وكتب، وهو يجري في اليوم 20 كم، عمره بين الأربعين والخمسين، مات وهو يجري، لا لأن الجري خطأ، الجري صواب، ولكنه لأنه أله الجري ونسي الله عز وجل ، يؤتى الحذر من مأمنه، في آلاف القصص حول ذلك. ورد في الأثر القدسي أن الله عز وجل يخاطب بعض عباده يوم القيامة، يقول: (( عبدي أعطيتك مالاً فماذا صنعت فيه ؟ يقول: يا رب ! لم أنفق منه شيئاً مخافة الفقر على أولادي من بعدي، يقول الله له: ألم تعلم بأني أنا الرزاق ذو القوة المتين ؟ إن الذي خشيته على أولادك من بعدك قد أنزلته بهم، يقول لعبد آخر: عبدي أعطيتك مالاً فماذا صنعت فيه ؟ يقول: يا رب أنفقته على كل محتاج ومسكين، لثقتي أنك خير حافظاً وأنت أرحم الراحمين، فيقول الله له: أنا الحافظ لأولادك من بعدك )) [ورد في الأثر] أيها الأخوة، قضية الحفظ شيء يهم كل مؤمن، حفظ الله هو المنجي، هو الحقيقي، أما إذا أخذت أسباب الحفظ ما في مانع، بل لابدّ من أن تأخذها، لكن إياك أن تنسى الله عز وجل، لو نسيت الله عز وجل، يؤتى الحذر من مأمنه. (( ولا ينفعُ ذَا الجَدِّ منك الجَدُّ )) [ البخاري عن معاوية] واسم "الحفيظ" من أقرب الأسماء إلى الإنسان، الله عز وجل يحفظ له صحته ، يحفظ له ماله، يحفظ له أهله، يحفظ له إيمانه، وهذا الحفظ له ثمن هو طاعة الله عز وجل. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#79 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم (73) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى:(الفتاح): أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "الفتاح". ورود اسم الفتاح في القرآن الكريم في نص واحد: سمى الله ذاته العلية بالفتاح في نص واحد من النصوص القرآنية ؛ وهو قوله تعالى: ﴿ قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ ﴾ ( سورة سبأ ) ولم يرد هذا الاسم في السنة. معاني اسم الفتاح في اللغة: أيها الأخوة، "الفتاح" كما تعلمون صيغة مبالغة على وزن فعال، من اسم الفاعل فاتح، فاتح فتاح، الفعل فتح، يفتح، فتحاً. الفتح نقيض الإغلاق، الله عز وجل يقول: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ ﴾ ( سورة الأعراف الآية: 40 ) وماذا يعني أن تفتح أبواب السماء ؟ إذا فتحت لك أبواب السماء ألقى الله في قلبك نوراً، يريك الحق حقاً، والباطل باطلاً، أكبر عطاء إلهي أن ينور قلبك، أنت تأتي رؤيتك صحيحة، أن يأتي كلامك سديداً، أن تأتي قيمك مما يرضي الله عز وجل، إذا فتح لك أبواب السماء فتح لك باب التوفيق، إذا فتح لك أبواب السماء فتح لك باب الحفظ، إذا فتح لك أبواب السماء فتح لك باب الحكمة. ﴿ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ﴾ ( سورة البقرة الآية: 269 ) إذا فتح لك باب السماء فتح لك باب الرضا، إذا فتح لك أبواب السماء فتح لك باب النصر، شيء كبير جداً أن تفتح لك أبواب السماء، فالذي يكذب بآيات الله الدالة على عظمته ﴿ وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ ﴾ يقول عليه الصلاة والسلام: (( أُعْطِيتُ مفاتيحَ الكلم، ونُصِرْتُ بالرُّعْبِ )) [أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أبي هريرة ] كلام النبي أعلى نص في مستوى المتانة والبلاغة والإحكام والروعة بعد القرآن الكريم: نحن تعلمنا في الجامعة في كلية الآداب أن أعلى نص في اللغة العربية بعد القرآن الكريم كلام النبي عليه أتم الصلاة والتسليم، قال مرة: (( أنا أفصح العرب بيد أني من قريش )) [ من كشف الخفاء عن أبي سعيد الخدري ] وقريش أفصح قبائل العرب، قال: هذا أسلوب يسمى أسلوب تأكيد المديح بما يشبه الذم. ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب * * * هذا الأسلوب أسلوب بلاغي: (( أنا أفصح العرب بيد أني من قريش )) [ من كشف الخفاء عن أبي سعيد الخدري ] أوتي الفصاحة، أوتي جوامع الكلم، أوتي اللغة الناصعة، أوتي البيان الرائع. لذلك أعلى نص في مستوى المتانة، والبلاغة، والإحكام، والروعة، والجمال بعد القرآن الكريم كلام النبي عليه أتم الصلاة والتسليم، قال: (( أعطيت جَوَامِعَ الكلم، ونُصِرْتُ بالرُّعْبِ )) [أخرجه البخاري ومسلم الترمذي والنسائي وابن ماجة وأحمد من حديث أبي هريرة] حينما طبقت أمته منهجه نصرت بالرعب. من طبق منهج الله عز وجل و سنة النبي الكريم في حياته لن يُعذب