أسماء الله الحسنى - الصفحة 10 - منتديات رياض الأنس
  التسجيل   التعليمات   التقويم   مشاركات اليوم   البحث

سَمَاءُ الأُنسِ تُمطِر حَرْفًا تُسْقِي أرْضَهَا كلِمة رَاقِيَة وبِـ قَافِيَة مَوزُونَة و نبْضُ حرْفِ يُفجِّرُ ينَابِيع الفِكْرِ سَلسَبِيلًا، كُن مَع الأُنِسِ تُظِلُّ بوارِفِ أبجدِيَتِهَا خُضْرَة ونُظْرَة وبُشْرَى لـ فنِّ الأدبِ و مَحَابِرَهُ. وأعزِف لحنًا وقَاسِم النَاي بِروحَانِيَة وسُمُوِ الشُعُورَ و أَرْسُم إبْدَاعًا بِـ أَلْوَانٍ شَتَّى تُحْيِ النَفْسَ بِـ شَهقَةِ الفَنِّ نُورًا وسًرُورَا كَلِمةُ الإِدَارَة




جديد المواضيع


رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة ( يختص بالعقيدة والفقه الاسلامي على نهج أهل السنة والجماعة)

الإهداءات

إضافة رد
نسخ الرابط
نسخ للمنتديات
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
قديم 02-22-2018, 08:01 AM   #91


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: أسماء الله الحسنى





بسم الله الرحمن الرحيم


(83)



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.





من أسماء الله الحسنى:(الوارث):


أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم "الوارث".



ورود اسم الوارث في القرآن الكريم مطلقاً و معرفاً:


ورد هذا الاسم في القرآن الكريم على سبيل الإطلاق، أي من دون إضافة، والتعظيم معرفاً، كما في قوله تعالى:

﴿ وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ ﴾

( سورة القصص )
وفي قوله تعالى:

﴿ وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ ﴾

( سورة الحجر )
وقد ورد هذا في دعاء سيدنا زكريا عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام:

﴿ وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ ﴾

( سورة الأنبياء )



الله عز وجل سمح لذاته العلية أن توازن مع مخلوقاته كي نعرف من هو الله:


أولاً سمح الله لذاته العلية أن يوازنها مع بعض مخلوقاته، فحينما قال الله عز وجل :

﴿ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾

( سورة المؤمنين )
هل من خالق غير الله ؟ لكن سمّى الله هذا الإنسان الذي يصنع شيئاً، سماه خالقاً مجازاً، ووازنه مع ذاته العلية، كيف ؟
يعني الإنسان يصنع كلية صناعية، حجم هذه الكلية كحجم هذه الطاولة، ولابدّ أن يستلقي الإنسان إلى جانبها ثماني ساعات، ولا تستطيع أن تصفي الدم تصفية كاملة ، وتجري هذه العملية كل أسبوعين مرتين أو ثلاثة، و يدفع مبلغاً كبيراً، لو وازنت بين هذه الكلية الصناعية ذات الحجم الكبير، والنفقات الباهظة، وتضييع الوقت الطويل، ويبن كلية طبيعية أودعها الله في جسمك، لا صوت، ولا حركة، كأنك لا تعرف، تعمل بصمت، تصفي الدم تصفية تامة.


الموازنة بين خلق الله عز وجل وخلق الإنسان تبين عظمة الله عز وجل:


حينما قال الله عز وجل:

﴿ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾
سمح لذاته العلية أن توازن مع مخلوقاته لبيان أن الله خلق كل شيء من لا شيء، وعلى غير مثال سابق، وأن الإنسان خلق شيئاً من كل شيء ولا على مثال سابق، هذه الموازنة تبين عظمة الله عز وجل .
في المستشفيات التي يجري بها عملية قلب مفتوح قلب صناعي، حجمه بحجم الخزانة، ولابدّ من أن توصل الشرايين بهذا القلب، ولو وازنته مع القلب الحقيقي، الذي يعمل بلا كلل، ولا ملل، وبلا صوت.

﴿ هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ ﴾

( سورة لقمان الآية: 11 )
لو وازنت هذه العين التي ترى الأشياء بحجمها الحقيقي، بألوان دقيقة، العين البشرية تفرق بين ثمانية ملايين لون، وفي الميليمتر من شبكية العين مئة مليون مستقبل ضوئي، بينما في أعلى آلة تصوير رقمية احترافية، يوجد بالميليمتر عشرة آلاف مستقبل ضوئي، من عشرة آلاف إلى مئة مليون، فهذه الموازنة تبين عظمة الله عز وجل .
لو وازنت بين مجسم لامرأة في محلات بيع الأقمشة، وبين المرأة الحقيقية، من لحم ودم كم هي المسافة ؟ لو وازنت بين وردة صنعت من البترول (البلاستيك)، وبين وردة طبيعية
﴿ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾



بطولة الإنسان أن ينقل اهتماماته إلى الدار الآخرة:


قال الله عز وجل :

﴿ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ ﴾

( سورة الأنعام )
الآن ببعض الحواسيب الراقية جداً ليس هناك مسافة زمنية، بين إعطاء الأمر وتلقي النتيجة، فكيف بالذات العلية إذا حاسبت، كن فيكون، زل فيزول، وسمح لذاته العلية أن يوازن مع بعض مخلوقاته، قال: والله
﴿ خَيْرُ الْوَارِثِينَ ﴾
شخص في هذه البلدة الطيبة توفي أحد أقربائه وترك ألف مليون، نصيبه وحده 90 مليوناً، أغلق محله التجاري، وتابع الإجراءات القانونية لأخذ هذا المبلغ كي يقيم المشروعات، ويشتري البيت الفخم، والمركبة الفارهة، ستة أشهر ما دخل محله التجاري وهو يتابع هذه المعاملات، ووافته المنية بعد ستة أشهر ولم يقبض من هذا الإرث شيئاً والله
﴿ خَيْرُ الْوَارِثِينَ ﴾

﴿ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا ﴾

( سورة مريم الآية: 40 )

﴿ كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ﴾

( سورة الدخان )
فالإنسان لما يضع كل أهدافه في الدنيا يكون مقامراً و مغامراً، لأنه قد ينال الدكتوراه ولا ينتفع بها، والله عشرات الأشخاص الذين أنفقوا في كسوة بيوتهم سنتين متتاليتين ولم يسكن هذا البيت.
في بعض الأبنية سبعة طوابق في أرقى أحياء دمشق، وفي أعلى أسعار البيوت سبعة طوابق في بناء واحد لم تسكن إطلاقاً، اشتُريت، وزُينت، ولما انتهت وافت المنية أصحابها قبل أن يسكنوها، هو
﴿ خَيْرُ الْوَارِثِينَ ﴾
البطولة أن تنقل اهتماماتك إلى الدار الآخرة، البطولة أن تقدم على الله، ولك عمل صالح تلقى الله به، البطولة أن تعمر بيتك في الدار الآخرة لا أن تعمر بيتك في الدنيا.


العاقل من أعدّ لساعة مغادرة الدنيا العدة اللازمة:


أيها الأخوة:

﴿ وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ ﴾

( سورة القصص )
أحياناً من الواجبات الاجتماعية أن تقدم التعزية لقريب وافته المنية، أحياناً يكون بيت هذا القريب في أرقى أحياء دمشق، وثمنه فلكي، يعني مئة مليون، وأنا أؤدي واجب التعزية أسأل: من اختار هذا البلاط ؟ صاحب البيت، أين هو الآن ؟ من اختار هذه المناظر الرائعة ؟ صاحب البيت، من اختار هذه الثريات ؟ صاحب البيت، من اختار هذا الفرش ؟ صاحب البيت، أين هو صاحب البيت ؟ تحت أطباق الثرى، فالبطولة أن تعد لبيت في الآخرة.
أيها الأخوة الكرام:

كل مخلوق يمـــــوت ولا يبقى إلا ذو العزة والـــــــجبروت
***


والليل مهما طال فلا بد من طلوع الفجر والعمر مهما طال فلا بد من نزول القبر
وكل ابن أنثى وإن طـــالت سلامته يوماً على آلة حـــــدباء محمول
فـــــإذا حملت إلى القبور جنازة فاعلم أنــــــــك بعدها محمول
***

البطولة أن تعد لهذه الساعة ساعة مغادرة الدنيا، أن تعد لهذه الساعة العمل الصالح، الإنسان كل يوم يقرأ عشرات النعوات، لماذا لا يوقن أنه في أحد الأيام لابدّ من أن يقرأ الناس نعوته، يكون ملقى على فراشه وقد فاضت روحه إلى السماء، والأهل بعضهم يبحث عن قبر، وبعضهم يجري معاملة الدفن، وبعضهم، وبعضهم، ويخرج هذا الإنسان من بيته لا على رجليه بل بالنعش، فعليه أن يعد لهذا اليوم العصيب، كل يوم ندخل إلى المسجد لنصلي، لمَ لا نوقن أنه في أحد الأيام لابدّ من أن ندخل المسجد لا لنصلي، بل ليصلى علينا.
مرة كنت في المغرب، في بلدة اسمها فاس، عاصمة الإيمان، محل تجاري صغير مكتوب على واجهته كلمات لطيفة، هذه الكلمات : صلِّ قبل أن يصلى عليك.


الموت بوابة الخروج:


لذلك كلمة "الوارث" هذا المال ليس لك، هذا البيت لن تبقى فيه إلى أبد الآبدين، هذه الزوجة الرائعة لن تبقى معها، إما أن تغادرك، أو أن تغادرها، هذا المحل التجاري ، هذا المكتب الفخم، هذه السيارة الفارهة، هذا الذي تستمتع به، لا يمكن أن يبقى لك دائماً.
بالمناسبة، يستطيع واحد منا وأنا معكم أن يقول أنا أستيقظ كل يوم كاليوم السابق إلى ما شاء الله ؟ مستحيل، لابدّ أن يطرأ علينا طارئ في أحد الأيام، هذا الطارئ لا نعلم، من الدماغ، من القلب، من الكليتين، من الكبد، بحادث سير لا نعرف، هذا المرض الذي ينهي الإنسان أنا أسميه بوابة الخروج، ماذا أعددت لبوابة الخروج ؟.




المعنى اللغوي لكلمة الوارث:


أيها الأخوة، "الوارث" اسم فاعل للموصوف بالوراثة من غيره، يقال: ورث فلان أباه يرثه وراثة وميراثاً، وورث الرجل ولد مالاً، وَرَّثَ ووَرِثَ، أي أشركه في ماله ، والوراثة في حقنا انتقال المال أو الملك من المتقدم إلى المتأخر.
ورد في بعض الآثار أن روح الميت ترفرف فوق النعش، تقول يا ولدي يا أهلي لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي، جمعت المال مما حلّ وحرم، وأنفقته في حلّه، وفي غير حلّه، فالهناء لكم والتبعة عليّ.
والله مرة كنت مشاركاً في تشييع جنازة، قريب لأحد أخوتنا، فلما وضع النعش وفتح غطاؤه وحمل الميت ووضع في القبر، وضعت الحجرة الكبيرة، و أهيل التراب عليه، والله الذي لا إله إلا هو ما وجدت على وجه الأرض إنساناً أذكى ممن يعمل لهذه الساعة التي لابدّ منها.
ماذا أعددنا للقبر ؟ ما العمل الصالح الذي تدخره لساعة فراق الدنيا ؟ إذا لقيت الله عز وجل، والله عز وجل سألك يا عبدي خلقتك، وكرمتك، وأمددتك بكل ما تحتاج ، وخلقت لك ما في السماوات وما في الأرض من أجلك، ماذا فعلت من أجلي ؟ هل واليت لي ولياً ؟ هل عاديت فيّ عدواً ؟ هل أنفقت من مالك ؟ هل أنفقت من وقتك ؟ هل أنفقت من صحتك ؟ هل أنفقت من جاهك ؟ هل أطعمت مسكيناً ؟ هل رعيت أرملة ؟ هل نشأت طفلاً صغيراً يتيماً ؟ هل أطعمت جائعاً ؟ ماذا فعلت ؟ يا رب استمتعت بالدنيا، ما شاء الله ! هناك أناس ليس لهم عمل صالح، هم الفقراء حقاً.
أيها الأخوة، وارث مال الميت الذي يملك تركته، ووارث الملك يرث سلطانه، هذا المعنى اللغوي لكلمة "الوارث".




من معاني الوارث:


1 ـ الوارث سبحانه و تعالى هو الباقي الدائم بعد فناء الخلق:


أما "الوارث" سبحانه وتعالى قال هو الباقي الدائم بعد فناء خلقه، أحياناً يخطر في بالي، حينما أرى سوقاً من أسواق دمشق العريقة وليكن سوق الحمدية، أقول: كل خمسين عاماً يكون في أشخاص جدد في هذه المحلات، يكبر الإنسان، يقعد في البيت، يتولى أولاده العمل من بعده، توافيه المنية، يبيعون المحل، يقتسمون التركة، يأتي إنسان جديد، هذه البيوت كلها، وهذه الأسواق كلها، كل خمسين عاماً تقريباً هناك أناس جدد.
مرة قرأت كتاباً من أربعة أجزاء عن قصص العرب، اتعظت بعد قراءته موعظة بالغة، وجدت أن الأقوياء ماتوا، والضعفاء ماتوا، والأغنياء ماتوا، والفقراء ماتوا، والأصحاء ماتوا، والمرضى ماتوا، والأذكياء ماتوا، والأغبياء ماتوا، وكل مخلوق سوف يموت، ماذا بعد الموت ؟ هنا البطولة.
"الوارث" سبحانه وتعالى هو الباقي الدائم بعد فناء الخلق.
و "الوارث" صفة من صفات الله جلّ جلاله، وهو الباقي الدائم الذي يرث الخلائق ويبقى بعد فنائهم، فالله:

﴿ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا ﴾
وهو
﴿ خَيْرُ الْوَارِثِينَ ﴾
هذه المنطقة، منطقة الشرق الوسط، جاءها الرومان، وجاءتها شعوب كثيرة ، أين هي ؟ تحت أطباق الثرى، الله يرث الخلق، بل هو
﴿ خَيْرُ الْوَارِثِينَ ﴾
أي يبقى بعد فناء خلقه جميعاً فيفنى من سواه، ويرجع ما كان، فيرجع الأمر إلى الله عز وجل
﴿ خَيْرُ الْوَارِثِينَ ﴾
إذا كان الخلائق يتعاقبون على الأرض، فيرث المتأخر المتقدم، ويرث الولد الوالد، والزوج زوجته، وهكذا، ويستمر التوارث حتى ينقطع حبل الحياة في الدنيا، فإنه لا يبقَ إلا الوارث هو الله مالك الملك، قال تعالى:

﴿ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾

( سورة آل عمران )
فالوارث هو الباقي بعد فناء خلقه، أو "الوارث" لجميع الأشياء بعد فناء أهلها.


2 ـ الذي أورث المؤمنين ديار الكافرين في الدنيا:


الآن و"الوارث"، هو معنى جديد، هو الذي أورث المؤمنين ديار الكافرين في الدنيا، كما قال تعالى:
﴿ وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً ﴾

( سورة الأحزاب )
يعني يرث ويورث.


3 ـ الذي أورث المؤمنين مساكنهم في الجنة:


ثم إن الله سبحانه وتعالى "الوارث" الذي أورث المؤمنين مساكنهم في الجنة، أنا حينما أعزّي أحداً، وأدعو له أقول له: اللهم أبدله أهلاً خيراً من أهله، وداراً خيراً من داره، وجيراناً خيراً من جيرانه.
إذاً الله "الوارث" يبقى بعد فناء خلقه، ويورث المؤمنين بعض ما كان بأيدي الكافرين، وثالثاً قد يورث المؤمن قصراً في الجنة.

﴿ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ ﴾

( سورة الزمر الآية: 73 )
المعنى دقيق جداً، أحياناً إنسان درس في الجامعة، ونال الدكتوراه، وفتح عيادة، وفتح الله عليه دخلاً وفيراً، وعاش في بحبوحة، مسكن فخم، وزوجة، وأولاد، ومكانة اجتماعية، إذا مرّ أمام الجامعة ماذا يخطر في باله ؟ يقول: لولا هذه الجامعة والتحاقي بها، و دراستي فيها، ونيل الدكتوراه، ما كنت بهذه البحبوحة.


العمل الصالح في الحياة الدنيا ثمن للآخرة:



الآن الله جعل العمل الصالح في الحياة الدنيا ثمناً للآخرة، جعل من العمل الصالح في الدنيا ثمناً للآخرة، فالإنسان وهو في الجنة يقول: لولا أن الله جاء بنا إلى الدنيا، وفي الدنيا تعرفنا إلى الله، تعرفنا إلى أسمائه الحسنى وصفاته الفضلى، تعرفنا إلى عظمته ، أطعناه، عبدناه، أدينا الصلوات الخمس، صمنا رمضان، حججنا بيت الله الحرام، أنفقنا من أموالنا، حضرنا مجالس العلم، لولا أن الله أورثنا الأرض، وفي الأرض تعرفنا إلى الله، وتبنا إليه، واصطلحنا معه، وقدمنا الأعمال الصالحة، لما كنا في الجنة، الآن هذا معنى الآية:

﴿ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ ﴾
لولا أننا جئنا إلى الأرض، وعرفنا ربنا في الأرض، واستقمنا على أمره في الأرض، وعملنا الأعمال الصالحة، لما كنا في الجنة.
كما يمر الطبيب أمام جامعته، لولا أنني التحقت في الجامعة، وأمضيت سنوات سبع، أدرس، وأحضر، وأذاكر، وأتابع، وأجرب، لما كنت في هذه الحياة المريحة بعد التخرج، وقال تعالى:

﴿ تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيّاً ﴾

( سورة مريم )



من خاف الله في الدنيا أمنه الله يوم القيامة:

لذلك الإنسان حينما يتقي الله في الدنيا، يكرمه الله في الآخرة، من خاف الله في الدنيا أمنه الله يوم القيامة، ومن أمنه في الدنيا أخافه يوم القيامة، بقاء الإنسان في الجنة إلى أبد الآبدين ليس بذاته، بل بإبقاء الله له، يا ترى الله عز وجل بقاؤه ذاتي، واحد أحد، فرد صمد، وجوده ذاتي، فالإنسان إذا سمح الله له أن يبقى في الجنة إلى أبد الآبدين، هذا إبقاء الله له، وليس إبقاء بذاته، والآية التي قال الله عز وجل:
﴿ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾

( سورة الأعراف )
لما الإنسان يكون مؤهلاً أن يدير الدنيا يعطيه الله الدنيا، فإن لم يكن مؤهلاً لها لا يعطيه إياها.
لذلك الدنيا تصلح بالكفر والعدل، ولا تصلح بالإيمان والظلم، يعني أنت مسلم لا سمح الله وظالم ؟ لن تعطى الدنيا، أما إذا في عدل ولو كان كافراً يملكها، من هنا قال بعض العلماء: إن الله ينصر الأمة الكافرة العادلة، على الأمة المسلمة الظالمة.


أكبر باطل في الأرض زهوق و لو بعد حين:


وقال تعالى:
﴿ وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ ﴾

( سورة الأعراف )
يعني هذا المعسكر الكبير العملاق، الذي دام سبعين عاماً، يرفع شعار لا إله أين هو الآن ؟ من حاربه ؟ تداعى من الداخل.

﴿ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً ﴾

( سورة الإسراء )
زهوق صيغة مبالغة، يعني أكبر باطل في الأرض زهوق، ومليون باطل في الأرض زاهق.

﴿ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ ﴾

( سورة الأنبياء )



بطولة المؤمن لا أن يموت وتنتهي دعوته بل أن تستمر دعوته بعد موته:

بطولة المؤمن لا أن يموت وتنتهي دعوته، بطولة المؤمن أن يكون حوله دعاة على شاكلته، هذا يسمى اليوم العمل المؤسساتي، العمل المؤسساتي لا يتأثر بموت أصحابه ، العمل المؤسساتي حضارة، لا يتأثر بموت أصحابه، وأول من أشار إلى هذا العمل المؤسساتي سيدنا زكريا.
﴿ إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً ﴾

( سورة مريم )

﴿ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ ﴾

( سورة الأنبياء )
كان يبتغي الولد مع انقطاع الأسباب، فدعا ربه فقال
﴿ إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً ﴾

﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً * وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آَلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً * يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيّاً ﴾

( سورة مريم )



صلاح الدنيا بالكفر والعدل و عدم صلاحها بالإيمان والظلم:


الآية الدقيقة أيها الأخوة:

﴿ وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ﴾

( سورة الأنبياء )
العلماء قالوا: لعل معنى الصالحين غير المعنى المتبادر، الصالحون أي الصالحون لإدارتها، إذا أقاموا العدل يملكونها ولو كانوا كفاراً، وإذا ظلم المسلمون بعضهم بعضاً يخسرونها، ولو كانوا مؤمنين.
المعنى الأخير: اللهم متعني بسمعي وبصري، واجعلهما الوارث مني، هو الإنسان يرث سمعه وبصره، يفقد بصره، يفقد سمعه وهو حي ؟ لا، اجعل السمع والبصر يرثاني، وانصرني على من يظلمني، وخذ منه بثأري.
أيها الأخوة، "الوارث" معنى دقيق جداً، وفي لقاء آخر نتابع هذا الاسم.




والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 02-22-2018, 08:03 AM   #92


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: أسماء الله الحسنى





بسم الله الرحمن الرحيم


(84)



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.





من أسماء الله الحسنى:(البر):


أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "البَر".



ورود اسم البر في القرآن الكريم مطلقاً يفيد المدح والثناء على الله تعالى:


هذا الاسم ورد في القرآن الكريم مطلقاً يفيد المدح والثناء على الله جل جلاله في قوله تعالى:

﴿ إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ ﴾

( سورة الطور )
"البَر" اسم فاعل لمن اتصف بالبِر، و البِر كلمة مثلثة، بَر، وبُر، وبِر،البَر اليابسة، والبُر القمح، والبِر المحسن.
أيها الأخوة، الفعل بَر، يبرُ، فهو بار، وجمعه بررة.

﴿ كِرَامٍ بَرَرَةٍ ﴾

( سورة عبس )
والبِر هو الإحسان، والبر في حق الوالدين والأقربين من الأهل ضد العقوق ، والعقوق الإساءة إلى الوالدين، وتضييع حقهما.
والبر والبار بمعنى واحد، بر، وبار، لكن الذي ثبت في أسماء الله الحسنى "البر" دون البار، لم يرد في أسماء الله الحسنى البار، في اللغة البر والبار واحد، أما الذي ثبت في أسماء الله الحسنى "البر".


التواضع و الإنصاف و الإحسان صفات تدعو الطرف الآخر إلى الإسلام بشكل غير مباشر:

أسماء الله الحسنى كما تعلمون توقيفية، وليست اجتهادية قال تعالى:
﴿ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾

( سورة الممتحنة )
هناك ملمح دقيق جداً في هذه الآية، هذا الإنسان الغير ملتزم، لكنه لا ينكر عليك بل يقدرك، بل يثني عليك، بل يكبر فيك التزامك، هذا الإنسان الغير ملتزم، لكن لا يعاديك، لا ينتقصك، لا يحاربك، لا يؤذيك، هذا يسمى في المصطلح الحديث حيادي، إياك بغلظة منك أن تضمه إلى الطرف الآخر، الآية دقيقة:
﴿ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ ﴾
إن لك جاراً غير مسلم ينبغي أن تبره، أن تكرمه، أن تحسن إليه، أن تريه منك إيجابية، تفهماً، خدمة، أن تهنئه بمولود، أن تقدم له هدية، أو تساعده، أن تعاونه، كيف سيقتنع أنك على حق ؟ من أخلاقك، من تواضعك، من خدمتك، هذه النقطة الدقيقة.


