ذائقة نورانية رسائل الايمان - منتديات رياض الأنس
  التسجيل   التعليمات   التقويم   مشاركات اليوم   البحث

سَمَاءُ الأُنسِ تُمطِر حَرْفًا تُسْقِي أرْضَهَا كلِمة رَاقِيَة وبِـ قَافِيَة مَوزُونَة و نبْضُ حرْفِ يُفجِّرُ ينَابِيع الفِكْرِ سَلسَبِيلًا، كُن مَع الأُنِسِ تُظِلُّ بوارِفِ أبجدِيَتِهَا خُضْرَة ونُظْرَة وبُشْرَى لـ فنِّ الأدبِ و مَحَابِرَهُ. وأعزِف لحنًا وقَاسِم النَاي بِروحَانِيَة وسُمُوِ الشُعُورَ و أَرْسُم إبْدَاعًا بِـ أَلْوَانٍ شَتَّى تُحْيِ النَفْسَ بِـ شَهقَةِ الفَنِّ نُورًا وسًرُورَا كَلِمةُ الإِدَارَة




جديد المواضيع


رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة ( يختص بالعقيدة والفقه الاسلامي على نهج أهل السنة والجماعة)

الإهداءات
منال نور الهدى : "اجعلني يا الله شخص يُقال في غيابه، رعاه الله، ورحمَ من ربّاه، مرَّ ولا ضرَّ أحداً يوماً." منال نور الهدى : "اللَّهُم صُب آيات القُرآنِ فِي صُدورِنا صبًّا.. حتّى يُشفى بآثارِها كُل شعورٍ مُر."

إضافة رد
نسخ الرابط
نسخ للمنتديات
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
قديم 11-02-2017, 02:28 PM   #1


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رسائل الايمان



فى مستهل رسائل الإيمان.. إلى اخوتى الأعزاء لابد أن أحدد مكانى أولا!.. لاشك أنكم تعلمون أننى فى سجن المرج فى ضواحى القاهرة بالخانكة التابعة للقليوبية، وليس هذا هو المقصود بالمكان، بل المقصود أننى أقيم فى زنزانة انفرادية طولها 6 خطوات ×عرض 5 خطوات، وهى تكاد تكون مربعة، وبها حمام خاص، لا توجد بها نوافذ بل مجرد فتحات عليا لادخال بعض الهواء! وهذه هى الموضة الجديدة فى السجون: إلغاء النوافذ والقضبان الحديدية واستبدالها بعلب أسمنتية، بل لا توجد نافذة على الباب تسمح للسجان بمتابعة ما يجرى داخل الزنزانة فى ساعات الإغلاق كما نرى فى أفلام السينما أو فى السجون القديمة. لذلك لابد من ابلاغ رسامى الكاريكاتير والشعراء بأن يكفوا عن الحديث أو عن رسم نوافذ ذوات قضبان، فهذا ترف لم يعد موجودا فى السجون الحديثة فى مصر لأن وزارة الداخلية فى أزهى عصور الديمقراطية قررت تقليل دخول الاوكسجين للزنازين وتقليل التهوية إلى الحد الأدنى، ومنع رؤية صفحة السماء. ولكن فى المقابل لقد كانوا كرماء بوضع مروحة فى السقف رغم أن لها أضرارا صحية إذا استخدمت على مدار الساعة فى فصل الصيف، ولعل مرضى الشديد فى العمود الفقرى كان بسبب هذه المروحة!
ولكن ليس هذا هو أهم شئ فى وصف المكان، فأهم وصف للمكان، وربما أكثره فكاهية أننى موجود داخل سجن خاص اسمه "سجن التجربة" وهو سجن داخل سجن المرج ويتبع له اداريا وجغرافيا. ولكنه منفصل ببوابة خاصة وأسوار خاصة، وأيضا ليس هذا هو الأمر الأكثر أهمية أو الأكثر اثارة للفكاهة، بل فى الحقيقة أننى النزيل الوحيد فى هذا السجن منذ 9 شهور، واننى لا أرى إلا السجان الخاص بى!! أما مكان الفسحة حيث يمكن الخروج إليه، بين الساعة الثامنة صباحا حتى الثالثة بعد الظهر، فهو ساحة داخل أسوار نفس هذا السجن المعزول، حيث أقوم بالتريض وحدى! وخلال الأسابيع الماضية وفى إطار سياسة محاربة الأوكسجين ورؤية القبة السماوية فقد تم تسقيف هذا الفناء بشبكة من الحديد المحكم، حيث يمكن رؤية السماء من خلف هذه الشبكة. وفى حدود معلوماتى فمن المفترض أن تسجل حالتى فى موسوعة جينز للأرقام القياسية، فأنا المسجون الوحيد فى مصر وربما فى العالم الذى أقطن فى سجن كامل بمفردى. وبالتالى فهو سجن انفرادى، وليس زنزانة انفرادية.
والحقيقة فان الزنزانة الانفرادية كانت بناء على طلبى، أى الانفراد بالمعيشة حتى أتفرغ للعبادة والتأمل والقراءة. ولكن وضعى فى سجن كامل لوحدى فلم يكن هذا طلبى بطبيعة الحال. وأنا أكتب الآن الساعة الثالثة صباحا قبيل الفجر، ولا أسمع إلا صوت قلمى الذى أكتب به، ورغم أن هذه الوحدة مبالغ فيها، إلا أننى لا أتبرم منها، فأنا فى الأصل أحب الوحدة، والعزلة، والهدوء، وما كل الصخب الذى أعيش فيه وأحدثه خارج السجن إلا خروجا عن طبيعتى وأداءا للواجب! وقد قرأت حتى الآن قرابة 200 كتاب معظمها من الأحجام الثقيلة ومن أمهات الكتب، بالإضافة للصحف والمجلات - التى حصلت عليها بعد الاعلان عن اضراب عن الطعام - بالإضافة لختم القرآن عدة مرات، وإضافة قرابة جزءين لحصيلة حفظى للقرآن، بالإضافة لإعداد عدد من الدراسات، فالحصيلة مهولة بإذن الله، والمكاسب جمة، ولم يخسر إلا الطغاة والمبطلون. أما المكسب الحقيقى فاننى كسبت نفسى.. وكسبت علاقتى مع الله عز وجل. ويبدو أننى تسببت فيما جرى لى، فقد كنت أتمنى بينى وبين نفسى أن أعيش فى مغارة أو كهف، لا أفعل فيها إلا عبادة الله، وأن أغادر هذا العالم بعد أن استوحشت الناس، واستوحشت الدنيا الفانية. فأعطانى الله ما أريد، وأرجو أن يتقبل منى فهو الوحيد المطلع على خائنة الأعين وما تخفى الصدور. لقد كنت أتمنى أن أعتكف ولو لمرة واحدة العشر الأواخر من رمضان ولكن نداء الواجب والجهاد بالكلمة جعلنى لا أمتنع عن تلبية دعوات اللقاءات فى هذه الأيام، ولم أكمل أبدا عشرة أيام اعتكاف ولو حتى فى بيتى. فها أنا ذا معتكف منذ 9 شهور تقريبا والحمد لله رب العالمين.
وأنا أكتب هذه الرسائل ليس على سبيل الفخر، والحديث عن الذات، ولكن بنية (وأما بنعمة ربك فحدث). فى هذه العزلة الربانية ترى زوايا جديدة فى القرآن الكريم لم تكن تراها، فكم مرة قرأت سورة الكهف ولم أنتبه لهذه الآية الكريمة (فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحمته ويُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقاً) (الكهف 16) لاحظ كلمة "ينشر" وهى تشير إلى السعة والاتساع رغم الوجود فى الكهف, فالاتساع ليس بالمساحة ولكن بالاحساس النفسى، والاتساع هنا لرحمة الله التى وسعت كل شىء فكيف بسكان الكهف، ليس هذا فحسب بل (يُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقاً) وكأن الكهف سيتحول الى قصر منيف!
ويعلم الله أننى لم أشعر بالضيق فى هذا الكهف إلا قليلا ولماما (حتى أكون صادقا) بل أشعر أننى فى سعة لا تحدها حدود، ولم ينتابنى إحساس قط باننى أريد أن أحطم هذا الباب لأخرج. لسبب بسيط أننى لن أجد خارج هذه الزنزانة ما هو أعظم أو أجمل مما فى داخلها: راحة الضمير، والعزلة مع الله عز وجل. وإلى اللقاء فى رسالة قادمة.