أبداً: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾ ( سورة الأنفال الآية: 33 ) ما دامت سنة النبي صلى الله عليه وسلم مطبقة في حياتهم ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ ﴾ ومن خلال هذه الآية يمكن أن تفسر في العالم الإسلامي، لأنهم لم يطبقوا منهج نبيهم، لم يأتمروا بما أمر الله، ولم ينتهوا عما نهى عنه الله، لذلك أعداؤهم سُلطوا عليهم ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾ (( أعطيت جَوَامِعَ الكلم، ونُصِرْتُ بالرُّعْبِ )) [أخرجه البخاري ومسلم الترمذي والنسائي وابن ماجة وأحمد من حديث أبي هريرة] أما حينما لم تطبق أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم منهج النبي هُزمت بالرعب. يوشكُ الأُمَمُ أنْ تَدَاعَى عليكم:هذا حال المسلمين في آخر الزمان: أيها الأخوة، من أدق الأحاديث التي تشير إلى هذا المعنى قول النبي عليه الصلاة والسلام، والله كأنه معنا: (( يوشكُ الأُمَمُ أنْ تَدَاعَى عليكم )) [ أخرجه أبو داود عن ثوبان ] الأمم ! ثلاثين دولة حليفة، في عدد من بلاد المسلمين، ثلاثين دولة، حلفاء. (( يوشكُ الأُمَمُ أنْ تَدَاعَى عليكم كما تَدَاعَى الأَكَلةُ إلى قَصْعَتِها )) [ أخرجه أبو داود عن ثوبان ] طعام نفيس، أناس جائعون تداعوا إلى هذه القصعة ليأكلوا، وكأن بلادنا قصعة، وكأن ثرواتنا قصعة، والأمم تداعت عليها، قال: (( يوشكُ الأُمَمُ أنْ تَدَاعَى عليكم كما تَدَاعَى الأَكَلةُ إلى قَصْعَتِها )) [ أخرجه أبو داود عن ثوبان ] في بعض البلاد بإفريقيا تم ذبح ثمانمئة ألف إنسان في أسبوع، في راوندا، الغرب لم يتدخل، وقال بعض زعماء الغرب: لو تدخلنا لأنقذنا أربعمئة ألف إنسان من الذبح، ما تدخلوا، لأن هناك لا يوجد بترول: (( يوشكُ الأُمَمُ أنْ تَدَاعَى عليكم كما تَدَاعَى الأَكَلةُ إلى قَصْعَتِها، فقال قائل: من قِلَّة نحن يومئذ ؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير )) [ أخرجه أبو داود عن ثوبان ] مليار وخمسمئة مليون إنسان، ربع سكان الأرض، يتربعون على أهم المواقع في العالم، مناطق إستراتيجية، تحتهم ثروات لا يعلمها إلا الله، ومع ذلك متفرقون، أعداؤهم يتعاونون وبينهم خمسة بالمئة قواسم مشتركة، والمسلمون يتقاتلون والدماء تسيل في بلادهم وبينهم 95% قواسم مشتركة. (( قالوا: من قِلَّة نحن يومئذ ؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير، ولكنَّكم غُثاء كَغُثَاءِ السَّيْلِ )) تصور سيل عرمرم، مخيف، على سطح هذا السيل بعض القش، هذا القش هل بإمكانه أن يغير مجرى السيل ؟ هل بإمكانه أن يوقف السيل ؟ هل بإمكانه أن يخفف من أخطار السيل ؟. (( ولكنَّكم غُثاء كَغُثَاءِ السَّيْلِ )) هذا الكلام قيل قبل ألف و أربعمئة عام. (( ولَيَنْزِعَنَّ الله مِنْ صدور عدوِّكم المهابةَ منكم )) ينزع المهابة، ما في هيبة، قبل العدوان على العراق، أعتقد في العالم سارت مظاهرات بالملايين، في كل بلاد العالم، إن تذكرتم ذلك، ومع ذلك (( غُثاء كَغُثَاءِ السَّيْلِ )) (( وليقذفنَّ في قُلُوبكم الوَهْنَ ـ الضعف ـ قيل: وما الوْهنُ يا رسول الله ؟ قال: حُبُّ الدُّنيا وكراهيَةُ الموتِ )) [ أخرجه أبو داود عن ثوبان ] هذا الحديث الشريف يصف حال المسلمين في آخر الزمان، ينزع الله من قلوب أعدائهم المهابة، لا يهابونهم، لا يهابون نبيهم، يشوهون صورته، لا يهابون كتابهم، لا يهابون دينهم، يتهمون دينهم بأنه دين إرهاب، ودين قتل، ودين تخلف. الفتاح سبحانه وتعالى يفتح أبواب الرحمة والرزق لعباده أجمعين: أيها الأخوة، "الفتاح" في اللغة الذي يفتح، يعني يحكم، يفتح أبواب الحق، و "الفتاح" الحاكم، ومن معاني "الفتاح" أيضاً الذي يفتح أبواب الخير، أو يفتح أبواب التأديب للعصاة، في فتح، فتح أبواب الخير، أو فتح أبواب التأديب، أو الحكم بين المتخاصمين. أيها الأخوة، "الفتاح" سبحانه وتعالى هو الذي يفتح أبواب الرحمة، والرزق لعباده أجمعين، كم دابة تُذبح في اليوم كطعام للبشر ؟ بالمليارات، كم من الأطنان من القمح يستهلك البشر ؟ كم من الأطنان من المواد الغذائية يستهلك البشر ؟ يفتح الله لعباده أبواب الخير، كم من الأمطار يهطل كل عام ؟ كل ثانية 16 مليار طن، ينزل من السماء إلى الأرض، كل ثانية، بحار، سحب، أمطار، جبال، بحيرات، أنهار، أسماك، أطيار حيوانات، أنعام، يفتح الله أبواب الخير، ﴿ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ ﴾ يفتح أبواب الرزق، يفتح أبواب العمل، كل واحد الله عز وجل مكنه من شيء، وجعله بحاجة إلى مليون شيء ، فنحن نعيش معاً مقهورين، لأنك أنت تتقن شيئاً، وبحاجة إلى مليون شيء. الله عز وجل يفتح لكل إنسان: 1 ـ أبواب العمل و الرحمة: إذاً الله عز وجل يفتح أبواب العمل جعل فيها معايش، كم إنسان يعيش على طول الشعر بالأرض ؟ كم إنسان يعيش على المرض ؟ المستشفيات، والأطباء، والدراسات ، والجامعات، وكليات الطب، معامل الدواء، كم إنسان بالأرض يعيش على المرض ؟ مرض الجسم أبواب للعيش، كم إنسان يعيش على الحر ؟ المرطبات، والثلج، والتكييف والمراوح، كم إنسان يعيش على البرد ؟ البرد أحد أسباب الرزق، والحر أحد أسباب الرزق، والمرض أحد أسباب الرزق، وكم إنسان يعيش على التعليم بالعالم ؟ كم معلم بالأرض ؟ كم جامعة ؟ كم مدرسة ؟ وكم إنسان يعيش على ترفيه الإنسان ؟ المقاصف، والفنادق، والأماكن الجميلة، والخدمات، ملايين مملينة تعيش على ترفيه الإنسان، ملايين مملينة تعيش على تعليم الجيل الصاعد، ملايين مملينة تعيش على معالجة الأجسام. 2 ـ أبواب الرزق: "الفتاح" يفتح أبواب الرزق، بعد ذلك كل واحد منا مكنه الله من عمل يتقنه تماماً ، تجد جراح القلب عمله سهل، يشق الجلد، يأتي بالمنشار، يقص عظم القص، أنا شاهدت عدة أفلام لعملية جراحة قلب، شيء دقيق، يأتي بكلابات، يباعد القفص الصدري، يصل إلى القلب، يفتح القلب، يصل إلى الدسام، يبدل الدسام، مكن الله هذا الإنسان من تبديل دسام للقلب، والقلب متعطل، والدم محول إلى قلب صناعي، أقول لهذا الجراح: ما شاء الله ! الله مكنك من هذه الجراحة، وكل واحد مكنه الله من عمل، لما الله عز وجل مكنك من عمل، هناك عمل تجاري، عمل صناعي، عمل خدمي، مهندس، طبيب، مدرس، محامي، قاضي، صانع، صناعي، مزارع، كل واحد مكنه الله من عمل، من فتح أبواب الرزق ؟ الله عز وجل. الله خلق مواد، خلق غذاء، لكن كيف نقتسم هذا الغذاء ؟ يعني تظهر حشرة في حقل، صاحب الحقل يذهب إلى الصيدلي الزراعي، ويريه نمطاً من الآفة، يصف له الدواء يشتري مرشة، يذهب إلى بستان يرش هذا النبات، كم إنسان يعيش من أمراض النبات ؟ ملايين مملينة، الحشرات، والآفات، والمرشات، والأدوية، وما إلى ذلك. فلو نظرت إلى فتح أسباب الرزق لوجدت العجب العجاب، بكل مدينة، بكل بلد ، بكل محافظة، بكل دولة، يوجد شعب أشخاص يعملون بالزراعة، أشخاص بالصناعة، أشخاص التجارة، أشخاص بالوظيفة، أشخاص بالجيش، أشخاص شرطة مثلاً، أشخاص بالتدريس، كل إنسان الله عز وجل فتح له باب الرزق، إذاً الله "الفتاح" العوام يقولون: يا فتاح يا عليم، افتح لنا باب رحمتك. 3 ـ أبواب البلاء بامتحان المؤمنين: "الفتاح" سبحانه وتعالى هو الذي يفتح أبواب الرحمة والرزق لعباده أجمعين، وأحياناً يفتح أبواب البلاء بامتحان المؤمنين، يظهر مرض يستنفر الناس، يستنفر الأطباء، يبحثون عن دواء، صار في حركة، يفتح أبواب الرزق والرحمة لعباده أجمعين، ويفتح أبواب البلاء لامتحان المؤمنين، الله عز وجل قال: ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ و الْأَرْضِ ﴾ ( سورة الأعراف الآية: 96 ) أيضاً فتح، أحياناً تجد أمطاراً غزيرة، أمطاراً تهطل في الليل، تطلع الشمس في النهار، شيء رائع جداً، أحياناً مطر غزير، أنهار ممتلئة، الأرض خضراء، يفتح الله أبواب الرزق، وحينما يعصي العباد ربهم، حينما يقل ماء الحياء يقل ماء السماء. ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ ( سورة الأعراف ) من آمن أن أمره بيد الله عز وجل اتجه إليه وحده: الآن التوحيد: هناك آية بليغة، قال: ﴿ مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ ﴾ ( سورة فاطر الآية: 2 ) الله فتح أبواب السماء، فتح أبواب الأرض، فتح أبواب كثيرة جداً. ﴿ مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ ( سورة فاطر ) الأمر بيد الله عز وجل، هو القابض، هو الباسط، هو المعطي، هو المانع ، هو الرافع، هو الخافض، هو المعز، هو المذل، أنت حينما تؤمن أن الأمر كله بيد الله وأنه لا إله الله، ولا معطي إلا الله، ولا مانع إلا الله، ولا ناصر إلا الله، ولا معز إلا الله، ولا مذل إلا الله، حينما تؤمن أن أمرك بيد الله، تتجه إلى الله