| كَلِمةُ الإِدَارَة |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
| جديد المواضيع |
| رياض الأنبياء والرسل (يختص بسيرة وقصص الأنبياء والرسل عليهم السلام |
الإهداءات |
![]() |
|
|
|
أدوات الموضوع | إبحث في الموضوع |
|
|
#41 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : الوصول إلى المدينة المنورة وبناء جامع بقباءفقة السيرة النبوية الدرس : ( الواحد و الاربعون ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. أيها الإخوة الكرام، مع درس جديد من دروس فقه السيرة النبوية، وقد سرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في طريق هجرته، وها نحن نصل معه إلى قباء. مع النبي صلى الله عليه وسلم في قباء: أيها الإخوة، في يوم الاثنين الثامن من ربيع الأول عام 14 من النبوة، وهي السنة الأولى من الهجرة، كان نزول رسول الله صلى الله عليه وسلم في قباء، وقبل أن أتابع أقول: سيرة الرسول منهج كامل: إخوتنا الكرام، يجب أن نعلم علم اليقين أن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم منهج بكل ما في الكلمة من معنى، ذلك لأنه في مكة المكرمة لـ 13 عاماً قوى النبي الكريم الإيمان في قلوب أصحابه، فصار الواحد كالجبل في الإيمان , لكنهم ضعفاء، لكن بعض الأصحاب كان يعذب أمام النبي عليه الصلاة والسلام , ولا يملك شيئاً إلا أن يقول لهم: (( صبراً آل يل سر فإن موعدكم الجنة )) ( السيرة النبوية ). قوة الإيمان: ماذا فعل النبي عليه الصلاة والسلام في مكة المكرمة ؟ بنى الإيمان، الإيمان أكبر كلمة، ذلك أنك إذا سألت ما هي أقوى قوة في الأرض ؟ قد يقول أحدهم: القنبلة الذرية أو النووية، في ثوانٍ تبيد ملايين، حرقاً وضغطاً، ولا تبقي ولا تذر، لا من البشر , ولا من الحيوان، ولا من النبات، ولا أي كائن حي، من هو الأقوى منها ؟ الذي صنعها بما آتى الله الإنسان من عقل، استطاع بهذا العقل أن يصل إلى الكواكب الأخرى، سافر إلى القمر، أرسل مركبة إلى المشتري، وبقيت هذه المركبة تسبح في الفضاء ست سنوات بأسرع سرعة صنعها الإنسان، 40 ميلا في الساعة، أسرع الطائرات الآن بين الـ900 والـ 1000 كم في الساعة، أما هنا 60 ألف كم في الساعة، إذاً الذي صنع القنبلة بقدراته العقلية هو أقوى منه، الآن القوة التي تحرك هذا الإنسان وتجعله يضحي بالغالي والرخيص والنفس والنفيس، هي قوة الإيمان، الإيمان أقوى قوة في الأرض، يعني هل هناك أغنى من الحياة ؟ هل هناك أغلى على الإنسان من حياته ؟ حياة المؤمن يضحى بها رخيصة في سبيل الله، معنى ذلك أقوى قوة في الأرض قوة الإيمان، جئناكم بأناس يحبون الموت كما تحبون الحياة. ماذا فعل النبي عليه الصلاة والسلام في مكة المكرمة ؟ بنى الإيمان في نفوس أصحابه، قوى الإيمان، لذلك الإيمان كلمة كبيرة جداً، فمنهج النبي أن الإيمان قوي وتمكن وتعزز في مكة المكرمة، لكنهم ضعاف، وقد جاء توجيه الله لهم ألا يقاتلوا: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ ﴾ ( سورة النساء الآية: 77 ). قوة الحق: لكن هذا الحق القوي يحتاج إلى قوة، قوة الحق تحتاج إلى حق القوة، لما انتقل النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، دخل في مرحلة أخرى، في مرحلة ثانية، دخل في مرحلة تأسيس كيان إسلامي، تأسيس دولة إسلامية، تأسيس دولة إسلامية، وحارب قريشاً حروباً ثلاثة، وبعض الغزوات إلى أن انتزع منهم اعترافاً بالكيان الإسلامي في صلح الحديبية، كنا في مرحلة تقوية الإيمان في مكة المكرمة. ﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾ ( سورة الشمس ). ﴿ وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ ﴾ ( سورة الفجر ). ﴿ عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ ﴾ ( سورة النبأ ). أما في المدينة فصار لهم كيان، وتشريع، وقوة، إذاً المسلمون اليوم ما لم يؤسسوا إيماناً قوياً كما فعل النبي بمكة، ثم يدعمونه بقوة كما فعل النبي الكريم بالمدينة، فلن يستطيعوا أن يحققوا رسالتهم. خروج الأنصار لانتظار النبي على حب وشوق: قال عروة بن الزبير: سمع المسلمون بالمدينة بخروج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة، فكانوا يغدون كل غداة إلى ظاهر المدينة. غدا بمعنى ؛ ذهب، راح ؛ عاد، سؤال لغوي: لو طرق إنسان باب بيت، وفتح ابن صاحب البيت، فقال له: يا بني، هل أبوك في البيت ؟ فقال الابن: الآن راح، قال له: سلم عليه، الابن كذب أم صدق ؟ معنى راح ؛ الآن أتى، هو في البيت، لكن طارق البيت توهم أنه خرج، غدا ؛ ذهب، راح ؛ عاد، قال العلماء: هو كاذب شرعاً، لأنه أوهم الطارق أن الأب ليس في البيت، لكنه صادق لغة، في الشرع هو كاذب، المؤدى أن تعطي المتكلم والسائل الواقع، هو يتوهم أنه ليس في البيت. فكان أصحاب النبي رضوان الله عليهم يغدون كل غداة إلى ظاهر المدينة ينتظرونه حتى يدركهم حر الظهيرة، لأن هناك حبا. إخواننا الكرام، الإسلام من دون حب جسد من دون روح، جثة، إذا أفرغت الإسلام من الحب، من الود، من خفقان القلب. ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ ( سورة الأنفال ). (( أولياء الله تعالى الذين إذا رؤوا ذكر الله تعالى )) [ أخرجه الحكيم عن ابن عباس ]. لاتصالهم بالله عز وجل، الإيمان اتصال، الإيمان حال، الإيمان حب، الإيمان تضحية، الإيمان انضباط. فلذلك كان أصحاب النبي رضوان الله عليهم في أعلى درجات الحب، وحينما يزول الحب بيننا وتبقى المساجد الضخمة، وتبقى المكتبات العامرة، والمؤتمرات الباذخة وتبقى المظاهر الصارخة. هناك مسجد زرته في الدار البيضاء بني فوق البحر، وكلف مليار دولار، مئذنته جامعة، أعلى مئذنة في العالم، وهي بناء أُعد ليكون جامعة بكل ما في الكلمة من معنى , جوامع كبيرة جداً فيها بذخ، وفيها زخرفة، ومؤتمرات، فنادق خمس نجوم، ومكتبات ومظاهر، وألقاب علمية، لكن ليس بيننا حب ولا اتصال بالله. ملخص المعاملات:الاتصال بالله: ![]() إخواننا الكرام، دققوا في هذا المثل: التجارة فيها مئات، بل ألوف، بل عشرات الألوف من النشاطات، تاجر كبير يشتري محلا تجاريا، يشتري مكتب استيراد، يشتري مستودعًا، يعين موظفين، يعين محاسبة، إدارة، يعلن عن بضاعته، يسافر، يستورد، يعرض، يجول، أكثر من مئة نشاط، من ألف نشاط، من بضعة آلاف من النشاطات، كل هذه النشاطات تضغط في كلمة واحدة، بدءاً من شراء المحل والمستودع، مكتب الاستيراد، تعيين موظفين، السفر إلى الخارج، أخذ وكالات، استيراد بضاعة، عرض البضاعة، بيع البضاعة، نقل البضاعة شحن البضاعة، ثمن البضاعة، تحويل الثمن إلى المعامل نشاطات لا تعد ولا تحصى , وجلسات تحكيم بين التجار، وخلافات، وحسم أسعار، ومشكلات تنشأ في أثناء البيع والشراء , كل هذه التجارة تضغط بكلمة واحدة، فهي الربح، فإن لم تربح فلست تاجراً. بالمقابل النشاطات الدينية: إنشاء مساجد، إنشاء مكتبات، تعيين خطباء، إلقاء خطب، نقل خطب عبر الإذاعة، عقد مؤتمرات، نشاطات لا تعد ولا تحصى، كتب في السيرة، كتب في التاريخ، كتب في اللغة، كتب في التجويد، كتب في الأحكام الفقهية كتب في أصول الفقه، كتب في الفقه المقارن، كتب في تاريخ الفقه الإسلامي، كتب في أحكام المواريث، كتب في العلاقات العامة، كتب في العقيدة، كتب في الحديث، في علم مصطلح الحديث، مليون نشاط ديني، بين تعلم، وتعليم، وتأليف، وإنشاء مساجد وإدارات عامة، وجمعيات خيرية، الدين كله يضغط في كلمة واحدة الاتصال بالله، فإن لم يكن هناك اتصال بالله كل هذه المظاهر لا قيمة لها، كلام دقيق. فلذلك النبي عليه الصلاة والسلام بنى الإيمان في مكة، وبنى كيان، مدني قوي في المدينة، فامتلك قوة الحق وحق القوة. الجمع بين قوة الحق وحق القوة: الآن لماذا قتل قابيل هابيل ؟ قابيل معه قوة، الأخ الأقوى، وهابيل معه الحق لكنه الأخ الأضعف، لكنه قُتل، ماذا كان ينقص هابيل، إضافة أنه على حق، وقدم قرباناً وتقبله الله منه، وأطاع الله وتزوج أخت قابيل، ينقص هابيل قوة قابيل، وماذا ينقص قابيل ؟ إيمان هابيل، فقابيل ملك حق القوة، وهابيل ملك قوة الحق. لذلك النبي جمع بين قوة الحق في مكة، وبين حق القوة في المدينة، يعني كيف حق القوة ؟ الدول العظمى اخترعوا حقا لهم لأنهم أقوياء، اسمه " الفيتو "، أيّ قرار لا يعجبهم يستخدمون الفيتو فيلغى، هذا ما أنزل الله به من سلطان، هذا من اختراعهم، هذا من حق القوة، فالقوي يملي الشروط، والضعيف يقبلها. لذلك النبي عليه الصلاة والسلام علمنا أن قوة الحق لا تكفي، كان في مكة يملك قوة الحق، لكن كان يرى أصحابه يُعذبون أمامه، ولا يستطيع أن يفعل شيئاً، أما في المدينة بنى كياناً إسلامياً، امتلك حق القوة. لذلك عند الغربيين، الحق عندهم يعني القوة، القوة تصنع الحق، لذلك يكيلون بألف مكيال ومكيال، معهم حق القوة، لكن الحق عند المؤمنين ما جاء في وحي السماء هذا الحق، ما جاء بالوحيين، الكتاب والسنة، ولكن هذا الحق يحتاج إلى قوة. لذلك أنت كمؤمن لا يكفي أن تكون مؤمنًا، صافي النفس، سليم الصدر، لا حول ولا قوة إلا بالله، ماذا نعمل ؟ الأمر ليس بيدنا، كله ترتيب سيدك، هذه الكلمات الفارغة التي ينطق بها المؤمنون أحياناً، ضعيف، مستسلم، يقبل الضغط، يقبل الذل، ما بيدنا شيء، نحن ضعاف، هكذا الله شاء، ماذا نفعل ؟ هكذا كان أصحاب رسول الله ؟ لا. لما انتقل النبي عليه الصلاة والسلام إلى المدينة المنورة أسس كيانًا، وامتلك حق القوة، لذلك حارب قريشًا في بدر، وفي أحد، وفي الخندق، وفي الغزوات إلى أن انتزع من قريش القبيلة القوية المتغطرسة، المستكبرة، الجامحة، الطاغية، المنحلة، ربا على خمر، على زنا، على فوضى جنسية، هذه الفوضى العاتية المتكبرة انتزع منها اعترافاً بالكيان الإسلامي. والعالم الإسلامي الآن ما لم يقتد برسول الله في انتزاع حق القوة فلن يستطيع أن يقيم الإسلام في بلاده، في الأرض هبابلة، وقبابلة، هبابلة أمثال هابيل، وقبابلة أمثال قابيل، الهبابلة مؤمنون والحمد لله، إن شاء الله مصيرهم إلى الجنة، لكن مذبوحون، أما القبابلة فكفار، وقتلة، ومجرمون، لكنهم أقوياء، فليت الهبابلة يأخذون من خصائص القبابلة، وليت القبابلة يأخذون من خصائص الهبابلة، هل هناك علاقة بين كلمة أهبل وهذه ؟ لا أعرف والله، نسحب هذه الكلمة. ![]() على كلٍ، أيها الإخوة، انطلقت من الحب، أتحب أخاك ؟ كان أصحاب رسول الله يصلون العشاء في المسجد النبوي، فإذا انطلقوا إلى البيت عانق الأخ أخاه وودعه، العشاء بالشتاء الساعة العاشرة، الفجر الساعة الرابعة، أو الثالثة، لما يلتقي الصحابي مع أخيه الذي ودعه قبل خمس ساعات يعانقه ويقول: وا شوقاه، غاب عنه خمس ساعات، هناك حب بينهم، وكان الصحابة الكرام إذا مشى الأول مع الآخر، وافترقا لشجرة بينهما، فإذا التقيا بعد الشجرة يقول الأول للثاني: السلام عليكم، نريد حباً كهذا الحب، نريد أن يكون المؤمنون أخوة. (( قال الله تعالى: وجبت محبتي للمتحابين فيّ، والمتجالسين فيّ، والمتباذلين فيّ، والمتزاورين فيّ، والمتحابون فيّ، على منابر من نور يغبطهم عليها النبيون والصديقون والشهداء يوم القيامة )) [ أخرجه أحمد في مسنده والطبراني والحاكم، عن عبادة بن الصامت وعن معاذ ]. بوادر وصول النبي إلى المدينة: فانقلبوا يوماً بعد ما أطالوا انتظارهم فلما آووا إلى بيوتهم أوفى رجل من يهود على أطم ؛ على مرتفع من آطامهم لأمر ما، فبصر برسول الله وأصحابه من بعيد، فلم يملك اليهودي إلا أن قال بأعلى صوته: يا معشر العرب، هذا جدكم الذي تنتظرون، فسار المسلمون إلى السلاح. الآن هناك فضائيات، وأخبار، واتصالات، وكل شيء يقع في العالم يُعلم في ثوانٍ معدودة، صوتاً، وصورة، ومشهداً، وحركةً بالألوان، أما قديماً فلم يكن اتصالات، لاثنتي عشرة ليلة كان أصحاب النبي يغدون باكراً لاستقبال النبي، في النهاية وصل النبي، الآن تركب مركبة من مكة إلى المدينة تشعر بثقل الوقت، يا أخي ست ساعات، أربع ساعات ، وسرعتها 150 كلم، ومكيفة، يا أخي ست ساعات السفر متعب، النبي عليه الصلاة والسلام على ناقة اثني عشر يوماً، مع الخوف، والقلق، دمه مهدور، مئة ناقة لمن يأتي به حياً أو ميتاً، هؤلاء الصحابة الكرام، وعلى رأسهم النبي العدنان قدموا لنا هذا الإسلام، أما نحن فننتفع به، هم قدموه لنا، وبذلوا من أجله الغالي والرخيص، والنفس والنفيس، ونحن ننتفع به، هم حملوا هذا الدين، ونحن حمَلَنا هذا الدين، فرق كبير جداً، هم حملوا. ![]() إذا استقام الواحد منكم، وانضبط، واصطلح مع الله فهو معزز، مكرم، فالإسلام حملك، ورفع ذكرك، وأكرمك، أما الصحابة الكرام فحملوا لنا هذا الدين، وبذلوا من أجله الغالي والرخيص، والنفس والنفيس. وقال ابن القيم: " كبّر المسلمون فرحاً بقدوم النبي صلى الله عليه وسلم، وخرجوا للقائه، فتلقوه، وحيّوه بتحية النبوة، فأحدقوا به، مطيفين حوله، والسكينة تغشاه، والوحي نزل عليه: ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ ﴾ ( سورة التحريم ). وإذا كان الله معك فمن عليك، وإذا كان عليك فمن معك. وقال عروة بن الزبير: فتلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعدل بهم ذات اليمين، حتى نزل بهم في بني عمر بن عوف، وذلك يوم الاثنين من شهر ربيع الأول، فقام أو بكر للناس، وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم صامتاً. بالمناسبة: المسافر وحده شيطان، أما الثلاثة ركب، من السنة ألا تسافر وحدك. دخول النبي المدينة وأدبه: جلس النبي صلى الله عليه وسلم صامتاً، فطفق من جاء من الأنصار ممن لم يرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي أبا بكر ظناً أنه رسول الله، سيدنا الصديق واقف يستقبل الناس، والنبي جالس، وهو صامت، فتوهم الأنصار أن النبي هو أبو بكر، الآن دققوا في ذكاء وحكمة وأدب أبي بكر، أصابت الشمس رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس، فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه، ما تكلم، أما حينما ظلله بردائه يعني أن هذا رسول الله. أحيانا يمشي الإنسان مع شخص، الأول مدير مؤسسة، مدير مستشفى، مدير جامعة، مدير دائرة، وزير، إذا مشيت إلى جانبه يحتار الناس، من الوزير ؟ تمشي وراءه خطوة فُهِم الأمر. لذلك مرة رئيس فرنسا " ديكول " مشى وإلى جانبه رئيس تماماً، قال له: خطوة للوراء، ليعلم الناس أن في فرنسا رئيس جمهورية واحدًا. هذا الأدب، فلما ظن الناس أن الصديق هو رسول الله قام وظلله بردائه، ما تكلم ، وأنت إذا كنت معاون مدير، وخرجتم إلى زيارة ميدانية ارجع خطوة، واضحة، تمشي إلى جانبه تمامًا، أمامه أيضاً ؟ الآن الأدب مع الأب ألا تسبقه، بل أن تتأخر عنه خطوة، وألا تجلس قبله، ألا تمشي أمامه وألا تجلس قبله، هذا من أدب الأبناء مع الآباء، الدين كله أدب. إخوانا الكرام، رجل في الجاهلية كان من أجمل الرجال على الإطلاق، اسمه " زيد الخيل " مرة جاء النبي عليه الصلاة والسلام حسب الروايات أنه إذا ركب فرسه رجلاه تلمس الأرض إذا ركب الفرس، طويل، وجهه كالبدر، فجاء المسجد النبوي، أثناء خطبة الجمعة، فالنبي أعجب به، قال: من الرجل ؟ انظر النبي الكريم فيه لباقة. هناك شخص لا يبالي بأحد، لا يبالي، وإذا بال فمِن بال يبول، لا من بالى يبالي، بال ؛ اهتم، مضارعه يبالي. فالنبي قال: من الرجل ؟ قال له: زيد الخيل، أشهر إنسان قبل الإسلام من حيث الجمال، والقوة، والرجولة، فقال له: بل زيد الخير، عدل له اسمه، وأخذه إلى البيت، هذا إسلامه، عمر إسلامه ربع ساعة، أعطاه وسادة ليتكئ عليها، فقال زيد الخير: والله يا رسول الله لا أتكئ بحضرتك. إذا كنت جالسًا أمام إنسان عظيم هل تفعل هكذا ؟ فيها سوء أدب، رجل فوق رجل ؟ فيها سوء أدب، أو الرجلان متباعدتان فيها سوء أدب، أن تعبث بمسبحة فيها سوء أدب، أن تقرأ جريدة فيها سوء أدب. ما هذا الأدب يا رسول الله ؟ قال: (( أدبني ربي فأحسن تأديبي )) [ أخرجه ابن السمعاني عن ابن مسعود ]. ما رئي ماداً رجليه قط بين أصحابه، أبداً، من شدة أدبه ما رئي ماداً رجليه قط، فأعطاه وسادة إكراماً له لأنه ضيفه، ليتكئ عليها، قال: والله يا رسول الله لا أتكئ بحضرتك. عكرمة بن أبي جهل، أبو جهل أكفر الكفار، وأعدا أعداء النبي، ابنه جاء مسلماً، ماذا قال النبي عليه الصلاة والسلام ؟: (( يأتيكم عكرمة بن أبي جهل مؤمنا مهاجرا فلا تسبوا أباه، فإن سب الميت يؤذي الحي ولا يبلغ الميت )) [ رواه الواقدي وابن سعد وابن عساكر، عن عبد الله بن الزبير ]. ما هذا الأدب ؟ المؤمن كله أدب، كله ذوق، أما الذي يقول لك: لا حياء في الدين قل له: كذبت، الدين كله حياء، والدليل قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ* إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ* فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ﴾ ( سورة المؤمنون ). من آداب القران والسنة: كل أنواع الانحراف الجنسي تحت كلمة: ﴿ فَمَنْ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ ﴾ رأيت إلى الأدب القرآني ؟. ﴿ فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ ﴾ ( سورة الأعراف الآية: 189 ). ألطف كلمة عبر بها عن اللقاء الزوجي. ﴿ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ ﴾ ( سورة النساء الآية: 43 ). طفل جالس يفهم: ﴿ لَامَسْتُمْ النِّسَاءَ ﴾ يعني يد الزوج مست يد الزوجة، هناك معنى أعمق: ﴿ أَوْ لَامَسْتُمْ النِّسَاءَ ﴾ ﴿ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً ﴾ ( سورة النساء الآية: 43 ). الدين كله أدب، امرأة تشكو زوجها، منصرف عنها كلياً، ولا يقربها إطلاقاً، نهاره صائم، وليله قائم، فجاءت تشكوه لسيدنا عمر، قالت له: يا أمير المؤمنين إن زوجي صوامٌ قوام، يبدو أنه كان مشغولاً فلم ينتبه لكلامها، قال لها: بارك الله لك بزوجك، قال له سيدنا علي: إنها تشكوه ولا تمدحه، انظر إلى الأدب، إن زوجي صوامٌ قوام، الآن تتصل امرأة بالهاتف تقول كلامًا غير لائق، أنه بعيدعنها امرأة بكلمات أخرى، انظر إلى أدب الصحابيات، إن زوجي صوامٌ قوام. ![]() مرة امرأة ثيابها مهملة، تهمل شكلها وأناقتها، التقت بالسيدة عائشة فشكت للسيدة عائشة زوجها الذي أعرض عنها كلياً، اسمه عثمان بن مظعون، فالنبي عاتبه، يا عثمان أليس لك بي أسوة ؟ إن لجسمك عليك حقاً، وإن لزوجك عليك حقاً، وإن لزورك عليك حقاً، فأعطِ لكل ذي حق حقه، يبدو أنه انصاع لتوجيه النبي، واهتم بها، واعتنى بها وقاربها، فأصبحت عطرة نضرة، انتعشت، لبست، ترتبت، تزينت، فزارت السيدة عائشة وضع آخر، البارحة مهملة لثيابها، وشعرها، واهتمامها، ثاني يوم إنسانة أخرى تعجبت قالت لها: أصابنا ما أصاب الناس، انظر إلى هذا الأدب، أصابنا ما أصاب الناس، رأتها عطرة نضرة، فسألتها عن حالها ؟ قالت: أصابنا ما أصاب الناس. سيدنا الصديق وضع ردائه فوق رأس النبي ليظلله من أشعة الشمس، ما قال: لست أنا، غير لبقة، لما ظلله تبين أن الرسول هو رسول الله، وكانت المدينة كلها قد زحفت لاستقبال النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يوماً مشهوداً لم تشهد المدينة مثله في تاريخها. وقد رأى اليهود صدق بشارة ما في كتبهم لظهور النبي عليه الصلاة والسلام، ونزل النبي عليه الصلاة والسلام بقباء عند كلثوم بن الهدم، وقيل: بل عند علي بن سعد، والأول أثبت وجلس علي ابن أبي طالب ثلاثاً حتى أدى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الودائع التي كانت عنده للناس. الآن هناك اتجاه تكفيري منحرف، متشدد، أن مال الكفار حلال لنا، مثلاً: يذهب لأوربا، يشتري بعشرات ألوف الدولارات، ببطاقة ائتمان، ولا يدفع الثمن ويسافر، يعد نفسه بطلا ـ دقق ـ المشركون الذين يعبدون الأصنام وضعوا عند النبي أمانات لثقتهم بأمانته لمَ لم يعد هذا من حقه أن يأخذه لأنهم كفار ؟ أبقى ابن عمه علي ابن أبي طالب أياماً ثلاثة ليرد الودائع إلى أهلها. ![]() فكل إنسان يسافر إلى بلد غربي ولا يدفع الثمن، يخالف مبادئ هذا الدين العظيم، بصراحة: ما دام هناك تمثيل دبلوماسي بالتعبير المعاصر بين دولتين فالدولة الثانية اسمها دولة آمنة، هناك اتفاقيات، أما مع دولة محاربة كإسرائيل أي شيء يأتينا من عندها هو غنائم، ممكن، هناك دار الحرب، ودار الإسلام، ودار الأمان، فدار الحرب أموال المحاربين غنائم للمسلمين، أما أموال الآمنين فحرام على المسلمين، أي مكان ذهبت في العالم المنحرفون كفار يحق لنا أن نأخذ أموالهم، كيف ؟ أليسوا مشركين ؟ عبدة أصنام أعطوا النبي ودائعهم لثقتهم بأمانته، فلما هاجر ما قال: إن هؤلاء كفار، عباد أصنام، أموالهم حلال لنا، أخذها ومشى، لا، أبقى ابن عمه أياماً ثلاثة كي يرد الأموال إلى أهلها. لذلك أحياناً يرتكب المسلم بحق دينه جريمة، إذا كان ببلد غربي، ويحتال . بالمناسبة، إذا أساء مسلم إلى إنسان ماذا يقول وهو مسلم: فلان أساء إليّ، أما إذا كان غير مسلم وأساء إليه مسلم يقول: الإسلام أساء إليّ، لذلك أنت أيها المسلم على ثغرة من ثغر الإسلام فلا يؤتين من قِبلك. أداء علي بن أبي طالب أمانات المشركين عند النبي: ومكث علي بن أبي طالب بمكة ثلاثاً حتى أدى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الودائع التي كانت عنده للناس، ثم هاجر مشياً على قدميه 480 كم مشياً على قدميه هم حملوا الإسلام لنا، ونحن الإسلام حملنا، حتى لحق بالنبي صلى الله عليه وسلم بقباء، وأقام النبي صلى الله عليه وسلم بقباء أربعة أيام: الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس، وأسس مسجد قباء، وكل إنسان اعتمر وذهب لزيارة النبي يعني من السنة أن يصلي بهذا المسجد وصلى فيه، وهو أول مسجد أسس على التقوى بعد النبوة، هذا أول مسجد أسس في المدينة بعد الهجرة. ![]() فلما كان اليوم الخامس يوم الجمعة ركب بأمر الله له، وأبو بكر ردفه، وأرسل إلى بني النجار أخواله، فجاءوا متقلدين سيوفهم، فسار نحو المدينة، فأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف، فجمع بهم في المسجد الذي في بطن الوادي، وكانوا مئة رجل، وبعد الجمعة دخل النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، ومن ذلك اليوم سمت بلدة يثرب بمدينة رسول الله لذلك ورد في بعض الآثار أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما هاجر قال: (( اللهم ! إنك أخرجتني من أحب البلاد إلي فأسكني أحب البلاد إليك )) [ ورد في الأثر عن أبي هريرة ]. لذلك يقال إن: المدينة أحب البلاد إلى الله، لأن فيها حبيبه. ﴿ لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ ﴾ لماذا ؟ ﴿ وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ ﴾ ( سورة البلد ). وما حب الديار شغفن قلبي ولكن حب من سكن الديارا والذي يعتمر أو يحج يرى أن معاني الجلال في مكة المكرمة، بينما معاني الجمال في المدينة المنورة. كنت مرة في العمرة فأنبئتن زوجتي كانت في محل بيع أقمشة، قالت إحدى النساء للبائع بعد أن قطع لها قطعة من القماش: من أجل رسول الله راعني، قال لها: والله لا آخذ ثمنها، هذه هدية، كلمة رسول الله كبيرة جداً، وتشعر أنت في المدينة روحانية النبي مسيطرة على أهل المدينة. إذاً يعبّر عنها اليوم بالمدينة اختصاراً، هذه أل العهد، هي في الأصل مدينة رسول الله، ثم أصبح اسمها المدينة. تقول: قائد الجيش فلان، في أثناء التداول تقول: جاء القائد، أل العهد. إنه يوم تاريخي: وكان يوماً تاريخياً أغر، فقد كانت البيوت والسكك ترتج بأصوات التحميد والتقديس، وكانت بنات الأنصار تتغنى بهذه الأبيات فرحاً وسروراً: طلع الـبدر علينا مــن ثنيات الوداع وجب الشكر علينا مـــا دعا لله داع أيها المبعوث فينا جئت بالأمر المطاع تنافس الأنصار للفوز بشرف استضافة النبي: والأنصار أيها الإخوة، لم يكونوا أصحاب ثروات طائلة، إلا أن كل واحد منهم كان يتمنى أن ينزل النبي عنده في البيت، انظر إنه تنافس عجيب، كل واحد يعد شرفاً عظيماً أن يستقبل النبي، والآن النبي الكريم اختار واحداً من أصحابه، ونزل عنده كأنه قيمه وقيم الآخرين. أنت أحياناً تقيم حفلا، تدعو زيداً، ولا تدعو عبيداً، أنت قيّمت، قيّمت زيداً بقيمة وعبيدًا بقيمة، قيّمت زيداً فدعوته، وقيّمت عبيداً تقييمًا سلبيًا فلم تدعوه. دعوها فإنها مأمورة: ![]() هناك مشكلة، كلهم أصحابه، فكان لا يمر بدار من دور الأنصار إلا أخذوا خطام راحلته، ودعوه أن ينزل عندهم، يقولون: يا رسول الله، هلم إلى العدد والعدة، والسلام والمنعة، نحن نحميك بأرواحنا، وعندنا عدة، وعدد وسلاح، فكان عليه الصلاة والسلام يقول: خلوا سبيلها ـ للناقة ـ فإنها مأمورة، لم يعد هناط عتب أبداً، ما قبل دعوة واحد، بل قال: خلوا سبيلها، فإنها مأمورة، فلم تزل سائرة به حتى وصلت إلى موضع المسجد النبوي اليوم، فبركت، ولم ينزل عنها حتى نهضت، وسارت قليلاً ثم التفتت ورجعت، وبركت في موضعها الأول، للتأكيد. أحيانا يقول لك الكمبيوتر: اكتب كلمة السر، تكتبها، يقول لك: أعدها مرة ثانية، للتثبيت، أحياناً توقيعان: توقع على السند، للتثبيت. فبركت، والنبي بقي على ظهرها، ثم وقفت، ثم سارت، ثم رجعت فبركت هذا المكان الذي أراده الله، وهو المسجد النبوي الشريف، وذلك في بني النجار أخواله صلى الله عليه وسلم، وكان من توفيق الله لها فإنه أحب أن ينزل على أخواله، هو رغبة النبي أن ينزل عند أخواله بني النجار، لكن لا يتمكن لئلا يميز، قال: دعوها فإنها مأمورة، والله عز وجل جعل هذه الناقة تقف في نبي النجار أخوال النبي صلى الله عليه وسلم، فجعل الناس يكلمون رسول الله صلى الله عليه وسلم في النزول عليهم. استضافة أبي أيوب الأنصاري للنبي: بادر أبو أيوب الأنصاري إلى رحله، فأدخله بيته فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: المرء مع رحله، يعني وقف بأرض بني النجار أرض أخواله أمام بيت أبي أيوب الأنصاري، فصار واضحًا جداً أن هذا هو المكان، فأبو أيوب الأنصاري أخذ رحل رسول الله مع على الناقة، الآن دُعي إلى بيت آخر قال: لا المرء مع رحله، في بعض الروايات: المرء حيث أهله، المرء حيث رحله. وجاء أسعد بن زرارة، فأخذ بزمام راحلته، وكانت عنده، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: أي بيوت أهلنا أقرب ؟ يعني أي بيت أقرب إلى هذا المكان التي بركت فيه الناقة ؟ فقال أبو أيوب: أنا يا رسول الله، هذه داري، وهذا بابي، المكان الذي بركت فيه ناقة رسول الله أرض لبني النجار أخوال النبي، وهذه رغبته، الآن سأل: أي بيت أقرب إلى هذا المكان ؟ فقال أبو أيوب: أنا يا رسول الله، هذه داري، وهذا بابي، فقال: فانطلق فهيئ لنا مقيلاً نقيل فيه نستريح فيه، فقال: قوما على بركة الله، ويعد أيام وصلت زوجته سودة وبنتاه فاطمة، وأم كلثوم، وأسامة بن زيد، وأم أيمن، وخرج معهم عبد الله بن أبي بكر بعيال أبي بكر، ومنهم عائشة، وبقيت زينب عند أبي العاص لم يمكنها من الخروج، حتى هاجرت بعد بدر. قالت عائشة: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وعك أبو بكر وبلال ، فدخلت عليها فقلت: يا أبي كيف تجدك ؟ ويا بلال كيف تجدك ؟ قالت: فكان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول: كل امرئ مصبح في أهله والموت أدنى من شراك نعله وكان بلال إذا أقلع عنه يرفع عقيرته ويقول: ألا ليت شعري أبيتن ليلة بواد وحـولي إذخر وجليل وهل أردن يوما مياه مجنة وهل يبدون لي شامة وطفيل فقالت عائشة: فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال: ((اللهم ! حبب إلينا المدينة كما حببت مكة أو أشد. وصححها. وبارك لنا في صاعها ومدها. وحول حماها إلى الجحفة )) [ رواه أبو بكر بن أبي شيبة وعبدة عن هشام، عن أبيه، عن عائشة ]. وإلى هنا ينتهي قسم من حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وتبدأ مرحلة أخرى في سيرته، وهو إقامته في المدينة. والحمد لله رب العالمين |