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 11-02-2017, 02:33 PM   #2


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: رسائل الايمان



استقرار الحالة النفسية.. أو السكنية (1)



الإيمان غاية ووسيلة، فإذا كان الإيمان بالله غايتنا، وتمحور الحياة حول الله عز وجل، هو هدف المؤمن المنشود، فإن الإيمان فى ذات الوقت وسيلة لسعادته. وأنت كلما تصورت أنك تحب الله إلى أقصى مدى، وجدت نفسك فى معارج التقوى والعبادة والإخلاص لله، أشد حبا لله. قد يتصور أحد أن استطالة مدة السجن تزيد المسجون فى سبيل الله ألما، والواقع عكس ذلك تماما، فكلما طال عليك الأمد ازدادت الحالة النفسية لك استقرارا، وازداد شعورك بالسكينة، وكلما ازددت تقربا إلى الله، كلما ازددت حبا له. والعجيب أن هذه السكينة تكون تكيفا روحيا وماديا فى آن معا، فأنت تتنفس بعمق أكبر وراحة أشد وتشعر بأن حالتك الصحية المادية أفضل, وقد ذكرتنى هذه الحالة بفيلم تسجيلى رائع عن تسلق أعلى قمم الجبال فى العالم (قمة إفرست بجبال الهيمالايا) حيث أوضح أن المتسلقين بعد صعود 15 ألف قدم لابد أن يخيموا لعدة أسابيع قبل مواصلة الصعود. للتكيف مع نقص الأوكسجين، وخلال هذه الأسابيع يزيد عدد كرات الدم الحمراء فى الدم فيصبح المتسلق أكثر قدرة على التقاط الأوكسجين! سبحان الله العظيم. وقد روى لى يوما أحد المساجين أن التهوية عندما تكون سيئة فى الزنازين فإن شعر الأذن ينمو بصورة أكبر ليحمى الأذن من الأتربة!
إذن فحالة التكيف والاستقرار النفسى تتحول أيضا إلى حالة استقرار بدنى، وهذا هو سبب استمرار كثير من المساجين وغير المساجين فى الحياة بصورة معقولة رغم طول تعرضهم لظروف بيئية سيئة.
وأنا لا أستهدف القيام بدعاية مجانية للسجن الانفرادى أو غير الانفرادى، فمواجهة تحديات الحياة خارج السجون أصعب وأكثر تعقيدا، وهناك فرص لا تحصى للتقرب إلى الله شريطة الانتباه لعدم الغرق فى تفاصيل الحياة الدنيا التى لا تنتهى. بإمكانك أن تحول يومك كله إلى عبادة لله سبحانه وتعالى، فتحقق أعلى درجات ممكنة لاختبار الآخرة، ولكنك فى ذات الوقت ستكون أكثر سعادة بمعنى الرضا والسكينة والانسجام النفسى. كيف تكون العبادة 24 ساعة (عدا ساعات النوم)؟ حياتك ما هى إلا سلسلة من القرارات المتوالية، وأنت تتخذ فى اليوم عشرات أو مئات القرارات، وكلما اتخذت قرارا توخيت فيه الالتزام بمرضاة الله، فأنت تنتقل من سكينة إلى سكينة، وأنت وحدك الذى يمكن أن تراقب نفسك، فالمسألة مسألة نية، والنية كلها محلها القلب. والله وحده كما وصف نفسه (عليم بذات الصدور)، وأنت لا تريد أن ترضى أحدا غيره. ولذلك ستراعى انطباق قراراتك اليومية مع أوامر الله ونواهيه. طبعا من الممكن أن يجانبك الصواب فى بعض قراراتك، بل سيحدث ذلك حتما، وليس هذا هو المهم، المهم هو النية الخالصة لله. ولأنها أيضا ستساعدك على تصويب هذه القرارات الخاطئة، عندما تكتشف ذلك بنفسك، أو من خلال صديق أو من خلال الأيام وهو أكبر معلم! وستساعدك هذه النية الخالصة لله أن تعترف بالخطأ على الأقل بينك وبين نفسك، بحيث تمتنع عن التكرار فى الوقوع فى الخطأ وقد يتعجب أحد فيقول: ما هى عشرات ومئات القرارات التى تتخذ يوميا؟! وعلى سبيل المثال وبعد العبادات اليومية من وضوء وصلوات. وهل تصلى فردا أو جماعة! فى البيت أو المسجد؟ فى الوقت أو بعد الوقت؟! فالقرارات الأخرى لا تعد ولا تحصى.. هل تذهب إلى العمل فى الموعد المضبوط؟ هل تذهب فى مواعيدك الشخصية فى الموعد؟ هل تعتذر عن تأخيرك أو غيابك عن الموعد؟ كيف تتعامل مع زوجك أو أبنائك، هل تعدل بينهم؟ والطالب فى الدراسة قراراته كثيرة ومعروفة بمدى التزامه بالدرس والتحصيل والواجبات.
ستجد فى القرآن الكريم وحده العديد من القواعد والآداب التى تساعدك فى اتخاذ القرارات السليمة: كالاستئذان فى دخول البيوت - والأكل عند الأقارب - دخول الأبناء على الوالدين ومواعيد ذلك - المناداة من خلف الحجرات (المناداة من الشارع الآن!) - رد السلام - غض البصر.. إلخ, فإذا أضفنا السنة النبوية المؤكدة سيتضح لنا أن هناك أمورا عديدة فى حياتنا اليومية لها قواعد ثابتة، وبالتالى يمكن القياس عليها.
وبالتالى فإن العلاقة مع الله سبحانه وتعالى يمكن أن تتواصل طوال الليل والنهار، مع ملاحظة أن يتم ذلك بدون تفاخر أو منظرة أو إدعاء الأستاذية، فالأساس أن يؤثر المؤمن فى غيره بالقدوة، أقول ذلك بسبب بعض الممارسات المنفرة التى وقع فيها سبقا بعض المنتمين للتيار الإسلامى، والتى تنتمى إلى الكبر (بكسر الكاف) ولا تنتمى إلى التقوى.
وكل ما تنطق به طوال اليوم من كلام وأحاديث هو سلسلة متواصلة من القرارات، فاللسان سبب كثير من المصائب (وهل يكب الناس على وجوههم فى النار يوم القيامة إلا حصائد ألسنتهم) حديث. وبالتالى فإن تقوى الله تحتاج لمراقبة للنفس ويقظة دائمة وهى مسألة تحتاج لتدريب بين المرء نفسه. وربما يكون التأمل جلوسا قبل الصلاة أو بعدها فرصة لمراجعة النفس خمس مرات على الأقل يوميا. وهذا هو المعنى الأعمق للتقوى والمتقين.
ولكن اللطيف فى كل ذلك، أنك إذا بدأت هذه الممارسة خوفا من الله وطمعا فى الآخرة، فإنك ستتحول إلى إنسان سعيد تدريجيا، يشعر أنه ينتزع السعادة من أشواك هذه الدنيا القصيرة الفانية، وأنه أكثر استمتاعا بالحياة، وقد أمتلك الكنز الأثمن: السكينة. ولعلها أكثر دقة من السعادة، لأن الفهم الشائع للسعادة أنها حالة من الحبور المستمر والمتواصل، وهذا لا يستقيم مع أحوال الدنيا المليئة بالمتاعب والمصاعب. وأيضا يخطىء بعض المتدينين عندما يتصورون أن هذه الحالة من السكينة تعنى القبول بالقهر والظلم والتنكب عن طريق الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والهروب من مشكلات (المجتمع العامة) والاعتصام فى كهف فردى أو أسرى، على خلاف حديث رسول الله (من لم يهتم للمسلمين فليس منهم).


