![]() |
العبادات التعاملية
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية الدرس : ( الاول ) الموضوع : مقدمة عن الربا ومضارها الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.كسب المال : أيها الأخوة، في أحد دروس الفجر في رمضان الأخير تحدثت عن موضوع الربا، و قد طلب إليَّ أخوة كرام أن أعالج هذا الموضوع بشكل مسهب بعد عيد الفطر، و هاأنذا أوفي بوعدي إن شاء الله، وقبل أن نبحث في موضوع الربا في الحقيقة أنّ البحث الأعم والأشمل موضوع كسب المال، لأن تسعة أعشار المعاصي من كسب المال، ولأن المال مادة الشهوات، والله عز وجل قال: ﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ [ سورة آل عمران: 14 ] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4671/01.jpg فالله جل جلاله أودع في الإنسان حبّ المال، هذا الحب أودعه فيه ليرقى الإنسان به إلى الله عز وجل من خلال ترك الحرام و إنفاق الحلال، فأنت ترقى مرة إذا تعففت عن مال حرام، و ترقى مرة ثانية إذا كسبت مالاً حلالاً فأنفقته في عمل طيب، إذاً تسعة أعشار المعاصي من كسب المال، و لأن الله سبحانه و تعالى أودع حب المال في نفوس الخلق ليرقوا بهذا الحب مرة صابرين و مرة شاكرين، و لأن أساليب كسب المال كثيرة جداً، و الكسب الحلال بين واضح، و الكسب الحرام بين واضح، لكن هناك ألوف بل عشرات الألوف من طرائق كسب المال، وهذه يقع فيها الناس في شبهات، أي يشتبه عندهم هذا الدخل مع الحلال، و يشتبه عند بعض آخر مع الحرام، لذلك وجدتُ موضوعَ كسب المال موضوعاً أساسياً؛ أساسياً و خطيراً في حياة المسلم، لذلك إن شاء الله تعالى في الدروس القادمة سنتحدث عن موضوع كسب المال، لأن كل الأخوة الحاضرين ما منهم واحد إلا و يكسب المال إما من خلال وظيفة، أو من عمل زراعي، أو صناعي، أو تجاري، أو من خدمة، أو من حرفة، فإذا شعر أن كسبه حلال أقبل على الله، ولأن العبد يدعو ويقول: يا رب يا رب و مأكله حرام و مشربه حرام و غذي بالحرام فأنى يستجاب له؟! (( يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة )) [أخرجه الطبراني عن عبد الله بن عباس ] وكذلك فإنّ من أخذ أموال الناس يريد إتلافها أتلفه الله، ربنا جل جلاله قد يتلف الإنسان إذا أكل أموال الناس بالباطل، فلا أعتقد أن في موضوعات الفقه موضوعاً أشد خطورة و أشد مساساً بإيمان المؤمن و إسلام المسلم وسعادة الإنسان من موضوع كسب المال. المعنى اللغوي للربا في القرآن الكريم : ومن خلال دروس سابقة كنت أبين لكم أن الحق دائرة يمر بها أربعة خطوط؛ خط النقل؛ و خط العقل؛ و خط الفطرة؛ و خط الواقع، و إذا حرم الله الربا بالنقل فالعقل يرفضه و الواقع يرفضه و الفطرة ترفضه و إليكم هذه الأدلة: ما معنى كلمة ( الربا )؛ الربا في اللغة الزيادة، أربى فلان على فلان أي زاد عليه، رَبا الشيءُ أي زاد على ما كان عليه، الربوة المكان المرتفع، أربى فلانٌ ماله صيره زائداً كثيراً، هذا المعنى ورد في القرآن الكريم قال تعالى: ﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ﴾ [ سورة البقرة : 276 ] أي المال الذي تصدقت منه يربّيه الله عز وجل، أي يزيده ويضاعفه أضعافاً كثيرة، وقال تعالى: ﴿ وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآَتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ [ سورة البقرة : 265 ] الربوة هي الموضع المرتفع قال تعالى: ﴿ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ ﴾ [ سورة الرعد: 17 ] زبداً رابياً أي عالياً، قال تعالى: ﴿ وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ﴾ [ سورة الحج: 5 ] أي: انتفخت، هذا في القرآن الكريم، الربا الزيادة. المعنى اللغوي للربا في السنة الشريفة و المعاجم اللغوية : وأما في السنة المطهرة فكما ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام: ((مَا تَصَدَّقَ أَحَدٌ بِصَدَقَةٍ مِنْ طَيِّبٍ وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلا الطَّيِّبَ إِلا أَخَذَهَا الرَّحْمَنُ بِيَمِينِهِ وَإِنْ كَانَتْ تَمْرَةً فَتَرْبُو فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ حَتَّى تَكُونَ أَعْظَمَ مِنَ الْجَبَلِ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ أَوْ فَصِيلَهُ)) [متفق عليه عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ] معنى تربو أي تزيد، على كلٍّ في "لسان العرب" وهو معجم من أوسع المعاجم، وذات مرة طالب في الجامعة في قسم الآداب سئل عن لسان العرب ليتحدث عن نظام تأليفه، و عن خصائصه، و عن مؤلفه، و عن تاريخ تأليفه، لكنه لم يقرأ عنه شيئاً فما زاد على قوله: لسان العرب طويل، فرسبه الأستاذ بهذه الكلمة. في معجم "لسان العرب" رَبا الشيء يربو ربواً أي نما وزاد، و في معجم الزمخشري المسمى "أساس البلاغة" ربا الشيء يربو أي زاد، وأرباه الله تعالى أي ضاعفه أضعافاً كثيرة، المعاجم كلها تؤكد أن الربا هو الزيادة. تعريف الربا الشرعي : فما تعريف الربا الشرعي؟ بعد أن عرفناه بالمعنى اللغوي فما تعريفه الشرعي؟. أيها الأخوة الأكارم، مرة ثانية هذا الدرس مهم جداً لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "في آخر الزمان يفشو الربا حتى الذي لا يأكل الربا قد يصيبه غباره". http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4671/02.jpg فإذا عرفنا بالضبط حدود هذا الدرس وتحرّينا الحلال استجاب لنا الله دعاءنا، ونحن الآن في أشد الحاجة إلى الدعاء بل إلى أن يُستجاب دعاؤنا وقد تكالبت علينا أمم الأرض قاطبةً: (( يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة )) [أخرجه الطبراني عن عبد الله بن عباس ] الربا: الزيادة على أصل المال من غير عقدِ تبايعٍ، أي أقرضت إنساناً مبلغاً واشترطت عليه أن يرده عليك بزيادة على أصله هذا ربا القروض. تعريف آخر: الزيادة على أصل المال من غير بيع، هذا التعريف يشمل ربا القروض الذي كان سائداً في الجاهلية. وأما ربا البيوع، فربا القروض شيء وربا البيوع شيء آخر، ربا البيوع: الفضل الخالي عن العوض المشروط في البيع، أي هذا القلم بخمسين ليرة، معنى العوض: الخمسون مقابل تملّك هذا القلم فلو أخذت منه ستين ليرة مقابل أن تؤخر له في دفع الثمن فهذا الربا اسمه ربا البيوع وليس ربا القروض، فهو الفضل الخالي عن العوض المشروط في البيع، شرط البيع أن هذا القلم بخمسين فإذا أخذت زيادة عن الخمسين من غير شرط البيع وهو العوض فهذا المبلغ الذي أخذته عند العلماء ربا، هذا التعريف تعريف السرخسي وهو من أكبر فقهاء الأحناف. والعلامة العيني يقول: فضل المال بلا عوض في معاوضة مال بمال، الخمسون مال والقلم مال، فإذا أقمت عقد معاوضة بين القلم والثمن فالذي تأخذه فوق الخمسين هذا فضل وهذا ربا البيوع. هناك تعريف يجمع بينهما، هذا التعريف لابن العربي: الربا في اللغة الزيادة والمراد به في الآية كل زيادة لم يقابلها عوض هي الربا. أنواع الربا : أمّا الإمام الفخر الرازي فيقول: الربا قسمان ربا النسيئة وربا الفضل، ربا النسيئة أي: الزيادة المشروطة الذي يأخذها الدائن من المدين نظير التأجيل، اقترضت من إنسان قرضاً فاستحق أداء القرض فلما أخّر لك الأداء طالبته بزيادة على أصل المال، هذا ربا النسيئة، هذا الربا هو ربا الجاهلية الذي كان شائعاً عند العرب قبل الإسلام، فالربا الذي كانت العرب تعرفه وتفعله إنما كان قرض الدراهم والدنانير إلى أجل بزيادة على مقدار ما استقرض على ما يتراضون به من نسب معينة، والآن أي قرض من المصرف بفائدة هو يشبه ربا القروض. يسمي العلماء ربا القروض الربا الجلي، وربا البيوع الربا الخفي، فكما أن هناك شركاً جلياً أن تعبد بوذا مثلاً، وشركاً خفياً كأن تخاف من إنسان أو تعلق الآمال عليه، والعلماء يرون أن هناك رباً جلياً ورباً خفياً، الربا الجلي ربا القروض، والربا الخفي ربا البيوع والظاهر بيع وشراء. الإمام ابن القيم الجوزي يقول: الربا نوعان جلي وخفي، فأما الجلي فربا النسيئة الذي كانوا يفعلونه بالجاهلية، أي التأخير، وسمّى بعض العلماء ربا القروض الربا الحقيقي. يقول الشيخ الدهلوي: وعُلم أن الربا على وجهين؛ حقيقي ومحمول عليه. أما الحقيقي فهو في الديون وأما المحمول عليه فهو في البيوع. يقول أحد علماء الأزهر: إن ذلك النوع أي ربا القروض هو أشد أنواع الربا تحريماً، وهو الجاري في التعامل بين الجماعات التي قام نظامها الاقتصادي على أساس ربوي، وقد سمى بعض العلماء القروض بربا القرآن حيث ثبت تحريمه بالقرآن الكريم، أما ربا البيوع على حسب تعريف السرخسي وهو إمام كبير من أئمة المذهب الحنفي فهو الفضل الخالي عن العوض المشروط في البيع، أي ثمن هذا القلم خمسون فإذا أخذت زيادة على الخمسين مقابل الأجل أي التأخير فهذا ربا البيوع، ربا القروض وربا البيوع، ربا القروض ربا القرآن، وربا البيوع ربا السنة التي نهى عنها النبي، ربا القروض الربا الحقيقي المحمول عليه، وربا القروض هو الربا الجلي، وربا البيوع هو الربا الخفي. ربا البيوع : و عن النبي عليه الصلاة والسلام: ((عَنْ أَبِي قِلابَةَ قَالَ: كُنْتُ بِالشَّامِ فِي حَلْقَةٍ فِيهَا مُسْلِمُ بْنُ يَسَارٍ فَجَاءَ أَبُو الأشْعَثِ قَالَ: قَالُوا: أَبُو الأَشْعَثِ، أَبُو الأَشْعَثِ فَجَلَسَ، فَقُلْتُ لَهُ: حَدِّثْ أَخَانَا حَدِيثَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: نَعَمْ، غَزَوْنَا غَزَاةً وَعَلَى النَّاسِ مُعَاوِيَةُ فَغَنِمْنَا غَنَائِمَ كَثِيرَةً فَكَانَ فِيمَا غَنِمْنَا آنِيَةٌ مِنْ فِضَّةٍ فَأَمَرَ مُعَاوِيَةُ رَجُلا أَنْ يَبِيعَهَا فِي أَعْطِيَاتِ النَّاسِ فَتَسَارَعَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ فَبَلَغَ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ فَقَامَ فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَى عَنْ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ وَالْبُرِّ بِالْبُرِّ وَالشَّعِيرِ بِالشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ بِالتَّمْرِ وَالْمِلْحِ بِالْمِلْحِ إِلا سَوَاءً بِسَوَاءٍ عَيْنًا بِعَيْنٍ فَمَنْ زَادَ أَوِ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى فَرَدَّ النَّاسُ مَا أَخَذُوا فَبَلَغَ ذَلِكَ مُعَاوِيَةَ فَقَامَ خَطِيبًا فَقَالَ: أَلا مَا بَالُ رِجَالٍ يَتَحَدَّثُونَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَادِيثَ قَدْ كُنَّا نَشْهَدُهُ وَنَصْحَبُهُ فَلَمْ نَسْمَعْهَا مِنْهُ فَقَامَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ فَأَعَادَ الْقِصَّةَ ثُمَّ قَالَ: لَنُحَدِّثَنَّ بِمَا سَمِعْنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنْ كَرِهَ مُعَاوِيَةُ أَوْ قَالَ: وَإِنْ رَغِمَ مَا أُبَالِي أَنْ لا أَصْحَبَهُ فِي جُنْدِهِ لَيْلَةً سَوْدَاءَ )) [مسلم عَنْ أَبِي قِلابَةَ ] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4671/03.jpg أي هذا القلم بخمسين، فلك عندي خمسون، فإن دفعتها لك الآن خذ أربعين مقابل الخمسين، و إذا أخرت لك الدفع صارت ستين، انتهى الموضوع القلم بخمسين، لو دفعت ثمنه نقداً كان بخمسين، الآن تفاوض على طريقة الدفع فإذا أخرت القبضة طالبته بالستين هذا الربا هو ربا البيوع، ولكن هناك من يزعم أن الربا يشبه البيع قال تعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [ سورة البقرة: 275 ] لماذا يشبه البيع؟ يقول لك: أنت تشتري هذا القلم بأربعين وتبيعه بخمسين فقد زدت في الثمن والقرض كذلك لكن الفرق دقيق جداً، الإنسان الذي اشترى شيئاً وباعه قدم سلعةً، قدم خدمة، قدم جهداً، قدم محصولاً زراعياً فأفاد الناس، قدم صناعة لبّت حاجاتهم، أما الذي لم يقدم شيئاً إنما أقرض وطالب بزيادة على القرض فهذا يعني أنه جمع الأموال كلها بيده. علاقة الربا بتداول المال بين الأيدي القليلة : والحقيقة أننا الآن دخلنا في صلب الموضوع، وأخطر ما في الحياة الاجتماعية أنك أيها الإنسان عضو في الجماعة شئت أم أبيت، وبأيدي هذه الجماعة كتلة نقدية، هذه الكتلة كلما كانت موزعة بين أيدي أفراد الجماعة كان الوضع طيباً ونافعاً ومفيداً، وكان استقرارٌ، وصارت هناك طمأنينة، الجميع يأكلون، والجميع يشربون، والجميع يسكنون، والجميع يتزوجون، والجميع يفرحون، أما إذا جمعت هذه الكتلة النقدية في أيد قليلة وحرمت منها الأيدي الكثيرة بدأ اضطراب الحياة الاجتماعية، بدأت الثورات، بدأ العنف، والعالم اليوم ماذا يشكو؟ العنف، لا أعتقد أن في تاريخ البشرية عصراً يتصف بالعنف كهذا العصر، لماذا؟ لأن المال في كل مجتمع متداول بين أيدٍ قليلة، ربنا عز وجل يقول: ﴿ مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ [ سورة الحشر: 7 ] فما علاقة الربا بتداول المال بين الأيدي القليلة؟ الحقيقة أن الإنسان حينما يضع أمواله في جهة ربوية ماذا فعل؟ ما قدم شيئاً، أما أيّ إنسان آخر قدم محصولاً فهذا المحصول ساهم في خفض الأسعار. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4671/04.jpg كما تعلمون جميعاً حينما يكون المحصول جيداً جداً يصبح السعر رخيصاً جداً. تصوروا شكل مخروط، ولهذا المخروط محور داخلي، وهذا المحور الداخلي هو السعر، وهذه الدوائر التي تبدأ واسعة جداً في القاعدة ثم تضيق نحو الأعلى إلى أن تختفي، هذا المخروط ذو شكل دائري في قاعدته ثم تضيق هذه الدوائر إلى أن تصل إلى نقطة، فالمحور الداخلي هو السعر، والشريحة التي تشتري هذه السلعة دائرة، فكلما انخفض السعر اتسعت الشريحة، وكلما ارتفع السعر ضاقت الشريحة، وهذا مثل أطرحه بين أيديكم، الفاكهة التي إن شاء الله سوف تنمو بهذا الصيف، كرز مثلاً إذا كان الكيلو بمئة ليرة، الفليفلة بمئة ليرة كم إنسان يشتري الكيلو بمئة ليرة وشعبنا اثنا عشر مليوناً؟ افرض أنّ عدد من يشتريه خمسمئة ألف، لو صار الكيلو بخمسين ليرة فالذين يشترون مليوناً، فلو صار بخمسة وعشرين فعدد من يشترون أربعة ملايين، ولو كان باثني عشر ليرة ثمانية ملايين ولو كان الكيلو بست ليرات لقال أحدهم بعني كيلوين، أما إذا كان بمئة فضع لي أوقية، بالمئة أوقية إذا كان مضطراً ومترفاً أيضاً. فهذا المخروط كلما ارتفع السعر كلما الدائرة قلَّت وضاقت. فإذا أثبتنا الآن أن الربا يسهم في رفع الأسعار معنى ذلك هناك علاقة حتمية بين الربا وبين تجمع الأموال في أيدٍ قليلة، وإذا أثبتنا أن تجمع الأموال في أيد قليلة سبّب أعمالَ العنف في العالم وسبب الثورات، إذاً فمعنى ذلك أن أخطر معصية يفعلها الإنسان هي معصية الربا، لأن شارب الخمر يؤذي نفسه، والزاني يؤذي نفسه وهذه التي زنى بها، أما المرابي فيؤذي مجتمعاً بأكمله، فكل أنواع الحرمان التي يعانيها الشباب، وكل الطرق المسدودة التي يقاسيها المتطلعون للزواج، وكل الأعمال المغلقة في وجه طالبي العمل، هذه كلها بسبب تجمُّع الكتلة النقدية بأيدٍ قليلة وانعدامها من أيدٍ كثيرة. فإذا أثبتنا أن الربا يسهم في تجميع الأموال في أيدٍ قليلة وتحرم منها الكثرة الكثيرة، إذاً فالربا سبب الاضطراب الاجتماعي في العالم أجمع، من هنا لم يرد في القرآن الكريم تهديد حول معصية كتهديد الربا قال تعالى: ﴿ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ ﴾ [ سورة البقرة: 279 ] لا توجد معصية توعد الله بها مرتكبها بالحرب إلا الربا لأن خطر الربا يشمل المجتمع بأكمله. إصرار الحضارات القديمة على شناعة الربا و من هذه الحضارات : 1 ـ اليونان : لكن الشيء الذي ربما تفاجؤون به وأنا مضطر أن أذكره لكم هو أن كل الحضارات القديمة أصرت على شناعة الربا. اليونان: الإغريق أقدم حضارة في العالم ماذا يقولون؟ يقول أفلاطون في كتابه القانون: لا يحل لشخص أن يقرض بالربا. أرسطو يقول: الربا من ضروب الكسب التي تخالف الطبيعة، ويقول أيضا ً: كان حقاً استنكار الربا لأنه طريقة كسب تولدت من النقد نفسه، في النظرة القديمة، أي بالربا المال يلد المال. علاقة الربا بالبطالة و بارتفاع الأسعار : الآن تصور أن إنساناً أنشأ مشروعاً زراعياً أو مشروعَ صناعةٍ زراعيةٍ، مشروع ألبان، طرح هذه المواد في الأسواق بأسعار معتدلة، هذا الطرح الكثيف بسعر معتدل يساهم بخفض الأسعار، أليس كذلك؟ كما قلت قبل قليل: كلما زاد الإنتاج انخفضت الأسعار، و كلما قلّ الإنتاج ارتفعت الأسعار، فالربا يعني أن المال يلد المال، أما بالطرق المشروعة فالمال يأتي من عمل إنتاجي، من عمل زراعي، من عمل صناعي، من عمل تجاري، من خدمات، تؤدي خدمة تأخذ مقابلها، الأعمال تلد الأموال، الطريق المشروع الأعمال تلد الأموال، أما بالربا فالمال يلد المال، الأعمال تسهم في بناء الأمة، تسهم في الرخاء، تسهم في توفير الحاجات، تسهم في خفض الأسعار، أما المال وحده أي إذا تولَّد المال عن طريق الربا فماذا قدم صاحب هذا المال للمجتمع؟ لم يقدم شيئاً، لم يطرح إنتاجاً زراعياً و لا صناعياً و لا قدم خدمات، و هناك شيء آخر أنت حينما تقوم بمشروع، وتنشئ مشروعاً أيَّ مشروع كان، فمئات الأشخاص بل عشرات المئات بل الألوف تستخدمهم و أنت لا تدري، تحتاج إلى فاتورة فلا بد من مطبعة، المطبعة تريد حبراً، و المطبعة تريد موظفين، و تريد محاسباً، و تريد عمالاً، و تريد مندوبَ مبيعاتٍ، و تحتاج إلى وسيلة نقل، النقل له عشرات الفروع، و هذه الوسيلة تحتاج إلى كهرباء، و إلى صيانة، و إلى وقود، و إلى أجهزة، و تحتاج إلى مَن يقودها لنقل البضاعة، تصور، لا توجد مؤسسة إلا و ألوف بل عشرات الألوف يعملون في خدمتها. سمعت أن معمل سيارات بفرنسا، مئتا ألف شركة تقدم له سلعها لأنه معمل تجميع، فعدد كبير جداً يعملون من أجله وبسببه، أما الذي يضع أمواله في المصرف ليأخذ فائدتها، شَغَّلَ كم واحداً؟ و لا واحداً، إذاً الأعمال تسهم في خفض نسب البطالة، أما حينما يلد المال المال فهذا يسهم في رفع نسب البطالة. إذاً موضوع الربا أيضاً له علاقة بالبطالة و له علاقة بارتفاع الأسعار، واعلم أنّ خفض الأسعار له تعليل دقيق جداً، فعندما يضع الإنسان ماله في مؤسسة ربوية ليأخذ فائدةً عليه فليس هناك مخاطرة، وليس هناك ضرائب، وليس هناك مواجهة مع موظف تموين أحياناً، والجمرك أحياناً، والتأمينات أحياناً، فلن يتعرض لأية مخاطرة، فإذا رأى الإنسان أنه يمكن أن يحصل ربحاً قدره خمسة عشر بالمئة أو أكثر من دون أية مفاجأة فهل يعقل أن يضع أمواله في مشاريع بأرباح تساوي أرباح الفوائد؟ لا. فهو عندئذ في منطق العصر مجنون، لكن لا يضع صاحب المشروع أمواله في الاستثمار العملي إلا إذا ضمن أرباحاً تفوق أضعافاً أرباحَ الفوائد، إذاً بشكل أو بآخر نظام الفائدة ساهم برفع الأسعار، ولو تصورنا مجتمعاً يخلو من ربا فممكنٌ لأيِّ مشروعٍ ينشئه أن يقنع بربح قدره بالمئة عشرة أو خمسة عشر، لكن ما دام الخمسة عشر تأتيه بلا مخاطرة فكيف يخاطر بوضع رأسماله في مشروع إلا إذا كان يضمن الربح أربعين بالمئة أو خمسين؟ ويقول: إذا كان الربح خمسة عشر فأنا أضع المال في البنك وأرتاح من كل هذا التعب ومن هذه المخاطرة والمواجهة. إعادة لرأي اليونان في الربا : اليونان والإغريق يقولون: كان حقاً استنكار الربا لأنه طريقة كسب تولدت من النقد نفسه وهو كسب مضاد للطبع السليم، هذا كلام أرسطو. ويقول أرسطو وأفلاطون مجتمعين: يعرّضُ الربا فلاح الدولة للخطر، وذلك بمواجهة طبقةِ المقرضين الأغنياء ضد طبقة أخرى أي المقترضين الفقراء. صار المجتمع طبقتين: طبقة مسحوقة وطبقة ساحقة، طبقة تقرض وتزداد أموالها وطبقة تقترض وتتضاءل أموالها هذا كلام أرسطو وأفلاطون في الحضارة الإغريقية، الحق تقبله العقول السليمة وترضى به الفطر السليمة وتأتي به الشرائع الحكيمة. 2 ـ الرومان : الرومان يقولون: هو كسب غير طبيعي وهو سبب انقسام الشعب إلى طبقتين متعارضتين، وكان التعامل الربوي محظوراً رسمياً في الحكم الروماني. الرومان و اليونان كان الربا عندهم محرماً وفلاسفتهم ومنظِّرو عقائدهم رأوا أنه كسب غير طبيعي. 3 ـ قريش : أما قريش ففي الجاهلية كانت منحرفة انحرافاً خطيراً، وقد لا تصدقون أنها رغم انحرافها كانت تعتقد أن كسب الربا كسب خبيث، حينما قررت قريش بناء الكعبة ماذا شرطت؟ كما قال الإمام ابن إسحاق: لما أجمعوا أمرهم على هدمها وبنائها قام أبو وهب بن عامر بن عائد بن عمران بن مخزوم فتناول من الكعبة حجراً وقال: "يا معشر قريش لا تدخلوا في بنائها من كسبكم إلا طيباً، لا يدخل فيه مهر بغي ولا بيع ربا ولا مظلمة أحد من الناس." فالكعبة بنيت بمال طيب وقد ورد هذا النص في سيرة ابن إسحاق: (( عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْجَدْرِ أَمِنَ الْبَيْتِ هُوَ قَالَ: نَعَمْ قُلْتُ، فَمَا لَهُمْ لَمْ يُدْخِلُوهُ فِي الْبَيْتِ، قَالَ: إِنَّ قَوْمَكِ قَصَّرَتْ بِهِمُ النَّفَقَةُ، قُلْتُ: فَمَا شَأْنُ بَابِهِ مُرْتَفِعًا، قَالَ: فَعَلَ ذَلِكَ قَوْمُكِ لِيُدْخِلُوا مَنْ شَاءُوا وَيَمْنَعُوا مَنْ شَاءُوا وَلَوْلا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ بِالْجَاهِلِيَّةِ فَأَخَافُ أَنْ تُنْكِرَ قُلُوبُهُمْ أَنْ أُدْخِلَ الْجَدْرَ فِي الْبَيْتِ وَأَنْ أُلْصِقَ بَابَهُ بِاالأَرْضِ )) [متفق عليه عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهَا] إذا ذهب الأخوة في موسم الحج أو العمرة إلى الكعبة، فالكعبة معروفة، وأمامها قوس دائري اسمه الحجر، فمن دخل بين القوس والكعبة عند الطواف فطوافه باطل لأن ما بين القوس والكعبة من الكعبة، فلا يقبل الطواف إلا إذا كان حول الكعبة، فالحجر من الكعبة. (( ... قَصَّرَتْ بِهِمُ النَّفَقَةُ... )) [متفق عليه عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهَا] ما دام أصروا على بناء الكعبة وأن يكون المال مالاً حلالاً لا ربا فيه والنفقة قصرت فاكتفوا بهذا البناء ولم يتموه على الشكل المستطيل، وأساس الكعبة مستطيلة والأموال الطيبة لم تكفِ لبناء الكعبة بناءً كاملاً، فبني هذا المكعب وبقي الحجر بلا بناء. هذا ما أورده البخاري. إذاً قريش كانت تؤمن أن الربا كسب خبيث وهذا قبل الإسلام وورد هذا أيضاً: سيدنا عمر سأل شيخاً معمراً من بني زهرة قال: إن قريشاً تقربت لبناء الكعبة بالنفقة الطيبة فعجزت فتركوا بعض البيت في الحجر؟ فقال له: صدقت. 4 ـ الديانات السماوية : وبعد فالديانات السماوية حرمت الربا والدليل قال تعالى: ﴿ فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا* وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [ سورة النساء: 160-161 ] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4671/05.jpg اليهود إذاً نهوا عن أكل الربا، وفي توراتهم أيضاً ورد هذا على الرغم من تحريفها. ورد في سفر الخروج: إذا أقرضت لفقير من شعبي ممن عندك فلا تكن له كالمرابي، ولا تقيم عليه الربا، إذا رقت حال أخيك وقصرت يده عندك فاعضدْه وليعش معك كغريب، أو نزيل، ولا تأخذ منه رباً، اتقِ إلهك فيعيش أخوك معك. هذا في التوراة، لا تقرض أخاك بربا في فضة أو طعام أو شيء آخر مما يُقرَض بالربا. إذاً عند الإغريق واليونان الربا محرم وهو كسب خبيث، وعند الرومان كسب خبيث، وفي الديانات السماوية اليهودية والنصرانية الربا محرم، بل إن المراباة تشبه عند اليهود سفك الدماء بالضبط، وهم الآن في العالم أصحاب البنوك كلها تقريباً ولم يبق من دينهم إلا التعصب. والنصرانية أيضاً تحرم الربا وهناك أقوال كثيرة جداً للسيد المسيح تنهى عن أكل الربا، على كلٍّ من أقوال بعض الآباء: إن المرابين يفقدون شرفهم في الحياة الدنيا وليسوا أهلاً للتكفين بعد موتهم. نص آخر: إذا وجد واحد من الآن يأخذ الربا أو يجعل آخر يفعل هذا له أو يسلّف على حنطة بربا أو يحتال فيه بحيلة لأجل ربح نجس فيقطع ويجعل غريباً. هذا أيضاً من كتب النصرانية، فالإغريق واليونان واليهود والنصارى والحكماء كل هؤلاء يحرمون الربا. حكم الربا في الإسلام : أيها الأخوة الأكارم، وأمّا حكم الربا في الإسلام فقد قال تعالى: ﴿ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [ سورة البقرة: 275 ] فهذه آية أهي قطعية الدلالة أم ظنية الدلالة؟ قطعية، هذه الآية من المتشابهات أم من المحكمات؟ آية محكمة. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [ سورة البقرة: 278 ] الإمام الطبري يقول: اتركوا ما بقي لكم من فضل على رؤوس أموالكم التي كانت لكم قبل أن تربو عليها إن كنتم مؤمنين، ماذا نستنبط من هذه الآية: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [ سورة البقرة: 278 ] من لوازم الإيمان ترك الربا، فمن أكل الربا أثبت أنه ليس بمؤمن، أحد العلماء يقول: الربا والإيمان لا يجتمعان أبداً. أبو حنيفة رضي الله عنه يقول: هي أخوف آية قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ *وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ﴾ [ سورة آل عمران: 130-131] من أكل الربا فقد كفر بما أنزل على محمد ومصيره إلى النار. قال أبو حنيفة النعمان: أخوف آية في القرآن حيث أوعد الله المؤمنين بالنار المعدة للكافرين إن لم يتقوا أكل الربا.. وعن النبي عليه الصلاة والسلام: ((قَالَ: اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ، قَالَ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَالسِّحْرُ وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَأَكْلُ الرِّبَا وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلاتِ )) [متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ] الربا محرم و هو من أكبر الكبائر : الآن فضلاً عن أن الربا محرم هو من أكبر الكبائر قال تعالى: ﴿ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ ﴾ [ سورة البقرة: 279 ] هذه الآية، يستنبط منها أن الربا من أكبر الكبائر. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4671/06.jpg جاء رجل إلى الإمام مالك بن أنس وقال: يا أبا عبد الله إني رأيت رجلاً سكران يتعاقر يريد أن يأخذ القمر، يصعد إلى القمر من دون مركبة، فقلت: امرأتي طالق إن كان يدخل في جوف ابن آدم أشر من الخمر فما حكمي يا إمام؟ قال: ارجع حتى أنظر في مسألتك، إذا كان أشر شيء يدخل جوف ابن آدم هو الخمر أتطلق امرأته؟ لا تطلق. أما إذا كان هناك شيء أشر من الخمر فتصبح امرأته طالقاً. سمعت من يومين إنساناً شاهد صديقه يجري معاملة طلاق زوجته، فتحادث مع زوجته بود وجلسة صفاء وقال لها: فلانة سوف تطلق، قالت له: ليس معقولاً، فقال لها: علي الطلاق سوف يطلقها زوجها، فما طلقها زوجها، وأصبح لديهما إشكال وأنا لا أحب أنْ يجريَ الرجل على لسانه هذه الألفاظ، يكون نائماً فيصبح يتساءل يا ترى هل امرأتي بالحرام عندي؟ دخل بالوسواس فاحذروا. فهذا رأى شخصاً يعاقر الخمر ويحاول أن يأخذ القمر فقال: امرأتي طالق إن كان يدخل جوف ابن آدم أشر من الخمر، ولما سأل الإمام "مالك" إمام دار الهجرة قال: ارجع حتى أنظر في مسألتك فأتاه في الغد فقال له: ارجع حتى أنظر فأتاه في الغد فقال له: امرأتك طالق، إني تصفحت كتاب الله عز وجل وسنة نبيه فلم أَرَ شيئاً أشر من الربا وليس الخمر، لأن الله أذن به بالحرب، ليس من معصية في القرآن يقول الله عز وجل فيها: فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله. دائماً تذكروا قول النبي: (( يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة )) [أخرجه الطبراني عن عبد الله بن عباس ] كل معصية خطورتها بحسب شمولها، هناك معصية تؤذي فاعلها فقط، وهناك معصية تؤذي شخصاً آخر، أما الربا فيؤذي مجتمعاً بأكمله، لذلك ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في مسند الإمام أحمد بن حنبل في أبواب الربا: ((عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْظَلَةَ غَسِيلِ الْمَلائِكَةِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم:َ دِرْهَمٌ رِبًا يَأْكُلُهُ الرَّجُلُ وَهُوَ يَعْلَمُ أَشَدُّ مِنْ سِتَّةٍ وَثَلاثِينَ زَنْيَةً )) [أحمد عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْظَلَةَ] الإمام ابن حزم يقول: الربا من أكبر الكبائر. عقوبات الربا : العقوبات: هناك عقوبات جماعية وعقوبات فردية، وهناك طبعاً عقوبات دنيوية وعقوبات أخروية، دنيوية وجماعية وفردية، أما الجماعية: (( فعن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَعَنَ اللَّهُ آكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ وَشَاهِدَيْهِ وَكَاتِبَهُ، قَالَ: وَقَالَ: مَا ظَهَرَ فِي قَوْمٍ الرِّبَا وَالزِّنَا إِلا أَحَلُّوا بِأَنْفُسِهِمْ عِقَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ )) [متفق عليه عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِيهِ ] ألا ترون أيها الأخوة إلى ما يجري في العالم، حروب أهلية، زلازل، براكين، أعاصير، فيضانات، قتل، مذابح، ألا ترون؟ هكذا يقول عليه الصلاة والسلام: (( مَا ظَهَرَ فِي قَوْمٍ الرِّبَا وَالزِّنَا إِلا أَحَلُّوا بِأَنْفُسِهِمْ عِقَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ )) [متفق عليه عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِيهِ ] هذا الحديث ورد في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد في كتاب البيوع، هذه عقوبات جماعية. العقوبات الفردية: قالوا: المتعامل بالربا يعرّض نفسه للقتال، في المجتمع المسلم يُستتاب فإن لم يتب يقاتل، والمرابي إن لم يتب فقد أمواله كلها، والدليل القرآني: - ربنا عز وجل يحرق هذا المعمل ويحرق المستودع بأفعاله التكوينية يمحق الله الربا. أما بأوامره التكليفية فهل عندنا حكم شرعي يجيز أن تؤخذ أموال المرابي كلها؟ - قال تعالى: ﴿ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ ﴾ [ سورة البقرة: 279 ] وإن لم تتوبوا؟ أموالكم ليست لكم. هذا استنباط حكم مخالف، وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم، لذلك المرابي يفقد حق التصرف في ماله، أما إذا تاب وأكل رأسماله فقط فعندئذ ينجو رأسماله فقط من المصادرة. الله عز وجل قادر أن يطبق أمره بشكل تكويني وبشكل تكليفي : بالمناسبة مثلاً: لو فرضنا أن إنساناً سرق، وهذا الإنسان يعيش في مجتمع لا يطبق فيه حكم قطع يد السارق، هذا حكم تكليفي قال تعالى: ﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [ سورة المائدة: 38 ] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4671/07.jpg ربما قطعت يد السارق لا بأمر تكليفي بل بأمر تكويني، وهذا ممكن بحادث، فربنا عز وجل في المجتمعات التي لا تطبق أحكام الله عز وجل الله يتولى بنفسه تطبيق أحكامه، كما قال تعالى: يمحق الله الربا، بحسب القوانين النافذة مسموح لشخصٍ أن يقيم مؤسسة ربوية حتى في البلاد التي ترفع شعارات إسلامية ما أكثر البنوك والفوائد والربا، لكنّ المجتمع إذا لم يطبق حكم الله عز وجل فالله سبحانه من طريق الأمر التكويني يطبق حكمه، أنا سمعت قصة نادرة ولكن لها معنى: شخص يركب سيارة شاحنة، مسافر مقطوع أشار له واستغاث فتوقف وهو في طريقه إلى حلب، ساومه على مبلغ كبير ووافق الراكب، أخذ منه المبلغ بيده اليسرى وقال له: اذهب واركب من الخلف، بعد أن أخذ المبلغ حرك المركبة وانطلق بها ولم يسمح له أن يركب، هذا السائق وصل إلى مكان فمد يده ليشير إلى جهته اليسرى وأثناء حركته جاءت مركبة وقطعت يده اليسرى. فهناك فعل تكويني وأمر تكليفي، فإذا عاش شخص في مجتمع وأمر الله غير مطبق فيه فسوف يطبق قهراً وله طريقة يُطبَّق بها، والله عز وجل قادر أن يطبق أمره بشكل تكويني وبشكل تكليفي، وإذا كان الإنسان يتعامل مع المسلمين وكان بينه وبينهم عهد فإن أكل الربا فقد نقض العهد. المعاهد إذا أكل الربا ينقض عهده في الحكم الشرعي : روى الحافظ بن أبي شيبة عن عامر أنه قال: قرأت كتاب أهل نجران فوجدت فيه إن أكلتم الربا فلا صلح بيننا وبينكم، وكان النبي عليه الصلاة والسلام لا يصالح من يأكل الربا، ولما توفي النبي عليه الصلاة والسلام أتوا أبا بكر رضي الله عنه فوفّى لهم بذلك، وكتب لهم كتاباً نحواً من كتاب رسول الله، فلما وُلي عمر أصاب هؤلاء الربا في زمانه فأجلاهم عمر رضي الله عنه ونقض عهده معهم. إذاً حتى المعاهد إذا أكل الربا ينقض عهده في الحكم الشرعي. عقوبة الربا في الآخرة : أما في الآخرة فقال تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [ سورة البقرة: 275 ] لا يقومون من قبورهم إلى الحساب إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس، والإنسان إذا كان يقع بالساعة يحس بإنهاك غير معقول، يقول لك: تحطمت، فإذا قام من هذه الوضعية المرضية يقوم متحطماً، وربنا عز وجل وصف آكلي الربا بأنهم لا يقومون من قبورهم إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس. الإمام الطبري يقول: يبعث آكل الربا يوم القيامة مجنوناً يخفق، وأجمع المفسرون أنّ آكلي الربا لا يقومون من قبورهم يوم البعث إلا كالمجانين. ((عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِي فَأَخْرَجَانِي إِلَى أَرْضٍ مُقَدَّسَةٍ فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى نَهَرٍ مِنْ دَمٍ فِيهِ رَجُلٌ قَائِمٌ وَعَلَى وَسَطِ النَّهَرِ رَجُلٌ بَيْنَ يَدَيْهِ حِجَارَةٌ فَأَقْبَلَ الرَّجُلُ الَّذِي فِي النَّهَرِ فَإِذَا أَرَادَ الرَّجُلُ أَنْ يَخْرُجَ رَمَى الرَّجُلُ بِحَجَرٍ فِي فِيهِ فَرَدَّهُ حَيْثُ كَانَ فَجَعَلَ كُلَّمَا جَاءَ لِيَخْرُجَ رَمَى فِي فِيهِ بِحَجَرٍ فَيَرْجِعُ كَمَا كَانَ فَقُلْتُ مَا هَذَا فَقَالَ الَّذِي رَأَيْتَهُ فِي النَّهَرِ آكِلُ الرِّبَا)) [متفق عليه عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ ] النبي رأى رؤيا وعبّر عنها أو وصفها لأصحابه بهذه الطريقة. (( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ:رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عَلَى قَوْمٍ بُطُونُهُمْ كَالْبُيُوتِ فِيهَا الْحَيَّاتُ تُرَى مِنْ خَارِجِ بُطُونِهِمْ فَقُلْتُ مَنْ هَؤُلاءِ يَا جِبْرَائِيلُ قَالَ هَؤُلاءِ أَكَلَةُ الرِّبَا )) [ابن ماجه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ] تحريم تقديم المساعدة للتعاون الربوي : وبعد: عندنا موضوع أخير وهو تحريم تقديم المساعدة للتعاون الربوي: ((لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آكِلَ الرِّبَا وَمُؤْكِلَهُ وَكَاتِبَهُ وَشَاهِدَيْهِ وَقَالَ هُمْ سَوَاءٌ)) [مسلم عَنْ جابر ] فإن أجَّر أحدهم داراً إلى مؤسسة ربوية، هل له علاقة؟ طبعاً أعانه قال تعالى: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ [ سورة المائدة: 2 ] وإذا عمل إنسان إعلاناً إلى مؤسسة ربوية فهل له علاقة؟ له علاقة، خطاط له علاقة، فأي إنسان يقدم معاونة إلى مؤسسة ربوية له علاقة، هذا هو الحق. وللبحث بقية، وكثير من الناس يظنون أنه إذا ألف الناس شيئاً أصبح حلالاً؟ لا ثم ألف لا، والباطل مهما عمّ ومهما انتشر ومهما اتسع فالحرام حرام والحلال حلال، فإذا أردتم النجاة في الدنيا والآخرة فعليكم بطاعة الله عز وجل. العلاقة بين الحلال و العافية : شيء دقيق جداً أن يكون دخل الإنسان حلالاً، أنت تتعجب عندما ترى شخصاً بالخامسة والثمانين مثل الشباب يا رب ما هي القصة؟ أليس هناك قاعدة؟ نعم توجد قاعدة، زارني شخص قال: كم تقدر سني؟ قلت له: ستون عاماً، فقال لي: ست وسبعون، ثم قال لي: أنا مثل الحصان أستطيع أن أهد هذا الحائط ،وأقسم بالله أنه ما أكل في حياته درهماً حراماً http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4671/08.jpg إذاً هناك علاقة بين الحلال والعافية، إنسان بالسادسة والسبعين منتصب القامة، حاد البصر، مرهف السمع، أسنانه في فمه، ذاكرته قوية، وكذلك زوجته أكرمها الله، وطول لها عمرها، وقام بشهر عسل وهو بالتسعين من عمره، سألوه: يا سيدي ما هذه الصحة؟ قال: حفظناها في الصغر فحفظها الله علينا في الكبر، من عاش تقياً عاش قوياً. فمن يطمع أن يكون عمره مديداً وصحته قوية نقول له: اكسب المال الحلال، والحلال فيه بركة، ترى شخصاً دخله قليلٌ ولكن في دخله بركة، عافاه الله من الأطباء والصيدليات والعمليات والتصوير الطبقي والمرنان الذي تكلفته ثلاثة عشر ألف ليرة، فإذا الله عز وجل عافانا من هذه النفقات الباهظة وكان الدخل محدوداً، واللهُ طرح فيه البركة بالتعبير العامي فهذا أفضل وأحسن عاقبة، أليس كذلك؟ لا أحد يتورط واسألوا: هل هناك شبهات في كسب المال؟ ولتبحث عن المال الحلال ولو كان قليلاً، فالله جل جلاله يبارك لك فيه، وابتعد عن المال الحرام ولو كان كثيراً فالله يمحقه ويتلفه. وسنتابع هذا الموضوع في دروس قادمة إن شاء الله تعالى. |
رد: العبادات التعاملية
بارك الله بك وجزاك الله خير جزاء ووفقك للخير والتقوى
طرح قيم وهادف أخي السعيد في أمن الله وحفظه |
رد: العبادات التعاملية
تسلمين اختى منال
|
رد: العبادات التعاملية
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية الدرس : ( الثانى ) الموضوع : مضار الربا الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. الأمر والنهي علة كافية لاتباع الأمر و لاجتناب النهي : أيها الأخوة الأكارم، لا زلنا في موضوع دقيق ألا و هو "الربا" لقد بينت لكم في الدرس الماضي- و هذا هو الدرس الثاني- بينت لكم في الدرس الماضي أن تسعة أعشار المعاصي تأتي من كسب الرزق، واذكروا أنّ العلم نور و العلم حارس، و الإنسان عليه أن يتفقه، لأنه إذا تفقه عرف الحق من الباطل، والخير من الشر، و الحلال من الحرام، لكن الدرس اليوم محوره: مضار الربا، و قبل أن نتحدث عن مضار الربا لا بد من مقدمة قصيرة و هي أن المؤمن الحق إذا علم أن كل أمر تلقاه عن الله عز وجل أو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا ثبت لديه أن هذا أمر الله و أن هذا أمر النبي عليه الصلاة و السلام فهذه هي الوسيلة الوحيدة التي تقنعه بالكف عن كل ما هو حرام، لكن إذا بحثنا عن حكمة التشريع و عن مضار المعاصي و عن فوائد الطاعات فهذا من أجل الدعوة إلى الله بشفافية ووضوح، المؤمن ما دام أن الله عز وجل قد أمره و نهاه، فالأمر والنهي علة كافية لاتباع الأمر و لاجتناب النهي، لأن الأمر تنبع قيمته من قيمة الآمر، و الآمر هو الله، و الآمر هو الخالق، على كلٍّ ليس هناك من مانع أن نبحث في الحكم ليزداد الإيمان قال تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [ سورة البقرة : 260 ] مضار الربا : ليس هناك من مانع أن نبحث في الحكم لنستطيع أن ندعوَ إلى الله لأن الدعوة المعللة التي تدعمها الأدلة و الشواهد الواقعية أجدى وأقوى، فيمكن أن تأمر الناس بأمر الله عز وجل، وأن تنهاهم عما نهى الله عنه http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4672/01.jpg أما حينما تقدم التحليل الدقيق و الفوائد العظيمة المترتبة على طاعة الله عز وجل و النتائج الخطيرة التي تنتج من معصية الله عز وجل فهذا من شأنه أن يقنع الناس بأحقية هذا الدين. وبعد، فمضار الربا أيها الأخوة أكثر من أن تحصى كما بينت لكم في درس سابق، فالمعصية يكبر حجمها إذا كبر خطرها، هناك صغائر و هناك كبائر، فكلما ازداد الخطر الذي ينتج عن المعصية يزداد حجم المعصية، وكلما قلّ الخطر الذي ينجم عن المعصية يقل حجم المعصية، فما من آية بالقرآن الكريم، وما من معصية ذكرت في القرآن الكريم توعد الله مرتكبيها بحرب من الله ورسوله كمعصية الربا، المعصية الوحيدة التي توعد الله مرتكبها بحرب من الله ورسوله هي معصية الربا، لماذا؟ لأن هذه المعصية لها آثار سيئة في المجتمع بأكمله، أي مجتمع بأكمله يمكن أن يضطرب، يمكن أن يدمر، يمكن أن ينسحق من خلال هذه المعصية الخطيرة التي تفشت بالعالم كله. نتائج معصية الربا : أول نتيجة خطيرة من نتائج معصية الربا، أن الربا يمنع من إنشاء المشروعات المفيدة للمجتمع، والإنسان بالأساس يريد أن يستثمر ماله ليأخذ منه عائداً يعود عليه، فهذا الاستثمار إما أن يكون في مشروعات نافعة وإما أن يكون عن طريق الربا. الأصل أن المال إذا ولّدته الأعمال فهذه مشروعات بناءة ومفيدة، وتعود بالخير على المجتمع كله، أما المال إذا ولده المال فقط فهذا هو الربا. الربا يعني أن المال يولد المال من دون أعمال، أما الأعمال إذا ولدت المال، فهذا يشير إلى أن صاحب العمل الذي ولد المال استفاد وكذلك المجتمع استفاد. أيّ مشروعٍ زراعي، أيّ مشروعٍ صناعي، أي مشروع تجاري، أي مشروع خدمات مع أن أصحابه يربحون لكن هم يطرحون خدماتهم أو بضائعهم أو منتجاتهم على تنوعها في المجتمع، وإذا طرحت هذه المواد، أو تلك المنتجات، أو هذه الخدمات، انخفضت الأسعار، وهذه قاعدة صحيحة، والشواهد كثيرة جداً، عندنا قاعدة وهذه القاعدة أشرت إليها في الدرس الماضي؛ تصور مخروطاً ومحوراً، هذا المخروط هو مؤشر الأسعار، والدوائر متعاقبة، وأوسع دائرة في القاعدة ثم تصغر هذه الدوائر إلى أن تتلاشى في القمة، الدوائر تمثل الشرائح المستفيدة من هذه السلعة، أو هذه المادة المُنتَجة، أو هذه الخدمة، والمحور يمثل ارتفاع السعر، وكلما ارتفع السعر ضاقت شريحة المستفيدين منه، وهذه قاعدة ذهبية. توافر المواد يخفض سعرها، وإذا انخفض السعر اتسعت شريحة المستفيدين، فإذا اتسعت شريحة المستفيدين عمّ الرخاء، هناك بعض المواد حينما كانت ممنوعة كان سعرها مضاعفاً فلما سُمح باستيرادها وأصبحت مبذولة بين أيدي الناس انخفض سعرها إلى النصف. الإنسان حينما يوظف أمواله في مشروعات إنتاجية يسهم بشكل أو بآخر بخفض الأسعار، والأسعار إذا انخفضت اتسعت شريحة المستفيدين، فإذا اتسعت شريحة المستفيدين عمّ الرخاء. فلو أن إنساناً أسس مشروعاً بقرض ربوي هل يستطيع أن يبيع سلعته بسعر يساوي سعر مشروع أسس من دون قرض ربوي، سؤال دقيق، فهذان مشروعان بحجم واحد، في اختصاص واحد، بسلعة واحدة. مشروع أسس بقرض ربوي بحسب التكاليف وأحد هذه التكاليف الفائدة، وَضَعَ التكاليف ووضَع هامشَ ربحٍ وطرحَ السلعة في السوق. المشروع الثاني القرض الحسن غير ربوي، وضعَ التكاليف ووضَع هامش الربح وطرحَ السلعة في السوق، أيّ السلعتين أعلى سعراً؟ سلعة المشروع الربوي. هذا بشكل مبسط. أيّ مشروع بني على قرض ربوي يطرح سلعه بأسعار مرتفعة، الربا من هذه الزاوية يسهم برفع السعر، وإذا أسهم برفع السعر قلت نسبة المنتفعين، وإذا قلت نسبة المنتفعين اضطر المنتج أن يخفض إنتاجه، انظروا إلى هذه الحلقة المفرغة، انخفض الإنتاج. أخطر شيء في الربا : هناك قصة ترويها كتب الاقتصاد، الكساد الخطير الذي كان في عام ألف وتسعمئة وثمانية وثلاثين والذي كان في أوربا، طفل صغير كادَ يموت من البرد سأل أباه: أين الفحم يا أبتِ؟ فوالده فُصِل من عمله لماذا؟ لأنه يوجد كساد بالفحم في المناجم ولا يوجد بيع فاستغنوا عن العمال، فلما سأل الابن أباه لماذا لا يوجد عندنا فحم؟ قال: يا بني لكثرة الفحم، ليس عندنا فحم نتدفَّأ به لوفرة الفحم في المعامل، فالفحم متوافر لأنَّ سعره مرتفع فصار كساد وصارت بطالة، والذي ترك عمله ليس في إمكانه أن يشتري فحماً يتدفَّأ به. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4672/02.jpg القضية خطيرة جداً، قضية قوانين اقتصادية، هذا المحور المخروط؛ انتبهوا إليه، كل شيء يرفع السعر يضيق دائرة الاستفادة، والمشكلة أنّ الدائرة إذا ضاقت يقل الإنتاج، والبضائع تتكدس في المستودعات، ويخفضون الإنتاج، وإذا خفض الإنتاج استغنوا عن العمال ووقعت بطالة. أخطر شيء في الربا أنه يصرف الناس إلى استثمار أموالهم بطريقة الربا المريحة، ويبعدهم عن استثمارها بالمشروعات الناجحة، هذا أول شيء، كانوا قبل سنوات عديدة يقيسون قوة الدولة الاقتصادية بمدى التغطية الذهبية لعملتها الورقية، وهذا المقياس أصبح فاسداً، أما الآن فالقوة الاقتصادية في أمة هي القدرة على الإنتاج، إذا كان عندها منتجات وتصدر أكثر مما تستورد فهذا البلد أو هذه الأمة قوية، إذاً الربا يسهم في صرف الأموال لا إلى مشروعات إنتاجية نافعة، بل إلى الاستثمار عن طريق الفائدة، وهذا يسهم في رفع الأسعار، وفي قلة المستفيدين من منتجات زراعية، أو صناعية، أو خدمات، وهذا يؤدي إلى البطالة. أحد العلماء الاقتصاديين في العالم الغربي يقول: إن ارتفاع سعر الربا يجعل الناس كسالى. تصور إنساناً لا يعمل، يستيقظ الساعة الثانية عشرة ظهراً، لأن أمواله مستثمرة في مشروع ربوي، وربحه ثابت، لا يهمه نزلت المطر أم لا، ويقول: بلا مطر أفضل، ولا يهمه كساد ولا يهمه رواج، لا يهمه تقدم الأمة، فربحه ثابت، لذلك أقسى قلب هو قلب المرابي، أو الذي يستثمر ماله عن طريق الربا لأنه لا يوجد عنده مشكلة. أما المزارع فقد أقسم لي بعضهم أن بعض المزارعين حينما هطلت الأمطار انهمرت مع الأمطار دموعهم فرحاً بهذه الأمطار، ترى المزارع متعلقاً برحمة الله، التاجر يشتري البضاعة ويقول: يا جبار تخرج من أعماق قلبه، مرة قلت لتاجر: هذا القماش جميل، فقال لي: ليس القماش جميلاً ولكن الذي يباع هو الجميل. المرابي بما أن ربحه ثابت ودخله لا يهزه شيء، لا قحط السماء ولا كساد البضاعة ولا قانون ولا شيء آخر، فقلبه قاسٍ. المال إذا ولد المال عمّ الشقاء : لو فرضنا أنك ممنوع بمجتمع مسلم أن تستثمر مالك إلا في الأمور الإنتاجية، وأنك ممنوع عليك استثمار المال بالربا، فعندئذ ليس لديك إلا منفذ واحد وهو المشاريع، وكل مشروع يعين على الرخاء، ويعين على توافر الحاجات، لأن أصحاب المال استثمروا أموالهم في مشاريع نافعة، دمشق تعاني أزمة مواصلات حادة جداً يقول المواطن: انتظرت ساعة ولم أجد سيارة، هذه الأموال الضخمة التي استثمرت بالنقل، هذه الحافلات الصغيرة أصحابها ربحوا أو لم يربحوا، لكنَّهم حلوا مشكلة، وأصبح تنقُل الناس ببساطة وسهولة، قال لي إنسان: على بعض الخطوط مئتان وسبعون حافلة، وإذا اصطفت وراء بعضها تملأ الخط بكامله، عندما المال يستثمر في مشروعات إنتاجية أو خدمات يعم الخير على الناس كلهم، تكاد تكون أزمة المواصلات حلت في دمشق نهائياً عن طريق هذه السيارات، تصوروا أصحاب هذه السيارات لو أخذوا أموالهم ووضعوها في بنوك أجنبية وجاءتهم الحوالات كل شهر بالعملة الصعبة، وأنفقوها على حاجاتهم الشخصية من دون أن يشعروا أن لهم علاقة، فالأزمة تزداد إحكاماً. المال إذا ولد المال عمّ الشقاء، والأعمال إذا ولدت المال عمّ الرخاء، عندنا خياران: إما أن تستثمر هذا المال بالطرق الربوية، وإما أن تستثمرها بالمشاريع الإنتاجية، تقول لي: أعمال العِمارة جيدة، وتاجر العمار يقدم بيوتاً للناس، وكلما كان متجاوباً مع حاجاتهم أفاد واستفاد، والشابُ يحتاج إلى غرفتين، ويريد أقل سعر ممكن، وأنا أرجو الله عز وجل أن يتجه تجار البناء إلى إنشاء وحدات سكنية صغيرة جداً، تلبي حاجة الشباب الفقراء بأقل تكلفة ممكنة، إنشاء مشاريع سكنية، وإنشاء مشاريع زراعية، وتجارية، ومشاريع صناعية، ومشاريع خدمية، كلّها تنهض بالأمة، ونحن عندنا قاعدة يجب الأخذ بها: لا يجوز أن يلد المال المال، والمال لا يولد إلا من خلال الأعمال، وإذا اتجه المال إلى أن ينمو من خلال الربا والفوائد تعطلت الأعمال، وقلّت الخدمات، وقلت السلع، وقلت المنتجات، وارتفعت الأسعار، وانقسم المجتمع إلى طبقتين؛ طبقة تملك ولا تعمل، وطبقة تعمل ولا تملك، طبقة عاطلة عن العمل وهي طبقة المرابين، وطبقة تعمل ولا تملك و كل جهدها لا يكفيها قوت يومها، لذلك الأجانب حكموا عقولهم وقالوا: إن ارتفاع سعر الربا يجعل الناس كسالى في مهنهم ويصيرون مرابين. أما انخفاض سعر الربا فإنه يتيح فرصة لتطوير الأعمال والصناعة والزراعة وينفخ الروح في صناعتنا الميتة. صفات المجتمع المتخلف : مفكر غربي لا علاقة له بالقرآن، ولا بالربا، ولا بالتحريم، لكن من زاوية موضوعية رأى أن الربا إذا عمّ المجتمع أوقعنا في شر أعمالنا. أحد الشيوخ العلماء يقول: إذا جرى نمو المال عن طريق الربا أفضى إلى ترك الصناعات و الزراعات التي هي أصول المكاسب، فلدينا بديلان إما أن تستثمر المال عن طريق الربا، ويتخلف فينا كل شيء، وإما أن تستثمره عن طريق مشاريع نافعة فنرقى جميعاً بها. الإمام الفخر الرازي يقول: الله تعالى إنما حرم الربا من حيث إنّه يمنع الناس من الاشتغال بالمكاسب، وذلك لأن صاحب الدراهم إذا تمكن عن طريق عقد الربا من تحصيل الدراهم الزائدة نقداً أو نسيئة خفّ عليه اكتساب المعيشة، فلا يكاد يتحمل مشقة الكسب والتجارة والصناعة الشاقة. والإنسان إذا كان غير مؤمن فليس معقولاً أن يبذل جهداً شاقاً، ويتحمل مخاطر شديدة حتى يربح بالمئة خمسة عشر أو عشرين في حين أنّ أيّ بنك أو أيّ مصرف في بعض الدول الأجنبية يقدم له هذا الربح نظير إيداع أمواله عنده، ثم يقول لك: أأنا مجنون لكي أعمل؟ أجل؛ هكذا يقول. المجتمع الذي تستثمر أمواله عن طريق الربا مجتمع متخلف، بينما المجتمع التي تستثمر أمواله عن طريق المشاريع الصناعية والزراعية والخدمية مجتمع متطور ومجتمع ينمو، والقاعدة كلما توافرت السلعة انخفض سعرها، وإذا انخفض سعرها كثر المنتفعون بها، وإذا كثر المنتفعون بها عمّ الرخاء في المجتمع، وفي القرآن الكريم آيات دقيقة قال تعالى: ﴿ مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ [ سورة الحشر : 7 ] طرق استثمار المال: المال أخطر ما فيه أن يتجمع في أيدٍ قليلةٍ، ويمكن أن نقول: إذا تجمعت الكتلة النقدية بين أيدي الناس ولا أعرف كم هي، قد تقول لي: خمسة آلاف مليون أو أكثر، والرقم كبير جداً فالمشكلات الاجتماعية والاقتصادية تطغى، لكن هذه الكتلة إذا كانت موزعة في أوسع شريحة فنحن بخير، أما إذا تجمعت في أقل شريحة فالشقاء يعم، أمن العدل أن واحداً يملك مليوناً ومليون لا يملكون واحداً، وهذا سبب كل المشكلات والاضطرابات والثورات وأعمال العنف. حدثني أخ كريم يعمل في الأمن الجنائي أنه مع ضيق المكاسب وقلة الأعمال ارتفعت نسبة الإجرام إلى عشرة أمثال تقريباً، والعالم الغربي يعاني أخطر ما يعاني من البطالة، بأرقام دقيقة جداً، خمسة ملايين أو عشرة ملايين إلى درجة أن ثلاثة عشر بالمئة من القوى العاملة بلا عمل بسبب استثمار الأموال عن طريق الربا. أما إذا استثمرت عن طريق المشروعات عمّ الرخاء، وهذه أول نقطة، المال إما أن تستثمره عن طريق الربا، أو عن طريق المشاريع الإنتاجية ، في الحالة الأولى يؤدي الربا إلى تخلف الأمة، وبالحالة الثانية تتقدم الأمة عن طريق الرخاء الاقتصادي. بعض علماء الغرب يقول: إلغاء نظام الربا يوسع نطاق الاستثمار. الربا أحد أسباب البطالة : الشيء الثاني أن الربا أحد أسباب البطالة وهذه أشرت إليها في الدرس الماضي، فلا تتصور مشروعاً تجارياً أو صناعياً إلا وآلاف المصالح متعلقة به، عندك محل صغير فلابد من فواتير، إذاً فلا بد من مطبعة، و المطبعة تحتاج إلى خطاط، والمطبعة تحتاج إلى ورق، فلا بد من الاستيراد، والمستورد يريد محاسباً، والمحاسب يحتاج قرطاسية والقرطاسية... عمل متسلسل، عندما أنت تقيم مشروعاً يجب أن تُشغّل عشرات الألوف وأنت لا تدري فأنت مضطر أن تشتري حاجات، وخدماتٍ، تريد شاحنة والشاحنة لها من يصلحها من حين إلى آخر، وتحتاج زيتاً وقطع غيار، والذي يصلحها لك عنده موظفون يعطيهم معاشات، فالدولاب إذاً دائم الحركة. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4672/04.jpg ذات مرة قلت لكم: إنه لفت نظري شخصان في مكان، أحدهما صاحب معمل تطريز قال للآخر: بعنا السنة الماضية بيعاً مذهلاً، فسأله: ما السبب؟ قال له: كانت الأمطار غزيرة في الحسكة و في الجزيرة، وهو يصنع قماش تطريز و هذا بيعه قليل جداً، و لكن لأن الإنتاج الزراعي وفير جداً فالفلاح عندما اغتنى اشترى لزوجته أقمشة من الدرجة العالية، إذاً الحركة عبارة عن عجلة إذا دارت كل شيء يدور معها، فأول أضرار الربا أنه يسهم في البطالة، المرابي لا يوجد عنده غير حركة واحدة أن يضع المال بالمصرف و يأخذ إيصالاً و يقبع في بيته، لا يريد محاسباً، و لا يريد شاحنة، و لا يريد مطبعة، و لا يريد فواتير، ولا يريد أي شيء آخر، حينما أودع ماله في المصرف و قبع في بيته تقاضى الفوائد وقد يقول لك: و الله الحمد لله عندي دخل أعلى من حاجتي بكثير، و هناك نقطة هامة، هي نقطة خطيرة جداً وهي: أن الإنسان عندما يعمل يحقق وجوده، والقابع في بيته تجده في خلاف مع زوجته، وكل يوم هناك عراك طوال النهار، تطلب منه مغادرة البيت، وأن يتغيب عن المنزل لتتفرغ للعمل من دون تدخلاته، فالعمل يحقق ذات الإنسان، وعندئذ كل إنسان يأخذ دوره الحقيقي بالمجتمع. إذاً الربا يسهم في انتشار البطالة، وهناك أرقام مخيفة في بريطانيا، فعدد العاطلين عن العمل ثلاثة ملايين شخص بنسبة أربعة عشر بالمئة من مجموع العمال، طبعاً هذه الإحصاءات كثيرة جداً والآن الغرب يعاني من مشكلات كثيرة، وأسبابها:أولاً الربا، وثانياً حلول الآلة محل الإنسان. فمثلاً كنا لكل نول نريد عاملاً يراقبه. وبالآلة تمّ الاستغناء عن آلاف العمال. حدثني أخ كان بفرنسا قال لي: مئة نول تراقبها كاميرا تلفزيونية واحدة، فإذا كان في معمل ألف نول، عوضاً عن ألف عامل يكفي خمسة عمال و مراقب على الشاشة فقط، وكذلك التقدم التكنولوجي الحديث جداً ساهم بالبطالة، يقولون: إن أحد الكتاب عمل عملاً فنياً أدبياً مفاده أن التقدم العالي جداً في الصناعة له منعكس اجتماعي خطير ساهم بالبطالة أيضاً، أيْ بما أن كل شيء يحل عن طريق أجهزة التحكم الآلية فلم يعد هناك دور للإنسان، إنسان خارج الفضاء مثلاً عاد بعد ألفي سنة يجد الأمر تبدل تبدلاً جذرياً، كل شيء عن طريق الآلة و الإنسان لم يعد له عمل، فنحتاج إلى موظف من بني البشر فيتقدم ملايين يأخذون شخصاً واحداً، والباقي ينتحرون مللاً. العمل يحقق وجود الإنسان : إذاً العمل يحقق وجود الإنسان، و من دون عمل تفسد حياة الإنسان، أي أنّ الفراغ أحد أسباب الفساد الفكري و الخلقي. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4672/05.jpg إذاً الربا يسهم أيضاً في البطالة الاجتماعية، و البطالة خطيرة جداً، والفراغ خطير بالنسبة للشباب، وإذا كان الآباء قد أكرمهم الله بأبناء صالحين، فالابن الصالح أحد أسباب صلاحه انهماكه في عمل، أو دراسة، ويكون وقته مليئاً، أما إذا كان بلا عمل أو بلا دراسة فهذا الفراغ أحد أسباب الفساد، والربا بشكل أو بآخر يسهم بفساد الإنسان، والعاطل إنسان فاسد، بالمناسبة لكي لا أتجنى على بعض الأخوة كل إنسان يطلب علماً دينياً، أو غير ديني فهذا ليس عاطلاً، والذي يطلب العلم هذا إنسان عامل من أعلى درجة، فطلب العلم أعلى درجة، فإذا كان الإنسان لا يعمل لكنه يدرس أو يطلب العلم لا يجوز أن يسمى هذا عاطلاً أبداً، النبي عليه الصلاة والسلام لما جاءه شريك يشكو شريكه طالب العلم، قال له: "لعلك ترزق به". الربا معصية تسبب الشقاء : عندنا شيء آخر أن الربا يسبب شقوة المقترضين لحاجاتهم الشخصية، أنت عندك حالان وأنت بحاجة للمال، فلديك طريق رحماني وطريق شيطاني، الطريق الرحماني أساسه القرض الحسن، والطريق الشيطاني أساسه القرض الربوي، ومع انتشار القرض الربوي تضعف همة الناس للقرض الحسن، أول كلمة يقولها لك: معقول أن أجمد مالي؟ فكلما انتشر القرض الربوي تضاءل القرض الحسن، فالقرض الربوي عرّفوه أنه يساعد المدين كما يساعد حبل المشنقة على إنهاء حياة هذا الإنسان، كلما مضى يوم يدفع فقط الفوائد لا غير ويبقى الدين كما هو، وهذه المشكلة تعانيها الدول الصغيرة مع الدول الكبرى، فلو كانت قروضها كلها ربوية فإنك ترى خلال عشر سنوات أو عشرين سنة يسددون فقط الفوائد وأصل القروض ثابت، إذاً الناس يطلبون المساعدة عن طريق الربا، وهذا القرض لا يساعد بل يسحق، لأن المطلوب أن يوفي أصل الدين، وعليه أن يوفي الفوائد المركبة، والإنسان بالأساس فقير وحَمَّلْته فوق طاقته، فقد تقترض مئة ألف وتجد أربعين ألفاً فوائدها، وقَّع العقد على مئة وأخذ ستين، انتفع بستين وعليه أن يدفع المئة، فلو أراد أن يعمل بها عملاً صار رأسماله قليل والمطالب كثيرة جداً، فالقرض يسبب شقاوة للمقترض وليس مساعدةً له، لذلك تجد في بعض البلاد وأرجو الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لمثل هذا هناك مؤسسات للإقراض الحسن، مؤسسة للزكاة والإقراض الحسن، والقرض له فائدة كبيرة جداً، وليس كل إنسان يأخذ مساعدة، بل قد تجد إنساناً له قيمته وكرامته وعزته لا يحتاج إلا إلى قرض حسن، أما القرض مع فائدة ففوق طاقته يجب أن يسدّد أصل الدين والفوائد المركبة. أما القرض الحسن فيحل مشكلة كبيرة جداً، لذلك نرى القرآن الكريم شَجّع على القرض الحسن وعدّه عملاً صالحاً وشدد على القرض الربوي وعدّه معصية كبيرة. في بعض بلاد شرق آسيا يولد الإنسان وهو مدين، ويعيش وهو مدين، ويموت وهو مدين، لأن القروض كلها تتنامى بفوائد مركبة، فولد مديناً وعاش مديناً ومات مديناً. المرابي كأنه مصاص دماء يأخذ دماء الناس وتعبهم وعرقهم وكل جهدهم ولا يكفي ذلك كله لسداد ما عليهم. قرأت في الجاهلية قبل الإسلام أحياناً كانت تصل نسبة الربا إلى ألف وثلاثمئة بالمئة، ثلاثة عشر مِثلاً، فالقرض الربوي أساسه الاستغلال والقرض الحسن أساسه الإحسان، بين أن تستغل حاجة الناس وبين أن تحسن إليهم فبينهما مسافة كبيرة جداً. سبب تحريم الربا: ابن القيم وهو من كبار العلماء المجددين يقول: الربا جلي وخفي، فأما الجلي فربا النسيئة، وهو الذي كانوا يفعلونه في الجاهلية، مثل أن يؤخر دينه ويزيد في المال، وكلما أخّر زاد في المال حتى تصير المئة آلافاً مؤلفة وفي الغالب لا يفعل ذلك إلا معدم محتاج، فإذا رأى أن المستحق يؤخر مطالبته ويصبر بزيادة ما يبذله له تكلف لذلك ليفتدي من أثر المطالبة والحبس، ويدافع من وقت إلى آخر، فيشتد ضرره، وتعظم مصيبته، ويعلوه الدين حتى يستغرق جميع موجوداته، لذلك قال الله تعالى: ﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾ [ سورة البقرة : 276] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4672/06.jpg إن الفوائد قد تستغرق كل الممتلكات وكل شيء تملكه فيربو المال على المحتاج من غير نفع يجنيه، ويزيد مال المرابي من غير نفع يحصل منه لأخيه، المستقرض سُحق ومص دمه، والمرابي سَحق ماله ومُحق من دون أن يفعل خيراً، فيأكل مال أخيه بالباطل ثم يمحق، ويقع أخوه في غاية الضرر، فمن رحمة أرحم الراحمين وحكمته وإحسانه إلى خلقه أنه حرم الربا. لا تستغرب أحياناً أجر القرض الحسن عند الله سبحانه لا يقل عن أجر الصدقة، لأن القرض الحسن له أصحابه، والصدقة لها أصحابها، فالذي لا يقبل صدقةً تُحل مشكلته بالقرض الحسن. الإمام الفخر الرازي يقول: السبب في تحريم عقد الربا أنه يفضي إلى انقطاع المعروف بين الناس من القرض. مادام يوجد قرض بفائدة فلا تجد معروفاً بين الناس، لأن الذي يأخذ فائدة على قرضه شعر أنه كسب، أما الذي يقرض قرضاً حسناً فإن كان ضعيف الإيمان شعر أن ماله تجمد بلا فائدة، فكلما شاع القرض الربوي قلّ القرض الحسن، شاع الاستغلال وقلّ الإحسان، وشاع التحكم وقلّ التواصل، شاعت القسوة وقلّ التراحم، وربنا عز وجل قال: إذا أردتم رحمتي فارحموا خلقي، وإذا رآنا يقسو بعضنا على بعض إذاً نحرم رحمة الله عز وجل. الربا إذا حُرِّم - هذا قول الفخر الرازي- طابت النفوس بقرض الدرهم واسترجاع مثله، ولو حلّ الربا لكانت حاجة المحتاج تحمله على أخذ الدرهم بدرهمين فيفضي ذلك إلى انقطاع المواساة والمعروف والإحسان. استثمار المال بنسب ثابتة يلتقي مع الربا تماماً : بالمناسبة هناك موضوع حساس فقد شاع بالبلد الاستثمار بنسب ثابتة، وهذه تشبه الربا تماماً، يعطيه مئة ألف ويقول له: أريد عليها ثلاثة آلاف بالشهر، تحت كلام لا نريد حسابات ومشاكل، وكل اثني عشر شهراً يتقاضى ستة وثلاثين ألفاً، يا ترى الذي أخذ هذا المبلغ ربح ستة وثلاثين بالمئة؟ إذا ربح سبعين بالمئة فممكن أن يكون مرتاحاً بالدفع وإذا ربح ستين بالمئة أعطى أصحاب الأموال أكثر مما ربح، وإذا ربح ستةً وثلاثين صار خادماً مجاناً. أيها الأخوة الكرام، القضية خطيرة ومنتشرة جداً حتى إن أناساً يصلون ورواد مساجد يقول: أريد على المئة ألف ثلاثة آلاف بالشهر، ويرفض ألفين وخمسمئة مثلاً. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4672/07.jpg هذا هو الربا، النسبة الثابتة، فأي استثمار للمال بنسب ثابتة يلتقي مع الربا تماماً، أحياناً بشكل آخر يقول لك: أنا أريد أن أشتري بيتاً وأملك نصف ثمنه، فيأخذ قرضاً من شخص يساوي نصفه الآخر، ويعدّه مؤجراً، ويعطيه على القرض مبلغاً، الصورة عقد إيجار لكنه عملياً ربا، متى يصح أن تعطي إنساناً مئة ألف وتساهم معه في شراء بيت وتأخذ أجرة؟ هذا البيت لو صار ضمن مشروع تنظيمي، وأموالك ذهبت لأنك أنت مالك، وكذلك لو صارت مشكلة والأسعار هبطت ومبلغك قَلَّ، أما أنت فتريد مبلغك كما هو وتريد أن تأخذ عليه أجراً في هذه المدة، الصورة عقد إيجار أما الحقيقة فعقد ربوي، وكلكم يعلم أن المرابين في بلاد كثيرة يأخذون شكلاً آخر، المرابي في دولة تمنع الربا يضع سجادة على باب المحل أي إنسان مقترض للربا يقول له: أتبيعني هذه وهناك عبارة مشهورة أتبيعني هذه السجادة بألف؟ يقول له: بعتك إياها، أتبيعني إياها ديناً؟ يقول له: بعتك إياها، يكتب في دفتر الذمة من فلان ألف ليرة ثمن سجادة وانتهى العقد، ثم يقول له: أتشتريها مني بثمانمئة يقول له: اشتريتها ويعطيه ثمنها نقداً، ما الذي حصل؟ دفع الثمانمئة وسجلت ألفاً، فهذا عقد ربوي، أما في الصورة فسجادة تباع شكلاً وتشترى وهماً. خالق الكون ألا يعرف هذا؟ أتنطلي عليه هذه الحيلة، وأحياناً تكون الحيلة على شكل صندوق شاي ومرة على شكل سلعة ما، لا يوجد غيرها يبيعها باليوم مئة مرة، يبيعها ديناً ويسجلها ويشتريها نقداً ويدفع ثمنها، ففي دفتر الحسابات سجل ألفاً ودفع صاحبه ثمانمئة، وهذا عقد ربوي. الإنسان حينما يسلك سبيل الحيلة الشرعية فهذا إيمانه بالله صفر، لا يعرف الله أبداً، ولكني أقول لكم وأكرر: أكثر شيء شائع بين المسلمين وبين رواد المساجد الاستثمار بنسب ثابتة وهذا يلتقي مع الربا تماماً من دون شك. واستئجار البيوت؛ ساعدته في شراء بيت وأخذت أجرة إلى حين أن يوفيك القرض، فهذه الأجرة هي فائدة في الحقيقة، أما إذا ساعدته في شراء بيت وكتب باسمك وأخذت أجرة فهذا حلال، وبعد أن ينتهي وبعد حين يمكنك أن تبيع حصتك بسعر السوق، أو أن البيت إذا صدر بحقه قرار تنظيم وصار مستملكاً ونزل سعره أو ارتفع سعره وأنت مالك والمالك ضامن فلك ذلك. والإمام الفخر الرازي يقول أيضاً: إن الفقراء الذين يشاهدون أنه أُخذتْ أموالهم بسبب الربا يلعنون المرابي ويدعون عليه. شيء طبيعي جداً المال شقيق الروح، وكل إنسان أخذ من أموالك فوق طاقتك تلعنه وتتمنى دماره، أما الذي أعانك بقرض حسن فتدعو له، وشتان بين من يدعو لك وبين من يدعو عليك. الربا أحد أسباب الحروب بين الدول : وهناك من يقول: إن الربا أحد أسباب الحروب بين الدول، القروض الربوية التي أرهقت كاهل بعض الدول الفقيرة هي سبب حروب طاحنة، و سفك دماء كثيرة، إذاً: اجتماعياً، الربا يجعل تقاطع الصلات بين أفراد المجتمع، ويسبب البطالة، ويسهم في غلاء الأسعار، ويحرم البلاد قيمة المشاريع الإنتاجية، ولهذه العلل كلها البطالة والغلاء والعداوة وعدم إعمار الأرض، لهذه الأسباب كلها حرّم ربنا جل جلاله الربا، قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [ سورة البقرة : 275 ] الملخص أن المال لا ينبغي أن يلد المال، والأعمال وحدها هي التي يمكن أن تلد المال، وبهذا تتوزع الكتلة النقدية بين أفراد المجتمع جميعاً، ويعم الرخاء، وتنهض الأمة، وما هذا الوعيد الخطير في القرآن الكريم للمرابين إلا بسبب أن الربا يعم ضرره الأمة كلها ويؤدي إلى هوانها وذلها. |
رد: العبادات التعاملية
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية الدرس : ( الثالث ) الموضوع : التدابير للاحتراز من الربا الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. تلخيص لما سبق : أيها الأخوة الأكارم، لا زلنا في موضوع الربا، ففي الدرس الماضي بفضل الله تعالى تبين لكم المضار التي تتحقق من أكل الربا، وهي كثيرة جداً من أبرزها: ارتفاع الأسعار، ومن أبرزها انتشار البطالة، ومن أبرزها وقوع العداوة والبغضاء والحقد بين طبقات المجتمع، ومن أبرزها أيضاً حرمان الأمة من أي مشروع إنمائي يعود بالخير عليها، هذه بعض مضار الربا التي تبينت لكم في الدرس الماضي. وفي الدرس قبل الماضي تحدثنا عن ربا القروض وهو ربا القرآن، وهو ربا حقيقي، وهو الربا الجاهلي، وعن ربا البيوع وهو الربا المحمول على الربا الحقيقي ربا السنة، لأن السنة حرمته، وهو الربا الخفي، وإن ربا القروض هو الربا الجلي، وربا البيوع هو الربا الخفي، وبينت لكم أن هذا التحريم متعلق بالفطرة، فالإغريق والرومان وفلاسفة الأرض في قديم الزمان وجدوا في الربا تحطيماً للمجتمع، والأصل في ذلك أن المال لا ينبغي أن يلد المال، إذا ولد المالُ المال تجمعت الأموال في أيدٍ قليلة لكن الأعمال النافعة الزراعية والتجارية والصناعية والخدمية هي التي يجب أن تولد المال. وذكرت لكم مرات كثيرة كيف أن هناك مخروطاً يمثل موضوع الربا. فمحوره إن صحّ التعبير هو السعر، فكلما ارتفع السعر ضاقت الشريحة المنتفعة من هذه السلعة، وإذا ضاقت الشريحة صار التضخم النقدي، وانقسم المجتمع إلى طبقتين: طبقة غنية مترفة وطبقة محرومة ونشأ الصراع. وكلُّ ما يجري في العالم اليوم من صراعات هو بسبب تجمع الأموال في دول قليلة أو في أفرادٍ قليلين، وحرمان الكثرة الكثيرة من هذا المال، والوضع الذي أراده الله جلّ جلاله هو أن يكون المال متداولاً بين جميع أفراد الأمة، الكتلة النقدية يجب أن تكون موزعة بين الجميع ليعيش الجميع في بحبوحة، وفي وئام، وفي محبة. هذا ملخص للموضوعات السابقة، ويجب أن تعلموا أن الله حينما يحرم شيئاً فلأنه خالق الكون، الصانع الرب العليم الخبير الحكيم، قال تعالى: ﴿ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾ [ سورة فاطر: 19 ] إذا حرم الله شيئاً ينبغي ألا ننتهي من بيان مضاره، وكلما زدنا الأمر بحثاً تكشفت لنا مضار لم نكن نعلمها. الربا يدمر الأمة بكاملها : مرة ثانية أقول لكم: ما من معصية توعد الله بها مرتكبها بحرب من الله ورسوله أشد من الربا، لأن الربا يدمر مجتمعاً بأكمله، وحينما تصبح السلع فوق طاقة الأفراد الشرائية، تصبح الطرق أمام الشباب مسدودة، فينزح الشباب، وكل شاب حينما يرى الطريق مسدوداً أمامه فحلمه الوحيد أن يهاجر من بلده، فإذا خلت الأمة من أبنائها، من اليد العاملة، من طاقتها الفكرية، من شبابها، أصبحت أمة منهارة، تعيش على فتات الأمم الأخرى، فالقضية متداخلة، والله جلّ جلاله حينما حرم الربا فمعنى ذلك أن الربا يدمر الأمة بكاملها. لكن الآن آمنّا أن الربا حرام وصدقنا، فكيف نتقي الوقوع في الربا؟ وهذا درسنا اليوم. التدابير العامة الواقية من الربا : ما هي التدابير العامة الواقية من الربا؟ ما البديل؟ http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4673/01.jpg أين النظام الاقتصادي في الإسلام؟ ما البديل الذي يحقق مطالب الناس؟ الحقيقة هناك ملاحظة أحبّ أن أضعها بين أيديكم الآن، النظام الإسلامي نظام متكامل، أي مستحيل أن تأتي إلى إنسان مادي النزعة مقطوع عن الله عز وجل وتقول له: إياك أن تقرض قرضاً بفائدة لأنه حرام، فيتهمك بالجنون ويقول لك: أأجمد أموالي؟ ويحدثك عن التضخم النقدي، وعن انهيار العملة، وأن كل قرض حسن إتلاف للمال. أيها الأخوة، هذا النظام الإسلامي نظام متكامل فحينما يكون الإنسان مؤمناً بالله، مؤمناً بما عند ربه من إكرام في الآخرة، مؤمناً بمهمته بالحياة، مؤمناً بدوره الإصلاحي، حينما ينقل كل اهتماماته إلى الآخرة يرى في القرض الحسن قربة إلى الله عز وجل، لا تخاطب إنساناً مادياً بأحكام الشريعة التفصيلية، العوام والناس لا يخاطبون إلا بأصول الشريعة، بينما المؤمنون هم الذين يخاطبون بفروع الشريعة، وهؤلاء تقول لأحدهم: أنت مؤمن وهذا كلام خالق الكون فاصدع، ومع ذلك فالله جل جلاله مع كثرة الشُبه والمبادئ الهدامة والنظم الفاسدة بالمجتمع الحديث فالله جل جلاله وَفّر للأمة من يحلل لها الأمر الإلهي ويبين عظمته، وفوائده، وأبعاده، ومراميه، وكما أن هناك ضلالات فهناك بينات. 1 ـ الإيمان بالله : درس اليوم ما هي التدابير الواقية من الربا؟ الحقيقة وبكل وضوح أقول لكم: إن التدبير الأول الواقي من الربا أن تكون مؤمناً بالله، إنك إن كنت جائعاً وأمامك طبق نفيس وسلاح مشهور أمام رأسك إن أكلت يطلق النار هل تأكل؟ مستحيل. مبدئياً إذا آمنت بالله عز وجل آمنت به خالقاً، وأنَّ أمرك كله بيده، وأن كيانك وأن أموالك بيده، وأن الله قادر على إتلاف المال كله لأسباب بسيطة، والله جل جلاله قادر على أن يمحق المال، قادر على أن يجعل المال كله لا يجدي أمام عضو متعطل في جسدك. إذا آمنت بالله، وبما عنده من إكرام فيما لو أطعته، وبما عنده من عذاب أليم في الدنيا و الآخرة فيما لو عصيته، إيمانك بالله أكبر وقاية من أن تقع في الربا، وكل إنسان يقع في الربا ولا يبالي فاحكموا عليه حكماً قطعياً أن إيمانه بالله ضعيف. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4673/02.jpg كنت سابقاً أضرب لكم بعض الأمثلة، منها أنّ أيّ إنسان يركب مركبة و الإشارة حمراء، و يقف الشرطي عندها وإلى جانبه سيارة فيها نقيب، وإلى جانبها دراجتان ناريتان، و هو مواطن عادي لا يتمكن أن يتلافى المخالفة، فهل يتجاوز الإشارة الحمراء؟ مستحيل، ما دام واضع القانون يطولك علمه عن طريق هذا الشرطي و ذاك النقيب و هؤلاء راكبي الدراجات النارية، و بأنك إذا وقعت في مخالفته تطولك قدرته، ويصادر المركبة، أو يسحب الإجازة، فأنت لن تعصي، بل مستحيل أن تخالف، إذا تعاملت مع الله بهذه الطريقة، وأن الله يعلم، وهو قادر عليك سيعاقبك انتهى الأمر، إذا أيقنت أن الله يعلم و أنه سيحاسب انتهى الأمر، انتهت علاقتك بالمعاصي كلها، كيف تعصي الله و هو معك؟ كيف تعصيه و هو سيحاسبك؟ فلذلك الإيمان أول واق من الوقوع في الربا، فكل إنسان يأكل الربا أو يوكله فهذا مؤشر خطير على أن في إيمانه ضعفاً شديداً، الدليل قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [ سورة النور: 51] إذا قلت: سمعت و أطعت فأنت مؤمن، و إن قلت: سمعت و لم أطع فأنت لست مؤمناً، نص الآية واضح جداً، أنت مؤمن حينما تطيع الله عز وجل، أما حينما لا تطيعه فإيمانك بتعبير لطيف ليس بالمستوى الكافي ليحملك على طاعة الله، إذاً هذا الإيمان لا ينجيك، أي يمكن أن أقول لك: إيمانك تشوبُه قناعات ضبابية لكن لا ترقى إلى مستوى أن يمنعك من معصيته قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [ سورة النور: 51] من لوازم الإيمان السمع و الطاعة وعدم الإصغاء إلى الشيطان : شيء آخر: الإنسان حينما يتوهم أن للشيطان سلطاناً عليه فهو ضعيف الإيمان بآيات الله عز وجل، وهو سبحانه يقول: ﴿ إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ [ سورة النحل: 99] أنت مخير، و علامة إيمانك المبادرة إلى الطاعة، و حينما تدّعي أن الشيطان وسوس لك فالجواب القطعي ليس له عليك من سلطان، و الحقيقة الدامغة في قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا ﴾ [ سورة الأحزاب: 36 ] هذه ثلاث آيات، فمن لوازم الإيمان السمع و الطاعة، ومن لوازم الإيمان عدم الإصغاء إلى الشيطان، ومن لوازم الإيمان ألا تتردد في طاعة الله عندما يظهر لك أمره، دققوا في آيات الربا قال تعالى: "يا أيها الذين آمنوا" يخاطب المؤمنين اتقوا الله أي اتقوا عقابه، اتقوا إتلاف المال، اتقوا محق البركة، اتقوا التدمير: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [ سورة البقرة: 278] وقف المفسرون عند قوله تعالى ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ وقفات متأنية، قال بعض المفسرين: إذا كان إيمانكم تاماً شاملاً لجميع ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من الأحكام فذروا ما بقي من الربا، إن كنت متصفاً بهذه الصفة فافعل كذا فإن لم تفعل فلست متصفاً بهذه الصفة، كأن الآية تقول: من لم يستجب لهذا الأمر يحكم على نفسه بأنه غير مؤمن. أدلة من السيرة النبوية حول تحريم الربا : والآن إليكم الأدلة من السيرة النبوية: "سيدنا العباس بن عبد المطلب و رجل من بني المغيرة كانا شريكين في الجاهلية يسلفان في الربا إلى أناس من ثقيف من بني عمرة، و هم من بني عمرو بن عمير، فجاء الإسلام و لهما أموال عظيمة من الربا فتركوها حينما نزلت هذه الآية " أيْ أنّ الصحابة استجابوا، وهم طبعاً كانوا يرابون، و كانوا يشربون الخمر، لكنهم عرفوا الله عز وجل فاستجابوا، وحينما حرمت الخمر كنت لا ترى في المدينة إلا الخمر تسيل في الشوارع، أهرقوا الخمر و كسروا الدنان و ارتاحوا. سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه و أرضاه- دققوا في كلامه- قال: "تركنا تسعة أعشار الحلال مخافة الربا". أي هناك شيء واضح وضوح الشمس أنه حلال، و هناك شيء واضح وضوح الشمس أنه حرام، و هناك أشياء مشتبهة، فعلامة الورع أن الذي اشتبه عليه يدعه ورعاً، يدعه و يستريح. (( دع ما يَريبك إلى ما لا يريبك )) [الترمذي عن الحسن بن علي] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4673/03.jpg إذا اشتبه عليك أمر فدعه و استرح. "تركنا تسعة أعشار الحلال مخافة الربا"، وروى الإمام البيهقي عن ابن سيرين أن أبي بن كعب رضي الله عنه أهدى إلى عمر بن الخطاب من ثمرة أرضه فردها عمر رضي الله عنه، وسيدنا عمر أمير المؤمنين عملاق الإسلام، سيدنا عمر الإمام العادل الرحيم، وأحد الصحابة الكرام يحب أُبَيّاً حباً جماً وله أرض فيها بستان و عنده فاكهة، ماذا فعل هذا الصحابي؟ قال: أهدى إلى عمر بن الخطاب من ثمرة أرضه طبقاً من فاكهة بستانه، وهذا شيء طبيعي جداً، ماذا فعل هذا الصحابي؟ سيدنا عمر ردها، الهدية ترد؟ لا ترد، وعن الرسول صلى الله عليه وسلم: ((قَالَ تَهَادَوْا فَإِنَّ الْهَدِيَّةَ تُذْهِبُ وَحَرَ الصَّدْرِ وَلا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا وَلَوْ شِقَّ فِرْسِنِ شَاةٍ)) [ الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ] فهذا الصحابي الجليل ما زاد على أن قدم هدية لسيدنا عمر فردها عليه فقال أبي: يا أمير المؤمنين لِمَ رددت عليّ هديتي وقد علمت أني من أطيب أهل المدينة ثمراً؟ هذا بستاني أعمل به بعرقي وكدّ يميني، وهذه من ثمار بستاني وقدمتها لك هدية أسوةً برسول الله صلى الله عليه وسلم، قال له عمر: قد علمت أني أسلفتك عشرة آلاف درهم، وخشيتي أن يكون لهذه الهدية صلة بالقرض لذلك رددتها عليك. فسيدنا عمر بن الخطاب لعلمه أن كل قرض جرّ نفعاً فهو ربا، فدار في خلده أنه لعل هذه الهدية قدمتَها إليّ مكافأة لي على أني أقرضتك عشرة آلاف درهم، وخفت أن يكون هناك من علاقة بين هذا القرض وبين هذه الهدية فرددتها عليك، مع أنك طيب ومالك حلال وأنت أخ كريم ولكن هذا الذي حملني أن أردها عليك. أحد أصحاب رسول الله أرسل غلاماً ليتجر له بالمال، بعث غلاماً له بأربعة آلاف إلى أصبهان ثم بلغه أنه قد مات، فركب إليه أو أرسل إليه فوجد المال قد بلغ أربعة وعشرين ألفاً، ربح ستة أمثال، فقيل له: إنه قد كان يقرض المال بالربا فأخذ هذا الصحابي الأربعة آلاف رأسماله وترك عشرين ألفاً، فقيل له خذه قال: ليس لي، قيل: هبه لنا، فتركه ولم يأخذ منه شيئاً، لأنه سمع أن هذا الكسب فيه شبهة الربا، أخذ رأسماله ولم يلو على شيء. وأنا أقدم لكم في هذا الدرس نماذج من ورع الصحابة هؤلاء الذين أحبهم الله عز وجل، هؤلاء الذين رضي الله عنهم، هؤلاء الذين فتحوا البلاد ونشروا الإسلام في الآفاق، ما خرجوا بالإسلام إلا عندما كانوا ورعين ووقفوا عند حدود الله عز وجل. القرض الحسن و القرض الربوي : الحقيقة ما الذي يحل محل الربا؟ قلت لكم من قبل: إنّ الإنسان له صفتان؛ إما أن يكون محسناً، وإما أن يكون مادياً، إن كان محسناً يقرض القرض الحسن، وإن كان مادياً يقرض قرضاً ربوياً، وهاكم مستوى أكبر من ذلك، سيدنا عمر رضي الله عنه كان يقول:" كنا نعد المقرض بخيلاً إنما كانت المواساة". إذا كنت في بحبوحة وأخوك احتاج إلى مبلغ من المال إذا أقرضته فهذا عمل جيد وأنت إنسان محسن، ولكن الأرقى من ذلك أن تقدمها له هبةً، إذا أنت في بحبوحة وأخوك في ضائقة فلا تحمله عبء الدين. في مجتمعنا المادي المقرض إنسان عظيم ومحسنٌ كريمٌ، لأنه يقول لك: أدنته المبلغ حين كانت قبل سنة العملة الأجنبية بسعر كذا، أما الآن فصار السعر مرتفعاً وخسرنا ولم نستفد شيئاً، وخسرنا سبعة عشر بالمئة ويحسبها، ربنا عز وجل قادر على أن يغرِّمك مئات الملايين عن طيب خاطر من أجل صحتك أليس كذلك؟ وأحياناً غلطة تجارية تُذهب المال كله، واعلم أنك تعامل الله عز وجل، فدع هذا القرض يسبب لك خسارة لكن أنت أرضيت الله عز وجل، إذا كان كل شيء بالحسابات فهذه مشكلة كبيرة. على عهد الصحابة المقرض كان يعد بخيلاً، لِمَ لم تواسه بمالك؟ لماذا تقرضه؟ واسِهِ بمالك، الآن المقرض يعد محسناً إحساناً كبيراً، وإذا الآن إنسان مقرض أحب أن يقرض فإنه يقرض مَن قَرَضَهُ، قال لي أحدهم: أقرضني بسعر عملة أجنبية وارتفعت عشرة أمثال سعرها، باع البيت ولم يكف لسداد قرضه علماً أنه أخذ منه قرضاً ليكمل ثمن البيت فباع البيت كله ولم يكف سداد قرضه. أسمعُ كل قصة عن ارتفاع العملات المفاجئ أو عن انخفاضها المفاجئ لا يحتمل، والإنسان قد يضطر أن يبيع كل شيء يملكه ولا يكفي لسداد ما عليه، واعلم أنك إن أردت أن تقرض فأقرض بالعملة المتداولة، هناك شخص أذكى قال له: سوف آخذ أسعار العملات كلها بالسوق المجاورة وأعمل وسطي لها وأُديّنك المبلغ على هذا السعر بعد أن تعيد المبلغ إليّ سوف آخذ جميع أسعار العملات وآخذ وسطيها وأطلب منك المبلغ وفقها وهذا هو القرض غير الحسن. إذا أقرض فليفعل خيراً، ويجب أن يكون محسناً، يعمل للآخرة، وليذهب بعض المال، ولترقَ عند الله رقياً يكرمك في الدنيا والآخرة، سيدنا عمر ردّ عليه هديته خوفاً من أن يكون لها علاقة بقرض قدمه له. التوبة السريعة سبيل من وقع في الربا : الحقيقة إذا وقع الإنسان في الربا أو كان يتعامل تعاملاً ربوياً وعرف الله عز وجل فلا يوجد أمامه سوى حل واحد أن يبادر إلى التوبة مبادرة سريعة، فإن المؤمن الصادق يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مرّ على أنفه فقال به هكذا وأشار به إلى الذباب. (( حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ حَدِيثَيْنِ أَحَدُهُمَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالآخَرُ عَنْ نَفْسِهِ قَالَ: إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَأَنَّهُ قَاعِدٌ تَحْتَ جَبَلٍ يَخَافُ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ وَإِنَّ الْفَاجِرَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَذُبَابٍ مَرَّ عَلَى أَنْفِهِ فَقَالَ بِهِ هَكَذَا )) [ البخاري عن عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4673/04.jpg علامة إيمانك أن ترى الذنب كأنه جبل جاثم على صدرك، وعلامة ضعف إيمانك أن ترى الذنب كأنه ذبابة، يقول: ما الذي صار؟ يقول: لا تدقق، لا يسعنا إلا عفوه، ونحن عبيد إحسان وليس عبيد امتحان، الله لا يعاملنا بعملنا، يا الله لا تسألنا عن شيء، ويعتقد أنه ردّ شيئاً من توعّد الله له ولأمثاله بهذا الكلام، وكله كلام غير شرعي وليس له معنى، ربنا عز وجل قال: ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [ سورة الحجر: 92-93] العجيب: (( يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة )) [أخرجه الطبراني عن عبد الله بن عباس ] كرامتك على الله أن تكون مستجاب الدعوة، وهذه الكرامة لا تتحقق إلا إذا كان دخلك حلالاً، وذلك لحكمة أرادها الله عز وجل، لكن شيء مغرٍ بالنظرة المادية، شيء لا حرج منه، والقرض الربوي فيه ربح هذا بالنظرة المادية، أما بالنظرة الإيمانية فالقرض الحسن فيه رضى من الله عز وجل قال تعالى: ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً ﴾ [ سورة البقرة: 245 ] سوء الظن عصمة والحزم سوء الظن : أيها الأخوة الكرام، أقول لكم هذا الكلام لأنّ شريحةً بالمجتمع كبيرة جداً لا ترضى أن تأخذ صدقةً، ولكن القرض يحل لها أكبر مشكلة، قد نرى إنساناً يسأل الناس إلحافاً وهذه شريحة وهذه لها جهـات أخرى، بإلحاح، بلا حياء، بقسوة، بتكرار، وعنده عدة كاملة، مرة قال لي أخ: امرأة جاءت تشكو الفقر المدقع رق لها أعضاء اللجنة وهم واعون جداً قالوا: نريد أن نرى البيت، قالت: البيت جاهز يا سيدي، قال: دخلنا في اليوم التالي وجدنا بيتاً لا يحتمل حاله فهو قميء جداً ليس فيه شيء سوى بساط وإناء وموقد غاز، شيء يُبَكّي، أحد أعضاء اللجنة ما ارتاح لهذا البيت فجاء في اليوم التالي وطرق الباب فلم يجد أحداً فلما زاد في الطرق فتح الجيران وقالوا: ما شأنك؟ قال: أين أصحاب البيت؟ قالوا: ليسوا هنا هناك بيتهم، فذهب إلى ذلك البيت فإذا بيت فيه كل شيء وهذا من العدة الخادعة لأهل الإحسان يخدعونهم بها. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4673/05.jpg إنها شريحة اجتماعية تعودت التسول وتتقنه وهناك من يصنعون العاهات؛ ترى يده مجبصنة وهذا الجبصين خُلّبي، يده لا شيء بها، وعصابة على عينه وعينه سليمة، يضعون ولداً صغيراً أمامهم، بائس المنظر، يستدر العطف، فهذه شريحة اجتماعية مخادعة، وهذا تسول يجب أن يكافح، كما أنّ هناك شريحة ثانية تقبل المعونة وفقرها مدقع، وتطالعك شريحة ثالثة لا تقبل إلا قرضاً وهذا شيء جميل، فالقرض الحسن يلبي طلب الشريحة الثالثة، عندنا شريحة أولى وشريحة ثانية وثالثة، فالقرض الحسن يلبي طلب الشريحة الثالثة، لذلك إذا حسبنا القرض على حساب العملات والتضخم النقدي لا أحد يقرض أحداً، هذا حساب باطل يجب أن تنوي فعل الخير وليكن الثمن ما يكون، لكن ليس أيّ إنسانٍ قال لك دَيِّني فتديّنه، عليك أن تتحقق، والمؤمن كيّس فطن حذر فلا بد أن تتحقق. احترس من الناس بسوء الظن، سوء الظن عصمة، والحزم سوء الظن، إن بعض الظن إثم، وليس كل الظن سيّئاً. تعرفه جيداً، وتعرف أمانته وعفافه، وتعرف حاجته إلى هذا المبلغ، ومعك المبلغ وتمتنع، إذاً فإيمانك فيه ضعف، أنا لا أدعوك لتلقي بمالك جزافاً، المفرّط أولى بالخسارة وهناك كثير من الناس يحتالون ولهم منظر مقبول. رجل يريد أن يذهب إلى الحج ويريد أن يضع مالَهُ عند شخص، دخل إلى المسجد وتفرس وجوه المصلين، فوجد واحداً خشوعه جيد، فهو يغمض عيونه في الصلاة فقال في نفسه: هذا الرجل مناسب وأمين، فقال له: أنا أريد أن أضع عندك مبلغاً من المال لأني ذاهب إلى الحج، فقال له: أنا صائم أيضاً يا سيدي، فقال له: لكن صيامك لم يعجبني. بقي علينا أن امرأة سألت السيدة عائشة رضي الله عنها قالت لها: بعت زيد بن أرقم حاجة إلى العطاء بثمانمئة درهم وابتعتها منه بستمئة، فقالت لها عائشة رضي الله عنها: "بئس ما اشتريت أو بئس ما اشترى، أبلغي زيد بن الأرقم أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله إلا أن يتوب قالت: أرأيت إن أخذت رأسمالي قالت: لا بأس". أي صلاة، صوم، حج، عمرة، أعمال صالحة، وله دخل حرام فهذه قاصمة الظهر. أول تدبير احترازي للوقاية من الربا أن تقوي إيمانك بالله، وإذا قوي إيمانك بالله قوي طمعك بما عنده من إكرام في الدنيا والآخرة، وإذا قوي إيمانك بالله قوي خوفك من الله. الإيمان بالله يعني الطمع برحمته، والخوف من عذابه، فأول وقاية من الربا أن تعمق إيمانك بالله إلى درجة أنك تخاف أن تعصيه، وهذا أمره واضح. 2 ـ الحث على اتقاء الشبهات : وهناك تدبير احترازي آخر: وهو الحث على اتقاء الشبهات، نحن ليس لدينا خلاف أبداً في الأشياء الواضحة، الحلال بيّن والحرام بيّن، فألف ومئتا مليون مسلم لا يختلفون على أن السرقة حرام، وعلى أن الزنا حرام، وأكل مال اليتيم حرام، وألف ومئتا مليون لا يختلفون على أن الصدقة قربة من الله عز وجل، الحلال واضح والحرام واضح، لكن الذي يهلك المسلمين هذه الشبهات، فالورع يراها تشبه الحرام، وغير الورع يراها تشبه الحلال، الشبهات هي التي ضيعت دين الناس، لذلك فالتدبير الاحترازي الثاني الذي يقيك من الربا أن تدع الشبهات. يا أخي هذه القضية فيها شبهة ولها فتوى، وهناك فتوى أخرى معاكسة، الأورع أن تدع الأمر، ونحن عندنا قاعدة ؛ قاعدة الحوط والأشياء الواضحة واضحة، والأشياء غير الواضحة عندك لكنها عند العلماء واضحة إليكم الأدلة: من الشبه أن قضية بالفقه تشبه الحلال من جهة وتشبه الحرام من جهة، وهي تشبه شيئين مختلفين أو تشبه شيئين متناقضين، لما قلت له: هذه السجادة ثمنها ألف ريال قال: اشتريــت وقيدها عليّ بيع إيجاب وقبول وثمن مؤجل، ثم قال الشاري للبائع: أتشتريها مني؟ فهذا بيع ثانٍ، قال: أشتريها بثمانمئة ريال، الذي حصل أنه قيّد عليه ألف ريال دين وأعطاه ثمانمئة، هذه الحادثة تشبه البيع والشراء من جهة وتشبه الربا من جهة ثانية، كذلك قرض بفائدة، هذه الشبهة وهي شيء يشبه شيئين مختلفين، متضادين ومتعاكسين أحدهما حرام والثاني حلال. الحقيقة موضوع الشبهات أنّ الأشياء إما أن يكون أصلها حلالاً، وإما أن يكون أصلها حراماً، وإما أن يشك في أصلها، الشيء الحلال لا تدخله الشبهات، والشك لا يلغي اليقين، والشيء الحرام لا يجعله الوهم حلالاً، الحرام يبقى حراماً، الوهم والشك لا ينقلان الحرام إلى حلال والحلال إلى حرام، لكن أصل الشبه أن أصل الشيء مشكوك بانتمائه إلى الحلال أم إلى الحرام. الفرق بين الوسوسة و الشبهة : لكن هناك أناس يتهمون الورعين أنهم مصابون بالوسواس!! الإمام الغزالي ضرب مثلاً على الوسوسة أنّ شخصاً صاد سمكة وقال: هذه حرام أن آكلها لعل واحداً صادها قبلي، ووقعت منه في البحر، وبعد أن تملكها وقعت منه فهي ملكه، وأنا إذا أكلتها أقع في الحرام. فهذه وسوسة وهي نطاقها واسع جداً. لكن اتقاء الشبهات غير الوساوس، واتقاء الوساوس غير اتقاء الشبهات، وهناك فرق بينهما، إذا شيء أصله حلال وأنت توسوست منه فهذه وسوسة، أما إذا شيء أصله غير معروف وأصله فيه شبهة فاتقاؤه ليس وسوسةً، وحينما تتقي ما كان أصله معروفاً حلالاً واتقيته وسوسةً فهذه هي الوسوسة، أما حينما يكون أصل الشيء مشكوكاً فيه وتركته فهذا ليس وسوسة هذه فضيلة، فالفرق بين الوسوسة وترك الشبهة أن الوسوسة تتعلق بما كان أصله واضحاً، واضح أنه حلال وأنت جعلته حراماً. قال لي إنسان: هذه الكنزة أنا لا ألبسها، قلت له: لماذا؟ قال: هذه أجنبية وهي من عند الكفار قادمة، ولأن كانت من عند الكفار فما يضيرك؟ ولك أن تتعامل مع أهل الكتاب فالنبي تعامل معهم. والتعامل معهم لا يجعل الشيء الذي اشتريته من إنسان كتابي حراماً إذا كنت قد دفعت له الثمن. الوسوسة و الشبهة و الورع : الوسوسة إذا توجهت إلى ما كان أصله واضحاً فأضفيت عليه من بعض الأوهام أنه حرام فهذه وسوسة، أما إذا شيء أصله غير معروف أو أصله فيه شبهة وتركته فهذا عين الورع، ومثال ذلك: النبي عليه الصلاة والسلام وجد تمرة فما أكلها لماذا؟ خاف أن تكون من تمر الصدقة، وحرام عليه أن يأكل الصدقة، وحلال له أن يأكل الهدية، ومن علامات نبوته أنه يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة فوجد مرة تمرة فقال: ((عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمُرُّ بِالتَّمْرَةِ فَمَا يَمْنَعُهُ أَنْ يَأْخُذَهَا فَيَأْكُلَهَا إِلا مَخَافَةَ أَنْ تَكُونَ مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ )) [ أحمد عَنْ أَنَسٍ] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4673/06.jpg أهذه وسوسة أم ورع؟ هذا ورع إذ ليس معروفاً أصلها. أما إنسان توضأ يقيناً ثم شك أن وضوءه قد انتقض وهو متوضئ، هنا دخل الوسواس، الشك لا يلغي اليقين، فهذا الذي يعيد وضوءه مرتين أو ثلاثاً أو أربعاً هذا مصاب بالوسوسة والنبي علمنا نضح الثوب إذا شعرنا أن هناك من بلل، فهذا بلل صنعناه بأيدينا حتى نقطع باب الوسوسة. الوسوسة حينما تتعلق بالحلال وتتوهم أنه حرام فهذه وسوسة، أما الشيء المشكوك في أصله فهذه ليست وسوسة. يقول لك: أليس الله قال؟ ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [ سورة المائدة: 3 ] تقول له: نعم يقول لك: لماذا نجدُ أشياء غير واضحة بالدين وأين كمال الشريعة؟ بماذا تجيبه؟ الجواب حديث رسول الله: ((عَنْ عَامِرٍ قَالَ سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: الْحَلالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فَمَنِ اتَّقَى الْمُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ أَلا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى أَلا إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ أَلا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ )) [متفق عليه عن النعمان بن البشير] ماذا يعني هذا الكلام؟ أن هناك من يعلمها. وإذا كان كثير من الناس لا يعلمونها فمعنى ذلك أن هناك من العلماء من يعلمها قال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [ سورة النحل : 43] الاستثمارات بمال ثابت كالربا تماماً : يقول لك: لا شيء في هذا، أنا ساعدته في ثمن هذا البيت، ودفعت معه مئتي ألف، ويعطيني أجرة الآن، ومبلغي مضمون، ووعدني بسنة واحدة وينقدني المئتي ألف، وأتوقف عن أخذ الأجرة؟ هذا ربا مثل الشمس. هذا البيت إذا استملك فمبلغك مضمون يقول: طبعاً مضمون، والمبلغ دين أدنته إياه، هذه الأجرة ربا، إذا كان فعلاً أنت لك نصف البيت والبيت استملك فمالك عنده شيء، أو إذا احترق فليس لك عنده شيء، انخفض سعره فليس لك عنده شيء، وإذا ارتفع سعره تأخذ ضعف مبلغك هذا، من أجل أن تكون الأجرة حلالاً فهذه هي الطريقة الصحيحة أنك تملكت تمليكاً صحيحاً، فإذا كان عوام الناس لا يعلمون أن هذه شبهة فهناك من يعلمها. كل الاستثمارات بمال ثابت تشبه الربا، أريد على المئة ألف أربعة آلاف بالشهر هذا ربا، ولا يعترف لا بربح ولا بخسارة. فالجواب الحلال بيّن والحرام بيّن وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس، لكن العلماء يعلمونها وأهل الذكر يعلمونها، وأنت إذا كان شيء لا تعرفه فاسأل قال تعالى: ﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [ سورة النحل : 43] وقال تعالى: ﴿ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا ﴾ [ سورة الفرقان: 59] ((...فَمَنِ اتَّقَى الْمُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ أَلا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى أَلا إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ أَلا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ )) [متفق عليه عن النعمان بن البشير] قال بعض العلماء تعليقاً على هذا الحديث: الواجب على من اشتبه عليه الأمر أن يتوقف ويستبرئ لدينه ولا يقدم إلا على بصيرة، فإنه إذا أقدم على الشيء قبل التثبت والتبين لم يأمن أن يقع في المحرم، وذلك معنى الحمى الذي قاله النبي عليه الصلاة والسلام. دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لا يَرِيبُكَ أصل في اتقاء الشبهات : الحديث الآخر: ((عَنْ أَبِي الْحَوْرَاءِ السَّعْدِيِّ قَالَ: قُلْتُ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ: مَا حَفِظْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لا يَرِيبُكَ فَإِنَّ الصِّدْقَ طُمَأْنِينَةٌ وَإِنَّ الْكَذِبَ رِيبَةٌ )) [الترمذي عن الحسن بن علي] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4673/07.jpg يقول أحد الناس: أنا أشتري الحاجات من السوق، يخفضون لي من السعر، والذي كلفني بشراء الحاجات لا يملك الخبرة ولي حق أن أضيف!! هذه فيها شبهة أنت أجير والأجير مؤتمن، اطلب منه أجرتك، أو بدل عطلتك، أو نسبة على المشتريات بشكل واضح لا تخفي عليه. ألي حق أن أعطي هذا الصانع مبلغاً؟ نعم لكن من ربحك فهذا ممكن، أما أن تضيفه على المُشترى فمستحيل، هناك أشياء دقيقة جداً اسأل عنها. ((... دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لا يَرِيبُكَ فَإِنَّ الصِّدْقَ طُمَأْنِينَةٌ وَإِنَّ الْكَذِبَ رِيبَةٌ )) [الترمذي عن الحسن بن علي] العلماء قالوا ومنهم ابن القيم في إيضاح هذا الحديث: ((... دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لا يَرِيبُكَ فَإِنَّ الصِّدْقَ طُمَأْنِينَةٌ وَإِنَّ الْكَذِبَ رِيبَةٌ )) [الترمذي عن الحسن بن علي] هو أصل في اتقاء الشبهات. سيدنا الصديق كلكم يعلم شرب اللبن ثم علم أن فيه شبهة، فغلامه تكهن لإنسان في الجاهلية قال له: أنا لا أحسن الكهانة إلا أني خدعته فأعطاني هذا المال فاشتريت به هذا اللبن فأشربته إياك، عندئذ تقيأه رضي الله عنه. إعادة لما سبق : أول تدبير: قَوِّ إيمانك بالله حتى يكون إيمانك هو الرادع، ومعنى إيمانك بالله أن ترجو ما عنده، وترجو رحمته، وتخشى عذابه، فإذا رجوت رحمته وخشيت عذابه كان هذا الإيمان وحده رادعاً لك من الربا. والتدبير الثاني: إذا كان هناك مقالات واجتهادات متضاربة فأريح شيء وأسلمه دع ما يريبك إلى ما لا يريبك: ((...فَمَنِ اتَّقَى الْمُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ أَلا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى أَلا إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ أَلا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ )) [متفق عليه عن النعمان بن البشير] بعض الحيل الشرعية : وفي الدرس القادم إن شاء الله تعالى سنتناول الحيل الشرعية وهذه الحيل الشرعية كثيرة جداً. ترى الإنسان المخاتل يتصور أنّ الله سبحانه وتعالى الذي أمر ونهى كطفل صغير، هكذا يتعامل مع الله بأن هذه الحيلة تنطلي على الله عز وجل. فمن هذه الحيل: أنت تحب أن تجلس مع امرأة أخيك، ولكن كيف؟ هناك طريقة، كيف يا سيدي؟ خذ بنتاً صغيرة، عمرها سنتان، وأَعقد عليها قِراناً وادفعها لامرأة أخيك لترضعها، فبذلك أصبحت أمها من الرضاعة، وأصبحت حماتك. طلق البنت، وبعدها تستطيع أن تجلس مع امرأة أخيك طول العمر لابسة ملابسها أم لا، بحجاب وبلا حجاب. ألم تعلم بأن الله يرى؟ فماذا تفعل. أتحتال على الله وأخيك؟ تدفع زكاتك وتضعها في داخل رغيف خبز وتعطيه لفقير وبداخل الرغيف خمسة آلاف ليرة وتقول له: أتهبني هذا الرغيف؟ يقول: نعم، ثم تعطيه خمس ليرات، وتستعيد الخمسة الآلاف كاملة، وهناك حيل من نوع ثانٍ ومنتشرة وفي الدرس القادم إن شاء الله سنتابع حديثنا عن الحيل الشرعية. لِمَ لا يستجيب الله دعاءنا ؟ ويطالعنا الآن سؤال كبير: لِمَ لا يستجيب الله دعاءنا، وألف ومئتا مليون مسلم يموتون تحت عجلات طغيان الكفر؟ فالله عز وجل قال: ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [ سورة غافر: 60 ] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4673/08.jpg معنى هذا أنّ مشكلة في حياتنا قائمة، بل مشكلات. سمعت أنه بإحدى القرى يأتي بدوي عنده غنم لا يملك ثمن العلف - يقول لك: بيع سلم- يبيع كيلو الصوف بخمسين وثمنه بالسوق مئة وخمسون، فاشترى الصوف وثمن الصوف ستمئة ألف يقول لك: بيع سلم، هذا ليس معقولاً هذا أشد أنواع الربا، بيع السلم على العين والرأس، وهو تشريع إسلامي وهو معاونة الشاري للبائع. إذا بعت سلعة وقبلت أن تأخذ ثمنها تقسيطاً وبالسعر النقدي بمعاونة البائع للشاري، بيع السلم معاونة الشاري للبائع لكن أنْ تأخذ ثلاثة أمثال وتشتري الصوف بخمسين وثمنه مئة وخمسون، وتأخذ صوفاً بمئتي ألف ثم تبيع هذا الصوف بستمئة ألف، وربحت مئتين بالمئة، عندما يكون بيع السلم هكذا فالاحتيال واضح، وكذلك بالبيع العادي هناك احتيال، و كل الأشياء المحرمة مغطاة ببعض الفتاوى الضعيفة الهزيلة، فمن هذا الدجل لا يستجيب الله سبحانه لنا. (( يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة )) [أخرجه الطبراني عن عبد الله بن عباس ] ((ركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلط)) [الجامع الصغير عن أنس] و تسعة أعشار المعاصي في كسب المال. الزنا : عندنا أيضاً بعد هذه الموضوعات موضوع الزنا، أكثر شيء يوقع الناس بالمعاصي شهوة المال وشهوة الجنس، الحجب الكثيفة بين الناس وبين الله في هاتين الشهوتين، فإذا ضبطنا هذين الموضوعين عندئذ نطمع برحمة الله لنا. وإذا انتهينا من موضوع الربا ومن تدابيره الاحترازية ننتقل بمشيئة الله إلى موضوع الزنا وكل ما يتعلق به والتدابير الاحترازية. ليس الزنا فقط هو الزنا المعروف، بل العين تزني كذلك وزناها النظر، والأذن تزني وزناها السمع، أي هناك زنا مخفف إذا وقع به الإنسان حجب عن الله، لذلك أيها الأخوة شعارنا: (( يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة )) [أخرجه الطبراني عن عبد الله بن عباس ] تحرَّوا الحلال من أجل أن الله عز وجل يستجيب دعاءنا، وعندها إذا دعونا على أعدائنا فالله يستجيب، لأن الله عز وجل لا يريد مسلمين وهميين بل يريد مسلماً حقيقياً وبين أيديكم قرآن وسنة ولاشيء من عندنا مع أدلة واضحة وقطعية وهي حق، لدينا قرآن ولدينا سنة ومنطق وواقع وفطرة كلها تتكاتف لإظهار الحق. |
رد: العبادات التعاملية
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية الدرس : ( الرابع ) الموضوع : الحيل الشرعية الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. تلخيص لما سبق : أيها الأخوة الأكارم، لا زلنا في موضوع الربا، وقد سار الموضوع وفق الخطة التالية: تحريم الربا في القرآن والسنة، ثم كيف أن التدابير الوقائية لعدم الوقوع في هذه المعصية الكبيرة تقوم على الإيمان بالله عز وجل، والصلح معه، ومعرفة ما ينتظر العبد من ثواب إذا أطاعه، ومن عذاب أليم إذا عصاه، ولكن معظم الناس حينما يلجؤون إلى التعامل الربوي وهم يخشون الله عز وجل فيما يبدو يستخدمون الحيل الشرعية لأكل الربا تحت أسماء شرعية كالبيع والشراء. لذلك هذا الدرس مخصص للحيل الشرعية وكيف أن بعض المسلمين تزل أقدامهم فيحتالون على الشرع، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، ولكن الحقيقة أن الله الذي يعلم السر وأخفى لا تخفى عليه الحيل، وربما كما ترون بعد قليل كان إثم المحتال أكبر من إثم الذي يرتكب المعصية من دون حيلة. على كلٍّ هناك من يتعامل بالربا ويسمي هذا التعامل بغير اسمه ويظهر غير ما يبطن ويحاول عبثاً الاحتيال على الله عز وجل. الله يعلم السّرّ و أخفى : قلت لكم من قبل: إن بعض الناس يحتالون على الله، وكأن الله عز وجل لا يعلم سرهم ونجواهم، ولا يعلم نواياهم ومقاصدهم، إن هذا الاحتيال ينطوي على جهل بالله، جهل خطير. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4674/01.jpg أحد العلماء يقول: يخادعون الله كأنهم يخادعون آدمياً، لو أتوا الأمر عياناً كان أهون عند الله، أي حينما يعلن الإنسان ضعفه ويرتكب المعصية فهذا أخف في ميزان المعصية مما لو لجأ إلى حيلة وأظهر نفسه أنه لم يعص، ونسي أن الذي يحتال عليه هو خالق الكون، والموضوع أيها الأخوة له علاقة بالربا، ولكن أردت من موضوع الحيل الشرعية أن نعالج موضوع الحيلة مطلقاً، لأن أيّ إنسان يحتال ليتهرب من أداء ما عليه أو ليقترف ما نهى الله عنه إنسان يسلك طريق الحيلة، وهو إنما يفعل شيئاً يعبر عن جهله بالله، ولا أكتمكم أن إثم المحتال أشد من إثم العاصي من دون حيلة. النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي روي عنه ضيّق على المحتالين الخناق. فقال صلى الله عليه وسلم: ((لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل)) [ أحمد عن أبي هريرة] أنتم وطنوا أنفسكم أن أي إنسان أفتى لكم فتوى تنطوي على حيلة فهذه الحيلة مرفوضة لأنك تعامل الله، والله عز وجل لا تنطلي عليه الحيل، يعرف السر وأخفى، يعرف ما أظهرت وما أبطنت، ما أسررت وما أعلنت، فقال صلى الله عليه وسلم: ((لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل)) [ أحمد عن أبي هريرة] الحيلة في العرف اللغوي : لو عدنا إلى معاجم اللغة ما معنى الحيلة في العرف اللغوي؟ في أوسع معجم من معاجم العربية معجم لسان العرب لابن منظور يقول: "الحيلة اسم من الاحتيال، الاحتيال مصدر والحيلة اسم، كأن تقول: غِشٌ وغَشٌ. غِش هو المادة المضافة إلى المادة المغشوشة، أما الغش فآلية الإضافة، السِّتر الرداء الذي تستر نفسك به أما السَّتر فعملية إرخاء الستار، السَترُ والسِتر والغَشُ والغِش والشَقُ والشِق، أي حينما تعمل هكذا بالخشب مثلاً فهذه العملية تسمى الشَّق أما هذا فاسمه شِق، الاحتيال، الحيلة اسم من الاحتيال والاحتيال مصدر. فالاحتيال والحَوَل والحيل والحَوْل والحيلة والحويل والمحالة والاحتيال والتحول والتحيل كل ذلك بمعنى واحد. الحِذق وجودة النظر والقدرة على دقة التصرف هذا معنى الحيلة أو الاحتيال في معاجم اللغة، هذا المعنى اللغوي كما تعلمون نحن نستعرض المعنى اللغوي والمعنى الشرعي. المعنى الشرعي للحيلة : أما المعنى الشرعي للحيلة أو المعنى الذي غلب على استعمالها قبل الشرعي فهو: ما يتوصل به إلى حالة ما خفية، هي ما يتوصل به إلى مقصود بطريق خفي، أي إما أن تصل إلى هدفك بطريقة جلية واضحة مكشوفة معلنة وإما أن تصل إلى هدفك بطريقة خفية، أنت تريد أن تغادر هذا المجلس، هذا قصدك، يجوز لإنسان أن يقف ويقول للحاضرين: أنا عندي موعد السلام عليكم. هذه طريقة لمغادرة المجلس بشكل جلي، أما إذا تصنّع أنه قد رعف وقد خرج إلى الحمام وبعدها لم يعد، الآن خرج بطريقة احتيال، فإذا خرجت بطريقة جلية شيء وإذا حققت مقصودك بطريقة خفية فهذه هي الحيلة التي وردت في العرف الاجتماعي وهي: ما يتوصل به إلى حالةٍ ما خفية، ما يتوصل به إلى مقصود عن طريق خفي. أنواع الحيل : لكن أيها الأخوة الحيلة تختلف اختلافاً بيناً بحسب الباعث عليها، قد يكون الباعث على الحيلة إبطال حق أو إحقاق باطل، وهذا أخطر شيء في أنواع الحيل أي: أن تستهدف بهذه الحيلة إبطال حق أو إحقاق باطل. هذا نوع. وقد يكون الباعث على الحيلة إثبات حق أو دفع باطل، وهذا مقبول، بل الحيلة واجبة، وقد يكون الباعث على الحيلة السلامة من مكروه، أو من أذى، أو من عطب، وهذا جيد، وقد يكون الباعث على الحيلة الهروب من مندوب أو واجب. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4674/02.jpg تُقيّم الحيلة بحسب الباعث عليها، تقيّم الحيلة بحسب الهدف منها، فما كل حيلة حيلة، الحيل من صفات الأذكياء، أما أنت فيجوز لك مثلاً أن تحتال على زوجين متخاصمين للتوفيق بينهما بأسلوب لطيف، هذه حيلة مندوبة. قد تحتال على إنسان بحمله على الصلاة وهذا ممكن، قد تحتال على إنسان لحمله على حضور مجالس العلم كذلك، فالحيلة أنواع كثيرة، لكن أخطر نوع فيها أن تستخدمها لإبطال حق أو لإحقاق باطل، الحيلة من أجل إحقاق حق أو إبطال باطل فهذه واجبة، بل ربما ترتقي أحياناً إلى مستوى الفرض بأن تحق الحق وأن تبطل الباطل. لذلك بعض العلماء قسم الحيل وأعطاها أحكامها الشرعية فقال: إذا توصلت بطريق مباح إلى إبطال حق وإثبات باطل فهذه الحيلة حرام باتفاق العلماء، كأن وقعت فلاناً على ورقة فارغة من أجل وكالة لاستلام بريد، فإذا بهذا التوكيل الذي كان لاستلام البريد استخدم لبيع بيت، بين وكالة لاستلام بريد وبين بيع بيت هذه حيلة، اغتصبت منه البيت بهذه الطريقة. وآخر كتب لك إيصالاً ووقع في أسفل الورقة وأنت انتبهت أنه يوجد مسافة كبيرة فأثبت بين آخر سطر وبين التوقيع عشرات الدفعات هذه حيلة، وممكن أن تستخدم الحيل لاغتصاب أموال الناس، يمكن أن تستخدم الحيل لإبطال الحق أو لإحقاق الباطل، الحيل التي يستخدمها الناس لإبطال الحق أو لإحقاق الباطل حرام أشد التحريم باتفاق علماء المسلمين. استخدام الحيلة لإحقاق حق ولإبطال باطل فقط : إن توصلت بالحيلة بطريق مباح إلى إثبات حق أو دفع باطل فهي واجبة أو مستحبة، والواجب قريب من الفرض، وعند بعض المذاهب هو الفرض بعينه، إحقاق حق أو دفع باطل، وإن توصلت بها بطريق مباح إلى السلامة من مكروه فهي مستحبة أو مباحة، سَلمْتَ من مكروه أو من أذى بحيلة فهذا جائز لك. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4674/03.jpg تذكرون قصة السمكات الثلاث، السمكة العاقلة قالت: العاقل يحتاط للأمور قبل وقوعها؛ وخلاصة القصة: مرّ صيادان بغدير ماء فيه سمكات ثلاث، كيسة وأكيس منها وعاجزة، وتواعد الصيادان أن يرجعا ومعهما شباكهما ليصيدا ما فيه من السمك فسمعت السمكات قولهما - وهي قصة رمزية لكن بليغة- فأما أكيسهن فإنها ارتابت وتخوفت ولم تعرج على شيء حتى خرجت من الغدير، وقالت: العاقل يحتاط للأمور قبل وقوعها، أما الأقل ذكاء وهي الكيسة فبقيت في مكانها حتى عاد الصيادان فذهبت لتخرج من حيث خرجت رفيقتها فإذا بالمكان قد سدّ فقالت: فرطت وهذه عاقبة التفريط، غير أن العاقل لا يعدم من منافع الرأي، ثم إنها تماوتت منقلبة على ظهرها تارة وعلى بطنها تارة، فأخذها الصياد ووضعها على الأرض بين النهر والغدير، فوثبت في النهر فنجت، فهذه احتالت وأنقذت نفسها من صيد محقق وأنقذت نفسها من الهلاك، وأما الثالثة فوقعت في شباك الصيد وأخذها الصيادان وذلك لعجزها عن الاحتيال لعدم فهمها فهلكت. فالمؤمن كيس فطن حذر، إذا كان هناك هلاك محقق عليه أن ينقذ نفسه بطريقة أو بأخرى، سيدنا حذيفة بن اليمان أمره النبي أن يذهب إلى معسكر العدو لكي يتقصى الأخبار فلما أصبح بين ظهرانيهم قال أبو سفيان: لعل فيكم غريباً ليتفقد كل منكم صاحبه بأسرع من لمح البصر وضع يده على يد من بجانبه وقال له: من أنت؟ بهذه الحيلة نجا من الموت المحقق، فالمؤمن كيس فطن حذر، فالحيلة التي تستخدمها لتنجو من عذاب محقق، أو من ظلم، أو من هلاك، أو من مكروه، فهذا شيء سليم وطبيعي، وهذا يعبر عن ذكائك وتوفيق الله لك، والحيلة التي تستخدمها لإحقاق حق ولإبطال باطل هي مستحبة وترقى إلى مستوى الواجب، وأحياناً تكون الحيلة في التغابي: ليس الغبي سيداً في قومه لكن سيد قومه المتغابي *** أما أن تستخدم الحيلة لإبطال حق فأعوذ بالله أو لإحقاق باطل فهذه محرمة أشد التحريم. تقييم الحيلة ببواعثها وأهدافها : الحيلة الشرعية، الحيلة تقيّم ببواعثها وأهدافها، الآن إذا توصلت بالحيلة إلى ترك مندوب فهي مكروهة، شيء ندبك الله أن تفعله وبالحيلة تملصت منه، فهذا صواب. وهاأنذا أعود وأكرر: إذا توصلت بالحيلة إلى النجاة من مكروه أو أذى فهي واجبة ومستحبة، وإذا أردت بالحيلة إحقاق الحق فهي واجبة. أما الشيء الخطير في الحيلة إذا استخدمت الحيلة لإحقاق الباطل أو لإبطال الحق فهي محرمة أشد التحريم. الحقيقة كلمة الحيلة إذا أطلقت انصرفت إلى النوع الأول؛ وهو أن تبطل بالحيلة الحق وأن تحق الباطل، كلمة حيلة تعني أبطلت الحق أو أثبت الباطل وهي أنواع كثيرة: لإحقاق الحق ومنع الباطل واجب، وللنجاة من ظلم وهلاك محقق مستحبة بل واجبة، ولترك مندوب مكروهة. لكن إذا أطلقت الحيلة انصرفت إلى النوع الأول وهي الحيلة التي تحق الباطل وتبطل الحق. العلماء قالوا: الحيل كلها محرمة غير جائزة في شيء من الدين، أية حيلة؟ نقصد بالحيلة الحيلة التي نستخدمها لإبطال الحق أو إحقاق الباطل، لذلك فالعلماء قالوا: الحيل كلها محرمة غير جائزة في شيء من الدين وهو أن يظهر عقداً مباحاً يريد به محرماً مخادعةً وتوصُّلاً إلى فعل ما حرم الله، واستباحة محظوراته، أي في دور البغاء في العصور القديمة كانت البغي تغطي نفسها فيدخل الرجل ويعمل عقداً وعندما يخرج يطلق، هذه كلها حيل وكل حيلة يقصد بها إحقاق باطل أو إبطال حق فهي محرمة بإجماع العلماء والمسلمين. فالحيل كلها محرمة وغير جائزة في أيّ شيء من الدين وهو أن يظهر عقداً مباحاً يريد به عقداً محرماً مخادعةً وتوصُّلاً إلى فعل ما حرم الله، واستباحة محظوراته، أو إسقاط واجب، أو دفع حق أو نحو ذلك. فمثلاً: قبل أن يحول الحول على المال يهب الزوج بعضَه لزوجته فيقلّ عن نصاب الزكاة فيعفى من الزكاة، بعد أن يحول الحول تعود الزوجة وتهب زوجها ما وهبها قبل أيام فعاد المال لحوزته هذا منتهى الجهل والغباء، هذا كالمستهزئ بالله عز وجل وسوف ترون بعد قليل أن له عقاباً عند الله كبيراً. حقيقة الحيل : الإمام الشاطبي يقول: حقيقة الحيل أنها تقديم عمل ظاهر الجواز لإبطال حكم شرعي و تحويله في الظاهر إلى حكم آخر، فمآل العمل فيها خرم القواعد الشرعية في الواقع، أي تفريغ الشرع من مضمونه. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4674/04.jpg لا تنسوا أيها الأخوة أن هناك قولاً رائعاً: "إن الشريعة عدل كلها، الشريعة رحمة كلها، الشريعة مصالح كلها، فكل قضية خرجت من العدل إلى الجور، ومن المصلحة إلى المفسدة، ومن الرحمة إلى القسوة، فليست من الشريعة ولو أُدخلتْ عليها بألف قول وقول". الطلاق مباح. هناك أزواج قبيل وفاتهم يطلقون زوجاتهم لئلا يأخذن من ميراثهم، يكون متأخرها أقل بكثير من نصيبها من الميراث، أي بالكلمة الدارجة مثل هؤلاء سوف يفرمون فرماً من قبل الله عز وجل، هذه الحيل استهزاء بالله عز وجل، ولعب بالشرع، واستخفاف بقواعد الشريعة. الحقيقة وهناك حيل منها: إنسان سافر إلى بلد أجنبي أراد الزواج المؤقت وهو سيقيم أربع سنوات، فعند الإمام الأوزاعي التأبيد شرط لصحة عقد الزواج، أما هو لو جاء بفتاة ووقف أمام القاضي وحصل الإيجاب والقبول والشاهدان والمهر فالزواج فقهياً صحيح، لكنّه ماذا أضمر في صدره؟ أنه مؤقت، أضمر التوقيت، وأعلن التأبيد، فصار هذا الزواج صحيحاً قضاءً فاسداً ديانةً، هذه أيضاً حيلة ولابد من التأبيد في الزواج، هل تقبل لابنتك زواجاً مؤقتاً لأمد قصير لصيفية يقضيها سائح في بلدك؟ هل ترضى أن يأتي سائح من بلد عربي يتزوج ابنتك شهرين فقط أو شهراً واحداً؟ أنا متأكد أنك لن ترضاه، إذاً فكيف بك تحتال على الآخرين؟ فهذا مما لا يرضاه الله عز وجل، والمحتال مسؤول وسوف يسأل ويحاسب. العلماء بعضهم أبطل الحيل قضاء وديانة، وبعضهم أبطلها ديانة وأثبتها قضاءً، وبعضهم أثبتها ديانة وقضاءً، والموضوع خلافي، ولكل أدلته التي سوف نمر بها بعد قليل إن شاء الله. تغيير الاسم لا يغير المسمى : على كلٍّ من الحيل أن تسمي الشيء بغير اسمه، فقد ظهرت فتوى بمصر مفادها أن المواطن يقرض الدولة مبلغاً يضعه في المصرف، والدولة تكافئه عليه بمكافأة في نهاية العام، فسمينا العقد الربوي قرضاً وسمينا الفائدة مكافأة. يا ترى تَغَيُّر الاسم هل يُغير الحقيقة؟ إذا جئنا بخنزير وقلنا: هذا خروف، هل يصبح خروفاً؟ من السذاجة والبساطة أن تغير الاسم وتتوهم أن الحقيقة تغيرت، الخنزير يبقى خنزيراً، ضع عليه لوحة "خروف" اكتبها بالثلثي، بالرقعي، بالفارسي، بالكوفي، والإنكليزي يبقى خنزيراً، ومهما تفننت باللوحة والخطوط واللغات فهو خنزير لا تتغير حقيقته. تغير الاسم لا يغير المسمى، فأية حيلة يبتغي المرء بها التحايل على تحليل الحرام عن طريق الاسم فهي مرفوضة، فالحرام حرام والحلال حلال. الأمر بالمقاصد والمعاني بالنوايا : نعود إلى الربا؛ عندنا قاعدة أصولية: إن العبرة بما أضمر لا بما أظهر، أنت لو قلت لإنسان: بعتك هذا الكتاب ب، ع، ت، كاف الخطاب، بعتك هذا الكتاب بلا ثمن هذا عند الفقهاء عقد هبة لأنه بلا ثمن، وإذا قلت لإنسان وأنت ورع جداً وصاحب مكتبة: وهبتك هذا المصحف بألف ليرة هذا عقد بيع، تخاف من كلمة بيع لأن كتاب الله لا يباع، يقول له: بكم وِهبتُهُ؟ يقول له: بألف ليرة فقط، هذا عقد بيع لا عقد هبة، فالعبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني هذه قاعدة أساسية، تغير الاسم لا يغير حقيقة الشيء، فلذلك النبي عليه الصلاة والسلام أو القرآن الكريم شدد على المنافقين. من هم المنافقون؟ الذين أعلنوا بألسنتهم الإيمان بالله ورسوله والآية الدقيقة قال تعالى: ﴿ إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ ﴾ [ سورة المنافقون: 1 ] إذاً العبرة بالألفاظ والمباني. فالمنافقون مؤمنون ظاهراً لأنهم قالوا: نشهد إنك لرسول الله، والله عز وجل أثبت كذبهم وتوعدهم بعذاب أليم قال تعالى: ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ﴾ [ سورة المنافقون: 1 ] فلو عددنا أن اللفظ وحده يكفي فالمنافق مؤمن أعلن الإيمان بلسانه، وشهد أنه لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأقام الصلاة، وآتى الزكاة، وهو عند الله ليس مؤمناً، إن المنافقين هم الكافرون. إذاً لو أن الأمر كما يدعي أصحاب الحيل بالألفاظ والمباني لأصبح المنافقون مؤمنين، لكن الأمر بالمقاصد والمعاني بالنوايا. الحديث التالي أصل في منع الحيل : الحديث الشريف الذي يعد أصلاً كبيراً في منع الحيل هو الحديث المتواتر الذي يقول فيه عليه الصلاة والسلام وقد رواه الإمام البخاري: ((إِنَّمَا الأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ )) [ متفق عليه عن عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4674/05.jpg إنما يعني أنّ العمل يقيّم حصراً بنية فاعله، هذا الحديث يبطل كل الحيل الشرعية، ينسفها من أساسها، ونحن نسميها حيلاً شرعية تجاوزاً، أي الحيل التي يحتال بها على الشرع. يقول بعض العلماء: هذا الحديث أصل في إبطال الحيل، وبه احتج البخاري على ذلك، فإن من أراد أن يعامل رجلاً معاملة يعطيه بها ألفاً بألف وخمسمئة إلى أجل، هذا عقد ربوي كمن أقرضه تسعمئة قرضاً حسناً وباعه ثوباً يساوي مئة بستمئة، ثم استرد التسعمئة وأخـذ المئة من ثمن الثوب، والخمسمئة هي فائدة الألف، أما الصورة فبيع وشراء، أقرضه قرضاً حسناً بتسعمئة ليرة وباعه ثوباً قيمته مئة بستمئة فالذي حصل أنه أقرضه ألفاً واسترد ألفاً وخمسمئة. ((إِنَّمَا الأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى ...)) [ متفق عليه عن عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ] يقول بعض الأئمة الكبار: النية روح العمل ولبه وقوامه، وهو تابع لها يصح بصحتها، ويفسد بفسادها، والنبي صلى الله عليه وسلم قد قال كلمتين كفتا وشفتا وتحتهما كنوز العلم وهما قوله: ((إِنَّمَا الأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى ...)) [ متفق عليه عن عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ] والله يا أخوان، هذا الحديث أصل في الدين إذا عقلناه وفهمنا أبعاده ومراميه ومعانيه الدقيقة نتحرك عندئذ وفق الشرع تماماً لكن هناك آلاف التصرفات وهي كلها باطلة. هذا الحديث يعم العبادات والمعاملات والأيمان والنذور وسائر العقود والأفعال، وهذا دليل على أنه من نوى بالبيع عقد الربا حصل له الربا، ولا يعصمه من ذلك صورة البيع، هذه الصورة الشكلية لا تعفيه من إثم الربا. العبرة بما أضمر الإنسان لا بما أظهر : القاعدة التي شرحناها قبل قليل: العبرة بما أضمر لا بما أظهر، إليكم الأدلة: فالنبي عليه الصلاة والسلام نهى عن النجش، فما هو النجش؟ قالوا: أنت أمام بائع تسوم سلعة فجاء شخص ودفع بها مبلغاً كبيراً، وأنت بحاجة إليها، فلما سمع المشتري أن هذا الشاري دفع ثمناً باهظاً رغب في هذه السلعة، واشتراها، وقال له: أنا جئت أولاً أعطني إياها، لكن الزبون الثاني قادم خلبي وممثل، قد كلفه البائع بهذا الدور التمثيلي، وهذا يجري أيضاً في بيع البيوت وغيرها. ((إِنَّمَا الأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى ...)) [ متفق عليه عن عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ] فلذلك النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن النجش. تعريفه الشرعي: الزيادة التي يقصد من خلالها الإضرار بالآخرين. ((حَدَّثَنا عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنِ النَّجْشِ )) [ متفق عليه عن ابن عُمَرُ ] النجش هو حيلة، دخل إنسان متجراً، طلب هذه البضاعة، ودفع بها ثمناً غالياً، والشاري الأول بحاجة إليها، وكان يظن أنها غالية، فلما دفع الآخر هذا الرقم ثمناً لها، فإن الأول تقدم واشتراها. في حياتنا اليومية آلاف بل عشرات الألوف من أساليب البيع والشراء المبنية على الحيلة التي يسمونها شرعية، فمن يضيع؟ الذي يضيع الجاهل، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام قال: (( غبن المسترسل ربا)) [ الجامع الصغير عن جابر وعلي] إذا انسان جاهل ونيته طيبة ومعه مال ليشتري به حاجة، وأنت احتلت عليه، فهذا احتيال، فقد يقول لك الطبيب: تحتاج الزوجة لعملية قيصرية، ويستعظم الأمر، ويهوِّله للزوج ويصرّ على أن هذه الصورة خطيرة، ولا بد من قيصرية، بينما الولادة العادية تكلف ألفين أما القيصرية فتكلفتها ستة عشر ألفاً وينخدع الزوج. الله عز وجل كبير، والذي يعرف الله لا يستطيع أن يتكلم خلاف الحق، ولا خلاف مصلحة المريض، ولا خلاف مصلحة الموكل، ولا خلاف مصلحة الطالب، ولا خلاف مصلحة الشاري، لأنك تعرف الله وهو مطلع على السر وأخفى، ومطلع على نواياك وعلى أساليبك. ولقد ذكرت مرةً قصةً: زارنا أخ كريم طبيب مشهور، فبعدما انتهت الخطبة أحب أن يجلس معي قليلاً، فمن حديث لحديث قال لي: زارتني مريضة معها ورم خبيث بالثدي، وقد وصل إلى كتفها، والمرأة فقيرة، ولها سبعة أولاد وزوجها موظف، وقال هذا الطبيب: وهو معروف بالصلاح والاستقامة والتفوق العلمي وقد تخرج خلال خمسين سنة أطباء كثيرون في الجامعة ممن درسهم، ورأى الأمر قد تفاقم إلى درجة كبيرة، والأمر يستعصي على الاستئصال الجراحي، والمعالجة بالأشعة، وعلى المعالجة بالدواء، وشعر أن هذه امرأة فقيرة، ولها أولاد كثر، وزوجها فقير، ثم قال: تألمت أشد الألم وكأنها ابنتي لكنني صببت نقمتي على زوجها، دخلت معه إلى غرفة أخرى وقلت له: أنت مجرم، قال: لماذا؟ قلت له: تأتيني في مثل هذا الوقت بعد أن تفاقم المرض إلى كتفها حتى صار لا يجدي لا استئصال جراحي، ولا معالجة دوائية، قال: أنا عند الطبيب الفلاني منذ سنة زميلك ولم يقل لي: إنه سرطان، جئنا وذهبنا مئات المرات، مرة يقول لي: التهاب ومرة كورتيزون ومرة... أدرك هذا الطبيب وزوج المريضة أن الأول قد ابتز أموالهما بهذا العام الطويل ولم يخبرهما بحقيقة المرض، فلو أخبرهما بالوقت المناسب لكان الأمل بالشفاء كبيراً جداً، ثم قال لي هذا الطبيب الكريم: فجأة وقع زوج المريضة على الأرض ساجداً وقال: يا رب أنت موجود، إن كان هذا الطبيب الأول قد فعل بنا هذا ابتزازاً فابتله بالمرض نفسه، ودعا دعاء اقشعر منه جلدي، وخففت عنه ما استطعت، لكن بعد أسبوعين توفيت المرأة، لأن الوضع كان خطيراً جداً، والقصة طوتها الأيام ونسيها هذا الطبيب، وبعد تسعة أشهر يأتيه مريض شاب مصاب بمرض السرطان بالصدر قد وصل إلى كتفه، وجلس على المقعد نفسه متهالكاً ضعيف المعنويات، فلما سألته عما يشكو قال: سرطان في الصدر، وقد وصل إلى كتفي فلما سألته عن اسمه قال: أنا زميلك يا طبيب، فلما عرف الاسم بالضبط فإذا هو الطبيب نفسه الذي ابتز الزوج ودعا عليه، وعمره خمس وثلاثون سنة. نهي النبي عن النجش : الله عز وجل كبير، الإنسان قبل أن يحتال، ويبتز أموال الناس، وقبل أن يكذب عليهم، وقبل أن يوهمهم، وقبل أن يتفق مع المحلل بأن يقوم بتحليل أول بند مسجل والباقي يهمله والمال مناصفةً، قبل أن يعمل أساليب ويظن أنه ذكي فليعلم أنّ الله عز وجل كبير، وهذه الحيل مبنية على جهل بالله، وابتزاز أموال الناس وإيهامهم، هذه كلها أساليب يعاقَب عليها الإنسان بالدنيا قبل الآخرة. فالنجش محرم، تُحضر زبوناً خلبياً يدفع سعراً عالياً حتى تثبت البيعة، فهذا حرام حرام. مرة كنت في الحج وهناك أخ كريم روى لي قصة أن شخصاً يسكن في شمال جدة، وعنده أرض، ولما توسعت جدة أصبحت أرضه ضمن المخطط التنظيمي، فذهب لبيع هذه الأرض في مكتب عقاري، فرأوه جاهلاً فاحتالوا عليه، واشتروها بثلث قيمتها، وعمروا بناء من ثلاثة وعشرين طابقاً وهم ثلاثة شركاء، أول شريك وقع من سطح البناء فدقت عنقه ومات، الشريك الثاني مات بحادث، أما الثالث فقد بحث عن صاحب الأرض طيلة ستة أشهر حتى عثر عليه وأعطاه الفرق، وقال له: هذه الأرض كانت تساوي مليوناً ونصف وأخذناها منك بخمسمئة وأنا عليَّ ثلث هذه القيمة، ونقده ثلاثمائة وخمسين فقال له البدوي: "ترى أنت لحَّقْتَ نفسك "، أي أدرك نفسه قبل أن يعاقبه الله سبحانه. الحيلة عاقبتها عقاب أليم فالنبي نهى عن النجش، أي تستعين بزبون خلبي حتى توهم الشاري أن هذه السلعة غالية الثمن ويشتريها، وهناك ألف نوع من الأساليب كله مبني على الغش وعلى الخداع. النجش كما يقول العلامة العيني رحمه الله تعالى: "هو أن يزيد في الثمن بلا رغبة فيه ليوقع الغير فيه وأنه ضرب من التحيل في تكثير الثمن". خيار المجلس : هناك حالة ثانية: أنت في مجلس البيع جاءك رجل ليشتري حاجة، وصار في إيجاب وقبول وصار بيع، ولكن ما دمت أنت وإياه في مجلس واحد يتمكن في المجلس نفسه أن يقول لك: اعذرني لا رغبة لي بالشراء وذلك من حقه. وهذا اسمه خيار المجلس، ما دام البائع والمشتري في مجلس واحد فمن حق المشتري أن يفسخ العقد، فماذا يفعل البائع؟ لما صار إيجاب وقبول يقول: عندي موعد اسمح لي ويخرج، إذا خرج البائع من المجلس فالبيع ثبت، لأنه لم يُعطِه مهلة أن يفكر، سألك عن السعر وقال لك: اشتريت، قلت له: اشتريت؟ قال: نعم. ثم قال: وأنا عندي موعد وخرج من مكتب البيع ليمنع المشتري من التفكير ويقتنع بصحة هذا الشراء، لكن إذا كان البائع ما زال موجوداً فحق فسخ البيع قائم بخيار المجلس فالنبي عليه الصلاة والسلام أيضاً قال: http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4674/06.jpg (( الْمُتَبَايِعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا إِلا أَنْ يَكُونَ صَفْقَةَ خِيَارٍ وَلا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُفَارِقَ صَاحِبَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَسْتَقِيلَهُ )) [النسائي عن عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ] أجل ليس له حق أن يفارق صاحبه خشية أن يستقيله، أساس البيع فيه خيار، اشتريت بيتاً يجب أن تعرف أعليه رهن أو تنظيم، قال لك: اكشف عنه إذا ثبت لك أنه ليس عليه شيء البيع قائم، هذا الخيار بأصل العقد وقلت له: إني على عجلة من أمري ليس هناك مانع، لكن إذا البيع ليس فيه خيار، لم يبق سوى خيار واحد وهو خيار المجلس، بمجرد أن أجاب صار هناك إيجاب وقبول لكن إن قلت له: إني على عجل من أمري وغادرت، فأنت منعته من خيار المجلس والنبي الكريم نهى عن ذلك: (( ... وَلا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُفَارِقَ صَاحِبَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَسْتَقِيلَهُ )) [النسائي عن عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ] إذاً النبي نهى عن هذه الحيلة، الخروج السريع من المجلس من أجل أن يمنع الشاري من أن يستفيد من خيار المجلس، هذه حيلة نهى عنها النبي عليه الصلاة والسلام. نهي النبي عن الاحتيال: كلكم يعلم أنه لا يجوز للمحرم أن يصيد في أثناء إحرامه أما المتحلل فيجوز أن يصيد، فإذا متحلل صاد لمحرم فهذه حيلة شرعية، أنت لا يجوز أن تصيد أنا سوف أصيد لك وأطعمك لذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: ((صَيْدُ الْبَرِّ لَكُمْ حَلالٌ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ مَا لَمْ تَصِيدُوهُ أَوْ يُصَدْ لَكُمْ)) [أبو داود و الترمذي عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ] أنت كحاج أكلت لحماً من صيد قد صاده الصائد لك فهذا حرام، أنت لم تصطده لكن صيد لك. ما دام النبي نهى عن النجش ونهى عن المفارقة لإسقاط خيار المجلس ونهى عن الاحتيال في إطعام المحرم طعاماً صادَهُ له المتحلل، إذاً النبي في هذه الأحاديث الثلاث منع الحيلة الشرعية. الاحتيال الشرعي خداع لله واستهزاء بآياته: أحد العلماء يقول: الاحتيال الشرعي خداع لله، واستهزاء بآيات الله، وتلاعب بحدود الله. مثلاً: حلف بالطلاق ثلاث مرات، فإن حلل لك شيخ يحرمه لك عشرة، فماذا يفعلون عندئذ؟ يزوجونها لشخص آخر مدة يوم واحد وهذا سماه النبي التيس المستعار: ((أَلا أُخْبِرُكُمْ بِالتَّيْسِ الْمُسْتَعَارِ، قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: هُوَ الْمُحَلِّلُ لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ )) [ابن ماجه عن عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ] التيس المستعار حيلة يسمونها شرعية، وهي غير صحيحة، فلذلك الإنسان قبل أن يتكلم، قبل أن يقف هذا الموقف، قبل أن يسلك هذا السبيل، فهناك عقوبات قاصمة وشديدة للمحتالين. المحتال أسوأ حالاً من مرتكب المعصية بغير حيلة : قد تستغربون أن المحتال أسوأ حالاً وعاقبةً من مرتكب المعصية بغير حيلة، أنت على مستوى بسيط إذا كنت تملك بضاعة تنتقل من بلد إلى بلد، فإذا صرحت عنها فلك شأن، لكن إذا قلت: ليس معي شيء. فلما فتشوا الأغراض وجدوا في ثنيات هذه المحفظة مبلغاً من النقود فالجرم عندئذ يتضاعف، وقانون الجمارك إذا أنت صرحت أخف بكثير مما لو ضبط هذا الشيء من دون أن تصرح، ومعنى هذا أنك تحتال عليهم، لذلك المحتالون أسوأ حالاً من مرتكبي المعاصي من غير حيلة، لأن المرتكب معصية من غير حيلة ترجى توبته، فهو أولاً شاعر بذنبه، ونادم على فعله، ويرجو التوبة من الله، حاله النفسي أفضل بكثير من حال شخص يقول: لم أفعل شيئاً، وأنا أسير ضمن الشرع، لكنه في الحقيقة مرتكب لمعصية كبيرة بحيلة يتوهم أنها شرعية، وليس مستعداً أن يتوب، فحال العاصي من دون حيلة أفضل بكثير من حال مرتكب المعصية بحيلة شرعية، أما الدليل ففي قصة أصحاب الجنة، هذه القصة التي وردت في سورة القلم، هؤلاء احتالوا على الفقراء وأرادوا أن يقطفوا ثمارهم ليلاً ليمنعوا الفقراء من حقهم، فربنا عز وجل ابتلاهم بتدمير كل محصولهم قال تعالى: ﴿ فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ ﴾ [ سورة القلم: 19] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4674/07.jpg هذه القصة تفيد أن مرتكب المعصية بحيلة أشد إثماً وأسرع عقوبة من مرتكبيها من دون حيلة. اليهود قصتهم شهيرة فقد حرم عليهم الصيد يوم السبت، فاحتالوا بعمل أحواض على الشاطئ ففي يوم الجمعة تأتي الأسماك لهذه الأحواض ويوم السبت يغلقون هذه الأحواض ويوم الأحد أو الاثنين يصطادون السمك، فهم لم يصطادوا يوم السبت. إن السمك دخل الأحواض يوم الجمعة ثم قفلوا الأحواض ويوم الأحد أو الاثنين اصطادوا السمك فربنا عز وجل قال: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ *فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [ سورة البقرة: 65-66] قال بعض العلماء: اليهود أكلوا الربا، وأكلوا أموالهم بينهم بالباطل، وأكل المال الباطل أشد إثماً من أن يصطاد الإنسان ما أباحه الله أن يصطاده كل يوم ما عدا يوم السبت، ومع ذلك لأنهم ارتكبوا هذه المعصية عن طريق الاحتيال كان العقاب أسرع وأشد ومسخهم الله قردة خاسئين. ملخص الكلام أن حال مرتكب المعصية من دون حيلة أفضل من حال مرتكبها بحيلة، وحال مرتكب المعصية بحيلة أشد عقاباً وأسرع انتقاماً من الله عز وجل ممن يرتكبها من دون حيلة فهذا، الدرس أعتقد كأنه يكفي لاستئصال ما يتوهم بعض الناس أنه يمكن أن يفعل المعاصي بحيلة يسمونها شرعية. سوء حال المحتالين : النبي عليه الصلاة والسلام أخبر عن سوء حال المحتالين فقال: ((لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ وَالْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ وَلَيَنْزِلَنَّ أَقْوَامٌ إِلَى جَنْبِ عَلَمٍ يَرُوحُ عَلَيْهِمْ بِسَارِحَةٍ لَهُمْ يَأْتِيهِمْ يَعْنِي الْفَقِيرَ لِحَاجَةٍ، فَيَقُولُونَ: ارْجِعْ إِلَيْنَا غَدًا فَيُبَيِّتُهُمُ اللَّهُ وَيَضَعُ الْعَلَمَ وَيَمْسَخُ آخَرِينَ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ )) [ البخاري عن أبي مَالِكٍ الأَشْعَرِيُّ] يقولون: هذه بيرة من دون كحول، بيرة هذه حيلة، خمر باسم آخر، نوعوا الأسماء وأضافوا إضافات، على كلٍّ حينما يضيع الإسلام في هذه الحيل صار السلوك سلوكاً فاسداً، المظهر إسلامي والمخبر فيه معاصٍ، لذلك هؤلاء يدعون الله فلا يستجيب لهم، يا رب يا رب. "يقول العبد: يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب له." هذا التلفاز خيال وليس حقيقة، والمرأة التي ترقص خيالٌ، والتحريم يتناول المرأة الحقيقية، وهذا الغناء صدى وليس صوتاً حقيقياً منقولاً عبر الأمواج الصوتية، والغناء صدى والصور خيال هكذا يدعون، وكل معصية لها تعليل ولها تبرير ولها تفسير، ترى المسلم نموذجه نموذج إنسان عادي، ومثله مثل أيّ إنسان يرتكب كل المخالفات ضمن حيل شرعية، أرجو الله سبحانه وتعالى أن أكون وفيت هذا الدرس حقه، وأن أكون وضحت أن الحيلة معناها كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "خداع لله واستهزاء بآيات الله وتلاعب بحدود الله"، إلا الحيلة التي تبتغي منها إحقاق حق وإبطال باطل، أو نجاة من ظلم محقق فهذه ليست حيلة بل هي واجبة ومستحبة، أما أن تبطل حقاً وأن تحق باطلاً، أو أن تتهرب من واجب ديني، أو فريضة، أو أن تقع فيما نهى الله عنه بأساليب خادعة فأساسها مرفوض، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: ((إِنَّمَا الأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى ...)) [ متفق عليه عن عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ] أحياناً الإنسان يطلق زوجته بلا مؤخر عن طريق الخُلع يضايقها ويضايقها حتى تفتدي نفسها منه بلا شيء، هذا طلاق وقد أكل متأخرها لذلك كما قال عليه الصلاة والسلام: ((أَيُّمَا رَجُلٍ يَدِينُ دَيْنًا وَهُوَ مُجْمِعٌ أَنْ لا يُوَفِّيَهُ إِيَّاهُ لَقِيَ اللَّهَ سَارِقًا)) [ ابن ماجه عَنْ صُهَيْبُ الْخَيْرِ] فأنت إذاً راقب نفسك، المدار هو نفسك، والمدار هو ما تنطوي عليه نفسك، الأمور بمقاصدها والعبرة في العقود، ليس للألفاظ والمباني ولكن للمقاصد والمعاني. هذه كلها حقائق، العبرة فيما أضمرت لا بما أظهرت، فكل هذا الدرس يحوم حول أن الحيل الذي اعتادها الناس ليتهربوا من تكاليف الشرع، أو من واجبات الشرع، أو ليقعوا فيما حرم الله عز وجل هي في أساسها خداع لله، واستهزاء بآياته، وتلاعب بحدود الله تعالى. |
