![]() |
رد: العبادات التعاملية
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية الدرس : ( الثالث و الثلاثون ) الموضوع : الاعداد فى الانساب والالوان - الكاء و الحداد على الميت - البيوع الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون الذكر فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. الاعتداد بالأنساب والألوان من الجاهلية : أيها الأخوة المؤمنون: مع الدرس السابع عشر من سلسلة دروس: "الحلال والحرام في الإسلام" http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4943/01.jpg وكان الموضوع في الدرس الماضي حول الحلال والحرام في الثقافة، وفي المعتقدات، وفي أساليب الحياة وأنماط السلوك، ووصلنا إلى موضوع أنه لا اعتداد بالأنساب والألوان، ومن يعتد بالنسب أو باللون ففيه جاهلية. روى البخاري رحمه الله تعالى أن أبا ذر و بلال الحبشي رضي الله عنهما -وكلاهما من السابقين الأولين - تغاضبا، وفي ساعة غضب قال أبو ذر لبلال: يا بن السوداء. فشكاه بلال إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر : (( إنك امرؤٌ فيك جاهلية )) [ البخاري ومسلم عن الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ] لا يجوز أن تعتد أو أن تفتخر أو أن تزهو بنسب ولا بلون، كما أنه لا يجوز أن تعيّر إنساناً لا بنسب ولا بلون، هذا أصل من أصول الدين. من يعتد بنسبه أو بلونه ففيه جاهلية، ومن يعير الناس بنسبهم الوضيع أو بجاهليتهم أو بلونهم ففيه جاهلية، وهذا الحديث الصحيح الذي رواه الإمام البخاري أصل في هذا الموضوع. الاعتداد بغير تقوى الله عز و جل جاهلية : أيها الأخوة الكرام: وعن أبي ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: ((انظر فإنك لست بخير من أحمر ولا أسود إلا أن تفضله بتقوى الله)) [ أحمد عن أبي ذر] لا تستطيع أن تفتخر لا بلون، ولا بأب، ولا بأسرة، ولا بعرق، ولا بمنبت، ولا بطائفة، إلا بتقوى الله عز وجل، لقوله تعالى: ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ [سورة الحجرات: الآية 13] فالإنسان من خلال هذا الحديث يعرف ما إذا كان فيه جاهلية أو ليس فيه جاهلية. الاعتداد بغير تقوى الله عز و جل جاهلية. وقال صلى الله عليه وسلم: (( كلكم بنو آدم وآدم خلق من تراب )) [أخرجه البزار عن حذيفة بن اليمان ] كل هذه التقسيمات التي ترونها في المجتمعات المتعددة تقسيمات لون، تقسيمات عرق، ساعة يقال لك: تطهير عرقي، وساعة يقال لك: ملون، وساعة يقال لك: دول الشمال و دول الجنوب، وساعة يقال لك: الأغنياء والفقراء، والعرق الآري والسكسوني، و أصحاب المنبت الرفيع، وطبقة النبلاء، وطبقة الجنود، وطبقة الحكام، كل هذه التقسيمات ما أنزل الله بها من سلطان: (( كلكم بنو آدم وآدم خلق من تراب )) [أخرجه البزار عن حذيفة بن اليمان ] لا تقل أصلي وفصلي يا فتى إنما أصل الفتى ما قد حصل *** على الإنسان ألا يفتخر إلا بإيمانه و استقامته : لذلك حرم الإسلام على المسلم أن يسير مع هوى نفسه في التفاخر في الأنساب و الأحساب، والتعاظم بالآباء والأجداد، وقول بعضهم لبعض: أنا ابن فلان: أنا ابن جلا وطلاع الثنــايا متى أضع العمامة تعرفونـــي *** الخيل والليل والبيداء تعرفني والسيف والرمح والقرطاس والقلم *** لقيه عدوه في طريق البصرة فولى هارباً، فقال له غلامه – للمتنبي- ألست القائل: الخيل والليل والبيداء تعرفني والسيف والرمح والقرطاس والقلم أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي وأسمعت كلماتي من بـه صمــم *** http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4943/02.jpg فقال لغلامه: قتلتني قتلك الله، وعاد فقاتل حتى قتل. التفاخر بالآباء، والأجداد، والنسب، واللون، دعوى الجاهلية، لا تفتخر إلا بإيمانك، لا تفتخر إلا باستقامتك، لا تفتخر إلا بعلمك الذي أنعم الله به عليك، وإذا علمْتَ حقيقةً لا تفتخر تقول: هذا من فضل الله علي، النبي صلى الله عليه وسلم سيد الأنبياء والمرسلين ومع ذلك قال: (( ألم تكونوا ضلالاً فهداكم الله بي؟)) [ رواه الدارمي عن أبي سعيد الخدري] كلما تعاظم إيمانك تواضعت لله عز و جل، وأنت في أعلى درجات العبودية تكون متواضعا لله. الافتخار والاعتداد والتعيير دعوى جاهلية : النقطة الدقيقة: إذا كان الناس جميعاً ينتمون إلى نسب واحد، إلى أصل واحد، ولو فرضاً أن للأنساب قيمة فما فضل الإنسان إذا خلقه الله من هذا العرق؟ أو من هذا الجنس؟ أو من هذه القارة؟ أو من هذه المنطقة؟ وما ذنب الذي خلق من منطقة أخرى؟ هذا كلام لا يقبله عقل، ولا تقره شريعة، ولا تألفه نفوس على فطرتها الصحيحة. يقول عليه الصلاة والسلام: ((إن أنسابكم هذه ليست بمسبة على أحد، كلكم بنو آدم طَفَّ الصاع لم يملؤه، ليس لأحد على أحد فضل إلا بدين وتقوى )) [ ابن كثير عن عقبة بن عامر] إن هذه الأنساب لا أحد يستحي بنسبه، أنت عبد لله وعبد الله حر، لا أحد يفخر بنسبه، لا أحد يعير أحداً بنسبه أبداً، فلذلك الافتخار والاعتداد والتعيير دعوى جاهلية، والنبي عليه الصلاة والسلام بصراحة ما بعدها صراحة، وبقوة ما بعدها قوة، ولصاحب له قال: ((أعيرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية)) [ صحيح عن أبي ذر] ((إن أنسابكم هذه ليست بمسبة على أحد، كلكم بنو آدم طَفَّ الصاع لم يملؤه، ليس لأحد على أحد فضل إلا بدين وتقوى )) [ ابن كثير عن عقبة بن عامر] وفي حديث آخر يقول عليه الصلاة والسلام: ((النَّاسُ لآدَمَ وَحَوَّاءَ، إنَّ اللّهُ لا يسألُكُمْ عَنْ أحْسابِكُمْ وَلا عَنْ أنْسابِكُمْ يَوْمَ القِيامَةِ، إن أكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّهِ أتْقاكُمْ )) [ الطبري عن عقبة بن عامر] هل لك خيار بنسبك؟ أنت في نسبك مسيّر مئة في المئة. هل اخترت أنت أمك وأباك؟ لا. هل لك اختيار من مجيئك من هذا الأب؟ أو من هذه الأم؟ أو من هذا العرق؟ أو من هذا الإقليم؟ أو من هذه العشيرة؟ أبداً. فالإنسان لا يعير بشيء لم يفعله، ولا يفخر بشيء لم يصنعه. الناس رجلان لا ثالث لهما : النبي عليه الصلاة والسلام قال: (( لينتهين أقوام يفتخرون بآبائهم الذين ماتوا إنما هم فحم جهنم أو ليكونن أهون على الله من الجعل- الجعل الخنفساء - الذي يدهده الخرء بأنفه إن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية إنما هو مؤمن تقي وفاجر شقي الناس كلهم بنو آدم وآدم خلق من تراب)) [ الترمذي عن أبي هريرة] النبي عليه الصلاة والسلام على غير عادته هجم هجمة على هؤلاء الذين يفتخرون بآبائهم، وأحياناً ترى أمة إسلامية بدل أن تفتخر بدينها أو بإسلامها تفتخر بالفراعنة، تفتخر بأقوام جاؤوا قبل آلاف السنين و كفروا بالله، وأهلكهم الله، ومع ذلك نفتخر بهم، غير معقول. لذلك النبي عليه الصلاة والسلام قال: (( لينتهين أقوام يفتخرون بآبائهم الذين ماتوا إنما هم فحم جهنم أو ليكونن أهون على الله من الجعل- الجعل الخنفساء - الذي يدهده الخرء بأنفه إن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية إنما هو مؤمن تقي وفاجر شقي)) [ الترمذي عن أبي هريرة] كل البشر الخمسة آلاف مليون، هذا التقسيم النبوي. الناس على اختلاف مللهم، ونحلهم، وأعراقهم، وألوانهم، وأديانهم، ومنابتهم، وثقافاتهم، رجلان: مؤمن تقي وفاجر شقي ولا ثالث لهما. ((...الناس كلهم بنو آدم وآدم خلق من تراب)) [ الترمذي عن أبي هريرة] لذلك نحن أبناء الفراعنة، نحن أبناء كذا إلى آخره من هؤلاء الأقوام، الآراميون الكلدانيون كلهم أقوام كفروا بالله عز وجل، وأهلكهم الله عز وجل، افتخر بنبيك الذي عمّ شرعه الأرض، افتخر بعلمك، افتخر بتقواك، افتخر بما تحفظ من كتاب الله، افتخر بالأعمال الصالحة التي أجراها الله على يديك. النياحة على الموتى من الأمراض الاجتماعية المتفشية في المجتمعات الإسلامية : في حجة الوداع النبي صلى الله عليه وسلم يلقي خطبة تعد منهجاً للبشرية قال: (( يا أيها الناس ! إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، لا فضل لعربي على عجمي، ولا عجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر، إلا بالتقوى، إن أكرمكم عند الله أتقاكم )) [رواه ابن النجار عن أبي سعيد] الأنساب والألوان، انتهى الأمر، والآية الكريمة: ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ [سورة الحجرات: الآية 13] من الأمراض الاجتماعية التي تتفشى في المجتمعات الإسلامية لضعف إيمانها وانحرافها النياحة على الموتى. علامة الإيمان الرضا بقضاء الله و قدره : لذلك أنا قبل أسبوع أو أكثر أحد علماء حلب الأجلاء توفي ابنه بحادث سير، ابنه طبيب، وأنهى الاختصاص، وأنهى الخدمة الإلزامية، وخطب وعرسه بعد فترة، وحصل على الشهادة الثانوية، ودخل الشريعة، فتوفاه الله بحادث سير، فذهبنا لتعزية أبيه، فوجئت أن هذا الأب العالم تلقى هذا الخبر بصبر جميل، ما كنت أتوقع أن أجد الرضا والاستسلام لقضاء الله، والبسمة، والترحيب، رحب بنا ودعانا إلى طعام الغداء، وكان استقباله رائعاً جداً، يا رب هذا الذي توفي ابنه في الثلاثين دكتوراه في الطب، وأنهى الاختصاص القلبي، وأنهى الخدمة الإلزامية، وخطب، و حصل على الشهادة الثانوية، ودخل كلية الشريعة، أي جمع مجدي الدنيا والآخرة، ويحفظ كتاب الله بأكمله، وعرسه بعد حين، و توفي بحادث سير، الذي فوجئت به ليس الحادث موقف الأب، الاستسلام لقضاء الله وقدره، الرضا بقضاء الله وقدره، ما كنت أتوقع أن أرى الأب بهذه الحالة أبداً. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4943/03.jpg أيها الأخوة: علامة الإيمان الرضا بقضاء الله، علامة الكفر والجحود النياحة، جسر البيت هدم، الصراخ بالويل، شد الشعر، تمزيق الثوب، هذه كلها من عمل الجاهلية. كانت الصحابيات فقيهات، صحابي جليل له ابن مريض بمرض عضال، فجاء مساء متعباً قال: كيف حال فلان؟ قالت: هو في أهدأ حال، أوهمته أنه في صحة جيدة، أعدت له طعام العشاء، وهيأت نفسها له، واستيقظا وصليا الفجر وقالت له: لو أن الجيران أعارونا عارية ثم استردوها أتغضب؟ قال: لا، عارية مستردة. قالت: هكذا الله سبحانه وتعالى استرد عاريته أي ابنك ميت. وروي أنه قصّ على النبي قصته فقال عليه الصلاة والسلام: ((بارك الله لكما في ليلتكما)) [ أحمد عن أنس] وتروي كتب التاريخ أن هذا الصحابي أنجب اثني عشر ولداً كلهم من حفاظ كتاب الله. هكذا تلقي القضاء والقدر، هذا قرار الله، هذه مشيئته، هذه إرادته، ألا ترضى بقضائه وقدره؟ ألا ترضى بحكمه؟ ما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم. من سُلب منه شيء و صبر عوضه الله أضعافاً مضاعفة من الرحمة و التجلي : لذلك الإيمان، سمعت بأنه عقد مؤتمر في أوربة للأمراض النفسية، وحضره عالم نفس من سوريا، كان مندوباً لسوريا في هذا المؤتمر، ذكر لي هذا الأخ -عالم النفس- بأنه قال في محاضرته بالمؤتمر: إننا ببساطة ليس عندنا أمراض نفسية بالحد الوبائي الذي عندكم، ولسبب بسيط جداً هو أننا نؤمن بالله، ونؤمن بقضائه وقدره، وأن القضاء والقدر خيره وشره من عند الله تعالى، هذه النفسية المستسلمة التي تقبل القضاء والقدر شيء رائع جداً، هذه هي الصحة النفسية، وأساساً الآن أحد أكبر أسباب الأمراض كلها الشدة النفسية، الشدة النفسية أساسها أن تسخط على قضاء الله وقدره، أما الإيمان فأن ترضى بقضاء الله وقدره، يا رب لك الحمد أنا راض، لذلك رسول الله علمنا في الطائف وقد ردوا دعوته، وسخروا منه، واستهزؤوا به، وبالغوا في إيذائه، قال: (( يا رب! إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، ولك العتبى حتى ترضى، لكن عافيتك أوسع لي )) [ الطبراني عن عبد الله بن جعفر ] لا أعرف كيف أعبر لكم عن مؤمن جاءه قضاء مكروه، فقد ماله، أو فقد شيئاً من صحته: (( يا بنَ آدمَ مَرِضْتُ فلم تَعُدْني، قال : يا رب كَيْفَ أعُودُكَ وأنتَ ربُّ العالمين؟ قال: أمَا علمتَ أنَّ عبدي فلاناً مَرِضَ فلم تَعُدْهُ؟ أما علمتَ أنَّكَ لو عُدْتَهُ لوجَدتني عنده )) [أخرجه مسلم عن أبي هريرة] أنا عندما سلبت من عبدي الصحة عوضت له أضعافاً مضاعفة من التجلي، إذا إنسان زار مريضاً مؤمناً يشعر بسعادة، المريض قريب من الله، عندما فقد شيئاً من صحته جاءته أشياء من رحمة الله، لذلك أنا أنصحكم جميعاً أن تزوروا مرضى المؤمنين، تشاهدون بأم أعينكم كيف أن هذا المؤمن بهذا المرض اقترب من الله. تمني المؤمن أن يعيش طويلاً طمعاً بالعمل الصالح و ليس خوفاً من الموت : والموت يعده الناس أكبر المصائب، أما عند المؤمن فهو عرسه، هو عند المؤمن ساعة صلحه مع الله، هو عند المؤمن ساعة فرحه، ساعة نيل الجائزة، لذلك الموت لا يخيف المؤمن، أنا أقول لكم بشكل واقعي: المؤمن يتمنى أن يعيش طويلاً لا خوفاً من الموت ولكن طمعاً بالعمل الصالح، لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: (( خيركم من طال عمره وحسن عمله)) [ الترمذي عن أبي هريرة] هكذا يقول النبي، أما الفزع الذي ينهار معه الإنسان فلا، المؤمن أرقى من ذلك. والله أيها الأخوة: إن شئتم اقرؤوا، قرأت تاريخ سبعين صحابياً، والله الذي لفت نظري أنهم جميعاً كانوا في أسعد لحظات حياتهم حينما جاءهم الموت، في أسعد لحظات حياتهم، يوم الجائزة. لذلك كلمة المؤمن عند تلقي المصائب: إنا لله وإنا إليه راجعون. ويوجد كلمة بليغة للنبي عليه الصلاة والسلام قال: "إن لله ما أعطى، وله ما أخذ". الذي أعطاه هو له ثم أخذ ما له. لا يحلُّ لامرأة تؤمن بالله أن تحدّ على مَيت فَوق ثلاث لَيال إلا على زوجها : ثم يقول عليه الصلاة والسلام: (( ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية)) [ البخاري عن ابن مسعود] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4943/04.jpg الآن يوجد نساء يخرجون بثياب متبذلة إلى الطريق، يتبعون الميت، ويصرخون بويلهم، ويمزقون ثيابهم في الطريق، هذه جاهلية، المؤمن يرضى بقضاء الله، لذلك لا يحل لمسلم أن يلبس من شارات الحداد، أو أن يترك التزين، أو أن يغير الزي، والهيئة المعتادة إظهاراً للجزع والحزن، يلبس أسود، يرخي لحيته، لا. يوجد حالة واحدة إلا ما كان من الزوجة على زوجها فإنه يجب عليها أن تحد عليه أربعة أشهر وعشراً وفاء لحق الزوجية، ولهذا الرباط المقدس الذي جمع الله بينهما فيه، وألا تكون معرضاً للزينة وملفتة للأنظار فقط المرأة. لذلك الشيء الذي لا يصدق أن الصحابة كانوا إذا جاءتهم مصيبة من نوع موت الأقارب كانوا يتزينون إعلاناً عن رضاهم بقضاء الله وقدره. توفي متوفى كالأب، والابن، والأخ، فلا يحل للمرأة كائنة من كانت، عدا الزوجة أن تحد عليه أكثر من ثلاث ليال، ترى أحياناً توفي والدها تبقى مرتدية السواد ثلاثة أشهر، تعمي قلب زوجها، لا يجوز، لا يحل للمرأة أن تحد على غير الزوج أكثر من ثلاثة أيام ، أب، ابن، أخ، فقط ثلاثة أيام، أما الزوج فهذا أقدس عقد في الحياة. روى البخاري عن زينب بنت أبي سلمة أنها روت عن أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم حين توفي أبوها أبو سفيان بن حرب، وعن زينب بنت جحش عندما توفي أخوها، أن كل منهما دعت بطيب لمست منه، ثم قالت: والله مالي بالطيب من حاجة غير أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((لا يَحِلُّ لامرأةٍ تُؤْمِنُ بالله واليوم الآخِرِ أن تَحِدَّ على مَيتٍ فَوقَ ثلاثِ لَيالٍ، إلا الزوج، فإنها تحد عليه أربعة أشهر وعشرا)) [ البخاري عن أم حبيبة] طلبت الطيب وتطيبت تنفيذاً لسنة النبي، أما المرأة التي مات زوجها فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يتساهل معها أبداً، فقد روي أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم قالت: يا رسول الله إن ابنتي توفي عنه زوجها، وقد اشتكت عينها أتكحلها، الكحل ليس للزينة كدواء وقد تتزين به المرأة. قال عليه الصلاة والسلام: لا مرتين أو ثلاث، كل مرة يقول: لا، وهو يدل على حرمة التزين والتجمل طوال مدة العدة، على الزوج تشدد النبي أشد التشدد أما على غير الزوج: ((لا يَحِلُّ لامرأةٍ تُؤْمِنُ بالله واليوم الآخِرِ أن تَحِدَّ على مَيتٍ فَوقَ ثلاثِ لَيالٍ، إلا الزوج، فإنها تحد عليه أربعة أشهر وعشرا)) [ البخاري عن أم حبيبة] الحزن مشروع أما الأعمال التي فيها تجاوز فقد حرمها النبي الكريم : أما الآن السؤال: الحزن من دون جزع، البكاء من دون عويل، ومن دون لطم، وتمزيق ثياب، وشد شعر، هذا حزن شرعي ومقبول لا إثم فيه إطلاقاً، فقد دمعت عين النبي عليه الصلاة والسلام حين مات ابنه إبراهيم فقال: ((إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ، وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ )) [ متفق عليه عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ] هذا موقف شريف، هذه السنة، الحزن مشروع لكن اللطم غير مشروع، و النياحة غير مشروعة، وتمزيق الثياب غير مشروع، وشد الشعر غير مشروع، والصراخ بالويل غير مشروع، والخروج خلف الجنازة غير مشروع، طبعاً أقصد للنساء. يروى أن عمر سمع بعض النسوة يبكين على خالد بن الوليد، فأراد بعض الرجال منعهم، فقال له: "دعهن يبكين على أبي سليمان ما لم يكن نفع أو لقلقة"، سيدنا عمر قال: دعهن يبكين على أبي سليمان، البكاء مشروع، الحزن مشروع، أما الأعمال التي فيها تجاوز فهذه التي حرمها النبي صلى الله عليه وسلم. معرفة أحكام البيع والشراء من العلم الذي ينبغي أن يُعلم بالضرورة : ننتقل في الحلال والحرام إلى موضوع المعاملات، أي الإنسان مضطر شاء أم أبى أن يشتري أكثر حاجاته، لأنه يتقن حاجة ويحتاج إلى ألف حاجة، إذاً البيع والشراء سلوك يومي، لذلك أعتقد أن أحكام البيوع يجب أن يعرفها كل مسلم، ما من مسلم على وجه الأرض إلا يبيع ويشتري، فهذا سلوك يومي، لذلك معرفة أحكام البيع والشراء من العلم الذي ينبغي أن يعلم بالضرورة. ما يحرم في البيع و الشراء : 1 ـ يحرم بيع الأشياء المحرمة : أول شيء محرم في البيع والشراء أنه يحرم بيع الأشياء المحرمة، جهاز لهو، عود، لحم خنزير، خمر، كؤوس الخمر، كل شيء محرم استعماله محرم بيعه، كالتماثيل، هدايا، أشياء، نهى الشرع عنها، معالق من الذهب الخالص ممنوعة هذه لأنها محرمة، فالشيء الذي حرمه الشرع حرم بيعه، وقبض ثمنه، والتعامل معه، لذلك قال عليه الصلاة والسلام: (( إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ، وَالْخِنْزِيرِ وَالْأَصْنَامِ )) [ متفق عليه عن جابر بن عبد الله] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4943/05.jpg وقال صلى الله عليه وسلم: ((إن الله إذا حرم شيئاً حرم ثمنه)) [ ابن حبان عن ابن عباس] يقول لي أخ مثلاً: أنا عملي في الكهرباء هل أستطيع تركيب دش مثلاً، أقول له: لا، لا يجوز، لا يجوز أن تعين على معصية، ولا أن تسهل معصية، ولا أن تسهم في إصلاح معصية، لقوله تعالى: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾ [سورة المائدة: الآية 2] يوجد مصالح كثيرة جداً قائمة على أشياء محرمة، أسهم في هذه المؤسسة السياحية يدفعون أرباحاً تقدر بثمانية وعشرين بالمئة، ممتازة، هذه فيها بيع خمور، فيها مراقص، وفيها نواد ليلية، وفيها معاص لا يعلمها إلا الله، و إن كان الربح ثمانية وعشرين بالمئة، خذ خمسة بالمئة أرباحاً حلالاً أفضل من ثمانية وعشرين بالمئة أرباحاً حراماً، كل شيء محرم محرم أن تقبض ثمنه، قال لي شريك في مطعم يبيع الخمر وهو واثق من نفسه: أنا ليس لي علاقة أبداً، برقبة شريكي، برقبته إن شاء الله، أنا آخذ قرشي حلالاً من هذا المطعم. مطعم يبيع الخمر وهو شريكه بالنصف ثم قال: إن قرشه يأخذه حلالاً؟! برقبة شريكه، هذا كلام فارغ وليس له معنى إطلاقاً. فأي شيء محرم بيعه محرم قبض ثمنه، ومحرم التعامل معه. 2 ـ بيع الغرر : أيضا من الأشياء التي حرم الله التعامل معها قال: بيع الغرر محظور، كل عقد بيع فيه ثغرة مجهولة، هذه الثغرة سبب للمنازعة، سبب للخصومة، لذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: "الجهالة تفضي إلى المنازعة". أي عقد وضح فيه كل شيء، كمية البضاعة، وألوانها، وأطوالها، ومتى تصل، وطريقة قبض الثمن، معجل أو مؤجل، كلما ذكرت التفصيلات تلاشت الخلافات، وكلما أبقيت شيئاً مجهولاً أثرت المشكلات. يوجد أخ إلى جانبه نجار يبيع غرف نوم، وجد غرفة نوم مناسبة جدا أعجبته، قال له: احجز لي هذه الغرفة، أجابه النجار: أمرك يا جار، أول أسبوع بعث له بخمسة آلاف، الثاني خمسة، الثالث خمسة، قدر الجار سعرها بحوالي خمسة وعشرين ألفاً، أرسل إليه ثلاثين ألفاً، قال له النجار: أين بقية المبلغ؟ ثم اختصموا وتصارخوا وتشاددوا ورفعوا الأمر إلى القضاء، أنت عندما قلت له: اترك لي هذه الغرفة لمَ لم تسأله عن ثمنها؟ وأنت أيها النجار عندما قلت له: أمرك يا جار لمَ لم تقل له ثمنها؟ كل شيء فيه جهالة فيه خصومة، تحب أن تدخل السوق ثلاثين أربعين سنة لا تختلف مع إنسان وضّح كل شيء، يوجد نقطة غامضة البضاعة متى تصل؟ دعها للتيسير، هذا ليس عقد بيع، متوقع بعد أسبوع أو أسبوعين، الموسم جاء، قارب الموسم على الانتهاء، سوف تقلب للسنة القادمة قال: دعها للتيسير، يختلفون تفسخ البيعة تنشئ خصومات، لا تترك نقطة غامضة في عقود البيع، الجهالة تفضي إلى المنازعة. نهي النبي عن بيع الغرر لأن بيع الغرر فيه جهالة و يسبب المنازعة : لذلك نهى النبي عن بيع الغرر لأن بيع الغرر فيه جهالة، لذلك نهى النبي عن بيع ما في صلب الفحل، حصان هل تستطيع بيع الجنين الذي في بطنه؟ قد ينزل ميتاً، نهى عن بيع ما في بطن الناقة، نهى عن بيع الطير في الهواء، نهى عن بيع السمك في الماء، هذا كله بيع غرر. وفي عهد النبي عليه الصلاة والسلام كان الناس يبيعون الثمار في الحقول أو الحدائق قبل أن يبدو ثمرها، وبعد العقد ودفع الثمن تأتي آفة سماوية فتهلكها، فيختصم البائع والشاري يقول لك: إنما بعتني تمراً و لم أجده؟ جاء طائف مسها من الصقيع فأتلفها، فنهى النبي عليه الصلاة والسلام عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، ونهى عن بيع الحب حتى يشتد، وقال: ((نهى عن بيع الثمار حتى تزهي قيل: وما تزهي ؟ قال : حتى تحمر قال: أرأيت إن منع الله الثمرة بم يستحل أحدكم مال أخيه)) [ صحيح عن أنس بن مالك] إذاً أن تشتري الثمر قبل أن يبدو صلاحه، أن تشتري الحب قبل أن يشتد، أن تشتري الفاكهة قبل أن تسود، منهي عنه، وأن تشتري السمك في الماء، والطير في الهواء، وما في بطن الفحل، وما في بطن الناقة، هذا كله بيع غرر، وقد يلحق بها بيع بناء لم ينشأ بعد، أو تشتري بناء لم ينشأ بعد، طبعا لهذا الموضوع تفصيلات لها مجال آخر، لكن العلماء قالوا: ما كل غرر حرام، أنت اشتريت بيتاً هل تعلم كم كيس إسمنت وضع في أساساته؟ يجب أن يوضع سبعة أكياس في المتر المكعب و هم وضعوا أربعة فأنت لا تعرف، يوجد أشياء لا يمكن أن تعرف حتى الذي باعك هذا البيت لا يعرف ماذا في أساساته؟ وماذا في ثنايا جدرانه؟ هذا فيه غرر لكن هذا غرر لا يمكن تلافيه، الغرر الفاحش محرم أما غير الفاحش اشتريت طاولة فهل يا ترى هذا الترس خشب نشارة أم لاتيه؟ يوجد غرر، لو سألت البائع ينبغي أن يقول لك الحقيقة، العلماء قالوا: الغرر القليل معفو عنه أما الغرر الكثير فلا يجوز، أنت اشتريت حقل جزر، أو فجل، أو بصل، أو بطاطا، اقتلعت عدد من النبتات شاهدت من خلالها حجم الحبة، لكن هل تستطيع أن تعرف مستوى الحب في كل الحقل؟ لا تستطيع، البطاطا تحت الأرض، والجزر تحت الأرض، والبصل تحت الأرض، أخذت عينات عشوائية، أحياناً تشتري جبن تأخذ مئة تنكة، تستطيع أن تأخذ خمس عينات عشوائية وتفحصها، أما أن تفحص التنك كله فكل التنك مختوم لا تستطيع، يوجد غرر لكن غرر خفيف معفو عنه، أما الغرر الفاحش فهذا الذي يسبب المنازعة. تحديد الأسعار : يوجد عندنا موضوع الأسعار هذا أيضاً من الموضوعات المهمة، النبي عليه الصلاة والسلام حينما غلى السعر في عهده قالوا يا رسول الله: سعّر لنا، قال: (( إنَّ الله هو المُسَعِّرُ)) [ أخرجه أبو داود والترمذي عن أنس بن مالك ] منذ فترة اشترى الضمّانة المشمش بالغوطة بعشرين إلى ثلاثين ليرة للكيلو الغرام الواحد، جاءت كميات خيالية، بيع كيلو الغرام الواحد بخمس ليرات، اشترى بثلاثين وباع بخمس، الله هو المسعر، يكثر الكمية يهبط السعر، يقللها يرتفع السعر، النبي قال: (( إنَّ الله هو المُسَعِّرُ، القابضُ، الباسط، الرازق، وإني لأرجو أن ألقى اللهَ وليس أحدٌ منكم يُطَالبني بِمَظْلَمَةٍ في دَمٍ ولا مَالٍ )) [ أخرجه أبو داود والترمذي عن أنس بن مالك ] إذاً من الظلم الشديد أن تعطي سعراً بخساً لحاجة ثمينة، أي إذا كنت موظفاً وكلفت بتخمين أرض مستملكة الدونم سعره خمسة ملايين خمنته بخمسة آلاف ليرة هل تظن أنك تنجو من عذاب الله؟ لا تنجو. يجب أن تعطي السعر الحقيقي، هذا مال ملك حر، فكل إنسان ولو كان موظفاً لا ينجو من عذاب الله، أحياناً تكلف بتسعير إنتاج التفاح إذا كان هناك وجوب أن تبيعه لبعض المؤسسات يجب أن تعطي السعر الحقيقي لقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ ﴾ [سورة الأعراف: الآية 85] يا رسول الله سعر لنا؟ قال عليه الصلاة والسلام: (( إنَّ الله هو المُسَعِّرُ، القابضُ، الباسط، الرازق، وإني لأرجو أن ألقى اللهَ وليس أحدٌ منكم يُطَالبني بِمَظْلَمَةٍ في دَمٍ ولا مَالٍ )) [ أخرجه أبو داود والترمذي عن أنس بن مالك ] أحيانا يقول لك: أعطني فواتيرك؟ سعرنا لك، لكن يوجد مصاريف لا يستطيع إظهارها إذاً لم تلاحظها، أنت أعطيته سعراً غير صحيح، ظلمته بهذا السعر، فالذي يعرف الله عز وجل يتقي الله في التسعير، لكنكم الآن توهمتم أن النبي ينهى عن أصل التسعير؟ لا. على الحاكم أن يتدخل في تسعير المواد الأساسية إن وجد تلاعب بالأسعار : هذا الحديث صحيح لكن يوجد حالات يجوز أن يسعر الحاكم المسلم الحاجات الأساسية كاللحم، والرز، والسكر، والمواد الأساسية، والأدوية، هذه أشياء أساسية ينبغي أن تسعر مستثناة من هذا الحديث، ولاسيما إذا وجد الاحتكار، لو فرضنا أن أناساً مؤمنين طيبين مستقيمين ورعين لا بأس، وجد الاحتكار الربح ثلاثمئة بالمئة، سبعة مستوردين استوردوا هذه السلعة وجعلوها عند واحد منهم، ورفعوا سعرها إلى أربعة أضعاف، الآن نقول له: إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزعه بالقرآن، على الحاكم أن يسعر التسعير الطبيعي لهذه السلعة، يرى رأسمالها، يضع هامش ربح معقول حفاظاً على مصالح المسلمين، نحن نعد مصالح المسلمين العامة أفضل من مصالح أفراد معينين، لذلك إذا جرى تدخل غير طبيعي في حركة السوق، إذا وجد الاحتكار و التلاعب بالأسعار، مصلحة المجموع مفضلة على مصلحة الأفراد، لذلك التسعير أحياناً ولاسيما في الأقوات الأساسية مشروع. إذا أدت حرية التسعير إلى التلاعب بأقوات الناس، ورفع الأسعار رفعاً جنونياً وظلم، وسحق الفقير، الحاكم ينبغي أن يتدخل في تسعير المواد الأساسية هذا من الدين أيضاً. العرض والطلب : يوجد نقطة مهمة جداً وهي أن السوق له حركة طبيعية؛ العرض والطلب، هذه الحركة الطبيعية تحقق سعراً معقولاً دائماً أساسه العرض والطلب. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4943/06.jpg أما إذا وجد تدخل مفتعل في حركة السوق كإخفاء البضاعة، أو عرض شديد، أحياناً يحتكر أحدهم مادة يأتي تاجر ناشئ يستوردها، المحتكر الكبير يخفض سعرها إلى النصف، يدفع خسارة ثمانية ملايين حتى يخرج هذا التاجر الناشئ من السوق، يفلس، عندما يخرج التاجر الناشئ يرفع المحتكر السعر أربعة أمثال لأنه بقي وحيداً في السوق، هنا وجد التلاعب، وجد التدخل في حركة السوق الطبيعية، الآن يأتي التسعير ضرورياً في هذه الحالة، أما إذا كانت الحركة الطبيعية، لاحظ أحياناً توجد حركة طبيعية تجد السعر بانخفاض مستمر كان سعر السكر بثلاث وثلاثين ليرة أصبح بست عشرة، وجدت الحركة الطبيعية، مسموح استيراده، مسموح بيعه بشكل حر، وجدت الحركة الطبيعية للسوق هبط لسعره الطبيعي، هذا هو سعره العالمي، من ثلاث وثلاثين إلى ست عشرة، أما إذا وجد الاحتكار فيوجد تدخل غير طبيعي، يوجد إيهام، هذا كله يحتاج إلى تسعير. من أنواع الاحتكار أن الشاري قد يكون محتكراً هل تصدقون ذلك؟ نحن نتوهم أن البائع هو المحتكر، لا، الشاري قد يحتكر، أنت بحاجة في السنة إلى ربطة معكرونة طوال العام، قيل إنها سوف ترفع أسعارها وتفقد من السوق فاشتريت عشر ربطات، هذا الشاري الذي أقبل على شراء البضاعة بكميات كبيرة تفوق حاجته هو الذي سبب نقص هذه البضاعة، فأصبح المحتكر الشاري، خذ حاجتك الوضع طبيعي، خذ خمسة أمثال حاجتك تخزين، تخزين نقصت البضاعة وارتفع السعر. الرخص يحزن المحتكر ويفرح المؤمن : أيها الأخوة: قصة قديمة جداً لكن لها دلالة، عدة تجار كبار اتفقوا على أن يحصروا فيهم بعض المواد الغذائية، فكلما جاء أصحاب معامل الحلويات يقولون: لم نستورد هذه السنة، خذوا من عند فلان، اتفقوا جميعاً على أن يجعلوا البيع عند واحد، واستوردوا كميات كبيرة، ورفعوا السعر أربعة أمثال، وحققوا أرباحاً خيالية، واشتروا بيوتاً فخمة، ومركبات فخمة، أما ما يأكله الفقير من حلويات ارتفع سعره أربعة أمثال نتيجة الاحتكار، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: (( الْجَالِبُ مَرْزُوقٌ، وَالْمُحْتَكِرُ مَلْعُونٌ )) [الدارمي عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ] وقال عليه الصلاة والسلام: ((من احتكر الطعام أربعين ليلة يريد به الغلاء فقد برئ من الله وبرئ الله منه )) [ مشكاة المصابيح عن ابن عمر] وقال عليه الصلاة والسلام: (( لَا يَحْتَكِرُ إِلَّا خَاطِئٌ )) [ مسلم عَنْ مَعْمَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ] لا يوجد تعنيف، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ ﴾ [سورة القصص: الآية 8] هل خاطئ تخيف؟ من احتكر فهو خاطئ، ما قولك؟ يحشر مع فرعون ومع هامان المحتكر، من أجل تحقيق ثراء فاحش تجوع الناس وتضاعف السعر؟ الفقير كلما ارتفع السعر انخفض دخله عملياً، يقول عليه الصلاة والسلام: (( بئس العبد المحتكر إن أرخص الله الأسعار حزن وإن أغلاها فرح )) [البيهقي عن معاذ] إذا كثّر الله عز وجل الفاكهة أصبح سعر الكرز خمس ليرات أو عشر ليرات يتضايق، ما هذه الأسعار؟ تبهدل هذا الصنف، دع الفقير يأكل الكرز هو وأسرته، ويمتع أبناءه، يؤلمك أن يأكل الناس هذه الفاكهة جميعاً؟ يؤلمه، المحتكر إن سمع برخص ساءه وإن سمع بغلاء فرح. امتحن نفسك أيها الأخ، إذا انخفض السعر الربح انخفض، لكن الناس كلهم أكلوا و فرّج عليهم، هذه الفاكهة أكلها الجميع، أحياناً الرخص يحزن المحتكر ويفرح المؤمن، الآن يقول عليه الصلاة والسلام: (( الْجَالِبُ مَرْزُوقٌ، وَالْمُحْتَكِرُ مَلْعُونٌ )) [الدارمي عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ] مطرود من رحمة الله. من دخل في شيء من أسعار المسلمين ليغليه عليهم فليتبوأ مقعده من النار : الحقيقة معنى الجالب أي استورد بضاعة و باعها بسعر معتدل، وربح ربحاً قليلاً، استورد مرة أخرى وأخرى، قلب رأسماله ثماني مرات، في ثماني مرات حقق ربحاً كبيراً لكنه نفع الناس كثيراً، لو أنه جلب المادة مرة واحدة ورفع سعرها أربع مرات حقق ربحاً كبيراً بصفقة واحدة، هذا محتكر، اجعلهم ثماني صفقات وبع بسعر معتدل، المؤمن يوجد بقلبه رحمة. روى معقل بن يسار صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أثقله المرض فأتاه عبيد الله بن زياد ليعوده فقال له: هل تعلم يا معقل أني سفكت دماً حراماً؟ قال: لا أعلم، قال: هل علمت أني دخلت في شيء من أسعار المسلمين؟ قال: ما علمت، فقال معقل: أجلسوني فأجلسوه ثم قال: اسمع يا عبيد الله حتى أحدثك ما سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة ولا مرتين، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((مَنْ دَخَلَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَسْعَارِ الْمُسْلِمِينَ لِيُغْلِيَهُ عَلَيْهِمْ فَإِنَّ حَقًّا عَلَى اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنْ يُقْعِدَهُ بِعُظْمٍ مِنْ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قال: أنت سمعته من رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - قال: نعم، غير مرة ولا مرتين )) [ أحمد عن معقل بن يسار] وسوف نتابع هذا الموضوع إن شاء الله في درس قادم، وهذه من أدق الموضوعات التي يحتاجها المسلمون بشكل كبير، لأن البيع والشراء نشاط كل إنسان، ولو كان شارياً، يوجد شار محتكر وهناك بائع محتكر. |
رد: العبادات التعاملية
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية الدرس : ( الرابع و الثلاثون ) الموضوع : البيوع الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون الذكر فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. بيع الحاضر للبادي نوع من أنواع الاحتكار : أيها الأخوة المؤمنون: مع الدرس الثامن عشر من دروس سلسلة: "الحلال والحرام في الإسلام"، ولا زلنا في موضوع البيوع، وقد تحدثت بفضل الله تعالى في الدرس الماضي عن الاحتكار ومما يلحق بالاحتكار أن يبيع الحاضر للبادي. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4944/01.jpg الحاضر هو ساكن المدينة، والبادي هو ساكن البادية، فقد يقدم بدوي ليبيع حاجته في سوق المدينة بسعر يومه، فيأتيه ابن المدينة فيقول له: خلِّ متاعك عندي حتى أبيعه لك على المهلة بثمن غال، ولو باع البادي بنفسه لأرخص وانتفع أهل المدينة وانتفع هو أيضاً. هذه الصورة أيها الأخوة من صور البيوع أن يبيع الحاضر للبادي كانت شائعة جداً في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فقال أنس رضي الله عنه: "نهينا أن يبيع حاضر لباد ولو كان أخاه لأبيه وأمه". لأن هذه السلعة لها ثمن إذا باعها بثمنها بسعر السوق انتفع الناس بها، فإذا جاء المدني وخزنها حتى يرتفع الثمن ثم باعها، منع طرحها في الأسواق، فبهذا تدخل هذا الإنسان بحركة السوق الطبيعية. السوق له حركة طبيعية، إن كانت الحركة طبيعية تستقر الأسعار على وضع مقبول، أما إذا حدث تدخل، أو افتعال، أو اصطناع، أو إيهام، أو حبس بضاعة، أو رفع سعر، أو اتفاق على منع البيع، فهذا كله تدخل في حركة السوق الطبيعية، لذلك قال عليه الصلاة والسلام: (( لاَ يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقِ اللَّهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ)) [ مسلم عن جابر] كنت مرة في أحد أسواق دمشق أريد أن أشتري حاجة من بائع يحتاجها البيت، طلبت هذه الحاجة من البائع فقال لي أحد الواقفين: هذه الحاجة لا تشتريها، يمكن أن تستغني عنها، البائع انزعج منه أشد الانزعاج، أدركت أن هذه الملاحظة التي وجهها لي أغاظت البائع: ((دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقِ اللَّهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ)) [ مسلم عن جابر] ويوجد رواية: "دع الناس في غفلاتهم"، شخص يرغب بشراء هذه الحاجة، لا تشتريها، لست بحاجة إليها، ليس لها فائدة، أمام البائع تكون قد قطعت رزقه بهذه الطريقة، وهذا ليس من صفة المؤمن، على كلٍّ أن يبيع الحاضر للبادي نوع من أنواع الاحتكار، بضاعة مبذولة جاء الحاضر فخزنها ليبيعها بسعر مرتفع، لو أن صاحبها باعها وقبض ثمنها نقداً لتحرك بهذا المال، الآن أصبحت هذه الحاجة ديناً، وقد يكون هذا الحاضر متلاعباً، هو لم يستفد وأهل المدينة لم يستفيدوا. الدين النصيحة : وكلمة النبي عليه الصلاة والسلام: (( لاَ يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقِ اللَّهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ)) [ مسلم عن جابر] هذه الكلمة تضع مبدأ هاماً في الميدان التجاري، أن تترك السوق لتتحرك حركة طبيعية عندئذ تستقر الأسعار على شيء معقول، وكلكم يعلم بعض السلع حينما كانت مفقودة كان ثمنها أربعة أمثال، وفي الحد الأدنى كان ثمنها مثلين، فلما بذلت وسمح باستيرادها وأوضح شيء مادة الموز مثلاً، كان الكيلو بمئة وست وسبعين ليرة والآن أصبح بخمس وعشرين، لما بذلت وسمح باستيرادها وجدت الحركة الطبيعية فهبط السعر، فكأن النبي عليه الصلاة والسلام لا يريد التدخل المفتعل عندئذ هذا التدخل يرفع السعر، يستفيد قلة قليلة ويتضرر كثرة كثيرة، وقد سئل ابن عباس رضي الله عنه عن معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: (( لاَ يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ)) [ مسلم عن جابر] فقال: لا يكون له سمساراً، طبعا السمسار له مصالح خاصة قد تتناقض مع مصالح أهل المدينة، ومع مصالح البائع، لكن لو أن الإنسان نصح الدين نصيحة، السمسار شيء والناصح شيء آخر، أحياناً السمسار يزين لك الشيء وهو من أسوأ الأشياء كي يبيعك إياه ويأخذ حصته، مصلحته في البيع أن يزين لك، وقد يتكلم كلاماً مناقضاً لكلام سابق، إذا أراد أن يبيع بيتاً يزينه للشاري، ويبخسه لصاحبه، حتى يقنع الشاري بأعلى ثمن، ويقنع البائع بأرخص ثمن، مرة دلال صلى باتجاه الشمال ليلاً، أراد أن يصلي والبيت له نوافذ كثيرة فلما صلى باتجاه النوافذ توهم الشاري أن جهة هذا البيت نحو القبلة. أحياناً الوسيط له مصلحة في البيع، يزين السلعة لجهة ويبخسها لجهة ثانية، أما لو أن الإنسان ليس له مصلحة ونصح فالدين النصيحة وقد قال عليه الصلاة والسلام: ((إذَا اسْتَنْصَحَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيَنْصَحْ لَهُ )) [ الْبَيْهَقِيّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ] وهذا من واجب الدين: (( الدِّينُ النَّصِيحَةُ قُلْنَا لِمَنْ قَالَ لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ )) [ مسلم عن تميم الداري ] الوسطاء إذا قاموا بواجباتهم فأجرهم حلال : أقول لكم هذه الكلمة بصراحة: إذا استنصحك أحدهم لو تكلمت له بخلاف ما أنت قانع فقد هبط إيمانك إلى مستوى كبير جداً، الدين نصيحة المؤمن نصوح ولا يعبأ إطلاقاً بمكاسبه المادية التي قد تأتيه من عدم نصيحته. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4944/02.jpg لكن بالمناسبة الوسطاء إذا قاموا بواجباتهم فأجرهم حلال، أحياناً مستورد يأتي ببضاعة وهو لا يذهب للتجار الصغار ليعرضها عليهم، يأتي إنسان يأخذ هذه البضاعة ويجول بها في الأسواق، فإذا أعطيته أجراً مقطوعاً لا مانع، وإن أعطيته نسبة لا مانع، فأجر الوسيط حلال مادام هناك جهد كبير بذله، أنت استوردت وقبعت في مكتبك أما هذا الوسيط فدار في الأسواق كلها، وعرض البضاعة، وبيّن ميزاتها، فمن المعروف أن هذا الجهد يحتاج إلى أجر، مادام هناك جهد حقيقي ولا يوجد كذب، ولا تدليس، ولا إيهام، ولا إغراء، ولا تبخيس، الأجر الذي يتقاضاه الوسيط حلال بهذه الشروط. أيها الأخوة: المسلمون كما قال عليه الصلاة والسلام عند شروطهم، أحياناً يتوهم بعض الأشخاص أن الدلال أجره حرام، أو الوساطة، كما قلت قبل قليل: إذا بذل جهداً حقيقياً وكان هناك صدق ولم يكن هناك كذب، فهذا الجهد الحقيقي مع هذه الاستقامة لها أجرها، إما أجر مقطوع، أو أجر نسبي، بحسب المبيع، لكن أحياناً لا يفعل الوسيط شيئاً، ولا حركة، ولا سكنة، ولا كلمة، ويطلب مبلغاً يشعر البائع أنه مبلغ كبير جداً، وهناك إيهام، وهناك مشادة، مثل هذا العمل يشبه أكل المال الحرام. البخاري في صحيحه يقول: "لم ير ابن سيرين وعطاء وإبراهيم والحسن بأجر السمسار شيئاً"، وقال ابن عباس: "لا بأس بأن يقول بع هذا الثوب فما زاد عن كذا وكذا فهو لك"، وقال ابن سيرين: "إذا قال بعه بكذا فما كان من ربح فهو لك أو بيني وبينك فلا بأس". ممكن إنسان أن يستخدم وسيطاً في المبيع إما بأجر، أو بنسبة، أو بما زاد عن هذا الثمن فهو لك. تلقي الركبان من الصور التي نهى عنها الشرع الحكيم في البيع والشراء : من الصور التي نهى عنها الشرع الحكيم في البيع والشراء تلقي الركبان، أي أناس يحملون بضاعة يتلقونهم خارج المدينة، صاحب البضاعة يجهل سعرها، يجهل سعر السوق، أي جاهل، فنأخذها منه قبل أن يعرف سعرها الحقيقي، أحيانا يوجد قرار منع استيراد ويوجد سلع متوافرة بكثرة، إنسان علم هذا الخبر سراً فاتجه ليشتري البضاعة بأرخص الأثمان، هذا هو تلقي الركبان، لو علم البائع أن هناك قرار منع والسلعة ارتفع ثمنها لا يبيعها طبعاً، تلقي الركبان استغلال جهل البائع، وشراء البضاعة بأرخص الأثمان، أيضا هذا النوع من البيع والشراء نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم، لكن صاحب البضاعة يأتي إلى السوق يسأل عن السعر، يبيع بضاعته بسعر السوق، أما إذا تلقيته قبل أن يصل فهو جاهل تستغل جهله لتأخذ أكبر ربح ممكن فهذا ما نهى عنه النبي الكريم. من اشترى ولم يرَ فله الخيار إذا رأى : لذلك النبي عليه الصلاة والسلام جعل لمن يريد السوق خياراً، الخيار موضوع بالفقه دقيق جداً، مثلاً من اشترى ولم ير فله الخيار إذا رأى، أنا أشتري بيتاً على خيار شرط أنه ليس مرهوناً، وليس واقعاً في منطقة تنظيمية، ولا في منطقة استملاكية، فلو ظهر خلاف هذا يفسد العقد هذا اسمه خيار الشرط، أنا أشتري حاجة على أنها سليمة من العيوب، لو ظهر عيب هذا خيار العيب، أنا أشتري بضاعة على أن سعرها معتدل، فلو ظهر غبن فاحش هذا خيار الغبن، أنا أبيع بضاعة على أن سعرها هذا مناسب، فإذا وصلت إلى السوق وتبين السعر أعلى بكثير يحق لي أن أفسخ العقد، وأن أطالب المشتري برد البضاعة، وقبض الثمن، هذا خيار الغبن الفاحش، لذلك أنا لا أشتري بضاعة لا أراها، أحيانا يبيعون القماش على المساطر، الألوان مناسبة جداً تأتي البضاعة على خلاف المساطر، على خلاف النماذج، من اشترى ولم ير فله الخيار إذا رأى. خيار المجلس : يوجد في الفقه الإسلامي عدة خيارات للبائع والشاري، ويوجد خيار المجلس، أنا عرضت عليك هذه البضاعة بهذا السعر، أنت لم تتكلم، لم تقل نعم، ولم تقل لا، وانفض المجلس، تأتيني بعد ساعة تقول لي: أنا اشتريت، أقول لك: لا، انتهى المجلس، هذا الخيار متعلق بالمجلس، والمجلس انتهى، لذلك يوجد خيار مجلس، معقول أن أسمع سعراً وألا أتكلم ولا كلمة؟ وجد العرض لكن القبول لم يكن مني، بعد حين وجدت العرض مناسباً جداً فذهبت إلى صاحب البضاعة أطالبه بتسليمها كلها، في المجلس الذي كنا فيه أنا عرضت لكنك لم تستجب، وانتهى المجلس، وانتهى العرض مع هذا المجلس. أحكام البيع والشراء يجب أن يعرفها كل مسلم بالضرورة : أنا أكاد أقول: إن أحكام البيع والشراء يجب أن يعرفها كل مسلم، لا يوجد إنسان لا يشتري، النشاط الوحيد الذي يفعله كل مسلم البيع والشراء، مهما كنت فقيراً، لابد من أن تشتري قوت يومك، فأحكام البيع والشراء هذه من العلوم التي يجب أن تُعلم بالضرورة، إن هذا العلم دين لأنه إذا صحّ البيع صحت الاستقامة، صحت الصلاة، وإذا البيع فاسد أحياناً أرض مغتصبة، لا ينبغي أن تشجع على شراء بيت فيها أرض مغتصبة، مال مسروق، أنت لا تدري أغراك السعر المتدني، لو علمت أن شراء المال المسروق شراكة في السرقة شرعاً وقانوناً لما فعلت هذا، أي يجب أن تعلم المنهيات في البيع والشراء، لاتبع ما ليس عندك، إذا بعت ما ليس عندك فأنت مسؤول، أنت بعت والبيع إيجاب وقبول، أنت بعت ولا تملك، لا تبع شيئاً حتى تحوزه إلى رحلك. الرحل، الآن نشتري ألف طن من البن، يباعون ألف مرة وهم بمستودعاتهم، كل البيع فاسد، لا يجوز أن تباع البضاعة قبل أن تجلب إلى مستودعاتك، هذه تجارة حقيقية، ليس قصدك أن تجلب بضاعة لينتفع الناس بها، القصد أن تربح بطريقة تشبه القمار، لذلك الإنسان المسلم عليه أن يتعلم أحكام الفقه ولاسيما في البيوع، لأن ما من مسلم على وجه الأرض إلا وفي يومه الواحد نشاط كثير في البيع والشراء ، أما أخواننا الباعة التجار فموضوع الفقه الأول بالنسبة إليهم هو البيوع، الأول لأن عملك تاجر، عملك بائع، والمصنع يبيع، والمزارع يبيع، والتاجر يبيع، فكل إنسان يبيع ويشتري ينبغي أن يتعلم أحكام البيوع، هي من العلوم التي ينبغي أن تعلم بالضرورة. الغش من لوازم الكفر والنفاق والبعد عن الله عز و جل : الحقيقة كما أقول لكم دائماً، ما من موضوع بعد الإيمان بالله أجدر أن يعرف كالحلال والحرام، لأنك إن آمنت بالله اندفعت إلى طاعته، أين أمره؟ أمره الأحكام الفقهية. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4944/03.jpg والإسلام أيضاً يحرم الغش والخداع بكل صورة من الصور في كل بيع وشراء، الحقيقة مع تقدم العلوم، مع تقدم الذكاء الشيطاني، وجدت أساليب في الغش لا تخطر على بال، معامل تقام في دول غنية عملها تغير لصاقات انتهاء الصلاحية، بضائع لا يعلمها إلا الله، أجبان، معلبات، لحم، كلها عليها انتهاء الصلاحية، معامل بأعلى مستوى تكنولوجي عملها أن تغير هذه الصلاحية لصلاحية بعدها، وتباع للدول الفقيرة على أنها بضاعة مهربة، ويقبل الناس عليها إقبالاً شديداً، هذا أحد أنواع الغش. سمعت عن تاجر كان يستورد لحوماً تعطى للكلاب، ويغير أغلفتها الخارجية ويبيعها للناس، فالغش مستشر، أكاد أقول لكم: إن أكبر ظاهرة في المجتمعات المتفلتة هي الغش، وأصبح الغش علماً، تشتري حاجة توقن أنها من صنع هذا البلد، يستوردون مثلاً قماشاً مصنوعاً في دولة من العالم الثالث توضع على حاشيته اسم دولة عريقة في صناعة هذا القماش، فالشاري يرى حاشية صنعت في الدولة الفلانية فيشتري، لذلك الغش من لوازم الكفر، والنفاق، والبعد عن الله عز و جل، لعلي بالغت في هذا، النبي عليه الصلاة والسلام قال: (( مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا )) [ مسلم عن أبي هريرة] هل هناك من كبيرة أكبر من أن يرفع انتماؤك لهذا الدين ولهذه الأمة؟ من غشنا فليس منا. على الإنسان عدم كتمان العيب في البضاعة : ثم يقول عليه الصلاة والسلام: (( البيِّعانِ بالخيار ما لم يَتَفَرَّقا – أو قال - حتى يتَفَرَّقا، فإنْ صَدَقا وبَيَّنا، بُورِك لهما في بيعهما، وإن كَتَما وكَذَبا، مُحِقَت بَرَكَةُ بَيْعِهِما )) [ متفق عليه عن حكيم بن حزام] البيعان أي البائع والشاري على التغليب، لي صديق يبيع قطع للسيارات، قال لي: قطعة بقيت عندي ثلاث أو أربع سنوات وثمنها مرتفع، يقدر ثمنها من عشرين إلى ثلاثين ألفاً، وتنتقل من جرد لجرد، طلبها قليل، قال: جاء إنسان يطلبها، فصعدت السلم لأعطيه إياها في الرف العالي، قال لي: وأنا على السلم سألني أصلية؟ هي ليست كذالك، وقع في صراع ثم قال له: ليست أصلية، قال له: أعطني إياها، كلمة ليست أصلية أصبح البيع حلالاً. (( البيِّعانِ بالخيار ما لم يَتَفَرَّقا – أو قال - حتى يتَفَرَّقا، فإنْ صَدَقا وبَيَّنا، بُورِك لهما في بيعهما، وإن كَتَما وكَذَبا، مُحِقَت بَرَكَةُ بَيْعِهِما )) [ متفق عليه عن حكيم بن حزام] سمعت عن إنسان له درس دين ببعض قرى الغوطة، عليه إقبال شديد، السبب؟ هو بقال ولا يكذب أبداً، قال له أحدهم: عندك بيض؟ فقال له: نعم، قال: طازج؟ قال: لا والله، منذ أربعة أيام وجاري الآن جاءته وجبة، هذا هو الدين بكل بساطة، لا تكذب أبداً، لا يوجد رزق يأتيك بالحرام، أي إذا الله عز و جل أراد أن يرزقك هو أجلّ وأكرم من أن يجعل رزقك عن طريق غير مشروع، إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين، والله عندي آلاف القصص على أن كل مؤمن ترك شبهة في الرزق الله عز و جل تكريماً له أعطاه أضعافاً مضاعفة على ترفعه، البارحة قال لي أخ كريم تأثرت بكلامه: أنا أعمل في التدفئة، بناء لا يرضي الله، عرض عليّ أن أدفئه، فندق خمس نجوم، وصالات، ونواد ليلية، وصالات رقص، وخمور إلى آخره، أي كل الموبقات فيه، فيه نجوم الظهر وليس خمس نجوم، قال: عرض عليّ أن أدفئه، قال: والله أنا بلا عمل منذ سنة ونصف فرفضت، وأنا في أشد الحاجة لهذا العرض، قال: بعد أيام جاءني عمل لمسجد من أكبر مساجد دمشق، وببساطة بالغة وقع عليّ هذا العقد، من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه، والله يا أخوان أنا لي كلمة أرددها كثيراً أشعر أنها ممكن أن تفي بالحاجة: زوال الكون أهون على الله أن يضيع مؤمناً استقام على أمره وخشي معصيته، آلاف القصص، دع شيئاً لا يرضي الله، والله أجلّ وأكرم من أن يجعلك خاسراً، سيجعلك رابحاً في المقدمة. (( البيِّعانِ بالخيار ما لم يَتَفَرَّقا – أو قال - حتى يتَفَرَّقا، فإنْ صَدَقا وبَيَّنا، بُورِك لهما في بيعهما، وإن كَتَما وكَذَبا، مُحِقَت بَرَكَةُ بَيْعِهِما )) [ متفق عليه عن حكيم بن حزام] أضرب أحياناً مثلاً هو جزئي، قال لك الشاري: أعطني بنطالاً يكون اللون دارجاً، عندك لون زيتي كاسد فقلت له: هذا أدرج لون، أنت الآن خنت هذا الشاري، الخيانة تكون بصور شتى، أحياناً يكون عندك قماش سيئ جداً تصنع منه بنطالاً، يسألونك: جيد؟ فتقول: أنا أرتدي منه، أنت خيطته خصيصاً، فكلما سألك الشاري عن جودته تقول له: انظر هذا أكبر دليل، هذا دليل معاكس، لذلك كما قال عليه الصلاة والسلام: ((لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ يَبِيعُ شَيْئًا إِلَّا يُبَيِّنُ مَا فِيهِ وَلَا يَحِلُّ لِمَنْ يَعْلَمُ ذَلِكَ إِلَّا يُبَيِّنُه )) [ أحمد عن واثلة] قال لي أخ: بعنا سيارة فيها عيب بالمحرك، المحرك مشعور، الحمد لله بعناها و لبسناها للزبون، شعر بنشوة بأنه لبسها للزبون، والله بعد خمسة أيام ذهب إلى طرطوس لاستلام سيارة، وكان البيع سريعاً واختار لونها كحلي أحدث طراز، خمسة أيام حصل له حادث جعل السيارة مصفحة وجاءني يشكو، فقلت له: ألم تقل لي من أسبوع لبستها لزبون؟ الله كبير. يجب على الإنسان عدم كتمان العيب في البضاعة، لأنها و لو بيعت بسعر منخفض يكون البيع حلالاً. من استقام على أمر الله يحفظه الله من كل سوء : أما كتم العيب غش ومن غشنا فليس منا، ويوجد حديث أشد تقريعاً: (( مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا )) [ مسلم عن أبي هريرة] لو غششت ملحداً، لو غششت عابد صنم، لو غششت مجوسياً، لست منا، يوجد أمثلة كثيرة جداً، ويوجد قصص والله عز وجل قال: "لقد عصيتك ولم تعاقبني؟ فقال: عبدي كم عاقبتك ولم تدر؟"، تجد أحدهم من مشكلة إلى مشكلة، من صادرة لصادرة، ومن ضبط لضبط، ومن مخالفة لمخالفة، ومن سجن لسجن، لماذا يحدث بنا هذا؟ من الغش. فالإنسان عندما يستقيم يحفظه الله، لا أعرف ماذا أقول لكم؟ يمكن أن يكون الدين كله استقامة؟ النبي عليه الصلاة والسلام قال: (( أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة )) [ رواه الطبراني عن ابن عباس ] ما معنى أطب مطعمك؟ ضع سمناً بلدياً له؟ لا، إذا اشتريت طعامك بمال حلال فطعامك طيب، ومعنى مال حلال أي كسب حلال لا يوجد فيه كذب، ولا يوجد فيه احتكار، ولا يوجد فيه غش، ولا يوجد فيه تدليس، ولا يوجد فيه مبالغة، ولا يوجد فيه إيهام، ولا يوجد فيه اتفاق، لا يوجد فيه أية مخالفة للشرع، لا تلقي ركبان، ولا بيع حاضر لباد، ولا محتكر، ولا غش، ولا إيهام، ولا لعب بالوزن، ولا بالكيل، ولا بالمساحة، أحياناً أقل شيء يفعله بعض التجار إذا اشترى القماش يرخيه تراه يشكل مع المتر قوساً هذا إذا اشترى، أما إذا باع فيشده، قياس القماش في الشراء خط منحن وقياسه في البيع مثل وتر العود، تراه يشده هذا غش، أيضاً بالكيل يوجد غش، بالمساحة يوجد غش، بالعدد يوجد غش، مرّ عليه الصلاة والسلام برجل يبيع حبوباً فأعجبته الحبوب، أدخل يده فيها فرأى بللاً، أحياناً تشتري صندوق فاكهة تجد بداخله قطعة خشب ووزن الصندوق اثنان أو ثلاثة أو خمسة كيلو غرامات، تجده أحياناً يضع فيها قطعة حطب، قطع خشب كبيرة موضوعة في الصندوق، وأنت اشتريت الكيلو بخمس عشرة أو بعشرين ليرة هذا غش أيضاً، أو كلها منقوعة بالماء، تجد آثار الغش واضحة فنجد: (( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ عَلَى صُبْرَةٍ مِنْ طَعَامٍ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا، فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلًا، فَقَالَ : يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ، مَا هَذَا؟ قَالَ : أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ : أَفَلَا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ حَتَّى يَرَاهُ النَّاسُ؟ ثُمَّ قَالَ : مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنَّا )) [ الترمذي عن أبي هريرة] ويوجد رواية أنه صلى الله عليه وسلم مرّ بطعام وقد حسنه صاحبه، فوضع يده فيه فإذا هو طعام رديء فقال: ((بع هذا على حدة وهذا على حدة من غشنا فليس منا )) [حسن عن عبد الله بن عمر ] الآن يقول: بالتجانس في التموين، التجانس بيع البضاعة الجيدة على حدة والسيئة على حدة، وكل شيء بسعر. أكثر شيء مؤلم كل أنواع الخضار والفواكه الطبقة الأولى من الصندوق من أروع ما يكون، وفي الأسفل قمامة، وجد الغش، أما لو قمنا بالتجانس درجة أولى، ثانية، ثالثة. باع ابن سيرين شاة فقال للمشتري: أبرأ لك من عيب فيها إنها تقلب العلف برجلها، لها عادة سيئة تقلب العلف برجلها. كثرة الحلف مع البيع يزيد الحرمة فيه : الآن إذا كثر الحلف مع البيع تشتد الحرمة، فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم التجار عن كثرة الحلف بعامة، وعن الحلف الكاذب بخاصة، سيدنا أبي حنيفة النعمان رضي الله عنه كان إذا أقسم يميناً في البيع صادقاً دفع ديناراً صدقة، حتى لا يسمح لنفسه بالحلف: ﴿ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [سورة المائدة:الآية 89] أما إذا كان كاذباً معنى هذا أن الإنسان خرج عن طريق الاستقامة، لذلك قال عليه الصلاة والسلام: (( الْحَلِفُ مُنَفِّقَةٌ لِلسِّلْعَةِ مُمْحِقَةٌ لِلْبَرَكَةِ )) [ البخاري عن أبي هريرة] أولا: حلف بالله العظيم لأشياء خسيسة، وثانياً تغرير للشاري بأنه صادق. تطفيف المكيال والميزان لون من ألوان الغش : من ألوان الغش تطفيف المكيال والميزان هذا من ألوان الغش. قال تعالى: ﴿ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [سورة الأنعام: الآية 152] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4944/04.jpg حكى لي أخ قصة قال: أنا والدي من تجار الغنم، وأردت أن أنوب عنه بعد أن تقدم في السن، وأنا جاهل لا أعلم من الفقه شيئاً، قال له أحدهم: حلال أن تأخذ أموال البدو، فقال: ركبت سيارة وذهبت إلى البادية، واشتريت كمية من الصوف كبيرة، أردت أن أوهم صاحب الصوف أن الوزن دقيق فأقول له: هذه الجرزة ثلاثة وعشرون كيلو وخمسمئة غرام، سبع وعشرون وثلاثمئة غرام، هذا البدوي أول مرة في حياته يسمع الغرامات، فقال له: والله زين، لكن بعد أن انتهى من الوزن وجد الكمية مقدرة بثمانية أطنان، فكانت بعد الوزن خمسة أطنان، فقال له البدوي: إن شاء الله تجدها في صحتك، لم يقتنع بالكمية أما الغرامات فأحبها، فقال: ثم حملنا هذا الصوف ورجعنا، عندما قال البدوي: تجدها في صحتك خفت أنا أول مرة في حياتي، قال: دخلت في صراع مع نفسي، هذه في أعماق البادية، أعود وأعطيه الفرق، أتركه، أعطيه الفرق، دون أن يشعر أبلغه بأني لعبت عليه، قال: دخلت بصراع طويل، وانتهى الصراع عندما وصلت لمنطقة الضمير، قال: بالضبط أحاكي نفسي ضع في الخرج ماذا حدث؟ قال: والله لم أكمل هذا القرار الداخلي إلا وجدت نفسي في بركة من الدماء، السيارة انقلبت، والصوف تبعثر، والسمن ساح، والميزان انكسر، وأنا وسط بركة من الدماء، أسعفه الناس إلى خيمة قريبة، وانتقل إلى الشام بعدها، وسأل أحد العلماء في الشام فقال له: ارجع وأعطه الفرق، قال: والله رجعت وسامحني وأعطاني تنكة سمنة هدية، لكن متى حاسبه الله عز و جل؟ عندما اتخذ القرار. ﴿ أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ ﴾ [سورة الزخرف:الآية 79] هذا ما قررته، ضع في الخرج، قف عندك. أحياناً الإنسان يقع في صراع فيتخذ قراراً فيعاقبه الله. موضوع الوزن والكيل والمساحة والعددلا لعب فيه : لعب بعض الناس بالوزن والعدد والمكيال والمساحة يظنونها شطارة، لا يوجد شطارة، هذا حق، والنبي عليه الصلاة والسلام قال: (( إذا وزنتم فأرجحوا)) [ ابن ماجه عن جابر] أحياناً يبيعك مثلاً مادة مرتفعة الثمن، الكيلو بأربعمئة ليرة، العلبة كرتون يبيع العلبة بأربعمئة ليرة، يبيعك أشياء ثمينة، كيس من النشاء فيه كميات كبيرة من الوزن، حتى أنه يوجد باعة يوجهون المروحة على الميزان، والمروحة تنشئ حركة في الميزان أحياناً إذا مالت إلى جهة الكفة ترجح، فموضوع الوزن والكيل والمساحة والعدد لا شطارة فيها يجب أن تؤدي الذي عليك وأنت صاغر و إلا تقع في الحرام، وإذا وزنتم فأرجحوا، وقال تعالى: ﴿ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ﴾ [سورة الأنعام: الآية 152] ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ﴾ [سورة الإسراء:الآية 35] سورة المطففين جاءت في وسط الآيات المكية الدالة على عظمة الله : والله تعالى يقول: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [سورة المطففين: الآية 1] في وسط الآيات المكية الدالة على عظمة الله جاءت سورة المطففين، كأن الله أراد أن يقول: إذا طففت الكيل والميزان لا تنتفع بكل هذه الآيات، الإنسان عندما ينحرف يصبح على قلبه غشاوة، لكن يوجد أشياء من الصعب تلافيها، لو بعت زيت محرك ووضعته بالمحرك يبقى في المكيال شيء من الزيت لأن الزيت لزج، فوق طاقة الإنسان ألا يترك شيئاً، فيوجد أشياء معفو عنها لأنها فوق طاقة الإنسان: ﴿ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا ﴾ [سورة البقرة: الآية 233] العدل المطلق، المطلق لعله يصعب على بعض البشر، الشيء الذي لا تستطيع أن تفعله هذا معفو عنه، قوم سيدنا شعيب أهلكهم الله عز و جل لأنهم انحرفوا في الكيل والوزن، ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ * وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ * وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ﴾ [سورة الشعراء: الآية 181-182-183] شراء المنهوب والمسروق من الأشياء المحرمة في البيع والشراء : الآن من الأشياء المحرمة في البيع والشراء شراء المنهوب والمسروق، وشراء المنهوب والمسروق مشاركة للناهب والسارق، يقول عليه الصلاة والسلام: ((من اشترى سرقة وهو يعلم أنها سرقة فقد اشترك في إثمها وعارها )) [أخرجه الحاكم في المستدرك وعنه البيهقي في السنن الكبرى وأبو القاسم الفضل بن جعفر المؤذن] كيف يعلم أنها سرقة؟ من سعرها، الآن إذا اشترى السلعة بأقل من ثمانين بالمئة من رأسمالها تعد مسروقة، يوجد في الشرع الإسلامي أن طول أمد المسروق والناهب لا يحله، لا يوجد عندنا في الإسلام تقادم، المسروق مسروق ولو بقي معك مئة عام، المسروق مسروق والمنهوب منهوب، فالإنسان يجب أن يتحرى أن يشتري شيئاً مسروقاً أو منهوباً أو مصادراً ظلماً. أكل المال عن طريق الربا من المحرمات أيضاً في البيع والشراء : ثم إنه من المحرمات في البيع والشراء والتعامل أكل المال عن طريق الربا لقوله تعالى: http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4944/05.jpg ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ ﴾ [سورة النساء: الآية 29] وأثنى الله جلّ جلاله على الضاربين في الأرض بالتجارة فقال: ﴿ وَآَخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [سورة المزمل: الآية 20] الحقيقة ومن أشد أنواع النهي هو النهي عن الربا قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ * وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ ﴾ [سورة البقرة: الآية 278-279] لذلك قال عليه الصلاة والسلام: ((إذا ظهر الربا والزنى في قرية فقد أحلوا بأنفسهم عذاب الله)) [ الطبراني عن ابن عباس] من باب تمييع الموضوع في العهد القديم جاء: إذا افتقر أخوك فاحمله ولا تطلب منه ربحاً ولا منفعة، وفي الإنجيل: "افعلوا الخيرات وأقرضوا غير منتظرين عائدتها وإذن يكون ثوابكم جزيلاً"، ففي الأديان كلها الربا محرمة، لكن اليهود بعد أن حرفوا التوراة أباحوه لأنفسهم، أباحوا أكل الربا من غير اليهودي وحرموه على أنفسهم. في الربا يلد المال المال وفي الكسب المشروع تلد الأعمال المال : أيها الأخوة: موضوع الربا تمت معالجته في هذا المسجد قبل أشهر أو قبل سنة فيما أعتقد، هناك ثمانية أشرطة، وهناك تفاصيل جميلة جداً وقتها قيلت، ولكن بشكل موجز، الآن نقول: الربا أكل المال بالباطل، أكل المال بلا عوض، المال ألصق شيء بالإنسان، المال قوام حياته، وحرمة مال المسلم كحرمة دمه، والمال ينمو بالأعمال بالعوض، وينمو بالربا بلا عوض، والشيء الذي هو أصل في التحريم أنه لا يجوز أن تأخذ مالاً إلا بعوض، أما بلا عوض نما المال من المال، والذي سيحصل تجتمع الأموال بأيد قليلة، وتحرم منها الكثرة الكثيرة، وعندئذ كل أنواع الفساد الأخلاقي والاجتماعي والجرائم أساسها هذا الفرق الطبقي الكبير، في الربا يلد المال المال، وفي الكسب المشروع تلد الأعمال المال، الأعمال فيها منفعة، أنت صنعت أبواباً، صنعت ألبسة، زرعت أرضاً، أنشأت بناء، قدمت خدمات، قدمت حاجات، قدمت منافع، مقابل هذه المنافع ربحت، أصبح هذا المال الذي أخذته مقابل عوض أما في الربا فالمال ذاته يلد المال بهذه الطريقة من دون جهد، ومن دون إبداع، ومن دون تعب، ومن دون عوض، حينما ينمو المال نمواً ذاتياً عن طريق الربا تتجمع الأموال الطائلة في أيد قليلة وتحرم منها الكثرة الكثيرة، هنا محط الشاهد، أصل التحريم ألا يلد المال المال، وتحدثت عن هذا بالتفصيل في دروس سابقة، كيف أن المال إذا ولد المال فشت البطالة، شيء مريح جداً تضع مليون بالبنك تأخذ بالمئة ثمانية عشر، البنك أجنبي تأخذ في السنة مئة وثمانين ألفاً نقسمها على اثني عشر شهراً نجد أنه يأخذ خمسة عشر ألفاً في الشهر وهو مرتاح، لا مسؤولية، ولا وظيفة، ولا عمل، ولا دوام، لو كل إنسان ودع ماله في البنك، وأخذ الفائدة، لم يعمل، تشيع البطالة، أما الآن أفتح محلاً تجارياً إنك تشغل مئتي إنسان من أجل فتح المتجر بشكل غير مباشر، أنت بحاجة لفواتير، ولمن ينقل لك البضاعة، ومحاسب، وطباعة، وتغليف، وورق، وتنقلات، ومواصلات، وسفر، وفندق، لا يوجد إنسان يعمل بعمل إلا ويشغل معه المئات بل الألوف، أما إذا نما ماله عن طريق الربا فتشيع البطالة في المجتمع، والموضوع دقيق يحتاج إلى تفصيلات كثيرة جداً. الربا يرفع الأسعار و يجمع الأموال بأيد قليلة ويحرم منها الكثرة الكثيرة : على كلٍّ أول شيء في هذا الموضوع الربا يرفع الأسعار، وعندنا قاعدة: السعر إذا ارتفع الشريحة المستفيدة تصغر، أوضح مثل لو أن فاكهة الكيلو منها بمئة ليرة كم إنسان بالشام يشترون منها؟ كم إنسان يشترون فاكهة بمئة؟ بـسبعين؟ بخمسين؟ بأربعين؟ بثلاثين؟ بعشرين؟ بعشرة؟ بخمسة؟ http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4944/06.jpg إذا الكيلو بخمسة ليرات معظم الناس يشترون، فكلما ارتفع السعر تضيق شريحة المستفيدين منه، إذا ارتفعت الأسعار والشريحة ضاقت وجد فرق طبقي كبير جداً، وجد كثرة كثيرة محرومة، وقلة قليلة منعمة، هذا الفرق الطبقي الكبير يسبب اضطرابات، وجرائم، وسرقات، وحرمان، إلى أن ينتهي بالثورات، أساسه الفرق الطبقي، لذلك عندما نهى الله عز وجل أشد النهي عن أكل الربا لأنه طريقة من طرق تجميع الأموال بأيد قليلة وحرمان الكثرة الكثيرة منها، مثلاً لو لم توجد الربا في الأرض يمكن أن نضع الأموال في مشروع تجاري نربح بالمئة عشرة، أما إذا كان أي مصرف يعطي بالمئة ثمانية عشر من دون جهد، من دون ضرائب، من دون مسؤولية، من دون أخطاء، من دون مغامرة، فأصبح إذا وضع إنسان أمواله من أجل أن يستثمرها في مشروع تجاري، أو صناعي، لا يرضى ربحاً بأقل من خمسين بالمئة، مادام يوجد ثمانية عشر مضمونين بلا جهد معنى هذا أنه لِيغامر برأسماله يريد أربعين بالمئة، أما لو لم توجد الربا بالأساس يمكن أن يقنع الإنسان بربح خمسة عشر بالمئة، معنى هذا أن الأسعار هبطت، وإذا هبطت الأسعار الشرائح المستفيدة توسعت، وعمّ الخير، قضية معقدة جداً، كلما ارتفع السعر ازداد الفرق الطبقي في المجتمع، معنى هذا أن الربا يسهم في رفع السعر، ويسهم في البطالة، لأن الأعمال تلد الأعمال، أما نمو الأموال ربوياً فيعطل الأعمال، عندما يكون القرض ربوياً لا يوجد مكان للقرض الحسن، ينقطع الخير، إذا كل قرض ربوي أصبح القرض الحسن فيه خسارة كبيرة، ينعدم الخير في المجتمع، هذه قضية أخلاقية. يوجد شيء آخر: دائماً المقرض غني والمقترض فقير، فالفقير على فقره عليه أن يرد القرض مع الفائدة المركبة، فأرهقناه، وسحقناه، هذه قضية أخلاقية أيضاً، وهذا التحريم لا يتجه إلى آكل الربا بل إلى موكله الذي ساهم في إشاعة الربا، لذلك لعن الله آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه. طبعاً البحث مختصر لأننا مررنا عليه بشكل مفصل جداً في ثمانية دروس متعلقة بموضوع الربا مع التفاصيل والأدلة القوية، والآن مرورنا على الموضوع كان مروراً سريعاً. وفي درس آخر إن شاء الله ننتقل لموضوع الدين الذي هو بديل الربا، القرض الحسن. |
رد: العبادات التعاملية
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية الدرس : ( الخامس و الثلاثون ) الموضوع : الدين - التأمين - بيع السلم - بيع الاهل الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون الذكر فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. الحكم الأول المتعلق بالدَّين : أيها الأخوة المؤمنون: مع الدرس التاسع عشر من سلسلة دروس: "الحلال والحرام في الإسلام" وقد وصلنا في الدرس الماضي إلى موضوع الدين. أولاً: الحكم الأول المتعلق بالدين قال تعالى: ﴿ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ﴾ [سورة الأنعام:الآية 142] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4945/01.jpg المسرف أحيانا يلجأ إلى الدين، لأنه مسرف، لأن إنفاقه لا يتناسب مع دخله، يفتقر هذا الإنسان إلى التخطيط ،إلى الحساب الدقيق، إلى الموازنة، إلى الحكمة في الإنفاق، وقد قال الله عز و جل: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (67) ﴾ [سورة الفرقان: الآية 67] والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: ((ما عال من اقتصد)) [ أحمد عن ابن عباس] ولو نحيت جزءاً يسيراً جداً من دخلك للطوارئ. فالإسراف نهانا الله عنه، والتبذير النهي عنه أشد، لأن الإسراف في المباحات بينما التبذير في المعاصي لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا أخوان الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً * ﴾ [سورة الإسراء: الآية 26-27] الإسراف منهي عنه، والتبذير منهي عنه، وعباد الرحمن إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا، وما عال من اقتصد، إذاً الإنسان متى يستقرض؟ عند الضرورة القصوى، عند الضرورة التي لا تحتمل التأخير، كإجراء عملية جراحية، كشراء حاجات أساسية، هذا الاقتراض مشروع في الإسلام، أما الاقتراض لعلة الإسراف أو بسبب التبذير أو لحاجات ثانوية فهناك نهي عن هذا في الأصل. غلبة الدين تعادل قهر الرجال : لو وقفنا عند السنة النبوية المطهرة لوجدنا العجب العجاب، النبي صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه الشريف: ((وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ وَقَهْرِ الرِّجَالِ )) [ أبو داود عن أبي سعيد الخدري] أي رجل قوي شرس لئيم لا يحبك يريد أن يسحقك، عجباً للنبي صلى الله عليه وسلم كيف جمع بين غلبة الدين وقهر الرجال، أي غلبة الدين تعادل قهر الرجال، كيف أن الرجل إذا قهر فجر قال تعالى: ﴿ وَإِذَا بَطَشْتُمْ بطَشْتُمْ جَبَّارِينَ ﴾ [سورة الشعراء: الآية 130] الجمع بين غلبة الدين وقهر الرجال في مستوى واحد، بل إن القاعدة في اللغة تقول: إن العطف يقتضي التشابه، والعطف يقتضي المشاركة من غلبة الدين و قهر الرجال، فما دام الموضوع طرق بهذا الشكل نرى قول الله تعالى: ﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ﴾ [سورة الإسراء: الآية 23] رفع الله الإحسان للوالدين إلى مستوى عبادة الله، وقال تعالى: ﴿ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ ﴾ [سورة محمد: الآية 5] رفع الله صلاح البال إلى مستوى الهدى، فالعطف يقتضي المشاركة، التجانس، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام يقول: ((وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ وَقَهْرِ الرِّجَالِ )) [ أبو داود عن أبي سعيد الخدري] والإنسان كما قال عليه الصلاة والسلام: (( وإياك وما يعتذر منه )) [ أخرجه الطبراني عن عبد الله بن عمر ] فالدين كما يروى وهم بالليل وذل بالنهار: ((وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ وَقَهْرِ الرِّجَالِ )) [ أبو داود عن أبي سعيد الخدري] وفي حديث آخر أو دعاء آخر يقول: ((أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ الْكُفْرِ وَالدَّيْنِ فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُعْدَلُ الدَّيْنُ بِالْكُفْرِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: نَعَمْ )) [ أحمد عن أبي سعيد الخدري] وقد نقل عن سيدنا علي كرم الله وجهه أنه: "كاد الفقر أن يكون كفراً". الإنسان يصبر على فقد الحاجة ولا يصبر على همّ الدين : الإنسان إذا افتقر، وافتقر، وغلبه الدين، ووقف الناس على بابه، وأغلظوا له بالقول، وتابعوه ليلاً نهاراً، مرة بالهاتف، وأخرى باللقاء المباشر، ومرة هددوه، ومرة أوعدوه، فقد لا يحتمل، فالنبي استعاذ من غلبة الدين وقهر الرجال، واستعاذ من الدين والكفر، وكان يقول صلى الله عليه وسلم في صلاته: ((اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم)) [ البخاري عن عائشة] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4945/02.jpg المغرم الدين، الدين قرن مرة بالمأثم، ومرة بالكفر، ومرة بقهر الرجال، إذاً المفروض أن الإنسان يصبر على فقد الحاجة ولا يصبر على همّ الدين ، وورد عن رسول الله أنني لا أشتري شيئاً لا أملك ثمنه. هناك تصرفات غير واعية من أناس كثيرين في الاقتراض بشكل عشوائي، وحينما يأتي سداد الدين يعجز، فإذا عجز اضطر لأن يكذب. حقوق العباد مبنية على المشاححة وحقوق الله عز و جل مبنية على المسامحة : أيضا يوجد حديث آخر يقول عليه الصلاة والسلام في دعائه الشريف: ((اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم، فقال له قائل: ما أكثر ما تستعيذ من المغرم؟ فقال: إن الرجل إذا غرم حدث فكذب ووعد فأخلف )) [ البخاري عن عائشة] إذا وجد الدين ماذا يفعل الرجل؟ إذا حدث كذب، وإذا وعد فأخلف دخل في خصلتين من خصال المنافق وهو لا يدري. والحقيقة يوجد شيء مخيف كان عليه الصلاة والسلام لا يصلي على الميت إذا عرف أنه مات وعليه دين، وقد يكون هذا الميت أحد أصحابه، وقد يكون هذا الميت جاهد معه، وقد يكون هذا الميت وضع روحه على كفه في سبيل الله، ومع ذلك كان يقول عليه الصلاة والسلام:" أعليه دين؟ فإن قالوا: نعم، يقول: صلوا على صاحبكم" . إلا أن أصحاب رسول الله كانوا على درجة عالية من الوفاء، فكان إذا قال عليه الصلاة والسلام: صلوا على صاحبكم. ينبري أحدهم ويقول: يا رسول الله عليّ دينه صلِّ عليه. هذا الشهيد ماذا قدم لله؟ الشهيد قدم روحه، وقد قال الشاعر: والجود بالنفس أقصى غاية الجود *** ومع ذلك دققوا في هذا الحديث، يقول عليه الصلاة والسلام: (( يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين )) [ أخرجه أحمد في مسنده وصحيح مسلم عن ابن عمرو ] قدم روحه، انتهى، قدم أثمن ما يملك، ومع ذلك يغفر له كل شيء إلا الدين، فإنه لا يغفر، لماذا؟ لأن حقوق العباد مبنية على المشاححة، وحقوق الله عز و جل مبنية على المسامحة، والله لا أصدق ولا أتصور إنساناً أكل أموال الناس وولى هارباً، يقول: فليفعلوا ما يشاؤون، هذه المحاكم، وفعلها أناس آخرون، وفعلها أناس كثيرون، أخذ أربعين مليوناً وخمسين مليوناً و اختفى، باعتقاده الموضوع انتهى، ويظن أنه ذكي، ويظن أنه فالح بهذا، والله يكيل الله له الصاع صاعين، لأنه: (( من أخذ أَموال الناس يُريدُ أَداءها أدَّى الله عنه، ومن أخذ أَموال الناس يُرِيدُ إِتْلافها )) [أخرجه البخاري عن أبي هريرة ] من صدق في أداء الدين أدى الله عنه : قد يقول أحدكم من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذ أموال الناس يريد إتلافها أتلفها الله، هذا هو السياق، لا، من أخذ أموال الناس يريد إتلافها أتلفه الله – أتلف الله صاحب المال- والله أعرف رجلاً أخذ مبلغاً كبيراً، وأنا أثق بإيمانه، ووصل إلى مستوى الإفلاس، وهذا المبلغ الكبير برقبته، والأسواق لا تساعد، كساد ما بعده كساد، جمود ما بعده جمود، لا بيع، ولا شراء، ولا حركة أبداً، وهذا المبلغ الذي أخذه أكبر من أن يؤديه، مرة قال لي: بقدرة قادر، و رحمة رحيم، وإلهام حكيم، الله عز وجل يسر له عملاً وسط الكساد، وسط الجمود، عملاً رائجاً جداً، فوفّى معظم هذا المبلغ، قلت له: والله لم تفعل شيئاً إلا أنك نويت ردّ هذا المبلغ، الوضع لا يساعد أبداً لكنك يبدو أنك نويت بصدق وفاء أداء هذا المبلغ فأدى الله عنك، هذا كلام دقيق للذي عليه دين. الله عز و جل لا ينتظر ممن عليه دين إلا أن يصدق في أداء الدين، وعلى الله الباقي، وأعني ما أقول، الذي عليه دين الله عز و جل لا ينتظر منه إلا أن يكون صادقاً في وفاء هذا الدين، وعندئذ يتولى الله عنه أداء هذا الدين، ييسر له عملاً لم يكن في الحسبان، ييسر له أمره وسط الجمود، ووسط الكساد، ووسط الموت، لأن الله عز و جل على لسان النبي صلى الله عليه وسلم هذا وعد ربنا على لسان النبي، والنبي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى قال: (( من أخذ أَموال الناس يُريدُ أَداءها أدَّى الله عنه، ومن أخذ أَموال الناس يُرِيدُ إِتْلافها )) [أخرجه البخاري عن أبي هريرة ] صاحب الدين عندما يكون رقيقاً ويصبر له عند الله أجر كبير : بالمناسبة صاحب الدين عندما يكون رقيقاً، وحليماً، ويصبر، له عند الله أجر كبير أيضاً، صاحب الدين بإمكانه أن يكون فاجراً، بإمكانه أن يقسو في الكلام، بإمكانه أن يثير ضجة كبيرة، بإمكانه أن يفعل شيئاً منكراً، لكن إذا تلطف في مطالبة المدين ورحمه أحياناً فكأنما تصدق عليه، ما كل شيء مال، ما كل الربح مال، أحياناً صبرك ربح، والله عز و جل قال: ﴿ وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ ﴾ [سورة البقرة: الآية 280] أنت تنتظر هذا المدين المعسر ابتغاء وجه الله، الله عز و جل أكرم الأكرمين يكافئك على هذا الصبر الجميل الشيء الكثير. القرض الربوي من لوازم أهل الدنيا و القرض الحسن من لوازم أهل الآخرة : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4945/03.jpg على كلٍّ موضوع الدين موضوع أساسي في الدين، نحن عندنا قرض ربوي، وعندنا قرض حسن ، القرض الربوي من لوازم أهل الدنيا، وأهل الأموال الذين لا يعبؤون لا بمنهج، ولا بدين، ولا بقرآن كريم، ولا بسنة، لا يتصور أن يقرض مبلغاً بدون فائدة، أما المؤمن فلأن أساس حياته على العطاء لا على الأخذ، المؤمن إذا قرأ قوله تعالى: ﴿ مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً ﴾ [سورة البقرة: الآية 245] المؤمن إذا قرأ هذه الآية يندفع إلى خدمة الخلق، أنا أعرف أن أجر القرض ربما كان أشد من أجر الصدقة، أعلم أن هناك أناساً كثيرين لا يقبلون الصدقة، محترمين، نفسهم عزيزة، لكن يستقرضون، فإذا فرجت همهم فلك أجر كبير: ((من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة...... والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه)) [ابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه] من أسدى إليك معروفاً فلم تكافئه ساهمت في تقليل الخير : الآن شاع بين الناس أن أخاً ميسور الحال يرصد مبلغاً لإقراضه للمحتاجين، هذا المبلغ من يد ليد ليد، وأنت أيها المؤمن إذا أخذت أموال الناس ورددتها شاركتهم فيها، وأعنت على الخير، وساهمت في فعل الخير، أما إذا اقترضت مبلغاً ومضى، قال لي شخص: أقرضت شخصاً مئة وخمسين ألفاً، والله من يومين قالها لي، قلت له: منذ متى؟ قال: منذ خمسة وأربعين عاماً، قال لي: منذ أسبوع ردها لي، مئة وخمسون ألفاً قبل خمس وأربعين سنة كم تساوي؟ قال: والله دفعها لي قبل أيام، وأنا أطالبه، مثل هذا الإنسان يبطل المعروف، يروى أن لصاً من لصوص الصحراء، من لصوص الخيل، يتصنع المسكنة والفقر، مرّ فارس فرقّ له، بلا حذاء، بلا نعل، ورمال الصحراء كالنار، كالجمر، فقال له: اركب ورائي، ما إن امتطى الجواد وراءه حتى دفع صاحبها إلى الأرض، وعدا بها لا يلوي على شيء، وهو من لصوص الخيل، يقول له صاحب الخيل، صاحب الفرس: يا هذا لقد وهبت لك الفرس ولن أسأل عنها بعد اليوم، ولكن إياك أن يشيع هذا الخبر في الصحراء فتذهب منها المروءة، وبذهاب المروءة يذهب أجمل ما فيها، الشيء القريب من أذهانكم، شخص يركب مركبته ليس معه أحد يشير له شخص لا يركبه، أنا أقول: معه حق، أحدهم ركب شخصاً هذا الشخص كان قاتلاً إلى الآن بالسجن، ركّب شخصاً يحمل حشيشاً، هذا الذي يطلب المعونة ومعه لغم يمنع الماعون، عندما يكون الناس بمستوى راق يشجعون على فعل الخير، فكلما حدثت مشكلة الناس تخاف و ترتعد، فكلما غدر إنسان أو ارتكب عملاً قبيحاً يبعد الناس عن فعل الخير، لا يستطيع أحدنا أن يُركب شخصاً لا يعرفه، يا ترى معه حشيش؟ معه مخدرات؟ ملاحق؟ قاتل؟ لا يعرف من هو الشخص؟ يفترون عليه أحياناً، إذاً هؤلاء الذين فعلوا هذه الأعمال منعوا الخير. الملخص إذا أسدي إليك معروف فلم تكافئ بل أسأت، أنت تسهم في تقليل فعل الخير في المجتمع، وهذه مشكلة كبيرة. بيع الأجل وبيع السلم والإقراض : عندنا القرض، وإذا إنسان باع شيئاً ما، وأجّل قبض الثمن، هذا عمل صالح، ويوجد عمل صالح بالمقابل هو بيع السلم أي أنت أحياناً تكون راعياً، أو صاحب غنم لا يملك ثمن علف هذه الأغنام، فيضطر إلى بيع صوفها سلفاً، هذا اسمه بيع السلم، وله في الفقه شروط كثيرة، أما بيع السلم فمعاونة الشاري للبائع، والبيع لأجل معاونة البائع للشاري، مرة البائع يعاون بالبيع لأجل، ومرة الشاري يعاون بالشراء بالسلم، والقرض إقراض لله عز وجل، قال تعالى: ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ ﴾ [سورة البقرة: الآية 245] لكن الله لم يكلفك بالإقراض، أن تقرض أي إنسان دون أن تعرفه، هناك نصابون كثيرون، هناك أناس مخادعون، النبي علية الصلاة والسلام كان يحذر الناس ويحترس منهم من غير أن يطوي بشره عن أحد، أما إنسان معروف، واثق من أمانته، واثق من رد الدين، وطلب منك مبلغاً، الأولى والأكمل والمروءة تقول: أن تنجده. الإقراض من الأعمال الصالحة، والبيع لأجل من دون زيادة أيضاً من الأعمال الصالحة، وبيع السلم من دون استغلال، أي إذا صاحب غنم في البادية احتاج إلى ثمن علف، والغنم على وشك الموت جوعاً، فاضطر أن يبيع صوف غنمه لمن يدفع له ثمنه مسبقاً، فإذا كان كيلو الصوف أو رطل الصوف بخمسين ليرة اشتراه بالسلم بعشر ليرات، أليس هذا استغلالاً؟ هذا أشد أنواع الاستغلال، بيع السلم بلا استغلال، بلا بخس للثمن، وبيع لأجل بلا زيادة، أصبح بيع الأجل عمل صالح، وبيع السلم عمل صالح، والإقراض عمل صالح مزدوج. المضاربة والقرض بدائل الاستثمار الربوي : الآن الشرع الحكيم لأنه كما قال أحد العلماء: الشريعة مصلحة كلها، ورحمة كلها، وعدل كلها، وأية قضية خرجت من الرحمة إلى خلافها، ومن العدل إلى الجور، ومن المصلحة إلى المفسدة، فليست من الشريعة، ولو أدخلت عليها بألف تأويل وتأويل، الشريعة عدل، والشريعة مصلحة، والشريعة رحمة، فمن باب مصلحة المجتمع هناك أشخاص يملكون المال ولا يتقنون الأعمال، إما لجهلهم، أو لكبر سنهم، أو لأنهم من الجنس الأنثوي، أو لأنهم صغار قصر، فالذي يملك المال ولا يملك الأعمال هذا بحاجة لمن يستثمر له ماله، ويوجد أناس كثيرون يملكون الطاقة والجهد والخبرة لكنهم مفتقرون إلى المال، فإذا تعاون هؤلاء مع هؤلاء بما يسمى بشركات المضاربة والقرض فهذا أحلّ وجه من وجوه استثمار المال، فهذا الذي يأخذ أموال الناس ثم يختفي، يأخذ أموال الناس ثم يفلس، يأخذ أموال الناس ويعطيهم أرباحاً وهمية خيالية إلى أن يختفي، هذا ماذا فعل؟ الوضع الشرعي الدقيق الواضح الصرف شركة المضاربة، فلما أسيء استغلالها قوينا جانب المصرف، قوينا جانب البنك، وقوينا الاستثمار الربوي، فكل إنسان أساء مع من وضع معه المال ساهم وهو لا يدري في تقوية جانب القرض الربوي، وطبعا القرض الربوي حرام، واستثمار الأموال بطريق الإقراض الربوي أيضاً حرام بإجماع العلماء، أما حينما تسيء استخدام الوجه المشروع تقوي الجانب المحرم وأنت لا تشعر، أي الذين أخذوا أموال الناس، و أنكروها، أو سافروا بها، أو اختفوا، كل الناس تقوى عندهم أن الاستثمار الربوي أكثر أماناً، أما لو الجانب الأول أخذ أموال الناس، وعمل بها بالعدل، والإنصاف، والرحمة، لما شك الناس في هذا الطريق المشروع، ولجؤوا إلى طريق آخر غير مشروع. ولا يخفى عن أذهانكم أن النبي صلى الله عليه وسلم أول شريك مضارب في الإسلام، أخذ أموال السيدة خديجة، وتاجر بها في الشام، وكان في أعلى درجات الأمانة، والاستقامة، والإخلاص، وربما أخبار النبي في تجارته مع خديجة كان أكبر دافع لها على أن تتزوجه لأمانته، وخلقه، وإخلاصه. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4945/04.jpg أحياناً تجد مهندساً مثلاً يتحرق على عمل، لا يوجد مال، شخص معه مال يتحرق على من يُشغل له هذا المال، شيء طبيعي جداً هذا هو البديل، إن الذين يقولون: لا بد من إيداع الأموال في المصارف هؤلاء غير واقعيين، هناك بدائل كثيرة لكن أنت ابحث عن المؤمن، ابحث عن المستقيم، الدنيا لا تخلو، أن تقول: لم يبق أحد هذا كلام غير علمي، كلام فيه مبالغة، الدنيا لا تخلو من إنسان مستقيم، ببعض البلاد فيما أعلم شركات كبيرة جداً أعطت أرباحاً طائلة وكلها مشروعة، وكادت البنوك أن تفلس، لأنه أعطى ثلاثة وعشرين بالمئة أرباحاً، وكلها مشاريع حيوية، ومشاريع جيدة ومشروعة، فلذلك بديل الاستثمار الربوي عقد المضاربة، والقرض، وهذا ما يفعله معظم الناس. إلا أن المنزلق الوحيد أن هناك تجاراً كثيرين يعطون فوائد ثابتة، وأرباحاً ثابتة، وهذا يجعل هذه التجارة ربوية، يجب أن يكون الربح حقيقياً على أساس موازنة، ومتاجرة، وأرباح، وخسائر، أما أن تعطي على الألف مبلغاً كل شهر فهذا ربا حقيقي، وإن كان على شكل استثمار الأموال عند بعض التجار، تجار كثيرون لا يتورعون أن يعطوا نسبة ثابتة وهذه النسب الثابت تلتقي مع الاستثمار الربوي لقاء تاماً. الإسلام دين التعاون : الله عز وجل ندبنا إلى التعاون فقال: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾ [سورة المائدة: الآية 2] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4945/05.jpg والآن الحقيقة إذا أراد أن ينشئ مشروعاً عن طريق فرد واحد، ربما كان هذا قبل سنوات، أما الآن أقل مشروع يحتاج إلى ملايين، لذلك لا بد من التعاون، والإسلام دين التعاون، دين المؤاثرة، دين التكاتف، فأنا أشجع على التعاون فيما بين الأخوة المؤمنين، على عمل صناعي، على عمل تجاري، على عمل زراعي، ويد الله مع الجماعة، والأحاديث كثيرة جداً، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((يد الله على الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه فإذا خان أحدهما صاحبه رفعها عنهما )) [ سنن الدار قطني عن أبي حيان التيمي عن أبيه] معنى يد الله على الشريكين أي بالتوفيق والنصر والتأييد والحفظ: ((يد الله على الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه فإذا خان أحدهما صاحبه رفعها عنهما )) [ سنن الدار قطني عن أبي حيان التيمي عن أبيه] والله يوجد شركات عمرها أربع وعشرين سنة، وثلاثين سنة، منتهى الأمانة، منتهى الإخلاص، والله عز وجل يوفق الشركة كلها. يوجد حديث آخر يقول عليه الصلاة والسلام: ((إن الله تعالى يقول أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه فإذا خانه خرجت من بينهما)) [ أبو داود عن أبي هررة] طبعا وضحت من قبل معنى الخيانة، معنى الخيانة ليس أن تفتح الصندوق، وتأخذ مالاً، وتضعه في جيبك، هذه ليست خيانة، هذه سرقة، أما الخيانة فأن تفكر أن تأخذ منه الخبرة ثم تلقيه خارج الشركة، كيف أن الزواج على التأبيد الشركة التي يرضى الله عنها هي شركة على التأبيد، قد تنفصل بعد حين، أما حينما وقّعنا، وحينما عقدنا العزم على هذه الشركة، فنوينا الاستمرار، من أجل عدم وجود الغدر، أو عدم وجود نوايا سيئة، أو عدم وجود الخطط التي يرسمها أحد الشركاء ليلقي بالشريكين خارج الشركة، طبعا نحن لا ندخل في التفاصيل، هذه التفاصيل مشروحة بشكل تفصيلي في دروس سابقة، نحن عندنا عدة دروس عن شركات المضاربة، عدة دروس عن الدين، عن القرض، عن الربا، لكن نمر عليها مروراً سريعاً أما التفاصيل فسبق أن وقفنا عند التفصيلات، والأحكام الفقهية، والأمور الفرعية بشكل دقيق. أحكام التأمين : أما التأمين، التأمين التعاوني ليس مشروعاً فحسب بل مندوباً إليه، التأمين التعاوني غير التأمين الاستغلالي، أو غير التأمين التجاري، إذا كان هناك مئة تاجر اتفقوا أن يضعوا في صندوق مشترك نسباً من دخولهم، فإذا أصيب أحدهم بكارثة دفعوا له تعويضاً عن هذه الكارثة، هذا التأمين من أفضل أنواع التأمين، مشروع لأن فيه عوضاً، لو أن واحداً لم يصب بكارثة، الأموال التي لهم تبقى لهم، ولا تذهب بلا عوض، أما التأمين الاستثماري فإن لم تصب بشيء ضاع عليك المبلغ، دفعت مبلغاً كبيراً ولم تأخذ ما يقابله، من هنا جاءت الحرمة، ليس هناك معاوضة، لذلك كل شيء فيه تعاون، وفيه حفظ حقوق، وفيه معاوضة مشروع، الإسلام مرن، والإسلام واقعي، والإسلام دين، يجب أن يغطي كل حاجات المجتمع، وأن يكون صالحاً لكل زمان ومكان، هذا هو الإسلام: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً ﴾ [ سورة المائدة الآية : 3 ] فممكن أن ننشئ تأميناً تعاونياً، طبعاً هذا الإسلام، أساسه أن كل أصحاب مصلحة، كل أصحاب حرفة، يتعاونون في إيداع مبلغ من دخولهم في صندوق، فإذا أصيب أحد بتلف في بضاعته، أو بكارثة، عوضنا له مباشرة، والباقي لنا، وما في الصندوق يمكن أن نستثمره في طريق مشروع فينمو، هذا هو التأمين التعاوني لا شيء عليه. بل حتى الجمعيات التعاونية التي يتعاون أعضاؤها على إنشاء دور للسكن ما لم يكن هناك قرض ربوي فهي حلال، بل مندوب إليها، ما لم يكن هناك قرض ربوي على اسم أعضائها، لولا هذه العلة لكانت هذه الجمعيات وفق منهج الله عز وجل، و الشرع يباركها، ويدعمها، ويؤيدها. المزارعة و تربية الحيوان : والذي عنده أرض زراعية، ويريد أن يستغلها، هناك أساليب كثيرة لاستغلالها، ومن هذه الأساليب أن يقوم هو بزراعتها وله أجر لا يعلمه إلا الله، لأنه قدم إنتاجاً زراعياً، قدم غذاء للناس، والطريقة الثانية إن لم يتمكن من زراعتها فيندب أن يقدمها لأخ يحتاج إليها، فقد قال عليه الصلاة والسلام: ((مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا أَوْ لِيَمْنَحْهَا أَخَاهُ)) [ البخاري عن جابر] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4945/06.jpg والطريقة الثالثة: أن يعطيها لمن يزرعها بآلته، وبذره، وحيوانه، على أن يكون له نسبة، هذه المزارعة. شركة المضاربة في التجارة، أما المزارعة ففي الزراعة، ممكن الأرض أن تقدمها، وهناك من يزرعها، ويعتني بها، ويحصدها، ويعطيك بعضاً من الغلة، هذه أيضاً مزارعة. وكذلك يجوز أن تشترك مع أخيك في تربية الحيوان، ممكن أن تنمي الثروة الحيوانية، أو أن تنمي الأرض الزراعية، أو أن تتاجر مع أخوانك، أو أن تضارب، بمعنى أن تقدم الجهد ومنهم التمويل، أو تقدم التمويل ومنهم الجهد، هذه كلها أساليب لاستثمار الأموال، لأن المال قوام الحياة، والإنسان حينما يكسب المال المشروع هذا العمل جزء من الدين، طلب الحلال فريضة بعد الفريضة، أي بعد أن تصلي، وتصوم، وتحج، عليك أن تطلب الحلال، ومن بات كالاً في طلب الحلال بات مغفوراً له، وإني أرى الرجل من غير عمل يسقط من عيني كما قال سيدنا عمر، ونعم العبد الذي يكسب قوته بجهده، وعرق جبينه، فنحن مع العمل والنبي عليه الصلاة والسلام أمسك يد عبد الله بن مسعود وكانت خشنة رفعها بين أصحابه وقال: "إن هذه اليد يحبها الله ورسوله". الإنسان يصل إلى مرضاة الله عز وجل من خلال عمله المهني : الإنسان يمكن أن يصل إلى مرضاة الله عز وجل من خلال عمله المهني، والحقيقة يوجد نقطة مهمة جداً، نحن حياتنا حياة تعاون، فالله عز وجل أرادنا أن نكون في مجتمع، والدليل أن الله سبحانه وتعالى مكّن كل واحد من خلقه من عمل، وجعله مفتقراً إلى آلاف الأعمال، مكنك من عمل وجعلك مفتقراً إلى آلاف الأعمال، معنى هذا أن الله عز وجل أرادنا أن نكون متعاونين، وهذا من تخطيط الله عز وجل، وهذا من مشيئة الله وإرادته، فالتعاون أمر إلهي ثابت لقوله تعالى: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾ [سورة المائدة: الآية 2] النقطة الدقيقة أن العمل المهني الذي تحترفه يمكن أن يكون سبباً لدخول الجنة وحده، أولاً: أن يكون مشروعاً، عملك مشروع، عملك في إطعام الناس، في تأمين كسائهم، في تأمين تعليم أولادهم، في تأمين معالجة أبنائهم، فالعمل الطبابة والتعليم والتدريس، والعمل في المواد الغذائية، والعمل في الملبوسات، طبعاً مع بعض الاستثناءات هذا كله مشروع، أما عندما تأتي بمعجونة لحم وتنشئ معمل مرتديلا، والمعجونة تأتي بها من بلاد أجنبية، يغلب على ظنك أن فيها شحم خنزير وتقول: مصنعة وطنياً فهذا غش كبير، قرأت خبراً منذ مدة في الجريدة أن باخرة في طرطوس فحص اللحم فيها فإذا هو فاسد فردت، معنى هذا أن المعامل الوطنية تأتي بمعجونة المرتديلا استيراداً، وتضعها في علب، والناس يتوهمون أن هذا لحم ضان، لحم حلال، فالعمل في الأغذية شيء جيد جداً، لكن إذا وجد التدليس، أو الكذب، أو مواد محرمة، أنت لست متأكداً منها، يوجد مواد ممنوعة، يوجد أحياناً جبن أساسه مصنع من منفحة الخنزير، يوجد جبن مخلوط بشحم خنزير مثلاً، فينبغي لمن يستورد هذه البضاعة أو لمن يستورد مادتها الأولية أن ينتبه، هؤلاء مسلمون أمامك، تطعمهم وهم واثقون منك، لذلك موضوع التعامل مع غذاء المسلمين يحتاج إلى ورع شديد، يوجد مواد مسرطنة، يوجد مواد رخيصة جداً، يوجد أصبغة رخيصة تسبب سرطانات، يوجد مواد فاسدة، يوجد مواد منته مفعولها، طبعاً الإنسان لا يستطيع أن يكشف الحقيقة. الدين الحقيقي يظهر في العمل : لذلك العمل في غذاء المسلمين، والعمل في تقديم المواد الزراعية لهم، عمل طيب، فالعمل إذا كان في الأصل مشروعاً وسلك فيه المسلم الطرق المشروعة؛ لا يوجد كذب، ولا غش، ولا تدليس، ولا إيهام، يستطيع صيدلي أن يمحي تاريخ الانتهاء ويضع تاريخاً جديداً ويصلي؟ والله ارتكب كبيرة، ما قيمة هذه الصلاة؟ الدواء انتهى مفعوله فيحك مكان الانتهاء أو يضع رقماً جديداً، أو يتحايل بوضع لصاقة فوق تاريخ الانتهاء بشكل أو بآخر، هذا حرام، الدين الحقيقي يظهر في عملك، لا يتجلى دين الإنسان وهو في المسجد، وهو يصلي، جميعنا نصلي، يتجلى دينك الحقيقي في معملك، يتجلى الدين الحقيقي في معمل الغذاء، ممكن أن تضع مادة خطيرة مسرطنة في مادة الطحينة من أجل أن يكون لونها مناسباً، وترفع السعر عشر ليرات، ممكن أن تفعلها وقد فعلها قبلك أناس كثيرون، مادة مبيضة لكنها تستعمل في الطلاء، تضعها أنت في مادة غذائية، من أجل أن تؤكل، وهذا الذي يشتري لا يملك القدرة على الفحص، فنحن بحاجة ماسة إلى ضمير، أو إلى مراقبة لله عز و جل، يوجد أشياء كثيرة، ممكن أن تستعمل هرموناً ممنوعاً استعماله، وممنوعاً استيراده، وممنوعاً استعماله في بلد المنشأ، هذا الهرمون يكبر الثمرة، تجد الثمرة حجمها كبير، ولأنه متألق هذه خضراوات مهرمنة، مع الاستمرار تتراكم هذه المواد المسرطنة في الجسم. محاسبة النفس أمر ضروري في حياة الإنسان : يوجد ملاحظة بأن الأمراض الخبيثة زادت بشكل كبير ما هي أسبابها؟ أسبابها يوجد أخطاء كبيرة جداً في غذائنا، مواد هرمونية، كل المعلبات تحتوي مواد حافظة، مسموح بوضع اثنين بالمئة يضعون خمسة بالمئة، من أجل ألا تتلف بعد حين، الخمسة بالمئة مؤذية أما اثنين بالمئة فغير مؤذية، فالمعمل الذي يضع نسبة عالية من الهرمونات في هذه المعلبات ضماناً لسلامتها يكون قد أذى الإنسان. يوجد كثير من الأمراض مثلاً السمون المهدرجة كلها هذه سمون مشبعة لا تهضم، وهذه تسبب ضيقاً في الشرايين، هذه السمون كلها ممنوع استعمالها في بلد المنشأ، للتصدير فقط، فالإنسان يجب أن يفكر، فإذا كان عملك عملاً غذائياً هؤلاء المسلمون محاسب أنت عنهم عند الله عز و جل، فحاسب نفسك آلاف المرات. قال لي أخ هنا في هذا المسجد أكبرته كثيراً عنده معمل مواد غذائية، بلغه أن المياه بهذه المنطقة ملوثة، فأصبح يأتي بالمياه النقية من مكان بعيد، ويدفع مبالغ طائلة كي يصنع المادة الغذائية بمياه نقية، إشاعة بلغته أن الماء في هذه المنطقة ملوث فخاف من الله عز و جل، أخ كريم آخر يحدثني فقال: والله أختار من المواد الأساسية أفضل الأنواع، لأن الذي يأكل هذه الحلويات أولادنا، هم أطفال بريئون، فعندما يعامل الإنسان الله عز و جل الله يكافئه، ويعطيه، ويحفظه، ويقويه، ويحفظ ماله من التلف، والذي يجني أرباحاً طائلة عن طريق الغش والتدليس الله عز و جل يدمره. الدين يتجلى أكثر ما يتجلى في أعمال الإنسان : أخواننا الكرام: عملك، مهنتك، أكبر جزء من دينك، ليس أكبر جزء من دينك صلاتك، الصلاة عماد الدين، والصلاة كالامتحان، ساعات الامتحان مناسبة تقبض الجائزة على عبادتك التعاملية، فكل واحد ممكن إذا كان عمله مشروعاً، وسلك به الطرق المشروعة، وابتغى به كفاية نفسه، وكفاية أهله، وابتغى منه خدمة المسلمين، ولم يشغله عن طلب العلم، ولا عن أداء واجب، ولا عن أداء فريضة، انقلب هذا العمل إلى عبادة تامة تامة تامة. عجبا لأمر المؤمن وهو في معمله يعبد الله، وهو في مكتبه يعبد الله، وهو في عيادته يعبد الله، وهو في مكتبه الهندسي يعبد الله، ولذلك الدين يتجلى أكثر ما يتجلى في أعمالك. من طبق التوجيهات النبوية و الأحكام الفقهية شعر بسعادة لا توصف : جاءتني رسالة سأقرؤها لكم: يقول صاحب الرسالة: نشكر لكم توجيهاتكم في هذا الموضوع – القرض- وأنا من الذين كنت في ضائقة مالية شديدة، فقام أخ كريم من هذا المسجد وفرج عني هذا الدين فجزاه الله كل خير، أترى العمل الطيب ما أجمله! إن الله عز و جل في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، البر لا يبلى، والذنب لا ينسى، والديان لا يموت، اعمل ما شئت كما تدين تدان، والإنسان لا يرقى عند الله إلا بمعاونة أخوانه، والإسلام أساسه علاقات بأعلى درجة من التعاون، هل يوجد أحد منا - شيء لم يحدث بعد - يقول لأخيه خذ نصف مالي؟ نصف بيتي؟ نصف دكاني؟ هكذا فعل الصحابة، الصحابة عندما آخى النبي بينهم وبين المهاجرين عرض الأنصار على المهاجرين نصف بيوتهم، وبساتينهم، وحوانيتهم، والطرف الثاني كان صاحب عزة وكرامة قال ابن عوف: لا يا أخي جزاك الله عني كل خير، دلني على السوق بارك الله لك في مالك، ولكن دلني على السوق، الآن يقول لك: إذا قلنا نريد فقر حال، يأتي الأغنياء يتسابقون على فقر الحال، إذا أردنا أن نجري عملية جراحية مجاناً للفقراء نتفاجأ بأن الأغنياء يجرونها مجاناً، الأغنياء المقتدرون يبذلون ماء وجوههم، ويدّعون الفقر لإجرائها مجاناً، أما سيدنا ابن عوف قال له: بارك الله لك في مالك ولكن دلني على السوق. والحقيقة أخواننا الكرام كل كلامنا نظري، أما إذا طبق والله تشعرون بسعادة لا توصف، وأنا مصر على هذا المثل، الفرق بين سماع التوجيهات النبوية، أو سماع الأحكام الفقهية، أو سماع السيرة النبوية، وبين تطبيقها، كالمسافة بين أن تقول: ألف مليون وأن تملكها، كم هي المسافة كبيرة أن تقول: ألف مليون ولا تملك قيمة رغيف الخبز، وبين أن تملك هذا المبلغ، وكل هذه التوجيهات، وكل هذه الأحكام الفقهية، وكل هذه المثل العليا التي تحدثت عنها في هذا الدرس لا قيمة لها لا بالنسبة لي ولا إليكم إن لم تطبق. ثمار الدين الإسلامي لا تقطف إلا بالتطبيق : سمعت مرة كلمة أعجبتني، المتكلم ليتكلم ما شاء، يحاسبه الله على مدى تطبيقه لما يقول، والمستمع ليستمع ما شاء، يحاسبه الله على مدى تطبيقه لما يسمع، لا المتكلم يفلح إن لم يطبق، ولا المستمع يفلح إن لم يطبق، لا تقل هذا يتحدث إلينا، المتكلم مثل المستمع لا يرقى إلا بالتطبيق، لأن الكلام سهل جداً، لا يكلف شيئاً، لا ترقى إلا بالتطبيق، فانظر سمعت أول درس، والثاني، وأنت ملازم للدروس، ومن رواد المسجد منذ عشرين عاماً، لا يرقى الله بك إلا عند التطبيق، والمتكلم مهما تكلم، ومهما كان فصيحاً، ومهما شق في الكلام، ومهما حلل، ومهما بيّن، ومهما جاء بالأدلة، إذا لم يطبق كلامه لا يرقى عند الله أبداً، أسباب الرقي هو التطبيق للمتكلم والمستمع، فلذلك أخواننا الكرام عندما يطبق الإنسان يتألق تألقاً شديداً، ويعرف ثمار هذا الدين، بل إن ثمار هذا الدين لا تقطف إلا بالتطبيق، لذلك الإنسان عندما ينطلق للعمل الصالح يشعر أن الدين شيء عظيم، وإذا لم يطبقه يمل منه فيقول: والله شيء ممل، وأنا أستمع لهذا كثيراً، يقول لك كل: هذا معاد، شيء ممل، فلان انتهى، لا يوجد عنده شيء جديد. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4945/07.jpg الحقيقة ليس المتكلم لم يبق عنده شيء جديد، المستمع ليس عنده عمل إطلاقاً، عند عدم وجود العمل يشعر الإنسان بالملل، ادعُ شخصاً للطعام، ضع له الصحون والأطباق، لكن دون طعام شيء ممل، ادعه مرة ثانية يقول لك: مشغول، مادام لم يأكل لن يأتي مرة ثانية، أما لو أكل تدعوه مرة ثانية يأتي فوراً، فإذا طبق الإنسان يتألق، ويعرف ثمار الدين، وإذا لم يطبق كل شيء فعلاً يمل، الله عز وجل أعاد في القرآن الكريم قصة سيدنا موسى سبع عشرة مرة، يوجد في القرآن أشياء كثيرة معادة لأنها أساسية لابد من ترسيخها، فالإنسان يتألق بالتطبيق، ويسأم ويضجر بعدم التطبيق، إذا اشترى أحدنا سيارة، أول يوم يغسلها وفي اليوم الثاني يلمعها ولكن لم يركبها ولا مرة ثم يكرهها، إذا لم يستعملها لا يحبها، عبء عليه، رسوم، وتنظيف، ومشكلات، مرة انكسر الزجاج، ومرة أخرى أصلحه، إذا لم يركبها عبء عليه، يكرهها، أما إذا قطف ثمارها فيحبها، وكذلك كل شيء في الحياة. فالله نسأل أن يلهمنا التطبيق، وأن يلهمنا أن نترجم هذه الأحكام الفقهية إلى حياة يومية. المسلمون يد واحدة وقلب واحد وإحساس واحد : أحياناً أسمع قصصاً يقشعر جلدي، أحد أخواننا الذين أكرمهم الله بالإسلام، بعد أن لم يكونوا مسلمين، أخ دون أن يُعلم أحداً أمّن له منزلاً، هذا عمل بطولي، أن تؤمن لإنسان منزلاً، وأن تعينه بعمل، أن تؤمن له عملاً وتعينه بقضايا أساسية، الحياة تعاون، ونحن يجب أن نعيش الإسلام، نحن أسرة واحدة، أجمل شيء في الحياة أن تعيش الجماعة المسلمة، المؤمنون يرعى بعضهم بعضاً كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى. المسلمون يد واحدة، قلب واحد، إحساس واحد، كلهم لواحد والواحد للجميع، وعلامة إيمانك أن تفرح فرحاً شديداً إذا أخوك ارتقى، أخذ شهادة عليا، وأصبح طبيباً، واشترى منزلاً، وأسس شركة، افرح له لأنه قوة للمسلمين، وإذا مرض أخوك أصبح عبئاً عليك، إذا قوي أصبح في خدمة المسلمين. فنحن الهدف من هذا الدرس أيها الأخوة أن نشمر اليوم، تكلمنا عن القرض الحسن، والبيع لأجل، والبيع السلم، والمضاربة، والتأمين، هذه الموضوعات طبعاً أنا عالجتها معالجة مطولة، ومتأنية جداً في دروس سابقة، واليوم أردت أن أذكر بها لأن طبيعة الدرس طبيعة إجمالية، لكن القرض الحسن شيء عظيم جداً، والمضاربة شيء عظيم، أيضاً الصبر شيء عظيم، تصبر على أخوانك فقد يكون هناك كساد لا يوجد رواج، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه. |