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 11-02-2017, 02:36 PM   #3


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: رسائل الايمان



وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُم (2)



الأخوة الأعزاء.. ما زلت فى رحلتى مع القرآن الكريم، فى ظروف الوحدة والعزلة المطلقة فرصة نادرة وفريدة للتأمل. وأنا أعيش منذ عدة أيام مع سورة الحديد لقد شبهت مرة القرآن الكريم بماء المحيط، إذا أخذت منه قطرة من أى مكان وحللتها ستصل إلى نفس المكونات، وستصل إلى نفس النتيجة. وكثيرا ما نسمع أن العالم الفلانى أو الشخص العلانى قد دخل الإسلام لأنه قرأ أو استمع إلى آية محددة. فكل الآيات تصل بك إلى نفس النتيجة.. إلى حقيقة الإلوهية والتوحيد, ولعل هذا هو سبب تكرار القرآن الكريم للمعانى الرئيسية بأشكال مختلفة ومداخل متنوعة، فلكل إنسان مداخله واهتماماته، كذلك فإن الناس حتى وإن أسلمت فهى لن تقرأ القرآن كله بعناية وتدبر، أقصد غالبية الناس فقد يحفظوا آيات قليلة، أو يسمعوا أو يقرأوا طرفا من القرآن، فحتى وإن كان هذا شأنهم فإنهم سيصلون لحقيقة التوحيد ويتثبتون منها، وتترسخ فى قلوبهم.
كان ينام بجوارى فى سجن العريش مسلم من بوركينافاسو، يعرف بعض القرآن ويحفظه ولكنه لا يجيد اللغة العربية وقد كان صافى النفس، نقى الإيمان، وكان هو مؤذن العنبر، وكان يخلع قلبى بحلاوة أدائه للآذان، وكنت أتدارس معه القرآن وأشرحه له باللغة الانجليزية، ورغم أن لغته الأولى هى الفرنسية ولكنه يعرف الإنجليزية أيضا، وكان يكون فى ذروة السعادة والاستمتاع! وكان يقرأ القرآن بالعربية وأنا أصحح له القراءة، ومع ذلك فهو لا يفهم كل معانى الكلمات التى يقرأها، ولكن البعض الذى يفهمه يصل به إلى أعلى مراتب الإيمان. وقد كان يخاصم من لا يواظب على الصلاة!
فى سورة الحديد توقفت عند شطر من الآية الكريمة ونفذت إلى أعماق قلبى، لأنها تتوافق بشكل خاص مع حالتى: (يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ){الحديد: 4}. فإذا آمن الناس بهذه الآية وحدها وفهموها وتدبروا معانيها، لحلوا كل مشاكلهم فى الدنيا والآخرة!! فنحن فى زحمة الحياة بأحداثها وضجيجها وصخبها وتقلباتها ومشغولياتها المتلاحقة ننسى هذا المعنى الجليل أو لا نستصحبه معنا طوال اليوم، فأنت إذا استصحبت هذا المعنى معك دائمًا، لكنت أكثر الناس سعادة واطمئنانا فى الأرض (اذكروا الله يذكركم).. فإذا كان الله معك فمن من تخشى؟ ومن ماذا تخاف؟! ولماذا توجل؟! ومن أى الأحداث والمصاعب الدنيوية يضطرب فؤادك، ويطير جنانك؟! عندما شعر موسى بالخوف من مواجهة فرعون قال له الله عز وجل: (إِنَّنِي مَعَكُمَا) - أى موسى وهارون - (أَسْمَعُ وَأَرَى)!! فهل يوجد دفاع وحماية أكثر من ذلك، وهل يوجد درع صاروخى أكثر مناعة من قدرة الله؟ لذلك وصف القرآن النفس المسلمة السائرة على الصراط المستقيم المؤمنة حقا بالله بـ (النفس المطمئنة) ويروى التاريخ أن أحد قادة الثورات الإسلامية، نام نوما عميقا فى الليلة التى سبقت الانتفاضة الكبرى للاستيلاء على الحكم بعد أن كان قد أعد كل شىء. وفى الصباح نصره الله وانتصرت الانتفاضة. فهذا نموذج حى للنفس المطمئنة.
وكلما تعرضت فى حياتى لتحديات كبيرة أو مخاطر تذكرت هذا المعنى فشعرت بالسكينة فورا. إذن كل إنسان فى هذه الدنيا أمامه هذا الخيار، أمامه أن يستفيد من هذا الدفاع الاستراتيجى، دون مقابل، فإذا أعرض فهو الظالم لنفسه.. وهو فى الحقيقة ليس بدون مقابل، ولكن المقابل ليس ماديا، المقابل أن تبيع نفسك لله، وتتوكل عليه، وتلقى كل أحمالك عليه بعد أن تأخذ بالأسباب، ويصدق هذا فى الحياة الشخصية كما فى حياة الجهاد. لذلك فالمؤمن الحق لا يعرف الأمراض النفسية، ولا يعرف القلق المرضى.. ولا الهواجس المرضية أو هو بالأحرى قادر على محاصرتها والتغلب عليها إذا ذكر الله: (أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ).
ولا شك أن حياة العزلة الانفرادية تجعل هذا المعنى مجسما وحيا, وحقيقة لا مراء فيها على مدار الساعة.. ولكن الأفضل أن يصل الإنسان إلى هذه الحالة وهو فى زحمة الحياة وضجيجها، فيكون بينك وبين الدنيا حاجز زجاجى فتكون فيها ولست فيها، تكون فيها وتشارك فى كل شىء، ولكن هذا الحاجز يمنع عنك الانشغال بالصغائر وسفاسف الأمور وأهواء الدنيا، حاجزا أشبه بالفلتر الذى يمنع الأشعة الضارة والأصوات المزعجة، فلا تصل إليك إلا الأشعة المفيدة للجسم والمعانى الحقيقية التى تستأهل التفاعل معها.
(إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ){آل عمران: 160}.
بالحسابات المادية، فالباطل أقوى منا بكثير، وبالحسابات الربانية تنقلب الأمور رأسا على عقب، وإدخال إرادة الله عز وجل فى حسابات موازين القوى، يجب أن يحدث أولا فى عقول المؤمنين، قبل أن يترجم إلى أرض الواقع، نعم الله على كل شىء قدير، ولكنه أولا (يَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ)، الله قادر على كل شىء، ولكن على المؤمنين أن يأخذوا بالأسباب أولا.
نعم يكفى أن نؤمن حقا بان الله (مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ) حتى تهتز كل عروش الطغيان وحتى نستهزىء بالشيطان ونزدرى به، ونتركه مخذولا محزونا، وحتى نسير فى حياتنا الدنيا القصيرة مطمئنين واثقى الخطوة لا نخشى مصائب الدنيا.. نعم استحضر هذا المعنى معك دائما ستكون سعيدا، شاعرا بسكينة لا حدود لها، تعالج أمورك بمنتهى الثقة، وتسير فى طريقك على الأرض هونا، وتتجنب كثيرا من الذلل والخطايا.
(رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنزَلْتْ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ){آل عمران: 53}.
وإلى رسالة أخرى.