رد: العبادات التعاملية
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية الدرس : ( الخامس ) الموضوع :القرض الحسن - 1 - البديل الشرعى للربا الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. القرض الحسن : أيها الأخوة الأكارم، لازلنا في موضوع الربا، ولكن الحديث اليوم عن البديل الإسلامي للربا. إنه القرض الحسن، فماذا ورد عن القرض الحسن في القرآن والسنة وفي تاريخ الصحابة الكرام؟ وما هي الأحكام التفصيلية المتعلقة بالقرض الحسن؟ http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4675/01.jpg أيها الأخوة الأكارم، أسعى جهدي لأنتقل من موضوعات الفقه إلى ما نحن في أمس الحاجة إليه، موضوع القرض، ما من نشاط مالي بين المؤمنين أكثر أهمية من موضوع القرض، ما دام الإسلام قد حرم الربا لكن واقع الحياة الاجتماعية أن الإنسان أحياناً يحتاج إلى مال، فظروف الحياة صعبة، والدخول متفاوتة، والحاجات الطارئة كثيرة، وقد يكون الإنسان ذا عضلات مفتولة و لديه قدرة كبيرة على العمل لكنه يفتقر إلى المال، و هذا شيء طبيعي جداً، لذلك ما دام الربا محرماً، وما من معصية توعد الله مرتكبها حرباً من الله ورسوله كمعصية الربا، ما هو البديل الإسلامي لمثل هذه الحاجة الأساسية في المجتمع؟ ما البديل؟ البديل هو القرض الحسن، لذلك شرع الإسلام الاستقراض للإنفاق وللاستثمار، عملية جراحية طارئة، استقرض الإنسان ليشتري آلة يعمل عليها فيقتات من دخلها ثم يعيد القرض إلى صاحبه. شرع الإسلام الاستقراض لعلة الإنفاق ولعلة الاستثمار، لكن المقترض أحياناً يماطل ويتهرب ويتعب الدائن، لذلك فالمقترض الذي لا يدفع ويماطل ويُتعب يسد على غيره باب العمل الصالح، و لذلك شدد الإسلام على المقترض لدرجة أنه لو جاهد مع رسول الله ووضع روحه على كفه وقتل في المعركة فعليه الصلاة والسلام كان لا يصلي عليه إذا كان عليه دين، و كما أن الإسلام حثّ على أن تقرض الآخرين، حثّ المقترض على أداء الدين بالكمال والتمام والإحسان. تعريف القرض عند الفقهاء : هذا ملخص الدرس أما تفاصيله فهي على النحو التالي: تعريف القرض عند الفقهاء: تمليك الشيء على أن ترد بدله، المال شيء وسمي القرض قرضاً لأن كلمة قَرَض تعني: قطع، لأنك تقتطع من مالك مالاً تقدمه لأخيك. لكن القضية أن أساس القرض إيمان المؤمن بأنه لا يضيع له عند الله أجر العمل الصالح، وأساس القرض هو الإحسان، حينما تؤمن أنك جئت إلى الدنيا من أجل أن تكون محسناً فهذه العقيدة تنسجم مع القرض. أما إذا رأيت أن الدنيا هي كل شيء، وأن المال هو كل شيء، وأن المال هو مادة الشهوات، لذلك فالقرض لا يتناسب مع هذه العقيدة. انسجام القرض الحسن مع عقيدة الإيمان : الإسلام كلّ لا يتجزأ، لا يمكن أن تقنع إنساناً مادياً بالقرض، يقول لك: أنا لست بساذج، لكن المؤمن يبادر إليه عن طيب نفس منه، و حينما ترى أن بعض التكاليف يرفضها أهل الدنيا لا لأنها ليست منطقيةً، ولكن لأنها لا تنسجم مع عقيدة أهل الدنيا، لكن القرض الحسن ينسجم مع عقيدة الإيمان، فأنت جئت إلى الدنيا من أجل العمل الصالح و هذا عمل صالح. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4675/02.jpg شخص مثلاً غادر إلى بلد أجنبي للسياحة فليس له شغل في المكتبات، و لا يذهب إليها، أما الذي ذهب إلى هذا البلد لطلب العلم فكل علاقته بالمكتبات يكاد يقيم فيها، إنسان سائح يحتاج إلى متنزه، وإلى فندق، إلى مطعم، إلى منظر جميل، إلى مركبة يستأجرها، إلى ملهى، إلى متحف، هذا منطق السياح، أما أن يدخل إلى مكتبة يقبع بها اثنتي عشرة ساعة، فهذا من شأن الطلاب لا من شأن السياح، فإذا كلفت سائحاً أن يدخل إلى هذه المكتبة ليمضي بها عشر ساعات يقول لك: أنا لست مجنوناً، طبعاً هذا التكليف يتناقض مع هذا العمل، لكن لو كلفت طالباً على مشارف الامتحان وسينال أعلى شهادة -الدكتوراه- وسيعود إلى بلده مزهواً بها متنعماً بهذه المرتبة العلمية، فهذا الإنسان الذي على مشارف الامتحان لا يقبل أن يذهب معك إلى نزهة مهما أغريته، هذا له منطق وذاك له منطق، فشيء طبيعي جداً أنّ الإنسان المادي الذي يرى الدنيا هي كل شيء، وهي محط الرحال، ونهاية الآمال، وأن المال عصب الحياة، طبيعي أن تكون هذه المنطلقات لا تنسجم مع القرض الحسن، إن الشخص الاقتصادي يقول لك: التضخم النقدي السنوي بالمئة سبعة عشر، و سأخسر إن أنا أقرضت هذه المئة، بمعنى أني سوف أستردها آخر السنة ثلاثَة و ثمانين ألفاً فأنا لست مجنوناً، هذا إذا ردها لي و كان المدين صادقاً بوعده. يروون نكتة: "دَيّنتَهُ فرفش، تركته طَنّشْ، طالبته خَرمش". أهل الدنيا يقولون كلمات وعبارات وتعليقات مفادها أن الذي يقرض الناس إنسان مجنون، ولا سيما في أيام التضخم النقدي، وإذا كان لابد أقرض بالعملة الصعبة. أعرف رجلاً استقرض ثمانية عشر ألفاً بالعملة الصعبة ليشتري بيتاً، فاضطر أن يبيع البيت كله ليرد هذا القرض، فهذا القرض قرضه قرضاً، فهذه المقدمة مفادها: لا يمكن أن تطالب إنساناً مادياً قيمه مادية يعيش حول ذاته و الدنيا عنده هي كل شيء أن تعرض عليه القرض الحسن. شيء طبيعي جداً أن الإنسان المؤمن يعلم علم اليقين أنه هنا في الأرض من أجل العمل الصالح، والقرض الحسن من أفضل الأعمال الصالحة كما سوف ترون، والقرض الحسن هو بديل الربا أي القرض الربوي، قد تجدون في كتب الفقه وكتب التاريخ والسيرة كلمة أسلف بمعنى أقرض، أسلفه: أقرضه، كلاهما بمعنى واحد. شرعية القرض الحسن في الدين الحنيف : الآن هل القرض مشروع في هذا الدين الحنيف؟ طبعاً القرض له سند شرعي. ((حَدَّثَنَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: اسْتَقْرَضَ مِنِّي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَعِينَ أَلْفًا فَجَاءَهُ مَالٌ فَدَفَعَهُ إِلَيَّ وَقَالَ بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ إِنَّمَا جَزَاءُ السَّلَفِ الْحَمْدُ وَالْأَدَاءُ)) [النسائي عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ] قد يسأل أحدكم هذا السؤال: أيعقل أن يُحيج الله نبيه إلى أن يقترض؟ طبعاً لأنه مشرع، لابد من أن يقرض، وأن يقترض، وأن يهب، و أن يقبل الهبة، وأن يرهن أحياناً، ولابد من أن يكون مثلاً أعلى، ولا بد من أن يكون هذا الشرع العظيم في حياته اليومية، لأنه قدوة، وكل شيء نظري ليس له قيمة. (( اسْتَقْرَضَ مِنِّي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَعِينَ أَلْفًا فَجَاءَهُ مَالٌ فَدَفَعَهُ إِلَيَّ وَقَالَ بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ إِنَّمَا جَزَاءُ السَّلَفِ الْحَمْدُ وَالْأَدَاءُ)) [النسائي عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ] يجب أن تشكر من أقرضك، قل له: وفقك الله لأنك أكرمتني، كنت في ضائقة شديدة و أفرجتني، و الله سبحانه قال: ﴿ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً ﴾ شجعه على العمل الصالح، اجعل المحسن يزداد إحساناً، لكن أسمع كل قصة من مقترضين أساؤوا إلى من أقرضهم بالكلام القاسي، وبالإهمال، وأحياناً بالقسوة البالغة، هؤلاء تنطبق عليهم الآية الكريمة قال تعالى: ﴿ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ﴾ [ سورة الماعون: 7 ] (( ... إِنَّمَا جَزَاءُ السَّلَفِ الْحَمْدُ وَالْأَدَاءُ)) [النسائي عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ] عليك أن تشكره بعبارات لطيفة جداً وأن تؤدي ما عليك له. من نوى نية صادقة بأداء الدين استحق العون من الله : الآن أصحاب النبي عليهم رضوان الله كانوا يقرضون و يستقرضون في حياته وبعد انتقاله إلى رحمة الله. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4675/03.jpg في عهد النبي عليه الصلاة والسلام يبدو أن صاحبين من أصحابه أقرض أحدهما الآخر، ويبدو أنهما اختلفا على أداء هذا القرض، وسمع النبي صوتهما فكشف ستر حجرته ونادى كعب بن مالك: ((حَدَّثَنَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ تَقَاضَى ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ دَيْنًا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَسْجِدِ فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا حَتَّى سَمِعَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي بَيْتِهِ فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ فَنَادَى: يَا كَعْبُ بْنَ مَالِكٍ فَقَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَشَارَ إِلَيْهِ أَنْ ضَعْ مِنْ دَيْنِكَ الشَّطْرَ، قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: قُمْ فَاقْضِهِ )) [متفق عليه عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ] ما هذه القوة التي يملكها النبي عليه الصلاة والسلام؟ إشارة لم يكلف نفسه أن يقول كلمة واحدة، أشار إليه أن ضع الشطر من دَينِك. في عهد النبي كان أصحابه الكرام يستقرضون ويقرضون. (( حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: كَانَتْ عَائِشَةُ تَدَّانُ فَقِيلَ لَهَا مَا لَكِ وَلِلدَّيْنِ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَا مِنْ عَبْدٍ كَانَتْ لَهُ نِيَّةٌ فِي أَدَاءِ دَيْنِهِ إِلا كَانَ لَهُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَوْنٌ فَأَنَا أَلْتَمِسُ ذَلِكَ الْعَوْنَ )) [أحمد عن مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ ] احفظوا هذا الحديث، يكفي أن تنطوي على نية صادقة في أداء هذا الدين عندئذ تستحق العون من الله عز وجل. النبي الكريم و صحابته استقرضوا و أقرضوا : سيدنا عمر بن الخطاب عملاق الإسلام، الإمام العادل، الورع، الشديد في أمر الله عز وجل، أرسل إلى عبد الرحمن بن عوف يستسلفه أربعمئة درهم، فقال عبد الرحمن بن عوف: أتستسلفني وعندك بيت المال ألا تأخذ منه ثم ترده؟ فقال عمر: إني أتخوف أن يصيبني قدري، وتقول أنت وأصحابك: اتركوا هذا لأمير المؤمنين حتى يؤخذ من ميزاني يوم القيامة ولكن أستلفها منك لأني أعلم أنك سوف تطالبني إذا مت فتستوفيها من ورثتي. هذا ورع ما بعده ورع، بيت المال بين يديه، ولا يقول: سآخذ هذا المبلغ و أعيده، بل قال: أخاف أن يصيبني قدري وتقول أنت وأصحابك اتركوا هذا لأمير المؤمنين. إذاً فالنبي عليه الصلاة والسلام استقرض وصحابته في حياته استقرضوا وبعد مماته استقرضوا. التوفيق بين مشروعية الدين واستعاذة النبي من غلبة الدين: لكن الحقيقة أن الإنسان أحياناً يقع في حيرة و أحاديث كثير يستعيذ النبي عليه الصلاة والسلام من خلالها من الدين: (( دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ الْمَسْجِدَ فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ مِنَ الأنْصَارِ يُقَالُ لَهُ أَبُو أُمَامَةَ فَقَالَ: يَا أَبَا أُمَامَةَ مَا لِي أَرَاكَ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ فِي غَيْرِ وَقْتِ الصَّلاةِ، قَال:َ هُمُومٌ لَزِمَتْنِي وَدُيُونٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: أَفَلا أُعَلِّمُكَ كَلامًا إِذَا أَنْتَ قُلْتَهُ أَذْهَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَمَّكَ وَقَضَى عَنْكَ دَيْنَكَ، قَالَ: قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: قُلْ إِذَا أَصْبَحْتَ وَإِذَا أَمْسَيْتَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُبْنِ وَالْبُخْلِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ وَقَهْرِ الرِّجَالِ، قَالَ: فَفَعَلْتُ ذَلِكَ فَأَذْهَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَمِّي وَقَضَى عَنِّي دَيْنِي)) [أبو داود عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ] وفي حديث آخر في صحيح البخاري: (( عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَدْعُو فِي الصَّلاةِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَفِتْنَةِ الْمَمَاتِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ، فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: مَا أَكْثَرَ مَا تَسْتَعِيذُ مِنَ الْمَغْرَمِ، فَقَالَ: إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَرِمَ حَدَّثَ فَكَذَبَ وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ)) [البخاري عن عائشة] فكيف يستعيذ عليه الصلاة والسلام من الدين ويراه مع الإثم؟ وكيف يقول: من غلبة الدين وقهر الرجال؟ وكيف أن النبي استقرض وأصحابه استقرضوا وأقرضوا؟ كيف نوفق بين مشروعية الدين واستعاذة النبي عليه الصلاة والسلام من غلبة الدين وقهر الرجال؟ (( ... فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: مَا أَكْثَرَ مَا تَسْتَعِيذُ مِنَ الْمَغْرَمِ، فَقَالَ: إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَرِمَ حَدَّثَ فَكَذَبَ وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ)) [البخاري عن عائشة] غرم: أي أصبح تحت عبء الدين. ربما يدفع الدين صاحبه إلى أن يكذب، ويخلف وعده، هذه سلبيات الدين، و لذلك فالعلماء قالوا: النبي عليه الصلاة والسلام حذر من الدين، لأن الدين أحياناً يجر إلى صفات المنافقين. (( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلاثٌ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ )) [متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ] هذه مشكلة الدين، ربما ساق صاحبه إلى أن يكذب، وإلى أن يخلف الوعد، لكن كأن النبي عليه الصلاة والسلام أراد بهذا الدين الذي استعان به أن بعض الناس يستدين لسبب تافه، وأحياناً ترى العلة غير مقبولة لشيء ثانوي، ولشيء يعد من الكماليات غير ضروري، وهذا الذي يستلف أو يستدين لسبب وجيه أو غير وجيه هذا يقع تحت عبء الدين، ترى شخصاً ينفق إنفاقاً غير معقول، كله دين، ويصبح عليه هذا المبلغ عبئاً كبيراً، فالنبي عليه الصلاة والسلام كان يستعيذ من غوائل الدين أي السلبيات؛ الهمُّ بالليل والذلُّ بالنهار، أن يحملك الدين على أن تكذب، أن يحملك الديْن على أن تخلف وعدك، أكثر المدينين يقول لك: أعدك يوم الخميس، و ليس في نيته ولا بعد شهر أن يعطيك فصار يكذب، تقول ابنته: قال بابا: إنه ليس هنا، كذب وكان وقحاً في كذبه، فهذا الدين لأسباب غير وجيهة ربما حمل صاحبه على الكذب، و على الإفلاس. الدَّين يجلب الخوف: و: (( حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ زُرْعَةَ الْمَعَافِرِيُّ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ يَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: لا تُخِيفُوا أَنْفُسَكُمْ بَعْدَ أَمْنِهَا قَالُوا: وَمَا ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الدَّيْنُ )) [أحمد عن شُعَيْبُ بْنُ زُرْعَةَ الْمَعَافِرِيُّ] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4675/04.jpg إن كنت غير مدين فأنت ملك، احتجْ إلى الرجل تكن أسيره، أي تتحاشى أن تسلم عليه، وتتحاشى أن تمر بشارع فيه دكانه، كنتَ طليقاً ومطمئناً ورافع الرأس، لكن ليس عندك هذه الحاجة الكمالية، عندما اشتريتها حللت مشكلة داخلية، و وقعت في انهيار خارجي، كنتَ رافع الرأس أصبحتَ مطأطئ الرأس، كنتَ تسلم على هذا الدائن الآن تتهرب منه، كنت آمناً فأصبحت خائفاً، النبي عليه الصلاة و السلام يقول: (( حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ زُرْعَةَ الْمَعَافِرِيُّ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ يَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: لا تُخِيفُوا أَنْفُسَكُمْ بَعْدَ أَمْنِهَا قَالُوا: وَمَا ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الدَّيْنُ )) [أحمد عن شُعَيْبُ بْنُ زُرْعَةَ الْمَعَافِرِيُّ] بعض العلماء شرح هذا الحديث فقال: لا تخيفوا أنفسكم بالديْن بعد أمنها من الغرماء لأن الديْن يجلب الخوف لشغل القلب به، و قضائه، و التذلل للغريم عند لقائه، و تحمل منته لتأخير أدائه، و ربما يعد بالوفاء فيخلف، و يحدث الغريم بسببه فيكذب، أو يحلف فيحنث، أو يموت فيرتهن، هذه كلها من مغبة الدين. صفات حددها الشرع للاستدانة : 1 ـ أن يكون هذا القرض لسبب معقول : أيها الأخوة الأكارم، الديْن ضرورة، و ما منا واحد إلا و اضطر أن يستقرض لكن الشرع حدد صفاتٍ إذا توافرت لك أن تستدين: أول شيء: أن يكون هذا القرض لسبب معقول، دخلك محدود لا سمح الله و لا قدر، وطفلك الصغير يحتاج إلى عملية جراحية هل تقول: أنا لا أذلّ نفسي لأحد و لا أخيف نفسي بعد أمنها و لا أستقرض؟ والله هذا لا يجوز، و الله يجب عليك أن تستقرض لإنقاذ هذا الطفل، وهناك عاهات إن لم تُجرَ لها عملية في سن معينة أصبحت عاهات دائمة، فهذا الابن الذي يعلم أن أباه كان من الممكن أن يعالج هذه العاهة و حينما أخرها أصبحت عاهة دائمة ألا يحقد على أبيه؟ إذا كان هناك سبب معقول، سبب وجيه، قضية معالجة، قضية عملية جراحية، قضية شراء دواء لا بد منه، فهذا أحد أسباب الديْن المشروعة، و هو سبب معقول و مشروع للاستدانة. 2 ـ نية الأداء : الشرط الثاني: نية الأداء، أي لو حللنا دم المؤمن المستقرض سنجد فيه كرية حمراء وكرية بيضاء و كرية أداء، لم يخطر في باله أبداً ألا يعطي، استقرض ليعطي، هذا مؤمن ورب الكعبة، أساساً مثل هؤلاء المؤمنين يشجعون على أن تقرض الناس. 3 ـ إمكانية وفاء الدين في المستقبل : الشيء الثالث: و هذه ناحية خطيرة و هي إمكانية وفاء الدين في المستقبل. سألني أحد أخواننا الحجاج فقال: هل يمكنني أن أستدين؟ توجيه النبي لا، لكن عنده بضاعة بمئات الألوف و بأي لحظة يستطيع أن يبيعها، إذاً عندك شيء تغطي به، فأنت حينما تستقرض أعندك ما يغطي هذا القرض؟ أحياناً الإنسان تكون عنده بضاعة فحينما تباع البضاعة تغطي، عنده أرض، الأرض تغطي، عنده حلي، الحلي تغطي، عنده ديون على الآخرين، الديون حينما يقبضها تغطي، لكنّ إنساناً يستقرض مبلغاً ضخماً و ليس عنده شيء يغطيه فهذا أيضاً لا يجوز، إذاً صار أول شيء أن تستقرض، أو أن تستدين، أو أن تستلف، تستقرض، تستدين، تستلف، كلها بمعنى واحد، كل هذه الكلمات بمعنى واحد، لسبب معقول و مشروع وأساسي و خطير و مصيري يجب أن تستقرض. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4675/05.jpg الشيء الثاني: نية الأداء الصادقة. الشيء الثالث: إمكانية وفاء الدين في المستقبل. أي وجود ما يغطّي الدين. الأدلة: (( عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: يَدْعُو اللَّهُ بِصَاحِبِ الدَّيْنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُوقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَيُقَالُ: يَا ابْنَ آدَمَ فِيمَ أَخَذْتَ هَذَا الدَّيْنَ وَفِيمَ ضَيَّعْتَ حُقُوقَ النَّاسِ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي أَخَذْتُهُ فَلَمْ آكُلْ وَلَمْ أَشْرَبْ وَلَمْ أَلْبَسْ وَلَمْ أُضَيِّعْ وَلَكِنْ أَتَى عَلَى يَدَيَّ إِمَّا حَرَقٌ وَإِمَّا سَرَقٌ وَإِمَّا وَضِيعَةٌ، فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: صَدَقَ عَبْدِي أَنَا أَحَقُّ مَنْ قَضَى عَنْكَ الْيَوْمَ فَيَدْعُو اللَّهُ بِشَيْءٍ فَيَضَعُهُ فِي كِفَّةِ مِيزَانِهِ فَتَرْجَحُ حَسَنَاتُهُ عَلَى سَيِّئَاتِهِ فَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ)) [أحمد عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ] أعرف رجلاً أصلحه الله و عافاه استقرض مبلغاً غير معقول، فجأة أنفق على أهله إنفاقاً مذهلاً، الطعام النفيس، الحلويات، الفواكه، النزهات، الثياب الجاهزة، ثم انتحر و مات وترك لورثته مئة ألف ليرة ديناً عليهم، لم يكونوا يريدون هذه النزهات، هناك كثير من الأشخاص يستقرضون للرفاه، و للنزهات، للولائم، للمظاهر، للحفلات، هذا لا يجوز ويحاسب الإنسان على هذا حساباً عسيراً. القرض لأسباب تافهة معصية : بالمناسبة: هل الإسراف محرم؟ نعم محرم، الإسراف في المباحات، التبذير محرم؟ طبعاً محرم في المعاصي، علماء الفقه قالوا: إذا أسرفت أو بذرت من مال دين كان الإثم مضاعفاً، استقرضت للإسراف، استقرضت للتبذير، إثم الإسراف و التبذير يضاعف لأن هناك معصية، الإسراف مع معصية، القرض لسبب تافه، معصيتان، معنى ذلك القرض لأسباب تافهة معصية، و قد ذكر البخاري في صحيحه: ((مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ )) [البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ] دقة الحديث أي حسب السياق المنطقي: من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، و من أخذها يريد إتلافها أتلفها الله؟ لا، أتلفه و فرق كبير بين أتلفها و بين أتلفه، أحياناً الله عز وجل يدمر هذا الإنسان، كل إنسان يأكل أموال الناس - و المال كما تعلمون شقيق الروح- يأخذ المال و لا ينوي أداءه يتلفه الله عز وجل. توعد الله من أخذ أموال الناس يريد إتلافها بالعذاب الأليم : علماء الحديث قالوا: الإتلاف يقع في الدنيا غماً في معاشه أو في نفسه، حدثني أخ أن هناك شريكين، أحد الشريكين أخذ أموال الشركة اغتصاباً و عقد صفقة بمفرده ربح بها أربعة ملايين ليرة، و غادر البلد، و أوقع شريكه بدين لا يحتمل، و إفلاس، و في حرج شديد، قال لي: بعد أربع سنوات فوجئت به يمد يده للناس، إنه الأول الذي عقد تلك الصفقة ظلماً و عدواناً. إذاً إتلاف المال أو إتلاف النفس عذاب الدنيا وعذاب الآخرة: (( قَالَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ مَنِ النَّمِرِ بْنِ قَاسِطٍ، قَالَ: سَمِعْتُ صُهَيْبَ بْنَ سِنَانٍ يُحَدِّثُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّمَا رَجُلٍ أَصْدَقَ امْرَأَةً صَدَاقًا وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ لا يُرِيدُ أَدَاءَهُ إِلَيْهَا فَغَرَّهَا بِاللَّهِ وَاسْتَحَلَّ فَرْجَهَا بِالْبَاطِلِ لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ يَلْقَاهُ وَهُوَ زَانٍ، وَأَيُّمَا رَجُلٍ ادَّانَ مِنْ رَجُلٍ دَيْنًا وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ لا يُرِيدُ أَدَاءَهُ إِلَيْهِ فَغَرَّهُ بِاللَّهِ وَاسْتَحَلَّ مَالَهُ بِالْبَاطِلِ لَقِيَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ يَلْقَاهُ وَهُوَ سَارِقٌ )) [أحمد عَنْ صُهَيْبَ بْنَ سِنَانٍ ] (( سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى الْمِنْبَرِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ)) [متفق عليه عن عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] على الإنسان ألا يشتري شيئاً لا يملك ثمنه : بقي علينا إمكانية وفاء الدين، فأول شرط: لسبب معقول وخطير وأساسي ومصيري، الشرط الثاني تنوي وفاء الدين، إمكانية وفاء الدين، النبي عليه الصلاة والسلام يقول: http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4675/06.jpg (( عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى حَلِيقٍ النَّصْرَانِيِّ لِيَبْعَثَ إِلَيْهِ بِأَثْوَابٍ إِلَى الْمَيْسَرَةِ فَأَتَيْتُهُ، فَقُلْتُ: بَعَثَنِي إِلَيْكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِتَبْعَثَ إِلَيْهِ بِأَثْوَابٍ إِلَى الْمَيْسَرَةِ فَقَالَ: وَمَا الْمَيْسَرَةُ وَمَتَى الْمَيْسَرَةُ وَاللَّهِ مَا لِمُحَمَّدٍ سَائِقَةٌ وَلا رَاعِيَةٌ فَرَجَعْتُ فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا رَآنِي قَالَ: كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ أَنَا خَيْرُ مَنْ يُبَايَعُ لأَنْ يَلْبَسَ أَحَدُكُمْ ثَوْبًا مِنْ رِقَاعٍ شَتَّى خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ بِأَمَانَتِهِ أَوْ فِي أَمَانَتِهِ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ )) [أحمد عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ] أي لا تشترِ شيئاً لا تملك ثمنه، أخذت أموال الناس من أجل حاجة ليست أساسية: (( ...لأَنْ يَلْبَسَ أَحَدُكُمْ ثَوْبًا مِنْ رِقَاعٍ شَتَّى خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ بِأَمَانَتِهِ أَوْ فِي أَمَانَتِهِ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ )) [أحمد عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ] وفي بعض الأحاديث التي تروى عن رسول الله، لا أشتري شيئاً لا أملك ثمنه. القرض جائزٌ في كل ما يحل تملكه : بقي علينا موضوع القرض، يا ترى القرض مال فقط؟ العلماء قالوا: مجرى القرض أو نطاق القرض واسع جداً، فهو يجري في النقود و في المكيلات و الموزونات حتى والحيوانات، أحياناً فنجان قهوة يستقرض بين الجيران، كأس شاي طبعاً الشاي يعني أوراق الشاي، كأس من السكر هذه مكيلات، أي شيء ممكن أن تستقرضوه: مكيلات أو موزونات، القرض جائز كما قال الفقهاء في كل ما يحل تملكه أو تمليكه بهبة أو غيرها فهو ممكن، ربطة من الخبز ممكن، وعاء من اللبن تستقرضونه، يأتي الحلاب لعندك يوم الاثنين و لكن أردت اللبن يوم الأحد و عند جارك وعاء زائد، حدثني أخ من أخواننا أنه أوصى بائع اللبن على وعاء من اللبن و كان الحليب قليلاً قليلاً، و دفع ثمن الوعاء، و يوم يريد استلامه وجد وعاءين أحدهما ذا قشدة ثخينة صفراء، و الآخر قشدة رقيقة مستوية مع قليل من المصل، و قد كتب اسمه على الثاني، وكل واحد دافع ثمن وعاء اللبن، و اسمه مكتوب على الوعاء الذي له، قال له: هذا وعاؤك، فقال له: أعطني ذاك، قال: إنه ليس لك، قال: بدّل الورقة ما الذي يحصل؟ فخجل منه و بدل الورقة، فقال: أخذت هذا الوعاء ووضعته بسيارتي و سيارتي جديدة، و في طريقي إلى البيت يتقاطع طريقان، ظهر رجل طائش فضرب المكبح بسرعة فقلب الوعاء على الموكيت -فرش السيارة-، قال: لمدة شهرين و أنا أشعر برائحة اللبن في السيارة، فأحياناً الإنسان يطمع بشيء ليس له، فما هو لك هو لك، وما ليس لك فهو ليس لك. حدثني شخص تاجر أقمشة محله من أكبر المحلات في دمشق، جاءه أحد زبائنه من المحافظات الشمالية، و عقد معه صفقة بخمسين ألفاً، عندما كان البيت سعره عشرة آلاف، رأى صفة قماش على الحائط قال له: أريد هذه، فقال له: مباعة، فقال له: أريدها، فقال له: إذا لم تعطني إياها ألغي الصفقة بالكامل، طبعاً بتجبُّر، تشاور مع صانعه وقال له الصانع: إننا بعناها، فقال له: تفضل وخذها، يقسم ذاك الشخص أن البضاعة كسدت و بقيت عنده حوالي عشرين سنة و لم تبع، ثم قال: بعد ذلك قصصتها أمتاراً مربعة و صرت أصر بها الأقمشة. الإنسان يجب أن يعلم أن الله عز وجل هو الجبار، قال لك: بيعت، إذاّ قل له: لا أريدها. القرض جائزٌ في كل ما يحل تملكه. الأداء الحسن بالقرض الحسن: النبي عليه الصلاة والسلام استقرض المكيلات والموزونات والحيوان لأنه مشرع، فاستلف النبي من رجل من الأنصار أربعين صاعاً، فاحتاج الأنصاري هذه الأصوعة فأتى النبي عليه الصلاة والسلام فأعطاه فضلاً عما أخذ منه، وقد علمنا النبي بهذا الأداء الحسن أن نحسن نحن الأداء كذلك. أكرمك بالقرض فأنت أكرمته وزيادة، طبعاً هذه غير مشروطة، اسمها الأداء الحسن، ومرة اضطّر أن يشتري جملاً بتمر، و التمر غير موجود عنده، قال لأحد أصحابه: اذهب لخولة بنت الحكيم بن أمية فقل لها: إن كان عندك وسق من تمر فأسلفينا حتى نؤده إليك إن شاء الله، فذهب إليها الرجل ثم رجع بالخبر، قالت: نعم هو عندي يا رسول الله فابعث مـن يقبضه، فقال عليه الصلاة والسلام: اذهب به فأوفه الذي له، فذهب به فأوفاه الذي له، الأعرابي رجع و مرّ برسول الله عليه الصلاة والسلام وهو جالس بين أصحابه فقال للنبي عليه الصلاة والسلام: جزاك الله خيراً فقد أوفيت و أطبت، فقال عليه الصلاة والسلام: أولئك خير عباد الله عند الله، الموفون المطيبون. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4675/07.jpg ((عَنْ عَائِشَةَ قَالَتِ: ابْتَاعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ رَجُلٍ مِنَ الأَعْرَابِ جَزُورًا أَوْ جَزَائِرَ بِوَسْقٍ مِنْ تَمْرِ الذَّخِرَةِ وَتَمْرُ الذَّخِرَةِ الْعَجْوَةُ فَرَجَعَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى بَيْتِهِ وَالْتَمَسَ لَهُ التَّمْرَ فَلَمْ يَجِدْهُ فَخَرَجَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ إِنَّا قَدِ ابْتَعْنَا مِنْكَ جَزُورًا أَوْ جَزَائِرَ بِوَسْقٍ مِنْ تَمْرِ الذَّخْرَةِ فَالْتَمَسْنَاهُ فَلَمْ نَجِدْهُ، قَالَ: فَقَالَ: الأعْرَابِيُّ وَا غَدْرَاهُ، قَالَتْ: فَنَهَمَهُ النَّاسُ وَقَالُوا قَاتَلَكَ اللَّهُ أَيَغْدِرُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: دَعُوهُ فَإِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالاً ثُمَّ عَادَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّه إِنَّا ابْتَعْنَا مِنْكَ جَزَائِرَكَ وَنَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ عِنْدَنَا مَا سَمَّيْنَا لَكَ فَالْتَمَسْنَاهُ فَلَمْ نَجِدْهُ، فَقَال:َ الأَعْرَابِيُّ وَا غَدْرَاهُ فَنَهَمَهُ النَّاسُ، وَقَالُوا: قَاتَلَكَ اللَّهُ أَيَغْدِرُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: دَعُوهُ فَإِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالاً فَرَدَّدَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا فَلَمَّا رَآهُ لا يَفْقَهُ عَنْهُ، قَالَ لِرَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ: اذْهَبْ إِلَى خُوَيْلَةَ بِنْتِ حَكِيمِ بْنِ أُمَيَّةَ فَقُلْ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لَكِ إِنْ كَانَ عِنْدَكِ وَسْقٌ مِنْ تَمْرِ الذَّخِرَةِ فَأَسْلِفِينَاهُ حَتَّى نُؤَدِّيَهُ إِلَيْكِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَذَهَبَ إِلَيْهَا الرَّجُلُ ثُمَّ رَجَعَ الرَّجُلُ، فَقَالَ: قَالَتْ: نَعَمْ هُوَ عِنْدِي يَا رَسُولَ اللَّهِ فَابْعَثْ مَنْ يَقْبِضُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: لِلرَّجُلِ اذْهَبْ بِهِ فَأَوْفِهِ الَّذِي لَهُ، قَالَ: فَذَهَبَ بِهِ فَأَوْفَاهُ الَّذِي لَهُ قَالَتْ: فَمَرَّ الأَعْرَابِيُّ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ جَالِسٌ فِي أَصْحَابِهِ فَقَالَ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا فَقَدْ أَوْفَيْتَ وَأَطْيَبْتَ، قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أُولَئِكَ خِيَارُ عِبَادِ اللَّهِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُوفُونَ الْمُطِيبُونَ )) [أحمد عَنْ عَائِشَةَ] النبي استلف تمراً و استلف أصوعة من القمح و الشعير و استلف بكر البكر ناقة فتية: (( عَنْ أَبِي رَافِعٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَسْلَفَ مِنْ رَجُلٍ بَكْرًا فَقَدِمَتْ عَلَيْهِ إِبِلٌ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ فَأَمَرَ أَبَا رَافِعٍ أَنْ يَقْضِيَ الرَّجُلَ بَكْرَهُ فَرَجَعَ إِلَيْهِ أَبُو رَافِعٍ فَقَالَ: لَمْ أَجِدْ فِيهَا إِلا خِيَارًا رَبَاعِيًا فَقَالَ: أَعْطِهِ إِيَّاهُ إِنَّ خِيَارَ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً )) [مسلم عَنْ أَبِي رَافِعٍ] رباعياً: ناقة كبيرة عمرها ست سنوات. أخذ بكرة عمرها سنة أعطاه ناقة عمرها ست سنوات، فالنبي علمنا بالقرض الحسن أن يكون هناك أداء حسن و كلام حسن و وعد صادق و مودة و شكر و حمد. الأدلة العامة و التفصيلية للترغيب في الإقراض : و بعد بقي علينا في درس اليوم موضوع أن النبي عليه الصلاة و السلام رغّب في الإقراض، القرآن الكريم و النبي الكريم رغّبا في الإقراض بأدلة عامة و بأدلة تفصيلية، فمن الأدلة العامة قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [ سورة الحج: 77] والقرض الحسن من أهم أفعال الخير وفي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلا حَفَّتْهُمُ الْمَلائِكـَةُ وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ وَمَنْ أَبْطَأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ )) [مسلم عن أبي هريرة] هذه أدلة عامة رغّب بها النبي عليه الصلاة والسلام في الإقراض بخاصة: (( عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ السَّلَفَ يَجْرِي مَجْرَى شَطْرِ الصَّدَقَةِ قَالَ نَعَمْ فَهُوَ كَذَاكَ قَالَ فَخُذِ الآنَ)) [أحمد عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ] قد تدفع ألف ليرة صدقة و إذا أقرضت ألف ليرة كأنك تصدقت بخمسمئة هذا أول حديث. لكن هناك حديثاً دقيقاً جداً: ((مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ مِثْلِهِ صَدَقَةٌ )) [ أحمد عن سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ] أقرضته ألف ليرة قال لك: لا أملك، بعد يومين، كل يوم لك أجر مثليْ هذا القرض، جزاء التأخير بالمناقصات له معنى ثانٍ، والتأخير عند الله عز وجل يضاعف لك الأجر عن كل يوم. ((مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ مِثْلِهِ صَدَقَةٌ قَالَ ثُمَّ سَمِعْتُهُ يَقُولُ مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ مِثْلَيـْهِ صَدَقَةٌ قُلْتُ سَمِعْتُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ تَقُولُ مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ مِثْلِهِ صَدَقَةٌ ثُمَّ سَمِعْتُكَ تَقُولُ مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ مِثْلَيْهِ صَدَقَةٌ قَالَ: لَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ صَدَقَةٌ قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ الدَّيْنُ فَإِذَا حَلَّ الدَّيْنُ فَأَنْظَرَهُ فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ مِثْلَيْهِ صَدَقَةٌ )) [أحمد عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ] هناك حديث بالنصف وحديث بالمثل وحديث بالمثلين. أي ضمن المدة المكتوبة بالسند لك مقابل الدين بالمثل، بعد المدة المطلوبة صار لك مثلان، أرأيتم إلى هذا الشرع العظيم؟ أنت لست خاسراً، إذا أخوك المؤمن أقرضته ورأيته معسراً وما بيع معه البيت و كذلك البضاعة لم تبع، و هو موعود بدفعة لم يأخذها، يأتيك ولا يبقى ساكتاً ويقول لك: لا أملك مالاً ويعرض لك العذر ويرجوك أن تنتظره. أول حديث –شطر- نصف الدين صدقة، والحديث الثاني مثل الدين صدقة، والثالث مِثّلا الدين صدقة. المثل ضمن الأجل الموعود، والمثلان بعد الأجل الموعود، أما الشطر فكيف نوفق بين الشطر وبين المثل وكلها أحاديث صحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال العلماء هذا بحسب النية، انحرجت صار عليك ضغط ممن حولك، أنك يجب أن تقرضه، و أنت لست مرتاحاً و أقرضته، لك الشطر، أما إن أقرضته بمبادرة منك فلك المثل، انتظرت عليه بعدما كان معسراً فلك المثلان. هذا كلام النبي ولا تنسوا أن سيدنا سعد بن أبي وقاص قال: "ثلاثة أنا فيهن رجل وفيما سوى ذلك فأنا واحد من الناس، ما سمعت حديثاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا علمت أنه حق من الله سبحانه وتعالى". معنى ذلك أقرضت بأسوأ احتمالات الإقراض فَلَكَ نصف القرض صدقة، بالحالات الطيبة مثل القرض صدقة، إذا أنظرت معسراً فلك ضعف القرض صدقة، فما قولكم؟ تقول لي: فرق عملة، إذا إنسان قال: فرق عملة يذهب هو فرق عملة. ((رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ مَكْتُوبًا الصَّدَقَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا وَالْقَرْضُ بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ، فَقُلْتُ يَا جِبْرِيلُ: مَا بَالُ الْقَرْضِ أَفْضَلُ مِنَ الصَّدَقَةِ؟ قَال:َ لأَنَّ السَّائِلَ يَسْأَلُ وَعِنْدَهُ، وَالْمُسْتَقْرِضُ لا يَسْتَقْرِضُ إِلا مِنْ حَاجَةٍ )) [ابن ماجه عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ] الحزم سوء الظن : بقي موضوعات: آداب التعامل مع المقترضين، وحسن التقاضي، ووضع الدين، وكيف تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع المعسرين؟ والحث والتشديد على أداء الدين، والأمر بأداء الدين، والحث على حسن القضاء، وتحريم المماطلة، هذه كلها موضوعات متعلقة بالدين، أرجو الله سبحانه وتعالى أن يوفقني في الدرس القادم والذي بعد القادم أن نعالج موضوع القرض الحسن معالجة وافية، و هو موضوع متعلق بالعمل الصالح. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4675/08.jpg ما منا واحد عند زواجه، عند سفره، عند تأسيس بعض مشروعاته إلّا و يحتاج إلى قرض، والله عز وجل يحبنا جميعاً إذا تعاملنا، لكن الإنسان يجب ألا يكون ساذجاً، شخص لا يعرفه إطلاقاً فليحذرهُ: " الحزم سوء الظن، احترز من الناس بسوء الظن، سوء الظن عصمة " فممكن أن تجمع بين الطيب والانطلاق إلى عمل صالح، أما أخوك المؤمن الذي تعرفه ملياً معرفة جيدة، وتعرف أمانته، وتعرف عفافه واستقامته وورعه، وأنت معك، وهو في أمس الحاجة إلى هذا القرض فماذا تفعل؟ لا يجوز أن تمتنع. قالوا لملك: إنّ هناك نصّاباً كبيراً، و أنتم تعرفون ما معنى نصّاب، فقال: أَحضِروه لنراه. قال الملك: أنت كيف تنصب؟ قال: سيدي أريد عدة، أين العدة؟ لا أملك ثمنها، أعطوه، فلم يرجع قالوا له: يا سيدي نصب عليك و مضى. أحياناً شخص عنده أساليب، ويعرف كيف يكلمك في مكان يخوفك، وفي محل ما يبكيك، أنت لا تكنْ ساذجاً، شخص لا تعرفه أتلقي له بمالك؟" المؤمن كيس فطن حذر "، لكن شخص تعرفه، وتعرف أمانته، و تعرف ورعه، وتعرف عزته، وأنت معك لا تتردد، اسأل عنه، قال سيدنا عمر، إني لا أعرفك ولا يضرك أني لا أعرفك، و هذا قول لا أنساه: " جاءه رسول من القادسية قال له: يا أمير المؤمنين مات خلق كثير، قال له: من هم؟ قال له: إنك لا تعرفهم، فبكى عمر بكاء شديداً رضي الله عنه وقال: وما ضرهم أني لا أعرفهم إذا كان الله يعرفهم " " قال له: إني لا أعرفك، ولا يضرك أني لا أعرفك، ائتني بمن يعرفك، جاءه بواحد قال له: أنا أعرفه، فقال له: هل سافرت معه؟ قال له: لا، قال له: هل جاورته؟ قال له: لا، قال له: هل حاككته بالدرهم والدينار؟ قال: لا، قال: فأنت لا تعرفه " معنى ذلك أن الإنسان لا تعرفه حتى تسافر معه، أو تتعامل معه بقرض، أو بتجارة، أو بشراكة، عندئذ تعرفه، فالإنسان إذا طلب منه أحدٌ مبلغاً و هو لا يعرفه فليفعل كما فعل سيدنا عمر يقول: ائتني بمن يعرفك، نريد كفيلاً، قال لك: فلان عندي والثاني رجل عظيم، إذا قصر فخذ مني. الإنسان لا يتورط ولا يكون ساذجاً، لكن إذا كانت حاجة وضرورة وإيمان وصدق ويسر لا تتردد. أفضل قرض هو الذي يجعل المستقرض يقرض في المستقبل : القرض قد يحل آلاف المشكلات، وينتشل إنساناً معسراً، وأفضل قرض هو القرض الذي يجعل المستقرض يقرض في المستقبل، أفضل زكاة تدفعها لمن ينقلب من قابض إلى دافع زكاة. وأفضل قرض تدفعه لمن ينقلب من مقترض إلى مقرض، أقرضته وأخذت له آلة صوف اشتغل فيها، وفتح بيتاً، وأطعم أولاده، وردّ القرض، وقال لك: إذا كان عندك من يحتاج قرضاً فأنا جاهز، هذا أعظم قرض فقد حولته إلى منتج، هذا القرض الحسن، و هو باب كبير من أبواب العمل الصالح، وله إن شاء الله تفصيلات كبيرة جداً، وأنا أتوقع أن ينتهي خلال درسين قادمين، وهذا القرض الحسن بديل الربا، ولا تعبؤوا بكلام الناس إذ يقولون: موضوع العملة، و فرق أسعار العملة، والتضخم النقدي، هذا عند الله ليس له حساب إطلاقاً، الله عز وجل إذا أعطى أدهش، خسرت بالمئة ثلاثين نتيجة التضخم النقدي، بسنتين يعطيك الله بالمئة مئة من طرف ثانٍ وأنت تعامل الله عز وجل، و أنا لا أريد للمؤمن أن يصبح عقله مادياً، و له عقلية مدراء المصارف. |
رد: العبادات التعاملية
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية الدرس : ( السادس ) الموضوع :القرض الحسن - 2 - اداب التعامل مع القرض الحسن الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. تلخيص لما سبق : أيها الأخوة الأكارم، لازلنا في موضوع الربا وقد تحدثنا في الدرس الماضي عن البديل الشرعي للربا ألا وهو القرض الحسن، وقد بينت لكم أن الربا عمل استغلالي بينما القرض الحسن عمل إنساني، وشتان بين العمل الاستغلالي والعمل الإنساني. الربا اتباع لنزوة النفس وحرصها على المال، لكن القرض الحسن اتباع لأمر الله عز وجل، ودعوته للتعاون بين المؤمنين، والآية التي هي أصل في هذا قال تعالى: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [ سورة المائدة: 2 ] وبينت لكم في الدرس الماضي نقطة دقيقة جداً، وهي أن الأوامر الإلهية لها علاقة بالتصورات، والقيم، والقناعات، فإذا الإنسان يتصور أن الدنيا هي كل شيء، فمثل هذا الإنسان لا ينسجم مع القرض الحسن، و إذا تصورت أن الدنيا هي كل شيء، وأن المال قيمة ثمينة جداً، فشيء طبيعي أن ترفض القرض الحسن، أما إذا تصورت أن الدنيا دار عمل، وأن الآخرة دار جزاء، وأن المال يعد نعمة إذا أنفقته في سبيل الله، أو إذا وظفته في خدمة الخلق، ويعد نقمة إذا استأثرت به. أحكام الفقه متعلقة بالعقيدة. أيها الأخوة الأكارم: من الخطورة بمكان أن نفصل العقيدة عن أحكام الفقه، أحكام الفقه أو الأوامر والنواهي التي وردت في التشريع الإسلامي كلها نابعة من العقيدة، لذلك فهي تؤمن بدور الحياة الدنيا في الإعداد للآخرة، وبقيمة العمل الصالح، وأن الإنسان جاء للدنيا من أجل العمل الصالح، فما لم يكن هناك انسجام بين العقيدة وبين الأحكام الشرعية فإن هذه الأحكام الشرعية تبدو غريبة، وتبدو غير واقعية. النقص بمعرفة الله من لوازمه النقص في العمل والبخل في الإنفاق : أيها الأخوة الأكارم، هناك حديث شريف مرّ بنا في دروس الفجر التي تلقى كل يوم في أيام الجمعة والسبت والأحد والاثنين والثلاثاء: " من ضنّ بالمال أن ينفقه وبالليل أن يكابده فعليه بسبحان الله والحمد لله". http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4676/01.jpg يبدو لنا من هذا الحديث أن الإنسان لمّا يبخل بإنفاق المال، أو لا يهتم بأداء العبادات كما أراد الله عز وجل يغنيه عنها أن يقول: سبحان الله، لا، ليس هذا هو المعنى، لكن المعنى أنك إذا ضننت بالمال، أو ضننت بالوقت، إذا ضننت بالمال أن تنفقه، وبالوقت أن تبذله في طاعة الله وفي عبادة الله، فمعنى ذلك أنك لا تعرف الله، لذلك عد إلى معرفة الله، هناك نقص في المعرفة، والنقص بالمعرفة من لوازمه النقص في العمل والبخل في الإنفاق، هذه قضية دقيقة جداً، كلما نمت عقيدتك كلما قوي إيمانك، وكلما صحت رؤيتك كلما تعمقت تصوراتك، وكلما فهمت فهماً أعمق ارتقى مستوى عملك. فمن ضنّ بالمال أن ينفقه وجد نفسه تنازعه، وجد نفسه لا تستجيب له، لا تحب أن تنفق المال تحب أن تأخذه، تحب أن تكنزه، تحب أن تنفقه على شهواتها، فمن كان كذلك فليعلم علم اليقين أنه لا يعرف الله، لا تعرف ما عنده من إكرام إلا إذا أنفقت، ولا ما عنده من عقاب إلا إذا بخلت به. ضربت مثلاً أن الإنسان أحياناً يقدم هدية لملك كأن يصور الملك صورة زيتية ويقدمها للملك، هل يبخل ببرواز جميل جداً؟ اختر لي أرخص برواز أريد أن أقتصد هل هذا معقول؟ أنت تقدم هدية لملك والملك قد يعطيك مبلغاً كبيراً قد يغنيك إلى آخر حياتك وأنت حينما تضن أن تُغلي البرواز فمعنى ذلك أنك لا تعرف من الملك، لا تعرف ماذا يعني عطاء الملك، ولما الإنسان يضن بالمال فهذا مؤشر قطعي على أنه لا يعرف الله، لا يعرف لمن هو يعطي، لا يعرف أن الله سيكافئه على هذا الإنفاق. ضرورة ربط أحكام الفقه بالعقيدة : عندما نبحث بالفقه بحثاً مستقلاً عن العقيدة، ونبحث بالأحكام الفقهية وحدها دون ربطها بالعقيدة، فقد يكون إنسان إيمانه ضعيفٌ، أو عقيدته غير صحيحة، قناعاته غير متينة، ورؤيته مهزوزة ومضطربة، مثل هذا الإنسان لا يرى أن هذه الأحكام معقولة، معقول أنا أقرض إنساناً مئة ألف لمدة سنة وبدون فائدة هل أنا مجنون؟ طبعاً إذا كان الإنسان لا يعرف الله عز وجل يرى إنفاق المال غباء، أما المؤمن فيرى إنفاق المال مغنماً، وغير المؤمن يراه -على وزن مغنماً- مغرماً، إذا رأيت إنفاق المال مغنماً فأنت مؤمن ورب الكعبة، أما إذا رأيت إنفاق المال مغرماً ففي الإيمان ضعف، وفي العقيدة ضلال. أيها الأخوة الأكارم، أحكام الفقه يجب أن تُربط دائماً بالعقيدة، العقيدة إذا صحت صحّ العمل، فالإنسان لا يضن بوقته لمعرفة الله معرفة صحيحة، كم من انحراف في السلوك، كم من تكالب على الدنيا، كم من وقوع في الإثم و الحرام بسبب الجهل بما عند الله من إكرام إذا أطعته، وما عند الله من عقاب إذا عصيته، لا بدُّ من معرفة الآمر قبل الأمر، عندئذ من السهل جداً أن تقرض قرضاً حسناً، أنا أعرف أحد الأخوة الأكارم المحسنين رصد مبلغاً كبيراً قال: هذا لتفريج كرب المسلمين، قد يحتاج مؤمن إلى مبلغ، فأنا أفرج عن كربه بهذا المبلغ، لذلك أنا أردد هذا كثيراً: حظوظ النفس، المال حظ، والعلم حظ، والذكاء حظ، وطلاقة اللسان حظ، والأولاد والمركبة والزوجة كلها حظوظ، هذه لا تسمى نعماً ولا تسمى نقماً، موقوفة على نوع استخدامها، فإما أن ترقى بها إلى أعلى عليين، وإما أن تهوي بها إلى أسفل سافلين، إما أنها درجات إلى الجنة، وإمّا أنها دركات إلى النار، المال نفسه تنفقه في آلاف الأبواب، آلاف الأبواب مفتحة لإنفاق المال. أخي أتعرفُ العصرونية، ما العصرونية؟ هذا الاسم نسبة لوالي اسمه عصرون باشا، قد أوقف وقفاً، فكل طفل صغير، جارية، خادم، كسرت آنيته و له أب قاسٍ، له رب عمل قاسٍ جداً، يأتي هذا الطفل بقطعة من هذا الإناء فيعطيه صاحب هذا الوقف إناءً جديداً، أي ألغى مشكلة قد تقع في البيوت، ألغى مشكلة قد تقع في هذا المحل، أبواب العمل الصالح لا تعد ولا تحصى. فمن الممكن أن تنشِئَ ميتماً، مجمعاً، ففي دمشق عدة مياتم، طفل لا أب له ولا أم فيجدُ رعايةً وتعليماً وتوجيهاً ومطعماً ومنامة وموجهين، هذا عمل عظيم، دائماً وأبداً أيها الأخوة كل عملٍ صالحٍ سوف تلقى الله به، و الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً، إذا نقر في الناقور، و عندما يأتيه ملك الموت و له خمسة أولاد أو ستة يتوزعون، واحد هنا، و آخر يخبر الأقرباء، و ثالث ينعيه للأصدقاء، و رابع إلى حفار القبور، الخ......، وجميع آل الفقيد يساهمون كل في مهمة. لكن الأهم كيف سيلقى الله؟ يا بشر لا صدقة ولا جهاد فبمَ تلقى الله إذاً؟ العمل الصالح ثمنه الجنة : أيها الأخوة الأكارم، أرجو الله عز وجل أن أتمكن من وضع هذه الحقيقة بين أيديكم فيجب أن يكون عندك سؤال أبدي، كيف و بماذا ألقى الله؟ http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4676/02.jpg ربيت أولادك؟ عمل طيب، كنت باراً بوالديك؟ عمل طيب، كنت زوجاً ناجحاً؟ عمل طيب، كنتِ أيتها الأخت زوجة ناجحةً؟ إذا رآك زوجك سر، وإذا أمرك أطعته، وإذا غاب عنك حفظته، الزوجة الصالحة تلقى الله بصلاحها، والزوج الصالح يلقى الله بصلاحه، والأبوة الكاملة عمل صالح يدخل الجنة، والبنوة الكاملة عمل يُدخل الجنة، والحرفة، والمهنة، و ليس من أحد منكم إلاّ له حرفة، واللهِ وأنا أعني ما أقول ولا أحنث بهذا اليمين يمكن أن تصل بحرفتك إلى أعلى عليين وأنت ساكت. المسلمون؛ قدمْ لهم بضاعة جيدة، انصحْهم، ليكن السعر معتدلاً، قدمْ لهم خدمات جيدة، اختر حرفة ليس فيها شائبة، وليس لها مشكلة أبداً، كثير من الألبسة صناعتها و العمل بها الآن حرام، كثير من اللباس يسهم بإيقاظ الفتن في الطرقات، وإبراز مفاتن المرأة، فيقول: أنا ليس لي علاقة و نحن نقل: لك علاقة قال تعالى: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [ سورة المائدة: 2 ] هذه الآية يجب ألاّ تذهب من أذهاننا، أن أية حرفة وأي عمل يسهم بشكل أو بآخر في خدمة المسلمين و التأثير بحياتهم، والله هناك أخ من إخواننا أنا أكبرته كثيراً، دعي إلى عمـل أرباحه مجزية وكبيرة جداً لكن في ملهى قال: معاذ الله إني أخاف الله رب العالمين، لا تضع خبرتك وذكاءك في تمديد كهرباء لهذا الملهى، أو في صنع المنجور لهذا الملهى، حيث تقام به المعاصي بمختلف أنواعها. الدِّين نظام كامل : نحن نريد مؤمناً لا يرى الدين صوماً وصلاةً فقط، بل يرى الدين نظاماً كاملاً، يدخل الدين في حرفتك، ويدخل بثيابك، وبمركبتك، وببيعك وشرائك، نظام كامل، أي مفردات الدين مئات الألوف، كل شيء منها متعلق بعلاقتك مع الله، سواء ما كان منها متعلقاً بجسدك، أو متعلقاً بأهلك، وأولادك، و بحرفتك، وتجارتك، وزراعتك، مثلاً أذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((الْجَالِبُ مَرْزُوقٌ وَالْمُحْتَكِرُ مَلْعُونٌ)) [ابن ماجه عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ] الجالب مرزوق والمحتكر ملعون، أكثر الناس يفصل بين الصوم والصلاة وبين احتكار البضاعة، فيجمع البضاعة ويخزنها ويمنع بيعها حتى يرتفع سعر بيعها إلى أضعاف مضاعفة فيسرِّبُها بالتقنين، يقول لك: ضربة معلم، لا، بل هذه ضربة أحمق. ((الْجَالِبُ مَرْزُوقٌ وَالْمُحْتَكِرُ مَلْعُونٌ)) [ابن ماجه عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ] أنت ليكن همك رفاه المسلمين، فهل تفرح إذا المسلمون أكلوا بأسعار رخيصة أم يؤلمك هذا؟ إذا الناس أكلوا فاكهة بأسعار رخيصة وأنت كنت ضامناً بستاناً وأرباحك انخفضت للنصف فلا تحزن، افرح للمسلمين فقد أكلوا مشمشاً، كرزاً، أفضل من أن يقف الطفل أمام البائع ويقول لوالده: أريد كرزاً وثمن الكيلو خمسون ليرة، يقول له: امشِ و ينهره، وإذا اشترى الوالد لابنه الفاكهة المحببة وكان سعرها رخيصاً فهل تحزن؟ أنا أقول لكم: الدين ليس صوماً وصلاةً فقط فهو أعمق بكثير، الدين يدخل في صميم الحياة. لي أخ كان في فرنسا قال: سألوا شخصاً في ندوة تلفزيونية، و هو زعيم حزب يساري شيوعي و قد أسلم، سأله المذيع وقال له: ما الذي أعجبك في الإسلام؟ وهل أنت مسلم حقاً؟ فقال هذا المفكر الفرنسي: كم معي من الوقت لأجيبك على هذا السؤال؟ قال له: خمس وأربعون دقيقة، قال له: والله لو بقيت خمسةً وأربعين يوماً أتحدث عن الإسلام لما كفت هذه الأيام في بيان إيجابيات الإسلام، ولكن أقول لك كلمة مختصرة: الدين هو الحياة، و الإسلام دين الحياة. كنت أقول مرة لإخواننا: كم شخصاً يتسع الجامع الأموي؟ هناك تقدير أنه يتسع لخمسين ألفاً و لخمسين ألفاً في الصحن، فالجامع الأموي يسع مئة ألف مصلٍّ، تصوروا أن المئة ألف أغلقت الأبواب عليهم، فصلاتهم باطلة، هذا هو الحكم الفقهي، والإمام صلى صلاة متقنة، و قرأ فيها آيات الله عز وجل، وركع، وسجد، فلأن الباب مغلق فصلاتهم باطلة لماذا؟ هذا دين الله ليس فيه شيء مخبأ، بيوت الله مفتوحة، في الإسلام لا شيء يتكلم بين أربعة جدران، لا شيء في الإسلام تستحي أن تقوله للناس، ليس في الإسلام أسرار، العمل تحت ضوء الشمس، لا يوجد عمل سري في الإسلام أبداً، الإسلام يعمل تحت ضوء النهار لأنَّهُ دين الله عز وجل، لذلك من أحكام الفقه أنّ الجامع إذا أغلق بابـه فالصلاة باطلة، ليس في الإسلام اختيار أشخاص على ما يحبون. الإنسان مسير إما بإلهام ملك و إما بوسوسة شيطان : أيها الأخوة الأكارم، أنا حريص على دروس الفقه كثيراً لكني أشعر أننا إذا ما ربطنا الفقه بالعقيدة فأحكام الفقه لا تبدو محببة للناس، إلا أن ربطها بالعقيدة ضروري، أنا ألح على موضوع القرض لأنه بديل الربا، أنا أسبوعياً أُسأل هل من أخذ من البنك قرضاً بفائدة وهو مضطر لذلك حرام؟ هؤلاء المسلمون كلهم تخلوا عنك؟ أليس فيهم أغنياء؟ يقول لك: فرق العملة، معنى هذا أننا عبدنا المال من دون الله، و رغم فرق العملة لتعملْ عملاً طيباً. هل تعرف أن الله سبحانه وتعالى قادر وأنت في أعلى درجات ذكائك، وأنت الذكاء عينه، والكياسة، والخبرة، وأنت الشاطر، وأنت تنتهز الفرص، وأنت في هذا المستوى أن يخسرك ثلاثة أرباع مالك؟ لأن الله عز وجل عظيم، يُؤتى الحذر من مأمنه. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4676/03.jpg مرة قال لي أخ أنه أمسك يده وما أنفق المال بل بخل به، و أحب أن يسافر خارج القطر فكر وفكر وفكر...خرج بفكرة أن يشتري عملة ورقية لبنانية، ثم اشترى عملة لبنانية، فماذا جرى للعملة اللبنانية؟ شخص آخر يده ماسكة، جاءته رحلة لمدة خمس سنوات إلى خارج القطر، وعنده بيت ملك فقال: هذا البيت حرام أن يبقى مجمداً طيلة هذه السنوات فهل أنا مجنون؟ فباع البيت ووضع أمواله في شركة استثمارية، فلما رجع أعطوه بالمئة عشرة بالسنة، لكن البيت ارتفع ثمنه عشرة أمثال، صار بلا بيت والمبلغ الذي بحوزته لا يساوي عشر ثمن بيت جديد. لا يوجد مع الله ذكي، الله قادر أن يذهب المال كله باختيارك، ألا تسمع بهذا الدعاء: "اللهم اجعل تدميرهم في تدبيرهم"، فالإنسان قد يفكر ويحسبها ثم يخسر نصف ماله، والذي يقرض قرضاً حسناً فالله عز وجل يلهمه عملاً لا يخطر في باله، الحقيقة أنا قناعتي أن الإنسان مسير إما بإلهام ملك، و إما بوسوسة شيطان، فالمؤمن يسدده المَلَكْ يا عبد الله افعل كذا فتراه يسير بهدى من الله من خير إلى خير، هذا الكلام أسوقه من أجل أن على الإنسان ألّا يبخل. إنسان تعرفه مؤمناً وصادقاً أقرضه. وأنا أتكلم عن المؤمنين وليس عن الشحاذين، المتسولون لهم مجال آخر أنا أتكلم عن مؤمن يحسبه الجاهل غنياً من التعفف. الله يحبنا أن نتعاون و نتآلف: خطر في بالي اليوم خاطر وهو حق: إذا قال الله عز وجل لك: يجب أن تعطي إنساناً لا يسألك فكيف تعرفه؟ هذا سؤال ثانٍ يجب أن تعطي إنساناً لا يسألك، فأنت ما واجبك ما دام الله يأمرك؟ إذا الله أمرك أن تعطي من لا يسألك فواجبك أن تسأل وأن تتقصى. لتعرف من هو المحتاج و تستطيع أن تعينه. عودوا أنفسكم يا أخوان: إذا التقيت بأخ، اسأله عن صحته، واسأله عن حالته المادية، واسأله عن بيته وأولاده، وعن دراسة أولاده ودخله، واسأله هل عليك ديون؟ لأن المؤمن لا يشكو، والمؤمن كريم النفس، وعزيز، المؤمن عنده شرف أما المتسول فأمره بحث آخر. المؤمن لا يسأل، و مادام لا يسأل فلتتقصَّ أنت حالته، اسأله أنت وتحبب له، الله عز وجل يحبنا أن نتعاون، يحبنا أن نتآلف، يحبنا أن يعين بعضنا بعضاً، و الله في عون العبد مادام العبد في عون أخيه، أحياناً أرى شخصاً متألقاً كثيراً وأسأل هل هناك سبب لهذا التألق؟ فأفهم أن السبب عمله الطيب، و هموم الناس كلها على كتفه، فإذا أردت أن تسعد فأسعد الآخرين، أنت تعيش في مجتمع مسلم و كلهم أخوانك وأنت في بحبوحة فإذا صاروا في بحبوحة ألا يسرك هذا؟ أما أن تكون وحدك ببحبوحة فهذا ليس من إيجابيات الإسلام العظيم. مرت بالناس فترة منذ خمس سنوات قبل أن يكرمنا الله بحمضيات من إنتاج بلدنا فقلّت في تلك الفترة: الحمضيات سعرها مرتفع لصعوبة استيرادها، و صار كيلو البرتقال بخمس وثلاثين أو أربعين ليرة، وكان الدخل قليلاً جداً قبل التضخم النقدي، فصار هذا الشيء فوق طاقة الفقير، أقسم بالله شخص و هو غني قال: و الله ما اشتريته خجلاً من الله عز وجل، أي أن آكل وحدي والناس كلها محرومة، فالإنسان إذا لم يشعر بشعور الآخرين تخلى عن بعض دينه. سيدنا عمر وضعوا له مرة طعاماً نفيساً و كان وجه هذا السنام أطيب شيء فوضعوه أمامه فبكى قال: "بئس الخليفة أنا إذا أكلت أطيبها و أكل الناس كراديسها"، مرة خاطب قلبه قال له: "قرقر أيها البطن أو لا تقرقر فو الله لن تذوق اللحم حتى يشبع منه صبية المسلمين". الدين الحقيقي هو الدين الذي يرسم السعادة على شفاه الآخرين : نريد أن نعيش الإسلام أيها الأخوة فنحن عندنا خطب، و أشرطة، و أحاديث، و كتب، و مجلات، وألسنة طليقة بالدعوة إلى الله، فصار عندنا تخمة، الآن نريد إسلاماً مطبقاً، نريد مجتمعاً مسلماً، أريد إنساناً ينطق بإسلامه و هو صامت، حركته إسلامية، بيته إسلامي، متجره إسلامي، تعامله إسلامي، عبادته صحيحة، و الحقيقة تطور وسائل الإعلام، الكتب، الطباعة، المجلات، الصحف، الأشرطة، أحدث إشباعاً لدى الناس، أي يوجد كل شيء، كلّنا نريد الدين الحقيقي، و هذا هو الذي نبحث عنه، عندها ينظر الله عز وجل للعباد بعين الرحمة، و لدينا حديث قدسي يهز أعمق مشاعري: "يا عبادي إذا أردتم رحمتي فارحموا خلقي"، و سأقول بصراحة: كل منا يبحث عن السعادة بدون شك، هل تصدق أن سعادة الإعطاء تفوق سعادة الأخذ؟ واللهِ إن المؤمن حينما يوفق إلى عمل صالح، إلى مسح دمعة من وجه مسلم، إلى رسم ابتسامة على وجه طفل صغير تكون سعادته بالغة. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4676/04.jpg ذات مرة زرت صديقاً و صاحب البيت والده يومها مصاب بمرض عضال، جاء لهذا الصديق هاتف، أن قابل الطبيب الفلاني، فقال له الطبيب: العملية جاهزة وتكلفتها مغطاة، فأجريـت للمريض عملية، ونجحت العملية، وزرته بعد أن شفاه الله رأيت البيت فيه فرحاً، الأطفـال يرقصون من الفرح، والدهم كان مريضاً وشفي، هذا الذي أدخل على هذه الأسرة السرور كم له من الأجر عند الله عز وجل؟؟ العملية فوق طاقة الإنسان، إنسان اتصل به بالهاتف وقال له: اتصل بالطبيب الفلاني الذي قال له: إن الاستعدادات للعملية تمت وأجرة العملية مغطاة. شخص ما أقام حفلة ودفع مئة وخمسين ألف ليرة، وأربعة أخماس الطعام بقي على الطاولة، و قال بعضهم: شيء يكسر العين، شيء مرتب، لكن من أنفق على العملية أدخل على قلوب أسرة بكاملها السرور، هذا المال أنت محاسب عنه، ويجب أن تنفقه في مكانه الصحيح. ذات مرة ذكرت لكم أن أحد أخواننا الكرام زار أخته يوماً و وجد مشكلة بالبيت، منازعة بين أخته وزوجها تريد منه ثلاثمئة ليرة بالشهر مصروف ألبسة، والزوج موظف ودخله محدود فلم يرض، فرأى أخوها أنه لو دفع المبلغ يحل هذه المشكلة، فقال لها: خذي مني شهرياً هذا المبلغ، قال لي: كل شهر أسلمها هذا المبلغ، بعد ستةِ أشهر طلبتْ منه أخته مجلس علم، أحضرت بناتها كلهن، درس لأخواته وبنات أخواته، قال لي: آية وحديث وحكم فقهي وتحفيظ قرآن، و على إثر ذلك تحجبت البنات كلهن و أنعم الله عليهن بأزواج أطهار. فممكن بهذه الثلاثمئة بالشهر حلّ مشكلة عند أسرة وبعد ذلك نمت العلاقة، وطُلِب منه درس علم، وبعد ذلك البنات تحجبن، ثم جاءهن أزواج مؤمنون، أنت وفرت السعادة لخمسةِ بيوت بثلاثمئة ليرة، هذا المال كما تعرفون قيمته بِحَلِّ المشاكل، إنه حلال المشاكل، أنت حينما تنفق المال في طاعة الله، تجبر خاطر إنسان، و ترعى يتيماً، تقدم هدية لإنسان فإن كانت هناك خصومة تنقلب إلى مودة. ((تَصَافَحُوا يَذْهَبِ الْغِلُّ وَتَهَادَوْا تَحَابُّوا وَتَذْهَبِ الشَّحْنَاءُ )) [مالك عن عَبْدِ اللَّهِ الْخُرَاسَانِيِّ] ولم يقل الهدية من طرف واحد بل قال: تهادوا، أي الهدية دَيْن، نحن نريد فقهاً مربوطاً بالعقيدة حتى ترى الأحكام سهلة جداً. الموت أكبر موعظة للإنسان : إذا أنت شاهدت كتاباً هو أساس دراستك في الكلية، وثمنه ثمانمئة ليرة، هل تراه غالي الثمن؟ وعندما تأخذ دكتوراه كل صورة – إيكو- بألف ليرة، وكل تخطيط بألفي ليرة، إذا كان هذا القاموس سعره ثمانمئة هل تستغليه؟ تدفع فوراً، إذا أنت موقناً أن القاموس يفيدك في اختصاصك، و إذا كنت تعرف الله معرفة يقينية، فالمال صار إنفاقه سهلاً، لماذا المال فإني سوف أتركه. مرة كنا بمدينة من مدن الشمال فيها حيّ و كأنه ليس في سوريا. هذا الحي فيه كل فيلا هندستها متميزة، أنا أذكر زرت هذا الحي سنة خمس و سبعين و تسعمئة و ألف، الفيلا تكلفتها ثمانية وثلاثون مليوناً، كان البيت في المالكي بمئتي ألف، قالوا: هذه الفيلا فيها رخام أونكس بخمسة ملايين ليرة، صاحبها توفي وعمره اثنتان وأربعون سنة، شاءت الأقدار أن يكون القبر أقصر من طوله وهو طويل جداً، وعندما وضع في القبر جاء الحفار ودفعه في صدره حتى وسعه القبر. أين كان يسكن وأين صار؟ الإنسان كلما قرأ هذه النعوة - وسيشيع إلى مثواه الأخير - يشعر أن بيته الذي كان يسكنه هو مثوى مؤقت. مهما اعتنيت بهذا المثوى فهو مؤقت ألم تر بعينيك؟ ما حضرت مسوية في بيت في المالكي أو غيره إلا ويقولون لك: ثمنه ثلاثة وثمانون مليوناً، خمسون مليوناً، ألم يمت صاحبه؟ أين صاحبه؟ في مقبرة الباب الصغير، حيث لا رخام و لا دهان. الموت أكبر موعظة، كل يوم نراه. من استقام على أمر الله سعد و غني : أردت من هذه المقدمة أن أؤكد لكم أنه لا تستطيع أن تطبق أحكام الفقه كما أراد الله إلا إذا آمنت بالله كما أراد الله: " من ضنّ بالمال أن ينفقه وبالليل أن يكابده فعليه بسبحان الله والحمد لله"، أي ارجع وجدد معرفتك بالله، مثلاً من باب التمثيل والتوضيح: عندما تعرف شخصاً كريماً لدرجة وغنياً ويزورك فماذا تقدم له؟ أتكتفي بفنجان قهوة فقط؟ إذا أحبّ أن يعطيك يعطيك مئة ألف، وزارك في البيت، أنت تعرف أن أي شيء تبذله من أجله سوف يعود عليك أضعافاً مضاعفة، إذا كنت تعرف حجمه المالي، وتعرف كرمه، وتعرف عظمته ترى أن كل شيء تبذله قليل. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4676/05.jpg هذا مع إنسان كيف مع الله عز وجل؟ أنت تعامل خالق الكون، هناك أحاديث لا أشبع منها. (( الخلق عيال الله فأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله )) [ أخرجه أبو يعلى والبزار عن أنس بن مالك ] أحياناً يكون الإنسان شخصاً مرموقاً، و لا يستطيع أحد أن يتقرب منه إلا عن طريق أولاده، فيعطي الابن سكرة، فهذه ليست للابن بل هي للأب، إذا أنت أكرمت أخاك المؤمن فهذه التكرمة لله عز وجل، الله غني عنك، يا رب كيف أتقرب إليك؟ كلهم عبادك وأنت تحبهم و أنا سوف أخدمهم حتى تحبني، ترى الإنسان إذا كان تاجراً، صاحب مزرعة، صاحب متجر، جاءه زبون يحب أن يخدمه، يكرمه، فيراعيه ويلين معه القول. ترى قسوة الإنسان من قسوة قلبه، وقسوة قلبه من بعده عن الله، وبعده عن الله من المعاصي، والمعاصي من الجهل، هذه سلسلة، لكن إن تستقم وتتصل بالله عز وجل تسعدْ ويلن قلبك ويصبح عملك طيباً، أما إن كان العمل سيئاً فمعنى هذا أن القلب قاسٍ، و أن الإنسان مقطوع، متلبس بالمعاصي، و مهما بحثنا فالعلم أول مرحلة للإصلاح، أول شيء أن تتعلم، لذلك حضور مجالس العلم شيء أساسي وضروري، و الإنسان من دون علم يصبح كالبهيمة يأكل ويرفس، تكرمه ويؤذيك، فهو جاهل تائه. اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون، لو أنهم يعلمون لآمنوا به ونصروه، كذبوه واستهزؤوا به وردوا دعوته وضربوه. معنى هذا أن العلم هو الأساس، والعلم له مكان و هو المسجد يُدّرس فيه، لا علم يأتي من دون سعي و من دون سبب، ومكانه في الجامع، والعلم موضوعه القرآن الكريم كلام الله عز وجل، موضوعه سنة النبي عليه الصلاة والسلام. آداب التعامل مع المقترضين : 1 ـ إنظار المعسر : و بعد فقد قال العلماء آداب التعامل مع المقترضين هي: إنظار المعسر: ليس هذه قضية مزاجية فالله أمرك، قال تعالى: ﴿ وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [ سورة البقرة : 280 ] إنظاره إذا كان معسراً، أنا أنصح المدينين أن المدين إذا كنت معسراً فبلغ صاحب الدين بعسرك، هناك شخص تدينه مبلغاً لشهرين، يمضي الشهران والأربعة أشهر والستة أشهر والسنة وهو مرتاح ومكيف، يا أخي قل لي، قدم اعتذارك، أنا معسر، خطأ فاحش بالمقترض أن يأتي الأجل ويبقى ساكتاً، عليك أن تبين ظروفك. البيان يطرد الشيطان، قال لي أخ: إنه أقرض شخصاً يوماً ما، و عند استحقاق السند جاءه وقال له: أنا عندي مشكلة كذا وكذا سامحني، فقال له: معك شهر آخر، ثم قال لي: سررت كثيراً لقدومه. لم يبق قلقاً، هل ينوي أن يعطيني أم لا؟ جاء وبلغني أنَّهُ الآن معسر. حكم الله للمعسر : أول أدب من آداب المقرض أن يصبر، و إن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة، و حكم الله للمعسر بالإنظار إلى أن يوسر، قال لي أحد الأخوة إنه ديّن شخصاً خمسين ألفاً و يوم استحقاق السند حلّ الحجز على البيت بأن أقام دعوى ودفع عشرين ألفاً وتملك بيتين بأطراف المدينة، بسعر بخس عن طريق مناقصة، من أجل خمسين خسر بيتين و القصة قديمة، هناك أشخاص لا يرحمون. حكم الله للمعسر الإنظار إلى أن يوسر، ما قولكم أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4676/06.jpg ((مَنْ أَرَادَ أَنْ تُسْتَجَابَ دَعْوَتُهُ وَأَنْ تُكْشَفَ كُرْبَتُهُ فَلْيُفَرِّجْ عَنْ مُعْسِرٍ)) [أحمد عَنِ ابْنِ عُمَرَ ] الله جعل إنظار المعسر سبباً لاستجابة الدعوة، وجعلها سبباً لتفريج الكرب، ما قولكم أن الله سبحانه وتعالى من خلال حديث رسوله صلى الله عليه وسلم بين أنه: ((مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا أَوْ وَضَعَ لَهُ أَظَلَّهُ اللَّهُ فِي ظِلِّ عَرْشِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)) [الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ] كل هذه الأحاديث من أجل أن نتعاون، ونتحابب، ويرحم بعضنا بعضاً. (( أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ طَلَبَ غَرِيمًا لَهُ فَتَوَارَى عَنْهُ ثُمَّ وَجَدَهُ، فَقَالَ: إِنِّي مُعْسِرٌ فَقَالَ آللَّهِ، قَالَ: آللَّهِ، قَالَ: فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُنْجِيَهُ اللَّهُ مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلْيُنَفِّسْ عَنْ مُعْسِرٍ أَوْ يَضَعْ عَنْهُ )) [مسلم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ] صار معنى إنظار المعسر عمل طيب جداً. الله أمرنا بالإقراض و أمر المقترض بأداء الدين : وفي حديث ثالث يقول عليه الصلاة والسلام: (( إن أول الناس يستظل في ظل الله يوم القيامة لَرجلٌ أنظر معسراً حتى يجد شيئاً أو تصدق عليه بما يطلبه يقول: مالي عليك صدقة ابتغاء وجه الله ويخرق صحيفته)) [الطبراني عن أبي اليسر] مرة زرت شخصاً يبيع أقمشة ببلدة من بلدان القطر في الشمال قال لي: صار معي أزمة في المحل وكدت أن أفلس، لا يوجد بيع وعليّ ديون وطالبوني بإلحاح فأصابني ألم شديد، ثم قال: جاءني أحد التجار المؤمنين، و له معي مبلغ ضخم، ومعه سندات، و أردت أن أضيّفهُ لأنه جاء من الشام، فقلت له: أريد أن نتناول الطعام في البيت عندي، لأن البيت بالنسبة لي أوفر، و أنا في ضائقة شديدة، فقال له: نعم، فلما رأى بيته ستين متراً، ولا يملك سوى غرفة واحدة، قال له: اعفني كأني أكلت عندك، هذا التاجر قال: الذي يسكن في بيت مساحته ستون متراً لن يكون محتالاً، ليس عملية إفلاس احتيالي بل هو في ضائقة، أخرج هذا التاجر السندات ومزقها و قال له: انزل إلى الشام لأعطيك بضاعة وأي محل لم يعطك بضاعة قل لي، وعد واعمل. والله يا أخوان تكلم وبكى، والتاجر توفي رحمه الله، قال لي: أنهضني ونشلني، عاد لعمله: تديّن واشتغل وربح و ردّ الديون، وقال لي: الآن بيتي مساحته مئتان وخمسون متراً، كان يتكلم ويبكي لأن هذا الإنسان الذي أنظره قال له: لا عليك من هذا الدين، انزل للشام وخذ بضاعة. هكذا يحبنا الله أن نكون، أكثر الناس يتدين، ويبيع البضاعة، ويحل بها مشاكله، و يأتي أصحاب الدين فيقول لهم: السوق باردة و لا يوجد بيع، بينما يكون قد باع البضاعة، و عمل بثمن البضاعة عملاً آخر، وتجارة ثانية، وزوج أولاده، ومن ثم يعلن إفلاساً احتيالياً، هكذا يفعل كثير من الناس. لذلك الدَّيْن توقف، و الديانة أحجموا عن الإدانة و الإقراض، وعندما توقف الدين توقفت عجلة الحياة، لا أحد فيه ذمة إلا القليل، النبي عليه الصلاة والسلام كان لا يصلي على المدين و لو مات شهيداً، لكن الله عز وجل أمرنا أن نقرض وندين، وبالمقابل كان عليه الصلاة والسلام يسأل عن صحابي جاهد معه: أعليه دين؟ فإذا قالوا: نعم، قال: صلوا على صاحبكم. كما أمرنا بالإقراض أمر المقترض بأداء الدين وأنه معلق بين السماء والأرض حتى يؤدي دينه. لذلك الآن يقال عند كل ميت على المغتسل: وهبتم؟ وهبنا، و يأتي أحد أقربائه و يتحمل ديونه وإلا مشكلته كبيرة. (( إن أول الناس يستظل في ظل الله يوم القيامة لَرجلٌ أنظر معسراً حتى يجد شيئاً أو تصدق عليه بما يطلبه يقول: مالي عليك صدقة ابتغاء وجه الله ويخرق صحيفته)) بصراحة أقول لكم: إذا كان الإنسان ميسوراً جداً، وهذا الدائن فقير جداً، وهو مؤمن وصادق، وعفيف، وأموره صعبة جداً، أي إذا قلت له: سوف أسامحك بنصف الدين أو بالدين كله، فهل أنت مخطئ؟ لا، والله لست مخطئاً، قل له: مسامح، و نحن نقول لك: جزاك الله خيراً وعوض عليك. 2 ـ حُسُن التقاضي : أما الأدب الثاني فسيدنا النبي عليه الصلاة والسلام خرج إلى المسجد: ((خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَسْجِدِ وَهُوَ يَقُولُ بِيَدِهِ هَكَذَا فَأَوْمَأَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِيَدِهِ إِلَى الأَرْضِ مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا أَوْ وَضَعَ لَهُ وَقَاهُ اللَّهُ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ )) [أحمد عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ] أول أدب إذا كان معسراً فأنظره، الأدب الثاني اسمه حُسُن التقاضي: (( عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَنْ طَالَبَ حَقًّا فَلْيَطْلُبْهُ فِي عَفَافٍ وَافٍ أَوْ غَيْرِ وَافٍ )) [ابن ماجه عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ ] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4676/07.jpg و في الآية الكريمة قال تعالى: ﴿ وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ [ سورة آل عمران: 75 ] هذا توجيه إلهي تريد أن تسترد دينك فيجب أن تطالب، لكن بعفاف وليس بقسوة، يوجد أشخاص يسبون، ويكسرون، ويلعنون، و هذا ليس سلوك المؤمن: ((مَنْ طَالَبَ حَقًّا فَلْيَطْلُبْهُ فِي عَفَافٍ وَافٍ أَوْ غَيْرِ وَافٍ )) [ابن ماجه عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ ] والنبي عليه الصلاة والسلام حثّ على السماحة في المعاملة، وترك التضييق على الناس في المطالبة، وذلك بدعائه للمتسامحين في البيع والشراء و الاقتضاء. ((رَحِمَ اللَّهُ رَجُلاً سَمْحًا إِذَا بَاعَ وَإِذَا اشْتَرَى وَإِذَا اقْتَضَى)) [البخاري عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا ] إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى، أحياناً يبقى لك معه خمس ليرات، والبيعة بثلاثمئة وخمس ليرات لا يوجد معه تقول له: أريد خمس ليرات أحضرها إلي، لكن الأولى بك: سامحه بها، سمحاً إذا باع وإذا اشترى، و ليس معه أن يكمل لك، و بقي لك معه ليرة فالمسامحة خلق حميد. (( رَحِمَ اللَّهُ رَجُلاً سَمْحًا إِذَا بَاعَ وَإِذَا اشْتَرَى وَإِذَا اقْتَضَى)) [البخاري عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا ] والنبي عليه الصلاة والسلام قال: ((...أَلا وَخَيْرُهُمُ الْحَسَنُ الْقَضَاءِ الْحَسَنُ الطَّلَبِ أَلا وَشَرُّهُمْ سَيِّئُ الْقَضَاءِ سَيِّئُ الطَّلَبِ أَلا )) [مسلم عَنْ أبي سعيد الخدري] أنت كمؤمن يجب أن تطالب بأدب وبرحمة وبلطف وعفاف، شرّ الناس من كان سيئ القضاء أو سيئ الطلب، الدُّرج مليء والبضاعة باعها في الأسبوع الماضي فلماذا المطل؟ هذا سيئ القضاء، لذلك مطل الغني ظلم، ليُّ الواجد يبيح عرضه، يصفونه: فلان سلعة، إذا قلت: لا يدفع فلا عليك لأن ليَّ الواجد يبيح عرضه. 3 ـ وضع الدين : الأدب الثالث وضع الدين: وضع الْدين أي أن تسامح بشيءٍ من الديْن إذا رأيت المدين معسراً، وضعُ جزءٍ من الدين هل فيه دليل قرآني؟ قال تعالى: ﴿ وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [ سورة البقرة : 280 ] أي إذا أنت في بحبوحة وأخوك المقترض بضائقة مالية شديدة وقلت له: وضعت عنك بالمئة ثلاثين مسامحة، أو لك بالمئة خمسون هدية مني لك، أو بالمئة مئة أنا وأنت واحد. (( حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ تَقَاضَى ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ دَيْنًا لَهُ عَلَيْهِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَسْجِدِ فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا حَتَّى سَمِعَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي بَيْتِهِ فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ وَنَادَى كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ يَا: كَعْبُ قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَشَارَ بِيَدِهِ أَنْ ضَعِ الشَّطْرَ مِنْ دَيْنِكَ، قَالَ كَعْبٌ: قَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُمْ فَاقْضِهِ )) [متفق عليه عن عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ] هذا الحديث له معنى جديد، أي يجوز أن تشفع بين دائن ومدين، قد يكون المدين خائفـاً والديان قوياً وأنت لك مكانة عند الاثنين فاذهب إلى الدائن وقل: على مهلك هوّن عليك، أنا أكفله، استنبط العلماء يجوز أن تشفع بين الدائن وبين المدين. ((عَنْ جَابِرٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: أُصِيبَ عَبْدُ اللَّهِ وَتَرَكَ عِيَالاً وَدَيْنًا فَطَلَبْتُ إِلَى أَصْحَابِ الدَّيْنِ أَنْ يَضَعُوا بَعْضًا مِنْ دَيْنِهِ فَأَبَوْا فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَشْفَعْتُ بِهِ عَلَيْهِمْ فَأَبَوْا)) [البخاري عَنْ جَابِرٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ] هؤلاء ديانة عاديون وليسوا من المؤمنين، أما المؤمن فهو يقدم روحه. إن شاء الله في درس قادم نتابع القرض، و سأتوسع بالموضوع ليقيني أن القرض الحسن الآن هو الذي يحل مشاكل المسلمين، يقول لي شخص: أريد أن آخذ من البنك فائدة، قلت: ألا يوجد حولك أحد يقرضك؟ قال: لا، فهذا رجل وقع في ضائقة مالية وأخوه حجمه المالي يزيد عن مئتي مليون ليرة التجأ له، بلا جدوى، فقال لي: ذهبت إلى بلد عربي مجاور ولي مورّد ليس مسلماً، و قلت له: أنا بوضعٍ ماليٍ صعب جداً، و ما ملكت نفسي فبكيت أمامه، فقال له: انزل في الفندق الفلاني ثلاثة أيام لترتاح أعصابك ثم تعال إليَّ، قال: فأعطاني مبلغاً ضخماً وأعطاني بضاعة ثم أردف قائلاً لي: أحبه أكثر من أخي، وتكلمها بسذاجة، ذاك ليس مسلماً وقالها: أحبه أكثر من أخي. "الأغنياء أوصيائي والفقراء عيالي فإذا منع مالي عيالي أذقته عذابي و لا أبالي" إذا إنسان وقع فمن له غير إخوانه ليساعدوه؟ هذا الإيمان، نحن نريد إسلاماً مطبقاً وتعاوناً، وليس معنى كلامي أن تقذف مالك جزافاً، لا تعرف الشخص فتدينه، لا، فأنا لا أقصد هذا، أنا أقول: شخص تعرفه جيداً، وتعرف صدقه، وعفافه، وتعرف إمكاناته، وتعرف أنه بحاجة إلى شيء أساسي، يحتاج إلى وقود في الشتاء، يحتاج إلى عملية جراحية لابنه، وأنت في بحبوحة وتقول: لا يكفي العباد إلا رب العباد، الله عز وجل جعلك خليفته في الأرض. و إلى درس قادم إن شاء الله تعالى لنتابع الموضوع ذاته . |
رد: العبادات التعاملية
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية الدرس : ( السابع ) الموضوع :القرض الحسن - 3 -الحث و التشديد على اداء الدين الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. التوازن التشريعي : أيها الأخوة الأكارم، نحن في الإطار العام في موضوع الربا، ولكن في الموضوعات التي عولجت في الأسابيع السابقة دخلنا في موضوع القرض لأن القرض الحسن هو بديل الربا. في مجتمع الاستغلال: الربا، وفي مجتمع الإحسان: القرض الحسن، من يريد الدنيا يرابي، و من يريد الآخرة يقرض القرض الحسن، لكن قبل أن نتابع موضوع القرض أحب أن أضع بين أيديكم حقيقة أساسية من حقائق الإسلام ألا وهي التوازن التشريعي مثلاً: النبي عليه الصلاة والسلام يقول لمن سأله عن علاقة أبيه بماله قال له: "أنت ومالك لأبيك"، وتوجه إلى الآباء فقال: "رحم الله والداً أعان ولده على بره". http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4677/01.jpg الله عز وجل يرحم أباً رحم ابنه، أحياناً يجعله عنده في المحل ويقول له أبوه: ألا تأكل؟ و يقول هو: أريد أن أتزوج وأفتح بيتاً، لا يصح أن يتوازى ابن يعمل مع أبيه ليلاً نهاراً مع ابن لا يعمل معه. "رحم الله والداً أعان ولده على بره"، توجه للرجال فقال: "أكرموا النساء فوالله ما أكرمهن إلا كريم ولا أهانهن إلا لئيم، يغلبن كل كريم ويغلبهن لئيم، وأنا أحب أن أكون كريماً مغلوباً من أن أكون لئيماً غالباً". لما توجه إلى النساء قال: "اعلمي أيتها المرأة وأعلمي من دونك من النساء أن حسن تبعل المرأة زوجها يعدل الجهاد في سبيل الله"، في الإسلام توازن، مثلاً إذا عقد إنسان عقداً على امرأة ولم يدخل بها ثم بدا له أن يطلقها قال تعالى: ﴿ وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ [ سورة البقرة : 237 ] فلها نصف المهر، فإن كان المهر مئتي ألف فلها مئة ألف، العقد تمّ البارحة واليوم بدا لك أن تنسحب من هذا العقد، و أن تطلق ادفع مئة ألف، أمرَ الزوجَ أن يدفع نصف المهر، فللبنت المخطوبة و أهلها كرامة، لكن لفت نظر الأهل، قال تعالى: ﴿ وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ [ سورة البقرة : 237 ] ليلة واحدة مئة ألف ليس معقولاً، جلس دقيقتين معها بحضور أهلها، اسمح لنا بمئة ألف، لكنهم سامحوك هي و أهلها، توجه للشاب قال تعالى: ﴿ وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ [ سورة البقرة : 237 ] قدم لها سواراً، عَفَوْكَ من مئة ألف فقط قدم سواراً، هناك توازن، الأطراف المتقابلة دائماً يأمر كل طرف أن يكون محسناً، وفق هذا الموضوع هناك أمثلة كثيرة، الآباء والأبناء، الأزواج والزوجات، كل إنسان أعطاه الله عز وجل الموقف الكامل وأنصفه. قصتان ملحقتان بالدرس السابق : الدرس الماضي والذي قبله والذي قبله كلها فيها حثٌّ على الإقراض الحسن، مرة مثل الصدقة، ومرة مثلا الصدقة، ومرة شطر الصدقة، إذا أردت أن تنفرج كربتك فأَنظرْ المعسر. آيات وأحاديث وتوجيهات ومواقف من النبي عليه الصلاة والسلام ومن أصحاب رسول الله تدعونا إلى أن نقرض، وأن ننظر المعسر، اليوم موضوع آخر هو: التوازن في الإسلام. دعوة الله عز وجل ودعوة نبيه إلى المقترض أن يفي بالقرض، وإلا لو أنه مات شهيداً في سبيل الله، فشهادته لا تعفيه من الدين، لكن قبل أن نمضي في موضوع الحث والتشديد على أداء الدين هناك قصتان ملحقتان بالدرس السابق وردتا في حديثين، فاسمعوهما؛ و كونوا ممن يستمع القول فيتبعون أحسنه. طبعاً تحدثنا عن إنظار المعسر، وكيف أن إنظار المعسر عمل طيب و كبير، وقد ذكرت لكم آيات وأحاديث كثيرة جداً تبين فضل إنظار المعسر، بل تبين فضل أن تضع شطراً من دَينه، بل تبين فضل أن تعفيه من هذا الدين أما الموقف العملي فما رواه عبد الله عن أبي قتادة عن أبيه أنه كان يطلب رجلاً بحق فاختبأ منه. عبد الله بن أبي قتادة روى عن أبيه، أي أن أباه كان يطلب رجلاً بحق فاختبأ منه فقال له: ما حملك على ذلك؟ قال: العسر، فاستحلفه على ذلك فحلف، فدعا بصكه فأعطاه إياه، وقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((من أنظر معسراً أو وضع له أنجاه الله من كرب يوم القيامة )) [مُسْلِمٌ عَنْ خَالِدِ بْنِ خِدَاشٍ] هذا موقف من أصحاب رسول الله رضوان الله عليهم. الموقف الثاني: (( عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ خَرَجْتُ أَنَا وَأَبِي نَطْلُبُ الْعِلْمَ فِي هَذَا الْحَيِّ مِنَ الأنْصَارِ قَبْلَ أَنْ يَهْلِكُوا فَكَانَ أَوَّلُ مَنْ لَقِينَا أَبَا الْيَسَرِ صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُ غُلامٌ لَهُ مَعَهُ ضِمَامَةٌ مِنْ صُحُفٍ وَعَلَى أَبِي الْيَسَرِ بُرْدَةٌ وَمَعَافِرِيَّ وَعَلَى غُلامِهِ بُرْدَةٌ وَمَعَافِرِيَّ، فَقَالَ لَهُ أَبِي: يَا عَمِّ إِنِّي أَرَى فِي وَجْهِكَ سَفْعَةً مِنْ غَضَبٍ، قَالَ: أَجَلْ كَانَ لِي عَلَى فُلانِ ابْنِ فُلانٍ الْحَرَامِيِّ مَالٌ فَأَتَيْتُ أَهْلَهُ فَسَلَّمْتُ فَقُلْتُ: ثَمَّ هُوَ قَالُوا لا، فَخَرَجَ عَلَيَّ ابْنٌ لَهُ جَفْرٌ، فَقُلْتُ لَهُ: أَيْنَ أَبُوكَ؟ قَالَ: سَمِعَ صَوْتَكَ فَدَخَلَ أَرِيكَةَ أُمِّي، فَقُلْتُ: اخْرُجْ إِلَيَّ فَقَدْ عَلِمْتُ أَيْنَ أَنْتَ، فَخَرَجَ فَقُلْتُ: مَا حَمَلَكَ عَلَى أَنِ اخْتَبَأْتَ مِنِّي، قَالَ: أَنَا وَاللَّهِ أُحَدِّثُكَ ثُمَّ لا أَكْذِبُكَ خَشِيتُ وَاللَّهِ أَنْ أُحَدِّثَكَ فَأَكْذِبَكَ وَأَنْ أَعِدَكَ فَأُخْلِفَكَ وَكُنْتَ صَاحِبَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكُنْتُ وَاللَّهِ مُعْسِرًا قَالَ: قُلْتُ آللَّهِ، قَالَ: اللَّهِ، قُلْتُ: آللَّهِ، قَالَ: اللَّهِ، قُلْت: آللَّهِ، قَالَ: آللَّهِ قَالَ: فَأَتَى بِصَحِيفَتِهِ فَمَحَاهَا بِيَدِهِ، فَقَالَ: إِنْ وَجَدْتَ قَضَاءً فَاقْضِنِي وَإِلا أَنْتَ فِي حِلٍّ )) [مسلم عن عُبَادَة بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ] هذا موقف أصحاب رسول الله، إذا أيقنت واستحلفته أنه معسر، وأنت في بحبوحة تصدق بهذا الدين عليه، هاتان القصتان ملحقتان بالدرس الماضي، أدركنا الوقت قبل أن نتابع الحديث عنهما. الدرس الماضي كله حثٌّ من الله ورسوله على إنظار المعسر وعلى إعفائه من بعض الدين أو من كل الدين والآية الأساسية قال تعالى: ﴿ وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [ سورة البقرة : 280 ] أمر الشرع من استقرض بـ : 1 ـ أداء الدين : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4677/02.jpg اليوم الدرس يتناول الطرفَ الثاني: هذا الذي استقرض بماذا أمره الشرع؟ أمره بأداء الدين بنص الآية الكريمة: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا ﴾ [ سورة النساء: 58 ] والدين أمانة كما قال علماء التفسير، في الآية وجوب ردّ كل وديعة من أمانة وقرض وغير ذلك، القرض والقراض والوديعة أمانة في عنق المدين. (( عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا أَبْصَرَ يَعْنِي أُحُدًا قَالَ: مَا أُحِبُّ أَنَّهُ تَحَوَّلَ لِي ذَهَبًا يَمْكُثُ عِنْدِي مِنْهُ دِينَارٌ فَوْقَ ثَلاثٍ إِلا دِينَارًا أُرْصِدُهُ لِدَيْنٍ )) [متفق عليه عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ] يتمنى أن يتحول هذا الجبل ذهباً خالصاً، وأن النبي عليه الصلاة والسلام ينفقه في ثلاثة أيام إلا ديناراً يرصده لدين لأن الدين مقدس، أي يمكن أن يدع بعض هذا الجبل لأداء الدين، لعظم حق الدائن على المدين. الله جل جلاله ونبيه عليه الصلاة والسلام بينّا أن الدين من الأمانات التي تؤدى إلى أهلها، إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها. 2 ـ أن يؤدي الدين بإحسان : الأمر الثاني: ليس الأمر أن تؤدي الدين بل أن تحسن قضاء الدين، أن تحسن القضاء فالله سبحانه وتعالى يحب الذي يؤدي الدين بإحسان: ((إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ سَمْحَ الْبَيْعِ سَمْحَ الشِّرَاءِ سَمْحَ الْقَضَاءِ)) [الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ] كيف؟ أنت عليك سند بعشرة آلاف ليرة تستحق بعد سنة، وأنت الآن في بحبوحة وبقي شهران، ادفعها رأساً، يا أخي: أنا أدفع عند حلول الوقت، لا. ادفع إذا كان معك، وهذا من حسن القضاء، من حسن القضاء تعال إلى عندي وخذ مالك، لا. قال تعالى: ﴿ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [ سورة البقرة: 178] من أين أخذت الدَّين، كل التجار يجب أن تدور عليهم لتأخذ منهم ديْنك وكله خلاف السنة، المؤمن يذهب هو إلى مَدينِهِ ليعطيه المبلغ، جالس ومرتاح و الكل يأتون لعنده ويقفون بذل وأدب حتى يعطيهم الجمعية، لماذا؟ اذهب إليه، و أداء إليه بإحسان. فمن حسن القضاء أن تعطيه الدين قبل أوانه إذا تيسر لك. ومن حسن القضاء أن تأتي إليه، لا أن تقول له: تعال إلي لأعطيك الدين. ومن حسن القضاء أن تؤدي أداء حسناً، جاء إلى محلك ليأخذ الدين أنت تبيع سكاكر أعطه كيلو سكاكر، أكرمه، أنت تبيع حاجات وهو بحاجة إليها أكرمه نظير هذه الخدمة. ((إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ سَمْحَ الْبَيْعِ سَمْحَ الشِّرَاءِ سَمْحَ الْقَضَاءِ)) [الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ] وفي حديث آخر: ((إِنَّ خِيَارَ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً )) [مسلم عَنْ أَبِي رَافِعٍ] الناس يقولون: الديْن هالك إلا ما رده الله، هذا مجتمع بعيد عن الله عز وجل، لكن المؤمن الصادق دَيْنكَ عنده كأنه في صندوقك، لتكن مطمئناً أبداً لأنه يخاف الله عز وجل، ولأنه يخاف أن يملك المال ولا يؤديه لك. فضلاً عن أن الله عز وجل ورسوله الكريم حثا المؤمنين الصادقين على أداء الدين حثا أيضاً على حسن أداء الدين. الله ورسوله حثا المؤمنين على أداء الدين: http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4677/03.jpg الموضوع يتوسع معنا أكثر و هذه أمثلة، استعرت كتاباً ذات يوم من بيت صديقك، والكتاب سميك، و التقيت به في الطريق، تفضل هذا الكتاب، هو لا يريد أن يحمله في الطريق وأنت أخذته من بيته، فعليك أن تؤديه إليه إلى البيت وهذا من حسن الأداء، أخذت الكتاب غير مجلد جلده، فهذا من حسن الأداء، الله يحب الإحسان وأنت دائماً مهمتك أن تشجع على الخير، إذا إنسان قدم لك خدمة، ديَّنك وكنت مضطراً، فعندما يستقرض أحدهم يكون أذل من الشاة، وعندما يملك المال ما الذي صار؟ اذهب عنا و يتهرب من الدائن صاحب المال. أيرضيك أن يقف الدائن أمامك ذليلاً ليأخذ حقه؟ مثل هذا الموقف يمنع الخير ويمنع المعروف بين الناس، هذا من سنته القولية أما من سنته العملية صلى الله عليه وسلم: ((فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: صَلِّ رَكْعَتَيْنِ وَكَانَ لِي عَلَيْهِ دَيْنٌ فَقَضَانِي وَزَادَنِي)) [متفق عليه عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا] هكذا فعل النبي فلن تجد مسافة بين ما يفعل و بين ما يقول، دعانا إلى أداء الدين ودعانا إلى حسن أداء الدين، وحينما استقرض النبي من هذا الصحابي قال: قضاني وزادني و هذا اسمه حسن الأداء. الأمر بالأداء والأمر بحسن الأداء. 3 ـ تحريم المماطلة : الآن: تحريم المماطلة، اسمعوا ماذا قيل في تحريم المماطلة: ((مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ فَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيٍّ فَلْيَتْبَعْ )) [متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ ] الظلم من الكبائر، يقترف الإنسان الكبيرة إذا استقرض قرضاً وملك المال وطولب بهذا القرض وبدأ يماطل، تأتيه صباحاً يقول لك: مساءً إن شاء الله، تأتيه مساءً لا تجده، تذهب إليه ثانية فيقول: أنا سوف آتي إليك ولا يأتي، هذا إذا كان في نفس المدينة سهلة جداً أما إذا سافرت و أبعدت وتجشمت المشاق ومصاريف السفر والفندق، تذهب إليه صباحاً فيقال لك: تعال بعد الظهر. فهذه كبيرة. ((مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ فَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيٍّ فَلْيَتْبَعْ )) [متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ ] كان السلف الصالح لا يجرؤ أن يأكل لونين إذا عليه دين ولا فاكهتين، بل يأكل مثلاً برتقالاً فقط. الحد الأدنى لا يجوز لمن عليه دين أن يتوسع بالطعام والشراب ولا أن يتوسع بالأثاث ولا في الأدوات الكهربائية، عليه دين، قبل أن تتوسع أدّ للناس حقوقهم. المماطل يفسق، مرتكب كبيرة و فاسق، والأغربُ من ذلك أنه ترد شهادته، أي يفقد حقوقه المدنية، لو أن مديناً يملك مالَ مدينِهِ وماطله في الأداء ودعي لأداء الشهادة ترد شهادته، لأنه مرتكب كبيرة وهو فاسق وهو ظالم. أيها الأخوة، هذا هو الدِين، ليس الدين بالصلاة والصوم والحج والزكاة، هذا هو الدين، الدُرج مليء وله عندك مال والبضاعة بعتها فأدّه حقه. الآن يستدين ويشتري سيارة شاحنة، تطالبه يقول لك: أخذنا سيارة، كأنما أنا مكلف بأن أشتري له سيارة، وأنا لي عنده مال، معظم الأزمات الآن أسبابها السيارات، كل إنسان عليه دين اشترى بهذا المال سيارات ويماطل الناس، أهذا هو الدين؟ لا. إن الدين وفاء وحسن أداء. هنا عندنا خلاف بين العلماء فالإمام النووي يقول: "المماطل لا يسمى ظالماً ولا فاسقاً ولا مرتكب كبيرة إلا إذا كرر المماطلة"، لمرة واحدة لا يسمى مماطلاً وهذا رأي الإمام النووي، لكن الإمام السّبكي ردّ عليه و قال: "هذه كبيرة ومرتكب الكبيرة يكفي أن يرتكبها مرة واحدة". وأنا أرجح القول الثاني، ومادام المطل كبيراً يكفي أن تماطل مرة واحدة فأنت مرتكب كبيرة ترد شهادتك وتفسق. التوازن بالتشريع كم حثنا على الإقراض الحسن بالمقابل كم حذر المدين من المماطلة، المشكلة أنه عندما ذوو الأعمال الصالحة يقابلون بالإساءة ينكمشون، أقرب مثل: كان قبلاً إذا الإنسان رأى في الطريق حادثاً يسعف المصاب، يوصله إلى المشفى فيعتقلونه ويبقى ثلاثة أيام موقوفاً، كثير من الناس ماتوا من النزيف لأنه لم يعد أحد يسعف أحداً. هذا اسمه منع الماعون حتى صدر قرار أنه إذا إنسان أسعف مصاباً فلا يُسأل إطلاقاً فليس من المعقول أن يفعل الإنسان عملاً صالحاً ويحجز عدة أيام حتى يظهر أنه ليس له علاقة. أخطر شيء في المجتمع أن تواجه المحسن بالإساءة : منع الماعون هو الإساءة للمحسن، والقصة التي تعرفونها هي قصة لص الخيل في الصحراء الذي تظاهر بالفقر، وكان الحر شديداً والرمال محرقة، مرَّ به فارس على فرسه رق له ودعاه إلى ركوب فرسه، فما إن ركب خلفه حتى دفعه أرضاً وعدا بالفرس لا يلوي على شيء، قال له صاحب الفرس: يا هذا لقد وهبتك الفرس ولن أسأل عنها بعد اليوم، ولكن إياك أن تشيع هذا الخبر في الصحراء، فإذا أشيع هذا الخبر ذهبت منها المروءة، وبذهاب المروءة يذهب أجمل ما فيها. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4677/04.jpg سبعمئة شقة في الشام فارغة لا أحد يؤجرك، لأنَّ المستأجر إن دخل إلى البيت صار مالك البيت، ثم يقول: بلط الزرقاء، هذا القضاء أمامك، لا أحد يعيدها، ليس في الشام أزمة سكن بل أزمة إسكان فقط. أخطر شيء في المجتمع أن تواجه المحسن بالإساءة، فينعدم الإحسان وينكمش المحسنون، مر بالسيارة فيشير لك إنسان، لماذا لا تركبه معك؟ احتمال أن يكون معه مخدرات فلا يرحمك القانون، شيء مخيف. أمّا إذا كان هناك معاونة وإحسان فيختلف الوضع. النبي عليه الصلاة والسلام بالإضافة إلى هذا التشديد فهو نفسه امتنع عن الصلاة على من ترك ديناً، والقصة معروفة وكان يؤتى بالرجل الميت وعليه الدين فيسأل النبي عليه الصلاة والسلام هل ترك لدينه قضاءً؟ فإن قيل: إنه ترك صلى عليه وإلا قال: صلوا على صاحبكم، صحابي! لا. صلوا عليه، مجاهد! لا. صلوا على صاحبكم، خاض أحد وبدر والخندق صلوا على صاحبكم لأن عليه ديناً، هل يوجد أشد من هذا؟ صحيح أَمَرَك أن تدين لكن أمر المدين أن يؤدي، هناك نقطة بالشرع دقيقة جداً، الله أمرك ألا تسرق، أو أمرك بالتزام أمر معين، فإذا كان هناك ألف مليون مسلم فهؤلاء الألف مليون مسلم مأمورون أيضاً ألا يسرقوا منك. أمرََك أن تؤدي الأمانة إلى أهلها كذلك أمر الألف مليون مسلم أن يؤدوا الأمانة لك، المؤمن إذا كان عنده أخٌ من الإخوان المستقيمين يعمل لديه، فلماذا يطمئن ويرتاح؟ لأنه لا يخاف أن يسرقه. حقوق العباد وحقوق الله: الله سبحانه عندما أمرك بالاستقامة أمر الناس أن يستقيموا معك، والأمر مُوَجّه و له مفعول آخر، الإمام النووي رضي الله عنه له توجيه قال: "إنما كان يترك النبي الصلاةَ على المدين ليحرض الناس على قضاء الدين في حياتهم، والتوصل إلى البراءة منها، لئلا تفوتهم صلاة النبي عليهم عند وفاتهم". كان يأخذ موقفاً حازماً وقاسياً لئلا يطمع الناس، النبي لا يصلي عليهم إذا كان عليهم دين. ((نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ )) [الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ ] موقوف رهن التحقيق، في ذمة التحقيق، ما دام عليه دين فنفسه معلقة بدينه، معنى ذلك أن على الإنسان قبل أن يستدين أن يعد للألف بل للمليون، و قبل أن يستقرض من مال المسلمين فعليه ألا يستقرض إلا لسبب خطير وجوهري. (( عَنْ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّهُ سَمِعَهُ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَامَ فِيهِمْ فَذَكَرَ لَهُمْ أَنَّ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالإيمَانَ بِاللَّهِ أَفْضَلُ الأَعْمَالِ، فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ يَا رَسُولَ: اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تُكَفَّرُ عَنِّي خَطَايَايَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: نَعَمْ إِنْ قُتِلْتَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَنْتَ صَابِرٌ مُحْتَسِبٌ مُقْبِلٌ غَيْرُ مُدْبِرٍ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كَيْفَ قُلْتَ، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَتُكَفَّرُ عَنِّي خَطَايَايَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: نَعَمْ وَأَنْتَ صَابِرٌ مُحْتَسِبٌ مُقْبِلٌ غَيْرُ مُدْبِرٍ إِلا الدَّيْنَ فَإِنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلام قَالَ لِي ذَلِكَ )) [مسلم عن أَبِي قَتَادَةَ] و هنا يعرض سؤال لماذا في المرة الأولى عليه الصلاة والسلام قال له: نعم إذا قتلت في سبيل الله وأنت صابر والمرة الثانية قال له: أعد السؤال فلما أعاده قال له: إلا الدين؟ حتى يوضح النبي الكريم للسائل سبب التناقض، فَإِنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلام قَالَ لِي ذَلِك، جبريل صحح. لو قتلت في سبيل الله، أغلى شيء هي النفس والجود بالنفس أقصى غاية الجود، لو قتل الإنسان في سبيل الله لا تكفّر عنه خطايا من نوع الدين، لا يكفّر إلا بالأداء. و لقد قلت في خطبة الحج: إن الحاج يتوهم أنه إذا حج بيت الله الحرام رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه، أجمع العلماء على أن الذنوب التي تكفّر بالحج هي الذنوب التي بينك وبين الله فقط أما الذنوب التي بينك وبين العباد فهذه لا تسقط ولا تغفر إلا بالأداء أو بالمسامحة، فانتبهوا. حقوق العباد مبنية على المشاححة وحقوق الله عز وجل مبنية على المسامحة، وترك دانق من حرام خير من ثمانين حجة بعد الإسلام، ومن لم يكن له ورع يصده عن معصية الله إذا خلا، لم يعبأ الله بشيء من عمله. حرص الشرع على أداء الحقوق : الإمام النووي في شرح حديث مسلم رضي الله عنه يقول: " إلا الدين فيه تنبيه على جميع حقوق الآدميين، وإن الجهاد والشهادة وغيرهما من أعمال البر لا يكفّر حقوق الآدميين إنما يكفّر حقوق الله عز وجل". http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4677/05.jpg ((عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَحْشٍ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ وَضَعَ رَاحَتَهُ عَلَى جَبْهَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ مَاذَا نُزِّلَ مِنَ التَّشْدِيدِ فَسَكَتْنَا وَفَزِعْنَا فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ سَأَلْتُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: مَا هَذَا التَّشْدِيدُ الَّذِي نُزِّلَ، فَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ رَجُلاً قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ أُحْيِيَ ثُمَّ قُتِلَ ثُمَّ أُحْيِيَ ثُمَّ قُتِلَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ مَا دَخَلَ الْجَنَّةَ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ دَيْنُهُ )) [النسائي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَحْشٍ ] حديث صحيح يا أخوان، والنبي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، لهذا سيدنا سعد بن أبي وقاص يقول: " ثلاثة أنا فيهن رجل وفيما عدا ذلك فأنا واحد من الناس، ما سمعت حديثاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا علمت أنه حق من الله سبحانه وتعالى". أرأيتم أيها الأخوة حرص الشرع الحنيف على أداء الحقوق، أمرنا أن نقرض القرض الحسن لكن أمر المدين أن يؤدي أداء حسناً وحذره أشد التحذير. عندنا قاعدة: أحياناً يوجد أمر ويوجد نهي، لكن يا ترى لو أن قانون السير نصه: يُرجَى السير على اليمين فقط، يُرجى...من دون أن ينص على عقوبات، هل يطبق هذا القانون؟ لا. فهذا القانون عندئذ بالتعبير القانوني يفتقر إلى المؤيد القانوني، ألا و هو: العقوبات الرادعة. عقوبات رادعة لمن استدان و لم يوفِ دينه : 1 ـ الحجر على المدين : نحن الآن أمام التوجيهات المقنعة، النبي وجّه لكن يا ترى بالنظام الإسلامي، بالنظام التشريعي هل عندنا مؤيدات قانونية وعندنا عقوبات رادعة؟ نعم. أولاً: المدين يحجر عليه و الحجر في الشريعة هو منع الإنسان من التصرف بماله، أول عقاب للمدين يفقد حريته في التصرف بماله، أصبح سفيهاً، يتدين ولا يوجد عنده إمكان أن يوفي، و له بيت لا يستطيع أن يبيعه، لو عمل عقداً لا ينفذ العقد، يصدر قرار من القاضي الشرعي بالحجر عليه أي فقد حق التصرف، فقد حقه الطبيعي. الإمام النووي يقول: "من عليه ديون حالّة استحقت، زائدة على ماله يحجر عليه بسؤال الغرماء". عليه ديون أكثر من ماله، والغرماء طلبوا من القاضي، والقاضي يصدر أمراً بالحجر عليه، أصبح بيته ليس ملكه و كذلك محله ومركبته من حق الغرماء. الآن لو جاء هذا المحجور عليه وتصرف في ماله بعد الحجر لا ينفذ تصرفه، روى الإمام أحمد: ((عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَجُلاً مَاتَ وَتَرَكَ مُدَبَّرًا وَدَيْنًا فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَبِيعُوهُ فِي دَيْنِهِ فَبَاعُوهُ بِثَمَانِ مِائَةٍ )) [أحمد عَنْ جَابِرٍ] المدبر: عبد قال له سيده: أنت حر بعد موتي، وصية سيده لم تنفذ ولم يؤخذ بها النبي عليه الصلاة والسلام نظراً لما عليه من دين. لو أن إنساناً محجوراً عليه تصدق بالمال فصدقته مردودة عليه: (( بَاب لا صَدَقَةَ إِلا عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَمَنْ تَصَدَّقَ وَهُوَ مُحْتَاجٌ أَوْ أَهْلُهُ مُحْتَاجٌ أَوْ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَالدَّيْنُ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى مِنَ الصَّدَقَةِ وَالْعِتْقِ وَالْهِبَةِ وَهُوَ رَدٌّ عَلَيْهِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُتْلِفَ أَمْوَالَ النَّاسِ)) [البخاري بَاب لَا صَدَقَةَ إِلَّا عَنْ ظَهْرِ غِنًى عن أبي هريرة] تتصدق وأنت عليك دين. لا، وفِّ الدين ثم تصدق. (( ....َمَنْ أَخَذَ أموال الناس يُرِيدُ إِتْلافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ )) [البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ] 2 ـ حبس المدين : ثانياً: حبس المدين، في قطر عربي إسلامي هذا التشريع قائم، المدين على السجن، لكن يوجد هاتف في السجن لا يخرج حتى يقضي الدين، خبّر أهلك، إذا كان عليه سند دين لم يدفع يساق صاحبه إلى السجن، فقد قال عليه الصلاة و السلام: (( لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عُقُوبَتَهُ وَعِرْضَهُ، قَالَ سُفْيَانُ: عِرْضُهُ يَقُولُ مَطَلْتَنِي وَعُقُوبَتُهُ الْحَبْسُ)) [البخاري بَاب لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالٌ عن أبي هريرة ] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4677/06.jpg قال لي: تعال غداً، عرضه: أن يتكلم الناس بحقه، يقال: هذا يأكل مالاً حراماً، وهذه ليست غيبة، ما الذي يحصل بين التجار؟ يأتي زبون ناعم فيستدين ثم لا يدفع، و لقد أمرنا النبي أن نشهّر به؛ أنه لا يدفع، إذا سألك جارك: فلان يريد أن يستدين مني هل أدينه؟ قل له: إياك أن تدينه، وقل عنه: إنه لا يدفع، هذا يأخذ ولا يعطي. الإمام البخاري نقل عن سفيان أن عقوبته الحبس حتى يؤدي الدين، فالحبس مشروع حتى يؤدي الدين. العلامة العيني قال في شرح هذا الحديث: مشروعية حبس المديون إذا كان قادراً على الوفاء تاديباً له لأنه ظالم عندئذ، والظلم محرم وإن قل. والقاضي شريح أمر بحبس شخص لم يؤدِّ الدين. هناك خلاف بين العلماء إذا كان المديون معسراً قالوا: الأولى ألا يحبس، أما إذا كان ميسوراً فيحبس حتى يؤدي الدين، إن كان معسراً له حق بالآية الكريمة قال تعالى: ﴿ وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [ سورة البقرة : 280 ] 3 ـ مَنعُ المدين من السفر : و بعد هذه مشكلة ثانية: تديَّنَ وعمل جواز سفر وهرب، أين ذاهب؟ مَنعُ المدين من السفر: هذه كلها إجراءات قانونية أساسها شرعي، من أراد سفراً وعليه حق يُستحق قبل مدة سفره فلصاحب الحق منعه، تزوج وطلق ولم يدفع المهر، يتمكن والد المطلقة من تقديم كتاب للقضاء، ويبلغون دائرة الهجرة والجوازات و يمنعون سفره، المدين ممنوع أن يسافر، المدين يحبس، المدين لك أن تفضحه، المدين يحجر على أمواله، المدين يفقد حق التصرف بماله. لا أشتري شيئاً لا أملك ثمنه، لا نستقرض إلا لسبب قاهر، لأمر خطير وأمر مصيري، لعملية جراحية فقط، أما لأشياء تافهة فهذا شيء مخيف. الغارمون : أمرنا الله عز وجل بالإقراض الحسن، وحثنا عليه وأمرنا بإنظار المعسر، وأمرنا أن نضع عنه شطر دينه أو كل دينه، وأمر المدين أن يؤدي واعتبره ظالماً مرتكب كبيرة وفاسقاً، وأمر بحبسه، وبالحجر على أمواله، وأمر بمنعه من السفر، وقال لنا نحن الطرف الثالث: ساعدوا المدين، يستحق المدين من أموال الزكاة والغارمين، انظر التوازن في التشريع، أنت كإنسان معك مال زكاة فيجوز لك أن تدفع من مال الزكاة لهذا المديون لكي يفي دينه، قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ [ سورة التوبة : 60 ] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4677/07.jpg الغارمون كما قال الإمام القرطبي: "هم الذين ركبهم الدين ولا وفاء عندهم به ولا خلاف فيه"، أي يا إخوان: إذا إنسان أحبّ أن يدفع زكاة ماله له أقرباء اسأله أعليك دين؟ عليك عشرة آلاف ليرة فهذا مصرف للزكاة رائع جداً، الدَّيْن هَمّ عليه، ودخله محدود، فإذا أردت أن تدفع زكاة مالك خصص جزءاً من زكاة مالك للغارمين والمديونين. "هم الذين ركبهم الدين، ولا وفاء عندهم به، ولا خلاف فيه"، الدين ثابت ، اللهم إلا من استدان في سفاهة فإنه لا يعطى منها، استدان ليشتري جهاز فيديو، و الله لا ندفع له من الزكاة، هذا مديون مسكين لا ندفع له. احذروا لا ندفع له، إذا شخص تدين ليشتري جهازَ فسادٍ فهذا لا يجوز أن تدفع له من زكاتك وفاءً لهذا الدّين، الدين لعملية جراحية، أشياء أساسية قاهرة، أي بحاجة إلى جهاز أساسي في حياته، "و من استدان في سفاهة فإنه لا يعطى منها و لا من غيرها إلا أن يتوب" فإذا تاب فلا مانع، و يعطى منها من له مال و عليه دين محيط به ما يقضي به دينه، فإن لم يكن له مال و عليه دين فهو فقير و غارم فيعطى بالوصفين، الذي عليه دين و ليس معه الوفاء هذا صار فقيراً و غارماً بآن واحد، اجتمعت صفتان، من عليه دين و ليس معه الوفاء، أحياناً معه مال و لكن لا يكفي دَينه، عليه مئة ألف و معه ثلاثون ألفاً يقال: معه ثلاثون ألفاً لكن لا يكفي. فدينه أكبر، فهذا اسمه غارم أما الذي لا يملك مالاً إطلاقاً فاسمه فقير و غارم يستحق الزكاة من جهتين، وأمر النبي عليه الصلاة والسلام بالصدقة على من لزمته الديون: (( عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: أُصِيبَ رَجُلٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ثِمَارٍ ابْتَاعَهَا فَكَثُرَ دَيْنُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ )) [مسلم عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ] أحياناً يغرم المرء بالضمان، يضمن المشمش بعشر ليرات، فيصبح ثمنه خمس ليرات، صار مديوناً وكل شيء قطفه لا يكفي ثمن الضمان، هذا غارم. لو فرضنا أن الناس لم يتقدموا لمساعدة المدين، فالغارم يستحق جزءاً من بيت مال المسلمين هذا التشريع المتوازن. من تفقه بالدين ارتقت معرفته : على كلٍّ هناك أبحاث متعلقة بالدين، و يجب أن تعلموا علم اليقين أن هذا الشرع الحنيف نظام خالق الكون، نظام متكامل، الدين ضرورة وأداؤه ضرورة، والزكاة ضرورة، والصدقة ضرورة، والإنسان كلما تفقه بالدين ارتقت معرفته، أصبح عمله حكيماً قال تعالى: ﴿ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ [ سورة الزمر: 123 ] أحياناً يشعر الإنسان أن هناك فتوراً في عبادته، يوازن نفسه مع إنسان جاهل من أصدقائه، يرى فضل الله عليه، والعلم نعمة من أفضل النعم، ما من نعمة تفضل نعمة العلم، إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم، العلم يحتاج إلى وقت، وإلى مكان، بيوت الله عز وجل هي المكان الصحيح لتلقي العلم، أي أن الجامع له دور كبير، دور التعليم، ودور التوجيه، ودور التعاون، و يجب على الإنسان أن يكون له مشرب علمي دائماً، هذا مما حضّ عليه النبي صلى الله عليه وسلم. من علامة التوفيق أن يكون معروف الإنسان عند أهل الحفاظ : الحقيقة أن الإنسان كما أقول لكم دائماً يتألق لمّا يطبق ما علم، ولما ينوي أن يقرض قرضاً حسناً، والله عز وجل متطلع على نيته، فأولاً يسوقه إلى إنسان يستحق هذا القرض، لأن من علامة التوفيق أن يكون معروفك عند أهل الحفاظ، و الإنسان أحياناً يصنع معروفاً مع أهل الجحود فيتألم ألماً شديداً، مع أن الإنسان مأمور كما ورد قال: اصنع المعروف مع أهله ومع غير أهله فإن أصبت أهله أصبت أهله، وإن لم تصب أهله فأنت أهله، لكن من نعم الله الكبرى أن يكون المعروف مع إنسان يستحق المعروف، مع إنسان من أهل الوفاء، إنسان كريم، إنسان محسن، لا ينسى لك هذا الفضل، والقاعدة الثابتة: إن فعلت معروفاً يجب أن تنساه، وإن فعل أحد معك معروفاً يجب ألّا تنساه أبداً، أكمل شيء في الإنسان أنه إذا قدم لك أحد معروفاً فكلما شاهدته قل له: أنا لن أنسى فضلك عليّ، هذا كمال، وإن فعلت معروفاً مع إنسان فلتكن كأنك لا تعرفه ولا يعرفك. انسه فوراً، انسَ معروفك وتذكر معروف الآخرين هذا مما ينمي العلاقة بين المؤمنين، وهذا مما ينمي الود بينهم. التعاون في أمور الدنيا والآخرة : الإنسان من سعادته العظمى أن أعماله الصالحة مع إخوانه المؤمنين، فيعرفون قيمة أعماله ولا ينسون فضله عليهم، و تتوثق بينهم عرى المودة، والآية الأساسية قال تعالى: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [ سورة المائدة: 2 ] الحياة أصبحت معقدة جداً أيها الأخوة كان الإنسان قديماً يعاون أباه، وله غرفة في البيت العربي، والبيت عبارة عن ثلاثين غرفة، و عندما يتزوج الشاب فإنه يختص بغرفة من البيت، وانتهى الأمر، الآن لابد من التعاون، لأن الحياة معقدة، و الأعمال تحتم على الناس المعاونة، معي مئة ألف ليرة لا تساوي شيئاً والمحل فروغه بمليوني ليرة، ولابد من التعاون في أمور الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [ سورة المائدة: 2 ] قيل: البر صلاح الدنيا والتقوى صلاح الآخرة، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان، والحقيقة عندما الأخ يأتي إلى الجامع، وله أخوان طيبون طاهرون، وله علاقات طيبة، يشعر بالأنس الاجتماعي ليس وحدك في الحياة. ((تَرَى الْمُؤْمِنِينَ فِي تَرَاحُمِهِمْ وَتَوَادِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى عُضْوًا تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ جَسَدِهِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى)) [متفق عليه عَنْ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4677/08.jpg هذه علامة المجتمع المؤمن الصادق، فالإنسان يقدم ويُعَاوِن حتى يعاوَن، الحياة أخذ وعطاء، قلت لكم سابقاً: الأنبياء أعطوا كل شيء ولم يأخذوا شيئاً، النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا أراد أن يصلي قيام الليل ترفع زوجته رجليها لأن غرفته الصغيرة لا تتسع لصلاته ونومها، ما أخذ شيئاً، أعطى البشرية كل شيء ولم يأخذ شيئاً، والمنحرفون أشد الانحراف أخذوا كل شيء ولم يعطوا شيئاً، أما عامة المؤمنين الحياة أخذ وعطاء، أنت عاون، تتعاون بعد ذلك، أبسط مثل إنسان تزوج، له ثلاثون أو عشرون أخاً، جمعوا ألفاً ألفاً وأخذوا له براد و ثريا، رأى حاله بضائقة شديدة والأمور كلها تيسرت، بعد أن تزوج واستقر، الذي قدم له السجادة، الآن سوف يوفي الدين، الهدايا كلها ديون، والتعاون في الزواج، والعمل، والمرض، والصحة، والسفر، والإقامة، وتأسيس شركة، ومشروع، الله عز وجل يحب التعاون، يد الله مع الجماعة، يد الله على الجماعة والجماعة رحمة والفرقة عذاب: ((... فَمَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ بَحْبَحَةَ الْجَنَّةِ فَلْيَلْزَمِ الْجَمَاعَةَ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ وَهُوَ مِنَ الاثْنَيْنِ أَبْعَدُ لا يَخْلُوَنَّ أَحَدُكُمْ بِامْرَأَةٍ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ ثَالِثُهُمَا وَمَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ وَسَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ فَهُوَ مُؤْمِنٌ)) [أحمد عَنْ ابْنِ عُمَرَ] من أراد أن يعمل عملاً صالحاً ألهمه الله أعمالاً رائعة : الإنسان لا يكفي أن تحضر الدرس، لابد من أن يكون لك أخوان طيبون، ولك معهم علاقة طيبة، هناك معرفة ومذاكرة بالدين والعلاقة الطيبة مع إخوانك المؤمنين تجعلك عضواً في جماعة مؤمنة، وأنت عنصر فعال إيجابي، وهذا الذي يرضي الله عز وجل، أن المؤمن يكون متعاوناً مع أخوانه المؤمنين. إنسان بالرياضيات متفوق، فليقم بعدد من الدروس لإخوانه الضعاف بالرياضيات، عندهم بكالوريا، لا يوجد مانع أن نتعاون، إنسان مختص باللغة الأجنبية إن كان أخوانه عندهم ضعف في هذه الدروس، باب التعاون كبير جداً، والإنسان عندما يريد أن يعمل عملاً صالحاً يلهمه الله أعمالاً غريبة ورائعة. في بعض البلاد الإسلامية إذا توفي إنسان كل المعزين يعزونه مع مبلغ من المال، فيجمع مبلغ ضخم، هناك العرف يستخدم المال وإذا كان من أخذ العزاء لا يحتاجه يتصدق به، والتعزية فيها مشاركة مادية أيضاً، الوالد مات توقف العمل والدخل قل، الحياة أساسها التعاون والتعاون البناء والصادق والمخلص لله عز وجل. وأنت كلما شعرت نفسك تعطي وتأخذ تمتنت علاقتك بالمؤمنين، وكلما رأيت نفسك مستمعاً فقط، وكلما كلفت بعمل قلت: لا يوجد معي نقدي، يوجد أناس أذكياء جداً بالاعتذار ينسحب انسحاباً لطيفاً، وأرجو الله عز وجل أن يترجم هذا الدرس إلى سلوك يومي وإلى واقع. |
رد: العبادات التعاملية
جوزيت كل خير وبورك فيك
تحية |
رد: العبادات التعاملية