رد: العبادات التعاملية
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية الدرس : ( السادس و الثلاثون ) الموضوع : الادلة من الكتاب والسنة واقوال العلماء على الإنسان أن يأكل الرزقَ الحلال الذي تفيضُ به نفسه وتُستجابُ به دعوته : ﴿ يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾ [سورة المؤمنون] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4946/01.jpg قد يفهم قارئٌ أو رجلٌ أن كلوا من الطيبات أي كلوا الأكل الطيب، هذا فهمُ ساذج، فقد قال عليه الصلاة و السلام:(( تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ وَعَبْدُ الْقَطِيفَةِ وَعَبْدُ الْخَمِيصَةِ إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ وَإِنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَفِ)) [ البخاري عن أبي هريرة] ليس المقصود من هذه الآية أن تأكل ما لذَّ وطاب، وإن كان المؤمن كالنحلة لا يأكل إلا طيباً، ولا يُطعم إلا طيباً: ﴿ وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا ﴾ [سورة الكهف] مع أنَّ المؤمن كالنحلة يأكل طيباً ويُطعم طيباً، ولكن كلمة الطيبات هنا تعني شيئاً آخر، كلوا من الطيبات أي كلوا الرزقَ الحلال الذي تفيضُ به نفوسكم، وتُستجابُ به دعوتكم. العمل الصالح لا يُسجّل إلا إن بُنيَ على استقامة تامة : ﴿وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ أي قلم الحبر لا يؤثر على ورقةٍ فيها شحمٌ، أو دهنٌ، لا يؤثر الحبر إلا على ورقٍ نظيف، القلم لا يخطُّ إلا على ورقٍ نظيف، فالعمل السيئ، والأكل الحرام، والانحراف، يُبطل العمل الصالح، إن أردت بالعمل الصالح المكافأة في الدنيا، فلو خلطت العمل الصالح مع الطالح تأتيك المكافأة في الدنيا، لو إنسان خَلَطَ عملاً صالحاً وآخر سيئاً الله سبحانه وتعالى أكرمُ من أن يُضيّع عليه عمله الصالح مهما كان قليلاً، إلا أنكَ إذا أردت بالعمل الصالح الآخرة، وما عندَ الله من نعيمٍ مُقيم، فإنَّ هذا العمل الصالح لا يُسجّل إلا إن بُنيَ على استقامة تامة، لذلك: ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ﴾ [سورة الكهف] ارتباط الاستقامة بالعمل الصالح : يجب أن يُبنى العمل الصالح على الاستقامة، كما لو أتيت بمواد البناء وهي بأسعارٍ باهظة، وأقمت بناءً شامخاً لا أساس له، لابُدَّ من أن ينهار، ومعنى ينهار أنَّ هذه المواد الأولية التي دفعت ثمنها ألوف الألوف لا قيمة لها، لابُدَّ من أن تقع وتُهدّم بما أنَّ الأساس غير موجود، الأساس هو العمل الصالح. بشكل آخر الاستقامة، الاستقامة طريقٌ معبّد والعمل الصالح سيرٌ على هذا الطريق، فكما أنَّ الاستقامة وحدها لا تكفي، كذلك العمل الصالح وحده لا يكفي، لأنه ما بُنيّ على فسادٍ فهو فاسد، فقوله تعالى في سورة المؤمنون: ﴿ كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ﴾ أي كلوا رزقاً حلالاً، كلوا الرزق الذي كسبتموه كسباً حلالاً، كلوا طعاماً حلالاً تطيبُ به نفوسكم: (( إن روح القدس نفثت في روعي أن نفساً لن تموت حتى تستوفي رزقها، فاتقوا الله عباد الله وأجملوا في الطلب ـ وهناك زيادة ببعض الروايات ـ واستجملوا مهنكم )) [حديث صحيح بشواهده، ابن ماجه وأبو نعيم في الحلية والحاكم وابن حبان عن جابر] إذاً: الأمر بالأكل من الطيبات، أي الحلال مقدّمٌ على العمل الصالح، مثلاً إنسان بفوائد أمواله الطائلة يبني مسجداً! لابُدَّ من أن يكون مستقيماً حتى يُقبل منه إشادة هذا المسجد، بفوائد أمواله يتصدّق ليست مقبولة: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إِلا طَيِّبًا وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ فَقَالَ [ يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ]وَقَالَ [ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ])) [أخرجه مسلم والترمذي عن أبي هريرة ] من أكل أموال الناس بالباطل حرمت الجنة عليه : الأغنياء يُحشرون أربع فِرقٍ: منهم من كَسِبَ مالاً حلالاً وأنفقه في حرام يُقال خذوه إلى النار، ومنهم من كَسِبَ مالاً حراماً وأنفقه في حلال يُقال خذوه إلى النار، وقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [سورة البقرة] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4946/02.jpg أي هذه الآية وحدها قد نمضي في شرحِها أسابيع، من غشَّ في البضاعة فكأنما أكلَ أموال الناس بالباطل، أنت بِعته مادةً من نوع كذا، فلما تسلّمها وجدها من نوع آخر، النوع الذي بعته إيّاه رخيص أي أنكَ بِعته بلوراً وطنياً على أنه ياباني، الوطني سعر متره يقدر بستين ليرة، أمّا الياباني فسعر متره ثلاثمئة ليرة، أنتَ تبيع ألمنيوم في المحلات العالية وضعت وطني على أساس أنه أجنبي، بين الستين وبين الثلاثمئة و الخمسين مسافة كبيرة جداً، هذا اسمه أكل أموال الناس بالباطل. لو فرضنا قمت بتصليح قطعة ما بشكل غير متقن وأخذت على أنها متقنة.. فهذا أكل أموال الناس بالباطل.. هذا الباب واسع جداً، الغش، كتم العيب، بِعته سجادة فيها عيب ولم ينتبه لها، وعلى أساس أنه اشتراها كاملة، ولو عَرَفَ أنَّ فيها عيباً لَما دفعَ هذا الثمن، فأنت أكلت جزءاً من رِبحِكَ بالباطل. أنت صانع عِند معلّم قال لك: افتح الساعة الثامنة وأنت تفتح الساعة العاشرة، فأنت أكلت جزءاً من أجرتك بالباطل، تمَّ تكليفكَ بعمل معيّن فلم تتقنه، وضعت للبلور مسماراً واحداً، وبضربة واحدة انكسر البلور، ثمنه ثمانون ليرة.. أنت أكلت مال الناس بالباطل.. قال عليه الصلاة والسلام: (( من تزوج امرأة على صداق وهو ينوي ألا يؤديه إليها فهو زان، ومن أدان دينا وهو ينوي ألا يؤديه إلى صاحبه - أحسبه قال - فهو سارق)) [ مسند البزار عن أبي هريرة] الدين المعاملة : في هذا الدرس يتضّح لكم وهذا الذي أتمنى أن يكون واضحاً لكم أنَّ الدين ليس صلاةً وصياماً وحجاً وعُمرةً فحسبُ، ولكن الدين المعاملة، جوهر الدين هذا الانضباط في كسبِ المال، الانضباط في إنفاق المال، الانضباط في علاقتِكَ بالنساء، هذا هو الدين.. إذا كان كذلك صحّت الصلاة، وصحَّ الصوم، وصحَّ الحجُ، وصحّت العمرةُ، وصحّت الزكاةُ، هذه كُلُها تُقبلُ إذا كان في الأخلاقِ استقامة، وفي العملِ طيب، وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ﴾ [سورة النساء] طبعاً العلماء قالوا: " إنَّ الغني يجب أن يتعفف عن أخذ الأجرة على إدارة أموال اليتامى ".. الغني: ﴿ وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [سورة النساء] والأخذ بالمعروف يعني أن تأخذ أجر المثل أو حاجتكَ أيهما أقل، أجرَ المثلِ أخذت له مئة ألف قُمت بتشغيلهم في صفقة، وأنت تحتاج في الشهر خمسة آلاف، قمت بتشغيلهم شهرين فربحوا خمسين ألفاً، خمسة وعشرون لك وخمسة وعشرون لهم ؟؟ " أنت تحتاج إلى عشرة آلاف فقط، فيجب أن تأخذ العشرة آلاف، هذه حاجتُكَ لأنها أقل، تحتاج إلى عشرة آلاف في الشهرين وربحت الصفقة عشرة آلاف تأخذ لك خمسة وله خمسة، تأخذ الخمسة هذا أجرُ المثل أيهما أقل، هذا هو الأكل بالمعروف، " وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ". ليس هناك معصية في كتاب الله ورد فيها التحذير إلا معصية الربا : وقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) ﴾ [سورة البقرة] إن كنتم مؤمنين تذرون أكلَ الرِبا، " وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا " كلُّ الرِبا بكامله: ﴿ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ ﴾ [سورة البقرة] ليس هناك معصية في كتاب الله ورد فيها هذا التحذير إلاَ هذه المعصية، لأنكَ إذا أكلت الرِبا أو أطعمته فإن مجتمعاً بكاملِهِ يُصاب بالعطب والعَطَلْ، ماذا يحدث؟ يُصبح المالُ دولةً بينَ الأغنياء، إنسان يملك مليوناً ومليون لا يملكون واحداً.. هذا الذي يحدث.. والمال إذا كان دولةً بين الأغنياء يقع المجتمع في شرٍ كبير، لأنَّ هذا الغني يقدر على كُلِّ شيء بمالِهِ، والغالبية العُظمى لا تقدرُ على شيء واحدٍ بفقرِها، تنشأ الأحقاد، تنشأ الجرائم، حتى أنَّ هناك بعض البحوث الاجتماعية أنَّ الفقر الشديد حيثما وُجِدْ ارتفعت الجريمة، الأوربيون اخترعوا أجهزة تُغنيهم عن الموظفين، مثلاً معمل نسيج وضعوا على كل نول كاميرا تلفزيونية، وكانوا يحتاجون سابقاً عاملاً لكل نول، الآن لكل مئتي نول خمسة عمال يُراقبون الشاشات، معامل النسيج استغنت عن العمال، ومحلات البيع الكبرى هناك أربع كاميرات تُراقب الزبائن، والحساب على المخرج في الأسفل.. ما الذي حدث؟.. ظهرت بطالة واسعة، واستخدم هؤلاء العاطلون عن العمل أساليب العنف لكسب المال، فانخفضت نفقات الموظفين، وارتفعت نفقات الأمن عندهم.. لم نستفيد أي شيء.. تخطيط خاطئ، لأنَّ المال بهذه الطريقة يُصبح دُولةً بين الأغنياء، لذلك ربنا عزّ وجل قال في موضوع الرِبا: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ* فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ* ﴾ [سورة البقرة] ﴿ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [سورة البقرة] طلب العلم بالحلال والحرام فريضةٌ على كل مسلم : وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((طلب العلم فريضة على كل مسلم )) [ ابن ماجه عن أنس بن مالك] ((طلب الحلال فريضة على كل مسلم )) [ الطبراني عن ابن مسعود] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4946/03.jpg أن تعرف الحلال والحرام، حتى إنَّ بعض العلماء وفّق بين الحديثين قال: " طلب العلم بالحلال والحرام فريضةٌ على كل مسلم "، وأنكَ إذا عرفت الحلال والحرام طابَ مطعمُك، وإذا طاب مطعمُك استُجيبت دعوتك. (( قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إِلا طَيِّبًا وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ فَقَالَ [ يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ]وَقَالَ [ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ]ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ يَا رَبِّ وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ )) [أخرجه مسلم والترمذي عن أبي هريرة ] ((طلب العلم فريضة على كل مسلم )) [ ابن ماجه عن أنس بن مالك] ((طلب الحلال فريضة على كل مسلم )) [ الطبراني عن ابن مسعود] والتوفيق بينهما: طلب العلم بالحلال والحرام فريضةٌ على كُل مسلم، يا أيها التجار! يا أيها العمال! يا أصحاب الحِرف! تفقّهوا قبل أن تدخلوا السوق، يقول لكَ: وجدنا له عقدة، دخل في شُبهة الرِبا، نقدي سعر وبالتقسيط سعر آخر، إنسان اشترى ربع بيت وأجرّه لآخر، والشرط أن يرد المبلغ بعد خمس سنوات ذاته، أصبح مثل الرِبا كأنّه أجّرَ مبلغاً بفائدة قدرُها كذا شهرياً، لكن هذا الشراء حُر بعد كذا سنة يتم عقد بيعٍ جديد بسعر جديد، قد يكون أعلى وقد يكون أدنى. من يسعى لِرزقِ عيالِهِ من وجهٍ حلال فهو كالمجاهد في سبيل الله : هناك حديث آخر: ((من سعى على عيالِهِ من حِلِهِ فهو كالمجاهد في سبيل الله )) [ الطبراني عن أبي هريرة] إنسان يسعى لِرزقِ عيالِهِ من وجهٍ حلال فهو كالمجاهد في سبيل الله، سيدنا ابن مسعود أمسكَ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم مرةً فرأى النبي الكريم يده خشنة، أو رأى بها جرحاً من عمله، فقال عليه الصلاة والسلام: "إن هذه اليد لا تمسُها النار". فتاة لمست يد أبيها فرأتها خشنة فقالت: هذه كــف أبي خشنهـا ضرب مسحاة ونقل بالزبيـل *** فقال لها أبوها: ويحكِ لا تستنكري كدَّ يدي ليس من يسعى لِعرضٍ بذليل إنما الذِلّةُ أن يمشـي الفتى ساحبَ الذيل إلى وجه البخيل *** هذا هو الذُل..، ما الذُل ؟ أن يقف الكريم بباب اللئيم ثمَّ يردّه، هذا هو الذُل، أمّا أن تعملَ عملاً شاقاً فهذا هو العِزّ. (( لأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ أَحْبُلَهُ فَيَأْتِيَ الْجَبَلَ فَيَجِيء بِحُزْمَةِ حَطَبٍ عَلَى ظَهْرِهِ فَيَبِيعَهَا فَيَسْتَغْنِيَ بِثَمَنِهَا خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ )) [ أحمد عن عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهٍِ] ((من سعى على عيالِهِ من حِلِهِ فهو كالمجاهد في سبيل الله )) [ الطبراني عن أبي هريرة] (( من طلب الدنيا في عفافٍ كانَ في درجة الشهداء )) [ الطبراني عن أبي هريرة] (( من أكل الحلال أربعين يوماً نوّرَ الله قلبه وأجرى ينابيع الحِكمة من قلبه على لِسانِهِ )) [أخرجه أبو نعيم في الحلية من حديث أبي أيوب ] ((من أخلص لله أربعين يوما ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه)) [أبو نعيم في الحلية عن أبي أيوب] من كان طائعاً لله مخلصاً في طلب الحلال فتحت أمامه سبل المعيشة : الناس الآن بعيدون عن الحلال، لو أكلوا الحلال لَعَرَفوا كيف أنَّ الله سبحانه وتعالى يتجلّى عليهم، نومهم هنيء، يقظتهم هنيئة، حياتهم مباركة، هناك بركةٌ في مصروفِهم، في إنفاقِهم، يُبارك الله لهم في أهلِهم، في أولادِهم، في زوجاتِهم، في بيوتهم، في أولادهم، في زوجاتهم، في طعامِهم، في شرابِهم، في نومِهم، في يقظتِهم، في حِلِّهم، في ترحالِهم... لأنَّ تسعة أعشار المعصية من كسب الرِزق- تسعة أعشار المعصية- لو جمعنا المعاصي كلها تسعةُ أعشارِها في كسب الرِزق، وقال عليه الصلاة والسلام: (( أطب مطعمكَ تُستجب دعوتك)) [ الطبراني عن سعد بن أبي وقاص] و قال أيضاً : (( أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إِلا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ.... ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ يَا رَبِّ وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟ )) [مسلم عن أبي هريرة] مهما ضاقت سُبُل المعيشة في الدنيا هي مُفتّحةٌ على مصارِعِها لمن كان طائعاً لله عزّ وجل، مخلصاً في طلب الحلال. إنَّ لله ملكاً يُنادي كلَّ ليلةٍ: من أكلَ حراماً لم يُقبل منه صرفٌ ولا عدلٌ، الصرف: النافلة، والعدل: الفرض، لا فرض ولا نافلة يُقبل منه لو أكل حراماً، أي إذا إنسان قال في تشديد: إنَّ هذا الكلام ليس كلامي، كلام النبي عليه الصلاة والسلام: ﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى* إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى* ﴾ [سورة النجم] الحرام طريق الإنسان إلى النار : و قال عليه الصلاة والسلام: ((مَنِ اشْتَرَى ثَوْبًا بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ وَفِيهِ دِرْهَمٌ حَرَامٌ لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ لَهُ صَلَاةً مَادَامَ عَلَيْهِ )) [ أحمد عن ابن عمر] مادامَ هذا الثوب يرتديه لا يقبل الله صلاته، وقال عليه الصلاة والسلام: (( من لم يُبال من أين اكتسب المال لم يُبال الله من أينَ أدخله النار )) [أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث ابن عمر] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4946/04.jpg يقول لك: " حط بالخرج " لا يسأل، لم يعبأ، لم يكترث، لم يُبال، هناك مرض اسمه عدم المبالاة، لا يسأل، إنسان قال: أنا أجلس مع الصالحين أُصبح صالحاً، ومع الأراذل أصبح مثلهم، يشربون فأشرب... يفتخر بهذا الاتجاه، أينَ عقلُك؟ أينّ تمييزُك؟ هناك بالَ بمعنى اكترث مضارِعهُ يُبالي، وهناك بالَ مضارِعُهَ يَبُولُ، هناك شاعر قال: لا يُبالي وإذا بالَ " من بالَ يبولُ لا من بالَ يُبالي "، هذا الذي لا يُبالي من أين يكتفي برزقهُ لا يُبالي الله من أيُّ بابٍ يُدخله النار، وقال عليه الصلاة والسلام: ((العبادةُ عشرةُ أجزاءٍ تسعةٌ منها في طلبِ الحلال)) [ أبو منصور الديلمي من حديث أنس] تسعةُ أجزاء من عشرة أجزاء في طلب الحلال، وقال عليه الصلاة والسلام: (( من أمسى كالاًّ في طلب الحلال باتَ مغفوراً له وأصبحَ الله عنه راضٍ)) [الطبراني عن ابن عباس] ازرع أرضاً، افتح محلاً تجارياً، بِع بضاعة حلالاً، طعام، شراب، قماش، حاجات المسلمين قُم بتوفيرها لهم، بِعها وأحضرها واربح، أنت تأخذ وتُعطي، الأنبياءُ وحدهم أعطوا ولم يأخذوا، والأبالسة والشياطين والمنافقون والفُجّار أخذوا ولم يُعطوا، وعامة الناس يأخذون ويُعطون، وقال عليه الصلاة والسلام: ((من أصابَ مالاً من مأثمٍ فوصل به رحماً، أو تصدقَ به، أو أنفقه في سبيل الله، جمع الله ذلك جميعاً ثم قذفه في النار)) [رواه أبو داود في المراسيل من رواية القاسم بن مخيمرة] الاستقامة و الورع : الآن أكثر الناس يأخذون الفوائد ويعطونها للفقراء، متوازن هذه بتلك، قال عليه الصلاة والسلام: (( خير دينكم الورع )) [ شعب الإيمان عن قتادة بن مطرف] ما الورع ؟ الاستقامة غير الورع، الاستقامة ألا تقع في الحرام، أما الورع فأن تُبقي بينك وبين الحرام هامش أمان، الورع: أن تضع ما لا بأس به حذراً مما بهِ بأس، الورع: (( ركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلط )) [ الجامع الصغير عن أنس ] (( من لقي الله ورعاً أعطاه الله ثواب الإسلام كله )) [ ورد في الأثر] يُروى أنَّ الله تعالى قال في بعض كتبه: وأما الورعون فأنا أستحيي أن أُحاسبهم، أي إذا عندك موظف ورع لأقصى الحدود ولو أخطأ تخجل من أن تُحاسبه، لأن له أعمالاً طيبة كثيرة تغطي على كُل أغلاطه " وأما الورعون فأنا أستحيي أن أُحاسبهم " هكذا جاء في بعض الكُتب، وقال عليه الصلاة والسلام: ((درهم ربا أشد عند الله من ثلاثين زنيةً في الإسلام )) [أحمد والدار قطني من حديث عبد الله بن حنظلة] النُصح والاستقامة والصدق في القول والعمل أساس الإيمان : وقال عليه الصلاة والسلام: (( إِنَّ اللَّهَ قَسَمَ بَيْنَكُمْ أَخْلاقَكُمْ كَمَا قَسَمَ بَيْنَكُمْ أَرْزَاقَكُمْ وَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُعْطِي الدُّنْيَا مَنْ يُحِبُّ وَمَنْ لا يُحِبُّ وَلا يُعْطِي الدِّينَ إِلا لِمَنْ أَحَبَّ فَمَنْ أَعْطَاهُ اللَّهُ الدِّينَ فَقَدْ أَحَبَّهُ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا يُسْلِمُ عَبْدٌ حَتَّى يَسْلَمَ قَلْبُهُ وَلِسَانُهُ وَلا يُؤْمِنُ حَتَّى يَأْمَنَ جَارُهُ بَوَائِقَهُ قَالُوا وَمَا بَوَائِقُهُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ قَالَ غَشْمُهُ وَظُلْمُهُ وَلا يَكْسِبُ عَبْدٌ مَالا مِنْ حَرَامٍ فَيُنْفِقَ مِنْهُ فَيُبَارَكَ لَهُ فِيهِ وَلا يَتَصَدَّقُ بِهِ فَيُقْبَلَ مِنْهُ وَلا يَتْرُكُ خَلْفَ ظَهْرِهِ إِلا كَانَ زَادَهُ إِلَى النَّارِ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لا يَمْحُو السَّيِّئَ بِالسَّيِّئِ وَلَكِنْ يَمْحُو السَّيِّئَ بِالْحَسَنِ إِنَّ الْخَبِيثَ لا يَمْحُو الْخَبِيث )) [ احمد عن عبد الله بن مسعود] إمساكه غير مقبول وتركه زاد إلى النار، لذلك معظم الناس يظن أنه ذكي وشاطر وتاجر وعريق بالتجارة إذا كسب مالاً حراماً في عمله، يقول لك: ألبسته إياها، باع بيعة فيها عيب لم يُره إياه، قال لي إنسان: أتتني بيعة، عندي ستوكات قماش- زبالة- فاشتراها مني إنسان و طلب مني أن أشحنها له، و عندما اكتشف العيب فيها أراد أن يعود ويتشاجر، فقلت له: لا يوجد عندي غير هذه البضاعة هذا الحاضر، بعد أن أخذ ثمنها نقداً، والتاجر وضع ثقته فيه، يقول: إنها زبالة، وقطع موصولة، وألوان مختلفة، وستوكات ألوان، وضعهم في الطرد وأرسلهم... أحياناً الإنسان يغش فيظن أنه قد ربح، هذا ربح عاجل، أما الذكي فيبحث عن ربح للمدى البعيد، هذا ربح قريب ينتهي إلى الدمار، لكن النُصحَ والاستقامة والصدق في القول، والعمل، وعدم الغش، وعدم كتم العيب. قال لي شخص يبيع قطع تبديل جاءه شخص وطلب منه قطعة معينة، قال له: موجودة، فسأله على أنها أصلية؟ فسكت البائع ودار في ذهنه أنه إذا قلت له إنها غير أصلية فيعدل عن شرائها.. أصبح معه صراع سريع.. فقال له: لا هذه تقليد، فأجابه المشتري أحضرها لي. إنسان آخر يبيع قماشاً، دخل عليه زبون، وشاهد بضاعة أعجبته، وأخذ عدة أثواب من القماش مجموع ثمنهم 35000 ليرة، المبلغ نقدي، والبضاعة كانت كاسدة، فسأله الزبون: هل هذا القماش بحاجة إلى كي؟ فأجابه البائع: نعم، فرفض الزبون شراء الأثواب وقال له: ضعها، لو قال له البائع: لا، كانت كل البيعة حراماً، لو أنه أجابه بسؤال: كيف الطقس عندكم؟ مباشرةً قَلَبَ الموضوع، البيعة كلها حرام، نعم هذه البضاعة فيها هذا العيب قال له: لا أريدها، وتربح، وتفتح منزلاً، وتتزوج بالصدق، والخطأ الكبير أنَّ الناس يظنون إذا لم يكذبوا يموتون جوعاً، هذا أكبر غلط، تأكل رزقاً طيباًَ، كثيراً، مباركاً وأنت صادق وليكن ما يكن. من يحب الله و رسوله يحب عباده أيضاً : هناك تاجر أول صفقة اشتراها من القماش وعلى ما يبدو أنه غير خبير في الأسعار عرضها بسعر تسع ليرات ورأسمالِها ثماني ليرات و نصف ولم تُبع معه، ثم عرضها برأسمالها ولم تُبع، وصل إلى الخمس ليرات ولم تُبع، فجاءه زبون غير خبير بالأسعار مثله وطلب أن يرى البضاعة فأعجبته، فسأل عن سعرها فقال: بتسع ليرات، فقال الزبون: اشتريت، فقال البائع: لكن نقدي فوافق المشتري، بعدها أخذ يفكر البائع أنَّ هذا المشتري تاجر حديث عهد سوف يأخذ البضاعة ويضع فيها رأسمالِهِ فسوف تكسد البضاعة ومن ثمَّ سوف يُفلّس، فقال للمشتري: لا أبيعُكَ إياها ولا بخمس، والله عزّ وجل أخذ بيده والآن معه ملايين.. انظر للصدق.. حيث أنه عرض بيعها بخمس ليرات ولم تُبع معه، وجاء بيعها بتسع، ونقدي ولم يرضَ أن يبيعها، لأنهُ في زمانِهِ أول ما عمِلَ في التجارة أخذ سيارة وذهب إلى البادية، وقالت بعض الأخبار: إنه يستطيع أن يغش البدو في البيع والشراء، ذهب إلى البادية أخذ سيارة وقبان لشراء الصوف، وجد صوفاً عند شخص يعرف والده، فأعجبه وأراد أن يزن الصوف، ووضعوا الجزّة في القبان، وطلب من صاحب الصوف أن يكتب، وقال: اكتب 32 و800 غرام، هذا البدوي لم يسمع بالغرامات طيلة حياته.. وأصبح مسروراً، عند انتهاء الصفقة عند المشتري في الحدس العام أنه أنا خصمت حوالي عشرة آلاف، فإذا هم سبعة آلاف، والبدوي شعر بأن هناك بُعداً في الميزان فقال له: " إن شاء الله تجدها في صحتك، والذي وقعت معه هذه القصة سمعتُها من فمِهِ، قال لي: شعرت بحرج، أنا غلطان - خاف على سمعته - أيعود بعد يوم؟ لم يجد الوضع مناسباً، قال لي: وسارت الأمور وأخذ معه صفائح من السمن وركب في السيارة باتجاه الشام، قال لي: حوالي ساعة سير في البادية وأنا في صراع نفسي أأعود وأُعطيه الفرق؟ ماذا سأقول له؟ لعبت عليك في الميزان، قال: وصلت لمكان وقلت: " ما الذي حدث؟ لم يحدث شيئاً "، قال: والله لم أُكمل - وهو خاطر داخلي- وجدت نفسي وسط بحر من الدماء، حيث انقلبت السيارة، وتبعثر السمن، وجرح، مادام في صِراع الله يُعطيه مهلة، لكن عندما اتخذ القرار قال له: قف الآن، فتاب هذا الشخص عن أكل المال الحرام، فعندما جاءه ذلك الزبون ودفع في الصفقة تسع ليرات رفض أن يبيعها وقال له: هذه بخمس ولم تُبع معي، هذه ستعرضك للإفلاس، اذهب. كنت عند شخص في الحريقة فجاءه شخص فتح محله من جديد يريد كنزات، وهو عنده كنزات لآخر الموسم، وهذا الشخص حديث عهد بالسوق فقال له البائع: لا تأخذ شيئاً الآن أبداً، وعنده بضاعة يُريد أن يبيعها هذا الشخص، ولكن بما أنه فتح محلاً جديداً وآخر الموسم، وانتهى الموسم، وموديلات جميعها قديمة، قال له: لا تأخذ شيئاً، وعلى أول الموسم الصيفي تأتي لعندي، لكم سُررت- والله شيء جميل-، أي الإيمان النصيحة، لم يقم بتوريطه، ولو أنَّ شخصاً ليس فيه دين يبيعه بيعة كبيرة، البضاعة انتهى موسمها، وانتهت، وهذا فتح الآن محله ويضع كنزات شتوية بموديلات قديمة لا تعمل معه... والله لكم سررت منه... هذا الإيمان. ما سبقكم أبو بكرٍ بكثرة صلاةٍ ولا صيام ولكن بشيء وقرَ في صدرِهِ ألا هو حُب الله ورسوله. الذي يُحب الله ورسوله يُحب عباده أيضاً. أقوال تُبيّنُ عِظَمَ أكلِ المال الحرام : ورد في بعض الآثار أن الصديّق رضي الله عنه شرب لبناً من كسبِ عبدٍ ثمَّ سألَ عبده من أين جئت بهذا المال؟ قال العبد: تكهنّت بقومٍ فأعطوني... والله أعلم بهذه القصة لكن لها مغزى... فأدخل إصبعه في فيهِ وجعلَ يقيئ حتى ظننتُ أنَّ نفسهُ ستخرج، ثم قال: "اللهم إني أعتذر إليك مما حملت العروق وخالط الأمعاء"، أي أنه رضي الله عنه لم يتحمل أن يأكل مالاً حراماً، والنبي الكريم أُخبِرَ بذلك فقال: أو ما علمتم أنَّ الصديّقَ لا يدخل جوفه إلا طيباً؟ وكذلك شرب سيدنا عمر رضي الله عنه من لبن إبل الصدقة غلطاً فأدخل إصبعه وتقيأ، وقالت عائشة رضي الله عنها: "إنكم لتغفلون عن أفضل العبادة وهو الورع". _ وقال عبد الله بن عمر رضي الله عنه: "لو صليتم حتى تكونوا كالحنايا، وصُمتم حتى تكونوا كالأوتار من شدة النحول، لم يقبل الله منكم ذلك إلا بورعٍ حاجز" أي ورعٌ يحجزكم عن المعاصي. - وقال إبراهيم بن الأدهم رحمه الله: "ما أدرك من أدرك إلا من كان يعقل ما يدخُلُ جوفه". - وقال الفُضيل: "من عَرَفَ ما يدخل جوفه كتبه الله صديّقاً فانظر عند من تُفطر يا مسكين". - وقال سفيان الثوري رضي الله عنه: "من أنفقَ من الحرامِ في طاعة الله كان كمن طهّرَ الثوب النجس بالبولِ". - وقال يحيى بن معاذ: "الطاعةُ خِزانة من خزائن الله إلا أنَّ مفتاحَها الدعاء وأسنانُ هذا المفتاح لُقمُ الحلال". - وقال ابن عباس رضي الله عنهما: "لا يقبل الله صلاةَ امرئ في جوفهِ حرام". - وقال سهلُ: "لا يبلغُ العبدُ حقيقة الإيمان حتى يكونَ فيهِ أربعُ خِصال: أداءُ الفرائضِ بالسُنة، وأكلُ الحلالِ بالورع، واجتناب النهي من الظاهر والباطن، والصبرُ على ذلك إلى الموت"، وقال أيضاً: "من أحبَّ أن يُكاشَفَ بآيات الصديّقين فلا يأكُلُ إلا حلالاً ولا يعملُ إلا في سنةٍ أو ضرورة". كُلُ هذه الآيات وهذه الأحاديث تُبيّنُ لكم عِظَمَ أكلِ المال الحرام، وكيفَ أنه يحجُبُ عن اللهِ سبحانه وتعالى. - ويُقال: من أكل الشبهة أربعين يوماً أظلم قلبه. أنت تقوم بمحاسبة شخص قلت له: أنا أعطيتُك دفعة، أجابك: أنا لم آخذها منك، صار هناك شك، قال لك تذمم؟ فأجبت بنعم، أنت متأكد بالمئة خمسون.. تكون قد أكلت مالاً حراماً.. ما دمت متأكداً فادفع نصف الذمة، إذا كنت متأكداً بالمئة مئة ليس هناك مانع تذمم، كلمة تذمم كلمة كبيرة جداً وفي الآخرة ليس لها حل، الآن تُحل وتُحل بالمال، قال: وهو تأويل قوله تعالى: ﴿ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ [ سورة المطففين ] أي أنَّ كسبهم الحرام حجبهم عن الله سبحانه وتعالى. - قال ابن المبارك: "ردُّ درهم من شبهةٍ أحب إليّ من أن أتصدق بمئة ألف درهم". الدينُ يُصلح النفس و يهذبها : الآن ناحية مهمة جداً: "من أكل الحرام عصت جوارحُهُ شاءَ أم أبى، عَلِمَ أو لم يعلم"، أي إذا أكل الحرام تجده ينظر للنساء ويكذب.. لا يقدر لأنه أكل مالاً حراماً، ومن كانت طُعمته حلالاً أطاعته جوارحُهُ ووفِقَ للخيراتِ، وقال بعض السلف: "إن أول لقمةٍ يأكُلُها العبدُ من حلالٍ يغفر له ما سلفَ من ذنوبِهِ". http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4946/05.jpg قال لي أخ قصة: عنده معمل ينقص المال فيه، أي أنه يضع الخمسمئة فلا يجدها، فبذل جهداً كبيراً في المراقبة فلم يتوصل لنتيجة، أحضر عاملاً وكلّفه بمراقبة العمال دون أن يشعروا، هناك نقص في البضاعة والأموال، ومن ثم تلاشت هذه الظاهرة، وبعد مُضي عدة سنوات طرقَ بابه طارقٌ يستأذنه بالدخول، قال: من أنت ؟ قال: أنا كنتُ عاملاً عندك قبل سنوات، وكنتُ آخذ من مالِكَ من دون أن تشعر، وقد تُبتُ إلى الله عزّ وجل، وجئتُكَ لأدفع لكَ كل ما تُريد، فكان هذا الرجل كريم الأخلاق فأجابه: وأنا نظيرَ توبتِكَ وندمِكَ واستقامتك وهبتُ لكَ هذا الذي أخذته مني عن طيبِ خاطر، وإن شئت أن تعود إلى عملِك فمكانُكَ محجوز لا يوجد شيء في الحياة أثمن من الأمانة أبداً، والنبي الكريم قال: (( الأمانة غنى )) [الجامع الصغير عن أنس] ولا يوجد شيء يُصلح النفس كالدين، الدينُ وحده يُصلح النفس، بالدين تستقيم، وعلى قدر عدم وجود دين في الشخص قد يكون ذكياً يُعطيك كشف حساب منظم، حتى وإن كان غير منظم يقوم بتنظيمه، ليس بالصعب عليه، فإن لم يكن هناك دين تُصبح نهب الأموال بالباطل. شرف المؤمن أمانته و ورعه : فنصيحة: لا تُصاحب إلا مؤمناً، ولا تُعامل إلا المؤمن، ولا تُشارك إلا المؤمن، ولا تستخدم إلا المؤمن، ولا تُوظّف إلا المؤمن... قد يحدث خطأ ولكن يكون غير مقصود، أما أن يقوم بخيانتك فلا يقوم بذلك: (( يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى الْخِلَالِ كُلِّهَا إِلَّا الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ )) [ أحمد عن أبي أمامة ] لأنه من المستحيل وهما يتناقضان مع الإيمان، وأقول لكم هذه الكلمة: إن كان في الأرض كلها إنسان واحد أمين وبقي محتاجاً فأنا المسؤول.. لا يُمكن.. الأمانة غِنىً، الأمين الله يُغنيه من فضله، والله يُغنيه بأسباب، مادام أميناً فهو موثوق، وما دام موثوقاً تتهافت عليه الناس، أي أنهم يثقون به لأمانتهِ، وعدالتهِ، واستقامته، وورعهِ، ويُسلمونه أموالهم. عندنا شخص والله أنا أفخر به، تعامل مع شخص ليس مسلماً، فوجد الشخص الغير المسلم منه أمانة، فأحب أن يُشاركه، فعرض عليه المحل والأدوات، وكما يُريد يُعطيه حتى المليون، أي نصراني أراد أن يُشارك مسلماً لأمانته، هذا شرف المؤمن، شرفه بأمانته، شرفه بورعهِ.... وإلا لا فرقَ بينه وبين أي إنسان آخر. قال: "إن أول لقمةٍ يأكلها العبد من حلال يغفر الله له ما سَلَفَ من ذنوبِهِ، ومن أقام نفسه مقام ذلٍ في طلب الحلال تساقطت عنه ذنوبه كتساقط ورق الشجر". صفات الواعظ : وروى السلفُ أنَّ الواعِظَ إذا جلسَ للناس قال العلماء: "تفقدوا منه ثلاثاً، فإن كان معتقداً ببدعةٍ فلا تُجالِسوه فإنه عن لِسان الشيطان ينطق، وإن كان سيئ الطُعمةِ فعن الهوى ينطق، وإن لم يكن مكين العقلِ فإنه يُفسد بكلامِهِ أكثر مما يُصلح". إذاً: ثلاثة أشياء: إن كان يعتقد اعتقادات فاسدة، يعتقد بعض البِدع، فهو ينطق على لِسان الشيطان ليُضلَّ الناس، وإن كان في مطعمه حرام فهو ينطق عن الهوى، يبيح الرِبا بنسب قليلة، ويُبيح المنكرات، ويُبيح بعض أجهزة اللهو، ويبيح الاختلاط، فيقول لك: لضرورات العصر، لطلب العلم، لأشياء كثيرة... تجده يوسّعها على الناس بشكل كبير، ولم يعد شيئاً من الدين إطلاقاً، إذا كان قد نطقَ عن بدعة فهو ينطق بلسان الشيطان، وإن نطقَ عن هوى، عن شهوة أو نزوة ينطق بلسان الهوى، وإذا كان عقله غير مكين فهو يُفسد ولا يصلح. من الأخبار أنَّ الدنيا حلالُها حِساب، وحرامُها عذاب، وشُبهتُها عِتاب، وقد قال بعض الصالحين: " نحنُ لا نأكل إلا حلالاً فبذلك تستقيم قلوبنا، ويدوم حالُنا، ونُكاشف الملكوت، ونشاهد الآخرة، ولو أكلنا مما تأكلون ثلاثة أيام لَمَا رجعنا إلى شيء من علم اليقين، ولَذَهَبَ الخوف من قلوبِنا، والمشاهدةُ من قلوبِنا ". الدين انضباط في الحلال والحرام واستقامة ومحبة : وقد كان بين أحمد بن حنبل ويحيى بن نعيم صحبةٌ طويلة فهَجَرَهُ أحمد لمّا سمعهُ يقول: إني لا أسألُ أحداً شيئاً ولو أعطاني الشيطانُ شيئاً لأكلته، فاعتذر يحيى وقال: كنتُ أمزح، فقال تمزحُ بالدين " من أخطر الأشياء المزحُ بالدين ": ﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [سورة التوبة ] أما علمتَ أنَّ الأكل من الدين؟ وقد قدّمه الله تعالى عن العمل الصالح: ﴿ كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا ﴾ [سورة المؤمنون: الآية51 ] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4946/06.jpg بِشرُ الحافي رحمه الله كان من الورعين، مرةً طرقوا بابه، وكان غارقاً في الملذات والشُرب والمعاصي، فطرق بابه طارق، وقال لعبدهِ: قُل لسيّدِكَ إن كانَ حُراً فليفعل ما يشاء، وإن كان عبداً فما هكذا تصنعُ العبيد. يُقال أنَّ هذه الكلمة تركت في نفسِهِ أثراً بليغاً، فتَبِعَ الرجلَ حافياً، وصار اسمه بِشرُ الحافي، وأصبح رجلاً صالحاً وعارفاً، سُئِلَ مرةً قيلَ له: من أينَ تأكل يا بِشرُ؟ فقالَ: من حيث تأكلون، ولكن ليس من يأكل وهو يبكي كمن يأكل وهو يضحك، وقال: يدٌ أقصر من يد، ولقمةٌ أصغر من لُقمة، وهكذا كان السلف الصالح يحترزون عن الشُبُهات. (( الْحَلالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فَمَنِ اتَّقَى الْمُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ أَلا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى أَلا إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ أَلا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ )) [ صحيح عن النعمان بن بشير ] أي المؤمن الصادق إذا ترك هذا الدرس بنفسه أثراً كبيراً يذهب منذ اليوم، ويضع في دفتر ما عنده من مشكلات مالية، شبهات، بعض الدخول غير مطمئن لها، ويُسجلها ويتصدّق، وإن عَرَفَ صاحِبها يُعطيه المبلغ، وإن لم يعرفه يتصدّق، حتى يُحرر ذمته، لكي يكون مطمئناً، هذا هو الدين، الدين انضباط في الحلال والحرام، الدين استقامة، الدين محبة، الدين ثبوت، وليس الدين في الصلاة والصيام فقط ولكن الصلاة والصيام لا تُقبلان إلا على أساسٍ من استقامة ونظافةٍ تامتين. |
رد: العبادات التعاملية
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية الدرس : ( السابع و الثلاثون ) الموضوع : مداخل الكسب الحلال كلمة المال لا تعني الدراهم فقط فالمال هو كل شيء له قيمة وله ثمن : أيها الأخوة المؤمنون: وصلنا في موضوع الحلال والحرام إلى أصناف الحلال ومداخِلِهِ، فالحرام إما أن يكون حراماً لعينهِ، لصفةٍ في عينِهِ كالخمر، ولحم الخنزير، والدم، والميتة.. هذا مُحرّمٌ لعينِ هذا الشيء.. وهناك تفصيلات في موضوع اللحوم، والأطيار، والأسماك، وجميع الحيوانات، ما ينبغي أن نأكله، وما لا ينبغي، يأتي ذكره مفصّلاً في باب الأطعمة إن شاء الله تعالى. وهناك ما يحرم لا لذاته، قد يحرم أن تأكل الخبز لا لأن الخبز حرام بل لأنَّ طريقة كسبه كانت حراماً، هذا شيء محرّم لصفة كسبه أو لطريقة كسبه، أو كما يقول العلماء: لخللٍ في إثبات اليد عليه. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4947/01.jpg فالمال كلمة المال لا تعني الدراهم فقط، المال كل شيء له قيمة وله ثمن، يُقال: له مال، فالقماش مال، والطعام مال. فأخذُ المال إما أن يكون باختيار المالك، وإما أن يكون بغير اختياره، فالذي بغير اختياره كالإرث، نأخذ مال هذا الرجل الذي مات من دون اختيار منه، وإمّا أن يكون من مالكٍ أو من غير مالكٍ، حشائش الأرض، وماء البئر، ومعادن الأرض، هذه تؤخذ من غير مالك، إمّا أن يكون لهذا المال مالكاً أو ليس له مالك. الذي ليس له مالك له حُكم، والذي له مالك له حُكم، الذي له مالك إمّا أن يؤخذ باختياره وله تفصيلات، وإما أن يُؤخذ من غير اختياره، والذي يُؤخذ من مالك إمّا أن يُؤخذ قهراً وهو حلال، أو يُؤخذ تراضياً وهو حلال، وهناك تفصيلات، والمأخوذ قهراً إما أن يكون بصكوك عصمة المالك كالغنائم، أو باستحقاق الأخذ في الزكاة ممن يمتنع عن أدائِها والنفقات الواجبة عليهم تُؤخذ قهراً من غير اختيار، والمأخوذ تراضياً إمّا أن يكون بِعِوض كالبيع والشراء والأجرة والصداق، وإمّا أن يُؤخذ بغير عِوض كالهِبة والوصية، هذا الإجمال تفصيلُهُ أنَّ كسبَ المالِ لابُدَّ من أن ينطوي تحت ستة بنود؟ كسبَ المالِ ينطوي تحت ستة بنود : 1 ـ ما يؤخذ من غير مالك : البند الأول ما يُؤخذ من غير مالِك: كالمعادن وإحياء الموات، أرضٌ ليسَ لها صاحب، قام بوضع سور لها، وحفرَ لها بئراً، وزرعها فأثمرت... هذا مالٌ مأخوذ من غير مالِك، والمعادن كفلذات المعادن التي تُستخرج من باطن الأرض، والاصطياد، والاحتطاب، والاستسقاء من الأنهر، والاحتشاشُ - قطعُ الحشيش - فهذا كلّه حلالٌ بشرطِ ألا يكون المأخوذ مختصّاً بذي حُرمةٍ من الآدميين، هذا المال الذي لا مالِكَ له كماء النهر، والحشيش الذي ينبُتُ عفواً من غير زرعٍ، والأرض التي تُوضع اليدُ عليها وتستصلح، ويُحيا مواتُها، هذا كله مالٌ يؤخذ من غير مالك في نص الشرع هو حلال ما لم يتعلّق به أحد. 2 ـ المأخوذ قهراً ممن لا حُرمة له : وأمّا المأخوذ قهراً ممن لا حُرمة له: فهو كالفيء والغنيمة، المال الذي يُؤخذ قهراً إثرَ الحروب التي تنشِبُ بسببِ نشرِ الدين، ونشر الحق، وإعلاء كلمة الله، هؤلاء الذين يريدون أن يُطفئوا نور الله، يريدون أن يعثوا في الأرض فساداً، هؤلاء إذا أرادوا أن يقفوا في وجه الحق، وانتصر المسلمون عليهم، تُؤخذ أموالُهم قهراً عن غير اختيار منهم، وهو الفيء والغنيمةُ، الغنيمةُ تُؤخذ إثرَ حربٍ، والفيء يُؤخذُ من دونِ حربٍ، وهذا حلالٌ بشرطِ أن يُؤخذ منها الخُمس ويُعطى للمستحقين، وتُقسّمَ بين المحاربين بالعدلِ، ولهذا الموضوع تفصيلٌ طويل في كتاب السيّرِ وكتاب الفيء والغنيمةِ وكتاب الجزية. 3 ـ ما يُؤخذ قهراً باستحقاق : ومن هذه الأموال ما يُؤخذ قهراً باستحقاق: عندَ امتناع من وَجَبَ عليه دفعُ هذا المال فيُؤخذ دونَ رِضاهُ، وذلكَ حلالٌ إذا تمَّ سببُ الاستحقاق، مثلاً زوجٌ امتنعَ عن الإنفاقِ على أولادِهِ وزوجتهِ، يحكمُ عليه القاضي بدفع النفقة قهراً من دون رأيٍ أو اختيار، لا يكون هذا المال المأخوذ قهراً من دون إذنِ مالِكِهِ إلا بشروط من هذه الشروط: أن يكون سببُ الاستحقاق شرعيّاً، وأن يكون وصفُ المستحقِّ وصفاً صحيحاً، وأن يقتصر على القدر المستحق. أن يكون صاحب الحق حقيقةً، وأن يكون سببُ الاستحقاق واقعاً فعلاً، وأن يُؤخذ بالقدر الذي امتنع عن دفعهِ لأصحاب الحقوق، إذا فعلنا ذلك أخذنا هذا المال حلالاً، ويجب أن يُستوفى هذا المال عن طريق السلطان أو القاضي، وهذا يُفصّلُ في كتاب الوقف والنفقات والصدقات والزكاة وما إلى ذلك " هذا كله يأتي معنا بالتفصيل في المستقبل ". 4 ـ ما يُؤخذ تراضياً بمعاوضةٍ : ومن هذا المال ما يُؤخذ تراضياً بمعاوضةٍ: - بالتراضي- وذلك حلالٌ إذا روعيَّ شرطُ العِوضين وشرط العاقدين وشرطُ اللفظين.. أي اللفظ صحيح، الإيجاب والقبول، والعِوض مال وليس شيئاً آخر لا قيمة له، وأن يكون البائع والشاري بتمام الأهلية الشرعية والعقلية. موضوع البيعِ والسلمِ، والإجارةِ، والحوالةِ، والضمانِ، والقِراضِ، والشركةِ، والمساقاةِ، والشُفعةِ، والصُلحِ، والخلعِ، والكتابةِ، والصداقِ، هذه كُلُها تدخل في باب العِوض " أخذُ المالِ بِعِوضٍ عن طريق التراضي ". 5 ـ ما يُؤخذ عن رِضا من غيرِ عِوضٍ : وما يُؤخذ عن رِضا من غيرِ عِوضٍ: وهو حلالٌ إذا روعيَ فيه شرطُ المعقود عليه كالإرثِ والهِبةِ والوصيةِ والصدقةِ. 6 ـ الذي يُؤخذ من غير اختيار المالك : وأمّا الذي يُؤخذ من غير اختيار المالك: فهو الإرثُ وهو حلالٌ إذا كانَ المورّثُ قد اكتسب المالَ من بعض الجِهات الخمس من وجهٍ حلال.. أي إذا كانَ مالُ الإرثِ مغتصباً، فالعلماء لهم آراءٌ متباينة في هذا الموضوع، إن كان اكتساب هذا المال من هذه الطُرق الخمس كانَ هذا المالُ المورّث حلالاً مئةً في المئة، أمّا إن كانَ مالاً مغتصباً فللعلماءِ شروط وخِلافاتٌ حولَ هذا الموضوع. طبعاً هذا الذي أقوله ليس هو الدرس، إنما هو إطلالةٌ على موضوعات كثيرة سوف نعالجها إن شاء الله في المستقبل. الآن: يقول الإمام الغزالي رضي الله عنه: "اعلم أنَّ الحرام كلّهُ خبيث ما قلَّ منه وما كثُر، وما ظهرَ وما اختفى، الحرام كُلّهُ خبيث ولكنَّ بعضهُ أخبث من بعض". طبعاً أنا أسرعت في المقدمة لأنها مقدمة، ولأنَّ هناك تفصيلات وافيةً في شروحِها. مراتب الورع عن الحرام : الآن أُفصّل: الحرام كلّه خبيث ولكنَّ بعضه أخبث من بعضٍ، والحلال كُلّهُ طيّب ولكنَّ بعضهُ أطيب من بعضٍ. على كُلِّ مادامَ من الحلال ما كان بعضهُ أطيب من بعضٍ، ومادام الحرام كلّه خبيث ولكنَّ بعضهُ أخبث من بعضٍ، فقد صنّف الإمام الغزالي الورع عن الحرام في أربع مراتب، وكل واحد من الحاضرين يتمكّن أن يُصنّف نفسه مع أحد هذه المراتب : 1 ـ ورع العدول : أولاً: ورع العدول: العدلُ مأخوذ من الحديث النبوي الشريف: (( من عاملَ الناس فلم يظلمهم، وحدّثهم فلم يكذبهم، ووعدهم فلم يُخلفهم، فهو من كملُت مروءته، وظهرت عدالته، ووجبت أخوته، وحرُمت غيبته )) [أخرجه العسكري في الامثال والديلمي في مسنده عن الحسين بن علي] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4947/02.jpg العدالة: أي المسلم الذي طبّقَ تعاليم الدين لم يُقصّر في واحدة ما دامَ قد طبّقَ أوامر الله سبحانه وتعالى، وطبّقَ تعاليم الدين، فهو مسلمٌ عدلٌ.. أي يتمتع بحقوقه الإسلامية كما يتمتع المواطن اليوم بحقوقه المدنيّة، المسلم العدلُ يتمتّع بحقوقه الإسلامية تُقبل شهادته. ورع العدول وهو الذي يوجِبُ الفِسقَ باقتحامه، لو أكلتَ لُقمةً من حرامٍ فقد خرقتَ هذه القاعدة، العدلُ لا يأكلُ ولا لقمةً من حرام، فأيُّ عملٍ يفعله المسلم ويخرق به حدود الشرع فقد دَخَلَ في الفِسقِ: ﴿ كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُون ﴾ [سورة يونس] يوجب الفِسقَ باقتحامه، وتسقط العدالة به، لو أخذتَ ما ليسَ لك تسقُطُ عدالتُك، لو ظلمتَ إنساناً في أرضٍ تسقُطُ عدالتُك، لو أكلتَ مالاً من حرامٍ تسقُطُ عدالتُك، لو أخطأ معك البائع ولم ترُدَّ له البقية تسقُطُ عدالتُك، لو بِعتَ بثمنين حالّ ومؤجّل تسقُطُ عدالتُك: (( أبلغي زيد بن أرقم أنه قد أبطل جهادَه مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم )) [ أخرجه زيادات رزين عن عائشة أم المؤمنين ] لو أخفيتَ عيباً تسقُطُ عدالتُك، أي أكلت أموال الناس بالباطل، لو غيّرت وصف القِماش - قماش وطني وأحضرت لصاقة مكتوب عليها بالأجنبي صنع فرنسا وأحضرت مكواة وألصقت اللصاقة على القماش - ماذا تكون قد فعلتَ بنفسك؟ سقطت عدالتُك، لأنك توهِمُ هذا الشاري أنَّ هذا القِماش أجنبي عن طريق هذه اللُصاقة الأجنبية، سقطت عدالتُك.. أكلت مال الناس بالباطل وأنكَ عندئذٍ تبيعُ هذا القِماش على أنه أجنبي بأربعة أضعاف سعر الوطني تسقُطُ عدالتُك، طبعاً العلماء في موضوع العدالة قاموا بالتوسيع. الفرق بين جرح العدالة و سقوط العدالة : طبعاً هناك تسقُطُ عدالتُك، وهناك تُجرحُ عدالتُك، من مشى حافياً في الطريق تُجرحُ عدالتُه أو لا تُقبل شهادته، من بالَ في الطرق تُجرحُ عدالتُه، من علا صياحهُ في البيت تُجرحُ عدالتُه، من طففَ بتمرةٍ واحدة - أي أنَّ عين الميزان لم تأت على العين تماماً - تُجرحُ عدالته، من صَحِبَ الأراذِلَ تُجرحُ عدالته، من تحدّثَ عن النساء - فلانة شكلُها كذا - تُجرحُ عدالته، من لَعِبَ الشطرنج وهو موضعُ خلافي بين الفقهاء تُجرحُ عدالته، من أطلقَ لفرسِهِ العِنان - أي أنه أسرع في قيادة السيارة - تُجرحُ عدالته، من قادَ برذوناً تُجرحُ عدالته، من تنزّه في الطرقات تُجرحُ عدالته، من خَرَجَ بهيئةٍ قميئة وهو مُسلم تُجرحُ عدالته، أحصى الفقهاء ما يزيد عن ثلاثٍ وثلاثين صفةً إذا تلّبسَ بِها المرءُ المسلم جُرِحت عدالتُه، أمّا إذا أكلَ أموال الناس بالباطل سقطت عدالتُه، إبريق قد نُحطمه وقد يُصابُ بكسرٍ ويبقى متماسكاً.. إسقاط العدالة أنَّ هذا المسلم لا عدالة له. حدثني أخ عن رجل وقفَ عند بائع خضار، البائع قام بفرز الخضار لنوعين، نوع بست ليرات ونوع بليرتين، فبينما كان البائع مشغولاً في البيع قام هذا الشاري بملء كيس من النوع الجيد ثمَّ وضع فوق هذا النوع الجيد نوعاً رديئاً ليوهم البائع أنه اشترى من النوع الرديء، هذا الذي فعلَ هذا سقطت عدالته، خرجَ من الإسلام لأنه فسق.. دخلَ في الفِسق.. فورع العدول هو الورع الذي فيما لو خَرَقَ الإنسانُ قواعد الدين دخلَ في الفِسقِ، وسقطت عدالته، وثبت عليه إثم العصيان، وتعرّض للنارِ بسببهِ، وهو الورع عن كل ما تُحرّمه فتاوى الفقهاء. هذا الحد الأدنى من الورع.. ورع العدول. 2 ـ ورع الصالحين : هناك ورعٌ أعلى من ذلك وهو ورع الصالحين، وهو الامتناع عمّا يتطرقُ إليه احتمال التحريم، ولكنَّ المُفتي يُرخّص في التناول بناءً على الظاهر، مثلاً إنسان سألك: أنا شريك مُضارب سافرت إلى الجهة الفلانية من أجل الشركة فهل لي أن آكل على حساب الشركة؟ تقول له: نعم وتدفع ثمن المبيت وأجرة الطريق، ولكنَّ الله وحده يعلم ما إذا كان هذا السفرُ مفتعلاً لمصلحةٍ شخصيةٍ وقلتَ أنت: إنَّ هذا السفر لأجل الشركة، المفتي يقول لك: يجوز أن تأكل، لكَ أن تأكل على حِساب الشركة، ولكَ أن تدفعَ ثمن الركوب، وثمن المبيت، ولكن من يعلم أنَّ هذا السفر لِصالح الشركة أم تقتضيه مصلحة شخصية؟ لا يعلم هذا إلاّ الله. ورع الصالحين: الامتناع عمّا يتطرق إليه احتمال التحريم، ولكنَّ المُفتي يُرخّص بأخذه بِناءً على الظاهر، فهو من مواقع الشُبُهة، فنسمي التحرّجَ عن ذلك ورع الصالحين وهو من الدرجة الثانية، أي أنّه هناك فتوى، الورع الأول ليسَ فيه فتوى، جميع المفتين يُفتون بأنَّ هذا العمل حرام فمن فعله دَخَلَ في الفِسق، واستوجب الإثم، ووقعَ في المعصية: ﴿ كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ(33) ﴾ [سورة يونس] لكنَّ ورع الصالحين هناكَ فتوى تُبيحُهُ، عِنَدَكَ مال أيتام أنت تقول: أنا فقير سألت مفت قلت له: أنا فقير وأُدير مالاً للأيتام فهل لي أن آكل منه بالمعروف؟ يقول لكَ: نعم، كُلْ منه بالمعروف، لكنَّ الله وحده يعلم ما إذا كنتَ فقيراً حقيقةً، أو غنياً، أو مكتفياً، فالورع الأعلى من ذلك أنهُ يخاف ألاّ يكون وصفُهُ صحيحاً، يخاف أن يتوهّم نفسه فقيراً وهو مكتف إذاً يترّفع عن أن مال الأيتام لا لأنَّ الإفتاء حذّرَ عليه ذلك .. لا.. المُفتي سَمَحَ له ولكن هو ليسَ متأكداً ما إذا كانت هذه الفتوى تنطبق عليه أو لا تنطبق، تحرّجاً عن الحرام ترّفعَ عن أكل مال الأيتام وقال: أنا أُرجّح أن أكونَ مكتفياً ولا أُريد أن آخُذَ على عملي شيئاً.. هذا ورع الصالحين.. ورع الصالحين الفتوى تُحلّهُ ولكنَّ الشُبهةَ تتبعهُ - فيهِ شُبُهة -، ورع العدول الفتوى تُحرّمُهُ وفِعلُهُ يوجِبُ الإثمَ والعصيان، ورع الصالحين الفتوى تُبيحُه ولكنَّ الشبُهة تُداخِلُهُ، لكنَّ ورع المتقين ما لا تُحرّمُهُ الفتوى، ولا شُبُهةَ في حِلِّهِ، ولكن يخافُ منه أن يقودنا إلى حرام. الفتوى تُحلُّهُ، ولا شُبُهة داخلةٌ فيه، ولكن نخاف إذا فعلنا هذا أن يقودنا إلى أكل مالٍ حرام في المستقبل. 3 ـ ورع المتقين : ثالثاً: ورع المتقين.. وهو كما قال عليه الصلاة والسلام: (( لا يَبْلُغُ الْعَبْدُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُتَّقِينَ حَتَّى يَدَعَ مَا لا بَأْسَ بِهِ حَذَرًا لِمَا بِهِ الْبَأْسُ)) [ الترمذي و ابن ماجه عن عطية السعدي] 4 ـ ورع الصّدّيقين : أمّا الدرجة الرابعة فهذه الدرجة تُسمّى ورع الصديقين؛ ورع العدول، ورع الصالحين، ورع المتقين، الآن ورع الصديقين، ما لابأسَ به أسلم ولا يُخاف منه إلى أن يؤدي إلى ما به بأس ولكنه يُتناول لغير الله. شخص من أهل الدنيا أرسل يدعوك إلى وليمة لم تذهب إليها إرضاءً لله، ولم يدعُكَ لله، الأكل حلال ليس فيه شُبُهة، ولا بأس، ولا يؤدي إلى حرام، لكنَّ هذا العمل لم يكن لله عزّ وجل.. هذا ورع الصديقين..