|
|
|
#42 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : بناء شخصية الانسان المؤمنفقة السيرة النبوية الدرس : ( الثانى و الاربعون ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. المرحلة المكية: أولويات ودروس وعبر: 1 ـ النبي بنى شخصية الإنسان المؤمن: ![]() أيها الإخوة الكرام، مع درس جديد من دروس فقه السيرة النبوية، ونحن في هذه المحن التي يمر بها المسلمون في أمسّ الحاجة إلى الدروس والعبر المستنبطة من السيرة النبوية، يمكن أن نقسم السيرة النبوية إلى مرحلتين كبيرتين، المرحلة المكية ؛ وقد انتهت، وننتقل إلى المرحلة المدنية، وما لم يمر المسلمون بالمرحلة المكية أولاً التي تعني قوة الإيمان ثم بالمرحلة المدنية، التي تعني حق القوة فلن تقوم لهم قائمة. ماذا فعل النبي الكريم بمكة ؟ هناك مرحلة ليس للمسلمين كيان، وليس معهم قوة، ولا يملكون شيئاًَ من القوى التي ترفع مكانتهم، إلا أنهم في مرحلة الضعف، امتلكوا قوة الحق، ماذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم في مكة ؟ ![]() بادئ ذي بدء، بنى شخصية الإنسان المؤمن، الشخصية بناء، ترى الإنسان إيمانه ضعيف، نفسه مشتتة، ثقته بالله ليست كما ينبغي، عزيمته خائرة، همته ضعيفة، نفسه مشعبة، مشتتة،هذا الإنسان لا يصنع شيئاً، أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ورضوان الله عليهم الواحد منهم بألف، بينما المسلم في آخر الزمان وقد ضعفت ثقته ولم يستقم عمله، ولم يبتغِ مرضاة ربه، الألف بل المئة ألف، بل المليون بأف، كما ترون، فلذلك النبي صلى الله عليه وسلم بنى شخصية مرء المسلم المؤمن، مؤمن بوجود الله، مؤمن بألوهيته، بربوبيته، مؤمن بأسمائه الحسنى، بصفاته الفضلى، مؤمن أن الأمر بيده، مؤمن أن الله لا يتخلى عن المؤمنين. المشكلة أن كل واحد منا من دون استثناء ببساطة ما بعدها بساطة يدعي أنه مؤمن. يمكن لإنسان يرتدي ثوبًا أبيض، ويضع سماعة في أذنه، وميزان حرارة في صدره، ونظارة، ويقول لك: أنا طبيب، وقد يكون أمياً، بينه وبين الطبيب الذي يحمل أعلى شهادة، وقد أمضى تسعة وثلاثين عامًا في الدراسة، واختص في اختصاص نادر، هذا طبيب، وذلك يدعي أنه طبيب، الطب عند الأول ثوب أبيض، ونظارة، وسماعة، وميزان حرارة فقط، وهو جاهل، والثاني أمضى 39 سنة يدرس حتى أصبح مكتبة متنقلة. 2 ـ النبي بنى الإيمان في صدور الناس: فكلهم يدعي أنه مؤمن، النبي عليه الصلاة والسلام بنى إيماناً، الإيمان لا يأتي من دون جهد، وما من إنسان ينام ثم يستيقظ وقد أصبح دكتورا، ينام ثم يستيقظ وقد أصبح صاحب أكبر مؤسسة تجارية، هذه المراتب العلمية، والمؤسسات الناجحة جداً وراءها أدمغة، وراءها عقول، وراءها خبرات متراكمة، لذلك أنا أقف عند كلمة النبي عليه الصلاة والسلام بنى إيماناً في نفوس أصحابه، الإيمان أقوى من الجبال، الإيمان أساس الفضائل، وأس العزائم، وبلسم الصبر عند الشدائد، كلمة مؤمن في الميزان الإيماني ككلمة دكتوراه دولة في الميزان العلمي، بالضبط. نال أحدهم الشهادة الابتدائية، والإعدادية، والثانوية، والليسانس، والدبلوم والماجستير، والدكتوراه دولة، في الميزان العلمي دكتوراه دولة أعلى مرتبة، وفي الميزان الإيماني مؤمن، النبي الكريم بنى مؤمنين، بنى مؤمنين التبر عندهم والتراب سيان، التبر والتراب، فكيف بإنسان يبيع دينه بيمين كاذبة، بائع يحلف بالله وبرسوله، وبالقرآن، وبالكعبة أن شراء هذه السلعة أعلى من ثمن بيعها، والحقيقة ليست كذلك، في آخر الزمان يبيع الإنسان دينه بعرض من الدنيا قليل، بينما المؤمن: (( والله يا عم، لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن هذا الأمر ما تركته، هذا يظهره الله أو أهلك دونه )) [ السيرة النبوية ] أنا تأثرت بأن هذا الصحابي الجليل مع أنه كان ضعيف في مكة، ومضطهد وينكل به، ويُعذب، لكن في مكة المكرمة بنى النبي الإيمان، بنى قوة الإيمان، تجد المؤمن الصادق ينطوي على عقيدة كالجبال، وعزيمة كالمرجل، ونقاء كالثلج، وتواضع كالأرض وتألق كالشمس، هذا المؤمن، آمن الصحابة الكرام بالله خالقاً، ومربياً، مسيراً، موجوداً واحداً، كاملاً، آمنوا بأسمائه الحسنى، وصفاته الفضلى، آمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم سيد الخلق، وحبيب الحق، المعصوم من أن يخطئ في أقواله، وفي أفعاله، وفي إقراره، الآن تجد مئات المسلمين يقولون في حديث شريف: هذا لا يصلح لهذا الزمان، وكأن النبي عليه الصلاة والسلام لم يرشده الوحي إلى شيء يصلح لهذا الزمان، وهؤلاء الصحابة الكرام آمنوا بالأنبياء جميعاً، وأطاعوا منهج رسول الله. إسقاط على واقع المسلمين: ![]() إذاً الآن إسقاطًا على واقعنا، ولو كنا ضعافًا، إن أردنا أن ننتصر في النهاية يجب أن نبني الإيمان، الإيمان من أين يأتي ؟ لا يأتي وأنت في البيت، لا يأتي وأنت مستلق، وأنت مسترخٍ، وأنت تتابع المسلسلات، الإيمان لا يأتي من دون جهد كبير، لذلك كل واحد منا يجب ألا يقنع بإيمانه، الدليل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا آَمِنُوا ﴾ ( سورة النساء الآية: 136 ). ما معنى ذلك ؟ معنى ذلك أن إيمانكم لا يكفي، إن ما أنتم عليه من إيمان ليس في المستوى المطلوب، فالنصر نتيجة لآلاف الدروس، وآلاف الجهود، وآلاف العبادات ويتوج هذا كله بالنصر. 3 – النبي بنى المحبة في قلوب الناس: ![]() شيء آخر أيها الإخوة، الشخصية الإيمانية التي فيها قوة الإيمان فيها محبة، ليس هناك التزام فقط، هناك محبة، والمحبة تجعل الإنسان ينطلق، يضحي، يبذل الغالي والرخيص، النفس والنفيس. امرأة أنصارية بلغها أن النبي قُتل، انطلقت إلى أُحد، تقول: ما فعل رسول الله ؟ رأت ابنها مقتولاً، تقول: ما فعل رسول الله ؟ رأت زوجها مقتولاً، تقول: ما فعل رسول الله ؟ رأت أباها مقتولاً، ما فعل رسول الله ؟ رأت أخاها مقتولاً، فلما رأته واطمأنت على حياته وسلامته، قالت: يا رسول الله كل مصيبة بعدك جلل، وفي رواية أنها رأت غباراً على وجهه الشريف، قالت: والله يا رسول الله لهذا الغبار أشد عليّ من موت كل من حولي، عندنا هذا الحب ؟ ائتني بقوة الإيمان وحب النبي العدنان، وعندئذٍ نصنع المعجزات. 4 – النبي زكى النفس الإنسانية: ![]() شيء آخر، ما الذي فعله النبي في مكة المكرمة ؟ زكى النفس الإنسانية، ليس هناك مؤمن لئيم، ولا مؤمن مخادع، ولا مؤمن بخيل، ولا مؤمن جبان، ولا مؤمن كذاب، ما لم تزك نفسك بمكارم الأخلاق، ما لم تكن أميناً عند التعامل، صادقاً عند التكلم، ما لم عفيفاً عند إثارة الشهوة، ولم تكن متواضعاً، ولم تكن منصفاً، ولم تكن معطاء فلست مؤمناً، ائتني بواحد بهذا البناء، وهذه الأخلاق، عندئذٍ كما قال النبي الكريم: (( لن ـ اسمعوا جميعاً ـ لن تغلب أمتي من اثني عشر ألف من قلة )) [ الجامع الصغير ]. فتاة بارعة الجمال في عهد النبي الكريم، عند النبي الكريم شاب فقير جداً، لكنه دميم جداً، أعرج، وفيه عور بعينيه، عاهات، كتلة عاهات، على كتلة دمامة، على قتلة فقر، النبي الكريم قال له: ألا تتزوج يا جليبيب ؟ قال: من يزوجني يا رسول الله ؟ النبي الكريم أرسله إلى بيت فيه هذه الفتاة، قصة طويلة، لكن ملخصها أن الأب حينما طلب منه النبي أن يزوج ابنته لهذا الأخ جليبيب، سكت، صُعق، فلما حدث الأم قالت: لا والله لا أزوجها إياه، فسمعت البنت، قالت: أنا أتزوجه، ورسول الله لا يضيعني، هل هناك بنت هكذا ؟ عشرات الفتيات لسبب تافه جداً ترفضه، بعد عقد العقد ترفضه، لسبب تافه جداً ، فلذلك فتاة بارعة الجمال ترضى بإنسان دميم وفقير، لكنها في النهاية قبلت، قبلت راضية بوصية رسول الله، وهيأ نفسه، وهيأت نفسه، وهيأ البيت، ويوم العرس نادى منادي الجهاد فانطلق إلى الجهاد، ومات في ساحة المعركة، وأمسكه النبي بيديه إلى أن حُفر قبره وبكى. هذا هو مجتمعنا وذاك هو مجتمع الصحابة: ![]() نحن نعيش في مجتمعات متفسخة، فيها أثرة، وبخل، وقسوة، ليس فيها رحمة، لكن فيها صلوات، فيها شعائر ، لكن ليس فيها أخلاق المسلمين، ولا فيها ورع المسلمين، ولا فيها أمانة المسلمين، ولا فيها صدق المسلمين. ﴿ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً ﴾ ( سورة النساء ). الآن لهم علينا ألف سبيل وسبيل، انظر من أجل جنديين دُمرت أمةٌ بأكملها، ألا ترون ؟ أريد أن أركز ماذا فعل النبي الكريم بمكة وهو ضعيف، أصحابه ضعاف، يُعذبون، يُنكل بهم، يقُتلون، شردوا في الآفاق، هاجروا إلى الحبشة، حُصروا، أكلوا ورق الشجر، لكن بنوا إيمانهم، صار الواحد منهم كألف، وصار الواحد منهم كجيش. هل من المعقول أن سيدنا الصديق يُطّلب منه خمسين ألف رجل مددًا لسيدنا خالد، فيرسل له واحدًا ؟! "القعقاع بن عمرو"، ولما وصل إلى سيدنا خالد في نهاوند قال له: أين المدد ؟ قال له: أنا، قال له: أنت ؟! قال له: أنا، وهذا الكتاب من خليفة رسول الله، فتحه، يا خالد فوجد فيه: << والذي بعث محمداً بالحق إن جيشاً فيه القعقاع لا يُهزم >>، ما هذا ؟. إخواننا الكرام، نحن في محنة كبيرة، نحن في محنة الآن إما أن ننتصر أو لن تقوم لنا قائمة، العالم كله يراهن علينا، أليس كذلك ؟ لذلك كل إنسان يبني نفسه، افرضوا أن هذه مرحلة مكية، نحن ضعاف، لنستغل هذا الضعف في بناء الذات، في طلب العلم، في الانضباط، في إتقان العبادات، في البذل، في العطاء. الطبيب الذي يحمل أعلى شهادة، ما الذي يمنع أن تُعمم علمك على زملائك الأطباء الذين لم يتح لهم أن يذهبوا إلى تلك البلاد ؟ ما الذي يمنعك ؟. ![]() ما لم تنشأ عندنا روح تعاون، ما لم تر أن أخاك هو أقرب الناس إليك، ما لم تعط من كل شيء معك، ما لم تبذل علمك، وخبرتك، ومالك، ووقتك، وجهدك لأخيك فلن ننتصر أبداً، لن ننتصر إلا إذا رضي الله عنا، ولا لن يرضى عنا إلا إذا تحاببنا. (( وجبت محبتي للمتحابين فيّ، وحقت محبتي للمتواصلين فيّ، وحقت محبتي للمتناصحين فيّ، وحقت محبتي للمتزاورين فيّ، وحقت محبتي للمتباذلين فيّ، المتحابون في على منابر من نور يغبطهم بمكانهم النبيون والصديقون والشهداء يوم القيامة )) [ أخرجه أحمد في مسنده والطبراني، والحاكم، عن عبادة بن الصامت ]. إذاً بنى الإيمان وزكى النفس والعقل، عنده مسلّمات، بديهيات، يقينيات، لو أن الدنيا كلها كفرت بقي هو ثابتًا كالصخر والجبل. إخواننا الكرام، المؤمن إن لم تهِم في حبه فليس مؤمناً، من تواضعه، من عقله الراجح، من إيمانه، من عزيمته، من صدقه، من أمانته، من عفافه، بنى الإيمان في العقول، وزكى النفوس، هذه محصلة مكة، كانوا ضعافا، والكفار أقوياء، أشداء، متغطرسون، لكن المؤمنين كانوا في قمم الكمال. 5 – النبي ربى أصحابه على العلم: والله الذي لا إله إلا هو بالمناسبة، إن أضفت على كلمة مسلم كلمة واحدة تكن عنصرياً، فلان جيد، لكنه من الريف، وقد تكون قُلامة ظفر إنسان في الريف تشرف مئة إنسان في المدينة، هذا عبد لله مؤمن، تحبه فقيراً، وتحبه غنياً، تحبه مثقفاً، تحيه محدود الثقافة، تحبه وسيماً، تحبه دميماً، تحبه قوياً، تحبه ضعيفاً، مؤمن، ما لم نضع تحت أقدامنا كل المرجحات الجاهلية فلن ننتصر. ﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ﴾ ( سورة الأحقاف الآية: 19 ). ﴿ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ ( سورة الزمر الآية: 9 ). مقياس القرآن: العلم والعمل: ![]() في القرآن مرجِّحان فقط، قيمة العلم، وقيمة العمل، وما سوى ذلك لم يعترف القرآن أصلاً بها، الآن بعد التزكية التعلم، رسخ الإيمان، و زكت النفس، ينبغي أن تكون عالماً، فما الذي يمنع أحدنا أن يطلب العلم الديني ؟ أن يتعمق في فهم حقيقة الدنيا، أن يتعمق في فهم القرآن، في فهم السنة، في فهم السيرة، وما من قيمة في الأرض أقوى من العلم، إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً. أنا أروي لكم قصة، لعلي رويتها لكم سابقاً عن رجل من صعيد مصر فلاح، أرسل ابنه إلى الأزهر، وعاد يحمل شهادة الأزهر، وقد عُيّنَ خطيباً في قريته، وسمع الأب خطبته فبكى، الأب أُميّ، لما رأى ابنه يعتلي المنبر بكى، ثم ركب دابته، وانطلق بها إلى القاهرة، أما السؤال الأول: لماذا بكى ؟ لا لأن ابنه أصبح خطيباً، بكى ألماً من نفسه، كيف هو جاهل، ولا يعلم، توجه بدابته نحو القاهرة، وبقي يمشي عشرين يوماً، إلى أن وصلها، سأل عن الأزعر، هو الأزهر، لا يحفظ اسمه، فدلوه على الأزهر، وهو في سن الـ55، وتعلم القراءة والكتابة، ثم تعلم القرآن وقرأه، ثم طلب العلم الشرعي، وعاش مدة طويلة، مات في الـ96، وما مات إلا وهو شيخ الأزهر. لذلك تعلموا، إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً. الآن كم ممن يحضر دروس العلم يُفكر أن يدعو إلى الله ؟ مع أن الحقيقة أنه ما لم تطلب العلم أولاً، وما لم تعمل به ثانياً، وما لم تدع إليه ثالثاً، وما لم تصبر على طلبه والعمل به، والدعوة إليه فأنت خاسر، كم من الناس ممن يفكر أن ينقذ من حوله ؟ ائتي به معك إلى المسجد، أعطه شريطاً، اجلس معه، حدثه عما سمعت، خذ بيده إلى الله، فالصحابة الكرام بنى النبي عليه الصلاة والسلام فيهم الإيمان أولاً، إيمانا راسخا لا يتزعزع، ثم زكى نفوسهم، فتحلت بالكمالات البشرية، ثم طلبوا العلم علم الكتاب، علم السنة، الأحكام الشرعية، ثم دعوا إلى الله، والدعوة إلى الله فرض عين على كل مسلم، والدليل: ﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ﴾ (سورة يوسف الآية: 108 ). فالذي لا يدعو الله، أو فالذي لا يدعو إلى الله على بصيرة، أي على دليل وتعليل، ليس متبعاً لرسول الله، والذي لا يتبع رسول الله لا يحب الله، والدليل: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ اتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ﴾ ( سورة آل عمران الآية: 31 ). ما قبل الله دعوى محبته من دون دليل. 6– النبي ربى أصحابه على الصبر: ![]() لقد ربى النبي أصحابه على الصبر، و الإنسان الآنلأقل إغراء يُفتن، ولأقل ضغط ينهار، مع أن المؤمن الصادق لا تسنيه عن عقيدته لا سبائك الذهب اللامعة، ولا سياط الجلادين اللاذعة، فربى أصحابه على الصبر، لأن حقيقة الحياة فهيا ابتلاءات، فيها ظروف صعبة، فالذي رُبيّ على الصبر يتحمل، لا يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل، فهذا الذي لا دخل له، لو طُلب منه في الأراضي المحتلة أن يدل على إنسان معين، فإذا دل عليه أعطي مبلغا كبيرا، هذا المجتمع الفقير الذي يُغرى بمال وفير، حينما يخون أمته معنى ذلك أنه لا صبر عنده، أما المؤمن فيموت من الجوع ولا يخون أمته، إنه إيمان لا يتزعزع، وتزكية نفس، وطلب علم، ودعوة إلى الله، وصبر، هؤلاء الذين هاجروا هؤلاء هم نواة دولة المسلمين، وهذا ما فعله صلاح الدين، أعد جيلاً مؤمناً، وأزال كل المنكرات، فوفق سنن الله استحق النصر على 27 جيشاً فرنجياً، وردهم، وفتح القدس، وألقى خطيب المسجد خطبة تكتب بماء الذهب، افتتحها بقوله تعالى: ﴿ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ( سورة الأنعام ). الله يرينا أياماً كهذه الأيام، كأيام النصر التي نتحدث عنها. 6– النبي علم أصحابه التعاون: ![]() شيء آخر، من إنجازات النبي عليه الصلاة والسلام في مكة أنه علم أصحابه التعاون، مجتمعات المسلمين المتخلفة ألِفت التنافس، في كل تجمع، في كل مؤسسة، في كل دائرة، في كل شركة، في كل مكان، حتى في الأسرة هناك تنافس، و كيد، ووشاية، لذلك ما لم نتحلَ بروح التعاون، ما لم نتحلَ بروح التضامن فلن يرضى الله عنا. أعداؤنا هذه ميزة عندهم، يتعاونون على الباطل، ونحن نتقاتل ومعنا الحق، أعداؤنا يتعاونون على خمسة بالمئة فقط من القواسم المشتركة، ونحن نتقاتل وبيننا 95 % قواسم مشتركة، أليس كذلك ؟ هل يمكن لمسلم أن يقتل مسلما ؟ يحرق المصحف ؟ أليس مصحفك ؟ هذا الذي يجري لذلك: (( يوشِكُ الأُمَمُ أنْ تُدَاعِيَ عَليْكُم كَمَا تُدَاعِيَ الأكَلَةُ إلَى قَصْعَتِهَا، فقالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ ؟ قالَ: بَلْ أنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثُير )) [أبو داود عن ثوبان ]. المسلمون مليار وخمسمئة، مليون ربع سكان الأرض. ((ُ وَلَيَقْذِفَنّ الله في قُلُوبِكُم الَوَهْنَ، فقالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ الله وَمَا الْوَهْنُ ؟ قالَ: حُبّ الدّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ المَوْتِ )) إخواننا الكرام، درس اليوم يجب أن نحظى بإيمان راسخ، ومن خلال اتصالنا بالله، وأداء العبادات، تشتق أنفسنا من كمالات الله الشيء الكثير، ثم ينبغي أن نزكي أنفسنا وأن نطلب العلم، وأن ندعو إلى الله، وأن نصبر، وأن نتبع الأسلوب الجماعي في حياتنا. مهمة التربية الفردية للمجتمع الجديد: أيها الإخوة، هذا المجتمع المدني الجديد فيه أشخاص، الواحد كألف، الآن اتجه هذا المجتمع إلى بناء القوة، كان يتمتع بقوة الإيمان، الآن يبحث عن حق القوة. أيها الإخوة، بدأت مهمة التربية الفردية للمجتمع الجديد، مع قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، حيث بدأت عملية إقامة مجتمع مختلف عن نظام القبائل العربية. اسمعوا هذه الكلمة: مادام الفرق بين مسلم وغير المسلم الصلاة فقط، فلن تقوم للإسلام قائمة، قاعدون المقهى كلهم، حيث الأغاني، وطاولات فيها خمر، وزوجته محجبة، ويستمع للأغاني، ويملأ عينيه من محاسن النساء، الفرق بينه وبين الثاني، قام وصلى الظهر فقط، الأماكن واحدة، المتنزهات واحدة، المطاعم واحدة، الأغاني واحدة، كسب المال الحرام مشترك، ما دام الفرق بين المسلم وغير المسلم الصلاة فقط فلن تقوم للإسلام قائمة، إذا لم يكن 500 ألف فرق، هذا صادق، هذا كاذب، هذا أمين، هذا خائن، هذا منصف، هذا ظالم، هذا محسن، هذا مسيء، هذه حليم، هذا منتقم، هذا رحيم، هذا قاسٍ، إذا لم يكن هناك مئة ألف فرق بين المسلم وغير المسلم فلن تقوم للإسلام قائمة، مسلم تصلي وتصوم، وفيما سوى ذلك أنت كالآخرين تماماً، لا تلحظ فرقاً، وقد تجد محجبة تشرب القهوة و( الأركيلة )، لا فرق أبداً، كل مثل بعضه، قيم روحية ومشروبات روحية،، ثم يأتي رمضان إكراماً لرمضان الفيلم الفلاني، والتمثيلية الفلانية، والمسرحية الفلانية، كله إكرام لرمضان، شهر ولائم، شهر مسلسلات، هكذا، مثل هذه الأمة لا تقوم لها قائمة، ولن تستطيع أن تثبت لله أنها تستحق النصر، أنا لست متشائماً، لكن لا يمكن أن نشم رائحة النصر ما دمنا على خلاف منهج رسول الله. مجتمع المسلمين في المدينة مجتمع القيم الأخلاقية: ![]() مجتمع المسلمين الذي أسس في المدينة مجتمع القيم الأخلاقية، مجتمع المثل العليا، مجتمع الإنسان، الذي تسود حياته المبادئ والقيم، مجتمع رسالة السماء، رسالة السماء الآن متمثلة في المظاهر الإسلامية، يقول عليه الصلاة والسلام: (( إنما بعثت معلما )) [أخرجه ابن ماجه من حديث عبد الله بن عمرو ]. (( بعثت لأتمم مكارم الأخلاق )) [ أخرجه أحمد والحاكم والبيهقي من حديث أبي هريرة ]. كل واحد يحاسب نفسه، إن لم تكن متميزاً في أخلاقك، بضبط لسانك، بضبط جوارحك، إن لم تكن متميزاً في إنفاقك، بعباداتك، فلا: تقل أنا مسلم، ولا تقل: أنا مؤمن، في هذا المجتمع أيها الإخوة فيه محافظة على كل الفضائل والمكارم، التي عرفتها المجتمعات الإنسانية السابقة، فيه السعي لإتمامها وإكمالها، في هذا المجتمع فيها استبعاد لمفاسد الأخلاق للظلم والعدوان، وللاستغلال والجهل والعبودية لغير الله، فيه إقصاء لرواسب الماضي وانحرافات الناس الخلقية، والاجتماعية، والنفسية. الشيء الدقيق أن هذا المجتمع الإيماني في المدينة، هذا المجتمع تحولت فيه الطاقة المبعثرة للأفراد إلى بناء متكامل يسمو بها جميعاً، ويحقق لها العلم والتقدم، والوحدة الإنسانية، وتوجهها رسالات السماء، وفق المثل العليا الإنسانية، لذلك أيها الإخوة، يقول الله عز وجل: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ﴾ ( سورة الأحزاب الآية: 21 ). ملخص المرحلة المكية والمدنية: ملخص هذا الكلام هؤلاء الذين أمضوا في مكة المكرمة 13 سنة وزيادة بنوا فيها إيمانهم، أصبح الواحد كالألف، الآن نبحث عن حق القوة من أعمال النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة بادئة ذي بدء: هو البناء الفردي، هناك كلمة: بعضهم يرى أن الكثافة السكانية في بلد ما تندرج مع الخسائر، وبعضهم يراها تندرج مع الأرباح، والحقيقة أنها ليست هكذا، وليست هكذا، الكثافة السكانية تعني الشخص، الإنسان الفرد إذا آمن بالله، وطبق منهجه، وزكى نفسه، وجند نفسه لخدمة أمته هو مع الأرباح، أما إن لم يكن مؤمناً، ولا ملتزماً ولا مطبقاً، ولا مزكياً نفسه مع الخسائر، الإنسان الجاهل عبء على الأمة، مجرم، محتال، يبتز أموال الناس بالباطل. البناء الفردي أساس البناء الاجتماعي: ![]() أيها الإخوة، البناء الفردي أساس البناء الاجتماعي، بناء الفرد أساس بناء الأسرة، أساس الأسرة أساس بناء المجتمع، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام اعتنى بالفرد المسلم، لذلك أول شيء فعله النبي عليه الصلاة والسلام إصلاح العلاقات بين الأفراد، الآن استمعوا ما يقول الله عز وجل: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ﴾ ( سورة الأنفال ). 7 – النبي أصلح ذات البين: أقول لكم هذه الكلمة: لن نكون أقوياء إذا كانت العلاقات فيما بيننا فاسدة، تجد في الأسرة الواحدة الشرخ، الابن مع أمه، والبنت مع أبيها، وخصام دائم، في الشركة الواحدة محوران، ومجتمع واحد فيه اتجاهات، لذلك النقطة الأولى: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ﴾ يقول عليه الصلاة والسلام: (( إِيّاكُمْ وَسُوءَ ذَاتِ الْبَيْنِ فَإِنَهَا الْحَالِقَةُ )) [رواه أبو داود والترمذي وصححه من حديث أبي الدرداء]. (( لا أقول: حالقة الشعر ولكن أقول: حالقة الدين )) [ رواه البزار عن الزبير ]. ![]() ينتهي الدين بفساد ذات البين، إذاً النبي عليه الصلاة والسلام أول شيء أصلح ذات البين، أصلح ما بين المسلمين، لما نزل النبي عليه الصلاة والسلام على بني عمرو بن عوف، وقد كان بين الأوس والجزرج ما كان من العداوة، الأنصار أوس وخزرج، بينهم عداوة لا يعلمها إلا الله، أول عمل فعله النبي أنه أزال العداوة بين الأوس والخزرج، لأن المجتمع المنشق على نفسه ينتهي، احفظوا هذه القاعدة، إذا كان في بيتك انشقاق انتهى البيت، صار الوقت كله للصراع الداخلي، ليس هناك إنجاز، ولا الطالب يتفوق، ولا الفتاة تتفوق، ولا الأب مرتاح، ولا الزوجة مرتاحة، فحيثما حل الشقاق حل التخلف، لذلك قال عليه الصلاة والسلام: (( إِيّاكُمْ وَسُوءَ ذَاتِ الْبَيْنِ )) فحينما رأى بين الأوس والخزرج من العداوة الشيء الكثير، وكانت الخزرج تخاف أن تدخل دار الأوس، الخزرجي يخاف أن يدخل دار أوسي، وكانت الأوس تخاف أن تدخل دار الخزرج، لذلك عليه الصلاة والسلام أول عمل قام به أنه ألف بين الأوس والخزرج. درس عملي: الآن كدرس عملي: كل واحد له أسرة لو كان فيها خلاف بين اثنين، بين أخوين، بين عمين، بين خالين، وجمع الأسرتين، وفق بينهما، وصار الصلح، تماسكت الأسرة ، في كل مكان خلافات، نحن نريد من هذه السيرة أن تكون درسا عمليا لنا، أن نقتبس منها الدروس والعبر، ألا ندع خلافاً بين الأوس والخزرج، لذلك سمى القرآن الكريم الخلاف بين المؤمنين كفراً، كيف ؟ ﴿ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آَيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ ﴾ ( سورة آل عمران الآية: 101 ). لأنه جاءت موجة كراهية بين الأوس والخزرج، فنزل قوله تعالى: ﴿ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ ﴾ ![]() معنى ذلك أن الله سمى الخلاف بين المؤمنين كفراً، لذلك من مقتضيات الإيمان أن أُزيل كل خلاف في ما بين المؤمنين، أن أُجري صلاحاً بين كل المتخاصمين، هذه من دروس السيرة، أن لا يبنى مجتمع قوي يستأهل النصر إلا على أفراد مؤمنين، موحدين، زكوا أنفسهم، وطلبوا العلم، ودعوا إلى الله وصبروا على قضائه وقدره. إذاً الدرس الأول: إزالة الخلافات الفردية، هذا من أولى مهمات النبي عليه الصلاة والسلام في المدينة، كإسقاط لهذه الحقيقة على مجتمعنا يجب أن تعاهد نفسك، أن توفق بين كل متخاصمين، وأن تزيل خلافاً بين كل شخصين، على مستوى أسرة، على مستوى عائلة، على مستوى حي، على مستوى أصدقاء، جيران، حرفة، لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: (( يد الله على الجماعة، ومن شذ شذ إلى النار)) [ أخرجه الترمذي عن ابن عباس ]. (( عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة، فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد )) [ أخرجه أحمد، والترمذي والحاكم، عن عمر ]. (( فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية )) [ رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ عن أبي الدرداء ]. وفي درس قادم إن شاء الله سأقرأ على مسامعكم قصة حصلت بين الأوس والحزرج، وكيف بدأت، تجدون هذه القصة منطبقة على مجتمعاتنا، وهل تصدقون أن عدداً كبيراً جداً في بلد عربي مجاور، هذا العدد مهمته إحراق مسجد، وإحراق حُسينية، نفس الفريق، من أجل أن تنشب حرب أهلية، والذي يفعل هذا طرف ثالث، هل تصدقون هذا الذي يحصل، لذلك الآن الورقة الرابحة الوحيدة بيد أعداء المسلمين الفتن الطائفية. والله إخوة كرام موثوق بهم جاؤوا من العراق، وأكدوا هذا،عدد كبير من الموساد هو الذي يحرق المساجد، مساجد السنة ومساجد الشيعة معاً، إلى أن نشبت الحرب الأهلية، كل يوم مئة قتيل، على الهوية فقط، الذي خطط له وقع، أنا أحذركم، الورقة الرابحة الوحيدة بيد أعداء المسلمين الفتن الطائفية، هذا الذي أتمنى لأن النبي الكريم أول شيء فعله في المدينة أنه أصلح ذات البين أصلح بين الأوس والخزرج. يقول بعض الزعماء في العالم الغربي: أنا لا يعجبني أن يكون العالم 200 دولة، أتمنى أن يكون العالم 5000 دولة، يخططون لكل دولة عربية ست دول، لكل فئة دولة ، انتهى العالم العربي والإسلامي بهذه الطريقة. أنا تعقيبي على أن النبي عليه الصلاة والسلام أصلح ذات البين، لأنه لن تقوم لنا قائمة وبيننا خلافات شديدة تفرق وحدتنا، وتمزق جمعنا، ولنقتدِ برسول الله، ولو على مستوى بسيط. وفي درس قادم إن شاء الله سوف نتابع القصة التي حصلت بين الأوس والخزرج، وقد عادوا نوعاً ما إلى ما قبل الإسلام. والحمد لله رب العالمين |
|
|
|