لا تحارب إلا من يحاربك:

في عصور الظلام فهم المسلمون أن كل إنسان ليس مسلماً ، ينبغي أن تحاربه ، أن تقاتله، أن تشتمه، أن تعاديه، هذا خطأ كبير، والآية واضحة تماماً:
﴿ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ ﴾
أن تحسنوا إليهم ، أن تتلطفوا معهم، أن تتقربوا إليهم، بإحسان، بالكلمة الطيبة، بالتهنئة، بالخدمة، بالهدية.

﴿ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾
أنت لا تحارب إلا من يحاربك.

﴿ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾

( سورة البقرة )
عندنا أخلاق هي أخلاق الجهاد، هذه الأخلاق في أثناء الحرب.

﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ﴾

( سورة التوبة الآية: 73 )
هذه أخلاق الجهاد، أخلاق المعركة، لكن في السلم:

﴿ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾

( سورة فصلت )
هذا الغير مسلم كيف يقتنع أن الإسلام على حق، إن رأى منك إنصافاً، تفهما إحساناً، لطفاً، إكراماً، هذه الصفات تدعوه إلى الإسلام بشكل غير مباشر.


الكافر إن رآك فظاً و غليظاً اعتقد بكفره وصواب كفره:

أخوانا الكرام، الآية الدقيقة:
﴿ رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا ﴾

( سورة الممتحنة الآية: 5 )
فيها ملمح دقيق جداً، هذا الكافر إن رآك فظاً غليظاً، إن رآك غير منصف، إن رآك عدواً مبيناً، إن رآك متعصباً، اعتقد بكفره، وصواب كفره، ولم يقبل هذا الدين الذي مثلته بالغلظة والفظاظة، من أنت أمام سيد الخلق ؟ سيد الخلق، حبيب الحق، سيد ولد آدم ، الذي يوحى إليه، الذي أوتي القرآن، الذي أوتي المعجزات، الذي أوتي جمال الصورة ، الذي أوتي الفصاحة والبيان، الذي أوتي عراقة النسب، كأن الله عز وجل يخاطبه ويقول أنت، أنت يا محمد على كل هذه الخصائص، وعلى كل هذا التفوق، وعلى كل هذا الفلاح، أنت، أنت بالذات:

﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾

( سورة آل عمران الآية: 159 )
فكيف إذا إنسان ليس نبياً، و لا رسولاً، ولا يوحى إليه، ولا أوتي المعجزات ولا أوتي الفصاحة، ولا أوتي البيان، ومع ذلك فهو فظ غليظ القلب، وكأن الآية تعطي معادلة.

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾

( سورة آل عمران الآية: 159 )
بسبب رحمة استقرت في قلبك يا محمد كنت ليناً لهم، رحمة، لين، التفاف ، التفوا حولك،
﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾
لو كنت بعيداً عنا لامتلأ قلبك قسوة، ولانعكست القسوة غلظة، ومع الغلظة الانفضاض.


قانون الالتفاف والانفضاض:


أصبحت المعادلة اتصال ، رحمة، لين، التفاف، انقطاع، قسوة، انفضاض، هذه الآية يحتاجها الآباء، الأمهات ، المعلمون، كل إنسان يحتل منصباً قيادياً، أنا سميت هذا المعنى في هذه الآية قانون الالتفاف والانفضاض، كل إنسان له منصب قيادي، مدير مؤسسة، مدير مستشفى، مدير جامعة ، وزير، أب، أم، معلم، الشيء الدقيق جداً في عمله أن يلتف من حوله حوله، أن يلتفوا حوله، أن ينصاعوا إليه، أن يحبوه، أن يطيعوه، متى يحبوه ؟ متى يطيعوه ؟ متى يلتفوا حولوه

﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾
إذاً لابدّ من أن تتصل بالله، لتستقر في قلبك رحمة، كي تنعكس الرحمة ليناً، كي يكون اللين سبب التفاف الناس حولك، فإذا كنت منقطعاً عن الله امتلأ القلب قسوة، ومن نتائج القسوة الغلظة، ومن نتائج الغلظة الانفضاض.


المسلم مُحبب أو مُنفر:

إذاً الآية الدقيقة:
﴿ رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا ﴾
هذا الذي ليس مسلماً، إن رأى منك تقصيراً، إن رأى منك غلظة، إن رأى منك فظاظة، إن رأى منك قسوة، إن رأى في عملك إهمالاً، إن رأى تقصيراً في أداء واجبك ، إن رآك تنطق بكلامك ولست منضبطاً، فاعتقد بصواب ما هو عليه وألغى ما أنت عليه
﴿ رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا ﴾
من الذي فتن الكافر أن يكون كافراً ؟ المسلم المقصر، المسلم المنفر، أنا أسمي الآن مسلم منفر، وهناك مسلم محبب، إما أن تحبب الناس بهذا الدين من خلال رقتك، ولطفك، وتواضعك، وإتقان عملك، وعفتك، وصدقك، وأمانتك، وإما أن تنفر الناس من هذا الدين حينما تؤدي العبادات وتسيء في المعاملات، هذه المشكلة، حينما تؤدي العبادات، وتسيء في المعاملات تصنف مع المنفرين، أما حينما تؤدي العبادات وتحسن في المعاملات، تصنف مع المحببين.

(( يا رب أيّ عبادك أحب إليك حتى أحبه بحبك ؟ قال: أحب عبادي إلي تقي القلب، نقي اليدين، لا يمشي إلى أحد بسوء، أحبني، وأحب من أحبني، وحببني إلى خلقي، قال: يا رب إنك تعلم أنني أحبك، وأحب من يحبك، فكيف أحببك إلى خلقك ؟ قال: ذكرهم بآلائي، ونعمائي، وبلائي ))

[من الدر المنثور عن ابن عباس ]



بطولة الإنسان أن يكون منصفاً مبادراً للخير:

أيها الأخوة، إذاً البطولة أن تكون محسناً، أن تكون متواضعاً، أن تكون منصفاً، أن تكون مبادراً للخير، لا أن تكون مكافئاً.
هناك إنسان يزورك فتزوره، يقدم لك هدية فتقدم له هدية، يدعوك إلى وليمة تدعوه إلى وليمة.
آية مناسبة جداً لهذا المعنى، قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا ﴾

( سورة المائدة الآية: 8 )
من هو العدو التقليدي للمؤمن ؟ الكافر، يعني يا أيها المؤمن لا تحملنك عداوة هذا الإنسان ألا تعطيه حقه، أعطه حقه،
﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ ﴾
أي بغض قوم
﴿ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا ﴾

﴿ اعْدِلُوا ﴾

( سورة المائدة الآية: 8 )
مع من ؟ مع من تبغضه،
﴿ اعْدِلُوا ﴾
مع من ؟ مع الطرف الآخر
﴿ اعْدِلُوا ﴾
مع من ؟ مع الذي ليس مسلماً
﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا ﴾
أمر إلهي، وكل أمر إلهي يقتضي الوجوب.

﴿ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ﴾

( سورة المائدة الآية: 8 )



تنفيذ تفاصيل المنهج الإسلامي مع غير المسلم تحمله على الإسلام و تحببه بالدين:

إنك إن عدلت مع هذا الذي ليس من ملتك، ليس على دينك قربته إليك، وقربته إلى الله.
هذه الفكرة المرفوضة، هذا ليس مسلماً، لكن إنسان، الإنسان إن رآك محسناً ، منصفاً، أعطيته حقه، متواضعاً، أنا أقسم لكم بالله، هناك مئات ألوف الحالات ممن دخلوا في الإسلام من موقف أخلاقي، من موقف فيه إنصاف، فيه إحسان، فأحب هذا الإسلام فدخل في الإسلام.
أيها الأخوة الكرام، أنت حينما تنفذ تفاصيل هذا المنهج مع غير المسلم، تحبب غير المسلم إليك، وقد تحمله على أن يُسلم.




معاني البر:


1 ـ البر سبحانه وتعالى هو العطوف على عباده ببره ولطفه:



الآن "البر" سبحانه وتعالى هو العطوف على عباده، ببره ولطفه، فهو أهل البر والعطاء، يحسن إلى عباده في الأرض والسماء.
روى البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال الله عز وجل :

(( أنفقْ أُنفِقْ عليك ))

[ البخاري عن أبي هريرة]
وقال عليه الصلاة والسلام:

(( يدُ الله ملآى، لا يَغيضُها نفقة، سحَّاء الليل والنهار ـ يعني مستمرة في الليل والنهار ـ وقال: أَرَأَيتم ما أنْفَقَ منذُ خلق السماوات والأرضَ ؟ فإنه لم يَغض ما بيده وكان عرْشُه على الماء، وبيده الميزانُ، يَخفِضُ ويَرفَعُ ))

[ البخاري عن أبي هريرة]
"البر" هو العطوف على عباده، ببره ولطفه، فهو أهل البر والعطاء، يحسن إلى عباده في الأرض والسماء.

(( أنفقْ أُنفِقْ عليك ))
الأحاديث كثيرة.

(( أنفق بلالُ ولا تخش من ذي العرش إقلالاً ))

[أخرجه الطبراني عن بلال ]

(( الخلق عيال الله فأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله ))

[أخرجه أبو يعلى عن أنس بن مالك ]
هذا الفهم الدقيق لهذه الآيات وتلك الأحاديث، يجعل المسلم محبباً إلى الآخرين، عندئذٍ فيما أظن يدخل الناس في دين الله أفواجا، فإذا كان المسلم منفراً، قاسياً، فظاً، غليظ القلب، يخرج الناس من دين الله أفواجاً.


2 ـ البر هو الصادق في وعده المتجاوز عن عبده:



الآن "البَر" هو الصادق في وعده، الذي يتجاوز عن عبده، وينصره ويحميه ، الصادق في وعده.
﴿ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ ﴾

( سورة الزمر الآية: 74 )



زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين:

﴿ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ ﴾

( سورة التحريم الآية: 8 )
يعني هذه الوعود التي وعد الله بها، زوال الكون أهون على الله من ألا تتحقق، من الذي يعدك ؟ رب السماوات والأرض، خالق السماوات والأرض، إله السماوات والأرض، لذلك حينما يقول الله عز وجل :

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي ﴾

( سورة النور الآية: 55 )
عليك أن تعبده وعلى الله الباقي، على الله عز وجل، ومعنى على إذا اقترنت بلفظ الجلالة أي هناك إلزام ذاتي من الله، على الله أن يستخلفك في الأرض
﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي ﴾
فإذا أخل الفريق الثاني بما عليه من عبادة الله، فالله جل جلاله في حلٍّ من وعوده الثلاث.

﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً﴾

( سورة مريم )



3 ـ البر هو المحسن إلى عباده:



أيها الأخوة، "البَر" هو المحسن إلى عباده، الذي عمّ بره وإحسانه جميع خلقه ، فما منهم من أحد إلا وتكفل الله برزقه، الدعاء الذي تقرؤونه في القرآن الكريم:
﴿ وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ ﴾
سيدنا إبراهيم، لكن من ؟:

﴿ مَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ﴾
فرد الله عليه:

﴿ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً﴾

( سورة البقرة الآية: 126 )



يوم القيامة الفرز الدقيق بين الناس:

الله عز وجل كلهم عباده، في الدنيا يعطي كل عباده، يطعمهم، يأكلون ، يشربون، يتمتعون بالحياة، ينجبون الأولاد، أما الفرز الدقيق في الآخرة.
﴿ وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ ﴾

( سورة يس )
ما في الدنيا كالعام الدراسي تماماً، جميع الطلاب يرتدون الثياب، ويأكلون ، ويشربون، ومعهم محافظهم، ويتوجهون إلى مدارسهم، لكن متى يكرم هذا الطالب؟ بعد الامتحان.

(( الدنيا عرض حاضر أكل منها البر والفاجر ))

[أخرجه الطبراني عن شداد بن أوس ]
المؤمن يأكل والفاجر يأكل، المؤمن يركب مركبة والثاني كذلك، في الدنيا الأوراق مختلطة، لكن يوم القيامة يكون الفرز.
إذاً "البَر" الذي عمّ بره وإحسانه جميع خلقه، فما منهم من أحد إلا تكفل الله برزقه، قال أبو السعود: "البَر" الكثير الرحمة، الذي إذا عُبد أثاب، وإذا سُئل أجاب:

(( إِنَّ مِن عِبادِ الله مَنْ لَوْ أَقْسَمَ على الله لأَبَرَّه ))

[ البخاري عن أنس بن مالك]

(( رُبَّ أَشْعَثَ مَدْفُوعٍ بالأبواب لو أقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبَرَّهُ' ))

[ أخرجه مسلم عن أبي هريرة ]



4 ـ البر هو الله و مطلق عطاء الله:



الآن "البر" هو الله، والبِر عطاء الله، مطلق عطاء الله، إحسانه في الدنيا ، إحسانه في الآخرة، سعادة تملأ القلب، صحة تحفظ للإنسان مكانته، هيبة تعين الإنسان على معيشته.
أيها الأخوة، البِر مطلق عطاء الله، الله عز وجل بَر، واسم عطائه بِر.




انطواء كل أنواع الخير تحت كلمة البِر:

البِر أنواع الخير، تنطوي تحت هذه الكلمة كل أنواع الخير، لذلك قال تعالى:

﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾

( سورة آل عمران الآية: 92 )
وقال بعض العلماء: البِر التقوى، أو التوسع في فعل الخير، وقيل هو اسم جامع لكل الطاعات، ولكل أعمال الخير المقربة لله عز وجل ، أو اسم جامع للمرضي من الخصال، يعني جميع خصال الإحسان مجموعة في كلمة البِر، هذا شيء دقيق، اسم جامع لكل الطاعات، اسم جامع لكل القربات، اسم جامع لكل الخصال، اسم جامع لكل الأفعال المرضية.
والبِر هو التقوى، و البِر خير الدنيا والآخرة،
﴿ إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ ﴾
هو بَر، وعطاؤه بِر.
أيها الأخوة: دعاء عائشة رضي الله عنها:

(( اللَّهُمَّ إِنِّي أَدْعُوكَ اللَّهَ وَأَدْعُوكَ الرَّحْمَنَ وَأَدْعُوكَ الْبَرَّ الرَّحِيمَ وَأَدْعُوكَ بِأَسْمَائِكَ الْحُسْنَى كُلِّهَا مَا عَلِمْتُ مِنْهَا وَمَا لَمْ أَعْلَمْ أَنْ تَغْفِرَ لِي وَتَرْحَمَنِي ))

[ ابن ماجة عن عائشة]
أيها الأخوة، الإنسان حينما يركب دابته، أو يركب مركبته يوجد دعاء، هذا الدعاء:

﴿ سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ ﴾

( سورة الزخرف الآية )

(( اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البِرَّ والتقوى، ومن العمل ما تَرْضى، اللَّهمَّ هَوِّن علينا في سفرنا هذا ))

[أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي عن عبد الله بن عمر ]



الإسلام منهج كامل:


أيها الأخوة، الآية الدقيقة الآن:

﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴾

( سورة البقرة )
يعني أن تتوهم لمجرد أن تصلي ركعتين انتهى كل شيء، كيف دخلك؟ من حلال أم من حرام؟ كيف إنفاقك؟ كيف بيتك؟ كيف أولادك؟ كيف علاقاتك؟ كيف إحسانك؟
﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ ﴾
أن تكتفي بعبادات شكلية، أن تكتفي بركعات تؤديها، بحجة أو عمرة دون أن يدخل الإسلام في منهجك، في كسب رزقك ، في إنفاقك، في مالك، في تربية أولادك، في حلك وترحالك، في عطائك، في منعك، في علاقاتك الاجتماعية، الإسلام منهج كامل، يبدأ من فراش الزوجية، وينتهي بالعلاقات الدولية.


سلعة الله غالية:

﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ﴾
آتى المال بدافع محبته لله، أو آتى المال بالرغم من محبته للمال،
﴿ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ ﴾
إيتاء الزكاة شيء، وإنفاق المال على حب الله شيء آخر، الثانية الزكاة المفروضة، أما الأولى الصدقة، الإنسان بالصدقة يرقى،
﴿ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴾
أي الدين له ثمن، ثمن باهظ، أما النتائج سعادة إلى أبد الآبدين، النتائج جنة عرضها السماوات والأرض، النتائج:

(( ما لا عين رأتْ ولا أذن سمعتْ، ولا خطَر على قلبِ بَشَرْ ))

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة ]
لكن سلعة الله غالية
﴿ لَيْسَ الْبِرَّ ﴾
هذا الإله العظيم، هل تظن عطاءه بركيعات تؤديها شكلياً ؟ لا، بمنهج كامل، بمبادئ، بقيم، بالتزام، بعطاء، بانضباط في الدخل، في الإنفاق، في تربية الأولاد، بجهد جهيد، بعطاء مديد، هذه الآية لها شأن خاص في القرآن الكريم حقيقة الدين إيمان، وعلم، وعمل، والتزام، واستقامة، وعمل صالح ، وإخلاص، وتواضع .





والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 02-22-2018, 01:22 PM   #93


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: أسماء الله الحسنى





بسم الله الرحمن الرحيم



(85)



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.



من أسماء الله الحسنى:(الرؤوف):


أيها الأخوة الأكارم، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "الرؤوف".



ورود اسم الرؤوف في القرآن الكريم:



سمى الله جلّ جلاله ذاته العلية باسم الرؤوف وقد ورد هذا الاسم في القرآن الكريم في قوله تعالى:

﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ(20) ﴾

( سورة النور)
وفي قوله تعالى:

﴿ رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ(10) ﴾

( سورة الحشر)
وقد ورد أيضاً هذا الاسم مقيداً في الآيتين السابقتين، وورد مطلقاً، وورد مقيداً بالإضافة في قوله تعالى:

﴿ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ(207) ﴾

( سورة البقرة )
يشري بمعنى يبيع ويشتري، السياق هنا يبيع نفسه ابتغاء مرضاة الله:
ً بالإضافة في قوله تعالى:

﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ (111) ﴾

( سورة المائدة)
واشترى نفسك ومالك، آية أخرى:

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ(143) ﴾

( سورة البقرة )



من آثر الآخرة على الدنيا ربحهما معاً:

أي تخطب ود الله، تترك شيئاً لله، تؤثر طاعة الله على مكاسب مادية، وتضيع عند الله ؟ من سابع المستحيلات، مستحيل وألف ألف مستحيل أن تدع شيئاً لله ثم تخسر:
(( ما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه ))

[ الجامع الصغير عن ابن عمر ]
مستحيل وألف ألف مستحيل أن تدع شيئاً لله، أن تخاف الله فيما بينك وبينه ثم تضيع، مستحيل وألف ألف مستحيل أن تطيعه وتخسر، مستحيل وألف ألف مستحيل أن تعصيه وتربح، مستحيل وألف ألف مستحيل أن تعتز به وتذل، مستحيل وألف ألف مستحيل أن تعتز بغيره وترتفع.
ورد في الأثر القدسي:

(( ما من مخلوقٍ يعتصم بي من دون خلقي أعرف ذلك من نيَّته، فتكيده أهل السماوات والأرض إلا جعلت له من بين ذلك مخرجاً، وما من مخلوقٍ يعتصم بمخلوقٍ دوني أعرف ذلك من نيَّته، إلا جعلت الأرض هوياً تحت قدميه، وقطَّعت أسباب السماء بين يديه ))
هذه حقائق مطلقة، أن تؤثره على مكاسب دنيوية وتخسر ؟ مستحيل، أن تؤثر الدنيا على طاعته وتربح ؟ مستحيل، من ابتغى أمراً بمعصية كان أبعد مما رجا، وأقرب مما اتقى، الذي يؤثر الآخرة على الدنيا يربحهما معاً، والذي يؤثر الدنيا على الآخرة يخسرهما معاً، مستحيل أن تخافه ثم يخيفك من أحد من خلقه، مستحيل أن تخافه ثم يخيفك من واحد من خلقه مستحيل.


عدم استواء المؤمن مع الفاسق:

أيها الأخوة، هذه حقائق مطلقة، لذلك:
﴿ رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ(10) ﴾

( سورة الحشر)
يعني إنسان خاف من الله فترك صفقة كبيرة:

اجعل لربك كل عزك يستقر ويثبت فإذا اعتززت بمن يموت فإن عزك ميت
***

يعني من البديهيات:

﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ ﴾

( سورة السجدة )

﴿ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾

( سورة القلم )

﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ﴾

( سورة القصص )

﴿ أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ ﴾

( سورة الجاثية الآية: 21 )



الرؤوف في اللغة:

أيها الأخوة، الرؤوف صيغة مبالغة من اسم الفاعل رائف، وهو الموصوف بالرأفة فعله رأف، يرأف، رأفة، فهو رؤوف، والرأفة في حق الإنسان أن يمتلئ قلبه بالرقة وهي أشد من الرحمة، رحمة، فرأفة، وقيل بل شدة الرحمة ومنتهاها، قال تعالى:
﴿ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ (2) ﴾

(سورة النور)
الرأفة رقة القلب، مشاعر العطف والرحمة، ويمكن أن نقول: إن الرحمة تسبق الرأفة، والرأفة منزلة تأتي بعدها، فلان رحيم، فإذا اشتدت رحمته فهو رؤوف، أو الرأفة آخر ما يكون من الرحمة يعني في أعلى درجات الرحمة الرأفة، لذلك قدمت الرأفة على الرحمة تقديم أهمية، وذلك في هذه الآية:

﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (128) ﴾

( سورة التوبة)
لذلك قالوا أرحم الخلق بالخلق رسول الله.


أبعد القلوب عن الله عز وجل القلب القاسي:


مع ذلك:

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ ﴾

( سورة آل عمران الآية: 159 )
نكرة، من الله لنت لهم:

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾

( سورة آل عمران الآية: 159 )
دقق:

﴿ وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ (58) ﴾

( سورة الكهف )
يعني رحمة جزء من مليار مليار مليار مليار إلى أن ينقطع نفسك من رحمة الله، فكنت ليناً لهم، والآية الدقيقة:

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ﴾

( سورة آل عمران الآية: 159 )
يعني يا محمد بسبب رحمة استقرت في قلبك من خلال اتصالك بنا كنت ليناً لهم، انعكست هذه الرحمة التي في قلبك ليناً لهم، فالتفوا حولك، ولو كنت منقطعاً عنا لامتلأ القلب قسوة، وانعكست القسوة غلظة، فانفضوا من حولك، معادلة رياضية تتصل بنا، يمتلئ قلبك رحمة، تنعكس الرحمة ليناً، يلتف الناس حولك، تنقطع عنا يمتلئ القلب قسوة، تنعكس القسوة غلظة، فينفض الناس من حولك، هذه الآية يحتاجها الآباء، الأمهات، المعلمون، أي إنسان له منصب قيادي يحب أن يلتف الناس حوله، أن يطيعوه، أن ينصاعوا له، أن يقدروا قيادته، ليتصل بالله، ليكن رحيماً، فإذا رحمت الخلق أحبك الخلق، وإذا قسوت عليهم أبغضك الخلق، لذلك أبعد القلوب عن الله عز وجل القلب القاسي، عبادي إن أردتم رحمتي فارحموا خلقي، الراحمون يرحمهم الله، والرأفة تأتي في قمة الرحمة، لكن هذه الرأفة تتعلق بخاصة المؤمنين، الرحمة بحقنا والرأفة بحقنا رقة القلب، أما الرحمة في اسمه الرحمن فإنها تتعلق بالخلائق أجمعين.