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 11-02-2017, 02:39 PM   #4


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: رسائل الايمان



سنة الابتلاء (3)



الابتلاء سنة من سنن الله فى الحياة الدنيا, وكل إنسان يبتلى فيها فى نفسه وصحته وماله وأسرته, حتى خارج ميدان الجهاد فى أكثر العوارض والحوادث التى يتعرض لها المؤمن فعندما يصبر فإنه له أجر (حتى الشوكة يشاكها) أما الابتلاء فى سبيل الله فأجره أعظم، أقول ذلك بمناسبة ما تعرض له الأخ العزيز عماد عرب من اعتداء الشرطة عليه فى جامع عمرو بن العاص فى إطار تحرك شعبى لشباب وأعضاء حزب العمل لمناصرة المسجد الأقصى، وأيضا ما تعرض له من تلفيق لقضية التظاهر بدور العبادة، ورغم أن النيابة أفرجت عنه إلا ما يزال محتجزا فى براثن الشرطة، وأيضا ما تعرض له الأخوان عادل الجندى وضياء الصاوى من أذى وتعديات. ونحن نحتسب كل ذلك عند الله عز وجل. والله لقد نجوتم أنتم أيها الثلة المجاهدة الذين خرجتم لنصرة الأقصى وعلى رأسكم الأخ الأكبر/ محمد السخاوى. هل معقول أن يحاصر الأقصى بحقراء الصهيونية اليهود، فى إصرار متزايد على اقتحامه يوما بعد يوم للبرهنة على أنه مكان الهيكل لا المسجد الأقصى, بينما لم يجد مجاهدو فلسطين إلا الأحذية والمقاعد وبعض الحجارة لافتداء الأقصى الذى ورد ذكره فى القرآن الكريم: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (الإسراء: 1) والله أن هذا الموقف جلل بالفعل، المسجد الأقصى يحارب من فوق الأرض بالحصار والاقتحام، ومن تحت الأرض بالحفر، وأمة الإسلام نائمة، وحكامنا يرون أن دورهم أن يتكاملوا مع إخوتهم الصهاينة بمنع الصلاة فى الأزهر أو بالاعتداء على المحتجين فى جامع عمرو بن العاص. لذلك أقول لشباب وأعضاء العمل لقد نجوتم من المساءلة يوم القيامة حين يسأل الله المسلمين: ماذا فعلتم للدفاع عن مقدساتى؟!
وهو موقف جلل لأنه اختبار الإيمان، فما معنى أن تمتلأ المساجد عن بكرة أبيها بالمصلين وتزدحم فى رمضان فى صلاة القيام، ونرى صراعا مهولا من أجل الحج والعمرة رغم أنفلونزا الخنازير، ومع ذلك عندما يحاصر الفلسطينيون العزل داخل المسجد الأقصى والمعتصمون داخله لحمايته تقف الأمة تتفرج عليهم. فى مثل هذه المواقف يتضح الإيمان الصادق الحقيقى: (وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) (الأنفال: 74).
وهذا اختبار أى ابتلاء لنا ليعلم الله صدق إيماننا، والابتلاء سنة من سنن الله فى خلقه لكل من يسعى لنصرة الحق، ونحن لدينا مهمة مقدسة: تحدى قانون منع التجمع فى المساجد لأنه يخالف القرآن والسنة، ولأنه يريد أن يحول المساجد لحظائر تدعو للحاكم، لا مكان لتجمع المسلمين كى يعبدوا الله ويتدارسوا شئونهم ومشكلات مجتمعهم ومخططات أعداء الإسلام وكيف نواجهها. لقد كان المسجد فى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم: مقر العبادة والسياسة والتعليم والعلاج الطبى واحتجاز أسرى العدو، وممارسة الرياضة، وعقد الصفقات التجارية واستقبال الوفود السياسية وعقد المؤتمرات السياسية والجماهيرية، بل وحتى النوم (عندما غضب سيدنا على رضى الله عنه مع زوجته فاطمة ذهب ونام فى المسجد!!) أما الآن فإن السلطان يأمر بغلق المساجد عقب انتهاء الصلاة، وبعد الدعاء لحاكم البلاد!
وبالتالى نحن فى حزب العمل الذين حاولنا إعادة المسجد إلى دوره الأصلى بلقاءات الجمعة بين عامى 2002-2007م فى الأزهر, واليوم مهمتنا أن نعيد تحرير المساجد المحتلة، ويجب أن ندفع الثمن من سجن وضرب واعتداءات. فالمسجد بيت الله ولن يكون أبدا بيت الحاكم أو الأمن.
وعلى الأقل فى الأحداث الكبرى لابد أن نذهب إليها لا يرهبنا بطش أو تهديد، لأننا نخاف عقاب الآخرة أكثر بكثير من عقابهم الدنيوى. والساكت عن الحق شيطان أخرس. سئل الإمام الشافعى: أيهما أفضل للمؤمن أن يُبتلى أم يُمكن؟ قال: لن يُمكن حتى يُبتلى!
لذلك يجب أن نوطن أنفسنا على ملاقاة هذه الابتلاءات بقلب راض وبروح مفعمة بالأمل، ولنلحظ المجاهدين حولنا وهم يضحون بأرواحهم فى سبيل الله, فى لبنان وفلسطين والعراق وأفغانستان, إن قوافل الشهداء تصعد إلى السماء كل يوم، وأيضا الذين ابتلوا بالجراح، أذكر أننى التقيت فى أحد المواقع السكنية المدمرة فى غزة، حشدا من الجمهور الفلسطينى، كان أكثرهم وعيا وحماسا وإيمانا شابا مقعدا على كرسى متحرك.
نحن لا نهاب الجراحات والابتلاءات لأنها عربون ندفعه بقلب راض لله عز وجل متبعين رضاءه وجنته وإذا لم يتملكنا هذا اليقين، فلن نقف صامدين أمام أى نفخة من الطغيان، وأعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأنه لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا.
عندما كان والدى فى فراش الموت وكنا جزعين حوله، كان يحاول أن يقول لنا كلمة بصوت خفيض ونحن لا نسمعها، وأخذنا نسأله، وأخذ هو يكرر حتى علمنا أنه يقول: (قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا) وكانت هذه آخر كلمة سمعتها من والدى أحمد حسين فى منزلنا قبل أن يدخل إلى المستشفى ثم الموت والرحيل عن هذه الدنيا الفانية.
يا شباب العمل اصبروا واحتسبوا واذكروا أن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله هى الجنة. واعلموا أن الدنيا قصيرة جدا، وأن ما تسجله فى كتابك ليكون بيمينك يوم القيامة هو الكسب الحقيقى: (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ) (الحديد: 20).
وسلام عليكم أينما كنتم, والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 11-02-2017, 09:45 PM   #5