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية الدرس : ( الثامن ) الموضوع : شركة المضاربة الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.القرض الاستهلاكي : أيها الأخوة الأكارم، نحن في الإطار العام في موضوع الربا، وقد تحدثنا في دروس ثلاث سابقة عن بديل الربا وهو القرض الحسن، وبينّا أن الربا أساسه الاستغلال، والقرض الحسن أساسه الإحسان، وبينّا أن الربا أساسه اتباع الهوى، لكن القرض الحسن أساسه طاعة الرحمن، واليوم ننتقل إلى موضوع أراه من أخطر موضوعات سلسلة من الدروس لماذا؟ لأن دين الله عز وجل لابد من أن يحل كل مشكلات الإنسان، لو أن نظاماً وضعياً ما عجز عن مواجهة مشكلة فشيء طبيعي لأن الإنسان يخطئ ويصيب. لكن دين الله، لكن التشريع الإلهي، المنهج الرباني، هل يعجز عن حلّ مشكلات المجتمع؟ هذا شيء مستحيل عقلاً، فتحدثنا في الدرس الماضي عن القرض الحسن، هذا فيما يتعلق بالتعبير المعاصر بالقرض الاستهلاكي أي إنسان يواجه نفقة طارئة لا يملكها مثلاً عملية جراحية يقترض لها، هذا قرض استهلاكي، ونقول للمقرض: جزاك الله خيراً، أنت إنسان محسن، وأنت إنسان عظيم ورحيم، وأنت ابتغيت الأجر عند الله رب العالمين. القرض الاستثماري : عندنا الآن مشكلة أخرى، عندنا فئة كبيرة في المجتمع تملك المال لكنها متقدمة في السن، أو أنها امرأة لا تقوى على تنمية هذا المبلغ، أو أنه مال لطفل صغير يتيم، أو أنه مال وصاحبه مسافر. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4678/01.jpg إذاً نحن أمام حالة أن إنساناً يملك المال ولا يستطيع أن يستثمره، وعندنا فئة أخرى، شباب في ريعان الشباب مفتولو العضلات يتحرقون على عمل ولا يجدون، أولئك عندهم الأموال ولا يستطيعون أن يعملوا، وهؤلاء عندهم كل طاقات العمل وليس عندهم مال ليعملوا به. الدرس الماضي تحدثنا عن قرض استهلاكي لنفقة طارئة، وظننا الخير والكرم بالذي أقرض إقراضاً حسناً، وإن كنت ميسوراً ومعك مال زائد فأعط جزءاً من مالك كقرض حسن لهذا الإنسان المحتاج. الحالة اليوم من نوع آخر؛ شاب يحمل شهادة هندسة لكن لا يملك أرضاً يزرعها، لا يملك أية إمكانية ليقيم مشروعاً لكنه خبير، درس خمس سنوات هندسة، وذاك درس خمس سنوات علوماً طبيعية، بإمكانه أن ينشئ معمل صابون، لكن لا يملك مالاً، ولكن بإمكاناته العلمية وخبراته الجيدة وطاقاته الخلاقة ونشاطه في أعلى درجة قادر على إنشاء مؤسسة مثمرة ومنتجة. الأول معه المال لكنه متقدم في السن، وهذا الشاب لا يحتاج إلى قرض استهلاكي، يحتاج إلى قرض استثماري، والأول لا يحتاج أن يقرض من دون أن يستفيد، فمن أين يأكل؟ أنت إنسان في بحبوحة أقرضت لوجه الله، والحالة الثانية إنسان معه مئة ألف لا يملك غيرها ولا يستطيع أن يستثمرها، وشاب يحتاج إلى مئة ألف لكنه لا يملكها، أيعقل أن نقول للأول: أقرضه قرضاً حسناً؟ هذا ليس معقولاً لأنه يجب أن يأكل وينفق. نظام المضاربة : من أعظم ما في الشرع نظام المضاربة، هذه شركة قائمة على جهد ومال، المال من جهة والجهد من جهة أخرى، هذا بماله وهذا بعمله وذاك بطاقته، أي يجب أن يبقى في ذهنك أيها الأخ الكريم أن الله عز وجل حينما قال: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً ﴾ [ سورة المائدة: 3 ] دين الله عز وجل دين الخالق، دين رب العالمين كامل وتام، التمام صفة عددية والكمال صفة نوعية، فمن حيث عدد القضايا التي عالجها الدين فعددها تام يغطي كل حركات الإنسان، ونشاطاته، وأحواله في كل حياته، ودين كامل يعالج معالجة وافية وكاملة كل قضية من قضايا الإنسان، والآن كيف نحل مشكلة القرض الاستثماري؟ كيف نحل مشكلة من يملك المال ولا يستطيع أن يستثمره ومن يملك الجهد والطاقة والخبرة ولا يملك المال؟ الشرع الحنيف شرع ما يسمى بشركة المضاربة، المضاربة شركة تقضي حاجتين في وقت واحد، تقضي حاجة صاحب المال الذي لا يستطيع لكبر سنه، أو لصغر سنه، أو لجنسه: أنثى، أو لسفره، أو لجهله أن يستثمر ماله وهو في أمس الحاجة إلى أن يأكل، لا من رأسماله بل من ريع رأسماله، وتحل مشكلة الشاب المفتول العضلات والممتلئ نشاطاً بأن يأكل من خلال عمله، وهذا الشاب لا يقبل صدقة، ولا مساعدة، شاب في أول حياته لماذا الصدقة؟ أروع ما في هذا الدين أنه شرع تشريعاً حكيماً لهؤلاء ولهؤلاء. ومن باب البشارة أن النبي عليه الصلاة والسلام بشخصه كان أول شريك مضارب في الإسلام، اتجر بمال خديجة رضي الله عنها، كان أميناً إلى أعلى درجة، وكان وفياً إلى أعلى درجة، فشركة المضاربة تحل مشاكل الناس جميعاً. المضاربة هي البديل الآخر للربا: البنوك ماذا تعمل؟ هي مخالفةٌ للشرع، لكن تحل مشكلة من معه مال ولا يستطيع أن يستثمره، فتأخذ هذا المال وتقرضه بالربا وتدفع لصاحب المال نسبة ثابتةً، لكن شركة المضاربة تحل هذه المشكلة وفق الشرع، ومن خلال قنوات الشرع، وفق منهج الله عز وجل، لذلك فإني دائماً أشجع أخواننا الكرام من الشباب ومن أصحاب الأموال أن يتعاونوا لأن الله سبحانه وتعالى أمرنا بالتعاون، قال تعالى: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [ سورة المائدة: 2 ] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4678/02.jpg البر صلاح الدنيا، أي أجمل ما في الدنيا أن شاباً يعمل بإخلاص وصدق وإتقان ويدفع لصاحب المال ريعاً معقولاً، ويكتسب مالاً حلالاً، ليس فيه شبهة القرض الربوي، ولا شبهة الربح الثابت، ولا شيء من هذا القبيـل، لكن قد يقول قائل: يا أخي هناك كثير من الشركات الاستثمارية وكلها أعطت أرباحاً خيالية ثم أكلت المال وأصله؟ هذا صحيح وطبيعي لأن هؤلاء ليسوا منضبطين بالشرع، وهؤلاء ليسوا مسلمين حقاً، الشرع موضوع للمؤمنين الصادقين، كل إنسان رفع لافتة وقال: أنا مسلم، فهل أصبح مسلماً حقاً؟ كل إنسان ادعى الورع أهو ورع فعلاً؟ كل إنسان ادعى أنه مطبق للشرع أهو فعلاً مطبق للشرع؟ فإذا الناس خاب ظنهم ببعض الشركات التي أعطت أرباحاً خيالية ثم أكلت المال كله فاتجه الناس نحو المصارف والبنوك، فهذا لا يبرر أن نلغي التعامل في موضوع المضاربة، لذلك موضوع درسنا اليوم: المضاربة، البديل الآخر للربا والقرض الاستهلاكي، أول بديل إذا كنت في حاجة إلى قرض استهلاكي كإجراء عملية جراحية أو ترميم بيت مثلاً فهناك إنسان ميسور الحال معه مال فائض نقول له: أيها الغني أقرض هذا الإنسان المؤمن الصادق الطاهر الفقير قرضاً حسناً تبتغي به وجه الله وهذا موضوع الدروس الثلاث السابقة. أصل شركة المضاربة : لكنّا اليوم مع إنسان يملك مبلغاً من المال وهو مضطر أن يأكل وينفق، لكن لا من أصل المال، بل من ريعه، وإنسان آخر لا يقبل الصدقة ولا المساعدة، يريد أن يعمل وأن يبني نفسه، وهذا شيء جميل، أفنقول لصاحب المال أقرض أم اجعل بينك وبين هذا الشاب شركة مضاربة منك المال ومنه الجهد والربح بينكما بنسب تتفقان عليها؟ هذا أصل شركة المضاربة، هو البديل لأي مشروع أساسه الربا، وقد بينت لكم في درس سابق لو أننا أتينا بمشروعين اثنين متشابهين من حيث كتلة المال، ونوع العمل، وكل شروط العمل، الشركة الأولى أساسها قرض ربوي، ممولة بقرض ربوي، والشركة الثانية ممولة بعقد مضاربة بين صاحب مال وبين شريكِ عملٍ، أسعار شركة المضاربة أقل بكثير من أسعار الشركة الربوية لماذا؟ لأن فائدة القرض الربوي تضاف إلى الكلف، أما هنا فليس عندهم فائدة القرض الربوي، بل صاحب المال يأخذ من الربح نصيبه. إذاً الأسعار تهبط، ولو حلّتْ شركات المضاربة مكان الإقراض الربوي الاستثماري لهبطت الأسعار، فإلى تفاصيل هذه الشركة التي هي الحل الوحيد لحاجتين متكافئتين، حاجة أصحاب الأموال لاستثمار أموالهم، وحاجة أصحاب الأعمال إلى تأمين تمويلٍ لأعمالهم، إنها شركة المضاربة والنبي عليه الصلاة والسلام سيد الخلق وحبيب الحق كان أول شريك مضارب في الإسلام. مشروعية شركة المضاربة : بعيداً عن مصطلحات الفقهاء، للتعريف اللغوي والتعريف الشرعي، نبدأ بمشروعية هذه الشركة، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [ سورة المزمل : 20] ضرب في الأرض أي سافر يبتغي الرزق، قال تعالى: ﴿ فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [ سورة الجمعة : 10] ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنْ الضَّالِّينَ﴾ [سورة البقرة: 198] هذه الآيات الثلاثة، يرى بعض العلماء أن فيها إشارة إلى شركة المضاربة. لكن السنة فصلت فالنبي عليه الصلاة والسلام كما تعلمون سافر بمال قبل النبوة، وسافر بمال خديجة رضي الله عنها، والعير التي كان فيها أبو سفيان كان أكثرها مضاربة مع أبي سفيان، فشركة المضاربة كانت معروفة في العالم العربي قبل بعثة النبي وبعد بعثة النبي، والنبي كان شريكاً مضارباً، إذاً كل شيء فعله النبي هو تشريع. قصة جرت مع أصحاب رسول الله : السنة النبوية كما تعلمون هي أقواله وأفعاله وإقراره، قصة جرت مع أصحاب رسول الله: ((حَدَّثَنِي مَالِك عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: خَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ وَعُبَيْدُ اللَّهِ ابْنَا عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي جَيْشٍ إِلَى الْعِرَاقِ فَلَمَّا قَفَلا مَرَّا عَلَى أَبِي مُوسَى الأشْعَرِيِّ وَهُوَ أَمِيرُ الْبَصْرَةِ فَرَحَّبَ بِهِمَا وَسَهَّلَ ثُمَّ قَال: لَوْ أَقْدِرُ لَكُمَا عَلَى أَمْرٍ أَنْفَعُكُمَا بِهِ لَفَعَلْتُ، ثُمَّ قَالَ: بَلَى هَاهُنَا مَالٌ مِنْ مَالِ اللَّهِ أُرِيدُ أَنْ أَبْعَثَ بِهِ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَأُسْلِفُكُمَاهُ فَتَبْتَاعَانِ بِهِ مَتَاعًا مِنْ مَتَاعِ الْعِرَاقِ ثُمَّ تَبِيعَانِهِ بِالْمَدِينَةِ فَتُؤَدِّيَانِ رَأْسَ الْمَالِ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَيَكُونُ الرِّبْحُ لَكُمَا فَقَالا وَدِدْنَا ذَلِكَ فَفَعَلَ، وَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمَا الْمَالَ، فَلَمَّا قَدِمَا بَاعَا فَأُرْبِحَا، فَلَمَّا دَفَعَا ذَلِكَ إِلَى عُمَرَ قَالَ: أَكُلُّ الْجَيْشِ أَسْلَفَهُ مِثْلَ مَا أَسْلَفَكُمَا قَالا لا فَقَالَ:عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ابْنَا أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَأَسْلَفَكُمَا أَدِّيَا الْمَالَ وَرِبْحَهُ فَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ فَسَكَتَ وَأَمَّا عُبَيْدُ اللَّهِ، فَقَالَ: مَا يَنْبَغِي لَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَذَا لَوْ نَقَصَ هَذَا الْمَالُ أَوْ هَلَكَ لَضَمِنَّاهُ، فَقَالَ عُمَرُ: أَدِّيَاهُ فَسَكَتَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَاجَعَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ، فَقَالَ رَجُلٌ: مِنْ جُلَسَاءِ عُمَرَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَوْ جَعَلْتَهُ قِرَاضًا، فَقَالَ عُمَرُ: قَدْ جَعَلْتُهُ قِرَاضًا، فَأَخَذَ عُمَرُ رَأْسَ الْمَالِ وَنِصْفَ رِبْحِهِ، وَأَخَذَ عَبْدُ اللَّهِ وَعُبَيْدُ اللَّهِ ابْنَا عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ نِصْفَ رِبْحِ الْمَالِ)) [مالك عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ] سيدنا عمر بن الخطاب شديد، رأى يوماً إبلاً سمينة قال: لمن هذه الإبل؟ قالوا: هي لعبد الله بن عمر، قال: ائتوني به، جاؤوا به، قال: لمن هذه وهو متجهم الوجه؟ قال: هي لي، اشتريتها بمالي وبعثت بها إلى المرعى لتسمن فماذا فعلت؟ أي يا أبتِ قل لي ما المخالفة التي خالفت بها الشرع؟ البيع حلال والشراء حلال. استمعوا ماذا قال سيدنا عمر قال له: ويقول الناس ارعَوْا هذه الإبل فهي لابن أمير المؤمنين، اسقوا هذه الإبل فهي لابن أمير المؤمنين، وهكذا تسمن إبلك يا بن أمير المؤمنين، هل تعرف لماذا سمنت الإبل التي تملكها؟ لأنك ابني، فقال له: بع هذه الإبل وخذ رأسمالك ورد الباقي لبيت مال المسلمين. من حقّ صاحب المال أن يشترط على المضارب : ((الإمام البيهقي روى عن حميد بن عبد الله عن ابن عبيد الأنصاري عن أبيه عن جده أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أعطى مالَ يتيمٍ مضاربةً وكان يعمل به في العراق)) [البيهقي عن حميد بن عبد الله عن ابن عبيد الأنصاري عن أبيه عن جده] وروى الإمام مالك: ((عَنِ الْعَلاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ أَعْطَاهُ مَالاً قِرَاضًا يَعْمَلُ فِيهِ عَلَى أَنَّ الرِّبْحَ بَيْنَهُمَا )) [مالك عَنِ الْعَلاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4678/03.jpg وروى الإمام الدار قطني: (( عن عروة بن الزبير وعن غيره أن حكيم بن حزام رضي الله عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يشترط على الرجل إذا أعطاه مالاً مقارضةً يضرب له به، ألا تجعل مالي في كبد رطبة ولا تحمله في بحر ولا تنزل به في بطن مسيل وإن فعلت شيئاً من ذلك ضمنت لي مالي)) [الدار قطني عن عروة بن الزبير] ومن حق صاحب المال إذاً أن يشترط على المضارب ممنوع أن تتجر في البضاعة المهربة، ممنوع أن تسافر به خارج القطر، من حق المضارب أن يشترط على العامل، شريك العمل. كان حكيم بن حزام يشترط ألا تجعل مالي في كبد رطبة، تتاجر لي في الغنم وتقول لي: ماتت الغنم، ولا تحمله في بحر فتغرق، ولا تنزل به في بطن مسيل، يأتي سيل عارم ويتلف البضاعة، وإن فعلت شيئاً من ذلك فقد ضمنت لي مالي وأنت مسؤول. هذه فيها أحكام فقهية سوف نوضحها بعد قليل، من حق صاحب المال أن يشترط على صاحب العمل شروطاً فإذا خالفها ضمن المال والخسارة، وعندئذ تقع وحدها على المضارب فقط لا على صاحب المال، والإمام البيهقي يروي: ((عن نافع رضي الله عنه أن ابن عمر رضي الله عنهما كان يكون عنده مال اليتيم فيزكيه ويعطيه مضاربة ويستقرض فيه)) [البيهقي عن نافع رضي الله عنه] لأن النبي عليه الصلاة والسلام فيما ورد عنه اتجروا بمال اليتامى لا تأكلها الزكاة. وجوب الزكاة على المال النامي : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4678/04.jpg بالمناسبة نحن نعلم أن الزكاة لا تجب إلا على المال النامي، وأصل المال لا ينمو، السلع مثلاً: بيت كان ثمنه عشرين ألفاً في عام خمسة وستين، اليوم ثمنه ثمانية ملايين فقد نما. أما الليرة فهي ليرة وما اختلفت، فالمال لا ينمو والذي ينمو البضاعة إذ تشتد الحاجة إليها فيزداد سعرها، فلماذا أوجب الله الزكاة في المال مع أنه لا ينمو بل بالعكس قد يتراجع؟ العلماء قالوا: أوجب الله الزكاة في المال لئلا يكنز، وإذا كنزه الإنسان أكلته الزكاة، أنت مسلم معك مال وخائف عليه، كل سنة تخرج اثنين ونصف بالمئة زكاته على أربعين سنة ينفد المال كله. إما أن تستثمره وإما أنّ الزكاة تأكل المال، فحكمة الشارع الحكيم من فرض الزكاة على المال ولو كان ورقياً لئلا يكنز، فيحرم منه الشاب الذي يتمنى أن يكون هذا المال معه ليعمل به. لكن يا ترى إذا الناس أساؤوا فهل يلتغي الشرع؟ لا، ثم لا، وإذا كان هناك أشخاص احتالوا وأكلوا أموال الناس بالباطل وكذبوا وأعطوا أرباحاً وهمية ثم أكلوا أصل المال، أنلغي الشرع؟ هذه الأخطاء وقعت ولكن هؤلاء الأشخاص غير ملتزمين وليسوا منضبطين وليسوا ورعين، فإذا أخطأ الإنسان فهل يعطل الشرع؟ لا. شركة المضاربة فيها تأمين حاجة أصحاب الأموال والأعمال : لم ينقل عن أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رضوان الله تعالى عليهم أجمعين أنه أنكر التعامل بالمضاربة. أهم ما في الموضوع أن شركة المضاربة فيها تأمين الحاجتين وتلبيتهما، حاجة أصحاب الأموال وحاجة أصحاب الأعمال. وأروع عمل يقول لك: ضربنا عصفورين بحجر، مثل عامي، العمل الرائع أن تحقق هدفين في عمل واحد، هناك أناس في أمس الحاجة إلى أن يكسبوا مالاً من أموالهم المجمدة، وهناك أناس لا يقبلون الصدقة وهم في أمس الحاجة إلى مال يعملون به. فإذا قلنا إلى هؤلاء ادفعوا إلى هؤلاء، ويا هؤلاء اعملوا وأعطوا هؤلاء، معنى ذلك هذا تشريع حكيم لبّى حاجتين متكافئتين في وقت واحد. التجارة تحتاج إلى مؤمن صادق واستقامة و توفيق : لكن النبي الكريم قال: ((لا تُصَاحِبْ إِلا مُؤْمِنًا ولا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلا تَقِيٌّ)) [أخرجه أبو داود والترمذي عن أبي سعيد الخدري ] بطولتك أن تبحث عن المؤمن الصادق، الذي لو قطعته إرباً إرباً لا يأكل قرشاً حراماً، ابحث عن هذا وادفع له المال، وخذ منه ربحاً حلالاً، وهو بنيته الطيبة يوفقه الله عز وجل. ((مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ )) [ البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ] أخواننا التجار يعرفون مع الله لا يوجد أحد ذكي، يوجد تاجر موفق وتاجر غير موفق، أي أكبر تاجر وأذكى تاجر وأطول خبرة عند التاجر يمكن أن يريه الله عز وجل صفقة متألقة نيرة ويكون فيها إفلاسه، ويمكن أن يلهم الله التاجر المؤمن صفقة في نظر الناس عادية جداً يربح منها أرباحاً طائلة جداً. الأمر إذاً رهن توفيق الله، والتجارة تحتاج إلى استقامة وإلى توفيق الله فقط، لا تحتاج إلى ذكاء من أعلى مستوى. ولو كانت الأرزاق تجري مع الحجا هلكن إذاً من جهلهن البهائم *** ترى في المجتمع إنساناً شعلةَ ذكاء، لا يملك قرشاً في جيبه، وآخر على البساطة يأتيه المال جزافاً، من دون حساب، الرزق له قوانين. أسباب زيادة الرزق : 1 ـ الاستقامة : نحن سابقاً تكلمنا بخطبة أو بخطبتين فيما أذكر عن أسباب زيادة الرزق وذكرت في وقتها الاستقامة والدليل قال تعالى: ﴿ وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ﴾ [ سورة الجن: 16-17 ] ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ﴾ [ سورة الأعراف : 96 ] 2 ـ الأمانة : الأمانة: (( الأمانة غنىً )) [ القضاعي عن أنس ] الإنسان الأمين موثوق، والموثوق تدفع له الأموال، ويعمل عملاً طيباً حلالاً، وينتفع وينفع. 3 ـ إتقان العمل : إتقان العمل عاملٌ للرزق: (( إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه )) [ الجامع الصغير عن عائشة ] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4678/05.jpg انظر إلى أصحاب الحرف ترى المتقن ليس عنده كساد، وغير المتقن عمله يقول لك: أعمل شهراً وأقف شهرين، ويقول: عندنا ركود وكساد، بينما المتقن عمله في نفس الوقت يقول لك: عندي عمل لشهرين قادمين، لماذا فلان يعمل قليلاً ويقف بلا عمل كثيراً وفلان دائماً عنده عمل؟ فالمتقن لا يشكو فتور السوق وعليه طلب كثير. أسمع عن بلاط كان الناس يوصون عليه من قبل سنتين، فمعمل البلاط لسنتين مشغول، عمله متقن، والعامل لا يمكن أن يبلط مع رفرفة، وميل صحيح. تلاحظ شركات ليس لها دعاية، لأنها ليست بحاجة إلى دعاية، إنتاجها نافق من دون دعاية، وعندما تبدأ بالدعاية فمعنى هذا أن عندها كساداً، وعلامة الكساد الدعاية، إذاً: الإتقان الشديد وحده هو دعاية. يا أخوان، بإتقان عملك تجعل كل زبائنك يدعون لك مجاناً، كن نجاراً متقناً فهذا الزبون يمدحك سنتين وهو لا يشعر، يقول: الله يوجه له كل خير، صنع لنا أبواباً جيدة، بينما رجل اشترى طقم جلوس فأول يوم فرح به ودعا الضيوف لبيته فكسر الطقم، فذهب إلى الذي باعه فقال له: الطقم انهار. فقال: الظاهر جلستم عليه. إنسان رأى عرقاً أخضر في غرفة النوم، فالخشب لم يجف بعد، أصابَتْه بعض القطرات من السقف فنبت عرق أخضر. تريد أن يثني الناس كلهم على بضاعتك فأتقن عملك، تجعل الناس يروجون بضاعتك وهم لا يشعرون، إذاً شركة المضاربة فيها دفع الحاجتين، تلبية حاجتين في وقت واحد. نطاق المضاربة نطاق واسع : الآن نطاق المضاربة واسع جداً، يجوز أن تدفع مالك إلى اثنين أو إلى ثلاثة أو إلى أربعة، لا شيء يمنع أن تدفع مالك إلى اثنين أو إلى ثلاثة أو إلى خمسة، عندنا قاعدة: مثل غربي، إياك أن تضع البيض كله في سلة واحدة. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4678/06.jpg والتجار يقولون: اجمع عيالك وفرق مالك، أحياناً تكون مصلحة رائجة فإن كان كل ماله في هذه المصلحة، فربما بقرار تنتهي هذه المصلحة، مرة كنت في حمص هناك محلات عند موقف شركات الباصات تبيع بيعاً مذهلاً من طعامٍ وشرابٍ وسندويش، فلما نقل مركز الباصات إلى خارج حمص، العشرون محلاً أغلقت، فإذا كان المال كله في عمل واحد وصارت مشكلة توقف العمل، فتوزيع الأموال حكمة، فيجوز دفع الأموال إلى اثنين أو ثلاثة. إذا كان هذا مربحه أكبر نميل إليه، يجوز دفع المال إلى اثنين وأكثر مضاربةً، ويمكن أن تكون أنت شريك العمل وأن تأخذ أموالاً من أكثر من شخص، مشروعك أكبر من حدود شخص، قد تحتاج إلى مئة شخص أو خمسين فيمكن أن تدفع إلى أكثر من واحد ويمكن أن تأخذ من أكثر من واحد هذا يجوز في تشريع المضاربة. أحياناً أنت شريك مضارب ومعك مال أكثر من طاقتك، يمكن أن تضارب أنت به، تثق بإنسان عنده خبرة جيدة تدفع له هذا المال وتقول له: أنت مسؤول، إذا استأذنت صاحب المال فلست مسؤول، إن لم تستأذنه فأنت مسؤول، فالخسارة عليك، ممكن لِلْمضارب أن يضارب إذا كان حجم عمله لا يحتمل الكتلة النقدية التي معه، يمكن للمضارب أن يأخذ مضاربة أخرى، أي يأخذ من أكثر من إنسان لمضاربة واحدة ويأخذ من أكثر من إنسان لمضاربة ثانية فيقوم بمشروعين في وقت واحد. من الممكن أن تدفع المال لأكثر من مضارب، ومن الممكن للمضارب أن يأخذ من أكثر من إنسان، ويمكن للمضارب أن يضارب، ويمكن للمضارب أن يأخذ مضاربة أخرى لموضوع آخر. يمكن أن يكون رأس المال نقداً أو عروضاً، إنسان عنده بضاعة قال صاحبها: بع هذه البضاعة واجعل مالها مضاربة بيني وبينك، أو قيّمها وبعها مضاربة بيني وبينك، قد يضع إنسان بضاعة عند آخر بالأمانة كأن يضع عنده قماشاً ويقول له: بع هذا القماش والربح بيننا، شخص عنده محل ولا يملك بضاعة، وشخص مستورد يملك بضاعة كثيرة، أعطاه عشر صفقات وقال له: بع هذه الصفقات والربح بيني وبينك مناصفة. يمكن أن تأخذ مالاً ويمكن أن تأخذ بضاعة، يمكن أن تكون المضاربة في جميع أنواع التجارة المباحة، أي نوع من أنواع التجارة المباحة تجري فيها المضاربة. بالصناعة ممكن، وفي الزراعة والتجارة ممكن، وفي الخدمات ممكن، مكتب هندسي والمهندس لا يملك إلا اختصاصه يحتاج إلى مكتب، وإلى موظفين، جاء إنسان ممول، ممكن صيدلية، إنسان يحمـل شهادة صيدلة لكن لا يملك المال، وهناك جهة موَّلت المحل والأدوية والتجهيزات والربح بينهما، ليس هناك شركات أوسع من المضاربة. قواعد استنبطها العلماء في المضاربة: لكن هذه المضاربة ولئلا يستغل طرف الطرف الآخر، ولئلا يحيف طرف على الطرف الآخر، ولئلا يظلم طرف الطرف الآخر، هناك قواعد استنبطها العلماء، هذه القواعد تعد كالشروط بعضها برأس المال، رأس المال لا يستحق الربح إلا إذا سلمته، أنا واضع مبلغاً فماذا ربحنا؟ طبعاً هذا شرط بديهي. لا بد من تسليم رأس المال حتى يستحق الربح، ولا يستحق رأس المال الربح إلا من تاريخ التسليم، فمن قبل لا يجوز ومن بعد لا يجوز، فيه ظلم، ومن قبل لا يجوز فيه ظلم للمضارب. أعطاه المال في شهر نيسان قال له: أنا أريد الربح من أول السنة لا يجوز، من قبل لا يجوز ومن بعد لا يجوز. شدة شروط صاحب المال تقيد الشريك و تقلل الربح: من حيث تصرف العامل يوجد عدة آراء: إذا دفعت المال للشريك المضارب، ولم تشترط عليه شيئاً، ولم تقنن له قانوناً، ولم تحظر عليه محظوراً، فأنت مسؤول عن كل تصرفاته، أما إن قلت له :أنا لا أوافق على أن أشتري بضاعة غير نظامية، فإن اشترى بضاعة غير نظامية وصودرت فهو مسؤول وحده عن ذلك، إذا خالف المضارب تعليمات صاحب المال يصبح ضامناً أي مسؤولاً. يجوز أن تشترط ويجوز ألا تشترط، إن كان لك ثقة كبيرة في هذا المضارب لا تقيده، تعرفه من حكمته وعقله الكبير وذكائه وورعه أنه يختار الشيء المناسب لهذا المال، أما إن كنت تعرفه طائشاً فاحذر. ذهب مفتش في التعليم الابتدائي إلى قرية من قرى محافظة ريف دمشق، ودخل إلى صف وسمع درس المعلم اللطيف، وأحب أن يتقرب من الطلاب فسأل طالباً: أنت يا بني ماذا تحب أن تكون عندما تكبر؟ هل تحب أن تكون طياراً مثلاً أو مهندساً؟ فقال له الطالب: مهرب، أستاذ. إذا أنت اشترطت على المضارب ألا يشتري بضاعة غير نظامية واشترى فهو مسؤول، ممكن لك أن تشترط ألا يتعامل بنقد غير سوري، يوجد قوانين قاسية لمن يتعامل بنقد غير سوري، عشرون سنة في السجن أحياناً فأنت ليس لك مصلحة، وأنت كصاحب مال عليك أن تقول: هذا ممنوع وذاك ممنوع، والمال يبقى في سوريا ولا يخرج خارج القطر، لا يجوز لك استثمار عن طريق العملة لأن هذه ممنوعة، بضاعة غير نظامية مرفوضة فأنت لك حق أن تشترط، وإذا لم تشترط معنى هذا أن لك ثقة كبيرة في هذه الجهة من حيث العلم والحكمة والورع... طبعاً هناك شروط قاسية جداً، والشروط إذا اشتدت قيدت شريك العمل وقللت فرص الربح، إذا قال له مثلاً: بأية لحظة أطلب المال تقدمه، فهذا كلام فارغ، اشترى فيه بضاعة وليس معقولاً أن يعطيك المال في أية لحظة، فإن كان المال لا يعمل معنى هذا أنه أعطاك ربا، إذا مالك في الصندوق وبأي لحظة يدفعه لك فمعنى هذا أن المال لم يربح وأعطاك ربحاً خلبياً وهمياً. صاحب المال ليس مسؤولاً إلا في حدود المال : عندنا حكم خاص: إذا المضارب خالف تعليمات صاحب المال بعضهم يقول: يضمن الخسارة ولا يأخذ شيئاً من الربح، إن ربح فلصاحب المال وإن خسر فعليه تأديب له لأنه خالف تعليمات صاحب المال. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4678/07.jpg لو فرضنا أن هذا المضارب أعطاه مليوناً أو نصف مليون، فذهب واشترى بضاعة بعشرة ملايين ولسبب أو لآخر البضاعة تلفت أو هبط سعرها فجأة وعليه التزام دفع عشرة ملايين، فالشريك المضارب عليه أن يدفع هذه الخسارة الكبيرة، صاحب المال ليس مسؤولاً إلا في حدود المال الذي دفعه إليه، أما أن تحمله أكثر من حجمه فلا، وهذه يسمونها: توصية شركة بسيطة، صاحب المال ليس مسؤولاً إلا في حدود المال. أعطاك مئة ألف فعملك ضمن المئة ألف، فأية خسارة تزيد على حجم المال كله فصاحب المال ليس مسؤولاً عنها، لا يسأل إلا في حدود رأسماله الذي دفعه إليك. الآن أكبر مشكلة في التجارة، أن يعمل التاجر بعشرة أضعاف حجمه المالي، فأحياناً تقع هزات فوق طاقة الاحتمال، معه مبلغ تدين عشرة أمثاله، واشترى صفقة وفي نيته أن يسترد ربحها أضعافاً مضاعفة، الصفقة لم تبع أو صودرت أو نشأ منها مشكلة. صار معرض خارج سوريا وهؤلاء التجار اجتهدوا، وأرسلوا بضاعة كبيرة جداً، بينهم تاجر حتى يمرر أكبر كمية بضاعة ممكنة وضع الأسعار: العُشر في الفواتير، والقصد أن يبيع البضاعة ويربح أضعافاً مضاعفة، مسموح للتاجر فرضاً بمبلغ ثلاثمئة ألف ليرة والقصة قديمة، هؤلاء التجار حتى يخرجوا بضاعة بمبلغ مليوني ليرة أعطوا أسعاراً لبضاعتهم على الفواتير بقيمة العشر، ووضعوا ضمن البضاعة تهريبات كبيرة جداً، القطر الآخر الذي كان سوف يقام فيه المعرض قال: أنا سوف أشتري البضاعة بفواتيرها، فكل شيء ضمن البضاعة وفيها مهربات خيالية، راحت البضاعة كلها بمبلغ عُشر ثمنها، فلو فرضنا أن هذا استدان عشرة أضعاف رأسماله ما الذي حلّ به؟ العاقل الذي يعمل ضمن حدود رأسماله، أما أكثر فقد تقع هزات لا تحتملها. خذ من الدنيا ما شئت وخذ بقدرها هماً، ومن أخذ من الدنيا فوق ما يكفيه أخذ من حتفه وهو لا يشعر. نفقة العامل : بقي موضوع نفقة العامل: وهو موضوع خلافي أيضاً، شريك العمل إذا سافر، أكثر العلماء قالوا: إن مصروف الطعام والشراب والمبيت وغسل الثياب من حساب شركة المضاربة، أما في بلده فطعامه في بيته. لكن هناك لفتة لطيفة قالوا: فأيام سفره لم يبع شيئاً، ولا أحضر بضاعة، فيدفع شريك المال نفقات السفر والإقامة في الفنادق، ولكنه إذا أكل في مطعم على البحر وبذخ فلا يجوز أن يعمل هكذا، فالشركة لا تتحمل هذه النفقة، فموضوع النفقة موضوع خلافي، بعضهم أجاز نفقته في بلده، وبعضهم منع النفقة كلياً، وبعضهم وقف موقفاً متوسطاً قال: في السفر نعطيه لنفقة الطعام والشراب وغسل الثياب الحد الأدنى إن احتمل العمل ذلك، وأحياناً يبيع بحجم كبير ويقبض أموالاً كثيرة والشركة تتحمل هذه النفقات. قالوا: إذا خرج المضارب إلى سفر بماله ومال شريكه فالنفقة بينهما وليس كلها عليه، قد يقول لك: أنا سوف أبيعك مرابحة اكشف الفواتير، قد يكون سافر إلى أوربا وسافر إلى إجراء ثلاثين صفقة ومعها سياحة وضع كل نفقات الفنادق والطعام على حساب صفقة واحدة ويقول هذه هي التكلفة: كلفنا السفر ثلاثمئة وخمسين ألفاً. هذا كذب وأنت أحضرت ثلاثين صفقة وعملت سياحة أيضاً، فهذه تحتاج إلى تقوى، الإنسان إذا لم يتقِ الله عز وجل فالله يتلف له ماله. (( مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ وَمَنْ أَخَذَها يُرِيدُ إِتْلافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ )) [البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ] ما يتعلق بالأرباح والخسائر : الأرباح والخسائر هذه بين صاحب المال وصاحب العمل وهو بالاتفاق، المسلمون عند شروطهم، هناك أعمال مركز الثقل فيها الجهد، ممكن أن نأخذ لرجل محلاً خارج دمشق بدون فروغ، ونأخذ له عُدة تصليح سيارات بعشرة آلاف ونقول له: اعمل، يأتيه محرك يعمل به بجهده، وعضلاته، وخبرته، ليس من المعقول أن نقول له: نصف للمال ونصف للجهد، بل يأخذ للجهد ثمانين بالمئة لأن المال قليل جداً والجهد كبير جداً. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4678/08.jpg نفتح محلَ بيعٍ فقط ليس فيه جهد كبير، والبضاعة كلها مسعرة، والمحل مكلف ملايين، ضع فيه شريكاً مضارباً يكفيه بالمئة ثلاثون أو خمسة وثلاثون، فكل مصلحة لها عرف، بعض المصالح تستدعي خمسين بخمسين، وبعضها ثمانين بعشرين، المرجح هو الجهد. هل الأصل والأساس للجهد أم للمال؟ هذا يعرفه أصحاب الحرف وأصحاب المصالح وهذا بالاتفاق. المسلمون عند شروطهم، لكن لا يجوز أبداً أن يأخذ صاحب المال ربحاً ثابتاً وإلا انقلب إلى ربا، له نصيب ثابت وليس ربحاً ثابتاً، يقول له: أريد خمساً وثلاثين بالمئة نصيب ثابت، أو أريد خمسين بالمئة، وفرق كبير بين الربح والنصيب، النصيب مشروع أما الربح فلا يجوز لأنه صار ربا. أما الخسارة فهي على صاحب المال وحده لأن هذا شريك الجهد، خسر جهده، عمل سنةً مجاناً وأكل بالدين، الخسارة على صاحب المال، إلا في حالتين إذا كان هناك عدوان أو تقصير أو مخالفة للتعليمات فالخسارة يتحملها شريك الجهد وهو ضامن ومسؤول. أنا لا أقدم لكم تعليمات تفصيلية، أقدم لكم الأشياء الأساسية في هذا الموضوع، لأن الدرس ينتهي مع انتهاء هذا الموضوع. ما يفعله الإنسان في حلّ شركة المضاربة : الآن أردنا حل هذه الشركة ولدينا بضاعة، لو قلت لامرأة عمرها ثمانون سنة واضعة معك المال: تعالي وخذي القماش، أموالك أصبحت قماشاً، وهي لا تستطيع أن تبيع القماش، التعليمات أو الأصول الشرعية ينبغي أن تقلب البضاعة إلى مال ثم تردها إلى صاحب المال، أعطاك مالاً تعطيه مالاً، أما أن تقول: تعال وخذ بضاعة فلا. أما لو فرضنا شريك المال تاجر مقتدر، وأحب أن ينوع أعماله، ووضع معك مالاً، وهذه البضاعة تلزمه، فممكن أن يبيعها ويربح بها فتعطيه بضاعة عندئذ. هل من المعقول أن تكلف إنساناً ليس له خبرة تجارية وتعطيه بضاعة؟ هذا ظلم شديد، وأحياناً بالعكس البضاعة غالية جداً تقول له: انتظر حتى أبيعها، ويمكن أن تباع الآن ولكن عليك أن تنتظر فترة أطول، وفي بعض الأحوال صاحب المال يُظلم أو صاحب الجهد يُظلم فلا بد من العدل بينهما، الأكمل أن تدفع لصاحب المال ماله والربح بينك وبينه. لو فرضنا عقد المضاربة كان فاسداً فماذا نعمل؟ ينقلب الشريك المضارب إلى أجير يأخذ أجر المثل والربح كله لرأس المال. كما قلت قبل قليل: هذه الأحكام المتعلقة بالمضاربة أحكام إجمالية وأحكام غير تفصيلية، لكن القصد من هذا الموضوع أن في الإسلام الحل لكل مشكلة قائمة في كل مجتمع إنساني، إنسان معه مال لا يستطيع استثماره يود أن يعيش منه يدفعه إلى إنسان يملك الطاقة ولا يملك المال هذا يكمل هذا، وحاجتان أساسيتان تلبيان في عقد واحد. تدابير احترازية : بقي من الدرس الماضي فكرة أود أن أعرج عليها حتى يكون الموضوع تاماً، نحن حينما تحدثنا عن القرض الحسن في الدرس الماضي وصلنا إلى أن هناك تدابير احترازية تُلزم المقترض أن يدفع للمقرض ماله، من هذه التدابير منعه من السفر، ومن هذه التدابير حبسه، ومن هذه التدابير الحجر عليه ومنعه من التبرع بماله، هذه كلها من التدابير الاحترازية. مساعدة المدينين لأداء ديونهم : آخر موضوع بعد عقوبة حبس المدين، مساعدة المدينين لأداء ديونهم، أروع ما في الشرع أن الله سبحانه وتعالى شرع لنا في الزكاة مصرفاً هو مصرف الغارمين. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4678/09.jpg الغارمون هم أصحاب الديون التي لا يطيقون وفاءَها، هؤلاء يجب لهم في الزكاة ما يغطي لهم هذه الديون، هذه نقطة دقيقة جداً قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [ سورة التوبة : 60] الغارم هو الذي ركبه دين لا يستطيع أن يؤديه، الإمام القرطبي يقول: "الغارمون هم الذين ركبهم الدين ولا وفاء عندهم به ولا خلاف فيه، إلا من اقترض في سفاهة فإنه لا يعطى منها". يقول المزكي: ماذا عليك من دين؟ يقول الغارم: ثلاثة آلاف، لماذا استقرضتهم؟ يقول: ذهبنا إلى اللاذقية للتنـزه، واشترينا فيديو، الدين في سفاهة لا يمكن أن يؤدى من الزكاة، يكون الدَّين مشروعاً لسبب جوهري كعملية جراحية، ترميم بيت يكاد ينهار مثلاً. (( عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: أُصِيبَ رَجُلٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ثِمَارٍ ابْتَاعَهَا فَكَثُرَ دَيْنُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ فَتَصَدَّقَ النَّاسُ عَلَيْهِ)) [مسلم عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ] شروط دفع الدَّين عن الغريم من بيت مال المسلمين: صاحب الدَّين المشروع يجوز أن يأخذ من أموال الزكاة، إذا لم يتقدم أحد فماذا نفعل؟ إنسان غارم عليه دين لا يطيق وفاءه، وما أحد تقدم، وهناك أزمة ولا توجد سيولة نقدية بين أيدي الناس، الشرع قال: بيت مال المسلمين متكفل بأن يحمل عن هذا الغريم دينه، لكن العلماء قالوا: لا يدفع بيت مال المسلمين الدين عن الغريم إلا في شروط: أن يكون هذا الدين لسبب معقول، وجيه وأساسي، عمل جراحي، آلة ليأكل منها، وأن يكون صاحب الدين قد بذل كل جهده في تأدية الدين فلم يستطع، فدينه على بيت مال المسلمين ليوفي دينه، و أن يوجد في بيت المال مال، فيمكن حينئذ أن يلبي بيت المال حاجة المدين. عندنا قاعدة أساسية: لا تركة إلا بعد أداء الدين، شخص ترك بيتاً وترك سيارة ومحلاً تجارياً، هذه ليست تركة إلا بعد أن تؤدى ديونه، ما لم تؤدّ ديونه فهذه ليست تركة، والدين يؤخذ من رأس المال، قال تعالى: ﴿ وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمْ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [ سورة النساء: 12] كما قال العلماء: لا تركة إلا بعد أداء الدين، حجم التركة التي تركها الميت هو المبلغ المنقول أو غير المنقول بعد أداء ديونه لعظم الدين، فالدين يؤخذ قبل كل شيء ولو استغرق التركة كلها، ولو عنده أيتام، أصحاب الأموال مفضلون. |
رد: العبادات التعاملية
تسلمين اختى افراح على تواجدك الدائم
|
رد: العبادات التعاملية
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية الدرس : ( التاسع ) الموضوع : مقدمة عن القضاء الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. القضاء : أيها الأخوة المؤمنون، موضوع من أبرز موضوعات الفقه الإسلامي، هو موضوع القضاء، منذ أن شرفني الله عز وجل بالتدريس و الخطابة في هذا المسجد ما خطر في بالي أبداً أن أعالج هذا الموضوع، لظني أنه موضوع اختصاصي، من شأن القضاة وحدهم، ولكن مع مرور الزمن تبين أن هناك أشخاصاً كثيرين يقومون بشكل أو بآخر بدور القضاة. فالبنت التي تأتي أباها وقد غضبت من زوجها، أليس الأب قاضياً؟ يستمع منها ما شاء له أن يستمع، ولا يخطر في باله أبداً أن يسأل صهره الكريم ما القصة؟ وما الحدث؟ فالأب الذي يحكم على صهره دون أن يستمع منه، ويكتفي بكلام ابنته، فهو قاض ظالم، والأم كذلك، ورئيس الدائرة الذي يختلف أمامه موظفان، فيرجح جانباً على جانب، من دون أن يأخذ بأسباب القضاء. تكشف لي من خلال مضي الأيام أن القضاة الذين يقضون بين الناس أكبر بكثير، وعددهم أكثر بكثير من القضاة الذين نصبوا في قصر العدل، ألا يختلف التجار فيما بينهم؟ أكثر التجار يحكمون بعضهم في بت قضاياهم المعلقة، إذاً التاجر قد يكون قاضياً، و رئيس الدائرة قد يكون قاضياً، والأب قد يكون قاضياً، والأم قد تكون قاضية. ولا أعتقد أن هناك شعوراً يمس النفس البشرية أشد إيلاماً من الشعور بالظلم، أحياناً إذا ظلمت طفلاً صغيراً لا تزيد سنه عن خمس سنوات يكاد يخرج من جلده، تقول: طفل، إذا شكا رفيقه ضربت الاثنين معاً وقلت لهم: اذهبوا، فالمظلوم من الأطفال يكاد يتمزق، أي ما من شعور يسحق النفس كأن تشعر أنها مظلومة، لذلك ورد في الأثر أن عدل ساعة خير من أن تعبد الله ستين عاماً. والقصة التي تروى أن حجراً ضج بالشكوى إلى الله عز وجل قال: يا ربي عبدتك خمسين عاماً وأنا في دورة الخلاء؟ فقال الله عز وجل: تأدب يا حجر إذ لم أجعلك في مجلس قاضٍ ظالم، أي أن يكون الحجر في دورة المياه هذا أشرف له ألف مرة من أن يكون في مجلس قاصٍ ظالم. القضاء أن تقضي بين الناس بالحق : كما قلت قبل قليل: ما خطر في بالي في العشرين سنة الماضية أن أعالج موضوع القضاء، إلا أنني تأكدت أنه ما من واحد، إن كان أباً، أو أماً، أو كان موظفاً، أو طبيباً، أو مهندساً، أو معلماً، أو مديراً، أو رئيس دائرة، ما من إنسان إلا وهو يقوم بدور القاضي شاء أم أبى، يا ترى هناك بديهيات في القضاء، هناك مبادئ أساسية، نحن هنا في هذا الدرس لا يعقل أن ندخل في تفاصيل القضاء، ولكن هناك مبادئ أساسية مثلاً، أحد أكبر هذه المبادئ أن تستمع إلى الطرف الآخر، هناك أناس كثيرون يحكمون على أشخاص من زاوية واحدة، يغذى من جهة واحدة، فإذا أراد أن يحكم حكماً وكانت معلوماته من طرف واحد ثم استمع إلى الطرف الآخر يصعق، فهذه بديهية من بديهيات القضاء، أنا لا أتحدث عن القضاء الرسمي، أن تكون مستشاراً في محكمة استئناف، ولا أن تكون قاضي صلح، ولكن أن تكون قاضياً بين ابنتك وزوجها، أن تكون قاضياً بين تاجرين، بين شريكين، أن تكون مدير لمدرسة واختلف مدرسان، الحكم إليك، هذا هو القضاء، أن تقضي بين الناس بالحق، فلذلك قالوا: القضاء غاية رسالات الله. العدل أساس الرخاء و الاطمئنان : ما الذي يطمئن الناس؟ أن يشعروا أن الحقوق مصونة، وأن كل من اعتدى عليها مدان، و سينال عقابه الصارم، إذا شاع في المجتمع هذا الشعور نحن بخير. ولا أدل على ذلك من أن أحد رؤساء الوزارة في الدول الغربية عقب الحرب العالمية الثانية، طبعاً بلاده كلها مهدمة، المعامل مخربة، والزراعة متعطلة، الأموال مفقودة، كل شيء صفر، وقف في مجلس العموم، وسأل وزراءه وزيراً وزيراً، كيف حال الصناعة عندك يا فلان؟ قال له: المعامل كلها خربت بالقنابل، كيف حال النقد عندك يا وزير المالية؟ قال له: لا يوجد نقد، إفلاس كامل، كيف حال الصناعة؟ كيف حال التجارة؟ طبعاً يريد شيئاً، هذا رئيس الوزراء وصل إلى وزير العدل، فقال له: كيف العدل عندك يا فلان؟ قال: بخير، قال: إذاً كلنا بخير. أي لا يوجد شيء يمس حياة كل إنسان كالقضاء، كأن يصل الإنسان إلى حتفه أساساً. سيدنا عمر مشى في الطريق رأى غلماناً فلما رأوه تفرقوا إلا واحداً منهم، سأله: أيها الغلام لمَ لم تهرب مع من هرب؟ قال له: أيها الأمير لست ظالماً فأخشى ظلمك، و لست مذنباً فأخشى عقابك، والطريق يسعني ويسعك، هذا الغلام الصغير رسم سياسة المجتمع، أي في المجتمع الذي يخاف فيه المذنب ويطمئن البريء هذا مجتمع متفوق جداً، هذا مجتمع متقدم، وفي المجتمع الذي يخاف فيه البريء ويطمئن المذنب هذا تخلف قضائي ما بعده تخلف، أي هذا المجتمع في طريق الهاوية. ((عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ امْرَأَةً سَرَقَتْ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ فَفَزِعَ قَوْمُهَا إِلَى أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ يَسْتَشْفِعُونَهُ قَالَ عُرْوَةُ: فَلَمَّا كَلَّمَهُ أُسَامَةُ فِيهَا تَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَتُكَلِّمُنِي فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ، قَالَ أُسَامَةُ اسْتَغْفِرْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَلَمَّا كَانَ الْعَشِيُّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ خَطِيبًا، فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ، أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّمَا أَهْلَكَ النَّاسَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا، ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتِلْكَ الْمَرْأَةِ فَقُطِعَتْ يَدُهَا فَحَسُنَتْ تَوْبَتُهَا بَعْدَ ذَلِكَ وَتَزَوَّجَتْ، قَالَتْ عَائِشَةُ فَكَانَتْ تَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ فَأَرْفَعُ حَاجَتَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ )) [البخاري عَنِ الزُّهْرِيِّ ] ما من مجتمع يشعر بالطمأنينة، والرخاء، والطيب كالمجتمع الذي يسوده العدل. العدل أساس الملك : نحن اتفقنا في دروس كثيرة الإنسان مسؤول في الدائرة التي أقامه الله بها، لا علاقة لنا نحن بالأمور العامة، لنا علاقة بالبيوت، أي لا يستطيع الأب أن يعدل بين أولاده، ممكن يعطي ابناً، يزود أول ابن ببيت وسيارة، ويعطيه نصف المعمل، وعنده خمسة أولاد بلا شيء، ممكن! ممكن ابن من زوجة يعطيه كل شيء، وابن الزوجة المطلقة لا يعطيه شيئاً، ممكن! هذا قاض تفضل، فلذلك لا أعتقد أن واحداً من الحاضرين ولا إنسان في المجتمع إلا ويتعرض إلى موقف القضاء، فالأب محكم بين أولاده، فإما أن يعدل بينهم، وإما أن يجور عليهم. ((عَنِ الشَّعْبِيِّ عليه الصلاة والسلام، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: انْطَلَقَ بِي أَبِي يَحْمِلُنِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ اشْهَدْ أَنِّي قَدْ نَحَلْتُ النُّعْمَانَ كَذَا وَكَذَا مِنْ مَالِي، فَقَالَ أَكُلَّ بَنِيكَ قَدْ نَحَلْتَ مِثْلَ مَا نَحَلْتَ النُّعْمَانَ قَالَ: لا، قَالَ فَأَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي ثُمَّ قَالَ: أَيَسُرُّكَ أَنْ يَكُونُوا إِلَيْكَ فِي الْبِرِّ سَوَاءً قَالَ بَلَى قَالَ فَلا إِذًا )) [ مسلم عَنِ الشَّعْبِيِّ ] فأنا كنت أتوهم أن هذا الموضوع اختصاصي، خاص بالقضاة، ثم وجدت أن هذا الموضوع من ألصق الموضوعات بالمؤمنين، أي أنت قاض في أغلب الأحيان، في بيتك قاض، مع أولادك قاض، بين أولادك قاض، بين الذكور والإناث قاض، بين زوجتك وأهلها، بين صهرك وابنتك، لابد من أن تقف موقف القاضي، على مستوى الأسرة، لذلك العدل أساس الملك، ما من أسرة ترقى وتزدهر إلا بالعدل، بين الذكور والإناث، وبين الإناث والذكور، فالعدل إذاً قيمة من قيم الإيمان العليا، بل إنه هدف من هدف رسالات الأنبياء، العدل يشيع الطمأنينة بين الناس، و ينشر الأمن. حدثني أخ يعمل في الأمن الجنائي، موضوع الجرائم وما الجرائم، قال لي: دخلت علينا امرأة محجبة وسمعت صوت شاب يصيح من التعذيب، هذه المرأة خرجت عن طورها، وانطلقت تسب هؤلاء الذين يعذبون الشاب، قال لي هذا الضابط: ترفقنا بها وقلنا لها: يا أختي هذا الشاب الذي نعاقبه زنا بفتاة قاصر وقتلها، قال لي هذا الضابط: فجأةً انقلبت هذه المرأة إلى امرأة أخرى تلهج بالثناء والدعاء لهم، شيء مريح، إنسان يزني بفتاة قاصر، ويقتلها!! إن الله يذع في السلطان ما لا يذعه في القرآن. إقامة العدل يشيع الأمن : لذلك العدل من أوثق الموضوعات في حياة المؤمنين، وكم من رجل يصلي ويصوم، ويحج، ولا يقيم العدل في بيته، ولا مع أولاده، ولا بين أصهاره، تجد صهراً مقرباً، وصهراً منبوذاً، أنا سمعت قصة من صديق، طبعاً زوجته لها أب ميسور الحال، و له بيت مصيف من أرقى المصايف، فهذه الفتاة دعت زوجها وأولادها إلى زيارة أبيها في هذا المصيف، في أحد أيام العيد رأت أخوتها هناك هي من أم غير الأم التي مع أبيها، طبعاً الأولاد الآخرون مدعوون لتناول طعام الغذاء عند أبيهم، في أول أيام العيد، في المصيف والطعام ما لذّ وطاب، هذه الفتاة التي هي ابنة صاحب البيت، مع زوجها، لم تستقبل الاستقبال الكافي، ثم طردت، أو ما يشبه الطرد حتى يفرغ الجو لأخوتها الأخريات، تقول هذه الفتاة: تألمت ألماً لا يعلمه إلا الله، كسر قلبها، هذا ظلم، هذه ابنتك، وهذه ابنتك، عندما تستقبل هؤلاء وترحب بهم، وتدعوهم لتناول طعام الغذاء، وهذه لأنها من زوجة مطلقة، وزوجتك الحالية لا ترضى عنها، طردت من البيت في أول أيام العيد، لما أعطيت ابنتك من هذه الزوجة خمسة آلاف وأعطيت هذه خمسمئة، وهذه ابنتك و هذه ابنتك هذا ظلم كبير، و هناك كل موقف من الآباء يهتز له عرش الرحمن. فلذلك أيها الأخوة، هذا الموضوع ليس اختصاصياً، هذا الموضوع لصيق بكل مؤمن، طبعاً أنا لا أعالجه من زاوية القضاء الرسمي، و المحاكم الصلح، والبداية، والاستئناف، والنقد، ولا أعالجه من نواح أخرى، أنا أعالج موضوع القضاء من حياة المؤمن، هو في أسرة، هو شريك في عمل، هو حكم تجاري، هو مدرس على طلاب، هو مهندس على عمال، لا يوجد إنسان إلا وكل إليه أمر بعض الأشخاص، فكل مجموعة أشخاص تحت رعايتك، فأنت بشكل أو بآخر قاضٍ عليهم، لذلك القضاء العدل يشيع الطمأنينة، يشيع الأمن، تشتد العلاقات بين الأفراد، تقوى الثقة بين الحاكم والمحكوم، تنمو الثروة، لأن بالطمأنينة الإنسان يتحرك، أما أخذ ماله، أقام دعوى بقيت لعشر سنوات، ثم خرج السارق بكفالة، وانتهى الأمر، والموضوع تلفلف، فهذا الشيء مؤلم جداً. مهمة الأنبياء : الحقيقة مهمة الأنبياء والرسل القيام بأمر العدل وتنفيذه، قال تعالى: ﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾ [ سورة الحديد : 25 ] آية واضحة جداً: ﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ﴾ [ سورة الحديد : 25 ] إذاً أحد أكبر أهداف إرسال الأنبياء والمرسلين أن يقوموا بالعدل والقسط بين الناس. أكبر أهداف الأنبياء أن يقوموا بالعدل والقسط : (( بَيْنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْسِمُ ذَاتَ يَوْمٍ قِسْمًا، فَقَالَ ذُو الْخُوَيْصِرَةِ - رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ- يَا رَسُولَ اللَّهِ اعْدِلْ قَالَ: وَيْلَكَ! مَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَعْدِلْ )) [ البخاري عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ] يقولون إن النبي عليه الصلاة والسلام كان عمه العباس مقيماً في مكة، و كان قد آمن به، وأخفى عن المشركين إيمانه، وإسلامه، وقام بدور خطير جداً، كان عين النبي عليه الصلاة والسلام في مكة، فكلما أجمعت قريش أمراً ضد محمد عليه الصلاة والسلام، كان العباس يخبر النبي عليه الصلاة والسلام بالخبر، فما دام عمه العباس بين علية القوم في مكة فلن يفاجأ النبي عليه الصلاة والسلام، أي هذا موقف ذكي جداً، أن إنساناً له خصم، وخصم شرس وقوي، و يتربص به الدوائر، فأن يكون لك عينٌ بين صفوفه، وبين قياداته، القضية في منتهى الذكاء، فالنبي عليه الصلاة والسلام بعد أن أسلم عمه العباس أمره أن يبقى في مكة، وأن يخفي عن الناس إسلامه، ليكون عيناً له في هذه البؤرة الخطرة، جاءت معركة بدر، دققوا الآن النبي عليه الصلاة والسلام أمر أصحابه ألا يقتلوا عمه العباس، هكذا الأمر جاء من دون تفاصيل، إذا رأيتم عمي العباس فلا تقتلوه، الأمر غامض، لو قال النبي لهم إن عمي أسلم فلا تقتلوه شاع الخبر، وصل إلى مكة فانتهى دور عمه، لو أمر عمه ألا يخرج مع المشركين بحرب محمد ينكشف عندهم أيضاً، إن لم يشارك عمه في الخروج لحربه ينكشف أمره، وإن لم يأمر أصحابه ألا يقتلوه ربما قتلوه على أنه مشرك، ولو أنه أعلن أن عمه قد أسلم ينكشف أمره، فالنبي لحكمة بالغة قال: إذا رأيتم عمي العباس فلا تقتلوه، هناك صحابي ضعيف الإيمان قال: أحدنا يقتل أخاه وأباه في الحرب، وينهانا النبي عن قتل عمه، أي ما رأى الحكمة بل رآها عصبية، لأنه ألزم ألا يقتل عمه، أما نحن فنقتل آباءنا، فلما كشف الأمر لهذا الصحابي يقول هذا الصحابي: بقيت عشر سنوات وأنا أتقرب إلى الله بالنوافل والصدقات لعل الله يغفر لي هذا الظن السيئ برسول الله، قَالَ: وَيْلَكَ! مَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَعْدِلْ؟ أي إذا المؤمن ما عدل من يعدل؟ لكن الذي يعرف الله لم يعدل، إذا كان جائراً، ظالماً، على مستوى أولاده، من يعدل إذاً؟ الكافر سيعدل؟ ﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ﴾ [ سورة الحديد : 25 ] كلّ إنسان قاض في عمله : النبي عليه الصلاة والسلام حينما أنشأ أول دولة في المدينة نصب نفسه قاضياً بين الناس، فجاء في الصحيفة المعاهدة بينه وبين اليهود، إنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث، أو شجار يخاف فساده، فإن مرده إلى الله عز وجل، وإلى محمد رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، معنى هذا أن الإنسان الكبير هو القاضي، الآن كبير العائلة هو القاضي بين أفراد العائلة، الأب هو القاضي، المعلم هو القاضي، المهندس هو القاضي، الطبيب في المستشفى هو القاضي، بأي مكان الرجل القيادي شاء أم أبى هو قاض أيضاً، كل هذه التمهيدات من أجل أن تنتبهوا إلى أنكم في الأعم الأغلب تعملون عمل القاضي، إما في بيتكم، أو في مساجدكم، أو في أعمالكم، وَاللَّهِ سبحانه وتعالى يقول: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا * وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ [ سورة النساء: 105-106 ] على الإنسان أن يكون عادلاً بين كل من يلوذ به : أيها الأخوة، الآن جانب كبير من دينك أساسه أن تكون عادلاً بين كل من يلوذ بك، بين كل من تتولى ولايته، تتولى أمره، وبين كل من ولاك الله عليهم، أي أحد أكبر الجوانب بإيمانك فيما ولاك الله عليهم. ((عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلام قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْيَمَنِ قَاضِيًا فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ تُرْسِلُنِي وَأَنَا حَدِيثُ السِّنِّ، وَلا عِلْمَ لِي بِالْقَضَاءِ، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ سَيَهْدِي قَلْبَكَ وَيُثَبِّتُ لِسَانَكَ، فَإِذَا جَلَسَ بَيْنَ يَدَيْكَ الْخَصْمَانِ فَلا تَقْضِيَنَّ حَتَّى تَسْمَعَ مِنَ الآخَرِ كَمَا سَمِعْتَ مِنَ الأَوَّلِ، فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يَتَبَيَّنَ لَكَ الْقَضَاءُ، قَالَ: فَمَا زِلْتُ قَاضِيًا أَوْ مَا شَكَكْتُ فِي قَضَاءٍ بَعْدُ )) [ أبو داود عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلام] القاضي لما يستلهم الله عز وجل، الله يلهمه الصواب، والإنسان مفتقر لله عز وجل. ﴿ وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ*فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آَتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ ﴾ [ سورة الأنبياء: 78-79] أحياناً القاضي إذا كان مستعيناً بالله، مفتقراً إليه، يكشف الله عن بصيرته، ويرى المذنب من غير المذنب. يقول سيدنا علي: " فو الذي فلق الحبة، ما شككت في قضاء بين اثنين"، أي يتضح له الحكم حتى يكون جلياً، واضحاً، لا لبس فيه، لا غموض فيه، لا اضطراب فيه. إذا حكمت بين اثنين فلا تسمع لأحدهما دون الآخر : الآن نصيحة لوجه الله تعالى: إذا إنسان شكا لك عن إنسان لا تستمع إليه، قل له: آتِ بخصمك وتعال، لأنه إن استمعت له وحده سيلقي عليك معلومات كثيفة جداً كلها من جانب واحد، و يخفي عنك الجانب الآخر، فلو جلس أمام خصمه ليتحدث إليك، أربعة أخماس الكلام يسكت عنه، الخصم موجود، فأول شيء إذا حكمت بين اثنين بين ولديك، وبين بناتك، بين أصدقائك، بين شركائك، إياك أن تصغي إلى واحد منهم في غيبة الآخر، لأن كل إنسان يتكلم وفق ما يريد، يبرز نقاطاً، ويخفي نقاطاً، النقاط التي أبرزها يبالغ بها، والنقاط التي ليست في صالحه يكتمها، فلو كان الخصم جالساً تأكدوا - كما أقول لكم - تسعة أعشار الكلام الذي كان سيقوله أمامك وحده عن خصمه لن يقوله لك في حضور خصمه، فأنت حتى توفر وقتك، وجهدك، إذا حكمت بين اثنين لا تقبل أن تسمع لواحد منهما منفرداً عن الآخر، لأن فيه خطورة، الخطورة أنه قال: عرفت هواها قبل أن أعرف الهوى فصادف قلباً خالياً فتمكنا *** أنت كقاض خال الذهن، يأتي أول إنسان صفحتك بيضاء يملؤها بحجج، واتهامات، وإشارات ضد خصمه، الخصم الثاني عليه مهمتان: يزيل من ذهنك ما ثبت عنه، ثم يبين حجته، فأنت كلفت الخصم فوق طاقته، أما إن لم تستمع إلا إلى الاثنين معاً فهذا من الحكمة بمكان. قال له يا علي: ((...إِذَا جَلَسَ بَيْنَ يَدَيْكَ الْخَصْمَانِ فَلا تَقْضِيَنَّ حَتَّى تَسْمَعَ مِنَ الآخَرِ كَمَا سَمِعْتَ مِنَ الأَوَّلِ، فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يَتَبَيَّنَ لَكَ الْقَضَاءُ...)) [ أبو داود عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلام] هذه أول قاعدة، كل إنسان كُلف أن يقضي بين اثنين، رفعت إليه قضية، أول نصيحة من النبي عليه الصلاة والسلام عليه أن يستمع إلى الخصمين معاً، والأكمل أن يستمع إليها معاً في مجلس واحد. يروى أن أحد القضاة في العصر العباسي كان من أنزه القضاة، طرق بابه، وقدم الطارق طبقاً من الرطب، أي أكلة نفيسة جداً من أرقى أنواع الحلويات في ذلك الزمان، من الرطب في بواكيره، فهذا الرطب في بواكيره كان يحبه القاضي، فسأل الغلام: من قدم هذا الطبق؟ قال له: رجل، قال له: صفه لي، قال: شكله كيت وكيت، فعرف أن هذا أحد خصومه في القضاء، أحد المتداعيين، المتقاضيين عنده، فرد الطبق، وفي اليوم التالي حكم بينهما، وفي اليوم الثالث توجه إلى الخليفة، وقال: أرجو أن تعفيني من منصب القضاء، قال له ولمَ؟ قال له: وَاللَّهِ قبل يومين طرق بابي فقدم لي طبق من رطب في بواكيره، وقد عرف الناس أنني أحب هذه الفاكهة في بواكيرها، فلما علمت أنه من أحد الخصوم رددته، في اليوم التالي تمنيت أن يكون صاحب الحق هو الذي قدم لي هذا الطبق، مع أني رددته فكيف لو قبلته؟ هكذا كان القضاة. أما الآن إنسان له دعوة إخلاء، تلقى هاتفاً، فقال له: أنا فلان القاضي، وخصمك دفع لي ثلاثمئة ألف، ما قولك أنت تزيد عليهم أم يذهب من يدك البيت؟ انتبه، هذا القاضي موديل جديد، قال له: في اليوم التالي تمنيت أن يكون صاحب الحق هو الذي قدم لي هذا الطبق، مع أني رددته، فكيف لو قبلته؟ لذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: ((عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: الْقُضَاةُ ثَلاثَةٌ وَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ، وَاثْنَانِ فِي النَّارِ، فَأَمَّا الَّذِي فِي الْجَنَّةِ، فَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَقَضَى بِهِ، وَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَجَارَ فِي الْحُكْمِ فَهُوَ فِي النَّارِ وَرَجُلٌ قَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ فَهُوَ فِي النَّار)) [ أبو داود عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ] والآن ثلاثة، طبعاً إلا من رحم ربك، المؤمن مؤمن، لا يغير ولا يبدل، بكل عصر، وكل مصر، أما إذا الإنسان غاب عنه الإيمان وطمع في الدنيا فالأمر خطير. القضاء فرض كفاية : الشيء الثاني: القضاء فرض كفاية، إذا قام به البعض سقط عن الكل، أما إذا اعتذر الجميع، فعلى الحاكم أن يجبر من يثق بعلمه وورعه على منصب القضاء. ((عن الزُّهْرِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ قَيْسَ بْنَ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لا حَسَدَ إِلا فِي اثْنَتَيْنِ رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالا فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا )) [ البخاري عن الزُّهْرِيُّ] ((عن أَبُي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَنْ طَلَبَ قَضَاءَ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى يَنَالَهُ ثُمَّ غَلَبَ عَدْلُهُ جَوْرَهُ فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَمَنْ غَلَبَ جَوْرُهُ عَدْلَهُ فَلَهُ النَّارُ)) [أبو داود عن أَبُي هُرَيْرَةَ] وَاللَّهِ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ كما قال عليه الصلاة والسلام دققوا في هذا الحديث: ((عن عِمْرَانُ بْنُ حِطَّانَ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ فَذَاكَرْتُهَا حَتَّى ذَكَرْنَا الْقَاضِيَ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: لَيَأْتِيَنَّ عَلَى الْقَاضِي الْعَدْلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ سَاعَةٌ يَتَمَنَّى أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ بَيْنَ اثْنَيْنِ فِي تَمْرَةٍ قَطُّ )) [ أحمد عن عِمْرَانُ بْنُ حِطَّانَ ] و قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لا حَسَدَ إِلا فِي اثْنَتَيْنِ رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالا فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا )) [البخاري عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا] وقال أيضاً :((عن أَبُي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَنْ طَلَبَ قَضَاءَ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى يَنَالَهُ ثُمَّ غَلَبَ عَدْلُهُ جَوْرَهُ فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَمَنْ غَلَبَ جَوْرُهُ عَدْلَهُ فَلَهُ النَّارُ )) [أبو داود عن أَبُي هُرَيْرَةَ] وَاللَّهِ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ كما قال عليه الصلاة والسلام دققوا في هذا الحديث.((عن عِمْرَانُ بْنُ حِطَّانَ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ فَذَاكَرْتُهَا حَتَّى ذَكَرْنَا الْقَاضِيَ فَقَالَتْ عَائِشَةُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: لَيَأْتِيَنَّ عَلَى الْقَاضِي الْعَدْلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ سَاعَةٌ يَتَمَنَّى أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ بَيْنَ اثْنَيْنِ فِي تَمْرَةٍ قَطُّ )) [أحمد عن عِمْرَانُ بْنُ حِطَّانَ ] لأنها حقوق العباد.((عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الْقَاضِي مَا لَمْ يَجُرْ فَإِذَا جَارَ تَخَلَّى عَنْهُ وَلَزِمَهُ)) [ الترمذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى] وفي حديث آخر.((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ وَلِيَ الْقَضَاءَ فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ )) [ أبو داود عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ] مَنْ وَلِيَ الْقَضَاءَ فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ، وهذا تعبير شائع، ما ذبح لكنه هلك، وقد فسر المفسرون هذا الحديث، أنه من تولى القضاء و لم يكن أهلاً له، ولم يكن عالماً بالكتاب والسنة، ولم يكن خبيراً بأحوال النفس البشرية، ولم يكن مطلعاً على العلم الشرعي، من ولي القضاء من دون أدواته فقد ذبح بغير سكين.((عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلا تَسْتَعْمِلُنِي قَالَ فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى مَنْكِبِي ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ إِنَّكَ ضَعِيفٌ وَإِنَّهَا أَمَانَةُ وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ إِلَّا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا )) [مسلم عَنْ أَبِي ذَرٍّ] القضاء عمل جليل وعظيم : القضاء عمل جليل، وعمل عظيم، أحياناً يتلقى تهديدات، أحياناً يأتيه خصمان متفاوتان، أحدهما رفيع الشأن، والثاني من عامة الناس، والحكم مع هذا الأول، أحياناً يأتيه غني وفقير، أحياناً يأتيه قوي وضعيف، أحياناً يأتيه حاكم ومحكوم، فالقاضي يحتاج إلى مستوى رفيع جداً من الإيمان، ومن مراقبة الله عز وجل، والخوف منه.((عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَا وَرَجُلانِ مِنْ قَوْمِي فَقَالَ أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ: أَمِّرْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَقَالَ الآخَرُ مِثْلَهُ، فَقَالَ إِنَّا لا نُوَلِّي هَذَا مَنْ سَأَلَهُ وَلا مَنْ حَرَصَ عَلَيْهِ)) [ البخاري عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِي اللَّه عَنْه ] لذلك قالوا: طالب الولاية لا يولى.((عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنِ ابْتَغَى الْقَضَاءَ وَسَأَلَ فِيهِ شُفَعَاءَ وُكِلَ إِلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أُكْرِهَ عَلَيْهِ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ مَلَكًا يُسَدِّدُهُ )) [الترمذي عن أنس ] إذا أكره عليه؛ معنى هذا هو متعفف، معنى هذا هو ورع، فإذا أكره أنزل الله عليه ملكاً يسدده، فإذا طلبه، وطلب الشفعاء من أجله عندئذٍ أوكل إلى نفسه، وقد يقع في شر عمله، وقد يكون تدميره في تدبيره، والخوف من العجز عن القيام بالقضاء على الوجه الأكمل هو السبب بامتناع بعض الأئمة الكبار في قبول منصب القضاء. صفات القاضي : من طريف ما يروى، أن ابن شريح دعي إلى أن يتولى القضاء - قضاء مصر - فلما عرض عليه الأمير امتنع فدعا له في السيف، قلنا قبل قليل: يجوز للحاكم أن يجبر صاحب الكفاءة، والعلم، والورع على أن يتولى القضاء، فدعا له بالسيف، أي إما أن تقبل، وإما أن أقطع رأسك، لا يوجد غيرك مناسباً، فلما رأى ذلك، أخرج مفتاحاً كان معه - مفتاح بيته - وقال: هذا مفتاح بيتي، ولقد اشتقت إلى لقاء ربي، فلما رأى الأمير هذا تركه، هذا المفتاح وتفضل واقتلني، ولا أتسلم القضاء. العلماء قالوا: لا يصلح للقضاء إلا من كان عالماً بالكتاب والسنة، فقيهاً في دين الله، قادراً على التفرقة بين الصواب والخطأ، بريء من الجور، بعيداً عن الهوى. والفقهاء اشترطوا أيضاً في القاضي أن يرقى إلى مستوى الاجتهاد، فيكون عالماً بآيات الأحكام، وأحاديث الأحكام، عالماً بأقوال السلف، وما أجمعوا عليه، وما اختلفوا فيه، عالماً باللغة، عالماً بالقياس، وأن يكون مكلفاً ذكراً، عدلاً، سميعاً، بصيراً، ناطقاً، هذه الصفات التي أوجبها الفقهاء في القاضي. ((عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: لَقَدْ نَفَعَنِي اللَّهُ بِكَلِمَةٍ سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيَّامَ الْجَمَلِ، بَعْدَ مَا كِدْتُ أَنْ أَلْحَقَ بِأَصْحَابِ الْجَمَلِ فَأُقَاتِلَ مَعَهُمْ قَالَ: لَمَّا بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ أَهْلَ فَارِسَ قَدْ مَلَّكُوا عَلَيْهِمْ بِنْتَ كِسْرَى قَالَ: لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً)) [البخاري عَنْ أَبِي بَكْرَةَ] الحكمة من عدم تولي امرأة القضاء : الآن هناك رغبة عند معظم الشعوب أن تولي عليها امرأة، رئاسة وزارة، تركية وفرنسا، وانكلترا، والهند، لأن المرأة على جانب رفيع جداً من المكانة عند الله، هي مشرفة كالرجل، مكلفة كالرجل، ولكن ليس الذكر كالأنثى، لها صفات وخصائص تؤهلها لأن تكون أماً في المرتبة الأولى، أما أن تكون قاضيةً، هل بإمكان امرأة امتلأت عاطفة حب أن تحكم بالإعدام على إنسان؟ صعب جداً، أن تحقق في موضوع أخلاقي، في جريمة جنسية مثلاً، فالله عز وجل أكرمها بالحياء، أبرز ما في المرأة حياؤها، أن تستمع إلى التفاصيل من المجرمين، وأن تدير النقاش فيما بينهم، هذا شيء صعب جداً، وقد قال الله عز وجل: ﴿ يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ ﴾ [ سورة صَ : 26 ] من ليس أهلاً للحكم فلا يقضِ بين الناس : الله جلّ جلاله وجه الخطاب لسيدنا داود، قال يا داود: ﴿ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ [ سورة صَ : 26 ] والإنسان عليه أن تكون هذه الآية نبراساً أمامه، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، إذا كان النبي وهو المعصوم يخشى عليه من اتباع الهوى، فأولى أن يخشى غيره ذلك، هذا تحت قاعدة الأولى من باب أولى، فإذا كان النبي عليه الصلاة والسلام مأموراً بالاستقامة فنحن من باب أولى.((عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: الْقُضَاةُ ثَلاثَةٌ وَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ، وَاثْنَانِ فِي النَّارِ، فَأَمَّا الَّذِي فِي الْجَنَّةِ، فَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَقَضَى بِهِ، وَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَجَارَ فِي الْحُكْمِ فَهُوَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ قَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ فَهُوَ فِي النَّارِ)) [أبو داود عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ ] انظر إلى الجهل، إن لم تكن عارفاً بالحكم وقضيت ظلماً، هذا القاضي بالنار، وإن عرف الحق وقضى بخلافه فهو بالنار، أما إذا عرف الحق وقضى به فهو بالجنة، لذلك النبي قال:((...الْقُضَاةُ ثَلاثَةٌ وَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ، وَاثْنَانِ فِي النَّارِ..)) [ أبو داود عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ] لذلك كان بعض القضاة لا يصدر حكماً إلا إذا تأكد أن هناك فتوى لفقيه كبير تؤكد حكمه، حتى أن بعضهم كان يزيل حكمه برأي المجتهد الكبير، على مذهب أبي حنيفة الموضوع في الحاشية الفلانية، في كتاب السرخسي، صفحة كذا، الحكم القضائي من شدة ورعه، يأتي باجتهاد الفقهاء، مدعماً به حكمه. والعلماء قالوا: كل من ليس بأهل للحكم فلا يحل له أن يقضي بين الناس، فإن حكم فهو آثم، ولا ينفذ حكمه، ولو وافق الحق، لأنه قد يوافق الحق صدفة، من لم يكن أهلاً للحكم في القضاء بين الناس، لا يملك العلم بالكتاب والسنة، ولا بالأحكام الفقهية، ولا بالقدرة على التفريق بين الحق والباطل، وليس يعلم دقائق اللغة العربية، من لم يكن كذلك لا يحق له أن يحكم، وإذا حكم لا ينفذ حكمه ولو جاء صواباً لأن هذا فاقد الأهلية.((عَنْ مُعَاذٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِمُعَاذِ ابْنِ جَبَلٍ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ: فَذَكَرَ كَيْفَ تَقْضِي إِنْ عَرَضَ لَكَ قَضَاءٌ، قَالَ أَقْضِي بِكِتَابِ اللَّهِ قَالَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي كِتَابِ اللَّهِ، قَالَ: فَسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي سَنَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: أَجْتَهِدُ رَأْيِي وَلا آلُو، قَالَ: فَضَرَبَ صَدْرِي فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَا يُرْضِي رَسُولَهُ )) [أحمد عَنْ مُعَاذٍ ] كلكم يذكر أن سيدنا عمر رَضِي اللَّه عَنْه جاءته امرأة تشكو زوجها، قالت: يا أمير المؤمنين إن زوجي صوام قوام، أي يصوم النهار، ويقوم الليل، يبدو أن سيدنا عمر كانت أعباؤه كثيرة جداً، فقال لها: بارك الله لك في زوجك، والله شيء جميل، صوام في النهار، قوّام في الليل، في الليل يصلي وفي النهار يصوم، أحد الصحابة الكرام كان إلى جانبه فقال: يا أمير المؤمنين إنها تشكو زوجها، لا تمدحه إنها تشكوه، قال: إن فهمت كذلك فاقض بينهما، فهذا الصحابي قضى لها أن يخصص لها كل أربعة أيام يوماً واحداً، من أين جاء بهذا الحكم؟ لو أن هذا الإنسان له أربعة زوجات، وفق السنة، نصيبها يوم من أربعة، أعطاها يوماً من أربعة أيام، أعجب به سيدنا عمر فولاه قضاء البصرة. أحياناً الله عز وجل يلهم القاضي الحكم الصحيح:(( قَالَ لِمُعَاذِ ابْنِ جَبَلٍ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ: فَذَكَرَ كَيْفَ تَقْضِي إِنْ عَرَضَ لَكَ قَضَاءٌ قَالَ أَقْضِي بِكِتَابِ اللَّهِ، قَالَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي كِتَابِ اللَّهِ، قَالَ: فَسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي سَنَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: أَجْتَهِدُ رَأْيِي)) [أحمد عَنْ مُعَاذٍ ] متى يكون الاجتهاد؟ عندما لا يكون للقضية مورد في النص.قواعد متعلقة بالقضاء : الآن عندنا مجموعة قواعد، أحياناً الإنسان يسألك سؤالاً أن تحكم بين اثنين وأنت مستعجل، أنت مقدم على عمل، أنت جائع، أنت في حر شديد، العلماء قالوا: على القاضي أن يتحرى الحق، فيبتعد عن كل ما من شأنه أن يشوش عليه فكره، فلا يقضي أثناء الغضب، ماذا قال سيدنا سليمان لما جاءه الهدهد وحدثه عن بلقيس قال: ﴿ قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ﴾ [ سورة النمل: 27] هناك نصيحة أن الإنسان لا يتخذ قراراً وهو غاضب، كل قضية صاحبها غاضب ليقل في نفسه لا أحكم على هذا الموضوع إلا بعد أسبوع، بعد أسبوع يهدأ الإنسان، والله أنا أعاني من أخواننا، تجد أخاً متزناً وهادئاً، بساعة غضب طلق زوجته، وهو يحرص عليها حرصاً بالغاً، وهو يكره فراقها كفراق دينه، غضب ذهب إلى بعض العلماء قال: العملية منتهية، لا يوجد أمل، علماء آخرون أفتوا له فوقع في تشويش كبير، كلها من ساعة الغضب. فلذلك القاضي عليه ألا يقضي وهو غضبان، ولا في أثناء الجوع المفرط، أحياناً عنده اجتماعات ببعض الوزارات يفرضون ضرائب بعد الساعة الثانية والنصف، كلهم متعبون و يريدون أن ينهوا هذا الاجتماع بسرعة، فيضعون بالمئة مئة ضرائب، هذا الاجتماع يجب ألا يتم إلا بعد الظهر حيث يكونون مرتاحين، القاضي إذا كان جائعاً جوعاً مفرطاً، أو يعاني من الهم المقلق، ابنه مريض مرضاً خطيراً، معه التهاب سحايا، فيجب ألا يقضي بهذا الوقت لأنه مشوش، أو في الخوف المزعج، أو في النعاس الغالب، ما سمع الثاني سمع الأول ثم نام، والثاني ما سمعه عندما تكلم، أو في الحر الشديد، أو في البرد الشديد، أو في شغل القلب، ، إذا كان القاضي شاباً خاطباً، وصار هناك مشكلة مع خطيبته مثلاً، هذا تشوش، يجب ألا يحكم الآن، إذاً في الغضب الشديد، أو الجوع المفرط، أو الهم المقلق، أو الخوف المزعج، أو النعاس الغالب، أو الحر الشديد، أو البرد الشديد، أو شغل القلب شغلاًً يصرفه عن المعرفة الصحيحة، كل هذا استنبط من حديث النبي الكريم:(( لا يَقْضِي الْقَاضِي بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ)) [أحمد عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ ] من يستطيع أن يشهد شهادة تقيم الحق فليفعل : عدل ساعة خير من أن تعبد الله ثمانين عاماً، إذا رأيت إنساناً مظلوماً، و كان بإمكانك أن تشهد شهادة صحيحة تنقذه من الظلم فهذا عمل عظيم، لا تقول: لا وقت لديّ، هذا كلام الشياطين، هذا كلام الجهال، إذا كان بإمكانك أن تشهد شهادة تقيم الحق، تنصف المظلوم، فافعل، هذا من أجلّ الأعمال الصالحة، قال تعالى: ﴿ وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا ﴾ [ سورة البقرة : 282] إنسان مستقيم لا يعرف غير زوجته، زوجته محجبة، غاض بصره، يتهم بأنه يفسد، جاؤوا بشاهد زور وشهد وحلف يميناً، سألوا الكذاب: تحلف؟ قال: جاء الفرج، يحلف طبعاً، أما المؤمن فلا يشهد إلا بالحق، كل واحد منكم معرض لأن يكون شاهداً بقضية لا يتردد، لا يرفض، لا يقول لا وقت لدي، أنقذ هذا الإنسان المظلوم من الظلم. القضاء مسؤولية كبيرة جداً : هذا الموضوع له تفصيلات أخرى، أي الإنسان أقل شيء يقضي بين أولاده، أقل شيء يقضي بين صهره وابنته، أقل شيء يقضي بين شريكين، أقل شيء يقضي بين بعض الأقارب، إذا كان كبير العائلة قاضياً بين كل أفراد هذه العائلة، فنحن هذا الموضوعات ليست اختصاصية، هذه موضوعات عامة، أهم ما فيها إياك أن تستمع من طرف واحد، أنا لولا أنني ترفع إليّ مجموعة قضايا ملخصها أن ابنته تشاجرت مع زوجها فذهبت إلى والدها و تكلمت ما شاء لها أن تتكلم، الأب عاقل، وكبير العائلة، وفهمان، ومثقف، سمع منها فقط، حتى امتلأ حقداً على صهره، وأخذ موقفاً عنيفاً، ما كلف خاطره أن يسأل صهره مرة يا بني احكِ أنت ماذا فعلت معك، هذا لا يجوز أبداً، هذا شيء يتكرر، لولا أنه تكرر مرات كثيرة جداً لما قلته لكم، أحياناً ابنك يشتكي لك عن جاره، اسمع من الجار أيضاً، قد يكون ابنك هو الظالم، من السذاجة، والغباء، وضيق الأفق، والتخلف العقلي أساساً أن تنحاز مع ابنك انحيازاً أعمى، وهو على باطل، هذا سلوك جاهلي أساساً، من هو المؤمن؟ المؤمن إنسان راق، علامة المؤمن أنه ينصف الناس من نفسه، فأنتم قضاة، شئتم أم أبيتم، أنت وجارك، وأنت وأخوك، وأنت وابن عمك، وأنت وشريكك، وأنت صديقك، وأنت وأحد الأخوان بالمسجد، وأحياناً ببيعة تختلفون، هل من المعقول من أجل بيعة ترفعون على القضاء؟ ضعوا حكماً بينكم، لا يوجد إنسان إلا ويحكم بقضية، فإذا حكم بقضية أول شيء ليستمع إلى الطرفين معاً، والأولى في مجلس واحد، ألا تكون غضبان، ألا تكون جوعان، ألا تكون مزعوجاً، ألا تكون مشوشاً، ثم إذا عرفت الحق فاقض وإلا اعتذر، إن عرفت الحق فاقض به وإلا إن لم تملك أدوات الحكم ابتعد عن الحكم، لأن هذا يحتاج إلى مسؤولية كبيرة جداً، والعدل من صفات المؤمن، والنبي عليه الصلاة والسلام من جملة ما أرسله الله ليحكم بين الناس بما أراه الله. |
رد: العبادات التعاملية
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية الدرس : ( العاشر ) الموضوع : واجبات القاضى الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. القضاء : أيها الأخوة المؤمنون، لازلنا في موضوع القضاء، ولقد ذكرت لكم في الدرس الماضي أنه من خلال سنوات قليلة ما خطر في بالي أن أعالج موضوع القضاء ظناً من أنه موضوع اختصاصي، وكأنني وجدت بالتجربة أنه ما من واحد منكم إلا ويأخذ دور القاضي شاء أم أبى، من خلال حياته اليومية، فالأب قاضٍ بين أولاده، والمعلم قاضٍ بين تلاميذه، وأي منصب قيادي مستشفى، مدرسة، رئيس هذا المنصب، رئيس هذه المؤسسة، هو بشكل أو بآخر، قاضٍ بين موظفيه، و بعض التجار ينصبون حكاماً بين التجار المتخاصمين. فدور القضاء يمس كل مسلم، وقد ذكرت لكم في الدرس الماضي أن هناك قواعد لابد من أن تأخذ بها، و لو لم تكن قاضياً، ولو كنت عاملاً، ولو كنت طبيباً، ولو كنت مدرساً، لابد من أن تأخذ دور القاضي. و بينت أيضاً كمثال صارخ متكرر أن الإنسان إذا جاءته ابنته تشكو زوجها أليس قاضياً بينهما؟ فلو أنه استمع إلى ابنته فقط، وبنى حكماً، وأخذ موقفاً من صهره دون أن يجتمع بصهره ولا مرة واحدة فهذا العم أو هذا الأب أخذ دور القاضي وهو لا يدري، وأجحف بحق الصهر وهو لا يدري، لأنه خالف مبدأً أساسياً من مبادئ القضاء، وهو أن تستمع إلى الطرفين معاً، والأولى أن تستمع إليهما في مجلس واحد، وذكرت لكم أيضاً أنك إذا استمعت إلى أحد الأطراف منفرداً تكلم لك الساعات الطوال، فإذا استمعت إليه وخصمه إلى جانبه صار كلامه ربع ساعة، لماذا؟ لأن الإنسان في غيبة خصمه يتكلم كما يريد، أما إذا كان خصمه أمامه، فلابد من أن يتوقع أن يعارضه، وأن يكذبه، فلا يتكلم إلا بما هو يقيني. تسوية القاضي بين الخصمين في خمسة أشياء : الآن القاضي، من واجبات القاضي أن يسوي بين الخصمين- يروى وَاللَّهِ أعلم بصحة هذه القصة- أن سيدنا عمر كان إلى جانبه الإمام علي كرم الله وجهه، دخل يهودي ليخاصم علي أمام سيدنا عمر، فقال عمر: انطلاقاً من التسوية بين الطرفين قم يا أبا الحسن وقف إلى جنب الرجل، كان يجلس إلى جنبه، فتغير لون سيدنا علي، وكأنه غضب، فلما حكم سيدنا عمر، وكان الحق مع سيدنا علي، قال له مالك يا أبا الحسن أوجدت علي؟ أي هل حزنت مني، قال: نعم، قال له: ولمَ؟ قال: لأنك ميزتني عليه، فقلت لي قم يا أبا الحسن ولم تقل لي قم يا علي، طبعاً إذا إنسان خاطب خصمه قال له: أبو فلان والثاني ما اسمك أنت؟ ما سوى بينهما، سأل عن اسمه بفظاظة، والثاني أبو فلان، ما سوى بينهما. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-5570/01.jpg فإذا كنت أباً، كنت معلماً، كنت رئيس دائرة، ضابط بسكنة، أي منصب قيادي يجب أن تسوي بين الخصمين، قال: هناك عدد من المواضيع يجب أن تسوي بين الخصمين في الدخول عليك، أي إنسان يدخل لعند القاضي، يجلس ساعات طويلة، على كنبة والشاي، والقهوة بعد ذلك يدخل الخصم الثاني على الواقف، ما الموضوع بسرعة قل لي؟ هذا ليس قاضياً، قال: في الدخول عليه، وفي الجلوس بين يديه، وفي الإقبال عليهما، ممكن القاضي يقبل على خصم بابتسامة، بإشراقة وجه، ويقبل على خصم آخر بعبوس، إذا فعل ذلك فليس قاضياً عدلاً، في الإقبال عليهما، لما الخصم تتجهم بوجهه تربكه، تضعف له معنوياته، يفقد حجته، والثاني عندما تبتسم في وجهه تعطيه شعوراً أنه هو المنتصر، هو قوي، رفعت معنويات خصم، وخفضت معنويات خصم، ليس هذا هو القاضي العدل. أحياناً الحماية تكون قاضية في البيت، عندها كنتها، وعندها ابنتها، ابنتها بالتعبير الدارج: يا حبيبتي، ويا عيني، لأدنى شكوى معها حق تعبانة، أما كنتها فلا يوجد شي من هذا، باسمها، مع قسوة، مع تجهم، هذا إنسان عادي، من حثالة البشر من يفعل هذا. قال: بالدخول عليه، وفي الجلوس بين يديه، وفي الإقبال عليهما، وفي الاستماع لهما، أحدهما سمع له ثلث ساعة، والثاني كل كلمتين يقاطعه، خلصنا، بسرعة، وفي الاستماع لهما، وأخطر شيء وفي الحكم عليهما، إذاً يجب أن يسوي القاضي بين الخصمين في خمسة أشياء، في الدخول عليه، و في الجلوس بين يديه، وفي الإقبال عليهما، بابتسامة، أو بعبوس ، والاستماع لهما، والحكم عليهما. التسوية في الأفعال لا في القلب : لكن العلماء قالوا: المطلوب التسوية في الأفعال، لا في القلب، القلب لا تملكه. ((عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْسِمُ فَيَعْدِلُ وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ، فلا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلا أَمْلِكُ، قَالَ أَبو دَاود يَعْنِي الْقَلْبَ )) [ أبي داود عَنْ عَائِشَةَ] إذا أحد الخصمين، لطيف المعشر، رقيق، ذكي، طليق اللسان، أديب، حيي، مؤمن، والثاني مذهبه بغالي، أنت معقول ألا تحب الأول؟ ليس بيدك، أنت أميل للأول ميل القلب لا تؤاخذ عليه، مؤاخذ على الجور في الأفعال، أنت محاسب على أفعالك، دخلا عليك سويت بينهما في الدخول، سويت بينهما في الجلوس، سويت بينهما في الإقبال عليهما، سويت بينهما في الاستماع إليهما، أنصفت في حكمك لهما، أنت عادل، أما مال قلبك لهذا دون هذا، رأيت طلاقة لسان هذا، وعي هذا، وسامة هذا، ودمامة هذا، حجة هذا وخرق هذا، فمال قلبك للأذكى، للأعقل، للألطف، للأبلغ في كلامه، لمن كان لطيفاً أديباً، لا تؤاخذ على ميل القلب، لأن الله عز وجل قال: ﴿ وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [ سورة النساء : 129] أن زوجاً يعدل بين زوجتين بقلبه؟ مستحيل، لابد من فروق فردية بينهما، لكنه مكلف أن يعدل بأفعاله، هذه نقطة مهمة جداً، والمطلوب منه التسوية بينهما في الأفعال دون القلب. ابتعاد القاضي عما يضرّ أحد الخصمين : أنا لا أتحدث عن القضاة الشرعيين، أو القضاة في المحكمة، أنا أتحدث عن كل واحد منكم إذا كان قاضياً، أي واحد من أخوتنا الكرام إذا كان حكماً في موضوع http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-5570/02.jpg كان أخاً أكبر وعنده أخوة صغار اختلفوا، كان أخاً أكبر عنده أخت متزوجة اختلفت مع زوجها، صار قاضياً، كانت حماية عندها ابنتان، أب عنده أولاد، كل إنسان له دور في الحياة، قال: القاضي لا ينبغي أن يلقن واحداً منهما حجته، يقول له: يمكن أنت اعترفت بهذا الشيء لأنهم عذبوك أليس كذلك؟ لقنه الحجة، لا يجوز أن يلقن القاضي الحجة لأحد الخصمين، هناك قضاة يحاول أن يلقن الحجة، هو ضربك من الخلف، أنت كنت واقفاً، هو لم يكن واقفاً، هو الضارب، أتاه هاتف: يجب أن تتوصى بفلان، فلقنه الحجة، ولا ينبغي أن يلقن الواحد منهما حجته، ولا شاهداً شهادته، لأن ذلك يضر بأحد الخصمين، بالمقابل ولا ينبغي للقاضي أن يخاطب المحامي أن قل كذا بالمذكرة، اكتب كذا، بيّن كذا، اذكر الوثيقة الفلانية، ما عاد قاضياً، لا ينبغي للقاضي أبداً أن يلقن حجة لخصم، ولا أن يلقن شهادة لشاهد، لأن هذا يضر بأحد الخصمين، كما أنه لا ينبغي أن يلقن المدعي فحوى الدعوى، اجعل الدعوى مثلاً إنكار التوقيع، لم يخطر بباله، وقع توقيعاً صحيحاً، وما خطر ببال الخصم أبداً أن التوقيع ممكن أن يجر ثماني سنوات، قال له: أنت ادع أن هذا ليس توقيعك، ما عاد قاضياً، ممكن أن يلقن القاضي المدعي فحوى الدعوى، لقن المدعي أن يدعي، وأن يطلب الاستحلاف، ولم يلقن المدعى عليه الإنكار، أو الإقرار. على القاضي ألا يضيف أحد الخصمين دون الآخر : الآن القاضي لا ينبغي أن يضيف أحد الخصمين دون الآخر، أحضر لأحد الخصمين فنجان قهوة، هذا غير صحيح، دخل لمكتبه، غيّر القوس، وقعد جلسة طويلة، ومزح، ومودة، وقهوة، وعصير، لا ينبغي أن يضيف القاضي أحد الخصمين دون الآخر، قال: لأن ذلك يكسر قلب الآخر، كما أن القاضي لا ينبغي أن يجيب إلى ضيافة أحدهما، أنت قاض، وعندك خصمان، أحد الخصمين دعاك إلى وليمة، إلى نزهة، إلى زيارته، لا ينبغي للقاضي لا أن يضيف، ولا أن يقبل ضيافة أحد الخصمين ما داما متخاصمين، لكن لو أن الدعوى انتهت، وحكم بالعدل، ودعي من قبلهما معاً، أو من قبل أحدهما، ما دام الدعوى انتهت، وأصدر الحكم فلابأس، لكن القاضي النزيه معروف عنه أنه لا يزور أحداً، ولا يقبل دعوى، سداً لذريعة أن يتهم أن هذا الذي دعاه له قضية عنده، و قلتم لكم الدرس الماضي كيف أن أحد قضاة جاءته هدية ثمينة، طبق من الرطب في بواكيره، فلما سأل الغلام من قدم هذا الطبق؟ قال: فلان، قال: صفه لي؟ قال: كيت و كيت، فعلم أنه أحد المتخاصمين، قال: أعطه إياه، في اليوم التالي و قف الخصمان أمامه تمنى أن يكون الحق مع الذي قدم الطبق، فلما تمنى هذه الأمنية توجه إلى الخليفة يطلب منه أن يعفيه من هذا المنصب، قال له: ولمَ؟ قال له: لأني تمنيت أن يكون الحق مع الذي قدم لي الطبق، مع أنني رددته فكيف لو قبلته؟؟ وروي أن النبي صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان لا يضيف الخصم إلا وخصمه معه، ممكن أن يتحاكم إليك اثنان، ادعهما معاً لطعام الغذاء، إذا كنت قاضياً، طبعاً قطاع خاص، قال: و ينبغي للقاضي ألا يقبل هدية من أحد إلا إذا كانت ممن جرت عادته بأن يهديه قبل تولي منصب القضاء، إذا كان هناك قرابة، أو هدايا مستمرة قبل أن يكون قاضياً، و هناك رأي أن هذا الشيء مكروه، وهناك رأي أن هذا لا يجوز، لكن الهدية إن كانت سائدة قبل تولي منصب القضاء ربما غفر لمن قدمها، أما إذا قدمت بعد تولي منصب القضاء فهذه ليست هدية وإنما رشوة. (( مَنِ اسْتَعْمَلْنَاهُ عَلَى عَمَلٍ فَرَزَقْنَاهُ – أي أجرينا له رزقاً - رِزْقًا فَمَا أَخَذَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ غُلُولٌ )) [ أبو داود عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ] و:((الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ فِي الْحُكْمِ )) [ الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ] طبعاً هنا تنصرف إلى القضاء بالذات، الراشي والمرتشي ملعونان، إذا استويا في القصد والإرادة، إذا أراد الراشي أن يحكم القاضي له وهو ليس محقاً، وأراد القاضي أن يستفيد من هذه الرشوة فيحكم لأحدهما ولو كان مبطلاً، فالراشي والمرتشي متساويان في اللعنة. من يعطي اتقاء الظلم لا شيء عليه : إلا أن بعض العلماء قال: إذا أعطى الرجل ليتوصل بعطيته إلى حق منع منه، أو أن يدفع عن نفسه ظلماً محققاً، فإن الذي يعطي اتقاء الظلم، أو لدفع ظلم متحقق ثابت، لا يمكن تلافيه نرجو أن يعفو الله عنه، المعطي غير الآخذ، إنسان له حق ضائع، ولا يستطيع أن يأخذه إلا بأن يدفع شيئاً لمن يمنع عنه الحق، فالذي يمنع الحق آثم لا محالة أما الذي يدفع ليدفع عنه ظلماً، متحققاً، ثابتاً، فلا يمكن تلافيه إلا بهذه الطريقة، المرجو أن يعفو الله عنه وألا يؤاخذ، قال هذا الإنسان الذي يدفع المال ليدفع عن نفسه ظلماً محققاً، ثابتاً، لا يمكن أن يتلافاه المرجو أن الدافع يعفو الله عنه، وليس على سبيل القطع، المرجو على سبيل الظن الحسن بالله عز وجل، أو من دفع مالاً ليصل إلى حق، أو ليدفع ظلماً عنه، دفعاً لظلم أو وصول لحق، و ليس هناك طريق آخر إلا هذا الطريق، المرجو أن يعفو الله عنه. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-5570/03.jpg روي عن الحسن والشعبي وجابر بن زيد وعطاء أنهم قالوا: لا بأس أن يصانع الرجل عن نفسه وماله إذا خاف الظلم، أما الآخذ فيستحق وعيد الله عز وجل، لأنه أكل السحت، ووعيد رسوله صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ ... )) [ الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ] قال: من هو الذي يدخل في وعيد الله ووعيد رسوله؟ قال الآخذ إنما يستحق الوعيد إذا كان ما يأخذه على حق يلزمه أداؤه، أي عليك حق لابد من أن تؤدي، أنت لا تؤديه إلا بمبلغ من المال، هذا هو المرتشي، أو عمل ضار باطل يجب عليك تركه، لا تتركه إلا مقابل مبلغ من المال، أي الذي يمتنع عن أداء واجبه إلا بمبلغ، أو يحاول أن يوقع الضرر الكبير، ولا يمتنع عن إيقاع الضرر إلا بمبلغ، إذا أمكنك أن تؤذي الناس، ولم تمنع أذاك عنهم إلا بمقابل شيء، أو كان الأمر متعلقاً بك أن تنفعهم فلم تنفعهم، وهو واجب عليك، إلا أن يدفعوا لك، هذا الذي لا يمتنع عن إيقاع الأذى، ولا يفعل ما هو واجب عليه إلا مقابل شيء، فهذا ينطبق عليه وعيد الله ووعيد رسوله صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. القضاة يأخذون المال على أربعة أقسام هي : 1 ـ الرشوة : قال: القضاة يأخذون المال على أربعة أقسام، الرشوة، والهدية، والأجرة، والرزق، فأما الرشوة فإن كانت ليحكم له الحاكم بغير حق فهي حرام، على الآخذ والمعطي معاً، وإن كانت ليحكم القاضي بالحق على غريمه فهي حرام على الحاكم دون المعطي، أي إنسان مظلوم، والقاضي لا ينقذه من ظلمه إلا مقابل مبلغ فالمعطي نرجو الله ألا يؤاخذه الله، لكن الآخذ آثمٌ دائماً، وقيل: تحرم لأن الذي يدفع يوقع هذا الحاكم - القاضي - بالإثم، لأنه سبب إفساده، وقيل: تحرم أي من دفع مبلغاً من المال ليدفع به ضرراً متحققاً، ظلماً لا يمكن تلافيه، الكلمات دقيقة جداً، كل كلمة تعني شيئاً، أي إذا إنسان عنده معمل أغذية بوظة، أي شيء، أخذت عينة من هذه الأغذية فإذا الحليب لا دسم فيه، حليب بودرة، استحق أن يعاقب، وأن يسجن عرفياً، والضبط عادل، لأن البائع ظالم، يأخذ ثمن الحليب كامل الدسم، الطازج، ويدفع لأطفالنا حليباً لا دسم فيه، وهو مجفف، فهذا الضبط عادل، فإذا دفع مبلغاً من المال ليتلافى السجن، أو ليتلافى العقاب، فهذا المبلغ حرام على الدافع أيضاً، لأنه ضرر متحقق، لكن ليس ظالماً، ضرر متحقق، عادل، من دفع مبلغاً من المال ليدفع به ضرراً متحققاً ظالماً لا يمكن تلافيه، نرجو الله أن يعفو عن الدافع، أما الآخذ فما دام هذا الشيء من واجبه فلم يفعله إلا بمقابل، وما دام مأموراً ألا يفعله فلم يمتنع عن فعله إلا بمقابل، فهو آثم لا محالة، قال: هذه الرشوة. 2 ـ الهدية : وأما الهدية فإن كان ممن يهاديه قبل الولاية فلا يحرم أن تستديم، إذا كان هناك تعامل بين هذا الإنسان وبين ذاك القاضي قبل أن يكون قاضياً فلا يحرم أن تستديم، وإن كان لا يهدي إليه إلا بعد الولاية الآن إذا كانت هذه الهدية بعد الولاية فهي رشوة وليست هدية. لو إنسان له قريب قاض، وعنده مزرعة، قدم له صندوق فاكهة، و لا يوجد علاقة بينه وبين القاضي، و لا يوجد خصومة، فلا مانع، أما إذا كان هناك خصومة فلا يجوز أن يقدم له شيء، قال: فإن كانت ممن لا خصومة بينه وبين أحد جازت وكرهت، وإن كانت ممن بينه وبين غريمه خصومة عنده فهي حرام على القاضي وعلى الخصم، على أي إنسان، قال هذه النوع الثاني الهدية. 3 ـ الأجرة : النوع الثالث: الأجرة، فإن كان للقاضي جراية من بيت المال ورزق منه حرمت بالاتفاق، لأنه إنما أجري له الرزق لأجل الاشتغال في القضاء فلا وجه لأجرة، وإن كان لا جراية له من بيت المال، أحياناً نوكل إنساناً يحكم في قضية شائكة، قضية تجارية، تحتاج إلى شهر وكل يوم سهر للساعة الثانية عشرة، ممكن أن نعطيه أجرة، أخي أنت لك أتعابك أنت ادرس هذه الوثائق، ادرس الفواتير، ادرس الحسابات، وأنت حكم، اسمع منا، وخذ تصاريح منا، واحكم بيننا http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-5570/04.jpg هذا صار حكماً تجارياً، الوقت ثمين، معقول أن نشغل إنسان مئة ساعة على شهر زمان، وكل يوم عشر ساعات، أو على أسبوعين، و لا ندفع له شيء؟ ممكن إذا كان بالأصل غير قاض، وليست له جراية من بيت المال، كلفناه أن يكون حكماً في قضية شائكة، وتحتاج إلى جهد كبير كبير، وإلى وقت طويل طويل، لا مانع من أن نعطيه أجرة على عمله. لذلك قالوا: إن تولية القضاء من كان غنياً أولى من توليته من كان فقيراً، لذلك في بعض البلاد الأجنبية القاضي ليس له معاش، لا راتب له إطلاقاً، معه دفتر شكات يقبض أي مبلغ يريده، لأنه لو إنسان دفع له مئة ألف يتمكن أن يأخذهم من دون رشوة، يكتب شك بمئة ألف، أما إذا قاض مؤمن، لو كان دخله أقل من حاجته لا يأخذ درهماً حراماً، هناك قاض ببعض البلاد لما تقاعد سحب ثلاثين ألف جنيه بيوم واحد فلما سئل لماذا أخذت هذا المبلغ؟ قال: هناك خصم عندي، دفع لي هذا المبلغ فأخذته من الخزانة العامة حتى لا أقع تحت ضغط هذا الخصم، أما المؤمن فعليه من الله رقيب. ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ﴾ [سورة النساء:1] رسالة عمر بن الخطاب في القضاء : سيدنا عمر رَضِي اللَّه عَنْه أرسل رسالة في القضاء، أرسلها إلى أبي موسى الأشعري، هذه الرسالة الآن أينما دخلت إلى قاعات المحاكم أو إلى مكاتب القضاة الفخمة أو إلى مكاتب المحامين، إنها مطبوعة و موضوعة على الجدار، سيدنا عمر الذي عاش في الصحراء، والذي تعلم من رسول الله صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يكتب رسالة في القضاء تعد منهجاً ودستوراً لكل القضاة في العالم: "بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله عمر بن الخطاب أمير المؤمنين إلى عبد الله بن قيس، سلام عليك أما بعد: فإن القضاء فريضة محكمة، و سنة متبعة"، أي الله عز وجل فرض علينا أن نكون قضاة عادلين. ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا ﴾ [سورة النساء:58] ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾ [سورة المائدة: 42] يقولون: إن الحجاج سأل أعرابياً من أنا؟ قال له: أنت قاسط عادل، فقال لمن حوله: أتعلمون ماذا قال لي؟ قالوا: قال لك: قاسط عادل، قال: بل قال لي: أنت ظالم كافر، وكيف؟ لأن كلمة أقسط معناها عدل، أما قسط بمعنى ظلم، قال تعالى: ﴿ وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا ﴾ [سورة الجن: 15] وعادل: ﴿ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴾ [سورة الأنعام: 1] عدل عن الإيمان إلى الكفر، فقال: قال لي: أنت ظالم كافر، لذلك: "أما بعد فإن القضاء فريضة محكمة، وسنة متبعة، عدل ساعة خير من أن تعبد الله ثمانين عاماً"، تقف موقفاً فيه عدل، تقف موقفاً فيه إنصاف، أن تكون مع الحق، أحياناً معظم الناس مع أولادهم على الباطل، أما الأب المؤمن فيقف مع الحق، ولا تأخذه في الله لومة لائم، لعل ابنه على باطل. يروون أن القاضي شريح كان بين ابنه وبين شخص خصومة، فجاء ابنه إليه وقال: يا أبت هناك خصومة بيني وبين فلان أعرضها لك فإن شئت نرفعها إليك، فإذا رفعناها إليك الحق مع من؟ قال له: الحق معك، ارفعها إلي، فلما رفعت إليه حكم على ابنه، فوجئ ابنه، قال: يا بني خشيت إن قلت لك أنت لست على حق أن تذهب إلى غيري فأردت أن أقتص لخصمك منك أنا. قال له: "أما بعد فإن القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة، فافهم إذا أدلي إليك" الإضبارة يتصفحها تصفحاً، لا، لا يكفي، يجب أن تقرأها كلمة كلمة، أن تقرأ الوثائق وثيقة وثيقة، أن تقرأ مذكرات المحامين مذكرة مذكرة، أن تقرأ إفادات الشهود إفادة إفادة، أن تقرأ بهدوء، وتمعن، لتكتشف الحق، قال له: "فافهم إذا أدلي إليك"، استمعوا القصة لما قالت له زوجي صوام قوام، ما انتبه، قال لها: بارك الله لك في زوجك، قال له: إنها تشكو زوجها هي لا تمدحه، قال: فاحكم بينهما إذاً، " فافهم إذا أدلي إليك، فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له" أي إذا كان المحامي لامعاً، معه أدلة قوية، لكن القاضي ما قرأ المذكرة، قرأ كلمتين، كله كلام، هو لا يوجد عنده وقت، هذا عمل خطير جداً، يجب أن تقرأ المذكرة كلمة كلمة. كنت مرة عند قاض، فخبر قاضياً دونه، قال له: اقرأ الإضبارة خمس مرات، أي أراد أن يقرأ بتؤدة، وتفهم، افهم القضية، اقرأ الإفادات، اقرأ التقارير، اقرأ الضبط كلمة كلمة، اقرأ مذكرات المحامين، "فافهم إذا أدلي إليك"، أحياناً قضية تعرض في وقت غير مناسب، أحياناً مثلاً بعد الخطبة يكون الإنسان متعباً، ممكن أن يسأل سؤالاً لطيفاً سريعاً، أما قضية متشابكة، عقود تجارية، دفع وما سجل، لا أستطيع أن أفهم لك الموضوع الآن، أي كل وقت له وقت، لكل مقام مقال، وهناك وقت لا يناسب الإنسان أن يفهم قضايا متشابكة، لكن هذه القضية تحتاج إلى جلسة هادئة، تسمع كلمة كلمة، تعبيراً تعبيراً، مصطلحاً مصطلحاً، حتى تفهم عليه، "فافهم إذا أدلي إليك، فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له"، إذا شعر المحامي أن القاضي لا يقرأ المذكرة، لا يوجد عنده وقت، أجلناها شهرين، قدم مذكرة، ردّ عليه مثل الرد الأول، فهذا ليس قاضياً، لا يقرأ شيئاً، " فافهم إذا أدلي إليك فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له، آس بين الناس في وجهك" ابتسامة ابتسامة، عبوس عبوس، تجهم تجهم، لا تعبير لا تعبير، أحياناً وجهه مثل الجدار، لا تعرفه حزيناً أم مسروراً، هذا وجه بلا تعبير، ليس له أي تعبير، " آس بين الناس في وجهك"، بشاشة مع بشاشة، ابتسام مع ابتسام، عبوس مع عبوس، تجهم مع تجهم، لا تعبير مع لا تعبير، أما اختلاف " فآسي بين الناس بوجهك وعدلك في مجلسك، حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولا ييأس ضعيف من عدلك". الحكم السريع في القضايا يريح النفس : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-5570/05.jpg هناك الكثير من القصص المشهورة ، أحياناً القاضي يُشعر الخصم أنه لا يوجد أمل ينصفه، ينصرف عنه، أحياناً ترتكب جرائم في قصر العدل، يشعر ولي المقتول أنه لم يأخذ حقه، فيأخذ حقه بنفسه، لذلك القضاء يجب ألا يطول كثيراً، قضية ثماني سنوات وقضية عشر سنوات، محامي ربى ابنه على المحاماة، كبر الابن وأصبح محامياً، بجلسة واحدة أنهى قضية، يقول له والده: لماذا أنهيتها؟ أنا ربيتك منها يا بني، هذه الطول في القضايا شيء مستحيل، ثلاث عشرة سنة، خمس عشرة سنة، اثنتا عشرة سنة، ثماني سنوات، إذاً الحكم العادل هو الحكم السريع، قال: "حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولا ييأس ضعيف من عدلك، البينة على من ادعى"، عبء تقديم الوثائق، و الأدلة، والصكوك، والإيصالات، والفواتير على من؟ على المدعي، " البينة على المدعي، واليمين على من أنكر"، الآن هناك قضايا لا يوجد فيها وثائق، لا يوجد غير اليمين، القاضي أحياناً، الدعوى أساسها أن له معه مئة ألف، من دون إيصال، لا يوجد طريقة ثانية، إلا أن يدعو المدعى عليه بحلف اليمين، أحياناً يدعى المدعي لحلف اليمين، تحلف يميناً؟ أنا مدع! حلف اليمين على المدعى عليه، النبي عليه الصلاة والسلام جعل هذا قانوناً، البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر . الصلح سيد الأحكام : "والصلح جائز بين المسلمين، إلا صلحاً أحلّ حراماً، أو حرم حلالاً"، ممكن أن يكون الصلح خير، قالوا: الصلح سيد الأحكام، فكل قاض إذا تمكن من الصلح يريح النفس، تلاحظ المتخاصمين يدخلون على القضاء يبقون عشر سنوات، يصبح مع الواحد حقد، مستعد إذا كان الخلاف على مئة ألف أن يدفع مئتي ألف ليكسر رأس خصمه، المحامون يفرحون، لأنها تصبح من حظهم، فأفضل شيء الصلح، وأفضل عمل المحامي الاستشارة الوقائية، عوض أن تدخله بالخصومة استشره قبل الخصومة، اعمل عقداً وخذ رأيه بالعقد، عقد الشراكة سجله بمحكمة البداية، اشتريت أرضاً، أخي من يملكها؟ فلان يوقعها لك، لا، أريد حصر إرث لأعرف من هم الذين يملكونها، إنسان اشترى أرضاً، تخلف مالك واحد عن التوقع، أخذها بثلاثمئة ألف، أصبح ثمنها خمسة و عشرين مليوناً، الدعوى بالقضاء من ثلاث عشرة سنة لأن هناك توقيعاً ناقصاً، أحد الورثة باع بالإيجاب والقبول، لكنه كان مسافراً فلم يوقع، فالأسعار ارتفعت كثيراً، من ثلاثمئة ألف لعدة ملايين، وجد الذي لم يوقع معه فرصة ذهبية أن يرفض البيع، يطلب أسعاراً خاصة. الجهل أكبر سبب للخلاف بين الناس : لا ترى اثنين بالقضاء إلا بسبب جهل، البطل هو الذي لا يدخل القصر العدلي إطلاقاً، كل شيء موثق، الدّين له سند، والشراكة لها عقد، والبيع له طابو، والزواج بالمحكمة، كله موثق، أما زواج عرفي، أخي من أجل أن يدخل علينا، كل الكتاب يكتب بيوم واحد، بكل عشر زيجات تسع يريدون كتاباً على الورق، لماذا؟ http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-5570/06.jpg حتى يستطيع أن يدخل و يخرج، كلام ليس له معنى، لو صار هناك خلاف ينكر الزواج، لو صار هناك حمل وأنكر الزواج صارت فضيحة أليس كذلك؟ قال سيدنا معاوية لسيدنا عمر بن العاص: ما بلغ من دهائك؟ كان عمر بن العاص من كبار دهاة العرب، قال له: ما بلغ من دهائك؟ قال له: وَاللَّهِ ما دخلت مدخلاً إلا أحسنت الخروج منه، قال له: لست بداهية، أما أنا وَاللَّهِ ما دخلت مدخلاً أحتاج أن أخرج منه، أنا لا أدخل بالأصل. فإذا الإنسان تمكن ألا يدخل يكون عاقلاً جداً، لأن القضاء يهز الأعصاب، ويحطم النفوس، تجد أسرتين عشر سنوات، سهراتهم كلها حقد وغليان، أحياناً يكونون أخوات، أحياناً أقرباء، عندما يدخلوا القضاء أصبحت العداوة مستمرة، صار هناك أحقاد وضغائن وتكسير رؤوس، أعرف شخصاً دفع ثلاثة أضعاف موضوع الدعوى حتى يكسر رأس خصمه، لماذا الشرع؟ من أجل ألا تختصم مع أحد، حتى تكون متفرغاً للعبادة، فلكل قضية حل، قرض ضع سند، بيت بعقد موثق، ورثة خذ توقيعهم كلهم، عقد شراكة في محكمة البداية، لا تدع قضية سائبة، لا تدع قضية مفتوحة، دفع مبلغاً ضع وصلاً، كل شيء ثبته، ترتاح. كل إنسان ساهم بإفساد الآخرين آثم مثلهم : هناك نقطة مهمة جداً إذا أنت أهملت هذه الأمور، وخصمك زاغ عن الحق وأغراه الشيطان بأكل المال بالباطل، فأنت مؤاخذ، أنت ساهمت بإفساد إنسان، مثلاً لو أن شخصاً وضع على الطاولة خمسين ألفاً، والمحل فيه بضاعة و موظفون، وفقدوا يا ترى الذي أخذهم آثم؟ لا شك آثم، سارق، و المهمل الذي تركهم بهذا المكان أيضاً آثم،لأنه ساهم بإفساد إنسان، لولا هذا المال بهذه الطريقة ما سرق، فالسارق يوم القيامة يقول: يا رب هو الذي أغراني بسرقته، لو كان في مكان حرز حريز أنا ما كنت أخذته، لكنه أغراني بسرقته، فكل إنسان يساهم بشكل أو بآخر بإفساد الآخرين فهو آثم مثلهم. التراجع عن الخطأ فضيلة : قال: " ولا يمنعك من قضاء قضيته اليوم فرجعت فيه لرأيك ، وهديت فيه لرشدك أن تراجع الحق "، التراجع فضيلة، الاعتراف بالذنب فضيلة، سيدنا عمر على المنبر قال: "أخطأ عمر وأصابت امرأة" مرة كان على المنبر يخطب خطبة رائعة جداً قطع خطبته وقال: يا بن الخطاب، كنت غلاماً ترعى إبلاً على قراريط لبني فلان، وأكمل الخطبة، هذا الكلام ليس له علاقة بالخطبة، أي قطع غير منسجم، فلما سأله سيدنا ابن عوف لماذا قلت هكذا على المنبر؟ فقال له: جاءتني نفسي وقالت لي أنت أمير المؤمنين وليس بينك وبين الله أحد، أعلى شخصية، فأردت أن أعرفها حقها، أنت كنت عميراً ترعى الإبل على دريهمات لبني كذا، الكبر مهلك، "ولا يمنعك من قضاء قضيته اليوم فرجعت فيه لرأيك ، وهديت فيه لرشدك أن تراجع الحق ؛ لأن الحق قديم لا يبطل الحق شيء، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل". http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-5570/07.jpg أحياناً الأب يضرب ابنه ظلماً، يظن أنه هو من كسر هذه الحاجة، أو هو عمل هذا الشيء، لو الإنسان غلط يجب أن يعتذر، لو أخطأ الإنسان مع إنسان أدنى منه، صار هناك ظلم، قدم اعتذارك، قدم هدية، رمم فيها ما حصل، أما لا يتراجع، هناك أشخاص يدركون أنهم على باطل، وأنهم اقترفوا ظلماً شديداً، ومع ذلك لا يتراجعون. "الفهم الفهم فيما تلجلج في صدرك مما ليس في كتاب الله ولا سنة رسوله"، أي الذي فيه نص واضح قضيته سهلة، أما قضية ليس لها نص، تحتاج إلى اجتهاد، وإلى قياس، وإلى أدلة، الأمر إذا كان كذلك فإياك أن تتسرع، "الفهم الفهم فيما تلجلج في صدرك مما ليس في كتاب الله ولا سنة رسوله". ولهذه الوصية تتمة نشرحها في الدرس القادم إن شاء الله تعالى، بقي علينا في الدرس القادم إن شاء الله متابعة شرح هذه الوصية، والحديث عن شفاعة القاضي، هل له أن يشفع؟ والحديث عن نفاذ حكم القاضي ظاهراً، وعن القضاء عن الغائب، حكم غيابي، والقضاء بين الذميين، و ظهور حكم جديد للقاضي، كيف يتصرف، ونماذج من القضاء من عصر صدر الإسلام، هذه الموضوعات في الدرس القادم إن شاء الله تعالى. |
رد: العبادات التعاملية
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية الدرس : ( الحادى العاشر ) الموضوع : شفاعة القاضى الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. كل إنسانٍ لابد من أن يقف موقف القاضي في حياته : أيها الأخوة المؤمنون، لا زلنا في موضوع القضاء، ولا زلنا منطلقين من مقولة أن كل إنسانٍ لابد من أن يقف في موقف القاضي في يوم من أيام حياته، بل في بعض أيام حياته، و بعض الناس يقف هذا الموقف في معظم أيام حياته، ولو لم يكن له علاقة بالقضاء، أو بسلك القضاء، أو بما يتعلق بالقضاء. طبيعة الحياة اليومية فيها مواجهات، وفي كل مجتمع رجل كبير، يلجأ إليه، يحتكم إليه، فإن كنت أباً فأنت قاضٍ بين أولادك، وإن كنت عماً فأنت قاض بين صهرك وابنتك، وإن كنت تاجراً قديماً فأنت قاض بين التجار المحدثين، فلابد للمسلم أن يقف موقف القاضي شاء أو أبى، لذلك المبادئ الأساسية التي نص عليها القرآن والسنة يجب أن تكون بين أيديكم، حتى لو وقفت موقف القاضي، قضيت بالحق، القضاء كما تعلمون له مفهوم واسع، ومفهوم ضيق، فأن تلجأ إلى المحاكم، إلى القضاء الرسمي، هذا قضاء، لكن أن تلجأ إلى صديق ليكون حكماً بينك وبين صديق آخر فهذا أيضاً قضاء. العدل و الإحسان : هناك موضوع جديد وهو شفاعة القاضي، لأن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿ وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ﴾ [ سورة النساء: 128] أحياناً الإنسان يكسب الحكم، لكن يخسر الطرف الآخر، لا تنسوا أيها الأخوة أن كل مؤمن مأمور بالعدل وبالإحسان، المؤمن الذي لا يحب أن يقطع الناس عن الله عز وجل، أحياناً يرى أن يربح أخاه وأن يجعله قريباً منه، وأن يجعل هذا الأخ المتخاصم معه مشدوداً إلى الدين أربح عنده من أن يأخذ ماله، لذلك من أروع الآيات قوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ [ سورة النحل: 90 ] أنا أذكر أن أخاً يعمل في دكان، وهذه الدكان تقع في محضر، والمحضر اشتراه رجلاً، الدكان يجب أن تهدم بأمر محافظة دمشق، لأنها أصبحت ليس لها وجود على المخطط التنظيمي، والذي اشترى المحضر اشتراه نظيفاً، صاحب هذه الدكان عرض أمره على رجل قال: ماذا أفعل؟ أين أذهب؟ فلما استدعي صاحب الأرض الذي اشتراها قال كلاماً صحيحاً، قال: أنا اشتريت أرضاً نظيفة، ليس فيها دكان، أنا لا ذنب لي، قلت له: وَاللَّهِ معك الحق، ولكن لا تنسى أن الله يأمر بالعدل، وهذا هو العدل، ويأمر بالإحسان، أتريد أن تجعل أخاك في الطريق؟ قال: لا وَاللَّه، في ذلك الوقت الله عز وجل وفقه أنه دُفع له مبلغ من المال و جمع له مبلغٌ آخر، و اشترى دكاناً في بعض الجادات العليا، أي العدل أن نمسك بهذا الإنسان، ونلقي به في الطريق، هذا العدل، أما الإحسان فألا نتخلى عنه. المؤمن الصادق مأمور بالعدل والإحسان : في أي قضية أيها الأخوة لا تنسى أنك مأمور بالعدل والإحسان، إنسان تزوج امرأة على أساس أنها بنت، وهذه المرأة من أسرة معروفة، وما إلى ذلك، بعد خمسة أشهر يرى أن حملها في مستوى الشهر التاسع، إذاً هذا المولود ليس منه، إذاً هي زلت قدمها وانحرفت، العدل أن يطلقها، العدل أن يخبر أهلها، العدل أن يلقيها خارج المنزل لكن الإحسان، لذلك أحد خطباء دمشق قبل خمسين عاماً رأى النبي عليه الصلاة والسلام في المنام يقول له: قل لجارك فلان إنه رفيقي في الجنة، هذا العالم اختل توازنه، أنا الذي أخطب، وأنا الذي أتكلم، وأنا صاحب العمامة البيضاء، وأنا من أهل العلم، وأنا، وأنا، والمنام يقول: قل لجارك فلان إنه رفيقي في الجنة، إذاً ماذا فعل جاري؟ جاري سمان، أنا أحق بهذه البشرى منه، فلما ذهب إليه وناشده أن يخبره بما فعل، وأقسم عليه أن له عنده بشارة من رسول الله، ولن يخبره إياها إلا إذا أخبره بما فعل، قال: تزوجت امرأة من أسرة معروفة، وبعد خمسة أشهر وجدتها في شهرها التاسع، عطفت عليها ورثيت لحالها، فجئت بقابلة في منتصف الليل وولدتها، وأخذت الغلام تحت إبطي ودخلت إلى المسجد، بعد أن نوى الإمام صلاة الفجر، وضعت الغلام وراء الباب، وصليت مع الناس كأحد المصلين، فلما انتهت الصلاة بكى الطفل الصغير، وتحلق المصلون حوله، وتظاهرت أنني لا أعلم شيئاً، قلت: ما الأمر؟ قال: تعال وانظر إلى هذا الغلام، قال: أعطوني إياه أنا أكفله، وأخذه ورده إلى أمه و سترها، هذا الإحسان، العدل أن يطلقها، العدل أن يفضحها، العدل أن يخبر أهلها، أما إذا تابت على يديه توبة نصوحة، وسترها، وكان بإمكانه أن يسحقها، وكان بإمكانه أن يفضحها، وكان بإمكانه أن ينبذها: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى ﴾ [ سورة النحل: 90 ] المؤمن الصادق دائماً يشعر أنه مأمور بالعدل والإحسان، أحياناً لأن تربح أخاك ولا يعلم هذا إلا الله، لأن تربح أخاك أغلى عندك من أن تأخذ حقك منه و تخسره، هذا ليس قسرياً، هذا شيء طوعي، الطوعي غير القسري، القسري أعطه حقه، أما إذا كان أخ ضعيف رقيق الحال، لك عنده حق، فإذا سامحته به، وكسبته، مرة قرأت كلمة لأحد الأدباء وَاللَّهِ أعجبتني، قال: لأن يربح الإنسان إنساناً خير له من أن يربح الدنيا وما فيها، أن تشعر أن هذا الإنسان قدمت له عملاً طيباً، دائماً في الخلافات لاحظ العدل والإحسان، الإنسان يكفيه مشاحنة أن يقول: آخذ حقي لا أدعه، خذ حقك، وامحق، هكذا يقال له، أنا لا أدعو إلى ترك الحقوق لكن أدعو إلى بعض المسامحة، أدعو إلى الرحمة، أدعو إلى تأليف القلوب، أدعو إلى غض البصر أحياناً، أدعو إلى الحل الوسط، أدعو إلى سددوا وقاربوا، أدعو إلى التسامح ما بينكم، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام علمنا كيف يكون القاضي شفيعاً. شفاعة القاضي : لذلك قال العلماء: للقاضي أن يشفع الشفاعة الحسنة، ويطلب من الخصوم أن يصطلحوا، أو يتنازل أحدهم عن بعض حقه، هكذا علمنا صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، هناك شخص يأتي لعندك، ويحكي لك قصة أخ، ينظر منك أن تمسك هذا الأخ وتفرمه حتى ينبسط، أنا أب أيضاً، أنت أخ وهو أخ، نحن نعاتبه ونوجهه ونسمع منه، نلتمس له العذر، أما من أجل أن تفشي غليلك فهذا ليس من أخلاق المؤمن. أحد الصحابة الفقراء جداً في ساعة من ساعات صفائه ماذا يفعل؟ ماذا يقدم لله عز وجل؟ لا يملك شيئاً فرفع يديه إلى الله عز وجل وقال: يا رب أنا عرضي أسامح به كل من تكلم عني، أملك أن أسامح، من تكلم عني شيئاً أنا أسامحه. يقولون إن أحد العلماء تكلم الناس عنه كثيراً بالباطل، لأن الحسد دائم، الحسد شغال بكل العصور، كل ذي نعمة محسود، تجد إنساناً إن وفقه الله كان له خصوم كثر، كانوا يشككون فيه، أناس يطعنون بعلمه، ناس يطعنون بنزاهته، أناس بإخلاصه، أناس يتهمونه تهماً ليس لها أصل، قال له رجل: وَاللَّهِ إنني أشفق عليك من كثرة ما يقول الناس عنك، قال له: هل سمعت مني شيئاً عنهم؟ قال له: لا وَاللَّهِ، قال: إذاً عليهم فأشفق، الإنسان بطولته أن يبقى مستقيماً، أن يبقى في طاعة الله. القاضي له أن يشفع لأن الصلح سيد الأحكام : إذاً أول شيء نستفيده من هذا الدرس أن النبي عليه الصلاة والسلام فيما روى كعب بن مالك أنه تقاضى ابن أبي حدرد ديناً كان له في عهد رسول الله صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في المسجد فارتفعت أصواتهما- أي كانا يتحاوران في دَين، طبعاً المساجد وقتها كانت صغيرة، هذا الذي ترونه الآن، الحرم المدني، القسم العثماني الذي بناه العثمانيون لا يزيد عن واحد من مئة من حجم الحرم الحقيقي الآن، هذا الحرم أربعة أمثال مسجد رسول الله، حتى في الأعمدة يقول لك: هذه حدود المسجد في عهد رسول الله، مسجد صغير، وحوله غرف للنبي عليه الصلاة والسلام، فلما تحاور هذان الصحابيان في أمر دين- حتى سمعها رسول الله صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو في بيته، فخرج إليهما حتى كشف سجف حجرته، ونادى كعب بن مالك قال: يا كعب، قال: لبيك يا رسول، فأشار له بيده أن ضع الشطر من دينك، قال كعب لقد فعلت يا رسول الله، فقال النبي عليه الصلاة والسلام للثاني: قم فاقضه، دخل النبي شفيعاً بين اثنين بحكم مكانته، أمر كعب أن ينزل عن شطر دينه، وأمر الطرف الآخر أن يقضي دينه، إذاً القاضي له أن يشفع، لأن الله يقول: ﴿ وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ﴾ [ سورة النساء: 128] الصلح سيد الأحكام، إذا كنت تستطيع أن توفق بين اثنين يحتكمان لك، وأن توفق بينهما، زوجان متشاكسان، طالبة الطلاق وهو يريد أن يتخلص منها، إذا وفقك الله أن تجمع بينهما على خير هذه بطولة، بين شريكين، بين زوجين، بين أخوين، هذا من الأعمال الطيبة. لكن دائماً وأبداً لا تنسوا أن العدل قسري، وأن الإحسان طوعي، لا تستطيع أن تجبر على الإحسان، لكن على العدل لك أن تجبر، وأساساً القاضي يجبر، القاضي يصدر حكماً يوضع في التنفيذ، المعنيون في التنفيذ ينفذون حكم القاضي قسراً، العدل قسري، أما الإحسان فطوعي، أنا أتمنى على الإنسان ألا يأمر بالإحسان أمراً، يستثير نخوة المؤمن، يستثير حماسه، يبين له آثار الإحسان، آثار العفو، آثار المسامحة، إذا بين له الآثار عندئذ لا يجد هذا الخصم وداً من أن يسامح. حكم القاضي لا يحل حراماً ولا يحرم حلالاً : يا أخوان هناك نقطة في هذا الدرس، أنا أراها أخطر نقطة في هذا الدرس، قال العلماء: حكم القاضي لا يحل حراماً، ولا يحرم حلالاً، كيف؟ ادعى إنسان على أن له على زيد مئة ألف، فقال القاضي: ائتني بالشهود، فلفق شاهدين كاذبين مرتزقين مأجورين، وشهدا أمام القاضي، وأقسما اليمين، وقالا: نحن نشهد أن لفلان على فلان مئة ألف، شيء جميل، القاضي ليس آثماً، طلب الشهادة فجاءته، استحلف الشهود فحلفوا، وشهدوا بادعاء المدعي، فحكم القاضي لزيد بمئة ألف على عبيد، زيد معه الآن حكم قاض، قاض شرعي، وقاض من كبار القضاة، وقاض القضاة، وقاض ورع إلى أقصى درجة، ونزيه إلى أقصى درجة، هل هذا الحكم الذي مع زيد على عبيد يجعل له حقاً على عبيد؟ أبداً، و لو أن القاضي رسول الله صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حكم القاضي لا يحل حراماً ولا يحرم حلالاً، لو أن إنساناً ادعى أنه طلق زوجته، تطليقات ثلاثة، وهو لم يطلقها وجاء بشهود، عندئذ أصدر القاضي حكماً بطلاق هذه المرأة من زوجها، وجاء رجل ليتزوجها هي عليه حرام، لأن الطلاق لم يقع، ولا زالت على عصمة الأول، فانتبهوا لهذا النقطة الدقيقة، لو أنك ملكت حكماً قضائياً من أرفع مستوى، والأغرب من ذلك، لو أن هذا الحكم من فم النبي عليه الصلاة والسلام لقول النبي عليه الصلاة والسلام: (( إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، وَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَلا يَأْخُذْ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ)) [ متفق عليه عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ] لذلك دائماً، كلما سئلت أقول: هذه الفتوى على وصفك، على ما تقول، فلو لم تكن صادقاً فيما تقول هذه الفتوى ليست لك، لا تعتمد عليها، لا تأخذها حجة، هي ليست بحجة، لذلك قالوا: الفتوى على قدر النص، قال له: يا سيدي لما طلقتها كنت لا أرى بعيوني، لما طلقتها كنت مجنوناً، هل يقع هذا الطلاق يا سيدي؟ قال له: والله يا بني قال عليه الصلاة والسلام: "لا طلاق في إغضاب"، أخذنا فتوى دبرنا حالنا، لا لم تدبر حالك إن لم تكن غاضباً على النحو الذي وصفه النبي صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقد طلقت امرأتك، ولو قال لك شيخ الشيوخ أنه لا يقع، الفتوى على قدر النص، ما دمت قد قلت أنا حينما طلقتها كنت في غضب شديد، كدت أجن، كأنني مجنون، على هذا الكلام الطلاق لا يقع لكن تطابق كلامك مع الواقع محاسب أنت عليه، المفتي ليس عليه إثم، أفتى على قدر النص. الفتوى أمانة : كل إنسان له وظيفة بالحياة، والإنسان ما دام ضمن عمله فهو محترم، أما إذا تجاوز اختصاصه إلى اختصاص آخر لا يبدو محترماً، الإفتاء اختصاص، والاجتهاد اختصاص، والتدريس اختصاص، والقضاء اختصاص، والدعوة إلى الله اختصاص، والعلم اختصاص، والتربية اختصاص، أنا أتمنى على كل إنسان أن يتجه إلى أصحاب الاختصاص، اسألني عن قضية بالقانون أنا لا أعرفها، ولا يطعن هذا في مكانتي أنني لا أعرفها، كل إنسان أقامه الله بعمل، المحاماة اختصاص، كل سنة يوجد مئتي قانون، وتعديلات، وتعديل التعديل، وإلغاء، وتعليق، ونسخ، واجتهاد محكمة النقض، من يحفظ هذا؟ هذا اختصاص القضاة والمحامين، فأنت اسأل أصحاب الاختصاص دائماً. أخواننا نصف العلم لا أدري، القصة أقولها دائماً الإمام مالك إمام دار الهجرة، أنا لست متأكداً الإمام مالك أم الإمام أحمد بن حنبل، لكن كان وحيد عصره وفريد زمانه، كان الإمام الأول، جاءه وفد من المغرب، من بلاد الأندلس، طبعاً ليس الآن طائرة ثماني ساعات، قاعد، مرتاح، ثلاث وجبات، ومرطبات، من بلاد الأندلس إلى المدينة أي هناك سير خمسة أشهر، جاء وفد يحمل ثلاثين سؤالاً من بلاد المغرب، ليسأل هذا الإمام العظيم، إما أنه الإمام مالك أو الإمام أحمد بن حنبل، وأرجح الظن أنه الإمام أحمد بن حنبل، فعرضوا عليه هذه الأسئلة، هذا الإمام الأوحد، أي أعلى شخصية علمية في العالم، فقال: هذا السؤال هذا جوابه، وهذا السؤال هذا جوابه، أجاب عن سبعة عشر سؤالاً، وقال: الباقي لا أدري، لا أعلم، هم دهشوا، صعقوا، الإمام أحمد بن حنبل لا يعلم ؟! قال: قولوا لهم الإمام أحمد لا يعلم. الإفتاء جسر إلى جهنم، كلما لقيت إنساناً جباناً بالفتوى احترمه زيادة، كلما لقيت إنساناً سريعاً بالفتوى احتقره، لأن الفتوى أمانة، أي إذا كان الشيء حراماً وقلت له: حلال خرب بيتك، وإذا الشيء كان بالعكس حلال حرمته عليه، أيضاً حسابك يوم القيامة، أنت لا تعلم لماذا تفتي بهذا الموضوع؟ فلذلك الإنسان لا يفتي بسرعة. ماذا يحصل مع الناس؟ كلما لقوا إنساناً عنده مسحة دينية يقولون: وَاللَّهِ ابننا صاحب دين، ابنكم صاحب دين على العين والرأس، له دروس علم لكن ليس مفتياً، الإفتاء منصب، الإفتاء اختصاص، فقل: لا أعلم، قل لا أعلم وافتخر فيها، لأن نصف العلم لا أدري، ومن علامة العالم أنه يكثر من قول لا أعلم، و يظل المرء عالماً ما طلب العلم، فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل، في اللحظة التي تتوهم أنك تعلم فأنت لا تعلم، قل لمن يدعي في العلم فلسفة حفظت شيئاً وغابت عنك أشياء. المؤمن وقّاف عند كتاب الله : هذه أخطر فكرة في الدرس، حكم القاضي لا يحل حراماً، ولا يحرم حلالاً، ولو معك حكم، و لو كان القانون معك، لن تنجو، أخي المادة كذا لصالحي، صح، وبالقبر لصالحك؟ هذه بالدنيا لصالحك، ما دام هناك قضاء ومحاكم، المادة الخامسة و الثلاثون من القانون الفلاني لصالحي و القبر؟ مرة أحد أخواننا الكرام استشارني استشارة أعجبتني، هناك محضر تمكن من أن يخلصه بنصف القيمة، سألته: كيف خلصته بنصف قيمته؟ هذا المحضر لثلاثين أسرة، إذاً هذا يحتاج إلى دعوى إزالة شيوع، هذه الدعوى من مستلزماتها أن يوضع هذا المحضر في المزاد العلني، بالمزاد العلني ممكن أن تجري مؤامرة، أي يأتون بأشخاص خلبيين، يدخلون بالمزايدة، ويرفعون الأسعار قليلاً قليلاً، هذا الذي حصل، أحضر أربعة أشخاص أو خمسة، ونزلوا بالمزايدة، مثلاً المحضر ثمنه ثمانمئة ألف - القصة قديمة من اثنتي عشرة سنة- الآن ثمنه ملايين، كان ثمنه ثمانمئة ألف، بدؤوا بأربعمئة، جاء أول مزايد قال: أربعمئة وعشرة آلاف، الثاني أربعمئة وخمسة عشر، رفعوا إلى أربعمئة وخمسين، نصف القيمة، ذكاء هذا؟ لا ليس ذكاء، لأن له أصحاباً أيتام، قصر، بعدما اشترى هذا المحضر بنصف القيمة، وسوف يعمره، انتبه، وسألني هذا الأخ الكريم، قال لي: أنا أخاف من القبر، قلت له: معك حق، قال لي: ما الحل؟ قلت له: أن تدفع لأصحابه ثمنه الحقيقي، القانون معك، الآن المحضر لك، تذهب إلى المحافظة غداً، وتقدم نتيجة المزايدة، تدفع التأمين، تدفع الثمن ويطوب لك، القانون كله أصبح معك، لكن هؤلاء القصر الأيتام محضرهم ثمنه ثمانمئة ألف، إذا نقدتهم أربعمئة ألف هل يرضى الله عنك؟ قال: لا وَاللَّهِ بعد أسبوع جاءني و قال لي: انسحبت من هذا المشروع خوفاً من الله فقط، والنصف مليون وقتها بقدر خمسين مليوناً الآن. هذا المؤمن، المؤمن وقاف عند كتاب الله. الاستقامة و الأمانة : قلت يوم الجمعة: الاستقامة مليون بند وأكبر بند فيها ترك الحرام، ترك المال الحرام، مع المال الحرام لا يوجد صلاة، ولا صيام، ولا حج، ولا وجهة، ولا قلب مستنير، ولا وجه مستنير، ولا صلة بالله، محجوب، آكل مال حرام، يقول العبد: يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وغذي بالحرام، وَاللَّهِ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ أيها الأخوة لو معك مئة مليون بالحرام، ولاحظت يوم القيامة كيف تحاسب عنها لهانت على نفسك. أنا من حوالي ستة أشهر جاءتني قصاصة، وقرأتها لكم، وَاللَّهِ أعتز بها، وضعتها عندي، هذه القصاصة من أحد أخواننا وأنا أحترمه احتراماً كثيراً مع أني لا أعرفه، تكلمت مرة في درس في الكويت عن الأمانة، قلت وقتها: الأمانة ليس ما عليك من حقوق، أو سندات الأمانة ليس أن تدفع ذمة مرتبة عليك، ليس أن تدفع سنداً مستحقاً، ليس أن تؤدي ديناً لتاجر، هذا سلوك مدني، ما معنى مدني؟ أي خصمك بلوى، إن لم تدفع معه سند، يبعث لك مذكرة عن طريق محامي، يبعث لك بطاقة بريدية، يتكلم عنك أن سلعة فلان كذا، ينزع لك اسمك، يقاضيك، فأنت وجدت الأسلم أن تدفع السند، لكن ما هي الأمانة التي تعد عند الله عبادة؟ هي حالات نادرة، أن إنساناً أعطاك مئة ألف، ما أبلغ أحد من الخلق، لا زوجته، ولا أولاده، ولا أخذ منك وصلاً، ومات، لا يستطيع أحد على وجه الأرض أن يقاضيك، ومع ذلك حملت هذا المبلغ وتوجهت إلى ورثة المتوفى، وأعطيتهم إياه، هذه الأمانة، تكلمت القصة وأنا بالعثمان قبل سنة تقريباً، ولمحت بالموضوع مرة ثانية بدرس بالنابلسي، جاءتني قصاصة ورق، يقول لي صاحبها: والله يا أستاذنا أديت قبل أسابيع اثني عشر مليون ليرة لورثة، ليس معهم وثيقة بهذا المبلغ، دفع اثني عشر مليوناً بناء على درس الاثنين بالكويت، هذه الأمانة، و الله يوم القيامة يشعر بسعادة، يشعر براحة، الإنسان ليس له إلا ما أكل. ((عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقْرَأُ أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ قَالَ: يَقُولُ ابْنُ آدَمَ مَالِي مَالِي، قَالَ: وَهَلْ لَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مِنْ مَالِكَ إِلا مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ، أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ، أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ )) [مسلم عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ أَبِيهِ ] كل شيء ليس لك، تأمل بهذا البيت أين صاحبه؟ كله جبصين، انظر الغرف الواسعة، المناظر الطبيعية، انظر السجاد الإيراني الثمين، أين صاحبه؟ أنا مرة حضرت دفن ميت، والله الإنسان كان غالياً عليّ، لكنه أنيق، نظيف جداً، مرتب جداً، وضعوه بالقبر، وأحضروا البلاطة ووضعوها فوق الفتحة، فلم تتغطَ الفتحة بشكل تام، فكان هناك تراب جانب القبر وهناك مجرفة، وضع التراب فنزل فوقه، أين سريره الأنيق؟ أين بيته الفخم؟ تدفئة مركزية، جبصين، ألمنيوم، هو بالأخير في القبر. لذلك حكم القاضي لا يحل حراماً، لو معك من رسول الله فتوى لو المادة الخامسة و السبعون كلها لصالحك، لو أخذت حكماً من محكمة النقض انتهى، لكنك لم تنته من الله، هذا الكلام أبرز ما في الدرس، حكم القاضي لا يحل حراماً ولا يحرم حلالاً، لأن القانون لو كان معك، حكم القاضي لو كان لصالحك، لا ينجيك من عذاب الله، وقد قال الشافعي: " حكم الحاكم لا يحلل الحرام". القضاء على الغائب : عندنا موضوع آخر وهو القضاء على الغائب، يا ترى هل يجوز للمدعي أن يدعي على غائب وهذا الغائب ليس له وكيل؟ طبعاً نحن نعرف بالقضاء ممكن أن تقيم دعوى على إنسان غائب، والغائب يبلغ بالصحف المحلية، فإذا لم يحضر يحكم غيابياً، هكذا القانون والقانون له أصل بالشرع، الأدلة، أن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ ﴾ [ سورة ص : 26 ] فالحكم بالحق أمر ثابت، لا أعطل هذا الحكم أو ذاك الأمر لمجرد أن أحد الخصوم غائب، يغيب إلى ما شاء الله، يتزوج ويغيب، هذه الزوجة تريد نفقة، أخي غائب لا نستطيع أم نقيم عليه دعوى نفقة، لأنه غائب، هذا كلام غير مقبول، الغائب تقام عليه الدعوة ويحكم غيابياً لأن الحق أحق أن يتبع. هناك دليل عندنا غير الآية، دليل عملي، قال سيدنا عمر: من كان له دين فليأتنا غداً، فإنا بايعوا ماله وقاسموه بين غرمائه، وكان الشخص الذي قضي عليه ببيع ماله غائباً، شخص عليه ديون، وترك بيته وهرب، سيدنا عمر قال: من كان له عليه دين فليرفع إلينا دينه حتى نبيع ماله، ونقسمه بين غرمائه، الشخص غائب الدليل القوي: ﴿ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ ﴾ [ سورة ص : 26 ] والدليل الثاني: من كان له دين فليأتنا غداً، فإنا بايعوا ماله وقاسموه بين غرمائه، وكان الشخص الذي قضى عليه ببيع ماله غائباً، لكن هنا يوجد استدراك، إذا حضر الذي حكم عليه بالغياب – غيابياً- القاضي عليه أن يستمع إليه، إذا حضر كانت حجته قائمة، وتسمع، ويعمل بمقتضاها، لو أدى ذلك إلى نقض الحكم، لأن الحكم الغيابي حكم مشروط. إنسان ادعى أن له على فلان مئة ألف، و أحضر بينة – وصلاً - وشهوداً، وكل شيء، و قال: إن لهذا الشخص بيتاً، أعطني البيت، أو ضع يدي عليه، أو نبيع البيت وآخذ حقي، أصدر حكم ببيع البيت ووفاء الثمن للغريم، بعد ذلك جاء الغائب، قال: هو استرد دينه مني وهذا الدليل، هذا الوصل ينقض الحكم، لأن الحق قديم، لأن تعود إلى الصواب خير من أن تمضي في الخطأ، لذلك الغائب إذا حضر كانت حجته قائمة وتسمع ويعمل بمقتضاها، ولو أدى إلى نقض الحكم، لأنه في حكم المشروط، بعض المذاهب قالوا: لا بد من أن يكون لهذا الغائب وكيل ينوب عنه. تحاكم الذميين إلى قضاة المسلمين : الآن إذا تحاكم الذميون إلى قضاة المسلمين جاز ذلك، ويقضى بينهم بما أنزل الله وبما يقضى بين المسلمين، يقول الله تبارك وتعالى: ﴿ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾ [ سورة المائدة: 42 ] لذلك المحاكم الشريعة الإسلامية تقبل أي قضايا شخصية لغير المسلمين، ممكن إلا أن يكون لهذا الطوائف محاكم مذهبية خاصة، أما لو أن شخصين ترافعا في قضية شرعية أو شخصية، يمكن أن يحكم بينهم القاضي الشرعي الإسلامي. الآن عندنا قضية يثيرها بعض الأخوة كثيراً، هل لصاحب الحق أن يأخذ من المماطل حقه من دون أن يقاضيه؟ لك مع إنسان دين ثابت، لم يدفع لك من ثلاث عشرة سنة، جاءك شخص قال لك: هذا المبلغ لفلان، أعطه له، فلان غريمك تستطيع أن تأخذ حقك هذا موضوع نبحثه إن شاء الله. العدل أساس الملك : أخرج أبو نعيم في الحلية- حلية الأولياء- قال: افتقد علي بن أبي طالب كرم الله وجهه درعاً له، وجدها عند يهودي، التقطها فعرفها، سيدنا علي على علو مقامه، افتقد درعاً له وجدها مع يهودي، فقال: درعي؟ سقطت عن جمل له أورق، قال اليهودي: درعي وفي يدي، ثم قال اليهودي بين وبينك قاضي المسلمين، فأتوا شريحاً، كان من أشهر القضاة، فلما رأى علياً قد أقبل تحرف عن موضعه، وجلس علي فيه ثم قال علي: لو كان خصمي من المسلمين لساويته في المجلس، ولكني سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: لا تساويهم في المجلس وساق الحديث، قال شريح: ما تشاء يا أمير المؤمنين، تصور أمير مؤمنين، حاكم المسلمين، بلاد الحجاز، والشام، ومصر، والعراق كلها تحت أمرته، وخصمه يهودي، من الشرذمة القليلة، اختصم مع خصمه على درع، وتوجه هذا الأمير العظيم مع اليهودي إلى قاضي المسلمين شريح، قال شريح: تكلم يا أمير المؤمنين، قال: درعي سقطت عن جمل لي أورق، فالتقطتها هذا اليهودي، قال شريح: ما تقول يا يهودي؟ قال: درعي وفي يدي، قال شريح: صدقت والله يا أمير المؤمنين، إنها لدرعك، مبشر بالجنة، ممكن أن يكذب؟ مستحيل ولكن لا بد من شاهدين، فدعا قنبراً، والحسن بن علي، وشهدا أنها درعه، فقال شريح أما شهادة مولاك فقد أجزناها، وأما شهادة ابنك لك فلا نجيزها، فقال علي كرم الله وجه، ثكلتك أمك، أما سمعت عمر بن الخطاب يقول: قال عليه الصلاة والسلام: "الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة"، قال: اللهم نعم، قال: أفلا تجيز شهادة سيد شباب أهل الجنة؟" ثم قال لليهودي: خذ الدرع، قال: خذها واذهب، إليك هذه، القاضي مقتنع مئة بالمئة بأن الدرع لسيدنا علي، لكن الإجراءات لا بد لها من شهود، قنبر مقبول، أما ابنك فغير مقبول، فقال اليهودي: أمير المؤمنين جاء معي إلى قاضي المسلمين وقضى له ورضي؟ صدقت و الله يا أمير المؤمنين، إنها لدرعك، سقطت عن جمل لك التقطتها، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، فوهبها إليه علي كرم الله وجهه، وأجازه بتسعمئة. العدل شيء لا يصدق، قلت لكم في أول درس: إذا كان العدل بخير فنحن جميعاً بخير، هذه القاعدة البسيطة رسمها طفل صغير، لمَ لم تهرب؟ قال له: أيها الأمير لست ظالماً فأخشى ظلمك، ولست مذنباً فأخشى عقابك، والطريق يسعني ويسعك. علامة الحياة الاجتماعية الصحيحة : علامة الحياة الاجتماعية الصحيحة أن يطمئن المستقيم، وأن يخاف المذنب، أما إذا خاف المستقيم واطمأن المذنب فهذه حالة مرضية خطيرة جداً، مادمت مستقيماً يجب ألا تخاف أحداً. تلخيص لما سبق : نرجو الله سبحانه وتعالى مرة ثانية أن هذا الموضوع ما كان يخطر ببالي إطلاقاً خلال عشرين سنة لأن أطرحه، كلي قناعة أنه موضوع اختصاصي، خاص بالقضاة، لكني وجدت وَاللَّهِ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ ما من واحد منكم إلا ويحكم بين شخصين، وهو لا يشعر، هذه مبادئ العدل، مبادئ الشهادة، وعندنا موضوعات مهمة جداً، الشهادة، واليمين، وموضوع الخصوم، موضوع المساواة، هذه كلها موضوعات يجب أن تكون ماثلة أمامكم،أي ممكن أن أقول لكم شيئاً أساسياً بالدرسين السابقين ألا تستمع من طرف واحد، استمع إلى الطرفين معاً والأكمل أن يكونا في مجلس واحد. الشيء الثاني حكم القاضي لا يحل حراماً، علاقتك مع الله لو معك القانون كله، لو القاضي من طرفك، لو معك حكم، لو معك فتوى من رسول الله، لن تنجو من عذاب الله إلا إن استقمت على أمره. وفي درس قادم إن شاء الله تعالى عندنا موضوع الدعاوى والبينات، موضوع الإقرار، موضوع الشهود، موضوعات لطيفة كلها ونحتاجها، لا سمح الله ونحن في القضاء أحياناً تنتبه أنت هذا ليس إقراراً، هذه الشهادة غير صحيحة، هذا الشاهد كان مسافراً وقت وقوع الحادث. |
رد: العبادات التعاملية