#43 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : إقامة النبي (ص) في منزل أبو أيوب وتحقيق المصالحة والمساواة فقة السيرة النبوية الدرس : ( الثالث و الاربعون ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. أيها الإخوة الكرام، مع درس جديد من دروس فقه السيرة النبوية، وقد وصلنا في أحداث السيرة إلى المدينة المنورة. تذكير بمهمة النبي عليه الصلاة والسلام بمكة والمدينة: وذكرت لكم في دروس سابقة: أن مهمة النبي عليه الصلاة والسلام في مكة المكرمة كانت ترسيخ دعائم الإيمان، فأنشأ في نفوس أصحابه قوة الإيمان، قوة تعظيم الله عز وجل، عرفهم بالله، عرفهم باليوم الآخر، حملهم على أن يلتزموا. ![]() وذكرت في درس سابق بنوداً كثيرة من الإنجازات الإيمانية التي تمت للصحابة الكرام في مكة المكرمة، لكنه في المدينة المنورة النبي عليه الصلاة والسلام أضاف إلى قوة الإيمان حق القوة، فبنى مجتمعاً إسلامياً قوياً، ما عناصر قوة هذا المجتمع ؟ ونحن اليوم في أمسّ الحاجة إلى هذه الإنجازات المدنية، حتى أصبح المسلمون كياناً يتمتع بحق القوة كما كان متمتعاً بقوة الحق، في المرحلة المكية كان البناء إيمانياً، لكنه في المدينة كان البناء مدنياً، مجتمع مسلم قوي، عنده جيش يستطيع على أن يحافظ على إيمانه بقوته. ![]() في الدرس الماضي ذكرت أن أول مرحلة فعلها النبي عليه الصلاة والسلام إصلاح ذات البين، بين قبيلتين كبيرتين في المدينة المنورة، الأوس والخزرج، ونحن لا نستطيع أن نواجه عدواً قوياً معه العالم كله إلا بمجتمع إسلامي متماسك، إذاً ينبغي علينا بادئ ذي بدء أن نصلح ذات البين، بين أطياف المجتمع، وشرائح المجتمع، وعناصر المجتمع، هذا الذي فعله النبي بادئ ذي بدء. الآن يعبرون عن هذا الذي فعله النبي عليه الصلاة والسلام في المدينة تحت عنوان إسلامي: إصلاح ذات البين يعبرون عنه بالمصطلح الحديث بالمصالحة الوطنية، هذا لا بد منه كي نواجه عدواً متغطرساً، قوياً جباراً، بطاشاً لا يرحم طفلاً، ولا امرأة، ولا يبقي على منشأة، وهذا ما ترونه وتسمعونه. العمل الثاني المساواة بين الناس، وعدم التمييز بين أفراد وجماعات، كيف ؟ لا بد من المساواة بين الناس. ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ( سورة الحجرات الآية: 13 ). (( كلكم بنو آدم وآدم من تراب )) (أخرجه أبو داود والترمذي عن أبي هريرة ورواه الترمذي ابن عمر) (( الناس سواسية كأسنان المشط )) ( أخرجه الديلمي عن سهل بن سعد) ![]() ما لم يعتمد في المجتمع مقاييس كمقياس العلم والعمل فقط، يرجح الإنسان في بمجتمع المسلمين بعلمه أولاً، وبعمله ثانياً، أما قضايا النسب، وقضايا القوة، والوسامة والذكاء، والغنى هذه قيم ينبغي ألا تعتمد في مجتمع يريد أن يكون قوياً. يروى أن بعض التابعين وهو الأحنف بن القيس كان قصير القامة، أسمر اللون أحنف الرجل، في عرج، مائل الذقن، ناتئ الوجنتين، غائر العينين، لم يكن شيء من قبح المنظر إلا وهو آخذ منه بنصيب، وكان مع ذلك سيد قومه، إذا غضبَ غضب لغضبته مئة ألف سيف، لا يسألونه فيما غضب، وكان إذا علم أن الماء يفسد مروءته ما شربه. ![]() أو شيء فعله النبي لإنشاء مجتمع قوي إصلاح ذات البين. الشيء الثاني أرسى المساواة بين أفراد المؤمنين، من دون استثناء، ونعبر عن هذا الإرساء بأنه يوم خرج النبي عليه الصلاة والسلام من قباء باتجاه المدينة وقف الأنصار داراً بعد دار، عشيرةً بعد عشيرة، يدعون رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينزل بهم فكان يقول لهم: دعوها، أيّ ناقته، فإنها مأمورة، لو نزل بأيّ مكان، بأيّ بيت، بأيّ عشيرة، بأيّ قوم ميزهم بلا مرجح، وجعل الطرف الآخر أصغر من هؤلاء الذين نزل عندهم. حينما تخص ابناً ولا تخص أخاه فقد ميزت الأول على الثاني، أما القرعة فما فيها تمييز، حاول أن تكون عادلاً بين أولادك، وإذا اقتضى الأمر أن تختار واحدا منهم فليكن بالقرعة. عنصرية العصر الحديث: ما عاشر النبي واحد إلا وهو يظن أنه أقرب الناس إليه، كل واحد ممن التقى مع النبي صلى الله عليه وسلم يظن أنه أقرب الناس إليه، أما مجتمع إنسان من الدرجة الأولى ، وإنسان من الدرجة الثانية، إنسان من الدرجة الثالثة، والرابعة، والخامسة، الذي ما يعانيه العالم اليوم ما يسميه العنصرية، فما العنصرية ؟. ![]() أنا أرى أن البشر يمكن أن يصنفوا تصنيفين، لا ثالث لهما، تصنيف إنساني وتصنيف عنصري، من هو العنصري ؟ هو الذي يرى نفسه متميزاً على من حوله، يحق له ما لا يحق لهم، وهو معفى مما يجب عليهم، ينبغي أن يأكل وحده، وأن يسكن وحده، وأن يستمتع بالحياة وحده، وأن يشتري من الأشياء الثمينة ما يحلو له وحده، وأن يبني مجده على أنقض الآخرين، وأن يبني غناه على فقرهم، وأن يبني حياته على موتهم، وأن يبني أمنه على موتهم، وأن يبني عزه على ذلهم، هذا عنصري. الذي نعانيه من الغرب العنصرية، يعاملون شعوبهم معاملة تفوق حد الخيال، ويعاملون بقية الشعوب معاملة تترفع عنها الوحوش، يستخدمون أسلحة الدمار الشامل لإفناء البشر، وإبقاء الحجر، لذلك لا يمكن أن تنهض أمة بأناس من طبقتين: قوي وضعيف، لا بد من أن يكون الناس سواسية كأسنان المشط. (( فلا فضل لعربي على أعجمي، ولا أحمر على أسود إلا بالتقوى )) (رواه الطبراني عن ابي سعد ) (( وأيْمُ الله لَوْ أنّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا )) (مُتَّفَقٌ عَلَيه ) ![]() هذا مجتمع العدل والسواسية، بهذا نقوى على أعدائنا، بهذا نواجههم، بهذا نقف صفاً واحداً، بهذا لا نخترق من قبلهم. دعوها فإنها مأمورة، حتى بركت عند المربد، وفي ذلك احترام للجميع وإصرار على عدم التمييز بينهم، وإذا كان نزوله في دار أبي أيوب الأنصاري فليس في ذلك إحراج أو تمييز، لأن داره أقرب دار لمبرك الناقة، سواسية، إصلاح ذات البين، ثم مجتمع المساواة. أضرب لكم بعض الأمثلة: عندك في المحل التجاري شاب يعمل عندك، ابنك تريده طبيباً، تضعه في أغلى المدارس، تجلب له أمهر الأساتذة، أما هذا الذي عندك في المحل يرجوك أن يغادر المحل قبل ساعة، ليلتحق بمدرسة ليلية، لينال كفاءة، هو يتيم، فلا تسمح له، أنت عنصري، ولو صليت وصمت. حينما تعامل الناس بطريقة فيها استعلاء، وفيها فوقية، وفيها غطرسة، حينما تريد لأولادك ما لا تسمح به لأولاد الآخرين فأنت عنصري، قد يكون المسلم في هذا الزمان عنصريا، لن يرضى الله عنا إلا إذا كنا إنسانيين. إنها قمة الرحمة والتواضع: امرأة تنظف المسجد: ![]() هل من حرفة أقل في الأرض من أن تكنس ؟ امرأة تقمّ المسجد، توفيت أصحاب النبي الكريم ظنوا أنها أقلّ من أن يخبروا بموتها رسول الله، فلما تفقدها قالوا: ماتت يا رسول الله، قال: هلا أعلمتموني ؟ وقام إلى قبرها وصلى عليها صلاة الجنازة استثناءاً من أحكام صلاة الجنازة هي في قبرها صلى عليها. الذي نراه في العالم من توحش، وهمجية، وقتل أبرياء، وتهديم منشاءات، هذه العنصرية بعينها. العنصرية جريمة وليست وجهة نظر: إخواننا الكرام، العنصرية ليست وجهة نظر، إنما هي جريمة، عندك بنت في البيت من إندنوسيا، لا تسمح لها أن تتصل بأهلها إطلاقاً، أنت عنصري، ولو ذهبت إلى المسجد، كما أنك تشتاق إلى أهلك هي تشتاق إلى أهلها، حينما تكلفها فوق طاقتها، حينما لا تعينها على مهمتها، حينما تسهرها إلى ما بعد منتصف الليل، من أجل أن تلبي حاجاتك حينما لا تعاملها كابنتك، أنت عنصري، عنصري ولو كنت مسلماً. ![]() كنت مرة في محل تجاري، صاحب المحل يُحمّل أحد موظفي المحل الصغار أثواباً على ظهره، أو ثوب الثاني، الثالث، الرابع، قال له: لا أستطيع، قال له: أنت شاب حمل ابنه ثوباً واحداً فقال: يا بني احذر ظهرك، خاف عليه، هذا عنصري، ولو أنك تصلي وتصوم ـ دققوا ـ لا يمكن أن ننتصر على أعدائنا إذا كنا عنصريين، لأنهم عنصريون، فإذا كنا نحن عنصريين لا ننتصر، يجب أن نكون ربانين إنسانين. لما فتح الفرنجة القدس ذبحوا 70 ألفاً، فلما فتح صلاح الدين القدس لم يرق قطرة دم واحدة، إنساني، مقيد بالشرع، يخاف من الله. أيها الإخوة، العنصري إنسان يرى نفسه متميزاً على الآخرين، يحق له ما لا يحق لهم، عشرة آلاف أسير، و30 عضو مجلس شعب في فلسطين اعتقلوا، و8 وزراء، وشعب لبنان بأكمله لا يساوي جنديين أُسرا، ما اسم هذا ؟ عشرة آلاف أسير، و8 وزراء، و30 عضو مجلس برلمان، وشعب لبنان بأكمله، لا يساوون جنديين أُسرا ؟! هذه عنصرية، الإنسان إما أن يكون متصلاً بالله فهو إنساني، وإما أن يكون منقطعاً عنه فهو عنصري. بعض الخادمات ينتحرن أحياناً من قسوة المرأة في البيت، تلقي بنفسها من الطابق الرابع فتموت، لا تحتمل قسوتها، الضرب، والإيلام، عنصرية، ولو صلّت وصامت، وسوف يعاقبها الله عقاباً شديداً. المؤمن إنساني، يعامل الناس كما يجب أن يعاملوه، يرحم الغريب والقريب، يرحم الآخرين كما يرحم أولاده. إذاً المساواة بين الناس بند إسلامي. مجتمع المدينة فيه مراعاة للظروف الاجتماعية: البند الثاني الذي كان أساساً لبناء المجتمع في المدينة: راعى النبي صلى الله عليه وسلم في الظروف الاجتماعية، لكل أسرة حينما استقبلوا المهاجرين، فالمهاجرون الشباب الذين لم تزوجوا نزلوا على سعد بن خثيمة، وكان عزباً، لا زوجة له، وسميت داره باسم دار الأعزاب، ونزل المهاجرون مع زوجاتهم وأولادهم على الأنصار أصحاب الأهل والسعة في المسكن والرزق. ![]() أيها الإخوة، الآن النبي عليه الصلاة والسلام يبني المجتمع، صلاح الدين الأيوبي كيف انتصر على الفرنجة ؟ بين بدء أخذه بالأسباب وانتصاره خمسون عاما، أنشأ مجتمعا مسلما، بدأ بالتعليم، علم منهج الله عز وجل، حمل الناس على طاعة الله، ألغى كل المنكرات. مر أحد حكام مصر كان اسمه الخديوي، حث هجوم على مصر، فجاء إلى الأزهر وقال: ما العمل ؟ قال: نحن ألفانا كلما داهمنا عدوان قرأ علماء الأزهر صحيح البخاري، فقراءة صحيح البخاري لعلها ترد المعتدي، فأمرهم أن يقرأ بعض العلماء صحصح البخاري، والعدوان مستمر، ويزداد إيذاءه، وتزداد ضراوته، فذهب إلى الأزهر الخديوي، وقال: إما أن هذه الفكرة أن تقرؤوا البخاري غير صحيحة ولا أصل لها، وإما أنكم لستم علماء، وإما أن يكون هذا الكتاب ليس كتاب البخاري، وغضب، فالعلماء سكتوا وخافوا، لأنه بطاش، قال أحدهم وهو شاب: أنت السبب، فسكت، وغادر المكان، وانهال عليه زملاءه باللوم والتقريع، لقد قتلت نفسك , قتلتنا معك، بعد حين طُلب هذا العالم الشاب إلى قصر الخديوي، هو ودعوه على أنه مقتول، وكتب وصيته، فلما وصل إلى الخديوي قال له: كيف أنا السبب ؟ قال له: إن لم تأمروا بالمعروف، ولم تنهوا عن المنكر تدعون الله فلم يستجب لكم، هكذا في حديث قاله عليه الصلاة والسلام، قال له: ماذا افعل ؟ هكذا يريد مني الغربيون، أن أفتح دور اللهو، والمراقص، وحانات الخمر، هكذا تعني الحضارة، قال له: أنت السبب، وأزال كل المنكرات، وانتصر في النهاية. فلذلك أيها الإخوة، النبي عليه الصلاة والسلام أنشأ مجتمعاً ما فيه خلافات، مجتمعاً تحكمه قيم واحدة. (( لَوْ أنّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا )) هذا المجتمع هو الذي صار قوياً وحقق النصر على أعتا قوة في الجزيرة العربية. أخلاق النبي الكريم حينما بنى مجتمع الإيمان: اقتسام الطعام مع أصحابه: عن زيد بن ثابت: لما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي أيوب لم يدخل ـ دققوا ـ لم يدخل منزل رسول الله صلى الله عليه وسلم هدية إلا وأرسل معظمها إلى أبي أيوب، هو في بيت أبي أيوب، وما جاءته هدية إلا قسمها بينه وبين أبي أيوب، جاءت قصعة مسرودة بخبز، وبر، وسمن، ولبن، فوضعها بين يديّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: يا رسول الله، أرسلت بهذه القصعة أمي، فقال: بارك الله فيها، ودعا أصحابه فأكلوا، فلما أرم الباب حتى جاءت قصعة سعد بن عبادة على رأس غلام مغطاة، فوقف على باب أبي أيوب فكشف غطاءها، فرأى عليه عراقا، فدخل بها على النبي صلى الله عليه وسلم فقد كنا في قوم مالك بن النجار ![]() ما من ليلة إلا على باب رسول الله إلا منا الثلاثة والأربعة يحملون الطعام، ويتناوبون بينهم، حتى تحول رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين بيت أبي أيوب، وكان مقامه فيها سبعة أشهر، وما كانت تخطئه جفنة سعد بن عبادة، وجفنة أسعد بن زرارة. هل خص نفسه بطعام خاص ؟ ما جاءه طعام إلا أطعم منه أصحابه الكرام، وإذا كان قليلاً أكل، وأرسل الباقي إلى أبي أيوب، هكذا القيادة. سيدنا عمر بن عبد العزيز كان إذا دخل مقر إقامته يقرأ قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ ( سورة الشعراء ). سيدنا عمر خاطب بطنه قال: قرقر أيها البطن أو لا تقرقر، فوالله لن تذوق اللحم حتى يشبع منه صبية المسلمين. أي طعام جاءه كان يطعمه لأصحابه، وإذا كان بحجم قليل جداً يأكل حاجته والباقي إلى أبي أيوب. 2 – ما عاب طعاما قط: من آدابه صلى الله عليه وسلم في الطعام: قيل لأم أيوب: أي الطعام كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنكم عرفتم ذلك لمقامه فيكم ؟ ماذا كان يأكل ؟ وماذا كان يحب ؟ قالت: ما رأيته أمر بطعام فصنع له بعينه، ولا رأيناه أوتي بطعام فعابه. وصف أحدهم صديقه فقال: كان لي صديق هو من أعظم الناس في عيني، وكان رأس ما عظمه في عيني صغر الدنيا في عينيه، كان خارجاً عن سلطان بطنه، فلا يشتهي ما لا يجد، ولا يكثر إذا وجد. النبي صلى الله عليه وسلم ما أمر بصنع طعام بعينه ليأكله، أبداً، وإذا جيء بطعام له ما عاب طعاماً قط، بل في بعض آداب النبي عليه الصلاة والسلام أنه ما عاب طعاما قط، ولا مدح طعاما قط، ما هذه الأكلة ؟ تجنن، ما عاب طعاماً قط، ولا مدح طعاماً قط. 3 – اللباقة عند الحرج من الأكل: وعن جابر بن سمرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أكل طعاماً بعث فضله إلى أبي أيوب، فأوتي يوماً بقصعة فيها ثوم، فبعث بها كلها إلى أبي أيوب فقال: يا رسول الله أحرام هو ؟ قال: لا، ولكني أكره ريحه، قال: وإني أكره ما تكره يا رسول الله، يعني مراعاة لأصحابه ما أكل طعاماً في ثوم، من أجل رائحته. ما هذه اللباقة ؟ ما هذا الحس الراقي جداً ؟ عن أبي أيوب رضي الله عنه، قال: كنا نصنع له العشاء، ثم نبعث به إليه، فإذا رد علينا فضله، وتيمنت أنا وأم أيوب موضع يديه، فأكلنا منه نبتغي بذلك البركة، حتى بعثنا إليه ليلة بعشائه، وقد جعلنا له بصلاً أو ثوماً فرده النبي صلى الله عليه وسلم، ولم نرَ ليده أثراً للطعام، فجئته فزعاً، فقلت يا رسول الله، بابي أنت وأمي رددت عشاءك، ولم أرَ به موضع يدك، وكنت إذا رددته تيمنت أنا وأم أيوب موضع يدك نبتغي بذلك البركة، فقال عليه الصلاة والسلام: إن وجدت فيه ريح هذه الشجرة، وأنا رجل أناجي ربي، فأما أنتم فكلوه، فقال أبو أيوب: فأكلناه، ولم نصنع له تلك الشجرة بعدها. 4 – التواضع في المسكن: ![]() وعن أبي أيوب قال: لما نزل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي نزل في السفلي، أرضي، وأنا وأم أيوب في العلوي، فقلت له: يا نبي الله بأبي أنت وأمي، إن لأكره، وأعظم أن أكون أنا فوقك، وتكون أنت تحتي، فكن أنت في العلوي، ونحن في السفلي، فقال: يا أبا أيوب إنه أرفق بنا وبمن يغشانا أن نكون في سفلي البيت، قال فكان عليه الصلاة والسلام في سفله، وكنا فوقه في السكن، فلقد انكسر حِبُ ماء لنا في ماء فقمت أنا وأم أيوب بقطيفة لنا، بلحاف، ما لنا لحاف غيرها، ننشف بها الماء تخوفاً من أن يقطر على النبي صلى الله عليه وسلم منه شيء فيؤذيه. 5 – استعذاب الماء: ![]() وأما عن شرابه فكان أبو أيوب حينما نزل عنده النبي صلى الله عليه وسلم ليستعذب له الماء من بئر مالك بن النظر، والد أنس، وكان أنس وهند وحارثة أبناء أسماء يحملون الماء إلى بيوت نسائه من بيوت السُقيا، ومن ذلك دلالة على سنة استعذاب الماء كان النبي عليه الصلاة والسلام ذا أذواق عالية جداً. 6 – الشرب ثلاث دفعات وحمد الله بعد ذلك: وعن أنس بن مالك أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم شرب جرعة، ثم قطع ثم سمى، ثم جرع جرعة، ثم قطع ثم سمى، ثم جرع جرعة، ثم قطع حتى فرغ، فلما فرغ حمد الله، كان يشرب الماء على دفعات ثلاثة. وعن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أكل وشرب، قال: الحمد لله الذي أطعمنا، وسقنا، وسوغه، وجعل له مخرجاً. 7 – الاجتماع على الطعام والشراب: وكان عليه الصلاة والسلام لا يأكل منفرداً، وكان يحضر عشاءه من خمسة إلى ستة عشرة رجلاً، ولم يكن يأكل وحده. أيها الإخوة الكرام، هذه أخلاق النبي، كان إذا دخل عليه أصحابه، ودخل إنسان غريب لا يعرف من رسول الله، يقول: أيكم محمد ؟ لتواضعه. 8 – المساعدة في تحضير الطعام: ومرة كان في سفر، أرادوا أن يعالجوا شاةً، قال أحدهم: علي ذبحها، وقال الثاني: علي سلخاها، وقال الثالث: علي طبخها، وقال عليه الصلاة والسلام: وعلي جمع الحطب، فقالوا: نكفيك ذلك، قال: أعلم أنكم تكفونني ذلك، ولكن الله يكره أن يرى عبده متميزاً على إقرانه. 9 – النوبة في المشي والركوب: ![]() ولما كان مع أصحابه في غزوة بدر، وكان أصحابه بضعة عشر رجلا، وكانت الرواحل قليلة، فقال: (( كل ثلاثة على راحلة، وأنا وعلي وأبو لبابة على راحلة، فركب الناقة في نوبته، فلما انتهت نوبته وجاء دوره في المشي توسلا صاحباه أن يبقى راكباً، فقال عليه الصلاة والسلام: ما أنتما بأقوى مني على السير، ولا أنا بأغنى منكما عن الأجر )) ( أحمد ) 10 – آخر الناس شربا للماء: وكان إذا وزّعَ الماء بين أصحابه كان آخرهم شربا. 11 – كان يجلس حتى ينتهي به المجلس: وكان يجلس حتى ينتهي به المجلس، هذا مجتمع المسلمين، ما في تفرقة أبداً. 12 – جمع الشمل: الآن هناك شيء اسمه جمع الشمل، بلاد كثيرة إسلامية لا تقبل موظفاً من بلد آخر إلا وحده من دون زوجته، سنة بأكملها هو يعاني بُعده عن زوجته، وهي تعاني بُعدها عن زوجها، فإذا كان هو أو هي ضعيف الإيمان أخطأ، وأخطأت، ووقعت الفاحشة، لبُعده عن زوجته. ![]() بينما النبي عليه الصلاة والسلام حينما بنى مجتمع المدينة جمع شمل الأسر، ماذا فعل ؟ أرسل النبي عليه الصلاة والسلام وهو في بيت أبي أيوب زيد بن حارثة، وأبا رافعة إلى مكة، وأعطاهما 500 درهم وبعيرين ليأتيا بأهله، وقد أخذاها من أبي بكر، ليشتريا بها ما يحتاجان إليه، فاشترى بها زيد ثلاثة أبعرة، وأرسل أبو بكر معهما عبد الله بن أريقط دليلاً فقدما بفاطمة، وأم كلثوم بنتي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزوجته سودة بنت زمعة، وحاضنته أم أيمن زوج زيد بن حارثة، وابنهما أسامة، وقدما بعيال أبي بكر عبد الله ابن أبي بكر، وأم رومان زوجته، وعائشة بنت أبي بكر، وأختها أسماء زوجة الزبير وهي حامل، فولدت عبد الله بن الزبير في قباء، لشدة متاعب الهجرة، ثم قدمت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فوضعته في حجره، فكان عبد الله بن الزبير أول مولود ولد في الإسلام في المدينة. هذا هو مجتمع الصحابة: هذا كان مرة مع أطفال صغار كثر، مر سيدنا عمر، له هيبته الشديدة، فالأولاد تفرقوا وهربوا، إلا عبد الله بن الزبير بقي واقفاً، وقد لفت نظر سيدنا عمر، فقال: أيها الغلام لمَ لم تهرب مع من هرب ؟ قال له: أيها الأمير لست ظالماً فأخشى ظلمك، ولست مذنباً فأخشى عقابك، والطريق يسعني ويسعك. هذا عبد الله بن الزبير أرسل كتاباً إلى معاوية بن أبي سفيان، اسمعوا هذا النص، قال: أما بعد، فيا معاوية ـ وليس أمير مؤمنين، ولا خليفة رسول الله ـ أما بعد، فيا معاوية، إن رجالك قد دخلوا أرضي، فانههم عن ذلك، وإلا كان لي ولك شأن، والسلام. كلام لا يحتمل، من مواطن إلى أمير المؤمنين، معاوية بن أبي سفيان كان يزيد ابنه إلى جانبه، أعطى الكتاب ليزيد، قال: ما ترى أن نفعل ؟ قال: يزيد أرى أن ترسل له جيشاً، أوله عنده في المدينة، وآخره عندك في الشام ليأتوك برأسه، فقال معاوية: غير ذلك أفضل، أمر كاتبه أن يكتب له كتاباً، قال: أما بعد، فقد وقفت على كتاب ولد حواري رسول الله، ولقد ساءني ما ساءه ، والدنيا كلها هينة جنب رضاه، لقد نزلت له عن الأرض ومن فيها. جاء الكتاب من عبد الله بن زبير: أما بعد، فيا أمير المؤمنين: أطال الله بقاءك، ولا أعدمك الرأي الذي أحلك من قومك هذا المحل، دفع الكتاب إلى ابنه يزيد الذي اقترح عليه أن يرسل له جيش أوله عنده وآخره عندك، قال: يا بني، من عفا ساد، ومن حلُم عظُم، ومن تجاوز استمال إليه القلوب. ونزل عيال أبي بكر في بيت حارثة بن النعمان، وكانت ولادة عبد الله بن الزبير في شوال بعد أشهر من الحجرة. نتابع هذا إن شاء الله في درس قادم، ونبين لكم كيف بنى النبي عليه الصلاة والسلام مجتمع المؤمنين، وكيف أضاف إلى قوة الحق حق القوة. والحمد لله رب العالمين |
|
|
|
#44 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : فتنة الاوس والخزرج وانواع الاختلاففقة السيرة النبوية الدرس : ( الرابع و الاربعون ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. تذكير وربط بما سبق: أيها الإخوة الأكارم، مع درس جديد من دروس فقه السيرة النبوية، وقد بينت لكم في درسين سابقين كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم انتقل من مكة إلى المدينة، انتقل من قوة الحق، قوة الوحي، قوة الاستقامة، قوة الإخلاص، قوة التضحية والفداء، لكن أصحابه كانوا يُعذبون أمامه، انتقل إلى المدينة ليضيف إلى قوة الحق حق القوة، لذلك بنى مجتمعاً قوياً، أساس هذا البناء المساواة، أساس هذا البناء إزالة فساد ذات البين، أساس هذا البناء التكافل، ولا زلنا في ملامح المجتمع الإسلامي في المدينة المنورة. لكنني وعدتكم في درس سابق أن ألقي على مسامعكم قصة تعد نكسة طارئة عابرة في العلاقات بين الأوس والخزرج، وكيف أن الله وصف الخلافات بين المؤمنين بأنها كفر. نكسة طارئة بين الأوس والخزرج:دروس وعبر: ورد في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وهو في المدينة، أن جاهلياً في المدينة المنورة وهو من اليهود غاظه ما رأى من ألفة المسلمين، وأسقط لكم هذه الحقيقة على واقعنا، مع أعدائنا ورقة رابحة وحيدة هي التفرقة بين المسلمين، هي إثارة الفتن الطائفية بين المسلمين، هذا اليهودي غاظه ما رأى من ألفة المسلمين، غاظه ما رأى من صلاح بينهم، بعد الذي كان بينهم من عداوة وبغضاء في الجاهلية. أمر شاباً على شاكلته أن يجلس مع الأوس والخزرج، وأن يذكرهم بيوم بُعاث. حينما صدرت فتوى لا يرضاها المسلمون اليوم، هذه الفتوى نُشرت في معظم الصحف العادية، لأنها ورقة رابحة. ![]() لذلك أمر شاباً على شاكلته أن يجلس مع الأوس والخزرج، وأن يذكرهم بيوم بُعاث، يوم اقتتالهم، وما كان قبله، وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوه فيه من أشعار، فتفاخر القوم نزوة جاهلية، ثم تنازعوا، الأوس والخزرج، ثم تواثب رجلان من الحيين، وتقاولا، فقال أحدهما: إن شئتم رددناها الآن جذعة، أي حامية، وغضب الفريقان، وكادت تقع الفتنة، بلغ بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج إليهم غاضباً فيمن معه من المهاجرين، حتى جاءهم فقال: (( يا معشر المسلمين، اللهَ الله، أبدعوى الجاهلية، وأنا بين أظهركم ؟ أبعد أن هداكم الله إلى الإسلام، وأكرمكم به، وقطع به عنكم دعوى الجاهلية ، واستنقذكم به من الكفر، وألف به بينكم، ترجعون إلى ما كنتم عليه كفارا، فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان، وكيد من عدو لهم، وبكوا، وعانق الرجال بعضهم بعضا، ثم انصرفوا مع رسول الله سامعين مطيعين )) لقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم الخصومة بالكفر، ثم إن الله جل جلاله أنزل بهذه الحادثة قرآناً فقال ـ دققوا بكلام الله ـ: ﴿ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آَيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ *وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * تِلْكَ آَيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعَالَمِينَ ﴾ ( سورة آل عمران ) الخلاف كفر عملي: ![]() بماذا وصف القرآن الكريم الخلاف بين المسلمين ؟ بالكفر، هذا سماه علماء العقيدة: كفر دون كفر، هناك كفر يخرجك من الملة، من ملة الإسلام، وهناك كفر دونه فالخصومات بين المسلمين نوع من الكفر، لأن هذه الخصومات تضعفهم، تشتتهم، تمزقهم تجعل بأسهم بينهم، تعقيباً على هذا الموضوع الله عز وجل يقول: ﴿ غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ ﴾ ( سورة الروم ). الله عز وجل نصر الروم، وهم أهل كتاب على الفرس وهم عباد النار، لذلك أثبت الله جل جلاله للصحابة الكرام وهم نخبة الخلق، أثبت لهم فرحهم بهذا النصر، وقد قال الله عز وجل: ﴿ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ، بِنَصْرِ اللَّهِ ﴾ فالقواسم المشتركة بين المسلمين وبين أهل الكتاب موجودة، لكن هناك تناقضات في العقيدة كبيرة جداً، بينما القواسم المشتركة بين أطياف المسلمين أكثر بكثير، فالأولى أن نفرح بنصر الله، ولا أن نهمس في آذان بعضنا بعضاً أن هذا النصر ليس لنا، هو لكل المسلمين، إذا كان أصحاب النبي رضوان الله عليهم فرحوا بنص القرآن الكريم بانتصار أهل الكتاب على ما بيننا وبينهم من تناقض، لأنهم انتصروا على عباد النار، هذا موضوع. سبب نزول الآيات: أيها الإخوة، ورد في أسباب النزول أن هذه الآيات نزلت في تلك الحادثة التي كانت على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وقد وصف الله جل جلاله النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ ( سورة التوبة ). ![]() لذلك النبي صلى الله عليه وسلم حرص على وحدة أمته من بعده، لأن الأعداء وضعونا جميعاً في سلة واحدة، وينبغي أن نقف جميعاً في خندق واحد، مشكلتهم كما قال بعض زعمائهم: مشكلة حياة أو موت، ونحن مشكلتنا أيضاً مشكلة حياة أو موت. فعن ابن عباس رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( لا تَرْجِعُوا بَعْدي كُفَّاراً، يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقابَ بَعْض )) (( كُلُّ المُسْلِمِ على المُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ ومَالُهُ وَعِرْضُهُ )) (رواه مسلم عن أبي هريرة) أيها الإخوة، نتابع البينة السليمة الاجتماعية التي بناها النبي صلى الله عليه وسلم، وأنا أؤكد لكم أن المجتمع المتماسك لا يخرق، فلذلك مجتمع المؤمنين ينبغي أن يكون متماسكاً. من أسس البناء الاجتماعي: 1 – المؤاخاة: أيها الإخوة، أول شيء بالبناء الاجتماعي المؤاخاة، فقد آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين المسلمين والأنصار، نحن عندنا مظاهر إسلامية صارخة، مساجد كبيرة جداً ، مؤتمرات إسلامية، مكتبات زاخرة بالكتب الإسلامية، محاضرات، دروس، لكن الحب الذي كان بين أصحاب النبي رضوان الله عليهم ليس موجوداً الآن. ![]() أيها الإخوة، القضية النفسية الحب بين المؤمنين يجعلهم متماسكين، قال تعالى: ﴿ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ﴾ ( سورة الأنفال الآية: 46 ). الله عز وجل يبين ما ينبغي أن نكون عليه فيقول: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ﴾ ( سورة الحجرات الآية: 13 ). لا لتقاتلوا، ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ﴾ ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾ ( سورة الحجرات ). هذه الآية منهج، هذه الآية أحد معالم طريق النصر، المؤاخاة بين المؤمنين. وفي آية ثانية يقول الله عز وجل: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾ ( سورة الحجرات الآية: 10 ). صدقوا أيها الإخوة، ما لم تشعروا بانتمائكم إلى مجموع المؤمنين فلستم مؤمنين، لأن الله عز وجل يقول: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾ ﴿ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ ﴾ ( سورة أل عمران الآية: 19 ). الاختلاف المذموم والاختلاف الطبيعي: 1ـ الاختلاف الطبيعي لنقص المعلومات: قال بعض العلماء: هناك اختلاف طبيعي، اختلاف نقص المعلومات، نحن في 29 فرضاً من رمضان، وسمعنا صوت يا ترى مدفع العيد، أم تفجير تم في الجبل لصخرة عاتية، نقص المعلومات يدفعنا إلى أن نختلف، هذا اختلاف طبيعي، لا شيء فيه، لكن بعد حين فتحنا المذياع، فإذا الخبر أنه غداً عيد الفطر السعيد، مثلاً، هذا اختلاف طبيعي، أساسه نقص المعلومات، كان الناس أمة واحدة فاختلفوا اختلاف نقص معلومات، فبعث الله النبيين ووضحوا، لذلك قال تعالى: ﴿ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ ﴾ 2ـ الاختلاف المذموم: الاختلاف بعد العلم: ![]() هذا الاختلاف قذر، اختلاف نقص المعلومات طبيعي، لا يمدح ولا يذم، شيء طبيعي جداً، لكن الاختلاف بعد العلم اختلاف هوى، واختلاف مصالح، واختلاف نفوس، واختلاف كبر. ﴿ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ ﴾ حسداً بينهم، اختلاف الحسد احضر أي درس علم في العالم الإسلامي تسمع فيه: قال الله عز وجل، وقال عليه الصلاة والسلام، قرآن واحد، ونبي واحد، وسنة واحد، وإله واحد، والمسلمون اليوم فرق، وطوائف، وأحزاب، وشيع، وبأسهم بينهم، ويتقاتلون أحياناً. ما اسم الخلاف الثاني ؟ خلاف البغي، هذا الخلاف القذر. 3ـ الاختلاف الممدوح: اختلاف التنافس: ![]() وعندنا اختلاف محمود: اختلاف التنافس، هناك من يرى أن أعظم شيء أن تؤلف كتاباً، وهناك من يرى أن أعظم شيء أن تؤلف قلباً، وهناك من يرى أن أعظم شيء أن تبني مسجداً، وهناك من يرى أن أعظم شيء أن تطعم فقيراً، فالمؤمنون يختلفون في اجتهاداتهم، لكن الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق، لك أن تنشئ مسجداً، ولك أن تلقي درساً، ولك أن تعتلي منبراً، ولك أن تؤلف كتاباً، ولك أن تنشئ ميتماً، ولك أن تنشئ مستوصفاً، ولك أن توفق بين الناس، وأن ترأب صدعهم، وأن تجمع شملهم، والطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق، وكل الطرق سالكة. إذاً: عندنا اختلاف طبيعي، لا يحمد ولا يذم، اختلاف نقص المعلومات، وعندنا اختلاف البغي، والحسد، والكبر، والاستعلاء، والمصالح، والحظوظ، هذا اختلاف قذر، وعندنا اختلاف تنافس. ﴿ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ﴾ ( سورة المطففين ). هذا اختلاف محمود، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام أقام المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، هذه المؤاخاة هي وسام شرف معلق على صدورهم، آخى النبي صلى الله عليه وسلم في العهد المكي بين المسلمين الأوائل. التطبيق العملي لمبدأ المؤاخاة: ما الذي يمنعنا نحن من تطبيق هذه المؤاخاة ؟ أنت في هذا الدرس ألا تستطيع أن تؤاخي واحداً ؟ أن تقول له: أنت أخي في الله واحد، في الدرس القادم لم يحضر فتفقدته، لاحتمال أن يكون مريضاً، أنت حينما آخيته أخذت رقم هاتفه، فإن افتقدته في الدرس القادم اتصلت به، قل: نحن قلقون عليك، إن شاء الله المانع خير، بماذا يشعر ؟ أنه هو من يهتم به، هناك من يسأل عنه، هذه المؤاخاة، لو أنه كل مجلس علم أخ كريم آخى أخا واحدا لعل يكون قريبه، أو جاره، أو زميله، أو صديقه، ابحث عن أخ جار لك، أو قريب لك، أو صديق لك، أو زميل في عمل، قل له أنت أخي في الله، خذ رقم هاتفه، وليأخذ رقم هاتفك، فإذا تغيب عن درس علم هناك احتمال أن يكون مريضاً، تفقده بالهاتف، قال لك: والله أنا مريض، اذهب إليه، اعرض عليه خدماتك، هكذا يكون المجتمع متماسكاً. قال لي بعضهم: والله لو إنني غبت عاما عن مجلس العلم ولا أحد يتصل بي ، نحن في الظاهر مجتمعون، لكن في الحقيقة متفرقون، ما أحد يعرف أحدا، النبي عليه الصلاة والسلام إذا اتخذ أخاً في الله يسأله عن اسمه، وعن اسم أبيه، وممن هو، وعن حرفته، وعن عنوان بيته، وعن هاتفه مثلاً. ![]() فالمؤاخاة من منهج النبي عليه الصلاة والسلام، آخى النبي صلى الله عليه وسلم في العهد المكي بين المسلمين الأوائل، آخى بين أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب، و آخى بين عبد الله بن مسعود والزبير بن العوام، و آخى بين عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف، وبين سعد بن أبي وقاص وعمار بن ياسر، وكان المسلمون الأوائل في مكة يعيشون الأخوة الكاملة. والله أيها الإخوة، والله أقسم لكم بالله، إذا تآخيتم في الله تصبح حياتكم جنة، الحياة قاسية جداً، والأخبار سيئة جداً، والأشياء مقلقة، والمستقبل مظلم، لكن الذي يخفف عنك ثقل الحياة ومصائبها والضغوط الاجتماعية والخارجية والداخلية أخ في الله، وليس على وجه الأرض من إنسان يسعدك، وتسعده من أخ في الله. (( وجبت محبتي للمتحابين فيّ، والمتجالسين فيّ، والمتباذلين فيّ والمتزاورين فيّ، والمتحابون في جلالي على منابر من نور يغبطهم عليها النبييون يوم القيامة )) ( أخرجه أحمد، والطبراني، والحاكم، والبيهقي عن معاذ ) نحن نريد لهذه الأفكار ألا نكتفي بسماعها، وألا تبقى في دماغنا، في ذاكرتنا بل نريدها حياة نعيشها، نريدها تطبيقاً، نريدها ممارسة، نريدها واقعاً، لأن مشكلتنا في هذه الأيام مشكلة بقاء أو فناء، مشكلة حياة أو موت، خفف عن أخيك بمؤاخاتك له، ويخفف عنك بمؤاخاته لك. وكان المسلمون الأوائل يعيشون الأخوة كاملة بكل أبعداها ومعانيها من خلال دار الأرقم، والهجرتين الأولى والثانية، ومواجهة إيذاء وعدوان قريش. صور رائعة من واقع مؤاخاة الصحابة: 1 – بين أبي بكر وبلال: أيها الإخوة، سيدنا الصديق بلغه أن بلالاً يُعذب بلال عبد، وفي السلم الاجتماعي في الدرجة السفلى، وسيدنا الصديق من أرومة قريش، من علية القوم، لأن الله عز وجل يقول: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾ ذهب إلى صفوان ابن أمية سيد بلال، وكان يعذبه يضع على بطنه صخرة في لهيب الظهيرة، ويأمره أن يكفر بمحمد، وكان بلال يقول: أحدٌ أحد. كطرفة: مدرسة شرعية في الشام أقامت حفل في نهاية العام، والحفل في تمثيلية بسيطة عن سيدنا بلال، وعن صفوان ابن أمية، كيف هو يعذبه، وكيف يقول بلال: أَحدٌ أحد. جاءوا بطالبين، أحدهم مثّل دور صفوان بن أمية، والثاني مثل دور بلال الحبشي، وبحسب الحركات والتمثيل بدأ الطالب الذي مثل دور صفوان بن أمية بضرب الطالب الذي مثل دور بلال، فقال له صفوان بن أمية: لن أرفع عنك العذاب إلا إذا كفرت بمحمد صلى الله عليه وسلم، التمثيل غير متقن طبعاً. فكان صفوان بن أمية يعذب بلالاً، ذهب إليه الصديق، قال: بكم تبيعني إياه ؟ اتفقا على مبلغ، ونقده إياه، أراد صفوان أن يبالغ بإهانة بلال، قال له: والله لو دفعت لي درهماً لبعتكه، فقال له الصديق: والله لو طلبت به مئة ألف درهم لأعطيتكها، هذا أخي حقاً، وضع يده تحت إبطه. سيد قريش مع إنسان في الطبقة الدنيا، وقال: هذا أخي حقاً، وكان أصحاب النبي رضوان الله عليهم إذا ذكروا الصديق يقولون: << هو سيدنا وأعتق سيدنا >>. وسيدنا عمر كان إذا علم أن بلالاً سيأتي المدينة كان يخرج، وهو عملاق الإسلام، وأمير المؤمنين، يخرج هو لاستقباله. أيها الإخوة، يقول سيدنا الصديق: << هذا أي حقاً >>. أنا سمحت لنفسي في هذا الدرس أن أذكركم بنزوة، أو نكسة طفيفة سريعة عابرة للأنصار، فنزل القرآن: ﴿ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ ﴾ والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (( لا تَرْجِعُوا بَعْدي كُفَّاراً يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقابَ بَعْض )) 2 – بين أبي ذر وبلال: نزوة صغيرة في ساعة غضب، والصحابة ليسوا معصومين، قال بعض الصحابة لبلال: يا ابن السوداء، بلغ ذلك النبي عليه الصلاة والسلام فقال لهذا الصحابي الجليل القرشي: (( إنك امرؤ فيك جاهلية )) (أبو داود عن أبي ذر) فلم يرضَ هذا الصحابي بعد أن سمع هذا من رسول الله إلا أن وضع رأسه على الأرض، وأمر بلالاً أن يعض قدمه فوق رأسه، هذا هو الإسلام. 3 – إنها امرأة تنظف المسجد فقط: امرأة تقم المسجد، منظفة، توفيت، الصحابة الكرام اجتهدوا أن هذه المرأة من دنو مكانتها لا ينبغي أن نذكر للنبي أنها ماتت، النبي الكريم تفقدها بعد حين، قالوا: والله ماتت يا رسول الله، فغضب، قال: هلا أعلمتموني ؟ لمَ لم تذكروا لي أنها ماتت ؟ وذهب إلى قبرها، وصلى عليها صلاة الجنازة استثناء من أحكام صلاة الجنازة، صلاة الجنازة قبل الدفن، صلى عليها صلاة الجنازة بعد الدفن، هذا المجتمع المسلم. أنت مدير مؤسسة، عندك حاجب مؤمن، إن لم تعامل هذا الحاجب كما تعامل أكبر موظف فلست مؤمنا، الإنسان عند الله مكرم. مرض العنصرية المقيتة: ![]() لذلك أنا أقول دائماً: المرض الأول في العالم الآن، كيف عندنا أمراض في الجسم كالورم الخبيث، أمراض عضالة، العالم كله الخمس قارات يعاني مرضا عضالا، ما هذا المرض ؟ العنصرية، من هو العنصري ؟ هو الذي يرى نفه فوق البشر، يرى أن البشر في خدمته، وأن لحياته قيمة، وليس لحياتهم قيمة، وأن وقته ثمين، وليس وقتهم ثميناً وأنه معفى مما يجب على غيره، وأنه يحق له ما لا يحق لغيره، وأنه يبني مجده على أنقاض الآخرين، ويبني غناه على فقرهم، ويبني حياته على موتهم، ويبني أمنه على خوفهم، ويبني عزه على ذلهم. صور من المؤاخاة في المدينة: أيها الإخوة، تلك المؤاخاة في مكة، أما في المدينة فقد آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار في دار أنس بن مالك، وكانوا تسعين رجلاً، نصفهم من المهاجرين، ونصفهم من الأنصار، آخى بينهم على المساواة، يتوارثون بعد الموت، دون ذوي الأرحام إلى حين غزوة بدر، الأخ في الله كان يرث أخاه قبل نزول آيات المواريث، فلما أنزل الله عز وجل قوله: ﴿ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ ﴾ ( سورة الأنفال الآية: 75 ). رد التوارث إلى الرحم دون عقد الأخوة، يعني في مرحلة من المراحل كان الأخ يرث أخاه. 1 – بين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع: أيها الإخوة، أضرب لكم مثلا واحدا نأتي عليه بالتفصيل: أن بعض الذين آخى بينهم النبي عليه الصلاة والسلام هو عبد الرحمن بن عوف، آخى بينه وبين سعد بن الربيع، وقد عرض عليه سعد بن الربيع أحد بيتين، وأحد دكانين، وأحد بستانين، لم يُثبت التاريخ الإسلامي أن مهاجراً أخذ من أنصاري نصف ماله، قال له: بارك الله لك بمالك يا أخي، ولكن دلني على السوق، ما هذه العفة ؟ الأنصار بذلوا نصف ما يملكون، والمهاجرون تعففوا عن أموال إخوانهم، قال له: بارك الله لك في مالك، ولكن دلني على السوق، أنا أعمل. فحينما يكون المؤمن سخياً كريماً إلى درجة أن يهب أخاه نصف أملاكه تجد الطرف الآخر عفيفاً جداً جداً، ويقول: بارك الله لك في مالك، ولكن دلني على السوق. قال العلماء: المؤاخاة هي حاجة الأنصار إلى التفكر في الدين، وحاجة المهاجرين إلى مأوى، وإلى مساعدة، وإلى بيت. أيها الإخوة، الموضوع رائع جداً وله تتمة، ونحن في أمسّ الحاجة إليه الآن. والحمد لله رب العالمين |
|
|
|
#45 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : بناء الاخوة بين المسلمين فى المدينةفقة السيرة النبوية الدرس : ( الخامس و الاربعون ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. أيها الإخوة الكرام، مع درس جديد من دروس فقه السيرة النبوية، ومع موضوع بدأت فيه منذ أسبوعين تقريباً، ألا وهو الطريقة التي بنا بها النبي صلى الله عليه وسلم مجتمع المسلمين الأول في المدينة، ونحن في أمسّ الحاجة إلى أن نتأسى بهذا النبي الكريم في بناء مجتمع المسلمين. المؤاخاة أكبر أساس مجتمع المسلمين: ![]() الشيء الأكبر من أسس هذا المجتمع المؤاخاة، لأن الله عز وجل يقول: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾ ( سورة الحجرات الآية: 10 ) وما لم يكن انتماءك إلى مجموع المؤمنين فلست مؤمناً. (( المُسْلِمُ أخُو المُسْلِمِ )) (رواه الترمذي عن أبي هريرة ) المسلم في أي مكان، وفي أي زمان أخو المسلم. والإسلام أيها الإخوة خاصة، والدين عامة حاجة الإنسان إليه كحاجته للهواء، والهواء لا يستطيع أحد أن يحتكره، الماء يحتكر، الأرض تحتكر، المحل يحتكر، أما الهواء فلا يحتكر، لذلك حاجة الإنسان إلى الدين كحاجته إلى الهواء، والهواء لا يحتكر، لا يمكن أن يحتكره قوم، ولا بلد، ولا إقليم، ولا مصر، ولا طائفة، ولا مذهب، الدين كالهواء. فلذلك كل من يتوهم أن وحده على حق، وما سواه على باطل من دون دليل، من استقصاء فهو واهم، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام بدأ ببناء المجتمع الإسلامي عن طريق المؤاخاة، فما لم تشعر بأخوتك لهذا المؤمن، وما لم تشعر أن هذا المؤمن أقرب الناس إليك، وأحب الناس إليك، ما لم يكن انتماءك للمؤمنين فلست كامل الإيمان. أما حينما نرى أن المؤمنين بعضهم يتهم بعضاً، بعضهم ينتقص من بعض ، بعضهم يشتم بعضاً، بعضهم يقاتل بعضاً، هذه وصمة عار بحق المسلمين ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾ مؤاخاة النبي عليه الصلاة والسلام بين المهاجرين والأنصار:فقد آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار في دار أنس بن مالك، وكانوا تسعين رجلاً، نِصفهم من المهاجرين، ونِصفهم الآخر من الأنصار، آخى بينهم على المواساة، يتوارثون بعد الموت، دون ذوي الأرحام، إلى حين غزوة بدر، في رمضان من السنة الثانية للهجرة، فلما أنزل الله عز وجل قوله: ﴿ وَأُوْلُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ ﴾ ( سورة الأحزاب الآية: 6 ). رُد التوارث إلى الرحم دون عقد الأخوّة، ففي بداية الإسلام كان هناك أسر بعض الأبناء فيها مسلم، وبعض الأبناء مشرك، لذلك شاءت حكمة الله أن يكون التوارث بين الإخوة المؤمنين، ولكن بعد حين: ﴿ وَأُوْلُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ ﴾ رُد التوارث إلى الرحم دون عقد الإخوة. وكانت المؤاخاة في شهر رمضان من السنة الأولى للهجرة، أي بعد الهجرة بخمسة أشهر. إسقاط مبد المؤاخاة على مجتمع المسلمين اليوم: ولكن: ألسنا نحن بحاجة إلى هذه المؤاخاة ؟ لست وحدك في الحياة، أنت للكل، والكل لك، لست وحدك في الحياة، الحياة بالأخوة الإيمانية لا تبدو قاسية، والحياة مع الأخوة الإيمانية تبدو مسعدة، وما من إنسان أغلى على المؤمن من أخ له في الله، تنصحه وينصحك، تعينه ويعينك، تتفقده ويتفقدك، تعاونه في معضلات حياته ويعاونك. الصورة الأولى للمؤاخاة اليوم: ![]() إذاً: لو أنّ كل واحد منا اتخذ أحد الإخوة أخاً له، وصافحه، وقال: أنا فلان، وأنت أخي في الله، هذا هاتفي، وهذا عنواني، وهنا بيتي، وأنشدك الله إن كنت مضطراً لشيء فأنا في خدمتك، وأعاهدك أنني إذا اضطررت إلى مساعدة سوف أطلب منك، فهذا جيد جداً، وإذا آخى اثنين، أو آخى ثلاثة فهو أفضل، وإذا آخى خمسة وتفقدهم، ما الذي يحصل أيها الإخوة ؟ يأتي أخ إلى المسجد يُسرّ بالدرس، تزل قدمه، يخجل من ربه فلا يأتي، ولا أحد يسأله: لمَ لم تأتِ، لا أحد يتفقده، يمضي أسبوع وأسبوع فينقطع كلياً عن المسجد، لو أن واحداً اتصل به، وسأله: كيف حالك ؟ إن شاء الله المانع خير ؟ لسُرّ، وانتعش فؤاده، وعاد إلى المسجد. لذلك لو أن واحد منا آخى أخاً، وتعاهدا على أن يتناصحا، تعاهدا على أن يتفقد كل منهما الآخر، والأخ الثاني أفضل، والثالث أفضل، والرابع أفضل، لو أنك آخيت خمسة أشخاص لكانت الحياة الجنة. الصورة الثانية للمؤاخاة اليوم: المشروع الثاني: ما الذي يمنع إذا كنتم خمسة في حي واحد، أو في حرفة واحدة، أو في قاسم مشترك واحد، أو في قرابة واحدة، أحياناً القرابة تجمع، أحياناً السكن يجمع، أحياناً الحرفة تجمع، إما قرابة، أو زمالة، أو صداقة، أو جواراً، ما الذي يمنع أن نجلس كل أسبوعين، أو كل أسبوع، أو كل ثلاثة أسابيع، أو كل أربعة أسابيع، نجلس ساعة من الزمن نتحاور، نتداول، واحد منا استقى موعظة تأثر بها، فذكرها لإخوته، واحد منا حضر خطبة، تفاعل معها، فذكر مضمونها لإخوانه، قرأنا صفحة من كتاب الله، تدارسنا هذا الكتاب. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُمَا شَهِدَا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: (( لَا يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا حَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ، وَغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَةُ، وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمْ السَّكِينَةُ، وَذَكَرَهُمْ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ )) ( رواه مسلم ) ![]() (( مَا مِنْ قَوْمٍ يَقُومُونَ مِنْ مَجْلسٍ لا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَعالى فِيهِ إِلاَّ قامُوا عَنْ مثْلِ جِيفَةِ حِمارٍ وكانَ لَهُمْ حَسْرَةً )) ( رواه أبو داود وغيره عن أبي هريرة ) الحديث في الدنيا متعب، بينما الحديث عن الله مسعد. لذلك أيها الإخوة، لو أردنا أن نترجم إلى سلوك عملي أن كل واحد يؤاخي أخاً في الله، طبعاً لا بد من تبادل العناوين تبادل الهواتف، تبادل فكرة سريعة عن الأخ، ماذا يعمل ؟ ويفضل أن يكون أقرب الناس إليه سكنا، أو إلى عملك، أو إلى قرابتك، هذا تنفيذ لمؤاخاة النبي عليه الصلاة والسلام، واحفظ هذه الكلمة: الكل لواحد، والواحد للكل، ولست وحدك في الحياة. (( إن المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يسلمه )) ( رواه الترمذي عن أبي هريرة) (( كُلّ المُسْلِمِ على المُسْلِمِ حَرَامٌ عرْضُهُ ومَالُهُ وَدَمُهُ )) ( رواه الترمذي عن أبي هريرة) من أغراض المؤاخاة: 1- ذهاب وحشة الغربة: إذاً: ورد في بعض كتب السيرة أن الغرض من المؤاخاة ذهاب وحشة الغربة وصدقوا أيها الإخوة، أننا في غربة. (( إِنَّ الدِّينَ بَدَأَ غَرِيبًا، وَيَرْجِعُ غَرِيبًا، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ الَّذِينَ يُصْلِحُونَ مَا أَفْسَدَ النَّاسُ مِنْ بَعْدِي مِنْ سُنَّتِي )) (الترمذي عن عمرو بن عوف بن زيد ) ما لم تشعر بالغربة ففي إيمانك خلل. (( المسلم في آخر الزمان غريب، القابض على دينه كالقابض على الجمر أجرهم كأجر سبعين، قالوا: منا أن منهم ؟ قالوا: بل منكم، لأنكم تجدون على الخير معواناً ولا يجدون )) ( ورد في الأثر ) فما لم تشعر بالغربة ففي الإيمان خلل. إذاً: الغرض من المؤاخاة ذاهب وحشة الغربة، ولا سيما بعد مفارقة الأهل والعشيرة. 2 - شد أزر المؤمنين بعضهم ببعض: ومن أغراض المؤاخاة شد أزر المؤمنين بعضهم ببعض، فلما أعز الله الإسلام، وجمع الشمل، وذهبت الوحشة، بطل التوارث، ورجع كل إنسان إلى نسبه ولذي رحمه. في أيام الضيق، في أيام الشدة، في أيام الفتن، في أيام الطرقات مليئة بالنساء الكاسيات العاريات، في زمن الفضائيات، في زمن الانترنيت، في زمن الإباحية، ما من إنسان تألفه، وتأنس به، ويأنس بك، كالأخ في الله، لذلك ورد في بعض الآثار القدسية: (( حقت محبتي للمتحابين فيّ، وحقت محبتي للمتواصلين فيّ، وحقت محبتي للمتناصحين فيّ، وحقت محبتي للمتزاورين فيّ، وحقت محبتي للمتباذلين فيّ، المتحابون فيّ، على منابر من نور يغبطهم بمكانهم النبيون والصديقون والشهداء )) ( رواه الطبراني عن عبادة بن الصامت ) وقد علمنا عليه الصلاة والسلام أنك إذا أحببت أخاً في الله أعلمه أنك تحبه، قل له: إني أحبك في الله، ينبغي أن يقول لك: أحبك الله كما أحببتني، والحب أحد أركان الحياة النفسية، الإنسان عقل يدرك، وقلب يحب، وجسم يتحرك، فإذا أحببت أخاً في الله كان هذا الأخ لك معيناً، ورفيقاً، وناصحاً، ومحباً. 3 - حاجة الأنصار إلى التفقه في الدين: الآن للمؤاخاة أهداف أبعد، وأشمل من مجرد التوارث للأسباب التالية: حاجة الأنصار إلى التفقه في الدين. أحياناً أنت آخيت أخًا حديث عهد بالمسجد، وأنت لك في المسجد سنوات طويلة، تلقيت علماً غزيراً، عندك فضل علم، فإذا آخيت إنسانا مبتدئا، أعطيته من علمك، تدارست معه القرآن، تحاورت معه في الفقه، علمته ما في بعض السيرة، بينت له أجمل ما سمعت فه>ا من أهداف المؤاخاة. إذاً المؤاخاة لها هدف آخر، لذلك قال الله تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ ﴾ ( سورة سبأ الآية: 46 ). إذا جلست مع أخيك فتحاور حول هذا الدين، حول هذا النبي الكريم، حول سنته حول عظمة الإسلام. إذاً أحد أسباب المؤاخاة، وهذا من بناء الرسول عليه الصلاة والسلام حاجة الأنصار إلى التفقه في الدين. 4 - القدوة الصالحة: ![]() شيء آخر، الدين يؤخذ بالقدوة الصالحة، القدوة الصالحة حقيقة مع البرهان عليها، والإسلام لا يعيش إلا بالمثل، الإسلام لا ينمو وهو في الكتب، ينمو بمسلم تراه عينك ، لذلك كما أن الكون قرآن صامت، والقرآن كون ناطق، والنبي عليه الصلاة والسلام قرآن يمشي، ونحن الآن في أمسِّ الحاجة إلى مسلم يمشي على قدمين، ينبغي أن ترى أمانته ، وأن ترى صدقه، وأن ترى عفافه، وأن ترى محبته، وأن ترى إنصافه، وأن ترى غناه عما سوى الله. إذاً الحاجة إلى التفقه في الدين، والدين يؤخذ بالقدوة الصالحة، وقد مضى العهد المكي، وما فيه من قرآن منزل وجهاد دعوي، وصبر على الأذى، وهجرة وصحبة ، وتربية نبوية، لا يحمله يوم الهجرة إلى هؤلاء المهاجرين إلا إخوانهم الأنصار، وليس من الممكن أن يعاود رسول الله صلى الله عليه وسلم لينقل إليهم أفراد وجماعات تلك العلوم التي عاشوها. مرة حضر أمام النبي عليه الصلاة والسلام رجل تكلم فألحن ؛ أخطأ، فقال: أرشدوا أخاكم فإنه قد ضل، النبي عليه الصلاة والسلام علم أصحابه سنوات طويلة، الآن جاء إلى المدينة والأنصار لا يعلمون شيئاً، يحبون النبي عليه الصلاة والسلام، لكن علمهم قليل، بهذه المؤاخاة جعل السابقين بالعلم يمنحون إخوانهم الأنصار العلم الذي تعلموه من رسول الله. أيها الإخوة، لكن من الضروري أن يتم توزيع المهاجرين على عشائر الأنصار يعيشون معهم حياتهم بكل تفاصيلها، ليتمكنوا من صناعة القدوة الحسنة، والوحدة التربوية النبوية بين الجميع، ولا يمكن تحقيق ذلك بغير العيش المشترك الذي يتجاوز المصاعب التي تفرضها مشكلات السكن والعمل والصحبة، فبالمؤاخاة أصبح المهاجر أخاً لا يبعده عن أخيه الأنصاري العادات والتقاليد الاجتماعية، والدراسية وغيرها. إذاً كما أن النبي صلى الله عليه وسلم آخى بين أصحابه المهاجرين بالأنصار أصحابه الجدد، ينبغي أن القوي يؤاخي الضعيف، والغني يؤاخي الفقير. ملمح جديد من ملامح المؤاخاة اليوم: ![]() الآن هناك ملمح جديد: إنسان ميسور إذا آخى طالب علم فأعانه، اقتراح أن أصحاب الفعاليات الاقتصادية وظفوا عندهم طالب علم بنصف دوام، وبنصف أجرة، تحل المشكلة، طالب العلم أحياناً يحتاج إلى دخل محدود جداً، يقيم أوده، فإذا تفضلت، وعينت طالب علم عندك بنصف دوام أتيح له أن يدرس، وبهذا الدخل القليل أتيح له أن يعيش، فإذا كبر هذا الطالب، وصار داعية كل عمله بصحيفة من كفله. الآن دخلنا في موضوع جديد الغني يؤاخي الفقير، والقوي يؤاخي الضعيف، والذي عنده حرفة يؤاخي من لا يتقن هذه الحرفة. والله أعرف رجلاً عنده محل حلويات، دخل إليه إنسان من محافظة نائية في الشمال الشرقي، وهو غير مسلم، قال له: هل تعلمني صنع الحلويات ؟ قال له: حاضر، أدخله إلى المعمل، وصنع أمامه طبخة، وكتب التفاصيل، فلما انتهى قال: اصنع طبخة أنت أمامي، يقسم بالله العظيم مضى على هذا العمل ثلاثون عاماً، ما من عامل إلا ويأتيه من آخر الدنيا ومعه هدية ثمينة يقول له: لحم كتفي من خيرك. ما الذي يمنع إن كنت صاحب حرفة أن تؤاخي إنساناً لا يتقن هذه الحرفة. الغرب علمنا الجشع والشح: ![]() إخواننا الكرام، الغرب علمنا الجشع، علمنا حبس المعلومات، علمنا أنك إذا أردت أن تفك محرك تقول للصانع: اخرج لئلا يتعلم، لئلا ينافسك، ما الذي يمنع هذا الصانع الذي يعمل بلا أجر من أجل أن يتعلم، ما الذي يمنع أن تعلمه هذه الحرفة ؟. ﴿ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ ( سورة الحشر ). غير مؤمن شحيح، يضن بمعلوماته، إذاً المؤاخاة تأخذ بعداً شديداً، غني وفقير قوي وضعيف، صاحب حرفة. إنسان من بلد بعيد يقم هنا للدراسة، إذا آخيت أخاً مقيماً، وأنت مغترب، يعاونه هو من البلد، يعرف البئر وغطائها. لذلك إذا كان هناك تباعد بالصفات فالأخوة أجدى. لا عصبية ولا قبلية ولا طائفية في الإسلام: ![]() الإسلام أيها الإخوة بحد ذاته لا يقوم على الأسس والقواعد العصبية، والقبلية، والعشائرية، والعرقية، اسمعوا مني هذا الكلام: لا يضاف على كلمة مسلم ولا كلمة، أية إضافة على كلمة مسلم هذا يتجه نحو التعصب. (( ليس منا من دعا إلى عصبية، وليس منا من قاتل على عصبية، وليس منا من مات على عصبية )) (أخرجه أبو داود عن جبير بن مطعم ) بعد كلمة مسلم لا يضاف ولا كلمة، لذلك الإسلام لا يقوم على أسس عصبية ولا قبلية، ولا عشائرية، ولا عرقية، لما كنا مسلمين في شتى بقاع الأرض كنا أمة واحدة، فلما قلنا: نحن عرب، قال الأتراك: ونحن أتراك، وقال الأكراد: ونحن أكراد، نطالب حكماً خاصاً، الإسلام أممي، كل من آمن بما نؤمن، وطبق ما نطبق، هو منا، ونحن منه ، له ما لنا، وعليه ما علينا. وقد تستغربون إن ألقيت على مسامعكم أسماء علماء كبار جداً ليسوا عرباً، الإمام البخاري ليس عربياً، صلاح الدين الأيوبي ليس عربياً، ألا نفتخر به ؟ الشيء الصحيح أن يكون الإسلام أممياً، لا يمنع أن تكون أنت عربيا، لا يمنع أنك منتسب لهذه الأمة، لكن من دون تعصب، من دون أن تزدري الآخرين، أو من دون أن يزدرك أحد، لذلك لا بد من وضع أسس المجتمع الجديد بعيداً عن المؤثرات والمورثات الجاهلية، وليكون هذا المجتمع الجديد مثالاً صالحاً يحتذيه المسلمون على مر العصور. صور من الأخوة الصادقة بين الصحابة: 1ـ بين بلال الحبشي وأبي بكر الصديق: أضع بين أيديكم أمثلة يصعب تصديقها، لكنها واقع: بلال الحبشي من الطبقة الدنيا، في مجتمع الجاهلية، ليس عربياً، وليس قرشياً، وليس من أرومة قريش، عبد أسود مملوك، يعذبه سيده لأنه آمن بمحمد، يأتيه الصديق ليشتريه بالثمن الذي طلبه، يقول سيد بلال: والله لو دفعت به درهماً لبعتكه، يقول الصديق: والله لو طلبت مئة ألف درهم لدفعتها لك، وأخذ بلالاً، ووضع يده تحت إبطه إشعاراً لسيده أنه أخوه في الإسلام، بلال إذا قدم المدينة يخرج عمر عملاق الإسلام لاستقباله ؟! هذا هو الإسلام، الصحابة الكرام إذا ذكروا أبا بكر، يقولون: هو سيدنا وأعتق سيدنا، يعني بلالاً. (( فلا فضل لعربي على أعجمي، ولا أحمر على أسود إلا بالتقوى )) (رواه الطبراني عن ابي سعيد ) (( إن أكرمكم عند الله أتقاكم )) (أخرجه العقيلي، والطبراني، عن أم أيمن ) ميزان الترجيح في الإسلام:الإيمان والعمل الصالح: ![]() المجتمع يتقدم، الله لم يعتمد في الترجيح بين خلقه قيمتين العلم، العمل، قيمة العلم: ﴿ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ ( سورة الزمر الآية: 9 ). ﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ﴾ ( سورة المجادلة الآية: 11 ). وأما قيمة العمل: ﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ﴾ ( سورة الأنعام الآية: 123 ). وما لم تعتمد الأمة هذين المرجحين فلن تقف على قدميها، لذلك هناك قيمة المال ، قيمة النسب، قيمة الحسب، قيمة الجمال، قيمة الذكاء، قيمة الأرومة، هذه قيم لم يعتمدها الإيمان إطلاقاً، بل اعتمد قيمة العلم، واعتمد قيمة العمل. 