منال نور الهدى غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1
 تاريخ التسجيل :  Sep 2012
 أخر زيارة : 04-14-2026 (09:14 PM)
 المشاركات : 23,483 [ + ]
 التقييم :  6763
 الدولهـ
algeria
 الجنس ~
Female
لوني المفضل : Darkgreen


افتراضي رد: رسائل الايمان



رسائل ايمانية تحوي الدرر
جزاك الله كل خير ووفقك الله لما تحبه وترضاه
لما تطرحه من فائدة أخي الفاضل السعيد
في أمان الله وحفظه


 
 توقيع : منال نور الهدى

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 11-03-2017, 11:47 AM   #6


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: رسائل الايمان



لا تخشى أن تكون وحيدا! (4)


يخشى الإنسان أن ينعزل عن الناس, ولديه ميل ليكون مع المجموع وأن يسير مع التيار، ولا غرو فالإنسان كائن اجتماعى ويستشعر بوجوده مع المجتمع وكجزء لا يتجزأ منه، لذلك من التحديات التى تواجه المؤمن أنه وخوفا من العزلة يساير التيار أيما كان حتى وإن كان خاطئا، لذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تكن إمعة بين الناس) فإن أحسنوا أحسنت وإن أسأوا أسأت. فالمؤمن يدور مع الحق أيما كان ولا يخشى خطر العزلة، ولا يخشى من خطر أن يكون وحيدا. والحق أبلج والباطل لجلجل، الحق معروف والانحياز له يكون بيقين واطمئنان حتى لقد سمى الله الحق (المعروف) لأنه معروف بلا خلاف حوله وسمى الباطل (المنكر) لأن الفطرة السليمة تنكره. وأنت تقول عن الشخص غير المعروف أنه نكرة، فالباطل تنكره النفس أى لا تعرفه وأنت تقول (هذا أمر غير منكور) بمعنى أنه لا شك فيه، أى معروف وثابت! فالحق قديم ومعروف ولكن ضعف النفس البشرية وأحابيل الشيطان والركون إلى الدنيا هى التى تدفع الإنسان للابتعاد عن الحق, أما المؤمن فهو فى حالة انتباه ويقظة دائمة حتى لا يحيد عن الحق بغض النظر عن العواقب.
وهناك أمور متشابهة عديدة يختلط فيها الحق والباطل أحيانا, أو هكذا يتصور الإنسان ولكنها على أى حال فى التفاصيل، أما الأمور الجوهرية والحاسمة فهى معروفة فى كل زمان ومكان ولدى كافة الأمم إن كانت حقا أم باطلا، صوابا أم خطأ، والانحراف يأتى بسبب التسيب الأخلاقى والتساهل النفسى والركون للطبيعة الطينية للإنسان دون روح الله التى نفخها فيه: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ) {الحجر: 28-29} وهناك مقولة شائعة تقول (كلمة الحق لم تترك لى صديقا) وهى مقولة صحيحة وخاطئة فى آن معا بمعنى أن بها بعض الحقيقة, فالناس لا تحب الحق لأن له تكلفة وله تبعات على مستوى السلوك الشخصى أو على مستوى إصلاح المجتمع، فالناس تميل إلى السهولة وتصدف عن الصعوبة، كالماء يتجه إلى السهول والوديان والمنخفضات ولا يتجه إلى أعلى الجبال. ولكن الإنسان المكلف بالأمانة من المفترض ألا يسلك مسلك الجماد! لذلك فإن أصحاب الحق كانوا دائما قلة ولكن القانون الاجتماعى الذى وضعه الله، يشير إلى انتصار القلة على المدى الطويل، إذا ثبتت أقدامها وظلت متمسكة بالحق قابضة على دينها وإن كان قطعة حجر من النار، وتلتف غالبية الناس فى النهاية حولهم، فإذا خلف من بعدهم (خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا){مريم: 59} وهكذا يظل تاريخ البشرية فى دوائر متصلة بين سيادة الحق، وسيادة الباطل (وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) ولم يقل نداولها بين المؤمنين أصحاب الحق وحدهم!
عندما ذهب مسلم بن عقيل بن أبى طالب ابن عم الحسين رضى الله عنه إلى الكوفة لاستطلاع استعداد أهل العراق لمبايعة الحسين استقبله 20 ألف من الناس، وذهب بهم إلى المسجد لصلاة المغرب، وأثناء الصلاة شعر المصلين بأن القوات بدأت تحاصرهم (وهى قوات أرسلها والى الكوفة) فأخذوا يتسللون، وعندما سلم مسلم لم يجد وحدا خلفه!!
وفى واقعة كربلاء حاصرت قوات يزيد الحسين ومعه سبعين من آل البيت، وطلب الحسين أن يسمح له بالعودة من حيث أتى، ولكن القوات خيرته بين المبايعة بالإكراه ليزيد أو القتل فرفض الحسين حفيد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لهم (علام تقاتلوننى أيها القوم؟ هل قتلت لكم نفسا؟ وهل سلبتكم مالا؟ وهل انتهكت لكم عرضا؟) ومن ضمن الآلاف التى تستمع له من قوات الحصار لم يستجب له إلا شخص واحد! هو الحر بن يزيد الذى انضم إليه.
وقد ورد فى القرآن الكريم مشهد يعبر عن هذا الحال عندما عصى بنو إسرائيل سيدنا موسى ورفضوا أن يدخلوا الأرض المقدسة (قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ){المائدة: 24-25} وهذا هو سبب التيه أربعين سنة.
فالضغط على صاحب الحق - حتى وإن كان رسولا - يصل به فى لحظة ليكون وحده ومعه أخوه النبى هارون. ولكن ليس هذه هى الصورة النهائية فالصبر يثبت الحق ويعود ليتمدد من جديد وينحسر الباطل.
ولذلك لا تخشى أن تكون مع الحق، لأن الحق هو الله سبحانه وتعالى، على مستوى حياتك الخاصة سيعمل قانون الحق وستكون استقامتك محل عرفان وتقدير المحيطين بك على المدى الطويل. وفى كل أسرة وتجمع إنسانى يشار بالبنان إلى أشخاص محددين ويوصفون بالصالحين، وإذا كانت النية هى إرضاء الله سبحانه وتعالى، فإن حب الناس واحترامهم لك حتى من الأعداء جائزة دنيوية من الله سبحانه وتعالى. وعلى المستوى العام انظروا كم من الناس كانوا أقرب الناس إلينا ومن صلبنا، وكيف تخلوا عنا، ويتخلون، وكيف طعنونا فى الظهر، ويطعنون، ولو حسبنا أعدادهم منذ إعلان التوجه الإسلامى فى 1986م لحزبنا حتى الآن، لرأيتهم جيشا لجبا، ولكن هذا لم يفت فى عضدى أو عضدكم لأننا موقنون أننا على الحق، ولو كان الذين تخلوا أو طعنوا أو ضعفوا أو استكانوا على حق، فليقولوا لنا ما هو حتى نتبعهم، لقد امتصتهم الحياة كما تمتص الاسفنجة المياه, فلا تكاد تراهم ولم يتجمعوا فى أى شىء, بل تناثروا فى دروب الدنيا بلا رابط، ومهما حققوا من مكاسب دنيوية فإننا لا نحب أبدا أن نلحق بهم, ولا أن نفنى فى مجلس الشورى. لقد احترفنا أن نقبض على الجمر, وهذه هى سعادتنا العظمى, ولم نيأس يوما من رحمة الله, ويظل يحدونا الأمل فى نصر الله.