من عاش تقياً عاش قوياً:

أيها الأخوة، رأفة النبي بأصحابه ما بعدها رأفة، التفاف الصحابة حوله، فدوه بأنفسهم وبأرواحهم لأنه كان رحيماً بهم، أما إذا قلنا الله جلّ جلاله رؤوف شيء آخر، الله رؤوف بعباده أن يتعطفوا على عباده، يحفظ لهم سمعهم وأبصارهم وحركاتهم وسكناتهم، يعني أحد علماء دمشق بدأ بالتعليم في الثامنة عشر وتوفاه الله في الثامنة والتسعين، وكان يدير مدرسة خرجت كبار القادة في هذا البلد، هذه المدرسة طبعاً استمرت ثمانين عاماً، كان إذا مشى في الطريق ورأى شاباً يقول له: يا بني أنت كنت تلميذي، وكان أبوك تلميذي، وكان جدك تلميذي، علم ثمانين عاماً تعليماً إيمانياً شرعياً علمياً وكان منتصب القامة، حاد البصر، مرهف السمع، أسنانه في فمه، يقال له يا سيدي ما هذه الصحة التي حباك الله بها ؟ يقول يا بني حفظناها في الصغر فحفظها الله علينا في الكبر من عاش تقياً عاش قوياً.




الرأفة و الرحمة:

أيها الأخوة، والرؤوف هو الذي يدفع السوء عن عباده، يجلب لهم الخير، يحفظ لهم سمعهم، وبصرهم، واختصاصاتهم، لكن هناك معنى جديد أن اسم الرؤوف يتعلق بالوقاية، وأن اسم الرحيم يتعلق بالعلاج، قبل أن تقع المصيبة الله رؤوف بعباده، إياك أن تقع في هذا الخطأ، لئلا تستحق هذا العقاب، فالرؤوف رأفته وقائية، أما الرحيم بعد أن تقع المصيبة، بعد أن يقع العبد في ذنب كبير، في أكل مال حرام، الله رحيم به، فالرحمة بعد الوقوع والرأفة قبل الوقوع، الرحمة علاجية والرأفة وقائية، الرحمة تخفيف الألم عن المصاب بينما الرأفة هي الحيلولة بين المتعطف عليه وبين الوقوع في الشدة.


الفرائض و النوافل:

(( وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضت عليه ))

[ البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
أي أدِّ الفرائض تكن أعبد الناس:

(( وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل ))

[ البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
صلى الضحى، صلى قيام الليل، صلى صلاة الأوابين، تصدق من ماله فوق أنه أدى زكاة ماله، كلها نوافل:

(( وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ))

[ البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
إذاً الفرائض شيء والنوافل شيء آخر:

﴿ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ (177) ﴾

( سورة البقرة)
بدافع محبته لله، أو أنفق هذا المال على الرغم من أنه يحب المال:

﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾

( سورة آل عمران الآية: 14 )
أنفق المال بدافع محبته لله، أو أنفق هذا المال على الرغم من أنه يحب المال، يحبه وأنفقه.


عند المؤمن خطوط حمراء ممنوع أن توضع على بساط البحث:


(( وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته، هنا، الآن دقق في النتائج، كنت سمعه ))

[ البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
كيف ؟ لا يستمع إلى شيء إلا وفق مقياس القرآن الكريم، أحياناً يقول لك يطرح إنسان بمقالة فكرة " الاختلاط يهذب المشاعر "، هذا الكلام خلاف القرآن الكريم والسنة، هذا الكلام لا يستمع إليه، لا يستمع إلا ما كان وفق الكتاب والسنة، الكتاب والسنة من عند الله، السنة بيان المعصوم والقرآن كلام خالق السماوات والأرض، فالذي جاء به القرآن هو الحق:

﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾

(سورة الأحزاب: الآية 36)
الآن بالمفاوضات يقولون: هناك مجموعة قضايا خارج نطاق البحث، لا يبحث بها، هذه مسلمات، والمؤمن بحياته يوجد مسلمات، حكم الله عز وجل مُسَلَّم عنده، هذا الحكم ليس خاضعاً للبحث، ولا للدرس، ولا للتعديل، ولا للتبديل، ولا للتطوير ولا شيء آخر، لا يحذف، ولا يضاف عليه، ولا يعدل، ولا يطور، هذا حكم الله، أي هناك خطوط حمر في حياة المؤمن ممنوع أن توضع على بساط البحث:

﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾

(سورة الأحزاب: الآية 36)



الوحي للعقل كالنور للعين:

كنت مرة في بلد غربي بعيد في مؤتمر إسلامي فقام أحد المتكلمين وقال: هنا في هذا البلد ليس هناك شيء مقدس، كل شيء خاضع للبحث، والدرس، والإلغاء، هو يشرح ثقافة هذا البلد، شيء مقدس لا يوجد أبداً، أي شيء خاضع للبحث، والدرس، والإلغاء، والقبول.
﴿ إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (20) ثُمَّ نَظَرَ (21) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (22) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (23) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (24) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (25) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (26) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (27) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (28﴾

(سورة المدثر)
العقل من دون وحي يقع في خطأ كبير، كما أن النور ضروري للعين كذلك الوحي ضروري للعقل، الوحي للعقل كالنور للعين.
المسلم يستمع في ضوء الوحيين ويرى في ضوء مقاييس القرآن الكريم:
(( فإذا أحببته كنت سمعه ))
عنده تصفية، أي كلام يتناقض مع القرآن الكريم، ومع السنة يركله بقدمه، تحت قدمه، لا يسمع إلا وفق ما جاء بالوحيين، هذا الذي يسمعه ويقدره
(( وبصره ))
نظر إلى بيت شيء لا يصدق في فخامته، وأناقته، وفي أبهائه، وشرفاته، وحدائقه، وجماله، وتزييناته، لكن صاحبه تاجر مخدرات، لا يرى هذا البيت إلا بعين الإيمان صاحبه مجرم، صاحبه يبني ثروته على تدمير الشباب، لا يرى الشيء إلا بمقياس القرآن، قد يحترم موظفاً صغيراً نظيف اليد مستقيماً، يحتقر إنساناً يتمتع برفاه يفوق حدَّ الخيال لكن ماله حرام
(( كنت بصره ))


يستمع في ضوء الوحيين ويرى في ضوء مقاييس القرآن الكريم:


(( رُبَّ أَشْعَثَ مَدْفُوعٍ بالأبواب لو أقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبَرَّهُ ))

[أخرجه مسلم عن أبي هريرة ]

(( كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها ))

[ البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]



من كان مع الله كان الله معه: أي لا يتحرك إلا وفق منهج الله، لا يعطي، ولا يمنع، ولا يغضب، ولا يرضى، ولا يصل، ولا يقطع إلا لله:



(( ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها ))

[ البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
لا يذهب إلا إلى طاعة، إلا إلى بيت من بيوت الله، إلا لإصلاح ذات بين، إلا لصلة رحم، أما إلى ملهى، إلى رحلة كلها تفلت، وكلها تكشف، وكلها عورات، وكلها كلام لا يرضي الله، حركته لله، عطاؤه ومنعه لله، سمعه لله، بصره لله:

(( وإن سألني أعطينه ))
يصبح مستجاب الدعوة:

(( ولئن استعاذ بي لأعيذنه ))
وإذا كنت مع الله كان الله معك:

(( وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته ))

[ البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
الإنسان يحب الحياة، يحب أن يكون معمراً، لكن أحياناً يكون الموت أولى لذلك من دعاء النبي عليه الصلاة والسلام:
اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا.
يعني أحيينا ما دامت الحياة خيراً لنا وأمتنا ما دام الموت خيراً لنا.


من دلائل رأفته جلّ جلاله أنه يفتح باب التوبة ما لم تغرغر النفس:


الرؤوف يدل على معنى التعطف على عباده المذنبين، يفتح لهم باب التوبة أجمعين، ما لم تغرغر النفس أو تطلع الشمس من مغربها، عند الغرغرة قفل باب التوبة، وإذا طلعت الشمس من مغربها، يعني بعض أنواع الفهم لهذا النص حينما ترى القيم كلها من الغرب أي مستحيل أن نعطي رخصة لفندق خمس نجوم إلا ويبيع الخمر، لأن هذه التعليمات مقدسة، لا تعطى رخصة في أي بلد لفندق من فئة الخمس نجوم إلا بشرط أن يبيع الخمر ويقدم لحم الخنزير لأنه حضارة، إذا طلعت الشمس من مغربها، إذا توهمنا الحق والقيم والمبادئ والتقدم والحضارة كل ما يفعلونه أغلق باب التوبة.

(( من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه ))

[أخرجه مسلم عن أبي هريرة ]
إنسان يصل إلى حالة لن يتوب، يرى الدين لا يصلح إطلاقاً لهذا العصر، رؤى ضبابية، اعتقاد بشي ما وراء الطبيعة، كن واقعياً، عش حياتك، الفتاة ينبغي أن تظهري كل مفاتنك هذا من حقك، مثلاً هناك طروحات خلاف القرآن الكريم والسنة، لذلك من دلائل رأفته جلّ جلاله أن الله عز وجل يبسط يده في الليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها.
طبعاً أنا لا أنفي التفسيرات الأخرى، هناك تفسيرات أخرى لهذه الظاهرة، لكن من المعاني التي قد تأتي إلى الخاطر أنه إذا رأينا الغرب كل شيء، ونمط حياته هو النمط الصحيح، وعلاقاته هي العلاقات الصحيحة، مبادئه وقيمه هي القيم الصحيحة، الاختلاط والتفلت والتعري، يعني حينما نرى أن هذا النمط هو النمط الصح الذي ينبغي أن نقلده أغلق باب التوبة، لماذا تتوب ؟


الرؤوف يخفف عن عباده فلا يكلفهم ما يشق عليهم ولا يخرجهم عن وسعهم وطاقتهم:

الرؤوف هو الذي يخفف عن عباده فلا يكلفهم ما يشق عليهم، ولا يخرجهم عن وسعهم وطاقتهم، قال تعالى:
﴿ يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (28) ﴾

(سورة النساء )
و قال تعالى:

﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا (286) ﴾

( سورة البقرة )
أيها الأخوة، هناك حديث ضعيف وأنا أؤكد على ضعفه:

(( كيف بكم إذا لم يرأف الله بكم ولم يرحمكم ؟ قالوا: وكائن ذلك يا رسول الله ؟ قال: أي والذي بعث محمدا بالحق إذا استعمل عليكم شراركم فقد تخلى الله عنكم ))

[ضعفاء العقيلي عن جابر بن عبد الله]
طبعاً هذه الرواية لا يصح الاحتجاج بها، أنا أكدت على ضعف الحديث لكن المعنى دقيق جداً:

﴿ وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا (16) ﴾

(سورة الإسراء)
هناك قراءة أمرنا مترفيها:

﴿ أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (16) ﴾

(سورة الإسراء)
يعني من علامات قيام الساعة أن تنزع الرحمة من قلوب الأمراء، وأن يذهب الحياء من وجوه النساء، وأن تنزع النخوة من رؤوس الرجال، لا نخوة في رأس الرجل، ولا حياء في وجه المرأة، ولا رحمة في قلب الأمير، لذلك:

(( إذا كان أمراؤكم خياركم، وأغنياؤكم سمحاءكم، وأمركم شورى بينكم، فظهر الأرض خير لكم من بطنها، وإذا كان أمراؤكم شراركم، وأغنياؤكم بخلاءكم، وأمركم إلى نسائكم، فبطن الأرض خير لكم من ظهرها ))

[ الترمذي عن أبي هريرة ]
أيها الأخوة الكرام، لهذا الاسم تتمة غداً إن شاء الله.





والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 02-22-2018, 01:24 PM   #94


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: أسماء الله الحسنى






بسم الله الرحمن الرحيم


(86)




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.



من أسماء الله الحسنى:(الرحمن):



أيها الأخوة الأكارم، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم: " الرحمن".



ورود اسم الرحمن في القرآن الكريم و السنة النبوية:


عدّ بعض العلماء هذا الاسم اسم الله الأعظم لقوله تعالى:

﴿ قُلْ ادْعُوا اللَّهَ أَوْ ادْعُوا الرَّحْمَانَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (110) ﴾

( سورة الإسراء)
وقد قال بعضهم اسم الله الأعظم متعلق بكل مؤمن، فالمؤمن الفقير اسم الله الأعظم بالنسبة إليه المغني، والمؤمن المريض اسم الله الأعظم بالنسبة إليه الشافي، والمؤمن الضعيف اسم الله الأعظم بالنسبة إليه القوي، هذا اجتهاد.
أيها الأخوة، اسم الله الرحمن ورد في القرآن والسنة كما في قوله تعالى:

﴿ الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4) ﴾

( سورة الرحمن )
الترتيب في هذه الآية أن الله سبحانه وتعالى علم القرآن خلق الإنسان ولا يعقل أن يعلم الإنسان القرآن قبل أن يخلق، لكن العلماء قالوا: هذا الترتيب ترتيب رتبي، وليس ترتيباً زمنياً، بمعنى أن وجود الإنسان لا معنى له من منهج يسير عليه، فقدم الله المنهج على وجود الإنسان لأهميته، وفي قوله تعالى:

﴿ قُلْ ادْعُوا اللَّهَ أَوْ ادْعُوا الرَّحْمَانَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (110) ﴾

( سورة الإسراء)



اقتران اسم الرحمن باسم الرحيم في ستة مواضع:


ورد هذا الاسم في خمسة وأربعين موضعاً من القرآن الكريم، اقترن في ستة منها باسم الرحيم، ولم يقترن بغيره في بقية المواضع، قال تعالى:

﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَانُ الرَّحِيمُ(22) ﴾

( سورة الحشر)
وقال تعالى:

﴿ تَنزِيلٌ مِنْ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ(2) ﴾

( سورة فصلت)
ومما ورد في السنة المطهرة:

(( الْخَيْلُ ثَلَاثَةٌ فَفَرَسٌ لِلرَّحْمَنِ وَفَرَسٌ لِلْإِنْسَانِ وَفَرَسٌ لِلشَّيْطَانِ، فَأَمَّا فَرَسُ الرَّحْمَنِ فَالَّذِي يُرْبَطُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَعَلَفُهُ وَرَوْثُهُ وَبَوْلُهُ وَذَكَرَ مَا شَاءَ اللَّهُ، وَأَمَّا فَرَسُ الشَّيْطَانِ فَالَّذِي يُقَامَرُ أَوْ يُرَاهَنُ عَلَيْهِ، وَأَمَّا فَرَسُ الْإِنْسَانِ فَالْفَرَسُ يَرْتَبِطُهَا الْإِنْسَانُ يَلْتَمِسُ بَطْنَهَا فَهِيَ تَسْتُرُ أي أودعت فيه النطفة في بطنه، أي لقح ))

[ أحمد عن ابن مسعود رضي الله عنه ]



الخيل ثلاثة لرجل أجر ولرجل ستر ولرجل وزر:



طبعاً حينما قال الله عز وجل:

﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾

( سورة آل عمران الآية: 14 )
الخيل المسومة، تطورت الآن المركبة، السيارة، أي نوع الركوب في وقت نزول الوحي ما كان هناك إلا الخيل المسومة، تطورت الآن المركبة، السيارة، يعني نوع الركوب في وقت نزول الوحي ما كان إلا الخيل المسومة، أما هي رمز الآن لكل شيء يركبه الإنسان، فالمركبة الحديثة الآن تأتي في بنود الشهوات تحت بند:
﴿ َالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ﴾
لكن هناك حديث آخر يقول النبي عليه الصلاة والسلام:

(( الخيل ثلاثة، فهي لرجل أجر, ولرجل ستر, ولرجل وزر ))

[ البخاري و مسلم عن أبي هريرة ]
أي إنسان يقتني مركبة يستر بها أهله، له أهل ملتزمون مطبقون لمنهج الله عز وجل فيسترهم بها، ستر، وهناك إنسان يسخر هذه المركبة لخدمة الناس، أجر، وهناك إنسان يرتكب فيها المعاصي والآثام، وزر، والآن المركبة إما أنها ستر أو أنها أجر أو أنها وزر.

(( أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت له اسماً من اسمي ـ الرحمن والرحم ـ فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته ))

[ البيهقي عن عبد الرحمن بن عوف ]

(( قل أعوذ بكلمات الله التامة من شر ما خلق وذرأ وبرأ، ومن شر ما ينزل من السماء، ومن شر ما يعرج فيها، ومن شر فتن الليل والنهار، ومن شر كل طارق يطرق إلا طارقاً يطرق بخير يا رحمن ))

[رواه أحمد عن عبد الرحمن التميمي]
هذه نماذج من الآيات والأحاديث التي ورد فيها اسم الرحمن منفرداً أو مقترناً بالرحيم.


الرحمن في اللغة:


الآن الرحمن في اللغة، صفة مشبهة وهي أبلغ من الرحيم، الرحمة في حقنا بني البشر رقة في القلب تقتضي الإحسان إلى المرحوم، وتكون بالمسامحة واللطف أو المعاونة والعطف، والرحمة تستعدي مرحوماً فهي من صفات الأفعال، هذا في اللغة.
أما إذا قلنا الله جلّ جلاله هو الرحمن، الرحمن اسم يختص بالله عز وجل، ولا يجوز إطلاقه في حق غيره، هذه خصيصة، والرحمن سبحانه هو المتصف بالرحمة العامة الشاملة، حيث الخلق كلهم عباده، يرزقهم، ويهديهم سبلهم، ويمهلهم فيما استخلفهم وخولهم، ويسترعيهم في أرضه، ويستأمنهم في ملكه، ليبلوهم أيهم أحسن عملاً، وإن رحمة الله في الدنيا وسعتهم جميعاً، الله يرحم المؤمن وغير المؤمن، أي يطعمهم، ويسقيهم، ويحفظهم، والرحمة تشمل المؤمنين والكافرين، للتقريب أب عنده أولاد واحد منهم بار والآخر عاق لكنه يطعمهم جميعاً، وفي مناسبة العيد يكسوهم جميعاً لكن قلبه مع من ؟ مع الابن البار، أما فعله سواء مع كل أولاده.



الله جلّ جلاله رحيم سبقت رحمته غضبه:


الرحمة أيها الأخوة، تفتح باب الرجاء والأمل، وتثير ممكنون الفطر، وتبعث على صالح العمل، وتدفع أبواب الخوف والنقمة، وتشعر الشخص بالمن والأمان، الله رحيم، والله جل جلاله سبقت رحمته غضبه، ولم يجعل من واسع رحمته إلا جزءاً يسيراً، يعني الله عز وجل يقول:

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾

( سورة آل عمران الآية: 159 )
رحمة نكرة، تنكير تقليل، والنبي عليه الصلاة والسلام أرحم الخلق بالخلق، ومع ذلك:

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾

( سورة آل عمران الآية: 159 )
أما الله عز وجل:

﴿ وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ ﴾

( سورة الكهف الآية: 58 )
إذاً سبقت رحمته غضبه، ولم يجعل من واسع رحمته إلا جزءاً يسيراً في الدنيا، يتراحم به الناس ويتعاطفون، حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها.


الله عز وجل أرحم بالعباد من الأم بولدها:


هناك حيوان اسمه البطريق، طائر يعيش في القطب الجنوبي، يجتمع حوالي عشرة آلاف بطريق في قارة متجمدة، الرياح الباردة سرعتها مئة كيلو متر في الساعة، والحرارة خمسون تحت الصفر، يجتمعون هناك في هذا الوقت العصيب الأنثى تلد، تلد بيضة، يضعها الذكر على قدميه، ويبقى واقفاً لا يتحرك، ولا يأكل، ولا يشرب أربعة أشهر، لأن هذه البيضة لو وقعت من على رجليه وقعت على الثلج لفسدت لذلك يحافظ عليها ويغطيها بفروه أربعة أشهر، ولا يأكل شيئاً، ولا يشرب شيئاً، وفي حوصلته كمية غذاء تكفي هذه البيضة حينما تفقص، فإذا فقصت وضع الكمية من الغذاء في فم البطريق الصغير، إلى أن تأتي الأم من البحر وتتولى متابعة العناية بهذا البطريق، شيء لا يصدق أن كائناً يرعى هذه البيضة أربعة أشهر لا يأكل ولا يشرب شيئاً، لذلك سبقت رحمته غضبه ولم يجعل من واسع رحمته إلا جزءاً يسيراً في الدنيا يتراحم به الناس، ويتعاطفون، حتى ترفع الدابة حافرها عن والدها خشية أن تصيبه:

(( جعل الله الرحمة مئة جزء فأمسك عنده تسعة وتسعين جزءاً وأنزل في الأرض جزءاً واحداً، فمن ذلك الجزء يتراحم الخلق حتى ترفع الفرس حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه ))

[ البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه ]

(( قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبي، فإذا امرأة من السبي تبتغي فإذا وجدت صبياً في السبي أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته، فقال النبي عليه الصلاة والسلام وقد رآها وتأثر، قال: أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار ؟ قلنا: لا والله وهي تقدر على ألا تطرحه، فقال عليه الصلاة والسلام: لله أرحم بعبده من هذه بولدها ))

[ البخاري عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ]
حديث بليغ، تصور امرأة على التنور كلما وضعت رغيفاً تأخذ ابنها تضمه وتشمه، هل يعقل أن تطرح هذه المرأة ولدها في التنور ؟ الله عز وجل فيما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام لله أرحم بعبده من هذه بولدها.


الرحمة التي دلّ عليها اسم الرحمن رحمة عامة بالناس أجمعين:


أيها الأخوة، الرحمة التي دلّ عليها اسم الرحمن رحمة عامة، تظهر مقتضى الحكمة في أهل الدنيا، فمن رحمته أن الله عز وجل أنعم علينا لنذكره، ولكن كثيراً منهم جاحدون، قال تعالى:

﴿ وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ(73)﴾

( سورة القصص )
نعمة الليل والنهار، لا تقدر بثمن، الإنسان إذا لم ينم اضطربت حياته، وجعل الله الليل سكناً:

﴿ وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا(48) ﴾

( سورة الفرقان)
الرحمة التي دلت عليها هذه الآيات رحمة عامة بالناس أجمعين.


اقتران اسم الرحمن باستوائه سبحانه على العرش:


هذا الاسم خصّه وقرنه باستوائه على العرش في جميع المواضع التي وردت في القرآن الكريم، قال تعالى:

﴿ الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى(5) ﴾

( سورة طه)
أيها الأخوة:

(( فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن ))

[عن أبي هريرة رضي الله عنه ]



عدم استغناء المؤمن و الكافر عن الله عز وجل:



الله جلّ جلاله فوق الخلائق أجمعين سواء أكانوا مؤمنين أو كافرين، حياتهم قائمة بإذنه، أرزاقهم مكنونة في غيبه، بقاؤهم رهن مشيئته وأمره، وأنه لا حول ولا قوة لهم إلا بقوته وحوله، فهو الملك وهو الرحمن الذي استوى على عرشه، ودبر أمر الخلائق في ملكه، فلا يستغني عنه في الحقيقة مؤمن ولا كافر، قال تعالى:

﴿ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَانُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا(59) ﴾

( سورة الفرقان)
هل سألت خبيراً عن الله عز وجل ؟ هل من علم يعلو على أن تعرف الله ؟ أن تعرف خالق السماوات والأرض ؟ أن تعرف أسماءه الحسنى وصفاته الفضلى ؟

﴿ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا(59) ﴾

( سورة الفرقان)
هذا أمر وكل أمر في القرآن الكريم يقتضي الوجوب، أمر إلهي:

﴿ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا(59) ﴾

( سورة الفرقان)



من عرف قدره و عبوديته و افتقاره ارتقى عند الله عز وجل:



أيها الأخوة، اسمان مشتقان من الرحمة، الرحمن والرحيم، الرحمة تستدعي مرحوماً، كما أن العلم يقتضي المعلوم، والرحمة تقتضي المرحوم، ولا مرحوم إلا وهو محتاج، الإله لا يكون مرحوماً بل هو راحم، أما المخلوق فهو مرحوم لأنه ضعيف، ولأنه عاجز، ولأنه فقير، ولأن قيامه ليس بذاته، بل قيامه بغيره، إذاً هو مرحوم، يعني العبد عبد، والرب رب، العبد مرحوم، نحن جميعاً ضعاف وفقراء وجهلاء، بالله نعلم، وبالله نقوى، وبالله نغتني، فالعبد مفتقر إلى سيده، فكلما عرف الإنسان قدره، وعرف عبوديته، وعرف افتقاره، ارتقى عند الله، وكلما تأله، وتكبر، واستعلى، واستنكف، سقط من عين الله، الرب راحم لأنه رب، والعبد مرحوم لأنه ضعيف، وأي إنسان خرج عن دائرة العبودية في ساعة غفلة ينسى أنه في حاجة ماسة إلى رحمة الله، مرة شخص قال عندما أنشئ سد: استغنينا به عن رحمة الله. كلام فيه غباء ما بعده غباء، نحن جميعاً في أمس الحاجة إلى رحمة الله.
أنا أقول لكم المعجزة أن تستيقظ سليماً من أي مرض، الإنسان تركيبه بالغ التعقيد، يعني نقطة دم لا تزيد عن رأس دبوس لو تجمدت في أحد شرايين الدماغ أصيب بالشلل، فقد ذاكرته، فقد سمعه، فقد بصره، شريان القلب التاجي إذا ضاق دخل في متاعب لا تنتهي، شعر بآلام في صدره الذبحة الصدرية، شعر بوهن في قوته، أي الإنسان تحت ألطاف الله، لا يوجد إنسان يقول أنا إلا في غيار، من أنت ؟ قل الله، نحن في لطف الله وفي رحمة الله.