5 -: تحقيق التكامل، والتكافل، والتعاون الاجتماعي: ![]() الهدف الخامس من هذه المؤاخاة: تحقيق التكامل، والتكافل، والتعاون الاجتماعي في جميع الأحوال والمجالات، فالفرائض الإسلامية من صلاة، وزكاة، وصوم، وحج نقوم بها جميعاً، والذي يشكل بمجموعه غاية المؤاخاة، الصلاة واحدة، والملك والخفير يصليان جنياً إلى جنب في المسجد، في الحج الخفير يطوف، والملك يطوف، والخفير يسعى، والملك يسعى، في مناسب الحج لا فرق بين أمير وخفير، ولا بين قوي ولا ضعيف، ولا بين غني وفقير. لذلك العبادات كالصلاة، والصوم، والحج، مطبق على الجميع، من دون استثناء، ليس هناك مسعى خاص للكبراء، بالسلك الدبلوماسي، ولا طواف خاص لعلية القوم، مناسك الحج والعمرة، والصيام، والصلاة واحدة لدى الجميع. لذلك.... أن يكون كل واحد من المؤمنين عوناً وسنداً للآخر، فمن للمهاجرين غير الأنصار، يسكنون إليهم، ويشاركونهم حياتهم، ومأكلهم، ومشربهم، وآلامهم وأفراحهم، وجهادهم، والذود عن حياضهم، ومن للأنصار غير المهاجرين يعلمونه الدين، ويفقهونهم فيه، ويقرئونهم القرآن ؟ أرأيت إلى هذه المصالح المتكاملة، أروع التكامل المضاربة. لو فرضنا إنسانا معه مال، وهو متقدم في السن، ولا يحسن استثماره، لو أن شاباً مهندساً زراعياً مثلاً، طاقة كبيرة جداً، طاقة كبيرة ومثقفة، لكن ما معه مال، فعملوا مشروعاً، الأرباح مناصفة، هذا بماله، وهذا بجهده، المؤاخاة لها معنى واسع جداً، حتى شركات التجارة مؤاخاة، واحد بماله وواحد بجهده. لذلك أيها الإخوة، من حكم المؤاخاة تكامل الأنصار والمهاجرين، أما صور هذه المؤاخاة فتبين السمو الذي بلغه الأنصار والسمو الذي بلغه المهاجرون، نذكر منها: صور من الأخوة الصادقة بين الصحابة: 2ـ بين سعد بن الريع وعبد الرحمن بن عوف: تميل النفس الإنسانية المهذبة المزكاة إلى المحبة الصادقة، والتضحية والإيثار، فكيف وقد عظم الإسلام مكانة المتحابين بالله، وعلى هذا الشعور الديني تقدم الأنصاري سعد بن الربيع إلى أخيه في الله عبد الرحمن بن عوف، فقال، الآن عندنا أنصاري، اسمه سعد بن الربيع، ومهاجر اسمه عبد الرحمن بن عوف، قال: إني أكثر الأنصار مالاً، أقسم لك مالي نصفين، عندي بستانان خذ أحدهما، عندي بيتان خذ أحدهما، عندي دكانان خذ أحدهما، قال عبد الرحمن بن عوف، والله لا أنساها هذه الكلمة: بارك الله لك في أهلك ومال، ولكن دلني على السوق، ما هؤلاء الأصحاب الذين رباهم النبي عليه الصلاة والسلام ؟ الأنصار أسخياء، والمهاجرون أعفّة. الآن الغني الغنى الفاحش إذا استطاع أن يعالج في مستشفى مجاناً من حق الفقير لا يقصر، الأنصاري بذل نصف ماله، والمهاجر تعفف عن المال، بارك الله لك في مالك ولكني دلني على السوق. ![]() دلوه على سوق بني قينقاع، فما انقلب إلا ومعه فضل أقط وسمن، ثم تابع الغدو الأقط لبن مجفف، وسمن، أرباحه كانت غذاء، تابع الغدو إلى السوق، ثم جاء يوماً وبه أثر صفرة طيب لونه أصفر، جاء يوماً وبه أثر صفرة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ما الأمر ؟ قال له: يا رسول الله تزوجت، دخل للسوق، وباع واشترى، وجمع مالا، وتزوج. إخواننا الكرام، ما فتح أحد على نفسه باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر. (( مَنْ دَخَلَ عَلَى غَنِيٍّ فَتَضَعْضَعَ لَهُ ذَهَبَ ثُلْثَا دِيِنِه )) (رواه الطبراني، ورواه أبو الشيخ عن أبي الدرداء ) الشيء الذي يلفت النظر أنه كما أن الأنصاري سخي المهاجر عفيف، ما قبل أن يأخذ شيئاً، عرض عليه بيتاً، ودكاناً، وبستاناً، قال له: بارك الله لك بمالك دلني على السوق، تاجر وربح الإقط والسمن، ثم تاجر فتزوج، فلما رآه النبي عليه أثر صفرة قال له: ما الأمر ؟ قال: تزوجت يا رسول الله، قال: كم سقت إليها ؟ ما المهر ؟ قال: نواة من ذهب، يعني بحجم نواة ذهباً، أو وزن نواة من الذهب، قال: أَوْ لِم ولو بشاة، لذلك من السنة أن يكون في حفل عقد القران وليمة وطعام. 3 ـ مشاركة الأنصار مع المهاجرين في أشجار النخيل: ![]() الأنصار مثل آخر من أمثلة المؤاخاة: قالت الأنصار للنبي صلى الله عليه وسلم اقسم بيننا وبينهم النخل، الأنصار اقترحوا أن يكون نخل المدينة مشاركة مع إخوانهم المهاجرين، قالوا: لا، قال: تكفوننا المئونة، وتشاركوننا في التمر، الأنصاري عرض أن يتملك المهاجر نصف أشجار النخيل، قال: لا، نحن نعتني بهذه الأشجار بجهدنا، أعطونا بعض الثمار، ولتبق الأشجار لكم، أرأيتم إلى هذه العفة ؟! هذه مضاربة، وهذه أفضل شركة في الإسلام، والنبي عليه الصلاة والسلام أول مضارب في الإسلام، هو بجهده والسيدة خديجة بمالها، ولعل أمانته، وعفته كانت سبب زواجه منها. قالوا: تكفوننا المئونة، أي تعتنون بهذه الأشجار، وتشاركوننا في التمر، قالوا: سمعنا وأطعنا، وهذا يشبه شركات المضاربة اليوم، العامل بعمله، والمالك بماله، وكان حمزة بن عبد المطلب، وزيد بن حارثة أخوين، وإليه أوصى حمزة يوم أحد حين حضره القتال، نزل أبو بكر الصديق في المدينة على خارجة بن يزيد، ابن أبي زهير، وتزوج ابنته حبيبة، ولم يزل في بني حارث ابن الخزرج بالصلح حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر الصديق وخارجة بن زيد أخوين. أنا أتمنى أن تترجم هذه الحقائق إلى سلوك عندكم، إلى مؤاخاة، تعلمنا شيئا جديدا، الذي معه مال، ولم يحسن استثماره ليؤاخ إنساناً خبيراً ليس معه مال، الغني يؤاخي الفقير، والقوي يؤاخي الضعيف، وصاحب الحرفة يؤاخي إنسانا لا يتقن هذه الحرفة، وبهذا تتكامل حياة المسلمين. شكر المهاجرين واعترافهم بفضل الأنصار عليهم: ![]() قال المهاجرون لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، ما رأينا مثل قومك، قدمنا عليهم أحسن مواساة في قليل، ولا أحسن بذلاً في كثير، كفونا الموءنة وأشركونا في المهنة، أي في الخدمة، حتى لقد خشينا أن يذهبوا بالأجر كله، هم تكفلوا بالعناية بالشجر، وأعطونا نصف الثمر، قال: حتى خشينا أن يذهبوا بالأجر كله، فقال: لا ما أثنيتم عليهم، ودعوتم له، أي إن ثناءكم عليهم، ودعاءكم لهم حصل منك به نوع من المكافأة. لذلك قال عليه الصلاة والسلام: (( من أسدى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تستطيعوا فادعوا له حتى تعلموا أنكم قد كافأتموه )) ( أخرجه أبو داود والنسائي من حديث ابن عمر) الأصل أن إنساناً قدم لك خدمة، الكمال يقتضي أن ترد عليه بخدمة مثلها، قدم لك هدية، الكمال يقتضي أن ترد عليه بهدية مثلها، لكن إذا كان هو غنياً، وأنت فقير ، وأكرمك إكراماً كبيراً، ولا تملك أن تكافئه قل له: جزاك الله خيراً. ثناء الله على المهاجرين والأنصار وروابطه الوثيقة: لقد أثنى الله جل جلاله على المهاجرين والأنصار على هذه الروابط الطيبة التي بينهم، وبيّن فضل بعضهم على بعض ومكانتهم عند الله فقال: ﴿ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ ( سورة الحشر ). لذلك قال عليه الصلاة والسلام: (( الأَنْصَارِ: لاَ يُحِبّهُمْ إِلاّ مُؤْمِنٌ وَلاَ يُبْغِضُهُمْ إلاّ مُنَافِقٌ. مَنْ أَحَبّهُمْ فَأَحَبّهُ اللّهُ وَمَنْ أَبْغَضَهُمُ فَأَبْغَضَهُ اللّهُ )) ( متفق عليه ) والحمد لله رب العالمين |
|
|
|
#46 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : المؤاخاة مع المودةفقة السيرة النبوية الدرس : ( السادس و الاربعون ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. السنة النبوية أقوال وأفعال وإقرار: أيها الإخوة، مع درس جديد من دروس فقه السيرة النبوية، وأحب أن أذكركم تكراراً أن السّنة النبوية هي أقوال النبي، وأن السّنة النبوية هي أفعال النبي، أقواله سُنة وأفعاله سُنة، وإقراره سُنة، إذا تكلم أحد أمامه كلمة وسكت النبي فهي صحيحةً. إذاً أقواله، وأفعاله، وإقراره، أقواله في درس الحديث الشريف، أما أفعاله في درس السيرة النبوية. أفعال النبي تجسيد لكلام الله: المثالية الواقعية: وأذكر مرة ثانية أن أفعاله أصدق في التعبير عن فهمه لكلام الله من أقواله، لأن أفعاله حدية، أما أقواله فتحتمل التأويل، فلذلك قال تعالى: ﴿ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾ ( سورة الحشر الآية: 7 ). هناك نقطة دقيقة جداً، هي أن الأحداث التي وقعت في عهد النبي لم تكن أحداثا عادية، إنما هي مقصودة لذاتها، يأتي حدث فيقف النبي منه الموقف الكامل، موقفه تشريع ، هو شرع بأقواله، وشرع بأفعاله، بل إن أفعاله فيها مغزى، أنها تعبر عن حقيقة مع البرهان عليها، ذلك لأن هناك تهمة لمن يرشد الناس، يقول الذي يستمع إليك: هذا كلام مثالي، هذا كلام غير واقعي، لا يطبق، يصعب تطبيقه، ما كل أوامر الدين صالحة للتطبيق في آخر الزمان، هذا إن كانت أقواله، أما إن كانت أفعالا ففعل النبي ينطلق من حقيقة يؤكدها النبي بفعله، لكن الفعل جعل المثالية واقعاً، لذلك الدعاة مهمتهم أن يجعلوا الواقع مثالياً، وأن يعبروا عن مثالية واقعة، أن يعبروا عن مثالية قابلة للتطبيق. مثلا: قد تقرأ عن أبي حنيفة النعمان ـ رحمه الله تعالى ـ أنه صلى أربعين عاماً الفجر بوضوء العشاء، هذه مثالية غير واقعية، هل تستطيع أن تبقى يومين بلا نوم ؟ يختل توازنك، أما النبي عليه الصلاة والسلام فقال: (( أشدكم خشية لله أنا، أنام وأقوم، أصوم وأفطر، أتزوج النساء، آكل اللحم هذه سنتي فمن رغب عنها فليس من أمتي )) ( البخاري عن عائشة ) أنا مع كامل التعظيم لأبي حنيفة النعمان، قد يكون هذا القول غير صحيح، لأنه خلاف الفطرة، النوم أساسي في حياتنا، لا تأتني بدين لا يصلح للتطبيق، أعطني منهجاً واقعياً، يمكنني أن أتزوج، وأن أسس عملا، وأن أربح، وأن أُنجب أولادا، أن أكون في أعلى درجة القرب من الله، هذا المنهج. لذلك اسمعوا هذه الكلمة: لما ضعف الاتصال بالله ظهر التصوف، كتعبير عن ضعف الاتصال بالله، ولما ضعف الانضباط العلمي ظهر المتشددون في النصوص، ولما ضعفت دنيانا، وأصبحنا في مؤخرة الأمم ظهرت العلمانية، فهذه الاتجاهات الثلاثة ظهرت لعدم تطبيق منهج الله تطبيقاً متوازناً كاملاً. إذاً: قد يقول أحدكم: أنا أحضر درس سيرة وقعت قبل 1400 عام، هذه الأحداث التي وقعت أحداث نموذجية، كانت مقصودة من قِبل الله عز وجل، وقد وقف النبي صلى الله عليه وسلم منها الموقف الكامل، فكان موقفه تشريعاً. مثلا: سيدنا عمر أراد أن يهاجر، وقف أمام المشركين في النهار، جهرة، ونهاراً وإعلاناً، وقال: " من أراد أن تثكله أمه فليحق بي إلى هذا الوادي "، وهاجر جهاراً عياناً نهاراً على جميع الخلق، يأتي سيد الخلق، وحبيب الحق، وسيد ولد آدم يهاجر مع أبي بكر سراً، باتجاه الساحل، باتجاه معاكس للمدينة، يقبع في غار ثور أياماً ثلاثة ليخف عليه الطلب، أيهما أشجع ؟ قد يقول قائل لا يعرف حقيقة النبوة: عمر، لأنه هاجر متحدياً جهاراً نهاراً، أما المتعمق في الدين فيقول: الأشجع رسول الله.. سيدنا رسول الله كان الصحابة الكرام إذا حمي الوطيس كانوا يلوذون برسول الله، ولكن النبي عليه الصلاة والسلام مشرع، أما سيدنا عمر فيمثل نفسه فقط، سيدنا رسول الله لو هاجر كعمر لعد اقتحام الأخطار واجباً، ولعد أخذ الحيطة حراماً، لهلكت أمته من بعده ، النبي مشرع، أما سيدنا عمر فيمثل نفسه فقط. لذلك أن يقول أبو حنيفة لا أدري ما إذا هذا قاله أم لم يقله، لكن ورد عنه، ولا أدري إن كان هذا واقعاً أو ليس بواقع، على كلٍ ليس في طاقة البشر أن يصلي أربعين عاماً بوضوء العشاء، فوق طاقتهم، قيام الليل وارد، أما أن لا ينام إطلاقاً فلا. إذاً النبي عليه الصلاة والسلام في سيرته مشرع، وسيرته حدية، أي أصدق بالتعبير عن فهمه لكتاب الله من أقواله، لأن أقواله تحتمل التأويل، أما أفعاله فلا تحتمل شيئاً. قصة النبي عليه الصلاة والسلام مع أهل الطائف: لذلك حينما كان عليه الصلاة والسلام في الطائف، وانتظر منهم أن يؤمنوا به، وأن يحموه، وقد أخرجته قريش، كيف استقبلوه ؟ بالتكذيب، بالسخرية، بل أغروا صبيانهم بإيذائه، حتى سال الدم من قدمه الشريفة، الآن دققوا، ماذا قال: قال: (( اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس )) (أخرجه الطبراني في الكبير عن عبد الله بن جعفر ) الآن الناس أليسوا هينين على بقية الأمم والشعوب ؟ الله عز وجل قال: ﴿ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا ﴾ ( سورة الشورى الآية: 40 ). إذا أسيء إليهم بتوهمهم يكيلون الصاع ألف ضعف، نحن في أمسّ الحاجة إلى هذا الدعاء: (( اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا رب المستضعفين إلى من تكلني ؟ إلى صديق يتجهمني ؟ أم إلى عدو ملكته أمري ؟ إن لم تكن غضب علي فلا أبالي، ولك العتبى حتى ترضى، لكن عافيتك أوسع لي )) ما من دعاء يحتاجه المسلمون اليوم كهذا الدعاء: (( لكن عافيتك أوسع لي )) يعني يا رب، إذا كانت هذه الشدة، وذاك الإيذاء تعبيراً عن غضبك علي فأنا أستغفرك، وأتوب إليك، أما إن لم يكن هناك من علاقة بين هذه الشدة، وبين غضبك فأنا راضٍ عنك يا رب، هذا الموقف، لكن شدة ما بعدها شدة. تصور إنسانا في أعلى مقام، بأعلى درجة من الكمال، بأشد الخلق صلة بالله عز وجل، يُهان، يُكذب، يُسخر منه، يُضرب، تعليق: الإسراء والمعراج مكافأة بعد محنة الطائف: بعد هذا جاء الإسراء والمعراج، اسمعوا الآية: ﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا ﴾ ( سورة الإسراء الآية: 1 ). إذا كانت محفوظات الرجل لكتاب الله ضعيفة جداً، وما تمكن أن يتذكر تمام الآية يقول أغلب الظن: ﴿ إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ ( سورة الأحقاف ). لأنه أسرى به من مكة إلى بيت المقدس، ومن بيت المقدس إلى سدرة المنتهى، وفي الأعم الأغلب ﴿ إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾، الآية ليست كذلك: ﴿ إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ ( سورة الإسراء ). يعني يا محمد حينما وضع الله بين يديك إمكانية الانتقام، ملك الجبال قال له: يا محمد، أمرني ربي أن أكون طوع إرادتك، لو شئت لأطبقت عليهم الجبلين، كُذب، وسُخر منه وضُرب، ثم أتيح له أن ينهي وجودهم، قال: (( اللهم اهد قومي )) ( رواه عبد الله بن عبيد بن عمير مرسلا ) ما تخلى عن قومه، دعا لهم بالهدى، واعتذر عنهم: (( فإنهم لا يعلمون )) (رواه عبد الله بن عبيد بن عمير مرسلا ) ودعا لهم أن تكون ذريتهم صالحة، لعل الله يخرج من أصلابهم من يوحده، هذه المحنة جاءت وراءها منحة، أنت يا محمد سيد ولد آدم. ﴿ عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى ﴾ ( سورة النجم ). بلغ درجة ما بلغها مخلوق في الكون. ﴿ عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى ﴾ ( سورة النجم ). ﴿ أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى ﴾ ( سورة النجم ). هذا العطاء ﴿ إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ يعني سمعنا دعاءك يا محمد في الطائف، وهذه المكافأة، هذه مكافأة السماء عن جفوة الأرض، هذه مكافأة ربك الذي دعوت إليه خالصاً عن تكذيب الناس. مِن دروس الإسراء والمعراج: 1 ـ كل محنة المؤمن المستقيم وراءها منحة: لذلك هناك درس يستنبط من الإسراء والمعراج، الدرس أن كل محنة للمؤمن يأتي بعدها منحة من الله. ﴿ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ ( سورة البقرة ). كل محنة وراءها منحة، لكن لا بد من التحفظ: إذا أكل الجل مالا حراما، أو اعتدى على أعراض المسلمين، أو غشهم، فجاء عقاب إلهي، هذا الكلام الذي أقوله الآن لا ينطبق على هذه الحالة، هذه الشدة التي أصابتهم عقاب من الله، وليست ابتلاء، أنا أقول: لمؤمن مستقيم جاءته شدة، مستقيم، مصلٍّ، صائم، عابد، مطيع، له أعمال صالحة، هذا المؤمن إذا أصابته شدة، وليس في حياته مخالفة تسـتأهل العقاب نقول: هذه المحنة وراءها منحة، وهذه الشِدة وراءها شَدة إلى الله عز وجل، لذلك للمؤمن المستقيم كل محنة وراءها منحة، وكل شِدة وراءها شَدة إلى الله عز وجل، بعد الطائف عرف النبي أنه ولد سيد آدم، الأنبياء جميعاً في بيت المقدس اِئتموا به، إذاً هو سيد الأنبياء والمرسلين، بل هو سيد ولد آدم، بل هو أفضل الخلق، وحبيب الحق، بل الله عز وجل أقسم بعمره الثمين، فقال: ﴿ لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ ( سورة الحجر ). بل إن الله عز وجل ما ناداه باسمه أبداً، في حين أنه نادى أنبياءه بأسمائهم. ﴿ يَا يَحْيَى ﴾ ( سورة مريم الآية: 12 ). ﴿ يَا زَكَرِيَّا ﴾ ( سورة مريم الآية: 7 ). ﴿ يَا عِيسَى ﴾ ( سورة آل عمران الآية: 55 ). ليس في القرآن كله يا محمد، في: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ ﴾ ( سورة التحريم الآية: 9 ). ﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ ﴾ ( سورة المائدة الآية: 41 ). تكريماً له. أيها الإخوة، إذاً الإسراء والمعراج يعطي المسلمين هذا الدرس، إن كنا في شدة فلعل بعد هذه الشِدة شَدة إلى الله، إن كنا في محنة فلعل بعد هذه المحنة منحة من الله، ﴿ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ إسقاط على واقع المسلمين اليوم: لو أسقطنا هذه المعاني على ما يعانيه المسلمون اليوم من محن ومصائب في أفغانستان، في العراق، في لبنان، في فلسطين، هذه شِدة، والله عز وجل يقول: ﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ ( سورة السجدة ). لكن الذين شردوا عن الله عز وجل شروداً كاملاً، وليس فيهم ذرة خير قال عنهم: ﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ﴾ ( سورة الأنعام ). ملاحظات حول عقد الإخاء: عندنا ملاحظات حول عقد الإخاء الذي تحدثنا عنه في الدرس الماضي. 1 ـ عدد المهاجرين والأنصار الذين آخى بينهم الرسول عليه الصلاة والسلام: إن عقد المؤاخاة اشتمل على 45 رجلاً من المهاجرين، و45 من الأنصار، تصور 90 رجلا، والمسلمون اليوم مليار و500 مليون. ﴿ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ ﴾ ( سورة إبراهيم ). أنت قد لا تعلم الخير الكثير الذي ينتج عن دعوتك إلى الله، قد لا تعلم، وأنت ضعيف، لكن الله عز وجل يمكن أن يجري على يديك من الأعمال الصالحة ما لم يوصف. للتقريب: أحد الإخوة الكرام عنده بنت في البيت فاعتنى بها، اعتنى بدينها، بصلاتها بإيمانها، بأخلاقها، حتى زوجها من شاب مؤمن، هذه الأسرة أنجبت أولاداً نشؤوا في طاعة الله، نشؤوا في بيت مسلم، من يدريك أيها الأخ أن هذا الذي توجه إلى الله، وتزوج امرأة صالحة، وأنجب أولاداً صالحين أن هذا يوم القيامة يرى من نسله مليون إنسان مؤمن، وكل أعمالهم في صحيفته ؟ والدليل: ﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ ﴾ ( سورة الطور ). 45 رجلا نتج عنهم مجتمع من مليار و500 مليون، هذا الذي وصل بالإسلام إلى الصين، كل من أسلم في هذا البلد في صحيفته، والذي وصل بالإسلام إلى الغرب وشمالي إفريقيا. والله مرة سافرت إلى اسطنبول، دخلت معهدا شرعيا، أقسم بذات الله أنني في دمشق توافق المسلمين مع بعضهم عجيب، إخواننا باسطنبول المؤمنون طلاب العلم الشرعي من جبلتنا، من مبادئنا، من قيمنا، من أخلاقنا، من أهدافنا، المسلمون وحدة. لذلك كل ما عملت عملاً كهذا العمل في صحيفتك، هذا على موضوع أن الـ45 بـ 45 أصبحوا مليار و500 مليون. ثم ينبغي أن نعلم أنه لن تقتصر المؤاخاة على مهاجرين قريش وعلى عقد المؤاخاة في دار أنس فقط، إنما ستستمر بين في كل مسلم كانت له أسبقية في العلم ز 2 ـ من كمال المؤاخاة أن لا تكون بين متماثلين : في الدرس الماضي بينت لكم أن المؤاخاة من كمالها لا أن تكون بين متماثلين، أن تكون بين إنسان له أسبقية، إنسان حديث، فالذي له أسبقية يعلم المبتدئ، وقد تكون بين غني وفقير، فالغني يرعى الفقير، وبين قوي وضعيف، وبين صحيح ومريض، وبين متزوج وشاب على طريق الزواج، يعطيه خبراته، افعل، لا تفعل، إياك أن تقول هذه الكلمة، عامل أهل زوجتك هكذا. فلذلك المؤاخاة ليست مجرد لقاء اثنين، بل التعاون بين اثنين، فإذا كان هناك تفاوت بينهما كان هذا التعاون مثمرا، هكذا تخطيط النبي عليه الصلاة والسلام. كان عليه الصلاة والسلام إذا أسلم رجل يقول لأصحابه: خذوا أخاكم، فقد أسلم، فعلموه الإسلام. 3 ـ المؤاخاة في الإسلام مدرسة تربوية: أيها الإخوة، المؤاخاة في الإسلام مدرسة تربوية، وعهد دائم يلتزم به المسلم مدى الزمن، وتفقد بعضهم بعضاً، وما من شيء أحب إلى الإنسان من أخ في الله، الأخ في الله غالٍ جداً، الأخ في الله نوع متميز، يأخذ بيدك، وتأخذ بيده، ينصحك وتنصحه، يعاونك وتعاونه، يقرضك وتقرضه، يخدمك وتخدمه، من هنا قال عليه الصلاة والسلام فيما يرويه عن ربه: (( حقت محبتي للمتحابين فيّ، وحقت محبتي للمتواصلين فيّ، وحقت محبتي للمتناصحين فيّ، وحقت محبتي للمتزاورين فيّ، وحقت محبتي للمتباذلين فيّ، المتحابون فيّ، على منابر من نور يغبطهم بمكانهم النبيون ـ يوم القيامة ـ والصديقون والشهداء )) ( أخرجه أحمد، والطبراني، والحاكم، عن عبادة بن الصامت ) 4 ـ حاجة المسلمين اليوم إلى الحب في الله: ونحن أيها الإخوة، كمسلمين بحاجة إلى المحبة، مع مضي الأزمان قسا القلب، صار فينا خصومات، ومهاترات، وتراشق تهم، وعلاقات غير طيبة، لذلك: ﴿ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ﴾ ( سورة الأنفال الآية: 46 ). نحن بحاجة إلى أن نحب. أيها الإخوة، ماذا أقول لكم ؟: صحابيان صليا العشاء معاً في مسجد النبي عليه الصلاة والسلام، وخرجا معاً إلى البيت، عند افتراقهما تعانقا، التقيا في الفجر، سبع ساعات، أربع ساعات، خمس ساعات، فتعانقا، وقال الأول للآخر: وا شوقاه يا أخي، ما هذه المحبة ؟! البارحة الساعة العاشرة كنت معه، صباحاً الساعة الثالثة والنصف تقول له: وا شوقاه يا أخي ؟! هذا الإسلام، هذا الحب، الإسلام محبة، الإسلام تواضع، الإسلام تضحية، الإسلام إيثار، حتى يحبا الله. فلذلك الذي لا يشعر بحاجة ماسة إلى أن يُحِب، أو إلى أن يُحَب ليس من بني البشر، الحب يشبه وردة طبيعية فواحة الرائحة، جميلة الألوان، والإسلام من دون حب وردة بلاستيك، لا طعم لها، إذا ألغي الحب من الدين الدين تصحر، وصار معلومات وأدلة، وأفكارا، الإنسان بعد هذا يمل منها، الأفكار نفسها، أما إذا كان هناك حب فهناك طاقة. والله أيها الإخوة، أحياناً يجلس مؤمن مع أخ عشر ساعات لا يشعرون بالوقت، والله الذي لا إله إلا هو مرة سافرت إلى بلد في الشمال لي أخوة كُثر فيه، والله الذي لا إله هو بدأت الحديث الساعة الخامسة مساء، أول مرة نظرت إلى الساعة، فإذا هي الساعة الواحدة ليلاً، ما شعرت بالوقت، لوجود المحبة، والمودة، والتناصح، والإقبال، نحن حياتنا متصحرة، حسد، غيرة، ليس هناك هذا الحب بيننا، هذا من أسباب ضعفنا. مرة عليه الصلاة والسلام كان في غزوة، وسأل عن صحابي واحد، فقيل له: يا رسول الله، شغله بستانه عن أن يجاهد معك، كان ثمة صحابي وفيّ لذاك الصحابي، قال له: لا والله يا رسول الله، لقد تخلف عنك أناس ما نحن بأشد حباً لك منهم، ولو علموا بأنك تلقى عدواً ما تخلفوا عنك، فابتسم النبي حتى ظهرت نواجذه، ابتسم لهذا الحب بين الأخوين. يجب أن تدافع عن أخيك، يجب أن تخبره من حين لآخر: أين أنت ؟ اشتقنا لك، نحن قلقون عليك، الصحة طيبة إن شاء الله، تنعشه بهذا الاتصال. التطبيق العملي للمؤاخاة: أنا أريد لهذا الدرس أن يترجم إلى واقع، كيف آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين أصحابه، ينبغي أن يأخذ الواحد منكم أخاً لله، خذ اسمه، وهاتفه، وعنوانه، وعمله، الدرس الثاني الاثنين ما جاء، أخبره، كم تكلفك هذه ؟ لا شيء، أحياناً يأتي إنسان إلى الدرس متأخر جداً، يدرك مع الشيخ صلاة العشاء، ما سمع ولا كلمة، يقول لك: والله انتعشت بهذه الصلاة، هذا معنى: الجماعة رحمة، والفرقة عذاب. (( عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة، فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد )) (أخرجه أحمد في مسنده والترمذي والحاكم في المستدرك عن عمر ) (( وإنما يأكل الذئب القاصية )) (أخرجه أحمد، وأبو داود والنسائي، وابن حبان، والحاكم في المستدرك عن أبي الدرداء ) اتخذ لك أخاً في الله، هذه نصيحتي تطبيقاً لهذا الدرس، كيف آخى النبي الكريم بين المهاجرين والأنصار، أنت اختر أخا، تستطيع أن تعاونه، أو يعاونك، لذلك قال عليه الصلاة والسلام: (( مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ ، مَثَلُ الْجَسَدِ. إِذَا اشْتَكَىَ مِنْهُ عُضْوٌ، تَدَاعَىَ لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسّهَرِ وَالْحُمّىَ )) (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ) (( مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادّهِمْ )) مودة، ابتسامة، وجه طلق، مصافحة، دعوة، ضيافة، بذل، هدية، هذا كله مودة، الهدية مودة، والدعوة مودة، والنصيحة مودة، والمعاونة مودة. والله مرة أحد إخوتنا الكرام اشترى بيتا، فكلما جاء بالأثاث أحد جيرانه ينطلق لمعاونته، يعاونه بحمل الأثاث، يأتيه بضيافة بعد إيصال الأثاث إلى البيت، قال لي: والله أنا لا أعرفه، من حضرتك ؟ من أنت ؟ قال له: أنا بالجامع الفلاني، في جامعنا، هذا الأخ ما سبب انطلاقه إلى الدين ؟ قال له: أنا لي قريب في هذا المسجد، دعاني لحضور دروس مرات عديدة، قال له: أريد ألا أحضر، لكن من كثرة ما ضغط عليّ سايرته مرة، وذهبت معه إلى الدرس، فانتهى الدرس، الأخ القديم سلم عليّ، وقال لي: هذا ابن خالتي، هذا أول درس يحضره، أنا كلفتني العملية أن أصافحه بحرارة وبمودة، قلت له كلاما في تواضع: إن شاء الله الدرس أعجبك ؟ قال لي: أي والله الدرس جميل جداً، قلت لقريبه: عين على ابن خالتك، صافحته بمودة بالغة، هو فقير جداً، لما وجد هذه المودة والمصافحة حارة، وسألته عن الدرس، ووصيت فيه ابن خالته أقسم بالله أنه أتى للدرس مودة واحدة حتى يُسكت ابن خالته، فإذا هو في هذا الدرس إلى الآن، وما تركه. آخِ أخاً لك في الله، اسأل عن صحته، عاونه، أقول لكم كلمة ثانية: أنا أعتقد أنك لا تُشد إلى الدين بسبب أفكار الدين، أفكاره رائعة، أفكاره عميقة، أفكاره متألقة، أفكاره دقيقة، أفكاره متناسبة، متسقة، أعطاك فكرة عن الكون والحياة والإنسان، لكن الذي شدك إلى الدين مجتمع المؤمنين بصفائهم، بصدقهم، بتواضعهم بخدمتهم، لذلك الجماعة رحمة، والفرقة عذاب. (( يد الله مع الجماعة )) ( أخرجه الترمذي عن ابن عباس ) (( عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة، فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد )) (( وإنما يأكل الذئب القاصية )) هذا الحديث أيها الإخوة أصل في العلاقات بين المؤمنين. (( مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ ، مَثَلُ الْجَسَدِ. إِذَا اشْتَكَىَ مِنْهُ عُضْوٌ، تَدَاعَىَ لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسّهَرِ وَالْحُمّىَ )) الإسلام دين اجتماعي :إخواننا الكرام، الإسلامي اجتماعي، الصلاة صلاة الجماعة تعدل صلاة الفرد بـ27 ضعفاً، الصيام جماعي، الحج جماعي، ديننا دين جماعي، والجماعة رحمة. مرة قرأت كلمة أعجبتني، الكلمة: لست وحدك في الحياة، أنت لست وحدك في الحياة، الواحد للمجموع، والمجموع لواحد. هناك أمثلة أيها الإخوة أمثلة كثير جداً، بعض الأمثلة: إنسان تزوج، ودخله محدود، وبحاجة إلى ألف حاجة، أصدقاءه وإخوانه في الله اجتمعوا وقرروا، وجمعوا مبالغ من المال جيدة، وأمّنوا له كل حاجاته الثانوية، يلزمه مروحة، يلزمه برادا، يلزمه غسالة، يلزمه غازا، أمّنوا له، كلما تزوج واحد منهم الكل يعاون بعضهم، هذا مجتمع التعاون، هذا مجتمع المؤمنين. فيا أيها الإخوة، لست وحدك في الحياة، حينما تنضوي مع مؤمنين صادقين الكل لك، وأنت للكل. تشريعات الإسلام جميعاً قائمة على بناء المجتمع الموحد المتماسك الصالح في بناء الأسرة، وحقوق كمل من الزوج والزوجة والأولاد وغير ذلك. الذي أتمناه عليكم أن ننطلق إلى تنفيذ هذه المؤاخاة، عندك أخ بالله، اثنان أحسن، ثلاثة أحسن، أربعة أحسن، كلما كان المؤمنون أكثر ولاءً، وتضحية، ومؤاثرة، وخدمة كانوا أقرب إلى الله عز وجل. وفي درس قادم إن شاء الله نتابع هذا الموضوع. والحمد لله رب العالمين |