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية الدرس : ( الثانى العاشر ) الموضوع : الدعوة و البيان الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. الدعوى و معناها اللغوي : أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في موضوع القضاء، وقد تحدثنا في دروس سابقة عن مهمة القاضي، وعن شروط القاضي، وعن نزاهة القاضي، وعن بعض الأحكام الشرعية المتعلقة بالقضاء. واليوم ننتقل إلى أحد أكبر موضوعات القضاء وهو الدعوة والبينات، يقول لك: أقمت عليه دعوى، أقام عليّ دعوى، هناك ثلاثة آلاف وخمسمئة دعوى بمحكمة النقض، ما معنى كلمة دعوى؟ الدعاوي جمع دعوى ومعناها اللغوي: الطلب. ﴿ قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً﴾ [سورة الفرقان:77] دعانا إلى طاعته: أي طلب منا أن نطيعه، دعانا إلى معرفته: طلب منا أن نعرفه، دعونا إلى الله ورسوله: أي طلبنا من الناس أن يتعرفوا إلى الله ورسوله، فالدعاوي جمع دعوى، والدعوى الطلب وقد قال تعالى: ﴿ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ﴾ [ سورة فصلت: 31] أي ما تطلبون. الدنيا مبنية على السعي والكدح و الآخرة على الطلب : هذا يقودنا إلى حقيقة أساسية في الجنة وهي أن الدنيا مبنية على السعي، والكدح، وبذل الجهد، والتعب، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ ﴾ [ سورة الانشقاق: 6] لكن الجنة مبنية على نوع آخر، على نظام آخر، لمجرد الطلب اطلب أي شيء تراه أمامك للتو، خطر في باله صديق قديم له في الدنيا. ﴿ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ * قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ * فَاطَّلَعَ فَرَآَهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ ﴾ [ سورة الصافات: 51 ـ 55] ما من حاجة للسفر، ما من حاجة لبذل الجهد، ما من حاجة لكسب الرزق، لتحمل الحر والقر، والمخاطرات، لا يوجد تعب، لا يوجد إرهاق، لا يوجد سأم، لا يوجد ضجر، لا يوجد شيخوخة، لا يوجد كبر، أنت في أعلى درجات النشاط، أي شيءٍ يخطر في بالك فهو أمامك: ﴿ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ﴾ [ سورة فصلت: 31] يدعون يطلبون فالدعوى هي الطلب. معنى الدعوى في الشرع : لكن الدعوى في الشرع لها معنى دقيق، وهي إضافة إنسان إلى نفسه استحقاق شيءٍ في يد غيره أو ذمته، أقمت عليه دعوى بمئة ألف ليرة، أي أنني أضفت إلى نفسي هذا المال، وطالبت به، فهو في ذمته، أو في يده، فالدعوى إضافة الإنسان إلى نفسه استحقاق شيءٍ في يد غيره، أو في ذمته، والمدعي هو الذي يطالب بالحق، وإذا سكت عن المطالبة ترك نقطة دقيقة جداً، أي إذا شخص له عند الآخر دين ولم يطالب به سقط هذا الدين، الآية الكريمة. ﴿ وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ﴾ [ سورة آل عمران: 75] الحياء و الخجل : كل حق يحتاج إلى مطالبة، الحق الذي لا يطالب به يترك، وهذا يقودنا إلى حقيقة أساسية، وهي أن الخجل مرض، والجرأة فضيلة، الحياء فضيلة، والخجل مرض، كأنني أرى أنه لا فرق بين الحياء والخجل، لا، فرق كبير، الحياء أن تستحي من الله، الحياء أن تستحي من الفحشاء والمنكر، من شيءٍ شائن، من شيءٍ لا يرضي الله، أما الخجل وهو رذيلة فأن تخجل أن تطالب بحقك. ﴿ لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا ﴾ [ سورة النساء: 148] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-5572/01.jpg لك حق تسكت عنه خجلاً، هذا ليس فضيلة، هذا رذيلة، لذلك الحياء فضيلة، الحياء من الإيمان، أما الخجل فمن ضعف الشخصية، تخجل أن تأخذ حقك، تخجل أن تطالب، هذا ليس مقبولاً، قد يكون هذا المال ليس حقك، بل حق أولادك، حق أهلك، أحياناً تجد أخوات- واردة كثير - وهناك عشرات القصص، أخ كبير مسيطر على المال كله، أخ صغير له أولاد على مشارف الزواج، ليس عندهم بيوت، كل شيء مجمد، يقول لك: أستحي لا أستطيع أن أطالب أخي الكبير، هذا حق أولادك، لكن الأولاد ينحرفون، بلا بيوت، بلا زواج، هناك ميراث ضخم بمئات الملايين مجمد، لأن أكبر الأخوة مسافر، أو بعيد عن الحاجة اليومية، أو مسيطر، الذي يخجل من أخذ حقه هذا ليس فضيلة بل نقص في الإنسان، أما الحياء فأن تستحي من الله حق الحياء. ((اسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ، قَالَ: قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نَسْتَحْيِي وَالْحَمْدُ لِلَّهِ قَالَ: لَيْسَ ذَاكَ وَلَكِنَّ الاسْتِحْيَاءَ مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى، وَالْبَطْنَ وَمَا حَوَى، وَلْتَذْكُرِ الْمَوْتَ وَالْبِلَى، وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدِ اسْتَحْيَا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ)) [ الترمذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ] فالمدعي هو الذي يطالب بالحق، وإذا سكت عن المطالبة ترك ذلك الحق. الحق العام و الحق الخاص : لذلك يقولون: تحريك الدعوى، إذا الإنسان ما حرك الدعوى فالدعوى ميتة، الحق ميت، الحق منته، ضائع، لكن هناك حق عام، لو أن إنساناً ارتكب جريمة، لو أن المدعى عليه سكت، ولم يطالب، هناك حق عام هذا لا بد منه، لذلك يعد تحرير الرقبة حقاً عاماً، لكن الدية حق خاص، فالذي يقتل مؤمناً خطأً عليه حقان، حق عام، وحق خاص، حق عام هو أنه أزهق نفساً مؤمنة، بريئة، بغير ذنب، لا بد من أن يدخل لمجتمع المسلمين نفس مؤمنة. ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾ [ سورة النساء: 92] ﴿ فتحرير رقبة مؤمنة ﴾ هذا الحق العام، أم الحق الخاص ﴿ ودية مسلمة إلى أهله ﴾ المدعى عليه هو المطالب بالحق، وإذا سكت لن يترك، اختلف الأمر، المدعي إذا سكت عن المطالبة ترك حقه، أما المدعى عليه فإنسان اقترف ؟إثماً، أكل مالاً ليس له، هو سكت لكن سكوته لا يعني أنه قد سومح، لا، إذاً ترك المدعي المطالبة شيء وترك المدعى عليه المطالبة شيء آخر، ترك المدعي المطالبة يسقط حقه، لكن ترك المدعى عليه المطالبة لا يسقط مسؤوليته، فرق بينهما. قال: ممن تصح الدعوى؟ الدعوى لا تصح إلا من الحر، العاقل، البالغ، الراشد، فالعبد، والمجنون، والمعتوه، والصبي، والسفيه لا تقبل دعواهم، بالتعبير القانوني تشطب، وكما تجب هذه الشروط بالنسبة للمدعي فإنها تجب أيضاً بالنسبة للمنكر الدعوى. الدعوى و البينات : أول شيء أيها الأخوة: أي أهم ما في هذا الدرس هذا العنوان: لا دعوى إلا ببينة، لولا البينة لقال من شاء ما شاء، لولا البينة لكان هناك مئات ألوف الدعاوي في المحاكم، لولا الدليل لقال من شاء ما شاء، لي معك مئة مليون، رجاء من دون دليل قل: ألف مليون، لابد من بينة، البينة أساس الدعوى، ولا دعوى إلا ببينة، ولا تثبت الدعوى إلا بدليل يستبين به الحق ويظهر. ((عَنِ ابْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لذَهَبَ دِمَاءُ قَوْمٍ وَأَمْوَالُهُمْ ذَكِّرُوهَا بِاللَّهِ وَاقْرَءُوا عَلَيْهَا ( إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ ) فَذَكَّرُوهَا فَاعْتَرَفَتْ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ )) [ البخاري عَنِ ابْن عَبَّاسٍ ] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-5572/02.jpg أحياناً يتوفى رجل غني، أخي أنا مُدين المرحوم مئة ألف، لكن كان لي ثقة فيه فلم آخذ منه وصلاً، كلام لا فائدة منه، أنا الغرض الفلاني لي لكنني أعرته للمحروم، إذا كل إنسان مات، ونحن مكلفون أن نصدق كل دعاوى الناس، ما بقي شيء للورثة، لذلك لا دعوى إلا بدليل، فانتبه الآن أنت، إذا كان لك عند إنسان شيء، والإنسان مات فجأة، لا شيء لك عنده، لذلك خذ وصلاً، اطلب بينة، إيصالاً، سنداً، شهوداً، تسجيلاً رسمياً، توقيعاً، لأن لو كان لك مع إنسان مئة ألف ومات فجأة بحادث، وتقدمت إلى الورثة، وحلفت لهم أيماناً مغلظة وذكرت لهم قرائن كثيرة، قد يقبلون، والأغلب أنهم يقبلون، وإن لم يقبلوا لا شيء عليهم، لأن المال شقيق الروح، الآن تجد شخصاً الأسعار هبطت فجأة صار معه جلطة ومات، ما تفسير ذلك؟ المال شقيق الروح، يقولون: مرض السكر، إذا كانوا تجاراً للسكر وانخفضت أسعار السكر، وكانوا قد اشتروه بأسعار عالية ارتفع السكر بدمائهم، إذا انخفضت أسعاره في السوق ارتفعت نسب السكر في دمائهم، معنى هذا أنه صار هناك اضطراب شديد، المال شقيق الروح، فالإنسان عندما يدين ماله، يدفع ماله لجهة، يتساهل بالإيصال، يموت فجأة. قال لنا أخ من أخواننا: عندما كان مسموح التعامل بالعملات الأجنبية قبل اثنتي عشرة سنة إنسان يريد أن يصرف مبلغاً ضخماً يستبدله بالعملة أجنبية، وقف عند أحد محلات الصرافة أول سوق الحميدية، و أعطاه ستمئة ألف بالسبعينات، هذا المبلغ الآن يعادل ستة ملايين، قال له: الآن أمهلني لبعد الظهر، قال له: أعطيني إيصالاً بهم، بدأ بكتابة الإيصال، فجاء أخوه و قال له: تأخرنا على موعدنا في عين الخضراء، فلم يأخذ الإيصال صار حادث فمات هذا الشخص، عاد الرجل عند العصر فشاهد النعوة، مساء رأى النعوة، ذهب إلى الورثة وتذلل أمامهم، وأقسم الأيمان المغلظة، واضطربت نفسه، كل إنسان مفرط يدفع الثمن باهظاً. إذاً لا دعوى بلا بينة، هذه ضعها ببالك، أقرضت إنساناً ، هذا البيت سلمته حتى تتلافى ضريبة معينة، أو عليك حجز جمركي، فقيدت البيت باسم أحدهم، وما أخذت منه تصريحاً معاكساً، ومات الشخص، و الله البيت بيتي، كلام لا معنى له، هذا البيت اشتراه والدنا، أعطاك إياه عيرة، مؤقتاً، نريد حقه، لو تتبعت قضايا القضاء، أو مضامين الدعاوي في قصر العدل لوجدت العجب العجاب، ولا أبالغ تسعة أعشار القضايا لو طبق أصحابها أحكام الشريعة لما دخلوا قصر العدل. قال له: يا عمرو ما بلغ من دهائك؟ قال له: و الله ما دخلت مدخلاً إلا أحسنت الخروج منه، قال له: لست بداهية، أما أنا والله ما دخلت مدخلاً أحتاج أن أخرج منه. إذا الإنسان ذكي يدخل وينظر، أما إذا كان أكثر ذكاء لا أدخل و هذا أفضل، فكل إنسان يمضي من حياته ستين أو سبعين سنة ما دخل قصر العدل معنى هذا أنه إنسان في أعلى درجات الصدق والأدب، لأنه عرف ما له وما عليه. الحكمة من الأحكام الشرعية التي شرعها الله : أساساً هناك نقطة مهمة جداً، ما هذه الأحكام الشرعية التي شرعها الله عز وجل إلا من أجل أن تكون متفرغاً لعبادته، قلت لكم سابقاً: دعوى واحدة تهز أعصاب أسرتين ثماني سنوات، ثماني سنوات أعصاب مضطربة، توتر عال، موضوع المجالس كلها، ماذا قال لك المحامي؟ والله قال: هناك أمل لكن ضعيف، هذا لا يعرف شيئاً اذهب إلى غيره، يأتي إلى محام ثان: والله هذه ليست سهلة، هذا بطنه كبير، و هناك أناس من أجل مئة ألف يدفعون خمسمئة ألف، دخل بالغيظ، يريد أن يغيظ خصمه، لم يعد يهمه المبلغ، أسرتان ثماني سنوات دخلوا بمتاهة قصر العدل، والمحاكمات، وابتزاز المحامين أحياناً غير المؤمنين طبعاً من أجل غلطة بسيطة، لم يأخذ إيصالاً، لم يسجله بالطابو، لم يعمل عقد شراكة بمحكمة البداية، لم يعمل تصريحاً بكاتب العدل، لأنك استكسلت، يوم ونصف بقصر العدل أمضيت ثماني سنوات بالمحاكم مع خصمك. أيها الأخوة الأكارم: بطولتكم أن الإنسان لا يحتاج أبداً أن يدخل قصر العدل، طبق الشرع. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ﴾ [ سورة البقرة: 282] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-5572/03.jpg كتبت، تفضل هذا توقيعك، سكت، أنا ألاحظ أحياناً بين الأخوة التجار، سيدي قال: إنه لم يستلم شيئاً، أنت اعمل له إيصالاً، حدد الكمية والوزن، وخذ توقيعه، قال لك: لا، تفضل هذا أفضل بكثير، أنا أعتقد أن هناك مئات ألوف القضايا الشائكة بين التجار أساسها عدم التسجيل، أساسها التسليم، إنسان قال لي كلمة قال: أنا ثماني سنوات ما ربحت حتى ضبطت أموري، أحد أكبر معامل المفروشات، يطلب مثلاً خمسين ثوب قماش، يقول له: بعثتهم، تأتي الشاحنة يقول له، أفرغهم في المستودع، هذا انتبه أنه لا يعد، ولا يكيل، صار كلما يطلب طلبية يفقد ثلثها، سيارة شاحنة فيها قماش كنبات، يقول له: أفرغ ما تحمل في المستودع، لا يربح، دائماً يخسر لأنه لم يستلم، ما أخذ الثوب قرأ متراجه، وسجله، وضعه بالمستودع، كل إنسان لا يسجل لا يوجد عنده رصيد بضاعة، لا يوجد عنده إيصالات، أموره عشوائية، تسليم بلا توقيع، استلام بلا عد، لا يربح، و يصير وراء الناس، لن تربح حتى تضبط أمورك، الله وصف أهل الدنيا غير المؤمنين، قال: ﴿ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ﴾ [ سورة الكهف: 28] إذاً هذه قضية أساسية، لا دعوى إلا ببينة، دع معك إيصالاً، دع معك صورة العقد، دع معك وثيقة، خذ رقماً، خذ تاريخاً، خذ توقيعاً، اعمل عقد شركة، سجلها بقصر العدل، اعمل كاتب عدل، هذا كله من الشرع، حتى لا تضطر أن تدخل لقصر العدل، ادخله مرة لأخذ توقيع، أو لتصريح، أحسن من أن تدخله ثماني سنوات وأعصابك متوترة، لا تفهموا من كلامي أنه يجب ألا تدخلوا إلى قصر العدل، قد يكون لك صديق قاض، قد تدخل لتشفع لإنسان، هذه لا علاقة لها، لكن لا يدخل مدعياً، ولا مدعى عليه، أما إذا دخلت لأن لك صديقاً فلا يوجد مانع. المدعي يكلف بإقامة الدليل على صدق دعواه وصحتها : أحياناً تجد شيئاً مضحكاً جداً، إنسان يأخذ دور القاضي، يطالب المدعى عليه بدليل عكسي، البينة على من ادعى، كل إنسان يدعي يقدم هو الدليل، الوثائق، الوقائع، الشهود، الأدلة، الإيصالات، الحسابات، أما تطالب المدعى عليه بتقديم دليل عكسي فهذا منتهى الحمق، أنت تستطيع أن تثبت أنه لا يوجد له معك شيء، هو يذكر واقعة، أو حادثة، يأتي بشهود، يقدم وصلاً، أما أنا فأريد أن أثبت أنه ليس له معي شيء، بالأصل أنا بريء، فلذلك لا دعوى إلا ببينة، كي تبقى أعصابك مرتاحة، وصلاتك صحيحة، ونفسك مطمئنة، ووقتك مريح، وحتى تأتي بيوت الله عز وجل مرتاحاً، كن دقيقاً في تعاملك، فأي شيء لك على الناس خذ به بينة. مرة حدثني أخ، هناك موضوع استثمار بين أخ وأخ، قال له: و الله أريد خمسة آلاف، قال له: تكرم، مرّ الأخ الذي معه مبلغ الاستثمار على دكان الأخ الذي يستثمر عنده، قال له: هذه الخمسة آلاف، وجد ابنه خذ هذا المبلغ وأعطه لوالدك، قال له: أريد وصلاً، هناك ورقة صغيرة كتب عليها الإيصال وخبأه، بعد سنة أثناء الجرد قال له: أنا ما أخذت منك شيئاً، فأجابه: بل أخذت خمسة آلاف، قال: لا أذكر، قال له: انتظر، أحضر له الورقة الصغيرة، قال له: نعم لا تؤاخذني، شيء مريح جداً، سبحان الله الإنسان غريب كل شيء عليه ينساه، الذي يتذكره هو الذي له لا عليه. أول حقيقة في هذا الموضوع: أن المدعي هو الذي يكلف بإقامة الدليل على صدق دعواه، وصحتها، لأن الأصل في المدعى عليه البراءة، انظر ما أجمل الدين، هناك أنظمة كل إنسان متهم ما لم يثبت براءته، أما النظام الإلهي فالإنسان بريء في الأصل، ما لم تثبت إدانته، الأصل أنت بريء، الأصل في الأشياء الإباحة، الأصل في الذمم البراءة، ما لم تثبت إدانته. ((البينة على المدعي واليمين على من أنكر )) [البيقهي والطبراني بإسناد صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما] أنا عشرات المرات سمعت أشخاصاً يطالبون المدعي أن يحلف اليمين، أي يعكسون الآية، أو يطالبون المدعى عليه أن يأتي بالأدلة، المدعي يقدم الأدلة، والمدعى عليه يقدم الأدلة المعاكسة، المدعي يدعي والمنكر يحلف اليمين، إذا لم يكن هناك أدلة، الدليل يشترط أن يكون قطعياً لأن الدليل الظني لا يفيد اليقين، قال تعالى: ﴿ وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا ﴾ [ سورة النجم: 28 ] هذا إيصال، هذا المبلغ ليس لك، هذا لفلان، أنا أعطيته إياه، صار هذا دليلاً ظنياً، القطعي أن تقدم إيصالاً باسمك، أنا الموقع فلان الفلاني استقرضت من السيد فلان، اسمك فلان، هناك دليل قطعي، و هناك دليل ظني، الدليل الظني لا قيمة له في الدعاوي والقضاء. ((عن ابن العباس رَضِي اللَّه عَنْهما أن النبي صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: لرجل ترى الشمس، قال نعم، قال: على مثلها فاشهد أو دع )) [الحاكم عن ابن العباس رَضِي اللَّه عَنْهما] القضية إذا كانت كالشمس في رابعة النهار اشهد عليها، أو فدع أي نحتاج إلى أدلة قطعية لا أدلة ظنية. الإقرار : طرق إثبات الدعوى كثيرة، أحد هذه الطرق الإقرار، قال أحد الولاة لسيدنا عمر: إن أناساً قد اغتصبوا مالاً ليس لهم، لست أقدر على استخراجه منهم، إلا أن أمسهم بالعذاب، فإن أذنت لي فعلت، قال: يا سبحان الله، أتستأذنني في تعذيب بشر؟ وهل أنا لك حصن من عذاب الله؟ وهل رضائي عنك ينجيك من سخط الله؟ أقم عليهم البينة فإن قامت فخذهم بالبينة، فإن لم تقم فادعوهم إلى الإقرار، فإن أقروا فخذهم بقرارهم، فإن لم يقروا فادعوهم لحلف اليمين، فإن حلفوا أطلق سراحهم، و أيم الله لأن يلقوا الله بخيانتهم أهون من أن ألقى الله بدمائهم. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-5572/04.jpg يا أخون هناك قضية مهمة الإقرار، مشكلته مشكلة، إذا أقررت بشيء وأصبحت مداناً بموجبه لا تستطيع أن تلغي إقرارك، المرء مأخوذ بإقراره، قال لي أخ بدعوى سير دخل على القاضي اضطرب، قال له: أنت مقر بما جاء بضبط الشرطة العسكرية؟ قال له: نعم، سيدي الضبط جاء عكس الحادثة، كلمة نعم أي مقر، القاضي ما قرأ على المتهم الضبط، القاضي يسأل المتهم: أنت مقر بما جاء بضبط الشرطة العسكرية؟ قال له: نعم سيدي، القاضي ما أسمعه إياه، وهذا الإنسان ما قرأ الضبط، قال له: أقر، اكتب أقر، على السجن رأساً، هذه كبيرة جداً، ما معنى إقرار؟ الإقرار سيد الأدلة، إذا الأدلة سلسلناها أعلى أنواع الأدلة الإقرار، الإقرار نعم أنا فعلت كذا. ﴿ قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآَنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ﴾ [ سورة يوسف: 51] انتهى الأمر، صار سيدنا يوسف بريئاً عليه الصلاة والسلام: " أنا راودته عن نفسه " هذا إقرار، فأحياناً الإنسان يضطرب فيقر، يقر بجريمة أحياناً، يقر بعمل خطير جداً، لا تقل نعم، إياك أن توقع على شيء، على بياض لا يوجد توقيع، عمل وكالة عامة طلق له زوجته، عمل وكالة عامة أخذ له أمواله كلها، أنا إذا رأيت إنساناً على الفطرة إياك أن توقع على شيء، لأن أي توقيع، إنسان وقّع على أجرة بيت، كتب تسلمت من فلان مبلغ كذا، قال له: وقع هنا في الأسفل، كل شهرين نفس الرقم، أقام دعوى إنه لا يدفع، قال له: أنا دافع له سيدي انظر هذه القائمة، وهذا توقيعه في الأسفل، هذا أول شهر، وهذا ثاني شهر، وثالث شهر، لأنه عمل فاصلاً بين توقيعه وبين المبلغ انتبه، لا توقع إلا على سواد لا على بياض، وإياك أن تجعل بين توقيعك وبين المبلغ مسافة فارغة، اعمل خطاً مائلاً ووقع، فلو كتب معنى هذا هناك تزوير، انتبه، أنا قد سمعت قصصاً أساسها الغفلة، والبساطة، التعبير اليومي الدروشة، فالمؤمن كيس فطن حذر. مشروعية الإقرار بالكتاب و السنة : الإقرار خطير جداً، المرء مأخوذ بإقراره، أحياناً تكون هناك مغالطات، أنت مقر على الضبط؟ نعم سيدي، خذه إلى السجن، معنى هذا أنه اعترف بكل شيء، الضبط كله مزور ، اقرأه لي حتى أسمعه ، فالإقرار أخطر شيء، هو سيد الأدلة، الإقرار في اللغة الإثبات، قرّ الشيء يقر، أي استقر، الإقرار بالشرع الاعتراف، اعتراف المدعى عليه بمضمون الدعوى أقوى الأدلة، لإثبات دعوى المدعى عليه، ولهذا يقولون: إنه سيد الأدلة، عندنا سيد الأدلة وعندنا سيد الأحكام، سيد الأدلة الإقرار، وسيد الأحكام الصلح، إذا كنت قاضياً أقنعت الخصمين بالصلح، أنت أعظم قاضي صار هناك مودة و ألفة. أجمع العلماء على أن الإقرار مشروع بالكتاب والسنة، لقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴾ [ سورة النساء: 135] ما معنى أن يشهد الإنسان على نفسه، أي أن يقر، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (( يا أُنَيْسُ اغْدُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا فَسَلْهَا فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا فَاعْتَرَفَتْ فَرَجَمَهَا )) [ البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ] يقولون: صل من قطعك، وأحسن إلى من أساء إليك، وقل الحق ولو كان على نفسك، أحياناً الإنسان يحرج إذا اعترف بخطئه، أو بفعله، أو بذنبه، لكن الاعتراف بالذنب فضيلة، الإنسان لو أخترق جدار الخجل وقال: أنا فعلت هذا، هذا شيء عظيم، فالمؤمن يقر بالحق طواعية من دون ضغط، من دون إحراج. طلب العلو في الدنيا دليل حبها : و: ((عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: أَمَرَنِي خَلِيلِي صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَبْعٍ، أَمَرَنِي بِحُبِّ الْمَسَاكِينِ وَالدُّنُوِّ مِنْهُمْ، وَأَمَرَنِي أَنْ أَنْظُرَ إِلَى مَنْ هُوَ دُونِي وَلا أَنْظُرَ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقِي وَأَمَرَنِي أَنْ أَصِلَ الرَّحِمَ وَإِنْ أَدْبَرَتْ، وَأَمَرَنِي أَنْ لا أَسْأَلَ أَحَدًا شَيْئًا، وَأَمَرَنِي أَنْ أَقُولَ بِالْحَقِّ وَإِنْ كَانَ مُرًّا، وَأَمَرَنِي أَنْ لا أَخَافَ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لائِمٍ، وَأَمَرَنِي أَنْ أُكْثِرَ مِنْ قَوْلِ لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ، فَإِنَّهُنَّ مِنْ كَنْزٍ تَحْتَ الْعَرْشِ )) [أحمد عَنْ أَبِي ذَرٍّ] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-5572/05.jpg أَنْ أَنْظُرَ إِلَى مَنْ هُوَ دُونِي، في الآخرة ليس هكذا، هذا في الدنيا فقط، ساكن ببيت، غرفتان وصالون، هناك بيوت غرفة واحدة، هناك بيت الأسيقة فيها مكشوفة، عندك بيت و لكنك لم تستطع أن تدهنه، نعمة الحمد لله، هناك أرض فيها اهتزازات، بيوتنا مستقرة، فالإنسان كلما نظر إلى من هو أدنى منه سعد بدنياه، أما من نظر إلى من هو أعلى منه شقي بدنياه، من دخل على الأغنياء خرج من عندهم وهو على الله ساخط، عمل عرساً، دعا مئة مدعو، أحضر فرقة منشدين، وألقيت كلمات طيبة، ووزع بوظة، لكن هناك عرساً يكلف خمساً وعشرين مليوناً، من دخل على الأغنياء خرج من عندهم وهو على الله ساخط، ما القصد؟ القصد أن يفرح الناس، يصبح هناك تعارف بين الأقرباء، الإنسان عندما يطلب العلو في الدنيا دليل حبه للدنيا، ودليل بعده عن الله عز وجل: ((قَالَ: أَمَرَنِي خَلِيلِي صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَبْعٍ، أَمَرَنِي بِحُبِّ الْمَسَاكِينِ وَالدُّنُوِّ مِنْهُمْ، وَأَمَرَنِي أَنْ أَنْظُرَ إِلَى مَنْ هُوَ دُونِي وَلا أَنْظُرَ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقِي ... )) [أحمد عَنْ أَبِي ذَرٍّ] الابتعاد عن الدنيا و زينتها : وكان النبي عليه الصلاة والسلام كلما وقعت عينه على مباهج الدنيا يقول: (( اللهم لا عيْشَ إِلا عَيْشُ الآخِرَةِ ... )) [ من صحيح البخاري عن أنس بن مالك ] و الله عز وجل علمنا، لما خرج قارون بزينته: ﴿ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴾ [ سورة القصص: 79] تجد شخصاً إذا رأى بيتاً فخماً أو مركبة فخمة يتنهد تنهيدة تطلع من أعماقه، آه ليتني أملك مثل هذه السيارة: ﴿ يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴾ هنيئاً له، يقول لك: هو فوق الريح، رأى ليلة القدر، فتح الله عليه، كأنه فهم القرآن، راجت تجارته، فتح عليه، يفهمون الفتح فقط بالمال، حتى إذا كتبوا على المحلات التجارية. ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً ﴾ [ سورة الفتح: 1] يقصدون الغلة فقط، يكون الدرج ممتلئاً، أغلب الظن هكذا هذا الآية يحبها التجار: ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً ﴾ [ سورة الفتح: 1] هذه الآية موجهة للنبي عليه الصلاة والسلام، كان السلف الصالح يقولون: فتح الله عليك فتوح العارفين، أنار لك قلبك، فأن تتعرف على كلام الله عز وجل، تصبح داعية إلى الله، هذا الفتح، أما الآن فالفتح هو الغلة. من الاستهزاء بالقرآن أن تستخدمه لمعاني بعيدة عنه : بالمناسبة من الاستهزاء بالقرآن الكريم أن تستخدمه لمعاني بعيدة عنه، عندما يطالبونه يقولون له: ﴿ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ ﴾ [ سورة المؤمنون: 96] هذه آية كريمة، لا علاقة لها بالمطالبة بالدين، فحينما تستخدم آيات القرآن الكريم لغير ما وضعت له، أو لغير ما أنزلت من أجله، فهذا سوء أدب من الله عز وجل. لو إنسان اسمه يحيى، قال له: يا يحيى خذ الكتاب، لا يجوز، هو اسمه يحيى ومعك كتاب أنت، أنت الآن استخدمت القرآن الكريم استخداماً آخر: ((عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: أَمَرَنِي خَلِيلِي صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَبْعٍ، أَمَرَنِي بِحُبِّ الْمَسَاكِينِ وَالدُّنُوِّ مِنْهُمْ، وَأَمَرَنِي أَنْ أَنْظُرَ إِلَى مَنْ هُوَ دُونِي وَلا أَنْظُرَ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقِي وَأَمَرَنِي أَنْ أَصِلَ الرَّحِمَ وَإِنْ أَدْبَرَتْ، وَأَمَرَنِي أَنْ لا أَسْأَلَ أَحَدًا شَيْئًا، وَأَمَرَنِي أَنْ أَقُولَ بِالْحَقِّ وَإِنْ كَانَ مُرًّا، وَأَمَرَنِي أَنْ لا أَخَافَ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لائِمٍ، وَأَمَرَنِي أَنْ أُكْثِرَ مِنْ قَوْلِ لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ، فَإِنَّهُنَّ مِنْ كَنْزٍ تَحْتَ الْعَرْشِ )) [أحمد عَنْ أَبِي ذَرٍّ] علاقتنا بالنص كلمة: ((... أَنْ أَقُولَ بِالْحَقِّ وَإِنْ كَانَ مُرًّا... )) [أحمد عَنْ أَبِي ذَرٍّ] الصادق عظيم، أحياناً هناك مواقف حرجة، أنا فعلت هذا، هذا الذي حصل، أحياناً هناك إنسان يغلي غلياناً، أحياناً الأب عما يغضب، في غضب شديد يقول: من فعل هذا؟ يقول ابنه: أنا فعلت هذا، أنا أقول لكم هذه الكلمة الصادقة تطفئ غضب الأب، الصدق محترم. شروط صحة الإقرار : وكان عليه الصلاة والسلام يقضي بالإقرار، بالدماء، والحدود، والأموال، الإقرار يقضي به النبي بالدماء، والحدود، والأموال، ويشترط لصحة الإقرار العقل، والبلوغ، والرضا، وجواز التصرف، وألا يكون المقر هازلاً، وألا يكون أقرّ بمُحال عقلاً، من وضع الجبل بهذا المكان؟ http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-5572/06.jpg أنا، أقر هذا العمل مستحيل عقلاً، يجب أن يكون موضوع الإقرار معقولاً، فلا يصح إقرار المجنون، ولا الصغير، ولا المكره، ولا المحجور عليه، ولا الهازل، ولا بما يحيله العقل، يجعله مستحيلاً، أو تحيله العادة، لأن كذبه في هذه الأحوال معلوم، ولا يحل الحكم الكذب. أخطر ما في الإقرار، ومتى صح الإقرار كان ملزماً للمقر، بعت ووقعت، أنا لا أريد أن أبيع، لكن أنت وقعت، قلت: أنا بعت، أقررت بالبيع، انتهى الأمر، أيضاً بالمناسبة مشكلات كثيرة أساسها الإقرار السريع، بالمناسبة الإقرار المتعلق بحق من حقوق الناس لا يمكن الرجوع عنه، لا أعرف، لست منتبهاً، لم أفكر، وقعت على بياض، استعجلت، عليّ ضغط، مستعجل عندي موعد، كله كلام غير مقبول، وقعت أنك بعت هذا البيت، هذا إقرار. أخ ذكر لي جاء أناس لعنده يخطبون ابنته، رأوا أن البنت مناسبة، قالوا له: هل تقبل أن تزوجنا ابنتك؟ قال: قبلت، على مهر كذا، هذا ليس زواجاً، بلى هذا زواج، زواج شرعي، ما دام هناك إيجاب، وقبول، ومهر، وشاهد، فهذا زواج، لست مقتنعاً بالزواج، لا تتزوج، الآن ابنتك على ذمة زوجها، ولا تستطيع أن تزوجها لآخر، ما لم تحدث مخالعة، إقرار أيها الأخوة، الإقرار خطير، موضوع الزواج صارت زوجته. المرء مأخوذ بإقراره : أقول لكم قصة وقعت لكن لن تصدقوها، في هذه البلدة وقعت، كان هناك أربعة أصدقاء يجلسون في كازية يتسامرون، قال أحدهم للآخر: هل تبيع هذه الكازية؟ قال له: نعم أبيعها، ما الثمن؟ قال له: بستمئة ألف، قال له: اشتريت، ضحكوا وانتهى الأمر، بعد اثنتي عشرة سنة الشخص الذي اشترى الكازية مشافهة قال هذه القصة لقريبه و هو محام، فقال له هذا المحامي: هي لك، قال له: غير معقول، قال له، والله هي لك، أقم دعوى، و أحضر الشهود ففعل هذا لكنه لم يدفع لصاحبها حقها، فقال له: الدفع ليس له قيمة، ثمن الكازية ذمة، صار حقها اثني عشر مليوناً، لأنه قال له: بعت، صار هناك إيجاب و قبول و شهود، و انتهى الأمر، و دعي لحلف اليمين، حلف قال: أنا قلت بعتها، وهناك شهود فلان كان قاعداً، يا أخي ما دفع شيئاً؟ أنت هل قلت له: أريد حقها، ما طالبته. كازية تقدر باثني عشر مليوناً راحت بستمئة ألف، كلمة بعت، انتبهوا، الشرع ليس بحاجة إلى الورق، بالزواج والبيع هناك إقرار فقط، أقررت انتهى الأمر، المرء مأخوذ بإقراره، زوج}تك، أي زوجته، البنت له صارت، أغرب من هذا بالشرع هل تشتري هذا البيت؟ نعم أشتري، انتهى كل شيء، سعره كذا وافقت، ما دفعت شيئاً، بعد ساعة احترق البيت لابد من دفع ثمنه مع أنه محروق، احترق على حسابك لأنك قلت اشتريت، انتبهوا بالبيوت، والدكاكين، بالزواج، عندما تقول: نعم بعت، زوجت، اشتريت، المرء مأخوذ بإقراره ما دام إقراره في حق لبني البشر لا يستطيع المرء أن يعود عن إقراره أبداً. الإقرار المتعلق بحق من حقوق الله يصح الرجوع عنه : قال: أما إذا كان الإقرار متعلقاً بحق من حقوق الله تعالى، كما في حد الزنى والخمر، قال: فإنه يصح الرجوع عنه، لقوله صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ادْرَءُوا الْحُدُودَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ، فَإِنْ كَانَ لَهُ مَخْرَجٌ فَخَلُّوا سَبِيلَهُ فَإِنَّ الإِمَامَ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعَفْوِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعُقُوبَةِ )) [الترمذي عَنْ عَائِشَةَ ] هذا موضوع خلافي، إذا كان الإقرار متعلقاً بحق من حقوق البشر لا رجوع فيه، والمرء مأخوذ بإقراره، أغلق قلمك، وضعه بجيبك، لا توقع، ولا تقل وافقت، إلا بعد دراسة، اسأل الخبراء صرنا في حياة معقدة جداً، إذا لك أخ محام تثق بدينه وعلمه اسأله قبل أن توقع، قبل أن تقر. الآن إنسان يفتح محلاً صغيراً، بالمالية مقطوعة ضريبته ثمانمئة بالسنة، ألف ليرة بالسنة، لأن له محلاً تجارياً له أن يستورد، جاء صديقه استورد على اسمه مثلاً بخمسين ألف دولار، طالبوه بضريبة مليون ليرة، لا تقل له: لابأس استورد نحن أخوان، هل تعرف أبعاد هذه؟ عندما أعطيته اسمك، و سجلك التجاري، واستورد، أنت المكلف أمام المالية، صرت أنت مكلفاً، تنصل منه هداك الله، هناك قصص واقعة، قصص ما أكثرها، أحياناً الضريبة تصل إلى خمسين بالمئة. الإقرار حجة قاصرة : عندنا قاعدة أن الإقرار حجة قاصرة، كيف؟ إنسان ادعى على عشرة أن له عندهم أموالاً، اعترف اثنان من عشرة، اعتراف الاثنين أن عليهم هذا المال لفلان لا ينسحب على بقية المدعى عليهم http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-5572/07.jpg الإنسان لا يتمكن أن يقر إلا على نفسه، أما إقراره على نفسه فينسحب على غيره هذا الإقرار مع أنه سيد الأدلة لكنه حجة قاصرة، أما البينة فحجة متعدية، أنا قدمت إيصالاً بعشرة تواقيع، هي بينة، هذه البينة تلزم كل هؤلاء بالمبلغ، الإقرار دليل، والبينة دليل، لكن البينة حجة متعدية أما الإقرار فحجة قاصرة، أنا ادعيت على عشرة أشخاص أن لي عندهم مالاً، اعترف اثنان، اعتراف الاثنين لا ينطبق على البقية، فالإقرار مع أنه أقوى الأدلة، لكنه حجة قاصرة، بينما البينة حجة متعدية، لو أحضر مئة توقيع، المئة صاروا ملزمين بالدفع، معنى هذا أن البينة أقوى للمستقبل. ثم إن الإقرار كلام واحد لا يتجزأ، إنسان أقرّ أنا أخذت المبلغ ديناً، ويوجد بالإقرار بعته الغرض الفلاني، أخذ كلمة دين، الإقرار لا يتجزأ، أحياناً يكون هناك حقوق متداخلة، فإذا أخذنا فقرة بالإقرار صار هناك ظلم، الإقرار كلام واحد، وحدة لا تتجزأ، لا يجوز أن نأخذ بعض الإقرار وأن ندع بعضه الآخر. الميراث و مرض الموت : الآن عندنا موضوع دقيق جداً موضوع مرض الموت، أكثر المشكلات تحدث بهذا المرض، قال: إذا أقرّ إنسان لأحد ورثته بدين، عنده خمسة أولاد، أقرّ لأحد الأولاد أنه يا بني أنت لك عندي خمسمئة ألف ليرة، فإن كان في مرض موته لا يصح هذا الإقرار، ما لم يصدقه باقي الورثة، إذا كان الإنسان بمرض وفاته، وأقرّ لأحد الورثة بدين هذا الإقرار لا يصح، إلا إذا قبله ووافق عليه باقي الورثة، ذلك لأن احتمال كون المريض قصد بهذا الإقرار حرمان ورثته، أحياناً يكون عنده ثلاث بنات، وثلاثة صبيان، لا أريد أن أعطي الأصهار، يعترف لثلاثة أولاد أن لكل واحد منهم مليون، الإرث ثلاثة ملايين، مات الشخص، ثلاثة ملايين وزعوهم على الأولاد، سند رسمي إقرار، البنات حرموا، قال: لا يصح إقرار إنسان لأحد الورثة بالدين ما لم يصدق باقي الورثة، قال: أما إذا كان الإقرار في حال صحته فإنه جائز، واحتمال الحرمان حرمان سائر الورثة، إذاً مرض الموت له حكم خاص، أما إذا أقرّ لأجنبي وليس لورثته، الإقرار مهما بلغ لا يزيد عن حجم ثلث المال عند الفقهاء، لو أقر بمئة مليون لإنسان غير الورثة ضمن الثلث، والثلثين للورثة، قال: إذا الإنسان بصحته يوجد عليه دين ثم أقر للآخر بهذا الدين في مرضه يجب وفاء الدين، هكذا الحكم الشرعي، بعض العلماء لهم رأي آخر، أن الإنسان إقراره عند الوفاة مقبول حتى لورثته، لأن الإنسان حينما يواجه الموت أغلب الظن يخاف الله عز وجل، ويخاف الحساب، فيغلب على ظننا أنه أراد بهذا الإقرار إيصال الحق لأصحابه. على كل الإنسان قال: التقوى أقوى، والعاقبة للمتقين، وسيدنا عمر كان وقافاً عند كتاب الله، والإنسان يتعلم أحكام الشرع حتى يعيش حياة هادئة، وديعة، مطمئنة، وخالية من قصور العدل، من المحاكمات، ومن تشنج الأعصاب وما إلى ذلك، وكل إنسان يعرف بما له وما عليه هو من أسعد الناس، وأبعدهم عن دخول متاهات المحاكم. |
رد: العبادات التعاملية
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية الدرس : ( الثالث العاشر ) الموضوع : الشهادة الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. الشهادة : أيها الأخوة المؤمنون: لا زلنا في موضوع القضاء، وها نحن أولاء اليوم ننتقل إلى فقرة من فقرات هذا الموضوع، بل إلى موضوع أساسي في هذا الموضوع الكبير، ألا وهو الشهادة. الشهادة أيها الأخوة مشتقة من المشاهدة، وهي المعاينة، أن يرى عين الشيء لأن الشاهد يخبر عما شاهد، وقيل: الشهادة مأخوذة من الإعلام، لقوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [ سورة آل عمران: 18] الشهادة إذاً أن تشاهد ثم تعلم، هناك تلق و إلقاء، هناك إطلاع وإخبار من المشاهدة، ومن الإعلام، والشاهد حامل الشهادة، ومؤديها، لأنه شاهد لما غاب عن غيره، عندنا عالم الشهود، وعالم الغيب، فلان شهد، وفلان غاب، يؤكد هذا المعنى أنه من شهد معصية فأنكرها كأن كمن غاب عنها، ومن غاب عن معصية فأقرها كان كمن شهدها. الشيء الأساسي في الشهادة أيها الأخوة لا شهادة إلا بعلم لذلك الشاهد الزور يرتكب كبيرة: ((عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ رَضِي اللَّهم عَنْهم قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ ثَلاثًا، قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَجَلَسَ وَكَانَ مُتَّكِئًا، فَقَالَ: أَلا وَقَوْلُ الزُّورِ، قَالَ: فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا لَيْتَهُ سَكَتَ )) [ البخاري عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ رَضِي اللَّهم عَنْهم] بالمناسبة، العطف يقتضي التجانس، هذه قاعدة في اللغة، أي ليس معقولاً أن تقول: اشتريت أرضاً وملعقة، ليس هناك تجانس بينهما، اشتريت ملعقة وشوكة، معقول اشتريت أرضاً وبستاناً، فالعطف يقتضي التجانس، فالنبي عليه الصلاة والسلام جعل شهادة الزور كالإشراك بالله، لأن شهادة الزور فيها تضييع للحقوق، وتضليل للقاضي، وعدل ساعة خير من أن تعبد الله ثمانين عاماً، إذاً لا شهادة إلا بعلم، ومن أين يأتي العلم؟ قال: يأتي أولاً من الرؤية، ثانياً من السماع، لو سمع الإنسان رجلاً يقول لزوجته: أنت طالق، فهذه شهادة أتته عن طريق السماع، أما لو رأيت إنساناً اعتدى على إنسان بالضرب هذه رؤية، فالرؤية أحد أسباب العلم، والسماع أحد أسباب العلم أيضاً. الاستفاضة : عندنا شيء آخر في الشهادة: الاستفاضة، أي سمع أهل البلدة جميعاً أن فلاناً تزوج فلانة، هو ما رأى عقد الزواج، ما ذهب إلى المحكمة الشرعية، ولا رأى عقد الزواج، ولا كان حاضراً يوم العقد، فسمع بأذنه الإيجاب، والقبول، والشاهدين، والمهر لكن هذا الخبر استفاض، ما من أحد إلا وقال: ما هذا العرف يا أخي؟ بيت فلان أقاموا عرساً لا مثيل له، البلدة كلها تتحدث عن هذا العرس، هذه استفاضة، أي خبر شاع إلى درجة أنه أصبح يغلب على اليقين أنه وقع، الاستفاضة هي الشهرة، اشتهر بين الناس أن فلاناً زوج فلانة، اشتهر بين الناس أن فلاناً مات، هو ما رآه مات، وما رآه وهو يدفن وما قرأ نعوته، لكن خبر فلان هل تدرون؟ توفي فلان، شاع بين الناس، و استفاض بين الناس، و اشتهر بين الناس، قال: هذا أحد أسباب العلم، الشهادة فالشاهد، رأى، أو سمع، أو انتهى إلى علمه بالتوافر والاستفاضة والشهرة. عند السادة الشافعية تصح الشهادة بالاستفاضة، في النسب والولادة، والموت والعتق، والولاء، والولاية، والوقف، والعزل والنكاح وتوابعه، والتعديل، والتجريح والوصية، والرشد، والسفر والملك، هذه الموضوعات التي أقرّ السادة الشافعية أنه يمكن للشاهد أن يستخدم النوع الثالث وهو الاستفاضة، أو الشهرة، في الإدلاء في شهادته. أبو حنيفة قال: خمسة أشياء تصح فيها الاستفاضة، النكاح والدخول والنسب والموت وولاية القضاء. لو فرضنا إنساناً كان في حرب، كان في الجبهة، وتناقل الجنود أن فلاناً استشهد هو ما رآه، هو ما رأى جثته، ولا رأى مقتله، لكن تناقل كل الجنود أن فلاناً الفلاني استشهد، فزوجته بعد حين، بعد سنوات، طلبت من القاضي أن يطلقها منه لعلة غيابه المديد، فالقاضي يحتاج إلى شاهد، فإذا استدعي هذا الشاهد، وقد كان جندياً في المعركة وقال له: وَاللَّهِ يا سيدي قد سمعت كل الناس، كل المحاربين، كل الجنود يقولون: فلان استشهد، إذاً هذه شهادة، شهادة بالاستفاضة، أي النكاح، النسب، الموت، العتق، الولاء، الوقف، الملك، الطلاق، أي هذه الموضوعات التي يمكن أن تكون محصورة في شهادة الاستفاضة، أو الشهرة، أو تناقل الأخبار. حكم الشهادة : على كل أيها الأخوة الكرام: هذا الموضوع مهم جداً، لأنه بالشهود تستخلص الحقوق، بالشهادة يعرف الحق من الباطل، بالشهادة يمكن أن نصل إلى الحكم الصحيح، فكل إنسان يسهم في إحقاق الحق له عند الله أجر كبير، لكن قد تفاجؤون أن حكم الشهادة كلكم يعلم في الفقه أن الأمور كلها بين خمسة أحكام في الأعم الأغلب، بين الإباحة وبين الفرضية، وبين التحريم، وبين أنها مندوبة، أو مكروهة، فرض، تحريم، مندوب، مكروه، إباحة. الإباحة: يستوي دليل الإباحة، لا يوجد دليل لا في التحريم ولا في التحليل، إذاً الشيء مباح، والأصل في الأشياء الإباحة. الفرضية: كل أحكامها قطعية الدلالة. التحريم: أيضاً قطعي الدلالة. المكروه: الكراهة نوعان تحريمية أقرب إلى الحرام، تنزيهية أقرب إلى الحلال. المندوبية. صار عندنا إباحة، مندوب، مكروه، فرض، تحريم، فأي شيء تفعله لابد من أن ينتظمه أحد هذه الأحكام. حكم الإدلاء بالشهادة : الإدلاء في الشهادة ما حكمه ؟ قد تفاجؤون أنه فرض عين، كيف أنك مأمور أن تصلي، كيف أنك مأمور أن تصوم رمضان، أن تحج البيت إذا كنت مستطيعاً، كيف أنك مأمور أن تكون صادقاً، مأمور أنت أيها المسلم أن تدلي بشهادتك، أما كلمة لا دخل لي، هذه ليست آية ولا حديثاً، هذه كلمة من الشيطان لا دخل لنا بهذه القصة، سلامتك يا رأسي، تنسحب بانتظام، هذه كلها كلمات الشيطان لأن الشيطان يهمه أن يكون هناك ظلم، يهمه ألا يظهر الحق، فإذا إنسان شاهد حادث مرور، الآن العقلاء جميعاً ينسحبون، يقول: لا دخل لي، غداً يأخذوني إلى المحكمة خمس مرات أو ست، أنت هل تعلم أنك إذا ذهبت إلى المحكمة وأدليت بشهادتك أنك عملت عملاً عظيماً؟؟ قد يكون السائق بريئاً، قد تكون سيارته واقفة، والضبط كتب أنه ينطلق بسرعة جنونية، طبعاً الضبط له ملابسات، الضبط أن السائق ينطلق بسرعة جنونية، والواقع أن السيارة كانت واقفة، والإنسان اصطدم بها، أليس في الأرض صاحب مروءة ينطلق للإدلاء بشهادته لإحقاق الحق؟ إذاً الإنسان الذي يظن أنه ذكي، في قضية ينسحب، ويتملص فهذا في الدنيا، أما عند الموت فلا يرتاح، أما المؤمن إذا رأى حادثاً، رأى منازعة، رأى خصومة زوجية، أحياناً يكون الزوج ظالماً جداً ومع ذلك يتواطأ مع الشهود ليقنعوا القاضي الشرعي أنها هي الظالمة، فإذا كانت عند القاضي ظالمة خسرت مهرها، أو صداقها، فإذا أنت على صلة مع الأسرة، وتعرف أن الزوج ظالم، وذهبت إلى القاضي وأدليت بشهادتك هذا عمل عظيم، أي ما من شعور يسحق النفس كالشعور بالظلم، شعور مؤلم جداً، فكل إنسان يدلي بشهادته يكون حقق العدالة، إذاً هي فرض عين، على من تحملها، متى دعي إليها وخيف من ضياع الحق، تحملت الشهادة؛ أي كنت شاهداً ودعيت إلى الإدلاء بهذه الشهادة فهي فرض عين، بل تجب إذا خيف من ضياعه و لو لم يدع إذا تحملتها ودعيت فالإدلاء بالشهادة فرض عين، أما إذا تحملتها ولم تدع، وانطلقت من ذاتك، مبادرة منك إلى الشهادة فهذه أيضاً واجب، فرض عين إذا دعيت، وواجب إذا لم تدع، الواجب أقصى درجة، العشاء فرض، والوتر واجب، عند بعض المذاهب الأحكام فرض وواجب، وسنة، أي مندوب، ومباح، ومكروه، ومحرم، هناك فرض وواجب، إذا تحملت الشهادة، ودعيت إلى أن تدلي بها فهذا فرض عين، أما إذا لم تدع، وذهبت إلى الإدلاء بها فهذا واجب، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِباً فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آَثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾ [ سورة البقرة: 283] قلبه آثم، أي بعيد عن الله عز وجل، وفي الحديث الصحيح: ((انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا )) [ البخاري عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِي اللَّه عَنْه] وفي أداء الشهادة نصر له، النبي عليه الصلاة والسلام يأمرك أن تنصر أخاك ظالماً، أو مظلوماً، مظلوماً أن تشهد معه، وظالماً أن تشهد ضده، إن شهدت ضده أوقفته عند حده. ادعت امرأة على مستأجر بيت أنه فاسد أخلاقياً، وقد أخبرها المحامي أنه لا سبيل إلى إخلاء البيت إلا بهذه الطريقة، المستأجر محمي بالقانون، ومستأجر هذا البيت إنسان مستقيم، دخله محدود، ورفع الأجرة مرات عديدة، فلما عجز عن مجاراة طموح صاحبة البيت، استقر البيت على أجرة ثابتة، فسألت محامياً فقال لها: ليس لك إلا طريق واحد، أن تقيم عليه دعوى فساد أخلاقي، فلما القاضي طلب الشهود، جاءت صاحبت البيت بابنتها، وابنة المدعي لا تقبل شهادتها للمحاباة - سنرى بعد قليل – فقال: ائتني بشاهده أخرى أقنعت صاحبة البيت طالبة تسكن عندهم في البيت أن تدلي بالشهادة، وافقت هذه الطالبة بعد شهر، هم حين وافقت فرحوا فرحاً شديداً، وأكرموها، وأطعموها أطيب الطعام، وغسلوا لها الثياب، فلما جاء يوم المحاكمة قالت للقاضي: وَاللَّهِ ما علمت رجلاً أكثر ورع وإيمان من هذا الإنسان، ما أطلق بصره بالحرام ولا مرة واحدة، وما مكن نظره مني وأنا أسير، لماذا فاجأت هؤلاء؟ لأنها ذكية جداً، لو أنها رفضت لبحثوا عن شاهدة زور، أما حينما أقنعتهم أنها تشهد، إنها تدخر شهادتها الحقيقية، فهذه الشهادة أسقطت الدعوى، وشطبت، أحياناً الشاهد له موقف حازم. (( أَلا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ الشُّهَدَاءِ الَّذِي يَأْتِي بِشَهَادَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا )) [ مسلم عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ] وجوب الشهادة على من قدر على الإدلاء بها دون ضرر : إلا أنها تجب الشهادة على من قدر على الإدلاء بها بلا ضرر يلحقه، في بدنه أو عرضه، أو ماله، أو أهله، لقول الله عز وجل: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ [ سورة البقرة: 282 ] لو فرضنا إنساناً خدمته إلزامية، ولا يوجد إجازة، نقول له: اهرب وادخل السجن ستة عشر يوماً؟ هذا. ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (286) ﴾ [ سورة البقرة: 286 ] إذا طلب إجازة وأعطاه رئيسه إجازة لابأس، إذا لم يعطه إجازة، كان هناك استنفار شديد، جاهزية عظمى، عليا، ما تكلف، إذاً الإنسان متى قدر على أدائها وجبت عليه، أحياناً يلحق الشاهد الضرر، شاهد عامل يومي فإذا غاب عن عمله يوماً بقي بلا دخل بمثل هذه الحالة يجب أن نعوض على الشاهد مقدار الضرر، أجرة يوم، هذا يسمونه إذن سفر بالنظام العام، لو جئنا بشاهد من حلب إلى الشام يمنح إذن سفر، تعويض يوم نظير الانتقال والطعام والمبيت، أي " ولا يضار كاتب ولا شهيد "، أحياناً الناس لا يوجد فيهم ذوق، يأتي بالشاهد من مكان بعيد وينتظر دوره الطويل، وحينما ينتهي يقولون له: شكراً فضلت، هذا عطل وقته، وعطل عمله، وعطل إمكاناته، فإذا عوضت عليه بعض الضرر فهذا من قبيل الإحسان، في حالة واحدة تنقلب الشهادة من واجب إلى مندوب إذا كثر الشهود ولم نخف ضياع الحق، مئة إنسان شاهدوا الحادثة، صار الحكم الآن مندوباً، أي لك أن تشهد، وإذا حل محلك إنسان فأنت معفى من الشهادة. إذا تخلف إنسان عن الإدلاء بالشهادة، وكان معه عشرات من الشهود عندئذ التخلف لا يدخله في الإثم، صار معذوراً. صفات صاحب الشهادة : 1 ـ الإسلام : الآن أي إنسان يشهد؟ لابد من أن يكون الشاهد مسلماً، فلا تجوز شهادة الكافر على المسلم، لأن الكافر كذاب، وله مصلحة في إحقاق الباطل، وإزهاق الحق، الكافر حينما كفر بالله عز وجل، ليس بعد الكفر ذنب، الأخلاق وحدة، هذا الذي كفر بربه أيكون وفياً للحقيقة؟ لا، هذا الذي أنكر وجود خالقه، هذا الذي قابل نعم الله بالكفران، بالمعاصي والآثام، هذا الموقف الجاحد، أيعقل أن يخرج منه موقف وفي؟ لا، الوفاء كتلة، أقول لكم بصراحة كلمة: القيم لا تتجزأ، إنسان أمين مالياً أما على أعراض الناس ليس أميناً، فهذا خائن، لأن الأمانة واحدة، الأمانة وحدة لا تتجزأ، فإذا كان فلان أميناً على أموال الناس، ليس أميناً على أعراضهم، فأمانته على أموال الناس أمانة تمثيلية، الخيانة واحدة والأمانة واحدة، من كان أميناً على أموال الناس، فهو على أعراضهم أشد أمانة، ومن كان على أعراضهم أميناً فهو على أموالهم أشد أمانة، والأمانة وحدة لا تتجزأ أبداً، فلذلك الكافر ما دام قد خان الحقيقة العظمى، ما دام رد على خلقه ونعم الله عليه بالكفر، والجحود، والمعصية، والانحراف، هذا خان الحقيقة العظمى، فكيف يؤتمن على حقيقة جزئية؟ يغير ويبدل، لذلك الله عز وجل قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ﴾ [ سورة الحجرات: 6 ] أنا بالنسبة لي، أقيس عقل الإنسان من سرعة تصديقه، هذا الذي يتسرع فيصدق الخبر من دون تمحيص، من دون بحث، من دون دليل، هي الغوغاء، يقول لك: غوغائية، الآن عامة الناس كلمة تأخذهم وكلمة تسترجعهم، هذا الخط العريض، أما الخلاصة، النخبة، الخواص، فهؤلاء راسخون كالجبل، أي خبر يصدقه يكون أحمق، أي مقالة قرأها إذاً صحيحة، أربعة أخماس الصحافة كلها كذب أحياناً، أحياناً تجد خبراً هدفه الطعن بالدين، اكتشفوا مثلاً مستحاثة تثبت أن الإنسان أصله قرد، انتهى الأمر، مقالة قرأها وانتهى الأمر، القضية أعمق من ذلك، فكل إنسان يتسرع بقبول الأشياء، دليل عدم نضجه، وكل إنسان يتروى، يتثبت أحياناً هناك قصص مثيرة جداً، العوام تناقلوها وانتهى الأمر أما الخواص فيمحصونها، ويدرسونها، ويطلبون الدليل، أنت سمعتها بأذنك؟ لا و الله، رفيقي سمع الخبر، أنت الخبر متى سمعته، لما ضيقت عليه يقول لك سمع رفيقي هذا الخبر، تسأله: متى اجتمعت به؟ و الله منذ شهر، القصة من يومين، إذاً صار هناك تناقض، انتهى، فالقصة ليس لها أصل، والعوام يتناقلون أكثر القصص الكاذبة، فكل إنسان يتلقى معلوماته من عامة الناس، هذا إنسان من الدرجة الخامسة، أما المؤمن فكيس فطن حذر، لا يصدق بسرعة، يطلب الدليل. اسمعوا هذه القاعدة المنهجية ما أجملها: إن كنت ناقلاً فالصحة، مدعياً فالدليل، نقل لك إنسان خبراً، تأكد من صحة الخبر، تأكد من الناقل، قد يكون أحد الرواة كاذباً، قد يكون أحد الرواة مغرضاً، قد يكون أحد الرواة مطعون بأخلاقه، مطعون بعدالته، مطعون بضبطه، إذاً علم الحديث رائع جداً يعلمك الخبر الصحيح، من هو المثقف ثقافة عالية؟ من هم خاصة المجتمع؟ هؤلاء الذين عندهم منهج دقيق جداً في القبول والرفض، لا يقبل إلا بالدليل، ولا يرفض إلا بالدليل، أحياناً تجد مشاكل الزوجات والزواج، تحكي لأبيها كلمتين تكون ذكية جداً، تعرف من أين يجرح والدها، والأب طائش أيضاً، وغوغائي، رأساً يأتي بها، أبداً تعرف مستواك العلمي، والثقافي، والاجتماعي من سرعة التصديق، لا تصدق كل ما يقال لك، طبعاً هذه بالعلاقات الزوجية، مرة امرأة عادية ليس لها مشكلة إطلاقاً، لكنها غير فقيهة وقفت على باب بائع ألانت له القول، من دون أن يكون عندها نية سيئة، هو طمع بها وعرف بيتها فجاءها في ضحوة النهار، فتحت له الباب فاقتحم البيت وهي في أتم ثيابها، طلبت من ابنها أن يبلغ والده، في بيتنا رجل، فذهب الطفل ليخبر أباه، فعاد ورأى رجلاً في البيت أغلق الباب واتصل بالشرطة، وجاء وألقى القبض على الشخص، واتهم زوجته بالزنا، و طلقها فوراً، له منها أولاد، بعد حين تأكد أنها بريئة هي التي أخبرت، طبعاً هي أذنبت لأنه: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً ﴾ [ سورة الأحزاب: 32 ] المرأة المؤمنة لا يمكن أن تلين بالقول للبائع، كلام في منتهى الجدية، الشراء يحتاج إلى جدية، على كل بعد سنة ندم أشد الندم لأنه تسرع، لماذا أرسلت ابنك إليك ؟ معناها هي طلبت، رأيتها في كامل ثيابها، اسمع القصة، التسرع أحد صفات ضعاف العقول، الطبقة الدنيا في المجتمع، الغوغائية، هي بسرعة تقبل الخبر، لا تصدق، تحقق، تريث، اطلب الدليل، اطلب الشهود، إن كنت ناقلاً فالصحة، مدعياً فالدليل، برمج عقلك على الأدلة، برمج عقلك على الشهود، برمج عقلك على تقصي الحقائق الصحيحة، فالإسلام، لا تجوز شهادة كافر على مسلم، إلا في حالات نادرة، إذا الإنسان المسلم في سفر حضرته الوفاة وأراد أن يوصي ولم يجد إلا كافراً ممكن، إنسان مقيم ببلد أجنبي، وحضرته الوفاة، كان مسافراً بمهمة شعر بدنو أجله، و له ببلده مشكلات، أحضر جاره النصراني وقال له: اشهد أن البيت الفلاني لفلان، الوضع ممكن، وهو مسافر إذا حضرته الوفاة ولم يجد مسلماً يمكن أن يشهد ذمياً أو من أهل الكتاب على وصيته. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آَخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا ﴿مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذاً لَمِنَ الْآَثِمِينَ ﴾ [ سورة المائدة: 106 ] الأحناف أجازوا شهادة الكفار بعضهم على بعض، لأن ملة الكفر واحدة، النبي عليه الصلاة والسلام رجم يهوديين بشهادة اليهود عليهما بالزنا، واردة. 2 ـ العدالة : الصفة الثانية: العدالة، نحن قلنا سابقاً: عندنا صفتان أساسيتان بالمؤمن، العدالة والضبط. العدالة: صفة أخلاقية. الضبط: صفة عقلية. أحياناً إنسان طيب لكنه ينسى كثيراً، وهناك إنسان آخر خبيث يحب أن يغير الحقيقة، فالعدالة صفة أخلاقية والضبط صفة عقلية، الشاهد يجب أن يتصف بالعدالة، قال: هي صفة زائدة عن الإسلام يجب توافرها بالشهود، من هو العدل؟ قال: الذي يغلب خيره شره أي في الأعم الأغلب سمعته طيبة، لا يتكلم أحد عنه أنه أكل مالاً حراماً، ولا اعتدى، ولا عمل عملاً مشيناً، من غلب عليه الصلاح والتعفف، تعريف العدالة، من غلب عليه الصلاح، معصوم؟ لا ليس معصوماً، العصمة للأنبياء، النبي معصوم، والولي محفوظ، معنى معصوم أنه لا يمكن أن نجد خطأ في أقواله، وفي أفعاله، وفي أحواله، مستحيل، من؟ النبي، أما الولي فمحفوظ بمعنى أنه لو زلت قدمه قليلاً عاد إلى الله وتاب، أي تعامله مع الله أنه يفهم على الإشارة، يفهم فهماً سريعاً، الآن المؤمن كلما ارتقى إيمانه يفهم على ربه، أحياناً يحس بنفسه محجوباً بالصلاة، هناك تقصير، وهضم حقوق، وإساءة، قلت لكم مرة: إنسان سمع من أستاذه أن لكل سيئة عقاباً، غلط غلطة، فحسب توجيه أستاذه عنده مشكلة، انتظر لم يحدث معه شيء اليوم، جاء إلى البيت الوضع سليم، خرج من البيت الوضع سليم، هو ينتظر الضربة من الله، مضى يومان ثلاثة، أسبوع، بالمناجاة قال: يا ربي عصيتك ولم تعاقبني؟ قال وقع في قلبه أن يا عبدي قد عاقبتك ولم تدر، ألم أحرمك لذة مناجاتي؟ ألا تكفيك هذه؟ إذا كان هناك طفل حساس، أي إذا أدار والده وجهه عنه غلى غلياناً إذا عنده حساسية، وإنسان يحتاج إلى عصي حتى يفهم، العبد يقرع بالعصا، والحر تكفيه الإشارة، كلما ارتقى مستواك تفهم بسرعة، هذه بين بعض الناس، أما مع الله عز وجل فكلما ارتقى مستواك تفهم على الله بسرعة، القضية معسرة لماذا تعسرت؟ لأن الله لا يريدها، وجدت نفسك في الصلاة في حجاب إذاً أنت متلبس بمعصية، لذلك من لم تحدث المصيبة في نفسه موعظة فمصيبته في نفسه أكبر، الله عز وجل قال: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ﴾ [ سورة الطلاق: 2 ] يجب أن يكون الشاهد عدلاً، أي معروف بالصلاح والتستر، أي لو فرضنا غلط، لا يحب أن يتكلم عن غلطه، يستحي، لو فرضنا أنه لم يصلِّ الصبح حاضر، يقول: أنا لم أستيقظ اليوم على الصلاة، يستر نفسه، التستر علامة الصلاح، من غلب عليه الصلاح والتستر هذه دليل العدالة . ﴿ يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ ﴾ [ سورة الحجرات: 6 ] هذه الآية أساسية بالموضوع، إذاً ليس عدلاً، إذاً خبره ليس صحيحاً، شهادته ليست مقبولة، قال عليه الصلاة والسلام: "لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة، ولا زانٍ ولا زانية"، فلا تقبل شهادة الفاسق، ولا من اشتهر بالكذب، أو بسوء الحال وفساد الأخلاق، هذا في المختار في معنى العدالة، فاسق، فاسقة، زانٍ، زانية، خائن، خائنة، من اشتهر بالكذب هذه الشهادات كلها مرفوضة، هذه العدالة، الصلاح بالدين، هذا الصلاح بالدين أن يؤدي الفرائض، والنوافل، أن يجتنب المحرمات، والمكروهات، ألا يرتكب الكبائر، وألا يصر على الصغائر، وأن يؤدي الفرائض، والنوافل، وأن يجتنب المحرمات والمكروهات، وألا يرتكب كبيرة، وألا يصر على صغيرة، كلام واضح مثل الشمس، هذا إنسان دين أدى الفرائض، والواجبات و المندوبات، وترك المحرمات، والمكروهات، وما ارتكب كبائر وما أصر على الصغائر، هذا الدين، أما المروءة فأن يفعل الإنسان ما يزينه بين الناس، وأن يجتنب ما يشينه، هذا معنى قول النبي: "من جاءكم من ترضون دينه وخلقه". جاء رجل و خطب ابنة أحدهم، فسأله الأب: هل عندك بيت؟ قال له: طبعاً، قال : أرني ورقة الطابو، قال له: عندك محل؟ قال له: طبعاً ، فقال: أرني ورقة الطابو، قال له: هذه ورقة الطابو، قال له: أنت شريك أم صانع؟ قال له: إني شريك، ارني عقد الشراكة، تفضل هذا عقد الشراكة، عندك سيارة ؟ نعم عندي، وَاللَّه شي جميل، وافق الأب وصار هذا الرجل خطيب ابنته، وبعد لم يعقد القران، دخل إلى المحل مرة، قال الأب لأصدقائه: فلان خطيب ابنتي، نظر إليه واحد، وقال له: هذا نصراني؟ فسأله: هل أنت نصراني فعلاً ؟ قال له: لم تسألني عن ديني، أنت سألتني عن بيتي، عندي بيت، وعلى سيارتي، وعلى محلي، عن ديني لم تسألني، والآن أكثر الناس المهم أن يكون عنده بيت، ومعمل، وسيارة ، وانتهى، فاسق، فاجر، زان، شارب خمر مثل بعضها، بعد ذلك يدفعوا الثمن، يقرأ القرآن ويقول: صدق الله العظيم الله، قال: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾ [ سورة البقرة: 221 ] فإذا أنت اخترت إنساناً مشركاً، أو فاسقاً، أو فاجراً، على إنسان مؤمن معنى هذا أنت ما صدقت الله عز وجل. حكم شهادة الفاسق إذا تاب : هناك سؤال الآن، هل تقبل شهادة الفاسق إذا تاب؟ اتفق الفقهاء على شهادة الفاسق إذا تاب، لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، ولي في هذا الموضوع تعليق لطيف؛ أحياناً الإنسان يكون له ماض، ويتوب منه، الآن صالح، الآن مستقيم، الآن طاهر، الآن منيب، الآن تائب، لا يوجد عمل أكثر كراهية لله عز وجل وإجرام من أن تذكر الإنسان بماضيه، أن تنبش الماضي، أنت لم تكن جيداً، الشيطان يتكلم، صار جيداً الآن وتاب، ورجع إلى الله عز وجل، وصلى، وصام، وحجب زوجته، وترك الملهيات، وحرر دخله، هل يجب أن تذكره بماضيه؟ هل تنبش له الماضي؟ سيدنا عمر رَضِي اللَّه عَنْه سأل رجله له أخت زنت وأقيم عليها الحد، ومضى عليها عهد طويل وتابت من ذنبها، وجاءها خاطب فهذا الأخ احتار من باب الورع أيذكر للخاطب ماضيها؟ فسأل سيدنا عمر، سيدنا عمر غلى كالمرجل، قال له: وَاللَّهِ لو أخبرته لقتلتك، هي تابت، سيدنا يوسف- انظر إلى كمال الأنبياء- عندما التقى بإخوته قال: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴾ [ سورة يوسف: 100 ] أيهما أشد خطراً الجب أم السجن؟ الإنسان في السجن مضمونة حياته، ومضمون طعامه، وشرابه، لكن محجوزة حريته، أما بالجب فالموت محقق، لماذا أغفل الجب وذكر السجن؟ لئلا يذكر أخوته بجريمتهم، منتهى الأدب، ذكر السجن وأغفل الجب قال: وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي ، ما عمل نفسه مبرأ وأخوته مجرمين، قال: نحن الاثنان اختلفنا، ودخل بيننا الشيطان، هو نبي، هو إنسان طاهر، ما عمل شيئاً إطلاقاً، هم افتروا عليه، وماذا قال؟ قال العكس: ﴿ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ﴾ [ سورة يوسف: 100 ] هذا اللطف، وهذا الكمال، إنسان تعرفه ما كان مستقيماً، الآن استقام، شجعه، اثن عليه، طيب له نفسه، رحب فيه ترحيباً زائداً، الآن إذا الإنسان كان له ماض وتاب إلى الله عز وجل، وجد المؤمنين رحبوا به، اهتموا به، أعانوه على الشيطان، أما إذا ذكروه بماضيه، الآن أنت أصبحت جدياً نحن لا نعرفك هكذا. مرة قرأت خبراً، إنسانة تعمل في الفن وتابت إلى الله وتحجبت حجاباً تاماً، حتى وجهها، أي وضعت نقاباً، وانتهت من كل هذه الأعمال، مديرة برامج بالرائي كل أسبوع تظهر لها فيلم من أفلامها هي محجبة، وتلك نكاية بالحق، وإحراج لها، كل إنسان ينبش ماضي الأشخاص، من تتبع عورات المسلمين تتبع الله عورته، حتى يفضحه في عقر داره، فمن تاب علينا أن نعينه على التوبة، ترك هذا الأمر أعنه على تركه، ترك هذا السلوك أعنه على تركه، اثن عليه، انفتح عليه، عاونه، وإلا يكون عملنا كعمل الشيطان، لذلك تقبل شهادة الفاسق إذا تاب، إلا في حالة واحدة، إلا إذا كان فسقه بسبب القذف، أي اتهم امرأة بريئة بالزنا، قال: القذف له حكم شرعي. ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ [ سورة النور: 4 ] إذاً كم هي المرأة غالية على الله سبحانه وتعالى؟ امرأة بريئة تتهم في عفتها وفي شرفها، الذي اتهمها لا تقبل شهادته أبداً، أي فقد حقه المدني، فقد اعتباره الاجتماعي، لذلك في قول: قذف محصنة يهدم عمل مئة سنة، قبل أن تنهش في أعراض الناس، قبل أن تتهم الفتيات البريئات، الطاهرات، العفيفات، من دون تحقق، من دون دليل، عليك أن تنتبه. يروى قصة لا أعرف مدى صحتها مؤثرة جداً مغسلة في عهد الإمام مالك، إمام دار الهجرة، كانت تغسل امرأة فالتصقت يدها بجلد الميتة، قصة لها مغزى، الله أعلم بصحتها، لكنها مؤثرة جداً، قطعة واحدة يد المغسلة مع جسد الميتة، بذلت محاولات بعد ذلك صرخت ماذا نفعل؟ أنقطع جزءاً من لحم الميتة أم نقطع يد المغسلة؟ لا يوجد حل فاستفتوا الإمام مالك، فقال: هذه المغسلة أغلب الظن اتهمتها بالزنا وهي على مغتسل الموت فاجلدوها ثمانين جلدة ومع الجلدة الثمانين فكت يدها. لذلك هناك غيبة القلب، لو بقيت ساكتاً و اتهمت إنساناً وهو بريء بقلبك، افتحوا كتاب إحياء علوم الدين للإمام الغزالي هناك باب اسمه غيبة القلب، لم تتكلم بأي كلمة، لكن تتهم الآخرين اتهامات باطلة، فهذه المرأة المغسلة ما نزعت يدها من جسد الميتة إلا بعد أن جلدت ثمانين جلدة، وهذا حد القذف، لذلك: قذف محصنة يهدم عمل ثمانين سنة. شروط أخرى للشاهد : بقي من شروط الشاهد المسلم البلوغ، والعقل، والكلام، والحفظ، والضبط، ونفي التهمة، وبعدها ننتقل إلى حد الشهادة، هناك موضوعات تحتاج إلى أربعة شهود، موضوعات إلى ثلاثة، موضوعات إلى اثنين حصراً، موضوعات لرجل وامرأتين، موضوعات امرأة واحدة تكفي، موضوع رقيق جداً، ودقيق جداً، وما منا واحد إلا وهو في أمس الحاجة لهذا الموضوع، لأن الحياة كلها مشكلات، علاقات مالية، علاقات أسرية، صدام، حوادث سير، فأنت شاهد ويجب أن تفقه وأن تعرف هذا الموضوع معرفة دقيقة إن شاء الله في الدرس القادم نتابع هذا الموضوع، ربما استغرق إتمام الموضوع درساً آخر وبعدها ننتقل إلى اليمين. أرأيتم أيها الأخوة كيف أن هذه الموضوعات من ألصق الموضوعات في حياة المؤمن، وينبغي أن نعرفها جميعاً، لأن هذا الفقه، إذا أراد الله بعبد خيراً فقهه في الدين، وبصره بعيوب نفسه، والفقه في الدين أن تعرف ماذا ينبغي أن تفعل؟ ماذا ينبغي، وفي القدر الذي ينبغي، وفي الوقت الذي ينبغي، وهذه الحكمة، ومن أوتي الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً. |
رد: العبادات التعاملية
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية الدرس : ( الرابع العاشر ) الموضوع : الشاهد الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. من صفات الشاهد : 1 ـ العدالة : أيها الأخوة المؤمنون، لا زلنا في موضوع القضاء، ولا زلنا في بعض موضوعاته الكبرى، ألا وهو الشهادة، وقد تحدثنا في الدرس السابق عن أن الشاهد يشترط فيه أن يكون مسلماً، وأن يكون الشاهد أيضاً ذا عدالة، وبينت لكم أن العدالة صفة نفسية بينما الضبط صفة عقلية، العدالة - وهذا موضوع ذكرته كثيراً من قبل لكن متصل بموضوعنا- العدالة إما أن تسقط، وإما أن تجرح: ((من عامل الناس فلم يظلمهم، وحدثهم فلم يكذبهم، و وعدهم فلم يخلفهم، فهو ممن كملت مروءته، وظهرت عدالته، ووجبت أخوته، وحرمت غيبته)) [ مسند الشهاب عن علي بن أبي طالب] أما الكذاب فتسقط عدالته، الظالم تسقط عدالته، المخلف وعده تسقط عدالته، وإذا سقطت عدالته فقد اعتباره، وفقد مكانته، وفقد حقوقه الاجتماعية، يكفي أن تقول: فلان لا تقبل شهادته، أي ساقط، ساقط اجتماعياً، لأنه كاذب، أو لأنه ظالم، من هو الظالم؟ لو عرف الله لما ظلم، هو لا يعرف الله إطلاقاً، لو أن عرف الله سبحانه وتعالى قيوم السموات والأرض، وأن عدله مطلق، وأنه لا بد من أن يعاقبه ما ظلم، إذاً الذي يظلم هو لا يعرف الله إطلاقاً، فالذي يكذب. (( يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى الْخِلالِ كُلِّهَا إِلا الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ )) [ أحمد عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ] أي ممكن أن يكون المؤمن اجتماعياً، أو انعزالياً، أو منفتحاً، أو منغلقاً، أو حريصاً، أو ينفق كثيراً، يتحمل الإيمان آلاف الطباع، وكلهم على العين والرأس، مؤمن حاد الطبع، مؤمن هادئ جداً، مؤمن عصبي كما يقولون، مؤمن عنده راحة نفسية، هذه كلها طباع مقبولة: (( يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى الْخِلالِ كُلِّهَا إِلا الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ )) [ أحمد عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ] فالكذب يتناقض مع الإيمان، مرة ذكرت أو سألني أخ كريم، شيء عجيب، يدخل النار من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر؟ (( لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ، قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً، قَالَ: إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ )) [ مسلم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ] أي هناك معاص كثيرة يغفرها الله عز وجل، أما مثقال ذرة من كبر فتدخل النار؟ الجواب لأن الكبر يتناقض مع العبودية لله عز وجل. ضربت مثلاً كيلو حليب يتحمل كيلو ماء، وشرب الحليب مع الماء مقبول، طبعاً من دون أن تشتريه مغشوشاً، لو أنت أضفت الماء للحليب ممكن، ألا تضيف الماء للبن لتعمل لبناً عيراناً؟ يا ترى الماء الكثير مع اللبن هل يفسده؟ لا يفسده، شراب طيب، أما قطرة كاز في إناء الحليب فتلقيه في المجاري، انتهى. أشياء تفسد العمل : هناك أشياء تفسد العمل، الخلق السوء يفسد العمل كما يفسد الخل العسل، انتهى الأمر، فالعدالة: ((من عامل الناس فلم يظلمهم، وحدثهم فلم يكذبهم، و وعدهم فلم يخلفهم، فهو ممن كملت مروءته، وظهرت عدالته، ووجبت أخوته، وحرمت غيبته)) [ مسند الشهاب عن علي بن أبي طالب] أنا أرى أن الإنسان لو كان فقيراً من المال لكنه ظاهر العدالة فهو في أعلى عليين، ولو كثر ماله وسقطت عدالته فهو في أسفل السافلين، البطولة أن تتعامل من مقاييس رب العالمين، ابتغوا الرفعة عند الله، أنت تتعامل مع ما جاء به القرآن والسنة، فالظلم يسقط العدالة، والكذب يسقط العدالة، وإخلاف الوعد يسقط العدالة، أي إسقاط العدالة كأن تأتي بكأس من البلور وتأتي بمطرقة وتحطمه، هذا الكأس تحطم، لكن هناك أعمال لا تسقط العدالة، لكنها تجرحها، أحياناً الكأس لا يتحطم لكنه يشعر، هنا العلماء عدوا أكثر من ثلاثين حالة تجرح العدالة، الأكل في الطريق يجرحها، الحديث عن النساء يجرحها، التنزه في الطرقات يجرحها، صحبت الأراذل تجرحها، من علا صوته في البيت يجرح عدالته، تطفيف بتمرة يجرح العدالة، أكل لقمة من حرام تجرحها، من أطلق لفرسه العنان، السرعة الزائدة في قياس المركبات تجرح العدالة، الطائش، أرعن، مجروح العدالة، من قاد جرذوناً - حيوان مخيف- كلب عقور، يربي الكلاب، هذا يجرح العدالة، وهناك حالات كثيرة تجرح العدالة، فالشاهد ينبغي أن يكون ضابطاً عدلاً، أي واع، عنده وعي وعدل، وعنده ورع، وعنده استقامة، هذه العدالة. 2 ـ البلوغ و العقل : ثم البلوغ والعقل، هنا يوجد موضوع لطيف أنه لو أن أطفالاً صغاراً يلعبون، فجرح بعضهم بعضاً، هل تقبل شهادة الصغار؟ العلماء وقفوا عند هذا السؤال وقفة لطيفة جداً، فقالوا: هؤلاء الصغار إذا اجتمعوا جميعاً على شهادة واحدة، قبل أن يتفرقوا، لو أنهم تفرقوا، وذهبوا إلى أهليهم ربما الأهل أوحوا إليهم بشهادة معينة لعلاقات قديمة، أما الأطفال الصغار، إن اجتمعوا على شهادة واحدة، قبل أن يتفرقوا إلى أهليهم، فشهادتهم أقوى من شهادة الكبار لماذا؟ لأن الكبار ما كانوا يلعبون في ملعب، شهادتهم إن اتفقت، وقبل أن يتفرقوا أقوى من شهادة الراشدين، الغائبين عن ملعبهم، هم يحضرون، لذلك بعض العلماء أخذ بشهادة الصغار خلافاً لهذه القاعدة في موضوعات الصغار في ملاعبهم، في لهوهم، مع أن النبي عليه الصلاة والسلام حينما كان يدعو إلى اللعب، كان يقول: أنا لم أخلق لهذا، فقلت اليوم في حديث: يا رب هو حينما كان صغيراً عرف مهمته، نحن الكبار هل نعرف مهمتنا في الحياة؟ هل نعرف رسالتنا؟ هل نعرف ما يصلح لنا وما يفسدنا؟ هل نعرف الهدف الكبير من خلقنا؟ 3 ـ الكلام : الآن من شروط الشهادة الكلام، لا بد من أن ينطق، أما إذا كان أخرساً فشهادته مرفوضة ولو تكلم، أي سبحان الله هناك إعجاز في القرآن الكريم. ﴿ إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ ﴾ [ سورة النمل: 80] الأصم يفهم، أما إذا أدبر فلا يفهم، الأصم يفهم بالإشارة، على كلٍّ الأخرس ولو أشار، ولو فهمت إشارته لا تقبل شهادته، لأنها قضية حقوق، إلا أن بعض العلماء أجاز أن الأخرس إذا كتب فشهادته مقبولة فشهادة كتابية، أنه يتمتع بوعي. 4 ـ الضبط : ولا تقبل أيضاً شهادة من عرف بضعف الضبط، الضبط صفة عقلية، أي نساء، كثير النسيان، ضعيف الملكات، محدود الإمكانات، مثل هذا الإنسان لا يفرق بين رجل ورجل، بين حادث وحادث، فهذا الضعيف في ملكاته كثير النسيان، المحدود في إمكاناته، العلماء لا يقبلون شهادته، قلنا لكم مرة: إن إنساناً ذهب لطبيب يشكو له مرض النسيان، حدثه عن مرضه طويلاً، فلما انتهى سأله الطبيب هذا المرض منذ متى كان معك؟ قال له: أي مرض هذا؟ طبعاً نسي ماذا قال له فكثير النسيان لا تقبل شهادته . 5 ـ ألا تكون له علاقة حميمة مع المتهم : لكن سبحان الله ما أعظم هذا الشرع، من أبرز شروط الشاهد في القضاء الإسلامي أن تنفى عنه التهمة، أية تهمة هذه؟ الإنسان لا تقبل شهادته لزوجته، ولا الزوجة لزوجها، ولا شهادة الأب لابنه، ولا شهادة الابن لأبيه، ولا شهادة المنفق على المنفق عليه، لأن المنفق له يد بيضاء، فإذا أوحى إلى المنفق عليه اشهد هكذا، ربما خاف على رزقه فشهد، فحيثما كانت علاقة بين رجلين، علاقة حميمة، وطيدة، متينة، تقتضي المحاباة، فالشهادة عندئذ لا تقبل. 6 ـ عدم قبول شهادة العدو على عدوه : كذلك لا تقبل شهادة العدو على عدوه، أيعقل أن يكون الخصم حكماً؟ ألم يقل الشاعر: يا أعدل الناس إلا في معاملتــي فيك الخصام وأنت الخصم والحـكم أعيذها نظرات منــــك صادقة أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم *** الخصم لا يكون حكماً، كما أنه لا يكون شاهداً، لذلك الشرع الحنيف رفض شهادة الخصم على خصمه. بالمناسبة حينما أقول شهادة، إذا أضفت لها اللام، هي شهادة له أما إذا أضفت على، عليه، شهدت له أي صدقته، شهدت عليه أي كذبته، فشهادة العدو على عدوه لا تقبل، لأنه عدو، ولصالحه أن يوقع بعدوه الضر، لكن دقة الشرع دقيقة جداً قال: إذا كان بين رجلين خصومة دنيوية، فشهادة أحدهما على الآخر غير مقبولة، أما إذا كان بين الرجلين خصومة أخروية، فالشهادة مقبولة، كيف؟ لأن الرجل إذا كان خصماً عقائدياً لرجل معناها رجل مؤمن، والمؤمن يخاف الله عز وجل، وهو مظنة الصدق والصلاح، لذلك لو سألت مؤمناً صادقاً أن يشهد على عدوه لا يشهد إلا بالحق، لذلك شهادة الخصم الأخروي مقبولة ولو على عدوه، أي إنسان معروف بالصلاح، والتقى، والورع، يبيع دينه بعمل بسيط؟ وَاللَّهِ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ لو قطع إرباً إرباً ما باع دينه، لا يشهد إلا بما رأى، شخصية المؤمن شخصية فذة، إنسان متميز، إنسان رائع، المؤمن رجل مبادئ، التبر عنده كالتراب، الدنيا كلها تحت قدمه إذا تعارضت مع مبادئه، لذلك إذا كان بين رجلين خصومة أخروية أي الرجلان أحدهما رجل مؤمن، تقي، متمسك بالدين، ورع، يخاف الله عز وجل لو شهد على عدوه شهادة فهي مقبولة، أما في خصومة دنيوية، مثلاً مختلفين على محضر، فشهادة أحدهما على الآخر غير مقبولة. عدم قبول الشهادة للقريب أما عليه فمقبولة : هناك نقطة دقيقة: قلت قبل قليل: إنه لا تجوز شهادة الأب لابنه، ولا شهادة الابن لأبيه، ولا شهادة الزوج لزوجته، ولا شهادة الزوجة لزوجها، ولا شهادة المنفق للمنفق عليه، لكن تجوز الشهادة عليهما فهمتم؟ الشهادة لهما لا تجوز، أما عليهما فتجوز، لو أن إنساناً شهد على ابنه أنه هو المتسبب بإيذاء هذا الرجل، معنى هذا أنه أب ورع جداً، أنه واع جداً، شهد على ابنه أنه هو المتسبب، هذه مقبول، لا تقبل الشهادة له، أما عليه فتقبل. 7 ـ ألا يكون خائناً أو مجلوداً بحدٍّ : وقد ورد عن النبي صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه لا تقبل شهادة خائن ولا خائنة، ولا ذي غمرٍ على أخيه المسلم. ((عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ وَلا خَائِنَةٍ وَلا مَجْلُودٍ حَدًّا وَلا مَجْلُودَةٍ، وَلا ذِي غِمْرٍ لأَخِيهِ، وَلا مُجَرَّبِ شَهَادَةٍ، وَلا الْقَانِعِ أَهْلَ الْبَيْتِ لَهُمْ، وَلا ظَنِينٍ فِي وَلاءٍ وَلا قَرَابَةٍ، قَالَ الْفَزَارِيُّ الْقَانِعُ التَّابِعُ هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لا نَعْرِفُهُ إِلا مِنْ حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ زِيَادٍ الدِّمَشْقِيِّ وَيَزِيدُ يُضَعَّفُ فِي الْحَدِيثِ، وَلا يُعْرَفُ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ إِلا مِنْ حَدِيثِهِ، وَفِي الْبَاب عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ وَلا نَعْرِفُ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ وَلا يَصِحُّ عِنْدِي مِنْ قِبَلِ إِسْنَادِهِ، وَالْعَمَلُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي هَذَا أَنَّ شَهَادَةَ الْقَرِيبِ جَائِزَةٌ لِقَرَابَتِهِ وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي شَهَادَةِ الْوَالِدِ لِلْوَلَدِ وَالْوَلَدِ لِوَالِدِهِ، وَلَمْ يُجِزْ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ شَهَادَةَ الْوَالِدِ لِلْوَلَدِ، وَلا الْوَلَدِ لِلْوَالِدِ، وقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِذَا كَانَ عَدْلا فَشَهَادَةُ الْوَالِدِ لِلْوَلَدِ جَائِزَةٌ، وَكَذَلِكَ شَهَادَةُ الْوَلَدِ لِلْوَالِدِ، وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي شَهَادَةِ الأَخِ لأَخِيهِ أَنَّهَا جَائِزَةٌ، وَكَذَلِكَ شَهَادَةُ كُلِّ قَرِيبٍ لِقَرِيبِهِ، وقَالَ الشَّافِعِيُّ لا تَجُوزُ شَهَادَةٌ لِرَجُلٍ عَلَى الآخَرِ وَإِنْ كَانَ عَدْلا إِذَا كَانَتْ بَيْنَهُمَا عَدَاوَةٌ وَذَهَبَ إِلَى حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْسَلا لا تَجُوزُ شَهَادَةُ صَاحِبِ إِحْنَةٍ يَعْنِي صَاحِبَ عَدَاوَةٍ،وَكَذَلِكَ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ حَيْثُ قَالَ لا تَجُوزُ شَهَادَةُ صَاحِبِ غِمْرٍ لأَخِيهِ يَعْنِي صَاحِبَ عَدَاوَةٍ )) [ الترمذي عَنْ عَائِشَةَ] قال الغمر: هو صاحب الحقد، هناك إنسان حقود، المؤمن غر كريم، سليم الصدر، نظيف القلب، يألف ويؤلف، ينسى العداوة، يسامح، ويتجاوب، لكن غير المؤمن أو بعض المؤمنين المقصرين فعنده حقد، فقال: صاحب الحقد هو ذو الغمر، والعداوة تظهر في الأقوال والأفعال، ومن مظاهر العداوة أن تفرح بمصيبة ألمت بأخيك، وبالمناسبة هذا الكلام قد يكون خطيراً إذا أنت إنسان، وألمت بأخيك المسلم مصيبة، وفرحت بهذه المصيبة، ادمغ نفسك بالنفاق ولا تحابي نفسك، هذه صفات المنافق، أنت كمؤمن ينبغي أنت تفرح بالخير يصيب إخوانك المؤمنين، أخوك تزوج، لماذا تزوج قبلي؟ أرجو الله ألا يوفقه بهذا الزواج، هذا ليس مؤمناً، هذا إنسان بعيد عن الدين، حقود، حسود، أما المؤمن وَاللَّهِ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ يتبدى إيمانك بفرحك الشديد بالخير يصل إلى أخيك، وهناك أدلة كثيرة من هذه الأدلة أن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ﴾ [ سورة النساء: 29] ما قال: لا تأكلوا أموال إخوانكم، ما قال: لا تأكلوا مال أخيكم قال: ﴿ لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ﴾ لأن الله سبحانه وتعالى يشير بهذه الآية إلى أن مال أخيك هو مالك، كأنه مالك، تفرح به، وتحرص على صيانته، وعلى تنميته، فحينما تشعر أن مال أخيك هو بمثابة مالك لا من حيث أن تأكله بل من حيث أن تحرص على سلامته، وأن تحرص على تنميته، وأن تحرص على حفظه، هذا معنى: ﴿ لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ﴾ إنك إذا أكلت مال أخيك كأنما أكلت مالك. الإسلام دين المحبة و التآلف : نحن لا نذوق عظمة الإسلام إلا إذا عشنا بالإسلام، إلا إذا عشنا الإسلام في بيوتنا، في أعمالنا، في علاقاتنا، أي أروع ما في الإسلام هذا المجتمع الإسلامي الذي يسعد به المسلمون، أنت لست وحدك في الحياة، لك مئة أخ وأخ، لك ألف أخ، كلما تعاونا، وتكاتفنا، وتسامحنا، وعذر بعضنا بعضاً، وتعاون بعضنا مع بعض، أصبحنا نحب بعضنا أكثر، لذلك يد الله مع الجماعة، يد الله على الجماعة، لذلك ربنا عز وجل إن رأى شريكين مخلصين يبارك لهما في أعمالهما، أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه، شركة على التأبيد، بنية خالصة مباركة تجد أن هذه الشركة بارك الله بها، وحفظها، ونماها، إذاً قال عليه الصلاة والسلام: (( لا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ وَلا خَائِنَةٍ وَلا مَجْلُودٍ حَدًّا وَلا مَجْلُودَةٍ، وَلا ذِي غِمْرٍ لأَخِيهِ، .... وَلَمْ يُجِزْ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ شَهَادَةَ الْوَالِدِ لِلْوَلَدِ، وَلا الْوَلَدِ لِلْوَالِدِ، ... )) [ الترمذي عَنْ عَائِشَةَ] أما له فلا تجوز، وقد قال عليه الصلاة والسلام حديثاً اعتمده الإمام الشافعي: "لا تجوز خصم على خصمه". جواز شهادة الأخ لأخيه و الصديق لصديقه : العلماء بعضهم قال: شهادة الأقرباء تجوز، أي نحن استثنينا الزوج لزوجته، والزوجة لزوجها، والأب لابنه، والابن لأبيه، لأن علاقة الأب بابنه علاقة حميمة، بضعة منه، ماذا قال النبي الكريم؟ "فاطمة بضعة مني، من أكرمها فقد أكرمني، ومن أغضبها فقد أغضبني"، علاقة الأب بابنه علاقة حميمة، كذلك الابن بابيه علاقة حميمة، علاقة الزوج بزوجته، وعلاقة الزوجة بزوجها، أما على مستوى الأخوة فربما قبلت شهادة الأخ لأخيه أو على أخيه، على أخيه مقبولة، أما لأخيه العلماء فأجازوا هذه الشهادة، وكذلك تجوز شهادة الصديق لصديقه، الأخ لأخيه تجوز، والصديق لصديقه تجوز. 8 ـ ألا يكون مجهول الحال : أما شهادة مجهول الحال، شخص لا نعرفه يشهد، هناك قصة رائعة جداً، وهذه القصة لها دلالات كثيرة، حصلت في عهد عمر بن الخطاب، فقد شهد عند عمر بن الخطاب رجل فقال له عمر: يا هذا لست أعرفك؟- أنت قد تكون أنزه إنسان، أعلم إنسان، لكن الشخص لا يعرفك، اعذره، ما عرفني، أنا معروف بين الناس كلهم، وقال لي: ما اسمك؟- قال له: يا هذا لست أعرفك، لكن من أدب سيدنا عمر، قال له: ولا يضرك أني لا أعرفك، هذا شيء لا يضرك، لأن بعض الغزوات القاسية جاء رسول من هذه المعركة الحاسمة يخبر سيدنا عمر أن هناك شهداء كثر، فقال عمر من هم؟ قال الرسول: يا أمير المؤمنين لست تعرفهم، فصار يبكي سيدنا عمر، قال: وما يضرهم أني لا أعرفهم إذا كان الله يعرفهم؟ انظر إلى هذا الأدب، وما يضرهم أني لا أعرفهم إذا كان الله يعرفهم؟ فالإنسان كلما ارتقى إيمانه يرتقي أدبه، قال له: يا هذا لست أعرفك، ولا يضرك أني لا أعرفك، أنت بمكانتك العلية. وأنا كنت أقول دائماً إن الإنسان أحياناً يكون معه كيلو معدن أنا أقول: معدن لأن لي هدفاً، لو أنه بذكاء، وبحنكة، وبطلاقة لسان، وبأسلوب دعائي أوهم أن هذا المعدن ذهب خالص، أربع وعشرون و هو تنك، هو الخاسر، والناس صدقوه، وظنوا أن معه ذهباً، هذا الذهب العظيم، ولو أن إنساناً آخر معه كيلو معدن وهو ذهب حقيقي والناس يظنونه معدناً خفيفاً هو الرابح. خيرك منك، وشرك منك، وعلاقتك بالدرجة الأولى مع نفسك، قال: يا هذا لست أعرفك، ولا يضرك لأني لا أعرفك، ائت بمن يعرفك، نريد شاهداً، ومن يعرف بهذا الشاهد أنه رجل عاقل، مستقيم، من أهل الصلاح، فقال رجل من القوم: أنا أعرفه، فقال له سيدنا عمر: بأي شيء تعرفه؟ قال: بالعدالة والفضل، شيء جميل، قال: هل هو جارك الأدنى الذي تعرف ليله ونهاره ومدخله ومخرجه؟ قال: لا، قال: هل عاملته بالدرهم والدينار الذين يستدل بهما على الورع؟ قال: لا، إنسان ذهب معك في سفر، صرفت كذا و كذا ما قال لك ما الحساب؟ إذاً يوجد حساب، ونفقات، وطعام، وأجور، أنت ساكت وهو ساكت، هو من دون سفر إنسان راق جداً، بالسفر كشف، إنسان يسكن إلى جانبك، جارك، يا ترى هذا الجار مؤمن؟ ورع؟ مستقيم بصلاته؟ بغض بصره؟ في بيته هل هناك ملهيات؟ لا يوجد ملهيات، تعرفه جارك الجانب بك، قال: لا، لا أعرفه، قال: هل رافقته بالسفر الذي يستدل به على مكارم الأخلاق؟ قال: لا، قال: يا هذا إنك لا تعرفه، ثم قال للرجل: ائت بمن يعرفك هذا لا يعرفك، سيدنا عمر أخذ السفر، وأخذ الجوار، وأخذ التعامل بالدرهم والدينار، لذلك أقرب الناس لك جارك، أحياناً الشخص لا تعرفه إطلاقاً، تلتقي به في مجلس، في بيت، في زيارة، في العيد، إذا نظرت إليه لا تعرف ما اسمه، ولا عمله، ولا ثقافته، ولا شهاداته، لا تعرفه إلا من هندامه، من قوامه، ومن شكله، قال: إذا تكلم تنسى شكله، ولباسه، وهندامه، فإذا عاملك تنسى حديثه، إذا تكلم بالقيم، والدين، والورع، أو تكلم بالدعوة إلى الله، و عندما عاملته بالدرهم والدينار كان بلا ذمة و لا أمانة، كل كلامه سقط، لذلك الإنسان عندما يخطئ، إذا كان معه شيء من العلم، وألقاه على الناس، ثم أساء معاملتهم، يا ليته يسقط هو وحده، لكن المشكلة أن كل الذي ألقيته على الناس من علم ومن حقائق تسقط مع سقوط المتكلم، الملاحظ أن الإنسان إذا تكلم بالعلم، وله مواقف أخرى غير مقبولة، تكلم بما ليس قانعاً به، الكلام الثاني يبطل الأول. أخطر إنسان في المجتمع الإسلامي من يدعو إلى الله وليس معروفاً بالصلاح : نحن عندنا في اللغة العربية أثناء التصحيح قاعدة، لو إنسان قال: مفعول به صح مفعول به، لكنه مرفوع، بالسلم إذا قال: مفعول به علامة، ومنصوب علامة ثانية، أصبح له علامتان، لو قال: مفعول به مرفوع، كلمة مرفوع تذهب صحة أول قسم، إذا قال: مفعول به منصوب يأخذ العلامتين، إذا قال: مفعول به علامة، إذا قال مفعول به مرفوع يأخذ الصفر، قال: مفعول به لكن الجزء الثاني يذهب صواب الجزء الأول، الخطأ في الجزء الثاني يذهب صواب الجزء الأول، هذه القاعدة نفسها إذا تكلمت كلاماً صحيحاً، وأتبعته بكلام سيئ، فالكلام السيئ يذهب قيمة الكلام الصحيح، لذلك أخطر إنسان في المجتمع الإسلامي هو الذي يدعو إلى الله وليس معروفاً بالصلاح، لأن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [ سورة فصلت: 33 ] دعا وعمل صالحاً، لو دعا إلى الله ولم يعمل صالحاً تسقط دعوته. إذا إنسان قال لك: هذا كتاب، وهذا إبريق، هذا ليس إبريقاً، لكن قال لك: هذا إبريق ليكون هذا أيضاً ليس كتاباً، انتبهت إلى أول الكلام، مادام ارتكب حماقة في وصف هذا الكأس وقال: هذا إبريق كبير، وهو كأس صغير، أنت الآن تشك بأول وصف. فإذا دعوت إلى الله إياك أن تقول كلاماً في موضوع آخر غير صحيح، لأن الخطأ في الجزء الثاني يذهب صواب الجزء الأول. لذلك أنا أشعر كثيراً في حالات زواج هناك شيء مؤلم جداً، أنه سألت عنه؟ سألنا عنه، قال: آدمي، ما معنى آدمي؟ سألوا شخصاً لا علاقة له، فتبني أسرة على شكل غير صحيح، ثم يفاجؤون أنه يشرب الخمر، أو أنه لا يصلي، لذلك القصة هي دقيقة جداً ويجب أن نأخذ بها، الجار يعرف حقيقة جاره، والذي يحتكك معك بالدرهم والدينار يعرف ورعك، واستقامتك، والذي يسافر معك يعرف مكارم أخلاقك. عدم جواز شهادة البدوي على الحضري إلا إذا كان عدلاً مرضياً : بعض العلماء قالوا: لا تجوز شهادة البدوي على الحضري، هذا موضوع خلافي أي في الحياة الحضرية هناك ملابسات، أمور متداخلة، تعقيدات، البدوي عاش بالصحراء، حياته بسيطة، لا يوجد فيها تعقيدات، بعضهم قال: إن البدوي لا يجوز أن يشهد على الحضري للمفارقة الحادة بين الحياتين، حياة فيها بساطة، وحياة فيها تعقيد، لكن الصحيح كما قال بعض العلماء: جواز شهادته إذا كان عدلاً مرضياً، وهو من رجالنا، من أهل ديننا، والعموميات في القرآن الكريم الدالة على الشهادة تسوي بين البدوي والحضري، إذا كان بدوي مؤمن، أنا لي كلمة أقولها دائماً أتمنى أن تكون دقيقة عندكم: و الله أيها الأخوة لا يضاف على كلمة مؤمن ولا كلمة، لا يجوز أن يضاف على كلمة مؤمن كلمة، مؤمن، إن كان بدوياً مؤمن، إن كان حضرياً مؤمن، إن كان يحمل شهادة عليا مؤمن، إن كان لا يحمل شهادة مؤمن، يقرأ القرآن، أي من أجل أن يقوى الإسلام، أقول أنا كلمة: لو أن المسلمين في عهد النبي عليه الصلاة والسلام كانوا كالمسلمين الآن وَاللَّهِ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ الإسلام لا يخرج من مكة، أما لأنه خرج من مكة، ووصل إلى أطراف الدنيا، معنى ذلك أن الصحابة كانوا في مستوى رفيع جداً من إنكار الذات، واحد من الصحابة رآه النبي يبكي - سيدنا بلال الحبشي- قال له: ما يبكيك يا بلال؟ قال له: غرابة نسبي، فقال عليه الصلاة والسلام: أنا جد كل تقي ولو كان عبداً حبشياً، بالمقابل ولو كان هاشمياً قرشياً ولم يكن مؤمناً فلا علاقة له بي، والدليل الله عز وجل قال: ﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ*مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ ﴾ [ سورة المسد: 1-2 ] وقال النبي الكريم: سلمان منا آل البيت. مجتمع المؤمنين مجتمع الطبقة الواحدة : لن تكون مؤمناً إلا إذا تخليت عن كل أنواع العنصرية فيك، كل إنسان يعتز بأسرته، ببلده، بحيه، بوالده، باختصاصه، إنسان عنصري. ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ [ سورة الحجرات: 13] بدوي، حضري، مدني، ريفي، من هذه الأسرة، من هذه الفئة، هذه كلها عنعنات جاهلية. سيدنا عمر لما جاءه بدوي من فزارة يشتكي جبلة، قال له: يا بن أيهم أصحيح ما ادعى هذا الفزاري الجريح؟ قال: لست ممن يكتم شيا أنا أدبت الفتى أدركت حقي بيدي، قال أرض الفتى لا بد من إرضائه مازال ظفرك عالقاً بدمائه أو يهشمن الآن أنفك- ملك من ملوك الغساسنة جبلة بن الأيهم - قال له: أرض الفتى أو يهشمن الآن أنفك وتنال ما فعلته كفك، قال: كيف ذاك يا أمير؟ هو سوقة وأنا عرش وتاج؟ كيف ترضى أن يخر النجم أرضاً؟ قال له سيدنا عمر: نزوات الجاهلية، ورياح العنجهية قد دفناها، أقمنا فوقها صرحاً جديداً، وتساوى الناس أحراراً لدينا وعبيدا، فقال جبلة: كان وهماً ما جرى في خلدي أنني عندك أقوى وأعز، أنا مرتد إذا أكرهتني، قال عمر: عنق المرتد بالسيف تحز، عالم نبنيه كل صدع فيه بشبا السيف يداوى، وأعز الناس بالعبد، بالصعلوك تساوى. مجتمع المؤمنين مجتمع الطبقة الواحدة، وَاللَّهِ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ لو كنت مديراً عاماً لأكبر مؤسسة، وعندك مستخدم مسلم من إخوانك، إن رأيت نفسك فوقه فأنت لا تعرف الله، قد يكون فوقك يوم القيامة. ((رُبَّ أَشْعَثَ مَدْفُوعٍ بِالأَبْوَابِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ )) [مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ] الإنسان العاقل والموفق هو الذي يكتفي قبل فوات الأوان، المقياس الذي يقيس الله به عباده هو الطاعة، الله يقيس عباده بالطاعة، يقيس عباده بالإخلاص، يقيس عباده بخدمة الخلق، الخلق كلهم عيال الله وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله، هناك عنعنات جاهلية، التمايز الأسري، التمايز المالي، الاجتماعي، أنا من بيت فلان، هناك كثير من الأسر لها نظرة فوقية ليعض الأسر، هذه كلها من الجاهلية. مرّ أحد الصحابة يبدو أنه تغاضب مع سيدنا بلال، قال له: يا بن السوداء، يا لطيف، يا لطيف، القيامة قامت ولم تقعد، قال له عليه الصلاة والسلام: إنك امرؤ فيك جاهلية، هذا الصحابي ما قبل إلا أن يضع خده على الأرض ليأتي ابن السوداء و يضع رجله فوق خده، لعل الله يغفر له، مجتمع المسلمين مجتمع الطبقة الواحدة: ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ [ سورة الحجرات: 13] المقاييس التي يتعامل الله بها مع عباده : النبي عليه الصلاة والسلام في إحدى المرات قال: يدخل عليكم رجل من أهل الجنة- بشارة- أحد الصحابة من شدة رغبته بالتفوق والتنافس الشريف بين الصحابة الكرام ادعى أنه على خلاف مع زوجته، وأراد أن يضيف عند هذا الصحابي الذي بشره النبي بالجنة، نام عنده، ووجده أنه عادي، صلاة زائدة لا يوجد، نام، طبعاً صلى الفجر بوقته، هو تصور أنه يصلي مئة ركعة بالليل، وجده شخص عادي جداً، إذاً كيف بشره النبي بالجنة وعباداته لا تزيد عما هو مألوف بين الصحابة الكرام؟ ثم عرف هذا الصحابي أن هذا الذي بشره النبي بالجنة لا يحمل غلاً في قلبه لأحد، هذا مقياس. مرة قلت لكم: شخص رأى النبي الكريم، هو رجل له دعوة، وإمام مسجد، قال له: قل لجارك فلان إنه رفيقي في الجنة، كان جاره سمان، له قصة مع زوجته، فأنت إذا كنت عاقلاً وتمكنت أن تضع يدك على المقياس الذي يقيس الله به عباده، هذا المقياس هو أهم مقياس، الله يقيس عباده بالإخلاص، بالطاعة، بخدمة الخلق، قال: لأن أمشي مع أخي في حاجته خير لي من صيام شهر، واعتكافه في مسجدي هذا، هناك شخص صلاته في أول صف، لكن لا يمكن أن يقدم خدمة، ينسحب فوراً، وهناك إنسان معطاء، حياته مبنية على البذل. لذلك أيها الأخوة موضوع المقياس الدقيق الذي ينبغي أن نقيس به أنفسنا هو مقياس أساسه الإخلاص، أول نقطة تكلمتها أساسه خدمة الخلق، لأن أمشي مع أخي في حاجته خير لي من صيام شهر واعتكافه في مسجدي هذا، المقياس الثاني الورع: ((ركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلط)) [الجامع الصغير عن أنس] (( من لم يكن له ورعٌ يصده عن معصية الله إذا خلا لم يعبأ الله تعالى بسائر عمله )) [ مسند الشهاب عن أنس بن مالك] (( ترْكُ دانق من حرام خير من ثمانين حجة بعد الإسلام )) [ ورد في الأثر ] درء المفاسد مقدم على جلب المنافع، دع خيراً عليه الشر يربو، أعتقد ست كلمات، الورع، والإخلاص، وخدمة الخلق هذه المقاييس الله جل جلاله يتعامل بها مع عباده. هناك مقاييس أخرى الشيخ أحمد الشامي رحمه الله خرج في جنازته خمسين ألفاً، وخمسة آلاف امرأة، كلهن كن مطلقات فأفتى لأزواجهن بإرجاعهن، وفاء له خرجن في جنازته، ما بقي إنسان في القطر ما قدم تعزية، و هو كان قصير القامة جداً، مقياس العلم والعمل فقط، هذا المقياس الوحيد، شيء والله لا يصدق الذي حدث بعد وفاته. إذاً الإخلاص، والورع، وخدمة الخلق، وأن يكون طعامك حلالاً، إذا الإنسان في عمله كذب فالأكل حرام، طعامه أصبح حراماً إذا كان هناك غش، أو تدليس، أو كذب، لذلك يقول العبد: يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب له، اجعل أن يكون طعامك حلالاً، أي من عمل مشروع، من عمل لا يوجد به كذب، أو تدليس، أو غش، أو إيهام، واحرص على أن تكون ورعاً، واحرص على أن تكون مع الورع مخلصاً وعندئذٍ ترى أنك في أعلى مقام. نصاب الشهادة : بقي موضوع لا أحب أن أرجئه للدرس القادم من لوازم الشهادة فاسمحوا لي أن أتابعه، أولاً: نصاب الشهادة، هناك موضوعات لابد من أربعة شهود. ﴿ وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [ سورة النساء: 15] ﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ [ سورة النور: 4] إذا إنسان اتهم امرأة بالزنا، ودبر ثلاثة، يجلد، يجب أن يكون هناك أربعة شهود، لأن الإنسان شرفه وسمعته أثمن ما يملكه، ممكن أن تأكل خبزاً يابساً، لكن لك اسم متألق بالبلد، هذه المرأة قد تكون أفقر امرأة بالبلدة، لكن اسمها نظيف، أما أن تتهمها بعرضها، بشرفها، لابد من أن تأتي بأربعة شهود، فإن جئت بثلاثة فلابد من أن تجلد، كم هي المرأة عند الله غالية: ﴿ وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [ سورة النساء: 15] ما فتح عبد على نفسه باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر : الآن لا تحل المسألة إلا لأحد ثلاثة، بالمناسبة ما فتح عبد على نفسه باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر، لما أنت تنطلق لتمد يدك إذاً أنت قررت أن تكون فقيراً، انتهى الأمر، عندما تتخذ قراراً أن تمد يدك تستجدي، وتتضعضع أمام الأغنياء، أنت الآن حكمت على نفسك بالفقر، ما فتح عبد على نفسه باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر، أنا أنصح كل أخواننا بدل أن تطلب قرضاً وتنوي العمل الله عز وجل سيوفقك، وتصبح دافعاً للزكاة، وأعظم أنواع الزكاة إذا أعطيتها لإنسان جعلته دافع زكاة، كان قابض زكاة صار دافع زكاة، فقال النبي الكريم: (( لا تحل المسألة إلا لأحد ثلاثة رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة )) [ مسلم عن قبيصة] صار معه حادث دهس، والدية مئتا ألف، و لا يملكهم، تحمل شيئاً لا يطيقه، بيته انهار مثلاً، تحمل شيئاً فوق طاقته، بضاعته احترقت، فلس، هناك أحياناً كوارث طبيعية، فهذا الإنسان تحل له المسألة، فلس، بضاعته تلفت، أو أسعارها أصبحت بالحضيض، عليه ديون للناس، انكشف، عمل حادثاً مثلاً، والسيارة ليست له تغرم بتصليحها، مئتا ألف فرضاً، صار هناك حادث دهس خطأً دفعوا له مئتي ألف، هذا أمر قاهر، قال: ((...حلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواماً، من عيش أو قال: سداداً من عيش، ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوى الحجة من قومه لقد أصابت فلانا فاقة فحلت له المسألة)) الإنسان يقبل أن يأكل مالاً وهو قوي، شديد، عتيد، كاسب، شاب، شيء لا يحتمل، والله أنا أحياناً أنظر إلى شخص يمتلئ قلبي أدباً منه، شاب في مقتبل حياته يمد يده على مواقف السيارات، أنت مؤمن؟ لا ورب الكعبة، كل إنسان الله عز وجل آتاه صحة، وشباباً، عليه أن يكسب ماله، إذاً أربعة شهود لمن؟ لحالات الزنا، ثلاثة لحل المسألة، وتقبل شهادة رجلين دون النساء في جميع الحقوق والحدود. شهادة النساء في الحدود غير جائزة : بالمناسبة شهادة النساء في الحدود غير جائزة، ما السبب؟ لأن المرأة أساسها تستحي، طبيعة المرأة طبعاً المرأة الشريفة، المرأة الكاملة، المرأة كما أرادها الله، طبيعتها أساسها الحياء، هل بإمكان امرأة أن تبحلق في جريمة أو في حادث زن؟ لا تستطيع، طبيعتها أساسها الحياء، لذلك لأنها يغلب عليها الحياء لا تستطيع أن تملك نظرها في جريمة أخلاقية، لذلك لا تقبل شهادة النساء في الحدود، عند عامة الفقهاء، قال تعالى: ﴿ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ﴾ [ سورة الطلاق: 2] في الحقوق المدنية تجوز شهادة. ﴿ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى ﴾ [ سورة البقرة: 282] المرأة طبيعتها انفعالية، عاطفية، تهتم بالانفعالات، والعواطف، الأمور الدقيقة الدقيقة هذه من اختصاص الرجال، فامرأتان يقومان بمقام رجل في الشهادة. قبول شهادة الرجل الواحد في العبادات : أما شهادة الرجل الواحد في العبادات، أخبرت النبي صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أني رأيت الهلال فصام، يمكن أن يدخل مئة مليون مسلم في العبادة بشهادة رجل واحد، أربعة ثلاثة، اثنان، واحد، واحد في العبادات، الأحناف أجازوا شهادة الرجل الواحد في بعض الحالات الاستثنائية، على الولادة، شهادة المعلم وحده في شهادة الصبيان، شهادة الخبير وحده في تقييم المتلفات، أحياناً القاضي يكلف خبيراً ليقدر مقدار الخسارة، السيارة عملت حادثاً كم خسرت من ثمنها؟ خبير واحد، هذا شاهد، وتقبل شهادة الواحد في تزكية الشهود وجرحهم، والحاكم معه سياسة شرعية، معه حرية حركة، قال: يجوز للحاكم الحكم بشهادة رجل واحد إذا عرف صدقه، وورعه، وعدالته، وضبطه في غير الحدود طبعاً، الله عز وجل ما أوجب على الحكام القضاة أن يحكموا بشاهدين، لكن أوجب علينا أن نحفظ حقنا بشاهدين، هناك فرق أحياناً القاضي له قناعة، قنع أن هذا الإنسان لا يكذب، وأدلى بشهادة صحيحة فحكم على شهادته. جواز شهادة امرأة مسلمة ورعة في القضايا الاختصاصية : وقبل عند الفقهاء شهادة امرأة واحدة أي مسلمة، ورعة، في قضايا النساء أحياناً يصير خلاف يا ترى هذه الزوجة بكر أم بنت؟ بنت أم امرأة؟ من يحكم على هذا؟ امرأة خبيرة، امرأة واحدة تكفي، امرأة واحدة ورعة تقدم تقريراً أنها بكر، لا كما ادعى زوجها. الخلاصة إذا علم الحاكم صدق الشاهد الواحد قبلت شهادته، والمرضعة وحدها تكفي شهادتها، أنا أرضعت فلاناً، حرم على أخته من الرضاعة، المرضعة تكفي، وتجوز شهادة القابلة في الاستهلال، ما الاستهلال؟ إذا الطفل ولد وقال: واع أي بكى، أحياناً كلمة واع تغير مليون ليرة إن كان هناك ميراث، إذا ولد بكى وتوفي بعد ذلك، يتغير كل الميراث، إذا ولد ميت ليس له ميراث، إذا ولد حي وعلامة أنه حي إذا بكى، بعد أن بكى مات فوراً، هذا الطفل ورث، وسوف يورث في قضايا الإرث يجوز بالملايين، بمئات الملايين، تقبل شهادة القابلة في قضايا الاستهلال. عند الحنابلة ما لم يطلع عليه الرجال غالباً تقبل فيه شهادة امرأة عدل، القضايا النسائية المحضة، أحياناً يكون هناك عيب بالزوجة، يوجب الفراق، والطلاق، والقاضي كيف يتأكد من هذا العيب؟ يجب أن يستخدم امرأة خبيرة، مسلمة، ورعة، عدل، تقبل شهادتها وحدها، طبعاً هذا موضوع اختصاصي، لكن إجمالاً الشهادة شيء مهم جداً، لأن الشهود بهم تستخرج الحقوق. عندنا أربع شهادات للقذف، للاتهام بالزنا، إن لم يؤمن أربعة شهود بل ثلاثة فسيجلد، و هناك ثلاثة شهود في موضوع المسألة، شاهدان في الحقوق العامة، غير الحدود، رجل وامرأتان في بقية الحقوق، ممكن رجل عدل واحد وامرأة عدل واحدة، في قضايا اختصاصية، كالخبرة، والقضايا النسائية، وفي درس قادم إن شاء الله ننتقل إلى موضوع جديد من موضوعات القضاء وهو اليمين. |
رد: العبادات التعاملية
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية الدرس : ( الخامس العاشر ) الموضوع : اليمين الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.اليمين : أيها الأخوة المؤمنون، لا زلنا في موضوع القضاء، وسننتقل اليوم إلى موضوع اليمين، وقد مرّ بنا من قبل موضوع الأيمان، ولكن اليمين اليوم من زاوية القضاء فقط. فالمدعي قد يعجز على أن يأتي ببينة، وثيقة، سند، إيصال، مستمسك، قد يعجز عن أن يدلي ببينة، بوثيقة قطعية الثبوت، ما بقي له إلا يمين المدعى عليه، هناك تعليق لطيف جداً: الذي قصر في أخذ وثيقة صار عرضة لقلق شديد، يكفي أن يحلف خصمه، الدعوى ردت وخسر الدعوى، فكل إنسان يفرط في أخذ وثيقة، إيصال، عقد موثق، مسجل، مصدق، كل إنسان يقصر في طلب وثيقة من الطرف الآخر، إذا حصل خلاف وأنكر الطرف الآخر، ولا تملك أنت الوثيقة، ما بقي لك إلا يمين المدعى عليه، فإن حلف خسرت الدعوى، القلق الذي يعانيه المدعي، الذي لم يأخذ وثيقة من الطرف الآخر هو جزاء التقصير، هناك دعاوى كثيرة في قصر العدل، ليس هناك بينة، سبحان الله! أحياناً الإنسان بجهله، أو بجهالته، أو لرعونته، أو بوسوسة من الشيطان، يعد أخذ الوثيقة عيباً، عاراً، هو إنسان لا يسأل، المال ليس له قيمة، ويهم الطرف الآخر أن يكتب وصلاً يقول له: أبداً نحن لا يوجد إيصال بيننا: أحبب حبيبك هوناً ما عسى أن يكون بغيضك يوماً ما *** تجد هذه الشركة قائمة على الود، والمحبة، والتفاني بعد أشهر أصبح هناك خلاف، منازعات، مواقف عدوانية، وقع الشك، لا يوجد غير القضاء، جئنا إلى القضاء لا يوجد وثائق، هناك عقد؟ و الله لا يوجد، إذاً عندما أخذت المليون أعطيته إيصالاً؟ قال: لا والله ما أخذنا إيصالاً، لا يوجد إيصال بالمليون، ولا عقد شراكة، لا يوجد غير اليمين، وتعرفوا المثل المعروف: الكذاب سألوه تحلف قال: جاء الفرج، أحلف طبعاً. المفسد أشدّ جرماً من الفاسد : يا أخوان كلكم شباب مقبلون على حياة عملية، يمكن لم يعد الإنسان يستطيع أن يعمل لوحده، لابد من شركة، لابد من تعاون، لابد من علاقة هذه العلاقة، إن لم تكن موثقة الآثم هو الذي يفسد أخاه، أبسط مثل وأنا أعيده كثيراً: أنت ممكن أن تضع على الطاولة خمسمئة ليرة، ممكن أن تكون في الدرج، أو في الصندوق، ما دام على الطاولة صار هناك عملية إغراء لإنسان فيأخذها، هذا الإنسان ما خطر بباله أن يأكل مالاً حراماً، أما حينما رأى المال سائباً في مكان غير صحيح، لا يوجد دقة بالتعامل معه، فأخذ هذا المال، فيا ليت الإثم يبقى على الذي أخذ لكن الذي سمح له أن يأخذ، أو جعل هذا المال عرضةً، و جعله مغرياً أشد إثماً، الأول فاسد، أما الذي سمح له أن يأخذه لتقصيره فمفسد، والمفسد أشد جرماً من الفاسد. الآن في قانون المخدرات الجديد إذا الإنسان أفسد الآخرين يعدم، كل من يعمل بتجارة المخدرات يعدم، أما الذي تعاطى المخدرات لمرة واحدة فعنده خمس عشرة سنة سجناً، الإعدام لمن يتجر، لمن يفسد. إذا عجز المدعي بحق على آخر عن تقديم البينة، وأنكر المدعى عليه هذا الحق ليس له إلا يمين المدعى عليه، طبعاً هذا خاص بالأموال، والعروض، ولا يجوز هذا في دعاوى العقوبات والحدود، بالأموال والعروض، أي الدعاوى المدنية، خلاف على مال، أما إذا في اقتراف للحدود، فالحدود لها علم آخر، ولها فقه آخر، الحديث الصحيح الذي رواه البيقهي والطبراني عن رسول الله صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. (( الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ )) [ الترمذي عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ] من ينُكر يدعى لحلف اليمين : الذي ينكر يدعى لحلف اليمين، والمدعي يقدم البينة، لذلك في القانون- قانون المحاكمات السوري- عبء تقديم الأدلة على المدعي وقد روى البخاري ومسلم. ((عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ رَضِي اللَّهم عَنْهم مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَسْتَحِقُّ بِهَا مَالا وَهُوَ فِيهَا فَاجِرٌ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَ ذَلِكَ ( إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا ) فَقَرَأَ إِلَى ( عَذَابٌ أَلِيمٌ ) ثُمَّ إِنَّ الأَشْعَثَ بْنَ قَيْسٍ خَرَجَ إِلَيْنَا فَقَالَ مَا يُحَدِّثُكُمْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: فَحَدَّثْنَاهُ قَالَ: فَقَالَ صَدَقَ لَفِيَّ وَاللَّهِ أُنْزِلَتْ كَانَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ خُصُومَةٌ فِي بِئْرٍ فَاخْتَصَمْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: شَاهِدَاكَ، أَوْ يَمِينُهُ، قُلْتُ إِنَّهُ إِذًا يَحْلِفُ وَلا يُبَالِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَسْتَحِقُّ بِهَا مَالا وَهُوَ فِيهَا فَاجِرٌ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَ ذَلِكَ ثُمَّ اقْتَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ ( إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا ) إِلَى ( وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) )) [البخاري عَنْ أَبِي وَائِلٍ ] (( إِنَّ الأَشْعَثَ بْنَ قَيْسٍ خَرَجَ إِلَيْنَا فَقَالَ مَا يُحَدِّثُكُمْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: فَحَدَّثْنَاهُ قَالَ: فَقَالَ صَدَقَ لَفِيَّ وَاللَّهِ أُنْزِلَتْ كَانَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ خُصُومَةٌ فِي بِئْرٍ فَاخْتَصَمْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: شَاهِدَاكَ، أَوْ يَمِينُهُ... )) [البخاري عَنْ أَبِي وَائِلٍ ] لا يوجد حل وسط، ما معك شهود يدعى إلى حلف اليمين، إذا حلف، هو أساساً كنت أروي لكم هذه القصة كثيراً أن أحد الولاة في عهد سينا عمر، وجه له سؤالاً قال له: يا أمير المؤمنين إن أناساً قد اغتصبوا مالاً ليس لهم، لست أقدر على استخراجه منهم إلا أن أمسهم بالعذاب، فإن أذنت لي فعلت، فقال سيدنا عمر: يا سبحان الله! أتستأذنني في تعذيب بشر وهل أنا لك حصن من عذاب الله؟ وهل رضائي عنك ينجيك من سخط الله؟ أقم عليهم البينة فإن قامت فخذهم بالبينة، فإن لم تقم فادعوهم إلى الإقرار، فإن أقروا فخذهم بإقرارهم، فإن لم يقروا فادعوهم لحلف اليمين، فإن حلفوا فأطلق سراحهم، و أيم الله لأن يلقى هؤلاء ربهم بخيانتهم أهون من أن ألقى ربي بدمائهم. إذاً اليمين، ويسمونها القضاة اليمين الحاسمة، إما أن يحلف، وإما أن يحكم. اليمين الغموس أخطر يمين في الدين : إن حلف لا يحكم، فقال عليه الصلاة والسلام: ((... شَاهِدَاكَ، أَوْ يَمِينُهُ، قُلْتُ إِنَّهُ إِذًا يَحْلِفُ وَلا يُبَالِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَسْتَحِقُّ بِهَا مَالا وَهُوَ فِيهَا فَاجِرٌ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ... )) [البخاري عَنْ أَبِي وَائِلٍ ] والعلماء سموها اليمين الغموس، وسميت غموساً لأنها تغمس صاحبها في النار، وتخرجه من الإسلام، وهذه اليمين لا كفارة لها، لأن الذي يكفر عن يمينه هو مسلم، من حلف هذا اليمين خرج من الإسلام، وغمس في النار، واسألوا أهل العلم، واسألوا القضاة، كم من شخص حلف يميناً غموساً وقع مشلولاً أمام القاضي، أحياناً الله يؤخر العقاب، لأن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾ [ سورة آل عمران: 137 ] وفي آية ثم انظروا. ﴿ قُلْ سِيرُواْ فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾ [ سورة الأنعام: 11 ] إذا وقع مشلولاً فوراً يكون " فانظروا " وإذا الله أعطاه فرصة يمكن ألا يصير معه شيء، لكن لحين، فإن لم يتوب جاء البلاء. إذاً هذا اليمين أخطر يمين في الدين: ((...مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَسْتَحِقُّ بِهَا مَالا وَهُوَ فِيهَا فَاجِرٌ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ... )) [البخاري عَنْ أَبِي وَائِلٍ ] حقوق العباد لا تسقط إلا بالأداء أو المسامحة : لو سحبت وثيقة من إضبارة الدعوى، لو سرقت وثيقة، لا يوجد حلف اليمين، أي حينما سرقت هذه الوثيقة صار القاضي ملزماً أن يحكم لزيد على عبيد، إذاً اقتطعنا بهذه الوثيقة التي سحبناها مال امرئ مسلم، فالإنسان أيها الأخوة هناك أشياء كثيرة يمكن أن يفعلها ويجد الله تواباً رحيماً، إلا أن يقتطع حق امرئ مسلم، لا تنسوا أن حقوق العباد مبينة على المشاححة بينما حقوق الله عز وجل مبينة على المسامحة، مهما تكن الذنوب التي بينك وبين الله فالصلحة بلمحة، أما الذنوب بينك وبين العباد فهذه لا تسقط إلا بالأداء أو المسامحة. هناك كلمة لا ننتبه لها نحن، هذه الكلمة، هذا حديث شريف. (( أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إِلا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ فَقَالَ: ( يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ) وَقَالَ: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ) ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ يَا رَبِّ وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ )) [مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ] معنى المأكل الحرام أي يغش، فمأكله صار حراماً، يكذب، يدلس، يوهم، يغير أوصاف البضاعة، يأخذ سعراً فوق ما تستحق، أية طريقة ولو أنها مقبولة عند الناس الآن تقريباً يقول لك: هكذا العمل. أنا لي قريب يعمل في تصليح السيارات، له جار جاءه شخص معه سيارة جديدة اقتناها حديثاً، فيها علة خفية، العلة ليست خفية على الخبير، لكن على صاحبها خفية، طلب منه عشرة آلاف ليرة، وثلاثة أيام، القريب جاره، قال له يا فلان: السعر ليس معقولاً؟ تنتهي بنصف ساعة، يكفيها ألف ليرة، قال له: هكذا العمل، أنت لا تعرف أن تعمل، قال لي قريبي: أول يوم خبّر أسرته أخذهم إلى بلودان بالسيارة، صلحها بدقيقتين، وثاني يوم أخذهم إلى الوادي، واليوم الثلاث إلى المطار، جاء صاحبها ليأخذ السيارة دفع العشرة آلاف أخذ السيارة، هذا الإنسان ظن نفسه ذكياً جداً، ومعلماً، ويعرف أن يكسب المال، باليوم الخامس دخلت نثرة حديد في عين ابنه، ابنه يعمل في مخرطة، اضطر يأخذه إلى لبنان - القصة قديمة جداً- كانت الليرة اللبنانية بمئة وستين قرشاً سورياً، دفع ستة عشر ألف ليرة لبنانية عملية جراحية بالمشفى الأمريكي، حتى نزعت هذه القطعة من قرنية العين، فستة عشر ضرب مئة و ستين الناتج خمسة و عشرون، أخذ عشرة آلاف دفعهم خمسة و عشرين، و على هذا فقِس. كل إنسان يظن نفسه بكسب المال الحرام ذكياً هو أحمق وغبي، قال: يا رب كم عصيتك ولم تعاقبني؟ قال: عبدي كم عاقبتك ولم تدر؟ من بلاء إلى بلاء، من مصيبة إلى مصيبة، من ضبط إلى ضبط، من مصادرة إلى مصادرة، قال له: كم عصيتك ولم تعاقبني؟ قال له: كم عاقبتك ولم تدر؟ من يُعمل عقله يقف عند حدود الله : أيها الأخوة الكرام: عقل الإنسان إذا أعمله يقف عند حدود الله، هذه القصة واحدة من آلاف، كل واحد منكم يعرف ذلك. ((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ )) [ البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ] الغش يدخل بالمال الحرام، الكذب يدخل بالمال الحرام، التدليس يدخل بالمال الحرام، إخفاء العيب يدخل بالمال الحرام، تغيير صفات البضاعة يدخل بالمال الحرام، الربح الفاحش يدخل بالربح الحرام، بقى الشيء الذي يستنبط، إذا الإنسان استقام يعيش كريماً، أما الغنى الفاحش الفجائي فلن يناله، الغنى الفاحش، الغير المعقول، بين عشية أو ضحاها خلال سنوات يحكي بمئة مليون، هناك مشكلة، معنى هذا أن هناك مشكلة في الكسب، أما وفق الشرع، وفق الأصول، لن يصل إلى ثروة طائلة في وقت قصير: ((...مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَسْتَحِقُّ بِهَا مَالا وَهُوَ فِيهَا فَاجِرٌ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ... )) [البخاري عَنْ أَبِي وَائِلٍ ] هذا يذكرننا بقوله تعالى: ﴿ يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآَمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ [ سورة الأحقاف: 31] من للتبعيض، لماذا يا ربي من، كلهم سوى فرض مرة، ما بين وبينكم اغفره لكم، لكن ما بينكم وبين العباد لا يغفره إلا العباد، اذهب إلى العبد فأدي، أو ليسامحك. لي قريب ثان دخل شخص ألقى له ظرفاً، فتحه وجد فيه مالاً، دخل لعنده أكل من اثنتي عشرة سنة قطعة من الكاتو ولم يدفع ثمنها، بعدما اصطلح مع الله حاسب نفسه واستحى أن يقول له: أنا أكلت من عندك دون أن أدفع الثمن، هذا الظرف وضع فيه ثمن الكاتو على السعر القديم طبعاً، خطأ هذا يجب أن يضع على السعر الجديد. الصلح مع الله يكون بأداء الحقوق : على كلٍّ الإنسان عندما يحاسب نفسه إنسان عظيم، قال لي أخواننا عنده معمل دخل لعنده شخص شاب، يبدو الصلاح عليه، قال له: عرفتني؟ قال: لا والله ما عرفتك، قال له: أنا كنت عندك من اثنتي عشرة سنة موظفاً، فقال له: نعم تذكرت، قال له: كنت آخذ من عندك بضاعة ولا تدري، وآخذ مالاً ولا تدري، في ذلك الوقت كان هذا الشخص يفقد مالاً من جيبه، يفقد بضاعة، لم يترك شيئاً ليكشف ذلك الإنسان و لم يتمكن من ذلك، كان حاذقاً جداً، بعد ذلك يئس، ثم توقف عن ذلك، هذا بعدما راجع نفسه مع الله، جاء إلى صاحب المعمل ليعترف له أنه هو الذي كان يأخذ المال والبضاعة من وراء ظهره، وأنه جاء مستغفراً ليدفع ما عليه، الأخ الكريم قال له يا بني نظير توبتك أنا أسامحك، وإذا رغبت لك محل في هذا المعمل بأعلى راتب. لا يوجد أجمل من الصلح مع الله، أي أداء الحقوق، لذلك التوبة أيها الأخوة لها ثلاثة فروع: فرع متعلق بالماضي، وفرع متعلق بالحاضر، وفرع متعلق بالمستقبل، الماضي إصلاح، والحاضر إقلاع، والمستقبل عزيمة، بالماضي الأخطاء الماضية كلها، الحقوق السابقة عليك أن تؤديها، إلا في حالة واحدة، إنسان كان بحلب مثلاً وأكل و لم يدفع ما عليه، ذهب فشاهد المنطقة كلها مهدمة، لأن هناك تنظيماً، وجد ساحة كبيرة أين المحل؟ لا يوجد محل، بهذه الحالة يدفع المبلغ الذي لم يدفعه سابقاً صدقة، تسجل في صحيفة صاحب المال، صاحب الدكان، هذا الحل الوحيد، أما هناك أشخاص يقولون: نحن سوف ندفعها صدقة حتى لا نواجه خطأنا أمام الشخص، ما دام الشخص موجوداً وتعرفه يجب أن تؤدي الحق إليه، لكن لست مكلفاً أن تؤدي الحق بشكل فاضح، بطريقة أو بأخرى، هذا المال إذا وصل إليه انتهى الأمر، هذا المال إذا وصل إليه دون أن تفضح نفسك لا يوجد مانع، لكن حقوق العباد مرة ثانية لا تؤدى إلا بالأداء أو المسامحة، وأكبر غلطة وأكبر وهم أخواننا الحجاج يتوهمون إذا حجوا بيت الله الحرام عادوا من ذنوبهم كيوم ولدتهم أمهاتهم، هذا الكلام لا ينصرف إلا إلى الذنوب التي بينك وبين الله، أما مغتصب لبيت وراح ليحج الحمد لله الله غفر لي، لا يوجد مغفرة هنا، مغتصب دكاناً، عليك ديون لم تؤدها، أخي حججنا فمحيت ذنوبنا، ما ذهب شيء عليك بالحج إطلاقاً، هذه كيوم ولدته أمه فقط بالذي بينك وبين الله، انتبهوا، هذا الوهم الكبير عند العوام، أما آكل أموال الناس بالحرام، تغش الناس، لك أعمال سيئة جداً، هذا المعنى لا يقبل، والمعنى غير شرعي. ((عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ، وَرَجُلٌ مِنْ كِنْدَةَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ الْحَضْرَمِيُّ يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنَّ هَذَا قَدْ غَلَبَنِي عَلَى أَرْضٍ لِي كَانَتْ لأَبِي، فَقَالَ الْكِنْدِيُّ: هِيَ أَرْضِي فِي يَدِي أَزْرَعُهَا لَيْسَ لَهُ فِيهَا حَقٌّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْحَضْرَمِيِّ: أَلَكَ بَيِّنَةٌ، قَالَ: لا، قَالَ فَلَكَ يَمِينُهُ، قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنَّ الرَّجُلَ فَاجِرٌ لا يُبَالِي عَلَى مَا حَلَفَ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ يَتَوَرَّعُ مِنْ شَيْءٍ، فَقَالَ لَيْسَ لَكَ مِنْهُ إِلا ذَلِكَ، فَانْطَلَقَ لِيَحْلِفَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أَدْبَرَ أَمَا لَئِنْ حَلَفَ عَلَى مَالِهِ لِيَأْكُلَهُ ظُلْمًا لَيَلْقَيَنَّ اللَّهَ وَهُوَ عَنْهُ مُعْرِضٌ )) [ مسلم عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ عَنْ أَبِيهِ] لا يوجد غير اليمين، أي القلق الذي ينتاب المدعي إذا لم يبق له إلا يمين خصمه هو جزاء تقصيره في أخذ مستند أصولي. اليمين لا تكون إلا بالله أو باسم من أسمائه : الآن اليمين لا تكون إلا بالله أو باسم من أسمائه، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: (( مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ )) [ البخاري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِي اللَّهم عَنْهم] وعن ابن عباس رَضِي اللَّه عَنْهما أن النبي صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لرجل حلفه:" احلف بالله الذي لا إله إلا هو ما له عندك شيء". حكم وجود البينة بعد حلف اليمين : هناك موضوع دقيق جداً أنتم أيها الأخوة في أمس الحاجة إليه، إنسان حلف يميناً، سقطت الدعوى، لأن الخصم حلف، بعد أن حلف المدعى عليه اليمين عثر المدعي على وثيقة، على إيصال، على عقد، على شاهد، هنا اختلف العلماء، اليمين حلف، والدعوى ردت وسقطت، وبرئ المدعى عليه، فجأة المدعي عثر على وثيقة، ما الذي يحصل؟ استمعوا الآن إلى آراء الفقهاء إلى هذا الموضوع. وقف العلماء في هذه المسألة مواقف ثلاث: منهم من قال: لا تقبل هذه البينة، بعد حلف اليمين لا تقبل، منهم من قال: تقبل، منهم من قال: تقبل بشروط، لا تقبل إطلاقاً، وتقبل إطلاقاً، وتقبل بشروط. أما الذين رأوا أنها لا تقبل لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ((... شَاهِدَاكَ، أَوْ يَمِينُهُ... )) [البخاري عَنْ أَبِي وَائِلٍ ] فاليمين حجة، وقد حلف المدعى عليه اليمين، فهذه حجة يقوم عليها حكم، فلما حكم القاضي بسقوط الدعوى بحلف اليمين ظهرت بينة أخرى، لذلك أهل الظاهر قالوا: لا تقبل، لأنه قامت حجة كافية لإصدار حكم، ونحن عندنا قاعدة بالقضاء: إذا عندنا حجة كافية لإصدار حكم لا تقبل حجة مخالفة لها. أما الذين رأوا أنها تقبل، تقبل البينة بعد حلف اليمين فهم الحنفية والشافعية والحنابلة، قالوا: البينة العادلة أحق من اليمين الفاجرة، وهذا رأي عمر بن الخطاب رَضِي اللَّه عَنْه، حجتهم في ذلك أن اليمين في الأصل حجة ضعيفة، وهي لا تقطع النزاع، إذاً تقبل البينة بعدها لأنها هي الأصل، واليمين هي البديل، ومتى جاء الأصيل غاب البديل، الأصل السند، الأصل العقد، الأصل الوصل، لا يوجد وصل، لا يوجد عقد، لا يوجد سند، البديل اليمين، بعد أن حلف اليمين عثرنا على الأصل، الأصل إذا جاء بطل البديل، هذا رأي الطرف الآخر. لكن العلماء الآخرون الذين قالوا تقبل بشروط، رأيهم أن المدعي إذا كان يجهل هذه البينة، لم يعثر عليها، لم يجدها، لا يعلمها، وقبل حلف يمين المدعى عليه، ثم وجدها بعد حين، أو عثر عليها تقبل هذه البينة، أما إذا أثبت المدعى عليه أن هذه البينة معلومة عنده، وفي حوزته، ولم يستخدمها بل استخدم اليمين، لأنه في زعمه أقوى فعندئذ لا تقبل هذه البينة. إذاً الذين قالوا بعدم قبول البينة بعد اليمين انطلقوا من أن اليمين حجة تكفي لإصدار حكم، والحجة الكافية لإصدار حكم لا تقبل حجة مخالفة لها. والذين قالوا: تقبل البينة بعد اليمين، انطلقوا من أن البينة هي الأصل، واليمين دليل ظني، واليمين هو الخلف أي البديل فإذا وجد الأصل يجب أن يغيب البديل. والفريق الثالث رأوا أن البينة إذا كانت معلومة للمدعي ولم يستخدمها، وآثر عليها يمين المدعى عليه لا تقبل، أما إذا عثر عليها بعد حلف اليمين ولم يكن يعلمها فعندئذ تقبل. عدم الحلف يعد إقراراً لدعوى المدعي : الآن هذا المدعى عليه قال: أنا لا أحلف اليمين، إذا عرضت اليمين على المدعى عليه لعدم وجود بينة المدعي فنكل ولم يحلفها عد نكوله في مثل هذا إقراراً للدعوى، عدم الحلف إقرارٌ لدعوى المدعي إذ لو كان صادقاً لحلف، والنكول يكون صراحة أو بالسكوت احلف بقي ساكتاً، يا أخي احلف، معنى هذا أنه نكل، أما قال: أنا لا أحلف، إما صراحة، أو بالسكوت، على كلٍّ صراحة أو بالسكوت عدم الحلف يعد إقراراً لدعوى المدعي، الأرجح أنه إذا لم يحلف لا يجوز للقاضي أن يقول للمدعي إذاً أنت احلف أنك على حق، هذه اسمها رد اليمين، ما دام المدعى عليه نكل بحلف اليمين، لم يحلف، هناك من يرى أن على القاضي أن يرد اليمين على المدعي، إذاً أنت احلف أنك على حق، هذا موضوع خلافي لماذا؟ قال لأن اليمين كما قال عليه الصلاة والسلام تكون على النفي فقط لا على الإثبات، واليمين على من أنكر، يحلف مع الإنكار، أما الإثبات فلا يحتاج إلى يمين، الإثبات يحتاج إلى أدلة. النّكول وحده لا يكفي للحكم : أما عند الإمام مالك، والإمام الشافعي، فأن النكول وحده لا يكفي للحكم على المدعي عليه، لأنه حجة ضعيفة، أي عندنا هنا حالة شخص لا يحلف، هو على حق والمبلغ ما أخذه، وليس في ذمته لكن عنده ورعاً بحيث أن الموضوع بكامله لا يساوي عنده حلف يمين بالله عز وجل، هذا ورع، فنحن إذا إنسان رفض أن يحلف نعده متهماً؟ لا، هذا رأي الإمام الشافعي، والإمام مالك، النكول وحده لا يكفي للحكم، أنا أعرف شخصاً ولو كان على الحق مئة بالمئة لا يحلف، الله أغلى من ذلك، والدنيا كلها لا تعدل عنده جناح بعوضة، ليأكل هذا المال ولا يحلف، هذا رأي الإمام الشافعي، أي ليس النكول كافياً لإصدار حكم بالاتهام، لذلك الإمام الشافعي يرى أن ترد اليمين على المدعي، احلف أنت إذاً أنك على حق، هنا يوجد مشكلة، إذا المدعى عليه استغل ورعه، هذه كثيراً ما تحدث، يكون هناك بعض المحامين عندهم حاسة سادسة، يكون الطرف الخصم ديناً، ورعاً، ولبسوه تهمة يعرف نقطة الضعف عنده، من اليمين، أكثر المحامين الذين عندهم حنكة، الخصم ما وضعه؟ إذا كان وضعه ديناً جيد، الدين عنده نقطة ضعف، وهي يخاف من الله كثيراً، يبدأ باليمين، الرد الطبيعي أن الإنسان عندما يكون ورعاً ويأبى أن يحلف اليمين لا لأنه مذنب بل لأنه متورع عن ذلك، القاضي يقول له: إذاً أنت احلف اليمين أنك على حق. قصة معروفة لما دخل أبو حنيفة على المنصور وعند المنصور أحد خصومه وأراد هذا الخصم اللدود أن يحرجه، وأن يفسد ما بين المنصور وبين أبي حنيفة من علاقة فقال: يا إمام إذا أمرني الخليفة بقتل امرئ أأقتله أم أتريث فلعله مظلوم؟ فقال أبو حنيفة لخصمه: الخليفة على الحق أم على الباطل؟ أجبني، قال له: على الحق، قال له: كن مع الحق. إذا شعر القاضي أن هذا المتهم المدعي عليه ورع، ودين، ولا يحلف اليمين، إذاً أنت أيها المدعي احلف أنك على حق، فإن حلفت نعطيك الحق، وإذا لم يحلف ردت الدعوى. قال: هناك دليل هو أن النبي عليه الصلاة والسلام رد اليمين على طالب الحق ويبدو أن العلة هذه أن إنساناً ورعاً، لا يحلف اليمين، هل يعد هذا دليل على أنه مذنب؟ لا، لذلك النبي ردّ على من لم يحلف رد عليه اليمين، هذا الحديث الذي فيه رد اليمين من قبل النبي عليه الصلاة والسلام، في هذا الحديث راوي اسمه مسروق، هو غير معروف، والراوي المجهول الحال هذا يضعف الحديث. اليمين على نية المستحلف لا على نية الحالف : النقطة الثانية: هناك أشخاص بجهل فاضح أنا حلفت لكن نويت على الخبز لا على النقود، ساذجة، جهل، حمق، طبعاً الجواب السهل البسيط : اليمين على نية المستحلف لا على نية الحالف، نيتك ليس لها قيمة إطلاقاً، نيتك على نية المستحلف الذي استحلفك، فأنا سمعت من أناس كثيرين أنه ظن حاله شاطراً ونوى نية أخرى، والقاضي عندما حلفه نوى نية أخرى وحلف وقال لي: نفدت، أنا ما قصدت النقود، هذا الجهل لماذا العلم ضروري يا أخوان؟ حلف يميناً غموساً وهو لا يدري، وخرج بها من الإسلام وهو لا يدري، أي من الكبائر اليمين الغموس، فلذلك اليمين على نية المستحلف فإذا حلف أحد المتناقضين، كانت اليمين على نية القاضي، وعلى نية المستحلف الذي تعلق حقه فيها، لا على نية الحالف، لما تقدم في باب الأيمان حديث صريح، حديث للنبي عليه الصلاة والسلام. ((الْيَمِينُ عَلَى نِيَّةِ الْمُسْتَحْلِفِ )) [مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ] لكن بعض العلماء قالوا: يجوز التورية إذا اضطر إليها إذا كان مظلوماً، إما أن تقول إن الكتب السماوية مخلوقة وإما أن نقطع رأسك وكلام الله قديم، وهذه العقيدة الصحيحة، قال له: الزبور، والتوراة، والإنجيل، والقرآن كلها مخلوقة، وقصد أصابعه هذه حالات نادرة، إذا كنت مظلوماً ظلماً واضحاً وأكيداً، العلماء قالوا: للمظلوم أن يوري يمينه، أحد الأئمة قال له: التوراة، والإنجيل، والقرآن كلها مخلوقة، ونجا من القتل. الشاهد الواحد ندعمه بيمين المدعي : الآن عندنا حالة ما قال له النبي الكريم: ((... شَاهِدَاكَ، أَوْ يَمِينُهُ... )) [البخاري عَنْ أَبِي وَائِلٍ ] معنى هذا: شاهدان في شاهد واحد، هناك حل لطيف إذا الإنسان عنده شاهد واحد ممكن أن يستخدم هذا الشاهد مع يمينه، شاهد ويمين، شاهد شهد هذه الواقعة، والمدعي يحلف يميناً إضافة للشاهد، لو كان هناك شاهدان لا يوجد مشكلة، الشاهدان يكفيان لإثبات الحق، لكن شاهد واحد ندعم هذا الشاهد بيمين المدعي، أتينا بالشاهد، وأنا أحلف اليمين، القاضي أنا الذي أراه كلما كان قريباً من الله عز وجل الله يلهم القاضي، أي هناك بإخلاصهم في إظهار الحق، الله عز وجل يرشدهم إلى أساليب مبتكرة في كشف الحقيقة، دائماً القانون يعطي للقاضي حرية الحركة، أحياناً تنشأ عنده قناعات. اسمع إقرار قانون المخدرات أنه لو فرضنا إنساناً بريئاً، ودس في جيبه قطعة حشيش، وأخبرت النيابة بهذا، إذا ما أعطينا للقاضي حرية حركة راح إعداماً، أو حوكم ثلاثين سنة، يجب على القاضي أن يدرس حالة الشخص، إذا ما عرف أنه يتعاطى المخدرات، سمعته طيبة، دين، إذا هذه مدسوسة عليه، يعطى القاضي حرية الحركة كيلا نقع في ظلم شديد، القوانين دائماً تعطي القاضي حرية الحركة، له قناعات، الشافعي يقول: القضاء بشاهد ويمين لا يخالف ظاهر القرآن، لأنه لا يمنع أنه يجوز أقل مما نص عليه. القرين القاطعة : الآن عندنا شيء اسمه القرين القاطعة، خرج الإنسان من دار خالية، خائفاً مرعوباً، مدهوشاً، وفي يده سكين ملوثة بالدم، فدخل إلى الدار فإذا فيها شخص مذبوح هي قرينة، هنا لا يوجد إقرار، ولا شهود، ولا يمين، ولا بينة، لكن هناك قرينة، إنسان خرج من داره خائفاً، مدهوشاً، معه سكين، عليها آثار دم، دخلنا إلى الدار فإذا فيها إنسان مذبوح، هذا يسمون القرينة القاطعة، قصة وقعت في هذه البلدة. ضابط شرطة يسكن في بناء بالطابق الثالث، نازل رأى باباً فتح، خرج منه إنسان خائف، هو قبض عليه احتياطاً، دخل إلى البيت شاهد إنساناً ميتاً وحده، على القرينة القاطعة، اتهم هذا بالقتل، طبعاً وضع في السجن، وحوكم، وحكم عليه بعشرين سنة، بعد ست سنوات إنسان اقترف جريمة، وأثناء الاعتراف اعترف بهذه الجريمة والجريمة السابقة التي اتهم بها هذا الإنسان الخائف، طبعاً صدر قرار بإطلاق سراحه، وتعويض، لي صديق كان وقت إطلاق سراحه في المحكمة، يعمل بالقضاء، بفضول منه سأله قال له: تعال إلي، أنت دخلت إلى السجن ست سنوات ظلماً، بربك هل فعلت مع الله شيئاً تستحق عليه هذا العقاب الخاطئ؟ قال له: نعم وأكثر والله، أي إذا القاضي غلط الله لا يغلط، هناك أشخاص يساقون إلى جريمة وهم منها بريئون، لكنهم اقترفوا جريمة سابقة. حدثني قاض و الله من فمه، قال: حكمنا على إنسان قاتل بالإعدام، وكلفت المحامي أن يبلغه الحكم، قال له المحكوم بالإعدام أستاذ أنت قاتله؟ قال له: لا، قال له: وأنا ما قتلته، أنا قاتل إنساناً غيره، فأنتم اطمئنوا إذا القاضي غلط الله لا يغلط، عدالة مطلقة، لكن المشكلة أن الإنسان يحاسب بذنب آخر، أما هو من هذا الذنب بريء، بالطرف الثاني هناك مشكلة، لذلك: ﴿ وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ﴾ [ سورة الكهف: 49] هذه تابعة للحساب القديم، معروفة عندكم، الشوحة قالت لسيدنا سليمان: اسأل لنا ربك الله هل هو مهول أم عجول؟ سأله فقال له: قل لها أنا مهول و لست عجولاً، أي على التراخي، هذه شاهدت أناساً يأكلون اللحم، خطفت اللحم وطارت به، فعلقت بصة نار باللحم احترق عشها مع البيض الذي فيه، وراح كل شيء، استغربت فعادت إلى سيدنا سليمان، فقالت له؟ ألم تقل أن الله مهول كان الله عجولاً؟ قال: يا رب ماذا أقول لها؟ قال: قل لها: هذا حساب قديم، فأحياناً يكون هناك حساب قديم متداخل، هذه القرينة القاطعة. عندنا مثل إنسان على رأسه عمامة، وبيده عمامة، وآخر خلفه يركض وراءه يطالبه بالعمامة، هذه قرينة كافية أن العمامة للثاني، معه عمامة، وبيده عمامة، والثاني بلا عمامة ولحقه، معناها قرينة كافية، لذلك بعض الأجانب عندهم شيء اسمه المحلفين، المحلفون أشخاص عاديون، يأتون بخمسين شخصاً من الشارع، ويسمعونهم وقائع الجريمة، الإنسان بالفطرة يحس أن هذا مجرماً وهذا بريئاً، فالقضاة يأخذون برأي المحلفين وهم من عامة الناس وهذا لا يوجد عليه ضغوط، أحياناً تجد الدعوى فيها ملف تلفيق، وفيها وثائق مزورة، وفيها شهود زور، أما أن يأتي إنسان من عامة الطريق اسمع القصة يقول: و الله فلان متهم، وفلان بريء، فالأخذ بالمحلفين له وجهة نظر أن هذا الإنسان لا يوجد عليه ضغوط، و ليس له مصلحة لا مع زيد، ولا مع عبيد. قال: رجلان في سفينة، وفي السفينة دقيق، أحدهما تاجر والثاني صاحب السفينة، الدقيق لمن؟ للتاجر، والسفينة لمن؟ لصاحب السفينة، هذه قرينة كافية، أي هناك أشياء واضحة كالشمس. الدين الإسلامي يعتمد على الإقرار الشفهي إذا تواضع الناس واتفقوا : الدين الإسلامي يعتمد على الإقرار الشفهي، لكن إذا تواضع الناس، واتفق الناس على أن تكون الوثائق كلها مكتوبة، تواقيع، وشهود، تؤخذ بها، قد تكون شهادة مكتوبة بالأصل، الدين قائم على الإدلاء الشفهي، بعت؟ بعت، زوجت؟ زوجت، لكن أحيانا أخوان يسألونني نريد كتاباً و لكن ليس كتاب محكمة، ما القصة؟ أنا أعرف لماذا، إذا ما تمّ الزواج، لأنهم متوقعون الطلاق سلفاً، إذا الزواج لم يتم لا تسجل الزوجة أنها مطلقة، جوابي على السؤال: قبل مئة سنة كيف كنت تشتري البيت؟ ترى البيت يعجبك، الثمن مناسب، معك الثمن تعطيه ثلاثمئة ليرة ذهبية، يعطيك مفتاح البيت، فقط، هذا الشراء الآن أنت تقبل أن تشتري بيتاً على المفتاح فقط؟ تريد الورقة الخضراء، الأمور تعقدت، الحياة أصبحت معقدة، الأحكام تدور مع الزمان، فكما أنه اليوم لا يمكن أن تقبل بشراء بيت بالتسليم فقط بالمفتاح، لابد من إقرار الجهات المسؤولة، كذلك في الزواج أنا أقترح وأتمنى على كل أولياء الأمور ألا يسمحوا بالزواج العرفي، هو أولاً ممنوع، والذي يجري العقد مؤاخذ، ويحاسب حساباً عسيراً، وكل الأشخاص المشبوهين يطلبون الزواج العرفي خارج المحكمة، وخارج المحكمة يكفي أن يقول لا أعرفها، وانتهى الأمر، ضاعت حقوقها، هي عند الناس زانية، لذلك كما أن البيت لا يشترى إلا بالسجل العقاري، كذلك البنت لا تزوج إلا بعد قران أصولي في المحكمة، تسمع أحياناً حجة مضحكة، يقول فيها: لا يوجد أسهل من عقد القران في الدولة، ثاني يوم يأتي القاضي إلى عندك إلى البيت، لا يوجد مشكلة أبداً إلا أن تكون في نية خبيثة، أو في نوايا غير مشروحة عند الزوج. التناقض : عندنا في الدرس القادم موضوعاً جيداً جداً، لكم أن تستخدموه أنتم: التناقض، إذا وقع الشهود في تناقض، أو وقع في الاعتراف تناقض، فالتناقض دليل قطعي على إبطال الدعوى، أو على أن المدعي ليس صادقاً في دعواه، فالتناقض موضوع أيضاً ضروري جداً أن نصل إليه، أنا بالمناسبة هذا الموضوع ليس اختصاصياً، أنا أحكي الأشياء الأساسية، مبسطة مع الأمثلة لكم، للخلافات المنزلية، أب عنده أولاد، تاجر عند موظفون، أي أنت قاض شئت أم أبيت، هذه بعض الأشياء الأساسية في القضاء، أما التفاصيل في مجلات، وفي اجتهاد محكمة النقد، وفي أراء للعلماء مفصلة بالموسوعات الفقهية، وفي تفاصيل أنتم في غنى عنها طبعاً، أما القاضي عليه أن يعلمها كلها، والمحامي، ومن يعمل في القضاء، هذه من لوازم حرفته، أما أنتم فنعطيكم كما قال المثل تعلم كل شيء عن شيء، وشيئاً عن كل شيء، هي باب شيء عن كل شيء. |
رد: العبادات التعاملية
