| كَلِمةُ الإِدَارَة |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
| جديد المواضيع |
| رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة ( يختص بالعقيدة والفقه الاسلامي على نهج أهل السنة والجماعة) |
الإهداءات |
![]() |
|
|
|
أدوات الموضوع | إبحث في الموضوع |
|
|
#31 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : الصوم - تعريفة - شروطة - اركانة - مفطراتةالفقة الاسلامى - 2 الدرس : ( التاسع و العشرون ) الحمد لله رب العالمين ، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً ، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه ، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين . تعريف الصوم : أيها الأخوة الأكارم ، مهدنا في الدرس الماضي لموضوع الصوم ، و اليوم نتحدث عن بعض أحكامه . أولاً : تعريف الصوم هو الإمساك نهاراً عن إدخال شيء عمداً أو خطأ ، بطناً أو ما له حكم البطن ، و عن شهوة الفرج بنية من أهله ![]() هذا تعريف من نوع جامع مانع ، الإمساك أي ترك الطعام و الشراب ، نهاراً : لأن الطعام و الشراب في الليل مباح ، عن إدخال شيء عمداً أو خطأً : من تمضمض و بالغ في المضمضة و دخل شيء من الماء إلى جوفه فقد أفطر و عليه أن يبقي نفسه صائماً ، و أن يعيد صيام هذا اليوم عمداً أو خطأً ، بطناً ، و الإمساك عن شهوة الفرج بنية : لولا النية - النية تفرق العبادة عن العادة - لولا النية لاختلط الأمر بين العبادات و العادات ، من أهله : المرأة النفساء ليست أهلاً للصيام و كذلك الحائض ، و سبب وجوبه شهود جزء منه ، لو الإنسان أسلم بخمسة عشر من رمضان عليه أن يصوم الأسبوعين المتبقيين و سبب وجوبه شهود جزء منه ، و كل يوم منه سبب لوجوب أدائه ، كل يوم من أيام هذا الشهر الكريم سبب لأدائه ، و هو فرض أي الصيام أداءً و قضاءً ، أي إذا كانت المرأة تقضي بعض أيام رمضان في أشهر السنة لا يستطيع زوجها أن يأمرها بالإفطار هذا فرض ، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ، يقول لها : هذا ليس رمضان هي تقضي ما فاتها من رمضان ، و هو فرض أداءً و قضاءً على من اجتمع فيه أربعة أشياء : أولها الإسلام ، و ثانيها العقل ، و ثالثها البلوغ ، و رابعها العلم بالوجوب لمن أسلم بدار الحرب ، كيف؟ أي في أثناء المعارك أو في أثناء الحرب دخل أحد الكفار في الإسلام ، و قد شهد أنه لا إله إلا الله و أن محمداً رسول الله لكنه ، و هو في زحمة المعركة لم يبلغ أنه لا بد من صيام رمضان ، فالعلم بوجوب الصيام أحد الشروط التي يجب أن تتوافر في الصائم ، الإسلام و العقل و البلوغ و العلم بالوجوب لمن أسلم بدار الحرب ، أما من كان في ديار الإسلام فلا يقبل منه الجهل ، ليس من المعقول إنسان في بلد إسلامي و يأتي رمضان و يقول لك : لا أعلم أن هناك صياماً هذا مرفوض ، لكنه إذا أسلم بدار الحرب كان العلم بالوجوب أحد الشروط اللازمة للصيام ، أما المقيم في دار الإسلام فهذا لا يعتد به . شروط الصيام : و يشترط لوجوب أدائه الصحة من مرض و حيض و نفاس ، و الإقامة أي أن يكون مقيماً و ليس مسافراً ، فالمسافر قال تعالى : ﴿ وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ﴾ [ سورة البقرة : 27] و يشترط لصحة أدائه ثلاثة : النية لابد من النية - كما قلنا قبل قليل - النية تميز العبادة عن العادة ، و الخلو عما ينافيه من حيض و نفاس و عما يفسده ، و لا يشترط الخلو عن الجنابة أي من أصبح صائماً و كان في الليلة جنباً فصيامه صحيح يغتسل و يتابعه ، و ركنه : الكف عن قضاء شهوتي البطن و الفرج و ما ألحق بهما ، و حكمه : سقوط الواجب عن الذمة و الصواب في الآخرة و الله أعلم ، الصيام فرض إذاً لابد من أدائه ، حكمه أنك إذا صمت سقط عنك هذا الفرض و لك في الآخرة ثواب ، و هناك أهداف أخرى بيّنها القرآن الكريم و الله أعلم . يتضح لكم أن هذه المعلومات أساسية و واضحة لكن إذا أردنا أن نقف عند بعضها الذي نحن بحاجة إليه ، أولاً : من أفطر مخطئاً عليه أن يعيد اليوم ، بالغ في المضمضة و الوضوء إلا أن تكون صائماً ، فإن كنت صائماً و بالغت في المضمضة و دخل شيء من الماء في جوفك عليك أن تعيد صيام هذا اليوم ، و أن تمسك بقية النهار هذا حكم ، هذا معنى خطأً ، طبعاً عمداً معروف ، إفطار قطعي ، النية أساسية في الصيام ، الأهلية أساسية في الصيام ، خلو الإنسان من مرض أو حيض أو نفاس أو سفر ، أي أدرك المؤمن من هذا الشهر يوماً عليه أن يصوم بقية الشهر ، كل يوم سبب لأدائه ، لا جهل في دار الإسلام إن كنت مقيماً بين المسلمين لا يعتد بالجهل ، لكنك إن كنت مقيماً في دار حرب و حديث عهد بالإسلام علمك بوجوب صيام هذا الشهر شرط أساسي من شروطه . الجنابة لا تفسد الصيام ، و الدرس القادم إن شاء الله نتابع فيه أنواع الصيام الستة؛ فرض و واجب و مسنون و مندوب و نفل و مكروه . أما النية فهي من عمل القلب لكن بعض الفقهاء شدد في اللفظ و بعضهم قال : نية القلب تكفي . * * * الطهارة : من الفصول المختارة من إحياء علوم الدين كتاب الطهارة و قال المؤلف رحمه الله و رضي عنه : اعلم أن الطهارة لها أربع مراتب ، الأولى : تطهير الظاهر من الأحداث و الأنجاس و الفضلات ، الأحداث هناك حدث أصغر و حدث أكبر ، و الأنجاس العينية ، و الفضلات كحلق شعر الإبط و ما شاكل ذلك ، و قص الأظافر ، فجمعت في هذه الكلمات الثلاث تطهير الظاهر من الأحداث و الأنجاس و الفضلات ، و الثانية : تطهير الجوارح من الذنوب و الآثام ، و الثالثة : تطهير القلب من الأخلاق المذمومة و الرذائل الممقوتة ، و الرابعة : تطهير السر عما سوى الله عز وجل - أربعة مراتب - و هذه هي الغاية القصوى ، قال : فمن قويت بصيرته سمت إلى هذا المطلب - الرتبة - سريرته ، و من عميت بصيرته لم يفهم من مراتب الطهارة إلا المرتبة الأولى ، هذه ظاهرة تجد مسلمين كثيرين لا يعنون إلا بطهارة الظاهر بل إنهم يصابون بأمراض نفسية اسمها الوساوس المتسلطة ، كم من قضية رفعت إليّ من أن إنساناً أصيب بأمراض من هذا النوع أصبحت حياته جحيماً لا تطاق ، يتوضأ و يعيد الوضوء و يدخل دورة المياه و يخرج و يشك في نوع طهارته فيدخل ثانية و يخرج ، يتحرى مصلاه إن داس عليه طفل صغير يعيد الصلاة ، هذه أمراض نفسية أي مثل هذا الإنسان يعالج في مصحات ، فالإنسان عندما ينسى مراتب الطهارة و يكتفي بالمرتبة الأولى و هو تطهير الظاهر من الأحداث و الأنجاس و الفضلات فقد غفل عن حقيقة الطهارة لماذا ؟ لأن الإسلام بني على النظافة ، النظافة أي إياكم أن تظنوا النظافة المادية فقط ، كنت قد ضربت لكم مثلاً : قلت من قبل أن إنساناً يعمل في مصلحة فيها زيت و شحم و أشياء تلوث الثياب - مكنسيان مثلاً - و مرتدياً أفرول كما يسمونه أصله أزرق صار أسود اللون من الشحم و الزيت و الفحم و الوحل ، و انبطح تحت سيارة ليفك بعض أجزائها ، و أتقن عمله ، و أخذ أجراً معتدلاً ، فهذا العمل في الإسلام نظيف إلى أقصى الحدود ، وقد تقبع في غرفة مؤسسة بأفخر الأثاث ، و فيها أجمل المفروشات ، و هي مكيفة ، و فيها كل وسائل الراحة ، فإذا كان هذا العمل مبنياً على إيذاء الناس في هذه الغرفة فهذا عمل قذر ، فالنظافة إذا أطلقت إياكم أن تظنوا أنها تنصرف إلى النظافة المادية ![]() ذاك العمل نظيف ، و النبي عليه الصلاة و السلام أثنى على من يعمل بيده و هو من الكسب الحلال ، وسيدنا عمر يقول : " إني أرى الرجل لا عمل له فيسقط من عيني " ، و الإمام علي كرم الله وجهه يقول : " قيمة الرجل ما يحسنه " ، إن كان يحسن عملاً فله عند الله قيمة لأنه عنصر معطاء ، فالنظافة المقصود بها هي الطهارة الداخلية ، فالكذاب قذر ، المخادع قذر ، النمام قذر ، المتكبر قذر ، الذي يحتقر الناس قذر ، و هناك أعمال قذرة مبنية على إيقاع الأذى بالناس ، على أخذ أموالهم ، على إيقاع الرعب فيهم ، هذه أعمال كلها قذرة ، و الأعمال التي يحتاج فيها الإنسان إلى ثياب خاصة هذه الأعمال هي عند الله نظيفة ، و عند الناس نظيفة ، و أنعم بها من أعمال، فبني الإسلام على النظافة ، يجوز إنسان يذهب إلى أوربا يجد هناك مظاهر نظافة من أعلى مستوى ، لكن لو عاشرهم و أقام بينهم لرأى من قذارتهم ما لا يوصف ، من تفسخهم الاجتماعي ، من انحلالهم الخلقي ، من اختلاط الأنساب عندهم ، أي كيف تقبل أيها الإنسان أن إحصائية أجريت في أمريكا قبل أشهر عن بعض العلاقات المحرمة بين الأقارب فوجد أن ثلاثين في المئة من النساء هناك يمارسن علاقات محرمة مع محارمهن كالآباء و الأخوات ، ما تفسير ذلك ؟ هؤلاء ليسوا بناتهن ، و هؤلاء ليسوا أخواتهن بسبب اختلاط الأنساب ، لا يوجد عندهم عدة ، و لا هذا التشريع الحكيم الذي جاء به النبي الكريم ، فيظن أن هذه أخته هي ليست أخته ، يُظن أن هذه ابنته و هي ليست ابنته ، فهذه هي القذارة الحقيقية ؛ التفسخ ، و الانحلال ، و اللؤم ، و كسب المال الحرام ، و الكذب ، و الغش ، و النميمة ، هذا كله يسبب قذارة النفس ، فمن قويت بصيرته سمت إلى هذه الأهداف همته ، و من عميت بصيرته لم يفهم من مراتب الطهارة إلا المرتبة الأولى فتراه يضيع أكثر زمانه الشريف في المبالغة في الاستنجاء و غسل الثياب ، انظر المؤلف قال : زمانه الشريف ، أي أنت هذا العصر الذي تعيشه و هذا العمر الذي تستهلكه هو ثمين جداً ، أي كل دقيقة أحياناً يقول لك : هذه المركبة الفضائية كلفت كل دقيقة منها ثلاثة عشر مليون دولار مثلاً ، ما معنى ذلك ؟ أي هذه المركبة الفضائية بذل من أجل إطلاقها إلى القمر علم الأرض كله ، أي جميع العلوم ؛ الرياضيات ، الفلك ، الفيزياء ، الكيمياء ، كل هذه العلوم تضافرت و ساهمت في هذه المركبة الفضائية ، أحصيت نفقاتها فإذا هي رقم كبير كبير ، قسم هذا المبلغ الكبير على أيام بقائها في الفضاء ، و على ساعات بقائها ، و على دقائق بقائها ، فقيل : إن الدقيقة الواحدة كلفت ثلاثة عشر مليون دولار . العمر ثمين جداً : هل تصدق أيها الأخ الكريم أن الثانية الواحدة من حياتك تكلف ألوف ألوف الملايين من أجل أن تشرب هذا الكأس من الماء ، لابد من الشمس ، لا بد من السحاب ، لابد من البحار من أجل أن تأكل ، هذه المناخات المتقلبة من حر و قر و أمطار وثلوج و غيم و شمس ساطعة و شمس محجوبة ، هذه كلها تسهم في صنع الطعام و الشراب ، في صنع الخضراوات و المحاصيل و الفاكهة ، فأنت مثلاً قلبك من أجل تركيب دسام في القلب صناعي اسمع العمليات تقدر بمئتي ألف ، بثلاثمئة ألف ، تركيب كلية كلف ثمانمئة ألف ليرة ، زرع كلية مأخوذة لإنسان ، فالإنسان عندما تكون أجهزته سليمة مادام زرع كلية يكلف ثمانمئة ألف، و عملية بالقلب ثلاثمئة ألف ، ووضع دسام صناعي بأربعمئة ألف ، معنى ذلك أن الإنسان يكلف في كل ثانية ألوف الملايين ، و معنى هذا أن العمر ثمين جداً ، فمن استهلك هذا العمر في سفاسف الأمور ، في اللهو و الباطل ، و أهداف غير صحيحة ، و في طرق مسدودة ، و أعمال لا طائل منها ، في لعب و تفاخر بالأموال و الأولاد ، فهو من أخسر الناس ، لأن ساعة اللقاء لا يندم فيها المرء إلا على ساعة مرت في الدنيا لم يذكر الله فيها ، فالإنسان يدقق في وقته كيف يصرفه ؟ أي ما مضى فات ، و المؤمل غيب ، و لك الساعة التي أنت فيها ، ما مضى صليت أم لم تصلِّ ، صمت أم لم تصم ، فكرت أم لم تفكر ، أحسنت أم أسأت ، ما مضى مضى و انتهى أمره ، و التفكير فيه مضيعة للوقت ، و المؤمل غيب ، سأفعل هذا بعد غد ، في نهاية الشتاء سوف أتوب ، في مطلع العام الدراسي سوف أتوب ، بعد أن أنجز هذا العمل سوف أتوب ، و المؤمل غيب ، و لك الساعة التي أنت فيها ، لا تملك إلا هذه الساعة ، فإذا عرفت الله عز وجل قم و بادر إلى طاعته قبل ألا تدري ما سيكون ، إذاً فتراه يضيع أكثر زمانه الشريف في المبالغة في الاستنجاء و غسل الثياب ظناً منه بحكم الوسوسة ، و قلة العلم أن الطهارة المطلوبة هي هذه فقط طهارة الثياب ، و جهلاً بسير المتقدمين الذين كانوا يستغرقون الزمان في تطهير القلوب ، ممكن أن تجد مسلماً نظيفاً و لكن عنده حقد ، عنده استعلاء ، عنده حسد ، ليس معقولاً ، ما قيمة هذه النظافة الظاهرة؟ لابد من تطهير القلب ، لذلك سيدنا عمر قال : " تعاهد قلبك " ، يجب أن تراقب قلبك ماذا يُكِن للناس ؟ هل يكن لهم المحبة أم الحقد ؟ ماذا يكن ؟ قال تعالى : ﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ [ سورة الشعراء : 88-89 ] عملية الطهور في كل المراتب تعد شطر الإيمان : و قد انتهى الأمر إلى قوم يسمون الرعونة نظافة ، فترى أكثر زمانهم يمضي في تزيين الظواهر و بواطنهم خراب محشوة بخبائط الكبر ، و العظم ، و الجهل ، و الرياء ، و النفاق ، و لو رأوا النظافة مقتصرة على الاستجمار على الحجر أي رأوا النظافة مقتصرة على أمور التطهير المادية ، و هذا لا ينبغي أن يكون في هذا الفهم القاصر . ![]() في الحديث عن النبي عليه الصلاة و السلام يقول : (( الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ )) [مسلم عَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ] فسر بعضهم هذا الحديث أن كل مراتب النظافة هذه ؛ مرتبة الجوارح ، و مرتبة تطهير الجوارح من الذنوب ، تطهير القلب من الأخلاق المذمومة ، تطهير السر عما سوى الله ، الطهور شطر هذه المراتب ، أي هذا القلب هذا السر من أجل أن يكون الله فيه ، ماذا ينبغي أن تفعل أولاً ؟ أن تطهره عما سوى الله ، فعملية التطهير نصف الإيمان ، و هذه الجوارح من أجل أن تكون قائمة بأمر الله ، ماذا ينبغي أن تفعل ؟ ينبغي أن تطهرها عن الذنوب و الآثام ، هذا القلب الذي هو موضع الأخلاق المذمومة كيف تحليه بالأخلاق الحميدة؟ لابد من تطهيره من هذه المذمومة ، إذاً عملية الطهور في كل المراتب تعد شطر الإيمان ، أي نصف الإيمان بالذات . الإسلام نظيف ظاهراً و باطناً : و هناك حديث آخر يقول عليه الصلاة و السلام : (( مِفْتَاحُ الصَّلاةِ الطُّهُورُ )) [الترمذي عَنْ عَلِيٍّ] طبعاً الحديث يؤخذ على ظاهره ، لابد من الطهارة ، و الطهارة أحد شروط الصلاة ، و لكن لا ينبغي أن يقتصر الفهم على هذا المعنى ، مفتاح الصلاة الطهور بمعنى من كان غاشاً للمسلمين ، من كان مستغيباً لهم ، من كان ناماً فيما بينهم ، من نظر إلى عوراتهم ، من غشهم في بيعهم و شرائهم ، لا يستطيع أن يصلي ، و بعضهم حمل قوله تعالى : ﴿ يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [سورة الأعراف : 31] بعضهم حمل قوله تعالى هذا على أن الزينة العمل الصالح ، البس أجمل الثياب و تعطر و تزين و هذا شكل الآية ، المعنى الآخر في الآية : لابد من عمل صالح تقدمه بين يديك في أثناء الصلاة ، فلو أغثت ملهوفاً ، أعنت فقيراً ، تصدقت ، عدت مريضاً ، أجبت سائلاً ، ثم ذهبت لتصلي فإن هذا العمل الذي قدمته يعينك على الاتصال بالله عز وجل ، قال تعالى : ﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ﴾ [ سورة الكهف : 110] على كلٍّ كل هذه المعاني التي ذكرناها لا تنفي المعاني الظاهرة للنظافة ، الإسلام نظيف ظاهراً و باطناً ، و إن رأيت إنساناً نظيفاً ظاهراً فادعه إلى نظافة الباطن لأن الأولى لا تكفي . * * * المساجد و الأسواق : و الآن إلى بعض الأحاديث الشريفة يقول عليه الصلاة و السلام : (( . . . . خَيْرَ الْبِقَاعِ الْمَسَاجِدُ ، وَأَنَّ شَرَّ الْبِقَاعِ الأَسْوَاقُ )) [الحاكم عن ابن عمر] ![]() كلمة خير اسم تفضيل بمعنى أخير لكن لكثرة استعمالها اختصرت و أصبحت خير، فأنت في المسجد يطهر قلبك ، و تسمو نفسك ، و تشحذ عزيمتك ، و يلين قلبك ، و تنعقد توبتك ، و تطمح إلى أن تكون من أهل الجنة ، و تحس بالصفاء ، و يبعد عنك الانقباض و الضيق ، و هكذا قال بعض الصحابة : " نكون مع رسول الله و نحن و الجنة كهاتين فإذا عافسنا الأهل و الأولاد ننسى "، هذه الحال تذهب عنا ، لكن في الأسواق هذه الحاجة جميلة لا تملك ثمنها إن اشتريتها ديناً أصابك ذل الدين ، و إن امتنعت عنها شعرت بالحرمان ، و إن كان في الطريق فهناك نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات تلعنهن لأنهن ملعونات ، الإنسان تغيرت وجهته ، فالنبي الكريم قال : (( . . . . خَيْرَ الْبِقَاعِ الْمَسَاجِدُ ، وَأَنَّ شَرَّ الْبِقَاعِ الأَسْوَاقُ )) [الحاكم عن ابن عمر] إن لم تكن لك حاجة ماسة بالسوق لا تذهب إليه ، لأن السوق كما قلنا : موطن الفتنة ، إما فتنة في الحاجات أو فتنة فيمن حول الحاجات ، إياكم و فضول النظر فإنه يوقع في النفس الهوى ، حتى الحاجات التي لست بحاجة إليها لا تتأمل فيها كثيراً فقد تبذل في نفسك الهوى، هناك شيء آخر النبي الكريم كان إذا وقع بصره على شيء من زينة الدنيا يقول : (( اللهم لا عيْشَ إِلا عَيْشُ الآخِرَةِ . . . )) [ البخاري عن أنس بن مالك ] هذا الدعاء يذكرك بالآخرة و ما فيها من نعيم مقيم ، و كيف أن أهل الجنة في الجنة ينعمون إلى أبد الآبدين ، فكلما لاحت لك زينة الدنيا تذكر الآخرة و ما فيها من سعادة عظمى . خير الأعمال و الأصحاب عند الله : و يقول عليه الصلاة و السلام : ((خير الأعمال الصلاة في أول وقتها)) [عن عثمان بن عمر وهو صحيح على شرط الشيخين] يبدو أن الصلاة في أول وقتها تسعد صاحبها ، ومن أخّر الصلاة عن وقتها أذهب الله البركة من عمره ، أي لا ينعم بالوقت ، إذا الإنسان صلى الظهر بوقته ، والعشاء بوقته ، يستريح فإذا أصابه النعاس نام فوراً ، فإذا أخّر العشاء وأصابه النعاس ولم يكن قد صلى فالصلاة أصبحت عبئاً عليه ثقيلاً ، فخير الأعمال الصلاة في أول وقتها ، و خير الأصحاب صاحب إذا ذكرت الله أعانك ، و إذا نسيت ذكرك ، إذا ذكرت الله أعانك فزادك قال لك : و الله إنه شيء جميل ، أكمل حدثنا ، أي شجعك على الحديث ، كنت معه بنزهة أو بسفر هذا الوقت الثمين أمضيتموه في معرفة الله ، إذا ذكرت الله أعانك هذه نصيحة لوجه الله ، إن حدثت صديقاً عن الله و قال لك : هذا الموضوع دعنا منه الآن ، لا تصاحبه ، هذا قد يسبب لك ضياعاً وفساداً ، إذا قال لك : دعنا من هذا الموضوع مازال باكراً علينا ، من مات و رأى ماذا يوجد بعد الموت ؟ الله كريم ، غداً نحج و نتوب ، هذه الأقوال إن قيلت فهذا الصاحب لا ينبغي أن تصاحبه . و عض عليه بالنواجذ بمعنى الزم صحبته ، و يقول عليه الصلاة و السلام : (( خَيْرُ الأصْحَابِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرُهُمْ لِصَاحِبِهِ )) [الترمذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو] أي صاحبان هذا قدم لهذا خدمة كبيرة ، هذا عند الله خير من هذا ، الأكثر نفعاً هو الأفضل عند الله عز وجل ، أي يوجد أصحاب يبني صحبته على ابتزاز صديقه ، أي إذا تناولوا الطعام بمطعم يحب أن يدفع عنه ، حيث يتأخر بالدفع قليلاً حتى يدفع عنه ، إن ركبوا سيارة و ذلك أخرج بطاقة ليضعها يبقى ساكتاً ، فمادام الإنسان بهذه الصحبة يبتغي أن يستفيد من صاحبه فهذا أسوأ الأصحاب ، أما خيرهم عند الله من بادر بإكرام صاحبه حيث : (( خَيْرُ الأصْحَابِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرُهُمْ لِصَاحِبِهِ ، وَخَيْرُ الْجِيرَانِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرُهُمْ لِجَارِهِ)) [الترمذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو] التوحيد يسعد النفوس : و قال عليه السلام : (( خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ )) [ الترمذي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ] ![]() أي خير قول يقوله الإنسان : لا إله إلا الله هذه كلمة التوحيد ، و ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد ، و بالتوحيد تصفو القلوب ، الآن كل مشاكل الناس من الشرك ، بالشرك يوجد خوف و يأس ، مع الشرك يوجد قنوت ، لكن مع التوحيد يوجد بشرى و أمل و طمأنينة و راحة و سعادة و استغناء ، إذا رأيت أن أمورك بيد فلان و فلان لئيم فهذا أكبر الشقاء أي أن ترى أمورك بيد فلان ، و فلان لا يعرف الله عز وجل ، لكنك إذا رأيت الأمر كله بيد الله وأنك عبد لله وأنك إذا أطعته أراحك من عناء الدنيا ، و حماك من شرار خلقه ، هذا هو التوحيد ، و بالتوحيد تسعد النفوس : أطع أمرنا نرفع لأجلك حجبنا فإن منحنا بالرضا من أحـبنا لذ بحمانا و احتم بــجنابنا لنحميك مما فيه أشرار خلقنا *** طبعاً الحياة مخيفة ، الأخطار من كل جانب ، يكفي إنسان يركب سيارته و يكون نظامياً و إذا برجل نائم يدخل به و يقول لك : ابنه توفي و خمسة كسور متحركة ، أي احتمال الشر قائم في الحياة ، أما إن كنت مع الله عز وجل فيحفظك من مثل هذه المصائب .((خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ )) [ الترمذي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ] التوكل على الله و الاستسلام له يدخل السعادة على قلب الإنسان : خير الدعاء الاستغفار ، الاستغفار هذه الوجهة إلى الله عز وجل التي تطهر النفس من ذنوبها ، و الذنوب الأعمال أو الشهوات التي علقت بها ، فإذا جاء النور الإلهي طهرها من هذه الذنوب و نقاها من هذه الأدران . (( قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، خَيْرُ الذِّكْرِ الْخَفِيُّ وَخَيْرُ الرِّزْقِ مَا يَكْفِي )) [أحمد عَنْ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ] أي لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه ، أحياناً الإنسان تسمعون ببعض القراءات في المساجد أن الناس في نهاية الآية يصرخون بأعلى أصواتهم : الله ، لو خشع قلبهم لخشعت أصواتهم ، لو خشعوا لبكوا ، أما هذا الصياح على طرب فهذا صياح الطرب لا صياح الخشوع ، خير الذكر الخفي و خير الرزق ما يكفي ، أي : اللهم من أحبني فاجعل رزقه كفافاً، النبي الكريم تمنى لأحبابه أن تكون أرزاقهم كافية لهم من دون إسراف و لا مخيلة و لا تبذير و لا بذخ و لا كبر و لا فخر و لا خيلاء و لا استعلاء . خير الزاد التقوى و خير ما ألقي في القلب اليقين ، طبعاً إذا الإنسان هيأ بيتاً و هيأ له فرشاً جيداً و مرافق جيدة و وضع ببيت المؤونة - إن صحّ التعبير - كل ما لذّ و طاب و جاءه الموت ، هذا الزاد لا قيمة له ، لكن أعماله الصالحة إن كانت كثيرة فهي خير زاد له، إذا جاء ملك الموت فالنبي الكريم قال : (( خير الزاد التقوى )) [ الطبري عن عكرمة ] و قال :(( خير ما ألقي في القلب اليقين )) [ شعب الإيمان عن ابن مسعود] أي يقين هذا ؟ اليقين بلقاء الله ، اليقين بعدالة الله ، اليقين برحمة الله ، اليقين بأن ما في كتاب الله حق و سوف يقع ، اليقين بأن العاقبة للمتقين ، اليقين بأن أهل الباطل لابد خاسرون ، هذه الكلمات العظيمة من يومين قرأت في القرآن الكريم قوله تعالى : ﴿ أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ ﴾ [ سورة الزخرف : 79] أي إذا أهل الدنيا أبرموا أمراً فالله عز وجل موجود ، أمره هو النافذ ، و الله سبحانه و تعالى يبرم أمراً ، أي الأمرين نافذ ؟ أمر الله عز وجل لو أبرم ، و لو أن هؤلاء الأجانب ائتمروا على هذه البلاد المستضعفة مثلاً ، أبرموا أمراً ، أما فإنا مبرمون ، و قال تعالى : ﴿ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [سورة يونس : 24] أمرنا لا أمرهم ، أجمل شعور للمؤمن يرى أن الله عز وجل ربه و إلهه رحيم سميع بصير غني ، فالتوكل عليه ، و التفضيل له ، و الاستسلام له ، شيء يدخل السعادة على قلب الإنسان . أويس القرني : في موضوع هذه الأحاديث التي تبدأ بكلمة خير مرّ معي هذا الحديث :(( نَادَى رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ يَوْمَ صِفِّينَ : أَفِيكُمْ أُوَيْسٌ الْقَرَنِيُّ؟ قَالُوا : نَعَمْ ، قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ مِنْ خَيْرِ التَّابِعِينَ أُوَيْسًا الْقَرَنِيَّ )) [أحمد عن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى] من سنتين أو أكثر فيما أذكر حدثتكم عن قصته ، و قد رجاني بعضهم أن أعيد القصة لما فيها من دقة ، و من موعظة ، و قد استجبت لهذا الطلب ، و سأتلوه على مسامعكم و قد جاءت مناسبة لهذا الحديث خير التابعين أويس . أذن مؤذن الحج فهرع الناس رجالاً : ﴿ وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ﴾ [سورة الحج : 27] ينشدون البيت العتيق و الحرم الآمن المقدس الذي رفع قواعده إبراهيم و إسماعيل، و طافت به الملائكة ، و طهره النبي صلى الله عليه وسلم ، و فاضت رحاب مكة بالوافدين ، و تعطرت شعابها بأنفاس العابدين الركع الساجدين ، و دنت الأرض من السماء- تعبير لطيف - و التقى الصفاء بالصفاء ، و حان اليوم العظيم ، و تهيأت عرفات ، و خشعت القلوب ، و عنت الوجوه للحي القيوم ، فلا تسمع إلا هاتفاً بالدعاء ، و مسبحاً بالنجوى ، و متعطراً بالطاعة ، إنه يوم الإسلام الأكبر فلا رفث و لا فسوق و لا جدال ، و إنما إيمان و طهارة ، و ترفع عن الدنايا ، و تطلع إلى السماء ، و لكن ما بال عمر أمير المؤمنين وما خطب فارس قريش و عالمها علي بن أبي طالب ما بالهما ؟ و ما خطبهما ؟ إنهما يطوفان و يدوران بوفود العرب في تلطف و تطلع ، و يخصان حجيج اليمن برعاية واضحة ، و استقصاء شامل ، و عجب الناس لعمر و هو يقتحم قوافل اليمن سائلاً عن رجالهم ، متفرساً في وجوههم ، متسائلاً عن أسمائهم و أنسابهم ، و عجبوا أكبر العجب لعلي كرم الله وجهه في سمته و وقاره ، و هو يفحص ملامح اليمنيين ، و يستروح أنباءهم ، و يمازح فتيانهم كأنه ينشد ثأراً أو نسباً ، و نظر علي إلى عمر ، و ابتسما فكلاهما يعلم سر صاحبه و ما ينشدان ، و لقد ترقبوا مواسم الحجيج عشر سنوات فما عثروا على ضالتهما، و ما بلغا آمالهما ، لقد أسرّ النبي عليه الصلاة و السلام إليهما أمراً هاماً ، هما أحرص الناس عليه ، و لكن السنين مضت ، و العمر يتقدم ، و الأمنية الكبرى لم تتحقق ، إن كليهما ليذكر وجه محمد صلى الله عليه وسلم الصادق الحبيب الأمين و هو يهتف بهما : يا عمر و يا علي إذا لقيتما أويساً القرني فاطلبا إليه أن يستغفر لكما فإنه مجاب الدعاء ، عشر سنوات في مواسم الحج يسألون ، يتفرسون ، يتأملون ، يتفحصون وقد أعيتهم الحيلة ، و إن صورة أويس لواضحة في قلبيهما ، لقد وصفه النبي عليه الصلاة و السلام فقال : " إنه أشهل ، ذو سهوبة ، بعيد ما بين المنكبين، معتدل القامة ، آدم ، يضرب بذقنه إلى بطنه ، واضع يمينه على شماله يتلو القرآن ، ذو طمرين من صوف ، مجهول في الأرض ، معروف في السماء ، يقال للعباد يوم القيامة : ادخلوا الجنة ، و يقال له : قف فيشفع بإذن ربه في عدد ربيعة و مضر " ، هكذا وصف النبي الكريم أويساً القرني . عشر سنوات و عمر و علي ينشدان في الحرم الأمين أويساً ، فقد أنبأهما النبي الكريم عليه الصلاة والسلام بأنهما سيشاهدانه في مواسم الحج ، و من أصدق من النبي قيلة؟ الحوار الذي دار بين عمر و علي و بين أويس القرني : و جاء رجل إلى عمر لينبئه بأن قافلة جديدة صغيرة هبطت من اليمن فوثب عمر راكضاً يدفئ صدره الأمل ، و في غمار القافلة شاهد علياً قد سبقه ، قافلة جديدة من اليمن ، يتحدث إلى رجل ناصع الثوب و الوجه ، تبدو عليه سمات السيادة ، و سمع علياً يهتف به : ألم يبقَ أبداً في قافلتك - تفحصهم واحداً واحداً - غير من حدثتني بأمرهم ؟ فقال سيد هذه القبيلة : أجل يا بن عم رسول الله ، و لكن صبراً لقد أُنسيته ، إن في رحالنا فتى خامل الذكر، ممزق الثوب ، يرعى لنا و نؤجره دراهم معدودات ، و ما أظنك تنشد مثله ، فصرخ عمر إنه أشهل ذو سهوبة ، بعيد ما بين المنكبين ، معتدل القامة ، آدم ، يضرب بذقنه إلى صدره ، و عجب الأعرابي و نظر إلى عمر و هو لا يعرفه قائلاً : لقد وصفته أكمل ما يوصف به فهل رأيته ؟ و أضاء النور قلبي عمر و علي فقد عرفا أنهما على الأثر الصادق ، و استنطقا الأعرابي فأرشدهما إلى مكان أويس ، فانطلقا إليه يتسابقان ، و في صحراء مكة بالقرب من أبي قبيس شاهدا رجلاً يرعى إبلاً فسلما عليه ، ثم قالا له : من الرجل ؟ قال : راعي إبل و أجير قوم ، قالا : لسنا نسألك عن ذلك ، ما اسمك : قال : عبد الله ، الذي يريدانه أويس ، قالا: قد علمنا أن أهل السماء و الأرض كلهم عبيد لله و لكن ما اسمك الذي سمتك به أمك ؟ قال : يا هذان ما تريدان مني ؟ من أنتما ؟ قالا : قد وصف لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أويساً القرني و قد عرفنا الشهولة و السهوبة ، عندئذٍ أحسنا السلام و التحية ، و طلبا منه الدعاء و الاستغفار ، طبعاً هو أطرق و سكت و كأنه هو ، قال : ما أخص بالاستغفار أحداً و لكن للمؤمنين و المؤمنات ، ثم من أنتما ؟ قال علي هذا عمر أمير المؤمنين و أما أنا فعلي ، الإنسان ليس له حق أن يفخم نفسه ، فاستوى أويس القرني قائماً قائلاً : السلام عليك يا أمير المؤمنين و يا بن أبي طالب جزاكما الله عن هذه الأمة خيراً ، قال عمر : عظني يا أويس؟ عمر عملاق الإسلام قال له : عظني يا أويس ؟ لأنه صدق كلام النبي الكريم ، قال أويس : ابتغِ رحمة الله عند طاعته ، و احذر نقمته عند معصيته ، و لا تقطع رجاءك عنه خلال ذلك، هذه الكلمة تكفي وحدها ، ابتغِ رحمة الله عند طاعته ، و احذر نقمته عند معصيته ، و لا تقطع رجاءك عنه فيما بين ذلك ![]() فمن رجا رحمته و هو يعصيه فهو الأحمق ، و من خافه و هو يطيعه فهو اليائس ، و هتف به علي : لقد حدثنا النبي عنك صلوات الله عليه و هم لم يرك و لكنه كان يحبك و يصفك ، و يقول : إنك أفضل التابعين فكيف تتصور النبي يا أويس ؟ لم يره ، فقال : يا علي لقد كان لكما فضل التمتع و الشرف برؤيته ، و أما أنا فقد حرمت هذا الشرف و الفضل ، و لكنني أتصوره صلوات الله عليه في بصيرتي على غير ما رأيتم بأعينكم و شاهدتم ، أتصوره نوراً ساطعاً يملأ الفضاء ، و يسري في الوجود ، أتصوره و رأسه الشريف قاب قوسين أو أدنى من العرش ، و قدمه مستقرة في الأرض السابعة ، و بكى عمر و علي شوقاً للنبي عليه الصلاة و السلام ، ثم قال عمر : كيف الزمان عليك يا أويس؟ قال : كيف هو على رجل إن أصبح ظن أنه لا يمسي و إن أمسى ظن أنه لا يصبح ؟ هذه حال عالية جداً ، انحلت كل مشاكله لم يعد هناك هموم مادام الموت قريباً ، قال : كيف بلغت هذه المكانة العليا ؟ قال : إني أعيش في مقام الخوف و هو مقام لا يبلغه الإنسان حتى يصبح من خوف ربه و كأنه قتل الناس جميعاً ، الحقيقة إن لم يوجد خوف فالمشكلة كبيرة ، يجب أن تخاف على مقامك عند الله ، يجب أن تقلق على مصيرك في الدنيا ، يجب أن تخاف ألا تكون كما يحب الله ، هذا الخوف أكبر دافع للعمل الصالح و الالتزام و الاستقامة ، و تناجيا طويلاً ثم عرض عليه عمر كسوة و نفقة فقال : ما أصنع بهما ؟ أما ترى ردائي و إزاري من صوف متى تراني أخرقهما ؟ و أخذت من عملي أربعة دراهم متى تراني آكلها ؟ معي دراهم و ألبس رداء ، إن بين يدي و يديك عقبة كؤوداً لا يجوزها إلا كل ضامر مهزول ، فأعرض عن الدنيا يا عمر ، و اخشّ يوماً لا ينفع فيه مال و لا بنون ، فضرب عمر بدرته الأرض ثم نادى بأعلى صوته : ألا ليت أم عمر لم تلد عمراً ، و همّ أويس بالانصراف فتعلق به علي و قال : إنما جئناك لنأنس بك ، قال : عجباً يا علي ، ما كنت أحسب أحداً يعرف ربه فيأنس بغيره ثم ولى مدبراً ، طبعاً النبي صلى الله عليه و سلم ورد عنه الحديث عن أويس ، لم يره و لكن الله أنبأه به ، و طلب من عمر إذا لقي أويساً أن يستغفر له ، أن يسأله الاستغفار ، سيدنا عمر حريص حرصاً بالغاً على اللقاء مع سيدنا أويس ، و التقى معه هو و علي كرم الله وجهه و كان ما كان . الحقائق المستنبطة من هذه القصة : من هذه القصة كلها يجب أن يبقى في أذهاننا إن نسينا التفصيلات فلا ينبغي أن ننسى قول أويس ، ارجُ رحمته عند طاعته ، و احذر نقمته عند معصيته ، و ارجه فيما بين ذلك ، أي إذا الإنسان رجا رحمة الله و هو يعصيه فهذا هو الجهل و الغباء و الحمق ، و إذا قنط من رحمته و هو يطيعه فهذا هو الجهل أيضاً ، يجب أن ترجو رحمته عند طاعته ، و أن تحذر نقمته عند معصيته ، و فيما بين ذلك الخوف و الرجاء ، و الدنيا أساس كل خطيئة، أيضاً انصراف أويس القرني عن الدنيا أحد أسباب فوزه بهذا المقام ، و الشيء الثالث : أنه إذا أصبح قد لا يمسي ، و إذا أمسى قد لا يصبح ، و هناك شيء رابع : الخوف من الله عز وجل ، خوفه من الله و كأنما قتل الناس جميعاً ، و يقينه بالموت ، و زهده في الدنيا ، و رجاء الله عند طاعته ، و خوف نقمته عند معصيته ، أربع حقائق تستنبط من هذه القصة ، من هذه التفصيلات الطويلة ، قال له : ابتغِ رحمة الله عند طاعته ، و احذر نقمته عند معصيته ، و لا تقطع رجاءك عنه خلال ذلك ، أصبحت من خوف الله و كأنني قتلت الناس جميعاً ، الشيء الثالث : كيف برجل إن أصبح ظن أنه لا يمسي و إن أمسى ظن أنه لا يصبح . آخر شيء : عندما عرض عليه كسوة و نفقة قال : هذا إزاري و ردائي من صوف متى تراني أخرقهما ؟ و أخذت من عملي أربعة دراهم متى تراني آكلها ؟ أي أنا في بحبوحة ، فكل واحد منا عنده أكل يكفيه عام في البيت ، عنده سبع أو ثماني بدلات بالخزانة و يقول لك : السنة لا يوجد عندي شيء ، انظر سيدنا أويس ، عندما الإنسان تخف حاجاته في الدنيا تصفو نفسه ، عندما يقطع أسباب الدنيا تتفتح أسباب السماء ، أما إذا كان كل همه الدنيا: (( من أصبح وأكبر همه الدنيا جعل الله فقره بين عينيه ، وشتت عليه شمله ، ولم يؤته من الدنيا إلا ما قدر له ، ومن أصبح وأكبر همه الآخرة جعل الله غناه في قلبه ، وجمع عليه شمله ، وأتته الدنيا وهي راغمة )) |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#32 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : صيام الجوارحالفقة الاسلامى - 2 الدرس : ( الثلاثون ) الحمد لله رب العالمين ، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً ، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه ، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. صيام الجوارح عن المحرمات : أيها الأخوة الأكارم ، إتماماً لموضوع صيام الخصوص وهو صيام الجوارح عن المحرمات تحدثنا في الدرس الماضي عن صوم العين ، وكيف أن العين عليها أن تغض عن محارم الله ، وعن كل شيء يولد في النفس الشهوة والهوى ، إياكم وفضول النظر فإنه يبذر في النفس الهوى ، وتحدثنا عن صيام الأذن : (( من استمع إلى قينة صب في أذنه الآنك يوم القيامة )) [ ابن عساكر عن أنس] ![]() فالأذن تستمع ، وقد استنبط الإمام الغزالي قاعدةً وهي أن ما حرم فعله حرم النظر إليه ، وما حرم النطق به حرم استماعه ، فالذي يستمع إلى الغيبة شريك المغتاب بالإثم ، وقد حدثتكم من قبل : الذنب شؤم على غير صاحبه فكيف على صاحبه ؟ فكيف على غير من اقترفه ؟ الذنب شؤم على غير صاحبه إن عيره ابتلي به ، وإن ذكره فقد اغتابه ، وإن رضي به فقد شاركه بالإثم " قال تعالى : ﴿ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ﴾ [ سورة الإسراء : 36] أخلاق المسلم علية ، وإذا رآها الناس عليه أحبوا أن يكونوا مثله ، فدخل الناس في دين الله أفواجاً ، إذا طبق المسلمون أوامر دينهم مئة في المئة دخل الناس في دين الله أفواجاً ، فإذا تخلوا عن الأوامر وطبقوا العبادات خرج الناس من دين الله أفواجاً ، أي بين المسلمين وبين غير المسلمين نفور لا يعلمه إلا الله ، سببه أن المسلمين حرفوا على العبادات وتركوا مكارم الأخلاق ، فلما تركوا مكارم الأخلاق نفر الناس منهم ، الذنب شؤم على غير صاحبه ، إن عيره ابتلي به ، وإن ذكره فقد اغتابه ، وإن رضي به فقد شاركه بالإثم . الصيام مدرسة خلقية : فإتماماً لموضوع صيام الجوارح ، أي ترك الطعام والشراب شيء نعلمه جميعاً ، ما من مسلم على وجه الأرض إلا ويعلم أن الصيام ترك الطعام والشراب وسائر المفطرات من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس بنية ، هذا تعريف الصيام ، ولكن هذا الصيام لا يرقى بالناس ، فالناس هم هم ، كيف يكون الصيام عبادة تلفت النظر ؟ أمر إلهي ، خالق هذا الكون يأمر بعبادة لا تقدم ولا تؤخر ولا تسمو بصاحبها ولا تغير من أخلاقه ولا تسمو بميوله؟ ليست هذه عبادة كما نفهمها نحن ، ولكن الصوم إذا صمت ثلاثين يوماً فصامت جوارحك عن كل المعاصي ، وصام قلبك عما سوى الله عز وجل ، وخرجت من شهر الصيام إنساناً آخر بكل ما لهذه الكلمة من معنى ، بقيمك ، بأخلاقك ، يجب أن تقول زوجتك : والله ما كان فلان هكذا ، ما لهذا الحلم الذي يتمتع به ؟ ما لهذه الرحمة ؟ ما لهذا اللطف الذي هو فيه ؟ هذا هو الصيام ، مدرسة خلقية لأنك إذا تركت الطعام والشراب لله وهو مباح. ((عن أبي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عنه يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ اللَّهُ كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلا يَرْفُثْ وَلا يَصْخَبْ فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ )) [ مسلم عن أبي هُرَيْرَةَ] إذا تركت الطعام والشراب وسائر المفطرات والمخالفات والمعاصي كلها صغيرها وكبيرها ، لابد من أن تشعر أن الله راض عنك ، لابد من أن تقبل في الصلاة عليه، لابد من أن تدمع عينك ، لابد من أن تشعر أن الصلاة مائدةٌ ربانية ، كيف إذا دعاك إنسان إلى طعام نفيس وقدم لك من هذا الطبق ، ومن هذا الطبق ، وقال لك : كُل هذه ، ألا تشعر أنك أكرمت ؟ كذلك الصلاة ، الصلاة ميزان فمن وفى استوفى ، من وفى الاستقامة حقها استوفى من الصلاة ثمرتها ، الدين كله صلاة ، قال تعالى : ﴿ وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا ﴾ [ سورة مريم: 31] الصلاة عماد الدين من أقامها فقد أقام الدين ومن هدمها فقد هدم الدين ، لا خير في دين لا صلاة فيه ، من ترك الصلاة فقد كفر ، بين الرجل والكفر ترك الصلاة. الصيام من أجل الصلاة ، والزكاة من أجل الصلاة ، والحج من أجل الصلاة ، والصلاة من أجل الصلاة ، أي هذه الحركات والسكنات والقراءات والوقوف والركوع والسجود والقعود من أجل أن تصلي ، فإن لم تصلِّ فلا صليت ، قم وصلِّ فإنك لم تصلِّ أي آن الأوان أن نتعامل مع الحقائق ، المسلم عمره ثمين جداً ، يعيش عمره كله في الأوهام ، أنا أصلي والحمد لله ، أنا أصوم والله ما فطرت شهراً في حياتي ، حج أربع حجج ، وثماني عمرات ، أي آن الأوان أن تتعامل مع الحقائق ، هذه أوامر إلهية ، عبادات راقية جداً لابد من أن ترقى بك. المغبون من تساوى يوماه : ![]() المغبون من تساوى رمضاناه ، أي إذا كان رمضان الماضي كهذا الرمضان فأنت مغبون ، أي يجب أن تقول : هذا الرمضان أنا إنسان آخر ، معلوماتي عن الله أعلى ، صفاتي الأخلاقية أرقى ، تطبعت بطباع أحسن ، تركت بعض الصفات المذمومة ، لابد من أن تقول هذا ، والمغبون من تساوى شهراه ، هذه كلها أقوال وليست أحاديث شريفة ، والمغبون من تساوى أسبوعاه ، والمغبون من تساوى يوماه . يوماه إذا كنت البارحة كاليوم فأنت مغبون ، من لم يكن في زيادة فهو في نقصان، لأن عمر الإنسان مثلاً ثلاث وسبعون سنة وثمانية أشهر وثلاثة أسابيع وأربعة أيام وثماني ساعات وسبع دقائق وثلاث ثواني وأربعة أجزاء الثانية ، وانتهت الحياة ، معنى هذا أن اليوم ثمين جداً ، اليوم جزء من الحياة ، كلما انقضى يوم انقضى بضع من الإنسان ، أي آن الأوان أن يتعامل الإنسان مع الحقائق . الصيام من أجل التقوى والتقوى فوق الإيمان : الصيام أمر إلهي ، قال تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [ سورة البقرة : 183] معنى هذا الصيام من أجل التقوى والتقوى فوق الإيمان ، التقوى رؤية ، وإذا ملك الإنسان الرؤية الصحيحة هل يعقل أن يختار الشر ؟ أن يختار ما يؤذيه ؟ أن يختار ما يشقيه؟ أن يختار ما يبعده ؟ أن يختار طريق جهنم ؟ الحياة كلها رؤية ، وإن كنت تملك رؤيةً صحيحة فأنت من السعداء ، وإن كنت لا تملك هذه الرؤية فهذا هو عمى القلب ، قال تعالى : ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ﴾ [ سورة الحج : 46] رمضان مناسبة لتطهير النفس من أدرانها : إذاً الصيام صيام الجوارح ، نعوذ بالله أن نقنع بصيام الفم واللسان هذا صيام العوام ، وصيام لا يقدم ولا يؤخر ، رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش ، ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر والتعب ، لكن الصائم الذي تصوم جوارحه ، أي الغيبة تفطر الصائم ، خمسة يفطرن الصائم وينقضن الوضوء ؛ الكذب ، الغيبة ، والنميمة ، والنظر بشهوة، واليمين الغموس ، تفطر الصائم. أي الإنسان أحياناً تقف سيارته في الطريق يتوقع أنه يوجد علة ، لا يوجد بنزين فيجد أن البنزين موجود ، يتوقع أنه لا يوجد كهرباء فيجد كهرباء ، كلما توقع شيئاً ووجد العكس يتوقع شيئاً آخر ، فإذا كان الإنسان لا يصلي ، صلاته شكلية ، أليست نفسه أخطر من سيارته ، ما السبب ؟ ما الذي يحول بيني وبين الصلاة الصحيحة ؟ أمعصية ارتكبتها ؟ ذنب مقيم عليه ؟ إعجاب بالكفار ؟ مودةٌ مع معرض ؟ أنقاد لمن يدعوني إلى الله ، لابد من علة حالت بينك وبين الصلة الصحيحة ، فرمضان مناسبة جميلة جداً لتطهير النفس من أدرانها وتصفية الحسابات وكأنها دورةٌ مكثفة . الأوامر الإلهية في القرآن الكريم تقتضي الوجوب : في الدرس الماضي تحدثنا عن صيام العين ، وعن صيام الأذن ، وعن صيام اللسان ، إتماماً لموضوع صيام الجوارح قد يكون الصيام ترك ما نهى الله عنه ، لكن من أجل أن تحدث الصلاة الصحيحة لابد من فعل ما أوجبه الله عليك ، الإنسان أحياناً يظن أن الأوامر الإلهية ؛ الصلاة ، والصوم ، والحج ، والزكاة ، مع أن كل أمر في القرآن الكريم يقتضي الوجوب ، إذا قال الله عز وجل : ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ ﴾ [ سورة البقرة : 83] هذا أمر إلهي يقتضي الوجوب ، إذا قال الله عز وجل : ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ﴾ [ سورة النور: 30] ![]() هذا أمر إلهي يقتضي الوجوب ، إذا قال الله عز وجل : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آَتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾ [ سورة النساء : 19] أمر إلهي ، قد لا يقل هذا الأمر عن الصلاة ، أن تعاشر الزوجة بالمعروف فهذا أمر إلهي عظيم ، اقرأ القرآن في رمضان واستنبط الأوامر المتعلقة بالزوجة ، استنبط النواهي، قال تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا ﴾ [ سورة الطلاق: 1] أمر إلهي ولا يخرجن ، قال تعالى : ﴿ وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ﴾ [ سورة لقمان : 18] ﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ﴾ [ سورة القصص : 77] اقرأ القرآن ودقق في الأوامر الإلهية ، وقس نفسك بها أين أنت منها ؟ أين أنت من قوله تعالى : ﴿ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [ سورة البقرة: 83 ] أخي ما عجبك ضعها من يدك وانصرف أنا صائم ، هذه الكلمة معصية ، هذا زبون لماذا الغلظة معه ؟ هذه ليست مأكولك وصائم ؟ ما هذا الصيام ؟ أهكذا البائع يكون ؟ قال تعالى : ﴿ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [ سورة البقرة: 83 ] اتبع أوامر الله عز وجل ، قال تعالى : ﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ ﴾ [ سورة عبس : 24] أمر إلهي يقتضي الوجوب ، قال تعالى : ﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ ﴾ [ سورة الطارق: 5 ] أمر إلهي يقتضي الوجوب ، قال تعالى : ﴿ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾ [ سورة آل عمران : 137] أمر إلهي يقتضي الوجوب ، كتاب الله بين أيدينا نقرأه بلغتنا ، والحمد لله رب العالمين. حق الزوج على الزوجة : إتماماً لموضوع الأمس يقول عليه الصلاة والسلام : ((حق الزوج على زوجته ألا تمنعه نفسها ولو كان على ظهر قتب ، وألا تصوم يوماً واحداً إلا بإذنه إلا لفريضة ، فإن فعلت أثمت ولم يتقبل منها ، وألا تعطي من بيتها شيئاً إلا بإذنه فإن فعلت كان له الأجر وعليها الوزر، وألا تخرج من بيته إلا بإذنه فإن فعلت لعنها الله وملائكة الغضب حتى تتوب وترجع وإن كان ظالماً)) [ أبو داود عن عبد الله بن عمر] أي لا يقبل من الزوجة صلاة ولا صيام إن لم تؤدِ حق زوجها ، وإن كان الزوج بأوامره ظالماً في علاقته مع ربه ، أما علاقتها مع الله عز وجل ألا تصوم إلا بإذنه ، وألا تنفق من ماله إلا بإذنه ، وألا تخرج من بيته إلا بإذنه ، وحسابه على الله عز وجل . (( عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ لامْرَأَةٍ : لا تَصُومِي إِلا بِإِذْنِهِ )) [ أبو داود عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ] إذا فعلت الزوجة هذا مع زوجها تقبل الله صيامها . حق الزوجة على الزوج : حق المرأة على الزوج ، أن يطعمها إذا طعم ، يجب أن تطعمها مما تأكل ، لا أن تأكل أنت مع رفاقك ما لذّ وطاب وتجعلها تأكل أخشن الطعام في البيت وتقول : أنا مؤمن وأنا صائم ، أداء الحقوق جزء من الصيام ، ولا يهجر إلا في البيت ، اذهبي إلى بيت أهلك هذا خلاف الدين ، أبيح لك أن تهجرها ولكن أين ؟ في البيت ، الهجر لا يصح إلا في البيت لأنه إذا كان في البيت فالأمل بحل المشكلة قريب ، بضعة أيام ، أما إذا كان الهجر في بيت أهلها فربما انتهى الأمر بالطلاق . حق الجار : حق الجار إذا مرض عدته ، الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه له جار مغن أزعجه كثيراً وأتعبه كثيراً ، كان يغني هذا البيت : أضاعوني وأي فتى أضاعوا ليوم كريهة و سداد ثغر *** يبدو أن حرس الخليفة قبضوا عليه وساقوه إلى السجن ، فذهب بنفسه إلى المحتسب - يعادل وزير داخلية تقريباً - وتوسط له ، فقال : يا فتى هل أضعناك وأنت تقول أضاعوني وأي فتى أضاعوا فهل أضعناك يا فتى ؟ فكان إسلام هذا الجار على يد الإمام الأعظم أبي حنيفة لأن عليه حقاً ، هذا جار له حق ، حق الجار إن مرض عدته. ![]() يروون قصة - الله أعلم بصحتها - أن رسول الله له جار يهودي ، وكان هذا الجار يضع شيئاً يؤذي النبي في الطريق - مرة النبي صلى الله عليه وسلم لم يجد شيئاً في الطريق فقال : لابد أن جاري مريض فزاره وعاده فشهد أنه رسول الله وأسلم. اصنع المعروف مع أهله - أخي فلان ليس أهلاً - ومع غير أهله فإن أصبت أهله أصبت أهله ، وإن لم تصب أهله فأنت أهله ، يكفيك فخراً أنك أهله ، إن قدر أو لم يقدر، إن شكر أو لم يشكر ، إن استجاب أو لم يستجب ، سيان فعلت هذا من أجل الله عز وجل ، لا تنسوا هذا الحديث ، و قال تعالى : ﴿ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً ﴾ [ سورة الإنسان : 9] إنسان عظيم له بنت قمة في العفاف والتقوى والصلاح ، يأتي إنسان ويشيع في المدينة إنها زانية ، وكان هذا الإنسان العظيم يساعده وينفق عليه ويعطيه من المال في كل وقت معلوم فلما سمع بفعلته الشائنة ، وخبثه ، وإشاعته هذا الافتراء ، تألم منه ونذر ألا يعطيه شيئاً فعاتبه الله ، فقال تعالى : ﴿ وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [ سورة النور : 22] إذا أنت أمرت أن تعطي من افترى على ابنتك الطاهرة ، سيدنا الصديق حديث الإفك لما توقف عن مساعدته ، الله عز وجل عاتبه وهو ليس أهلاً للمساعدة ، اصنع المعروف مع أهله ، ومع غير أهله ، فإن أصبت أهله أصبت أهله ، وإن لم تصب أهله فأنت أهله ، يمكن أن تصنع معروفاً مع غير أهله ويسلم على يدك ، هكذا الإسلام ، هذا هو الدين أنعم به من دين ، يجب أن يقول الناس : فلان أين يحضر مجالس العلم ؟ على قدر ما سروا من معاملتك ، وأخلاقك ، وحيائك ، وعفتك ، وشرفك ، وتواضعك ، وكرمك ، وإنصافك ، وعدالتك ، من أين مأخذ هذا العلم ؟ هذه دعوة إلى الله في السلوك لا في اللسان هذا الذي نحن بحاجة إليه ، حق الجار إذا مرض عدته ، وإن مات شيعته ، وإن استقرضك أقرضته ، وإن أعوز سترته. الأمير عبد القادر الجزائري كان رجلاً من أهل الفضل ، له جار فقير الحال ، عنده بيت عرضه للبيع فدفع له ثلاثون ليرة ذهباً ، فغضب صاحب البيت ، والله لا أبيع جيرة الأمير بمئة ليرة ذهباً ، جاء إنسان وقال للأمير هكذا قال جارك ، قال له : هذه ثلاثون ليرة ذهباً وابقَ جارنا ، وابقَ في بيتك . حق الجار إذا مرض عدته ، وإن مات شيعته ، وإن استقرضك أقرضته ، وإن أعوز سترته ، وإن أصابه خير هنأته ، أخي بيت فلان أين ؟ مرة طرقت بناء بيتاً بيتاً بيت الأستاذ فلان أين ؟ لا أعرف ، فكان في نفس البناء ، هل هؤلاء جوار لا يعرف من فوقه بالضبط ؟ طرقت الباب الذي تحت صاحب البيت لا يعرفه أين . وإن أصابته مصيبة عزيته ، قديماً يكون رجل معه ضيف أهل الجيرة يلاحظون يقرع الباب صحن طعام ، يوضع على المائدة ستون أو سبعون صحناً من الطعام ، جارنا معه ضيف ، الضيف ينظر ويقول متى طبخ هذا كله ؟ لأن جارنا معه ضيف ، كان إذا لم يصلِّ في المسجد يتفقدونه ، الكل يقرعون عليه الباب ، قال تعالى : ﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ﴾ [ سورة مريم: 59] وقد لقوا هذا الغي ، ولا ترفع بناءك فوق بنائه فتسد عليه الريح إلا بإذنه ، ولا تؤذه بقتار قدرك إلا أن تغرف له منها ، هذا حق الجار. رأس الدين النصيحة : يجب أن تعرف حق زوجتك ، وحق أولادك ، وجيرانك ، وأخوانك ، وزبائنك، أخي انصحني أنا في هذا الموضوع لا أعرف ، يوجد عندك شيء لا يباع تقول له : هذه أفضل بضاعة ، والله هذا الذي أخّر المسلمين ، رأس الدين النصيحة ، إذا شعر البائع أن هذا الزبون غشيم يلبسه هموماً وليس بضاعة ويقول : ركبت هذه البيعة ، عند الله لا تركب ، من غش فليس منا ، يقول : هذا ليس مسلماً ، ولو كان عابد صنم لو أنك غششت عابد صنم لحاسبك الله أضعاف ما يحاسبك فيما لو غششت مسلماً ، أنا هكذا فهمت الدين لماذا ؟ لو غششت مسلماً يقول هذا المسلم : فلان سيئ ، أما إذا غششت غير المسلم فيقول : الإسلام سيئ هكذا الدين !! هذا دينكم ، هكذا قال لك الدين . "... ولا ترفع بناءك فوق بنائه فتسد عليه الريح إلا بإذنه ، ولا تؤذه بقتار قدرك إلا أن تغرف له منها " وفي رواية : " إذا اشتريت فاكهةً فأدي له منها ، فإن لم تفعل فأدخلها سراً ولا يخرج بها ولدك ليغيظ به ولده ، ولا تؤذه بقتار قدرك إلا أن تغرف له منها " إذا الإنسان أعطى ابنه في المدرسة هذه القطع الأجنبية التي ثمنها اثنا عشر ليرة، وإذا أراد أن يأكلها أمام رفاقه ألا يشتهوا ؟ والله غلط كبير ، وكان فيها سموم ومواد مؤذية ، ثمنها اثنا عشر ليرة يأكلها ابنك أمام خمسة من رفاقه ، و يوجد واحد ليس مع أبيه اثنا عشر ليرة كل يوم ، أعطاه أبوه ليرة سورية ، وإذا اشتريت فاكهةً فأهد له منها فإن لم تفعل فأدخلها سراً ، ولا يخرج بها ولدك ليغيظ به ولده ، ولا تؤذه بقتار قدرك إلا أن تغرف له منها " حق الولد على والده : حق الولد على والده أن يحسن اسمه ، أي هناك أسماء محرجة ، إذا اسم الابن غير جيد سوف يصيبه أزمات نفسية مع أصدقائه في المدارس ، النبي الكريم صلى الله عليه إذا اسم لم يعجبه يبدله من أنت ؟ قال : أنا زيد الخيل ، قال : بل زيد الخير ، من أنت ؟ الحصين بن سلام قال : بل أنت عبد الله بن سلام . أن يحسن اسمه ويزوجه إذا أدرك ، إذا كان الأب بإمكانه أن يستر ابنه في بيت صغير ويزوجه على حسابه والله هذا العمل يفوق حج بيت الله الحرام لأنه سوف ينحرف ، من تزوج ملك نصف دينه فليتق الله في النصف الآخر. الإمام الكبير عبد الله بن المبارك كان في طريقه إلى الحج رأى في الطريق طفلاً صغيراً ينقب في القمامة حتى عثر على طائرٍ ميت تبعه حتى عرف البيت ، فإذا أسرة فقيرة جداً لا تجد ما تأكل ، وهو الفقيه أعطاها كل ما يملك ، وعاد إلى بلده ولم يحج ، قرأت هذه القصة مجدداً فإذا الناس الذين في الحج رأوه يطوف في البيت ، معنى ذلك أنها كتبت له حجةً تامة. حق الله على كل مسلم : وحق الله على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام ، لأنه إذا لك رائحة طيبة لا تؤذي أحداً ، والماء أطيب الطيب المفقود ، قال الإنسان له رائحة عطرية لا تظهر إلا إذا كان نظيفاً ، أي إذا إنسان وضع يده على جلده وشمه وكان نظيفاً هناك رائحة عطرية ، الله عز وجل خلقه كاملاً لا يوجد عدم رائحة بل رائحة عطرية تفوح من الجلد ، اللهم إن كان هذا الجلد نظيفاً. حق المسلم على الله : حق المسلم على الله ، من نكح العفاف عما حرم الله ، قال رجل هذه قصة وقعت لصاحب مكتبة ، يظهر أن فتاة عابثة وأخلاقها سيئة أغرته فتبعها ، وكان شاباً وحاجاً هذا الشاب فقال في نفسه وهو في الطريق : أنا بهذا العمل سوف أضيع حجتي ، عاد إلى المحل وقال : إني أخاف الله رب العالمين ، في اليوم الثاني جاءه رجل وقور وقال له : أنت متزوج يا بني ؟ قال له : لا يا سيدي ، فقال له : أنا يوجد عندي بنت تناسبك ![]() هذا اعتقد أنه يوجد بها عيب خطير لأنه عرض ابنته ، فقال له : أرسل أمك لتراها ، فأرسل أمه فقالت له إنها ممتازة ، في اليوم الثاني جاء إلى عنده وقال له : كيف رأيتم ؟ فقال له : ممتازة ولكن أنا لا أملك شيئاً ، فقال له : هذا ليس عملك ، هذا الرجل من وجهاء الحي توسم في هذا الفتى الصلاح زوجه ابنته ، وشاركه في العمل ، والآن هو رجل حي يرزق من كبار التجار ، هذه الثروة الطائلة وهذا الزواج السعيد بسبب كلمة قالها : إني أخاف الله رب العالمين. أي إذا الشاب أراد أن يتزوج ليعف عن الحرام وانطلاقاً من قوله تعالى : ﴿ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ﴾ [ سورة المائدة: 28] فحق على الله أن يعينه رغم أزمات السكن العنيفة ، وأزمات المهور الغالية، والأثاث المرتفع الثمن ، رغم كل هذه الأزمات حق على الله عز وجل ، والقضية قضية نية وطلب ، اطلب هذا بقلب صادق فالله سبحانه وتعالى يعينك على هذا الزواج . حقيق بالمرء أن يكون له مجالس يخلو بها ويذكر ذنوبه ويستغفر الله منها ، أي لابد من مجلس خاص مع الله عز وجل ، أنا جليس من ذكرني وحيثما التمسني عبدي وجدني، لابد من جلسة خاصة مع الله تستغفر ، تذكر ، تناجي ، تسبح ، تهلل ، تقول : أنت مقصودي ورضاك مطلوبي ، تقرأ كلامه ، تناجيه ، تمرغ جبهتك في الأرض ، تسأله ، تستغفره . ((عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ اللَّهَ يُمْهِلُ حَتَّى إِذَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الأوَّلُ نَزَلَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ ؟ هَلْ مِنْ تَائِبٍ ؟ هَلْ مِنْ سَائِلٍ ؟ هَلْ مِنْ دَاعٍ ؟ حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ )) [ البخاري عَنْ أَبِي سَعِيدٍ] شهود العشاء والصبح آية بين المسلم و المنافق : و : (( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لاسْتَهَمُوا وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لأتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا )) [ مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ] آية بيننا وبين المنافقين شهود العشاء والصبح ، لا يستطيع أن يستيقظ وقت الفجر هذا فوق طاقته ، طبعاً مضطر من أجل السحور أن تستيقظ ولكن جرب بعد رمضان إن طلبت هذا من الله عز وجل ، يا ربي أيقظني الساعة الرابعة والنصف ، جرب لابد من أن تستيقظ بهذه الدقيقة بالذات ، الله يوقظك ، هذه قال عنها علماء النفس : ساعة الرأس لا تخيب أبداً ، أحياناً الإنسان يضبط الساعة يستيقظ قبل نصف دقيقة ، لو كان استيقظ بعد دقيقة معنى هذا أن الساعة هي التي أيقظته حتى يثبت الله له أنا الذي أيقظتك وليس الساعة ، فالآن رمضان فرصة أن تصلي الصبح حاضراً ولكن بعد رمضان البطولة أن تتابع هذه الفريضة طوال العام ، لا تعجز عن ركعتين قبل الشمس أكفك النهار كله ، أي أنت الآن طوال هذا النهار في رعاية الله لا يوجد مفاجآت ، ورطات ، تبلي ، مشكلة ، حادث ، رجل دخل يؤذيك وأنت في المحل ويقول لك : هات هويتك ، لأنك أنت اصطلحت مع الله عز وجل صباحاً بينك وبين الله عامرة إذاً يجعلها الله بينك وبين الناس عامرة ، إن كانت خربة بينك وبين الله ستكون بينك وبين الناس خربة ، من أصلح بينه وبين الله أصلح الله بينه وبين الناس . موقف سيدنا ابن العاص من أقباط النصارى في مصر : موقف واحد لسيدنا عمرو بن العاص رضي الله عنه أردت أن أذكره لكم ، سيدنا عمرو بن العاص قال مخاطباً أقباط النصارى وكبار أساقفتهم في مصر : إن الله بعث محمداً بالحق وأمره به ، وإنه عليه الصلاة والسلام قد أدى رسالته ومضى بعد أن تركنا على الواضحة - أي الطريق الواضح المستقيم- وكان مما أمرنا به الإعذار إلى الناس - أي دعوتهم إلى الإسلام - فنحن ندعوكم إلى الإسلام فمن أجابنا فهو منا له ما لنا وعليه ما علينا، هذا منهج المسلمين. فنحن ندعوكم إلى الإسلام فمن أجابنا فهو منا له ما لنا ، وعليه ما علينا ، ومن لم يجبنا إلى الإسلام عرضنا عليه الجزية وبذلنا له الحماية والمنعة ، الجزية مقابل الحماية، معفى من الخدمة الإلزامية لأنه دفع جزية ، هذا إذا بقي الذمي على دينه. ولقد أخبرنا نبينا أن مصر ستفتح علينا وأوصانا بأهلها خيراً صلى الله عليه وسلم فقال : ستفتح عليكم بعدي مصر فاستوصوا بقبطها خيراً فإن لهم ذمة ورحماً ، أين هذه القرابة ؟ السيدة هاجر من مصر ، انظر الوفاء ، السيدة هاجر زوجة سيدنا إبراهيم من مصر، وسيدنا إبراهيم أبو الأنبياء إذاً هذه أمه أم أبيه إذاً لها رحم . فإن أجبتمونا إلى ما ندعوكم إليه كانت لكم ذمة إلى ذمة ، صار لكم ذمة القرابة وذمة أهل الذمة ، وفرغ عمرو من كلماته فصاح بعصا الأساقفة : إن الرحم الذي أوصاكم بها نبيكم لهي قرابة بعيدة لا يصل مثلها إلا الأنبياء - على هذا المستوى لا يذكرها إلا نبي -. قصة إسلام عمرو بن العاص : سيدنا عمرو بن العاص قضى حياته في مواقف متعددة يروي لنا الآن كيف أسلم؟ سأل عاهل الحبشة عمرو كيف لم تؤمن به وتتبعه وهو رسول الله حقاً ؟ قال له : يا عمرو كيف لم تؤمن به ؟ وسأل عمرو النجاشي قائلاً أهو كذلك ؟ أكيد رسول ؟ فأجابه النجاشي : نعم فأطعني يا عمرو واتبعه فإنه والله لعلى الحق وليظهرن على من خالفه ، سيدنا عمرو بن العاص كان إسلامه على يد النجاشي ، النجاشي لما أسلم النبي الكريم أكبر إسلامه جداً فلما جاءه وفد النجاشي أبى إلا أن يخدمهم بنفسه صلى الله عليه وسلم إكراماً للنجاشي فلما مات صلى عليه صلاة الغائب. وركب عمرو البحر من فوره عائداً إلى بلاده ميمناً وجه شطر المدينة ليسلم لله رب العالمين ، وفق الطريق المفضية إلى المدينة التقى بخالد بن الوليد قادماً من مكة ساعياً هو الآخر إلى النبي الكريم ليبايعه ، ولم يكد الرسول يراهما قادمين حتى تهلل وجهه وقال لأصحابه : لقد رمتكم مكة بفلذات أكبادها ، وتقدم خالد فبايع ، ثم تقدم عمرو فقال : يا رسول الله إني أبايعك على أن يغفر الله لي ما تقدم من ذنبي ؟ فأجابه عليه الصلاة والسلام : يا عمرو بايع فإن الإسلام يجب ما كان قبله ، هذه لنا تب إلى الله توبةً نصوحة إن الإسلام يجب ما كان قبله. ذكاء عمرو بن العاص : كان سيدنا عمرو ذكي جداً ، كان آية في الذكاء ، يقولون إن سيدنا معاوية قال له: يا عمرو ما بلغ من دهائك ؟ قال له : والله ما دخلت مدخلاً إلا أحسنت الخروج منه ، قال له : لست بداهية أما أنا والله ما دخلت مدخلاً أحتاج أن أخرج منه ، ومع ذلك يعد سيدنا عمرو داهية فكان سيدنا عمر رضي الله عنه إذا رأى إنساناً جاهلاً أبله ضعيف الذكاء كان يقول : سبحان الله ! إن خالق هذا وخالق عمرو إله واحد أي شتان بين الاثنين. ![]() يروى أنه في ساعات الرحيل استعرض حياته فقال : كنت أول أمري كافراً وكنت أشد الناس على رسول الله ، فلو مت يومئذٍ لوجبت لي النار ، هذه ساعة الوفاة ، ثم بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم فما كان في الناس أحد أحب إليه منه ، ولا أجل في عيني منه، ولو سئلت أن أنعته ما قدرت لأني لم أقدر أن أملأ عيني منه إجلالاً له ، تصوروا سيدنا عمرو لو سئل أن يصف النبي الكريم لما استطاع لماذا ؟ لأنه ما كان يستطيع أن يملأ عينيه منه إجلالاً له ، فقال : فلو مت يومئذٍ لرجوت أن أكون من أهل الجنة ، ثم بليت بعد هذا بالسلطان وبأشياء لا أدري أهي لي أم علي - أي اجتهد اجتهادات لا يدري أكان مصيباً بها أم كان مخطئاً - ثم رفع بصره إلى السماء في ضراعة مناجياً ربه الرحيم العظيم قائلاً : "اللهم لا بريء فأعتذر ولا عزيز فأنتصر وإن لم تدركني رحمتك أكن من الهالكين" . أي الإنسان يجب أن يعرف قدر أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم ، الحياة كلها مواقف ، وقف موقفاً مشرفاً وأخلاقياً يسعد به إلى الأبد ، وكل شيء ما سوى الأخلاق ماض، ماذا أكلنا وماذا شربنا وأين سكنا وكيف تاجرنا وكم ربحنا ؟ هذا ليس لك وليس لك إلا ما أكلت فأفنيت ، أو لبست فأبليت ، أو تصدقت فأبقيت ، وما سوى ذلك ليس لك . أحد أثرياء مصر الكبار توفي فله أهل في بحبوحة كبيرة سألوا رجلاً عتالاً حمال حطب أن أنزل معه إلى القبر وخذ عشرة آلاف جنيه و آنسه ، فقال : عندما نزل إلى القبر جاء الملكان رأيا إنساناً ممدداً وإنساناً يتحرك ، فقال الملكان : لنبدأ بهذا الذي يتحرك فحزم نفسه بحبلة ، فقالوا له : هذه الحبل من أين جئت بها وكم دفعت ثمنها وممن اشتريتها ؟ يا أخي على هذه الحبلة خمسون سؤالاً ، فخرج فزعاً وقال : أعان الله والدكم ، هو على الحبل لم يتحمل والبطولة بعد الموت ، لذلك الغنى والفقر بعد العرض على الله ، لا تقول أنا غني ولا فقير. ((ألا يا رب نفس طاعمة ناعمة في الدنيا جائعة عارية يوم القيامة ، ألا يا رب نفس جائعة عارية في الدنيا طاعمة ناعمة يوم القيامة ، ألا يا رب مكرم لنفسه و هو لها مهين ، ألا يا رب مهين لنفسه و هو لها مكرم ، ألا يا رب متخوض و متنعم فيما أفاء الله على رسوله ما له عند الله من خلاق)) |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
التعديل الأخير تم بواسطة السعيد ; 09-10-2018 الساعة 08:11 AM
|
|
|
#33 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : احكام الاذان والاقامة - فضل قراءة القران الفقة الاسلامى - 2 الدرس : ( الحادى و الثلاثون ) الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. الأذان والإقامة سنةٌ مؤكدةٌ : أيها الأخوة المؤمنون، أنهينا موضوع الصيام وموضوع الزكاة وكانا موضوعين مناسبين لشهر الصيام، وكنا قد بدأنا قبل رمضان بموضوعات في الفقه عن الصلاة والطهارة والوضوء وما شابه ذلك، وها نحن أولاً نتابع هذا الموضوع اليوم عن الأذان، فالأذان والإقامة سنةٌ، وهما سنةٌ مؤكدةٌ، إذ يوجد سنة مؤكدة داوم عليها عليه الصلاة والسلام كالفرائض ولو منفرداً، فإذا سمع الإنسان الأذان وكان في البرية أو في الخلاء وأراد أن يصلي وحده سنّ له أن يؤذن أداءً وقضاءً، فلو صليت فرض الظهر في وقته أو إن صليته قضاءً يسن لك الأذان، .الأذان جماعةً ومنفرداً، أداءً وقضاءً، سفراً أو حضراً، ست حالات للرجال، وكره للنساء التمهل بالأذان و الإسراع بالإقامة : ويكبر المؤذن في أوله أربعاً، الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر، ويسن تكبير آخره، وآخره يكبر تكبيرتين فقط، فأربع تكبيرات في أول الأذان وتكبيرتان في آخره كباقي ألفاظه، فألفاظه كلها مثنى مثنى، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة حي على الصلاة، حي على الفلاح حي على الفلاح، والإقامة مثله تماماً ويزيد بعد فلاح الفجر الصلاة خير من النوم، وبعد فلاح الإقامة قد قامت الصلاة، وعلى المؤذن أن يتمهل في الأذان ويسرع في الإقامة، ويستحسن أن يكون المؤذن صالحاً، عالماً بالسنة وأوقات الصلاة، وعلى وضوء مستقبل القبلة إلا أن يكون راكباً يصلي صلاة الخوف فلا يشترط في هذه الحالة أن يستقبل القبلة، لأن :" قبلة الخائف جهة أمنه، وقبلة المسافر جهة دابته ". وأن يحول وجهه يميناً بالصلاة ويساراً بالفلاح، ويفصل بين الأذان والإقامة بقدر ما يحضر الملازمون للصلاة، جرى خلاف أنه بين أذان الفجر والصلاة نصف ساعة لأن النبي الكريم عليه الصلاة والتسليم كان يسفر أي إلى أن تسفر الوجوه، أي إلى أن تبدو ملامح الوجوه، وكان يبرد في صلاة الظهيرة إن كان الحر شديداً، فصلاة الظهر بعد الأذان بنصف ساعة، وكذلك العصر، أما صلاة المغرب والعشاء فبعد الأذان بخمس دقائق، وهذا الترتيب مأخوذ من السنة، ويفصل بين الأذان والإقامة بقدر ما يحضر الملازمون للصلاة مع مراعاة الوقت المستحب. بعض أحكام الأذان : والملاحظ أن النبي عليه الصلاة والسلام طلب من المؤذن أن يقيم الصلاة هو نفسه، فإذا كان المؤذن على المئذنة ونسيناه وأقمنا الصلاة فهذا ليس وفاء، فضماناً لحضوره معنا نقول: الذي أذن هو الذي يقيم الصلاة، ويستحب أن يقول المؤذن قبل الصلاة: الصلاة الصلاة، ويكره التلحين في الأذان، وإقامة المحدث وأذانه - فإذا كان غير متوضئ لا يجوز أن يؤذن ولا يقيم الصلاة - وكذلك أذان الجنب، فغير المتوضئ حدث أصغر وغير الطاهر الجنب حدث أكبر، وكذلك الصبي الذي لا يعقل، و المجنون، و السكران، وأذان المرأة مرفوض كما قلنا، و الفاسق، و القاعد، فلا يؤذن قاعداً، والكلام خلال الأذان والإقامة يكره، وإذا أردت السنة المطهرة فسمعت المؤذن فاسكت، ويستحب إعادته دون الإقامة، أي وإذا جرى حديث أثناء الأذان فيجب أن يعاد الأذان، وإذا كنا في سفر أو في نزهة وقلنا لأحدنا: قم فأذن فلا ينبغي لأحد أن يتكلم، فإذا تكلمنا فيجب أن يعاد الأذان، ولا تعاد الإقامة، ويكره الأذان لظهر يوم الجمعة في المصر، فأناس فاتتهم الجمعة فأذنوا ليصلوا الظهر هذا الأذان مكروه لأن صلاة الجمعة تجزئ عن صلاة الظهر، وهذا مما يشوش على المسلمين، وقد يؤذن للفائت، إذا إنسان فاتته صلاة في غير وقتها يستحب أن يؤذن لهذه الصلاة ويقيم أيضاً، وبعضهم قال: لأولى الفوائت، لو نوى أن يصلي مجموعة صلوات فاتته يؤذن ويقيم لأول فائتة، وكره ترك الإقامة دون الأذان، أي أذان وإقامة، ولكن أحدنا إذا سمع المؤذن انتهى الأمر، وهذا الكلام إذا كان أحدكم يجلس في البرية، أو في الريف، في مكان لا يوجد فيه مسجد، أما إذا كان في بيته وسمع الأذان من مجموعة مآذن فبقي عليه الإقامة فقط، وإذا قام المصلي يقيم الصلاة. ما يقوله المسلم عند سماع الأذان : والآن المسلم إذا سمع الأذان ماذا يقول؟ أول شيء أمسك اسكت وقل مثل قوله، فإذا قال المؤذن: أشهد أن لا إله إلا الله، يردد معه المستمع أشهد أن لا إله إلا الله، وإن قال المؤذن: أشهد أن محمداً رسول الله يردد معه المستمع طبعاً بصوت منخفض أشهد أن محمداً رسول الله، أما إذا قال: حي على الصلاة، يقولون: إعادة الأمر استهزاء، إذا أحد أمرك بأمر وأنت أعدته له مرة ثانية هذا استهزاء، ففي قول المؤذن: حي على الصلاة تقول أنت: لا حول ولا قوة إلا بالله، حوقل أي قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، سبحل أي قال: سبحان الله، دمعز قال: أدام الله عزك، بسمل قال: بسم الله الرحمن الرحيم، كبر قال: الله أكبر، هلل قال: الله أكبر، حي على قال: حي على الصلاة، إذا سمع المسلم الأذان المسنون أمسك وقال مثله، وحوقل في الحي علتين، إذا إنسان أراد أن يقرأ بمفرده يقول: ما معنى حوقل في الحي علتين؟ أي في حي على الصلاة يحوقل يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، وفي حي على الفلاح يحوقل ويقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، ويستحب أن يقول المسلم مع المؤذن صدقت وبررت، وله أن يقول هذا أيضاً عند قوله الصلاة خير من النوم، ويستحب لمن يقيم الصلاة أن يقول: "اللهــم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت سيدنا محمداً الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته". والآن قبل أن يصلي الإمام يقرأ هذا الدعاء، وهذه بعض أحكام الأذان وفي درس قادم إن شاء الله ننتقل إلى شروط الصلاة وأركانها. |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#34 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : احكام الصلاة : الفرائض-احاديث فى ذم تلاوة الغافلينالفقة الاسلامى - 2 الدرس : ( الثانى و الثلاثون ) الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. الصلاة فرضيتها و أسبابها : أيها الأخوة المؤمنون، تحدثنا في دروس سابقة عن الأذان، وعن موضوعات متممة، وها نحن أولاً نبدأ بموضوع الصلاة، يشترط لفرضيتها ثلاثة أمور: الإسلام والبلوغ والعقل، ولكن الأولاد قبل أن يبلغوا وقبل أن يعقلوا يؤمرون بها بسبع سنين، ويضربون على تركها بعشر سنين، ولكن الفقهاء نصوا على أن الضرب بيد لا بخشبة، بالخشبة تعقده، وأسبابها وأوقاتها: فما الذي يسبب فرض الصلاة؟ دخول الوقت، والصلاة تجب بأول الوقت لكن وجوباً موسعاً، ما معنى وجوباً موسعاً؟ أي أنت إذا كنت في حرج شديد فيمكن أن تصلي الظهر بعد نصف ساعة، فالوجوب ليس مضيقاً بل موسع، ولكن أحب الأعمال إلى الله الصلاة في أوقاتها، ومن أخّر الصلاة أذهب الله البركة من عمره.أوقات الصلاة : ووجوب الصلاة وجوبٌ موسع، والأوقات خمسة: وقت الصبح من طلوع الفجر الصادق - الفجر الكاذب طولي أما الصادق فعرضي - إلى قبيل طلوع الشمس، وقبيل اسم مصغر وهذا تصغير تقريب، ووقت الظهر من زوال الشمس أي إذا كانت الشمس في كبد السماء تماماً، فإذا تحولت عن كبد السماء فقد زالت، من زوال الشمس إلى أن يصير ظل الشيء مثليه أو مثله، تسمعون أحياناً أن هناك عصر أول وعصر ثانٍ، والعلماء على خلاف بين أن يكون ظل الشيء مثله العصر الأول، وظل الشمس مثليه العصر الثاني، ولذلك فالأحوط أن تصلي الظهر قبل أن يصبح ظل الشمس مثله، فإذا دخلت بين المثل والمثلين دخلت في الشبهة، والأحوط أيضاً أن تصلي العصر بعد أن يكون ظل الشمس مثليه، أي بين المثل الأول والمثل الثاني لا ظهر ولا عصر يمكن أن تصلي، وقبل أن يكون ظل الشيء مثله هذا وقت الظهر، وبعد أن يكون ظل الشيء مثليه هذا وقت العصر. ووقت العصر من ابتداء الزيادة على المثل أو المثلين والأحوط المثلين إلى غروب الشمس، والمغرب منه أي من غروب الشمس إلى غروب الشفق الأحمر، وهذا هو العشاء. لكن بالمناسبة تقول: إن الشفق الأحمر غاب لأقوم وأصلي العشاء، لا أنت مسلم في بلد إسلامي، وهناك نظام وتقويم وأذان ومساجد، فإذا خالفت الجماعة اتهمت اتهامات خطيرة، والآن أنت لا علاقة لك بغروب الشفق الأحمر، علاقتك بأذان العشاء، لكن إذا كنت في فلاة أي في مكان ليس فيه أذان، فيجب أن تعلم أن وقت العشاء دخل أو لم يدخل، هذا لكي تكون على علم، أما إذا كنت في الحضر ففي المدن مواقيت الصلوات في التقاويم، وفي الأذان الذي تسمعه هو الحكم، أما إذا سافرت إلى أوربا فلا يوجد أذان بضاحية لمدينة، ولا يوجد مساجد، فيجب أن تعلم أن غياب الشفق الأحمر يعني ذلك أن وقت العشاء قد دخل. والعشاء والوتر من غروب الشفق الأحمر إلى الصبح، ولا يقدم الوتر على العشاء فيجب أن تراعي الترتيب، ولا يجمع على المذهب الحنفي بين فرضين في وقت بعذر إلا في عرفة للحاج بشرط الإمام الأعظم والإحرام، هذا رأي الإمام أبي حنيفة، ولكن الإمام الشافعي يجيز أن تجمع في الضرورات وفي السفر بين وقتين جمع تقديم أو جمع تأخير، ويستحب الإسفار بالفجر للرجال، أي أن تكون الصلاة بعد نصف ساعة من أذان الفجر، وهذا الوقت اسمه وقت الإسفار، فالوجوه تتضح، والعبارة المشهورة: تتعارف الوجوه، لو ألقيت على أخيك نظرةً عرفته وهذا قبل الكهرباء، أما الآن فإذا دخلت إلى المسجد تعرفه، أخي عرفنا بعضنا والإضاءة موجودة، ولو رأيته على الضوء الاعتيادي على ظلمة الليل لا تعرفه، أما بعد الفجر بنصف ساعة فتتعارف الوجوه، والسنة أن يصلى الفجر بعد أذان الفجر بوقت كاف كي تتعارف به الوجوه، والجوامع تقريباً جرت على أن يكون بين أذان الفجر وبين الصلاة نصف ساعة، ولكن إذا كنت مسافراً ودخلت إلى مسجد فبإمكانك أن تصلي الفجر بعد الأذان مباشرةً، وإذا كنت مسافراً ووصلت إلى حمص مع أذان الفجر وأنت بحاجة إلى وقت نقول لك: صلِّ الفجر مع الأذان، أما إذا كنت في حيك وفي جماعة فالأولى أن يصلى الفجر بعد مضي نصف ساعة من أذان الفجر، والإبراد بالظهر في الصيف، حيث يكون الحر شديداً أيضاً من السنة أن نؤخر صلاة الظهر أيضاً نصف ساعة كي تخف حدة الحر، وتعجيله في الشتاء، وفي الشتاء ربع ساعة، إلا يوم غيم فيؤخر به احتياطاً، وتأخير العصر جائز ما لم تتغير الشمس، الشمس بيضاء ساطعة لكن بعد العصر يتغير لون الشمس من اللون الأبيض إلى اللون البرتقالي، وتأخير العصر ما لم تتغير الشمس، وتعجيله في وقت الغيم احتياطاً، وتعجيل المغرب من السنة لأن المغرب غريب كما يقولون، إلا في يوم غيم فيؤخر قليلاً لعل الشمس لم تغب بعد. ثلاثة أوقات لا يصح فيها شيء من الفرائض والواجبات : والآن بموضوع الساعات فالموضوع بالآذان محلول تقريباً، وتأخير العشاء إلى ثلث الليل، أي العشاء بعد الساعة الثانية عشرة ليلاً مكروهاً أما الوتر فيمكن أن تصليه قبل صلاة الفجر بخمس دقائق، وتأخير الوتر إلى آخر الليل إذا لم يثق الإنسان بالانتباه، أي إن لم يستيقظ قبل الفجر فلا عليه أن يؤخر صلاة الوتر. ثلاثة أوقات لا يصح فيها شيء من الفرائض والواجبات التي لزمت في الذمة لا في الحاضر، أنت مثلاً لم تصلِّ العصر فنظرت فإذا الشمس على وشك أن تغيب ماذا تفعل؟ نقول لك: صلّ العصر، إذا كان عليك عصر سابق فلا يصلى في الأوقات المكروهة - الفرائض والواجبات التي لزمت في الذمة لا ينبغي أن تصلى في الأوقات المكروهة - ثلاثة أوقات لا يصح فيها شيء من الفرائض والواجبات التي لزمت في الذمة قبل دخولها، عند طلوع الشمس إلى أن ترتفع مقدار رمحين أي كصلاة العيد تقريباً، ويمكن أن تصلي بعدها، وعند استواء الشمس في كبد السماء إلى أن تزول، أي الشمس في كبد السماء تماماً إلى أن تنحرف عن كبد السماء، وهذا الوقت مكروه، وعند اصفرارها إلى أن تغرب، ثلاثة أوقات مكروهة، ويصح أداء ما وجب فيها مع الكراهية، والعصر ما صليته تصليه في وقت ولو كان قبل غروب الشمس بخمس دقائق يجب أن تصليه هذا ما وجب، أما ما لزم في الذمة مع الكراهة كجنازة حضرت، وسجود آية تلوت، لكن النبي الكريم نهى أن يصلى على جنازة في هذه الأوقات الثلاث المكروهة مع أن دفن الميت في هذه الأوقات غير مكروه، لو إنسان دفن ميتاً قبل غروب الشمس بدقيقة فغير مكروه، وصلاة الجنازة في هذه الأوقات المكروهة مكروهة، وفي هذه الأوقات الثلاث تكره فيها النافلة كراهة تحريم، فمثلاً تحية المسجد هذه نافلة، لا ينبغي أن تصليها في هذه الأوقات الثلاث. متى يكره التنفل ؟ ويكره التنفل بعد طلوع الفجر بأكثر من سنته، ركعتا الفجر فقط ولكن بعد صلاته يكره التنفل مطلقاً، وبعد صلاة العصر يكره التنفل، وقبل صلاة المغرب، وعند خروج الخطيب إذا صعد المنبر فلا صلاة ولا كلام حتى يفرغ من صلاته، وعند الإقامة إلا في حالة خاصة سنة الفجر دخلت إلى المسجد، وتقام صلاة الفرض، والإمام يقرأ ويطيل، وأنت متأكد من هذا، فركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها، صلّ ركعتي الفجر ولو أن المؤذن يقيم للصلاة، ولو أن الإمام شرع بالصلاة، وقبل صلاة العيد يكره التنفل، ولو في المسجد، وبعد صلاة العيد يكره التنفل ولو في المسجد، وبين الجمعين، جمع عرفة وجمع مزدلفة، وعند ضيق وقت المكتوبة أي الشمس بدأت تصفر قبل أن تصلي النفل صلّ الفرض، وعند مدافعة الأخبثين، طالما أنك متضايق تريد أن تصلي ما هذه الصلاة؟ وحضور طعام تحبه النفس، يشتهي أن يأكل، جاء إلى البيت يريد أن يصلي نقول له: قم وكل ثم صلّ، وما يشغل البال، جاءته رسالة من ابنه يا ترى هل أرسل لي الحوالة أم لا ؟ نجح أم لا؟ نقول له: افتحها واقرأها وقم وصلّ، اشترى آلة يريد أن يعرف كيف تستعمل، افتحها و اعرف كيف تعمل وقم وصل، كل شيء يشغلك عن الصلاة وما يشغل البال ويخل بالخشوع، طبعاً هذا تقديم للصلاة، وسوف يأتي موضوع الصلاة بشكل تفصيلي إن شاء الله في دروس قادمة. |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#35 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : شروط الصلاة :الاداب الظاهرة لتلاوة القران الكريم - الفقة الاسلامى - 2 الدرس : ( الثالث و الثلاثون ) الترتيل - الاستعاذة - مقدار القراءة - مواضيه الجهر و الاسراء الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. شروط الصلاة : 1 ـ الطهارة من الحدث و طهارة المكان و الثوب و الجسد و ستر العورة : أيها الأخوة المؤمنون، لابد لصحة الصلاة من سبعة وعشرين شيئاً، هذا الكتاب "مراقي الفلاح" سبق أن درسته كله في هذا المسجد، ونظراً لأهمية موضوعاته؛ الصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، وهذه عبادات الإسلام، والصلاة عماد الدين، نعيده ثانية. نحن الآن في شروط الصلاة، لابد لصحة الصلاة من سبعة وعشرين شيئاً، أولاً: الطهارة من الحدث، وكلكم يعلم الحدث الأصغر يطهر بالوضوء، والحدث الأكبر وهي الجنابة تطهر بالغسل، وكذلك الحيض والنفاس، فإذا قال الفقهاء: الطهارة من الحدث شرط للصلاة، أي الطهارة من الحدث الأصغر والأكبر والحيض والنفاس، وطهارة الجسد والثوب والمكان. لا تكفي الطهارة من الحدث فلابد من طهارة المكان الذي تصلي به وعليه، ولابد من طهارة الثوب، ولابد من طهارة الجسد، هذه الطهارة من نجس غير معفو عنه، إذ يوجد نجس معفو عنه، قليل بالحجم الصغير الجاف، فهذا معفو عنه، وهناك نجس غير معفو عنه ولابد من تطهيره، ولا سيما في طهارة المكان، موضع القدمين واليدين والركبتين والجبهة في الأصح. ((قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ عَلَى الْجَبْهَةِ وَأَشَارَ بِيَدِهِ عَلَى أَنْفِهِ وَالْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ وَأَطْرَافِ الْقَدَمَيْنِ وَلا نَكْفِتَ الثِّيَابَ وَالشَّعَرَ)) [ مسلم عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا] وستر العورة، العورة تقسم على طريقتين، يجب أن يستر لونها، ويجب أن يستر حجمها، فالثياب الضيقة التي تصف حجم العضو تماماً وهذا ما يسمح له أهل الأزياء في العصر الحديث، فهذه تصف حجم العورة تماماً، ولو أن الثياب ثخينة لا تصف لونها، إذا قلنا: ستر العورة فالمعني بستر العورة ستر لونها وحجمها، ولذلك فالثياب الفضفاضة. فهذا الثوب الذي يلبسه المصلون في الصلاة إن كان تحته بنطال أيضاً فهو أصح أنواع الثياب في الصلاة لأنه فضفاض ولا يصف حجم العورة ولا لونها.2 ـ استقبال القبلة : ومن شروط الصلاة أيضاً استقبال القبلة، لكن استقبال القبلة على أنواع؛ المكي الذي يصلي وسط المسجد الحرام يجب أن تقع عينه عليها بالذات وهذا استقبال القبلة، يصلي ولا تقع عينه عليها نقول لهذا المصلي في المسجد الحرام: أنت لست مستقبلاً القبلة، فإن كان مكياً أي هناك حاجز يمنعه عن الكعبة يمكن أن يتجه إلى عينها، فللمكي المشاهد فرضه إصابة عينها، ولغير المشاهد جهتها ولو بمكة. 3 ـ دخول الوقت : والآن دخول الوقت، فالشرط الثالث دخول الوقت، يقول العلماء: دخول الوقت هو سبب الصلاة، ويقول رجل: أنا أريد أن أسافر فسوف أصلي قبل ربع ساعة من الأذان، وهذه الصلاة غير صحيحة إذ لم يدخل وقتها، فإذا كنت شافعياً وجمعت جمع تقديم أو جمع تأخير فهذا بحث ثان، أما إذا كنت تصلي الصلاة في بلدك فلابد من دخول الوقت، بالمناسبة ودخول الوقت ليس كما تريد، وأنت في مجتمع مسلم إذ يوجد مآذن وجوامع وتقاويم، ويقول لنا: غاب الشفق الأحمر سوف أصلي العشاء، لا هذا ليس من اختصاصك إلى أن يؤذن العشاء، وهناك بلاد مثل مضايا وبقين في غربها جبل فغياب قرص الشمس لا يعني الغروب، فبعد غياب قرص الشمس بربع ساعة يؤذن المغرب، لأنه يوجد جبل مرتفع، وأحياناً في المدن الساحلية يكون هناك غيماً كثيفاً وكأنه جبل فيغيب قرص الشمس قبل ربع ساعة، ويوجد ظروف معينة، ولست في مستوى أن تقول: الآن الشمس غابت، وأنا سوف أصلي المغرب، إلا إذا كنت مسافراً في طريق صحراوي غير آهل بالسكان، عندئذ تعود إلى مواقيت الصلوات بحسب ما درسنا في هذا المسجد. ولكن اعتقاد دخوله شرط آخر، فإذا كان الإنسان ليس متأكداً من دخول الوقت، فهذه عبادة مشكوك بها، وهذا الشك يفسد العبادة، فصار عندنا شرطان دخول الوقت شرط واعتقاد دخوله شرط آخر، ويجب أن تعتقد جازماً بأن الوقت قد دخل، ولذلك دائماً يكون هناك احتياط دقائق حتى يكون دخول الوقت حتمياً وفعلياً. 4 ـ النية والنطق بالتحريمة : النية، نويت أن أصلي ثلاث ركعات فرض المغرب حاضراً، إماماً مقتدياً، ولابد من التحريمة، من تكبيرة الإحرام بلا فاصل بين النية والتحريمة، تنوي المغرب أحضروا لي كأس شاي، بعد أن شربتها الله أكبر، لابد من أن تكون النية والتحريمة بلا فاصل بينهما. والآن الإنسان أحياناً يدخل إلى المسجد فيرى الإمام يصلي ركع الإمام وهو في آخر المسجد يركض ويركع ويقول: الله أكبر، وقد أتى تكبيرة الإحرام منحنياً، فالصلاة فاسدة، ولابد من أن تأتي تكبيرة الإحرام قائماً، وأن تأخذ وضعاً منحنياً الله أكبر هذه لم ترد، وكثيراً ما يفعلها المصلون، والإتيان بالتحريمة قائماً قبل انحنائه للركوع، وعدم تأخير النية عن التحريمة، لا تكون النية بعد التحريم، ولا تكون النية بعد التحريمة، الله أكبر نويت أن أصلي أربع ركع، لا يصح ذلك، لأن النية قبل التحريمة. والنطق بالتحريمة بحيث يسمع نفسه على الأقل، ولابد من أن تلفظ بها لكن يوجد شخص أحياناً يصلي، ويكون هناك مجلس علم فيقول: الله أكبر بصوت مرتفع، هذه قلة ملاحظة يمكن أن تسمع نفسك، لابد من التلفظ بتكبيرة الإحرام، ولا بد من نية متابعة المقتدي إذا نويت أن تصلي ثلاث ركعات فرض المغرب مقتدياً، إذا كنت مقتدياً فيجب أن تذكر بالنية الاقتداء، وإن كنت إماماً فيجب أن تذكر بالنية أنك إمام. 5 ـ تعيين الفرض : وتعيين الفرض، إنسان يريد أن يصلي الظهر فينوي صلاة السنة، وهو في الركعة الثالثة رأى أنه سوف يؤذن العصر فقلبها إلى فرض، فهذه لا تصح لأنه نوى السنة فهي سنة، فإذا نوى فرضاً فهو فرض، ولابد من تعيين نوع الصلاة، فرضاً واجباً، العلماء قالوا: لابد من تعيين الفرض، وتعيين الواجب، الفرض معروف فالصبح والظهر والعصر والمغرب والعشاء، والواجب العيدان والجنازة والوتر، فهذه صلوات لابد من تعيينها، نويت أن أصلي ركعتي العيد، عيد الفطر، ولا يشترط التعيين في النفل، رجل قام ليصلي قيام الليل، بالنفل لا يوجد تعيين، التعيين بالفرض وبالواجب. 6 ـ القيام في غير النفل : القيام في غير النفل، رجل يصلي الفرض على القاعد من غير عذر لا يجوز، عذر مقبول، أو عذر كافٍ، التهاب بالمفصل، أما أنا متعب، جئت إلى البيت الساعة الثانية بعد منتصف الليل فصليت و أنت جالس لا يجوز، أما السنة فيمكن لك أن تصليها قاعداً لا الفرض. والقيام في غير النفل، طبعاً القيام إذا كان صحيحاً، أما إذا كان عنده مرض أو عذر صحي فيجوز أن يصلي الفرض قاعداً. 7 ـ قراءة ولو آية في ركعتي الفرض وكل النفل : قراءة ولو آية في ركعتي الفرض وكل النفل، فإذا صلى الإنسان أربع ركعات سنة الظهر، يجب أن يقرأ مع الفاتحة سورةً قصيرةً أو ثلاث آيات في كل ركعة من ركعات النفل، وأربع ركعات قبل العصر في كل ركعة من ركعات النفل يجب قراءة شيء من القرآن، ومعنى القراءة رجل يقف ويصلي مفرداً ولا يوجد حركة في شفاهه، فهذه ليست صلاة، ولابد من أن تقرأ، وأن تسمع نفسك على حد أدنى، ولو آية في ركعتي الفرض. وقد قالوا - الم - لا تكفي هذه آية - كهيعص - هذه آية - المر - هذه آية -مدهامتان - آية، إمام صلى التراويح فقرأ مدهامتان، فقال له المصلي: لقد أطلت الصلاة يا أخي، فقال له: قرأنا آية واحدة، فقال: اقرأ مدهامة واحدة لا اثنتين. فالصلاة غير جائزة أن تقرأ - الم - كهيعيص - هذه آية - المر - هذه آية -مدهامتان - لا تكفي ولابد من آيتين جملة تفيد المعنى، قال تعالى: ﴿ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ ﴾ [ سورة المزمل: 20] 8 ـ قراءة شيء في الصلاة بشكل مسموع : لابد من قراءة شيء في الصلاة بشكل مسموع، لكن بعض العلماء قالوا: هذا شرط جائز، لماذا؟ لأن المقتدي لا يقرأ، وقراءة الإمام قراءة للمقتدي، ورجل آخر دخل إلى المسجد ووجد الإمام راكعاً فتبعه، وكبر تكبيرة الإحرام، وركع وأدرك معه تسبيحة، ركعته صحيحة، وإن لم يقرأ بها شيئاً كتبت له ركعة مع أنه لم يقرأ ولم يسمع، لذلك قالوا: قراءة القرآن شرط، وعند بعض العلماء شرط جائز، لأنه يمكن أن تعد لك ركعة ركعتها من دون أن تقرأ فيها، أو أنك سمعت الإمام يقرأ فقراءته قراءة لك. 9 ـ عدم تعيين شيء من القرآن لصحة الصلاة : عدم تعيين شيء من القرآن لصحة الصلاة، ولكن العلماء قالوا: إن حفظ القرآن كله فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الكل، لكن الحزب هو الحد الأدنى من القرآن، والحد الأدنى الفاتحة والمعوذتان والعصر والكوثر والقارعة وعدد من السور القصيرة، تكون هذه السور حداً أدنى، وربنا عز وجل أعطاك درساً، مرة إذا زلزلت، ومرة والعصر، ومرة القارعة، ومرة ويل لكل همزة، وتبت يد أبي لهب، وأنا الذي أراه أن جزء عم يجب أن يحفظه جميع الناس، وهو الحد الأدنى لأنه كله عن الإيمان بالله عز وجل والقرآن له مختصر، واختصاره جزء عم. ومن قرأ الإخلاص فقد قرأ ثلث القرآن، ومن قرأها ثلاث مرات فكأنه قرأ القرآن كله، وقد يقول شخص: اقرأ لي ختمة على روح الوالدة وهذه مئة ليرة، يقول له: نعم، يقرأ الإخلاص ثلاث مرات ويأخذ مئة ليرة، وفي هذه السورة حديث عن ذات الله، وهناك حديث عن خلقه، وهناك حديث عن شرعه، فالنبي عندما قال: الإخلاص ثلث القرآن معنى ذلك أن ثلثه فيه حديث عن أسماء الله الحسنى، فالإخلاص جمعت قل هو الله أحد الله الصمد، وليس معنى هذا أنك إذا قرأتها ثلاث مرات قرأت القرآن كله، فهذا فهم خاطئ. 10 ـ لا يقرأ المؤتم بل يستمع : ولا يقرأ المؤتم، بل يستمع، ونحن ندرس المذهب الحنفي، والنبي الكريم مرة أثناء الصلاة عليه الصلاة والسلام سمع أحداً خلفه يقرأ القرآن. ((عَنْ أَبــِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْصَرَفَ مِنْ صَلاةٍ جَهَرَ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ فَقـَالَ، هَلْ قَرَأَ مَعِي أَحَدٌ مِنْكُمْ آنِفًا، قَالَ رَجُلٌ نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ، إِنِّي أَقُولُ مَا لِي أُنَازَعُ الْقـــُرْآنَ، قَالَ، فَانْتَهَى النَّاسُ عَنِ الْقِرَاءَةِ فِيمَا جَهَرَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْقِرَاءَةِ مِنَ الصَّلاةِ حِينَ سَمِعُوا ذَلِكَ )) [ابن كثيرعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ] أي حصل تشويش، فالمذهب الحنفي يقول: على المؤتم أن يستمع وينصت، لقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ [ سورة الأعراف: 204] وإن قرأ كره تحريماً عند الإمام الحنفي، ولكن هذا الموضوع لو توسعنا به قليلاً، لو أن إنساناً يصلي في مسجد كبير، وفجأةً انقطعت الكهرباء، وانقطع مع الكهرباء صوت الإمام، فهل نقول له: أنت حنفي ابق واقفاً هكذا لا حركة ولا سكنة ولا قراءة؟ لا، بل نقول له: اقرأ، على المذهب الشافعي يجب أن تقرأ، ولكن إذا كان واقفاً وراء الإمام وصوت الإمام مسموع بشكل واضح هل تقرأ معه؟ لا، وكلهم من رسول الله ملتمس، رسول الله مرة قرأ ومرة لم يقرأ، والإمام الشافعي أخذ من الرسول، فهذه المذاهب متكاملة وليست متناقضة، واتفاق الأئمة حجة قاطعة، واختلافهم رحمة واسعة، ولما يسمع الإنسان الإمام بصوت واضح يستمع، وهذا اسمه التقليد، والتقليد في المذاهب مقبول، أما التلفيق فمرفوض، أخي أي مذهب لا يوجد على حلي النساء زكاة؟ أي مذهب ثلاث طلقات بطلقة واحدة؟ ابن تيمية، أنا على ابن تيمية، سموه العلماء التلفيــق، تصيد الرخص، يريد أن يرتاح، أما التقليد فمقبول، رجل لامست يده يد زوجته وكأنها مست قطعة أثاث، إذا أحب ألا يتوضأ على المذهب الحنفي لا يوجد مانع، هو شافعي ومست يده يد زوجته وكأن مسح قطعة أثاث فأحب أن يقلد الإمام الحنفي ولا يتوضأ فلا مانع، وإذا كان حنفياً ومست يده يد زوجته وحصل شيء يذهب ويتوضأ ويقلد الإمام الشافعي، قال بعضهم: إن أي عبادةٍ وافقت أحد المذاهب فهي صحيحة عن علم أو عن غير علم، رجل لامست يده يد زوجته ولم يتوضأ، وهو لا يعلم نفسه أحنفي أم شافعي، ولم يتوضأ طالما وافقت المذهب الحنفــي صحيحة، وهذه توسعة على الناس، ولذلك التقليد مقبول والتلفيق مرفوض، واتفاق الأئمة حجة قاطعة، واختلافهم رحمة واسعة، واختلافهم ليس اختلاف تناقضٍ بل اختلاف سعة وتنوع.اتفاق الأئمة حجة قاطعة واختلافهم رحمة واسعة : سبحان الله اختلاف الأئمة الأربعة يسع كل الحالات، فالإمام الحنفي أبو حنيفة رضي الله عنه كان في المدينة فقال: الزكاة نقداً، والإمام الشافعي كان في بر مصر فقال: الزكاة عيناً، قمح، كلاهما على حق، حتى إن بعضهم قال: لو أن الإمام أبا حنيفة رضي الله عنه عاش في بيئة الإمام الشافعي لحكم كحكم الشافعي، ولو أن الإمام الشافعي عاش في بيئة أبي حنيفة لحكم بحكمه، والآن نحن في المدينة قل لرجل: أنا أريد أن أعطيك زكاة مالي كيس قمح، فماذا يفعل به؟ يحتاج إلى أدوات نقل، أين يطحنه؟ وأين يخبزه؟ فهذا أعطاه هماً، إذا أعطاه مئتي ليرة يحل بها مشكلاته، أما رجل يسكن في الريف، فالطاحونة جاهزة، والتنور جاهز، تعطيه كيس قمح يقول لك: أفضل من ألف ليرة، المال ليس له قيمة ولا يوجد أحد يبيعه شيئاً، وفي البادية كيس قمح أفضل من ألف ليرة، ولذلك اختلاف المذاهب أحياناً ترى رجلاً منحرف الأخلاق، وله أهل فقراء، والآن نحن نقلد الإمام الشافعي ونعطيه الزكاة عيناً، سكراً أو رزاً أو زيتاً، هذه زكاة، الزوج: إذا كان رب البيت في الطبل ضارباً، يوم في الشرق ويوم في الغرب، وأولاده فقراء جائعون، أما إذا كان أباً حكيماً صالحاً، فالمال يحل به ألف مشكلة، على العيد ينقصه مال لأولاده، ويحتاج إلى محافظ لأولاده على المدارس، وحاجات كثيرة بخمسمئة ليرة يحل بها مشكلات كثيرة، أعطه كيس رز يسوس عنده في البيت، أعطه خمسمئة ليرة أفضل له، لذلك اختلاف المذاهب رحمة. ولا يقرأ المؤتم بل يستمع وينصت، وإن قرأ كره تحريماً. 11 ـ الركوع والسجود على ما يجد حجمه وتستقر عليه جبهته : الركوع والسجود على ما يجد حجمه، وتستقر عليه جبهته، ولو على كفه أو طرف ثوبه إن طهر، وسجد وجوباً بما من أنفه وجبهته، الأنف والجبهة، الأنف وحده لا يجوز، والجبهة وحدها لا تجوز، ولا يصح الاقتصار على الأنف إلا من عذر، رجل أجرى عملية في أنفه، وأنفه مضمد أو لكم على أنفه، وأنفه متهشم فيمكن على الجبهة إذا كان هناك عذراً.12 ـ عدم ارتفاع محل السجود عن موضع القدمين بأكثر من نصف ذراع : عدم ارتفاع محل السجود عن موضع القدمين بأكثر من نصف ذراع، يجلس في صحن المسجد وله درجة عالية جلس على الصحن وسجد على الدرجة لا يجوز، لابد من أن يكون مستوى السجود مع مستوى القعود، وإن زاد عن نصف ذراع لم يجز السجود إلا في زحمة المسجد، أو أثناء الحج، في حالات نادرة قصوى يحصل السجود على ظهر الذي أمامك، وهذه لابد منها. 13 ـ تقديم الركوع على السجود والرفع من السجود إلى قرب القعود : تقديم الركوع على السجود والرفع من السجود إلى قرب القعود، يجب أن يسجد ويرفع إلى القعود ثم يسجد، رفعة صغيرة هذه لا تكفي، والرفع من السجود إلى قرب القعود على الصح والعود إلى السجود مرة ثانية، والقعود الأخير قدر التشهد وتأخيره على الأركان، أي القعود الأخير يجب أن يكون أخيراً. وأداؤها مستيقظاً، ومعرفة كيفية الصلاة شرط لها، تدريس هذه المعلومات أحد شروط الصلاة. الركن و الشرط : أما من هذا الذي ذكرناه جميعاً هذه شروط وداخلها يوجد أركان، الأركان أربعة القيام والقراءة، والركوع، والسجود، والقعود الأخير وبعضهم قال: خمسة، القيام، والقراءة، والركوع، والسجود، والقعود الأخير هذه أركان الصلاة، والباقي شروط الصلاة، وهذه الشروط بعضها لصحة الشروع بالصلاة، استقبال القبلة والطهارة، طهارة الجسد من الحدث والمكان والثوب، وبعضها لصحة دوامها، لكن الشيء الذي يجذب النظر أن تكبيرة الإحرام عند الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه عدت شرطاً وليست ركناً، بينما تكبيرة الإحرام عند الأئمة الآخرين تعد ركناً لا شرطاً، وما الفرق بين الركن والشرط؟ الشرط يستمر طوال الصلاة، فالطهارة تستمر، فلو انتقض الوضوء تقطع الصلاة، واستقبال القبلة أثناء الصلاة، وطهارة المكان، وطهارة الثوب والبدن، وستر العورة، وهذه كلها شروط، ومعنى الشرط أنه يستمر طوال الصلاة لكن الركن ينقضي، تنتقـل من ركن إلى آخر، فإذا قلنا: إن تكبيرة الإحرام شرط فمعنى ذلك أن استحضار عظمة الله عز وجل تشابه طهارة الجسد والثوب والمكان وبقية الشروط. ومن قال: إن التكبيرة ركن تنقضي بقضائه جعلها كالركوع والسجود، فالتكبيرة ركن، والركوع ركن، والسجود ركن، والوقوف ركن، وهكذا وفي درس آخر إن شاء الله ننتقل إلى فصول أخرى عن واجبات الصلاة، وسننها، ومكروهاتها. |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#36 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : واجبات الصلاة الاداب لتلاوة القران الفقة الاسلامى - 2 الدرس : ( الرابع و الثلاثون ) الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. السنة طريقة بلوغ الفرض : أيها الأخوة المؤمنون، تحدثنا عن أركان الصلاة، و قد نوهت إلى أن الفرق بين الشرط و الركن هو أن الشرط يستمر مع الفرض أو مع الصلاة كستر العورة، و استقبال القبلة، بينما الركن ينقضي بانقضائه، والآن إلى واجبات الصلاة، وقبل الحديث عن الواجبات قال بعض العلماء: شرعت الواجبات لإكمال الفرائض، أو بشكل أوضح: الفرض بلوغ قمة الجبل والسنة الطريق التي سلكها النبي عليه الصلاة و السلام لبلوغ هذه القمة، فأصبحت السنة متكاملة مع الفرض، السنة طريقة بلوغ الفرض والله عز وجل قال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ﴾ [ سورة المائدة: 6 ] فهل من المعقول لإنسان يغسل وجهه بيدين قذرتين؟ والنبي الكريم عليه أتم الصلاة و التسليم فهم أن غسل اليدين أول مرة و ثاني مرة و ثالث مرة طريق لغسل الوجه، و غسل الوجه يقتضي غسل الفم و الأنف، هذا الذي فهمه النبي عليه الصلاة و السلام من قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ﴾ [ سورة المائدة: 6 ] بالأدب نطبق السنة وبالسنة نطبق الواجب وبالواجب نطبق الفرض : كأن السنة هي الفهم الدقيق لرسول الله عليه السلام من أوامر الله عز وجل، فأما أن تفهم أن السنة إضافة فهذا هو الفرض و هذه هي السنة، لا، فالسنة هي الطريق التي سلكها النبي عليه الصلاة و السلام حتى أدى الفرض، ولذلك يؤيد هذا الكلام قول بعض العلماء: إن الواجبـات شرعت لإكمال الفرائض، و السنن لإكمال الواجبات، و الآداب لإكمال السنة، فالأدب طريقك لتطبيق السنة، و السنة طريق لتطبيق الواجب، و الواجب طريق لتطبيق الفرض، أي إذا اشترينـا بضاعة من دولة أجنبية، و عقدنا صفقة، فهناك أشياء بديهية لو لم تذكر، لا بد من أن توضع هذه البضاعة في علب أو في أوعية خاصة بها بحسب نوعها، ولابد من أن تشحن، ومن أن ترفق بوثائق، ولا بد من أن توضع عليها علامة الشحن، وهذه أشياء كلها بديهية من مستلزمات شراء البضاعة، إذاً الواجبات شرعت لإكمال الفرائض والسنن لإكمال الواجبات و الآداب لإكمال السنن، فصار الهدف هو الفرض، والواجب طريق الفرض، والسنة طريق الواجب، والآداب طريق السنة، ولا يوجد تناقض، فتقول لأحدهم: بالله كأس ماء إنه كلام مختصر، إذا كان ذكياً يأخذ الكأس و يغسلها أول مرة و الثانية والثالثة ثم يملؤها لك بماء بارد، فأنت ما قلت له: اغسل الكأس، و لم تقل له: أريد ماء بارداً، و لم تقل له: أريد كأساً نظيفاً، أخي إذا سمحت نقطة ماء، ذهب و أحضر لك قطارة، خذ هذه نقطة ماء، فهل معقول هذا الكلام؟ نقطة ماء أي كأس من الماء، فالنبي يفهم فهماً دقيقاً جداً، إذاً عليه الصلاة و السلام فهم من أوامر الله عز وجل فهماً دقيقاً دقيقاً، و فهمه الدقيق هو السنة. واجبات الصلاة : 1 ـ قراءة الفاتحة : قال العلماء: واجبات الصلاة ثمانية عشر واجباً أولها: قراءة الفاتحة، وبالمناسبة الإنسان إذا ترك واجباً عليه سجود السهو في السنة؟ لا، إذا ترك واجباً من واجبات الصلاة فعليه سجود السهو، إذاً و الفرض؟ أي إذا ترك فرضاً أو ركناً يجب أن يعيد الصلاة، فالصلاة أصبحت باطلة، الصلاة تسلم بترك واجب، ترمم بسجود السهو، لكنها تفسد بترك فرض أو ركن أو شرط، مثلاً لم يستقبل القبلة فسدت الصلاة، ولم يكن طاهراً من الحدثين، ولم يستر عورته والمكان ليس طاهراً، ولم يدخل الوقت، فهذه شروط و أركان إن لم تكن فالصلاة فاسدة، أما الواجبات فإن لم تكن فالصلاة تحتاج إلى ترميم، و ترميمها سجود السهو، فواجبات الصلاة ثمانية عشر واجباً، قراءة الفاتحة لقوله عليه الصلاة و السلام: ((لا صَلاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ)) [عَنْ عُبَـادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ] أي بلاغة النبـي كلها في كلمة الباء، لم يقل لا صلاة لمن لم يقرأ فاتحة الكتاب بل قال: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب، كأن القرآن لا يقرأ إلا بفاتحة الكتاب، وهذه الباء للاستعانة، أي تستعين على فهم كلام الله بقراءة فاتحة الكتاب، تقرأ فاتحة الكتاب فتفهم كلام الله، تقول: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ* صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾ [ سورة الفاتحة: 5-7 ] والآن كأنك تسمع قوله تعالى: يهديك الصراط المستقيم. 2 ـ ضم سورة قصيرة أو ثلاث آيات في ركعتين من ركعات الصلاة : الشيء الثاني: ضم سورة قصيرة أو ثلاث آيات في ركعتين من ركعات الصلاة، هذا الواجب الثاني، قراءة سورة قصيرة أو ثلاث آيات في ركعتين من ركعات الصلاة. 3 ـ ضم سـورة أو ثلاث آيات قصيرة في جميع ركعات الوتر و النفل : الواجب الثالث: ضم سـورة أو ثلاث آيات قصيرة في جميع ركعات الوتر و النفل، بالفرض ركعتان فقط، إن كان الفرض ثنائياً فبالركعتين مثل الصبح، و إن كان ثلاثياً فبركعتين فقط، و إن كان رباعياً فبركعتين فقط، فضم سورة أو ثلاث آيات قصيرة في ركعتين من ركعات الفرض و في كل ركعات النفل أو الوتر. 4 ـ قراءة سورتين في الفرض في الركعتين الأوليين : الواجب الرابع، أن تكون قراءة السورتين في الفرض في الركعتين الأوليين، لا تقرأها بالثالثة و الرابعة، هذه أمور كلها بديهية طبعاً بالأولى و الثانية. 5 ـ تقديم الفاتحة على السورة : و تقديم الفاتحة على السورة، لن نطول بشرحها، ولا أحد يخالفها من كل المسلمين. 6 ـ ضم الأنف للجبهة في السجود : و ضم الأنف للجبهة في السجود، الأنف و الجبهة معاً هذا واجب، فإذا سجد الإنسان على جبينه فقط فعليه أن يسجد سجود السهو أو على أنفه فقط. 7 ـ الإتيان بالسجدة الثانية : و الإتيان بالسجدة الثانية أي سجدتين - أما واحدة فنقص واجباً - وفي كل ركعة قبل الانتقال لغيرها. 8 ـ الاطمئنان في الأركان : و الاطمئنان في الأركان، الاطمئنان أي السكون، والاطمئنان راكعاً و الاطمئنان ساجداً، أما نقر الديك فهذا ليس من الصلاة في شيء. 9 ـ القعود الأول : و القعود الأول من واجبات الصلاة. 10 ـ قراءة التشهد في القعود الأول : و قراءة التشهد في القعود الأول في الصحيح، أي: التحيات لله الصلوات الطيبات هذه معروفة، و قراءته في الجلوس الأخير، التشهد يقرأ مرتين في القعود الأول و في القعود الأخير. 11 ـ القيام إلى الركعة الثالثة من غير تراخ بعد التشهد : و القيام إلى الثالثة أي إذا قعد شخص في القعود الأول و تشهد و قال:، اللهم صلّ على سيدنا محمد مشي بالصلوات إنك حميد مجيد، هذه ركعتان، وهناك الثالثة فقام ووقف فقد تأخر بالقيام للركعة الثالثة بأكثر من أداء ركن، فعليه سجود السهو، أما إن كان تأخره أقل من أداء كالركوع و السجود فلا عليه شيء، فإذا كان تأخره أطول من أداء ركن فعليه أن يسجد للسهو، إذاً و القيام إلى الركعة الثالثة من غير تراخ بعد التشهد. 12 ـ لفظ السلام دون عليكم : و لفظ السلام دون عليكم، الواجب السلام و عليكم سنة. 13 ـ قنوت الوتر : و قنوت الوتر: اللهم إنا نستعينك و نستهديك. 14 ـ تعيين التكبير لافتتاح كل صلاة : و تكبيرات العيد واجبة فإن تركها المصلي وجب عليه السهو، و تعيين التكبير لافتتاح كل صلاة، والتكبيرة واجب لا للعيدين خاصة، فأي صلاة تحتاج إلى تكبيرة و تكبيرة الركوع واجب. 15 ـ جهر الإمام بقراءة الفجر و ركعتي المغرب و العشاء الأوليين : و جهر الإمام بقراءة الفجر و ركعتي المغرب و العشاء الأوليين و لو قضاءً، أي إذا صلى الإنسان قضاء فعليه أن يجهر في الركعتين الأوليين، و الجمعة، و العيدين، و الوتر، و التراويح في رمضان، وكل هذه الصلوات جهرية، الفجر، و ركعتا المغرب و العشاء و لو قضاء، و الجمعة، والعيدين، و التراويح، و الوتر في رمضان. 16 ـ الإسرار في الصلوات: و الإسرار في الظهر و العصر، و الركعة الثالثة في المغرب، و الثالثة و الرابعة في العشاء، و نفل النهار سراً، و أما المنفرد فمخير فيما يجهر كمتنفل الليل، إذا صلى الإنسان وحده المغرب أو العشاء أو الصبح فيجوز له أن يجهر، و يجوز له أن يخافت، متنفل الليل يجوز له أن يجهر، أو أن يخافت، ومتنفل النهار يسر، ومن صلى صلاة نفل في النهار فعليه أن يسرها أي يسر القراءة، ومن صلى صلاة نفل في الليل فله أن يجهر بها أو أن يسرها فهو مخير، و أما من صلى صلاة الفرض الجهرية منفرداً فله أن يسرها، أو أن يجهر بها، وهذه واجبات الصلاة أي أكثرها معروفة عند كل المسلمين، لكن قال تعالى: ﴿ وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [ سورة الذاريات: 55] * * * تحسين الصوت في القراءة من الآداب الظاهرة لتلاوة القرآن الكريم : والآن إلى فصل مختار من إحياء علوم الدين، ونحن الآن في قراءة القرآن الكريم، و قد تحدثنا في الدرس الماضي عن آداب تلاوة القرآن أي الآداب الظاهرة، والآن نتابع الآداب الظاهرة و نأخذ بعض الآداب الباطنة. فمن الآداب الظاهرة في تلاوة كتاب الله: تحسين الصوت في القراءة قال صلى الله عليه وسلم: ((زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ )) [النسائي و ابن ماجه عن البراء] و قال عليه الصلاة و السلام: ((مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ بِالْقُرْآنِ يَجْهَرُ بِهِ)) [البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ] فالله يرضى أن تقرأ القرآن بصوت حسن، وقال صلى الله عليه وسلم: ((لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ وَزَادَ غَيْرُهُ يَجْهَرُ بِهِ)) [ البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ] والمؤمن الصادق لا يطربه إلا القرآن، ولا يتأثر إلا بالقرآن ولا ينفعل، ولا ترتاح نفسه إلا بالقرآن. والنبي عليه الصلاة والسلام كان ليلةً ينتظر عائشة رضي الله عنها فأبطأت عليه، فقال صلى الله عليه وسلم: (( عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ: أَبْطَأْتُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةً بَعْدَ الْعِشَاءِ ثُمَّ جِئْتُ فَقَالَ: أَيْنَ كُنْتِ قُلْتُ كُنْتُ أَسْتَمِعُ قِرَاءَةَ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِكَ لَمْ أَسْمَعْ مِثْلَ قِرَاءَتِهِ وَصَوْتِهِ مِنْ أَحَدٍ قَالَتْ: فَقَامَ وَقُمْتُ مَعَهُ حَتَّى اسْتَمَعَ لَهُ ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ فَقَالَ هَذَا سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِي أُمَّتِي مِثْلَ هَذَا )) [ أحمد عَنْ عَائِشَةَ ] طبعاً كانت غرفه صلى الله عليه مطلة على المسجد: ((.. فَقَامَ وَقُمْتُ مَعَهُ حَتَّى اسْتَمَعَ لَهُ ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ فَقَالَ هَذَا سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِي أُمَّتِي مِثْلَ هَذَا )) من آتاه الله صوتاً حسناً فقد أوتي مزماراً من مزامير آل داود : فإذا أكرمنا الله بقارئ يقرأ القرآن ندياً طرياً كما أنزل فهذه نعمة كبيرة، واستمع صلى الله عليه وسلم ذات ليلة إلى عبد الله بن مسعود ومعه أبو بكر وعمر رضي الله عنهم فوقفوا طويلاً ثم قال صلى الله عليه وسلم: "من أراد أن يقرأ القرآن غضاً طرياً كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد"، يعني عبد الله بن مسعود. فإذا آتى الله أحدنا صوتاً حسناً، وقام في الليل، وقرأ القرآن، وترنم بصوته، وهكذا شعر أنه مرتاح فقرأ صفحتين أو ثلاثاً أو خمس عشرة ووجد نفسه مسروراً، أي إذا قرأ القرآن وشعر بسرور فلا يقف بل يتابع هذه لأنها نفحة لا تعود، يجلس ليقرأ فلا يحس نفسه مرتاحاً، بل يقرأ صفحة أو صفحتين ويقول: يكفي، فإذا قرأ ووجد نفسه مرتاحاً يكمل، والنبي عليه الصلاة و السلام قال لعبد الله بن مسعود: ((عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اقْرَأْ عَلَيَّ الْقُرْآنَ؟ قَالَ: فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟ قَالَ: إِنِّي أَشْتَهِي أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي، فَقَرَأْتُ النِّسَاءَ حَتَّى إِذَا بَلَغْتُ ( فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا ) رَفَعْتُ رَأْسِي أَوْ غَمَزَنِي رَجُلٌ إِلَى جَنْبِي فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَرَأَيْتُ دُمُوعَهُ تَسِيلُ)) [البخاري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود ] و استمع صلى الله عليه وسلم إلى قراءة أبي موسى فقال: ((لَقَدْ أُوتِيَ أَبُو مُوسَى مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ )) [الدارمي عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ ] فبلغ ذلك أبا موسى فقال يا رسول الله: لو علمت أنك تسمعه لحبرته لك تحبيراً أي كنت حسنته أكثر فلم أكن أعرف، أي قرأها درجة ثانية ليست أولى، و رأى هيثم القارئ رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فقال لي: أنت الهيثم الذي تزين القرآن بصوتك؟. العدل و الإحسان : إذاً فالرجل الذي له عمل طيب يتأكد أن هذا العمل الطيب يبلغ النبي عليه الصلاة و السلام، فكيف ذلك؟ الله يبلغه إياه، تعرض عليّ أعمالكم بعد موته صلى الله عليه وسلم، فكل واحد له عمل طيب، هذا تزوج امرأة و بعدما تزوجها بفترة قليلة وجدها حاملاً، سلك طريق الإحسان، وهناك طريق العدل لو طلقها لعدل و لكن هناك طريق أرقى من العدالة وهو الإحسان، فإمام المسجد رأى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: قل لجارك فلان إنه رفيقي في الجنة لأنها أصبحت تائبة و سترها و أخذ بيدها و جعلها امرأة صالحة، و قد كان بإمكانه أن يطلقها، و أن يفضحها، و أن يجعلها بائسة، فهذا هو العدل و لكن الإحسان أرقى من ذلك، قال له: قل لجارك فلان إنه رفيقي في الجنة. صلاة الله على المؤمن تجلٍّ و صلاة النبي على المؤمنين تجلٍّ أيضاً : قال له: أنت الهيثم الذي تزين القرآن بصوتك؟ قلت: نعم، فقال عليه الصلاة و السلام: جزاك الله خيراً، أي إذا شاهد الرجل النبي عليه السلام في الرؤيا و نادى له باسمه فهذه مكانة كبيرة جداً، فليفرح فرحاً ما بعده فرح، لأن النبي عليه الصلاة و السلام اطلع على عمله، وقد حكى لي أخ قصة ولولا أنه صادق لا أصدقها، رأى النبي عليه الصلاة و السلام قال له: اذهب إلى فلان، قال له: لا أعرف بيته ؟ قال له: في المكان الفلاني و الحي الفلاني وفي الطابق الفلاني، وصف له العنوان بشكل تفصيلي، أي صلى الله عليه وسلم هذا الذي نحن نصدقه أن أعمال أمته أعمال المؤمنين تعرض عليه و يعرفها، ولذلك فالله عز وجل قال: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [ سورة التوبة: 103 ] هو الذي يصلي عليكم فصلاة الله على المؤمن تجلٍّ و صلاة النبي على المؤمنين تجلٍّ أيضاً: ﴿ وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ ﴾ [ سورة التوبة: 103 ] من قرأ القرآن الكريم كأنه في صلاة : و قد كان عمر يقول لأبي موسى رضي الله عنهما: "ذكرنا ربنا، فيقرأ عنده حتى يكاد وقت الصلاة أن يتوسط فيقال: يا أمير المؤمنين الصلاة الصلاة، فيقول: أو لسنا في صلاة؟" - أي إذا كنت تقرأ القرآن الكريم كأنك في صلاة- قال له: أو لسنا في صلاة ؟ إشارة إلى قول الله عز وجل: ﴿ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ﴾ [ سورة العنكبوت:45] و قال صلى الله عليه وسلم: ((مَنِ اسْتَمَعَ إِلَى آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ كَانَتْ لَهُ نُورًا )) [ الدارمي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ] وتحسين الصوت بالقرآن هذه آخر أدب من آداب تلاوة القرآن الظاهرة. الآداب الباطنة في قراءة القرآن الكريم : 1 ـ فهم عظمة الكلام و علومه : والآن عندنا عشرة آداب باطنة وهي الأخطر وهذه معروفة كالوضوء، و استقبال القبلة، و الأدب، وهناك أشياء دقيقة جداً، والآن هذه الآداب هي: التعظيم، و حضور القلب، و التدبر، و الفهم، و التخلي، و التخصيص، و التأثر، و الترقي، و التبري، تحتاج إلى شرح تفصيلي. أولاً فهم عظمة الكلام و علومه: ولذلك أصحاب النبي قالوا: "أوتينا الإيمان قبل القرآن"، وإذا قرأ رجل عن طبيب جراح قلب، أي قرأ عنه خلال خمس سنوات مقالات، و سمع أخباراً عن نجاحاته الرائعة في جراحة القلب، و سمع عنه من زملائه، و هناك زملاء ذهبوا لدولة أجنبية و التقوا معه، و رجعوا ممتلئين إعجاباً به، و كانوا قد قرؤوا له عدة كتب، و له نظريات، أي خلال خمس سنوات الطالب ممتلئ معلومات عن هذا الطبيب، فإذا التقى فيه تجده كله تعظيماً، أما إذا شاهد رجل إنساناً على علم عالٍ جداً و لا يعرف علمه يعامله كإنسان عادي، فعندما يقرأ الإنسان كتاب الله، و يعرف الله قبل أن يقرأ كتابه يقرؤه بتعظيم، لأنه كلام رب العالمين، ولذلك فالله عز وجل هذا من لطفه بخلقه، فالإله العظيم خالق الكون أمعقول أن يكون هذا كلامه؟ طبعاً كلامه. الله لطيف و رحيم بالعباد صاغ لهم كلاماً يفهمونه : إذاً نحن كيف أراد ربنا عز وجل أن ينزل إلى مستوانا؟ فالله عز و جل العظيم، العلي، الكبير، المتعال، رافع السماء بلا عمد، ليس كمثله شيء، وهو الواحد الأحد، الفرد الصمد، كيف يصير كلامه من كلامنا ليفهمنا إياه؟ قال: هذا من لطفه، فالعلماء ضربوا مثلاً: إذا كان أحدهم إماماً عظيماً كالإمام الغزالي مثلاً صاحب هذا المؤلف، و عنده طائر و أحب أن يدعوه إلى الطعام، أو إلى الطيران، فهناك أصوات معينة يصدرها، فإن كان عنده دابة أو غنمة أو خيل مثلاً أو ناقة فأصحاب هذه البهائم لهم طرائق للتعامل مع البهائم، إذ هناك أصوات يصدرونها، إذاً هذا الذي يوجد عنده هذا المؤلف الضخم سيحاكي عصفوراً أو طائراً بلغة تناسبه، ويمكن أن يصفر له فقط، أو يصدر صوتاً معيناً ليتعامل مع هذا المخلوق على علم، مع هذا الإنسان العالي الذي استخدم كلاماً، أو استخدم صوتاً من مستوى هذا الكائن حتى يفهمه، فكلام الله عز وجل لا يحتمله أحد قال تعالى: ﴿ لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [ سورة الحشر:21] فلو أن كلام الله نفسه نزل على جبل لتصدع، ولكن هذه الصياغة التي صاغها الله عز وجل صياغة من لغتنا نقرؤها فنفهمها، وهذا من لطف الله عز وجل، فيجب أن تتأكد أن الله علي كبير، كبير متعال، واحد أحد، فرد صمد، ليس كمثله شيء، و مع ذلك فهذا كلامه، و هذا من لطفه، أي قال تعالى: ﴿ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [ سورة النحل: 60 ] وأحياناً يكون هناك إنساناً على علم كبير جداً، يحمل أعلى شهادة في العالم، عنده ابن صغير فيحاول أن يفهمه بلغته، إما بالإشارة، أو بحروفه المتواضعة، فهذا اسمه نزول من هذا الأب العظيم إلى هذا الطفل الصغير، فربنا عز وجل مع علو شأنه و عظمته و قدرته اللامتناهية أنزل على نبينا عليه الصلاة و السلام كتاباً بلغتنا، بحروفنا، بصياغتنا، بقواعد لغتنا، نقرؤه فنفهمه، و هذا من لطف الله عز وجل، هذا الشعور يجب أن يرافق قارئ القرآن، و هذا كلام إله، لكن لأن الله لطيف و رحيم و رؤوف بالعباد صاغ لهم كلاماً يفهمونه، أي هذه المعاني هي كلامه، لكن المعاني ثقيلة قال تعالى: ﴿ إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا ﴾ [ سورة المزمل: 5 ] أما صياغتها فمقبولة أي من مستوانا هذا أول معنى، وأول أدب من آداب تلاوة القرآن الكريم. 2 ـ التعظيم للمتكلم : والأدب الثاني: التعظيم للمتكلم، فالقارئ عند البداية بتلاوة القرآن يجب أن يحضر في قلبه عظمة المتكلم، سوف أضرب مثلاً: لو أن أستاذاً في الجامعة دخل إلى قاعة المحاضرات، وألقى محاضرة، فالطالب امتلأ تعظيماً للإنسان، إذ شاهد علمه عالياً، و لغته قوية، وعنده منهج في التدريب، و له أسلوب واضح ممتع، و عنده إحاطة بالموضوع، عرضه عرضاً واضحاً، أي عمل على السبورة بعض الإشارات، و المخططات، أصبح وضوحه زائداً، يخرج الطالب ممتلئاً إعجاباً بهذا الدكتور، في المحاضرة الثانية ازداد إعجابه، والثالثة ازداد، والرابعة ازداد، وكلما ألقى محاضرة جديدة يزداد إعجاب هذا الطالب بأستاذه، أما المستخدم الذي يجلس على باب غرفته من عشرين عاماً يسلم عليه فحجم معرفته بهذا الأستاذ محدود لا يزداد، فالذي يستمع إلى المحاضرات يزداد تعظيماً، وأما المستخدم فيقف له و يحييه، ولكن معرفته بهذا الطبيب أو بهذا الأستاذ محدودة، فعندما يقرأ الإنسان آيات الله بالكون يزداد تعظيماً لله، و إذا قرأ كتابه يستحضر عظمة الله عز وجل، فهذه هي القراءة المجزية. حجم معرفة الإنسان بربه بقدر حجم تفكيره في آياته : ولكن أحياناً يقرأ الإنسان و قلبه ساه و لاه، وليس كل إنسان قال لك: أنا أعرف الله يعرف الله عز وجل، ومرة ضربت مثلاً إذا ركب رجل طائرة فوق دمشق، قد يُسأل هل تعرف الشام؟ يقول: نعم أعرفها، رأيتها بأم عيني، طرت فوقها، و إذا رجل جاء إلى المطار فقط و تلقى وجبة و نام ليلة بفندق المطار و تابع سفره، يقال له: أتعرف الشام؟ يقول لك: نعم أعرفها، رأيت جبلاً من بعيد قالوا لي: هذا جبل قاسيون، ورجل وصل إلى المرجة فقط قيل له: أتعرفها؟ قال: أعرفها، و رجل ذهب إلى الجامع الأموي فأضاف إلى المرجة الجامع الأموي، ورجل مع الأموي الحميدية، و رجل قعد في الشام أربع سنوات درس في الجامعة، و سكن بأحد أحيائها، و شاهد عادات أهلها و تقاليدهم، و رجل ابن البلد يقول لك: من خمسة و ستين عاماً أنا ساكن بالشام، وكلهم يقول لك: أنا أعرف الشام، أليس هناك فرقاً كبيراً جداً بين معرفة كل واحد من هؤلاء و كل إنسان يقول: أنا أعرف الله؟ ما حجم المعرفة؟ قد تعرفه من آية، هذا يعرفه من آيتين، وهذا يعرفه من مئة آية، وهذا يعرفه من ألف آية، أي حجم معرفتك بقدر حجم تفكيرك في آيات الله أبداً، وإذا نظرت إلى طعامك، وشرابك، وكأس الماء، وكأس الحليب، وإلى هذه البيضة، وإلى هاتين العينين، والأذنين، واللسان، والدماغ، والأعصاب، والأوردة، والشرايين، والعضلات، وهذه الغدد الصماء، والبنكرياس، والطحال مثلاً، والغدة النخامية، والكظر، والكليتين، وهذه الأعضاء، وإلى الحيوانات، وإلى النباتات، وإلى الأطيار، وإلى الأسماك، والهواء وحده آية، والماء وحده آية، والضوء وحده آية، والشمس آية، والقمر آية، فبقدر ما تفكر بهذه الآيات تنمو عندك معرفة الله عز وجل، و إذا نمت هذه المعرفة و قرأت كلام الله عز وجل تزداد خشوعاً، ولذلك أوتينا الإيمان قبل القرآن، قال: فالقارئ عند البداية بقراءة القرآن يجب عليه أن يحضر في قلبه عظمة المتكلم، و يعلم أن ما يقرؤه ليس من كلام البشر، قال: فضل كلام الله على كلام عباده كفضل الله على خلقه، و إن في تلاوة كلام الله عز وجل غاية الخطر، فإذا أردتم أن تحدثوا ربكم فاقرؤوا القرآن، من قرأ القرآن فكأنما يوحى إليه غير أنه لا نبي بعدي، أي كأنك تسمع كلام الله الذي أوحاه على نبيه عليه الصلاة و السلام. للآية التالية فهم عميق و فهم ظاهري : لكن يوجد نقطة قال تعالى: ﴿ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ﴾ [ سورة الواقعة: 79 ] والإمام الغزالي فهم الآية فهماً عميقاً، فهمها فهماً ظاهرياً كما يفهمها عامة الناس و فهمها فهماً عميقاً، أما فهمها الظاهري فقال: و كما أن ظاهر جلد المصحف - المصحف كلمة ثلاثية معنى ثلاثية أو يقولوا: بالتثليث، لك أن تقول: مُصحف و مَصحف و مِصحف وكلها صحيح والأغلب أن تقول مُصحف بالضم - و ورقه محروس عن ظاهر بشرة اللامس إلا إذا كان طاهراً فباطن معناه أيضاً بحكم عزة الله و جلاله محجوب عن القلب إلا إذا كان طاهراً، فالقرآن أمامنا يتلوه أحد الناس فيزداد بعداً قال تعالى: ﴿ وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [ سورة الإسراء: 82 ] ﴿ وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ * فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ ﴾ [ سورة الشعراء : 198-199] ولو أن القرآن نزل على إنسان تركي باللغة التركية و قرأ علينا لا نفهم منه شيئاً قال تعالى: ﴿ كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ ﴾ [ سورة الشعراء: 200 ] لا يفهم منه شيء، ومعاني هذا الكتاب مصونة لا تتاح إلا لقلب طاهر وهذا المعنى العميق للآية الكريمة: ﴿ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ﴾ [ سورة الواقعة: 79 ] وطاهر القلب إذا قرأ القرآن فهم معانيه، ومن أخلص لله أربعين صباحاً تفجرت ينابيع الحكمة في قلبه، و أجراها الله على لسانه فجاهدْ تشاهدْ، قال تعالى: ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [ سورة البقرة: 282] القرآن تؤخذ ألفاظه من حفاظه و تؤخذ معانيه ممن يعانيه : ﴿ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آَتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ ﴾ [ سورة الأنبياء: 79 ] هناك شيء اسمه فهم لكتاب الله، منحة من الله عز وجل يقرأ فيفهم، قال تعالى: ﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [ سورة التغابن: 11 ] فالإمام الغزالي رضي الله عنه فهم هذه الآية فهماً ظاهرياً و فهماً عميقاً، ولذلك الإمام العكبري قال: "تؤخذ ألفاظه من حفاظه، و تؤخذ معانيه ممن يعانيه"، فإذا عاين رجل مثلاً الزواج يعلم أن أول الأمر هناك سرور بالغ بالمخطوبة، وبعدما يكون العرس تقريباً بشهر أو شهرين أو ثلاثة يصبح شيئاً عادياً، ثم يخف بريق الزواج ثم يصير الزواج شيئاً طبيعياً جداً، أي لا يوجد عنده هذا الشعور أنه هو شاعر بالسعادة جداً بل شعور عادي فقط، فالمتزوج مرّ بهذه التجارب، فإذا التقى بإنسان خاطب الآن قال له: أنا وفقني الله بإنسانة ملك نازل من السماء، يقول له: على مهلك، على مهلك هذا الملك ستراه بعد ذلك إنساناً آخر، عنده خبرة، ضربت هذا المثل لأؤكد لكم أن هذا الإنسان يكون له خبرة مع الله عز و جل، أي قلبه ذاق الوجهة إلى الله عندئذ يفهم كلام الله، فالله تكلم عن المحسنين، لماذا يبكي بعض المؤمنين؟ لأنه محسن، تفاعلت نفسه مع هذه الآية، وعندما يتكلم الله عن العفو يبكي القارئ لأنه هو عفا بزمانه، وعندما ربنا يعاتب المؤمنين: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴾ [ سورة الحديد: 16 ] يتلقى العتاب فله العتاب لأنه مؤمن، وعندما يقول الله: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [ سورة الصف : 2-3] يتأثر، فعندما يكون للإنسان تجربة، سير إلى الله حثيث، و صادق، و يتلو كلام الله عز وجل، تتفاعل نفسه مع كلام الله عز وجل، وهذا القرآن يريد قلباً تؤخذ ألفاظه من حفاظه، و تؤخذ معانيه ممن يعانيه. ليس كل قلب يفهم القرآن الكريم : و كما أن كل يد لا تصلح لمس المصحف كذلك لا يصلح لتلاوته كل لسان، ولا يصلح لفهمه كل قلب، وليس كل قلب يفهم القرآن الكريم، وسيدنا ابن عباس رضي الله عنه لما سمع قوله تعالى: ﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ *وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا ﴾ [ سورة النصر: 1-3 ] فهم من هذه الآية أن أجل النبي عليه الصلاة والسلام قد اقترب، وعظماء العالم حياتهم منوطة برسالتهم، فإذا تحققت انتهت حياتهم، مرة النبي الكريم خطب قال: إن عبداً من عباد الله خيره الله بين ما عنده وبين زهرة الدنيا فاختار ما عنده، فجعل الصدّيق يبكي بكاءً مراً، والصحابة عجبوا ما له يبكي؟ فعرف أن المقصود هو النبي عليه الصلاة والسلام: ((عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ عَبْدٌ خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ أَنْ يُؤْتِيَهُ زَهْرَةَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ فَاخْتَارَ مَا عِنْدَهُ فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ وَبَكَى فَقَالَ فَدَيْنَاكَ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا قَالَ فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الْمُخَيَّرُ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَعْلَمَنَا بِهِ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ أَمَنَّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي مَالِهِ وَصُحْبَتِهِ أَبُو بَكْرٍ وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلاً لاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلاً وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الإِسْلامِ لا تُبْقَيَنَّ فِي الْمَسْجِدِ خَوْخَةٌ إِلا خَوْخَةَ أَبِي بَكْرٍ)) [ البخاري عَنْ أَبِي سَعِيدٍ] من صفى نفسه فهم على الله الحركة و الإشارة و العبارة : هناك أناس فهموا هذا القرآن الكريم فهماً عالياً، والله بحر، وكلما تصفي نفسك أكثر كلما تعمل أعمالاً طيبة أكثر، وتفهم على ربنا عز وجل الحركة، والإشارة، والعبارة، وهناك قلب أعمى يفهم القرآن فهماً معكوساً، أهي فئة ضالة لا تصلي حتى يمكنها الله في الأرض؟ فهموا قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ﴾ [ سورة الحج : 41] وإذا ما مكناهم لا يصلون، هذا فهم شيطاني لكتاب الله، قال تعالى: ﴿ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ﴾ [ سورة الحجر: 99 ] إذا أنت أتاك اليقين فأنت في حل من العبادة، لأن اليقين جاء، في تلبيس إبليس يلبس عليه بعض الآيات فيفهمها فهماً خاطئاً، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [ سورة آل عمران: 130 ] فيقول الضال: أخي القضية مرتبة قال تعالى: ﴿ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ﴾ [ سورة الصافات: 96 ] فهذا الزاني خلق الله له هذا العمل، وشارب الخمر خلقه الله شارب خمر، وهناك أشخاص يصدقون هذه الآية. من كان قلبه حياً وعمله طيباً و قرأ القرآن يفعل القرآن به فعل السحر : أحد الصحابة عين والياً لحمص وهو سعيد بن عامر، ولما طلب سيدنا عمر أهل حمص سألهم عن واليهم قالوا له: لنا عليه مجموعة مآخذ، أحد هذه المآخذ أنه وهو بيننا يغمى عليه، ويغيب عن الوعي، وما فهمنا هذه الحالة، فلما سأل هذا الصحابي رضي الله عنه قال: شهدت مصرع خبيب ، وهو صحابي جليل والنبي الكريم أرسله بمهمة إلى مكة، فقبضوا عليه، وصلبوه، وقبل أن يصلبوه عرضوا عليه أن يكفر بمحمد، وقال له أبو سفيان: أتحب أن يكون محمد مكانك وأنت معافى في أهلك؟ فهذا الصحابي الكريم انتفض كما ينتفض العصفور وقال له: والله لا أحب أن أكون في أهلي وفي ولدي وعندي عافية الدنيا ونعيمها ويصاب رسول الله بشوكة، قال أبو سفيان: ما رأيت أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمدٍ محمداً ، طلب أن يصلي ركعتين فسمحوا له ومن ثم صلبوه على نخلة، وهذا سعيد بن عامر الجمحي كان موجوداً أثناء مصرعه وكان مشركاً، وكان من وجهاء قريش، وكان بإمكانه أن ينصره، ولكنه كان مشركاً وكلما يأتي في ذاكرته هذا الموقف يصاب بالإغماء لشدة خجله من الله عز وجل، فالإنسان عندما يكون قلبه حياً وعمله طيباً، وعاطفته متأججة، وصلته بالله متينة، وسريرته كعلانيته، إذا قرأ القرآن يفعل به فعل السحر. وكان سيدنا عكرمة بن أبي جهل إذا نشر المصحف أغمي عليه، ويقول: هو كلام ربي، هو كلام ربي، فتعظيم الكلام تعظيم المتكلم، ولم تحضره عظمة المتكلم ما لم يتفكر في صفاته، وجلاله، وأفعاله، فإذا إنسان جاءته رسالة من صديقه يقرؤها، وإذا جاءته رسالة من المدير العام الذي يعمل في شركته إذا بعث له رسالة وتوقيعه بالأخضر، لا يلقيها على الطاولة بل يضعها في الدرج، وإذا كانت الرسالة من أعلى منصب في البلاد فيمكن أن يضع لها إطاراً، ويقول: هذه رسالة خاصة لي وهذا توقيعه، فعلى قدر مكانة المرسل تعظم الرسالة، فهذا كلام الله كيف تعظمه؟ إنه خالق الكون، وإذا ألقى الإنسان المصحف فعليه أن يجدد إسلامه، وإذا كان له أخ اسمه يحيى فقال له: يا يحيى خذ الكتاب، فهذا استهزاء بكلام الله، يستخدم آيات الله لغير ما صنعت له، أحياناً يقول لزبون و هو يطالبه بالحساب: ادفع بالتي هي أحسن، فهذه الآية ليست من أجل أن تطالب زبونك وتلم بها جمعية؟ لا يجوز أن تستخدم آيات الله عز وجل لأغراض تافهة، امزح واترك الدين والقرآن والحديث في عليائه، واترك الدين في السماء ولا تنزل الدين إلى الأرض، وتمزح فيه، وكثير من الأشخاص يستهزؤون بالله عز وجل بقسمهم. 3 ـ ترك حديث النفس : والآن الأدب الثالث من آداب التلاوة: ترك حديث النفس، تقرأ القرآن وفي بالك مشاكل اليوم، والبيع والشراء، والزوجة والأولاد، والديون، والطبخ، وأنت تقرأ كتاب الله، اترك حديث النفس؛ يا يحيى خذ الكتاب بقوة. قيل لبعضهم: إذا قرأت القرآن تحدث نفسك بشيء؟ فقال: أي شيء أحب إلي من القرآن حتى أحدث نفسي بغيره؟ هذا أحب شيء إلي وكان بعض السلف إذا قرأ آيةً لم يكن قلبه فيها أعادها ثانيةً، إعادة الآية من تعظيم القرآن الكريم. 4 ـ التدبر : والآن الأدب الرابع، أول شيء أن يكون حاضر النفس، حاضر القلب مع القراءة، والأدب الرابع التدبر، قال علي رضي الله عنه: "لا خير في عبادة لا فقه فيها، ولا في قراءةٍ لا تدبر فيها"، فقرآن من دون تدبر كأنك ما قرأت، ولكن إذا كنت وراء إمام وتفكرت في آية وركع فيجب في الركوع أن تنتبه إلى الركوع وما تبقى في الركوع مع الآية وهذا مما يسيء للصلاة، قرأ آية فتأثرت بها ركع، فالآن ادخل في حال الركوع، سجد فادخل في حال السجود، أما أن تبقى في الآية راكعاً وساجداً فهذه إساءة في الصلاة. وروي أنه صلى الله عليه وسلم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم فرددها عشرين مرة، يمكن أنه ترنم بها كثيراً، وتفاعل معها، ومرة عن أبي ذر قال: قام بنا رسول الله مرةً ليلةً. لا تقل الله أهلكهم فإنهم يستحقون، هذا ليس عملك فقد يكون أكرمهم بعدما أهلكهم، وهذا من شغل الله وحده، من عرف حده فليقف عنده، قرأ النبي آية وأعادها كثيراً يبدو أنه عرف أن مقامه انتهى عند الحد، والله عز وجل هل أهل ألاسكا سوف يعذبهم؟ لا أعرف، قال تعالى: ﴿ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [ سورة المائدة: 118 ] هذا ليس عملي، هذا من اختصاص الله عز وجل، فلما يبحث الإنسان في هذه الموضوعات كأنه تجاوز حده، وأحد الأصحاب الكرام من قيام الليل وحتى الفجر يتلو هذه الآية ويعيدها، قال تعالى: ﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾ [ سورة الجاثية : 21] والله شيء جميل، والله هذه الآية تكفي إذا مشيت بشكل جيد، فهل من المعقول أن تكون حياتك مثل إنسان فاسق؟ ويمكن أن تتعامل معاملة الفاسق؟ وأن يخوفك الله عز وجل ويرعبك ويرسل لك مشكلات من مطب إلى مطب؟ فهل هذا معقول؟ وهل من المعقول أن يكون قلبك مخلوعاً خائفاً من الناس ذليلاً لهم؟ وهل من المعقول أن تخونك زوجتك؟ والله ليس معقولاً لأنك طاهر وأخذت طاهرة، والطيبون للطيبات. التدبر في آيات الله واجب على كل مسلم : سعيد بن جبير أيضاً صلى طوال الليل يقول قوله تعالى: ﴿ وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ ﴾ [ سورة يس: 59 ] يجوز في الدنيا وضعهم جيد، أي عندهم شيء أعلى من المؤمن، وقد يكون المؤمن حياته متواضعة، وبيته متواضع، وليس عنده حالة أساسية في البيت، ويوجد إنسان فاجر كافر جمعت له الدنيا من أطرافها، ولكن انظر إلى هذه الآية وحدها تكفي: ﴿ وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ ﴾ [ سورة يس: 59 ] ابتعدوا عنهم، وفي أول العام الدراسي يقرأ المدير أسماء الراسبين ويقول: قفوا هنا بمفردكم، ويقول للناجحين: قفوا هنا، فيخرج الراسب مثل الحيوان الذليل لأنه راسب وامتازوا أي ابتعدوا، قفوا في مكان مستقل. وقال بعضهم: إني لأفتتح السورة فيوقفني بعض ما أشهد فيها عند الفراغ منها حتى يطلع الفجر، ويبدأ بسورة يتأملها ويتعمق بها ويعيدها، يترنم بها ويتفاعل معها، يبكي ويتأثر ولا ينهيها، وكان بعضهم يقول: آية لا أتفهمها ولا يكون قلبي فيها لا أعد لها ثواباً، أخي كل حرف بحسنة وألف حرف واللام حرف ركب عدداً، لا ليس هكذا، كل آية لا أتفهمها ولا يكون قلبي فيها لا أعدّ لها ثواباً إطلاقاً. وحكي عن أبي سليمان الداراني أنه قال: "إني لأتلو الآية فأقيم فيها أربع ليال أو خمس ليال ولولا أني أقطع الفكر فيها ما جاوزتها إلى غيرها". وروي عن بعض السلف أنه بقي في سورة هود ستة أشهر يكررها ولا يفرغ من التدبر فيها، وقال بعض العارفين: لي في كل جمعة ختمة، وفي كل شهر ختمة، وفي كل سنة ختمة، ولي ختمة منذ ثلاثين سنةً ولم تنتهِ، هذه تدبر، بدأ فيها منذ ثلاثين عاماً و لم ينهها بعد، له كل جمعة ختمة، و كل شهر، و كل عام. بقي علينا من آداب التلاوة التفهم، و التوقي، و التبري، و التخصيص، و سوف نشرح هذا بالتفصيل إن شاء الله تعالى في درس قادم. * * * قصة قتيبة بن مسلم و أسيره مع الحجاج : الآن إلى قصة من القصص التي لها مغزى، و القصة عن الحجاج، قيل: إنه أُتي للحجاج بقوم ممن خرجوا عليه فأمر بهم فضربت أعناقهم، و أقيمت صلاة المغرب، و قد بقي من القوم واحد لم تضرب عنقه، فقال الحجاج لقتيبة بن مسلم: انصرف به معك حتى تغدو به علي - أي خذه معك- قال قتيبة: فخرجت و الرجل معي فلما كنا ببعض الطريق قال لي: هل لك في خير؟- أي هل تخدمني هذه الخدمة؟ - قلت: و ما ذاك؟ قال: إني و الله ما خرجت على المسلمين أي أنا لم أسئ لهم، و لا استحللت قتالهم، و لكني ابتليت بما ترى - أي تهمة ألصقت بي - و عندي ودائع و أموال فهل لك أن تخلي سبيلي؟ - والحجاج في اليوم الثاني يضرب عنق قتيبة إذا تركه- و تأذن لي حتى آتي أهلي و أرد على كل ذي حق حقه و أوصي، و لك علي أن أرجع حتى أضع يدي في يدك، عهد الله سأرجع، إلى أين يريد أن يرجع؟ إلى القتل، قال له: عهد الله سأرجع و لكن عندي أموالاً ليست لي و أرى أهلي و أودعهم و أوصي و أرد الأموال لأصحابها و آتي إليك، فعجب ما هذا السؤال؟ هذا سؤال مضحك أي طلب مضحك غير معقول، قال: فعجبت له و تضاحكت أي ضحكت هل من المعقول أن أطلقك تذهب، و مضينا هنيهة ثم أعاد عليّ القول و قال: إني أعاهدك الله لك عليّ أن أعود إليك، قتيبة رق قلبه، هو يريد أن يودع أهله، ويرد الأموال لأصحابها، ويعمل وصية، ويرى أولاده، قال: فما ملكت نفسي حتى قلت له: اذهب، بعدما قال له اذهب أشعل من الداخل، فلما توارى شخصه أسقط في يدي فقلت: ماذا صنعت في نفسي؟ و أتيت أهلي مهموماً مغموماً، أي لم يعد يرى، فسألوني عن شأني فأخبرتهم فقالوا: و الله قد غلطت، لقد اجترأت على الحجاج أي عملت عملاً كبيراً جداً، قال: فبتنا بأطول ليلة- وهذه الليلة أطول ليلة بحياته- لم يكن الوقت يجري أبداً، هل سيأتي أم لا؟ فلما كان أذان الفجر إذا بالباب يطرق فخرجت فإذا أنا بالرجل فقلت: أرجعت، فقال: سبحان اللهّ جعلت لك عهد الله علي أأخونك و لا أرجع؟ وهل من المعقول ألا أرجع؟ هكذا كان السلف الصالح، تأثر تماماً أي لم يصدق أنه سيعود، فقلت: أما و الله إن استطعت لأنفعنك لكونك رجعت، ولعل الله يقدرني أن أخلصك من الموت، و انطلقت به حتى أجلسته على باب الحجاج، و دخلت فلما رآني قال: يا قتيبة أين أسيرك؟ قلت: أصلح الله الأمير، بالباب و قد اتفق لي معه قصة عجيبة، قال: ما هي؟ فحدثته الحديث فأذن له فدخل ثم قال: يا قتيبة أتحب أن أهبه لك؟ قلت: نعم، قال: هو لك، فانصرف به معك، فلما خرجت به قلت له: خذ أي طريق شئت أنت طليق، فهذا الأعرابي أي هذا الرجل رفع طرفه إلى السماء و قال: لك الحمد يا رب، و ما كلمني بكلمة، لم يقل له أي كلمة - لا شكراً و لا الله يعطيك العافية أو فضلت أبداً فقط نظر- و قال: لك الحمد يا رب، رأى فعل الله و لم يرَ فعله، و لا قال لي: أحسنت و لا أسأت، تعجب هل هذا مجنون؟ فقلت في نفسي: مجنون و الله، قال: فلما كان بعد ثلاثة أيام جاءني و قال لي: جزاك الله خيراً أما و الله ما ذهب عني ما صنعت أي لست ناسياً فضلك، و لكنني كرهت أن أشرك مع حمد الله حمد أحد، لم أحب في هذه اللحظة أن أشكر مع الله إنساناً آخر، أي إذا بعث الله لإنسان فضلاً وعنده هذه الأخلاق يراه من الله عز وجل؟ استغرب نظر إلى فوق و قال: لك الحمد يا رب انظر العهد، العهد هكذا، قال عليه الصلاة و السلام: ((لا إِيمَانَ لِمَنْ لا أَمَانَةَ لَهُ ولا دِينَ لِمَنْ لا عَهْدَ لَهُ)) [أحمد عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ] هذا عاهد الله عز وجل أن يرجع، و سيرجع ليموت، و كان بإمكانه أن يفلت من الموت، لا يوجد قوة ترجعه، لكن أخلاقه قد أعادته، فربنا كافأه أنه نجاه من الموت. سجود الشكر : لذلك يوجد شيء في الفقه اسمه سجود الشكر فإذا تحقق للإنسان مكسب، نجح في امتحان صعب، صرفت عنه مصيبة كبيرة، شبح مصيبة، مرض عضال فكان في التحليل سليماً لا شيء فيه، وكان يعتقده مرضاً خبيثاً فكان ورماً عادياً، التهاب سحايا كان ابنه سوف يموت فالله سلمه، مرض خبيث في الدم جعله الله سليماً، فهل يوجد عندنا مثل هذه المواقف أن هذا من الله عز وجل؟ لا تقولوا: هذا الطبيب ما شاء الله حوله وصف دواء بعد ثلاث ساعات شفي إذا هم يشركون، إذا تفضل الله عز وجل عليك بفضل بصحتك، بزوجتك، بأولادك، بعملك، بدخلك، اقتدِ بهذا الإنسان. لك الحمد يا رب بعد أيام ثلاث عاد إليه وقال: جزاك الله عني كل خير أنا والله ما ذهب عني ما صنعت، ولكني كرهت أن أشرك مع حمد الله حمد أحد، وبهذه الساعة ما أحببت أن يكون لغير الله الفضل. * * * الحلال و الحرام و الشبهة : والآن إلى بعض الأحاديث الشريفة، يقول عليه الصلاة والسلام: (( عَنْ عَامِرٍ قَالَ سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: الْحَلالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فَمَنِ اتَّقَى الْمُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ أَلا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى أَلا إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ ألا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ )) [ مسلم عَنْ عَامِرٍ] الحلال حلال واضح، أنا شربت ماء لا بأس، من مرة سأل عن شرب الماء حلال أم حرام؟ واضح، أنا أعمل في التجارة بضاعتي حلال، وربحي معقول، كلامي صدق، ووعدي صحيح، وسعري معتدل حلال، والحرام؛ السرقة حرام، والزنا حرام، والغش حرام، الحلال بين والحرام بين: ((...الْحَلالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فَمَنِ اتَّقَى الْمُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ... )) فهذه الشبهة فيها شك دعها واسترح، دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذراً مما به بأس، ومن وقع في الشبهات فقد وقع في الحرام، الشبهة تنقل إلى الحرام، فمن ترك الشبهات كان لما استبان أترك، ومن وقع في الشبهات كان لما اشتبه عليه أوقع، فإذا ترك إنسان شبهة فمن باب أولى سيترك الفرض وسيترك الشيء الواضح، أما إذا وقع في شبهة فسوف يقع في الحرام، فلذلك كل شيء تشعر نفسك فيه أخذ ورد، وفي داخلك يوجد سؤال وجواب، أخي ذهبنا إلى لبنان وسخرني بغرض سوف أقسم المصروف على الأغراض كلها، فهل قلت له سوف أربح عليك؟ لا بل سخرني سخرة وأنا ماذا أفعل؟ هذه شبهة، إذا كان هو سخرك سخرة خدمة وأنت ربحت عليه فهذا حرام، تجد أخذاً ورداً فاتركها وارتح، خذ سعر الحاجة كما اشتريتها، وهناك أشخاص دائماً بأخذ ورد يقعون في الحرام. ((عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ قَالَ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ السَّمْنِ وَالْجُبْنِ وَالْفِرَاءِ قَالَ الْحَلالُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ وَالْحَرَامُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ مِمَّا عَفَا عَنْهُ )) [ الترمذي عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ] لا يوجد إنسان يحرم شيئاً الله حلله، ولا يوجد إنسان يحلل شيئاً الله حرمه، أخي ضعها برقبتي، وعامة الناس يؤخذون ببعضهم بعضاً، الحلال ما حلله الله والحرام ما حرمه الله، وما سكت الله عنه فهو مما عفي عنه. |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#37 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : سنن الصلاة اداب القراءة الباطنةالفقة الاسلامى - 2 الدرس : ( الخامس و الثلاثون ) الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. حكم الشرع في السنة : أيها الأخوة المؤمنون، الحديث اليوم عن سنن الصلاة، ومن أحسن أحكام السنة أن تركها ولو عمداً لا يفسد الصلاة، ولا يوجب سجود السهو، غير أنه يكون مسيئاً إذا تركها عمداً، والإساءة أقل من الكراهة، ويثاب على فعلها ويلام على تركها، هذا حكم الشرع في السنة. فلو أن إنساناً سها عن إحدى سنن الصلاة لا يوجب هذا السهو سجود السهو، أما إذا سها عن بعض واجباتها، أو عن واجب من واجباتها، فهذا يوجب سجود السهو، أما إذا سها عن أحد أركانها فصلاته باطلة، فالفرض إذا ترك تبطل الصلاة، والواجب إذا ترك يوجب سجود السهو، وأما السنة فيثاب من فعلها ويلام من تركها. رفع اليدين للتحريمة حذاء الأذنين هذا من السنة، أما المرأة فحذاء المنكبين، فهم النبي عليه الصلاة والسلام رفيع المستوى لو رفعت المرأة يديها هكذا ربما ظهر ذراعها فيكتفي من المرأة برفع اليدين إلى حذاء المنكبين، و على هذا تنسحب أحكام عدة: فمثلاً المرأة ليس عليها أن تهرول بين الصفا والمروة، و بين الميلين الأخضرين، فإذا هرولت ربما اهتز صدرها فأثارت الفتنة، وكذلك المرأة إذا ماتت هناك كفن خاص لصدرها، لئلا يثير منظرها الرجال إذا حملوها، وهناك أشياء كثيرة حتى إن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا وجه امرأة من قريباته إلى التستر ذكر كلمات لا تثير أي شعور، لا تلبسي هذه الثوب فإنه يصف حجم عظامك، كلمة عظام لا تثير الشهوة إطلاقاً، و أي كلمة أخرى ربما أثارت، وهذا تعليم النبي عليه الصلاة والسلام، فلماذا هذه الكتب التي ألفت في العصور المتأخرة مفعمة بألفاظ العورات والأفعال كما هي وهذا مما يثير الحرج والخجل؟ قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ* فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ﴾ [ سورة المؤمنون: 5-7 ] ﴿ أَوْ لَامَسْتُمْ النِّسَاءَ﴾ [ سورة النساء: 43] فمن ابتغى وراء ذلك، دخل في هذه الآية كل أنواع الانحراف لكن بشكل لا يخدش حياء المستمع، قال تعالى: ﴿ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [ سورة المؤمنون: 7] سنن الصلاة : 1 ـ رفع اليدين للتحريمة حذاء الأذنين وحذاء المنكبين للمرأة : يوجد كلمات قرآنية كنايات رفيعة المستوى، والإنسان المفروض به أن يتأدب بأدب القرآن، لا يذكر بموضوع الفقه العورات بأسمائها والأفعال بصفاتها، هذا مما يوجب الحرج، ويسبب الخجل والحياء من المستمع. فرفع اليدين للتحريمة حذاء الأذنين، وحذاء المنكبين للمرأة لئلا يظهر ذراعها، ونشر الأصابع، النشر حالة بين الضم وبين الانفراج، ومقابلة إحرام المقتدي لإحرام إمامه، لا ينبغي أن يتأخر المقتدي عن الإمام ولابد من التلازم والمتابعة، ومتابعة المقتدي لإمامه شيء أساسي في الصلاة، ووضع الرجل يده اليمنى على اليسرى تحت سرته، صفة الوضع أن يجعل باطن كفه اليمنى على ظاهر كفه اليسرى محلقاً بالخنصر والإبهام على الرسغ، ووضع المرأة يديها على صدرها من غير تحليق، أي تحت صدرها تماماً لئلا يظهر صدرها أيضاً وهذا هو الأدب، والثناء أي دعاء الثناء: "سبحانك اللهم وبحمدك، و تبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك"، والتعوذ أي: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، لكن أكثر العلماء على أن التعوذ يكون سراً، والتسمية أول كل ركعة بسم الله الرحمن الرحيم، بعضهم يقرؤها سراً وبعضهم يقرؤها جهراً. 2 ـ التأمين : والتأمين، كلمة التأمين أي يا رب استجب لنا هذا الدعاء، اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين هذا دعاء، فكلمة آمين أي استجب يا رب، لكن رفع الصوت بها ليس من أدب الصلاة، وأحياناً في صلاة الجماعة يرتفع الصوت حتى يصبح ضخماً إلى درجة غير مقبولة، لا إنكم لا تخاطبون أصماً، والذي تخاطبه يعلم سرك ونجواك، الذي تخاطبه يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، و يعلم السر وأخفى، أي ما يخفى عنك فلا داعي لرفع الصوت بكلمة آمين، قال عليه الصلاة والسلام: ((إِذَا قَالَ الإِمَامُ[ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ ] فَقُولُوا: آمِينَ، فَمَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ )) [مسلم، الترمذي، النسائي، أبي داود، ابن ماجة، أحمد، مالك، الدرامي عن أبي هريرة] لقنني جبريل عليه السلام عند فراغي من الفاتحة آمين وقال: إنها كالختم على الكتاب، وهي ليست من القرآن ولكن في أثناء التلقين قال: آمين أي استجب يا رب، التأمين أيضاً من سنن الصلاة، لكن التأمين لمن؟ للإمام والمأموم معاً، الإمام يجب أن يقول: آمين بلسانه بصوت منخفض ومنفرد، حتى إن بعضهم قال: وقارئ الفاتحة خارج الصلاة عليه أن يقول آمين. 3 ـ التحميد : والتحميد، التحميد أن يقول المصلي بعد أن يرفع من الركوع: ربنا لك الحمد والشكر حمداً طيباً كثيراً مباركاً عدد خلقك، ويسن هذا للإمام والمأموم معاً وقيل الإمام يقول: سمع الله لمن حمده، وبعدها يقول المأموم والإمام: ربنا لك الحمد والشكر، هذا هو التحميد والإقرار بها يعني التحميد ليس جهراً ولكن سراً، يسن التحميد والإقرار بكلمة التحميد ربنا ولك الحمد. 4 ـ الاعتدال عند التحريمة : ويسن الاعتدال عند التحريمة، أي عند تكبيرة الإحرام يجب أن يكون مستوياً قائماً معتدلاً، فلو كان أقرب إلى الركوع فقد خالف واجباً من واجبات الصلاة، ويسن أن يكون معتدلاً تماماً، فانحناء خفيف مقبول. 5 ـ جهر الإمام بالتكبير والتسميع وتفريج القدمين بالقيام قدر أربعة أصابع : ويسن جهر الإمام بالتكبير والتسميع، أي إذا كان لا يوجد أجهزة صوت فيجب أن يكبر الإمام وأن يسمع من يصلي خلفه، و لو لم يسمع من يصلي خلفه لركع أو سجد والذين خلفه واقفون، يسن الجهر بالتكبير والتسميع، وتفريج القدمين بالقيام قدر أربعة أصابع، أي بين القدمين يوجد أربعة أصابع، وإبعاد القدمين عن بعضهما مخالف للسنة ولصقهما ببعضهما مخالف للسنة، فإبعاد القدمين عن بعضهما مقدار أربعة أصابع. 6 ـ إطالة القراءة في الركعة الأولى عن الركعة الثانية : وإطالة القراءة في الركعة الأولى عن الركعة الثانية بمقدار ثلثين إلى ثلث، يسن إطالة القراءة في صلاة الفجر والظهر، وأن تكون الصلاة معتدلةً في صلاة العصر والعشاء، وقصيرةً في صلاة المغرب، فالإمام جزاه الله عنا كل خير قرأ سورتين قصيرتين وهذا من السنة، أما في حال الضرورة فاقرأ أي سورة شئت، وإن كنت مسافراً فاقرأ الإخلاص في صلاة الظهر لا مانع، وتكبيرة الركوع والتسبيح ثلاثاً وأخذ الركبتين باليدين وتفريج الأصابع، والمرأة لا تفرج أصابعها تبقيها هكذا، ونصب الساقين، وبسط الظهر، وتسويته مع الرأس والعجز على استقامة واحدة، والرأس والظهر والعجز على استقامة واحدة، والساقان مشدودان، والرفع من الركوع والقيام بعده مطمئناً، وهناك من يرفع ويتابع، والرفع من الركوع والاعتدال بعده ثم العودة إلى السجود، أما في السجود فوضع الركبتين أولاً ثم اليدين ثانياً ثم الوجه ثالثاً، وفي النهوض ترفع عكس هذا الترتيب. 