إنما الأعمال بالنيات:


أيها الأخوة، الشيء الذي تنقضي بسببه حاجة المحتاج من غير قصد ولا إرادة ولا عناية بالمحتاج هذا الشيء لا يسمى رحيماً، الرحمة مقصودة، أنت حينما ترحم إنساناً تريد أن تنقذه، تريد أن تسلمه من عطب، تريد أن تحفظه، فإذا أردت ورحمت، فأنت قد اشتققت من اسم الله الرحمن الرحمة، أما إنسان ما أراد ولا قصد، أنا أقول دائماً لا يسمح الله لطاغية في الأرض أن يكون طاغية إلا ويوظف طغيانه لخدمة دينه والمؤمنين من دون أن يشعر، ومن دون أن يريد، وبلا أجر، وبلا ثواب، للتقريب أب منحرف انحرافاً شديداً عقيدة وسلوكاً، وعنده ابن صالح وهو يعنفه ليلاً نهاراً على صلاحه، وعلى صلاته، وعلى تدينه، ويتهمه بالتزمت والتخلف والحمق، هذا الابن لو أن الله جعله داعية هل لأبيه أجر ؟ لا والله ولا شيء لأنه ما أراده هكذا.
الفكرة دقيقة لا تسمى راحماً إلا إذا أردت أن ترحم، فإن لم ترد وجاءت رحمة منك دون أن تقصد للناس، أنت موظف بدائرة وقعت على قرار بعثات، وذهب طالب تعلم علم الغرب، وعاد إلى بلده ليقوي المسلمين، أنت بحكم وظيفتك أرسلت هذه البعثة ليس لك أجر، فإن لم تكن مؤمناً وترد هذا الخير لا أجر لك، لا يسمى الرحيم رحيماً إذا جاءت الرحمة عن غير قصد منه وعن غير إرادة وعن غير نية طيبة، هذا ليس من باب التضييق على الناس ولكن من باب:

(( إِنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى ))

[ أخرجه البخاري عن عمر بن الخطاب ]
لذلك ابن عمر رضي الله عنهما يقول:

(( من استعاذ بالله فأعيذوه ومن سألكم بالله فأعطوه، ومن استجار بالله فأجيروه ومن آتى إليكم معروفاً فكافئوه، فإن لم تجدوا فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه ))

[النسائي عن ابن عمر رضي الله عنه ]
الذي أتمنى أن يكون واضحاً الله عز وجل قال:

﴿ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ(118)إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ (119) ﴾

( سورة هود)



من رحم الناس استحق رحمة الله عز وجل:


دقق الآن في كلام الله:

﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ (119) ﴾

( سورة هود)
خلقهم ليرحمهم، خلقهم ليكرمهم، خلقهم ليسعدهم، لكن هذا الذي نراه في الأرض من مشكلات بسبب انحرافهم وتقصيرهم وبعدهم عن الله عز وجل، وأنا ألخص حال المسلمين بكلمتين، هان أمر الله عليهم فهانوا على الله، يا أيها الأخوة الكرام:

﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا (180) ﴾

( سورة الأعراف)
أنت بإمكانك أن تتقرب إلى الله بكمال مشتق من كماله، اسم الرحمن عند بعض العلماء اسم الله الأعظم، بإمكانك أن ترحم الناس فتستحق رحمة الله، إن أردتم رحمتي فارحموا خلقي، الراحمون يرحمهم الله.


أكثر الصفات الكاملة تنبع من الرحمة:


أيها الأخوة الكرام، لا يوجد صفة لها شمول كصفة الرحمة، أنت لطيف لأنك رحيم، كريم لأنك رحيم، منصف لأنك رحيم، أكثر الصفات الكاملة تنبع من الرحمة، لذلك قال تعالى:
﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾

( سورة آل عمران الآية: 159 )
يعني يا محمد بسبب رحمة استقرت في قلبك من خلال اتصالك بنا كنت ليناً لهم، فلما كنت ليناً لهم التفوا حولك، ولو كنت منقطعاً عنا لامتلأ القلب قسوة، ولانعكست القسوة غلظة، فانفضوا من حولك، هذه الآية يحتاجها كل أب، كل معلم، كل داعية، كل مدير، كل إنسان له منصب قيادي، تتصل بالله يمتلئ القلب رحمة تنعكس الرحمة ليناً، يلتف من حولك حولك، فإذا انقطع الإنسان عن الله امتلأ القلب قسوة وانعكست القسوة غلظة فانفضوا من حولك:

﴿ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ (159) ﴾








والحمد لله رب العالمين



 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 02-23-2018, 01:29 PM   #95


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: أسماء الله الحسنى





بسم الله الرحمن الرحيم


(87)



>الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.



من أسماء الله الحسنى:(الوهاب):


أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "الوهاب".



ورود اسم الوهاب في القرآن الكريم فقط:


هذا الاسم أيها الأخوة ورد في القرآن الكريم مطلقاً، معرفاً في ثلاثة مواضع، منها قوله تعالى:

﴿ أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ ﴾

( سورة ص )
وفي قوله سبحانه وتعالى:

﴿ رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ﴾

( سورة آل عمران)
ولم يرد هذا الاسم في صحيح السنة.


الوهاب في اللغة:

الوهاب في اللغة صيغة مبالغة على وزن فعَّال من الواهب، وهو المعطي للهبة، والفعل وهب، يهب، وهباً، وهبةً، والهبة عطاء بلا عوض، لكن كملاحظة في العبارات التي نتداولها العبرة بالمقاصد لا بالصور التي نعطيها، كيف ؟ لو قلت لك: بعتك هذا الكتاب بلا ثمن، هذا عقد هبة، مع أن في العبارة لفظة بعتك
ولو قلت لك وهبتك هذا المصحف بمئة ليرة أي بعتك هذا المصحف، فالعبرة للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني.
الهبة: العطية الخالية من الأعواض، نحن عندنا في الفقه شيء اسمه معاوضات، فالبيع يندرج تحت المعاوضات، أما الهبة تندرج تحت عملية لا علاقة للعوض بها، فالهبة هي العطية الخالية عن الأعواض والأغراض، فإذا كثرت سمي صاحبها وهاباً، واهب أو وهاب، وهو من أبنية المبالغة.


الله تعالى نعمه كاملة في الأنفس وظاهرة وبادية في سائر المخلوقات:

أما إذا قلنا الله جلّ جلاله هو الوهاب، فالوهاب سبحانه هو الذي يكثر العطاء بلا عوض، ويهب ما يشاء لمن يشاء بلا غرض، ويعطي الحاجة بغير سؤال، ويسبغ على عباده النعم والأفضال، نعمه كاملة في الأنفس، وجميع المصنوعات، وظاهرة وبادية في سائر المخلوقات، نعم وعطاء وجود وهبات تدل على أنه المتوحد في اسمه الوهاب، قال تعالى:
﴿ لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (49) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ(50) ﴾

( سورة الشورى)



الخلق كلهم عند الله سواسية ليس بينه وبينهم قرابة إلا طاعتهم له:

الوهاب صيغة مبالغة من واهب، إذا كثر عطاء الواهب سمي وهاباً، قال بعض الشعراء:
ملك الملوك إذ وهب لا تسألن عن السبب
الله يعطي من يشاء فقف على حدِّ الأدب
***

أنا عدلت هذا البيت:

ملك الملوك إذا وهب قم فاسألن عن السبب
الله يعطـي من يشاء فقف على حـدِّ الأدب
***

عطاء الله وفق قوانين، لأن الله سبحانه وتعالى عدل بين كل عباده، سيدنا سعد كان من أحب أصحاب رسول الله إلى رسول الله، كان إذا دخل عليه يداعبه يقول هذا خالي أروني خالاً مثل خالي.
ما فدى أحداً من أصحابه بأبيه وأمه إلا سعداً :

(( ارْمِ سَعْدٌ فِدَاكَ أَبِي وَأُمّي ))

[ أخرجه ان عن علي بن أبي طالب ]
ومع ذلك التقى به سيدنا عمر بعد وفاة رسول الله، قال له: يا سعد لا يغرنك أنه قد قيل خال رسول الله، فالخلق كلهم عند الله سواسية، ليس بينه وبينهم قرابة إلا طاعتهم له.
كلكم من آدم وآدم من تراب.

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ (13) ﴾

( سورة الحجرات )



الناس عند الله عز وجل صنفان لا ثالث لهما:


أخوتنا الكرام، البشر وضعوا مقاييس، مئات المقاييس، آلاف المقاييس، دول الشمال ودول الجنوب، دول متقدمة ومتخلفة، الملون والأبيض والأصفر، المستغل والمُستغل، القوي والضعيف، لذلك الحقيقة الدقيقة والصارخة البشر على اختلاف مللهم، ونحلهم، وانتماءاتهم، وأعراقهم، وأنسابهم، وطوائفهم، هؤلاء جميعاً لا يزيدون عند الله عن صنفين، صنف عرف الله فانضبط بمنهجه، وأحسن إلى خلقه فسلم وسعد في الدنيا والآخرة، وصنف غفل عن الله، وتفلت من منهجه، وأساء إلى خلقه فشقي وهلك في الدنيا والآخرة، ولن تجد في مقاييس القرآن الكريم نموذجاً ثالثاً، ولي كلمة أرددها كثيراً، لا يُضاف على كلمة مؤمن ولا كلمة، المؤمن تحبه فقيراً عفيفاً، تحبه غنياً متواضعاً وسخياً، تحبه متعلماً مستنيراً، تحبه غير متعلم على الفطرة، تحبه مدنياً، تحبه ريفياً، إذا قلت مؤمن لا يُضاف على هذه الكلمة ولا كلمة، الإيمان صبغه، الإيمان أعطاه صفات، أعطاه صفات الإنصاف، والرحمة، والتواضع، والحب، فلذلك يعيش الناس اليوم في جاهلية، التقسيمات التي وُضعت للبشر لا تُعد ولا تُحصى، هذه التقسيمات فرقتهم، بل حملتهم على أن يقتتلوا ، وسالت الدماء مع أن البشر عند الله صنفان، مؤمن وغير مؤمن، المؤمن عرف الله، انضبط بالمنهج، أحسن إلى الخلق، سلمَ وسعدَ في الدنيا والآخرة، وغير المؤمن غفل عن الله، تفلت من المنهج، أساء إلى الخلق، شقي وهلك في الدنيا والآخرة.



اعتماد القرآن الكريم على قيمتي العلم و العمل في الترجيح بين البشر:

أما تقسيم القرآن، القرآن اعتمد قيمتين مرجحتين، اعتمد قيمة العلم، واعتمد قيمة العمل، قال تعالى:
﴿ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (9) ﴾

( سورة الزمر )
قال تعالى:

﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ﴾

( سورة المجادلة )
قال تعالى:

﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا(132) ﴾

( سورة الأنعام)
هذا هو مقياس القرآن، علم وعمل، وما سوى ذلك الناس سواسية كأسنان المشط، هذان المقياسان إن اعتمدا في أمة تقدمت، وإن لم يعتمدا في أمة تخلفت.


توزيع الحظوظ في الدنيا توزيع ابتلاء و في الآخرة توزيع جزاء:

أيها الأخوة، الله عز وجل يهب العطاء في الدنيا، يهب مالاً، يهب قوة، يهب وسامة، يهب ذكاءً، يهب حكمةً، الله عز وجل يهب العطاء في الدنيا ابتلاءً، فالحظوظ المال حظ، العلم حظ، الذكاء حظ، الوسامة حظ، الصحة حظ، فالحظوظ وُزعت في الدنيا توزيع ابتلاء، قال تعالى:
﴿ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ (2) ﴾

( سورة الملك)
وسوف تُوزع في الآخرة توزيع جزاء، قال تعالى:

﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (21) ﴾

( سورة الإسراء)
طبعاً هناك فرق كبير في الدنيا بين قائد جيش وبين مجند، بين جراح قلب وبين ممرض، بين رئيس غرفة تجارة وبائع متجول، بين أستاذ جامعي ومعلم في قرية، هناك فرق كبير جداً، بين غني وفقير، بين قوي وضعيف، بين صحيح ومريض:
﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (21) ﴾

( سورة الإسراء)



مراتب الدنيا مؤقتة و مراتب الآخرة أبدية سرمدية:


مراتب الدنيا مؤقتة، الموت ينهي كل شيء، ينهي قوة القوي، وضعف الضعيف، ووسامة الوسيم، ودمامة الدميم، وصحة الصحيح، ومرض المريض، ينهي كل شيء، لكن مراتب الآخرة أبدية سرمدية، مراتب الدنيا لا تعني شيئاً وقد تعني العكس:

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ (44) ﴾

( سورة الأنعام )
قوة، بلاد جميلة، أمطار غزيرة، أموال، يعني الإنسان حينما يريد الدنيا، ويصر عليها، ولا يرى غيرها، وحينما يخرج من دائرة العناية الإلهية، يُعطى الدنيا، خذها ولكن حينما يكون ضمن العناية الإلهية يُعالج، لا تنسوا هذا المثل، التهاب معدة حاد يقتضي حمية بالغة، وورم خبيث منتشر في أنحاء الجسم، لو سأل الأول الطبيب ماذا آكل ؟ يقول له: حليب فقط، لو سأل الثاني الطبيب ماذا آكل ؟ يقول له: كُلْ ما شئت، أيهما أفضل ؟ الذي خضع لحمية شديدة.


كل شيء في الحياة الدنيا موقوف على طريقة استعماله :


إذاً عطاء الله في الدنيا عطاء ابتلاء، يعني المال نعمة ؟ الجواب: لا، نقمة ؟ لا، إذاً ما المال ؟ المال عطاء موقوف على طريقة إنفاقه، إن أنفقته في طاعة الله فهو نعمة، إن أنفقته في معصية الله فهو نقمة، يا ترى القوة نعمة ؟ لا، نقمة ؟ لا، ما هي القوة ؟ إن سخرت القوة لإحقاق الحق فهي نعمة، وإن سخرت القوة للطغيان والعدوان فهي نقمة، الوسامة نعمة ؟ لا، نقمة ؟ لا، إن استخدمت الوسامة للعمل الصالح، وتحبيب الناس بك فهي نعمة، وأما إذا استخدمتها لإغواء الفتيات فهي نقمة، يعني كل حظ من حظوظ الدنيا يمكن أن يكون نعمة ترقى بها أو دركات تهوي بها، العلاقة الجنسية، إذا كانت وفق منهج الله، زواج، وإنجاب أولاد، تربية أولاد، أصهار أطهار، فتيات عفيفات طاهرات، أولاد نجباء، تجد هذه الأسرة كلها خير، قال لي أحد علماء دمشق: عندي ثمانية وثلاثون حفيداً، ثلاثة عشر طبيباً، أحد عشر حافظاً لكتاب الله، هذا الكم الكبير من المثقفين، والحفاظ، والورعين، والفتيات الشريفات العفيفات، كل هذا الكم الكبير أساسه علاقة جنسية، وبأي بيت دعارة هناك علاقة جنسية، شهوة حيادية، سلم نرقى بها، أو دركات نهوى بها.



الناجح من أدرك حقيقة الابتلاء و استعان بالله على تحقيق الرجاء:


لذلك الله عز وجل يهب الحظوظ في الدنيا هبة امتحان، ويهب العطاء الكبير في الآخرة هبة جزاء، في الدنيا ابتلاء وفي الآخرة جزاء.
السبب قال: ليتعلق العبد بربه عند النداء والرجاء، ويسعد بتوحيده بين الدعاء والقضاء، هذا أعظم فضل وأكبر هبة وعطاء، وإذا أدرك العبد حقيقة الابتلاء، واستعان بالله على تحقيق الرجاء كان موفقاً وناجحاً، أي:


(( عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن. إن أصابته سراء شكر وكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له، وليس ذلك لغير المؤمن ))

[ أخرجه أحمد في مسنده عن صهيب ]



العمل المؤسساتي:


من الآيات التي تتحدث عن العطاء، عن الهبة، عن الوهاب:
﴿ وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً (5 ﴾

( سورة مريم)
هذا يسمى الآن بالعمل المؤسساتي، أي شيء نجح الذي كان السبب في نجاحه لو توفاه الله العمل مستمر من بعده، الإشارة الأولى في القرآن الكريم للعمل المؤسساتي هذه الآية:

﴿ وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي (6) ﴾

( سورة مريم)
أي دعوة ناجحة جداً ينبغي أن تستمر بعد وفاة الداعية، أن تستمر بتربية أناس على أعلى مستوى يتابعون دعوته، قال تعالى:

﴿ وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا(74) ﴾

( سورة الفرقان)
إذا الإنسان أحسن اختيار زوجته وفق منهج الله، فعليك بذات الدين تربت يداك، معنى ذلك أنه أحسن الاختيار، اختار صاحبة الدين، تسره إن نظر إليها، وتحفظه إن غاب عنها، وتطيعه إن أمرها.


الإنسان مخير بين الدنيا و الآخرة:


ولكن من أراد الدنيا هنا المشكلة، يقول الله عز وجل:

﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (18) وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ (19) ﴾

(سورة الإسراء)
دقق أنت مخير:

﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ (18) ﴾

(سورة الإسراء)
الدنيا.

﴿ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (18) وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (19) كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (20) ﴾

(سورة الإسراء)
أما في الآخرة فله الجنة.


الدنيا دار عمل و تكليف و الآخرة دار جزاء و تشريف:


الدنيا مبنية على السعي:

﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (6) ﴾

(سورة الانشقاق)
أما الآخرة نظام آخر:

﴿ لَهُم مَّا يَشَاءونَ فِيهَا ﴾

( سورة ق الآية: 35 )
أي شيء تطلبه تراه أمامك، نظام الجنة:

﴿ لَهُم مَّا يَشَاءونَ فِيهَا ﴾

( سورة ق الآية: 35 )
الدنيا نظام آخر:

﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (6) ﴾

(سورة الانشقاق)



النظر إلى وجه الله الكريم أعظم عطاء يحصّله الإنسان في الآخرة:

من أجل أن تكون طبيباً هناك دراسة في ثلاث وثلاثين سنة، من أجل أن تكون غنياً هناك عمل مجهد في البدايات، من أجل أن تكون ذا سمعة طيبة هناك انضباط شديد من حيث القيم الأخلاقية.
أما في الآخرة:

﴿ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (35) ﴾

( سورة ق)
المزيد النظر إلى وجه الله الكريم، لذلك الله عز وجل من أسمائه الوهاب، أن يهب ما يشاء لمن يشاء، وكيف يشاء، ومتى يشاء، وفي أي مكان يشاء، لذلك ما يعطيه لعباده ظاهراً وباطناًً، في الدنيا والآخرة، إنما هي نعم وهبات وهي من الكثرة بحيث لا تحصيها الحسابات.


علاقة اسم الوهاب بالحب :

هذا الاسم له علاقة بالحب، كيف ؟ ورد في بعض الآثار القدسية:
(( يا داود ذكر عبادي بإحساني، فإن القلوب جبلت على حبِّ من أحسن إليها وبغض من أساء إليها ))

[ ورد في الأثر ]
فالوهاب يعني أن تحبه، لأنه وهبك نعمة الإيجاد، أنت موجود، تأكل، وتشرب، ولك زوجة، ولك أولاد، وتسافر، وترى بلاد الله الواسعة، منحك نعمة الإيجاد، ومنحك نعمة الإمداد، أمدك بالهواء، أمدك بالماء، أمدك بالطعام، أمدك بزوجة، أمدك بأولاد، أمدك بمأوى، أمدك بألوان الطعام، بألوان الشراب، بالمتع، بالورود، بالأسماك، بالأطيار.

(( يا داود ذكر عبادي إحساني، فإن القلوب جبلت على حبِّ من أحسن إليها وبغض من أساء إليها ))

[ ورد في الأثر ]
لا يُعقل أن تحب مخلوقاً، وأن تنسى الذي منحك نعمة الوجود، نعمة الإمداد، نعمة الهدى والرشاد، سأريكم بعض الأمثال:
خبيب بن عدي، كان على مشارف القتل، أُلقي القبض عليه من قبل كفار مكة ليُصلب، صلبه المشركون على جذع نخلة تمهيداً لرميه بالسهام، قال له أبو سفيان: يا خبيب أتحب أن يكون محمد مكانك ؟ اسمعوا إلى هذا الجواب، قال: والله ما أحب أن أكون في أهلي، زوجته أمامه، أولاده أمامه، بيت مريح، فيه فواكه وخضروات وطعام طيب وشراب، بالمقاييس المعاصرة فيه تكييف، فيه ورود، بيت واسع له إطلاله جميلة، زوجة جميلة، أولاد، كل شيء في البيت موجود، قال: والله ما أحب أن أكون في أهلي وولدي وعندي عافية الدنيا، ليس هناك مرض، ليس هناك قلق، ليس هناك خوف، وعندي عافية الدنيا ونعيمها ويصاب رسول الله بشوكة. فقال أبو سفيان: ما رأيت أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمد محمداً.


لا إيمان لمن لا محبة له:

الإيمان حب، الإيمان أن تحب الله، أن تحب رسول الله، أن تحب المؤمنين، أن تحب العمل الصالح، أن تحب بيوت الله، أن تحب الدعوة إلى الله، أن تحب خلق الله جميعاً، الإيمان حب:
ألا لا إيمان لمن لا محبة له، ألا لا إيمان لمن لا محبة له، ألا لا إيمان لمن لا محبة له.
سيدنا الصديق له خدمة لبعض جيرانه، يحلب لهم الشياه، فلما أصبح أمير المؤمنين، طبعاً جارته حزنت، لأنه هذه الخدمة سوف تتوقف، في صبيحة تسلمه منصب الخلافة طُرق باب هذه الجارة، صاحبة البيت قالت لابنتها يا بنيتي افتحي الباب، فلما فتحت الباب قالت: من الطارق ؟ قالت: جاء حالب الشاة يا أماه، أي جاء سيدنا الصديق ليحلب الشياه، وهو خليفة المسلمين، أنت حينما تحب الله تفعل المعجزات، تقدم الغالي والرخيص والنفس والنفيس، أنت حينما تحب الله تتألق، تصبح أسعد إنسان في الأرض.