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية الدرس : ( السادس العاشر ) الموضوع : التناقض في الشهادة الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. التناقض : أيها الأخوة المؤمنون، لا زلنا في موضوع القضاء، وها نحن ننتقل اليوم إلى موضوع يعد أحد الأدلة السلبية في القضاء، ألا وهو التناقض، وقبل أن نمضي في الحديث عن التناقض، وعن تناقض الشهود، وعن تناقض المدعي، وعن تناقض البينات، لابد من وقفة قصيرة حول موضوع التناقض في شكل عام. لا أبالغ إذا قلت: إنه ما من صفة في الإنسان أحطّ من التناقض، لأن الإنسان إذا تناقض تخلى عن إنسانيته، وتخلى عن عقله، والناس يراقبونه مراقبة دقيقة، مهما يكن الإنسان صغير السن، أو ضعيف الملكات، بإمكانه أن يكشف التناقض بشكل جلي واضح، تناقض الأفكار، تناقض العادات، تناقض السلوك، تناقض الأقوال، فالصفة الذميمة الدنيئة في الإنسان أن يتناقض في تصرفاته، وفي أقواله، وهذا الموضوع يقودنا إلى موضوع أخلاقي هو في الأساس موضوع قضائي، لكن التناقض يقودنا إلى موضوع أخلاقي. فالذي يعامل الناس كما لا يحب أن يعاملوه إنسان متناقض،الذي يعامل الأشخاص البعيدين عنه بعكس ما يعامل القريبين منه، أي الذي يزين بميزانين، يكيل بمكيالين، مصالحه، وعلاقاته النسبية تؤثر في أحكامه، هذا إنسان وقع في أحط دركات التناقض، وأحط دركات الإنسانية، لذلك الشيء الذي يؤلم ولاسيما ما تسمعونه وما يجري في العالم اليوم من تناقض، أي الأقوياء يقيسون بعدة مقاييس، لهم عدة موازين، يسلكون مع الشعوب الضعيفة سلوكاً، ومع الشعوب الأخرى سلوكاً آخر، يعلنون أفكاراً لا يلبثون أن يتخلوا عنها في منطقة أخرى وفي مجتمع آخر، لذلك كما أقول لكم: ما من شيء يهبط بالإنسان إلى أدنى مستويات الدناءة كأن يكون متناقضاً، أو أن يقيس بمقياسين، أو أن يكيل بمكيالين، والإنسان حينما ينحرف يناقض، المستقيم لا يتناقض أبداً أما حينما يكذب، سوف يكذب في هذا الموطن، وينسى ما قال في موطن آخر فيتكلم في كلام آخر، لذلك لا يمكن لإنسان أن يكذب دون أن يكشف، كيف يعرفون الكاذب؟ هناك في علم النفس روائج للكذب، يوجهون له مئة سؤال، كل هذه الأسئلة حول موضوعات عديدة، لكن بصيغ مختلفة، إذا أراد أن يكذب، يكذب في جانب، ثم يصدق في جانب آخر، يكشف تناقضه فيعرف أنه كاذب، أي كم دخلك في الشهر؟ يعطي رقماً كبيراً، ممَ تعاني؟ يقول لك: أنا أعاني من عدم القدرة على الالتزام بين دخلي ومصروفي، الآن قلت إن دخلك كبير، روائج الكذب أساسها التناقض، موضوعات محددة تطرح عليها أسئلة عديدة، مختلفة فإذا صدق في جهة وكذب في جهة يكشف تناقضه وبالتالي يتبين كذبه. على كلٍّ دائماً أقول لكم الحديث الشريف: ((يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى الْخِلالِ كُلِّهَا، إِلا الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ )) [أحمد عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ] الكذب والخيانة يتناقضان مع الإيمان، ولا تنسوا المثل الذي طرحته لكم من قبل أن اللبن في البيت يتحمل ضعفيه ماء، ممكن تعمل لبناً ممدداً، عيران، لكن اللبن لا يتحمل نقطة واحدة من النفط تلقيه في المهملات، إذا شعرت أن فيه راحة نفط. تناقض الكذب مع الإيمان : لذلك الكذب يتناقض مع الإيمان، الإيمان لا يقبل الكذب إطلاقاً والخيانة، من الذي يكشف الكذب؟ التناقض، فالإنسان إذا كذب في البيع والشراء تجده يتحدث حديثاً يكون هناك شخص اشترى منه هذه الحاجة، الله وكيلك رأسمالها كذا، بعد سنة أو ستة أشهر يتكلم قصة عن شراء هذه البضاعة أخذناها لهطاً، أخذناها بسعر قليل، ينسى أنه قد باع زبوناً وقال رأسمالها غال عليّ، ينكشف، من أراد ألا يظهر التناقض لا يكذب إطلاقاً، إنه إن كذب ولو مرة لابد من أن ينكشف، والإنسان إذا كذب سقط من عين الآخرين، النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا طلع على كذب بعض أهله، كان يقاطعهم إلى حين طويل، لشدة ألمه، لشدة اشمئزازه من الكاذب. على كلٍّ القاضي والمحقق حينما يكتشف أن هناك تناقضاً في الإفادة يعلم علم اليقين أن في هذه القضية إثبات ضد هذا المتهم، التناقض شيء مهم جداً، يكشف كذب الشهود، يكشف كذب الإدعاء، يكشف كذب البينات. من أدلى بشهادة ثم تراجع عنها قبل صدور الحكم يعاقب : قال: إذا أدى الشهود الشهادة ثم رجعوا عنها في حضور القاضي قبل إصدار الحكم تكون شهادتهم كأن لم تكن، لكن يعذرون، معنى يعذرون أي يعاقبون، أدلى بشهادة أمام القاضي، والقاضي قبل أن يصدر الحكم قال له الشهود: لا نحن كنا مخطئين، الحدث وقع كمايلي، إذا أدى الشهود بشهادة متناقضة لشهادتهم الأولى عندئذ القاضي يعاقبهم. ﴿ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ﴾ [ سورة الإسراء: 36] هل تصدقون أيها الأخوة أن جريمة قتل وقعت بسبب شهادة كاذبة، امرأة قدمت تحليلاً لتعرف ما إذا كانت حاملاً أم غير حامل، طبعاً المخبر لا يعرف لمن هذا التحليل، الموظف المكلف بالتحليل وقع هذا الأنبوب من يده، انتهى، فخاف من الطبيب أن يعنفه فكتب: الحمل إيجابي، هي فتاة، هناك مشكلة عائلية، وتهمة كبيرة، وهي بريئة، اتفقوا على أن يحللوا، فلما جاءت النتيجة إيجابية قتلت الفتاة، ذبحت، لأن هذا الموظف ما انتبه قال: نضع إيجابياً نبشر الجماعة، هي قضية خطيرة جداً، هذا معنى قول الله عز وجل: ﴿ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ﴾ [ سورة الإسراء: 36] أي القضية ممكن أن يظهر منها مضاعفات خطيرة جداً، يجوز أن تقع جريمة، أو طلاقاً، أو تشرد أسرة، أو تضيع الحقوق، من أجل الإدلاء بشهادة غير صحيحة. أيها الأخوة الكرام، الإنسان كلما عرف حدود مسؤولياته يتأدب مع الله عز وجل، ويتأدب مع الخلق، إذاً هذا الشاهد أدلى بشهادة، ثم أدلى بشهادة مناقضة، القاضي عليه أن يعاقبه، لكن هذه الشهادة الأولى كأن لم تكن، تلغى، ويحكم القاضي في ضوء الشهادة الجديدة التي أدلى بها الشاهد مناقضة للشهادة السابقة. من أدلى بشهادة ثم تراجع عنها بعد صدور الحكم لا ينتقد الحكم : قال: أما إذا رجع الشهود عن الشهادة بعد الحكم في حضور القاضي، فلا ينتقد الحكم الذي حكم به، ويضمن الشهود المحكوم به، أي إذا أدلى الشاهد بشهادة، والقاضي اتخذها حجة، وأصدر قراراً، ثم جاء الشهود إلى القاضي، وأدلوا بشهادة مناقضة للشهادة السابقة، وكان القاضي قد أصدر الحكم، هذا الحكم نافذ، لكن الشهود يضمنون كل الأضرار التي لحقت بالمحكوم عليه. وقد روي أن رجلين شهدا عند الإمام علي كرم الله وجه على آخر بالسرقة فقطع يده، ثم عادا بعد ذلك برجل غيره قائلين: إنما السارق هذا، كنا مخطئين، بعد أن قطعت يده، فقال علي كرم الله وجهه: لا أصدقكما على هذا الآخر، وأضمنكما دية يد الأول، ولو أني أعلمكما فعلتما ذلك عمداً، قطعت أيديكما، لا أصدقكما على هذا الآخر وأنتما تضمنان دية اليد المقطوعة، الآن الموضوع سوف يأخذني إلى موضوع آخر ليس له علاقة بالفقه له علاقة بالطب. الانتباه في العمليات الجراحية و خاصة الاستئصال : أيها الأخوة الكرام، إذا كان هناك موضوع جراحي، استئصال، لا تكتفي برأي طبيب واحد، زارنا طبيب كريم في أحد خطب الجمعة وبعد الخطبة حدثني بقصة يشيب لهولها الولدان، امرأة استأصل ثديها على أساس أنها مصابة بورم خبيث، الذي استأصل الثدي أرسلها إلى طبيب آخر ليجري لها الأشعة، لئلا ينمو مرة ثانية، الطبيب الثاني طبيب متفوق جداً، نظر إلى البنية النسيجية لم ير فيها أثر السرطان إطلاقاً، فتوجه إلى الطبيب الأول، وقال له: أنت أرسلت لي هذه المريضة كي أجري لها الأشعة، والأشعة كما تعلم تؤذي الرئة، لكن تضمن عدم نمو السرطان مرة ثانية؟راجع نفسك وتأكد، فلما تأمل الطبيب الأول بطبيعة النسيج قال:والله معك الحق، لا تجري لها الأشعة، أي كان هناك خطأ بالاستئصال، فقال لي الطبيب وأنا شاكر له: أستاذ أي شيء فيه استئصال لا يمكن أن يكون برأي طبيب واحد، بعد حين أحد أخواننا الكرام قال لي: ابنتي تحتاج إلى استئصال كلية والعملية غداً، يجب أن نجريها فوراً و هكذا قال الطبيب، قلت له: قف، اذهب إلى طبيب آخر، وطبيب ثالث، الطبيب الآخر قال: ممكن أن تعمل بعد فترة، لم ير من المناسبة أن تستأصل، بعد شهرين أو ثلاثة عادت الكلية إلى وضعها الطبيعي، هذه ليس لها علاقة بالفقه، هي بالطب شي اسمه استئصال، لا يمكن أن يكون بناء على طبيب واحد، إذا دخل مبضع الجراح مشكلة كبيرة جداً، الإنسان الله عز وجل أعطاه عقلاً، طبيب واثنان وثلاثة ومجمع أطباء، وتواتر، وتحاليل، حتى نقرر استئصال هذا العضو، أما لنصيحة واحدة، لتوجيه واحد، لرأي واحد، هذا لا يكون، هذه نصيحة قدمها هذا الطبيب الكريم، قال: أستاذ بالاستئصال لا يمكن أن يبنى على رأي طبيب واحد، لأنه عانى، قال لي: أنا عانيت شيئاً كثيراً، طبعاً هو كان اختصاصه في الأورام الخبيثة. تناقض الشهود بعد إصدار الحكم دليل فسقهم : هذا السارق قال: إنما السارق هذا، فقال علي: لا أصدقكما على هذا الآخر وأضمنكما دية الأول، ولو أني أعلمكما فعلتما ذلك عمداً لقطعت أيديكما، لا تنس: ﴿ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ﴾ [ سورة الإسراء: 36] أحياناً تمسك القميص تعمل هكذا أي تحركه، أربع حركات يطلقون امرأة، هل تعلم والله فلان أخذ فلانة، خير إن شاء الله، الله ما بيننا وبينها هذه الحركة فقط تطلقها: ﴿ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ﴾ [ سورة الإسراء: 36] هذا الذي يرى يظن أنه يرى ولم ير، يظن أنه سمع ولم يسمع، يفكر فيتهم، يحلل فيفتري، هذا يحاسب، لذلك أيها الأخوة الكرام: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ﴾ [ سورة الحجرات: 6] إذا تناقض الشهود بعد إصدار الحكم لماذا يثبت الحكم؟ العلماء قالوا: إن الحكم ثبت بقول عدولٍ، وسبب شرعي، ودعوى الشهود بعد ذلك، الكذب اعتراف منهم أنهم فسقة، والفاسق لا ينقض الحكم لقوله، سيبقى الحكم على ما كان عليه، هذا رأي. رجوع القاضي عن حكمه إذا تناقض الشهود : هناك رأي آخر أن القاضي ولو أصدر حكماً مبرماً، بناء على شهادة شهود، ثم هؤلاء الشهود أدلوا بشهادة مناقضة للشهادة الأولى، القاضي عليه أن يرجع لأن الحق قديم والرجوع عن الخطأ فضيلة، وعندنا قاعدة أساسية أن الحدود تدرأ بالشبهات، ما دام الشاهد الذي بنيت عليه الحكم أيها القاضي تناقض بشهادته، وتراجع عن شهادته إذاً الدليل أصابه شبهة، إذا تطرق إلى الدليل الاحتمال بطل الاستشهاد به، وبطل الاستدلال به، هذا الرأي الثاني. الرأي الثاني يجب أن يرجع القاضي عن حكمه إذا تناقض الشهود، لكن في كل الأحوال الشاهد المتناقض يعاقب، يعاقب لأنه افترى، أولاً: ضلل القاضي، وثانياً: أوقع القاضي في ظلمٍ شديد، والظلم ظلمات يوم القيامة، وعدل ساعة أفضل عند الله من أن تعبد الله ثمانين عاماً، أن تعدل ساعة. ضرورة براءة الذمة : الآن عندنا شيء آخر: المدعي تناقض، فهمنا تناقض الشهود قبل الحكم وبعد الحكم، قبل الحكم كأن لم يشهدوا ويعاقبوا، وبعد الحكم هناك اتجاهان، إما أن يثبت الحكم، ويعاقب الشهود، وإما أن يرجع القاضي عن حكمه بناء على أن الاحتمال تطرق إلى الاستدلال، والحق قديم، والرجوع عن الخطأ فضيلة، أما إذا سبق كلام من المدعي مناقض لدعواه، بطلت الدعوى، انتبهوا أيها الأخوة هذا أخطر حكم بالدرس، إذا سبق كلام من المدعي مناقض لدعواه بطلت الدعوى، مثلاً إذا أقرّ إنسان بمال لغيره، ثم ادعى أنه له فهذا الادعاء المناقض لإقراره مبطل لدعواه، ومانع من قبولها، بالقضاء تعريف أو مصطلح مشهور: لم تسمع الدعوى، شطبت الدعوى، أو لم تسمع، أو لا تقبل هذه الدعوى، لا تقبل في الأصل، ولا تقرأ، ولا يلتفت إليها، الإنسان مأخوذ بإقراره، مسؤول بإقراره، أحياناً يقر، ثم يرى شيئاً آخر يطالب القاضي يقول: الدعوى ساقطة، الدعوى مشطوبة، الدعوى لا تسمع، الدعوى مرفوضة شكلاً ومضموناً، انتهى الأمر، فقبل أن توقع، قبل أن تقر، الإنسان مأخوذ بإقراره، ودائماً أقول لكم: عند أهل الدين نقطة ضعف، إذا كان الرجل ديناً وعدك، أنت وعدتني، يقول له: أنت وعدتني، أنت صاحب دين، أنت تصلي، أنت ابن مشايخ، وأنت ابن جوامع، هكذا قال له دينك؟ دائماً الإنسان الذكي غير المؤمن يعرف نقطة ضعف المؤمن، المؤمن يخاف على سمعته، ألم تعدني أنت؟ لماذا تراجعت؟ أين العهد؟ يعمل درس مزاودة، كلمة حق أريد بها باطل، أما إذا كان بعض الناس يشعرون إذا القضية تحل عند المشايخ، يذهبون إلى المشايخ، سيدي نريد حكم الشرع في هذه القضية، يكون هناك مئة ألف قضية يلجأ فيها إلى القانون، إلا هذه لا يستفيد منها لأن القانون مع فلان، ويعرف أن الشرع ينصره فيلجأ إليه، هذا الأسلوب باطل، إذا لقيت القضاء طريقه مسدود تأتي إلى المشايخ، سيدي نحن نريد الشرع، يكون بيته غر شرعي، ولا بيعه شرعي، ولا أهل بيته شرعيون، ولا سلوكه شرعي، لا يوجد عنده شيء شرعي، يريد مصلحته، هناك قانون يحمي الموظف، إذاً لا يوجد غير الشرع، ملك حر هذا. على كلٍّ هذا الذي أقوله واقع، قبل أن تقر، قبل أن توقع، قبل أن تبصم، قبل أن توافق، انتبه، إذا بدا لك في المستقبل شيء لا تستطيع أن ترجع، اشتريت البيت، ابحث عنه قد يكون مرهوناً، قد يكون عليه تنظيم، قد يكون عليه تجاوز، أملاك عامة، قد يكون عليه مشاكل كثيرة، قبل أن توقع، قبل أن تقر، يجب أن تتأكد من إقرارك. إذاً: إذا سبق كلام من المدعي مناقض لدعواه بطلت الدعوى، فإذا أقرّ بمال لغيره ثم ادعى أنه له فهذا الادعاء المناقض لإقراره مبطل لدعواه، ومانع من قبولها، أخي عملنا براءة ذمة، يقول له: بريء الذمة فيوقع، تراجع الدفاتر تظهر لك معه عشرة آلاف وقد أعطيته براءة ذمة، راحوا عليك العشرة آلاف، أنت أبرأته انتهى الأمر، لذلك عد الخطأ والنسيان، إذا أنت أبرأت شخصاً تحفظ، عد الخطأ والنسيان، أو أمهل البراءة حتى تراجع دفاترك، أي الملخص أن الإنسان مأخوذ بإقراره، بعدما يقر لا يوجد يتراجع لأن الإنسان ليس طفلاً، قال: إذا أبرأ أحد آخر من جميع الدعاوى فلا يصح له أن يدعي عليه بشيء، أبداً، إذاً أخطر شيء براءة الذمة، أحياناً شريكان يتفككوا، براءة ذمة، أحياناً زبون ومورد يتفككوا براءة ذمة، براءة الذمة خطيرة جداً. قال: المدعى عليه يجوز أن يقدم البينة التي يدفع بها دعوى المدعي ليثبت براءته إذا كانت لديه هذه البينة، فإن لم تكن لديه هذه البينة جاز له أن يقدم بينة تشهد بالطعن في عدالة الشهود، وتجريح بينة المدعي، ممكن أن تقدم أنت بينة تناقض البينة التي أقيمت عليك، ممكن أن تقدم شهوداً يطعنون بالبينة التي أخذت بها، لأنه إذا قدمت بينة مناقضة للأولى أو قدمت شهوداً طعنوا بالبينة، فصار هناك تناقض، والتناقض يحل أي مشكلة. إذا تعارضت البينتان ولم يوجد ما يرجح إحداهما قسمت الذمة مناصفة : أحياناً وهذا يقع في كل علاقاتنا المالية، عليك ذمة لإنسان طالبك فيها أنت تذكر أنك دفعتها، عندك ظن، هو يذكر أنه لم يأخذها منك، لا معه هو دليل، ولا معك دليل، أو معه دليل، ومعك دليل، أنت كاتب بدفترك دفعة لفلان، وهو كاتب بدفتره فلان لم يدفع، أي على الحالتين دفتره عكس دفترك، أو ظنه عكس ظنك، فالنبي عليه الصلاة والسلام في مثل هذه الحالة حكم بالنصف، أي إذا صار هناك خلاف على عشرة ليرات، لا يوجد دليل قطعي أو على عشرة آلاف، أو خمسة آلاف، أنت لست متذكراً، وهو ليس متذكراً، أنت لست متأكداً دفعت، هو ليس متأكداً أنك دفعت، وقع في مشكلة، هنا تناقض إذا تعارضت البينتان ولم يوجد ما يرجح إحداهما قسم المدعى بين المدعي والمدعى عليه مناصفة، هكذا فعل النبي: ((عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ أَنَّ رَجُلَيْنِ ادَّعَيَا بَعِيرًا أَوْ دَابَّةً إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَتْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ فَجَعَلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمَا، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ سَعِيدٍ بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ بِمَعْنَى إِسْنَادِهِ أَنَّ رَجُلَيْنِ ادَّعَيَا بَعِيرًا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَعَثَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَاهِدَيْنِ فَقَسَمَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ )) [أبو داود عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ] أي ثمنه طبعاً، الأريح للنفس سجل، خذ توقيعاً، الآن كل قضية مثلاً تحاسب السمان أخي كم الحساب؟ يقول لك: ثلاثة آلاف، تدفعهم وتمشي، بعدما أخذهم منك، دخل زبون طلب منه حاجة لم يسجل، بعد شهر نسي الدفعة، قال: لنا معك أستاذ ثمانية آلاف، تقول له: لماذا ثمانية آلاف لقد دفعت لك ثلاثة آلاف، يقول لك: لكن ذلك غير مسجل عندي، تدخل معه بنقاش، الأولى ألا تخرج من المحل ليكتب سددت، خالص، وقع، التاريخ، أنهي الموضوع، لاحظت أنا ملاحظة الإنسان كلما كان دقيقاً في تعامله مع الآخرين ريح حاله، ريح حاله من الإحراج، من جلسات التحكيم، من المناقشة، من العي بالتعبير الشائع، ريح حاله من أنه متهم، من الكلام الغير مقبول، هناك متاعب لا يعلمها إلا الله أساسها الإهمال، خذ وصلاً، خذ توقيعاً، وقع له، قل له: سدد، اكتب خالص، اكتب الدفعة وصلت، دفع ومشى، قبض ما سجل، أخي دفعنا، لا لم تدفع، والإنسان سبحان الله أميل أن ينسى الذي عليه، وأميل أن يتذكر الذي له، يتذكر الدفعة مرتين، أخي دفعت، أكيد دفعت لي، الإنسان يميل لأن يتذكر لمصلحته وينسى لمصلحته، ومن كتب حجة على من لم يكتب إذا إنسان لم يسجل المسجَل حجة عليه، أيضاً: ((عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي دَابَّةٍ لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ فَجَعَلَهُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ )) [أحمد عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ ] وإلى هذا ذهب أبو حنيفة، فإذا كان في يدي أحدهما بينة فعلى خصمه البينة، فإن لم يأتِ بها فالقول لصاحب اليد مع يمينه، فالأرض بيد من؟ بيد فلان، إنسان ادعى ملكها، صار هناك دعوى وصار هناك يد، إن جاء بالبينة انتهى الأمر، إذا لم يكن هناك بينة هي لمن بيده مع يمينه، البينة على من ادعى واليمن على من أنكر، ولو جاء كل واحد ببينة، أرض هذا أحضر حجة قديمة، وحجة أخرى قديمة، صار عندنا حجتان متكافئتان ومتناقضتان، فالقاضي يرجح لمن الأرض بيده، يرجح البينة مع شمول اليد على هذه الأرض، أيضاً هناك شاهد آخر أن رجلين اختصما في ناقة، فقال كل واحد منهما نتجت عندي، وأقام بينة، فقضى بها رسول الله صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لمن هي في يده أخرجه البيهقي. على الشاهد أن يحلف اليمين قبل أن يدلي بشهادته : كلكم يعلم الآن أن الشاهد قبل أن يدلي بشهادته يحلف اليمين على كتاب الله، هذا إجراء أخير، إجراء مستحدث، الأصل أن الشاهد صادق، الأصل الإنسان بريء ما لم تثبت إدانته، لكن الآن لشيوع الكذب، ولكثرة شهود الزور، أنا سمعت أمام المحاكم تريد شاهداً يا أخ؟ يعرضون أنفسهم، يقول له: أنا أرخص منه، لضعف الإيمان، ولشيوع الكذب، ولكثرة شهود الزور، صار هناك إجراء مستحدث، أن الشاهد تقوى شهادته باليمين، قال: إن عدالة الشهود في هذا الزمن قد أصبحت غير معلومة، فوجب تقويتها باليمين، هذا رأي مجلة الأحكام العدلية، هذه المجلة تعد أعلى مرجع تعديلي في الحكم العثماني، أحكام المجلة إذا ألح المشهود عليه، على الحاكم قبل الحكم تحليف الشهود أنهم لم يكونوا في شهادتهم كاذبين، وكان هناك لزوم لتقوية الشهادة باليمين كان للحاكم أن يحلف الشهود، وأن يقول لهم إن حلفتم قلبت شهادتكم وإلا فلا. الآن لأتفه قضية، ولو قضية تموينية، التسعيرة نازلة من على القماش، الشاهد يجب أن يحلف على كتاب الله، هذه نقطة ضعف فينا من ضعف الإيمان، من شيوع الكذب، من كثرة شهود الزور، صار القاضي لا يقبل الشاهد إلا مع تقوية الشهادة باليمين، لأنه لما سألوا الكاذب تحلف؟ قال: جاء الفرج، ومع ذلك هناك من يحلف على غير ما هو كائن، و عند الأحناف الشاهد لا يمين عليه لأن لفظ الشهادة يتضمن معنى اليمين. شهادة الزور من أكبر الكبائر : أما شهادة الزور فهي من أكبر الكبائر، ليست كبيرة فقط بل من أكبر الكبائر، وأعظم الجرائر، لأنها مناصرة للظالم، وهضم لحق المظلوم، وتضليل للقضاء، وإيغار للصدور، وتأريث للشحناء بين الناس. القرآن الكريم فيه قاعدة، أن المعطوف والعطوف عليه لابد من أن يكونا مشتركين في شيء واحد، العطف يقتدي المشاركة، والعطف يقتدي المجانسة، والمثل معروف لا أحد يقول: أنا اشتريت سيارة وملعقة لا يتناسبون، هذه ثمنها ثلاثة عشر مليوناً وهذه ثمنها خمسة ليرات لا يتناسبون، ما اشتريت مثلاً أرضاً ومحفظة، لا يتناسبون، فالعطف يقتدي المشاركة، اسمع الآية الكريمة يقول الله عز وجل: ﴿ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ ﴾ [ سورة الحج: 30] أي الله عز وجل جعل قول الزور قريباً من عبادة الأوثان. ((عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَنْ تَزُولَ قَدَمَا شَاهِدِ الزُّورِ حَتَّى يُوجِبَ اللَّهُ لَهُ النَّارَ )) [ ابن ماجه عَنِ ابْنِ عُمَرَ ] الآن هناك تعاون كبير بين الناس، أنا أشهد معك، وتعلم أنه مبطل، وتعلم أنه آكل حقوق، وتعلم أن خصمه مظلوم أنا أشهد معك، أين يمشي الناس؟ (( لَنْ تَزُولَ قَدَمَا شَاهِدِ الزُّورِ حَتَّى يُوجِبَ اللَّهُ لَهُ النَّارَ )) [ ابن ماجه عَنِ ابْنِ عُمَرَ ] و: ((عن عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِي اللَّهم عَنْهم قَالَ ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْكَبَائِرَ، أَوْ سُئِلَ عَنِ الْكَبَائِرِ فَقَالَ الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، فَقَالَ أَلا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ قَالَ: قَوْلُ الزُّورِ، أَوْ قَالَ شَهَادَةُ الزُّورِ قَالَ شُعْبَةُ وَأَكْثَرُ ظَنِّي أَنَّهُ قَالَ شَهَادَةُ الزُّورِ )) [ متفق عليه عن عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ] هل تصدقون أن أكبر قول زور أو أن أكبر شهادة زور أن تقول على الله ما لا تعلم، والآية الكريمة التي ذكرت أنواع المعاصي آخر شيء على أنها أخطر شيء: ﴿ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [ سورة البقرة:169 ] تنفر الناس من حضرة الله عز وجل، وتفسر الآيات تفسيراً غير صحيح، توهم الناس أن عز وجل قد تعبده طوال حياتك، وإذا شاء وضعك في جهنم، هكذا، أنت تقدر أن تعارضه؟ لا أقدر أن أعارضه، هذا الكمال الإلهي، يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته محرماً بينكم فلا تظالموا، أين قوله تعالى؟ ﴿ الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾ [ سورة غافر: 17] أين قوله تعالى؟ ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا ﴾ [ سورة النساء: 49] أين قوله تعالى؟ ﴿ وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا ﴾ [ سورة النساء: 124] أين قوله تعالى؟ ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ﴾ [سورة الزلزلة:7] خمسون آية أو ستون آية تبين نزاهة الله سبحانه وتعالى المطلقة، وأنت تريد أن تقنع الناس أن هذا العبد يمضي كل حياته في طاعة الله وقد يضعه في النار لا لشيء، هل أنت بإمكانك أن تسأله؟ أنت في ملكه وهو حر في ملكه؟ هكذا يقول لك، هذا الكلام غير صحيح، هذا الكلام منفر، هذا الكلام ما أراده الله، هذا الكلام يبعد الناس عن الله عز وجل، أنا أرى أن هذا الكلام عن الله من أكبر الكبائر، أكبر شهادة زور، أكبر قول زور أن تتهم عدالة الله، أن تتهم رحمة الله، أن تبين أن الله سبحانه وتعالى لا يرحم عباده. ((أَلا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ ثَلاثًا، قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَجَلَسَ وَكَانَ مُتَّكِئًا فَقَالَ أَلا وَقَوْلُ الزُّورِ، قَالَ فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا لَيْتَهُ سَكَتَ )) [البخاري عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ رَضِي اللَّهم عَنْهم] أي أعادها مرة، وثانية، وثالثة، لأن هذه الشهادة تُضيع الحقوق، تعين الظالم على ظلمه. شهادة الحق أعظم شهادة : أنا ذكرت قصة قبل درسين على ما أذكر الآن مناسبة جداً، ولها علاقة بهذا الموضوع، القصة أن إنساناً مؤمناً توفي رحمه الله أعرفه جيداً، رجل مستقيم، وورع، وملتزم، وابن مساجد، ساكن ببيت قد استأجره، ورفع الأجرة مرات عديدة حتى بلغت الأجرة أكثر من ثلثي راتبه، وما عاد بإمكانه أن يرفعها، أصحاب البيت يريدون البيت، صاحبة البيت سألت محامياً، قال لها: لا يوجد غير طريقة واحدة، أن تدعي عليه بالفساد الأخلاقي، أقيمت عليه دعوى فساد أخلاقي، أنه كان يكشف عورته أمام جيرانه، هكذا اشتكت، دعوى قذرة، هذه تريد شاهداً، جاءت المدعية بابنتها شاهدة، فالقاضي بحسب ما اتفقنا بالشهود رفض هذه الشهادة للمحاباة، وهذا مرّ معنا سابقاً، فقال لها: ابحثي عن شاهد آخر أو عن شاهدة أخرى، عندهم بالبيت طالبة جامعية قالوا لها: هل تشهدين معنا؟ قالت: لهم نعم أشهد، وجدوا أن الفرج قد جاء، وانحلت القضية، إذا شهدت هذه الطالبة بمضمون الدعوى أخلي البيت، واستعيد، هذه الطالبة رسمت خطة، بعد شهر جاء موعد الدعوى، والقاضي استحلفها على كتاب الله، وقال: هل رأيته يفعل هذا؟ قالت له: والله يا سيدي لم ينظر إلى امرأة إطلاقاً، ما رأيت أعف منه، ولا أشد حشمة وأدباً، هي خافت أن يبحثوا عن شاهدة تشهد لهم، فقبلت هي حتى تشهد بالحق وشهادتها كانت الحكم الفاصل. لا يوجد أعظم من شهادة الحق، أحياناً حادث سير يكون السائق واقفاً، يزور الضبط ويكتب أنه كان منطلقاً بسرعة عالية، مقابل أشياء، فنحن عندما نشهد شهادة حق وفق ما وقع هذا عمل عظيم. الظلم ظلمات يوم القيامة : قلت لكم: إن حجراً ضجّ بالشكوى إلى الله قال: يا رب عبدتك خمسين عاماً في بيت الخلاء - القصة رمزية - قال له: تأدب يا حجر إذ لم أجعلك في مجلس قاض ظالم، أي الحجر في المرحاض أشرف له ألف مرة من أن يكون في مجلس قاض ظالم، الظلم ظلمات يوم القيامة، لا يوجد شعور مسعد يفوق أن تحكم بالعدل، أو أن تكون منصفاً، أحياناً بالبيت كنة مظلومة، كلهم ضدها، ليس لها نصير أبداً، تعمل ليلاً نهاراً، دائماً عليها ضغط، دائماً حماتها تخرب العلاقة بينها وبين زوجها، أي لا نصير لها أبداً، هناك نساء مضطهدات واللَّه كبير، إنسان يظلم امرأته ويقول: ليس لها أحد إنها مقطوعة، الله وراؤها، الله عز وجل هو وكيلها، والله كبير وعقابه أليم، وبطشه شديد، هذا الدرس ليس للقضاة، هذا لنا كلنا، على الإنسان أن يكون منصفاً بين كنته وبين ابنته، وبين ابنه وبين صهره، بين فلان وفلان، بين جيرانه وبين شركائه، أحياناً يكون هناك شريك قوي، المحل باسمه، والرخصة باسمه، والامتياز باسمه، و شريكه الثاني ضعيف لكن قد دفع معه مالاً، وضعيف الشخصية، لكنه مسيطر عليه، يشغله ليلاً نهاراً، ولا يعطيه حقه، الله كبير، فالإنسان أنا أقول عندما تنفك شركة، أو يصير طلاق، الله مع المظلوم دائماً، بالمستقبل يكشف لك من هو المظلوم، المظلوم يوفق والظالم يمحق. فهذه الموضوعات مرة ثانية وثالثة قد تتوهمون أنها لا علاقة لنا بها، لا يوجد إنسان ليس له علاقة فيها، كلمة الشهادة، وكلمة التناقض، واحلف يميناً، والدليل معك، و من قال لك هذا الكلام؟ الإنسان لا يشعر يكون مرة قاضياً، ومرة مدعياً، ومرة مدعى عليه، ومرة شاهداً، ومرة متناقضاً، ومرة يحلف يميناً، ومرة يكذب، ومرة يصدق، هذا كله يجري في حياتنا اليومية. الالتزام أجمل شيء بحياة الإنسان : أيها الأخوة الكرام، أجمل شيء بالحياة أن يكون الإنسان ملتزماً، من إنسان يقف عند حدود الله، يقف عند الأمر والنهي، يعرف ما له وما عليه، إنسان يعيش مطمئناً، يحيا سعيداً، يحيا حميداً بين الناس، يحيا متألق الاسم، هناك أشخاص يقولون لك: أنا لا أعرف قصر العدل، ما دخلت لمخفر بحياتي، والله هذا وسام شرف، لأنه يعامل الناس بأصول، إن تعامل مادياً هناك إيصالات، وعقود، لا يوجد مجال للكذب والافتراء، وفي الأصل لا تصاحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامك إلا تقي، بالأصل إذا أنت لك أصدقاء غير مؤمنين هؤلاء ألغام إن شاركتهم يأكلوا مالك، إن أحسنت لهم يسيئوا لك، إن سلمت لهم يطعنوك، إن صدقتهم يكذبوك، إن أمنتهم يخونوك، لا تصاحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامك إلا تقي، والإنسان يتعلم، لكن هناك فرقاً بين أن يأتي خبير بالألغام ويقول لك: انتبه هذه قنبلة، ابتعد عنها، وبين أن تكشفها بنفسك، إذا امتحنتها بنفسك وانفجرت بين يديك، عرفتها قنبلة، لكن لم يعد بحياته وقت ليستفيد من هذا الدرس، هذه النقطة دقيقة جداً، أحياناً يقع الإنسان في مشكلة مدمرة ينتهي بجلطة إلى القبر رأساً، أخي اتعظنا، لم يعد هناك وقت لأن تتعظ، مرة إنسان دخل للمستشفى طبعاً كان مدمن تدخين، صار معه سرطان بالرئة، زاره أحد أقربائي، و يكون أيضاً قريبه، زاره قال له: أنا لي مع هذه السيجارة حساب طويل لكن عندما أخرج من المستشفى، لم يخرج منها، خرج ميتاً، أي حساب طويل هذا؟ تحاسبت وخلصت، وانتهى الأمر، قال له: لي حساب معها طويل عندما أخرج من المستشفى، لم يخرج إلا ميتاً، انتهى، هذه القصة أنه أحياناً السعيد يأخذ خبرات جاهزة، من هو الخبير؟ الله عز وجل قال: ﴿ إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾ [ سورة فاطر: 14] ﴿ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾ [ سورة فاطر: 14 ] الله وحده الخبير، نحن خبراتنا تأتي بالتراكم، خبراتنا محدثة تتنامى، أما الله عز وجل فخبرته قديمة، كل إنسان يهتدي بهدي الله عز وجل لا يغلط أبداً، لا يضطر أن يدخل إلى محاكم، ولا إلى مخافر، ولا تتمرغ سمعته في الوحل، لأنه بالأساس قال له يا عمر ما بلغ من دهائك؟ قال له: والله ما دخلت مدخلاً إلا أحسنت الخروج منه، قال له: لست بداهية، قال له: أما أنا والله لا أدخل مدخلاً أحتاج أن أخرج منه، إذا أنت دخلت وخرجت، أنا لا أدخل إطلاقاً، أيهما أذكى؟ لا يدخل إطلاقاً، هذا دخل وخرج، أما الأذكى فلا يدخل إطلاقاً. هذا الكلام إن شاء الله نحن نطبقه، وأنا أحبّ الإنسان أن يكون منصفاً، ويكون منهجياً، الشهادة هكذا، اليمين هكذا، الدعوى هكذا، البينة هكذا، التناقض هكذا، لعل الله سبحانه وتعالى يرحمنا بهذا الفقه، والفقه ضروري جداً، إذا أحبّ الله عبداً فقهه في الدين، وبصره بعيوب نفسه. |
رد: العبادات التعاملية
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية الدرس : ( السابع العاشر ) الموضوع : الاكراه يغير الحكم الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. الإكراه : أيها الأخوة الأكارم، من لوازم بحث القضاء في الفقه موضوع دقيق دقيق هو الإكراه، أي القاضي إذا أراد أن يحكم على إنسان وثبت لدى القاضي أن هذا الإنسان كان مكرهاً فيما فعل فالإكراه يغير الحكم كله، ولكن ما من موضوع في الفقه ماع بين أيدي الناس أو تبخر حتى أصبح كالغاز كهذا الموضوع. معلوم لديكم أن الأشياء الصلبة حجمها ثابت وشكلها ثابت، وأن الأشياء المائعة حجمها ثابت وشكلها متغير، وأن الأشياء الغازية حجمها متغير وشكلها متغير. ما من موضوع في الفقه الإسلامي ماع أو تميع أو تبخر فأصبح كالغاز بين أيدي المسلمين كموضوع الإكراه، أو موضوع الاضطرار، يرتكب المسلم معظم المعاصي وهو مضطر، فما حدود الضرورة؟ أقول لكم وأعني ما أقول: إن من أخطر الموضوعات أن يعلم المؤمن ماذا تعني الضرورة، ما معنى الضرورات تبيح المحظورات؟ ما معنى الإكراه؟ أما كلما شعرنا أننا بحاجة إلى شيء ادعينا أننا مكرهون، أو مضطرون، من أجل تحقيق الحاجات الثانوية ندعي الإكراه، وندعي الضرورة. الإكراه في اللغة : أيها الأخوة الكرام موضوع الإكراه موضوع دقيق دقيق، له حدود دقيقة عند الفقهاء، لأن أكبر حجة يحتج بها الإنسان في التعامل الربوي أحياناً، في ارتكاب المحظورات المتعلقة بكسب المال، أو بإنفاق المال، أو بعلاقته بالنساء، أكثر المعاصي مغطاة عند المسلمين مضطر ماذا أفعل؟ أنا مضطر، من أجل الضرورة يفعل كل شيء، هذه كلمة الضرورة ليس لها حدود، أما أنها مائعة فتمط كيفما نشاء. العلماء قالوا: الإكراه في اللغة حمل الإنسان على أمرٍ لا يريده طبعاً أو شرعاً، حمل الإنسان قهراً، وجبراً، وغصباً على أن يفعل شيئاً، أو على أن يقول شيئاً لا يريده، لا بحسب طبعه، أو بحسب الشرع، هذا في اللغة، أما في الشرع فحمل الغير على ما يكره بالوعيد بالقتل، أو التهديد بالضرب، أو السجن، أو إتلاف المال، أو الأذى الشديد، أو الإيلام القوي الذي لا يحتمل، متى تستجيب؟ إذا هدد الإنسان بالقتل، أو بقطع أحد أعضائه، أو بالتعذيب الذي لا يحتمل، أو بفقد ماله كله، هذه الضرورات حصراً؛ خوف الموت، أو فقد الحياة، أو خوف تلف أحد الأعضاء، أو الأجهزة، أو التعذيب الذي لا يحتمل، أو فقد المال كله، هذه الأبواب الأربع هي حصراً الضرورات التي تبيح المحظورات، أما لو فعلت هذا لأخذ عليّ مأخذ، هذا ليس ضرورة، وليس هذا إكراهاً، لو فعلت هذا لأخذوا عني فكرة معينة، هذا ليس ضرورة ولا إكراهاً، اختلط عند العوام وعند بعض المؤمنين ما هو ضروري، أو ما هو إكراه، أو ما هو حرج، أو ضيق، أو توهم ضرر لا يحصل. شروط الإكراه و أنواعه : قال: يشترط في الإكراه أن يغلب على ظن المُكرَه إنفاذ ما توعد به المُكرِه، أي أحياناً: زعم الفرزدق أن سيقتل مربعاً أبشر بطول سلامة يا مربع *** أحياناً الإنسان يهدده إنساناً آخر، أو يتوعده، لكن يشعر في قرارة نفسه أن هذا كلاماً فارغاً، هذا الذي يهدد لا يفعل ما يقول، لا ينفذ ما يهدد به، أو لا يستطيع أن ينفذ، لا ينفذ، أو لا يستطيع، هذا ليس إكراهاً، ولا ينطوي تحت باب الإكراه، من هدد إنساناً والإنسان المُكرَه المهدد غلب على ظنه أن المُكرِه لا ينفذ وعيده، أو لا يستطيع تنفيذ وعيده. عند بعض الفقهاء لا فرق بين إكراه الحاكم، وإكراه اللصوص، قد يكون إنساناً عادياً لكن مسلحاً، فاجأك بتهديد، لا فرق بين إكراه الحاكم وإكراه اللصوص، إلا أن بعض الفقهاء قال: الإكراه فقط إكراه السلطان، لأن غير السلطان لا يملك أن يكره، هذا موضوع خلافي بين الفقهاء. العلماء قالوا: الإكراه ينقسم إلى قسمين، إكراه على كلام، وإكراه على فعل، قد يكره الإنسان أن يقول كلاماً، وقد يكره أن يقول فعلاً، أي هذا الموضوع من الدقة بحيث أخشى أو أخاف أن يفهم على غير حقيقته، دققوا فيما أقول: الإكراه يعني إذا غلب على يقينك أن الذي يهددك يفعل ما يعدك به، من إذا قال فعل، إذا هددت بالقتل، أو بفقد أحد الأعضاء، أو بالإيلام الذي لا يحتمل، أو بفقد المال كله، الآن ينطبق عليك شرط الإكراه، شرط الإكراه الذي يرفع عنك الإثم في الدنيا والآخرة. الإكراه على الكلام لا يجب به شيء لأن المكره غير مكلف : الإكراه على الكلام لا يجب به شيء لأن المكره غير مكلف قال تعالى: ﴿ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ [ سورة النحل: 106] ﴿ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ ﴾ [ سورة النحل: 106] أي إنسان إذا نطق بكلام لا يرضي الله عز وجل تحت تهديد شديد، أو وعيد شديد، وكان الذي يتوعد يفعل ما يقول، ويغلب على ظن المكره أن الذي يهدد يفعل قال: هذا إكراه حقيقي، والآية تؤكد ذلك: ﴿ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ ﴾ [ سورة النحل: 106] لماذا؟ لأن حياة الإنسان مقدمة على كل شيء. مقاصد كبرى في الشريعة : عندنا بالشريعة خمسة مقاصد كبرى، المقصد الأول: هو الدين، والمقصد الثاني: هو الحياة، والمقصد الثالث هو العرض، و المقصد الرابع هو المال، والخامس هو العقل، من اعتدى على العقل بالخمرة يقام عليه الحد، من اعتدى على المال بالسرقة يقام عليه الحد، من اعتدى على العرض بالقذف يقام عليه الحد، من اعتدى على الحياة بالقتل يقام عليه الحد، من اعتدى على الدين بإفساد العقيدة، أو الطعن في الدين، يقام عليه الحد، الشريعة كلها ذات خمسة مقاصد: الدين والحياة والعرض والعقل والمال. لذلك قال أحد العلماء: الشريعة مصلحة كلها، وعدالة كلها، ورحمة كلها، فأية قضية خرجت من العدل إلى الجور، ومن المصلحة إلى المفسدة، ومن الرحمة إلى القسوة فليست من الشريعة ولو أدخلت عليها بألف تأويل وتأويل، أي الشريعة رحمة، والقسوة ليست من الشريعة، الشريعة عدالة، الظلم ليس من الشريعة، الشريعة مصلحة، المفسدة ليست من الشريعة، ولو احتال بعضهم بإدخال المفاسد، أو القسوة، أو الظلم على الشريعة بألف تأويل وتأويل. في موضوع المقاصد هناك تدريج، أي أولاً: الدين، ثانياً: الحياة، ثالثاً: العرض، رابعاً: المال، خامساً: العقل، هذا الترتيب مهم جداً، لأنه بإمكانك دائماً أن تفتدي بالثاني الأول، فالإنسان قد يفقد حياته من أجل دينه عمل مشروع، هو الجهاد في سبيل الله، وقد يفقد ماله من أجل عرضه عمل مشروع، قال عليه الصلاة والسلام: (( ذبوا عن أعراضكم بأموالكم)) [ الخطيب عن أبي هريرة] وقد يفتدي المهم بالمهم، إذاً هناك ترتيب، طبعاً هذه المقاصد الأساسية، وكل مقصد من هذه المقاصد له ثلاثة أبواب؛ باب الضرورات، وباب الحاجات، وباب المتممات، الضرورات والحاجات والمتممات، وبإمكان كل إنسان يفدي الضرورة بالحاجة والحاجة بالمتمم، مثلاً كشف العورة حرام في الدين أليس كذلك؟ أما إذا امرأة أصابها مرض عضال، ولا بد من طبيب يعالجها فالحفاظ على الحياة ضرورة، بينما كشف العورة من حاجيات الدين، لا من فرائضه، من حاجياته، إذاً نضحي بكشف العورة من أجل بقاء الحياة، بالدين مشروع، أي ممكن أن تعملوا جدولاً خمسة حقول أفقية، وثلاثة حقول عامودية، المجموع خمسة عشر، بالحقول الأفقية الدين، الحياة، العرض، العقل، المال، العرضية: الضرورات، الحاجات، المتممات، فنحن دائماً نتحرك من الأدنى إلى الأعلى، ومن اليسار إلى اليمين، دائماً نضحي بالأبعد عن الضرورة، الحاجة، المتمم، أو الأبعد عن الدين هكذا، هذا جدول طبعاً مستنبط من الكتاب، والسنة، وأحكام الفقهاء، لكن مريح جداً يجعلك تتحرك حركة صحيحة وفق ما يريد الله عز وجل. إذا وقع الإكراه لا يؤاخذ الإنسان به ولا يترتب عليه حكم : أولاً: إذا نطق الإنسان بكلمة الكفر مكرهاً، الآن فهمنا معنى مكرهاً، مكره أي كانت حياته معرضة للقتل، أو فقد أحد أعضائه، أو فقد ماله كله، أو التعذيب الذي لا يحتمل، وإذا قذف غيره فلا يقام عليه الحد، وإذا أقرّ فلا يأخذ بإقراره، وإذا عقدَ عقد زواج لا ينعقد هذا العقد، وإذا عقَدَ عقْد هبة لا يصح هذا العقد، وإذا باع فإن بيعه فاسد لا ينعقد، وإذا حلف أو نذر فإنه لا يلزمه شيء، وإذا طلق زوجته هذا الطلاق لا يقع لأنه مكره، وإذا راجعها، فإن رجعته لزوجته لا تصح، والأصل في هذا كله قول الله عز وجل: ﴿ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ [ سورة النحل: 106] أما أسباب نزول هذه الآية فما ذكر المفسرون بالتفاسير عن أبي عبيدة محمد بن عمار بن ياسر قال: أخذ المشركون عمار بن ياسر فعذبوه حتى قاربهم في بعض ما أرادوا، من شدة التعذيب قاربهم في بعض ما أرادوا، أي قال ما طلب إليه، فشكا ذلك إلى النبي صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقال عليه الصلاة والسلام: "يا عمار كيف تجد قلبك؟ قال: مطمئن بالإيمان، فقال عليه الصلاة والسلام: لا عليك، إن عادوا فعد"، رحمة بأمته، لأن النبي ما كلف الناس فوق طاقاتهم، هذا من التيسير على المؤمنين. قالوا: إذا وقع الإكراه لم يؤاخذ به، ولم يترتب عليه حكم، وبه جاء الأثر المشهور عن رسول الله صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ )) [ ابن ماجه عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ] هذا من باب رفع الحرج عن الأمة، الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه، ممكن أن تجمع غلطاً فيكون الحساب أقل بألف ليرة، والبائع لم يدقق، قبض المبلغ منك ثم اكتشف بعد حين أنه قبض أقل بألف ليرة، ولم يثبت عنده نية سيئة، هذا خطأ، والنسيان: "اللهم إني بشر أنسى كما ينسى البشر". والإكراه كما تحدثنا قبل قليل: ((... وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ )) [ ابن ماجه عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ] العزيمة عند الإكراه أفضل من أخذ الرخصة : لكن هناك رأي دقيق هو أن العزيمة عند الإكراه على الكفر أفضل، أي هناك اجتهادان، أن تنطق بكلمة الكفر، أو أن تفعل محظوراً، هذا رخصة، أما إذا رفضت أن تنطق بالكفر، ولم تفعل محظوراً، وتعرضت للخطر الشديد هذه عزيمة، والعزيمة أفضل من الرخصة. إليكم هذه القصة التي جرت بعهد النبي عليه الصلاة والسلام، مسيلمة الكذاب أخذ رجلين من أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال لأحدهما: ما تقولوا في محمد؟ قال: رسول الله، قال: فما تقول في؟ قال: أنت أيضاً كذلك، فخلاه، وقال للآخر: ما تقول في محمد؟ قال: رسول الله، قال: فما تقول في؟ قال: أنا أصم، أنا لا أسمع، فأعاد عليه ثلاثاً، فأعاد ذلك في جوابه فقتله، فبلغ النبي صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خبرهما، فقال: أما الأول فقد أخذ برخصة الله، وأما الثاني فقد صدع بالحق فهنيئاً له. معناها اجتهادات، لك أن تأخذ بالرخصة ولا شيء عليك، ولك أن تأخذ بالعزيمة، فهنيئاً لك، إذاً الحكم الثاني: العزيمة عند الإكراه أفضل من أخذ الرخصة، لكن كل إنسان له عزيمة. لما سئل: القرآن مخلوق أم قديم؟ قال: قديم، فحجز في السجن في عهد المعتزلة لما أقنعوا الخليفة بمذهبهم، تبنى الخليفة مذهبهم، وجمع العلماء، وأكرههم على هذا المبدأ، طبعاً مبدأ باطل، عالم آخر قال: القرآن والتوراة والإنجيل والزبور كلها مخلوقة وقصد أصابعه. هنا اجتهاد، لا ينبغي أن تلوم الذي أخذ بالرخصة، ولا ينبغي أن تلوم الذي أخذ بالعزيمة، كل إنسان تصرف بحسب إمكاناته، وقوة إيمانه، وعزيمته، فالذي أخذ بالرخصة لا شيء عليه، والذي أخذ بالعزيمة هنيئاً له، هذا الإكراه على القول. الإكراه على العمل : فما الإكراه عن العمل؟ قال: الإكراه على الفعل نوعان؛ ما تبيحه الضرورة، وما لا تبيحه الضرورة، فما تبيحه الضرورة مثل الإكراه على شرب الخمر، أو أكل الميتة، أو أكل لحم الخنزير، يقول لك: والله نحن مضطرون ذهبنا إلى فرنسا لا يوجد غير لحم خنزير ماذا نفعل؟ مضطرون أن نأكله، هذا كلام مضحك، أي لا تأكل لحم الخنزير إلا إذا شهر عليك سلاح، إذا لم تأكل تموت فوراً، هذه ضرورة، أو كنت في الصحراء وبينك وبين الموت شعرة، لا يوجد لحم، ماذا نفعل؟ لا تأكل لحماً، أخطر شيء في هذا الموضوع مثلما قلت توسعه، تميعه، كلمة ضرورة ماعت، أصبحت الحاجات الثانوية ضرورات، أي إذا فعل هذا يؤخذ عليه ذلك، أخي مضطر، إذا فعل ذلك يظن أنه كذا، إن لم يفعل يؤاخذ على فعله، هذا كله كلام فارغ، الضرورات حينما يغلب على يقينك أنك ستفقد حياتك، أو تفقد أحد أعضائك، أو تعذب عذاباً لا تحتمله، أو تفقد مالك كله، هذه الضرورة، ما سوى ذلك ليست ضرورات، ولا تباح بها المحظورات، ومن يفعلها آثم، وله عقاب في الدنيا والآخرة، أي الإنسان كما قال الله عز وجل: ﴿ وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [ سورة البقرة: 195] هذه آية قرآنية، إذا كان الهلاك جوعاً يجب أن تأكل ولو لحم خنزير، القضية دقيقة جداً، هناك إنسان في رمضان يقول لك: أنا معي قرحة لن أصوم، جرب أول يوم، إذا حدث معك آلام لا تحتمل افطر، لكن معك قرحة مخففة، أي تحس بمغص خفيف، عليك أن تصبر، فالورع دائماً يؤثر العزائم ويبتعد عن الرخص، إلا عندما تكون الرخصة أحب إلى الله من العزيمة. من أكره على قتل غيره لا يجوز له الإقدام على قتله : لكن العلماء أجمعوا على من أكره على قتل غيره لا يجوز له الإقدام على قتله لماذا؟ لأنه لابد من أن يموت أحد شخصين، فأنت حينما تفعل ذلك افتديت نفسك بأخيك، حينما يفعل المكره على القتل ما أكره عليه افتدى نفسه بأخيه، أحدهما ميت، لا أنت أولى أن تموت، لا تقبل، هذا أيضاً حكم، واسألوا الله العافية من هذه المواقف الحرجة. العلماء قالوا: لا حد على مكره، لو قدر أن رجلاً استكره على الزنى فزنى، فإنه لا يقام عليه الحد، وكذلك المرأة لقول النبي عليه الصلاة والسلام: ((... وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ )) [ ابن ماجه عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ] شروط الإكراه : 1 ـ أن يكون المكره قادراً على تنفيذ ما هدد به وإلا كان هذياناً : الآن إلى بعض التفاصيل، من كتاب آخر، شروط الإكراه وهذا أبرز ما في البحث. الشرط الأول: أن يكون المكره قادراً على تنفيذ ما هدد به، وإلا كان هذياناً، وبناءً عليه كان أبو حنيفة النعمان يقول: لا إكراه إلا من السلطان، لأن غير السلطان لا يتمكن من تحقيق ما هدد به، أحياناً شخص عادي يقول لك: سأريك، خير إن شاء الله، ماذا يفعل؟ لكن الأئمة الثالث عدا أبي حنيفة قالوا: يتحقق الإكراه من السلطان وغيره لأن إلحاق الضرر بالغير يمكن أن يتحقق من كل متسلط، إذا إنسان كان في الصحراء و إنسان من قطاع الطرق أشهر عليه مسدساً، هذا مكره، وقد يفعل ما يهدد به، كلمة رائعة أن الخلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه لأن صاحبي أبي حنيفة مع الأئمة الثلاث، يتحقق الإكراه بالسلطان وغيره، قال: الخلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه هو اختلاف عصر وزمان لا اختلاف حجة وبرهان، أي كل عصر له ترتيبات. الآن في أمريكا بعض الأحياء أي زنجي يشهر عليك مسدساً أينما ذهبت ينصحونك أن تعطيه كل ما تملك، وإلا تخسر حياتك، لي صديق توفي رحمه الله، له أخت تقيم في أمريكا، مرض زوجها مرضاً شديداً، وعندهم بقالية ضخمة، فطلبت من أخيها المقيم في دمشق أن يحضر إلى أمريكا، ليساعدهم في إدارة البقالية في الصيف، طبعاً على حساب الأسرة، و الله حدثني من فمه، قال لي: ذهبت إلى هناك، بعد يومين ذهبت مع أختي إلى البقالية، شي جميل، بقالية ضخمة قالت لي: هنا مسدس، خير، قالت له: قد يفاجئك لص وهنا مسدس، قال لي: اثنا عشر مسدساً في البقالية، بحيث أينما كنت، لو شهر عليك إنسان تكون مهيئاً نفسك، قال لي: ما هذا العمل؟ ورجع فوراً، هذا مجتمع أوربا أي لا يقدر إنسان أن يمشي بعد المغرب في بعض المدن، في كل ثلاثين ثانية ترتكب جريمة قتل، أو سرقة، أو اغتصاب، هذا الإحصاء أنا قرأته في السنة الخامسة و الستين، الآن أكثر بكثير، كل ثلاثين ثانية ترتكب جريمة قتل، أو سرقة، أو اغتصاب . طبعاً بدول العالم المتقدم لو أرادوا أن ينقلوا الأموال من بنك إلى بنك، أو من بلد إلى بلد، ينقلونها بقطارات مصفحة تصفيحاً لا يخترقه قنابل المدافع، قطارات، أو سيارات مصفحة، مع مرافقة، مع أسلحة، مع هيلوكبتر يطير فوقها، حدثني شخص قال لي: كنت في بلد إسلامي تطبق فيه حد قطع اليد، يد السارق، أقسم بالله من العاصمة إلى محافظة نائية في الجنوب، تبعد عن العاصمة آلاف الكيلو مترات، رواتب هذه المحافظة موضوعة بأكياس كبيرة تنقلها شاحنة، أي بك آب، الأكياس موضوعة بالخلف، وتسير هذه السيارة آمنة مطمئنة، ألفا كيلو متر لنقل الرواتب، من بلد إلى بلد، لأن هناك قطع يد، ألم يسأل الإمام الشافعي؟ قال له: يد بخمس مئين عسجد وديت ما بالها قطعت في ربع دينار؟ *** قال: عز الأمانة أغلاها وأرخصها ذل الخيانة فافهم حكمة الباري *** هناك قصص كثيرة جداً عن بعض البلاد التي تقيم حكم الله في قطع يد السارق ترى العجب العجاب، أي الأمن بشكل لا يصدق، مع أنه لا يوجد علم، ولا تمدن، لكن هناك إقامة لحدود الله، ستة عشر مليون سرقة في عام أربعة و ستين في أمريكا، بينما لو طبق حكم الله في قطع يد السارق لا يحتاج بلد يزيد سكانه عن خمسين مليوناً إلا أن يقطعوا بالعام يداً أو يدين فقط. إذاً أول شرط للإكراه، أن يكون المكره قادراً على تنفيذ ما هدد به وإلا كان هذياناً. 2 ـ أن يغلب على ظن المستكره أن المكره سينفذ تهديده لو لم يحقق ما أكره عليه : الشرط الثاني: أن يغلب على ظن المستكره أن المكره سينفذ تهديده، لو لم يحقق ما أكره عليه. مثلاً من باب الطرفة أحياناً الأم تقول لابنها: والله لأذبحك، ممكن أن تذبحه؟ هو يصدق هذا الكلام، إذا ارتفعت حرارته يطير عقلها، حرارته أربعون تموت من الألم عليه، فكلمة الأم سأذبحك ليس لها معنى إطلاقاً، أما هي باللغة ذبح، لكن هذا الكلام لا يعني شيئاً. الأم هل تقدر أن تذبح ابنها كقوة عضلية؟ نعم تقدر، تذبح دجاجة أحياناً، معها سكين حادة، القدرة غير التنفيذ. الشرط الأول: أن تكون قادرة، أما الشرط الثاني فأن يغلب على ظن المكره أن الذي يهدد يفعل ما يقول، ليس قادراً فقط، قادر ويفعل، أصبحوا شرطين، قادر ويفعل، نضرب مثلاً أحياناً، نستفيد من هذه النقطة بموضوع آخر، أنا أستخدم هذا المثل لوضوحه، إذا إنسان ركب سيارة ومعه زوجته وأولاده، و يمشي في طريق وعلى اليمين واد سحيق، من حيث القدرة العضلية، ألا يستطيع أن يحرف المقود تسعين درجة وينزل في الوادي؟ من حيث القدرة العضلية يقدر وإذا كان المقود هيدروليك بالخنصر، إذاً أيفعلها؟ مستحيل، أولاً: يخاف على حبه لبقائه وحبه لأهله وأولاده، شيء مستحيل، إذاً لما يقول لك إنسان: إن الله عز وجل قادر، يستطيع أن يضع عبده طوال حياته في جهنم قادر لكنه لا يفعلها، لقول الله عز وجل: ﴿ إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [ سورة هود: 56] ﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ [ سورة الأعراف: 156 ] عبد من عباده استنفذ كل عمره في طاعته، وفي خدمة عباده، وفي الدعاء، وفي الدعوة إليه، وفي المعروف، وفي النهي عن المنكر، الله قادر لا يوجد شك، لكن أين رحمته؟ ﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ [ سورة الأعراف: 156 ] أين؟ إن تابوا فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم، أين؟ لو أن عبدي تقرب مني شبراً تقربت منه ذراعاً، أين؟ لو أتاني ماشياً أتيته هرولة ،تلغي ثلاثين آية أو أربعين آية وتقول: لكن الله قادر، كما أن الأب الذي معه زوجته التي يحبها وأولاده، بإمكانه بحركة بسيطة جداً أن ينزل بالوادي بالسيارة، لكن لا يفعلها، مستحيل أن يفعلها، لأن ربنا قال: ﴿ إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [ سورة هود: 56] هذه كلمة "على" في حق الله عز تفيد أن الله ألزم نفسه بالعدل بين العباد، إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته محرماً بينكم فلا تظالموا. حسن الظن بالله ثمن الجنة : يا أخوان حسن الظن بالله ثمن الجنة، هناك أفكار لا تقبلوها، يقول لك: هو حر بملكه، يضرب لك مثلاً مضحكاً أن النجار عنده لوحا خشب هو يمكن أن يضع لوحاً كباب مرحاض ولوحاً كباب لقصر، لك دعوى معه؟ لا ليس لي دعوى معه، لكن النجار الحكيم إذا كان اللوح من الدرجة الثانية يضعه باباً للمرحاض، وإذا كان اللوح من الدرجة الأولى يضعه باباً للقصر، طبعاً هناك حكمة بالنص، فهذا كلام غير مقبول إطلاقاً. ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ﴾ [ سورة الزلزلة: 7-8 ] ﴿ الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾ [ سورة غافر: 17 ] ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا ﴾ [ سورة النساء: 49] لا فتيل، ولا قطمير، ولا ظلم اليوم، بعد ذلك لا يوجد جملة تفيد أشد أنواع النفي كهذه الجملة، ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ ﴾ أي دائماً الإنسان ينفي الحدث، أو ينفي الشأن، نفي الحدث شيء، ونفي الشأن شيء آخر، يكون أكبر حرامي في الأرض، أنت سرقت يقول لك: لا لم أسرق، هذه لم أسرق هو نفى سرقة هذا الشيء، أما هو فأكبر حرامي، فهذا النفي نفي ماذا؟ نفي الحدث، أما كلمة ما كان له أن يسرق أي السرقة ليست من طبعه، ولا من شأنه، ولا من سجيته، ولا يريدها، ولا يقرها، ولا يرحب بها، بل يمقتها، ويكرهها، اثنا عشر معنى علماء النحو استنبطوا من قوله: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ [ سورة العنكبوت: 40] أي لا ظلمهم، ولا يريد أن يظلمهم، ولا يحب أن يظلمهم، ولا يمكن أن يظلمهم، ولا يعقل أن يظلمهم، وهو غني عن ظلمهم، بعيد عن الظلم: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ ﴾ [ سورة العنكبوت: 40] هي أشد أنواع النفي، فالإنسان كلما عرف الله معرفة جيدة أقبل عليه، وكلما أساء الظن به ابتعد عنه، وحسن الظن بالله ثمن الجنة، وحسن الظن بالله من حسن العبادة ،هذا الكلام لا تقبلوه، لأن الله عز وجل حر بملكه، فعلاً حر بملكه، أيضاً الله عز وجل قال: ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [ سورة الأعراف: 180] الله إضافة إلى أنه قادر، هو كامل، الله موجود وواحد وقادر وكامل، قادر يفعل كل شيء، لكن كامل. الشرط الثاني إذاً أن يغلب على ظن المستكره أن المكره ينفذ تهديده، أول بند: قادر على تنفيذ تهديده، ممكن أن يقول عريف لرتبه عالية أنا سأريك، من أنت؟ هذا غير قادر، أما لو كان قادراً لكان منصفاً. 3 ـ أن يكون الأمر المكره به متضمناً إتلاف نفس أو عضو أو مال : الشرط الثالث: أن يكون الأمر المكره به متضمناً إتلاف نفس، أو عضو، أو مال أو متضمناً أذى لا يحتمل، أو أن من يهمهم أمرهم كإيذاء ابنه، أو زوجته، أو أخيه، أيضاً هذا يدخل في الإكراه. 4 ـ أن يكون المستكره بعيداً عن الفعل قبل الإكراه : أن يكون المستكره بعيداً عن الفعل قبل الإكراه، فإذا كان يفعله قبل الإكراه وأكره عليه وفعله هذا ليس له قيمة إطلاقاً، من عادته أنه يشرب أكرهه، قال: أجبروني، أنت سابقاً كنت تشرب، هذا لا يسمى إكراهاً، الشرع دقيق جداً، يقول: أخي مضطر وكل قضية مضطر، كل قضية ليس لي خيار، الظرف صعب، كلها هذه كلمات مطاطة، ظرف صعب ومضطر. 5 ـ أن يكون المهدد به أشد خطراً على المستكره مما أكره عليه : أن يكون المهدد به أشد خطراً على المستكره مما أكره عليه، أي إذا ما كنت تشرب و قالوا لك: لن نعطيك إجازة إلا إذا شربت، خير إن شاء الله لا أريد هذه الإجازة، يجب أن يكون العمل هاماً جداًً، يكون الشيء المستكره عليه أشد من الذي يهدد. 6 ـ أن يترتب على المكره به الخلاص من المهدد : أن يترتب على المكره به الخلاص من المهدد، أمرت بمعصية ولو فعلتها لا تنجو لا تفعلها، لو فعلتها ونجوت أصبح الإكراه معقولاً، لو فعلتها إن لم تنج لا تفعلها، التهديد بعد سنة، هذا ليس بتهديد، يكون الآن، بعد شهر ليس تهديداً. 7 ـ أن يكون التهديد آنياً : لا يصح الإكراه إلا إذا كان آنياً أما بعد شهر، بعد شهرين، فهذا ليس مقبولاً. 8 ـ من أكره على عمل فليفعل الحد الأدنى منه : الآن إذا أكرهت على عمل وفعلت زيادة عنه شعرة، إنسان مضطر من أجل أن يبقى حياً أن يأكل، أي تأكل حتى تشبع من لحم محرم، لا يجوز، يجب أن تأكل الحد الأدنى، الذي يبقيك حياً، زيادة ما عاد إكراهاً، ولا عاد اضطراراً. ﴿ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [ سورة البقرة: 173] أن يعود إليها مرة ثانية، هذا الشرط الثامن. 9 ـ من أكره على أحد فعلين لا يسمى مكرهاً : هناك شرط أصابه الشافعية أنه لو أن إنساناً أكره على أحد فعلين، لا يسمى مكرهاً، أي إذا كان عنده ملايين، أكره على فقد أحد الملايين، يكفيه المال الثاني، إذاً ما عاد مكرهاً، المكره على فقد ماله كله، إنسان له دخل من جهة، وله دخل من جهة، هذه الجهة فرضوا عليه شيئاً لو لم يفعل لسرحوه من عمله، له دخل ثان، ما عاد مكرهاً، صار عندنا تسعة شروط. 10 ـ من أكره على بيع لوفاء دين مستحق عليه هذا ليس إكراهاً : أما العاشر فلو أكرهت على بيع البيت من وفاء دين مستحق عليك، هذا ليس إكراهاً، هذا حق، والله أكرهني، لا ليس إكراهاً، لذلك القاضي يكره، يكره على بيع الملك وفاء للدين، إذا كان هناك حجز إذاً عليك حق ثابت ما عاد إكراهاً، إذا القاضي أكرهك على بيع ما تملك من أجل أن تسدد بعض الديون الثابتة عليك ليس هذا إكراهاً، هذا أمر القاضي، لأن القاضي ملزم، وحكمه شرعي، وأنت عليك حق. تلخيص لما سبق : هذه عشرة شروط متعلقة بالإكراه ينبغي أن تعرفوها جيداً، لأن أكثر كلمة أسمعها ممن أتعامل معهم يقول: أخي مضطر، الظروف صعبة، الأمور معقدة، نريد أن نشتري براد، من أجل براد تقترض بفائدة ربوية؟ هذه ليست ضرورة، يقدر الإنسان أن يعيش بلا براد، طبعاً إذا كان موجوداً أفضل لكن تضطر أن تأكل الربا، أو تطعم الربا، أو تعمل قرضاً ربوياً من أجل ماء باردة هذه ليست ضرورة، أكثر كلمة أسمعها مثلما قلت لكم موضوع أنه مضطر، كلمة مطاطة صارت هذه الضرورات، وهذه شروط الإكراه، طبعاً يلتقي الإكراه مع الاضطرار، لأن الأمور متداخلة، إنسان قال لك: إما أن تأكل هذا اللحم أو أقتلك، هذا إكراه، تمشي بالطريق لا يوجد طعام، على مشارف الموت، هذا ليس إكراهاً هذا اضطرار، يلتقي الإكراه مع الاضطرار، إما أن تكره وإما أن تضطر، على كلٍّ ﴿ فمن اضطر﴾ تعني أنك مضطر أو مكره، أوسع ﴿ غير باغ ولا عاد ﴾ ألا تزيد عن الحد الأدنى، وألا تعود إليه، فلا إثم عليك، ﴿ فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه ﴾ طبعاً الموضوع طويل وله حيثيات طويلة، وفروع كثيرة، لكن هذا الشيء الأساسي أي الإكراه دخل في القضاء، لذلك كل شيء ينتزع من إنسان بالإكراه يعد باطلاً، العقود كلها تكون باطلة، أحياناً بيع، شراء، زواج، طلاق، ربا، بالإكراه، كله باطل، لماذا ألحقناه بالقضاء؟ لأنه إذا ثبت للقاضي أنه مكره على هذه الأقوال الحكم صار غير مناسب، اختلف الحكم كله، وحتى الإنسان لا يتوسع إلى درجة فقد كيانه الديني، كل شيء أعطاه رخصة ومضطر، و ماذا نفعل؟ والزمن صعب يا أخي، وبرقبتنا أولاد، والمعيشة صعبة، يريد أن يعيش أرقى معيشة لأنه مضطر، لذلك نغش، وندلس، ونكذب، ونأكل مالاً حراماً، ونرفع السعر بشكل فاحش جداً، ونعطي وصفاً للبضاعة سيئاً، كله بحجة: مضطرون، هذا كلام مرفوض، نحن توسعنا بالموضوع لأنه تعلق بموضوعات أخرى. |
رد: العبادات التعاملية
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية الدرس : ( الثامن العاشر ) الموضوع : القواعد العامة - 1 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.أخطر موضوع على الإطلاق في حياة المؤمن بعد إيمانه بالله موضوع الحلال و الحرام : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4922/01.jpg أيها الأخوة الكرام، مع الدرس الأول من سلسلة دروس: "الحلال والحرام في الإسلام"، ولا يخفى عليكم أن أخطر موضوع في الدين بعد الإيمان بالله الحلال والحرام، لأنك بالكون تعرفه، وبالشرع تعبده، بعد أن تستقر حقائق الإيمان في نفس المؤمن، إيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره من الله تعالى، بعد أن سعى الإنسان إلى أداء العبادات من صلاة، وصيام، وحج، وزكاة، ليس هناك موضوع على الإطلاق أخطر ولا أهم إلى نفس المؤمن من موضوع الحلال والحرام، لأن الإنسان إذا اقترف الحرام كان الحرام حجاباً بينه وبين الله. العلوم الدينية علوم كثيرة جداً، علوم أدوات، علوم فرعية، علوم فقهية، ما من موضوع على الإطلاق أخطر في حياة المؤمن بعد إيمانه بالله من موضوع الحلال و الحرام. قواعد كلية في الحلال والحرام : 1 ـ الأصل في الأشياء الإباحة : قبل أن نمضي في الحديث عن الحلال والحرام في حياة الإنسان الشخصية؛ في طعامه وشرابه، وفي علاقاته الاجتماعية، في زواجه، في كسبه للمال، في إنفاقه للمال، في سفره، في حله وفي ترحاله، قبل أن نمضي في هذه الموضوعات لابد من درس أو درسين نتحدث فيهما عن حقائق أساسيه وقواعد كلية في الحلال والحرام، فمن أول هذه القواعد الكلية في الحلال والحرام أن الأصل في الأشياء الإباحة، الأصل أن كل شيء مباح لماذا؟ وما الدليل؟ لقول الله عز وجل: ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ﴾ [ سورة البقرة : 29] ولقول الله عز وجل: ﴿ وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ ﴾ [ سورة الجاثية: 13 ] ولقول الله عز وجل : ﴿ أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ ﴾ [ سورة لقمان: 20 ] أيّ قضية سكت عنها الدين قضية مباحة : الأصل في الأشياء الإباحة لذلك لا حرام إلا ما ورد فيه نص صحيح صريح، إذاً النص غير صحيح أو النص صحيح ولكن غير صريح، نعود إلى أصل القاعدة الأصل في الأشياء الإباحة لا تحريم إلا بنص صريح صحيح. قضية سكت عنها الدين إذاً هي مباحة، أصل القاعدة أن كل شيء مباح في الأصل ما لم يرد في تحريمه نص صحيح صريح، لو اعتمدت على نص غير صحيح هذا الشيء يبقى على أصل القاعدة مباحاً لو اعتمدت على نص صحيح، لكن دلالته ليست قطعية، يرجع الحكم إلى أن هذا الشيء مباح وفق القاعدة الأصلية الأولية، فالقاعدة الأولى في الحلال والحرام أن الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد نص صحيح صريح من قبل الله عز وجل في كتابه، أو من دوام النبي صلى الله عليه وسلم في سنته، لذلك موضوع الحلال والحرام لا يستطيع إنسان كائن من كان أن يقول لك هذا حلال وهذا حرام إلا بالدليل. أكثر كلام أسمعه أستاذ قالوا: هذا الشيء حرام، أين الدليل؟ ليس تحليل الحرام أو ليس تحريم الحلال بأقل إثماً وخطراً وانحرافاً من تحليل الحرام، سيّان أن تحلل حراماً أو تحرم حلالاً. بطولة الإنسان ليس في تحريم الحلال ولكن في إعطاء الرخصة مع الدليل : أول قاعدة: الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد نص صريح صحيح في تحريمها، لذلك المؤمن لا يعمل فكره إلا بالطريقة التالية؛ إن كنت ناقلاً فالصحة، إن كنت مدعياً فالدليل، لا يقبل شيئاً محرماً إلا بالدليل القطعي، طالبه بنص صحيح، قرآن كريم، حديث صحيح، حديث متواتر، حديث حسن، وطالبه بدلالة واضحة صريحة، أما أن تعتمد نصاً ضعيفاً، أو موضوعاً، أو أن تعتمد مدلولاً ظنياً، فهذا لا يجعل هذا الشيء حراماًً، بالمناسبة أي إنسان مهما كان علمه محدوداً بإمكانه أن يقول لك: هذا حرام، لكن البطولة ليس في تحريم الحلال ولكن في إعطاء الرخصة مع الدليل، هذا حلال وهذا الدليل. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4922/02.jpg القاعدة الأولى الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد دليل نص صحيح صريح يحرمه. بالمناسبة أخواننا الكرام، هذا الشرع من عند خالق الكون، من عند الصانع، من عند الخبير، فعندما يتطاول الإنسان ويحرم ما أحله الله، أو يحلل ما حرمه الله، فقد ارتكب إثماً كبيراً، لذلك لا أبالغ إن قلت: إن أكبر معصية على الإطلاق هناك إثم، هناك عدوان،هناك فحشاء، هناك منكر، هناك نفاق، هناك شرك، هناك كفر، وفوق كل هذه وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون، أن تحلل حراماً أو تحرم حلالاً، الدليل العقلي أن الله لا يعقل أن يخلق شيئاً من أجل الإنسان ثم يحرمه عليه، شيء عبس، يخلق ما في الكون من أجل الإنسان ثم يحرم هذه الطيبات على الإنسان؟ أما إذا حرم بعض هذه الجزئيات فالحكمة بالغة بالغة سوف نراها بعد قليل. أيها الأخوة الكرام، في الشرع الإسلامي أشياء أمرنا الله بها، وفي الشرع الإسلامي أشياء نهانا الله عنها، وفي هذا الشرع العظيم أشياء كثيرة جداً سكت الله عنها لم يأمرنا بها ولم ينهنا عنها هي المباحات، لذلك يمكن أن نقول: هناك أمر واجب، فرض، واجب مستحب أو مندوب، مباح، مكروه تنزيهاً، مكروه تحريماً، حرام. فيجب أن يعمل عقل المؤمن دائماً، كل حركة، كل سكنة، كل تصرف، كل موقف، يجب أن يصنفه في أحد هذه الأحكام الستة، فرض، واجب، مندوب، مباح، مكروه تنزيهاً تحريماً، حرام. التحليل والتحريم هو الذي حلله الله وحرمه الله : النقطة الثانية أن دائرة المباحات كبيرة جداً، وأن دائرة المحرمات صغيرة جداً، أي لو أخذنا نسبة المحرمات إلى نسبة المباحات لوجدنا أنها نسبة تكاد لا تذكر، وقد يسأل سائل - وعالجت هذا الموضوع صباحاً في صلاة الفجر - لماذا خلق الله لحم الخنزير؟ لماذا خلق الله التخمر؟ هذا قانون كيميائي لماذا خلقه الله عز وجل؟ لأن الدنيا دار ابتلاء، لأن الدنيا في أصلها دار ابتلاء: ﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾ [ سورة الملك: 2 ] إنا كنا مبتلين لأن الدنيا هي دار بلاء وامتحان، لذلك لابد من منهيات، لابد من محرمات، لو ألغيت المحرمات ألغي التكليف، ألغي حمل الأمانة، ألغي الثواب، ألغي العقاب، لابد من أشياء محرمة لتمتحن في تركها، لا تظهر إرادة المؤمن في طاعة الله إلا بترك المحرمات، فلو تصورنا أن الله خلق كل شيء مباح إطلاقاً للإنسان، من هو الطائع؟ من هو العاصي؟ من هو المستقيم؟ من هو المنحرف؟ من هو الصالح؟ من هو الفائز؟ ألغيت العبادة، ألغي التكليف، ألغيت الأمانة، ألغي الثواب، ألغي العقاب، ألغيت الجنة، لابد من المحرمات، حكمة وجود المحرمات متعلقة بحكمة التكليف، وبحكمة الابتلاء، وبحكمة الامتحان، والدليل: ﴿ وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنْ الظَّالِمِينَ ﴾ [ سورة البقرة : 35 ] إذاً بالواقع لحم الخنزير محرم مقابل هذا التحريم كم من أنواع اللحم حلال أكله؟ مئات، الخمر محرمة مقابل هذا التحريم كم نوع من أنواع الشراب اللذيذة الطيبة الطاهرة محللة؟ أنواع منوعة. لذلك ورد في الحديث: (( ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته )) [البزار في مسنده و الحاكم من حديث أبي الدرداء] التحليل والتحريم هو الذي حلله الله وحرمه الله. المباح لا يحتاج إلى دليل أما التحريم فيحتاج إلى دليل : لذلك المؤمن لا يحزن، كل شيء في الأصل مباح. قال لي مرة إنسان هل يجوز أن ألبس كنزة مصنوعة في بريطانيا؟ قلت له: يجوز، قال: لا يجوز، قلت: لماذا؟ قال: صنعها الكفار، قلت: هذا شيء مباح. إذاً: (( ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسى شيئاً، ثم تلا هذه الآية : ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً ﴾)) [البزار في مسنده و الحاكم من حديث أبي الدرداء] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4922/03.jpg أنت لست مع إنسان يذكر وينسى، أنت مع خالق الأكوان، فالذي أمرك به هو الحلال، والذي نهاك عنه هو الحرام، وما سكت عنه فهو عفو، يجوز أن نأكل على الطاولة يجوز، المباح لا يحتاج إلى دليل، لماذا؟ لأن الأصل في الأشياء الإباحة، المباح لا يحتاج إلى دليل، أما التحريم فيحتاج إلى دليل، لو كان الأصل كل شيء محرم صار المباح يحتاج إلى دليل، الأصل أن كل شيء مباح، فالحرام يحتاج إلى دليل، سئل عليه الصلاة والسلام عن السمن والجبن والفراء فقال عليه الصلاة والسلام: (( ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسى شيئاً، ثم تلا هذه الآية : ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً ﴾)) [البزار في مسنده و الحاكم من حديث أبي الدرداء] الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه، لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم. قال لهم: اذبحوا بقرة، ما لونها؟ ما هي إن البقر تشابه علينا؟ ما زالوا يسألون عن صفات تفصيلية في البقرة حتى ضيق عليهم، ذلك يعني أن الله حرم لحم الخنزير، وحرم الدم المسفوح، وحرم الميتة، لكن لم يتحدث عن الجبن ولا عن السمن إذاً حلال، لأن الأصل في الأشياء الإباحة. ((إن الله افترض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودًا فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تقربوها، وترك أشياء غير نسيان رحمة لكم فلا تبحثوا عنها)) [ الطبراني، وأبو نعيم في الحلية، والبيهقى عن أبى ثعلبة الخشني] الإباحة ليست متعلقة بالأعيان والذوات بل تشمل الأفعال ما لم يأت نص في تحريمها : نستنبط من هذا أن هناك حكمة بالغة لا حدود لها من الأشياء التي أمرنا الله بها، وأن هناك حكمة بالغة لا حدود لها من الأشياء التي نهى الله عنها، وهناك حكمة بالغة لا حدود لها لا تقل عن حكمة المأمورات والمنهيات هي الأشياء التي سكت الله عنها، حكمة في الذي أمر، وحكمة في الذي نهى، وحكمة في الذي سكت. النقطة الثانية أن قاعدة الأصل في الأشياء الإباحة لا تتعلق بالأعيان بل تشمل الأفعال، أن تأكل لحماً معيناً، أو أن تشرب شراباً معيناً، أو أن تفعل فعلاً معيناً، صار هناك تعزية لا يوجد مانع إن ذهب الرجل وعزى أخاه، أحياناً هناك عادات وتقاليد وتصرفات ليست متعلقة بالحلال والحرام مباحة، فالإباحة ليست متعلقة بالأعيان والذوات، تشمل الأفعال والعادات والتقاليد ما لم يأت نص في تحريمها. بالمناسبة العبادات لا يجوز أن تضيف عليها شيء، كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار: (( مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ )) [ متفق عليه عن عائشة] أما لو أحدثت سلوكاً اجتماعياً ولم تسمِه عبادة ليس له علاقة لا بالحلال ولا بالحرام على قاعدة أن الأصل في الأشياء الإباحة، العبادات أنشأها الشارع الحكيم فلا يستطيع إنسان أن يضيف عليها شيء، لكن المعاملات أنشأها الإنسان، والشرع إما أنه أقرها، أو صححها، أو عدلها، أو بدلها. تصرفات العباد من الأفعال والأقوال نوعان؛ عبادات وعادات : العبادات الشرع الحكيم أنشأها أصلاً ابتداء، إذاً لا يجوز أن تضيف عليها لكن المعاملات أنشأها الإنسان، رأي الشرع فيها أنه أقرها، أو عدلها، أو هذبها، أو صححها. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4922/04.jpg قال بعض العلماء: إن تصرفات العباد من الأفعال والأقوال نوعان؛ عبادات يصلح فيها دينهم، وعادات يحتاجون إليها في دنياهم. لذلك أصل العبادات التوقيت، أنها موقوتة على نص صحيح، أصل العبادات التوقيت فلا يشرع منها إلا ما شرعه الله تعالى: ﴿ أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ﴾ [سورة الشورى: 21] ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا ﴾ [ سورة يونس: 59] أصل الحلال والحرام في العبادات أن الله شرعها ابتداء، بينما أصل المعاملات أن الناس ابتدؤوها، لكن الشرع صححها، أو أقرها، أو عدلها، أو بدلها. قال بعض الصحابة الكرام - سيدنا جابر بن عبد الله - في الحديث الصحيح قال: ((كنا نعزل والقرآن ينزل، فلو كان شيئاً ينهى عنه لنهانا عنه القرآن)) [ مسلم عن جابر] كنا نعزل ماءنا عن رحم أزواجنا والقرآن ينزل فلو كان شيء ينهى عنه لنهى عنه القرآن. هذه قاعدة الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد نص صحيح صريح في تحريمها. 2 ـ التحليل والتحريم من حق الله وحده : القاعدة الثانية: التحليل والتحريم من حق الله وحده، لا يستطيع إنسان كائناً من كان ولو كان نبي أن يحرم من عنده أو أن يحلل، قال تعالى: ﴿ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ ﴾ [ سورة الأنعام: 50] قال بعضهم ثلاث نصائح تكتب: اتبع لا تبتدع، اتضع لا ترتفع، الورع لا يتسع. أول كلمة في الخلافة التي ألقاها الخليفة الصديق عليه رضوان الله قال: إنما أنا متبع ولست بمبتدع. مؤمن كبير، صدّيق، صحابي جليل، تابعي جليل، فقيه كبير، هو يكتشف الأحكام ولا يأتي بالأحكام من عنده، يكتشف، يستنبط، الله جلّ جلاله في القرآن الكريم نعى على أهل الكتاب أنهم جعلوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله قال تعالى: ﴿ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [ سورة التوبة: 31] كلام وإن بدا لكم كلام بديهي إلا أنه ينبغي أن نقوله؛ إنسان مهما علا شأنه لا يستطيع أن يقول لك: هذا حرام، لماذا؟ هكذا، لا يوجد هكذا في الدين. ﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [ سورة يوسف: 108 ] الحلال ما أحلّه الله والحرام ما حرمه الله : كلام الأشخاص لا يحلل حراماً، ولا يحرم حلالاً، الحلال ما أحله الله والحرام ما حرمه الله، والتحليل والتحريم من حق الله وحده، الأنبياء يبلغون، والعلماء يبينون، والمشرع هو الله، هذه قواعد خطيرة وأساسية في علوم الدين، جاء عدي بن حاتم إلى النبي صلى الله عليه وسلم وكان قد اتبع النصرانية قبل الإسلام، فلما سمع النبي يقرأ هذه الآية : ﴿ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [ سورة التوبة: 31] قال: يا رسول الله! إنهم لم يعبدوهم، فقال عليه الصلاة والسلام: بلى إنهم حرموا عليهم الحلال، وأحلوا لهم الحرام، فتبعوهم فذلك عبادتهم إياهم. أنت عندما تلتقي مع إنسان لا تقول: إنه إله، أما حين يأمرك بما تخالف الشرع وتنصاع له فأنت عاملته كإله، جعلته إلهاً لا بلسانك بل بسلوكك، أمرك بقطيعة الرحم، مثلاً انصعت له، أنت ماذا فعلت؟ أنت خالفت شرع الله عز وجل واتبعته، أنت ما قلت: إنه إله لكن اتباعك إياه بما يخالف الشريعة جعلته إلهاً وأنت لا تدري، قال: يا رسول الله إنهم لم يعبدوهم قال: بلى إنهم حرموا عليهم الحلال، وأحلوا لهم الحرام، فاتبعوهم فذلك عبادتهم إياهم، وهناك رواية أخرى قال عليه الصلاة والسلام: ألا إنهم لم يكونوا يعبدوهم ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئاً استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئاً حرموه. العلماء الورعون يكرهون أن يقولوا هذا حلال وهذا حرام إلا ما كان بيناً بلا تفصيل بيناً: الآن لو أردنا أن نطبق هذه القاعدة، لو فرضنا إنساناً له موجه ديني، هذا الموجه أمره أمراً مخالفاً للقرآن، أو خلاف السنة، وطبقه، ماذا فعل هذا الإنسان؟ عبده من دون الله. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4922/05.jpg الحلال ما أحله الله، والحرام ما حرمه الله، لذلك روى الإمام الشافعي في كتابه الأم عن القاضي أبي يوسف صاحب أبي حنيفة قال: "أدركت مشايخنا من أهل العلم يكرهون الفتية"، الحقيقة أجرؤوكم على الفتية أجرؤوكم على النار، أن يقولوا هذا حلال وهذا حرام، كلمة كبيرة جداً أن تقول هذا حلال وهذا حرام، طبعاً إذا كان هناك دليل يقيني كالشمس تقول له: هذا حلال. وإذا قال لك: اسرق، تقول له: حرام، طبعاً القصد هنا الشبهات، قال: هؤلاء العلماء الورعون يكرهون أن يقولوا هذا حلال وهذا حرام إلا ما كان في كتاب الله عز وجل بيّن بلا تفسير، إنما حرم عليكم الميتة أي أَكْل لحمٍ ميتٍ، فإن كان الشيء بيّناً كالشمس قل: هذا حرام وهذا حلال، و إن كان الشيء مُختلفاً عليه لا تقل: هذا حرام وليس معك دليل. هؤلاء العلماء يخشون أن يفتوا، أن يقولوا: هذا حرام وهذا حلال، طبعاً إذا كان هناك دليل يقيني أن هذا حلال وهذا حرام فلابأس، إذا قال لك: اسرق، تقول له: هذا حرام القصد هنا الشبهات. قال: هؤلاء العلماء الورعون يكرهون أن يقولوا هذا حلال وهذا حرام إلا ما كان في كتاب الله عز وجل بيناً بلا تفصيل. ﴿ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةَ ﴾ [ سورة البقرة: 173] أكل لحم الميتة حرام، الشيء إذا كان بيّناً كالشمس قل: هذا حلال وهذا حرام، إذا كان مختلفاً عليه لا تقل: هذا حرام وليس معك دليل. ترفع العلماء عن قول هذا حلال وهذا حرام من دون دليل قطعي : قال: حدثنا ابن السائب عن ربيع بن خيثم - وكان من أفضل التابعين- أنه قال: إياكم أن يقول الرجل: إن الله أحلّ هذا أو رضيه، فيقول الله له: لم أحل هذا ولم أرضه، و يقول: إن الله حرم هذا، فيقول الله: كذبت لم أحرمه. وحدثنا بعض أصحابنا عن إبراهيم النخعي أنه حدث عن أصحابه أنهم كانوا إذا أفتوا بشيء أو نهوا عنه قالوا: هذا مكروه وهذا لا بأس به، فأما نقول هذا حلال وهذا حرام فما أعظم هذا! كلمة حلال شيء مشتبه فيه، وكلمة حرام شيء مشتبه به، كان العلماء الورعون يترفعون على أن يقولوا هذا حلال وهذا حرام من دون دليل قطعي، لذلك قال بعض العلماء إن السلف الصالح لم يطلقوا الحرام إلا على ما عمل تحريمه قطعاً. افعله ولا بأس، نرجو الله أن يغفر لك به، لا تقل: هذا حلال أو حرام لشيء ليس فيه دليل قطعي هذا من الورع، طبعاً إذا كان الشيء فيه دليل بيّن كالشمس وقال: هذا حرام لقوله تعالى: حرمت عليكم كذا وكذا أو هذا حلال لا يوجد مانع، أما في الشبهات فقبل أن تقول: هذا حرام بسرعة أو هذا حلال تريث، قل: لا يعجبني، لا أستحسنه، لا أرتاح له، افعله ولا بأس نرجو أن يغفر الله لكم، لا تقل: هذا حلال أو هذا حرام لشيء ليس فيه دليل قطعي، هذا من الورع، لذلك أنا لا أرى كلمة جبن بمعنى الخوف تليق بالإنسان إلا في موضع الفتوى إذا قلت جباناً في الفتوى، هذا مديح وليس ذماً، لأن الفتوى خطيرة. وفد جاء وفد من المغرب، سار ثلاثة أشهر حتى وصل إلى بلاد أحمد بن حنبل، معهم ثلاثون سؤالاً، أجابهم عن سبعة عشر سؤالاً والباقي قال: لا أعلم، قالوا: معقول الإمام أحمد بن حنبل لا يعلم؟ قال لهم: قولوا لهم الإمام أحمد بن حنبل لا يعلم، السلف الصالح ورع جداً أي لا يتكلم كلمة إلا إن كان متأكداً منها. 3 ـ تحليل الحرام وتحريم الحلال من أكبر الكبائر : القاعدة الثالثة: أن تحريم الحلال أو تحليل الحرام قرين الشرك، بل إن النبي عليه الصلاة والسلام خصّ تحريم الحلال بحديث خاص قال: ((هلك المتنطعون، هلك المتنطعون، هلك المتنطعون)) [رواه مسلم عن ابن مسعود ] من هم المتنطعون؟ الذين يسارعون أن يقولوا كلمة حرام على ما أحله الله. الإنسان بحاجة إلى خبير في أمور الدنيا و خبير في أمور الآخرة : أذكر أخاً من أخواننا الكرام في ضائقة مالية شديدة جداً، عليه ديون مالية كثيرة، وهو يعمل في حرفة تزيينية- الصدف- جاءه عرض ألف بيت مصحف،وهو في أمس الحاجة لهذا العرض، الذي عرض عليه ليس مسلماً، فقال: حرام من عنده، جهل، اسأل يا أخي، ترفض عرضاً تجارياً من إنسان غير مسلم لصنع بيوت للمصحف، الإنسان عندما يضيق على نفسه ولا يسأل، أنت تحتاج إلى خبير في الحياة، خبير في الدنيا، والآية الكريمة قال تعالى: ﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [ سورة النحل: 43 ] وأنت بحاجة ماسة إلى خبير في الآخرة لقوله تعالى: ﴿ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا ﴾ [ سورة الفرقان: 59 ] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4922/06.jpg ففي قضايا الدنيا يجب أن ترجع إلى مؤمن خبير في الدنيا، وفي أمور الآخرة يجب أن ترجع إلى إنسان خبير في موضوع الآخرة، ومفتاح العلم السؤال، وأنت إذا سألت استعرت عقل الرجل، عقله كله، خبراته استعرتها بسؤال، اسأل، أذكر قصتين؛ - طبيب زارنا قبل سنة تقريباً - فتاة في ريعان الشباب عقد قرانها شعرت بألم في ثديها، فأشير عليها باستئصاله لأن به ورماً خبيثاً، الطبيب الذي زارنا قال: جاءت لي هذه الفتاة لأجري عليها أشعة لئلا يعاود هذا المرض الظهور مرة ثانية، فحصت النسيج الذي استأصل منه الثدي فلم أجد شيئاً من شدة هول الموقف قال: ركبت سيارتي واتجهت إلى هذا الطبيب الجراح الذي استأصل الثدي، قلت له: انظر إلى النسيج أنت حولت هذه الفتاة إليّ كي أجري عليها الأشعة، وهذه الأشعة ربما أضرت برئتيها، فهل تريد أن تضيف إلى الخطأ الأول خطأ ثانياً؟ قال: فلما تأمل الطبيب الجراح بالنسيج الذي استأصل منه الثدي تراجع عن موقفه وقال: معك حق. هذا الطبيب قال لي كلاماً قال: أرجو ألا تسمح لإنسان باستئصال جزء من جسمه إلا بعد مشاورة عدة أطباء، الاستئصال ليس له حل، أنا هذه القاعدة بقيت في ذهني، إن كان هناك استئصال فلابد من طبيبين أو ثلاثة فإذا توفرت آراؤهم نفعل، أخ كريم له فتاة مريضة لابد من استئصال أحد أعضائها، استشارني قلت له: اسأل طبيباً أخر، سأل طبيباً آخر قال: ليس هناك ضرورة، بعد حين شفيت و هذا العضو المصاب صار يعمل بشكل منتظم. الإنسان بحاجة إلى خبير في أمور الدنيا، وبحاجة إلى خبير في أمور الآخرة، والقضية قضية ثقة من دون رسوم، فاسأل به خبيراً: ﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [ سورة النحل: 43 ] هذا دين، يا ترى هذه حلال؟ حرام؟ يجوز؟ لا يجوز؟ ترضي الله؟ لا ترضي الله؟ أفعل هذا؟ لا أفعل هذا؟ والنبي عليه الصلاة والسلام فيما يرويه عن ربه جل جلاله أنه قال: (( إني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وأنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً)) [مسلم عن عياض بن حمار المجاشعي] أي فطرتهم سليمة فطرتهم متوافقة مع الدين الحنيف. للإنسان فطرة سليمة متوافقة مع الدين : الأصل للإنسان فطرة سليمة متوافقة مع الدين، لكن الشياطين اجتالتهم فشوهت أمامهم معالم الدين، حرمت عليهم ما أحلّ الله، مثلاً امرأة يمكن أن ترضى من زوجها أن يزني ولا ترضى لزوجها أن يتزوج امرأة ثانية، هناك من بين المسلمات من يرضون شيئاً مشروعاً، مرة سألوا عالمة في علم النفس عن رأيها في التعدد فقالت: كيف يكون لي رأي في هذا الموضوع وقد أباحه الله عز وجل؟ لا أقول: الله أوجبه، أباحه في ضرورة، مثلاً امرأة لا تنجب أيعقل أن نلقيها في الطريق من أجل أن نتزوج امرأة تنجب؟ لا أبداً، نقترن بامرأة تنجب، امرأة مريضة في ظروف معقدة جداً، صعبة جداً، وهذا الشرع ليس لإنسان أو إنسانين بل لكل المسلمين، فلذلك: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾ [ سورة الأحزاب: 36] من طرح موضوعاً بتّ فيه الشرع فقد أشرك : لمجرد أن تطرح موضوعاً على بساط البحث بت فيه الشرع فأنت لست بمؤمن، قضية حكم فيها الشرع أحلها الله أو حرمها الله، لذلك تحريم الحلال قانون الشرك، وتحليل الحرام قانون الشرك، لنضرب مثلاً قال الله عز وجل: ﴿ مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ﴾ [ سورة المائدة: 103] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4922/07.jpg ما هي البحيرة؟ قال: إذا ولدت الناقة خمسة أبطن آخرها ذكراً شقوا أذنها، ومنعوا ركوبها، وتركوها لآلهتهم هذه بحيرة، وكان الرجل إذا قدم من سفر، أو برأ من مرض، أو نحو ذلك سيب ناقته وخلاها، وجعلها كالبحيرة تسمى سائبة، وكانت الشاة إذا ولدت أنثى هي لهم، وإذا ولدت ذكراً فهي لآلهتهم، وإذا ولدت ذكراً وأنثى قالوا: وصلت أخاها فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم تسمى الوصيلة، والفحل إذا ركب ولد ولده قالوا: قد حمى ظهره فلا يركب، ولا يحمل عليه، ويسمى الحام، من أين أتيتم بهذه الأحكام؟ الله قال: ﴿ مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ﴾ [ سورة المائدة: 103] هذا مثل واضح، الحرام ما حرمه الله والحلال ما أحله الله لهذا الدين، قال تعالى: ﴿ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ [ سورة الأعراف: 32] 4 ـ في الحلال ما يغني عن الحرام : هناك قاعدة أخرى من قواعد الحلال والحرام، من هذه القواعد: أن في الحلال ما يغني عن الحرام، أعبر عن هذه الحقيقة كثيراً بأن ليس في الإسلام حرمان، إذا الله حرم الزنى أحلّ الزواج، إذا حرم لحم الخنزير أحلّ مئات أنواع اللحوم، إذا حرم الخمر أباح الأشربة الطيبة، إذا حرم الربا أحلّ البيع. أي لا يوجد حرام إلا وله بدائل عشرات بل مئات بل ألوف، لا يوجد حرمان في الإسلام لكن هناك قناة قذرة و قناة نظيفة، لذلك مثلاً اليانصيب حرام لكن لو عشرة أشخاص كل واحد وضع ألفاً في الشهر، وعملوا قرعة، كل شهر إلى فلان، هذه لا يوجد فيها شيء، هذه حلال، اليانصيب حرام، هناك أشياء محرمة لها بديل شرعي رائع، التأمين لو اجتمع عشرة أشخاص أو مئة شخص في مصلحة واحدة، وكل واحد وضع جزءاً من مستورداته في صندوق واحد، تلفت بضاعته يأخذ من هذا الصندوق تعويضاً عن بضاعته حلال، هذه الحصيلة للجميع، هذا التأمين التعاوني، لا يوجد عليه شائبة نهائياً، طبعاً ليس المقام مقام تفاصيل لكن ما من شيء محرم إلا له بدائل كثيرة، لكن العلة فينا لا نريد منهج الله أما لو أردنا منهج الله فكل شيء حرمه الله له بديل، قال تعالى: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ*وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا*يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا ﴾ [ سورة النساء: 26-28] 5 ـ ما أدى إلى الحرام فهو حرام : القاعدة الأخرى: أنه ما أدى إلى الحرام فهو حرام، الزنا حرام ومقدماته حرام، النظر حرام، الخلوة حرام، الأدب الساقط حرام، المشاهدات الماجنة حرام، كل ما أدى إلى حرام فهو حرام، الخمر حرام، بيعها حرام، أن تجلس مع شارب خمر حرام، أن تعصرها، أن تنقلها، أن تعلن عنها، أن تتاجر بها. كل ما أدى إلى حرام فهو حرام، ولذلك قاعدة أوسع: مالا يتم الواجب إلا به فهو واجب، مالا يتم الفرض به فهو فرض، ما أدى إلى حرام فهو حرام، الوضوء فرض لماذا؟ لأن الصلاة لا تصح إلا به، الصلاة فرض الوضوء فرض، النبي قال: لعن الله الخمر وشاربها وعاصرها وحاملها والمحمولة إليه وآكل ثمنها. ما أدى إلى حرام فهو حرام الأصل في هذا الموضوع تعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان، قال: أنا عندي بيت أستثمره كل ليلة خمسة آلاف، وأنا لا دخل لي، إن شاء الله في رقبتهم، يتم فيه الزنا، والبيت بيتك، وأنت مسؤول، وأنت لك نصيب من هذا الإثم، لأنك قدمت المكان. لذلك هذه الآية أصل: ﴿ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾ لا تساهم لا من قريب ولا من بعيد، لا تقدم مشورة ولا نصيحة، أنا أعمل تزيينات لملهى، أنت ساهمت في هذا المكان الذي يعصى الله فيه، لا كهرباء ولا تزيين قال تعالى: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾ [ سورة المائدة: 2 ] إذاً ما أدى إلى حرام فهو حرام. 6 ـ التحايل على الحرام حرام : آخر قاعدة : التحايل على الحرام حرام، أنا لا أتعامل بالربا لكن آتي بسجادة، يأتيني الذي يطلب القرض الربوي أقول له: هل تشتري هذه السجادة مثلاً بعشرة آلاف ليرة؟ يقول: نعم، يشتريها ديناً، فإذا اشتراها ديناً يقول لي: هل تشتريها نقداً؟ أقول له: نعم بثمانية آلاف، أنقده الثمانية آلاف وأكتب في دفتري عشرة آلاف ثمن سجادة بيعت ديناً، اشتراها ديناً وباعني إياها نقداً، أنا بعت واشتريت، هذا ربا لكن بسورة بيع وشراء. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4922/08.jpg هذا التحايل والتحايل على الحرام حرام، أنا أريد أن أسكن مثلاً مع أخي وزوجة أخي، وزوجة الأخ أجنبية ما هو الحل؟ يقول لك أحدهم: هذه سهلة، فتاة صغيرة، عمرها سنتان من بيت الجيران، يطلب من امرأة أخيه أن ترضعها، ثم يخطب هذه الفتاة، تصبح زوجته وأمها حماته، يطلقها بعد ساعة، الحماة محرمة على التأبيد، جلس معها، انتهت المشكلة. التحايل على الحرام حرام، اليهود ماذا فعلوا؟ حرم عليهم الصيد يوم السبت، جعلوا حفراً على شاطئ البحر يوم الجمعة تأتي الحيتان إلى هذه الحفر، الجمعة مساءً يغلقون طريق العودة، الحيتان حصرت في هذه الأحواض، يصطادونها يوم الأحد، الله عز وجل ذكر هذا في القرآن الكريم، وكل إنسان يحتال على الحرام واقع في الحرام نفسه وهو لا يشعر، وهو غبي، الله الذي حرم هذا الشيء وهو يراك. هذا باب الحيل الشرعية و الاسم الأصح الحيل غير الشرعية، يقول لك: حجاب شرعي لا بل حجاب شارعي، وهذه الحيل غير شرعية، من الحيل الشرعية تسمية الشيء بغير اسمه وتغيير صورته مع بقاء حقيقته، مثلاً ليستحل طائفة من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها يأتي على الناس زمان يستحلون الربا بالبيع. مثلاً ماذا يسمي الناس الخمر؟ مشروبات روحية غير القيم الروحية، ماذا يسمون الربا؟ فائدة، ماذا يسمون الفنون الساقطة؟ فن العمل الخليع اسمه فن، والخمر اسمه مشروبات روحية، والربا اسمها فائدة، لو غيرت الاسم الحقيقة ثابتة إذاً التحايل على الحرام حرام. وفي درس آخر إن شاء الله تعالى نتابع هذه القواعد، وبعدها ننتقل إلى الحلال والحرام في الأطعمة، والأشربة، والألبسة، والعلاقات الاجتماعية، والحالات الشخصية. |
رد: العبادات التعاملية
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية الدرس : ( التاسع العاشر ) الموضوع : القواعد العامة - 2 الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حق وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون الذكر فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. الحلال والحرام أخطر موضوع على الإطلاق بعد الإيمان بالله : أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس الثاني من سلسلة دروس: "الحلال والحرام في الإسلام"، ولا يخفى عنكم أن أخطر موضوع على الإطلاق بعد الإيمان بالله الحلال والحرام، قال تعالى: ﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾ [ سورة الأنعام: 81-82] أي لو أنك آمنت ولم تعرف الحلال والحرام وتلبست بظلم لن تنجو من عذاب الله، قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾ وكلكم يعلم أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، فمن لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعداً، و: (( مَن لم يَدَعْ قولَ الزُّورِ والعمَلَ بِهِ، فَليسَ للهِ حاجة فِي أَن يَدَعَ طَعَامَهُ وشَرَابَهُ)) [أخرجه البخاري وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة ] قال تعالى: ﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ﴾ [ سورة التوبة: 53] الصلاة، والصوم، والزكاة، وإذا حج العبد بمال حرام وقال: لبيك اللهم لبيك، قال الله له: لا لبيك ولا سعديك وحجك مردود عليك، لذلك أخطر موضوع على الإطلاق بعد الإيمان بالله الحلال والحرام، وإن شاء الله تعالى بدأت هذه السلسلة من الدروس فلعل الله سبحانه وتعالى ينفعنا بها، ويعيننا على تطبيق ما جاء فيها، هذا هو الدرس الثاني في هذه السلسلة، ولابد أن نبقى درساً ثانياً في الحديث عن قواعد الحلال والحرام. قواعد الحرام و الحلال : 1 ـ الحلال طيب والحرام خبيث : أيها الأخوة الكرام، من قواعد الحلال والحرام أن التحريم متعلق بالخبائث تعلقاً علمياً، ذلك أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان، وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة، أنعم عليه بنعمة الوجود أو نعمة الإيجاد، وأنعم عليه بنعمة الإمداد، وأنعم عليه بنعمة الهدى والرشاد، والإنسان ضعيف والله هو القوي، والإنسان جاهل والله هو العالم، لذلك من حق الربوبية أن تأمر هذا العبد بما تشاء بلا سؤال ولا تعليل، ولكن رحمة الله عز وجل، وحكمته، وكماله، جعل أوامره ونواهيه متعلقة بمصالح عباده ومعللة بالخير، أنت إذا كنت ضعيفاً أمام قوي وأعطاك أمراً لا تستطيع ولا تجرؤ أن تسأله لماذا أمرتني بهذا الأمر؟ وما الحكمة من ذلك؟ مع إنسان لا قيمة له إطلاقاً نفذ ثم اعترض، أنت مع خالق الأكوان عبد ضعيف، أنعم الله عليه بنعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، ونعمة الهدى والرشاد، له أن يأمرك بحكم ربوبيته، ولك أن تطيع بحكم عبوديتك، ومع ذلك رحمة الله عز وجل وحكمته وكمالاته اقتضت أن تكون أوامره ونواهيه متعلقة بمصالح خلقه، لذلك قال بعض العلماء: الشريعة رحمة كلها، مصلحة كلها، عدل كلها، هذا هو المدخل، إذا رأيت أمراً إلهياً فثم المصلحة الإنسانية، إذا رأيت نهياً إلهياً فثم المضرة الإنسانية هذه الفكرة الأولى. عند أهل الكتاب هناك تحريم عقابي أما عند المسلمين فالحرام متعلق بالخبائث : إلا أنه هناك حالات استثنائية الله سبحانه وتعالى عاقب اليهود بتحريم ما أحلّ لهم، هذه حالة ليست في ديننا، حالة استثنائية، قال تعالى: ﴿ وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنْ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوْ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ ﴾ [ سورة الأنعام: 146] عند أهل الكتاب عوقبوا بتحريم ما أحلّ الله لهم، قال تعالى: ﴿ فَبِظُلْمٍ مِنْ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا*وَأَخْذِهِمْ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ﴾ [ سورة الأنعام: 146] إذاً عند أهل الكتاب هناك تحريم عقابي، تحريم تأديبي، أما عندنا فالحرام متعلق بالخبائث، يحل لهم الطيبات، ويحرم عليهم الخبائث، كل شيء تطيب نفسك به حلال، كل شيء تخبث النفس به حرام، يحل لهم الطيبات، ويحرم عليهم الخبائث، حيثما وجدت أمر الله عز وجل فثمة الخير، وثمة المصلحة، وثمة الرحمة، وثمة العدالة، وحيثما وجدت النهي فثمة الهلاك، والشقاء، والفساد، والظلم، والقسوة، لذلك الدين الإسلامي كما تفضل الله به علينا الله جل جلاله وصفه فقال: ﴿ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ ﴾ [ سورة الأعراف:157] يأمرهم بما تعرفه النفس بأنه خير بفطرتها، وينهاهم عما تنكره النفس بفطرتها، ويحل لهم الطيبات ما تطيب نفوسهم به، ويحرم عليهم الخبائث، ويضع عنهم إصرهم، والأغلال التي كانت عليهم. أي شيء يثبت أنه خبيث بالدليل القطعي فهو محرم و العكس صحيح : في ديننا الأوامر كلها والنواهي كلها متعلقة بمصلحة العباد، فيها رحمة، وفيها مصلحة، وفيها عدالة، وإذا قلت: حرام فمعنى ذلك أنه خبيث، وإذا قلت: حلال فمعنى ذلك أنه طيب، تطيب النفس به، وتحلو النفس به، وترتاح النفس له، والحرام تخبث به النفس، في هذا الدين القويم شرع الله التوبة النصوح تكفيراً للذنوب، وشرع الله الحسنات اللاتي تذهبن السيئات، وشرع الله الصدقات، وساق الله المصائب، فمن خلال التوبة، أو من خلال الحسنة، أو من خلال الصدقة، أو من خلال المصيبة، تطهر النفس من ذنوبها، لكن اليهود حرمت عليهم طيبات أحلت لهم تأديباً لهم، لذلك الحقيقة الأساسية واليقينية أن التحريم متعلق بالخبائث، لذلك أي شيء يثبت أنه خبيث بالدليل القطعي فهو محرم، نقول: هذا التحريم جاء بالدليل العام، الخمر محرمة بالدليل العام، أما المخدرات فيقولون: أخي ما وردت المخدرات في القرآن الكريم محرمة بالدليل العام. أي شيء تخبث به النفس فهو محرم،عندنا قاعدة، الشيء إذا كان خالص النفع فهو حلال يقيناً، أو أنني أشعر بعطش شديد، وشربت هذا الكأس من الماء البارد، الفرات، العذب، الحلال، هذا حلال خالص، لأنه نافع نفعاً خالصاً، الشيء النافع نفعاً خالصاً هو حلال يقيناً، والشيء الضار محض حرام يقيناً، والشيء الذي يغلب نفعه على ضره يحتاج إلى شرح، فالخمر مثلاً قال تعالى: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ﴾ [ سورة البقرة: 219] هل أحد يشك أن الخمر محرمة والله سبحانه وتعالى أثبت لها بعض النفع في التجارة؟ يجوز إذا كان مطعم بأماكن يرتادها سياح أجانب، إذا كان هناك خمور يرتاده عدد أكبر، لكن الخمر محرم لذلك ما غلب شره على نفعه فهو حرام. الحلال هو كل شيء تطيب النفس به : ما كان ضرره أكبر من نفعه فهو حرام، وما كان نفعه أكبر فهو حلال، إذا الإنسان أكل أي طعام وأكثر منه لدرجة قد يضره الطعام هل نقول هذا الطعام محرم؟ لا، كل شيء إذا أسرفت منه فيه ضرر، قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [سورة الأعراف الآية:31] الآن آية تتوج هذا البحث قال تعالى: ﴿ يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمْ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾ [ سورة المائدة: 4] كل شيء تطيب النفس به فهو حلال وقال تعالى: ﴿ الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ ﴾ [ سورة المائدة : 5 ] الانتفاع بالشيء ليس أحد فروع العلم به : إلا أن هناك نقطة ضرورية جداً هو أن الأمر كلما كان واضحاً وضوحاً شديداً كلما اتضح شره تركه هين على النفس، وتضعف فيه كلمة التعدد، لو أن عدواً لك نصحك بشيء واضح لك، تترك هذا الشيء، وكلما ضعفت الحكمة وغابت عنك الحكمة ارتفع مستوى الأمر تعبدياً. فلذلك النقطة الضرورية جداً أن الانتفاع بالشيء ليس أحد فروع العلم به، أنت لمجرد أن تنفذ الأمر قبضت كل ثماره، انتهى الأمر، غض بصرك دون أن تعلم ما حكمة غض البصر، وماذا يحصل بالنفس حين يغض البصر؟ ولماذا يسعد الرجل بزوجته إذا غض بصره؟ لو لم تعرف كل هذه الحكم، وكل هذه التفصيلات، وكل هذه التحليلات، لمجرد أن تغض البصر تسعد ببيتك، بارد اسأله ماذا يحصل في داخله لا يعرف، عدم معرفته بما يجري داخل المكيف هل يمنعه من أن يستفيد منه؟ لا، والله نحن عندنا قاعدة: الانتفاع بالشيء ليس أحد فروع العلم به، صدوق يرفع الله شأنك، كيف؟ لا أعرف، كن أميناً يكثر مالك، الأمانة غنى،ً كيف؟ لا أعرف، طبعاً الدعاة يجب أن يعرفوا أما آحاد المسلمين فعرفوا أم لم يعرفوا لمجرد أن يطبقوا يقطفون الثمار، أنا لا أدعو إلى عدم معرفة الحكمة، لا، بل لا تعلق تطبيق الأمر على معرفة الحكمة، طبق ولا تخف، هذا أمر الله عز وجل، هذه تعليمات الصانع، مرة حدثني أخ عن نقطة دقيقة، قال لي: كنت أصلح سيارتي عند صديق، هناك قطعة معدنية أمسكها هذا المصلح ورماها، قال: هذه لا لزوم لها، فقلت له: شركة عمرها مئة عام، وفيها آلاف المهندسين، أنا لا أقتنع أنك أكثر فهماً من هؤلاء، وأنت أيها الإنسان يجب أن تعتقد مهما فلسف لك الشر، وزينت لك المعصية، ومهما جيء بأدلة تبدو منطقية كي تستبيح أمراً نهاك الله عنه، هل معك حجة أقوى من أن الذي خلق الإنسان هو الخبير به؟ البشر لو اجتمعوا لا يعرفون حكمة الأمر والنهي، طاعة، تشريع، في بعض البلدان الإسلامية الإنسان لمجرد أن يطلق امرأته تتملك نصف ثروته، لأن المرأة نصف المجتمع، ولابد من إنصافها، شيء جميل، ما الذي حصل؟ الذي حصل أن الناس عزفوا عن الزواج، قال لي أحدهم في هذا البلد الإسلامي: صار والد الفتاة يضع في يد الخاطب سند أمانة بقيمة نصف مليون فيما لو طلقت ابنتنا وطالبناك بنصف ثروتك طالبنا بهذا السند، بلد آخر بشرق أسيا شرع تشريعاً خلاف تشريع الخالق، لا يجوز لأسرة أن تنجب إلا ولداً واحداً، وفي هذه البلاد يحبون الذكور، فإذا أنجبت الزوجة أنثى خنقت ودفنت إلى أن تأتي بذكر يسجل، الآن هناك قرى بأكملها ليس فيها إناث، قرأت في جريدة دمشقية قديمة من شهر أن عصابات في هذا البلد تخطف الفتيات في سن الزواج، الله خبير، هو المشرع، لذلك عليك أن تتيقن أن أمر الله خير كله، و أن أي نهي نهى الله عنه شر كله. دلائل نبوة النبي صلى الله عليه وسلم : سمعت في بلاد الغرب حينما يأكل بعض هؤلاء عند المسلمين يرون اللحم أزهر اللون، طيب الطعم، هم يقطعون رأس الدابة بآلات حادة سريعة، الدماء تبقى في الدابة، والأمراض كلها في الدماء، والدم كما تعلمون مجمع فيه كل الأمراض، الآن صدر تشريع: لا يجوز قطع رأس الذبيحة، يجب أن يخرج دمها عن طريق القلب، وعن طريق الأمر الاستثنائي الذي يأتي عن طريق الدماء، يجب أن نعلم علم اليقين أن النبي نهانا أن نذبح الذبيحة بقطع رأسها، أمرنا أن نقطع أوداجها فقط، لأن القلب يتلقى أمراً كهربائياً ذاتياً بالضربات النظامية، لكنه يتلقى أمراً استثنائياً عن طريق الدماغ بالضربات الاستثنائية، فلو قطع رأس الذبيحة بقي القلب ينبض النبضات النظامية، هذا النبض بهذه السرعة لا يكفي لإخراج دم الذبيحة، أما حين يبقى الرأس عالقاً، والعصب موصولاً، ويأتي أمر استثنائي للقلب، ترفع ضربات القلب إلى المئة والثمانين ضربة فيخرج الدم كله خارج الذبيحة، فإذا اللحم أزهر اللون، طيب الطعم، وهذه هي الزكاة الشرعية، وسوف نأتي عليها بعد حين في باب الأطعمة. الآن ما من معمل على وجه الأرض يصنع حليب الأطفال إلا وألزموه من قبل الدولة أن يكتب: لا شيء يعدل حليب الأم، لأن أنزيمات الهضم في الطفل لا تستطيع هضم أربعة أمثال الدسم في حليب البقر، ما الذي يحصل؟ يبقى الدسم غير مهضوم في دم الطفل، ما الذي يجهد الكلية ويتعبها؟ هذا الدسم الزائد عن طاقة الطفل، لذلك أحد أسباب أمراض الكليتين المزمن الإرضاع الصناعي، الحموض الأمينية إذا ارتفعت نسبتها بالدم صار هناك قصور عقلي، وقد حدثني أخ كريم كان في أمريكا قال: أرجع العلماء القصور العقلي إلى الإرضاع الصناعي بنسبة ثمانون بالمئة، وكلكم يعلم أنه أعلى نسبة سرطان ثدي عند النساء اللواتي لا يرضعن أطفالهم، وأخفض نسبة سرطان ثدي عند النساء اللواتي يرضعن أولادهم، قال تعالى: ﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ﴾ [ سورة البقرة: 233] 2 ـ ما أدى إلى حرام فهو حرام : إذاً النقطة الدقيقة الآن الانتفاع بالشيء ليس أحد فروع العلم به، أنت لمجرد أن تطبق تقطف الثمار، يقول عليه الصلاة والسلام: ((اتقوا الملاعن الثلاث البراز في الموارد والظل وقارعة الطريق)) [ابن ماجه عن معاذ بن جبل] أشياء مستقذرة، إنسان يفرغ مثانته ويتغوط في مكان، في ظل يجلس الناس فيه، أو على قارعة الطريق، أو في موارد الماء، الآن ثلاثمئة مليون إنسان مصاب بأمراض القذارة في العالم، إحصاء منظمة الصحة العالمية، البول مجمع الأمراض، مجمع الجراثيم، إذا طرح في ماءٍ، أو في طريق، أو في مكان يجلس الناس عليه، يسبب انتشار الأوبئة والعدوى، النقطة التي نريد أن نوضحها أيضاً في الحلال والحرام هو ما أدى إلى الحرام فهو حرام. لذلك الذي يعد سبباً في الحرام محرم لا لذاته ولكن سداً لذريعة الحرام، حتى إن زراعة العنب في بلاد تكثر فيها صناعة الخمور تعد في الفقه حراماً، لأن هذا العنب مصيره إلى معامل الخمور، ما أدى إلى حرام فهو حرام، الله حرم الزنا كل مقدماته حرام، التبرج، الخلوة، الاختلاط، الصور، الأدب المكشوف، الغناء الفاحش، هذا كله يؤدي إلى الحرام، إذاً فهو حرام، النظر حرام يؤدي إلى ما هو أكبر منه، نظرة فابتسامة فموعد فلقاء. الخمر محرمة أن يعصرها الإنسان، وأن يحملها، وأن يأكل ثمنها، وأن يبيعها، وأن يعلن عنها، كله محرم، الربا لعن الله آكله، وموكله، إذاً ما أدى إلى حرام فهو حرام سداً للذريعة، كل ما أعان على الحرام فهو حرام. أحياناً الإنسان يكون عنده مكتب إعلان، إذا أعلن عن بضاعة محرمة فهو روج لها، قال تعالى: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾ [ سورة المائدة: 2 ] ما كان سبباً كافياً، أو ما كان سبباً غير كاف، أو ما كان معيناً، أو ما كان مروجاً، أو ما كان موضحاً، كل ما أعان على الحرام فهو حرام، هي قاعدة أساسية. 3 ـ النية الحسنة لا تبرر الحرام : الآن القاعدة التي تليها؛ النية الحسنة لا تجعل الحلال حراماً، أشخاص كثيرون يقولون، النية طيبة، لا تكفي، النية الطيبة شيء عظيم في الإسلام، قال عليه الصلاة والسلام: (( إِنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى )) [ أخرجه البخاري عن عمر بن الخطاب ] ولا تنسوا أن المباحات والعادات بالنوايا الطيبة تغدو عبادات، إذا الإنسان أكل الطعام وهل في الأرض كلها إنسان لا يأكل؟ المؤمن إذا أكل الطعام بنية التقوي على طاعة الله فهو عبادة، إذا ارتدى ثياباً بنية أن يظهر كمسلم بمظهر لائق فهو عبادة، المسلم له معاملة خاصة، نواياه الطيبة، ومعرفته بالله عز وجل، تجعل كل أعماله المباحة والمألوفة عبادات، هذه هي ناحية قيمة النية في العمل. لذلك النبي عليه الصلاة والسلام يقول: ((وفي بضع أحدكم صدقة, قالوا: يأتي أحدنا شهوته ويكون فيها له أجر؟ قال: أفرأيتم لو وضعه في حرام, هل عليه وزر؟ قالوا : نعم. قال : فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر)) [مسلم عن أبي ذر] وفي حديث آخر: ((من طلب الدنيا حلالاً استعفافاً عن المسألة وسعياً على أهله وتعطفاً على جاره لقي الله ووجهه كالقمر ليلة البدر)) [مصنف ابن أبي شيبة عن أبي هريرة] إذاً النوايا الطيبة تجعل العادات، والمباحات، والأعمال المألوفة التي يفعلها كل الناس في العالم عبادات، أرأيتم أيها الأخوة إلى أثر النية الطيبة في العمل؟ وأن تضع اللقمة في فم زوجتك هي لك صدقة، لو تصابيت لأولادك هذا العمل لك صدقة: (( من كان له صبي فليتصابَ له )) [ من الجامع الصغير عن أبي معاوية ] أي إذا أخذت ابنك بالعيد وركبته ببعض الألعاب، وأنت إنسان عظيم، ولك مكانة كبيرة، هذا لا يطعن في مكانتك، هذا يعلي قدرك عند الله، حفظته من الزيغ. العمل لا يقبل إلا إذا كان خالصاً وصواباً : قدمت هذه المقدمة لأصل إلى فكرة خطيرة جداً؛ أرأيتم إلى أن النية كيف أنها تجعل المباح والعادات عبادات، الآن عملك الذي ترتزق منه لمجرد أن يكون مشروعاً في الأصل، وسلكت فيه الطرق المشروعة، ونويت منه كفاية نفسك، وكفاية أهلك، ولم يشغلك عن طاعة، ولا عن طلب علم، ولاعن أداء واجب ديني، انقلب هذا العمل إلى عبادة، أما العكس غير صحيح، فالنوايا الطيبة مهما سمت لا يمكن أن تجعل الحرام حلالاً، النوايا الطيبة تجعل المباح عبادة، أما الحرام فحرام مهما كانت وراءه نية عالية، لذلك يقول الفضيل: "العمل لا يقبل إلا إذا كان خالصاً وصواباً". خالص ما ابتغي فيه وجه الله، وصواب ما وافق السنة، العمل يجب أن يوافق السنة، ويجب أن تبتغي فيه وجه الله، الآن إن ابتغيت به وجه الله وكان غير موافق للسنة فهو مرفوض. لو أنك فعلت شيئاً موافقاً للسنة، العمل لا يقبل إلا إذا كان خالصاً وصواباً، خالص ما ابتغي به وجه الله، وصواب ما وافق السنة،الدليل قال تعالى: ﴿ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ ﴾ [سورة النمل: 19 ] لذلك كل عمل يقوم فيه المؤمن ولو كان مباحاً فيه نية عالية أصبح عبادة، أما الحرام فهو حرام مهما حسنت نية فاعله، أخي أنا قصدي نبيل، هدفي كبير، قصدي بعيد، هدفي الإصلاح، لا تقبل الأعمال بنوايا طيبة إذا كانت مخالفة للسنة، لأن الهدف النبيل له وسيلة نبيلة، الأهداف لا تبرر الوسائل، يجب أن تختار أهدافاً نبيلة، وأن تختار لها وسائل نبيلة، لذلك الغاية تبرر الواسطة، هذا كلام مرفوض وغير مقبول، لأنه يجب أن تكون الواسطة من جنس الغاية، من جمع مال من ربا، أومن سحت، فهو حرام، لو قدمه في وجه الخير، يحشر الأغنياء أربع فرق يوم القيامة؛ فريق جمع المال من حرام وأنفقه في حرام يقال: خذوه إلى النار، فريق جمع المال من حرام وأنفقه في حلال يقال: خذوه إلى النار، جمع المال من حلال وأنفقه في حرام خذوه إلى النار. النوايا الطيبة والقصد الشريف لا يبرر الشر : لذلك النوايا الطيبة والقصد الشريف لا يبرر الشر، الشر شر في أي نية، الحرام في الإسلام لا تؤثر فيه النوايا، ولا المقاصد، لكن المباحات والعادات إذا كان وراءها نوايا طيبة تنقلب إلى عبادات، الدليل: (( إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا )) [أخرجه مسلم والترمذي عن أبي هريرة ] أنا أغنى الأغنياء عن الشرك، القلب المشترك الله جل جلاله لا يقبل عليه، والعمل المشترك لا يقبله، لا يقبل قلباً مشتركاً -فيه شرك- ولا عملاً مشتركاً -فيه حرام وفيه حلال- إن الله طيب ولا يقبل إلا طيباً، إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا ﴾ [سورة المؤمنون: 51] وقال تعالى: ﴿ كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ [سورة البقرة: 57] ثم قال عليه الصلاة والسلام: ((إن الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يده إلى السماء يقول : يا رب يا رب ومطعمه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب له؟ )) [مسلم والترمذي عن أبي هريرة ] العبادة الحقيقية في كسب المال تحري الحلال : أرأيتم أيها الأخوة معي أن أخطر موضوع على الإطلاق بعد الإيمان بالله الحلال والحرام: (( يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة )) [الطبراني عن عبد الله بن عباس ] أكبر نشاط علمي عليه أن يتجه إليه المؤمن بعد معرفة الله تقصي الحلال والحرام في بيته، في عمله، في كلامه، في لقاءاته، في نشاطاته، في سفره، في حله وترحاله، ويقول عليه الصلاة والسلام: ((ومن جمع مالا من حرام ثم تصدق به لم يكن له فيه أجر وكان إصره عليه )) [ابن خزيمة وابن حبان والحاكم وصححه عن أبي هريرة] ويقول عليه الصلاة والسلام: ((لا يكسب عبد مالاً حراماً ، فيتصدق به فيُقبل منه ، ولا ينفق منه فيبارَك له فيه ، ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار ،إن الله تعالى لا يمحو السيئ بالسيئ ولكن يمحو السيئ بالحسن ، إن الخبيث لا يمحو الخبيث)) [ أحمد عن ابن مسعود] تركه لم ينفقه ولم يتصدق منه، لذلك العبادة الحقيقية في كسب المال تحري الحلال، والعبادة الحقيقية في إنفاق المال تحري الوجه الصحيح الذي يريده الله عز وجل. ترك دانق من حرام خير من ثمانين حجة بعد الإسلام، وأخطر شيء الذي يبيع ويشتري، من دخل السوق بلا فقه أكل الربا شاء أم أبى، إذاً فقه معرفة الأحكام الفقهية لمن يشتري فرض عين. 4 ـ الحرام في ديننا حرام على الجميع : الآن عندنا قاعدة الحرام في ديننا حرام على الجميع، استثناءات لا يوجد، الحرام يتسم بالشمول والاطراد، ليس هناك حرام على العجمي، حلال للعربي، ليس هناك شيء محظور على الأسود، حلال للأبيض، ليس هناك جواز ولا ترخيص ممنوح لطبقة دون طبقة، ولا لطائفة دون طائفة، الحرام حرام على الجميع، والحلال حلال للجميع، حتى لو كان الإنسان في مرتبة كاهن، أو رجل دين، الكل تحت الشرع. أحبابنا اختاروا المحبة مذهبـاً وما خالفوا في مذهب الحب شرعنا *** المسلم ليس له خصوصية تجعل الحرام حلالاً، إن الله سبحانه وتعالى رب الجميع، والشرع سيد الجميع، فما أحلّ الله لشريعته فهو حلال، وما حرم فهو حرام، السرقة مثلاً السارق يعاقب أكان مسلماً أم غير مسلم، المسروق منه أكان مسلماً أم غير مسلم، يعاقب السارق، السارق أو المسروق مسلم أم غير مسلم الحكم واحد، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام قال: ((والله لو أن فاطمة بنت محمدٍ سرقت لقطعت يدها .. إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم إذا كانوا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد .. )) [ البخاري عن عائشة رضي الله عنها ] هذا كان سبب هلاك الأقوام السابقة. الإسلام سواسية مطلقة : الآية الكريمة: ﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا ﴾ [سورة المائدة: 8] الآية تخاطب المؤمنين، من هم أعداء المؤمنين؟ الكفار. يا أيها المؤمنون لا يحملنكم بغضكم للكفار على أن تظلموهم، اعدلوا هو أقرب للتقوى، إن عدلتم معهم كنتم أنتم أقرب إليّ، اعدلوا هو أقرب للتقوى، لكن اليهود كما تعلمون يحرمون أشياء على ملتهم، ويحلون أشياء على غير ملتهم، في الإسلام الحرام حرام على كل الناس، وعلى كل الأجناس، وفي كل مكان، وفي كل زمان، وفي كل المستويات، استثناءات لا يوجد أبداً، هذا هو الدين، سيدنا عمر ألم يقل لجبلة بن الأيهم: أرضِ الفتى، لابد من إرضائه، مازال ظفرك عالقاً بدمائه أو يهشمن الآن أنفك، و تنال ما فعلته كفك . قال : كيف ذلك يا أمير؟ هو سوقة وأنا عرش وتاج ؟ كيف ترضى أن يخر النجم أرضاً؟ قال عمر : نزوات الجاهلية، ورياح العنجهية قد دفناها، أقمنا فوقها صرحاً جديداً، وتساوى الناس أحراراً لدينا وعبيداً . فقال جبلة : كان وهماً ما جرى في خلدي أنني عندك أقوى وأعز، أنا مرتد إذا أكرهتني . فقال عمر : عالم نبنيه، كل صدع فيه يداوى، وأعز الناس بالعبد بالصعلوك تساوى . هذا هو الإسلام سواسية مطلقة. الحرام حرام على كل الأشخاص : الله عز وجل وصف خلاف هذه الحالة عند اليهود، قال تعالى: ﴿ وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ [ سورة آل عمران: 75 ] أي غير اليهود، أنت كمسلم جاءك شخص غير مسلم يخطر ببالك ولو لثانية واحدة أن تأخذ منه أجرة مضاعفة أو تضحك عليه؟ إن فعلت هذا تكون لا تفقه في الدين شيئاً، بالعكس ربما كان عقابك عند الله أشد لأنه كافر، لأن لو عنده اعتقاد بسيط بالدين نفرته منه، يقول: هكذا عمل معي المسلم، لذلك الحرام حرام على كل الأشخاص، استثناءات أقوام، فئات، طبقات، طوائف، عصور، أزمنة، رجال دين، الحرام حرام، صاحب أكبر كتاب في تاريخ الحضارة يقول: إن كل الجماعات البشرية تقريباً تكاد تتفق في عقيدة كل منها بأن سائر الجماعات أحط منها - نظرة بدائية متخلفة تفتقر إلى المنطق والواقع، كل فئة تقول: نحن أفضل الناس- وأحضر شواهد يقول: مثلاً القبائل الهندية في أمريكا تقول: الناس نحن ولا ناس سوانا، نحن فقط، أحضر شواهد كثيرة، كل إنسان أفقه ضيق، يتوهم أنه سيد المخلوقات وما سواه لا شيء، هذا كله الإسلام رفضه رفضاً قاطعاً، وقال: الناس سواسية كأسنان المشط. 5 ـ اتقاء الشبهات سبيل لاتقاء الحرمات : بقي من هذه القواعد إن اتقاء الشبهات سبيل لاتقاء الحرمات، إذا وقع الإنسان في شبهة كان إلى ما استبان من الحرام أوقع، وإن ترك الشبهة كان إلى ما استبان من الحرام أترك. فأنت حين تدع الشبهات فقد جعلت بينك وبين الحرام سياجاً، طبعاً كلكم يعلم أن الحلال بين والحرام بين، ليس في الحلال البين ولا الحرام البين مشكلة، لكن المشكلة في هذه المنطقة بين الحلال البين والحرام البين، هذه الشبهات، الشبهات لا يعلمها كثير من الناس، هل معنى هذا الكلام أن الكل لا يعلمها؟ لا،لا يعلمها عامة الناس لكن الله عز وجل اختص أهل الذكر بمعرفتها، قال تعالى: ﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [ سورة النحل: 43] فالشبهات مجهولة عند عوام الناس، لذلك قال النبي الكريم: (( الحلال بيِّن والحرام بيِّن، وبينهما أمور مشتبهات لا يدري كثير من الناس، أمن الحلال هي أم من الحرام، فمن تركها استبراءً لدينه وعرضه، فقد سلم، ومن واقع شيئاً منها يوشك أن يُواقع الحرام )) [البخاري عن النعمان بن بشير] أحياناً تجد في قضية شرعية دليلاً يمكن أن يجعلها حلالاً، وهناك دليل بقوته يمكن أن يجعلها حراماً، ماذا تفعل أنت؟ الأحوط تركها، لأن هناك دليلاً يجعلها حلالاً، ودليلاً آخر يجعلها حراماً، فالأكمل أن تدعها، لذلك الورع دائماً يسلك سبيل الاحتياط، الأحوط خذ الأحوط تكن في حرز حريز. نسبة الأشياء المحرمة إلى الأشياء المحللة نسبة ضئيلة جداً : آخر موضوع في هذه القواعد، طبعاً تحدثنا عن اتقاء الشبهات، وأن الحرام حرام على الجميع، وأن التحايل على الحرام حرام، وأن النية الحسنة لا تجعل الحرام حلالاً، وأن في الحلال ما يغني عن الحرام، وما أدى إلى حرام فهو حرام، هذه كلها قواعد أساسية في الحلال والحرام، مهدت لكم بها موضوعات الحلال والحرام التي سوف نأخذها على تفصيل في دروس إن شاء الله سبحانه وتعالى، الآن الله عز وجل مع أنه ضيق دائرة الحرام تضييقاً شديداً: ﴿ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ [ سورة الأعراف ] نسبة الأشياء المحرمة إلى الأشياء المحللة نسبة ضئيلة جداً، ومع ذلك رحمة بالخلق، ومراعاة لضعف الإنسان أحياناً، الله عز وجل في أربع مواضع في كتاب الله قال: ﴿ فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [ سورة البقرة: 173] ولاسيما في الأطعمة، ما معنى غير باغ؟ إنسان أحياناً يشرف على الموت له أن يأكل لحم الخنزير، هو لا يبغي أن يأكله، لا يتمنى أن يأكله، لا يريد أن يأكله، ولكن أكله مضطراً، فإذا أكله مضطراً هل يأكل منه حتى يشبع؟ لا، يأكل منه القدر الذي يبقيه حياً، لا يتجاوز الحد الذي هو مضطر إليه، هناك أشخاص إن أخذ ربا يتبحبح فيها، لذلك قالوا: الضرورة تقدر بقدرها، لو إنسان مضطر أن يأكل لحم خنزير، كم لقمة يأكل حتى يزول عنه خطر الموت؟ ليس حتى يشبع: ﴿ فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [ سورة البقرة: 173] لا يبغي أن يعصي الله، لا يبغي التمتع بهذا الحرام، ولا يريد أن يتجاوز الحد الذي ينجيه من الهلاك، هذا معنى قوله تعالى: فمن اضطر غير باغٍ ولا عادٍ فلا إثم عليه. الضرورة التي تبيح المحظور هي الضرورة التي تقدر بقدرها دون أن تزيد عليها : عندنا قاعدة أصولية: إذا بلغ على يقينك أنك وأهلك ومن تعول سيهلكون من الجوع أو العري أو التشرد عندئذ الضرورات تبيح المحظورات. لكن ما رأيت قاعدة توسع بها الناس وشدوها إلى مصالحهم مثل هذه القاعدة، يكون ليس مضطراً إلى هذا الشيء ويتوسع به توسعة، الرفاه عنده ضرورة، السفر ضرورة، فرش البيت ضرورة، يقول: أنا مضطر، اسأل من المضطر؟ أريد بشكل قاطع أن تعلموا من هو المضطر، من غلب على يقينه أنه هالك هو وأهله من الجوع أو العري أو التشرد هذا هو المضطر الذي تباح له المحظورات، والعلماء صنفوا الحاجات إلى ثلاثة أقسام؛ ضرورات، حاجات، تحسينات، التحسينات ليست ضرورة، والحاجة ليست ضرورة، الضرورة ما توقفت عليها حياتك وسلامتك، إذا غلب على يقينه أنه ميت، أو سيفقد أحد أعضائه هو ومن معه إما من الجوع أو العري أو التشرد فهذه هي الضرورة التي تبيح المحظور، لذلك قالوا: الضرورة تقدر بقدرها دون أن تزيد عليها. مثلاً لو أن امرأة أصيبت بمرض لا يستطيع معالجته إلا طبيب رجل، لا ينبغي أن يبدو من أعضاء جسمها إلا القدر الذي لابد منه لمعالجتها، هذا الكلام يقال للطبيب، ويقال للمريضة، الضرورة تقدر بقدرها فمن اضطر غير باغٍ ولا عادٍ لا يبغي المعصية، ولا يتجاوزها عن القدر الذي يكفيه لا إثم عليه. أيها الأخوة الكرام، ننتقل في الدرس القادم إن شاء الله تعالى إلى الحلال والحرام في الأطعمة والأشربة، ثم في الملبس والزينة، ثم في البيت، ثم في الكسب والاحتراف، إلى موضوعات أخرى نحن في أمس الحاجة إليها إن شاء الله تعالى بعد أن نعرف الله. الآن الموضوع الأول الحلال والحرام؛ بيتك، عملك، أولادك، زوجتك، بناتك، كسب المال، إنفاق المال، لهوك، سفرك، إقامتك، يجب أن تعرف حدود الله عز وجل . |
رد: العبادات التعاملية
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية الدرس : ( العشرون ) الموضوع : المحرمات : الدم - لحم الخنزير- الميتة - وما احل بة لغير الله الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون الذكر فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. تذكرة بالدروس السابقة : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4924/01.jpg أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس الثالث من سلسلة دروس: "الحلال والحرام في الإسلام"، وقد بينت لكم في درسين بفضل الله تعالى أن الأصل في الأشياء الإباحة، وأن التحليل والتحريم من حق الله تعالى وحده، وأن تحريم الحلال أو تحليل الحرام يعادل الشرك بالله عز وجل، وأن التحريم متعلق بالخبائث، يحرم عليهم الخبائث: ﴿ يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ (157) ﴾ [سورة الأعراف ] أي أن هناك علاقة علمية بين المعصية ونتائجها، و بين الطاعة ونتائجها، وليس التحليل رمزياً، ولا التحريم رمزياً، إنما العلاقة بين التحريم ونتائجه وبين التحليل ونتائجه علاقة علمية، أي علاقة سبب بنتيجة، وبينت أيضاً أن في الحلال ما يغني عن الحرام، وأنه ليس في الإسلام حرمان إطلاقاً، إن كل شهوة أودعها الله في الإنسان لها قناة نظيفة يمكن أن تسلكها وأنت مرتاح، وأنت مقبل، وأنت سعيد، وبينت أيضاً أنه ما أدى إلى حرام فهو حرام، الشيء الذي يؤدي إلى حرام هو حرام أيضاً، وبينت أن التحايل على الحرام حرام، وأن النية الحسنة لا تبرر الحرام، وأن اتقاء الشبهات من الورع، وأنه لا محاباة ولا تفرقة في الحرمات، فالمحرم على الجميع، وليس هناك استثناءات، ثم أنهيت الموضوعين السابقين بأن الضرورات تبيح المحظورات، ومعنى الضرورات أن تكون أنت وأهلك على وشك الموت جوعاً، أو عرياً، أو تشرداً، هذه هي الضرورة التي تبيح المحظور، لا كما يفهمها الناس متوسعين، فكلما شعر بحاجة إلى شيء يقول: أن مضطر، ومن خلال هذه الضرورة المتوهمة يبيح لنفسه المحظورات. الحلال والحرام في الحياة الشخصية للمسلم : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4924/02.jpg في الدرسين السابقين تحدثت عن قواعد عامة في الحلال والحرام، لكن ننتقل الآن إلى التفاصيل، إلى الحلال والحرام في الحياة الشخصية للمسلم، وأول شيء يختص في حياتك الشخصية ما تأكله: (( يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة )) [أخرجه الطبراني عن عبد الله بن عباس ] أي كُلْ حلالاً أو اكسب رزقاً حلالاً، الحديث يشير إلى المعنيين معاً، كُلْ الشيء الذي أباحه الله لك، أو اكسب رزقاً حلالاً عن طريق الصدق، والأمانة، وعدم الغش، وعدم التدليس، وعدم الاحتكار، وعدم الاستغلال، وعدم الإيهام، الحديث يتجه إلى معنيين؛ أن يكون الكسب حلالاً وفق منهج الله، وتطبيق شرع الله، والتأدب بآداب الإسلام، أو أن يكون الطعام الذي تأكله حلالاً، بمعنى مما أباحه الله لك، طبعاً في الحياة الشخصية للمسلم الأطعمة، والأشربة، و الملبس، والزينة، وحياته في بيته، وكسبه، واحترافه، هذه الموضوعات الكبرى التي سوف نقف عندها وقفة متأنية إن شاء الله تعالى في الدروس القادمة. طلب الفقه حتم واجب على كل مسلم : نبدأ اليوم موضوع الأطعمة والأشربة؛ المسلم يضبط ما يدخل، ويضبط ما يخرج، ما يدخل من طعام، وما يخرج من كلام، يجب أن تضبط ما تأكل، وأن تضبط ما تقول: (( لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه )) [أحمد عن أنس بن مالك ] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4924/03.jpg أيها الأخوة الكرام، العرب في الجاهلية حرموا بعض الحيوانات بغير حق، حرموا البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحامية، وذكرت هذا بالتفصيل في الدرس الماضي، واستباحوا لأنفسهم بعض الخبائث كالميتة، والدم المسفوح، جاء الإسلام في شأن الأطعمة ولاسيما ذات الأصل الحيواني ليبين وليوضح ما هو حلال وما هو حرام، لذلك ذكرت لكم في الدرس الماضي أن أخطر موضوع على الإطلاق بعد الإيمان بالله الحلال والحرام، لأنك إذا آمنت بالله ولم تستقم على أمره أنت محجوب عنه، ما قيمة هذا الإيمان؟ إبليس قال: ربي فبعزتك لأغوينهم أجمعين، أخطر شيء بعد الإيمان بالله أن تتعرف إلى منهج الله، إلى شرع الله، إلى الحلال إلى الحرام، إلى الأمر، إلى النهي، إلى المباح، إلى المكروه، إلى الفرض، إلى الواجب، إلى الحرام، لذلك طلب الفقه حتم واجب على كل مسلم. مثلاً لو أجلسنا إنساناً إلى مقعد طائرة وقلنا له: طِرْ بها من دون أن يكون متعلماً أصول قيادة الطائرة، احتمال سقوط الطائرة كم بالمئة؟ مئة بالمئة، هذه المعلومات أساسية في سلامته، وإلا لابد من السقوط، والإنسان يمشي في الدنيا في متاهات، وفي حقول ألغام، السوق فتنة، آلاف الشبهات بالمال، آلاف الشبهات في إنفاق المال، آلاف الشبهات في عقد البيع، في عقد الشراء، في العلاقات الاجتماعية، تفقهوا قبل أن تدخلوا السوق، فمن دخل السوق بلا فقه وقع بالربا شاء أم أبى، فلذلك طلب الفقه حتم واجب. العلم الذي ينبغي أن يُعرف بالضرورة : أخواننا الكرام: العلماء فرقوا بين علمين؛ بين علم هو فرض عين، وبين علم هو فرض كفاية، فرض العين ما ينبغي أن تفعله بالضرورة، عندك فراغ أم لا،أنت مهندس، أنت طبيب، أنت تاجر، لست مختصاً، هذا كلام غير مقبول، الإنسان عندما يجلس خلف مقود السيارة هناك مجموعة معلومات إذا لم يعرفها يعمل حادثاً، لكن قل له: ممَ صنعت هذه المكابح؟ ليس شرطاً أن يعرف كيف صنع هذا الحديد، ولف هذا اللف الجميل، ليس من الضروري أن يعرف كيف طليت هذه السيارة ،لا يعرف مما صنع محركها، لكن هناك مجموعة حقائق بالقيادة إذا ما عرفها أهلك نفسه، هذه الحقائق التي لابد منها سماها العلماء: ما ينبغي أن يعلم بالضرورة. الحلال والحرام من الحقائق التي يجب أن تعلم بالضرورة : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4924/04.jpg أخواننا الكرام، الحلال والحرام من الحقائق التي يجب أن تعلم بالضرورة، من الحقائق التي لا يعذر الإنسان بجهله بها، أنت مع شرطي يقول لك: لا جهل في القانون، إذا ارتكبت مخالفة سير تقول: لا أعلم؟ هل يسمع منك هذا الكلام؟ هل يقبل منك هذا الكلام؟ لا يقبل منك، لا جهل في القانون، فلذلك عندما يحضر الإنسان مجلس علم يعرف الحلال والحرام، والأمر النهي، ومعنى كلام ربه، هذا الحضور ليس استهلاكاً للوقت بل هو استثمار للوقت، هذا الحضور يقيك، ألم يقل سيدنا علي لابنه: "يا بني العلم خير من المال، لأن العلم يحرسك وأنت تحرس المال". من حين لأخر ينشرون في الجريدة اليومية قصة واقعية مأخوذة من مخابر وزارة الصحة، مثلاً إنسان زلت قدمه بعلاقة محرمة مع فتاة جر مرض الإيدز لزوجته ولخمسة أولاد، الأولاد يسأمون الحياة، وأمهم تبكي ليلاً نهاراً، وهو على وشك الموت، الإنسان الجاهل يفعل في نفسه ما لا يستطيع عدوه أن يفعله به. الحلال والحرام في الأطعمة ولاسيما الأطعمة ذات المنشأ الحيواني : أيها الأخوة أولاً: ما هو الحلال والحرام في الأطعمة ولاسيما الأطعمة ذات المنشأ الحيواني؟ في الأعم الأغلب النباتات الأشياء المحرمة فيها قليلة جداً، إلا أن الأطعمة ذات المنشأ الحيواني هناك تفاصيل في ذلك، الآية الكريمة قال الله تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾ [ سورة البقرة: 168 ] ما علاقة لا تتبعوا خطوات الشيطان بقوله تعالى؟ أي لا تتبعوا خطوات الشيطان في تحريم ما أحلّ الله لكم، ولا تتبعوا خطوات الشيطان في تحليل ما أحلّ الله لكم، الذي يحلل ما حرم الله اتبع خطوات الشيطان، والذي يحرم ما هو حلال اتبع خطوات الشيطان، ومرة ثانية: ليس تحليل الحرام أو ليس تحريم الحلال بأقل إثماً من تحليل الحرام، كلاهما إثم، وكلاهما يوازي الشرك بالله، هو شرع لك أنت سلكت طريقاً آخر، فكل إنسان يحلل الحرام أو يحرم الحلال فقد عمل عملاً قريباً من الشرك، لكنه شرك في التشريع، أي أشرك نفسه مع الله في التشريع، قال الله تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾ [ سورة البقرة: 168 ] الآية الثانية: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾ [ سورة البقرة: 172 ] المحرمات في الأطعمة ذات المنشأ الحيواني أربع على الإيجاز وعشرة على التفصيل : كم نوع من أنواع اللحوم؟ أنواع لا تعد ولا تحصى، قال الله تعالى: ﴿ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [ سورة البقرة: 173 ] الآية الثالثة: ﴿ قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [ سورة الأنعام: 145 ] هذه الآية الثالثة، المحرمات أربع؛ الميتة، والدم، ولحم الخنزير، هذه محرمة لذاتها، وما أهل لغير الله به، لو أكلت لحم ضان لم تذكر اسم الله عليه، وذكرت اسم فلان، أو علان، أو الصنم الفلاني، هناك ثلاثة أشياء محرمة لذاتها، وهناك شيء محرم لغيره، الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله به، هذه المحرمات الأربع ثلاثة لذاتها، وواحدة لغيرها، هذا على الإيجاز، أما على التفصيل فعشرة: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ ﴾ [ سورة المائدة:3] المحرمات في الأطعمة ذات المنشأ الحيواني أربع على الإيجاز، وعشرة على التفصيل، طبعاً لأن المنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، هذه مع الميتة، وما ذبح على النصب هذا مع ما أهل به لغير الله، وسنأتي على هذا بالتفصيل بعد قليل إن شاء الله. حاجة ضعاف الإيمان إلى التعليل : أولاً: عندنا اتجاهان في شرح الأحكام الفقهية، الاتجاه الأول إذا آمنت أن لهذا الكون خالقاً عظيماً خلق السماوات والأرض، لأي أمر أمرك به، أو أي نهي نهاك عنه، لأنه أمر ولأنه نهي هذه علة كافية، أنت عندك جهاز معقد قرأت التعليمات وجدت أن الشركة الصانعة عمرها مئة عام، وعندها ثمانية آلاف مهندس، أعطت توجيهاً تشعر بكل خلية بجسمك، وبكل قطرة بدمك، أن هذا الكلام صحيح، وهذه التوجيهات يجب أن تنفذ، ولا يخطر في بالك أبداً أن تناقش هذه الشركة الصانعة في هذه التوجيهات، لأنها هي الصانعة. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4924/05.jpg عندنا اتجاهان؛ الأول أن تقول: لأن الله حرم علينا الميتة فهي حرام، لكن إذا أردت أن تقنع ضعاف الإيمان تحتاج إلى التعليل، لكن لو فرضنا أن الإنسان لم يعرف التعليل ألا ينبغي أن ينفذ الأمر الإلهي؟ لا ينبغي أن تعلقه على التعليل، لكن التعليل يقوي إيمانك، التعليل يجعل الشريعة معقولة، التعليل يجعلك تعلم الناس، أما المؤمن الصادق فلأن الله أمر انتهى، لأن الله نهى انتهى، علة أي أمر أنه أمر، لكن هذه الدابة إذا ماتت دمها فيها، كل الأمراض والأوبئة وعوامل الضعف في الدم، فإذا بقي الدم في الدابة فقد أصبحت مؤذية في تناولها، لذلك الآن حدثني أخ كريم حضر معنا الجمعة مقيم في أمريكا قال: صدر قانون فيدرالي يمنع قطع رأس الذبيحة على مستوى الولايات كلها، حين يقطعون رأس الذبيحة القلب يضرب الضربات النظامية -ثمانون ضربة- هذه الضربات النظامية لا تكفي لإخراج الدم، فتبقى الذبيحة زرقاء الدم، وطعمها غير مستساغ، عرفوا هذا من التجربة عادوا إلى الشرع مقهورين لا متعبدين، لكن إذا قطعت أوداج الذبيحة جاء الأمر الاستثنائي من الدماغ إلى القلب، ورفع الضربات إلى مئة وثمانين ضربة، وهي تخرج الدم كله من الذبيحة، وهم بالتجربة وجدوا أنه لابد أن تكون الذبيحة خالية من الدم، كانت كل الطرق القديمة في المسالخ الأجنبية تقطع الرأس كالمقصلة تماماً، الآن منع قطع الرأس ليبقى الأمر الاستثنائي من الدماغ ساري المفعول، حتى القلب يضخ الدم كله خارج الذبيحة، بربكم هل في عهد النبي وبعد عهد النبي عليه الصلاة والسلام وإلى قبيل خمسين عاماً هل يمكن أن يعرف الإنسان ما حكمة النبي حين أمر بعدم قطع رأس الذبيحة وبقطع أوداجها فقط؟ هذا ليس من عند النبي، هذا وحي يوحى، وسوف ترون أنه كلما تقدم العلم -وأنا أعني ما أقول- كشف عن إعجاز هذا التشريع، ولا يستبعد أن تروا يوماً العالم كله يطبق أحكام الشريعة الإسلامية، ربما ليس عن تعبُّد لله عز وجل، ولكن العلم يصل إلى أن هذا الذي وصل إليه القرآن هو عين الحقيقة. الحكمة من تحريم أكل الميتة : لذلك الميتة حرمت، قال: هناك تعليل لهذا التحريم؛ الطبع السليم يتقزز من أكل الميتة، الإنسان تعاف نفسه أن يأكل لحم دابة ماتت، والإنسان بفطرته، وطبيعته، وعقلانيته، يرفض أكل لحم الميتة، والله عز وجل حرمه، طبعاً شيء طبيعي أن يتوافق النقل مع العقل، مع الفطرة، مع الواقع، شيء طبيعي وهذا هو الحق، هناك تعليم لطيف أن الإنسان ينبغي أن تكون أعماله كلها هادفة، فهو حين يذبح هذه الدابة يذبحها ليأكلها، أصبحت أعماله هادفة لا يوجد عنده عمل عشوائي. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4924/06.jpg الشيء الآخر: عندما تموت الدابة، أي ماتت لعلة، لمرض، لجرثوم، لمرض، لتسمم، فالدابة الميتة مظنة مرض، مظنة خطر على الإنسان، وهذه علة أخرى، وهناك شيء ثان دقيق جداً أن البهائم التي خلقها الله عز وجل تأكل الميتة، وأجسامها مهيأة بعصارات هاضمة تهضم اللحم المتفسخ، وتراه طعاماً لذيذاً، فعندما حرم ربنا علينا أكل لحم الدابة الميتة أتاح للدواب أن تأكل http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4924/07.jpg هناك حكمة بالغة ترى سنبلة ولها ساق، قد تعجب أن القمح غذاء كامل للإنسان، مصمم على أن يكون غذاء كاملاً فيه ستة معادن، خمسة فيتامينات، مواد نشوية -طبعاً رأسه في عبه أي مع النخالة- أما هذا الخبز الأبيض فهذا غراء جيد للمعدة وقالوا: احذروا السموم البيضاء؛ الطحين الأبيض، والملح الأبيض، والسكر الأبيض، هذه سموم ثلاثة. الطبع السليم يستقذر، والعاقل تعاف نفسه، والدابة الميتة دمها فيها، وماتت لعلة، أو مرض خطير، أو لتسمم، وفوق هذا وذاك الله جلّ جلاله حين حرمها علينا، أباحها لبقية البهائم من أجل أن تكون طعاماً لها، أعود إلى السنبلة هذه السنبلة فيها الغذاء الكامل للإنسان هل تصدقون أن ساق السنبلة غذاء كامل للحيوان؟ لذلك التبن يعد المادة الأساسية للحيوان، يقولون: إن هناك زراعة إستراتيجية هي القمح، والبهائم طعامها الإستراتيجي التبن، فساق القمح غذاء أساسي وكامل، والقمح غذاء كامل لنا. ﴿ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (33) ﴾ [سورة النازعات] دافع الإنسان للعناية بالحيوان : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4924/08.jpg الحيوان إذا ذبح فهو لنا، فإذا مات فلغيرنا. هناك شيء ثان؛ الدابة إذا ماتت يحرم أن تأكلها، هناك توجيه تربوي رائع: أيها الإنسان احرص على حياتها، عالجها من أمراضها، أطعمها، اعتنِ بها، فإذا ماتت خسرتها، لا يسمح لك بأكلها، هذا توجيه تربوي رائع جداً، هذه البقرة ثمنها سبعون ألفاً إذا ماتت لا تستطيع أكلها أبداً إلى الدفن، معنى ذلك أنت من أجل أن تحافظ على ثمنها، وعلى مردوها، عليك أن تعتني بها، لو أنه سمح أن نأكل الميتة لما اعتنيت بها، تأكلها، يقول: ثمنها موجود، أما لأن الدابة الميتة لا تؤكل، محرم أكلها، فعليك أن تعتني بها، أن تطعمها، أن تعالجها من أمراضها، أن توفر لها حاجاتها، إذاً أكبر دافع للإنسان كي يعتني بالحيوان أنه إذا مات هذا الحيوان حرم الله عليه أن يأكله، طبعاً هذه تعليلات، وهناك أشياء أخرى لا نعلمها الله يعلمها، أما إذا أمر الله بشيء فالأشياء من هذا الأمر لا تعد ولا تحصى ، والإنسان يشتغل ويعرف بعض الحكم. ماذا يستنبط من كلمة -أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا- ؟ هناك رجل كان سبب إسلامه كلمة: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4924/09.jpg الله لم يقل: دماً، قال: مسفوحاً، ماذا نستنبط من كلمة دماً مسفوحاً؟ الدم في الجسم يصفى عن طريق الرئتين، الإنسان يستنشق الأوكسجين ويطرح غاز الفحم، غاز الفحم من أين هو؟ نتائج احتراق المواد السكرية والدسمة في الخلايا البشرية بالأوكسجين، الأوكسجين يحرق المواد الدسمة والبروتينية، فضلات غاز الفحم تطرح عن طريق الرئتين، الإنسان يتنفس أي تطهير دائم للدم من غاز الفحم، الكليتان ماذا تفعلان؟ تطهران الدم من كل السموم، والأوبئة، والسكر الزائد، الكلية مصفاة ولكنها حية، سائل فيه سكر وملح وبروتين...مواد لا يعلمها إلا الله، تختار النسب النظامية، سبعة بالألف سكر، بروتين، بوتاسيوم، والباقي بول، وأي نسب غير نظامية، أو سامة، أو مواد وفضلات تطرح في البول، إذاً: الكليتان تنقيان الدم، والرئتان تنقيان الدم، وملايين الغدد العرقية تنقي الدم، ثلاث مصاف،الكليتان والرئتان والغدد العرقية هذه كلها تنقي الدم، والدم يجري فهو طاهر، أما إذا سفح الدم فصار نجساً ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ فالميتة حرمت لعلة بقاء الدم فيها، فالأصل هو الدم سبب التحريم والدم المسفوح أيضاً، الإنسان كل عوامل ضعفه، وعوامل المرض كلها في دمه، أهل الجاهلية قبل الإسلام كان إذا جاع الرجل يأتي بعظم مدبب مؤنف مثل السكين يدخله في جسم الجزور –الناقة- ويأخذ الدم فيشربه،هذا شيء واقع في الجاهلية، حتى قال الأعشى: وإياك والميتات لا تقربنها ولا تأخذن عظيم حديد فتفصد *** كان الإنسان في الجاهلية يدخل العظم المؤنف إلى جسم الدابة ليشرب من دمها أي بمثابة غذاء، والدم محرم. الحكمة من تحريم لحم الخنزير : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4924/10.jpg الشيء الثالث: لحم الخنزير، والخنزير طبعاً يأكل اللحوم، ويأكل اللحوم القذرة، أطيب أكلة عنده الجرذان، ويأكل الخنزير الميت، ويأكل الفطائس، واللحوم المتفسخة، فإذا جعلناه في مزارع وضبطنا غذاءه لا يصبح حلالاً، له وظيفة أخرى، وظيفته أن ينقي الأرض من الجيف، هذه وظيفته، فالإنسان لجهله صار يأكله، والحديث عن مضار لحم الخنزير حديث من باب تحصيل حاصل، لو أنه يوجد وقت متسع لوجدت أن فيه دودة شريطية تعيش في لحمه، وهناك أمراض كثيرة تنمو في لحمه، حتى لو شويته أو طبخته، ومع ذلك العلة الأقوى أن الله حرمه، وكفى المؤمن علة التحريم أن الله حرمه وانتهى الأمر. لكن لو عملت دراسة عن لحم الخنزير، أنا أذكر أن هناك أخاً من أخواننا الكرام عمل ندوة من عشر سنوات في لبنان عن لحم الخنزير، ثاني يوم المبيعات هبطت إلى النصف، و أذكر أن له صديقاً من هولندا ذكر له مضار لحم الخنزير، هذا الصديق ما وسعه إلا أن يرسل برقية إلى زوجته للامتناع عن تناول لحم الخنزير حتى يعود ويقنعها، العلم حجة قوية جداً، في العالم الغربي هم مغرمون بلحم الخنزير هذا موضوع ثان، هناك بحوث ما تزال في البداية أن الإنسان يتأثر بوضع الحيوان النفسي، هذا شيء بدأنا نستطلعه، فالخنزير يقارب زوجته عياناً أمام بقية الخنازير، وهناك حيوان لا يسمح أن يراه أحد و هو مع أنثاه،الجمل من هؤلاء،السمك، أما الخنزير! فيقولون: فلان مخنزر، يبدو أن تناول هذا اللحم له علاقة ببعض الطباع الاجتماعية. الله عز وجل سمح للإنسان أن يأكل اللحم الذي تطيب به نفسه : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4924/11.jpg أما ما أهل به لغير الله أي إذا ذبحنا هذا الخروف على اسم غير الله عز وجل، على اسم صنم، أو على اسم إله مفترى، أو على اسم شخص، هذا أهل أي ذبح لغير الله، أما ما ذبح على النصب، فلو توجهت إلى صنم وذبحت أمامه خروفاً ولو بقيت ساكتاً هذا حرام، إذا ذبحته بمكان بعيد عن الصنم من أجل هذا الصنم هذا أهل لغير الله به، أما إذا توجهت إلى الصنم وذبحته أمامه وأنت ساكت فحرام، طبعاً ذبحته من أجله، فواحدة أهل لغير الله به، والثانية ذبح على النصب، كلاهما إشراك بالله عز وجل. الإنسان حين يقول: الله أكبر! أي يا رب هذا الحيوان خلقته لنا، وذللته لنا، وسمحت لنا أن نذبحه لنأكله، ونحن نفعل ذلك باسمك، وإرضاءً لك، وتنفيذاً لشريعتك، هذا معنى الله أكبر، نحن لا نرتكب جريمة بذبح الخروف، نقول: الله أكبر! الله سمح لنا أن نفعل هذا، وكما تعلمون هناك غلو، غلو في الإفراط وغلو في التفريط، في الإفراط هناك شعوب تأكل لحم الكلاب بآسيا، والقطط، وبسنغافورة الثعابين يوضع في أقفاص وهو حي يذبح ويسلخ ويقدم للشاري أطيب طعام، في بلاد يأتون بالقرد وهو حي يقطعون قبة رأسه ويأكلون دماغه وهو حي، هناك حيوانات تؤكل تعافها النفس، وهناك أناس حرموا اللحم كلياً مثل المعري،النباتيون، هؤلاء غالوا وهؤلاء غالوا. الله عز وجل سمح لنا أن نأكل اللحم الذي تطيب به نفوسنا. تفسير المتردية والموقوذة والنطيحة وما أكل السبع : الآن إلى التفصيل؛ المنخنقة: هي التي تموت خنقاً، إما أن يلتف وثاقها حول عنقها، أو أن تدخل رأسها في مضيق فتموت، والموقوذة التي تضرب بالعصا ونحو ذلك فتموت، والمتردية التي تسقط من شاهق فتموت، والنطيحة التي نطحتها أختها فتموت، أما الآن لو أن كبشاً نطح غنمة في مذبحها بقرنه وسال دمها هذه اسمها نطيحة، لا يجوز أكلها لو دخل قرنه في مذبحها وسال دمها فحرام أكلها اسمها نطيحة ولا يجوز أكلها، فالمنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، وما أكل السبع، كل حيوان مفترس إذا أكل دابة مما سمح الله لنا أن نأكله لا يليق بالإنسان أن يأكل فضلات حيوان، لكن الله عز وجل قال: إلا ما زكيتم، إن كانت على وشك أن تموت بادرت إلى ذبحها، الحكم الفقهي أنها إذا حركت يدها أو ذنبها أي فيها حياة وإذا ذبحتها فهي حلال، بادرتم إلى ذبحها، هناك رأي فقهي آخر: إذا ذبحتها يجب أن ينفجر الدم انفجاراً ، إن لم ينفجر الأولى ألا نأكلها، هذا الحكم على تنوع المذاهب أيضاً فيه حكمة أن المتردية والموقوذة والنطيحة وما أكل السبع هذه إذا ماتت بهذه الطريقة خسرتها. إذاً ماذا على صاحبها أن يفعل؟ أن يمنع الدواب من أن تنطح بعضها بعضاً، وأن يقيها المخاطر، أن تتردى من شاهق، أن يقيها الاختناق، ألا يضربها، فإذا ماتت خسر ثمنها، أيضاً تحريم المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع تحريم وقائي تربوي حتى الإنسان يعتني بالحيوان. الحكمة من أكل السمك دون أن يذبح : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4924/12.jpg قال: إلا ما زكيتم، أي ذبحتموها قبل أن تموت، أما السمك والجراد، مرة سألني شخص قال: إذا كان بقاء الدم في الحيوان يؤذي فكيف نأكل السمك دون أن نذبحه؟ وإذا كان أكل السمك جائزاً ودمه فيه لماذا نشترط تزكية الدابة الأخرى الغنم؟ سؤال منطقي؛ إذا الدم هو العلة فالدم يبقى في السمك، ويبقى في الجراد، النبي الكريم قال: "أحلت لكم ميتتان السمك والجراد". الحقيقة الشيء الذي لا يصدق أن السمك حينما تصطاده، أو حينما يخرج من الماء، ينتقل دمه كله إلى غلاصمه، فكأنك ذبحته، وقلّما تجد دماً في السمك، الصيادون يفتحون الغلاصم يرونها متوردة أي كل الدم صار في الغلاصم، فصيد السمك حينما يخرج السمك من الماء ينتقل دمه إلى غلاصمه وكأنه ذبح، وربما كشف العلم في المستقبل موضوع الجراد. في الصحيحين عن جابر : (( أن النبي ( ص ) بعث سرية من أصحابه فوجدوا حوتاً كبيراً قد جزر عنه البحر -أي ميتاً- فأكلوا منه بضعة وعشرين يوما ثم قدموا إلى المدينة فأخبروا الرسول عليه السلام فقال: كلوا رزقا أخرجه الله لكم)) [ صحيح عن جابر] إذاً مسموح أن تأكل السمك دون أن يذبح. إتلاف المال لا يرضي الله عز وجل : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4924/13.jpg بقي الدابة التي تموت هل يجوز أن ننتفع بجلدها ؟ الجواب: نعم: ((عن ابن عباس رضي الله عنه قال: تصدق على مولاة لميمونة أم المؤمنين بشاة فماتت فمر بها النبي صلى الله عليه وسلم فقال: هَلَّا أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا فَدَبَغْتُمُوهُ، يعني جلدها، فانتفعتم به فقالوا يا رسول الله إنها ماتت فقال عليه الصلاة والسلام إنما حرام أكلها)) [مسلم عن ابن عباس] جلدها مال ولا يجوز أن نتلف المال، وقال عليه الصلاة والسلام: ((دباغ الأديم زكاته)) [الطيالسي عن سلمة بن المحق الهذلي] أي يجعل استعماله حلالاً إذا دبغته، وفي حديث آخر: ((دباغه يذهب بخبثه)) [ المستدرك عن ابن عباس] وفي حديث رواه الإمام مسلم: (( إذا دبغ الإيهاب فقد طهر )) [مسلم عن ابن عباس] لو الدابة ماتت يمكن أن ننتفع بجلدها، وهذا يبين النظرة الاقتصادية، إتلاف المال لا يرضي الله عز وجل، النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ من قعب، بقي في القعب فضلة فقال: ردوها إلى النهر لعل لله ينفع بها قوماً آخرين. بقيت فضلة من الماء ما سمح النبي أن تهرق، إتلاف المال والتبذير في استعمال الماء هذا ليس من أخلاق المسلم. الضرورة : بقي أخوانا الكرام موضوع الضرورة؛ قال: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ ﴾ ما معنى باغٍ؟ أي ابتغى، أراد أن يأكل من لحم الخنزير ليذوق هذا اللحم، طعمه طيب مثلاً؟ هذا باغٍ أي بغى أن يأكل، ولا عادٍ أي على وشك أن يموت جوعاً يكفيه أربع لقمات ينبغي ألا يزيد عليهن أية لقمة، أي لا يتجاوز الحد الذي يبقيه حياً، العلماء فصلوا قالوا: الإنسان الذي لا يجد طعاماً ليوم وليلة على التمام عند ذلك يجوز له أن يأكل، أي اليوم بكامله والليل بكامله لثاني يوم لاشيء يضعه في فمه ممكن، هذه الضرورة، يوشك أن يهلك جوعاً له أن يأكل ما حرم الله عليه غير باغٍ ولا عادٍ. هناك نقطة مهمة أخيرة الإنسان لا يملك ثمن طعام لكن يعيش ضمن مجتمع، له أقارب، له أهل، الفرد إذا كان لا يملك ثمن طعام لا يعد مضطراً، يجب أن يطلب الطعام من أقربائه، أنا جائع أريد أن آكل أي لا يكفي ألا تجد طعاماً وتأكل لحم الخنزير، هذه حالة في الصحراء، في مكان منقطع لا يوجد إنسان يطعمك لقمة، ضمن مجتمع مسلم أنت لست مضطراً، يقول أحدهم: أنا مضطر إلى قرض ربوي، ألا يوجد أحد يقرضك؟ يقول: لا يوجد أحد، يقال له: سألت؟ يقول: لم أسأل، إنسان مقطوع من شجرة ليس معقولاً؟! يجب أن تبحث عن قرض حسن، لا يسأل أحداً ويقول: أنا مضطر، ما دمت في مجتمع مسلم فأنت لست مضطراً، الإنسان عندما يتقي أن يعصي الله عز وجل الله يلقي في قلوب الآخرين الاندفاع نحو خدمته، الإنسان إذا نوى وصمم ألا يعصي الله الله عز وجل يهيئ له سبل الحلال. النقطة الدقيقة الأخيرة أن الإنسان لا يعد مضطراً إذا كان في مجتمع مسلم، هذا الكلام في سفر، في بادية، في صحراء، على وشك الموت جوعاً، وهناك خنزير بري ممكن، أما ضمن مدينة لك أهل وأقرباء، لا تملك ثمن طعام دعيت إلى مطعم فيه لحم خنزير فعليك ألا تأكل إلا ما أحل الله لك، لا يوجد معي، أسأل، أقترض، أطلب الطعام، ولا آكل ما حرم الله، ولهذا الدرس تتمة نتابعها إن شاء الله تعالى، لكن سوف نصل في الدرس القادم إن شاء الله تعالى إلى اللحوم التي لم تذبح الذبح الشرعي، اللحوم التي تذبح بطريقة الصعق هل يجوز أكلها؟ إن لم يكبر عليها هناك رخصة أنت كبر عليها وكُلها، التكبير له حل أما التذكية الشرعية فليس لها حل، هذا إن شاء الله نعالجه في درس سابق. الطعام شيء أساسي وهناك معلبات ولحوم مستوردة هل تجوز؟ وما هي حدود الحلال والحرام؟ |
