![]() |
رد: العبادات التعاملية
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية الدرس : ( السابع العاشر ) الموضوع : الاكراه يغير الحكم الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. الإكراه : أيها الأخوة الأكارم، من لوازم بحث القضاء في الفقه موضوع دقيق دقيق هو الإكراه، أي القاضي إذا أراد أن يحكم على إنسان وثبت لدى القاضي أن هذا الإنسان كان مكرهاً فيما فعل فالإكراه يغير الحكم كله، ولكن ما من موضوع في الفقه ماع بين أيدي الناس أو تبخر حتى أصبح كالغاز كهذا الموضوع. معلوم لديكم أن الأشياء الصلبة حجمها ثابت وشكلها ثابت، وأن الأشياء المائعة حجمها ثابت وشكلها متغير، وأن الأشياء الغازية حجمها متغير وشكلها متغير. ما من موضوع في الفقه الإسلامي ماع أو تميع أو تبخر فأصبح كالغاز بين أيدي المسلمين كموضوع الإكراه، أو موضوع الاضطرار، يرتكب المسلم معظم المعاصي وهو مضطر، فما حدود الضرورة؟ أقول لكم وأعني ما أقول: إن من أخطر الموضوعات أن يعلم المؤمن ماذا تعني الضرورة، ما معنى الضرورات تبيح المحظورات؟ ما معنى الإكراه؟ أما كلما شعرنا أننا بحاجة إلى شيء ادعينا أننا مكرهون، أو مضطرون، من أجل تحقيق الحاجات الثانوية ندعي الإكراه، وندعي الضرورة. الإكراه في اللغة : أيها الأخوة الكرام موضوع الإكراه موضوع دقيق دقيق، له حدود دقيقة عند الفقهاء، لأن أكبر حجة يحتج بها الإنسان في التعامل الربوي أحياناً، في ارتكاب المحظورات المتعلقة بكسب المال، أو بإنفاق المال، أو بعلاقته بالنساء، أكثر المعاصي مغطاة عند المسلمين مضطر ماذا أفعل؟ أنا مضطر، من أجل الضرورة يفعل كل شيء، هذه كلمة الضرورة ليس لها حدود، أما أنها مائعة فتمط كيفما نشاء. العلماء قالوا: الإكراه في اللغة حمل الإنسان على أمرٍ لا يريده طبعاً أو شرعاً، حمل الإنسان قهراً، وجبراً، وغصباً على أن يفعل شيئاً، أو على أن يقول شيئاً لا يريده، لا بحسب طبعه، أو بحسب الشرع، هذا في اللغة، أما في الشرع فحمل الغير على ما يكره بالوعيد بالقتل، أو التهديد بالضرب، أو السجن، أو إتلاف المال، أو الأذى الشديد، أو الإيلام القوي الذي لا يحتمل، متى تستجيب؟ إذا هدد الإنسان بالقتل، أو بقطع أحد أعضائه، أو بالتعذيب الذي لا يحتمل، أو بفقد ماله كله، هذه الضرورات حصراً؛ خوف الموت، أو فقد الحياة، أو خوف تلف أحد الأعضاء، أو الأجهزة، أو التعذيب الذي لا يحتمل، أو فقد المال كله، هذه الأبواب الأربع هي حصراً الضرورات التي تبيح المحظورات، أما لو فعلت هذا لأخذ عليّ مأخذ، هذا ليس ضرورة، وليس هذا إكراهاً، لو فعلت هذا لأخذوا عني فكرة معينة، هذا ليس ضرورة ولا إكراهاً، اختلط عند العوام وعند بعض المؤمنين ما هو ضروري، أو ما هو إكراه، أو ما هو حرج، أو ضيق، أو توهم ضرر لا يحصل. شروط الإكراه و أنواعه : قال: يشترط في الإكراه أن يغلب على ظن المُكرَه إنفاذ ما توعد به المُكرِه، أي أحياناً: زعم الفرزدق أن سيقتل مربعاً أبشر بطول سلامة يا مربع *** أحياناً الإنسان يهدده إنساناً آخر، أو يتوعده، لكن يشعر في قرارة نفسه أن هذا كلاماً فارغاً، هذا الذي يهدد لا يفعل ما يقول، لا ينفذ ما يهدد به، أو لا يستطيع أن ينفذ، لا ينفذ، أو لا يستطيع، هذا ليس إكراهاً، ولا ينطوي تحت باب الإكراه، من هدد إنساناً والإنسان المُكرَه المهدد غلب على ظنه أن المُكرِه لا ينفذ وعيده، أو لا يستطيع تنفيذ وعيده. عند بعض الفقهاء لا فرق بين إكراه الحاكم، وإكراه اللصوص، قد يكون إنساناً عادياً لكن مسلحاً، فاجأك بتهديد، لا فرق بين إكراه الحاكم وإكراه اللصوص، إلا أن بعض الفقهاء قال: الإكراه فقط إكراه السلطان، لأن غير السلطان لا يملك أن يكره، هذا موضوع خلافي بين الفقهاء. العلماء قالوا: الإكراه ينقسم إلى قسمين، إكراه على كلام، وإكراه على فعل، قد يكره الإنسان أن يقول كلاماً، وقد يكره أن يقول فعلاً، أي هذا الموضوع من الدقة بحيث أخشى أو أخاف أن يفهم على غير حقيقته، دققوا فيما أقول: الإكراه يعني إذا غلب على يقينك أن الذي يهددك يفعل ما يعدك به، من إذا قال فعل، إذا هددت بالقتل، أو بفقد أحد الأعضاء، أو بالإيلام الذي لا يحتمل، أو بفقد المال كله، الآن ينطبق عليك شرط الإكراه، شرط الإكراه الذي يرفع عنك الإثم في الدنيا والآخرة. الإكراه على الكلام لا يجب به شيء لأن المكره غير مكلف : الإكراه على الكلام لا يجب به شيء لأن المكره غير مكلف قال تعالى: ﴿ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ [ سورة النحل: 106] ﴿ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ ﴾ [ سورة النحل: 106] أي إنسان إذا نطق بكلام لا يرضي الله عز وجل تحت تهديد شديد، أو وعيد شديد، وكان الذي يتوعد يفعل ما يقول، ويغلب على ظن المكره أن الذي يهدد يفعل قال: هذا إكراه حقيقي، والآية تؤكد ذلك: ﴿ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ ﴾ [ سورة النحل: 106] لماذا؟ لأن حياة الإنسان مقدمة على كل شيء. مقاصد كبرى في الشريعة : عندنا بالشريعة خمسة مقاصد كبرى، المقصد الأول: هو الدين، والمقصد الثاني: هو الحياة، والمقصد الثالث هو العرض، و المقصد الرابع هو المال، والخامس هو العقل، من اعتدى على العقل بالخمرة يقام عليه الحد، من اعتدى على المال بالسرقة يقام عليه الحد، من اعتدى على العرض بالقذف يقام عليه الحد، من اعتدى على الحياة بالقتل يقام عليه الحد، من اعتدى على الدين بإفساد العقيدة، أو الطعن في الدين، يقام عليه الحد، الشريعة كلها ذات خمسة مقاصد: الدين والحياة والعرض والعقل والمال. لذلك قال أحد العلماء: الشريعة مصلحة كلها، وعدالة كلها، ورحمة كلها، فأية قضية خرجت من العدل إلى الجور، ومن المصلحة إلى المفسدة، ومن الرحمة إلى القسوة فليست من الشريعة ولو أدخلت عليها بألف تأويل وتأويل، أي الشريعة رحمة، والقسوة ليست من الشريعة، الشريعة عدالة، الظلم ليس من الشريعة، الشريعة مصلحة، المفسدة ليست من الشريعة، ولو احتال بعضهم بإدخال المفاسد، أو القسوة، أو الظلم على الشريعة بألف تأويل وتأويل. في موضوع المقاصد هناك تدريج، أي أولاً: الدين، ثانياً: الحياة، ثالثاً: العرض، رابعاً: المال، خامساً: العقل، هذا الترتيب مهم جداً، لأنه بإمكانك دائماً أن تفتدي بالثاني الأول، فالإنسان قد يفقد حياته من أجل دينه عمل مشروع، هو الجهاد في سبيل الله، وقد يفقد ماله من أجل عرضه عمل مشروع، قال عليه الصلاة والسلام: (( ذبوا عن أعراضكم بأموالكم)) [ الخطيب عن أبي هريرة] وقد يفتدي المهم بالمهم، إذاً هناك ترتيب، طبعاً هذه المقاصد الأساسية، وكل مقصد من هذه المقاصد له ثلاثة أبواب؛ باب الضرورات، وباب الحاجات، وباب المتممات، الضرورات والحاجات والمتممات، وبإمكان كل إنسان يفدي الضرورة بالحاجة والحاجة بالمتمم، مثلاً كشف العورة حرام في الدين أليس كذلك؟ أما إذا امرأة أصابها مرض عضال، ولا بد من طبيب يعالجها فالحفاظ على الحياة ضرورة، بينما كشف العورة من حاجيات الدين، لا من فرائضه، من حاجياته، إذاً نضحي بكشف العورة من أجل بقاء الحياة، بالدين مشروع، أي ممكن أن تعملوا جدولاً خمسة حقول أفقية، وثلاثة حقول عامودية، المجموع خمسة عشر، بالحقول الأفقية الدين، الحياة، العرض، العقل، المال، العرضية: الضرورات، الحاجات، المتممات، فنحن دائماً نتحرك من الأدنى إلى الأعلى، ومن اليسار إلى اليمين، دائماً نضحي بالأبعد عن الضرورة، الحاجة، المتمم، أو الأبعد عن الدين هكذا، هذا جدول طبعاً مستنبط من الكتاب، والسنة، وأحكام الفقهاء، لكن مريح جداً يجعلك تتحرك حركة صحيحة وفق ما يريد الله عز وجل. إذا وقع الإكراه لا يؤاخذ الإنسان به ولا يترتب عليه حكم : أولاً: إذا نطق الإنسان بكلمة الكفر مكرهاً، الآن فهمنا معنى مكرهاً، مكره أي كانت حياته معرضة للقتل، أو فقد أحد أعضائه، أو فقد ماله كله، أو التعذيب الذي لا يحتمل، وإذا قذف غيره فلا يقام عليه الحد، وإذا أقرّ فلا يأخذ بإقراره، وإذا عقدَ عقد زواج لا ينعقد هذا العقد، وإذا عقَدَ عقْد هبة لا يصح هذا العقد، وإذا باع فإن بيعه فاسد لا ينعقد، وإذا حلف أو نذر فإنه لا يلزمه شيء، وإذا طلق زوجته هذا الطلاق لا يقع لأنه مكره، وإذا راجعها، فإن رجعته لزوجته لا تصح، والأصل في هذا كله قول الله عز وجل: ﴿ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ [ سورة النحل: 106] أما أسباب نزول هذه الآية فما ذكر المفسرون بالتفاسير عن أبي عبيدة محمد بن عمار بن ياسر قال: أخذ المشركون عمار بن ياسر فعذبوه حتى قاربهم في بعض ما أرادوا، من شدة التعذيب قاربهم في بعض ما أرادوا، أي قال ما طلب إليه، فشكا ذلك إلى النبي صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقال عليه الصلاة والسلام: "يا عمار كيف تجد قلبك؟ قال: مطمئن بالإيمان، فقال عليه الصلاة والسلام: لا عليك، إن عادوا فعد"، رحمة بأمته، لأن النبي ما كلف الناس فوق طاقاتهم، هذا من التيسير على المؤمنين. قالوا: إذا وقع الإكراه لم يؤاخذ به، ولم يترتب عليه حكم، وبه جاء الأثر المشهور عن رسول الله صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ )) [ ابن ماجه عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ] هذا من باب رفع الحرج عن الأمة، الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه، ممكن أن تجمع غلطاً فيكون الحساب أقل بألف ليرة، والبائع لم يدقق، قبض المبلغ منك ثم اكتشف بعد حين أنه قبض أقل بألف ليرة، ولم يثبت عنده نية سيئة، هذا خطأ، والنسيان: "اللهم إني بشر أنسى كما ينسى البشر". والإكراه كما تحدثنا قبل قليل: ((... وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ )) [ ابن ماجه عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ] العزيمة عند الإكراه أفضل من أخذ الرخصة : لكن هناك رأي دقيق هو أن العزيمة عند الإكراه على الكفر أفضل، أي هناك اجتهادان، أن تنطق بكلمة الكفر، أو أن تفعل محظوراً، هذا رخصة، أما إذا رفضت أن تنطق بالكفر، ولم تفعل محظوراً، وتعرضت للخطر الشديد هذه عزيمة، والعزيمة أفضل من الرخصة. إليكم هذه القصة التي جرت بعهد النبي عليه الصلاة والسلام، مسيلمة الكذاب أخذ رجلين من أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال لأحدهما: ما تقولوا في محمد؟ قال: رسول الله، قال: فما تقول في؟ قال: أنت أيضاً كذلك، فخلاه، وقال للآخر: ما تقول في محمد؟ قال: رسول الله، قال: فما تقول في؟ قال: أنا أصم، أنا لا أسمع، فأعاد عليه ثلاثاً، فأعاد ذلك في جوابه فقتله، فبلغ النبي صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خبرهما، فقال: أما الأول فقد أخذ برخصة الله، وأما الثاني فقد صدع بالحق فهنيئاً له. معناها اجتهادات، لك أن تأخذ بالرخصة ولا شيء عليك، ولك أن تأخذ بالعزيمة، فهنيئاً لك، إذاً الحكم الثاني: العزيمة عند الإكراه أفضل من أخذ الرخصة، لكن كل إنسان له عزيمة. لما سئل: القرآن مخلوق أم قديم؟ قال: قديم، فحجز في السجن في عهد المعتزلة لما أقنعوا الخليفة بمذهبهم، تبنى الخليفة مذهبهم، وجمع العلماء، وأكرههم على هذا المبدأ، طبعاً مبدأ باطل، عالم آخر قال: القرآن والتوراة والإنجيل والزبور كلها مخلوقة وقصد أصابعه. هنا اجتهاد، لا ينبغي أن تلوم الذي أخذ بالرخصة، ولا ينبغي أن تلوم الذي أخذ بالعزيمة، كل إنسان تصرف بحسب إمكاناته، وقوة إيمانه، وعزيمته، فالذي أخذ بالرخصة لا شيء عليه، والذي أخذ بالعزيمة هنيئاً له، هذا الإكراه على القول. الإكراه على العمل : فما الإكراه عن العمل؟ قال: الإكراه على الفعل نوعان؛ ما تبيحه الضرورة، وما لا تبيحه الضرورة، فما تبيحه الضرورة مثل الإكراه على شرب الخمر، أو أكل الميتة، أو أكل لحم الخنزير، يقول لك: والله نحن مضطرون ذهبنا إلى فرنسا لا يوجد غير لحم خنزير ماذا نفعل؟ مضطرون أن نأكله، هذا كلام مضحك، أي لا تأكل لحم الخنزير إلا إذا شهر عليك سلاح، إذا لم تأكل تموت فوراً، هذه ضرورة، أو كنت في الصحراء وبينك وبين الموت شعرة، لا يوجد لحم، ماذا نفعل؟ لا تأكل لحماً، أخطر شيء في هذا الموضوع مثلما قلت توسعه، تميعه، كلمة ضرورة ماعت، أصبحت الحاجات الثانوية ضرورات، أي إذا فعل هذا يؤخذ عليه ذلك، أخي مضطر، إذا فعل ذلك يظن أنه كذا، إن لم يفعل يؤاخذ على فعله، هذا كله كلام فارغ، الضرورات حينما يغلب على يقينك أنك ستفقد حياتك، أو تفقد أحد أعضائك، أو تعذب عذاباً لا تحتمله، أو تفقد مالك كله، هذه الضرورة، ما سوى ذلك ليست ضرورات، ولا تباح بها المحظورات، ومن يفعلها آثم، وله عقاب في الدنيا والآخرة، أي الإنسان كما قال الله عز وجل: ﴿ وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [ سورة البقرة: 195] هذه آية قرآنية، إذا كان الهلاك جوعاً يجب أن تأكل ولو لحم خنزير، القضية دقيقة جداً، هناك إنسان في رمضان يقول لك: أنا معي قرحة لن أصوم، جرب أول يوم، إذا حدث معك آلام لا تحتمل افطر، لكن معك قرحة مخففة، أي تحس بمغص خفيف، عليك أن تصبر، فالورع دائماً يؤثر العزائم ويبتعد عن الرخص، إلا عندما تكون الرخصة أحب إلى الله من العزيمة. من أكره على قتل غيره لا يجوز له الإقدام على قتله : لكن العلماء أجمعوا على من أكره على قتل غيره لا يجوز له الإقدام على قتله لماذا؟ لأنه لابد من أن يموت أحد شخصين، فأنت حينما تفعل ذلك افتديت نفسك بأخيك، حينما يفعل المكره على القتل ما أكره عليه افتدى نفسه بأخيه، أحدهما ميت، لا أنت أولى أن تموت، لا تقبل، هذا أيضاً حكم، واسألوا الله العافية من هذه المواقف الحرجة. العلماء قالوا: لا حد على مكره، لو قدر أن رجلاً استكره على الزنى فزنى، فإنه لا يقام عليه الحد، وكذلك المرأة لقول النبي عليه الصلاة والسلام: ((... وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ )) [ ابن ماجه عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ] شروط الإكراه : 1 ـ أن يكون المكره قادراً على تنفيذ ما هدد به وإلا كان هذياناً : الآن إلى بعض التفاصيل، من كتاب آخر، شروط الإكراه وهذا أبرز ما في البحث. الشرط الأول: أن يكون المكره قادراً على تنفيذ ما هدد به، وإلا كان هذياناً، وبناءً عليه كان أبو حنيفة النعمان يقول: لا إكراه إلا من السلطان، لأن غير السلطان لا يتمكن من تحقيق ما هدد به، أحياناً شخص عادي يقول لك: سأريك، خير إن شاء الله، ماذا يفعل؟ لكن الأئمة الثالث عدا أبي حنيفة قالوا: يتحقق الإكراه من السلطان وغيره لأن إلحاق الضرر بالغير يمكن أن يتحقق من كل متسلط، إذا إنسان كان في الصحراء و إنسان من قطاع الطرق أشهر عليه مسدساً، هذا مكره، وقد يفعل ما يهدد به، كلمة رائعة أن الخلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه لأن صاحبي أبي حنيفة مع الأئمة الثلاث، يتحقق الإكراه بالسلطان وغيره، قال: الخلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه هو اختلاف عصر وزمان لا اختلاف حجة وبرهان، أي كل عصر له ترتيبات. الآن في أمريكا بعض الأحياء أي زنجي يشهر عليك مسدساً أينما ذهبت ينصحونك أن تعطيه كل ما تملك، وإلا تخسر حياتك، لي صديق توفي رحمه الله، له أخت تقيم في أمريكا، مرض زوجها مرضاً شديداً، وعندهم بقالية ضخمة، فطلبت من أخيها المقيم في دمشق أن يحضر إلى أمريكا، ليساعدهم في إدارة البقالية في الصيف، طبعاً على حساب الأسرة، و الله حدثني من فمه، قال لي: ذهبت إلى هناك، بعد يومين ذهبت مع أختي إلى البقالية، شي جميل، بقالية ضخمة قالت لي: هنا مسدس، خير، قالت له: قد يفاجئك لص وهنا مسدس، قال لي: اثنا عشر مسدساً في البقالية، بحيث أينما كنت، لو شهر عليك إنسان تكون مهيئاً نفسك، قال لي: ما هذا العمل؟ ورجع فوراً، هذا مجتمع أوربا أي لا يقدر إنسان أن يمشي بعد المغرب في بعض المدن، في كل ثلاثين ثانية ترتكب جريمة قتل، أو سرقة، أو اغتصاب، هذا الإحصاء أنا قرأته في السنة الخامسة و الستين، الآن أكثر بكثير، كل ثلاثين ثانية ترتكب جريمة قتل، أو سرقة، أو اغتصاب . طبعاً بدول العالم المتقدم لو أرادوا أن ينقلوا الأموال من بنك إلى بنك، أو من بلد إلى بلد، ينقلونها بقطارات مصفحة تصفيحاً لا يخترقه قنابل المدافع، قطارات، أو سيارات مصفحة، مع مرافقة، مع أسلحة، مع هيلوكبتر يطير فوقها، حدثني شخص قال لي: كنت في بلد إسلامي تطبق فيه حد قطع اليد، يد السارق، أقسم بالله من العاصمة إلى محافظة نائية في الجنوب، تبعد عن العاصمة آلاف الكيلو مترات، رواتب هذه المحافظة موضوعة بأكياس كبيرة تنقلها شاحنة، أي بك آب، الأكياس موضوعة بالخلف، وتسير هذه السيارة آمنة مطمئنة، ألفا كيلو متر لنقل الرواتب، من بلد إلى بلد، لأن هناك قطع يد، ألم يسأل الإمام الشافعي؟ قال له: يد بخمس مئين عسجد وديت ما بالها قطعت في ربع دينار؟ *** قال: عز الأمانة أغلاها وأرخصها ذل الخيانة فافهم حكمة الباري *** هناك قصص كثيرة جداً عن بعض البلاد التي تقيم حكم الله في قطع يد السارق ترى العجب العجاب، أي الأمن بشكل لا يصدق، مع أنه لا يوجد علم، ولا تمدن، لكن هناك إقامة لحدود الله، ستة عشر مليون سرقة في عام أربعة و ستين في أمريكا، بينما لو طبق حكم الله في قطع يد السارق لا يحتاج بلد يزيد سكانه عن خمسين مليوناً إلا أن يقطعوا بالعام يداً أو يدين فقط. إذاً أول شرط للإكراه، أن يكون المكره قادراً على تنفيذ ما هدد به وإلا كان هذياناً. 2 ـ أن يغلب على ظن المستكره أن المكره سينفذ تهديده لو لم يحقق ما أكره عليه : الشرط الثاني: أن يغلب على ظن المستكره أن المكره سينفذ تهديده، لو لم يحقق ما أكره عليه. مثلاً من باب الطرفة أحياناً الأم تقول لابنها: والله لأذبحك، ممكن أن تذبحه؟ هو يصدق هذا الكلام، إذا ارتفعت حرارته يطير عقلها، حرارته أربعون تموت من الألم عليه، فكلمة الأم سأذبحك ليس لها معنى إطلاقاً، أما هي باللغة ذبح، لكن هذا الكلام لا يعني شيئاً. الأم هل تقدر أن تذبح ابنها كقوة عضلية؟ نعم تقدر، تذبح دجاجة أحياناً، معها سكين حادة، القدرة غير التنفيذ. الشرط الأول: أن تكون قادرة، أما الشرط الثاني فأن يغلب على ظن المكره أن الذي يهدد يفعل ما يقول، ليس قادراً فقط، قادر ويفعل، أصبحوا شرطين، قادر ويفعل، نضرب مثلاً أحياناً، نستفيد من هذه النقطة بموضوع آخر، أنا أستخدم هذا المثل لوضوحه، إذا إنسان ركب سيارة ومعه زوجته وأولاده، و يمشي في طريق وعلى اليمين واد سحيق، من حيث القدرة العضلية، ألا يستطيع أن يحرف المقود تسعين درجة وينزل في الوادي؟ من حيث القدرة العضلية يقدر وإذا كان المقود هيدروليك بالخنصر، إذاً أيفعلها؟ مستحيل، أولاً: يخاف على حبه لبقائه وحبه لأهله وأولاده، شيء مستحيل، إذاً لما يقول لك إنسان: إن الله عز وجل قادر، يستطيع أن يضع عبده طوال حياته في جهنم قادر لكنه لا يفعلها، لقول الله عز وجل: ﴿ إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [ سورة هود: 56] ﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ [ سورة الأعراف: 156 ] عبد من عباده استنفذ كل عمره في طاعته، وفي خدمة عباده، وفي الدعاء، وفي الدعوة إليه، وفي المعروف، وفي النهي عن المنكر، الله قادر لا يوجد شك، لكن أين رحمته؟ ﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ [ سورة الأعراف: 156 ] أين؟ إن تابوا فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم، أين؟ لو أن عبدي تقرب مني شبراً تقربت منه ذراعاً، أين؟ لو أتاني ماشياً أتيته هرولة ،تلغي ثلاثين آية أو أربعين آية وتقول: لكن الله قادر، كما أن الأب الذي معه زوجته التي يحبها وأولاده، بإمكانه بحركة بسيطة جداً أن ينزل بالوادي بالسيارة، لكن لا يفعلها، مستحيل أن يفعلها، لأن ربنا قال: ﴿ إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [ سورة هود: 56] هذه كلمة "على" في حق الله عز تفيد أن الله ألزم نفسه بالعدل بين العباد، إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته محرماً بينكم فلا تظالموا. حسن الظن بالله ثمن الجنة : يا أخوان حسن الظن بالله ثمن الجنة، هناك أفكار لا تقبلوها، يقول لك: هو حر بملكه، يضرب لك مثلاً مضحكاً أن النجار عنده لوحا خشب هو يمكن أن يضع لوحاً كباب مرحاض ولوحاً كباب لقصر، لك دعوى معه؟ لا ليس لي دعوى معه، لكن النجار الحكيم إذا كان اللوح من الدرجة الثانية يضعه باباً للمرحاض، وإذا كان اللوح من الدرجة الأولى يضعه باباً للقصر، طبعاً هناك حكمة بالنص، فهذا كلام غير مقبول إطلاقاً. ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ﴾ [ سورة الزلزلة: 7-8 ] ﴿ الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾ [ سورة غافر: 17 ] ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا ﴾ [ سورة النساء: 49] لا فتيل، ولا قطمير، ولا ظلم اليوم، بعد ذلك لا يوجد جملة تفيد أشد أنواع النفي كهذه الجملة، ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ ﴾ أي دائماً الإنسان ينفي الحدث، أو ينفي الشأن، نفي الحدث شيء، ونفي الشأن شيء آخر، يكون أكبر حرامي في الأرض، أنت سرقت يقول لك: لا لم أسرق، هذه لم أسرق هو نفى سرقة هذا الشيء، أما هو فأكبر حرامي، فهذا النفي نفي ماذا؟ نفي الحدث، أما كلمة ما كان له أن يسرق أي السرقة ليست من طبعه، ولا من شأنه، ولا من سجيته، ولا يريدها، ولا يقرها، ولا يرحب بها، بل يمقتها، ويكرهها، اثنا عشر معنى علماء النحو استنبطوا من قوله: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ [ سورة العنكبوت: 40] أي لا ظلمهم، ولا يريد أن يظلمهم، ولا يحب أن يظلمهم، ولا يمكن أن يظلمهم، ولا يعقل أن يظلمهم، وهو غني عن ظلمهم، بعيد عن الظلم: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ ﴾ [ سورة العنكبوت: 40] هي أشد أنواع النفي، فالإنسان كلما عرف الله معرفة جيدة أقبل عليه، وكلما أساء الظن به ابتعد عنه، وحسن الظن بالله ثمن الجنة، وحسن الظن بالله من حسن العبادة ،هذا الكلام لا تقبلوه، لأن الله عز وجل حر بملكه، فعلاً حر بملكه، أيضاً الله عز وجل قال: ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [ سورة الأعراف: 180] الله إضافة إلى أنه قادر، هو كامل، الله موجود وواحد وقادر وكامل، قادر يفعل كل شيء، لكن كامل. الشرط الثاني إذاً أن يغلب على ظن المستكره أن المكره ينفذ تهديده، أول بند: قادر على تنفيذ تهديده، ممكن أن يقول عريف لرتبه عالية أنا سأريك، من أنت؟ هذا غير قادر، أما لو كان قادراً لكان منصفاً. 3 ـ أن يكون الأمر المكره به متضمناً إتلاف نفس أو عضو أو مال : الشرط الثالث: أن يكون الأمر المكره به متضمناً إتلاف نفس، أو عضو، أو مال أو متضمناً أذى لا يحتمل، أو أن من يهمهم أمرهم كإيذاء ابنه، أو زوجته، أو أخيه، أيضاً هذا يدخل في الإكراه. 4 ـ أن يكون المستكره بعيداً عن الفعل قبل الإكراه : أن يكون المستكره بعيداً عن الفعل قبل الإكراه، فإذا كان يفعله قبل الإكراه وأكره عليه وفعله هذا ليس له قيمة إطلاقاً، من عادته أنه يشرب أكرهه، قال: أجبروني، أنت سابقاً كنت تشرب، هذا لا يسمى إكراهاً، الشرع دقيق جداً، يقول: أخي مضطر وكل قضية مضطر، كل قضية ليس لي خيار، الظرف صعب، كلها هذه كلمات مطاطة، ظرف صعب ومضطر. 5 ـ أن يكون المهدد به أشد خطراً على المستكره مما أكره عليه : أن يكون المهدد به أشد خطراً على المستكره مما أكره عليه، أي إذا ما كنت تشرب و قالوا لك: لن نعطيك إجازة إلا إذا شربت، خير إن شاء الله لا أريد هذه الإجازة، يجب أن يكون العمل هاماً جداًً، يكون الشيء المستكره عليه أشد من الذي يهدد. 6 ـ أن يترتب على المكره به الخلاص من المهدد : أن يترتب على المكره به الخلاص من المهدد، أمرت بمعصية ولو فعلتها لا تنجو لا تفعلها، لو فعلتها ونجوت أصبح الإكراه معقولاً، لو فعلتها إن لم تنج لا تفعلها، التهديد بعد سنة، هذا ليس بتهديد، يكون الآن، بعد شهر ليس تهديداً. 7 ـ أن يكون التهديد آنياً : لا يصح الإكراه إلا إذا كان آنياً أما بعد شهر، بعد شهرين، فهذا ليس مقبولاً. 8 ـ من أكره على عمل فليفعل الحد الأدنى منه : الآن إذا أكرهت على عمل وفعلت زيادة عنه شعرة، إنسان مضطر من أجل أن يبقى حياً أن يأكل، أي تأكل حتى تشبع من لحم محرم، لا يجوز، يجب أن تأكل الحد الأدنى، الذي يبقيك حياً، زيادة ما عاد إكراهاً، ولا عاد اضطراراً. ﴿ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [ سورة البقرة: 173] أن يعود إليها مرة ثانية، هذا الشرط الثامن. 9 ـ من أكره على أحد فعلين لا يسمى مكرهاً : هناك شرط أصابه الشافعية أنه لو أن إنساناً أكره على أحد فعلين، لا يسمى مكرهاً، أي إذا كان عنده ملايين، أكره على فقد أحد الملايين، يكفيه المال الثاني، إذاً ما عاد مكرهاً، المكره على فقد ماله كله، إنسان له دخل من جهة، وله دخل من جهة، هذه الجهة فرضوا عليه شيئاً لو لم يفعل لسرحوه من عمله، له دخل ثان، ما عاد مكرهاً، صار عندنا تسعة شروط. 10 ـ من أكره على بيع لوفاء دين مستحق عليه هذا ليس إكراهاً : أما العاشر فلو أكرهت على بيع البيت من وفاء دين مستحق عليك، هذا ليس إكراهاً، هذا حق، والله أكرهني، لا ليس إكراهاً، لذلك القاضي يكره، يكره على بيع الملك وفاء للدين، إذا كان هناك حجز إذاً عليك حق ثابت ما عاد إكراهاً، إذا القاضي أكرهك على بيع ما تملك من أجل أن تسدد بعض الديون الثابتة عليك ليس هذا إكراهاً، هذا أمر القاضي، لأن القاضي ملزم، وحكمه شرعي، وأنت عليك حق. تلخيص لما سبق : هذه عشرة شروط متعلقة بالإكراه ينبغي أن تعرفوها جيداً، لأن أكثر كلمة أسمعها ممن أتعامل معهم يقول: أخي مضطر، الظروف صعبة، الأمور معقدة، نريد أن نشتري براد، من أجل براد تقترض بفائدة ربوية؟ هذه ليست ضرورة، يقدر الإنسان أن يعيش بلا براد، طبعاً إذا كان موجوداً أفضل لكن تضطر أن تأكل الربا، أو تطعم الربا، أو تعمل قرضاً ربوياً من أجل ماء باردة هذه ليست ضرورة، أكثر كلمة أسمعها مثلما قلت لكم موضوع أنه مضطر، كلمة مطاطة صارت هذه الضرورات، وهذه شروط الإكراه، طبعاً يلتقي الإكراه مع الاضطرار، لأن الأمور متداخلة، إنسان قال لك: إما أن تأكل هذا اللحم أو أقتلك، هذا إكراه، تمشي بالطريق لا يوجد طعام، على مشارف الموت، هذا ليس إكراهاً هذا اضطرار، يلتقي الإكراه مع الاضطرار، إما أن تكره وإما أن تضطر، على كلٍّ ﴿ فمن اضطر﴾ تعني أنك مضطر أو مكره، أوسع ﴿ غير باغ ولا عاد ﴾ ألا تزيد عن الحد الأدنى، وألا تعود إليه، فلا إثم عليك، ﴿ فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه ﴾ طبعاً الموضوع طويل وله حيثيات طويلة، وفروع كثيرة، لكن هذا الشيء الأساسي أي الإكراه دخل في القضاء، لذلك كل شيء ينتزع من إنسان بالإكراه يعد باطلاً، العقود كلها تكون باطلة، أحياناً بيع، شراء، زواج، طلاق، ربا، بالإكراه، كله باطل، لماذا ألحقناه بالقضاء؟ لأنه إذا ثبت للقاضي أنه مكره على هذه الأقوال الحكم صار غير مناسب، اختلف الحكم كله، وحتى الإنسان لا يتوسع إلى درجة فقد كيانه الديني، كل شيء أعطاه رخصة ومضطر، و ماذا نفعل؟ والزمن صعب يا أخي، وبرقبتنا أولاد، والمعيشة صعبة، يريد أن يعيش أرقى معيشة لأنه مضطر، لذلك نغش، وندلس، ونكذب، ونأكل مالاً حراماً، ونرفع السعر بشكل فاحش جداً، ونعطي وصفاً للبضاعة سيئاً، كله بحجة: مضطرون، هذا كلام مرفوض، نحن توسعنا بالموضوع لأنه تعلق بموضوعات أخرى. |
رد: العبادات التعاملية
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية الدرس : ( الثامن العاشر ) الموضوع : القواعد العامة - 1 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.أخطر موضوع على الإطلاق في حياة المؤمن بعد إيمانه بالله موضوع الحلال و الحرام : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4922/01.jpg أيها الأخوة الكرام، مع الدرس الأول من سلسلة دروس: "الحلال والحرام في الإسلام"، ولا يخفى عليكم أن أخطر موضوع في الدين بعد الإيمان بالله الحلال والحرام، لأنك بالكون تعرفه، وبالشرع تعبده، بعد أن تستقر حقائق الإيمان في نفس المؤمن، إيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره من الله تعالى، بعد أن سعى الإنسان إلى أداء العبادات من صلاة، وصيام، وحج، وزكاة، ليس هناك موضوع على الإطلاق أخطر ولا أهم إلى نفس المؤمن من موضوع الحلال والحرام، لأن الإنسان إذا اقترف الحرام كان الحرام حجاباً بينه وبين الله. العلوم الدينية علوم كثيرة جداً، علوم أدوات، علوم فرعية، علوم فقهية، ما من موضوع على الإطلاق أخطر في حياة المؤمن بعد إيمانه بالله من موضوع الحلال و الحرام. قواعد كلية في الحلال والحرام : 1 ـ الأصل في الأشياء الإباحة : قبل أن نمضي في الحديث عن الحلال والحرام في حياة الإنسان الشخصية؛ في طعامه وشرابه، وفي علاقاته الاجتماعية، في زواجه، في كسبه للمال، في إنفاقه للمال، في سفره، في حله وفي ترحاله، قبل أن نمضي في هذه الموضوعات لابد من درس أو درسين نتحدث فيهما عن حقائق أساسيه وقواعد كلية في الحلال والحرام، فمن أول هذه القواعد الكلية في الحلال والحرام أن الأصل في الأشياء الإباحة، الأصل أن كل شيء مباح لماذا؟ وما الدليل؟ لقول الله عز وجل: ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ﴾ [ سورة البقرة : 29] ولقول الله عز وجل: ﴿ وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ ﴾ [ سورة الجاثية: 13 ] ولقول الله عز وجل : ﴿ أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ ﴾ [ سورة لقمان: 20 ] أيّ قضية سكت عنها الدين قضية مباحة : الأصل في الأشياء الإباحة لذلك لا حرام إلا ما ورد فيه نص صحيح صريح، إذاً النص غير صحيح أو النص صحيح ولكن غير صريح، نعود إلى أصل القاعدة الأصل في الأشياء الإباحة لا تحريم إلا بنص صريح صحيح. قضية سكت عنها الدين إذاً هي مباحة، أصل القاعدة أن كل شيء مباح في الأصل ما لم يرد في تحريمه نص صحيح صريح، لو اعتمدت على نص غير صحيح هذا الشيء يبقى على أصل القاعدة مباحاً لو اعتمدت على نص صحيح، لكن دلالته ليست قطعية، يرجع الحكم إلى أن هذا الشيء مباح وفق القاعدة الأصلية الأولية، فالقاعدة الأولى في الحلال والحرام أن الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد نص صحيح صريح من قبل الله عز وجل في كتابه، أو من دوام النبي صلى الله عليه وسلم في سنته، لذلك موضوع الحلال والحرام لا يستطيع إنسان كائن من كان أن يقول لك هذا حلال وهذا حرام إلا بالدليل. أكثر كلام أسمعه أستاذ قالوا: هذا الشيء حرام، أين الدليل؟ ليس تحليل الحرام أو ليس تحريم الحلال بأقل إثماً وخطراً وانحرافاً من تحليل الحرام، سيّان أن تحلل حراماً أو تحرم حلالاً. بطولة الإنسان ليس في تحريم الحلال ولكن في إعطاء الرخصة مع الدليل : أول قاعدة: الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد نص صريح صحيح في تحريمها، لذلك المؤمن لا يعمل فكره إلا بالطريقة التالية؛ إن كنت ناقلاً فالصحة، إن كنت مدعياً فالدليل، لا يقبل شيئاً محرماً إلا بالدليل القطعي، طالبه بنص صحيح، قرآن كريم، حديث صحيح، حديث متواتر، حديث حسن، وطالبه بدلالة واضحة صريحة، أما أن تعتمد نصاً ضعيفاً، أو موضوعاً، أو أن تعتمد مدلولاً ظنياً، فهذا لا يجعل هذا الشيء حراماًً، بالمناسبة أي إنسان مهما كان علمه محدوداً بإمكانه أن يقول لك: هذا حرام، لكن البطولة ليس في تحريم الحلال ولكن في إعطاء الرخصة مع الدليل، هذا حلال وهذا الدليل. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4922/02.jpg القاعدة الأولى الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد دليل نص صحيح صريح يحرمه. بالمناسبة أخواننا الكرام، هذا الشرع من عند خالق الكون، من عند الصانع، من عند الخبير، فعندما يتطاول الإنسان ويحرم ما أحله الله، أو يحلل ما حرمه الله، فقد ارتكب إثماً كبيراً، لذلك لا أبالغ إن قلت: إن أكبر معصية على الإطلاق هناك إثم، هناك عدوان،هناك فحشاء، هناك منكر، هناك نفاق، هناك شرك، هناك كفر، وفوق كل هذه وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون، أن تحلل حراماً أو تحرم حلالاً، الدليل العقلي أن الله لا يعقل أن يخلق شيئاً من أجل الإنسان ثم يحرمه عليه، شيء عبس، يخلق ما في الكون من أجل الإنسان ثم يحرم هذه الطيبات على الإنسان؟ أما إذا حرم بعض هذه الجزئيات فالحكمة بالغة بالغة سوف نراها بعد قليل. أيها الأخوة الكرام، في الشرع الإسلامي أشياء أمرنا الله بها، وفي الشرع الإسلامي أشياء نهانا الله عنها، وفي هذا الشرع العظيم أشياء كثيرة جداً سكت الله عنها لم يأمرنا بها ولم ينهنا عنها هي المباحات، لذلك يمكن أن نقول: هناك أمر واجب، فرض، واجب مستحب أو مندوب، مباح، مكروه تنزيهاً، مكروه تحريماً، حرام. فيجب أن يعمل عقل المؤمن دائماً، كل حركة، كل سكنة، كل تصرف، كل موقف، يجب أن يصنفه في أحد هذه الأحكام الستة، فرض، واجب، مندوب، مباح، مكروه تنزيهاً تحريماً، حرام. التحليل والتحريم هو الذي حلله الله وحرمه الله : النقطة الثانية أن دائرة المباحات كبيرة جداً، وأن دائرة المحرمات صغيرة جداً، أي لو أخذنا نسبة المحرمات إلى نسبة المباحات لوجدنا أنها نسبة تكاد لا تذكر، وقد يسأل سائل - وعالجت هذا الموضوع صباحاً في صلاة الفجر - لماذا خلق الله لحم الخنزير؟ لماذا خلق الله التخمر؟ هذا قانون كيميائي لماذا خلقه الله عز وجل؟ لأن الدنيا دار ابتلاء، لأن الدنيا في أصلها دار ابتلاء: ﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾ [ سورة الملك: 2 ] إنا كنا مبتلين لأن الدنيا هي دار بلاء وامتحان، لذلك لابد من منهيات، لابد من محرمات، لو ألغيت المحرمات ألغي التكليف، ألغي حمل الأمانة، ألغي الثواب، ألغي العقاب، لابد من أشياء محرمة لتمتحن في تركها، لا تظهر إرادة المؤمن في طاعة الله إلا بترك المحرمات، فلو تصورنا أن الله خلق كل شيء مباح إطلاقاً للإنسان، من هو الطائع؟ من هو العاصي؟ من هو المستقيم؟ من هو المنحرف؟ من هو الصالح؟ من هو الفائز؟ ألغيت العبادة، ألغي التكليف، ألغيت الأمانة، ألغي الثواب، ألغي العقاب، ألغيت الجنة، لابد من المحرمات، حكمة وجود المحرمات متعلقة بحكمة التكليف، وبحكمة الابتلاء، وبحكمة الامتحان، والدليل: ﴿ وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنْ الظَّالِمِينَ ﴾ [ سورة البقرة : 35 ] إذاً بالواقع لحم الخنزير محرم مقابل هذا التحريم كم من أنواع اللحم حلال أكله؟ مئات، الخمر محرمة مقابل هذا التحريم كم نوع من أنواع الشراب اللذيذة الطيبة الطاهرة محللة؟ أنواع منوعة. لذلك ورد في الحديث: (( ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته )) [البزار في مسنده و الحاكم من حديث أبي الدرداء] التحليل والتحريم هو الذي حلله الله وحرمه الله. المباح لا يحتاج إلى دليل أما التحريم فيحتاج إلى دليل : لذلك المؤمن لا يحزن، كل شيء في الأصل مباح. قال لي مرة إنسان هل يجوز أن ألبس كنزة مصنوعة في بريطانيا؟ قلت له: يجوز، قال: لا يجوز، قلت: لماذا؟ قال: صنعها الكفار، قلت: هذا شيء مباح. إذاً: (( ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسى شيئاً، ثم تلا هذه الآية : ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً ﴾)) [البزار في مسنده و الحاكم من حديث أبي الدرداء] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4922/03.jpg أنت لست مع إنسان يذكر وينسى، أنت مع خالق الأكوان، فالذي أمرك به هو الحلال، والذي نهاك عنه هو الحرام، وما سكت عنه فهو عفو، يجوز أن نأكل على الطاولة يجوز، المباح لا يحتاج إلى دليل، لماذا؟ لأن الأصل في الأشياء الإباحة، المباح لا يحتاج إلى دليل، أما التحريم فيحتاج إلى دليل، لو كان الأصل كل شيء محرم صار المباح يحتاج إلى دليل، الأصل أن كل شيء مباح، فالحرام يحتاج إلى دليل، سئل عليه الصلاة والسلام عن السمن والجبن والفراء فقال عليه الصلاة والسلام: (( ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسى شيئاً، ثم تلا هذه الآية : ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً ﴾)) [البزار في مسنده و الحاكم من حديث أبي الدرداء] الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه، لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم. قال لهم: اذبحوا بقرة، ما لونها؟ ما هي إن البقر تشابه علينا؟ ما زالوا يسألون عن صفات تفصيلية في البقرة حتى ضيق عليهم، ذلك يعني أن الله حرم لحم الخنزير، وحرم الدم المسفوح، وحرم الميتة، لكن لم يتحدث عن الجبن ولا عن السمن إذاً حلال، لأن الأصل في الأشياء الإباحة. ((إن الله افترض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودًا فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تقربوها، وترك أشياء غير نسيان رحمة لكم فلا تبحثوا عنها)) [ الطبراني، وأبو نعيم في الحلية، والبيهقى عن أبى ثعلبة الخشني] الإباحة ليست متعلقة بالأعيان والذوات بل تشمل الأفعال ما لم يأت نص في تحريمها : نستنبط من هذا أن هناك حكمة بالغة لا حدود لها من الأشياء التي أمرنا الله بها، وأن هناك حكمة بالغة لا حدود لها من الأشياء التي نهى الله عنها، وهناك حكمة بالغة لا حدود لها لا تقل عن حكمة المأمورات والمنهيات هي الأشياء التي سكت الله عنها، حكمة في الذي أمر، وحكمة في الذي نهى، وحكمة في الذي سكت. النقطة الثانية أن قاعدة الأصل في الأشياء الإباحة لا تتعلق بالأعيان بل تشمل الأفعال، أن تأكل لحماً معيناً، أو أن تشرب شراباً معيناً، أو أن تفعل فعلاً معيناً، صار هناك تعزية لا يوجد مانع إن ذهب الرجل وعزى أخاه، أحياناً هناك عادات وتقاليد وتصرفات ليست متعلقة بالحلال والحرام مباحة، فالإباحة ليست متعلقة بالأعيان والذوات، تشمل الأفعال والعادات والتقاليد ما لم يأت نص في تحريمها. بالمناسبة العبادات لا يجوز أن تضيف عليها شيء، كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار: (( مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ )) [ متفق عليه عن عائشة] أما لو أحدثت سلوكاً اجتماعياً ولم تسمِه عبادة ليس له علاقة لا بالحلال ولا بالحرام على قاعدة أن الأصل في الأشياء الإباحة، العبادات أنشأها الشارع الحكيم فلا يستطيع إنسان أن يضيف عليها شيء، لكن المعاملات أنشأها الإنسان، والشرع إما أنه أقرها، أو صححها، أو عدلها، أو بدلها. تصرفات العباد من الأفعال والأقوال نوعان؛ عبادات وعادات : العبادات الشرع الحكيم أنشأها أصلاً ابتداء، إذاً لا يجوز أن تضيف عليها لكن المعاملات أنشأها الإنسان، رأي الشرع فيها أنه أقرها، أو عدلها، أو هذبها، أو صححها. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4922/04.jpg قال بعض العلماء: إن تصرفات العباد من الأفعال والأقوال نوعان؛ عبادات يصلح فيها دينهم، وعادات يحتاجون إليها في دنياهم. لذلك أصل العبادات التوقيت، أنها موقوتة على نص صحيح، أصل العبادات التوقيت فلا يشرع منها إلا ما شرعه الله تعالى: ﴿ أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ﴾ [سورة الشورى: 21] ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا ﴾ [ سورة يونس: 59] أصل الحلال والحرام في العبادات أن الله شرعها ابتداء، بينما أصل المعاملات أن الناس ابتدؤوها، لكن الشرع صححها، أو أقرها، أو عدلها، أو بدلها. قال بعض الصحابة الكرام - سيدنا جابر بن عبد الله - في الحديث الصحيح قال: ((كنا نعزل والقرآن ينزل، فلو كان شيئاً ينهى عنه لنهانا عنه القرآن)) [ مسلم عن جابر] كنا نعزل ماءنا عن رحم أزواجنا والقرآن ينزل فلو كان شيء ينهى عنه لنهى عنه القرآن. هذه قاعدة الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد نص صحيح صريح في تحريمها. 2 ـ التحليل والتحريم من حق الله وحده : القاعدة الثانية: التحليل والتحريم من حق الله وحده، لا يستطيع إنسان كائناً من كان ولو كان نبي أن يحرم من عنده أو أن يحلل، قال تعالى: ﴿ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ ﴾ [ سورة الأنعام: 50] قال بعضهم ثلاث نصائح تكتب: اتبع لا تبتدع، اتضع لا ترتفع، الورع لا يتسع. أول كلمة في الخلافة التي ألقاها الخليفة الصديق عليه رضوان الله قال: إنما أنا متبع ولست بمبتدع. مؤمن كبير، صدّيق، صحابي جليل، تابعي جليل، فقيه كبير، هو يكتشف الأحكام ولا يأتي بالأحكام من عنده، يكتشف، يستنبط، الله جلّ جلاله في القرآن الكريم نعى على أهل الكتاب أنهم جعلوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله قال تعالى: ﴿ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [ سورة التوبة: 31] كلام وإن بدا لكم كلام بديهي إلا أنه ينبغي أن نقوله؛ إنسان مهما علا شأنه لا يستطيع أن يقول لك: هذا حرام، لماذا؟ هكذا، لا يوجد هكذا في الدين. ﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [ سورة يوسف: 108 ] الحلال ما أحلّه الله والحرام ما حرمه الله : كلام الأشخاص لا يحلل حراماً، ولا يحرم حلالاً، الحلال ما أحله الله والحرام ما حرمه الله، والتحليل والتحريم من حق الله وحده، الأنبياء يبلغون، والعلماء يبينون، والمشرع هو الله، هذه قواعد خطيرة وأساسية في علوم الدين، جاء عدي بن حاتم إلى النبي صلى الله عليه وسلم وكان قد اتبع النصرانية قبل الإسلام، فلما سمع النبي يقرأ هذه الآية : ﴿ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [ سورة التوبة: 31] قال: يا رسول الله! إنهم لم يعبدوهم، فقال عليه الصلاة والسلام: بلى إنهم حرموا عليهم الحلال، وأحلوا لهم الحرام، فتبعوهم فذلك عبادتهم إياهم. أنت عندما تلتقي مع إنسان لا تقول: إنه إله، أما حين يأمرك بما تخالف الشرع وتنصاع له فأنت عاملته كإله، جعلته إلهاً لا بلسانك بل بسلوكك، أمرك بقطيعة الرحم، مثلاً انصعت له، أنت ماذا فعلت؟ أنت خالفت شرع الله عز وجل واتبعته، أنت ما قلت: إنه إله لكن اتباعك إياه بما يخالف الشريعة جعلته إلهاً وأنت لا تدري، قال: يا رسول الله إنهم لم يعبدوهم قال: بلى إنهم حرموا عليهم الحلال، وأحلوا لهم الحرام، فاتبعوهم فذلك عبادتهم إياهم، وهناك رواية أخرى قال عليه الصلاة والسلام: ألا إنهم لم يكونوا يعبدوهم ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئاً استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئاً حرموه. العلماء الورعون يكرهون أن يقولوا هذا حلال وهذا حرام إلا ما كان بيناً بلا تفصيل بيناً: الآن لو أردنا أن نطبق هذه القاعدة، لو فرضنا إنساناً له موجه ديني، هذا الموجه أمره أمراً مخالفاً للقرآن، أو خلاف السنة، وطبقه، ماذا فعل هذا الإنسان؟ عبده من دون الله. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4922/05.jpg الحلال ما أحله الله، والحرام ما حرمه الله، لذلك روى الإمام الشافعي في كتابه الأم عن القاضي أبي يوسف صاحب أبي حنيفة قال: "أدركت مشايخنا من أهل العلم يكرهون الفتية"، الحقيقة أجرؤوكم على الفتية أجرؤوكم على النار، أن يقولوا هذا حلال وهذا حرام، كلمة كبيرة جداً أن تقول هذا حلال وهذا حرام، طبعاً إذا كان هناك دليل يقيني كالشمس تقول له: هذا حلال. وإذا قال لك: اسرق، تقول له: حرام، طبعاً القصد هنا الشبهات، قال: هؤلاء العلماء الورعون يكرهون أن يقولوا هذا حلال وهذا حرام إلا ما كان في كتاب الله عز وجل بيّن بلا تفسير، إنما حرم عليكم الميتة أي أَكْل لحمٍ ميتٍ، فإن كان الشيء بيّناً كالشمس قل: هذا حرام وهذا حلال، و إن كان الشيء مُختلفاً عليه لا تقل: هذا حرام وليس معك دليل. هؤلاء العلماء يخشون أن يفتوا، أن يقولوا: هذا حرام وهذا حلال، طبعاً إذا كان هناك دليل يقيني أن هذا حلال وهذا حرام فلابأس، إذا قال لك: اسرق، تقول له: هذا حرام القصد هنا الشبهات. قال: هؤلاء العلماء الورعون يكرهون أن يقولوا هذا حلال وهذا حرام إلا ما كان في كتاب الله عز وجل بيناً بلا تفصيل. ﴿ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةَ ﴾ [ سورة البقرة: 173] أكل لحم الميتة حرام، الشيء إذا كان بيّناً كالشمس قل: هذا حلال وهذا حرام، إذا كان مختلفاً عليه لا تقل: هذا حرام وليس معك دليل. ترفع العلماء عن قول هذا حلال وهذا حرام من دون دليل قطعي : قال: حدثنا ابن السائب عن ربيع بن خيثم - وكان من أفضل التابعين- أنه قال: إياكم أن يقول الرجل: إن الله أحلّ هذا أو رضيه، فيقول الله له: لم أحل هذا ولم أرضه، و يقول: إن الله حرم هذا، فيقول الله: كذبت لم أحرمه. وحدثنا بعض أصحابنا عن إبراهيم النخعي أنه حدث عن أصحابه أنهم كانوا إذا أفتوا بشيء أو نهوا عنه قالوا: هذا مكروه وهذا لا بأس به، فأما نقول هذا حلال وهذا حرام فما أعظم هذا! كلمة حلال شيء مشتبه فيه، وكلمة حرام شيء مشتبه به، كان العلماء الورعون يترفعون على أن يقولوا هذا حلال وهذا حرام من دون دليل قطعي، لذلك قال بعض العلماء إن السلف الصالح لم يطلقوا الحرام إلا على ما عمل تحريمه قطعاً. افعله ولا بأس، نرجو الله أن يغفر لك به، لا تقل: هذا حلال أو حرام لشيء ليس فيه دليل قطعي هذا من الورع، طبعاً إذا كان الشيء فيه دليل بيّن كالشمس وقال: هذا حرام لقوله تعالى: حرمت عليكم كذا وكذا أو هذا حلال لا يوجد مانع، أما في الشبهات فقبل أن تقول: هذا حرام بسرعة أو هذا حلال تريث، قل: لا يعجبني، لا أستحسنه، لا أرتاح له، افعله ولا بأس نرجو أن يغفر الله لكم، لا تقل: هذا حلال أو هذا حرام لشيء ليس فيه دليل قطعي، هذا من الورع، لذلك أنا لا أرى كلمة جبن بمعنى الخوف تليق بالإنسان إلا في موضع الفتوى إذا قلت جباناً في الفتوى، هذا مديح وليس ذماً، لأن الفتوى خطيرة. وفد جاء وفد من المغرب، سار ثلاثة أشهر حتى وصل إلى بلاد أحمد بن حنبل، معهم ثلاثون سؤالاً، أجابهم عن سبعة عشر سؤالاً والباقي قال: لا أعلم، قالوا: معقول الإمام أحمد بن حنبل لا يعلم؟ قال لهم: قولوا لهم الإمام أحمد بن حنبل لا يعلم، السلف الصالح ورع جداً أي لا يتكلم كلمة إلا إن كان متأكداً منها. 3 ـ تحليل الحرام وتحريم الحلال من أكبر الكبائر : القاعدة الثالثة: أن تحريم الحلال أو تحليل الحرام قرين الشرك، بل إن النبي عليه الصلاة والسلام خصّ تحريم الحلال بحديث خاص قال: ((هلك المتنطعون، هلك المتنطعون، هلك المتنطعون)) [رواه مسلم عن ابن مسعود ] من هم المتنطعون؟ الذين يسارعون أن يقولوا كلمة حرام على ما أحله الله. الإنسان بحاجة إلى خبير في أمور الدنيا و خبير في أمور الآخرة : أذكر أخاً من أخواننا الكرام في ضائقة مالية شديدة جداً، عليه ديون مالية كثيرة، وهو يعمل في حرفة تزيينية- الصدف- جاءه عرض ألف بيت مصحف،وهو في أمس الحاجة لهذا العرض، الذي عرض عليه ليس مسلماً، فقال: حرام من عنده، جهل، اسأل يا أخي، ترفض عرضاً تجارياً من إنسان غير مسلم لصنع بيوت للمصحف، الإنسان عندما يضيق على نفسه ولا يسأل، أنت تحتاج إلى خبير في الحياة، خبير في الدنيا، والآية الكريمة قال تعالى: ﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [ سورة النحل: 43 ] وأنت بحاجة ماسة إلى خبير في الآخرة لقوله تعالى: ﴿ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا ﴾ [ سورة الفرقان: 59 ] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4922/06.jpg ففي قضايا الدنيا يجب أن ترجع إلى مؤمن خبير في الدنيا، وفي أمور الآخرة يجب أن ترجع إلى إنسان خبير في موضوع الآخرة، ومفتاح العلم السؤال، وأنت إذا سألت استعرت عقل الرجل، عقله كله، خبراته استعرتها بسؤال، اسأل، أذكر قصتين؛ - طبيب زارنا قبل سنة تقريباً - فتاة في ريعان الشباب عقد قرانها شعرت بألم في ثديها، فأشير عليها باستئصاله لأن به ورماً خبيثاً، الطبيب الذي زارنا قال: جاءت لي هذه الفتاة لأجري عليها أشعة لئلا يعاود هذا المرض الظهور مرة ثانية، فحصت النسيج الذي استأصل منه الثدي فلم أجد شيئاً من شدة هول الموقف قال: ركبت سيارتي واتجهت إلى هذا الطبيب الجراح الذي استأصل الثدي، قلت له: انظر إلى النسيج أنت حولت هذه الفتاة إليّ كي أجري عليها الأشعة، وهذه الأشعة ربما أضرت برئتيها، فهل تريد أن تضيف إلى الخطأ الأول خطأ ثانياً؟ قال: فلما تأمل الطبيب الجراح بالنسيج الذي استأصل منه الثدي تراجع عن موقفه وقال: معك حق. هذا الطبيب قال لي كلاماً قال: أرجو ألا تسمح لإنسان باستئصال جزء من جسمه إلا بعد مشاورة عدة أطباء، الاستئصال ليس له حل، أنا هذه القاعدة بقيت في ذهني، إن كان هناك استئصال فلابد من طبيبين أو ثلاثة فإذا توفرت آراؤهم نفعل، أخ كريم له فتاة مريضة لابد من استئصال أحد أعضائها، استشارني قلت له: اسأل طبيباً أخر، سأل طبيباً آخر قال: ليس هناك ضرورة، بعد حين شفيت و هذا العضو المصاب صار يعمل بشكل منتظم. الإنسان بحاجة إلى خبير في أمور الدنيا، وبحاجة إلى خبير في أمور الآخرة، والقضية قضية ثقة من دون رسوم، فاسأل به خبيراً: ﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [ سورة النحل: 43 ] هذا دين، يا ترى هذه حلال؟ حرام؟ يجوز؟ لا يجوز؟ ترضي الله؟ لا ترضي الله؟ أفعل هذا؟ لا أفعل هذا؟ والنبي عليه الصلاة والسلام فيما يرويه عن ربه جل جلاله أنه قال: (( إني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وأنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً)) [مسلم عن عياض بن حمار المجاشعي] أي فطرتهم سليمة فطرتهم متوافقة مع الدين الحنيف. للإنسان فطرة سليمة متوافقة مع الدين : الأصل للإنسان فطرة سليمة متوافقة مع الدين، لكن الشياطين اجتالتهم فشوهت أمامهم معالم الدين، حرمت عليهم ما أحلّ الله، مثلاً امرأة يمكن أن ترضى من زوجها أن يزني ولا ترضى لزوجها أن يتزوج امرأة ثانية، هناك من بين المسلمات من يرضون شيئاً مشروعاً، مرة سألوا عالمة في علم النفس عن رأيها في التعدد فقالت: كيف يكون لي رأي في هذا الموضوع وقد أباحه الله عز وجل؟ لا أقول: الله أوجبه، أباحه في ضرورة، مثلاً امرأة لا تنجب أيعقل أن نلقيها في الطريق من أجل أن نتزوج امرأة تنجب؟ لا أبداً، نقترن بامرأة تنجب، امرأة مريضة في ظروف معقدة جداً، صعبة جداً، وهذا الشرع ليس لإنسان أو إنسانين بل لكل المسلمين، فلذلك: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾ [ سورة الأحزاب: 36] من طرح موضوعاً بتّ فيه الشرع فقد أشرك : لمجرد أن تطرح موضوعاً على بساط البحث بت فيه الشرع فأنت لست بمؤمن، قضية حكم فيها الشرع أحلها الله أو حرمها الله، لذلك تحريم الحلال قانون الشرك، وتحليل الحرام قانون الشرك، لنضرب مثلاً قال الله عز وجل: ﴿ مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ﴾ [ سورة المائدة: 103] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4922/07.jpg ما هي البحيرة؟ قال: إذا ولدت الناقة خمسة أبطن آخرها ذكراً شقوا أذنها، ومنعوا ركوبها، وتركوها لآلهتهم هذه بحيرة، وكان الرجل إذا قدم من سفر، أو برأ من مرض، أو نحو ذلك سيب ناقته وخلاها، وجعلها كالبحيرة تسمى سائبة، وكانت الشاة إذا ولدت أنثى هي لهم، وإذا ولدت ذكراً فهي لآلهتهم، وإذا ولدت ذكراً وأنثى قالوا: وصلت أخاها فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم تسمى الوصيلة، والفحل إذا ركب ولد ولده قالوا: قد حمى ظهره فلا يركب، ولا يحمل عليه، ويسمى الحام، من أين أتيتم بهذه الأحكام؟ الله قال: ﴿ مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ﴾ [ سورة المائدة: 103] هذا مثل واضح، الحرام ما حرمه الله والحلال ما أحله الله لهذا الدين، قال تعالى: ﴿ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ [ سورة الأعراف: 32] 4 ـ في الحلال ما يغني عن الحرام : هناك قاعدة أخرى من قواعد الحلال والحرام، من هذه القواعد: أن في الحلال ما يغني عن الحرام، أعبر عن هذه الحقيقة كثيراً بأن ليس في الإسلام حرمان، إذا الله حرم الزنى أحلّ الزواج، إذا حرم لحم الخنزير أحلّ مئات أنواع اللحوم، إذا حرم الخمر أباح الأشربة الطيبة، إذا حرم الربا أحلّ البيع. أي لا يوجد حرام إلا وله بدائل عشرات بل مئات بل ألوف، لا يوجد حرمان في الإسلام لكن هناك قناة قذرة و قناة نظيفة، لذلك مثلاً اليانصيب حرام لكن لو عشرة أشخاص كل واحد وضع ألفاً في الشهر، وعملوا قرعة، كل شهر إلى فلان، هذه لا يوجد فيها شيء، هذه حلال، اليانصيب حرام، هناك أشياء محرمة لها بديل شرعي رائع، التأمين لو اجتمع عشرة أشخاص أو مئة شخص في مصلحة واحدة، وكل واحد وضع جزءاً من مستورداته في صندوق واحد، تلفت بضاعته يأخذ من هذا الصندوق تعويضاً عن بضاعته حلال، هذه الحصيلة للجميع، هذا التأمين التعاوني، لا يوجد عليه شائبة نهائياً، طبعاً ليس المقام مقام تفاصيل لكن ما من شيء محرم إلا له بدائل كثيرة، لكن العلة فينا لا نريد منهج الله أما لو أردنا منهج الله فكل شيء حرمه الله له بديل، قال تعالى: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ*وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا*يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا ﴾ [ سورة النساء: 26-28] 5 ـ ما أدى إلى الحرام فهو حرام : القاعدة الأخرى: أنه ما أدى إلى الحرام فهو حرام، الزنا حرام ومقدماته حرام، النظر حرام، الخلوة حرام، الأدب الساقط حرام، المشاهدات الماجنة حرام، كل ما أدى إلى حرام فهو حرام، الخمر حرام، بيعها حرام، أن تجلس مع شارب خمر حرام، أن تعصرها، أن تنقلها، أن تعلن عنها، أن تتاجر بها. كل ما أدى إلى حرام فهو حرام، ولذلك قاعدة أوسع: مالا يتم الواجب إلا به فهو واجب، مالا يتم الفرض به فهو فرض، ما أدى إلى حرام فهو حرام، الوضوء فرض لماذا؟ لأن الصلاة لا تصح إلا به، الصلاة فرض الوضوء فرض، النبي قال: لعن الله الخمر وشاربها وعاصرها وحاملها والمحمولة إليه وآكل ثمنها. ما أدى إلى حرام فهو حرام الأصل في هذا الموضوع تعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان، قال: أنا عندي بيت أستثمره كل ليلة خمسة آلاف، وأنا لا دخل لي، إن شاء الله في رقبتهم، يتم فيه الزنا، والبيت بيتك، وأنت مسؤول، وأنت لك نصيب من هذا الإثم، لأنك قدمت المكان. لذلك هذه الآية أصل: ﴿ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾ لا تساهم لا من قريب ولا من بعيد، لا تقدم مشورة ولا نصيحة، أنا أعمل تزيينات لملهى، أنت ساهمت في هذا المكان الذي يعصى الله فيه، لا كهرباء ولا تزيين قال تعالى: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾ [ سورة المائدة: 2 ] إذاً ما أدى إلى حرام فهو حرام. 6 ـ التحايل على الحرام حرام : آخر قاعدة : التحايل على الحرام حرام، أنا لا أتعامل بالربا لكن آتي بسجادة، يأتيني الذي يطلب القرض الربوي أقول له: هل تشتري هذه السجادة مثلاً بعشرة آلاف ليرة؟ يقول: نعم، يشتريها ديناً، فإذا اشتراها ديناً يقول لي: هل تشتريها نقداً؟ أقول له: نعم بثمانية آلاف، أنقده الثمانية آلاف وأكتب في دفتري عشرة آلاف ثمن سجادة بيعت ديناً، اشتراها ديناً وباعني إياها نقداً، أنا بعت واشتريت، هذا ربا لكن بسورة بيع وشراء. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4922/08.jpg هذا التحايل والتحايل على الحرام حرام، أنا أريد أن أسكن مثلاً مع أخي وزوجة أخي، وزوجة الأخ أجنبية ما هو الحل؟ يقول لك أحدهم: هذه سهلة، فتاة صغيرة، عمرها سنتان من بيت الجيران، يطلب من امرأة أخيه أن ترضعها، ثم يخطب هذه الفتاة، تصبح زوجته وأمها حماته، يطلقها بعد ساعة، الحماة محرمة على التأبيد، جلس معها، انتهت المشكلة. التحايل على الحرام حرام، اليهود ماذا فعلوا؟ حرم عليهم الصيد يوم السبت، جعلوا حفراً على شاطئ البحر يوم الجمعة تأتي الحيتان إلى هذه الحفر، الجمعة مساءً يغلقون طريق العودة، الحيتان حصرت في هذه الأحواض، يصطادونها يوم الأحد، الله عز وجل ذكر هذا في القرآن الكريم، وكل إنسان يحتال على الحرام واقع في الحرام نفسه وهو لا يشعر، وهو غبي، الله الذي حرم هذا الشيء وهو يراك. هذا باب الحيل الشرعية و الاسم الأصح الحيل غير الشرعية، يقول لك: حجاب شرعي لا بل حجاب شارعي، وهذه الحيل غير شرعية، من الحيل الشرعية تسمية الشيء بغير اسمه وتغيير صورته مع بقاء حقيقته، مثلاً ليستحل طائفة من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها يأتي على الناس زمان يستحلون الربا بالبيع. مثلاً ماذا يسمي الناس الخمر؟ مشروبات روحية غير القيم الروحية، ماذا يسمون الربا؟ فائدة، ماذا يسمون الفنون الساقطة؟ فن العمل الخليع اسمه فن، والخمر اسمه مشروبات روحية، والربا اسمها فائدة، لو غيرت الاسم الحقيقة ثابتة إذاً التحايل على الحرام حرام. وفي درس آخر إن شاء الله تعالى نتابع هذه القواعد، وبعدها ننتقل إلى الحلال والحرام في الأطعمة، والأشربة، والألبسة، والعلاقات الاجتماعية، والحالات الشخصية. |
رد: العبادات التعاملية
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية الدرس : ( التاسع العاشر ) الموضوع : القواعد العامة - 2 الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حق وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون الذكر فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. الحلال والحرام أخطر موضوع على الإطلاق بعد الإيمان بالله : أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس الثاني من سلسلة دروس: "الحلال والحرام في الإسلام"، ولا يخفى عنكم أن أخطر موضوع على الإطلاق بعد الإيمان بالله الحلال والحرام، قال تعالى: ﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾ [ سورة الأنعام: 81-82] أي لو أنك آمنت ولم تعرف الحلال والحرام وتلبست بظلم لن تنجو من عذاب الله، قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾ وكلكم يعلم أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، فمن لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعداً، و: (( مَن لم يَدَعْ قولَ الزُّورِ والعمَلَ بِهِ، فَليسَ للهِ حاجة فِي أَن يَدَعَ طَعَامَهُ وشَرَابَهُ)) [أخرجه البخاري وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة ] قال تعالى: ﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ﴾ [ سورة التوبة: 53] الصلاة، والصوم، والزكاة، وإذا حج العبد بمال حرام وقال: لبيك اللهم لبيك، قال الله له: لا لبيك ولا سعديك وحجك مردود عليك، لذلك أخطر موضوع على الإطلاق بعد الإيمان بالله الحلال والحرام، وإن شاء الله تعالى بدأت هذه السلسلة من الدروس فلعل الله سبحانه وتعالى ينفعنا بها، ويعيننا على تطبيق ما جاء فيها، هذا هو الدرس الثاني في هذه السلسلة، ولابد أن نبقى درساً ثانياً في الحديث عن قواعد الحلال والحرام. قواعد الحرام و الحلال : 1 ـ الحلال طيب والحرام خبيث : أيها الأخوة الكرام، من قواعد الحلال والحرام أن التحريم متعلق بالخبائث تعلقاً علمياً، ذلك أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان، وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة، أنعم عليه بنعمة الوجود أو نعمة الإيجاد، وأنعم عليه بنعمة الإمداد، وأنعم عليه بنعمة الهدى والرشاد، والإنسان ضعيف والله هو القوي، والإنسان جاهل والله هو العالم، لذلك من حق الربوبية أن تأمر هذا العبد بما تشاء بلا سؤال ولا تعليل، ولكن رحمة الله عز وجل، وحكمته، وكماله، جعل أوامره ونواهيه متعلقة بمصالح عباده ومعللة بالخير، أنت إذا كنت ضعيفاً أمام قوي وأعطاك أمراً لا تستطيع ولا تجرؤ أن تسأله لماذا أمرتني بهذا الأمر؟ وما الحكمة من ذلك؟ مع إنسان لا قيمة له إطلاقاً نفذ ثم اعترض، أنت مع خالق الأكوان عبد ضعيف، أنعم الله عليه بنعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، ونعمة الهدى والرشاد، له أن يأمرك بحكم ربوبيته، ولك أن تطيع بحكم عبوديتك، ومع ذلك رحمة الله عز وجل وحكمته وكمالاته اقتضت أن تكون أوامره ونواهيه متعلقة بمصالح خلقه، لذلك قال بعض العلماء: الشريعة رحمة كلها، مصلحة كلها، عدل كلها، هذا هو المدخل، إذا رأيت أمراً إلهياً فثم المصلحة الإنسانية، إذا رأيت نهياً إلهياً فثم المضرة الإنسانية هذه الفكرة الأولى. عند أهل الكتاب هناك تحريم عقابي أما عند المسلمين فالحرام متعلق بالخبائث : إلا أنه هناك حالات استثنائية الله سبحانه وتعالى عاقب اليهود بتحريم ما أحلّ لهم، هذه حالة ليست في ديننا، حالة استثنائية، قال تعالى: ﴿ وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنْ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوْ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ ﴾ [ سورة الأنعام: 146] عند أهل الكتاب عوقبوا بتحريم ما أحلّ الله لهم، قال تعالى: ﴿ فَبِظُلْمٍ مِنْ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا*وَأَخْذِهِمْ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ﴾ [ سورة الأنعام: 146] إذاً عند أهل الكتاب هناك تحريم عقابي، تحريم تأديبي، أما عندنا فالحرام متعلق بالخبائث، يحل لهم الطيبات، ويحرم عليهم الخبائث، كل شيء تطيب نفسك به حلال، كل شيء تخبث النفس به حرام، يحل لهم الطيبات، ويحرم عليهم الخبائث، حيثما وجدت أمر الله عز وجل فثمة الخير، وثمة المصلحة، وثمة الرحمة، وثمة العدالة، وحيثما وجدت النهي فثمة الهلاك، والشقاء، والفساد، والظلم، والقسوة، لذلك الدين الإسلامي كما تفضل الله به علينا الله جل جلاله وصفه فقال: ﴿ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ ﴾ [ سورة الأعراف:157] يأمرهم بما تعرفه النفس بأنه خير بفطرتها، وينهاهم عما تنكره النفس بفطرتها، ويحل لهم الطيبات ما تطيب نفوسهم به، ويحرم عليهم الخبائث، ويضع عنهم إصرهم، والأغلال التي كانت عليهم. أي شيء يثبت أنه خبيث بالدليل القطعي فهو محرم و العكس صحيح : في ديننا الأوامر كلها والنواهي كلها متعلقة بمصلحة العباد، فيها رحمة، وفيها مصلحة، وفيها عدالة، وإذا قلت: حرام فمعنى ذلك أنه خبيث، وإذا قلت: حلال فمعنى ذلك أنه طيب، تطيب النفس به، وتحلو النفس به، وترتاح النفس له، والحرام تخبث به النفس، في هذا الدين القويم شرع الله التوبة النصوح تكفيراً للذنوب، وشرع الله الحسنات اللاتي تذهبن السيئات، وشرع الله الصدقات، وساق الله المصائب، فمن خلال التوبة، أو من خلال الحسنة، أو من خلال الصدقة، أو من خلال المصيبة، تطهر النفس من ذنوبها، لكن اليهود حرمت عليهم طيبات أحلت لهم تأديباً لهم، لذلك الحقيقة الأساسية واليقينية أن التحريم متعلق بالخبائث، لذلك أي شيء يثبت أنه خبيث بالدليل القطعي فهو محرم، نقول: هذا التحريم جاء بالدليل العام، الخمر محرمة بالدليل العام، أما المخدرات فيقولون: أخي ما وردت المخدرات في القرآن الكريم محرمة بالدليل العام. أي شيء تخبث به النفس فهو محرم،عندنا قاعدة، الشيء إذا كان خالص النفع فهو حلال يقيناً، أو أنني أشعر بعطش شديد، وشربت هذا الكأس من الماء البارد، الفرات، العذب، الحلال، هذا حلال خالص، لأنه نافع نفعاً خالصاً، الشيء النافع نفعاً خالصاً هو حلال يقيناً، والشيء الضار محض حرام يقيناً، والشيء الذي يغلب نفعه على ضره يحتاج إلى شرح، فالخمر مثلاً قال تعالى: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ﴾ [ سورة البقرة: 219] هل أحد يشك أن الخمر محرمة والله سبحانه وتعالى أثبت لها بعض النفع في التجارة؟ يجوز إذا كان مطعم بأماكن يرتادها سياح أجانب، إذا كان هناك خمور يرتاده عدد أكبر، لكن الخمر محرم لذلك ما غلب شره على نفعه فهو حرام. الحلال هو كل شيء تطيب النفس به : ما كان ضرره أكبر من نفعه فهو حرام، وما كان نفعه أكبر فهو حلال، إذا الإنسان أكل أي طعام وأكثر منه لدرجة قد يضره الطعام هل نقول هذا الطعام محرم؟ لا، كل شيء إذا أسرفت منه فيه ضرر، قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [سورة الأعراف الآية:31] الآن آية تتوج هذا البحث قال تعالى: ﴿ يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمْ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾ [ سورة المائدة: 4] كل شيء تطيب النفس به فهو حلال وقال تعالى: ﴿ الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ ﴾ [ سورة المائدة : 5 ] الانتفاع بالشيء ليس أحد فروع العلم به : إلا أن هناك نقطة ضرورية جداً هو أن الأمر كلما كان واضحاً وضوحاً شديداً كلما اتضح شره تركه هين على النفس، وتضعف فيه كلمة التعدد، لو أن عدواً لك نصحك بشيء واضح لك، تترك هذا الشيء، وكلما ضعفت الحكمة وغابت عنك الحكمة ارتفع مستوى الأمر تعبدياً. فلذلك النقطة الضرورية جداً أن الانتفاع بالشيء ليس أحد فروع العلم به، أنت لمجرد أن تنفذ الأمر قبضت كل ثماره، انتهى الأمر، غض بصرك دون أن تعلم ما حكمة غض البصر، وماذا يحصل بالنفس حين يغض البصر؟ ولماذا يسعد الرجل بزوجته إذا غض بصره؟ لو لم تعرف كل هذه الحكم، وكل هذه التفصيلات، وكل هذه التحليلات، لمجرد أن تغض البصر تسعد ببيتك، بارد اسأله ماذا يحصل في داخله لا يعرف، عدم معرفته بما يجري داخل المكيف هل يمنعه من أن يستفيد منه؟ لا، والله نحن عندنا قاعدة: الانتفاع بالشيء ليس أحد فروع العلم به، صدوق يرفع الله شأنك، كيف؟ لا أعرف، كن أميناً يكثر مالك، الأمانة غنى،ً كيف؟ لا أعرف، طبعاً الدعاة يجب أن يعرفوا أما آحاد المسلمين فعرفوا أم لم يعرفوا لمجرد أن يطبقوا يقطفون الثمار، أنا لا أدعو إلى عدم معرفة الحكمة، لا، بل لا تعلق تطبيق الأمر على معرفة الحكمة، طبق ولا تخف، هذا أمر الله عز وجل، هذه تعليمات الصانع، مرة حدثني أخ عن نقطة دقيقة، قال لي: كنت أصلح سيارتي عند صديق، هناك قطعة معدنية أمسكها هذا المصلح ورماها، قال: هذه لا لزوم لها، فقلت له: شركة عمرها مئة عام، وفيها آلاف المهندسين، أنا لا أقتنع أنك أكثر فهماً من هؤلاء، وأنت أيها الإنسان يجب أن تعتقد مهما فلسف لك الشر، وزينت لك المعصية، ومهما جيء بأدلة تبدو منطقية كي تستبيح أمراً نهاك الله عنه، هل معك حجة أقوى من أن الذي خلق الإنسان هو الخبير به؟ البشر لو اجتمعوا لا يعرفون حكمة الأمر والنهي، طاعة، تشريع، في بعض البلدان الإسلامية الإنسان لمجرد أن يطلق امرأته تتملك نصف ثروته، لأن المرأة نصف المجتمع، ولابد من إنصافها، شيء جميل، ما الذي حصل؟ الذي حصل أن الناس عزفوا عن الزواج، قال لي أحدهم في هذا البلد الإسلامي: صار والد الفتاة يضع في يد الخاطب سند أمانة بقيمة نصف مليون فيما لو طلقت ابنتنا وطالبناك بنصف ثروتك طالبنا بهذا السند، بلد آخر بشرق أسيا شرع تشريعاً خلاف تشريع الخالق، لا يجوز لأسرة أن تنجب إلا ولداً واحداً، وفي هذه البلاد يحبون الذكور، فإذا أنجبت الزوجة أنثى خنقت ودفنت إلى أن تأتي بذكر يسجل، الآن هناك قرى بأكملها ليس فيها إناث، قرأت في جريدة دمشقية قديمة من شهر أن عصابات في هذا البلد تخطف الفتيات في سن الزواج، الله خبير، هو المشرع، لذلك عليك أن تتيقن أن أمر الله خير كله، و أن أي نهي نهى الله عنه شر كله. دلائل نبوة النبي صلى الله عليه وسلم : سمعت في بلاد الغرب حينما يأكل بعض هؤلاء عند المسلمين يرون اللحم أزهر اللون، طيب الطعم، هم يقطعون رأس الدابة بآلات حادة سريعة، الدماء تبقى في الدابة، والأمراض كلها في الدماء، والدم كما تعلمون مجمع فيه كل الأمراض، الآن صدر تشريع: لا يجوز قطع رأس الذبيحة، يجب أن يخرج دمها عن طريق القلب، وعن طريق الأمر الاستثنائي الذي يأتي عن طريق الدماء، يجب أن نعلم علم اليقين أن النبي نهانا أن نذبح الذبيحة بقطع رأسها، أمرنا أن نقطع أوداجها فقط، لأن القلب يتلقى أمراً كهربائياً ذاتياً بالضربات النظامية، لكنه يتلقى أمراً استثنائياً عن طريق الدماغ بالضربات الاستثنائية، فلو قطع رأس الذبيحة بقي القلب ينبض النبضات النظامية، هذا النبض بهذه السرعة لا يكفي لإخراج دم الذبيحة، أما حين يبقى الرأس عالقاً، والعصب موصولاً، ويأتي أمر استثنائي للقلب، ترفع ضربات القلب إلى المئة والثمانين ضربة فيخرج الدم كله خارج الذبيحة، فإذا اللحم أزهر اللون، طيب الطعم، وهذه هي الزكاة الشرعية، وسوف نأتي عليها بعد حين في باب الأطعمة. الآن ما من معمل على وجه الأرض يصنع حليب الأطفال إلا وألزموه من قبل الدولة أن يكتب: لا شيء يعدل حليب الأم، لأن أنزيمات الهضم في الطفل لا تستطيع هضم أربعة أمثال الدسم في حليب البقر، ما الذي يحصل؟ يبقى الدسم غير مهضوم في دم الطفل، ما الذي يجهد الكلية ويتعبها؟ هذا الدسم الزائد عن طاقة الطفل، لذلك أحد أسباب أمراض الكليتين المزمن الإرضاع الصناعي، الحموض الأمينية إذا ارتفعت نسبتها بالدم صار هناك قصور عقلي، وقد حدثني أخ كريم كان في أمريكا قال: أرجع العلماء القصور العقلي إلى الإرضاع الصناعي بنسبة ثمانون بالمئة، وكلكم يعلم أنه أعلى نسبة سرطان ثدي عند النساء اللواتي لا يرضعن أطفالهم، وأخفض نسبة سرطان ثدي عند النساء اللواتي يرضعن أولادهم، قال تعالى: ﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ﴾ [ سورة البقرة: 233] 2 ـ ما أدى إلى حرام فهو حرام : إذاً النقطة الدقيقة الآن الانتفاع بالشيء ليس أحد فروع العلم به، أنت لمجرد أن تطبق تقطف الثمار، يقول عليه الصلاة والسلام: ((اتقوا الملاعن الثلاث البراز في الموارد والظل وقارعة الطريق)) [ابن ماجه عن معاذ بن جبل] أشياء مستقذرة، إنسان يفرغ مثانته ويتغوط في مكان، في ظل يجلس الناس فيه، أو على قارعة الطريق، أو في موارد الماء، الآن ثلاثمئة مليون إنسان مصاب بأمراض القذارة في العالم، إحصاء منظمة الصحة العالمية، البول مجمع الأمراض، مجمع الجراثيم، إذا طرح في ماءٍ، أو في طريق، أو في مكان يجلس الناس عليه، يسبب انتشار الأوبئة والعدوى، النقطة التي نريد أن نوضحها أيضاً في الحلال والحرام هو ما أدى إلى الحرام فهو حرام. لذلك الذي يعد سبباً في الحرام محرم لا لذاته ولكن سداً لذريعة الحرام، حتى إن زراعة العنب في بلاد تكثر فيها صناعة الخمور تعد في الفقه حراماً، لأن هذا العنب مصيره إلى معامل الخمور، ما أدى إلى حرام فهو حرام، الله حرم الزنا كل مقدماته حرام، التبرج، الخلوة، الاختلاط، الصور، الأدب المكشوف، الغناء الفاحش، هذا كله يؤدي إلى الحرام، إذاً فهو حرام، النظر حرام يؤدي إلى ما هو أكبر منه، نظرة فابتسامة فموعد فلقاء. الخمر محرمة أن يعصرها الإنسان، وأن يحملها، وأن يأكل ثمنها، وأن يبيعها، وأن يعلن عنها، كله محرم، الربا لعن الله آكله، وموكله، إذاً ما أدى إلى حرام فهو حرام سداً للذريعة، كل ما أعان على الحرام فهو حرام. أحياناً الإنسان يكون عنده مكتب إعلان، إذا أعلن عن بضاعة محرمة فهو روج لها، قال تعالى: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾ [ سورة المائدة: 2 ] ما كان سبباً كافياً، أو ما كان سبباً غير كاف، أو ما كان معيناً، أو ما كان مروجاً، أو ما كان موضحاً، كل ما أعان على الحرام فهو حرام، هي قاعدة أساسية. 3 ـ النية الحسنة لا تبرر الحرام : الآن القاعدة التي تليها؛ النية الحسنة لا تجعل الحلال حراماً، أشخاص كثيرون يقولون، النية طيبة، لا تكفي، النية الطيبة شيء عظيم في الإسلام، قال عليه الصلاة والسلام: (( إِنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى )) [ أخرجه البخاري عن عمر بن الخطاب ] ولا تنسوا أن المباحات والعادات بالنوايا الطيبة تغدو عبادات، إذا الإنسان أكل الطعام وهل في الأرض كلها إنسان لا يأكل؟ المؤمن إذا أكل الطعام بنية التقوي على طاعة الله فهو عبادة، إذا ارتدى ثياباً بنية أن يظهر كمسلم بمظهر لائق فهو عبادة، المسلم له معاملة خاصة، نواياه الطيبة، ومعرفته بالله عز وجل، تجعل كل أعماله المباحة والمألوفة عبادات، هذه هي ناحية قيمة النية في العمل. لذلك النبي عليه الصلاة والسلام يقول: ((وفي بضع أحدكم صدقة, قالوا: يأتي أحدنا شهوته ويكون فيها له أجر؟ قال: أفرأيتم لو وضعه في حرام, هل عليه وزر؟ قالوا : نعم. قال : فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر)) [مسلم عن أبي ذر] وفي حديث آخر: ((من طلب الدنيا حلالاً استعفافاً عن المسألة وسعياً على أهله وتعطفاً على جاره لقي الله ووجهه كالقمر ليلة البدر)) [مصنف ابن أبي شيبة عن أبي هريرة] إذاً النوايا الطيبة تجعل العادات، والمباحات، والأعمال المألوفة التي يفعلها كل الناس في العالم عبادات، أرأيتم أيها الأخوة إلى أثر النية الطيبة في العمل؟ وأن تضع اللقمة في فم زوجتك هي لك صدقة، لو تصابيت لأولادك هذا العمل لك صدقة: (( من كان له صبي فليتصابَ له )) [ من الجامع الصغير عن أبي معاوية ] أي إذا أخذت ابنك بالعيد وركبته ببعض الألعاب، وأنت إنسان عظيم، ولك مكانة كبيرة، هذا لا يطعن في مكانتك، هذا يعلي قدرك عند الله، حفظته من الزيغ. العمل لا يقبل إلا إذا كان خالصاً وصواباً : قدمت هذه المقدمة لأصل إلى فكرة خطيرة جداً؛ أرأيتم إلى أن النية كيف أنها تجعل المباح والعادات عبادات، الآن عملك الذي ترتزق منه لمجرد أن يكون مشروعاً في الأصل، وسلكت فيه الطرق المشروعة، ونويت منه كفاية نفسك، وكفاية أهلك، ولم يشغلك عن طاعة، ولا عن طلب علم، ولاعن أداء واجب ديني، انقلب هذا العمل إلى عبادة، أما العكس غير صحيح، فالنوايا الطيبة مهما سمت لا يمكن أن تجعل الحرام حلالاً، النوايا الطيبة تجعل المباح عبادة، أما الحرام فحرام مهما كانت وراءه نية عالية، لذلك يقول الفضيل: "العمل لا يقبل إلا إذا كان خالصاً وصواباً". خالص ما ابتغي فيه وجه الله، وصواب ما وافق السنة، العمل يجب أن يوافق السنة، ويجب أن تبتغي فيه وجه الله، الآن إن ابتغيت به وجه الله وكان غير موافق للسنة فهو مرفوض. لو أنك فعلت شيئاً موافقاً للسنة، العمل لا يقبل إلا إذا كان خالصاً وصواباً، خالص ما ابتغي به وجه الله، وصواب ما وافق السنة،الدليل قال تعالى: ﴿ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ ﴾ [سورة النمل: 19 ] لذلك كل عمل يقوم فيه المؤمن ولو كان مباحاً فيه نية عالية أصبح عبادة، أما الحرام فهو حرام مهما حسنت نية فاعله، أخي أنا قصدي نبيل، هدفي كبير، قصدي بعيد، هدفي الإصلاح، لا تقبل الأعمال بنوايا طيبة إذا كانت مخالفة للسنة، لأن الهدف النبيل له وسيلة نبيلة، الأهداف لا تبرر الوسائل، يجب أن تختار أهدافاً نبيلة، وأن تختار لها وسائل نبيلة، لذلك الغاية تبرر الواسطة، هذا كلام مرفوض وغير مقبول، لأنه يجب أن تكون الواسطة من جنس الغاية، من جمع مال من ربا، أومن سحت، فهو حرام، لو قدمه في وجه الخير، يحشر الأغنياء أربع فرق يوم القيامة؛ فريق جمع المال من حرام وأنفقه في حرام يقال: خذوه إلى النار، فريق جمع المال من حرام وأنفقه في حلال يقال: خذوه إلى النار، جمع المال من حلال وأنفقه في حرام خذوه إلى النار. النوايا الطيبة والقصد الشريف لا يبرر الشر : لذلك النوايا الطيبة والقصد الشريف لا يبرر الشر، الشر شر في أي نية، الحرام في الإسلام لا تؤثر فيه النوايا، ولا المقاصد، لكن المباحات والعادات إذا كان وراءها نوايا طيبة تنقلب إلى عبادات، الدليل: (( إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا )) [أخرجه مسلم والترمذي عن أبي هريرة ] أنا أغنى الأغنياء عن الشرك، القلب المشترك الله جل جلاله لا يقبل عليه، والعمل المشترك لا يقبله، لا يقبل قلباً مشتركاً -فيه شرك- ولا عملاً مشتركاً -فيه حرام وفيه حلال- إن الله طيب ولا يقبل إلا طيباً، إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا ﴾ [سورة المؤمنون: 51] وقال تعالى: ﴿ كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ [سورة البقرة: 57] ثم قال عليه الصلاة والسلام: ((إن الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يده إلى السماء يقول : يا رب يا رب ومطعمه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب له؟ )) [مسلم والترمذي عن أبي هريرة ] العبادة الحقيقية في كسب المال تحري الحلال : أرأيتم أيها الأخوة معي أن أخطر موضوع على الإطلاق بعد الإيمان بالله الحلال والحرام: (( يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة )) [الطبراني عن عبد الله بن عباس ] أكبر نشاط علمي عليه أن يتجه إليه المؤمن بعد معرفة الله تقصي الحلال والحرام في بيته، في عمله، في كلامه، في لقاءاته، في نشاطاته، في سفره، في حله وترحاله، ويقول عليه الصلاة والسلام: ((ومن جمع مالا من حرام ثم تصدق به لم يكن له فيه أجر وكان إصره عليه )) [ابن خزيمة وابن حبان والحاكم وصححه عن أبي هريرة] ويقول عليه الصلاة والسلام: ((لا يكسب عبد مالاً حراماً ، فيتصدق به فيُقبل منه ، ولا ينفق منه فيبارَك له فيه ، ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار ،إن الله تعالى لا يمحو السيئ بالسيئ ولكن يمحو السيئ بالحسن ، إن الخبيث لا يمحو الخبيث)) [ أحمد عن ابن مسعود] تركه لم ينفقه ولم يتصدق منه، لذلك العبادة الحقيقية في كسب المال تحري الحلال، والعبادة الحقيقية في إنفاق المال تحري الوجه الصحيح الذي يريده الله عز وجل. ترك دانق من حرام خير من ثمانين حجة بعد الإسلام، وأخطر شيء الذي يبيع ويشتري، من دخل السوق بلا فقه أكل الربا شاء أم أبى، إذاً فقه معرفة الأحكام الفقهية لمن يشتري فرض عين. 4 ـ الحرام في ديننا حرام على الجميع : الآن عندنا قاعدة الحرام في ديننا حرام على الجميع، استثناءات لا يوجد، الحرام يتسم بالشمول والاطراد، ليس هناك حرام على العجمي، حلال للعربي، ليس هناك شيء محظور على الأسود، حلال للأبيض، ليس هناك جواز ولا ترخيص ممنوح لطبقة دون طبقة، ولا لطائفة دون طائفة، الحرام حرام على الجميع، والحلال حلال للجميع، حتى لو كان الإنسان في مرتبة كاهن، أو رجل دين، الكل تحت الشرع. أحبابنا اختاروا المحبة مذهبـاً وما خالفوا في مذهب الحب شرعنا *** المسلم ليس له خصوصية تجعل الحرام حلالاً، إن الله سبحانه وتعالى رب الجميع، والشرع سيد الجميع، فما أحلّ الله لشريعته فهو حلال، وما حرم فهو حرام، السرقة مثلاً السارق يعاقب أكان مسلماً أم غير مسلم، المسروق منه أكان مسلماً أم غير مسلم، يعاقب السارق، السارق أو المسروق مسلم أم غير مسلم الحكم واحد، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام قال: ((والله لو أن فاطمة بنت محمدٍ سرقت لقطعت يدها .. إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم إذا كانوا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد .. )) [ البخاري عن عائشة رضي الله عنها ] هذا كان سبب هلاك الأقوام السابقة. الإسلام سواسية مطلقة : الآية الكريمة: ﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا ﴾ [سورة المائدة: 8] الآية تخاطب المؤمنين، من هم أعداء المؤمنين؟ الكفار. يا أيها المؤمنون لا يحملنكم بغضكم للكفار على أن تظلموهم، اعدلوا هو أقرب للتقوى، إن عدلتم معهم كنتم أنتم أقرب إليّ، اعدلوا هو أقرب للتقوى، لكن اليهود كما تعلمون يحرمون أشياء على ملتهم، ويحلون أشياء على غير ملتهم، في الإسلام الحرام حرام على كل الناس، وعلى كل الأجناس، وفي كل مكان، وفي كل زمان، وفي كل المستويات، استثناءات لا يوجد أبداً، هذا هو الدين، سيدنا عمر ألم يقل لجبلة بن الأيهم: أرضِ الفتى، لابد من إرضائه، مازال ظفرك عالقاً بدمائه أو يهشمن الآن أنفك، و تنال ما فعلته كفك . قال : كيف ذلك يا أمير؟ هو سوقة وأنا عرش وتاج ؟ كيف ترضى أن يخر النجم أرضاً؟ قال عمر : نزوات الجاهلية، ورياح العنجهية قد دفناها، أقمنا فوقها صرحاً جديداً، وتساوى الناس أحراراً لدينا وعبيداً . فقال جبلة : كان وهماً ما جرى في خلدي أنني عندك أقوى وأعز، أنا مرتد إذا أكرهتني . فقال عمر : عالم نبنيه، كل صدع فيه يداوى، وأعز الناس بالعبد بالصعلوك تساوى . هذا هو الإسلام سواسية مطلقة. الحرام حرام على كل الأشخاص : الله عز وجل وصف خلاف هذه الحالة عند اليهود، قال تعالى: ﴿ وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ [ سورة آل عمران: 75 ] أي غير اليهود، أنت كمسلم جاءك شخص غير مسلم يخطر ببالك ولو لثانية واحدة أن تأخذ منه أجرة مضاعفة أو تضحك عليه؟ إن فعلت هذا تكون لا تفقه في الدين شيئاً، بالعكس ربما كان عقابك عند الله أشد لأنه كافر، لأن لو عنده اعتقاد بسيط بالدين نفرته منه، يقول: هكذا عمل معي المسلم، لذلك الحرام حرام على كل الأشخاص، استثناءات أقوام، فئات، طبقات، طوائف، عصور، أزمنة، رجال دين، الحرام حرام، صاحب أكبر كتاب في تاريخ الحضارة يقول: إن كل الجماعات البشرية تقريباً تكاد تتفق في عقيدة كل منها بأن سائر الجماعات أحط منها - نظرة بدائية متخلفة تفتقر إلى المنطق والواقع، كل فئة تقول: نحن أفضل الناس- وأحضر شواهد يقول: مثلاً القبائل الهندية في أمريكا تقول: الناس نحن ولا ناس سوانا، نحن فقط، أحضر شواهد كثيرة، كل إنسان أفقه ضيق، يتوهم أنه سيد المخلوقات وما سواه لا شيء، هذا كله الإسلام رفضه رفضاً قاطعاً، وقال: الناس سواسية كأسنان المشط. 5 ـ اتقاء الشبهات سبيل لاتقاء الحرمات : بقي من هذه القواعد إن اتقاء الشبهات سبيل لاتقاء الحرمات، إذا وقع الإنسان في شبهة كان إلى ما استبان من الحرام أوقع، وإن ترك الشبهة كان إلى ما استبان من الحرام أترك. فأنت حين تدع الشبهات فقد جعلت بينك وبين الحرام سياجاً، طبعاً كلكم يعلم أن الحلال بين والحرام بين، ليس في الحلال البين ولا الحرام البين مشكلة، لكن المشكلة في هذه المنطقة بين الحلال البين والحرام البين، هذه الشبهات، الشبهات لا يعلمها كثير من الناس، هل معنى هذا الكلام أن الكل لا يعلمها؟ لا،لا يعلمها عامة الناس لكن الله عز وجل اختص أهل الذكر بمعرفتها، قال تعالى: ﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [ سورة النحل: 43] فالشبهات مجهولة عند عوام الناس، لذلك قال النبي الكريم: (( الحلال بيِّن والحرام بيِّن، وبينهما أمور مشتبهات لا يدري كثير من الناس، أمن الحلال هي أم من الحرام، فمن تركها استبراءً لدينه وعرضه، فقد سلم، ومن واقع شيئاً منها يوشك أن يُواقع الحرام )) [البخاري عن النعمان بن بشير] أحياناً تجد في قضية شرعية دليلاً يمكن أن يجعلها حلالاً، وهناك دليل بقوته يمكن أن يجعلها حراماً، ماذا تفعل أنت؟ الأحوط تركها، لأن هناك دليلاً يجعلها حلالاً، ودليلاً آخر يجعلها حراماً، فالأكمل أن تدعها، لذلك الورع دائماً يسلك سبيل الاحتياط، الأحوط خذ الأحوط تكن في حرز حريز. نسبة الأشياء المحرمة إلى الأشياء المحللة نسبة ضئيلة جداً : آخر موضوع في هذه القواعد، طبعاً تحدثنا عن اتقاء الشبهات، وأن الحرام حرام على الجميع، وأن التحايل على الحرام حرام، وأن النية الحسنة لا تجعل الحرام حلالاً، وأن في الحلال ما يغني عن الحرام، وما أدى إلى حرام فهو حرام، هذه كلها قواعد أساسية في الحلال والحرام، مهدت لكم بها موضوعات الحلال والحرام التي سوف نأخذها على تفصيل في دروس إن شاء الله سبحانه وتعالى، الآن الله عز وجل مع أنه ضيق دائرة الحرام تضييقاً شديداً: ﴿ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ [ سورة الأعراف ] نسبة الأشياء المحرمة إلى الأشياء المحللة نسبة ضئيلة جداً، ومع ذلك رحمة بالخلق، ومراعاة لضعف الإنسان أحياناً، الله عز وجل في أربع مواضع في كتاب الله قال: ﴿ فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [ سورة البقرة: 173] ولاسيما في الأطعمة، ما معنى غير باغ؟ إنسان أحياناً يشرف على الموت له أن يأكل لحم الخنزير، هو لا يبغي أن يأكله، لا يتمنى أن يأكله، لا يريد أن يأكله، ولكن أكله مضطراً، فإذا أكله مضطراً هل يأكل منه حتى يشبع؟ لا، يأكل منه القدر الذي يبقيه حياً، لا يتجاوز الحد الذي هو مضطر إليه، هناك أشخاص إن أخذ ربا يتبحبح فيها، لذلك قالوا: الضرورة تقدر بقدرها، لو إنسان مضطر أن يأكل لحم خنزير، كم لقمة يأكل حتى يزول عنه خطر الموت؟ ليس حتى يشبع: ﴿ فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [ سورة البقرة: 173] لا يبغي أن يعصي الله، لا يبغي التمتع بهذا الحرام، ولا يريد أن يتجاوز الحد الذي ينجيه من الهلاك، هذا معنى قوله تعالى: فمن اضطر غير باغٍ ولا عادٍ فلا إثم عليه. الضرورة التي تبيح المحظور هي الضرورة التي تقدر بقدرها دون أن تزيد عليها : عندنا قاعدة أصولية: إذا بلغ على يقينك أنك وأهلك ومن تعول سيهلكون من الجوع أو العري أو التشرد عندئذ الضرورات تبيح المحظورات. لكن ما رأيت قاعدة توسع بها الناس وشدوها إلى مصالحهم مثل هذه القاعدة، يكون ليس مضطراً إلى هذا الشيء ويتوسع به توسعة، الرفاه عنده ضرورة، السفر ضرورة، فرش البيت ضرورة، يقول: أنا مضطر، اسأل من المضطر؟ أريد بشكل قاطع أن تعلموا من هو المضطر، من غلب على يقينه أنه هالك هو وأهله من الجوع أو العري أو التشرد هذا هو المضطر الذي تباح له المحظورات، والعلماء صنفوا الحاجات إلى ثلاثة أقسام؛ ضرورات، حاجات، تحسينات، التحسينات ليست ضرورة، والحاجة ليست ضرورة، الضرورة ما توقفت عليها حياتك وسلامتك، إذا غلب على يقينه أنه ميت، أو سيفقد أحد أعضائه هو ومن معه إما من الجوع أو العري أو التشرد فهذه هي الضرورة التي تبيح المحظور، لذلك قالوا: الضرورة تقدر بقدرها دون أن تزيد عليها. مثلاً لو أن امرأة أصيبت بمرض لا يستطيع معالجته إلا طبيب رجل، لا ينبغي أن يبدو من أعضاء جسمها إلا القدر الذي لابد منه لمعالجتها، هذا الكلام يقال للطبيب، ويقال للمريضة، الضرورة تقدر بقدرها فمن اضطر غير باغٍ ولا عادٍ لا يبغي المعصية، ولا يتجاوزها عن القدر الذي يكفيه لا إثم عليه. أيها الأخوة الكرام، ننتقل في الدرس القادم إن شاء الله تعالى إلى الحلال والحرام في الأطعمة والأشربة، ثم في الملبس والزينة، ثم في البيت، ثم في الكسب والاحتراف، إلى موضوعات أخرى نحن في أمس الحاجة إليها إن شاء الله تعالى بعد أن نعرف الله. الآن الموضوع الأول الحلال والحرام؛ بيتك، عملك، أولادك، زوجتك، بناتك، كسب المال، إنفاق المال، لهوك، سفرك، إقامتك، يجب أن تعرف حدود الله عز وجل . |
رد: العبادات التعاملية
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية الدرس : ( العشرون ) الموضوع : المحرمات : الدم - لحم الخنزير- الميتة - وما احل بة لغير الله الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون الذكر فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. تذكرة بالدروس السابقة : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4924/01.jpg أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس الثالث من سلسلة دروس: "الحلال والحرام في الإسلام"، وقد بينت لكم في درسين بفضل الله تعالى أن الأصل في الأشياء الإباحة، وأن التحليل والتحريم من حق الله تعالى وحده، وأن تحريم الحلال أو تحليل الحرام يعادل الشرك بالله عز وجل، وأن التحريم متعلق بالخبائث، يحرم عليهم الخبائث: ﴿ يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ (157) ﴾ [سورة الأعراف ] أي أن هناك علاقة علمية بين المعصية ونتائجها، و بين الطاعة ونتائجها، وليس التحليل رمزياً، ولا التحريم رمزياً، إنما العلاقة بين التحريم ونتائجه وبين التحليل ونتائجه علاقة علمية، أي علاقة سبب بنتيجة، وبينت أيضاً أن في الحلال ما يغني عن الحرام، وأنه ليس في الإسلام حرمان إطلاقاً، إن كل شهوة أودعها الله في الإنسان لها قناة نظيفة يمكن أن تسلكها وأنت مرتاح، وأنت مقبل، وأنت سعيد، وبينت أيضاً أنه ما أدى إلى حرام فهو حرام، الشيء الذي يؤدي إلى حرام هو حرام أيضاً، وبينت أن التحايل على الحرام حرام، وأن النية الحسنة لا تبرر الحرام، وأن اتقاء الشبهات من الورع، وأنه لا محاباة ولا تفرقة في الحرمات، فالمحرم على الجميع، وليس هناك استثناءات، ثم أنهيت الموضوعين السابقين بأن الضرورات تبيح المحظورات، ومعنى الضرورات أن تكون أنت وأهلك على وشك الموت جوعاً، أو عرياً، أو تشرداً، هذه هي الضرورة التي تبيح المحظور، لا كما يفهمها الناس متوسعين، فكلما شعر بحاجة إلى شيء يقول: أن مضطر، ومن خلال هذه الضرورة المتوهمة يبيح لنفسه المحظورات. الحلال والحرام في الحياة الشخصية للمسلم : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4924/02.jpg في الدرسين السابقين تحدثت عن قواعد عامة في الحلال والحرام، لكن ننتقل الآن إلى التفاصيل، إلى الحلال والحرام في الحياة الشخصية للمسلم، وأول شيء يختص في حياتك الشخصية ما تأكله: (( يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة )) [أخرجه الطبراني عن عبد الله بن عباس ] أي كُلْ حلالاً أو اكسب رزقاً حلالاً، الحديث يشير إلى المعنيين معاً، كُلْ الشيء الذي أباحه الله لك، أو اكسب رزقاً حلالاً عن طريق الصدق، والأمانة، وعدم الغش، وعدم التدليس، وعدم الاحتكار، وعدم الاستغلال، وعدم الإيهام، الحديث يتجه إلى معنيين؛ أن يكون الكسب حلالاً وفق منهج الله، وتطبيق شرع الله، والتأدب بآداب الإسلام، أو أن يكون الطعام الذي تأكله حلالاً، بمعنى مما أباحه الله لك، طبعاً في الحياة الشخصية للمسلم الأطعمة، والأشربة، و الملبس، والزينة، وحياته في بيته، وكسبه، واحترافه، هذه الموضوعات الكبرى التي سوف نقف عندها وقفة متأنية إن شاء الله تعالى في الدروس القادمة. طلب الفقه حتم واجب على كل مسلم : نبدأ اليوم موضوع الأطعمة والأشربة؛ المسلم يضبط ما يدخل، ويضبط ما يخرج، ما يدخل من طعام، وما يخرج من كلام، يجب أن تضبط ما تأكل، وأن تضبط ما تقول: (( لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه )) [أحمد عن أنس بن مالك ] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4924/03.jpg أيها الأخوة الكرام، العرب في الجاهلية حرموا بعض الحيوانات بغير حق، حرموا البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحامية، وذكرت هذا بالتفصيل في الدرس الماضي، واستباحوا لأنفسهم بعض الخبائث كالميتة، والدم المسفوح، جاء الإسلام في شأن الأطعمة ولاسيما ذات الأصل الحيواني ليبين وليوضح ما هو حلال وما هو حرام، لذلك ذكرت لكم في الدرس الماضي أن أخطر موضوع على الإطلاق بعد الإيمان بالله الحلال والحرام، لأنك إذا آمنت بالله ولم تستقم على أمره أنت محجوب عنه، ما قيمة هذا الإيمان؟ إبليس قال: ربي فبعزتك لأغوينهم أجمعين، أخطر شيء بعد الإيمان بالله أن تتعرف إلى منهج الله، إلى شرع الله، إلى الحلال إلى الحرام، إلى الأمر، إلى النهي، إلى المباح، إلى المكروه، إلى الفرض، إلى الواجب، إلى الحرام، لذلك طلب الفقه حتم واجب على كل مسلم. مثلاً لو أجلسنا إنساناً إلى مقعد طائرة وقلنا له: طِرْ بها من دون أن يكون متعلماً أصول قيادة الطائرة، احتمال سقوط الطائرة كم بالمئة؟ مئة بالمئة، هذه المعلومات أساسية في سلامته، وإلا لابد من السقوط، والإنسان يمشي في الدنيا في متاهات، وفي حقول ألغام، السوق فتنة، آلاف الشبهات بالمال، آلاف الشبهات في إنفاق المال، آلاف الشبهات في عقد البيع، في عقد الشراء، في العلاقات الاجتماعية، تفقهوا قبل أن تدخلوا السوق، فمن دخل السوق بلا فقه وقع بالربا شاء أم أبى، فلذلك طلب الفقه حتم واجب. العلم الذي ينبغي أن يُعرف بالضرورة : أخواننا الكرام: العلماء فرقوا بين علمين؛ بين علم هو فرض عين، وبين علم هو فرض كفاية، فرض العين ما ينبغي أن تفعله بالضرورة، عندك فراغ أم لا،أنت مهندس، أنت طبيب، أنت تاجر، لست مختصاً، هذا كلام غير مقبول، الإنسان عندما يجلس خلف مقود السيارة هناك مجموعة معلومات إذا لم يعرفها يعمل حادثاً، لكن قل له: ممَ صنعت هذه المكابح؟ ليس شرطاً أن يعرف كيف صنع هذا الحديد، ولف هذا اللف الجميل، ليس من الضروري أن يعرف كيف طليت هذه السيارة ،لا يعرف مما صنع محركها، لكن هناك مجموعة حقائق بالقيادة إذا ما عرفها أهلك نفسه، هذه الحقائق التي لابد منها سماها العلماء: ما ينبغي أن يعلم بالضرورة. الحلال والحرام من الحقائق التي يجب أن تعلم بالضرورة : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4924/04.jpg أخواننا الكرام، الحلال والحرام من الحقائق التي يجب أن تعلم بالضرورة، من الحقائق التي لا يعذر الإنسان بجهله بها، أنت مع شرطي يقول لك: لا جهل في القانون، إذا ارتكبت مخالفة سير تقول: لا أعلم؟ هل يسمع منك هذا الكلام؟ هل يقبل منك هذا الكلام؟ لا يقبل منك، لا جهل في القانون، فلذلك عندما يحضر الإنسان مجلس علم يعرف الحلال والحرام، والأمر النهي، ومعنى كلام ربه، هذا الحضور ليس استهلاكاً للوقت بل هو استثمار للوقت، هذا الحضور يقيك، ألم يقل سيدنا علي لابنه: "يا بني العلم خير من المال، لأن العلم يحرسك وأنت تحرس المال". من حين لأخر ينشرون في الجريدة اليومية قصة واقعية مأخوذة من مخابر وزارة الصحة، مثلاً إنسان زلت قدمه بعلاقة محرمة مع فتاة جر مرض الإيدز لزوجته ولخمسة أولاد، الأولاد يسأمون الحياة، وأمهم تبكي ليلاً نهاراً، وهو على وشك الموت، الإنسان الجاهل يفعل في نفسه ما لا يستطيع عدوه أن يفعله به. الحلال والحرام في الأطعمة ولاسيما الأطعمة ذات المنشأ الحيواني : أيها الأخوة أولاً: ما هو الحلال والحرام في الأطعمة ولاسيما الأطعمة ذات المنشأ الحيواني؟ في الأعم الأغلب النباتات الأشياء المحرمة فيها قليلة جداً، إلا أن الأطعمة ذات المنشأ الحيواني هناك تفاصيل في ذلك، الآية الكريمة قال الله تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾ [ سورة البقرة: 168 ] ما علاقة لا تتبعوا خطوات الشيطان بقوله تعالى؟ أي لا تتبعوا خطوات الشيطان في تحريم ما أحلّ الله لكم، ولا تتبعوا خطوات الشيطان في تحليل ما أحلّ الله لكم، الذي يحلل ما حرم الله اتبع خطوات الشيطان، والذي يحرم ما هو حلال اتبع خطوات الشيطان، ومرة ثانية: ليس تحليل الحرام أو ليس تحريم الحلال بأقل إثماً من تحليل الحرام، كلاهما إثم، وكلاهما يوازي الشرك بالله، هو شرع لك أنت سلكت طريقاً آخر، فكل إنسان يحلل الحرام أو يحرم الحلال فقد عمل عملاً قريباً من الشرك، لكنه شرك في التشريع، أي أشرك نفسه مع الله في التشريع، قال الله تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾ [ سورة البقرة: 168 ] الآية الثانية: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾ [ سورة البقرة: 172 ] المحرمات في الأطعمة ذات المنشأ الحيواني أربع على الإيجاز وعشرة على التفصيل : كم نوع من أنواع اللحوم؟ أنواع لا تعد ولا تحصى، قال الله تعالى: ﴿ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [ سورة البقرة: 173 ] الآية الثالثة: ﴿ قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [ سورة الأنعام: 145 ] هذه الآية الثالثة، المحرمات أربع؛ الميتة، والدم، ولحم الخنزير، هذه محرمة لذاتها، وما أهل لغير الله به، لو أكلت لحم ضان لم تذكر اسم الله عليه، وذكرت اسم فلان، أو علان، أو الصنم الفلاني، هناك ثلاثة أشياء محرمة لذاتها، وهناك شيء محرم لغيره، الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله به، هذه المحرمات الأربع ثلاثة لذاتها، وواحدة لغيرها، هذا على الإيجاز، أما على التفصيل فعشرة: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ ﴾ [ سورة المائدة:3] المحرمات في الأطعمة ذات المنشأ الحيواني أربع على الإيجاز، وعشرة على التفصيل، طبعاً لأن المنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، هذه مع الميتة، وما ذبح على النصب هذا مع ما أهل به لغير الله، وسنأتي على هذا بالتفصيل بعد قليل إن شاء الله. حاجة ضعاف الإيمان إلى التعليل : أولاً: عندنا اتجاهان في شرح الأحكام الفقهية، الاتجاه الأول إذا آمنت أن لهذا الكون خالقاً عظيماً خلق السماوات والأرض، لأي أمر أمرك به، أو أي نهي نهاك عنه، لأنه أمر ولأنه نهي هذه علة كافية، أنت عندك جهاز معقد قرأت التعليمات وجدت أن الشركة الصانعة عمرها مئة عام، وعندها ثمانية آلاف مهندس، أعطت توجيهاً تشعر بكل خلية بجسمك، وبكل قطرة بدمك، أن هذا الكلام صحيح، وهذه التوجيهات يجب أن تنفذ، ولا يخطر في بالك أبداً أن تناقش هذه الشركة الصانعة في هذه التوجيهات، لأنها هي الصانعة. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4924/05.jpg عندنا اتجاهان؛ الأول أن تقول: لأن الله حرم علينا الميتة فهي حرام، لكن إذا أردت أن تقنع ضعاف الإيمان تحتاج إلى التعليل، لكن لو فرضنا أن الإنسان لم يعرف التعليل ألا ينبغي أن ينفذ الأمر الإلهي؟ لا ينبغي أن تعلقه على التعليل، لكن التعليل يقوي إيمانك، التعليل يجعل الشريعة معقولة، التعليل يجعلك تعلم الناس، أما المؤمن الصادق فلأن الله أمر انتهى، لأن الله نهى انتهى، علة أي أمر أنه أمر، لكن هذه الدابة إذا ماتت دمها فيها، كل الأمراض والأوبئة وعوامل الضعف في الدم، فإذا بقي الدم في الدابة فقد أصبحت مؤذية في تناولها، لذلك الآن حدثني أخ كريم حضر معنا الجمعة مقيم في أمريكا قال: صدر قانون فيدرالي يمنع قطع رأس الذبيحة على مستوى الولايات كلها، حين يقطعون رأس الذبيحة القلب يضرب الضربات النظامية -ثمانون ضربة- هذه الضربات النظامية لا تكفي لإخراج الدم، فتبقى الذبيحة زرقاء الدم، وطعمها غير مستساغ، عرفوا هذا من التجربة عادوا إلى الشرع مقهورين لا متعبدين، لكن إذا قطعت أوداج الذبيحة جاء الأمر الاستثنائي من الدماغ إلى القلب، ورفع الضربات إلى مئة وثمانين ضربة، وهي تخرج الدم كله من الذبيحة، وهم بالتجربة وجدوا أنه لابد أن تكون الذبيحة خالية من الدم، كانت كل الطرق القديمة في المسالخ الأجنبية تقطع الرأس كالمقصلة تماماً، الآن منع قطع الرأس ليبقى الأمر الاستثنائي من الدماغ ساري المفعول، حتى القلب يضخ الدم كله خارج الذبيحة، بربكم هل في عهد النبي وبعد عهد النبي عليه الصلاة والسلام وإلى قبيل خمسين عاماً هل يمكن أن يعرف الإنسان ما حكمة النبي حين أمر بعدم قطع رأس الذبيحة وبقطع أوداجها فقط؟ هذا ليس من عند النبي، هذا وحي يوحى، وسوف ترون أنه كلما تقدم العلم -وأنا أعني ما أقول- كشف عن إعجاز هذا التشريع، ولا يستبعد أن تروا يوماً العالم كله يطبق أحكام الشريعة الإسلامية، ربما ليس عن تعبُّد لله عز وجل، ولكن العلم يصل إلى أن هذا الذي وصل إليه القرآن هو عين الحقيقة. الحكمة من تحريم أكل الميتة : لذلك الميتة حرمت، قال: هناك تعليل لهذا التحريم؛ الطبع السليم يتقزز من أكل الميتة، الإنسان تعاف نفسه أن يأكل لحم دابة ماتت، والإنسان بفطرته، وطبيعته، وعقلانيته، يرفض أكل لحم الميتة، والله عز وجل حرمه، طبعاً شيء طبيعي أن يتوافق النقل مع العقل، مع الفطرة، مع الواقع، شيء طبيعي وهذا هو الحق، هناك تعليم لطيف أن الإنسان ينبغي أن تكون أعماله كلها هادفة، فهو حين يذبح هذه الدابة يذبحها ليأكلها، أصبحت أعماله هادفة لا يوجد عنده عمل عشوائي. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4924/06.jpg الشيء الآخر: عندما تموت الدابة، أي ماتت لعلة، لمرض، لجرثوم، لمرض، لتسمم، فالدابة الميتة مظنة مرض، مظنة خطر على الإنسان، وهذه علة أخرى، وهناك شيء ثان دقيق جداً أن البهائم التي خلقها الله عز وجل تأكل الميتة، وأجسامها مهيأة بعصارات هاضمة تهضم اللحم المتفسخ، وتراه طعاماً لذيذاً، فعندما حرم ربنا علينا أكل لحم الدابة الميتة أتاح للدواب أن تأكل http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4924/07.jpg هناك حكمة بالغة ترى سنبلة ولها ساق، قد تعجب أن القمح غذاء كامل للإنسان، مصمم على أن يكون غذاء كاملاً فيه ستة معادن، خمسة فيتامينات، مواد نشوية -طبعاً رأسه في عبه أي مع النخالة- أما هذا الخبز الأبيض فهذا غراء جيد للمعدة وقالوا: احذروا السموم البيضاء؛ الطحين الأبيض، والملح الأبيض، والسكر الأبيض، هذه سموم ثلاثة. الطبع السليم يستقذر، والعاقل تعاف نفسه، والدابة الميتة دمها فيها، وماتت لعلة، أو مرض خطير، أو لتسمم، وفوق هذا وذاك الله جلّ جلاله حين حرمها علينا، أباحها لبقية البهائم من أجل أن تكون طعاماً لها، أعود إلى السنبلة هذه السنبلة فيها الغذاء الكامل للإنسان هل تصدقون أن ساق السنبلة غذاء كامل للحيوان؟ لذلك التبن يعد المادة الأساسية للحيوان، يقولون: إن هناك زراعة إستراتيجية هي القمح، والبهائم طعامها الإستراتيجي التبن، فساق القمح غذاء أساسي وكامل، والقمح غذاء كامل لنا. ﴿ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (33) ﴾ [سورة النازعات] دافع الإنسان للعناية بالحيوان : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4924/08.jpg الحيوان إذا ذبح فهو لنا، فإذا مات فلغيرنا. هناك شيء ثان؛ الدابة إذا ماتت يحرم أن تأكلها، هناك توجيه تربوي رائع: أيها الإنسان احرص على حياتها، عالجها من أمراضها، أطعمها، اعتنِ بها، فإذا ماتت خسرتها، لا يسمح لك بأكلها، هذا توجيه تربوي رائع جداً، هذه البقرة ثمنها سبعون ألفاً إذا ماتت لا تستطيع أكلها أبداً إلى الدفن، معنى ذلك أنت من أجل أن تحافظ على ثمنها، وعلى مردوها، عليك أن تعتني بها، لو أنه سمح أن نأكل الميتة لما اعتنيت بها، تأكلها، يقول: ثمنها موجود، أما لأن الدابة الميتة لا تؤكل، محرم أكلها، فعليك أن تعتني بها، أن تطعمها، أن تعالجها من أمراضها، أن توفر لها حاجاتها، إذاً أكبر دافع للإنسان كي يعتني بالحيوان أنه إذا مات هذا الحيوان حرم الله عليه أن يأكله، طبعاً هذه تعليلات، وهناك أشياء أخرى لا نعلمها الله يعلمها، أما إذا أمر الله بشيء فالأشياء من هذا الأمر لا تعد ولا تحصى ، والإنسان يشتغل ويعرف بعض الحكم. ماذا يستنبط من كلمة -أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا- ؟ هناك رجل كان سبب إسلامه كلمة: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4924/09.jpg الله لم يقل: دماً، قال: مسفوحاً، ماذا نستنبط من كلمة دماً مسفوحاً؟ الدم في الجسم يصفى عن طريق الرئتين، الإنسان يستنشق الأوكسجين ويطرح غاز الفحم، غاز الفحم من أين هو؟ نتائج احتراق المواد السكرية والدسمة في الخلايا البشرية بالأوكسجين، الأوكسجين يحرق المواد الدسمة والبروتينية، فضلات غاز الفحم تطرح عن طريق الرئتين، الإنسان يتنفس أي تطهير دائم للدم من غاز الفحم، الكليتان ماذا تفعلان؟ تطهران الدم من كل السموم، والأوبئة، والسكر الزائد، الكلية مصفاة ولكنها حية، سائل فيه سكر وملح وبروتين...مواد لا يعلمها إلا الله، تختار النسب النظامية، سبعة بالألف سكر، بروتين، بوتاسيوم، والباقي بول، وأي نسب غير نظامية، أو سامة، أو مواد وفضلات تطرح في البول، إذاً: الكليتان تنقيان الدم، والرئتان تنقيان الدم، وملايين الغدد العرقية تنقي الدم، ثلاث مصاف،الكليتان والرئتان والغدد العرقية هذه كلها تنقي الدم، والدم يجري فهو طاهر، أما إذا سفح الدم فصار نجساً ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ فالميتة حرمت لعلة بقاء الدم فيها، فالأصل هو الدم سبب التحريم والدم المسفوح أيضاً، الإنسان كل عوامل ضعفه، وعوامل المرض كلها في دمه، أهل الجاهلية قبل الإسلام كان إذا جاع الرجل يأتي بعظم مدبب مؤنف مثل السكين يدخله في جسم الجزور –الناقة- ويأخذ الدم فيشربه،هذا شيء واقع في الجاهلية، حتى قال الأعشى: وإياك والميتات لا تقربنها ولا تأخذن عظيم حديد فتفصد *** كان الإنسان في الجاهلية يدخل العظم المؤنف إلى جسم الدابة ليشرب من دمها أي بمثابة غذاء، والدم محرم. الحكمة من تحريم لحم الخنزير : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4924/10.jpg الشيء الثالث: لحم الخنزير، والخنزير طبعاً يأكل اللحوم، ويأكل اللحوم القذرة، أطيب أكلة عنده الجرذان، ويأكل الخنزير الميت، ويأكل الفطائس، واللحوم المتفسخة، فإذا جعلناه في مزارع وضبطنا غذاءه لا يصبح حلالاً، له وظيفة أخرى، وظيفته أن ينقي الأرض من الجيف، هذه وظيفته، فالإنسان لجهله صار يأكله، والحديث عن مضار لحم الخنزير حديث من باب تحصيل حاصل، لو أنه يوجد وقت متسع لوجدت أن فيه دودة شريطية تعيش في لحمه، وهناك أمراض كثيرة تنمو في لحمه، حتى لو شويته أو طبخته، ومع ذلك العلة الأقوى أن الله حرمه، وكفى المؤمن علة التحريم أن الله حرمه وانتهى الأمر. لكن لو عملت دراسة عن لحم الخنزير، أنا أذكر أن هناك أخاً من أخواننا الكرام عمل ندوة من عشر سنوات في لبنان عن لحم الخنزير، ثاني يوم المبيعات هبطت إلى النصف، و أذكر أن له صديقاً من هولندا ذكر له مضار لحم الخنزير، هذا الصديق ما وسعه إلا أن يرسل برقية إلى زوجته للامتناع عن تناول لحم الخنزير حتى يعود ويقنعها، العلم حجة قوية جداً، في العالم الغربي هم مغرمون بلحم الخنزير هذا موضوع ثان، هناك بحوث ما تزال في البداية أن الإنسان يتأثر بوضع الحيوان النفسي، هذا شيء بدأنا نستطلعه، فالخنزير يقارب زوجته عياناً أمام بقية الخنازير، وهناك حيوان لا يسمح أن يراه أحد و هو مع أنثاه،الجمل من هؤلاء،السمك، أما الخنزير! فيقولون: فلان مخنزر، يبدو أن تناول هذا اللحم له علاقة ببعض الطباع الاجتماعية. الله عز وجل سمح للإنسان أن يأكل اللحم الذي تطيب به نفسه : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4924/11.jpg أما ما أهل به لغير الله أي إذا ذبحنا هذا الخروف على اسم غير الله عز وجل، على اسم صنم، أو على اسم إله مفترى، أو على اسم شخص، هذا أهل أي ذبح لغير الله، أما ما ذبح على النصب، فلو توجهت إلى صنم وذبحت أمامه خروفاً ولو بقيت ساكتاً هذا حرام، إذا ذبحته بمكان بعيد عن الصنم من أجل هذا الصنم هذا أهل لغير الله به، أما إذا توجهت إلى الصنم وذبحته أمامه وأنت ساكت فحرام، طبعاً ذبحته من أجله، فواحدة أهل لغير الله به، والثانية ذبح على النصب، كلاهما إشراك بالله عز وجل. الإنسان حين يقول: الله أكبر! أي يا رب هذا الحيوان خلقته لنا، وذللته لنا، وسمحت لنا أن نذبحه لنأكله، ونحن نفعل ذلك باسمك، وإرضاءً لك، وتنفيذاً لشريعتك، هذا معنى الله أكبر، نحن لا نرتكب جريمة بذبح الخروف، نقول: الله أكبر! الله سمح لنا أن نفعل هذا، وكما تعلمون هناك غلو، غلو في الإفراط وغلو في التفريط، في الإفراط هناك شعوب تأكل لحم الكلاب بآسيا، والقطط، وبسنغافورة الثعابين يوضع في أقفاص وهو حي يذبح ويسلخ ويقدم للشاري أطيب طعام، في بلاد يأتون بالقرد وهو حي يقطعون قبة رأسه ويأكلون دماغه وهو حي، هناك حيوانات تؤكل تعافها النفس، وهناك أناس حرموا اللحم كلياً مثل المعري،النباتيون، هؤلاء غالوا وهؤلاء غالوا. الله عز وجل سمح لنا أن نأكل اللحم الذي تطيب به نفوسنا. تفسير المتردية والموقوذة والنطيحة وما أكل السبع : الآن إلى التفصيل؛ المنخنقة: هي التي تموت خنقاً، إما أن يلتف وثاقها حول عنقها، أو أن تدخل رأسها في مضيق فتموت، والموقوذة التي تضرب بالعصا ونحو ذلك فتموت، والمتردية التي تسقط من شاهق فتموت، والنطيحة التي نطحتها أختها فتموت، أما الآن لو أن كبشاً نطح غنمة في مذبحها بقرنه وسال دمها هذه اسمها نطيحة، لا يجوز أكلها لو دخل قرنه في مذبحها وسال دمها فحرام أكلها اسمها نطيحة ولا يجوز أكلها، فالمنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، وما أكل السبع، كل حيوان مفترس إذا أكل دابة مما سمح الله لنا أن نأكله لا يليق بالإنسان أن يأكل فضلات حيوان، لكن الله عز وجل قال: إلا ما زكيتم، إن كانت على وشك أن تموت بادرت إلى ذبحها، الحكم الفقهي أنها إذا حركت يدها أو ذنبها أي فيها حياة وإذا ذبحتها فهي حلال، بادرتم إلى ذبحها، هناك رأي فقهي آخر: إذا ذبحتها يجب أن ينفجر الدم انفجاراً ، إن لم ينفجر الأولى ألا نأكلها، هذا الحكم على تنوع المذاهب أيضاً فيه حكمة أن المتردية والموقوذة والنطيحة وما أكل السبع هذه إذا ماتت بهذه الطريقة خسرتها. إذاً ماذا على صاحبها أن يفعل؟ أن يمنع الدواب من أن تنطح بعضها بعضاً، وأن يقيها المخاطر، أن تتردى من شاهق، أن يقيها الاختناق، ألا يضربها، فإذا ماتت خسر ثمنها، أيضاً تحريم المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع تحريم وقائي تربوي حتى الإنسان يعتني بالحيوان. الحكمة من أكل السمك دون أن يذبح : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4924/12.jpg قال: إلا ما زكيتم، أي ذبحتموها قبل أن تموت، أما السمك والجراد، مرة سألني شخص قال: إذا كان بقاء الدم في الحيوان يؤذي فكيف نأكل السمك دون أن نذبحه؟ وإذا كان أكل السمك جائزاً ودمه فيه لماذا نشترط تزكية الدابة الأخرى الغنم؟ سؤال منطقي؛ إذا الدم هو العلة فالدم يبقى في السمك، ويبقى في الجراد، النبي الكريم قال: "أحلت لكم ميتتان السمك والجراد". الحقيقة الشيء الذي لا يصدق أن السمك حينما تصطاده، أو حينما يخرج من الماء، ينتقل دمه كله إلى غلاصمه، فكأنك ذبحته، وقلّما تجد دماً في السمك، الصيادون يفتحون الغلاصم يرونها متوردة أي كل الدم صار في الغلاصم، فصيد السمك حينما يخرج السمك من الماء ينتقل دمه إلى غلاصمه وكأنه ذبح، وربما كشف العلم في المستقبل موضوع الجراد. في الصحيحين عن جابر : (( أن النبي ( ص ) بعث سرية من أصحابه فوجدوا حوتاً كبيراً قد جزر عنه البحر -أي ميتاً- فأكلوا منه بضعة وعشرين يوما ثم قدموا إلى المدينة فأخبروا الرسول عليه السلام فقال: كلوا رزقا أخرجه الله لكم)) [ صحيح عن جابر] إذاً مسموح أن تأكل السمك دون أن يذبح. إتلاف المال لا يرضي الله عز وجل : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4924/13.jpg بقي الدابة التي تموت هل يجوز أن ننتفع بجلدها ؟ الجواب: نعم: ((عن ابن عباس رضي الله عنه قال: تصدق على مولاة لميمونة أم المؤمنين بشاة فماتت فمر بها النبي صلى الله عليه وسلم فقال: هَلَّا أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا فَدَبَغْتُمُوهُ، يعني جلدها، فانتفعتم به فقالوا يا رسول الله إنها ماتت فقال عليه الصلاة والسلام إنما حرام أكلها)) [مسلم عن ابن عباس] جلدها مال ولا يجوز أن نتلف المال، وقال عليه الصلاة والسلام: ((دباغ الأديم زكاته)) [الطيالسي عن سلمة بن المحق الهذلي] أي يجعل استعماله حلالاً إذا دبغته، وفي حديث آخر: ((دباغه يذهب بخبثه)) [ المستدرك عن ابن عباس] وفي حديث رواه الإمام مسلم: (( إذا دبغ الإيهاب فقد طهر )) [مسلم عن ابن عباس] لو الدابة ماتت يمكن أن ننتفع بجلدها، وهذا يبين النظرة الاقتصادية، إتلاف المال لا يرضي الله عز وجل، النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ من قعب، بقي في القعب فضلة فقال: ردوها إلى النهر لعل لله ينفع بها قوماً آخرين. بقيت فضلة من الماء ما سمح النبي أن تهرق، إتلاف المال والتبذير في استعمال الماء هذا ليس من أخلاق المسلم. الضرورة : بقي أخوانا الكرام موضوع الضرورة؛ قال: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ ﴾ ما معنى باغٍ؟ أي ابتغى، أراد أن يأكل من لحم الخنزير ليذوق هذا اللحم، طعمه طيب مثلاً؟ هذا باغٍ أي بغى أن يأكل، ولا عادٍ أي على وشك أن يموت جوعاً يكفيه أربع لقمات ينبغي ألا يزيد عليهن أية لقمة، أي لا يتجاوز الحد الذي يبقيه حياً، العلماء فصلوا قالوا: الإنسان الذي لا يجد طعاماً ليوم وليلة على التمام عند ذلك يجوز له أن يأكل، أي اليوم بكامله والليل بكامله لثاني يوم لاشيء يضعه في فمه ممكن، هذه الضرورة، يوشك أن يهلك جوعاً له أن يأكل ما حرم الله عليه غير باغٍ ولا عادٍ. هناك نقطة مهمة أخيرة الإنسان لا يملك ثمن طعام لكن يعيش ضمن مجتمع، له أقارب، له أهل، الفرد إذا كان لا يملك ثمن طعام لا يعد مضطراً، يجب أن يطلب الطعام من أقربائه، أنا جائع أريد أن آكل أي لا يكفي ألا تجد طعاماً وتأكل لحم الخنزير، هذه حالة في الصحراء، في مكان منقطع لا يوجد إنسان يطعمك لقمة، ضمن مجتمع مسلم أنت لست مضطراً، يقول أحدهم: أنا مضطر إلى قرض ربوي، ألا يوجد أحد يقرضك؟ يقول: لا يوجد أحد، يقال له: سألت؟ يقول: لم أسأل، إنسان مقطوع من شجرة ليس معقولاً؟! يجب أن تبحث عن قرض حسن، لا يسأل أحداً ويقول: أنا مضطر، ما دمت في مجتمع مسلم فأنت لست مضطراً، الإنسان عندما يتقي أن يعصي الله عز وجل الله يلقي في قلوب الآخرين الاندفاع نحو خدمته، الإنسان إذا نوى وصمم ألا يعصي الله الله عز وجل يهيئ له سبل الحلال. النقطة الدقيقة الأخيرة أن الإنسان لا يعد مضطراً إذا كان في مجتمع مسلم، هذا الكلام في سفر، في بادية، في صحراء، على وشك الموت جوعاً، وهناك خنزير بري ممكن، أما ضمن مدينة لك أهل وأقرباء، لا تملك ثمن طعام دعيت إلى مطعم فيه لحم خنزير فعليك ألا تأكل إلا ما أحل الله لك، لا يوجد معي، أسأل، أقترض، أطلب الطعام، ولا آكل ما حرم الله، ولهذا الدرس تتمة نتابعها إن شاء الله تعالى، لكن سوف نصل في الدرس القادم إن شاء الله تعالى إلى اللحوم التي لم تذبح الذبح الشرعي، اللحوم التي تذبح بطريقة الصعق هل يجوز أكلها؟ إن لم يكبر عليها هناك رخصة أنت كبر عليها وكُلها، التكبير له حل أما التذكية الشرعية فليس لها حل، هذا إن شاء الله نعالجه في درس سابق. الطعام شيء أساسي وهناك معلبات ولحوم مستوردة هل تجوز؟ وما هي حدود الحلال والحرام؟ |