نعم الله عز وجل ينبغي على الإنسان أن يترجمها إلى حب و مودة:


أقول لكم هذه الكلمة وسامحوني بها، إن لم تقل أنا أسعد الناس ففي الإيمان خلل، أنت مع الله، أنت مع الموجود، مع الواحد، مع الكامل، مع المعطي، مع الرافع الخافض، مع القوي، مع الغني، مع الرحيم، أنت مع من؟ مع خالق السموات والأرض.
لذلك ألا لا إيمان لمن لا محبة له، والمؤمن له علامة:


﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًَا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ(2) ﴾

( سورة الأنفال)
هذا الاسم مرتبط بالحب، لأنه وهبك الحياة، أمامك زوجة جميلة من جنسك من بني البشر، لها مشاعر، لها عواطف، تتكلم، ترعى أولادك، لك أولاد يملؤون البيت فرحة، هذه كلها نعم الله عز وجل، ينبغي أن تترجم إلى حب.





والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 02-23-2018, 01:31 PM   #96


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: أسماء الله الحسنى





بسم الله الرحمن الرحيم


(88)



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.





من أسماء الله الحسنى:(العليم):


أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى والاسم اليوم "العليم".



ورود اسم العليم في القرآن الكريم و السنة النبوية:


هذا الاسم ورد في القرآن الكريم بمواضع كثيرة، من هذه المواضع قوله تعالى:

﴿ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾

( سورةالبقرة )
وقد ورد هذا الاسم مقترناً في الكتاب والسنة بأسماء أخرى كثيرة، ورد مع اسم السميع
﴿ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾
ومع اسم الحكيم، ومع اسم العزيز، ومع اسم الحليم، ومع اسم الخلاق، ومع اسم القدير، ومع اسم الفتاح، ومع اسم القوي، هذا الاسم الخبير هذا "العليم" ورد مقترناً مع عدد ليس بالقليل من أسماء الله الحسنى.
أما في السنة، والسنة كما تعلمون أقوال النبي عليه الصلاة والسلام، بل ما صحّ من أقوال النبي صلى الله عليه وسلم، وما صحّ من أفعاله، وما صحّ من إقراره، فورد أيضاً في نصوص كثيرة منها ما رواه أبو داود من حديث أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

(( أعوذُ بِاللهِ السَّميعِ العليمِ من الشَّيطان الرجيم، مِنَ هَمْزِهِ ونَفْخِهِ ونَفْثِهِ ))

[أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي عن أبي سعيد الخدري ]



الله عز وجل يحول بين المرء وقلبه:

أيها الأخوة، كما تعلمون الإنسان إن تكلم فالله سميع، وإن تحرك فالله بصير ، وإن أضمر شيئاً فالله عليم، إن تكلم فهو سميع، وإن تحرك فهو بصير، وإن أضمر شيئاً في نفسه فالله عليم.
بل إن الله يحول بين المرء وقلبه، أقرب شيء إليك قلبك، وخواطرك، وسرك، وباطنك، الله عز وجل يحول بينك وبين قلبك، وبينك وبين سرك، وبينك وبين باطنك، بل هو أقرب إليك من حبل الوريد.




العليم في اللغة:

أيها الأخوة، "العليم" في اللغة من صيغ المبالغة، على وزن فعيل، وصيغ المبالغة كما ذكرت كثيراً تأتي بمعنى الكم، أو النوع، فأدق شيء الله به عليم، وكل شيء الله عز وجل به عليم، عليم على وزن فعيل، من فعل علم، يعلم، علماً، ونقول: هذا الرجل عالم، وعليم، وعلامة، والعلم في أدق تعاريفه علاقة بين شيئين، أي يأخذ شكل القانون، علاقة ثابتة بين شيئين، هذه العلاقة مقطوع بصحتها مئة بالمئة ليست وهماً، ولا شكاً، ولا ظناً، الوهم ليس علماً، والشك ليس علماً، والظن ليس علماً، علاقة بين شيئين ثابتة، تأخذ شكل قانون، مقطوع بصحتها، تطابق الواقع، عليها دليل، إن لم تطابق الواقع فهي الجهل بعينه، لابدّ من لفت النظر، من هو الجاهل ؟
إذا تصورنا أن الإنسان وعاء، وعاء الجاهل ليس فارغاً، لكنه ممتلئ بمعلومات خاطئة، الجهل عدم مطابقة الواقع.
حينما يتألق ضوء أحمر في لوحة البيانات في سيارتك، الجهل أن تتوهمه تألقاً تزيينياً، والعلم يقول لك هو تألق تحذيري، فالذي يفهم التألق على أنه تألق تزييني جاهل، هذه معلومة لكنها غير صحيحة.




التوهم أخطر شيء في حياة الإنسان:

لذلك أخطر شيء بحياة الإنسان كما قال الواحد الديان:
﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ﴾

( سورةالكهف )
طالب توهم أن المعلم قبل الامتحان بيومين بهدية بسيطة يعطيه الأسئلة، فما درس إطلاقاً، هو يظن نفسه ذكياً، وفالحاً بهذه الطريقة، قبل يومين طرق باب الأستاذ وقدم له الهدية، وطلب منه الأسئلة، تلقى صفعة على وجهه، وركلة بقدمه،
﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ﴾
وقد ورد في الأثر: أن روح الميت ترفرف فوق النعش، هذا إذا كان منحرفاً تائهاً، شارداً، تقول: يا أهلي، يا ولدي، لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي، جمعت المال مما حلّ وحرم، وأنفقته في حله، وفي غير حله، فالهناء لكم والتبعة عليّ.


الله سبحانه وتعالى كامل في علمه وطلاقة وصفه:


أيها الأخوة، نحن كما تعلمنا هناك أسماء يجوز أن يوصف بها الإنسان، من هذه الأسماء اسم "العليم" فسيدنا يوسف قال:

﴿ قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ﴾

( سورةيوسف )
فهو ذو علم، وقد وصف نفسه بالعلم، وقد قال الله عنه:

﴿ وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ ﴾

( سورةيوسف الآية: 68 )
لكن محور هذا اللقاء الطيب كم هو الفرق بين علم الإنسان وبين علم الواحد الديان ؟ شتان بين علم مقيد محدود، وبين علم مطلق بلا حدود، سبحانه وتعالى كامل في علمه، وطلاقة وصفه، علمه فوق كل علم، قال تعالى:

﴿ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ﴾

( سورةيوسف )
فالله عز وجل عليم بما كان، وعليم بما يكون، وعليم بما سيكون، وعليم بما لم يكن لو كان كيف كان يكون، لم يزل عالماً، ولا يزال عالماًَ، وعلمه أزلي وأبدي، ولا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، أحاط علمه بجميع خلقه، أحاط علمه بجميع الأشياء، ظاهرها، وباطنها، دقيقها وجليلها.
واسم الله "العليم" اشتمل على مراتب العلم الإلهي.


ما من عبد يخطب ود الله عز وجل إلا كرمه الله بكرامة:

الآن سأتكلم حقيقة نحن في أمس الحاجة إليها: ما من مؤمن على وجه الأرض يخطب ود الله بتوبة، بطاعة، بعمل صالح، بأداء عبادة، بتلاوة قرآن، بإطعام جائع، بإرشاد ضال، ما من عبد يخطب ود الله عز وجل إلا كرمه الله بكرامة، هناك كرامة تيسير، أموره ميسرة، وهناك كرامة توفيق، وكرامة تأييد، و كرامة نصر، و كرامة انشراح صدر، و كرامة سرور، و كرامة أمن، ما من عبد مؤمن يخطب ود الله إلا وسيكافئه الله عز وجل بكرامة، ولكن أعظم كرامة على الإطلاق هي كرامة العلم، لابدّ من التوضيح:
طفل صغير عقب العيد جاء عمه إلى البيت، قال له: يا عمي أنا أملك مبلغاً عظيماً، طفل بالحضانة، بالعملة السورية مئتا ليرة سورية، كلمة عظيم حينما قالها طفل قدرناها بمئتي ليرة، فإذا قال مسؤول كبير بدولة عظمى أعددنا لهذه الحرب مبلغاً عظيماً نقدره بالحد الأدنى بمئتي مليار دولار، الكلمة نفسها، قالها طفل فقدرناها بمئتي ليرة، وقالها مسؤول كبير في دولة عظمى فقدرناها بمئتي مليار دولار، فإذا قال ملك الملوك، ومالك الملوك، ورب السماوات والأرض:

﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾

( سورةالنساء )



كرامة العلم أعظم كرامة على الإطلاق:

إذا سمح الله لك أن تتعرف إليه، إذا سمح الله لك أن تعرفه، إذا سمح الله لك أن تعرف أسماءه الحسنى، وصفاته الفضلى، إذا سمح الله لك أن تعرف سرّ وجودك، وغاية وجودك، إذا سمح الله لك أن تعرف حقيقة الدنيا، إذا سمح الله لك أن تعرف أفضل شيء في الدنيا، تكون قد حصلت كرامة من أفضل أنواع الكرامات
﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾
الله عز وجل أعطى الملك لمن لا يحبه، ولمن يحبه، أعطى الملك لفرعون وهو لا يحبه، وأعطى الملك لسيدنا سليمان، وهو يحبه، أعطى المال لمن لا يحبه لقارون ، وأعطى المال لمن يحبه لسيدنا عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، أما الأنبياء ماذا أعطاهم ؟ حصراً:

﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً ﴾

( سورةالقصص الآية: 14 )
اسأل نفسك نصيبك من الله من نوع نصيب الأقوياء، أم الأغنياء، أم الأنبياء ؟.


الإنسان بالعلم والقدرة يستقيم وبالعلم والشكر يحسن:

أيها الأخوة، من خلال أسماء الله الحسنى، هناك اسمان إن تحققا استقمت على أمر الله، إذا أيقنت أن علمه يطولك، وأن قدرته تطولك، تستقيم على أمره، تركب مركبة والإشارة حمراء، أنت مواطن عادي، ومن الدرجة الثانية، والشرطي واقف، وقانون السير صارم، لا يمكن أن تخالف، لأن واضع قانون السير علمه يطولك، وقدرته تطوله، إذاً لن تعصيه.
﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً ﴾

( سورةالطلاق )
اختار من أسمائه اسمين، العلم والقدرة، إذاً بمعرفة اسم "العليم" والقدير تستقيم على أمره، الآن وبمعرفة اسم "العليم" والشكور تحسن إلى خلقه.

﴿ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً ﴾

( سورةالنساء )
هذا العمل الصالح، هذه الصدقة، هذه الخدمة، هذا العطاء يعلمه الله وسيشكرك عليه، إذاً تدفع، بالعلم والقدرة تستقيم، وبالعلم والشكر تحسن، فإذا استقمت وأحسنت حققت الهدف من وجودك


علم الله عز وجل أزلي أبدي و علم الإنسان حادث وطارئ:


الله جلّ جلاله محيط بكل شيء علماً، في الظاهر وفي الباطن، في دقائق الأشياء، وفي جليلها، في أولها، وفي آخرها، في فاتحتها، وفي عاقبتها، ومع ذلك فعلم الله جل جلاله من طبيعة أخرى.
الآن أن مضطر أن أضرب مثلاً للتوضيح وللتقريب، والأمثال نجدها بكثرة في القرآن الكريم:
لو أن رجلاً عبقرياً اخترع آلة فائقة، عظيمة النفع، وجاء من بعده أجيال ودرسوا هذه الآلة، وعرفوا دقائق صنعها، واكتشفوا العلاقات فيما بين أجزائها، واكتشفوا القوانين التي على أساسها بنيت هذه الآلة، علم الجيل اللاحق الذي بحث، ودرس، واستنبط يختلف اختلافاً كلياً عن علم العبقري الذي اخترع الآلة، علم المخترع سبق وجود الآلة، لكن علم الدارس جاء بعد وجود الآلة، وجاء استنباطاً من دقائقها.
هذا المثل ضربه عالم جليل، علم الله سابق للوجود، علم الله أصل للوجود، بينما علم البشر لاحق للوجود، بل هو مكتسب من الوجود، فرق كبير بين علم الله، وبين علم خلقه، علمك أيها الإنسان مستنبط من الوجود، مستنبط من القواعد التي قعدها الله عز وجل، مستنبط من القوانين التي قننها الله عز وجل، مكتسب من الخصائص التي خصصها الله عز وجل، علم الله عز وجل أزلي أبدي، أما علمك حادث وطارئ.




العلم الإلهي سبب وجود الأشياء:

أيها الأخوة، علم الله هو الذي قنن هذه القوانين، هو الذي خصص هذه الأشياء بخصائصها، هو الذي سنن هذه السنن، فرق كبير بين أن تكتشف الخصائص الثابتة في شيء موجود، وبين أن تخلق هذه الخصائص.
من قنن أن البذور لابدّ منها لاستمرار الوجود ؟ لو الله خلق مليار، مليار، مليار، مليار، طن قمح وانتهوا، كيف القمح مستمر إلى قيام الساعة ؟ عن طريق البذور ، فكرة البذور من خلقها ؟ فكرة الزواج والإنجاب من خلقها ؟ نحن نستنبط لكن الله خلق، قنن، قعد القواعد، سنن السنن، قنن القوانين.
لذلك فرق كبير أن توجد شيئاً من العدم، ومن غير مثال سابق، وبين أن تكتشف خصيصة في شيء موجود، من هنا نقول الله عز وجل خلق كل شيء من لا شيء وعلى غير مثال سابق.
بل الإنسان إذا سميناه تجاوزاً، وقد سماه القرآن تجاوزاً خالق، قال الله:

﴿ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾

( سورةالمؤمنون )
فإذ سميناه خالقاً تجاوزاً فهو صنع من كل شيء وعلى مليون مثال سابق ، الغواصة صنعت تقليداً للسمكة، والطائرة صنعت تقليداً للطائر، بل هناك موسوعة علمية تتحدث عن الطيور إن أعظم طائرة صنعها الإنسان لا ترقى إلى مستوى الطائر.
أيها الأخوة، علم البشر لاحق للوجود، كسبي، وعلم الخالق سابق للوجود وسببي، العلم الإلهي سبب وجود الأشياء، تعلق علمه بهذا الشيء، تعلقت إرادته، تعلقت قدرته، فكان هذا الشيء.

(( ما شاءَ اللهُ كانَ، وما لم يشأْ لم يكن ))

[أخرجه أبو داود عن بعض بنات النبي صلى الله عليه وسلم ]
وقف أمام النبي عليه الصلاة والسلام فقال: ما شاء الله وشئت، قال: بئس الخطيب أنت، جعلتني لله نداً،
(( ما شاءَ اللهُ كانَ، وما لم يشأْ لم يكن ))



علم الخالق سابق للوجود وسببي وعلم البشر لاحق للوجود وكسبي:

إذاً تعلق علم الله وإرادته، وقدرته بشيء فكان، ما شاء الله كان، بل إن علمه سبب لوجود هذا الشيء، أما علم البشر لاحق للوجود، هناك جبال، هناك أنهار، بحيرات ، عرفنا خصائص المياه، خصائص الهواء، عرفنا خصائص المياه صنعنا الباخرة، من جعل الماء يدفع الأجسام إلى الأعلى ؟ لولا هذا القانون قانون أرخميدس لما كان إبحار في الأرض، ولولا قوانين الهواء، الآن الطائرة تحمل ثمانمئة راكب، مدينة، ما الذي يحملها ؟ الهواء، الإنسان صنع وفق خصائص الماء البواخر، هناك بواخر فيها مليون طن، مدن، كل معلومات الإنسان، وكل علم الإنسان مستنبط من القواعد لتي قعدها الله، ومن القوانين التي قننها الله، ومن السنن التي سنها الله، ومن العلاقات الثابتة التي ثبتها الله، ومن الخصائص التي خص بها الأشياء.
إذاً فرق كبير بين أن تقول الله جل جلاله عليم، وفلان عليم، مع أن الله سمح في قرآنه،

﴿ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ﴾
أيها الأخوة، في لقاء آخر إن شاء الله نتابع هذا البحث.






والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 02-23-2018, 01:32 PM   #97


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: أسماء الله الحسنى





بسم الله الرحمن الرحيم


(89)




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.





من أسماء الله الحسنى:(الكريم):


أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى والاسم اليوم "الكريم".



ورود اسم الكريم في القرآن الكريم:



سمّى الله جلّ جلاله ذاته العلية باسم "الكريم"، حيث ورد هذا الاسم في كثير من نصوص القرآن الكريم، ومن نصوص السنة النبوية الصحيحة، كما في قوله تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ ﴾

( سورة الانفطار )



عدم نجاح الخطاب الديني إلا إذا اتجه إلى قلب الإنسان وعقله معاً:

من أدق هذه الآيات أن الله في آية واحدة خاطب قلب الإنسان وعقله، ولا ينجح الخطاب الديني إلا إذا اتجه إلى قلب الإنسان وإلى عقله معاً، فالإنسان عقل يدرك، وقلب يحب، وجسم يتحرك، غذاء العقل العلم، وغذاء القلب الحب، وغذاء الجسم الطعام والشراب، فإذا لُبيت حاجات الإنسان كلها تفوق، أما إذا لبى حاجة ولم يلبِ الأخرى تطرف وفرق كبير بين التفوق وبين التطرف.
﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ﴾
يتجه إلى قلبه
﴿ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ ﴾

﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾

( سورة التين )

﴿ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾

( سورة النمل الآية: 88 )



اقتران اسم الكريم باسم الغني:

أيها الأخوة، اقترن اسم "الكريم" باسم الغني، في قوله تعالى:
﴿ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ ﴾

( سورة النمل )
في عالم البشر قد تجد الغني شحيحاً، الغني بخيلاً، يمسك، الآية الكريمة:

﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً ﴾

( سورة المعارج )
لا ينفق، لكن الله جل جلاله غني كريم، قد تجد إنساناً كريماً لكنه فقير، وقد تجد إنساناً غنياً لكنه بخيل، فأن يجتمع الغنى مع الكرم هذا من أرقى الصفات
﴿ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ ﴾



ورود اسم الكريم في السنة النبوية الشريفة:

هذا في القرآن فماذا في السنة ؟ من حديث علي رضي الله عنه أنه قال:
(( قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا علي ألا أعلمك كلمات إن قلتهن غفر الله لك، قال قل: لا إله إلا الله العلي العظيم، لا إله إلا الله الحليم الكريم، لا إله إلا الله سبحان الله رب العرش العظيم ))

[ الترمذي عن علي]
و:

(( إن ربكم تبارك وتعالى حييّ كريم يستحي أن يرفع العبد يديه فيردهما صفراً ))

[ الطبراني في الكبير من حديث ابن عمر مرفوعاً]



الدعاء مخ العبادة:


لذلك قال تعالى:

﴿ قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً ﴾

( سورة الفرقان )
الدعاء هو العبادة، الدعاء مخ العبادة، لأن الذي يدعو الله عز وجل مؤمن بوجوه، ومؤمن بأنه يسمعه، ومؤمن بأنه قدير على إجابته، ومؤمن بأنه يحبه، فإذا آمنت أن الله موجود، وسميع عليم، وعلى كل شيء قدير، وأنه أرحم الراحمين، فهذا أعلى درجات الإيمان.
لذلك إن الله يحب الملحين بالدعاء، إن الله يحب من عبده أن يسأله شسع نعله إذا انقطع، إن الله يحب من عبده أن يسأله ملح طعامه، إن الله يحب من عبده أن يسأله حاجته كلها.
الدعاء هو العبادة، وإذا قال الله عز وجل:

﴿ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ ﴾

( سورة المعارج )

﴿ دَائِمُونَ ﴾
بالدعاء، فالدعاء الذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم السيدة عائشة أن تدعو به ليلة القدر:

(( اللهم إنك عَفُوٌّ كَرِيمٌ تُحِبُ الْعَفْوَ فاعْفُ عَنِّي يا كَريّم ))

[أخرجه الترمذي عن عائشة أم المؤمنين يا كَريّم ]
من أكثر الأدعية التي كان النبي عليه الصلاة والسلام يدعو بها.

(( اللهم إنك عَفُوٌّ كَرِيمٌ تُحِبُ الْعَفْوَ فاعْفُ عَنِّي يا كَريّم ))

[أخرجه الترمذي عن عائشة أم المؤمنين يا كَريّم ]

هذه النصوص التي وردت في القرآن والسنة، وقد جاء بها اسم "الكريم".



الكريم في اللغة:

أيها الأخوة، على المستوى اللغوي، "الكريم" صفة مشبهة باسم الفاعل، لمن اتصف بالكرم، من اتصف بالكرم يسمى كريماً، والكرم نقيض اللؤم، لعل فضائل كثيرة جمعت في الكرم، ولعل نقائص كثيرة جمعت في اللؤم، الكرم نقيض اللؤم، في اللغة يكون الكرم في الرجل، ويكون الكرم في الخيل، وفي الإبل، وفي الشجر، وغيرها.
الفعل كرُم الرجل كرماً وكرامة، كرُم، كرماً، وكرامة، فهو كريم، والمرأة كريمة، كريمة فلان ابنته وجمع الكريم كرماء.
والكريم في اللغة هو الشيء الحسن، أحجار كريمة، الشيء النفيس، الشيء الواسع، الإنسان السخي، والفرق بين الكريم وبين السخي أن الكريم كثير الإحسان من دون سؤال، وأن السخي كثير الإحسان عند السؤال، السخي إذا سُئل، أما الكريم أرقى من السخي، يعطي قبل أن يسأل.
والكرم السعة، والعظمة، والشرف، والعزة، والسخاء عند العطاء.



الناس رجلان:


(( الْمؤمِنُ غِرّ كريم، والفاجر خَبّ لئيم ))

[ الترمذي عن أبي هريرة]
المؤمن على الفطرة، نفسه طاهرة، يصدق ما يقال له، يحسن الظن بالآخرين، غرّ، كريم هذه صفة مدح، والفاجر خَبٌ، وهناك ضبط آخر خِبٌ لئيم.

(( الْمؤمِنُ غِرّ كريم، والفاجر خَبّ لئيم ))

[ الترمذي عن أبي هريرة]
لكن أروع ما قال سيدنا عمر عن نفسه قال:
" لست بالخِب ولا الخُِب يخدعني ".
يعني لست من السذاجة بحيث أُخدع، ولا من الخبث بحيث أًخدع، لا أُخدع ولا أًخدع، كلام دقيق.
شخص وجد لوزة في موسم الحج أثناء الطواف، فملأ من حوله صياحاً، من صاحب هذه اللوزة، فكان سيدنا عمر أمامه، غضب وقال: كلها يا صاحب الورع الكاذب كلها وخلصنا.
إنسان سأل سيدنا علي، قال له: بمَ انصاع الناس بأبي بكر وعمر، ولم ينصاعوا لك ؟ يريد أن يقلل من شأنه، قال له: لأن أصحابهم أمثالي، وأصحابي أمثالك.
" لست بالخِب ولا الخِبُ يخدعني ".
لست من الخبث بحيث أَخدع، ولا من السذاجة بحيث أُخدع، هذا الموقف الكامل هذا في اللغة.