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 11-03-2017, 11:50 AM   #7


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: رسائل الايمان



وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً (5)

صلاة الفجر فى السجن الانفرادى هى سكينة داخل السكينة، ومستوى أعلى للصعود الروحى فطوال النهار والليل هناك أصوات ما تأتى من البعيد، أما فى الفجر وبعد هدوء أصوات الآذان المتناغمة المنبعثة من مساجد المرج أو الخانكة فإن الهدوء يصبح عميقا، وحتى أسراب الغربان تنحنى للحظة الخلود هذه، فتلتزم الصمت لمدة ساعة على الأقل، ولا تبدأ بالنعيق إلا قبيل الشروق. وخلال هذه الساعة لا تسمع إلا صوت الصمت وتلاوتك للقرآن سواء داخل الصلاة أو خارجها. وتشعر بالأسى على الحياة فى تلك البلاد التى أتيت منها حيث تم تركيب الحياة لتحاصر صلاة الفجر، نعم أنا أشعر أننى فى بلاد أخرى مساحتها 6 متر×4 متر (الزنزانة) ولكنها أشبه بقارة منعزلة كالقطب الجنوبى مثلا، عالم آخر، ليس فيه بشر, فأنا لا أرى البشر إلا لدقائق متناثرة, مجموعها فى المتوسط اليومى نصف ساعة، أما لمدة 23 ساعة ونصف الساعة، فأنا مع الله، والملائكة، ولا يتبدى هذا الإحساس بصورة عميقة بأكثر من لحظات الفجر. أما فى الدنيا البعيدة التى أتيت منها فكما ذكرت فقد تم تركيب الحياة فيها وكأن ذلك بشكل مقصود لمحاربة صلاة الفجر. فالحياة الحقيقية تبدأ بعد صلاة العشاء، والبرامج والأفلام التليفزيونية تبدأ بعد العاشرة مساء وتصل لذروتها فى منتصف الليل أو بعده، فينام أغلب الناس متأخرين ولا يصلون الفجر, أو يصلون الفجر وهم فى حالة كدر شديد من قلة النوم! فتضيع أبهى لحظات الوجود للصلاة والتفكر، لحظات الانتقال من الليل إلى النهار: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ}.
وهناك طرفة تقول أن الرسول صلى الله عليه وسلم عاد إلى الحياة واستقل مركبة طائرة. وطلب من السائق أن يهبط فى البلد الذى يستيقظ أهله ساعة الفجر، فهبطت المركبة فى اليابان!
{وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً} يقول المفسرون: أى تشهده الملائكة. وهكذا يضيع على معظم المسلمين أبهى لحظات هذا الاحتفال السماوى.
لو سألنى أحد هل تحتمل نفسيا أن تبقى وحيدا لا ترى البشر تقريبا لمدة عام عدا زيارة واحدة لمدة ساعة كل أسبوعين أو حتى كل أسبوع؟ لقلت له بلا تردد لا أستطيع أو سيكون وضعا صعبا للغاية. ولكننى فى التجربة وجدت بالعكس فأنا أزداد ارتياحا يوما بعد يوم، ورغم أننى قد يضيق بى المقام للحظات كل يوم أو كل بضعة أيام، لأن الإنسان حيوان اجتماعى كما يقولون، أعود فأشعر بمشاعر مضادة إذ أصبحت خائفا من الخروج من هذا القمقم، والاحتكاك مرة أخرى بممارسات البشر. وتذكرت كلمة عجيبة قالها أحد العارفين بالله (غنيمة المؤمن غفلة الناس عنه وخفاء مكانه عنهم!!).
وقد عانيت كثيرا فى البلاد البعيدة التى أتيت منها من الكذب والنفاق وضعف النفوس وحسدها وحقدها وحرصها على حطام الدنيا، وهذه أكثر الأشياء التى جعلتنى أكره الدنيا، ولطالما هفت نفسى إلى الرهبانية، أو الصوفية المتطرفة, ولم يردعنى إلا علمى اليقينى أن ذلك ليس من الإسلام. ولكننى فهمت معنى ما يروى عن سيدنا يحيى عليه وعلى محمد الصلاة والسلام أنه - قبل بعثته - (استوحش الناس وآنس إلى الوحوش فعاش فى البرارى)، وكنت أتفاعل مع مشاعر الإمام أبى حامد الغزالى وهو يتحدث عن رغبته الجارفة فى الانعزال عن العالم فى المرحلة الأخيرة من حياته، ولكننى ظننت أبدا أن مخالطة الناس هى الجهاد الأصعب، حتى هيأ لى القدر هذه التجربة التى لم أكن أحلم بها، أن أعيش بدون بشر!!
ومع ذلك فأنا أحسن الظن بالناس على المدى الطويل، وأدرك جوانب الخير فى الإنسان، ولن أتخلى بإذن الله حتى الرمق الأخير عن أهلى وأحبائى وأبناء عشيرتى وموطنى, وأنا مشغول بعيوبى عن عيوب الناس، ولكننى أمقت الخيانة والغدر والكذب والنفاق والنفوس الوضيعة التى تسعى إليك عندما تريد منك شيئا، وتزور عنك عندما تتصور أن البعد عنك غنيمة، أمقت الذى ينفذ أوامر السلطان ويكسر أوامر الله، أمقت الذى يتقرب إليك وينافقك عندما تكون لك سلطة ما، وينكرك عندما يرى مصلحته الأنانية فى ذلك كما فعل بطرس عندما أنكر المسيح ثلاث مرات عند صياح الديك (أى عند الفجر).
وأصل الداء هو الانشغال بحب الدنيا والانهماك فى سفاسفها، لذلك كم كانت رائعة كلمات الإمام على بن أبى طالب رضى الله عنه التى قالها وهو خليفة المسلمين، عندما خاطب الدنيا قائلا:
(قد أبنتك ثلاثا لا رجعة فيها! فعمرك قصير.. وعيشك حقير.. وخطرك كبير.. آه من قلة الزاد وبُعد السفر.. ووحشة الطريق).
لذلك ما أجمل هذا الدعاء القرآنى:
{وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا}.
نعم نحن نحتاج لسلطان نصير من الله لمواجهة ظلم القريب والبعيد. فحتى الرسول صلى الله عليه وسلم كان يعانى مما يقولون عنه، وهو من هو من حيث قوة الإيمان والصلابة فعزاه الله وقال له: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ}(الحجر: 97-99).


