| كَلِمةُ الإِدَارَة |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
| جديد المواضيع |
| رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة ( يختص بالعقيدة والفقه الاسلامي على نهج أهل السنة والجماعة) |
الإهداءات |
![]() |
|
|
|
أدوات الموضوع | إبحث في الموضوع |
|
|
#11 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الفقه الاسلامي - العلاقات الاسرية الدرس (التاسع) ستر العورة (5) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. عورة المرأة بالنسبة إلى الرجل : أيها الأخوة المؤمنون... مع الدرس الرابع من دروس العورة، وقد بينتُ بفضل الله عز وجل في دروسٍ سابقة، عورة الرجل بالنسبة إلى الرجل، وعورة الرجل بالنسبة إلى المرأة، وعورة المرأة بالنسبة إلى المرأة، وبقي الموضوع الرابع، وهو عورة المرأة بالنسبة إلى الرجل. أولاً: تختلف عورة المرأة بالنسبة للرجُل، باختلاف الرجل، من هو هذا الرجل؟ ما كل رجل ككل رجل، عورة المرأة بالنسبة إلى الرجل تختلف باختلاف الرجل. كم احتمال يوجد للرجال؟ هناك رجُلٌ زوج، وهناك قريبٌ محرم، وهناك قريبٌ غير محرم، وهناك أجنبيّ، أربع أنواع من الرجال، زوجٌ، قريبٌ محرمٌ، قريبٌ غير محرمٍ، أجنبيّ. أما المرأة بالنسبة لزوجها فليس لها عورة، وله أن يرى منها كل شيء، من فرقها إلى قدمها، بشهوةٍ وبغير شهوة، لأنه لما جاز المسّ والغشيان فلأن يجوز ما دونهما وهو النظر إلى جميع بدنها من باب أولى، إلا أن الأولى- الآن دقة الحكم- إلا أن الأولى ألا ينظر كل واحدٍ منهما إلى عورة صاحبه، طبعاً المغلظة، السوأة، ومن نظر فقد ترك الأولى، لقول النبيّ عليه الصلاة والسلام: (( إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ فَلْيَسْتَتِرْ وَلا يَتَجَرَّدْ تَجَرُّدَ الْعَيْرَيْنِ )) [ابن ماجة عَنْ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدٍ السُّلَمِيِّ ] أي هذا توجيه إرشادي، فمن ترك هذا ترك الأولى، ولقول النبيّ عليه الصلاة والسلام: (( رَأَى رَجُلا يَغْتَسِلُ بِالْبَرَازِ بِلا إِزَارٍ فَصَعَدَ الْمِنْبَرَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حَيِيٌّ سِتِّيرٌ يُحِبُّ الْحَيَاءَ وَالسَّتْرَ فَإِذَا اغْتَسَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَتِرْ )) [النسائي عَنْ يَعْلَى] ولقول النبي عليه الصلاة والسلام: (( إِيَّاكُمْ وَالتَّعَرِّيَ فَإِنَّ مَعَكُمْ مَنْ لا يُفَارِقُكُمْ إِلَّا عِنْدَ الْغَائِطِ وَحِينَ يُفْضِي الرَّجُلُ إِلَى أَهْلِهِ فَاسْتَحْيُوهُمْ وَأَكْرِمُوهُمْ )) [ الترمذي عَنْ ابن عمر ] إذاً عورة المرأة بالنسبة إلى زوجها ليس لها عورة، له أن ينظر إليها من فرقِها إلى قدمها، بشهوةٍ وبغير شهوة، لأنه جاز المس والغشيان، فلأن يجوز ما دونهما وهو النظر من باب أولى، لكن ذوق النبيّ الراقي وجّه إلى عدم النظر إلى السوأة، فمن نظر فقد ترك الأولى. ليس هناك قضية تحتاج إلى بحث، أو إلى أخذ ورد، فيما بين الزوج وزوجته، وإذا كان هناك من تفصيلات تتعلق فيما بين الزوجة وزوجها فله درسٌ آخر مستقل، أي موضوع الحيض والنفاس وما إلى ذلك، لكن طبيعة هذا الموضوع تقتضي أن ننتقل من هذا الجزء من الدرس إلى الجزء الآخر، وهو عورة المرأة بالنسبة لقريبها المحرم. الجزء الأول، عنوان الدرس عورة المرأة بالنسبة إلى الرجل، أجزاءٌ كثيرة من هذه الأجزاء عورة المرأة بالنسبة لزوجها. عورة المرأة بالنسبة لقريبها المحرم : ![]() الجزء الثاني: عورة المرأة بالنسبة لقريبها المحرم: من هو القريب المحرم؟ القريب المحرم أي ما حرُم عليه الزواج منها، الأب، الابن، الأخ، العم، الخال، ابن الأخِ، ابن الأُختِ. قال: هؤلاء الأقرباء المحارم، لا يمكن للمرأة أن تُظْهِر أمامهن إلا .. والآن عدم الفهم، أنه أخي، أخوكِ له حدود، ابني، ابنك هناك حدود، أبي، أبوكِ له حدود. قال: هؤلاء الأقرباء المحارم لا يحل لهم أن ينظروا إلى المرأة إلا إلى الرأس، والشعر، والوجه، والعنق أي أعلى الصدر، والأُذن، والساعد، والكف، والساق، والقدم هذه المواضع التي يجوز للأقرباء المحارم أن ينظروا إليها من المرأة، التي يحرم عليهم الزواج منها. المحارم بحكم المصاهرة : طبعاً هناك أقرباء محارم بحكم النسب، وأقرباء محارم بحكم المُصاهرة، فالإنسان حماته، أُم زوجته، هذه من محارمه، زوجة ابنه من محارمه، زوجة أبيه من محارمه، أُمه، أُُخته، ابنته، ابنة أخيه، ابنة أُخته، عمته، خالته، هذه النساء القريبات المحارم. إذاً الرأس، الشعر، الوجه، العنق، الأُذن، أعلى الصدر، الساعد، الكف، الساق، القدم، تُلخص هذه المواضع بأن المرأة عليها أن ترتدي أمام أقاربها المحارم ثياب الخدمة، وثياب الخدمة هي الثياب التي تغطي سائر الجسد، ماعدا هذه الأعضاء التي ذكرتها قبل قليل، قال تعالى: ﴿ وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آَبَائِهِنَّ أَوْ آَبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [ سورة النور: 31] مرّ شرح هذه الآية بالتفصيل، في سورة النور، فمن أراد التفصيل الدقيق فليرجع إلى تفصيل سورة النور، وهي مُسجلة. دليل عدم رؤية القريب المحرم الظهر والصدر في النساء المحارم : الآن ما الدليل على أن الظهر والصدر في النساء المحارم لا ينبغي أن يراها القريب المَحْرَم؟ دليل قوي جداً، قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ ﴾ [ سورة المجادلة: 2] إذا قال الزوج لزوجته: أنت عليّ كظهر أُمي، أي حرامٌ أن أنظر إليك كحرمة نظري إلى ظهر أُمي، فظهر الأُم بإمكان الابن أن يراه؟ هذا دليل قوي جداً، إذاً أيهما أكثر فتنة الظهر أم الصدر والبطن؟ من باب أولى إذا كان ظهر الأُم طبعاً، والأُخت، والابنة، والعمة، والخالة، وبنت الأخِ، وبنت الأُختِ، وأُم الزوجة، وزوجة الابن، وزوجة الأبِ، أي النساء المحارم، محارم نسب، ومحارم مُصاهرة، إذا قال الله عز وجل: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ﴾ أي حينما قال أحدهم: أنت عليّ كظهر أُمي، الله عز وجل قال: ﴿ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً﴾ [ سورة المجادلة: 2] إذاً فلأن تكون حرمة النظر إلى البطن والصدر من بابِ أولى، إذاً ما بقي إلا الرأسُ، وما عليه من الشعر، والوجه، والأُذنُ، والعنق، والكف، والساعد، والساق ما تحت الركبة، والقدم، أي ثياب الخدمة، إذاً في بيوتنا، البنت أمام أخيها، أمام أبيها، أمام ابنها، أمام عمها، أمام خالها، أمام ابن أخيها، أمام ابن أُختها، أمام والد زوجها، أمام ابن زوجها، لا يحل لها أن تُظهر إلا رأسها، وشعرها، ووجهها، وأُذنيها، وعنقها، وساعدها، وكفَّها، وساقها، وقدمها، أي عليها أن ترتدي ثياب الخدمة، أي الثياب المحشومة. أما قميص نوم يشف عما تحته، أخي، أي أخٍ هذا؟ هذا خلاف الشرع، ألبسة ضيقة، ألبسة شفافة، ألبسة فيها إبراز للمفاتن، ألبسة فيها تبذُّل، ألبسة تصف ما تحتها، تصف خطوط الجسم، هذه كلُّها محرمةٌ، أن تبدو المرأة أمام أقاربها المحارم، إن أردت الإسلام، إن أردت الشرع، إن أردت منهج الله عزَّ وجل، إن أردت أن يبقى هذا البيت مصوناً، إن أردت ألا تقع فيه شبهة، إن أردت النظافة والعفاف، فعليك باتباع الشرع. ما حلّ من المحارم النظر إليه حلّ مسه وغمزه : طبعاً يوجد عندنا حكم فرعي، ما حلَّ نظره من محارمه حلّ مسه، الإنسان له حق أن يُصافح أُخته، أن يُمسك بكفها، ما حلّ نظره من محارمه حلّ مسه، طبعاً قال: إذا أمن الشهوة، الإنسان السوي، الشخص الطبيعي، الإنسان الذي يمثل الخط العريض، أما النسبة الشاذَّة فهذه لها حكم آخر، كل الأحكام التي تلوتها عليكم في هذه الدروس الأربع، هي متعلقةٌ بالإنسان السوي، فكان عليه الصلاة والسلام يقبّلُ رأس السيدة فاطمة رضي الله عنها، وكان يقول: (( من قبّل رجل أُمه فكأنما قبل عتبة الكعبة )) [روي في كتاب شرعة الإسلام] لك الحق أن ترى الساق، والقدم، والساعد، والكف، والعنق، والرأس، والوجه، والأُذن، فما حلّ نظره حلّ مسه عند أمن الفتنة. لكن أنا أتمنى، أن تجعل هناك فرقاً بين الأقارب- أقارب النسب- وبين أقارب المُصاهرة، أقارب المصاهرة يجب أن تأخذ احتياطاً أكثر، فعادات التقبيل بين الصهر والحماية هذا ليس وارداً، أي حتى هناك رأي متشدد، أنه من قبّل أم زوجته، وشعر بشيء، حرمت عليه زوجته، فالأولى أن نبتعد كُلياً عن تقبيل المحارم، بسبب المصاهرة، أي زوجة الابن مشتهاة، لذلك لا يجوز الخَلوة بها، زوجة الأب التي في سن الابن مشتهاة، لا يجوز الخلوة بها، أم الزوجة، يوجد حالات تشتهى، لا يجوز، لذلك النساء المتعلقات بالمصاهرة، هؤلاء يجب أن تأخذ احتياطاً أكبر بكثير من احتياط الأم، والبنت، والأخت، والعمة، والخالة، وابنة الابن، وابنة البنت. كان بعض التابعين يمشّط رأس أُمه، لا يوجد مانع، الرأس مسموح، الشعر مسموح، لكن الحكم الدقيق من لم يأمن ذلك، بأن خاف الشهوة على نفسه، أو عليها، أحياناً يكون الوضع معكوساً، خاف الشهوة على نفسه، أو عليها، أو شك، يوجد درجة أشد من الخوف هي الشك، لو شك فلا يحل له النظر ولا المس، قال: وكذا ما حلّ من محارمه النظر إليه حلّ مسه وحلّ غمزه بالتدليك، إذا الإنسان دلَّك، أي بين الكتفين، أو الساق لا يوجد مانع، فالتدليك يجوز لما يجوز النظر إليه، أما ما لا يجوز النظر إليه، انظر الدقة، فيحرم مسُّه مباشرةً، ويكره تحريماً دلكه من فوق الثياب، تدليكه، ما حرم النظر إليه يحرم تحريماً قوياً، مسه مباشرةً، أو دلكه من فوق الثياب. إذاً أول قسم في الدرس: عورة المرأة بالنسبة لزوجها، القسم الثاني: عورة المرأة بالنسبة لأقاربها المحارم، محارم النسب، ومحارم المُصاهرة، ومحارم المُصاهرة درجة يجب أن تكون أدق، وفيها احتياط أكثر. عورة المرأة بالنسبة لقريبها غير المحرم : أما عورة المرأة بالنسبة لقريبها غير المحرم مثلاً قال: ابن عمها، ابن عمتها، ابن خالها، ابن خالتها، وهكذا سائرُ أقاربها، الآن قريب غير محرم، ابن العم، وابن العمة، وأخو الزوج، أخو الزوج قريبها لكنه غير محرم، وابن الخال، وابن الخالة، وسائرُ أقربائها من النسب، وزوج الأُختِ، وزوج الخالة، وزوج العمة، وأخ الزوج، زوج الأُختِ، وأخو الزوج، واضح تماماً، زوج الأخت، وأخو الزوج، وزوج الخالة، وزوج العمة، وابن أخِ الزوج، وعم الزوج، وخال الزوج، وأبناؤهم، وابن أُخت الزوجِ، وغيرهم أي تقريباً الأقرباء غير المحارم، ابن العم، وابن الخال، وابن العمة، وابن الخالة، زوج الأخت، أخو الزوج، زوج الخالة، زوج العمة، ابن أخِ الزوج، عم الزوج، خال الزوج، وأبناؤهم، ابن أخت الزوج، وغيرهم، الحكم سهل جداً، قال: هؤلاء المحارم غير النسبيين كالأجانب تماماً، بل هناك قولٌ للنبيّ عليه الصلاة والسلام، لأن الأقارب يمكن أن يطرقوا الباب، هنا أخي؟ لا والله تفضل، أخو الزوج، زوج الأُخت صهري، أهلاً وسهلاً صهري، هذا زوج الأُخت، قال: الحرمة أشد، فلما سُئل عليه الصلاة والسلام عن الحمو قال: (( إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَرَأَيْتَ الْحَمْوَ قَالَ الْحَمْوُ الْمَوْتُ)) [البخاري عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِر] لأن له مدخل، يوجد قرابة، هو أجنبيٌ تماماً، والخطر قائم وأشد. لذلك مرة ثانية: الأقرباء غير المحارم: ابن العم، وابن العمة، وابن الخال، وابن الخالة، وزوج الأخت، وزوج الخالة، وزوج العمة، وأخو الزوج، وابن أخِ الزوج، وعم الزوج، وخال الزوج، وأبناؤهم، وابن أخت الزوج، وغيرهم، قال: لا يحل لهم أن يروا من المرأة شيئاً، كالأجانب تماماً، إلا للضرورة الشرعية، إذا ابن عمها طبيب، له الحق أن يرى وجهها وكفيها، طبيب، إلا أن يكون هناك ضرورة شرعية، وعند أمن الفتنة، شرطان: أمن الفتنة، والضرورة الشرعية. وهؤلاء لا ينظرون من المرأة شيئاً، فإذا نظروا إليها لضرورةٍ شرعيةٍ، كأن يكون ابن عمها قاضياً، فينظرون إلى الوجه والكفين، أما ما لم تكن هناك ضرورةٌ شرعية فالنظر إلى وجه المرأة حرام، بشهوةٍ حرامٌ حُرمة شرعية، وبغير شهوةٍ مكروهٌ كراهة تحريمية، بغير شهوةٍ مكروهٌ كراهةً تحريمية، أي ترقى إلى الحرمة، أما بشهوة فحرامٌ مطلقاً. وقال مؤلف الدّر، وهو كتابٌ في الفقه الحنفي: " وينظر من الأجنبية وجهها وكفيها فقط للضرورة الشرعية، فإن خاف الشهوة أو شكّ، امتنع نظره إلى وجهها وكفيها، فحِلُ النظر مقيدٌ بالضرورة وبعدم الشهوة وإلا فحرم" الإمام السرخسي، وهو من أعلم علماء السادة الأحناف، وله موسوعة في الفقه، اسمها المبسوط للسرخسي، يقول: " وحرمة النظر إلى الوجه لخوف الفتنة، لأن خوف الفتنة في النظر إلى وجهها، وعامة محاسنها في وجهها، ووجهها أشد فتنةٌ من أكثر سائر الأعضاء " وفي الهدية العلائية: " تمنع المرأة من كشف وجهها خوف الفتنة " الأحاديث الواردة في تحريم النظر ووجوب غض البصر : و الآن إلى الأحاديث الواردة في تحريم النظر، ووجوب غض البصر، لا تقولوا إنني أتشدد، أنا أُعطيكم الأدلة، أنا لا يوجد شيء من عندي إطلاقاً، لا يوجد إنسان عنده شيء أساساً، ليس أنا فقط، لا يوجد إنسان يسترجي أن يأتي بشيء من عنده، هذا شرع، ودين، هذا دين الله، هذه الأدلة، إذا ألقيتها على مسامعكم انتهت مُهمتي، أنتم أحرار بعدئذٍ، أنا لا ألزمكم بشيء، لكن أُبيِّن لكم. يقول عليه الصلاة والسلام: ![]() (( مَا مِنْ صَبَاحٍ إِلَّا وَمَلَكَانِ يُنَادِيَانِ وَيْلٌ لِلرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ وَوَيْلٌ لِلنِّسَاءِ مِنَ الرِّجَالِ )) [ابن ماجة عَنْ أَبِي سَعِيدٍ] (( النظرة سهم مسموم من سهام إبليس لعنه الله، فمن تركها خوفا من الله آتاه الله عز وجل إيمانا يجد حلاوته في قلبه )) [ أخرجه الحاكم وصحح إسناده من حديث حذيفة ] وعن أبي أُمامة رضي الله تعالى عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَنْظُرُ إِلَى مَحَاسِنِ امْرَأَةٍ أَوَّلَ مَرَّةٍ ثُمَّ يَغُضُّ بَصَرَهُ إِلا أَحْدَثَ اللَّهُ لَهُ عِبَادَةً يَجِدُ حَلاوَتَهَا)) [أحمد عَنْ أَبِي أُمَامَةَ] وعن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: (( لتغُضُن أبصاركم، ولتحفظُن فروجكم، أو ليكسفنّ الله وجوهكم )) [ الطبراني عن أبي أمامة] وعن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( الْعَيْنَانِ تَزْنِيَانِ وَالْيَدَانِ تَزْنِيَانِ وَالرِّجْلانِ تَزْنِيَانِ وَالْفَرْجُ يَزْنِي )) [ أحمد عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ] (( عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِي اللَّهم عَنْهم أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ يَا عَلِيُّ إِنَّ لَكَ كَنْزًا مِنَ الْجَنَّةِ وَإِنَّكَ ذُو قَرْنَيْهَا فَلا تُتْبِعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ فَإِنَّمَا لَكَ الأُولَى وَلَيْسَتْ لَكَ الآخِرَةُ)) [ أحمد عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ] وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال عليه الصلاة والسلام: (( كل عينٍ باكيةٌ يوم القيامة، إلا عيناً غضت عن محارم الله، وعيناً سهرت في سبيل الله، وعينأ خرج منها مثل رأس الذباب، من خشية الله )) [البيهقي عن أبي هريرة] وعن جريرٍ رضي الله تعالى عنه قال: سألت النبي عليه الصلاة والسلام، عن نظر الفجأة، فقال: (( عَنْ جَرِيرٍ قَالَ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ نَظْرَةِ الْفَجْأَةِ فَقَالَ اصْرِفْ بَصَرَكَ )) [مسلم وأبو داود والترمذي عَنْ جَرِيرٍ ] الخلاصة: وجه المرأة ليس بعورة في الصلاة فقط، وعورةٌ بالنسبة للأجانب من حيث حرمة النظر إليه خارج الصلاة، خوف الفتنة، وهي في هذا الزمان متحققة، الفتنة متحققة، والفتنة كلها في وجه المرأة، والدليل الخاطب إن لم يعجبه الوجه قلّما قبل بمخطوبته، قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [ سورة الأحزاب: 53] نساء النبي عليه الصلاة والسلام إذا سألتموهن متاعاً فاسألوهن من وراء حجاب. المعاني المستفادة من الآية التالية : وقال الله للمؤمنين عامةً: ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [ سورة النور: 30 ] من أروع ما في هذه الآية، أن هذه المن للتبعيض، أي إذا نظرت إلى محارمك، فغُضّ من بصرك، كيف؟ أُمه، أُخته، ابنته، ابنة أخيه، ابنة أخته، عمته، خالته، لا تدقق في التفاصيل، لا تنظر نظرةً تفصيليةً، انظر بعض النظر، غضّ من البصر، لك أن تنظر شيئاً، أما التدقيق فلا يجوز، هذا معنى من أبصارهم. والمعنى الثاني أنك إذا نظرت إلى امرأةٍ فجأةً فغض من بصرك، أي الثانية ليست لك. المعنى الثالث أن هناك نساء لا يحلّ لك أن تراهنَ، فمرة الغض لنوعٍ من النساء، ومرة الغض لجزءٍ من المرأة، ومرة الغض لزمنٍ من النظر، واحدة للزمن، واحدة للجزء، واحدة للنوع ، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ﴾ [ سورة الأحزاب : 59] معاني قوله تعالى ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ : الآية السابقة دقيقة جداً، وأدقُّ ما فيها قول الله عزّ وجل: ﴿ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ﴾ [ سورة الأحزاب : 59] بعض العلماء قال: ذلك أدنى ألا يعرفن، امرأةٌ تكشف عن وجهها، ألا تُعرف من هي؟ الوجه هوية، هذه فلانة، هذه بنت فلان، هذه زوجة فلان، فمن أجل ألا تُعرف يجب أن تستر الوجه، الوجه هوية، نريد الدليل، أنا الآية فسرتها سابقاً، فالقرآن حمّال أوجه. المعنى الأول: أي هذا هو الحد الأدنى، الذي تعرف فيه المرأة أنها مؤمنة فإذا عرفت أنها مؤمنة، لم يطمع بها أحد، أية امرأةٍ تكشف عن محاسنها، لسان حالها يقول: اُنظروا إلي، أنا أظهر أمامكم بهذا المظهر، كي تنظروا إليّ، دعوةٌ صريحة، لكن ليست قوليةً، إنما هي عملية، أيما امرأةٍ تكشف عن مفاتنها، إنما تدعو الرجال، بل تدعو الذئاب من الرجال، إلى أن ينهشوها، إذاً من أجل أن تُعرف المرأة أنها مؤمنة، ومُسلمة، ولا تبتغي فتنةً، ولا تعرض نفسها على أحد، عليها أن تتحجب: ﴿ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ﴾ [ سورة الأحزاب : 59] الحد الأدنى، الطالب ما حدّه الأدنى الذي يعرف فيه بين الناس أنه طالب مدرسة؟ إذا ارتدى ثياب الفتوة، هذا مستوى الطالب، أن يكون قوياً في اللغة العربية، والرياضيات، والتاريخ، والجغرافيا، والفيزياء، والكيمياء، والأخلاق، والمنطق، والتربية السلوكية، والأخلاقية، وحسن التهذيب، لكن الحد الأدنى الذي تعرف أن هذا طالب مدرسة هو ثيابه. ![]() فأقلُّ شيءٌ تعرف به المسلمة حجابها، بقي أدبها، بقي حياؤها، بقي ضبط لسانها، بقي أداؤها لواجباتها، بقي أداء ما عليها من حقوق زوجها، حسن رعاية أولادها، خدمة زوجها، أي هناك آلاف الصفات التي يجب أن تتصف بها المرأة المسلمة، لكن أدنى شيء تُعرف به أنها محجبة، وحينما تحجب كأنها تقول: أنا محجبة، أنا مسلمة، إياكم أن تطمعوا فيّ، هذا المعنى الأول: ﴿ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ [ سورة الأحزاب : 59] انظر دقة القرآن، أي الحد الأدنى، أقل شيء مقبول في المرأة المسلمة أن حجابها ينبئ عن إسلامها، وحجابها يُشير إلى عفَّتها، وإلى صونها. المعنى الثاني: ذلك أدنى ألا يعرفن، قد يقول قائل: من أين جئت بهذا المعنى؟ الله قال: أدنى أن يُعرفن، أتيتكم بدليل من آية ثانية، استمعوا قال تعالى: ﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [ سورة المائدة : 19] ما معنى أن تقولوا؟ لئلا تقولوا، فماذا نقدّر؟ العلماء قدروا المضاف قال: يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترةٍ من الرسل كراهة أن تقولوا يوم القيامة، يوجد مضاف محذوف. كذلك هنا، ذلك أدنى خوفاً أن يعرفن، أي لئلا يعرفن، روعة القرآن أنك إذا قرأت الآية، ذلك أدنى أن يعرفن، لها معنى راق جداً أي هذه المرأة حينما تحجب مفاتنها، هذا هو الحد الأدنى. إذا إنسان وضع على صدره ميزاناً، ما المعنى؟ هذا محام، يا ترى فهمان؟ على كل حال معه ليسانس حقوق أقل شيء، وداخل في نقابة المحامين، ومعه إجازة، وله مكتب، هذا أقل شيء، أما محامي فهمان، متفوق، مستقيم، فهذا بحث آخر، أما أدنى شيءٍ يعرف به الإنسان أنه محام هذا الشعار. دخلت إلى غرفة طبيب، رأيت دكتوراً في الطب، الإجازة معلقة توقيع وختم، هذه الشهادة هي الحد الأدنى أنه طبيب. امرأةٌ محجبةٌ هذا هو الحد الأدنى الذي تُعرف فيه أنها مسلمة، لكن هل حجابها هو الإسلام؟ لا هذا أقل ما في الإسلام، أقل ما فيه، تماماً كالطالب، الحد الأدنى أنه طالب مدرسة ثيابه لونها أخضر، أي طالب ثانوي، وإذ كان لون ثيابه أزرق فهذا طالب جامعي، هذا الحد الأدنى، يا ترى يدرس، لا يدرس، يداوم، لا يداوم، فهمان، ليس فهماناً، ناجح بجهد، بالنقل، بالغش، بحث ثان، لكن الحد الأدنى أنه طالب، فهذه المرأة المحجبة هذا هو المظهر الذي يمثل الحد الأدنى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ [ سورة الأحزاب : 95] محجبة، إذاً لا تطمعوا فيّ إطلاقاً. والمعنى الثاني، أدنى ألا يعرفن، من فلانة؟ لا أعرف، محجبة أما وجهها فمكشوف، هذه زوجة فلان، هذه فتون، سهام، سحر، ما دام الوجه مكشوفاً دخل الاسم، ذلك أدنى ألا يعرفن، هذا المعنى الثاني. فالقرآن حمّال أوجه، أي إذا قلت: أدنى أن يعرفن، الحد الأدنى أنها معروفة أنها مسلمة مؤمنة، إذا قلت: أدنى ألا يعرفن، ألا تعرف من هي، محجبة، هذا هو المعنى. الله سبحانه أمر النساء بإرخاء الجلاليب لئلا يُعرفن : و قال تعالى : ﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [ سورة الأحزاب : 33] قال: فسّر عبيدة السلماني هذه الآية، فقال فيما أخرجه ابن جرير في تفسيره بسنده، قال: " فلبسها عبيدة بعباءة، فتقنَّع بردائه، فغطَّى أنفه وعينه اليسرى، وأخرج عينه اليمنى، وأدنى رداءه من فوق، حتى جعله قريباً من حاجبه، أو على الحاجب" قال: " ورجال هذا السند جبالٌ في الثقة والضبط" أو وضع حجابٍ غير صفيقٍ على الوجه، بحيث لا يمنع المرأة من رؤية الطريق التي تمشي فيها، يعد مثل ذلك في المعنى. إما أن نبقي عيناً واحدة، لترى الطريق، أو حجاباً غير صفيق، أي غير رقيق ترى منه، ولا تُرى منه. يقول عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس " أمر الله تعالى نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن لحاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلاليب، ويبدين عيناً واحدة" هذا كله تفسير هذه الآية. الجصاص في تفسيره: " في هذه الآية دلالةٌ على أن المرأة مأمورةٌ بستر وجهها، عن الأجنبيين وإظهار العفاف عند الخروج، لئلا يطمع أهل الريب فيهن " أحد العلماء يقول: " أمر سبحانه النساء بإرخاء الجلاليب لئلا يُعرفن، ثم قال: وقد ذكر عبيد السلماني وغيره أن نساء المؤمنين كن يدنين عليهن الجلاليب من فوق رؤوسهن حتى لا يظهر إلا عيونهن، لأجل رؤية الطريق " الآن يوجد أدلة أُخرى، قال ورد في الآثار الكثيرة: " أن أزواج النبي عليه الصلاة والسلام وعامة المسلمات كن يخفين وجوههن عن الأجانب، حتى في حالة الإحرام" ويدل ذلك على لزوم ستر الوجه خشية الفتنة، ولو في حالة الإحرام، وفي سنن ابن داود عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (( عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ الرُّكْبَانُ يَمُرُّونَ بِنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحْرِمَاتٌ فَإِذَا حَاذَوْا بِنَا سَدَلَتْ إِحْدَانَا جِلْبَابَهَا مِنْ رَأْسِهَا عَلَى وَجْهِهَا فَإِذَا جَاوَزُونَا كَشَفْنَاهُ)) [أبو داود عَنْ عَائِشَةَ] وفي الموطأ للإمام مالك رحمه الله تعالى عن فاطمة بنت المنذر قالت: (( كُنَّا نُخَمِّرُ وُجُوهَنَا وَنَحْنُ مُحْرِمَاتٌ وَنَحْنُ مَعَ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ )) [ مالك عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ] وفي فتح الباري في شرح صحيح البخاري في كتاب الحج عن عائشة قالت: (( تسدل المرأة جلبابها، من فوق رأسها على وجهها )) [البخاري عن عائشة] وفي حديث عائشة الطويل، حديث الإفك تقول: (( أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ أَزْوَاجِهِ فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا مَعَهُ فَأَقْرَعَ بَيْنَنَا فِي غَزَاةٍ غَزَاهَا فَخَرَجَ سَهْمِي فَخَرَجْتُ مَعَهُ بَعْدَ مَا أُنْزِلَ الْحِجَابُ فَأَنَا أُحْمَلُ فِي هَوْدَجٍ وَأُنْزَلُ فِيهِ فَسِرْنَا حَتَّى إِذَا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَزْوَتِهِ تِلْكَ وَقَفَلَ وَدَنَوْنَا مِنَ الْمَدِينَةِ آذَنَ لَيْلَةً بِالرَّحِيلِ فَقُمْتُ حِينَ آذَنُوا بِالرَّحِيلِ فَمَشَيْتُ حَتَّى جَاوَزْتُ الْجَيْشَ فَلَمَّا قَضَيْتُ شَأْنِي أَقْبَلْتُ إِلَى الرَّحْلِ فَلَمَسْتُ صَدْرِي فَإِذَا عِقْدٌ لِي مِنْ جَزْعِ أَظْفَارٍ قَدِ انْقَطَعَ فَرَجَعْتُ فَالْتَمَسْتُ عِقْدِي فَحَبَسَنِي ابْتِغَاؤُهُ فَأَقْبَلَ الَّذِينَ يَرْحَلُونَ لِي فَاحْتَمَلُوا هَوْدَجِي فَرَحَلُوهُ عَلَى بَعِيرِي الَّذِي كُنْتُ أَرْكَبُ وَهُمْ يَحْسِبُونَ أَنِّي فِيهِ وَكَانَ النِّسَاءُ إِذْ ذَاكَ خِفَافًا لَمْ يَثْقُلْنَ وَلَمْ يَغْشَهُنَّ اللَّحْمُ وَإِنَّمَا يَأْكُلْنَ الْعُلْقَةَ مِنَ الطَّعَامِ فَلَمْ يَسْتَنْكِرِ الْقَوْمُ حِينَ رَفَعُوهُ ثِقَلَ الْهَوْدَجِ فَاحْتَمَلُوهُ وَكُنْتُ جَارِيَةً حَدِيثَةَ السِّنِّ فَبَعَثُوا الْجَمَلَ وَسَارُوا فَوَجَدْتُ عِقْدِي بَعْدَ مَا اسْتَمَرَّ الْجَيْشُ فَجِئْتُ مَنْزِلَهُمْ وَلَيْسَ فِيهِ أَحَدٌ فَأَمَمْتُ مَنْزِلِي الَّذِي كُنْتُ بِهِ فَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ سَيَفْقِدُونَنِي فَيَرْجِعُونَ إِلَيَّ فَبَيْنَا أَنَا جَالِسَةٌ غَلَبَتْنِي عَيْنَايَ فَنِمْتُ وَكَانَ صَفْوَانُ بْنُ الْمُعَطَّلِ السُّلَمِيُّ ثُمَّ الذَّكْوَانِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْجَيْشِ فَأَصْبَحَ عِنْدَ مَنْزِلِي فَرَأَى سَوَادَ إِنْسَانٍ نَائِمٍ فَأَتَانِي وَكَانَ يَرَانِي قَبْلَ الْحِجَابِ فَاسْتَيْقَظْتُ بِاسْتِرْجَاعِهِ حِينَ أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ فَوَطِئَ....)) [البخاري عن عائشة ] ماذا رأى صفوان؟ سَوَادَ إِنْسَانٍ نَائِمٍ فَأَتَانِي وَكَانَ يَرَانِي قَبْلَ الْحِجَابِ. فَاسْتَيْقَظْتُ بِاسْتِرْجَاعِهِ، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله. وفي كتب السيرة أن سبب غزوة بني قينُقاع، محاولة اليهود كشف حجاب امرأةٍ مسلمةٍ عن وجهها. وأخرج الترمذي في الرَضاع، قال: ((الْمَرْأَةُ عَوْرَةٌ فَإِذَا خَرَجَتِ اسْتَشْرَفَهَا الشَّيْطَانُ )) [ الترمذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ] تلخيص لما سبق : المرأة كلها عورة فيجب سترها، هذه أدلة، من أقوال السلف، والخلف، في تفسير هذه الآيات والأحاديث، وكلها تؤكّد بشكل مختصر أن عورة المرأة بالنسبة إلى الرجل على أربع مستويات: زوجها لا عورة بينها وبينه، يحل له أن يرى منها كل شيء من فرقها إلى قدمها، بشهوةٍ وبغير شهوةٍ، لأنه لما جاز المس والغشيان جاز النظر من باب أولى، لكن النبي يوجد توجيه إرشادي ألا ينظر كل منهما إلى عورة الآخر، ومن فعل هذا فقد خالف الأولى.