من معاني الكريم:


1 – الله عز وجل واسع بذاته و صفاته و أفعاله:


أما إذا قلنا الله كريم موضوع آخر، الله سبحانه وتعالى هو "الكريم" الواسع بذاته، وصفاته، وأفعاله.
لأنكم كما تعلمون هناك أسماء ذات، وأسماء صفات، وأسماء أفعال، من سعته أنه:
﴿ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ﴾

( سورة البقرة الآية: 255 )
والسماوات والأرض مصطلح قرآني يعني الكون، والكون ما سوى الله، قال تعالى:

﴿ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ﴾

( سورة البقرة )



2 ـ الذي له المجد والعزة، والرفعة والعظمة، والعلو والكمال:


وصف عرشه بأنه كريم، فقال تعالى:
﴿ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ ﴾

( سورة المؤمنون )
وهو "الكريم" الذي له المجد والعزة، "الكريم" عزيز الذي له المجد والعزة، والرفعة والعظمة، والعلو والكمال، فلا سميّ له، معنى سميّ: مثلاً فلان سميّ فلان، أي اسم فلان كاسم فلان، أو السميّ هو الند، المثيل، الله عز وجل لا سميّ له، لا ند له، لا شريك له، لا مثيل له، كما قال رب السماوات والأرض:

﴿ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً ﴾

( سورة مريم )
هل تعلم له مثيلاً، مشابهاً ؟


مفهومات العبادة:



﴿ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ ﴾
والعبادة كما تعلمون هي طاعة طوعية، ممزوجة بمحبة قلبية، أساسها معرفة يقينية، تفضي إلى سعادة أبدية، بل إن العبادة علة وجودنا قوله تعالى:

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

( سورة الذاريات )



1 – عبادةُ الهوية:



هناك عبادة الهوية، من أنت ؟ أنت غني ؟ عبادتك الأولى إنفاق المال، من أنت ؟ أنت قوي ؟ عبادتك الأولى إحقاق الحق، وإنصاف المظلوم، من أنت ؟ أنت عالم ؟ عبادتك الأولى تعليم العلم.
﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ ﴾

( سورة الأحزاب الآية: 39 )
من أنتِ ؟ أنتِ امرأة ؟ العبادة الأولى رعاية الزوج والأولاد.

(( انصرفي أيتها المرأة، وأعلمي من وراءك من النساء أن حسن تبعل إحداكن لزوجها وطلبها مرضاته واتباعها موافقته يعدل ذلك كله ـ أي يعدل الجهاد في سبيل الله ))

[أخرجه ابن عساكر وأخرجه البيهقى فى شعب الإيمان عن أسماء بنت يزيد الأنصارية]
هذه عبادة الهوية.


2 ـ عبادة الظرف:



وهناك عبادة الظرف، عندك أب مريض ؟ العبادة الأولى رعايته، عندك ضيف ؟ العبادة الأولى إكرامه، عندك ابن عنده امتحان ؟ العبادة الأولى تهيئة جو مناسب لدراسته.



3 – عبادةُ الوقت:



عناد عبادة الوقت، وقت الفجر وقت عبادة، وقت صلاة، وقت قرآن، وقت طاعة، في النهار وقت عمل.
رأى النبي الكريم شاباً يتعبد الله في وقت العمل، سأله من يطعمك ؟ قال: أخي قال: أخوك أعبد منك، إن لله عملاً في الليل لا يقبله في النهار، وإن لله عملاً في النهار لا يقبله في الليل.
فلذلك:
(( ولو علموا ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبواً ))

[أخرجه البخاري وابن خزيمة عن أبي هريرة ]

(( من صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله حتى يمسي، ومن صلى العشاء في جماعة فهو في ذمة الله حتى يصبح ))

[ ورد في الأثر]



3 ـ الذي كرم الإنسان عندما حمل الأمانة:


"الكريم" هو الذي كرّم الإنسان عندما حمل الأمانة، "الكريم" الذي كرمه وشرفه، واستخلفه في الأرض، واستأمنه في ملكه، وفضله على كثير من خلقه، قال تعالى:
﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ﴾

( سورة الإسراء الآية: 70 )
لأنه قَبِل حمل الأمانة:

﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ﴾

( سورة الإسراء )



الإنسان هو المخلوق الأول رتبة:

بالمناسبة أيها الأخوة، الإنسان هو المخلوق الأول رتبة، لقوله تعالى:
﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ ﴾

( سورة الأحزاب الآية: 72 )
والإنسان هو المخلوق المكرم
﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ﴾
والإنسان هو المخلوق المكلف
﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾
مخلوق أول، ومخلوق مكلف، ومخلوق مكرم، ومن عرف نفسه عرف ربه.


4 ـ الذي بشر عباده المؤمنين بالأجر الكريم الواسع و المغفرة الواسعة:


و "الكريم" هو الذي بشر عباده المؤمنين بالأجر الكريم الواسع، والمغفرة الواسعة.
﴿ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ ﴾

( سورة النجم الآية: 32 )
الرزق الواسع:

﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ﴾

( سورة الأعراف الآية: 96 )

﴿ وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً ﴾

( سورة الجن )
لذلك قد يحرم المرء بعض الرزق بالمعصية، وأنا أقول كلما قلّ ماء الحياء قلّ ماء السماء، وكلما رخص لحم النساء غلى لحم الضأن.
إذاً "الكريم" هو الذي بشر عباده المؤمنين بالأجر الكريم الواسع، والمغفرة الواسعة والرزق الواسع، قال تعالى:

﴿ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾

( سورة الأنفال )
في رزق حلال، تكسب المال وأنت مطمئن، وتنفقه وأنت مطمئن.


5 ـ الجواد المعطي الذي لا ينفذ عطاؤه ولا ينقطع سخاؤه:


و "الكريم" هو الجواد المعطي، الذي لا ينفذ عطاؤه، ولا ينقطع سخاؤه، الذي يعطي ما يشاء لمن يشاء، إذا أعطى أدهش، وكيف يشاء، بسؤال وبغير سؤال، هو الذي لا يمنّ إذا أعطى، فيكبر العطية بالمن.
لذلك الإنسان أحياناً يتمنى العطاء من الله مباشرة، الإنسان أحياناً إذا أعطاك من حين لآخر يذكرك، إن شاء الله هذا البيت مرتاح فيه ؟ إذا قدم لك هدية، على الاستعمال جيدة إن شاء الله ؟ دائماً الإنسان يمن، الله عز وجل كريم من دون أن يمن على المعطي.
هو سبحانه يعفو عن الذنوب، لأنه كريم، ويستر العيوب، ويجازي المؤمنين بفضله، ويجازي المعرضين بعدله.



6 ـ الكريم الذي يكرم:


و "الكريم" هو الذي يكرم، كريم أي يكرم، فعند البخاري من حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه أن أم العلاء رضي الله عنها قالت عند موت عثمان بن مظعون قالت:
(( رحمة الله عليك أبا السائب، فشهادتي عليك: لقد أكرمك الله ـ هذا كلام قالته لزوجها بحضرة النبي، فلو سكت النبي لكان كلامها صحيحاً، لأن سنة النبي الكريم أقواله، وأفعاله، وإقراره، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وما يدريك أن الله أكرمَهُ ؟ ـ هذا سماه العلماء تألٍ على الله، ـ فقلت: بأبي أنت وأُمِّي يا رسول الله، فمن يكرمه الله ؟ فقال: أمّا هو فقد جاءه اليقين ـ كلام علمي ـ أمّا هو فقد جاءه اليقين والله إِني لأرجو له الخير ))



كل إنسان من الأدب مع الله عز وجل ألا يحكم حكماً جازماً :

قل أرجو، لا تقل لقد أكرمك الله، من أنت حتى تحكم حكماً جازماً على المستقبل.

(( والله ما أدري - وأنا رسول الله - ما يُفعَلُ بي ولا بكم ))

[البخاري عن زيد بن ثابت ]
هذا الأدب، نحن على الرجاء نرجو رحمة الله، لكن قطعاً فلان من أهل الجنة من أنت ؟ فقالت بعد كلام النبي:

(( فوالله لا أُزَكِّي أحداً بعده أبداً ))

[البخاري عن زيد بن ثابت ]
سيدنا الصديق لما استخلف سيدنا عمر لامه بعض أصحابه أنه شديد قال: أتخوفونني بالله ؟ لو أن الله سألني يوم القيامة لمَ وليته ؟ أقول يا رب وليت عليهم أرحمهم، هذا علمي به، فإن بدل وغير فلا علم لي بالغيب، في أدب، قل والله أعلم، قل أظنه صالحاً ولا أزكي على الله أحداً، هذا كلام المؤمن.
من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان يدعو به إذا دخل المسجد يقول:

(( أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسُلطَانِهِ القديم، من الشيطان الرجيم قال: قد قلتَ ؟ قال: نعم، قال: فإذا قال ذلك قال الشيطان: حُفِظَ مني سائرَ اليوم ))

[أخرجه أبو داود عن عبد الله بن عمرو بن العاص ]
وسمع أحد الصحابة الكرام النبي الكريم يدعو لأحد أصحابه الذي توفاه الله قال:

(( اللهم اغفِر له وارْحَمْه، وعافِهِ واعفُ عنه، وأكْرِم نُزُلَهُ، ووسِّعْ مَدْخَلَه ))

[أخرجه مسلم والترمذي والنسائي عن عوف بن مالك ]
أحد علماء دمشق قبل حين أين توفي ؟ وهو في المسجد يستمع إلى خطبة الجمعة.

(( وعافِهِ واعفُ عنه، وأكْرِم نُزُلَهُ، ووسِّعْ مَدْخَلَه، واغسله بالماء والثلج والبَرَد، ونَقِّه من الخَطَايا كما يُنَقَّي الثَّوبُ الأبْيَضُ من الدَّنَس ))

[أخرجه مسلم والترمذي والنسائي عن عوف بن مالك ]



أي عمل صالح تجاه أي مخلوق يعد قرضاً لله عز وجل:

الآن أي عمل صالح تجاه أي مخلوق، بشر أو غير بشر، تجاه أي حيوان، تجاه النبات، أي عمل صالح تجاه أي مخلوق يعد قرضاً لله عز وجل، الله عز وجل يقول:
﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ ﴾

( سورة الحديد )
لذلك ننتهي من القسم الأول من اسم "الكريم" بأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول:

(( إِذَا أَتَاكُمْ كَرِيمُ قَوْمٍ فَأَكْرِمُوهُ ))

[أخرجه ابن ماجه عن عبد الله بن عمر ]








والحمد لله رب العالمين



 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 02-23-2018, 01:34 PM   #98


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: أسماء الله الحسنى





بسم الله الرحمن الرحيم


(90)



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.





من أسماء الله الحسنى:(الشهيد):




أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "الشهيد".




ورود اسم الشهيد في القرآن الكريم :


هذا الاسم ورد في كثير من النصوص القرآنية كما في قوله تعالى:

﴿ قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾

(سورة سبأ)
وفي قوله تعالى:

﴿ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾

( سورة فصلت )
وقد ورد مقيداً في آيات كثيرة كما في قوله تعالى:

﴿ لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً ﴾

(سورة النساء )



ورود اسم الشهيد في السنة النبوية الشريفة:


أيضا أيها الأخوة ورد هذا الاسم بالسنة الصحيحة، في صحيح البخاري ومسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنه مرفوعاً يقول عليه الصلاة والسلام في حديث طويل:

(( ألا وإنه سَيُجاءُ برجال من أُمتي ـ دققوا الحقيقة المرة أفضل ألف مرة من الوهم المريح ـ فيؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: يا ربِّ أصحابي، فيقول: إنَّك لا تدري ما أحدثوا بعدَك، فأقول كما قال العبد الصالح : وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ قال: فيقال لي: إنَّهم لم يزالوا مرْتَدِّينَ على أعقابِهِمْ منذ فارقتَهم ))

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن عبد الله بن عباس ]
يعني وضع العالم الإسلامي في آخر الزمان لا يرضي النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

(( أَصْحَابِي، أَصْحَابِي، فَقِيلَ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، قَالَ: فَأَقُولُ: بُعْدًا، بُعْدًا، أَوْ قَالَ: سُحْقًا، سُحْقًا لِمَنْ بَدَّلَ بَعْدِي ))

[أحمد عن أبي سعيد الخدري]



ثمن النصر و الاستخلاف و التمكين عبادة الله عز وجل:


أيها الأخوة، قال الله عز وجل :

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً ﴾

( سورة النور الآية: 55 )
هذه وعود خالق السماوات والأرض، وزوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين، نحن في الحقيقة المرة لسنا مستخلفين، ولسنا ممكنين، ولسنا آمنين الآية:
﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ ﴾
كقانون
﴿ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً ﴾
الشرط:

﴿ يَعْبُدُونَنِي ﴾

( سورة النور الآية: 55 )



عظمة هذا الدين أنه دين اجتماعي شمولي أممي وفردي:


أيها الأخوة، هناك بعض الأحاديث الشريفة تملأ قلب المؤمن ثقة، وراحة ، وتفاؤلاً، وأمناً.

(( النبي عليه الصلاة والسلام أردف وراءه سيدنا معاذ بن جبل، قال له يا معاذ ـ على أسلوب الحوار ـ: ما حق الله على عبادة ؟ فقال: الله ورسوله أعلى ـ سأله ثانية وثالثة ثم أجابه ـ قال: يا معاذ حق الله على عباده أن يعبدوه، ولا يشركوا به شيئاً، ثم سأله، يا معاذ ما حق العباد على الله إذا هم عبدوه ؟ ـ الله جل جلاله بكرمه، ورحمته أنشأ لك حقاً عليه ـ يا معاذ ما حق العباد على الله إذا هم عبدوه ؟ قال: الله ورسوله أعلم ـ سأله ثانية وثالثة على أسلوب الحوار، تشويقاً له ثم أجابه ـ قال: يا معاذ حق العباد على الله إذا هم عبدوه ألا يعذبهم ))

[ متفق عليه عن معاذ]
عظمة هذا الدين، دين اجتماعي، شمولي، أممي، ودين فردي، لو أن الناس تفلتوا من منهج الله عز وجل، وعود الله للمؤمن قائمة وحدها، حق العباد على الله إذا هم عبدوه ألا يعذبهم.


الإنسان في مأمن من عذاب الله عز وجل إن طبق سنة النبي الكريم في حياته:


تأتي الآية الكريمة:

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾

( سورة الأنفال الآية: 33 )
ما دامت سنتك مطبقة في حياتهم، في بيوتهم، في أعمالهم، في مناسباتهم الاجتماعية، في أخذهم للمال، في إنفاقهم للمال، في حلهم، في ترحالهم، في أفراحهم، في أتراحهم
﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾
أي أن سنتك قائمة فيهم.
فلذلك:

(( يا عباس عم رسول الله، يا فاطمة بنت محمد، أنقذا نفسيكما من النار، أنا لا أغني عنكما من الله شيئاً ))

[ مسلم عن أبي هريرة ]

(( من يبطئ به عمله لم يسرع به نسبه ))

[ أحمد عن أبي هريرة]

(( لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم ))

[ أحمد عن أبي هريرة]
فلذلك يقول أمتي، أمتي:

(( فيقول: إنَّك لا تدري ما أحدثوا بعدَك ))

[أحمد عن أبي سعيد الخدري]
فلذلك الآية الواضحة:

﴿ أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ ﴾

( سورة الزمر )



العذاب الأليم لمن تمكّن من انتزاع فتوى من فم رسول الله و لم يكن محقاً:


شيء آخر: بعض المسلمين يتوهمون أنه إذا انتزع من فم إمام مسجد فتوى نجا من عذاب الله، يقول لك: أنا معي فتوى، وغاب عنه أن الإنسان لو استطاع بذكاء، وطلاقة لسان، وقوة حجة أن ينتزع من فم سيد الخلق، وحبيب الحق، من المعصوم، من الذي يوحى إليه فتوى لصالحه، ولم يكن محقاً، لا ينجو من عذاب الله، الدليل:

(( ولَعَلَّ بعضكم أن يكونَ أَلْحَنَ بحُجَّتِهِ مِن بعض، فأقضي نحو ما أسمع، فمن قضيتُ له بحَقِّ أخيه، فإنما أَقْطَعُ له قطعة من النَّار ))

[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن أم سلمة أم المؤمنين ]
لا ينجيك أن تتوهم أن الفتوى معك، هناك الفتوى، وهناك التقوى.
مرة ثانية: إن تمكنت أن تنتزع من فم النبي صلى الله عليه وسلم، وهو المعصوم، وهو الذي يوحى إليه فتوى لصالحك، ولم تكن محقاً لا تنجو من عذاب الله.
ومرة ثانية وثالثة أؤكد لكم أن الحقيقة المرة أفضل ألف مرة من الوهم المريح.


الشهيد في اللغة:


في اللغة، "الشهيد" كما تعلمون صيغة مبالغة، من اسم الفاعل الشاهد، شاهد شهيد، على وزن فعيل، والفعل شهد، يشهد، شهوداً، وشهادة، والشهود هم الحضور مع الرؤية والمشاهدة، الحضور الذين رأوا بأعينهم الذي وقع.
أنت تركب مركبة، وصار في حادث، وأنت رأيت رأي العين أن السائق لم يخطئ، لكل الطفل هو الذي ألقى بنفسه أمامه، أما أن تشهد أمام أولي الأمر بما وقع هذا واجب يرقى إلى مستوى الفرض.

﴿ وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا ﴾

( سورة البقرة الآية: 282 )
عدل ساعة خير من أن تعبد الله ثمانين عاماً، فلما الإنسان يتهرب من أن يدلي بشهادته بوضع صعب، في حادث سير، في مشكلة، فهو آثم عند الله عز وجل.
فالشهود هم الحضور، مع الرؤية والمشاهدة، وهذا الحديث فيه بشارة لنا، و فيه يقول عليه الصلاة والسلام بعد أن قال أُبيّ بن كعب:

(( صلَّى بنا النبيُّ صلى الله عليه وسلم يوماً الصبحَ، فلما سلَّم قال: أشاهد فلان ؟ قالوا: لا، قال: أشاهد فلان ؟ قالوا: لا، قال: إنَّ هاتين الصلاتين أثقلُ الصلوات على المنافقين، ولو تعلمون ما فيهما لأتَيْتُموهما ولو حَبْوا على الرُّكَبِ ))

[ أبو داود عن أبيّ بن كعب ]
وفي حديث آخر:

(( ولو يعلمون ما في العَتَمة والصبح لأتوهما ولو حَبْوا ))

[أخرجه البخاري ومسلم والنسائي ومالك عن أبي هريرة ]
بل إن النبي صلى الله عليه وسلم يقول:

(( من صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله حتى يسمي، ومن صلى العشاء في جماعة فهو في ذمة الله حتى يصبح ))

[ورد في الأثر]
أي في حفظ الله، في رعاية الله، في تأييد الله.


من معاني الشهادة:


1 ـ الإخبار بما شاهده المرء:


الشهادة هي الإخبار بما شاهده المرء، شهد فلان على فلان بحق فهو شاهد وشهيد، والشاهد يلزمه أن يبين ما علمه على الحقيقة، واجب يرقى إلى مستوى الفرض.
و:

(( ألا أُنبِّئكم بأكبر الكبائر - ثلاثاً - قلنا: بلى يا رسولَ الله، قال: الإشراكُ بالله، وعقوقُ الوالدين، وكان متكئا فجلس فقال: وشهادة الزور ثلاثا أو قول الزور))

[ البخاري عن أبي بكرة]
وهناك أناس كثيرون يكذبون كلما تنفسوا، كل كلامه كذب.
أيها الأخوة، دققوا في هذا القول الخطير كما قال النبي الكريم:

(( يطبع المؤمن على الخلال كلها ))

[أخرجه الإمام أحمد عن أبي أمامة الباهلي ]
الخلال ؛ أي الطباع، الآن في علم الطباع، إنسان يحب الوحدة، إنسان اجتماعي، إنسان يحب السفر، إنسان انطوائي، إنسان ينفق أكثر من دخله، إنسان يدقق في إنفاقه، لكن بالمناسبة:

(( برئ من الشح: من أدى زكاة ))

[أخرجه الطبراني عن جابر بن عبد الله ]
برئ من الكبر من حمل حاجته بيده، برئ من النفاق من أكثر من ذكر الله.
فالإنسان أحياناً يقصر، أو يتكلم بكلام غير صحيح، هذا قول الزور، وأن تشهد ولم ترَ.
مرة إنسان في دعوى احتاج إلى شاهد، في عصور التخلف الديني، هناك من يشهد له بالأجرة، مع أنه لم يكن حاضراً، فاتفق مع إنسان أن يدلي له بشهادة مقابل مبلغ من المال يقدر بخمسة آلاف، فلما دخل أمام القاضي قال له: ضع يدك على المصحف، قال له: لحظة، عاد إلى الذي كلفه قال له: هناك يمين أريد عشرة آلاف، مشكلة كبيرة جداً.
أقول لكم أيها الأخوة: أي إنسان يدلي بشهادة زور بأي رقم انتهى عند الله.


من غيّر قناعته بمبلغ مهما كان كبيراً سقط من عين الله:



بالمناسبة: أي إنسان يغير قناعته بمبلغ مهما كان كبيراً سقط من عين الله.

(( وكان متكئا فجلس فقال وشهادة الزور ثلاثا أو قول الزور))

[ البخاري عن أبي بكرة]
إذاً:

(( يطبع المؤمن على الخلال كلها ))

[أخرجه الإمام أحمد عن أبي أمامة الباهلي ]
هناك إنسان منفتح، إنسان منغلق، إنسان اجتماعي، إنسان فردي، إنسان يحب السفر، إنسان يحب الإقامة، إنسان عصبي المزاج، هذه كلها طباع على العين والرأس، إنسان يعتني بثيابه كثيراً، إنسان أقل عناية، إنسان ينفق كثيراً، إنسان أقل إنفاقاً، إنسان يعتني ببيته كثيراً، كلها طباع.

(( يطبع المؤمن على الخلال كلها إلا الخيانة والكذب ))

[أخرجه الإمام أحمد عن أبي أمامة الباهلي ]
فإذا كذب أو خان فليس مؤمناً، هذا يذكرني بآية كريمة:

﴿ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنْ الْخُلَطَاء ﴾

( سورة ص الآية: 24 )
الخلطاء الأزواج، الشركاء، الأقرباء، الأخوة، الورثة:

﴿ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنْ الْخُلَطَاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ ﴾

( سورة ص الآية: 24 )
استنبط الإمام الشافعي أن الذي يبغي على خليطه ليس مؤمناً، يعني الشريك الذي يريد أن يأخذ الشركة وحده، ولا يسمح لشريكه الذي دخل معه بوضوح تام هذا ليس مؤمناً، أي إنسان أراد أن يغتصب حقّ أخيه بنص هذه الآية ليس مؤمناً.


2 ـ الحُكم:


أيها الأخوة، الشهادة لها معنى آخر، المعنى الآخر: هو الحُكم، فقد جاء النبي عليه الصلاة والسلام إلى بيت أبي السائب وهو مسجى على السرير، فسمع امرأة من وراء الستر تقول:
(( رحمة الله عليك أبا السائب، فشهادتي عليك لقد أكرمك الله ـ فالنبي عليه الصلاة والسلام كلامه سنة، تشريع، فعله تشريع، وإقراره تشريع، لو بقي ساكتاً لكان كلام أم العلاء صحيحاً ـ رحمة الله عليك أبا السائب، فشهادتي عليك: لقد أكرمك الله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وما يدريك أن الله أكرمَهُ ؟ فقلت: بأبي أنت يا رسول الله، فمن يكرمه الله ؟ فقال: أمّا هو فقد جاءه اليقين ))

[أخرجه البخاري عن أم العلاء الأنصارية ]

﴿ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ﴾

( سورة الحجر )
الموت.

(( والله إِني لأرجو له الخير. والله ما أدري وأنا رسول الله ما يُفعَلُ بي ؟ قالت: فوالله لا أُزَكِّي أحداً بعده أبداً يا رسول الله ))

[أخرجه البخاري عن أم العلاء الأنصارية ]
أي أخطأت، إذا سُئلت عن إنسان، أظنه صالحاً فيما أعلم، ولا أزكي على الله أحداً، وفي رواية قالت:

(( فأحْزَنني ذلك، فَنِمْتُ، فرأيتُ لعثمان عينا تجري، فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت له ذلك، فقال: ذلك عمله ))

[أخرجه البخاري عن أم العلاء الأنصارية ]



تقييم الأشخاص من شأن الله وحده:


الذي يحكم على الآخرين حكماً قطعياً على مستقبلهم في الجنة أو في النار وقع في معصية كبيرة، سماها العلماء التألي على الله، اعلم علم اليقين أن تقييم الأشخاص من شأن الله وحده، وليكن قدوتك سيدنا عيسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام:
﴿ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾

( سورة المائدة )
هذا ليس من شأني، وطن نفسك ألا تقيّم أحداً، قل تقييم الأشخاص من شأن الله وحده، هذا من حيث اللغة.