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 11-03-2017, 11:53 AM   #8


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: رسائل الايمان



الوقت.. ذلك السر الرهيب! (6)




بالأمس نمت 12 ساعة متصلة بدون أى انقطاع.. وعندما استيقظت قبيل الفجر أخذت أدقق النظر فى الساعة لأتأكد من هذه الحقيقة أين يقع العقرب الصغير؟ وأين يقع العقرب الكبير؟ كنت أتصور أننى غفوت لمدة ساعة أو ساعتين. وهذه ليست تجربة فريدة فهذا يحدث لكل منا عندما يستيقظ فلا يعرف كم مر من الزمن إلا عندما ينظر فى الساعة. وعلى المستوى الشخصى المباشر فقد شعرت بالسعادة فلقد سرقت من الدنيا نصف يوم دون أن تستطيع أن تنال منى؟! وكذلك سرقت نصف يوم من عقوبة الحكومة لى بالسجن؟! ولكن هذه أبسط الدلالات. فالوقت.. أو الزمن هو سر الحياة الرهيب. وما يحدث فى حالة اليقظة أهم بكثير مما يحدث فى النوم. فأنت تقول أثناء سير الحياة (لقد سرقنا الوقت) عندما يمر الوقت بأسرع مما تشعر. فالأحرى أن نقول أن الإحساس بالوقت هو السر الرهيب. فقد تمضى عليك الدقيقة وكأنها دهر ثقيل طويل، وقد يمر اليوم وكأنه برهة، حسب الظروف المحيطة. فإذا كنت سعيدا ومتوافقا مع نفسك وأحوالك ومشغولا بعمل ما أو بشىء تحبه فالزمن يمر سريعا، ولكن فى الملمات والظروف الصعبة واللحظات الكريهة فإن الزمن يكاد يتوقف أو يتحول إلى حالة من البطىء الشديد. وهكذا فإن الزمن يتحول إلى مسألة داخلية خاصة أنت الذى تصنعها، وتشعر بها وفقا لشخصيتك وتفاعلك مع الظروف المحيطة بك.
والزمن حالة خاصة جدا من صنع الإنسان وقدراته المحدودة.. فنحن نقسم الزمن إلى ماضى وحاضر ومستقبل. فى حين أن الحاضر مسألة وهمية! أو تكاد! فالحاضر بعد لحظة يتحول إلى ماضى. فأنا الآن أكتب رسالة ولكن السطور الماضية تحولت إلى ماضى! وهذا السطر سيتحول إلى ماضى بمجرد الانتهاء منه! وكل كلمة بل وكل حرف تكتب تتحول إلى ماضى بمجرد كتابتها, فالحاضر مجرد ذبذبات مستمرة تتحول أولا بأول وبسرعة البرق إلى ماضى!!
وأنا أستعد لكتابة رسالة مطولة حول الوقت، ولكن حتى ذلك الحين أقول إن أهم ما فى هذا الموضوع (الوقت) ما يتعلق بالعقيدة. فهذا الإحساس الذاتى والزائف بالوقت يجعلنا نتراخى فى العمل للآخرة، ونغرق فى الدنيا, فنحن يتملكنا إحساس زائف أن الدنيا طويلة وزمنها ممتد بصورة رهيبة، وعندما يكون الطريق طويلا فإنه يكون مبلغ همك وعلمك أن تنتهى منه ولا تفكر فيما وراءه. إحساسنا الزائف بطول زمن الدنيا يجعلنا ننشغل بها وبأمورها على حساب الآخرة، فالآخرة جد بعيدة ولا نراها ولا نعرف متى نصل إليها، والمرء يتلهى بما هو محيط به وكأنه مستمر أبد الدهر. وقد أشار القرآن الكريم مرارا إلى هذا المعنى حتى لا يغتر الناس بالدنيا، ومن ذلك: (كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا - أى الساعة - لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا) أى أن الدنيا سيصبح تقديرها عند كل إنسان مجرد نصف اليوم.
وهناك أمور غيبية يجب أن نسلم بها إذا وردت فى القرآن الكريم أو السنة. ولكن ليس ذلك هذا الشعور بالزمن، لأننا يمكن أن نختبر هذه الحقيقة فى حياتنا. فإذا كان عمرك عشرين عاما فما هو إحساسك بما مضى من حياتك إلا مجرد برهة, ونفس الشعور سيكون لديك عندما تكون فى الثلاثين أو الستين.. إلخ.
بمجرد انتهاء الزمن يتحول إلى ذكرى وتتحول الذكرى إلى لحظة أو مجموعة من اللحظات. هذا مجرد إحساس ولكنه إحساس صادق. طبعا يمكن لإنسان أن يكتب مذكرات حياته فى مئات الصفحات، ولكن يبقى أن إحساسه بالعمر الماضى مجرد برهة.
ويمكنك أن تختبر هذا الإحساس الواقعى فى الرحلات الطويلة.. فإذا ركبت القطار مثلا من القاهرة إلى أسوان ولم تكن فى عربة النوم، فإنك ستشعر فى البداية أن هذا الوقت طويل لن ينتهى إلا بشق الأنفس (12 ساعة) ونفس الشعور إذا سافرت إلى الولايات المتحدة بالطائرة (12 ساعة) ولكنك بمجرد وصولك يتحول زمن الرحلة إلى برهة.
وأحيانا يشعر الإنسان بمرور الزمن بصورة صادمة مفاجئة، عندما يجد شعرا أبيض فى لحيته أو رأسه، أو عندما يرى نفسه وقد أصبح جدا له حفيد، أو عندما يجد صعوبة فى الصعود على السلالم!
فإذا أضفت لكل ذلك، أن العمر غير مضمون، وقد تكون نهايته قبل متوسط الأعمار المعروف فى بلدك، سيزداد الأمر قصرا. لذلك إذا تجردت لهنيهة من مشاغل الدنيا وفكرت هكذا ستدرك مقولة الإمام على بن أبى طالب أن الدنيا (عمرها قصير) وأن الجدوى الاقتصادية - بمفاهيم العصر - للخلود فى الجنة لا تقارن بلحظات الدنيا. فليكن شغلك الشاغل أن تحولها إلى مزرعة للآخرة. ولا تضيع الوقت كثيرا فيما لا جدوى حقيقية منه. ولنأخذ من الدنيا حاجتنا الإنسانية المادية والروحية بالحد الأدنى المعقول لتيسير الأمر فيها، ولقتل إحساسنا الزائف بطول وقتها، وأفضل تعبير عن هذه الحالة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كن فى الدنيا غريب أو عابر سبيل) وغريب هنا معناها عدم الانغماس فى الدنيا إلى حد نسيان الآخرة، فلا تندمج فى الأحداث المباشرة وتنس الحدث الأكبر والهدف البعيد. أما عابر السبيل فهو يأخذ ما يحتاجه من أكل وشرب واحتياجات إنسانية, كمسافر عندما يمر على واحة أو محطة استراحة ثم يمضى فى طريقه. والحديث ذو شأن ويحتاج كما ذكرت لرسالة أطول.