رد: العبادات التعاملية
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية الدرس : ( الحادى و العشرون ) الموضوع : الحلال والحرام فى الملبس و الزينة الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون الذكر فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. معرفة منهج الله أخطر موضوع على الإطلاق بعد الإيمان بالله : أيها الأخوة المؤمنون: مع الدرس الرابع من دروس: "الحلال والحرام في الإسلام"، وقد بينت لكم في دروس سابقة أن أخطر موضوع على الإطلاق بعد الإيمان بالله أن تعرف منهجه، وأن تحمل نفسك على سلوك ذلك المنهج، بل إن الإنسان إذا عرف الله عز وجل لا يشغله شيء إلا أن يبحث عن أمره ونهيه، والله سبحانه وتعالى يبين أن المرجح الوحيد بين الخلق هي الطاعة والتقوى، حين قال: ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ [سورة الحجرات:الآية 13] وليس الولي الذي يطير في الهواء، وليس الولي الذي يمشي على وجه الماء، الولي كل الولي الذي تجده عند الحلال والحرام، الولي كل الولي أن يراك الله حيث أمرك، وأن يفتقدك حيث نهاك. يوجد سلوك أبحث عن اسم له -سلوك استعراضي- أن تضع المصحف في جيبك، أن تعلقه في مركبتك، أن تضعه في بيتك، إن هذا سلوك استعراضي، إذا لم يكن هناك طاعة حقيقية لله عز وجل فهذا السلوك الاستعراضي لا يقدم ولا يؤخر. سبيل تعظيم الله تعظيم أمره ودليل محبتك له طاعته : كن عميقاً، تعلق بجوهر الدين، اقتدِ بأصحاب رسول الله الذين -رضي الله عنهم- لأنهم كانوا عند الأمر والنهي، ومن صفات سيدنا الفاروق -عملاق الإسلام- أنه كان وقافاً عند كتاب الله. فلذلك موضوع الحلال والحرام، هذا الموضوع قد لا يلفت نظر الذين قصروا في معرفة الله، لأن شرف الأمر من شرف الآمر، فكلما عَظُم الله عندك عظم أمره، وكلما جلَّ ربك في عينك جلَّ أمره أيضاً، فسبيل تعظيم الله تعظيم أمره، ودليل محبتك له طاعته، بل إن الله تعالى جعل طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم مقياساً لمحبته، فقال: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ﴾ [سورة آل عمران:الآية31] من هذا المنطلق بدأنا هذه السلسلة من الدروس، نتحدث فيها عن الحلال والحرام، كان موضوع الدرس الماضي الحلال والحرام في الأطعمة، وبينت كيف أن الله سبحانه تعالى حرم الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أُهِلَ به لغير الله. الملبس والزينة في حياة المسلم : واليوم ننتقل إلى جانب آخر من جوانب حياة المسلم، ألا وهو الملبس والزينة، فالإسلام أباحها للمسلم، بأن يكون ذا هيئةٍ حسنة، لا أدري لماذا استقر في عقول الناس في العصور الوسطى أو عصور الانحطاط إن من علامات المسلم الولي أن تكون هيئته مزرية، من قال لك ذلك؟ النبي عليه الصلاة والسلام يقول: (( أصلحوا رحالكم، وحسنوا لباسكم، حتى تكونوا شامة بين الناس )) [ أحمد عن قيس بن بشر ] إصلاح حال ثيابك، إصلاح شأنك، وإصلاح ثيابك، والتجمل من الدين، فلذلك أباح الإسلام للمسلم أن يكون ذا هيئة حسنة، وأن يكون كريم المظهر، أنت سفير -سفير أي دولة - سفير الإسلام، أنت عند الناس مسلم، والمسلم يجب أن يكون حسن المظهر، جميل الهندام، متمتعاً بما خلق الله له من زينةٍ، وثيابٍ، وريش، من دون إسراف، ولا مخيلةٍ، ولا عُلُوٍ على الناس، إلا أن المظهر جزءٌ من شخصيتك، بل إن علماء النفس يقولون: "الإنسان إذا اعتنى بمظهره فهذا يظهر في قوة شخصيته". إذا وجد خطأ في ثيابك، أو خطأ في هندامك، أو خطأ بشكلك العام، أي لست مهتماً بشعرك، ولست مهتماً برائحتك، و لست مهتماً بنظافتك، هذا مما يضعف شخصيتك، وقد يربكك في الكلام، أحد أسباب الحبسة في الكلام ضعف الثقة بالذات، وأحد أسباب قوة الشخصية الهندام الحسن، فلذلك ليس غريباً أن يكون المؤمن ذا هندام حسن، و ذا مظهر طيب ومقبول. الغرض من الثياب : أيها الأخوة الكرام: الغرض من الثياب بشكل بديهي أمران؛ ستر العورة والتزين به، والله سبحانه وتعالى امتن على الإنسان بما هيأ له من لباس ورياش. من خلق القطن؟ الله جلّ جلاله، من خلق الصوف لننتفع به؟ الله جلّ جلاله، إنّ ما ننعم به من ثياب إنما هي من خلق الله عز و جل، لكنه أكرمنا بأن ألهمنا أن نغزلها، وأن ننسجها، وأن نخيطها، وأن نصبغها، كي نتزين بها. الحقيقة يوجد في الإنسان شيء عجيب، الإنسان خلق عارياً لكن الله أعطاه هذا الفكر فصنع به أجمل الثياب، خلق بلا مأوى أعطاه الله هذا الفكر فسكن أجمل البيوت، الله عز و جل عندما أعطى الفكر للإنسان أعطاه كل شيء على الإطلاق، فبه لبس أحسن الثياب، و به سكن أجمل البيوت، وبه انتقل بسرعة عن طريق مركبات اخترعها، هذا الفكر كرم الله به الإنسان، وهو أثمن عطاءٍ على الإطلاق، إلا أنه ينبغي أن تعمله لما خُلق له، هذا الفكر خلق من أجل أن تعرف الله عز و جل من خلاله. إذاً التستر والتزين، والإنسان إذا انحرف عن هذين الشرطين فقد استجاب لنداء الشيطان قال تعالى: ﴿ يَا بَنِي آَدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآَتِهِمَا﴾ [سورة الأعراف: الآية 27 ] صار التعري من لوازم الكفر. ارتباط ثياب المرأة بدينها ارتباطاً وثيقاً : موضوع الثياب متعلق بالدين ولاسيما المرأة، فالمرأة كل سنتمتر من ثيابها يقابله زيادة في إيمانها، فالمرأة بالدرجة الأولى ثيابها مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بدينها وإيمانها، فكلما تسترت ارتقت عند الله، وكلما تبذلت سقطت من عين الله، لأنه حينما تتبذل تصبح مؤذيةً لخلق الله لا إيذاء سلبياً بل إيذاء إيجابياً، تغريهم به- في الطريق شاب أعزب، في الطريق رجل متزوج أو امرأته مريضة - فهذه التي تبدو في أجمل زينة في الطريق هذه تؤذي عباد الله عز وجل. فيمكن أن نقول: إن دين المرأة مرتبط بثيابها، طبعاً مرتبط بثيابها بعض الارتباط، لو رأيت طالباً في الطريق يرتدي ثياب الفتوة، أقل ما يشير إلى أنه طالب علم هذه الثياب، قد يكون فاشلاً في دراسته، قد يكون راسباً، قد يكون مفصولاً، لكن أقل ما يشير إلى أن هذا الطالب طالب هو الثياب، والمرأة أقل ما يؤكد انتمائها للدين حجابها. هل يكفي الحجاب وحده؟ لا يكفي. لكن أقل أشارة إلى أنها مسلمة ثيابها، أما أعلى إشارة حبها لله، طلبها للعلم، رعايتها لزوجها، عنايتها بأولادها، معرفتها بربها، إخلاصها لزوجها، لكن أقل دليل على أنها امرأة مسلمة حجابها. فموضوع الحجاب -الحجاب للمرأة- وموضوع التستر للرجل هذا مرتبط بدينه، فالكافر دوماً يميل إلى التعري، إلى كشف العورات، إلى التبذل، إلى إثارة الشهوات، لذلك ليس غريباً أن أقول لكم: إن الانحرافات الخطيرة في العلاقات بين البشر أساسها التبذل. فالزنا أساسه تبذل المرأة، والخلوة، والاختلاط. الانحرافات الخطيرة في العلاقات بين البشر أساسها التبذل : حتى إن الانحرافات الخطيرة في الجنس أساسها التبذل - تبذل امرأةٍ أمام امرأةٍ ربما قادهما إلى الانحراف، وتبذل شابٍ أمام شابٍ ربما قادهما إلى الانحراف - لهذا قال عليه الصلاة والسلام: ((الفخذ عورة )) [ الترمذي عن ابن عباس] دقق الانحرافات الخطيرة، رجل يحمل دكتوراه في بلد عربي، أرسل ابنه إلى بلد غربي -إلى أمريكا- بقي سنوات عدة، ثم فوجئ الأب بأن ابنه يعلمه أنه تزوج، وأنه ينتظره في أمريكا ليهنئه بهذا الزواج، ذهب الأب، طرق باب ابنه، ففتح الباب، فصعق، ابنه تزوج ولكن ليس هو الزوج، إنه الزوجة، زواج شاذ، أصيب بجلطة مباشرة، لو سألتني الانحرافات الخطيرة بين الشباب والفتيات بعد الزنا، الزنا معروف بين رجل وامرأة، الانحرافات الخطيرة بين الشباب والفتيات أساسها كشف العورات والتبذل، فيجب أن نعتقد أن الثياب جزء من الدين. المؤمن الصادق يحصن نفسه من خطرين شديدين؛ المرأة والمال : الآن: الإنسان يرتدي أقل الثياب لا يبالي بنظر الناس له، هذا أيضاً لا يجوز، فلذلك قال الله تعالى: ﴿ يَا بَنِي آَدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآَتِهِمَا﴾ [سورة الأعراف: الآية 27 ] إن هذه الشهوة الجنسية التي أودعها الله في الإنسان من أجل أن يكوّن أسرة، تثمر ولداً صالحاً، أو فتاة صالحةً، أن يكون الوئام بين الزوجين، هذه الشهوة بإمكان أي إنسان حقير أن يفجرها بالعري، والصور المكشوفة، والأعمال الفنية الساقطة، والتقاط المحطات الفضائية. فهذا الذي يفجر الإنسان تفجيراً إنه كاللغم، إنسان حقير يعطيه عود ثقاب ينفجر. لذلك نرى في الإسلام أحكاماً كثيرة جداً متعلقة بالمرأة، وأحكاماً كثيرة جداً متعلقة بكسب المال؛ منطقتان خطيرتان يؤخذ منهما الإنسان؛ المرأة والمال، والمؤمن الصادق يحصن نفسه من هذين اللغمين الذين ربما أوديا به. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( استوصوا بالنساء خيراً )) [متفق عليه عن أبي هريرة ] (( ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء )) [الترمذي وابن ماجه عن أسامة ] لذلك سماها النبي عليه الصلاة والسلام : (( حبائل الشيطان )) [فيض القدير شرح الجامع الصغير] والمال أيضاً يعتبر مادة الشهوات، فلذلك المؤمن يحصن نفسه من هذين الخطرين الشديدين؛ المرأة والمال. للثياب وظيفتان؛ الستر و التزين : إن قول الله عز و جل: ﴿ يَا بَنِي آَدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا ﴾ [سورة الأعراف:الآية 27 ] وقوله عز و جل: ﴿ يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ﴾ [سورة الأعراف:الآية 31] يوضح الله عز و جل في هاتين الآيتين أن للثياب وظيفتين؛ وظيفة الستر و وظيفة التزين. فإذا انتقى الإنسان لوناً جيداً لا مانع من ذلك، وإذا ارتدى ألواناً متناسبة لا مانع أيضاً، و إن اختار ألواناً هادئة لا مانع أيضاً، فضلاً عن أن هذا الثوب يستر عورته، إذا اجتهد في حسن اختيار اللون فهذا شيء غير محرم، إنه يحقق هدف الزينة. روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن أحد أصحابه سأله. ((قلت: يا رسول الله: عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: "احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك"، قلت: فإذا كان القوم بعضهم في بعض، قال: "إن استطعت ألا يراها أحد فلا يرينها"، قلت: فإذا كان أحدنا خاليا، قال: "فالله أحق أن يستحيا منه)) [أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده] التستر جزءٌ من الدين : إذاً كما قدمت لكم: التستر جزءٌ من الدين، والفسق والمعصية تميلان إلى التعري، وإذا بلغ الفجور أقصى حده تنشأ نوادي العُراة حيث يكون الإنسان فيها كالبهيمة. سبحان الله! قضية ذوقية، الإنسان جميل بالثياب، وبشع بلا ثياب، ولكن الأذواق سقطت في وحُولِ الشهوات، حتى المرأة جمالها في حشمتها، وفي ثيابها السابغة، فإذا تبذلت سقطت من عين الناس. كان رسول الله صلى الله عليه و سلم في المسجد فدخل رجل ثائر الرأس واللحية، فأشار إليه رسول الله صلى الله عليه و سلم بيده أن اخرج، كأنه يعني إصلاح شعر رأسه ولحيته، ففعل الرجل، ثم رجع، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: (( أليس هذا خيراً من أن يأتي أحدكم ثائر الرأس كأنه شيطان؟ )) [ الموطأ عن عطاء بن يسار] وكأنه الآن يوجد اتجاه للشعر الثائر والمبعثر - أحدث صرعة في تصفيف الشعر - الأذواق هبطت، الأذواق الثابتة أصبحت ساقطة. روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( تنظفوا فإن الإسلام نظيف)) [ ابن حبان عن عائشة] هذه كلمة مطلقة – يقولون: فلان نظيف - قد تعني أكثر من أنه نظيف البدن، واضح، علاقاته واضحة، سره كعلانيته، لا يوجد عنده خبث ولا خداع، مبادئه صريحة، ووسائل مبادئه أوضح من مبادئه. النظافة تدعو إلى الإيمان والإيمان مع صاحبه في الجنة : على كلٍٍّ: تنظفوا فإن الإسلام نظيف، والنظافة تدعو إلى الإيمان، والإيمان مع صاحبه في الجنة، ويبدو أن المؤمن إذا تنظف كأنه تقرب إلى الله عز و جل، كيف؟ لأن الله عز و جل يقول: ﴿ إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين﴾ [سورة البقرة: الآية222] الله يحب الطاهر، إذا نظف الإنسان جسمه وبالغ في الاستحمام، تعطر وارتدى ثياباً نظيفة، تأنق فيها، اعتنى بها، فهذا من الدين، أليس عاراً أن يكون الفاسق الفاجر الكافر أشد نظافة وأناقة من المؤمن؟ أليس هذا عاراً على المؤمنين، أليس عاراً أن يكون متجر الكافر مرتباً نظيفاً منظماً ومتجر الإنسان المسلم مضطرباً فيه الفوضى والغبار أيليق هذا بالمسلم. على كلٍّ: النظافة عامة، النبي عليه الصلاة والسلام حث على نظافة الثياب ونظافة الأبدان ونظافة البيوت ونظافة الطرق وعني خاصة بنظافة الأسنان ونظافة الأيدي ونظافة الرأس وهناك أحاديث كثيرة. الوضوء وطهارة البدن والثياب والمكان أول فريضةٍ تعبديةٍ شرطها النظافة : هل تصدقون أنه في العالم الآن ثلاثمئة مليون إنسان مريض بسبب القذارة، ثلاثمئة مليون إحصاء منظمة الصحة العالمية مصابون بأمراض القذارة، التهابات الأمعاء وما إلى ذلك. وهل تعجبون أن النظافة جعلها الله مفتاحاً وشرطاً لأول فريضة تعبدية في الإسلام وهي الصلاة، الصلاة عماد الدين شرطها الطهارة، الوضوء، وطهارة البدن، وطهارة الثوب، وطهارة المكان، هذه هي الصلاة، هل تستطيع الصلاة على مكان نجس؟ هل تستطيع الصلاة في ثياب نجسة؟ في بدن نجس؟ لا تستطيع. الوضوء، وطهارة البدن، والثياب، والمكان، أول فريضةٍ تعبديةٍ على الإطلاق، شرطها النظافة. رأى رسول الله صلى الله عليه و سلم رجلاً شعثاً قد تفرق شعره فقال: (( أما كان يجد ما يسكن به شعره؟ )) ورأى رجلا آخر وعليه ثياب وسخة فقال: (( أما كان هذا يجد ماء يغسل به ثوبه؟ )) [ أبو داود عن جابر بن عبد الله] يتحدث النبي عليه الصلاة والسلام بلطف. أول انطباع للإنسان يكون عن الشكل ثم المنطق ثم المعاملة : الذي أريده أنت مؤمن، و أنت محسوب على المؤمنين، مظنة إيمان عند أهلك، عند أخوتك، عند أصحابك، عند جيرانك، عند زملائك في حيكَ - هذا مسلم يحضر دروس علم - فهذا الإنسان بالذات ينبغي أن يكون في أعلى درجة من النظافة والأناقة، أنا لا أقول أن تلبس ثياباً فخمة غالية أبداً، يمكن أن ترتدي أرخص ثوبٍ لكنه نظيف. يمكن أن تختار ألواناً متناسبة - أيليق بإنسان يؤم الناس في المساجد أن يركب دراجة وحذاء بلا جوارب وبلا رباطات، ويرفع ثوبه مظهراً ملابسه الداخلية، هل يليق بالإنسان هكذا - أهكذا المؤمن؟ يقول لك درويش، ليس هذا هو الدين: (( أصلحوا رحالكم، وحسنوا لباسكم، حتى تكونوا كأنكم شامة بين الناس )) [ أحمد عن سهل بن الحنظلية] أساساً الشخص إذا التقى بشخص آخر أول مرة يتفحصه من هيئته فقط، أول انطباع الشكل، الأناقة، النظافة، الشعر، الثوب، الترتيب، أول انطباع، عندما يتكلم الإنسان ينسى الناس ثيابه وينتبهون لكلامه، وعندما يعاملهم ينسون كلامه. أولاً: الشكل ثم المنطق ثم المعاملة. قال: أتعرفه؟ قال: نعم أعرفه، قال: هل جاورته؟ قال: لا، قال: هل عاملته بالدرهم والدينار؟ قال: لا، قال: هل سافرت معه؟ قال: لا، قال: أنت لا تعرفه، يا هذا إني لا أعرفك لكن سيدنا عمر كان أديباً، فقال له: ولا يضرك أني لا أعرفك. على الإنسان ألا يصغر نفسه أمام إنسان لا يعرف الله : هناك نقطة أريد لفت النظر إليها: المسلم لا يصغر نفسه أبداً، فكلمة واحدة يصغر بها الإنسان، أو إلحاح يصغر فيه، أو يطمع بشيء ما فيسقط، فالطمع أذل رقاب الرجال. وسعنا الدائرة الآن نتجاوز الثياب، والهندام، والأناقة، والنظافة، فالإلحاح على طلب الشيء بعض الأحيان يصغرك - قال له يا هذا: لقد ضيعت من نفسك أكثر مما ضاع منك - اطلبوا الحوائج بعزة الأنفس فإن الأمور تجري بالمقادير، لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه، فقال عليه الصلاة والسلام: (( من جلس إلى غني فتضعضع له ذهب ثلثا دينه )) [ البيهقي في شعب الإيمان عن ابن مسعود] ونوسع الموضوع فنقول: إياك أن تصغر نفسك أمام إنسان لا يعرف الله، أحياناً الابتسامة الزائدة تضعف مركزك، أحياناً الانحناء، ولم الانحناء؟ ارفع رأسك، فكلمة الحق لا تقطع رزقاً ولا تقرب أجلاً. الله عز وجل يحب أن يرى أثر نعمته على عبده : ((أتى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فِي ثَوْبٍ دُونٍ فَقَالَ : أَلَكَ مَالٌ؟ قَالَ : نَعَم؟ قَالَ: مِنْ أَيِّ الْمَالِ؟ قَالَ : قَدْ أَتَانِيَ اللَّهُ مِنَ الإِبِلِ وَالْغَنَمِ وَالْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ. قَالَ : فَإِذَا أَتَاكَ اللَّهُ مَالاً فَلْيُرَ أَثَرُ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْكَ وَكَرَامَتِهِ)) [ أبو داود عن أبي الأحوص عن أبيه] إنه ميسور الحال، لمَ هذا المظهر الذي لا يليق بك؟ لأن الله يحب أن يرى أثر نعمته عليك، للعوام مثل لطيف: الذي لا يمتلك القديم لا يمتلك الجديد. فالنبي الكريم قال: ((ما على أحدكم إن وجد سَعَة أن يتخذ ثوبين لجمعته، سوى ثوبي مهنته)) [ ابن حبان عن عائشة] عندك ثياب لعملك اليومي، وثياب ليوم الجمعة، فيوم الجمعة عيد - دعيت إلى عقد قران، إلى احتفال، إلى لقاء، إلى سهرة - يكون هذا الثوب جديداً خاصاً للقاءات، والنبي عليه الصلاة والسلام كان يفعل هذا، له ثياب يرتديها يوم الجمعة، وعند لقاء الوفود، وكان عليةَ قومه يفعلون كذلك. بل إن القرآن الكريم يقول: ﴿ قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق ﴾ [سورة الأعراف:الآية32] من حرم هذه؟ تحريم الذهب و الحرير على الرجال : وما نزال في موضوع الثياب فهناك شيئان محرمان على الإنسان في موضوع الملبس والزينة، أولاهما: التحلي بالذهب، وثانيهما: لبس الحرير، فعن علي كرم الله وجهه قال: ((إن نبي الله صلى الله عليه و سلم أخذ حريراً فجعله في يمينه، وأخذ ذهباً فجعله في شماله، ثم قال: إن هذين حرام على ذكور أمتي)) [ أبو داود عن علي] سمعت مرةً مقالة علمية موثقة عن ضرر الذهب للرجال بالذات، وعن عمر قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((لا تلبسوا الحرير فإن من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة )) [ صحيح عن عمر] وقال صلى الله عليه وسلم في حلة الحرير: (( إنما هذه لباس من لا خلاق له )) [ البخاري عن عمر] ورأى النبي خاتماً من ذهبٍ في يد رجل فنزعه وطرحه في الأرض وقال: ((يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في يده)) [ مسلم عن عبد الله بن عباس] فقيل للرجل بعدما ذهب النبي: خذ خاتمك انتفع به، بعه، قال: لا والله لا آخذه وقد طرحه رسول الله صلى الله عليه وسلم، نرى الآن الخاتم، والقلم، والقداحة، والساعة، كلها ذهب تعتبر هذه للرجل العصري. إباحة النبي الكريم التختم بالفضة : أما التختم بالفضة فقد أباحه النبي صلى الله عليه وسلم، فقد روى الإمام البخاري عن ابن عمر قال: اتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتماً من وَرِق، و الوَرِق هو الفضة، وكان في يده، ثم كان بعد في يد أبي بكر رضي الله عنه، ثم كان في يد عمر رضي الله عنه، ثم كان بعد في يد عثمان، ثم وقع بعد في بئر أريس، أما المعادن كالحديد فلم يرد نص صحيح في تحريمها، لكنه ورد في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للرجل الذي أراد الزواج من امرأة وهبت نفسها له: ((التمس ولو خاتماً من حديد)) [رواه الشيخان وغيرهما عن سهل بن سعد الساعدي] لكن إذا كان هناك أمراض جلدية وعلاجها الحرير فلا مانع، لبس الحرير لعلة علاجية من مرض جلدي لا مانع من ذلك. الحكمة من تحريم الذهب والحرير : قد يسأل أحدكم: ما حكمة تحريم الذهب والحرير؟ هناك أهداف كثيرة، أحد هذه الأهداف أن هذا الدين العظيم دين القوة والجهاد، ولبس الحرير والذهب من قبل الرجال يضعضع مكانتهم القوية، اقتربوا إلى النعومة، إلى التخنث، إلى الاسترخاء، إلى التجمل، فالذهب والحرير يضعفان في الرجل قوته وجهاده و عزيمته، أو كأنه بالذهب والحرير ينافس النساء، ويتقرب إليهن، ويتشبه بهن. وهناك شيء آخر لي صديق تقدم لنَيل شهادة عليا في جامعة غربية، قال لي: كان يوجد مادة تسمى التربية والمستقبل، واستقدموا لهذه المادة أستاذاً من بلاد بعيدة، هذه المادة حينما درسها في هذه السنة لفت نظره شيء، ملخص هذه المادة أن المجتمع البشري يجب أن يرشِّد الاستهلاك وإلا يدفع الثمن باهظاً، كيف؟ افتح خزانة ثياب امرأة كم ثوب لا تلبسه؟ ما العلة؟ لبسته في حفلة سابقة، هذه الثياب لها ثمن باهظ، مدفوع ثمنها، مخيطة فيها كلف، استهلكت جهداً بشرياً كبيراً، تلبس مرة أو مرتين وتلقى في الخزانة، هذا إسراف في استهلاك خيرات الأرض، هذا الاستهلاك الشديد سببا الآن الفقر الشديد، أي أحد أسباب اختلال التوازن في الموارد هذا الاستهلاك غير المرشد، وأساساً كل إنسان يستهلك المواد استهلاكاً غير مرشد هذا سفيه، يحكم عليه بالسفاهة، ولا أكتم أن الأقوياء نظروا إلى هؤلاء الأغنياء أصحاب الثروات النفطية، فرأوا أنهم لا ينفقون أموالهم إنفاقاً حكيماً، إنفاقاً فيه التبذير والإسراف، شيء غير معقول، لذلك أرادوا أن يأخذوا هذه الأموال بطريقةٍ أو بأُخرى، إنفاق المال بشكل غير مرشّد دليل سفاهة الإنسان، سماه الله عز وجل سفيهاً فقال: ﴿ ولا تؤتوا السفهاء أموالكم ﴾ [سورة النساء: الآية 5] الإسراف والتبذير موضوع يجب أن يعالج معالجة دقيقة : كل إنسان يبالغ في الإنفاق بشكل يستهلك هذه المواد التي أكرمنا الله بها استهلاكاً غير مرشدٍ هذا يحكم عليه بالسفاهة. ولقوله تعالى: ﴿ وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا﴾ [سورة الإسراء: الآية 16] ولقوله تعالى: ﴿ وما أرسلنا في قريةٍ من نذيرٍ إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كافرون ﴾ [سورة سبأ: الآية 34] أقول لكم هذا كثيراً، ثماني آيات حصراً في كتاب الله قُرن الكفر بالترف، وذكرت ذلك سابقاً، أنت دخلك هكذا، وحاجتك الأساسية هكذا، طعام وشراب ولباس وبيت ومركبة، وهناك فائضٌ كبير، هذا الفائض يمكن أن تصل به في الجنة إلى أعلى عليين، استهلكته بأشياء تافهة لا تقدم ولا تؤخر في الحياة الدنيا، لو يعلم الغني كم يرقى إلى الله بماله، كم يحل آلاف المشكلات بماله، كم يسعد بإنفاق ماله، لأخذ حاجته، وأنفق الباقي في سبيل الله، والله سبحانه وتعالى يعده وعداً أكيداً أن يخلف عليه ما أنفقه. إن موضوع الإسراف والتبذير موضوع يجب أن يعالج معالجة دقيقة. كنت في بعض البلاد قبل أسابيع، لفت نظري أن رقم السيارة إذا كان دون الخمسين سعره مئة ألف درهم أي مليون ليرة - رقمك سبعة وخمسون - ما هذه القيمة العظيمة؟ رقم سيارته سبعة وخمسون يدفع سعرها مليون ليرة، كم إنسان تحل مشكلته بهذه المليون ليرة؟ فالإنسان عندما يبتعد عن الله عز وجل يتعلق بقيم مضحكة - فليكن رقم سيارتك خمسة عشر ألفاً ماذا يحدث؟ ألا تسير إلا على السبعة والخمسين- شيء ليس له معنى، وعندنا في هذه البلاد أصبحت ليلة الزفاف تكلف عشرين مليوناً، زفاف بعشرين مليوناً؟ كم إنسان تحل مشكلته بهذه الملايين؟ يجب أن نعتقد اعتقاداً يقينياً بقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً ﴾ [سورة الإسراء: الآية 27] إذاً: الكفار كانوا إخوان الشياطين هذا قياس منطقي، كل إنسان فان، سقراط إنسان، سقراط فان. تعلمناها بالمنطق الصوري. الله تعالى حرم التبذير و نهانا عن الإسراف : إذاً قول الله تعالى: ﴿ إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً ﴾ [سورة الإسراء: الآية 27] يؤكد بأن المبذرين كفار، فلذلك ينفق الإنسان كما أمره الله حين قال: ﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ﴾ [سورة الأعراف: الآية 31] في كل شيء، اسكن في بيت، وارتدِ الثياب، وتناول الطعام، وربِّ أولادك، وألبسهم، وأطعمهم، لكن بالمعقول، بالاعتدال، من دون أن تفسدهم، من دون أن تجعلهم يتكبرون على الناس، فالإسراف يجب أن يعالج، الإسراف في المباحات، والتبذير في المعاصي، فكما أن الله تعالى حرم التبذير نهانا عن الإسراف، يقولون: غني! وإذا كان معك أموال طائلة! هل يجب أن تستهلكها بأهداف خسيسة؟ المسلم وقاف عند كلام الله يحل ما أحلّ الله ويحرم ما حرم الله : على كلٍّ في درس آخر إن شاء الله ننتقل إلى موضوع: إباحة الذهب والحرير للنساء فيه حكمة بالغة، هذان محرمان على الرجال، محللان للنساء، ولازلنا في موضوعات متعلقةٍ بلباس المرأة المسلمة، و موضوعات أخرى متعلقة باللباس والزينة، وهذه كما قلت لكم من صلب الدين، الحلال والحرام من صلب الدين، وعلامة إيمانك بالله سعيك الحثيث لمعرفة حكم الله في كل شيء، وعلامة صدقك في طلب الحق تطبيقك لما عليك من حكم الله، مشروع أُطبق، غير مشروع لا أُطَبق. في الحقيقة العصر الحالي عصر زينة، عصر زخرف، قال الله تعالى: ﴿ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (24) وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (25) ﴾ [سورة يونس: الآية24ـ25] فكلوا واشربوا ولا تسرفوا، والمسلم وقاف عند كلام الله، يحل ما أحلّ الله ويحرم ما حرم الله، ولا تأخذه في الله لومة لائم، ويركل بقدمه كل التقاليد والعادات التي تتناقض مع دينه، له إلهٌ واحد لا يعبد غيره، لا يعبد التقاليد، ولا المظاهر، ولا العادات. |
رد: العبادات التعاملية
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية الدرس : ( الثانى و العشرون ) الموضوع : لباس المرأة و زينتها الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون الذكر فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. المرأة جعلها الله محببةً و أودع في فطرتها حبّ التزين : أيها الأخوة الكرام: مع الدرس الخامس من سلسلة دروس: "الحلال والحرام في الإسلام" http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4926/01.jpg ولازلنا في موضوع اللباس والزينة، وقد أنهينا في الدرس الماضي بفضل الله عز وجل ما يتعلق من اللباس بالرجال، وننتقل اليوم إلى ما يتعلق من اللباس بالنساء. أيها الأخوة الكرام: لاشك أن ألصق شيء بدين المرأة لباسها، لأن لباسها على قدر دينها، فكلما كان لباسها سابغاً كان دينها متيناً، و النبي صلى الله عليه و سلم حينما حرم الذهب من خلال السنة النبوية لقول الله عز وجل: ﴿وما ينطق عن الهوى*إن هو إلا وحيٌ يوحى﴾ [سورة النجم: الآية 3 ـ 4 ] حينما حرم الذهب والحرير على المؤمنين أحلّ للنساء المؤمنات التزين بالحرير والذهب، ذلك أن وظيفة المرأة تختلف عن وظيفة الرجل، المرأة جعلها الله محببةً، و أودع في فطرتها حب التزين. لاحظ طفلاً صغيراً قد يمسك بقضيب ويركبه كأنه فارس، انظر إلى طفلة صغيرة تمسك الوسادة وتضمها إلى صدرها، وتربت عليها وكأنها أم لها، هذا مُركب في أصل الفطرة، فجلت حكمة الله عز وجل، الطفل الصغير قبل أن يعي دوره في الحياة يقلد الفرسان، والبنت الصغيرة قبل أن تعي دورها في الحياة تقلد الأمهات، فهذا مركب في أصل الفطرة. عناية المرأة بهيئتها و زينتها جزء من دينها : لذلك مركب في أصل الفطرة عند المرأة حب التزين، وهذه الخصيصة تتناسب مع كونها سكناً للرجل، لقوله تعالى: ﴿ ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ﴾ [سورة الروم: الآية 21 ] بل إن المرأة التي تتزين لزوجها تفعل هذا بدافع من دينها، لأنها كلما تزينت، وبدت بشكل مقبول ومرغوب، كان زوجها أبعد عن الحرام، وهذا معنى قول النبي عليه الصلاة والسلام حينما أمر الشباب بالزواج لأنه أغض للبصر. المرأة التي تهمل زينتها حتى تحمل زوجها على التطلع لغيرها، هذه امرأة عاصية ولو صلت قيام الليل، هذه امرأة عاصية ولو حفظت القرآن. كانت الصحابية الجليلة تقول لزوجها، ألك بي حاجة؟ فإن قال: نعم، كان ما أراد، وإن قال: لا، ذهبت إلى مُصَلاها وصَلت ليلها. فجزء من دين المرأة أن تعتني بهيئتها وزينتها، وقد رُكب هذا في طبعها، لكن انطلاقاً من أن طبيعة الحياة الدنيا طبيعة ابتلاءٍ، فهذا التزين موضوع في أصل فطرة المرأة، فإما أن يكون هذا التزين للزوج فهو الطاعة والعبادة، وإما أن يكون هذا التزين لغير الزوج فهو المعصية والفجور. حبّ التزين مركب في طبيعة المرأة وهذا كمال فيها : النساء المؤمنات يتزين لأزواجهن، بل إن المرأة تخشى أن ترتدي ثوباً جديداً لا يكون زوجها هو أول من يراه، إذاً أردتُ من هذه المقدمة إلى أن أصل إلى أن حب التزين مركب في طبيعة المرأة، لأن هذا كمال فيها، وإذا بالغ الزوج في التزيُّن فهذا نقص فيه. المؤمن يتجمل، ويرتدي ثياباً نظيفةً، وجميلةً، ويتعطر، ويرجل شعره، لكن إذا بالغ في ذلك فقد انحرف عن فطرته، وعن مهمته. لذلك تعلق النساء بالحلي، بالذهب، بالماس، باللؤلؤ، هذا تعلق في أصل فطرة النساء، وقد يكون إكرامهن بهذا. أحياناً الزوج لا يقنع بهذا، لكن هذا متعلق بها لا بك، فكما أنك لا تقنع بهذه اللعبة التي تملأ نفس ابنتك أو ابنك، إن هذه اللعبة جزءاً من حياتها، فالعبرة لا على ما تحب أنت وتشتهي بل على ما يحب الأهل ويشتهون. إذاً تقتضي أنوثة المرأة أن تتزين لزوجها، وهي كما قلت قبل قليل: هي سكنٌ لزوجها، فلذلك سمح الشرع لها أن تستعمل الذهب والحرير كي تتزين لزوجها لأنها سكن له، تؤنسه، وتنسيه متاعب اليوم. التزين والتعطر والتأنق والتجمل للزوج جزءٌ من دين المرأة : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4926/02.jpg أخواننا الكرام: بالمناسبة بيت المؤمن جنة، لا لأنه واسع، ولا لأنه كبير، ولا لأنه فخم، بل لأن فيه طاعة الله عز وجل، إلا أن الانحراف من أين يبدأ؟ حينما تتزين المرأة لغير زوجها، لذلك في الحديث الشريف: (( أيما امرأة استعطرت فمرت على قومٍ ليجدوا ريحها فهي زانية، وكل عينٍ زانية )) [ النسائي و الحاكم و أحمد عن أبي موسى الأشعري ] إذاً التزين، والتعطر، والتأنق، والتجمل للزوج جزءٌ من دين المرأة، والتزين، والتعطر، والتأنق، والتجمل لغير الزوج، ربما أوردها إلى النار لأنها زانية، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن﴾ [سورة النور: الآية 31 ] وقس على هذا أشياء كثيرة. المرأة التي تبرز مفاتنها في الطريق إنما هي معتديةٌ على المسلمين : المرأة المؤمنة الطاهرة العفيفة لا يبدو منها للرجال إلا ما لا تستطيع إخفاءه؛ كطولها، أو امتلاء جسمها، أو لون ثيابها فقط، لا يبدو منها للرجال إلا الذي لا أتستطيع إخفاءه، لقوله تعالى: ﴿ ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها ﴾ [سورة النور: الآية 31] عن غير قصدٍ أو إرادةٍ. طولها ليس بإمكانها أن تخفيه، امتلاء جسمها ليس بإمكانها أن تخفيه، لون ثيابها ليس بإمكانها أن تخفيه، لقوله تعالى: ﴿ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن﴾ [سورة النور:الآية 31 ] إذاً التبذل، والتكشف، وارتداء الثياب الضيقة، والرقيقة، هذا كله من المعاصي الكبرى في حياة المرأة، لأنها تعتدي على المسلمين، تعتدي عليهم بلفت نظرهم إليها، والشعور بالحرمان ممن لم يتزوج، والشعور بالندم ممن تزوج على غير هذه الشاكلة، فالمرأة التي تبرز مفاتنها في الطريق إنما هي معتديةٌ على المسلمين اعتداء. من تبرز مفاتنها للناس تدعوهم بلسان الحال لا بلسان المقال : لكن النساء يقُلن غير هذا، تقول امرأة: إني امرأة شريفة، لو أنك شريفة كما تدعين لما آذيت المسلمين، ولما خربت بيوتهم كما يكون أحياناً، ولما دعوت الناس إليك بلسان الحال لا بلسان المقال، أيما امرأة تبرز مفاتنها إنما تدعو الرجال إليها بلسان حالها لا بلسان مقالها، لقوله تعالى: ﴿ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن﴾ [سورة النور: الآية 31] أولاً: من المحرمات، أنا حينما أقول من المحرمات الشيء المحرم شيء كبير جداً، وليس هذا من عند أي إنسان، هذا من عند النبي عليه الصلاة والسلام، حرم الإسلام على المرأة أن تلبس من الثياب ما يصف، أو يشف عما تحته، أو ما يحدد أجزاء البدن، أو ما يبرز خطوطه، فالقضية متعلقة بالدين. النساء يعتقدن أن هذا متعلق بالصرعات الحديثة، دين المرأة فوق كل شيء. الحكمة من جمع شيئين متناقضين في وصف النبي للنساء : اسمعوا في الصحيح عن أبي هريرة قال: قال عليه الصلاة والسلام: (( صنفان من أهل النار لم أرهما، قوم معهم سياطٌ كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساءٌ كاسياتٌ عارياتٌ، مميلاتٌ مائلاتٌ، رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا )) [ مسلم عن أبي هريرة] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4926/03.jpg هل خطر في بالكم لماذا جمع النبي هذين الصنفين معاً؟ ((قوم معهم سياطٌ كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساءٌ كاسياتٌ عارياتٌ، مميلاتٌ مائلاتٌ، رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا )) لماذا جمع بين هذين الصنفين؟ لأن الذي يستبد كيف يستبد بالناس؟ عن طريق إطلاق الشهوات، الإنسان إذا اتبع الشهوة أصبح ضعيفاً، أصبح كالخرقة، يخاف من كل شيء، ويخنع لكل قوي، فمن لوازم المستبدين أنهم يطلقون الشهوات من دون ضابطٍ لها إطلاقاً، طبعاً هذا الوصف قلّما يلتفت الناس إليه، وصفٌ من دلائل النبـوة [ كاسيات عاريات ] شيئان متناقضان، أحدهما ينقض الآخر، فكيف جمع النبي بينهما؟ هل بإمكانك أن تقول: هذا الحرم مظلمٌ ومنير في آنٍ واحد؟ مستحيل. إن قلت مظلماً نقضت وجود النور فيه، وإن قلت منيراً نقضت وجود الظلام فيه. فهناك شيئان متعاكسان وهناك شيئان متناقضان، أي أن أحدهما ينقض وجود الآخر فكيف قال النبي: كاسيات عاريات؟ (( صنفان من أهل النار لم أرهما، قوم معهم سياطٌ كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساءٌ كاسياتٌ عارياتٌ)) إن كانت كاسية كيف تكون عارية؟ وإن كانت عارية كيف تكون كاسية؟ ما كان أحدٌ يعرف كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم نظر إلى آخر الزمان وكأنه رأى بعينه ما يرتدي النساء، إنها ترتدي لكن هذا الذي ترتديه لا يستر شيئاً، إما أن يشف لرقته عن لون بشرتها، أو أنه يصف حجم أعضائها فكأنها عارية، وهذا من دلائل نبوة النبي عليه الصلاة والسلام. لذلك المرأة التي يحبها الله ورسوله لا يبدو شيئاً من جسمها أبداً، ثيابها صفيقة –سميكة-، وسابغة، وفضفاضة، الثياب الفضفاضة هذه ثياب المؤمنات لا يبدو شيءٌ من خطوط جسمها. إذاً: ((...ونساءٌ كاسياتٌ عارياتٌ، مميلاتٌ مائلاتٌ)) أي هؤلاء النساء بهذا الزي الفاضح، وهذه الثياب المتبذلة، يدعون الرجال إليهن بلسان الحال، مائلات إلى الرجال، مميلات للرجال، على رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، الأسنمة جمع سنام، بعض أنواع الجمال لها سنام عظيم، فهذا الذين يفعلونه بشعورهن يزداد طولها عشرة سنتمتراً: ((....رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا )) من تشبه من الرجال بالمرأة أو تشبهت المرأة به فقد وقع تحت لعنة النبي : هذا الدرس دقيق، كل واحد من أخواننا الكرام له زوجة، له ابنة، يجب أن يلاحظ ماذا تلبس في الطريق، هل ترتدي ثياباً تصف حجم أعضائها؟ هل ترتدي ثياباً تحدد معالم جسمها؟ إن كانت تفعل هذا فقد وقعت في أشد أنواع الحرام، ينبغي أن يأمرها، وأن ينهاها، وأن يتابع خروج زوجته وبناته بنفسه، فهذا جزءٌ من دينه، وجزءٌ من إقامة الإسلام في البيت. والنبي عليه الصلاة والسلام ذكر في أحاديث كثيرة أنه من المحظور على المرأة أن تلبس لبس الرجل، فالبنطال الآن من ثياب الرجال، فإذا لبست النساء هذا النوع من الثياب فقد وقعن فيما نهى عنه النبي عليه الصلاة السلام، وهذا معنى قول النبي عليه الصلاة والسلام: (( لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال)) [ البخاري عن عبد الله بن عباس] قال العلماء يدخل في التشبه الكلام، إذا إنسان تكلم وقلد المرأة في كلامها، في ترقيق صوته، أو في حركات وجهه، أو في انحناء جسمه، أو إن قلدت المرأة الرجل في صوته الجهوري، وفي نظراته القاسية الحادة، فالمرأة التي تقلد الرجل في الكلام، أو في الحركة، أو في المشية، أو في اللباس، أو أن الرجل الذي يقلد المرأة في الكلام، أو في الحركة، أو في المشية، أو في اللباس، فقد وقع تحت لعنة النبي عليه الصلاة والسلام، هذا هو الدين، الدين كيف ترتدي ثيابك؟ كيف يخرج أهلك وبناتك؟ هذا جزء من الدين. أجمل ما في الشاب رجولته وأجمل ما في المرأة أنوثتها : ما معنى الفساد؟ لو قلنا: إن هذا الماء فاسد لا سمح الله، ما معنى ماء فاسد؟ أي أخرجناه عن طبيعته، الماء لا لون له، ولا طعم له، ولا رائحة، فإذا رأينا لهذا الماء لوناً أو رائحةً أو طعماً نقول: إن هذا الماء فاسد، إذاً الله جلّ جلاله خلق المرأة على طبيعة معينة، وعلى فطرة معينة، وعلى جِبِلةٍ معينة، فحينما ندفعها إلى الخروج عن جِبِلتها، وعن طبيعتها، وعن فطرتها، ماذا فعلنا بها؟ أفسدناها. فإذا دفعناها إلى مجتمع الرجال، إلى أن تختلط بهم، وتتعامل معهم، وأن تكون بينهم طوال النهار، ماذا فعنا بها؟ أفسدنا طبيعتها. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4926/04.jpg كانت تبدو صاحبة حياءٍ فإذا بها تتواقح، المرأة إذا خرجت عن أنوثتها خرجت عن أجمل ما فيها، فالمرأة ينبغي ألا تسترجل، والرجل ينبغي ألا يتخنث. ذكرت سابقاً بأن إنساناً أرسل ابنه إلى بلاد الغرب ليتابع تحصيله العالي، بعد سنوات عدة جاءته رسالة من ابنه أنه قد تزوج، ويدعو أباه لزيارته في بيت الزوجية، أبوه رجل من أصحاب المكانة الاجتماعية في بلده، عندما ذهب إلى ابنه وجده الزوجة وليس الزوج -زواج شاذ-، فلما وجد ابنه هكذا وقع مغشياً عليه، وقد أصابته أزمة قلبية، شيء لا يحتمل أن يتخنث الشاب، الشاب أجمل ما فيه رجولته، فتوته، جرأته، وأجمل ما في المرأة حياؤها، قال تعالى: ﴿فجاءته إحداهما تمشي على استحياء ﴾ [سورة القصص:الآية 25 ] لفت نظر سيدنا موسى في بنت سيدنا شعيب حياءها، والفتاتان بنتا سيدنا شعيب ما الذي لفت نظرهما في سيدنا موسى؟ قوته وأمانته، فقال تعالى: ﴿ قالت إحداهما يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين﴾ [سورة القصص:الآية 26 ] لذلك من الأحكام الفرعية أن الرجال نُهوا عن أن يلبسوا المعصفر - ثياب ألوانها فاقعة وفيها ورود أشجار- هذه الثياب المعصفرة ذات الألوان الفاقعة هذا مما نهي عنه الرجال أن يلبسوه. ضبط نوع الثياب من دون إسراف ولا مخيلةٍ : الآن نريد الذي يضبط نوع اللباس، الضابط ألا يكون الثوب ثوب شهرة ولا ثوباً مهجوراً، فكل ثوبٍ يتمّشى مع أحدث صرعات الأزياء هذا ثوب شهرة، الإنسان إذا لبسه يغلب عليه الاستعلاء، والزهو، والكبر. قاعدة أساسية لك أن تأكل، أن تشرب، وأن ترتدي الثياب، وأن تذهب، وأن تنام، وأن تفعل من دون إسراف ولا مخيلةٍ، المباحات يجب أن تمارسها من دون مزلق، من دون إسرافٍ، ومن دون مخيلةٍ أي كبرٍ، فقال الله تعالى في ذلك: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً ﴾ [ سورة لقمان: الآية 18] طبعاً يجب الآن مراعاة الدقة، الإسراف في التعامل مع هذه الأشياء، الإسراف أقرب للناحية المادية، أما الاختيال فأقرب إلى الناحية النفسية، من دون إسراف في إنفاقها، ومن دون مخيلةٍ في الكبر أو الزهو بها. ويقول عليه الصلاة والسلام: (( من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة )) [أخرجه البخاري وأبو داود والنسائي عن عبد الله بن عمر] أحياناً يلبس الإنسان، و يتجمل، ويقف أمام المرآة، يتفحص شكله، هندامه، أناقته، ثيابه، ألوان ثيابه، تعجبه نفسه، فإذا خرج من البيت رأى نفسه فوق الناس، هذا هو الخيلاء. الإسراف أن تكثر من استهلاك هذه الألبسة إلى درجة غير معقولة، فاللباس ينبغي ألا يكون فيه إسراف ولا مخيلة، وفي الحديث الشريف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( من لبس ثوب شهرةٍ ألبسه الله ثوب مذلةٍ يوم القيامة )) [أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة وعن ابن عمر] رجل سأل سيدنا عبد الله بن عمر، قال: ماذا ألبس من الثياب؟ فقال هذا الصحابي الجليل: ما لا يزدريك فيه السفهاء، ولا يعبك فيه الحكماء، الثياب المبتذلة المهجورة التي لا يعقل أن يلبسها المؤمن، لماذا نهى النبي عنها؟ لأن السفهاء يزدرونك بهذه الثياب، يقيّمونك من ثيابك فقط، والألبسة الشهيرة المتطورة التي توافق أحدث ما في المجلات، هذا الثوب ثوب شهرة يعيبك فيه الحكماء لتجاوزه حدّ الاعتدال. تحريم الغلو في الزينة عن طريق تغيير خلق الله عز وجل : الآن عندنا موضوع الغلو في الزينة عن طريق تغيير خلق الله عز وجل، فالنبي عليه الصلاة والسلام حرم الوشم، وتحديد الأسنان، الوشم محرم أيها الأخوة، إنسان موشوم طبعاً يرسمون على الجلد رسوماً معينة؛ حيوانات، وأدوات، وأشكال هندسية، وهذا اللون يبقى مع الإنسان حتى الموت، الوشم محرم في الإسلام لأنه ينضوي تحت قوله تعالى: ﴿ولآمرنهم فليغيرن خلق الله﴾ [سورة النساء: الآية 119] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4926/05.jpg بعض النساء في الصين يلبسن أحذية معدنية كي تبقى أقدامهم صغيرة، وهذا مما يؤذيهن، يوجد كثير من الأعمال تقوم بها الشعوب تغير خلق الله عز وجل، هذا محرم في الإسلام: ((لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الواشمة والمستوشمة - الواشمة التي تقوم بفعل الوشم، والمستوشمة التي تطلب الوشم - والواشرة والمستوشرة - الواشرة: هي التي تقطع من أسنانها الطويلة أو تبرد من أسنانها هذه الواشرة أي التي تفعل فعل الوشر، والمستوشرة التي تطلب تحديد أسنانها-)) [متفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ] وحرم النبي صلى الله عليه وسلم التفلج، والتفلج أن تباعد بين الأسنان، قال: (( لعن المتفلجات للحسن )) [ البخاري عن عبد الله بن مسعود] ويبدو أن كل عصر له أذواق خاصة، فحينما يكون ذوق الرجال للأسنان المتباعدة، تأتي النساء ويبردن أسنانهن لتبدو الأسنان متباعدة وهذا تغيير بخلق الله، وهذا من فعل الشيطان. طبعاً بعض العلماء ألحق بهذا التغيير جراحات التجميل، إذا كانت جراحات التجميل لإزالة عيبٍ خلقي يسبب لصاحبه الإحراج فهذا مما أجازه العلماء، أما إذا كانت جراحات التجميل من أجل أن تلفت المرأة النظر - الآن تتم عمليات جراحية في بلاد الغرب شيء غريب جداً، لا يعقل هذه العمليات الجراحية التي تفعلها المرأة أو الرجل من أجل التجمل، ومن أجل أن تبدو المرأة في سنٍ أقل من سنها- فهذا محرم، أما إذا كان هناك عيب خلقي يسبب لصاحبه أزمة نفسية، فالعملية الجراحية مقبولة عند العلماء. على المرأة ألا تغير خلق الله وألا تفعل شيئاً يؤذيها : وأيضاً لعن النبي صلى الله عليه وسلم النامصة والمتنمصة، هناك بعض الأفعال تفعلها المرأة كي تبدو في نظر الناس جميلةً، لكن كما قلت قبل قليل: إذا كان في هذا تغيير في خلق الله فهذا محرم. سمح للمرأة أن تحف حاجبيها، الحف شيء والنمصُ شيءٌ آخر. على كلٍّ تتأكد حرمة النمص حينما كان النمص شعاراً للنساءِ البغايا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وفي الجاهلية. في الجاهلية كانت النساء البغايا ينمصن حواجبهن، فطبعاً هذا تشبه المرأة بامرأة خليعة بغية، النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنهُ وقال: (( لعن الله النامصة والمتنمصة )) [متفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ] أي التي تطلب أن ينتف شعر حاجبيها، لكن حف الحواجب ورد فيه إجازةٌ من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وينبغي أن نقف قليلاً - شؤون المرأة لا نريد أن ندخل في تفاصيلها، الأخوة الداعيات أولى بهذا الموضوع منا-، لكن المبدأ الأساسي ألا تغير المرأة خلق الله وألا تفعل شيئاً يؤذيها. الإرضاع هو خلق الله عز وجل وعدم الإرضاع تغيير لخلق الله : المرأة التي لا ترضع ابنها حفاظاً على -كما تتوهم- أناقتها، وعلى جمالها، هذه ماذا تفعل؟ http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4926/06.jpg تغير خلق الله. وأنتم تعلمون من دروس سابقة أن الإرضاع غير الطبيعي يسبب قصوراً عقلياً، هذا شيء قطعي، الآن هذا البحث فُرغ من قطعيته، الإرضاع غير الطبيعي يسبب قصوراً عقلياً، والإرضاع غير الطبيعي يسبب أمراضاً للقلب والأوعية مزمنة، والإرضاع غير الطبيعي يسبب أمراضاً في الكليتين، والإرضاع غير الطبيعي يسبب اضطرابات نفسية، فالمرأة التي لا تريد أن ترضع أولادها حفاظاً على رشاقتها، أو على شكلها، هذه ماذا تفعل؟ تغير خلق الله عز وجل، فنحن القصد أن تحافظ على خلق الله. ماذا أراد الله من المرأة؟ أن ترضع وليدها قال تعالى: ﴿ والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين ﴾ [سورة البقرة:الآية 233 ] الإرضاع هو خلق الله عز وجل، وعدم الإرضاع تغيير لخلق الله، لذلك العقاب جاهز، أعلى نسبة لسرطانات الثدي في النساء اللواتي لا يرضعن أولادهن، وأقل نسبة لسرطانات الثدي عند النساء اللاتي يرضعن أولادهن. ليس هناك من حرجٍ أن يصبغ الإنسان شعر رأسه إذا أراد تطبيقاً للسنة : النبي عليه الصلاة والسلام سمح للرجل أن يغير لون شعره إذا علاه الشيب، هذا مسموح، لكن إذا كان متقدماً في السن كثيراً لا ينبغي أن يستعمل اللون الأسود، صبغ الشعر باللون الأسود يليق بأصحاب السن المعتدلة، أما الذي تقدم في السن كثيراً فينبغي أن يصبغ شعره بِلَونٍ آخر، وإذا أبقاه على حاله فلا مانع، أي مسموح للرجل أن يغير لون شعر رأسه، لكن إذا خطب امرأةً وكان يخضب شعره ينبغي أن يعلمها أنه يخضب وإلا غشها، هذا من الأحكام الشرعية . النبي عليه الصلاة والسلام جيء له بوالد أبي بكر الصديق رضي الله عنه فلما وقف بين يدي النبي كان رأسه كأنه الثغامة بياضاً، فقال: (( غيروا هذا الشيب وجنبوه السواد )) [مسلم عن جابر بن عبد الله] وقال صلى الله عليه وسلم: (( إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم )) [ متفق عليه عن أبي هريرة] إذاً ليس هناك من حرجٍ أن يصبغ الإنسان شعر رأسه إذا أراد تطبيقاً للسنة. الأسرة مؤسسة أوكل الله قيادتها إلى الرجل : مرة ثانية أريد أن أذكر أخوتنا الكرام بأن لباس المرأة جزءٌ خطيرٌ من دينها. إننا لم نذكر هذه الموضوعات وتلك التفصيلات إلا كي ينتبه الرجل إلى المظهر الذي تخرج فيه امرأته في الطريق، وينبغي أن يراعي ثياب بناته حينما يخرجون، المرأة المؤمنة لا تلهث وراء صرعات العصر، هذا اللهث لا يليق بامرأة مسلمة، أي ينبغي أن تكون الثياب فضفاضة سابغةً سميكةً ساترةً هذا الذي يرضي الله عز وجل، عندما يقول الرجل: ليس لي علاقة هي حرة، فإنه ليس رجلاً وليس قيمَ البيت، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿الرجال قوامون على النساء﴾ [سورة النساء:الآية 34 ] الأسرة مؤسسة، أوكل الله إليك قيادتها، لكن متى تكون قيماً على امرأتك؟ الآية واضحة قال تعالى: ﴿الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم ﴾ [سورة النساء: الآية 34] فإذا كنت أفضل منها علماً، وأفضل منها ورعاً، وأنفقت عليها، وكنت كريماً، ملكت زِمامَ الأمر، وملكت قوامة البيت، فالقوامة هي شرط من شروط الزواج الناجح، والزوج بيده أن يحدد النمط الذي ينبغي أن تخرج به امرأته إلى الطريق، إن المفهوم الشائع أن زوجتي شريفة، وطاهرة، وعفيفة، لكنها تحب أن تلبس كما يلبس الناس، هذا كلام مرفوض في الدين، هذا افتراء على الدين، المؤمن ينبغي أن يتبع سنة النبي عليه الصلاة والسلام، وهذه سنة النبي، ولا تنسوا أن الوعيد شديد، كيف توصل العلماء إلى حرمة هذا؟ هناك أحاديث كثيرة النبي لم يقل محرم بل قال: ((...لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا )) [ مسلم عن أبي هريرة] فالنبي الكريم حينما بين ووضح أن هذه المرأة الكاسية العارية المائلة المميلة لا تدخل الجنة ولا تجد ريحها معنى ذلك أن هذا اللباس محرم. عبارات توجب التحريم : العلماء أدرجوا عدة عبارات إذا وردت في السنة فهي محرمة " ليس منا ": (( ليس منا من خبب امرأة على زوجها )) [ الطبراني عن ابن عباس] (( ليس منا من تشبه بغيرنا )) بالأجانب. [الترمذي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده] ((ليس منا من وسع الله عليه ثم قتر على عياله)) [مسند الشهاب للقضاعي عن عائشة] ((ليس منا من دعا إلى عصبية وليس منا من قاتل على عصبية وليس منا من مات على عصبية )) [ أبو داود عن جبير بن مطعم] دققوا "ليس منا" هذه توجب التحريم، "لعن الله" توجب التحريم، و"غضب الله عليه" توجب التحريم، "لا يدخل الجنة" توجب التحريم. فهناك عند العلماء مقاييس دقيقة، هذا الحديث يستنبط منه أنه من يفعل كذا وكذا فقد وقع في الحرام، والحرام شيءٌُ خطير، الحرام مهلك أيها الأخوة. عدم التساهل بلباس الفتيات الصغيرات : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4926/07.jpg شيء آخر: الملاحظ أن البنت الصغيرة يتساهل في ثيابها، وكل أهلها يزعمون بأنها لا تزال صغيرة، لكن هذه إذا لم تؤدبها بآداب الإسلام عندما تكبر لا تستطيع أن تحملها على التخلق والتأدب بآداب الإسلام، لوجود حكم تكليفي، وحكم تأديبي، ابنك الصغير مثلاً تلزمه أن يصوم إلى الظهيرة، أو كل يومين يوم، هل هذا أمر تكليفي؟ لا هذا أمر تأديبي، لكن إذا بلغ السن التي ينبغي أن يصوم بها وجد نفسه مؤهلاً لهذه الفريضة، لذلك ولو أن البنت صغيرة جداً يجب أن تنشأ على الآداب الإسلامية، فإذا نشأت وهي صغيرة على الآداب الإسلامية في اللباس، هذه النشأةُ تنمو معها شيئاً فشيئاً، أما إذا أهملنا الفتاة الصغيرة وبدت معالم جسمها لكل من في البيت وهي صغيرة هذه حينما تكبر لا نستطيع أن نحملها على طاعة الله، والتأدب بآداب المسلمين. سؤال عن حكم العطور التي يخالطها الكحول : ورد سؤال: العطور التي يخالطها الكحول هل هي محرمة؟ الأولى أن يستعمل الإنسان العطور الزيتية، هذه بإجماع العلماء لاشيء فيها، العطور التي يخالطها الكحول عند المتشددين محرمة، وعند المعتدلين قالوا: هذه نجاسة حكمية معفو عنها، وحينما تزول من الجلد تزول نجاستها. فالإنسان الأولى أن يستخدم العطور الزيتية، وإذا استخدم العطور الكحولية فعند المعتدلين لا يرون بها بأساً لأنها نجاسة حكمية وليست حقيقية، ولأنها نجاسة معفو عنها، ولأنها إذا تبخرت زالت نجاستها، والحل الوسط أنك إذا كنت على وشك الصلاة ينبغي ألا تستعملها -العطور الكحولية - أما العطور الزيتية فلك أن تستعملها قبل الصلاة، هذا هو الرأي المعتدل. |
رد: العبادات التعاملية
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية الدرس : ( الثالث و العشرون ) الموضوع : الحلال و الحرام فى المسكن الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون الذكر فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. المسكن والبيت : أيها الأخوة الكرام: نحن في الدرس السادس من سلسلة دروس: "الحلال والحرام في الإسلام"، وقد قلت كثيراً: إن أخطر موضوع بعد معرفة الله عز وجل الحلال والحرام، لأنك إذا عرفته تشعر باندفاع قوي إلى أن تبحث عن أمره، وتطبق أمره، وطلب الفقه حتم واجب على كل مسلم، انطلاقاً من معرفته بالله عز وجل، وانطلاقاً من حبه له، وانصياعاً لأمره، عليه أن يعرف أمره, كيف تأتمر بأمره إذا لم تعرف أمره؟ كلام عام ائتمروا بأمر الله، أطيعوا الله، كلمة أطيعوا الله من لوازمها أن تعرف أمر الله، أن تعرفوا حكم الله، أن تعرفوا الحلال، والحرام، والمكروه، والمندوب، والمباح، والواجب، في الدروس السابقة تحدثنا عن الحلال والحرام في المطعم والمشرب، وانتقلنا إلى الملبس، وإلى الزينة، واليوم ننتقل إلى المسكن والبيت. فمن حق المؤمن أن يكون له مكان يؤويه من عوامل الطبيعة، ويشعره بالخصوصية، والحرية، والاستقلال، الإنسان لو سكن مع إنسان آخر لا يشعر بالخصوصية أبداً، أحياناً يكون الإنسان في سفر مع شخص هذا الشخص يقيد حريته، المنزل والمأوى للمؤمن كما ورد: جنة المؤمن داره، داره يقيه من عوامل الطبيعة، من الحر، والقر، والرياح، والمطر، ويشعره بالخصوصية، ويشعره بالاستقلال والحرية، والعوام لهم أقوال كثيرة في البيت: البيت مأوى. ومرة ملك سأل وزيره فقال له من الملك؟ قال: أنت، قال: لست أنا، الملك رجل لا نعرفه ولا يعرفنا، له بيت يؤويه، وزوجة ترضيه، ورزق يكفيه. المسكن من نعم الله عز وجل على العبد : الإنسان في البيت يستريح، وتسكن النفس في البيت، لذلك سمي البيت سكناً، لكن ضجيج المدينة ألغى هذه الصفة في البيت، لا تستطيع أن تنام، ضجيج مستمر، لكن لا يسمى السكن سكناً إلا إذا خيم عليه السكون http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4928/01.jpg لذلك الإنسان إذا ذهب إلى الريف، ونام في بيت بعيد عن الضوضاء، والضجيج، يشعر بخدر في أعصابه، بسبب السكون، والأذكياء والعقلاء يسكنون في أماكن هادئة، وهناك أخوة كرام يسكنون خارج دمشق ينعمون بنعمة السكون والهدوء ولا يعرفها إلا من فقدها، والمؤمن دائماً يعرف ما عنده، الهواء النقي، والماء النقي، هذا من نعم الله على العبد، الله جلّ جلاله يقول: ﴿ والله جعل لكم من بيوتكم سكنا وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين*﴾ [ سورة النحل: 80] كيف أن الزوجة سكن، والبيت سكن، إذا اجتمع البيت مع الزوجة صار سكناً وسكناً، وهذه نعم كبرى ينبغي أن نشكرها، الذي يملك مفتاح بيت؛ ملك، أجرة، صغير، كبير، عال، منخفض، قريب، بعيد، معك مفتاح مأوى مساءً تأوي إليه، ولا يعرف قيمة المأوى إلا من فقد المأوى. مرة حدثني أخ قال: كنت في بلد في أيام الصيف، ازدحام سياحي شديد، قال: منذ الظهيرة وحتى الساعة الواحدة في الليل وأنا أبحث عن مكان أنام فيه، لا فندق خمس نجوم ولا أربع ولا ثلاث ولا اثنين ولا واحد، ولا غرفة، ولا مكان، ولا أي مكان، ما عرفت قيمة المأوى إلا في هذه الساعة، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا دخل بيته يقول: "الحمد لله الذي آواني وكم من لا مأوى له" أية نعمة أنت فيها عليك أن تشكرها لا أن تذمها : نحن في نعم كبرى، أيها الأخوة! اذهبوا إلى آسيا نصف الشعب يسكن في الطرقات، وفي الطرقات ينجبون الأولاد على الأرصفة، في الساحات العامة، على قوارب في الأنهار، تحت ظلال الأشجار، في الغابات، في الكهوف، وفي بعض الدول الفقيرة يسكنون في المقابر، ويحملون شهادات عليا، فلذلك نحن في نعمة كبرى، الذي يملك مفتاح بيت، الحمد لله الذي آواني وكم من لا مأوى له . http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4928/02.jpg والإنسان لا يذم بيته، لو فقده يبكي عليه، أية نعمة أنت فيها عليك أن تشكرها لا أن تذمها، والنبي عليه الصلاة والسلام حينما يتحدث عن سعادة الدنيا يقول: ((أربع من السعادة : المرأة الصالحة والمسكن الواسع والجار الصالح والمركب الهنيء)) [ ابن حبان عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند عن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه عن جده] مركب هنيء، وزوجة صالحة، وجار صالح، ومسكن واسع، وهناك أقوال أخرى: "من سعادة المرء في الدنيا أن تكون زوجته صالحة، وأولاده أبراراً، ومنزله واسعاً، ومركبه وطيئاً، ورزقه في بلده". المؤمن دائماً يعرف ما عنده، ما لا ينقصه، والمنافق يبحث عن الذي ينقصه، دائماً ساخط على ربه، دائماً يتطلع إلى ما عند الآخرين، دائماً يندب حظه يشعرك أنه محروم، لكن المؤمن الصادق يضع يده على النعم التي هو فيها، كان عليه الصلاة والسلام تعظم عنده النعمة مهما دقت. إذا شرب كأس ماء هذا الطريق سالك، وإخراجه سالك، لا يوجد حصر بول ولا يحتاج إلى تمييل، ولا إلى عملية في المثانة، والكلية تعمل. قال لي أخ: له قريب توقفت كليتاه عن العمل ذهب لغسل كليتيه، قالت له الممرضة بعنف وقسوة: إياك أن تشرب الماء هذا الأسبوع الآلة معطلة، الذي يشرب الماء الفرات براحة وبلا حساب هذه نعمة لا يعرفها إلا من فقدها: ((أربع من السعادة : المرأة الصالحة والمسكن الواسع والجار الصالح والمركب الهنيء)) [ ابن حبان عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند عن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه عن جده] وكان عليه الصلاة والسلام كثيراً ما يدعو بهذا الدعاء: "اللهم اغفر لي ذنبي، ووسع لي في داري، وبارك لي في رزقي، فقيل له: يا رسول الله ما أكثر ما تدعو بهذا الدعاء؟ فقال عليه الصلاة والسلام: وهل ترك هذا الدعاء شيئاً" النظافة من صفات المؤمن : إلا أنه المؤمن من صفات إيمانه أن النظافة تتعلق ببدنه، وتتعلق بثوبه، وتتعلق ببيته وأثاث بيته، لذلك قال عليه الصلاة والسلام: ((إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ يُحِبُّ الطَّيِّبَ، نَظِيفٌ يُحِبُّ النَّظَافَةَ، كَرِيمٌ يُحِبُّ الْكَرَمَ، جَوَادٌ يُحِبُّ الْجُودَ، فَنَظِّفُوا أَفْنِيَتَكُمْ وَلا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ)) [الترمذي عن سعدٍ رضي الله عنه ] المؤمن إذا دخلت إلى بيته تفوح من بيته رائحة النظافة، النظافة لها رائحة، التنظيف المستمر للبيت يشعر براحة، مرة دخلت إلى بيت مهمل يسكنه شباب غير متزوجين، هناك رائحة مستمرة في هذا البيت، رائحة القذارة، القذارة لها رائحة مستمرة في البيت، لذلك قال عليه الصلاة والسلام: ((...فَنَظِّفُوا أَفْنِيَتَكُمْ وَلا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ)) [الترمذي عن سعدٍ رضي الله عنه ] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4928/03.jpg الأفنية جمع فناء وهو بهو البيت أو ساحته. تنظيف البيت جزء من دينك، تنظيف أثاث البيت جزء من دينك، تنظيف الجدران، النوافذ، الأبواب، مدخل البيت، هذا جزء من دينك-المؤمن بيتوتي بالتعبير اليومي، وغير المؤمن زقاقاتي- تجده بالفنادق والمقاهي والنوادي خارج البيت، البيت للنوم فقط، أما المؤمن فبيته جنته، يعتني به، وحينما أتحدث عن نظافة البيت، وعن ترتيبه، وعن أناقته، لا أقصد أبداً البذخ والإسراف، النظافة وحدها، والترتيب، والانسجام في ألوان البيت، أحياناً ترى لون الإسمنت مزعجاً، مؤذياً، يخرش العين، طلاء رخيص أبيض اللون أو لون دافئ إذا كان البيت تحت الأرض، إذا كان البيت مشرق، الألوان الباردة مريحة، إذا كان البيت رطباً أو بارداً يوجد ألوان دافئة مريحة، لون الكريم لون دافئ، الألماس لون بارد، البيوت الواسعة يناسبها لون بارد، والبيوت الباردة يناسبها لون دافئ، والبيوت الواسعة يلزمها لون يصغرها، والبيوت الصغيرة يلزمها لون يكبرها، الأزرق يوسع البيت، تشعر بأنه أوسع مما هو على حقيقته. البيت مملكة الإنسان عليه العناية به مع الابتعاد عن الزهو و التكبر : القضية ليست قضية بذخ وإسراف وترف، لكن هذا البيت جنتك، ولا حرج على المسلم أن يعتني ببيته، إذا اعتنى بالنباتات في بيته http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4928/04.jpg يمكن أجمل هواية على الإطلاق النباتات، ببيته مخلوق يسبح الله عز وجل، ولا تنسوا أن الله عز وجل خلق للإنسان آلاف النباتات لا تعيش إلا في الغرف، عند المختصين بالأزهار قسم كبير جداً اسمه نباتات الصالونات هذه تعيش وتنمو في أعلى درجات النمو وهي في الغرفة، هذه النباتات خلقت لكي تمتع عينك بها، لذلك ترى بيتاً صغيراً ورخيصاً، أثاثه رخيص جداً لكن فيه ذوق، فيه نظافة، فيه ترتيب، ترتيب في الأثاث والذوق، في الألوان والنظافة، و هذا هو الأصل لقوله تعالى: ﴿ قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون﴾ [سورة الأعراف: 32] لمن خلقت الأزهار المنوعة بالمئات؟ أحياناً ياسمينة في البيت، أو بعض النباتات ذات الرائحة الفواحة، أخواننا الكرام يدخلون المسجد في الصيف يشعرون برائحة عطرة، هناك نباتات لها رائحة عطرة خلقها الله لنا، الإنسان إذا اعتنى بأثاث بيته، نظافة بيته، ترتيب بيته، النباتات تسبح الله عز وجل، من منا يكره رائحة الياسمين؟ من منا يكره رائحة الفل؟ يقولون: فلان مثل الفلة، إذا أردنا أن نرفع الإنسان إلى أعلى مستوى قلنا له: فلة، بياض ورائحة طيبة، المشكلة في الموضوع أن يأخذك الزهو في البيت، الآن وقعت في المعصية، قال عليه الصلاة والسلام: ((لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْر، وَلا يَدْخُلُ النَّارَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ ذَرَّةٌ مِنْ إِيمَانٍ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ الرَّجُلُ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ)) [ مسلم عن عبد الله بن مسعود] النظافة والتعطر والتأنق جزء من الدين : أحياناً ترى الكافر - وهذا شيء يؤسف له- أنيقاً إلى أعلى درجة، قطعة فنية شكله، وشعره، وثيابه، وقمصانه، الكافر قطعة فنية والمؤمن وسخاً لدرجة غير معقولة: (( أصلحوا رحالكم، وحسنوا لباسكم، حتى تكونوا كأنكم شامة بين الناس )) [ أحمد عن سهل بن الحنظلية] النظافة والتعطر والتأنق هذا جزء من الدين، قال عليه الصلاة والسلام: ((إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ)) [أحمد عن عبد الله بن مسعود ] أي أقرّه على فعله، وإقرار النبي تشريع، وفي رواية أخرى: ((أن رجلا جميلا أتى النبي ( ص ) فقال : إني أحب الجمال وقد أعطيت منه ما ترى حتى ما أحب أن يفوقني أحد بشراك نعل أفمن الكبر ذلك يا رسول الله قال : لا ولكن الكبر بطر الحق وغمص الناس)) [أبو داود من حديث أبي هريرة ] أي إذا كان الإنسان ثيابه نظيفة، ونعله جميل، ومتعطر، ونظيف، وشعره مرجل، أصبح قطعة فنية. الكِبر أن ترد الحق، أن ترفضه، الكبر أن تتكبر عليه، الكبر أن تستعلي على الحق، ألا تنصاع لأمر الله، هذا هو الكبر، وأن تغمص الناس، تظلمهم، تجحدهم، تنتقص مكانتهم، تطعن في علمهم، تطعن في إخلاصهم، الطعن في الناس ورد الحق هو الكبر في عينه، أما أن يكون ثوبك حسناً، ونعلك حسناً، فهذا ليس من الكبر في شيء. الله عز وجل نهى عن الإسراف في المباحات و التبذير في المعاصي : لكن ما هو المحرم في اللباس والبيت؟ الغلو، ومحرم الإسراف والترف والزهو والاستعلاء، اقرؤوا إن شئتم القرآن الكريم، أو ابحثوا في مادة الترف عن آيات ثمان حصراً، قرن الله سبحانه وتعالى المترفين بالكفر، المترف كافر، أولاً: الله جلّ جلاله نهانا عن الإسراف في كل شيء، والكفار -وهذا شيء يؤسف له- كل شيء عندهم له حساب، أحياناً هذه العبوات الذي يستهلكها الناس ثمنها أغلى من الشراب، تسع ليرات ثمن عبوة المياه الغازية، وأربع أو ثلاث ليرات ثمن المياه التي فيها، نشربها ونلقيها هذا إسراف. حدثني أخ قال لي: كنت في أوربا، أفخر فندق قدم له زجاجات من المياه الغازية، عمر الزجاجة سنوات كثيرة، مستهلكة استهلاكاً كبيراً، الحفاظ على المال جزء من الدين، استهلاك المواد، أحياناً ترى موظفاً يمسك ورقة ثمنها نصف ليرة ومطوعة بثلاثين قرشاً يجفف بها يديه بعد أن يغسل، أحياناً يكتب رقم هاتف على ورقة أكبر قياس، يقولون: إن بعض الدول المتخلفة من أشد الدول استهلاكاً للورق في العالم، المواد ليس لها قيمة عندهم، هم فقراء مع ذلك مسرفون، الله عز وجل نهى عن الإسراف في المباحات، ونهى عن التبذير في المعاصي، لا إسراف ولا تبذير، قال الله تعالى: ﴿ إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا ﴾ [ سورة الإسراء:27] المحرم في البيت : الآن: ما المحرم في البيت؟ آنية الذهب والفضة هذه محرمة، أناس كثيرون يريد مسكات ذهب، حنفيات ذهب، هذا محرم في الدين، روى الإمام مسلم في صحيحه: ((إن الذي يأكل ويشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في نار جهنم على بطنه )) [ مسلم عن أم سلمة] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4928/05.jpg الذي يأكل ويشرب في آنية الذهب والفضة، ولكن أيها الأخوة قبل أن تتساءلوا الآنية الذهبية شيء و المذهبة شيء آخر، وآنية الفضة شيء والمفضضة شيء آخر، التحريم أن تكون الآنية من الذهب الخالص أو من الفضة الخالصة، أما الآن فعن طريق الترسيب الكهربائي - التلبيس - قد تلبس الحاجات من معادن رخيصة بطبقة رقيقة جداً لا جرم لها، هذا شيء ليس محرماً في الدين، المحرم أن تستخدم الآنية وهي من الذهب الخالص، أو من الفضة الخالصة، ففي الحديث الشريف: ((نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نشرب في آنية الذهب والفضة، وأن نأكل فيها، وعن لبس الحرير والديباج، وأن نجلس عليه، وقال: هو لهم - للكفار - في الدنيا ولنا في الآخرة)) [البخاري عن حذيفة بن اليمان] علة التحريم : قد يسأل سائل ما علة التحريم؟ المؤمن الورع ينصاع لأمر الله لمجرد أن هذا أمر الله، وأمر رسوله، علة أي أمر أنه أمر الله، أسرع طريق لفهم الأوامر هذا أمر الله وكفى، لكن لو أردنا التحليل، هناك علة اجتماعية، وهناك علة اقتصادية، الذهب والفضة جعلهم الله معادن ثمينة، وجعلهم معادن ليكونوا تقديراً للقيم في الأرض أي نقداً، مرة قرأت في مجلة مقالة عن باخرة غرقت قبل ثمانين عاماً، وفيها عدد كبير من سبائك الذهب، طبعاً صار الآن هواة للتنقيب عن السفن الغارقة، باخرة عام 1912 غرقت، الآن وصلوا إليها، وأخذوا محتوياتها، لكن ما كنت أعرف قيمة الذهب حتى قرأت هذا الموضوع في هذه المجلة، هذا الذهب الذي استخرج من البحر، والذي بقي في البحر ثمانين عاماً غسل كأنه صب الآن، بريقه ولمعانه هو هو، لذلك المؤمن كالذهب لا يتغير، والمنافق كالمعادن الخسيسة سريع التغير، والأصح من ذلك: للذهب - في البحر مياه مالحة ومع ذلك و بعد ثمانين سنة كأن هذه السبائك صبت الآن- بريق ما بعده بريق، قلت: سبحان الله! هذا هو الذهب، لذلك الذهب لا يتأثر بالبيئة، أما المعدن الخسيس فيتأثر بالبيئة، إذا قال إنسان: ماذا أفعل بيئتي عاطلة؟ معنى هذا أنت خسيس أيضاً، كل إنسان يتأثر بالبيئة معدنه خسيس، ألم يقل النبي عليه الصلاة والسلام: ((الناس معادن)) [ صحيح عن أبي هريرة] المعدن الثمين لا يتأثر بالبيئة، والمعدن الخسيس يتأثر بالبيئة، فهذه السبائك بقيت في البحر ثمانين عاماً، وحينما استخرجت وغسلت كأنها صبت لتوها، العلة الاقتصادية بتحريم الذهب والفضة أن هذين المعدنين جعلهم الله عز وجل نقدين، إذا كان الإنسان يملك ليرة ذهبية حتى لو ألغيت قيمتها فيها، أما إذا كان يملك خمسين جنيهاً مصرياً و قد ألغي هذا بقرار ما قيمته؟ صفر، العملة الورقية عبارة عن سندات على المعادن الثمينة الذهب والفضة، إيصالات فقط، وليس فيها قيمة ذاتية، أما الذهب والفضة ففيها قيمة ذاتية. مثلاً: لو أحضرنا خمسة مليارات ليرة سورية، ووضعناهم بشكل هرم، بشكل جميل، ووضعت بساحة عامة، ماذا فعلنا؟ هذه المليارات كم مشروع تؤسس؟ وكم عامل يعمل بهذا المبلغ؟ وكم معمل نؤسس؟ وكم يد عاملة نشغل؟ وكم إنسان يتزوج؟ وكم مرفق ينشأ؟ وكم حاجة تلبى؟ وكم أسرة تسعد؟ لو أحضرنا خمسة مليارات ليرة على شكل هرم، وعملناهم بشكل تزييني في ساحة عامة، هل نكون أفلحنا؟ هذا مثل صارخ، توضحت الفكرة؟ أنت عندما تجمد المعادن الثمينة التي جعلها الله قوام الحياة، تصور أنه لا يوجد عملة ورقية، الذي صنع إبريقاً من ذهب هذا تجمد، هل من المعقول أن تحضر حاسوباً ثمنه ثلاثون مليوناً وتجعله في البيت كطاولة؟ ليس معقولاً، هل من الممكن أن تحضر حاسوباً معقداً جداً وحينما تستخدم الذهب والفضة الذين جعلهما الله نقداً ثابتاً لينتفع الناس بهما تجعله آنية مجمدة؟ الناحية الاقتصادية تجميد النقد، ومنع تداوله والانتفاع به، لو فرضنا أنت علّمْت خمسمائة ليرة وتتبعتها، تنتقل في اليوم إلى خمسين يد، ففي اليوم الواحد من إنسان إلى إنسان باع واشترى وربح. قيمة المال بالتداول بين الناس : هذا المال جعله الله متداولاً، فإذا حصر جمد، أخطر شيء يصيبه أن يجمد، الله عز وجل قال: ﴿كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم﴾ [ سورة الحشر:7] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4928/06.jpg يجب أن يتداول بين الناس، فالمال قيمته بالتداول، لماذا فرض الله الزكاة على النقد وهو غير نام، الأنعام تنمو، والنبات ينمو، والبقر تلد، لماذا فرض الله الزكاة على النقدين الذهب والفضة؟ لئلا يكنز، فإذا كنز أكلته الزكاة، الزكاة تأكل المال بأربعين سنة، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: ((اتجروا في مال اليتامى لا تأكلها الزكاة)) [ الطبراني عن أنس] المال إن لم يستثمر - وكم يوظف في مشاريع حيوية، في البناء، في الزراعة، في الصناعة، في التجارة- يجمد، إذا جمد كأنك سحبته من الأيدي، وإذا سحبته من أيدي الناس افتقروا إليه، يقولون: لا يوجد سيولة، كل الناس يشكون عدم السيولة، هناك مشاريع امتصت السيولة، الكتلة النقدية يجب أن تبقى بين أيدي الناس، لذلك أيها الأخوة على الإنسان ألا يجمد الذهب بآنية، أو بمسكة، أو بصنبور، أو بملعقة، أو بصحن، أو بإبريق. ما الفرق بين من يكنز الذهب والفضة في صناديق ولا يستخدمها ولا يتداولها وبين من يجمدها في أوان؟ التحصيل واحد، العلة الاقتصادية هي أن هذين المعدنين هما نقد ينبغي أن ينتفع الناس به، فإذا جمد عطلت قيمته. السبب الاجتماعي لتحريم الذهب و الفضة : أما السبب الاجتماعي فقالوا: هذا فيه إسراف، وفيه خيلاء، وفيه زهو، وفيه استعلاء، وفيه كسر لقلب الفقير. لهذا قال سيدنا عمر: "من دخل على الأغنياء خرج من عندهم وهو على الله ساخط". هو عنده طقم معالق، ثمنه ثلاثون ليرة، مئة ليرة، جيد ولطيف، يرى معالق ذهبية، يشعر أنه محروم، أواني فضية: ((يا عائشة! إِن كنتِ تريدين الإِسراعَ واللُّحوقَ بي فَلْيَكْفِكِ من الدنيا كزاد الرَّاكب، وإِيَّاك ومُجالسةَ الأغنياء، ولا تَسْتَخْلِقي ثَوبا حتى تُرَقِّعيهِ )) [ أخرجه الترمذي عن عائشة أم المؤمنين ] لذلك استخدام الذهب والفضة كأوانٍ وملاعق وحاجات في البيت هذا محرم، طبعاً هذا التحريم ينسحب على الرجال والنساء معاً، الذهب لعلة، لحكمة خاصة، هذه الحكمة متعلقة بجبلة المرأة، وبحرصها على أن تبدو جميلة أمام زوجها، والتزين بالمناسبة للزوج لكن هذا التزين انحراف، الله سمح للمرأة أن تستخدم الذهب والفضة، الآن النساء يستخدمن الذهب والفضة في الأعراس للتفاخر والتباهي، لذلك التزين للزوج لا لكسر قلب الفقراء، لا للاستعلاء على نظيراتها، أساساً الاتجاه نحو الكبر دليل ضعف الإيمان، فالذهب والفضة محرمان في البيت، هذا المؤمن. وفي حديث ذكرته قبل قليل: ((إن الذي يأكل ويشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في نار جهنم على بطنه )) [ مسلم عن أم سلمة] تحريم النبي التماثيل والصور في البيوت : الآن أكثر البيوت فيها تماثيل، أحياناً طير من برونز، أو من رخام، أو من معدن مفضض، هذه التماثيل أيضاً قال عليه الصلاة والسلام عنها: (( إن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه تماثيل أو صورة)) [ الترمذي عن أبي سعيد الخدري] خرج من عندهم وهو على الله ساخط، السبب لأن العرب في الجاهلية كانوا يعبدون الأصنام، لذلك سداً لكل ذريعة توصل إلى أن يعبد شيء من دون الله حرم النبي عليه الصلاة والسلام - وهو لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى- التماثيل والصور في البيوت، فقال: (( إن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه تماثيل أو صورة)) [ الترمذي عن أبي سعيد الخدري] وحرم الإسلام على المسلم أن يشتغل بصناعة التماثيل ولو صنعها للكفار، فقد قال عليه الصلاة والسلام: ((يَا عَائِشَةُ أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُضَاهُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى..... ومِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُصَوِّرُونَ هَذِهِ الصُّورَةَ)) [ الشيخان عن عائشة] طبعاً إذا رسمت شجرة ليس هناك مخالفة، أما الحيوانات فهذه ينبغي أن تبتعد عنها، وقد أخبر عليه الصلاة والسلام أن من صوّر صورة كلف يوم القيامة أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ فيها أبداً. العلة الكبيرة في تحريم التماثيل : العلة الكبيرة في تحريم التماثيل كي لا تتخذ أصناماً تعبد من دون الله، قال: وهذا الذي يصنع التماثيل يأخذه الزهو كأنه صنع شيء نادر، بل إن بعض النحاتين بعد أن صنع تمثالاً قال له: تكلم، وكأنه أراد أن ينفخ فيه الروح من شدة إعجابه بصنعته أمره أن يتكلم. قال عليه الصلاة والسلام: ((الَّذِينَ يَصْنَعُونَ الصُّوَرَ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُقَالُ لَهُمْ أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ)) [ مسلم عن ابن عمر] وفي الحديث القدسي: (( ومن أظلم من ذهب يخلق خلقاً كخلقي فليخلقوا ذرة أو ليخلقوا حبّة او ليخلقوا شعيرة)) [ مسلم عن أبي زرعة] من لوازم هذا الفن أن أكثر النحاتين ينحتون الصور العارية للنساء، تماثيل عارية يمثلونها، والتماثيل كما قلت لكم هي من خصائص أهل الترف والفجور. قصة تحريم التماثيل : النبي عليه الصلاة والسلام -سأذكر لكم شيئاً من تواضعه- ما كان يحب أن يعظم هذا التعظيم الذي فعله بعض أصحابه مرة، قال عليه الصلاة والسلام: ((لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله )) [رواه البخاري عن عمر بن الخطاب ] ومرة قال: (( لا تقوموا كما تقوم الأعاجم يعظم بعضها بعضاً )) [ أبو داود عن أبي أمامة] الأعاجم يعظمون ملوكهم لذاتهم كإشراك بالله عز وجل، والنبي عليه الصلاة والسلام دعا الله: "اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد". أنا أعجبني أن المسؤولين في الديار الحجازية منعوا الطواف حول قبر النبي، عندما ينتهي القبر تجد حاجزاً ينقلك إلى خارج المسجد، أما أن تطوف حوله كأنه كعبة فهذا لا يجوز، قف وسلم عليه وقل له: اللهم إنك بلغت الأمانة. أما أن تطوف حول القبر فهذا لا يجوز، لو درسنا بتأن تاريخ عبادة الأصنام لفوجئنا أن بعض هذه الأصنام هي رموز لرجال صالحين أحبهم الناس، كانوا صالحين فعلاً، أحبوهم، أرادوا أن يذكروهم دائماً، فصنعوا لهم تماثيل، فعبدوا من دون الله عز وجل، هذه قصة التماثيل. النبي الكريم كان متواضعاً و لم يرد أن يعظم تعظيماً يفوق مقامه : شيء آخر: بعضهم لا يستغرب أن يكون بوذا نبياً من قبل، هو الآن إله، له تماثيل في شرق آسيا، وتقدم له أفخر أنواع الفواكه ليأكلها في الليل، ويأكلها الكهنة في الليل، حجر يأكل؟ هكذا يرون أنهم إذا وضعوا هذه الفاكهة أمام هذا التمثال يأكلها ليلاً وهذا من إكرامهم، ولكنهم يتسللون خفية ويأكلونها، ويطعمونها أهليهم وأولادهم، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: ((يا أيها الناس قولوا بقولكم أو بعض قولكم ولا يستهوينكم الشيطان أنا محمد عبد الله ورسوله ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله عز وجل )) [مسلم عن أنس بن مالك] أذكر لكم كثيراً أن السيدة عائشة حينما برأها الوحي كان أبوها أمامها فقال لها: يا بنيتي قومي إلى النبي فاشكريه، فقالت: والله لا أقوم إلا لله، على مسمع من النبي فابتسم عليه الصلاة والسلام وقال: "عرفت الحق لأهله". النبي كان متواضعاً، وما كان يريد أن يعظم تعظيماً يفوق مقامه، فوق مقامه مقام الألوهية، هو أعلى مقام لكن هو عبد. لعب الأطفال لا علاقة لها بتعظيم التماثيل والمجسمات : أيها الأخوة في نهاية هذا الدرس أذكر لكم أن لعب الأطفال لا علاقة لها بهذا الدرس، هذه اللعب لا يقصد منها التعظيم، ولا الزهو، ولا الاستعلاء إنما هي تحقق رغبة في الصغار، لذلك الإسلام لم يضق بها ذرعاً، لعب الأطفال لا علاقة لها بتعظيم التماثيل والمجسمات. قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: ((كنت ألعب بالبنات عند النبي صلى الله عليه و سلم وكان لي صواحب يلعبن معي، فكان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا دخل يتقمعن منه، فيسربهن إلي فيلعبن معي)) [ البخاري عن عائشة] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4928/07.jpg إذا أخذ الإنسان زوجة صغيرة، لا يتحملها أن تبدو صغيرة - عقلها صغير- يريدها أن تتصرف و كأن عمرها ثلاثون سنة، وهي عمرها خمسة عشر عاماً، هذا موقف غير واقعي، هذا السن له خصائص، أنت اخترتها صغيرة، النبي عليه الصلاة والسلام كان يراعي سن السيدة عائشة فقال عليه الصلاة والسلام: ((ما هذا؟ قالت: بناتي)) [ أبو داود عن عائشة] الطفلة الصغيرة وهي في أصغر سن تمسك بالوسادة وتجعلها ابنتها، وتربت على طرفها، وترضعها، هكذا الطفل، هذه الفطرة، الفطرة شيء والبنية شيء: ((قالت بناتي قال فما هذا الذي أرى في وسطهن قالت فرس قال ما هذا الذي عليه قالت جناحان قال فرس له جناحان قالت أو ما سمعت أنه كان لسليمان بن داود عليه السلام خيل لها أجنحة قالت فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه)) [ أبو داود عن عائشة] ابتسامته ومداعبته وهو نبي مرسل، وهو مشرع، لو أنها محرمة لما ابتسم، ولا ضحك، ولا أقرها، العلماء استنبطوا أن لعب الأطفال لا علاقة له بهذا الموضوع، وقد تأتي بلعبة لطفل تملأ حياته سروراً. قال الشوكاني: "في هذا الحديث دليل على أنه يجوز تمكين الصغار من اللعب بالتماثيل". قال القاضي عياض: "إن اللعب بالبنات للبنات الصغار رخصة"، هناك رخصة أن يلعب الطفل الصغير أو البنت الصغيرة بلعبة صغيرة، هذا مستثنى من درس التماثيل والاستعلاء بالتماثيل، ولهذا الدرس تتمة إن شاء الله تعالى. |
رد: العبادات التعاملية
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية الدرس : ( الرابع و العشرون ) الموضوع : الكرامة فى العمل الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون الذكر فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. كرامة الإنسان أن يكون له عمل : أيها الأخوة الكرام: مع الدرس الثامن من سلسلة دروس: "الحلال والحرام"، وقد بدأنا في الدرس الماضي في موضوع العمل، ووقفنا عند الكرامة في العمل. العاطل لا كرامة له، قال سيدنا عمر: "إذا رأيت الرجل ليس له عمل يسقط من عيني" فكرامة الإنسان أن يكون له عمل، أي عمل ما لم يكن محرماً في الشريعة شكلاً أو مضموناً أو أسلوباً فهذا العمل شريف، لذلك قال عليه الصلاة والسلام: ((لأن يأخذ أحدكم حبله فيأتي بحزمة من حطب على ظهره فيبيعها فيكف الله بها وجهه خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه)) [ متفق عليه عن الزبير بن العوام] إذاً من هو الذي ينبغي أن يذم؟ هو القوي الذي لا يعمل، هو الكسول، هو الذي يرضى أن يكون عالة على الناس، هو الذي تعرض عليه الأعمال فيرفضها، لا يحب أن يعمل، وجد أن مدّ اليد أهون من العمل، هذا الذي ينبغي أن يذم. أما الإنسان الذي خرج من بيته ليكسب رزقه فهذا عمل شريف. المؤمن الكامل لا يحتقر أحداً مهما كان عمله : أيها الأخوة الكرام: مرة ثانية وثالثة ورابعة، لا يوجد في الإسلام ازدواجية، عملك دينك، عملك عبادتك، عملك جزء من رسالتك في الحياة، فالمجتمع الإسلامي متكامل، كل إنسان أتقن عمله، وأخلص في عمله، ورحم الناس في عمله، وكان عمله مشروعاً، وسلك فيه الأساليب المشروعة، و ابتغى كفاية نفسه، وخدمة أهله، وخدمة المسلمين، ولم يشغله عن فريضة، ولا عن واجب، ولا عن طاعة، ولا عن طلب علم، انقلب عمله إلى عبادة. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4930/01.jpg النقطة الدقيقة: لا يجوز لإنسان له عمل مكتبي أن يحتقر من له عمل عضلي، قد يكون هناك مدير عام وعنده حاجب، الحاجب مكلف بالتنظيف، المؤمن الكامل لا يحتقر أحداً مهما يكن هذا العمل، مادام العمل مشروعاً، وشريفاً، وسلك فيه الأساليب المشروعة، فهو عمل طيب. وللمسلم أن يكتسب رزقه عن طريق الزراعة، أو التجارة، أو الصناعة، أو عن طريق حرفة من الحرف، أو وظيفة من الوظائف، يكاد يكون النظام الإسلامي لا يقبل أن يأخذ الإنسان المال إلا مقابل سلعة، أو حرفةٍ، أو وظيفةٍ، أو خدمةٍ، أو تجارةٍ، أو صناعةٍ، أو زراعة، بهذه الطريقة طبعاً هناك كسب، وهناك عدوان على الكسب، من يملك القوة فبحكم قوته، أو سيطرته، أو أساليبه الملتوية، يعتدي على كسب الآخرين، هذا الذي يأخذه سماه العلماء سحتاً، يأكل السحت وتعريف السحت: كسب الكسب، إما بالاحتيال أو بالقوة. إذا كان قوياً أو إذا كان ذكياً، فإما أن يحتال ليأخذ كسب الآخرين، وإما أن يجبرهم على أن يأخذ كسبهم، في كلا الحالتين هذا هو السحت. الحكمة من جعل الأرض بساطاً ممتداً : الآن لو بدأنا بالزراعة، الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ والله جعل لكم الأرض بساطا * لتسلكوا منها سبلاً فجاجاً﴾ [سورة نوح:الآية 19-20] الأرض منبسطة، أحياناً يوجد تضاريس حادة، أوضح مثال مكة المكرمة، جبال كثيرة جداً، انحدارها حاد، صخرية، لو أن الأرض كلها كذلك لمتنا من الجوع، والله جعل لكم الأرض بساطاً، ممتدة. ذكرت منذ مدة لو فرضنا أن الأرض تفلتت من جاذبية الشمس، وسارت في أعماق الفضاء الخارجي، وأردنا أن نعيدها إلى حظيرة الشمس، نحتاج إلى مليون مليون حبل فولاذي، قطر كل حبل خمسة أمتار، قوة شد كل حبل تقدر بمليوني طن، كل حبل فولاذي مضفور قطره خمسة أمتار يتحمل قوى شد تعادل مليوني طن، نحن نحتاج إلى مليون مليون حبل، معنى هذا أن الأرض مجذوبة إلى الشمس بقوة تعادل ملونين ضرب مليون مليون طن. إن كل هذه القوة من أجل أن تحرفها ثلاثة ميليمتر في الثانية الواحدة، من أجل أن تسير على مسار مغلق، ألم يقل الله عز وجل: ﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ ﴾ [ سورة البروج:الآية 1] لو أردنا أن نزرع هذه الحبال على السطح المقابل للشمس، وهذه الحبال كما تعلمون يزيد طولها عن مئة وست وخمسين مليون كيلومتر، لو أردنا أن نزرع مليون مليون حبل، قطر كل حبل خمسة أمتار، لفوجئنا أن بين الحبلين خمسة أمتار فقط، فنحن أمام غابة من الحبال الفولاذية التي تعيق أشعة الشمس لأنها تتداخل، وتعيق زراعة الأرض، وبناء الأبنية، عندئذٍ تستحيل الحياة على وجه الأرض، الآن دقق في قوله تعالى: ﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ﴾ [سورة الرعد: الآية 2] هناك عمد ولكنكم لا ترونها، الله لطيف، عمود ولكن عمود من قوى الجذب يمكنك أن تمشي خلاله، لا يعيق الرؤيا ولا الحركة، ما هو عمود: ﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ﴾ [سورة الرعد: الآية 2] ﴿ والله جعل لكم الأرض بساطا ﴾ [سورة نوح:الآية 19] تصميم المعادن وصفات المعادن خصيصاً لراحة الإنسان : أريد أن أوضح هذه الحقيقة: لمعت فكرة في ذهني أن هذا الزجاج شيء ثمين، تستقبل الشمس في أيام الشتاء، والهواء لا يدخل، والبرد لا يدخل، تنعم بأشعة الشمس، وتستمتع المناظر الجميلة، وبالدفء، وبأشعة الشمس عن طريق هذا البلور. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4930/02.jpg كيف صنع هذا البلور؟ من رمل خاص، وبمعالجة خاصة، الإنسان صدفةً استطاع أن يصنع من الرمل زجاجاً، أما أن الرمل في علم الله فقد صمم خصيصاً ليكون زجاجاً. الرصاص عندما يبرد يزداد حجمه، هذه خاصة مهمة جداً، وهذه الخاصة المهمة أدركتها عندما وجدت أن المحافظة تريد أن تلغي الحديقة، والحديقة لها سور، وهذا السور مثبت في حجارة، كيف ثبت الحديد في الحجر؟ حفرت في الحجر حفرة، وضع الحديد، وصب الرصاص، الرصاص من خصائصه أنه يتمدد حينما يبرد، فإذا كانت الحفرة على شكل إجاصة وتمدد الرصاص الذي لفت نظري أن المهندسين فضلوا أن يقطعوا هذا الحديد بالأكسجين عن أن يقلعوه من الحجر، مستحيل أن يخرج الحديد من الحجر عن طريق الرصاص، إن الرصاص إذا برد تمدد مثل الجبصين تماماً. هذه الخاصة هل عثرنا عليها صدفة؟ لا. صمم الرصاص بهذه الخاصة ليكون عوناً للإنسان على تثبيت الحديد بالحجر. تجد محلاً تجارياً ضخماً مقفولاً بقفل، القفل مربوط بمثلث حديدي مزروع في الحجر، كيف؟ عن طريق الرصاص، يستحيل قلعه. إذاً المعادن وصفات المعادن هذه كلها مصممة خصيصاً لراحة الإنسان، الفضة تطهر المياه لقوله تعالى: ﴿ ويطاف عليهم بآنية من فضة﴾ [سورة الإنسان: الآية 15] لِمَ لم يقل من ذهب؟ أنا قرأت كتاباً عن الفلذات، الفضة من خصائصها أنها تطهر السوائل، ففي معامل تكرير المياه آخر مرحلة الماء يمر بأنابيب من الفضة، ففي هذا المعدن خاصة هي التطهير والتعقيم.﴿ والله جعل لكم الأرض بساطا * لتسلكوا منها سبلاً فجاجاً﴾ [سورة نوح:الآية 19-20] الأرض وضعت خصيصاً لبني البشر : ﴿ وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ ﴾ [ سورة الرحمن:الآية 10] لو أن الله قال: وضع الأرض للأنام أي للأنام ولغير الأنام، أما حينما قدمنا المفعول به فوجد القصر، كقولك: ﴿إياك نعبد﴾ فرق كبير بين أن تقول نعبد إياك وبين أن تقول إياك نعبد. إذا قلت: نعبد إياك ونعبد غيرك، أما إياك نعبد: فنعبدك وحدك يا رب. تقديم المفعول على الفعل يفيد القصر والحصر.﴿ وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ ﴾ [سورة الرحمن:الآية 10] أي هذه الأرض وضعت خصيصاً لبني البشر، فيها هواء، فيها ماء، حجم الأرض يتناسب مع وزن الإنسان، أو وزن الإنسان يتناسب مع حجمها، أنت على القمر وزنك السدس، ستون كيلو على الأرض على القمر عشرة كيلو، لو كانت الأرض أكبر كان وزنك مئتي كيلو، الحياة صعبة جداً، بالقمر رواد الفضاء يشكون من خفتهم، يرتدون ثياباً ثقيلة جداً كي يثبتوا على سطح القمر، في الأرض الوزن يتناسب مع الحجم:﴿والأرض وضعها للأنام* فيها فاكهة والنخل ذات الأكمام* والحب ذو العصف والريحان*فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾ [سورة الرحمن:الآية 10-13] الذرة لها قنوات عبارة عن أنابيب دقيقة جداً يعبر من خلالها غبار الطلع، شيء لا يصدق، لكن مشكلة الإنسان أن الأشياء المألوفة قد لا ينتبه إليها، لكن لو دقق في كل شيء لرأى العجب العجاب. الحكمة من نضج الخضار والفواكه بالتدريج ونضج المحاصيل في يوم واحد : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4930/03.jpg هل تستطيع تجميد الماء بدون تبريد؟ البطيخ ماء لو عصرت البطيخ لوجدت أن سبعاً وتسعين بالمئة ماء، بشعريات دقيقة وحبيبات دقيقة تجد ماء محلى وملوناً، وهذه القشرة القاسية- تجد السيارة تحمل خمسة طن من البطيخ- تتحمل الضغط، الشكل الكروي شكل يتحمل الضغوط، والضغوط تتوزع على سطحه كله، فلذلك الإنسان لو فكر في الفواكه والثمار، مثلاً المحاصيل تنضج في يوم واحد، أما الفواكه فتنضج تباعاً، والخضار تنضج تباعاً، تدخل إلى بيت مزروع بالطماطم تجد واحداً من خمسين أحمر والباقي أخضر، كل يومين تجنى الثمار الناضجة، حكمة بالغة، نضج الخضار والفواكه بالتدريج أما نضج المحاصيل ففي يوم واحد. قال لي أخ: ضمنت حقل بطيخ، حملت منه تسعين سيارة، كل يوم سيارة لمدة ثلاثة أشهر، كيف علم بالبطيخ الناضج؟ يوجد إشارة، يوجد حلزون صغير إذا انكسر تكون البطيخة ناضجة، وإذا بقي طرياً لم تنضج، وعلامات ممكن أن نفكر قال الله تعالى: ﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (25) ﴾ [سورة عبس:الآية 24-25] استعمالات الخشب : آية ثانية قال تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ [سورة الأنعام:الآية99] هذه الآية الوحيدة، نبات كل شيء، ممكن أن تعمل إحصاء عن أنواع النبات، يوجد نبات يعطيك حبات مسبحة، و يوجد نبات يعطيك ليف الحمّام، يوجد نبات يعطيك المسواك، يوجد نبات يعطيك نكاشات أسنان، يوجد نبات للأثاث –الزان-، يوجد نبات للنوافذ –كندي-، يوجد نبات للكبريت –الشوح للاستعمال الطري-، مئة نوع من الخشب، يوجد نبات يتمدد على الماء للأساسات، بعض الأبنية القديمة أساسها خشب، يوجد نبات لونه وردي مثل اللحم اللحام يضع دفاً من المشمش. أخبرني أخ كريم خبير في معامل النسيج، معمل ضخم جاء بآلات ضخمة، وضعت على منصات إسمنتية، والآلات من أرقى شركة، فلما أدير المعمل لم ينجح في عمله، الخيط يقطع. لم يتركوا خبيراً إلا وسألوه، جاء خبيراً دارساً في ألمانيا، ألغى المنصة الإسمنتية ووضع منصة من خشب التوت، اشتغل المعمل، لماذا؟ قال: لأن هذا الخشب أليافه متينة ومرنة، فعندما يصل المكوك للآخر هناك صدمة الخشب يمتصها، أما الإسمنت فلا يمتصها فيردها فينقطع الخيط. ظاهرة النبات ظاهرة تلفت النظر صممت خصيصاً لخدمة الإنسان : لو دققت في خصائص الخشب، خصائص المعادن، أشباه المعادن، ترى العجب العجاب، وترى أنها صممت خصيصاً لخدمة الإنسان، هي مسخرة للإنسان: ﴿ وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ [سورة الأنعام:الآية99] يوجد نبات طعام، يوجد نبات كوشوك، يوجد نبات فلين، يوجد نبات للمنظر، يوجد أشجار زينة، يوجد أشجار نخيل كزينة لا يحمل ثماراً- شواهق-، يوجد أشجار مظلات قف عندها أحيانا تجدها دائرة نظامية، جذع مستقيم، الأغصان مطبقة، الأوراق صغيرة، الأوراق دائمة الخضرة، هذا الشجر تشعر بأنه صمم ليكون مظلة للإنسان، في بعض المناطق الساحلية أمام كل بيت مظلة صيفاً شتاءً، تقول: هذه الشجرة إنما صممت لتكون مظلة للإنسان، يوجد أشجار حدودية، فيها شوك، جميلة جداً، ولها أزهار، ولها أوراق، ولكن اجتيازها صعب، تسمى بالزراعة أشجار حدودية، يوجد نبات لإمتاع العين، أنواع الورود، وأنواع الأبصال، وأنواع الرياحين، لا يعلمها إلا الله، ويوجد نباتات للبيوت؛ نباتات صالونات، هذا من فضل الله على الإنسان، ويوجد نباتات تعطينا البهارات، يوجد نباتات تمتع الحواس، يوجد نباتات عطرية، ويوجد نباتات أدوية، نبات كل شيء، أحصيهم، شيء لا يصدق، ظاهرة النبات وحدها تلفت النظر، معقول بذرة لها أجنحة تطير من قارة لقارة لها حلزون فإذا وقعت على الأرض غمس الحلزون في التراب ثم فتحت فتحة فنزل البذر إلى التراب وأنت لا تدري؟ الرعويات والغابات العذراء إنما زرعت بهذه الطريقة الذاتية بدون مزارع: ﴿ فأخرجنا به نبات كل شيء فأخرجنا منه خضرا نخرج منه حبا متراكبا﴾ [سورة الأنعام:الآية99] وقوله تعالى:﴿والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شيء موزون* وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين﴾ [سورة الحجر:الآية19-20] ما من مسلم يغْرس غَرساً أو يزرَع زَرعاً إلا كان له به صدقة : ما هي البذرة؟ كائن حي، لها رشيم، ولها سويق، ولها جذير، لها محفظة غذاء، إذا زرعته في القطن بعد حين ينمو السويق ويورق وينمو الجذير، تمسك بالمحفظة فارغة، أخذوا قمحاً من الأهرامات مخزناً منذ ستة آلاف عام، زرع فنبت، فهذا الرشيم يعيش ستة آلاف عام، قال عليه الصلاة والسلام:(( ما من مُسلم يَغْرِسُ غَرْساً، أو يَزْرَعُ زَرْعاً، فيأكلَ منه طَير، أو إنسان، أو بَهِيمة، إلا كان له به صدقة )) [ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أنس بن مالك ] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4930/04.jpg غير موضوع التجارة، والبيع والشراء، والربح، أي إنسان يأكل من هذا الزرع، أي طائر يأكل من هذا الزرع، هذا يعد في صحيفة زارعه صدقة. مقتضى الحديث كما يقول شراح الحديث: أن الثواب مستمر مادام الزرع أو الغرس مأكول منه، ولو أنك بعته، لو بعت هذا البستان، لو دخل إنسان وأكل من هذا الشجر بلا إذن، لو أكل الطير، أي زرع يؤكل لزارعه أجر كبير مادام الزرع أو الغرس مأكولاً منه، أو منتفعاً به، ولو مات غارسه، أو زارعه، ولو انتقل ملكه إلى ملك غيره، قال العلماء: في سعة الله عز وجل أنه يثيب على ما بعد الحياة كما كان يثيب على ما في الحياة، العلماء قالوا: ستة أشياء يثاب صاحبها بعد موته: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له، أو غرس، أو زرع، أو رباط - أحدهم أنشأ حصناً على الحدود، فأصبح هذا الحصن مركز قوة للمدافعين - رباط، زرع، غرس، ولد صالح، علم ينتفع به، صدقة جارية، هذه الأشياء الستة مستفادة من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن الذي فعلها يثاب بعد موته. قال: روي أن رجلاً مرّ بأبي الدرداء رضي الله عنه وهو يغرس جوزةً، فقال: أتغرس هذه وأنت شيخ كبير؟ وهذه لا تثمر إلا بعد كذا وكذا عاماً، فقال أبو الدرداء: ما علي أن يكون لي أجرها ويأكل منها غيري، انظر إلى الإيمان، أنا عليّ أن أزرعها، لوا أكل غيري منها الأجر لي، هذه أحاديث صحيحة. لمجرد أن تزرع زرعاً، أو أن تغرس غرساً، أي إنسان أكله بحق أو بغير حق – طائر، إنسان دفع ثمنه أو لم يدفع ثمنه، بعت البستان، انتقل لملكية أخرى، أنت حي، بعد الممات، الأجر ثابت - هل هناك في أي دين آخر ما يدعو للحث على الزراعة كهذه الأحاديث؟ قطع الشجرة إثم كبير : بعض المفكرين يقولون: ويلٌ لأمة تأكل ما لا تزرع، الأمة التي تخطط لمستقبلها تخطيطاً سليماً ينبغي أن تأكل ما تزرع، أن تكتفي ذاتياً، وهناك حديث معروف عندكم جميعاً، قال صلى الله عليه وسلم: (( إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها )) [أخرجه البزار عن أنس بن مالك] يوم القيامة الدنيا انتهت، عليك أن تغرس هذه الفسيلة، لذلك قطع الشجرة إثم كبير. في بعض البلدان - بلدان الخليج - لأنها صحراء فحتى جعلوها خضراء دفعوا عليها ألوف الملايين، فقال لي أحد المهندسين: عند المسؤولين تحويل الشارع أهون من قطع شجرة لقيمتها، تحويل شارع من جهة إلى جهة أهون عندهم من قطع شجرة. سمعت بوجود جزاء يزيد عن خمسين إلى ستين ألف ليرة لمن يقطع شجرة دون ترخيص. يقول رجل:((سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بأذني هاتين: مَنْ نَصَبَ شَجَرَةً فَصَبَرَ عَلَى حِفْظِهَا وَالْقِيَامِ عَلَيْهَا حَتَّى تُثْمِرَ كَانَ لَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ يُصَابُ مِنْ ثَمَرِهَا صَدَقَةٌ عِنْدَ اللَّهِ )) [ أحمد عن رجل من أصحاب النبي] دقق في الحديث ، كل شيء يصاب من ثمرها، كل من أكل منها، لو دخل إنسان بغير حق أكل منها، بيع، هدية، سرقة، بأية طريقة.((مَنْ نَصَبَ شَجَرَةً فَصَبَرَ عَلَى حِفْظِهَا وَالْقِيَامِ عَلَيْهَا حَتَّى تُثْمِرَ كَانَ لَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ يُصَابُ مِنْ ثَمَرِهَا صَدَقَةٌ عِنْدَ اللَّهِ )) [ أحمد عن رجل من أصحاب النبي] الحاجة إلى الزراعة و الصناعة و التجارة تختلف باختلاف الأحوال : استدل بعضهم على أن الزراعة هي أفضل المكاسب، وقال آخرون: بل الصناعة وعمل اليد أفضل، وقال آخرون: التجارة. ما الصواب؟ بعضهم قال: الزراعة، وبعضهم قال: الصناعة، وبعضهم قال: التجارة، فما الصواب؟ الصواب: إذا كنا نستورد الطعام والشراب فأول شيء أن نزرع طعامنا وشرابنا، أما إذا كان لنا أعداء يتربصون بنا فلا بد من صناعة السلاح، صناعة السلاح الذي يحفظ أرضنا، وديننا، وعزتنا، وكرامتنا، تأتي في الدرجة الأولى، وإذا كان موقعنا تجاري ممكن أن نؤمن أعمالاً كبيرة عن طريق التجارة، فالصواب أن كل قطر وكل بلد له ظروفه، و ملابساته، سمعت من أحدهم: بلد صحراوي يوجد مخزون ماء جيد في أعماق الأرض، فزرعوا قمحاً، هذا القمح اشتروه من الفلاح بـستة ريالات، سعره بالدول الأخرى ريال واحد، استنفذوا مخزون الماء كله فلم تربح معهم، الإنسان يجب أن يوازن، كانوا يحفرون ستين متراً يجدون الماء، الآن يحفرون ثلاثة آلاف متر و لا يوجد ماء، استنفذنا الماء كله، وأقمنا محصولاً لم يكن مردوده كما استهلك من الماء، فكل قطر له ظروفه، وملابساته، قال بعض المحققين: ينبغي أن يختلف ذلك باختلاف الأحوال، فحيث احتيج إلى الأقوات فالزراعة أفضل، وحيث احتيج إلى التجارة فالتجارة أفضل، وحيث احتيج إلى الصناعة فالصناعة أفضل. الحلال والحرام بالزراعة : الآن الحلال والحرام بالزراعة: كل نبات محرم استعماله محرم زراعته. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4930/05.jpg بقطر عربي مجاور عطلت الزراعات الغذائية لتحل محلها زراعة المخدرات الكيلو ثمنه يقدر بمئة ألف، فزراعة الغذاء عطلت وحلت محلها زراعة النباتات المخدرة، فلذلك أي نبات محرم استعماله محرم زراعته. إذا كان حكم الدخان حراماً فزراعة الدخان حرام، وإذا كان حكمه مكروهاً فزراعته مكروهة، مادام الحشيش محرماً قطعاً فزراعته محرمة قطعاً. بل إن زراعة العنب إذا علم الزارع أن مصيره إلى معامل الخمور تحرم زراعته، أحياناً يزرع اليانسون هذا إلى معامل الخمور، كل إنسان يزرع صنفاً يعلم أنه ينتهي إلى معمل خمر الزراعة محرمة ولو زرع عنباً، هذا هو الحكم الشرعي. سمعت عن رجل أعطوه دواء مسكناً، وفي بلد آخر يستخدم كمخدر، بكميات أكبر يصبح مخدراً من المخدرات، في هذا البلد ممنوع استعماله لأن استخدامه ليس استخداماً طبياً بل استخدام إدمان، فالبلد مانع، وجاء إنسان فهربه وربح أرباحاً طائلة، لكنه وقع في شر عمله - غير تقي - ويعلم أن هذا الدواء حينما ينقل من بلد لآخر لا يستخدم كدواء يستخدم كمخدر. سألني أخ: يوجد مادة لاصقة في بلد أوربي شرقي تستخدم كمخدر، يضعونها في مكان ثم يعرضونها للحرارة ثم يستنشقون بخارها فتخدرهم تخديراً كاملاً، قال لي: فيها أرباح طائلة، قلت له: حرام، في الأساس هي مادة لاصقة، ويعلم علم اليقين أنها تستعمل كمخدر، درسنا الحلال والحرام. أيّ شيء يستخدم خلافاً للشرع فلا ينبغي أن يزرع أن يتاجر به أو يباع : أي شيء تعلم أنه يستخدم خلافاً للشرع فلا ينبغي أن تزرعه، ولا أن تتجر به، ولا أن تبيعه، لأنه كما قال تعالى: ﴿ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾ [سورة المائدة: الآية 2] قال لي: مادة لاصقة ببلد أوربي شرقي يعرضونها للحرارة، ويستنشقون بخارها، مفعولها كفعل المخدر تماماً. قال لي: إننا نبيع منها بكميات كبيرة، كلاصق! لكن يستعملونها هكذا انتهى الأمر. هذه التجارة اركلها بقدمك، أحياناً يوجد أدوية مسكنة تستعمل كمخدرات بكميات كبيرة، أحياناً الكحول الطبي يشرب - في بعض البلاد يشرب - وله مفعول الخمر، الكحول الطبي! دقق في هذا الموضوع! أية زراعة إذا انتهت إلى محرم فهي محرمة، يسمى هذا في الفقه باب سد الذرائع. عندنا حكم جديد: لو إنسان ربى خنزيراً ليبيعه لغير المسلمين – يقول: ليس لي علاقة بدينهم حلال؟ - لا يجوز أن تتجر بشيء محرم، ولو بعته لغير المسلمين، هذا هو الحكم الشرعي. فكل إنسان يزرع يجب أن ينتبه! يوجد أحياناً زراعات كزراعة العنب فهي رائجة جداً، إنها تباع لمعامل تقطير العنب، يوجد زراعة اليانسون رائجة جداً لكن تباع لمعامل الخمور، فأي زراعة تباع لمعامل الخمور زراعتها محرمة، لأنه ما أدى إلى حرام فهو حرام، وهذا التحريم ليس لذاته ولكن لغيره، ويأتي تحت باب سد الذرائع، هذا هو الحكم الشرعي للزراعة. يوجد شيء آخر: أحياناً المزارع تستخدم هرموناً يؤدي إلى نمو النبات، يتألق لونه، ويرتفع سعره، ويزداد المحصول، لكن هذا الهرمون يتراكم في الجسم، والهرمون مسرطن، والهرمون ممنوع بيعه، والدول التي تبيعه لنا ممنوع عندها استخدام الهرمون نفسه، وكل فلاح يستخدم هذا الهرمون ليكبر البضاعة قبل أوانها ويبيعها بسعر أعلى على حساب صحة الناس، هذا الإنسان محاسب عند الله، طبعاً يدخل فيها أشياء كثيرة، كل مادة مسرطنة، مادة مؤذية، تتراكم في الجسم، هذه ينبغي أن تبتعد عنها، لذلك ينصح -إذا كانت هناك البلوى عامة ولا أحد ينضبط بالشرع - أن تختار القطعة الصغيرة من الطماطم، لأن الكبيرة أغلب الظن أنها مهرمنة، لاحظت أن المهندسين الزراعيين يختارون القطعة الصغيرة، هذه لا يوجد فيها هرمون، الهرمون مادة كيماوية وتستقر في الجسم بالنهاية تسرع النمو، وتزيد في عقد النبات، وترفع السعر، لكنها تؤذي الجسم، هذا هو الحلال والحرام في الزراعة. تحريم بيع العينة لأنه تحايل على الشرع : لكن ورد حديث يحتاج إلى تفسير يقول عليه الصلاة والسلام: (( إذا تبايعتم بالعينة )) بيع العينة هو في الصورة بيع شرعي وفي الحقيقة ربوي، ممكن أن تضع سجادة في المحل يأتي من يريد أن يستقرض بالربا لعندك، يقول لك: أتبيعني هذه السجادة؟ تقول له: نعم، بكم؟ بخمسين ألفاً، يقول لك: اشتريتها ديناً، وهي معلقة على الجدار، ثم يقول لك بعد قليل: أتشتريها مني نقداً؟ يقول لك: نعم بـأربعين ألفاً، فيخرج من الدرج أربعين ألفاً ينقدها له، ويسجل في دفتر الذمم، ذمة سجادة بـخمسين ألفاً، الشكل بيع صحيح، إيجاب وقبول، اشتراها بـخمسين ألفاً ديناً ثم باعها بـأربعين ألفاً نقداً، هذا اسمه بيع العينة، أي تحايل على الربا، فالإنسان مراب وعنده هذه السجادة منذ أربعين سنة لم يبعها ولم يشترها، معلقة على هذا الجدار، تباع في اليوم مئة مرة، يبيعها ديناً ويشتريها نقداً وهي معلقة على الجدار، والغبار قد تراكم عليها، هذا اسمه بيع العينة. قال: بيع العينة تحايل على الشرع، يقول عليه الصلاة والسلام:(( إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلاً، لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم )) [ أبو داود عن ابن عمر] مثلاً: إنسان أنشأ مزرعة، وعاش فيها ببحوحة، وهدوء، ونشاط، لا علاقة له بأحد، ولم يتعرف إلى الله، ولم يخدم إنساناً، ولم يدعُ إلى الله، ولم يأمر بالمعروف، ولم ينه عن منكر، ولا يريد أحداً، مناظر جميلة، وثمرات يانعة، ومسبح، وفيلا، إذا الإنسان ركن إلى الدنيا، الزراعة أحياناً لها علاقة بالدنيا، نزرع كي نأكل، ونزرع لنكتفي، أما إذا استخدمنا الزراعة كهواية استقللنا بها عن كل نشاط ديني، فقال:(( إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلاً، لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم )) [ أبو داود عن ابن عمر] إتقان الصناعات فرض كفاية : يجب على المزارع ألا يغفل عن الله عز وجل، ألا ينسى الله عز وجل، ألا يترك طلب العلم، الحياة بالتوازن، بالوسطية، لا نهمل الزراعة حتى نموت ونستورد كل شيء، ولا نتعلق فيها تعلقاً ينسينا كل شيء، الزراعة سلسة مسلية وجميلة وممتعة، تجد الإنسان يعيش في مزرعته لا يريد أحداً، لكن يبقى جاهلاً، لذلك علماء الشريعة قالوا: إن إتقان الصناعات فرض كفاية، كل أمة أسلامية يجب أن يكون فيها من كل الصناعات، بحيث لو أنها أهملت لأثم الجميع http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4930/06.jpg كل صناعة ضرورية يجب أن يختص بعض الناس بإتقانها، و إلا أثم جميع الناس. قال: أثمت الجماعة كلها وبخاصة أولي الأمر وأهل الحل والعقد. أهل الحل والعقد: كمجلس الشورى الذين ينتخبون أهل الحل والعقد، وأولي الأمر المنفذون، والجماعة كلها تأثم إذا تعطلت فيها بعض الصناعات الأساسية. مثلاً: ما قولكم أن صناعة غلاف الأدوية - هكذا بلغني قديماً- تصنع من مادة هلامية داخل فيها شحم الخنزير؟ فالأمة كلها تأثم إذا لم يكن عندنا مصنع يصنع الغلاف –البرشام- غلاف الأدوية، يوجد أشياء فيها شحوم خنزير كثيرة جداً، فالأمة كلها تأثم إذا أهملنا صناعة نقيم بها شرع الله عز وجل، يوجد معاجين أسنان فيها شحم خنزير، يوجد حلويات تأتي استيراداً وهي غالية الثمن فيها شحوم خنزير، كل دهن حيواني مستورد من بلد أجنبي في الأعم الأغلب فيه شحم خنزير. فمتى نأثم؟ إذا أهملنا الصناعة، نحن في أمس الحاجة إليها أهملناها وبقينا نستوردها من بلاد لا تحلل ولا تحرم أبداً. الاختصاصات النادرة يجب أن تكون متوافرة في المسلمين : يقول الإمام الغزالي في إحيائه نص مهم جداً أرجو أن تدققوا فيه: "أما فرض الكفاية فهو كل علم لا يستغنى عنه في قوام أمور الدنيا كالطب"، مثلاً عند المسلمين لا يوجد طبيب مسلم نسائي، هناك طبيب غير مسلم يكشف على عورات النساء، والأكمل أن يتواجد طبيبة، يجب أن تختار أولاً طبيبة، فإن لم يكن هناك طبيبة، تبحث عن طبيب مسلم، لا يوجد فأنت مضطر، فإن لم يكن هناك إنسان طبيب مسلم صادق أمين ورع متفوق ماهر الجماعة كلها تأثم. الاختصاصات النادرة يجب أن تكون متوافرة في المسلمين. قال: "أما فرض الكفاية فكل علم لا يستغنى عنه في قوام أمور الدنيا كالطب، إذ هو ضروري في حاجة بقاء الأبدان، وكالحساب فإنه ضروريٌ في المعاملات" كلية التجارة فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الكل. الحسابات عصب التجارة، إذا لم يتوفر المختصون بالحسابات الأمة كلها تأثم، وهذه هي العلوم التي لو خلا البلد عمن يقوم بها يصبح البلد كله آثماً، وإذا قام بها واحد كفى وسقط الفرض عن الآخرين. فالطب والحساب من فروض الكفايات، وكل علم وكل صناعة دقيقة قد نستوردها من بلد غربي وقد يكون البلد الغربي غير منضبط. آيات كثيرة في كتاب الله تشير إلى الصناعة : قال الله عز و جل:﴿وألنا له الحديد * أن اعمل سابغات وقدر في السرد﴾ [سورة سبأ: الآية 10-11] ﴿وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم فهل أنتم شاكرون﴾ [ سورة الأنبياء: الآية 80] ﴿ وأسلنا له عين القطر ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير﴾ [ سورة سبأ: الآية 12] هناك آيات كثيرة جداً في كتاب الله تشير إلى الصناعة، فالصناعة كما قلنا: فرض كفاية، والعرب في الجاهلية كانوا يتقنون بعض الحرف، هذا راعي غنم، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال:(( مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيّاً إِلا رَعَى الْغَنَمَ فَقَالَ أَصْحَابُهُ : وَأَنْتَ . فَقَالَ : نَعَمْ كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لأَهْلِ مَكَّةَ )) [ البخاري عن أبي هريرة ] سيدنا النبي، سيد الخلق وحبيب الحق، كان راعي غنم، والغنم ليست له، أي لم يكن غنياً، كان أجيراً، كنت أرعاها لقراريط لأهل مكة، لذلك قالوا: الفخر للعاملين لا للمترفين ولا للعاطلين. العمل النظيف وسام شرف للإنسان : الإنسان نراه أحياناً يرتدي ثياب العمل، ميكانيكي، ثوب أزرق ملطخ بالزيوت والشحوم والطين، مستلقِ تحت السيارة، هذا وسام شرف له، هذا عمل نظيف http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4930/07.jpg قال لي شخص كلمة - مكتبه لا يوصف – لكن تجارته محرمة، قال لي: أنا عملي قذر، من فمه قال لي: أنا عملي قذر، ومكتب لا يوصف في فخامته، في اليوم التالي ذهبت إلى إنسان يعمل في الميكانيك، رأيته منبطحاً في أيام الشتاء تحت السيارة، والطين كثير، والمطر تهطل بغزارة، ويرتدي ثياباً مهترئة مبللة زرقاء، أصلها زرقاء اللون، جاءها الزيت والشحم والماء والطين فلا لون لها، وأصلح المركبة تصليحاً جيداً وأخذ أجراً معتدلاً، والله قلت في نفسي: هذا عمل نظيف، انظر المفارقة: مكتب فيه من الأناقة ما لا يوصف، قال لي صاحبه: أنا عملي قذر، وإنسان آخر يعمل في تصليح المركبات وبوضع لا يوصف من القذارة - حسب مصلحته- ومع ذلك أنا قلت: هذا هو العمل النظيف، العمل النظيف أن يكون مشروعاً، والدخل مشروعاً. يوجد نصيحة للمسلمين: الإنسان لو لبس ثياباً مبتذلة في عمله، هذه الثياب وسام شرف له. زرت أخاً يعمل في تصليح المركبات، فأشار إلى إنسان يعمل عنده قال لي - معه لسانس - وما كنت أتمنى أن يقول هذه الكلمة، هو يفتخر أن عنده عمالاً يحملون إجازات ما كان مني إلا أن ذكرت له هذا الحديث: ((ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده وإن نبي الله داود ليه السلام كان يأكل من عمل يده)) [ البخاري عَنِ الْمِقْدَامِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] وجدت رداً مناسباً، هو يريد أن يصغره - أنا عندي عمال معها لسانس و تعمل في المكنسيان ـ وهو قد يكون أمياً، فقلت له:((ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده وإن نبي الله داود ليه السلام كان يأكل من عمل يده)) [ البخاري عَنِ الْمِقْدَامِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] أية حرفة تفضي إلى حرام فهي حرام : يبدو أن العمل اليدوي هو أحلّ عمل، فيه جهد حقيقي، يوجد عمل أساسه الاحتيال، والإيهام، والكذب، والتدجيل أحيانا، يوجد دلال صلى العشاء باتجاه الشمال، باع البيت ليلاً، ظنّ المشترون بأن البيت قبلي والنوافذ كلها نحو الشمال، قام لصلاة العشاء باتجاه الشمال، طبعاً أخذ أجرته مبلغاً ضخماً، هذا احتيال، صلى باتجاه الشمال ليوهم الشاري بأن البيت قبلي وقد بيع البيت ليلاً. أما العمل اليدوي فعمل فيه جهد حقيقي، فيه حلّ حقيقي. الآن أخواننا الكرام أية مصلحةٍ، أية صناعةٍ، تفضي إلى حرام فهي حرام، يقولون: أربح شيء تركيب الصحون الفضائية، ابقَ بدون عمل أفضل من أن تعمل بهذه المصلحة. يوجد مهن كثيرة جداً، تأجير الأفلام رائجة كثيراً! أية صنعة، أية حرفة تفضي إلى حرام فهي حرام، والدليل الوحيد القطعي قوله تعالى:﴿ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾ [سورة المائدة: الآية 2] لا تساهموا في آلات اللهو، أجهزة اللهو، أي كل شيء فيه معصية لا تساهم في صنعه. البغاء شيء بديهي حرام، الفنون المبنية على إثارة الغرائز شيء بديهي، صناعات التماثيل بديهية، الأشياء التي فيها إثارة للشهوات، رسام يرسم امرأة شبه عارية، كلامي عنها كلها تحصيل حاصل بأنها حرام من دون أن أضيف شيئاً، فكل هذه الصناعات التي لها علاقة بالحرام فهي حرام. سألني أخ سؤالاً: ما هو الحكم الشرعي بالمال الذي يكسبه بعض التجار بوساطة ترويج سلعهم بدعاية تلفزيونية تظهر فيها فتيات كاسيات عاريات ألا يعد حراماً؟ أكيد الأخ السائل لم يرد جواباً، أراد إعلامكم بأنه حرام، لأنه قال: لأن ما اقترن بحرام فهو حرام، كل شيء اقترن بحرام فهو حرام. الحرام حرام وما أعان على الحرام فهو حرام وما اقترن بالحرام فهو حرام : الحرام حرام، وما أعان على الحرام فهو حرام، وما اقترن بالحرام فهو حرام. أنت تصنع مادة منظفة - لاشيء عليك -، تصنع مادة عطرية، تصنع طعاماً لأطفال –لا شيء عليك ـ، أما إذا كانت امرأة شبه عارية تعرضه للناس اقترن هذا بحرام، يوجد -والعياذ بالله- من يفعل هذا بلا ورع إطلاقاً، ويصلي أيضاً، ويحضر مجالس علم، ثم يقول: هذا عمل. المسلم ملتزم. أعرف أشخاصاً يصنعون إعلانات لكن لا يستخدمون النساء بل الرجال، إن شاء الله ننتقل في الدرس القادم إلى التجارة، موضوع التجارة، وموضوع الحرف، وموضوع الوظائف، هذه كلها فيها أشياء حلال، وفيها أشياء حرام، لكن أنا أشعر أن الأشياء المحرمة تعرفونها جميعاً، ما أردت أن أفصل بها، البغاء؛ مثلاً إن جاءك زبون يريد أن يستأجر بيتك في الليلة الواحدة بخمسة آلاف، فهل يوجد من لا يشك في هذا؟ تقول: هم أحرار و أنت تعلم علم اليقين أن هذا المبلغ لا يدفع إلا من أجل الحرام، وهذه شائعة جداً تأجير البيوت للسياح، ويعلم المؤجر علم اليقين أن هذا البيت مستأجر للزنا وشرب الخمر، يقول: بالشهر كله خمسة آلاف، بالليلة الواحدة خمسة آلاف، يظن نفسه شاطراً وذكياً. فطبعاً أشياء لا أفصل بها لأني أثق أنكم تعرفونها جميعاً. فكل تجارة تفضي إلى حرام، كل صناعة تفضي إلى حرام ، كل زراعة تفضي إلى حرام فهي حرام، ودرسنا الحلال والحرام. حتى الإنسان الذي يبيع كؤوساً للخمور لها شكل خاص، هذه ينبغي ألا يبيعها، كل شيء متعلق بالخمور ومستلزماتها و أوانيها، أحياناً أوانٍ للثلج تقدم مع المشروب هذه الأواني ممنوع بيعها. يبيعون طاولات الزهر، أشياء كلها محرمة، يجب الانتباه، حتى بيع الدخان فيه مشكلة، فإذا كان محرماً فبيعه محرم، إذا كان مكروهاً فبيعه مكروه، حسب ما ذكر العلماء. فكما قلت لكم: أخطر درس بعد معرفة الله الحلال والحرام، ومنعني من التفاصيل أنني أتكلم مع مؤمنين، ويعلمونها بالفطرة والبديهة، ولا حاجة للتفاصيل في هذه. |
رد: العبادات التعاملية