من معاني الشهيد:


1 ـ الله جلّ جلاله رقيب على خلقه أين ما كانوا:


أما أن الله جلّ جلاله هو "الشهيد" فهو الرقيب على خلقه أين ما كانوا، حاضر، شهيد، أقرب إليّهم من حبل الوريد، يسمع ويرى وهو بالمنظر الأعلى، وعلى العرش استوى فالقلوب تعرفه، والعقول لا تكيفه، يعني استوى على العرش، الاستواء معلوم والكيف مجهول.
وهو سبحانه فوق عرشه على الحقيقة، وبالكيفية التي تليق به، وشاهدته على خلقه شهادة إحاطة شاملة كاملة:

﴿ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾
لذلك قال بعضهم: الحمد لله على وجود الله، شهادته على خلقه شهادة إحاطة كاملة، تشمل العلم، والرؤية، والتدبير، والقدرة، إن تحركت فهو يعلم، فهو يراك، وإن تكلمت فهو يسمعك، وإن أضمرت شيئاً فهو يعلمه، إن تحركت فهو يراك، وإن نطقت فهو يسمعك، وإن أضمرت شيئاً فهو يعلمه.


2 ـ الله عز وجل شهد لنفسه بالوحدانية والقيام بالقسط:


هناك معنى آخر للشهيد، "الشهيد" جلّ جلاله هو الذي شهد لنفسه بالوحدانية والقيام بالقسط، كما قال الله عز وجل:
﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾

( سورة آل عمران )
هذا المعنى دقيق جداً، الإنسان حينما يعتمد على جهة غير الله عز وجل.

(( ما من مخلوق يعتصم بمخلوق دوني إلا قطعت أبواب السماء والأرض دونه فإن دعاني لم أجبه، وإن سألني لم أعطه، وما من مخلوق يعتصم بي دون خلقي إلا ضمنت السموات رزقه، فإن سألني أعطيته، وإن دعاني أجبته، وإن استغفرني غفرت له ))

[ كنز العمال عن علي]
لذلك الله يشهد لنفسه أنه الواحد الأحد، فإذا اعتمدت على سواه أمره أن يتخلى عنك تأديباً لك، يقول الله عز وجل:

﴿ قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ﴾

( سورة الأنعام الآية: 19 )




تأديب الله عز وجل من اعتمد على سواه:


الآن أي مؤمن يعتمد على ما سوى الله، الله عز وجل يؤدبه، حتى صحابة رسول الله، وهم صفوة البشر، وفيهم سيد البشر، حينما اعتمدوا في حنين على عددهم وقالوا:

(( ولن يُغْلَبَ اثنا عَشَرَ ألفا مِنْ قِلَّةٍ ))

[أخرجه أبو داود والترمذي عن عبد الله بن عباس ]
لم ينتصروا وقال الله عز وجل :

﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ﴾

(سورة التوبة )



الله عز وجل يشهد لكل مخلوق أن هذا القرآن كلامه من خلال:


1 ـ إذاقته للحياة الطيبة إذا استقام على أمره:



أيها الأخوة، قضية أن الله يشهد أنه واحد أحد فرد صمد دقيقة، يعني مثلاً إذا آمن الإنسان كما ينبغي، وعمل صالحاً بصدق وإخلاص، أذاقه الله طعم الحياة الطيبة من طمأنينة، واستقرار، وتيسير، وتوفيق، وسعادة، عندئذٍ يشعر من خلال الحياة الطيبة التي يحياها والتي ذاقها مصداق لوعد الله أن الله جلّ جلاله شهد له بأن هذا القرآن كلامه، وأن هذه الحياة الطيبة من فعله، قدرها له تحقيقاً لوعده.
وحينما أنظر إلى الشهادة، يطابق فعل الله مع ما في القرآن، يقوم الدليل القطعي على أن القرآن كلام الله، كيف يشهد الله جلّ جلاله للمؤمن أن هذا القرآن كلامه ؟ يؤمن كما ينبغي، يستقيم كما ينبغي، يفعل الأعمال الصالحة كما ينبغي، يذيقه الله الحياة الطيبة والحياة الطيبة من فعل الله.
إذاً إذاقته للحياة الطيبة شهادة من الله لهذا المؤمن أن التطابق بين ما في القرآن وما في حياته الطيبة دليل أن القرآن كلام الله.




2 ـ تحقق الوعد و الوعيد:



مثل آخر:
﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً ﴾

( سورة طه الآية: 124 )
الآن
﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي ﴾
عن ذكر الله، والقرآن هو ذكر الله، هجره، وجعله وراءه ظهريا، استحل محارمه، ولم يعبأ لا بأمره ولا بنهيه، ولا بوعده ولا بوعيده، أذاقه الله مذاق المعيشة الضنك، من خوف، وقلق، وضيق، وشدة، وتعسير، وإحباط، وشقاء، وضياع، عندئذٍ يشعر من خلال هذه المعيشة الضنك التي ذاقها مصداقاً لوعيد الله أن الله شهد له بأن هذا القرآن كلامه، الله عز وجل يشهد لكل مخلوق، في كل وقت، وفي كل مكان، أن هذا القرآن كلامه، من خلال تحقق الوعد والوعيد، حينما تستقيم على أمر الله تذوق الحياة الطيبة.
إذاً كلام الله حق، وحينما يعرض الإنسان عن كلام الله يذوق الضنك، إذاًً كلام الله حق، الله عز وجل يشهد في كل وقت، وفي كل مكان، أن هذا القرآن كلامه، بل إن إعجاز القرآن العلمي شهادة من الله لخلقه، أن الذي خلق الأكوان هو الذي أنزل هذا القرآن، وللموضوع تتمة إن شاء الله.






والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 02-24-2018, 09:20 AM   #99


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: أسماء الله الحسنى





بسم الله الرحمن الرحيم


(91)



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.



من أسماء الله الحسنى:(المقدم):


أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى والاسم اليوم "المقدم".



ورود اسم المقدم في السنة النبوية فقط:


هذا الاسم أيها الأخوة لم يرد في القرآن الكريم، ولكن ورد في السنة الصحيحة ففي صحيح البخاري ومسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قام من الليل يتهجد:

﴿ أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً * وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً ﴾

( سورة الإسراء )
وكان عليه الصلاة والسلام يقول:

(( سَلُوا الله ليَ الوَسِيلةَ، قالوا: يا رسولَ الله، وما الوسيلةُ ؟ قال: أعلى درجة في الجنة، لا ينالُها إِلا رجل واحد، أرجو أن أكونَ [ أنا ] هو ))

[أخرجه الترمذي عن أبي هريرة ]
قال:

(( اللَّهمَّ رَبَّنا لك الحمدُ، أنْتَ قَيِّمُ السماوات والأرضِ ومَن فِيهنَّ، ولك الحمدُ أنت نورُ السماوات والأرضِ ومن فيهن، ولك الحمدُ، أنتَ مَلِك السماوات والأرضِ ومن فيهن، ولك الحمدُ، أنت الحقُّ، وَوَعْدُكَ الحقُّ، ولقاؤكَ حَقٌّ، وقَولك حَقٌّ، والجنَّةُ حَقٌّ والنَّارُ حَقٌّ، والنَّبيُّونَ حَقٌّ، ومحمدٌ حَقٌّ، والساعةُ حَقٌّ، اللَّهمَّ لك أسلمتُ، وبِك آمَنتُ وعليك توكلتُ، وإليك أَنَبتُ، وبِكَ خَاصَمتُ، وإِليكَ حاكمتُ، فاغفر لي ما قَدَّمتُ، وما أخَّرْتُ، وما أسررتُ، وما أَعلَنتُ، أنت المقَدِّمُ وأنت المؤخِّرُ، لا إِلهَ إلا أنت، ولا إله غَيرُكَ ))

[ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي ومالك عن عبد الله بن عباس ]
هذه أدعية النبي صلى الله عليه وسلم في التهجد، وعند مسلم من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه كان إذا سجد، قال:

(( اللَّهمَّ لَكَ سَجدْتُ، وبِكَ آمَنْتُ، ولَكَ أسلَمتُ، وأنْتَ رَبِّي، سَجَدَ وَجْهي لِلَّذي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ، وَشَقَّ سَمعَهُ وبَصرَهُ تَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الخَالِقينَ ))

[مسلم عن علي بن أبي طالب]
وإذا سلم من الصلاة قال:

(( اللهمَّ اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أسرفت وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت ))

[أخرجه ابن خزيمة عن علي بن أبي طالب ]
هذا الاسم أيها الأخوة ورد في السنة الصحيحة.


المقدم في اللغة:

"المقدم" اسم فاعل، من فعل رباعي مضعف، قدم، يقدم، مقدم، الفعل قدم يقدم، تقديماً، وعند البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
(( من صام رمضانَ إيمانا واحتسابا غُفِرَ له ما تقدَّم من ذَنْبِهِ ))

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أبي هريرة ]

(( مَنْ قام رمضانَ إيمانا واحتسابا غُفِرَ له ما تقدَّم مِنْ ذَنْبِهِ ))

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أبي هريرة ]

الآن القدم: كل ما قدمت أيها الإنسان من خير أو شر وتقدمت لفلان فيه، قدم أي تقدم في خير أو شر، القدم إنسان قدم شيئاً من خير أو من شر، الشاهد بالقرآن قال تعالى:

﴿ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾

( سورة يونس الآية: 2 )
العمل الصالح الذي قدمته ابتغاء وجه الله هو قدم، معنى
﴿ قَدَمَ صِدْقٍ ﴾
عمل صالح قدمه المؤمن بين يدي ربه يوم القيامة، سؤال:
لو شخص سأل نفسه هذا السؤال المحرج، أنا آكل وأشرب، وأصلي وأصوم، لكن ماذا قدمت من عمل بين يدي ربي يوم القيامة ؟ هناك آلاف النشاطات لمصلحتك ، لتحسين معيشتك، للحفاظ على منصبك، آلاف النشاطات تصب في النهاية لصالحك، أما عمل صالح خالص لا تبتغي منه إلا وجه الله عز وجل، أي عمل فعلته لله عز وجل ؟.


الإنسان بالاستقامة يسلم وبالعمل الصالح يسعد وبتربية أولاده يستمر وجوده:


لا تنسوا أيها الأخوة أن الإنسان إذا استقام على أمر الله حقق السلامة فقط، إذا طبق منهج الله افعل ولا تفعل حقق السلامة، لأن طبيعة الاستقامة طبيعة سلبية.
يقول لك أنا ما اغتبت، ما أكلت المال الحرام، ما فعلت فاحشة، ما أوقعت بين مؤمنين، ما ابتززت أموال الناس، رائع، لكن كل نشاطات الاستقامة نشاطات سلبية وليست إيجابية، لكن العمل الصالح الذي تقدمه خالصاً لوجه الله ويوافق السنة، هذا العمل الذي يرقى بك عند الله، قال تعالى:
﴿ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾

( سورة فاطر الآية: 10 )

﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً ﴾

( سورة الكهف الآية: 110 )
فأنت بالاستقامة تسلم، وبالعمل الصالح تسعد، وبتربية أولادك يستمر وجودك ، يقال لفلان قدم صدق، أي له عمل صالح.


العمل الصالح الذي تبادره يصنفك مع المستقدمين:

قال تعالى:
﴿ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ ﴾

( سورة الحجر )

أي علمنا المستقدمين منكم في الطاعة، من بادر إلى هذه الطاعة ؟ من بادر إلى إنفاق ماله في سبيل الله ؟ من بادر إلى الإصلاح بين اثنين ؟ من بادر إلى رعاية الأيتام ؟ العمل الصالح الذي تبادره يصنفك مع المستقدمين.

﴿ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ ﴾
في الطاعة، أو من يأتي منكم إلى صلاة الجمعة في الوقت المبكر فكأنما قدم بدنة، بعد هذا الوقت كأنما قدم بقرة، بعد هذا الوقت كأنما قدم شاةً، بعد هذا الوقت كأنما قدم دجاجة، بعد هذا الوقت كأنه قدم بيضة، ثم تختم الصحف، وتجلس الملائكة كي تستمع الخطبة، أما عدد كبير من المسلمين يقول لك: أدركت صلاة الجمعة في الركعة الثانية، قبل أن يقوم الخطيب ليخطب ختمت الدرجات عند الله عز وجل.

﴿ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ ﴾
هؤلاء الذين يبكرون إلى الطاعات، أو من يتقدم على صاحبه في الموت، فلان مات في وقت مبكر، هذا مستقدم، هناك إنسان آخر الله أمد في عمره، هذا في شأن اللغة.


التقديم من أنواع التدبير الذي يتعلق بفعل الله جلّ جلاله:


لكن إذا قلنا الله جلّ جلاله هو "المقدم"، ما معنى الله هو "المقدم" ؟ قال هو الذي يقدم ويؤخر وفق مشيئته، وإرادته، وحكمته، يقدم فلاناً، ويؤخر فلاناً وفق مشيئته وإرادته وحكمته، فالتقديم من أنواع التدبير الذي يتعلق بفعل الله جلّ جلاله، تدبير الله عز وجل أن يقدم زيداً، أو أن يؤخر عبيداً، هذا من تدبير الله عز وجل، بل من سياسته مع خلقه، هذا التقديم والتأخير على نوعين، تقديم كوني، وتقديم شرعي، معنى التقديم الكوني أن الله سبحانه وتعالى كما قال:

﴿ قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ﴾

( سورة الأعراف الآية: 188 )

﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ﴾

( سورة الأعراف )
الذي يموت قبل الآخر يعد مقدماً للموت، والذي يؤخر بعد الآخر يعد متأخراً في الموت.
والله عز وجل يقول:

﴿ قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ * ﴾

( سورة سبأ )
لذلك أنت حينما تؤمن إيماناً قطعياً أن حياتك بيد الله، ولها موعد لا يتقدم ولا يتأخر، ترتاح نفسك، وتصبح شجاعاً، وتصبح عزيزاً ولا تذلل أمام إنسان، ولا تتضعضع أمام إنسان، الأمر بيد الله، حياتك بيده، والموت بيده.


من معاني المقدم:

1 ـ الله عز وجل يقدم في أجل إنسان ويؤخر في أجل إنسان آخر:


أيها الأخوة، إذاً المعنى الأول يقدم زيداً فيموت، ويؤخر عبيداً فيمد الله في أجله هذا المعنى، الله مقدم ومؤخر.



2 ـ يقدم الله بعض خلقه على بعض في الخصائص أو المقامات أو القدرات:



هناك معنى آخر: يقدم بعض خلقه على بعض، بناء على حكمة في الابتلاء، يقدم نبياً على نبي، يقدم صحابياً على صحابي، يقدم مؤمناً على مؤمن.

﴿ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحاً وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾

( سورة آل عمران )

﴿ وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ ﴾
قدمها:

﴿ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ ﴾

( سورة آل عمران الآية: 42 )
الكلمة الثانية تعني أنه اصطفاها من بين:

﴿ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ ﴾

( سورة آل عمران )
لأنها أنجبت مولوداً من دون زواج، هذا شيء مستحيل في النظام الإلهي، لكن هذا الشيء يعد كرامة لها لأنها ليست نبية، هذه كرامة، فخرق النواميس للأنبياء معجزة، وخرق النواميس لأولياء الله كرامة، وقوله جلّ جلاله عن طالوت قال:

﴿ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾

( سورة البقرة )
هذا اصطفاء، يصطفي نبياً على نبي، ولياً على ولي، قوياً على ضعيف، غنياً على فقير، الله عز وجل يقدم ويؤخر.
المعنى الأول يقدم في أجل الإنسان ويؤخر، المعنى الثاني في الخصائص، في القدرات، في المقامات.


أنواع التقديم:

1 ـ التقديم الكوني:


التقديم الكوني، إنسان مقدم بالوسامة، إنسان مقدم بالذكاء، إنسان مقدم بالنسب، إنسان مقدم بالحكمة، إنسان مقدم بالسكينة، إنسان مقدم بالرضا، إنسان مقدم بالأمن، إنسان مقدم بالهيبة، الله عز وجل يخلع على المؤمن هيبة، تهابه كل الناس، وقد ينزع هذه الهيبة فيتطاول عليه أقرب الناس إليه، هذا التقديم الكوني، التقديم التكويني، التقديم بفعل الله.



2 ـ التقديم الشرعي و هو متعلق بمحبة الله لفعل دون فعل:



أما التقديم الشرعي هذا متعلق بمحبة الله لفعل دون فعل.

(( إن الله يحب معالي الأمور وأشرافها ويكره سفسافها ))

[أخرجه الطبراني عن حسين بن علي ]
الله قدم في محبته معالي الأمور، يعني أنت أيها المؤمن هل تحمل هماً كبيراً ؟ هل تحمل همّ المسلمين ؟ هل أنت في الأفق الأعلى ؟ هل تعيش الدعوة إلى الله ؟ هل تعيش مصالحك الذاتية أم تعيش خصومات سخيفة بين الناس ؟ أم تعيش القيل والقال، وابتزاز الأموال، وإضاعة الوقت ؟



الله جلّ جلاله هو المقدم لأنه:

1 ـ يقدم الأشياء و يضعها في مواضعها على مقتضى حكمته وعلى مقتضى الاستحقاق:


المقدم هنا والمؤخر، الله أحب أعمالاً فقدمها في الثواب، وأبغض أعمالاً فأخرها في الثواب، مقدم ومؤخر، مثلاً يقول عليه الصلاة والسلام:
(( إنَّ الله وملائِكَتَه يُصَلُّون على الصفِّ المقدَّم، والمؤذِّنُ يُغْفَرُ له بمدِّ صوته ويصدِّقُه مَنْ سمعه مِن رَطْب ويابس، وله مثل أجرُ مَنْ صلَّى معه ))

[أخرجه النسائي عن البراء بن عازب ]
وفي صحيح مسلم:


(( لو يعْلَمُونَ - أو تعلمون - ما في الصَّفِّ الأوَّلِ لكانت قُرْعة ))

[مسلم عن أبي هريرة ]
و:

(( أتِمُّوا الصفَّ المُقدَّم، ثم الذي يليه، فما كان من نقْص فليَكُن في الصف المؤخَّر ))

[أبو داود عن أنس]
أيها الأخوة، الله قدّم تجهيز الميت على أي شيء آخر، قال:

(( أسْرِعوا بجنائزكم، فإن تكُ صالحة، فخير تقدِّمونها وإن تَكُ سوى ذلك فَشَر تضعونه عن رقابكم ))

[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي ومالك عن أبي هريرة ]
أمرنا بالإسراع، فالمقدم هو الله جل جلاله الذي يقدم الأشياء، ويضعها في مواضعها على مقتدى حكمته، وعلى مقتضى الاستحقاق، يعني بشكل أو بآخر من استحق التقدم قدمه الله، ومن استحق التأخر أخره الله.


2 ـ قدم أحبابه ورفع ذكرهم وأعلى قدرهم وعصمهم:


الله تعالى هو "المقدم" هو الذي يرفع ذكرك، هو الذي يعلي قدرك، هو الذي يوفقك، قدمك بالتوفيق، قدمك بالنصر، قدمك بالتأييد، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، يعني قدمنا بالعطاء، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وارضَ عنا، كن لنا ولا تكن علينا، يعني قدمنا يا رب، المؤمن طموح.
الله عز وجل هو "المقدم" هو الذي قدم أحبابه، ورفع ذكرهم، وأعلى قدرهم وعصمهم.



3 ـ قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم على جميع الأنبياء:


وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم على جميع الأنبياء، النبي صلى الله عليه وسلم ما خُوطب باسمه إطلاقاً، الله عز وجل قال:
﴿ يَا يَحْيَى ﴾

( سورة مريم الآية: 12 )

﴿ يَا عِيسَى ﴾

( سورة آل عمران الآية: 55 )

﴿ يَا مُوسَى ﴾

( سورة النمل الآية: 9 )
لا يوجد آية واحدة في القرآن يا محمد، هناك:

﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾

( سورة الفتح الآية: 29 )
بالخطاب ما خاطبه باسمه أبداً، قال:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾

( سورة التحريم الآية: 9 )

﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ ﴾

( سورة المائدة الآية: 41 )
رفع قدره، جعله سيد الأنبياء والمرسلين، جعله سيد ولد آدم، جعل له المقام المحمود، مقام الوسيلة.


4 ـ قدم الأنبياء على الأولياء:


قدم الأنبياء على أوليائه، هناك شطحات مرفوضة، بعض الأولياء يقول: خطوا البحر الذي وقف بساحله الأنبياء، هذا مرفوض أشد الرفض، في مقامات عند الله عز وجل قدم الأنبياء، قدم النبي على كل الأنبياء، قدم أولي العزم على بقية الأنبياء.



5 ـ قدم الصحابة الكرام على التابعين والتابعين على تابعي التابعين:


الآن قدم الصحابة الكرام على التابعين، وقدم التابعين على تابعي التابعين وقال:
(( خير القرون قرني ثم الذي يلونهم، ثم الذين يلونهم ))

[ورد في الأثر]

المراتب في الدنيا مؤقتة:

الآن هناك شيء دقيق، قال تعالى:

﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾

( سورة الإسراء الآية: 21 )
تاجر كبير، رئيس غرفة تجارة، دخله بالملايين، صفقاته كبيرة جداً، هذا قُدّم على بائع متجول في بعض الأسواق في الدنيا أقول الآن.
رئيس أركان في غرفة مدفأة شتاء، مكيفة صيفاً، مركبات، هذا مقدم على جندي التحق بالخدمة الإلزامية، عُين في مكان في الجبهة في أيام البرد.
جراح قلب في كل عملية مقدم على ممرض ينظف المرضى.
أستاذ جامعي كبير يحتل كرسياً أساسياً في كلية كبيرة جداً مقدم على معلم في قرية، دقق الآية
﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾


هذه المراتب في الدنيا أولاً مؤقتة:


(( من عرفها لم يفرح لرخاء، ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى وجعل الآخرة دار عقبى ))

[ من كنز العمال عن ابن عمر ]

(( رب أشعث أغبر ذي طمرين مصفح عن أبواب الناس لو أقسم على الله لأبره ))

[أخرجه الطبراني عن أنس بن مالك ]
قد تجد مؤمناً خاملاً لا أحد يعرفه، معتم عليه، قُلامة ظفره تساوي مليون رجل فاسق.


بطولة الإنسان ألا يوازن بين شخصين إلا إذا ضمّ مصيره في الآخرة إلى واقعه في الدنيا:

لذلك:
﴿ إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ * خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ ﴾

( سورة الواقعة )
أقول لكم الغنى والفقر بعد العرض على الله، الوسامة والدمامة بعد العرض على الله، قد تكون فتاة مستوى جمالها دون الوسط، أو دون بكثير، ما أتيح لها أن تتزوج لكنها صالحة، مؤمنة، تقية، نقية، تحب الله ورسوله، هذه قد تكون في الآخرة مع الملكات ، فالوسامة والدمامة بعد العرض على الله، والذكاء والمحدودية بعد العرض على الله، قد تجد إنساناً يحمل أعلى شهادة في الأرض لكنه فاسق فاجر، يأتي إنسان أميّ لكنه أطاع الله عز وجل، مقامه هذا يوم القيامة في أعلى عليين.
البطولة ألا توازن بين شخصين، ولا بين شيئين، ولا بين كيانين، ولا بين تجارتين، إلا إذا ضممت مصيره في الآخرة إلى واقعه في الدنيا.