|
|
|
#47 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع :الاتفاقية التى ارمها الرسول مع سكان المدينة فقة السيرة النبوية الدرس : ( السابع و الاربعون ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. أيها الإخوة الكرام ، مع درس جديد من دروس فقه السيرة النبوية، وقد وصلنا في الدرس السابق إلى المؤاخاة التي أحدثها النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار. وننتقل اليوم إلى فقرة ثانية من التنظيمات الإدارية التي نظمها النبي صلى الله عليه وسلم، فكانت القاعدة الصلبة للدولة الإسلامية. التركيبة الإجتماعية لسكان المدينة عند وصول النبي عليه الصلاة والسلام: ![]() كانت المدينة عشية وصول رسول الله صل الله عليه وسلم تشكل مزيجا إنسانيا متنوعاً من حيث الدين والعقيدة، ومن حيث الانتماء القبلي والعشائري، ومن حيث نمط المعيشة، ففيهم المهاجرون، وفيهم الأوس والخزرج، والوثنيون من الأوس والخزرج، واليهود من الأوس والخزرج، وقبائل اليهود الثلاثة بنو قينقاع، و بنو النظير و بنو قريضة، والأعراب الذين يساكنون أهل يثرب، والموالي والعبيد، والأحلاف، وكانت موارد رزقهم متنوعة بين العمل في التجارة والزراعة والصناعة، والرعي والصيد والاحتطاب، وكان توزعهم السكني قائما على هيئة قرى، أو آطام، أو حصون تحيط بها البساتين والأراضي المزروعة، يدخلون حصونهم بعد حلول الظلام، ويحرسون منازلهم خوف الغزو والغارة، وتبلغ عدد تجمعاتهم السكنية 59، ولكل عشيرة منهم زعامة تقوم على رعاية شؤونها، وضمان عيشها وأمنها، ولم تندمل بعد جراحات الأوس والخزرج التي خلفتها بينهم حرب بعاث، ويمكن وصف الحالة العامة في المدينة بأنها قائمة على تحكم النظام العشائري، وأعراف القبائل السائدة مع شيوع الجهل والأمية لدى معظم سكان يثرب، بينما كان أهل الكتاب أهل علم ودين، لكنهم يمارسون الربا واستغلال التجارة، ويعملون على إثارة النزاعات بين الأوس والخزرج ليتمكنوا من ضمان سيادتهم، ومصالحهم، وسلامتهم. النموذج الإداري والإجتماعي في الإطار الإسلامي في المدينة: 1 – الدستور الإسلامي يحدد مسار المسلمين وغير المسلمين: ولا شك في أن النموذج النبوي الذي بدأ النبي تطبيقه في المدينة يتوزع في مسارين متوافقين، أولهما يتعلق بالمسلمين الذين آمنوا بالله ورسوله، وانقادوا لشرع الله يعملون به ويطبقونه، وثانيهما يتعلق بالتآلف والتعايش السلمي بين المسلمين ومَن لم يعتنق الإسلام من الوثنيين من الأوس والخزرج وأهل الكتاب. وأعظم مهمة أنفذها النبي صلى الله عليه وسلم إقامة نظام عام، ودستور شامل لجميع ساكني المدينة بين المسلمين وبين سواهم من سكان المدينة. أيها الإخوة، هذا عرض تفصيلي لواقع المدينة قبل أن ينظم النبي صلى الله عليه وسلم هذا المجتمع، ليكون هذا المجتمع على شكل أمة، على شكل بنية، متماسكة تمهيداً لبناء دولة. 2 – المسلمون لهم حضارة إداريا وسياسيا واجتماعيا: أيها الإخوة، يظن الطرف الآخر أن المسلمين فيهم سذاجة، فيهم تخلف، سوف ترون الشيء الذي لا يصدق، كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم نظم هذا المجتمع تنظيماً يتوافق مع أعلى درجات المواطنة، ومع أعلى درجات الحقوق والواجبات. فلذلك التنظيم حضارة، والتنظيم دين، والتنظيم رقي، والله سبحانه وتعالى خلق هذا الكون وفق النظام الرائع، والإنسان خليفة الله في الأرض، وينبغي أن يقيم النظام الرائع في مجتمعه، وهذا دليل التفوق في الحياة. 3 – الإسلام حدّد المسؤولية الفردية للمسلم: ![]() التخلف في الدين يساوي الفوضى، التخلف في الدين يساوي التسيب. مثلاً: النبي عليه الصلاة والسلام يقول: (( مَنْ تَطَبّبَ وَلَمْ يُعْلَمْ مِنْهُ طِبّ فَهُوَ ضَامِن )) [ أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجة والحاكم عن ابن عمر ] فهو مسؤول، وسيحاسب، وكان عليه الصلاة والسلام يؤكد أن كل إنسان مسؤول عما أنيط به من عمل، وقد قال الله عز وجل: ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93)﴾ ( سورة الحجر ) وأي مجتمع لا يحاسب أفراده عن أخطائهم فهو مجتمع سائر في طريق الهلاك ، فلا بد مِن محاسبة دقيقة، ومفاهيم موحدة. 4 – الإسلام دين التعايش: ![]() شيء آخر، سوف ترون بعد قليل كيف أن التعايش بين الأطراف، والشرائح والأطياف، والانتماءات جزء من الدين، ما بال هؤلاء الجهلاء يرفضون الآخر، الآخر مقبول في المجتمع الإسلامي، بمعاهدة دقيقة جداً، فيها المهاجرون، والأوس والخزرج والوثنيون من الأوس والخزرج، واليهود من الأوس والخزرج، القبائل اليهودية، بنو النظير وبنو القينقاع، كيف جمعت هذه الوثيقة هذه الأطراف المتنوعة، والمتباعدة ؟ إنّ مفهوم المواطنة أصيل في الدين، ومفهوم قبول الآخر أصيل في الدين، مفهوم التعايش بين الفئات المتعددة أصيل في الدين، وهذه النغمة التي نسمعها من حين إلى آخر أن المسلم لا يقبل الآخر هذه افتراء من أعداء الدين، سيد الخلق وحبيب الحق، سيد ولد آدم، النبي المرسل، خاتم الأنبياء والمرسلين، حبيب رب العالمين، بحياته، وبوجوده، وبتوجيهه، وبتنظيمه أجرى معاهدة ضمت قريشاً، وبني عوف، وبني الحارث من الخزرج، وبني ساعدة، وبني جشم، وبنو النجار، وبني عمرو بن عوف، وبني النبيت، وبني الأوس، هؤلاء طوائف واتجاهات، وألوان، وشرائح، وأطياف، وكلهم ضمتهم معاهدة فيها توضيح شديد للحقوق والواجبات، ما لنا وما علينا، فما بال المسلمين اليوم لا يقبلون الطرف الآخر ؟ هذا من الدين. تحليل بنود معاهدة النبي في المدينة: دراسة واستخلاص: التحليل الأول: مفهوم الأُمّة الواحدة: ![]() أيها الإخوة، بنود الاتفاقية طويلة جداً، قبل أن نأخذ بعض بنودها أعطيكم عنها دراسة، البند الأول في هذه الدراسة، أن هذه الاتفاقية، وأن تلك المعاهدة جعلت جميع القاطنين في يثرب من مهاجرين، ويثربيّن، ومَن تبعهم، وجاهد معهم أمة واحدة، وفي ذلك بعْد آني لمن يقطن يثرب، وبعدٌ مستقبلي لمعنى الأمة حيث تضمن هؤلاء جميعاً، ومن يلحق بهم، ويجاهد معهم. إن أول مفهوم للأمة ظهر في المدينة، أما في مكة فقال تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ ( سورة النساء الآية: 77 ) منع النبي الرد على كل استفزاز، بل على كل تحرش، بل على كل جريمة، لأنه بمكة أراد أن يبني الإيمان، ولأن في كل بيت عنصرا مسلما، وعنصرا مشركا، فإذا قاوم في مكة نشبت حرب أهلية، وهذا مما كان عليه الصلاة والسلام يحرص على الابتعاد عنه، لذلك ورد في قوله تعالى: ﴿ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ ( سورة الأنعام الآية: 65 ) هذه الصواعق، وحديثاً الصواريخ. ﴿ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ ( سورة الأنعام الآية: 65 ) هذه الزلازل وحديثاً الألغام. ﴿ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ ( سورة الأنعام الآية: 65 ) هذه الحرب الأهلية، ﴿ وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ﴾ ![]() إذاً: كان عليه الصلاة والسلام أشد الناس بعداً عن الحرب الأهلية، ففي مكة جاء التوجيه القرآني: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ ﴾ ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ ( سورة النساء الآية: 77 ) إذاً: لا بد من مرحلة إعدادية يُعد فيه المؤمن إعداداً إيمانياً قوياً، بل يعد المؤمن نفسه إعداداً إيمانياً قوياً، لكن بعد حين لا بد من كيان إسلامي، لا بد من شخصية إسلامية لا بد من كلمة إسلامية، لا بد من موقف إسلامي، لا بد من رد إسلامي، لا بد من تحليل إسلامي، لا بد من حركة إسلامية، هذا كان في المدينة، النبي عليه الصلاة والسلام أقام أسس الدولة الإسلامية في المدينة، قبِل الواقع، واحتواه، واستوعبه، وفهِم الخصوصيات والمتغيّرات، هو وأصحابه بند، وهناك بنود كثيرة، طوائف، وقبائل، وعشائر، وأديان اليهود، الوثنيون، المسلمون. إذاً أول خصيصة لهذه الوثيقة أنها جعلت جميع القاطنين في يثرب من مهاجرين ويثربين، ومن تبعهم، ومن جاهد معهم، أمة واحدة، وفي ذلك بعد آني لمن يقطن بيثرب وبعد مستقبلي لمعنى الأمة التي تضمن هؤلاء جميعاً، ومن يلحق يهم ويجاهد معهم. التحليل الثاني: الاعتراف بخصوصيات القبائل والعشائر والطوائف: التحليل الثاني لهذه الوثيقة: اعترفت هذه الوثيقة، وتلك المعاهدة بالحال الخاص لكل فئة من السكان، كل فئة لها خصوصياتها، بل كل فئة لها تركيبها، هذا الاعتراف بخصوصية كل مجتمع ذكاء وحنكة وحكمة. من مكلات العصر الحديث: عدم الإعتراف بالطرف الأخر: الآن مشكلتنا مع الطرف الآخر أنه لا يعترف بخصوصيات الشعوب، يريد العولمة، يريد أن يطبق نظامه، وقيمه، وإباحيته وانحلاله الخلقي على جميع الشعوب بالقوة، وما هذه الحروب التي ترونها إلا صورة من صور هذا القهر، يريد الطرف الآخر أن يعمم ثقافته على كل الشعوب، الطرف الآخر يتجاهل قيمها، مبادئها، ثقافتها، دينها. إنّ من سمات آخر الزمان ظهور الأعور الدجال، ومع الاحتفاظ بالمعنى الأصولي لهذا المصطلح هناك نموذج معاصر هو أعور، أعور يرى ثقافته، ولا يقبل ثقافة الآخرين، يرى مصالحه، ولا يعترف بمصالح الآخرين، يرى كرامته، ويجرح كرامة الآخرين، يهدم بلداً عن آخره من أجل أسيرين، يعتقل عشرة آلاف أسير، ونخبة من علية القوم من الوزراء، والنواب في المجلس التشريعي من أجل أسيرين، أليس هذا بين أيديكم ؟ من هو الأعور ؟ الذي يرى بعين واحد، يرى كرامته، ولا يرى كرامة الآخرين يرى ثقافته ويقدسها، ولا يقبل ثقافة الآخرين، يرى مصالحه، ويتجاهل مصالح الآخرين ![]() هذا هو الأعور، الصفة الثانية أنه دجال، يكذب، يدخل جندي إلى بيت في العراق مع شلة من زملائه فيغتصبون الفتاة، ويقتلونها، ويقتلون أباها وأمها وأخاها، ثم يحرقون البيت، هذا من أجل الحرية والديمقراطية، أرأيت إلى دجلٍ فوق هذا الدجل ؟! تهدم البلاد، تنهب الثروات، يقهر البشر، تثار الفتن الطائفية تحت اسم الحرية والديمقراطية، الأعور الدجال وصفُ جامعٌ مانع لإنسان آخر الزمان القوي. ذكرت لكم من قبل أيها الإخوة كيف أن الله سبحانه وتعالى وصف قوم عاد انها طغت في البلاد، لم يقل: طغت في بلدها، طغت في البلاد، في جميع البلاد. ﴿ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12)﴾ ( سورة الفجر ) أسلحتهم الفتاكة تقصف، وأفلامهم تفسد، طغيان وفساد، مع غطرسة لا تحتمل. ﴿ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ ( سورة فصلت الآية: 15 ) مع تفوق مذهل في العماران. ﴿ أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آَيَةً تَعْبَثُونَ (128) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (129)﴾ ( سورة الشعراء ) تفوق عسكري: ﴿ وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (130)﴾ ( سورة الشعراء ) تفوق علمي: ﴿ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (38)﴾ ( سورة العنكبوت ) غطرسة لا تحتمل: ﴿ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ﴾ ماذا فعلوا أيضاً ؟ فعلوا أنهم: ﴿ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12)﴾ ( سورة الفجر ) وما أهلك الله قوماً إلا ذكر أنه أهلك من هو أشد منهم قوة، إلا عاداً حينما أهلكها فقال: ﴿ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ ( سورة فصلت الآية: 51 ) ما مصيرها ؟ مصير هؤلاء القوم الطغاة الجبارين أن الله أهلكهم: ﴿ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (6) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (7)﴾ ( سورة الحاقة ) هذا الشرح فيه إشارة قرآنية إلى أن قوم عاد قوم طاغون كنموذج، ولهم أمثال في كل عصر، والدليل قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً الْأُولَى (50)﴾ ( سورة النجم ) ما معنى عاداً الأولى ؟ أي أن هناك عاداً ثانية. ﴿ وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى (51)﴾ ( سورة النجم ) إذاً أيها الإخوة، الشيء الدقيق أن وثيقة النبي عليه الصلاة والسلام، وأن الاتفاقية والعهد الذي بين المسلمين، وبين بقية الأطراف، فيها اعتراف بخصوصيات كل فئة اعتراف بزعامتها، اعتراف بمشكلاتها، اعتراف بأعرافها، بتقاليدها، وبعقائدها الدينية هذا المفهوم الحضاري، أنت مسلم لك عقيدتك، ولك عبادتك، ولك منهجك، ولك قيمك، ولك أهدافك، لكن إذا وجدت في بلد فيه أناس من غير دينك ينبغي أن تسالمهم، وأن تتقاسم معه الغنائم، وأن تعرف خصوصياتهم، وأن تعرف مشاعرهم، وهذا ما فعله النبي عليه الصلاة والسلام. التحليل الثالث: التعاون العام بين المسلمين: ![]() التحليل الثالث لهذه الوثيقة: يتعاون المؤمنون في معاونة الذين تعرضوا لوضع مالي شديد من افتقار، أو كثرة عيال، ولعل ذلك يشبه صندوق تكافل لجميع الأهالي، وخاصة في الفدية، فهؤلاء الفقراء قنابل موقوتة، فإن لم تنتبه إلى حاجتهم، وإلى مشكلتهم وإلى مأساتهم، وإلى فقرهم، وتجاهلتهم، كان هناك خلل في المجتمع يسهم في انهياره، وقد قال سيدنا علي: (( كاد الفقر أن يكون كفراً )) ويقول عليه الصلاة والسلام: (( إنما تنصرون بضعفائكم )) [ أخرجه أحمد و مسلم وابن حبان والحاكم عن أبي الدرداء ] الضعفاء هم الذين إذا نصرناهم تتماسك طبقات المجتمع، فهذا الضعيف إن كان فقيراً فينبغي أن تطعمه، وإن كان مريضاً فينبغي أن تعالجه، وإن كان مشرداً فينبغي أن تؤويه، وإن كان جاهلاً فينبغي أن تعلمه، وإن كان مظلوماً فينبغي أن تنصفه، إذا نصرت الضعيف تماسك المجتمع، وأصبح سداً منيعاً لا يمكن اختراقه. التحليل الرابع: منع حدوث تجاوزات في روابط الولاء: ![]() منع حدوث تجاوزات في روابط الولاء للحفاظ على الثقة والتعاون بين الجميع، فلا تجاوزات، وكل إنسان ينبغي أن يلزم حده، وأن يقف عنده، وهناك قوانين تنتظم جميع الفئات، لذلك: (( إنّمَا أَهْلَكَ الّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ أَنّهُمْ كَانُوا إذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشّرِيفُ تَرَكُوهُ. وإذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الحَدّ. وأيْمُ الله، لَوْ أنّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا )) [ متفق عليه ] ما لم يقم في المجتمع قواعد صارمة يلتزم بها جميع فئاته فلن ينهض المجتمع. امرأة سرقت فكان الحكم قطع يدها، وهي من بني مخزوم، فجاء حِبُّ رسول الله أسامة بن زيد يشفع لها، فغضب النبي أشد الغضب، وقال: وبحك يا أسامة أتشفع في حد من حدود الله ؟ (( إنّمَا أَهْلَكَ الّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ أَنّهُمْ كَانُوا إذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشّرِيفُ تَرَكُوهُ. وإذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الحَدّ. وأيْمُ الله لَوْ أنّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا )) أن يأتي إنسان من أعلى أرومة من قريش من وجهاء قريش، وفي ساعة غضب دون أن يشعر وجه كلمة قاسية لسيدنا بلال، فقال لك: يا ابن السوداء، فقال عليه الصلاة والسلام وقد غضب غضباً لا يوصف، قال له: (( يا ذَرّ إِنّكَ امْرُوء فِيكَ جَاهِلِية )) فما كان من أبي ذر إلا أن وضع رأسه على الأرض وشدد على بلال أن يطأ رأسه بقدمه. أما سيدنا الصديق فحينما رأى بلالاً يعذبه سيده صفوان، اشتراه منه، فقال له صفوان: والله لو دفعت به درهماً لبعتُكَه، فقال الصديق: والله لو طلبت به مئة ألف لأعطيتكها، هذا أخي في الله، قال جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا:(( كَانَ عُمَرُ يَقُولُ: << أَبُو بَكْرٍ سَيِّدُنَا، وَأَعْتَقَ سَيِّدَنَا، يَعْنِي بِلَالاً )) [ البخاري ] وكان عمر يخرج إلى ظاهر المدينة ليستقبل بلالاً، هذا هو الإسلام. إذاً: هذه الوثيقة، وتلك المعاهدة، منعت التجاوزات في روابط الولاء في للحفاظ على الثقة والتعاون بين الجميع. التحليل الخامس: التعاون على مقاومة أي المعتدي والمفسِد والظالم الآثم: ![]() الآن هذه الوثيقة تؤكد أن الجميع متعاونون في مقاومة أي معتد أو آثم، أو ظالم أو مفسد، ولو كان ولد أحدهم، وفي ذلك سيادة الدستور والقانون، فتحققوا من خلال العدالة والمساواة، وعندها يتحقق الأمن والسلامة للجميع. جميع المواطنين تحكمهم قوانين واحدة، جميع المتعاهدين سواء مكانة صغيرهم، مثل مكانة كبيرهم في الحقوق والواجبات، وكلهم يد واحدة، وذو اعتبار واحد هذا مجتمع المسلمين، هذا مجتمع حضاري. هذا مجتمع، جميع الناس سواء في الحقوق والواجبات، هم يد واحدة على من عاداهم، يجير أدناهم يجير مستجيرهم، ولليهود وهم أعداء تقليديون مثل ما لغيرهم في هذا العهد، ولليهود دينهم، و للمسلمون دينهم، وللمسلمون دينهم، فما من مشكلة أبداً، لهم دينهم، هذا هو التعايش، وهذه هي المواطنة، هذا هو الفهم العميق لخصائص الحياة الدنيا، مجتمعات فسيفسائية كمجتمعاتنا، أنت مسلم يجب أن تقيم أمر الله، وأن تقبل الآخر دون أن تضحي بدينك، دون أن تفسد دينك أقم أمر الله ودع الطرف الآخر يعيش على تطوره، وعلى مبادئه وعلى قيمه. التحليل السادس: معاهدة الدفاع المشترك: والمؤمنون وغير المؤمنين سواء ينصر بعضهم بعضاً، في ميثاق، في معاهدة دفاع مشترك بالمصطلح الحديث، لا يحل لأحد ممن عاهد، ووافق على هذه الوثيقة، وقبل هذه الاتفاقية أي يحدث حدثاً، أو يؤوي محدثاً، وإذا فعل ذلك وقع عليه الله ولعنته، وحرمانه من الحقوق العامة. هذا هو التشريع، هذا هو الالتزام، لكن لهذا المجتمع رأس، مرجعية واحدة قرار نافذ، الله عز وجل أمر النبي عليه الصلاة والسلام أن يشاور أصحابه، قال: ﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ لكن: ﴿ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ ( سورة آل عمران الآية: 159 ) التحليل السابع: المخلّ بالمعاهدة لا ذمة له ولا ميثاق: ومن بنود هذه الاتفاقية: من أخل بعده من اليهود فإنه ظالم لنفسه وأهله، وليس له على أهل هذا العهد ذمة ولا ميثاق، يتحمل كل فريق مشارك في هذا العهد نصيبه في الحرب، والسلم، والنفقة، وعليهم التعاون والمشاركة، وبينهم النصح، والبر، من دون إثم. من أبلغ ما في هذه المعاهدة، وتلك الاتفاقية أنه لا يتحمل أحد وزر غيره لقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ( سورة الأنعام الآية: 164 ) ![]() من أشد المنكرات في المجتمع البعيد عن الله قضية الثأر، يُقتل إنسان من قبيلة، كان جميع أفراد القبيلة التي منها القاتل معرّضين للقتل، بلا سبب، هذا الثأر وصمة عار بحق الأمة، علاج الثأر أنه ﴿ لَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴾ قبل شهرين أو ثلاثة اتصل بي أخ من محافظة بالجنوب، وقد قُتل من بعض العشائر إنسان، العشيرة التي منها القاتل هربت، واختفت، وسافرت إلى أطراف البلاد ، ولأهل المقتول اتجاه ديني، اتصلوا بي هاتفياً، فقلت لهم: ينبغي أن يذهب رئيس عشيرتكم إلى العشيرة التي منها القاتل، وأن تطمئنوهم، أننا لن نقتل واحدا منكم، والقاتل هناك من سيحاسبه، أما أن نأخذ بالثأر فهذا سلوك جاهلي، وسلوك لا يرضي الله عز وجل لقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴾ هذا العهد لا يلغي التزامات السابقة، له على المعاهدين، ولا يعفي ظالماً أو آثماً من جزاءه أو معاقبته، وليس هذا العهد للحرب فقط، بل هو للسلم أيضاً، وجعل هذا العهد المدينة المنورة بلداً حراماً. أيها الإخوة، هذه بعض بنود هذا العهد الذي أبرمه النبي عليه الصلاة والسلام في المدينة المنورة حينما وصل إليها، وصدقوا أيها الإخوة، والله لا أبالغ إنه من أرقى الاتفاقيات الحضارية التي يشار إليها بالبنان. إلى لقاء آخر إن شاء الله تعالى. والحمد لله رب العالمين |
|
|
|
#48 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع :مفهوم التعايش السلمىفقة السيرة النبوية الدرس : ( الثامن و الاربعون ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات أيها الإخوة الكرام، مع درس جديد من دروس فقه السيرة النبوية. مقدمة لمفهوم التعايش السلمي: أيها الإخوة، وصلنا إلى موضوع يرتبط أشد الارتباط بواقعنا، كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما استقر في المدينة أسس نظاماً عاماً أساسه التعايش السلمي ، وبالمصطلح الحديث: المواطنة، وبالمصطلح الحديث: السلم الأهلي، والمسلمون اليوم في بلادهم، ومع من يعيشون معه من مختلف الطوائف، والملل، والنحل هو في أشد الحاجة إلى هذا المفهوم مفهوم أن تعيش مع الآخر، مفهوم المواطنة، مفهوم السلم الأهلي، مفهوم قبول الآخر، هذه المفهومات الطارئة في العالم الإسلامي اليوم ليس لها أصل في الدين، إنها من البدع. سكان المدينة مزيج إنساني واجتماعي متنوع: 1 – سكان المدينة قبائل وعشائر: ![]() إنّ النبي عليه الصلاة والسلام وجد في المدينة مزيجاً إنسانياً متنوعاً من حيث الدين والعقيدة، وحيث الانتماء القبلي، والعشائري، ومن حيث نمط المعيشة، المهاجرون من قريش، والمسلمون من الأوس والخزرج، والوثنيون من الأوس والخزرج، واليهود من الأوس والخزرج، وقبائل اليهود الثلاثة، بنو قينقاع، وبنو النظير، وبنو قريظة والأعراب الذين يساكنون أهل يثرب، والموالي، والعبيد، وغيرهم. مهاجرون، أوس وخزرج، منهم مسلمون، منهم وثنيون، منهم يهود، قبائل اليهود الثلاثة، أعراب، عبيد، بالمصطلح الحديث: مجتمع فسيفسائي، كبعض البلاد الإسلامية، التي يقتتل أهلها، فكيف وفق النبي بين هذه الانتماءات ؟ وبين هذه الاتجاهات وتلك الأديان ؟ بين المؤمنين بدين ؟ وبين الوثنيين ؟ بين المؤمنين بدين وهم مشركون ؟ وبين الموحدين ؟ هذا الذي نحن في أمس الحاجة إليه، كي نستطيع أن نقف في وجه أعدائنا الذين يتربصون بنا الدوائر. أيها الإخوة، هؤلاء العناصر القبائل، الطوائف، المذاهب، الأديان، الأحرار العبيد، الموالي، الأعراب، تتوزعهم التجارة، والصناعة، والزراعة، والرعي، والصيد والاحتطاب، وكانوا يسكنون على هيئة قرى، أو آطام، أو حصون تحيط بها البساتين والأراضي المزروعة، يدخلون حصونهم بعد حلول الظلام، يحرصون منازلهم خوف الغزو والغارة. 2 – سكان المدينة يقطنون الحصون والآطام: ![]() ويبلغ عدد آطامهم 59 أطماً، ولكل عشيرة منهم زعامة تقوم على رعاية شؤونها، وضمان عيشها، وأمنها، ولم تندمل بعد جراحات الأوس والخزرج التي خلفتها بينهم الحروب، ولاسيما حرب بُعاث، ويمكن وصف الحالة العامة في المدينة لأنها قائمة على تحكم النظام العشائري، وأعراف القبائل السائدة، مع شيوع الجهل والأمية لدى معظم سكان يثرب، بينما كان أهل الكتاب أهل علم، ودين، ولكنهم يمارسون الربا واستغلال التجارة، ويعملون على إثارة النزاعات بين الأوس والخزرج ليتمكنوا من ضمان سيادتهم ومصالحهم وسلامتهم. نظام المعاهدات في مجتمع المدينة بعد قدوم النبي إليها: من بنود نظام المعاهدات : هذا المجتمع النبوي الذي حكمه النبي، هذا المجتمع المتنوع، بين الدين الإسلامي، وبين دين أهل الكتاب، وبين الوثنية، وبين العشائرية، هذا المجتمع كيف ألف النبي بينهم، وكيف وضع لهم نظاماً يغطيهم جميعاً. أيها الإخوة، هؤلاء من قريش، ومن بني عوف، ومن بني الحارث، ومن بني ساعدة، وبني جشم، ومن بني النجار، ومن بني عمر بن عوف، ومن بني الأوس، على ماذا اتفق النبي معهم ؟ ما النظام الذي جمعهم، ما المعاهدة التي غطتهم، ما القواسم المشتركة فيما بينهم، في الدرس الماضي تحدثت عن خصائص هذه المعاهدة، لكنني اليوم أدخل إلى بعض تفصيلاتها، ونحن في أمسّ الحاجة إليها. البند الأول: نصرة الضعيف: ![]() المؤمنون لا يتركون مفرحاً ؛ أي مغلوباً، أو فقيراً إلا ويعطوه بالمعروف، أول بند نصرة الضعيف، قال بعض العلماء: " الدنيا تصلح بالعدل، ولا تصلح بالظلم "، نصرة الضعيف، يقول عليه الصلاة والسلام: (( فَإِنّمَا َتُنْصَرُونَ بِضُعَفَائِكُم )) [ رواه النسائي عن مصعب بن سعد عن أبيه ] المجتمع الذي لا ينصر الضعيف مجتمع مخترق، وإذا اُخترق المجتمع قوي عليه أعداءه، وما من أمة تريد أن تكون محصنة إلا وتسعى لنصرة الضعيف، والنبي عليه الصلاة والسلام يبين أن أحد أسباب النصر أن نعطي الضعفاء حقهم. البند الثاني: ألا يحالف مؤمن مولى مؤمن دونه: ![]() البند الثاني: وألا يحالف مؤمن مولى مؤمن دونه، المولى تابع للمؤمن، لا خيانة. مثلاً: أنت صاحب محل تجاري، ولك جار عنده موظف، فتكلمت مع الموظف، وقلت له: كم يعطيك سيدك ؟ قال لك: خمسة آلاف، قلت له: أنا أعطيك سبعة، تعال إلي، أنت اتفقت مع موظف عند أخ لك، وهذا معنى قول النبي عليه الصلاة والسلام: (( ليس منا من خبب امرأة على زوجها ؛ أو عبدا على سيده )) [ أخرجه أبو داود والحاكم في المستدرك عن أبي هريرة ] أيّ اتفاق بين رجل ولو على الهاتف، اطلبِي الطلاق منه أنا أتزوجك، لك بيت خاص، أو خبب عبداً على سيده، الآن موظف على صاحب المحل، هذا اسمه تخبيب، وقد لعنه الله عز وجل. البند الثاني من بنود هذه المعاهد: وألا يحالف مؤمن مولا مؤمن دونه، هذه الأساليب الملتوية، هذا الخداع، المكر، الخبث، ليس هذا من نصيب المؤمن. البند الثالث: المؤمنون أيديهم جميعاً على من بغى عليهم: ![]() وأن المؤمنين المتقين أيديهم جميعاً على من بغى عليهم، ليس معقولاً أن تعتدي دولة على شعب أعزل في فلسطين، وأن دولاً إسلامية أخرى تناصرها، وتقيم فيما بينها علاقات دبلوماسية، وتطبع العلاقات فيما بينها، هذا مخالف لمنهج المؤمنين. وأن المؤمنين المتقين أيديهم على من بغى منهم، وأن أيديهم عليه جميعاً، ولو كان ولد أحدهم، هذه نقطة دقيقة جداً، لو أن الأمة الإسلامية مليار وخمسمئة مليون سِلْمها واحدة، وحربها واحدة ، وينطق باسمها إنسان واحد، وأن الأمة الإسلامية بأكملها تحارب أو تسالم، وأن الأمة الإسلامية بأكملها موقفها واحد من جهة واحدة، أما هذا فله صلح، وهذا معاهدة، وهذا تطبيع علاقات، هذا زيارات، هذا عداء، هذا حرب، أحد أسباب ضعف المسلمين أن كلمتهم ليست واحدة. ﴿ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ ( سورة الأنفال الآية: 46 ) ![]() بينما تتفنن إسرائيل بإبادة شعب بأكمله إبادة، وبتدمير بلد بأكمله لبنان، ودول أخرى تقيم فيما بينها علاقات، وزيارات، ومعاهدات، وتناصح، وتعاون، وتآزر، أهؤلاء مسلمون ؟! انظر إلى هذا العهد، وأن أيديهم جميعاً على من بغى منهم، ولو كان ولد أحدهم. ﴿ وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ ( سورة الحجرات الآية: 9 ) نشبت حرب بين العراق وإيران امتدت ثماني سنوات، وذهب ضحيتها مليون إنسان، ومرة وأنا أذكر هذا للتاريخ، كان هناك مؤتمر للدول الصناعية في عاصمة بريطانيا، وتلاسن زعيم غربي مع رئيسة وزراء بريطانيا، فهددها الزعيم الغربي بماذا ؟ بإيقاف الحرب بين العرق وإيران، هددها، معنى إيقاف الحرب توقف بيع الأسلحة، يعيشون على مآسينا، يعيشون على اقتتالنا، يعيشون على خلافاتنا، يعيشون على العداوة فيما بيننا. البند الرابع: ذمة الله واحدة يجير عليهم أدناهم: وإن ذمة الله واحدة يجير عليهم أدناهم، وأن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس، هذا المجتمع على تنوعه، وعلى شرائحه، وعلى أطيافه، وعلى طوائفه مجتمع واحد، هذا مفهوم التعايش، هذا مفهوم المواطنة، هذا مفهوم المجتمع السلمي هذا مفهوم قبول الآخر، هذا توجي النبي، هل هناك أعلم منه، هذا توجيه سيد الخلق وحبيب الحق. البند الرابع: أهلُ الذمة لهم الأمن والأمان في بلاد الإسلام: ![]() وأنه من تبعنا من يهود فإن لهم النصر، والأسوة غير ظالمي ولا متناصراً عليهم. بصراحة زار إنسان بلدنا، معه جواز سفر عليه تأشيرة، تأشيرة دخول إلى سورية، ما معنى هذا الكلام ؟ هو في عهدنا، في ذمتنا، هناك علاقات دبلوماسية، وتأشيرة، هذه التأشيرة ماذا تعني ؟ أن هذا المواطن الذي بيننا وبين دولته علاقات واتفاقيات، وتبادل سفراء، حينما دخل بلادنا بتأشيرة على جوازه مِن قِبَلنا هو إذاً في ذمتنا، ماذا نستنبط ؟ أن خطف الأجانب لا يجوز. نحن مع مجتمعات ثلاثة، مع دار الإسلام، ومع دار الحرب، ومع دار الأمان، دار الحرب اليوم، بيننا حالة حرب، دار الأمان بيننا وبين كل دولة بيننا وبينها علاقات، واتفاقيات، وتبادل سفراء، ودار الإسلام بيننا وبين دول العربية والإسلامية. إخواننا الكرام، هذا كلام دقيق جداً، أنا أقوله وفي نفسي ألم شديد: هذا هو الإسلام، وأن سلم المؤمنين واحدة، لا يسالم مؤمنٌ دون مؤمنٍ في قتال في سبيل الله إلا على سواء وعدل بينهم، فالأمة الإسلامية بأكملها تسالم، أو الأمة الإسلامية بأكملها تحارب، من هنا تنبع قوتنا، من أين جاءت قوة الغربيين ؟ من أن واحد ينطق باسمهم جميعاً، أوربا بأكملها، الناطق باسمهم واحد، علاقة كل هذه الدول مع أية قضية يقررها واحد، من هنا جاءت قوتهم، نحن مليار ونصف، ونحن نعد ربع سكان الأرض، ونحن نحتل أخطر مساحة على الأرض، الشرق الأوسط، ونحن نتربع على ثروات لا يعلمها إلا الله، ومع ذلك أمرنا ليس بيدنا، وليست كلمتنا هي العليا، بسبب تفرقنا، ![]() ﴿ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ﴾ الآن كما ترون انقساما بلبنان، انقساما بالعراق، انقسام في فلسطين، أليس كذلك ؟ هذا فهم النبي عليه الصلاة والسلام، وهذه سياسة النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا تدبير النبي، وهذه حكمة النبي. وأن سلم المؤمنين واحدة، وأن حربهم واحدة. لما اجتاحت العراق الكويت من الذي تدخل ؟ العالم الغربي، من كان ينبغي أن يتدخل ؟ المسلمون، بسبب قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى ﴾ ( سورة الحجرات الآية: 9 ) أنتم أيها المؤمنون : ﴿ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ ( سورة الحجرات الآية: 9 ) حيوانان اقتتلا على قطعة جبن كبيرة، احتكما إلى ثعلب، فالثعلب ادعى أنه قاض نزيه، جاء بميزان فوضع في كفة ثلثي القطعة، وفي كفة الثلث، فرجحت هذه فأكل من هذه نصفها، فرجحت هذه فأكل نصفها، رجحت هذه أكل نصفها، بعد حين لم يبقَ شيء. وهذا الذي حصل، تنازعنا فيما بيننا فجاءوا، ونهبوا ثرواتنا، أخذوا النفط، وأجبرونا على شراء أسلحة فوق طاقتنا، ففي أول حرب انتقل إلى الغرب أكثر من 700 مليار، والحرب الثانية كذلك، أكبر كتلة نقدية كنا نملكها توجهت إلى الغرب، كان الدينار بثلاثة دولارات، الآن 1500 دينار بدولار واحد، انهيار اقتصادي، أين الثروات ؟ انتقلت، ﴿ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا ﴾ أؤكد على هذا الدرس بأنه خطير، لأن منهج النبي هكذا. البند الخامس: المؤمنون المتقين على أحسن هدًى وأقومه: ![]() وأن المؤمنين المتقين على أحسن هدًى وأقومه، أنا أعيش مع إنسان غير مؤمن بعلاقات محدودة، له وعليه، ولي وعلي، ليس معنى هذا أنه على حق ؟ لا. أنت موظف بدائرة، المدير العام، ولتكن مدرسة، ليس كما ينبغي، أما أنا فواجبي أن آتي في الوقت المناسب، وأن ألقي درساً ممتازاً، وأن أعامل الطلاب معاملة جيدة، وأن أحترم هذا المدير، لا يمنع أن تكون أنت على هدى، وهو ليس كما تتمنى أنت، هذا لا يمنع أن تتعامل معه، أنا أسميها علاقات عمل، علاقات العمل لا شيء فيها إطلاقاً، أنا لا أرضى لمؤمن أن يقيم علاقة حميمة مع غير المؤمن، سفر طويل، شركة اندماجية، نزهة مشتركة، مستحيل، المؤمن عنده غيرة على أهله، عنده حجاب، المؤمن لا يجلس بمكان عام فيه خمور، ونساء كاسيات عاريات، و غناء، مستحيل أن تقيم علاقة حميمة مع غير المؤمن، أما لك أن تقيم علاقة عمل، ولا شيء عليك أبداً، المؤمن منفتح، إيجابي، بناء، وليس مهدماً. البند السادس: لا يحل لمقرٍّ بالوثيقة إيواء محدث ونصرِه: ![]() وأنه لا يحل لمؤمن أقر في هذه الصحيفة، وآمن بالله واليوم الآخر أن ينصر محدثاً أو يؤويه، كإنسان خرج على جمع المؤمنين ممنوع أن تؤويه، أو أن تنصره، وأن من نصره أو آواه فإن عليه لعنة الله، وغضبه يوم القيامة، ولا يؤخذ منه صرف ولا عدل. إنسان يغش المسلمين، لا تدافع عنه، إنسان أتى ببضاعة ليست صالحة للاستعمال البشري، والدوائر الرسمية منعت دخولها، ممنوع عليك أن تتوسط له بإدخالها ، هذه البضاعة تؤذي المسلمين، ليست معدة للاستعمال البشري، معدة علف للحيوانات، هذا إنسان بغى على المسلمين، تدافع عنه ؟ تتوسط له ؟. وأنه لا يحل لمؤمن أقر في هذه الصحيفة وآمن بالله واليوم الآخر أن ينصر محدثاً أو يؤويه، وأن من نصره أو آواه عليه لعنة الله، وغضبه يوم القيامة، ولا يؤخذ منه صرف ولا عدل. البند السابع: مرد الاختلاف والتنازع إلى الله ورسوله: ![]() الآن: وأنكم مهما اختلفتم في شيء فإن مرده إلى الله ورسوله، عند التنازع عندنا منهج الله، وسنة رسول الله، وهذا شيء رائع، أنا حينما ارجع إلى تشريعات أرضية لا أحتمل، هذا مساوٍ لي، هذا ندٌّ لي، أما حينما أرجع إلى تشريع سماوي الله فوق الجميع لذلك: ﴿ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ ( سورة النساء الآية: 59 ) البند الثامن: لا يأثم امرؤ بحليفه: وأنه لا يأثم امرؤ بحليفه، الحليف ليس سبباً لعقاب أحد، أنا حينما أحالف جهة تحت ضوء الشمس جهاراً نهاراً علناً، أنا لا أحاسب على ذلك. البند التاسع: النصر للمظلوم لا للظالم: وأن النصر للمظلوم، لا للظالم، وأن الجار كالنفس، غير مضار وآثم، الجار يعامل كما يعامل المؤمن نفسه، لأنه ألصق الناس به، إلا أن يكون معتدياً أو آثماً. وأنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث، أو اشتجار يخاف فساده فإن مرده إلى الله، وإلى محمد صلى الله عليه وسلم، وأن الله أتقى على ما في هذه الصحيفة وأبره. البند العاشر: دفع المعتدي على المدينة: ![]() وأن بين هؤلاء جميعاً بين هذه الطوائف، والشرائح، والأطياف، والألوان والمذاهب، والقبائل، والعشائر، وأن بينهم النصر على من دهم يثرب، بالتعبير المعاصر اتفاقية دفاع مشترك، لأن الإنسان هو الإنسان، في كل زمان ومكان، فلو كان بيننا وبين جميع المؤمنين والمسلمين معاهدات دفاع مشترك نافذة لا حبر على ورق، فأيّ دولة تفكر أن تعتدي على بعض الدول، تعدّ للمليون، لأنها سوف تواجه مليارًا و500 مليون، لكن يمكن أن تُهدم عزة بأكملها، أن تُهدم كل بيوتها، أن تُضرب محطات التوليد فتبقى بلا كهرباء، وأن تُجرف بساتين الزيتون، وأن تُردم الآبار، وأن تُمنع الحركة، وأن يقام جدار فصل، والمليار ونصف يتفرجون، أليس كذلك ؟ هذه المعاهدة. وأن بينهم النصر على من دهم يثرب، وإذا دُعوا إلى صلح يصالحونه، فإنهم يصالحونه، ويلبسونه، دُعوا جميعاً إلى صلح نصالح، دُعوا جميعاً إلى حرب نحارب أرأيت إلى هذه القوة ؟ والمنعة ؟. البند الحادي عشر: الظالم يعاقَب: وأنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم أو آثم، الظالم يعاقب، والآثم يعاقب والظالم والآثم ليس بإمكانه أن يحتج بهذا الكلام، ولا تلك المعاهدة. البند الثاني عشر: ساكن المدينة آمن فيها وآمن عند الرجوع إليها : وأنه من خرج فهو آمن، ومن قعد في المدينة فهو آمن، إذا خرج يرجع، إن خرج فهو آمن، وإن قعد فهو آمن، إلا من ظلم أو آثم، وأن الله جار لمن بر واتقى ومحمد رسول الله. أيها الإخوة الكرام، هذه بعض فقرات هذه المعاهدة التي احتوت قبائل شتى وأديان شتى، وعشائر شتى، وأطياف شتى، وألوان شتى، من بدو، إلى موالٍ، إلى مهاجرين، إلى أنصار، إلى أوس مسلمين، إلى أوس وخزرج مسلمين، وإلى أوس وخزرج وثنيين، وإلى أوس وخزرج يهود، كل هؤلاء انتظمتهم هذه الاتفاقية، هذا من تخطيط النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا من حكمته، وهذا من منهج الله عز وجل. استنباط عملي من بنود المعاهدة: ونحن أيها الإخوة، ينبغي أن نرجع إلى أصول هذا الدين، ينبغي أن نرجع إلى أصوله، نهر بردى، اذهب إلى ينبوعه ترى ماءاً صافياً، عذباً، ذلالاً، اذهب إلى مصبه ترى ماءاً آثناً أسود اللون، وكذلك الدين ارجعوا إلى أصول الدين، إلى ينابيع الدين، إلى الكتاب والسنة. لآن أناس كثيرون يشترون من بلاد الغرب ولا يدفعون، يشترون ببطاقة بمبلغ كبير، ولا يدفعون، متوهمون أنهم كفار، وأن مالهم حلال، وهذا منتهى الجهل، النبي عليه الصلاة والسلام حينما أودع عنده المشركون والوثنيون وعباد الأصنام أموالهم، وأراد أن يهاجر لمَ لم يأخذها معه لأنهم كفار ؟ أبقى ابن عمه علياً في فراشه ليرد الودائع إلى أهلها ، هذا منهج الله، العدوان على إنسان مسالم لم يحاربك، ولم يأخذ مالك، لأنه غير مسلم هذا، خطأ كبير، كبير جداً. أيها الإخوة، الذي أتمناه عليكم من أعماق قلبي أن نفهم الدين من ينابيعه. (( إن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدأ )) [ أخرجه مسلم وابن ماجة عن أبي هريرة ] (( طوبى للغرباء: أناس صالحون في أناس سوء كثير )) [ أخرجه أحمد في مسنده عن ابن عمر ] ارجعوا إلى أصول الدين، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (( تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما: كتاب الله وسنة رسوله )) [ أخرجه الحاكم في المستدرك عن أبي هريرة ] والحمد لله رب العالمين |
|
|
|
#49 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : التنظيمات الادارية فى المدينةفقة السيرة النبوية الدرس : ( التاسع و الاربعون ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. أيها الإخوة الكرام، مع درس جديد من دروس فقه السيرة النبوية، ولا زلنا في التنظيمات التي نظمها النبي صلى الله عليه وسلم للمجتمع المسلم في أول كيان سياسي إداري للمسلمين. الدين ليس عبادات فقط: ![]() والناس اليوم إذا ذُكر الدين يتوهمون أنه عبادات فقط، تصلي، وتصوم، وتحج وتزكي، وانتهى الأمر، الدين هو الحياة، في بالدين تنظيم للعمران، في معالجة للأمراض في اتفاقيات، في إصلاح للدنيا، اعمل لآخرتك وأصلح دنياك. نحن قد نفاجأ أن النبي صلى الله عليه وسلم بعد وصوله إلى المدينة بدأ يعالج مشكلاتها، والدين حينما يعزل عن مشكلات المجتمع ينتهي، الدين يجب أن يعالج مشكلة البطالة، أزمة السكن، أزمة الزواج، تأمين فرص عمل، أن يعالج القضايا الصحية العمرانية، الأعمال، التنظيم، هذا من الدين، الدين هو الحياة، وليس الدين عبادات تؤدى أداءً أجوفاً، وانتهى الأمر. الجانب الصحي للمهاجرين بقدومهم إلى المدينة: 1 ـ حمّى يثرب: أيها الإخوة، المهاجرون بعد قدومهم إلى المدينة أصيبوا بمرض شائع في المدينة اسمه حمى يثرب، هذه المدينة يثرب اشتهرت بهذا المرض، والمهاجرون حينما قدموا إلى المدينة هناك اختلاف مناخي وبيئي بين مكة والمدينة. ![]() نحن في دمشق إذا سكن أحدنا في الساحل قد لا يستريح، هناك رطوبة عالية جداً، وأبناء الساحل إذا جاؤوا إلى مدينة داخلية لا يستريحون، هناك جفاف في المناخ، فالإنسان مخلوق بإتقان رائع، حيث إنه يألف البيئة، ويتوافق معها، ويتكيف معها حتى تصبح البيئة جزءاً من كيانه، فإذا انتقل إلى بيئة أخرى شعر بحرج. فأهل مكة، الأصحاب الكرام الذين هاجروا إلى المدينة اختلف عليهم المناخ، واختلفت عليهم البيئة، وفي الأصل في بالمدينة مرض اسمه حمى يثرب. فصحة المهاجرين لم تتحمل هذا الوباء، وكان له آثار جسيمة على المهاجرين، حتى أوشك بعضهم أن يموت، لماذا أذاق الله النبي الفقير فصبر ؟ أذاقه الغنى فأنفق، أذاقه القهر في الطائف فراجع نفسه مع الله عز وجل، أذاقه النصر في مكة فتواضع، أذاقه موت الزوجة السيدة خديجة فتألم وصبر، أذاقه موت الولد فصبر، وقال: (( إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، ولا نقول إلا ما يرضي الرب، وإن عليك يا إبراهيم لمحزونون )) ( البخاري عن أنس ) وأذاقه أن بنته طلقت، وأذاقه الهجرة، والهجرة اقتلاع من الجذور، إنسان مستقر في بلد، صحته متوافقة مع هذا المناخ والبيئة، فينتقل فجأة إلى بلد يختلف في مناخه وفي بيئته عن بلده الأصلي. 2 ـ لا لإهمال الصحة: ويمكننا أن نتعرف إلى ما أصاب المهاجرين، ومن ثم ما اتخذه النبي صلى الله عليه وسلم من مواقف وأعمال أدت إلى تحول المدينة من الوباء إلى الصحة. ![]() ماذا نستنبط ؟ مؤمن يهمل صحته أمرٌ مرفوض، صحتك رأس مالك، بل إن من لوازم عبوديتك لله أن تحترم قوانين الله في جسمك، تأكل ما تشتهي بلا ضابط، وبلا توجيه طبيب، ثم تفاجأ بمرض عضال، وتقول: إن الله قدر علي هذا المرض، هذا المرض نتيجة طبيعية لعدم الأخذ بالأسباب، المؤمن شخصية فذة، جسمه قوي، تفكيره واضح، معنوياته عالية، نفسيته طاهرة، بيته منظم، عمله منظم، مواعيده دقيقة، حساباته دقيقة، هذا الذي نتوهمه أنه مؤمن مهمل، ثيابه غير أنيقة، معاملته غير منضبطة، مواعيده غير منضبطة، هذه مشكلة كبيرة، لذلك الآية الكريمة: ![]() ﴿ رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ ( سورة الممتحنة الآية: 5 ). لما تعامل إنسانا غير مسلم، تهمل مواعيدك، تأتي بعد ساعة، عملك غير متقن، حساباتك غير منضبطة، محلك التجاري ما فيه نظام أبداً، ولا نظافة، بضاعتك مهملة، أو بضاعة انتهت صلاحيتها، وتبيعها خطأ، وأنت مسلم ! ﴿ رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ الطرف الآخر يوم يرى المسلم مقصر، مواعيده غير صحيحة، صحته متردية أكله غير منضبط، بيته غير منضبط، أولاده مهملون، هذا الطرف الآخر يتشبث بكفره ، من الذي أقنعه بكفره ؟ المسلم المقصر، المسلم المقصر هو الذي يقنع الكافر بكفره، الكافر مواعيده دقيقة، صناعته متقنة، واضح وضوح شديد. 3 ـ الإسلام حياة شاملة: فلذلك أيها الإخوة، الإسلام هو الحياة، الإسلام هو التفوق، لي كلمة أنا مقتنع بها، ولا تطالبوني بالدليل: ![]() الآن في هذا العصر بالذات، إن لم تتفوق في دنياك فلا يحترم دينك، طبيب من عام 58 ما قرأ كلمة في الطب بعد ما تخرج، وهو مسلم من رواد مسجد، وفي العالم الغربي الطبيب إن لم يحضر في العام الواحد ثلاث مؤتمرات لا يسمح له بمزاولة حرفته، من عام 58 لم يقرأ كلمة، كله على القديم، يقول لك: أنا تلميذ الشيخ الفلاني، خير إن شاء الله ، الآخر متفوق، أنا أقول لكم كلاما من واقع مؤلم، مؤمن سبهللا، غير متقن لعمله، غير متقن لمواعيده، لا يعتني بصحته إطلاقاً، بيته سائب، أولاده في الطريق، زوجته عند الجيران دائماً، هو مسلم ؟ لا أبداً. الآن تفاجؤون أن النبي صلى الله عليه وسلم وهو في المدينة أسس مجتمعًا منظّمًا، عالج مشكلات المدينة الصحية، والعمرانية، وعالج الخدمات، إذاً: النبي عليه الصلاة والسلام بمواقفه وأعماله حول المدينة من الوباء إلى الصحة. 4 – شكوى الصحابة من الحمى ودعاء النبي بإذهابها: فعن عائشة رضي الله عنها قالت: (( لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة قدمها وهي أوبأ أرض الله من الحمى ـ فيها مجموع أمراض، في مقدمة هذه الأمراض الحمى ـ فأصاب أصحابه منها بلاء وسقم، فصرف الله تعالى ذلك عن نبيه، قالت: فكان أبو بكر وعامر بن فهيرة، وبلال مع أبي بكر في بيت واحد فأصابتهم الحمى، فدخلت عليهم أعودهم، وذلك قبل أن يضرب علينا الحجاب )) الحجاب حق من صلب الدين. بالمناسبة في فرنسا ظنوا أن الحجاب رمز إسلامي، فمنعوا كل الرموز الدينية ، اليهود يضعون قبعة على رؤوسهم، والحجاب ظنوه رمزاً إسلامياً، أنا كان تعليقي أن الحجاب ليس رمزاً، بل هو جزء من الدين. السيارة المشهورة التي لها علامة ثلاثة خطوط المرسيدس، هذه الإشارة في مقدمة السيارة رمز لها، لكن مكبح السيارة ليس رمزاً للسيارة، بل هو جزء أساسي منها، فلو ألغيت هذه الشارة تبقى السيارة سيارة، أما إذا ألغي المكبح كان الحادث حتميًا. هذا كلام دقيق، الحجاب في الإسلام كالمكبح للسيارة، أما أن نظنه رمزاً يمكن أن نلغيه فهذا كلام في جهل كبير. ![]() قالت: وبهم لا يعلمه إلا الله من شدة الوعك، أيْ ألم المرض، فدنوت من أبي بكر فقلت له: كيف تجدك يا أبتِ ؟ فقال: كل امرئ مصبح في أهله والموت أدنى من شراك نعله ـ يعني على وشك الموت، هذه الهجرة، دُفع ثمن باهظ ـ قالت: فقلت: والله ما يدري أبي ما يقول، ثم دنوت من عامر، فقلت له: كيف تجدك يا عامر ؟ قال: لقد وجدت الموت قبل ذوقه إن الجبان حتفه من فوقه كل امرئ مــجاهد بطوقه كالثور يحمي جلده بروقه كان سيدنا الصديق ومولاه عامر وبلال في حالة يرثى لها، قالت: فقلت: والله ما يدري عامر ما يقول، قالت: وكان بلال إذا تركته الحمى اضطجع بفناء البيت، ثم رفع صوته فقال: ألا ليت شعري أبيتن لـيلة * بواد وحـولي إذخر وجـليل وهل أردن يوما مياه مجنة * و هل يبدون لي شامة وطفيل ثلاثة رجال في حالة مرض شديد، وهم على وشك الموت، قالت عائشة رضي الله عنها: فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما سمعت منهم، فقلت: (( إنهم ليهذون وما يعقلون من شدة الحمى، قالت: فقال عليه الصلاة والسلام: اللهم حبب إلينا المدينة كما حببت إلينا مكة )) بالدعاء.إخواننا الكرام، الدعاء أكبر سلاح يملكه المؤمن، الدعاء سلاح المؤمن، اللهم حبب إلينا المدينة كما حببت إلينا مكة، أو أشد. ![]() لذلك تروي السيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما خرج من مكة إلى المدينة مهاجراً قال: يا رب، إني تركت مكة، وهي أحب البلاد إلي، فأسكني أحب البلاد إليك، فسكن في المدينة، وهي بنص الحديث أحب بلاد الله إلى الله. قال: وبارك لنا في مدها وصاعها، وانقل وبائها إلى مهيعة، مكان بعيد، دعاء حبب إلينا المدينة كما حببت إلينا مكة، أو أشد وبارك لنا في مدها وصاعها، وانقل وبائها إلى مهيعة، أي إلى الجحفة. وعن عبد الله بن عمر بن العاص ![]() أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة هو وأصحابه أصابتهم حمى المدينة، حتى جهدوا مرضاً، وصرف الله ذلك عن نبيه صلى الله عليه وسلم، حتى كانوا ما يصلون إلا وهم قعود من شدة الوعك، قال: فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يصلون كذلك، فقال لهم: ((اعلموا أن صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم )) الآن في معظم المساجد عدد كبير من المصلين كلهم على كراسي، المريض معذور، وصلاة القاعد إذا كان يستطيع أن يقوم على النصف.قال: (( فتجشم المسلمون القيام على ما بهم من الضعف والسقم التماس الفضل )) (أحمد ) من هاتين الروايتين يتضح أن شدة بالغة أصابت الصحابة الكرام في المدينة المنورة، والدعاء لم يُعرف في حياة النبي صلى الله عليه وسلم أي انفصال بين القول والعمل. الدعاء مع الأخ بالأسباب: دقق الآن: ولا بين الدعاء ولا الأخذ بالأسباب، هنا موطن الشاهد، أنت لك أن تدعو الله، أن تنجح في الامتحان ما لم تدرس الدعاء استهزاء بالله عز وجل، أنت لك أن تدعو الله، ولكن الدعاء لا يقبل إلا إذا أخذنا بالأسباب. تراجع المركبة قبل السفر مراجعة كاملة، وتقول يا ربي أنت الحافظ، وفقني في هذا السفر، سلمني في هذا السفر، أما ألا تراجع المركبة إطلاقاً، وتسأل الله السلامة من دون أخذ بالأسباب فلا !!! سيدنا عمر رأى أعرابياً معه جمل أجرب، قال: << يا أخا العرب، ما تفعل بهذا الجمل ؟ قال: أدعو الله أن يشفيه، فقال له سيدنا عمر: هلا جعلت مع الدعاء قطراناً ؟ >>. من اكتفى بالدعاء، ولم يأخذ بالأسباب لم يفهم الدين، الابن حرارته 41، يا رب اشفه، لا بد أن تأخذه إلى الطبيب، وتشرف بنفسك على تلقي الدواء، تدفع صدقة، وبعد هذا تقول: يا رب أنت الشافي، ولا شافي إلا أنت. فيجب أن يسبق الدعاء أخذ بالأسباب، والمشكلة أيها الإخوة أن الغرب أخذ بالأسباب واعتمد عليها، والشرق لم يأخذ بالأسباب أصلاً، فالغرب وقع في الشرك، والشرق وقع في المعصية، نحن نتوهم، ما معنى إنسان دين ؟ يعني أنه متوكل على الله، الفاكهة يأكلها قبل أن يغسلها، سمِ الله، لا يضر مع اسمه شيء، هذا غير إسلامي، يقول عليه الصلاة والسلام: (( من أكل الطين فكأنما أعان على قتل نفسه )) (أخرجه الطبراني عن سلمان ) من أكل فاكهة من دون أن يغسلها فهو مؤاخذ، لما كان يشرب الماء يقول: (( أبن القدح عن فيك )) ( رَوَاهُ التِّرمِذِيّ عن أبي سعيد الخدري ) لأن الزفير ينقل بعض الأمراض، ما شرب من إناء فيه ثلمة، لأن هذه الثلمة تتوضع فيها الجراثيم، يجب أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء، تجري مراجعة للمركبة تامة وتقول: يا رب سلم، يا رب احفظني. ![]() فكان دعاءه هذا مقروناً بالعمل وإعداد الأسباب. بصراحة هل هناك إنسان على وجه الأرض أحق بالنصر من سيد الخلق ؟ ومع ذلك في الهجرة أخذ بكل الأسباب، هيأ إنساناً يمحو الآثار، وهيأ إنسان يأتيه بالأخبار، وهيأ إنسان يأتيه بالزاد، وسار باتجاه معاكس للمدينة، وقبع في غار ثور أياماً ثلاثة، ثم استأجر دليلاً رجح فيه الخبرة على الولاء وأخذ بكل الأسباب، هذا هو الدين. في التجارة، في الصناعة، في الزارعة، في الوظيفة يجب أن تأخذ بكل الأسباب وكأنها كل شيء، ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء. السيدة عائشة تقول: (( وقدمنا المدينة، وهي أوبأ أرض الله، وكان بطحان يجري نجلاً، أي بماء آسن ملوث، ولم يمضِ وقت طويل حتى أصبح الماء يجري عذباً، قالت السيدة عائشة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم إن بطحان على ترعة من ترع الجنة )) ![]() إخواننا الكرام، حينما كنت صغيراً أذكر أنّ نهر يزيد في دمشق معظم أهل الصالحية يشربون منه، كان هناك دين، ما أحد يلقي فيه شيئاً، الآن مياه سوداء، كلما قوي إيمان الإنسان يحافظ على البيئة، وكلما ضعف إيمانه يلوث البيئة، الآن مياه بردى لونها أسود، من الروافد، والمياه المالحة، وهل تصدقون وأنا والله أذكر ذلك معظم أهل الصالحية يشربون من ماء نهر يزيد، لوجود الورع، و الدين. فالنبي نهى أصحابه، ما عاد الماء ملوثا، توقفت الأمراض، أصبح هذا الوادي فيه ماء نقي. شيء آخر: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( تنظفوا بكل ما استطعتم، فإن الله تعالى بنى الإسلام على النظافة، ولن يدخل الجنة إلا كل نظيف )) ( الطبراني في المعجم الأوسط عن عائشة) النظافة في الإسلام مجسدة في شخص النبي: أريد أن أعطيكم فكرة عن نظافة النبي، وعن أناقته، وعن ذوقه الرفيع، أمامه طبق تمر، فأخذ تمرة وأكلها، ما الذي يجري عادة ؟ بعد أن يأكلها يمسك بالنواة، ويضع النواة على طرف الخوان، إصبعاه أخذا شيئاً من لعابه الشريف، أخذ النواة من فمه محاطة باللعاب، ومسكها بإصبعه، لو مسك تمرة ثانية وجدها قاسية جداً فتركها، وأكل الثالثة، ما الذي حصل ؟ انتقل لعابه الشريف إلى تمرة لم يأكلها، كيف كان يأكل التمر ؟ ![]() كان يضع النواة هنا، وتبقى أصابعه جافة، أرأيت إلى هذا الذوق ؟ كان إذا أكل التمرة وضع النواة على ظهر أصابعه، أما إبهامه وسبابته تبقى هاتان الإصبعان جافتين، هكذا الذوق. كان عليه الصلاة والسلام يُعرف بريح المسك، كان يقول: نظفوا أفنيتكم، تدخل بيتا نظيفا، والله دخلت مرة إلى بيت في بلدة من قرى دمشق، والله بيت متواضع جداً بغير إسمنت، لبن وطين، لكن طلاءه جيد، فيه نظافة، فيه ترتيب، شيء لا يصدق، المؤمن نظيف ومرتب، ولو كان بيته متواضعا، أحياناً هناك أناقة، وتناسب ألوان، ونباتات بقياس واحد كلها، كلها مطلية بطلاء واحد، شيء جميل. فالنبي عليه الصلاة والسلام هكذا قال: (( إن الله تعالى طيب يحب الطيب، نظيف يحب النظافة، كريم يحب الكرم جواد يحب الجود، فنظفوا أفنيتكم )) ( أخرجه الترمذي عن سعد ) النظافة والصحة: 1 ـ النظافة أحد أسباب الصحة: ![]() والآن ثبت أن النظافة أحد أسباب الصحة، وهناك أمراض كثيرة سماها العلماء أمراض القذارة، وفي العالم الآن 300 مليون إنسان مصاب بمرض القذارة، حيث يكفي أن يدخل إنسان إلى دورة المياه، وبعد ما انتهى ما نظف أصابعه تماماً، لو كان معه وباء كبدي قاتل يمكن أن ينقل المرض إلى 300 إنسان من رواد المطعم، فالنظافة أحد أسباب الصحة. فالنبي عليه الصلاة والسلام حض على الطهارة بشتى مجالاتها، طهارة النفس طهارة الجسم، طهارة اللباس، والسكن. 