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية الدرس : ( الخامس و العشرون ) الموضوع : الاكتساب بالتجارة و الوظائف الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون الذكر فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. ورود التجارة في القرآن الكريم و السنة الشريفة : أيها الأخوة المؤمنون: مع الدرس التاسع من سلسلة دروس: "الحلال والحرام في الإسلام" http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4934/01.jpg وقد وصلنا في الدرس الماضي إلى موضوع الاكتساب بالتجارة، تحدثنا عن الاكتساب بالزراعة والصناعة، وها نحن ننتقل إلى الاكتساب بالتجارة والوظائف. أيها الأخوة الكرام: وردت التجارة في القرآن الكريم، وفي السنة المطهرة، وقدت وردت تحت كلمة: يبتغون من فضل الله، فالسفر من بلد إلى بلد بنية التجارة هو ابتغاء من فضل الله، وقد قرن مع الجهاد في سبيل الله، يقول الله عز وجل: ﴿وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله﴾ [سورة المزمل:الآية 20] الإمام الشافعي يقول: "من لم يعهد منه سفر لم يعهد منه علم"، فالسفر ربما وسع أفق الإنسان، ربما كان في طلب العلم، وأشرف أنواع السفر على الإطلاق ما كان في طلب العلم الشرعي، أو العلم الشريف، يليه الفرار بالدين، يليه طلب الرزق. ﴿وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله﴾ [سورة المزمل:الآية 20] إشارات قرآنية كثيرة إلى التجارة التي يُبتغى بها فضل الله عز وجل : إشارات قرآنية كثيرة إلى التجارة التي يبتغى بها فضل الله عز وجل، لقوله تعالى: ﴿وترى الفلك فيه مواخر لتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون﴾ [سورة فاطر: الآية 12] ﴿ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات وليذيقكم من رحمته ولتجري الفلك بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون﴾ [سورة الروم: الآية 46] هذا التبادل التجاري بين البلاد من رحمة الله، الآن كيف يعاقبون دولة بالحصار التجاري؟ يعاقبونها أشد المعاقبة، تفقد الأدوية، تفقد المواد الغذائية، حليب الأطفال، يعاني المجتمع معاناة شديدة جداً حينما يمنع من التجارة الخارجية، هذا الشيء ملموس ترتفع الأسعار إلى عشرين أو ثلاثين ضعفاً، أحياناً تفتقد المواد يعاني الإنسان معاناة شديدة، الجالب مرزوق والمحتكر ملعون، من هو الجالب؟ الذي يأتي بالبضاعة التي يحتاجها المسلمون ويبيعها، هذا عمل طيب، لذلك قال تعالى: ﴿ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات وليذيقكم من رحمته ولتجري الفلك بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون﴾ [سورة الروم: الآية 46] إشارة أخرى إلى التجارة: ﴿أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا﴾ [سورة القصص: الآية 57] التبادل التجاري أحد أساليب نشر الحق : الحقيقة إذا الإنسان أكرمه الله بحجٍ أو بعمرة ٍيرى العجب العجاب، كل أنواع الفواكه والأغذية تجبى إلى هذا البلد، هذا بفضل التبادل التجاري بين البلدان. والدرس قبل البارحة، درس الجمعة عندما قال الله عز و جل: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ﴾ [سورة الحجرات: الآية 13] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4934/02.jpg أي جعل حاجات بعض الشعوب عند شعوب أخرى من أجل التعارف، أنت من أجل تأمين هذه الحاجة تبحث عن مصادرها، فإذا بحثت عن مصادرها التقيت بأناس آخرين، لعل بهذا التعارف ينتشر الدين، لعل بهذا التعارف ينتشر الحق، ولا عجب فإن أكبر بلد إسلامي في العالم الآن اندونيسيا، يعد مئة وخمسين مليون إنسان، هذه البلاد لم تفتح من خلال الحرب أبداً، فتحت عن طريق التجار. إذاً عندما يجعل ربنا عز و جل في كل بلد إنتاج متميز، يحتاجه العالم بأسره، البن يحتاجه العالم بأسره، الشاي يحتاجه العالم بأسره، الأرز يحتاجه العالم بأسره، قصب السكر يحتاجه العالم بأسره، ويوجد بلاد تفوقت في قصب السكر، وبلاد أخرى بالأرز، وأخرى بالقمح، وأخرى بالبن، وبلاد بالشاي، فهذه المواد التي يحتاجها العالم بأسره تقتضي أن يسافر الناس إلى هذه البلاد ليشتروا هذه المواد، من خلال هذا الشراء والتبادل التجاري يكون التعارف، من أجل أن تنشر الحق، من أجل أن تنشر هذه الرسالة الخالدة في أمم الأرض، فلذلك أحد أساليب نشر الحق هو التبادل التجاري، أكبر قطر إسلامي على الإطلاق إنما فتحه المسلمون لا بسيوفهم ولكن ببضائعهم، ومعاملاتهم، وانضباطهم، وكمالاتهم: ﴿أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا﴾ [سورة القصص: الآية 57] الله عز وجل قهر الشعوب على أن يتصلوا ببعضهم البعض : سيدنا إبراهيم يقول كما جاء في قوله تعالى: ﴿ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون﴾ [سورة إبراهيم:الآية37] بلاد صحراوية يرزقهم عن طريق التبادل التجاري، فالتجارة والشراء والبيع والاستيراد والتصدير واختصاص كل بلد بإنتاج يحتاجه العالم بأسره، هذا من أجل أن يتعرف الشعب على الشعب الآخر من أجل أن ينتشر الحق. الله عز و جل كما قهر الأفراد أن يسكنوا مع بعضهم قهر الشعوب على أن يتصلوا ببعضهم البعض، الشعب المنعزل شعب يعيش في أوهام. أهداف التجارة : والآن العبارة التي تدور على الألسنة أن الأرض أصبحت قرية صغيرة، التواصل، والسفر، والتبادل التجاري، خفف غلواء اتجاهات منحرفة كثيرة جداً، فكأن القصد الإلهي أن توزع هذه المواد الأساسية في قارات الأرض الخمس، الهدف من ذلك التعارف، والتعارف وسيلة لنشر الحق، ولنشر هذه الرسالة التي جاء بها النبي عليه الصلاة والسلام. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4934/03.jpg وإشارة أخرى في القرآن الكريم حينما قال الله عز وجل: ﴿لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف﴾ [سورة قريش: الآية 1-2] هذه رحلة تجارية، رحلة إلى اليمن في الشتاء، ورحلة إلى الشام في الصيف، هذا تبادل تجاري أيضاً، وقول الله تعالى: ﴿وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق*ليشهدوا منافع لهم﴾ [سورة الحج: الآية 27-28] سمح الله تعالى للحجاج أن يعقدوا صفقات تجارية في الحج، وهذه إشارة في القرآن الكريم: ﴿ليشهدوا منافع لهم﴾ [سورة الحج: الآية 28] ويوجد إشارة أخرى: ﴿ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ﴾ [ سورة النور: الآية 37] معناها يتاجرون، لكن تجارتهم لا تلهيهم عن إقامة الصلوات، وعن أداء الفروض الدينية، وعن طلب العلم. أروع ما في حياة المسلم أنه يعمل ويده عليا ويتعبد ربه وقلبه مطمئن : لذلك الإنسان السعيد هو الذي ينظم وقته؛ وقت لطلب العلم، ووقت لكسب الرزق، ووقت لتربية الأولاد، ووقت للاستجمام، ووقت للمطالعة، تنظيم الوقت من خصائص الموفقين في حياتهم، والإنسان الذي- دققوا في هذا الكلام- لا يملك وقت فراغ يملأه بحسب اتجاهه الشخصي هذا ليس إنساناً، هذا الذي يعمل ليلاً نهاراً، يخرج من البيت قبل أن يستيقظ أطفاله، ويعود بعد أن يناموا ويقول: أنا أعمل من أجلهم، أنت أطعمتهم لكن ضيعتهم، أنت وفرت لهم الغذاء لكن لم توفر لهم الغذاء الروحي، لم تكن قيماً عليهم، قيل: المؤمنون ليسوا أجلاس مساجد، ولا دراويش تكايا، ولا رهبان أديرة، إنهم رجال أعمال. أروع ما في حياة المسلم أنه يعمل ويده عليا، ويتعبد ربه وقلبه مطمئن، كما وصف الناس أصحاب رسول الله قالوا: رهبان في الليل فرسان في النهار. فالإنسان الذي له مهنة، له حرفة، له تجارة، له وظيفة، له صناعة، له زراعة، منتج، عامل، متقن، ينفع المسلمين، وله اتجاهه الديني، و يعرف الله عز و جل، هذا إنسان متميز، فالمسلمون ليسوا أجلاس مساجد، يجلس في المسجد ليلاً نهاراً، فقد لقي عيسى بن مريم رجلاً فقال : ما تصنع ؟ قال : أتعبد قال : من يعولك ؟ قال أخي فقال : أخوك أعبد منك والصحابة أثنوا على رجل، فسأل النبي: من يقوم بشأنه؟ قالوا: نحن جميعاً نقوم بشأنه، قال: كلكم أفضل منه. إتقان العمل جزء من الدين : فالإنسان الذي له حرفة، له عمل، له تجارة، له وظيفة أتقنها، كسب رزق منها، تزوج ستر فتاة، جبر بخاطر فتاة، أنجب أولاداً، رباهم تربية عالية، هذا الدين، أما الدين ذلّ، وخنوع، ومد يد، وتمسكن، وتذلل، وتضعضع، فليس هذا هو الدين: (( من جلس إلى غني فتضعضع له ذهب ثلثا دينه )) [ البيهقي في شعب الإيمان عن ابن مسعود] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4934/04.jpg الدين قوة، قال له: ارفع رأسك يا أخي، متى موت علينا ديننا، ارفع رأسك وأتقن عملك، للذين أحسنوا الحسنى وزيادة، قال تعالى: ﴿ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ ﴾ [ سورة يونس: الآية 26] قانون العز إتقان العمل، المتقن يرفع رأسه، أما إذا وجد أخطاء في صناعته، أخطاء في وظيفته، فلم يستوعب عمله، يوجد إهمال، يوجد تقصير، يوجد تسيب، يوجد أضرار فادحة، يبرر أخطائه بعدم الانتباه، وعدم المعرفة، هذا ليس مؤمناً، النبي عليه الصلاة والسلام دفن أحد أصحابه الذي سوى القبر ترك فيه فرجةً فقال عليه الصلاة والسلام: "هذه الفرجة لا تؤذي الميت ولكنها تؤذي الحي". تجد شخصاً يركب مفتاح الكهرباء بشكل مائل، هذه تؤذي الإنسان، لا يوجد لديك ميزان زئبق؟ تكلف من الوقت ثانية واحدة، أما لو ركب من غير ميزان ومائل فكلما ألقى إنسان نظرة على هذا المفتاح يتألم، لماذا هكذا مائل؟ أليس كذلك؟ أخواننا الكرام: إتقان العمل جزء من الدين، والشيء المؤسف أن أهل الدنيا غير المنضبطين بالإسلام أتقنوا أعمالهم فبلغوا الأوج، يقول لك: البضاعة محجوزة لثلاث سنوات قف في الدور لماذا؟ لوجود إتقان . على مستوى داخلي، إذا وجد عشرة أشخاص يعملون بالكهرباء والسوق كسدت من الذي لا يتعطل؟ المتقن، المتقن لا يتعطل ويعمل باستمرار، من الذي يستغنى عنه؟ غير المتقن، طبعاً إذا وجد رواج كلهم يعملون، أما إذا وجد كساد فلا يعمل إلا المتقن. كل إنسان محاسب على عمله : أخواننا الكرام: مرة ثانية إتقان العمل جزء من الدين، والدليل: (( إن الله يحب من العبد إذا عمل عملاً أن يتقنه )) [الجامع الصغير عن عائشة] ركبت لوح الزجاج بمسمارين فقط، انكسر، جاء على الولد، فقتله، يقول لك: ترتيب الله، هذا ليس ترتيب الله، هذا خطأ منك، هذا خطأ ممن ركب هذا الزجاج، كلما أخطأنا نعزوها إلى القضاء والقدر، هذا موقف غير إسلامي وغير صحيح، إن الإنسان محاسب لقوله تعالى: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ ﴾ [سورة يس: الآية 12] رجل يركب سيارته يأتي من جدة إلى الشام، في طريقه غيّر زيت المحرك لسيارته، صاحب مركز تغيير الزيت أمر صانعه الصغير أن يغير الزيت، الصانع لم يشد البرغي بشكل جيد، الزيت تسرب على الطريق، تعطل المحرك، الحرارة ستٌ وخمسون وقف في الصحراء، نزل من السيارة ليرى سبب العطل، رفع غطاء المحرك، أصيب بضربة شمس فمات، هل تصدقوني أن صاحب هذا المركز يحاسب كقاتل؟ طبعاً. أخذ أحدهم تحليلاً للحمل إلى المخبر، الموظف وقعت العينة من يده فانكسرت فكتب: الحمل إيجابي، جاء الأب مساءً، قالوا له: مبارك، ابنتك حامل، وابنته غير متزوجة يوجد مشكلة، فذهب وذبحها، وقعت هذه الحادثة بالشام: (( إن الله يحب من العبد إذا عمل عملاً أن يتقنه )) [الجامع الصغير عن عائشة] فالمؤمنون ليسوا متسكعين، ولا أجلاس مساجد، ولا دراويش تكايا، ولا رهبان أديرة، إنما هم رجال أعمال، في الليل رهبان وفي النهار فرسان. وسيدنا عمر يقول: " إني أرى الرجل ليس له عمل فيسقط من عيني ". إن الله كتب عليكم السعي فاسعوا . ما جاء في السنة عن التجارة : الآن هذا ما جاء في القرآن عن التجارة، ماذا جاء في السنة؟ يقول عليه الصلاة والسلام: (( التَّاجِرُ الأمينُ الصَّدُوقُ مع النَّبيِّينَ والصِّدِّيقين والشُّهداء )) [ أخرجه الترمذي وابن ماجة والحاكم وصححه عن أبي سعيد الخدري] أيها الأخوة الكرام: ألا ترون أن هذا العطاء لا يستحقونه أم ما هو التفسير؟ إنسان يبيع ويشتري و يتاجر ويربح ومع الشهداء والنبيين يوم القيامة ماذا فعل؟ التجارة ممتعة مسلية مسعدة، بيع، وشراء، وربح، وأموال طائلة، ومع الصديقين والأنبياء والشهداء يوم القيامة، أيستحقون هذا الشيء؟ هذا قول النبي، الحديث رواه الحاكم والترمذي بإسناد حسن، الجواب: أن الدعاة إلى الله نوعان؛ يمكن أن تدعو إلى الله بلسانك، ويمكن أن تكون داعية عن طريق عملك واستقامتك، فكما أن أكبر بلد إسلامي فتح عن طريق التجارة، إذاً التجار المسلمون دعاة إلى الله، دعاة إلى الله باستقامتهم، دعاة إلى الله بتعففهم عن الأرباح الفاحشة، دعاة إلى الله بنصحهم، بعدم غشهم، بتواضعهم، فهناك دعوة باللسان، وهناك دعوة بالسلوك، وربما كانت لغة العمل أبلغ من لغة القول، أي عندما يكبح التاجر نفسه عن الأرباح الطائلة غير المشروعة، يكبح نفسه عن احتكار البضاعة، يكبح نفسه عن رفع الأسعار الجنونية، يرحم الناس، يرق لهم، يلبي حاجاتهم، ييسر لهم مطالبهم، هذا التاجر قدم خدمة كبيرة جداً، لأنه لا يوجد إنسان إلا يشتري ويبيع، فإذا الباعة متواضعون رحماء ينشرون الإسلام بتواضعهم و رحمتهم، يقول التجار كلمة لطيفة عن كلمة التاجر: التاجر حرف التاء تقي، والألف أمين، والجيم جريء، والراء رحيم، ولها تفسير ثان ولكن لا يليق. إتقان المؤمن لعمله فلا يأخذ ثمن البضاعة إلا بحق : يوجد حديث أقل صحة من هذين أن: (( إن أطيب الكسب كسب التجار ؛ الذين إذا حدثوا لم يكذبوا، وإذا وعدوا لم يخلفوا، وإذا ائتمنوا لم يخونوا، وإذا اشتروا لم يذموا، وإذا باعوا لم يطروا ـ يمدحوا ـ وإذا كان لهم لم يعسروا، وإذا كان عليهم لم يمطلوا )) [ الجامع الصغير عن معاذ بسند ضعيف ] سبع صفات، الإنسان إذا باع واشترى، وربح ربحاً معقولاً، ووفر بضاعة جيدة، بسعر معتدل، بمعاملة طيبة، ورحم الناس بها، هذا قدم حاجة كبيرة جداً. أحياناً تسمع من الناس عرضاً – بارك الله له- اشتريت حاجة متقنة، استعملتها سنتين، ثلاث، أربع سنوات ضجرت منها، وهي جيدة، وسعرها معتدل، يمكن هذا الشاري يدعو للبائع آلاف المرات خلال سنوات استعمالها، بارك الله له بهذه البضاعة جيدة. أحدهم اشترى طقم كنبات، أول يوم جاءه ضيوف جلسوا فانكسر هذا الطقم، فذهب إلى الذي اشتراه منه فقال له: ما هذا؟ فأجابه البائع: هل جلستم عليه؟. اشترى أحدهم غرفة نوم، رأى غصناً أخضر يخرج منها، ما هذا العرق الأخضر معقول ! ما هو؟ تبين أن الخشب غير جاف، فنبت الغصن الأخضر في غرفة النوم. وبالإضافة إلى الكثير من الأعمال السيئة هناك عمل غير متقن باستعمال بسيط تجده غير صالح للاستعمال، وبالمناسبة الرخيص هو الغالي، والغالي هو الرخيص، فالفقير على فقره تبيعه حذاء سيئاً جداً بعد يومين يصبح بحاجة إلى لاصق، فالمؤمن يتقن عمله و لا يأخذ ثمن البضاعة إلا بحق. ضرورة توفر سوق إسلامية ملتزمة بتعاليم الإسلام و توجيهاته : هل تصدقون أن النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن بنى مسجداً في المدينة، بعد أن أصبح للمسلمين كيان، بنى مسجداً، ثم بنى سوقاً خاصاً للمسلمين، لا يوجد به ربا ولا كذب ولا يوجد يهود- هذا يرويه كتّاب السيرة- كانت سوق بني قينقاع من قبل، وقد رتب النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه سوقاً، وظلّ يرعاه بتعاليمه وتوجيهاته، فلا غش، ولا تطفيف، ولا احتكار، ولا تناجش، إلى غير ذلك مما يقع فيه بعض التجار. سوق إسلامي، الآن يوجد سوق مشتركة نريد سوقاً إسلامياً، لا يوجد كذب، ولا أيمان، ولا غش، ولا احتكار، و لا تدليس، ولا استغلال، و لا إيهام، ولا بيع ضرر، النبي عليه الصلاة والسلام بعد أن بنى المسجد، بنى سوقاً إسلامياً، والتجار في هذه السوق يتعاملون تعاملاً جيداً. بلغني أن الزنوج في أمريكا في بعض أحياء نيويورك أسسوا مثل منطقة إسلامية، وأقاموا حراساً من عندهم يمنعون دخول البغايا وتجار المخدرات، هذه السوق أسسوها على مبادئ الإسلام. يذكر لي أحد الأخوة الكرام الذي كان هناك أن معظم الشركات في أمريكا تتهافت على فتح مكاتب أو متاجر في هذا السوق، لا يوجد فيه مخدرات، ولا بغاء، ولا جرائم، ولا قتل، وأعلى دخل دخل أصحاب هذا السوق، وأقل المشكلات عندهم، فنحن بحاجة إلى سوق إسلامية. المؤمن المستقيم الطاهر الورع ينبغي على المسلم أن يدعمه : إذا كان أخ مؤمن له مصلحة من المفروض أن ندعمه، نشتري من عنده ولو كان محله أبعد، لأنه عندما يكون أحدهم مستقيماً مؤمناً أنت دعمته، فإن دعمته فإنك دعمت الحق، أما غيره فكذاب، غشاش، دجال، يزور البضاعة، يوجد أشخاص يمحي تاريخ انتهاء الصلاحية هذا غش كبير، البضاعة فقدت مفعولها. وهناك إنسان يقدم بضاعة سيئة، بضاعة فاسدة، ولا يعنيه ذلك، يعنيه الربح فقط، أما المؤمن المستقيم الطاهر الورع فهذا ينبغي أن ندعمه، فأنا والله أرتاح جداً إن كان أخ له مصلحة يملك متجراً، يملك مشروعاً، والأخوان ذهبوا إليه، ساعدوه، واشتروا من عنده، جبر خاطر، ودعم، وتقوية، انصر أخاك، لكن إذا وجد أخ يمتلك مصلحة، والأخوان ذهبوا إليه، يجب ألا يرفع أسعاره، يقول: هؤلاء أخواننا وليسوا غرباء، وهذه أيضاً تعتبر مشكلة، يجب أن تبيع بسعر السوق. تقول: هذا أخ طيب لا يجادلني بالسعر فترفع السعر، أنا عندي أولاد، هذا كلام غير مقبول. فتوجيهي دوماً أنه إذا كان لك أخ له مصلحة ورفع سعره فاتركه واذهب للغريب تأديباً له، أما إذا كان سعره من سعر السوق فهو أولى، إذا كان متقناً في عمله وسعره معتدلاً هذا ينبغي أن تدعمه، أي إذا اغتنى أخوك ينفق ماله في الحلال، يدفع زكاة ماله، ينفع الفقراء، أما إذا كان فاجراً عاصياً وأغنيته فسوف يسهر في الفندق، ويشتري الخمر، يذهب لسياحةٍ كلها فسق، وفجور بأرباحه. فأنت بين أن تدعم إنساناً مستقيماً، ينفق ماله في وجوه صحيحة، ولصالح المسلمين، وبين أن تدعم إنساناً فاسقاً، فاجراً، ينفق ماله في المعاصي والآثام، فكل إنسان يمتلك مصلحة، مؤمن، يجب أن نساعده، ونشتري من عنده، ونشجعه، ونقويه، وندعمه، هذا سلوك إيماني صحيح. أروع موقف عند الله عز و جل تعاون المؤمنين : سيدنا بن عوف كما تعلمون آخاه النبي مع سعد بن الربيع، وسعد بن الريبع من أغنياء الأنصار، وقال لعبد الرحمن بن عوف المهاجر: يا أخي عندي بستانان خذ واحداً منهما، وعندي حانوتان خذ واحداً منهما، هذا موقف فيه مؤاثرة، ووصفهم الله عز و جل فقال: ﴿ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ﴾ [سورة الحشر: الآية 9] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4934/05.jpg إلا أن سيدنا عبد الرحمن بن عوف قال له: "بارك الله لك في مالك ولكن دلني على السوق". فالأنصاري كان في أعلى درجات المؤاثرة، والمهاجر كان في أعلى درجات التعفف. هكذا ربى النبي أصحابه، ربى قسماً على المؤاثرة وربى الآخرين على التعفف، فكما أن الأول قال له: دونك نصف مالي، أي خذ نصف مالي، قال له الثاني: بارك الله لك في مالك ولكن دلني على السوق. لا يوجد موقف أروع عند الله عز و جل من تعاون المؤمنين. سيدنا الصّديق كان تاجر بزّ أي قماش، فكان يتاجر ويسعى حتى أنه يوم بايعه المسلمون على الخلافة وضع القماش على كتفه وذهب إلى السوق. سيدنا الصّديق ما طلعت شمس على رجل بعد نبي أفضل من أبي بكر، وضع القماش على كتفه ليتاجر، لكن الصحابة منعوه وأعطوه مقابل تفرغه لقيادة هذه الأمة. سيدنا عمر كان يعقد الصفقات ويتاجر في السوق، من أين كان يعيش؟ من عمله. سيدنا عثمان كان يعيش من التجارة، سيدنا ابن عوف كان يعمل، سيدنا أبو عبيدة كان قصاباً، أبو حنيفة كان تاجر أقمشة، ابن حنبل، كبار الصحابة، كبار العلماء، لهم أعمال يكسبون منها أرزاقهم، لأنهم قدوة للآخرين. التجارة المحرمة : الآن طبعاً درسنا الأساسي الحلال والحرام، فالتجارة حلال إن كانت البضاعة في الأصل مشروعة، وفضلاً عن أن البضاعة مشروعة ينبغي أن تسلك في التعامل مع الآخرين الأساليب المشروعة التي أمر الله بها، لكن ما هي التجارة المحرمة؟ أولاً- أية تجارةٍ إذا كان موضوع التجارة بضاعة محرمة بذاتها، أو بضاعة محرمة لغيرها، أي الخنزير والخمر والتماثيل وكل شيء محرم في الأصل ممنوع بيعه وشرائه، تبيع قماشاً ولكنك أوهمت الشاري أن البضاعة راقية جداً، وهي من مصدر متدن، فالتحريم بالتجارة إما لعين البضاعة، أو لأسلوب التعامل مع الآخرين، فالخمور، والمخدرات، والخنازير، والأصنام، والتماثيل، ويوجد كؤوس الخمور، كؤوس الخمور محرمة بيعها وشراؤها، أحياناً طاولات النرد، أشرطة الكاسيت التي كلها غناء، أشرطة الفيديو التي فيها أفلام ساقطة، كل شيء محرم تجارته محرمة، يقول: العمل عبادة ماذا فعل؟ تجده يتجاهل، هذا عمل وأنا مضطر، لا، أية بضاعة تتعامل بها إذا كانت محرمة فالتجارة بها محرمة، كل إنسان يراقب نفسه، هذا يبيع الدخان، الدخان بين الكراهة التحريمية وبين التحريم وأنت تبيع الدخان، أخي ماذا نفعل؟ ماذا نفعل هذا كلام مرفوض. أي تجارة موضوعها أو موادها التي تتعامل بها محرمة فتجارتها محرمة. الآن البضاعة حلال ولكن يوجد كذب، تدليس، غش، إيهام، احتكار، عمل يوجد فيه خطأ، أيضاً أصبح التحريم مرةً لذاته ومرةً لغيره. الإنسان هل له الحق أن يتاجر بالذهب والحرير؟ نعم. لأنه مباح للنساء استعمال الذهب والحرير، أما إذا كان يصنع للرجال ذهباً أو حريراً فلا يجوز هذا، يوجد بعض الألبسة الحريرية الصافية للرجال ممنوع بيعها لأنها في الأساس محرمة على الرجال: ((خرج مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المصلى ، فرأى الناس يتبايعون، فقال : يا معشر التجار ، فاستجابوا لرسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - ، ورفعوا أعناقهم وأبصارهم إليه ، فقال : إن التجار يبعثون يوم القيامة فجارا ، إلا من اتقى اللَّه وبر وصدق)) [ الترمذي عن رفاعة بن رافع] أحياناً يقول لك: لو عينت موظفة على مستوى راق من الشكل تجلب زبائن، خيراً إن شاء الله. هذا لم يستقم على أمر الله، أو نعرض إعلاناً عن طريق نساء كاسيات عاريات لنجلب الزبائن هذا أيضاً حرام. ((إن التجار يبعثون يوم القيامة فجارا ، إلا من اتقى اللَّه وبر وصدق)) مرة خرج عليه الصلاة والسلام إلى التجار، قال: وكنا تجاراً، وكان يقول عليه الصلاة والسلام: ((يا معشر التجار إياكم والكذب)) [ الطبراني عن واثلة] فالكذب يهدي إلى الفجور والفجور يهدي إلى النار. اليمين الكاذبة منفقة للسلعة ممحقة للبركة : ويقول عليه الصلاة والسلام: (( ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، قَالَ : فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثَ مِرَارًا، قَالَ أَبُو ذَرٍّ : خَابُوا وَخَسِرُوا، مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ : الْمُسْبِلُ، وَالْمَنَّانُ، وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ )) [أخرجه مسلم، وأبو داود، والترمذي عن أبي ذر] الذي لا ينظر الله إليه يوم القيامة وله عذاب أليم هو الذي ينفق سلعته بالحلف الكاذب: (( الْحَلِفُ مُنَفِّقَةٌ لِلسِّلْعَةِ مُمْحِقَةٌ لِلْبَرَكَةِ )) [ البخاري عن أبي هريرة] اليمين الكاذبة منفقة للسلعة ممحقة للبركة. وعن أبي سعيد قال: ((مر أعرابي بشاة فقلت : تبيعنيها بثلاثة دراهم؟ قال : لا والله ثم باعنيها فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : باع آخرته بدنياه )) [ ابن حبان عن أبي سعيد الخدري] يحلف يميناً معظّمة أن رأسمالها أغلى، والحقيقة رأسمالها أقل، يقول لك: والله خسرانة، هو يطمع أن يربح بها مئة بالمئة فربح بها سبعين بالمئة، يقول لك: خسران، هو يكون قد خسر ثلاثين بالمئة، هكذا يقولها، فالكذب بالتجارة خطير جداً. طبعاً الغش يخرج الغاش من ملة الإسلام لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنَّا )) [ الترمذي عن أبي هريرة] والتطفيف بالكيل والوزن لقوله تعالى: ﴿ويل للمطففين﴾ [سورة المطففين: الآية 1] إذا كال القماش للبيع يشده، وإذا كاله ليشتريه يرخيه، فيتدلى القماش عن المتر مشكلاً قوساً لأنه الآن يشتري، أما إذا كان يبيع فيشده، يصبح الفرق ثلاثة سنتيمترات، فبين الله تعالى عقوبة ذلك بقوله: ﴿ويل للمطففين* الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون* وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون﴾ [سورة المطففين: الآية 1-2-3] الاحتكار:((الْمُحْتَكِرُ مَلْعُونٌ )) [الدارمي عن عمر بن الخطاب ] الربا: (( دِرْهَمٌ رِبًا يَأْكُلُهُ الرَّجُلُ وَهُوَ يَعْلَمُ أَشَدُّ مِنْ سِتَّةٍ وَثَلاثِينَ زَنْيَةً )) [ مسند أحمد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْظَلَةَ ] رواه الإمام أحمد ورجاله رجال موثقون. الاشتغال بالوظائف : بيقي الموضوع الأخير هو الاشتغال بالوظائف. قال: للمسلم أن يكسب رزقه عن طريق الوظيفة سواء أكانت هذه الوظيفة تابعة لأولي الأمر، أم لهيئة، أم لشخص، كلها وظيفة، لكن الشرط مادام قادراً على أداء واجبات هذه الوظيفة، متحملاً لتبعاتها، ولا يجوز للمسلم أن يرشح نفسه لمناصب القضاء والحكم إلا بشرط سأذكره بعد قليل، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((وَيْلٌ لِلْأُمَرَاءِ، وَيْلٌ لِلْعُرَفَاءِ، وَيْلٌ لِلْأُمَنَاءِ، لَيَتَمَنَّيَنَّ أَقْوَامٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَّ ذَوَائِبَهُمْ مُعَلَّقَةٌ بِالثُّرَيَّا يُدْلَوْنَ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَأَنَّهُمْ لَمْ يَلُوا عَمَلًا)) [ ابن حبان عن عائشة] إذا شغلت وظيفة وأهملت واجبك الوظيفي و أناس تضرروا فأنت مسؤول، إذا شغلت عملاً وقصّرت، أهملت، ظلمت، سيبت، حابيت، تعاملت تعاملاً غير أخلاقي، أعطيت لأسباب غير موضوعية، فهذا الإنسان قال: يتمنى يوم القيامة أن ذؤابته معلقة بالثريا وأنه مدلى بين السماء والأرض وأنه لم يحصل على عمل كهذا في الدنيا. وسيدنا أبو ذر كما تعلمون قال: يا رسول الله ألا تستعملني؟- أي توظفني- فقال عليه الصلاة والسلام: (( يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنَّكَ ضَعِيفٌ، وَإِنَّهَا أَمَانَةُ، وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ إِلَّا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا، وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا )) [ مسلم عن أبي ذر] من وجّه كل همه إلى مظاهر الأرض حرم توفيق السماء : وقال عليه الصلاة والسلام: ((القضاة ثلاثة اثنان في النار وواحد في الجنة؛ رجل علم الحق فقضى به فهو في الجنة، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار، ورجل جار في الحكم فهو في النار)) [ أبو داود و ابن ماجه عن بريدة] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4934/06.jpg أحدهم علق بأنه الآن قاضٍ في النار وقاضيان في جهنم، أي الأكثرية انحرفوا، لكن القضاء شيء خطير جداً، قاضٍ في الجنة وقاضيان في النار، الذي في الجنة عرف الحق فقضى به، وأما اللذان في النار فأحدهم عرف الحق فقضى بخلافه، والثاني ما عرف الحق فقضى بجهله، كلاهما في النار. قال بعضهم: من اتخذ المنصب رباً اتخذه المنصب عبداً، ومن وجه كل همه إلى مظاهر الأرض حرم توفيق السماء. أيضاً سيدنا عبد الرحمن بن سُمرة قال له النبي صلى الله عليه وسلم: ((يا عبد الرحمن بن سمرة، لا تسأل الإمارة، فإنك إن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها، وإن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها)) [ البخاري عن عبد الرحمن بن سمرة] عندما يطلبها الإنسان بإلحاح معنى ذلك أنه يبتغي مكاسب غير مشروعة منها، أما إذا كلف بها و أجبر عليها فيعان عليها. وعن أنس رضي الله عنه قال:((من ابتغى القضاء وسأل فيه الشفعاء وكل إلى نفسه ومن أكره عليه أنزل الله عليه ملكاً يسدده )) [ الترمذي عن أنس] يوجد قاض في عهد المنصور، معروف في المدينة أنه يحب الرطب في بواكيره، طرق بابه ذات يوم، قدم له طبق رطب، فسأل الغلام: من جاء به؟ قال: رجل، قال: صفه لي، قال: كيت وكيت. فعرف أنه أحد المتخاصمين، فقال: رده، أعطه إياه، بعد أيام عدة طلب مقابلة الخليفة، طلب منه إعفاءه من القضاء، قال له: لماذا؟ أنت من خيرة القضاة؟ فذكر له طبق الرطب الذي رده، قال له: والله في اليوم التالي وقف المتخاصمان أمامي تمنيت أن يكون الحق مع الذي قدم طبق الرطب مع أني لم آخذه فكيف لو أخذته؟ إذاً:((من ابتغى القضاء وسأل فيه الشفعاء وكل إلى نفسه ومن أكره عليه أنزل الله عليه ملكاً يسدده )) [ الترمذي عن أنس] يوجد حالة خاصة: الإنسان إذا علم أن هذا المنصب ليس هناك من يشغله بحقه، والمؤمن واثق أنه إذا تسلمه ينفع المسلمين، قال: يجوز أن يطلبه كما فعل سيدنا يوسف في قوله تعالى: ﴿ قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ﴾ [سورة يوسف: الآية 55] ممكن إذا كان المنصب حساساً، وأنت نزيه، وعندك علم، وواثق من نفسك، ولم يتقدم أحد، والمسلمون معطلة مصالحهم، لك أن تطلب هذا المنصب لخدمة المسلمين. الوظائف المحرمة : قال: ما الوظائف المحرمة؟ قال: أية وظيفة إذا أوقعت بالمسلمين ضرراً، مثلاً بالأرض المحتلة إذا تعاون أحدهم مع اليهود ليضر المسلمين هذه وظيفة محرمة. في عهود الاستعمار إذا انضم أحدهم للجيش الفرنسي المستعمر مثلاً، هذا الجيش لماذا هو هنا؟ من أجل أن يؤذي المسلمين، ويسلب خيراتهم، وأموالهم، ويقمع حريتهم، فأية وظيفة في سلك يوقع الأذى بالمسلمين هذه الوظيفة محرمة، أية وظيفة في سلك يوقع الأذى بالمسلمين الانضمام إلى هذه الوظيفة محرم. بل إن ذهب أحدهم إلى أمريكا, وهو ذكي جداً، أغراه معمل أسلحة براتب ضخم، وجنسية، إلى آخره، هذا المعمل يصنع أسلحة من أجل إيذاء المسلمين في العالم، يقول: راتب ضخم، وفيلا، إلى أين تسير أنت؟ هذا المعمل يصنع الأسلحة لقتل المسلمين في العالم، إذاً محرمة. فأية وظيفة في سلك يوقع الأذى بالمسلمين، أو في معمل سلاح موجه إلى صدور المسلمين، هذه وظيفة محرمة. إذا سافر أحدنا إلى بلاد الغرب، يوجد مغريات كثيرة جداً، إذا ثبت لك أن عملك في بلاد الغرب مهمته إيقاع الأذى بالمسلمين، بعض الأحيان يوجد أشخاص معهم شهادات عليا في الكيمياء والفيزياء يوظفون في معامل تصنع السلاح الكيماوي، هذا طبعاً شيء محرم. أية وظيفة في سلك مهمة هذا السلك إيقاع الأذى بالمسلمين في أي مكان في العالم طبعاً محرمة. الآن وظيفة من شأنها الإعانة على ظلم حرام، وأية وظيفة تعين على حرام فهي حرام، إنسان توظف في مؤسسة ربوية فإذا كنت فيها فعملك يعين على هذا الحرام، أو مؤسسة قمعية فعملك يعين على الحرام، في محل خمور، في نواد ليلية، في مراقص، في بارات، فأي عمل فيه معصية الوظيفة فيه محرمة، أقول: الله الغني. وظيفة مشروعة دخلها واحد بالعشرة من دخل هذه الوظيفة خير لك. لذلك أية وظيفة تعين على الحرام فهي حرام، أية وظيفة تعين على الإثم والظلم فهي حرام، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام قال: (( لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه، وقال هم سواء)) [مسلم عن جابر] ((لَعَنَ اللهُ الْخَمْرَ، وَسَاقِيَهَا، وَعَاصِرَهَا، وَمُعْتَصِرَهَا، وَحَامِلَهَا، وَالْمَحْمُولَةَ إِلَيْهِ، وَبَائِعَهَا، وَمُبْتَاعَهَا، وَآكِلَ ثَمَنِهَا)) [ الطبراني عن عبد الله بن عمر] الابتعاد عن المهن التي تضعف اتصال الإنسان بالله عز وجل : يوجد إشارة لطيفة بأنه يوجد مهن ترقق الدين، مثلاً محلات بيع للنساء، تريد كريم يتناسب مع لون بشرتها، تنظر إلى وجهها لترى ما يناسبها، تقول لك: يناسبني هذا مثلاً، هذه مشكلة، عملك مع نساء وزينة النساء إنها مشكلة. يوجد مهن متعلقة بالنساء فقط، والآن النساء غير منضبطات، لا يوجد حياء إطلاقاً، لا يوجد خجل، لا يوجد روادع، من علامات آخر الزمان ترفع النخوة من رؤوس الرجال، ويذهب الحياء من وجوه النساء، وتنزع الرحمة من قلوب الأمراء. إذا لم يكن هناك حياء، ولا خجل، يوجد وقاحة، وتفلت، وتكشف، وتبذل من النساء، فالمهن المتعلقة بالنساء فقط ترقق الدين، أذن الظهر قم إلى الصلاة، صعب، تجد نفسك محجوباً، إذا وجد الاختلاط، والنظر، والتعليقات، والترحيب الزائد أين بقي الدين؟ فإن كانت الوظائف بمكان يرقق الدين فستضعف اتصال الإنسان بالله عز و جل. فلو فرضنا محلاً بأرقى متاجر دمشق، كلف ديكوره عشرون مليوناً، و قارن بينه و بين متجر في زقاق الجن مع الشحم والزيت، الثاني أشرف و أنظف لعدم وجود المعصية، يوجد إتقان في العمل، ولو كان متجراً فخماً جداً ومكيفاً، لكن كل الزبائن نساء متبذلات، كاسيات، عاريات، وقحات، وأنت يجب أن تعاملهم وتقنعهم بالشراء، وتنظر إليهم، وتؤانسهم، إنها ترقق الدين كثيراً، لذلك النبي الكريم قال: ((نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات)) [ مسلم عن أبي هريرة] ويقول عليه الصلاة والسلام: (( دع ما يَريبك إلى ما لا يريبك )) [الترمذي عن الحسن بن علي] ويقول عليه الصلاة والسلام: ((لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع مالا بأس به حذراً مما به بأس)) [رواه الترمذي عن عطية بن عروة السعدي ] قاعدة ثابتة في كسب المال : أخواننا الكرام: كقاعدة أخيرة وثابتة في كسب المال، الكسب الحلال هو الذي تكون فيه منافع متبادلة، أي كسب يبنى على إفقار الآخرين، أو على إضرار الآخرين، هو كسب حرام، إذا لم يكن هناك منافع متبادلة لا يوجد معارضة، اليانصيب وجهه من هنا، كل كسب يبنى على إفقار الآخرين كسب حرام، الدليل قوله تعالى: ﴿ لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [سورة النساء: الآية 29] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4934/07.jpg هذا أول شرط ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ قال: عندما تبني ثروتك على إفقار الآخرين كأنك قتلتهم، المال قوام الحياة فلا بد من التراضي أولاً، ولا بد من أن يكون هذا الكسب فيه منفعة مشتركة. أنت اشتريت حاجة، أنت بحاجة إلى قميص دفعت ثمنه وأخذته، فصاحب القميص عمل وقدم سلعة وربح، وأنت ارتديت قميصاً في الصيف، هذه منفعة مشتركة. فأي منفعة مشتركة متبادلة في عوض هذا كسب مشروع. أما أخذت من كل شخص خمس ليرات، وأعطيت ربعهم لشخص في اليانصيب، والباقي لم يأخذوا شيئاً، فالذي أخذ وأنت الذي ربحت أنتما الاثنان منتفعان أما البقية فلم ينتفعوا بشيء، فأي كسب يبنى على إيقاع الضرر بالآخرين، أو على إفقارهم، أو على حرمانهم من أي شيء، هذا كسب غير مشروع، أما الكسب المشروع فهو الكسب الذي يحقق منفعة متبادلة: ﴿إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم﴾ [سورة النساء: الآية 29] الدخل الذي يبنى على إفقار الآخرين دخل حرام : إذا أنت أفقرت أخاك، دقق الآن لم يقل: ولا تقتلوا أخوانكم أو المسلمين، قال: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ إذا أفقرت أخاك و صار أخوك مجرماً لن تنام الليل، اسأل ضباط الأمن الجنائي يقولون: كلما جاءت ضائقة مالية ترتفع نسب الجرائم. إذا أفقرت أخاك المسلم تحوله إلى مجرم، إذا لم يتواجد الإيمان، أولاده جائعون، تتصاعد نسب الجرائم، و الاختلاسات، والسرقات حينما تقل الدخول، فكل دخل يبنى على حرمان الآخرين دخل حرام، لماذا الربا حرام؟ لأن المال يلد المال، والربا يجمع الأموال كلها بأيد قليلة، ويحرم منها الكثرة الكثيرة، فالدخل الذي يبنى على إفقار الآخرين هذا دخل حرام، هذا المبدأ الأساسي، قال تعالى: ﴿إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم﴾ [سورة النساء: الآية 29] إذا أنت حرمت أخاك المال قتلته، وإذا قتلته سوف يقتلك، هذه قاعدة: إذا حرمته المال قتلته وإذا قتلته سوف تحوله إلى مجرم. لذلك في أوربة معمل نسيج مثلاً لكل نول يوجد عامل، جاء الآن الكمبيوتر والكاميرا والمراقبة التلفزيونية، أصبح لكل مئة نول عامل واحد، فارتفعت بذلك نسب الجرائم، وكثرت البطالة، فوجدت الضرائب الأمنية، لكيلا يسرق المعمل يدفع ضريبة كبيرة جداً، لم يستفد شيئاً، عندما حلت الآلة محل الإنسان، الإنسان أصبح بلا عمل، أصبح عبئاً على الأمة والمجتمع. فإذا أفقرت أخاك أي أنك قتلته، وإذا قتلته قتلت نفسك. العنف لا يلد إلا العنف. والآية دقيقة جداً، علاقتها:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [سورة النساء: الآية 29] إذا أخذت مال أخيك أفقرته، بقي بلا شيء، حولته إلى مجرم، وأقلقك، وهدد أمنك:﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً (29) ﴾ [سورة النساء: الآية 29] أيها الأخوة: إن شاء الله تعالى في الدرس القادم ننتقل إلى موضوع الحلال والحرام في الزواج وحياة الأسرة، أنهينا موضوع الأعمال الزراعة والصناعة والتجارة والوظائف. |
رد: العبادات التعاملية
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية الدرس : ( السادس و العشرون ) الموضوع : امر الزواج و العلاقات الاسرية الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون الذكر فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. حياة الإنسان مبنية على أساس الابتلاء : أيها الأخوة الكرام، مع الدرس العاشر من سلسلة دروس: "الحلال والحرام في الإسلام" http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4936/01.jpg وقد وصلنا في الدرس الماضي إلى الحلال والحرام في أمر الزواج والعلاقات الأسرية. أيها الأخوة، بادئ ذي بدء: طبيعة الحياة الدنيا بأكملها طبيعة أساسها الابتلاء، وكل ما ركب في الإنسان حيادي في الأصل، يمكن أن يوجه توجيهاً صحيحاً أو توجيهاً خاطئاً، لذلك أراد ربنا سبحانه وتعالى حينما خلقنا أن نعمر الأرض، لذلك نحن جميعاً مقهورون، بمعنى أن دافع الجوع الذي أودعه الله فينا من أجل أن يبقى أفرادنا، دافع الجوع يحقق بقاء الفرد، والدافع الجنسي يحقق بقاء النوع. نحن شئنا أم أبينا، لابد من أن نأكل حتى نبقى أحياء، ولابد من أن نتزاوج حتى يبقى النوع البشري، فهذا الدافع يدفعنا إلى الزواج، دافع الجوع يدفعنا إلى تناول الطعام من أجل أن نبقى، ودافع الغريزة يدفعنا إلى الزواج من أجل أن يبقى النوع. لكن كما قلت قبل قليل: الحياة الدنيا بأكملها، بكل مظاهرها، بل إن حياة الإنسان بالذات مبنية على أساس الابتلاء. اتجاهات العالم الغربي في موضوع الشهوات : الدافع الجنسي يمكن أن يكبت، وليس هذا من الدين، ويمكن أن يطلق، وليس هذا من الدين، هناك اتجاهات في العالم الغربي إلى إطلاق هذا الدافع من غير قيد أو شرط، أيّ علاقة حققت اللذة فهي مباحة عندهم، زنا، شذوذ، زنا محارم، تبادل زوجات، أي علاقة تحقق اللذة مشروعة في العالم الغربي، فهي مباحة عندهم، والآن يدفعون الثمن في أعلى درجات الغرامات، يكفي أن مرض الإيدز منتشر في العالم برقم فلكي، سبعة عشر مليون إنسان مصاب بهذا المرض، وهذا المرض الآن يتكاثر، وعندنا سلسلة حسابية وسلسة هندسية، والآن اخترعوا سلسلة انفجارية، كل نصف ساعة يموت إنسان بهذا المرض، وسببه إطلاق الشهوة، وبعض المذاهب الأخرى في آسيا كبتت الغريزة الجنسية كلياً، شيء قذر، ليس هذا من الدين، إذا كبتت هذه الغريزة تعطل هذا الهدف النبيل منها، وإذا أطلقت تفلتتْ. الإسلام وسط بين طرفين : أيها الأخوة، الإسلام وسطي، وقالوا: الفضيلة وسط بين طرفين، لو ذهبنا هذا المذهب لوجدنا أن كل الفضائل تقع في منطقة متوسطة بين طرفي رذيلة، يمكن أن يكون الإسلام في مجمله وسطاً، لقوله تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ﴾ [سورة البقرة: 143] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4936/02.jpg والآن أيها الأخوة، الذي يلفت النظر أن العالم انقسم إلى شرق وغرب، إلى شرق يؤمن بالمجموع، وإلى غرب يؤمن بالفرد، إلى شرق يؤمن بالمجموع ولو سحق الفرد، وإلى غرب يؤمن بالفرد ولو سحق المجموع، ما الذي حصل؟ الشرق عاد عن تطرفه إلى الوسطية مقهوراً لا عن إيمان، والغرب عاد عن تطرفه مقهوراً إلى الوسط، لذلك أشار ربنا سبحانه وتعالى إلى أن هذا الدين يكون هو الدين الذي يظهره الله عز وجل على الدين كله، بسبب أنه وسطي، فالرهبانية التي ابتدعها غير المسلمين ] مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ [، ولأننا ما كتبناها عليهم ]فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا [، لذلك تجد انحرافات لا حصر لها فيمن نذروا أن يدعوا هذه الغريزة بدافع ديني فيما يدعون، الانحرافات الجنسية تتفاقم في أوساطهم. فلذلك لا أحد يتحرك حركة مخالفة لمنهج الله في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم نذروا أن يدعوا الطعام، وبعضهم يدع الزواج، فلم علم النبي قال: (( أنا أشدكم لله خشية، أنا أنام وأقوم، أصوم وأفطر، أكل اللحم، وأتزوج النساء، هذه سنتي، فمن رغب عنها فليس من أمتي)) [ البخاري عن عائشة ] المنهج الذي جاء به النبي من عند الله يؤهل الإنسان ليصل إلى أعلى مرتبة : أريد أن أقول: يمكن أن تصل إلى أعلى مراتب الإيمان وأنت في الوسطية، الطرق التي تقول: لابد من خلع الدنيا كلياً، لابد من ترك الزواج، لابد من ترك العمل، لابد من التجرد، لابد من الزهد، الزهد الغير معقول، هذا تطرف وغلو في الدين، يمكن أن تتزوج، وأن تعمل، وأن تتوازن، وأن تأكل، وأن تشرب، وأن تلبس، وأن تكون إنساناً طبيعيًّاً، وأنت في أعلى درجات الإيمان، هذا المنهج الذي جاء به النبي يؤهلك إلى أعلى مرتبة عند الله، فلا تبحث عن منهج آخر، لا تبحث عن بديل غير واقعي، لا تبحث عن بديل فيه تطرف، لا تبحث عن بديل فيه غلو، ولا يستطيع إنسان كائناً من كان على وجه الأرض أن يضيف على الدين شيئاً أو أن يحذف منه شيئاً. فلذلك الفرق الإسلامية والطرق التي ابتدعت، هذه على العين والرأس إذا غطيت بالقرآن والسنة، أما إذا كان فيها توجيهات ليست مغطاة بالقرآن والسنة فلا نأخذ بها، قال تعالى: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً ﴾ [سورة المائدة:4] لا مرتبة في الدين بترك العمل : لا تعتقد أن هناك مرتبة تنالها بتجاوز الكتاب والسنة، ليس هناك مرتبة تنالها بترك الزواج، ليس هناك مرتبة بالدين تنالها بترك العمل، تكون عالة على غيرك، لا، سيدنا النبي كان راعياً للغنم، وعمل تاجراً، تجارة داخلية وتجارة خارجية، وكان أول شريك مضارب في الإسلام، أخذ المال من خديجة، وتاجر به، لها نصف الربح نظير مالها، وله نصف الربح نظير جهده، علمنا النبي، نحن نريد عودة إلى ينابيع الدين، كيف هؤلاء المسلمون فتحوا العالم؟ فتحوه لأنهم جلساء متكئون؟ لا والله! زاهدون مهمشون في الحياة؟ خرجوا من الحياة؟ لو فعلوا هذا ما فتحوا العالم. سيدنا عمر دخل إلى بلدة فرأى معظم من يعمل فيها ليسوا من المسلمين، التجارة والصناعة بغير يد المسلمين فعنفهم أشد التعنيف، وقال لهم -ودققوا في قوله-: كيف بكم إذا أصبحتم عبيداً عندهم؟ سيدنا عمر هذا الصحابي الجليل، العملاق من عمالقة الإسلام رأى أن في الحياة منتجاً ومستهلكاً، وأن المنتج هو السيد، وأن المستهلك هو المسود، أن المنتج هو الغني، وأن المستهلك هو الفقير، المنتج هو القوي، والمستهلك هو الضعيف، ولا يريدنا أهل الغرب إلا مستهلكين، لا يريدون إلا أن نكون سوقاً رائجة لمنتجاتهم. لذلك المؤمن يبحث في مشروع ينفع المسلمين، يرفع من معيشتهم، يحل مشكلاتهم، هذا إنسان في أعلى درجات العبادة، ديننا منهج كامل، لا يوجد تطرف، لا يوجد انسحاب من الحياة، ولا تقوقع، ولا هروب، هذا مجتمع مسلم، يجب أن ننهض جميعاً في خدمة وتربية أبنائنا، لتأمين فرص عمل ولحل مشكلات. الإسلام نهى عن التبتل واعتزال النساء وأمر بتيسير الزواج : لذلك الإسلام وسطي لم يكبح هذه الغريزة التي أودعها الله فينا، شيء الله خلقه فينا، زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين، هذا ليس خطأ منا، إنما هو مركب في أصل فطرتنا، فلم يكبح هذه الغريزة كما فعلت الرهبانية، ولم يطلقها كما أطلقتها العلمانية، الرهبانية تطرفت بكبح هذه الغريزة، والعلمانية تطرفت بإطلاق هذه الغريزة، الإسلام وسطي، هذه الغريزة التي أودعها الله فينا رسم لها قنوات نظيفة. في الإسلام هناك زوجة فقط، العلاقة التي تروى بها هذه الغريزة لا يمكن أن تكون إلا عن طريق الزواج. لذلك أريد أيها الأخوة أن أشير إلى ناحية، لو أن الرجل زنا كل يوم بامرأة سراً لا شيء عليه، أما إذا تزوج امرأة أخرى لضرورة قاهرة تقام عليه الدنيا، هذا خلاف المنهج الإلهي، امرأة لا تنجب، امرأة مريضة، امرأة لا تكفي زوجها، هل نسمح للزوج أن يذهب يمنة ويسرة لكي لا تخدش مكانته الاجتماعية أم نسمح له بتنفيذ شرع الله عز وجل؟ هل يعقل أن يبقى في كل بيت ست أو سبع بنات في سن الزواج لا خاطب ولا من يطرق الباب وإنسان يعاني ما يعاني من مشكلة الزواج؟ زوجته العقيم أو المريضة أو... فيجب أن نطبق الإسلام كما أراده الله عز وجل، لا كما يعجبنا، يعجبنا منه ما يعجبنا، ونرفض منه ما نرفض. الموضوع الأولي أن هذه الغريزة لن تكبح كما فعلت الرهبانية، ولن تطلق كما فعلت العلمانية، ولكن رسمت لها قنوات نظيفة تروى من خلالها. الإسلام نهى عن التبتل، ونهى عن اعتزال النساء، وأمر بتيسير الزواج، كيف يرضى الله عنا ونحن نعطل كلامه؟، ألم يقل الله عز وجل: ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكِمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ [سورة النور: 32] الأمر لمن موجه؟ لمجموع المسلمين، أو لأولي الأمر، أو لأولياء الأمور، أو لأولياء الفتيات والفتيان، أنكحوا، أي زوجوا، خففوا القيود، أزيلوا العقبات، فهذا إنسان أودع الله فيه هذه الغريزة، ولم يتمكن من الزواج إلى سن الأربعين، ماذا يفعل في نفسه من العشرين حتى الأربعين؟ التساهل مع الخاطب وسيلة للقضاء على المتع الرخيصة : أخواننا الكرام، أقول: إذا لم نتحرك جميعاً، ونذلل العقبات، ونيسر السبل، إذا لم نتساهل مع الخاطبين، إذا لم نقبل بشروط دون طموحاتنا، يحل السفاح مكان النكاح، وتكثر دور الدعارة، وتكثر وسائل المتعة الرخيصة. هناك نقطة دقيقة أحب أن تكون بين أيديكم، شاب من يومين ذكر لي مشكلته يسكن في بيت، والبيت فيه صحن هوائي، ذكر لي أشياء أكاد لا أصدقها، شاب في ريعان الشباب، والده يرى هذه المناظر التي لا يعقل أن تكون في بيت إسلامي، خمس عشرة محطة تركية تبث برامج يستحي الإنسان أن يراها بمفرده، فكيف أمام زوجته وأولاده؟ هكذا بيوت المسلمين الآن، تعرف البيوت من الأسطحة، كم شمسية في هذه البيوت على الأسطحة؟! القضية خطيرة، يلعب أحدنا بالنار، ويلعب بقنابل في أيّ لحظة تتفجر. الذي أرجوه من الله عز وجل أن نتحرك، وأن تسعى بتزويج شاب بفتاة، إذا عندك فتاة في سن الزواج، لا تعرقل زواجها، لا تضع العراقيل أمامها، لا تضع المستحيلات، ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكِمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ الحكمة من الأوامر القرآنية بغض البصر وعدم إظهار الزينة : الحقيقة هناك سؤال: لماذا هذه الأوامر القرآنية بغض البصر وعدم إظهار الزينة؟ قال تعالى: ﴿ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (32) ﴾ [سورة الأحزاب: 32] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4936/03.jpg ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ﴾ [سورة الأحزاب: 53] ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللهَ خَبِيرُ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [سورة النور:30] هذه الأمور موجودة في القرآن، ليست حديثاً ضعيفًا، ولا تعليق صحابي، ولا رأي عالم، إنها آيات محكمة في كتاب الله واضحة كالشمس، ] قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ[، لأن هذا القرآن من عند الخبير الذي خلقنا، والذي أودع فينا هذه الغريزة، والذي صممها لتكون حيادية، إما أن ترقى بها إلى الجنة، بهذه الغريزة بالذات، وإما أن تكون دركات إلى النار، درجات إلى الجنة أو دركات إلى النار، الغريزة نفسها كحب النساء. تصور إنساناً روى هذه الغريزة وفق منهج الله، خطب فتاة مسلمة من أسرة مسلمة، من أسرة مؤمنة، إسلامي، فيه ورع، فيه علم، فيه حياء، فيه أدب، فيه حجاب، فيه صون، وأنجب منها أولاداً، ورباهم تربية إسلامية، سعد بها، وسعد بأولاده، وسعد ببناته وأصهاره، هذا التصميم الإلهي. وتصور إنسانًا من ملهى إلى ملهى، من مرقص إلى مرقص، يروي هذه الغريزة من دار إلى دار، هنا تروى، وهنا تروى. العقل أداة معرفة الله : قلت قبل قليل في أول الدرس: إن كل شيء خلق في الإنسان مصمم بشكل حيادي، إما أن ترقى به، وإما أن تهوي به، فالعقل أداة معرفة الله، يمكن أن تصل من خلاله إلى الله، ويمكن أن تصل من خلاله إلى أكبر عمل إجرامي، العقل نفسه، الشهوة نفسها، يمكن أن تغدو هذه الشهوة معراجاً لك إلى الله، والشهوة نفسها دركات إلى النار، حب العلو في الأرض، يمكن أن تهب حياتك للحق، فيرفع الله لك ذكرك، فتعلو في الأرض عن غير قصد منك، ويمكن أن تجعل علوك في الأرض أحد أهدافك الكبرى، فترقى عن طريق إتلاف الآخرين، وسحقهم، وأخذ أموالهم، واغتصاب حقوقهم. حاجة الحياة إلى علم حقيقي : أيها الأخوة الكرام، الحياة تحتاج إلى علم حقيقي، علم عميق، يجب أن تعرف من أنت؟ لماذا ركبت فيك هذه الشهوات؟ ماذا ينبغي أن تفعل؟ لأن الشيء الخطير أنه يمكن لإنسان أن يفقد دينه بامرأة، لأن المعاصي دليل الكفر، أو أن يفقد اتصاله بالله بخروجه عن منهج الله، أو أن يفقد سعادته كلها بشهوة منحرفة، فلا تعجب إذا رأيت في القرآن الكريم آيات كثيرة تنظم علاقة المرأة بالرجل، ولا تعجب أن الذين سلموا من العطب هم الذين طبقوا منهج الله عز وجل، لا تعجب، ولا تعجب أن البيوت التي انهارت بسبب مخالفة لمنهج الله. كلّ المشكلات والمصائب بسبب الخروج عن منهج الله : هناك نقطة أحبّ أن أذكرها بشكل واضح، بحكم عمل الدعاة تأتيهم مشكلات، تعرض عليهم قضايا الإنسان، من تقاطع هذه المعلومات يتضح أن كل مشكلاتنا بسبب خروجنا عن منهج الله، والإنسان أحياناً بكل بساطة يسافر إلى بلد آخر، ويترك زوجته في البيت مع أخويه الشابين، الذي حدث أنه اعتدى أحدهما على امرأة أخيه، وكانا في خلوة، زوجة بمفردها في البيت ومعها شابان في ريعان الشباب، والزوج غائب في بلد آخر، هذا هل يعرف منهج الله عز وجل؟ هذه الخلوة سببت الزنا، لو كان لديه وقت ونفَس طويل يتتبع كل مشكلة يجد أول خيط المشكلة من مخالفة منهج الله. الأمثلة كثيرة جداً، عندما ترى أمراً ونهياً يجب أن تعلم علم اليقين أن هذا النهي يؤكده ألف قصة، ألف قصة وقعت، ودمرت الأسرة بسبب التساهل في هذا النهي. من ثمرات إطلاق عنان الشهوة المحرمة : 1 ـ اختلاط الأنساب : لو أن هذه الشهوة التي أودعها الله في هذا الإنسان أطلق عنانها بلا قيد، بلا ردع، بلا قيمة، بلا منهج، بلا مبدأ، ما الذي يحصل؟ في المجتمعات الغربية احتمال كبير أن تكون زوجته أخته، وهو لا يدري. خطب شاب فتاة، واستشار والده، قال له: لا يا بني، إنها أختك، وأمك لا تدري، فخطب فتاة ثانية، قال له: لا يا بني، إنها أختك، وأمك لا تدري، خطب الثالثة، قال له: إنها أختك، وأمك لا تدري، اشتكى لأمه، قالت له: خذ ما شئت، إنك لست ابنه، وهو لا يدري. هذه أول ثمرة من ثمار إطلاق هذه الشهوة بلا قيد، في بلادنا - والحمد لله -الأسرة فلان زوجته وأولاده، الأمور واضحة وضوحاً تاماً وشديداً بسبب بقية الدين الذي عندنا . صدقوني أيها الأخوة، خبير من دولة أجنبية يقيم حفلاً بمناسبة أنه رزق بمولود، وبقي في الشام سنتين متتاليتين، وزوجته في هولندا، كيف أنجبت هذا المولود؟ ليس شرطًا أن يكون منه، ولكن جاءه مولود، شيء طبيعي عندهم، فأول جريمة من التفلت اختلاط الأنساب. 2 ـ الجناية على النسل : ثم الجناية على النسل، هذا الذي ينجبه الإنسان مشكوك بنسبه إنسان ضائع. أنا لي صديق أخذ شهادة طب من أمريكا، يرسل إلى والده رسالة يقول له: عندي مناوبة في مستشفى شيكاغو خمس عشرة حالة تأتينا لأطفال صغار رضع، يأتون إلى المستشفى، إسعاف، لأنهم تلقوا ضربات بآلات حادة من والديهم، عندما يتبع الإنسان الجنس بشكل أرعن يصبح وحشاً. وهناك تفسير آخر، هم يعتقدون أن هؤلاء ليس منهم من غيرهم، لذلك جنوا اختلاط الأنساب والجناية على النسل وانحلال الأسرة. 3 ـ انحلال الأسرة : مرة قلت لكم: هناك إحصاء، ستة وثلاثون بالمئة من الزيجات تنتهي إلى الطلاق في ألمانيا، وأربعة وستون بالمئة من الزيجات تنتهي إلى الطلاق في أمريكا، واثنان من ألف في سوريا تنتهي إلى الطلاق. مرة القاضي الشرعي الأول قال لي: نسب الطلاق اثنان من ألف، هذا من آثار الدين، لأن الزوجة ليس لها تجربة سابقة، والزوج كذلك، ويوجد طاعة لله، كذلك يوجد استقرار في الحياة الزوجية، وتفكك الروابط وانتشار الأمراض، الأمراض التي تظهر النبي الكريم له حديث أعدّه من دلائل النبوة قال: (( وما فعل قوم الفاحشة حتى يعلنوا بها إلا ابتلاهم الله بالأمراض التي لم تكن في أسلافهم)) [ ابن ماجه عن ابن عمر ] الآن هناك مرض اسمه آكلة لحوم البشر، هذا أسرع من الإيدز، ينتهي الإنسان في أربع وعشرين ساعة، والأسباب انحراف جنسي، وهناك مرض الآن في إفريقيا جديد أيضاً مخيف، ومرض في اليابان، والأول في إنكلترا غير الإيدز، فلذلك الأمراض تستشري، وتنهار الأخلاق، وتظهر الشهوات، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً ﴾ [سورة الإسراء: 32] لكن كلام خالق الكون كلام دقيق، قال تعالى: ] وَلاَ تَقْرَبُوا [، لم يقل: لا تزنوا، لأن الزنا لا يكون مباشرة، هناك تمهيدات، استثارت، قراءات، مشاهدة أفلام معينة، أصدقاء، خلوة، إطلاق بصر، هذه كلها أسباب الزنا. الحرام في علاقة المرأة بالرجل : الآن دخلنا في الدرس الحرام في علاقة المرأة بالرجل. 1 ـ الخلوة بالأجنبية : البند الأول الخلوة بالأجنبية، النبي لم يقل: ما خلا فاسق بفاسقة، ولم يقل: ما خلا مؤمن بمؤمنة، قال: ((أَلَا لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ)) [ سنن الترمذي عن ابن عمر] أيّ رجل مع أي امرأة. عند الخلوة تجتمع خواطر. حكم الخلوة بالأجنبية : الحكم الشرعي: الإسلام حرم الخلوة بالمرأة الأجنبية، من هي المرأة الأجنبية؟ هي التي لا تكون زوجة له، ولا إحدى قريباته التي يحرم عليه الزواج منها حرمة مؤبدة، إذا خلا رجل بامرأة لها زوج، حينما تطلق تصبح حلالاً له، ويتزوجها، إذًا هي أجنبية لا يحق له أن يخلو بها مع أنها أجنبية ومحرمة عليه، لأنها متزوجة، ولكن هذه الحرمة ليست أبدية، بل حرمة مؤقتة لهذا الزواج. من هي المرأة الأجنبية و كيف تعامل ؟ التعريف الدقيق: الخلوة بالمرأة الأجنبية التي لا تكون زوجته، ولا إحدى قريباته التي يحرم عليه زواجه منها حرمة مؤبدة، كالأم والأخت والعمة والخالة، يمكن أن تخلو مع أمك، وأختك، وعمتك، وخالتك، وابنة أخيك، وابنة أختك فقط، أما امرأة أخيك فأشد حرمة، لأنه إذا طلقها تبح له، فالحرمة غير مؤبدة، يقول عليه الصلاة والسلام: (( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يخلو بامرأة ليس معها محرم منها، فإن ثالثهما الشيطان )) [ صحيح عن ابن عباس] أما الآية الدقيقة فقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ﴾ [سورة الأحزاب: 53] الأكمل ألا تعلّم امرأة إلا من وراء حجاب، الهاتف قد يكون حجاباً، يمكن أن تستمع إلى شكواها على الهاتف، أو من وراء حجاب، أو أن تجيبها عن سؤال من وراء حجاب، أما اللقاء المباشر ولو كان لعلة نبيلة وشريفة فلا يجوز. لا تخلُ بامرأة ولو لتعلمها القرآن، ولا تدخل على ذي سلطان ولو تقول: آمره وأنهاه. الآية الكريمة قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ﴾ [سورة الأحزاب: 53] قال الإمام القرطبي: " يريد الله عز وجل أن ذلكم السؤال والمتاع من وراء حجاب أن هذا الموقف أطهر للقلب "، من ماذا؟ قال: " من الخواطر التي تعرض للرجال من أمر النساء، وللنساء من أمر الرجال ". تكون الخواطر الغريزية بالمشاهدة، وإلا فلا: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ﴾ " من الخواطر التي تعرض للرجال من أمر النساء، وللنساء من أمر الرجال، أي أن ذلك أنفى للريبة، وأبعد للتهمة، وأقوى في الحماية ". وهذا يدل على أنه لا ينبغي لأحد أن يثق بنفسه، ولا أن يقول: أنا واثق من نفسي. الابتعاد عن الاختلاط لأنه أنفى للريبة وأبعد للتهمة وأقوى في الحماية : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4936/04.jpg أحدث موضوع علمي قرأته، والله هذا الموضوع حلّ لي ألف مشكلة، حينما يثار الإنسان جنسياً الدماغ يفرز مادة يعطل محاكمته، وهذا يفسر أن الإنسان إذا خلا بامرأة تكون أقل بكثير جداً من زوجته، ومع ذلك تزل قدمه، لأنه خلا بامرأة، وخرق الحدود، وتجاوزها. قال: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ﴾ " أي أنفى للريبة، وأبعد للتهمة، وأقوى في الحماية ". سيدنا يوسف هذا النبي العظيم الذي هو القدوة لكل شاب في عفته، وفي بعده عن الحرام، ماذا قال هذا النبي الكريم؟ ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (33) ﴾ [ سورة يوسف] لا يقل الواحد أنا أثق بنفسي، أكبر إنسان قد تنهار مقاومته حينما يخرق منهج الله عز وجل، عندما تطبق المنهج الله يحميك. الحمو الموت : وهناك حالة خاصة، قال: ويحذر النبي أشد التحذير من خلوة المرأة، بيت الحمو أشد، أي أقارب زوجها، كأخيه وابن عمه، لأن الأخ له مدخل، وله كلام، وله مداخلة، وله سؤال، النبي الكريم يحذر المرأة من الخلوة بأقارب زوجها أشد التحريم، لأن هذا قد يجر إلى عواقب سيئة. في هذا المسجد بالذات وصلني أكثر من خمسين قصة خلال عدد من السنوات عن حالات لا يمكن أن تصدق جرت بين المرأة وأخ زوجها، من الحرام الشنيع بسبب الخلوة، يقول لك: هل معقول ألا يدخل أخي في غيابي؟ نعم معقول ونصف ألا يدخل في غيابك، هنا لا يوجد مجاملات، قال عليه الصلاة والسلام: (( إياكم والدخول على النساء، فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله، أفرأيت الحمو؟ فقال عليه الصلاة والسلام: الحمو الموت )) [البخاري ومسلم عن عقبة بن عامر] ماذا فسر المفسرون هذه الكلمة: "الحمو الموت" فسرها المفسرون بأن الخلوة تؤدي إلى الخطر والهلاك، أي هلاك الدين، الإنسان في بحبوحة، أما عندما يقترف جريمة الزنا فيقع في حجاب مع الله كبير جداً، نحن في نعمة لا أحد يعرفها، أنك لم ترتكب كبيرة، فأنت في بحبوحة مع الله، هناك تقصير وأخطاء صغيرة، أما إذا ارتكب الإنسان كبيرة أو شرب الخمر يشعر بالضيق، فهذه البحبوحة تشعرك أن الطريق إلى الله سالك، والصغائر يعفو الله عنها، أما الكبائر: ﴿ إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخلْكُمْ مُدْخَلاً كريمًا ﴾ [ سورة النساء :31] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4936/05.jpg هلاك الدين إذا وقعت هذه المعصية، وهلاك المرأة بفراق زوجها. امرأة متزوجة لها أولاد، ولها مكانة، تطلق، وتفضح بين الناس، تصبح قصتها مثاراً للسخرية بين الناس، هذا هلاك ثان، هدرت كرامتها الاجتماعية، وهدرت مكانتها الدينية، والقريب كالأخ إذا ارتكب الفاحشة مع زوجة أخيه يصير الأمر إلى دماء وقتل. حدثني أخ في بعض البلاد أن أخاً اعتدى على زوجة أخيه، والأخ كان لحاماً، عندما بلغه ذلك قطعه مئة قطعة، أحضر السيخ وقطعه، هلاك المرأة وهلاك دينها، هلاكها كزوجة وفضيحتها، ثم تقطيع العلاقات الاجتماعية، وسبب ذلك الخلوة الحمو، قال عليه الصلاة والسلام: (( إياكم والدخول على النساء، فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله، أفرأيت الحمو؟ فقال عليه الصلاة والسلام: الحمو الموت )) [البخاري ومسلم عن عقبة بن عامر] هذا حديث متفق عليه في أعلى درجة من الصحة، رواه الإمام البخاري ومسلم تهلك لاقترافها المعصية، وتهلك لطلاقها وفضيحتها، وتهلك الأسرة بتفتيت العلاقات المقدسة بينهم. أول شيء في المحرمات الخلوة، أنت في البيت، وجاءت زوجة أخيك، وأنت في البيت بمفردك، لا تدخلها، ولا تستحِ، هذه مجاملة الشيطان، الأهل غير موجودين، أو سأخرج ادخلي، أما أنك أنت وزوجة أخيك بمفردكم فلا يجوز، وكلام الناس أن هذا مثل أخي، لا يوجد بارود لا ينفجر، قال تعالى: ﴿ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ ﴾ [ سورة المجادلة: 2] هي مثل أمي، هذا كله كلام الشيطان، لا معنى له. 2 ـ تحريم نظر الجنسين بعضهما إلى بعض : أولاً: العين مفتاح القلب، والنظر رسول فتنة الزنا: كل الحوادث مبداها من النظر ومعظم النار من مستصغر الشرر *** في ذهني آلاف القصص، انهيار بيوت، تطليق زوجات، تشرد أولاد، جرائم قتل، عداء أبدي بين أخوين بسبب خلوة ونظر. من شأن المسلم ألا يخلو بامرأة أجنبية إلا أن تكون زوجته، أو إحدى محارمه الذين يحرم له الزواج منها تحريماً مؤبداً لا مؤقتاً. وقوف عند قوله تعالى -مِنْ أَبْصَارِهِمْ -: قال تعالى: ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنّ إِلاّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنّ عَلَى جُيُوبِهِنّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنّ أَوْ أَبْنَائِهِنّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنّ أَوْ إِخْوَانِهِنّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَ أَوْ نِسَائِهِنّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنّ أَوْ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ مِنَ الرّجَالِ أَوِ الطّفِلِ الّذِينِ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النّسَاءِ وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنّ وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعًا أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ لَعَلّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [سورة النور:30-31] هذه الآية أساسية في هذا الموضوع، ويجب أن نقف عندها كلمةً كَلمةً. 1 ـ من للتبعيض : أولاً: في هذه الآية توجيه مشترك للرجال والنساء في غض البصر، غض البصر مدرسة، لابد من غض البصر، امرأة كانت أو رجل. الآية لم تقل: غضوا أبصاركم، قال: يغضوا من أبصارهم، لك أن تنظر إلى زوجتك، لك أن تنظر إلى أمك وأختك، إلى ابنتك، إلى عمتك، إلى خالتك، وبنت أخيك، وخالتك، هذه هي المحارم، والغض على غير هؤلاء، من للتبعيض، هذا أول معنى من معاني من. 2 ـ عدم التدقيق في التفاصيل عند النظر إلى المحارم : إذا نظرت إلى المحارم مثلاً إذا نظرت إلى أختك، ينبغي أن تغض البصر، أي لا تدقق في التفاصيل، ألا تنظر بشهوة، ألا تدقق بخطوط الجسم، المرأة تتحرك، ومن حركتها يظهر شيء من جسمها، تغض بصرك، مع العلم أنها أختك، لك أن تراها بكل بساطة وبكل وضوح، لو أنها نائمة ومكشفة يجب أن تغض بصرك عنها، وألا تدخل عليها إلا بإذن، وعلى أمك أيضاً، كيف أستأذن وهي أمي؟ فقال النبي: أتريد أن تراها عريانة؟ أختك في الغرفة، تقرع الباب ادخل، الاستئذان موضوع ثانٍ، في البيت الواحد يستأذن على أمه، وأخته، وابنته، لأن له أن ينظر إليهم بأوضاعهم الطبيعية، لباس الخدمة نصف كُمّ، تحت الركبة، بلا كم، هذه مشكلة، القصير مشكلة، لذلك ثياب الخدمة هي ثياب المحارم، فالغض على المحارم مع عدم التدقيق في التفاصيل، ولا في خطوط الجسم، لا تنظر في حالات خاصة، ولو كانت أمك أو أختك يجب غض البصر، هذا المعنى الثاني. 3 ـ لك النظرة الأولى و ليس لك الثانية : لو أنك واجهت امرأة فجأة في منعطف فوقعت النظرة الأولى، فغضّ عن الثانية، الأولى لك، والثانية عليك، فهذه ثلاث معان لـ [ من ]، عن نساء دون نساء، وعن نظرة دون نظرة، وعن مرة دون مرة. أيها الأخوة، أنا حريص جداً أن يكون معكم نصوص صحيحة، هذا دين، لذلك النص الصحيح يجب أن نعض عليه بالنواجذ، قال عليه الصلاة والسلام لعلي بن أبي طالب فيما رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي: (( يا علي، لا تتبع النظرَةَ النظرةَ، فإنما لك الأولى، وليس لك الثانية)) [أحمد وأبو داود والترمذي عن علي ] وهذا معنى [ من ] الثالث. معنى [ من ] الأول: لك أن تنظر إلى المحارم، وأن تغض عن غير المحارم. المعنى الثاني: نوع النظر، إذا نظرت إلى المحارم فعليك أن تنظر نظراً إجمالياً، نظر عاديًّاً بريئاً، أما لو دققت بالتفاصيل، وفي الجزئيات، وفي الخطوط، وفي بعض الحركات والحالات فيجب أن تغض البصر. المعنى الثالث: لو أنك نظرت فجأة إلى امرأة أجنبية لا تحل لك، الأولى لك، والثانية عليك. الحديث الذي رواه الإمام البخاري لقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم النظرة إلى المرأة بشهوة من الزنا فقال عليه الصلاة والسلام: (( العينان تزنيان وزناهما النظر)) [البخاري عن أبي هريرة ] النظر بريدٌ إلى الزنا : هناك نقطة دقيقة، إذا اكتفى الواحد بالنظر، وقال: أنا لا أفعل شيئاً، هناك مشكلة كبيرة قالها الشاعر: وكنت إذا أرسلت طرفك رائداً لقلبك يوماً أتعبتك المناظــرُ رأيت الذي لا كله أنت قـادر عليه ولا عن بعضه أنت صابر *** http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4936/06.jpg هذه الشهوة تتطور، ليس نظر فقط، الوردة تنظر لها، وتكتفي بالنظر إليها، شيء جميل تنظر إليه، وتكتفي بالنظر إليه. الناحية الثانية: إذا نظرت إلى امرأة لا تحل لك الأمر لا يبقى عند حدود النظر، هناك تطور. عندما أمرنا الله بغض البصر كما قال بعض العلماء فهو من باب سد الذرائع، لأنك بغض البصر تسد الذريعة إلى الزنا، قال عليه الصلاة والسلام: (( العينان تزنيان وزناهما النظر)) [البخاري عن أبي هريرة ] وفي درس آخر ننتقل إلى تحريم النظر إلى العورات، وحدود إباحة النظر إلى الرجل والمرأة، وهذا كله متعلق بشأن الزواج، وشأن العلاقات الأسرية. |
رد: العبادات التعاملية
بارك الله بك السعيد ع قيم الجلب وتم الفائدة
وفقك الله ! |
رد: العبادات التعاملية
تسلمين اختى سوالف على حضورك الدائم
|
رد: العبادات التعاملية
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية الدرس : ( السابع و العشرون ) الموضوع : العورات الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون الذكر فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. نهي النبي عليه الصلاة و السلام عن النظر إلى العورات : أيها الأخوة الكرام: مع الدرس الحادي عشر من سلسلة دروس: "الحلال والحرام في الإسلام"، وقد بينت لكم كثيراً أن أخطر موضوع بعد الإيمان بالله هو الحلال والحرام، لأنك بالكون تعرفه، وبالشرع تعبده، وكيف تطيع الله عز وجل إن لم تعرف حدوده؟ وكيف تعبده إن لم تعرف منهجه؟ فلذلك طلب الفقه حتم واجب على كل مسلم. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4937/01.jpg وصلنا في الدرس الماضي في موضوع الحلال والحرام في علاقة الرجل بالمرأة إلى تحريم النظر إلى العورات. النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن النظر إلى العورات ولو كان من رجل إلى رجل أو من امرأة إلى امرأة، طبعاً من امرأة إلى رجل أشد بكثير، من رجل إلى امرأة أشد بكثير، لكنه نهى عن النظر إلى العورات، ولو من رجل إلى رجل، أو من امرأة إلى امرأة، وهذا مما يغفل عنه كثير من المسلمين بشهوة أو بغير شهوة، كل كلمة لها معنى. نهى عن النظر إلى العورات ولو كان من رجل إلى رجل، أو من امرأة إلى امرأة، بشهوة أو بغير شهوة، لأنه إذا قال الإنسان: أنا لا أشتهي ثم يشتهي، فالشهوة تتنامى، يقول عليه الصلاة والسلام: ((لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا المرأة إلى عورة المرأة، ولا يفضي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد، ولا تفضي المرأة إلى المرأة في ثوب واحد )) [ مسلم عن أبي سعيد الخدري] إذا اعتبرنا لا نافية، النفي هنا أقوى، أو أن نقول: لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، لا ناهية، كلاهما يصح. النظر المباح إذا خيفت معه الفتنة يصبح محرماً : الانحرافات الجنسية ربما كان مبعثها أن يفضي الرجل إلى الرجل في الثوب الواحد، أو المرأة إلى المرأة في الثوب الواحد، هذا كلام النبي عليه الصلاة والسلام، لا نظر ولا مس، الحديث رواه الإمام مسلم، واستدل العلماء في الحديث الشريف على عدم جواز اضطجاع الرجل مع الرجل والمرأة مع المرأة في ثوب واحد، أي إذا كان هناك مباشرة في الجسد فهناك نهي شديد عن هذا. أما عورة الرجل الذي لا يجوز النظر إليها من رجل أو امرأة فتحدد فيما بين السرة والركبة، وعورة المرأة جميع بدنها والوجه والكفان موضوع يحتاج إلى تفصيل، الأصل أن المرأة عورة من فرقها إلى قدمها، والقاعدة أنه ما لا يجوز النظر إليه من العورات لا يجوز أن يمس باليد، أو بجزء من البدن، كل هذه الأحكام تستثنى أو توقف عند الضرورة والمعالجة، أي للطبيب المسلم الورع أن ينظر إلى موقع الألم من جسم المرأة، وأن يعالجه، وأن يجسه بيده إن كان الفحص يقضي هذا. هذا الحديث رواه الإمام مسلم وهو أصل في هذا الموضوع، القاعدة التي يجب أن تكون واضحة عندكم جميعاً النظر المباح إذا خيفت معه الفتنة يصبح محرماً. ولا تنسوا أننا في عصر فتنة، إذا ورد في أحكام الفقهاء ما يشير إلى أنه إذا أمنت الفتنة، الآن الفتنة قائمة، والفتنة يقظى، والعصر عصر جنس، والعصر عصر شهوة وامرأة، فلذلك الأولى أن يأخذ بالأحوط. من سماحة الإسلام أنه عفا عن النظرة الأولى الفجائية التي لا يملك الإنسان حيالها غض بصره لذلك قال أحدهم: ((سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظر الفجأة - أي البغتة من غير قصد - فقال : " اصرف بصرك "؟ )) [مسلم فى صحيحه عن جرير بن عبد الله] أي لا تعاود البصر مرة ثانية هذا من عفو الإسلام وسماحته. الآية الكريمة التالية تشير إلى تحريم إبداء زينة المرأة : لكن الإنسان يعلم وحده علم اليقين ماذا تعني النظرة الأولى، أي كلما اشتد الورع تقصر هذه النظرة إلى أن تكون كالخطفة، الآية الكريمة التي تشير إلى إبداء زينة المرأة أو إلى تحريم إبداء زينة المرأة هي قوله تعالى: ﴿ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ﴾ [سورة النور: آية 31] قال العلماء: زينة المرأة الزينة الطبيعية أو زينة الحلي، على كلٍّ ولا يبدين زينتهن، المواضع التي زين الله بها المرأة هذه الزينة الطبيعية، أو المواضع التي توضع فيها الزينة الظاهرة، كالقرط والعقد والسوار والخلخال، هذه المواضع قال تعالى: ﴿ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ﴾ [سورة النور: آية 31] والدقة في التعبير أن الله عز وجل لم يقل إلا ما أظهرن منها، إلا ما ظهر منها عن غير قصد، وقد فسر العلماء هذا الظهور عن غير قصد أن طول المرأة ليس في إمكانها أن تخفيه، وأن لون ثيابها ليس في إمكانها أن تخفيه، وامتلاء جسمها أو عدم امتلاء جسمها ليس في إمكانها أن تخفيه، لذلك قال تعالى: ﴿ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ﴾ [سورة النور: آية 31] المرأة المؤمنة الطاهرة ترتدي ثياباً سابغة داخلية لئلا يبدو شيء من جسمها : وقد أشار بعض العلماء إلى أن هذه الزينة التي زين الله بها المرأة لو أنها ظهرت عن غير قصد، وقعت في الطريق مثلاً، بالمناسبة المرأة المؤمنة الطاهرة ترتدي ثياباً سابغة داخلية، بحيث لو أنها تعثرت في الطريق لا يبدو شيء من جسمها، هذا من آداب الإسلام أن ترتدي المرأة ثياب احتياط فيما لو تعثرت قدمها وأصبحت طريحة الأرض لا يبدو شيء منها. على كلٍّ حال لو كان هناك فعل غير مقصود وظهر شيء من زينتها هذا أيضاً مما عفا عنه الإسلام. ﴿ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ﴾ أما الشيء الذي بإمكانها أن تظهره أو ألا تظهره فليس هو المقصود، لو كان هو المقصود لجاءت الآية إلا ما أظهرن منها، إذا كان بإمكان المرأة أن تظهر أو لا تظهر لجاء النص كما يلي: ولا يبدين زينتهن إلا ما أظهرن منها، أما إلا ما ظهر منها عن غير قصد، فطولها لا يمكنها أن تخفيه، وامتلاء جسمها لا يمكنها أن تخفيه، ولون ثيابها لا يمكنها أن تخفيه، وإذا تعثرت وظهر بعض أعضائها هذا ليس عن قصد، ولا عن رغبة، هذا معنى قوله تعالى: ﴿ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ﴾ وهناك آراء أخرى هذا الرأي هو أوجه الآراء، وهو الرأي المعتمد. على المرأة المسلمة أن تجتهد في إخفاء زينتها ما استطاعت : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4937/02.jpg تعليق لطيف: الأكمل للمرأة المسلمة أن تجتهد في إخفاء زينتها ما استطاعت، وذلك لانتشار الفساد، وكثرة الفسوق في عصرنا، ثم يقول الله عز وجل: ﴿ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ ﴾ [سورة النور: آية 31] والخمر جمع خمار وهو غطاء الرأس، والجيوب جمع جيب وهو فتحة الصدر من الثوب، وليضربن بخمرهن على جيوبهن مروراً بوجوههن يؤكد هذا قول السيدة عائشة رضي الله عنها وقد أورد هذا الإمام البخاري: ((كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم محرمات، فإذا حازونا أسدلت إحدانا جلبابها على وجهها)) [ البخاري عن عائشة] كما يحق للخاطب أن يرى استثناءً من عورة المرأة وجهها وكفيها. العلماء استدلوا بهذا الحديث على أن الوجه عورة، ثم إن الله تعالى يقول: ﴿ وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن﴾ [سورة الأحزاب:آية 53] الأولى بالإنسان أن يأخذ بالأحوط : أما الحديث الذي يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح لها أن يرى منها إلا هذا وهذا، وأشار إلى وجهه وكفيه)) [ أبو داود عن عائشة] قال: هذا الحديث فيه ضعف، فيه انقطاع وفيه راوٍ كذاب. الموضوع: هناك المتشددون، وهناك المتساهلون، والأحوط أولى، هذا الموضوع احتمالي قال تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون﴾ [سورة النور: آية 31] الآن موضوع الزينة الطبيعية والمجلوبة المصنوعة، أن تضع القرط في أذنها، والعقد في جيدها، والسوار في معصمها، والخلخال في رجلها، مكان الزينة زينة، والزينة نفسها المجلوبة زينة. الأصناف التي استثناها القرآن الكريم من إخفاء الزينة : ثم قال: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن ﴾ استثنى القرآن الكريم من إخفاء الزينة هؤلاء الأصناف الآتي ذكرهم، أولاً بعولتهن، البعل له حكم خاص، أي الزوج مستثنى من كل قيد، الزوج له أن يرى من زوجته ما يشاء، وكذلك المرأة وفي الحديث الشريف: ((احفظ عورتك إلا من زوجتك)) [أحمد والبخاري عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده] الصنف الثاني: ﴿ آبائهن﴾ ويدخل في الآباء الأجداد من قبل الأب، أو من قبل الأم، ﴿آباء بعولتهن﴾ فقد أصبح لهم حكم الآباء بالنسبة إليهن، أي والد زوجها، ثم أبنائهن و مثل هؤلاء أبناء أبناءهن و أبناء بناتهن، الفروع مهما نزلت و الأصول مهما علت، أبناء أزواجهن لضرورة الاختلاط بهن و لأنها بمنزلة أمهن في البيت. لكن بعد قليل أشير إلى أن هناك محارم كالأم، و البنت، و الأخت، و بنت الأخت، و بنت الأخ، و هناك محارم تأتي بالمصاهرة كزوجة الابن، هذه لها حكم آخر سوف أشير إليه بعد قليل.﴿إخوانهن﴾ أكانوا أشقاء أو من أب أو من أم، ﴿ بني إخوانهن﴾ لما بين الرجل و عمته من حرمة أبدية، ﴿بني أخواتهن﴾ لما بين الرجل وخالته من حرمة أبدية، ﴿نسائهن﴾ أي النساء المتصلات بهن نسباً أو ديناً، هذا معنى نسائهن، أما المرأة غير المسلمة فلا يجوز أن ترى من زينة المسلمة إلا ما يراه الرجل على الصحيح لعلة أنها تصف للناس شكل المرأة، ومواضع الفتنة فيها، وكأن الرجال ينظرون إليها. وأما قول الله عز وجل: ﴿ أو ما ملكت أيمانهن﴾ العلماء أشاروا للإماء دون الذكور، الجارية في البيت لها أن تنظر إلى سيدتها، أما العبد الذكر في البيت إذا نظر إلى سيدته فيشتهيها، هذا حكم الطبيعة، ﴿أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال﴾ هؤلاء الذين لصفة طارئة فيهم فقدوا شهيتهم للنساء، ولهم علاقة بهذا البيت، ﴿أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء﴾ هم الصغار الذي لو تكن في نفسهم المشاعر الجنسية، إبداء الزينة يجوز لهؤلاء الأصناف جميعاً. ﴿ لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء﴾ الحقيقة أن الآية أغفلت صنفان ممن يحق لهم أن يروا زينة المرأة العم والخال، والنبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح يقول: ((عم الرجل صنو أبيه)) [ مسلم عن أبي هريرة] على النساء أن يظهرن أمام محارمهن بثياب الخدمة : أيها الأخوة: حينما أبيح للرجل أن يرى محارمه هؤلاء أمه، وبنته، وأخته، وبنت أخته، وبنت أخيه، وعمته، وخالته، هذه المحارم العلماء أشاروا إلى مصطلح وهو أن يظهرن أمام محارمهن بثياب الخدمة، وثياب الخدمة هي الثياب التي ترتديها المرأة أثناء خدمة البيت، أي لها أن تظهر وجهها، وشعرها، وجيدها، ومعصمها، وساقيها، أي تحت الركبة وقريب من الرقبة تحت العضد، هذه ثياب الخدمة التي يجوز للرجل أن ينظر إلى أمه، أو أخته، أو بنت أخيه، أو بنت أخته، أو عمته، أو خالته. المرأة التي تظهر مفاتنها لسان حالها يدعو الرجال إلى التحرش بها : ثم إن الله تعالى يقول: ﴿يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورا رحيما﴾ [سورة الأحزاب: آية 59 ] في الآية إشارة لطيفة جداً إلى أن الرجل إذا نظر إلى امرأة وقد أظهرت مفاتنها ربما أوقع بها الأذى إما بلسانه، أو بيده، فالمرأة التي تظهر مفاتنها لسان حالها دعا الرجال إلى التحرش بها، هذه قاعدة. أي امرأة تظهر مفاتنها عن عمد وقصد لسان حالها يدعو الرجال أو الذئاب إلى أن يتحرشوا بها، وأن يسمعوها كلاماً مخجلاً وأن يمدوا إليها أيديهم. حجاب المرأة هو أقل ما تعرف به ولكن أكثر علامة تقواها وورعها وحفظ لسانها : لذلك قال تعالى: ﴿يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين﴾ [سورة الأحزاب: آية 59 ] هناك إشارة لطيفة في هذه الآية إلى أن حجاب المرأة هو أقل ما تعرف به، هناك نساء يتوهمن أنهن لمجرد أنهن تحجبن فعلن كل شيء، ما فعلن إلا شيئاً واحداً، هناك معرفتهن بكتاب الله، معرفتهن بحديث رسول الله، قيامهن بواجباتهن تجاه أزواجهن و أولادهن، كما أن الطالب أقل شيء يعرف أنه طالب زيه الرسمي، هذا الزي الرسمي الذي يرتديه طالب الجامعة أو طالب الثانوي هو أقل ما يشير إلى أنه طالب علم، لكن الحقيقة ليس هذا الزي هو الدليل الوحيد، هناك علمه، وتفوقه، وأوراق امتحانه، ونجاحه في الامتحانات، لكن أقل علامة تشير إلى أنه طالب علم هو ذلك الزي، وكذلك المرأة المسلمة أقل علامة تدل على أنها مسلمة هو حجابها، ولكن أكثر علامة تقواها، ورعها، حفظ لسانها، حفظ مال زوجها، حفظ نفسها في غيبة زوجها، حسن رعايتها لزوجها وأولادها هذا الذي يعليها عند الله عز وجل. (( أيما امرأة قعدت على بيت أولادها فهي معي في الجنة )) [ فيض القدير شرح الجامع الصغير ] (( اعلمي أيتها المرأة، وأعلمي من دونك من النساء أن حسن تبعل المرأة زوجها يعدل الجهاد في سبيل الله )) [ ورد في الأثر ] المرأة المؤمنة معروفة بالحشمة و الوقار : في الآية إشارتان لطيفتان؛ الأولى أن إظهار أية فتنة في المرأة يعبر عن رغبتها في أن تستجلب نظر الرجال لو لم تعترف بذلك، المرأة التي تحب أن تظهر مفاتنها عن طريق الثياب غير الشرعية إنما هي امرأة عندها رغبة عميقة إلى أن تلفت نظر الرجال إليها، لذلك إذا آذوها بالكلام أو بغير الكلام فهي المتسببة، هناك من تتوهم إنها شريفة بمعنى أن أحد اًلا يستطيع أن ينالها بالأذى، حينما تظهر مفاتنها في الطريق هي تدعو الآخرين إلى أن ينالوها بالأذى، لذلك قال تعالى: ﴿يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفوراً رحيماً﴾ [سورة الأحزاب: آية 59 ] يعرفن بالحشمة والوقار ﴿فلا يؤذين﴾ http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4937/03.jpg أما هذا الجمال الذي أودعه الله في المرأة فهذا من أجل أن ينشأ بينها وبين زوجها مودة بالغة، هذا الجمال لزوجها ليس لعامة المسلمين، وكلمة ﴿أدنى أن يعرفن﴾ الحجاب وحده لا يكفي، لو أنها تحجبت وكانت ثرثارة، مغتابة، مهملة لزوجها، حسودة، حقودة، وتريد أن تزول النعم عن غيرها لتصير إليها، حجابها هذا لا يغني عنها من الله شيئاً، لذلك قال عليه الصلاة والسلام: (( إن فلانة ذكر من كثرة صلاتها وصيامها غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها قال هي في النار )) [أخرجه البزار عن أبي هريرة ] ﴿ذلك أدنى أن يعرفن﴾ أي أقل شيء، أقل علامة تشير إلى أن هذه المرأة مسلمة حجابها، أما أكبر علامة فتربيتها لأولادها، رعايتها لزوجها، ضبط لسانها، ضبط مشاعرها، الإخلاص لزوجها، هذه أعلى علامة، أدنى علامة ثيابها، كما أن أدنى علامة تشير إلى أن هذا الشاب طالب الثياب الرسمية التي ألزم أن يرتديها لكن قد يأخذ أصفاراً في كل المواد، جاهل فهل يعد هذا الزي الذي يرتديه الطالب دليلاً قطعياً على علمه؟ لا هذا أقل دليل، لذلك قال تعالى: ﴿يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورا رحيما﴾ [سورة الأحزاب: آية 59 ] ويوجد آراء لمفكرين معاصرين أدباء أن أية امرأة تظهر مفاتنها هي تدعو الشباب إليها، تدعو الناس إلى التعليق عليها، وإيذائها بالكلام وبغير الكلام. المرأة ليست للجميع هي خاصة لزوجها ومحارمها : هناك حديثان شريفان؛ يقول النبي عليه الصلاة والسلام: ((ما من امرأة تضع ثيابها في غير بيت زوجها إلا هتكت الستر الذي بينها وبين الله عز وجل )) [رواه الترمذي واللفظ له وقال حديث حسن ورواه أبو داود وابن ماجة والحاكم وقال صحيح على شرطهما ورد هذا في الترغيب والترهيب عن أبي مليح الهذلي] امرأة تخلع ثيابها وتبدي محاسنها في غير بيت زوجها. أحياناً يكون الزوج واثقاً منها، أرسلها إلى بيت أختها مثلاً زوج أختها بدت أمامه بأبهى زينة، خلعت معطفها، وخلعت ثيابها، وبدت مفاتنها أمام زوج أختها. ((ما من امرأة تضع ثيابها في غير بيت زوجها إلا هتكت الستر الذي بينها وبين الله عز وجل )) [رواه الترمذي واللفظ له وقال حديث حسن ورواه أبو داود وابن ماجة والحاكم وقال صحيح على شرطهما ورد هذا في الترغيب والترهيب عن أبي مليح الهذلي] ابن ماجه عن أبي مليح الهذلي] هؤلاء نساء المسلمين اللواتي يذهبن إلى الأعراس بأبهى زينة وكأنها في ليلة عرسها، المدعوة ليست العروس، ثم يأتي هذا العريس الشاب يجلس مع عروسه، ويمتع نظره بهؤلاء الجالسات، ويأتي المصور ليصور، ويطبع من هذا الشريط النسخ العديدة، وكل إنسان في بيته يراه، ثم يسأل من هذه ؟زوجة فلان، هذا ما يجري في بيوت المسلمين، هل هناك مبالغة؟ لذلك كلما رخص لحم النساء غلى لحم الضأن وكلما قلّ ماء الحياء قلّ ماء السماء. وفي حديث آخر عن أم سلمة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((أيما امرأة نزعت ثيابها في غير بيتها خرق الله عنها ستره)) [ أحمد و الطبراني عن أم سلمة] أي أن الله عز وجل زين المرأة -وهذا من فضل الله عليها- جعلها محبوبة، وجعلها مطلوبة، وجعلها مرغوبة بهذه الزينة، هذه الزينة لمن سمح الله له أن يراها؛ لزوجها، وثياب الخدمة لأبيها، وأخيها، وابنها، وعمها، وخالها، وابن أخيها، وابن أختها، أما أن تكون لوحة فنية للجميع، فليست للجميع بل هي خاصة لزوجها ومحارمها. تميز المرأة المسلمة عن غير المسلمة بخلق الاحتشام والعفاف والحياء : قد يسأل سائل هؤلاء الفتيات الكاسيات العاريات أين آباؤهن؟ أين أزواجهن؟ أين إخوانهن؟ ثم إن المرأة المسلمة تتميز عن غير المسلمة بخلق التصون، و الاحتشام، والعفاف، والحياء، وصدقوني أيها الأخوة: للاحتشام والعفاف والتصون والحياء جمال لا يعرفه إلا من أتاه الله ذوقاً رفيعاً، المرأة جميلة جداً باحتشامها، وبصونها، وبعفافها، وحينما تتبذل تصبح كالشيء الساقط المبتذل، والمرأة الكافرة من لوازمها التكشف وإبداء الزينة عن قصد أو عن غير قصد، والأصح عن قصد، لذلك قال الله تعالى: ﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى (33) ﴾ [سورة الأحزاب:آية 33] ما هو التبرج؟ نحن درسنا محوره الحلال والحرام في علاقات الرجل بالمرأة، فذكرنا الحجاب، وذكرنا إبداء الزينة المباح، والآن نصل إلى موضوع التبرج. تعريف التبرج : التبرج في المعنى الدقيق: التكشف والظهور للعيون، ومنها بروج مشيدة، البرج: الشيء العالي الظاهر، وبروج السماء معروفة عندكم، والسماء ذات البروج في هذه المجموعات من النجوم التي ترى بوضوح شديد في أثناء حركة الأرض حول الشمس، قال الإمام الزمخشري في شرح معنى التبرج: "تكلف إظهار ما يجب إخفاءه"، أي تكشف المرأة وإبداء زينتها الظاهرة والخفية وإظهار محاسنها. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4937/04.jpg التبرج قد يبدو في المشية، وقد يبدو في الحديث، ممكن أن يكون كلام المرأة في لين، لين كلامها من التبرج، طريقة مشيتها من التبرج، إظهار زينتها الظاهرة والباطنة من التبرج، وقد يكون هذا الذي يجب إخفاؤه موضعاً في الجسم، أو حركة العضو منه، أو طريقة في الكلام، أو المشي، أو حلية مما تتزين النساء منه، أو يلبسنه، قال تعالى: ﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى (33) ﴾ [سورة الأحزاب:آية 33] الأصل أن تقر المرأة في بيتها، خروجها لسبب استثنائي، وليس الأصل أنها في الطريق والبيت استثناء، القاعدة هو البيت والاستثناء هو الخروج، لذلك قال تعالى: ﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى (33) ﴾ [سورة الأحزاب:آية 33] أي إذا خرجتم لضرورة لا تتبرجن تبرج الجاهلية الأولى، هناك من يفهم الآية فهماً سقيماً، يقول لك: هذه الآية لنساء النبي، والجواب بسيط جداً إذا قلنا للطالب المجتهد: اقرأ، فلأن يكون هذا الأمر موجهاً للكسول من باب أولى، إذا كان الطالب المجتهد مأموراً أن يقرأ وأن يذاكر، فالطالب الكسول من باب أولى، إذا كانت نساء النبي وبنات النبي مأمورات أن يقررن في بيوتهن فلأن يكون هذا الأمر موجهاً إلى نساء المسلمين من باب أولى. من معاني التبرج : الآن بعض العلماء من السلف الصالح يقول: التبرج أن تمشي المرأة بين الرجال بلا حياء لا يهمها، لكن ابنتي سيدنا شعيب: ﴿ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ(23) ﴾ [ سورة القصص ] كانتا متنحيتين إلى جانب، هناك ازدحام، أما أن تدخل المرأة في الزحام بين الرجال ولا تعبئ بذلك فهذا الخلق ليس من أخلاق المرأة المؤمنة. قال: التبرج كانت المرأة تخرج وتمشي بين الرجال متبرجة، مظهرة زينتها. وقال قتاده: كان لهن مشية تكسر وتغنج و هذا من التبرج، وقال مقاتل التبرج إنها تلقي الخمار على رأسها ولا تشده، أي حجاب رفع عتب، قد ينزاح إلى نصف رأسها وقد تبدو كل معالم وجهها، يبدو عنقها أحياناً هذا هو من معاني التبرج. من صور التبرج في الجاهلية : الاختلاط بالرجال، والتكسر بالمشي، ولبس الخمار على نحو يبدو معه أو منه بعض محاسنها. طبعاً لو أن علماء السلف الصالح رأوا ماذا تفعل النساء في الطرقات لصعقوا. إذا الخمار غير مشدود وظهرت بعض المفاتن هذا هو التبرج. أما إذا ألقي الخمار كلياً، وظهرت المرأة كما خلقها الله إلا من ثياب تظهر ولا تخفي، فهذا هو الذي وصل إليه المسلمون اليوم، لأنهم لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه، الكفار لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه، الذي وصلنا من أزياء اليهودي الفرنسي يتحكم بنساء المسلمين كلهم، هكذا الموضة، معقول مصمم أزياء يهودي فرنسي هو يتحكم بثياب نسائنا؟ هذا من ضعف المسلمين، ومن تخاذلهم، ومن تقصيرهم. ما يخرج المرأة عن حدّ التبرج : ما الذي يخرج المرأة عن حد التبرج؟ قال تعالى: ﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى (33) ﴾ [سورة الأحزاب:آية 33] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4937/05.jpg ما الذي يجعل هذه المرأة في نظر الدين ليست متبرجة؟ قال: غض البصر، فإن أثمن زينة للمرأة هو الحياء، وأبرز عنوان الحياء غض البصر، قال تعالى: ﴿ وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [سورة النور:آية31] والمرأة الفاسقة وقحة تنظر إلى الرجال بحدة، وتعلق تعليقات خبيثة، ومما يبرئ المرأة من التبرج عدم اختلاطها بالرجال، اختلاط تماسك وتماس، كما يحدث في المركبات العامة، مكان مزدحم، لا تعبأ تدخل بين الرجال، وقد يلتقي الصدر مع الصدر والظهر مع الظهر ولا تعبأ بذلك. أيها الأخوة دققوا في هذا الحديث الشريف؛ قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه الطبراني و البيهقي وقال رجاله ثقات والحديث صحيح: ((لأن يُطْعَن في رأس أحدِكم بِمِخْيَطٍ مِن حديد خيرٌ له مِن أن يَمَسَّ امرَأَةً لا تحلُّ لَه )) [ الطبراني و البيهقي عن معقل بن يسار] الله عز وجل هو الخبير، وهذا النبي الكريم رسول الخبير، أودع في كل رجل هذه الشهوة، لأنه أصبح تماس، لذلك النبي الكريم قال: ((إني لا أصافح النساء)) [ الترمذي عن محمد بن المنكدر] إذا كان هناك مباشرة يد بيد ينشأ منها فساد كبير. شروط الثياب التي إذا ارتدتها المرأة خرجت من وصف التبرج : 1 ـ أن تغطي جميع الجسم على أرجح الأقوال : ما هي الثياب التي إذا ارتدتها المرأة خرجت من وصف التبرج؟ قال: أولاً أن يغطي جميع الجسم على أرجح الأقوال، لذلك المعطف السابغ إلى أسفل أفضل، كأن دين المرأة مرتبط بطول ثيابها، الرجل قد يرتدي ثياباً متنوعة، أما كلما زاد الثوب مسافة في المرأة كان هذا دليلاً على زيادة إيمانها وحرصها. 2 ـ ألا تشف وتصف ما تحتها : الشرط الثاني: ألا يشف ويصف ما تحته، فالثياب الرقيقة الشفافة هذه محرمة في الإسلام، قد ترتدي المرأة قميصاً شفافاً، هذا محرم أشد التحريم، وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح أن من أهل النار: ((نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات ... لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها)) [ مسلم عن أبي هريرة] سبحان الله! العلماء قديماً حاروا في هذا الحديث كيف كاسيات عاريات؟ الآن واضح جداً، مرتدية ثيابها ولكن هذه الثياب لا تسترها، بالعكس تظهر محاسنها. وفي الحديث دخل نسوة على عائشة رضي الله عنها وعليهن ثياب رقاق فقالت: "إن كنتن مؤمنات فليس هذا بلباس المؤمنات". وأدخلت امرأة عروس على عائشة رضي الله عنها وعليها خمار قبطي معصفر، فلما رأتها قالت: لم تؤمن بسورة " النور " امرأة تلبس هذا. الشرط الأول: أن يغطي جميع الجسم. الشرط الثاني: ألا يشف عما تحته. 3 ـ ألا تحدد أجزاء الجسم وتبرز خطوطه ومفاتنه : الشرط الثالث: ألا يحدد أجزاء الجسم، ويبرز خطوطه ومفاتنه، فجميع الثياب الضيقة التي تبرز خطوط جسم المرأة ومعالم أعضائها هذه محرمة. 4 ـ ألا يكون الثوب مما يختص بلبسه الرجال : ألا يكون الثوب مما يختص بلبسه الرجال، البنطال يرتديه الرجال فإذا لبسته المرأة في الطريق فهي ملعونة، بنص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((...َلَعَنَ الْمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ )) [ من سنن ابن ماجة عن ابن عبَّاس ] وبالعكس لعن الله أيضاً المتشبهين من الرجال بالنساء، من عام أو عامين لاحظت ثياباً يرتديها الشباب بلا أكمام، ممقوتة أشد المقت لأنها تشبه بالنساء، الحديث الشريف: (( لَعَنَ الْمُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ، وَلَعَنَ الْمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ )) [ من سنن ابن ماجة عن ابن عبَّاس ] 5 ـ الثياب التي تختص بها الكافرات لا ينبغي لنساء المؤمنين أن يرتدينها : الآن الثياب التي تختص بها الكافرات المنحرفات هذه الثياب أيضاً لا ينبغي لنساء المؤمنين أن يرتدينها لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((من تشبه بقوم فهو منهم)) [ أبو داود عن ابن عمر] 6 ـ الألوان الصارخة والمزخرفة والصور التي تلفت النظر : الآن الألوان الصارخة والمزخرفة والصور في ثياب المرأة التي تلفت النظر هي أيضاً محرمة، هذا الشرط السادس. 7 ـ أن تلتزم الوقار والاستقامة في مشيتها وفي حديثها وتتجنب الإثارة : الشرط السابع أن تلتزم الوقار والاستقامة في مشيتها، وفي حديثها، وتتجنب الإثارة في سائر حركات جسمها، قال تعالى: ﴿ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (32) ﴾ [سورة الأحزاب:آية 32] على المؤمنة أن تتكلم الكلام الذي لا يغري الرجال فيها : اسمعوا أدب القرآن الكريم قالت بنت سيدنا شعيب: ﴿ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا ﴾ [سورة القصص:آية 25] كلام لا يحتاج إلى جواب، لو أنها قالت: إن أبي يدعوك، سوف يسألها ما المناسبة؟ ولماذا؟ صار حواراً. كيف سألها عن حالها؟ قال تعالى: ﴿ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ(23) ﴾ [سورة القصص:آية 23] يوجد ألف عبارة فيها طول، فيها مؤانسة، فيها استطراد، فيها تفصيل، المؤمن يتكلم الكلام الدقيق الموجز الذي لا يشعر بشيء، والمؤمنة تتكلم الكلام الذي لا يغري الرجال فيها. امرأة متزوجة ولها أولاد لكنها جاهلة، وقفت على بائع وساومته في ثمن المبيع مساومة فيها تكسر، وفيها لين، وفيها استعطاف، حتى أنه ظن أنها تقبل أن يأتي إلى بيتها، بعد دقائق بيتها قريب من محل البائع دق الباب ففتحت، فدخل ما كان منها إلا أنها استغاثت بابنها وزوجها في محل قريب أيضاً، فقالت: ادعُ والدك، الأب في حالة غضب شديد أغلق الباب، وأتى بالشرطة، وساقها إلى المخفر، وكتب الضبط، وطلقها، مع أنها بريئة لم تفعل شيئاً، لكن جهلها بأصول الحديث مع الرجال أغرى هذا الرجل بها فدخل البيت عنوة، وهو يظن أنها ترضى أن تزل قدمها معه، فلذلك: ﴿ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ (32) ﴾ [ سورة الأحزاب] وأكثر شيء في أثناء البيع والشراء الكلام اللين، السعر محدد تشتري أو لا تشتري، أما الكلام الساقط الذي فيه تكسر ولين فيجب الابتعاد عنه. على المرأة ألا تتعمد جلب نظر الرجال إلى ما خفي من زينتها بالعطور أو الرنين : الآن من شروط ثياب المرأة التي تخرجها عن التبرج ألا تتعمد جلب نظر الرجال إلى ما خفي من زينتها بالعطور أو الرنين، قال تعالى: ﴿ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ ﴾ [سورة النور:آية 31] أخواننا الكرام: لا يوجد إنسان عنده شيء يتكلم به إلا أن ينقل عن القرآن والسنة، لا يوجد شيء من عندنا، ولا يوجد إنسان أهل أن يشرع إنما أنا متبع هكذا قال سيدنا الصديق، ولا يوجد شيء اسمه قضية مزاجية، قرآن وحديث صحيح. ﴿ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ ﴾ وفي الحديث الصحيح قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((أيما امرأة استعطرت فمرت على قوم ليجدوا من ريحها فهي زانية)) [ أبو داود عن أبي موسى الشعري] من خرجت لحاجة لا شيء عليها : الحديث الآخر: ((المرأة إذا استعطرت فمرت بالمجلس فهي كذا وكذا يعني زانية)) [ الترمذي عن أبي موسى] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4937/06.jpg النبي وصفها بالزانية، ولكن ليس معنى هذا أن المرأة محرم عليها أن تخرج من بيتها لحاجة؛ لتزور أباها؛ أو لتطلب العلم في المسجد، قال عليه الصلاة والسلام لزوجته سودة: ((قد أذن الله لكن أن تخرجن لحوائجكن)) [ البخاري عن عائشة] وقال عليه الصلاة والسلام: ((إذا استأذنت امرأة أحدكم -إلى المسجد- فلا يمنعها)) [رواه البخاري عن ابن عمر ] لأن طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة، العلم لك ولها، هي إنسانة مثلك تماماً، مساوية لك تماماً، تعرف الله كما تعرفه أنت، وتقبل عليه كما تقبل عليه أنت، وتحبه كما تحبه أنت، وترقى عنده كما ترقى عنده أنت، لذلك إذا منعتها من العلم فقد حطمتها. وفي حديث آخر قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا تمنعوا إماء الله مساجد الله)) [ رواه البخاري مسلم عن أبي هريرة] لا يحل لمسلم أن يتقدم لخطبة امرأة مطلقة أو متوفى عنها زوجها في عدتها : موضوع النظر إلى المخطوبة هذا الموضوع دقيق أكمل ما فيه أنه لا يحل لمسلم أن يتقدم لخطبة امرأة مطلقة أو متوفى عنها زوجها في عدتها. هناك أخطاء كبيرة جداً تقع، امرأة مطلقة قبل أن تنتهي عدتها يتقدم أحد لخطبتها، أو امرأة متوفى عنها زوجها، لأن وقت العدة حرم للزوجية السابقة فلا يجوز الاعتداء عليه، لكن له أن يُفهم المرأة المتوفى عنها زوجها أو المطلقة رغبته في الزواج منها في التعريض والتلميح لا بالإظهار والتصريح قال تعالى: ﴿ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء ﴾ [سورة البقرة: آية235] لا مانع، أنا فلانة أحترمها احتراماً كبيراً، جعلها الله من نصيبي، كلمة لك أن تقولها في العدة، تطمئن هي من جهة أما كطلب رسمي فلا. لا تطلب المرأة للزواج إلا بعد انقضاء عدتها. ويحرم عليه أن يخطب على خطبة أخيه، فلان طرق هذا البيت وخطب ابنتهم منهم أنت لا يجوز أن تخطب هذه البنت قبل أن يبت في أمر الأول، فإذا وصل إلى اتفاق مع الطرف الآخر ذلك أن الخاطب قبله قد اكتسب حقاً فيجب أن يصان، رعاية لحسن العلاقة والمودة بين الناس، قال عليه الصلاة والسلام: ((الْمُؤْمِنُ أَخُو الْمُؤْمِنِ فَلاَ يَحِلُّ لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَبْتَاعَ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ وَلاَ يَخْطُبَ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ )) [ مسلم عن عقبة بن عامر] وفي حديث آخر رواه البخاري: ((لا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى ينكح أو يترك )) [ البخاري و مسلم عن أبي هريرة] وقال عليه الصلاة والسلام: ((ثلاث لا يؤخرن؛ الصلاة إذا أتت، والجنازة إذا حضرت، والأيم إذا وجدت لها كفئاً)) [الترمذي عن علي] و : (( إذا جاءكم من ترضون دينه و خلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير )) |
رد: العبادات التعاملية
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية الدرس : ( الثامن و العشرون ) الموضوع :المحرمات من النساء الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون الذكر فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. ضرورة معرفة الله و معرفة أمره : أيها الأخوة الكرام: مع الدرس الثاني عشر من سلسلة دروس: "الحلال والحرام في الإسلام"، وما زلت أقول وأكرر: إن أخطر موضوع بعد الإيمان بالله هو الحلال والحرام، لأنك إذا عرفت الله تشعر بدافع قوي إلى أن تتقرب إليه، كيف تتقرب إليه؟ بطاعته، كيف تطيعه؟ http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4938/01.jpg بمعرفة أمره، فمعرفة أحكام الفقه تأتي في الدرجة الثانية بعد الإيمان بالله، ولكن أيها الأخوة هناك مقدمة أبدأ بها حديثي عن موضوع الزواج، هذه المقدمة هو أنه لابد من معرفة الله، ولابد من معرفة أمره، معرفة أمره من أجل التطبيق، ومعرفة الله من أجل أن تطيعه، لكن معرفة الله كما يقول العلماء لها مصادر ثلاثة؛ وأنا كثيراً ما أردد هذه المصادر، خلقه يدلك عليه، وأفعاله تدلك عليه، وأمره ونهيه يدلانك عليه، فكل الأحداث التي تجري أمامك إنما هي من أفعال الله، ولكل حدث حكمة ما بعدها حكمة، خلق هذا الكون الذي أمامك بسماواته وأرضه والأرض وما فيها من نبات وحيوان وإنسان. فخلقه يدل عليه هذا مصدر، أفعاله تدل عليه، طبعاً طالبني بالدليل قال تعالى: ﴿ قُلْ سِيرُواْ فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾ [ سورة الأنعام الآية : 11 ] الأمر أن تنظر، لذلك المؤمن الصادق لا يستمع إلى قصة إلا ويدقق في حكمتها. أفعال الله عز وجل وحدها يمكن أن تنبئ الإنسان بالحقائق : أخوتنا الكرام: إذا قصة فيها ظلم شديد ولم يتضح لك وجه الحكمة فيها، عرفت فصلاً وغابت عنك الفصول الأخرى لا ترويها للناس قصة ناقصة، هذه القصة لا تفيدهم بل تحيرهم، الله عز وجل أفعاله كلها حكيمة، ومعنى أنه حكيم أن كل شيء وقع لو لم يقع على النحو الذي وقع لكان نقص في حكمة الله، فأنت لا تروي القصة إلا إذا تأكدت من كل فصولها، لأن هذه القصة تبرز حقيقة إيمانية، أو تبرز شرحاً لآية كريمة، أو تجسيداً لحديث شريف، أفعال الله تدل عليه. والله الذي لا إله إلا هو لو لم يكن في هذا الدين كتاب ولا سنة، لو أنك نظرت فيما يجري في الأرض على مستوى جماعي، وعلى مستوى فردي، كل حدث يقع وراءه حكمة ما بعدها حكمة، لو أن الإنسان باحث اجتماعي، ومنظر، وعنده نفس طويل، وعنده باع طويل، في تتبع الأحداث، لاكتشفت القوانين تلو القوانين من أفعال الله عز وجل، فأفعال الله عز وجل وحدها يمكن أن تنبئكم بالحقائق، مثلاً تتبع الشاب المستقيم كيف أن الله يوفقه بعمله، وفي زواجه، وفي صحته، وفي مكانته، ترى أن كل هذه القصص تجسدها الآية الكريمة قال تعالى: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (97)﴾ [سورة النحل الآية : 97 ] تتبع أناساً أعرضوا عن الله، أعرض عن ذكر الله، ألقى الدين وراء ظهره، آمن بالمادة، آمن بالواقع، انغمس بالملذات، إن لم تجده أشقى الأشقياء فهذا الدين باطل، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (126) ﴾ [سورة طه الآية:124] الإنسان إما أن يتعامل بالأفكار المجردة وإما أن يتعامل بالحوادث : هذه النقطة أحبّ أن أوضحها لكم، لا تروي قصة لا تعرف كل فصولها، إنك إن فعلت اجترأت على الحقيقة، يوجد فصل لا تعرفه، هناك فصلان لا تعرفهما، هناك تسعة فصول لا تعرفهم، لم تعرف إلا الفصل الأخير، ويبدو أن هذا الفصل الأخير فيه ظلم ما بعده ظلم، فإذا رويت هذه القصة على أنها قصة غريبة ماذا فعلت أنت؟ أنت لم تفعل شيئاً بل خربت، وهدمت، لأن الإمام الغزالي قال: "لأن يرتكب العوام الكبائر أهون من أن يقولوا على الله ما لا يعلمون"، يروي لك قصة كلها ظلم، ويقول لك: هذا ترتيبه، ويقول أيضاً: سبحان الله، ﴿ وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾ [ سورة الأعراف الآية: 180 ] أنا أحياناً أتابع بعض القصص في الصحف اليومية يعجبني من هذه القصص أن الجريمة حينما يكتشف القاتل تروى في الصحف، العدالة تأخذ مجراها، في بعض البلاد تقع الجريمة توصف كل تفاصيلها دون أن يعثر على القاتل، هذا يوقع القارئ في قلق، لأن هناك ظلماً، أما هنا ففي صحفنا زاوية الحياة الاجتماعية، أن الجريمة ما لم يكتشف مرتكبها لا تنشر إلى أن يكتشف تنشر، هذا يبعث الطمأنينة. الإنسان إما أن يتعامل بالأفكار المجردة، وإما أن يتعامل بالحوادث، وهناك قصص لها أسلوب تربوي رائع، والمستمع لا يشعر ولا يقصد ولا يدري أنه تلقن عشرات المبادئ من خلال القصة، لذلك قال تعالى: ﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [سورة يوسف الآية: 111] المستقبل للحق و للمؤمنين : المؤمن الصادق إذا أراد أن يرسخ الحق في النفوس هناك قصص نموذجية، إذا وصلت إليه قصة نموذجية في تفسير آية، نموذجية في إيضاح حديث، يجب أن يكتبها، وأن يحفظها، وأن يتلوها، لأن هناك مناسبات تجلس مع أناس ليسوا مستعدين لتلقي العلم المجرد أن تأتيه بآية تلو آية، وقال الطبري وقال الزمخشري وقال القرطبي... هناك أناس ليسوا مستعدين لسماع هذه العلوم المجردة المفعمة بالأدلة والبراهين، يضجر، فيمكن أن توصله لما تريد من خلال قصة ممتعة تشده إليها، تشرئب عنقه إليك، يستمع إليك، من خلال هذه القصة تسري كل المبادئ التي تريدها، لذلك مثلاً لا إله إلا الله كلمة التوحيد وردت في كتاب الله بشكل مباشر قال تعالى: ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾ [سورة محمد الآية : 19 ] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4938/02.jpg وقد وردت في أكبر قصة في كتاب الله قصة سيدنا يوسف، لو أن كل القصة قرأتها، وتبصرت في مدلولاتها، وتعمقت فيها، لا تجد إلا لها مغزى واحداً وهو لا إله إلا الله والمغزى الله ذكره صراحة قال تعالى: ﴿ وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [ سورة يوسف الآية :21 ] أمره هو النافذ، ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، اليوم في درس الطاغوسية ذكرت آيتين الآية الأولى قال تعالى: ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ(12)﴾ [ سورة آل عمران الآية :12] الآية الثانية قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (105) ﴾ [ سورة الأنبياء الآية: 105] المستقبل للحق، والمستقبل للمؤمنين، وربنا قال: العاقبة للمؤمنين، فكل ما يشاع أنه لن تقوم للدين قائمة، والعالم كله يحارب الدين، هناك حرب عالمية ثالثة ضد الدين، هذا كلام لا يقدم ولا يؤخر. كتاب الله عز وجل يثبت قلب المؤمن : المؤمن ما الذي يثبت قلبه؟ كتاب الله، كلام خالق الكون، يقول لك: كذا وكذا، لذلك قال تعالى: ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (115) ﴾ [سورة الأنعام الآية: 115] أوجه تفسير هذه الآية أن كتاب الله جلّ جلاله من دفته إلى دفته لا يزيد عن خبر وأمر، فالخبر صادق والأمر عادل: ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً ﴾ [ سورة الأنعام الآية : 115] ٍ هذا الكلام كله في الفقرة الثانية من المقدمة، إذا أردت أن تعرف الله لك أن تفكر في خلقه، في السماوات والأرض، قال تعالى: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ [سورة آل عمران الآيات:190-191] وإذا أردت أن تعرفه من طريق آخر، من باب آخر، من مصدر آخر، فعليك بأفعاله، أفعاله تنبئ عنه، قل سيروا في الأرض ثم انظروا، قصة سمعتها، حادث سمعته لا ترويه ما لم تستكمل كل الفصول، إذا استكملت كل الفصول القصة تصبح صارخة في تجسيد آية، أو حديث. عظمة الخالق المشرع من خلال التشريع : طبعاً أنا أريد الفقرة الثالثة درسنا في الحلال والحرام، وإذا أردت أن تعرف الله لك أن تدرس أمره وشرعه لا دراسة تطبيق بل دراسة تأمل، مثلاً ممكن أخ كريم ناجح نجاحاً بالغاً في زواجه، ولا يحتاج هذا الأخ إطلاقاً إلى أحكام الطلاق، ولا لأحكام العدة، ماذا يفيده أن يقرأ أحكام الطلاق؟ إذا تأملت في شرع الله عز وجل لا من أجل تطبيقه بل من أجل أن تكشف عظمة هذا التشريع، عظمة الخالق المشرع من خلال التشريع، صار للتشريع وظيفتان، وظيفة تطبيقية: إذا طبقناه سلمنا وسعدنا، وله وظيفة تعريفية بالله عز وجل . عندما الإنسان يحضر مجلس علم وهناك أحكام شرعية، يقول: أنا لست بحاجة إلى أحكام شرعية، أنا لست بحاجة إلى أن أطلق، ما علاقتي بالطلاق؟ لا، الآن علاقتك بأحكام الطلاق لا من أجل أن تطلق، بل من أجل أن تكشف عظمة المشرع من خلال هذا التشريع. قرأت خبراً صغيراً أن في الصين الشعبية صدر قانون يجبر الأسرة على إنجاب ولد واحد، سبحان الله! وأنا لا أشعر من حين لآخر أطلع على صحيفة يومية أرى خبراً متابعاً لهذا الخبر، بعد حين قرأت خبراً آخر أنه صارت الأسرة إذا أنجبت أنثى تخنقها وتقتلها من أجل أن يكون ولدها الوحيد المسموح به ذكراً، فإذا أنجبت ولداً ذكراً سجلته في السجلات الرسمية، هذا الخبر الثاني، أما الخبر الثالث فأعطيت تعليمات للمستشفيات في الصين، لا يجوز للزوجين أن يختبرا نوع الجنين عن طريق الكومبيوتر، تحليل السائل الأمنيوسي، الناس الأغنياء يحللون سلفاً فيجرون عملية الإجهاض من أجل أن يأتي الولد ذكراً ثم تابعت الخبر، هناك خبر رابع نشأت عصابات في الصين بخطف الفتيات في سن الزواج، آخر خبر تابعته في سنة ألفين أن هناك خمسين مليون شاب ليس لهم أنثى في الصين. الإنسان حينما يشرع يخرب وهو لا يدري : لاحظ عندما إنسان يقترح تشريعاً وهو بعيد عن تشريع السماء، خمسون مليون إنسان ليس لهم نساء، عصابات لخطف الفتيات من الطرقات في سن الزواج، قرى بأكملها ليس فيها إلا الذكور الآن، الفتيات تقتل كما كانت تقتل بالجاهلية من أجل أن يسجل الذكر الوحيد في السجلات الرسمية، الإنسان عندما يشرع ماذا نتج عن ذلك؟ http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4938/03.jpg حدثني صديق كان في بلد عربي، هذا البلد ألزم الزوج إذا طلق زوجته أن يعطيها نصف ممتلكاته، فقال لي- وهو ابنته هناك متزوجة-: حلّ السفاح مكان النكاح، الإنسان له ثروة، وله أراض وبيوت، وليس مستعداً إذا نشب خلاف بينه وبين زوجته أن تمتلك نصف أملاكه، لها مهر، ولها الحق به، أما أن تمتلك نصف المعمل فقال لي: صار الآباء يغرون خاطبي فتياتهم بسندات أمانة بمبالغ فلكية، هذه السندات إذا طالبناكم وفق القانون بنصف الممتلكات طالبونا بهذا السند، ولكن تعالوا وتزوجوا بناتنا، الإنسان حينما يشرع يخرب وهو لا يدري. أحياناً أسعار السيارات تفاقمت كثيراً، ارتفعت فمنع بيع السيارات، طبعاً يوجد استثناء بين الزوج وزوجته ممكن، فشهدت هذه البلدة عقود زواج صورية من أجل بيع سيارة وصار مآس، امرأة غنية جداً تزوجت بعقد وهمي زوجاً من أجل أن تشتري سيارة منه، فاكتشف الزوج أنها غنية جداً فلم يطلقها، إذا الإنسان شرع مشكلة كبيرة جداً، وهذا التشريع لم ينجح، وإنما ألغي، كل شيء غير صحيح لا يستمر، هناك كلمة يقولها العامة: لا يصح إلا الصحيح، يلغى، يعدل، يبدل، فهذه المقدمة أردتها أنك ينبغي أن تعرف الله أولاً، لأن ما قيمة أن تعرف أمره ونهيه وأنت لا تعرف الأمر؟ الذي يعرف الأمر ولا يعرف الآمر لا يطبق الأمر، يحتال عليه، أو يطبقه تطبيقاً شكلياً، الإنسان إذا أراد أن يوظف يحتاج إلى حسن سلوك، يوجد في الحي مختار، وهذا المختار مطلع على كل الأسر، ويعرف مداخلها ومخارجها، فإذا أعطى إنساناً حسن سلوك، أي أن هذا الإنسان عظيم، الآن أي إنسان يأخذ حسن سلوك من المختار دون أن يعرفه، هذه الورقة لا معنى لها فرغت من مضمونها، أحياناً الشيء يفرغ من مضمونه كلياً، أنا أريد من هذه المقدمة أن أصل إلى أنه إذا تأملت في شرع الله لا بنية تطبيقه قد لا تحتاج هذا الموضوع، ولكن بنية أن تعرف المشرع، وعظمة هذا المشرع من خلال هذا الشرع، الإسلام كالطود الشامخ، ألف وخمسمئة عام أحكامه باقية بقاء الكون لأنه من عند الصانع. الدين الإسلامي دين راسخ كالطود الشامخ : هناك نقطة دقيقة: الإسلام لأنه تشريع خالق الأكوان فهو باق و مستمر، أما أي نظام آخر، أي نظام وضعي آخر، مهما عمّر في النهاية يتهاوى و يسقط، قال تعالى: ﴿ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً ﴾ [سورة الإسراء الآية: 81] ونحن في هذه الحقبة رأينا بأم أعيننا كيف أن مذاهب انتشرت حتى غطت ثلثي الأرض وبعد ذلك تهاوت كبيت العنكبوت: ﴿ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً ﴾ [سورة الإسراء الآية: 81] أكبر نعمة من فضل الله علينا أنا مع الحق، والحق لا يتأثر، لم تزده الأيام إلا إشراقاً. أيها الأخوة: لولا أن هذا الدين دين الله لألغي من ألف سنة، تلاشى، لذلك هو كالجبل الشامخ، كم فئة أرادت أن تطفئ نور الله عز وجل؟ أرادت أن تقتلعه من جذوره؟ أرادت أن تفجره من داخله؟ أن تمحوه؟ محيت هي وبقي الحق شامخاً، لذلك هذا الدين من يحاول إطفاء نور الله كمن يحاول إطفاء النار بالزيت، يزيده قوة إلى قوته. يحرم على المسلم أن يتزوج من إحدى النساء الآتي ذكرهن : وصلنا في الدرس الماضي إلى المحرمات من النساء، شيء بديهي لا أحد يأخذ أمه، لكن درسنا الآن ليس أحكاماً شرعية، الحكم من الأحكام، يحرم على المسلم أن يتزوج من إحدى النساء الآتي ذكرهن: أولاً: زوجة الأب سواء أطلقها أو مات عنها، سواء أكانت على عصمته، أو طلقها، أو مات عنها، يحرم على المسلم الزواج من زوجة الأب، وهذا الزواج كان في الجاهلية جائز فأبطله الإسلام، لأن زوجة الأب لها مكانة الأم، توفيت الأم فحلت هذه الزوجة محل الأم، إذاً هي في مقام الأم، الزواج منها يسيء إليها. الإسلام فيه ذكر وأنثى، لكن الأنثى هناك زوجة وهناك أم وأخت وبنت، أعطى الإسلام قدسية للأم والبنت والأخت، سبحان الله! لعل لهذا تفسيراً علمياً، الإنسان لا يشتهي أخته إلا إذا كان شاذاً يعيش في الغرب، هذا موضوع ثان، أما الإنسان السوي فلا يشتهي أخته، ولا أمه، يوجد موانع طبيعية، وأنا أكاد أن أقول: موانع فيزيولوجية، إما اتحاد الدم لا أدري، إلا أن هذا الشيء ثابت. الإسلام حرم زوجة الأب رعاية لحرمتها ولحرمة الأب. الأم والجدة مهما علت من قبل الأب أو الأم، والبنت ومثلها بنت ابنته مهما امتدت الفروع والأصول. والأخت سواء أكانت شقيقة أو أختاً لأب أو أختاً لأم، والعمة أخت الأب شقيقة كانت أو شقيقة لأب أو أم، والخالة أخت الأم أو الخالة لأم أو الخالة لأب، عندنا خالة شقيقة أو خالة لأب أو خالة لأم، الخالات و العمات والبنات والأمهات وبنات الأخ وبنات الأم مذكورات في الآية. هؤلاء القريبات يطلق عليهم الإسلام لفظ المحارم، لأن هذه المحارم محرمة على الإنسان حرمة أبدية، أما يوجد محرمات حرمة مؤقتة فأخت الزوجة محرمة عليه لكنها حرمة مؤقتة، ف لو أن زوجها طلقها تحل لك من بعده. الأم والجدة وإن علت من قبل الأب أو من قبل الأم، والبنت ومثلها بنت البنت، ومثلها بنت ابنه وبنت ابنته مهما امتدت الفروع، والأخت شقيقة كانت أو أختاً لأب أو أختاً لأم، والعمة أخت الأب شقيقة أو لأب أو لأم، أخت والده أو من أمه، أخت والده الشقيقة هذه عمة، والخالة أخت الأم شقيقة كانت أو لأب أو لأم، وبنات الأخ، وبنات الأخت، هؤلاء النسوة هن المحارم التي حرم الله الزواج منهن على التأبيد في كل الأحوال. الرجل الذي يمت لهن بهذه الصلة اسمه محرم، هن محارم وهو محرم عليهن. بعض الحكم التي استنبطها العلماء من هذا التحريم الأبدي : الآن هناك بعض الحكم التي استنبطها العلماء من هذا التحريم الأبدي، درسنا اليوم ليس له صبغة تشريعية، صبغة حكمية، لكي تعرف عظمة المشرع، هل تصدقون أن بعض الحيوانات لا يمكن أن تقترن اقتراناً جنسياً ببناتها أو أخواتها. هؤلاء الذين يفعلون زنا المحارم في الغرب هؤلاء ليسوا كالأنعام بل هم أضل سبيلاً كما قال الله عز وجل، فالأخوة الذين درسوا علوماً طبيعية يعلمون علم اليقين أن هناك حيوانات لا يمكن أن تقترن اقتراناً جنسياً بما يسمى عندهم محارم، لا يمكن، فما بالك بشيوع زنا المحارم في بلاد الغرب؟ هذا خلاف الفطرة، خلاف الطبيعة البشرية، لكن هذا ليس مستبعداً قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ* إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ﴾ [سورة البينة الآيات: 6-7] تصور أحقر حيوان في الأرض الإنسان الكافر أحقر منه. فاعل الخير خير من الخير وفاعل الشر شرّ من الشر : لذلك مرّ معي أن فاعل الخير خير من الخير، تصور عملاً عظيماً، رجل بنى مستشفى تتسع لألف سرير، وأتى لها بأعلى الأطباء مجاناً لكل فقير، هذا عمل عظيم، كلف آلاف الملايين، الذي فعله أفضل عند الله من هذا الفعل لماذا؟ لأن هذا الفعل بشكل أو بآخر ينتهي مع يوم القيامة، لكن الذي فعل هذا الفعل يسعد به إلى أبد الآبدين، الفكرة دقيقة، مهما كان العمل الطيب عظيماً هذا العمل ينتهي مع انتهاء الحياة الدنيا، هذا أبعد تقدير، لكن الذي فعل هذا العمل العظيم تنتهي الدنيا وتبدأ سعادته. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4938/04.jpg فأيهما أعظم فعل الخير أم فاعل الخير؟ الفاعل. وفاعل الشر شر من الشر، فيما أذكر قبل سنوات احتفل باليابان بنهاية آثار القنبلتين الذريتين اللتين ألقيتا على هيروشيما ونكازاكي، انتهت الآثار، الذين ماتوا ثلاثمئة ألف إنسان، ماتوا في خمس ثوان، هذه أول قنبلة ذرية ألقيت في أواخر الحرب العالمية الثانية، لو أن هذه القنبلة لم تلق لكان كل الناس الآن قد ماتوا بشكل طبيعي، معنى هذا أن هذه الجريمة الكبيرة وقعت وانتهت آثارها، لو لم تقع لمات الذين قتلوا موتاً طبيعياً، لكن هذا الذي أمر بإلقاء هذه القنبلة هو فاعل شر، تنتهي الحياة الدنيا ويأتي يوم القيامة ويبدأ شقاؤه إلى أبد الآبدين، لذلك: فاعل الشر شر من الشر. سمعت أن الطيار الذي ألقى القنبلة أصيب بمرض في عقله، لم يتحمل عذاب نفسه لأنه ساهم بقتل ثلاثمئة ألف إنسان في خمس ثوان، طبعاً الله عز وجل قال: قاتلوا الذين يقاتلوكم، المقاتل يقاتل أما الطفل البريء، المرأة في البيت، في كل الأعراف الدولية قتل المدنيين جريمة. ذكرت أن فاعل الخير خير من الخير، وأن فاعل الشر شر من الشر، فالحياة كلها تزول و يبقى فيها العمل الصالح، لذلك هنيئاً لمن ركز كل نشاطه، وكل وقته، وكل جهوده، وكل طاقاته، على عمل يرضي ربه. شعور الإنسان أن الله راض عنه شعور لا يقدر بثمن : أخواننا الكرام: شعور الإنسان أن الله راض عنه هذا الشعور لا يقدر بثمن، هذا معنى قوله تعالى: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (97)﴾ [سورة النحل الآية : 97 ] شعورك أن الله عز وجل الذي خلقك راض عنك لا يقدر بثمن، شيعت جنازة وضعوا قرآناً في مركبة النعش جاءت الآية الكريمة قال تعالى: ﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (25) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (26) ﴾ [سورة الأعلى الآية: 25] وهذه الجنازة تمشي من البيت إلى القبر، ما وجدت آية أقرب إلى هذا الوضع من هذه الآية، كل واحد منا مهما طال به العمر، مهما اشتدت قوته، مهما علا شأنه، مهما لمع ذكره، مهما تألق نجمه، لابد من أن يأتي إلى القبر: ﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (25) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (26) ﴾ [سورة الأعلى الآية: 25] الحقيقة مع أن الطبع البشري يأبى أن يميل إلى هذه المحارم، لكن لولا أن الله حرم منهن الزواج على التأبيد، لكان عندنا مشكلة، يوجد اختلاط دائم، في البيت والدته، وأخته، وابنته، لولا أن الطبع البشري يأبى، والشريعة قطعت بهذا الأمر، لكان هناك فساد عريض ما بعده فساد، سبحان الله تجد الأم مقدسة، والبنت مقدسة، والأخت مقدسة، ولا يخطر في بال الإنسان السوي طبعاً أي خاطر جنسي تجاه هذه المحارم، يقول لك: خالتي مثل والدتي، عمتي مثل والدتي، ابنتي، أختي، بنت ابني، بنت ابنتي، هذه الخواطر بريئة وراقية تجاه المحارم. على الإنسان أن يؤدي الذي عليه و يطلب من الله الذي له : هناك طبع وهناك تحريم، بين الإنسان وبين هذه المحارم مودة ومحبة، لو أن الإنسان سمح بالزواج منهن لضاقت دوائر المودات، أنت عندك خمسة شباب مضطر شئت أم أبيت أن تصاهر خمس أسر، مصاهرة ويصبح مودة ومحبة ولقاء، وشعور أن صار فلان صهرنا، وهذه كنتنا، الزواج من دوائر أوسع من دوائر المحارم ينمي العلاقات الاجتماعية. سبحان الله! عندما يصبح زواجاً يصبح مودة، ومحبة، وتعاون، وألفة، والله عز وجل قال: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21) ﴾ [سورة الروم الآية: 21] أخواننا الآباء يعرفون هذه الحقيقة، الفتاة أغلى شيء عليها في الحياة والدها وأمها، فإذا خطبت أغلى إنسان في الوجود هو زوجها، وتتمنى أن تأخذ كل شيء من بيت أهلها إلى بيت زوجها، هكذا طبيعة الفتاة، لذلك النبي الكريم حينما سئل: (( مَن أعظم الرجال حقاً على المرأة؟ قال: زوجها، فلما سئل: مَن أعظم النساء حقاً على الرجل؟ قال : أمه )) [ الجامع الصغير عن عائشة ] قاعدة مهمة جداً، أعظم امرأة في حياتك أمك، أعظم رجل في حياتك أيتها الأنثى زوجك، هذا هو النظام الإسلامي. أنا لا أرى جريمة أكبر من الذي يبالغ في إكرام زوجته ويبالغ في عقوق أمه التي أنجبته، وإذا كان هناك خطأ من الأم، الأم غير معصومة، أدِّ الذي عليك واطلب من الله الذي لك، أنت عاملها كأم وانتهى الأمر وعلى الله الباقي. هناك رجل شكا للنبي عقوق ابنه، فبكى النبي عليه الصلاة والسلام من شدة تأثره، ألقى أمامه قصيدة شعرية، وذكر له عقوق ابنه. التباعد أفضل طريقة لتحسين النسل : هناك نقطة دقيقة جداً في العلوم أن البويضة والحوين يتلاقحان، على البويضة مورثات، وعلى الحوين مورثات، معي معلومات دقيقة أن على البويضة خمسة آلاف مليون معلومة مبرمجة، و على الحوين خمسة آلاف مليون معلومة مبرمجة، لكن نحن لو أخذنا المورثات بشكل عام، هناك مورثات في الذكر والأنثى، هذه المورثات مع التباعد يأتي المولود قوي البنية، لأن الأقوى في المورثات يغلب الأضعف، أما مع التقارب فالضعف يزداد، لذلك أنا أذكر أنه عقد في الشام أسبوع علم، واستقدم القائمون على هذا الأسبوع علماء من معظم البلاد المتقدمة علمياً، وكان الموضوع الرئيس في هذا الأسبوع: تحسين النسل، وكل عالم أدلى بدلوه في هذا الأسبوع، أذكر أن هذا الأسبوع من عشر سنوات أو أكثر وكان أحد كبار الأطباء - وهو عضو في المجمع العلمي العربي توفي رحمه الله - بعد أن سمع كل هذه المحاضرات التي جاء بها الأطباء من شتى بقاع الأرض، وبينوا بحسب علمهم وخبراتهم وأحدث الطرق العلمية طرائق تحسين النسل، قام رئيس مجمع اللغة العربية وهو طبيب وألقى كلمة مختصرة قال: كل هذه الكلمات يلخصها قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اغتربوا لا تضووا)) [قال ابن الصلاح: لم أجد له أصلاً معتمداً. قلت: إنما يعرف من قول عمر أنه قال لآل السائب "قد أضويتم فأنكحوا في النوابغ" رواه إبراهيم الحربي في غريب الحديث، وقال معناه تزوجوا الغرائب قال: ويقال: اغربوا لا تضووا] إذا الإنسان بعد يأتي النسل قوياً، فإذا اقترب يأتي النسل ضعيفاً، أما إذا اقترب زيادة أخذ أخته من الرضاعة وهو لا يدري، كثيراً ما يصاب المولود بعته، هشاشة بالعظام، بخلل خطير في جسمه، لأن المورثات إذا كان هناك ضعف الضعف يزداد، أما إذا كان هناك تباعد فالجهة الأقوى تغلب الجهة الأضعف، والله أعلم. فوائد الإرضاع الطبيعي : الآن المحرمات من الرضاع، النبي عليه الصلاة والسلام يقول: ((يحرم من الرضاع ما يحرم بالنسب)) [البخاري ومسلم من حديث عائشة وابن عباس] قال: هناك شرطان، بالمناسبة وأتمنى أن يكون هذا بين أيديكم، الآن لا أحد يرضع أحداً إطلاقاً، إذا كان هناك حليب بثدي الأم أرضعت ابنها، هناك أسباب كثيرة تمنع الأم عن إرضاع ابنها، طبعاً البديل الحليب الاصطناعي، لكنه ثبت أن معظم حالات سرطان الثدي يصبن به اللواتي لا يرضعن أولادهن، وأن النساء اللواتي يرضعن أولادهن قلّما يصبن بسرطان الثدي هذه واحدة. الشيء الثاني: أن الإنسان إذا أطعم ولده حليب القوارير - أي حليب البقر- هذا الحليب فيه أربعة أمثال الحموض الأمينية عن التي توجد في حليب الأم، جهاز الهضم والخمائر غير مؤهلة أن تهضم هذه النسبة العالية من الحموض الأمينية، الشيء الذي لا يصدق أن التخلف العقلي أحد ثمار الإرضاع الغير طبيعي، الآفات القلبية والوعائية أحد ثمار الإرضاع الغير طبيعي، آفات الكليتين والكبد أحد أخطار الإرضاع غير الطبيعي، الذي لفت نظري في هذا الموضوع العلمي أن البديل ليس الإرضاع الاصطناعي بل الإرضاع من امرأة أخرى، لذلك ورد في القرآن الإرضاع، والآن شيء معطل كلياً، لا أحد يرضع، البديل الإرضاع الصناعي، حليب القوارير، لكن لو عرفنا أن هذا الشرع من عند خالق الكون، لو فرضنا لسبب أو لآخر الأم توفيت، البديل ليس حليب القوارير، البديل أن تبحث له عن مرضعة، لأن حليب الأم فيه كل مناعة الأم، موضوع طويل عالجته في خطبة، إلا أنه أجريت تجارب لاختبار ذكاء الشعوب، وجد أن بعض الشعوب الفقيرة جداً يتمتع أولادها بأعلى نسبة من الذكاء، بسبب قد لا يخطر على بالكم هو أن كل النساء يرضعن أولادهم إرضاعاً طبيعياً حتى أنه في أقوى بلد في العالم كانت درجة الذكاء سبعاً وعشرين بالمئة لأن الإرضاع عندهم كان إرضاعاً صناعياً. النجدان هدية من الله عز وجل : ثمانون بالمئة من التخلف العقلي في المجتمعات سببه الإرضاع الغير طبيعي، الله قال: ﴿ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (10) ﴾ [ سورة البلد] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4938/05.jpg النجدان هدية من الله عز وجل، ابن عباس قال: "النجدان هما الثديان"، لاحظ طفلاً ولد الآن، لو أصبعك نظيفة جداً وضعتها في فمه تشعر بقوة مص شديدة جداً، من علمه ذلك؟ نحن مر معنا في الجامعة أنه يوجد منعكس واحد يولد مع الطفل اسمه منعكس المص، لولا هذا المنعكس لما كنا في هذا المكان، لا نعيش، كيف تعلم طفلاً ولد الآن أن انتبه يا بني ضع فمك على حلمة ثدي أمك، وأحكم إغلاق فمك، واسحب الهواء، هل تستطيع أن تكلمه هذا الكلام؟ الآن ولِد. تصور أن هذا المنعكس غير موجود، لا يوجد حياة، المنعكس الوحيد في الجنس البشري منعكس المص، الآن ولد لمجرد أن تضع أصبعك في فمه يسحب بإحكام، الله عز وجل صمم الطفل يرضع من والدته، الحليب في الصيف بارد، في الشتاء دافئ، هل تصدقون أن حليب الأم يتبدل تركيبه في أثناء الرضعة الواحدة هذا ما أثبته العلم. حليب الأم يتبدل تركيزه وتركيبه في أثناء الرضعة الواحدة، أول الإرضاع أربعة أمثال الماء في نهاية الرضعة أربعة أمثال السكر، كان ممدداً ثم صار مركزاً بالسكر وبالحموض الأمينية، موضوع لا أذكر تفاصيله، ولكن ذكرته في الخطبة بشكل مفصل، معقم فيه كل مناعة الأم، فيه مواد تمنع الالتهاب، أكثر الأطفال الذين يرضعون إرضاعاً صناعياً معهم التهاب أمعاء مزمن، وعندهم مقاومة هشة للأمراض، وليس معهم مناعة، لذلك الإرضاع هو البديل، حينما يستحيل حليب الأم يصعب أن ترضع الأم ولدها لأسباب كثيرة منها الوفاة، ومنها الطلاق، البديل ليس حليب القوارير ولكن المرضعات، وإن كان الآن هذا الشيء غير مطبق، أما هذا هو الشرع. أحكام الرضاع في الشرع : لذلك عندنا أحكام الرضاع في الشرع، قال: متى يحكم أن هذا الطفل أخ لهذه الفتاة من الرضاعة؟ قال: إذا رضع في سن الرضاع في العامين الأوليين، لأن الإرضاع التام عامان: ﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ(233)﴾ [ سورة البقرة] إذا رضع الطفل من ثدي أم خمس رضعات مشبعات، أي أن الطفل يرضع ويرضع حتى يدع الثدي من تلقاء نفسه، لو أنه أرضع ونزع عن ثدي أمه هذه ليست برضعة، الرضعة المشبعة هي التي يرضع منها الطفل من ثدي هذه المرأة حتى يبعد فمه عن ثديها من تلقاء ذاته، خمس رضعات مشبعات في السنتين الأوليتين، يقال: هذا الطفل أخ لهذه الفتاة، لذلك قال عليه الصلاة والسلام: ((يحرم من الرضاع ما يحرم بالنسب )) [البخاري ومسلم من حديث عائشة وابن عباس] صار عندنا أخت من الرضاع، وأم مرضعة، وعمة من الرضاع، وخالة من الرضاع، كل النسبيات يقاس عليهن المرضعات. المحرمات بالمصاهرة : المحرمات بالمصاهرة؛ أم الزوجة هذه يحرمها الإسلام على التأبيد بمجرد العقد على ابنتها، ولو لم يدخل بها لأنها تصبح للرجل بمنزلة أمه، أنا مرة قلت في عقد قران أن الإنسان له ثلاثة آباء؛ له أب أنجبه، وأب زوجه، وأب دله على الله، الحقيقة أن كل إنسان يسيء إلى عمه أنا أعده إنساناً غير سوي، لأن هذا العم ربى لك هذه الفتاة حتى أصبحت في سن الزواج أتكافئه على ذلك بالإساءة إليه؟ يقاس على هذه المقولة كما أن للإنسان أباً أنجبه وأباً زوجه وأباً دله على الله، أم زوجته بمثابة أمه، لذلك هناك أصهار يتفننون بالإساءة لحماتهم لماذا؟ هذه أم زوجتك، إذا تكلمت زوجته كلمة عن أمه يقيم عليها القيامة، أما إذا قضى سهرة بأكملها يتكلم عن أخطاء أم زوجته فلا شيء عليه، هذا تناقض في الإنسان المؤمن، الكامل يرعى حرمة أم زوجته، بصرف النظر عن وضعها معه، هذه أم زوجتك عليك أن تحترمها، وعليك أن تبجلها، وأن تعاملها كأمك، والشرع هكذا فعل لمجرد أن تعقد العقد على ابنتها أصبحت محرمة حرمة أبدية ولو لم تدخل بها، عقد فقط ثم صار هناك طلاق أصبحت بمثابة الأم. الآن الربيبة بنت الزوجة، إنسان تزوج زوجة ولها بنت هذه ربيبة بمثابة ابنتك لا يجوز الزواج منها محرمة، لكن سبحان الله الحكم الشرعي أنها لا تحرم على الزوج إلا إذا دخل بأمها، أما إذا لم يدخل فله أن يتزوج منها، والتفسير دقيق جداً: الأم أحياناً لو أن الزوج لها ثم اختار ابنتها لا تحقد على ابنتها أما العكس فغير صحيح، لو أن الزوج للبنت ثم اختار الأم تحقد على أمها، فلمجرد أنه عقد على البنت تحرم أمها على التأبيد، أما العقد على الأم فلا يحرم البنت إلا بعد الدخول بها، اللاتي دخلتم بهن، الآية الكريمة . وحليلة الابن، طبعاً الابن الصلب، أما المتبنى فالإسلام أنهى هذه العادة السيئة بالتبني، أنا لا أقول عادت هذه العادة، ولكن إذا قال لك إنسان: هذه مثل أختي لا تصدقه، الأجنبية أجنبية، والأم أم، الله عز وجل أمر نبيه الكريم السيد العظيم أمره أن يتزوج زوجة متبناه ليبطل هذه العادة نهائياً، وكان عليه حرج شديد، حتى أن الله كأنما عاتبه قال تعالى: ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [سورة الأحزاب الآية: 37] شيء كبير جداً المتبنى في الجاهلية ابن، وهذه زوجة الابن، فالنبي أمر أن يتزوج زينب زوجة متبناه زيد، كان زيد اسمه زيد بن محمد، لذلك العجيب أن في القرآن كله ما ورد اسم صحابي على الإطلاق إلا زيد لماذا؟ قال: تكريماً له، لأن الله عندما منع التبني كان اسمه زيد بن محمد فصار اسمه زيد بن حارثة، حرم هذا النسب الشريف فعوضه الله في القرآن الكريم بأن ذكر اسمه يتلى إلى يوم القيامة. تحريم الجمع بين الأختين : لكن أريد أن أبين أن المحارم النسبيات غير المحرمات بالمصاهرة، يوجد فرق أي زوجة الأب لا يجوز الخلوة بها، أحياناً يكون الابن من سن زوجة أبيه، كذلك زوجة الابن لا يجوز الخلوة بها، هناك ترتيب؛ أول بند: الزوجة لا يوجد أي قيد أو شرط، محارم النسب، محارم المصاهرة، محارم المصاهرة لا يجوز الخلوة بهم، مما حرمه الإسلام على المسلم وكان هذا في الجاهلية مشروعاً الجمع بين الأختين، أقدس علاقة بين إنسانيين الأخوات، لو أن إنساناً تزوج أختين سوف يكون هناك منافسة، وحسداً، ومشادة، وبغضاء، كما بين الضرائر دائماً، نكون حطمنا هذه العلاقة المقدسة لذلك الله عز وجل حرم الجمع بين الأختين، وكان هذا في الجاهلية قائماً يقول عليه الصلاة والسلام: (( لا يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها )) [ مسلم عن أبي هريرة] الله عز وجل قال: ﴿ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾ [ سورة الحشر الآية: 7 ] النبي عليه الصلاة والسلام قاس على الجمع بين الأختين والجمع بين الزوجة وعمتها، والزوجة وخالتها، قال: إن فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم. من المحرمات المتزوجات المرأة المتزوجة لا تحل لك إلا أن تزول عنها يد الزوج بموت، أو بطلاق، وأن تستوفي العدة التي أمر الله بها، وفاء لحق الزوجية، وبراءة للرحم. |