رد: العبادات التعاملية
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية الدرس : ( الحادى و العشرون ) الموضوع : الحلال والحرام فى الملبس و الزينة الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون الذكر فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. معرفة منهج الله أخطر موضوع على الإطلاق بعد الإيمان بالله : أيها الأخوة المؤمنون: مع الدرس الرابع من دروس: "الحلال والحرام في الإسلام"، وقد بينت لكم في دروس سابقة أن أخطر موضوع على الإطلاق بعد الإيمان بالله أن تعرف منهجه، وأن تحمل نفسك على سلوك ذلك المنهج، بل إن الإنسان إذا عرف الله عز وجل لا يشغله شيء إلا أن يبحث عن أمره ونهيه، والله سبحانه وتعالى يبين أن المرجح الوحيد بين الخلق هي الطاعة والتقوى، حين قال: ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ [سورة الحجرات:الآية 13] وليس الولي الذي يطير في الهواء، وليس الولي الذي يمشي على وجه الماء، الولي كل الولي الذي تجده عند الحلال والحرام، الولي كل الولي أن يراك الله حيث أمرك، وأن يفتقدك حيث نهاك. يوجد سلوك أبحث عن اسم له -سلوك استعراضي- أن تضع المصحف في جيبك، أن تعلقه في مركبتك، أن تضعه في بيتك، إن هذا سلوك استعراضي، إذا لم يكن هناك طاعة حقيقية لله عز وجل فهذا السلوك الاستعراضي لا يقدم ولا يؤخر. سبيل تعظيم الله تعظيم أمره ودليل محبتك له طاعته : كن عميقاً، تعلق بجوهر الدين، اقتدِ بأصحاب رسول الله الذين -رضي الله عنهم- لأنهم كانوا عند الأمر والنهي، ومن صفات سيدنا الفاروق -عملاق الإسلام- أنه كان وقافاً عند كتاب الله. فلذلك موضوع الحلال والحرام، هذا الموضوع قد لا يلفت نظر الذين قصروا في معرفة الله، لأن شرف الأمر من شرف الآمر، فكلما عَظُم الله عندك عظم أمره، وكلما جلَّ ربك في عينك جلَّ أمره أيضاً، فسبيل تعظيم الله تعظيم أمره، ودليل محبتك له طاعته، بل إن الله تعالى جعل طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم مقياساً لمحبته، فقال: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ﴾ [سورة آل عمران:الآية31] من هذا المنطلق بدأنا هذه السلسلة من الدروس، نتحدث فيها عن الحلال والحرام، كان موضوع الدرس الماضي الحلال والحرام في الأطعمة، وبينت كيف أن الله سبحانه تعالى حرم الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أُهِلَ به لغير الله. الملبس والزينة في حياة المسلم : واليوم ننتقل إلى جانب آخر من جوانب حياة المسلم، ألا وهو الملبس والزينة، فالإسلام أباحها للمسلم، بأن يكون ذا هيئةٍ حسنة، لا أدري لماذا استقر في عقول الناس في العصور الوسطى أو عصور الانحطاط إن من علامات المسلم الولي أن تكون هيئته مزرية، من قال لك ذلك؟ النبي عليه الصلاة والسلام يقول: (( أصلحوا رحالكم، وحسنوا لباسكم، حتى تكونوا شامة بين الناس )) [ أحمد عن قيس بن بشر ] إصلاح حال ثيابك، إصلاح شأنك، وإصلاح ثيابك، والتجمل من الدين، فلذلك أباح الإسلام للمسلم أن يكون ذا هيئة حسنة، وأن يكون كريم المظهر، أنت سفير -سفير أي دولة - سفير الإسلام، أنت عند الناس مسلم، والمسلم يجب أن يكون حسن المظهر، جميل الهندام، متمتعاً بما خلق الله له من زينةٍ، وثيابٍ، وريش، من دون إسراف، ولا مخيلةٍ، ولا عُلُوٍ على الناس، إلا أن المظهر جزءٌ من شخصيتك، بل إن علماء النفس يقولون: "الإنسان إذا اعتنى بمظهره فهذا يظهر في قوة شخصيته". إذا وجد خطأ في ثيابك، أو خطأ في هندامك، أو خطأ بشكلك العام، أي لست مهتماً بشعرك، ولست مهتماً برائحتك، و لست مهتماً بنظافتك، هذا مما يضعف شخصيتك، وقد يربكك في الكلام، أحد أسباب الحبسة في الكلام ضعف الثقة بالذات، وأحد أسباب قوة الشخصية الهندام الحسن، فلذلك ليس غريباً أن يكون المؤمن ذا هندام حسن، و ذا مظهر طيب ومقبول. الغرض من الثياب : أيها الأخوة الكرام: الغرض من الثياب بشكل بديهي أمران؛ ستر العورة والتزين به، والله سبحانه وتعالى امتن على الإنسان بما هيأ له من لباس ورياش. من خلق القطن؟ الله جلّ جلاله، من خلق الصوف لننتفع به؟ الله جلّ جلاله، إنّ ما ننعم به من ثياب إنما هي من خلق الله عز و جل، لكنه أكرمنا بأن ألهمنا أن نغزلها، وأن ننسجها، وأن نخيطها، وأن نصبغها، كي نتزين بها. الحقيقة يوجد في الإنسان شيء عجيب، الإنسان خلق عارياً لكن الله أعطاه هذا الفكر فصنع به أجمل الثياب، خلق بلا مأوى أعطاه الله هذا الفكر فسكن أجمل البيوت، الله عز و جل عندما أعطى الفكر للإنسان أعطاه كل شيء على الإطلاق، فبه لبس أحسن الثياب، و به سكن أجمل البيوت، وبه انتقل بسرعة عن طريق مركبات اخترعها، هذا الفكر كرم الله به الإنسان، وهو أثمن عطاءٍ على الإطلاق، إلا أنه ينبغي أن تعمله لما خُلق له، هذا الفكر خلق من أجل أن تعرف الله عز و جل من خلاله. إذاً التستر والتزين، والإنسان إذا انحرف عن هذين الشرطين فقد استجاب لنداء الشيطان قال تعالى: ﴿ يَا بَنِي آَدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآَتِهِمَا﴾ [سورة الأعراف: الآية 27 ] صار التعري من لوازم الكفر. ارتباط ثياب المرأة بدينها ارتباطاً وثيقاً : موضوع الثياب متعلق بالدين ولاسيما المرأة، فالمرأة كل سنتمتر من ثيابها يقابله زيادة في إيمانها، فالمرأة بالدرجة الأولى ثيابها مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بدينها وإيمانها، فكلما تسترت ارتقت عند الله، وكلما تبذلت سقطت من عين الله، لأنه حينما تتبذل تصبح مؤذيةً لخلق الله لا إيذاء سلبياً بل إيذاء إيجابياً، تغريهم به- في الطريق شاب أعزب، في الطريق رجل متزوج أو امرأته مريضة - فهذه التي تبدو في أجمل زينة في الطريق هذه تؤذي عباد الله عز وجل. فيمكن أن نقول: إن دين المرأة مرتبط بثيابها، طبعاً مرتبط بثيابها بعض الارتباط، لو رأيت طالباً في الطريق يرتدي ثياب الفتوة، أقل ما يشير إلى أنه طالب علم هذه الثياب، قد يكون فاشلاً في دراسته، قد يكون راسباً، قد يكون مفصولاً، لكن أقل ما يشير إلى أن هذا الطالب طالب هو الثياب، والمرأة أقل ما يؤكد انتمائها للدين حجابها. هل يكفي الحجاب وحده؟ لا يكفي. لكن أقل أشارة إلى أنها مسلمة ثيابها، أما أعلى إشارة حبها لله، طلبها للعلم، رعايتها لزوجها، عنايتها بأولادها، معرفتها بربها، إخلاصها لزوجها، لكن أقل دليل على أنها امرأة مسلمة حجابها. فموضوع الحجاب -الحجاب للمرأة- وموضوع التستر للرجل هذا مرتبط بدينه، فالكافر دوماً يميل إلى التعري، إلى كشف العورات، إلى التبذل، إلى إثارة الشهوات، لذلك ليس غريباً أن أقول لكم: إن الانحرافات الخطيرة في العلاقات بين البشر أساسها التبذل. فالزنا أساسه تبذل المرأة، والخلوة، والاختلاط. الانحرافات الخطيرة في العلاقات بين البشر أساسها التبذل : حتى إن الانحرافات الخطيرة في الجنس أساسها التبذل - تبذل امرأةٍ أمام امرأةٍ ربما قادهما إلى الانحراف، وتبذل شابٍ أمام شابٍ ربما قادهما إلى الانحراف - لهذا قال عليه الصلاة والسلام: ((الفخذ عورة )) [ الترمذي عن ابن عباس] دقق الانحرافات الخطيرة، رجل يحمل دكتوراه في بلد عربي، أرسل ابنه إلى بلد غربي -إلى أمريكا- بقي سنوات عدة، ثم فوجئ الأب بأن ابنه يعلمه أنه تزوج، وأنه ينتظره في أمريكا ليهنئه بهذا الزواج، ذهب الأب، طرق باب ابنه، ففتح الباب، فصعق، ابنه تزوج ولكن ليس هو الزوج، إنه الزوجة، زواج شاذ، أصيب بجلطة مباشرة، لو سألتني الانحرافات الخطيرة بين الشباب والفتيات بعد الزنا، الزنا معروف بين رجل وامرأة، الانحرافات الخطيرة بين الشباب والفتيات أساسها كشف العورات والتبذل، فيجب أن نعتقد أن الثياب جزء من الدين. المؤمن الصادق يحصن نفسه من خطرين شديدين؛ المرأة والمال : الآن: الإنسان يرتدي أقل الثياب لا يبالي بنظر الناس له، هذا أيضاً لا يجوز، فلذلك قال الله تعالى: ﴿ يَا بَنِي آَدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآَتِهِمَا﴾ [سورة الأعراف: الآية 27 ] إن هذه الشهوة الجنسية التي أودعها الله في الإنسان من أجل أن يكوّن أسرة، تثمر ولداً صالحاً، أو فتاة صالحةً، أن يكون الوئام بين الزوجين، هذه الشهوة بإمكان أي إنسان حقير أن يفجرها بالعري، والصور المكشوفة، والأعمال الفنية الساقطة، والتقاط المحطات الفضائية. فهذا الذي يفجر الإنسان تفجيراً إنه كاللغم، إنسان حقير يعطيه عود ثقاب ينفجر. لذلك نرى في الإسلام أحكاماً كثيرة جداً متعلقة بالمرأة، وأحكاماً كثيرة جداً متعلقة بكسب المال؛ منطقتان خطيرتان يؤخذ منهما الإنسان؛ المرأة والمال، والمؤمن الصادق يحصن نفسه من هذين اللغمين الذين ربما أوديا به. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( استوصوا بالنساء خيراً )) [متفق عليه عن أبي هريرة ] (( ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء )) [الترمذي وابن ماجه عن أسامة ] لذلك سماها النبي عليه الصلاة والسلام : (( حبائل الشيطان )) [فيض القدير شرح الجامع الصغير] والمال أيضاً يعتبر مادة الشهوات، فلذلك المؤمن يحصن نفسه من هذين الخطرين الشديدين؛ المرأة والمال. للثياب وظيفتان؛ الستر و التزين : إن قول الله عز و جل: ﴿ يَا بَنِي آَدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا ﴾ [سورة الأعراف:الآية 27 ] وقوله عز و جل: ﴿ يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ﴾ [سورة الأعراف:الآية 31] يوضح الله عز و جل في هاتين الآيتين أن للثياب وظيفتين؛ وظيفة الستر و وظيفة التزين. فإذا انتقى الإنسان لوناً جيداً لا مانع من ذلك، وإذا ارتدى ألواناً متناسبة لا مانع أيضاً، و إن اختار ألواناً هادئة لا مانع أيضاً، فضلاً عن أن هذا الثوب يستر عورته، إذا اجتهد في حسن اختيار اللون فهذا شيء غير محرم، إنه يحقق هدف الزينة. روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن أحد أصحابه سأله. ((قلت: يا رسول الله: عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: "احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك"، قلت: فإذا كان القوم بعضهم في بعض، قال: "إن استطعت ألا يراها أحد فلا يرينها"، قلت: فإذا كان أحدنا خاليا، قال: "فالله أحق أن يستحيا منه)) [أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده] التستر جزءٌ من الدين : إذاً كما قدمت لكم: التستر جزءٌ من الدين، والفسق والمعصية تميلان إلى التعري، وإذا بلغ الفجور أقصى حده تنشأ نوادي العُراة حيث يكون الإنسان فيها كالبهيمة. سبحان الله! قضية ذوقية، الإنسان جميل بالثياب، وبشع بلا ثياب، ولكن الأذواق سقطت في وحُولِ الشهوات، حتى المرأة جمالها في حشمتها، وفي ثيابها السابغة، فإذا تبذلت سقطت من عين الناس. كان رسول الله صلى الله عليه و سلم في المسجد فدخل رجل ثائر الرأس واللحية، فأشار إليه رسول الله صلى الله عليه و سلم بيده أن اخرج، كأنه يعني إصلاح شعر رأسه ولحيته، ففعل الرجل، ثم رجع، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: (( أليس هذا خيراً من أن يأتي أحدكم ثائر الرأس كأنه شيطان؟ )) [ الموطأ عن عطاء بن يسار] وكأنه الآن يوجد اتجاه للشعر الثائر والمبعثر - أحدث صرعة في تصفيف الشعر - الأذواق هبطت، الأذواق الثابتة أصبحت ساقطة. روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( تنظفوا فإن الإسلام نظيف)) [ ابن حبان عن عائشة] هذه كلمة مطلقة – يقولون: فلان نظيف - قد تعني أكثر من أنه نظيف البدن، واضح، علاقاته واضحة، سره كعلانيته، لا يوجد عنده خبث ولا خداع، مبادئه صريحة، ووسائل مبادئه أوضح من مبادئه. النظافة تدعو إلى الإيمان والإيمان مع صاحبه في الجنة : على كلٍٍّ: تنظفوا فإن الإسلام نظيف، والنظافة تدعو إلى الإيمان، والإيمان مع صاحبه في الجنة، ويبدو أن المؤمن إذا تنظف كأنه تقرب إلى الله عز و جل، كيف؟ لأن الله عز و جل يقول: ﴿ إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين﴾ [سورة البقرة: الآية222] الله يحب الطاهر، إذا نظف الإنسان جسمه وبالغ في الاستحمام، تعطر وارتدى ثياباً نظيفة، تأنق فيها، اعتنى بها، فهذا من الدين، أليس عاراً أن يكون الفاسق الفاجر الكافر أشد نظافة وأناقة من المؤمن؟ أليس هذا عاراً على المؤمنين، أليس عاراً أن يكون متجر الكافر مرتباً نظيفاً منظماً ومتجر الإنسان المسلم مضطرباً فيه الفوضى والغبار أيليق هذا بالمسلم. على كلٍّ: النظافة عامة، النبي عليه الصلاة والسلام حث على نظافة الثياب ونظافة الأبدان ونظافة البيوت ونظافة الطرق وعني خاصة بنظافة الأسنان ونظافة الأيدي ونظافة الرأس وهناك أحاديث كثيرة. الوضوء وطهارة البدن والثياب والمكان أول فريضةٍ تعبديةٍ شرطها النظافة : هل تصدقون أنه في العالم الآن ثلاثمئة مليون إنسان مريض بسبب القذارة، ثلاثمئة مليون إحصاء منظمة الصحة العالمية مصابون بأمراض القذارة، التهابات الأمعاء وما إلى ذلك. وهل تعجبون أن النظافة جعلها الله مفتاحاً وشرطاً لأول فريضة تعبدية في الإسلام وهي الصلاة، الصلاة عماد الدين شرطها الطهارة، الوضوء، وطهارة البدن، وطهارة الثوب، وطهارة المكان، هذه هي الصلاة، هل تستطيع الصلاة على مكان نجس؟ هل تستطيع الصلاة في ثياب نجسة؟ في بدن نجس؟ لا تستطيع. الوضوء، وطهارة البدن، والثياب، والمكان، أول فريضةٍ تعبديةٍ على الإطلاق، شرطها النظافة. رأى رسول الله صلى الله عليه و سلم رجلاً شعثاً قد تفرق شعره فقال: (( أما كان يجد ما يسكن به شعره؟ )) ورأى رجلا آخر وعليه ثياب وسخة فقال: (( أما كان هذا يجد ماء يغسل به ثوبه؟ )) [ أبو داود عن جابر بن عبد الله] يتحدث النبي عليه الصلاة والسلام بلطف. أول انطباع للإنسان يكون عن الشكل ثم المنطق ثم المعاملة : الذي أريده أنت مؤمن، و أنت محسوب على المؤمنين، مظنة إيمان عند أهلك، عند أخوتك، عند أصحابك، عند جيرانك، عند زملائك في حيكَ - هذا مسلم يحضر دروس علم - فهذا الإنسان بالذات ينبغي أن يكون في أعلى درجة من النظافة والأناقة، أنا لا أقول أن تلبس ثياباً فخمة غالية أبداً، يمكن أن ترتدي أرخص ثوبٍ لكنه نظيف. يمكن أن تختار ألواناً متناسبة - أيليق بإنسان يؤم الناس في المساجد أن يركب دراجة وحذاء بلا جوارب وبلا رباطات، ويرفع ثوبه مظهراً ملابسه الداخلية، هل يليق بالإنسان هكذا - أهكذا المؤمن؟ يقول لك درويش، ليس هذا هو الدين: (( أصلحوا رحالكم، وحسنوا لباسكم، حتى تكونوا كأنكم شامة بين الناس )) [ أحمد عن سهل بن الحنظلية] أساساً الشخص إذا التقى بشخص آخر أول مرة يتفحصه من هيئته فقط، أول انطباع الشكل، الأناقة، النظافة، الشعر، الثوب، الترتيب، أول انطباع، عندما يتكلم الإنسان ينسى الناس ثيابه وينتبهون لكلامه، وعندما يعاملهم ينسون كلامه. أولاً: الشكل ثم المنطق ثم المعاملة. قال: أتعرفه؟ قال: نعم أعرفه، قال: هل جاورته؟ قال: لا، قال: هل عاملته بالدرهم والدينار؟ قال: لا، قال: هل سافرت معه؟ قال: لا، قال: أنت لا تعرفه، يا هذا إني لا أعرفك لكن سيدنا عمر كان أديباً، فقال له: ولا يضرك أني لا أعرفك. على الإنسان ألا يصغر نفسه أمام إنسان لا يعرف الله : هناك نقطة أريد لفت النظر إليها: المسلم لا يصغر نفسه أبداً، فكلمة واحدة يصغر بها الإنسان، أو إلحاح يصغر فيه، أو يطمع بشيء ما فيسقط، فالطمع أذل رقاب الرجال. وسعنا الدائرة الآن نتجاوز الثياب، والهندام، والأناقة، والنظافة، فالإلحاح على طلب الشيء بعض الأحيان يصغرك - قال له يا هذا: لقد ضيعت من نفسك أكثر مما ضاع منك - اطلبوا الحوائج بعزة الأنفس فإن الأمور تجري بالمقادير، لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه، فقال عليه الصلاة والسلام: (( من جلس إلى غني فتضعضع له ذهب ثلثا دينه )) [ البيهقي في شعب الإيمان عن ابن مسعود] ونوسع الموضوع فنقول: إياك أن تصغر نفسك أمام إنسان لا يعرف الله، أحياناً الابتسامة الزائدة تضعف مركزك، أحياناً الانحناء، ولم الانحناء؟ ارفع رأسك، فكلمة الحق لا تقطع رزقاً ولا تقرب أجلاً. الله عز وجل يحب أن يرى أثر نعمته على عبده : ((أتى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فِي ثَوْبٍ دُونٍ فَقَالَ : أَلَكَ مَالٌ؟ قَالَ : نَعَم؟ قَالَ: مِنْ أَيِّ الْمَالِ؟ قَالَ : قَدْ أَتَانِيَ اللَّهُ مِنَ الإِبِلِ وَالْغَنَمِ وَالْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ. قَالَ : فَإِذَا أَتَاكَ اللَّهُ مَالاً فَلْيُرَ أَثَرُ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْكَ وَكَرَامَتِهِ)) [ أبو داود عن أبي الأحوص عن أبيه] إنه ميسور الحال، لمَ هذا المظهر الذي لا يليق بك؟ لأن الله يحب أن يرى أثر نعمته عليك، للعوام مثل لطيف: الذي لا يمتلك القديم لا يمتلك الجديد. فالنبي الكريم قال: ((ما على أحدكم إن وجد سَعَة أن يتخذ ثوبين لجمعته، سوى ثوبي مهنته)) [ ابن حبان عن عائشة] عندك ثياب لعملك اليومي، وثياب ليوم الجمعة، فيوم الجمعة عيد - دعيت إلى عقد قران، إلى احتفال، إلى لقاء، إلى سهرة - يكون هذا الثوب جديداً خاصاً للقاءات، والنبي عليه الصلاة والسلام كان يفعل هذا، له ثياب يرتديها يوم الجمعة، وعند لقاء الوفود، وكان عليةَ قومه يفعلون كذلك. بل إن القرآن الكريم يقول: ﴿ قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق ﴾ [سورة الأعراف:الآية32] من حرم هذه؟ تحريم الذهب و الحرير على الرجال : وما نزال في موضوع الثياب فهناك شيئان محرمان على الإنسان في موضوع الملبس والزينة، أولاهما: التحلي بالذهب، وثانيهما: لبس الحرير، فعن علي كرم الله وجهه قال: ((إن نبي الله صلى الله عليه و سلم أخذ حريراً فجعله في يمينه، وأخذ ذهباً فجعله في شماله، ثم قال: إن هذين حرام على ذكور أمتي)) [ أبو داود عن علي] سمعت مرةً مقالة علمية موثقة عن ضرر الذهب للرجال بالذات، وعن عمر قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((لا تلبسوا الحرير فإن من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة )) [ صحيح عن عمر] وقال صلى الله عليه وسلم في حلة الحرير: (( إنما هذه لباس من لا خلاق له )) [ البخاري عن عمر] ورأى النبي خاتماً من ذهبٍ في يد رجل فنزعه وطرحه في الأرض وقال: ((يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في يده)) [ مسلم عن عبد الله بن عباس] فقيل للرجل بعدما ذهب النبي: خذ خاتمك انتفع به، بعه، قال: لا والله لا آخذه وقد طرحه رسول الله صلى الله عليه وسلم، نرى الآن الخاتم، والقلم، والقداحة، والساعة، كلها ذهب تعتبر هذه للرجل العصري. إباحة النبي الكريم التختم بالفضة : أما التختم بالفضة فقد أباحه النبي صلى الله عليه وسلم، فقد روى الإمام البخاري عن ابن عمر قال: اتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتماً من وَرِق، و الوَرِق هو الفضة، وكان في يده، ثم كان بعد في يد أبي بكر رضي الله عنه، ثم كان في يد عمر رضي الله عنه، ثم كان بعد في يد عثمان، ثم وقع بعد في بئر أريس، أما المعادن كالحديد فلم يرد نص صحيح في تحريمها، لكنه ورد في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للرجل الذي أراد الزواج من امرأة وهبت نفسها له: ((التمس ولو خاتماً من حديد)) [رواه الشيخان وغيرهما عن سهل بن سعد الساعدي] لكن إذا كان هناك أمراض جلدية وعلاجها الحرير فلا مانع، لبس الحرير لعلة علاجية من مرض جلدي لا مانع من ذلك. الحكمة من تحريم الذهب والحرير : قد يسأل أحدكم: ما حكمة تحريم الذهب والحرير؟ هناك أهداف كثيرة، أحد هذه الأهداف أن هذا الدين العظيم دين القوة والجهاد، ولبس الحرير والذهب من قبل الرجال يضعضع مكانتهم القوية، اقتربوا إلى النعومة، إلى التخنث، إلى الاسترخاء، إلى التجمل، فالذهب والحرير يضعفان في الرجل قوته وجهاده و عزيمته، أو كأنه بالذهب والحرير ينافس النساء، ويتقرب إليهن، ويتشبه بهن. وهناك شيء آخر لي صديق تقدم لنَيل شهادة عليا في جامعة غربية، قال لي: كان يوجد مادة تسمى التربية والمستقبل، واستقدموا لهذه المادة أستاذاً من بلاد بعيدة، هذه المادة حينما درسها في هذه السنة لفت نظره شيء، ملخص هذه المادة أن المجتمع البشري يجب أن يرشِّد الاستهلاك وإلا يدفع الثمن باهظاً، كيف؟ افتح خزانة ثياب امرأة كم ثوب لا تلبسه؟ ما العلة؟ لبسته في حفلة سابقة، هذه الثياب لها ثمن باهظ، مدفوع ثمنها، مخيطة فيها كلف، استهلكت جهداً بشرياً كبيراً، تلبس مرة أو مرتين وتلقى في الخزانة، هذا إسراف في استهلاك خيرات الأرض، هذا الاستهلاك الشديد سببا الآن الفقر الشديد، أي أحد أسباب اختلال التوازن في الموارد هذا الاستهلاك غير المرشد، وأساساً كل إنسان يستهلك المواد استهلاكاً غير مرشد هذا سفيه، يحكم عليه بالسفاهة، ولا أكتم أن الأقوياء نظروا إلى هؤلاء الأغنياء أصحاب الثروات النفطية، فرأوا أنهم لا ينفقون أموالهم إنفاقاً حكيماً، إنفاقاً فيه التبذير والإسراف، شيء غير معقول، لذلك أرادوا أن يأخذوا هذه الأموال بطريقةٍ أو بأُخرى، إنفاق المال بشكل غير مرشّد دليل سفاهة الإنسان، سماه الله عز وجل سفيهاً فقال: ﴿ ولا تؤتوا السفهاء أموالكم ﴾ [سورة النساء: الآية 5] الإسراف والتبذير موضوع يجب أن يعالج معالجة دقيقة : كل إنسان يبالغ في الإنفاق بشكل يستهلك هذه المواد التي أكرمنا الله بها استهلاكاً غير مرشدٍ هذا يحكم عليه بالسفاهة. ولقوله تعالى: ﴿ وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا﴾ [سورة الإسراء: الآية 16] ولقوله تعالى: ﴿ وما أرسلنا في قريةٍ من نذيرٍ إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كافرون ﴾ [سورة سبأ: الآية 34] أقول لكم هذا كثيراً، ثماني آيات حصراً في كتاب الله قُرن الكفر بالترف، وذكرت ذلك سابقاً، أنت دخلك هكذا، وحاجتك الأساسية هكذا، طعام وشراب ولباس وبيت ومركبة، وهناك فائضٌ كبير، هذا الفائض يمكن أن تصل به في الجنة إلى أعلى عليين، استهلكته بأشياء تافهة لا تقدم ولا تؤخر في الحياة الدنيا، لو يعلم الغني كم يرقى إلى الله بماله، كم يحل آلاف المشكلات بماله، كم يسعد بإنفاق ماله، لأخذ حاجته، وأنفق الباقي في سبيل الله، والله سبحانه وتعالى يعده وعداً أكيداً أن يخلف عليه ما أنفقه. إن موضوع الإسراف والتبذير موضوع يجب أن يعالج معالجة دقيقة. كنت في بعض البلاد قبل أسابيع، لفت نظري أن رقم السيارة إذا كان دون الخمسين سعره مئة ألف درهم أي مليون ليرة - رقمك سبعة وخمسون - ما هذه القيمة العظيمة؟ رقم سيارته سبعة وخمسون يدفع سعرها مليون ليرة، كم إنسان تحل مشكلته بهذه المليون ليرة؟ فالإنسان عندما يبتعد عن الله عز وجل يتعلق بقيم مضحكة - فليكن رقم سيارتك خمسة عشر ألفاً ماذا يحدث؟ ألا تسير إلا على السبعة والخمسين- شيء ليس له معنى، وعندنا في هذه البلاد أصبحت ليلة الزفاف تكلف عشرين مليوناً، زفاف بعشرين مليوناً؟ كم إنسان تحل مشكلته بهذه الملايين؟ يجب أن نعتقد اعتقاداً يقينياً بقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً ﴾ [سورة الإسراء: الآية 27] إذاً: الكفار كانوا إخوان الشياطين هذا قياس منطقي، كل إنسان فان، سقراط إنسان، سقراط فان. تعلمناها بالمنطق الصوري. الله تعالى حرم التبذير و نهانا عن الإسراف : إذاً قول الله تعالى: ﴿ إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً ﴾ [سورة الإسراء: الآية 27] يؤكد بأن المبذرين كفار، فلذلك ينفق الإنسان كما أمره الله حين قال: ﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ﴾ [سورة الأعراف: الآية 31] في كل شيء، اسكن في بيت، وارتدِ الثياب، وتناول الطعام، وربِّ أولادك، وألبسهم، وأطعمهم، لكن بالمعقول، بالاعتدال، من دون أن تفسدهم، من دون أن تجعلهم يتكبرون على الناس، فالإسراف يجب أن يعالج، الإسراف في المباحات، والتبذير في المعاصي، فكما أن الله تعالى حرم التبذير نهانا عن الإسراف، يقولون: غني! وإذا كان معك أموال طائلة! هل يجب أن تستهلكها بأهداف خسيسة؟ المسلم وقاف عند كلام الله يحل ما أحلّ الله ويحرم ما حرم الله : على كلٍّ في درس آخر إن شاء الله ننتقل إلى موضوع: إباحة الذهب والحرير للنساء فيه حكمة بالغة، هذان محرمان على الرجال، محللان للنساء، ولازلنا في موضوعات متعلقةٍ بلباس المرأة المسلمة، و موضوعات أخرى متعلقة باللباس والزينة، وهذه كما قلت لكم من صلب الدين، الحلال والحرام من صلب الدين، وعلامة إيمانك بالله سعيك الحثيث لمعرفة حكم الله في كل شيء، وعلامة صدقك في طلب الحق تطبيقك لما عليك من حكم الله، مشروع أُطبق، غير مشروع لا أُطَبق. في الحقيقة العصر الحالي عصر زينة، عصر زخرف، قال الله تعالى: ﴿ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (24) وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (25) ﴾ [سورة يونس: الآية24ـ25] فكلوا واشربوا ولا تسرفوا، والمسلم وقاف عند كلام الله، يحل ما أحلّ الله ويحرم ما حرم الله، ولا تأخذه في الله لومة لائم، ويركل بقدمه كل التقاليد والعادات التي تتناقض مع دينه، له إلهٌ واحد لا يعبد غيره، لا يعبد التقاليد، ولا المظاهر، ولا العادات. |
رد: العبادات التعاملية
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية الدرس : ( الثانى و العشرون ) الموضوع : لباس المرأة و زينتها الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون الذكر فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. المرأة جعلها الله محببةً و أودع في فطرتها حبّ التزين : أيها الأخوة الكرام: مع الدرس الخامس من سلسلة دروس: "الحلال والحرام في الإسلام" http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4926/01.jpg ولازلنا في موضوع اللباس والزينة، وقد أنهينا في الدرس الماضي بفضل الله عز وجل ما يتعلق من اللباس بالرجال، وننتقل اليوم إلى ما يتعلق من اللباس بالنساء. أيها الأخوة الكرام: لاشك أن ألصق شيء بدين المرأة لباسها، لأن لباسها على قدر دينها، فكلما كان لباسها سابغاً كان دينها متيناً، و النبي صلى الله عليه و سلم حينما حرم الذهب من خلال السنة النبوية لقول الله عز وجل: ﴿وما ينطق عن الهوى*إن هو إلا وحيٌ يوحى﴾ [سورة النجم: الآية 3 ـ 4 ] حينما حرم الذهب والحرير على المؤمنين أحلّ للنساء المؤمنات التزين بالحرير والذهب، ذلك أن وظيفة المرأة تختلف عن وظيفة الرجل، المرأة جعلها الله محببةً، و أودع في فطرتها حب التزين. لاحظ طفلاً صغيراً قد يمسك بقضيب ويركبه كأنه فارس، انظر إلى طفلة صغيرة تمسك الوسادة وتضمها إلى صدرها، وتربت عليها وكأنها أم لها، هذا مُركب في أصل الفطرة، فجلت حكمة الله عز وجل، الطفل الصغير قبل أن يعي دوره في الحياة يقلد الفرسان، والبنت الصغيرة قبل أن تعي دورها في الحياة تقلد الأمهات، فهذا مركب في أصل الفطرة. عناية المرأة بهيئتها و زينتها جزء من دينها : لذلك مركب في أصل الفطرة عند المرأة حب التزين، وهذه الخصيصة تتناسب مع كونها سكناً للرجل، لقوله تعالى: ﴿ ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ﴾ [سورة الروم: الآية 21 ] بل إن المرأة التي تتزين لزوجها تفعل هذا بدافع من دينها، لأنها كلما تزينت، وبدت بشكل مقبول ومرغوب، كان زوجها أبعد عن الحرام، وهذا معنى قول النبي عليه الصلاة والسلام حينما أمر الشباب بالزواج لأنه أغض للبصر. المرأة التي تهمل زينتها حتى تحمل زوجها على التطلع لغيرها، هذه امرأة عاصية ولو صلت قيام الليل، هذه امرأة عاصية ولو حفظت القرآن. كانت الصحابية الجليلة تقول لزوجها، ألك بي حاجة؟ فإن قال: نعم، كان ما أراد، وإن قال: لا، ذهبت إلى مُصَلاها وصَلت ليلها. فجزء من دين المرأة أن تعتني بهيئتها وزينتها، وقد رُكب هذا في طبعها، لكن انطلاقاً من أن طبيعة الحياة الدنيا طبيعة ابتلاءٍ، فهذا التزين موضوع في أصل فطرة المرأة، فإما أن يكون هذا التزين للزوج فهو الطاعة والعبادة، وإما أن يكون هذا التزين لغير الزوج فهو المعصية والفجور. حبّ التزين مركب في طبيعة المرأة وهذا كمال فيها : النساء المؤمنات يتزين لأزواجهن، بل إن المرأة تخشى أن ترتدي ثوباً جديداً لا يكون زوجها هو أول من يراه، إذاً أردتُ من هذه المقدمة إلى أن أصل إلى أن حب التزين مركب في طبيعة المرأة، لأن هذا كمال فيها، وإذا بالغ الزوج في التزيُّن فهذا نقص فيه. المؤمن يتجمل، ويرتدي ثياباً نظيفةً، وجميلةً، ويتعطر، ويرجل شعره، لكن إذا بالغ في ذلك فقد انحرف عن فطرته، وعن مهمته. لذلك تعلق النساء بالحلي، بالذهب، بالماس، باللؤلؤ، هذا تعلق في أصل فطرة النساء، وقد يكون إكرامهن بهذا. أحياناً الزوج لا يقنع بهذا، لكن هذا متعلق بها لا بك، فكما أنك لا تقنع بهذه اللعبة التي تملأ نفس ابنتك أو ابنك، إن هذه اللعبة جزءاً من حياتها، فالعبرة لا على ما تحب أنت وتشتهي بل على ما يحب الأهل ويشتهون. إذاً تقتضي أنوثة المرأة أن تتزين لزوجها، وهي كما قلت قبل قليل: هي سكنٌ لزوجها، فلذلك سمح الشرع لها أن تستعمل الذهب والحرير كي تتزين لزوجها لأنها سكن له، تؤنسه، وتنسيه متاعب اليوم. التزين والتعطر والتأنق والتجمل للزوج جزءٌ من دين المرأة : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4926/02.jpg أخواننا الكرام: بالمناسبة بيت المؤمن جنة، لا لأنه واسع، ولا لأنه كبير، ولا لأنه فخم، بل لأن فيه طاعة الله عز وجل، إلا أن الانحراف من أين يبدأ؟ حينما تتزين المرأة لغير زوجها، لذلك في الحديث الشريف: (( أيما امرأة استعطرت فمرت على قومٍ ليجدوا ريحها فهي زانية، وكل عينٍ زانية )) [ النسائي و الحاكم و أحمد عن أبي موسى الأشعري ] إذاً التزين، والتعطر، والتأنق، والتجمل للزوج جزءٌ من دين المرأة، والتزين، والتعطر، والتأنق، والتجمل لغير الزوج، ربما أوردها إلى النار لأنها زانية، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن﴾ [سورة النور: الآية 31 ] وقس على هذا أشياء كثيرة. المرأة التي تبرز مفاتنها في الطريق إنما هي معتديةٌ على المسلمين : المرأة المؤمنة الطاهرة العفيفة لا يبدو منها للرجال إلا ما لا تستطيع إخفاءه؛ كطولها، أو امتلاء جسمها، أو لون ثيابها فقط، لا يبدو منها للرجال إلا الذي لا أتستطيع إخفاءه، لقوله تعالى: ﴿ ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها ﴾ [سورة النور: الآية 31] عن غير قصدٍ أو إرادةٍ. طولها ليس بإمكانها أن تخفيه، امتلاء جسمها ليس بإمكانها أن تخفيه، لون ثيابها ليس بإمكانها أن تخفيه، لقوله تعالى: ﴿ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن﴾ [سورة النور:الآية 31 ] إذاً التبذل، والتكشف، وارتداء الثياب الضيقة، والرقيقة، هذا كله من المعاصي الكبرى في حياة المرأة، لأنها تعتدي على المسلمين، تعتدي عليهم بلفت نظرهم إليها، والشعور بالحرمان ممن لم يتزوج، والشعور بالندم ممن تزوج على غير هذه الشاكلة، فالمرأة التي تبرز مفاتنها في الطريق إنما هي معتديةٌ على المسلمين اعتداء. من تبرز مفاتنها للناس تدعوهم بلسان الحال لا بلسان المقال : لكن النساء يقُلن غير هذا، تقول امرأة: إني امرأة شريفة، لو أنك شريفة كما تدعين لما آذيت المسلمين، ولما خربت بيوتهم كما يكون أحياناً، ولما دعوت الناس إليك بلسان الحال لا بلسان المقال، أيما امرأة تبرز مفاتنها إنما تدعو الرجال إليها بلسان حالها لا بلسان مقالها، لقوله تعالى: ﴿ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن﴾ [سورة النور: الآية 31] أولاً: من المحرمات، أنا حينما أقول من المحرمات الشيء المحرم شيء كبير جداً، وليس هذا من عند أي إنسان، هذا من عند النبي عليه الصلاة والسلام، حرم الإسلام على المرأة أن تلبس من الثياب ما يصف، أو يشف عما تحته، أو ما يحدد أجزاء البدن، أو ما يبرز خطوطه، فالقضية متعلقة بالدين. النساء يعتقدن أن هذا متعلق بالصرعات الحديثة، دين المرأة فوق كل شيء. الحكمة من جمع شيئين متناقضين في وصف النبي للنساء : اسمعوا في الصحيح عن أبي هريرة قال: قال عليه الصلاة والسلام: (( صنفان من أهل النار لم أرهما، قوم معهم سياطٌ كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساءٌ كاسياتٌ عارياتٌ، مميلاتٌ مائلاتٌ، رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا )) [ مسلم عن أبي هريرة] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4926/03.jpg هل خطر في بالكم لماذا جمع النبي هذين الصنفين معاً؟ ((قوم معهم سياطٌ كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساءٌ كاسياتٌ عارياتٌ، مميلاتٌ مائلاتٌ، رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا )) لماذا جمع بين هذين الصنفين؟ لأن الذي يستبد كيف يستبد بالناس؟ عن طريق إطلاق الشهوات، الإنسان إذا اتبع الشهوة أصبح ضعيفاً، أصبح كالخرقة، يخاف من كل شيء، ويخنع لكل قوي، فمن لوازم المستبدين أنهم يطلقون الشهوات من دون ضابطٍ لها إطلاقاً، طبعاً هذا الوصف قلّما يلتفت الناس إليه، وصفٌ من دلائل النبـوة [ كاسيات عاريات ] شيئان متناقضان، أحدهما ينقض الآخر، فكيف جمع النبي بينهما؟ هل بإمكانك أن تقول: هذا الحرم مظلمٌ ومنير في آنٍ واحد؟ مستحيل. إن قلت مظلماً نقضت وجود النور فيه، وإن قلت منيراً نقضت وجود الظلام فيه. فهناك شيئان متعاكسان وهناك شيئان متناقضان، أي أن أحدهما ينقض وجود الآخر فكيف قال النبي: كاسيات عاريات؟ (( صنفان من أهل النار لم أرهما، قوم معهم سياطٌ كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساءٌ كاسياتٌ عارياتٌ)) إن كانت كاسية كيف تكون عارية؟ وإن كانت عارية كيف تكون كاسية؟ ما كان أحدٌ يعرف كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم نظر إلى آخر الزمان وكأنه رأى بعينه ما يرتدي النساء، إنها ترتدي لكن هذا الذي ترتديه لا يستر شيئاً، إما أن يشف لرقته عن لون بشرتها، أو أنه يصف حجم أعضائها فكأنها عارية، وهذا من دلائل نبوة النبي عليه الصلاة والسلام. لذلك المرأة التي يحبها الله ورسوله لا يبدو شيئاً من جسمها أبداً، ثيابها صفيقة –سميكة-، وسابغة، وفضفاضة، الثياب الفضفاضة هذه ثياب المؤمنات لا يبدو شيءٌ من خطوط جسمها. إذاً: ((...ونساءٌ كاسياتٌ عارياتٌ، مميلاتٌ مائلاتٌ)) أي هؤلاء النساء بهذا الزي الفاضح، وهذه الثياب المتبذلة، يدعون الرجال إليهن بلسان الحال، مائلات إلى الرجال، مميلات للرجال، على رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، الأسنمة جمع سنام، بعض أنواع الجمال لها سنام عظيم، فهذا الذين يفعلونه بشعورهن يزداد طولها عشرة سنتمتراً: ((....رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا )) من تشبه من الرجال بالمرأة أو تشبهت المرأة به فقد وقع تحت لعنة النبي : هذا الدرس دقيق، كل واحد من أخواننا الكرام له زوجة، له ابنة، يجب أن يلاحظ ماذا تلبس في الطريق، هل ترتدي ثياباً تصف حجم أعضائها؟ هل ترتدي ثياباً تحدد معالم جسمها؟ إن كانت تفعل هذا فقد وقعت في أشد أنواع الحرام، ينبغي أن يأمرها، وأن ينهاها، وأن يتابع خروج زوجته وبناته بنفسه، فهذا جزءٌ من دينه، وجزءٌ من إقامة الإسلام في البيت. والنبي عليه الصلاة والسلام ذكر في أحاديث كثيرة أنه من المحظور على المرأة أن تلبس لبس الرجل، فالبنطال الآن من ثياب الرجال، فإذا لبست النساء هذا النوع من الثياب فقد وقعن فيما نهى عنه النبي عليه الصلاة السلام، وهذا معنى قول النبي عليه الصلاة والسلام: (( لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال)) [ البخاري عن عبد الله بن عباس] قال العلماء يدخل في التشبه الكلام، إذا إنسان تكلم وقلد المرأة في كلامها، في ترقيق صوته، أو في حركات وجهه، أو في انحناء جسمه، أو إن قلدت المرأة الرجل في صوته الجهوري، وفي نظراته القاسية الحادة، فالمرأة التي تقلد الرجل في الكلام، أو في الحركة، أو في المشية، أو في اللباس، أو أن الرجل الذي يقلد المرأة في الكلام، أو في الحركة، أو في المشية، أو في اللباس، فقد وقع تحت لعنة النبي عليه الصلاة والسلام، هذا هو الدين، الدين كيف ترتدي ثيابك؟ كيف يخرج أهلك وبناتك؟ هذا جزء من الدين. أجمل ما في الشاب رجولته وأجمل ما في المرأة أنوثتها : ما معنى الفساد؟ لو قلنا: إن هذا الماء فاسد لا سمح الله، ما معنى ماء فاسد؟ أي أخرجناه عن طبيعته، الماء لا لون له، ولا طعم له، ولا رائحة، فإذا رأينا لهذا الماء لوناً أو رائحةً أو طعماً نقول: إن هذا الماء فاسد، إذاً الله جلّ جلاله خلق المرأة على طبيعة معينة، وعلى فطرة معينة، وعلى جِبِلةٍ معينة، فحينما ندفعها إلى الخروج عن جِبِلتها، وعن طبيعتها، وعن فطرتها، ماذا فعلنا بها؟ أفسدناها. فإذا دفعناها إلى مجتمع الرجال، إلى أن تختلط بهم، وتتعامل معهم، وأن تكون بينهم طوال النهار، ماذا فعنا بها؟ أفسدنا طبيعتها. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4926/04.jpg كانت تبدو صاحبة حياءٍ فإذا بها تتواقح، المرأة إذا خرجت عن أنوثتها خرجت عن أجمل ما فيها، فالمرأة ينبغي ألا تسترجل، والرجل ينبغي ألا يتخنث. ذكرت سابقاً بأن إنساناً أرسل ابنه إلى بلاد الغرب ليتابع تحصيله العالي، بعد سنوات عدة جاءته رسالة من ابنه أنه قد تزوج، ويدعو أباه لزيارته في بيت الزوجية، أبوه رجل من أصحاب المكانة الاجتماعية في بلده، عندما ذهب إلى ابنه وجده الزوجة وليس الزوج -زواج شاذ-، فلما وجد ابنه هكذا وقع مغشياً عليه، وقد أصابته أزمة قلبية، شيء لا يحتمل أن يتخنث الشاب، الشاب أجمل ما فيه رجولته، فتوته، جرأته، وأجمل ما في المرأة حياؤها، قال تعالى: ﴿فجاءته إحداهما تمشي على استحياء ﴾ [سورة القصص:الآية 25 ] لفت نظر سيدنا موسى في بنت سيدنا شعيب حياءها، والفتاتان بنتا سيدنا شعيب ما الذي لفت نظرهما في سيدنا موسى؟ قوته وأمانته، فقال تعالى: ﴿ قالت إحداهما يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين﴾ [سورة القصص:الآية 26 ] لذلك من الأحكام الفرعية أن الرجال نُهوا عن أن يلبسوا المعصفر - ثياب ألوانها فاقعة وفيها ورود أشجار- هذه الثياب المعصفرة ذات الألوان الفاقعة هذا مما نهي عنه الرجال أن يلبسوه. ضبط نوع الثياب من دون إسراف ولا مخيلةٍ : الآن نريد الذي يضبط نوع اللباس، الضابط ألا يكون الثوب ثوب شهرة ولا ثوباً مهجوراً، فكل ثوبٍ يتمّشى مع أحدث صرعات الأزياء هذا ثوب شهرة، الإنسان إذا لبسه يغلب عليه الاستعلاء، والزهو، والكبر. قاعدة أساسية لك أن تأكل، أن تشرب، وأن ترتدي الثياب، وأن تذهب، وأن تنام، وأن تفعل من دون إسراف ولا مخيلةٍ، المباحات يجب أن تمارسها من دون مزلق، من دون إسرافٍ، ومن دون مخيلةٍ أي كبرٍ، فقال الله تعالى في ذلك: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً ﴾ [ سورة لقمان: الآية 18] طبعاً يجب الآن مراعاة الدقة، الإسراف في التعامل مع هذه الأشياء، الإسراف أقرب للناحية المادية، أما الاختيال فأقرب إلى الناحية النفسية، من دون إسراف في إنفاقها، ومن دون مخيلةٍ في الكبر أو الزهو بها. ويقول عليه الصلاة والسلام: (( من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة )) [أخرجه البخاري وأبو داود والنسائي عن عبد الله بن عمر] أحياناً يلبس الإنسان، و يتجمل، ويقف أمام المرآة، يتفحص شكله، هندامه، أناقته، ثيابه، ألوان ثيابه، تعجبه نفسه، فإذا خرج من البيت رأى نفسه فوق الناس، هذا هو الخيلاء. الإسراف أن تكثر من استهلاك هذه الألبسة إلى درجة غير معقولة، فاللباس ينبغي ألا يكون فيه إسراف ولا مخيلة، وفي الحديث الشريف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( من لبس ثوب شهرةٍ ألبسه الله ثوب مذلةٍ يوم القيامة )) [أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة وعن ابن عمر] رجل سأل سيدنا عبد الله بن عمر، قال: ماذا ألبس من الثياب؟ فقال هذا الصحابي الجليل: ما لا يزدريك فيه السفهاء، ولا يعبك فيه الحكماء، الثياب المبتذلة المهجورة التي لا يعقل أن يلبسها المؤمن، لماذا نهى النبي عنها؟ لأن السفهاء يزدرونك بهذه الثياب، يقيّمونك من ثيابك فقط، والألبسة الشهيرة المتطورة التي توافق أحدث ما في المجلات، هذا الثوب ثوب شهرة يعيبك فيه الحكماء لتجاوزه حدّ الاعتدال. تحريم الغلو في الزينة عن طريق تغيير خلق الله عز وجل : الآن عندنا موضوع الغلو في الزينة عن طريق تغيير خلق الله عز وجل، فالنبي عليه الصلاة والسلام حرم الوشم، وتحديد الأسنان، الوشم محرم أيها الأخوة، إنسان موشوم طبعاً يرسمون على الجلد رسوماً معينة؛ حيوانات، وأدوات، وأشكال هندسية، وهذا اللون يبقى مع الإنسان حتى الموت، الوشم محرم في الإسلام لأنه ينضوي تحت قوله تعالى: ﴿ولآمرنهم فليغيرن خلق الله﴾ [سورة النساء: الآية 119] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4926/05.jpg بعض النساء في الصين يلبسن أحذية معدنية كي تبقى أقدامهم صغيرة، وهذا مما يؤذيهن، يوجد كثير من الأعمال تقوم بها الشعوب تغير خلق الله عز وجل، هذا محرم في الإسلام: ((لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الواشمة والمستوشمة - الواشمة التي تقوم بفعل الوشم، والمستوشمة التي تطلب الوشم - والواشرة والمستوشرة - الواشرة: هي التي تقطع من أسنانها الطويلة أو تبرد من أسنانها هذه الواشرة أي التي تفعل فعل الوشر، والمستوشرة التي تطلب تحديد أسنانها-)) [متفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ] وحرم النبي صلى الله عليه وسلم التفلج، والتفلج أن تباعد بين الأسنان، قال: (( لعن المتفلجات للحسن )) [ البخاري عن عبد الله بن مسعود] ويبدو أن كل عصر له أذواق خاصة، فحينما يكون ذوق الرجال للأسنان المتباعدة، تأتي النساء ويبردن أسنانهن لتبدو الأسنان متباعدة وهذا تغيير بخلق الله، وهذا من فعل الشيطان. طبعاً بعض العلماء ألحق بهذا التغيير جراحات التجميل، إذا كانت جراحات التجميل لإزالة عيبٍ خلقي يسبب لصاحبه الإحراج فهذا مما أجازه العلماء، أما إذا كانت جراحات التجميل من أجل أن تلفت المرأة النظر - الآن تتم عمليات جراحية في بلاد الغرب شيء غريب جداً، لا يعقل هذه العمليات الجراحية التي تفعلها المرأة أو الرجل من أجل التجمل، ومن أجل أن تبدو المرأة في سنٍ أقل من سنها- فهذا محرم، أما إذا كان هناك عيب خلقي يسبب لصاحبه أزمة نفسية، فالعملية الجراحية مقبولة عند العلماء. على المرأة ألا تغير خلق الله وألا تفعل شيئاً يؤذيها : وأيضاً لعن النبي صلى الله عليه وسلم النامصة والمتنمصة، هناك بعض الأفعال تفعلها المرأة كي تبدو في نظر الناس جميلةً، لكن كما قلت قبل قليل: إذا كان في هذا تغيير في خلق الله فهذا محرم. سمح للمرأة أن تحف حاجبيها، الحف شيء والنمصُ شيءٌ آخر. على كلٍّ تتأكد حرمة النمص حينما كان النمص شعاراً للنساءِ البغايا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وفي الجاهلية. في الجاهلية كانت النساء البغايا ينمصن حواجبهن، فطبعاً هذا تشبه المرأة بامرأة خليعة بغية، النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنهُ وقال: (( لعن الله النامصة والمتنمصة )) [متفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ] أي التي تطلب أن ينتف شعر حاجبيها، لكن حف الحواجب ورد فيه إجازةٌ من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وينبغي أن نقف قليلاً - شؤون المرأة لا نريد أن ندخل في تفاصيلها، الأخوة الداعيات أولى بهذا الموضوع منا-، لكن المبدأ الأساسي ألا تغير المرأة خلق الله وألا تفعل شيئاً يؤذيها. الإرضاع هو خلق الله عز وجل وعدم الإرضاع تغيير لخلق الله : المرأة التي لا ترضع ابنها حفاظاً على -كما تتوهم- أناقتها، وعلى جمالها، هذه ماذا تفعل؟ http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4926/06.jpg تغير خلق الله. وأنتم تعلمون من دروس سابقة أن الإرضاع غير الطبيعي يسبب قصوراً عقلياً، هذا شيء قطعي، الآن هذا البحث فُرغ من قطعيته، الإرضاع غير الطبيعي يسبب قصوراً عقلياً، والإرضاع غير الطبيعي يسبب أمراضاً للقلب والأوعية مزمنة، والإرضاع غير الطبيعي يسبب أمراضاً في الكليتين، والإرضاع غير الطبيعي يسبب اضطرابات نفسية، فالمرأة التي لا تريد أن ترضع أولادها حفاظاً على رشاقتها، أو على شكلها، هذه ماذا تفعل؟ تغير خلق الله عز وجل، فنحن القصد أن تحافظ على خلق الله. ماذا أراد الله من المرأة؟ أن ترضع وليدها قال تعالى: ﴿ والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين ﴾ [سورة البقرة:الآية 233 ] الإرضاع هو خلق الله عز وجل، وعدم الإرضاع تغيير لخلق الله، لذلك العقاب جاهز، أعلى نسبة لسرطانات الثدي في النساء اللواتي لا يرضعن أولادهن، وأقل نسبة لسرطانات الثدي عند النساء اللاتي يرضعن أولادهن. ليس هناك من حرجٍ أن يصبغ الإنسان شعر رأسه إذا أراد تطبيقاً للسنة : النبي عليه الصلاة والسلام سمح للرجل أن يغير لون شعره إذا علاه الشيب، هذا مسموح، لكن إذا كان متقدماً في السن كثيراً لا ينبغي أن يستعمل اللون الأسود، صبغ الشعر باللون الأسود يليق بأصحاب السن المعتدلة، أما الذي تقدم في السن كثيراً فينبغي أن يصبغ شعره بِلَونٍ آخر، وإذا أبقاه على حاله فلا مانع، أي مسموح للرجل أن يغير لون شعر رأسه، لكن إذا خطب امرأةً وكان يخضب شعره ينبغي أن يعلمها أنه يخضب وإلا غشها، هذا من الأحكام الشرعية . النبي عليه الصلاة والسلام جيء له بوالد أبي بكر الصديق رضي الله عنه فلما وقف بين يدي النبي كان رأسه كأنه الثغامة بياضاً، فقال: (( غيروا هذا الشيب وجنبوه السواد )) [مسلم عن جابر بن عبد الله] وقال صلى الله عليه وسلم: (( إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم )) [ متفق عليه عن أبي هريرة] إذاً ليس هناك من حرجٍ أن يصبغ الإنسان شعر رأسه إذا أراد تطبيقاً للسنة. الأسرة مؤسسة أوكل الله قيادتها إلى الرجل : مرة ثانية أريد أن أذكر أخوتنا الكرام بأن لباس المرأة جزءٌ خطيرٌ من دينها. إننا لم نذكر هذه الموضوعات وتلك التفصيلات إلا كي ينتبه الرجل إلى المظهر الذي تخرج فيه امرأته في الطريق، وينبغي أن يراعي ثياب بناته حينما يخرجون، المرأة المؤمنة لا تلهث وراء صرعات العصر، هذا اللهث لا يليق بامرأة مسلمة، أي ينبغي أن تكون الثياب فضفاضة سابغةً سميكةً ساترةً هذا الذي يرضي الله عز وجل، عندما يقول الرجل: ليس لي علاقة هي حرة، فإنه ليس رجلاً وليس قيمَ البيت، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿الرجال قوامون على النساء﴾ [سورة النساء:الآية 34 ] الأسرة مؤسسة، أوكل الله إليك قيادتها، لكن متى تكون قيماً على امرأتك؟ الآية واضحة قال تعالى: ﴿الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم ﴾ [سورة النساء: الآية 34] فإذا كنت أفضل منها علماً، وأفضل منها ورعاً، وأنفقت عليها، وكنت كريماً، ملكت زِمامَ الأمر، وملكت قوامة البيت، فالقوامة هي شرط من شروط الزواج الناجح، والزوج بيده أن يحدد النمط الذي ينبغي أن تخرج به امرأته إلى الطريق، إن المفهوم الشائع أن زوجتي شريفة، وطاهرة، وعفيفة، لكنها تحب أن تلبس كما يلبس الناس، هذا كلام مرفوض في الدين، هذا افتراء على الدين، المؤمن ينبغي أن يتبع سنة النبي عليه الصلاة والسلام، وهذه سنة النبي، ولا تنسوا أن الوعيد شديد، كيف توصل العلماء إلى حرمة هذا؟ هناك أحاديث كثيرة النبي لم يقل محرم بل قال: ((...لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا )) [ مسلم عن أبي هريرة] فالنبي الكريم حينما بين ووضح أن هذه المرأة الكاسية العارية المائلة المميلة لا تدخل الجنة ولا تجد ريحها معنى ذلك أن هذا اللباس محرم. عبارات توجب التحريم : العلماء أدرجوا عدة عبارات إذا وردت في السنة فهي محرمة " ليس منا ": (( ليس منا من خبب امرأة على زوجها )) [ الطبراني عن ابن عباس] (( ليس منا من تشبه بغيرنا )) بالأجانب. [الترمذي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده] ((ليس منا من وسع الله عليه ثم قتر على عياله)) [مسند الشهاب للقضاعي عن عائشة] ((ليس منا من دعا إلى عصبية وليس منا من قاتل على عصبية وليس منا من مات على عصبية )) [ أبو داود عن جبير بن مطعم] دققوا "ليس منا" هذه توجب التحريم، "لعن الله" توجب التحريم، و"غضب الله عليه" توجب التحريم، "لا يدخل الجنة" توجب التحريم. فهناك عند العلماء مقاييس دقيقة، هذا الحديث يستنبط منه أنه من يفعل كذا وكذا فقد وقع في الحرام، والحرام شيءٌُ خطير، الحرام مهلك أيها الأخوة. عدم التساهل بلباس الفتيات الصغيرات : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4926/07.jpg شيء آخر: الملاحظ أن البنت الصغيرة يتساهل في ثيابها، وكل أهلها يزعمون بأنها لا تزال صغيرة، لكن هذه إذا لم تؤدبها بآداب الإسلام عندما تكبر لا تستطيع أن تحملها على التخلق والتأدب بآداب الإسلام، لوجود حكم تكليفي، وحكم تأديبي، ابنك الصغير مثلاً تلزمه أن يصوم إلى الظهيرة، أو كل يومين يوم، هل هذا أمر تكليفي؟ لا هذا أمر تأديبي، لكن إذا بلغ السن التي ينبغي أن يصوم بها وجد نفسه مؤهلاً لهذه الفريضة، لذلك ولو أن البنت صغيرة جداً يجب أن تنشأ على الآداب الإسلامية، فإذا نشأت وهي صغيرة على الآداب الإسلامية في اللباس، هذه النشأةُ تنمو معها شيئاً فشيئاً، أما إذا أهملنا الفتاة الصغيرة وبدت معالم جسمها لكل من في البيت وهي صغيرة هذه حينما تكبر لا نستطيع أن نحملها على طاعة الله، والتأدب بآداب المسلمين. سؤال عن حكم العطور التي يخالطها الكحول : ورد سؤال: العطور التي يخالطها الكحول هل هي محرمة؟ الأولى أن يستعمل الإنسان العطور الزيتية، هذه بإجماع العلماء لاشيء فيها، العطور التي يخالطها الكحول عند المتشددين محرمة، وعند المعتدلين قالوا: هذه نجاسة حكمية معفو عنها، وحينما تزول من الجلد تزول نجاستها. فالإنسان الأولى أن يستخدم العطور الزيتية، وإذا استخدم العطور الكحولية فعند المعتدلين لا يرون بها بأساً لأنها نجاسة حكمية وليست حقيقية، ولأنها نجاسة معفو عنها، ولأنها إذا تبخرت زالت نجاستها، والحل الوسط أنك إذا كنت على وشك الصلاة ينبغي ألا تستعملها -العطور الكحولية - أما العطور الزيتية فلك أن تستعملها قبل الصلاة، هذا هو الرأي المعتدل. |
رد: العبادات التعاملية
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية الدرس : ( الثالث و العشرون ) الموضوع : الحلال و الحرام فى المسكن الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون الذكر فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. المسكن والبيت : أيها الأخوة الكرام: نحن في الدرس السادس من سلسلة دروس: "الحلال والحرام في الإسلام"، وقد قلت كثيراً: إن أخطر موضوع بعد معرفة الله عز وجل الحلال والحرام، لأنك إذا عرفته تشعر باندفاع قوي إلى أن تبحث عن أمره، وتطبق أمره، وطلب الفقه حتم واجب على كل مسلم، انطلاقاً من معرفته بالله عز وجل، وانطلاقاً من حبه له، وانصياعاً لأمره، عليه أن يعرف أمره, كيف تأتمر بأمره إذا لم تعرف أمره؟ كلام عام ائتمروا بأمر الله، أطيعوا الله، كلمة أطيعوا الله من لوازمها أن تعرف أمر الله، أن تعرفوا حكم الله، أن تعرفوا الحلال، والحرام، والمكروه، والمندوب، والمباح، والواجب، في الدروس السابقة تحدثنا عن الحلال والحرام في المطعم والمشرب، وانتقلنا إلى الملبس، وإلى الزينة، واليوم ننتقل إلى المسكن والبيت. فمن حق المؤمن أن يكون له مكان يؤويه من عوامل الطبيعة، ويشعره بالخصوصية، والحرية، والاستقلال، الإنسان لو سكن مع إنسان آخر لا يشعر بالخصوصية أبداً، أحياناً يكون الإنسان في سفر مع شخص هذا الشخص يقيد حريته، المنزل والمأوى للمؤمن كما ورد: جنة المؤمن داره، داره يقيه من عوامل الطبيعة، من الحر، والقر، والرياح، والمطر، ويشعره بالخصوصية، ويشعره بالاستقلال والحرية، والعوام لهم أقوال كثيرة في البيت: البيت مأوى. ومرة ملك سأل وزيره فقال له من الملك؟ قال: أنت، قال: لست أنا، الملك رجل لا نعرفه ولا يعرفنا، له بيت يؤويه، وزوجة ترضيه، ورزق يكفيه. المسكن من نعم الله عز وجل على العبد : الإنسان في البيت يستريح، وتسكن النفس في البيت، لذلك سمي البيت سكناً، لكن ضجيج المدينة ألغى هذه الصفة في البيت، لا تستطيع أن تنام، ضجيج مستمر، لكن لا يسمى السكن سكناً إلا إذا خيم عليه السكون http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4928/01.jpg لذلك الإنسان إذا ذهب إلى الريف، ونام في بيت بعيد عن الضوضاء، والضجيج، يشعر بخدر في أعصابه، بسبب السكون، والأذكياء والعقلاء يسكنون في أماكن هادئة، وهناك أخوة كرام يسكنون خارج دمشق ينعمون بنعمة السكون والهدوء ولا يعرفها إلا من فقدها، والمؤمن دائماً يعرف ما عنده، الهواء النقي، والماء النقي، هذا من نعم الله على العبد، الله جلّ جلاله يقول: ﴿ والله جعل لكم من بيوتكم سكنا وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين*﴾ [ سورة النحل: 80] كيف أن الزوجة سكن، والبيت سكن، إذا اجتمع البيت مع الزوجة صار سكناً وسكناً، وهذه نعم كبرى ينبغي أن نشكرها، الذي يملك مفتاح بيت؛ ملك، أجرة، صغير، كبير، عال، منخفض، قريب، بعيد، معك مفتاح مأوى مساءً تأوي إليه، ولا يعرف قيمة المأوى إلا من فقد المأوى. مرة حدثني أخ قال: كنت في بلد في أيام الصيف، ازدحام سياحي شديد، قال: منذ الظهيرة وحتى الساعة الواحدة في الليل وأنا أبحث عن مكان أنام فيه، لا فندق خمس نجوم ولا أربع ولا ثلاث ولا اثنين ولا واحد، ولا غرفة، ولا مكان، ولا أي مكان، ما عرفت قيمة المأوى إلا في هذه الساعة، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا دخل بيته يقول: "الحمد لله الذي آواني وكم من لا مأوى له" أية نعمة أنت فيها عليك أن تشكرها لا أن تذمها : نحن في نعم كبرى، أيها الأخوة! اذهبوا إلى آسيا نصف الشعب يسكن في الطرقات، وفي الطرقات ينجبون الأولاد على الأرصفة، في الساحات العامة، على قوارب في الأنهار، تحت ظلال الأشجار، في الغابات، في الكهوف، وفي بعض الدول الفقيرة يسكنون في المقابر، ويحملون شهادات عليا، فلذلك نحن في نعمة كبرى، الذي يملك مفتاح بيت، الحمد لله الذي آواني وكم من لا مأوى له . http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4928/02.jpg والإنسان لا يذم بيته، لو فقده يبكي عليه، أية نعمة أنت فيها عليك أن تشكرها لا أن تذمها، والنبي عليه الصلاة والسلام حينما يتحدث عن سعادة الدنيا يقول: ((أربع من السعادة : المرأة الصالحة والمسكن الواسع والجار الصالح والمركب الهنيء)) [ ابن حبان عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند عن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه عن جده] مركب هنيء، وزوجة صالحة، وجار صالح، ومسكن واسع، وهناك أقوال أخرى: "من سعادة المرء في الدنيا أن تكون زوجته صالحة، وأولاده أبراراً، ومنزله واسعاً، ومركبه وطيئاً، ورزقه في بلده". المؤمن دائماً يعرف ما عنده، ما لا ينقصه، والمنافق يبحث عن الذي ينقصه، دائماً ساخط على ربه، دائماً يتطلع إلى ما عند الآخرين، دائماً يندب حظه يشعرك أنه محروم، لكن المؤمن الصادق يضع يده على النعم التي هو فيها، كان عليه الصلاة والسلام تعظم عنده النعمة مهما دقت. إذا شرب كأس ماء هذا الطريق سالك، وإخراجه سالك، لا يوجد حصر بول ولا يحتاج إلى تمييل، ولا إلى عملية في المثانة، والكلية تعمل. قال لي أخ: له قريب توقفت كليتاه عن العمل ذهب لغسل كليتيه، قالت له الممرضة بعنف وقسوة: إياك أن تشرب الماء هذا الأسبوع الآلة معطلة، الذي يشرب الماء الفرات براحة وبلا حساب هذه نعمة لا يعرفها إلا من فقدها: ((أربع من السعادة : المرأة الصالحة والمسكن الواسع والجار الصالح والمركب الهنيء)) [ ابن حبان عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند عن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه عن جده] وكان عليه الصلاة والسلام كثيراً ما يدعو بهذا الدعاء: "اللهم اغفر لي ذنبي، ووسع لي في داري، وبارك لي في رزقي، فقيل له: يا رسول الله ما أكثر ما تدعو بهذا الدعاء؟ فقال عليه الصلاة والسلام: وهل ترك هذا الدعاء شيئاً" النظافة من صفات المؤمن : إلا أنه المؤمن من صفات إيمانه أن النظافة تتعلق ببدنه، وتتعلق بثوبه، وتتعلق ببيته وأثاث بيته، لذلك قال عليه الصلاة والسلام: ((إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ يُحِبُّ الطَّيِّبَ، نَظِيفٌ يُحِبُّ النَّظَافَةَ، كَرِيمٌ يُحِبُّ الْكَرَمَ، جَوَادٌ يُحِبُّ الْجُودَ، فَنَظِّفُوا أَفْنِيَتَكُمْ وَلا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ)) [الترمذي عن سعدٍ رضي الله عنه ] المؤمن إذا دخلت إلى بيته تفوح من بيته رائحة النظافة، النظافة لها رائحة، التنظيف المستمر للبيت يشعر براحة، مرة دخلت إلى بيت مهمل يسكنه شباب غير متزوجين، هناك رائحة مستمرة في هذا البيت، رائحة القذارة، القذارة لها رائحة مستمرة في البيت، لذلك قال عليه الصلاة والسلام: ((...فَنَظِّفُوا أَفْنِيَتَكُمْ وَلا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ)) [الترمذي عن سعدٍ رضي الله عنه ] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4928/03.jpg الأفنية جمع فناء وهو بهو البيت أو ساحته. تنظيف البيت جزء من دينك، تنظيف أثاث البيت جزء من دينك، تنظيف الجدران، النوافذ، الأبواب، مدخل البيت، هذا جزء من دينك-المؤمن بيتوتي بالتعبير اليومي، وغير المؤمن زقاقاتي- تجده بالفنادق والمقاهي والنوادي خارج البيت، البيت للنوم فقط، أما المؤمن فبيته جنته، يعتني به، وحينما أتحدث عن نظافة البيت، وعن ترتيبه، وعن أناقته، لا أقصد أبداً البذخ والإسراف، النظافة وحدها، والترتيب، والانسجام في ألوان البيت، أحياناً ترى لون الإسمنت مزعجاً، مؤذياً، يخرش العين، طلاء رخيص أبيض اللون أو لون دافئ إذا كان البيت تحت الأرض، إذا كان البيت مشرق، الألوان الباردة مريحة، إذا كان البيت رطباً أو بارداً يوجد ألوان دافئة مريحة، لون الكريم لون دافئ، الألماس لون بارد، البيوت الواسعة يناسبها لون بارد، والبيوت الباردة يناسبها لون دافئ، والبيوت الواسعة يلزمها لون يصغرها، والبيوت الصغيرة يلزمها لون يكبرها، الأزرق يوسع البيت، تشعر بأنه أوسع مما هو على حقيقته. البيت مملكة الإنسان عليه العناية به مع الابتعاد عن الزهو و التكبر : القضية ليست قضية بذخ وإسراف وترف، لكن هذا البيت جنتك، ولا حرج على المسلم أن يعتني ببيته، إذا اعتنى بالنباتات في بيته http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4928/04.jpg يمكن أجمل هواية على الإطلاق النباتات، ببيته مخلوق يسبح الله عز وجل، ولا تنسوا أن الله عز وجل خلق للإنسان آلاف النباتات لا تعيش إلا في الغرف، عند المختصين بالأزهار قسم كبير جداً اسمه نباتات الصالونات هذه تعيش وتنمو في أعلى درجات النمو وهي في الغرفة، هذه النباتات خلقت لكي تمتع عينك بها، لذلك ترى بيتاً صغيراً ورخيصاً، أثاثه رخيص جداً لكن فيه ذوق، فيه نظافة، فيه ترتيب، ترتيب في الأثاث والذوق، في الألوان والنظافة، و هذا هو الأصل لقوله تعالى: ﴿ قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون﴾ [سورة الأعراف: 32] لمن خلقت الأزهار المنوعة بالمئات؟ أحياناً ياسمينة في البيت، أو بعض النباتات ذات الرائحة الفواحة، أخواننا الكرام يدخلون المسجد في الصيف يشعرون برائحة عطرة، هناك نباتات لها رائحة عطرة خلقها الله لنا، الإنسان إذا اعتنى بأثاث بيته، نظافة بيته، ترتيب بيته، النباتات تسبح الله عز وجل، من منا يكره رائحة الياسمين؟ من منا يكره رائحة الفل؟ يقولون: فلان مثل الفلة، إذا أردنا أن نرفع الإنسان إلى أعلى مستوى قلنا له: فلة، بياض ورائحة طيبة، المشكلة في الموضوع أن يأخذك الزهو في البيت، الآن وقعت في المعصية، قال عليه الصلاة والسلام: ((لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْر، وَلا يَدْخُلُ النَّارَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ ذَرَّةٌ مِنْ إِيمَانٍ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ الرَّجُلُ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ)) [ مسلم عن عبد الله بن مسعود] النظافة والتعطر والتأنق جزء من الدين : أحياناً ترى الكافر - وهذا شيء يؤسف له- أنيقاً إلى أعلى درجة، قطعة فنية شكله، وشعره، وثيابه، وقمصانه، الكافر قطعة فنية والمؤمن وسخاً لدرجة غير معقولة: (( أصلحوا رحالكم، وحسنوا لباسكم، حتى تكونوا كأنكم شامة بين الناس )) [ أحمد عن سهل بن الحنظلية] النظافة والتعطر والتأنق هذا جزء من الدين، قال عليه الصلاة والسلام: ((إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ)) [أحمد عن عبد الله بن مسعود ] أي أقرّه على فعله، وإقرار النبي تشريع، وفي رواية أخرى: ((أن رجلا جميلا أتى النبي ( ص ) فقال : إني أحب الجمال وقد أعطيت منه ما ترى حتى ما أحب أن يفوقني أحد بشراك نعل أفمن الكبر ذلك يا رسول الله قال : لا ولكن الكبر بطر الحق وغمص الناس)) [أبو داود من حديث أبي هريرة ] أي إذا كان الإنسان ثيابه نظيفة، ونعله جميل، ومتعطر، ونظيف، وشعره مرجل، أصبح قطعة فنية. الكِبر أن ترد الحق، أن ترفضه، الكبر أن تتكبر عليه، الكبر أن تستعلي على الحق، ألا تنصاع لأمر الله، هذا هو الكبر، وأن تغمص الناس، تظلمهم، تجحدهم، تنتقص مكانتهم، تطعن في علمهم، تطعن في إخلاصهم، الطعن في الناس ورد الحق هو الكبر في عينه، أما أن يكون ثوبك حسناً، ونعلك حسناً، فهذا ليس من الكبر في شيء. الله عز وجل نهى عن الإسراف في المباحات و التبذير في المعاصي : لكن ما هو المحرم في اللباس والبيت؟ الغلو، ومحرم الإسراف والترف والزهو والاستعلاء، اقرؤوا إن شئتم القرآن الكريم، أو ابحثوا في مادة الترف عن آيات ثمان حصراً، قرن الله سبحانه وتعالى المترفين بالكفر، المترف كافر، أولاً: الله جلّ جلاله نهانا عن الإسراف في كل شيء، والكفار -وهذا شيء يؤسف له- كل شيء عندهم له حساب، أحياناً هذه العبوات الذي يستهلكها الناس ثمنها أغلى من الشراب، تسع ليرات ثمن عبوة المياه الغازية، وأربع أو ثلاث ليرات ثمن المياه التي فيها، نشربها ونلقيها هذا إسراف. حدثني أخ قال لي: كنت في أوربا، أفخر فندق قدم له زجاجات من المياه الغازية، عمر الزجاجة سنوات كثيرة، مستهلكة استهلاكاً كبيراً، الحفاظ على المال جزء من الدين، استهلاك المواد، أحياناً ترى موظفاً يمسك ورقة ثمنها نصف ليرة ومطوعة بثلاثين قرشاً يجفف بها يديه بعد أن يغسل، أحياناً يكتب رقم هاتف على ورقة أكبر قياس، يقولون: إن بعض الدول المتخلفة من أشد الدول استهلاكاً للورق في العالم، المواد ليس لها قيمة عندهم، هم فقراء مع ذلك مسرفون، الله عز وجل نهى عن الإسراف في المباحات، ونهى عن التبذير في المعاصي، لا إسراف ولا تبذير، قال الله تعالى: ﴿ إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا ﴾ [ سورة الإسراء:27] المحرم في البيت : الآن: ما المحرم في البيت؟ آنية الذهب والفضة هذه محرمة، أناس كثيرون يريد مسكات ذهب، حنفيات ذهب، هذا محرم في الدين، روى الإمام مسلم في صحيحه: ((إن الذي يأكل ويشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في نار جهنم على بطنه )) [ مسلم عن أم سلمة] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4928/05.jpg الذي يأكل ويشرب في آنية الذهب والفضة، ولكن أيها الأخوة قبل أن تتساءلوا الآنية الذهبية شيء و المذهبة شيء آخر، وآنية الفضة شيء والمفضضة شيء آخر، التحريم أن تكون الآنية من الذهب الخالص أو من الفضة الخالصة، أما الآن فعن طريق الترسيب الكهربائي - التلبيس - قد تلبس الحاجات من معادن رخيصة بطبقة رقيقة جداً لا جرم لها، هذا شيء ليس محرماً في الدين، المحرم أن تستخدم الآنية وهي من الذهب الخالص، أو من الفضة الخالصة، ففي الحديث الشريف: ((نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نشرب في آنية الذهب والفضة، وأن نأكل فيها، وعن لبس الحرير والديباج، وأن نجلس عليه، وقال: هو لهم - للكفار - في الدنيا ولنا في الآخرة)) [البخاري عن حذيفة بن اليمان] علة التحريم : قد يسأل سائل ما علة التحريم؟ المؤمن الورع ينصاع لأمر الله لمجرد أن هذا أمر الله، وأمر رسوله، علة أي أمر أنه أمر الله، أسرع طريق لفهم الأوامر هذا أمر الله وكفى، لكن لو أردنا التحليل، هناك علة اجتماعية، وهناك علة اقتصادية، الذهب والفضة جعلهم الله معادن ثمينة، وجعلهم معادن ليكونوا تقديراً للقيم في الأرض أي نقداً، مرة قرأت في مجلة مقالة عن باخرة غرقت قبل ثمانين عاماً، وفيها عدد كبير من سبائك الذهب، طبعاً صار الآن هواة للتنقيب عن السفن الغارقة، باخرة عام 1912 غرقت، الآن وصلوا إليها، وأخذوا محتوياتها، لكن ما كنت أعرف قيمة الذهب حتى قرأت هذا الموضوع في هذه المجلة، هذا الذهب الذي استخرج من البحر، والذي بقي في البحر ثمانين عاماً غسل كأنه صب الآن، بريقه ولمعانه هو هو، لذلك المؤمن كالذهب لا يتغير، والمنافق كالمعادن الخسيسة سريع التغير، والأصح من ذلك: للذهب - في البحر مياه مالحة ومع ذلك و بعد ثمانين سنة كأن هذه السبائك صبت الآن- بريق ما بعده بريق، قلت: سبحان الله! هذا هو الذهب، لذلك الذهب لا يتأثر بالبيئة، أما المعدن الخسيس فيتأثر بالبيئة، إذا قال إنسان: ماذا أفعل بيئتي عاطلة؟ معنى هذا أنت خسيس أيضاً، كل إنسان يتأثر بالبيئة معدنه خسيس، ألم يقل النبي عليه الصلاة والسلام: ((الناس معادن)) [ صحيح عن أبي هريرة] المعدن الثمين لا يتأثر بالبيئة، والمعدن الخسيس يتأثر بالبيئة، فهذه السبائك بقيت في البحر ثمانين عاماً، وحينما استخرجت وغسلت كأنها صبت لتوها، العلة الاقتصادية بتحريم الذهب والفضة أن هذين المعدنين جعلهم الله عز وجل نقدين، إذا كان الإنسان يملك ليرة ذهبية حتى لو ألغيت قيمتها فيها، أما إذا كان يملك خمسين جنيهاً مصرياً و قد ألغي هذا بقرار ما قيمته؟ صفر، العملة الورقية عبارة عن سندات على المعادن الثمينة الذهب والفضة، إيصالات فقط، وليس فيها قيمة ذاتية، أما الذهب والفضة ففيها قيمة ذاتية. مثلاً: لو أحضرنا خمسة مليارات ليرة سورية، ووضعناهم بشكل هرم، بشكل جميل، ووضعت بساحة عامة، ماذا فعلنا؟ هذه المليارات كم مشروع تؤسس؟ وكم عامل يعمل بهذا المبلغ؟ وكم معمل نؤسس؟ وكم يد عاملة نشغل؟ وكم إنسان يتزوج؟ وكم مرفق ينشأ؟ وكم حاجة تلبى؟ وكم أسرة تسعد؟ لو أحضرنا خمسة مليارات ليرة على شكل هرم، وعملناهم بشكل تزييني في ساحة عامة، هل نكون أفلحنا؟ هذا مثل صارخ، توضحت الفكرة؟ أنت عندما تجمد المعادن الثمينة التي جعلها الله قوام الحياة، تصور أنه لا يوجد عملة ورقية، الذي صنع إبريقاً من ذهب هذا تجمد، هل من المعقول أن تحضر حاسوباً ثمنه ثلاثون مليوناً وتجعله في البيت كطاولة؟ ليس معقولاً، هل من الممكن أن تحضر حاسوباً معقداً جداً وحينما تستخدم الذهب والفضة الذين جعلهما الله نقداً ثابتاً لينتفع الناس بهما تجعله آنية مجمدة؟ الناحية الاقتصادية تجميد النقد، ومنع تداوله والانتفاع به، لو فرضنا أنت علّمْت خمسمائة ليرة وتتبعتها، تنتقل في اليوم إلى خمسين يد، ففي اليوم الواحد من إنسان إلى إنسان باع واشترى وربح. قيمة المال بالتداول بين الناس : هذا المال جعله الله متداولاً، فإذا حصر جمد، أخطر شيء يصيبه أن يجمد، الله عز وجل قال: ﴿كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم﴾ [ سورة الحشر:7] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4928/06.jpg يجب أن يتداول بين الناس، فالمال قيمته بالتداول، لماذا فرض الله الزكاة على النقد وهو غير نام، الأنعام تنمو، والنبات ينمو، والبقر تلد، لماذا فرض الله الزكاة على النقدين الذهب والفضة؟ لئلا يكنز، فإذا كنز أكلته الزكاة، الزكاة تأكل المال بأربعين سنة، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: ((اتجروا في مال اليتامى لا تأكلها الزكاة)) [ الطبراني عن أنس] المال إن لم يستثمر - وكم يوظف في مشاريع حيوية، في البناء، في الزراعة، في الصناعة، في التجارة- يجمد، إذا جمد كأنك سحبته من الأيدي، وإذا سحبته من أيدي الناس افتقروا إليه، يقولون: لا يوجد سيولة، كل الناس يشكون عدم السيولة، هناك مشاريع امتصت السيولة، الكتلة النقدية يجب أن تبقى بين أيدي الناس، لذلك أيها الأخوة على الإنسان ألا يجمد الذهب بآنية، أو بمسكة، أو بصنبور، أو بملعقة، أو بصحن، أو بإبريق. ما الفرق بين من يكنز الذهب والفضة في صناديق ولا يستخدمها ولا يتداولها وبين من يجمدها في أوان؟ التحصيل واحد، العلة الاقتصادية هي أن هذين المعدنين هما نقد ينبغي أن ينتفع الناس به، فإذا جمد عطلت قيمته. السبب الاجتماعي لتحريم الذهب و الفضة : أما السبب الاجتماعي فقالوا: هذا فيه إسراف، وفيه خيلاء، وفيه زهو، وفيه استعلاء، وفيه كسر لقلب الفقير. لهذا قال سيدنا عمر: "من دخل على الأغنياء خرج من عندهم وهو على الله ساخط". هو عنده طقم معالق، ثمنه ثلاثون ليرة، مئة ليرة، جيد ولطيف، يرى معالق ذهبية، يشعر أنه محروم، أواني فضية: ((يا عائشة! إِن كنتِ تريدين الإِسراعَ واللُّحوقَ بي فَلْيَكْفِكِ من الدنيا كزاد الرَّاكب، وإِيَّاك ومُجالسةَ الأغنياء، ولا تَسْتَخْلِقي ثَوبا حتى تُرَقِّعيهِ )) [ أخرجه الترمذي عن عائشة أم المؤمنين ] لذلك استخدام الذهب والفضة كأوانٍ وملاعق وحاجات في البيت هذا محرم، طبعاً هذا التحريم ينسحب على الرجال والنساء معاً، الذهب لعلة، لحكمة خاصة، هذه الحكمة متعلقة بجبلة المرأة، وبحرصها على أن تبدو جميلة أمام زوجها، والتزين بالمناسبة للزوج لكن هذا التزين انحراف، الله سمح للمرأة أن تستخدم الذهب والفضة، الآن النساء يستخدمن الذهب والفضة في الأعراس للتفاخر والتباهي، لذلك التزين للزوج لا لكسر قلب الفقراء، لا للاستعلاء على نظيراتها، أساساً الاتجاه نحو الكبر دليل ضعف الإيمان، فالذهب والفضة محرمان في البيت، هذا المؤمن. وفي حديث ذكرته قبل قليل: ((إن الذي يأكل ويشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في نار جهنم على بطنه )) [ مسلم عن أم سلمة] تحريم النبي التماثيل والصور في البيوت : الآن أكثر البيوت فيها تماثيل، أحياناً طير من برونز، أو من رخام، أو من معدن مفضض، هذه التماثيل أيضاً قال عليه الصلاة والسلام عنها: (( إن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه تماثيل أو صورة)) [ الترمذي عن أبي سعيد الخدري] خرج من عندهم وهو على الله ساخط، السبب لأن العرب في الجاهلية كانوا يعبدون الأصنام، لذلك سداً لكل ذريعة توصل إلى أن يعبد شيء من دون الله حرم النبي عليه الصلاة والسلام - وهو لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى- التماثيل والصور في البيوت، فقال: (( إن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه تماثيل أو صورة)) [ الترمذي عن أبي سعيد الخدري] وحرم الإسلام على المسلم أن يشتغل بصناعة التماثيل ولو صنعها للكفار، فقد قال عليه الصلاة والسلام: ((يَا عَائِشَةُ أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُضَاهُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى..... ومِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُصَوِّرُونَ هَذِهِ الصُّورَةَ)) [ الشيخان عن عائشة] طبعاً إذا رسمت شجرة ليس هناك مخالفة، أما الحيوانات فهذه ينبغي أن تبتعد عنها، وقد أخبر عليه الصلاة والسلام أن من صوّر صورة كلف يوم القيامة أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ فيها أبداً. العلة الكبيرة في تحريم التماثيل : العلة الكبيرة في تحريم التماثيل كي لا تتخذ أصناماً تعبد من دون الله، قال: وهذا الذي يصنع التماثيل يأخذه الزهو كأنه صنع شيء نادر، بل إن بعض النحاتين بعد أن صنع تمثالاً قال له: تكلم، وكأنه أراد أن ينفخ فيه الروح من شدة إعجابه بصنعته أمره أن يتكلم. قال عليه الصلاة والسلام: ((الَّذِينَ يَصْنَعُونَ الصُّوَرَ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُقَالُ لَهُمْ أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ)) [ مسلم عن ابن عمر] وفي الحديث القدسي: (( ومن أظلم من ذهب يخلق خلقاً كخلقي فليخلقوا ذرة أو ليخلقوا حبّة او ليخلقوا شعيرة)) [ مسلم عن أبي زرعة] من لوازم هذا الفن أن أكثر النحاتين ينحتون الصور العارية للنساء، تماثيل عارية يمثلونها، والتماثيل كما قلت لكم هي من خصائص أهل الترف والفجور. قصة تحريم التماثيل : النبي عليه الصلاة والسلام -سأذكر لكم شيئاً من تواضعه- ما كان يحب أن يعظم هذا التعظيم الذي فعله بعض أصحابه مرة، قال عليه الصلاة والسلام: ((لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله )) [رواه البخاري عن عمر بن الخطاب ] ومرة قال: (( لا تقوموا كما تقوم الأعاجم يعظم بعضها بعضاً )) [ أبو داود عن أبي أمامة] الأعاجم يعظمون ملوكهم لذاتهم كإشراك بالله عز وجل، والنبي عليه الصلاة والسلام دعا الله: "اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد". أنا أعجبني أن المسؤولين في الديار الحجازية منعوا الطواف حول قبر النبي، عندما ينتهي القبر تجد حاجزاً ينقلك إلى خارج المسجد، أما أن تطوف حوله كأنه كعبة فهذا لا يجوز، قف وسلم عليه وقل له: اللهم إنك بلغت الأمانة. أما أن تطوف حول القبر فهذا لا يجوز، لو درسنا بتأن تاريخ عبادة الأصنام لفوجئنا أن بعض هذه الأصنام هي رموز لرجال صالحين أحبهم الناس، كانوا صالحين فعلاً، أحبوهم، أرادوا أن يذكروهم دائماً، فصنعوا لهم تماثيل، فعبدوا من دون الله عز وجل، هذه قصة التماثيل. النبي الكريم كان متواضعاً و لم يرد أن يعظم تعظيماً يفوق مقامه : شيء آخر: بعضهم لا يستغرب أن يكون بوذا نبياً من قبل، هو الآن إله، له تماثيل في شرق آسيا، وتقدم له أفخر أنواع الفواكه ليأكلها في الليل، ويأكلها الكهنة في الليل، حجر يأكل؟ هكذا يرون أنهم إذا وضعوا هذه الفاكهة أمام هذا التمثال يأكلها ليلاً وهذا من إكرامهم، ولكنهم يتسللون خفية ويأكلونها، ويطعمونها أهليهم وأولادهم، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: ((يا أيها الناس قولوا بقولكم أو بعض قولكم ولا يستهوينكم الشيطان أنا محمد عبد الله ورسوله ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله عز وجل )) [مسلم عن أنس بن مالك] أذكر لكم كثيراً أن السيدة عائشة حينما برأها الوحي كان أبوها أمامها فقال لها: يا بنيتي قومي إلى النبي فاشكريه، فقالت: والله لا أقوم إلا لله، على مسمع من النبي فابتسم عليه الصلاة والسلام وقال: "عرفت الحق لأهله". النبي كان متواضعاً، وما كان يريد أن يعظم تعظيماً يفوق مقامه، فوق مقامه مقام الألوهية، هو أعلى مقام لكن هو عبد. لعب الأطفال لا علاقة لها بتعظيم التماثيل والمجسمات : أيها الأخوة في نهاية هذا الدرس أذكر لكم أن لعب الأطفال لا علاقة لها بهذا الدرس، هذه اللعب لا يقصد منها التعظيم، ولا الزهو، ولا الاستعلاء إنما هي تحقق رغبة في الصغار، لذلك الإسلام لم يضق بها ذرعاً، لعب الأطفال لا علاقة لها بتعظيم التماثيل والمجسمات. قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: ((كنت ألعب بالبنات عند النبي صلى الله عليه و سلم وكان لي صواحب يلعبن معي، فكان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا دخل يتقمعن منه، فيسربهن إلي فيلعبن معي)) [ البخاري عن عائشة] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4928/07.jpg إذا أخذ الإنسان زوجة صغيرة، لا يتحملها أن تبدو صغيرة - عقلها صغير- يريدها أن تتصرف و كأن عمرها ثلاثون سنة، وهي عمرها خمسة عشر عاماً، هذا موقف غير واقعي، هذا السن له خصائص، أنت اخترتها صغيرة، النبي عليه الصلاة والسلام كان يراعي سن السيدة عائشة فقال عليه الصلاة والسلام: ((ما هذا؟ قالت: بناتي)) [ أبو داود عن عائشة] الطفلة الصغيرة وهي في أصغر سن تمسك بالوسادة وتجعلها ابنتها، وتربت على طرفها، وترضعها، هكذا الطفل، هذه الفطرة، الفطرة شيء والبنية شيء: ((قالت بناتي قال فما هذا الذي أرى في وسطهن قالت فرس قال ما هذا الذي عليه قالت جناحان قال فرس له جناحان قالت أو ما سمعت أنه كان لسليمان بن داود عليه السلام خيل لها أجنحة قالت فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه)) [ أبو داود عن عائشة] ابتسامته ومداعبته وهو نبي مرسل، وهو مشرع، لو أنها محرمة لما ابتسم، ولا ضحك، ولا أقرها، العلماء استنبطوا أن لعب الأطفال لا علاقة له بهذا الموضوع، وقد تأتي بلعبة لطفل تملأ حياته سروراً. قال الشوكاني: "في هذا الحديث دليل على أنه يجوز تمكين الصغار من اللعب بالتماثيل". قال القاضي عياض: "إن اللعب بالبنات للبنات الصغار رخصة"، هناك رخصة أن يلعب الطفل الصغير أو البنت الصغيرة بلعبة صغيرة، هذا مستثنى من درس التماثيل والاستعلاء بالتماثيل، ولهذا الدرس تتمة إن شاء الله تعالى. |
رد: العبادات التعاملية
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية الدرس : ( الرابع و العشرون ) الموضوع : الكرامة فى العمل الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون الذكر فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. كرامة الإنسان أن يكون له عمل : أيها الأخوة الكرام: مع الدرس الثامن من سلسلة دروس: "الحلال والحرام"، وقد بدأنا في الدرس الماضي في موضوع العمل، ووقفنا عند الكرامة في العمل. العاطل لا كرامة له، قال سيدنا عمر: "إذا رأيت الرجل ليس له عمل يسقط من عيني" فكرامة الإنسان أن يكون له عمل، أي عمل ما لم يكن محرماً في الشريعة شكلاً أو مضموناً أو أسلوباً فهذا العمل شريف، لذلك قال عليه الصلاة والسلام: ((لأن يأخذ أحدكم حبله فيأتي بحزمة من حطب على ظهره فيبيعها فيكف الله بها وجهه خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه)) [ متفق عليه عن الزبير بن العوام] إذاً من هو الذي ينبغي أن يذم؟ هو القوي الذي لا يعمل، هو الكسول، هو الذي يرضى أن يكون عالة على الناس، هو الذي تعرض عليه الأعمال فيرفضها، لا يحب أن يعمل، وجد أن مدّ اليد أهون من العمل، هذا الذي ينبغي أن يذم. أما الإنسان الذي خرج من بيته ليكسب رزقه فهذا عمل شريف. المؤمن الكامل لا يحتقر أحداً مهما كان عمله : أيها الأخوة الكرام: مرة ثانية وثالثة ورابعة، لا يوجد في الإسلام ازدواجية، عملك دينك، عملك عبادتك، عملك جزء من رسالتك في الحياة، فالمجتمع الإسلامي متكامل، كل إنسان أتقن عمله، وأخلص في عمله، ورحم الناس في عمله، وكان عمله مشروعاً، وسلك فيه الأساليب المشروعة، و ابتغى كفاية نفسه، وخدمة أهله، وخدمة المسلمين، ولم يشغله عن فريضة، ولا عن واجب، ولا عن طاعة، ولا عن طلب علم، انقلب عمله إلى عبادة. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4930/01.jpg النقطة الدقيقة: لا يجوز لإنسان له عمل مكتبي أن يحتقر من له عمل عضلي، قد يكون هناك مدير عام وعنده حاجب، الحاجب مكلف بالتنظيف، المؤمن الكامل لا يحتقر أحداً مهما يكن هذا العمل، مادام العمل مشروعاً، وشريفاً، وسلك فيه الأساليب المشروعة، فهو عمل طيب. وللمسلم أن يكتسب رزقه عن طريق الزراعة، أو التجارة، أو الصناعة، أو عن طريق حرفة من الحرف، أو وظيفة من الوظائف، يكاد يكون النظام الإسلامي لا يقبل أن يأخذ الإنسان المال إلا مقابل سلعة، أو حرفةٍ، أو وظيفةٍ، أو خدمةٍ، أو تجارةٍ، أو صناعةٍ، أو زراعة، بهذه الطريقة طبعاً هناك كسب، وهناك عدوان على الكسب، من يملك القوة فبحكم قوته، أو سيطرته، أو أساليبه الملتوية، يعتدي على كسب الآخرين، هذا الذي يأخذه سماه العلماء سحتاً، يأكل السحت وتعريف السحت: كسب الكسب، إما بالاحتيال أو بالقوة. إذا كان قوياً أو إذا كان ذكياً، فإما أن يحتال ليأخذ كسب الآخرين، وإما أن يجبرهم على أن يأخذ كسبهم، في كلا الحالتين هذا هو السحت. الحكمة من جعل الأرض بساطاً ممتداً : الآن لو بدأنا بالزراعة، الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ والله جعل لكم الأرض بساطا * لتسلكوا منها سبلاً فجاجاً﴾ [سورة نوح:الآية 19-20] الأرض منبسطة، أحياناً يوجد تضاريس حادة، أوضح مثال مكة المكرمة، جبال كثيرة جداً، انحدارها حاد، صخرية، لو أن الأرض كلها كذلك لمتنا من الجوع، والله جعل لكم الأرض بساطاً، ممتدة. ذكرت منذ مدة لو فرضنا أن الأرض تفلتت من جاذبية الشمس، وسارت في أعماق الفضاء الخارجي، وأردنا أن نعيدها إلى حظيرة الشمس، نحتاج إلى مليون مليون حبل فولاذي، قطر كل حبل خمسة أمتار، قوة شد كل حبل تقدر بمليوني طن، كل حبل فولاذي مضفور قطره خمسة أمتار يتحمل قوى شد تعادل مليوني طن، نحن نحتاج إلى مليون مليون حبل، معنى هذا أن الأرض مجذوبة إلى الشمس بقوة تعادل ملونين ضرب مليون مليون طن. إن كل هذه القوة من أجل أن تحرفها ثلاثة ميليمتر في الثانية الواحدة، من أجل أن تسير على مسار مغلق، ألم يقل الله عز وجل: ﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ ﴾ [ سورة البروج:الآية 1] لو أردنا أن نزرع هذه الحبال على السطح المقابل للشمس، وهذه الحبال كما تعلمون يزيد طولها عن مئة وست وخمسين مليون كيلومتر، لو أردنا أن نزرع مليون مليون حبل، قطر كل حبل خمسة أمتار، لفوجئنا أن بين الحبلين خمسة أمتار فقط، فنحن أمام غابة من الحبال الفولاذية التي تعيق أشعة الشمس لأنها تتداخل، وتعيق زراعة الأرض، وبناء الأبنية، عندئذٍ تستحيل الحياة على وجه الأرض، الآن دقق في قوله تعالى: ﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ﴾ [سورة الرعد: الآية 2] هناك عمد ولكنكم لا ترونها، الله لطيف، عمود ولكن عمود من قوى الجذب يمكنك أن تمشي خلاله، لا يعيق الرؤيا ولا الحركة، ما هو عمود: ﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ﴾ [سورة الرعد: الآية 2] ﴿ والله جعل لكم الأرض بساطا ﴾ [سورة نوح:الآية 19] تصميم المعادن وصفات المعادن خصيصاً لراحة الإنسان : أريد أن أوضح هذه الحقيقة: لمعت فكرة في ذهني أن هذا الزجاج شيء ثمين، تستقبل الشمس في أيام الشتاء، والهواء لا يدخل، والبرد لا يدخل، تنعم بأشعة الشمس، وتستمتع المناظر الجميلة، وبالدفء، وبأشعة الشمس عن طريق هذا البلور. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4930/02.jpg كيف صنع هذا البلور؟ من رمل خاص، وبمعالجة خاصة، الإنسان صدفةً استطاع أن يصنع من الرمل زجاجاً، أما أن الرمل في علم الله فقد صمم خصيصاً ليكون زجاجاً. الرصاص عندما يبرد يزداد حجمه، هذه خاصة مهمة جداً، وهذه الخاصة المهمة أدركتها عندما وجدت أن المحافظة تريد أن تلغي الحديقة، والحديقة لها سور، وهذا السور مثبت في حجارة، كيف ثبت الحديد في الحجر؟ حفرت في الحجر حفرة، وضع الحديد، وصب الرصاص، الرصاص من خصائصه أنه يتمدد حينما يبرد، فإذا كانت الحفرة على شكل إجاصة وتمدد الرصاص الذي لفت نظري أن المهندسين فضلوا أن يقطعوا هذا الحديد بالأكسجين عن أن يقلعوه من الحجر، مستحيل أن يخرج الحديد من الحجر عن طريق الرصاص، إن الرصاص إذا برد تمدد مثل الجبصين تماماً. هذه الخاصة هل عثرنا عليها صدفة؟ لا. صمم الرصاص بهذه الخاصة ليكون عوناً للإنسان على تثبيت الحديد بالحجر. تجد محلاً تجارياً ضخماً مقفولاً بقفل، القفل مربوط بمثلث حديدي مزروع في الحجر، كيف؟ عن طريق الرصاص، يستحيل قلعه. إذاً المعادن وصفات المعادن هذه كلها مصممة خصيصاً لراحة الإنسان، الفضة تطهر المياه لقوله تعالى: ﴿ ويطاف عليهم بآنية من فضة﴾ [سورة الإنسان: الآية 15] لِمَ لم يقل من ذهب؟ أنا قرأت كتاباً عن الفلذات، الفضة من خصائصها أنها تطهر السوائل، ففي معامل تكرير المياه آخر مرحلة الماء يمر بأنابيب من الفضة، ففي هذا المعدن خاصة هي التطهير والتعقيم.﴿ والله جعل لكم الأرض بساطا * لتسلكوا منها سبلاً فجاجاً﴾ [سورة نوح:الآية 19-20] الأرض وضعت خصيصاً لبني البشر : ﴿ وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ ﴾ [ سورة الرحمن:الآية 10] لو أن الله قال: وضع الأرض للأنام أي للأنام ولغير الأنام، أما حينما قدمنا المفعول به فوجد القصر، كقولك: ﴿إياك نعبد﴾ فرق كبير بين أن تقول نعبد إياك وبين أن تقول إياك نعبد. إذا قلت: نعبد إياك ونعبد غيرك، أما إياك نعبد: فنعبدك وحدك يا رب. تقديم المفعول على الفعل يفيد القصر والحصر.﴿ وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ ﴾ [سورة الرحمن:الآية 10] أي هذه الأرض وضعت خصيصاً لبني البشر، فيها هواء، فيها ماء، حجم الأرض يتناسب مع وزن الإنسان، أو وزن الإنسان يتناسب مع حجمها، أنت على القمر وزنك السدس، ستون كيلو على الأرض على القمر عشرة كيلو، لو كانت الأرض أكبر كان وزنك مئتي كيلو، الحياة صعبة جداً، بالقمر رواد الفضاء يشكون من خفتهم، يرتدون ثياباً ثقيلة جداً كي يثبتوا على سطح القمر، في الأرض الوزن يتناسب مع الحجم:﴿والأرض وضعها للأنام* فيها فاكهة والنخل ذات الأكمام* والحب ذو العصف والريحان*فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾ [سورة الرحمن:الآية 10-13] الذرة لها قنوات عبارة عن أنابيب دقيقة جداً يعبر من خلالها غبار الطلع، شيء لا يصدق، لكن مشكلة الإنسان أن الأشياء المألوفة قد لا ينتبه إليها، لكن لو دقق في كل شيء لرأى العجب العجاب. الحكمة من نضج الخضار والفواكه بالتدريج ونضج المحاصيل في يوم واحد : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4930/03.jpg هل تستطيع تجميد الماء بدون تبريد؟ البطيخ ماء لو عصرت البطيخ لوجدت أن سبعاً وتسعين بالمئة ماء، بشعريات دقيقة وحبيبات دقيقة تجد ماء محلى وملوناً، وهذه القشرة القاسية- تجد السيارة تحمل خمسة طن من البطيخ- تتحمل الضغط، الشكل الكروي شكل يتحمل الضغوط، والضغوط تتوزع على سطحه كله، فلذلك الإنسان لو فكر في الفواكه والثمار، مثلاً المحاصيل تنضج في يوم واحد، أما الفواكه فتنضج تباعاً، والخضار تنضج تباعاً، تدخل إلى بيت مزروع بالطماطم تجد واحداً من خمسين أحمر والباقي أخضر، كل يومين تجنى الثمار الناضجة، حكمة بالغة، نضج الخضار والفواكه بالتدريج أما نضج المحاصيل ففي يوم واحد. قال لي أخ: ضمنت حقل بطيخ، حملت منه تسعين سيارة، كل يوم سيارة لمدة ثلاثة أشهر، كيف علم بالبطيخ الناضج؟ يوجد إشارة، يوجد حلزون صغير إذا انكسر تكون البطيخة ناضجة، وإذا بقي طرياً لم تنضج، وعلامات ممكن أن نفكر قال الله تعالى: ﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (25) ﴾ [سورة عبس:الآية 24-25] استعمالات الخشب : آية ثانية قال تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ [سورة الأنعام:الآية99] هذه الآية الوحيدة، نبات كل شيء، ممكن أن تعمل إحصاء عن أنواع النبات، يوجد نبات يعطيك حبات مسبحة، و يوجد نبات يعطيك ليف الحمّام، يوجد نبات يعطيك المسواك، يوجد نبات يعطيك نكاشات أسنان، يوجد نبات للأثاث –الزان-، يوجد نبات للنوافذ –كندي-، يوجد نبات للكبريت –الشوح للاستعمال الطري-، مئة نوع من الخشب، يوجد نبات يتمدد على الماء للأساسات، بعض الأبنية القديمة أساسها خشب، يوجد نبات لونه وردي مثل اللحم اللحام يضع دفاً من المشمش. أخبرني أخ كريم خبير في معامل النسيج، معمل ضخم جاء بآلات ضخمة، وضعت على منصات إسمنتية، والآلات من أرقى شركة، فلما أدير المعمل لم ينجح في عمله، الخيط يقطع. لم يتركوا خبيراً إلا وسألوه، جاء خبيراً دارساً في ألمانيا، ألغى المنصة الإسمنتية ووضع منصة من خشب التوت، اشتغل المعمل، لماذا؟ قال: لأن هذا الخشب أليافه متينة ومرنة، فعندما يصل المكوك للآخر هناك صدمة الخشب يمتصها، أما الإسمنت فلا يمتصها فيردها فينقطع الخيط. ظاهرة النبات ظاهرة تلفت النظر صممت خصيصاً لخدمة الإنسان : لو دققت في خصائص الخشب، خصائص المعادن، أشباه المعادن، ترى العجب العجاب، وترى أنها صممت خصيصاً لخدمة الإنسان، هي مسخرة للإنسان: ﴿ وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ [سورة الأنعام:الآية99] يوجد نبات طعام، يوجد نبات كوشوك، يوجد نبات فلين، يوجد نبات للمنظر، يوجد أشجار زينة، يوجد أشجار نخيل كزينة لا يحمل ثماراً- شواهق-، يوجد أشجار مظلات قف عندها أحيانا تجدها دائرة نظامية، جذع مستقيم، الأغصان مطبقة، الأوراق صغيرة، الأوراق دائمة الخضرة، هذا الشجر تشعر بأنه صمم ليكون مظلة للإنسان، في بعض المناطق الساحلية أمام كل بيت مظلة صيفاً شتاءً، تقول: هذه الشجرة إنما صممت لتكون مظلة للإنسان، يوجد أشجار حدودية، فيها شوك، جميلة جداً، ولها أزهار، ولها أوراق، ولكن اجتيازها صعب، تسمى بالزراعة أشجار حدودية، يوجد نبات لإمتاع العين، أنواع الورود، وأنواع الأبصال، وأنواع الرياحين، لا يعلمها إلا الله، ويوجد نباتات للبيوت؛ نباتات صالونات، هذا من فضل الله على الإنسان، ويوجد نباتات تعطينا البهارات، يوجد نباتات تمتع الحواس، يوجد نباتات عطرية، ويوجد نباتات أدوية، نبات كل شيء، أحصيهم، شيء لا يصدق، ظاهرة النبات وحدها تلفت النظر، معقول بذرة لها أجنحة تطير من قارة لقارة لها حلزون فإذا وقعت على الأرض غمس الحلزون في التراب ثم فتحت فتحة فنزل البذر إلى التراب وأنت لا تدري؟ الرعويات والغابات العذراء إنما زرعت بهذه الطريقة الذاتية بدون مزارع: ﴿ فأخرجنا به نبات كل شيء فأخرجنا منه خضرا نخرج منه حبا متراكبا﴾ [سورة الأنعام:الآية99] وقوله تعالى:﴿والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شيء موزون* وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين﴾ [سورة الحجر:الآية19-20] ما من مسلم يغْرس غَرساً أو يزرَع زَرعاً إلا كان له به صدقة : ما هي البذرة؟ كائن حي، لها رشيم، ولها سويق، ولها جذير، لها محفظة غذاء، إذا زرعته في القطن بعد حين ينمو السويق ويورق وينمو الجذير، تمسك بالمحفظة فارغة، أخذوا قمحاً من الأهرامات مخزناً منذ ستة آلاف عام، زرع فنبت، فهذا الرشيم يعيش ستة آلاف عام، قال عليه الصلاة والسلام:(( ما من مُسلم يَغْرِسُ غَرْساً، أو يَزْرَعُ زَرْعاً، فيأكلَ منه طَير، أو إنسان، أو بَهِيمة، إلا كان له به صدقة )) [ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أنس بن مالك ] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4930/04.jpg غير موضوع التجارة، والبيع والشراء، والربح، أي إنسان يأكل من هذا الزرع، أي طائر يأكل من هذا الزرع، هذا يعد في صحيفة زارعه صدقة. مقتضى الحديث كما يقول شراح الحديث: أن الثواب مستمر مادام الزرع أو الغرس مأكول منه، ولو أنك بعته، لو بعت هذا البستان، لو دخل إنسان وأكل من هذا الشجر بلا إذن، لو أكل الطير، أي زرع يؤكل لزارعه أجر كبير مادام الزرع أو الغرس مأكولاً منه، أو منتفعاً به، ولو مات غارسه، أو زارعه، ولو انتقل ملكه إلى ملك غيره، قال العلماء: في سعة الله عز وجل أنه يثيب على ما بعد الحياة كما كان يثيب على ما في الحياة، العلماء قالوا: ستة أشياء يثاب صاحبها بعد موته: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له، أو غرس، أو زرع، أو رباط - أحدهم أنشأ حصناً على الحدود، فأصبح هذا الحصن مركز قوة للمدافعين - رباط، زرع، غرس، ولد صالح، علم ينتفع به، صدقة جارية، هذه الأشياء الستة مستفادة من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن الذي فعلها يثاب بعد موته. قال: روي أن رجلاً مرّ بأبي الدرداء رضي الله عنه وهو يغرس جوزةً، فقال: أتغرس هذه وأنت شيخ كبير؟ وهذه لا تثمر إلا بعد كذا وكذا عاماً، فقال أبو الدرداء: ما علي أن يكون لي أجرها ويأكل منها غيري، انظر إلى الإيمان، أنا عليّ أن أزرعها، لوا أكل غيري منها الأجر لي، هذه أحاديث صحيحة. لمجرد أن تزرع زرعاً، أو أن تغرس غرساً، أي إنسان أكله بحق أو بغير حق – طائر، إنسان دفع ثمنه أو لم يدفع ثمنه، بعت البستان، انتقل لملكية أخرى، أنت حي، بعد الممات، الأجر ثابت - هل هناك في أي دين آخر ما يدعو للحث على الزراعة كهذه الأحاديث؟ قطع الشجرة إثم كبير : بعض المفكرين يقولون: ويلٌ لأمة تأكل ما لا تزرع، الأمة التي تخطط لمستقبلها تخطيطاً سليماً ينبغي أن تأكل ما تزرع، أن تكتفي ذاتياً، وهناك حديث معروف عندكم جميعاً، قال صلى الله عليه وسلم: (( إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها )) [أخرجه البزار عن أنس بن مالك] يوم القيامة الدنيا انتهت، عليك أن تغرس هذه الفسيلة، لذلك قطع الشجرة إثم كبير. في بعض البلدان - بلدان الخليج - لأنها صحراء فحتى جعلوها خضراء دفعوا عليها ألوف الملايين، فقال لي أحد المهندسين: عند المسؤولين تحويل الشارع أهون من قطع شجرة لقيمتها، تحويل شارع من جهة إلى جهة أهون عندهم من قطع شجرة. سمعت بوجود جزاء يزيد عن خمسين إلى ستين ألف ليرة لمن يقطع شجرة دون ترخيص. يقول رجل:((سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بأذني هاتين: مَنْ نَصَبَ شَجَرَةً فَصَبَرَ عَلَى حِفْظِهَا وَالْقِيَامِ عَلَيْهَا حَتَّى تُثْمِرَ كَانَ لَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ يُصَابُ مِنْ ثَمَرِهَا صَدَقَةٌ عِنْدَ اللَّهِ )) [ أحمد عن رجل من أصحاب النبي] دقق في الحديث ، كل شيء يصاب من ثمرها، كل من أكل منها، لو دخل إنسان بغير حق أكل منها، بيع، هدية، سرقة، بأية طريقة.((مَنْ نَصَبَ شَجَرَةً فَصَبَرَ عَلَى حِفْظِهَا وَالْقِيَامِ عَلَيْهَا حَتَّى تُثْمِرَ كَانَ لَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ يُصَابُ مِنْ ثَمَرِهَا صَدَقَةٌ عِنْدَ اللَّهِ )) [ أحمد عن رجل من أصحاب النبي] الحاجة إلى الزراعة و الصناعة و التجارة تختلف باختلاف الأحوال : استدل بعضهم على أن الزراعة هي أفضل المكاسب، وقال آخرون: بل الصناعة وعمل اليد أفضل، وقال آخرون: التجارة. ما الصواب؟ بعضهم قال: الزراعة، وبعضهم قال: الصناعة، وبعضهم قال: التجارة، فما الصواب؟ الصواب: إذا كنا نستورد الطعام والشراب فأول شيء أن نزرع طعامنا وشرابنا، أما إذا كان لنا أعداء يتربصون بنا فلا بد من صناعة السلاح، صناعة السلاح الذي يحفظ أرضنا، وديننا، وعزتنا، وكرامتنا، تأتي في الدرجة الأولى، وإذا كان موقعنا تجاري ممكن أن نؤمن أعمالاً كبيرة عن طريق التجارة، فالصواب أن كل قطر وكل بلد له ظروفه، و ملابساته، سمعت من أحدهم: بلد صحراوي يوجد مخزون ماء جيد في أعماق الأرض، فزرعوا قمحاً، هذا القمح اشتروه من الفلاح بـستة ريالات، سعره بالدول الأخرى ريال واحد، استنفذوا مخزون الماء كله فلم تربح معهم، الإنسان يجب أن يوازن، كانوا يحفرون ستين متراً يجدون الماء، الآن يحفرون ثلاثة آلاف متر و لا يوجد ماء، استنفذنا الماء كله، وأقمنا محصولاً لم يكن مردوده كما استهلك من الماء، فكل قطر له ظروفه، وملابساته، قال بعض المحققين: ينبغي أن يختلف ذلك باختلاف الأحوال، فحيث احتيج إلى الأقوات فالزراعة أفضل، وحيث احتيج إلى التجارة فالتجارة أفضل، وحيث احتيج إلى الصناعة فالصناعة أفضل. الحلال والحرام بالزراعة : الآن الحلال والحرام بالزراعة: كل نبات محرم استعماله محرم زراعته. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4930/05.jpg بقطر عربي مجاور عطلت الزراعات الغذائية لتحل محلها زراعة المخدرات الكيلو ثمنه يقدر بمئة ألف، فزراعة الغذاء عطلت وحلت محلها زراعة النباتات المخدرة، فلذلك أي نبات محرم استعماله محرم زراعته. إذا كان حكم الدخان حراماً فزراعة الدخان حرام، وإذا كان حكمه مكروهاً فزراعته مكروهة، مادام الحشيش محرماً قطعاً فزراعته محرمة قطعاً. بل إن زراعة العنب إذا علم الزارع أن مصيره إلى معامل الخمور تحرم زراعته، أحياناً يزرع اليانسون هذا إلى معامل الخمور، كل إنسان يزرع صنفاً يعلم أنه ينتهي إلى معمل خمر الزراعة محرمة ولو زرع عنباً، هذا هو الحكم الشرعي. سمعت عن رجل أعطوه دواء مسكناً، وفي بلد آخر يستخدم كمخدر، بكميات أكبر يصبح مخدراً من المخدرات، في هذا البلد ممنوع استعماله لأن استخدامه ليس استخداماً طبياً بل استخدام إدمان، فالبلد مانع، وجاء إنسان فهربه وربح أرباحاً طائلة، لكنه وقع في شر عمله - غير تقي - ويعلم أن هذا الدواء حينما ينقل من بلد لآخر لا يستخدم كدواء يستخدم كمخدر. سألني أخ: يوجد مادة لاصقة في بلد أوربي شرقي تستخدم كمخدر، يضعونها في مكان ثم يعرضونها للحرارة ثم يستنشقون بخارها فتخدرهم تخديراً كاملاً، قال لي: فيها أرباح طائلة، قلت له: حرام، في الأساس هي مادة لاصقة، ويعلم علم اليقين أنها تستعمل كمخدر، درسنا الحلال والحرام. أيّ شيء يستخدم خلافاً للشرع فلا ينبغي أن يزرع أن يتاجر به أو يباع : أي شيء تعلم أنه يستخدم خلافاً للشرع فلا ينبغي أن تزرعه، ولا أن تتجر به، ولا أن تبيعه، لأنه كما قال تعالى: ﴿ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾ [سورة المائدة: الآية 2] قال لي: مادة لاصقة ببلد أوربي شرقي يعرضونها للحرارة، ويستنشقون بخارها، مفعولها كفعل المخدر تماماً. قال لي: إننا نبيع منها بكميات كبيرة، كلاصق! لكن يستعملونها هكذا انتهى الأمر. هذه التجارة اركلها بقدمك، أحياناً يوجد أدوية مسكنة تستعمل كمخدرات بكميات كبيرة، أحياناً الكحول الطبي يشرب - في بعض البلاد يشرب - وله مفعول الخمر، الكحول الطبي! دقق في هذا الموضوع! أية زراعة إذا انتهت إلى محرم فهي محرمة، يسمى هذا في الفقه باب سد الذرائع. عندنا حكم جديد: لو إنسان ربى خنزيراً ليبيعه لغير المسلمين – يقول: ليس لي علاقة بدينهم حلال؟ - لا يجوز أن تتجر بشيء محرم، ولو بعته لغير المسلمين، هذا هو الحكم الشرعي. فكل إنسان يزرع يجب أن ينتبه! يوجد أحياناً زراعات كزراعة العنب فهي رائجة جداً، إنها تباع لمعامل تقطير العنب، يوجد زراعة اليانسون رائجة جداً لكن تباع لمعامل الخمور، فأي زراعة تباع لمعامل الخمور زراعتها محرمة، لأنه ما أدى إلى حرام فهو حرام، وهذا التحريم ليس لذاته ولكن لغيره، ويأتي تحت باب سد الذرائع، هذا هو الحكم الشرعي للزراعة. يوجد شيء آخر: أحياناً المزارع تستخدم هرموناً يؤدي إلى نمو النبات، يتألق لونه، ويرتفع سعره، ويزداد المحصول، لكن هذا الهرمون يتراكم في الجسم، والهرمون مسرطن، والهرمون ممنوع بيعه، والدول التي تبيعه لنا ممنوع عندها استخدام الهرمون نفسه، وكل فلاح يستخدم هذا الهرمون ليكبر البضاعة قبل أوانها ويبيعها بسعر أعلى على حساب صحة الناس، هذا الإنسان محاسب عند الله، طبعاً يدخل فيها أشياء كثيرة، كل مادة مسرطنة، مادة مؤذية، تتراكم في الجسم، هذه ينبغي أن تبتعد عنها، لذلك ينصح -إذا كانت هناك البلوى عامة ولا أحد ينضبط بالشرع - أن تختار القطعة الصغيرة من الطماطم، لأن الكبيرة أغلب الظن أنها مهرمنة، لاحظت أن المهندسين الزراعيين يختارون القطعة الصغيرة، هذه لا يوجد فيها هرمون، الهرمون مادة كيماوية وتستقر في الجسم بالنهاية تسرع النمو، وتزيد في عقد النبات، وترفع السعر، لكنها تؤذي الجسم، هذا هو الحلال والحرام في الزراعة. تحريم بيع العينة لأنه تحايل على الشرع : لكن ورد حديث يحتاج إلى تفسير يقول عليه الصلاة والسلام: (( إذا تبايعتم بالعينة )) بيع العينة هو في الصورة بيع شرعي وفي الحقيقة ربوي، ممكن أن تضع سجادة في المحل يأتي من يريد أن يستقرض بالربا لعندك، يقول لك: أتبيعني هذه السجادة؟ تقول له: نعم، بكم؟ بخمسين ألفاً، يقول لك: اشتريتها ديناً، وهي معلقة على الجدار، ثم يقول لك بعد قليل: أتشتريها مني نقداً؟ يقول لك: نعم بـأربعين ألفاً، فيخرج من الدرج أربعين ألفاً ينقدها له، ويسجل في دفتر الذمم، ذمة سجادة بـخمسين ألفاً، الشكل بيع صحيح، إيجاب وقبول، اشتراها بـخمسين ألفاً ديناً ثم باعها بـأربعين ألفاً نقداً، هذا اسمه بيع العينة، أي تحايل على الربا، فالإنسان مراب وعنده هذه السجادة منذ أربعين سنة لم يبعها ولم يشترها، معلقة على هذا الجدار، تباع في اليوم مئة مرة، يبيعها ديناً ويشتريها نقداً وهي معلقة على الجدار، والغبار قد تراكم عليها، هذا اسمه بيع العينة. قال: بيع العينة تحايل على الشرع، يقول عليه الصلاة والسلام:(( إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلاً، لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم )) [ أبو داود عن ابن عمر] مثلاً: إنسان أنشأ مزرعة، وعاش فيها ببحوحة، وهدوء، ونشاط، لا علاقة له بأحد، ولم يتعرف إلى الله، ولم يخدم إنساناً، ولم يدعُ إلى الله، ولم يأمر بالمعروف، ولم ينه عن منكر، ولا يريد أحداً، مناظر جميلة، وثمرات يانعة، ومسبح، وفيلا، إذا الإنسان ركن إلى الدنيا، الزراعة أحياناً لها علاقة بالدنيا، نزرع كي نأكل، ونزرع لنكتفي، أما إذا استخدمنا الزراعة كهواية استقللنا بها عن كل نشاط ديني، فقال:(( إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلاً، لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم )) [ أبو داود عن ابن عمر] إتقان الصناعات فرض كفاية : يجب على المزارع ألا يغفل عن الله عز وجل، ألا ينسى الله عز وجل، ألا يترك طلب العلم، الحياة بالتوازن، بالوسطية، لا نهمل الزراعة حتى نموت ونستورد كل شيء، ولا نتعلق فيها تعلقاً ينسينا كل شيء، الزراعة سلسة مسلية وجميلة وممتعة، تجد الإنسان يعيش في مزرعته لا يريد أحداً، لكن يبقى جاهلاً، لذلك علماء الشريعة قالوا: إن إتقان الصناعات فرض كفاية، كل أمة أسلامية يجب أن يكون فيها من كل الصناعات، بحيث لو أنها أهملت لأثم الجميع http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4930/06.jpg كل صناعة ضرورية يجب أن يختص بعض الناس بإتقانها، و إلا أثم جميع الناس. قال: أثمت الجماعة كلها وبخاصة أولي الأمر وأهل الحل والعقد. أهل الحل والعقد: كمجلس الشورى الذين ينتخبون أهل الحل والعقد، وأولي الأمر المنفذون، والجماعة كلها تأثم إذا تعطلت فيها بعض الصناعات الأساسية. مثلاً: ما قولكم أن صناعة غلاف الأدوية - هكذا بلغني قديماً- تصنع من مادة هلامية داخل فيها شحم الخنزير؟ فالأمة كلها تأثم إذا لم يكن عندنا مصنع يصنع الغلاف –البرشام- غلاف الأدوية، يوجد أشياء فيها شحوم خنزير كثيرة جداً، فالأمة كلها تأثم إذا أهملنا صناعة نقيم بها شرع الله عز وجل، يوجد معاجين أسنان فيها شحم خنزير، يوجد حلويات تأتي استيراداً وهي غالية الثمن فيها شحوم خنزير، كل دهن حيواني مستورد من بلد أجنبي في الأعم الأغلب فيه شحم خنزير. فمتى نأثم؟ إذا أهملنا الصناعة، نحن في أمس الحاجة إليها أهملناها وبقينا نستوردها من بلاد لا تحلل ولا تحرم أبداً. الاختصاصات النادرة يجب أن تكون متوافرة في المسلمين : يقول الإمام الغزالي في إحيائه نص مهم جداً أرجو أن تدققوا فيه: "أما فرض الكفاية فهو كل علم لا يستغنى عنه في قوام أمور الدنيا كالطب"، مثلاً عند المسلمين لا يوجد طبيب مسلم نسائي، هناك طبيب غير مسلم يكشف على عورات النساء، والأكمل أن يتواجد طبيبة، يجب أن تختار أولاً طبيبة، فإن لم يكن هناك طبيبة، تبحث عن طبيب مسلم، لا يوجد فأنت مضطر، فإن لم يكن هناك إنسان طبيب مسلم صادق أمين ورع متفوق ماهر الجماعة كلها تأثم. الاختصاصات النادرة يجب أن تكون متوافرة في المسلمين. قال: "أما فرض الكفاية فكل علم لا يستغنى عنه في قوام أمور الدنيا كالطب، إذ هو ضروري في حاجة بقاء الأبدان، وكالحساب فإنه ضروريٌ في المعاملات" كلية التجارة فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الكل. الحسابات عصب التجارة، إذا لم يتوفر المختصون بالحسابات الأمة كلها تأثم، وهذه هي العلوم التي لو خلا البلد عمن يقوم بها يصبح البلد كله آثماً، وإذا قام بها واحد كفى وسقط الفرض عن الآخرين. فالطب والحساب من فروض الكفايات، وكل علم وكل صناعة دقيقة قد نستوردها من بلد غربي وقد يكون البلد الغربي غير منضبط. آيات كثيرة في كتاب الله تشير إلى الصناعة : قال الله عز و جل:﴿وألنا له الحديد * أن اعمل سابغات وقدر في السرد﴾ [سورة سبأ: الآية 10-11] ﴿وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم فهل أنتم شاكرون﴾ [ سورة الأنبياء: الآية 80] ﴿ وأسلنا له عين القطر ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير﴾ [ سورة سبأ: الآية 12] هناك آيات كثيرة جداً في كتاب الله تشير إلى الصناعة، فالصناعة كما قلنا: فرض كفاية، والعرب في الجاهلية كانوا يتقنون بعض الحرف، هذا راعي غنم، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال:(( مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيّاً إِلا رَعَى الْغَنَمَ فَقَالَ أَصْحَابُهُ : وَأَنْتَ . فَقَالَ : نَعَمْ كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لأَهْلِ مَكَّةَ )) [ البخاري عن أبي هريرة ] سيدنا النبي، سيد الخلق وحبيب الحق، كان راعي غنم، والغنم ليست له، أي لم يكن غنياً، كان أجيراً، كنت أرعاها لقراريط لأهل مكة، لذلك قالوا: الفخر للعاملين لا للمترفين ولا للعاطلين. العمل النظيف وسام شرف للإنسان : الإنسان نراه أحياناً يرتدي ثياب العمل، ميكانيكي، ثوب أزرق ملطخ بالزيوت والشحوم والطين، مستلقِ تحت السيارة، هذا وسام شرف له، هذا عمل نظيف http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4930/07.jpg قال لي شخص كلمة - مكتبه لا يوصف – لكن تجارته محرمة، قال لي: أنا عملي قذر، من فمه قال لي: أنا عملي قذر، ومكتب لا يوصف في فخامته، في اليوم التالي ذهبت إلى إنسان يعمل في الميكانيك، رأيته منبطحاً في أيام الشتاء تحت السيارة، والطين كثير، والمطر تهطل بغزارة، ويرتدي ثياباً مهترئة مبللة زرقاء، أصلها زرقاء اللون، جاءها الزيت والشحم والماء والطين فلا لون لها، وأصلح المركبة تصليحاً جيداً وأخذ أجراً معتدلاً، والله قلت في نفسي: هذا عمل نظيف، انظر المفارقة: مكتب فيه من الأناقة ما لا يوصف، قال لي صاحبه: أنا عملي قذر، وإنسان آخر يعمل في تصليح المركبات وبوضع لا يوصف من القذارة - حسب مصلحته- ومع ذلك أنا قلت: هذا هو العمل النظيف، العمل النظيف أن يكون مشروعاً، والدخل مشروعاً. يوجد نصيحة للمسلمين: الإنسان لو لبس ثياباً مبتذلة في عمله، هذه الثياب وسام شرف له. زرت أخاً يعمل في تصليح المركبات، فأشار إلى إنسان يعمل عنده قال لي - معه لسانس - وما كنت أتمنى أن يقول هذه الكلمة، هو يفتخر أن عنده عمالاً يحملون إجازات ما كان مني إلا أن ذكرت له هذا الحديث: ((ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده وإن نبي الله داود ليه السلام كان يأكل من عمل يده)) [ البخاري عَنِ الْمِقْدَامِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] وجدت رداً مناسباً، هو يريد أن يصغره - أنا عندي عمال معها لسانس و تعمل في المكنسيان ـ وهو قد يكون أمياً، فقلت له:((ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده وإن نبي الله داود ليه السلام كان يأكل من عمل يده)) [ البخاري عَنِ الْمِقْدَامِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] أية حرفة تفضي إلى حرام فهي حرام : يبدو أن العمل اليدوي هو أحلّ عمل، فيه جهد حقيقي، يوجد عمل أساسه الاحتيال، والإيهام، والكذب، والتدجيل أحيانا، يوجد دلال صلى العشاء باتجاه الشمال، باع البيت ليلاً، ظنّ المشترون بأن البيت قبلي والنوافذ كلها نحو الشمال، قام لصلاة العشاء باتجاه الشمال، طبعاً أخذ أجرته مبلغاً ضخماً، هذا احتيال، صلى باتجاه الشمال ليوهم الشاري بأن البيت قبلي وقد بيع البيت ليلاً. أما العمل اليدوي فعمل فيه جهد حقيقي، فيه حلّ حقيقي. الآن أخواننا الكرام أية مصلحةٍ، أية صناعةٍ، تفضي إلى حرام فهي حرام، يقولون: أربح شيء تركيب الصحون الفضائية، ابقَ بدون عمل أفضل من أن تعمل بهذه المصلحة. يوجد مهن كثيرة جداً، تأجير الأفلام رائجة كثيراً! أية صنعة، أية حرفة تفضي إلى حرام فهي حرام، والدليل الوحيد القطعي قوله تعالى:﴿ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾ [سورة المائدة: الآية 2] لا تساهموا في آلات اللهو، أجهزة اللهو، أي كل شيء فيه معصية لا تساهم في صنعه. البغاء شيء بديهي حرام، الفنون المبنية على إثارة الغرائز شيء بديهي، صناعات التماثيل بديهية، الأشياء التي فيها إثارة للشهوات، رسام يرسم امرأة شبه عارية، كلامي عنها كلها تحصيل حاصل بأنها حرام من دون أن أضيف شيئاً، فكل هذه الصناعات التي لها علاقة بالحرام فهي حرام. سألني أخ سؤالاً: ما هو الحكم الشرعي بالمال الذي يكسبه بعض التجار بوساطة ترويج سلعهم بدعاية تلفزيونية تظهر فيها فتيات كاسيات عاريات ألا يعد حراماً؟ أكيد الأخ السائل لم يرد جواباً، أراد إعلامكم بأنه حرام، لأنه قال: لأن ما اقترن بحرام فهو حرام، كل شيء اقترن بحرام فهو حرام. الحرام حرام وما أعان على الحرام فهو حرام وما اقترن بالحرام فهو حرام : الحرام حرام، وما أعان على الحرام فهو حرام، وما اقترن بالحرام فهو حرام. أنت تصنع مادة منظفة - لاشيء عليك -، تصنع مادة عطرية، تصنع طعاماً لأطفال –لا شيء عليك ـ، أما إذا كانت امرأة شبه عارية تعرضه للناس اقترن هذا بحرام، يوجد -والعياذ بالله- من يفعل هذا بلا ورع إطلاقاً، ويصلي أيضاً، ويحضر مجالس علم، ثم يقول: هذا عمل. المسلم ملتزم. أعرف أشخاصاً يصنعون إعلانات لكن لا يستخدمون النساء بل الرجال، إن شاء الله ننتقل في الدرس القادم إلى التجارة، موضوع التجارة، وموضوع الحرف، وموضوع الوظائف، هذه كلها فيها أشياء حلال، وفيها أشياء حرام، لكن أنا أشعر أن الأشياء المحرمة تعرفونها جميعاً، ما أردت أن أفصل بها، البغاء؛ مثلاً إن جاءك زبون يريد أن يستأجر بيتك في الليلة الواحدة بخمسة آلاف، فهل يوجد من لا يشك في هذا؟ تقول: هم أحرار و أنت تعلم علم اليقين أن هذا المبلغ لا يدفع إلا من أجل الحرام، وهذه شائعة جداً تأجير البيوت للسياح، ويعلم المؤجر علم اليقين أن هذا البيت مستأجر للزنا وشرب الخمر، يقول: بالشهر كله خمسة آلاف، بالليلة الواحدة خمسة آلاف، يظن نفسه شاطراً وذكياً. فطبعاً أشياء لا أفصل بها لأني أثق أنكم تعرفونها جميعاً. فكل تجارة تفضي إلى حرام، كل صناعة تفضي إلى حرام ، كل زراعة تفضي إلى حرام فهي حرام، ودرسنا الحلال والحرام. حتى الإنسان الذي يبيع كؤوساً للخمور لها شكل خاص، هذه ينبغي ألا يبيعها، كل شيء متعلق بالخمور ومستلزماتها و أوانيها، أحياناً أوانٍ للثلج تقدم مع المشروب هذه الأواني ممنوع بيعها. يبيعون طاولات الزهر، أشياء كلها محرمة، يجب الانتباه، حتى بيع الدخان فيه مشكلة، فإذا كان محرماً فبيعه محرم، إذا كان مكروهاً فبيعه مكروه، حسب ما ذكر العلماء. فكما قلت لكم: أخطر درس بعد معرفة الله الحلال والحرام، ومنعني من التفاصيل أنني أتكلم مع مؤمنين، ويعلمونها بالفطرة والبديهة، ولا حاجة للتفاصيل في هذه. |
رد: العبادات التعاملية
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية الدرس : ( الخامس و العشرون ) الموضوع : الاكتساب بالتجارة و الوظائف الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون الذكر فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. ورود التجارة في القرآن الكريم و السنة الشريفة : أيها الأخوة المؤمنون: مع الدرس التاسع من سلسلة دروس: "الحلال والحرام في الإسلام" http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4934/01.jpg وقد وصلنا في الدرس الماضي إلى موضوع الاكتساب بالتجارة، تحدثنا عن الاكتساب بالزراعة والصناعة، وها نحن ننتقل إلى الاكتساب بالتجارة والوظائف. أيها الأخوة الكرام: وردت التجارة في القرآن الكريم، وفي السنة المطهرة، وقدت وردت تحت كلمة: يبتغون من فضل الله، فالسفر من بلد إلى بلد بنية التجارة هو ابتغاء من فضل الله، وقد قرن مع الجهاد في سبيل الله، يقول الله عز وجل: ﴿وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله﴾ [سورة المزمل:الآية 20] الإمام الشافعي يقول: "من لم يعهد منه سفر لم يعهد منه علم"، فالسفر ربما وسع أفق الإنسان، ربما كان في طلب العلم، وأشرف أنواع السفر على الإطلاق ما كان في طلب العلم الشرعي، أو العلم الشريف، يليه الفرار بالدين، يليه طلب الرزق. ﴿وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله﴾ [سورة المزمل:الآية 20] إشارات قرآنية كثيرة إلى التجارة التي يُبتغى بها فضل الله عز وجل : إشارات قرآنية كثيرة إلى التجارة التي يبتغى بها فضل الله عز وجل، لقوله تعالى: ﴿وترى الفلك فيه مواخر لتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون﴾ [سورة فاطر: الآية 12] ﴿ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات وليذيقكم من رحمته ولتجري الفلك بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون﴾ [سورة الروم: الآية 46] هذا التبادل التجاري بين البلاد من رحمة الله، الآن كيف يعاقبون دولة بالحصار التجاري؟ يعاقبونها أشد المعاقبة، تفقد الأدوية، تفقد المواد الغذائية، حليب الأطفال، يعاني المجتمع معاناة شديدة جداً حينما يمنع من التجارة الخارجية، هذا الشيء ملموس ترتفع الأسعار إلى عشرين أو ثلاثين ضعفاً، أحياناً تفتقد المواد يعاني الإنسان معاناة شديدة، الجالب مرزوق والمحتكر ملعون، من هو الجالب؟ الذي يأتي بالبضاعة التي يحتاجها المسلمون ويبيعها، هذا عمل طيب، لذلك قال تعالى: ﴿ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات وليذيقكم من رحمته ولتجري الفلك بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون﴾ [سورة الروم: الآية 46] إشارة أخرى إلى التجارة: ﴿أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا﴾ [سورة القصص: الآية 57] التبادل التجاري أحد أساليب نشر الحق : الحقيقة إذا الإنسان أكرمه الله بحجٍ أو بعمرة ٍيرى العجب العجاب، كل أنواع الفواكه والأغذية تجبى إلى هذا البلد، هذا بفضل التبادل التجاري بين البلدان. والدرس قبل البارحة، درس الجمعة عندما قال الله عز و جل: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ﴾ [سورة الحجرات: الآية 13] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4934/02.jpg أي جعل حاجات بعض الشعوب عند شعوب أخرى من أجل التعارف، أنت من أجل تأمين هذه الحاجة تبحث عن مصادرها، فإذا بحثت عن مصادرها التقيت بأناس آخرين، لعل بهذا التعارف ينتشر الدين، لعل بهذا التعارف ينتشر الحق، ولا عجب فإن أكبر بلد إسلامي في العالم الآن اندونيسيا، يعد مئة وخمسين مليون إنسان، هذه البلاد لم تفتح من خلال الحرب أبداً، فتحت عن طريق التجار. إذاً عندما يجعل ربنا عز و جل في كل بلد إنتاج متميز، يحتاجه العالم بأسره، البن يحتاجه العالم بأسره، الشاي يحتاجه العالم بأسره، الأرز يحتاجه العالم بأسره، قصب السكر يحتاجه العالم بأسره، ويوجد بلاد تفوقت في قصب السكر، وبلاد أخرى بالأرز، وأخرى بالقمح، وأخرى بالبن، وبلاد بالشاي، فهذه المواد التي يحتاجها العالم بأسره تقتضي أن يسافر الناس إلى هذه البلاد ليشتروا هذه المواد، من خلال هذا الشراء والتبادل التجاري يكون التعارف، من أجل أن تنشر الحق، من أجل أن تنشر هذه الرسالة الخالدة في أمم الأرض، فلذلك أحد أساليب نشر الحق هو التبادل التجاري، أكبر قطر إسلامي على الإطلاق إنما فتحه المسلمون لا بسيوفهم ولكن ببضائعهم، ومعاملاتهم، وانضباطهم، وكمالاتهم: ﴿أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا﴾ [سورة القصص: الآية 57] الله عز وجل قهر الشعوب على أن يتصلوا ببعضهم البعض : سيدنا إبراهيم يقول كما جاء في قوله تعالى: ﴿ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون﴾ [سورة إبراهيم:الآية37] بلاد صحراوية يرزقهم عن طريق التبادل التجاري، فالتجارة والشراء والبيع والاستيراد والتصدير واختصاص كل بلد بإنتاج يحتاجه العالم بأسره، هذا من أجل أن يتعرف الشعب على الشعب الآخر من أجل أن ينتشر الحق. الله عز و جل كما قهر الأفراد أن يسكنوا مع بعضهم قهر الشعوب على أن يتصلوا ببعضهم البعض، الشعب المنعزل شعب يعيش في أوهام. أهداف التجارة : والآن العبارة التي تدور على الألسنة أن الأرض أصبحت قرية صغيرة، التواصل، والسفر، والتبادل التجاري، خفف غلواء اتجاهات منحرفة كثيرة جداً، فكأن القصد الإلهي أن توزع هذه المواد الأساسية في قارات الأرض الخمس، الهدف من ذلك التعارف، والتعارف وسيلة لنشر الحق، ولنشر هذه الرسالة التي جاء بها النبي عليه الصلاة والسلام. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4934/03.jpg وإشارة أخرى في القرآن الكريم حينما قال الله عز وجل: ﴿لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف﴾ [سورة قريش: الآية 1-2] هذه رحلة تجارية، رحلة إلى اليمن في الشتاء، ورحلة إلى الشام في الصيف، هذا تبادل تجاري أيضاً، وقول الله تعالى: ﴿وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق*ليشهدوا منافع لهم﴾ [سورة الحج: الآية 27-28] سمح الله تعالى للحجاج أن يعقدوا صفقات تجارية في الحج، وهذه إشارة في القرآن الكريم: ﴿ليشهدوا منافع لهم﴾ [سورة الحج: الآية 28] ويوجد إشارة أخرى: ﴿ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ﴾ [ سورة النور: الآية 37] معناها يتاجرون، لكن تجارتهم لا تلهيهم عن إقامة الصلوات، وعن أداء الفروض الدينية، وعن طلب العلم. أروع ما في حياة المسلم أنه يعمل ويده عليا ويتعبد ربه وقلبه مطمئن : لذلك الإنسان السعيد هو الذي ينظم وقته؛ وقت لطلب العلم، ووقت لكسب الرزق، ووقت لتربية الأولاد، ووقت للاستجمام، ووقت للمطالعة، تنظيم الوقت من خصائص الموفقين في حياتهم، والإنسان الذي- دققوا في هذا الكلام- لا يملك وقت فراغ يملأه بحسب اتجاهه الشخصي هذا ليس إنساناً، هذا الذي يعمل ليلاً نهاراً، يخرج من البيت قبل أن يستيقظ أطفاله، ويعود بعد أن يناموا ويقول: أنا أعمل من أجلهم، أنت أطعمتهم لكن ضيعتهم، أنت وفرت لهم الغذاء لكن لم توفر لهم الغذاء الروحي، لم تكن قيماً عليهم، قيل: المؤمنون ليسوا أجلاس مساجد، ولا دراويش تكايا، ولا رهبان أديرة، إنهم رجال أعمال. أروع ما في حياة المسلم أنه يعمل ويده عليا، ويتعبد ربه وقلبه مطمئن، كما وصف الناس أصحاب رسول الله قالوا: رهبان في الليل فرسان في النهار. فالإنسان الذي له مهنة، له حرفة، له تجارة، له وظيفة، له صناعة، له زراعة، منتج، عامل، متقن، ينفع المسلمين، وله اتجاهه الديني، و يعرف الله عز و جل، هذا إنسان متميز، فالمسلمون ليسوا أجلاس مساجد، يجلس في المسجد ليلاً نهاراً، فقد لقي عيسى بن مريم رجلاً فقال : ما تصنع ؟ قال : أتعبد قال : من يعولك ؟ قال أخي فقال : أخوك أعبد منك والصحابة أثنوا على رجل، فسأل النبي: من يقوم بشأنه؟ قالوا: نحن جميعاً نقوم بشأنه، قال: كلكم أفضل منه. إتقان العمل جزء من الدين : فالإنسان الذي له حرفة، له عمل، له تجارة، له وظيفة أتقنها، كسب رزق منها، تزوج ستر فتاة، جبر بخاطر فتاة، أنجب أولاداً، رباهم تربية عالية، هذا الدين، أما الدين ذلّ، وخنوع، ومد يد، وتمسكن، وتذلل، وتضعضع، فليس هذا هو الدين: (( من جلس إلى غني فتضعضع له ذهب ثلثا دينه )) [ البيهقي في شعب الإيمان عن ابن مسعود] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4934/04.jpg الدين قوة، قال له: ارفع رأسك يا أخي، متى موت علينا ديننا، ارفع رأسك وأتقن عملك، للذين أحسنوا الحسنى وزيادة، قال تعالى: ﴿ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ ﴾ [ سورة يونس: الآية 26] قانون العز إتقان العمل، المتقن يرفع رأسه، أما إذا وجد أخطاء في صناعته، أخطاء في وظيفته، فلم يستوعب عمله، يوجد إهمال، يوجد تقصير، يوجد تسيب، يوجد أضرار فادحة، يبرر أخطائه بعدم الانتباه، وعدم المعرفة، هذا ليس مؤمناً، النبي عليه الصلاة والسلام دفن أحد أصحابه الذي سوى القبر ترك فيه فرجةً فقال عليه الصلاة والسلام: "هذه الفرجة لا تؤذي الميت ولكنها تؤذي الحي". تجد شخصاً يركب مفتاح الكهرباء بشكل مائل، هذه تؤذي الإنسان، لا يوجد لديك ميزان زئبق؟ تكلف من الوقت ثانية واحدة، أما لو ركب من غير ميزان ومائل فكلما ألقى إنسان نظرة على هذا المفتاح يتألم، لماذا هكذا مائل؟ أليس كذلك؟ أخواننا الكرام: إتقان العمل جزء من الدين، والشيء المؤسف أن أهل الدنيا غير المنضبطين بالإسلام أتقنوا أعمالهم فبلغوا الأوج، يقول لك: البضاعة محجوزة لثلاث سنوات قف في الدور لماذا؟ لوجود إتقان . على مستوى داخلي، إذا وجد عشرة أشخاص يعملون بالكهرباء والسوق كسدت من الذي لا يتعطل؟ المتقن، المتقن لا يتعطل ويعمل باستمرار، من الذي يستغنى عنه؟ غير المتقن، طبعاً إذا وجد رواج كلهم يعملون، أما إذا وجد كساد فلا يعمل إلا المتقن. كل إنسان محاسب على عمله : أخواننا الكرام: مرة ثانية إتقان العمل جزء من الدين، والدليل: (( إن الله يحب من العبد إذا عمل عملاً أن يتقنه )) [الجامع الصغير عن عائشة] ركبت لوح الزجاج بمسمارين فقط، انكسر، جاء على الولد، فقتله، يقول لك: ترتيب الله، هذا ليس ترتيب الله، هذا خطأ منك، هذا خطأ ممن ركب هذا الزجاج، كلما أخطأنا نعزوها إلى القضاء والقدر، هذا موقف غير إسلامي وغير صحيح، إن الإنسان محاسب لقوله تعالى: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ ﴾ [سورة يس: الآية 12] رجل يركب سيارته يأتي من جدة إلى الشام، في طريقه غيّر زيت المحرك لسيارته، صاحب مركز تغيير الزيت أمر صانعه الصغير أن يغير الزيت، الصانع لم يشد البرغي بشكل جيد، الزيت تسرب على الطريق، تعطل المحرك، الحرارة ستٌ وخمسون وقف في الصحراء، نزل من السيارة ليرى سبب العطل، رفع غطاء المحرك، أصيب بضربة شمس فمات، هل تصدقوني أن صاحب هذا المركز يحاسب كقاتل؟ طبعاً. أخذ أحدهم تحليلاً للحمل إلى المخبر، الموظف وقعت العينة من يده فانكسرت فكتب: الحمل إيجابي، جاء الأب مساءً، قالوا له: مبارك، ابنتك حامل، وابنته غير متزوجة يوجد مشكلة، فذهب وذبحها، وقعت هذه الحادثة بالشام: (( إن الله يحب من العبد إذا عمل عملاً أن يتقنه )) [الجامع الصغير عن عائشة] فالمؤمنون ليسوا متسكعين، ولا أجلاس مساجد، ولا دراويش تكايا، ولا رهبان أديرة، إنما هم رجال أعمال، في الليل رهبان وفي النهار فرسان. وسيدنا عمر يقول: " إني أرى الرجل ليس له عمل فيسقط من عيني ". إن الله كتب عليكم السعي فاسعوا . ما جاء في السنة عن التجارة : الآن هذا ما جاء في القرآن عن التجارة، ماذا جاء في السنة؟ يقول عليه الصلاة والسلام: (( التَّاجِرُ الأمينُ الصَّدُوقُ مع النَّبيِّينَ والصِّدِّيقين والشُّهداء )) [ أخرجه الترمذي وابن ماجة والحاكم وصححه عن أبي سعيد الخدري] أيها الأخوة الكرام: ألا ترون أن هذا العطاء لا يستحقونه أم ما هو التفسير؟ إنسان يبيع ويشتري و يتاجر ويربح ومع الشهداء والنبيين يوم القيامة ماذا فعل؟ التجارة ممتعة مسلية مسعدة، بيع، وشراء، وربح، وأموال طائلة، ومع الصديقين والأنبياء والشهداء يوم القيامة، أيستحقون هذا الشيء؟ هذا قول النبي، الحديث رواه الحاكم والترمذي بإسناد حسن، الجواب: أن الدعاة إلى الله نوعان؛ يمكن أن تدعو إلى الله بلسانك، ويمكن أن تكون داعية عن طريق عملك واستقامتك، فكما أن أكبر بلد إسلامي فتح عن طريق التجارة، إذاً التجار المسلمون دعاة إلى الله، دعاة إلى الله باستقامتهم، دعاة إلى الله بتعففهم عن الأرباح الفاحشة، دعاة إلى الله بنصحهم، بعدم غشهم، بتواضعهم، فهناك دعوة باللسان، وهناك دعوة بالسلوك، وربما كانت لغة العمل أبلغ من لغة القول، أي عندما يكبح التاجر نفسه عن الأرباح الطائلة غير المشروعة، يكبح نفسه عن احتكار البضاعة، يكبح نفسه عن رفع الأسعار الجنونية، يرحم الناس، يرق لهم، يلبي حاجاتهم، ييسر لهم مطالبهم، هذا التاجر قدم خدمة كبيرة جداً، لأنه لا يوجد إنسان إلا يشتري ويبيع، فإذا الباعة متواضعون رحماء ينشرون الإسلام بتواضعهم و رحمتهم، يقول التجار كلمة لطيفة عن كلمة التاجر: التاجر حرف التاء تقي، والألف أمين، والجيم جريء، والراء رحيم، ولها تفسير ثان ولكن لا يليق. إتقان المؤمن لعمله فلا يأخذ ثمن البضاعة إلا بحق : يوجد حديث أقل صحة من هذين أن: (( إن أطيب الكسب كسب التجار ؛ الذين إذا حدثوا لم يكذبوا، وإذا وعدوا لم يخلفوا، وإذا ائتمنوا لم يخونوا، وإذا اشتروا لم يذموا، وإذا باعوا لم يطروا ـ يمدحوا ـ وإذا كان لهم لم يعسروا، وإذا كان عليهم لم يمطلوا )) [ الجامع الصغير عن معاذ بسند ضعيف ] سبع صفات، الإنسان إذا باع واشترى، وربح ربحاً معقولاً، ووفر بضاعة جيدة، بسعر معتدل، بمعاملة طيبة، ورحم الناس بها، هذا قدم حاجة كبيرة جداً. أحياناً تسمع من الناس عرضاً – بارك الله له- اشتريت حاجة متقنة، استعملتها سنتين، ثلاث، أربع سنوات ضجرت منها، وهي جيدة، وسعرها معتدل، يمكن هذا الشاري يدعو للبائع آلاف المرات خلال سنوات استعمالها، بارك الله له بهذه البضاعة جيدة. أحدهم اشترى طقم كنبات، أول يوم جاءه ضيوف جلسوا فانكسر هذا الطقم، فذهب إلى الذي اشتراه منه فقال له: ما هذا؟ فأجابه البائع: هل جلستم عليه؟. اشترى أحدهم غرفة نوم، رأى غصناً أخضر يخرج منها، ما هذا العرق الأخضر معقول ! ما هو؟ تبين أن الخشب غير جاف، فنبت الغصن الأخضر في غرفة النوم. وبالإضافة إلى الكثير من الأعمال السيئة هناك عمل غير متقن باستعمال بسيط تجده غير صالح للاستعمال، وبالمناسبة الرخيص هو الغالي، والغالي هو الرخيص، فالفقير على فقره تبيعه حذاء سيئاً جداً بعد يومين يصبح بحاجة إلى لاصق، فالمؤمن يتقن عمله و لا يأخذ ثمن البضاعة إلا بحق. ضرورة توفر سوق إسلامية ملتزمة بتعاليم الإسلام و توجيهاته : هل تصدقون أن النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن بنى مسجداً في المدينة، بعد أن أصبح للمسلمين كيان، بنى مسجداً، ثم بنى سوقاً خاصاً للمسلمين، لا يوجد به ربا ولا كذب ولا يوجد يهود- هذا يرويه كتّاب السيرة- كانت سوق بني قينقاع من قبل، وقد رتب النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه سوقاً، وظلّ يرعاه بتعاليمه وتوجيهاته، فلا غش، ولا تطفيف، ولا احتكار، ولا تناجش، إلى غير ذلك مما يقع فيه بعض التجار. سوق إسلامي، الآن يوجد سوق مشتركة نريد سوقاً إسلامياً، لا يوجد كذب، ولا أيمان، ولا غش، ولا احتكار، و لا تدليس، ولا استغلال، و لا إيهام، ولا بيع ضرر، النبي عليه الصلاة والسلام بعد أن بنى المسجد، بنى سوقاً إسلامياً، والتجار في هذه السوق يتعاملون تعاملاً جيداً. بلغني أن الزنوج في أمريكا في بعض أحياء نيويورك أسسوا مثل منطقة إسلامية، وأقاموا حراساً من عندهم يمنعون دخول البغايا وتجار المخدرات، هذه السوق أسسوها على مبادئ الإسلام. يذكر لي أحد الأخوة الكرام الذي كان هناك أن معظم الشركات في أمريكا تتهافت على فتح مكاتب أو متاجر في هذا السوق، لا يوجد فيه مخدرات، ولا بغاء، ولا جرائم، ولا قتل، وأعلى دخل دخل أصحاب هذا السوق، وأقل المشكلات عندهم، فنحن بحاجة إلى سوق إسلامية. المؤمن المستقيم الطاهر الورع ينبغي على المسلم أن يدعمه : إذا كان أخ مؤمن له مصلحة من المفروض أن ندعمه، نشتري من عنده ولو كان محله أبعد، لأنه عندما يكون أحدهم مستقيماً مؤمناً أنت دعمته، فإن دعمته فإنك دعمت الحق، أما غيره فكذاب، غشاش، دجال، يزور البضاعة، يوجد أشخاص يمحي تاريخ انتهاء الصلاحية هذا غش كبير، البضاعة فقدت مفعولها. وهناك إنسان يقدم بضاعة سيئة، بضاعة فاسدة، ولا يعنيه ذلك، يعنيه الربح فقط، أما المؤمن المستقيم الطاهر الورع فهذا ينبغي أن ندعمه، فأنا والله أرتاح جداً إن كان أخ له مصلحة يملك متجراً، يملك مشروعاً، والأخوان ذهبوا إليه، ساعدوه، واشتروا من عنده، جبر خاطر، ودعم، وتقوية، انصر أخاك، لكن إذا وجد أخ يمتلك مصلحة، والأخوان ذهبوا إليه، يجب ألا يرفع أسعاره، يقول: هؤلاء أخواننا وليسوا غرباء، وهذه أيضاً تعتبر مشكلة، يجب أن تبيع بسعر السوق. تقول: هذا أخ طيب لا يجادلني بالسعر فترفع السعر، أنا عندي أولاد، هذا كلام غير مقبول. فتوجيهي دوماً أنه إذا كان لك أخ له مصلحة ورفع سعره فاتركه واذهب للغريب تأديباً له، أما إذا كان سعره من سعر السوق فهو أولى، إذا كان متقناً في عمله وسعره معتدلاً هذا ينبغي أن تدعمه، أي إذا اغتنى أخوك ينفق ماله في الحلال، يدفع زكاة ماله، ينفع الفقراء، أما إذا كان فاجراً عاصياً وأغنيته فسوف يسهر في الفندق، ويشتري الخمر، يذهب لسياحةٍ كلها فسق، وفجور بأرباحه. فأنت بين أن تدعم إنساناً مستقيماً، ينفق ماله في وجوه صحيحة، ولصالح المسلمين، وبين أن تدعم إنساناً فاسقاً، فاجراً، ينفق ماله في المعاصي والآثام، فكل إنسان يمتلك مصلحة، مؤمن، يجب أن نساعده، ونشتري من عنده، ونشجعه، ونقويه، وندعمه، هذا سلوك إيماني صحيح. أروع موقف عند الله عز و جل تعاون المؤمنين : سيدنا بن عوف كما تعلمون آخاه النبي مع سعد بن الربيع، وسعد بن الريبع من أغنياء الأنصار، وقال لعبد الرحمن بن عوف المهاجر: يا أخي عندي بستانان خذ واحداً منهما، وعندي حانوتان خذ واحداً منهما، هذا موقف فيه مؤاثرة، ووصفهم الله عز و جل فقال: ﴿ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ﴾ [سورة الحشر: الآية 9] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4934/05.jpg إلا أن سيدنا عبد الرحمن بن عوف قال له: "بارك الله لك في مالك ولكن دلني على السوق". فالأنصاري كان في أعلى درجات المؤاثرة، والمهاجر كان في أعلى درجات التعفف. هكذا ربى النبي أصحابه، ربى قسماً على المؤاثرة وربى الآخرين على التعفف، فكما أن الأول قال له: دونك نصف مالي، أي خذ نصف مالي، قال له الثاني: بارك الله لك في مالك ولكن دلني على السوق. لا يوجد موقف أروع عند الله عز و جل من تعاون المؤمنين. سيدنا الصّديق كان تاجر بزّ أي قماش، فكان يتاجر ويسعى حتى أنه يوم بايعه المسلمون على الخلافة وضع القماش على كتفه وذهب إلى السوق. سيدنا الصّديق ما طلعت شمس على رجل بعد نبي أفضل من أبي بكر، وضع القماش على كتفه ليتاجر، لكن الصحابة منعوه وأعطوه مقابل تفرغه لقيادة هذه الأمة. سيدنا عمر كان يعقد الصفقات ويتاجر في السوق، من أين كان يعيش؟ من عمله. سيدنا عثمان كان يعيش من التجارة، سيدنا ابن عوف كان يعمل، سيدنا أبو عبيدة كان قصاباً، أبو حنيفة كان تاجر أقمشة، ابن حنبل، كبار الصحابة، كبار العلماء، لهم أعمال يكسبون منها أرزاقهم، لأنهم قدوة للآخرين. التجارة المحرمة : الآن طبعاً درسنا الأساسي الحلال والحرام، فالتجارة حلال إن كانت البضاعة في الأصل مشروعة، وفضلاً عن أن البضاعة مشروعة ينبغي أن تسلك في التعامل مع الآخرين الأساليب المشروعة التي أمر الله بها، لكن ما هي التجارة المحرمة؟ أولاً- أية تجارةٍ إذا كان موضوع التجارة بضاعة محرمة بذاتها، أو بضاعة محرمة لغيرها، أي الخنزير والخمر والتماثيل وكل شيء محرم في الأصل ممنوع بيعه وشرائه، تبيع قماشاً ولكنك أوهمت الشاري أن البضاعة راقية جداً، وهي من مصدر متدن، فالتحريم بالتجارة إما لعين البضاعة، أو لأسلوب التعامل مع الآخرين، فالخمور، والمخدرات، والخنازير، والأصنام، والتماثيل، ويوجد كؤوس الخمور، كؤوس الخمور محرمة بيعها وشراؤها، أحياناً طاولات النرد، أشرطة الكاسيت التي كلها غناء، أشرطة الفيديو التي فيها أفلام ساقطة، كل شيء محرم تجارته محرمة، يقول: العمل عبادة ماذا فعل؟ تجده يتجاهل، هذا عمل وأنا مضطر، لا، أية بضاعة تتعامل بها إذا كانت محرمة فالتجارة بها محرمة، كل إنسان يراقب نفسه، هذا يبيع الدخان، الدخان بين الكراهة التحريمية وبين التحريم وأنت تبيع الدخان، أخي ماذا نفعل؟ ماذا نفعل هذا كلام مرفوض. أي تجارة موضوعها أو موادها التي تتعامل بها محرمة فتجارتها محرمة. الآن البضاعة حلال ولكن يوجد كذب، تدليس، غش، إيهام، احتكار، عمل يوجد فيه خطأ، أيضاً أصبح التحريم مرةً لذاته ومرةً لغيره. الإنسان هل له الحق أن يتاجر بالذهب والحرير؟ نعم. لأنه مباح للنساء استعمال الذهب والحرير، أما إذا كان يصنع للرجال ذهباً أو حريراً فلا يجوز هذا، يوجد بعض الألبسة الحريرية الصافية للرجال ممنوع بيعها لأنها في الأساس محرمة على الرجال: ((خرج مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المصلى ، فرأى الناس يتبايعون، فقال : يا معشر التجار ، فاستجابوا لرسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - ، ورفعوا أعناقهم وأبصارهم إليه ، فقال : إن التجار يبعثون يوم القيامة فجارا ، إلا من اتقى اللَّه وبر وصدق)) [ الترمذي عن رفاعة بن رافع] أحياناً يقول لك: لو عينت موظفة على مستوى راق من الشكل تجلب زبائن، خيراً إن شاء الله. هذا لم يستقم على أمر الله، أو نعرض إعلاناً عن طريق نساء كاسيات عاريات لنجلب الزبائن هذا أيضاً حرام. ((إن التجار يبعثون يوم القيامة فجارا ، إلا من اتقى اللَّه وبر وصدق)) مرة خرج عليه الصلاة والسلام إلى التجار، قال: وكنا تجاراً، وكان يقول عليه الصلاة والسلام: ((يا معشر التجار إياكم والكذب)) [ الطبراني عن واثلة] فالكذب يهدي إلى الفجور والفجور يهدي إلى النار. اليمين الكاذبة منفقة للسلعة ممحقة للبركة : ويقول عليه الصلاة والسلام: (( ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، قَالَ : فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثَ مِرَارًا، قَالَ أَبُو ذَرٍّ : خَابُوا وَخَسِرُوا، مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ : الْمُسْبِلُ، وَالْمَنَّانُ، وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ )) [أخرجه مسلم، وأبو داود، والترمذي عن أبي ذر] الذي لا ينظر الله إليه يوم القيامة وله عذاب أليم هو الذي ينفق سلعته بالحلف الكاذب: (( الْحَلِفُ مُنَفِّقَةٌ لِلسِّلْعَةِ مُمْحِقَةٌ لِلْبَرَكَةِ )) [ البخاري عن أبي هريرة] اليمين الكاذبة منفقة للسلعة ممحقة للبركة. وعن أبي سعيد قال: ((مر أعرابي بشاة فقلت : تبيعنيها بثلاثة دراهم؟ قال : لا والله ثم باعنيها فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : باع آخرته بدنياه )) [ ابن حبان عن أبي سعيد الخدري] يحلف يميناً معظّمة أن رأسمالها أغلى، والحقيقة رأسمالها أقل، يقول لك: والله خسرانة، هو يطمع أن يربح بها مئة بالمئة فربح بها سبعين بالمئة، يقول لك: خسران، هو يكون قد خسر ثلاثين بالمئة، هكذا يقولها، فالكذب بالتجارة خطير جداً. طبعاً الغش يخرج الغاش من ملة الإسلام لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنَّا )) [ الترمذي عن أبي هريرة] والتطفيف بالكيل والوزن لقوله تعالى: ﴿ويل للمطففين﴾ [سورة المطففين: الآية 1] إذا كال القماش للبيع يشده، وإذا كاله ليشتريه يرخيه، فيتدلى القماش عن المتر مشكلاً قوساً لأنه الآن يشتري، أما إذا كان يبيع فيشده، يصبح الفرق ثلاثة سنتيمترات، فبين الله تعالى عقوبة ذلك بقوله: ﴿ويل للمطففين* الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون* وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون﴾ [سورة المطففين: الآية 1-2-3] الاحتكار:((الْمُحْتَكِرُ مَلْعُونٌ )) [الدارمي عن عمر بن الخطاب ] الربا: (( دِرْهَمٌ رِبًا يَأْكُلُهُ الرَّجُلُ وَهُوَ يَعْلَمُ أَشَدُّ مِنْ سِتَّةٍ وَثَلاثِينَ زَنْيَةً )) [ مسند أحمد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْظَلَةَ ] رواه الإمام أحمد ورجاله رجال موثقون. الاشتغال بالوظائف : بيقي الموضوع الأخير هو الاشتغال بالوظائف. قال: للمسلم أن يكسب رزقه عن طريق الوظيفة سواء أكانت هذه الوظيفة تابعة لأولي الأمر، أم لهيئة، أم لشخص، كلها وظيفة، لكن الشرط مادام قادراً على أداء واجبات هذه الوظيفة، متحملاً لتبعاتها، ولا يجوز للمسلم أن يرشح نفسه لمناصب القضاء والحكم إلا بشرط سأذكره بعد قليل، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((وَيْلٌ لِلْأُمَرَاءِ، وَيْلٌ لِلْعُرَفَاءِ، وَيْلٌ لِلْأُمَنَاءِ، لَيَتَمَنَّيَنَّ أَقْوَامٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَّ ذَوَائِبَهُمْ مُعَلَّقَةٌ بِالثُّرَيَّا يُدْلَوْنَ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَأَنَّهُمْ لَمْ يَلُوا عَمَلًا)) [ ابن حبان عن عائشة] إذا شغلت وظيفة وأهملت واجبك الوظيفي و أناس تضرروا فأنت مسؤول، إذا شغلت عملاً وقصّرت، أهملت، ظلمت، سيبت، حابيت، تعاملت تعاملاً غير أخلاقي، أعطيت لأسباب غير موضوعية، فهذا الإنسان قال: يتمنى يوم القيامة أن ذؤابته معلقة بالثريا وأنه مدلى بين السماء والأرض وأنه لم يحصل على عمل كهذا في الدنيا. وسيدنا أبو ذر كما تعلمون قال: يا رسول الله ألا تستعملني؟- أي توظفني- فقال عليه الصلاة والسلام: (( يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنَّكَ ضَعِيفٌ، وَإِنَّهَا أَمَانَةُ، وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ إِلَّا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا، وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا )) [ مسلم عن أبي ذر] من وجّه كل همه إلى مظاهر الأرض حرم توفيق السماء : وقال عليه الصلاة والسلام: ((القضاة ثلاثة اثنان في النار وواحد في الجنة؛ رجل علم الحق فقضى به فهو في الجنة، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار، ورجل جار في الحكم فهو في النار)) [ أبو داود و ابن ماجه عن بريدة] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4934/06.jpg أحدهم علق بأنه الآن قاضٍ في النار وقاضيان في جهنم، أي الأكثرية انحرفوا، لكن القضاء شيء خطير جداً، قاضٍ في الجنة وقاضيان في النار، الذي في الجنة عرف الحق فقضى به، وأما اللذان في النار فأحدهم عرف الحق فقضى بخلافه، والثاني ما عرف الحق فقضى بجهله، كلاهما في النار. قال بعضهم: من اتخذ المنصب رباً اتخذه المنصب عبداً، ومن وجه كل همه إلى مظاهر الأرض حرم توفيق السماء. أيضاً سيدنا عبد الرحمن بن سُمرة قال له النبي صلى الله عليه وسلم: ((يا عبد الرحمن بن سمرة، لا تسأل الإمارة، فإنك إن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها، وإن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها)) [ البخاري عن عبد الرحمن بن سمرة] عندما يطلبها الإنسان بإلحاح معنى ذلك أنه يبتغي مكاسب غير مشروعة منها، أما إذا كلف بها و أجبر عليها فيعان عليها. وعن أنس رضي الله عنه قال:((من ابتغى القضاء وسأل فيه الشفعاء وكل إلى نفسه ومن أكره عليه أنزل الله عليه ملكاً يسدده )) [ الترمذي عن أنس] يوجد قاض في عهد المنصور، معروف في المدينة أنه يحب الرطب في بواكيره، طرق بابه ذات يوم، قدم له طبق رطب، فسأل الغلام: من جاء به؟ قال: رجل، قال: صفه لي، قال: كيت وكيت. فعرف أنه أحد المتخاصمين، فقال: رده، أعطه إياه، بعد أيام عدة طلب مقابلة الخليفة، طلب منه إعفاءه من القضاء، قال له: لماذا؟ أنت من خيرة القضاة؟ فذكر له طبق الرطب الذي رده، قال له: والله في اليوم التالي وقف المتخاصمان أمامي تمنيت أن يكون الحق مع الذي قدم طبق الرطب مع أني لم آخذه فكيف لو أخذته؟ إذاً:((من ابتغى القضاء وسأل فيه الشفعاء وكل إلى نفسه ومن أكره عليه أنزل الله عليه ملكاً يسدده )) [ الترمذي عن أنس] يوجد حالة خاصة: الإنسان إذا علم أن هذا المنصب ليس هناك من يشغله بحقه، والمؤمن واثق أنه إذا تسلمه ينفع المسلمين، قال: يجوز أن يطلبه كما فعل سيدنا يوسف في قوله تعالى: ﴿ قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ﴾ [سورة يوسف: الآية 55] ممكن إذا كان المنصب حساساً، وأنت نزيه، وعندك علم، وواثق من نفسك، ولم يتقدم أحد، والمسلمون معطلة مصالحهم، لك أن تطلب هذا المنصب لخدمة المسلمين. الوظائف المحرمة : قال: ما الوظائف المحرمة؟ قال: أية وظيفة إذا أوقعت بالمسلمين ضرراً، مثلاً بالأرض المحتلة إذا تعاون أحدهم مع اليهود ليضر المسلمين هذه وظيفة محرمة. في عهود الاستعمار إذا انضم أحدهم للجيش الفرنسي المستعمر مثلاً، هذا الجيش لماذا هو هنا؟ من أجل أن يؤذي المسلمين، ويسلب خيراتهم، وأموالهم، ويقمع حريتهم، فأية وظيفة في سلك يوقع الأذى بالمسلمين هذه الوظيفة محرمة، أية وظيفة في سلك يوقع الأذى بالمسلمين الانضمام إلى هذه الوظيفة محرم. بل إن ذهب أحدهم إلى أمريكا, وهو ذكي جداً، أغراه معمل أسلحة براتب ضخم، وجنسية، إلى آخره، هذا المعمل يصنع أسلحة من أجل إيذاء المسلمين في العالم، يقول: راتب ضخم، وفيلا، إلى أين تسير أنت؟ هذا المعمل يصنع الأسلحة لقتل المسلمين في العالم، إذاً محرمة. فأية وظيفة في سلك يوقع الأذى بالمسلمين، أو في معمل سلاح موجه إلى صدور المسلمين، هذه وظيفة محرمة. إذا سافر أحدنا إلى بلاد الغرب، يوجد مغريات كثيرة جداً، إذا ثبت لك أن عملك في بلاد الغرب مهمته إيقاع الأذى بالمسلمين، بعض الأحيان يوجد أشخاص معهم شهادات عليا في الكيمياء والفيزياء يوظفون في معامل تصنع السلاح الكيماوي، هذا طبعاً شيء محرم. أية وظيفة في سلك مهمة هذا السلك إيقاع الأذى بالمسلمين في أي مكان في العالم طبعاً محرمة. الآن وظيفة من شأنها الإعانة على ظلم حرام، وأية وظيفة تعين على حرام فهي حرام، إنسان توظف في مؤسسة ربوية فإذا كنت فيها فعملك يعين على هذا الحرام، أو مؤسسة قمعية فعملك يعين على الحرام، في محل خمور، في نواد ليلية، في مراقص، في بارات، فأي عمل فيه معصية الوظيفة فيه محرمة، أقول: الله الغني. وظيفة مشروعة دخلها واحد بالعشرة من دخل هذه الوظيفة خير لك. لذلك أية وظيفة تعين على الحرام فهي حرام، أية وظيفة تعين على الإثم والظلم فهي حرام، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام قال: (( لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه، وقال هم سواء)) [مسلم عن جابر] ((لَعَنَ اللهُ الْخَمْرَ، وَسَاقِيَهَا، وَعَاصِرَهَا، وَمُعْتَصِرَهَا، وَحَامِلَهَا، وَالْمَحْمُولَةَ إِلَيْهِ، وَبَائِعَهَا، وَمُبْتَاعَهَا، وَآكِلَ ثَمَنِهَا)) [ الطبراني عن عبد الله بن عمر] الابتعاد عن المهن التي تضعف اتصال الإنسان بالله عز وجل : يوجد إشارة لطيفة بأنه يوجد مهن ترقق الدين، مثلاً محلات بيع للنساء، تريد كريم يتناسب مع لون بشرتها، تنظر إلى وجهها لترى ما يناسبها، تقول لك: يناسبني هذا مثلاً، هذه مشكلة، عملك مع نساء وزينة النساء إنها مشكلة. يوجد مهن متعلقة بالنساء فقط، والآن النساء غير منضبطات، لا يوجد حياء إطلاقاً، لا يوجد خجل، لا يوجد روادع، من علامات آخر الزمان ترفع النخوة من رؤوس الرجال، ويذهب الحياء من وجوه النساء، وتنزع الرحمة من قلوب الأمراء. إذا لم يكن هناك حياء، ولا خجل، يوجد وقاحة، وتفلت، وتكشف، وتبذل من النساء، فالمهن المتعلقة بالنساء فقط ترقق الدين، أذن الظهر قم إلى الصلاة، صعب، تجد نفسك محجوباً، إذا وجد الاختلاط، والنظر، والتعليقات، والترحيب الزائد أين بقي الدين؟ فإن كانت الوظائف بمكان يرقق الدين فستضعف اتصال الإنسان بالله عز و جل. فلو فرضنا محلاً بأرقى متاجر دمشق، كلف ديكوره عشرون مليوناً، و قارن بينه و بين متجر في زقاق الجن مع الشحم والزيت، الثاني أشرف و أنظف لعدم وجود المعصية، يوجد إتقان في العمل، ولو كان متجراً فخماً جداً ومكيفاً، لكن كل الزبائن نساء متبذلات، كاسيات، عاريات، وقحات، وأنت يجب أن تعاملهم وتقنعهم بالشراء، وتنظر إليهم، وتؤانسهم، إنها ترقق الدين كثيراً، لذلك النبي الكريم قال: ((نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات)) [ مسلم عن أبي هريرة] ويقول عليه الصلاة والسلام: (( دع ما يَريبك إلى ما لا يريبك )) [الترمذي عن الحسن بن علي] ويقول عليه الصلاة والسلام: ((لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع مالا بأس به حذراً مما به بأس)) [رواه الترمذي عن عطية بن عروة السعدي ] قاعدة ثابتة في كسب المال : أخواننا الكرام: كقاعدة أخيرة وثابتة في كسب المال، الكسب الحلال هو الذي تكون فيه منافع متبادلة، أي كسب يبنى على إفقار الآخرين، أو على إضرار الآخرين، هو كسب حرام، إذا لم يكن هناك منافع متبادلة لا يوجد معارضة، اليانصيب وجهه من هنا، كل كسب يبنى على إفقار الآخرين كسب حرام، الدليل قوله تعالى: ﴿ لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [سورة النساء: الآية 29] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4934/07.jpg هذا أول شرط ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ قال: عندما تبني ثروتك على إفقار الآخرين كأنك قتلتهم، المال قوام الحياة فلا بد من التراضي أولاً، ولا بد من أن يكون هذا الكسب فيه منفعة مشتركة. أنت اشتريت حاجة، أنت بحاجة إلى قميص دفعت ثمنه وأخذته، فصاحب القميص عمل وقدم سلعة وربح، وأنت ارتديت قميصاً في الصيف، هذه منفعة مشتركة. فأي منفعة مشتركة متبادلة في عوض هذا كسب مشروع. أما أخذت من كل شخص خمس ليرات، وأعطيت ربعهم لشخص في اليانصيب، والباقي لم يأخذوا شيئاً، فالذي أخذ وأنت الذي ربحت أنتما الاثنان منتفعان أما البقية فلم ينتفعوا بشيء، فأي كسب يبنى على إيقاع الضرر بالآخرين، أو على إفقارهم، أو على حرمانهم من أي شيء، هذا كسب غير مشروع، أما الكسب المشروع فهو الكسب الذي يحقق منفعة متبادلة: ﴿إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم﴾ [سورة النساء: الآية 29] الدخل الذي يبنى على إفقار الآخرين دخل حرام : إذا أنت أفقرت أخاك، دقق الآن لم يقل: ولا تقتلوا أخوانكم أو المسلمين، قال: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ إذا أفقرت أخاك و صار أخوك مجرماً لن تنام الليل، اسأل ضباط الأمن الجنائي يقولون: كلما جاءت ضائقة مالية ترتفع نسب الجرائم. إذا أفقرت أخاك المسلم تحوله إلى مجرم، إذا لم يتواجد الإيمان، أولاده جائعون، تتصاعد نسب الجرائم، و الاختلاسات، والسرقات حينما تقل الدخول، فكل دخل يبنى على حرمان الآخرين دخل حرام، لماذا الربا حرام؟ لأن المال يلد المال، والربا يجمع الأموال كلها بأيد قليلة، ويحرم منها الكثرة الكثيرة، فالدخل الذي يبنى على إفقار الآخرين هذا دخل حرام، هذا المبدأ الأساسي، قال تعالى: ﴿إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم﴾ [سورة النساء: الآية 29] إذا أنت حرمت أخاك المال قتلته، وإذا قتلته سوف يقتلك، هذه قاعدة: إذا حرمته المال قتلته وإذا قتلته سوف تحوله إلى مجرم. لذلك في أوربة معمل نسيج مثلاً لكل نول يوجد عامل، جاء الآن الكمبيوتر والكاميرا والمراقبة التلفزيونية، أصبح لكل مئة نول عامل واحد، فارتفعت بذلك نسب الجرائم، وكثرت البطالة، فوجدت الضرائب الأمنية، لكيلا يسرق المعمل يدفع ضريبة كبيرة جداً، لم يستفد شيئاً، عندما حلت الآلة محل الإنسان، الإنسان أصبح بلا عمل، أصبح عبئاً على الأمة والمجتمع. فإذا أفقرت أخاك أي أنك قتلته، وإذا قتلته قتلت نفسك. العنف لا يلد إلا العنف. والآية دقيقة جداً، علاقتها:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [سورة النساء: الآية 29] إذا أخذت مال أخيك أفقرته، بقي بلا شيء، حولته إلى مجرم، وأقلقك، وهدد أمنك:﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً (29) ﴾ [سورة النساء: الآية 29] أيها الأخوة: إن شاء الله تعالى في الدرس القادم ننتقل إلى موضوع الحلال والحرام في الزواج وحياة الأسرة، أنهينا موضوع الأعمال الزراعة والصناعة والتجارة والوظائف. |
رد: العبادات التعاملية
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية الدرس : ( السادس و العشرون ) الموضوع : امر الزواج و العلاقات الاسرية الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون الذكر فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. حياة الإنسان مبنية على أساس الابتلاء : أيها الأخوة الكرام، مع الدرس العاشر من سلسلة دروس: "الحلال والحرام في الإسلام" http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4936/01.jpg وقد وصلنا في الدرس الماضي إلى الحلال والحرام في أمر الزواج والعلاقات الأسرية. أيها الأخوة، بادئ ذي بدء: طبيعة الحياة الدنيا بأكملها طبيعة أساسها الابتلاء، وكل ما ركب في الإنسان حيادي في الأصل، يمكن أن يوجه توجيهاً صحيحاً أو توجيهاً خاطئاً، لذلك أراد ربنا سبحانه وتعالى حينما خلقنا أن نعمر الأرض، لذلك نحن جميعاً مقهورون، بمعنى أن دافع الجوع الذي أودعه الله فينا من أجل أن يبقى أفرادنا، دافع الجوع يحقق بقاء الفرد، والدافع الجنسي يحقق بقاء النوع. نحن شئنا أم أبينا، لابد من أن نأكل حتى نبقى أحياء، ولابد من أن نتزاوج حتى يبقى النوع البشري، فهذا الدافع يدفعنا إلى الزواج، دافع الجوع يدفعنا إلى تناول الطعام من أجل أن نبقى، ودافع الغريزة يدفعنا إلى الزواج من أجل أن يبقى النوع. لكن كما قلت قبل قليل: الحياة الدنيا بأكملها، بكل مظاهرها، بل إن حياة الإنسان بالذات مبنية على أساس الابتلاء. اتجاهات العالم الغربي في موضوع الشهوات : الدافع الجنسي يمكن أن يكبت، وليس هذا من الدين، ويمكن أن يطلق، وليس هذا من الدين، هناك اتجاهات في العالم الغربي إلى إطلاق هذا الدافع من غير قيد أو شرط، أيّ علاقة حققت اللذة فهي مباحة عندهم، زنا، شذوذ، زنا محارم، تبادل زوجات، أي علاقة تحقق اللذة مشروعة في العالم الغربي، فهي مباحة عندهم، والآن يدفعون الثمن في أعلى درجات الغرامات، يكفي أن مرض الإيدز منتشر في العالم برقم فلكي، سبعة عشر مليون إنسان مصاب بهذا المرض، وهذا المرض الآن يتكاثر، وعندنا سلسلة حسابية وسلسة هندسية، والآن اخترعوا سلسلة انفجارية، كل نصف ساعة يموت إنسان بهذا المرض، وسببه إطلاق الشهوة، وبعض المذاهب الأخرى في آسيا كبتت الغريزة الجنسية كلياً، شيء قذر، ليس هذا من الدين، إذا كبتت هذه الغريزة تعطل هذا الهدف النبيل منها، وإذا أطلقت تفلتتْ. الإسلام وسط بين طرفين : أيها الأخوة، الإسلام وسطي، وقالوا: الفضيلة وسط بين طرفين، لو ذهبنا هذا المذهب لوجدنا أن كل الفضائل تقع في منطقة متوسطة بين طرفي رذيلة، يمكن أن يكون الإسلام في مجمله وسطاً، لقوله تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ﴾ [سورة البقرة: 143] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4936/02.jpg والآن أيها الأخوة، الذي يلفت النظر أن العالم انقسم إلى شرق وغرب، إلى شرق يؤمن بالمجموع، وإلى غرب يؤمن بالفرد، إلى شرق يؤمن بالمجموع ولو سحق الفرد، وإلى غرب يؤمن بالفرد ولو سحق المجموع، ما الذي حصل؟ الشرق عاد عن تطرفه إلى الوسطية مقهوراً لا عن إيمان، والغرب عاد عن تطرفه مقهوراً إلى الوسط، لذلك أشار ربنا سبحانه وتعالى إلى أن هذا الدين يكون هو الدين الذي يظهره الله عز وجل على الدين كله، بسبب أنه وسطي، فالرهبانية التي ابتدعها غير المسلمين ] مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ [، ولأننا ما كتبناها عليهم ]فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا [، لذلك تجد انحرافات لا حصر لها فيمن نذروا أن يدعوا هذه الغريزة بدافع ديني فيما يدعون، الانحرافات الجنسية تتفاقم في أوساطهم. فلذلك لا أحد يتحرك حركة مخالفة لمنهج الله في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم نذروا أن يدعوا الطعام، وبعضهم يدع الزواج، فلم علم النبي قال: (( أنا أشدكم لله خشية، أنا أنام وأقوم، أصوم وأفطر، أكل اللحم، وأتزوج النساء، هذه سنتي، فمن رغب عنها فليس من أمتي)) [ البخاري عن عائشة ] المنهج الذي جاء به النبي من عند الله يؤهل الإنسان ليصل إلى أعلى مرتبة : أريد أن أقول: يمكن أن تصل إلى أعلى مراتب الإيمان وأنت في الوسطية، الطرق التي تقول: لابد من خلع الدنيا كلياً، لابد من ترك الزواج، لابد من ترك العمل، لابد من التجرد، لابد من الزهد، الزهد الغير معقول، هذا تطرف وغلو في الدين، يمكن أن تتزوج، وأن تعمل، وأن تتوازن، وأن تأكل، وأن تشرب، وأن تلبس، وأن تكون إنساناً طبيعيًّاً، وأنت في أعلى درجات الإيمان، هذا المنهج الذي جاء به النبي يؤهلك إلى أعلى مرتبة عند الله، فلا تبحث عن منهج آخر، لا تبحث عن بديل غير واقعي، لا تبحث عن بديل فيه تطرف، لا تبحث عن بديل فيه غلو، ولا يستطيع إنسان كائناً من كان على وجه الأرض أن يضيف على الدين شيئاً أو أن يحذف منه شيئاً. فلذلك الفرق الإسلامية والطرق التي ابتدعت، هذه على العين والرأس إذا غطيت بالقرآن والسنة، أما إذا كان فيها توجيهات ليست مغطاة بالقرآن والسنة فلا نأخذ بها، قال تعالى: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً ﴾ [سورة المائدة:4] لا مرتبة في الدين بترك العمل : لا تعتقد أن هناك مرتبة تنالها بتجاوز الكتاب والسنة، ليس هناك مرتبة تنالها بترك الزواج، ليس هناك مرتبة بالدين تنالها بترك العمل، تكون عالة على غيرك، لا، سيدنا النبي كان راعياً للغنم، وعمل تاجراً، تجارة داخلية وتجارة خارجية، وكان أول شريك مضارب في الإسلام، أخذ المال من خديجة، وتاجر به، لها نصف الربح نظير مالها، وله نصف الربح نظير جهده، علمنا النبي، نحن نريد عودة إلى ينابيع الدين، كيف هؤلاء المسلمون فتحوا العالم؟ فتحوه لأنهم جلساء متكئون؟ لا والله! زاهدون مهمشون في الحياة؟ خرجوا من الحياة؟ لو فعلوا هذا ما فتحوا العالم. سيدنا عمر دخل إلى بلدة فرأى معظم من يعمل فيها ليسوا من المسلمين، التجارة والصناعة بغير يد المسلمين فعنفهم أشد التعنيف، وقال لهم -ودققوا في قوله-: كيف بكم إذا أصبحتم عبيداً عندهم؟ سيدنا عمر هذا الصحابي الجليل، العملاق من عمالقة الإسلام رأى أن في الحياة منتجاً ومستهلكاً، وأن المنتج هو السيد، وأن المستهلك هو المسود، أن المنتج هو الغني، وأن المستهلك هو الفقير، المنتج هو القوي، والمستهلك هو الضعيف، ولا يريدنا أهل الغرب إلا مستهلكين، لا يريدون إلا أن نكون سوقاً رائجة لمنتجاتهم. لذلك المؤمن يبحث في مشروع ينفع المسلمين، يرفع من معيشتهم، يحل مشكلاتهم، هذا إنسان في أعلى درجات العبادة، ديننا منهج كامل، لا يوجد تطرف، لا يوجد انسحاب من الحياة، ولا تقوقع، ولا هروب، هذا مجتمع مسلم، يجب أن ننهض جميعاً في خدمة وتربية أبنائنا، لتأمين فرص عمل ولحل مشكلات. الإسلام نهى عن التبتل واعتزال النساء وأمر بتيسير الزواج : لذلك الإسلام وسطي لم يكبح هذه الغريزة التي أودعها الله فينا، شيء الله خلقه فينا، زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين، هذا ليس خطأ منا، إنما هو مركب في أصل فطرتنا، فلم يكبح هذه الغريزة كما فعلت الرهبانية، ولم يطلقها كما أطلقتها العلمانية، الرهبانية تطرفت بكبح هذه الغريزة، والعلمانية تطرفت بإطلاق هذه الغريزة، الإسلام وسطي، هذه الغريزة التي أودعها الله فينا رسم لها قنوات نظيفة. في الإسلام هناك زوجة فقط، العلاقة التي تروى بها هذه الغريزة لا يمكن أن تكون إلا عن طريق الزواج. لذلك أريد أيها الأخوة أن أشير إلى ناحية، لو أن الرجل زنا كل يوم بامرأة سراً لا شيء عليه، أما إذا تزوج امرأة أخرى لضرورة قاهرة تقام عليه الدنيا، هذا خلاف المنهج الإلهي، امرأة لا تنجب، امرأة مريضة، امرأة لا تكفي زوجها، هل نسمح للزوج أن يذهب يمنة ويسرة لكي لا تخدش مكانته الاجتماعية أم نسمح له بتنفيذ شرع الله عز وجل؟ هل يعقل أن يبقى في كل بيت ست أو سبع بنات في سن الزواج لا خاطب ولا من يطرق الباب وإنسان يعاني ما يعاني من مشكلة الزواج؟ زوجته العقيم أو المريضة أو... فيجب أن نطبق الإسلام كما أراده الله عز وجل، لا كما يعجبنا، يعجبنا منه ما يعجبنا، ونرفض منه ما نرفض. الموضوع الأولي أن هذه الغريزة لن تكبح كما فعلت الرهبانية، ولن تطلق كما فعلت العلمانية، ولكن رسمت لها قنوات نظيفة تروى من خلالها. الإسلام نهى عن التبتل، ونهى عن اعتزال النساء، وأمر بتيسير الزواج، كيف يرضى الله عنا ونحن نعطل كلامه؟، ألم يقل الله عز وجل: ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكِمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ [سورة النور: 32] الأمر لمن موجه؟ لمجموع المسلمين، أو لأولي الأمر، أو لأولياء الأمور، أو لأولياء الفتيات والفتيان، أنكحوا، أي زوجوا، خففوا القيود، أزيلوا العقبات، فهذا إنسان أودع الله فيه هذه الغريزة، ولم يتمكن من الزواج إلى سن الأربعين، ماذا يفعل في نفسه من العشرين حتى الأربعين؟ التساهل مع الخاطب وسيلة للقضاء على المتع الرخيصة : أخواننا الكرام، أقول: إذا لم نتحرك جميعاً، ونذلل العقبات، ونيسر السبل، إذا لم نتساهل مع الخاطبين، إذا لم نقبل بشروط دون طموحاتنا، يحل السفاح مكان النكاح، وتكثر دور الدعارة، وتكثر وسائل المتعة الرخيصة. هناك نقطة دقيقة أحب أن تكون بين أيديكم، شاب من يومين ذكر لي مشكلته يسكن في بيت، والبيت فيه صحن هوائي، ذكر لي أشياء أكاد لا أصدقها، شاب في ريعان الشباب، والده يرى هذه المناظر التي لا يعقل أن تكون في بيت إسلامي، خمس عشرة محطة تركية تبث برامج يستحي الإنسان أن يراها بمفرده، فكيف أمام زوجته وأولاده؟ هكذا بيوت المسلمين الآن، تعرف البيوت من الأسطحة، كم شمسية في هذه البيوت على الأسطحة؟! القضية خطيرة، يلعب أحدنا بالنار، ويلعب بقنابل في أيّ لحظة تتفجر. الذي أرجوه من الله عز وجل أن نتحرك، وأن تسعى بتزويج شاب بفتاة، إذا عندك فتاة في سن الزواج، لا تعرقل زواجها، لا تضع العراقيل أمامها، لا تضع المستحيلات، ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكِمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ الحكمة من الأوامر القرآنية بغض البصر وعدم إظهار الزينة : الحقيقة هناك سؤال: لماذا هذه الأوامر القرآنية بغض البصر وعدم إظهار الزينة؟ قال تعالى: ﴿ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (32) ﴾ [سورة الأحزاب: 32] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4936/03.jpg ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ﴾ [سورة الأحزاب: 53] ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللهَ خَبِيرُ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [سورة النور:30] هذه الأمور موجودة في القرآن، ليست حديثاً ضعيفًا، ولا تعليق صحابي، ولا رأي عالم، إنها آيات محكمة في كتاب الله واضحة كالشمس، ] قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ[، لأن هذا القرآن من عند الخبير الذي خلقنا، والذي أودع فينا هذه الغريزة، والذي صممها لتكون حيادية، إما أن ترقى بها إلى الجنة، بهذه الغريزة بالذات، وإما أن تكون دركات إلى النار، درجات إلى الجنة أو دركات إلى النار، الغريزة نفسها كحب النساء. تصور إنساناً روى هذه الغريزة وفق منهج الله، خطب فتاة مسلمة من أسرة مسلمة، من أسرة مؤمنة، إسلامي، فيه ورع، فيه علم، فيه حياء، فيه أدب، فيه حجاب، فيه صون، وأنجب منها أولاداً، ورباهم تربية إسلامية، سعد بها، وسعد بأولاده، وسعد ببناته وأصهاره، هذا التصميم الإلهي. وتصور إنسانًا من ملهى إلى ملهى، من مرقص إلى مرقص، يروي هذه الغريزة من دار إلى دار، هنا تروى، وهنا تروى. العقل أداة معرفة الله : قلت قبل قليل في أول الدرس: إن كل شيء خلق في الإنسان مصمم بشكل حيادي، إما أن ترقى به، وإما أن تهوي به، فالعقل أداة معرفة الله، يمكن أن تصل من خلاله إلى الله، ويمكن أن تصل من خلاله إلى أكبر عمل إجرامي، العقل نفسه، الشهوة نفسها، يمكن أن تغدو هذه الشهوة معراجاً لك إلى الله، والشهوة نفسها دركات إلى النار، حب العلو في الأرض، يمكن أن تهب حياتك للحق، فيرفع الله لك ذكرك، فتعلو في الأرض عن غير قصد منك، ويمكن أن تجعل علوك في الأرض أحد أهدافك الكبرى، فترقى عن طريق إتلاف الآخرين، وسحقهم، وأخذ أموالهم، واغتصاب حقوقهم. حاجة الحياة إلى علم حقيقي : أيها الأخوة الكرام، الحياة تحتاج إلى علم حقيقي، علم عميق، يجب أن تعرف من أنت؟ لماذا ركبت فيك هذه الشهوات؟ ماذا ينبغي أن تفعل؟ لأن الشيء الخطير أنه يمكن لإنسان أن يفقد دينه بامرأة، لأن المعاصي دليل الكفر، أو أن يفقد اتصاله بالله بخروجه عن منهج الله، أو أن يفقد سعادته كلها بشهوة منحرفة، فلا تعجب إذا رأيت في القرآن الكريم آيات كثيرة تنظم علاقة المرأة بالرجل، ولا تعجب أن الذين سلموا من العطب هم الذين طبقوا منهج الله عز وجل، لا تعجب، ولا تعجب أن البيوت التي انهارت بسبب مخالفة لمنهج الله. كلّ المشكلات والمصائب بسبب الخروج عن منهج الله : هناك نقطة أحبّ أن أذكرها بشكل واضح، بحكم عمل الدعاة تأتيهم مشكلات، تعرض عليهم قضايا الإنسان، من تقاطع هذه المعلومات يتضح أن كل مشكلاتنا بسبب خروجنا عن منهج الله، والإنسان أحياناً بكل بساطة يسافر إلى بلد آخر، ويترك زوجته في البيت مع أخويه الشابين، الذي حدث أنه اعتدى أحدهما على امرأة أخيه، وكانا في خلوة، زوجة بمفردها في البيت ومعها شابان في ريعان الشباب، والزوج غائب في بلد آخر، هذا هل يعرف منهج الله عز وجل؟ هذه الخلوة سببت الزنا، لو كان لديه وقت ونفَس طويل يتتبع كل مشكلة يجد أول خيط المشكلة من مخالفة منهج الله. الأمثلة كثيرة جداً، عندما ترى أمراً ونهياً يجب أن تعلم علم اليقين أن هذا النهي يؤكده ألف قصة، ألف قصة وقعت، ودمرت الأسرة بسبب التساهل في هذا النهي. من ثمرات إطلاق عنان الشهوة المحرمة : 1 ـ اختلاط الأنساب : لو أن هذه الشهوة التي أودعها الله في هذا الإنسان أطلق عنانها بلا قيد، بلا ردع، بلا قيمة، بلا منهج، بلا مبدأ، ما الذي يحصل؟ في المجتمعات الغربية احتمال كبير أن تكون زوجته أخته، وهو لا يدري. خطب شاب فتاة، واستشار والده، قال له: لا يا بني، إنها أختك، وأمك لا تدري، فخطب فتاة ثانية، قال له: لا يا بني، إنها أختك، وأمك لا تدري، خطب الثالثة، قال له: إنها أختك، وأمك لا تدري، اشتكى لأمه، قالت له: خذ ما شئت، إنك لست ابنه، وهو لا يدري. هذه أول ثمرة من ثمار إطلاق هذه الشهوة بلا قيد، في بلادنا - والحمد لله -الأسرة فلان زوجته وأولاده، الأمور واضحة وضوحاً تاماً وشديداً بسبب بقية الدين الذي عندنا . صدقوني أيها الأخوة، خبير من دولة أجنبية يقيم حفلاً بمناسبة أنه رزق بمولود، وبقي في الشام سنتين متتاليتين، وزوجته في هولندا، كيف أنجبت هذا المولود؟ ليس شرطًا أن يكون منه، ولكن جاءه مولود، شيء طبيعي عندهم، فأول جريمة من التفلت اختلاط الأنساب. 2 ـ الجناية على النسل : ثم الجناية على النسل، هذا الذي ينجبه الإنسان مشكوك بنسبه إنسان ضائع. أنا لي صديق أخذ شهادة طب من أمريكا، يرسل إلى والده رسالة يقول له: عندي مناوبة في مستشفى شيكاغو خمس عشرة حالة تأتينا لأطفال صغار رضع، يأتون إلى المستشفى، إسعاف، لأنهم تلقوا ضربات بآلات حادة من والديهم، عندما يتبع الإنسان الجنس بشكل أرعن يصبح وحشاً. وهناك تفسير آخر، هم يعتقدون أن هؤلاء ليس منهم من غيرهم، لذلك جنوا اختلاط الأنساب والجناية على النسل وانحلال الأسرة. 3 ـ انحلال الأسرة : مرة قلت لكم: هناك إحصاء، ستة وثلاثون بالمئة من الزيجات تنتهي إلى الطلاق في ألمانيا، وأربعة وستون بالمئة من الزيجات تنتهي إلى الطلاق في أمريكا، واثنان من ألف في سوريا تنتهي إلى الطلاق. مرة القاضي الشرعي الأول قال لي: نسب الطلاق اثنان من ألف، هذا من آثار الدين، لأن الزوجة ليس لها تجربة سابقة، والزوج كذلك، ويوجد طاعة لله، كذلك يوجد استقرار في الحياة الزوجية، وتفكك الروابط وانتشار الأمراض، الأمراض التي تظهر النبي الكريم له حديث أعدّه من دلائل النبوة قال: (( وما فعل قوم الفاحشة حتى يعلنوا بها إلا ابتلاهم الله بالأمراض التي لم تكن في أسلافهم)) [ ابن ماجه عن ابن عمر ] الآن هناك مرض اسمه آكلة لحوم البشر، هذا أسرع من الإيدز، ينتهي الإنسان في أربع وعشرين ساعة، والأسباب انحراف جنسي، وهناك مرض الآن في إفريقيا جديد أيضاً مخيف، ومرض في اليابان، والأول في إنكلترا غير الإيدز، فلذلك الأمراض تستشري، وتنهار الأخلاق، وتظهر الشهوات، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً ﴾ [سورة الإسراء: 32] لكن كلام خالق الكون كلام دقيق، قال تعالى: ] وَلاَ تَقْرَبُوا [، لم يقل: لا تزنوا، لأن الزنا لا يكون مباشرة، هناك تمهيدات، استثارت، قراءات، مشاهدة أفلام معينة، أصدقاء، خلوة، إطلاق بصر، هذه كلها أسباب الزنا. الحرام في علاقة المرأة بالرجل : الآن دخلنا في الدرس الحرام في علاقة المرأة بالرجل. 1 ـ الخلوة بالأجنبية : البند الأول الخلوة بالأجنبية، النبي لم يقل: ما خلا فاسق بفاسقة، ولم يقل: ما خلا مؤمن بمؤمنة، قال: ((أَلَا لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ)) [ سنن الترمذي عن ابن عمر] أيّ رجل مع أي امرأة. عند الخلوة تجتمع خواطر. حكم الخلوة بالأجنبية : الحكم الشرعي: الإسلام حرم الخلوة بالمرأة الأجنبية، من هي المرأة الأجنبية؟ هي التي لا تكون زوجة له، ولا إحدى قريباته التي يحرم عليه الزواج منها حرمة مؤبدة، إذا خلا رجل بامرأة لها زوج، حينما تطلق تصبح حلالاً له، ويتزوجها، إذًا هي أجنبية لا يحق له أن يخلو بها مع أنها أجنبية ومحرمة عليه، لأنها متزوجة، ولكن هذه الحرمة ليست أبدية، بل حرمة مؤقتة لهذا الزواج. من هي المرأة الأجنبية و كيف تعامل ؟ التعريف الدقيق: الخلوة بالمرأة الأجنبية التي لا تكون زوجته، ولا إحدى قريباته التي يحرم عليه زواجه منها حرمة مؤبدة، كالأم والأخت والعمة والخالة، يمكن أن تخلو مع أمك، وأختك، وعمتك، وخالتك، وابنة أخيك، وابنة أختك فقط، أما امرأة أخيك فأشد حرمة، لأنه إذا طلقها تبح له، فالحرمة غير مؤبدة، يقول عليه الصلاة والسلام: (( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يخلو بامرأة ليس معها محرم منها، فإن ثالثهما الشيطان )) [ صحيح عن ابن عباس] أما الآية الدقيقة فقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ﴾ [سورة الأحزاب: 53] الأكمل ألا تعلّم امرأة إلا من وراء حجاب، الهاتف قد يكون حجاباً، يمكن أن تستمع إلى شكواها على الهاتف، أو من وراء حجاب، أو أن تجيبها عن سؤال من وراء حجاب، أما اللقاء المباشر ولو كان لعلة نبيلة وشريفة فلا يجوز. لا تخلُ بامرأة ولو لتعلمها القرآن، ولا تدخل على ذي سلطان ولو تقول: آمره وأنهاه. الآية الكريمة قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ﴾ [سورة الأحزاب: 53] قال الإمام القرطبي: " يريد الله عز وجل أن ذلكم السؤال والمتاع من وراء حجاب أن هذا الموقف أطهر للقلب "، من ماذا؟ قال: " من الخواطر التي تعرض للرجال من أمر النساء، وللنساء من أمر الرجال ". تكون الخواطر الغريزية بالمشاهدة، وإلا فلا: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ﴾ " من الخواطر التي تعرض للرجال من أمر النساء، وللنساء من أمر الرجال، أي أن ذلك أنفى للريبة، وأبعد للتهمة، وأقوى في الحماية ". وهذا يدل على أنه لا ينبغي لأحد أن يثق بنفسه، ولا أن يقول: أنا واثق من نفسي. الابتعاد عن الاختلاط لأنه أنفى للريبة وأبعد للتهمة وأقوى في الحماية : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4936/04.jpg أحدث موضوع علمي قرأته، والله هذا الموضوع حلّ لي ألف مشكلة، حينما يثار الإنسان جنسياً الدماغ يفرز مادة يعطل محاكمته، وهذا يفسر أن الإنسان إذا خلا بامرأة تكون أقل بكثير جداً من زوجته، ومع ذلك تزل قدمه، لأنه خلا بامرأة، وخرق الحدود، وتجاوزها. قال: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ﴾ " أي أنفى للريبة، وأبعد للتهمة، وأقوى في الحماية ". سيدنا يوسف هذا النبي العظيم الذي هو القدوة لكل شاب في عفته، وفي بعده عن الحرام، ماذا قال هذا النبي الكريم؟ ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (33) ﴾ [ سورة يوسف] لا يقل الواحد أنا أثق بنفسي، أكبر إنسان قد تنهار مقاومته حينما يخرق منهج الله عز وجل، عندما تطبق المنهج الله يحميك. الحمو الموت : وهناك حالة خاصة، قال: ويحذر النبي أشد التحذير من خلوة المرأة، بيت الحمو أشد، أي أقارب زوجها، كأخيه وابن عمه، لأن الأخ له مدخل، وله كلام، وله مداخلة، وله سؤال، النبي الكريم يحذر المرأة من الخلوة بأقارب زوجها أشد التحريم، لأن هذا قد يجر إلى عواقب سيئة. في هذا المسجد بالذات وصلني أكثر من خمسين قصة خلال عدد من السنوات عن حالات لا يمكن أن تصدق جرت بين المرأة وأخ زوجها، من الحرام الشنيع بسبب الخلوة، يقول لك: هل معقول ألا يدخل أخي في غيابي؟ نعم معقول ونصف ألا يدخل في غيابك، هنا لا يوجد مجاملات، قال عليه الصلاة والسلام: (( إياكم والدخول على النساء، فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله، أفرأيت الحمو؟ فقال عليه الصلاة والسلام: الحمو الموت )) [البخاري ومسلم عن عقبة بن عامر] ماذا فسر المفسرون هذه الكلمة: "الحمو الموت" فسرها المفسرون بأن الخلوة تؤدي إلى الخطر والهلاك، أي هلاك الدين، الإنسان في بحبوحة، أما عندما يقترف جريمة الزنا فيقع في حجاب مع الله كبير جداً، نحن في نعمة لا أحد يعرفها، أنك لم ترتكب كبيرة، فأنت في بحبوحة مع الله، هناك تقصير وأخطاء صغيرة، أما إذا ارتكب الإنسان كبيرة أو شرب الخمر يشعر بالضيق، فهذه البحبوحة تشعرك أن الطريق إلى الله سالك، والصغائر يعفو الله عنها، أما الكبائر: ﴿ إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخلْكُمْ مُدْخَلاً كريمًا ﴾ [ سورة النساء :31] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4936/05.jpg هلاك الدين إذا وقعت هذه المعصية، وهلاك المرأة بفراق زوجها. امرأة متزوجة لها أولاد، ولها مكانة، تطلق، وتفضح بين الناس، تصبح قصتها مثاراً للسخرية بين الناس، هذا هلاك ثان، هدرت كرامتها الاجتماعية، وهدرت مكانتها الدينية، والقريب كالأخ إذا ارتكب الفاحشة مع زوجة أخيه يصير الأمر إلى دماء وقتل. حدثني أخ في بعض البلاد أن أخاً اعتدى على زوجة أخيه، والأخ كان لحاماً، عندما بلغه ذلك قطعه مئة قطعة، أحضر السيخ وقطعه، هلاك المرأة وهلاك دينها، هلاكها كزوجة وفضيحتها، ثم تقطيع العلاقات الاجتماعية، وسبب ذلك الخلوة الحمو، قال عليه الصلاة والسلام: (( إياكم والدخول على النساء، فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله، أفرأيت الحمو؟ فقال عليه الصلاة والسلام: الحمو الموت )) [البخاري ومسلم عن عقبة بن عامر] هذا حديث متفق عليه في أعلى درجة من الصحة، رواه الإمام البخاري ومسلم تهلك لاقترافها المعصية، وتهلك لطلاقها وفضيحتها، وتهلك الأسرة بتفتيت العلاقات المقدسة بينهم. أول شيء في المحرمات الخلوة، أنت في البيت، وجاءت زوجة أخيك، وأنت في البيت بمفردك، لا تدخلها، ولا تستحِ، هذه مجاملة الشيطان، الأهل غير موجودين، أو سأخرج ادخلي، أما أنك أنت وزوجة أخيك بمفردكم فلا يجوز، وكلام الناس أن هذا مثل أخي، لا يوجد بارود لا ينفجر، قال تعالى: ﴿ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ ﴾ [ سورة المجادلة: 2] هي مثل أمي، هذا كله كلام الشيطان، لا معنى له. 2 ـ تحريم نظر الجنسين بعضهما إلى بعض : أولاً: العين مفتاح القلب، والنظر رسول فتنة الزنا: كل الحوادث مبداها من النظر ومعظم النار من مستصغر الشرر *** في ذهني آلاف القصص، انهيار بيوت، تطليق زوجات، تشرد أولاد، جرائم قتل، عداء أبدي بين أخوين بسبب خلوة ونظر. من شأن المسلم ألا يخلو بامرأة أجنبية إلا أن تكون زوجته، أو إحدى محارمه الذين يحرم له الزواج منها تحريماً مؤبداً لا مؤقتاً. وقوف عند قوله تعالى -مِنْ أَبْصَارِهِمْ -: قال تعالى: ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنّ إِلاّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنّ عَلَى جُيُوبِهِنّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنّ أَوْ أَبْنَائِهِنّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنّ أَوْ إِخْوَانِهِنّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَ أَوْ نِسَائِهِنّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنّ أَوْ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ مِنَ الرّجَالِ أَوِ الطّفِلِ الّذِينِ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النّسَاءِ وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنّ وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعًا أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ لَعَلّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [سورة النور:30-31] هذه الآية أساسية في هذا الموضوع، ويجب أن نقف عندها كلمةً كَلمةً. 1 ـ من للتبعيض : أولاً: في هذه الآية توجيه مشترك للرجال والنساء في غض البصر، غض البصر مدرسة، لابد من غض البصر، امرأة كانت أو رجل. الآية لم تقل: غضوا أبصاركم، قال: يغضوا من أبصارهم، لك أن تنظر إلى زوجتك، لك أن تنظر إلى أمك وأختك، إلى ابنتك، إلى عمتك، إلى خالتك، وبنت أخيك، وخالتك، هذه هي المحارم، والغض على غير هؤلاء، من للتبعيض، هذا أول معنى من معاني من. 2 ـ عدم التدقيق في التفاصيل عند النظر إلى المحارم : إذا نظرت إلى المحارم مثلاً إذا نظرت إلى أختك، ينبغي أن تغض البصر، أي لا تدقق في التفاصيل، ألا تنظر بشهوة، ألا تدقق بخطوط الجسم، المرأة تتحرك، ومن حركتها يظهر شيء من جسمها، تغض بصرك، مع العلم أنها أختك، لك أن تراها بكل بساطة وبكل وضوح، لو أنها نائمة ومكشفة يجب أن تغض بصرك عنها، وألا تدخل عليها إلا بإذن، وعلى أمك أيضاً، كيف أستأذن وهي أمي؟ فقال النبي: أتريد أن تراها عريانة؟ أختك في الغرفة، تقرع الباب ادخل، الاستئذان موضوع ثانٍ، في البيت الواحد يستأذن على أمه، وأخته، وابنته، لأن له أن ينظر إليهم بأوضاعهم الطبيعية، لباس الخدمة نصف كُمّ، تحت الركبة، بلا كم، هذه مشكلة، القصير مشكلة، لذلك ثياب الخدمة هي ثياب المحارم، فالغض على المحارم مع عدم التدقيق في التفاصيل، ولا في خطوط الجسم، لا تنظر في حالات خاصة، ولو كانت أمك أو أختك يجب غض البصر، هذا المعنى الثاني. 3 ـ لك النظرة الأولى و ليس لك الثانية : لو أنك واجهت امرأة فجأة في منعطف فوقعت النظرة الأولى، فغضّ عن الثانية، الأولى لك، والثانية عليك، فهذه ثلاث معان لـ [ من ]، عن نساء دون نساء، وعن نظرة دون نظرة، وعن مرة دون مرة. أيها الأخوة، أنا حريص جداً أن يكون معكم نصوص صحيحة، هذا دين، لذلك النص الصحيح يجب أن نعض عليه بالنواجذ، قال عليه الصلاة والسلام لعلي بن أبي طالب فيما رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي: (( يا علي، لا تتبع النظرَةَ النظرةَ، فإنما لك الأولى، وليس لك الثانية)) [أحمد وأبو داود والترمذي عن علي ] وهذا معنى [ من ] الثالث. معنى [ من ] الأول: لك أن تنظر إلى المحارم، وأن تغض عن غير المحارم. المعنى الثاني: نوع النظر، إذا نظرت إلى المحارم فعليك أن تنظر نظراً إجمالياً، نظر عاديًّاً بريئاً، أما لو دققت بالتفاصيل، وفي الجزئيات، وفي الخطوط، وفي بعض الحركات والحالات فيجب أن تغض البصر. المعنى الثالث: لو أنك نظرت فجأة إلى امرأة أجنبية لا تحل لك، الأولى لك، والثانية عليك. الحديث الذي رواه الإمام البخاري لقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم النظرة إلى المرأة بشهوة من الزنا فقال عليه الصلاة والسلام: (( العينان تزنيان وزناهما النظر)) [البخاري عن أبي هريرة ] النظر بريدٌ إلى الزنا : هناك نقطة دقيقة، إذا اكتفى الواحد بالنظر، وقال: أنا لا أفعل شيئاً، هناك مشكلة كبيرة قالها الشاعر: وكنت إذا أرسلت طرفك رائداً لقلبك يوماً أتعبتك المناظــرُ رأيت الذي لا كله أنت قـادر عليه ولا عن بعضه أنت صابر *** http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4936/06.jpg هذه الشهوة تتطور، ليس نظر فقط، الوردة تنظر لها، وتكتفي بالنظر إليها، شيء جميل تنظر إليه، وتكتفي بالنظر إليه. الناحية الثانية: إذا نظرت إلى امرأة لا تحل لك الأمر لا يبقى عند حدود النظر، هناك تطور. عندما أمرنا الله بغض البصر كما قال بعض العلماء فهو من باب سد الذرائع، لأنك بغض البصر تسد الذريعة إلى الزنا، قال عليه الصلاة والسلام: (( العينان تزنيان وزناهما النظر)) [البخاري عن أبي هريرة ] وفي درس آخر ننتقل إلى تحريم النظر إلى العورات، وحدود إباحة النظر إلى الرجل والمرأة، وهذا كله متعلق بشأن الزواج، وشأن العلاقات الأسرية. |
| الساعة الآن 02:55 PM |
Powered by vBulletin™ Version 3.8.7
Copyright © 2012 vBulletin ,
هذا الموقع يتسخدم منتجات Weblanca.com
new notificatio by 9adq_ala7sas
User Alert System provided by
Advanced User Tagging (Lite) -
vBulletin Mods & Addons Copyright © 2026 DragonByte Technologies Ltd. Runs best on HiVelocity Hosting.