وحده. فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ: من معانيها: 1 ـ فتحنا عليهم أبواب أمراض لا يعلمها إلا الله: أيها الأخوة، وأحياناً يفتح باب البلاء تجد زلزالاً، إعصاراً، فيضاناً، مرضاً، وباء، معنى الفتح الآخر الفتح السلبي، فتح البلاء، قال: ﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ ( سورة الأنعام الآية: 44 ) الآن في أمراض لم تكن معروفة من قبل، مرض الإيدز، كان الإنسان قديماً لما يسافر يتعرض إلى تحرش أنثى به يقول: ﴿ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ﴾ ( سورة يوسف الآية: 23 ) يقول لك: أنا الله عز وجل أكرمني، وضبط نفسي، وكنت عفيفاً، شيء رائع الآن يمتنع لا خوفاً من الله، ولكن خوفاً من الإيدز. ﴿ فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ ﴾ ( سورة الأحزاب الآية: 19 ) كان يمتنع يكون عند الله بطلاً، عفيفاً، خاف من الله، قال: ﴿ مَعَاذَ اللَّهِ ﴾ ﴿ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ﴾ ( سورة المائدة الآية: 28 ) الآن مع الأسف الشديد يمتنع لكن إني أخاف الإيدز، بدل أن يخاف من الله يخاف من مرض فُتح على البشر. 2 ـ آتيناهم المال والغنى والبلاد الجميلة والقوة العسكرية: ﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ الآية لها عدة معانٍ، تحتمل معنىً آخر، أن المال، والغنى، والبلاد الجميلة، والقوة العسكرية، والقوة الإعلامية، والأقمار الصناعية، تصدر الشاشات، التصريحات، الاستعلاء، الغطرسة، الاستكبار ﴿ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ أو فتحنا عليهم أبواب أمراض لا يعلمها إلا الله. ﴿ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ﴾ ( سورة الأنعام ) الله عز وجل يحكم بين عباده: أيها الأخوة، "الفتاح" هو الذي يحكم بين العباد، يختلف شريكان، ويفصلان الشركة، تُحل الشركة، الله عز وجل "الفتاح" كيف يحكم على الظالم ؟ بعدم التوفيق، ويحكم على المظلوم بالتوفيق، عقب فسخ شركة الله عز وجل مع المظلوم يوفق الشريك المظلوم ويحبط مسعى الشريك الظالم. زوجان يفترقان، إذا كان الزوج ظالم الله عز وجل يبتليه بزوجة تكيل له الصاع عشرة، والزوجة المظلومة الله يهيئ لها زوجاً صالحاً يعرف قيمتها، فالله يحكم، هناك حكم يوم القيامة وهناك حكم في الدنيا، فالتوفيق الإلهي حكم، والتعسير حكم، فالله عز وجل يفتح بين عباده أن يحكم على الظالم منهم بعدم التوفيق. ﴿ رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ ﴾ ( سورة الأعراف ) الله تعالى يفتح خزائن جهده وكرمه لعباده الطائعين وأبواب البلاء والهلاك على الكافرين: من معاني "الفتاح" اسم الله "الفتاح" أن الله يفتح خزائن جهده وكرمه لعباده المؤمنين، ويفتح أبواب البلاء والهلاك لأعدائه الكافرين. إنسانة اشترت بيتاً مع أخيها من جمعية تعاونية، والبيت باسمها لأنها محامية، وأخوها وثق بها ما طلب أن يكون له اسم في البيت، فالبيت ارتفع مئة ضعف لما صار ثمنه عشرين مليوناً طردته من البيت، البيت باسمها، ولم تعبأ بحقه في السكنى، وعنده أولاد كُثر، أحد أولاده حدثني عن هذه القصة المؤلمة جداً، قلت له: الله كبير، والله أيها الأخوة، بعد شهر من هذا العدوان الظالم الآثم ابتليت بورم خبيث، وبعد شهر آخر توفيت، وذهبت إلى البيت وألقيت كلمة في التعزية، ووريثها الوحيد أخوها، عاد إلى البيت الله حكم. والله هناك قصص أيها الأخوة تدع الحليم حيران من العدل الإلهي، لكن نحن معظم قصصنا نعرفها من آخر فصل، قد لا تفهم أما لو أنك تعرف القصة من أول فصل ترى عظمة الله عز وجل، الله يفتح بين عباده، يحكم بينهم. إذاً هو الذي يفتح خزائن جهده وكرمه لعباده الطائعين، ويفتح أبواب البلاء والهلاك على الكافرين، وهو الذي يفتح على خلقه من غلق عليه من أموره، تجد مصائب ، مشكلات، ضيق شديد، ثم يفرج. ضاقت فلما استحكمت حلقاته ا فرجت و كان يظن أنها لا تفرج * * * الله عز وجل يحكم بين البشر يوم القيامة: أيها الأخوة، "الفتاح" من أسمائه، يعني اسم ذات، و "الفتاح" من أوصافه، اسم صفة، و "الفتاح" من أفعاله، هو اسم ذات، واسم صفة، واسم فعل. لكن كما قال بعض العلماء وهو ابن القيم، قال: "الفتاح" يفتح بالأقدار، ويفتح بالتكليف، يكلفك بتطبيق شيء لا تطبقه تدفع ثمنه، لأن التكاليف الإلهية بينها وبين النتائج علاقة علمية، يعني علاقة سبب بنتيجة، أحياناً يكلف الله عز وجل، فالذي لا ينصاع لحكم الله يدفع الثمن باهظاً، هذا تكليف و له عقاب، وأحياناً الله عز وجل: ﴿ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ ( سورة النساء الآية: 84 ) على كلٍ الآية التي قرأت قبل قليل: ﴿ مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ وهناك آية ثانية: ﴿ قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ ﴾ بالنهاية الله هو الحكم، الآن يوجد بالأرض خلافات، نزاعات، مهاترات، خصومات، من يحكم بين البشر يوم القيامة ؟ هو الله عز وجل. كل إنسان بحاجة إلى أبواب رحمة الله و فضله في كل لحظة: أيها الأخوة، الشيء الدقيق: (( إذا دخَل أحدُكم المسجد، فَلْيَقُلْ: اللَّهمَّ افْتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليقل: اللَّهمَّ إني أسألك من فضلك )) [مسلم عن أبي حميد] وأنت في المسجد أنت بحاجة إلى أبواب رحمة الله تفتح لك، فإذا خرجت من المسجد أنت بحاجة إلى أبواب الفضل أن تفتح لك، ففي البيت، وفي الطريق، وفي العمل ، وفي المستشفى، وفي المدرسة، وفي الجامعة، وفي الدكان، وفي الحقل الزراعي، اسأله أن يفتح لك أبواب فضله، فتوفق بزراعتك، توفق بصناعتك، توفق بتجارتك، توفق بوظيفتك، افتح لي أبواب فضلك، وإن دخلت إلى بيت من بيوت الله اسأله أن يفتح لك أبواب رحمته. أيها الأخوة الكرام، أيضاً هذا الاسم يتصل بالمؤمن اتصالاً وثيقاً، يفتح الله له كل خير، يفتح الله له باب الخير، باب التأييد، باب التوفيق، باب النصر. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#80 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم (74) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى:(المجيد): أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "المجيد". ورود اسم المجيد في القرآن الكريم و السنة الشريفة: "المجيد" اسم من أسماء الله الحسنى، ورد في القرآن الكريم، وفي السنة، قال تعالى: ﴿ قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ ﴾ ( سورة هود ) وقال تعالى: ﴿ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ * فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ﴾ ( سورة البروج ) دقة اللغة العربية: ﴿ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ ﴾ إذاً هو اسم من أسماء الله الحسنى، و ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدِ قُرأت هكذا، إذاً هو صفة، حركة واحدة جعلت هذه الكلمة اسماً، وحركة أخرى جعلته صفة، اللغة العربية دقيقة جداً أحياناً حركة واحدة تنقل الإنسان من الجنة إلى النار الصحابي الجليل قبل أن يُقتل قال: ولست أبالي حينما أُقتل مسلماً على أي جنب ألقى في الله مصرعي * * * إلى الجنة، أما إذا قُرئ هذا البيت: ولست أبالي حينما أَقتل مسلما ً على أي جنب ألقى في الله مصرعي * * * إلى جهنم وبئس المصير، حركة واحدة تنقل الإنسان من الجنة إلى النار، يعني كلمة تجارب، جمع تجربة، هناك من يتفاصح ويقول تجارُب، العدوى بالجرب فقط التجارُب العدوى بالجرب، أما التجارب جمع تجربة، حركة واحدة. يكتب الطبيب على البطاقة أخصائي، يعني الذي يخصي، وصوابها اختصاصي هناك أخطاء شائعة في اللغة العربية كثيرة جداً، يقول أحدهم: أنا مولّع بالمطالعة، المولّع هو الثور الأحمر، ينبغي أن يقول أنا مولَعٌ بالمطالعة، حركة واحدة من مطالع إلى ثور. تقول قِمة، وقُمة، إن قلت قُمة من القمامة، وإن قلت قِمة من الذورة. الله عز وجل اختار اللغة العربية لتكون لغة كلامه: الله عز وجل قال: ﴿ وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى ﴾ ( سورة التوبة الآية: 40 ) الإنسان قد يتوهم يتابع: ﴿ وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ﴾ ( سورة التوبة الآية: 40 ) المعنى فاسد ﴿ وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى ﴾ بعد أن كانت عليا، لكن لا يصح أن نقول ﴿ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ﴾ ماذا كانت قبل ذلك ؟ ﴿ وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى ﴾ وقف ﴿ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ﴾ دائماً، حركة واحدة تنقل الإنسان من الكفر إلى الإيمان، أو من الإيمان إلى الكفر، أو من الجنة إلى النار، أو من النار إلى الجنة، لغة عربية اختارها الله لتكون لغة كلامه. فقد قيل: (( يا رسولَ الله، كيف نصلِّي عليك ؟ قال: قولوا: اللَّهمَّ صَلِّ على محمد وعلى أَزواجهِ وذُرِّيَّتِهِ، كما صلَّيْتَ على آل إِبراهيم، وبَارِك على مُحمدٍ، وعلى أَزْواجِهِ وذُريته، كما باركتَ على آلِ إِبراهيم، إِنَّكَ حَميدٌ مجيدٌ )) [ البخاري عن أبي حميد الساعدي] "المجيد" من أسماء الله الحسنى. معاني المجيد في اللغة: الآن "المجيد" في اللغة من صيغ المبالغة على وزن فعيل، ماجد، مجيد، فعله مجد، يمجد، مجداً، وتمجيداً، الماضي، والمضارع، والمصدر. و "المجيد" هو الكريم الفعّال، وقيل إن جمع في الإنسان شرف الذات إلى حسن الفعال سمي مجيداً، وفعيل أبلغ من فاعل، فاعل قد يعني مرة واحدة، كاتب، قارئ. إذاً "المجيد" هو الذي يجمع معنى الجليل، والوهاب، والكريم، عظيم، وهاب كريم. المجد المروءة والكرم، والسخاء والشرف، والفخر والحسب، والعزة والرفعة، والمجد أيضاً الأخذ من الشرف والسؤدد ما يكفي، هناك بحياتنا أشخاص كبراء، يقول له أنت كبير، الكبير يكبر، ويكبر، ويكبر ولا نرى كبره فيتضاءل أمامه كل عظيم، وغير الكبير يصغر، ويصغر، ويصغر ولا نرى صغره فيتعاظم عليه كل حقير، تشعر أحياناً إنسان كبير، كبير بعلمه، كبير بأخلاقه، كبير بعفوه، كبير بتسامحه، كبير بعطائه. وأنا أرى الإنسان ليس له سقف، النبي عليه الصلاة والسلام إنسان واحد جاء إلى الدنيا وغادرها، ونشر الهدى في الآفاق، أين ما ذهبت ترى مسلمين لهم مسجدهم، لهم أخلاقهم، لهم مبادئهم، لهم قيمهم، بفضل هذا الإنسان الأول الذي اصطفاه الله هادياً للناس ورحمة للعالمين. ما الذي يمنع أن تكون كبيراً ؟ ما الذي يمنع أن تكون رقماً صعباً ؟ ما الذي يمنع أن تحمل همّ أمتك ؟ ما الذي يمنع أن تكون في قلوب الخلق ؟ من ارتقى مقامه عند الله اتسعت دائرة اهتماماته : ﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً ﴾ ( سورة النحل الآية: 120 ) كان أمة، يوجد إنسان يأتي إلى الدنيا ويغادرها همّه الوحيد أن يأكل وأن يشرب وأن يسكن في بيت، همومه صغيرة، إذاً هو رقم تافه، لا معنى له، وهناك إنسان همّه كبير همّه الإنسانية، وكلما علا همّ الإنسان اتسعت دائرة همومه، وهناك إنسان همّه أسرته فقط، إنسان همّه أسرته الكبيرة، له ابن عم، له ابن أخت، يعانيان ما يعانيان، يحمل هذا الهم، وكلما ارتقى مقامك عند الله اتسعت دائرة همومك، وكلما ارتقى مقامك عند الله اتسعت دائرة رؤيتك، قل لي ما الذي يهمك أقل لك من أنت، هل يهمك أمر المسلمين ؟ هل تتألم إن رأيت المسلمين في بعض أقطارهم يعانون ما يعانون ؟ قتل، ونهب، وقهر، وإذلال، وأنت ما عندك مشكلة معافى، هل تقول ما لي وما لهم ؟ لا، يمتحنك الله أحياناً حينما تتطلع إلى مأساة يعاني منها المسلمون وأنت لا تتأثر، كلما ارتقى مقامك عند الله اتسعت دائرة اهتمامك بل كلما ارتقى مقامك عند الله ازدادت مسؤوليتك عند الله. أيها الأخوة، أحياناً تقرأ كتاباً تافهاً، ثمانمئة صفحة، قصة تنتهي من قراءتها تتثاءب وتنام، وأحياناً تقرأ كتيباً صغيراً، مقالة صغيرة تنتهي من قراءتها فتبدأ متاعبك وضعك هذا الكتب أمام مسؤوليتك. على كل مؤمن أن يؤمن بالله العظيم و يثني عليه: أيها الأخوة، المجد: المروءة، والكرم، والسخاء، والشرف، والفخر ، والحسب، والعزة، والرفعة، ولا تنسوا المرأة التي قالت: وا معتصماه، كيف ردّ عليها المعتصم، وقد قال بعض الشعراء: ربّ وامعتصماه انطلقت ملء أفواه الــبنات اليتم لامست أسماعهم لـكنها لم تلامس نخوة المعتصم * * * فالمجد، والمروءة، والكرم، والسخاء، والشرف، والفخر، والحسب، والعزة والرفعة. الآن أمجده ومجده يعني عظمه وأثنى عليه، والمؤمن يمجد الله عز وجل ويعظمه. ﴿ إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ ﴾ ( سورة الحاقة ) آمن بالله خالقاً، لكن ما آمن به عظيماً، العبرة أن تؤمن بالله العظيم. تمجيد الله عز و جل و تعظيمه مهمة المؤمن الأساسية: أيها الأخوة، لا تنسوا أن الله سبحانه وتعالى حينما قال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً ﴾ ( سورة الأحزاب ) الأمر على ما ينصب ؟ على الذكر الكثير، لأن المنافق يذكر الله، ولكن يذكره ذكراً قليلاً، حتى إن النبي عليه الصلاة والسلام أعطى مقاييس، قال: (( برئ من النفاق من أكثر من ذكر الله، وبرئ من الكبر من حمل حاجته بيده )) (( برئ من الشح من أدى زكاة ماله )) [أخرجه الطبراني عن جابر بن عبد الله ] إذاً كما أن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً ﴾ قال: ﴿ إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ ﴾ تحت كلمة ﴿ الْعَظِيمِ ﴾ خط، يعني الأمر يتعلق بأن تؤمن بالله العظيم، إبليس آمن بالله، قال ربي: ﴿ فَبِعِزَّتِكَ ﴾ ( سورة ص الآية: 82 ) آمن به رباً وعزيزاً، آمن به خالقاً، قال: ﴿ خَلَقْتَنِي ﴾ ( سورة ص الآية: 76 ) آمن باليوم الآخر، قال: ﴿ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ( سورة الأعراف ) ومع ذلك هو إبليس اللعين ﴿ إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ ﴾ إذاً لا يصح إيماننا إلا إذا مجدنا ربنا، وعظمناه، أمجده ومجده أي عظمه وأثنى عليه، وتماجد القوم فيما بينهم ذكروا أمجادهم، هذا ما يتعلق باللغة. القرآن مجيد لأنه كلام الله وصفة الكلام من صفات الله العليا: أما الله جلّ جلاله وصف في كتابه العزيز، وصف قرآنه الكريم قال: ﴿ ق وَالْقُرْآَنِ الْمَجِيدِ ﴾ ( سورة ق ) يعني الله عز وجل قال: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ﴾ ( سورة الأنعام الآية: 1) في آية ثانية: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ ﴾ ( سورة الكهف الآية: 1 ) كأن الكون كله في كفة، والقرآن المجيد في كفة. أيها الأخوة، القرآن مجيد لأنه كلام الله، وصفة الكلام من صفات الله العليا ، والقرآن كريم فيه الإعجاز والبيان، وفيه روعة الكلمات، وحسن المعاني، وفيه كمال السعادة للإنسان فهو كتاب مجيد، عظيم، رفيع الشأن. "المجيد" سبحانه وتعالى هو الذي علا وارتفع بذاته: الآن "المجيد" سبحانه وتعالى، الآن دخلنا في صلب الموضوع، "المجيد" سبحانه وتعالى هو الذي علا وارتفع بذاته، له المجد في أسمائه، وصفاته، وأفعاله، مجد الذات الإلهية بيّن في جمال الله. (( إن الله جميل يحب الجمال )) [أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي عن عبد الله بن مسعود ] مجد الذات الإلهية بين في جمال الله، وسعته، وعلوه، واستوائه على عرشه فعند مسلم من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( إن الله جميل يحب الجمال )) هذا مجد الذات، مجد الذات أنه جميل. و روي أيضاً: (( حِجَابُه النُّورُ، لو كَشَفَهُ لأحْرَقتْ سُبُحات وجهه ما انتهى إليه بصرُه من خلقه )) [مسلم عن أبي موسى] ﴿ اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ ( سورة النور الآية: 35 ) هذا جمال الذات، أما كيفية جمال الذات أمر لا يدركه أحد، عين العلم به، عين الجهل به، وكل شيء خطر ببالك فالله بخلاف ذلك، والعجز عن إدراك الإدراك إدراك كيفية جمال الذات لا يعلمه إلا الله، وليس عند المخلوقين منه إلا ما أخبر به عن نفسه، من كمال وصفه، سبحانك لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، كمال وصفه وجلال ذاته، وكمال فعله، ومن مجد ذاته أنه استوى على العرش، فهو العلي بذاته على خلقه. الله عز وجل مجّد ذاته باستوائه على العرش: ﴿ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى ﴾ ( سورة طه ) في ملكه، وهو القائم عليهم والمحيط بهم، قال تعالى: ﴿ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ﴾ ( سورة طه ) الاستواء معلوم، والكيف مجهول، وهناك آيات معدودة من الحكمة البالغة أن تصوغ معناها إلى الله، الاستواء معلوم والكيف مجهول. الآن ثبت أن العرش أعلى المخلوقات، والله جلّ جلاله فوق ذلك محيط بالخلائق والكائنات، ويعلم ما هم عليه. (( فإذا سألتُم الله فاسألوه الفِرْدَوس، فإنه أوسطُ الجنة وأعلى الجنة، وفوقَه عرش الرحمن، ومنه تَفَجَّرُ أنهار الجنة )) [ البخاري عن أبي هريرة] الله جلّ جلاله من كمال مجده أنه خصّ الكرسي بالذكر دون العرش: وقد ذكر الله جلّ جلاله: من كمال مجده الكرسي، خصه بالذكر دون العرش في أعظم آية في كتاب الله، فقال: ﴿ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ﴾ ( آية الكرسي من سورة البقرة ) لقد بيّن الله جلّ جلاله في كتابه الكريم من كمال وصفه وسعة ملكه لمن أعرض عن طاعته، وعن توحيده في عبادته، أن مُلك من أشركوا لو بلغ السماوات السبع، ولو بلغ الأراضين كلها وما فيهن، وما بينهم، على عرضهن، ومقدارهن، وسعة حجمهن، لا يمثلن شيئاً في الكرسي، الذي تحت قدم الملك، فما بالك بعرشه ومجده، وما بالك باتساع ملكه. هذا الإله العظيم ألا يخطب وده ؟ ألا ترجى جنته ؟ ألا تتقى ناره ؟ تعصي الإله وأنت تظهر حبه ذاك لعمري في المقال شنيع لو كان حبك صادقاً لأطـعته إن المحب لـمن يحب يطيع * * * عظمة الله عز وجل لا نهاية لها: الله عز وجل يقول: ﴿ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا ﴾ يعني هو: ﴿ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا ﴾ ( سورة فاطر الآية: 41 ) ﴿ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا ﴾ أي لا يعجزه حفظهما، لأنه لا يقوى غيره على حفظهن، وإدارتهن، حتى لو ادعى لنفسه ملكهن، فالله من حلمه على خلقه أمسك بهن بقدرته، وأبقاهن لحكمته لذلك قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً ﴾ ( سورة فاطر ) (( إني والإنس والجن في نبأ عظيم، أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر سواي، خيري إلى العباد نازل، وشرهم إلي صاعد، أتحبب إليهم بنعمي وأنا الغني عنهم ، ويتبغضون إلي بالمعاصي وهم أفقر شيء إلي، من أقبل عليّ منهم تلقيته من بعيد، ومن أعرض عني منهم ناديته من قريب، أهل ذكري، أهل مودتي، أهل شكري، أهل زيادتي أهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي، إن تابوا فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم ، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من الذنوب والمعايب، الحسنة عندي بعشرة أمثالها وأزيد والسيئة بمثلها وأعفو، وأنا أرأف بعبدي من الأم بولدها )) [ رواه البيهقي والحاكم عن معاذ، والديلمي وابن عساكر عن أبي الدرداء ] ورد أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( ما السماوات السبع مع الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على الحلقة )) [ ابن حبان عن أبي ذر] يعني لا نهاية لعظمة الله، وصحّ عن ابن عباس رضي الله عنهما موقوفاً أنه قال: (( الكرسي موضع قدميه والعرش لا يقدر قدره)) [رواه الحاكم و الدارمي عن ابن عباس] المجيد وصف جامع لكل أنواع العلو التي يتصف بها الله عز وجل: أيها الأخوة، أما مجد أوصافه، تحدثنا عن مجد ذاته، وعن مجد أفعاله، والآن عن مجد أوصافه، له علو الشأن، لا ند له، لا مثل له، ولا نظير له، ولا شبيه له، ولا مثيل، فالمجد وصف جامع لكل أنواع العلو التي يتصف بها المعبود، فهو العلي العظيم، لأن أي معبود سواه إذا علا مجده بعض الخلق، وغلب على العرش، واستقر له الملك، فإنه مسلوب العظمة، أي عظيم سواه مسلوب العظمة في علوه إما لمرضه، الأقوياء يمرضون، والأقوياء ينامون، والأقوياء يموتون، أو لغلبة غيره على ملكه، أية عظمة لعلو المخلوق وهو يعلم أن قدرته محدودة وأيامه معدودة، أيستحق المخلوق أن يكون معبوداً ؟ لأنه يموت، كل مخلوق يموت. أيها الأخوة الكرام، من لوازم الإيمان أن نمجد الله سبحانه وتعالى، من لوازم الإيمان أن نذكر الله ذكراً كثيراً، من لوازم الإيمان أن نحبه حباً عظيماً، من لوازم الإيمان أن نخضع له، بل إن قمة لوازم الإيمان أن نعبده، والعبادة طاعة طوعية، ممزوجة بمحبة قلبية، أساسها معرفة يقينية، تفضي إلى سعادة أبدية. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| الكلمات الدليلية (Tags) |
| أسماء, الله, الحسنى |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 4 ( الأعضاء : 0 , والزوار : 4 ) | |
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| متجدد ..أسماء الله الحسنى ومعانيها..~ | منال نور الهدى | رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة | 45 | 06-29-2022 09:36 AM |
| اسماء الله الحسنى 2008 م | السعيد | رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة | 204 | 09-03-2018 01:22 PM |
| معرض أسماء الله الحسنى | منال نور الهدى | رِيَاضُ الصُوَر المَنْقُولَة | 3 | 11-05-2014 11:25 PM |
| أسماء الله الحسنى: "الجبار" | منال نور الهدى | رياض الصوتيات والمرئيات الإسلامية | 3 | 02-27-2013 03:13 AM |
| من أسماء الله الحسنى :"المبين .".الشيخ محمد راتب النابلسي | منال نور الهدى | رياض الصوتيات والمرئيات الإسلامية | 5 | 02-27-2013 03:03 AM |