النوع الثاني، نظر الرجل إلى المرأة من محارمه، المحارم؛ محارم نسب ومحارم رضاع، النسب: الأم، والبنت، والأخت، والعمة، والخالة، وبنت الأخِ، وبنت الأخت، زوجة الأب، أم الزوجة، هن قريبات بالنسب. . الرأس، شعر، وجه، أذن، عنق، أعلى الصدر، الساعد، الكف، الساق، القدم، ثياب الخدمة. أما الأقارب غير المحارم فحكمهم حكم الأجانب، لا يجوز أن ينظرن إلى المرأة إطلاقاً، وهذه الآيات والأحاديث التي تؤكّد أن الوجه يجب أن يُستر، وهذا ما جاء في كتب الفقه، وإن شاء الله في درسٍ قادم، نتابع بعض الموضوعات الفرعية في هذا الدرس. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#12 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم
الفقه الاسلامي - العلاقات الاسرية الدرس (العاشر) الزواج (1) الحمد لله رب العلمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. وبعد فنحن مع الدرس الرابع من الدروس المتعلقة بشأن الزواج، وقد ذكرنا في درسٍ سابق أنَّ هناك فقراً حقيقياً ينبغي أن يعالج، والفقر كما تعلمون عقبةٌ كؤود في سبيل الزواج، وتحدثت عن الفقر المصطنع، حينما يغالى بالمهور، وحينما يكلّف الخاطب ما لا يطيق، يصبح فقيراً لا لأنه فقير، بل لأن الطلبات تفوق إمكاناته. الولاية في الزواج وننتقل اليوم، إلى موضوع الأولياء، لحكمةٍ أرادها الله عزَّ وجل واضحةٍ جداً جعلَّ صحة عقد الزواج منوطةً بموافقة الولي، فقد ورد عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنه: (( لا نكاح إلا بولي )) [الترمذي عن أبي موسى ] وجود الولي شرطٌ لعقد النكاح، لماذا ؟ لأنه في أغلّب الأحيان لا تعرف الفتاة الرجال، قد يعجبها شكله، ولكن لا تستطيع أن تختبره، بينما الولي لديه خبراتٌ متراكمة تزيد على خمسين عاماً أو عن أربعين عاماً، هذه الخبرات في معرفة الرجال، لذلك لئلا تقع الفتاة في شرِّ عملِّها، أو لئلا تخدع، أو لئلا يستغل طيبها، وسذاجتها أحياناً، أو عدم معرفتها بالرجال، فلا بدِّ من ضمانةٍ في نجاح الزواج، هذه الضمانة هي موافقة الولي. من هو الولي ؟ من هو الولي ؟ أبوها أقرب الناس إليها، أكثر الناس حباً لها، أشدُّ الناس حرصاً عليها، أي لا يوجد علاقة في الأرض تفوق علاقة الأب بابنه، أو الأم بابنتها، فلذلك الشرع الحكيم جعل موافقة الولي شرطاً لصحة العقد. حينما تأيَّمت حفصة بنت سيدنا عمر من خنيس بن حذافة السهمي، وكان من أصحاب رسول الله e، فتوفي بالمدينة، فقال عمر رضي الله عنه: << أتيت عثمان بن عفان فعرضت عليه حفصة، فقال: سأنظر في أمري، فلبثت ليالي، ثم لقيني فقال: قد بدا لي ألا أتزوج يومي هذا، قال عمر: فلقيت أبا بكرٍ الصديق رضي الله عنه، فقلت: إن شئت زوجتك حفصة بنت عمر، فصمت أبو بكرٍ رضي الله عنه فلم يرجع إليَّ شيئاً، فلبثت ليالي، ثم خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنكحتها إياه >>. وجوب تزويج الولي ابنته أو مَن في حُكمها ماذا نستنبط من هذه القصة ؟ حب سيدنا عمر الشديد على تزويج ابنته، وأيما أخٍ مؤمن يحرصُّ حرصاً بالغاً، ويتحرك، ويسعى، ويأخذ بالأسباب ليزوج ابنته، فهذا موقفٌ نبيل، فإن زوجها من شابٍ مؤمن حفظ لها دينها، وحفظ لها دنياها، وأعطاها حقها الطبيعي في أن تكون أمًّا، وإذا رأيت أباً لا يعبأ بتزويج بناته، فيتكبر على الخطَّاب، ويضع الشروط التعجيزية، ولا يبالي، بل إن بعض الجهلّة يقولون: " هذه الفتاة تركتها لشيخوختي "، لقد أخطأ في حقها خطأً لا يغفر، هذه تركتها لشيخوختي، لا يحب أن يزوجها. ![]() قد تكون إحدى الفتيات على علاقةٍ طيبةٍ جداً بأبيها، تخدمه خدمةً فائقة، فهذا الأب بعقله الباطن لا يتمنى أن يزوجها، إنه سعيدٌ بخدمتها، هذا الذي يؤْثر مصلحته وحظوظه من خلال ابنته، ومن خلال خدمة ابنته له، على صالح ابنته، فحينما يغيب هذا الأب عن الحياة، فهو أبٌ اقترف ذنباً لا يغفر. لذلك عرض سيدنا عمر ابنته على حفصة سيدنا عثمان، ثم عرضها على سيدنا الصديق، ثم جاء النبي عليه الصلاة والسلام فخطبها، فأنكحها إياه. فهذه المقدمة تعني أن على ولي الأمر أن يسعى جاهداً لتزويج ابنته، أحياناً يسلِّكها طريقاً بعيداً عن أنوثتها، لذلك عندئذٍ لا يُقدم عليها أحد، ولا ترضى بأحد، بعد حين يفوتها قطار الزواج، بعد حين تتألم أشدَّ الألم، تتعقد أحياناً، عندئذٍ تندب حظها وتنحِّي باللائمة على أبيها، فلذلك أردت من هذه المقدمة أن أبين لكم أن الأب المؤمن ينبغي أن يكون حريصاً حرصاً لا حدود له على تزويج بناته، طبعاً ليس الأمر بيده مطلقاً، عليه أن يسعى وعلى الله الباقي، فالسعي مطلوب. إخواننا الكرام، فهنا نقطة دقيقة جداً. عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَقَالَ: الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ لَمَّا أَدْبَرَ حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ، وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ، فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ )) ( سنن أبي داود ) هذا الحديث لو فهمناه فهماً دقيقاً، ففهمنا أبعاده لكان المسلمون اليوم بحالٍ غير هذا الحال، الاستسلام والضعف واليأس والقنوط لماذا ؟ فتحرك، واسعَ، ألم يقل سيدنا شعيب لسيدنا موسى: ﴿ قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾ ( القصص ) فإذا كان الأب يكبر عليه أن يعرض بناته، فلا بدَّ من وسيط قريب من العائلة يسعى لتزويج الفتيات، وقد ذكرت لكم هذا في دروسٍ سابقة، فأفضل شفاعةٍ أن تشفع بين اثنين في نكاح، حينما تخطب الفتاة من شابٍ مؤمن، تعمُّ الفرحة في بيت أبيها، فقد اطمأن على دينها وعلى دنياها، عليه أن يقدِّم ما يستطيع، أن يتساهل، إذا كان يملّك يقدم إذا لا يملك يتساهل، أما لا يملك ولا يقدم ولا يتساهل، هذا إنسان أحمق، إما أن يقدِّم، وإما أن يتساهل. السلطان وليُّ مَن لا ولي له الآن هذا الولي الذي جُعلَّ عقد النكاح موقوفاً صحته على موافقته، لو أنه غير موجود، فلو أنه كان مسافراً، أو لو أنه غائب، لو أنه في السجن، كيف نعمل ؟ العلماء قالوا: " الولي إما أن لا يكون موجوداً حقيقةً أو حكماً ". معنى: موجودا حقيقةً: ليس لها أب، كأن يكون الأب متوفى. ومعنى: حكماً كأن يكون مسافرًا، أو مسجونًا أو غائبًا أو مفقودًا، أو مصابًا بصفة تمنعه أن يحكم في أمر ابنته. الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه يروي عن ابن عباسٍ رضي الله عنه، طبعاً إذا قلنا عن أحد التابعين، أو عن أحد العلماء العاملين والفقهاء والمحدثين: رضي الله عنه، كما تعلمون هذه العبارة دعائية، أما إذا قلنا: عن أصحاب رسول الله رضي الله عنه، فهذه تقريرية، والفرق كبير بين أن تكون غنياً فيقال لكَ: " لقد أغناك الله، وبين أن تكون فقيراً فيقال لك: أغناك الله "، الأولى دعاء، والثانية تقرير، وإذا قلت عن التابعين، وعن العلماء العاملين وعن الفقهاء والمحدثين: رحمه الله تعالى، هذه تنفي الإشكال، أما لو قلت: رضي الله عنه لإنسان من التابعين أو العلماء المتأخرين، هذه دعائية، أما إذا ذكرت صحابياً، وترضَّيت عنه هذه تقريرية، والفرق بينهما كبير. فسيدنا بن عباس رضي الله عنه، أو رضي الله عنهما لأنه وأبوه صحابيان. عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( لا نِكَاحَ إِلا بِوَلِيٍّ )) قالوا: " والسلطان وليُ من لا وليَ له، والقاضي ينوب عن السلطان، في تزويج الفتاة التي لا وليَّ لها ". هذه أول قضية حُلّت، فلو فتاةٌ ليس لها ولي وجاءها خاطب والعقد معلق على موافقة الولي، هنا السلطان وليُ من لا وليَ لها، والقاضي الشرعي ينوب عن السلطان في تزويج الفتاة التي لا وليَّ لها، ولكن ماذا نعني بالسلطان ؟ يقول بعض العلماء: " نائب الحاكم ولي، أمير الأعراب ولي، رئيس القرية ولي ". فالقرية لها مختار، وهؤلاء الأعراب لهم شيخ قبيلة، وفي المدينة القاضي الشرعي، فأي شخص من عِلية القوم من بيده أمرّ هذه الجماعة، هذا يعدُّ نائباً للسلطان في تزويج من لا ولي لها. بعض العلماء يقول: " إذا كان ولّيها غائباً في موضعٍ لا يصل إليه الكتاب، أو يصلُّ فلا يجيب عنه، زوَّجها من هو أبعد منه من عصبتها، فإن لم يكن فالسلطان ". يوجد عندنا حل آخر، الأب ولي، وهو غائب لا نعلَّم أين هو، أو نعلم أين هو، لكن لا نستطيع أن نصلّ إليه، فإذا وصلّنا إليه قد لا يجيب لسبب أو لآخر، إذاً هناك وليٌ من الدرجة الثانية، أخوها فالأخ ولي، وعمها وخالها، وهكذا، فإن لم يكن هناك وليٌ من قرابتها، كان السلطان أو نائب السلطان ولياً في تزويجها. إذا غاب الولي غيبةً طويلةً انتقلت الولاية إلى الولي الأبعد، وهكذا، إلى أن نصل إلى السلطان أو نائبه في تزويج الفتاة التي لا وليَّ لها. هناك سؤال: أيهما أفضل إذا غاب وليها، أن يزوجها وليها الأبعد، أم السلطان أكثر ؟ الفقهاء على أن وليها الأبعد أولى من السلطان في تزويجها. النقطة الثانية: أية مدةٍ إذا غاب عنها الولي فقد ولايته، وانتقلت الولاية إلى غيره، أو إلى من هو أبعد منه، وهذه بحسب الأعراف والعادات، فكلّ بلدة أو كلّ مجتمع له عرف، فإذا سافر الإنسان إلى المحافظات أسبوعا، أو يسافر إلى بلد نفطي مثلاً شهر يسافر إلى بلد أبعد، فهناك سفر معقول ضمن العمل، لكن إذا انقطعت الأخبار، وطالت المدة، وفي عرف هذه البلدة أنه لن يعود، فلعلَّ هذا الوقت هو الذي يعدُّ مبرراً لأن يتولى الولي الآخر أمر زواجها. أحياناً الرق والصبي، والمجنون والمختل، والهرم ومن أصابه خبل، هذه صفات تخلع عن الولي حقه في الولاية، عندئذٍ يعين الأبعد أو نائب السلطان. حكم تعدد الأولياء في الزواج تنازعهم في الولاية أحياناً يأتي خاطب، فيتشاجر الأولياء على تفاوتهم، فالأم تريد، والأب لا يريد، الأب يريد، والأم لا تريد، والأخ يحلّف أيماناً معظمة إذا زوِّجت أخته لهذا الشاب لقتلّه، فرضاً، إذا وقعت منازعةٌ بين الأولياء على تفاوت درجتهم، عندئذٍ السلطان أو من ينوب عنه يزوج هذه الفتاة. وردَّ في حديث شريف رواه الترمذي عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلّى اله عليه وسلّم: ((أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا، فَإِنِ اشْتَجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لا وَلِيَّ لَهُ )) إذا كان الأولياء في التعددِّ سواء، لها خمسة إخوة، وأبوها متوفَّى، فإذا قلت: المتوفِّي غلط، المتوفِّي هو الله جلَّ جلاله، توفَّى، يتوفَّى، المتوفِّي، الصواب متوفَّى، الإنسان متوفَّى، فإذا تعدد الأولياء وكانوا في مستوى واحد، نأخذ برأي أفضلّهم أو أكبرهم سناً. أحياناً يرفض الولي تزويج ابنته، إما أن هذا الرفض معقول، وإما أنه غير معقول، فأحياناً تكون الفتاة مريضة مرضا عضالا، ولحكمةٍ أرادها أبوها لم يعلِّمها بهذا المرض، والزواج لا يناسبها أبداً، فإذا رفض التزويج ليس مضطراً أن يُنبئ ابنته بالسبب إن رفعت أمرها إلى القاضي، لأن القاضي الشرعي ولي من لا ولي له، القاضي عليه أن يستدعي الأب ليسأله عن سبب رفضه، فإما أن يقنع القاضي فينضم إلى الولي، وإما أن لا يقنع فيزوجها القاضي. روى الإمام البخاري عن معقل بن يسار رضي الله عنه قال: ((زَوَّجْتُ أُخْتًا لِي مِنْ رَجُلٍ فَطَلَّقَهَا، حَتَّى إِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا جَاءَ يَخْطُبُهَا، فَقُلْتُ لَهُ زَوَّجْتُكَ، وَفَرَشْتُكَ، وَأَكْرَمْتُكَ، فَطَلَّقْتَهَا، ثُمَّ جِئْتَ تَخْطُبُهَا، لا وَاللَّهِ لا تَعُودُ إِلَيْكَ أَبَدًا، وَكَانَ رَجُلا لا بَأْسَ بِهِ، وَكَانَتِ الْمَرْأَةُ تُرِيدُ أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ: ]فَلا تَعْضُلُوهُنَّ [، فَقُلْتُ: الآنَ أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَزَوَّجَهَا إِيَّاهُ )) أحيانًا تأخذ الإنسانَ حميّةٌ، يريد أن يؤدِّب هذا الرجل، فيقول له: والله لا أزوجك أبداً، فمن الضحية ؟ الفتاة، هذا اسمه عضل، والعضل لا يجوز، فإذا كنت في خصومة مع شخص أو في مشكلّة أو قضية فالأولى أن تجمدها، وأن تلتفت إلى صالح الفتاة. فقد تنشأ مشكلّة في أثناء الخطوبة، أو قبل عقد القران، فيتألم الأب أحياناً، أو يتألم الأخ، أو أن الأب يريد أن يؤدِّب هذا الخاطب، أو أن يؤدب هذا الطالب، فيمنعه من الزواج من هذه الفتاة لا لشيء إلا ليأخذ بثأره، أو ليثبت شخصيته قال: هذا لا يجوز، إذا كان الخاطب جيداً، وكانت الفتاة ترضى به، فالأولى أن نجمِّد مشكلتنا مع هذا الخاطب، وأن نحكِّم مصلحة الفتاة في هذا الموضوع، الآية الكريمة: ﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ ﴾ ( سورة البقرة: آية " 232 " ) الإمام الطبري، يفسر هذه الآية فيقول: " والصواب من القول في هذه الآية أن يقال: أن الله تعالى ذكره أنزلها دلالةً على تحريمه على أولياء النساء، مضارة من كان له أولياء من النساء، يعضلهن عمن أردن النكاح من أزواجٍ كانوا لهن، فبن منهنَّ بما تبين به المرأة من زوجها من طلاقٍ أو فسخ نكاح ". أي بانت بينونة صغرى، ثم جاء يخطبها مرةً ثانية، أما البينونة الكبرى حتى تنكح زوجاً غيره، لكن لو أن إنسان طلَّق زوجته طلقة واحدة، وانقضت عدتها ثلاثة قروء ملكت نفسها، بإمكانها أن ترفض، وبإمكان وليها أن يرفض، لأن عقد النكاح لا ينعقد إلا بالولي، فإذا طلَّقها تطليقةً واحدةً، وبانت منه بينونة صغرى، ثم ندم على فعلته، وجاء يخطبها مرةً ثانية، ليس للولي الحق أن يعضل فتاته أو ابنته، عن أن تتزوج زوجها التي بانت منه قبل قليل. بالمناسبة، الإنسان إذا طلق زوجته تطليقة واحدة، تبقى في بيته ثلاثة قروء، في هذه المدة بإمكانه أن يراجعها من دون عقد، ولا مهر، ولا ولي، ولا أي شيء، مراجعة قولية أو فعلية، لو وضع يده على يدها فقد راجعها، لو قال لها: لقد راجعتك، فقد رجعت إليه، لكن حُسبت طلقة، أما إذا انقضت عدتها ملكت نفسها، يمكن أن تعقد عليها عقداً جديداً، وأن تعود إليه من دون أن تضطر أن تتزوج رجلاً آخر، هذه البينونة الصغرى. يوجد عندنا حكم شرعي دقيق، أن الولي إذا عضل أي رفض تزويج ابنته، من زوجها الذي طلَّقها وبانّت منه بينونة صغرى، لا يزوج السلطان إلا بعد أن يأمره بالرجوع عن العضل، فإن أجاب فذاك، وإن أصرَّ، زوج عليه الحاكم والله أعلّم. المفروض نائب السلطان القاضي الشرعي، يرى في رأي الولي، لعل هناك مشكلة لا يعلّمها، لعل هناك عقبة كؤود، لعل هناك مفسدة كبيرة من عودتها إليه، لا بدَّ من التشاور. عندنا حالة يؤسف لها كثيراً، أنَّ ولي الفتاة ينتظر خاطباً غنياً، فيعضل ابنته لعلّة الغنى، أي يتمنى خاطباً غنياً، فكلّما جاء خاطبٌ فقير رفض، هذا عضل وبإمكان الفتاة التي يرفض أبوها تزويجها لهذه العلة أن ترفع أمرها إلى القاضي. شيء آخر، أحياناً يكون للفتاة دخل أو لها إرث كبير، فيريد الأب أن تبقى في حوزته حتى يتصرف في أملاكها، يخشى أن يأتي زوج، فيأخذها منه، ويأخذ معها ما تملك، هذا أيضاً الدافع مادي، وعندنا قاعدة أساسية، إذا ابتغى الإنسان مرضاة الله عزَّ وجل جاءته الدنيا وهي راغمة، أما إذا أراد الدنيا، خسر الدنيا والآخر. لدي كلمات أقرأُها لكم: " إذا رضيت الفتاة رجلاً، وكان كُفئاً لها، وجب على وليها، كالأب أو الأخ أو العم، أن يزوجها به، فإن عضلّها أي امتنع، زوجها الولي الأبعد منه، أو الحاكم أو نائب الحاكم، وأقصد به القاضي الشرعي، بغير إذنه، باتفاق العلماء، فليس للولي أن يجبرها على نكاح من لا ترضاه، وليس له أن يعضلها عن نكاح من ترضاه، إذا كان كفئاً في اتفاق الأمة، وإنما يجبرها، ويعضلها أهل الجاهلية والظلمة، الذين يزوجون نساءهم بمن يختارون لغرضٍ لا لمصلحة المرأة، ويكرهونها على ذلك ". ![]() وأحياناً هناك نوع من الإكراه هو الإخجال، أي كلام فيه استعطاف، فيه إثارة عاطفة البنوة نحو أبيها، هذا الشيء كان بالحياء فهو حرام، كان عليه الصلاة والسلام إذا خطبت ابنته يعطيها ظهره، ويقول: ((يا بنيتي، إن فلانا قد ذكرك، لك الخيار)) [ورد في الأثر] فقضية التزويج وهذه نصيحة إلى إخواننا الكرام، أنت ترى أن هذا الإنسان جيد جداً، لكن لم يرق لابنتك، فإذا رفضت ينبغي أن ترفض، لك أن تقول لها: فلان أخلاقه عالية، لكن كما أنك مُكلّف أن تختار لها الأصلح، هي مسموح لها أن تختار من تعتزُّ به، فعن ابن عباس رضي الله عنهما، جاءت امرأة لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم تطلب الطلاق من زوجها فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( لَوْ رَاجَعْتِيهِ فَإِنَّهُ أَبُو وَلَدِكِ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَأْمُرُنِي ؟ قَالَ: إِنَّمَا أَنَا شَفِيعٌ، قَالَتْ: فَلا حَاجَةَ لِي فِيهِ )) وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ امْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ أَتَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: (( يَا رَسُولَ اللَّهِ، ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ مَا أَعْتِبُ عَلَيْهِ فِي خُلُقٍ وَلا دِينٍ، وَلَكِنِّي أَكْرَهُ الْكُفْرَ فِي الإِسْلامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:اقْبَلِ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً )) [البخاري] هذه هي المخالعة، فالأب يجب أن يحترم رغبة ابنته، قد تكره هذا النموذج، قد تكره هذا الشخص، لا بدَّ من موافقة الولي، وموافقة الفتاة معاً، فبعض الصناديق يكون لها مفتاحان، لو ملكت مفتاحا واحدا لا يفتح، لا بدَّ من استخدام المفتاحين معاً. الحقيقة أنّ هذا الموضوع واضح، لحرص الإسلام على إحصان الفتيات، وعلى تأسيس الأسر الإسلامية، النبي عليه الصلاة والسلام، لا ينطق عن الهوى، شرَّع لنا أن الولي فإذا كان مفقوداً حقيقةً، أو مفقوداً حكماً، أو كان حجر عثرةٍ، تولى السلطان تزويج هذه الفتاة التي لا ولي لها أو لها وليٌ مفقود، أو وليها يعضلّها عن الزواج، عندئذٍ يتولى الأبعد، أو نائب السلطان، وهو القاضي الشرعي، تزويج هذه الفتاة، وأحياناً الإنسان يصل إلى الدرجة من الاعتداد بالنفس ومن أجل أن ينفذ كلمته يضحي بمستقبل بناته. إشاعة المحبة والوداد في الحياة العائلية ننتقل إلى فصلٍ جديد في هذا الموضوع، وهو إشاعة المحبة والوداد في الحياة العائلية، هناك تدابير ينبغي أن يفعلّها الإنسان قبل الزواج، من أجل أن تشيع المحبة بعد الزواج، كيف أن الابن له حقٌ عليك قبل أن يلد، ما حقه عليك ؟ أن تحسن اختيار أمه، هناك أساليب ينبغي أن تفعلها قبل الزواج، من أجل أن تشيع المحبة بينك وبين زوجتك بعد الزواج، فمن هذه التدابير: استحباب النظر إلى المخطوبة والخاطب استحباب النظر إلى المخطوبة، الآن دققوا: فمن فضل الله علينا أنا لا أعتقد أن في ألف ولي وليا واحدا لا يريد لابنته أفضل زوج، في الأعمّ الأغلب في مجتمع المؤمنين الولي عنده رحمة بالغة وحرص شديد على تزويج ابنته، إلا الحالات الشاذة، لذلك القسم الأول من هذا الدرس يتعلَّق بفتاة ليس لها ولي حقيقةً، أو لها وليٌ غائبٌ، فهو كالمفقود حكماً، أو لها وليٌ يعاني من مشكلة فيعضلها، عندئذٍ هناك من يزوجها، إما وليٌ آخر أو القاضي. لكن الآن دخلنا في صميم الموضوع، هناك مشكلات، تنشأ بين الزوجين أسبابها أنه لم ينظر إليها، أو أنه نظرَّ إليها، ولكنه رجَّح مصلحةً غير مصلحة أنها في طموحه، فإذا تزوج الإنسان فتاة دون طموحه بكثير، ورضيها، وأحسن إليها، فلا يوجد مانع، فهي بطولة، أما إذا قبلها بادئ الأمر، ثم بالغ في إهانتها، لأنها لم تكن في طموحه، فقد أجرم بحقها، الفتاة عند أهلها معززةٌ مكرمةٌ، وتعيش في أجواء أخرى، ثم دخلت أجواء الزواج وأجواء علاقتها بالرجال، تعيش حياة طهر واستقامة وصفاء، لها أبٌ يحبها، ولها أمٌ تعطف عليها فأنت قلت: " أنا أختارها زوجة لي، ولا يعنيني الجمال إطلاقاً "، فلا مانع من ذلك، وهي بطولة منك، لكن حينما تأتي إليك فتنكد عيشها، وتمتهن كرامتها، لأنها ليست في طموحك، هذه جريمةٌ بحقها، لذلك إذا أردت أن تكون من عامة المؤمنين انظر إليها. النبي عليه الصلاة والسلام من توجيهاته الكريمة في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام الترمذي عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أنه خطب امرأةً فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ((انْظُرْ إِلَيْهَا، فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا )) ومعنى أن يؤدم بينكما، أي أن تدوم المودة بينهما، فأحد أسباب المودة بين الزوجين، أنه نظر إليها، ولم يغرر بها، ولم يدلس له عليها ورضيها، وأعجبته، وخطبها عن قناعةٍ، وعن رغبةٍ، وعن شوقٍ عندئذٍ لا يندم على الزواج منها، هذا مما يعين عن المودة فيما بين الزوجين. بعض العلماء قال: " معنى أن يؤدم بينكما، يكون بينكما الألفة والمحبة، لأن الزواج منها كان بعد معرفةٍ، فلا يكون بعدها ندامةٌ غالباً ". أي إذا نظرت، وأعجبتك وكانت ضمن الطموح الذي تريده، انتهى موضوع الندامة، وموضوع اللوم، كأن تقول: " لولا أنت لما تزوجتها، لولا أن أمي ضغطت علي لما تزوجتها "، فهذه القضية قضية عمر مديد. فمن هذه الأمور التي أمر بها النبي عليه الصلاة والسلام: استحباب النظر إلى المخطوبة، واستحباب النظر إلى الخاطب، ولهنَّ مثل الذي عليهنّ، ووجوب استشارة البنت وتأكيد استشارة الأم، أربع أشياء، أن تنظر إليها، وأن تنظر إليك، وأن تستشار البنت في الزواج، وأن تستشار أمها، فإذا جاءت الموافقات بالأربع، في الأعم الأغلب ستكون المودة والمحبة بين الزوجين. لكن الحكم الشرعي هو الاستحباب لا الوجوب، فهناك حالات كأن يتزوج الإنسان بنت إنسان عظيم، لعله ينال شرفاً رفيعاً بهذا الزواج، لذلك لا يمكن أن يعلِّق أهميةً على الأمور الثانية، فهو إذا رفض النظر هذا تخلى عن حقه، ولكن الزواج صحيح، فالتوجيه النبوي على سبيل الاستحباب، لا على سبيل الوجوب، لو أن الولي لم يوافق فالزواج باطل، ولو أن العقد بلا مهر فالزواج فاسد يصحح، أما لو الزواج تم، ولم ينظر الخاطب إلى مخطوبته فالزواج صحيح، لكن لن يتخلَّى عن حقٍ له مشروع، والأولى أن تمارس حقك الذي شرعه لك النبي عليه الصلاة والسلام. وهناك حديث آخر عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إِذَا خَطَبَ أَحَدُكُمُ الْمَرْأَةَ فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى مَا يَدْعُوهُ إِلَى نِكَاحِهَا فَلْيَفْعَلْ )) ( من سنن أبي داود: رقم " 1783 " ) المعنى واضح، ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها، أي أن تكون على الصفة الفلانية، هكذا طموحه، فإذا نظرت إليها، ورأيت فيها ما يدعوك إلى نكاحها، هذا من علامات التوفيق، ومن العلامات المودة والرحمة بين الزوجين. عَنْ أَبِي حُمَيْدَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إِذَا خَطَبَ أَحَدُكُمُ امْرَأَةً فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهَا إِذَا كَانَ إِنَّمَا يَنْظُرُ إِلَيْهَا لِخِطْبَتِهِ، وَإِنْ كَانَتْ لا تَعْلَمُ )) ( مسند أحمد ) عندنا حكم فرعي، وحكم لطيف جداً، أحياناً يأتي الخاطب الأول فلا يعود، ويأتي الخاطب الثاني فلا يعود، والخاطب الثالث فلا يعود، والأب حريص حرصاً بالغاً على معنويات ابنته، وعلى شأنها وعلى مكانتها، قد تكون فتاة مؤمنة، حافظة لكتاب الله، فهذه قلامة ظفرها تعدل عند الله ألف فتاة غير متدينة، بل مليون، فإذا كان أول خاطب لم يعد، والثاني لم يعد، وخاف الأب على مشاعر ابنته أن تجرح، وعلى معنوياتها أن تهبط يحق للأب أن يسمح للخاطب الثالث أن يراها دون أن تدري، ومن الممكن ذلك، وهنا الحكمة أن يراها دون أن تدري. أما إلى ماذا ينظر ؟ لقد شرح الإمام النووي رحمه الله تعالى هذا الحديث الشريف الذي ورد فيه أمر النبي عليه الصلاة والسلام بالنظر إلى المخطوبة فقال: " وفيه استحباب النظر إلى وجه من يريد تزوجها إلى الوجه، وهو مذهبنا، ومذهب مالكٍ وأبي حنيفة وسائر الكوفيين وأحمد، وجماهير العلماء أن ينظر إلى وجهها وكفِّها ". بعضهم علقَّ هذا التعليق: " يستدلُّ بالوجه على الجمال، أو جلده، وبالكفين على خصوبة البدن أو عدمه " الوجه مجمع الجمال، قال: " ولا يباح النظر، إلى ما لا يظهر عادةً ". في العادة هذه الفتاة في بيت أهلها، هناك أشياء لا تظهر عادةً منها فلا يباح النظر إلى مالا يظهر عادةً. بعض العلماء قال: " للخاطب أن ينظر إلى أكثر مما ذكر "، ولكن الإمام النووي يقول: نرى ألا ينظر إلى ما عدا الوجه والكفين، وذلك لسببين: أن الوجه مجمع المحاسن، ويكفي في الإخبار عن حسن صاحب الوجه، والكفان كما يقول النووي ينبئان عن خصوبة الجسد وصلابته، فلا ينبغي تجاوز الوجه والكفين إلى غيرهما ". ويرجِّح الإمام النووي أن ينظر الخاطب إلى الوجه والكفين فقط. هنا تعليق لطيف، لو أراد هذا الخاطب أن يستزيد من صفات المرأة، فله أن يرسل إحدى قريباته فتعطيه الزائدة، هذا من الممكن يرجح وهذا مباح، يقول الإمام النووي: " إذا لم يمكنه النظر، استحب له أن يبعث امرأةً يثق بها، تنظر إليه وتخبره ". وهناك نقطة مهمة جداً في الخطبة، أحياناً يكلّف الإنسان امرأة ليست ثقة، ليست متديِّنة، فلو كلَّفها أو لو كلَّف مثلاَ زوجة أخيه أن تخطب له، هذه الزوجة لا تسمح أن تأتي من تنافسها في الجمال، فإذا أرسلَّها إلى فتاةٍ تحقق طموحه فستعطيه صفات مخالفة، فإذا أرسل الإنسان امرأة لكي تخطب له فينبغي أن تكون ثقةً، ورعةً، لا تكذب، لا تغير الصفات لا تبدِّل، فأنا أعرف عشرات بل مئات الفتيات، اللاتي رفضن وهنّ في أعلى مستوى لغيرةٍ أصابت الخاطبة أو لحسدٍ، أو لمشكلةٍ، أو لعداوةٍ، أو لمنافسةٍ، فالابن أو الأخ بسيط فإن قيل له: الفتاة لا تناسبك، فبهذا القضية انتهت، أو أنها تعرج عرجةً خفيفة، وقد تكون غير ذلك، فأحياناً هذه الخاطبة التي ليست ثقةً ربما شوَّهت الحقيقة. الحقيقة أن الحياة تحتاج إلى ورع، المؤمن الصادق يتعامل مع المؤمنين، وبالإيمان حد أدنى، المؤمن لا يكذب، يطبع المؤمن على الخلال كلِّها، إلا الكذب والخيانة، أقول لكم هذا الكلام الدقيق: مؤمن يكذب ؟ يتكلّم كلامًا غير صحيح ؟ يفتري ؟ يبالغ ؟ يطمس المعالم ويشوِّه ؟ هذا ليس مؤمناً، يجب أن تنقل الواقع بأمانة. طبعاً في موضوع إرسال النساء للخطبة هذا ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام، بعث امرأةً تنظر إلى من خطبها النبي عليه الصلاة والسلام. والأولى عندنا قاعدة في الحديث، وهي أن الحديث المتواتر، يستحيل الكذب فيه، فقد رواه الجمع الغفير عن الجمع الغفير يستحيل التواطؤ على الكذب، فإذا كان الإنسان حريصًا على أن يخطب هذه الفتاة، وكان معه عنها معلومات جيدة جداً، فإذا أنبأته امرأةٌ ليس من صالحها أن تخطبها له بصفات مناقضة لما يعلَم، له أن يرسل امرأةً أخرى، فإذا جاء التواتر موافقاً، فيرسل امرأة ثالثة، فإذا جاءت الأوصاف متشابهة، معناها كلهنَّ صادقات، أما إذا كان هناك تناقض في الصفات، معنى ذلك أن إحداهن ليس لها مصلحة في هذا الزواج، فكنْ عاقلاً ولا تكون ألعوبة بيد الأخريات، كنْ عاقلاً فلا تحكم إلا بعد التثبت والتحقق. بقي علينا في الدرس القادم إن شاء الله تعالى نظر المخطوبة إلى الخاطب، واستشارة الفتاة، واستشارة أمها، هذه من التصرفات التي تحقق المودة بين الزوجين. أسئلة متعلقة بالخِطبة هناك أسئلة متعلّقة بهذا الموضوع لعلّها مهمةٌ ومفيدة: السؤال الأول: متى يسمح للخاطب بالنظر إلى الفتاة ؟ قبل الخوض في التفاصيل الأخرى أم بعدها ؟ الجواب: والله الأولى والأصوب، والأكمل والشيء الشرعي أكثر، أن ينظر إليها بعد أن يتفق الفريقان على كلِّ شيء، وتبقى الرؤية الحاسمة، أما هناك أكثر من سبب لعدم تحقق هذا الزواج، فما الفائدة من النظر إليها ؟ فمثلاً أهل الفتاة لا يزوجون خارج بلدهم، والخاطب مقيم بدولة خليجية، ويريد أن يراها، فلا داعي أن تراها ما دام إرسالها إلى هذا البلد مرفوض، أو لا يزوجون إلا في بيت مستقل، والخاطب لا يوجد عنده بيت مستقل، فلماذا تريد أن تراها ؟ أكثر الناس أول المرحلة الرؤية، فلا داعي لذلك، فلك أنت ظروف ولهم شروط، فإذا توافقت ظروفك مع شروطهم، اطلب أن تنظر إليها، أما أن يكون التناقض بين ظروفك وبين شروطهم فليس هناك حاجة أن تنظر إليها. السؤال الثاني: سألني أخ سؤالا: ما رأيك بتعدد الزوجات أسوةً برسول الله صلّى الله عليه وسلّم ؟ الجواب: ألم يعجبك منه غير التعدد اللهم صلِّ عليه ؟ التعدد مباح وليس واجباً، والأصل ما دام الله عزَّ وجل خلّق تقريباً النسبة بين الرجال والنساء خمسين بخمسين، فالأصل زوجة واحدة، أما حينما تكون المرأةٌ عاقرًا، هل الأولى أن نطلقها، وأن نلقيها في الطريق، أم أن نسمح لهذا الزوج المحروم من الولد بالزواج من ثانية ؟ نسمح له بالزواج من الثانية. امرأةٌ مريضة، الأولى أن نطلقها، ونلقيها في الطريق، أم أن نسمح لزوجها المحروم منها لعلة مرضها أن يتزوج ثانية ؟ نقول له: تزوج ثانية. رجلٌ له حالةٌ خاصة، لا تكفيه امرأةٌ واحدة، أنسمح له بالزنا أم بالخليلات، أم بزوجة ثانية ؟ بزوجة ثانية. عقب الحروب، مليون قتيل في بعض الحروب التي وقعت بين بلدين إسلاميين ودامت ثماني سنوات فقد فيها مليون قتيل، فماذا نفعل ببقية النساء ؟ ندفعهن للانحراف، أم نسمح بالتعدد ؟ نسمح بالتعدد. إذاً التعدد مباح وليس واجباً، وتتضح إباحته جليًّا في هذه الظروف، كامرأةٌ لا تنجب، أو امرأة مريضة، أو امرأة لا تحصن زوجها، ويخشى عليه أن يلتفت إلى غيرها، أو أن الرجل لا تكفيه امرأةٌ واحدة، أو عقب الحروب والنكبات، في هذه ظروف إذا سمحنا بالتعدد في هذه الظروف، لا بدَّ من العدل التام لا المطلق، فالمطلق يشمل، ميل القلب: عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْسِمُ فَيَعْدِلُ وَيَقُولُ: (( اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ، فَلا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلا أَمْلِكُ )) أما التام، السكنى، أي أن البيتين في مستوى واحد، الإنفاق اليومي، المبيت أو الوقت، فإذا كان هناك حاجة، وكان هناك قدرة، وكان هناك عدل تام، فالتعدد مباحاً وهو رأي الشرع. السؤال الثالث: إذا خطب رجلٌ فتاةً ثم تزوجها، وبعد الزواج اكتشف فيها عيباً لم يعرفه قبل الزواج، فما هو رأي الشرع بذلك ؟ وهل من حق الخاطب أن ينظر إلى مفاتنها المخفية عن الأنظار ؟ الجواب: مثلما تكلمنا سابقاً له أن ينظر إلى الوجه والكفين، وهناك رأيٍ ضعيف، لم يجمع عليه العلماء، أن ينظر إلى أكثر من ذلك، أي للشعر، لكن أن ينظر إلى ما ينبغي أن لا ينظر إليه، لا يجوز هذا وهو خلاف الفطرة، أما إذا اكتشف فيها عيباً، العلماء في كتب الفقه نصوا على العيوب التي تجيز للزوج أن يفسخ العقد، فليس كل عيب، كأن يكون عندها ثلاث أسنان محشوة، خير إن شاء الله، فأنت لك عشرة أسنان، لديك محشوة، فهناك عيوب لا تقدِّم ولا تؤخر، وليس هناك إنسان خالٍ من العيوب، أو سليماً مئة بالمئة، لكن هناك عيوب العلماء نصوا عليها تمنع تحقيق مصلحة الزواج، هذه تعالج في درسٍ قادم إن شاء الله. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#13 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الفقه الاسلامي - العلاقات الاسرية الدرس ( احادى عشر) الزواج -لمن تكون الولاية الحمد لله رب العلمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
وبعد فنحن مع الدرس الرابع من الدروس المتعلقة بشأن الزواج، وقد ذكرنا في درسٍ سابق أنَّ هناك فقراً حقيقياً ينبغي أن يعالج، والفقر كما تعلمون عقبةٌ كؤود في سبيل الزواج، وتحدثت عن الفقر المصطنع، حينما يغالى بالمهور، وحينما يكلّف الخاطب ما لا يطيق، يصبح فقيراً لا لأنه فقير، بل لأن الطلبات تفوق إمكاناته. الولاية في الزواج وننتقل اليوم، إلى موضوع الأولياء، لحكمةٍ أرادها الله عزَّ وجل واضحةٍ جداً جعلَّ صحة عقد الزواج منوطةً بموافقة الولي، فقد ورد عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنه: (( لا نكاح إلا بولي )) [الترمذي عن أبي موسى ] وجود الولي شرطٌ لعقد النكاح، لماذا ؟ لأنه في أغلّب الأحيان لا تعرف الفتاة الرجال، قد يعجبها شكله، ولكن لا تستطيع أن تختبره، بينما الولي لديه خبراتٌ متراكمة تزيد على خمسين عاماً أو عن أربعين عاماً، هذه الخبرات في معرفة الرجال، لذلك لئلا تقع الفتاة في شرِّ عملِّها، أو لئلا تخدع، أو لئلا يستغل طيبها، وسذاجتها أحياناً، أو عدم معرفتها بالرجال، فلا بدِّ من ضمانةٍ في نجاح الزواج، هذه الضمانة هي موافقة الولي. من هو الولي ؟ من هو الولي ؟ أبوها أقرب الناس إليها، أكثر الناس حباً لها، أشدُّ الناس حرصاً عليها، أي لا يوجد علاقة في الأرض تفوق علاقة الأب بابنه، أو الأم بابنتها، فلذلك الشرع الحكيم جعل موافقة الولي شرطاً لصحة العقد. حينما تأيَّمت حفصة بنت سيدنا عمر من خنيس بن حذافة السهمي، وكان من أصحاب رسول الله e، فتوفي بالمدينة، فقال عمر رضي الله عنه: << أتيت عثمان بن عفان فعرضت عليه حفصة، فقال: سأنظر في أمري، فلبثت ليالي، ثم لقيني فقال: قد بدا لي ألا أتزوج يومي هذا، قال عمر: فلقيت أبا بكرٍ الصديق رضي الله عنه، فقلت: إن شئت زوجتك حفصة بنت عمر، فصمت أبو بكرٍ رضي الله عنه فلم يرجع إليَّ شيئاً، فلبثت ليالي، ثم خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنكحتها إياه >>. وجوب تزويج الولي ابنته أو مَن في حُكمها ماذا نستنبط من هذه القصة ؟ حب سيدنا عمر الشديد على تزويج ابنته، وأيما أخٍ مؤمن يحرصُّ حرصاً بالغاً، ويتحرك، ويسعى، ويأخذ بالأسباب ليزوج ابنته، فهذا موقفٌ نبيل، فإن زوجها من شابٍ مؤمن حفظ لها دينها، وحفظ لها دنياها، وأعطاها حقها الطبيعي في أن تكون أمًّا، وإذا رأيت أباً لا يعبأ بتزويج بناته، فيتكبر على الخطَّاب، ويضع الشروط التعجيزية، ولا يبالي، بل إن بعض الجهلّة يقولون: " هذه الفتاة تركتها لشيخوختي "، لقد أخطأ في حقها خطأً لا يغفر، هذه تركتها لشيخوختي، لا يحب أن يزوجها. ![]() قد تكون إحدى الفتيات على علاقةٍ طيبةٍ جداً بأبيها، تخدمه خدمةً فائقة، فهذا الأب بعقله الباطن لا يتمنى أن يزوجها، إنه سعيدٌ بخدمتها، هذا الذي يؤْثر مصلحته وحظوظه من خلال ابنته، ومن خلال خدمة ابنته له، على صالح ابنته، فحينما يغيب هذا الأب عن الحياة، فهو أبٌ اقترف ذنباً لا يغفر. لذلك عرض سيدنا عمر ابنته على حفصة سيدنا عثمان، ثم عرضها على سيدنا الصديق، ثم جاء النبي عليه الصلاة والسلام فخطبها، فأنكحها إياه. فهذه المقدمة تعني أن على ولي الأمر أن يسعى جاهداً لتزويج ابنته، أحياناً يسلِّكها طريقاً بعيداً عن أنوثتها، لذلك عندئذٍ لا يُقدم عليها أحد، ولا ترضى بأحد، بعد حين يفوتها قطار الزواج، بعد حين تتألم أشدَّ الألم، تتعقد أحياناً، عندئذٍ تندب حظها وتنحِّي باللائمة على أبيها، فلذلك أردت من هذه المقدمة أن أبين لكم أن الأب المؤمن ينبغي أن يكون حريصاً حرصاً لا حدود له على تزويج بناته، طبعاً ليس الأمر بيده مطلقاً، عليه أن يسعى وعلى الله الباقي، فالسعي مطلوب. إخواننا الكرام، فهنا نقطة دقيقة جداً. عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَقَالَ: الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ لَمَّا أَدْبَرَ حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ، وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ، فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ )) ( سنن أبي داود ) هذا الحديث لو فهمناه فهماً دقيقاً، ففهمنا أبعاده لكان المسلمون اليوم بحالٍ غير هذا الحال، الاستسلام والضعف واليأس والقنوط لماذا ؟ فتحرك، واسعَ، ألم يقل سيدنا شعيب لسيدنا موسى: ﴿ قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾ ( القصص ) فإذا كان الأب يكبر عليه أن يعرض بناته، فلا بدَّ من وسيط قريب من العائلة يسعى لتزويج الفتيات، وقد ذكرت لكم هذا في دروسٍ سابقة، فأفضل شفاعةٍ أن تشفع بين اثنين في نكاح، حينما تخطب الفتاة من شابٍ مؤمن، تعمُّ الفرحة في بيت أبيها، فقد اطمأن على دينها وعلى دنياها، عليه أن يقدِّم ما يستطيع، أن يتساهل، إذا كان يملّك يقدم إذا لا يملك يتساهل، أما لا يملك ولا يقدم ولا يتساهل، هذا إنسان أحمق، إما أن يقدِّم، وإما أن يتساهل. السلطان وليُّ مَن لا ولي له الآن هذا الولي الذي جُعلَّ عقد النكاح موقوفاً صحته على موافقته، لو أنه غير موجود، فلو أنه كان مسافراً، أو لو أنه غائب، لو أنه في السجن، كيف نعمل ؟ العلماء قالوا: " الولي إما أن لا يكون موجوداً حقيقةً أو حكماً ". معنى: موجودا حقيقةً: ليس لها أب، كأن يكون الأب متوفى. ومعنى: حكماً كأن يكون مسافرًا، أو مسجونًا أو غائبًا أو مفقودًا، أو مصابًا بصفة تمنعه أن يحكم في أمر ابنته. الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه يروي عن ابن عباسٍ رضي الله عنه، طبعاً إذا قلنا عن أحد التابعين، أو عن أحد العلماء العاملين والفقهاء والمحدثين: رضي الله عنه، كما تعلمون هذه العبارة دعائية، أما إذا قلنا: عن أصحاب رسول الله رضي الله عنه، فهذه تقريرية، والفرق كبير بين أن تكون غنياً فيقال لكَ: " لقد أغناك الله، وبين أن تكون فقيراً فيقال لك: أغناك الله "، الأولى دعاء، والثانية تقرير، وإذا قلت عن التابعين، وعن العلماء العاملين وعن الفقهاء والمحدثين: رحمه الله تعالى، هذه تنفي الإشكال، أما لو قلت: رضي الله عنه لإنسان من التابعين أو العلماء المتأخرين، هذه دعائية، أما إذا ذكرت صحابياً، وترضَّيت عنه هذه تقريرية، والفرق بينهما كبير. فسيدنا بن عباس رضي الله عنه، أو رضي الله عنهما لأنه وأبوه صحابيان. عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( لا نِكَاحَ إِلا بِوَلِيٍّ )) قالوا: " والسلطان وليُ من لا وليَ له، والقاضي ينوب عن السلطان، في تزويج الفتاة التي لا وليَّ لها ". هذه أول قضية حُلّت، فلو فتاةٌ ليس لها ولي وجاءها خاطب والعقد معلق على موافقة الولي، هنا السلطان وليُ من لا وليَ لها، والقاضي الشرعي ينوب عن السلطان في تزويج الفتاة التي لا وليَّ لها، ولكن ماذا نعني بالسلطان ؟ يقول بعض العلماء: " نائب الحاكم ولي، أمير الأعراب ولي، رئيس القرية ولي ". فالقرية لها مختار، وهؤلاء الأعراب لهم شيخ قبيلة، وفي المدينة القاضي الشرعي، فأي شخص من عِلية القوم من بيده أمرّ هذه الجماعة، هذا يعدُّ نائباً للسلطان في تزويج من لا ولي لها. بعض العلماء يقول: " إذا كان ولّيها غائباً في موضعٍ لا يصل إليه الكتاب، أو يصلُّ فلا يجيب عنه، زوَّجها من هو أبعد منه من عصبتها، فإن لم يكن فالسلطان ". يوجد عندنا حل آخر، الأب ولي، وهو غائب لا نعلَّم أين هو، أو نعلم أين هو، لكن لا نستطيع أن نصلّ إليه، فإذا وصلّنا إليه قد لا يجيب لسبب أو لآخر، إذاً هناك وليٌ من الدرجة الثانية، أخوها فالأخ ولي، وعمها وخالها، وهكذا، فإن لم يكن هناك وليٌ من قرابتها، كان السلطان أو نائب السلطان ولياً في تزويجها. إذا غاب الولي غيبةً طويلةً انتقلت الولاية إلى الولي الأبعد، وهكذا، إلى أن نصل إلى السلطان أو نائبه في تزويج الفتاة التي لا وليَّ لها. هناك سؤال: أيهما أفضل إذا غاب وليها، أن يزوجها وليها الأبعد، أم السلطان أكثر ؟ الفقهاء على أن وليها الأبعد أولى من السلطان في تزويجها. النقطة الثانية: أية مدةٍ إذا غاب عنها الولي فقد ولايته، وانتقلت الولاية إلى غيره، أو إلى من هو أبعد منه، وهذه بحسب الأعراف والعادات، فكلّ بلدة أو كلّ مجتمع له عرف، فإذا سافر الإنسان إلى المحافظات أسبوعا، أو يسافر إلى بلد نفطي مثلاً شهر يسافر إلى بلد أبعد، فهناك سفر معقول ضمن العمل، لكن إذا انقطعت الأخبار، وطالت المدة، وفي عرف هذه البلدة أنه لن يعود، فلعلَّ هذا الوقت هو الذي يعدُّ مبرراً لأن يتولى الولي الآخر أمر زواجها. أحياناً الرق والصبي، والمجنون والمختل، والهرم ومن أصابه خبل، هذه صفات تخلع عن الولي حقه في الولاية، عندئذٍ يعين الأبعد أو نائب السلطان. حكم تعدد الأولياء في الزواج تنازعهم في الولاية أحياناً يأتي خاطب، فيتشاجر الأولياء على تفاوتهم، فالأم تريد، والأب لا يريد، الأب يريد، والأم لا تريد، والأخ يحلّف أيماناً معظمة إذا زوِّجت أخته لهذا الشاب لقتلّه، فرضاً، إذا وقعت منازعةٌ بين الأولياء على تفاوت درجتهم، عندئذٍ السلطان أو من ينوب عنه يزوج هذه الفتاة. وردَّ في حديث شريف رواه الترمذي عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلّى اله عليه وسلّم: ((أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا، فَإِنِ اشْتَجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لا وَلِيَّ لَهُ )) إذا كان الأولياء في التعددِّ سواء، لها خمسة إخوة، وأبوها متوفَّى، فإذا قلت: المتوفِّي غلط، المتوفِّي هو الله جلَّ جلاله، توفَّى، يتوفَّى، المتوفِّي، الصواب متوفَّى، الإنسان متوفَّى، فإذا تعدد الأولياء وكانوا في مستوى واحد، نأخذ برأي أفضلّهم أو أكبرهم سناً. أحياناً يرفض الولي تزويج ابنته، إما أن هذا الرفض معقول، وإما أنه غير معقول، فأحياناً تكون الفتاة مريضة مرضا عضالا، ولحكمةٍ أرادها أبوها لم يعلِّمها بهذا المرض، والزواج لا يناسبها أبداً، فإذا رفض التزويج ليس مضطراً أن يُنبئ ابنته بالسبب إن رفعت أمرها إلى القاضي، لأن القاضي الشرعي ولي من لا ولي له، القاضي عليه أن يستدعي الأب ليسأله عن سبب رفضه، فإما أن يقنع القاضي فينضم إلى الولي، وإما أن لا يقنع فيزوجها القاضي. روى الإمام البخاري عن معقل بن يسار رضي الله عنه قال: ((زَوَّجْتُ أُخْتًا لِي مِنْ رَجُلٍ فَطَلَّقَهَا، حَتَّى إِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا جَاءَ يَخْطُبُهَا، فَقُلْتُ لَهُ زَوَّجْتُكَ، وَفَرَشْتُكَ، وَأَكْرَمْتُكَ، فَطَلَّقْتَهَا، ثُمَّ جِئْتَ تَخْطُبُهَا، لا وَاللَّهِ لا تَعُودُ إِلَيْكَ أَبَدًا، وَكَانَ رَجُلا لا بَأْسَ بِهِ، وَكَانَتِ الْمَرْأَةُ تُرِيدُ أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ: ]فَلا تَعْضُلُوهُنَّ [، فَقُلْتُ: الآنَ أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَزَوَّجَهَا إِيَّاهُ )) أحيانًا تأخذ الإنسانَ حميّةٌ، يريد أن يؤدِّب هذا الرجل، فيقول له: والله لا أزوجك أبداً، فمن الضحية ؟ الفتاة، هذا اسمه عضل، والعضل لا يجوز، فإذا كنت في خصومة مع شخص أو في مشكلّة أو قضية فالأولى أن تجمدها، وأن تلتفت إلى صالح الفتاة. فقد تنشأ مشكلّة في أثناء الخطوبة، أو قبل عقد القران، فيتألم الأب أحياناً، أو يتألم الأخ، أو أن الأب يريد أن يؤدِّب هذا الخاطب، أو أن يؤدب هذا الطالب، فيمنعه من الزواج من هذه الفتاة لا لشيء إلا ليأخذ بثأره، أو ليثبت شخصيته قال: هذا لا يجوز، إذا كان الخاطب جيداً، وكانت الفتاة ترضى به، فالأولى أن نجمِّد مشكلتنا مع هذا الخاطب، وأن نحكِّم مصلحة الفتاة في هذا الموضوع، الآية الكريمة: ﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ ﴾ ( سورة البقرة: آية " 232 " ) الإمام الطبري، يفسر هذه الآية فيقول: " والصواب من القول في هذه الآية أن يقال: أن الله تعالى ذكره أنزلها دلالةً على تحريمه على أولياء النساء، مضارة من كان له أولياء من النساء، يعضلهن عمن أردن النكاح من أزواجٍ كانوا لهن، فبن منهنَّ بما تبين به المرأة من زوجها من طلاقٍ أو فسخ نكاح ". أي بانت بينونة صغرى، ثم جاء يخطبها مرةً ثانية، أما البينونة الكبرى حتى تنكح زوجاً غيره، لكن لو أن إنسان طلَّق زوجته طلقة واحدة، وانقضت عدتها ثلاثة قروء ملكت نفسها، بإمكانها أن ترفض، وبإمكان وليها أن يرفض، لأن عقد النكاح لا ينعقد إلا بالولي، فإذا طلَّقها تطليقةً واحدةً، وبانت منه بينونة صغرى، ثم ندم على فعلته، وجاء يخطبها مرةً ثانية، ليس للولي الحق أن يعضل فتاته أو ابنته، عن أن تتزوج زوجها التي بانت منه قبل قليل. بالمناسبة، الإنسان إذا طلق زوجته تطليقة واحدة، تبقى في بيته ثلاثة قروء، في هذه المدة بإمكانه أن يراجعها من دون عقد، ولا مهر، ولا ولي، ولا أي شيء، مراجعة قولية أو فعلية، لو وضع يده على يدها فقد راجعها، لو قال لها: لقد راجعتك، فقد رجعت إليه، لكن حُسبت طلقة، أما إذا انقضت عدتها ملكت نفسها، يمكن أن تعقد عليها عقداً جديداً، وأن تعود إليه من دون أن تضطر أن تتزوج رجلاً آخر، هذه البينونة الصغرى. يوجد عندنا حكم شرعي دقيق، أن الولي إذا عضل أي رفض تزويج ابنته، من زوجها الذي طلَّقها وبانّت منه بينونة صغرى، لا يزوج السلطان إلا بعد أن يأمره بالرجوع عن العضل، فإن أجاب فذاك، وإن أصرَّ، زوج عليه الحاكم والله أعلّم. المفروض نائب السلطان القاضي الشرعي، يرى في رأي الولي، لعل هناك مشكلة لا يعلّمها، لعل هناك عقبة كؤود، لعل هناك مفسدة كبيرة من عودتها إليه، لا بدَّ من التشاور. عندنا حالة يؤسف لها كثيراً، أنَّ ولي الفتاة ينتظر خاطباً غنياً، فيعضل ابنته لعلّة الغنى، أي يتمنى خاطباً غنياً، فكلّما جاء خاطبٌ فقير رفض، هذا عضل وبإمكان الفتاة التي يرفض أبوها تزويجها لهذه العلة أن ترفع أمرها إلى القاضي. شيء آخر، أحياناً يكون للفتاة دخل أو لها إرث كبير، فيريد الأب أن تبقى في حوزته حتى يتصرف في أملاكها، يخشى أن يأتي زوج، فيأخذها منه، ويأخذ معها ما تملك، هذا أيضاً الدافع مادي، وعندنا قاعدة أساسية، إذا ابتغى الإنسان مرضاة الله عزَّ وجل جاءته الدنيا وهي راغمة، أما إذا أراد الدنيا، خسر الدنيا والآخر. لدي كلمات أقرأُها لكم: " إذا رضيت الفتاة رجلاً، وكان كُفئاً لها، وجب على وليها، كالأب أو الأخ أو العم، أن يزوجها به، فإن عضلّها أي امتنع، زوجها الولي الأبعد منه، أو الحاكم أو نائب الحاكم، وأقصد به القاضي الشرعي، بغير إذنه، باتفاق العلماء، فليس للولي أن يجبرها على نكاح من لا ترضاه، وليس له أن يعضلها عن نكاح من ترضاه، إذا كان كفئاً في اتفاق الأمة، وإنما يجبرها، ويعضلها أهل الجاهلية والظلمة، الذين يزوجون نساءهم بمن يختارون لغرضٍ لا لمصلحة المرأة، ويكرهونها على ذلك ". ![]() وأحياناً هناك نوع من الإكراه هو الإخجال، أي كلام فيه استعطاف، فيه إثارة عاطفة البنوة نحو أبيها، هذا الشيء كان بالحياء فهو حرام، كان عليه الصلاة والسلام إذا خطبت ابنته يعطيها ظهره، ويقول: ((يا بنيتي، إن فلانا قد ذكرك، لك الخيار)) [ورد في الأثر] فقضية التزويج وهذه نصيحة إلى إخواننا الكرام، أنت ترى أن هذا الإنسان جيد جداً، لكن لم يرق لابنتك، فإذا رفضت ينبغي أن ترفض، لك أن تقول لها: فلان أخلاقه عالية، لكن كما أنك مُكلّف أن تختار لها الأصلح، هي مسموح لها أن تختار من تعتزُّ به، فعن ابن عباس رضي الله عنهما، جاءت امرأة لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم تطلب الطلاق من زوجها فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( لَوْ رَاجَعْتِيهِ فَإِنَّهُ أَبُو وَلَدِكِ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَأْمُرُنِي ؟ قَالَ: إِنَّمَا أَنَا شَفِيعٌ، قَالَتْ: فَلا حَاجَةَ لِي فِيهِ )) وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ امْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ أَتَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: (( يَا رَسُولَ اللَّهِ، ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ مَا أَعْتِبُ عَلَيْهِ فِي خُلُقٍ وَلا دِينٍ، وَلَكِنِّي أَكْرَهُ الْكُفْرَ فِي الإِسْلامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:اقْبَلِ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً )) [البخاري] هذه هي المخالعة، فالأب يجب أن يحترم رغبة ابنته، قد تكره هذا النموذج، قد تكره هذا الشخص، لا بدَّ من موافقة الولي، وموافقة الفتاة معاً، فبعض الصناديق يكون لها مفتاحان، لو ملكت مفتاحا واحدا لا يفتح، لا بدَّ من استخدام المفتاحين معاً. الحقيقة أنّ هذا الموضوع واضح، لحرص الإسلام على إحصان الفتيات، وعلى تأسيس الأسر الإسلامية، النبي عليه الصلاة والسلام، لا ينطق عن الهوى، شرَّع لنا أن الولي فإذا كان مفقوداً حقيقةً، أو مفقوداً حكماً، أو كان حجر عثرةٍ، تولى السلطان تزويج هذه الفتاة التي لا ولي لها أو لها وليٌ مفقود، أو وليها يعضلّها عن الزواج، عندئذٍ يتولى الأبعد، أو نائب السلطان، وهو القاضي الشرعي، تزويج هذه الفتاة، وأحياناً الإنسان يصل إلى الدرجة من الاعتداد بالنفس ومن أجل أن ينفذ كلمته يضحي بمستقبل بناته. إشاعة المحبة والوداد في الحياة العائلية ننتقل إلى فصلٍ جديد في هذا الموضوع، وهو إشاعة المحبة والوداد في الحياة العائلية، هناك تدابير ينبغي أن يفعلّها الإنسان قبل الزواج، من أجل أن تشيع المحبة بعد الزواج، كيف أن الابن له حقٌ عليك قبل أن يلد، ما حقه عليك ؟ أن تحسن اختيار أمه، هناك أساليب ينبغي أن تفعلها قبل الزواج، من أجل أن تشيع المحبة بينك وبين زوجتك بعد الزواج، فمن هذه التدابير: استحباب النظر إلى المخطوبة والخاطب استحباب النظر إلى المخطوبة، الآن دققوا: فمن فضل الله علينا أنا لا أعتقد أن في ألف ولي وليا واحدا لا يريد لابنته أفضل زوج، في الأعمّ الأغلب في مجتمع المؤمنين الولي عنده رحمة بالغة وحرص شديد على تزويج ابنته، إلا الحالات الشاذة، لذلك القسم الأول من هذا الدرس يتعلَّق بفتاة ليس لها ولي حقيقةً، أو لها وليٌ غائبٌ، فهو كالمفقود حكماً، أو لها وليٌ يعاني من مشكلة فيعضلها، عندئذٍ هناك من يزوجها، إما وليٌ آخر أو القاضي. لكن الآن دخلنا في صميم الموضوع، هناك مشكلات، تنشأ بين الزوجين أسبابها أنه لم ينظر إليها، أو أنه نظرَّ إليها، ولكنه رجَّح مصلحةً غير مصلحة أنها في طموحه، فإذا تزوج الإنسان فتاة دون طموحه بكثير، ورضيها، وأحسن إليها، فلا يوجد مانع، فهي بطولة، أما إذا قبلها بادئ الأمر، ثم بالغ في إهانتها، لأنها لم تكن في طموحه، فقد أجرم بحقها، الفتاة عند أهلها معززةٌ مكرمةٌ، وتعيش في أجواء أخرى، ثم دخلت أجواء الزواج وأجواء علاقتها بالرجال، تعيش حياة طهر واستقامة وصفاء، لها أبٌ يحبها، ولها أمٌ تعطف عليها فأنت قلت: " أنا أختارها زوجة لي، ولا يعنيني الجمال إطلاقاً "، فلا مانع من ذلك، وهي بطولة منك، لكن حينما تأتي إليك فتنكد عيشها، وتمتهن كرامتها، لأنها ليست في طموحك، هذه جريمةٌ بحقها، لذلك إذا أردت أن تكون من عامة المؤمنين انظر إليها. النبي عليه الصلاة والسلام من توجيهاته الكريمة في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام الترمذي عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أنه خطب امرأةً فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ((انْظُرْ إِلَيْهَا، فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا )) ومعنى أن يؤدم بينكما، أي أن تدوم المودة بينهما، فأحد أسباب المودة بين الزوجين، أنه نظر إليها، ولم يغرر بها، ولم يدلس له عليها ورضيها، وأعجبته، وخطبها عن قناعةٍ، وعن رغبةٍ، وعن شوقٍ عندئذٍ لا يندم على الزواج منها، هذا مما يعين عن المودة فيما بين الزوجين. بعض العلماء قال: " معنى أن يؤدم بينكما، يكون بينكما الألفة والمحبة، لأن الزواج منها كان بعد معرفةٍ، فلا يكون بعدها ندامةٌ غالباً ". أي إذا نظرت، وأعجبتك وكانت ضمن الطموح الذي تريده، انتهى موضوع الندامة، وموضوع اللوم، كأن تقول: " لولا أنت لما تزوجتها، لولا أن أمي ضغطت علي لما تزوجتها "، فهذه القضية قضية عمر مديد. فمن هذه الأمور التي أمر بها النبي عليه الصلاة والسلام: استحباب النظر إلى المخطوبة، واستحباب النظر إلى الخاطب، ولهنَّ مثل الذي عليهنّ، ووجوب استشارة البنت وتأكيد استشارة الأم، أربع أشياء، أن تنظر إليها، وأن تنظر إليك، وأن تستشار البنت في الزواج، وأن تستشار أمها، فإذا جاءت الموافقات بالأربع، في الأعم الأغلب ستكون المودة والمحبة بين الزوجين. لكن الحكم الشرعي هو الاستحباب لا الوجوب، فهناك حالات كأن يتزوج الإنسان بنت إنسان عظيم، لعله ينال شرفاً رفيعاً بهذا الزواج، لذلك لا يمكن أن يعلِّق أهميةً على الأمور الثانية، فهو إذا رفض النظر هذا تخلى عن حقه، ولكن الزواج صحيح، فالتوجيه النبوي على سبيل الاستحباب، لا على سبيل الوجوب، لو أن الولي لم يوافق فالزواج باطل، ولو أن العقد بلا مهر فالزواج فاسد يصحح، أما لو الزواج تم، ولم ينظر الخاطب إلى مخطوبته فالزواج صحيح، لكن لن يتخلَّى عن حقٍ له مشروع، والأولى أن تمارس حقك الذي شرعه لك النبي عليه الصلاة والسلام. وهناك حديث آخر عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إِذَا خَطَبَ أَحَدُكُمُ الْمَرْأَةَ فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى مَا يَدْعُوهُ إِلَى نِكَاحِهَا فَلْيَفْعَلْ )) ( من سنن أبي داود: رقم " 1783 " ) المعنى واضح، ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها، أي أن تكون على الصفة الفلانية، هكذا طموحه، فإذا نظرت إليها، ورأيت فيها ما يدعوك إلى نكاحها، هذا من علامات التوفيق، ومن العلامات المودة والرحمة بين الزوجين. عَنْ أَبِي حُمَيْدَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إِذَا خَطَبَ أَحَدُكُمُ امْرَأَةً فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهَا إِذَا كَانَ إِنَّمَا يَنْظُرُ إِلَيْهَا لِخِطْبَتِهِ، وَإِنْ كَانَتْ لا تَعْلَمُ )) ( مسند أحمد ) عندنا حكم فرعي، وحكم لطيف جداً، أحياناً يأتي الخاطب الأول فلا يعود، ويأتي الخاطب الثاني فلا يعود، والخاطب الثالث فلا يعود، والأب حريص حرصاً بالغاً على معنويات ابنته، وعلى شأنها وعلى مكانتها، قد تكون فتاة مؤمنة، حافظة لكتاب الله، فهذه قلامة ظفرها تعدل عند الله ألف فتاة غير متدينة، بل مليون، فإذا كان أول خاطب لم يعد، والثاني لم يعد، وخاف الأب على مشاعر ابنته أن تجرح، وعلى معنوياتها أن تهبط يحق للأب أن يسمح للخاطب الثالث أن يراها دون أن تدري، ومن الممكن ذلك، وهنا الحكمة أن يراها دون أن تدري. أما إلى ماذا ينظر ؟ لقد شرح الإمام النووي رحمه الله تعالى هذا الحديث الشريف الذي ورد فيه أمر النبي عليه الصلاة والسلام بالنظر إلى المخطوبة فقال: " وفيه استحباب النظر إلى وجه من يريد تزوجها إلى الوجه، وهو مذهبنا، ومذهب مالكٍ وأبي حنيفة وسائر الكوفيين وأحمد، وجماهير العلماء أن ينظر إلى وجهها وكفِّها ". بعضهم علقَّ هذا التعليق: " يستدلُّ بالوجه على الجمال، أو جلده، وبالكفين على خصوبة البدن أو عدمه " الوجه مجمع الجمال، قال: " ولا يباح النظر، إلى ما لا يظهر عادةً ". في العادة هذه الفتاة في بيت أهلها، هناك أشياء لا تظهر عادةً منها فلا يباح النظر إلى مالا يظهر عادةً. بعض العلماء قال: " للخاطب أن ينظر إلى أكثر مما ذكر "، ولكن الإمام النووي يقول: نرى ألا ينظر إلى ما عدا الوجه والكفين، وذلك لسببين: أن الوجه مجمع المحاسن، ويكفي في الإخبار عن حسن صاحب الوجه، والكفان كما يقول النووي ينبئان عن خصوبة الجسد وصلابته، فلا ينبغي تجاوز الوجه والكفين إلى غيرهما ". ويرجِّح الإمام النووي أن ينظر الخاطب إلى الوجه والكفين فقط. هنا تعليق لطيف، لو أراد هذا الخاطب أن يستزيد من صفات المرأة، فله أن يرسل إحدى قريباته فتعطيه الزائدة، هذا من الممكن يرجح وهذا مباح، يقول الإمام النووي: " إذا لم يمكنه النظر، استحب له أن يبعث امرأةً يثق بها، تنظر إليه وتخبره ". وهناك نقطة مهمة جداً في الخطبة، أحياناً يكلّف الإنسان امرأة ليست ثقة، ليست متديِّنة، فلو كلَّفها أو لو كلَّف مثلاَ زوجة أخيه أن تخطب له، هذه الزوجة لا تسمح أن تأتي من تنافسها في الجمال، فإذا أرسلَّها إلى فتاةٍ تحقق طموحه فستعطيه صفات مخالفة، فإذا أرسل الإنسان امرأة لكي تخطب له فينبغي أن تكون ثقةً، ورعةً، لا تكذب، لا تغير الصفات لا تبدِّل، فأنا أعرف عشرات بل مئات الفتيات، اللاتي رفضن وهنّ في أعلى مستوى لغيرةٍ أصابت الخاطبة أو لحسدٍ، أو لمشكلةٍ، أو لعداوةٍ، أو لمنافسةٍ، فالابن أو الأخ بسيط فإن قيل له: الفتاة لا تناسبك، فبهذا القضية انتهت، أو أنها تعرج عرجةً خفيفة، وقد تكون غير ذلك، فأحياناً هذه الخاطبة التي ليست ثقةً ربما شوَّهت الحقيقة. الحقيقة أن الحياة تحتاج إلى ورع، المؤمن الصادق يتعامل مع المؤمنين، وبالإيمان حد أدنى، المؤمن لا يكذب، يطبع المؤمن على الخلال كلِّها، إلا الكذب والخيانة، أقول لكم هذا الكلام الدقيق: مؤمن يكذب ؟ يتكلّم كلامًا غير صحيح ؟ يفتري ؟ يبالغ ؟ يطمس المعالم ويشوِّه ؟ هذا ليس مؤمناً، يجب أن تنقل الواقع بأمانة. طبعاً في موضوع إرسال النساء للخطبة هذا ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام، بعث امرأةً تنظر إلى من خطبها النبي عليه الصلاة والسلام. والأولى عندنا قاعدة في الحديث، وهي أن الحديث المتواتر، يستحيل الكذب فيه، فقد رواه الجمع الغفير عن الجمع الغفير يستحيل التواطؤ على الكذب، فإذا كان الإنسان حريصًا على أن يخطب هذه الفتاة، وكان معه عنها معلومات جيدة جداً، فإذا أنبأته امرأةٌ ليس من صالحها أن تخطبها له بصفات مناقضة لما يعلَم، له أن يرسل امرأةً أخرى، فإذا جاء التواتر موافقاً، فيرسل امرأة ثالثة، فإذا جاءت الأوصاف متشابهة، معناها كلهنَّ صادقات، أما إذا كان هناك تناقض في الصفات، معنى ذلك أن إحداهن ليس لها مصلحة في هذا الزواج، فكنْ عاقلاً ولا تكون ألعوبة بيد الأخريات، كنْ عاقلاً فلا تحكم إلا بعد التثبت والتحقق. بقي علينا في الدرس القادم إن شاء الله تعالى نظر المخطوبة إلى الخاطب، واستشارة الفتاة، واستشارة أمها، هذه من التصرفات التي تحقق المودة بين الزوجين. أسئلة متعلقة بالخِطبة هناك أسئلة متعلّقة بهذا الموضوع لعلّها مهمةٌ ومفيدة: السؤال الأول: متى يسمح للخاطب بالنظر إلى الفتاة ؟ قبل الخوض في التفاصيل الأخرى أم بعدها ؟ الجواب: والله الأولى والأصوب، والأكمل والشيء الشرعي أكثر، أن ينظر إليها بعد أن يتفق الفريقان على كلِّ شيء، وتبقى الرؤية الحاسمة، أما هناك أكثر من سبب لعدم تحقق هذا الزواج، فما الفائدة من النظر إليها ؟ فمثلاً أهل الفتاة لا يزوجون خارج بلدهم، والخاطب مقيم بدولة خليجية، ويريد أن يراها، فلا داعي أن تراها ما دام إرسالها إلى هذا البلد مرفوض، أو لا يزوجون إلا في بيت مستقل، والخاطب لا يوجد عنده بيت مستقل، فلماذا تريد أن تراها ؟ أكثر الناس أول المرحلة الرؤية، فلا داعي لذلك، فلك أنت ظروف ولهم شروط، فإذا توافقت ظروفك مع شروطهم، اطلب أن تنظر إليها، أما أن يكون التناقض بين ظروفك وبين شروطهم فليس هناك حاجة أن تنظر إليها. السؤال الثاني: سألني أخ سؤالا: ما رأيك بتعدد الزوجات أسوةً برسول الله صلّى الله عليه وسلّم ؟ الجواب: ألم يعجبك منه غير التعدد اللهم صلِّ عليه ؟ التعدد مباح وليس واجباً، والأصل ما دام الله عزَّ وجل خلّق تقريباً النسبة بين الرجال والنساء خمسين بخمسين، فالأصل زوجة واحدة، أما حينما تكون المرأةٌ عاقرًا، هل الأولى أن نطلقها، وأن نلقيها في الطريق، أم أن نسمح لهذا الزوج المحروم من الولد بالزواج من ثانية ؟ نسمح له بالزواج من الثانية. امرأةٌ مريضة، الأولى أن نطلقها، ونلقيها في الطريق، أم أن نسمح لزوجها المحروم منها لعلة مرضها أن يتزوج ثانية ؟ نقول له: تزوج ثانية. رجلٌ له حالةٌ خاصة، لا تكفيه امرأةٌ واحدة، أنسمح له بالزنا أم بالخليلات، أم بزوجة ثانية ؟ بزوجة ثانية. عقب الحروب، مليون قتيل في بعض الحروب التي وقعت بين بلدين إسلاميين ودامت ثماني سنوات فقد فيها مليون قتيل، فماذا نفعل ببقية النساء ؟ ندفعهن للانحراف، أم نسمح بالتعدد ؟ نسمح بالتعدد. إذاً التعدد مباح وليس واجباً، وتتضح إباحته جليًّا في هذه الظروف، كامرأةٌ لا تنجب، أو امرأة مريضة، أو امرأة لا تحصن زوجها، ويخشى عليه أن يلتفت إلى غيرها، أو أن الرجل لا تكفيه امرأةٌ واحدة، أو عقب الحروب والنكبات، في هذه ظروف إذا سمحنا بالتعدد في هذه الظروف، لا بدَّ من العدل التام لا المطلق، فالمطلق يشمل، ميل القلب: عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْسِمُ فَيَعْدِلُ وَيَقُولُ: (( اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ، فَلا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلا أَمْلِكُ )) أما التام، السكنى، أي أن البيتين في مستوى واحد، الإنفاق اليومي، المبيت أو الوقت، فإذا كان هناك حاجة، وكان هناك قدرة، وكان هناك عدل تام، فالتعدد مباحاً وهو رأي الشرع. السؤال الثالث: إذا خطب رجلٌ فتاةً ثم تزوجها، وبعد الزواج اكتشف فيها عيباً لم يعرفه قبل الزواج، فما هو رأي الشرع بذلك ؟ وهل من حق الخاطب أن ينظر إلى مفاتنها المخفية عن الأنظار ؟ الجواب: مثلما تكلمنا سابقاً له أن ينظر إلى الوجه والكفين، وهناك رأيٍ ضعيف، لم يجمع عليه العلماء، أن ينظر إلى أكثر من ذلك، أي للشعر، لكن أن ينظر إلى ما ينبغي أن لا ينظر إليه، لا يجوز هذا وهو خلاف الفطرة، أما إذا اكتشف فيها عيباً، العلماء في كتب الفقه نصوا على العيوب التي تجيز للزوج أن يفسخ العقد، فليس كل عيب، كأن يكون عندها ثلاث أسنان محشوة، خير إن شاء الله، فأنت لك عشرة أسنان، لديك محشوة، فهناك عيوب لا تقدِّم ولا تؤخر، وليس هناك إنسان خالٍ من العيوب، أو سليماً مئة بالمئة، لكن هناك عيوب العلماء نصوا عليها تمنع تحقيق مصلحة الزواج، هذه تعالج في درسٍ قادم إن شاء الله. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#14 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الفقه الاسلامي - العلاقات الاسرية الدرس ( الثانى عشر) الزواج - حقوق الخاطبين وعوامل تمتين العلاقة بعد الزواج الحمد لله رب العلمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. أيها الإخوة الكرام، مع الدرس الخامس من دروس الزواج، وقد ترون معي أن هذا الموضوع من أهم الموضوعات التي ينبغي أن يعالج في هذا الوقت، وقد وصلنا في الدرس الماضي، إلى نظر المخطوبة إلى الخاطب، وتحدثنا أن هناك تصرفاتٍ يمكن أن تمتِّن العلاقة الزوجية، هناك تصرفاتٌ قبل الزواج، تمتن هذه العلاقة، وأخرى بعد الزواج تمتن هذه العلاقة، فأما التي قبل الزواج فنظر الخاطب إلى مخطوبته، وقد تحدثنا عن هذا في الدرس الماضي. نظر المخطوبة إلى الخاطب وأما الإجراء الثاني أو التصرف الثاني، نظر المخطوبة إلى الخاطب، فيسن للمرأة أن تنظر إلى الرجل إذا أرادت أن تتزوجه، فإنه يعجبها منه ما يعجبه منها، ولها أن تستوصف الرجل أي أن تسأل عن بعض صفاته، هذا من حقها، كما مر في بحث أن الزوج له أن يستوصف زوجته. يقول أحد العلماء يذكر قصةً وهي: " أن المغيرة بن شعبة وفتىً من العرب خطبا امرأةً، وكان الفتى جميلاً، فأرسلت إليهما المرأة وقالت: لا بد من أن أراكما، وأن أسمع كلامكما، فاحضرا إن شئتما، فعلم المغيرة أنها تؤثر عليه الفتى، فقال للفتى: لقد أوتيت حسناً وجمالاً وبياناً، فهل عندك سوى ذلك، قال: نعم، فعدد عليه محاسنه ثم سكت، فقال المغيرة: فكيف حسابك، قال: لا يسقط علي منه شيء، وإني لأستدرك منه أقل من الخردلة، فقال المغيرة: لكني أضع البدرة في زاوية البيت، فينفقها أهل بيتي على ما يريدون، فما أعلم بنفادها حتى يسألوني غيرها، فقالت المرأة: والله لهذا الشيخ الذي لا يحاسبني، أحب إلي من الذي يحصي علي أدنى من الخردلة، فتزوجت المغيرة ". طبعاً هذه قصة، لكن قد يؤخذ منها أن المرأة من حقها أن ترى الخاطب، كما أنه من حقه أن يرى مخطوبته، ولها أن تستوصفه، أي أن تطلب أوصافه، كما له أن يطب أوصافها، فإنه يعجبها منه ما يعجبه منها، وأصل هذا الكلام. ﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ ( سورة البقرة: آية " 228 " ) إذاً المرأة مساويةٌ للرجل في هذا، لكن هذه الرؤية سواء كانت من قِبل الفتاة إلى خاطبها، أو إن كانت من قِبل الخاطب إلى مخطوبته، هذه الرؤية تتم مرةً أو مرتين، أما أن يفعل الخاطبان كما يفعلُ بعضهم من دون قيود، ومن دون حدود، أشهر، بضعة أشهر زيارات، سهرات، خروج خارج المنزل، هذه إباحيةٌ لا يقبلها الإسلام. على كلٍ، إن كانت هذه الخطبة بهذه الطريقة التي لا يرضاها الإسلام، آتت أكلها، فلنصغِ قليلاً إلى الإحصاءات: ![]() إنّ نسب الطلاق في ألمانيا خمسة وثلاثين بالمئة، أي أن من كل مئة زواج خمسة وثلاثين بالمئة من هذه الزيجات تنتهي إلى الطلاق، ونسبة الطلاق في أمريكا اثنان وستون بالمئة، أي أن من كل مئة زواج اثنين وستين بالمئة من هذه الزيجات تنتهي إلى الطلاق، أما عندنا في سوريا فالقاضي الشرعي الأول يقول: ثلاثة بالألف، ففي ألمانيا خمسة وثلاثون، واثنان وستون في أمريكا، وثلاثة بالألف في بلاد المسلمين، هذا هو الشرع الحكيم. شيءٌ آخر، وهي دراسة لطيفة أسوقها لكم، وزير الهاتف الفرنسي أصدر قرارًا بالسماح لمن يطلب أن يراقب خطه الهاتفي، وأن يعطى مَن المتكلِّم، ويعطى تسجيلاً للمكالمات الطويلة التي تتم في غيبته، إلا أن رئيس الجمهورية جسكار ديستان ألغى هذا القرار حفاظاً على أسرار البيوت، لأن نصف نساء فرنسا يخُنَّ أزواجهن، لذلك الجمعيات النسائية أثنت على قرار إيقاف هذا الإجراء الذي يسمح للأزواج بطلب معرفة رقم هاتف من يتصل بزوجاتهن في غيبتهن، لأن الخيانة الزوجية في بعض الإحصاءات بلغتْ ثلاثين بالمئة، وفي بعض الإحصاءات بلغت خمسين بالمئة، وهذه الأرقام كلها قديمة قبل عشر سنوات، ويبدو الآن أنها تزيد على السبعين أو الثمانين بالمئة، فهذه الخطبة المطولة التي لا قيود فيها ولا فيها حدود لم تؤتِ ثمارها، بل بالعكس أدت إلى طلاقٍ مخيف، وأدت إلى خياناتٍ زوجية، فيما لو بقي الزوجان على عهدهما أو مع بعضهما بعضاً. استئذان البنت في الزواج وعدم إكراهها الذي يلفت النظر في الشرع الحكيم أن البنت ينبغي أن تُستأمر، فقد روى الإمام مسلمٌ في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها، أنها قالت: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْجَارِيَةِ يُنْكِحُهَا أَهْلُهَا أَتُسْتَأْمَرُ أَمْ لا ؟ فَقَالَ: لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( نَعَمْ تُسْتَأْمَرُ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ لَهُ: فَإِنَّهَا تَسْتَحْيِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَذَلِكَ إِذْنُهَا إِذَا هِيَ سَكَتَتْ )) أي أن سكوتها إذنها. وقد روى الإمام الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: (( لا تُنْكَحُ الثَّيِّبُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، وَلا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ، وَإِذْنُهَا الصُّمُوتُ )) لكن هناك شيء يلفت النظر في المذهب الظاهري، هذا المذهب يأخذ بظاهر النص، يقول أصحابه: " لو أنك استأمرت فتاةً في زواجها، أي استأذنتها وقالت: أنا أريد هذا الزوج وأنا أرحب به، وأنا موافقٌ عليه، فالزواج باطل، لماذا ؟ لأن أذنها صمتها، وهي تكلَّمت . وهذا من باب الطرفة، فبعض المذاهب الظاهرية ترفض أن تتكلَّم الفتاة إذا استُئْمِرت، لأن إذنها صمتها، والكلام أبلغ من الصمت. وقد روى الإمام الترمذي كما قلت قبل قليل عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: (( لا تُنْكَحُ الثَّيِّبُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، وَلا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ، وَإِذْنُهَا الصُّمُوتُ )) اختلف العلماء فيما إذا كان استئذانها مستحبٌ أو واجب، إلا أن الأغلب والصحيح أن استئمارها أو استئذانها واجب. يقول بعض العلماء: " لا يجوز أن يحكم الأولياء فقط، لأنهم لا يعرفون ما تعرف المرأة من نفسها ". الآن هناك موضوع آخر في سياق هذا الموضوع، لا يجوز إجبار البنت على الزواج، فقد ثبت في الصحيح أنه قال: (( لا تُنْكَحُ الأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، وَلا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ، قَالُوا: كَيْفَ إِذْنُهَا قَالَ: أَنْ تَسْكُتَ )) ( صحيح البخاري) وفي صحيح مسلم عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( الأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ فِي نَفْسِهَا، وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا )) الحكم إذاً: لا يجوز أن تجبر البكر على النكاح، ولا أن تزوج إلا برضاها. وكلكم أيها الإخوة الكرام، لا شك أنكم حضرتم عقود قران، وحضرتم جانباً من هذه العقود، كيف أن الموظف الموكَّل بكتابة العقد، بعد أن يسمع الإجابة والقبول من الزوج ومن والد الفتاة، ينهض ليسمع بإذنه موافقة الفتاة من وراء الحجاب، هذا من شرعنا الحنيف. ![]() يقول بعض العلماء: " تزويج الفتاة مع كراهتها للنكاح مخالفٌ للأصول والعقول، والله لم يسوِّغ لوليها أن يكرهها على بيعٍ أو إجارةٍ إلا بإذنها، ولا على طعامٍ أو شرابٍ إلا بإذنها، فكيف يكرهها على مباضعة من تكره مباضعةً ومعاشرةً، والله قد جعل بين الزوجين مودةً ورحمة، فإذا كان هذا لا يحصل إلا مع بغضها له ونُفورها منه، فأية مودةٍ وأية رحمةٍ تكون بين الزوجين ؟! ". إذاً أن يجبر الولي ابنته على الزواج من شخصٍ ما وهي رافضة ولا تريد، هذا مما نهى عنه الشرع الحنيف. أما من تزوجت بغير رضاها فقد روى الإمام البخاري في صحيحه عَنْ خَنْسَاءَ بِنْتِ خِذَامٍ الْأَنْصَارِيَّةِ (( أَنَّ أَبَاهَا زَوَّجَهَا، وَهْيَ ثَيِّبٌ، فَكَرِهَتْ ذَلِكَ، فَأَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَدَّ نِكَاحَهُ )) إذاً ردُّ النكاح إذا كانت ثيباً، ولم تكن راضيةً به، من الأحكام الشرعية التي وردت عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم. وروى الإمام ابن ماجة عَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: جَاءَتْ فَتَاةٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: (( إِنَّ أَبِي زَوَّجَنِي ابْنَ أَخِيهِ لِيَرْفَعَ بِي خَسِيسَتَهُ، قَالَ: فَجَعَلَ الْأَمْرَ إِلَيْهَا فَقَالَتْ: قَدْ أَجَزْتُ مَا صَنَعَ أَبِي، وَلَكِنْ أَرَدْتُ أَنْ تَعْلَمَ النِّسَاءُ أَنْ لَيْسَ إِلَى الْآبَاءِ مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ )) إنه ما لم توافق الفتاة فالزواج ليس مشروعاً، لأنها هي الزوجة، وهي التي تعيش مع هذا الزوج طوال حياتها، فإن لم تكن راضية ففي الأعم الأغلب يكون الشقاق والخصام بين الزوجين. الخلاصة.. ألاّ تزوج المرأة بكراً كانت أو ثيباً إلا بموافقتها، ولو تزوجت بالإجبار، كان لها طلب فسخ النكاح. فالذي يرِد في هذا الدرس من أحكام شرعية فيها أحكام خلافية، هناك أحكام أُخرى، فهناك أحكام تُجيز، وهناك أحكام تمنع، القصد أن نعرف عظمة هذا الشرع الحنيف. استشارة الأم في زواج ابنتها وهناك تدبير آخر قبل الزواج، مما يمتِّن العلاقة الزوجية، هذا التدبير أن تُستأمر، أو أن تُستشار أُمّ الفتاة بزوج ابنتها، الولي يوافق، والفتاة توافق، وينبغي أن تُستأذن، أو تُستشار أُم الفتاة بذلك، لحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال عليه الصلاة والسلام: (( آمِرُوا النِّسَاءَ فِي بَنَاتِهِنَّ )) ( سنن أبي داود ) يقول بعض العلماء في شرح هذا الحديث، وهذا الحكم: " يُستحب استئذان المرأة في تزويج ابنتها، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "آمِرُوا النِّسَاءَ فِي بَنَاتِهِنَّ "، ولأنها تشاركه في النظر لابنتها، وتحصيل المصلحة لها لشفقتها عليها، وفي استئذان الأم تطييبٌ لقلبها، وإرضاءٌ لها، فتكون أولى، وربما كان من مزايا استشارة الأم في تزويج ابنتها، أن البنت قد لا تفصح عما يدور في صدرها من التردد والاضطراب إلا لأمها، فاستشارة الأم إذاً هي الطريقة المفيدة لمعرفة رأي البنت، والله أعلم. إذاً: استشارة الأم في تزويج ابنتها، لأن الأم إن استشرتها طيَّبت قلبها، وإن استشرتها جعلتها شريكة حياتك، وإن استشرتها فهي تشفق على ابنتها، وتريد لها الخير وإن استشرتها، ربما باحت البنت لأمها ما لم تبح لأبيها، فكأنك إذا استشرت الأم، عرفت رأي البنت الحقيقي في هذا الزواج، إذاً: الأم تُستأذن. حكم إكراه البنت على الزواج ومن تزوجت بغير رضاها، ثيباً كانت أو بكراً فلها أن تفسخ عقد الزواج، ولا يجوز إجبار الفتاة على التزوج ممن لا تريد، وإن رفضت فليست عاقةً لوالديها، ولا علاقة للعقوق بهذا الموضوع، ويجب استئمار البنت، كما قلت في أول الدرس، لأن البنت هي الزوجة، وإذنها صبها، وللبنت أن ترى خاطبها، وهذا من حقها، لقوله تعالى: ﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ﴾ ( سورة البقرة: آية " 228 " ) ولقد يُعجبها منه ما يُعجبه منها، ولها أن تستوصفه، أن تسأل عن بعض صفاته الخاصة، كل هذه التدابير، ينبغي أن تتم قبل الزواج، لأنها من شأنها أن تمتِّن الزواج. الحقيقة أن للإنسان أن يتزوج، وله أن يطلق، لكن البطولة أن تتزوج، وأن لا تطلق، فكيف لا تطلق ؟ إذا اتبعت منهج الله في الزواج، إذا اخترت الفتاة المؤمنة، لأنه من تزوج المرأة لجمالها أذله الله، والمقصود بجمالها فقط، الجمال مطلوب، أما لجمالها فقط أذله الله، ومن تزوجه لمالها أفقره الله، ومن تزوجها لحسبها زاده الله دناءةً، فعليك بذات الدين تربت يداك. إذاً: أن ينظر الخاطب إلى مخطوبته، وأن تنظر المخطوبة إلى خاطبها، وأن تُستأمر البنت، في خاطبها، وأن تُستأذن أُمها، وألا تُكره على الزواج ممن لا تحب، وبيان حكم الشرع، في من أُكرهت على الزواج ممن لا تحب، هذه بعض التدابير التي ينبغي أن تكون قبل الزواج، من حيث أنها تمتِّن العلاقة بين الزوجين، وربما تعصم الزواج من أن ينفسخ بعد أمدٍ قريب. التدابير التي ينبغي أن تكون بعد الزواج الآن ننتقل إلى موضوعٍ آخر، وهو التدابير التي ينبغي أن تكون بعد الزواج والتي من شأنها أن تمكن العلاقة بين الزوجين، ولعلي أضع يدي على جراح يعانيها كثيرٌ من الأزواج، وهذا الكلام يجب أن يصل إلى الزوجات. 1 – ظهور المرأة بمظهر لائق أمام الزوج من التدابير التي تمتِّن العلاقة بين الزوجين أن تظهر المرأة أمام زوجها، بمظهرٍ لائق، لأن المؤمن لا ينبغي أن يعرف غير زوجته إطلاقاً، فإذا أهملت مظهرها قوَّت في نفسه دافع التطلع إلى غيرها، هي التي تقوي دافع التطلع إلى غيرها إذا أهملت مظهرها، والأخطر من ذلك أن تعتني بمظهرها في الحفلات النسائية، وفي كل المناسبات، بينما الاعتناء بمظهرها ينبغي أن يكون في الدرجة الأولى لزوجها، لأن الزواج حِصنٌ للزوج. عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: بَيْنَا أَنَا أَمْشِي مَعَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِي اللَّه عَنْه فَقَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: (( مَنِ اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ )) [متفق عليه] ![]() إنه لا ينبغي أن يكون الزوج محروماً من أناقة زوجته، ومن مظهرها الحسن، هذا يعينه على العفاف، ويعينه على أن يقنع بها، ويعينه على عدم التطلع إلى غيرها، هذا كلام وإليكم الأدلة: إن الإنسان أحياناً يعاني من مشكلة في البيت، ويظل ساكتاً، والزوجة بريئة، ولا تعلم، أحياناً يكاد هذا الزواج ينفصل، وينتهي بالطلاق، هو ساكت، وهي ساكتة، هو لا يدري ماذا يقول لها، وهي لا تعلم ماذا ينبغي أن يُقال لها، فالجهل أحياناً يكون سبباً لفصم هذه العلاقة الزوجية، فلذلك الزوج المؤمن يوضِّح، ويبين، ويذكر لزوجته ما قاله النبيّ عليه الصلاة والسلام، وقد يقول الزوج: أنا والله أستحي أن أقول لزوجتي: عليك أن تتزيني أمامي، طيب يا أخي عليك أن تُسمعها هذا الشريط، هذا موضوع الدرس الماضي. " عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( أَيُّ النِّسَاءِ خَيْرٌ ؟ قَالَ: الَّتِي تَسُرُّهُ إِذَا نَظَرَ، وَتُطِيعُهُ إِذَا أَمَرَ، وَلَا تُخَالِفُهُ فِي نَفْسِهَا وَمَالِهَا بِمَا يَكْرَهُ )) (سنن النسائي ) تسره إذا نظر، فهل غابت عنه صلَّى الله عليه وسلم أن يقول: (( إليها )) ؟ فالنبي حكمته في إلغاء كلمة ( إليها ). (( تَسُرُّهُ إِذَا نَظَرَ )) إليها وإلى أشياء في البيت، إذا نظر إليها تسره، وإذا نظر إلى أولادها تسره، وإذا نظر إلى غرفتها تسره، وإذا نظر إلى غرفة الجلوس تسره، وإذا نظر إلى المطبخ تسره، وإذا نظر إلى المائدة كلها صحون، وعليها أكل من يومين، خذ كل تفضل، لم يُسَرّ بهذا، فالطعام يجب أن يكون في صحون جديدة، والطعام جيد وساخن، تسره إذا نظر إلى المائدة، وإلى غرفة النوم، وإلى غرفة الاستقبال، وإلى غرفة الجلوس، وإلى نظافة الجدران، والبلور والنوافذ والستائر. (( وَتُطِيعُهُ إِذَا أَمَرَ )) لأن أكثر شيء يدعو إلى العجب في ساعة غضب يحلف الزوج يمين طلاق على زوجته ألا تذهبي إلى بيت أختك، سبحان الله ! لا يحلو للمرأة إلا أن تكسر يمينه بحماقة، فلا تحلو لها إلا أن تخرج من بيتها إلى بيت أختها وعندئذٍ تقع المشكلة، وفي حيص بيص كما يقولون، ثم نقف على أبواب المشايخ نستفتيهم، فشيخ يقول لك: طلقت، يا بني أخرج، وشيخٌ آخر يعطيك فتوى قد لا تطمئن إليها، وقد كنت في غنىً عن كل هذا، لذلك المرأة الصالحة تسره إن نظر، وتطيعه إن أمر، وكذلك إذا أردت أن تُطاع فأمر بما يستطاع، فعدم حكمة الزوج أن يعطي أوامر غير معقولة، لما تحرمها من أمها ؟ هي عليها أن تطيع، وأنت أيها الزوج الكريم عليك أن تعطي أمراً معقولاً. روى الإمام البخاري رضي الله عنه عن جابرٍ قال: (( كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةٍ، فَلَمَّا قَفَلْنَا تَعَجَّلْتُ عَلَى بَعِيرٍ قَطُوفٍ، فَلَحِقَنِي رَاكِبٌ مِنْ خَلْفِي، فَالْتَفَتُّ فَإِذَا أَنَا بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَا يُعْجِلُكَ ؟ قُلْتُ: إِنِّي حَدِيثُ عَهْدٍ بِعُرْسٍ، قَالَ: فَبِكْرًا تَزَوَّجْتَ أَمْ ثَيِّبًا ؟ قُلْتُ: بَلْ ثَيِّبًا، قَالَ: فَهَلا جَارِيَةً تُلاعِبُهَا وَتُلاعِبُكَ ؟ قَالَ: فَلَمَّا قَدِمْنَا ذَهَبْنَا لِنَدْخُلَ فَقَالَ: أَمْهِلُوا حَتَّى تَدْخُلُوا لَيْلا، أَيْ عِشَاءً، لِكَيْ تَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ، وَتَسْتَحِدَّ الْمُغِيبَةُ )) أي انتظروا حتى تتهيَّأ زوجاتكم لكم، حيث إن المطلوب إذا كان الزوج مسافرًا أن تتهيأ الزوجة كما ينبغي في أعلى درجة لتستقبل زوجها. يقول الإمام النووي رضي الله عنه: " هذا الحديث الشريف الذي فيه هذا التوجيه مما يمتِّن العلاقة بين الزوجين "، هذا هو الحق، لكن المشكلة أن كل الزينة، وكل العناية، وكل الأناقة، وكل الهندام الحسن، لغير الزوج، هذه من مشكلات بيوت المسلمين، أية امرأةٍ تهمل مظهرها أمام زوجها تقوي في نفس زوجها رغبة النظر إلى غيرها، فإذا نظر إلى غيرها فهي آثمة وربِّ الكعبة، وجزءٌ من عبادتها أن تحصِّن زوجها، جزءٌ من عبادتها أن تجعل زوجها قانعاً بها. وروى الإمام البخاري عن جابرٍ رضي الله عنه أيضاً قال: قال عليه الصلاة والسلام: (( إِذَا أَطَالَ أَحَدُكُمُ الْغَيْبَةَ فَلا يَطْرُقْ أَهْلَهُ لَيْلا )) سأقرأ لكم ما جاء في فتح الباري في شرح أحاديث البخاري عن هذا الحديث، يقول عليه الصلاة والسلام: (( إِذَا أَطَالَ أَحَدُكُمُ الْغَيْبَةَ فَلا يَطْرُقْ أَهْلَهُ لَيْلا )) قال: " لأن طول الغيبة مظنة الأمن من القدوم، فيقع الذي يقدم بعد طول الغيبة غالباً على ما يكره "، فإذا غاب الإنسان طويلاً عن بيته، ودخل فجأةً، في الأعم الأغلب يقع على ما يكره، " فقد يجد أهله على غير أُهبةٍ من التنظُّف والتزين المطلوب من المرأة، فيكون ذلك سبباً في النفور منها ". وفي الحديث أيضاً إشارةٌ أخرى إلى أن المرأة كما قلت قبل قليل، عليها أن تكون مستعدة لاستقبال زوجها دائماً، أما إذا طالت غيبته فقد أمِنت أن يأتيها فجأةً، أما إذا جاء فعليه ألا يأتيها فجأةً، بل أن يعلمها قبل أن يأتي، والنبي الكريم كان يدخل المسجد، ويصلي، ويرسل لأهله خبراً أنه قَدِم، والآن بالهاتف، ونحن في المطار، وبعد ساعتين نكون في البيت، مثلاً. وهناك قصة، روى الإمام البخاري والإمام أحمد عن عائشة رضي الله عنها قالت: (( كانت امرأة عثمان بن مظعون رضي الله عنها تخضب وتطيِّب ـ أي تخضب شعرها وتعطِّر نفسها ـ فتركته ـ أي أهملت شعرها وتطييب بدنها ـ فدخلت علي، فقلت لها متعجِّبةً: أشاهدٌ زوجك أم غائب ؟ )) النبي عليه الصلاة والسلام مشرع، وأصحابه طبقوا منهجه، فما فعله الصحابة الكرام فعلوه تنفيذاً لأمر النبيّ e، وهذا دليلٌ على وجوب ما سأقوله لكم، فقالت عائشة: أشاهدٌ زوجك أم غائب ؟ قالت: بل هو شاهد، قالت: فما هذا ؟!! لماذا أنت تهملين نفسك، قالت: عثمان لا يريد الدنيا، ولا يريد النساء، انصرف عنها إلى عبادته، وإلى قيامه، وصيامه فأهملت نفسها، والقصة لها تتمة، النبي عليه الصلاة والسلام استدعى عثمان، وقال: (( يا عثمان، أليس لك بي أُسوة ؟ ألست قدوةُ لك ؟ )) أعطاه توجيهاً كي يهتم بزوجته، وكي يجلس معها، وكي يعطيها حقها، لأنها محبوسةٌ له في الشرع، بعد حين جاءت امرأة عثمان ابن مضعون، قالت عائشة: نضرةً عطرة، فسألتها عن حالها، فقالت: أصابنا ما أصاب الناس، يعني أصبحت زوجة كبقية الزوجات، رضي الله عنهم. إن هذا كلام مهذب جداً، تحتار أين درسوا ؟ يعبرون عن أدق المعاني بأجمل الألفاظ، يعبرون عن المعاني المحرجة بكلمات لطيفة جداً، أصابنا ما أصاب الناس، لماذا أنت هكذا ؟ إن زوجي صوامٌ قوام، قائم الليل، صائم النهار. يقول الإمام الشوكاني: " استنكار عائشة رضي الله عنها بترك زينتها وزوجها شاهد حكمٌ شرعي " السيدة عائشة زوج النبي عليه الصلاة والسلام استنكرت فعل امرأة عثمان بن مظعون من إهمال نفسها وزوجها شاهد، هذا حكم شرعي، والمعنى أنه يجب على الزوجة أن تعتني بهندامها ومظهرها لزوجها قبل كل شيء. والله مرة سمعت من امرأةٍ قريبةٍ لي متقدمةٍ في السن، قالت لي: " حرام، حسب فهْمها، أن ترتدي المرأة الثوب أول مرة لغير زوجها حرام "، يعني إذا اشترت ثوباً جديداً لا يجوز أن ترتدي الثوب أول مرةٍ إلا لزوجها، والآن قد لا يرى الزوج إطلاقاً الثوب الجديد. بعد الزواج ربما كان أحد أكبر ما يمتن العلاقة بين الزوجين، ويديم المحبة والمودة، أن تبدو الزوجة دائماً بالمظهر اللائق الحسن أمام زوجها، من أجل أن تعينه على غض بصره، من أجل أن تعينه على تحصين نفسه، من أجل ألا تقوي في نفسه الرغبة في غيرها، إذا فعلت المرأة هذا فهي عابدة لله. والله قد تفهمون مني شيئاً لا أريده، لكن والله إن المرأة التي تسهم في إعفاف زوجها، وفي إحصانه، وتجعله يقنع بها وحدها، عن طريق ما تبذل من عنايةٍ فائقةٍ بمظهرها وهندامها، ربما كانت وهي تفعل هذا في أعلى درجات عبوديتها لله عزّ وجل، لأنها تقوم بالمهمة التي أناطها الله بها، طبعاً هي تصلي، وتصوم، وتقوم الليل، وتقرأ القرآن، ولكن من دون أن يشغلها ذلك عن وظيفتها الأساسية، لأن الصحابيات الجليليات رضوان الله تعالى عليهن كانت الواحدة منهن على أشد الشوق إلى قيام الليل، وعلى أشد الشوق إلى الصلاة، لا تقوم إلى الصلاة إلا بعد أن تسأل زوجها: ألك بي حاجة ؟ فإن قال: لا، ذهبت إلى مصلاها، هذه المرأة المؤمنة. أما هذه التي تبالغ في العبادة، وزوجها يغلي غضباً، وضجراً، وتأففاً، هذه لا تعبد الله، هذه تعبد الله على مزاجها، لا وفق ما أراد الله عزّ وجل، هذا الحق، فكلما طبقنا هذه الناحية صار الوئام، والوفاق، والمحبة والمودة. 2 – اهتمام الرجل بمظهره أمام زوجته البند الثاني، أو التدبير الثاني الذي يمتن العلاقة بين الزوجين بعد الزواج: أن يهتم الرجل بمظهره أمام زوجته، انطلاقاً من قوله تعالى: ﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ ( سورة البقرة ) ![]() فأنت ترى، وهي لا ترى ؟ أنت تريد هنداماً حسناً، ومظهراً أنيقاً، ونظافةً أنيقة، وعطراً، وهي ليس لها نظر ؟ ليس لها شم ؟ هي عمياء، ولا تشم ؟ لا هي مثلك، لذلك قال ابن عباسٍ رضي الله عنهما: << إني لأحب أن أتزيَّن للمرأة كما أحب أن تتزيَّن لي، لأن الله تعالى يقول: ﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ هنا حديث لطيف للإمام القرطبي، فأحياناً كل سن له زينة، وكل عمر من أعمار الرجال له زينة تناسبه، فإذا تجاهل أحد سنه، وتزين بزينة لا تليق به أصبح مبعثًا للضحك، امرأةً كانت أو رجلاً، المفروض أن تراعي الزوجة وضعها العام، ويراعي الزوج وضعه العام. وبالمناسبة، هذه المرأة التي قدَّمت لأبنتها وصيةً يوم زفافها، قالت: " يا بنيتي خذي عني عشر خصال تكن لكي زخراً وأجراً، الصحبة بالقناعة، والمعاشرة بحسن السمع والطاعة، والتفقُّد لموضع عينه، والتعهُّد لموضع أنفه، فلا تقع عينه منك على قبيح، ولا يشم منك إلا أطيب ريح، والكحل أحسن الحُسْن الموجود، والماء أطيب الطيب المفقود ". ثبت أن للجلد البشري رائحةً عطرة، فإذا لم يكن مع الجل ثمن عطور أبداً، وكانت غالية، فقد يبلغ ثمنها خمسة آلاف ليرة، أو ثلاثة آلاف، فعندنا روائح رخيصة نستعملها، فإذا تنظف الإنسان، وجلده له رائحةٌ عطرة، والماء أطيب الطيب المفقود، والكحل أحسن الحسن الموجود، هذه وصية امرأةٍ توصي بها ابنتها ليلة زفافها، قال: 3 – إجابة المرأة زوجها إذا دعاها وعلى المرأة أن تجيب زوجها إذا دعاها، فقد قال عليه الصلاة والسلام فيما روى الإمام الترمذي، قال: قال عليه الصلاة والسلام:: (( إِذَا الرَّجُلُ دَعَا زَوْجَتَهُ لِحَاجَتِهِ فَلْتَأْتِهِ وَإِنْ كَانَتْ عَلَى التَّنُّورِ )) وقد أكدت الشريعة الإسلامية أن عدم إجابة المرأة لطلب زوجها معصيةٌ كبيرةٌ موجبةٌ لغضب الله تعالى، ولعنة الملائكة، ولا تقبل صلاتها حتى ترجع، وذلك لأنها تسدُّ على زوجها طريق الحلال، وتدفعه إن كان ضعيف الإيمان إلى اختيار السبل المحرمة، فقد روى الإمام مسلمٌ عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا مِنْ رَجُلٍ يَدْعُو امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهَا فَتَأْبَى عَلَيْهِ إِلا كَانَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ ـ وهو الله جلَّ جلاله ـ سَاخِطًا عَلَيْهَا حَتَّى يَرْضَى عَنْهَا )) وأما لعن الملائكة الزوجة بسبب عدم استجابتها فقد روى الإمام البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم قال: (( إِذَا دَعَا الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهِ فَأَبَتْ أَنْ تَجِيءَ لَعَنَتْهَا الْمَلائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ )) إذا كان الزمنُ شتاء كان الليل طويلا، وطول الليل تلعنها الملائكة، وفي رواية أخرى: (( إِذَا بَاتَتِ الْمَرْأَةُ مُهَاجِرَةً فِرَاشَ زَوْجِهَا لَعَنَتْهَا الْمَلائِكَةُ حَتَّى تَرْجِعَ )) الشيء الذي يلفت النظر حديث جابر رضي الله عنه رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم: (( ثلاثةٌ لا تقبل لهم صلاةٌ، ولا يصعد لهم إلى السماء حسنة، العبد الآبق حتى يرجع، والسكران حتى يصحو، والمرأة الساخط عليها زوجها حتى يرضى )) [الجامع الصغير بسند فيه ضعف] وهل تصدقون أن المرأة إذا صلت خمسها، وصامت شهرها، وحفظت نفسها، وأطاعت زوجها دخلت جنة ربها، نصف دينها أن تحفظ نفسها عن غير زوجها، وأن ترضي زوجها، معنى ذلك أن نصف دينها زوجها، بالضبط، إذا صلت خمسها، وصامت شهرها، وحفظت نفسها أي كانت عفيفة وورعة، وأطاعت زوجها فيما يريد، دخلت جنة ربها. دين الرجل فيه ألف بند، أو خمسة آلاف، أو مئة ألف بند، ففي البيوع أربعمئة حالة، فإذا كان الإنسان تاجرًا فعنده مزالق كثيرة جداً، دين الرجل يحتاج إلى دقة بالغة، في كسب المال، في إنفاق المال، أما هي في البيت. 4 – لا يجوز للمرأة الاشتغال بالعبادات عن زوجها في غير الفريضة عندنا حكم شرعي دقيق جداً، هذا الحكم هو أنه: " لا يجوز للمرأة أن تشتغل في العبادات بغير الفريضة، مهملةً حق زوجها عليها، فقد أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم، ألا تطيل صلاتها النافلة، إذا تضرر زوجها بها ". ![]() قد يحضر الزوج إلى بيته جائعًا وغضبان، ويغلي من الداخل، وهي تصلي صلاة النفل عشرين ركعة، فيخرج من جلده، وتكرّهه في الصلاة، والنبي صلى الله عليه وسلم أمر ألا تصوم المرأة صوم النفل وزوجها شاهد، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( لَا يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَصُومَ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ … )) [البخاري] فقد تحب أن تصوم بعض الأيام غير الواجبة، أما إذا سافر زوجها وصامت فلا مانع، أما أن تصوم وزوجها شاهد فلا بد من إذن، فهي تحتاج إلى إذنه، وإلا تعتدي عليه بهذا الصيام، هكذا ورد عن النبي عليه صلى الله عليه وسلم. روى الإمام أبو داود عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال: (( جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ عِنْدَهُ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ زَوْجِي صَفْوَانَ بْنَ الْمُعَطَّلِ يَضْرِبُنِي إِذَا صَلَّيْتُ، وَيُفَطِّرُنِي إِذَا صُمْتُ، وَلا يُصَلِّي صَلاةَ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، قَالَ: وَصَفْوَانُ عِنْدَهُ، قَالَ: فَسَأَلَهُ عَمَّا قَالَتْ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمَّا قَوْلُهَا يَضْرِبُنِي إِذَا صَلَّيْتُ، فَإِنَّهَا تَقْرَأُ بِسُورَتَيْنِ، وَقَدْ نَهَيْتُهَا، قَالَ: فَقَالَ: لَوْ كَانَتْ سُورَةً وَاحِدَةً لَكَفَتِ النَّاسَ، وَأَمَّا قَوْلُهَا: يُفَطِّرُنِي، فَإِنَّهَا تَنْطَلِقُ فَتَصُومُ، وَأَنَا رَجُلٌ شَابٌّ فَلا أَصْبِرُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَئِذٍ: لا تَصُومُ امْرَأَةٌ إِلا بِإِذْنِ زَوْجِهَا... )) أرأيتم إلى الشرع الحكيم ؟ من أجل أن يكون البيت جنة يتحمل الإنسان متاعب كثيرةً في الحياة، أما إذا كان في البيت منزعجًا فالقضية كبيرة جداً، فقد يتحمل كسب الرزق، ويتحمل تعقيد الحياة، ويتحمل مشقة العمل، ويتحمل المنافسة في كسب المال، أما إذا جاء إلى البيت أيضاً في البيت انزعاج ونفور ومشاكسة وإهمال، عندئذٍ يغدو البيت جحيماً لا يطاق. روى الإمام البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( لا تَصُومُ الْمَرْأَةُ وَبَعْلُهَا شَاهِدٌ إِلا بِإِذْنِهِ )) أما في شهر رمضان فمستحيل، فالفرض لا تحتاج فيه إلى إذن، وكذا صلاة الفرض لا تحتاج لإذن، ولا استئذان، ولا لشيء، فالحديث عن النفل فقط. وأيضاً هناك حق للزوجة، كما أن عليها ألا تتردد في تنفيذ طلبه وتلبية حاجته، ولو كانت على التنور، هو عليه أن يقوم بوظيفته الزوجية، أما أن يهملها، أما أن ينسى هذا الموضوع، أما أن ينشغل بشيء آخر، وهي محبوسةٌ له، وهي لها حقٌ عليه فلا يليق، لذلك قال بعض المفسرين، في قوله تعالى: ﴿ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ ﴾ ( سورة النساء: آية " 129 " ) أي لا فارغة فتتزوج، ولا ذات زوج بالمعنى الحقيقي، لا هي متزوجة كغيرها من الزوجات، ولا هي غير متزوجة فتتزوج، فهذه المعلقة التي أهملها زوجها. وهناك قصة تعرفونها فيما أذكر، أن امرأةً جاءت عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقالت: << يا أمير المؤمنين، إن زوجي يصوم النهار ويقوم الليل، وأنا أكره أن أشكوه، وهو يعمل بطاعة الله ـ ما هذا الأدب ؟ ـ فقال: نِعْمَ الزوج زوجك ـ سيدنا عمر يظهر أنه كان مشغولاً، فأجابها بهذا القول، وجعلت تكرر عليه القول، إن زوجي يصوم النهار ويقوم الليل، وأنا أكره أن أشكوه، لأنه في طاعة ربه، فقال: نعم الزوج زوجك، وقد كان عنده صحابي اسمه كعب الأسدي، قال: يا أمير المؤمنين، هذه امرأةٌ تشكو زوجها، وليست تثني عليك، أديبة كثير، ومهذبة، رقيقة تشكو زوجها، إنها لا تثني عليه، وأنت تقول لها: بارك الله لك في زوجك، هي تشكو زوجها، فقال عمر: هكذا فهمت من كلامها ؟ إذاً فاقضِ بينهما، فقال كعبٌ: عليّ بزوجها، فأوتي به فقال له: إن امرأتك هذه تشكوك، قال: أفي طعامٍ ؟ البراد مليء، هي لا تريد البراد، تريدك أنت، أفي طعامٍ ؟ أم في شرابٍ ؟ قال لا، قالت: ألهى خليلي عن فراشي مسجده زهَّده في مضجعي تعبده فاقض القضا كعباً ولا تــردده نهاره وليله ما يــرقده فلست في أمر النساء أحمده فقال الزوج: أنا زهدني في فرشها وفي الحجل، أني امرؤٌ أذهلني ما قد نزل. فقد دهش من القرآن الكريم، يتلوه آناء الليل وأطراف النهار، صلى فاتصل بالله عزَّ وجل، فأهمل زوجته. وفي سورة النحل وفي السبع الطول وفي كتاب الله تخويفٌ جلل فقال كعب: إن لها عليك حقاً يا رجل نصيبها في أربعٍ لمن عقل لو أن عندك أربع نساء لها حق في يوم، فأنت ليس عندك إلا واحدة، يوم لها وثلاثة لربك، فكان حكم هذا القاضي كعب الأسدي أنه حكم لها أن يتفرَّغ لها يوماً في الأربعة أيام، كما لو كان زوجاً لأربعة نساء، لها يوم، سيدنا عمر رضي الله عنه، قال: " والله ما أدري من أي أمريك أعجب ؟ أمن فهمك أمرها، أم في حكمك بينهما، اذهب فقد ولَّيتك قضاء البصرة ". جعله قاضياً لفهمه الدقيق جداً، ولحكمه الدقيق جداً، فهم أنها تشكوه، وأما عذره فلم يقبله، إذا كنت هائماً بربك، لها عليك حق، كما لو أنك على أربع نسوة، للواحدة عليك حق في يومٍ من هذه الأيام الأربعة. أيها الإخوة الكرام، إن شاء الله نتابع هذا الموضوع في الدرس القادم، وأرجو الله سبحانه وتعالى أن تترجم هذه الأحكام الشرعية إلى واقع، والله الذي لا إله إلا هو، إن مما يرضي الله عزَّ وجل، أن تكون بيوتات المسلمين جنة، ولا تكون بيوتات المسلمين جنة إلا إذا طبِّق فيها شرع الله عزَّ وجل، ولا تنسوا هذه الآية: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾ ( سورة الأنفال: آية " 33 " ) معنى: ( وَأَنْتَ فِيهِم ) ، أي وسنتك مطبقةً في بيوتهم، وسنتك مطبقةً في أعمالهم، وفي تجارتهم، وفي وظائفهم، وفي مداخلهم، وفي مخارجهم، وفي نزهاتهم، وفي أفراحهم، وفي أتراحهم، وفي حلهم، وفي حضرهم، وفي سفرهم. فنحن في درسنا اليوم عندنا أربعة تدابير قبل الزواج تمتن العلاقة، وأربع تدابير بعد الزواج تمتن العلاقة، والتي قبل الزواج: أن تنظر إلى مخطوبتك، فذلك أحرى أن يؤدم بينكما. وأن تنظر هي إليه، لها مثل الذي عليه، أو عليها مثل الذي له. وأن تستأمر البنت في زواجها. وألا تكره على رجلٍ لا تحبه. وأن تستأمر أمها في ذلك. هذه الإجراءات التي قبل الزواج. بعد الزواج: أن تظهر بمظهر لائق. وأن يظهر هو كذلك. وأن لا تمتنع عنه. وأن يؤدي وظيفته تجاهها. وأن يكون هذا وفق ما شرع الله عزَّ وجل، والله سبحانه وتعالى ولي التوفيق.
والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#15 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم
الفقه الاسلامي - العلاقات الاسرية الدرس ( الثالث عشر) الزواج - الأدب الإسلامي في الزواج والتفريق بين النكاح والسفاح الحمد لله رب العلمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. الآداب الإسلامية التي تفرق بين النكاح والسِفاح أيها الإخوة الكرام، لازلنا في دروس النكاح، ومع الدرس السادس، وموضوع الدرس اليوم، الآداب الإسلامية التي تفرق بين النكاح والسِفاح. نظراً لقدسية النكاح، ولأن عقد الزواج من أقدس العقود التي يبرمها البشر، لذلك في الإسلام آدابٌ كثيرة تفرق السِفاح عن النكاح، فأول هذه الآداب: 1 – إعلان النكاح إن الفرق بين النكاح والسِفاح، أو من الفروقات الدقيقة بين السِفاح والنكاح أن النكاح معلن، وأن السِفاح غير معلن، لذلك روى الإمام أحمد عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( أَعْلِنُوا النِّكَاحَ )) ( مسند أحمد ) لو أن النكاح غير معلن لاشتبه بالسِفاح، ولاشتبه بالزنا، والإمام مالك رحمه الله تعالى يرى أن الإعلان من فرض النكاح، أحد فرائضه لا أحد فضائله، يقول ابن عبد البر القرطبي: " ومن فرض النكاح عند مالك إعلانه لحفظ النسب، ومن إعلان النكاح الولي، والصداق، أيضاً، ونكاح السر لا يجوز، ويفسخ قبل الدخول وبعده، إلا أن يُعلن قبل أن يُعثر عليه، وإن أسَّر النكاح ولم يُنشر ولم يُعلن به، ثم أُعلن في حالٍ ثانية وأُظهر صح، ولم يُفسخ ". ![]() أرأيتم أيها الإخوة كيف أن عدم إعلان النكاح يوجب فسخه وإلغاءه، لأنه يشتبه بالسِفاح، يشتبه بالزنا، لذلك أنا أُرجِّح إذا زوج أحد ابنته، وقد لا تكون يده طليقةً في إنفاق المال، لكن لابد من حفل ولو كان متواضعاً، ولو كان في بيت، لابد من حفلٍ، وهذا الحفل أحد أسباب إعلان النكاح، " لقد زوجت ابنتي من فلان "، فالفرق الدقيق بين النكاح والسِفاح هو الإعلان، وقال الإمام ابن القيم: " وشرط الشارع الحكيم في النكاح شروطاً زائدةً عن مجرد العقد، من هذه الشروط: إعلانه، إما بالشهادة ـ شهود ـ أو بترك الكتمان، أو بهما، أو اشتراط الولي، ومنع المرأة أن تليه وحدها ـ أن تبرمه وحدها ـ والندب إلى إظهاره حتى استحب فيه الدف والصوت والوليمة، وأوجب فيه المهر، ومنع المرأة أن تهب نفسها لغير النبيّ صلى الله عليه وسلم ". هل لاحظتم أيها الإخوة الكرام أن كل هذه الآداب من أجل أن يكون هناك فرقٌ واضحٌ، وشاسعٌ، وبيّنٌ، وصادقٌ، بين النكاح والسِفاح ؟ النكاح معلن، النكاح معه موافقة الولي، النكاح فيه وليمة، النكاح فيه حفل، النكاح فيه شهود، هذا كله من إعلان النكاح. يقول بعض العلماء: " وسر ذلك، أنه في ضد ذلك والإخلال به ذريعةٌ إلى وقوع السِفاح بصورة النكاح ". يمكن أن يقع الزنا على شكل نكاح، وما أكثر الذين يحتالون على الشرع، فمثلاً يمكن لإنسان أن يضع أمامه في دكانه سجادة، وهو من أكبر المرابين، فيأتي المستقرض بالربا فيشتري هذه السجادة بألف ليرة، نسيئةً، ثم يبيعها ديناً نقداً بثمانمئة ليرة، بحسب الظاهر هذا عقد بيع، الأول نسيئة والثاني نقد، وفي العقدين إيجابٌ وقَبول، لكنه الربا بعينه، لكن بصورة بيع وشراء، فقد اشترى السجادة بألف ديناً، وكُتبت عليه في الدفتر، ثم باعها للتاجر بثمانمئة ليرةٍ نقداً، الذي حصل أنه استقرض ثمانمئة ليرة، وكُتبت عليه ألف ليرةٍ رباً، والشكل بيع، إذاً ممكن أن تجري علاقات سِفاحٍ على شكل عقود نكاح، لذلك وضع الشارع الحكيم شروطاً كثيرةً، ودقيقةً، وصارخةً، للتفريق بين النكاح والسِفاح، لذلك ورد في أن الزانية، هي التي تزوج نفسها "، فإذا أرادت امرأةً أن تزني، وأرادت أن تعطي هذه الجريمة المعصية الكبيرة في الشرع طابعاً شرعياً، تقول لمن يزني بها: زوجتك نفسي، وتسمي هذا الذي تأخذه بعد قليل هو المهر، فإذا انتهى، قال: طلقتك، وانتهى الأمر، فهو عملياً بيت دعارة يتم السفاح فيه على شكل عقود نكاح، لكن أين الولي ؟ أين إعلان هذا الزواج ؟ أين الوليمة، أين الشهود، وليمة، وشهود، وإعلان، هذا كله، يفرِّق بين النكاح والسِفاح. تسجيل عقود الزواج في الدوائر الرسمية فأنا لا أكتم إنسانا سألني قبل أشهر أنه تزوج امرأةً دون أن يُعلِم أباه، ولا أخاه، ولم يدري أهله، وجاء برجل عقد العقد، فكلما أصبح الشيء أقرب إلى السر أصبح أقرب إلى السِفاح، لِمَ لَمْ تُعلن ؟ لِمَ لَمْ تُسجل هذا العقد في الدوائر الرسمية ؟ وأحياناً أنا أُسأل عن موضوع كتاب شيخ، سبحان الله ! أُجيب عن هذا التساؤل: الآن أنت هل ترضى أن تشتري بيتك، وأن تدفع ثمنه سبعة ملايين ليرة مقابل أن تأخذ مفتاحه ؟ إذا كنت ترضى أن تفعل هذا فأجرِ كتاب شيخ، لمَ لا تدفع الثمن إلا بعد أن يُسجل في الدوائر الرسمية ؟ لأن عقود البيع الآن لا تكون ثابتةً إلا في الدوائر الرسمية، ( أي في الطابو )، أما من قبل خمسين عاما، أو قبل مئة عام كانت هناك علاقات أُخرى، يكفي أن تدفع الثمن، وأن تأخذ مفتاح البيت، فقد تملَّكته، الآن مفتاح البيت ليس له قيمة إطلاقاً. كذلك حينما أُصغي إلى الأسباب لا أراها مقنعة، بدعوى الاستعجال، ولكن لا يوجد إجراء حكومي أسهل من عقد الزواج، ليس فيه روتين أبداً، في يوم واحد ينتهي الأمر، لا أقبل أبداً، ولا أرى سببا مبررا أو مسوغا بإجراء عقد خارج المحكمة، لماذا ؟ في الحقيقة حينما وافقوا على الزواج من هذا الشاب توقعوا أن يُطلقها، فلئلا تسجَّل عليها طلقة أو تطليقة فقد أُجري العقد خارج المحكمة، يا سبحان الله ! أتوقعت الطلاق قبل أن تُزوج ؟ هذا شرع الله عزّ وجل. طبعاً أنا لا أقول ـ دققوا ـ: إن العقد خارج المحكمة باطل، لا بل إنه ضعيف، فهو غير موثق، والقوانين تُحرم ذلك، والذي يُجري العقد يُحاسب، والعقد طبعاً مثبَّت، لكن يُحاسب الذي يجري عقداً خارج المحكمة، أنا أنصح إخواننا الكرام أن يتقيدوا بالأُصول الشرعية والقانونية في تثبيت عقود تزويج بناتهم. لا أنسى مرةً كنت عند أحد أصدقائي القضاة، قضاة التحقيق، وكنت جالساً عنده، وكان يُحقق في جريمة، والجريمة خطيرة، وأنا مستمتع بأسلوب الاستجواب، فجأةً فُتح الباب، وأطل شاب، فقال له: تعالَ، استقدمه القاضي، وترك ما هو فيه من عمل في التحقيق في الجريمة، وقال له: متى تزوجتها ؟ قال له: قبل كذا وكذا، فقال له: ما اسمك يا بني ؟ وما اسمها ؟ ثم أخذ منه تصريح أملاه للكاتب، ثم صرفه مودعاً له، هذا القاضي خاف أن أنتقده في نفسي على هذا التصرف، فأنت الآن تحقق في جريمة، فما الذي جعلك تبتعد عن هذا الموضوع الخطير لترى شاباً أطل برأسه من الباب فاستقدمته، وسألته عن اسمه وعن اسم زوجته، وعن موضوع العقد، وعن تاريخه ؟ فقال لي وحده مبادراً: هذا متزوج بامرأةٍ بطريقةٍ غير مشروعة، خارج المحكمة، فخفت أن يُهمس في أذنه أن أنكر العقد، فاستقدمته بتلطُّف، وأخذت منه إقراراً، بزواجه وبتاريخ زواجه، وباسمه وباسم زوجته، لئلا ينكر، لأنه إذا كان العقد خارج المحكمة فالإنكار سهل جداً، ويمكن أن يقول: ليست زوجتي، ولا أعرفها، وبهذا دخلنا في متاهات القضاء ثلاث سنوات لإثبات هذا العقد، إذا دُعي لحلف اليمين، فقد جاء الفرج، إذا كان الشخص غير متديِّن يقول: جاء الفرج، أحياناً لا يكون معك إلا اليمين، كانعدام الوثائق، وهذه يسمونها اليمين الحاسمة، فإذا لم تكن هناك وثائق، وليس هناك إلا اليمين الحاسمة، ودعي هذا الخصم ضعيف الإيمان الذي لا تحكمه قيم إلى حلف اليمين يحلف، وانتهى الأمر. فلذلك أيها الإخوة، أرجو الله سبحانه وتعالى في موضوع الزواج، وهو موضوع دقيق جداً، وقد سمعت عشرات الحوادث، أنه هكذا طلب العريس، يريد كتابا خارجيا، خافوا أن يطالبوه بكتاب رسمي، فيذهب ولا يرجع، فوافقوا على إجراء كتاب خارجي، ثم مضى على العقد عدة سنوات، ثم اختفى، وبذلك دخلنا في متاهة، فقد حدث حمل، والشاب اختفى، والعقد غير رسمي، وإثباته يحتاج إلى محامٍ، وإذا كان بين من كتب هذا الكتاب صلة أو مودة معهم يدخل السجن، فالذي يكتب كتابا خارج النظام يُحاسب، وقد يُسجن، فهو خاضع للأحكام الجزائية لا المدنية، فيقع في حرج، إن أرادوا أن يُثبتوا هذا العقد يُقال لهم: من كتب هذا العقد ؟ أصبح القريب مسئولا. لذلك أنا أنصح إخوتنا الكرام بالبعد عن هذه الأساليب الملتوية، التي لا تثبت الحق، لئلا يُظن أنني أقول: إن هذا العقد غير صحيح، لا، لكنه ضعيف، ووسائل تثبيته ضعيفة، كما لو أنك اشتريت بيتا من غير طابو، قال لك: خذ هذا المفتاح، واسكن فيه، أنت وحظك، يمكن بعد حين يقول لك: هذا البيت بيتي، وليس لك شيء عندي، أنت مغتصبه. ![]() الحقيقة أنّ موضوع الشرع ـ لآن دخلنا في موضوع آخر ـ هذه الأحكام التفصيلية في الشرع هدفها أن تكون متفرغاً لعبادة الله، لأن خبرا واحدا قد يزعج، فإذا الإنسان أقرض قرضا، ولم يأخذ الوصل، وهذا الإنسان توفى فجأةً في حادث، فهو وحظه، إما أن يعترف الورثة له، أو لا يعترفوا، وإذا لم يعترفوا فليسوا مؤاخذين، فالآن يمكن لإنسان يتوفى والده وكل من قال له: لي مع أبيك مليون، فهل يعطي المليون ؟ هذا كلام غير صحيح، فمن الممكن أن لا يعترف الوريث له بكل هذا الذي يقوله، فلذلك القرض أسجله، وعقد الشراكة أسجله. شارك أحدهم آخر في موضوع تجاري، ورأس المال كان ثلاثين ألفا، دفع النصف، قال لي: في السنة الأولى أعطاني خمسة آلاف، فقلت: نعمة فقد ربح، وأنا دافع عشرة آلاف أعطاني خمسة، وفي السنة الثانية أعطاني كذلك خمسة، وفي السنة الثالثة قال له: أين الربح ؟ فقال له: أي ربح فقد أقرضْتَنا عشرة وأخذتها، ثم أصبح قيمة المشروع ستة ملايين، فقد كان هذا في أيام الركود الاقتصادي، وخلال أربع أو خمس سنوات، الأسعار اختلفت اختلاف كبيرا، وذلك لعدم وجود عقد. أقول لكم كلمة أبلغ من ذلك: إذا اتفق الإنسان مع إنسان بلا عقود موثقة، وقد أغراه الشيطان أن يغتصب هذا المشروع له، من الذي أعانه على ذلك ؟ الطرف الآخر، ليس الطرف الآخر الذي خسر حقه في هذا المشروع بأقلَّ إثماً من الذي اغتصبه، لماذا ؟ لأنك لو وثَّقتَ له العقود لما فكَّر أن يغتصب هذا المشروع منك. لذلك أنا أرجو إخواننا الكرام في كل شيء تجاري، الذي اتفقتم عليه سجلوه في عقد، وسجلوه في محكمةٍ البداية، هذا العقد حصن، لك ولشريكك، فلا تفكر أبداً، وتقول: لماذا محكمة البداية ؟ لأنه إذا لم يوجد توثيق في محكمة البداية كان بإمكانه أن يُنكر التوقيع، فإذا أنكر التوقيع دخل المتنازعان في قضايا ثماني سنوات في المحاكم لإثبات التوقيع ورأي الخبرة، ثم خبرة ثنائية، وثلاثية، ورباعية، وخماسية، ثم تصبح القضية شائكة، أما إذا سُجل العقد أمام قاضي محكمة البداية فقد انتهى الأمر، ولا يمكن إنكار التوقيع لوجود نسخة منه محفوظة في المحكمة. أنا أتمنى عليكم في عقودكم، في شرائكم، في بيعكم، في شراكاتكم، أن توثقوا هذه الاتفاقات بعقود، وأن توثقوها في السجلات الرسمية، لأن هذا حصنٌ لك ولأخيك، فأنت تنام مطمئن البال، ولا تسمح للشيطان أن يغري أخاك باغتصاب حقك، أما إذا أهملت تسجيل العقود، وخطر على بال شريكك أن يغتصب حقك كنتَ أنت الذي أغريته بهذا، والعوام لهم كلمات لطيفة، يقولون لك: " المال الداشر، يعلم الحرامي السرقة "، فدائماً وثِّق القرض بوصلٍ. قال لي شخص قد أخذ من إنسان ـ والقصة قديمة من اثنتي عشرة سنة ـ ستمئة ألف، وقال له: اكتبْ لي وصلاً، أحب أن يصرف المال، ولم تكن الصرافة ممنوعة يومئذ، فقال له: الآن بعد الظهر تعال وخذ المبلغ، قال لي: وأنا قادم بعد الظهر رأيت نعوته على الجدران، قال لي انخلع قلبي، وفقدت المال، احضروا لي إنسانا يملك أن يعيش بعد ساعة، لا أحد يملك ذلك، لذلك توقيع الإيصال، أو توقيع السند، وكتابة العقد لا يعني أنك لا تثق بهذا الإنسان، لكن هذا من أجل ألا يأتيه ملك الموت فجأةً، عندئذٍ تصبح المشكلة مع الورثة، والورثة قد لا يصدقون. يقول بعض العلماء: " لو أن امرأةً قالت لرجل: أنكحتك نفسي، أو زوجتك نفسي، أو أبحتك مني كذا وكذا، فلو انتفت بهذا جريمة الزنا لكان هذا من أيسر الأمور ". فالقضية خطيرة، زواج، وأولاد، وحقوق، وميراث، فهذا عقد زواج وبكلمتين، أعوذ بالله، فهو يحتاج إلى قاضٍ، إلى مأذون، وإلى إيجاب، وإلى قبول، وإلى شهود، وإلى مهر، وإلى إعلان، وإلى دخل أحياناً، وإلى خطبة، وإلى وليمة، هذا كله من أجل أن يفترق السِفاح عن النكاح. فضل عقود القران في المساجد ثمة شيءٌ يلفت النظر، هو أن النبيّ صلى الله عليه وسلم أرشد أُمته إلى أن يُعقد النكاح في المساجد، فقد روى الإمام الترمذي عن عائشة رضي الله قالت: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( أَعْلِنُوا هَذَا النِّكَاحَ، وَاجْعَلُوهُ فِي الْمَسَاجِدِ، وَاضْرِبُوا عَلَيْهِ بِالدُّفُوفِ )) ![]() لماذا ؟ لأن الناس يجتمعون جميعاً يوم الجمعة في المسجد، ما الذي يمنع أن نقول: زوجنا فلان من فلانة ؟ وسمعت أن بعض المساجد تفعل هذا، وهذا الشيء وفق السنة في المسجد، إعلان تزوج فلان بفلانة، ولو كان العقد أُجري بعد حين، أما ما الذي يمنع أن يُنشر هذا في المسجد ؟ والآن هذه البطاقات تشبه ذلك، ودعوة الناس إلى حفل في قاعة عامة يشبه ذلك، أو في قاعة ملحقة بالمسجد، والله هذا شيء جميل جداً، على كلٍ لابد من الإعلان. بعض العلماء يقول: " معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: (( وَاجْعَلُوهُ فِي الْمَسَاجِدِ )) إما لأنه أدعى إلى الإعلان، أو لحصول بركة المكان، وينبغي أن يُراعى فيه فضيلة الزمان ". أدعى للإعلان، وحصول بركة المكان، وبركة الزمان، لأن الناس يجتمعون يوم الجمعة، وهو يوم فضيل، فيه ساعة مباركة، والمساجد خير بقاع الأرض، فالمساجد أدعى للإعلان، وأشد تحصيلاً لفضيلة المكان، ولفضيلة الزمان. وقال بعضهم: " يُستحبُ مباشرة عقد النكاح في المسجد، لكونه عبادة، وكونه في يوم الجمعة، وهو إما تفاؤلاً بالاجتماع، أو توقعاً لزيادة الثواب، أو لأنه يحصل به كمال الإعلان ". روى الحافظ أبو بكر عبد الرزاق عن صالح مولى التوأمة قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلَّم جماعةً في المسجد فقال: ((ما هذا ؟ قالوا: نكاح، فقال عليه الصلاة والسلام: هذا النكاح ليس بالسفاح )) لأنه في مسجد، ولأنه معلن، وسبحان الله ! الذي يلفت النظر أنّ الإنسان إذا كان شارداً، وأراد أن يمشي مع فتاة، لو أنك سِرْتَ خلفه لاضطرب، لو أن طفلاً صاح بكلمةٍ لارتعدت فرائصه، أما حينما يخطب شاب ابنتك، ويُعقد العقد، ويأتي ليزوركم في البيت، يجلس الشاب وابنتك إلى الساعة الثانية عشرة، وأنت مطمئن، لأنها زوجته، فالعمل الشرعي مريح، وفيه فخر، وليس فيه خجل، أو فيه شعور بالذنب، وأقول لكم: إنّ أية شهوةٍ أودعها الله في الإنسان لها قناة مشروعة، قال لي واحد: أجلس معها في الحديقة، قلت له: اخطبْها، واعقد العقد، وأحضرها إلى بيتك ولا تحتاج إلى حديقة. وإذا لم يكن هناك مسجدٌ في مدينةٍ أو قرية، وإن كان المفروض أن يكون في كل تجمعٍ إسلاميٍ مسجدٌ. ![]() كيف أن الناس بحاجة ماسة إلى الماء، فلا يوجد قرية راقية ليس فيها مشروع ماء، تجد مستودعًا عاليًّا، وبئرًا ومستودعًا، والمياه تصل إلى البيوت، الماء حاجة أساسية، والطعام حاجة أساسية، أحياناً مهما كانت القرية صغيرة ففيها سمان يبيع حاجات أساسية، فحاجة الناس إلى المسجد ليصلوا فيه، ليتلقوا العلم فيه، ليتعارف بعضهم على بعضٍ فيه، ليتعاونوا فيه حاجة أساسية، فالآن الحمد لله أصبح المسجد مركزًا إسلاميًّا، ففيه تؤدَّى الصلوات، وتعقد فيه مجالس الذكر، ومجالس العلم، ويعلم فيه الصغار قراءة القرآن، ويعلم فيه الكبار أُصول الدعوة، وفيه مكتبة يرتادها روَّاد المسجد، قد تُحل بعض المشكلات الحيوية في المسجد، قد يُطبب الإنسان في المسجد، قد يعقد الزواج في المسجد، قد تحقق مصالحه في المسجد، هذا المسجد مكان أساسي في حياة المسلمين، لذلك النبيّ الكريم حينما هاجر إلى المدينة المنورة أول شيءٍ فعله فيها أنه بنى المسجد مكانًا للاجتماع فيه. قرأتُ في كتب الفقه في بعض المذاهب، لا في كل المذاهب: أنه إن لم يكن في القرية مسجد، يجوز أن يُبنَى المسجد من أموال الزكاة. وهذه حالة نادرة جداً، لأنه ( إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء )، لكن للضرورة الماسة لوجود مسجدٍ في القرية، إن لم يكن هناك مسجد، هناك رأيٌ لا أقول: إنه قوي، لكنه ضعيف، لكن له معنى، أن يُبنى المسجد في القرية بشكلٍ حتمي، لأنه بالتعبير الحضاري هو مرفق حيوي لسلامة النفس البشرية، لا يوجد إنسان له مسجد يؤُمه ويرتاده، لا يوجد إنسان له منهل ينهل منه إلا وله أخلاق خاصة، أخلاق عالية، وفهم، وانضباط، وأدب، هذه كلها من بركات المسجد، والآن الحمد لله توجد قاعات منضبطة يعقد فيها عقود النكاح، وهذه القاعات واسعة، والأمور فيها مُيسَّرة، وهذا الشيء لم يكن من قبل، فقد كانت البيوت صغيرة ولا تسع. 2 – وجود الشهود في النكاح الشيء الثاني في عقد النكاح: وجود الشهود في النكاح، فقد روى الإمام الدارقطني عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال عليه الصلاة والسلام: (( لا نكاح إلا بوليٍ وشاهدي عدل، فإن تشاجروا فالسلطان ولي من لا ولي له )) وروى الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلَّم قال: (( الْبَغَايَا اللاتِي يُنْكِحْنَ أَنْفُسَهُنَّ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ )) هذا كلام دقيق، فالتي تُنكح نفسها من غير بينة، ومن غير شهود، من غير ولي هي ليست بغيًّا، لكن كأنها بغي، تشديداً سماهن النبيّ عليه الصلاة والسلام بغايا تشديداً على الولي وشاهدي العدل. ويقول أحد العلماء في شرح هذا الحديث: " المراد بالبينة، إما الشاهد، فبدونه زنا عند الشافعي ". فالإمام الشافعي يرى أن عقد النكاح من دون الشاهد زنا، وكذلك عند الإمام أبو حنيفة، نكاحٌ بلا شهود يعدُّ زناً. و يقول الإمام النووي رحمه الله تعالى: " لا يصح النكاح إلا بحضرة شاهدين ". كل هذا الدرس من أجل أن نفرِّق بشكلٍ بينٍ صارخٍ بين السفاح والنكاح. ويقول صاحب الهداية: " اعلم أن الشهادة شرطٌ في باب النكاح، لقوله صلى الله ليه وسلم: ((.... لا نِكَاحَ إِلا بِشُهُودٍ... )) 3 – خُطبة النكاح الآن هناك شيءٌ آخر من شروط إعلان النكاح، خُطبة النكاح، الخِطبة غير الخُطبة، الخِطبة أن تخطب الفتاة، أما الخُطبة أن تلقي خطبةً، فمن شروط إعلان النكاح خُطبة النكاح، لماذا ؟ هل من المعقول أن يقف إنسان في غرفة وحيداً ويخطب ؟ ليس هذا معقولا، من لوازم الخطبة وجود جمهور، وإلا يكون مجنونًا، فالخطبة تقتضي وجود جمهور يحضر هذا العقد، لذلك روى الإمام أحمد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: عَلَّمَنَا خُطْبَةَ الْحَاجَةِ: (( الْحَمْدُ لِلَّهِ نَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ثُمَّ يَقْرَأُ ثَلَاثَ آيَاتٍ:]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُون[، ]يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [، ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا[ )) ففي كلّ عقد قران لا بدَّ من خطبة، والآن الحمد لله الشيء متوافر، فلا يوجد عقد قران الآن إلا وفيه كلمة يلقيها أحد العلماء، وهذا شيء جميل جداً، بل إنَّ عقود القران أصبحت مجالاً للدعوة إلى الله. ![]() هناك علماء كثيرون وأنا أحمد لهم ذلك توسعوا في موضوع الخطبة، فجعلُّوها تعريفاً بالله عزَّ وجل، لأن أناساً كثيرين ممن يحضرون هذه العقود قد لا يرتادون المساجد، فصارت عقود القران مناسبة للدعوة إلى الله، فعقد قران يحضره تقريباً خمسمئة شخص، وفيه مديح لرسول الله عليه الصلاة والسلام، وفيه خطبة تلقى على مسامع الناس، فيها تعليم، وتوجيه، وفيها إشارة إلى العقد الذي تم في هذا المكان. يستحب في هذه الخطبة أن تكون قبل عقد القران، وتلاحظون أن الذي يأتي إلى مكان العقد ليسجِّل العقد، أولاً يبدأ بخطبة، ثم يستمع إلى إيجاب الولي، وقبول الزوج، ويُشهد الشاهدين، ثم يذهب لسماع إقرار الفتاة. وكان الإمام أحمد بن حنبل إذا حضر عقد النكاح فلم يُخطَب فيه بخطبة رسول الله قام وتركهم. فمن لوازم عقد النكاح الخطبة، وقال بعض العلماء في بيان حكمة هذا التوجيه النبوي الكريم: " إن الخطبة مبناها على التشهير، وجعل الشيء بمسمع ومرأى الجمهور ". ففي بعض الأيام يقول لك: أبارك للعروسين زواجهما، أو يقول لك: بارك الله لهما وعليهما وفيهما، بارك اللهم بهما، وأنجب منهم الكثير الطيب، وجعل كلاً منهما قرة عينٍ للآخر، واللهم ألهمهما السداد والرشاد، اللهم بارك لهما، وعليهما، وفيهما، اللهم ارزقهما الذرية الطيبة، اللهم وفق بينهما كما وفقت بين سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم وزوجاته الطاهرات. كلام طيب، وكل الناس سمعوا أنه هنا عقد قران، وفلان تزوج من فلانة، هذا الذي يبعد الموضوع عن السفاح. شيء آخر، إذا أحبَّ أحد أن يشتري كأسًا من العصير فهل من اللازم أن يخطب ؟ لا، ليس من المعقول، فهل من اللازم أن نقول له: إيجاب وقبول، وأحضر الشهود، كذلك هذا ليس من المعقول، طبعاً الأئمة قالوا: " عقود الشراء إن كانت في الخسيس لا تحتاج إلى إيجاب وقبول، تحتاج إلى المناولة، وهي العقد، المعاملة، أو المناولة، أما العقود الغالية، كبيت بثمانية ملايين فهو يحتاج إلى عقد، وإلى إيجاب، وإلى قبول، وإلى عقد مكتوب وإلى شاهدين، فمعنى خطبة، أي شيء مهم، ما دام النبي عليه الصلاة والسلام قد أرشدنا إلى خطبة النكاح، معنى ذلك أن النكاح شيء مهم. 4 – الوليمة ومن الأشياء التي أرشد النبي عليه صلى الله عليه وسلم إليها ليفترق النكاح عن السفاح، هي الوليمة، وليمة العرس، الآن هذا التوجيه النبوي ضعف شأنه، واستبدل بهذه الضيافة، أما في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (( أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ )) [متفق عليه عن أنس] وأحياناً في بعض الأعراس وفي بعض عقود القران يعقَد على وليمة، وهذا أقرب إلى السنة. عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَدِمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ الْمَدِينَةَ فَآخَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ الْأَنْصَارِيِّ، وَكَانَ سَعْدٌ ذَا غِنًى، فَقَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ: أُقَاسِمُكَ مَالِي نِصْفَيْنِ، وَأُزَوِّجُكَ، قَالَ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ، دُلُّونِي عَلَى السُّوقِ، فَمَا رَجَعَ حَتَّى اسْتَفْضَلَ أَقِطًا وَسَمْنًا، فَأَتَى بِهِ أَهْلَ مَنْزِلِهِ، فَمَكَثْنَا يَسِيرًا، أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ، فَجَاءَ وَعَلَيْهِ وَضَرٌ مِنْ صُفْرَةٍ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( مَهْيَمْ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنْ الْأَنْصَارِ، قَالَ: مَا سُقْتَ إِلَيْهَا ؟ قَالَ نَوَاةً مِنْ ذَهَبٍ أَوْ وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ ؟ قَالَ: أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاة )) [متفق عليه] وقد ترجم الإمام البخاري في صحيحه، بقوله: " الوليمة حقّ "، وذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن عوف: (( أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ )) حينما استخدم أو استنبط الحكم أن الوليمة حق في العرس كان الاحتجاج بهذا الحديث: " (( أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ )) وذكر الإمام أحمد عَنِ بُرَيْدَةَ قَالَ: لَمَّا خَطَبَ عَلِيٌّ فَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إِنَّهُ لَا بُدَّ لِلْعُرْسِ مِنْ وَلِيمَةٍ، قَالَ: فَقَالَ سَعْدٌ: عَلَيَّ كَبْشٌ، وَقَالَ فُلَانٌ: عَلَيَّ كَذَا وَكَذَا مِنْ ذُرَةٍ )) أي إنه لا بد من وليمة، ويبدو أنه سيدنا علي كان فقيراً جداً، فعجيب كيف زوّج النبي ابنته لعليّ وهو فقير !! دققوا في هذا الكلام، ما كان يملك ثمن وليمة، تزوج بنت رسول الله، وقد قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم: (( فَاطِمَةُ بِضْعَةٌ مِنِّي، فَمَنْ أَغْضَبَهَا أَغْضَبَنِي )) [ متفق عليه عن المسور بن مخرمة] عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: (( مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَشْبَهَ سَمْتًا وَدَلًّا وَهَدْيًا بِرَسُولِ اللَّهِ فِي قِيَامِهَا وَقُعُودِهَا مِنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَتْ: وَكَانَتْ إِذَا دَخَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ إِلَيْهَا فَقَبَّلَهَا، وَأَجْلَسَهَا فِي مَجْلِسِهِ، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ عَلَيْهَا قَامَتْ مِنْ مَجْلِسِهَا فَقَبَّلَتْهُ وَأَجْلَسَتْهُ فِي مَجْلِسِهَا … )) [الترمذي] ومع ذلك زوّجها من ابن عمها الفقير الذي لا يملك ثمن وليمةٍ يولم بها، لذلك قال سيدنا سعد: عليَّ كبشٌ، وقال آخر: عليَّ كذا وكذا من الذرة، حتى اجتمعت لوازم الوليمة. يقول الإمام النووي: " اختلف العلماء في وليمة العرس، أهي واجبةٌ أم مستحبة، والأصح عند أصحابنا ـ في المذهب الشافعي ـ أنها سنةٌ مستحبة، والأمر بها أمر ندبٍ لا أمر وجوب ". ![]() قد لا يملك الإنسان ثمن الوليمة، فالأمر للندب، أي مستحبة، لكن إخواننا في الريف جزاهم الله خيرًا، هكذا لاحظت، ما دعيت إلى عرس في ريف دمشق إلا وقالوا لي: الطعام من الظهر وحتى العاشرة ليلاً، كل من جاء يحضر هذا العرس له طعام يأكله، فهم أقرب إلى السنة من أبناء المدينة. فقال بعضهم في حكمة الوليمة في العرس، قال: " التلطف بإشاعة النكاح ". عندما تقول: تعالَ احضر العقد ولا يوجد شيء، فيجيبك: والله يا أخي أنا مشغول، ولو قلت له: تعال للأكل، واحضر عقد النكاح، يجيبك بنعم، سآتي، وأين يقع البيت يا أخي، فقد اختلف الوضع، إذا كان الموضوع نصف دعوة فقط اعتذر، أما للأكل فيجيب الدعوة، فمن أجل أن تجلب الناس، وأن تغريهم بحضور هذا العقد أولمْ. إن التلطف بإشاعة النكاح، والحض على حضور عقد النكاح، وأنَّ هذا العقد مشرَّف، بدأ بوليمة، لئلا يبقى هذا العقد محلَّ وهم، يا ترى فلانة أخذها فلان ؟ والله لا نعرف، قالوا: إنه أخذها، وهذا شيء يحير، بعض الناس قالوا: أخذها، والبعض قال: لم يأخذها، فأنت لو أقمـَ عرسًا، وأولمت، ودعوتَ الناس صار كل من كان في شك ووهم وتردد على ي قين في هذا الزواج، فالإعلان، والوليمة من آداب النكاح. ودرسنا كلُّه حول محور واحد، الفرق الكبير، بين النكاح والسفاح: الإعلان، الوليمة، والشهود، والولي، والدف. عَنْ عبدا لله بْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّه عَنهمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْوَلِيمَةِ فَلْيَأْتِهَا )) قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( مَنْ دُعِيَ فَلَمْ يُجِبْ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ )) [أبو داود] هناك نقطة أيها الإخوة الكرام، أحياناً هناك أشياء تتكرر كالجلسات الأسبوعية مع الأصدقاء، يمكن أن ينشغل عنها الإنسان أسبوعاً فلا يحضر، أما عقد القران فهو مرة في العمر، لا يوجد غيره، لذلك عندما تدعى إلى عقد قران ولا تلبي فقد فوَّت على نفسك فضيلة تلبية الدعوة التي لا تكرر، بعد ذلك فيها جبر خاطر، من دعاك وجب حقه عليك، النبي عليه الصلاة والسلام يقول: (( لَوْ دُعِيتُ إِلَى ذِرَاعٍ أَوْ كُرَاعٍ لَأَجَبْتُ، وَلَوْ أُهْدِيَ إِلَيَّ ذِرَاعٌ أَوْ كُرَاعٌ لَقَبِلْتُ )) [البخاري عن ابن عمر] أحيانا تكون الدعوة بجوار بيتك، فالأمر سهل عليك، أما لو دعيت إلى منطقة بعيدة فأجبتَ فلا مانع في ذلك، والدعوة على كأس من الشاي، فكأس من الشاي يكفي (( لَوْ دُعِيتُ إِلَى ذِرَاعٍ أَوْ كُرَاعٍ لَأَجَبْتُ )) والكراع من الدابة ما دون الكعب، انظر إلى الأدب النبوي (( لَوْ دُعِيتُ إِلَى ذِرَاعٍ أَوْ كُرَاعٍ لَأَجَبْتُ )) إذا دعاك أخ، وسألته: أين البيت ؟ في المكان الفلاني، فيقول لك: إن شاء الله سآتي، لا يوجد مانع، والمكان بعيد خارج دمشق، أخوك دعاك، وإن لم يكن هناك شيء فأنت عليك أن تلبي، (( مَنْ دُعِيَ فَلَمْ يُجِبْ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ )) سبحان الله ! الذي يلبي دعوة أخيه يشعره بالود، وبالحب، ويفتخر، ويقول: والله دعوت إخواننا، وكلهم جاؤوا. والله مرة دعيت إلى عقد قران، أنا متأخر ساعة، لا يوجد إلا صف من الكراسي فقط مليء، والباقي كله فارغ، شيء صعب، شيء مخزٍ، لأنه لم يأتِ أحد، هذه مخالفة شرعية كبيرة، فيجب أن تهيئ نفسك، توطنها على تلبية دعوة عقود القران، لأنها من السنّة، وأنت بهذا تحييّ سنة رسول الله. عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى طَعَامٍ فَلْيُجِبْ، فَإِنْ شَاءَ طَعِمَ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ )) [مسلم] قد يكون لأحدنا غذاء نظامي معيَّن، كأن لا يناسبه الأرز، اذهب، ولبّ الدعوة، ولا تأكل من الأرز، كُل لقمة واحدة واعتذر، ولكن لبّ الدعوة، ولا تربط الدعوة بالأكل.. قال: ((فَإِنْ شَاءَ طَعِمَ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ )) لذلك لما أمر النبي أصحابه الكرام أن يولموا، أمر المؤمنين أن يحضروا، فالأمر متكامل، هناك أمر أن تولم ولو بشاة، وهناك أمر أن تحضر الوليمة ولو كنت صائماً، أنا صائم اليوم، لكن سأحضر، الأساس مجيئك، ولو كان دقيقة، وليس الأساس الأكل، فالأساس أن تلبي هذه الدعوة، وإذا كان أحد صائماً صوم نفل فهو أمير نفسه، إن شاء صام، وإن شاء أفطر. وجب على هؤلاء المدعوين أن يجيبوا إلى طعام الوليمة، فإن كان صائماً ولم يطعم، فلا بأس بذلك، لأنها حصلت إشاعة المودة، ولو كنت صائما، عليك أن تلبي، والأكمل أن تفطر إذا كان صيامك نفلا. 5– ضربُ الدّفّ ومن شروط إعلان النكاح ضرب الدف، فعَنْ أَبِي حَسَنٍ (( أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَكْرَهُ نِكَاحَ السِّرِّ حَتَّى يُضْرَبَ بِدُفٍّ، وَيُقَالَ: أَتَيْنَاكُمْ أَتَيْنَاكُمْ فَحَيُّونَا نُحَيِّيكُمْ )) [أحمد] الآن يزمرون في هذه الليالي، فلا مانع، لأنه إعلام، وكان عليه الصلاة والسلام يعلّم أصحابه، أن ينشدوا هذا النشيد: أتيناكم.. أتيناكم فحيونا نحييّكم ولولا الحبة السودا جئنا لواديكم ![]() أي نشيد ديني مع تلبية العقد، هذا شيء مطلوب. روى الإمام الترمذي، عن محمد بن حاطب الجمحي قال: قال عليه الصلاة والسلام: (( فَصْلُ مَا بَيْنَ الْحَلالِ وَالْحَرَامِ الدُّفُّ وَالصَّوْتُ فِي النِّكَاحِ )) طبعاً ليس الفرق الوحيد الدف والصوت، لكن الذي يفرق بين النكاح والسفاح الدف والصوت. أنا أسمع من حين إلى آخر عن عقود قران، أو عن أعراس، ماذا حصل ؟ يقولون: والله ألقيت كلمة من قِبل داعية، وسمعنا نشيداً دينياً، والله أبقى شهرً وأنا في نشوةٍ من هذا العرس، شيء جميل، هذا عرس إسلامي، لماذا الغناء الفاضح والغناء الماجن ؟ لماذا هذه المسجلة تصدح بالأغنية الفاسقة ؟ وأنت مسلم، وبيتك مسلم، والمدعون مسلمون كلّهم ؟ ليس من الصعب أن تدعو امرأة لها لسان تدعو إلى الله، فهل من الصعب تدعو أناس من النساء لهن اختصاصٌ بمديح رسول الله، صوت منخفض، أم هل يجب في العرس أن نخرج من جلودنا لكي نعلن فرحتنا ؟ نحن ما عندنا فرح مع الفسق أبداً، الفرح يكون مع الطاعة. خطورة تصوير عرس النساء بالفيديو لذلك إخواننا الكرام، أتمنى عليكم في أعراس النساء، احرصوا حرصاً بالغاً على إلغاء الغناء، إذا بحثتم عمن ينشد نشيداً دينياً تجدون، وما أكثر من ينشد ابتغاء وجه الله بلا مقابل، ابحثوا عن امرأة ٍ تقول كلمة، تعظ هؤلاء النسوة، كلمة حق تقال في العرس، الخطبة ضرورية، فكما أن عقود القران ـ والحمد لله شرعية مئة بالمئة ـ فأنا لا أعتقد بالألف عرس إلا مِن هؤلاء المترفين، بالألف عرس من عامة الناس إلا وكلها أعراس شرعية، بها منشدون، وكلمة، أو كلمات تلقى في هذا الحفل، ودعاء، ومديح رسول الله فقط، عقود الرجال رائعة، أما عقود النساء ففيها الغناء، وأما المخالفة التي لا تغتفر والتي تعد من أكبر الكبائر فهي تصوير ( الفيديو )، كل النساء كاسياتٌ شبه عاريات، نصورهن، ونأخذ الفيلم، هذه من ؟ هذه زوجة فلان، هذا شيء محرَّم، ومن أكبر الكبائر أن تطور الأعراس بهذه الأفلام، فهي وثائق كلّها، فكأن الإنسان يرى المرأة بأبهى زينة. فلذلك أنا أنصح إخواننا، إذا دعي زوجته إلى عرس فيه تصوير يجب ألا تلبي، ومن يسمح لامرأته بالذهاب إلى عرس فيه تصوير فقد ارتكب أكبر معصية، لأن هذا الشيء قد يتداول، وينسخ منه نسخ كثيرة، ويعرض في بيوت كثيرة، قد يكون في العرس رجال فسقة غير منضبتين كشفوا عورات المسلمات، فمن أكبر الكبائر التصوير في أعراس النساء. فهذا ضرب الدف، أو النشيد الإسلامي كما قلت، والوليمة، وخطبة النكاح، والشهود في النكاح، وإعلان النكاح، وانعقاده في المسجد، هذه هي الآداب التي ينبغي أن تراعى في عقد الزواج، من أجل أن نفرِّق بين النكاح وبين السفاح. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#16 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم
الفقه الاسلامي - العلاقات الاسرية الدرس ( الرابع عشر) الزواج - عوامل استمرار الزواج الحمد لله رب العلمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. قواعد مهمة تحفظ الزواج أيها الإخوة المؤمنون، مع الدرس السابع من دروس الزواج، والحقيقة أيها الإخوة أن العبرة لا أن نصل بالشاب إلى الزواج فحسب، بل أن نصونه وهو متزوج من أن يفسد بيته. 1 - تطبيق شرع الله هناك موجبات توصلنا إلى الزواج، وهناك قواعد تحفظ هذا الزواج من أن يفسُد، سمعتم في دروسٍ سابقة أن نسب الطلاق في البلاد الأجنبية تتجاوز الستين بالمئة، وفي بلاد ثلاثين بالمئة، وعندنا بفضل الله تعالى ثلاثة بالألف، معنى ذلك أن عوامل استقرار الزواج هو في تطبيق الشرع. ![]() أضرب لكم مثلاُ بسيطاً: لو أردنا أن ننشئ بناء، إذا وضعنا الإسمنت الكافي، وكان الإسمنت بحالته الجيدة، ووضعنا الحديد الكافي وفق الأُصول المتبعة، هذه الإجراءات أحد أسباب بقاء البناء، فهذا البناء المبني وفق أُسس صحيحة عواملُ بقائه فيه، أما إذا وضعنا قليلاً من الإسمنت، ولم نضع الحديد، ولم نستخدم الشاقول، فهذا البناء فيه عوامل انهدامه، فأي زواجٍ يبنى على طاعة الله يكون فيه عوامل استمراره، والزواج المبني على معصية الله يكون فيه عوامل انهدامه، لذلك قال الله عزَّ وجل: ﴿ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً ﴾ ( سورة الإسراء ) الباطل خلاف الحق، فالخروج عن منهج الله في أي عمل ينتهي به إلى الدمار. مثلاً: إذا أردت لهذا الزواج أن يستمر فطبّق فيه منهج الله، إذا أردت لهذه التجارة أن تزدهر فطبق فيها منهج الله، إذا أردت لهذه الشراكة أن تدوم فطبّق فيها منهج الله، لأنك إذا طبقت منهج الله استقر الشيء واستمر، فاليوم درسنا متعلق، باستمرار الزواج، يقول الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم: ﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى ﴾ ( سورة الأحزاب: آية " 33 " ) 2 – عدم خروج الزوجة من البيت إلا لحاجة ![]() أي أن المرأة مكانها الطبيعي في البيت، وهي في البيت تقوم بأخطر عمل على الإطلاق، كما أن قائد الطائرة مكانه الطبيعي في غرفة القيادة، وهو وراء المقود، وأمامه العدادات، وعلى اتصال مع الأرض، يقوم بأخطر عمل في الطائرة، أما إذا ظن أن بقاءه في هذا المكان، تضيقٌ لحريته، وأنه عليه أن ينطلق، ضيع الركاب، وربما أهلكهم. فالنقطة الدقيقة أيها الإخوة أن المرأة إذا توهمت أن بقاءها في البيت حبسٌ لها، وحدٌّ من حريتها فهذه جاهلية القرن العشرين، ولا يعني بقاءُ المرأة في البيت أن تبقى جاهلة، هناك من يربط بين بقاءها في البيت وجهلها. حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ سُلَيْمَانَ حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ شِنْظِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ وَوَاضِعُ الْعِلْمِ عِنْدَ غَيْرِ أَهْلِهِ كَمُقَلِّدِ الْخَنَازِيرِ الْجَوْهَرَ وَاللُّؤْلُؤَ وَالذَّهَبَ [ابن ماجه] ![]() أي كل مسلم ومسلمة، على كل شخصٍ مسلم، فالمرأة وهي في البيت ينبغي أن تتعلم أمر دينها، أن تتعلم القرآن، أن تتعلم سنة النبيّ e، أن تتعلم أحكام الفقه، كي تقوم بمهمتها خير قيام، كي تعرف حق زوجها عليها، وحق أولادها عليها، لذلك قال الله عزّ وجل: ﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى ﴾ الحقيقة أنّ هذه الآية لا تعني أنه محظورٌ على النساء أن يخرجن، بل تخرج المرأة لحاجةٍ، كأنْ تزور أهلها، ولتزور أقربائها، أو لتتطبب، يمكن للمرأة أن تخرج من البيت، لكنها إذا خرجت: ﴿ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى ﴾ يقول ابن كثير في تفسير هذه الآية: " الزمن بيوتكن فلا تخرجْن لغير حاجة ". حينما تتفرغ المرأة لزوجها وأولادها، فعملها في بيتها، وتفرغها لبيتها استثمارٌ لطاقتها، وليس هدراً لطاقتها، لأنها إذا أنجبت الأولاد الصالحين، ودفعت بهم إلى المجتمع، وأمَّنت لزوجها راحة البال والطمأنينة ضاعف إنتاجه، فهذا النظام الإلهي، نظام الزوجية مبنيٌّ على تفرغ الزوجة، وعلى إناطة تربية أولادها لها، وقد سمعتم كثيراً مني كيف أن هذه المرأة التي اشتكت إلى الله، وقد سمع الله شكواها من فوق سبع سماوات، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: (( تَبَارَكَ الَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ كُلَّ شَيْءٍ إِنِّي لَأَسْمَعُ كَلَامَ خَوْلَةَ بِنْتِ ثَعْلَبَةَ، وَيَخْفَى عَلَيَّ بَعْضُهُ، وَهِيَ تَشْتَكِي زَوْجَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهِيَ تَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَكَلَ شَبَابِي، وَنَثَرْتُ لَهُ بَطْنِي، حَتَّى إِذَا كَبِرَتْ سِنِّي، وَانْقَطَعَ وَلَدِي ظَاهَرَ مِنِّي، اللَّهُمَّ إِنِّي أَشْكُو إِلَيْكَ، فَمَا بَرِحَتْ حَتَّى نَزَلَ جِبْرَائِيلُ بِهَؤُلَاءِ الْآيَاتِ:( قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ ) )) أيها الإخوة: ﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ﴾ هذا أمرٌ إلهي يقتضي الوجوب، أي أن المرأة يجب أن تتفرغ لزوجها وأولادها، أما حينما لا تتفرغ تضيِّع زوجها، وتضيع أولادها، ثم إنها فوق ذلك تضيع فرصة عملٍ لرجل، ثم إنها فوق ذلك تضيع فرصة زواجٍ لامرأةٍ ثانية، فضيعت بذلك زوجها، وأولادها، وفوتت على رجلٍ وظيفةً، وفوتت على فتاةٍ زواجاً، وحينما تختلط بالرجال ربما تفسد مجتمعهم، لأن المرأة في أصل الفطرة محببة على الرجال: ﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ﴾ قال ابن كثير: " الزمن بيوتكن، فلا تخرجن لغير حاجة ". وقال أبو بكر الجصاص: " وفي هذه الآية دلالةٌ على أن النساء مأمورات بلزوم البيوت، منهياتٌ عن الخروج ". أي أن كمالها في تفرغها لزوجها وأولادها، وفي الأثر: (( فأيّما امرأةٍ قعدت على بيت أولادها فهي معي في الجنة )) [ورد في الأثر] وورد في الأثر أن النبيّ عليه الصلاة والسلام وَصف المرأة التي تفرغت لأولادها بعد موت زوجها: (( فإذا امرأةٌ تنازعني تريد أن تدخل الجنة قبلي، قلت: من هذه يا جبريل ؟ قال: هي امرأةٌ مات زوجها، وترك لها أولاداً، فأبت الزواج من أجلهم )) ![]() حينما تقوم المرأة بواجبها تجاه زوجها وأولادها لا يعلم إلا الله المكانة الرفيعة التي تحتلها عند الله، والمرأة التي تعتني بزوجها وأولادها امرأة قديسة، فلو كنتَ طبيبًا، وأهملت المرضى، واشتغلت مثلاً بمطالعة الصحف والمجلات، حتى أتقنت هذا الموضوع، وأنت مرجع في هذا الموضوع، هل لك فضلٌ في هذا ؟ لا، أبداً، أنت أهملت وظيفتك الأساسية، وأهملت مرضاك، واشتغلت بعملٍ لا تتقنه، فحينما تخرج المرأة، وتُهمل زوجها وأولادها فقد تخلَّت عن وظيفتها الأساسية التي خُلقت لها. لكن بعضهم يقول: " هذا الأمر خاص بنساء النبيّ صلى الله عليه وسلم ، لقوله تعالى: ] وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُن[، والخطاب لنساء النبيّ صلى الله عليه وسلم . والإجابة عن هذا التساؤل سهلةٌ جداً، إذا كان نساء النبيّ e وهن العفيفات، المحصنات الطاهرات، قد أُمرن أن يقررن في بيوتهن فلأَن يكون هذا الأمر موجهاً إلى بقية نساء المؤمنين مِن بابٍ أولى، إذا قلنا للمتفوق: اجتهد، فلأن يكون هذا الأمر موجهاً إلى المقصّر فمِن بابٍ أولى، فحينما يوجه الأمر لنساء النبيّ فالأمر حُكماً موجهاً إلى بقية نساء المؤمنين، وهناك آيات أُخرى تشير إلى مثل هذا: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ ( سورة الأحزاب: آية "59 " ) والآية الأساسية التي يقول الله فيها: ﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ ﴾ ( سورة هود: آية " 112" ) والقاعدة، والحديث الشريف: (( … إِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ )) [مسلم عن أبي هريرة] إذاً: في هذه الآية دلالةٌ على أن النساء مأمورات بلزوم البيوت، منهياتٌ عن الخروج لغير حاجة، وقد صرح المفسرون بأن الأمر بالقرار في البيوت لجميع النساء قاطبة ً. وقال الإمام القرطبي في تفسير هذه الآية: " معنى هذه الآية، الأمر بلزوم البيت ". فرَّق بعض علماء النفس ووضحوا معنى الأُنوثة حينما تبقى في البيت فيكون لها رونق، أما إذا خرجت، وخالطت الرجال تَرَجَّلتْ، فإذا تَرَجَّلتْ فقدتْ أُنوثتها، وأجمل ما في المرأة أُنوثتها، أما إذا تَرَجَّلتْ، وتكلمت وأحدّت النظر، وعلَّقت، وتدخّلت في شؤون لا تعنيها فَقَدتْ أجمل ما فيها، وهي أُنوثتها. وقد ورد أنه من علامات قيام الساعة: " أن يُرفع الحياء من وجوه النساء، وأن تُرفع النخوة من رؤوس الرجال، وأن تُنتزع الرحمة من قلوب الأُمراء "، فلا رحمة في قلوب الأُمراء، ولا حياء في وجوه النساء، ولا نخوة في رؤوس الرجال. أيها الإخوة، هذا الأمر الإلهي لا يعني البقاء في البيت مطلقاً، لكن الأصل أن تبقى في البيت، ولها أن تخرج لحاجةٍ، والبقاء في البيت لا يعني عدم الخروج، لكن هناك نساء يعتقدن أن الأصل أن تخرج من البيت، هذا هو الخطأ، لكنها إذا خرجت، الآية تقول: ﴿ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى ﴾ والدليل أن الله سبحانه وتعالى أعفاها من صلاة الجماعة، ومن حضور الجُمَع، فلعظم الأمر بالإقرار في البيت أعفى الشرع الكريم المرأة من حضور الجُمَع والجماعات، فقد قال عليه الصلاة والسلام: (( من كان يؤمن بالله فعليه الجُمعة يوم الجمعة، إلا مريضاً، أو مسافراً، أو امرأةً أو صبياً أو مملوكاً، فمن استغنى بلهوٍ أو تجارةٍ، استغنى الله عنه، والله غنيٌ حميد )) [الدارقطني عن جابر] فصلاة الجمعة شيء مقدس جداً في حياة المسلم، والعبادة التي إذا تركها الإنسان ثلاثة مرات نكتت نُكتةٌ سوداءٌ في قلبه، وبعدها يكون الرّان، وهذه الصلاة كما تعلمون صلاة الجمعة شحن أسبوعي، وعندك شحن يومي، لكن الشحن اليومي مدته بين الصلاتين، تصلي الظهر تشحن إلى العصر، والعصر إلى المغرب، والمغرب إلى العِشاء، والعِشاء إلى الفجر، والفجر إلى الظهر، أما صلاة الجمعة فلأن فيها خطبةً فهي شحن أسبوعي، وأكثر إخواننا الكرام إذا حضروا صلاة جمعة، واستمعوا إلى الخطبة، وكانوا مخلصين في مجيئهم يتأثرون تأثرًا يمتد بهم أياماً عدة، فالخطبة شحن أسبوعي، والصلوات الخمس شحن يومي، والشحن الأسبوعي أطول أمداً، أما رمضان كونه ثلاثين يومًا فهو شحن سنوي، أما العبادات التي يشحن بها الإنسان إلى بقية عمره فهي الحج، فهو شحنةٌ إلى نهاية عمره، فكلما كان تركيز كبير، والمدة أطول يكون الشحن أطول، فالحج قد يكون أسابيع عديدة وسفر، وفيه تفرغ... إلخ. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُوَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ عَمَّتِهِ أُمِّ حُمَيْدٍ امْرَأَةِ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّهَا جَاءَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُحِبُّ الصَّلَاةَ مَعَكَ، فقال: (( قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكِ تُحِبِّينَ الصَّلاةَ مَعِي، وَصَلاتُكِ فِي بَيْتِكِ خَيْرٌ لَكِ مِنْ صَلاتِكِ فِي حُجْرَتِكِ، وَصَلاتُكِ فِي حُجْرَتِكِ خَيْرٌ مِنْ صَلاتِكِ فِي دَارِكِ، وَصَلاتُكِ فِي دَارِكِ خَيْرٌ لَكِ مِنْ صَلاتِكِ فِي مَسْجِدِ قَوْمِكِ، وَصَلاتُكِ فِي مَسْجِدِ قَوْمِكِ خَيْرٌ لَكِ مِنْ صَلاتِكِ فِي مَسْجِدِي )) [أحمد] معنى ذلك أن المرأة مأمورةٌ أن تقرَّ في البيت، لأنها إذا خرجت ربما فتنت، وربما أفسدت أو فسدت. مساوئ خروج المرأة من البيت ![]() بقي علينا أن نتنقل إلى أن المرأة إذا خرجت من البيت في الأعم الأغلب ينتشر الفساد إذا جعلت الأصل في خروجها من البيت، الأصل أن تخرج إذاً يعمُّ الفساد، والشيء الذي تعرفونه جميعاً هو أن الله سبحانه وتعالى أودع في كل طرفٍ محبة الطرف الثاني، لكن هذا الحب ينبغي أن يكون تحت مظلة الزواج، وينتهي إلى علاقة مباحة، والثمرة طيبة هي الأولاد، فهذا الحب الفطري يجب أن يغطى بنظام الزوجية، ونظام الزوجية يجب أن ينتهي إلى أولاد، وهم ثمرة هذا الحب، أما إذا كان هذا الحب الفطري الذي أودعه الله في الرجال وفي النساء على حدٍ سواء لم يكن تحت مظلة الزواج، فربما أدى هذا الأمر إلى الفساد، والفساد كما تعلمون إخراج الشيء عن طبيعته، فحينما تتعلق المرأة بغير زوجها ربما جرها هذا إلى ترك زوجها، أو إلى إهمال أولادها، وربما حمل هذا زوجها على تطليقها أو على إيقاع الأذى بها، فليس في منهج ربنا عزَّ وجل امرأةٌ تتعلق بغير زوجها، وليس في منهج ربنا عزَّ وجل رجلٌ يتعلق بغير امرأته، والدليل الأمر بغض البصر، والنهي عن الخلوة، والنهي عن الخروج من البيت. لست مبالغاً إذا قلت: إن ما تعانيه المجتمعات الغربية من الفساد هو بسبب الخروج من البيت. لي قريب يسكن في فرنسا في باريس، استيقظ ذات مرةً في الليل على أصوات عيارات نارية، ثم عرف في الصباح أن امرأة جاره تعمل موظفةً في شركة، وقد علِم الزوج أنَّ هناك علاقةً بين زوجته وبين مدير الشركة، بدافع فطرته أقدم على قتلها، وقتل أولادها اعتقاداً منه أن هؤلاء الأولاد ليسوا منه، فالفطرة أن الرجل لا يتحمل أن تكون لامرأته علاقةٌ برجل آخر، والمرأة أيضاً لا تتحمل أن ترى أن لزوجها علاقةً بامرأةً أخرى خارج نظام الزوجية، هذا الذي هو عليه منهج ربنا جلَّ جلاله. وأنا أرجو الله سبحانه وتعالى أن تعتقدوا معي أنك إذا نويت تفريغ زوجتك من العمل فالله سبحانه وتعالى إكراماً لحفاظك على شرعه يجلب لك من الرزق أضعاف ما تنتظر أن يأتيك من طريق زوجتك، ومعنى الآية الكريمة: ﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ ﴾ ( سورة النساء: آية "34 " ) القوامة لها تعليل، وتعليلها: ﴿ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ﴾ ( سورة النساء: آية "34 " ) إذا كنتَ أفضل منها علماً وورعاً وديناً، وأنفقتَ من مالك عليها ملكت قوامتها، فإذا كنت أقل منها ورعاً، وأقلّ منها علماً، وأنفقتْ هي عليك فقدت القوامة، وأساس القوامة التفضيل من جهةٍ، والإنفاق من جهةٍ أخرى، والتفضيل أن يكون لك القرار، فصاحب القرار أنت، لأن الزواج مؤسسة تحتاج إلى مدير، تحتاج إلى رئيس، تحتاج إلى من يتخذ القرار، هو يستشير، وهناك آية تؤكد الاستشارة. 3 - وجوب الاستئذان لدخول البيت الآن ننتقل إلى شيءٍ آخر من أساسيات الحفاظ على هذا البيت الزوجي، أولاً وجوب الاستئذان لدخول البيت، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ ( سورة النور ) حتى تستأنسوا، إنكم إن استأذنتم، وأذن لكم استأنستم، وأصحاب البيت إن أذِنوا استأنسوا، فالاستئناس يعود على الطرفين: ﴿ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ﴾ فعطف السبب على المسبِّب، لأن سبب الاستئناس هو السلام على أهلها، إذا استأذنت أهل البيت أنست أنت، وإن استأذنتهم أنسوا بك، فالاستئناس مشترك بينك وبينهم، وهذه عادة المسلم. أحياناً بعض إخواننا الكرام يلتقون مع أناساً غير منضبطين إسلامياً، يدخل رأساً إلى البيت من دون استئذان، وهذا من الجهل الفاضح من الإنسان، لا تدخل بيتاً قبل أن تستأذن: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ إنّ حكمة الاستئذان من أجل النظر، فإذا دخل الإنسان بلا استئذان ربما وقعت عينه على عورات أهل البيت، فحكمة الاستئذان من أجل ألاّ تقع العين على عورةٍ ينبغي ألاّ تُكشف، لذلك يجب على من يريد دخول البيت أن يستأذن، سواء أكان الباب مفتوحاً أو مغلقاً، لأن الشرع أغلق الباب بالتحريم، ولا يفتح إلا بالإذن، إذا كان باب مفتوحًا فليس معنى ذلك أن الدخول مسموح، ربما قد يكون مفتوحًا خطأً، والشرع أغلق الباب، وفتح هذا الباب بالإذن، فلو رأيته مفتوحاً فلا بدَّ من أن تستأذن. ![]() الاستئذان أيها الإخوة واجبٌ على كلِّ بالغٍ يريد الدخول، سواء أكان في البيت أمه أم أخته أم ابنته، إلا الزوج، فليس عليه أن يستأذن بالدخول، وليس في البيت إلا زوجته. الآن هناك بيوت كثيرة، فالإنسان عنده ابنته ووالدته وأخته وزوجته، إذا وجد في البيت أحد هؤلاء عدا الزوجة فينبغي أن تستأذن، وقد يكون عند الزوجة ضيفة، كأختها، إذاً الاستئذان هذا من أدب المسلم في علاقاته الاجتماعية، قال تعالى: ﴿ وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾ ( سورة النور: آية " 59 " ) ويروي الإمام مالك في الموطأ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: (( يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَسْتَأْذِنُ عَلَى أُمِّي، فَقَالَ: نَعَمْ، قَالَ الرَّجُلُ: إِنِّي مَعَهَا فِي الْبَيْتِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا، فَقَالَ الرَّجُلُ: إِنِّي خَادِمُهَا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا، أَتُحِبُّ أَنْ تَرَاهَا عُرْيَانَةً ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَاسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا )) قد يدخل الأخ على أخته، فإذا كانت الأخت تبدّل ثيابها فالمفروض ألاّ يراها أخوها، ينبغي أن يستأذن الأخ على أخته إذا دخل حجرتها، وأن تستأذن الأخت على أخيها إذا دخلت حجرته، وأن يستأذن الأب على ابنته إذا دخلت حجرتها، هذه آداب إسلامية لئلا يرى الإنسان ما لا ينبغي أن يراه، والحديث واضح جداً. هناك قصص نادرة عن علاقات شائنة بين الأخ وأخته، ربما كان السبب عدم تطبيق هذا الحكم، إذا وجدت حالات لا ترضي الأب، والأب يخرج من جلده حينما يستمع إليها، إذا كان هناك في البيوت بعض هذه الحالات فسببها عدم استئذان الأخ على أخته، أو عدم استئذان الأخت على أخيها، وإنما جعل الاستئذان من أجل النظر، حتى إن المرأة عليها أن تستأذن إذا دخلت، روى بن حاتم عن أم غياث قالت: << كنا في أربع نسوة نستأذن على عائشة رضي الله عنها، فقلت: ندخل ؟ قالت: لا، فقالت واحدة: السلام عليكم أندخل ؟ قالت: ادخلوا >>. فقالت السيدة عائشة لهذه المرأة المؤمنة: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ إذاً هذا سلوك حتى في بيتك، فالزوجة معفو عن الاستئذان منها فقط، أما الأم والأخت والبنت والعمة والخالة فهذه المحارم، لكن سوى المحارم لا نظر ولا لقاء. لقد أوجب الإسلام أيها الإخوة على المسلمين أن يستأذنوا إذا دخلوا على آبائهم في أوقاتٍ ثلاث، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ ﴾ ( سورة النور: آية " 58 " ) إنّ هذا واضح بشكل جلي ؛ أن الاستئذان من أجل ألاّ تقع عينك على عورةٍ لا يرضي الله أن تطلع عليها، وهذا ضروريٌ جداً في البيوت، والبيت المسلم بيت منضبط، وأضيف إلى هذا شيئاً أن لباس الأب والأم والشباب والفتيات في البيت يجب أن يكون منضبطاً، ولو كان الأخ مع أخته، فليس للأخت الحق أن تبدو أمام أخيها إلا بثياب الخدمة، التي وصفها الفقهاء بأنه الثوب الذي تخدم به المرأة بيتها، قد يكون نصف كُمٍّ فلا مانع، وأن يكون الصدر مستورًا، وتحت الركبة، هذه ثياب الخدمة، أما أن تتبذل المرأة أمام أولادها، أو الفتاة أمام إخوتها، أو الأخ أمام أخته فيلبس الثياب الداخلية، ويتجول بها في البيت، هذا لا يجوز أبداً، وهذا جزء من الدين، وإذا حدثَ فسادٌ يكون هذا هو السبب. الآن من آداب الاستئذان عدم الإلحاح لحصول الإذن، قال تعالى: ﴿ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَداً فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾ ( سورة النور ) قبل أن أتابع الموضوع قلت لكم سابقاً: ضباط الأمن الجنائي عندهم قاعدة عند وقوع جريمة، يقولون: فتّش عن المرأة في كل جريمة، وأنت عدِّل هذه القاعدة، فتّش عن المعصية عند كل مشكلة تطرأ في البيت، وما من مشكلةٍ تفاقمت أو ظهرت أو تفجرت إلا وراءها معصية لله عزَّ وجل، فإذا أردت أن تنجو من المتاعب فعليك بطاعة الله عزَّ وجل. عدم الإلحاح لحصول الإذن والاقتصار على الإذن ثلاثًا الآن الحكم عدم الإلحاح بحصول الإذن، قال تعالى: ﴿ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَداً فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾ ( سورة النور ) أحيانا يتصل بالهاتف ـ ويقول له: أنا سآتي إليك، فتجيبه بانشغالك بموعد، فيغضب المتصل، فلماذا أخبرَ بقدومه إذاً ؟ أنت الآن تستأذنه في الزيارة، وهو على موعد، قال لك: أنا على موعد، فهل ينبغي أن تغضب ؟ استأذنت، وقيل لك: لا تدخل الآن، فقد يكون الإنسان يقوم بتغيير ملابسه، فلا تدخل، فمن لوازم أدب الإذن، أنه إذا لم يؤذن لك فلا ينبغي أن تغضب، وإلا لم يكن للإذن معنى، كأنها كلمة يقولها رفعًا ودفعاً للعتب، لو لم يؤذن لك فأنت كونك مسلمًا ![]() ينبغي ألاّ تغضب، فلذلك الإلحاح في الإذن غير وارد، استأذِن، فإن أُذن فادخل، وإن لم يؤذن فلا تدخل. أحياناً هذا شيء يحدث، تطرق الباب بشكلٍ ملِحّ، قال الفقهاء: " كان أصحاب النَّبي e يستأذنون بأظافرهم على باب رسول الله "، فلماذا الطرق بإلحاح على باب أخيك، لعله يصلي، يجب أن تنتظر صلاة أربع ركعات، لعل أخاك وحده في البيت، واستأذنت أنت بقرع الجرس، وبعد أن قال صاحب البيت: الله أكبر، ليصلي صلاة الظهر أربع ركعات طرقتَ الباب، وإذا كان الطرق مستمرًا شوّشتَ عليه صلاته، فالأدب يعلمنا أنه ينبغي أن تنتظر مقدار صلاة أربع ركعات، طبعاً لا يقرأ سورة البقرة فيها، بل سورة عادية، فإذا طرقت مرة ثانية بعد الأربع ركعات، أو ثالثة، فلا مانع، لكن بعض الأشخاص مولعون في متابعة في الاستئذان عن طريق قرع الجرس، وهذا مخالف للشرع. روى الإمام مسلم عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلَّم يقول: (( الاسْتِئْذَانُ ثَلَاثٌ، فَإِنْ أُذِنَ لَكَ، وَإِلّا فَارْجِعْ )) [مسلم] ويقول الإمام مالك: " الاستئذان ثلاث، لا أحب أن يزيد أحدٌ عليها، إلا من علم أنه لم يسمع، فلا أرى بأساً أن يزيد إذا استيقن أنه لم يسمع " أحيانا يكون البيت واسعًا، وأنت تعلم خبايا البيت، وقد غلب على ظنك أن أهل البيت لم يسمعوا، في هذه الحالة لك أن تزيد في الإذن. حصول الإذن مع وجود مانع الدخول الآن عندنا حالات، لو أنه أذن لك ينبغي ألاّ تدخل، طرقتَ باب صديقك، سألت عنه، قيل لك: ليس موجوداً، فتقول لك امرأته: تفضَّل، انتظره، سيأتي بعد قليل، وهي قد أذنتْ لك، أنت لا يحق لك أن تدخل ولو أذِنتْ لك. عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا كَانَ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ )) فقد حرَّمت الشريعة الغراء أن يدخل أحدٌ البيت على امرأةٍ ليس معها ذو محرم. أحياناً يكون الرجل وحده في البيت، وتأتي أخت زوجته من مكان بعيد، فقل لها: والله ليست هنا، ولا تستحي من الحق، أما أن تقول لها: تفضلي، وأنتَ وحدك معها فهذه خلوة محرَّمة، فإذا أردت أن تكرمها فاخرجْ من البيت، وقل لها: تفضلي، يمكن أن تفعل هذا إذا جاءت من مسافة بعيدة جداً، قل لها: انتظري، وارتدِ أنتَ ثيابك، واخرج من البيت، وادعها لدخول البيت، إذا كان هناك قرابة وثقة، أما أن تقول لها: تفضلي، أو أن تقول لصديق زوجها: تفضل فلا، ولو أذن ينبغي ألاّ تدخل، ولا يحق لك، وهذا من الكبائر. فقد روى الإمام البخاري عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَرَأَيْتَ الْحَمْوَ ؟ قَالَ: الْحَمْوُ الْمَوْتُ )) فالحمو أقرباء الزوج، فلو ذهب إلى بيت أخيه فلم يجد أخاه، فليس له الحق أن يدخل إطلاقاً. وقد بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام علَّة تحريم الخلوة بامرأةٍ أجنبية، فليست الأجنبية هي التي معها جنسية أجنبية، فأخت زوجتك أجنبية، كلمة أجنبية في الفقه لا تعني أنها غير مسلمة، هي امرأة مسلمة، أخت زوجتك، الزوجة أخو زوجها، هذا أجنبي عليك. في مسند أحمد عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلا يَخْلُوَنَّ بِامْرَأَةٍ لَيْسَ مَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا، فَإِنَّ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ )) [احمد] فالنبي عليه الصلاة والسلام ربط الإيمان مع هذا العمل، فإذا كنت مؤمناً افعل هكذا، وإن لم تفعل فلست مؤمناً. إذا أردت أن تذهب إلى إنسان يعمل في الأمن الجنائي، وسألته عن مئة حالة جريمة أخلاقية، أو خيانة زوجية، أو تشرد، أو طلاق تعسفي، وتتبعت هذا الحالات لرأيت العجب العُجاب، كل هذه الحالات أساسها مخالفة هذه الأحكام، هذه الأحكام من عند خالق الكون، من عند صانع هذا الإنسان، هذه تعليمات الصانع، وأنت دائماً تحترم تعليمات الصانع. قال الإمام الشوكاني: " وعلَّة التحريم ما في الحديث، من كون الشيطان ثالثهما، وحضوره يوقعهم في المعصية ". وهنا نقطة ذكرتها كثيراً، وهي تحل آلاف المشكلات، إذا خلا الإنسان بامرأةٍ أجنبيةٍ يفرز الدماغ أحياناً مادة تعطل فيها محاكمته، مشكلة الخلوة بامرأة أجنبية كبيرة جدا، فهذه المعصية تجذب، فأنت لست منهياً عن مقارفتها، بل أنت منهيٌ عن مقاربتها، قال تعالى: ﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا ﴾ ( سورة الإسراء: آية " 32 " ) لو أنّ إنسانًا خطا أول خطوة فلا بد من أن يصل إلى آخر خطوة، كالصخرة المتمركزة في رأس جبل، إذا دفعتها لا تستقر إلا في قعر الوادي، فلذلك أمور النساء أمور دقيقة جداً، كما قال عليه الصلاة والسلام: (( النساء حبائل الشيطان )) [المنذري في الترغيب والترهيب عن حذيفة بسند ضعيف] وقد ورد أن إبليس طلاعٌ رصّاد، وما هو من فخوخه بأوثق لصيده في الرجل من النساء، فهي حبلٌ خطير من حبائل الشيطان، فعلى الإنسان المؤمن أن يتقي الله. عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ، فَاتَّقُوا الدُّنْيَا، وَاتَّقُوا النِّسَاءَ، فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِي النِّسَاءِ )) [مسلم] سيدنا عمر بن عبد العزيز يقول لميمون بن مهران: " لا تخلون بامرأةٍ وإنْ قلتَ: أعلِّمها القرآن "، فهل هناك أبلغ من ذلك، ولو قلت: أعلِّمها القرآن. تحريم النظر على بيوت الغير من لوازم هذا الموضوع، تحريم النظر إلى بيت الغير، ولا سيما هذه البيوت المتداخلة المتقاربة، فتجد بيتًا أمامه بيتٌ آخر، فبالليل أحياناً تفتح النوافذ، ويكون هناك تساهل، فمحرمٌ تحريماً قطعياً أن تنظر إلى داخل بيتٍ، وهذا بالطبع من لوازم غض البصر، وغض البصر كما تعلمون عبادة الإخلاص، وهذه العبادة لا تحرّمها القوانين، لكن يحرّمها خالق الكون، فحينما تغض النظر تؤكد لنفسك أنك تخاف الله عزَّ وجل، وتبتغي رضوانه. يروي الإمام مسلم عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه: (( أَنَّ رَجُلا اطَّلَعَ مِنْ جُحْرٍ فِي بَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِدْرًى يُرَجِّلُ بِهِ رَأْسَهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَوْ أَعْلَمُ أَنَّكَ تَنْظُرُ طَعَنْتُ بِهِ فِي عَيْنِكَ، إِنَّمَا جَعَلَ اللَّهُ الإِذْنَ مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ )) [مسلم] ![]() فلو أن إنسانًا يتلصص على جاره، أو ينظر من ثقب باب، أو يستعمل منظارًا، وهناك من يعلم هذا ليطلع على عورات البيوت، يجلس في الشرفات لينظر إلى البيوت التي دونه في النظر، يصعد إلى السطوح ليرى خبايا البيوت، هذا إنسان يرتكب عملاً يوجب أن تقلع عينه. ويقول الإمام النووي في شرح هذا الحديث، (( إنما جعل الإذن من أجل البصر )) فأنت ألغيت الإذن كله، إذاً النظر من ثقب باب، أو من نافذة مفتوحة، أو من شرفة، أو من سطح، أو بمنظار، هذا كله محرَّم تحريمًا قطعيًّا، وبالطبع ليس معنى ذلك أن تفقع عينيه، هذا إرشاد إلى إن هذا الجرم كبير جداً، وفي بعض أحاديث شريفة النبي صلى الله عليه وسلم ما فعلها، ولن يفعلها، لكن هذا أسلوب بلاغي في عِظم هذه الجريمة، إنسان يتلصص، يسترق النظر ليرى عورات المسلمين !! هذا الذي حرمه الشرع الحنيف. وقد ورد عن النبي صلّى الله عليه وسلّم كما روى الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قَالَ: (( مَنِ اطَّلَعَ فِي بَيْتِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ فَقَدْ حَلَّ لَهُمْ أَنْ يَفْقَئُوا عَيْنَهُ )) كما قلت قبل قليل: هذا الحكم لبيان عظم هذه الجريمة، فالمؤمن سمته حسن، المؤمن تعرفه بسمته، فعنده خشية وحياء، والله أعرف إخوة ورعين جداً، فإذا كان بالمصعد امرأة تعدُّ خلوة انتظر حتى تصعد، ويصعد هو وحده، وهذا بالطبع من الورع، لذلك كان تحريم اللعب بالحمَام من هذا الباب. روى الإمام أبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يتبع حمامةً، فقال: ![]() (( شَيْطَانٌ يَتْبَعُ شَيْطَانَةً )) [أبو داود] من أين يتبع ؟ من على السطح، فهذا العمل أي البقاء على السطح مظنة كشف العورات، لذلك تحريم هذه الهواية لئلا يتوصَّل بها إلى الإطلاع على عورات المسلمين، هذا من لوازم الاستئذان. إن القاضي شُريحًا لا يجيز شهادة صاحب حمامٍ. ويقول الإمام ابن القيم: " يُمنَع اللاعبون بالحمام على رؤوس الناس "، أي يجب أن يقرَّعوا على رؤوس الناس، طبعاً هذه هواية محرمة في الشرع، لأنها مظنة استطلاع على عورات البيوت. وإن شاء الله تعالى ننتقل في درسٍ قادم إلى الآداب التي يجب على المرأة أن تتبعها، والتي تجب على الرجل أن يتبعها كي يحفظ لهذا البيت قدسيته، نحن الآن في موضوع استمرار الزواج، تزوجنا بقي الاستمرار، فالتساهل في هذه الأمور قد يفسد هذه العلاقة الزوجية. وأرجو الله سبحانه وتعالى، وأنا كلّي ظن حسن أنه لا يوجد مؤمن إلا وبالفطرة يكشف هذه الحقائق، فإيمان المؤمن وسلامة قلبه تحمله على اتباع هذه النصائح، ولو لم يعلم بها قد يكتشفها بفطرته. ســؤال وجواب: السـؤال: هل يمكن الاستئذان على الزوجة كي لا تخاف ؟ الجـواب: ذلك صحيح، فأنت مباح لك أن ترى من امرأتك كل شيء، ولكن لماذا تستأذن عليها في الدخول ؟ إذا جئت في وقت غير وقتك، أو رجعت الساعة الثامنة والنصف لنسيانك غرضًا ما، ففتحت الباب بنعومة، ودخلت إلى البيت، وهي مستلقية على الفراش، فوجدتْ شخصًا أمامها، فحتى تعرف أنك أنت زوجها تنفلج، هذه ملاحظة دقيقة، الاستئذان على الزوجة لئلا تخاف هذا لم يدخل في موضوع الفساد، ولكن دخل في موضوع ألاّ تخاف. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#17 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم
الفقه الاسلامي - العلاقات الاسرية الدرس ( الخامس عشر) الزواج - الأدب التي تراعيه المرأة للحفاظ على العلاقة الزوجية . الحمد لله رب العلمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. الآداب التي يجب على المرأة أن تراعيها حفاظاً على العلاقة الزوجية أيها الإخوة المؤمنون، مع الدرس الخامس عشر من دروس الأسرة التي بدأناها قبل عدة أسابيع، وها نحن ننتقل إلى الآداب التي يجب على المرأة أن تراعيها حفاظاً على العلاقة الزوجية. 1 – عدمُ سماح المرأة لخلوة الأجنبي بها ![]() البند الأول من هذه الآداب: ألاّ تسمح المرأة لأجنبيٍ أن يخلو بها لأيّ سببٍ كان، وفي أي ظرف، فلمجرد أن تسمح المرأة المسلمة لأجنبيٍ أن يخلو بها في أيّ مكانٍ وفي أيّ زمانٍ ولأيّ ظرفٍ وفي أيّ وضعٍ فهذا ربما قادها إلى أن تزلّ قدمها، هذا هو التدبير الذي يحترز به من أن تفسد العلاقة بين الزوجين. 2 – الكلام مع أجنبي من وراء حجاب شيءٌ آخر، لو أن إنسانًا سألها، أو طلب منها بعض المعلومات، قال تعالى: ﴿ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ﴾ ( سورة الأحزاب: آية " 53 " ) أي إذا أرادت لضرورةٍ أن تدلي ببعض المعلومات، ينبغي أن يكون هذا الإدلاء من وراء حجاب. أول بند: ينبغي ألا تخلو بأجنبي مهما كان السبب ومهما كان الظرف. البند الثاني: لو أرادت لضرورةٍ قاهرة أن تدلي ببعض المعلومات، أو أن تسأل فينبغي أن يكون هذا من وراء حجاب، لقول الله عزَّ وجل: ﴿ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ﴾ ( سورة الأحزاب: آية " 53 " ) شيءٌ آخر.. هذا الحكم دائماً هناك من يقول: إن هذا الأمر موجهٌ لنساء النبي صلى الله عليه وسلم : ﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ﴾ ( سورة الأحزاب: آية " 33 " ) هو موجهٌ لنساء النبي صلى الله عليه وسلم ، وأيّ أمرٍ موجهٌ لنساء النبي صلى الله عليه وسلم ينسحب قطعاً، وبالتأكيد على نساء المؤمنين، لأن العفيفات الطاهرات المصونات المحصنات اللاتي هن أمهات المؤمنين إذا أُمِرن أن يقررن في بيوتهن، وإذا أُمِرن أن يفعلن كذا وكذا، فنساء المؤمنين في هذا الحكم من بابٍ أولى، أيْ يطبَّق عليهم هذا الحكم من بابٍ أولى، كأن إذا قلنا للطالب الأول: اجتهد، فلأن ينسحب هذا الحكم على الطالب المقصر من بابٍ أولى. 3 – عدم إبداء الزينة إلا للمحارم البند الثالث: عدم إبداء الزينة، فبيوتاتٌ مسلمين بعضها مع شديد الأسف لا تتورع المرأة من أن تظهر محاسنها أمام الأجنبي، يطرق الباب فتفتح الباب، وهذا الطارق لعلّه ليس قريباً، ولا من المحارم، فكيف تبدو المرأة أمامه هكذا بلا حيطة ؟ فلذلك عدم إبداء الزينة لغير المحارم، أما إذا أمكن للأجنبي أن يرى المرأة إذا طرق الباب فليس للاستئذان معنى إطلاقاً، وإنما جُعل الاستئذان من أجل البصر. أول شيء: ألا تسمح لأجنبي أن يخلو بها مهما كان السبب. الشيء الثاني: لو اضطرت أن تدلي بمعلومات فيجب أن يكون هذا من وراء حجاب: ﴿ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ﴾ ( سورة الأحزاب: آية " 53 " ) والشيء الثالث: أن تحرص حرصاً بالغاً على ألا يراها أجنبي، وهذا من إيمانها، ومن ورعها، أما إذا تساهلت فهذا رقةٌ في دينها. 4 - عدم الخضوع بالقول لكن الشيء الذي ينبغي أن تراعيه المرأة هو عدم الخضوع بالقول، قال تعالى: ﴿ يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾ ( سورة الأحزاب: آية " 32 " ) قبل سنواتٍ تزيدُ على العشر سمعت أنَّ امرأةً وقفت أمام بائع، وساومته على سلعةٍ، ويبدو أنها لجهلها بهذا الحكم الشرعي خضعت بالقول، وألانت له الكلام، قالت له: نحن جيرانك، ألا تراعينا ؟ قال لها: أين بيتكم ؟ قالت له: هنا بيتنا، من أجل أن تخفِّض من قيمة هذه الحاجة ألانت له القول، فلما ألانت له القول طمع الذي في قلبه مرض، لأن أيّ حركة غير طبيعية، أو أي طريقة في الكلام غير طبيعية فهذه كأنها دعوةٌ للأجنبي أنْ يقارب هذه المرأة، فامرأةٌ جاهلة، وهي تساوم في شراء حاجة ألانت القول، وإلانة القول خضوعٌ لهذا الرجل في تنفيذ رغبته، انظروا إلى دقة الآية، إلانة القول عبّر عنها القرآن بالخضوع، لمّا ألانت له القول كأنها خضعت لرغبته، أو كأنها أشعرته أنها خاضعةٌ لغربته، فما كان من هذا الرجل صاحب المحل التجاري بعد قليل إلا طرق بيتها، ووضع رجله في الباب، واقتحم البيت، لأنه طمع بها، هي ما خطر في بالها أبداً أن إلانة القول ستقوده إلى أن يأتي إلى البيت، زوجها له محلٌ تجاري قريبٌ من البيت، فأرسلت أحد أولادها إلى أبيه تستنجده، فلم يتروَّ الأب، ولم يفقه حقيقة الأمر، جاء معه الشرطة، وضبط رجلاً في بيتٍ مع امرأته، وطلقها، وله منها خمسة أولاد، والقصة علِمتها من زوجها، وقال لي: ماذا أفعل ؟ انظر، طلاق، وخمسة أولادٍ شردوا، وزوجها لا يشكُ في امرأته أبداً، والدليل أنها استنجدت به، وهي في أكمل ثيابها، إلا أن خضوعها بالقول جعل هذا الرجل يطمع فيها، انظروا إلى دقة الآية، فأيّة كلمةٍ مع البائع فيها لين، كأن تقول له: قلبك قاسٍ علينا، لا تراعينا، ولا كلمة من هذا القبيل، تسأله: كم سعر هذه الحاجة، فإما أن تشتري، وإما أن تذهب، هذه المرأة المسلمة، لأن الكلام الجاد لا يمكن أن يوحي للرجل بأي معنى، الكلام الجاد، والكلمة الدقيقة لا توحي للرجل بأيّ معنى، يؤكد هذا المعنى أن بنت سيدنا شعيب عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام قالت: ﴿ فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ ( سورة القصص: آية " 25 " ) وانتهى الأمر، ولو أنها قالت: إن أبي يدعوك، يقول لها: من أبوك ؟ وما المناسبة ؟ فيحدث حوار بينهما، ولكنها أعطته الكلام كله، أعطته كلاماً لا يحتاج إلى تفسير، ( إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا )، وهو حينما خاطبها ماذا قال ؟ قال كلمةً موجزةً لا تحتمل كلمة ثانية: ﴿ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا ﴾ ( القصص: آية رقم " 23 " ) فأيّ كلامٍ آخر فيه مودة، وفيه إلانة بالقول لا يجوز، فإذا كانت المرأة مأمورة ألا تخضع بالقول لئلا يطمع الذي في قلبه مرضٌ، فالشاب المؤمن والرجل المسلم أيضاً لا يلين القول للمرأة، كما أنها منهيةٌ على أن تخضع بالقول، هو أيضاً منهيٌ عن أن يلين لها القول، الكلام اللطيف الكلام الذي فيه عذوبة، هذا الكلام للزوجة وللمحارم، والمودة والابتسامة والاعتذار اللطيف، هذا كله لو كان بين النساء والرجال دون أن يكون بينهما علاقات الزواج أو علاقات الحرمة، هذا الكلام يؤدي إلى فسادٍ عظيم، والفتاة أحياناً تكون ساذجة، فيلين قلبها لكلمة لينة، وتخضع لها، وكلمةٌ لينةٌ منها تغري الرجل أن يصل إليها، فهذه الآية دقيقة جداً: ﴿ يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً ﴾ ( سورة الأحزاب: آية " 32 " ) الحقيقة أن المرأة في نوع ثيابها وشكله، وحركاتها وسكناتها وكلامها وإشاراتها كلها يجب أن تكون مضبوطةً بالشرع الحنيف، وإلا ففي أيّ خروجٍ عن الوضع الجاد دلّ هذا الخروج على أنها راغبةٌ في الرجال، أي أن المرأة التي تتبذل في ثيابها، وتسمع كلاماً قاسياً أو تعليقات لاذعةً من الأجانب في الطريق هي السبب، ثيابها ومشيتها، وحركاتها وسكناتها تدعو الأجنبي إلى متابعتها، لذلك المرأة المسلمة المحتشمة المحجبة هذه المرأة لا يطمع فيها أحدٌ أبداً: ﴿ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ ( سورة الأحزاب: آية " 59 " ) ![]() إذا خرجت المرأة كما أرادها الله أن تخرج فلن تؤذى، من التي تؤذى ؟ هي التي تدعو الناس أن يؤذوها بثيابها، بتفلتها بميوعتها، بخضوعها بالقول، لذلك الأب مسؤول مسؤوليةً كبيرةً، وكذلك الأم عن تربية بناتها التربية الإسلامية، فإذا خرجت من البيت لضرورةٍ فلا يمكن أن يطمع فيها أحد، لحشمتها وجديتها وانضباطها بقواعد الشرع، قال تعالى: ﴿ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً ﴾ ( سورة الأحزاب ) القول الذي لا يعني شيئاً آخر غير مضمون القول، أي السؤال والجواب، وبالمناسبة إذا عُرِض للإنسان عملان، عمل متعلق بالنساء، وعمل متعلق بالرجال، إذا خُيِّر بين أن يبيع ألبسةً نسائيةً وأن يبيع ألبسةً رجالية كما يقولون فأنا أنصح أن يختص الإنسان بالألبسة الرجالية، لأنه أطهر لقلبه، وأبعد له عن الفتن، والمصالح المتعلقة بالنساء في آخر الزمان مع تفلُّت النساء من قواعد الشرع، ومع إبداء الزينة للأجنبي، ومع ثيابهن الفاضحة، تصبح هذه المصالح المتعلقة بالنساء أقرب إلى الفتنة، وأقرب إلى المعصية منها إلى الطاعة، فإذا خاف الإنسان على دينه وهو يحرص عليه، إذا خُيِّر بين عملين، عمل متعلق بالنساء، وعمل متعلق بشيء آخر فليختر العمل الآخر، ولو كان دخله أقلَّ، حفاظاً علي دينه: (( ابن عمر، دِينَك دينَك، إنه لحمك ودمك )) فقلما تجد إنسانًا يتعامل مع النساء يومياً، مع النساء الكاسيات العاريات المائلات المميلات، يتعامل بشكل مباشر، قلّما تجده محافظاً على وجهته لله عزَّ وجل، لأنه يقع في المخالفات دائماً، ولا سيما حينما يغلب على النساء التفلت من قواعد الشرع، حينما يغلب عليهن التبذل، حينما يغلب عليهن أنهن يُثرن شهوة الرجل، ويبدين زينتهن لغير محارمهم. إنّ هذا أيضاً مما تُكَلَّف به المرأة المسلمة من أجل أن تحافظ على هذا الزواج المقدس الذي هو أقدس عقدٍ بين مسلمين. أول شيء: ألا تسمح المرأة لأجنبيٍ أن يخلو بها، وهذا شيء واضح جداً كالشمس، لكن من باب التأكيد على كلمة ( أجنبي ) في موضوعنا، فهي لا تعني أنه غير عربي، أو غير سوري، إنه أيّ إنسان ليس أبًا للمرأة، ولا أخاها، ولا ابنها، ولا عمها، ولا خالها، ولا ابن أخيها، ولا ابن أختها، ولا زوجها، غير هؤلاء الرجال هو في حقّها أجنبي، ابن عمها أجنبي، وابن خالتها أجنبي، وابن عمتها أجنبي، وجارها أجنبي، فالأجنبي في هذا الموضوع كل إنسان ليس أحد محارمها، ليس زوجها، وليس أحد محارمها، فالمرأة المسلمة لا تسمح لأجنبيٍ كائناً من كان، في أي ظرفٍ، وفي أيّ مناسبةٍ أن يخلو بها، هذه واحدة. الشيء الثاني: ألا تبدي زينتها لغير محارمها وفق ما أمر الشارع الحكيم، وبالطبع الزوج له وضع خاص، لكن ما سوى الزوج يجب أن تبدو أمام محارمها النسبيين بثياب الخدمة، وثياب الخدمة كما تعرفون هو الثوب الذي يستر صدرها، ويستر عضدها، وتحت ركبتها، هذه الثياب مسموح لها أن تبدو بها أمام محارمها غير زوجها. 5 – تحريم وصف المرأة للمرأة أمام زوجها الآن تحريم وصف المرأة للمرأة عند زوجها: لأن المرأة إذا وصفت المرأة أمام زوجها فكأنه يراها، فما قيمة الحجاب إذاً ؟ وما قيمة التستر إذاً، فالآية الكريمة: ﴿ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آَبَائِهِنَّ أَوْ آَبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ ﴾ ( سورة النور: آية " 31 " ) إلا أن ابن البعل، أي ابن الزوج ينبغي ألاّ يخلو بها، ووالد الزوجة ووالد الزوج ينبغي ألا يخلوَا بها، هذا حكمٌ شرعيٌ نجده في كتب الفقه، ولا سيما في الفقه الحنفي، فلا يجوز الخلوة ب زوجة الابن الشابة، ولا أن تخلو المرأة بابن زوجها إذا كان مقارباً لسنها، لأن هناك مفاسد كبيرة تنشأ عن ذلك، معنى ذلك أن المحارم ثلاثة أصناف، الزوج له حكم خاص، ومحارم النسب لهم حكمٌ خاص، ومحارم المصاهرة لهم حكمٌ خاص، يقول عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام بخاري عن عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه قال، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( لا تُبَاشِرُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ فَتَنْعَتَهَا لِزَوْجِهَا كَأَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا )) [البخاري] فأحياناً، وهذا الذي أسمعه أنه ولا سيما في أثناء خطبة النساء، فيقول لها: صِفِيها لي، هو مكلف أن يخطب لشخص، فتنساق معه، وتصفها له، إذا قال لها: المستوى جيد، تكفي هذه الكلمة، أما التفاصيل فلا ينبغي أن يدخل فيها، جيدة، وسط، أما أنه يطالب الرجل الأجنبي عن امرأةٍ بوصف دقيقٍ عن امرأةٍ فيجب ألاّ ترضى الزوجة أن تصف له هذه المرأة، والأصل ينبغي أن لا يطلب الزوج هذا الوصف، لأن الوصف أيضاً كأنه مشاهدة. إنّ الإسلام كله أدب، أساساً الرجل يعرف المسلم من آدابه، فالإسلام فيه عقائد، وفيه عبادات، وفيه معاملات، وفيه أخلاق، وفيه آداب، فخمْس هذا الدين آداب ؛ آداب الطعام والشراب، وآداب المجالس، آداب الطريق، آداب السفر، آداب الولائم، في كل مناسبة هناك آداب، فلا ينبغي للرجل أن يسأل امرأته أن تصف له امرأةً أخرى تحت طائلة المعصية، ولا ينبغي للمرأة أيضاً أن تصف لزوجها المرأة دون أن يطلب منها، تحت طائلة الوقوع في المعصية، يقول عليه الصلاة والسلام: ((لا تُبَاشِرُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ فَتَنْعَتَهَا لِزَوْجِهَا كَأَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا )) وهذا التحريم من قِبل النبي عله الصلاة والسلام كما قال بعض العلماء: هو " من باب سد الذرائع إلى الفساد والافتتان بالوصف ". ومن قبيل ذلك أحياناً أقرأ بطاقات دعوة عقد قران، فيلفت نظري أن هذه البطاقة ليس فيها آية كريمة، فأنا أعجب بهذه البطاقة، لماذا ؟ لأنك عندما تريد أن تستغني عنها يكون إتلافها سهلاً، أما إذا كان فيها آية كريمة يصبح فيها حرج شديد، وكنتَ مضطرا أن تحرقها، أو أن تقصها، فأما إذا كان لم يكن فيها آية كريمة فمن الممكن أن تكون دعوة لطيفة ورقيقة من دون آية كريمة، فالآية معروفة. أيضاً يلفت نظري في بطاقات عقد القران يكتب على البطاقة: " كريمة فلان "، من دون اسم، لكن الاسم أحياناً يلفت النظر، فبعض الأسماء جمالية، فإذا كتبت فقد يتصور الإنسان أن صاحبة هذا الاسم كذا وكذا، والأولى أن يغفل الاسم، والسبب أن القرآن الكريم لم يذكر اسم امرأةً واحدة إلا السيدة مريم، لأنه قيل عن عيسى: إنه ابن الله، فقال الله: إنه عيسى بن مريم، واقرؤوا القرآن كلُّه من ألفه إلى يائه فلن تجدوا اسم امرأة واحدة، هذا استنباط، فإذا زوج الإنسان ابنته فليكتب في البطاقة: عقد قران الشاب الفلاني على كريمة فلان، وانتهى الأمر، وهذا أكمل، وهو من باب الآداب طبعاً. 6 – خروج المرأة من البيت لحاجة وضرورة الآن مغادرة المرأة المنزل، الله عزَّ وجل قال: ﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ﴾ ( سورة الأحزاب: آية " 33 " ) أما الذي يقول: " إن المرأة تخرج من بطن أمها إلى البيت، ومن بيت أبيها إلى بيت زوجها، ومن بيت زوجها إلى القبر " فهذا كلام غير منطقي، وغير معقول، وغير مقبول، وليس له أساس من الصحة، إنها ثلاثة خرجات بالتعبير الدارج، إلى بيت زوجها، ومن بيت زوجها إلى القبر، لا، فقد قال تعالى: ﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى ﴾ ( سورة الأحزاب: آية " 33 " ) معنى ذلك: إذا خرجتن لضرورةٍ فلا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى، إذاً مباحٌ للمرأة أن تخرج من البيت، لكن لحاجة، أما بلا سبب فلا يجوز، أما إذا تجول الإنسان في الطرقات للتسلية، ولو فعلها رجل أساساً فالتنزه في الطرقات مما يجرح العدالة، فإذا أراد الرجل أن يتنزه في الطرقات، وأن يرى الغاديات الرائحات، فقد جرحت عدالته، ولم تقبل شهادته، فكيف بالمرأة التي هي موطن فتنةٍ ؟ فخروج المرأة من المنزل ينبغي أن يكون لحاجة، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((الْمَرْأَةُ عَوْرَةٌ، فَإِذَا خَرَجَتِ اسْتَشْرَفَهَا الشَّيْطَانُ )) ( سنن الترمذي ) أي أن الشيطان وجد في خروجها مناسبةً لإيقاع الفتنة بها، وإن الشيطان يرى المرأة إذا خرجت من بيتها شبكةً يصطاد بها الرجال، والمرأة كما قال عليه الصلاة والسلام: ((النساء حبائل الشيطان )) فالشيطان واثقٌ جداً من هذا الفخ الذي لا يخطئ، فالمرأة المسلمة لا تخرج من غير ضرورة، أما إذا خرجت: ﴿ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى ﴾ ( سورة الأحزاب: آية " 33 " ) وإذا خرجت إلى الطريق لإظهار حسنها وقِوامها وثيابها فهذه عاصية ولا شك، أما إذا خرجت إلى بيت أبيها، أو إلى بيت أختها، أو لشراء حاجتها الضرورية، فهذا خروج مشروع، والله يعلم المفسد من المصلح، ويعلم حقيقة نفس كل إنساناً. وقد ورد في صحيح البخاري عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: (( خَرَجَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ لَيْلا، فَرَآهَا عُمَرُ فَعَرَفَهَا، فَقَالَ: إِنَّكِ وَاللَّهِ يَا سَوْدَةُ مَا تَخْفَيْنَ عَلَيْنَا، فَرَجَعَتْ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ، وَهُوَ فِي حُجْرَتِي يَتَعَشَّى، وَإِنَّ فِي يَدِهِ لَعَرْقًا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَرُفِعَ عَنْهُ، وَهُوَ يَقُولُ: قَدْ أَذِنَ اللَّهُ لَكُنَّ أَنْ تَخْرُجْنَ لِحَوَائِجِكُنَّ )) إذاً: ﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ ﴾ ( سورة الأحزاب: آية " 33 " ) ولا تبرجن إذا خرجتن، فالنبي عليه الصلاة والسلام وهو المشرّع أذن للمرأة المسلمة أن تخرج لحاجتها، قال أحد العلماء: " في هذا الحديث دليلٌ على أن النساء يخرجن لكل ما أبيح الخروج فيه، من زيارة الآباء والأمهات، وذوي المحارم، وغير ذلك مما تمسّ الحاجة إليه ". حضور النساء الصلاة ودروس العلم في المسجد أما حضورهن في المساجد، فروى الإمام البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: (( إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيُصَلِّي الصُّبْحَ فَيَنْصَرِفُ النِّسَاءُ مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ مَا يُعْرَفْنَ مِنَ الْغَلَسِ )) معنى ذلك أن الصحابيات الجليلات كن يذهبن إلى المسجد، والنبي عليه الصلاة والسلام أقرّهنّ على ذلك، ونحن من فضل الله وتوفيقه يوجد عندنا قسم للنساء، وهو مجهز بكل وسائل الراحة، وله مدخل بعيد، فقد زارنا أحد الإخوة العلماء في المسجد، وأعجب بمصلى النساء، قال: ما الذي يمنع أن يفتح هذا في الخطبة الأولى ؟ قلت له لا مانع، طبعاً المرأة لا يجب عليها أن تحضر خطبة الجمعة، فهل هي ممنوعةٌ من ذلك ؟ لا، أحياناً يأتي الأخ من ريف دمشق إلى دمشق يوم الجمعة ليحضر الخطبة، ومعه زوجته، يريد أن يأخذها إلى بيت أهلها، أو إلى مكان في دمشق، فإذا حضر مع زوجته فبإمكانها أن تصلي، أو أن تستمع إلى الخطبة يوم الجمعة، فمصلى النساء مفتوح للنساء أيام الجُمَع، والدروس كلها يمكن عندنا أن تحضرها النساء، وعندما تتلقى زوجةُ الإنسان العلم الذي يتلقاه هو يصبح هناك انسجام وتعاون، وقد يكون الإنسان مقصِّرًا في حق نفسه أحياناً، لكن لما يبيّن الزوج لزوجته حقوق الزوج فربما لا تستجيب له كثيراً، أما إذا سمعت حقوق الزوج من جهةٍ أخرى فيمكن أن تطبقها. ![]() وكما روى الإمام البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: (( إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيُصَلِّي الصُّبْحَ فَيَنْصَرِفُ النِّسَاءُ مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ مَا يُعْرَفْنَ مِنَ الْغَلَسِ )) النبيّ عليه الصلاة والسلام إذاً أذِن للمرأة أن تخرج من البيت إذا كانت هناك حاجة، مع مراعاة الآداب الإسلامية، والحكم الشرعي أنه: " ينبغي ألا تخرج المرأة من بيتها إلا لحاجةٍ لا تجد منها بُدًّا "، فبإمكانها أن تزور أباها، أو أمها، أو إخوتها، أو أن تشتري بعض الحاجات، أو أن تذهب إلى مجلس علم إذا كان هذا المجلس لا اختلاط فيه، وبعيد عن الرجال، مع توفُّر شروط الصون في هذا المسجد، لكن إذا أرادت المرأة أن تخرج من بيتها لحاجة فلا بد من أن تستأذن زوجها، هكذا النظام العام، روى الإمام البيهقي عن ابن عمر رضي الله عنهما: قالَ: قال عليه الصلاة والسلام: (( ولا تخرج الزوجة من بيته إلا بإذنه، فإن فعلت، لعنتها الملائكة، ملائكة الغضب والرحمة حتى تتوب أو تراجع )) يُستفاد من هذا الشرط في الحديث الذي رواه الإمام البيهقي عن ابن عمر رضي الله عنه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: (( إذا استأذنت المرأة أحدكم إلى المسجد فلا يمنعها )) معنى ذلك أن المرأة لا تخرج إلا بإذن زوجها، إذاً لحاجةٍ وبإذن زوجها، دققوا في هذا الكلام، حينما يُطبق الرجل أوامر الله في شأن زواجه، وحينما تطبق المرأة أمر الله في شأن زوجها، فهذا الزواج فيه عوامل البقاء والاستمرار، أما إذا خرج الرجل عن قواعد الزواج والمرأة كذلك، أصبح في هذا الزواج عوامل الهدم. إذا استأذنت المرأة أحدكم، ولأن طلب العلم فريضة على كل مسلم، فإذا كان المكان آمنًا لا اختلاط فيه، وقريبًا من البيت، ولا توجد أيّ مشكلة، فإذا استأذنت المرأة إلى المسجد فلا يمنعها، طبعاً إذا كان الخروج إلى المسجد يقتضي الاستئذان فالخروج إلى غير المسجد من بابٍ أولى، لذلك يقول الإمام النووي في شرح هذا الحديث: " إن المرأة لا تخرج من بيت زوجها إلا بإذنه لتوجِّه الأمر إلى الأزواج بالإذن ". فإذا عندنا حاجة، وعندنا إذن، هذا ديننا، فالخروج لا بد له مِن حاجة، وإذنٍ من الزوج، قال: " وللزوج منعها من الخروج من منزله إلى مالها منه بُدٌ ". إذا كان الزوج يرى أن هناك فساد كبير في هذا الخروج، وهو يرى ما لا تراه امرأته، فله أن يمنعها، ومنعها نافذ، فهذه هو النظام، فلو مؤسسة لها مدير عام، وله قرار، والقرار عند الله معلّل، يقول أحد العلماء، وهو حكمٌ شرعي: " للزوج منعها من الخروج من منزله إلى مالها منه بدٌ ". كيف ذلك ؟ لو فرضنا أنها طلبت منه الذهاب إلى أهلها، هذا الطلب منها مشروع، لكن هو يعلم علم اليقين أن عند أهلها رجلا لا يتورَّع، ولا يتأدب بآداب الإسلام، يُبيح النظر إلى الأجنبيات كلامه معسول ونفسه " خضراء "، بالتعبير العامي، وزوجته إيمانها ضعيف، ليس عندها قوة إيمان، سهلة الانقياد، فللزوج أن يمنعها من زيارة أهلها في هذا اليوم، وبعض الأُسر لهم أُسلوب خاص في الحياة، أُسلوب التفلت، أُسلوب المُيوعة والانحلال، يكون ابن عمها، أو قد يكون ابن خالها، وهي عند أهلها، فلو طلبت الزوجة من زوجها أن تذهب إلى أبيها في ظرفٍ خاص فله أن يمنعها، لكن العلماء قالوا: " لا ينبغي للزوج منع زوجته من عيادة والديها وزيارة أهلها، لأن في ذلك قطيعةً لهما، وحملاً للزوجة على مخالفة أمر الله: ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ ( سورة النساء: آية " 19 " ) ليست المُعاشرة بالمعروف أن تمنعها أن تزور أباها وأمها، أما إذا كان هناك سبب جاز منعها من ذلك، هذا الشيء أنا أقوله لكم، وكل الكلام مبني على وقائع، فأحياناً في بعض البيوت أشخاص فاسدون، وفي بعض البيوت أشخاص يشربون الخمر، وفي بيت يكون أبوها أو أخوها شاربًا للخمر، مثلاً، أو فاسق، ويقوم بثياب متبذلة في الصيف أو بثيابه الداخلية، فلو طلبت الزوجة من زوجها أن تذهب إلى بيت أبيها، ويعلم زوجها بهذه الحقيقة فله أن يمنعها، هو القائد، وأمره نافذ، هكذا الشرع، أما أن يمنعها مُطلقاً من زيارة أبيها وأُمها، وعيادة والديها فهذا لا يجوز، قال أحد العلماء: " لا يحل للزوجة أن تخرج من بيتها إلا بإذنه، ولا يحل لأحدٍ أن يأخذها إليه، ويحبسها عن زوجها، سواء كان ذلك لكونها مُرضعاً، أو لكونها قابلةً، أو غير ذلك ". أحياناً بلا سبب مبرر يأخذ الأب ابنته إليه، ويمنعها من زوجها، والبنت تخاف من أبيها، يريد أن يغيظ زوجها، هذا عمل حرام، حرامٌ بأعلى صوت، أن تأخذ امرأةً راضيةً عن زوجها، أردت أن تؤذي زوجها بحرمانه من زوجته فأخذتها، هذا لا يجوز، هناك آباء يفعلون ذلك، وهناك أُمهات يفعلون ذلك، " لا يحل للزوجة أن تخرج من بيتها إلا بإذن زوجها، ولا يحل لأحدٍ أن يأخذها إليه، ويحبسها عن زوجها، وإذا خرجت من بيت زوجها بغير إذنه، كانت ناشزةً عاصيةً لله ورسوله، ومستحقةً للعقوبة ". هذا حكم الشرع، لكن إذا أردت أن تُطاع فأمر بما يُستطاع، فإذا أراد الله عزّ وجل لهذه المؤسسة الأسرة أن تزدهر، وسمح للزوج أن يقودها فيجب أن يقودها بحكمة، ويجب أن يقودها من دون تعسف، من دون تسلُّط، من دون قمع، من دون إرهاب، هناك أزواج كثيرون يرون أن هذه السلطة يجب أن يمارسها بقسوة، هذا اسمه الاستعمال التعسفي للسلطة، الزوج عليه أن يستخدم هذه السلطة التي منحه الله إياها، وهي القِوامة بشكلٍ معقول، وشكلٍ منطقي، وشكلٍ رحيم وحكيم، لكن لا يوجد أي مؤسسة إلا ولها قرار واحد، وقائد واحد، فالقرار في الأُسرة للزوج، وهذه هي القِوامة. سُئل أحد العلماء عمن تزوج بامرأةٍ ودخل بها، وهو مستمرٌ في النفقة، وهي ناشز، ثم إن والدها أخذها، وسافر بها من غير إذن زوجها، فماذا يجب عليهما ؟ فأجاب: " الحمد لله، إذا سافر بها بغير إذن زوجها فإنه يعزَّر على ذلك ". يُعاقب الأب على ذلك، فموضوع أنها ابنتك، هي كانت ابنتك، لكنها الآن زوجته، وهو السيد، وما دام لا يظلمها، وليس بينهما مشكلة، وهو يُطعمها مما يأكل، ويُلبسها مما يلبس، ولا يضربها، ولا يُهينها، ولها مسكن شرعي، فأردتَ أن تغيظه بأن تأخذ ابنتك من عنده، وأن تحرمه منها، فقد وقع هذا الأبُ في معصيةٍ يُعاقب عليها في النص الإسلامي. 7 – خروج المرأة من البيت متحجِّبةً بقي علينا أنها إذا خرجت ينبغي ألاّ تخرج إلاّ متحجبةً، فقد قال الله عزّ وجل: ﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى ﴾ ( سورة الأحزاب: آية " 33 " ) التبرج أن تلقي الخمار على رأسها، ولا تشدّه، فيواري قلائدها وخِرطها وعنقها، ويبدو ذلك كله منها، فإذا ظهر عُنُقها وقلائدها، وظهرت ضفيرة شعرها فهي متبرجة، لذلك التبرج يعني إظهار الزينة: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ﴾ ( سورة الأحزاب: آية: " 59 " ) ![]() ذكر الإمام الطبري أن ابن عباس رضي الله عنهما قال في تفسير هذه الآية: " أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجةٍ أن يُغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب، ويبدين عيناً واحدة ". ويقول محمد بن سيرين: " سألت عبيدة السلماني عن قول الله عزّ وجل: ( يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلاَبِيبِهِنَّ )، فغطى وجهه ورأسه، وأبرز عينه اليسرى ". هذا معنى الآية، وقال تعالى: ﴿ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ ﴾ ( سورة النور: آية "31 " ) يقول القاضي أبو السعود في النهي عن إبداء صوت الحلي، بعد النهي عن إبداء عينها: " من المبالغة في الزجرِ عن إبداء موضعها ما لا يخفى ". حينما يبدو من المرأة ما ينبغي أن يخفى منه فقد خرجت متبرجةً، كلكم يعلم أن الثياب الضيقة تبرز حجم العورة، وأن الثياب الرقيقة تبرز لون العورة، وأن المشية غير المُحتشمة تظهر مفاتن المرأة، وأن الصوت اللين، والخضوع بالقول يغري الرجال بها، فلا بصوتها، ولا بمشيتها، ولا بضيق ثيابها، ولا برقة ثيابها، هذا كله مما نهى عنه الشرع الحكيم. أيها الإخوة، قال عندما ربنا عزّ وجل: ﴿ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ ﴾ ( سورة النور: آية " 31 " ) فما هو الشيء الذي يظهر منها عادةً، ولا تستطيع إخفاؤه ؟ إنّه طولها، وامتلاء جسمها، ولون ثيابها، هذا مما لا تستطيع إخفاءه، لكن الذي تستطيع إخفاءه يجب أن يخفى، وهذا ما فهمه ابن عباسٍ رضي الله عنه، وهناك أدلة كثيرة في هذا الموضوع، كما قال النبيّ عليه الصلاة والسلام فيما روى الإمام أحمد عن عائشة رضي الله عنها قالت: (( كَانَ الرُّكْبَانُ يَمُرُّونَ بِنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحْرِمَاتٌ، فَإِذَا حَاذَوْا بِنَا أَسْدَلَتْ إِحْدَانَا جِلْبَابَهَا مِنْ رَأْسِهَا عَلَى وَجْهِهَا، فَإِذَا جَاوَزَنَا كَشَفْنَاهُ )) [أحمد] وأخرج الإمام الحاكم عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها قالت: " كنا نغطي وجوهنا من الرجال ". وفي درسٍ آخر إن شاء الله تعالى نتابع الحديث عن الآداب التي ينبغي أن تأتمر بها المرأة المسلمة لتحافظ على سلامة الحياة الزوجية بينها وبين زوجها، وكما تعلمون أن الحياة الزوجية هي المُقوِّم الأول لسعادة الإنسان، وبقي علينا ألا تخرج متعطرةً، وألا تظهر زينتها بالصوت، وألا تختلط مع الرجال، وهذا كله إن شاء الله تعالى نفصِّل فيه في درسٍ قادم إن شاء الله. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#18 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الفقه الاسلامي - العلاقات الاسرية الدرس ( السادس عشر) الزواج - واجبات المرأة تجاه ديمومة الزواج الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. أيها الإخوة المؤمنون، مع الدرس التاسع من دروس الزواج الإسلامي، وقد وصلنا في الدرس الماضي إلى الآداب التي على المرأة أن تتأدب بها، وأن تلتزم بها كي تكون سبباً في ديمومة الزواج. مقدمات إرشادية مهمة المقدمة الأولى: البطولة في الحفاظ على مكسب الزواج المعنى الدقيق هو أن الوصول إلى الشيء ليس بطولةً، لكن الحفاظ عليه هو البطولة، فكم من زواجٍ عقد عقده، وبعد حينٍ فسخ، كم من زواجٍ انتهى إلى طلاق، أو إلى عداوةٍ شديدة، فالعبرة بالحفاظ على الشيء. ![]() وذكرت لكم في درسٍ سابق أن الحق من صفاته الديمومة، وأن الباطل من صفاته الزوال، فإذا كنت مع الحق عقيدةً ومنهجاً، إذا طبقت في زواجك أوامر الحق جلَّ جلاله فإنّ هذا الزواج سيستمر، إذا طبقت في تجارتك أوامر الحق والحق من صفاته الديمومة فإنّ هذه التجارة ستزدهر، إذا طبقت في علاقاتك الاجتماعية أوامر الحق والحق من صفاته الديمومة، فإنّ فهذه العلاقات سوف تنمو وتزداد، لأنك مع تعليمات الصانع، قال تعالى: ﴿ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾ ( سورة فاطر ) ![]() فنحن مع الآداب التي إذا تأدبت بها المرأة، والتزمت بها كان التزامها بهذه الآداب سبباً في ديمومة الزواج، هل هناك أجمل من أن يقول الزوج: لي مع زوجتي أربعون عاماً أو خمسون عاماً، ونحن على أتمِّ وفاق، نتعاون على تربية الأولاد، نقطف ثمار هذا التفاهم أولاداً صالحين، وهل من شيءٍ يجرح الفؤاد كأن يقول الإنسان: لم أكن مرتاحاً مع زوجتي ولا يوماً واحداً ؟ فيا أيها الإخوة، الآداب التي أمر بها الشرع المرأة المسلمة إذا التزمت بها كان التزامها بها عوناً على ديمومة الزواج، فما من زوجةٍ على وجه الأرض تودُّ أن تطلق، ولا أن ينصرف عنها زوجها، ولا أن تصبح مهملةً، لا هي زوجة، ولا هي مطلقة، لعل أكثر الأسباب تقع من طرف الزوج أو من طرف الزوجة، أي إذا عصى الزوج، أو عصت الزوجة، أو عصيا معاً، فالزواج يصبح جحيماً لا يطاق، الله جلَّ جلاله يقول مخاطباً سيدنا آدم والسيدة حواء: ﴿ فَقُلْنَا يَا آَدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى ﴾ ( سورة طه ) فلم يقل فتشقيا على حسب قواعد اللُغة، قال علماء التفسير: " إن شقاء الرجل شقاءٌ حكميٌ للمرأة، وإن شقاء المرأة شقاءٌ حكميٌ للرجل، وإن شقاء الأولاد شقاءٌ حكميٌ للوالدين ". هذه النقطة الأولى. المقدمة الثانية: قبول الحكم الشرعي وإن خالفه الهوى والواقع النقطة الثانية التي أضعها بين يدي هذه الدرس، هو أن الإنسان إذا سمع حكماً شرعياً صحيحاً اتفق عليه العلماء فلا ينبغي أن يحكِّم عقله به، كل واحد له وضع في بيته، هذا زوجته محجبة حجابًا كاملا، هذا حجاب غير كامل، هذا حجاب غير مقبول، هذه الزوجة غير محجبة، فلا تجعل وضعك حكم على ما سأقوله الآن، المؤمن يتفهم الحق أولاً، الحكم الشرعي الصحيح، ويحاول أن يقترب منه، إما بالتدريج، وإما طُفرةً واحدة بحسب الحكمة والحال، لكن لا ينبغي أن تقول: هذا غير صحيح، وليس معك حجة ولا دليل، إلا لأنك تفعل هذا الشيء، وتكره أن تكون مكشوفاً أمام الله عزَّ وجل، الآن يوجد أمامنا مزلق، إذا كان لأحدكم وضع خاص في بيته، أنا ما تدخلت في أوضاعكم الخاصة، ولكن أذكر لكم الحكم الشرعي، وما ينبغي أن نكون عليه، أما لو كان الإنسان أقلّ تطبيقًا لما سيسمع فلا ينبغي أن يقول: ليس هذا هو الشرع، فأنا آتيك بالدليل من الكتاب والسنة، ولا أملك غير هذا. فالمؤمن دائماً خاضع للحق، أما الذي يحاول أن يُخضع الحق لمزاجه، أو لما هو عليه فهذا إنسان يغيِّر ويبدّل، ولأصل أن تخضع للحق، فإن لم تستطع أن تخضع فوراً فلك أن تقنع زوجتك بالحسنى، باللَّطف، بالإحسان، بالهدية، بالحجة، بالزجر، بالإعراض، هذا شأنك، وهذا تابعٌ لحكمتك، ولطبيعة زوجتك، أما أن تحكم على الحكم الشرعي من خلال واقعك فهذا غلط كبير، يجب أن تحكم على واقعك من خلال الحكم الشرعي، الحكم الشرعي هو الأصل، أنا أسير نحوه، ولا أطلب من هذا الحكم الشرعي أن يأتي إلي ليغطي ما أنا عليه، فالقضية أيها الإخوة دقيقة جداً. الآداب التي تجب على المرأة أن تراعيها حفاظاً على العلاقة الزوجية 1– خروج المرأة بالحجاب الشرعي الكامل ![]() هناك أفكار شائعة عند المسلمين أن الوضع هكذا، والحجاب هكذا، وهذا ليس عليه من سبيل، وهذا ليس عليه مأخذ، هذا كلام عام، وليس كلاما علميا، فالكلام العلمي هو الحكم الشرعي المؤيد بدليلٍ قطعي من الكتاب والسنَّة الصحيحة، هذا حكم الشرع، ولا يستطيع إنسان في الأرض كائناً من كان أن يأتي في الدين بشيءٍ من عنده، فمن أنت ؟ ومن أنا ؟ ومن فلان وفلان، وفلان و فلان ؟ من قال برأيه في هذا الدين فقد أخطأ ولو أصاب، لا رأي في الدين، في الدين حكم شرعي: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ ( سورة الأحزاب: آية " 36 " ) إخواننا الكرام، أحياناً يعكس الإنسان المقولة، فيقترح شيئا ليس من الدين، ويحاول أن يأتي بالنصوص التي تدعمه، قوية كانت أو ضعيفة، واهية، مقولة أو غير مقولة، الأصل أن هذا هو رأيه في هذا الموضوع، فهو بهذا يحدث ديناً جديداً، هؤلاء سموا في علم العقيدة: أهل الرأي، أهل الرأي أحدثوا دينا جديدا، بعد أن يقرر هذا الرأي هو الآن يبحث عن الأدلة القوية أو الضعيفة والنصوص. فنحن بالعكس، لا تنظر إلى واقعك، ولا إلى ما أنت عليه، ولا إلى ما هي عليه زوجتك، بل انظر إلى الحكم الشرعي، واحكم على وضعك من خلال الحكم الشرعي، ولا تحكم على الحكم الشرعي من خلال واقعك، فكل إنسان له قناعاته، وله ظروفه، لكن هذا هو الحكم الشرعي، فأنت حاول بحسب حكمتك، إما تدريجاً، أو طفرةً، إما إقناعاً، أو إجباراً، بحسب الحكمة التي تراها مناسبة، لكن قبل أن أبدأ ينبغي أن تعلم أن الأصل هو الحكم الشرعي، وأنك تابعٌ له. والخطأ في المنهج خطير جداً، فلو كان عندنا ميزان، فمن الممكن أن تزن كيلوين، وتقول: ثلاثة بالخطأ، تصورت أنها ثلاثة كيلو، قلت: ثلاثة، ويمكن أن تزن اثني كيلو، وتقول: كيلو، هذا شيء يحدث، لكن هذا الخطأ في المفردات بسيط جداً، أما أكبر خطأ أن يكون في الميزان، أوقية تحت كفة الميزان، فتصبح كل الموازين غلطا، فالخطأ في الميزان أخطر مليار مرة من الخطأ في الوزن، فالخطأ في الوزن لا قيمة له، غلطة واحدة أو غلطتان أو ثلاث، ولا يوجد إنسان معصوم عن الخطأ، لكن ما هو الخطأ الخطير ؟ هو الخطأ في المنهج ؟ هو الخطأ في الميزان لا في الوزن، الخطأ في الوزن سهل جداً، إذا حصل خطأً صواب كثير، أما إذا كان الميزان كله خطأ، أو ملعوبا فيه، لو تزن فيه مليون حالة فكلها غلط. يجب عليك دوماً أن ترتعد فرائصك، ليس من الخطأ في المفردات، ولكن من الخطأ في المنهج، الخطأ في التصور، الخطأ في الموازين، الخطأ في العقيدة، الخطأ في الأحكام، هذا هو الخطأ القاتل، أما الخطأ في المفردات فليس قاتلا، وأوضح مثل الخطأ في الميزان شيء، والخطأ في الوزن شيء آخر، بالوزن أخطأت، يمكن أن تكون الوزنة اثني كيلو، وقلت، كيلو، ويمكن أن تكون متسرعاً، أو في عجلة من أمرك، فالخطأ في الوزن لا يتكرر، لكن الخطأ في الميزان يشقى صاحبه، فهو مستمر. أردت من هذه المقدمة، أنه إذا سمعنا الآن أحكام الشرع في حجاب المرأة، وفي خروجها، وفي اختلاطها، وفي عملها، لا يمكنك أن تحكم على الموضوع من خلال واقعك، فتظن أنك على حق، وأنت على صواب، وهذه الأحكام غير صحيحة، هذا تفكير ساذج، تفكير غير علمي، تفكير جهلي، هذا هو الحكم الصحيح، ولكن حاول أن تقرب إما تدريجاً أو طفرةً من الحكم الشرعي الصحيح. عندما قال ربنا عزَّ وجل: ﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى ﴾ ( سورة الأحزاب: آية " 33 " ) نهى الله سبحانه وتعالى عن خروج المرأة متبرجةً، طبعاً حينما أمرها أن تقرَّ في البيت ما منعها أن تخرج، لكن سمح لها أن تخرج لحاجة، أما إذا خرجت لحاجة فالخروج لا للخروج، كأن تقول: أصابني الملل، أريد الخروج، هذه عند المرأة ليست واردةً إطلاقاً، فهذا كلام ليس له معنى. ﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ﴾ ( سورة الأحزاب: آية " 33 " ) ما هو التبرُّج ؟ ![]() أما إذا أردتن الخروج من البيت فلا تبرجن، ما هو التبرج ؟ يقول أحد العلماء: " التبرج أن تلقي المرأة الخمار على رأسها، ولا تشده، فيواري قلائدها وقرطها وعنقها، ويبدو ذلك منها ". هناك غطاءٌ على رأسها، لكن غير مشدود سائب، هذا الغطاء السائب بدا منه قلائدها وقرطها وعنقها، هذا هو التبرج، صحيح أنّ على رأسها غطاء، لكنه غير محكم، وغير مشدود، يظهر من المرأة الزينة التي ينبغي أن تختفي، قال تعالى: ﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى ﴾ ( سورة الأحزاب: آية " 33 " ) يقول أحد العلماء: " حرم الله تعالى على المرأة المسلمة أن تخرج وخمارها غير مشدودٍ على رأسها، وسُمي هذا الخروج في مثل هذه الصورة تبرج الجاهلية الأولى ". هذا هو التبرج، أن يبدو من المرأة بعض مفاتنها. وأمر الله سبحانه وتعالى أن تخرج النساء متحجبات، عندنا نهي عن التبرج، هذا الحكم السلبي، الحكم الإيجابي أمر الله سبحانه وتعالى النساء أن يخرجن متحجباتٍ، لقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ﴾ ( سورة الأحزاب ) 2 – وجوب تغطية وجه المرأة وأدلة ذلك ![]() ينقل الإمام الطبري عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما في تفسير هذه الآية قوله: " أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجةٍ أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب، ويبدين عيناً واحدة ". ويقول محمد بن سيرين: سألت عبيدة السلماني عن قول الله عزّ وجل: ( يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلاَبِيبِهِنَّ ) فغطى وجهه ورأسه، وأبرز عينه اليسرى. يقول عالمٌ آخر، وهو القاضي أبو السعود في قوله تعالى: ﴿ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ ﴾ ( سورة النور: آية " 31 " ) " في النهي عن إبداء صوت الحلي بعد النهي عن إبداء عينها من المبالغة في الزجر عن إبداء موضعها ما لا يخفى ". هذا كلام دقيق جداً، كأن يكون في الأرجل خلخال، السوار في المعصم، والخلخال في الرجل، فإذا ضربت المرأة برجلها في المشي سمع صوت خلخالها، إذا كان هناك نهيٌ عن صوت الخلخال فما قولك في النهي عن الخلخال ذاته ؟ وإذا كان هناك نهيٌ عن الخلخال ذاته فما قولك بموضع الخلخال بموضع الزينة ؟ هذا ما يقوله القاضي أبو السعود: " في النهي عن إبداء صوت الحلي بعد النهي عن إبداء عينها من المبالغ في الزجر عن إبداء موضعها ما لا يخفى ". الصوت منهي عنه، فعين الحلي الخلخال من باب أولى، فموضع الخلخال من باب أولى، فأنت منهي عن الثالثة، أي عن الصوت. لا أحد يقول: الأستاذ شدد كثيرًا، ليس هذا تشديدا، والمؤمن لا يشد حتى، ولا يحل، هذا هو الحكم الشرعي. الآن حكمٌ آخر، وهو أن حبر الأمة سيدنا عبد الله بن عباس يرى: " أن تغطي المرأة وجهها ورأسها ". وهكذا قال عامة المفسرين، يقول أبو بكر الجصاص:" في هذه الآية دلالةٌ على أن المرأة مأمورة بستر وجهها عن الأجنبيين، وإظهار الستر والعفاف عند الخروج، لئلا يطمع أهل الريب فيهن ". هذا معنى قول الله تعالى: ( وَلاَ يُبْدِنَ زِينَتَهُنَّ ). ويقول العلامة النيسابوري. " كانت النساء في أول الإسلام على عادتهن في الجاهلية، فأمرن بلبس الأردية والملاحف، وستر الرأس والوجوه ". ويقول القاضي البيضاوي: ( يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلاَبِيبِهِنَّ )، أي يغطين وجوههن وأبدانهن بملاحفهن إذا برزن لحاجة ". روى الإمام أحمد عن عائشة رضي الله عنها قالت: ![]() (( كَانَ الرُّكْبَانُ يَمُرُّونَ بِنَا، وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحْرِمَاتٌ، فَإِذَا حَاذَوْا بِنَا سَدَلَتْ إِحْدَانَا جِلْبَابَهَا مِنْ رَأْسِهَا عَلَى وَجْهِهَا، فَإِذَا جَاوَزُونَا كَشَفْنَاهُ )) [أحمد] وأخرج الإمام الحاكم عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: <<كنا نغطي وجوهنا من الرجال، وكنا نمتشط قبل ذلك في الإحرام >>. يُخْلص من هذا أن ستر الوجه من صلب الدين، وهو الحكم الشرعي الذي هو عليه علماء المسلمين، وإذا كان هناك خلافٌ في هذا، فهناك اتفاقٌ على أن المرأة الشابة فتنتها في وجهها، وينبغي أن تستر وجهها باتفاق العلماء قاطبةً. هناك من يقول: المرأة تصلي ووجهها مكشوف، ويداها مكشوفتان، إذاً هذه عورة المرأة، الوجه ليس بعورةٍ، وكذلك اليدان، لأنهما تكشفهما في الصلاة، يقول ابن القيم في رد هذه الشبه: " هذا إنما هو في الصلاة لا في النظر، فإن العورة عورتان، عورةٌ في النظر، وعورةٌ في الصلاة، فالحرة لها أن تصلي مكشوفة الوجه والكفين، وليس لها أن تخرج في الأسواق ومجامع الناس كذلك، والله أعلم". [ كتاب أعلام الموقعين عن رب العالمين ] شبهة والجواب عنها الآن هناك شبهةً مفادها أن هذا الأمر موجه إلى نساء النبي عليه الصلاة والسلام، والقاعدة الأصولية في فهم النصوص أن أي أمرٍ خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم ينسحب بشكلٍ حكميٍ على كل المؤمنين، لأن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، والنبي صلى الله عليه وسلم قدوة، فالأمر الموجه إليه ينسحب على أتباعه المؤمنين بشكل قطعي، ولا بد مِن دليل فرعي واضح على أن هذا الشيء خاصٌ بالنبي عليه الصلاة والسلام، فأي أمر عام موجه للنبي عليه الصلاة والسلام ليس فيه دليل على أن هذا الأمر خاصٌ به فالأمر عام، وعلى كل المؤمنين أن يأتمروا به. يقول أبو بكر الجصاص في تفسير هذه الآية: ﴿ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ﴾ " هذا الحكم وإن نزل خاصاً في النبي صلى الله عليه وسلَّم وأزواجه، فالمعنى عامٌ فيه، وفي غيره، إذا كنا مأمورين بإتباعه والاقتداء به، إلا ما خص الله به نبيه دون أمته ". فالشيء الخاص بالنبي معه دليل واضح، دليل خصوصيته، لكن إذا لم يوجد دليل خصوصية فالأمر موجه للنبي عليه الصلاة والسلام وموجهٌ حكماً لكل المؤمنين، لذلك الآية: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ﴾ ( سورة الأحزاب: آية " 59 " ) لقد روى ابن أبي حاتم عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: لما نزلت هذه الآية: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ﴾ <<خرج نساء الأنصار كأن على رؤوسهن الغربان من السكينة، وعليهن أكسيةٌ سودٌ يلبسنها >>، هذا نقل عن تفسير ابن كثير. الآن. ![]() ﴿ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ ﴾ ( سورة الأحزاب: آية " 53 " ) قال: يقول القاضي أبو السعود في تفسير هذه الآية: " أي ما ذكر من عدم الدخول بغير إذنٍ، وعدم الاستئناس للحديث عند الدخول، وسؤال المتاع من وراء حجاب أكثر تطهيراً من الخواطر الشيطانية، فإذا كان سؤال المتاع من وراء الحجاب أكثر تطهيراً من الخواطر الشيطانية فما السبب في استثناء بقية النساء ". إذا الصحابية الجليلة أم المؤمنين إذا سألتها حاجةً فاسألها من وراء حجاب، لأن ذلك أطهر لقلبك وقلبها، فما القول في امرأةً ليست صحابيةً، وليست أم المؤمنين، ولم تلتقِ برسول الله صلى الله عليه وسلم ، المرأة التي هي زوجة رسول الله، وهي حكماً أم المؤمنين، وهي الطاهرة العفيفة الحصان قال الله عزوجل لها: ﴿ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ﴾ ( سورة الأحزاب: آية " 53 " ) فما القول في امرأةٍ ليست صحابيةً، وليست أم المؤمنين، وليست في طهارة وعفة وإيمان الصحابيات الجليلات ؟ هذا كلام كالشمس واضح. 3 – عدم خروج المرأة متعطرة ![]() الأدب التالي لأدب الحجاب: ألا تخرج المرأة متعطرةً، فقد أرشد النبي عليه الصلاة والسلام إلى أن طيب النساء ينبغي أن يظهر لونه، وأن يختفي ريحه، وأن طيب الرجال ينبغي أن يظهر ريحه، ويختفي لونه. أكمل طيب للرجل ليس له لون، لكن له رائحة، أما طيب النساء ليس له رائحة، لكن له لون، يقول عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: (( طِيبُ الرِّجَالِ مَا ظَهَرَ رِيحُهُ وَخَفِيَ لَوْنُهُ، وَطِيبُ النِّسَاءِ مَا ظَهَرَ لَوْنُهُ وَخَفِيَ رِيحُهُ )) ونهى النبي عليه الصلاة والسلام أن تخرج المرأة وهي مستعطرة، فقد روى الإمام أبو داود في سننه عن أبي موسى رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلَّم قال ـ دققوا، لا تظنوا أن موضوع العطر في الطريق شيء وهو بلوى عامة، فهذا من الكبائر، أي أن المرأة إذا خرجت مستعطرة خرجت زانية، انتبهوا، بناتكم نسائكم، يقول عليه الصلاة والسلام: ((إِذَا اسْتَعْطَرَتِ الْمَرْأَةُ فَمَرَّتْ عَلَى الْقَوْمِ لِيَجِدُوا رِيحَهَا فَهِيَ كَذَا وَكَذَا، قَالَ قَوْلًا شَدِيدًا )) وفي روايةٍ عند النسائي: (( فهي زانية )) ويقول شارح هذا الحديث: " سماها النبي زانية مجازاً، لأنها رغَّبت الرجال في نفسها، فأقل ما يكون هذا سبباً لرؤيتها ". فإذا شعر الرجل أن هناك رائحة عطرة يلتفت، ويتساءل: من صاحب هذا الريح العطر ؟ فأقل شيء بالمرأة المتعطرة أنها تلفت النظر إليها، الرائحة تسوق الوجه إلى النظر إلى صاحبة هذا العطر، سماها النبي زانية، طبعاً زانيةً مجازاً، لأنها رغَّبت الرجال في نفسها، فأقلّ ما يكون هذا سبباً لرؤيتها، وهي زنا العين، العين تزني وزناها النظر. يبدو أن امرأة وقعت في خطأ في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كان لها ريح طيِّب، فسألها أبو هريرة فَقَالَ: يَا أَمَةَ الْجَبَّارِ، جِئْتِ مِنَ الْمَسْجِدِ ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: وَلَهُ تَطَيَّبْتِ ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ حِبِّي أَبَا الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (( لا تُقْبَلُ صَلاةٌ لامْرَأَةٍ تَطَيَّبَتْ لِهَذَا الْمَسْجِدِ حَتَّى تَرْجِعَ فَتَغْتَسِلَ غُسْلَهَا مِنَ الْجَنَابَةِ )) فتتطيب، وأن تأتي للمسجد هذا سوء فهم منها، ولو أنها أتت بيت الله عزَّ وجل غسلت موضع العطر خارج البيت، ممنوع في نظام الإسلام، لأن العطر يلفت النظر، والنظر يوقع في زنا العين، وهي السبب، لأنها هي التي رغَّبت في نفسها. والنقطة الدقيقة أن النبي عليه الصلاة والسلام حينما نهى الرجال عن منع النساء من الحضور في المساجد، معنى ذلك أنّ المرأة من حقها أن تأتي إلى المسجد، وبعد قليل ترون أنه يُطلَب أن يكون مكان النساء بعيدا عن الرجال، وأن يكون النساء لهم مدخل خاص، ومكان خاص فيه كل وسائل الراحة، فإذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم الرجال عن منع النساء من الحضور في المساجد، حيث يقول عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح عن ابن عمر الذي رواه الإمام مسلم: ((لا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ )) فقد نهى كذلك المرأة إذا استعطرت عن الذهاب إلى المسجد، بالمقابل هذه التي تأتي بيت الله بأكمل ثياب، أو بأكمل حركات، دون أن يكون هناك أي شيء يلفت النظر، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَصَابَتْ بَخُورًا فَلَا تَشْهَدْ مَعَنَا الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ )) [مسلم] هنا تعليق لطيف: إذا منعت المرأة من الذهاب ِإلى المسجد لأنها متعطرة فكيف بالمرأة التي تذهب إلى الأسواق، وتشتري حاجاتها من الرجال الأجانب، وهي في أبهى زينة، وهي مستعطرة ؟! 4 – عدم إظهار الزينة بالصوت ومن الآداب التي ينبغي على المرأة أن تتأدب بها حفاظاً على زواجها، وعلى سعادتها الزوجية، ألا تظهر زينتها بالصوت، قال تعالى: ﴿ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ ﴾ ( سورة النور آية " 31 " ) أحد المفسرين الأفاضل يعلِّق على هذه الآية يقول: " إنها لمعرفةٌ عميقةٌ بتركيب النفس البشرية، وانفعالاتها، واستجاباتها، فإن الخيال ليكون أحياناً أقوى في إثارة الشهوات من العيان، وكثيرون تثير شهواتهم رؤية حذاء المرأة أو ثوبها أو حليها ". أحياناً يكون الإنسان في غرفة النوم، إذا دخل إنسان أجنبي فلا ينبغي أن يرى في هذه الغرفة ثياب امرأة، وهذا هو الأكمل، حاجات المرأة تثير الخيال إلى مواضعها. " فإن الخيال ليكون أحياناً أقوى في إثارة الشهوات من العيان، وكثيرون تثير شهواتهم حاجات المرأة، أكثر مما تثيرها المرأة نفسها، وسماع وسوسة الحلي، أو شم شذا العطر من بعيد، قد يثير حواس الرجال أكثر مما يثيرهم منظر المرأة نفسها ". أحياناً يكون الواقع أقل من الخيال، فالخيال يضفي على الواقع أحياناً مبالغات هو بعيدٌ عنها كثيراً. " وهذه الآية فيها دلالةٌ على أنَّ المرأة منهيةٌ عن رفع صوتها بالكلام، بحيث يسمع ذلك الأجانب، إذا كان صوتها أقرب إلى الفتنة من صوت خلخالها". إذا كان صوت الخلخال ممنوعا أن يسمع، فما قولك بصوتها هي، وقد يكون صوتاً فاتناً ؟!! لذلك صوت المرأة عورة ولو أذَّنت. والآن انتبهوا إلى الأحكام الفقهية، المرأة إذا اقتدت بزوجها أو برجل، قد يكون هذا الرجل أباها أو أخاها، هذا شيء مشروع، وسها الإمام عن القعود، أو سها بترك واجب، يقول الرجل المقتدي: سبحان الله ! يذكِّر الإمام، أما أن تقول المرأة في الصلاة: سبحان الله ! فصوتها عورة، قال: لها التصفيق، إذا فعلت هذا، أي نبهت الرجل إلى أن هناك خلل في الصلاة. روى الإمام ابن ماجة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ، وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ )) وهذا مبالغةً في عدم إظهار صوت المرأة، وقد سمعت في بلاد المغرب أن قديماً كان إذا طرق الباب الرجل لا تقول المرأة: مَن الطارق ؟ بل تضرب على الباب ضربات تشير إلى أن نحن وراء الباب، من تريد ؟ لئلا يسمع صوتها. ويقول ابن قدامة: قال ابن عبد البر: " ليس على النساء أن ترفع صوتها بالتلبية ". في أثناء الحج أو العمرة كان النساء الجاهلات يرددن الدعاء الذي يدعو به من يقودهن بصوتٍ أعلى من صوت الداعي، وأعلى من كل الرجال، وهذا جهلٌ فاضحٌ بأحكام الحج، ليس على المرأة أن ترفع صوتها بالتلبية، عليها أن تلبي بصوتٍ تسمعها هي فقط، أما رفع الصوت فإن صوتها عورة، أيضاً هذا مما نهى عنه النبي عليه الصلاة والسلام. " أجمع العلماء على أن السنة في المرأة ألا ترفع صوتها، وإنما عليها أن تسمع نفسها، وبهذا قال عطاء ومالك والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي، وإنما كره لها رفع الصوت مخافة الفتنة، لذلك لا يسنُّ لها آذانٌ ولا إقامة ". إنّ المرأة في البيت لا تؤذن ولا تقيم، لأن صوتها عورة، " وإذا سها الإمام عن واجبٍ من واجبات الصلاة، لها التصفيق وله التسبيح "، هذا كلّه ينسجم مع أن صوت المرأة عورة. 5 – عدمُ اختلاط المرأة بالرجال ![]() ومن الآداب التي ينبغي أن ترعاها المرأة حفاظاً على سعادتها الزوجية، عدم الاختلاط بالرجال، فتمكين النساء من الاختلاط بالرجال أصل كلُّ بليةٍ وشر، لو تتبعت أكثر المشكلات الكبيرة التي سببها المرأة لوجدتَ أن هذه المشكلة بدأت من خلوةٍ أو من اختلاط. هناك أسرتان ذهبتا إلى الساحل ليقضوا أسبوعًا أو أسبوعين، الأسرتان رجعتا إلى الشام، وحصل طلاق بين الأسرتين، فيهما سبعة أولاد فيها، فقد أصبح بينهم اختلاط، الزوج الأول أعجبته زوجة الثاني، والثاني بالعكس، فحينما يختلط الرجال بالنساء تقع المفاسد والشرور، وكما يقول ضباط الأمن الجنائي: في كلِّ جريمةٍ أو مشكلةٍ فتش عن المرأة، وراء كل مشكلّة طبعاً، كما أن وراء كل إنسان موفق في حياته امرأةٌ تعينه على هذا التوفيق، أيضاً وراء كلّ إنسان وقع في مأساة في حياته امرأة أغرته بالانحراف. وقد وجه النبي عليه الصلاة والسلام النساء أن يمشين في جزءٍ من الطريق مخصوص، أي إذا كان الطريق مزدحماً بالرجال فعلى المرأة أن تمشي في مكان بعيد عن الرجال، ﴿ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا ﴾ بنتا سيدنا شعيب ﴿ قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ ﴾ [سورة القصص] بنتا سيدنا شعيب ما اختلطتا بالرجال، بقيتا في جانبٍ، والرجال في جانب، قال عليه الصلاة والسلام للنساء: (( اسْتَأْخِرْنَ، فَإِنَّهُ لَيْسَ لَكُنَّ أَنْ تَحْقُقْنَ الطَّرِيقَ، عَلَيْكُنَّ بِحَافَّاتِ الطَّرِيقِ... )) ( من سنن أبي داود) فإذا هناك مجتمع من الرجال، وكان فيه ازدحام فالمرأة المؤمنة الطاهرة العفيفة تجتنب هذا الازدحام قال: (( فَكَانَتِ الْمَرْأَةُ تَلْتَصِقُ بِالْجِدَارِ، حَتَّى إِنَّ ثَوْبَهَا لَيَتَعَلَّقُ بِالْجِدَارِ مِنْ لُصُوقِهَا بِهِ )) من شدة اتباعها لسنة النبي صلى الله عليه وسلم ، والنبي عليه الصلاة والسلام خصص باباً لدخول المسجد، والآن يوجد باب النساء في الحرم المدني. وفي سنن ابن داود عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قال: قال عليه الصلاة والسلام: (( لَوْ تَرَكْنَا هَذَا الْبَابَ لِلنِّسَاءِ )) فلم يدخل سيدنا عبد الله بن عمر من هذا الباب حتى مات، فصارت سنة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: هذا الباب للنساء، وفي أكثر المساجد والحمد لله هناك جناح للنساء بباب مستقل، ومرافق مستقلة، بغير اختلاط أبداً، أيضاً من أجل عدم الاختلاط بالرجال، ينبغي أن تكون صفوف النساء منفصلّة عن صفوف الرجال، حتى لو أنها امرأةٌ واحدة. وروى الإمام أحمد عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ دَعَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِطَعَامٍ صَنَعَتْهُ لَهُ قَالَ: ![]() (( فَأَكَلَ ثُمَّ قَالَ: قُومُوا فَلأُصَلِّيَ لَكُمْ، قَالَ: فَقُمْتُ إِلَى حَصِيرٍ لَنَا قَدِ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لَبِثَ فَنَضَحْتُهُ بِمَاءٍ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَصَفَفْتُ أَنَا وَالْيَتِيمُ وَرَاءَهُ، وَالْعَجُوزُ وَرَاءَنَا، فَصَلَّى لَنَا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ انْصَرَفَ )) [أحمد] وقفت زوجته في صف مستقل، فالمرأة إذا حاذت الرجال في الصف فسدت الصلاة، فانظر إلى دقة عدم الاختلاط حتى في الصلاة، ولو أنها قريبة، المرأة لها صف خاص، وكما ذكر رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في سنن ابن ماجة عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( خَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا، وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا، وَخَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا، وَشَرُّهَا آخِرُهَا )) في الرجال بالعكس، خيرها أولها، وشرها أخرها، في النساء خيرها أولها، وشرها أخرها، أي خيرها ما كان بعيداً عن الرجال. ![]() وكانت النساء المؤمنات يحرصن على ألا يختلطن بالرجال وقت الطواف، هذا الطواف صدر بظهر، وكتف بكتف، رجال ونساء، هذا بعيداً عن روح الشريعة الإسلامية، فهناك دراسات لكنها لم تنجح حتى الآن، ولكنها نجحت في المسجد النبوي، الآن في المسجد النبوي ليس هناك اختلاط أبداً، بابٌ خاص للنساء، وحيِّزٌ خاص للنساء، وجدر مانعة للنساء، وموقفٌ أمام رسول الله للنساء خاص، فالقضية حُلّت حلاً جذرياً في الحرم النبوي الشريف، لكن نرجو الله سبحانه وتعالى أن تحلَّ حلاً جذرياً في الحرم المكي حيث لا يزال هناك اختلاط. وقد روت كتب الحديث أن السيدة عائشة رضي الله عنها كانت: (( تَطُوفُ حَجْرَةً مِنَ الرِّجَالِ لا تُخَالِطُهُمْ )) ( من صحيح البخاري) أي في زاوية بعيدة عن الرجال لا تخالطهم. الآن هناك نقطة دقيقة جداً، إذا صلّت النساء وراء النبي صلى الله عليه وسلم ، متى كنَّ يقمن من المسجد ؟ بعد أن يسلّم، ويذهبن إلى البيت، ففي سنّة العشاء والوتر فالنساء بشكلٍ خاص أعطاهن النبي صلى الله عليه وسلم توجيهاً أن يقمن من الصلاة بعد التسليم فقط، حتى يذهبن إلى بيوتهن، دون أن يختلط الرجال بالنساء. روى الإمام البخاري عن أُمَّ سَلَمَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَتْهَا (( أَنَّ النِّسَاءَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُنَّ إِذَا سَلَّمْنَ مِنَ الْمَكْتُوبَةِ قُمْنَ، وَثَبَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَنْ صَلَّى مِنَ الرِّجَالِ مَا شَاءَ اللَّهُ، فَإِذَا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ الرِّجَالُ )) الرجال متى يقومون ؟ إذا قام رسول الله، أما النساء فكن يقمن من الصلاة فور التسليم، ويذهبن إلى بيوتهن لئلا يختلطنَّ بالرجال. 6 – عدم سفر المرأة إلا مع ذي مَحْرَم ![]() الموضوع الأخير في آداب المرأة، ألاّ تسافر إلا ومعها ذو محرم، روى الإمام البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: أَرْبَعٌ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَوْ قَالَ: يُحَدِّثُهُنَّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَعْجَبْنَنِي وَآنَقْنَنِي: (( أَنْ لا تُسَافِرَ امْرَأَةٌ مَسِيرَةَ يَوْمَيْنِ لَيْسَ مَعَهَا زَوْجُهَا، أَوْ ذُو مَحْرَمٍ، وَلا صَوْمَ يَوْمَيْنِ الْفِطْرِ وَالأَضْحَى، وَلا صَلاةَ بَعْدَ صَلاتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ وَبَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَلا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلا إِلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ مَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِي وَمَسْجِدِ الأَقْصَى )) ويروي الإمام مالك عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( لا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إِلا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ مِنْهَا )) وروى الإمام البخاري عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّه عَنْهمَا قَالَ: قَال النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( لا تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ إِلا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ، وَلا يَدْخُلُ عَلَيْهَا رَجُلٌ إِلا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ )) يقول الإمام النووي في شرح هذه الأحاديث، قال البيهقي: "كأنه صلى الله عليه وسلم سئل عن المرأة أن تسافر ثلاثاً بغير محرم ؟ فقال: لا، وسئل عن سفرهما يومين بغير محرم ؟ قال: لا، وسؤل عن سفرها يوماً ؟ قال: لا "، أي لا تسافر مطلقاً إلا مع زوجها، أو مع ذي محرم. والحديث الآخر: (( لا تحجنّ امرأةٌ إلا ومعها ذو محرم )) وروي الإمام البخاري عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّه عَنْهمَا أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ((لا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ، وَلا تُسَافِرَنَّ امْرَأَةٌ إِلا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ، فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اكْتُتِبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا، وَخَرَجَتِ امْرَأَتِي حَاجَّةً قَالَ: اذْهَبْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ )) أمره بترك الجهاد، وأن يحج مع امرأته. والعلماء يقولون: المرأة التي لا تجد محرماً تحج معه ليست مستطيعة للحج، والحج على من استطاع إليه سبيلاً. أيها الإخوة، عدم الاختلاط بالرجال، وعدم رفع الصوت، وعدم التعطر، وعدم الخروج بغير الزي الإسلامي الذي أمر به الإسلام، هذه كلُّها تدابير احترازية، لو فعلّتها المرأة لضمنت زواجاً سعيداً، وضمنت استقراراً نفسياً، وهي طاعةً لله عزَّ وجل. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#19 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم
الفقه الاسلامي - العلاقات الاسرية الدرس ( السابع عشر) الزواج - واجبات الرجل تجاه ديمومة الزواج . الحمد لله رب العلمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. تذكير وتمهيد أيها الإخوة الكرام، مع الدرس العاشر من دروس الزواج، وهو الدرس الأخير من هذه السلسلة التي تعني معظم المسلمين شباباً وشاباتٍ ومتزوجين. ذكرت لكم في دروسٍ سابقة أن الزواج الإسلامي فيه عوامل استمراره، وأن الزواج غير الإسلامي فيه عوامل انهدامه، وذكرت لكم الشروط التي يمكن أن تكون سبباً في ديمومة الزواج، وكما قلت في درسٍ سابق: العالم الإسلامي على تقصيره، وعلى تفلّته من معظم منهج الله عزَّ وجل، إلا أنه يحافظ على نسبٍ منخفضة من الطلاق، وقد ذكرت لكم الرقم الذي بُيِّن في درسٍ سابق، فنسب الطلاق في مجتمعات أمريكا 62 بالمئة، و36 بالمئة في المجتمعات الأوروبية، و3 من الألف في المجتمعات الإسلامية، هذا دليل أن المسلم حينما يتزوج إذا طبق بعضاً من منهج الله يقطف ثماره ديمومةً في زواجه، أما إذا طُبقت تعليمات الخالق كلّها فهذا شيءٌ يضمن للزواج أن يقطف الإنسان ثماره، وأن يستمر هذا الزواج. الدرس الماضي كان حول الشروط التي على المرأة أن تقوم بها لتكون سبباً في ديمومة الزواج، واليوم ماذا على الرجل أن يفعل من أجل أن يسعد في زواجه ؟. الآداب التي تجب على الرجل أن يراعيها حفاظاً على العلاقة الزوجية أيها الإخوة الكرام، النبي عليه الصلاة والسلام ورد عنه: (( أَنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ أَنْ يُعْبَدَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ )) [أحمد] أي مستحيل بعد أن جاءت الدعوة الإسلامية أن ينشأ في العالم الإسلامي عبادة أصنام، فعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَتَخَوَّفُ عَلَى أُمَّتِي الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، أَمَا إِنِّي لَسْتُ أَقُولُ: يَعْبُدُونَ شَمْسًا وَلَا قَمَرًا وَلَا وَثَنًا، وَلَكِنْ أَعْمَالًا لِغَيْرِ اللَّهِ، وَشَهْوَةً خَفِيَّةً )) [ابن ماجه] إن موضوع الأصنام انتهى مع مجيء الدعوة الإسلامية، فالشيطان يئس أن يعبد في أرضكم، ولكن رضي فيما دون ذلك مما تحقرون من أعمالكم. مثلا: هناك بيت فيه عشرات الأجهزة الكهربائية، الخط الرئيسي مقطوع بقدر ميليمتر أو سنتيمتر، أو 10سنتيمتر، أو متر، أو خمسة أمتار، فالنتيجة واحدة، ![]() (( إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ أَنْ يُعْبَدَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ )) ولكن رضي فيما دون ذلك مما تحقرون من أعمالكم، في الأعم الأغلب المسلم لا يسرق، ولا يزني، ولا يشرب الخمر، فما الذي يبعده عن الله عزَّ وجل ؟ ما يتوهم أنه صغائر، وهذه الصغائر لو أصرَّ عليها انقلبت إلى كبائر، انقلبت إلى كبائر حكماً، لأنها تلتقي مع الكبائر في قطع الإنسان عن الله عزَّ وجل. أحياناً لا يحتاج هذا الدين العظيم إلى توضيحٍ شديد، هو واضح جدًّا، نحن عقَّدنا هذا الدين، هو أعظم وأجلُّ من أن يكون معقَّدا، القضية في الدين أنه إذا صحت عقيدتك، واتصل قلبك بالله قطفت ثمار الدين، صحة العقيدة تحتاج إلى شيئين ؛ إلى طلب علمٍ، وإلى تفكرٍ في خلق السماوات والأرض، وصحة الوجهة تحتاج إلى استقامة، لكن هناك نشاطات إسلامية كثيرة، كقولهم: فلان فكره إسلامي، وفلان مشاعره إسلامية، وفلان مهتم بقضايا المسلمين في العالم، فلان مهتم بالتأليف الإسلامي، فلان مهتم بالمشاريع الإسلامية، هذه النشاطات الإسلامية على جلالة قدرها بمجموعها من دون استقامةٍ تامة لا تنهض لتكون سبباً لقطف ثمار الدين، لأنّ قطف ثمار الدين تحتاج إلى صحة عقيدة، وإلى استقامة، لذلك: ركعتان من ورع خيرٌ من ألف ركعةٍ من مُخلِّط. 1– غضُّ البصر فالزوج الذي يتمنى أن يسعد بزوجته، وأن تسعد به زوجته، والزوج الذي يتمنى أن يدوم هذا الزواج، وأن تتنامى العلاقة بين الزوجين على مرِّ الأيام والشهور، هذا الزوج عليه أن يغضَّ بصره عن محارم الله، لأن الإنسان إذا أطلق بصره دفع الثمن باهظاً، دائماً يجب أن تعتقد أن بين الطاعة ونتائجها علاقةٌ علمية، وأن بين المعصية ونتائجها علاقةً علمية، هذه العلاقة إطلاق البصر يؤدِّي إلى فساد ذات البين، وغضُّ البصر يؤدي إلى الموافقة فيما بين الزوجين، يا ترى هل غض البصر وحده يؤدي إلى هذه السعادة ؟ أم أن العناية الإلهية تتدخل لهذا الذي خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى: ﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى ﴾ ( سورة النازعات ) الأدلة على تحريم نظر الرجل إلى المرأة والمرأة إلى الرجل ![]() فيلقي في قلب الزوجة حبَّ زوجها، ويلقي في قلب الزوج حبَّ زوجته، إما أن غض البصر وحده يعدُّ سبباً كافياً، على اعتبار أن الإنسان ليس في عالمه إلا زوجته، أو أن العناية الإلهية تتدخل تدخلاً مباشراً لتلقي في قلب كلٍ من الطرفين حبَّ الطرف الآخر، وليس غريباً أن تنفرد آيةٌ كريمةٌ في كتاب الله واضحة الدلالة، تشير إلى غض البصر: ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ﴾ ( سورة النور: آية " 30 " ) أي أن الزوج الذي يتمنى أن تستمر سعادته الزوجية، وأن تتنامى، عليه أن يغض بصره عن محارم الله، وقلت لكم من قبل أشياء كثيرة في هذا المعنى، أن الله سبحانه وتعالى جلَّت حكمته، شرعه أو بعض بنود شرعه يتوافق مع القوانين الوضعية، فإذا كفَّ الإنسان نفسه عن السرقة، ربما كفَّ نفسه عن السرقة خوفاً من الله تعالى، وربما كفَّها خوفاً من عقاب القانون الذي لا يرحم أحياناً، لكن شاءت حكمة الله أيضاً، أن ينفرد الدين بأوامر ليس في الأرض كلّها تشريعٌ يحظرها أو يمنعها، كالنظر إلى النساء، لا في القوانين القديمة، ولا الحديثة، لا المتقدمة ولا المتخلفة، لا قبل مجيء السيد المسيح، ولا بعده مجيئه، موضوع إطلاق البصر وغض البصر ما تدخلت به القوانين إطلاقاً، فهذا الذي يغضُّ بصره عن محارم الله، هل تستطيع أن تفسر عملّه هذا خوفاً من القانون ؟ هذا مستحيل، لا يفسر غض البصر إلا إخلاصاً لله عزَّ وجل وإلا خوفاً منه. ![]() فأنا قلت لكم سابقاً: إن الإنسان يصلي في اليوم خمس مرات، لكن إذا سار في طريقٍ، وغض بصره غضاً حازماً، مع كلِّ نظرةٍ صرفها عن محاسن امرأةٍ أجنبيةٍ يرقى بها عند الله، فكما أن الله عزَّ وجل جعل لك الصلوات الخمس مناسباتٍ تتصل بها بالله عزَّ وجل، جعل لك غض البصر منسباتٍ عديدةً جداً تتصل بالله عزَّ وجل فيما بين الصلوات. لذلك ما من دعوةٍ إلى الله تهمل غض البصر إلا وقعت في مطبٍ كبير، ما هو هذا المطب ؟ أن الإنسان إذا أطلق بصره حجب عن ربه، فإذا حُجب عن ربه، شعر أن عبادته اقتربت من أن تكون جوفاء، شعر أن الصلاة لا طعم لها، وأن تلاوة القرآن لا طعم لها، وأن ذكره ليس له مردودٌ في قلبه، فلذلك إذا أراد الزوج أن يسعد بزوجته فعليه أن يغض بصره عن محارم الله، تنفيذاً لأمرٍ قرآنيٍ قطعي الدلالة: ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ﴾ ( سورة النور: آية " 30 " ) طبعاً الشريعة متكاملة، أمرت النساء بالتحجُّب، لكن لو أن النساء لم يأتمرن بهذا الأمر، ماذا يفعل الرجل ؟ أُمِر بغض البصر، لأنّ غض البصر يصلح في مجتمع منضبط ومجتمع متخلف، فإذا تفلَّت المجتمع فغض البصر هو الرد الحقيقي على طريقٍ ممتلئ بالنساء الكاسيات العاريات، قال تعالى: ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ ( سورة النور ) معاني قوله تعالى: أبصارهم لكن كلام الله عزَّ وجل يأخذ بالألباب في كلمة ( مِنْ ) في قوله: ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ﴾ المعنى الأول: لو الله عزَّ وجل قال: قل للمؤمنين يغضوا أبصارهم، معنى ذلك لا يصح لرجلٍ أن ينظر إلى أنثى كائنةً من كانت، قل للمؤمنين يغضوا أي أن هناك نساء لك أن تنظر إليهن، كالزوجة، والأم والأخت والبنت، والعمة والخالة، وبنت الأخ وبنت الأخت، هؤلاء هن المحارم، فأنت تغض بصرك، أي تغض من بصرك، تغضُّ بعض بصرك عن النساء الأجنبيات، ولك أن تنظر ببصرك إلى النساء المحارم، هذا أول معنى من معاني ( من ). المعنى الثاني: أنك إذا نظرت إلى من أحلَّ الله لك أن تنظر إليه فيجب أن تغض من بصرك، أي ألاّ تحدق في التفاصيل، ألاّ تدقق في الخطوط، ألاّ تتصور ما وراء هذا الحجاب، أو ما وراء هذه الثياب، هذا من أدب المسلم في نظره إلى محارمه، وهناك أناس لا يعرفون حدود الشرع، فأخته مثلاً لها حرمة، لك أن تجلس معها، ولك أن تأكل معها، ولك أن تسكن معها في بيت، لكن بثياب محتشمة سموها ثياب الخدمة، أي لا يقصر الكمُّ عن المرفق، ولا تنزل فتحة الثوب عن الصدر، ولا يرتفع الثوب عن الركبة، هذه ثياب الخدمة، وإذا نظرت إلى المحارم فانظر بعض النظر، نظرة إجمالية من دون تدقيق، وبدون تفحُّص، ومن دون تركيز على الجزئيات هذا معنى ( من ). المعنى الثالث: ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ﴾ أي أنهم إذا نظروا إلى امرأةٍ أجنبيةٍ فجأةً هناك منعطف، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ نَظْرَةِ الْفَجْأَةِ فَأَمَرَنِي فَقَالَ: (( اصْرِفْ بَصَرَكَ )) [احمد] هو نظر بعض النظر، وغض بصره فوراً، هذا هو المعنى الثالث. عندنا تبعيض نوعي، وتبعيض كيفي، وتبعيض فُجائي، التبعيض النوعي لك أن تنظر إلى المحارم، وعليك أن تغض البصر عما سواهن، التبعيض الكيفي إذا نظرت إلى المحارم فينبغي أن يكون النظر معتدلاً، المعنى الثالث: أنّك إذا نظرت فجأةً إلى امرأةٍ أجنبية فعليك أن تصرف عنها بصرك فوراً، أما أن تأتي الآية الأولى: ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ﴾ أتى غض البصر قبل حفظ الفرج، هذا الترتيب ترتيب سببي، أي سبب حفظ الفرج هو غض البصر، وحفظ الفرج نتيجة، أما التعليل: ﴿ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ ﴾ ( سورة النور: آية " 30 " ) أطهر، أرقى، أصفى، أنجى، أتقى: ﴿ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ يمكن للإنسان أن يوهم الآخرين أنه يغض بصره، لكن الله وحده يعلم خائنة الأعين: ﴿ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ﴾ يمكن أن توهم من حولك من الملتزمين أنك تغض البصر، فإذا التفتوا إلى جهةٍ، أنت نظرت إلى جهةٍ التي لم تكن تنظر إليها من قبل، فهذا الاختلاس ممكن، كما أنه يمكن للطبيب وقد سمح له أن ينظر إلى جسد المرأة بحكم الضرورة يمكن أن ينظر إلى مكانٍ لا تشكو منه المرأة، هذه اسمها خائنة الأعين: ﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ﴾ ( سورة غافر ) فموضوع غض البصر مؤشر دقيق لمراقبتك لله عزَّ وجل، والحقيقة واللهِ أيها الإخوة يجوز لأحدكم أن يقول: نحن يبالغ في هذا الموضوع، الآن سأسمعكم أقوال العلماء الكبار حول هذا الموضوع. ![]() إنّ غض البصر طريقٌ قصيرٌ إلى الله عزَّ وجل، طريقٌ قصيرٌ إلى أن يعمر القلب إلى ذكر الله، ماذا يقول الإمام القرطبي في تفسيره الشهير الجامع لأحكام القرآن حول هذه الآية ؟ يقول: " هو الباب الأكبر إلى القلب "، أي إذا أردت باباً واسعاً يدخل منه النور إلى قلبك فهو غض البصر، " وأعمر طرق الحواس إليه "، عندك خمس حواس، العين حينما تغض بصرها تعمِّر القلب بالقرب من الله، غض البصر يعمِّر القلب، هذا رأي الإمام القرطبي في غض البصر، والتجربة أكبر برهان، فنحن على أبواب رمضان، فإذا بالغ الإنسان في غض بصره، وأداء صلواته، وضبط لسانه، وأنا هذه أذكرها كثيراً: ضبط الدخل، ضبط الإنفاق، ضبط الجوارح، ضبط اللسان، أداء الصلوات، قراءة القرآن، لا تشعر إلا وأنك تحلق في أجواء القرب الإلهي. ويقول الإمام القرطبي أيضاً: " والبصر يكثر السقوط من جهته، ويجب التحذير منه "، كما أن هذه الحاسة حاسة البصر تعمر القلب بالقرب من الله، وهي آكد الطرق إلى القلب، هي المزلة والسقوط التي تودي بالقلب إلى البعد عن الله عزَّ وجل. ويقول عالمٌ آخر في شأن غض البصر: " النظر داعيةٌ إلى فساد القلب ". وقال بعض السلف: " النظر سهم سُمٍ إلى القلب ". والنبي الكريم صلى الله عليه وسلم يقول: (( النظرة سهمٌ مسموم من سهام إبليس )) [الترغيب والترهيب للمنذري بسند فيه ضعف] وروعة الحديث أن هذا السهم مسموم، لأن الإنسان إذا طعن بسهمٍ غير مسموم تأثر مكان الطعن فقط، أما إذا طعن بسهمٍ مسموم سرى السم في كل أعضاء الجسم، لذلك إذا أطلق الإنسان بصره تضطرب دراسته، وتضطرب أسرته، ويضطرب عمله، ويضطرب مزاجه، وتضطرب أعضاؤه، لأنه تتسمم لأن (( النظرة سهمٌ مسموم من سهام إبليس )) فأنا أرى أن كلَّ إنسان له مأخذ أو نقطة ضعف يؤخذ منها، وأن الشباب وغير الشباب في زمن الفتنة أكبر مأخذٍ يؤخذون منه، وأكبر مزلة قدمٍ يزلّون فيها موضوع البصر، ومن لوازم المؤمن غض بصره عن محارم الله، لذلك أمر الشرع الحنيف بحفظ الفروج، كما أمر بغض الأبصار، وجعل غض الأبصار ثمناً لحفظ الفروج. وقال الشيخ القاسمي في تفسيره لهذه الآية: " النظر بريد الزنا، وغض البصر من أجل الأدوية لعلاج القلب، وفيه حسمٌ لمادته ". إذا نشأت مع الإنسان مشاحنة أحياناً، أو نفور أو تباغض فلعله تساهل في هذه العبادة، عبادة غض البصر، فكان العقاب العاجل هذه المشاحنة، وتلك البغضاء بين الزوجين، لأن الإمام الشعراني يقول: " أنا أعرف مقامي عند ربي من أخلاق زوجتي ". ويقول ابن كثير في تفسيره للآية: ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ " أي ذلك أطهر لقلوبهم، وأتقى لدينهم، كما قيل: من حفظ بصره أورثه الله نوراً في بصيرته ". هناك بصر وهناك بصيرة " من حفظ بصره أورثه الله نوراً في بصيرته " ![]() دائماً هناك لذات قريبة، وهناك سعادة متنامية، اللذات القريبة إذا ضحَّيت بها كسبت السعادة المتنامية، والسعادة المتنامية تضيع منك إذا آثرت عليها اللذات القريبة، وأنا أرجح أن أسمِّي اللذة الناتجة عن عضوٍ حسي، واللذة العابرة التي تنتهي بكآبةٍ وضيق، أن أسميها لذةً، ولا أسميها سعادةً، والسعادة الناشئة عن اتصال الإنسان بالله عزَّ وجل، وعن استقراره وسكينته، هذه السعادة المتنامية أنا أفضل أن أسميها سعادة لا لذة، السعادة تعني أنه يغلب عليها الطابع النفسي، وطابع الديمومة، وطابع التنامي " النماء "، واللذة يغلّب عليها الطابع الحسي، وطابع الانقطاع، وطابع الانكماش. روى الإمام أحمد عَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ![]() (( مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَنْظُرُ إِلَى مَحَاسِنِ امْرَأَةٍ أَوَّلَ مَرَّةٍ ثُمَّ يَغُضُّ بَصَرَهُ إِلَّا أَحْدَثَ اللَّهُ لَهُ عِبَادَةً يَجِدُ حَلَاوَتَهَا )) [أحمد] عندنا مقياس، هل تشعر بحلاوةٍ تذوق طعمها عند غض البصر ؟ قد يشعر الإنسان بقيمته الإنسانية، وبقوة إرادته، أحياناً تتوهم المرأة وهي جاهلة أن معها سلاحاً قوياً ضد الرجل، طبعاً أقصد الأجنبية، أما إذا رأت إنساناً لا ينظر إليها اعتراها الفشل والحزن. كنت في الحج قبل عدة أعوام، فأُشيرَ إلى شابٍ ألماني مسلمٍ، حُدِّثنا عن سبب إسلامه ؛ أن هذا الشاب هو ليس شاباً بل هو كهل، أن هذا الإنسان الألماني له بيت في مدينة في ألمانيا، وجاءه طالب من سورية سكن في إحدى غرف البيت، وفي هذا البيت فتاةٌ جميلة هي ابنته، وبحسب قيم هؤلاء وعاداتهم وتقاليدهم، ليس عنده ما يمنع من أن تكون هناك علاقة بين هذا الشاب الضيف وفتاته، لكن الذي لفت نظر هذا الإنسان أن هذا الشاب تمنى أن يضبطه مرةً واحدة ينظر إلى ابنته، مرة أو مرتين، أو أسبوعًا أو أسبوعين، أو في أوقات منتظمة أو غير منتظمة، لكن هذا الشاب يغض بصره غضاً حازماً، وهذا نموذج نادر وغير مألوف هناك، فلا مانع لديه في أن يكون هناك مودة أو لقاء بينه وبين ابنته، فلما جلس إليه ليناقشه قال: هكذا ديننا أمرنا بغض البصر، وبعد مناقشاتٍ طويلة، كان إسلام صاحب البيت على يد هذا الشاب، وقد رأيناه في الحج، فالانسياق مع الشهوة لا تحتاج إلى بطولة أبداً، فأي إنسان مهما كان مستواه منخفضًا فانطلاقه مع شهواته قضيةٌ لا تكلّفه شيئاً، بل تمتعه، لكن البطولة أن تكفَّ نفسك عن شهوةٍ حرمها الله عليك. يقول عليه الصلاة والسلام: (( مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَنْظُرُ إِلَى مَحَاسِنِ امْرَأَةٍ أَوَّلَ مَرَّةٍ ثُمَّ يَغُضُّ بَصَرَهُ إِلا أَحْدَثَ اللَّهُ لَهُ عِبَادَةً يَجِدُ حَلاوَتَهَا )) وقد روى الإمام مسلم عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: (( سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ نَظَرِ الْفُجَاءَةِ فَأَمَرَنِي أَنْ أَصْرِفَ بَصَرِي )) هذه أيضاً من معاني ( من ). أحياناً يكون في الطريق منعطف حادٌّ، فينعطف الإنسان، فإذا بامرأةٌ أمامه، يفتح الباب فيجد امرأة أمامه، وفي أحيان كثيرة يشاهد امرأةً أمامه، فالأمر الإلهي أن يغض بصره، أما ما روي عَنْ بُرَيْدَةَ رَفَعَهُ قَالَ: (( يَا عَلِيُّ، لَا تُتْبِعْ النَّظرَةَ النَّظْرَةَ، فَإِنَّ لَكَ الْأُولَى وَلَيْسَتْ لَكَ الْآخِرَةُ )) [الترمذي] الأولى أقلّ من ثانية، أما عشر ثوان فلا !! هذه عشر نظرات. وفي الحديث الصحيح الذي رواه الإمام مسلم أيضاً عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( كُتِبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ نَصِيبُهُ مِنْ الزِّنَا مُدْرِكٌ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ، فَالْعَيْنَانِ زِنَاهُمَا النَّظَرُ، وَالْأُذُنَانِ زِنَاهُمَا الِاسْتِمَاعُ، وَاللِّسَانُ زِنَاهُ الْكَلَامُ، وَالْيَدُ زِنَاهَا الْبَطْشُ، وَالرِّجْلُ زِنَاهَا الْخُطَا، وَالْقَلْبُ يَهْوَى، وَيَتَمَنَّى، وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ الْفَرْجُ وَيُكَذِّبُهُ )) [مسلم] يعني بالنصيب هنا تبعة هذا العمل، فأيُّ عملٍ من هذه الأعمال ؛ زنا العين، زنا الأذن، زنا اليد، الرجل، القلب، زنا الفرج، أي نوعٍ من أنواع الزنا، كتب على الإنسان تحمُّل تبعته، أي عقابه، فالمعنى ليس جبرياً، بل المعنى ردعي، انتبه لهذا، فكل هذه الأنواع كتب عليك تحمل عقابها، هذا هو المعنى الصحيح. لكن الذي يلفت النظر في هذا الحديث أن أنواع الزنا كثيرة ؛ العين، والأذن، واللسان واليد، والرجل، والقلب، والفرج، بماذا بدأ النبي عليه الصلاة والسلام ؟ بدأ بالعين، لأنها هي الأصل، منها تنطلق بقية الخطوات. والحديث الصحيح الذي رواه الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى عَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ![]() (( مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَنْظُرُ إِلَى مَحَاسِنِ امْرَأَةٍ أَوَّلَ مَرَّةٍ ثُمَّ يَغُضُّ بَصَرَهُ إِلَّا أَحْدَثَ اللَّهُ لَهُ عِبَادَةً يَجِدُ حَلَاوَتَهَا )) [احمد] هذا كما قلت قبل قليل: النظرة سهمٌ مسموم من سهام إبليس، وإبليس كما تعلمون طلاعٌ رصّاد، وما هو من فخوخه بأوثق لصيده في الأتقياء من النساء، لذلك اتقوا النساء فإنهن حبائل الشيطان. وقد أَلِفَ بعض المسلمين أن ينصاعوا إلى الله في هذه العبادة بالذات في رمضان، ولكن إذا عادوا إلى ما هم عليه بعد رمضان، فكانت حياتهم كهذه الحركة، صعود وهبوط إلى أن يأتي الأجل والمحصلة صفر. أما المؤمن فإنه يصعد في رمضان، ويحافظ على هذا الصعود طوال العام، وفي رمضان الثاني له صعود آخر، ثم صعود ثانٍ، وثالث، ورابع، وخامس، فالمؤمن تتصاعد مرتبته في الإيمان، ويتابع الترقي، أما ضعيف الإيمان فيُدافع التدني، هناك فرقٌ كبير بين متابعة الترقي ومدافعة التدني، دائماً يخطئ ويتوب، ويخطئ ويتوب، ويتوب ويخطئ، والمحصلة صفر، فهو يراوح مكانه، فلا يوجد تقدم، فالذي أرجوه من الله جلَّ جلاله أن كل شيء في رمضان قدرت على نفسك به، أن تحافظ عليه بعد رمضان، كما حافظت عليه في أثناء رمضان. 2– عدم لمسِ الرجلِ المرأةَ الأجنبيةَ الباب الثاني في الدرس: الأمر باجتناب لمس المرأة الأجنبية، فالنظر انتهينا منه، وأنا لا أبالغ أن هناك مدرسة في الإسلام اسمها مدرسة غض البصر، مدرسة فيها آية صريحة، آية بكاملها واضحة الدلالة جداً، تأمر المؤمن بغض البصر، معنى ذلك أن أكثر أغلاطه، وأكثر مشكلاته إذا لم يطبِّق هذه الآية مبعثها من هذا القبيل. لقد حرَّمت الشريعة الإسلامية اختلاط النساء بالرجال، لهذا أُمرت النساء بالابتعاد عن مواضع الاختلاط. ﴿ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا ﴾ ﴿ قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ ﴾ [سورة القصص] بنات سيدنا شعيب لا يزاحمن الرجال في سقي الغنم. روى الإمام البيهقي عن معقل بن يسار رضي الله عنه قال: (( لأن يطعَن أحدكم رأس أحدكم بمخيطٍ من حديدٍ خيرٌ له من أن يمسَّ امرأةً لا تحلّ له )) إن كلام النبي صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى، فأنا ألاحظ بعض الصيادلة يضعون صحنًا، فإذا أرادوا أن يعطوا امرأةً بقية ثمن الدواء يضعون المبلغ على الصحن، فلا ينبغي أن تلمس يدك يد امرأةٍ أجنبية، هذا الأكمل، وهذا الشرع، وسأسرد عليكم الأحاديث المؤيدة لهذا. أذكر قصة أظن أني رويتها لكم، جاءت وزيرة، واستُقبِلت في المطار، وكان من بين المستقبلين أحد كبار موظفي الوزارة، وهذا الموظف ملتزم، فلما مدت يدها كي تصافحه، وكان في استقبالها بحكم وظيفته، لم يصافحها، بل سحب يده، فانزعجت أشد الانزعاج، لكنها في قاعة الشرف سألت: من هذا الموظف الذي لم يصافحني ؟ وكأنها عدَّت ذلك إهانةً لها، فقال لها الوزير المستقبل: هو له عقليةٌ خاصة، معتذراً عنه، وانزعج منه أشد الانزعاج، لكنها أصرت على أن تلقاه على طعام الغداء، وقد صرفه الوزير بألاّ يحضر معهم طعام الغداء ما دمت وقفت هذا الموقف، ففي الظهيرة سألته: لمَ لمْ تصافحني ؟ قال: إن ديني يمنعني من مصافحة امرأةٍ أجنبية، فقالت: لو أن المسلمين أمثالك لكُنَّا تحت حكمكم، هكذا قالت. شيء رائع جداً أن إنسانًا يكون ملتزمًا مطبقًا، هذا الشيء يرفع من قيمته عند الله، وعند الناس. إذاً الموضوع الآن غير النظر، إنه موضوع مس يد امرأة لا تحل لك، هذا منهيٌ عنه أشد النهي. أدلة تحريم لمس المرأة الأجنبية ![]() يقول عليه الصلاة والسلام: (( من مس كف امرأةٍ ليس منها بسبيلٍ وضع على كفيه جمرةً يوم القيامة )) [ورد في الأثر] لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم : (( إِنِّي لَا أُصَافِحُ النِّسَاءَ )) [النسائي عن أميمة بنت رقية] والإنسان لا يستحي بدينه، أي لا يصافح، وانتهى الأمر، ليفسروا هذا كيفما شاءوا. وكان عليه الصلاة والسلام يحرص على أن لا تمس يده يد امرأةٍ، فقد روى الإمام مسلمٌ أن عائشة زوج النبي قالت: (( كَانَتِ الْمُؤْمِنَاتُ إِذَا هَاجَرْنَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُمْتَحَنَّ بِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ )، إِلَى آخِرِ الآيَةِ قَالَتْ عَائِشَةُ: فَمَنْ أَقَرَّ بِهَذَا مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ فَقَدْ أَقَرَّ بِالْمِحْنَةِ ـ أي بالامتحان ـ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَقْرَرْنَ بِذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِنَّ قَالَ لَهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: انْطَلِقْنَ فَقَدْ بَايَعْتُكُنَّ، وَلا وَاللَّهِ مَا مَسَّتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَ امْرَأَةٍ قَطُّ، غَيْرَ أَنَّهُ يُبَايِعُهُنَّ بِالْكَلامِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: وَاللَّهِ مَا أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى النِّسَاءِ قَطُّ إِلا بِمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَمَا مَسَّتْ كَفُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَفَّ امْرَأَةٍ قَطُّ، وَكَانَ يَقُولُ لَهُنَّ إِذَا أَخَذَ عَلَيْهِنَّ: قَدْ بَايَعْتُكُنَّ كَلامًا )) [مسلم] سمعت أن شخصًا أراد أن يبايع مريدة عنده، يضع وعاء به ماء، فتغمس يدها فيه، ويغمس يده فيه، لأن الماء ناقل للكهرباء. النبي صلى الله عليه وسلم لم يصافح إطلاقاً، وهو الأكمل، ويقول الإمام النووي في شرح هذا الحديث: " إن بيعة النساء بالكلام من غير أخذ كفٍ، وأنه لا يلمس بشرة الأجنبية من غير ضرورة ". أما الضرورة كالطبيب فيجوز، مثلاً قد يكون طبيب الأسنان لقلع ضرس، إذا لم يكن هناك طبيبة، أو طبيب معالج. وقد روى الإمام الطبري رحمه الله تعالى عن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: (( لأن يزحم رجل خنزيراً متلطخاً بطينٍ أو حمأةٍ خيرٌ له من أن يزحم منكبه منكب امرأةٍ لا تحلُّ له )) [الترغيب والترهيب للمنذري بسند فيه ضعف] أي إذا كان الطريق مفعما بالنساء تدخل بينهن وتزاحم، فأحياناً يمس كتفك كتف امرأة بالازدحام، فلذلك النبي الكريم يقول: (( لأن يزحم رجل خنزيراً متلطخاً بطينٍ أو حمأةٍ خيرٌ له من أن يزحم منكبه منكب امرأةٍ لا تحلُّ له )) إنّ هذه إذا طبقها الزوج، فلم ينظر، ولم يصافح فقد أدى ما عليه من أسباب ديمومة الزواج، وسعادة الزواج. وترون معي أيها الإخوة كيف أن الزواج الذي هو أقدس عقدٍ على الإطلاق بين رجلٍ وامرأة، هذا العقد يحتاج إلى محافظة، ويحتاج إلى تدعيم، تدعيمه تطبيق الشريعة، وأذكِّر أنه في زمن الفساد، وزمن الفتن اليقظة، وزمن الشهوات المستعرة، وزمن التفلُّت، وزمن الشوارع المفعمة بالنساء الكاسيات العاريات، وزمن أن كلَّ شيءٍ أريد له أن يروج، لا بدَّ أن يكون عليه صورة امرأةٍ متبذلة، أي بضاعةٍ، أو أي شيءٍ تشتريه من أجل أن يروّج، لا بدَّ من صورة امرأة متبذلة توضع عليه، في مثل هذا الزمن الصعب يقول النبي عليه الصلاة والسلام: (( يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ الصَّابِرُ فِيهِمْ عَلَى دِينِهِ كَالْقَابِضِ عَلَى الْجَمْرِ )) فالإنسان كما ورد في القرآن الكريم بتوسع: ![]() ﴿ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ ﴾ ( سورة الكهف: آية " 16 " ) فالإنسان كهفه هو بيته، وكهفه مسجده، وإذا كان يقدر أن لا يدخل إلى الأسواق في أوقات الازدحام فليبتعد، ويختار وقتًا لا يجد فيه ازدحامًا، وإذا كانت الطرق موبوءة فليختَرْ الطرق الفارغة، وإذا كانت الأماكن الجميلة في الصيف مفعمة بالنساء، فهذا المكان ليس لك في هذا الوقت، اذهبْ في أوقات أخرى. أحياناً يخرج الإنسان إلى مكان ما، أو إلى مصيف، أو إلى ساحل، هذا المكان ليس للمسلم، مستحيل، تجد العورات كلّها مكشوفة، والمعصية محققة، فالمؤمن يفرُّ بدينه حفاظاً على سلامة اتصاله بالله عزَّ وجل وسلامة قلبه، لكن ربنا سبحانه وتعالى من عظيم كرمه أن كلَّ مؤمنٍ آثر رضوانه على شيءٍ مألوفٍ عند الناس، ومباحٍ عند معظم الناس يعوضّه الله عزَّ وجل عطاء وسكينة ورحمة يجد حلاوتها إلى يومٍ يلقاه. فدرسنا اليوم كان للشباب وللمتزوجين، لكن الشباب ولا سيما في زمن الفساد، وزمن التفلُّت، وزمن الفتنة المستعرة، هم في أشد الحاجة إلى هذا الأمر الإلهي، هذا الأمر يحصنه، يقول لك: كبْت، الكبت لا يأتي إلى رجل مستقيم، الكبت إثارة ومنع، أما إذا غض الإنسان بصره قطع عنه الإثارة، الكبت أساسه إثارة ومنع، وهذا شيء صعب جداً، أما إذا ابتعد الإنسان عن أماكن الشبهات، ومواطن الفساد، وعن الأماكن الموبوءة، وعن ازدحام الأقدام غير الملتزمة، وعن الأماكن السياحية الموبوءة بالنساء، إذا ابتعد وخطط لنفسه وقتًا مناسبًا ما فيه ازدحام، وبعيدًا عن الاختلاط فهو الأفضل، والله عزَّ وجل مع المؤمن، فهو يتجلىَّ على المؤمن تجليًّا ينسيه كل هذه الفتن التي ابتعد عنها باختياره. هذا الدرس عام للأزواج وللشباب، والمأخذ الوحيد الآن للشباب موضوع النساء، فهو مأخذ كبير، وسبحان الله !!! حينما ينصرف الشاب إلى الله عزَّ وجل، ويغض بصره تنتظم أموره، ويبني نفسه بناء صحيحا، ويتفوق في دراسته، وينجح بعمله، لأنه أصبح في صفاء، ولأن هذا الشيء يشوش، الشيء مبذول، وله شعور بالذنب كبير، يعقبه شعور بالكآبة، أما إذا وطن الإنسان نفسه على طاعة الله فقد انتهى الأمر، فبهذا ينتهي موضوع الزواج الذي بقي في دروسٍ عشر. أرجو الله سبحانه وتعالى أن تكون هذه الآيات وتلك الأحاديث التي وردت في هذه الدروس، منارات للمؤمنين، ومبادئ أساسية يستلهمون منها سلوكهم، فلعل الله سبحانه وتعالى يرحمنا جميعاً بطاعته. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#20 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم
الفقه الاسلامي - العلاقات الاسرية الدرس (الثامن عشر) شروط الزواج تحريم الزواج بالمشركة : أيها الأخوة المؤمنون : وصلنا في الدرس الماضي في موضوع الزواج إلى المحرمات مؤقتاً من النساء . من هذه المحرمات مؤًقتاً المشركة ، اتفق العلماء على أنه لا يحل لمسلم أن يتزوج من الوثنية ولا الزنديقة ، ولا المرتدة عن الإسلام ولا عابدة البقر ، ولا المعتقدة بمذهب الإباحة أي هذا اللانمطي ، اللاديني ، الذي لا يؤمن بشيء ، ويفعل كل شيء ، هذه الإباحية ، من تعتقد بمذهب الإباحية لا يحل لمسلم الزواج منها . فالوثنية من تؤمن بالوثن ، من تعبد صنماً ، والزنديقة التي تنكر الأديان السماوية، والمرتدة التي أسلمت ثم كفرت ، وعابدة البقر والمعتقدة لمذهب الإباحة كالوجودية ، ونحوها من مذاهب الملاحدة ، هؤلاء النساء كلهن لا يحل لمسلم الزواج منهن . ربنا سبحانه وتعالى يقول : ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [سورة البقرة : 221] ![]() أي الزوج أم الزوجة إن كانا مؤمنين بالله فهما يدعوان إلى الله والدار الآخرة وإلى الجنة ، وإن كانا على خلاف ذلك ، إن كانت امرأة دعت زوجها إلى جهنم ، وإن كان رجل دعا زوجته إلى جهنم . الحقيقة هناك سبب أو علة بليغة لتحريم الزواج بالمشركة ، هذا الإنسان الذي لا دين له . . ماذا يفعل الدين ؟ الدين فيه مجموعة أوامر ومجموعة نواه ، فيه نظام ، فيه ما يجوز وفيه ما لا يجوز ، فيه ما هو مباح وفيه ما هو غير مباح ، فاللاديني لا يحرم شيئاً ويبيح لنفسه كل شيء ، أي اللاديني قد يقارب امرأته في أثناء الحيض ، مع أن الله سبحانه وتعالى يقول : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [سورة البقرة : 222] خطر في بالي مرةً أن بحثاً عليماً قيماً يمكن أن يُبحث فيه وهو تقصي علل الأوامر والنواهي في القرآن الكريم . ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [سورة البقرة : 183] هذه العلة ، السبب ، الهدف . . ﴿قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [سورة البقرة : 222] فالزوج المشرك أو المرأة المشركة لا ترحم حلالاً ، ولا تفعل شيئاً مما يأمر الله به . هذه العلة ، فالإنسان الذي لا دين له ، لا كتاب سماوي لديه ، لا يخاف من الله ، لذلك جاء في الحديث القدسي : " ياموسى خف ثلاثاً ؛ خفني ، وخف نفسك ، وخـــف من لا يخافني " . هذا الذي لا يخاف الله يخيف ، ليس عنده رادع ، ليس عنده شيء لا يجوز ، ليس عنده شيء حرام ، ليس عنده شيء مخالف للإنسانية ، للرحمة ، للقيم . دابة فلتانة . ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ [سورة الكهف : 28] علة الزواج بكتابية : أما الكتابية فشيء آخر ، الكتابية تؤمن بالله ، تؤمن بكتاب مقدس نزل على سيدنا عيسى ، تؤمن بشيء لا يجوز وشيء يجوز ، فالكتابية شيء ، والمشركة شيء آخر ، ولا يُجمع بينهما لأن الله سبحانه وتعالى سمح للمؤمنين بالزواج من الكتابية لعلة سوف نراها . يحل للمسلم أن يتزوج الحرة من نساء أهل الكتاب . الحقيقة يوجد آيتان ، آية تبيح وآية لا تبيح ، وبعضهم جمع بينهما ، لأن هناك حالات تبيح ، وهناك حالات لا تبيح ، أي إذا كان دين الكتابية أقوى من دين المسلمين ، فالأولاد يأتون لأقوى الأبوين ، فإذا كان الدين المسيحي أقوى من الإسلام في العالم ، وله مركز الصدارة ، فأولاد الزوجة الكتابية يميلون لأقوى الأبوين ، أو لدين أقوى الأبوين ، أو للدين الأقوى، ففي هذا الظرف لا ينبغي للمسلم أن يتزوج بالكتابية لأنه إذا تزوج بالكتابية نشأ الأولاد على حب غير المسلمين . شيء عانيته بنفسي ، زرت صديقي ، هو متزوج من كتابية رأيته يلح على أولاده لحضور خطبة الجمعة في هذا المسجد إلحاحاً غير طبيعي فلما سألته عن السبب ، قال لي: أولادي على دين أمهم ، يميلون إلى أمهم . حتى طالب كان ديانته الإسلام ، أدى الفحص تربية مسيحية بالشهادة الثانوية بتوجيه أمه ، أي إذا الإنسان تزوج كتابية في هذا الزمان فهناك احتمال كبير أن يكون الأولاد على دين أمهم . أما إذا كان الإسلام هو الأقوى ، وهو الأعز ـ الإسلام عزيز دائماً ، لكن المسلمين هناك مراحل يكونون فيها في مركز الصدارة ، وفي مركز القوة ، و مراحل أخرى ينتابهم الضعف ، فإذا كان الإسلام هو الأقوى ، وهو مركز الصدارة ، ويُدار به دفة العالم لا مانع من أن تأخذ كتابية لأنها سوف تسلم قطعاً ، دينك هو الأقوى . هناك شيء آخر : الإسلام حكيم إلى أبعد الحدود ، حينما سمح للرجل المسلم أن يتزوج من الكتابية فلأن في الزواج علاقات متينة جداً ، هذه العلاقات المتينة تكون عن طريق الزواج ، فلعل هذه المرأة الكتابية إذا تزوجها المسلم وصار بينه وبين أهل زوجته خبز وملح كما يقولون وزيارات وأخذ وعطاء ، ربما كان هذا المسلم سبباً في هداية هؤلاء جميعاً ، في هداية زوجته وأهل زوجته . أي لابد من هدف أخلاقي سامٍ حينما يقرر الرجل المسلم الزواج من الكتابية لسبب عالٍ ، لسبب وجيه ، أن يأخذ بيدها ، أو أن يكون هذا الزواج سبباً لهداية أهلها ، أو إذا كان دينه هو الأقوى . أما في بعض الحالات فلا ينبغي للمسلم أن يأخذ الكتابية بسبب أن الأولاد قد ينشؤون تنشئة لا ترضي الأب ، وهذا ما يحصل كثيراً ، كثيرون هم الأشخاص الذين تزوجوا كتابية ففي ليلة لا قمر فيها كما يقولون افتقد الزوجة فإذا هي في بلدها وقد أخذت الأولاد معها . تحريم زواج المسلمة بغير المسلم : ![]() أما زواج المسلمة بغير المسلم فهذا لا يجوز قطعاً ، هناك حكمة بالغة ، لأن للرجل القوامة ، الرجال قوامون على النساء ، مسلمة تخاف من الله ، تحب أن تطيع الله عز وجل ، يأتي زوجها غير المسلم فيأمرها بالفجور ، لا يمكن هذا ، يأمرها أن تختلط مع الرجال، يأمرها بما لا يرضي الله ، قد يعاملها معاملة خلاف الشرع ، لذلك إذا أبيح للمسلم أن يأخذ الكتابية فلأن القيادة بيده ، أما لا يباح للمسلمة أن تتزوج الكتابي إطلاقاً كيفما كان دين هذا الكتابي ضعيفاً كان أو قوياً لأن القيادة بيده ، والولاية له ، والقوامة عائدة للزوج ، فقد يأمرها وكثيراً ما يأمرها بما يغضب الله عز وجل . ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [سورة الممتحنة :10] هذه الآية مدلولها قطعي في تحريم زواج المسلمة بغير المسلم . تعدد الزوجات : أما الزيادة على الأربع فطبعاً ربنا عز وجل قال : ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ [سورة النساء : 3] ![]() طبعاً منطوق هذه الآية مثنى وثلاث ورباع ، بعضهم أصلحهم الله فهم هذه الآية فهماً على خلاف اللغة ، مثنى وثلاث أي اثنتان زائد ثلاث صاروا خمس ، ورباع زائد أربع صاروا تسع ، بعضهم فهم مثنى على اثنتين اثنتين أي أربع ، وثلاث ست صاروا عشر ، ورباع ثماني صاروا ثماني عشرة . طبعاً لغة العرب واضحة كالشمس ، العرب ليس من عادتهم ولا في لغتهم أن تعبر عن التسعة بكلمة اثنتين ، ثلاث ، أربع ، ما أحد فعلها إطلاقاً ، هذا الأسلوب ليس وارداً في لغة العرب إطلاقاً ، أما مثنى وثلاث ورباع أيضاً مثنى مثنى ، ثلاث ثلاث ، رباع رباع ، إذا أردت التكرار تكرر . الشيء الرابع الواو هنا للتخيير ، ولكن لو استخدمنا حرف أو بدل الواو ماذا ينتج عن هذه الآية ؟ لا يحل لمن عنده اثنتان أن يقترن بالثالثة ، مثنى أو ثلاث أو رباع ، لو استخدمنا أو فهذه للتخير ، ولا يجوز الجمع بينهما ، إما اثنتان وإما ثلاث ، أما كان عنده اثنتان فصاروا ثلاث ، لذلك لا ينبغي أن تكون هذه الآية بهذا الشكل ، هي أوضح شيء مثنى وثلاث ورباع ، فقال الإمام الشافعي : بلغ سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لا يجوز لأحد غير رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجمع أكثر من أربع نسوة ، وهناك أدلة أخرى . النبي الكريم قال لغيلان بن أمية الثقفي وقد أسلم وتحته عشر نسوة اختر منهن أربعاً وفارق سائرهن ، وفي كتاب أبي داود عن الحارث بن قيس قال : أسلمت وعندي ثماني نسوة ، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم قال : اختر منهن أربع . إذاً لا يجوز الاقتران بأكثر من أربع نساء في حكم الشرع ، أما في هذه الأيام فالواحد ليس بمقدوره أن يأخذ أكثر من واحدة . وسوف ننتقل إن شاء الله إلى موضوع العدل بين الزوجات ، وهذا موضوع دقيق العدل بين الزوجات هو حكمة تعدد الزوجات . * * * المعروف لا يصلح إلا لذي دين أو لذي حسب أو لذي حلم : والآن إلى بعض الأحاديث الشريفة . ((إن المعروف لا يصلح إلا لذي دين أو لذي حسب أو لذي حلم)) [ الطبراني عن أبي أمامة ] هذا الحديث له معنيان ، المعنى الأول : أن المعروف لا يمكن أن يصدر إلا عن رجل يعرف الله عز وجل ، وإلا لماذا يفعل المعروف ليس له تفسير ؟ تنتظر إكراماً من إنسان مقطوع عن الله ، تنتظر إنساناً لا يعرف الله أن ينصفك ، مستحيل ، تنتظر إنساناً يضحي من أجلك ولا يعرف الله عز وجل ؟ مستحيل ، المعروف لا يصلح إلا لذي دين أو لذي حسب . . الناس يستخدمون عبارة أن فلاناً ابن عائلة أي ابن أسرة عريقة ، يبدو أن الأسرة الدينة لها تربية ثابتة ، لها تقاليد ، لها عادات مقتبسة من الدين ، فالإنسان يردعه دينه ، أحياناً في بعض الأسر العريقة التي لها باع طويل في العلم والدين أولادها على مستوى راق من التهذيب ، الدين بحكم العقل دين ، أما أولاد الأسر الراقية فبحكم العادة ، ألفوا عادات راقية ، فالمعروف لا يصدر إلا من رجل دين ، وأن هذا الدَّيِّن يعرف مهمته في الحياة ، وأن الله سبحانه وتعالى خلقه للعمل الصالح ، وهذا العمل هو بغيته ، والإيمان يحرك الإنسان نحو العمل الصالح إلى أبعد الحدود ، هذا الدين ، أما بالحسد لو كان من أسرة راقية ، هذه الأسرة كما قلنا : لها تربيتها ، لها عاداتها ، فيها الحياء ، فيها الوقار ، الصغير يحترم الكبير ، الكبير يحنو على الصغير ، العمل المشين لا يفعله أفراد هذه الأسرة ، القبائح يترفعون عنها يخافون على سمعتهم . أذكر أنه وقع خلاف بين شخصين ، أحد هذين الشخصين من أسرة راقية الأب له مكانة دينية في المجتمع ، فقلت لابنه : ألا تغار على سمعة أبيك ؟ قال : نعم ، وأخاف على سمعتي واحكم كما تشاء ولا أخالف أمرك ، أنا أردت أن أثير عنده هذا الشعور ، أي يخاف على سمعته ، يخاف على سمعة أبيه ، يخاف على اسم أبيه ، فهذا ليس بداع ديني ولكن بداعي الحفاظ على مكانة الأسرة ، فهذا قد يفعل خيراً بحكم العادة ، أما الأول فبحكم العقيدة . أو بذي حلم ، الحلم من عُرف عنه أخلاق فاضلة ، أي إنسان أحياناً يكون تفكيره ناضجاً جداً يجد أن مكارم الأخلاق أليق به من ترك هذه المكارم ، حتى إني أقول كلمة : إن العمل الأخلاقي يلتقي مع العمل الذكي في النتائج ، ويختلف عنه في البواعث . مثلاً مدير دائرة مؤمن ، ومدير دائرة ذكي ، المؤمن يرى أنه إذا عدل بين الناس يطبق أمر الله بحكم محبته لله عز وجل ، بحكم ورعه ، بحكم خوفه من الله عز وجل ، يعدل بين الموظفين ، يتواضع لهم ، يبحث في مشكلاتهم ، يعين ضعيفهم ، يقبل العذر من المقصر، لطيف ودود ، هذه صفات المؤمن . وإنسان إذا عنده ذكاء من درجة عالية يرى أنه من أجل أن يكون له مكانة كبرى في هذه الدائرة يعدل بين الموظفين ، لا حباً بالله ، ولا خوفاً من عقاب الله ، ولا يبتغي بهذا العمل رضا الله أبداً ، ولكنه يبتغي بهذا العمل أن تكون له مكانة كبيرة عند الناس ، قد يسأل من كان بحاجة إلى مساعدة ، هذا الذي ساعده ينشر هذه القصة بين الموظفين ، فيأتيه الثناء فيحبه الجميع ، هو يسعى إلى أن ينتزع إعجاب الناس ، ينتزع محبتهم ، ينتزع مودتهم وتكون له هذه ، ولكن مثل هذا الإنسان الذكي ليس له عند الله في الآخرة من خلاق . هذه المشكلة التي تحير المؤمن . يا أخي الجماعة في أوربا صادقون . . نعم ، لا يغشون . . نعم ، بضاعتهم درجة أولى صحيح ، يصنفونها لك تصنيفاً صحياً ، الشحن ، المواعيد كلها مضبوطة ، لا يوجد عندهم غش ، لا يوجد عندهم خداع ، نعم ، العمل الذكي يلتقي مع العمل الأخلاقي في النتائج ويختلف عنه في البواعث ، شتان بين من طهرت نفسه فهو لا يفعل إلا هذا الموقف الكامل ، وبين من خطط فرأى أن هذا الموقف أنفع له في الدنيا ، فرق كبير . . هذا الذي يعانيه بعض المسلمين . الإنسان الذكي لا يكذب ، الذكي لا يخلف وعده ، الذكي لا يتكبر . . الآن إذا رجل تكبر ، اسمع ماذا يقولون عنه في غيابه ، لو تتبع ما يُقال في غيبته وتهكمات الناس ، وسخريتهم لا تحتمل . يأتي إنسان يتواضع ، إذا تواضع يثنون عليه ، يا أخي ما هذا ؟ متواضع ، نفسه هنية مثلاً ، لا يتكبر ، عطف علينا ، فإذا دخل مدير دائرة والآذن وقف له فقال له : الله يعطيك العافية ، كيف صحتك ؟ كيف أولادك ؟ هل يلزمك شيء ؟ هذا العمل يقوم فيه ذكي ، حتى ينتزع إعجابه ، الآذن يتكلم ، يقول لك : ما هذا ؟ مديرنا متواضع ، مديرنا الجديد ابن حلال ، هو هكذا يريد ، يريد السمعة وقد حصلت له لذلك يوم القيامة يقول : " يا رب ، قرأنا القرآن من أجل رضاك ، يقول لهم : كذبتم ، قرأتم القرآن ليقال عنكم قراء وقد قيل، تعلمت العلم ليقال عنك عالم وقد قيل ، جاهدت في سبيلي ليقال عنك شجاع وقد قيل " لما الإنسان يكون ذكياً يفعل عملاً يلتقي مع عمل المؤمنين ، أما بالنوايا فشتان بينهما أين الثرى من الثريا ؟ ![]() التعليق هذا على أن المعروف لا يصلح إلا لذي دين ، أو لذي حسب ، أو لذي حلم ، طبيب مثلاً راكب سيارته ورأى رجلاً جريحاً ، ورأى جمهرة من الناس حوله ، وهذه الجمهرة من الناس أبناء حيه ، فيوقف سيارته ويأخذ هذا الجريح ، ولا يبالي بالدماء التي ستلوث السيارة، يأخذه إلى المستشفى ، إذا كانت نيته تكثير الزبائن - لأن الناس يثنون عليه - فإذا كانت نيته هكذا فهذا العمل فيه رحمة ، ولكن قد يكون الطبيب خال من الرحمة ، عمله رحيم وهو خال من الرحمة . أحياناً قاض يأتيه مواطن عادي ، يأتيه شخص له قيمته ، فيرى الحق مع هذا المواطن العادي ، وهذا الشخص الوجيه الكبير الحق ليس معه ، يحسب إنه إذا حكم لهذا الفقير والحكم انتشر وبلغ الناس ، ووصل هذا الحكم لقضاة الاستئناف والتمييز من رؤسائه تيقنوا من نزاهته ، إذاً يصير له مستقبل باهر في القضاء ، فيحكم بالعدل لا حباً في العدل وليس عادلاً ، حكمه عادل وهو ليس بعادل . لذلك النوايا دقيقة جداً ، الإنسان يتفحص نيته لماذا أفعل هذا الخير ؟ هل أبتغي به السمعة والجاه ؟ (( عن عمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِي اللَّه عَنْهِ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ )) [متفق عليه عن عمر ] (( يا معاذ أخلص دينك يكفك القليل من العمل )) [شعب الإيمان عن معاذ] إذاً : " إن المعروف لا يصلح إلا لذي دين أو لذي حسب ، أو لذي حلم " . هذا أخلاقي ، أخلاقه جاءت من ذكائه ، وهذا أخلاقه جاءت من عاداته ، وهذا أخلاقه جاءت من تدينه ، هذا متدين ، نفسه سمت واتصلت بالله عز وجل ، فأصبح المعروف من قبله عفوياً ليس متصنعاً . إذا إنسان رأى ابنه اقترب من المدفأة ، وكاد يضع يده عليه أيقول يا ترى أوبخه أم لا أوبخه ؟ بشكل لا شعوري يصرخ فيه ، توبيخ الأب أو نهي الأب عن اقتراب ابنه من مدفأة ليس عملاً إرادياً ، عمل لا إرادي عفوي . المعروف عفوي عند المؤمن : المعروف بالمؤمن عفوي ، غير مقصود ، لا يفكر ، رجل بحاجة إلى مساعدة يساعده فوراً ، شخص استجار به يجيره ، استغاث به يغيثه ، والدته بحاجة إلى مساعدة يساعدها فوراً ، لا يناقش الأمور . أعمل أم لا أعمل ؟ ماذا سيتكلمون عني ؟ هذا شيء بالمؤمن غير وارد ، أما أهل الدنيا فعلهم للمعروف بعد دراسة طويلة ، بعد دراسة طويلة وجد أن يدفع السند لأنه ذمة عليه ، فإذا لم يدفعه قد يضطر أن يشتري شقة ثانية منه ، فإذا لم يدفع له أول دفعة يجوز ألا يبيعه شقة ثانية ، ليس من باب وفاء دين ، لا ، لكن إذا أعطيناه الدفعة الأولى يثق بنا ، الآن نستطيع أن نأخذ منه بضاعة بمئة ألف ، حسابه معي عشرون ألفاً سأدفعه قبل أسبوع ، إن دفعته قبل أسبوع سيحس هذا البائع الكبير أنني أنا إنسان موثوق هو أعطاني عشرة آلاف فقط ، أما أنا فمتأكد إذا أعطيته الحساب قبل أسبوع و طلبت منه مئة ألف سيعطيني ، ولكن بعد أن آخذ هذه المئة ألف أماطله . يقول لك : دخل في قلبي غرقنا ، وفاء السند في الوقت المناسب ليس فضيلة عند هذا الإنسان ، يسمونه تكتيك ، بالتعريف الحديث مناورة . أحياناً يعجب هذا الإنسان ولكنه يناور عليك ، مخادعة ، مناورة ، تكتيك . عندك تكتيك واستراتيجية ![]() المؤمن أخلاقه استراتيجية ، أي ثابتة ، لا يغير ، لا تحت ضرورة ولا تحت إغراء ولا تحت ضغط ، أخلاقه هي هي ، أما الكافر فأحياناً يعمل خطة مرحلية ، أحياناً إنسان يقول لك : أتضع أموالي عندك ؟ تقول له : نعم ، أنا أعطي بالمئة ثمانية وأربعين أرباحاً ، ما هذا الكلام ؟ مبلغ مذهل ، أين ما كان بالمئة عشرة ، أو بالمئة خمسة عشر ، بالمئة عشرون إذا كان الإنسان موفقاً جداً ، هذا الدفع المغري حتى تأتيه الأموال الطائلة ، عندئذ يأخذها ويهرب بها . وهذا شيء يقع باستمرار . هذا المعنى الأول : أن المعروف لا يصدر إلا عن إنسان دين بسبب سمو النفس وعقيدته الراقية ، والمعروف لا يصدر إلا عن إنسان من أسرة راقية ، أن هذه الأسرة لها عادات راقية بحكم العادة ، والمعروف لا يصدر إلا عن إنسان صاحب خلق ، صاحب أخلاق وهذه الأخلاق الثانية ناتجة عن ذكاء . والمعنى الآخر لهذا الحديث أنك إذا صنعت المعروف مع غير هؤلاء فإنهم يفسرون هذا المعروف تفسيراً سيئاً ، فإنهم يردون على معروفك بإساءة بالغة ، وهناك شكاوى كثيرة تصلني ، أنه فعلت معه كذا وكذا وكذا ، وفعل معي كذا وكذا وكذا ، كان الرد بمنتهى الوقاحة ، بمنتهى اللؤم ، كيف فعلت معه هذا المعروف وقابلك بهذه الإساءة ؟ لأن هذا ليس صاحب دين ، وليس صاحب نسب رفيع ، وليس صاحب ذكاء عال . . لا ذكاء يهديه للمواقف المقبولة ، ولا عنده عادات أصيلة ثابتة في أسرته ، ولا عنده مخافة من الله عز وجل فشيء طبيعي إذا فعلت معروفاً مع أحد غير هؤلاء أن تلقى رداً وقحاً ، أو رداً سيئاً ، أو رداً فيه مقاومة ، فالإنسان لا يُفاجأ ، و قد جاء في الحديث الشريف : ((اصنع المعروف إلى من هو أهله ، وإلى غير أهله ، فإن أصبت أهله أصبت أهله، وإن لم تصب أهله كنت أنت أهله)) [ ذكره السيوطي في الجامع الصغير، وعزاه إلى الخطيب في تاريخ] أي الإنسان يريد أن يعمل موازنة بين الحديثين ، إذا كنت تريد أن تضحي تضحية كبرى ، وتضيع أولادك من أجل إنسان لئيم ، لا ، أولادك أولى ، أحياناً إنسان يقول لك : أنا مستجير بك ، فتعطيه من قوت أولادك ، تعطيه من حصة أولادك ، وتنجده ، ثم يعاملك معاملة في منتهى اللؤم . المكثرون في الدنيا الذين يتبجحون بأموالهم الطائلة هم المقلون يوم القيامة : و: (( عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ : خَرَجْتُ لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْشِي وَحْدَهُ وَلَيْسَ مَعَهُ إِنْسَانٌ قَالَ : فَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَكْرَهُ أَنْ يَمْشِيَ مَعَهُ أَحَدٌ قَالَ فَجَعَلْتُ أَمْشِي فِي ظِلِّ الْقَمَرِ فَالْتَفَتَ فَرَآنِي فَقَالَ : مَنْ هَذَا ؟ قُلْتُ أَبُو ذَرٍّ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ قَالَ يَا أَبَا ذَرٍّ تَعَالَهْ قَالَ : فَمَشَيْتُ مَعَهُ سَاعَةً فَقَالَ : إِنَّ الْمُكْثِرِينَ هُمُ الْمُقِلُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا مَنْ أَعْطَاهُ اللَّهُ خَيْرًا فَنَفَحَ فِيهِ يَمِينَهُ وَشِمَالَهُ وَبَيْنَ يَدَيْهِ وَوَرَاءَهُ وَعَمِلَ فِيهِ خَيْرًا قَالَ فَمَشَيْتُ مَعَهُ سَاعَةً فَقَالَ : لِي اجْلِسْ هَا هُنَا قَالَ فَأَجْلَسَنِي فِي قَاعٍ حَوْلَهُ حِجَارَةٌ فَقَالَ لِي : اجْلِسْ هَا هُنَا حَتَّى أَرْجِعَ إِلَيْكَ قَالَ : فَانْطَلَقَ فِي الْحَرَّةِ حَتَّى لَا أَرَاهُ فَلَبِثَ عَنِّي فَأَطَالَ اللُّبْثَ ثُمَّ إِنِّي سَمِعْتُهُ وَهُوَ مُقْبِلٌ وَهُوَ يَقُولُ : وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى قَالَ : فَلَمَّا جَاءَ لَمْ أَصْبِرْ حَتَّى قُلْتُ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ مَنْ تُكَلِّمُ فِي جَانِبِ الْحَرَّةِ مَا سَمِعْتُ أَحَدًا يَرْجِعُ إِلَيْكَ شَيْئًا قَالَ : ذَلِكَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَام عَرَضَ لِي فِي جَانِبِ الْحَرَّةِ قَالَ : بَشِّرْ أُمَّتَكَ أَنَّهُ مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ قُلْتُ : يَا جِبْرِيلُ وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : قُلْتُ : وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى ؟ قَالَ نَعَمْ وَإِنْ شَرِبَ الْخَمْرَ )) [متفق عليه عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِي اللَّه عَنْه] إِنَّ الْمُكْثِرِينَ هُمُ الْمُقِلُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . طبعاً الحديث طويل ، وهذه أول فقرة منه ، المكثر يقول : عندي مال لا تأكله النيران ، أهلكت مالاً لبداً ، هؤلاء المكثرون في الدنيا الذين يتبجحون بأموالهم الطائلة ، وبأن أموالهم لا تفنى ، وأن أموالهم بازدياد ، وأنهم لا يخشون شيئاً في الدنيا ، هؤلاء الذين يقولون هذا الكلام هم المقلون يوم القيامة ، هم الفقراء ، لأن هذا المال يفيد الجسد في هذه الحياة الدنيا ، فإذا جاء الأجل انقطع هذا المال ، وهناك بعد الموت شيء آخر هو العمل الصالح ، هو الذي يجدي . (( . . .إِنَّ الْمُكْثِرِينَ هُمُ الْمُقِلُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . .)) [متفق عليه عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِي اللَّه عَنْه] ![]() لذلك قال الله تعالى : ﴿وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [سورة الزخرف : 32] النبي الكريم استثنى ، قال : (( إِلَّا مَنْ أَعْطَاهُ اللَّهُ خَيْرًا فَنَفَحَ فِيهِ يَمِينَهُ وَشِمَالَهُ وَبَيْنَ يَدَيْهِ وَوَرَاءَهُ وَعَمِلَ فِيهِ خَيْرًا . .)) [متفق عليه عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِي اللَّه عَنْه] هنا في الحديث دقة بالغة ، إلا من أعطاه الله تعالى خيراً . لذلك قال العلماء : لا يُسمى المال خيراً إلا إذا أنفق في طاعة الله ، قال تعالى : ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ * كَلَّا﴾ [سورة الفجر : 15-17] قال ربنا له : كلا . . ليس هذا إكراماً إلا إذا أنفقته في طاعتي فهذا إكرام ، أي لا يُسمى المال إكراماً إلا إذا أنفق في طاعة الله عز وجل . ﴿فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِي . .﴾ [سورة الفجر : 15] أي أدخل إلى بيته كل وسائل الراحة . ﴿ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِي . . كلا﴾ [سورة الفجر : 16-17] ربنا عز وجل قال : كلا . . وكلا أداة ردع ، أي لا هؤلاء على حق ولا هؤلاء على حق ، لا هذا القول صحيح ، ولا هذا القول صحيح ، ليس إعطائي المال إكراماً بل هو امتحان، فإذا أنفق في طاعة الله انقلب إكراماً ، وليس حرماني لهذا العبد من المال إهانة ، إنه معالجة ، الحرمان معالجة ، والعطاء إكرام . النبي الكريم قال : " إِلَّا مَنْ أَعْطَاهُ اللَّهُ خَيْرًا - لماذا سماه النبي خيراً - قال : فَنَفَحَ - نفح أي أعطى - فنفح فِيهِ يَمِينَهُ وَشِمَالَهُ وَبَيْنَ يَدَيْهِ وَوَرَاءَهُ وَعَمِلَ فِيهِ خَيْرًا ". . أي سأله عن يمينه شخص فأعطاه ، عن شماله فأعطاه ، سأله شخص قرضاً لثمانية أشهر دفع له ، سأله شخص عطاء من دون قرض ، فدفع له . أي اليمين والشمال والأمام والوراء كناية عن شتى وجوه الخير . وَعَمِلَ فِيهِ خَيْرًا . . قال : هذا الإنسان المكثر هنيئاً له ، هذا قد يسبق المقل ، لأن المال قوة ، وفي المال طاقة كبيرة جداً على اكتساب مرضاة الله . وحبذا المال أصون به عرضي ، وأتقرب به إلى ربي . التيسير و التعسير : وفي حديث آخر : (( إِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَصنع )) [ الترمذي عن زر بن حبيش] من المعاني المستفادة من هذا الحديث الشريف أن الملائكة وهم جنود الرحمن يضعون أجنحتهم لطالب العلم ، بعضهم فهم هذا الحديث على أنها تكرم طالب العلم ، الملائكة تكرم طالب العلم ، إن الملائكة في السماء والحيتان في البحر لتصلي على معلم الناس الخير . ![]() هذا المعنى معنى تكريم ، أي الملائكة تكرم طالب العلم ، بعضهم توسع في هذا المعنى ، فقال: الملائكة تكيد لأعداء طالب العلم فتمنعهم من أن يؤذوه ، الملائكة تتكفل بحاجات طالب العلم ، ما الذي جعل أبو حنيفة ينقطع للعلم والدراسة ؟ هو أنه مرّ في الحج بشيخ يدرس في الحرم ، وقد سمع منه هذا الحديث :" من طلب العلم تكفل الله له برزقه " يلهمك إذا كنت تاجراً يلهمك الصفقات الرابحة ، فيكون عملك قليلاً وربحك كثيراً . إذا كنت صانعاً يرسل إليك زبائن درجة أولى ، أخلاقهم عالية ، شراؤهم سهل ، دفعهم جيد . إذا كنت موظفاً تنتزع ثقة رؤسائك ، يعطونك إضافات ليست لغيرك . أي مادام الإنسان طالب علم يتكفل الله عز وجل برزقه . أب عادي يكون راغباً أن يكون ابنه طبيباً ، والابن يكلفه بأعمال فوق طاقته ترى الأب إذا شاهد ابنه متفوقاً بدراسته ، وأحياناً عنده فحص لا يدع أحداً يكلفه بشراء غرض حتى شراء خبز يقول له : أنا أحضر الخبز ، اجلس وادرس ، إذا جاءه ضيوف ، ويريدون غرضاً إذا قالوا : أوصل فلانة خالتك ، الأب ينهى الأم يقول : دعيه يدرس ، أي إنسان عادي إذا رأى ابنه متفوقاً يريحه من أعباء البيت ، يمكن أن يعطيه غرفة خاصة ، يمكن أن يبالغ بإكرامه . فربنا عز وجل خلقنا لنعرفه . معقول إذا اتجه إنسان إلى الله يتعب بحياته ؟ العكس هو الصحيح . الإنسان عندما يتجه إلى غير الله عز وجل ، يذيقه الله مرارة الدنيا . الدنيا تغر ، وتضر ، وتمر . . أوحى ربك إلى الدنيا أنه من خدمني فاخدميه ، ومن خدمك فاستخدميه . تسمع من الناس قصصاً ، ترى رغم ذكائهم ، رغم تقديرهم للأمور ، تأتيهم مشكلة لم تكن في الحسبان ، تأتيهم مزعجات ، يتورطون تورطات ما كان لهم بها . البعد عن الله عز وجل يسبب تضييقاً في الدنيا ، والقرب من الله عز وجل يسبب تيسيراً ، والتيسير والتعسير لهما قانون في كتاب الله . ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ﴾ [ سورة الليل : 5-7 ] تلقى شخصاً تريده ، بيته بعيد ، الحاجة لا تجدها فوراً . آلة منتجة تعطلت ، تحضر خبيراً فيخربها ، يكسر قطعة فيها ، بدلاً من أن يصلحها . إذا كنت موفقاً تحضر شخصاً يلهمه الله إلى الحق ، يقول لك : العطل من هنا ، ولكن إذا أنت موفق تحضر شخصاً بدل أن يعطلها خمسة أيام يصلحها في ساعة ، إن كان في التجارة ، أو في الصناعة ، أو في الزراعة فالإنسان عندما يكون مع الله عز وجل يتكفل له برزقه . ليس معنى هذا أن يمد يده إلى الناس ، لا ، ليست واردة ، معنى يتكفل له برزقه يلهمه أعمالاً مريحة ، ودخلها معقول ، انظر أهل الدنيا لا يعرفون الله عز وجل ، يقول لك : آه ، يخرج منه آهة محروقة حرقاً ، يقول : اشتغلنا ثلاث سنوات بلا مقابل ، يدخل بمشروع ، يدفع ، يسهر ، يركض ، بعد ذلك يعمل حسابه جمع طرح خسران ثمانية آلاف ليرة بعد ثلاث سنوات عمل ، انظر إلى الدنيا ما أصعبها الخسارة مؤلمة جداً . إنسان يتعب ، يحضر بضاعة ، يبيعها ، يشحنها ، يحصل ثمنها ، يشتغل فيها سنتين ، بعد ذلك تظهر النتيجة خسارة ثمانية آلاف بضاعة ، هذا عمل بلا مقابل ، فالله عز وجل قادر أن يشغل الإنسان بلا مقابل طول عمره ، يقول لك التجار كلمة مضحكة : مثل مطحنة الجن ، خرير وعجيج على الفاضي ، يشغله ، يشغله ، بالآخر لا يوجد محصول ، لا يوجد نتيجة ، أما المؤمن فموفق . ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى* وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى* فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ﴾ [ سورة الليل الآيات : 5-9 ] إعانة الملائكة طالب العلم على أمر معاشه : (( إِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَصنع )) [ الترمذي عن زر بن حبيش] أي أول شيء تعينه على أمر معاشه ، أنا أدعو هذا الدعاء : " اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا - الإنسان ينضبط بالدين ، يعرف الحرام من الحلال ، الخير والشر، ما يجوز وما لا يجوز ، عنده منظومة قيم ينضبط فيها - وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا - أيضاً الدنيا إذا إنسان بحاجة إلى المال ، ما عنده قوام الحياة شيء صعب - وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير ، واجعل الموت راحة لنا من كل شر " فالملائكة تعينه على حوائجه ، الملائكة ترد كيد أعدائه عنه ، الملائكة تكرمه . . على الإنسان أن يسعى للدار الآخرة : انظروا إلى الحياة الدنيا ، انظروا إلى عمارة ترتفع ، نشاط ، اليوم جبل إسمنت ، ثاني يوم جاء الإسمنت ، ثالث يوم جاء نجار الباطون ، ترى الذي يبني العمارة كتلة انتباه ، كتلة يقظة ، نشاط البناء ، نشاط التجارة ، نشاط الصناعة ، نشاط العلم ، دراسات في الجامعة، أي هناك نشاطات عديدة ، أقدس نشاط على وجه الأرض أن تطلب العلم الشرعي ، لا يوجد نشاط عند الله أكثر قدسية منه ، تذهب تزور أقرباءك ، تحصّل مبلغاً ، تفكر بمشروع، تعقد صفقة ، تشتري بيتاً ، تبيع بيتاً ، تبدل سيارتك ، تعمل نزهة ، هذه نشاطات مشروعة ، مباحات ، لكن أقدس نشاط تقوم به أن تتعلم ، أن تعرف الله عز وجل ، خُلقت من أجل أن تعرفه ، وأي نشاط مناقض لهذا النشاط فهو خسارة كبرى . عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ((إِنَّ الْمَيِّتَ يَعْرِفُ مَنْ يَحْمِلُهُ وَمَنْ يُغَسِّلُهُ وَمَنْ يُدَلِّيهِ فِي قَبْرِهِ )) [ أحمد عن أبي سعيد الخدري] حقيقة كبيرة جداً إنسان يظن أن هذا مات ، لذلك النبي الكريم قال : (( كسر الرجل ميتاً ككسره حياً )) [التمهيد لابن عبد البر عن عائشة] ![]() إذا وضعوه بالقبر ورموه رمياً ، أحياناً يكون أطول من القبر يحصروه به ، هذا عمل فيه إهانة ، لا يجوز كشف عورة الميت أثناء التغسيل ، إهانة له . حينما خاطب النبي الكريم قتلى بدر من المشركين . قال : يا أمية بن خلف ، يا هشام بن عيينة ، يافلان ، يا فلان سماهم بأسمائهم هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً فإني وجدت ما وعدني ربي حقاً ؟ كذبتموني وصدقني الناس ، وأخرجتموني وآواني الناس . . الحديث طويل ، الصحابة تعجبوا ، قالوا : يا رسول الله أتخاطب قوماً جيفوا ، قال : ما أنتم بأسمع لي منهم ولكنهم لا يجيبونني - يسمعون مثلكم - فهذا الحديث إذا توفي الإنسان فمن بكى ، ومن فرح ، و من أهانه يرى الميت كل ذلك، ويسمع ما يقولون ، فالنبي الكريم يقول : عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ((إِنَّ الْمَيِّتَ يَعْرِفُ مَنْ يَحْمِلُهُ وَمَنْ يُغَسِّلُهُ وَمَنْ يُدَلِّيهِ فِي قَبْرِهِ )) [ أحمد عن أبي سعيد الخدري] وقال : ((إن العبد إذا وضع في قبره , وتولى عنه أصحابه إنه ليسمع قرع نعالهم ..)) [البخاري عن قتادة عن أنس رضي الله عنه] أما هذا الشعور الذي لا يوصف فهو اشترى البيت ، هو فرش البيت على ذوقه ، قال لي أخ قصة من يومين يبيع مفروشات درجة أولى ، جاءه تاجر ، قال له : أريد غرفة نوم من خشب الجوز ، قال له : والله لا يوجد جوز عندنا زان . . قال : أريدها جوزاً ، قال له : إذاً اشتر لي خشب جوز ، اشـتروا خشب جوز ، قال : هذا الجوز يتخمر سنة صحيحة ، يكون أبيض بعد تخميره سنة يصير أسود ، أخذنا له خشب الجوز ، وخمرناهم سنة اثنا عشر شهراً ، قال : ما مرّ بحياته كهذا الزبون ، زار الخشبات وقت التخمير مرتين أو ثلاث ، بعد ذلك صنعوا غرفة النوم ، قال لي : هناك عقدة بالخشب بالرجل من الداخل ، فرفض و قال : بدل لي إياها ، كل أسبوعين أو ثلاثة له زيارة ، يتفقد غرفة النوم ، الخزانة ، البخ ، المسكات ، المرايا . هذا معه وسواس . وبعد ذلك ، قال له : اترك لي إياها حتى ندهن الغرفة ، ثم دهنوا الغرفة واعتنوا بالغرفة ، ورتبوها ودوكروها ، قال له : أما تريد أخذ الغرفة إنها حاجزة محل عندنا ؟ قال له : غداً إن شاء الله ، خبرته ليأتي ليأخذها رفعت السماعة سمعت ضجيجاً ثم جاء إلى التلفون من يكلمني فكانت امرأة قلت لها : أختي الغرفة ، قالت : لا نريد الغرفة مات صاحبها . غضبت . سبحان الله ، فعلى الإنسان أن يسعى للدار الآخرة . ((إِنَّ الْمَيِّتَ يَعْرِفُ مَنْ يَحْمِلُهُ وَمَنْ يُغَسِّلُهُ وَمَنْ يُدَلِّيهِ فِي قَبْرِهِ )) [ أحمد عن أبي سعيد الخدري] ((العبد إذا وضع في قبره, وتولى عنه أصحابه إنه ليسمع قرع نعالهم. . .)) [البخاري عن قتادة عن أنس رضي الله عنه] هو عمر هذا البيت ، هو فرش هذا البيت ، هو رتب هذا البيت ، دفنوه بنفس اليوم، قال لي شخص : شاهدت جنازة تشيع بعد العشاء ، مع أنه مكروه ، ما الدليل ؟ معنى هذا أن هناك مشكلة بالبيت ، هو اشترى البيت !! المشكلة الإنسان يعلق آماله كلها بزوجته تخيب له ظنه ، يعلق آماله بولده . . قال رجل لشاب : أين ذاهب ؟ قال له والله حرفياً : رايح أسكر على روح أبي . أبوه خلف له مالاً كثيراً ومات ، فهذا الابن يشرب خمراً على روح والده . قال : " يا عبدي أعطيتك مالاً فماذا صنعت به ؟ قال : يا رب لم أنفق منه شيئاً مخافة الفقر على أولادي من بعدي ، قال له : عبدي أما علمت أني أنا الرزاق ذو القوة المتين ، إن الذي خشيته على أولادك من بعدك قد أنزلته بهم - أي جعلتهم فقراء ، وأنت تظن أنك تجمع المال لهم - والثاني قال له : ماذا صنعت في المال ؟ قال له : يا رب أنفقته على كل محتاج ومسكين ، لثقتي أنك خير حافظاً وأنت أرحم الراحمين . فقال : عبدي أنا الحافظ لأولادك من بعدك ". اطلب من الله يحفظ لك الأولاد من بعدك فقط . الله عز وجل يرزقهم ، ويعافيهم ، ويهديهم ، ويجعلهم قرة عين ، ويجعلهم خلفاء لك ويجعل لهم أعمالاً صالحة مستمرة . (( إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية ، أو علم يُنْتَفَعُ به، أو ولد صالح يدعو له )) [مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن أبي هريرة ] المؤمن يستمد قيمته من أن الله سبحانه وتعالى راض عنه : الحديث قبل الأخير : (( إن الناس لا يرفعون شيئاً إلا وضعه الله تعالى )) [ البيهقي في شعب الإيمان عن سعيد بن المسيب] ![]() أحياناً الناس يقدرون شيئاً من الأشياء ، طبعاً لا يرفعون شيئاً بغير حق ، أحياناً يقدرون شيئاً لا يرضي الله عز وجل ، وأحياناً يتهافتون على معصية تغضب الله ، هناك أشياء غالية كثيراً ، معنى هذا أن عليها طلباً كثيراً ، وقد تكون تغضب الله عز وجل ، هناك أجهزة لهو عليها طلب شديد ، إن الناس لا يرفعون شيئاً إلا وضعه الله تعالى ، قرأت مقالة لكاتب أن حجزاً برأس السنة لا يوجد ، كل الأماكن لا يوجد بها محلات ، معنى هذا أن الطلب كثير على الفنادق ، سهرة بالفندق الفلاني ، والفلاني ، والفلاني ، عشاء مع أعمال لا يعلمها إلا الله ، فيها مخازي لا يعلمها إلا الله ، ألف ليرة على الشخص وطاولات درجات أولى وثانية وثالثة ، لا يوجد محلات ، واضطر أن يعملها بالبيت ، أحضر رفاقه وعملها بالبيت . قال : (( إن الناس لا يرفعون شيئاً إلا وضعه الله تعالى )) [ البيهقي في شعب الإيمان عن سعيد بن المسيب] أي أنت تعلق بالذي رفعه الله ، الله رفع قراءة القرآن ، رفع فهم القرآن ، رفع أن تكون أديباً متأدباً بآداب القرآن ، رفع أن تكون عالماً بالله عز وجل ، رفع أن تكون محسناً ، رفع أن تكون محباً لله ورسوله ، ولم يرفع الإنسان لما عنده من متاع ، لكن في آخر الزمان تكون قيمة الرجل بما عنده من متاع . أي يستمد قيمته بين الناس من أثاث بيته ، وأجهزته فقط . لكن المؤمن يستمد قيمته من أن الله سبحانه وتعالى راض عنه . (( إن الناس لا يرفعون شيئاً إلا وضعه الله تعالى )) [ البيهقي في شعب الإيمان عن سعيد بن المسيب] الأولاد مجبنة و مبخلة : ويقول عليه الصلاة والسلام : (( إن الولد مبخلة ، مجبنة ، مجهلة ، محزنة )) [ صحيح الجامع عن الأسود بن خلف و خولة بن حكيم ] أي هذا الحديث فيه توجيه نبوي شريف ، أن الإنسان إذا رزقه الله أولاداً يجب أن يعتدل ، أن يعاملهم معاملة راقية تتيح له أن يقبل على الله عز وجل . أما معنى مبخلة أي قد يشد الإنسان على نفسه باختياره أبواب خير كان يفعلها خوفاً على أولاده ، أو خوفاً على أولاده من بعده كما قلنا قبل قليل ، فكأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يريد أن نتهرب من العمل الصالح والإنفاق في سبيله خوفاً على الأولاد من بعدنا ، لأن الله عز وجل قال : ﴿وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ﴾ [سورة البقرة 272] فأحد أسباب البخل بالعمل الصالح ، بالخير ، بالإنفاق ، بالمال الخوف على الأولاد من بعده . مبخلة ، أي إن الأولاد يسببون البخل أحياناً وهذا بخل غير مشروع ، لم يرضه النبي صلى الله عليه وسلم . وسيدنا الصديق أعطى كل ماله ، فلما قال له النبي الكريم : يا أبا بكر ماذا أبقيت لنفسك ؟ قال : الله ورسوله . ممكن أتصور إنساناً ينفق ماله ثم يفقره الله ؟ هذا الشيء أنا أعده من خامس المستحيلات ، أنفق أنفق عليك ، أنفق بلالاً ولا تخشى من ذي العرش إقلالاً . لا يمكن ، فالذي يتخذ أدنى حجة بعدم الإنفاق غلطان . جعله بخيلاً ، الابن جعل أباه بخيلاً ، هذا معنى مبخلة . مجبنة : أي الإنسان أحياناً يقف مواقف مشرفة ، ابنه تزوج مثلاً لا يريد أن يخزي بيت عمه ، يقف موقفاً لا يليق به ، لولا هذا الابن كان وقف موقف الحق ، هذا العمل لا يجوز، أي شخص دين يصلي يعمل عرساً مختلطاً بفندق ؟ هذه مشكلة ، هكذا طلبوا بيت العروس ، طلبوا عرساً مختلطاً بالذات ، أي رجال ونساء ، المرأة بأبهى زينة ، أثناء العرس يعرفهم على بعضهم ، فلان وزوجته ، هذه زوجته ، هذه زوجة فلان ، جاؤوا بأحدث طرز ، كلها فتنة ورجال ونساء . دين وتصلي وتعمل عرساً مختلطاً بفندق !! جبن أن يرفض بسبب الابن ، فالأولاد مبخلة مجبنة ، الإنسان أحياناً يسافر في طلب العلم ، من أجل أولاده لا يسافر إذاً يبقى جاهلاً ، هذه على موضوع الفقر فسرها الفقهاء . لها تفسير آخر : إذا الإنسان جالس مع أولاده ، وحان درس العلم و تريد ابنته أن تأتي إليه هي و زوجها ، يتخلى عن الدرس ، عليه أن يقول لها : لا يا ابنتي أهلاً وسهلاً هذا بيتك ، أنا سأغيب ساعة وأرجع ، مكانتك محفوظة أما هذا فمجلس العلم لابد منه . فأحياناً الإنسان من أجل أولاده يجهل أي يصير جاهلاً هذا معنى مجهلة . أما محزنة : إنسان قبل الزواج ، أو قبل أن ينجب أولاداً ، تهمه صحته ، بعدما أنجب أولاداً ، وابنه ارتفعت حرارته يا ترى التهاب سحايا ؟ يا ترى التهاب أمعاء ؟ صار الأب لا ينام الليل ، طبعاً صار معه متاعب ، ومشاغل ، وأسباب للحزن عن طريق أبنائه ، الحديث ليس فيه نهي ولا أمر ، الحديث فيه تقرير ، أي من خصائص الأولاد أنهم يحملون على البخل ، وعلى الجهل ، وعلى الحزن ، فخذ من الدنيا ما شئت ، وخذ بقدرها هماً . سبحان الله الإنسان غير المؤمن لايرضى ، قالت ممرضة : دخلت لبيت فولدت المرأة بنتاً فبكوا كثيراً ، من غرائب الصدف بنفس اليوم دُعيت إلى بيت آخر ، البيت الآخر جاءهم صبي بكوا كثيراً لأن هذا الصبي السابع ، فهذا الحديث فيه تقرير ، تقرير لحقيقة أن الذي عنده بنات الحمد لله ، والذي عنده بنات وذكور الحمد لله ، والذي لا يوجد عنده أي الله فرغه لطاعته ، الحمد لله . والله هناك دعاء هذا الدعاء من أدق الأدعية ، يقول عليه الصلاة والسلام : ((اللهم ما رزقتني مما أحب فاجعله عوناً لي فيما تحب ، وما زويت عني ما أحب فاجعله فراغاً لي فيما تحب )) [الترمذي عن عبد الله بن يزيد الخطمي] والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| الكلمات الدليلية (Tags) |
| الاسلامي, الاسرية, العلاقات, الفقه |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 2 ( الأعضاء : 0 , والزوار : 2 ) | |
| أدوات الموضوع | إبحث في الموضوع |
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| الفقة الاسلامى 2 | السعيد | رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة | 93 | 09-12-2018 08:57 AM |
| الفقة الاسلامى 1 | السعيد | رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة | 28 | 08-16-2018 01:12 PM |
| هذا هو المجتمع الاسلامي ... | ناصح أمين | رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة | 8 | 09-24-2017 08:44 AM |
| لطائف الإسناد - العلاقات بين الرواة | منال نور الهدى | ريآض الآحاديث النبوية | 3 | 02-25-2013 06:49 PM |