7 ـ مجافاة الرجل بطنه عن فخذيه و مرفقيه عن جنبيه و ذراعيه عن الأرض : ومجافاة الرجل بطنه عن فخذيه و مرفقيه عن جنبيه و ذراعيه عن الأرض، ترفع الذراعين عن الأرض و تباعد العضدين عن الجانبين، و تباعد البطن عن الفخذين هذا للرجل، أما المرأة فعكس ذلك تتطامن، و الرجل يفرش رجله اليسرى و ينصب اليمنى هكذا. 8 ـ الصلاة على النبي في الجلوس الأخير و الدعاء : و الإشارة بالمسبحة هذه الإصبع اسمها المسبحة و اسمها السبابة عند الشهادة برفعها أشهد أن لا إله إلا الله ووضعها عند الإثبات، و قراءة الفاتحة فيما بعد الركعتين الأوليين، و الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الجلوس الأخير، و الدعاء بما يشبه ألفاظ القرآن و السنة لا بما يشبه كلام الناس أي إذا قلت في نهاية الصلاة: ﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ ﴾ [ سورة البقرة: 201] مقبول أو: ﴿ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [ سورة إبراهيم: 41] مقبول، كما قال سيدنا الصديق: إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت مقبول، أما إذا دعوت بكلام الناس فإن الصلاة تصبح مكروهة، يا ربي زوجني فلانة بنت فلان أي شيء من كلام الناس لا يصح دعاؤه في الصلاة، والالتفات يميناً في التسليمتين ثم يساراً، هذه سنن الصلاة ولا ينبغي للمسلم أن يتركها إلا سهواً فإذا سها فليس عليه لتركها سجود السهو والله أعلم. * * * التخلي عن موانع الفهم من آداب قراءة القرآن الباطنة و موانع الفهم هي : 1 ـ الحجب التي أسدلها الشيطان على قلب الإنسان : والآن إلى فصل مختار من إحياء علوم الدين، هذا الفصل هو التخلي عن موانع الفهم، من آداب قراءة القرآن الباطنة، تحدثنا قبل درسين عن آداب تلاوة القرآن الظاهرة وها نحن أولاء نتابع آداب قراءة القرآن الباطنة، فمن آداب قراءة القرآن الباطنة التخلي عن موانع الفهم، وهناك موانع تقف بين الإنسان وبين فهمه لكتاب الله، وهذا أهم آداب تلاوة القرآن أن تفهم كلام الله، فإن أكثر الناس منعوا عن فهم معاني القرآن لأسباب وحجب أسدلها الشيطان على قلوبهم، فعميت عليهم عجائب القرآن، قال صلى الله عليه وسلم: ((هَذِهِ الشَّيَاطِينُ يَحُومُونَ عَلَى أَعْيُنِ بَنِي آدَمَ أَنْ لا يَتَفَكَّرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَوْلا ذَلِكَ لَرَأَوُا الْعَجَائِبَ )) [ابن ماجة عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ] وفهم معاني كتاب الله نوع من معرفة الملكوت، أول هذه الحجب أن يكون الهم- الآن الإمام الغزالي لا ينتقد الذين يتقنون قراءة القرآن هؤلاء على العين والرأس، وهؤلاء ينفذون أمر الله سبحانه وتعالى، يتلونه حق تلاوته، ورتله ترتيلاً، ولكن الموضوع دقيق جداً- أن يكون الهم كله منصرفاً إلى تحقيق الحروف بإخراجها من مخارجها، وهذا يتولى حفظه شيطان وكل بالقراء ليصرفهم عن فهم معاني كلام الله عز وجل، ولا يوجد عنده همّ إطلاقاً إلا أن يتابع وينتقد القراء الذين أمامه، الباء لم يقلقلها، الجيم لم تكن معطشة، الضاد لم تكن بالصفة الفلانية، وهذا الذي لا يعرف من كتاب الله إطلاقاً إلا إتقان مخارج الحروف وأماكن الوقوف صار علم التجويد الذي هو مستحب وعلم علينا أن نأخذ به، وفرع من فروع العلوم الدينية صار هذا العلم حجاباً بينه وبين فهم القرآن، ولذلك نعوذ بالله أن يحجبنا علم فرعي عن أصول الدين، ويوجد عندنا أصول وعندنا فروع، أن يحجب الإنسان بالفرع عن الأصل هذا شيء كبير. الله تعالى ينظر إلى القلب و العمل : قال: ما يزال الشيطان يحملهم على ترديد الحرف ويخيل إليهم أنه لم يخرج من مخرجه فهذا يكون تأمله مقصوراً على مخارج الحروف فأنى تنكشف له المعاني، وأعظم ضحكة يضحكها الشيطان على قارئ القرآن أن يصرفه عن معاني كتاب الله، وأن يعلقه بمخارج الحروف فقط من غير أن يفهم، من هذا أننا لسنا مطالبين بتعلم علم التجويد وإتقان مخارج الحروف ومعرفة أماكن الوقوف؟ هذا من تلاوة كتاب الله، لكن الفكرة أن يقتصر على هذا، حتى إذا أتقن التجويد إتقاناً جيداً نشأ في نفسه نوع من الكبر يحول بينه وبين فهم كتاب الله، فكلما استمع إلى إنسان يقرأ كتاب الله صب عليه جام غضبه، وانتقده نقداً لاذعاً مهيناً، وقال له: أخطأت، وقد يكون الذي ينتقد قارئ القرآن هو الغافل، والذي يقرأ بخطأ هو الصاحي، طبعاً لا ندعو إلى إهمال علم التجويد إطلاقاً، ولكن نحذر من أن يكتفي الإنسان بعلم التجويد من علوم الآخرة التي هي أصل سعادة الإنسان، سيدنا موسى، قال تعالى: ﴿ وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي*يَفْقَهُوا قَوْلِي ﴾ [سورة طه : 27-28] لو أن الأمر بالفصاحة، والطلاقة، والبلاغة، لكان النبي هارون، ولكن سيدنا موسى هو النبي المرسل، فالقضية بالقلب، وقد يكون الإنسان فصيحاً، متكلماً، طليقاً، خطيباً متفوقاً، وله صوت مجلجل، له صوت يصم الآذان، ونبرة نحاسية عالية المستوى، وقلبه غافل، وقد يكون هذا العيُ المتلعثم، الذي لا يحسن النطق ذا قلب حي، وكما قلنا لكم سابقاً العبرة: إن الله ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم، طهرت منظر الخلق سنين أفلا طهرت منظري ساعة؟ ما منظر الرب سبحانه وتعالى؟ هو القلب. 2 ـ أن يكون مقلداً لمذهب سمعه بالتقليد وجمد عليه وثبت في نفسه : والآن المانع الثاني من موانع الفهم أن يكون مقلداً لمذهب سمعه بالتقليد وجمد عليه، وثبت في نفسه، وتعصب له، لمجرد الاتباع للمسموع من غير وصول إليه ببصيرة ومشاهدة فهذا الشخص قيده معتقده عن أن يجاوزه فلا يمكنه أن يخطر في باله غير معتقده، فهذا شيء خطر جداً. قالوا له: إن هذه الآية معناها مثلاً الآية الكريمة التي تقول: ﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمْ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [ سورة البقرة: 148 ] سمع تفسير الآية أن الله سبحانه وتعالى هو الذي يولي هذه الوجهة، معنى هذا أن الإنسان غير مخير بل مسير، أسمعوه مرة أن: الله خلقكم وما تعملون، عمل الإنسان من خلق الله، فهذا الزاني قدر الله عليه الزنا، وهذا السارق قدر الله عليه السرقة ولا صلة له بها، ولا مشيئة، ولا اختيار، هكذا سمع، فإذا قلد إنسان مذهباً واعتقد به، وتعصب له من غير فهم، ولا تبصر، ومن غير مرونة، و تأمل، ومن غير تحقيق، و تدقيق، هكذا سمع، هذا الذي سمعه وجمد عليه وتعصب له وعمي عما سواه هذا المذهب الذي يقلده مانع كبير من موانع الفهم. الاعتقاد بشيء منقول والتعصب له والجمود عليه أكبر مانع من موانع الفهم : و يوجد كثير من الآيات بحسب الظاهر، قال تعالى: ﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾ [ سورة السجدة : 13] الله لا يريد أن يهدي الناس كلهم، هكذا قال المفسرون، لا، لها توجيه آخر، القرآن حمال أوجه، و القرآن ذو وجوه، وهذا المعنى لا يليق بالله عز وجل، الله خلقنا ليسعدنا، وخلقنا لنهتدي إليه، أما أن يمنع عنا الهدى فهذا شيء مستحيل، يقول لك: هكذا قال السادة المفسرون، فمن أنت؟ الاعتقاد بشيء منقول، والتعصب له، والجمود عليه، وعدم التدقيق به، وعدم تمحيصه، وعدم التأمل فيه، والإصرار عليه، هذا أكبر مانع من موانع الفهم، فصار نظره موقوفاً على مسموعه، فإن لمع برق عن بعد، وبدا له معنى من المعاني التي تباين مسموعه - أي تخالفه - حمل عليه شيطان التقليد، فعندنا شيطان القراء، وشيطان التقليد، حمل عليه شيطان التقليد حملةً وقال: كيف يخطر هذا في بالك وهو خلاف معتقد آبائك؟ فيرى أن هذا غرور من الشيطان فيتباعد منه ويحترز عن مثله، ولمثل هذا قالت الصوفية: إن العلم حجاب، العلم أحياناً يكون حجاباً، أي من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿ مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ ﴾ [ سورة الحج: 15 ] فإذا الإنسان ضاقت به الحياة، وضاقت به السبل، والطرق كلها مسدودة، ضيق بذات اليد، ومرض في البدن، وأمور معسرة، وعمل لا يوجد، ومطالب كبيرة، فإذا حصل للإنسان هذا قال بعض المفسرين: يشنق نفسه هذا الحاضر، أخي هكذا جاء في الجلالين فهل أنت أفهم منه؟ لا ليس أفهم منه ابق على هذا المعتقد واذهب واشنق نفسك. هكذا جاء في بعض التفاسير، يوجد تفسير أرقى من هذا فليمدد بسبب إلى السماء، أي يعمل عملاً صالحاً بنية التفريج عنه، وليقطع كل منكر، ويستقيم استقامة تامة، ولينظر بعد ذلك كيف يذهب غيظ قلبه، ويفرج الله عنه، ويرفع عنه هذا الضيق، وهذا الكابوس، وهذا التعسير، فهذا معنى يتناسب مع عظمة الإله، ومع كرمه، و حنانه، و عطفه، و كماله، و رحمته، وحلمه، أما اذهب واشنق نفسك وهذا هو الحاضر، هذا لا يتناسب مع المعنى، فإذا قرأ إنسان الآية وقرأ تفسيرها وانتهى، أخي هكذا التفسير، أنا عندي الجلالين في البيت، أخي هذه ليست معقولة. الابتعاد عن الإسرائيليات التي تفتري على كلام الله عز وجل : يوجد أخ أعارني كتاباً قصصياً عن قصص القرآن الكريم، وطلب مني أن أقرأ فيه، فقرأت بعض القصص فيه، فيه شيء عجيب، سيدنا داود هذا النبي العظيم، ما معنى نبي أساساً؟ أي مصطفى، اصطفاه الله على علم على العالمين، وهو من خيرة الخلق، وسفراء وحي الله عز وجل، قال: هو جالس في غرفته فوجد طيراً من ذهب وأجنحته من فضة، وعليها أحجار كريمة، فظنه جماداً، فاقترب منه يريد أن يمسكه فطار، تبعه إلى أن وصل إلى مكان مطل على بيت فيه امرأة تستحم، وصف جمالها وصفاً يأخذ بالألباب، فهام بها حباً، فلما علمت أنه ينظر إليها نثرت شعرها عليها فزاد حبه لها، سأل عنها فإذا هي زوجة أحد قواده الكبار، ومن العادات العسكرية وقتها أن هناك تابوت في أثناء المعركة فإذا تقدم أحد أمام التابوت وجب أن ينتصر أو يموت، فأعطى أمراً أن يقدموا هذا القائد أمام التابوت فلعله يموت ويأخذ زوجته هذه، ويكتب هذا عن نبي؟ فقدموه فانتصر و لم يمت، فوقع هذا النصر في قلبه مؤلماً لماذا انتصر؟ لماذا لم يمت؟ فقال: قدموه مرةً ثانية فقتل، وعندئذٍ تزوج هذه المرأة. وصلت إلى قصة يوسف عند قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ﴾ [ سورة يوسف: 24 ] وجدت أنه همّ بها، أي شارف على الزنا بآخر مراحله، أول مرة، والثانية، والثالثة، والرابعة، وكل مرة يخرج له والده ويقول له: إياك ويتغافل ويبدأ، إذا كان سيدنا يوسف هذا النبي العظيم وصل إلى معنى هم بها أي كأنه أقدم على هذا الفعل الذي يخالف أمر الله عز وجل، فماذا بقي على من ليس نبياً؟ هذا الشخص يقول لك: هكذا ورد، هذه كلها إسرائيليات، وهذه كلها افتراءات على كلام الله عز وجل. قرأت عن سيدنا سليمان أيضاً أشياء، منها ضاع الخاتم منه ففقد نبوته، وما أحد عرفه، لكن الله عز وجل حفظ نساءه من أن يقترن بهن الشيطان، لأن الشيطان هو الذي أخذ الخاتم وصار مكانه نبياً، كأن هذه النبوة كلها بهذا الخاتم، وبعد هذا فالشيطان رمى الخاتم في البحر، وسمكة من السمكات حملته وهو صار إنساناً عادياً جداً يبحث عن قوت يومه، ويهيم على وجهه في البراري، ووصل إلى شاطئ البحر فاشترى سمكة ففتحها فوجد الخاتم فوضعه فرجع سيدنا سليمان نبياً. فإذا أراد إنسان أن يقرأ هذه القصص يجد أن هؤلاء الأنبياء، نخبة البشر، بل عباد مكرمون، قال تعالى: ﴿ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ﴾ [ سورة الأنبياء : 27] فإن العلم حجاب، فإذا قرأ إنسان هذه التفاسير وجمد عليها وقال: هكذا الأنبياء، فقد بصيرته. 3 ـ أن يكون مصراً على ذنب أو متصف بكبر : والآن مانع ثالث من موانع الفهم: أن يكون مصراً على ذنب أو متصف بكبر، لأن الإنسان قد ينسى بعض العلم بالمعصية، لا تعصه بالنهار يوقظك بالليل. شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي وأنبأني بأن العلم نــــور ونور الله لا يهدى لعاصــي *** ألقينا على كرسيه جسداً أي على علمه، الإنسان عندما يرتكب مخالفة يقع بالحجاب، فإنسان مصر على معصية، ومقيم عليها، فهذا لا يمكن أن يسمح الله له بفهم كتابه، فمحبة الدنيا سبب ظلمة القلب، وهو كالخبث على المرآة، إذا مرآة عليها طبقة غبار كثيفة، فهذه لا تعكس الصور عكساً صحيحاً، فإذا صقلتها عكست لك ما هو أمامها، وكلما كانت الشهوات أشد تراكماً كانت معاني الكلام أشد احتجاباً، وكلما خف عن القلب أثقال الدنيا قرب تجلي المعنى فيه، فالقلب مثل المرآة، والشهوات مثل الصدأ، ومعاني القرآن مثل الصور التي تتراءى أمام المرآة، أنت مرآة والشهوات صدأ، والمعاني الشيء الذي أمام المرآة، فإذا جلوت الصدأ أصبحت المرآة صقيلةً لامعة فعكست ما أمامها، وإذا تراكم عليها الصدأ والخبث حجبت ما أمامها، وهذا هو الشأن في القرآن قال عليه الصلاة والسلام: ((إذا عظمت أمتي الدينار والدرهم نزع منها هيبة الإسلام وإذا تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حرموا بركة الوحي )) [ابن أبي الدنيا في كتاب الأمر بالمعروف معضلا من حديث الفضيل بن عياض] ما هي بركة الوحي؟ فهم معاني كلام الله، قال الفضيل: "أي حرموا فهم القرآن"، والقرآن يجوز أن تسمعه بالسيارة فلا أحد يفهم شيئاً لأن لهم معاص، ولهم خواطر ثانية، وقد شرط الله سبحانه وتعالى الإنابة في الفهم والتذكير، قال تعالى: ﴿ تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ﴾ [ سورة ق : 8] ﴿ وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ﴾ [ سورة غافر: 13 ] 4 ـ اعتقاد أنه لا معنى لكلمات القرآن إلا ما تناولته بعض التفاسير: : الآن المانع الرابع من موانع الفهم: أن يكون قد قرأ تفسيراً ظاهراً واعتقد أنه لا معنى لكلمات القرآن إلا ما تناوله النقل عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما، فإذا قرأ تفسيراً ظاهراً وقرأ أن هذه الآية هكذا قال عنها ابن عباس رضي الله عنه، أو قال عنها مجاهد، هكذا وانتهى الأمر، وليس عنده إمكان أن يفهم شيئاً آخر، ولا يتوسع، القرآن ذو وجوه، القرآن حمال أوجه، قال تعالى: ﴿ قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا ﴾ [ سورة الكهف: 109 ] هذه الآية لها معنى دقيق، فلو أن البحر كله مداد، أي حبر لكلمات الله، أي لتفسير كلمات الله، لنفذ البحر قبل أن تنفذ كلمات ربي ولو جئنا بمثله مدداً، أي لو أن البحر مداد لشرح كلمات الله لنفذ البحر قبل أن ينفذ الشرح، هذا هو المعنى. وأن ما وراء ذلك تفسير بالرأي، وأن من فسر القرآن برأيه فقد تبوأ مقعده من النار، وهذا الحديث صحيح لكن لا يقصد النبي عليه الصلاة والسلام أنه من توسع في فهم كلام الله، من جر الآية جراً لتغطية شهواته، و هذا هو التفسير بالرأي. من فسر القرآن برأيه فقد تبوأ مقعده من النار : أحياناً تقرأ كتاباً علمياً يقول لك: الموضوع الفلاني العلمي يوجد آية تؤيده، ترى التأييد غير طبيعي؟ مفتعل؟ كأنك تجر الآية جراً حتى تغطي هذه النظرية العلمية الحديثة، قال تعالى: ﴿ أَوَلَمْ يَرَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ [ سورة الأنبياء : 30] فهذه النظرية الحديثة إن الأرض مع الشمس كانت كتلة واحدة ثم انفصلوا، لا يا أخي، هذه الآية غير مرئية، وهذه سابقاً يريد أن يجر الآية جراً إلى هذه النظرية الحديثة أن الأرض والشمس والكواكب كانت كتلة واحدة وانفصلت بحكم القوة النابذة، لا هذا جر، وأحياناً الإنسان يجر آية لتغطية شهواته، مثلاً قوله تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [ سورة آل عمران : 130] يقول الجاهل: يا أخي الله ما نهانا عن الربا، بل نهانا عن النسب العالية في الربا: وهذه الآية قال تعالى: ﴿ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ ﴾ [ سورة البقرة: 279 ] معنى هذا أن كل شيء فوق رأس المال حرام، هذه الآية تكمل الآية، أحياناً الإنسان يجر الآية جراً حتى يغطي شهواته، قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ﴾ [ سورة الحج : 41] ما تمكنا إذاً لا نصلي، هذا افتعال للتفسير، قال تعالى: ﴿ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ﴾ [ سورة الحجر : 99] فإذا أتاك اليقين انتهت العبادة!! وهذا شيء باطل، هذا هو التفسير بالرأي، من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار، لأنه يجر الآيات إلى شهواته، لكن من توسع في فهم كلام الله فهذا هو التدبر. وهو من الحجب العظيمة، و سيدنا علي رضي الله عنه يقول: "إلا أن يؤتي الله عبداً فهماً في القرآن". هذه أربعة موانع تمنع صاحبها عن فهم كتاب الله، التعلق فقط، وقصر الهمة كلها على مخارج الحروف، والاستعلاء على الناس بهذا، وهناك شيطان موكل بالقراء، وأن يكون له مذهب معين، مذهب الجبر مثلاً، مذهب معتزلي، أي الإنسان خالق أفعاله، يأتي بآيات قرآنية تؤيد مذهبه، هذا من الصعب أن يفهم كلام الله، مادام مذهبه على خلاف أهل السنة والجماعة، ومعنى هذا أنه يفتعل الآيات افتعالاً ويجرها جراً حتى يؤيد مذهبه فيها وهذا مانع ثان. المانع الثالث أن يكون له ذنب مصر عليه. المانع الرابع أن يكون قد قرأ تفسيراً ولا يوجد عنده استعداد أن يجازوه إلى معنى آخر، أو معنى أوسع، أو معنى أحدث. * * * قصة العباس صاحب شرطة المأمون مع الرجل الدمشقي : والآن إلى قصة من القصص التي نحاول أن نستنبط منها موعظة، هذه القصة على صفة رفيعة في الإنسان، وهي الوفاء، كنت قد قرأتها لكم في أحد أيام الأعياد، وكان الحاضرون قلة، و أردت أن أعيدها الآن لما فيها من الفائدة. قال صاحب شرطة المأمون: دخلت يوماً مجلس أمير المؤمنين ببغداد، وبين يديه رجل مكبل بالحديد، فلما رآني قال لي: يا عباس، قلت: لبيك أمير المؤمنين، قال: خذه إليك واحتفظ به، وبكر به إلي في الغد، فدعوت جماعةً فحملوه - ويبدو أنه لا يقوى على السير ولم يقدر أن يتحرك - فقلت في نفسي مع هذه الوصية التي أوصاني بها أمير المؤمنين من الاحتفاظ به يجب أن يكون معي في بيتي احتياط، فأمرتهم فتركوه في مجلس لي في داري، قلت لهم: انصرفوا، ثم أخذت أسأله عن قضيته وعن حاله ومن أين هو؟ فقال: أنا من دمشق، فقلت: جزى الله دمشق وأهلها خيراً- العباس صاحب شرطة المأمون- فمن أنت من أهلها؟ قال: وعمن تسأل أنت؟ قلت: أتعرف فلاناً؟ قال: ومن أين تعرف ذلك الرجل أنت؟ قلت: وقعت لي معه قضية، فقال: والله ما كنت بالذي أعرف خبره حتى تعرفني قضيتك معه. قال العباس: كنت مع بعض الولاة بدمشق فبغى أهلها، وخرجوا علينا، وهربت أنا وأصحابي وهربت في جملة القوم، فبينما أنا هارب في بعض الدروب إذ بجماعة يعدون خلفي فما زلت أعدو أمامهم حتى فتهم، فمررت بهذا الرجل الذي ذكرته لك، وهو جالس على باب داره فقلت: أغثني أغاثك الله، قال هذا الرجل: لا بأس عليك ادخل الدار، فدخلت وأدخلني مقصورةً في صدر البيت، ووقف الرجل على باب الدار، وما شعرت إلا وقد دخل والرجال معه يقولون: هو والله عندك، فقال: بينكم الدار ففتشوها، ففتشوها حتى لم يبقَ سوى تلك المقصورة، فقال: هاهنا امرأتي فتراجع القوم، وانصرفوا، وخرج الرجل، وجلس على باب داره ساعةً، وأنا قائم أرجف خوفاً ما تحملني رجلاي من شدة الخوف، فقال لي بعد ساعة: اجلس لا بأس عليك، فجلست، فقال لي مرةً ثانية: لقد صرف الله عنك هؤلاء وصرت إلى الأمن والدعة اجلس، فقلت: جزاك الله خيراً ثم مازال يكرمني ويعاشرني أحسن معاشرة وأجملها، وأفرد لي مكاناً في داره، ولم يفتر عن تفقد أحوالي، فأقمت عنده أربعة أشهر في أرغد عيش، وأهنئه، إلى أن سكنت الفتنة، وهدأت وزال أثرها، فقلت له: أتأذن لي في الخروج حتى أتفقد حال غلماني فلعلي أقف منهم على خبر؟ فأخذ علي المواثيق بالرجوع إليه، فخرجت فطلبت غلماني فلم أرَ لهم أثراً فرجعت إليه، وأعلمته الخبر، وهو مع هذا كله لا يعرفني، ولا يسألني، ولا يعرف اسمي، ولا يخاطبني إلا بالكنية، لا من أنت، و لا ما عملك، ولا من هذا القبيل. ثم قال: علامَ تعزم؟ فقلت: عزمت على التوجه إلى بغداد، فقال: القافلة بعد ثلاثة أيام، وها أنا ذا قد أعلمتك، فقلت له: إنك تفضلت علي هذه المدة، ولك علي عهد ألا أنسى لك هذا الفضل، ولأكافئنك ما استطعت، ثم دعا غلاماً له، وقال له: أسرج الفرس ثم جهز آلة السفر، فقلت في نفسي: ما أظن إلا أنه يريد أن يخرج إلى ضيعة، أو ناحيةً من النواحي فأقاموا يومهم ذلك في كد وتعب - أي يهيئون آلة السفر والعدة والطعام والفراش والرواحل - ولما حان يوم خروج القافلة جاءني السحر، وقال لي: قم فإن القافلة تخرج الساعة، وأكره أن تنفرد عنها، فقلت في نفسي: كيف أصنع وليس معي ما أتزود به ولا ما أشتري به مركوباً؟ ثم قمت فإذا هو يحمل أفخر الملابس، وخفين جديدين، وآلة السفر، ثم جاءني بسيف ومنطقة فشدهما في وسطي، ثم قدم لي بغلاً حمل عليه صندوقين وفوقهما فرش، وقدم لي فرساً، وقال لي: اركب وهذا الغلام يخدمك طوال الطريق، ويسوس مركبك، غلام، وفرس، وطعام، وزاد، وفراش، وكل شيء. وأقبل يعتذر إلي من التقصير في أمري- و أيضاً اعتذر منه إذا قصر معه في هذه المدة - وركب معي يشيعني، وانصرفت إلى بغداد، وأنا أتوقع خبره لأفي بعهدي له في مجازاته، ومكافأته، واشتغلت مع أمير المؤمنين فلم أتفرغ أن أرسل إليه من يكشف خبره، فلذلك أسأل عنه هل تعرفه؟ هذا من الشام؟ قال: فلما سمع الرجل الحديث، قال: قد أمكنك الله من الوفاء له، ومكافأته على فعله، ومجازاته على صنيعه بلا كلفة عليك، ولا مؤونة تلزمك، قال: وكيف ذلك؟ أين هو؟ فقال: أنا ذلك الرجل وإنما الضر الذي أصابني غير عليك حالي، وما كنت تعرفني فيه، أنا الذي استقبلتك في البيت، وأكرمتك، وفعلت ما فعلت، فقال العباس: فما تمالكت أن قمت وقبلت رأسه ثم قلت له: فما الذي أصابك حتى أصبحت على ما أرى؟ قال: هاجت بدمشق فتنةٌ ثانية، وكنت بريئاً منها، ثم ألصقت بي هذه التهمة، فبعث أمير المؤمنين بجيوش، وأصلحوا البلد، وأخذت أنا وضربت إلى أن أشرفت على الموت، وقيدت وبعث بي إلى أمير المؤمنين، وأمري عنده عظيم، وخطبي لديه جسيم، وهو قاتلي لا محالة، وقد أخرجت من عند أهلي بلا وصية، وقد تبعني من غلماني من ينصرف إلى أهلي بخبري، وهو نازل عند فلان، فإن رأيت أن تجعل من مكافئتك لي أن ترسل من يحضره حتى أوصيه بما أريد، فإن أنت فعلت هذا فقد جاوزت حد المكافأة، وقمت لي بوفاء عهدك، قلت: يصنع الله خيراً، قال: ثم أحضر العباس حداداً في الليل فك قيوده، وأزال ما كان فيه من الأنكال، وأدخله حمام داره، وألبسه من الثياب ما احتاج إليه، ثم سير من أحضر إليه غلامه، فلما رآه جعل يبكي ويوصيه، فاستدعى العباس نائبه وقال: علي بالأفراس والهدايا ثم أمره أن يشيعه إلى حد الأنبار، قال له: اذهب إلى الشام، أعطاه أفراساً وهدايا وبضاعة وطعاماً وشراباً وقال له، رافقه إلى آخر مشارف بغداد. فقال له: إن ذنبي عظيم، وخطبي جسيم، وإن أنت احتججت بأني هربت بعث في طلبي حتى أرد إليه وأقتل، فقال العباس: انجُ بنفسك ودعني أدبر أمري، فقال: والله لا أبرح بغداد حتى أعلم ما يكون من خبرك، فإن احتجت إلى حضوري حضرت، فقال العباس: إن كان الأمر على ما تقول فلتكن في موضع كذا، فإن أنا سلمت في غداة غدٍ أعلمتك، وإن أنا قتلت فقد وقيتك بنفسي كما وقيتني. ثم تفرغ العباس لنفسه وتحنط وجهز له كفناً، فلما فرغ من صلاة الصبح جاءت رسل المأمون إليه وهم يقولون: هات الرجل معك وقم، فتوجهت إلى دار أمير المؤمنين، فإذا هو جالس ينتظر فقال: أين الرجل؟ فسكت، قال: ويحك أين الرجل؟ قلت: يا أمير المؤمنين اسمع مني، قال: لله علي عهد لأن ذكرت أنه هرب لأضربن عنقك مكانه، فقلت: لا والله ما هرب، ولكن اسمع حديثي وحديثه ثم شأنك وما تريد أن تفعله في أمري، قال: قل، قال: يا أمير المؤمنين كان من حديثي معه كيت وكيت، وقصصت عليه القصة جميعها، وعرفته أني أريد أن أفي له، و أكافئه على فعله معي، وقلت: أنا سيدي ومولاي أمير المؤمنين بين أمرين، إما أن يصفح عني فأكون قد وفيت وكافأت، وإما فيقتلني فأقيه بنفسي، وقد تحنطت، وهاهو ذا كفني معي يا أمير المؤمنين. قال: فلما سمع المأمون الحديث قال: ويلك لا جزاك الله عن نفسك خيراً، إنه فعل بك ما فعل من غير معرفةٍ وتكافئه بعد المعرفة بهذا، فهلا عرفتني خبره، فكنا نحن نكافئه عنك، ولا نقصر في وفائه لك، اعتبر المأمون هذه المكافأة دون الحد المطلوب، قال له: إنه ها هنا في بغداد وقد حلف أنه لن يبرح حتى يعرف سلامتي، فإن احتجت إليه حضر، فقال المأمون: فهذه منة أعظم من الأولى، اذهب إليه الآن فطيب نفسه، وسكن روعه، وائتني به حتى أتولى أنا مكافأته. قال: فأتيت إليه وقلت له: ليزل خوفك إن أمير المؤمنين قال كذا وكذا، فقال: الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه، ثم قام وركب، فلما مثل بين يدي أمير المؤمنين أقبل عليه وأدناه من مجلسه، وحدثه حتى حضر الغداء، فأكل معه، وخلع عليه، وعرض عليه ولاية دمشق، فاستعفف، فأمر له بصلة، وكتب إلى عامله بدمشق يوصيه به. الإيمان كله قيم أخلاقية و مكارم أخلاق : الحياة كلها وفاء، الذي عنده وفاء لزوجته، ووفاء لأخيه، و لشريكه، ولأهل بلده، و لأمته، و لوطنه، و للإنسانية و لنبيه الكريم صلى الله عليه، فالوفاء هو كل شيء، فهذا الرجل عمل معروفاً لوجه الله تعالى، وما درى أنه وقع عند الذي فعل معه هذا المعروف، وهذا الذي فعل معه المعروف بذل نفسه رخيصةً من أجل الوفاء بعهده، هو طلب منه أن يطلب غلامه حتى يلقنه وصيته فقط، وتكون جاوزت المكافأة، فلم يرضَ إلا أن يضع روحه دونه. و هكذا الأمة العربية كانت سابقاً، وهكذا السلف الصالح كان، و الإنسان كان، و الإيمان كله قيم أخلاقية، و مكارم أخلاق، وأحدهم يأخذ امرأة كاملة مكملة تمرض فيريد أن يطلقها أهكذا الوفاء؟ أخذتها شابة. قالت: يا رسول الله تزوجني شابة ذات أهل ومال وجمال، فلما كبرت سني، ونثر بطني، وتفرق أهلي، وذهب مالي، قال: أنتِ علي كظهر أمي، فالآن بعدما كبرت، وذهب أهلي، ومات والدي، و سافر أخوتي، وكان معي مال أخذه مني، قال لي: أنت علي كظهر أمي، ولي منه أولاد، إن تركتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إلي جاعوا، فبكى النبي عليه الصلاة والسلام. فالذي ليس عنده وفاء لا إيمان له، والذي لا وفاء له للذي أحسن إليه لا إيمان له. ومن أسلم على يديه رجل وجبت له الجنة، ومن أسلم على يده رجل فله ولاؤه طوال حياته، وهذا معروف بسيط أكرمه شهرين أو ثلاثة، فوجد المناسب أن يضحي بحياته من أجله، فكيف بالذي هداك إلى الله عز وجل؟ فإذا كان لك أخ هداك إلى الله، فدعاك إلى مجلس علم، واعتنى بك، وأكرمك، أتنسى فضله؟ فهذا هو الوفاء. والنبي عليه الصلاة والسلام سيد الأوفياء حينما فتح مكة و دعي إلى بيوت أصحابه قال: انصبوا لي خيمة عند قبر خديجة، هذه التي آمنت به يوم كذبه الناس، وأنفقت عليه مالها، هذه أحق إنسانة ينام إلى جانب قبرها. * * * الحج عرفة : قال عليه الصلاة والسلام: ((الْغَازِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْحَاجُّ وَالْمُعْتَمِرُ وَفْدُ اللَّهِ دَعَاهُمْ فَأَجَابُوهُ وَسَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ)) [ ابن ماجة عَنِ ابْنِ عُمَرَ ] الحاج إنسان رفيع الشأن وفد الله. والحجاج والعمار وفد الله تعالى يعطيهم ما سألوا، ويستجيب لهم ما دعوا، ويخلف عليهم ما أنفقوا، ومهما ارتفعت التكاليف يخلف عليهم ما أنفقوا، الدرهم ألف ألف. الحج سبيل الله، أي الطريق إلى الحج طريق إلى الله عز وجل، هذه سياحة روحية، وهذا ذهاب إلى الله تعالى، والله سبحانه وتعالى جعل الكعبة البيت الحرام بيته فمن زارها فكأنما زاره، والحج المبرور: ((الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلا الْجَنَّةُ )) [ مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهم ] المبرور لا لغو، و لا رفث، ولا فسوق، ولا جدال، بل نية خالصة، و مال حلال، وتوبة صادقة، هذا هو الحج المبرور يرجع المرء منه كيوم ولدته أمه. (( الحج عرفة )) [ الترمذي و أبو داود عن النعمان بن بشير] هذا حديث من الأحاديث ذات البلاغة العالية، الحج عرفة بمعنى أن الإنسان إن لم يقف بعرفة فلا حج له، في وقت محدد إن لم يكن في هذا المكان في عرفة فلا حج له، والمعنى الأوسع أن الحج معرفة الله سبحانه وتعالى، أنت ذاهب إلى الله من أجل أن تعرفه، فإذا عدت من الحج وقد عرفته، وقد أقلعت عن كل الذنوب لأنك عرفته، وقد عزمت عزماً صادقاً أكيداً على متابعة طاعته حتى الموت، وقد انقطعت أمامك الحقائق، وظهرت الحقائق، و صغرت الدنيا في عينيك، وعظمت الآخرة، ورأيت الله سبحانه وتعالى أكبر من كل شيء، ولا شيء سواه، ولا شيء قبله، ولا شيء بعده، هو الظاهر والباطن، فإذا رأيت هذه الرؤية فقد حججت، أما إذا عدت كما أتيت، وأنت كما أنت مقيم على بعض المخالفات ومتساهل في بعض الطاعات فهذا الحج لا يقدم ولا يؤخر. ((الْحَجُّ جِهَادُ كُلِّ ضَعِيفٍ )) [ أحمد عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ] فالسفر فيه مشقة، وفيه ازدحام، و مشقة بالعودة، و بالحجز، وبالحر، و بتأمين الحاجات، وبالسكن، فهذا جهاد الضعيف. الحجر يمين الله في الأرض يصافح به عباده : ويقول عليه الصلاة والسلام: ((الحجر يمين الله فمن مسح يده على الحجر فقد بايع الله )) [الديلمي عن أنس] إذا دخلت إلى الحرم المكي يجب أن تشعر أن هذا الحرم ليس له علاقة بالبلاد المحيطة به، هذا بيت الله، وهذه الكعبة كعبته، وهذا الحجر يمينه في الأرض، فمن فاوض الحجر فكأنما فاوض كف الرحمن، وإنك إذا تعلقت بأستار الكعبة فهذا قرب من الله شديد وإنك إذا قبّلت الحجر فقد قبلت يمين الله في أرضه. هذه المناسك يجب أن يرافقها حالات نفسية، وإلا لا قيمة لها، و تصبح طقوساً، وما الفرق بين الطقس والعبادة؟ الطقس حركات لا معنى لها، لكن العبادة يرافقها مشاعر سامية جداً: ((الحجر يمين الله فمن مسح يده على الحجر فقد بايع الله )) وإذا صافح إنسان الحجر الأسود، أو استلمه، أو قبله، أو مسحه بيمينه، أو قبله بشفتيه، وعاد إلى بلده يجب كلما حدثته نفسه بمخالفة أن يذكر تلك البيعة، لقد بايع الله عز وجل على الطاعة، لقد عاهده على الطاعة حينما قبل يمينه في الأرض، والحجر يمين الله في الأرض يصافح به عباده. ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَزَلَ الْحَجَرُ الأَسْوَدُ مِنَ الْجَنَّةِ وَهُوَ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ فَسَوَّدَتْهُ خَطَايَا بَنِي آدَم )) [ النسائي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ] الحجر الأسود ياقوتة بيضاء من يواقيت الجنة وإنما سودته خطايا البشر، يبعث يوم القيامة مثل أحد يشهد لمن استلمه وقبله من أهل الدنيا. هذا حديث صحيح، نرجو الله سبحانه وتعالى أن يتقبل منا عبادتنا، وأن يتقبل منا حجنا لمن حج، وأن يرزقنا حجاً مبروراً، وسعياً مشكوراً، وذنباً مغفوراً. |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#38 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : اداب الصلاة- الاداب الباطنة لتلاوة القران الفقة الاسلامى - 2 الدرس : ( السادس و الثلاثون ) الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. آداب الصلاة : 1 ـ إخراج الرجل كفيه من كميه عند التكبير : أيها الأخوة المؤمنون، تحدثنا من قبل عن أركان الصلاة، وعن واجبات الصلاة، وعن سنن الصلاة، و ها نحن أولاء ننتقل إلى آداب الصلاة، فمن آدابها إخراج الرجل كفيه من كميه عند التكبير، أي إذا كان الإنسان يلبس شيئاً لـه كم طويل فمن السنة ومن الأدب أن يخرج كفيه من كميه. 2 ـ نظر المصلي إلى موضع سجوده قائماً : ونظر المصلي إلى موضع سجوده قائماً، وهو قائم ينظر إلى موضع سجوده و أحياناً على الإنسان أن يغمض عينيه ولكن متى؟ لو دخل إلى مسجد - قيل: يوجد مسجد تكلفته تقدر بثلاثة وعشرين مليوناً في المزة-، فإذا دخل ليصلي ونظر إلى هذه الزخارف والثريات، فأغلب الظن في هذه الحالة له حق أن يغمض عينيه داخل الصلاة، وإذا كان في الغرفة ابنه يتحرك أمامه وعينه على ابنه فأين الخشوع؟ ففي مثل هذه الحالة يغمض عينيه، وإذا لم يكن شيء يجذب النظر فيفتح عينيه وينظر إلى مكان سجوده، وهذا من آداب الصلاة. 3 ـ النظر إلى ظاهر القدم عند الركوع و إلى موضع السجود و هو قائم : وإذا ركع ينظر إلى ظاهر القدم وإلى موضع سجوده وهو قائم، على ظاهر قدمه وهو راكع، وإلى أرنبة أنفه وهو ساجد، وإلى حجره - الحجر هو الحضن - وهو جالس بين السجدتين. 4 ـ النظر أثناء التسليم إلى المنكبين : وأن ينظر أثناء التسليم إلى المنكبين، أحياناً يصلي الإنسان و على اليمين صديق له أو أخوه أو زوجته فيسلم ويقول: السلام عليكم ورحمة الله وينظر إلى الحاضرين، ويتأملهم، ويتفحصهم، وهو يسلم فهذه لا تجوز، فمن آداب الصلاة أن ينظر أثناء التسليم إلى منكبيه، أما أن يتفحص من هم في الغرفة قبل أن ينهي الصلاة فليس هذا من آداب الصلاة، هذه من آداب الصلاة. 5 ـ دفع السعال وكظم الفم عند التثاؤب : ودفع السعال ما استطاع، والإنسان يستطيع أن يسعل لكن إذا كان من الممكن أن يتلافى السعال فالأدب أن يتلافى السعال، وأحياناً يوجد بلغم في حنجرته ويستطيع أن يتابع الصلاة من دون أن يقتلعه من مكانه بنحنحة قوية، فهذه النحنحة في أثناء الصلاة تشوش على المصلين وقد تدفع النفوس للاشمئزاز، فدفع السعال والنحنحة ما استطاع، وكظم فمه عند التثاؤب، وأحدهم سأل الرسول صلى الله عليه عندما كان يتثاءب أن يضع يده اليمنى أم اليسرى؟ ولم يجد ذلك في كتب السنة، فلما سأل العلماء قالوا: إن النبي صلى الله عليه ما تثاءب قط في كل حياته، قال: التثاؤب من الشيطان والعطاس من الرحمن، والتثاؤب دليل الملل، والضجر، وعدم المبالاة، لكن نحن لا نقول للمؤمنين لا تتثاءبوا، نقول: ادفع التثاؤب قدر الإمكان، والدليل أن تكظم الفم والكظم هو الإغراق، فأحياناً يشعر أن حنكه يرجف و يريد أن يتثاءب لكنه حافظ على فمه مضغوطاً و هذا هو الأدب أما أن يفتح فمه كالمغارة فهذا لا يليق. 6 ـ القيام إلى الصلاة : القيام إلى الصلاة متى؟ قام المؤذن وأقام الصلاة تجد أناساً يقفون عند قوله: الله أكبر الله أكبر، وأناس عند: أشهد أن محمداً رسول الله، وأناس عند: حي على الصلاة، وأناس عند: حي على الفلاح، فتصير فوضى، والأدب أن تقوم إلى الصلاة عندما يقول المقيم: حي على الفلاح، والإمام إذا لم يكن موجوداً في مكانه الطبيعي ينتقل إلى مكانه عند قول المقيم: قد قامت الصلاة، هذه هي السنة. تطبيق عملي حول حركات الصلاة واحدة واحدة منذ البدء وحتى الختام : والآن عندنا بحث تطبيق عملي حركات الصلاة واحدة واحدة منذ البدء وحتى الختام: أولاً: إذا أراد الرجل الدخول في الصلاة طبعاً الآن دمجنا الأركان مع الواجبات مع السنن مع الآداب في تسلسل واقعي عملي واحد، إذا قام الرجل إلى الصلاة أخرج كفيه من كميه ثم رفعهما حذاء أذنيه، ثم كبر بلا مد، المد في الأذان أما في التكبيرة فليس هناك مد، ماضياً أي نوى وكبّر، ويصح الشروع بكل ذكر خالصاً لله تعالى كسبحان الله، ثم يضع يمينه على يساره تحت سرته عقب التحريمة، ثم يضع يمينه على يساره محلقاً خنصره بإبهامه تحت سرته بعد التحريمة بلا مهلة مباشرةً، مستفتحاً بقوله: سبحانك اللهم، وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك، يستفتح الإمام ويستفتح المقتدي وكل مصلٍّ ولو كان منفرداً ثم يتعوذ سراً، ويسمي في كل ركعة: بسم الله الرحمن الرحيم، والأحناف يؤثرون أن تقرأ التسمية سراً ويسمي في كل ركعة قبل الفاتحة فقط، ثم قرأ الفاتحة وأمم الإمام والمأموم أي آمين يقولها الإمام والمأموم سراً، أما هذا الصوت المرتفع الذي يصم الآذان فهذا خلاف آداب الصلاة، والآن نرجو من كل مصلٍّ أن يقول: آمين بصوت لا يكاد يسمع، هكذا السنة، وهكذا الأدب، ثم يقرأ هذا الرجل سورة أو ثلاث آيات، ثم يكبر رافعاً مطمئناً يتلو سبحان ربي العظيم ثلاث مرات، مطمئناً مسوياً رأسه بعجزه على استقامة واحدة، أخذاً ركبتيه بيديه، مفرغاً أصابعه، مسبحاً ثلاثاً: سبحان ربي العظيم ثلاث مرات وذلك أدناه، ثم يرفع رأسه ويطمئن قائماً ويقول: سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد، ولو كان إماماً أو منفرداً، والمقتدي يكتفي بالتحميد فقط، ثم يكبر خاراً للسجود ثم يضع ركبتيه ثم يديه ثم وجهه بين كفيه، ويسجد بأنفه وجبهته مطمئناً مسبحاً ثلاثاً، ومعنى الاطمئنان: ألا يكون الركوع والسجود كنقر الديك أي ثلاث مرات سبحان ربي الأعلى، وذلك أدناه ويجافي بطنه عن فخذيه، ويبعد بطنه عن فخذيه وعضديه عن إبطيه في غير زحمة، أما إذا كان هناك ازدحاماً فيجب أن تضم المرفقين إلى الإبطين، لكن لا يوجد معك أحد في الغرفة ممكن أن تباعد بين الذراعين وتوجه أصابع اليدين والرجلين نحو القبلة، والمرأة بالعكس تتجمع ولا تتباعد، ثم يرفع رأسه مكبراً للنهوض بالاعتماد على الأرض بيديه وبلا قعودٍ، والركعة الثانية كالأولى إلا أنه لا يثني دعاء الثناء ولا يتعوذ ولكن يبسمل، والثانية لا يوجد فيها دعاء الثناء ولا تعوذ ولكن فيها بسملة، ولا يسن رفع اليدين إلا عند افتتاح كل صلاة، وعند تكبير القنوت في الوتر، وتكبيرات الزوائد في العيدين، وحينما يرى الكعبة، وحين يستلم الحجر الأسود، وحين يقوم على الصفا والمروة، وعند الوقوف بعرفة، ومزدلفة، وعند رمي الجمرة الأولى والوسطى، وعند التسبيح عقب الصلوات، و هذه الحالات عند الإمام الحنفي التي يسن فيها رفع اليدين مع التكبير. الآن يقرأ التشهد المعروف ويشير بالمسبحة في الشهادة يرفعها عند النفي لا إله إلا الله، ويضعها عند الإثبات، ولا يزيد على التشهد في القعـــود الأول وهو التحيات لله والصلوات الطيبات، القعود الأول تشهد والقعود الثاني تشهد مع صلوات إبراهيمية، ويقرأ الفاتحة فيما بعد الأوليين في الركعة الثالثة والرابعة، ثم يجلس فيقرأ التشهد، ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يدعو بما يشبه القرآن والسنة: رب اغفر لي ولوالدي، رب ارحمهما كما ربياني صغيراً، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، ثم يسلم يميناً ويساراً ويقول: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله، هذه صفة المصلي مدموجاً فيها أركان الصلاة، وواجباتها، وسننها، وآدابها، وفي درس آخر إن شاء الله ننتقل إلى باب الإمامة، وبعدها بعض مفسدات الصلاة. * * * آداب قراءة القرآن : الأدب السابع هو التخصيص : والآن إلى فصل مختار من إحياء علوم الدين حول آداب قراءة القرآن، هذا الفصل مهم جداً، أرجو أن تدققوا فيه، وأن تصغوا إليه. الأدب السابع هو التخصيص لأهمية هذا الفصل سأقرأه على مسامعكم كلمة كلمة وسأحاول شرح الجمل الغامضة، والأماكن التي تحتاج إلى شرح، وهو أن يقدر أنه المقصود بكل خطابٍ في القرآن، والآن إذا كان طالب مثلاً في الصف الثالث الثانوي والامتحان على الأبواب يسمع الأخبار فكان البلاغ التالي: بلاغ إلى طلاب الشهادة الثانوية، بناءً على مقتضيات المصلحة يؤخر الامتحان من الخامس من حزيران إلى العاشر منه، هذا طالب الشهادة الثانوية الذي على وشك الامتحان، ويستمع إلى هذا البلاغ حينما يقول: المذيع بلاغ إلى طلاب الشهادة الثانوية تراه كتلة إصغاء، وكتلة اهتمام، وهذا البلاغ له علاقة بدراسته وببرنامجه، مثلاً: لو أن التجار استمعوا إلى بلاغ متعلق بالاستيراد، أول شيء يشتري الجريدة، ويقول لك: ما انتبهت جيداً، يمكن الساعة الثانية عشرة ليلاً يبحث عن جريدة، وإذا سمع بلاغاً يمس تجار السيارات، وصدر بلاغ يمس بعض أنواع الفعاليات الاقتصادية كيف تشعر أن هذا البلاغ لك وله علاقة بمصيرك؟ يربحك وممكن أن يخسرك؟ مرة صدر بلاغ بالسماح باستيراد السيارات ثاني يوم هبط سعر كل سيارة مئة ألف ليرة، فكل صاحب سيارة وكل تاجر سيارات صار معنياً بهذا البلاغ، وهذا مثل منتزع من حياتنا اليومية، رجل يريد أن يسافر قالوا له: رسم الخروج صار ألف ليرة ترى أنه يعطي كل اهتمامه، وأما الذي لا يريد أن يسافر فلا يسأل. على الإنسان أن يشعر أنه مقصود بكل خطاب بالقرآن : إذاً الإنسان عندما يكون له علاقة بهذا الموضوع تراه مصغياً، مهتماً الآن من آداب تلاوة القرآن الكريم التخصيص، وهو أن تشعر أنك مقصود بكل خطاب بالقرآن، هذا سؤال ينبغي أن يكون الإنسان فيه صريحاً، إذا قال الله تعالى: يا أيها الذين أمنوا هل تشعر أنك معني بالخطاب؟ هل تشعر أن الله سبحانه وتعالى خالق السموات والأرض يخاطبك أنت بالذات؟ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [ سورة الصف: 2-3 ] هل تشعر وكأن الله عز وجل يعاتبك؟ عاتب عليك، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [ سورة الأحزاب:69 ] ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [ سورة الأحزاب:71 ] ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا ﴾ [ سورة الأحزاب: 41 ] ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً ﴾ [ سورة النساء: 71 ] كلما تقرأ هذه الآيات بماذا تشعر؟ تشعر أنك معني بها، وأنك المخاطب، و المقصود، وهنا كل إنسان يعرف نفسه. المؤمن إذا سمع نهياً أو أمراً قدر أنه المنهي والمأمور : قال تعالى: ﴿ بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ﴾ [ سورة القيامة: 14-15 ] قالوا: فإن سمع أمراً أو نهياً قدر أنه المنهي والمأمور، قال تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [ سورة البقرة: 104 ] ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنْ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [ سورة الحجرات: 12 ] ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ ﴾ [ سورة الحجرات: 11 ] إذا سمع نهياً أو أمراً قدر أنه المنهي والمأمور، هذا الشيء تعرفه أنت، تحس أنك المعني بهذا الأمر، وأنت المعني بهذا النهي، وإذا سمع وعداً، قال تعالى: ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ ﴾ [ سورة النور: 55 ] ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنْ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ [ سورة الحج: 38 ] هل تحس أنك المعني بهذا الوعد الطيب؟ وإن سمع وعداً أو وعيداً يحس أنه الموعود وأنه المهدد. حال المؤمن بين الخوف و الرجاء : قال سيدنا عمر: لو أنزل الله سبحانه وتعالى أنه معذب رجلاً واحداً لخفت أن أكون أنا، ولو أنه أنزل أنه راحم رجلاً واحداً لتمنيت أن أكون أنا، هذا حال المؤمن رغباً ورهباً، بين الخوف والرجاء، وإن سمع قصص الأولين والأولياء علم أن الثمر غير مقصود، فإذا قرأ إنسان قصة يقول: قصة ممتعة لها بداية وعقدة ونهاية، ويوجد حوادث، وبيئة، ورسم شخصيات، وتحليل، وهذه قصة فنية وهي شيء ممتع، لا يا أخي ليس المقصود هو المتعة بل المقصود هو العبرة، المقصود من هذه القصة: والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون، هذا هو المقصود، الله عز وجل كلمة لا إله إلا الله عبّر عنها بشكل قصة فإذا قرأت قصة في القرآن مثلاً قصة سيدنا موسى، أو قصة سيدنا يونس، أو سيدنا إبراهيم مع قومه، أو سيدنا رسول الله، أو أصحاب الجنة، هذه القصص يجب أن توقن أنها ليست للمتعة إنها للموعظة، وأن الله سبحانه وتعالى لا يريد أن يعلمنا عن أخبار الأولين بقدر ما يريد أن نستنبط العظة من هذه الأخبار، وأن المقصود أن يعتبر به، وليأخذ منها ما يحتاج إليه، فما من قصة بالقرآن إلا وسياقها لفائدةٍ في حق النبي عليه الصلاة والسلام ولأمته. القصص في القرآن الكريم ليست للمتعة إنها للموعظة : لذلك قال تعالى: ﴿ وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ﴾ [ سورة هود: 120 ] قال: إنسان دخل إلى مستشفى في بريطانية جاءته ممرضة من درجة عالية، نسقت الأزهار في الغرفة، وسألت المريض ما مرضك؟ فأجابها: ومن طبيبك؟ قال لها: فلان، قالت: فلان، هل رضي أن يجري لك العملية هو بالذات، قال: نعم، قالت: آه هذا الطبيب أجرى مئة عملية وكلها ناجحة، وهذه الممرضة مهمتها رفع معنويات المريض لتكون معنوياته عالية، وهذه المعنويات العالية تسرع في الشفاء، ولذلك أسرع الناس شفاءً المؤمن، معنوياته دائماً عالية، واثق من الله عز وجل، دفع حوالي ألفي ليرة على هذه الكلمات بالفاتورة. ومعنى هذا أن رفع المعنويات شيء مهم، رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحنك الظروف قال تعالى: ﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴾ [ سورة آل عمران: 146 ] أهداف القصص التي جاءت في القرآن الكريم : الله عز وجل يذكر قصصاً لرسول الله حتى يثبت فؤاده، ويثبت معه المؤمنين، قال تعالى: ﴿ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [ سورة الأعراف : 128] ويذكر عن قارون فيقول: ﴿ فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنْ المُنْتَصِرِينَ ﴾ [ سورة القصص: 81] تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض بل للمتقين، اطمأن الإنسان، فليقدر العبد أن الله سبحانه وتعالى ثبت فؤاد نبيه عليه الصلاة والسلام، وصبره على الإيذاء، وثبت المؤمنين، هذا كله من أهداف القصص التي جاءت في القرآن الكريم. آيات جعلت القرآن الكريم نعمةً عامة وليست نعمةً خاصة : الشيء الذي أحب أن أقوله لكم: إن هناك مجموعة آيات جعلت القرآن الكريم نعمةً عامة وليست نعمةً خاصة، مثلاً قال تعالى: ﴿ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [ سورة البقرة: 231] وأكبر نعمة هذا الكتاب الذي أنزله الله على نبيه، إذاً نحن المعنيون به، ونحن المقصودون به. شيء آخر قال تعالى: ﴿ لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾ [ سورة الأنبياء: 10] يعالج قضاياكم، أنا أقول لكم وواثق من قولي: اقرأ القرآن بتدبر كل يوم ترى أن كل مشكلاتك النفسية وجدت لها حلولاً، وكل مخاوفك تبددت، وكل اضطراباتك النفسية زالت، لأنه يوجد قوانين إله يقول لك و الذي خلق الكون: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾ [ سورة النحل: 97 ] هذا كلام إله، كلام رب الوجود، كلام رافع السماء بلا عمد، كلام خالق الكون، من بعده يقول كلاماً خلافه، فإذا كان هناك إنساناً عظيماً قال: هكذا سيكون، وهل يوجد إنسان تافه يقول: سيكون خلاف ذلك، أي الله عز وجل وعد المؤمن بحياة طيبة في كل الظروف، وفي كل العصور، وفي كل الأحوال، وفي كل البيئات، وفي كل البلاد، و الأماكن، و الأصقاع، والأمصار، وبأي مكان وجدت فيه أنك موعود بحياة طيبةٍ إذا استقمت على أمر الله، يخلق لك من الضيق فرجاً، ومن الضعف قوة، بعض الشعراء قالوا: ورب نازلة يضيق بها الفتى ذرعا ً وعند اللــه منها المخرج نزلت فلما استحكمت حلقاتها فرجـت وكـان يظن ألا تفـرج *** كن عن همومك معرض ا وكل الأمور إلى القضا وابشر بخيــر عاجل تنسى به ما قـد مضى فلرب أمر مسخـط لك في عواقبـــه رضا ولربما ضاق المضيـق ولربما اتســع الفضا اللـــه يفعل ما يشاء فلا تكـــن معترضا الله عودك الجميـــل فقس على ما قد مضى *** القرآن الكريم فيه حل لمشكلات الإنسان : هذا قرآن كريم، اقرؤوا القرآن بتدبر وكل يوم وأنا متأكد لن تبقى في حياتكم مشكلة، وهذا الكتاب فيه ذكركم أي فيه حل مشكلاتكم، يأتي رجل يقرأ قوله تعالى: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [ سورة البقرة: 216] تنحل كل مشكلاته، تريد أن تذهب بعثة ثم وضع اسم مكان اسمك تقرأ الآية فتجدها برداً وسلاماً: ﴿ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا﴾ إن الله ليحمي صفيه من الدنيا كما يحمي أحدكم مريضه من الطعام، جاءتك زوجة وسطاً: وعسى أن تكرهوا شيئاً فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم. دخلك أقل من مصروفك، قال تعالى: ﴿ قُلْ يَاعِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ [ سورة الزمر: 10] ذهب إلى الطبيب فوجد أن معه مرضاً عضالاً وأنت مؤمن، قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ﴾ [ سورة فصلت: 30] الموت أكبر مصيبة عند الناس يغدو عرساً عند المؤمن : لا تخف وأنت في الدنيا وإذا أزفت الآزفة لا تحزن عليها، أنت منقول إلى أهل خير من أهلك، وإلى بيت خير من بيتك، إلى جنة عرضها السموات والأرض، ترى المؤمن متوكلاً، حدثني طبيب في مستشفى جاءهم مريض معه مرض خبيث في أمعائه و هو مؤمن، قال: دخل على غرفته لا يوجد هذا الذعر بوجهه، دخل الطبيب وقال له: كيف صحتك؟ قال له: الحمد لله، واشهد أنني راض عن الله، كلما دخل إليه زائر يعوده يقول له: اشهد أنني راض عن الله، فإذا ضرب الجرس يتهافت الممرضون على خدمته، ويأتون ثلاثة معاً، وهذه الغرفة فيها نورانية عجيبة، خدمة ممتازة، ورائحة عطرة، من في هذه الغرفة ما سمعوا صوته ولا صراخه، وعندما يشعر أنه متضايق يمسك طرف السرير، وعندما توفي كانت نهايته جميلة جداً، وجه منير واستغفار، والله عز وجل لحكمةٍ أرادها حتى يعلم الناس درساً، جاء بعده إلى هذه الغرفة مريض معه مرض مشابه للأول تماماً، فما ترك نبياً إلا وسبه، سباب الدين مثل الورد عنده، و روائح كريهة، يضرب الجرس لا أحد يرد عليه، يسبهم ويسب آباءهم، ثلاثة أيام شوش المستشفى، وبعد ذلك فطس، أنا لا أقول: مات بل فطس، انظر المؤمن والآلام واحدة الأول تلقاها بصبر أي أكبر شيء في الحياة المرض العضال، إذا كنت مؤمناً تتلقاه بالصبر، والله يشفيك، وأنا أقول: "اللهم إنا نعوذ بك من عضال الداء، ومن السلب بعد العطاء، ومن شماتة الأعداء". لكن حتى إذا جاء مثل هذا المرض على المؤمن سهل، إنسان دخل إلى المستشفى أجرى تحاليل، وبلغه أهله بجواب هذه التحاليل، هذا جالس في الغرفة فتكلم أهله فرفع السماعة، والخبر كان أنه سوف يعيش ستة أيام معه ورم خبيث بالدم، وهو نفس المريض، وكان محسناً، وكان يتصدق-هكذا بلغني عنه- وكان صاحب دين، وعمّر جامعاً، ودخل إليه أول طبيب فقال له: ماذا أبا فلان؟ قال له: انتهيت والحمد لله رب العالمين، وكان عاقداً صفقة فقال له: لو سمحت ألغِ لي هذه الصفقة، واذهب إلى فلان فذهب إلى فلان وقال له هذه الصفقة اتركها، فقال له: لا أستطيع أن أتخلى عنها، وليس من المعقول أن يقول له سوف يموت بعد ثلاثة أيام، والصفقة قادمة قال له: وزعها على أولادي بالتساوي، بهذه الثلاثة أيام أنهى كل علاقاته، وعمل وصية، وما ترك قضية معلقة، وثالث يوم جاء إليه عدد من العلماء ورد وذكر، والساعة الواحدة ودع أولاده ،وقام وتغسل بنفسه، حمام جيد وأراح المغسل، والساعة الواحدة أغمض عينه واتجه إلى الله، الساعة الواحدة والنصف فاضت روحه. والله رجل بلغه أن وفاته بعد ثلاثة أيام بكل نفس رضية، وبكل سرور أنهى كل علاقاته، ووزع أمواله، ووصى أشخاصاً يحلون له بعض المشاكل، وودع أولاده، فإذا عرف الإنسان الله عز وجل لا يوجد عنده شيء صعب، والموت أكبر مصيبة عند الناس يغدو عرساً عند المؤمن. القرآن الكريم للمسلمين وهم المعنيون به : القرآن الكريم كلام رب العالمين والله أنزله لنا وفيه حل لكل مشكلة قال تعالى: ﴿ بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [ سورة النحل: 44 ] ﴿ هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾ [ سورة الجاثية: 20 ] ﴿ هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [ سورة آل عمران: 138 ] هذه الآيات كلها مضمونها لنا، فالقرآن لنا ونحن المعنيون بالقرآن الكريم. آيات كريمة عن العلاقة بين الزوج و زوجته : هل تريد علاقتك مع زوجتك؟ يوجد آيات واضحة، قال تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [ سورة النساء : 19 ] أمر إلهي فسرها، المعاشرة بالمعروف ليست عدم إيقاع الأذى بهن بل احتمال الأذى منهن، تقرأ الآيات وتفهم تفسيرها، وتدخل إلى البيت، و عندك حلم، عاشروهن بالمعروف، أي تحمل منهن، وهذا الحلم يرفع مكانتك عند زوجتك تعظمك، زوجي وقور وليس مصروعاً، أحياناً الزوج يغضب فتفضحه زوجته وتقول: جن البارحة. من تزوج المرأة لجمالها أو لمالها أذله الله : أما إذا قال الله تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا ﴾ [ سورة الطلاق: 1 ] هذا توجيه ثانٍ، أنت مؤمن، وهذه أولاً قال تعالى: ﴿ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [ سورة البقرة: 228 ] أنت جعلتها خمسين درجة، قال تعالى: ﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا ﴾ [ سورة النساء: 34 ] هذا الكلام للعازبين، اختر امرأة تكون أنت أعلى منها بالعلم، والثقافة، والفهم، والمكانة الاجتماعية، أخذتها أعلى منك، من تزوج المرأة لجمالها أذله الله، يقول لك دائماً: زوجتي لا تقبل، ومن تزوجها لمالها أفقره الله، ومن تزوجها لحسبها زاده الله دناءةً، قال تعالى: ﴿ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ﴾ هذه لها معاش تساعدني في معاشها، إذا لم تنفق من مالك عليها تفقد قوامتك عليها، تقول لك: افتح عينك لي معاش مثلك تماماً، فلماذا البيت بهذه الفوضى؟ جئت متعبة وهذا الحاضر، أين ذاهبة؟ عندي بعد الظهر اجتماع وهذا الحاضر، اتبع هذه التوجيهات تكن سعيداً في بيتك، أمر إلهي. قال تعالى: ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ﴾ [ سورة النور: 30] طبقها تجد امرأتك أجمل امرأة في العالم، هذا كلام الله رب العالمين، وانظر وشاهد ينقلب البيت إلى جحيم، تعيش الجحيم الزوجي، وهذا الزواج. من طبق البيوع القرآنية عاش براحة و طمأنينة : تعال إلى البيوع طبق البيوع القرآنية، قال تعالى: ﴿ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [ سورة النساء: 188] أخي ألبسناه البيعة وربحنا بالمئة ثلاثين، فلو كشف الزبون رأس المال هل يرضى؟ إذاً هذه التجارة حرام، و ليست عن تراض، ويجب أن يرضى الزبون من أعماقه ولو عرف الحقيقة، مثال تقول: هذا البلور صناعة اليابان أخذت ثمن المتر مئة وستين ليرة وهو بلور وطني، ثمنه ثمانون ليرة، وركبته له في مكان مرتفع لا يرى وأخذت ثمنه، وإذا في يوم من الأيام كان ينظف البلور شاهده وطنياً يقول: أخذ ثمنه يابانياً هل يقبل؟. استدان منك مالاً وتقول: أنا وأثق به، إن مات لك معه مئة ألف ذهب المال، ولو أخذت وصلاً رسمياً عليه توقيعه فحقك محفوظ عند الورثة، لقد استدان مني وهذا نوع من العنترية لا يوجد حاجة أبو فلان أنا أثق بك، أبو فلان ممكن أن يموت بعد ساعة، الورثة يقولون: ليس لك عندنا شيء، وإذا أرادوا أن يسمعوا كلاماً يجب أن يكون معك بينة. طبق القرآن في كل نواحي حياتك تجد نفسك سعيداً في صحتك، وحياتك، وعملك، وتجارتك، ومع أهلك وأولادك، هذا القرآن الكريم شفاء للناس، نحن لا نريد أن نتبرك به، ونعلقه في السيارة، وعيننا على الحرام، لا نضعه في البيت، والبيت فيه اختلاط، ويفتح المذياع بالغناء، نريد القرآن الكريم ينقلب إلى سلوك، وفقه، وعفاف، والتزام، هذا التخصيص. القرآن ربيع المؤمن كما أن الغيث ربيع الأرض : قال تعالى: ﴿ قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلْ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ﴾ [ سورة الأنعام: 19] لأنذركم أنتم يا من كنتم مع النبي عليه الصلاة والسلام، ومن بلغ أي نحن المقصودون بهذه الآية الآن، قال بعضهم: من بلغه القرآن وكأنما كلمه الله تعالى، يا أيها الذين أمنوا خذوا حذركم، قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم، أي كل الأوامر الله بلغه إياها، وقال قتادة: "إن القرآن ربيع المؤمن كما أن الغيث ربيع الأرض"، وقال: "لم يجالس أحد هذا القرآن إلا قام بزيادة أو نقصان"، لقوله تعالى: ﴿ وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا ﴾ [ سورة الإسراء: 82] فالذي يريد أن يستفيد من عمره، ومن هذه المبالغ المباركة يمسك القرآن آية آية، فيجب أن يقبل كلام الله عز وجل، هل أحد يسير في السيارة من دون شهادة؟ يحجزون السيارة، الناس صدقوا هذا البلاغ وخافوا، هكذا يجب أن تعامل الله عز وجل، الله قال لك ماذا تفعل فيجب أن تنفذ كلامه وإلا فلست مؤمناً. إن شاء الله في درس قادم نأخذ الأدب الثامن وهو التأثر، واليوم كان درسنا التخصيص أي كلما جاء أمر أنت المعني بالأمر، قرأت نهياً فأنت معني بالنهي، وقرأت وعداً فأنت المعني بالوعد، وقرأت وعيداً فأنت المعني بهذا الوعيد، وقرأت قصةً فأنت المعني بهذه القصة، استخلص منها الموعظة، كلما قرأت في القرآن شيئاً يجب أن ترى نفسك معنياً به وإلا إن لم تكن كذلك فأنت لا تقرأ هذا القرآن، كأنك تقرأ كتاب تاريخ. * * *قصة قصيرة تبين لنا أن هذه الأمة التي ننتمي إليها هي أمةٌ مباركة : والآن إلى قصة قصيرة تبين لنا أن هذه الأمة التي ننتمي إليها هي أمةٌ مباركة، لا أنسى قول النبي عليه الصلاة والسلام لسيدنا سلمان الفارسي، قال له: ((يَا سَلْمَانُ لا تَبْغَضْنِي فَتُفَارِقَ دِينَكَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ أَبْغَضُكَ وَبِكَ هَدَانَا اللَّهُ؟ قَالَ: تَبْغَضُ الْعَرَبَ فَتَبْغَضُنِي )) [ الترمذي عَنْ سَلْمَانَ ] أي إذا بغضت العرب انتقلت البغضاء إلي، فمن سمات المؤمن أن هذه الأمة المباركة التي نقلت له هذا الدين عليه ألا يتهمها ولو رآها في عصور ضعفها أو عصور تفككها ينبغي أن يحسن الظن بها. قصة المنصور مع الرجل الأموي : قال أحمد بن موسى: ما رأيت رجلاً أثبت جناناً - أي القلب - من رجل رفع فيه عند المنصور - أي رفعت شكوى بهذا الرجل عند المنصور - وقالوا: إن عنده ودائع وأموالاً لبني أمية، فهذه تهمة كافية لتحطيمه، فأمر المنصور حاجبه الربيع بإحضاره فوراً فأحضر بين يديه، قال المنصور: قد رفع إلينا أن عندك ودائع وأموالاً لبني أمية فأخرج لنا ما عندك واحمل جميع ذلك إلى بيت المال، فقال الرجل: يا أمير المؤمنين هل أنت وارث بني أمية؟ - أي أنت وريث بني أمية - قال: لا، قال: أوصي أنت؟ قال: لا، قال: إذاً فلم تسأل عن ذلك؟ - وما توقع المنصور هذه الجرأة وهذا المنطق - أطرق المنصور ساعةً ثم قال: إن بني أمية ظلموا الناس، واغتصبوا أموال المسلمين، وأنا آخذها فأردها إلى بيت مال المسلمين، قال له: جميل يحتاج أمير المؤمنين إلى إقامة بينةٍ يقبلها الحاكم - القاضي - يريد دليلاً ومستمسكاً على أن المال الذي لبني أمية هو الذي في يدي، وأنه هو الذي اغتصبه من الناس، وبنو أمية لهم أموال لهم هي حلال، ولهم أموال اغتصبوها هي حرام، نريد إثباتين؛ أول إثبات أن هذا المال الذي هو عندي هو نفسه لبني أمية وهو نفسه مغصوب وليس الحلال، فسكت المنصور ساعةً ثم قال: يا ربيع صدق الرجل لا يجب لنا عليه شيء، معه حجة قوية، ثم قال الرجل: ألك حاجة؟ قال: نعم، قال: وما هي؟ قال: أن تجمع بيني وبين الذي وشى علي، فوالله يا أمير المؤمنين ما لبني أمية عندي شيء من هذا القبيل، ولما حضرت بين يديك وعلمت ما أنت عليه من العدل، والإنصاف، واتباع الحق، واجتناب الباطل، أيقنت أن هذا الكلام الذي قلته هو أنجح وأصلح لما سألتني عنه وأقرب إلى الخلاص. إذا جادله، هذا الطريق مسدود، جاء من طريق آخر، هل أنت وصي؟ وهل أنت وارث؟ فما السبب؟ هذه أموال مغصوبة أريد أن أردها إلى أصحابها، هل معك بينة أن هذا المال الذي يوجد عندي هو نفسه مال بني أمية؟ لا، هل عندك بينة أن هذا المال الذي عندي إن كان لبني أمية هو المغصوب من الناس؟ قال له: لا، قال: إذاً لا يوجد لنا عنده شيء. فقال المنصور للربيع: اجمع بينه وبين الذي وشى عليه، ولما جيء بالرجل عرفه وقال: هذا غلامي أخذ مني خمسمئة دينار وهرب ولي عليه كتاب بها- يوجد معي وثيقة- ثم استنطق المنصور الغلام فأقرّ أنه غلامه وأنه أخذ المال الذي ذكره مولاه، وسعى بمولاه ليجري عليه أمر الله، ويسلم من الوقوع بين يديه، فقال: يا أمير المؤمنين لقد وهبتها له من أجلك وادفع له خمسمئة دينار أخرى لحضوره مجلس أمير المؤمنين، فاستحسن المنصور فعله وكان في كل وقت يقول: يا ربيع ما وجدت من حاجَّني مثله. الإنسان عندما يكون وقافاً عند حدود الله يكون إنساناً عظيماً، أما الإنسان فيقف عند كتاب الله هذا لي وهذا لك، قال عليه الصلاة والسلام " العدل حسن لكن في الأمراء أحسن، والتوبة حسن لكن في الشباب أحسن، والحياء حسن لكن في النساء أحسن، والصبر حسن لكن في الفقراء أحسن، والورع حسن لكن في العلماء أحسن ". فالعلماء ألزم ما يلزمهم الورع، والأمراء ألزم ما يلزمهم العدل، والنساء ألزم ما يلزمهم الحياء، والأغنياء ألزم ما يلزمهم السخاء، والفقراء ألزم ما يلزمهم الصبر، والشباب ألزم ما يلزمهم التوبة. * * * بعض الأحاديث الكريمة تبدأ برحم الله : والآن إلى بعض الأحاديث الكريمة، يقول عليه الصلاة والسلام طائفةً من الأحاديث الشريفة كلها تبدأ برحم الله، ومعنى رحم الله أي أن رحمة الله سبحانه وتعالى تنصب على هذا الإنسان، التجلي، والسرور، و الطمأنينة، والسعادة، إنسان مسرور، يشعر أن له عند الله مكانة كبرى، و قلبه عامر بذكر الله: رحم الله امرئ اكتسب طيباً... دخله حلال، وإذا كان الإنسان كسبه حراماً فوجهه أسود، قال لي أخ: ركبت مع إنسان دخله حرام حدثته بالدين فقال لي: هذا الموضوع دعنا منه، معه حق لأنه يوجد ظلام في قلبه، ودخل كبير حرام، فحدث معه حادث سير وجدوا رأسه في جهة وجسمه في جهة ثانية. (( رحم الله امرأ اكتسب طيباً وأنفق قصداً- لم يسرف، فالإسراف والتبذير، وإتلاف المواد، ورمي الطعام في القمامة- وقدم فضلاً ليوم فقره وحاجته... - دفع من أمواله صدقات وساعد الناس، و أقرضهم، أي اكتسب طيباً وأنفق قصداً وقدم فضلاً ليوم فقره وحاجته-)) [ابن النجار عن عائشة] (( ورحم الله امرأ أصلح من لسانه)) [ الديلمي عن عمر] ما نطق بكلمة فاحشة، وما نطق بكلمة شائنة، وما وشى بين اثنين، وما اغتاب، وما تكلم بكلمة فاحشة، وأصلح من لسانه، وجعل هذا اللسان رطباً بذكر الله، تكلم عن الله تعالى وعظ الناس فأمرهم بالمعروف و نهاهم عن المنكر، وأصلح بين اثنين. حديث آخر: ((لا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ وَلا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ وَلا يَدْخُلُ رَجُلٌ الْجَنَّةَ لا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ)) [ أحمد عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ] إذا إنسان كلامه مضبوط يشعر بسعادة كبرى: ((رحم الله امرأ تكلم فغنم أو سكت فسلم)) [البيهقي فى شعب الإيمان والديلمي عن ثابت عن أنس] قعد في جلسة فتكلموا بالغيبة فسكت، والأصح أن يقوم ولا يبقى جالساً، وإذا كان لا يستطيع أن يقوم وذلك بسبب أنه مركز عمله يبقى ساكتاً، أما إن جاء بزيارة فيستطيع أن يقوم، وإذا لك مكانة كبيرة قل: هذا الكلام كله نهش في أعراض الناس و لم يعجبني، يقل آية قرآنية أو آية كونية، يلفت نظرهم للآخرة، ويحدثهم عن الله عز وجل فغنم وموضوع لا يرضي الله فسكت. (( رحم الله عبداً علق في بيته سوطاً يؤدب به أهله)) [ الديلمي عن جابر] أي لم يستخدمه ولكن له في بيته شخصية ليس ضعيفاً لا يعبأ به أحد. (( رحِمَ اللهُ رجلاً قامَ من الليلِ فصلَّى، وَأَيْقَظَ امْرَأَتَهُ، فَإِن أَبَتْ نَضَحَ في وَجْهِهَا الماءَ....)) [ رواه أبو داود واللفظ له والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة ] كان النبي الكريم رقيقاً من آثار الوضوء، ينضح وجه زوجته بالماء، وليس كأس ماء. ((......رَحِمَ اللهُ امرأة قَامَتْ من الليل فصلتْ وأَيقظتْ زوجَها، فإِنْ أَبَى نضحتْ في وجهه الماءَ )) [ رواه أبو داود واللفظ له والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة ] أي هو أو هي، و رجل له زوجة تعينه على رضاء الله فليشكر الله عز جل، وإذا زوجة لها زوج يعينها على طاعة الله فلتكن له شاكرةً. ((رَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا كَانَتْ لأخِيهِ عِنْدَهُ مَظْلَمَةٌ فِي عِرْضٍ أَوْ مَالٍ... )) [الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ] قال عنه قصة غير صحيحة أو أخذ ماله. ((.... فَجَاءَهُ فَاسْتَحَلَّهُ قَبْلَ أَنْ يُؤْخَذَ وَلَيْسَ ثَمَّ دِينَارٌ وَلا دِرْهَمٌ... )) [الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ] هذا منتهى التوفيق إذا كان عليك ذمة، وعليك مال حرام، وتتكلم عن إنسان كلاماً غير صحيح، اذهب إلى بيته قبل أن يأتي ملك الموت واستسمح منه، وقدم له هدية، وإذا كان له عليك مبلغ من المال فادفعه له. ((........ فَإِنْ كَانَتْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ حَسَنَاتِهِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ حَمَّلُوا عَلَيْهِ مِنْ سَيِّئَاتِهِمْ)) [الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ] ((رَحِمَ اللَّهُ رَجُلاً سَمْحًا إِذَا بَاعَ وَإِذَا اشْتَرَى وَإِذَا اقْتَضَى)) [الترمذي عَنْ جَابِرِ بْنِ عبد الله رَضِي اللَّهم عنهما] ((رحم الله من حفظ لسانه وعرف زمانه)) [ الحاكم عن ابن عباس] احفظ لسانك أيها الإنســان لا يلدغنك إنه ثعبـــان كم في المقابر من قتيل لسانه كانت تهاب لقاءه الشجعان *** لكل عصر طبيعة، يوجد عصر طبيعته علمية، الخرافة مرفوضة، تسبب استنكاراً للناس، عرف زمانه واستقامت طريقته: (( رحم الله والداً أعان ولده على بره)) [ كشف الخفاء رواه أبو الشيخ في الثواب بسند ضعيف عن علي وابن عمر مرفوعاً] بذل له، وراعى ظروفه، يريد أن يتزوج ويسكن في بيت، أنا ربيته، لك عند الله أجر خذ شيئاً بالمعقول. ((نَضَّرَ اللَّهُ عَبْدًا سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا ثُمَّ بَلَّغَهَا عَنِّي فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرِ فَقِيهٍ وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ )) [أحمد عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ] ((حُرِّمَتِ النَّارُ عَلَى عَيْنٍ دَمَعَتْ أَوْ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَحُرِّمَتِ النَّارُ عَلَى عَيْنٍ سَهِرَتْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)) [ النسائي و الدارمي عن أبي ريحانة ] هؤلاء كلهم مرحومون، معنى مرحومون أي في قلبهم تجلٍّ، و سعادة، وسرور، وراحة، وسكينة، إذا إنسان كان بيعه سهلاً وشراؤه سهلاً وأدى ما عليه فالله يرحمه، ورجل أعان ابنه على بره فزوجه وسكنه في بيت، يرحمه الله، وعين بكت من خشية الله يرحمها الله عز وجل، كان سمحاً إذا باع يرحمه الله، لك عند الله مظلمة ذهبت وطلبت السماح منهم وصححت الخطأ، و إنسان قام وصلى في الليل فالله يرحمه و أدب أهله، وقال: خيراً فغنم أو سكت فسلم يرحمـه الله عز وجل، اكتسب طيباً وأنفق قصداً، و رحم الله امرأً أصلح من لسانه. هذا ملخص الأحاديث وهذه الأحاديث حول موضوع واحد، كل هؤلاء يرحمهم الله، ومن ذاق الرحمة عرفها، وإن رحمة الله قريب من المحسنين. |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#39 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : سقوط الجماعة عن الفرد المسلم الاحق بالامامةالفقة الاسلامى - 2 الدرس : ( السابع و الثلاثون ) الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. أسباب سقوط الجماعة عن الفرد المسلم : 1 ـ المطر الشديد : أيها الأخوة المؤمنون، هناك فصل عنوانـــه: "متى تسقط الجماعة عن الفرد المسلم؟" كلكم يعلم أن صلاة الجماعة أفضل عند الله بسبعة وعشرين ضعفاً، أولاً: المطر، طبعاً المطر الشديد ويجوز الآن هذا الشرط أن يكون ملغياً، الإنسان الآن عنده سيارة والطرقات كلها معبدة لا يشعر بشيء، ولكن يبدو أن هذا الشرط في ظرف معين كان يعيق الحركة. 2 ـ البرد الشديد و الخوف : البرد الشديد والخوف، فمن خاف من عدوه فخوفه يسقط عنه حضور صلاة الجماعة. 3 ـ الظلام الدامس و الحبس و العمى و المرض و الوحل و الشيخوخة : ظلمة ظلام دامس، وحبس، طبعاً إذا كان مسجوناً فهذا شيء بديهي، وعمىً، أعمى وليس له دليل، وشلل، وقطع يد أو رجل، وسقام أي مرض، وإقعاد، ووحل شديد، وزمانة أي مرض مزمن، وداء عضال، وشيخوخة. 4 ـ تكرار فقه لجماعة تفوته : وتكرار فقه لجماعة تفوته، إذا اعتاد أن يحضر مجلس علم ثابت وما غاب عنه إطلاقاً فإذا فاتته صلاة الجماعة ليحضر مجلس علم لا شيء عليه. 5 ـ حضور طعام تتوق إليه النفس و السفر : وحضور طعام تتوق إليه نفسه، وإرادة سفر، لأنه يستعد للسفر فيهيئ أغراضه، وإذا كان مجمعاً للسفر فيمكن أن يصلي في بيته. 6 ـ القيام بمريض : وقيامه بمريض، ممرض، إنسان والدته مريضة تحتاج كل نصف ساعة إلى دواء فهذا يصلي في بيته. 7 ـ شدة ريح ليلاً لا نهاراً : وشدة ريح ليلاً لا نهاراً، وإذا انقطع المسلم عن الجماعة لأحد هذه الأعذار المبيحة يحصل له ثواب الجماعة، أشياء كلها منطقية، مطر، برد، خوف من عدو، ظلمة حبس، عمى، فالج، قطع يد أو رجل، إقعاد، وحل، زمانة شيخوخة، يمكن أن يمشي والطريق وعر، يوجد إنسان تقدمت به السن لا يقوى على حمل نفسه، أو احتمال أن يقع فينكسر وكسر الشيخ يصعب التئامه، و تكرار فقه لجماعة تفوته، لو إنسان بيته فرضاً في الميدان وصلى فرضاً معين في بيته حتى يلحق درس علم هذا مباح له أن يصلي في بيته بهدف حضور مجلس العلم، وحضور طعام تتوق إليه نفسه، طبخة معينة فقال في نفسه: آكل معهم حتى لا تذهب حصتي من الطعام، وإرادة سفر، وقيامه بمريض. قواعد دقيقة لاختيار الإمام : 1 ـ أن يكون صاحب منزل أو وظيفة : الآن وقف المسلمون ليصلوا جماعةً من هو الإمام؟ يوجد عندنا قواعد دقيقة جداً، قال: إن لم يكن بين الحاضرين صاحب منزل، ولا وظيفة، ولا ذو سلطان، فصاحب المنزل أحق أن يصلي إماماً وصاحب الوظيفة دخلت إلى مسجد له إمام، أخي سوف نصلي بهم، لماذا تصلي بهم أنت؟ هذه وظيفته أدباً، دعه يصلي، كثير من الأشخاص يسافرون ومسجد له إمام يريد أن يصلي عنه، لماذا؟ هذا صاحب وظيفة أولى من كل الناس، إلا إذا قدمك هو شيء آخر، إذا عرفك وقدمك لفضلك فهذا أجازك، أما صاحب الوظيفة فأحق أن يصلي بالناس. 2 ـ صاحب منصب رسمي : إن لم يكن بين الحاضرين صاحب منزل ولا وظيفة ولا ذو سلطان إذا صاحب منصب رسمي قاضٍ مثلاً، والقاضي أولاً إذا كان هناك جماعة في بيت وفيهم القاضي الشرعي الأول مثلاً يصلي القاضي، وأمير مثلاً، طبعاً هنا المقصود بالأمير التقي والنقي، قاض مطبق تعاليم الدين، إذا لم يكن بين الحاضرين صاحب منزل ولا وظيفة ولا ذو سلطان، أحد هؤلاء الثلاثة أحق بالصلاة من أي إنسان آخر، صاحب البيت، أو صاحب وظيفة الإمامة، أو ذو سلطان، و منصب رسمي؛ أمير، قائم مقام مثلاً، مدير الناحية، أي صاحب وظيفة، وهذه إشارة لطيفة، أي كل هؤلاء ينبغي أن يكونوا أتقياء مصلين صائمين. 3 ـ الأعلم : الآن فالأعلم أحق بالإمامة أول شيء الأعلم، أكثر الناس يظنون الأقرأ، لا، الأعلم أحق بالإمامة. 4 ـ الأقرأ ثم الأورع ثم الأسن ثم الأحسن خلقاً ثم الأحسن وجهاً : ثم الأقرأ، ثم الأورع، ثم الأسن، ثم الأحسن خلقاً، ثم الأحسن وجهاً، ثم الأشرف نسباً، ثم الأحسن صوتاً، ثم الأنظف ثوباً، إلى هنا انتهى المتن، وفي الحاشية يوجد تفصيلات فالأكبر سناً. المقصود بالأعلم أي الأعلم بالفقه، بأصول الصلاة، بشروطها، وبأركانها، وبواجباتها، وبمكروهاتها، و بآدابها، ثم الأقرأ الذي يتقن أحكام التجويد، ثم الأورع، ثم الأسن، ثم الأحسن خلقاً، ثم الأحسن وجهاً، ثم الأشرف نسباً، ثم الأحسن صوتاً، ثم الأنظف ثوباً، إلى هنا انتهى المتن، وفي الحاشية يوجد تفصيلات فالأكبر سناً، فإذا استووا يقرع بين المصلين، وليس من المعقول أن يستووا لابد من التمايز، و هذه هي المقاييس، فإن لم يقرع بين هؤلاء فالخيار للمصلين، هم قدموا فلاناً، فإذا اختلفوا فالعبرة لمن اختاره الأكثــرون، الأكثرية قدموا فلاناً، وغلب رأيهم رأي الأقلية، وإن قدموا غير الأولى فقد أساؤوا جميعاً، قدموا رجلاً لا يستحق الإمامة ولكن خوفاً منه، أو نفاقاً له، فقد أساؤوا جميعاً، وكره إمامة العبد، والأعمى، والجاهل، والفاسق، والمبتدع، هؤلاء جميعاً كره أن يكونوا أئمةً يؤمون الناس في الصلاة. من دخل المسجد ليصلي فليصلِّ خلف أي إمام : هنا يوجد موضوع دقيق إذا دخل إنسان إلى المسجد يجب أن يصلي خلف أي إمام دون التحقق من استقامته أو بره أو فجوره، فليس هذا من وظيفته، لكن إذا حصل له علم مسبق أن هذا صاحب بدعة أو صاحب عقيدة زائغة، أو صاحب عقيدة فاسدة، إن حصل لك هذا مسبقاً فلا تصلِّ خلفه، أما إذا دخلت إلى مسجد لتصلي صلِّ وراء كل بر وفاجر. هذا الموضوع موضوع الأحق بالإمامة، وموضوع متى تسقط صلاة الجماعة عن الفرد المسلم، ويحصل له ثوبها كما لو صلاها، هذان الموضوعان هما الفصلان المختاران لهذا اللقاء. * * * آداب تلاوة القرآن الكريم : 1 ـ الترقي : والآن إلى فصل مختار من إحياء علوم الدين، لازلنا في موضوع آداب تلاوة القرآن، تحدثنا عن الآداب الظاهرة، ثم تحدثنا عن الآداب الباطنة، ووصلنا في الدرس الماضي إلى التأثر، وها نحن أولاء ننتقل منه إلى أدب آخر وهو الترقي، فما هو الترقي؟ نعني بالترقي أن يسمع القارئ الكلام من الله تعالى لا من نفسه، فدرجات القراءة ثلاث هناك أدناها أن يقدر العبد كأنه يقرأ على الله عز وجل، أي يقرأ القرآن في حضرة الله عز وجل، واقفاً بين يديه، وهو ناظر إليه، مستمع منه، فيكون حاله عند هذا التقدير السؤال، والتملق، والتضرع، والابتهال، وهذه درجة من درجات قراءة القرآن الكريم. والدرجة الثانية أن يشهد بقلبه كأن الله سبحانه وتعالى يراه، ويخاطبه بألفاظه، ويناجيه بإنعامه وإحسانه، فمقامه مقام الحياء، والتعظيم، والإصغاء، والفهم، إما أن تقرأ القرآن في حضرة الله عز وجل، وإما أن تسمعه من الله عز وجل، وكأن الله عز وجل يخاطبك بكلامه، والدرجة الأعلى أن يرى في الكلام المتكلم، اعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، وهذه درجة، وهذه أعلى مرتبة إنها الإحسان، أن يرى في كلام المتكلم وفي الكلمات الصفات، فلا ينظر إلى نفسه، ولا إلى قراءته، ولا إلى تعلق الإنعام به، من حيث إنه مُنعَم عليه، بل يكون مقصور الهم على المتكلم، موقوف الفكر عليه، كأنه مستغرق بمشاهدة المتكلم عن غيره، وهذه درجة المقربين، فالإنسان يقيس نفسه إذا قرأ القرآن أين هو من هذه الدرجات الثلاثة؟ هل تقرأ القرآن بحضرة الله عز وجل وكأنك تبتهل إليه وتدعوه وتناجيه وترجوه؟ أم أنك تسمع القرآن من الله عز وجل وكأنه يخاطبك بكلامه؟ أم أنك غبت عن كل شيء واستغرقت بالله عز وجل وكأنك تراه وهذه درجة المقربين؟ الأولى درجة أصحاب اليمين، والثانية أصحاب اليمين، والثالثة المقربين، وما خرج عن هذا فهو درجات الغافلين، يقرأ القرآن وهو غافل، ما شعر أنه يقرؤه في حضرة الله عز وجل، و لا شعر أن الله سبحانه و تعالى يخاطبه بكلامه، ولا غاب عن كلام الله و استغرق في ذات الله، لا هذه و لا هذه و لا تلك إذاً هذه قراءة الغافلين. و عن الدرجة العليا أخبر جعفر بن محمد الصادق رضي الله عنه قال: "و الله لقد تجلى الله عز وجل لخلقه في كلامه و لكنهم لا يبصرون"، و قال أيضاً: "و قد سألوه عن حالة لحقته في الصلاة حتى خر مغشياً عليه فلما سري عنه قيل له: ماذا أصابك؟ فقال: ما زلت أردد الآية على قلبي حتى سمعتها من المتكلم بها"، رددها و رددها حتى سمعها من الله عز وجل، و من أراد أن يحدث ربه فليقرأ القرآن، ألا تحب أن أجلس معك؟ فصعق سيدنا موسى، و كيف ذلك يا رب؟ قال له: أما علمت أنني جليس من ذكرني، و حيثما التمسني عبدي وجدني، إذا أردت أن تناجي ربك فاقرأ القرآن، قال: "ما زلت أردد الآية على قلبي حتى سمعتها من المتكلم بها"، ففي مثل هذه الدرجة تعظم الحلاوة و لذة المناجاة. قراءة القرآن علامة دقيقة على استقامة الإنسان و طيب عمله : أقول لكم: الإنسان إذا كان عمله طيباً جداً أمتع شيء في حياته أن يقرأ القرآن، اقرأ القرآن إذا شعرت بضيق فاعلم أنه يوجد تقصير، أو مللت فكذلك يوجد تقصير، لم تجد شيئاً قرأت و قرأت و فتحت لا على التعيين لم تتأثر، فإذا الإنسان لم يتأثر، و لم يشعر بانشراح، و لم يتمنَّ أن يقرأ ساعة أو ساعتين أو ثلاثاً، و لا شعر بسرور، فليعلم أنه يوجد خلل بالعمل، و بالاستقامة، أو تقصير، أو لا يوجد عمل صالح، أو لا يوجد تطبيق، فكأن قراءة القرآن علامة دقيقة على استقامة الإنسان و طيب عمله، مستحيل أن تقرأ القرآن وأنت ذو حال طيبة إلا وتحس بأنك مستمتع به إلى أقصى الحدود، حتى إنني أقول لكم: إن الذي يقرأ القرآن وله حال طيب يهبه الله سبحانه وتعالى صوتاً قد يقول لك وهو صادق: لم أسمع في حياتي أجمل من صوتي. الإنسان عندما يستغرق ساعة أو ساعتين ما معنى هذه الحالة؟ عمله طيب جداً، فربنا عز وجل سمح له أن يقرأ كلامه، وسمح له أن يتلقى التجلي الإلهي، وسمح له أن يتنعم ويطرب بصوته، قال: فبمثل هذه الدرجة تعظم حلاوة المناجاة، ألم يقل له يا ربي لقد عصيتك ولم تعاقبني؟ قال له: عبدي لقد عاقبتك ولم تدرِ ألم أحرمك لذة مناجاتي، هذا لا يعرف ما نقول إلا إن اقتفى أثر الرسول. هذه المعلومات لا يتذوقها المستمع إلا إذا عاش المناجاة، وشعر بقرب الله عز وجل، و إلا غابت عنه هذه الأحوال، وشعر بالجفاء، والوحدة. فـأحبابنا اختاروا المحبة مذهباً وما خالفوا عن مذهب الحب شرعنا فمـا حبنا سهل وكل من ادعى سهولته قلنا له قـد جهلتنــــا فأيسر ما في الحب بالصب قتله وأصعب من قتل الفتى يوم هجرنـا *** تلاوة القرآن عبادة عظيمة : من مناجاة رابعة العدوية رضي الله عنها أنه: "يا ربي لقد خلا كل حبيب بحبيبه"، هذا مع أصدقائه يلعبون ورقاً، وهذا سهر يأكل، وهذا سهر مع زوجته، وهذا سهر مع صديقه يعملون حسابات نتائج ربح العام، فكل إنسان استهلك الحياة بشيء، وهذا سهر مع الله عز وجل فخلا بحبيبه. قال بعض الحكماء: "كنت أقرأ القرآن فلم أجد له حلاوة حتى تلوته وكأنني أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم"، فما الذي صار معه؟ صار معه ارتباط نفسي برسول الله، ولما تصور نفسه يسمعه من رسول الله توجهت نفسه نحوه، ثم جاء الله بمنزلة أخرى فأنا الآن أسمعه من المتكلم به، فعندما وجدت له لذةً ونعيماً لا أفتر عنه كان يقول لي إنسان: أنا إذا لم أقرأ قرآناً في اليوم لا يهنأ لي عيش. قال عثمان وحذيفة رضي الله عنهما: "لو طهرت القلوب لم تشبع من قراءة القرآن"، والآن يوجد أخبار تقرؤونها، و الإنسان يستغرب يقول لك: صلى وقرأ البقرة بركعتين فتعب، وتقول: البقرة جزآن ونصف الجزء تقريباً أما تعب من الوقوف؟ الآن إذا الإمام قرأ ثلاثة أرباع الصفحة يقولون له: لقد أطلت يا أخي، لا يجوز أن تطيل الصلاة يا أخي، كيف كانوا يقرؤون البقرة وآل عمران، كيف كانوا يقرؤون هذه السور الطويلة؟ معنى هذا أنه كان هناك استغراقاً شديداً جداً لتلاوة القرآن في الصلاة. قال ثابت البناني: "كابدت القرآن عشرين سنة، وتنعمت به عشرين سنة"، كابده أي تعلمه، وتعلم قراءته، وطبق أوامره، وانتهى عن نواهيه، حتى صار في مستوى كلام الله عز وجل عندئذٍ تنعم به عشرين عاماً أخرى، ولا تجعلوا مع الله إلهاً آخر، قال: فمن لم يره في كل شيء فقد رأى غيره، يجب أن تشاهد الله عز وجل في كل شيء، فهذا الذي آذاك الله سمح له، و الذي أكرمك الله ألهمه، إن شاهدت نباتاً فقل: سبحان من خلقه، وإذا قدم إنسان لك شيئاً فقل: سبحان الملهم، و إذا رأيت الله في كل شيء فأنت مؤمن، وإذا رأيت هذا الشيء من فلان وفلان وقلت: آذاني، فهذا هو الإشراك. كلما التفت العبد إلى ما سوى الله ففي التفاتته هذه شرك خفي، و التوحيد الخالص ألا يرى في كل شيء إلا الله عز وجل، وهذا هو الأدب التاسع الترقي، أن تسمع القرآن من الله عز وجل، وأقل من هذه الدرجة أن تناجي به ربك، و أعلى من هاتين أن ترى الله عز وجل من خلال كلامه، اعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، ولذلك تلاوة القرآن عبادة عظيمة فليست قراءة بل عبادة. 2 ـ التبري : آخر أدب من آداب القرآن الكريم التبري ونعني به أن يتبرأ من حوله وقوته، التفاته إلى نفسه بعين الرضا والتزكية، فإذا قرأ آيات الوعد والمدح للصالحين فلا يشهد نفسه عند ذلك، فهناك أشخاص مغرورون، يقرأ عن المؤمنين هو مؤمن واثق من نفسه، وهذا سوء أدب مع الله عز وجل، يجب أن تكون في مقام الخوف والأدب لا في مقام الطمأنينة، من اطمأن في الدنيا خاف في الآخرة، ومن خاف في الدنيا اطمأن في الآخرة، لا يوجد إنسان في الأرض يستحق الطمأنينة أكثر من رسول الله صلى الله عليه، ومع ذلك دخل على أحد الصحابة وقد توفي وهو مسجى على الفراش فسمع امرأة تقول: "هنيئاً لك أبا السائب فقد أكرمك الله، فالتفت النبي عليه الصلاة والسلام وقال لها: وما أدراكِ أن الله أكرمه؟ قالت: ألم يجاهد معك؟ قال: قولي: أرجو الله أن يكرمه وأنا رسول الله لا أدري ما يفعل بي". الإنسان لا يعرف، طبعاً الله كريم، أما أن يعتبر نفسه مؤمناً فلعله في خلل في استقامته، ولعله في شرك في نياته، فإذا الإنسان قرأ القرآن يجب أن يتبرأ من نفسه، و لا يكون معجباً بها، أو معجباً بإيمانه، بل معجباً بعمله الطيب، كلما قرأ آية عن المؤمنين الصالحين الأتقياء قال: أنا منهم، أنا من هؤلاء ولست من هؤلاء، بل يشهد ويتشوق أن يلحقه الله عز وجل بهم، وإذا قرأ آيات المقت وذم العصاة والمقصرين شهد على نفسه هناك وقدر أنه المخاطب خوفاً وإشفاقاً، ولذلك كان ابن عمر رضي الله عنهما يقول: "اللهم إني أستغفرك لظلمي وكفري، فقيل له: هذا الظلم فما بال الكفر فتلا قوله عز وجل: ﴿ وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [ سورة إبراهيم : 34 ] وأحياناً ينظر إلى الطعام وينسى المطعم، وينسى المنعم، وينتبه إلى هذا الطعام وإتقان الصنعة وينسى أن هذه المواد كلها من الله عز وجل، وهذا أحد أنواع الكفر المخفف، أي إن الإنسان لظلوم كفار هكذا قال سيدنا ابن عمر. على الإنسان أن يفتقر إلى الله عز وجل و إلى معونته : تلاحظ أن المؤمن الصادق يخاف على نفسه، فهل من المعقول أن نبياً يعبد أصناماً سيدنا إبراهيم قال: قال تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ ﴾ [ سورة إبراهيم : 35 ] هل من المعقول سيدنا يوسف أن يقع بالفاحشة؟ قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [سورة يوسف:33] فهذا هو الافتقار إلى الله عز وجل، و إلى معونة الله، قال تعالى: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ [ سورة الفاتحة: 5 ] أما المتمكن من نفسه كثيراً فما تزل قدمه ويهوي في المعصية. وقيل لأحدهم: إذا قرأت القرآن بماذا تدعو؟ قال: أستغفر الله عز وجل من تقصيري سبعين مرة، فإذا رأى نفسه بصورة التقصير في القراءة كانت رؤيته سبب قربه، والشعور بالتقصير سبب القرب، و لذلك فربنا عز وجل أحياناً يحجب الأحوال الطيبة عن المؤمن حتى لا يطمع، ولو أنه بعث له أحوالاً طيبة وتجليات دائماً فيجوز أن يركن إلى هذه الحالة فلا يتقدم، وعندما يقع فتور في الأحوال تكون المعالجة من الله عز وجل، عملية تعطيش حتى يتابع الترقي ولا يتابع الاستقرار والسكون. المكاشفات لا تكون إلا بعد التبري من النفس وعدم الالتفات لها : قال أبو سليمان الداراني رضي الله عنه: "وعد ابن شيبان أخاً له أن يفطر عنده، فأبطأ عليه حتى طلع الفجر فلقيه أخوه في الغد فقال له: وعدتني أنك تفطر عندي فأخلفت، فقال: لولا ميعادي معك ما أخلفتك للذي حبسني معك، إني لما صليت العتمة - العشاء - قلت أوتر قبل أن أجيئك لأني لا آمن ما يحدث من الموت فلما كنت بالدعاء من الوتر رفعت إلي روضة خضراء فيها أنواع الزهر من الجنة فما زلت أنظر إليها حتى أصبحت"، الله كشف له عن بصيرته، عامة الناس صلاتهم شكلية يقول لك: ارتحنا منها، الحمد لله صليت العشاء، لكن إذا الإنسان التفت بكليته إلى الله عز وجل كانت الصلاة عنده أعظم متع الحياة، كما قال عليه الصلاة والسلام: "أرحنا بها يا بلال". وهذه المكاشفات لا تكون إلا بعد التبري من النفس، وعدم الالتفات لها، و الصوفيون قالوا: هناك حالة اسمها حالة الفناء، يغيب عن ذاته، فيوجد شخص ذاته صارخة، وإحساسه بذاته قوي جداً، يقول لك: أنا فعلت، تركت، أنجزت، ولولاي ما صار شيء، هذا إحساسه بذاته قوي، ولم يبلغ حال الفناء بعد، لكن حال الفناء حال راقٍ جداً، وهو حال الأنبياء، و حال كبار المؤمنين، ما عاد ينظر إلى ذاته نظره إلى الله عز وجل. والعلماء شبهوا هذا الحال بإنسان نزل في البحر فما حجمه و هو شاهد أنه لا يوجد نهاية للماء؟ فإحساسه بعظمة البحر حجبه عن ذاته، أحياناً يلتقي طبيب ناشئ بطبيب جراح قلب درجة أولى في العالم جاء زائراً فينسى نفسه أنه الطبيب الناشئ، وإحساسه بذاته يتضاءل كثيراً، ويرجع كأنه تلميذ أمامه، وإذا ذهب إلى قرية وهو الطبيب الوحيد في القرية يشعر أنه طبيب متميز، إحساسه بذاته يتعاظم، أما إذا جلس أمام أستاذه بالطب مثلاً، فيصغر كثيراً، إذا جلس تويجر صغير مع أكبر تاجر في البلد مثلاً تراه يصغر ويصبح مثل الصانع أمامه، هو تاجر ولكنه تاجر أمام التجار، أما أمام التاجر الكبير فلا شيء، وهذه أمثلة أقربها لكم للفناء، فلما يشهد الإنسان عظمة الله عز وجل يغيب عن نفسه، فتجد السابقين حديثهم عن الله عز وجل، من أنا لأتحدث عن نفسي؟ لا شيء، وكلما ارتقت منزلتك عند الله تضاءل إحساسك بذاتك، وكلما كانت مرتبة الإنسان منخفضة كان عنده تضخم بالإحساس في ذاته، فهو مالئ الدنيا، وشاغل الناس، والناس لا يعنيهم أمره، وهذه قضية مهمة جداً، كلما شاهدت من عظمة الله أكثر غبت عن ذاتك أكثر، وهذه المكاشفات لا تكون إلا بعد التبري عن النفس، وعدم الالتفاف إليها. أقنعة الحياة كثيرة جداً من يلتفت إليها تصبح حجاباً بينه و بين ربه : أحياناً الإنسان يلتفت إلى شهاداته أي معه بورد، فإذ وجد إنساناً وليس دكتوراً يزوره، أو نسي أن يقول له: أستاذ يشعره أن يجب أن تناديني بلقبي العلمي، وهذا الإنسان بعد أن نال الدكتوراه عاش ثلاثين سنة ملتفتاً إلى ذاته، ومحجوباً عن الله عز وجل، فهذا ملتفت إلى ماله، وحالته المادية جيدة جداً، فإذا الإنسان عامله كأنه إنسان وسط تراه ينزعج لالتفاته لماله، وأحياناً الله عز وجل يعطي الإنسان شكلاً و طولاً وبياضاً وجاذبية فتراه يلتفت إلى شكله معجباً به، ودائماً يشاهد أنه متميز عن الناس، وأحياناً الإنسان يكون منتسباً إلى أسرة عريقة أيضاً وهذا النسب الرفيع يجعله يلتفت إلى هذا النسب، ويستعلي على الناس، فيوجد أقنعة في الحياة كثيرة جداً، قناع المال، وقناع الشهادات، وقناع القوة، والسلطة، والنسب والحسب، فالإنسان عندما يلتفت إلى هذه الأشياء تصبح حجاباً بينه وبين الله عز وجل، فتراه مقطوعاً عن الله، ولا يوجد له وجهة إلى الله عز وجل، ولا يؤثر في الناس. سبحان الله مرة حضرت حفلاً فقام إنسان وألقى كلمة، الكلمة بمنتهى الذكاء، دقيقة، وفيها نصوص، وهو فصيح اللسان، متكلم، ولكن يوجد روحانية، فلم يتأثر أحد، لأنه ملتفت إلى إمكاناته العالية، وهذا الالتفات إلى قدراته العالية كانت حجاباً بينه وبين الله عز وجل، فالله سبحانه وتعالى مصدر كل شيء، العطاء منه والإنسان عندما يأتيه من باب الاستغناء فالله يحجبه عنه، فهو مقطوع عن الله، فيا أخوان هذه نقطة دقيقة جداً لا يوجد إنسان إلا وله ميزة، هذا ابن فلان، وهذا غني، وهذا متعلم معه ماجستير،... فالإنسان عندما يكون بعيداً عن الله عز وجل، ويلتفت إلى هذه الميزة، وقع في الحجاب، وانتهى، أما إذا استغرق الإنسان في تعظيم الله عز وجل فيقع في حالة اسمها الفناء، وهذه الحالة من أرقى الحالات، تتضاءل نفسه أمامه. من يلتفت إلى ذاته يعالجه الله عز وجل : دخل رجل أصابته رعدة لعند رسول الله: (( فعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ فَكَلَّمَهُ فَجَعَلَ تُرْعَدُ فَرَائِصُهُ فَقَالَ لَهُ: هَوِّنْ عَلَيْكَ فَإِنِّي لَسْتُ بِمَلِكٍ إِنَّمَا أَنَا ابْنُ امْرَأَةٍ تَأْكُلُ الْقَدِيدَ )) [ ابن ماجة عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ ] لما فتح مكة اذكر لي قائداً في العالم فتح بلدة ولم يستعلِ على أهلها إلا النبي عليه الصلاة والسلام؟ دخل وهو يفتح مكة مطأطئ الرأس تواضعاً لله وشكراً، حالة الفناء قائمة فيه، كأنه سبحان الله كلما علوت عند الله عز وجل يتضاءل إحساسك بذاتك، ويتعاظم إحساسك بعظمة الله عز وجل، وكلما الإنسان صغر في نظر الله يكبر في نظر نفسه، ولذلك فمن أجمل الأدعية: "اللهم أرني بعين نفسي صغيراً وأرني بعين الناس كبيراً". الناس الآن يرون أنفسهم كبراء وهم في أعين الناس لا شيء، أمام نفسه منفوخ نفخة كبيرة جداً، وأمام الناس لا قيمة له، والعبرة ابتغوا الرفعة عند الله، آية أو آيتان في القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً ﴾ [ سورة الكهف: 105 ] إنسان ليس له وزن عندنا أبداً، لهم صغار عند الله، أن يسقط الإنسان من السماء إلى الأرض فتنحطم أضلاعه أهون من أن يسقط من عين الله، كأني أريد أن أركز في هذا الكلام على حالتين؛ حالة الاستغناء، القطيعة مع الله عز وجل مبنية على الإحساس بالذات، وحالة الفناء، الفناء أنت غائب بمشاهدة من تحب عن ذاتك. سبحان الله الإنسان عندما يلتفت إلى ذاته الله يعالجه، أعرف طالباً مرشحاً أن يكون الأول على القطر دخل إلى الامتحان فيبدو أن مراقباً وجه له ملاحظة فتوقف وتطاول عليه، وهذا المراقب كتب به تقريراً فتطاول فأعطوه صفراً في هذه المادة فتفاجأ أنه لم ينجح، عنده استعلاء من أعلى درجة، وعلى أتفه سبب رسب، وكل إنسان يتكبر فليلتفت إلى ذاته. المتكبر يقصمه الله عز وجل وتأتيه ضربات قاسية : هناك طبيب بلغت شهرته الآفاق وبعد هذا اشتغل بالعمار، يعطي وصفة لمريض قال له: حبتان قبل الطعام وحبتان بعد الطابو، نسي أنه طبيب، وكان يجري عملية جراحية لامرأة - وهو طبيب نسائي مولد- تجاوز الرحم وقطع الأمعاء، وكاد المجلس الطبي الأعلى أن يسحب منه الشهادة لولا أنه أخذ هذه المريضة إلى المستشفى وأسعفها، وتولى الأمر بنفسه لسحبت منه الشهادة، وبلغت شهرته الآفاق، صار التفات للذات، فانقطع عن الله عز وجل ووقع في الكبر، ولذلك فالمتكبر يقصمه الله عز وجل وتأتيه ضربات قاسية، وأحياناً الإنسان يمشي بأناقة مفرطة، بدلة بيضاء، والحذاء، والجوارب، وربطة العنق، والعطورات، فيتزحلق على رصيف رطب، فالكبر علاجه ضربة قاسية، وهناك إنسان معتز بعلمه فيأتي من يغلبه يسأله سؤالاً ليس مهيئاً للإجابة عنه، رجل في التدريس، أو في المحاماة، أو في الطب، وأحياناً يعطي الطبيب دواء قاتلاً، ولذلك يوجد أطباء مؤمنون وكلما بدأ بمعالجة مريض يغمض عينه ويطلب من الله المعونة، وهذا المريض يشفى على يده، لأنه مفتقر إلى الله. ومالي سوى فقري إليك وسيلةٌ فبالافتقار إليك فقري أدفع ومالي سوى قرعي لبابك حيلة فإذا رددت فأي باب أقرع؟ *** العاقل من طلب من الله أن يعينه : كل منا له عمل، إذا كان موظفاً يقول: يا رب استر، فقد يلبسونك تهمة أنت بريء منها، فإذا دخلت مفتقراً إلى الله عز وجل فكلهم يحترمونك، ويحتفلون بك، وأعمالك يقدرونها لك، ويعطونك مكافآت، وإذا شاهدت نفسك تملك منصباً دقيقاً فالله عز وجل يلهم من هم أعلى منك أن يتجاهلوا كل أعمالك الطيبة، ويحاسبونك حساباً دقيقاً. قال لي رجل : دخلت إلى الوظيفة فاشتغلت من الثامنة وحتى الثانية عشرة ما رفعت رأسي فتعبت، فخرجت إلى الممر، ووقفت فخرج المدير العام وقال: ما هذا أنت جالس هنا كفى إهمالاً لأنه ملتفت، ولو أنه توكل على الله عز وجل فالله يري رؤساءه أطيب عمل وإذا ما توكل يريهم أسوأ عمل، ويكون دائماً عمله منضبطاً، في هذه الدقيقة يأتي المفتش فيراه غائباً، ومنذ سنة لم يغب، والآن غاب فجاء المفتش، فالإنسان عندما يكون له صلة بالله عز وجل الله يدافع عنه، وييسر أموره، ولو أن إنساناً تكلم عنه بغيابه فالله يسخر إنساناً آخر يدافع عنه ويمحق ما قاله الأول وهو لا يدري. وهذه جربوها وهذه وصفة مجربة، أي عمل لك إن كان في الزراعة، أو في التجارة، أو الصناعة، أو الوظيفة، أو التدريس، أو الطب، أو المحاماة أي عمل قبل أن تبدأ به اطلب من الله عز وجل أن يعينك، يا رب إني تبرأت من حولي وقوتي والتجأت إلى حولك وقوتك يا ذا القوة المتين. كم من طبيب ينزع الكلية الصحيحة، ومع المريض واحدة متوقفة عن العمل فيفتح البطن وينزع الكلية الصحيحة والثانية واقفة، فانتهى المريض، وهذه غلطة قاتلة، ومحامٍ ينسى موعد الجلسة أو ينسى مادة هامة في القانون، فمادام متكبراً ملتفتاً إلى نفسه فالله عز وجل يدفعه أثماناً باهظة، حتى في الصناعة قد يرتكب غلطاً فاحشاً يدفعه أثماناً باهظة، وكل إنسان يلتفت إلى ذاته، وإلى علمه، ومكانته، وخبرته، وشهاداته، وقوته، ونسبه، وحسبه، وشكله، فالله عز وجل يتولى تأديبه، فمؤتمر برلين ما كان يذكر أين عقد هذا المؤتمر؟ إذ قد ينسى فقرة في السؤال وهذه كلها من علاجات الاعتزاز بالنفس، أما الافتقار إلى الله فشيء جميل، فإذا افتقرت إلى الله فالله عز وجل إنه يتولى عنك كل الأمور، يسدد لك أعمالك، يلهمك، ويذكرك. وإذاً نحن أطرقنا بالأدبين الأخيرين الترقي والتبري، فالإنسان لا يعتز بنفسه، لا ينظر إلى ذاته، ولا يكون إحساسه بذاته مضخماً. * * * قصة سعيد بن عامر الجمحي : والآن إلى قصة أحد الصحابة الأجلاء، فهذه القصة هي قصة سعيد بن عامر الجمحي، واحد من الألوف المؤلفة الذين خرجوا إلى منطقة التنعيم في ظاهر مكة بدعوة من زعماء قريش ليشهدوا مصرع خبيب بن عدي، أحد أصحاب النبي محمد صلى الله عليه سلم بعد أن ظفروا به غدراً، النبي صلى الله عليه وسلم أرسل صحابياً بمهمة فظفر به زعماء قريش غدراً، وأخذوه، وأرادوا أن يشفوا غليلهم منه، فدعوا سكان مكة إلى منطقة التنعيم، فإذا الإنسان ذهب إلى مكة المكرمة هذه المنطقة يحرم منها من هو في مكة، منطقة سهلية منبسطة في شرقي مكة. خرجوا إلى منطقة التنعيم في ظاهر مكة، بدعوة من زعماء قريش ليشهدوا مصرع خبيب بن عدي، أحد أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، بعد أن ظفروا به غدراً، وهذا سعيد بن عامر الجحمحي وقد مكنه شبابه الموفور، وفتوته المتدفقة من أن يزاحم الناس بالمناكب، حتى حاز شيوخ قريش من أمثـال أبي سفيان بن حرب، وصفوان بن أمية وغيرهما ممن يتصدرون الموكب، وقد أتيح له أن يرى أسير قريش مكبلاً بقيوده، و أكف الصبيان والنساء والشبان تدفعه إلى ساحة الموت دفعاً لينتقم من محمد في شخصه، وليثأروا لقتلاهم في بدر بقتله، ولما وصلت هذه الجموع الحاشدة بأسيرها إلى المكان المعد لقتله وقف الفتى سعيد بن عامر الجمحي بقامته الممدودة يطل على خبيب، وهو يقدم إلى خشبة الصلب، وسمع صوته الثابت الهادئ من خلال صياح النسوة وهو يقول: إن شئتم أن تتركوني أن أركع ركعتين قبل مصرعي فافعلوا، ثم نظر إليه وهو يستقبل الكعبة، ويصلي ركعتين يا لحسنهما ويا لتمامهما، ثم رآه يقبل على زعماء القوم ويقول: والله لولا أن تظنوا أني قد أطلت الصلاة جزعاً من الموت لاستكثرت من الصلاة، على قدر ما شعر من السرور، ومن السعادة، ولولا أنه خاف أن يتهموه بالخوف لصلى طويلاً. ثم شهد سعيد بن عامر الجمحي بعيني رأسه وهم يمثلون بخبيب حياً فيقطعون من جسده قطعة تلو القطعة، وهم يقولون له: أتحب أن يكون محمد مكانك وأنت ناجٍ؟ فيقول والدماء تنزل منه: والله ما أحب أن أكون آمناً وادعاً في أهلي وولدي وعندي عافية الدنيا ونعيمها و يصاب محمد بشوكة، فيلوح الناس بأيديهم في الفضاء ويتعالى صياحهم أن اقتلوه اقتلوه، هذا كله تحت سمع وبصر سعيد بن عامر الجمحي. ثم أبصر سعيد بن عامر خبيباً يرفع بصره إلى السماء من فوق خشبة الصلب ويقول: اللهم احشدهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، ثم لفظ أنفاسه الأخيرة وبه ما لم يستطع إحصاءه من ضربات السيوف، وطعنات الرماح، هذه القصة ليست عن سيدنا خبيب، القصة عن سيدنا سعيد بن عامر الجمحي. عادت قريش إلى مكة ونسيت في زحمة الأحداث خبيباً ومصرعه، لكن الفتى اليافع سعيد بن عامر الجمحي لم يغب خبيب عن خاطره لحظة، كان يراه في حلمه إذا نام، ويراه في خياله وهو مستيقظ، ويمثل به أمامه وهو يصلي ركعتيه الهادئتين المطمئنتين أمام خشبة الصلب، ويسمع رنين صوته في أذنيه، وهو يدعو على قريش فيخشى أن تصعقه صاعقة، أو تخر عليه صخرة من السماء، ثم إن خبيباً علم سعيداً ما لم يكن يعلم من قبل، علمه أن الحياة الحق عقيدةٌ وجهاد في سبيل هذه العقيدة حتى الموت، وعلمه أيضاً أن الإيمان الراسخ يفعل الأعاجيب، ويصنع المعجزات. الإيمان الراسخ يفعل الأعاجيب ويصنع المعجزات : فعلاً شيء عجيب، هذه الخنساء مات أخوها صخر موتاً طبيعياً، وكان شاباً، وكانت شاعرة نظمت ديواناً بأكمله في رثاء أخيها صخر: وإن صخراً لتأتم الهداة به كأنــه علـــم في رأسه نار حمّال ألـوية هبـّاط أودية شهّاد أندية للجيـــش جرار *** فلما أسلمت استُشهد أولادها الأربع في معركة القادسية دفعةً واحدة، فلم تزد عن أن قالت: الحمد لله الذي شرفني بقتلهم، الخنساء في الجاهلية بكت وأبكت، وفي الإسلام وهي امرأة قالت بصبر وشجاعة: الحمد لله الذي شرفني بقتلهم. فخبيب علّم سعيداً بن عامر الجمحي عن طريق الحياة، وعلّمه أيضاً أن الإيمان الراسخ يفعل الأعاجيب، ويصنع المعجزات، وعلمه أمراً آخر أن الرجل الذي يحبه أصحابه كل هذا الحب إنما هو نبي، ليس معقولاً يقطعونه من أول يد وقدم، وكلمتهم أتحب أن يكون محمد مكانك وأنت معافى في أهلك؟ والله ما أحب أن أكون آمناً وادعاً في أهلي وولدي وعندي عافية الدنيا ونعيمها وأن يصاب محمد بشوكة. يقول أبو سفيان: عندها ما رأيت أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمدٍ محمداً، فالإنسان إن لم يكن بقلبه محبة لله ورسوله فليعلم أنه لا إيمان لمن لا محبة له، ألا لا إيمان لمن لا محبة له، ألا لا إيمان لمن لا محبة له، تسعة وتسعون وتسعة بالعشرة من الإيمان محبة، والباقي تطبيق، فإن طبقت بلا محبة فلا تؤثر بأحد. وعند ذلك شرح الله صدر سعيد بن عامر إلى الإسلام، فقام في ملأ من الناس وأعلن براءته من آثام قريش، وأوزارها، وخلع أصنامها وأوثانها، ودخل في دين الله. وهاجر سعيد بن عامر إلى المدينة، ولزم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشهد معه خيبر وما بعدها من الغزوات، ولما انتقل النبي الكريم إلى جوار ربه وهو راض عنه ظل من بعده سيفاً مسلولاً في أيدي خليفتيه -أبو بكر وعمر- وعاش مثلاً فريداً فذاً للمؤمن الذي اشترى الآخرة بالدنيا، وآثر مرضاة الله وثوابه على سائر رغبات النفس، وشهوات الجسد، وكان خليفتا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرفان لسعيد بن عامر صدقه وتقواه ويستمعان إلى نصحه ويصغيان إلى قوله. اختيار سعيد بن عامر الجمحي لولاية حمص : دخل على عمر بن الخطاب في أول خلافته فقال: "يا عمر أوصيك أن تخشى الله في الناس، ولا تخشى الناس في الله، وألا يخالف قولك فعلك، فإن خير القول ما صدقه العمل، يا عمر أقم وجهك لمن ولاك الله أمره من بعيد المسلمين وقريبهم، وأحب لهم ما تحب لنفسك وأهل بيتك، واكره لهم ما تكره لنفسك وأهل بيتك، وخذ الغمرات إلى الحق، ولا تخف بالله لومة لائم"، وسيدنا سعيد ينصح سيدنا عمر. فقال عمر: ومن يستطيع هذا يا سعيد؟ قال: يستطيعه رجل مثلك ممن ولاهم الله أمر هذه الأمة وليس بينه وبين الله أحد - أي أعلى رجل بالأمة ليس بينه وبين الله أحد - كل إنسان يحاسب، أما أعلى إنسان من يحاسبه؟ الله سبحانه وتعالى، هذا معنى وليس بينه وبين الله أحد، الأب في المجلس، والابن يتحاسب تحاسبه أمه، والأخ يحاسبه أخوه الأكبر، والزوجة يحاسبها زوجها، أما الزوج فمن يحاسبه؟ الله عز وجل إذا ظلم. وعند ذلك دعا عمر بن الخطاب سعيداً إلى مؤازرته وقال: يا سعيد إنا مولوك على أهل حمص، فقال: يا عمر ناشدتك الله لا تفتني، فغضب عمر وقال: ويحكم وضعتم هذا الأمر في عنقي ثم تخليتم عني؟ ألا تنصحني؟ تعال وساعدني، والله لا أدعك، ثم ولاه على حمص وقال له: ألا نفرض لك رزقاً؟ - أي أتحب أن نعمل لك راتباً؟ - قال: وما أفعل به يا أمير المؤمنين؟ فإن عطائي من بيت المال يزيد عن حاجتي ثم مضى إلى حمص. وما هو إلا قليل حتى وفد على أمير المؤمنين بعض من يثق بهم من أهل حمص فقال لهم: اكتبوا لي أسماء فقرائكم حتى أسد حاجتهم، فرفعوا له كتاباً فإذا فيه فلان وفلان وسعيد بن عامر، فقال: ومن سعيد؟ قالوا: أميرنا هذا أيضاً فقير، قال: أميركم فقير؟ قالوا: نعم فو الله إنه ليمر عليه الأيام الطوال ولا يوقد في بيته نار، فبكى عمر حتى بللت دموعه لحيته، ثم عمد إلى ألف دينارٍ فجعلها في صرة وقال اقرؤوا عليه السلام مني، وقولوا له: بعث إليك أمير المؤمنين بهذا المال لتستعين به على قضاء حاجاتك. فجاء الوفد لسعيد بالصرة، ونظر إليها، فإذا هي دنانير فجعل يبعدها عنه، ويقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، كأنما نزلت به نازلة، أو حلّ بساحته خطب، فهبت زوجته مذعورةً وقالت: ما شأنك يا سعيد أمات أمير المؤمنين؟ قال: بل أعظم من ذلك، قالت: هل أصيب المسلمون بوقعة؟ قال: بل أعظم من ذلك، قالت: وما أعظم من ذلك؟ قال دخلت عليَّ الدنيا لتفسد آخرتي وحلت الفتنة في بيتي، قالت: تخلص منها، وهي لا تدري من أمر الدنانير شيئاً، قال: أو تعينيني على ذلك؟ قالت: نعم، فأخذ الدنانير فجعلها في صرر ووزعها على فقراء المسلمين، وعمل مع زوجته حيلة ووزع الأموال. قصة سعيد بن عامر الجمحي مع أهل حمص : ولم يمضِ على ذلك أمر طويل حتى أتى عمر بن الخطاب بنفسه إلى بلاد الشام يتفقد أحوالها فلما نزل في حمص وكانت تدعى الكويفة وهو تصغير الكوفة، وتشبيه لحمص بها لكثرة شكوى أهلها من عمالهم وولاتهم، فلما نزل فيها لقيه أهلها بالسلام عليه وقالوا: كيف أميركم؟ فشكوه إليه وذكروا له أربعاً من أفعاله كل واحد منها أعظم من الآخر، قال عمر: فجمعت بينه وبينهم، ودعوت الله ألا يخيب ظني به فقد كنت عظيم الثقة فيه، فلما أصبحوا عندي وهو أميرهم قلت: ما تشكون من أميركم؟ قالوا: لا يخرج إلينا حتى يتعالى النهار، فقلت: وما تقول يا سعيد؟ فسكت ثم قال: والله إني أكره أن أقول ذلك ولكن لابد منه إنه ليس لأهلي خادم فأقوم في كل صباح فأعجن لهم عجينهم، ثم أتريث قليلاً حتى يختمر، ثم أخبزه لهم، ثم أتوضأ وأخرج للناس، قال عمر: وما تشكون منه أيضاً؟ قالوا: إنه لا يجيب أحداً بالليل، قال: ما تقول يا سعيد؟ قال: والله أكره أن أعلن هذا أيضاً إني قد جعلت النهار لهم والليل لله عز وجل، قال: وما تشكون أيضاً؟ قالوا: إنه لا يخرج إلينا يوماً في الشهر قال: ليس لي خادم، وليس عندي ثياب غير التي علي فأغسلها، ثم قال: وما تشكون أيضاً؟ قالوا: تصيبه من حين إلى آخر غشية فيغيب عن مجلسه – إغماء- قال: وما هذا يا سعيد؟ قال: شهدت مصرع خبيب وأنا مشرك ورأيت قريشاً تقطع جسده وهي تقول: أتحب أن يكون محمد مكانك وأنت معافى في أهلك؟ فيقول: والله ما أحب أن أكون آمناً وادعاً في أهلي وولدي، وعندي عافية الدنيا ونعيمها، وأن يصاب محمد بشوكة، وإني والله ما ذكرت ذلك اليوم وكيف أني تركت نصرته إلا ظننت أن الله لن يغفر لي. من تلك الساعة إلى الآن، دخل في الإسلام، وخاض معارك، وحارب مع رسول الله، وجاهد، وهو يظن أن الله لن يغفر له ذلك الموقف، و كان قادراً على نصرته وما نصره، فأصابتني تلك الغشية، عند ذلك قال عمر: "الحمد الله الذي لم يخيب الله ظني فيك". فكلما تذكر موقفه من سيدنا خبيب وحينما صرعه زعماء قريش ولم ينصره تصيبه غشية من الله عز وجل، فهو يظن أن الله لن يغفر له، عند ذلك قال عمر: "الحمد الله الذي لم يخيب الله ظني فيك". ثم بعث له بألف دينار ليستعين بها على حاجته فلما رأتها زوجته قالت: الحمد لله الذي أغنانا، اشتر لنا مؤونةً، واستأجر لنا خادماً، قال لها: وهل لكِ فيما هو خير من ذلك؟ قالت: وما ذاك؟ قال: ندفعها إلى من يأتينا بها، قالت: وما ذاك؟ قال: نقرضها الله قرضاً حسناً، قالت: نعم وجزيت خيراً، فما غادر مجلسه الذي هو فيه حتى جعل الدنانير في صرر وقال لواحد من أهله انطلق بها إلى أرملة فلان، وإلى أيتام فلان، وإلى مساكين آل فلان، وإلى فقراء آل فلان، فوزعها. طلب الجنة من غير عمل ذنب من الذنوب: إذا ظن الرجل أن الجنة تأتي وهو في نعيم مقيم، وهو في بحبوحة، يأكل ويشرب ويتنعم، ولا يفعل خيراً، فهذا ذنب من الذنوب، طلب الجنة من غير عمل ذنب من الذنوب، وأصحاب رسول الله فتحوا البلاد ورفع الله ذكرهم، وشأنهم، وسعدوا في الدنيا والآخرة، بفضل جهادهم، وأعمالهم الطيبة. وأقول لكم هذا الكلام: الله سبحانه وتعالى هو هو، وأبواب العمل الصالح مفتوحة هي هي، وطريق البطولة سالك هو هو، وما بقي علينا إلا أن نسير، فالحق واحد، والحياة مؤقتة، والموت على الأبواب، و الجنة آمنا بها، وجهنم أيقنا بوجودها، فماذا بقي علينا؟ قال رجل لرسول الله: جئتك لتعلمني من غرائب العلم؟ قال: فماذا صنعت في رأس العلم؟ قال: وما رأس العلم؟ قال: وهل عرفت الرب؟ قال: نعم، قال: فماذا صنعت في حقه؟ اسأل نفسك هذا السؤال، إذا قال لك أحد هل تعرف الله؟ طبعاً حضرت مجالس العلم، إنها تفسير، وحديث، وسيرة، وشيء جميل، فماذا صنعت في حقه؟ قال له: هل عرفت الموت؟ قال: نعم، قال: فماذا أعددت له إن كنت بطلاً فاسأل نفسك هذين السؤالين وعندك الجواب، هل عرفت الله؟ فإذا قلت: لا فماذا تنتظر؟ وإن قلت نعم فماذا صنعت في حقه؟ وهل عرفت الموت؟ فإن قلت: لا، فأنت في ضلال كبير، وإن قلت: نعم، عرفت أني سأموت، أقول لك: ماذا أعددت له؟ أما عرفت الله وفي بيتك خمسون مخالفة، وأنت مقيم على خمسين معصية، وعلاقاتك المالية كلها ربوية، وأنت مسلم محب لله، هذا كلام فارغ، وهذه زعبرة وتلبسة، فإن قلت:عرفت الموت فماذا أعددت له؟ ومن منا يذهب في سفر من دون زوادة؟ إلى أين تذهب؟ إلى فرنسا؟ تحتاج إلى فرنك فرنسي، إلى أمريكا؟ تحتاج إلى دولار، إلى روسيا؟ تحتاج إلى روبل، إلى العمرة؟ تحتاج إلى ريال، والآخرة عملتها: العمل الصالح، والآن الأسعار رخيصة جداً، وبعد هذا يرتفع ثم يفقد نهائياً بعد الموت، فاستغل أن أسعار العملات النادرة في الآخرة الآن متوافرة، فتبسمك في وجه أخيك صدقة، أن تميط الأذى عن الطريق هو لك صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وأن تلقى أخاك بوجه طلق صدقة، و أن تعود مريضاً، وأن تبر والديك، فأبواب العمل الصالح مفتحة على أبوابها، فإذا الله عز وجل أكرمك بها فستعرف ما نقول، والغنى هو غنى العمل الصالح، قال تعالى: ﴿ فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ﴾ |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#40 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : متابعة المقتدى للامام - فصل فى الاذكار وفى فهم القران الفقة الاسلامى - 2 الدرس : ( الثامن و الثلاثون ) الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. الكلمات التي يقولها عامة الناس لو وقفنا عند معانيها لانقلبت حياتنا: أيها الأخوة المؤمنون، الفصل اليوم فصل: "فيما يفعله المقتدي بعد فراغ إيمانه من واجب أو غيره"، وقبل الخوض في تفصيلات هذا الفصل أحب أن أنوه إلى أن هذه السنن النبوية من أدعية، وأذكار، و أعمال، و أقوال، لا بد من أن تكون هناك حالة نفسية ترافقها، فإذا اكتفينا بتردادها كما يفعل عامة المسلمين فاليوم انقلبت هذه العبادات السامية إلى طقوس جوفاء لا معنى لها، أحياناً الإنسان يسأل نفسه هذا السؤال، لماذا كان الصحابة الكرام لا يزيدون عن ألف و قد فتحوا العالم و نشروا هذا الدين و أسبغوا على العالم قيمهم و عدالتهم و دينهم و شريعتهم؟ و لماذا نحن مع أننا نزيد عن الألف مليون مغلوبون على أمرنا؟ السر هو أن الصحابي الجليل حينما قال: الله أكبر، أي لا تأخذه في الله لومة لائم، و لا يخشى إلا الله، و لا يطيع إلا الله، ولا يخاف إلا الله، ولا يرجو غير الله، هذه الله أكبر، فإذا قال لا إله إلا الله فمعنى ذلك أنه رأى أن الله سبحانه و تعالى بيده مقاليـــد الكون، و مقاليد الحياة، وبيده ملكوت كل شيء، فكلمات لا إله إلا الله، والله و أكبر، و سبحان الله، و لله الحمد، و لا حول و لا قوة إلا بالله، وإنا لله و إنا إليه راجعون، هذه الكلمات التي يقولها عامة الناس هي كلمات لو وقفنا عند معانيها لانقلبت حياتنا رأساً على عقب، ولحصل انعطاف جذري في حياتنا، لكن كلمات قد يعدها بعضهم من التراث، و قد يعدها بعضهم من التقاليد، لكن كلمــة الله أكبر هز بها المسلمون العالم، لا إله إلا الله هو التوحيد، والإيمان بالقدر يذهب الهم و الحزن، فالأدعية و الأذكار بعد الصلاة أن تقول: اللهم إنك أنت السلام، و منك السلام، تباركت و تعاليت يا ذا الجلال و الإكرام، هذه الكلمات لو كانت هناك أحوالاً تقابلها لكنت إنساناً تطير في السلام. ما ينبغي أن يتابعه المؤتم مع الإمام وما لا ينبغي أن يتابعه به : لو سلم الإمام قبل فراغ المقتدي من التشهد يتمه، أي الإمام مسرع قبل أن تصل إلى التشهد لو سلم الإمام عليك أن تتم التشهد و تسلم ولا تقرأ الصلوات الإبراهيمية؟ لا، تنهي التشهد وتسلم، أما لو سلم قبل فراغك من التشهد فلابد من أن تنهي التشهد، ولو رفع الإمام رأسه قبل تسبيح المقتدي ثلاثاً في الركوع أو السجود يتابعه، ولو دخلت في الصلاة مسبوقاً ورفعت مع الإمام وقلت: سبحان الله مرةً واحدة، ورفع الإمام رأسه يجب أن ترفع رأسك معه، ولو رفع الإمام رأسه قبل تسبيح المقتدي ثلاثاً في الركوع أو السجود يتابعه، ولو زاد الإمام سجدة لا يتبعه المؤتم، و لو أول مرة سجد والثانية نسي وبدأ في الثالثة، فالمؤتم لا يتابعه بل يبقى قاعداً، ولو قام الإمام بعد القعود الأخير و قال: أشهد أن لا إله إلا الله وتوهم أن هذا القعود هو الأول وقام فالمقتدي لا يتابعه وهنا دقة الفصل، أي متى تتابع ومتى لا تتابع؟ هذا ما ينبغي أن تتابعه به وما لا ينبغي أن تتابعه به. الأذكار الواردة بعد الفرض : والآن فصل في الأذكار الواردة بعد الفرض، نحن بعد صلاة الفرض نقول: استغفر الله العظيم ثلاثاً، اللهم إنك أنت السلام ومنك السلام تباركت وتعاليت يا ذا الجلال والإكرام، فالقيام إلى السنة متصلاً بالفرض مسنون، وأن تقوم إلى السنة مباشرةً من الفرض مسنون، ولكن لا بأس بقراءة الأوراد بين الفريضة والسنة، ويستحب للإمام بعد سلامه أن يتحول إلى يساره، أي أن يغير مكانه، و أن يلتفت إلى المصلين، وأن يستقبل الناس، فيستغفرون الله ثلاثاً، ويقرؤون آية الكرسي والمعوذتين، ويسبحون الله ثلاثاً وثلاثين، ويحمدونه كذلك، ويكبرونه كذلك، هذه بعد انتهاء الفرض والسنة، بين الفـرض والسنة يوجد عندنا أدعية الآن أقرؤها لكم: ((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلاتِهِ اسْتَغْفَرَ ثَلاثًا وَقَالَ اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلامُ وَمِنْكَ السَّلامُ تَبَارَكْتَ ذَا الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ )) [ الترمذي عن ثوبان] (( مَنْ قَالَ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيَّ الْقَيُّومَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ غُفِرَ لَهُ وَإِنْ كَانَ فَرَّ مِنَ الزَّحْفِ)) [أبي داود عن بِلالَ بْنَ يَسَارِ بْنِ زَيْدٍ] إذاً الشيء الثابت المتفق عليه بعد الفرض الاستغفار ثلاثاً، ثم القول: اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت وتعاليت يا ذا الجلال والإكرام، ولكن بعد الفراغ من السنة في أكثر المساجد يوجد ورد مأثور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الورد تقرأ آية الكرسي والمعوذات، وتسبح الله ثلاثاً وثلاثين، وتحمده ثلاثاً وثلاثين، و تكبره ثلاثاً وثلاثين، ثم تقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، ثم تدعو لنفسك وللمسلمين، طبعاً ثلاثاً وثلاثين وثلاثاً وثلاثين وثلاثاً وثلاثين تسعاً وتسعين تنتهي بالمئة لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير لقوله عليه الصلاة والسلام: ((مَنْ سَبَّحَ اللَّهَ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ ثَلاثًا وَثَلاثِينَ وَحَمِدَ اللَّهَ ثَلاثًا وَثَلاثِينَ وَكَبَّرَ اللَّهَ ثَلاثًا وَثَلاثِينَ فَتْلِكَ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ وَقَالَ تَمَامَ الْمِائَةِ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ غُفِرَتْ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ)) [أبي داود وعن أبي هريرة] والإنسان أحياناً في بيته يكون معه بحبوحة من الوقت، فإذا أنهى الصلاة ثلاثاً وثلاثين، وثلاثاً وثلاثين، وثلاثاً وثلاثين، ويتمها بالمئة لا إله إلا هو وحده لا شريك له. ترديد الأوراد يتطلب أن يكون الإنسان حافظ القلب : لكن الإنسان حينما يتلو هذه الأوراد يجب أن يكون حافظ القلب، فإن أغمض عينيه وتوجه إلى الله عز وجل وقال: أستغفر الله، أستغفر الله، حتى فاضت عيناه بالدموع، وحتى شعر أن الله قد غفر له، وحتى شعر أن الله استجاب له، وغفر له، ثم قال: الحمد لله، الحمد لله، أي تصور النعم التي أسبغها الله عليه، تصور نعمة الإيجاد أولاً، فنعمة الإمداد، فنعمة الهدى، هذا الشيء الذي أكرمك الله به، مثل نعمة الصحة، ونعمة الولد، و نعمة الزوجة، ونعمة الرزق، ونعمة السلامة، والحمد لله إذا رددتها وكنت حاضر القلب سمت نفسك إلى الله سبحانه وتعالى فذقت طعمها، وإذا قلت: الله أكبر، الله أكبر ثلاثاً وثلاثين، بعدها لا تأخذك في الله لومة لائم، ولا تخشى إلا الله، ولا ترضي إلا الله، و لا تسعى لغير الله، ولا تخاف إلا الله، ولا تستهدف إلا الله، فهذا كله من معاني الله أكبر. دعاء الليل من أسرع الأدعية إجابةً : ((قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ الدُّعَاءِ أَسْمَعُ؟ قَالَ: جَوْفَ اللَّيْلِ الآخِرِ وَدُبُرَ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ)) [الترمذي عن أبي أمامة] بالمرحلة الأخيرة من الليل إذا استيقظت من فراشك وصليت ركعتين، ورفعت يديك إلى الله سبحانه وتعالى مبتهلاً، ودعوته سواءً لحاجة من حوائج الدنيا المشروعة، أو لحاجة من حوائج الآخرة، فإن الله سبحانه وتعالى لابد من أن يستجيب لك. ((... قَالَ: جَوْفَ اللَّيْلِ الآخِرِ وَدُبُرَ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ)) الدعاء، شرع بعد الصلاة وهو مقبول، وهذا من أسرع الأدعية إجابةً ولقوله صلى الله عليه وسلم: (( عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ بِيَدِهِ وَقَالَ يَا مُعَاذُ وَاللَّهِ إِنِّي لأُحِبُّكَ وَاللَّهِ إِنِّي لأُحِبُّكَ فَقَالَ أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ لا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ تَقُولُ اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ )) [النسائي عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ] ومما أثر عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان يرفع يده بالدعاء، ويمسح بها وجهه الشريف، تعبيراً عن أدبه، وعن أن الله سبحانه وتعالى سيستجيب له بهذا الدعاء، وفي النهاية يقول: سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين. ما يفعله المقتدي بعد الفرض وبعد السنة : اتضح الآن بين السنة والفرض ثلاث مرات استغفار، اللهم إنك أنت السلام ومنك السلام تباركت وتعاليت يا ذا الجلال والإكرام، و بعد السنة ثلاثاً وثلاثين أستغفر الله، والحمد لله، والله أكبر، مع آية الكرسي والمعوذات - الإخلاص والمعوذتين - وبعدها لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، وفي النهاية الدعاء، وبعد الدعاء: سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، هذا ما يفعله المقتدي بعد الفرض وبعد السنة، والفصل الذي قبله ما يتابع به إمامه وما لا يتابع به، وفي الدرس القادم إن شاء الله ننتقل إلى مفسدات الصلاة وهي ثمان وستون. * * * التفسير وفهم كتاب الله : والآن إلى فصل من إحياء علوم الدين، الحقيقة هذا الفصل مهم جداً، هذا الفصل في فهم القرآن وتفسيره وما من موضوع اختلف فيه الناس كموضوع التفسير وفهم كتاب الله. قال الإمام الغزالي: لعلك تقول: عظمت الأمر فيما سبق في فهم أسرار القرآن، وما ينكشف لأرباب القلوب الذكية من معانيه، فكيف يستحب ذلك وقد قال عليه الصلاة والسلام: "من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار"، كنا نتكلم عن فهم القرآن، والتعمق بفهمه، وتدبر آياته، والاستنباط منها، فكيف نوفق بين هذا الذي قلناه من قبل من كتاب إحياء علوم الدين وبين قول النبي عليه الصلاة والسلام: "من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار"؟ فهل للإنسان أن يفسر أم لا يفسر؟ فإذا لم يفسر يقولون له قوله تعالى: ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [ سورة محمد: 24 ] وإذا فسر يقولون له: "من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار " فماذا يفعل؟ إذا فسر ما انتهى من الناس وإن لم يفسر يقولون لماذا لم يفسر؟ لكن الإمام الغزالي يوفق بين هذين النصين توفيقاً جميلاً، قال: وعن هذا شنع أهل العلم بظاهر التفسير على أهل التصوف من المفسرين المنسوبين إلى التصوف في تأويل كلمات في القرآن على خلاف ما نقل عن ابن عباس وسائر المفسرين، فعندنا لوم شديد من علماء الظاهر على العلماء الصوفيين الذين فسروا القرآن تفسيراً إشارياً عميقاً مستندين إلى قول النبي عليه الصلاة والسلام: "من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار " وذهب بعضهم إلى أنه قد كفر، قال: فإن صح ما قاله أهل التفسير فما معنى فهم القرآن سوى حفظ تفسيره؟ ومادام القرآن مفسراً سابقاً عن ابن عباس، وعن مجاهد، وعن شريح، وفلان من التابعين، فانتهى الأمر، ولا يوجد إلا مهمة واحدة أن نقرأ هذه التفاسير، ونحفظها، وانتهى الأمر، وإن لم يصح ذلك فما معنى قوله صلى الله عليه وسلم: " من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار "؟ من زعم أن لا معنى للقرآن إلا ما ترجمه ظاهر التفسير فهو مخبر عن حد نفسه : الآن نحن في مشكلة هل نفسر أم لا نفسر؟ إن فسرنا يقال لنا: " من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار " وإن لم نفسر قيل لنا: أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها، قال: فاعلم أن من زعم أن لا معنى للقرآن إلا ما ترجمه ظاهر التفسير فهو مخبر عن حد نفسه، وهو مصيب بالإخبار عن نفسه، ولكنه مخطئ في الحكم برد الخلق كافةً إلى درجته التي هي حده و محطه، فما معنى هذا الكلام؟ فإذا قال إنسان لك: أطيب شيء في الأرض هو الدبس، وهو لم يأكل غير الدبس فهو صادق، ولكن ليس له الحق أن يقول: الناس كلهم لا يوجد عندهم ذوق، فالذين أكلوا عسلاً يسخرون من هذا القول. إنسان فهم الآية فهماً وإذا قال غير هذا المعنى فلا يكون غالطاً، فهذه حدوده، وهذا مستواه، وهذه درجته، أيحمل الناس كلهم على هذه الدرجة؟ و القرآن كما قلت من قبل: ليس ملك أحد، بل ملك المسلمين كلهم، فلما يقنن الإنسان يحصر آية على تفسير واحد، ويحمل الناس على درجته، وهو محدود، وفي الناس من هو أعلى منه، و من هو أفطن منه. قال: فاعلم أن من زعم أن لا معنى للقرآن إلا ما شرحه ظاهر التفسير فهو مخبر عن حد نفسه، وهو مصيب بالإخبار عن نفسه، لما قال: إن الدبس أطيب طعام صحيح - هذا الكلام له صحيح- ولكنه مخطئ في الحكم برد الخلق كافةً إلى درجته التي هي حده و محطه، بل الأخبار والآثار تدل على أن في معاني القرآن متسعاً لأرباب الفهم، وفي القرآن يوجد مجال واسع للتفاوت في الفهم، وسيدنا علي رضي الله عنه يقول: "إلا أن يؤتي الله عبداً فهماً في القرآن". هذه نعمة من نعم المولى الكريم أن يعطيك الله سبحانه وتعالى نعمة فهم كتابه، فإن لم يكن سوى الترجمة المنقولة فما ذلك الفهم؟ وقد قال عليه الصلاة والسلام: "إن للقرآن ظهراً، وبطناً، وحداً، ومطلعاً"، ويروى أيضاً عن ابن مسعود رضي الله عنه موقوفاً عليه وهو من علماء التفسير فما معنى الظهر والحد والبطن والمطلع؟ هذا سؤال وهذا حديث لرسول الله صلى الله عليه. وقال علي كرم الله وجهه: "لو شئت لأوقرت سبعين بعيراً من تفسير سورة الفاتحة"، أوقرت بمعنى حملت. القوى الإلهية التي تعطي للأجسام خواصها إنما هي قوى من عند الله : هناك آية ثانية أدق من هذا، قال تعالى: ﴿ قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا ﴾ [ سورة الكهف : 109 ] قال لي رجل من أيام التقى بي أمام البيت: ما معنى قوله تعالى: ﴿ وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ﴾ [ سورة القارعة : 5 ] قلت له: العهن هو الصوف، قال لي: لا يكفي، أريد أعمق من هذا؟ قلت له: العهن هو الصوف والمنفوس، شعرت أن هذا المعنى فقلت له: الله عز وجل جعل ترابطاً بين ذرات الصخر، الصخر قاسٍ فجعل ترابطاً بين ذرات الحديد، وهذه الأجسام الصلبة تراها صلبة لأن الله سبحانه وتعالى ربط بين ذراتها بقوته، فلو أن الله سبحانه وتعالى قطع الإمداد عن هذه الذرات لأصبحت متفلتة، ولانعدم هذا الترابط، وتفككت، وتحررت، وأصبحت سائبة، ولم يبق الصخر صخراً بل صار الصخر طحيناً، وما عاد الحديد حديداً صار الحديد ماءً، فربنا عز وجل أراد أن يلفت النظر إلى أن هذه الأشياء الصلبة التي تراها في الأرض، وتنعم بها، وتقيم بناءك عليها، إنما هي صلبةٌ بقوة الله، فلو أن الله سبحانه وتعالى منع عنها قوته لأصبحت منحلة، مبعثرة، فكأن الله سبحانه وتعالى يريد أن يقول: إن هذه القوى الإلهية التي تعطي للأجسام خواصها إنما هي قوى من عند الله عز وجل، فالحديد لا يسمى حديداً إلا إذا شاء الله له أن يكون حديداً، فإن لم يشأ صار غازاً أو سائلاً، وقنع وقال لي: هذا المعنى دقيق. الحقيقة قوله تعالى: ﴿ قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا ﴾ [ سورة الكهف : 109 ] كل آية هي وسيلة إيضاح لتعريف الناس بالله عز وجل : كلام إله ينحد بكلمة؟ العهن المنفوش الصوف الممدود فقط؟ هذه يتكلم عنها خمس ساعات، وهذه معلوماتي المحدودة، وشعرت أن في الذرات قوى تجاذب، وقوى ترابط، والذرة يكون لها شكل صلب، أو شكل سائل، أو شكل غازي، بحسب ترابط ذراتها، وللحرارة أثر في تباعد هذه الذرات، وفي تحويل الجسم من صلب إلى سائل إلى غاز، فهذه القوى التي تشد الذرات بعضها إلى بعض إنما هي قوة الله عز وجل، فالجبال يوم القيامة انتهت مهمتها، وانتهت وظيفتها، قال تعالى: ﴿ وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ﴾ [ سورة القارعة : 5 ] والشمس انتهت وظيفتها، قال تعالى: ﴿ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ﴾ [ سورة التكوير: 1 ] والنجوم انتهت وظيفتها، فصارت دليلاً على الله عز وجل، كوسائل إيضاح، وسائل معينة لتعريف الناس بالله عز وجل، مالك يوم الدين انتهت الحياة الدنيا، وفرصة الاختيار انتهت، وبدأ يوم الحساب، فقال تعالى: ﴿ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ *وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ*وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ*وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ*وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ ﴾ [ سورة التكوير: 1-5 ] والنجوم، فكل آية لها ظهر وبطن، قال تعالى: ﴿ قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا ﴾ [ سورة الكهف : 109 ] الله سبحانه وتعالى هو الآخر و من باب أولى كلامه الآخر، إلا أنه يكون عندك تفسير أربعمئة صفحة، كلمة العهن المنفوش الصوف الممدود فقط، وغير هذا لا يوجد، فاقرأ بعض التفاسير هكذا كلمة يقابلها كلمة ثانية، والإمام الغزالي يقول: لا فهذا شيء مستحيل، وسيدنا علي رضي الله عنه ليس نبياً قال: "لو شئت لأوقرت سبعين بعيراً من تفسير سورة الفاتحة"، وقال أبو الدرداء: "لا يفقه الرجل حتى يزعم للقرآن وجوهاً". كل آية في القرآن الكريم لها مجموعة وجوه : في دروس التفسير السابقة شعرت كيف ربنا عز وجل الآية الواحدة لها مجموعة معانٍ، حمالة الحطب، وربنا عز وجل رمز لكل ذنْب بحبة لها ثقل، حطبة مع حطبة، فصار الثقل شديداً قد يعجز الإنسان عن حمله، فلماذا حطب وليس حديداً؟ الحطب يحترق لأن هذه الأوزار سوف تحرق صاحبها، وهذا معنى، حمالة الحطب كانت تؤذي النبي عليه الصلاة والسلام، وتضع في طريقه الحطب، وحمالة الحطب كانت بخيلةً. أي كل آية في القرآن الكريم لها مجموعة وجوه، قال تعالى: ﴿ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ﴾ [ سورة الماعون: 7] فالعلماء قالوا في هذه الآية أربعة عشر تفسيراً، وأوجه هذه التفاسير أنك إذا سببت أذىً لفاعل الخير فأنت مانع الخير، وإنسان قدم خدمة مخلصاً بها فأصبته بالأذى فربما أخذ عهداً على نفسه ألا يفعل خيراً ما عاش، إذاً من هو الذي يمنع الماعون؟ هو الذي يسبب الأذى لفاعل الخير، ولاحظتم بتفسير جزء عم، كل آية لها مجموعة معانٍ كثيرة. وقال أبو الدرداء: "لا يفقه الرجل حتى يزعم للقرآن وجوهاً"، وقال بعض العلماء: "لكل آية ستون ألف فهم وما بقي من فهمها أكثر"، وقال ابن مسعود رضي الله عنه: "من أراد علم الأولين والآخرين فليتدبر القرآن". تتبع آيات القرآن الكريم وما تنطوي عليها من دقائق : مثلاً لماذا قال ربنا عز وجل: ﴿ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي ﴾ [ سورة النور: 2] ولماذا بدأ بالزانية؟ لأن المرأة أقدر على الزنا من الرجل، و هي السبب في الزنا، لماذا قال: ﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ ﴾ [ سورة المائدة: 38] لأن الرجل أقدر على السرقة من المرأة، لماذا قال: ﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾ [ سورة التوبة:24] لماذا بدأ بالأب بالذات؟ لأن هذه الآية ساقها الله سبحانه وتعالى في معرض الاعتزاز الاجتماعي، والإنسان يعتز أكثر ما يعتز بأبيه. قال تعالى: ﴿ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ ﴾ [ سورة عبس:34-35] لماذا بدأ بالأخ؟ لأن الأخ أقرب الناس للإنسان، والأب كبير والابن صغير، ففي موطن الاستنجاد والالتجاء الأخ. قال تعالى: ﴿ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ ﴾ [ سورة المعارج:11] لماذا البني؟ لأنه من حيث المحبة الابن يقع في المقدمة، ففي الفداء الابن، وفي الالتجاء الأخ، وفي الاعتزاز الأب، قال تعالى: ﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ﴾ [ سورة آل عمران: 14 ] في المتعة المرأة، هناك خمس آيات في كتاب الله ورد فيها الأقارب مرتبين ترتيباً خاصاً، لماذا قال تعالى: ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ﴾ [ سورة النور: 30] لماذا بدأ بغض البصر وانتهى بحفظ الفرج؟ لأن حفظ البصر طريق لحفظ الفرج، حقائق، لو تتبعت كتاب الله، قال تعالى: ﴿ وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ اللَّهْوِ وَمِنْ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ﴾ [ سورة الجمعة: 11] لماذا بدأ الله سبحانه وتعالى بالتجارة ثم باللهو؟ لأن التجارة أساس اللهو، لا لهو بلا تجارة، واللهو يحتاج إلى دخل كبير، فلماذا بدأ باللهو ثم بالتجارة في آخر الآية: ﴿ خَيْرٌ مِنْ اللَّهْوِ وَمِنْ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ﴾ [ سورة الجمعة: 11] لأن الإنسان عندما يتغافل عن الصلاة بدافع اللهو فإثمه كبير، أما إذا تغافل عن الصلاة بدافع التجارة فإثمه كبير ولكن أيهما أكبر؟ بدافع اللهو، التسلسل دقيق جداً، فهلا تتبعت هذه الآيات وما ينطوي عليه من دقائق؟ ولما ربنا عز وجل قال: ﴿ وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ ﴾ [ سورة الواقعة: 20-21] معنى الفاكهة قبل الطعام أول استنباط، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: "اقرؤوا القرآن والتمسوا غرائبه". القرآن الكريم عصمة لمن تمسك به ونجاة لمن اتبعه : وقال عليه الصلاة والسلام في حديث علي كرم الله وجهه، كيف قال صلى الله عليه وسلم في حديث علي؟ الحقيقة إذا قال الصحابي الجليل قولاً فهذا يصنف مع الأحاديث، لأنه ما قاله إلا عن رسول الله قال عليه الصلاة والسلام: " والذي بعثني بالحق نبياً، لتفترقن أمتي عن أصل دينها وجماعتها على اثنتين وسبعين فرقة كلها ضالة مضلة يدعون إلى النار فإذا كان ذلك فعليكم بكتاب الله عز وجل فإن فيه نبأ من كان قبلكم، ونبأ ما يأتي بعدكم، وحكم ما بينكم، ومن خالفه من الجبابرة قصمه الله عز وجل، ومن ابتغى العلم في غير ذلك أذله الله عز وجل، وهو حبل الله المتين، ونوره المبين، وشفاؤه النافع، عصمة لمن تمسك به، ونجاة لمن اتبعه، لا يعوج فيقوم، ولا يزيغ فيستقيم، ولا تنقضي عجائبه، ولا يخلطه كثرة الترديد..." الذي يعنينا: "إذا افترقت أمة محمد صلى الله عليه وسلم عن أصل دينها إلى اثنتين وسبعين فرقة وكل هذه الفرق ضالة مضلة إلا واحدة" وهناك رواية ثانية: (( وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلاثٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةً كُلُّهُمْ فِي النَّارِ إلا مِلَّةً وَاحِدَةً قَالُوا وَمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي )) [الترمذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو] إذا افترقت أمة محمد صلى الله عليه وسلم فعليك بكتاب الله، هو الأصل، وهو الينبوع، لما ترى الماء أسود ارجع إلى النبع، فبالنبع الماء زلال، فرات، عذب، صافٍ، نقي، سائغ للشاربين، تشتهي أن تشربه، لكن في المصب المياه سوداء لكثرة ما دخل عليها من رواسب، ومن مياه آسنة، ومن أشياء قذرة، ولذلك: بدأ الدين غريباً وسيعود كما بدأ فطوبى للغرباء، والآن الحل أن نعود معاً إلى الينبوع الأول وهو كتاب الله، فإن كنتم في زمن الفتن من الفرقة، وزمن الضلالة، وكل يدعي وصلاً بليلى، قال تعالى: ﴿ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴾ [ سورة المؤمنون: 53] ﴿ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ [ سورة الحشر: 14] (( بَلِ ائْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنَاهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا وَهَوًى مُتَّبَعًا وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ فَعَلَيْكَ يَعْنِي بِنَفْسِكَ وَدَعْ عَنْكَ الْعَوَامَّ...)) [ أخرجه الإمام الترمذي و أبو داود عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ الشَّعْبَانِيِّ] إذا وصلت إلى هذا الزمان يوم يؤمر بالمنكر وينهى عن المعروف، يوم يصبح المعروف منكراً والمنكر معروفاً، يوم يخون الأمين ويؤتمن الخائن، ويكذب الصادق ويصدق الكاذب، يوم تلد الأمة ربتها، يوم يكون المطر قيظاً والولد غيظاً، ويفيض اللئام فيضاً ويغيظ الكرام غيظاً، ويوم يسند الأمر إلى غير أهله، عندئذ اعتصم بكتاب الله، لماذا؟ لأن كتاب الله سبحانه وتعالى فيه نبأ من كان قبلكم موعظة، وهناك أقوام أشادوا حضارات، وجاؤوا بمعجزات، وأشادوا الأهرامات، وبنوا القصور، ونحتوا الجبال، واخترعوا مواد لا تزال إلى الآن سر من أسرار هذه الأمم، كفروا بالله سبحانه وتعالى فأهلكهم الله سبحانه وتعالى، يوجد عندنا حوادث، وأنا أقول دائماً ربنا عز وجل، القرآن الكريم كون ناطق، والكون قرآن صامت، والحوادث قرآن عملي، فآكل المال الحرام الله في أغلب الأحيان يتلف ماله، والمعتدي يعتدى عليه، والظالم سوط الله ينتقم به ثم يُنتقم منه، ولو تتبعت ما يجري في الدنيا، فهذه المدينة الفاجرة أصابها زلزال جعلها قاعاً صفصفاً لا ترى فيها عوجاً، وهؤلاء القوم منحرفون أخلاقياً ابتلاهم الله بالأمراض، والآن في العالم الغربي في أمريكا يوجد أمراض تسبب الذعر، فقد سمعت عن أمراض عديدة كلها أمراض جنسية بسبب التفلت الأخلاقي فالقرآن كون ناطق، والكون قرآن صامت، ومعاملة الله للعباد وتصرفاته هي قرآن عملي، و الإنسان عندما يتعمق بالفهم يجد أن ما يجري في الأرض صادق لما في كتاب الله، إذ يوجد قانون السقوط قائم ثابت لا يتغير ولا يتبدل، وأن تعترف به، و تفهمه، وتتقيد بتعليماته، وتتأدب معه، وتنجو، وتستهين به، وتستخف به، وتنكره، وتكذبه، وتدفع الثمن فهذا كلام عام، دقق في بيتك، وفي زواجك، وفي بيعك، وفي شرائك، وفي معاملتك، وفي ربحك، وفي صحتك، كله مطبق. إن كانت جميع الفواحش متوافرة كلها فالدمار حق : إذاً فيه نبأ من كان قبلكم، الأقوام السابقة، ربنا عز وجل توجه إلى آخر الزمان قال تعالى: ﴿ أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُوْلَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ ﴾ [ سورة القمر: 43] أي قوم لوط فعلوا فاحشة واحدة فدمرهم الله سبحانه وتعالى، و قوم ثمود فعلوا فاحشة من نوع آخر، قوم شعيب بخسوا المكيال، و كل قوم ارتكبوا فاحشة فاستحقوا الدمار، فإذا كانت جميع الفواحش متوافرة كلها فالدمار حق، ولذلك قال تعالى: ﴿ وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا ﴾ [ سورة الإسراء: 58] سترون بأعينكم كل مرحلة من الزمن يحل البلاء في بلد. القرآن الكرم فيه نبأ من كان قبلنا ونبأ من يأتي بعدنا : والله عز وجل قال: ﴿ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ ﴾ [ سورة الأنعام: 65 ] من فوقكم البراكين، فهذا بركان سيزوف، ثار وغطى مدينة، ثمانية أمتار سحاب بركاني، حرارته ثمانمئة درجة، فالناس ماتوا إما احتراقاً أو اختناقاً أو انحباساً، إنها مدينة بكاملها، الساعة الثانية ظهراً تقريباً جمدت على حالها، و بعد ألف سنة أثناء تنقيب الآثار وجدوا مدينة طبعاً صخوراً كسروا الصخور فوجدوا تجويفات، فجاء علماء الآثار حقنوا هذه التجويفات بجبصين سائل فلما نشف الجبصين كسروا هذه الصخور فظهرت الأجسام، أم هاربة من السحاب، وامرأة تحتضن ابنها، والأشخاص في السجون، والذعر باد على وجوههم،و النساء في القصور يجمعن الحلي، كلها صور مأخوذة مجسمة، مثل أدوات الطعام، قال تعالى: ﴿ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ ﴾ [ سورة الأنعام: 65 ] يوجد مدينة في اللاذقية اسمها أوغاريت، العلماء يقولون: إن بركاناً ثار بالقرب منها، وغطاها ثلاث مرات أي مدينة وتحتها مدينة، وتحتها مدينة، وجبل الأقرع ثار بركانه ودمر هذه المدينة ثلاث مرات، فهذه من فوقكم، والآن يوجد أسلحة من فوقكم، صواريخ يقول لك: قصف مدفعي كثيف، وتراشق صاروخي، و هذه أيضاً من فوقكم، أو من تحت أرجلكم، الزلازل، أغادير مدينة جميلة جداً على الساحل الأطلسي، هذه المدينة خاصة بالسياح الأجانب وكل أنواع المنكرات فيها، حتى الأماكن الرذيلة لا يسمح لأبناء المغرب بالدخول إليها لشدة الانحراف، ثلاث دقائق أصبحت ركاماً، فيها فندق كبير، ثلاثون طابقاً، حكمة الله سبحانه وتعالى هذا الفندق غاص كله، وبقيت لوحته الكبيرة على الطابق الثلاثين على مستوى الأرض، فهذه أو من تحت أرجلكم، وهذه على مستوى جماعي، وهذه على مستوى فردي، وهناك بناء يغوص بكامله بمن فيه، قال تعالى: ﴿ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ﴾ [ سورة الأنعام: 65 ] هذا من مستوى الزلازل، ومستوى البراكين، قال تعالى: ﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ﴾ [ سورة النحل: 112] فالإنسان لا يأمن أن يسير متراً، قد يقتل بلا سبب، في بعض الأقطار التي تشهد صراعات داخلية فيها بلاء من الله عز وجل. إذاً فيه نبأ من كان قبلكم، ونبأ من يأتي بعدكم، قال تعالى: ﴿ غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ﴾ [ سورة الروم: 2-3] فتح مكة، نبأ من كان بعدكم، وانتصار الرومان على الفرس نبأ من كان بعدكم. أحداث قيام الساعة : الآن أحداث قيام الساعة، قال تعالى: ﴿ وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ [ سورة الزخرف: 61] ﴿ حَتَّى إِذَا أَخَذَتْ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا﴾ [ سورة يونس: 24] هناك أمور لما تفسر، قال تعالى: ﴿ حَتَّى إِذَا أَخَذَتْ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ*وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [ سورة يونس: 24-25] فالآن يوجد قمة في الزخرفة، أينما تذهب تجد زخرفة، أسقف مستعارة، وجدراناً مزينة بالزخارف، وإضاءة مخفية منوعة، وفرشاً وثيرة جداً، ومداخل حدائق، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ﴾ [ سورة المائدة: 1] ملكوا السلاح النووي، فيه نبأ ما كان قبلكم، ونبأ ما كان بعدكم، وحكم ما بينكم، فإذا اختلف اثنان فالقرآن الكريم يحكم بينهما، هو الحكم، وإذا اختلف الزوجان الحكم لكتاب الله، وإذا اختلف شريكان فالحكم لكتاب الله. من قرأ القرآن قراءة صحيحة و عقل معانيه زالت كل أمراضه النفسية : قال تعالى: ﴿ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ ﴾ [ سورة النحل: 69] اعمل عقداً معه، يأتيك الحكم بهذا الشكل.. ومن خالفه من الجبابرة قصمه الله عز وجل، ومن ابتغى العلم في غيره أذله الله عز وجل...فإذا الإنسان لحق الكتب الأخرى قال لك: يوجد عندي المجموعة النفسية، كتاب لفرويد، إنه يجعل الجنس أساس الحياة، فالإنسان كتلة جنس، أو عندي كتاب مثلاً لدارون، أصل الإنسان.... "من ابتغى العلم في غيره أذله الله عز وجل، وهو حبل الله المتين ونوره المبين وشفاؤه النافع..."لا يحزن قارئ القرآن أبداً، فهو دواء لكل داء، فداء القلق القرآن الكريم، ومن الخوف اقرأ القرآن يذهب خوفك، الضياع تجتمع، والتشاؤم تتفاءل، و الشعور بالضعف تشعر بالعزة والكرامة، فلو قرأت القرآن قراءة صحيحة وعقلت معانيه تزول كل أمراضك النفسية، قال تعالى: ﴿ وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا ﴾ [ سورة الإسراء: 82] وشفاؤه النافع عصمة لمن تمسك به، قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم، فإنسان كاد لإنسان بعث له امرأة بوقت متأخر صار هناك خلوة، وكلفها عندما تخرج من عنده تدعي أنه اغتصبها فشوه سمعته، ولو كان متمسكاً بكتاب الله ما سمح لها أن تدخل بيته إطلاقاً، إذ تحدث مشكلات كثيرة لعدم التمسك بكتاب الله، "عصمة لمن تمسك به، ونجاة لمن اتبعه". التمسك بكتاب الله : "لا يعوج فيقوم.. " القوانين تحتاج إلى تعديل، يصدر قانون فيعدل، والثاني، والرابع، والخامس، و تجده مربوطاً به خمسون ورقة، تعديلاته كلها، ثم يضيفون ثم يلغون القانون، ويصدر قانون جديد، بعد شهرين يعدل لأنه ناقص، أما ربنا عز وجل: "لا يعوج فيقوم، ولا يزيغ فيستقيم، ولا تنقضي عجائبه"، السماء ذات الرجع فهمها المفسرون أنها البخار يصعد إليها ثم يرجع مطراً شيء جميل، و هذا معنى بسيط، الآن الأمواج الصوتية تصعد في السماء هناك طبقة عليا تعكسها إلى الأرض، ولولا هذه الطبقة ما أمكن الاتصال باللاسلكي، والسماء ذات الرجع، ولا تنقضي عجائبه، العلم يتقدم يوجد في القرآن إشارة لهذا التقدم، قال تعالى: ﴿ وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ ﴾ [ سورة النمل: 88] ﴿ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ [ سورة الأنعام: 125] هذا الضغط، فالضغط عندما يخف تضيق نفس الإنسان، "ولا تنقضي عجائبه، ولا يخلقه كثرة الترديد..." ، كلما زدته نظراً زادك معنىً، وفي حديث حذيفة رضي الله عنه لما أخبره الرسول صلى الله عليه وسلم بالاختلاف والفرقة بعده، "فقلت يا رسول الله فماذا تأمرني إن أدركت ذلك؟ قال: تعلم كتاب الله واعمل بما فيه"، فإذا كنت تعيش في عصر فيه ضلالات، وفيه فتن، و ضياع، و عمى، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، واستعلاء الناس، واستخفافهم بالشرع، إذا كنت في هذا العصر ما المخرج وما النجاة؟ قال عليه الصلاة والسلام: "تعلم كتاب الله واعمل بما هو فيه، قال: فأعدت عليه ذلك ثلاثاً فقال صلى الله عليه وسلم: تعلم كتاب الله واعمل بما هو فيه ففيه النجاة". كلما تقدم العلم يصل إلى أصل ذكره الله في القرآن الكريم : وفي الزمن الصعب تعلم كتاب الله، واعمل بما هو فيه، أي حضور مجلس العلم أثمن ما في الحياة، لأنك بهذا تعرف القرآن، وتعرف أحكام القرآن، وتعرف أوامر الله، و نواهيه، وقواعد الحياة، و طريق السير إلى الله عز وجل، و الهدف من خلقك، وقال علي كرم الله وجهه: "من فهم القرآن فسُرِّ به جمل العلم"، هذه كلمة دقيقة جداً، العلماء قالوا: العلوم الحديثة كل أصولها في القرآن الكريم لا تفريعاتها، فيتعمقون في العلم حتى يكتشفوا حقيقة يكون ربنا أشار إليها، وربنا عز وجل لو قال وقت نزول القرآن: الأرض كروية لكذب الناس القرآن، لكن أشار إشارات كثيرة بأنها كروية، قال تعالى: ﴿ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ﴾ [ سورة الزمر: 5] ﴿ وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ﴾ [ سورة الانشقاق: 3] خطوط الدائرة متصلة مستمرة لا منقطعة، أما خطوط المكعبات فمنقطعة، وإذا الأرض مدت. قال تعالى: ﴿ وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا ﴾ [ سورة النازعات: 30] فما الذي جعلها كالدحية أي كالكرة، يوجد إشارات إلى أن الأرض كروية، والآن اكتشفوا أن العسل صيدلية كاملة، قال تعالى: ﴿ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ ﴾ [ سورة النحل: 69] وقوانين السعادة الزوجية غض الطرف، قرأت كتاباً لإنسان اسمه كارين-الإنسان ذلك المجهول- جذب نظري جملة قال: إن المخرج من التفسخ الاجتماعي، وانحلال الخلق، وضياع الأسرة، أن يقصر الرجل طرفه على زوجة واحدة، أي يغض بصره، وإذا لم يغض بصره فإنه لا يسعد في بيته، فالعلم كلما تقدم يصل إلى أصل ذكره الله في القرآن الكريم. في فهم معاني القرآن مجال رحب ومتسع بالغ : الآن طموح المرأة في أوربا أن تكون سيدة منزل، وربة منزل متفرغة لزوجها ولو شقيت معه، فصار إذا كانت المرأة متفرغة لزوجها فهذه محسودة، بعد أن صار اختلاط، وبعد أن أصبحت المرأة مبتذلة، منفقة المتاع و ميسورة لكل إنسان، الآن صار هناك طموحاً في العالم الغربي أن تكون سيدة منزل كما جاء في الإسلام قال تعالى: ﴿ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى ﴾ [ سورة طه: 117] فتشقى وحدك في العمل والسعي، وقال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: ﴿ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الْأَلْبَابِ﴾ [ سورة البقرة : 269 ] أي الفهم في القرآن، وقال عز وجل: ﴿ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ ﴾ [ سورة الأنبياء: 79] ثم ما آتاهما علماً وحكماً وخصص ما انفرد به سليمان الفهم لقوله تعالى: ﴿ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ﴾ [ سورة الأنبياء: 79] فهذه الأمور كلها تدل على أن في فهم معاني القرآن مجالاً رحباً ومتسعاً بالغاً، وأن المنقول من ظاهر التفسير ليس منتهى الإدراك فيه، وللبحث صلة نأخذها في الدرس القادم إن شاء الله تعالى. * * *بعض الأحاديث النبوية الشريفة : والآن إلى بعض الأحاديث النبوية الشريفة، يقول عليه الصلاة والسلام: ((خياركم من ذكركم بالله رؤيته، وزاد في علمكم منطقه، ورغبكم في الآخرة عمله)) [ الترمذي عن ابن عمرو بن العاص ] أي حديثه يزيدكم علماً بالله، وعمله يرغبكم في الآخرة، ورؤيته تذكركم بالله عز وجل، ولذلك فأولياء أمتي إذا رؤوا ذكر الله بهم، فالله عز وجل يهب المؤمن سمتاً حسناً، ونورانية في وجهه، واستقامة في عمله، فيصبح هذا المؤمن قدوةً لغيره، فإذا كنتم كذلك فأنتم من خيار الناس. |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| الكلمات الدليلية (Tags) |
| الاسلامي, الفقة |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 5 ( الأعضاء : 0 , والزوار : 5 ) | |
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| اصول الفقة - علم القياس | السعيد | رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة | 3 | 09-09-2018 10:25 AM |
| الفقة الاسلامى 1 | السعيد | رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة | 28 | 08-16-2018 01:12 PM |
| الفقه الاسلامي - العلاقات الاسرية | السعيد | رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة | 22 | 05-07-2018 04:24 PM |
| هذا هو المجتمع الاسلامي ... | ناصح أمين | رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة | 8 | 09-24-2017 08:44 AM |