رد: العبادات التعاملية
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية الدرس : ( التاسع و العشرون ) الموضوع : العلاقة بين الزوجين الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون الذكر فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. من سعادة الإنسان أن تأتي مقاييسه متوافقة مع مقاييس القرآن : أيها الأخوة الكرام: مع الدرس الثالث عشر من سلسلة دروس: "الحلال والحرام في الإسلام"، وقد وصلنا في الدرس الماضي إلى العلاقة بين الزوجين وما فيها من الأحكام الشرعية، ولاسيما العلاقات التي حرمها الشارع الحكيم. أيها الأخوة الكرام: قبل أن أمضي في هذا الموضوع أريد أن أضع بين أيديكم هذه المقدمة، من سعادة الإنسان أن تأتي مقاييسه متوافقة مع مقاييس القرآن، أن تأتي حياته متوافقة مع التصميم الإلهي، الله جلّ جلاله حينما صمم الذكر والأنثى، حينما شرع لنا الزواج، ماذا أراد من هذا الزواج؟ أراد الوفاق، أراد المودة، أراد السكنى، قال تعالى:﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21) ﴾ [سورة الروم:آية 21] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-5796/01.jpg الإنسان الموفق هو الذي يسعى لتوفيق زواجه وفق المخطط الإلهي، في النهاية أسعد الناس هم الذين توافقت حياتهم مع منهج الله، توافق زواجه، عمله، علاقاته، نشاطاته، حركته، هذه الحركة إن إلى الزواج، أو إلى العمل، أو إلى الراحة، أو إلى اللهو المباح البريء، حينما تأتي علاقات الإنسان، ونشاطاته، وحركته في الحياة، متوافقة مع منهج الله عز وجل فهذا من السعداء لأنه صار في انسجام و تناغم. كيف أن السيارة الحديثة جداً لو سارت على طريق صخري، حفر، وصخور، وتلال، ووهاد، وأطيان، وغبار، كل ميزاتها تفقدها بهذا الطريق، أما إذا سارت على طريق معبد، فتشعر بكل ميزات هذه السيارة، لأن هذا الطريق متوافق معها، هذا الطريق لهذه السيارة، وهذا الطريق لهذه السيارة، فتصور سيارة أحدث طراز تسير في طريق وعر، حفر، صخور، من أسفلها الصخر ارتطم بقاعدتها، أجهزتها تعطلت، مكابحها تأثرت، أما حينما تسير هذه السيارة على طريق معبد فتقول: هذه السيارة لهذا الطريق، وهذا الطريق لهذه السيارة، هناك شيء دقيق جداً وهو أن طبيعة النفس البشرية متوافقة مع الشريعة، فكل إنسان عرف الله، وطبق منهجه، يشعر براحة هي راحة التوافق. المؤمن يتحرى أن تأتي علاقاته متوافقة مع منهج الله عز وجل : هذه النفس مصممة لهذه الشريعة، لذلك الإنسان إذا ابتعد عن هذه الشريعة يشعر بفراغ، و قلق، و ضياع، و خوف من المستقبل، و شعور أنه مكشوف شعور بالخطر المستمر، أما حينما يؤمن، وحينما يتوب، فيشعر بالانسجام والتوافق، فلذلك الله عز وجل شرع لنا الزواج، مثلاً قال تعالى: ﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾ [سورة النساء:آية 34] الزوج المؤمن جعل هذه الآية متوافقة مع طبيعته، الله عز وجل أراد من هذا الزواج أن يكون الزوج هو القيم، القوامة للزوج لا للزوجة، قال تعالى: ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ [سورة النساء:آية 19] ينبغي أن تكون المعاشرة كذلك، قال تعالى: ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (19) ﴾ [سورة النساء:آية 19] المقدمة أن المؤمن يتحرى أن تأتي علاقاته متوافقة مع منهج الله عز وجل. الله عز وجل جعل الزواج تلبية للحاجة التي أودعها في الإنسان : الآن العلاقة بين الزوجين: الحقيقة شئنا أو أبينا، أحببنا أم كرهنا، الله جلّ جلاله أودع في الإنسان حاجة إلى الجنس الآخر، اعترفت أم لم تعترف، هي واقعة، الإنسان بحاجة إلى امرأة، والمرأة بحاجة إلى رجل، وما خلق الله هذه الحالة المتبادلة إلا ليكون الزواج. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-5796/02.jpg التخطيط الإلهي أو منهج الله يتطلب أن تلبى هذه الحاجة ضمن الزوجية، في النكاح لا في السفاح، الفساد في العالم أساسه أن هذه الحاجة تلبى ولكن في السفاح لا في النكاح، تبتغى في الملاهي، في النوادي، في الزنا، في بيوت الدعارة، أما المؤمن فهذه الحاجة لا يصرفها إلا في القناة التي شرعها الله عز وجل. أريد موضوعاً أكبر من درسنا، أنه أنت من علامات التوفيق أن تبحث عن التخطيط الإلهي، الله عز وجل شرع لنا الزواج، أعطانا في كتاب الله بعض مواصفاته، فكل واحد منا مكلف أن يسأل نفسه هذا السؤال: هل زواجي وفق المواصفات التي وردت في كتاب الله؟ وكل شيء ممكن بتوفيق الله، لا تقل: هذا فوق طاقتي، استعن بالله ولا تعجز، لا تقل: هذا فوق طاقتي، لأن الله عز وجل لا يكلف نفساً إلا وسعها، الله عز وجل جعل الزواج تلبية لهذه الحاجة التي أودعها في الإنسان، لها عندك حاجة ولك عندها حاجة. أهداف الزواج : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-5796/03.jpg هناك هدف أبعد؛ المصاهرة تقرب بين القبائل، والعشائر، والأسر، المصاهرة من الانصهار، هاتان الأسرتان عن طريق الزواج تلتئمان، تتقاربان، لهم من هذه الأسرة صهر ولهم من هذه الأسرة صهرة-الصهرة تؤنث-. فضلاً عن أن الزواج يلبي هذه الحاجة الفطرية، الزواج يؤلف بين الأسر، بين القبائل، بين الشعوب أحياناً، أحياناً إذا تزوج الملك من شعب آخر يصبح مصاهرة بين الشعبين. هناك شيء آخر بالزواج؛ هو أن له ثماراً وهي الأولاد، صار الزواج تلبية حاجة، وتقريباً بين أفراد المجتمع، وإنجاب أولاد، وينصب عليهم الحنان والعطف، كل هذا الخير من الزواج، وكل الشر من الزنا. امرأة قطفت زهرة شبابها وألقيت في الطريق، أما الزوجة فلا تلقى في الطريق، لها زوج، ولها أولاد، ولها بنات، ولها أصهار، وكلما تقدم بها العمر ازدادت رفعة. الآية التالية أصل في العلاقة الزوجية : لذلك قال تعالى: ﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21) ﴾ [سورة الروم:آية 21] هذه الآية شعار ﴿لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ هل الزوجة سكن للزوج أم أنها مبعث الضجر؟ يقول لك: بيتي جحيم، سعادتي أن أخرج من البيت، وقد تقول الزوجة: حينما يخرج زوجي أتنفس الصعداء، حالة مرضية ينبغي أن تعالج، الله عز وجل قال: ﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ السكون هنا الراحة. ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ المودة بالتعريف الدقيق السلوك المعبر عن الحب، الحب كامن في القلب، والمودة سلوك ظاهر، الله عز وجل أشار إلى الدليل على المدلول وجعل بينكم مودة أي سلوك ينم عن محبة في القلب ورحمة، أما الرحمة فدقيقة جداً، الإنسان إذا كانت زوجته كما يتمنى يحبها، أما لو أنها أصيبت بمرض عضال فيرحمها، أنت بين الحب والرحمة، وإن كان الزوج ملء السمع والبصر، مقتدر، غني، طبعاً تحبه، أما إذا افتقر أو مرض فترحمه. إما أن يكون الحب وإما أن تكون الرحمة، هذه الآية أصل في العلاقة الزوجية: ﴿ لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ النقاط الأساسية في العلاقة بين الزوجين : الآن في العلاقة الحسية بين الزوجين، الإسلام منهج كامل، هذا المنهج يصل إلى أخصّ علاقة بينك وبين زوجتك، الإسلام ليس قضية مبادئ كبرى، مبادئ دولية. الإسلام مبادئ دولية، على اجتماعية، على نفسية، على خاصة جداً، على حميمة، كلمة حميمة أو علاقات حميمة يعبر بها عن أخص العلاقات، ومنهج الله عز وجل يصل بالمؤمن إلى أخص العلاقات. ما هو المنهج الإلهي فيما بين الزوجين من علاقة حسية؟ قال تعالى: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ﴾ [سورة البقرة:آية 222] والله أتمنى أن يكون بين يدي عدة مقالات علمية قرأتها عن الأخطار الجسيمة التي تنجم عن الاتصال الزوجي أثناء المحيض، مرة قرأت مقالة -لست متأكداً- أكثر من عشرين بنداً وكل بند أخطر من الثاني. الله قال: ﴿هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ﴾ أهل الكتاب فريقان؛ فريق إذا حاضت المرأة أخرجها من البيت، وطردها، ولم يدعها تأكل، وفريق لم يعبأ بحيضها إطلاقاً. أما الإسلام فوسطي قال: ﴿ فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ﴾ ما أمرك أن تعتزل عشرتها، ولا أن تجلس معها، اجلس معها، وكُلْ من طبخها، وسامرها، واسهر معها، ولكن عليك أن تعتزلها في أيام الحيض، وأن تعتزل مكان الحرث فقط، وما فوقه، وما تحته، ليس اعتزالاً كاملاً، قال تعالى: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222) ﴾ [سورة البقرة:آية 222] حتى يطهرن، يطهرن الأولى تفيد انقطاع الدم، فإذا تطهرن تفيد الاغتسال، أول طهر: انقطاع الدم، ثاني طهر: الاغتسال، ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ أنت مأمور أن تأتي من المكان الذي أمرك الله أن تأتيها منه. إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين، ذاك المكان طاهر، المكان الآخر نجس، هذه العلاقة الحميمة الحسية بين الزوجين تحكمها هذه الآية، عليك أن تتقي المحيض، وأن تتقي المكان الآخر المنحرف، هاتان النقطتان الأساسيتان في العلاقة بين الزوجين. تشريع الله في العلاقة الحميمة بين الزوجين : هناك توجيه ثان قال تعالى: ﴿ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (223) ﴾ [سورة البقرة: آية223] ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾ الحرث مكان الزراعة، مكان الإنبات، وفي المرأة مكان واحد للإنبات، المكان الآخر قذر، الآيات واضحة لكنها لطيفة، وفيها كنايات لطيفة جداً. ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ ليس كالبهائم، هناك تمهيد، وكلام طيب، وسلوك تمهيدي يرقى بالإنسان عن العلاقة البهيمة مع زوجته، هذا تشريع ربنا في العلاقة الحميمة بين الزوجين. المنهج الإلهي فيما بين الزوجين : 1 ـ المودة و الرحمة : أولاً: العلاقة العامة: ﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21) ﴾ [سورة الروم:آية 21] سكنى ومودة ورحمة. 2 ـ اعتزال النساء في أيام الحيض : العلاقة الحسية الآية الكريمة: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222) ﴾ [سورة البقرة:آية 222] 3 ـ الكلام الطيب والأعمال التمهيدية التي ترفع العلاقة بين الزوجين : الإشارة الثالثة: ﴿ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (223) ﴾ [سورة البقرة: آية223] ﴿أَنَّى﴾ تفيد الزمان، في أي وقت شئتم، و ﴿أَنَّى﴾ تفيد الكيفية، كيف شئتم، لكن هناك صمام واحد، كيف شئتم في صمام واحد وأنى شئتم في أي وقت. ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ التقديم: الكلام الطيب، والأعمال التمهيدية، التي ترفع هذه العلاقة عن علاقة البهائم، وقال بعض العلماء: إن هذا التقديم له أثر كبير في قوة النسل، هناك سؤال: قد ينجب الإنسان طفلاً متين البنية وطفلاً ضعيفاً ما الذي تغير؟ لعل التقديم ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ هو سبب لبنية المولود القوية، والله أعلم. ﴿ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (223) ﴾ [سورة البقرة: آية223] 4 ـ حفظ أسرار الزوجية : الأدب الرابع: حفظ أسرار الزوجية: بصراحة سأسمح لنفسي أن أتكلم كلاماً دقيقاً، وأرجو ألا يكون قاسياً، لا يمكن لمؤمن يعرف الله أن يتحدث عن العلاقة بينه وبين زوجته، لأن الله عز وجل وصف المؤمنات بأنهن ، حافظات للغيب بما حفظ الله، أسرار الزوجية لا يمكن أن تذاع، ولا يمكن أن يتحدث بها. كتمان العلاقة بين الرجل و زوجته كتماناً مطلقاً : أيها الأخ الكريم: ترتكب كبيرة لو حدثتك نفسك أن تحدث الناس على علاقتك بزوجتك وعما تمّ بينكم البارحة، لا يقول هذا إلا عديم المروءة، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام قال: ((إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم ينشر سرها )) [ مسلم عن أبي سعيد الخدري] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-5796/04.jpg الحكم الرابع عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما سلم أقبل علينا بوجهه فقال: ((مَجَالِسَكُمْ هَلْ مِنْكُمْ إِذَا أَتَى أَهْلَهُ أَغْلَقَ بَابَهُ وَأَرْخَى سِتْرَهُ ثُمَّ يَخْرُجُ فَيُحَدِّثُ فَيَقُولُ: فَعَلْتُ بِأَهْلِي كَذَا وَفَعَلْتُ بِأَهْلِي كَذَا؟ فَسَكَتُوا فَأَقْبَلَ عَلَى النِّسَاءِ فَقَالَ: هَلْ مِنْكُنَّ مَنْ تُحَدِّثُ فَجَثَتْ فَتَاةٌ كَعَابٌ عَلَى إِحْدَى رُكْبَتَيْهَا وَتَطَاوَلَتْ لِيَرَاهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَسْمَعَ كَلَامَهَا فَقَالَتْ: إِي وَاللَّهِ إِنَّهُمْ لَيُحَدِّثُونَ وَإِنَّهُنَّ لَيُحَدِّثْنَ، فَقَالَ هَلْ تَدْرُونَ مَا مَثَلُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ؟ إِنَّ مَثَلَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مَثَلُ شَيْطَانٍ وَشَيْطَانَةٍ لَقِيَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ بِالسِّكَّةِ قَضَى حَاجَتَهُ مِنْهَا وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ)) [ أحمد عن أبي هريرة] الذي يتحدث كأنه فعل هذا أمام الناس، نقل كل شيء، عندنا أربعة أحكام شرعية؛ نساؤكم حرث لكم فائتوا حرثكم في مكان الحرث، ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض، عليك أن تكتم العلاقة بينك وبين زوجتك كتماناً مطلقاً. هذا شرف المجالس، الطفل بينه وبين الزواج مراحل فسيحة، فإذا لم ير شيئاً هناك موضوع أن الأعضاء التناسلية جعلها الله أعضاء مزدوجة، هل خطر في بالكم تلك الحكمة، فلإفراغ المثانة هدف، الطفل الصغير يعيش فترة طويلة ويظن أن هذا من أجل إفراغ المثانة فقط، الازدواج من أجل أن يكون الإنسان في البداية سليماً معافى مرتاحاً من هذا، فكل إنسان يثير هذه الرغبة في وقت مبكر يسهم في إفساد الفطرة، وإنما يسهم في إفساد فطرة الله عز وجل. تحديد النسل : وأما تحديد النسل فموضوع الساعة، لكن الصحابة الكرام كما ورد في الصحيحين عن جابر كنا نعزل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، نعزل أي لا نسمح للماء أن يستقر في الرحم، أقوال بدائية لكن هي أرقى طريقة لأن الطرق الأخرى لها مضاعفات، اللولب يسبب تليف الرحم، والحبوب تسبب أحياناً سمنة، وترهلاً، وتوتراً عصبياً، وبعض المضاعفات، وهذا خطير جداً على الإنسان، الهرمونات خطيرة جداً، فأي إنسان يلعب في هرموناته قضية خطيرة جداً فيبقى العزل أفضل طريقة. يقول أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم: ((كنا نعزل على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم فبلغ ذلك نبي الله صلى الله عليه و سلم فلم ينهنا )) [ مسلم عن جابر] أنا أي جواب حول هذا الموضوع أقول: افعل ما بدا لك والمقدر كائن، إنسان عمل منع حمل ثلاث سنوات ثم أنجبت امرأته ثلاثة توائم، افعل ما بدا لك والمقدر كائن، يوجد رجل أنجب اثني عشر طفلاً خطأ، لكن الإنسان إذا اتخذ وسيلة لمنع الحمل يجب أن تكون مدروسة، لأن الشركات الطبية في العالم هدفها الربح، لأن الحبوب والهرمونات لها مضاعفات في جسم المرأة، في نفسيتها وتوترها العصبي، هم القصد عندهم أن يبيعوا، لذلك الآن ترى بعد أن بيع منه ملايين يقولون: دواء مسرطن، الأطباء المتفوقون قلّما يستعملون الدواء، جسمك نباتي أما هذه الأدوية الكيميائية فتفعل شيئاً وتسيء في أشياء. وجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن لي جارية، وأنا أعزل عنها، وإني أكره أن تحمل، وأنا أريد ما يريد الرجال، وإن اليهود تحدث أن العزل هو الموؤودة الصغرى فقال عليه الصلاة والسلام: ((كذبت يهود، ولو أراد الله أن يخلقه ما استطعت أن تصرفه)) [ السنن الصغرى عن أبي سعيد الخدري] تبين أن العزل في أحاديث تجيزه، الإنسان على مستوى الأسرة من دون إلزام من الدولة، عندما صار إلزام من الدولة حكومة الصين ألزمت كل الأسر أن تنجب مولوداً واحداً، فالذي حصل أن كل أنثى كانت تخنق بعد أن تولد إلى أن يأتي الذكر يسجل في السجلات، الآن هناك عصابات لخطف الفتيات في سن الزواج، في عام ألفين هناك خمسون مليون صيني بلا امرأة، هناك مضاعفات خطيرة،أي تنظيم الأسرة مباح لرب الأسرة، أما إذا جعل قانوناً فهناك مضاعفات خطيرة جداً من هذا القانون. في مجلس عمر رضي الله عنه تذاكروا العزل فقال رجل: إنهم يزعمون أنه الموؤودة الصغرى، فقال علي: لا تكون موؤودة حتى تمر عليها الأطوار السبعة، حتى تكون سلالة من طين، ثم تكون نطفة، ثم علقة، ثم عظاماً، ثم تكسى لحماً، ثم تكون خلقاً آخر.فقال عمر: صدقت أطال الله بقاءك. النقطة الدقيقة أن الإنسان في حالات يمكن للطبيب المسلم الورع الحاذق أن يأمر بإسقاط الجنين حفاظاً على صحة أمه، ليس العزل فقط مباحاً، في الحالات الضرورية يجوز إسقاط الجنين حفاظاً على حياة أمه. تربية الأولاد في الإسلام أخطر شيء في دين الرجل : النقطة الثانية: الذي يقول: ((تناكحوا تناسلوا فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة)) [ الديلمي عن ابن عمر] أنا متأكد أن النبي صلى الله عليه وسلم ما أراد أبداً بهذا الحديث أن يتباهى بالعدد، ولكنه أراد أن يتباهى بنا بالنوع، لذلك هذا الذي ينجب الأولاد، ويلقيهم في الطرقات، في الشوارع، بلا تربية، بلا تغذية، بلا تعليم، بلا توجيه، تجعلهم عالة على الناس، عبئاً على المجتمع، أطفال صغار جياع مرضى ليس هذا هو الإسلام. ليس هذا هو الإسلام لأن تربية الأولاد في الإسلام أخطر شيء في دين الرجل، أفضل كسب الرجل ولده، أي أنا مع إذا أنجبت غلاماً يجب أن تحتاط له، يجب أن تحتاط لهذا الإنجاب بأن تؤمن له كل حاجاته، هذا واجب الأبوة تجاه الابن. يقول لك الأب أحياناً: أنا عصامي، وأحب أن يكون ابني عصامياً، يلقيه في التهلكة، يلقيه في الفساد، يلقيه في سن مبكرة بين الذئاب ويقول: أنا عصامي. إذا كنت أنت قد نجوت، إذا أنت كنت تعيش في سنة الأربعينات، في الثلاثينات، المجتمع كان سليماً، والانحراف قليلاً، والجريمة نادرة، والناس يخافون من الله عز وجل. الآن هناك مخدرات من أول مرة يصبح مدمناً، شيء مخيف، والإنسان يجب أن يقرأ ما يحدث، الآن في الصحف يكتبون بعض الحوادث، وأنا مرتاح لهذه الكتابة، ما معنى أن إنساناً أرسل ابنته لتحضر اللبن؟ احتمال ألا تعود. الأب مسؤول عن أبنائه، تسيب، عدم تدقيق، متى رجعت؟ متى غادرت؟ أن تذهب وحدها إلى السوق، هناك أخطار، لذلك عندما الإنسان ينجح في أداء هذه الرسالة يسعد أيما سعادة. مسؤولية الزوج عن زوجته و مسؤولية الزوجة عن زوجها : يجوز إسقاط الحمل حفاظاً على صحة الأم بإرشاد طبيب مسلم حاذق ورع، أما هناك أسباب غير معقولة، صار هناك حمل في رحم الأم مثلاً فيقول الزوج: عندي ثلاثة أولاد هذا يكفي، هذا السبب غير مقبول. أحياناً الإنسان يغفل عن كلمات يرددها كل يوم عدة مرات، وهي أخطاء في اللغة، فلان زوج أي اثنان فرد وزوج، فلان زوج فلانة، وفلانة زوجة فلان، الإنسان حينما يتزوج صار شخصين، الشخص الثاني اندمج به كلياً، أصبحت مسؤولاً، يهمك مصلحة الطرف الأخر، يهمك إطعامه، يهمك كسوته وتربيته، فلذلك الزوج مسؤول مسؤولية كبيرة عن زوجته، والزوجة مسؤولة عن زوجها، كم من الزيجات ينحرف فيها الأزواج؟ لأن المرأة مهملة، عازفة عن مهمتها التي أرادها الله لها، فلذلك المرأة المؤمنة تتزين لزوجها، والفاسقة لغير زوجها، للطريق، أبشع ما عندها لزوجها، وأجمل ما عندها من زينة ظاهرة وباطنة وكلام لطيف للأجنبي للغريب، هذا من علامة فسق المرأة وفجورها وانحرافها، وربما كان هذا سبب غضب الله عليها، هناك وصف أروع من هذا قال تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ ﴾ [سورة البقرة:آية 187] في هذه الآية تعبير دقيق عن غاية الاندماج، هناك إنسان أقرب له من ثيابه التي يرتديها، هذا معنى القرب، والمعنى الآخر الإنسان عنده هذه الحاجة قضاها في البيت عن طريق عفيف، فإنه أغض للبصر، هذه الحاجة ملباة ضمن الزوجية في أعلى درجات العفة، في أعلى درجات غض البصر، في أعلى درجات الحفظ. فسرها الأجانب قالوا: المرأة بنطال للرجل، أي تفسير القرآن الكريم يحتاج إلى روح. التفسير المادي غريب جداً، الحقيقة أن الشيء الآخر مادام هناك اندماج شديد قال تعالى: ﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (228) ﴾ [سورة البقرة: آية 228] بين المرأة و زوجها درجة واحدة هي درجة القيادة : انظر المؤمن كما أن له عليها حقاً، لها عليه حق، تريدها أن تكون في مظهر حسن عليك أن تكون أنت في مظهر حسن، يريدها أن تحترم أمه عليك أن تحترم أمها، يريد منها أن تحترم أباه فعليك أن تحترم أباها، يريد منها أن تسعى لراحته وعليك أن تسعى لراحتها، قال تعالى: ﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (228) ﴾ [سورة البقرة: آية 228] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-5796/05.jpg أي درجة واحدة، درجة القيادة، أحياناً يكون في الجيش عميدان، لكن أحدهما أقدم بشهر يصبح هو قائد الكتيبة، لكن الثاني ليس جندياً، هو عميد لكن أحدث بشهر، صار هناك قدم، أنا أريد من هذا المثل ليس أنت لواء وهي مجند، أنت لواء وهي عميد، درجة واحدة بينكم لأن الآية هكذا تشير، وللرجال عليهن درجة. إذا أنت مؤمن وانطلقت من هذه الآية أنه بينك وبينها درجة واحدة هي درجة القيادة، لأن المركب يحتاج إلى قائد واحد، قائدان يتعثر المركب، أما من أروع الآيات فهذه الآية، درجة القيادة لا تعسف، ولا تسلط، ولا استعلاء، القرار للزوج، سؤال: هل له أن يسألها؟ أن يستشيرها؟ له، الدليل قال تعالى: ﴿ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ (6) ﴾ [سورة الطلاق: آية 6] وائتمروا فعل أمر ماضيه تأمرا أي أمر كل الآخر، فعل مشاركة أي هو أمرها وهي أمرته، إذاً ممكن أن تستشيرها، والنبي استشار أم سلمة في الحديبية، وأخذ برأيها تعليماً لنا، مع أن هناك درجة لك عليها هذا لا يمنع أن تستشيرها، وأن تأخذ برأيها، وهناك أهداف كثيرة جداً من هذه الاستشارة منها رفع مقامها، وتأليف قلبها، وإشعارها أنها شريكة الحياة. حق الزوجة على الزوج : سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا رسول الله ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال: أن تطعمها إذا طعمت"، هذا كلام نبوة أي أنت لست مكلفاً أن تأكل مالاً حراماً من أجل أن تطعمها إذا طعمت، لا يجوز أن تأكل ما لذّ وطاب وحدك مع أصدقائك في المطعم، في النزهة وتدع لها الطعام الخشن، لا يجوز. قال يا رسول الله: ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال: أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت، مبادئ: أن تطعمها إذا طعمت، أي إذا كان الإنسان دخله محدوداً، ودخله لا يسمح له إلا بأخشن الطعام، ليس مكلفاً أن يأكل مالاً حراماً، ولا يرتشي، ولا يغش الناس، ولا يلعب، ولا يزور، حتى يطعمها ما لذ وطاب، ليس مكلفاً، هذه إمكاناته، على الموسع قدره وعلى المقتر قدره، أن تطعمها إذا طعمت، أنت متى تؤاخذ؟ إذا طعمت ولم تطعمها، إذا اكتسيت ولم تكسُها، هنا المؤاخذة، ولا تضرب الوجه لأن الوجه مكان مكرم. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "اتقوا الوجه". ولا تقبح، يسب الساعة التي تعرف فيها عليها، وعلى أهلها، ويعد حظه أسوأ حظ وهي بلاء من الله، هذا الكلام يباعد بين الزوجين. هناك قرار اتخذه من يوم الزواج هل الزوجة مناسبة؟ نعم مناسبة، إذا كانت مناسبة فكل شيء يصغر لا يكبر، أما إذا كبرت الأمور وهي مناسبة فيحدث اضطراب أي زوجة مناسبة وهي أم أولادك يجب تصغير كل شيء ويقول العوام: كبرها بتكبر، صغرها بتصغر. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-5796/06.jpg قال لي أحدهم كلمة: لله رجال إذا أرادوا أراد، قلت له هذه الكلمة صغرها أي إذا دعوا الله استجاب لهم، وكبرها أي إن لهم إرادة مستقلة عن إرادة الله. كذلك مع الزوجة يمكن أن تتكلم كلمة في ساعة غضب فتطلقها أي كبرتها، وممكن أن تتجاهل الكلمة فتصغرها. رجل سرق ماله من الصحابة فقال: اللهم إن كان هذا الذي أخذه أخذه عن حاجة فبارك له فيه، وإن كان قد أخذه بطراً فاجعله آخر ذنوبه. والعاقل دائماً الأمور يصغرها، يجعلها في حجمها الطبيعي، لكل شيء حجم، العقلاء الموفقون في حياتهم دائماً يعطون الشيء حجمه الحقيقي، أما الجهلاء والعوام والسوقة والدهماء فأصغر قضية يجعلها أكبر قضية، لي ملاحظة ذكرتني بها هذه الكلمة، زوجتك في البيت صار هناك خصومة، ومشادة، وملاسنة، وهي في البيت أكبر قضية بينك وبينها تتضاءل حتى تتلاشى بعد يومين أو ثلاثة، وهي عند أهلها أصغر قضية تتنامى، غضب فأرسلها إلى بيت أبيها، هناك عمتها، وخالتها، يقولون لها: البيت بيتك وصدره لك فيكبر رأسها، وهو كبر رأسه لماذا لم تتصل؟ نصيحة لوجه الله دعها في البيت. الإنسان قبل أن يتخذ قراراً يجب أن يفكر هي في البيت أكبر قضية تصغر، أما هي خارج البيت فأصغر قضية تكبر. الحكمة، قال: ومن يؤتى الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً. هناك نقطة ثالثة: أنت حينما تنزعج من قضية إياك أن تتخذ قراراً وأنت غضبان، اتخذ قراراً بعد أسبوع، لأن الأمور بعد أسبوع تختلف، والرؤية تتغير ، وصار ندم ومعذرة وأسباب مبررة، اختلف الأمر كله. قال: أن تطعمها إذا طعمت، أو تكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت. حق الزوج على زوجته : ومن حق الزوج على زوجته كما قال عليه الصلاة والسلام: ((لا يحل لامرأة تؤمن بالله أن تأذن في بيت زوجها وهو كاره، ولا تخرج وهو كاره، ولا تطيع فيه أحداً، ولا تخشن بصدره، ولا تعتزل فراشه)) [الحاكم والبيهقي عن معاذ بن جبل] له رؤية، هذا الجار وهذه الجارة فاسدة، فإذا أذنت لها بالدخول إلى البيت فقد خالفت منهج رسول الله، هي مع زوجها ليس مع الغريب، أحياناً يكون هناك خصومة بين زوجها وبين أخوتها في شراكة هي مع زوجها، وألا تتآمر مع والدها ضد زوجها، لأن أقدس عقد هو عقد الزواج. قال: ((....فإن كان هو أظلم فلتأته حتى ترضيه فإن قبل منها فبها ونعمت وقبل الله عذرها وإن هو لم يرض فقد أبلغت عند الله عذرها)) [الحاكم والبيهقي عن معاذ بن جبل] أخوتنا أو أخواتنا لا ينتبهن لهذا الحديث، المرأة ولو أن زوجها ظالم إذا استرضته فلها عند الله أجر كبير، لأن القيادة له. حق كل من الزوجين على الآخر : وهناك حق مشترك قال: على كل من الزوجين أن يصبر على صاحبه، لذلك الزوج المؤمن له ميزة هو يتقرب إلى الله بصبره على سلبياتها، وبإكرامها، وهي تتقرب إلى الله بصبرها عليه، وإكرامه، فصار الصبر والإكرام قربتان إلى الله لكل من الزوجين بصاحبه، هذا آخر شيء في الحقوق الزوجية. والحديث الشريف: (( لا يَفْرَكْ مؤمن مؤمنة، إِن كَرِه منها خُلُقاً رضي منها آخَرَ )) [ أخرجه مسلم عن أبي هريرة ] أذكر مرة جاءني رجل إلى البيت يشكو زوجته وهو على وشك تطليقها، فألهمني الله عز وجل فقلت له: هي تخونك؟ فقال: معاذ الله، فسألته هل طبخها سيئ؟ فقال: لا والله طبخها جيد، فتركته يتكلم عن ميزاتها بالتدريج وهو لا يشعر، ثم خجل من نفسه، لا تخونه، ومخلصة، وشريفة، وتصلي، وطبخها جيد، ونظيفة، فإذا كان فيها شيء طارئ فمن المستحيل أن يكون الطلاق لشيء طارئ، الطلاق يهتز له عرش الرحمن. أنا أعرف شخصاً طلق امرأته، و الزوجة الجديدة لم ترض أن تسكن مع أولاده من المطلقة، الأولاد وضعوا عند جهة قريبة، هذه الجهة لم ترع الأولاد، فانحرفوا انحرافاً شديداً، فبقي انحراف أولاده غصة في قلبه إلى يوم القيامة، فالطلاق عمل كبير. والإنسان إذا جاءه أولاد أي إن رزقه الله ولداً من زوجته ينبغي أن يضع حظ نفسه تحت قدمه، فهذا الكلام الذي يتكلمه يجب أن يكون قبل إنجاب الأولاد، والآن مصلحة الأولاد قبل كل شيء، بعد أن تنجب ضع حظ نفسك تحت قدمك، هذا هو الموقف الكامل لذلك: (( لا يَفْرَكْ مؤمن مؤمنة، إِن كَرِه منها خُلُقاً رضي منها آخَرَ )) [ أخرجه مسلم عن أبي هريرة ] وقال تعالى: ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (19) ﴾ [سورة النساء:آية 19] المعاشرة بالمعروف أي أن تحتمل الأذى منها لا أن تمتنع عن إيقاع الأذى بها. الله عز وجل جعل لكل إنسان مواد امتحان في حياته، هذا من زوجته، وهذا من أولاده، وهذا من صحته، وهذا من رزقه، لك مادة امتحان مع الله، وقد تكون الزوجة هي مادة امتحانك مع الله. أخواننا الكرام: يقول عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: (( ثَلَاثَةٌ لَا تَرْتَفِعُ صَلَاتُهُمْ فَوْقَ رُؤُوسِهِمْ شِبْراً رَجُلٌ أَمَّ قَوْماً وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ وَامْرَأَةٌ بَاتَتْ وَزَوْجُهَا عَلَيْهَا سَاخِطٌ وَأخوان مُتَصَارِمَان -أي متخاصمانِ-)) [رواه الترمذي عن ابْنِ عَبَّاسٍ ] هؤلاء الثلاثة لا ترفع صلاتهم فوق رؤوسهم شبراً. النص الصحيح المشروح منهج كل داعية : هناك ملاحظة أريد أن أذكرها لك، إنسان مرة يقول لي: ما الكتاب الذي تدرسنا منه؟ أنا لا أدرس من كتاب معين، أنا أختار من عدة كتب يهمني النصوص، الآيات والأحاديث، وأنا أشرحها لكم ارتجالاً، فليس هناك كتاب معين، لأن الكتب بعضها فيه تساهل وبعضها فيه شدة. مشكلة أنا أريد أن أعطيكم درساً مصفى، لذلك ورقة من هنا وورقة من هناك، حديث من هنا وحديث من هناك أجمعها. الإمام الشاطبي في كتابه الشهير "الموافقات" من أعظم كتب الأصول في المقدمة الثانية عشرة يقول: "العلم يؤخذ من المعلم المحقق الورع"، لأنه مثلاً ورد في بعض الكتب أن امرأة حسناء ومضيئة صلت بين الصحابة فصلى بعضهم خلفها ليرى محاسنها وبعضهم أمامها هناك أشياء مشكلة. أريد أن أقرر أن النص الصحيح المشروح هو منهجي في هذا الدرس، وأنا أختار من كل الكتب، ومن كل المراجع، ولا أتقيد بمرجع واحد، هذه الملاحظة ينبغي أن تكون بين أذهانكم. ليس في حياة المسلم معصية : أما حينما تصبح العلاقة بين الزوجين مستحيلة، وحينما يكون بقاء الزوجية خطر على الزوجين، ومدعاة إلى انحرافهما، فيأتي وقتئذ الطلاق ليكون الحل الحاسم، وصمام الأمان الذي جعله الله في الزواج الإسلامي. في المجتمعات التي لا يكون فيها طلاق هناك هجران مدى الحياة، ومع الهجران انحراف خطير، ليس في حياة المسلم معصية، قال تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [سورة الطلاق: آية 2] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-5796/07.jpg قالت: يا أبا أمية إنني امرأة غريبة لا أعرف ما تحب ولا ما تكره فقل لي ما تحب حتى آتيه وما تكره حتى أجتنبه؟ ويا أبا أمية لقد كان لك من نساء قومك من هو كفء لك، وكان لي من رجال قومي من هو كفء لي، ولكن كنت لك زوجة على كتاب الله وسنة رسوله ليقضي الله أمراً كان مفعولاً، فاتقِ الله فيّ وامتثل قوله تعالى: فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ثم قعدت، قال: فألجأتني إلى أن أخطب قلت: لقد قلت كلاماً إن تصدقي فيه وتثبتي عليه يكن لك ذخراً وأجراً، وإن تدعيه يكن حجة عليك، أحب كذا وكذا وأكره كذا وكذا، وما وجدت من حسنة فانشريها وما وجدت من سيئة فاستريها، قالت: كيف نزور أهلي وأهلك؟ قال: نزورهم غباً مع انقطاع بين الحين والحين لئلا يملونا، قالت: فمن من الجيران تحب أن أسمح لهم بدخول بيتك ومن تكره؟ قال: بنو فلان قوم صالحون، وبنو فلان قوم غير ذلك، قال: ومضى عليّ عام عدت فيه إلى البيت فإذا أم زوجتي عندنا، رحبت بها أجمل ترحيب، وكانت قد علمت من ابنتها أنها في أهنأ حال، قالت أمها: يا أبا أمية كيف وجدت زوجتك؟ قلت: والله هي خير زوجة، قالت أمها: أدب ما شئت أن تؤدب وهذب ما شئت أن تهذب، ثم التفتت إلى ابنتها تأمرها بحسن الأمر والطاعة، قال: ومضى علي عشرين عاماً لم أجد ما يعكر صفائي. سعادة الإنسان الزوجية بيده : أخواننا الكرام: صدقوني سعادتك الزوجية بيدك، طبق منهج الله وانظر، أنت تملك الثمن، أحدها غض البصر، والمعاشرة بالمعروف، وأن تتقرب إلى الله بالصبر على زوجتك، وخدمتها، وأن تأخذ بيدها إلى الله، وأن يهمك أمر دينها لا أمر دنياها. قد تروق الزوجة لزوجها، هو مرتاح ولكن هي ليس فيها دين، عندئذ لا تسعدك إلا إذا عرفت الله عز وجل. لذلك تسعد بالله فتسعدها بالله فتسعدك، لا تسعدك إلا في المرحلة الثالثة. |
رد: العبادات التعاملية
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية الدرس : ( الثلاثون ) الموضوع : الطلاق الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون الذكر فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. إباحة الطلاق لئلا يتخذ عدم الوفاق في الزواج ذريعة إلى الفساد : أيها الأخوة الكرام: مع الدرس الرابع عشر من دروس سلسلة: "الحلال والحرام في الإسلام"، منطلقين من أن أخطر موضوع بعد الإيمان بالله أن تعرف أمره ونهيه، وحلاله وحرامه، وحقه، وما ينبغي أن تفعله وما ينبغي ألا تفعله، لأن الخطوة الأولى في عبادة الله عز وجل طاعته، وكيف تطيعه وأنت لا تعرف أمره؟ http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4940/01.jpg أيها الأخوة مازلنا في العلاقات الأسرية في موضوع الحلال والحرام، وفي الدرس الماضي كان الموضوع في العوامل التي يستقر بها الزواج، ولكن الزواج أحياناً يغدو استمراره خطيراً في حالات خاصة، لذلك لكي لا يتخذ هذا الإخفاق في الزواج ذريعة إلى الفساد من قبل الزوج، أو من قبل الزوجة، لكي لا يتخذ عدم الوفاق في الزواج ذريعة إلى الفساد أباح الله الطلاق، مع أنه أبغض الحلال إليه، مع أن الطلاق يهتز إليه عرش الرحمن. لذلك المؤمن الصادق لا يُطلق إلا لسبب جوهري، أما هذا الذي يطلق كلما عنَّ له أن يطلق فهذا اسمه مطلاق، وهذا فاقد المروءة، وهذا مجروحة عدالته. النبي صلى الله عليه وسلم أمر برأب الصدع، وإصلاح ذات البين، وقال: الصلح خير: (( لا يَفْرَكْ مؤمن مؤمنة، إِن كَرِه منها خُلُقاً رضي منها آخَرَ )) [ أخرجه مسلم عن أبي هريرة ] الطلاق يصدع البناء الأسري : و قد بينَّ عليه الصلاة والسلام أنه ما عبد الله في الأرض بأفضل من جبر الخواطر، وقد ذكرت لكم في درس سابق أن الإنسان حينما يتزوج، وحينما ينجب أولاداً، ينبغي أن يضع حظوظه المادية تحت قدمه إكراماً لأولاده الذين أنجبهم، والذين سيضيعون ويتشردون في الأرض إذا طلق أمهم، أو افترق الأب عن الأم، لذلك هذا الدرس متعلق بموضوع الطلاق، وقد عالجته مراراً، والسبب الذي جعلني أعالجه مرة جديدة هو أنني حينما أنزل من على المنبر صدقوني ما من أسبوع تنتهي الخطبة إلا وعشرات الأسئلة المتعلقة بالطلاق تنهال عليّ، أكبر حيز من الأسئلة التي تطرح على الخطباء والعلماء وطالبي العلم في موضوع الطلاق. هذه الكثرة والكثافة في الأسئلة دليل أن هناك أخطاء فاحشة في التعامل الزوجي، أنا الذي أراه أن الإنسان حينما يطلق يهتز كيانه، وعليه أن يأخذ الفتوى، إن أخذ الفتوى من شيخ متساهل شكّ في صحتها، وإن أخذها من شيخ متشدد قصم ظهره، فأنت بين شك وتردد، وبين فتوى تفصم الأسرة وتشرد الأولاد، وقد تكون غنياً عن هذا كله لو عالجت الأمر فيما بينك وبين زوجتك في أي أسلوب عدا الطلاق. ولقد ذكرت في الدرس الماضي أن الإنسان حينما يرى أن زوجته إجمالاً مقبولة عليه أن يضيق الهوة، ويلملم الأمور، ويطوق الحوادث، وعليه أن يصغر لا أن يكبر إذا كانت هذه الزوجة بمجملها مقبولة. أما في التفاصيل لا يوجد امرأة مقبولة، ولحكمة أرادها الله، لأنها لو جعلها الله كاملة كمالاً كما تشتهي لعبدتها من دون الله، لذلك الزوجة ترضى منها خلقاً ولا ترضى منها خلقاً آخر، هذه بتلك قال تعالى: ﴿ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [سورة البقرة: آية 216] وأنت في الدنيا في دار ابتلاء لا في دار جزاء، في دار عمل لا في دار أمل، في دار جد وكد لا في دار نعيم وطرب. دقق في هذا المثل: بيت دفعت ثمنه من عرق جبينك وكد يمينك، وقد لا يعجبك طلاؤه، أما إذا رأيته متصدعاً وأنت مؤمن فلا تستطيع أن تبيعه للشاري دون أن تبين له هذه العلة الخطيرة، وإذا كشفت هذه العلة لا أحد يشتريه منك، وإذا سكنت فيه سكنت على أعصابك، متى يسقط؟ متى يتصدع؟ الطلاق يصدع البناء، ابن عباس رضي الله عنه قال: "أيرتكب أحدكم احموقته ثم يقول: يا بن عباس يا بن عباس". الزواج هو أخطر حدث في حياة الإنسان : ما رأيت أعقل من الزوج الذي يعد للمليون قبل أن يقول: أنت طالق، وبحسب الخبرة المتواضعة التي حصلت من هذا المسجد خلال عشرين عاماً وجدت أنه ما من زوج طلق زوجته إلا وندم بعد ذلك ندماً شديداً، لأنه وهو في وسط الأزمة متضايق من السلبيات وهو غافل عن الإيجابيات، والعاقل هو الذي يزن الأمور بميزان صحيح. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4940/02.jpg سَجِّلْ الإيجابيات والسلبيات وقبل أن تقول: أنت طالق، هذه أم أولادك، وهؤلاء الأولاد سيكبرون وسيتألمون أشد الألم وسيحقدون حينما تطلق أمهم، والأولى للإنسان قبل أن يتزوج أن يبحث عن واحدة لا يحتاج إلى أن يطلقها، تزوج امرأة لا تحتاج إلى أن تطلقها أي تزوج الأهل قبل أن تتزوج الفتاة. تزوج بيتاً مسلماً، بيتاً مؤمناً، فيه علم، فيه توجيه، فيه حياء، فيه خلق، فيه رضا باليسير، فيه تواضع، لذلك هناك خطأ بالإنسان لا يستطيع أن يستفيد منه، مثلاً عندما يرى إنسان قنبلة يقول: هل هذه قنبلة أم غير قنبلة؟ منزوعة الفتيل أم غير منزوعة؟ فإذا أمسكها ثم فوجئ بأنها انفجرت خلال ربع ثانية يعلم أنها قنبلة؟ ولكن هذا العلم لا ينفعه إطلاقاً؟ لقد انفجرت وأطاحت به. لذلك الإنسان يقرأ، ويسأل، ويستفتي، ويستشير، ويدقق، ويحقق، ويتابع، ويمحص قبل أن يقول: وافقت. ما من إنسان يشكو من زوجته شكوى لا تحتمل إلا بسبب أنه تسرع في اختيارها، قد لا تناسبه، قد لا تأتمر بأمره، منبتها غير منبته، ثقافتها غير ثقافته، عادات أهلها وتقاليدهم غير عادات أهله وتقاليدهم، إن أخطر حدث في حياتك هو الزواج. مرة أخ كريم أجلس معه، أعرفه تاجراً، و هو تاجر موفق، ثم فوجئت أنه طبيب أسنان ترك حرفته إلى التجارة، إذاً حرفتك التي هي جزء من شخصيتك يمكن أن تتركها إلى حرفة أخرى ولا شيء عليك، البيت تبيعه، السيارة تبيعها، تستبدلها، كل شيء يستبدل أما الزوجة أم أولادك فيوجد ميثاق غليظ بينك وبينها، تكشفت عليك، وتكشفت عليها، والذي بينكما لا يعلمه إلا الله، والذي تراه منها لا يستطيع أبوها أن يراه منها، ولا أخوها، ولا ابنها، هذا ميثاق غليظ، فقبل أن تعقد هذا الميثاق الغليظ يجب أن تعد كثيراً، وأن تتريث كثيراً، أن تحقق، وأن تسأل، وأن تستشير، وأن تتأمل، وأن تمحص، وأن تستمهل، و إلا بعد أن ينعقد هذا الرباط المقدس فصمه صعب، والمرأة كسرها طلاقها. إبريق يمكن أن يكون فيه شيء غير نظيف ينظف، أما لو كسرته في المطرقة فهذا هو الطلاق، لذلك قال عليه الصلاة والسلام: ((استوصوا بالنساء خيراً، فإنهن خلقن من ضلع أعوج، وإن أعوج ما في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمها كسرتها وكسرها طلاقها، وإن استمتعت بها استمتعت بها وفيها عوج )) [ متفق عليه عن أبي هريرة] الحقيقة الإنسان يكون ذكياً جداً وعنده حكمة بالغة في حياته العملية، أما في بيته فغير حكيم لأسباب تافهة لا تقدم ولا تؤخر، يجعل بيته جحيماً لا يطاق لأسباب تافهة، أحياناً يتسرع يفصم هذه العروة المقدسة لغضبة يغضبها، لذنب ترتكبه زوجته. الطلاق بغير ضرورة تقتضيه وبغير استنفاذ الوسائل طلاق محرم : الذي دعاني أن أعالج هذا الموضوع مرة ومرة أنني حينما أنزل من على المنبر طابور من الأخوة الكرام يستفتيني في موضوع الطلاق، طلقت وبثلاث وماذا أفعل؟ وماذا أصنع؟ لك منها أولاد؟ لي منها خمسة أولاد، تلاحظ تسكع على أبواب المساجد هذا متشدد، والمتشدد يتهم المتساهل بالجهل، والمتساهل يتهم المتشدد بالتزمت http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4940/03.jpg وأنت بين المتساهل والمتشدد تضيع بينهما، وقد أغناك عن هذا كله لو أنك لم تطلق، نصيحة دقيقة وعميقة موضوع الطلاق انزعه من قاموسك حتى الطاء واللام والألف والقاف على مستوى حروف انزعهم، تتعامل مع زوجتك، ممكن أن تؤدبها، وأن تهجرها، ممكن أن تغضب، أو أن تتغاضب، افعل ما تشاء إلا أن تطلقها فقد اهتز كيان البيت، بيت متصدع، إن سكنت فيه قلق، وإن تركته أصعب، وهذا الذي يحدث. أيها الأخوة الحكم الشرعي الطلاق بغير ضرورة تقتضيه وبغير استنفاذ الوسائل الأخرى التي ذكرت طلاق محرم محظور في الإسلام، بسبب أن في فمها ثلاثة أسنان بهن حشوة يريد أن يطلقها، أو رأيتها في الليل، أسباب مضحكة. الذي يطلق لأسباب سخيفة طلاقه محرم، الطلاق بغير ضرورة تقتضيه وبغير استنفاذ الوسائل و الوسائل الأخرى، نصحتها، وعظتها، هجرتها، أتيت بحكم من أهلها وحكم من أهلك، شكوتها إلى أهلها، صبرت عليها، أعطيتها مهلة، زجرتها، أحسنت إليها، أخذت بيدها، حينما تستنفذ كل الوسائل وكل المراحل ويصبح البيت جحيماً لا يطاق لعل الله يعذرك إذا طلقتها، لأن المرأة كسرها طلاقها. الطلاق إيقاع الضرر بالنفس وبالزوجة : الطلاق كما وصفه بعض الفقهاء إيقاع الضرر في النفس وبالزوجة، وأنت أول متضرر، لأنه عندما تطلق أصبح هناك عقبة، ما من امرأة تخطبها وتعلم أنك مطلق إلا وتتجه إلى الذي طلقتها، ولن تنصح المطلقة إنساناً بالزواج ممن طلقها. وقال لي أحد الأخوة الأكارم أن مطلقته كانت حجر عثرة أمام زواجه من بضع فتيات، كلما خطب امرأة وعلموا أنه مطلق توجهوا إلى مطلقته وسألوها فقالت شيء وقع وأشياء لم تقع من أجل أن تنتقم منه، الإنسان عندما يطلق صار عقبة أمام زواجه من أخرى. الأشياء الداخلية تنشر على الملأ، الطلاق فضيحة، فالطلاق عند الفقهاء إيقاع الضرر بالزوج والزوجة، وهناك قاعدة أن السجان سجين، مدير السجن مسجون مع المساجين لا يغادر، والمطلق مطلق في الوقت نفسه، لذلك قالوا: ومن يؤتى الحكمة فقد أوتي خيراً كثيرا. أعظم شيء يؤتى من قبل الله أن تكون حكيماً، وكم من زوج كان حكيماً مع زوجة دون الوسط فسعد بها وسعدت به، وكم من زوج أحمق عنده زوجة قريبة من الكمال شقي بها بسبب حمقه وتسرعه، إعدام المصلحة التي بين الزوجين حرام، وإتلاف المال حرام، مكلفة مئة ألف هذا المبلغ ضخم، مئتا ألف، إذا طلقتها دفعت لها المتأخر، وعليك أن تدفع مهراً جديداً، أتلفت المال، لذلك قال عليه الصلاة والسلام: (( لا ضرر ولا ضرار )) [ مسلم عن أبي سعيد الخدري] وقال عليه الصلاة والسلام: (( لا أحب الذواقين من الرجال والذواقات من النساء)) [الطبراني عن أبي موسى] أي أنه يتزوج فقط للمتعة، قصيرة قليلاً نطلقها، هذه كذا وهذه كذا، هذا موقف شهواني غير مقبول إطلاقاً. ودائماً سبحان الله! الزوجة الثانية تأتي أسوأ، كلما غيّر يغير نحو الأسوأ، قال عليه الصلاة والسلام: ((إن الله لايحب الذواقين والذواقات )) [الديلمي عن أبي هريرة] محظورات الطلاق : أول محظور في الطلاق لا يجوز أن تطلق المرأة وهي حائض، وهناك حكمة لا تخفى عليكم لعل هذه الفترة التي كان الزوج مبتعداً عن زوجته كان متوتراً، لذلك لا تطلق المرأة وهي حائض، ولا وهي نفساء، المرأة لا تطلق إلا في طهر لم يمسها فيه، إذا طلقها في طهر لم يمسها فيه معنى ذلك أنه يحسب العدة حساباً دقيقاً، الآن هي حائض مضت مدة الحيض واغتسلت وهي الآن طاهرة، امتنع عنها معنى ذلك أنه عاقل ومخطط ومصمم والطلاق قرار اتخذه عن تبصر، وعن علم، وعن قصد، وعن تؤدة. في الصحيح أن عبد الله بن عمر طلق امرأته وهي حائض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأل عمر بن الخطاب عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له: مره فليراجعها ثم إن شاء طلقها وهي طاهر قبل أن يمسـ فذلك الطلاق للعدة كما أمر الله تعالى في قوله: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [ سورة الطلاق :آية1] الطلاق قرار هادئ، مدروس، مخطط له، معه عدة، معه حساب، ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ أي مستقبلات عدتهن في حالة الطهر وأحصوا العدة. قد يسأل سائل: من طلق امرأته وهي حائض أو طلقها في طهر مسها فيه أو طلقها في حيض أو نفاس هل يقع هذا الطلاق؟ المشهور عند جمهور العلماء أنه يقع، والمطلق آثم، وعند بعض الفقهاء إنه لا يقع، لذلك المذهب المتساهل في هذا الشأن أن الطلاق إذا تمّ في فترة الحيض، أو في طهر مسها فيه زوجها لا يقع، لكن هذا رأي القلة لا الكثرة. روى أبو داود بسند صحيح أن ابن عمر سئل كيف ترى في رجل طلق امرأته حائضاً؟ فقص على السائل قصته حينما طلق امرأته وهي حائض وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ردها عليه ولم يرها شيئاً. هذه الحجة التي يحتج بها من لا يجيزون إيقاع الطلاق في أثناء الحيض. لا يجوز للمسلم أن يجعل من الطلاق يميناً يحلف به على فعل أو ترك : الآن الموضوع في العلاقات الزوجية؛ لا يجوز للمسلم أن يجعل من الطلاق يميناً يحلف به على فعل هذا، أوترك ذاك، أو يهدد به زوجته إن فعلت كذا فهي طالق، هذا لا يرتكبه إلا السفلة من الناس، لأتفه سبب عليه بالطلاق، إن ذهبت إلى بيت أهلك فأنت طالق، إن زارتك أختك فأنت طالق، إن فعلت كذا فأنت طالق http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4940/04.jpg هذا الطلاق المعلق، الحقيقة بعض العلماء سماه طلاق قسمة يمين، لذلك هذا العالم الجليل أفتى فقال: من حلف على امرأته يمين طلاق ليحملها على فعل ما، أو ليمنعها من فعل ما، وهو يكره فراقها كفراق دينه، قال: هذا طلاق قسمي، هو يمين فقط يكفر عنه بكفارة اليمين، طبعاً هذا الرأي لا يقبله بعض العلماء، هو فتوى واجتهاد تأخذ به بعض المحاكم الشرعية، أو تأخذ به المحاكم الشرعية في الأقطار الإسلامية، لكن العلماء الذين يفتون لا يقبلونه. من حلف على امرأته ليحملها على فعل ما، أو ليمنعها من فعل ما، وهو يكره فراقها كفراق دينه، الأرجح أنه يمين طلاق قسمي لا يقع، ومع ذلك فإذا سألت المشايخ يقول لك: طلقت امرأتك، وابتعد عنها فوراً ولا سبيل لك إليها، لذلك من الأحكام الفقهية في هذا الموضوع لا يجوز للمسلم أن يجعل من الطلاق يميناً يحلف به على فعل، أو ترك، أو يهدد به زوجته إن فعلت فهي طالق. لليمين في الإسلام صيغة خاصة لم يأذن الشرع بغيرها وهي الحلف بالله تعالى، قال عليه الصلاة والسلام: ((من حلف بغير الله تعالى فقد أشرك)) [الترمذي عن ابن عمر] و: ((من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت)) [ متفق عليه عن ابن عمر] نصيحة صادقة ومخلصة كلمة الطلاق بحروفها الأربعة ابتعد عنها تعش حياة مستقرة هانئة، أعرف رجلاً طلق وعرض مشكلته بعشر صفحات، كلما يستفتي رجلاً يطلب منه التفاصيل، فضاقت نفسه ذرعاً بهذه التفاصيل، فكتبها على الآلة الكاتبة، وجعلها عشر صفحات، ومن خلال هذا التوضيح أخذ فتوى برد زوجته ومع ذلك يقول لي: لست مطمئناً أشعر وكأني في زنا. الطلاق يدخل الإنسان في متاهة لا نهاية لها : موضوع الطلاق يدخلك في متاهة لا نهاية لها، لذلك تزوج امرأة لا تحتاج معها أن تطلقها، ولا تحل المشكلة بمشكلة، أحياناً انزعجت من أختها لأنها زارتها وطلبت منها أن تغير وضعها، فزوجتك لم يعد البيت يعجبها، تقول لك: هذا البيت مثل اللعبة، من قال لك هذا؟ أختي بيتها كبير قالت: لماذا لا تبيع هذا البيت وتشتري بيتاً أوسع منه؟ القضية تحتاج إلى خمسة ملايين، فانزعج من أختها وحلف يمين طلاق إن أتت أختك إلى هذا البيت فأنت طالق. دخل في الطلاق كان منزعجاً من أختها، صار هو وزوجته في مشكلة كبيرة، حلّ مشكلة بمشكلة، والذي يحل مشكلة بمشكلة ثانية أحمق، أضرب مثلاً مضحكاً، رجل ذهب إلى طبيب تجميل يوجد ندبة في خده الأيسر قال له: الحل سهل، نأخذ قطعة من خدك الأيمن ونضعها هنا، كل إنسان يحل مشكلة بمشكلة أحمق، النبي عليه الصلاة والسلام يقول: ((من حلف بغير الله تعالى فقد أشرك)) [الترمذي عن ابن عمر] و: ((من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت)) [ متفق عليه عن ابن عمر] لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ آية لها عدة معان : ذكرت هذا في الدرس الماضي أن الواجب في شريعة الإسلام أن تبقى المطلقة في بيت الزوجية مدة العدة، قال تعالى: ﴿ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ ﴾ [سورة الطلاق: آية 1] طبعاً الآية لها عدة معان، أحد هذه المعاني: لا تخرجوهن من بيوتهن أضيف البيت إلى المرأة مع أنه في السجلات العقارية لك، لماذا؟ لأن البيت هو المكان الوحيد الذي يمكن للمرأة أن تؤكد فيه شخصيتها، دع البيت لها في ترتيبه، وتنظيمه، وإصلاحه. هناك أزواج إذا وضعت هذه القطعة هنا يقيم عليها النكير، إذا غيّرت تغييراً طفيفاً في الأثاث يقيم عليها القيامة، إذا عدلت، إذا بدلت، هذا البيت مجال لإثبات شخصيتها، لذلك في هذه الآية إشارة لطيفة أضيف البيت إلى الزوجة لا إضافة تملك بل إضافة إشراف، هذه واحدة. لا تخرجوهن من بيوتهن هذا البيت غير أنه عزي إليها، عزي إليها على انفراد، معنى هذا أنه إذا كان هناك خمس أسر في بيت واحد، والنساء أجنبيات على الأزواج، ويوجد حمامات، وهناك مطبخ، واستيقاظ، ونوم، و مفاجئات وأخطاء في الحركة، أصبح خمسون معصية في البيت، لذلك هناك إشارة ثانية لا تخرجوهن من بيوتهن أولاً البيت أضيف إلى المرأة، والبيت تستقل به المرأة، طبعاً أكمل زواج أن تستقل المرأة وزوجها في البيت. لذلك لو سألتني بيت غرفة ومنافعها برأس الجبل، أو بيت بأرقى أحياء دمشق خمسمئة متر لكن مع مجموعة أسر، أقول لك: لا، لأنه لو تزينت لزوجها لفتت نظر الآخرين، كلهم أجانب، أخوة الزوج أجانب، وإذا لم تتزين حرم من زينتها، وإذا صار هناك طعام مشترك صار هناك حديث ممتع، قد يكون شيئاً يلفت النظر والنبي قال: ((الْحَمْوُ الْمَوْتُ)) [متفق عليه عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ] لذلك يفضل أن يسكن الإنسان في بيت صغير منفرد ضماناً لسعادته الزوجية، ولإقامة شرع الله عز وجل، من أن يسكن في بيت كبير لكن فيه اختلاط بين الأخوة والأخوات. الحكمة من بقاء المطلقة في بيت الزوجية في أثناء العدة : بالمناسبة أخواننا الكرام هذه حقيقة ثابتة، هناك مشكلات هوائية رغوية، غضبان طلق، هذه المشكلة بثلاثة أيام تنتهي، فإذا بقيت الزوجة في بيت زوجها هذه المشكلة تتضاءل، تصغر، تتلاشى بعد ثلاثة أيام، أما إذا خرجت إلى بيت زوجها تفاقمت المشكلة، فلذلك المطلقة يجب أن تبقى في بيت الزوجية في أثناء العدة، والآية الكريمة قال تعالى: ﴿ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ ﴾ [سورة الطلاق: آية 1] لعله كان غضبان فزال الغضب، له عندها حاجة هذه الحاجة حملته على مراجعتها، حتى العلماء قالوا: لو وضع يده على يدها فقد أرجعها. وهي في بيتك لو طلقتها طبعاً حسبت طلقة لكن لو طلقتها يكفي أن تضع يدك على يدها لترجعها، ويكفي أن تقول: لقد راجعتك، لست بحاجة إلى شاهد، ولا مهر، ولا عقد، تقول لها: راجعتك لفظاً أو أن تراجعها عملياً انتهى الأمر وهي عندك في البيت، والمشكلة قد نسيتها وتضاءلت وليست بشيء. أما إذا مضت العدة وهي ثلاثة قروء ملكت نفسها، وبانت عنك بينونة صغرى، وبإمكانك أن تعيدها بعقد جديد ومهر جديد، هذا هو النظام. الله عز وجل جعل الطلاق مرتين لأن فصم العلاقة الزوجية خطير جداً : الله عز وجل جعل الطلاق مرتين، الثالثة في بينونة كبرى، أي جعله ثلاث مرات، أول مرة ممكن أن تتلافى الأخطاء لو أخطأت، أحياناً في بعض البرامج يقولون لك: متأكد أم تنسحب؟ لأن فصم العلاقة الزوجية خطير جداً. الله عز وجل قبل أن يحكم بالبينونة الكبرى، جعل أول طلاق يمكن أن تعيدها إليك بكلمة أو بلمسة، فإذا مضت العدة ملكت نفسها، وعندئذ يمكن أن تعيدها إليك بعقد جديد، عادت واتبعت الوسائل الذي شرعها الله في تأديبها ولم تجدِ كلها، حلفت عليه يمين طلاق ثان تبقى عندك في البيت ولك أن تراجعها في أثناء العدة، فإن راجعتها قضي الأمر، وإن لم تراجعها بانت بينونة صغرى، وملكت نفسها، وبإمكانك أن تعيدها بعقد جديد ومهر جديد، أما الثالثة -الطلاق مرتان- فبينونة كبرى لا بد من أن تنكح زوجاً آخر. لكن الشيء الذي لا يصدق، والذي يكاد الإنسان أن يخرج من جلده منه، هو هذا الإنسان الذي ينكحها في ليلة واحدة ويعيدها إليك، هذا الشيء مستحيل، يجب أن يكون الزواج طبيعياً حقيقياً، خطبت وتزوجت على التأبيد، فإن كان سبب الطلاق المتكرر منها طلقها الزوج الجديد، وعندئذ تأكد أنها هي السبب، الآن ربما قبلت أن تعود إلى الزوج الأول، أما إذا كان السبب من الزوج، الزوج الجديد لا يطلقها وتبقى له، هذه هي الحكمة. الزوجة تركب رأسها وتظن أن السبب من زوجها، وهو الظالم، فإذا كانت هي الظالمة الزوج الجديد سوف يطلقها، عندئذ تعلم علم اليقين أنها هي السبب، أما إذا كان الزوج الأول هو الظالم فالزوج الجديد لا يطلقها، وعوقب الأول بالحرمان الأبدي منها. أما ما يجري على الساحة من هذا التيس المستعار، الذي يستعار في ليلة واحدة فهذا شيء ما أنزل الله به من سلطان، وأعداء الدين يعدونه مأخذاً لأن سوء التطبيق يسبب سوء الفهم، سوء التصديق يسبب سوء الفهم، الآيات الكريمة قال تعالى: ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (1) ﴾ [سورة الطلاق: آية 1] للزوجة حقوق و عليها واجبات : أما إذا الفراق لابد منه فهناك ثلاث آيات: http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4940/05.jpg ﴿ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ﴾ [سورة الطلاق: آية 2] الزواج زواج، الزوجة لها حقوق، تسكن معها، وتطعمها، وتكسوها، وتحسن إليها، وهي كزوجة ينبغي ألا ترد له أمراً، وينبغي ألا تمتنع عنه إذا طلبها، وأن ترضى به وتحترمه، قال تعالى: ﴿ فإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ (229) ﴾ [سورة البقرة:آية229] ﴿ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ﴾ [سورة الطلاق: آية 2] ﴿ وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (241) ﴾ [ سورة البقرة: آية 241] أما هذا الذي يطلق ثلاث مرات دفعة واحدة، لقد خالف منهج الله عز وجل، طبعاً إذا طلقها أول مرة والعدة مضت ولم يراجعها، ومرة ثانية والعدة مضت ولم يراجعها، ومرة ثالثة، معنى هذا أن هناك خلافاً مستحكماً، معنى ذلك أن الأولى أن تطلق، حينما يأتي الطلاق مرة بعد مرة، أما الذي يطلق ثلاث مرات في جلسة واحدة فهذا يلعب بدين الله، لقول الله عز وجل: ﴿ الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ﴾ [سورة البقرة:آية 229] لا يجوز للزوج أن يتمسك بزوجته كي يوقع بها الضرر : الشيء الدقيق في الموضوع لا يجوز أن تمسك بالمرأة كي توقع بها الضرر، أحياناً يكون المتأخر كبيراً تكارهها، تأتي في منتصف الليل، تهينها، تضربها، تجيعها، تهين أهلها، حتى تفتدي بنفسها، هذا الشيء محرم أشد التحريم. قال لي أخ يعرف جماعة: إنسان خطب فتاة يبدو أنها من بيت إسلامي وهي بارعة الجمال، والشاب متفلت، لفت نظره فقط جمالها، فتزوجها فلما أمرها بما يغضب الله عز وجل امتنعت، أمرها أن تستقبل أصدقاءه فامتنعت، أن تسهر معه في الفنادق امتنعت، أن تدخل إلى الملاهي امتنعت، فلما امتنعت كرهها ومتأخرها كبير جداً ماذا فعل ؟ أمه خططت له أن يكارهها، بدأ يكارهها، ويهينها، ويضربها، ويمنع عنها الطعام والشراب، إلى أن طلبت منه النجاة بنفسها، عندئذ قبلت المخالعة وخلعها، مقابل أن برأته مما لها عليه، وانتهى الأمر، وتزوج امرأة كما يريد على شاكلته، الأخ الكريم يروي القصة التالية: هذا الشاب الأحمق يتندر بذكائه في الهروب من مهر زوجته، فكلما نجا من مصيبة يقول: نجونا منها كما نجونا من مهر فلانة الأولى، مرة ركب مركبته، زوجته الجديدة إلى جانبه، أمه ركبت خلفه، ووالده ركب خلف امرأته الجديدة، وصار يسرع، ويدخل بين السيارات، وكلما حذره أبوه أو أمه من مغبة هذه السرعة البالغة يقول: نجونا كما نجونا من مهر فلانة، ثم في نهاية المطاف دخل في سيارة شطرته شطرين هو وأمه، ونجا أبوه. الشيء الطيف في القصة أن أباه كان ينكر على زوجته و ابنه ما يفعلان في هذه المرأة الأولى الطاهرة، بينما الأم هي التي خططت ففرمت هي وابنها، من العمل الكبير والخطير أن يكاره الإنسان زوجته كي ينجو من مهرها الشرعي، إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان. أما قول النبي عليه الصلاة والسلام حينما أخبر عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعاً فقام عليه الصلاة والسلام غضبان وقال: ((أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟)) [النسائي من حديث محمود بن لبيد] لا يجوز منع المطلقة من الزواج بمن ترضى : عندنا حكم آخر: لا يجوز منع المطلقة من الزواج بمن ترضى، هناك أزواج يطلقها، ويهدد أهلها بأنها إذا تزوجت سوف يفعل ويفعل، هذا لا يجوز لقول الله عز وجل: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (232) ﴾ [سورة البقرة:آية232 ] إذا طلقتها ولم تتزوج عندك جهة قلقة، جهة تسبب لك المتاعب، ولو أنك طلقتها تشيع عنك الأخبار، أما إذا تزوجت والقضية حلت فهذه لصالحك، فلا ينبغي للمطلق أن يمنع مطلقته من الزواج من أي رجل تشاء إذا تراضوا بينهم بالمعروف، قال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ﴾ [سورة البقرة: آية 229] على الأب ألا يجبر ابنته على الزواج من إنسان لا تريده : أحياناً يكون الزواج زواج مصلحة، هي شابة في مقتبل العمر، وزوجها طمع أهلها في ماله، أعطوها إياه وهو في سن متقدمة، هو في سن وهي في سن، والمسافة كبيرة بينهما، هو منته وهي في ريعان شبابها. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4940/06.jpg الرجل إذا كان كبيراً في السن هو له مطلب قليل جداً وهي في ريعان الشباب، فإن خاف أهلها ألا تقيم حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به، تسامحه في كل شيء. جاءت امرأة ثابت بن قيس إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالت: يا رسول الله ثابت بن قيس ما أعيب عليه في خلق، ولا دين، ولكني لا أطيقه بغضاً، فسألها عما أخذ منها، قالت: حديقة، فقال عليه الصلاة والسلام: ردي له الحديقة وطلقها تطليقة. لذلك على الأب ألا يجبر ابنته على الزواج من إنسان لا تريده، وأنا أتألم أحياناً عندما أرى القضية شكلية، كاتب العقد ينهض أمام الناس جميعاً ويتوجه إلى الفتاة ويسألها هل أنت راضية عن هذا الزوج؟ هذا الإجراء لا ينبغي أن يكون شكلياً. هذه هي المخالعة إذا امرأة خافت على نفسها أن تنحرف، أحياناً يكون الزوج دميماً جداً، غير مقبول إطلاقاً، أو كبيراً في السن، الأب يحسب حساباً آخر، هو راغب في الغنى وبمال الصهر، وهي شابة، لذلك على الإنسان ألا يكون مجرماً بحق ابنته، ويجب أن يختار لها الزوج الذي يرضيها، والذي يسعدها، والذي تفتخر به، وترضى به، لا الذي تستحي به، أو تتألم منه. ((أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير بأس حرم الله عليها رائحة الجنة )) [الطبري عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم] هناك زوجة تمضي حياتها كلها تندب حظها من زوجها، إذا أحسن إليها الدهر كله قالت: ما رأيت منك خيراً قط، قال: مثل هذه المرأة حرام عليها رائحة الجنة. تحريم إلحاق الضرر بالزوجة لحملها على المخالعة : حرام أيضاً أن تضر الزوجة لتحملها على طلب المخالعة، الآية الكريمة: ﴿ وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آَتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (19) وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآَتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (20) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (21) ﴾ [سورة النساء: آية 19-21] لا ينبغي أن تزيد مدة بعد الزوج عن زوجته عن أربعة أشهر : إذا الإنسان حلف ألا يقرب امرأته، هذا يمين إيلاء، وهذا اليمين إذا مضى عليه أربعة أشهر ولم يقترب منها تطلق منه، لذلك قال تعالى: ﴿ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227) ﴾ [سورة البقرة: 226-227] أيها الأخوة لا ينبغي أن تزيد مدة بعد الزوج عن زوجته عن أربعة أشهر. سيدنا عمر مرة سمع امرأة تقول: فوالله لولا الله أني أراقبهْ لحرِّكَ من هذا السرير جوانبه *** أي أن زوجها في الجهاد غاب عنها مدة طويلة فتضايقت، وأنا أعجب يقول أحدهم: وجدت عملاً في الخليج لكن بمفردي وجيد، كيف جيد؟ تترك زوجتك بمفردها سنة بكاملها، لا يجوز أن يبتعد الرجل عن امرأته فوق أربعة أشهر هذا حكم شرعي، سيدنا عمر ما سمح لقائد جيش في الجهاد أن يبقي الجندي فوق أربعة أشهر خارج بيته. بحث عمر قصتها فعرف أن زوجها غائب في كتائب المجاهدين من زمن طويل، فسأل ابنته حفصة قال: يا بنيتي ما أكثر ما تصبر المرأة عن زوجها؟ قالت: أربعة أشهر، وعندئذ عزم أمير المؤمنين ألا يغيب زوج عن امرأته أكثر من أربعة أشهر. لو وجدت عملاً دخله كبير يقتضي أن تبتعد عن زوجتك وأولادك سنتين لست برابح، الأولاد ضاعوا، والزوجة امرأة ولها حاجة، تصبح تصغي إلى أي كلمة، تستلطف أي حديث، تتجاوب مع أي كلام لطيف، بحاجة ماسة إلى زوج، أين أنت؟ بقاؤك مع زوجتك أكبر مكسب، ومع أولادك، هذا هو العمل الحقيقي، إن أمكن أن تسافر مع زوجتك وأولادك لا يوجد مانع، أما من أجل أن ترفع الدخل قليلاً و تضحي في سعادتك الزوجية فخطأ كبير. أيها الأخوة ننتقل في الدرس القادم إلى الحلال والحرام فيما بين الوالد والأولاد وهذا موضوع دقيق نعالجه في الدرس القادم. |
رد: العبادات التعاملية
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية الدرس : ( الحادى و الثلاثون ) الموضوع : العلاقة بين الابناء و الاباء الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون الذكر فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. العلاقة بين الآباء والأبناء في الإسلام : أيها الأخوة الكرام: لازلنا مع سلسلة دروس: "الحلال والحرام في الإسلام" ومع الدرس الخامس عشر، وموضوع الدرس: العلاقة بين الآباء والأبناء في الإسلام، وما هو واجب وما هو محرم. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4941/01.jpg أيها الأخوة الكرام: قبل كل شيء الولد كما يقول العلماء: سر أبيه، وحامل خصائصه، وهو في حياة الأب قرة عين، وهو بعد الموت امتداد لوجود الأب، ومظهر لخلوده، يرث منه الملامح، والسمات، والخصائص، والميزات، يرث الحسن منه كما يرث القبيح والجيد والرديء، وهو بضعة من قلبه، وفلذة من كبده، هذا هو الابن، لذلك حرم الله الزنا وفرض الزواج، حرم السفاح وأمر بالنكاح، حتى تصان الأنساب ولا تختلط المياه ويعرف الولد أباه، ويعرف الأب ابنه، أخطر ما في موضوع الزواج أنه يحفظ الأنساب، هذا ابنه حقاً وهذا أبوه حقاً، وفي مجتمع الغرب حيث شاع الزنا وحلّ السفاح مكان النكاح اختلطت الأنساب. يا أبي أحببت فلانة أأتزوجها؟ قال: لا يا بني إنها أختك وأمك لا تدري، فلما اختار فتاة ثانية قال: لا يا بني إنها أختك وأمك لا تدري، فلما اختار الثالثة قال أيضاً: هذه أختك وأمك لا تدري، فلما شكا إلى أمه قالت له: خذ أياً شئت فأنت لست ابنه وهو لا يدري. من أكبر الكبائر أن ينكر الإنسان نسبة أولاده إليه : الإسلام فيه حفظ للأنساب، فيه نعمة لا يعرفها أحد إلا من فقدها، أن الأب على يقينه بوجوده أن هؤلاء أولاده، وأن الأبناء على يقين كيقينهم بوجودهم أن هذا والدهم، وهذه نعمة كبرى نعمة صفاء الأنساب، لذلك أمر الله بالزواج وحرم السفاح، شيء آخر، طبعاً لئلا يسقى زرع الرجل بماء غيره، فمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسقي زرعه بماء غيره. عندما يكون هناك زنا صار هناك مكان للحرث والماء ليس من الأب، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام بحديث موجز بليغ جامع مانع قال: (( الولد للفراش )) [مسلم عن أبي هريرة] عندما يكون هناك زوجية صحيحة، فالذي تلده المرأة هو ابن الزوج قطعاً، ولا يحتاج إلى إثبات، ولا إلى تصريح. أي أن أي مولود تلده المرأة على فراش الزوجية هو من أبيه قطعاً، لذلك أيها الأخوة الكرام: لا يحل للزوج أو للأب أن ينكر نسبة ابنه إليه وهذا من أكبر الكبائر، وهذا يلحق بالابن أكبر الضرر، وأكبر الأذى، وأكبر العار، كما أنه يلحق بالأم أكبر الضرر، وأكبر الأذى، وأكبر العار، لذلك من الكبائر أن ينكر الإنسان نسبة أولاده إليه، لكن الشرع واقعي لو أن الأب شعر أن هناك مشكلة، أن هناك خيانة، ماذا يفعل؟ في سورة النور حل لهذه المشكلة، ما هذه المشكلة؟ قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (6) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (7) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (8) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (9) ﴾ [سورة النور: آية 6ـ9] فإذا تلاعنا على من يستقر اللعن؟ يتخذ القاضي قراراً بالتفريق، وإلحاق الابن بأمه بعد الملاعنة، أكبر ذنب ألا يعترف الأب بولده، أما إذا كان هناك بينة فعليه أن يتلاعن هو وزوجته أمام القاضي. طبعاً هنا في الآية شيء دقيق، والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين. الزوج يصدق إذا رأى بعينه الخيانة، لكن الزوجة بإمكانها أن ترد بشهادة خامسة كل شهاداته، إنها إن فعلت هذا كذباً فإن غضب الله عليها، أما هو إذا افترى على زوجته فعليه لعنة الله، وفرق كبير بين اللعنة والغضب، إنه إن افترى عليها أسقطها وحطمها، أما هي إن كذبت دفاعاً عن شرفها فتنال غضب الله، لكن لعنة الله أشد من غضبه. التبني هو الموضوع المحرم في العلاقة بين الآباء والأبناء : أيها الأخوة: الموضوع المحرم في العلاقة بين الآباء والأبناء هو التبني، التبني كان عند العرب في الجاهلية، وكان هذا السلوك متأصلاًً أشد التأصل في كيانهم، فكان الواحد يتبنى طفلاً، ويلحقه بنسبه، وينال من ميراثه، ويحرم عليه أن يتزوج زوجة متبناه، كما يحرم على الأب أن يتزوج زوجة ابنه، فكان في الجاهلية نظام التبني، هذا النظام قائم على أن أي رجل له زوجة وأولاد من حقه أن يلحق طفلاً بأسرته إلحاقاً كاملاً، يكنى بكنيته، ويلحق بنسبه، وينال من ميراثه، ويحرم عليه ما يحرم من الأبناء على الآباء، هذه العادة ليس لها أساس من الشرع، الابن ابن لكن المتبنى ليس ابناً، هذا المتبنى بكلمة: أنت ابني، أو كلمة: أنت كابني، لا يشعر بعاطفة الأبوة تجاه أبيه، كما أن الأب لا يشعر بعاطفة الأبوة تجاه ابنه، كما أن هذا الابن يميل إلى امرأة أبيه لأنه متبنى يشتهيها، هي أجنبية وليست أمه، فكلمة يقولها الأب: أنت ابني، وألحقه بنسبه، وأعطاه من ميراثه، وحرم على الأب ما يحرم عليه من ابنه، هذه الأحكام الثلاثة ليس لها أصل، فلذلك هذه العادة الجاهلية الشائعة نتج عنها فساد عريض، الابن ينشأ بين أمه وأبيه، هذه أمه وهذا أبوه، في قلبه عاطفة تجاه أمه، وفي قلبه عاطفة تجاه أبيه، والأب يحنو على ابنه، والأم تحنو على ابنها، ولكن هذا الطفل الغريب بكلمة أنت ابني لا يكون ابنه، لا يشعر بشعور الابن تجاه أبيه، ولا يشعر بشعور الأم المقدسة، هي امرأة أجنبية قد يشتهيها، فهذه العادة تؤدي إلى فساد عريض ضمن الأسرة الواحدة، إذا أسرة دخلها شاب أجنبي، أو فتاة أجنبية، في الأعمّ الأغلب يحصل فساد كبير جداً، لأن أحياناً بعض البلاد الأجنبية إذا طالب أحبّ أن يتعلم لغة يلتحق بإحدى الأسر في بريطانية، قال: يعامل كواحد منهم، هو ليس واحداً منهم، هو أجنبي بكل ما في هذه الكلمة من معنى، وقد يقع الفساد العريض، وقد تزل القدم، وقد ينحرف انحرافاً خطيراً مع فتيات هذا البيت، لأنه ليس واحداً منهم، وهذه قضية خطيرة جداً. تحريم التبني بالأمر التكليفي : قضية التبني محرمة في الإسلام، لكن الذي يلفت النظر أن هذه العادة السيئة حرمها الله مرتين، حرمها بأمره التكليفي، وحرمها بسلوك النبي العملي. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4941/02.jpg كيف حرمت بالأمر التكليفي؟ الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ ﴾ [سورة الأحزاب: آية 4] أنت إذا ادعيت أن هذا ابنك وهو ليس ابنك، إذا أحدكم قال: هذا كرسي يصبح كرسياً؟ هذه كلمة لا تقدم ولا تأخر، ولا تفعل شيئاً. ﴿ ادْعُوهُمْ لِآَبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آَبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ [سورة الأحزاب: آية 5] لكن الذي حصل أن سيدنا زيداً هذا الذي كان عبداً، وقدمته السيدة خديجة هدية للنبي عليه الصلاة والسلام، وحينما عرف أبواه مكان ابنهما أتيا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وطلبا منه ابنهما، والنبي بكل كرم أخلاق، وبكل بساطة عفوية، عرض عليه أن يذهب مع أبيه، أو أن يختار النبي عليه الصلاة والسلام، لكن هذا الغلام الذي عاش في كنف النبي، ونشأ في بيته الشريف، اختار النبي على أبيه وأمه، فقال: ويحك أتفضل هذا الرجل على أمك وأبيك؟ فقال: لقد رأيت منه ما أنساني أمي وأبي. النبي صلى الله عليه وسلم سلك سلوكاً عملياً في إبطال عادة التبني : هذا الصحابي الجليل سيدنا زيد حينما اختار النبي على أمه وأبيه، خرج النبي عليه الصلاة والسلام وأعلنها في الملأ أن زيداً ابني بالتبني، أن زيداً بن محمد، فصار اسم سيدنا: زيد بن محمد على العادة السائدة في الجاهلية، زيد تزوج ابنة عم النبي صلى الله عليه وسلم زينب، وكان يشكو من زوجته كثيراً، وقد أوحى الله إلى النبي أن يتزوج زينب، أي الآن تماماً هل يعقل لأب لابنه زوجة أن يتزوج زوجة ابنه؟ مستحيل. وكانت زوجة المتبنى قبل نزول هذا الحكم بمثابة زوجة الابن حقاً، لذلك الله عز وجل ألغى هذه العادة بآيتين، وسوف يلغيها بسلوك النبي عليه الصلاة والسلام. فالذي حصل أن الله سبحانه وتعالى أمر زيداً أن يطلق امرأته، وأمر النبي أن يتزوجها، طبعاً هناك قصة ترويها بعض الكتب صدقوني لا أصل لها، والنبي أعظم بكثير وأجلّ بكثير أن يفعل ذلك، أنه كان يمشي في الطريق رأى باباً مفتوحاً نظر فإذا امرأة تستحم من غير ثياب، وقعت في نفسه فقال: سبحان الله! هذه قصة ساقطة ضعها تحت قدمك، النبي أعظم من ذلك، وأجل من ذلك، وأرقى من ذلك، وقد ذكر بعض المفسرين أن هذه القصة لا أصل لها، إنها من ترويج أعداء الإسلام. أراد الله عز وجل أن يبطل هذه العادة المستحكمة الشائعة في الجاهلية، وهي عادة التبني، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يتزوج زوجة متبناه زينب، وكان هذا على النبي صعباً جداً. مخالفة شيء مألوف وموثق في الحياة، فلذلك الله عز وجل أشار إلى هذا في آية دقيقة جداً، قال تعالى: ﴿ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (37) ﴾ [سورة الأحزاب:آية 37] بهذه الآية سلك النبي صلى الله عليه وسلم سلوكاً عملياً في إبطال عادة التبني. إنسان يُدخل لبيته شاباً ليس ابنه، وهو يشتهي أخته بالتبني، ويشتهي أمه بالتبني، وقد تشتهي الأم ابنها بالتبني، فساد عريض، واختلاط أنساب شديد، وفوضى لا نهاية لها. إنهاء ثلاثة أشياء مع عادة التبني هي : 1 ـ إلغاء أن يرث المتبنى من الذي تبناه : لذلك الله عز وجل بعد إنهاء هذه العادة أنهى معها ثلاثة أشياء، ألغى أن يرث المتبنى من الذي تبناه، قال تعالى: ﴿ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (75) ﴾ [سورة الأنفال:آية 75] 2 ـ حرم أن يكون المتبنى كالابن : وحرم مع المحرمات قال تعالى: ﴿ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ ﴾ [سورة النساء:آية 23] 3 ـ سمح للآباء أن يتزوجوا زوجات متبنيهم : محرم على الأب أن يتزوج زوجة ابنه الذي من صلبه و ليس المتبنى، فلذلك نزل القرآن الكريم في هذا الموضوع فقال الله عز وجل: ﴿ وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ﴾ [سورة الأحزاب:آية 37] فكلما شكا زيد إلى النبي صلى الله عليه وسلم امرأته، يقول النبي: أمسك عليك زوجك، معنى هذا أن الله أوحى إليه أن على النبي الكريم أن يتزوج زوجة متبناه، واتقِ الله قال تعالى: ﴿ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (37) مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا (38) الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (39) مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (40) ﴾ [سورة الأحزاب:آية 37ـ40] الإسلام حرم عادة التبني الذي كانت شائعة في الجاهلية، ومتعمقة الجذور في المجتمع الجاهلي، حرم أن يكون المتبنى كالابن هذه كلمة لا تفعل شيئاً، ولا تغير حقيقة، ولا تقيم حكماً، وسمح للآباء أن يتزوجوا زوجات متبنيهم, لأن هذا المتبني ليس ابناً، ومنع الآباء من أن يورثوا أولادهم بالتبني، ومنعت هذه العادة من أصلها. ليس محرماً أن يتولى الإنسان طفلاً بالرعاية و العناية ليس له أحد يرعاه : ولكن قد نفهم الآن شيئاً آخر وهو: لو أن هناك طفلاً يتيماً رضيعاً توفيت أمه بعد أن ولدته، وكان أبوه مسافراً، وليس لهذا الطفل أحد يرعاه، إذا ضممته إلى بيتك كان رضيعاً، وأغدقت عليه من عطفك، ورعايتك، وأنفقت عليه، وتوليته بالتربية والرعاية، فهل هذا الشيء محرم؟ http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4941/03.jpg لا أبداً ليس محرماً، المحرم أن تلحق نسبه بنسبك، والمحرم أن يختلط بأسرتك، والمحرم أن يرث منك، أما إن لم تلحقه بنسبك، ولم يرث منك، ولم يختلط نسبه بنسبك، و أوليته بالرعاية والعطف، فلما صار طفلاً يعرف عورات النساء وضعته في مكان آخر، أخذته رضيعاً حتى بلغ العاشرة، هذا ليس محرماً، هذا من أجل الأعمال عند الله عز وجل، عندما حرم الإسلام التبني حرم الإلحاق النسبي، وحرم منع الزواج من زوجة المتبنى، وحرم أن يرث المتبنى من المتبني، أما إذا كان ضممته إليك كرعاية، وعطف، وتربية، وإطعام، وإكرام، فهذا من الأعمال الجليلة الصالحة، وليس هذا محرم في الإسلام. وهناك أشخاص كثر يفعلون مثل هذه الأعمال الطيبة، ولهم عند الله أجر كبير، لذلك قال عليه الصلاة والسلام: ((أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين، يشير إلى السبابة والوسطى وفرج بينهما)) [ البخاري و أبو داود عن سهل بن سعد] واللقيط في معنى اليتيم، أنا حدثني أخ يمشي في الطريق إلى صلاة الفجر، مشى إلى جوار حاوية فرأى فيها كيساً أسود يتحرك، فدهش أمسك بالكيس فإذا فيه غلام ولد لتوه يتحرك، إذا أخذه، ورباه، واعتنى به، إلى أن أصبح طفلاً يعرف عورات النساء، رباه عشر سنوات، ووضعه في ميتم، أو في مؤسسة خيرية، وتولى رعايته إلى أن زوجه، ولو أنها فتاة صغيرة إلى أن شبت وضعها في مكان مناسب عند أحد أقربائها، وزوجها، هذا ليس حراماً في الإسلام، هذا من الأعمال الجليلة. أما الحرام فاختلاط الأنساب، وإدخال طفل غريب إلى البيت. إشكالات التلقيح الصناعي : الشيء الذي حرمه الإسلام كما يجري الآن في بعض البلاد من التلقيح الصناعي أحياناً يؤخذ ماء رجل آخر يوضع في رحم الزوجة، هذا زنا، مسموح فقط من التلقيح الصناعي إذا كان العلم تقدم، والحوينات عند الرجل غير كافية لإحداث الإخصاب، يأتون بهذه الحوينات ويأتون بالبويضة، الحوينات من الأب والبويضة من الأم، وتوضع البويضة والحوينات في أنبوب، ويتم التلقيح، ثم تزرع هذه البويضة الملقحة في رحم المرأة، هذا شيء لا غبار عليه، وقد أجازه مجمع الفقه الإسلامي. هذه الحالة الوحيدة التي يجوز أن يفعلها من كان يشكو ضعفاً في حويناته، أو ضعفاً في المبايض من قبل المرأة، أما ما سوى ذلك - أن يؤخذ ماء رجل آخر، أو بويضة امرأة أخرى، أو أن يستأجر رحماً لوضع الماء مع البويضة - فهذا كله حرام، وهذا يلتقي كله مع الزنا، وفيه اختلاط الأنساب. ولا يخفى أيها الأخوة أن في المجتمعات الغربية الآن حالات كثيرة وقائمة أن يتزوج الإنسان من أخته وهو لا يدري، فوضى، واختلاط في الأنساب، فيمكن للإنسان أن يخطب فتاة هي أخته في الأساس. تشديد الإسلام على صفاء النسب وعلى عدم اختلاط الأنساب : الآن كما أنه محرم على الأب أشد التحريم أن ينكر نسب ابنه إلا عن طريق التلاعن الذي ذكرته قبل قليل، محرم على الابن أن ينتسب إلى غير أبيه، وهذا التحريم من أشد أنواع التحريم، قال عليه الصلاة والسلام: ((من ادعى إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلاً)) [ مسلم عن إبراهيم التيمي عن أبيه] وفي حديث آخر مروي عن سيدنا سعد بن أبي وقاص أنه قال: ((من ادعى لغير أبيه وهو يعلم فالجنة عليه حرام )) [ مسلم عن سعد بن أبي وقاص] دققوا في تشديد الإسلام على صفاء النسب، وعلى عدم اختلاط الأنساب. تحريم قتل الأولاد في الإسلام : الآن ما هو محرم أشد التحريم؟ قال تعالى: ﴿ وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا (31) ﴾ [سورة الإسراء: آية 31] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4941/04.jpg الآن في بعض المجتمعات الشرقية حيث فرض على الأب والأم إنجاب طفل واحد فإذا جاءت الأنثى قتلت وخنقت، هذا يجري في الصين الآن، وهناك عصابات لخطف الفتيات في سن الزواج، لأنه حينما قتلت البنات ما الذي حصل؟ نقص هذا العدد، وفي بعض الإحصاءات أن في عام ألفين خمسين مليون شاب صيني ليس لهن زوجات، لذلك ﴿ وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ﴾ محرم أشد التحريم. الإجهاض من أنواع قتل الولد، وهو محرم، وما مؤتمر السكان الذي عقد في القاهرة إلا من أجل تحليل الإجهاض، والآن في أمريكا الإجهاض أصبح مسموحاً به، أي امرأة تدخل إلى أي مستشفى حكومي تجري عملية إجهاض دون أن تكون مسؤولة أو محاسبة على عملها، قال تعالى: ﴿ وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ * ﴾ [سورة التكوير: آية 8ـ9] وفي الحديث الصحيح سئل عليه الصلاة والسلام أي الذنب أعظم؟ قال" أن تجعل لله نداً وهو الذي خلقك، ثم قيل أي أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك. الإجهاض، الإسقاط، القتل أحياناً في بعض المجتمعات، هذا محرم أشد التحريم حتى أن الله سبحانه وتعالى حينما أمر النبي أن يبايع النساء بايعهن على أن: ﴿ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ [ سورة الممتحنة : آية 12] حقوق الابن على أبيه : الآن من حق الابن على أبيه أن يحفظ له حياته، ومن حق الابن على أبيه أن يحسن تسميته، فلا ينبغي أن يسميه باسم يتأذى معه إذا كبر، يحرم عليه أن يسميه عبد لغير الله، عبد النبي غلط. الحق الأول أن يحفظ له حياته، والحق الثاني أن يحسن تسميته، والحق الثالث أن يرعاه، وأن يربيه، وأن ينفق عليه، فلا يجوز إهماله، ولا إضاعته، الحقيقة اليتيم الحقيقي الذي يجد أماً تخلت أو أباً مشغولاً، هذا هو اليتيم الحقيقي، ليس اليتيم من فقد والده أو والدته ولكن اليتيم الحقيقي من وجد أماً تخلت عنه أو أباً مشغولاً، قال عليه الصلاة والسلام: (( كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ )) [ متفق عليه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا] (( كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ )) [ أبو داود وأحمد عن عبد الله بن عمرو ] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4941/05.jpg أنا أقول هذه الكلمة: الناس أنت لهم وغيرك لهم، لكن أولادك من لهم غيرك؟ أنت وحدك مسؤول عنهم، لأن الله سبحانه وتعالى جعلهم في رعايتك، وجعلهم تحت جناحيك، فلذلك مسؤولية الآباء مسؤولية كبيرة جداً جداً، هم مسؤولون عن تربية أبنائهم التربية الإيمانية، وعن تربية أولادهم التربية الخلقية، وعن تربية أولادهم التربية الجسمية، وعن تربية أولادهم التربية العقلية، وعن تربية أولادهم التربية النفسية، وعن تربية أولادهم التربية الاجتماعية، وعن تربية أولادهم التربية الجنسية، وهذه التربيات هي مسؤولية الآباء. نحن أمضينا في هذا الموضوع ثلاثين درساً في تربية الأولاد في الإسلام، تربية الأولاد تربية إيمانية، وأخلاقية، وعقلية، وجسمية، و نفسية، واجتماعية، وجنسية. والإنسان إذا اطلع على هذه الدروس، أو استمع إليها، أو قرأ بعض الكتب التي تعالج هذا الموضوع، يتعلم كيف يربي أولاده. ولا أبالغ أيها الأخوة إن أعظم عمل على الإطلاق أن تربي أولادك التربية الإسلامية الصحيحة، لأنك إن ربيت أولادك هكذا أنت لن تموت، لأنهم استمرار لك، ولك صدقة جارية لا تنقطع، مع أن الإنسان إذا مات انقطع عمله إلا من ثلاث؛ صدقة جارية، وعلم ينتفع به، وولد صالح يدعو له. وأد البنات : أيها الأخوة: لازلت في العلاقة بين الآباء والأولاد، أول فكرة الولد سر أبيه، واستمرار لوجود الأب، وثمرة قلبه، والولد محرم على الأب ألا يعترف بالنسب إليه أشد التحريم، محرم على الأب أن يدخل على هذه الأسرة من ليس منها، التبني، محرم على الأب أن يقتل ابنه بطريقة أو بأخرى، الآن أقف عند نقطة دقيقة: بربكم لو أن أباً جاهلاً كما هي الحال في الجاهلية وأد ابنته والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ * ﴾ [سورة التكوير: آية 8ـ9] إنه إن وأدها وماتت قبل البلوغ، وأدها وهي في السنة الأولى من عمرها أين مصير هذه الفتاة؟ إلى الجنة، أما إذا كبرت وأفسدها أين مصيرها؟ إلى النار، لذلك قال تعالى: ﴿ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ﴾ [سورة البقرة:191] عندما قلت: أب يقتل ابنه وجدت على وجوهكم الاستغراب، هل هناك أب يقتل ابنه؟ في الصين فعلوها، أنا أتابع هذا الموضوع من أوله؛ أول شيء منعت الأسرة إلا من إنجاب ولد واحد، ما الذي كان يحصل؟ تأتي البنت تخنق إلى أن يأتي الغلام فيسجل، واجهوا مشكلة نقص الفتيات، ظهرت عصابات لخطف الفتيات، في عام ألفين هناك خمسون مليون صيني بلا زوجات، هذه مشكلة. الأب الذي أفسد ابنته وسمح لها أن تخرج كما يحلو لها دفعها إلى النار : لكن أنا أقول لكم كلاماً آخر طبعاً ليس في عالمنا الإسلامي أي أب في المئة ألف يقتل ابنه، هناك حالات شاذة في بعض المدن في شمال شرق سوريا أب قتل ستة أولاد، قتلهم واحداً واحداً، طبعاً عنده اختلال عقلي، فلما قلت محرم قتل الأبناء رأيت على وجوهكم استغراباً، هذا الذي يربي ابنه تربية لا أخلاقية يطلقه إلى الشهوات، لا يحمله على الطاعات، يدفعه إلى الكسب الحرام، أين مصير هذا الابن؟ إلى النار لذلك دقق في قوله تعالى: ﴿ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ﴾ [سورة البقرة:191] الأب الجاهل الذي قتل ابنته، ووأدها، مصيرها إلى الجنة، أما الأب الذي أفسد ابنته، وسمح لها أن تخرج كما يحلو لها، وأن تظهر مفاتنها للشباب في الطريق، وهو أب مسلم، ويصلي الجمعة أحياناً، فهذا الأب ليته قتلها، هو الآن أفسدها، فلما أفسدها كانت هذه الفتنة أشد من القتل، الحديث الشريف قال عليه الصلاة والسلام: (( كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ )) [ متفق عليه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا] (( كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ )) [ أبو داود وأحمد عن عبد الله بن عمرو ] ((إن الله سائل كل راع عما استرعاه أحفظ ذلك أم ضيعه؟ حتى يسأل الرجل عن أهل بيته)) [ابن حبان وأبو نعيم عن أنس] يوجد أزواج يهمهم من زوجاتهم أن تكون زوجة جيدة، طبخ، تنظيف، لكن هل صلت؟ الغسيل نشرته في الشرفة وهي متكشفة أمام الأجانب والجيران لا يبالي كثيراً، ليس عنده غيرة أحياناً، أما إذا كان الطبخ غير جاهز يقيم النكير، مثل هذا الزوج لا يرعى حقاً لزوجته. المساواة بين الأبناء في العطية : الآن يجب على الآباء - وإنني ألح على هذه الفكرة- أن يسووا بين أبنائهم في العطية حتى يكونوا لهم في البر سواء. أول قضية أسأل عنها كل أسبوع: الطلاق، ثاني قضية عدم العدل بين الأبناء أب يحرم البنات، وما أكثر هذه الظاهرة، أو أب يحرم أبناءه من زوجة لا يحبها، له زوجتان. حدثني أخ متزوج فتاة هي بنت لأم مطلقة في أيام العيد وأبوها من أهل الغنى ذهبت إلى بيت أبيها هي وزوجها، فرأت بنات الأم الثانية عند أبيهم، ما كان من الأب إلا أن طردها بشكل أو بآخر، إرضاء لزوجته الجديدة أخرجها من البيت تبكي. أما بناته الأخريات من الزوجة الجديدة فيسرحون ويمرحون في البيت، أما هذه البنت من زوجة مطلقة فصرفت من البيت، فلذلك الشيء الدقيق أن يسوي بين أبنائه الذكور والإناث في العطية من هذه الزوجة أو من تلك الزوجة، بقول عليه الصلاة والسلام: ((اعْدِلُوا بَيْنَ أَبْنَائِكُمْ، اعْدِلُوا بَيْنَ أَبْنَائِكُمْ)) [ أحمد عن النعمان بن بشير] و هناك حديث صحيح وقصة هذا الحديث أن امرأة بشير بن سعد الأنصاري طلبت إليه أن يخص ولدها النعمان بن بشير بمنحة مالية، وأرادت توثيق هذه الهبة، فطلبت من زوجها أن يشهد على ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذهب إليه وقال: ((إِني نَحَلْتُ ابني هذا غُلاما كان لي. فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- : أكلَّ ولدك نحلته مثل هذا؟ فقال: لا ، فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- : فارجعْهُ ». وفي رواية قال: « تَصَدَّقَ عَليَّ أبي ببعض ماله ، فقالت أُمِّي عَمْرَةُ بنتُ رواحة : لا أرضى حتى تُشْهِدَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. فانطلق أبي إِلى النبي لِيُشهده على صدقتي. فقال له رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- : أفعلتَ هذا بِوَلَدِكَ كُلِّهِم؟ قال: لا ، قال: اتقوا الله ، واعْدِلُوا في أولادكم ، فرجع أبي، فَرَدَّ تلك الصدقة ». وفي أخرى : فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- : « يا بشير ، أَلَكَ وَلَد سِوَى هذا؟ قال : نعم ، قال: أكلَّهُمْ وهبت له مثل هذا؟ قال: لا ، قال: فلا تُشْهِدْني إِذَنْ ، فإِني لا أشهد على جَور». وفي أخرى : « أشْهِدْ على هذا غيري. ثم قال: أَيَسُرُّكَ أن يكونوا إليك في البِرِّ سواء؟ قال : بلى. قال: فلا ، إِذن » )) [ متفق عليه عن النعمان بن بشير] الإنسان قد يعبد الله ستين عاماً ثم لا يعدل بين أولاده فتجب له النار. أسوأ خاتمة خاتمة رجل أنهى حياته بحرمان بعض أولاده، أو حرمان البنات، وما أكثر الأسر التي تحرم البنات، يقول لك: هذا المال ذهب لغريب. إذا ابنتك وسعت منزلها في حياتك ودعت لك ما المانع؟ هذه القصة وقعت في عهد النبي. من خرج عن العدل لمصلحة راجحة لا شيء عليه : أخواننا الكرام: الأب الموفق الذي يرجو رحمة الله، الأب الذي يرجو أن يموت على الإيمان، الأب الذي يرجو أن ينجو من عذاب الله، ومن عذاب القبر، عليه أن يعدل بين أولاده في العطية. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4941/06.jpg قد يقول أحدكم: هذا الولد يخدمني أكثر، أنت إذا حرمت المقصر زد في إبعاده عنك، وزد في حقده على أخيه، اعدل بينهم، ودع إكرامهم لك، دع ربك يجازيهم عن إكرامهم لك. اعدل بينهم في العطية، الإمام أحمد يرى - وهذا رأي وجيه- إذا ابن فيه عاهة، كسيح مثلاً، الأب خصه في دكان ليقتات منها استثناء عن أخوته، أحياناً بنت زوجها دخله محدود، البيت مستأجر يوجد ورقة إخلاء، أما بقية البنات فأزواجهم تجار، ودخلهم كبير، فخص هذه البنت الفقيرة ببيت تأوي إليه هي وزوجها، لا يوجد مانع عند الإمام أحمد. إذا أنت خرجت عن العدل ولكن لمصلحة راجحة راجحة ولك حجة أمام الله عز وجل، الإمام أحمد يرى أنه لاشيء على الإنسان، قال تعالى: ﴿ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [سورة النساء: آية 11] الحقيقة يقول لك أخ: أنا لا أفعل هذا الشيء، هذا الدين ليس لك، هذا الدين لمجموع المجتمع الإسلامي، أي أنا أشعر أحياناً أن هناك أحكاماً ألقيها عليكم أعتقد أن معظمكم لا يفعلها إطلاقاً، لا يوجد أحد يقصر مع أولاده، يجيعهم، لكن هذا هو الشرع، أنا أريد أن أذكر حكم الله. إن هذا الدين لمجموع الأمة، قد يكون طالب علم متفوق، مخلص، ورع، يتوهم بأن الدرس ليس له، أما هذا الدرس فلمجموع الأمة، أما ما أكثر الآباء الذين لا يعدلون مع أولادهم، وتجد الابن محروقاً، مطعوناً في الصميم، حينما يعمل عملاً مجهداً ولا يأخذ من أبيه حقه، قد يؤثر ابن زوجة جديدة على ابنه من زوجته القديمة. من خالف شرع الله في الميراث فله عذاب مهين : نعم آية المواريث تبدأ بقوله تعالى: ﴿ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ * تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ ﴾ [سورة النساء: آية 12ـ 14] ﴿أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [سورة النساء: آية 176] من خالف شرع الله في الميراث قال: أعدّ الله له ناراً خالداً فيها، و له عذاب مهين، هذه كلها في آيات المواريث. واجبات الأبناء تجاه آبائهم : الآن كما أن الآباء عليهم واجبات تجاه الأبناء في العدل، في العطاء، في الرعاية، في التربية، في الإنفاق، في أن يحسن اسمه، في أن يحسن اختيار أمه، ألا يقتله، ألا ينكر نسبه، الآن على الأبناء واجبات كثيرة، من هذه الواجبات: البر و الطاعة والإكرام قال تعالى: ﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا ﴾ [سورة الأحقاف:آية 15] و هناك رجل سأل الرسول: (( يا رسول الله، مَنْ أحَقُّ الناس بِحُسْن صَحابتي؟ قال : أمُّك '، قال : ثم مَنْ؟ قال : أمُّك، قال : ثم مَنْ؟ قال : أمُّك، قال : ثم مَنْ؟ قال : أبُوك . وفي رواية قال أمَّك، ثم أمك، ثم أباك )) [أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة ] وقال عليه الصلاة والسلام: ((ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلى يا رسول اللّه. قال: الإشراك باللّه، وعقوق الوالدين، وكان متكئًا فجلس فقال: ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور)) [ متفق عليه عن أبي بكرة] وقال عليه الصلاة والسلام: (( ثلاثة لا يدخلون الجنة أبداً الديوث والرجلة من النساء ومدمن الخمر )) [البيهقي عن عمار بن ياسر] المتشبهة بالرجال، لبس البنطال للمرأة هذه رجلة. وقال عليه الصلاة والسلام: ((كل الذنوب يؤخر الله منها ما شاء إلى يوم القيامة إلا عقوق الوالدين فإنه يعجله لصاحبه في الحياة قبل الممات)) [الحاكم وصححه وتعقبه الذهبي والبيهقي والطبراني والخرائطي عن أبي بكرة] وحينما نهى الله عز وجل أن يقول الابن لأبيه كلمة أف ورد في الأثر أنه لو كان في اللغة أقل من كلمة أف لقالها الله عز وجل. أي أقل شيء أن تتنفس بصوت مسموع أمام أبيك، هذا محرم. الابتعاد عن أية إساءة للناس تسبب لعن الوالدين : الحقيقة هناك نقطة مهمة جداً، قال عليه الصلاة والسلام: ((إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه، قيل يا رسول الله: وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال: يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه)) [البخاري عن عبد الله بن عمرو] إذا إنسان لسانه بذيء وأطلق سباباً، طبعاً الطرف الآخر سيسب الأب، فالذي سبّ أباه هو الذي سبّ آباء الناس حتى سبوا أباه، طبعاً الإساءة مطلق الإساءة أية إساءة للناس تسبب لعن الوالدين. تقديم بر الوالدين على الجهاد : آخر شيء في الدرس الجهاد ذروة سنام الإسلام، ومع ذلك: ((جاء رجلٌ إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يستأذنه في الجهاد، فقال : أحيٌّ وَاِلَداكَ؟ . قال : نعم . قال : ففيهما فجاهدْ )) [البخاري عن عبد الله بن عمرو] ((أقبل رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: أبايعك على الهجرة والجهاد، أبتغي الأجر من الله تعالى، فقال: «هل لك من والديك أحد حي؟» قال: نعم، بل كلاهما، قال: «فتبتغي الأجر من الله تعالى؟» قال: نعم، قال: «فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما)) [متفق عليه عن عبد الله بن عمرو بن العاص] وفي حديث آخر قال: ((ارجع إليهما فأضحكهما كما أبكيتهما)) [ النسائي عن عبد الله بن عمرو] الطاعة و العبادة لله وحده والإحسان للوالدين : آخر شيء لو أن الوالدين كانا كفاراً، وأمراك بمعصية، قال تعالى: ﴿ وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [سورة لقمان: آية 15] طلب منك الوالد أن تقضي له حاجة، تشتري له دواء، تركب له مدفأة، تقدم له طعاماً، ولو كان كافراً، عليك أن تؤدي حقه، أما إذا أمرك بمعصية الله هذا الأمر وحده لا ينبغي أن ينفذ لقول الله عز وجل: ﴿ وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ |
رد: العبادات التعاملية
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية الدرس : ( الثانى و الثلاثون ) الموضوع : الحياة العامة للمسلم الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون الذكر فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. الدين و الثقافة : أيها الأخوة المؤمنون: مع الدرس السادس عشر من سلسلة دروس: "الحلال والحرام في الإسلام"، وندخل الآن في الحياة العامة للمسلم. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4942/01.jpg أيها الأخوة الكرام: هناك مصطلح في تاريخ الحضارات اسمه الثقافة، الثقافة هي مجموع المعتقدات، والتصورات، والأساطير، و العادات، والتقاليد، وأنماط المعيشة، وطرائق الفرح والزواج، وأساليب الحزن، كل أمة لها تقاليد، لها عادات، لها تصورات، لها تراث، لها أساليب في الحياة، مجموع هذه التصورات والمعتقدات والأساليب والعادات والتقاليد تسمى في علم الحضارة ثقافة، الثقافة شيء والدين شيء آخر، الدين وحي من السماء: ﴿ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ﴾ [سورة فصلت: الآية 42] الدين من عند خالق الكون حق صرف، أما العادات والتقاليد والأساليب والأنماط والتصورات والمعتقدات والأساطير وما توارثه الآباء عن الأجداد والأبناء عن الآباء فهذا يدخل تحت مصطلح الثقافة، لكن الإسلام هذا الدين القويم، هذا التشريع الرشيد، هذا الدستور الحكيم، هل ترك الثقافة سائدة؟ يعتقد الناس بالأوهام، يصدقون بالخرافات، يسحرون، يلجؤون إلى الكهان والعرافين، ويقعون في الأوهام، هذا صلب عمل الدين، هذا مبرر وجود الدين. الإسلام لا يقبل ثقافة خرافية ولا سلوكاً لا يتناسب مع منهج الله : لذلك الإسلام ينطلق من أن لهذا الكون إلهاً عظيماً، ومربياً حكيماً، خلق الكون وفق نظام السببية، كل شي له سبب، وكل شيء له غاية، ولا تناقض في الكون، وهذه هي نفسها مبادئ العقل، هذه خصائص الكون وتلك مبادئ العقل، فأية فكرة، أو تصور، أو خرافة، أو معتقد، أو عادة، أو تقليد، أو نمط معيشة، أو أسلوب حياة، يتناقض مع هذه المبادئ الأساسية فهي مرفوضة، أي المرأة في الهند يجب أن تحرق مع زوجها الميت وهي حية، تسجى إلى جانبه، ويحرق هو الميت وهي الحية http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4942/02.jpg هكذا التقاليد، أكبر قطيع بقر في العالم في الهند لأن البقرة عندهم إله، وصدقوني هناك شعوب في قمة النجاح العلمي، والصناعي، والتكنولوجي، وتنافس أكبر الدول الصناعية في العالم، تعبد ذكر الرجل، وشعوب أخرى تعبد الجرب، وشعوب تعبد الموج، وأخوة كرام مصدقون عندي كانوا في هذه البلاد ورؤوا بأم أعينهم كيف أن هذه الشعوب تعبد هذه الأوثان من دون الله. درسنا اليوم الثقافة، الإسلام لا يقبل ثقافة خرافية، لا يقبل سلوكاً لا يتناسب مع منهج الله، لا يقبل معتقداً خرافياً، لا يقبل أضاليل، ترهات، لا يقبل الدجل أبداً، فلذلك المؤمن علمي، أكبر مثل أضعه بين أيديكم الصحابة الكرام، عندما توفي ابن النبي عليه الصلاة والسلام إبراهيم لحكمة أرادها الله كسفت الشمس فقالوا: إن الشمس كسفت لموت إبراهيم، فلما سمع النبي هذا الكلام صعد المنبر وخطب الناس وقال: "إن الشمس والقمر آيتان لا ينبغي أن تنكسفا لموت واحد من خلقه". ليته سكت لعظّمه الصحابة أكثر، لا. هذه أمانة علمية، هذه خرافة لا أصل لها، هذا وهم باطل، هذا ادعاء لا يصح، لا يوجد إنسان مؤمن عنده خرافات أبداً، دجل، خرافة، أوهام، أكاذيب، هذا الإسلام حاربه أشد المحاربة، قال تعالى: ﴿ وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ ﴾ [سورة المؤمنون: الآية 71] بناء الكون على أنظمة بالغة في الدقة : الآن ونحن مسلمون، والقرآن بين أيدينا، والسنة بين أيدينا، ونحضر خطب الجمعة، ومعظم الناس يذهبون إلى المشعوذين، يقول لك: مسحور، كتبوا لي ماء مالحاً، لست متفاهماً مع زوجتي، الجن داخلون بي، يقول لك: هذا الشيخ يخرج الجني مني، كل هذا خلط بخلط، خرافات ما أنزل الله بها من سلطان، لذلك لا يوجد مؤمن دجال http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4942/03.jpg لا يوجد مؤمن خرافي، إياكم أن تعتقدوا بخرافات وأباطيل ودجل، والحقيقة أقول لكم هذه الكلمة: والله لا يوجد شيء في الإنسان أقبح من الجهل، لا يوجد شيء أقبح من أن تتوهم شيئاً غير صحيح، الإنسان المخلوق الأول المكرم الذي أكرمه الله بالقوة الإدراكية، هذا الإنسان المميز العاقل الذي جعل الله له الكون مسخراً، يعتقد بأن البقرة إله، وأن هناك من يسيء العلاقة بينه وبين زوجته كالسحرة، لذلك هذا الكون مبني على أنظمة بالغة الدقة، على رأسها نظام السببية، ومنها نظام الغائية، ومنها نظام الهوية، وعدم التناقض، فالعقل هذه مبادئه، فلا نقبل أبداً إلا الشيء الذي ورد به نص صحيح، قرآن كريم أو سنة صحيحة، وما سوى ذلك لا نقبل به أبداً، قال تعالى: ﴿ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً ﴾ [ سورة الأحزاب : الآية 62] ﴿ وَلَا تَجِدُ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلاً ﴾ [سورة فاطر: الآية 43] مثلا: تفاحة قبل أن تغسلها أكلتها وقلت: توكلت على الله، لا يضر مع اسمه شيء، الله الشافي، هذه زعبرة، اغسلها، نظام الجرثوم قد يصل إليك رغم كل التمتمات، اغسلها، اعقل وتوكل، قال يا رسول الله: أعقلها أم أتوكل، قال: اعقلها وتوكل، خذ بكل الأسباب وتوكل على رب الأرباب، إن لم تأخذ بالأسباب فقد عصيت، وإن اعتمدت عليها فقد أشركت، هذا هو الدين. والإيمان الصحيح أن تأخذ بالأسباب وأن تعتمد على رب الأرباب. الإيمان الصحيح أن تأخذ بالأسباب وأن تعتمد على رب الأرباب : لذلك اسمحوا لي أن أقول لكم: إن الذي لا يأخذ بالأسباب يحتقر نظام الكون، والله سبحانه وتعالى لن يغير هذا النظام من أجله، قال لك الطبيب: ضغطك مرتفع دع الملح، لو أنك فقيه لعلمت أن هذا الأمر من الطبيب يرقى إلى مستوى الفرض في دينك، لأن حياتك ليست ملكك، ملك أولادك وزوجتك، وملك المسلمين، وملك أخوانك، وإن هذا يعقبك. يجب أن نأخذ بالأسباب، الغربيين أخذوا بالأسباب، وتفوقوا لكن ألهوها وعبدوها من دون الله، والشرقيون لجهلهم تركوا الأخذ بالأسباب، فتحكم بهم من أخذ بالأسباب، وأصبحوا في قبضتهم، سيدنا عمر دخل على قرية فرأى معظم الباعة من الأقباط فعنف أهل هذه القرية تعنيفاً شديداً، فقالوا: إنّ الله سخرهم لنا، كما يقول بعض أهل النفط، لا يعملون يركبون أفخر السيارات، يركبون الطائرات، يأتون بكل المخترعات، لكن بين عشية أو ضحاها فقدت من بين أيديهم الكتلة النقدية، وانتقلت إلى غيرهم بأساليب ماكرة تعرفونها جميعاً، دولة تمتلك مئة وخمسين ملياراً كاحتياطي، أصبحت مديونة بخمسين ملياراً، عامان فقط، يجب أن نأخذ بالأسباب وأن نتوكل على رب الأرباب. سيدنا عمر عنفهم لأن هؤلاء الذين يعملون وينتجون ليسوا مسلمين، فقالوا: إن الله سخرهم لنا -كما يدعي بعض الكسالى- فما كان من هذا الخليفة الراشد الذي له نظر بعيد إلا أن قال: كيف بكم إذا أصبحتم عبيداً عندهم؟ سيدنا عمر قبل ألف وأربعمئة عام أدرك أن المنتج قوي والمستهلك ضعيف، المنتج يتحكم برقبة المستهلك، أنت مؤمن يجب أن تسد ثغرة في الحياة العامة، أنت مهندس زراعي، أنت مهندس مدني، أنت طبيب، أنت خبير كيماوي، أنت صاحب حرفة، أنت تاجر، اليد العليا خير من اليد السفلى، أمسك النبي بيد أحد أصحابه وكانت خشنة رفعها وقال: إن هذه اليد يحبها الله ورسوله. والله أحياناً تقع عيني على أخ في لباس العري التعبير المهني – ميكانيكي- والله أكُنّ له كل احترام، ينتهي العمل يرتدي أجمل الثياب، ويأتي إلى المسجد، الله يحب صاحب الحرفة، يحب الذي يأكل من عمل يده، يحب الذي ينفع المسلمين. أقول ثانية: لا تنتظر أن يغير الله الأنظمة والقوانين من أجلك، إنك إن لم تعبأ بها تحتقرها، واحتقارك لها يؤدي بك للاستخفاف بخالقها، تجد المسلم بعيداً عن الأسباب، والكافر يأخذ بالأسباب بحذافيرها، ونحن لا نأخذ بها لا بطعامنا، ولا بشرابنا، ولا بحركتنا، ولا بنظام حياتنا، ولا بنظام تجارتنا، أي شيء عشوائي كيفي، لذلك دائما جهدنا لغيرنا، وغيرنا هو الذي يتحكم بنا. أول نقطة: درسنا عن الثقافة اليوم، و ماذا يوجد في المجتمع من تقاليد و أوهام و معتقدات و عادات. لا يعلم الغيب إلا الله : أولاً: ليس في الكون كله إنسان واحد، أو جان واحد، أو ملك واحد يعلم الغيب، تستطيع بهذه الآية أن تمسك ألف قصة وتركلها بقدمك، لا يعلم الغيب إلا الله، قال تعالى: ﴿ قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [سورة النمل: الآية 65] لا ملائكة، ولا جن، ولا بشر يعلمون الغيب، ابدأ بفنجان القهوة سوف يأتيك مال، كذب، حظك هذا الأسبوع تقرأه من خلال مجلة مزقها لأن هذا كلام فارغ لا يعني شيئاً، رقمك ثلاثة عشر كذب، يوم الأربعاء امتحانك، وإذا كان يوم الأربعاء لن أنجح لأنه يوم الأربعاء، كلها خرافات. الإسلام حرب على الأوهام والخرافات والترهات والأباطيل : دققوا لا يوجد شيء في الإنسان أقبح من الجهل، أن تعتقد بشيء غير صحيح، والله قبل سنوات زرت مصر، ودخلت إلى الأهرامات، وجدت أن هذه الأمة التي بنت هذه الأهرامات تنطلق من الجهل، تعتقد أنه يوجد حياة في القبر، الطعام، والشراب، والخبز، واللحم، والمركبات، القبر محدود، مساحته خمسون متراً، لماذا المركبة؟ يوجد مركبة، وعجلات، وذهب، وفضة، وحلي مدفون تحت الأرض لعقيدة واهمة، تحتقر أمة بأكملها، الفراعنة جهلوا الحقيقة، حضارتهم تحت التراب كلها، لاعتقاد واه غير صحيح، لا يوجد شيء يزري بالإنسان كالجهل، أو كالوهم، لذلك الإسلام حرب على الأوهام، والخرافات، والترهات، والأباطيل، والدجل، والكذب، والتزوير، استمعوا إلى قول الله عز و جل: ﴿ قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [سورة النمل: الآية 65] الآن أضعكم أمام قصة ليس لها حكمة عند الله إلا أن تعتقد أن أحداً في الكون لا يعلم الغيب، سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام جاءه وفد من بعض القبائل وطلبوا منه سبعين قارئاً ليعلموا قومهم القرآن الكريم، والنبي بعث معهم هؤلاء السبعين، سبعون قارئاً وعالماً، في الطريق ذبحوهم، لمَ لم يعلم النبي هذه الحقيقة؟ لأنه بشر لا يعلمها، النبي علم آلاف الحقائق المستقبلية عن طرق إعلام الله له، فالنبي يعلم الغيب إذا أعلمه الله، أما إذا لم يعلمه فلا يعلم الغيب، هذا درس بليغ لا يعلم الغيب إلا الله. قبل يوم أو يومين سألني صديق أن فلاناً يكشف للمستقبل، ويعلم الغيب، كلام من هذا القبيل، فقلت له: إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام وهو سيد الخلق وحبيب الحق يقول الله له آمراً: ﴿ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ [ سورة الأعراف : الآية 188] الله عز وجل أعطانا شاهداً كبيراً سيدنا سليمان أوتي لغة الطير، وقد سخر الله له الجن، كلفهم بأعمال شاقة ومتعبة، ومات سليمان عليه السلام متكئاً على عصاه، ولحكمة أرادها الله حفظ الله له جسمه، وما علموا أنه مات إلا بعد أن أكلت الدابة أي السوسة مِنْسَأَتَهُ، فلما خر تبينت الجن أنهم لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين، أليست هذه القصة دالة دلالة واضحة على أن الجن لا يعلمون الغيب؟ كلفهم بأعمال شاقة، عذبهم عذاباً مهيناً ومات، لو علموا أنه مات لكفوا عن هذه الأعمال الشاقة، لكن ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل مِنْسَأَتَهُ، فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين. الجهل أعدى أعداء الإنسان : أخواننا الكرام: كلما سمعت قصة تفيد بأن الشيخ الفلاني يعلم الغيب، يشاهد لك حظك، الشيخ الفلاني، الكاهن الفلاني، الفلكي الفلاني، وكلما وجدت في المجلة حظك هذا الأسبوع، وكلما جلست مع شخص دجال يقرأ لك فنجان القهوة فيقول: سوف يأتيك مال، أو لك عدو يتربص بك احذر منه، هذا كله كلام دجل في دجل، لا تعبأ به أبداً، لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: إني لست بكاهن، وإن الكاهن والكهانة والكهان في النار. بعض الناس على سذاجتهم في عهد النبي خبؤوا له شيئاً بأيديهم ثم قالوا له: ماذا بيدنا يا رسول الله؟ أنت نبي قل ما بيدنا؟ أي امتحان سخيف، فقال: إن لست بكاهن، وإن الكاهن والكهانة والكهان في النار. إذا خبأت بيدك ليرة ذهبية وسألت عالماً جليلاً هل تعلم ما بيدي؟ يقول لك: لا أعلم وهذا مما أفتخر به أنني لا أعلم. أيها الأخوة الكرام: أنا لا أنطلق من وهم، أنا أستمع إلى آلاف القصص من مسلمين، يأتون السحرة والمشعوذين، طبعا باسم مشايخ ليفكوا لهم السحر، ليكتبوا لهم الحجاب، ليوفقوهم في أعمالهم، ليكشفوا لهم عن خصومهم، طبعاً هذا الشيء ليس له أساس من الصحة، يقول عليه الصلاة والسلام: ((مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةُ أَرْبَعِينَ)) [مُسْلِمٌ وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ] هذا هو الحق، وقال عليه الصلاة والسلام: (( من أتى كاهناً أو عرافاً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد)) [أبو داود وأحمد والحاكم عن أبي هريرة] أنواع الكفر : عندنا كفر اعتقادي، وهناك كفر عملي، فكل إنسان صدق ساحراً أو كاهناً كذب القرآن الكريم حكماً، إن صدقت الساحر أو الكاهن كذبت القرآن الكريم حكماً، وقد أمر الله النبي عليه الصلاة والسلام أن يصرح لأمته فقال: ﴿ قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [ سورة الأنعام:الآية50] أنا عبد أتبع ما يوحى إلي، لذلك المؤمن الصادق لا يستحي من كلمة لا أعلم، أنا عبد وهذا لا أعلمه. خير الإنسان منه و شره منه : العرب في الجاهلية كانوا يستقسمون بالأزلام، أي يأتون لمكان عندهم مقدس يوجد سهام مكتوب على أحدها أمرني ربي أن أفعل، ويوجد سهام مكتوب عليها أمرني ألا أفعل، ويوجد سهام لم يكتب عليها شيء، فكل إنسان يغمض عينيه، ويأخذ من بين هذه السهام سهماً، فإن كان افعل سافر وتاجر وتزوج، وإن كان لا تفعل على السهم امتنع عن السفر أو الزواج أو التجارة، وإن جاء السهم فارغاً أعاد الكرة، لذلك قال الله تعالى مندداً ومحرماً: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ [سورة المائدة: الآية 3] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4942/04.jpg الآن احمل عليها آلاف السلوك، امسك مسبحة وقل: سافر أم لا سافر، سافر أم لا أسافر مثلها تماماً. ويوجد أشياء ليس لها أصل في لقرآن الكريم يفتح القرآن وجد آية تقول: افعل، هذه ليس لها أصل، أي شيء يقاس عليها محرم، يقول عليه الصلاة والسلام: ((لن يَلِج الدرجات من تَكَهَّن أو استقسم أو رجع من سفر طائرًا )) [ الطبراني عن أبي الدرداء] إذا ألغيت السفر لأجل التشاؤم فأنت لست مؤمناً، طبعا التطير العرب كانوا إن طار الطير عن يمينهم تفاءلوا وإن طار عن شمالهم تشاءموا، والله عز وجل قال: ﴿ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ [سورة النمل: الآية 47] وقال: ﴿ طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ ﴾ [سورة يس: الآية 19] عملك الطيب يأتي لك بالخير، وعملك السيئ يأتي لك بالشر، خيرك منك وشرك منك، وخيرك عند الله وشرك عند الله، يوجد الآن موضوع الأرقام يقول لك: ما اسمك؟ تقول له: سعيد السين ثلاثة عشر، والعين أربعة عشر، والياء ستة، تسع وتسعون ليس لك حظ لا تتعب نفسك، والله أشخاص مثقفون ويعتقدون بهذا، مشكلة، إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم، قضية علم. اجتناب السحر : الآن يقول عليه الصلاة والسلام: http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4942/05.jpg (( اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ )) [ متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ] طبعا الشاهد من أجل اجتنبوا السحر، وربنا عز وجل قال: ﴿ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ﴾ [سورة البقرة: الآية 102] أما ما يتداوله الناس تعلم السحر ولا تعمل به هذا ليس حديثاً، وليس له أساس من الصحة، لأنه إذا تعلمت السحر وقعت في شركه، وقعت في شر عملك، تعلم السحر ولا تعمل به كلام لا أصل له، الدليل قوله تعالى: ﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ * وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ * ﴾ [سورة الفلق ] النفاثات في العقد السحرة الذين يفرقون بين المرء وزوجه، والأخ وأخيه، والشريك وشريكه، ومن شر النفاثات في العقد. بعض فقهاء المسلمين عدّوا السحر كفراً، من سحر فقد كفر، وبعضهم قال: إنه يؤدي إلى الكفر، وبعضهم حكم بتطهير المجتمع من الساحر، المجتمع المسلم لا يسمح لساحر أن يعمل بين أفراده. من سحر فقد أشرك : ويقول النبي عليه الصلاة والسلام: ((لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ صَاحِبُ خَمْسٍ مُدْمِنُ خَمْرٍ وَلَا مُؤْمِنٌ بِسِحْرٍ وَلَا قَاطِعُ رَحِمٍ )) [ أحمد عن أبي سعيد الخدري] لا يدخل الجنة من آمن بالسحر، والله أنا التقيت بعشرات بل بمئات، إنسان ملء السمع والبصر يصلي في المساجد، يستمع إلى الخطب، يقول لك: الشيخ الفلاني يفك السحر، الشيخ الفلاني يخرج لي الجني، هذا كلام ليس له أساس من الصحة، يقول عليه الصلاة والسلام: (( من نفث في عقدة فقد سحر ومن سحر فقد أشرك )) [ ورد في الأثر] (( ليس منا من تطيّر أو تطيّر له أو تكهن أو تُكُهِّن له أو تسحر أو سُحر له)) [ البزار عن عمران بن حصين] الذي يأتي الكاهن هذا تُكهن له، والكاهن نفسه تكهن، والذي يأتي الساحر سُحر له والذي سحر هو الساحر، والذي تشاءم هو المتطير والذي يؤمن بهذا ويصدقه أيضا مسؤول ويحاسب. تعليق التمائم : الآن تعليق التمائم، التمائم حدوة حصان يضعها في السيارة، أو حذاء طفل صغير، أو يقول: عين الحاسد تبلى بالعمى ويرسم سهماً، هذا كله دجل، وهذا كله لا يفعل شيئاً، لا يحميك إلا أن تكون مطيعاً لله عز و جل، لا تضع حدوة، ولا حذاء طفل صغير، ولا تضع تمتمات، وأحياناً يضع يده في الدم ويضعها على السيارة يقول لك: لن يصيبنا حادث، ثم تتحطم السيارة تحطيماً، ليس لهذه البقعة من الدماء علاقة إطلاقاً، أحياناً أرى حجاباً أفتح أول ورقة والثانية والثالثة والرابعة والخامسة كلما أغلق ورقة يلصقها، ويضع لها غلافاً، فيصبح سميكاً، كلها فارغة، ثم تجد خطوطاً، مربعات، دوائر، كلام ليس له معنى، وخط في منتهى القبح، وليس له معنى، ويدفع عليه أجر، سعر هذا الحجاب خروف بخمسة آلاف، ضعها لن يصيبه شيء، كله وهم، شخص مرض ماذا فعل النبي؟ قال: (( تداووا عباد الله فإن الله تعالى لم ينزل داء إلا وقد أنزل له شفاء )) [أخرجه الحاكم عن أسامة بن شريك مرداس الأسلمي ] انظر ما أجمل هذا الكلام، تداووا عباد الله فإن الذي خلق الداء خلق الدواء، الله حكيم خلق المرض ليقربك منه، وإذا شفيت يوجد دواء جاهز تشفى منه، وإن كان هناك شيء من أدويتكم خير ففي هذه الثلاث؛ شربة عسل، أو شرطة محجم، أو كي بنار، يقول لك: جلسة كهربائية أي كي بنار شرطة محجم، عملية شربة عسل فيه شفاء للناس، طبعاً هذه من الطب النبوي الشريف، و عن عقبة بن عامر: ((أنه جاء في ركب عشرة إلى النبي صلى الله عليه و سلم فبايع تسعة و أمسك عن بيعة رجل منهم فقالوا : ما شأن هذا الرجل لا تبايعه؟ فقال : إن في عضده تميمة)) [ المستدرك عن عقبة بن عامر] التميمة سوار يوضع في العضد، أو في الرجل، والعرب يعتقدون في الجاهلية أن الذي يضعه لا يموت، لذلك يوجد بيتان شعريان شهيران قال له: وتجلدي للشامتين أريهم أني لريب الدهر لا أتضعضع *** فأجابه الشاعر قال: وإذا المنية أنشبت أظفارها ألفيت كل تميمة لا تنفع *** والتميمة سوار يوضع في العضد، أو في الرجل، فإذا وضع لا يموت صاحبه، فالنبي يبايع هؤلاء العشرة رأى أحدهم يضع تميمة فلم يبايعه، فقالوا: لمَ يا رسول الله؟ فقال: إن في عضده تميمة، فقطع الرجل التميمة فبايعه النبي، فقال عليه الصلاة والسلام: ((من علق فقد أشرك)) [ المستدرك عن عقبة بن عامر] أحياناً يضع الشخص ستائر في السيارة يعتقد أن الناس يخافون منه، لا تفعل شيئاً، أحياناً يحاول أن يضع صوراً أو أشياء، هذه لا تفعل شيئاً، هذا شرك بالله عز و جل: ((من علق تميمة فلا أتم الله له ومن علق ودعة فلا ودع الله له )) [ ابن حبان عن عقبة بن عامر] طبعاً ويحمل على التميمة كل شيء آخر يقوم مقام التميمة، ومن أودع ودعة فلا أودع الله له. رأى النبي شخصاً يضع على عضده حلقة فقال له: ((النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا في يده حلقة من صفر فقال: ما هذه؟ قال: من الواهنة ، فقال: انزعها؛ فإنها لا تزيدك إلا وهنا، انبذها عنك، فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدا)) [ أحمد عن عمران بن حصين] من الوهن أي كي لا أمرض. العاقل من يشتري الأمن ممن يملكه و هو الله عز وجل : أخواننا الكرام: دققوا في بيوتكم، في مركباتكم، في محلاتكم التجارية، شيء غير صحيح، غير شرعي، كلمة من أجل أن يكثر الزبائن، كل هذا خلط بخلط، استقم ولا تغش، وكن أميناً، واخدم الناس، وانصحهم فيرزقك الله، لا يوجد عندنا إلا هذا الطريق. وعن عيسى قال: دخلنا على أبي معبد نعوده فقلنا: ألا تعلق شيئاً؟ فقال: الموت أقرب من ذلك، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((من علق شيئاً وكل إليه)) [رواه الطبراني في ترجمة أبي معبد الجهني في الكنى قال: وقد قيل: إنه عبد الله بن عكيم] بالمقابل يقول لك: أنا مؤمن، إذا شخص مؤمن ما معنى هذا؟ أي اشترى الأمن ممن لا يملكه، الله هو الحافظ. الابتعاد عن الرقى و التولة : قال عليه الصلاة والسلام: ((إن الرقى والتمائم والتولة شرك)) [أبو داود والحاكم عن ابن مسعود] قالوا: هذه الرقى والتمائم فقد عرفناها فما هي التولة؟ قال: شيء تصنعه النساء ليتحببن إلى أزواجهن. أي خيط يربطونه بمكان معين ليتحببن إلى أزواجهن، والله لا يحبها زوجها لماذا؟ لأنها مقصرة في بيتها، وتجيبه إجابة قاسية، ولا تعتني به، ومقطوعة عن الله عز وجل، فلا يحبها زوجها، فبدل أن تقوم بواجبات زوجها، وبخدمة زوجها، وبخدمة أولادها، وبالإخلاص لربها، تستخدم أشياء ما أنزل الله بها من سلطان، لذلك قيل: (( اعلمي أيتها المرأة، وأعلمي من دونك من النساء أن حسن تبعل المرأة زوجها يعدل الجهاد في سبيل الله )) [ ورد في الأثر ] قالت امرأة لأخرى: تأكدي أن الله عز وجل لا يسألك لا عن عملك، ولا عن خدمة زوجك، ولا عن خدمة أولادك، يسألك فقط عن صلاتك، فصلي قيام الليل، وصومي، فالنبي يقول: (( اعلمي أيتها المرأة، وأعلمي من دونك من النساء أن حسن تبعل المرأة زوجها يعدل الجهاد في سبيل الله )) [ ورد في الأثر ] كلامها غلط، و أيما امرأة مات زوجها عنها وهو راض عنها دخلت الجنة. إذا صامت شهرها، وصلت خمسها، وحفظت نفسها، وأطاعت زوجها، دخلت جنة ربها. انظري أين أنت منه فإنما هو جنتك ونارك، هذا هو توجيه النبي، يوجد الآن نساء لا تعبأ بزوجها، ولا تأتمر بأمره، وتخرج عاصية له، وتدعي أنها تدعو إلى الله عز وجل، هذا السلوك غير إسلامي، الإسلامي أن يبقى الزوج هو صاحب القوامة في البيت افعلي الخير ما تشائين ولكن ضمن نطاق الانسجام مع الزوج. التشاؤم : الآن التشاؤم، التشاؤم ورد كثيراً في كتاب الله، قال قوم صالح له: ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ﴾ [سورة النمل: الآية 47] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4942/06.jpg أي تشاءمنا منك، وكان قوم فرعون: ﴿يطَّيّروا بموسَى وَمَن معهُ﴾ [ سورة الأعراف: الآية 131] وقال بعض الأقوام لأنبيائهم: ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾ [سورة يس: الآية 18] فما كان جواب هؤلاء الأنبياء إلا أن قالوا: ﴿ طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ ﴾ [سورة يس: الآية 19] أي خيركم منكم وشركم منكم، لذلك قال عليه الصلاة والسلام: (( ليس منا من تطيّر أو تطيّر له أو تكهن أو تُكُهِّن له أو تسحر أو سُحر له)) [ البزار عن عمران بن حصين] وقال صلى الله عليه وسلم: (( إِنَّ الْعِيَافَةَ وَالطِّيَرَةَ وَالطَّرْقَ مِنْ الْجِبْتِ)) [أحمد عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ الْمُخَارِقِ] و الجبت هو الطاغوت. من الشيطان التشاؤم والتكهن والطيرة هذه كلها من الشيطان. العيافة هي الخلط في الرمل وهو ضرب من التكهن، والطرق الضرب بالحصى وهو نوع من التكهن، و الجبت ما عبد من دون الله . الابتعاد عن الظن والطيرة والحسد : ثلاثة مهلكة الظن والطيرة والحسد، فإن ظننت فلا تحقق، وإن تطيرت فلا ترجع، وإن حسدت فلا تبغي، إذا تشاءمت لا ترجع عن سفرك، وإذا حسدت فلا تبغي على المحسود، وإذا ظننت فلا تحقق ظنك. قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه ابن مسعود رضي الله عنه: ((الطيرة شرك، الطيرة شرك، الطيرة شرك)) [ أبو داود عن ابن مسعود] الناس يستعملونها فيقولون: دخل فلان فتعطلت البيعة، ليس لها علاقة، يقول: الزوجة قدمها شؤم، ليس لها علاقة، بريئة، إذا أحبّ الله أن يؤدب زوجها المنحرف ليس لها علاقة أبداً، زوجها منحرف وكسبه حرام فأدبه الله هي لا علاقة لها، فيجب ألا يكون عندنا تشاؤم بشخص ولا بيوم ولا بعدد ولا بشيء. يوجد نقطة مهمة جداً سيدنا ابن مسعود قال: يا رسول الله ما منا إلا - أي يتشاءم أحدنا أحياناً فيخاف- ولم يتابع حديثه فأجابه الرسول عليه الصلاة والسلام: ((ولكن الله يذهبه بالتوكل )) [ أبو داود عن ابن مسعود] إذا تشاءمت دون أن تشعر تشاؤمك هذا يذهبه الله بالتوكل فينتهي الأمر. العصبية : من الأمراض المتفشية بالثقافات التي نعيشها العصبية، قال عليه الصلاة والسلام: ((ليس منا من دعا إلى عصبية، وليس منا من قاتل على عصبية، وليس منا من مات على عصبية)) [ مسلم عن جبير بن مطعم] التعصب انحياز أعمى، العصبية تعريفها الدقيق أن تعين قومك على الظلم، أي أوقعك أخوك في مشكلة أنت مع الخصم من دون تفهم، هذه عصبية، جارك، ابنك، دوماً مع قريبك ضد الشخص الآخر، أن تعين قومك على الظلم، هذا تعريف النبي صلى الله عليه وسلم أن تعين قومك على الظلم، لكن النبي قال في حديث آخر: ((انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا نَنْصُرُهُ مَظْلُومًا فَكَيْفَ نَنْصُرُهُ ظَالِمًا؟ قَالَ : تَأْخُذُ فَوْقَ يَدَيْهِ)) [ البخاري عن أنس] أحد أخواننا المحامين والله أكبرته جداً، حدثني أنه توكل عن موكل، الموكل أقنعه أنه مظلوم، قال لي: بدأنا بالدعوى وقطعنا مراحل، وأنا في منتصف الطريق جاءني من أثق به وقال لي: إن الموكل ظالم، وأخفى عنك حقائق كثيرة، وهذه هي الحقائق، قال لي هذا الأخ الكريم: أتيت موكلي وضغطت عليه واستحلفته بالله حتى قال لي الحقيقة فإذا هو ظالم، قال: والله ما كان مني إلا أن رفعت مذكرة إلى القاضي بالحقيقة وما فعلها أحد قبلي، أي أخذت على يده، طبعاً قد يقول أحدكم: لا يجوز هذا في عرف المحاماة، لكن النبي قال: ((انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا نَنْصُرُهُ مَظْلُومًا فَكَيْفَ نَنْصُرُهُ ظَالِمًا؟ قَالَ : تَأْخُذُ فَوْقَ يَدَيْهِ)) [ البخاري عن أنس] مضلل يأكل مالاً حراماً، يلقي أيتاماً في الطريق سيشردهم، سيدمرهم، والقصة كلها كذب، وليس لها أساس، والأوراق كلها مزورة، وهو الوكيل، فما فعل إلا أن تكلم بالحقيقة أمام القاضي فمنع هذا الظلم وانتهى هذا المؤمن، لو أن جميع المحامين يقفون مع الحق لقلّت الدعاوى إلى العشر. قال لي أحد القضاة: خمسة بالمئة خصومة حقيقية من كل الدعاوى في قصر العدل، والباقي كلها دعاوى كيدية أي أساسها باطل. الله عز وجل لا يرضى عن المؤمن إلا إذا أنصف الآخرين : الله جلّ جلاله يقول: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوْ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ﴾ [ سورة النساء: الآية 135] ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا (8) ﴾ [سورة المائدة: الآية 8] هذه الآية تأخذ بالألباب، المخاطب من؟ المؤمنون، من هم أعداؤهم التقليديون؟ الكفار، أيها المؤمن إذا حملك بغضك للكافر على أن تظلمه وأنت متوهم أنك ترضيني بهذا فأنت واهم، إني لا أرضى عنك إلا إذا أنصفت الكافر: ﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى (8) ﴾ [ سورة المائدة] أي هذا الكافر إذا عدلت وأنصفته قربته إليّ وقربته إليك، أما إذا زدته ظلماً زدته بعداً عن الله وعن المؤمنين. أقول لكم: يمكن أن تقصر مع مؤمن فيسامحك، أو يأخذ موقفاً شخصياً منك، أما إذا أسأت لغير المسلم سيحقد على دينك، وسيشهر لا بك بل بدينك، وسيربط هذا التقصير وهذه الإساءة مع دينك، لذلك قبل أن تسيء لغير المسلم عد للمليون، المسلم قد يعفو وقد لا يدخل الإسلام كطرف، يقول لك: فلان أساء، أما غير المسلم إذا أسأت له فيقول: الإسلام يربي المسلمين تربية ظالمة، وهذه هي أخلاق المسلمين. المؤمن قلبه لا يحب الكافر ويكره عمله لكنه ينصفه : أيها الأخوة موضوع التقاليد والعادات والثقافات التي تعيشها الأمة يجب أن يكون متوافقاً مع الدين، منسجماً مع العقيدة الصحيحة، فلا وهم، ولا دجل، ولا خرافة، ولا اعتقاد خاطئ، إننا إذا فعلنا ذلك فقد ضيعنا هويتنا، يقول الله عز وجل: ﴿ لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُم ﴾ [سورة المجادلة: الآية 22] ويقول الله عز وجل: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنْ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ ﴾ [سورة التوبة: الآية 23] قد يقول أحدكم ما علاقة هاتين الآيتين بالدرس؟ أنت مكلف أن تنصف الكافر، وأن تعطيه حقه من دون أن تواليه، من دون أن ترضى عن عمله، من دون أن تقيم معه علاقة حميمة: ﴿ لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ ﴾ [سورة المجادلة: الآية 22] لكن المودة شيء وإعطاء الحق شيء آخر، قال: يا أمير المؤمنين أتحبني؟ فقال له: والله لا أحبك، قال: هل يمنعك بغضك لي من أن تعطيني حقي؟ قال له: لا والله حقك سيصل إليك، الحق شيء آخر. ذكرت الآيتين لكي لا نتوهم أن إنصاف الكافر وإعطاءه حقه يعني أن تقيم معه علاقة حميمة وأن تحبه، لا، قلبك لا يحبه ويكره عمله لكنك تنصفه. العالم و العابد : أيها الأخوة: المؤمن عالم، وإن الله عالم يحب كل عالم، وفضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم، وفضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وعالم واحد أشد على الشيطان من ألف عابد، كن عالماً أو متعلماً أو مستمعاً أو محباً ولا تكن الخامسة فتهلك، الناس رجلان عالم ومتعلم ولا خير فيما سواهما، والعلم يقتضي أن تكون واقعياً، والعلم يقتضي الدليل والتعليل، العلم له منهج وله أسس، العلم الديني أساسه الكتاب والسنة، يوجد آلاف القصص لا أصل لها، ولا تعني شيئاً، وقد تصدم حقائق الشرع، الذي يغش الحليب شكا لشيخه خسارات مستمرة فقال له: يا بني أصبح الغش ضرورياً، برر كلامه بأن الناس أصبح مالهم حراماً، فإذا غششت بعت، هذا كلام خلاف الدين، تجد قصصاً في بطون الكتب تصادم نصوص الشرع مباشرة، نحن لا نؤمن إلا بالكتاب والسنة، فقصة تصادم نصاً قرآنياً يجب أن ترفضها، تصادم نصاً صحيحاً لرسول الله يجب أن ترفضها، قصة تدعوك إلى المعصية مستحيل، فلذلك أيها الأخوة درسنا اليوم متعلق بالثقافة، والثقافة مجموع العادات، والتقاليد، والتصورات، وأنماط السلوك، هذه كلها يجب أن تكون منضبطة بالشرع، ولو محصتم في بيوتكم لوجدتم مئات بل آلاف الأساليب في الحياة لا أصل لها، أول خميسه، وثاني خميسه، أول أربعينة، هذا كله ليس له أساس من الصحة، لا يوجد إلا الكتاب والسنة الذي بين النبي عليه الصلاة والسلام، أحكام الشرع. المسلمون طبقة واحدة أفلحهم عند الله أتقاهم : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4942/07.jpg إن شاء الله في درس قادم نتابع الموضوع في فقرة أساسية هي المساواة بين المؤمنين، لا لوم، ولا عِرق، ولا غنى، ولا ذكاء، هذه كلها ليست بشيء في مقياس الإيمان، سيدنا الصديق وضع يده بيد بلال وقال: هذا أخي حقاً، سيدنا عمر خرج وهو أمير المؤمنين إلى ظاهر المدينة لاستقبال بلال الحبشي العبد الأسود، الإسلام ما فرّق بين الناس أبداً، المسلمون طبقة واحدة أفلحهم عند الله أتقاهم لقوله تعالى: ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ [سورة الحجرات: الآية 13] وإن لم ننطلق من هذه القيمة فنحن في جاهلية، يكفي أن تقول: أنا ابن ، أو حجمي المالي كذا، أو أنا شركتي من الدرجة الأولى، حينما تفتخر بمالك، أو بانتمائك، أو بقرابتك، أو بنسبك، أو بعرقك، أو بكونك في المدينة لست ريفياً، فهذه هي الجاهلية بعينها، أنت مؤمن تفتخر أنك مؤمن. |
رد: العبادات التعاملية
في ميزان حسناتك وبارك الله فيك
|
رد: العبادات التعاملية
تسلمين اختى عاشقة على تكرمك وتواجدك
|
| الساعة الآن 02:47 PM |
Powered by vBulletin™ Version 3.8.7
Copyright © 2012 vBulletin ,
هذا الموقع يتسخدم منتجات Weblanca.com
new notificatio by 9adq_ala7sas
User Alert System provided by
Advanced User Tagging (Lite) -
vBulletin Mods & Addons Copyright © 2026 DragonByte Technologies Ltd. Runs best on HiVelocity Hosting.