2 ـ هذا هو أسلوب التنظيف في الغرب: صدقوا، أنا زرت بلاد كثيرة جداً، في كل أستراليا ليس هناك إلاّ الورق للتنظيف في دورات المياه، أما عندنا فهناك مياه، والتنظيف بالمياه أعلى مستوى، وفي كل أمريكا التنظيف ورق، ودورات المياه بالمطارات كلها ورق، أما في بلادنا فهناك ماء، وأمراض القذارة مشكلة كبيرة جداً، والمسلمون الذين يعتنون بنظافتهم نظافة نفوسهم أولاً، ونظافة أجسامهم، ونظافة ثيابهم، ونظافة بيوتهم ناجون من أمراض لا تعد ولا تحصى. 3 ـ من التوجيهات النبوية في التنظيف: لذلك دقق في بعض التوجيهات: ـ لا يجوز التبول في مهب الريح، لأن البول يعود على الإنسان بفعل الرياح، ولا في الماء الراكد، ولا في ماء قليل، ولو كان جاريا، الماء القليل الجاري محرم البول فيه، أو في كثير أيضاً، ولا في المقابر احتراماً للموتى، ولا في الطرقات. الحقوق المدنية في الإسلام: 1 – صفة العدالة وأثرها في المسلم: بالمناسبة، الإنسان عنده حقوق مدنية بالمصطلح الحديث، لكن قديماً عنده العدالة ![]() العدالة تمتع الإنسان بالحقوق المدنية، الضبط والعدالة، الضبط صفة عقلية، والعدالة صفة نفسية، هذه العدالة إما أن تسقط، وإما أن تجرح، كيف تسقط ؟ من عامل الناس فلم يظلمهم، وحدثهم فلم يكذبهم، ووعدهم ولم يخلفهم فهو ممن كملت مروءته، وظهرت عدالته، ووجبت أخوته، وحرمت غيبته. هذا مؤمن يتمتع بحقوقه المدنية، من عامل الناس فلم يظلمهم، وحدثهم فلم يكذبهم، ووعدهم فلم يخلفهم فهو ممن كملت مروءته، وظهرت عدالته، ووجبت أخوته وحرمت غيبته، إذا عاملهم فظلمهم، سقطت عدالته، إذا حدثهم فكذبهم، سقطت عدالته. (( المؤمن يطبع على كل خلق إلا الكذب والخيانة )) (مسند أحمد عن أبي أمامة ) فإذا كذب أو خان فليس مؤمناً، ووعدهم فأخلفهم سقطت عدالته، هذه الأشياء الثلاثة تسقط العدالة. 2 – حالات تجرح العدالة: لكن هناك 33 حالة تجرحها ![]() من بال في الطريق، جرحت عدالته، من مشى حافياً جرحت عدالته، من أكل في الطريق حرجت عدالته، من قاد برذوناً، قاد كلبًا مخيفًا، خوّف الصغار جرحت عدالته، من أطلق لفرسه العنان، الآن أسرع في السير بالسيارة، جرحت عدالته، من كان حديثه عن النساء جرحت عدالته، من تنزه في الطرقات، طريق يعج بالحسناوات، كاسيات عاريات، يحلو له التنزه بهذا المكان جرحت عدالته، من علا صياحه في البيت حتى سمعه من في الطريق جرحت عدالته، من طفف بتمرة، فلم يأتِ الوزن تماماً، حمل، وقال له: تفضل، الآن بالبنزين تقول له: فرضاً بألف لير، 995، لا يكملها، تطفيف بتمرة، يجرح العدالة، أكل لقمة من حرام، أكل مشمشة، كم الكيلو ؟ غالي الثمن، أكل لقمة من حرام، تطفيف بتمرة، الحديث عن النساء، التنزه في الطرقات، من علا صياحه في البيت، من قاد برذوناً، من أطلق لفرسه العنان، هذا كله يجرح العدالة، من مشى حافياً، من بال في الطريق، من صحب الأراذل، إنسان منحرف الأخلاق، تمشي معه تتهم به، فعد الفقهاء 33 بنداً تجرح العدالة. 3 – احذر أن تفعل مثل هذا : لذلك لا يجوز التبول لا في مهب الريح، ولا في ماء راكد، ولا في ماء قليل جارٍ، أو كثير، ولا قي المقابر، ولا في الطرقات، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (( اتقوا الملاعن الثلاث: البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل )) (أخرجه أبو داود وابن ماجة والحاكم، والبيهقي، عن معاذ) ![]() نبع ماء صافٍ تقضي حاجة جانبه ؟ ويرتاده الناس ليشربوا ! وفي قارعة الطريق وفي الظلال، ظلال الأشجار، ولا يجوز أن يبول المرء تحت شجر مثمرة. أيها الإخوة، النبي عليه الصلاة والسلام توضأ من قعر، فضلت فضلة قال: ردوها في النهر ينفع الله بها قوماً آخرين، هذا اسمه ترشيد استهلاك المياه، فضلت فضلة ردوها في النهر، ينفع الله بها قوماً آخرين. أحيانا من أجل تبريد الماء تستهلك نصف متر مكعب، ضع قارورة في البراد، أما أن تستهلك هذا الماء، في إلقاء الفضلات، القمامة، والتغوط، والتبرز، أمر النبي الكريم بالابتعاد عن المساكن في إلقاء الفضلات، وجعل لها أماكن مخصصة تدعى المناصع، بعيداً عن المساكن، هذه تنظيمات، الدين حياة، الدين نظافة، الدين نظام، الدين صحة، الدين وقاية من الأمراض، المسلم بتصور الناس مهمل، ما فيه نظافة، ولا نظام، ولا موعد، ولا إتقان بالعمل. 4 – إتقان العمل من صميم الدين: والله مرة متعهد يتعهد لتجديد مدرسة، يضع القفل، والبرغي المحلزن بالمطرقة ضربة واحدة صار بالداخل، هذا البرغي قوته تأتي من إدخاله بشكل دائري، أما ضربة بالمطرقة دخل لداخل الخشب حفر موشور، بعد أيام يُنزع القفل، أسرع، قال لي: هكذا قلت له: ما هذا ؟ ![]() لذلك نحن إخواننا الكرام عندنا تخلف كبير جداً، ليس هذا هو الإسلام، الإسلام إتقان. (( إن الله تعالى يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه )) ( أخرجه البيهقي، عن عائشة رضي الله عنها ) الإتقان جزء من الدين، تروي الآثار: أن النبي عليه الصلاة والسلام في أثناء في دفن بعض الصحابة الذي حفر القبر ترك فرجة هكذا، فقال عليه الصلاة والسلام: (( إن هذه لا تؤذي الميت، لكنها تؤذي الحي )) (ورد في الأثر) أحياناً مفتاح الكهرباء مائل مزعج، هذا الميل يُرش الذوق، اجعله متوازياً مع أرض الغرفة، يقول لك: يعمل، لو عمل فهناك ذوق، فلذلك كان عليه الصلاة والسلام لما قال: (( إن هذه لا تؤذي الميت لكنها تؤذي الحي )) (( إن الله تعالى يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه )) ( الطبراني في الأوسط عن عائشة) خاتمة: أيها الإخوة، أنا أبين لكم ماذا فعل النبي في المدينة، جعل الإسلام هو الحياة جعل النظافة، والنظام، والخدمات، جعلها في أعلى مستوى، لذلك هذه الحمى التي كانت من علامات المدينة، حمى يثرب تلاشت، هو دعا وأخذ بالأسباب، وبعدئذٍ توكل على رب الأرباب. والحمد لله رب العالمين |
|
|
|
#50 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : اهمية السيرة النبوية الشريفة فى حياتنافقة السيرة النبوية الدرس : ( الخمسون ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. سنة النبي عليه الصلاة والسلام منهج كامل: أيها الإخوة الكرام، مع درس جديد من دروس فقه السيرة النبوية ![]() ذلك لأن سنة النبي صلى الله عليه وسلم هي أقواله، وأفعاله، وإقراره، وصفاته، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم معصوم بمفرده، لذلك أقواله سنة، وأفعاله سنة، وإقراره سنة، وصفاته سنة أي منهج، والله عز وجل قال: ﴿ وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ ﴾ ( سورة العنكبوت ). أي أن كل كلمة قالها النبي عليه الصلاة والسلام وحي غير متلو، لأن الله عز وجل يقول: ﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾ ( سورة النجم ). أقواله تشريع، لذلك هناك وحيان: وحي متلو، ووحي غير متلو، الأحاديث الشريفة وحي غير متلو، وسلوكه وحي غير متلو، وإقراره وحي غير متلو. محاولات بائسة لتقويض السنة: لذلك أيها الإخوة، أعداء المسلمين لا يستطيعون إلغاء هذا الدين، إنه كالطود الشامخ، ولكنهم يحاولون أن يقوّضوا دعائمه من الداخل، والسنة النبوية من دعائم هذا الدين. ![]() (( أوتيت القرآن ومثله معه )) ( رواه يزيد بن هارون عن المقدام بن معد يكرب الكندي ) وهناك من يقول يكفينا القرآن الكريم، مع أن القرآن الكريم يقول: ﴿ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾ ( سورة الحشر الآية: 7 ) فالذي يكتفي بالقرآن الكريم يلغي القرآن الكريم، لأن القرآن الكريم يأمرك أن تأخذ ما آتاك النبي، وأن تنتهي عما عنه نهاك، والقرآن الكريم يبين أن مهمة النبي لتبين للناس ما نزّل إليهم، فكأن القرآن الكريم قانون، وكأن السنة شرح لهذا القانون، فإذا ألغينا الشرح ألغينا القانون. لابد من الاحتفاء بسنة النبي عليه الصلاة والسلام: لذلك أيها الإخوة، لا بد من أن نحتفي بسنة رسول الله قولاً، وعملاً، وإقراراً وصفات ![]() وأؤكد لكم أنه لو لم يكن إلا السيرة بين أيدينا لكانت منهجاً كافياً لنا، إن أفعاله تشريع، وكما تعلمون أن كل واحد من الناس في حياته شخصية يكونها، وشخصية يكره أن يكونها، وشخصية يتمنى أن يكونها، وهذا الدرس، وهذه السيرة لمن ؟ قال تعالى: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً ﴾ ( سورة الأحزاب ). إذاً: أن تحتفي بمواقف النبي، بإنسانية النبي، برحمة النبي، بعدل النبي، بتواضع النبي، بإنصاف النبي، وأن تجعل نفسك تطمح أن تكون على طريقه، وعلى خطاه فأنت مؤمن، أما إذا كنت لا تعنيك السيرة إطلاقاً فأنت تبحث عن شيء آخر، أنت إذاً لا ترجو الله واليوم الآخر، لأن الله عز وجل يقول: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً ﴾ النبي بشر تجري عليه خصائص البشر: أريد في هذا الدرس أن أقف قليلاً عند أهمية هذه السيرة النبوية العطرة، الحقيقة هناك مثالية نجدها في الكتب، قد نقرأها، ونعجب بها، ولكنها لا تكفي لتحفيزنا إلا أن نطبقها، ما الذي يحفزنها إلى تطبيق السيرة ؟ أنك حينما ترى أنك إنساناً بشر. (( إنما أنا بشر أرضى كما يرضى البشر، وأغضب كما يغضب البشر )) ( أخرجه مسلم من حديث أنس وله من حديث أبي هريرة ) ويقول عليه الصلاة والسلام : (( أوذيت في الله وما يؤذى أحد، وأخفت في الله وما يخاف أحد، ولقد أتت علي ثلاثون من بين يوم وليلة وما لي ولبلال طعام يأكله ذو كبد إلا شيء يواريه إبط بلال )) (أخرجه أحمد في مسنده والترمذي وابن ماجة وابن حبان في صحيحه عن أنس) إذاً: هو بشر، ولأنه بشر، ولأنه تجري عليه كل خصائص البشر كان سيد البشر، فما لم تكن طموحاتك ورغباتك متوجهة إلى أن تمشي على خطى النبي ففي الإيمان خلل، وفي الإيمان ضعف، وتكفيكم هذه الآية: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً ﴾ ![]() بل إن الله جل جلاله لن يقبل دعوى محبته إلا بالدليل، قال تعالى: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ﴾ ( سورة آل عمران الآية: 31 ). معنى ذلك أن الذي لا يفكر أن يتبع سنة النبي العملية، ولا يفكر أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم أسوة له في حياته فهو بنص القرآن الكريم لا يحب الله ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي ﴾ بل إن العلماء قالوا: إن محبة النبي صلى الله عليه وسلم عين محبة الله، وإن محبة الله عز وجل عين محبة النبي، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوه ﴾ ( سورة التوبة الآية: 62 ). بضمير المفرد ﴿ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ ﴾ بحسب قواعد اللغة ترضوهما، لأن الله قال: ﴿ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوه ﴾ ![]() قال العلماء: إرضاء الله عز وجل عين إرضاء النبي، وإرضاء النبي عليه الصلاة والسلام عين إرضاء الله، ومحبة الله عين محبة النبي، ومحبة النبي عين محبة الله، لذلك محبة النبي فرع من محبة الله، فالذي لا يحب النبي لا يحب الله، والذي يحب النبي يحب الله. (( ويا عمر كيف أصبحت ؟ قال: والله با رسول الله أصبحت أحبك أكثر من أهلي وولدي والناس أجمعين إلا نفسي التي بين جنبي، قال: يا عمر لن يكمل إيمانك بعد حين جاءه وقال: الآن يا رسول الله أصبحت أحبك أكثر من أهلي، وولدي، ومالي حتى نفسي التي بين جنبي، فقال عليه الصلاة والسلام : الآن يا عمر )) أيها الإخوة، يقول بعض الصحابة الكرام، وهو سيدنا سعد بن أبي وقاص : << ثلاثة أنا فيهن رجل، وفيما سوى ذلك فأنا واحد من الناس، وكلمة رجل في القرآن لا تعني أنه ذكر، وفي السنة لا تعني أنه ذكر، بل يعني القرآن بكلمة رجل أنه بطل. ﴿ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ﴾ ( سورة النور الآية: 37 ). ﴿ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا ﴾ ( سورة التوبة الآية: 108 ). مثال من جيل الصحابة في كمال تصديقه للنبي: إنه سعد بن أبي وقاص: فكلمة رجل لا تعني أنه ذكر، تعني أنه بطل، سيدنا سعد بن أبي وقاص استخدم هذا المعنى فقال: << ثلاثة أنا فيهن رجل، وفيما سوى ذلك فأنا واحد من الناس ـ ما هذه الثلاثة ؟ ـ يقول هذا الصحابي الجليل: ما صليت صلاة فشغلت نفسي بغيرها حتى أنصرف منها >>. (( الصلاة عماد الدين )) ( أخرجه البيهقي في شعب الإيمان عن عمر ) من أقامها فقد أقام الدين، ومن هدمها فقد هدم الدين، والصلاة معراج المؤمن. (( الصلاة ميزان، فمن أوفى استوفى )) (أخرجه ابن المبارك في الزهد عن ابن عباس ) من وفى الاستقامة حقها استوفى من الصلاة ثمراتها. أن تتابع المسلسلات ليلاً ثم تقوم كي تصلي العشاء تقف وتكبر تكبيرة الإحرام، وتقرأ الفاتحة وسورة، وتركع وتسجد، لكن لا تستطيع أن تقبل على الله، لأنه قيل: شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي وأنبأني بأن الــــعلم نور ونـور الله لا يُهدى لعاصي ![]() الصلاة نور، الصلاة حبور، الصلاة طهور، الصلاة ميزان، الصلاة عقل، الصلاة معراج المؤمن، الصلاة قرب، الصلاة ذكر، الصلاة عماد الدين. ولكن ورد في بعض الآثار القدسية أنه: (( ليس كل مصل يصلي، إنما أتقبل صلاة ممن تواضع لعظمتي، وكف شهواته عن محارمي، ولم يصر على معصيتي، وأطعم الجائع، وكسا العريان، ورحم المصاب وآوى الغريب كل ذلك لي، وعزتي وجلالي إن نور وجهه لأضوء عندي من نور الشمس على أن أجعل الجهالة له حلما، والظلمة نورا يدعوني فألبيه، ويسألني فأعطيه، ويقسم علي فأبره، أكلأه بقربي، وأستحفظه ملائكتي، مثله عندي كمثل الفردوس لا يتسنى ثمرها ولا يتغير حالها )) (أخرجه الديلمي عن حارثة بن وهب ) ![]() فقال سيدنا سعد: << ثلاثة أنا فيهن رجل، وما فيما سوى ذلك فأنا واحد من الناس، ما صليت صلاةً فشغلت نفسي بغيرها حتى أنصرف منها، ولا سرت في جنازة فحدثت نفسي بغير ما تقول ـ ونحن قبل هذا الدرس صلينا على أحد الموتى المسلمين، هل فكر واحد منا أنه لا بد من يوم يكون في نعش، ويدخل إلى المسجد لا ليصلي، بل ليصلى عليه ؟ وبعدها تذهب هذه الجنازة إلى مقبرة، وبعدها يوضع في القبر، ويحاسب عن كل شيء ؟ ولا سرت في جنازة فحدثت نفسي بغير ما تقول حتى أنصرف منها. ورد في بعض الآثار: أن الميت ترفرف روحه فوق النعش، تقول: يا أهلي، يا ولدي، لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي، جمعت المال مما حل وحرم، فأنفقته في حله وفي غير حله، فالهناء لكم، والتبعة علي. ورد في بعض الأحاديث: ![]() (( فو الذي نفس محمد بيده ما من بيت إلا وملك الموت يقف فيه في اليوم خمس مرات، فإذا رأى أن العبد قد انقطع رزقه، وانقضى أجله ألقى عليه غم الموت فغشيته سكراته، فمن أهل البيت الضاربة وجهها، والصارخة بويلها، والممزقة ثوبها يقول لهم ملك الموت: فيمَ الفرع ؟ ومم الجزع ؟ ما أذهبت لواحد منكم رزقاً، ولا قربت له أجلاً، وإني لي فيكم لعودة، ثم عودة، حتى لا أبقي منكم أحداً، فوالذي محمد بيده لو سمعوا كلامه، ورأوا مكانه، لذهلوا عن ميتهم، ولبكوا على أنفسهم )) ( ورد في الأثر ) (( لو تعلمون ما أنتم لاقون بعد الموت ما أكلتم طعاما على شهوة أبدا، ولا شربتم شرابا على شهوة أبدا، ولا دخلتم بيتا تستظلون به، ولمررتم إلى الصعدات تلدمون صدوركم، وتبكون على أنفسكم )) ( أخرجه ابن عساكر عن أبي الدرداء ) << ولا سرت في جنازة فحدثت نفسي بغير ما تقول حتى أنصرف منها ـ ولكن الشاهد في الثالثة، هنا الشاهد ـ ولا سمعت حديثاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا علمت أنه حق من الله تعالى. ﴿ وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾ مقتطفات من سيرة النبي العملية: ـ المؤمن الصادق إذا قرأ سيرة النبي كيف إذا دخل بيته ألقى على أهله السلام، وكيف إذا دخل بيته كان بساماً ضحاكاً وكيف يقول عن النساء: (( أكرموا النساء، فوالله ما أكرمهن إلا كريم، ولا أهانهم إلا لئيم، يغلبن كل كريم، ويغلبهن لئيم، وأنا أحب أن أكون كريماً مغلوباً من أن أكون لئيماً غالياً )) ـ كيف كان عليه الصلاة والسلام في مهنة أهله، يخصف نعله، ويرفو ثوبه ويكنس بيته، وكان في مهنة أهله. أنت كمؤمن يجب أن يكون النبي عليه الصلاة والسلام قدوة لك، أسوة لك وهو في بيته، وهو مع زوجاته، وهو مع أولاده، كان يقول عليه الصلاة والسلام: (( علموا، ولا تعنفوا، فإن المعلم خير من المعنف )) ( أخرجه الحارث ابن عدي، والبيهقي، عن أبي هريرة) ![]() ـ كان يسلم على الصبيان، كان يداعبهم، كان يقبلهم، كان يحملهم وهو يصلي مرة كان على المنبر، رأى ابن ابنته الحسين رضي الله عنه يتعثر في مشيته، فنزل من على المنبر وحمله بيده، وصعد به إلى المنبر، هكذا كان مع الصغار. ـ هكذا كان مع النساء مرة غضبت عائشة، كسرت طبقاً على الأرض جاءها من صفية، أصابتها الغيرة، فقال عليه الصلاة والسلام: (( غضبت أمكم، غضبت أمكم )) (البخاري) كان زوجاً ناجحاً، كان أباً ناجحاً كان صديقاً وفياً، كان جاراً. أيها الإخوة، أردت بهذا الدرس أن نعرف أنه ما لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم في سيرته، في بيته، مع إخوانه، في مسجده، ما لم يكن قدوة لنا فلسنا على ما ينبغي. ![]() ـ صلى أعرابي وراء النبي، أحد أصحابه أصابه عطاس، فقال له في الصلاة: يرحمك الله، فالصحابة الكرام ضربوا على أرجلهم بأيديهم، أن هذا لا يكون، فخاف هذا الأعرابي، خاف أن يلقى تعنيفاً شديداً، أو خاف أن يُضرب بعد الصلاة، فأوجس خيفة، فلما انتهى النبي من صلاته قال: تعال يا عبد الله، إن هذه الصلاة لا يصلح لها شيء من كلام الناس، فقال هذا الأعرابي: بأبي هو وأمي، والله ما عنفني، ولا كهرني، فقال له: اللهم ارحمنا ومحمداً، ولا ترحم معنا أحداً، فقال عليه الصلاة والسلام: (( يا أخي، لقد حجرت واسعاً )) (البخاري) كان لطيفا، كان متواضعا. ـ دخل عليه رجل أصابته رعدة، فقال له: (( هون عليك إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد بمكة )) (الترمذي) ـ كان مع أصحابه في سفر أرادوا أن يعالجوا شاة، قال أحدهم: عليّ ذبحها ، وقال الثاني: عليّ سلخها، وقال الثالث: عليّ طبخها، فقال عليه الصلاة والسلام : وعليّ جمع الحطب، قالوا: يا رسول الله نكفيك ذلك، قال: أعلم أنكم تكفونني، ولكن الله يكره أن يرى عبده متميزاً على أقرانه. ![]() إذاً: أريد من هذا اللقاء الطيب حقيقة دقيقة ؛ وهي أنه ما لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم قدوة لك، وأسوة لك في حياتك، فلستَ متّبعا له . ـ في فقره: دخل عليه الصلاة والسلام بيته، فقال: (( هل عندكم من طعام ؟ ـ لا يوجد شيء إطلاقاً ـ قالوا: لا، قال: فإني صائم )) ( مسلم عن عائشة ) ـ رأى زعيم قبيلة وادياً من الغنم لرسول الله فقال: (( لمن هذا الوادي ؟ قال: هو لك قال: أتهزأ بي ؟ قال: لا والله هو لك، قال: أشهد أنك رسول الله تعطي عطاء من لا يخشى الفقر )) (ورد في الأثر ) هو قدوة لنا في فقره، وقدوة لنا في غناه، قدوة لنا في قهره، في الطائف قهر والآن المسلمون يقهرون في العالم، قال: (( يا رب، إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي، ولك العتبى حتى ترضى، لكن عافيتك أوسع لي )) ( الطبراني عن عبد الله بن جعف) ـ سمح له أن ينتقم منهم، جاءه ملك الجبال، قال: يا محمد، أمرني ربي أن أكون طوع إرادتك، لو شئت لأطبقت عليهم الأخشبين، قال: لا يا أخي، اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون. ـ امتحن بالفقر فنجح، امتحن بالغنى فنجح، امتحن بالقهر فنجح، امتحن بالنصر دخل مكة فاتحاً، عشرة آلاف رجل يأتمرن بكلمة من شفته، فكان بإمكانه هؤلاء صناديد قريش الذين ناصبوه العداء عشرين عاماً، وقتلوا أصحابه، وحاربوه مرات ثلاثا، كان بإمكانه وهو القوي المنتصر أن يبيح المدينة لجيشه، أو أن يلغي وجودهم، فقال عليه الصلاة والسلام: (( ما تظنون أني فاعل بكم ؟ قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء )) [ السيرة النبوية ] ![]() نجح بالنصر، ودخل مكة فاتحاً، وكادت ذؤابة عمامته تلامس عنق بعيره تواضعاً لله عز وجل. ـ الآن مات ابنه إبراهيم دمعت عيناه، قالوا: أتبكي ؟ قال: (( إن العين لتدمع وإن القلب ليخزن، ولا نقول إلا ما يرضي الرب، وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون )) (متفق علي) ـ امتحن نجح بامتحان موت الولد، طُلقت بنتاه، فامتحن فنجح بالامتحان، فقد اتهمه المنافقون بأن زوجته زانية، في حديث الإفك، فصبر، حتى برأها الوحي من فوق سبع سماوات، لما برأها الوحي كان عنده الصديق فقال لابنته: قومي فاشكري رسول الله السيدة عائشة قالت: والله لا أقوم إلا لله، فتبسم عليه الصلاة والسلام، وقال: عرفت الحق لأهله. ـ أمسكه مرة أعرابي فظ غليظ من ثوبه حتى أثر في عنقه الشريف، قال: يا محمد هذا المال ليس مالك ولا مال أبيك أعطني منه، فقال: صدق إنه مال الله: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ ﴾ ![]() ـ تسأله السيدة عائشة: كيف حبك لي ؟ الآن معظم الأزواج الجهلاء، يقول لك قصيرة، لا يبقي عيب إلا ويعيرها به، فتنهدم العلاقة بينهما، تسأله السيدة عائشة: كيف حبك لي ؟ يقول لها: كعقدة الحبل، تسأله من حين لآخر: كيف العقدة ؟ يقول: على حالها متينة. ـ حدثته مرة السيدة عائشة عن قصة لزوجين مثاليين، أبو زرع وأم زرع، كان أبو زرع شهماً، شجاعاً، كريماً...إلخ، لكنها في نهاية قالت له متأسفة: غير أنه طلقها، فقال عليه الصلاة والسلام : (( كنتُ لك لأبي زرع لأم زرع، غير أني لا أطلقك )) ( أصله في البخاري بغير قوله: غير أني لا أطلقك ) ما لم تكن سيرة النبي في مخيلتنا، ما لم تكن هذه الشخصية الفذة، شخصية النبي بأخلاقه، بشمائله، بتواضعه، برحمته، بإنصافه، بعدله، أمامنا نبراساً لنا ففي الإيمان ضعف وخلل. ـ أيها الإخوة الكرام، كان إذا صلى صلاة الفجر كان يقرأ آيات كثيرة، لكن مرة سمع غلاماً يبكي، فاختصر الصلاة، وسلم سريعاً، وتعجب أصحابه فقال: سمعت بكاء صغير ينادي أمه ببكائه، فرحمتها. (( ليس منا من لم يجل كبيرنا، ويرحم صغيرنا، ويعرف لعالمنا حقه )) ( أخرجه أحمد في مسنده والحاكم، عن عبادة بن الصامت ) العبرة في السيرة الاقتداء والاعتبار لا الأحداث والأخبار: هكذا قال عليه الصلاة والسلام، فيا أيها الإخوة، ليس القصد أن نستمع لهذه الأخبار عن سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، القصد أن تترجم هذه السيرة إلى واقع نعيشه. 1 – معرفة سيرة النبي فرض عين: لذلك النقطة الدقيقة جداً أن معرفة سيرة النبي ـ دققوا ـ فرض عين على كل مسلم، السبب أن هناك قاعدة أصولية تقول: ما لا يتم الفرض إلا به فهو فرض، الصلاة تتم من دون وضوء ؟ الصلاة فرض والذي لا يتم إلا به فهو فرض أيضاً، الوضوء فرض تمام ؟. ![]() إذا قال الله لعباده المؤمنين: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾ بصراحة كيف يكون النبي صلى الله عليه وسلم أسوة لنا حسنة ؟ إن لم نعرف سيرته، كيف تعالج ضغطك المترفع وهو القاتل الصامت إن لم تعرف أنك مصاب بالضغط ؟ تماما معرفة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم فرض عين على كل مسلم، لأن الله يقول: ![]() ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾ ولا يمكن أن يكون النبي أسوة لنا إلا إذا عرفنا ماذا فعل كيف أكل، كيف نام، كيف عامل زوجته، كيف عامل إخوانه، كيف عامل أولاده. لذلك أيها الإخوة، معرفة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم فرض عين على كل مسلم، كما أن معرفة سنة النبي القولية فرض عين على كل مسلم، الدليل هي قوله تعالى: ﴿ وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾ كيف نأخذ ما آتانا إن لم نعرف ما آتانا ؟ وكيف ننتهي عمن عنه نهانا إن لم نعرف ما الذي عنه نهانا ؟ فما لا يتم الواجب به فهو واجب، وما لا يتم الفرض به فهو فرض، وما لا تتم السنة إلا به فهو سنة. 2 – حضور دروس السيرة ضروري: إذاً: حضور درس فقه السيرة النبوية للمؤمن ضروري جداً كي يعرف كيف كانت أخلاق النبي في بيته. أحيانا يخطب إنسان فيتحدث عن شخص له مكانه، له منصب، بجفاء، بقسوة باسمه فقط، ويظن أن هذا إيمان، لا، النبي أرسل رسالة إلى قيصر ملك الروم، فقال: (( من محمد ابن عبد الله إلى عظيم الروم )) (أحمد) ![]() هو قيصر ليس عظيماً عند النبي، لكن هذا لقب، فأنت حينما تكون قريباً تتبع سيرة النبي عليه الصلاة والسلام . ـ أنا أريد أن أقول: يمكن أن تتعلم من السيرة كل شيء، آداب الطعام والشراب، ما رؤي ماداً رجليه قط، هو سيد الخلق وحبيب الحق، ما رؤي ماداً رجليه قط، طبعاً أحيانا يكون الإنسان معذورا، هذا وضع آخر، أما من دون عذر فما رؤي كذلك. ـ ما ذم طعاماً قط، فإذا قدّم لك شخص دعوة لطعام، وقد تعب في تحضيره، فلا تقل له: الطعام ليس طيبا، إنها منتهى الغلظة، ومنتهى الفظاظة، ما عاب النبي طعاماً قط أبداً. ـ ما عامله أحد أصحابه إلا ظن أنه أقرب الناس إليه، هذه بطوله هذه، أبو بكر مني كالسمع والبصر، وما ضر عثمان ما فعله بعد اليوم، وخالد سيف الله، وأبو عبيدة أمير هذه الأمة، والزبير ابن العوام حواري هذه الأمة، ما من صحابي إلا وخصه بوصف، لذلك ما عامله أحد من أصابه إلا ظن أقرب الناس إليه. (( ارْمِ سَعْدٌ فِدَاكَ أَبِي وَأُمّ )) (أخرجه مسلم عن علي ). هذا خالي فأروني خال مثل خالي. هذا من سيرته، مع زوجات الطاهرات كان زوجا ناجحا جداً، وكان يعدل بينهن، وكان صادقا، كانت حينما تقول له السيدة عائشة وقد ضجرت من كثرة ثنائه على خديجة وقد توفاها الله، قالت له: ألم يبدلك الله خيراً منها ؟ قال: لا والله، صادق، لا والله، لا والله. يا أيها الإخوة، الذي أريده أن نترجم مواقف النبي في خصوصياته في بيته، في بيعه، في شراءه، مع إخوانه، مع أصحابه، في الحرب والسلم إلى واقع نعيشه. ماذا حال المسلمين سيئ اليوم ؟ لذلك أختم هذا الدرس بهاتين الآيتين، وهاتان الآيتان تفسران لنا، لماذا يعذب المسلمون اليوم قال تعالى: ![]() ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾ ( سورة الأنفال الآية: 33 ). هذه الآية واضحة جداً في حياة النبي، لكن ما معنى الآية بعد موت النبي ؟ يعني يا محمد ما دامت سنتك قائمة بعد موتك في حياتهم، وفي بيوتهم، وفي أعمالهم وفي مساجدهم، وفي بيعهم، وفي شرائهم، وفي كسب أموالهم، وفي إنفاق أمولهم، وفي احتفالاتهم، في مسراتهم، وفي أحزانهم، فهم في بحبوحة من عذاب الله. ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾ ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ ( سورة الأنفال ). إذاً: نحن حينما نقصر في تطبيق السنة، ونستغفر فنحن في بحبوحة، وحينما نطبق السنة فنحن في بحبوحة، وطريق خلاص المسلمين الآن أن يعتمدوا سيرة النبي عليه الصلاة والسلام ويطبقوها في حياتهم فلعل الله يرحمهم. والحمد لله رب العالمين |
|
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| الكلمات الدليلية (Tags) |
| الشجرة, النبوية, فقه |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء : 0 , والزوار : 1 ) | |
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| السيرة الذاتية لعلماء الاسلام | السعيد | ريآض الفتوحآت والشخصيآت الإسلآمية | 63 | 11-05-2018 02:41 PM |
| المسجد الأقصى في السيرة النبوية | قتيبه العاشق | رِيَاض نَسَائِم عِطْرُ النُبُوَّة | 7 | 06-09-2016 08:12 AM |
| في ظلال السيرة النبوية | منال نور الهدى | رِيَاض نَسَائِم عِطْرُ النُبُوَّة | 3 | 05-09-2016 10:10 PM |
| من خصائص السيرة النبوية | منال نور الهدى | رِيَاض نَسَائِم عِطْرُ النُبُوَّة | 5 | 07-14-2014 05:10 AM |
| السيرة النبوية ربانية ووسطية | منال نور الهدى | رِيَاض نَسَائِم عِطْرُ النُبُوَّة | 4 | 02-07-2014 10:34 PM |