توزيع الحظوظ في الدنيا توزيع ابتلاء و في الآخرة توزيع جزاء:


أيها الأخوة

﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾
شاءت حكمة الله أن يوزع الحظوظ، المال حظ، القوة حظ، الصحة حظ، شاءت حكمة الله أن يوزع الحظوظ على عباده في الدنيا توزيع ابتلاء، ثم توزع هذه الحظوظ في الآخرة توزيعاً آخر، توزيع جزاء، مراتب الآخرة أبدية، مستمرة، تعني كل شيء، أما في الدنيا قد يعطي الله الملك لمن لا يحب، الدليل أعطاه لفرعون وهو لا يحبه، وقد يعطيه لمن يحب أعطاه لسليمان عليه السلام، وقد يعطي المال لمن لا يحب، أعطاه لقارون، وقد يعطيه لمن يحبه، أعطاه لسيدنا عبد الرحمن بن عوف.
إذاً حظوظ الدنيا لا تعني شيئاً، وليست مستمرة، مؤقتة، الموت ينهي قوة القوي، ينهي ضعف الضعيف، ينهي غنى الغني، ينهي فقر الفقير، ينهي صحة الصحيح، ينهي مرض المريض، ينهي وسامة الوسيم، ينهي دمامة الدميم، الموت ينهي كل شيء فالبطولة تلك المرتبة التي تحتلها بعد الموت:

﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ﴾

( سورة القمر )
هذه البطولة، هذا الذكاء، هذا النجاح، هذا الفلاح، هذا التفوق.


الله عز وجل يقدم استحقاقاً ويؤخر استحقاقاً:

أيها الأخوة، الله عز وجل يقدم استحقاقاً، ويؤخر استحقاقاً، الذي قدمك فيه في الأعمّ الأغلب عن استحقاق، والذي أخرك فيه في الأعمّ الأغلب عن استحقاق، وقد يقدم تفضلاً، تشجيعاً لك، وقد يؤخر حكمة، ربما أعطاك يعني قدمك فمنعك، وربما منعك فأعطاك، لو جاءتك الدنيا كما تتمنى ربما كانت حجاباً بينك وبين الله، وإذا حرمك منها لحكمة بالغةٍ بالغة ربما كان هذا الحرمان باعثاً لك إلى الله، إذاً ربما أعطاك فمنعك، وربما منعك فأعطاك، وإذا كشف لك الحكمة في المنع عاد المنع عين العطاء.
لكن بشكل أو بآخر مستحيل وألف ألف مستحيل أن تخطب ود الله ثم لا يقدمك الله، أن تخلص له، أن تطيعه، أن تحبه، أن تستقيم مع خلقه، أن تحب خلقه، أن تكرم خلقه ، مستحيل وألف ألف مستحيل أن تخطب وده لخدمة خلقه، والإخلاص لهم دون أن تكافأ مكافأة عالية جداً.



المقياس الانتمائي أفسد المجتمعات المسلمة:


أيها الأخوة، الآن تطبيقات هذا الاسم إنسان خطب ودك ينبغي أن تهتم به، أنت بموقع قيادي، بمؤسسة، بجامعة، بمستشفى، بمعمل، بمدرسة، إن لم تقدم المجتهد وتؤخر المقصر، أفسدت المجتمع في هذه المؤسسة، إن لم تقدم المتفوق زهدته في التفوق.
طالب يكتب وظيفته كل يوم ما في شيء، لا مكافأة ولا ثناء، طالب لا يكتبها لا يوجد عقاب، بعد حين لا أحد يكتب الوظائف، أنت إذا كنت في منصب قيادي ينبغي أن تقدم المتفوق، وأن تؤخره بمقياس موضوعي، لا بمقياس انتمائي، الذي أفسد المجتمعات المسلمة المقياس الانتمائي، بمقياس موضوعي يجب أن تقدم المتفوق وأن تؤخر المقصر.








والحمد لله رب العالمين




 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 02-24-2018, 09:22 AM   #100


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: أسماء الله الحسنى





بسم الله الرحمن الرحيم



(92)





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.





من أسماء الله الحسنى:(المؤخر):


أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "المؤخر".



ورود اسم المؤخر في السنة النبوية:


هذا الاسم كالاسم السابق المقدم لم يرد في القرآن الكريم، ولكن النبي عليه أتم الصلاة والتسليم سمّى ربه به، فقد ورد في السنة الصحيحة في قوله صلى الله عليه وسلم في دعاء التهجد:

(( أنتَ المُقَدِّمُ، وأنت المؤخِّرُ ))

[ أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن علي بن أبي طالب ]



ورود اسم المؤخر كوصف فعل في القرآن الكريم:

لكن ورد هذا الاسم كوصف فعل في القرآن الكريم في قوله تعالى:
﴿ وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾

( سورة المنافقون )
طبعاً الاشتقاق من الفعل مرجعيته إلى النص الأصلي في تسمية النبي صلى الله عليه وسلم:

(( أنتَ المُقَدِّمُ، وأنت المؤخِّرُ ))

[ أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن علي بن أبي طالب ]
وليس إلى اجتهادي الشخصي، فدور العلماء حيال الأسماء الحسنى الجمع والإحصاء ثم الحفظ والدعاء، وليس الاشتقاق والإنشاء، ولهذا فإن اسم "المؤخر" ثابت في السنة الصحيحة.


المؤخر في اللغة:

أما في اللغة فالمؤخر عكس المقدم، قدّم وأخر، لذلك باللغة ظاهرة اسمها التطابق، وهناك التعاكس، الليل والنهار، الحق والباطل، الخير والشر، هذا من باب ذكر الشيء ونقيضه، فالله عز وجل يقدم ويؤخر.
أيها الأخوة، الفعل أخر، يؤخر، تأخيراً، وقد ورد عند البخاري من حديث عمر بن الخطاب:
(( لمَّا مَاتَ عبدُ اللهِ بن أُبيِّ بن سَلول ـ هذا رأس المنافقين ـ ودُعيَ له رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لِيُصليَ عليه، فلما قامَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وَثَبْتُ إِليه فقلتُ: يا رسولَ الله أَتُصلِّي على ابن أُبَيٍّ وقد قال كذا وكذا يوم كذا وكذا ؟ ! أُعَدِّدُ عليه قولَهُ، لئن رجعنا إلى المدينة ليخرج الأعز منا الأذل، فتبسَّمَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وقال: أَخِّرْ عَني يا عُمَرُ ـ أي ابتعد عني ـ فلما أَكْثَرْتُ عليه قال: أما إني خُيِّرْتُ فاخترتُ ـ هذا قراري ـ لو أَعلمُ أَني إن زدتُ على السبعين يُغْفرْ له، لَزِدْتُ عليها:
﴿ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ﴾

( سورة التوبة الآية: 80 )
لو أَعلمُ أَني إن زدتُ على السبعين يُغْفرْ له، لَزِدْتُ عليها، قال: فصلىَّ عليه رسوله الله صلى الله عليه وسلم، ثم انْصرَفَ، فلم يَمكُثْ إِلا يسيرا حتى نزلت الآيتان:

﴿ وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ ﴾

( سورة التوبة )

(( قال: فعجبتُ بعدُ من جُرْأَتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذٍ والله ورسولُهُ أعلم، فما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده على منافق، ولا قام على قبره، حتى قَبضَهُ اللهُ ))

[أخرجه البخاري والترمذي والنسائي عن عمر بن الخطاب ]
وهذه من موافقات سيدنا عمر، كان يدلي برأي فيأتي الوحي ويؤيده به، هذا ما رواه البخاري والترمذي والنسائي.
أيها الأخوة الكرام:

(( ما سُئِلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم يومئذ عن شيءِ قُدَّمَ ولا أُخَّرَ، إلا قال: افْعَلْ، ولا حَرَج ))

[ البخاري عن ابن عمر]
هذه في الحج.
و:

(( كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر ثم يجمع بينهما، وإذا زاغت صلى الظهر ثم ركب ))

[ البخاري عن أس بن مالك]
هذا في النصوص الصحيحة التي ورد فيها اسم "المؤخر" صراحة أو وصف فعله.


من معاني المؤخر:

1 ـ الله عز وجل يؤخر الأشياء فيضعها في مواضعها:



أما إذا قلنا الله "المؤخر"، هو المقدم وقد تحدثنا عن ذلك مطولاً في الدرسين السابقين، أما إذا قلنا الله جلّ جلاله هو "المؤخر" أي هو الذي يؤخر الأشياء فيضعها في مواضعها، إما تأخيراً كونياً فعن أم حبيبة أنها قالت:

(( اللَّهمَّ أَمتعني بِزَوجي رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وبأَبي أبي سفيان وبأَخي معاوية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: سَأَلْتِ الله لآجالٍ مَضْروبة، وأَيَّامٍ مَعدودةٍ، وأرزاقٍ مقسومة ـ يعني سؤالك لا يقدم ولا يؤخر ـ لن يعَجِّلَ شيئاً منها قبل حِلِّه ولا يُؤَخِّرَ، ولو كنْتِ سألتِ الله أَنْ يُعِيذَك من عذابٍ في النَّار وعذابٍ في القبرِ: كان خيراً وأفضلَ ))

[ مسلم عن ابن مسعود]
إذاً الأولى أن تسأل الله شيئاً سمح لك أن تسأله، هناك من يقول: يا رب لا تسألنا عن شيء، هذا كلام ليس له معنى، لأن الله عز وجل يقول:

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

( سورة الحجر )
فأي سؤال متعلق بالقضاء والقدر لا يقدم ولا يؤخر، لا معنى له، بحسب توجيه النبي عليه الصلاة والسلام.


التأخير نوعان:


1 ـ تأخير كوني متعلق بالآجال:



إذاً هناك تقديم وتأخير كوني أو شرعي، الكوني فلان ولد قبل فلان مقدم، مؤخر: فلان جاء بعد فلان، التقديم والتأخير الكوني متعلق بالآجال.



2 ـ تأخير شرعي:



أما الشرعي كما ورد من حديث أبي عطية أنه قال:
(( قال: دخلتُ أنا ومسروق بن الأجدع على عائشةَ أمِّ المؤمنين فقلتُ: يا أمَّ المؤمنين، رَجُلانِ من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، أحدهما يعجِّلُ الإِفطار، ويعجِّل الصلاة، والآخرَ يؤخِّرُ الإِفطارَ ويؤخِّر الصلاةَ ))

[ مسلم عن أبي عطية ]
الآن في العبادات الأولى أن نعجل هذه الصلاة أم أن نؤخرها ؟ النبي أخر صلاة العشاء، فقضايا العبادات، والصلوات، والصيام، والإفطار، والسحور، هذه أشياء تسمى تأخير تشريعي، هناك تأخير كوني متعلق بالولادة والوفاة، وهناك تأخير تشريعي.


(( قالت: أيُّهما الذي يُعجِّل الإِفطار ويعجِّل الصلاةَ ؟ قال: قلنا: عبد الله بن مسعود، قالت: كذا كان يصنع رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ))

[ مسلم عن أبي عطية ]
إذاً هناك تأخير كوني متعلق بالآجال، وهناك تأخير شرعي، والتأخير الكوني متعلق بالأعمال، الله عز وجل قدم فلاناً وأخر فلاناً، قدم فلاناً في المال، وأخر فلاناً في المال، الأول غني والثاني فقير، قدم فلاناً في العلم، وأخر فلاناً، الأول عالم والثاني أقل علماً، قدم فلاناً في المكانة، رفع ذكره، وأخر فلاناً في المكانة، الأول لامع والثاني خامل، فالله فضلاً عن الآجال المكانة، والغنى، والوسامة، والطلاقة، يقدم أناساً ويؤخر أناساً.
أحياناً امرأة قدمها في الجمال، وأخر هذه في الجمال، أما المؤخرة في الجمال قدمها في العلم وأخر الأولى في العلم، يقدم ويؤخر، هذا التقديم والتأخير الكوني، أما الشرعي شرع لنا أن نقدم الإفطار مباشرة، أن نؤخر السحور، قدم الإفطار وأخر السحور.


2 ـ الله عز وجل يؤخر العذاب بمقتضى حكمته ورحمته ابتلاء لعباده لعلهم يتوبوا إليه:




"المؤخر" الآن معنى جديد، هو الذي يؤخر العذاب، بمقتضى حكمته ورحمته ابتلاء لعباده لعلهم يتوبوا إليه، قبل أن يستحقوا العذاب، الله حليم يرتكب الإنسان معصية يعطيه فرصة.
يروى أن سيدنا عمر أراد أن يعاقب سارقاً، فقال: والله يا أمير المؤمنين إنها المرة الأولى، قال له: كذبت إن الله لا يفضح من المرة الأولى، الله حليم.
بصراحة الإنسان إذا ارتكب ذنباً وأصرّ عليه، وما تاب منه، وتباهى به، وافتخر به يأتي العقاب، أما ارتكب ذنباً الله يعطيه مهلة، فإذا ندم فالندم توبة، إذا أقلع فالإقلاع توبة، فالله عز وجل لا يسمح بإنزال العقاب على عبد إلا بعد أن يصر على ذنبه.
﴿ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا ﴾

( سورة آل عمران الآية: 135 )



تأخير الله عز وجل البلاء لحكمة بالغة:

إذاً الله عز وجل يؤخر البلاء لحكمة بالغة، ولرحمة بالغةٍ لعباده العصاة.
(( ابن آدم اطلبنِي تجدني، فإن وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء ))

[ تفسير ابن كثير]
عباده إن تابوا فهو حبيبهم، وإن لم يتوبوا فهو طبيبهم، يبتليهم بالمصائب ليطهرهم من الذنوب والمعايب، الحسنة عند الله بعشرة أمثالها ويزيد، والسيئة بمثلها ويعفو، والله عز وجل أرأف بعبده من الأم بولدها.
الآية التي تؤكد تأخير العقاب هي قوله تعالى:

﴿ وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ﴾

( سورة النحل )



الله عز وجل خلق الإنسان ليرحمه و يسعده:


أحياناً يقول أحدهم: إن الله عز وجل خلقنا للعذاب، هذا كلام يتناقض مع القرآن الله قال:

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

( سورة الذاريات )
الله عز وجل قال:

﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾

( سورة هود الآية: 119 )
خلقهم ليرحمهم، لكن إذا اقتضت حكمته أن يؤدب عبداً سها ولها، ونسي المبتدا والمنتهى، من الحكمة أن يعالجه الله عز وجل قبل أن يموت.
فلذلك ما يرى الإنسان من مصائب تنزل بالناس هي محض رحمة من الله عز وجل لقوله تعالى:

﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾

( سورة السجدة )



المصائب خمسة أنواع:


العلماء قالوا: المصائب خمسة أنواع، نوعان يصيبان أهل الإثم والفجور ونوعان يصيبان المؤمنين، ونوع يصيب الأنبياء والمرسلين، أما مصائب الفجار والمشركين مصائب الردع والقصم، ردع وقصم، إذا فيه بقية خير (واحد بالألف خير) الله عز وجل يرسل له مصيبة يردعه بها عن فجوره، وعن عدوانه، وعن طغيانه، فالأولى مصيبة ردع، أما إذا علم الله أنه لن يرتدع، ولن يؤمن، يرسل له مصيبة يقصمه بها، هاتان المصيبتان مصيبة القصم والردع تصيب أهل الكفر والفجور والعدوان والطغيان، الله عز وجل منتقم، يعني ينتقم من الفاجر، ينتقم من المجرم، ينتقم من العابث، يوقفه عند حدّه، هذه مصائب أهل الفسق والفجور، والطغيان والعدوان، مصائب قصم أو مصائب ردع.
أما المؤمنون:
﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾

( سورة البقرة )
يعني من نعم الله الكبرى أنه يتولانا بالتربية، يتولانا بالعناية المشددة.


مصيبة المؤمن مصيبة دفع إلى باب الله أو مصيبة رفع لمقامه:


أنا أقول أيها الأخوة: دائماً المؤمن في العناية المشددة، بل إن رأيت أن الله يتابعك ويحاسبك حساباً دقيقاً على كل ذلة، وعلى كل كلمة، فاشكر الله عز وجل، لأنك في عنايته المشددة، لأنه مطموع بك، لأن المشكلة التي بينك وبينه تحل.
تماماً كما لو أن طبيباً رأى قريبه المريض يعاني في التهاب في المعدة، هذا المرض قابل للشفاء يعطيه حمية قاسية جداً، ويشدد عليه، لأن مرضه قابل للشفاء، أما لا سمح الله ولا قدر لو أن لهذا الطبيب مريض مصاب بورم خبيث منتشر في أمعائه يقول له: كُلْ ما شئت، لأنه لا أمل في شفائه، وهذا معنى قوله تعالى:

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً ﴾

( سورة الأنعام الآية: 44 )
هذه المصيبة تصيب المؤمنين، مصيبة النقص
﴿ نَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ﴾

مصيبة الدفع إلى باب الله، مصيبة الحث على مزيد من الطاعة.
لكن هناك مصيبة أخرى، مستقيم، وابتلاه الله بمصيبة ليرفع أجره عنده، مصيبة رفع، بإمكان هذا المؤمن أن يكون بوضع أحسن، والآن جيد، ومستقيم، لكن بإمكانه أن يكون بوضع أعلى من ذلك، يعني له عند الله مكانة، لم ينالها بعمله الصالح، ينالها بصبره على هذا البلاء، فإما أن تكون مصيبة المؤمن مصيبة دفع إلى بابه، أو أن تكون المصيبة مصيبة رفع لمقامه، على كلٍ:

(( عَجَبا لأمر المؤمن ! إنَّ أمْرَه كُلَّه له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابتْهُ سَرَّاءُ شكر، فكان خيراً له، وإن أصابتْهُ ضرَّاءُ صَبَر، فكان خيراً له ))

[أخرجه مسلم عن صهيب الرومي ]
الآن الله عز وجل إذاً يؤخر العقاب من أجل أن يتوب العباد أو من أجل استحقاق العقاب، قال تعالى:

﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ﴾

( سورة إبراهيم )
إذاً الله عز وجل يؤخر العقاب عن المؤمنين المقصرين، وعن الظلام.


تعاريف أخرى للمقدم و المؤخر:

بعضهم قال: "المؤخر" هو الذي ينزل الأشياء منازلها، يقدم ما يشاء بحكمته ويؤخر ما يشاء بحكمته.
"المؤخر" دلّ على صفة من صفات الذات، ودلّ على صفة أيضاً من صفات الأفعال، في ذاته مؤخر، وفي أفعاله مؤخر.
وقال بعضهم: "المؤخر" في حق الله تعالى هو الذي يؤخر المشركين، ويقدم المؤمنين، يؤخر العصاة، ويرفع الطائعين.
وقال بعضهم: المقدم و "المؤخر" هو الذي يقدم من شاء، ويؤخر من شاء على بابه، يُطرق بابه يفتح لواحد، ولا يفتح للآخر بحسب حكمته.



بعض الأمثلة عن التقديم و التأخير:

أيها الأخوة، بعض الأمثلة، أبو سفيان زعيم قريش، يحتل أعلى مكانة في قريش، لم يؤمن برسول الله، بل حارب رسول الله، كان مقدماً في قومه بالجاه و المكانة، زعيم قريش، فلما أعرض عن ذكر ربه أخره الله.
تروي بعض الحكايات أنه وقف مرة على باب عمر مدة طويلة، ولم يؤذن له يرى صهيباً وبلالاً يدخلان ويخرجان بلا استئذان، فآلمه ذلك، قال: يا أمير المؤمنين أبو سفيان يقف بابك ولا يؤذن له، وصهيب وبلال يدخلان ويخرجان بلا استئذان، ماذا قال له ؟ قال له: أنت مثلهما ؟ بلال عبد، وصهيب رومي، لكن لأنهما عرفا ربهما قدمهم الله عز وجل، الله يقدم ويؤخر.
امرأة في قصر العزيز، تعرف يوسف عبداً مملوكاً، وقد دخل السجن، فلما رأته عزيز مصر، قالت: سبحان من جعل العبيد ملوكاً بطاعته، وسبحان من جعل الملوك عبيداً بمعصيته.



كل مؤمن خطب ودّ الله واستقام على أمره رفع الله ذكره و قدمه على غيره:

الله يقدم إنساناً يرفعه، فأنا أقول دائماً: المؤمن له من آية:
﴿ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾

( سورة الشرح )
نصيب، كل مؤمن خطب ود الله، واستقام على أمره، وأناب إليه، وأقبل عليه، يرفع الله ذكره، قبل الإيمان ما كان متقدماً، بعد الإيمان الله قدمه، والإنسان الذي كان على شيء من التدين ثم خرق استقامته، والتفت إلى الدنيا، ولم يعبأ بعباداته، كان مقدماً فأخره الله عز وجل.
اثنان قادمان إلى بلدهما من أوربا، نزلا في فندق في بلد أوربي شرقي (روى لي القصة أحدهما) قال لي: طُرق الباب ليلاً، والأمر معروف أحياناً إذا نزيل بفندق هناك نساء منحرفات هن يتحرشن به، قال لي: أنا ما فتحت الباب، صديقي فتح الباب، أي أحدهما ارتكب الفاحشة، والآخر لم يرتكب شيئاً، الذي ما ارتكب خوفاً من الله، سبحان الله بعد عدة سنوات الأول في عمله صاعد، والثاني في عمله هابط، إلى أن ضاق به الأمر سلم المحل وأصبح بلا عمل، واحد صاعد كان مؤخراً فقدمه الله عز وجل، والثاني كان مقدماً فأخره الله عز وجل.
بلال كان عبداً، كان أمية بن خلف يضربه ضرباً مبرحاً، جاء سيدنا الصديق واشتراه منه، قال له صفوان لسيدنا الصديق: والله لو دفعت به درهما لابعتكه، قال له: والله لو طلبت مئة ألف لأعطيتك إياها، ودفع ثمنه، ووضع يده تحت إبطه وقال: هذا أخي، فكان الصحابة الكرام إذا ذكروا الصديق قالوا: هو سيدنا وأعتق سيدنا، يعني بلالاً، معقول عبد حبشي يأتي إلى المدينة فيخرج عمر عملاق الإسلام خليفة المسلمين لاستقباله ؟! هذه مقاييس الإسلام، كان عبداً حبشياً، وكان صهيب رومياً، فلما أسلما وتعرفا إلى الله رفع الله ذكرهما.
فالله يقدم ويؤخر، وأحياناً يؤخر العقوبة لحكمة بالغة، حكمة بالغةٍ بالغة فالإنسان إذا أُخر فلحكمة بالغة، وإذا قُدم فبفضل من الله عز وجل، والدعاء:
" اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارضَ عنا ".





والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدليلية (Tags)
أسماء, الله, الحسنى


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 4 ( الأعضاء : 0 , والزوار : 4 )
 

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG]متاحة
كود HTML معطلة



المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
متجدد ..أسماء الله الحسنى ومعانيها..~ منال نور الهدى رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة 45 06-29-2022 09:36 AM
اسماء الله الحسنى 2008 م السعيد رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة 204 09-03-2018 01:22 PM
معرض أسماء الله الحسنى منال نور الهدى رِيَاضُ الصُوَر المَنْقُولَة 3 11-05-2014 11:25 PM
أسماء الله الحسنى: "الجبار" منال نور الهدى رياض الصوتيات والمرئيات الإسلامية 3 02-27-2013 03:13 AM
من أسماء الله الحسنى :"المبين .".الشيخ محمد راتب النابلسي منال نور الهدى رياض الصوتيات والمرئيات الإسلامية 5 02-27-2013 03:03 AM


الساعة الآن 07:18 PM