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 11-03-2017, 11:55 AM   #9


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: رسائل الايمان



لا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْراً مِّنْهُمْ (7)



أهم ما كشفت عنه هستيريا كرة القدم التى أججها نظام الحكم للتغطية على عوراته وفشله فى كل المجالات أن المجتمع المصرى لديه قابلية بقيادة حكامه للخروج عن أبسط مبادىء وتعاليم الإسلام: فمهما كانت تصرفات مجموعة صغيرة من مشجعى الجزائر فى الخرطوم، فإنها لا تبرر هذا الموقف الجاهلى الذى تبناه رموز النظام وأبناء الحاكم والإعلام الرسمى ضد 40 مليون مسلم جزائرى، مع ملاحظة حالة من المبالغة الشديدة مما حدث فى الخرطوم, فلا يوجد قتيل مصرى واحد, ولا حتى إصابة واحدة تستدعى دخول المستشفى فى حين دخل (20 جزائرى المستشفى فى القاهرة!!) كما أنه فى حكم المؤكد أن الاعتداء على اتوبيس اللاعبين الجزائريين فى القاهرة كان مدبرا من جهة رسمية (اتحاد الكرة المصرى). ولكن بلا شك فإن المحصلة الاجمالية أن تجاوزات مشجعى الجزائر خاصة على أرض الجزائر هى الأكبر، ولكن كل التباينات فى التقديرات لا تبرر تكفير الشعب الجزائرى بأسره!
يقول الله عز وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (الحجرات: 11).
يحذرنا الله عز وجل من الوقوع فى المشاجرات والخلافات التى لا تستند إلى مبدأ، يحذرنا من سخرية قوم لقوم، أو السب أو التنابز بالصفات التى لا يحبها الناس، وسمى ذلك فسوق وأنه ينقص الإيمان، وأنه يستدعى التوبة وإلا كنا من الظالمين.
وهذا ينطبق بحذافيره على ما جاء فى تليفزيون الحكومة المصرية: تكفير 40 مليون جزائرى (قال مذيع أن الجزائريين أعراب والأعراب أشد كفرا ونفاقا)، وجاء على لسان مذيع فى محطة خاصة أن الجزائر بلد "المليون لقيط" بدلا من المليون شهيد، فوصل الأمر إلى إهانة الشهداء وليس الأحياء فحسب، بهذا اللفظ البذىء. ووصف متحدث السفير الجزائرى فى مصر بأنه "خنزير" وهذا مما لايجرؤ أن يقوله على سفير اسرائيل. وقال علاء مبارك (على الجزائريين أن يتعلموا اللغة العربية أولا قبل أن يتحدثوا معنا) علما بأن كثيرا من الجزائريين يعرفون العربية أكثر منه. وأن معايرة الجزائريين بأثر الاستعمار الفرنسى سقطة لا تجوز. وتكررت الدعوات لغزو الجزائر! وطلب البعض فتح باب التطوع لحرب الجزائر!! فهل بإمكان مصر أن تحتل الجزائر؟ ان كان يجوز ذلك شرعا، وبسبب مباراة كرة قدم يا أمة ضحكت من جهلها الأمم!
فى صدر الإسلام نجح اليهود فى إعادة إذكاء الفتنة بين الأوس والخزرج فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أجاهلية وأنا بين أظهركم!).
ويقول الله عز وجل: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (الحجرات: 10), ويحرم الإسلام سب المسلمين بغير حق (طبعا ولا غير المسلم) ونحن نقول أن السب شمل الشعب الجزائرى كله, وفى ذلك يقول الله عز وجل: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً) ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر) متفق عليه. وأيضا: (لا يرمى رجل رجلا بالفسق أو الكفر، إلا ارتدت عليه، إن لم يكن صاحبه كذلك) البخارى. وأيضا: (بحسب امرىء من الشر أن يحقر أخاه المسلم) مسلم.
أما مسألة الافتخار بمصر وأيديها البيضاء على العرب فهذا عيب أخلاقيا ودينيا، يقول الله عز وجل: (فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى), وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: (إن الله تعالى أوحى إلىّ أن تواضعوا حتى لا يبغى أحد على أحد ولا يفخر أحد على أحد) مسلم. فإذا كانت مصر قد قدمت خيرا للعرب فهذا يحتسب فى سبيل الله، وأيضا هذا من مصلحة مصر، فلا يوجد تعارض بين العمل لله، وبين تحقيق المصالح فالاثنان فى طريق واحد، ونحن مأمورون بأن نتعاون ونتآلف مع بعضنا البعض سياسيا واقتصاديا وثقافيا وفى كل المجالات: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) فكيف يمن مؤمن على مؤمن أنه والاه، انه فى الحقيقة لا ينفذ إلا أمر الله. وقد حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ومنهم "المنان" وفى القرآن: (الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُواُ مَنّاً وَلاَ أَذًى).
الإسلام لا يعرف العنصرية التى تدين جماعة بشرية بأكملها حتى بالنسبة لغير المسلمين، وقد أشرت من قبل إلى بنى إسرائيل: (فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً)، وهناك فى القرآن دائما عدم تعميم بالنسبة لأهل الكتاب (ليسوا سواء)، وقد أدان القرآن الأعراب, ولكنه قال أيضا: (وَمِنَ الأعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ
الرَّسُولِ أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِى رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (التوبة: 99).

وقد يكون لما حدث بسبب مباراة كرة قدم خير عميم إذا أدرك الشعب المصرى مستوى التفاهة والانحطاط التى وصلنا إليها فى ظل هؤلاء الحكام وهذا الإعلام الرسمى، وليذكروا أنه فى ذات الوقت تصالح الترك مع الأرمن بعد عداء دام 100 سنة، حيث يتهم الأرمن الأتراك بإبادة مليون أرمنى. والمفارقة أن المصالحة أخذت شكل مباراة كرة قدم بين البلدين!!
لابد أن نفيق من هذه الغيبوبة, وأن ندرك أن الوطنية المصرية حقا هى التى تقود بنا إلى إعمار بلدنا بالعدل والالتزام بمرجعيتنا الإسلامية فى كل شئوننا الداخلية قبل الخارجية، وأن ندافع عن كرامة المصريين المذبوحة على يد الشرطة وبلطجية الحزب الحاكم وضحاياهم بالآلاف, وتذكروا أن إسرائيل قتلت من رجال الشرطة العديد من أفرادها فى السنوات الأخيرة، ولم نشهد حملة للدفاع عن مصر، بل استقبل مبارك بيريز فى اليوم التالى لقتل اثنين من رجال الشرطة المصريين, وفى حرب غزة الأخيرة دمرت إسرائيل عشرات من منازل المصريين فى رفح ولم يصدر تصريح إدانة واحد من مسئولينا الكرام! فأين العمل بالآية الكريمة: (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُم ْ) (الفتح: 29), نحن نعمل بعكس توجيه هذه الآية.


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 11-03-2017, 06:00 PM   #10



محمد العتابي غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 5
 تاريخ التسجيل :  Sep 2012
 أخر زيارة : 04-28-2024 (06:56 AM)
 المشاركات : 22,652 [ + ]
 التقييم :  6412
 الدولهـ
Iraq
 الجنس ~
Male
لوني المفضل : Cadetblue


افتراضي رد: رسائل الايمان



جزاك الله خيراً اخي السعيد على المجهود الطيب
تحياتي


 
 توقيع : محمد العتابي

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدليلية (Tags)
الايمان, رسائل


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء : 0 , والزوار : 1 )
 

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG]متاحة
كود HTML معطلة



المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
[بصمة أولى] رسائل لم تعد لتحرير...! منال نور الهدى رِيـاضُ فَلْسَفَةِ الفِكْرُ وَ الرَاْيُ وَ الرَأْيُ الآَخَر 9 06-01-2021 10:31 PM
الايمان باليوم الاخر السعيد رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة 10 09-06-2018 01:22 PM
حقائق الايمان والاعجاز السعيد رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة 33 07-25-2018 12:51 PM
رسائل صباحية حمزه الأعرج رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة 3 05-05-2018 11:37 AM
ثمرات الايمان الدنيا فناء رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة 5 10-12-2016 08:24 PM


الساعة الآن 06:18 PM