، هذه درجات الورع، بالمناسبة: ((ركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلط)) [الجامع الصغير عن أنس] رأسُ الدين الورع. تفصيلات في مراتب الورع : هناك تفصيلات: ورع العدول كل ما تقتضي الفتوى تحريمه مما يدخل في المداخل الستة التي ذكرناها من مداخل الحرام لفقدِ شرطٍ من الشروط فهو الحرام المُطلق.. أي.. السرقة هذه حرام مُطلق، أخذُ مالٍ غصباً هذا حرام مُطلق. الدرجة الثانية أمثلتُها كل شُبُهةٍ لا توجبُ اجتنابها ولكن يُستحبُ اجتنابها، سألت المُفتي قال لك: ليس هناك مانع، الشرع رخّص لكَ ذلك، ولكن المستحب تركُها لأنَّ مدى انطباقها على الإنسان غير دقيق. وهناك تفصيلات: من الشُبُهات ما يجبُ اجتنابها لأنها تُلحق بالحرام، ومنه ما يُكره اجتنابها، ومِنها ما يُستحبُ اجتنابها.. يجبُ ويُكرهُ ويُستحبُ: (( فعن أَبِي الْحَوْرَاءِ السَّعْدِيِّ قَالَ: قُلْتُ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ مَا تَحْفَظُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ مَسْأَلَةٍ لا أَدْرِي مَا هِيَ فَقَالَ: دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لا يَرِيبُكَ )) [الترمذي عن الحسن بن علي] يُحكى عن ابن سيرين أنه تركَ لشريكٍ له أربعة آلاف درهم لأنه حاكَ في قلبهِ شيء مع اتفاق العلماءِ على أنه لا بأسَ به لكنه تركها على أنه حاكَ في قلبهِ شيء. سيدنا عمر كان يقول: "كُنا ندع تسعة أعشار الحلال مخافة أن نقع في الحرام". أبو الدرداء رضي الله عنه يقول: "إنَّ من تمام التقوى أن يتقي العبدُ في مثقالِ ذرّة" إذا أردت التقوى الصحيحة إذا كان هناك صانع في محل سكاكر، إذا أمسك بقطعة سكر واحدة ووضعها في فمه وقع في الحرام، لأنَّ الأمانة مُطلقة والخيانة نسبية ، الأمانة مُطلقة الأمين أمين على قطعة سمسم أو على مليون قطعة، تقول: مستودع الوقود مُحكم - المُحكم حالة واحدة أي أن تضع فيه ألف ليتر وقوداً سائلاً وتغيب خمس سنوات، فإذا كان مغلقاً من الأعلى تعود تجدهم على حالهم ، هذا معنى مُحكم- الإحكام حالة واحدة، الأمانة مُطلقة والإحكام مُطلق، أما إذا كان في المستودع بعض الخلل مثلاً فيه ثقب فخلال شهرين يفرغ الوقود من المستودع، وهناك ثقب يُفرّغه في أسبوع، وثقب آخر يُفرّغه خلال ساعة، أما إذا كان غير مستقيم فهناك شيء يُعدّل شيئاً هذا يأكل، وهناك غيره يحمل، وغيره يُنظّف المحل.. بين أن يأكل وبين أن يحمل وبين أن يُنظّف درجات. أمثلة عن ورع المتقين : من أمثلة ورع المتقين أن يترك ما يرى أنه حلال خشية أن يكون حراماً، حتى يكون هذا التركُ حِجاباً بين العبد وبين النار، هناك شخص له على إنسان مئة درهم فحملها إليه، فأخذَ منها تسعةً وتسعين وتورّعَ عن استيفاء الكُل خيفة الزيادة، كان للدراهم أوزان مختلفة، أمّا الآن فالأمور مضبوطة، أما الدرهم فكان وزنه يفرق نصف أو ربع غرام، فلو أخذ مئة درهم كما أقرضها لعلَّ هذه المئة يزيد وزنُها عن التي أعطاها فكان يأخذ تسعةً وتسعين من باب الورع. ومن ذلك ما روى عن علي بن معبد أنه قال: كنت ساكناً في بيت بالأجرة، فكتبت كتاباً وأردت أن آخذ من تراب الحائط لأتربه وأجففه، ثم قلت: الحائط ليس لي، فقالت لي نفسي: وما قدر تراب من حائط، فأخذت من التراب حاجتي، فلما نمت فإذا أنا بشخص واقف يقول: يا علي بن معبد سيعلم غداً الذي يقول وما قدر تراب من حائط، ولعل معنى ذلك أنه يرى كيف يحط من منزلته، فإن للتقوى درجة تفوت بفوات ورع المتقين، و الإنسان إذا ترك ورع المتقين ضاعت منه التقوى. سيدنا عمر وصله مِسكُ البحرين فقال: وددتُ لو أنَّ امرأة وزنت حتى أُقسّمهُ بين المسلمين، فقالت امرأته عاتكة: أنا أُجيد الوزن فسكَتَ عنها، ثمَّ قالت: أنا أُجيد الوزن فسكَتَ عنها، فقال: لا أحببتُ أن تضعيهِ بكفِكِ ثمَّ تقولينَ فيها هذا من أثر المِسكِ فتمسحين بها عنُقَكِ فأصيبُ بذلك فضلاً على المسلمين.. هذا ورع المتقين.. كَرِهَ أن تقسِمَ زوجته هذا المِسكَ بين المسلمين ففي يدِها من أثرِ المِسكِ تضعهُ على عُنِقِها فيكون عمر قد أصابه من المِسكِ فوق ما أصابَ من المسلمين الباقين. سيدنا عمر بن عبد العزيز حينما كان المِسكُ يُقسم أمامه كان يُغلِقُ أنفهُ فقال أحدهم له: وماذا تفعل رائحته؟ قال: وهل يُنتفع إلا برائحته !؟ - هل هناك غير الرائحة؟ - عندما كان ينتهي الدوام عند سيدنا عمر بن عبد العزيز يُطفئ السِراج لأنَّ ذلك أصبح وقتاً خاصاً. سيدنا الحسن رضي الله عنه أخذ تمرةً واحدة من تمر الصدقة وكان صغيراً فرآه النبي عليه الصلاة والسلام فقال: " كخ.. كخ "، هذا الذي تقوله العامة مأخوذٌ عن النبي عليه الصلاة والسلام، " كخ.. كخ " أي دعها لأنه من تمر الصدقة. بعضهم كان عند محتضر - أي عند إنسان يُلاقي سكرات الموت - فمات ليلاً فقال: أطفئوا السِراج فقد حَدَثَ للورثة حقٌ بدُهنِ السِراج - أصبح المال للورثة الآن-. ورع الصّدّيقين أرقى درجة من درجات الورع : هناك أمثلة كثيرة جداً قد لا تُصدّق لشدّة الورع، هكذا كانوا، لو نُقِلَ هؤلاء الأطهار الورِعون إلى هذا الزمان لَشابَ شعرُهم.. أي معظم الناس لا يتورّع عن أكل المال الحرام من أيّة طريقة، ويتباهى بالأكل الحرام بل إنَّ الذي لا يأكُل حراماً يُتهم بالجنون. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4947/03.jpg الآن ورع المتقين الذي يُفضي إلى شيء غير مُباح هناك فتوى بإباحته وليس فيه شُبُهة، لكن لو فعلته ربما انتهيت إلى شيء حرام، لذلك الدخول إلى بيوت الأغنياء الإنسان يتمنى أن يكون عنده منزل كهذا المنزل، وفخامة كهذه الفخامة.. أي هذا العمل في النهاية قد يُوصِلُ إلى أن يشتهي الإنسان أن يكون له مثل هذا فيأكل مالاً حراماً، فالنظر إلى دور الأغنياء وتجمّلِهم مُباحٌ في نفسِهِ ولكنه يُهيّج الحِرصَ، ويدعو إلى طلبِ مثلِهِ، ويلزمُ منه ارتكاب ما لا يحلُّ في تحصيلِهِ وهكذا المُباحات كُلُّها. أما ورع الصديّقين فالحلال عندهم كل ما لا تتقدم في أسبابهِ معصيةٌ، ولا يُستعانُ بهِ على معصية، ولا يُقصدُ منهُ في الحالِ والمآلِ قضاءُ وطرٍ، بل يُتناول للهِ تعالى.. هذا أرقى شيء.. وللتقوي على عبادتِهِ، واستبقاء الحياة لأجلِهِ، وهؤلاءِ هم الذين يرونَ أن كُل ما ليسَ للهِ حرام، وهذه رتبة المتوحدين المتجرديّنَ عن حظوظ أنفِسِهم، المنفردين للهِ تعالى بالقصدِ، ولا شكَ في أن من يتورّع عمّا يوصَلُ إليه أو يُستعانُ عليهِ بمعصيةٍ يتورّعُ عمّا يقترنُ بسببِ اكتسابه معصية أو كراهية.. هذا أرقى درجة تورّع الصديقين.. وسوف نتابع هذا الموضوع في درسٍ قادمٍ إن شاء الله. علامة المؤمن أنه ورِع : الذي أريد أن أقوله لكم: ((ركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلط)) [الجامع الصغير عن أنس] (( من لم يكن له ورعٌ يصده عن معصية الله إذا خلا لم يعبأ الله تعالى بسائر عمله )) [ مسند الشهاب عن أنس بن مالك] والدين ليس بالصلاة والصيامِ فحسبُ ولكنه بالورع وعلامة المؤمن أنه ورِع. نبذةٍ قصيرةٍ عن صفات النبي عليه الصلاة والسلام : الآن عندنا نصوص جامعة لصفات النبي من شتّى الجوانب، نقرأ بعضها، ونُؤجِلُ بعضها إلى درسٍ آخر. كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فخماً مُفخّماً- أي يملأ العين - يتلألأُ وجهه تلألؤ القمر ليلةَ البدر.. هكذا قال حسان رضي الله عنه: وأحسن منك لم ترَ قطُّ عيني وأجمل منكَ لم تلد النساء خُلقــتَ مبرّأً من كُلِّ عيبٍ كأنكَ قد خُلِقتَ كما تشاءُ *** - أطول من المربوع - المربوع بين القصير والطويل - كانَ أطول من المربوع وأقصرَ من المشذّب - الطويل البائن -. - لا يأس من طولٍ ولا تقتحمهُ عين من قِصَرٍ - لا يُنظر له هكذا ولا هكذا -. - عظيم الهامة - رأسه متناسب مع جسمه - وكِبَر الرأس - هكذا جاء في الحاشية - دليل رجاحة العقل. - رَجِلَ الشعرٍ -كان شعره جَعِداً -. - أزهر اللون - أبيض مُشرب بالحُمرة -. - واسع الجبين - جبينه واسعٌ طولاً وعرضاً -. - أزجَ الحواجب- حواجبه متصلة - سوابغ في غير قرن، بينهما عِرقُ يدره عندَ الغضب - إذا غَضِب نَبَضَ هذا العِرق - فكان أصحابه الكِرام يعرفونه غضبان من هذا العِرق الذي في جبينِهِ. - له نورٌ يعلوه أي وجهه يتلألأ نوراً. - كثّ اللحية - شعره غزير -. - سهلَ الخدين - ليس ناتئَ الوجنتين -. - ضليعَ الفم - فمُهُ يتناسب مع وجهِهِ - وهذا دليل فصاحتِهِ صلى الله عليه وسلم. - مُفلّجَ الأسنان - أي بين أسنانِهِ مسافات ليست متراكمة بعضُها فوق بعض -. - دقيق المسربة - أي هناك خط من الشعر من أعلى صدرِهِ إلى صُرتِهِ-. - كأنَّ عنقه جيدُ دميةٍ في صفاء الفِضّة. - معتدلُ الخلقِ – أي تناسب الوزن مع الحجم مع الطول مع الأعضاء -. - بادِنٌ - ممتلئ -. - متماسِكٌ - أي قوي البُنية -. - سواءُ البطنِ والظهرِ. - عريضُ الصدرِ، بعيدُ ما بينَ المنكبين. - أنور المتجرّد - أي إذا أرادَ الوضوء له أعضاء بيضاء كالثلج-. - أشعرُ الذراعين والمنكبين. - طويل الزندين رحبُ الراحة - أي يده واسعة -. - شَثْنُ الْكَفَّيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ - أي كفاه وقدماه ممتلئتان -. - ثائِرُ الأطراف - أطرافه مستقيمة -. - خمصان الأخمصين - أي قدمه ليست بطحاء، أخمصه عال - إذا زالَ زالَ قِلعاً - أي مشيتُهُ تَنِمُو عن نشاط-. - يمشي هوناً بتؤدة، إذا مشى كأنه ينحطُّ من صبب - من مرتفع -، وإذا التفتَ التفتَ جميعاً. - خافِضَ الطرفِ، نظرهُ إلى الأرضِ أطولُ من نظرهُ إلى السماء. المؤمن تعرفه من نظراته في الطريق، عينُهُ في الأرض، أمّا غير المؤمن فعلى النوافذ والشرفات، وإذا فُتِحَ باب مباشرةً ينظر.. هذا غير المؤمن، أمّا المؤمن فنظرهُ إلى الأرض. - جُلُّ نظرِهِ الملاحظة، يستنبط من كلِّ شيء موعظةً، من كلِّ حادثةٍ درساً، من كُلِّ آيةٍ فهماً، من كُلِّ بارقةٍ حالاً. - يبدأُ من لَقِيَ بالسلام. لازِلنا في صفات النبي عليه الصلاة والسلام، اليوم انتهت الصفات الجسمية ننتقل غداً إلى آدابِهِ في منطِقِهِ وسكوتِهِ، وإلى آدابِهِ إذا دَخَلَ منزِلَهُ، وإلى آدابه إذا خَرَجَ من منزلَهُ، وإلى آدابِهِ في مجالِسِهِ، وإلى آدابِهِ مع جلسائِهِ، وإلى آدابِهِ في سكوتِهِ، وإلى آدابِهِ العامة في وقارِهِ وتكريمِهِ أهلَ الفضل وما إلى ذلك. |
رد: العبادات التعاملية
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية الدرس : ( الثامن و الثلاثون ) الموضوع : الورع و الشبهات الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون الذكر فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. تلخيص لما سبق : أيها الأخوة الأكارم: وصلنا في إحياء علوم الدين و في باب الحلال و الحرام إلى موضوع درجات الورع، و بينّا في الدرس الماضي أن هناك ورع العدول أو أن في الأمر فتوى تحذر فعله، فلو فعل هذا الأمر وقع في الحرام، وقع في الإثم، فالترفع و التنزه و الاحتراز عن فعل شيء تنهى عنه الفتوى هذا هو ورع العدول، لأنه من عامل الناس فلم يظلمهم، و حدثهم فلم يكذبهم، ووعدهم فلم يخلفهم، فهم ممن كملت مروءته، و ظهرت عدالته، ووجبت أخوته، و حرمت غيبته، لكن ورع الصالحين ما أحلته الفتوى، و لكن مع هذا الحل شبهة، شبهة في انطباق هذه الفتوى على هذه الحالة، الفتوى قد تنطبق و قد لا تنطبق، يقول لك أحدهم: طلقت امرأتي و أنا غاضب، قال عليه الصلاة و السلام: (( لا طَلاقَ وَلا عَتَاقَ فِي إِغْلاقٍ )) [أبو داود عن عائشة] الإغلاق هو الغضب و لكن أي غضب هذا؟ الغضب الذي لا تعرف فيه السماء من الأرض، و الطول من العرض، فإذا قال أحدهم: طلقت زوجتي و أنا غاضب تقول له: قال عليه الصلاة و السلام: (( لا طَلاقَ وَلا عَتَاقَ فِي إِغْلاقٍ )) http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4948/01.jpg يوجد فتوى أن هذا الطلاق لا يقع، و لكن يا ترى هل حالة الغضب التي تلبس فيها تنطبق على الحالة التي وصفها النبي عليه السلام؟ الفتوى تحل إلغاء الطلاق، و لكن هل تنطبق الفتوى على هذه الحالة؟ هناك فتوى و لكن مع الشبهة، فالترفع عن شيء أفتى به المفتون هو ورع الصالحين، أما ورع الأتقياء المتقين فالفتوى تحله و لا شبهة فيه، و لكن قد يفضي هذا إلى اشتهاء الحرام، الترفع عن شيء أباحته الفتوى، و لا شبهة فيه، و لكنه قد يودي إلى أن يشتهي الإنسان الحرام، أو أن يقع فيه، فهذا ورع المتقين، و أما ورع الصديقين، إلهي أنت مقصودي و رضاك مطلوبي، فلا شيء في الدنيا يشغله إن لم يكن متصلاً بك، لا ينشغل عن الله بشيء، صحابي جليل له قدم راسخة في الإسلام سأل النبي عليه السلام: ما الإسلام يا رسول الله؟ قال: أن تخلي لله نفسك، قال تعالى: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ *﴾ [ سورة المؤمنون ] قيل ما اللغو؟ قال: كل ما سوى الله لغو، و قوله تعالى: ﴿ فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ * فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ * ﴾ [ سورة الواقعة ] يوجد عندنا سابقين. وقال تعالى: ﴿ ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الْآَخِرِينَ * ﴾ [ سورة الواقعة ] و عندنا أصحاب اليمين كثرة من الأولين و كثرة من الآخرين، و عندنا أصحاب الشمال، هؤلاء في آخر الزمان يشكلون الأغلبية العظمى، لذلك بدأ الدين غريباً و سيعود كما بدأ فطوبى للغرباء، هذا ورع الصديقين، و قد فسر النبي عليه الصلاة و السلام ورع الصديقين فقال: (( لا يَبْلُغُ الْعَبْدُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُتَّقِينَ حَتَّى يَدَعَ مَا لا بَأْسَ بِهِ حَذَرًا لِمَا بِهِ الْبَأْسُ)) [ الترمذي و ابن ماجه عن عطية السعدي] الشبهات : ننتقل إلى موضوع الشبهات لأنكم كما لاحظتم في مراتب الورع؛ ورع العدول، ورع الصالحين، ورع الأتقياء، ورع الصديقين، وردت كلمة الشبهة، النبي عليه الصلاة و السلام في حديث جامع مانع وضحها قال: ((الْحَلالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ)) [متفق عليه عن النعمان بن البشير] دقة الحديث عجيبة، لا يعلمها الناس؟ لا، لا يعلمها كثير من الناس، أما القليل فيعلمونها، إذاً اسأل، قال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [ سورة النحل] (( الْحَلالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ كَالرَّاعِي حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ، أَلا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمَى أَلا وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ أَلا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلُحَتْ صَلُحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ )) [متفق عليه عن النعمان بن البشير] فالحديث واضح؛ عندنا حلال مطلق؛ و عندنا حرام مطلق؛ و عندنا شبهات كثيرة جداً لا يعلمها كثير من الناس، شرب الخمر حرام مطلق، الزنا حرام مطلق، السرقة حرام مطلق، أن تشرب من ماء السماء حلال مطلق، قال تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [ سورة الفرقان ] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4948/02.jpg أن تأكل طعاماً اشتريته بكسب يدك حلال مطلق، أن تنظر إلى زوجتك حلال مطلق، عندنا حرام مطلق، و عندنا حلال مطلق، و بين الحلال و الحرام أي الحلال أبيض ناصع و الحرام أسود داكن، و عندنا مليون لون رمادي بينهما، الحقيقة شركات الأقمشة أحياناً تعطي نماذج للألوان ممكن أن تدرج لوناً واحداً ثمانمئة ألف درجة، يمكن أن يتدرج اللون الأخضر فقط لأن العين السليمة تستطيع أن تفرق بين لونين من أصل ثمانمئة ألف لون للون الواحد، معنى ذلك أن العين تستطيع أن تميز بين ثمانمئة ألف لون رمادي، الحلال أبيض ناصع و الحرام المطلق أسود داكن و بين الأبيض و الأسود ثمانمئة ألف لون خليط بينهما، هذه الشبهات، لذلك معظم الفتاوى في الشبهات، ما سمعت أحداً يسأل يا سيدي هل شرب الخمر حرام؟ طبعاً حرام، هل الزنا حرام؟ ((عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: إِنَّ فَتًى شَابًّا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي بِالزِّنَا؟ فَأَقْبَلَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ فَزَجَرُوهُ قَالُوا مَهْ مَهْ فَقَالَ: ادْنُهْ فَدَنَا مِنْهُ قَرِيبًا قَالَ: فَجَلَسَ قَالَ: أَتُحِبُّهُ لأُمِّكَ؟ قَالَ: لا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: وَلا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لأُمَّهَاتِهِمْ، قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لابْنَتِكَ؟ قَالَ: لا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: وَلا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِمْ، قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لأُخْتِكَ؟ قَالَ: لا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: وَلا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لأَخَوَاتِهِمْ، قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لِعَمَّتِكَ؟ قَالَ: لا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: وَلا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِعَمَّاتِهِمْ، قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لِخَالَتِكَ؟ قَالَ: لا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: وَلا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِخَالاتِهِمْ، قَالَ: فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ وَقَالَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ ذَنْبَهُ وَطَهِّرْ قَلْبَهُ وَحَصِّنْ فَرْجَهُ فَلَمْ يَكُنْ بَعْدُ ذَلِكَ الْفَتَى يَلْتَفِتُ إِلَى شَيْءٍ)) [ أحمد عن أبي أمامة] تصور هذا الأعرابي أن أخته يزنى بها، قال هذا الأعرابي: دخلت على النبي عليه الصلاة و السلام و ليس شيء أحب إلي من الزنا و خرجت من عنده و ليس شيء أبغض إلي من الزنا. التناقض أبشع شيء في الإنسان : أحياناً الشاب يقع بتناقض عجيب، إذا كان يمشي وراء أخته و لاحظ أن شاباً يلقي على مسمعها كلمة، يشعر أنه يكاد ينفجر غيظاً، قد ينقض على هذا الشاب ليمزقه إرباً إرباً، إرَباً إرَباً خطأ، الصواب إرْباً إرْباً، فما بال هذا الشاب يلقي كلمة على مسامع فتاة؟ أبشع شيء في الإنسان التناقض، أبشع شيء أن تعامل الناس بمقياسين، بميزانين، أن تزين للناس بميزان و أن تزين لنفسك بميزان. (( الْحَلالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ كَالرَّاعِي حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ، أَلا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمَى أَلا وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ أَلا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلُحَتْ صَلُحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ )) [متفق عليه عن النعمان بن البشير] الحلال المطلق : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4948/03.jpg ماذا يقول الإمام الغزالي في إحياء علوم الدين و نحن نكشف الغطاء عنها فنقول: الحلال المطلق الذي لا يتعلق بذاته صفة توجب تحريماً لعينه، و لا يتعلق بأسباب تحصيله، صفة توجب تحريمه، الحلال المطلق كشرب ماء السماء، ليس في عين الماء شيء يحرم، وأيضاً ليس في طريقة كسبه شيء يحرم كما ذكرنا من قبل، عندنا شيء حرام لذاته، و حرام بطريقة كسبه، فالتفاحة حلال أن تأكلها و قد تكوم حراماً إن أخذت سرقة، هي حلال، لحم الخنزير حرام لذاته أي عين اللحم محرم أما عين التفاح فليس محرماً، لكن التفاح قد يحرم لسبب كسبه، الحلال المطلق الذي لا يتعلق بذاته صفة توجب تحريماً لعينه، العلماء وجدوا في كتاب الله ثلاثة أشياء؛ أي حلال مطلق أحدها ماء السماء قال تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [ سورة الفرقان ] ثانيها: ما تهبه الزوجة لزوجها قال تعالى: ﴿ وَآَتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا ﴾ [ سورة النساء ] و الثالثة نسيتها، لأن أحد المحدثين قال: حدثني سفيان بن عيينة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من كانت فيه خصلتان دخل الجنة" أما الخصلة الأولى فقد نسيها الراوي، و أما الخصلة الثانية فقد نسيتها أنا. أول شيء ماء السماء، ماء السماء مبارك طيب، أي إذا جمع إنسان ماء السماء و شربه فهذا حلال مطلق، و إذا وهبت له زوجته شيئاً من مالها ﴿ فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا ﴾ بعض الصالحين تملك زوجته شيئاً من المال، طلب منها أن تهبه إياه، قال: هذا المال مبارك و أنه هبة الزوجة لزوجها، مثلاً الشرع لا يجيز أن يعطي الإنسان زوجته الزكاة لأن نفقتها عليه، فإذا أعطاها الزكاة فقد تهَرَبَ من نفقتها، صارت حيلة، لكن الزوجة الموسرة يجب عليها أن تدفع زكاة مالها لزوجها، قال تعالى: ﴿ وَآَتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا ﴾ [ سورة النساء ] قال: مثال ذلك الماء الذي يأخذه الإنسان من المطر قبل أن يقع على ملك أحد لكن النبي الكريم قال: (( الْمُسْلِمُونَ شُرَكَاءُ فِي ثَلاثٍ الْمَاءِ وَالْكَلأِ وَالنَّارِ )) [ ابن ماجه عن ابن عباس ] الحرام المحض : و الحرام المحض ما فيه صفة محرمة كالخمر، و النجاسة، أو حصل بسبب منهي عنه، كالظلم، و الربا، هذان الطرفان ظاهران، عندنا حلال مطلق، و عندنا حرام مطلق، الحلال المطلق ما لم يكن في صفته شيء يوجب تحريمه، و ما لم يكن في طريقة كسبه شيء يوجب تحريمه، و الحرام المطلق ما كان في ذاته شيء يوجب تحريمه، أو في طريقة كسبه شيء يوجب تحريمه، لا أعتقد أنه يوجد خلاف بين المسلمين في أطراف الدنيا على موضوع الحلال المطلق و الحرام المطلق، أما الخلافات كلها ففيما بينهما و هي الشبهات. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4948/04.jpg قال: و يلحق بهذا أي يلحق بالحلال المطلق و الحرام المطلق شيء ما تحقق أمره و لكن يحتمل تغييره و لم يكن لذلك الاحتمال سبب ظاهر يدل عليه، العبارة معقدة، المثل يوضحها: ما تحقق حِله و لكن يحتمل تغير هذا الحِل إلى الحرمة و لكن ليس هناك سبب ظاهر بالذي عليه، فإن صيد البر و البحر حلال إلا أنه من صاد ظبية أو سمكة فإنه يحتمل أن يكون قد ملكها صياد ثم أفلتت منه، أو أن هذه السمكة صادها صياد ثم وقعت في البحر مرة ثانية منه، قال: هذا الاحتمال وارد لكن ليس هناك سبب ظاهر يؤكده، قال: هذا الورع خامس أنواع الورع من يقترح له تسمية؟ ورع العدول فهمناه، ورع الصالحين واضح، ورع الأتقياء واضح، ورع الصديقين، ترك هذه السمكة التي يحتمل بعد أن صدتها أنه قد صادها صياد آخر فتملكها ثم وقعت منه في البحر، فجئت أنت و صدتها، تركها أحد أنواع الورع ما هو هذا النوع؟ هذه السمكة لعله أحد صادها ثم وقعت منه مرة ثانية فامتلكها هذه ملكه، قال لي رجل: جاءتني كنزة هدية قلت له: ماذا في ذلك؟ قال لي: لكنها صنع إنكلترا، قلت له: إذاً حرام، هذه أصبحت وسوسة و هذا ورع الموسوسين، و الوسواس مرض، فقد درسنا بعلم النفس المرضي في الجامعة ثلاثمئة مرض أشد أنواعها شيوعاً مرض الوساوس المتسلطة، أحياناً يصيب المرأة وسواس نظافة فتمسح الدرج عشر مرات، تخلع لأولادها و زوجها الحذاء من أسفل البناء، و إذا جاء رجل غريب بالخطأ تعيد جميع المسح، أحياناً يأتي ضيف للبيت عندما يذهب من البيت تغسل كل الشراشف، يكون جلس على ديوان فقط هذا مرض، صلى الله عليه وسلم علمنا إذا الإنسان قضى حاجة ينضح ثوبه الداخلي بشيء من الماء، فإذا شعر ببلل هذا البلل ليس من البول من هذا الماء الذي نضحه حتى يقطع الشك باليقين، علمنا ألا نتوسوس، يا ترى أنا متوضئ؟ إن كنت موقناً أنك متوضئ و شككت في نقض الوضوء فأنت متوضئ، الشك لا يقطع اليقين، علمنا طرائق لا تقع بالخطأ أبداً، لا تدع الشيطان يوسوس لك، هناك أمراض كثيرة، فهذا مرض الوساوس المتسلطة مرض خطير جداً فقال: هذا ورع الموسوسين، هذه السمكة بعد أن اصطدتها أنا قد يكون أحدهم قد اصطادها و هربت منه و نزلت للبحر، سيدنا عمر كان يمشي في الطريق رأى بركة ماء مع أصحابه، بعض أصحابه قالوا لصاحب البركة: يا هذا هل ترد السباع هذه البركة؟ قال له: يا صاحب البركة لا تجبنا، لا تتكلم و لا كلمة، الأصل في الأشياء الإباحة، إذا دعاك أحدهم هل أنت مالك حلال؟ ماذا تعمل؟ و كيف تبيع و تشتري؟ هذا ورع الموسوسين قال تعالى: ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [ سورة البقرة ] هذا شيء ما كلفنا الله به. أنواع الشبهات : 1 - ما ثبت أنه حلال و لكن يمكن أن يغير إلى حرام و لكن ليس هناك سبب يؤكده : قال: يلحق بالحلال المطلق ما ثبت أنه حلال، و لكن يمكن أن يغير إلى حرام، و لكن ليس هناك سبب يؤكده إطلاقاً، قال: و هذا الاحتمال لا يتطرق إلى ماء المطر، إذاً أصبح هناك فرق بين ماء المطر و السمكة، ماء المطر حلال مطلق لا يمكن أن يغير إلى حرام، أما السمكة فنظرياً يمكن أن يكون قد اصطادها إنسان قبلك، و أفلتت منه، صار عندنا حلال مطلق، و ملحق بالحلال المطلق هذا ورع الموسوسين، أما لو دل عليه دليل فمثل أن يجد في الظبية جرحاً لا يقدر عليه، صاد ظبية فإذا بها جرح بليغ من صياد آخر، صار الآن دليل إذاً هذه شبهة، قال: و حدّ الشبهة ما تعارض فيه اعتقادان صدرا عن شيئين متناقضين، إذا خيرت إنساناً مثلاً بين سيارة و بين دراجة، ليس من المعقول أن يفكر، نريد أن نقدم لك هدية تحب دراجة أم سيارة؟ اترك لي إياها لغد، لا يقول هذا، فالشبهة بين شيئين متوازنين، الإنسان يقع بحيرة بين زوجته ووالدته مصدرين مهمين في الحياة، الأم لها مكانة و الزوجة لها مكانة، فإذا حصل بينهما تصادم الأمر أصبح مقلقاً، لكن من غير المعقول إنسان يوازن بين شيء ثمين و شيء غث، هذا الشبهة مشكلتها أنها من جهة حلال و من جهة حرام، أي يوجد أدلة تؤكد أنها حلال، و يوجد أدلة تؤكد أنها حرام، فعندما صار السببان المحلل و المحرم متوازيين أصبح الأمر يدعو للتساؤل، هذا تعريف الشبهة، فالشبهة ما تعارض فيها اعتقادان صدرا عن شيئين متناقضين، و مثالات الشبهة كثيرة أهمها: الشك في السبب المحلل أو المحرم، و ينقسم هذا السبب إلى أربعة أنواع: أن يكون الحل معلوماً من قبل - الحلال معلوم - ثم يقع الشك في سبب الحل، مثلاً أن يرى صيداً فيجرحه فيقع في الماء فيراه ميتاً و لا يدري أمات بالغرق أم بالجرح؟ إن مات بالجرح حلال و إن مات بالغرق حرام لأنه أصبح مخنوقاً، الأصل أن الصيد حلال لكن موضوع الصيد دقيق، أي هذا العصفور الذي يصطاده الصياد لغير مأكلة يأتي يوم القيامة و له دوي كدوي النحل يقول: يا رب سله لمَ قتلني؟ إذا قلت إن الصيد حلال بمعنى أنك إذا كنت مسافراً، و نفذ طعامك و شرابك، و كدت تموت جوعاً، الإنسان من أكرم المخلوقات، له أن يصطاد طائراً فيأكله، الصيد بقصد الأكل خوف الجوع، أو خوف الموت، هذا هو الصيد الحلال، هناك أحاديث كثيرة و آيات لا مجال الآن لتفصيلها، أما هواية الصيد أن تخرج إلى البادية لتفجع الحيوانات، لتقتلها، لا لمأكلة، و لكن بدافع التسلية، فهذا الصيد حرام لأنه عملية إزهاق أرواح، لغير مأكلة، و هناك أحاديث كثيرة من اصطاد لغير مأكلة، كلمة لغير مأكلة علة كبيرة تجعل الحلال حراماً، على كلٍّ من رأى ظبية فجرحها ثم وقعت في الماء فرآها ميتة هل يا ترى ماتت لسبب هذا الجرح؟ إذاً حلال، أم ماتت بسبب الغرق؟ حرام، هذا أول نوع الأصل أنها حلال لكن السبب المحلل دخل فيه الشك، الصيد حلال، طريقة الموت غرقاً حرام، موتاً بجرح حلال، وقعت في الماء رأيتها ميتة هذه أحد أنواع الشبهات، فقيل هذا النوع يجب اجتنابه و يحرم الإقدام عليه. 2 ـ أن يعرف الحِل و يشك في المحرم : النوع الثاني: أن يعرف الحِل و يشك في المحرم، شيء حلال و لكن قد يأتيه سبب يجعله حراماً، هذا السبب ليس قطعياً عنده، شك في السبب فالأصل هو الحِل، لو طار طائر فقال رجل: إن كان هذا غراباً فامرأته طالق، و قال آخر: وإن لم يكن غراباً فامرأته طالق، ثم التبس الأمر، الرجلان ما عرفا أن هذا غراب أم ليس غراباً؟ فنقول: الأصل أن هذه زوجة، و أن هذا السبب الآخر سبب غير كاف للطلاق، الزوجة حلال الإنسان، و الطائر شككنا بكونه هل هو غراب أم ليس غراباً، لكن يا ترى هل هذا المثل واقعي؟ أي من المعقول مسلم يعلق مصيره مع زوجته على غراب أم ليس غراب، هذا من سخف بعض الناس، أي إنسان يربط مصير سعادته الزوجية بمشكلة خارج بيته إنسان سخيف، لذلك بعض العلماء اضطروا أن يفتوا أنه إن لم تكن الزوجة موضوعاً للطلاق، إن لم تكن الزوجة طرفاً في يمين الطلاق، و كان الزوج يكره فراقها كفراق دينه فهذا الطلاق لا يقع، بعض العلماء أفتوا هذه الفتوى، و أخذت بها بعض المحاكم أو معظم المحاكم، زوجة جالسة بالبيت مسلمة، محجبة، مصلية، صائمة، تخدم زوجها بإخلاص، ترعى أولادها، تنظف بيتها، تطبخ طعامها، زوجها و هو في السوق تشاجر مع إنسان فحلف يمين طلاق فحنث بيمينه فهي طالق؟ بعض العلماء اضطر أن ليس هذا يمين طلاق لأن هذه الزوجة ليست طرفاً في هذا الموضوع إطلاقاً، ليست مذنبة، زوج أحمق، زوج أرعن اختلف مع صديقه، مع جاره، مع شارٍ، فحلف بالطلاق، كيف يجوز لهذه المرأة المسكينة المستقيمة أن يقول لها اذهبي إلى بيت أهلك فأنت طالق؟ أي هذا المثل غير مقبول، سبب المحرم مشكوك فيه. 3 ـ أن يكون الأصل التحريم ولكن طرأ ما يوجب التحليل بظن غالب فهو مشكوك فيه : النوع الثالث: أن يكون الأصل التحريم ولكن طرأ ما يوجب التحليل بظن غالب فهو مشكوك فيه، أن يرمي إلى صيد فيغيب عنه ثم يدركه ميتاً وليس عليه أثر سوى سهمه، رمى ظبية بسهم فغابت عنه تبعها فرآها ميتة، أغلب الظن أنها ماتت بسبب سهمه، هو ولم يجد سهماً آخر، الأصل التحريم ولكن طرأ ما يوجب التحليل وهو أنها ماتت. 4 ـ أن يكون الحِل معلوماً و يغلب على الظن أنه طرأ المحرم : النوع الرابع: أي احتمال من دون دليل صار وسوسة، رجل دخل للبيت لعل رجلاً دخل بغيابنا؟ لا حول و لا قوة إلا بالله إذاً ما هو الدليل؟ لا يوجد دليل، هل وجدت مصباحاً مضيئاً و أنت قبل أن تذهب أطفأت جميع المصابيح؟ لا، البراد مفتوح؟ لا، خزانتك ملعوب بها؟ لا، هذا مكانه في مستشفى الأمراض العقلية http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4948/05.jpg إذا لم يكن هناك دليل على الاحتمال صار هذا وسوسة، أن يكون الحِل معلوماً و لكن يغلب على الظن أنه طرأ المحرم بسبب معتبر في غلبة الظن شرعاً، الأساس أنه حلال لكن طرأ عليه شيء يغلب عليه الظن أنه حرام فصار هناك حرمة، لم تعرف أنت أن هذا الإناء فيه نجاسة، لكن بدا لك بعض الأدلة على أن هذا نجاسة، تغير لونه، أو طعمه، أو تغير فيه شيء، فهذا أيضاً وجب الترك. هذه أربعة أنواع، النوع الأول: أن يكون الحِل معلوماً ثم يقع الشك في المحلل، و النوع الثاني: أن يكون الحِل ثابتاً و يشك بالمحرم، و الثالث: أن يكون الأصل التحريم و لكن طرأ ما يوجب التحليل، و الرابع: أن يكون الحِل معلوماً و يغلب على الظن أنه طرأ المحرم، و في درس قادم إن شاء الله ننتقل إلى نوع آخر من أنواع الشبهات، و هو اختلاط الحلال بالحرام، درس اليوم سبب التحريم و التحليل، عندنا سبب محلل و سبب محرم، قد يكون المحلل سابقاً والمحرم سابقاً، المحلل سابق و المحرم مشكوك فيه ضعيف، المحرم سابق و المحلل دليله ضعيف، هذا كله توضح في هذا الدرس إن شاء الله ، الدرس القادم ننتقل لموضوع آخر و هو اختلاط الحلال بالحرام. * * * بعض شمائل النبي عليه الصلاة والسلام : 1 ـ حكمته صلى الله عليه و سلم : و الآن إلى بعض شمائل النبي عليه الصلاة والسلام، كنا قد وصلنا إلى نصوص أُثرت عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم تصف شمائله الكريمة وصفاً مباشراً، بدأنا في الدرس الماضي بوصف هيئته الشريفة، وقد لخصها سيدنا حسان بن ثابت في بيتين من الشعر: وأحسن منك لم ترَ قط عين وأجمل منك لم تلد النساء خلقت مبرأ من كل عــيب كأنك خلقت كما تشـــاء *** سبحان الله! الإنسان يجمع بعض المحاسن، أما أن يجمع المحاسن كلها من جمال الهيئة إلى جمال الخلق، إلى الشجاعة، إلى البأس، إلى الحلم، إلى الرحمة، إلى العلم، إلى الخبرة، إلى فن القيادة، إلى الأبوة المثالية، إلى الأخوة الصادقة، إلى السياسة الحكيمة، أي لا أنسى حينما وزع النبي عليه الصلاة والسلام الغنائم في بعض المعارك على أناس ضعيفي الإيمان تأليفاً لقلوبهم، الذي لم ينالهم نصيب من الغنائم حزنوا وغضبوا، وجاء زعيمهم سيدنا سعد بن عبادة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (( عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: لَمَّا أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَعْطَى مِنْ تِلْكَ الْعَطَايَا فِي قُرَيْشٍ وَقَبَائِلِ الْعَرَبِ وَلَمْ يَكُنْ فِي الْأَنْصَارِ مِنْهَا شَيْءٌ وَجَدَ هَذَا الْحَيُّ مِنَ الْأَنْصَارِ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى كَثُرَتْ فِيهِمُ الْقَالَةُ حَتَّى قَالَ قَائِلُهُمْ لَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْمَهُ فَدَخَلَ عَلَيْهِ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هَذَا الْحَيَّ قَدْ وَجَدُوا عَلَيْكَ فِي أَنْفُسِهِمْ - الملخص حزنوا منك - لِمَا صَنَعْتَ فِي هَذَا الْفَيْءِ الَّذِي أَصَبْتَ قَسَمْتَ فِي قَوْمِكَ وَأَعْطَيْتَ عَطَايَا عِظَامًا فِي قَبَائِلِ الْعَرَبِ وَلَمْ يَكُنْ فِي هَذَا الْحَيِّ مِنَ الْأَنْصَارِ شَيْءٌ قَالَ فَأَيْنَ أَنْتَ مِنْ ذَلِكَ يَا سَعْدُ؟- أي أنت ناقل أم أنت معهم غضبان؟ هذه منتهى السياسة، الذي نقل لك الخبر هو حيادي أم انضم إليهم؟- قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَنَا إِلَّا امْرُؤٌ مِنْ قَوْمِي - أي أنا حزين أيضاً- وَمَا أَنَا قَالَ فَاجْمَعْ لِي قَوْمَكَ فِي هَذِهِ الْحَظِيرَةِ قَالَ فَخَرَجَ سَعْدٌ فَجَمَعَ النَّاسَ فِي تِلْكَ الْحَظِيرَةِ قَالَ فَجَاءَ رِجَالٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ فَتَرَكَهُمْ فَدَخَلُوا وَجَاءَ آخَرُونَ فَرَدَّهُمْ فَلَمَّا اجْتَمَعُوا أَتَاهُ سَعْدٌ فَقَالَ قَدِ اجْتَمَعَ لَكَ هَذَا الْحَيُّ مِنَ الْأَنْصَارِ قَالَ فَأَتَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِالَّذِي هُوَ لَهُ أَهْلٌ ثُمَّ قَالَ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ مَقَالَةٌ بَلَغَتْنِي عَنْكُمْ وَجِدَةٌ وَجَدْتُمُوهَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَلَمْ آتِكُمْ ضُلَّالًا فَهَدَاكُمُ اللَّهُ وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمُ اللَّهُ وَأَعْدَاءً فَأَلَّفَ اللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ قَالُوا بَلِ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ وَأَفْضَلُ قَالَ أَلَا تُجِيبُونَنِي يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ؟ قَالُوا وَبِمَاذَا نُجِيبُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ الْمَنُّ وَالْفَضْلُ - بماذا بدأ صلى الله عليه وسلم؟ ما بدأ بفضله عليهم بدأ بفضلهم عليه، خجلهم- قَالَ أَمَا وَاللَّهِ لَوْ شِئْتُمْ لَقُلْتُمْ فَلَصَدَقْتُمْ وَصُدِّقْتُمْ أَتَيْتَنَا مُكَذَّبًا فَصَدَّقْنَاكَ - أنتم صادقون إن قلتم هذا للناس الناس يصدقونكم، خجلوا- وَمَخْذُولًا فَنَصَرْنَاكَ وَطَرِيدًا فَآوَيْنَاكَ وَعَائِلًا فَأَغْنَيْنَاكَ -أي إذا عندك ابن غال عليك أحسنت إليه إحساناً منقطع النظير، وعندك برتقال قدمته للضيف ولم تطعمه، يجب ألا يتكلم ابنك- أَوَجَدْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ فِي لُعَاعَةٍ مِنَ الدُّنْيَا تَأَلَّفْتُ بِهَا قَوْمًا لِيُسْلِمُوا وَوَكَلْتُكُمْ إِلَى إِسْلَامِكُمْ أَفَلَا تَرْضَوْنَ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاةِ وَالْبَعِيرِ وَتَرْجِعُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رِحَالِكُمْ فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الْأَنْصَارِ وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ شِعْبًا وَسَلَكَتِ الْأَنْصَارُ شِعْبًا لَسَلَكْتُ شِعْبَ الْأَنْصَارِ اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْأَنْصَارَ وَأَبْنَاءَ الْأَنْصَارِ وَأَبْنَاءَ أَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ قَالَ فَبَكَى الْقَوْمُ حَتَّى أَخْضَلُوا لِحَاهُمْ وَقَالُوا رَضِينَا بِرَسُولِ اللَّهِ قِسْمًا وَحَظًّا ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَفَرَّقْنَا )) [ الدارمي عن أبي سعيد الخدري ] قال هذه قمة السياسة الحكيمة، أي امتص النقمة وطيب خاطرهم وأنهى الفتنة بكلمات رقيقة. حكمة أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم : سيدنا معاوية جاءته رسالة من عبد الله بن الزبير قال له: أما بعد فيا معاوية - باسمه - إن رجالك قد دخلوا أرضي فانههم عن ذلك، وإلا كان لي ولك شأن والسلام، خليفة المسلمين يحكم عشرة أقطار من أقطار هذه الأيام، تأتيه رسالة من مواطن، أما بعد: فيا معاوية، وكان أمامه ابنه يزيد فقال له: اقرأ يا يزيد، فاضطرب يزيد وقال: أرى أن ترسل له جيشاً أوله عنده وآخره عندك، أي جيش طوله من المدينة إلى الشام يأتوك برأسه، فتبسم معاوية وقال: غير ذلك أولى، أمر الكاتب أن يكتب فقال اكتب: أما بعد فقد وقفت على كتاب ولد حواري رسول الله -الزبير حواري رسول الله وهذا ابنه- قال له: أما بعد فيا معاوية، ماذا قال له معاوية؟ أما بعد فقد وقفت على كتاب ولد حواري رسول الله، ولقد ساءني ما ساءه، والدنيا كلها هينة جنب رضاه، لقد نزلت له عن الأرض ومن فيها، فتلقى الجواب: أما بعد فيا أمير المؤمنين، أول رسالة فيا معاوية، الرسالة الثانية فيا أمير المؤمنين أطال الله بقاءك، ولا أعدمك الرأي الذي أحلك من قومك هذا المحل، فقال لابنه يزيد تعال واقرأ، تريد أن ترسل له جيشاً أوله عنده وآخره عندك يأتوك برأسه؟ ثم قال: يا بني! من عفا ساد، ومن حلم عظم، ومن تجاوز عن أخطاء الآخرين استمال إليه القلوب. 2 ـ منطقه صلى الله عليه و سلم : هذا مثل من حكمته أما منطقه صلى الله عليه وسلم، فقال الحسن رضي الله عنه: فقلت صف لي منطق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: كان رسول الله عليه وسلم متواصل الأحزان، دائم الفكرة، أحياناً ترى الابن يضحك والأم حزينة، يكون هناك ابن ثان مسافر جاءت رسالة أنه مريض الابن فرحان والأم حزينة، قلب الأم كبير يسع كل الأولاد، أما هذا الطفل الفرحان لا يوجد عنده همّ، أخوه مريض ماذا يفعل له؟ هذه يقولها الأخ، أما الأم فلا تقول هذا، يخيم عليها الحزن، من شدة رأفته صلى الله عليه وسلم، من شدة رحمته بأمته، كان إذا رأى أن أمته هالكة كان دائم الأحزان، كان دائم الأحزان، دائم الفكرة، ليست له راحة، مثل معظم الناس إذا أكل وأحب أن ينام لا أحد يوقظه، وإذا سهر لا أحد يزعجه، وإن دخل إلى غرفته لا أحد يطرق بابه، وإن ذهب إلى نزهة لا أحد يعكره، أي همه الأوحد السرور، هذا ليس من صفات المؤمنين، قال عليه الصلاة والسلام لمعاذ بن جبل عندما بعث به إلى اليمن: (( إِيَّاكَ وَالتَّنَعُّمَ فَإِنَّ عِبَادَ اللَّهِ لَيْسُوا بِالْمُتَنَعِّمِينَ )) [ أحمد عن معاذ بن جبل ] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4948/06.jpg حتى لا تأخذوا الحديث على ظاهره، الله عز وجل قد ينعم على عبد ولكن التنعم ليس مقصوداً لذاته، أن يجلس الإنسان ليتنعم هذا ما عرف مهمته في الدنيا، قد يتنزه، أما أن يجعل النعيم هدفاً له كبيراً ولا هدف له سوى النعيم فهذا لا يعرف الله سبحانه وتعالى، لأن المؤمنين كما قال تعالى: ﴿ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [ سورة السجدة ] المضجع ليس السرير فقط لا يركن للدنيا، لا لمالها، ولا لنسائها ولا للذاتها، ولا لوجهتها، لا يركن إلا لرضاء الله عز وجل على كل حال، يوجد عندنا هذه النقطة الدقيقة يمكن أن تفحص نفسك بها، ما الذي يحزنك أن تفوتك الدنيا أم أن تفوتك مرضاة الله عز وجل؟ يوجد شخص لو قصر في عبادته، لو قصر في حضور مجلس علم، لو عصى لا يبالي، لكن إذا بيعة فضت يقول لك: والله كانت هذه البيعة مربحة، لا حول ولا قوة إلا بالله، يتألم تماماً، بيت ذهب منه شراؤه أجرى عقداً فقلب صاحب البيت يتألم كثيراً، قل لي ما الذي يحزنك أقل لك من أنت، المؤمن يحزن أن يقع في معصية، وأهل الدنيا يحزنون إذا فاتهم شيء من الدنيا. إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي ولك العتبى حتى ترضى، لكن عافيتك أوسع لي. "عجبت لثلاث -كما قال سيدنا عمر- عجبت لمؤمل والموت يطلبه- يكسي بيت ملأ الدنيا ضجيجاً، احتار هل يجعل الشوفاج تمديداً أرضياً أم مكشوفاً؟ بقي شهرين متردداً، بعد هذا تمّ القرار أنه سوف يعمله أرضياً، وبعد عشرين سنة إذا صار خلل لا يكسر البلاط يجري تمديداً ثانياً مكشوفاً، بعد عشرين سنة، أمده طويل- عجبت لمؤمل والموت يطلبه، وغافل وليس بمغفول عنه، وضاحك ملء فيه ولا يدري أساخط عنه الله أم راض". 3 ـ كان صلى الله عليه و سلم طويل السكوت لا يتكلم في غير حاجة : طويل السكوت لا يتكلم في غير حاجة، قال: تكلم إذا اشتهيت أن تسكت، واسكت إذا اشتهيت أن تتكلم، من أدق المقاييس يتكلمون على فلان قالوا قصتين أو ثلاث مخزية، أنت عندك قصة أفظع من هؤلاء اشتهيت أن تتكلم ولا يوجد حاجة أن تتكلم اسكت، اشتهيت أن تتكلم فاسكت، إذا سألك إنسان عن آية والآية تحتاج إلى تفصيلات كثيرة ولا يوجد عندك وقت وسألك كأنك شمرت وقلت: يا رب وأنت متعب اشتهيت أن تسكت فتكلم، اشتهيت الكلام فاسكت. لا يتكلم في غير حاجة، يفتتح الكلام ويختمه ببسم الله تعالى، ويتكلم بجوامع الكلم، كلامه فصل لا فضول فيه، لا يوجد فيه كلمة زائدة، أي خذ كلام الناس تسعة أعشاره كلام فارغ ليس له معنى، تمضية وقت، كلام يلقيه الناس على عواهنهم إما غيبة أو نميمة، إما وصف للدنيا، أو وصف نزهاتهم. قال له: هل قابلته؟ قال: قابلته وقفت على الباب ثم دخلت، وأحضر لي قهوة، كله كلام فارغ، ماذا قال لك في نهاية الحديث ربع ساعة حتى دخل إلى عنده... يوجد شخص كلامه فصل أي لا يوجد عنده كلام حشو، النبي الكريم كان كلامه فصل لا فضول فيه ولا تقصير، أحياناً تجر الزوجة من زوجها الكلام جراً، هل دعوك إلى الطعام؟ ماذا وضعوا لك؟ يقول طعاماً، ماذا تحدثتم؟ لم نتحدث شيئاً، تجر الكلمة منه جراً، وهذا تقصير، لا فضول ولا تقصير صلى الله عليه وسلم. لذلك يؤثر عن الصديق رضي الله عنه أنه قال: "نضر الله وجه من أوجز في كلامه، واقتصر على حاجته". أحياناً يقول لك قصة لا علاقة لك فيها، أي شيء لا يهمك أنت بل يهمه هو، تفصيلات سخيفة، يضيع لك وقتك ولا يوجد داع له، كلام مختصر مفيد، دخل أحد الشعراء على أحد الملوك، قال الشاعر للملك: إنّ، قال الملك للشاعر: و، انتهت المقابلة ما فهم القاعدون شيئاً، فسألوا: ماذا قلت له وماذا قال لك؟ قال: قلت له: إن الملوك إذا دخلوا قريةً أفسدوها، وقال لي: والشعراء يتبعهم الغاوون. ولكن أحياناً يكون الإيجاز مخلاً، إنسان ترك وصية قال: فلان له عليّ ألف درهم ونصف، اضطر القاضي أن يحيل هذه القضية إلى أحد علماء النحو حتى يعرب الضمير، يا ترى ألف وخمسمئة أم ألف ونصف درهم؟ هذه الهاء تعود على الألف أي ألف وخمسمئة؟ أم تعود على الدرهم ألف ونصف درهم؟ هذا اسمه إيجاز مخل، البلاغة بين الإطناب الممل وبين الإيجاز المخل. 4 ـ كان يُعظّم النعمة وإن دقت : ليس بالجافي ولا المهين، يعظم النعمة وإن دقت، الآن تدخل إلى عند رجل بيته ملك، وسيارته على الباب، ويأكل ألذ الطعام، ويلبس، وأولاده بصحة جيدة، يشكي الهم، والفقر، يقول: لا يوجد سوق، السوق مسموم، لا نبيع ولا نشتري، كل هذه النعم لا تشاهدها، هذا من كفر نعمة الله، قل: الحمد لله رب العالمين. يعظم النعمة وإن دقت، ما عاب طعاماً قط، دعي إلى خل وخبز فقال عليه الصلاة والسلام: (( نعم الإدام الخل)) [ أبو داود عن جابر] و قال أيضاً: ((لَوْ دُعِيتُ إِلَى كُرَاعٍ لأجَبْتُ وَلَوْ أُهْدِيَ إِلَيَّ كُرَاعٌ لَقَبِلْتُ )) [ أحمد عن أبي هريرة ] مقادم، وليس مقادم في المدينة لو دعي إلى خارج المدينة، مثل الشام والمخيم، إنسان دعاك وقال: تعال إلى المخيم أنت مدعو، أول باص وثاني باص ثم قدم لك مقادم، ليس أنت بل سيد الخلق. ما هذا التواضع؟ دعاك معنى هذا أنه يحبك، أكبر دعوة ليس الطعام هو نفسه، أنت أجب لمحبته وليس للطعام، يعظم النعمة مهما دقت، غير أنه لم يذم ذواقاً ولا يمدحه، ما عاب طعاماً قط إن أحبه أكله، وإن لم يحبه لم يأكله، أهو حرام؟ قال: لا بل تعافه نفسي. 5 ـ لا تغضبه الدنيا ولا ما كان لها : لا تغضبه الدنيا ولا ما كان لها، فَإِذَا تُعُدِّيَ الْحَقُّ لَمْ يَعْرِفْهُ أَحَدٌ، وَلَمْ يَقُمْ لِغَضَبِهِ شَيْءٌ حَتَّى يَنْتَصِرَ لَهُ، إذا إنسان تجاوز الحق كان يغضب غضباً شديداً ولا يغضب لنفسه أبداً، مثلاً ترى الزوج خرجت زوجته على الشرفة تنشر الغسيل لباسها غير جيد، أما الطعام ما كان جاهزاً فيقيم القيامة http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4948/07.jpg هذا الزوج يغضب لنفسه ولا يغضب للحق، أما الزوج المؤمن إذا حصل في البيت مخالفة للشرع فيقيم القيامة أما إذا قصروا بحقه فيتساهل. مرّ معي حديث دقيق جداً: (( لا يكون الرجل قيم أهله حتى لا يبالي أي ثوبيه لبس )) [ كنز العمال عن علي] عنده قميصان الأول سكري والثاني أبيض، عنده بدلة طحيني طبعاً السكري أجمل يتناسب مع البدلة أكثر من الأبيض، وجد السكري غير مكوي غضب، عندما غضب لسبب دنيوي قلّت مكانته، أما إذا تجاوز عن هذا التقصير وغضب لله إذا انتهك أحد محارمه فساعتئذٍ يكون هذا الغضب لله. فَإِذَا تُعُدِّيَ الْحَقُّ لَمْ يَعْرِفْهُ أَحَدٌ، وَلَمْ يَقُمْ لِغَضَبِهِ شَيْءٌ حَتَّى يَنْتَصِرَ لَهُ، ولا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها، إذا أشار أشار بكفه كله وإذا تعجب قلبها، وإذا تحدث اتصل بها وضرب راحته اليمنى بطن إبهامه اليسرى، إذا تحدث وإذا غضب أعرض وأشاح، وإذا فرح غض طرفه تواضعاً لله عز وجل، جلّ ضحكه التبسم، يفتر عن مثل حَبِّ الغمام، أي أسنان بيضاء ناصعة. الآن رجل بالعشرينات أسنانه محشاة، ومركب جسرين الأول ذهب والثاني معدن، ثم يضع بدلة، إذا فرح غض طرفه تواضعاً لله عز وجل، جلّ ضحكه التبسم، يفتر عن مثل حَبِّ الغمام، وإن شاء الله نتابع في درس قادم شمائله صلى الله عليه وسلم. |
رد: العبادات التعاملية
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية الدرس : ( التاسع و الثلاثون ) الموضوع : حكمة القرض و حكمة الشرعى الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. القرض : أيها الأخوة الكرام، كما أنه منذ حين تحدثنا عن موضوع تشتد الحاجة إلى بحثه ألا وهو موضوع الغيبة، واليوم ندخل في موضوع تشتد الحاجة إليه ألا وهو القرض، فلعل من أوسع نشاطات الناس فيما بينهم قضية القرض، وينشأ عن القرض مشكلات كثيرة بعضها يرجع إلى الجهل بأحكام القرض، وبعضها يرجع إلى سوء النية في الاقتراض والإقراض، و لأن موضوع القرض من أدق الموضوعات الفقهية، ولأنه لا يخلو إنسان من أن يقرض أو أن يستقرض وكلاهما له مضاعفات وله عطاءات، فلذلك ورد في صحيح ابن ماجة: (( رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ مَكْتُوبًا الصَّدَقَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا وَالْقَرْضُ بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ فَقُلْتُ يَا جِبْرِيلُ مَا بَالُ الْقَرْضِ أَفْضَلُ مِنَ الصَّدَقَةِ قَالَ لأنَّ السَّائِلَ يَسْأَلُ وَعِنْدَهُ وَالْمُسْتَقْرِضُ لا يَسْتَقْرِضُ إِلا مِنْ حَاجَةٍ )) [ابن ماجه عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ] أنا فيما أرى تشتد الحاجة إلى القرض أضعاف ما تشتد الحاجة إلى الصدقة، لأن قلة قليلةً جداً يمكن أن تأخذ الصدقة، لكن القرض كل إنسان يحتاج إليه، فإذا نظم وعرف أحكامه الدقيقة وأشير إلى بواعثه الدقيقة كان القرض نفعاً للمسلمين، نفعاً للمقرض ونفعاً للمقترض. أيّ عمل صالح تقدمه لمؤمن هو قرض لله : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-5797/01.jpg أيها الأخوة الكرام، يكفينا أن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ [سورة البقرة: 245] والعلماء قالوا إن أي عمل صالح تقدمه لأخ لك في الله، إنما هو في حقيقته قرض لله عز وجل، أنت حينما تخدم أخاك، حينما تعينه، حينما تأخذ بيده، حينما تفرج كربه، حينما تيسر عليه أمره، إنما تقرض الله قرضاً حسناً، وإذا أقرضت الله ماذا تنتظر من الله؟ أن يضاعفه لك أضعافاً كثيرة، والله يقبض ويبسط، لو لم يكن في القرآن كله إلا هذه الآية المتعلقة بقرض المال وبأوسع من القرض لكفت. هذا من حيث المقرض. من أخذ أَموال النَّاس يريد أَداءها أَدَّى اللَّه عنه : أما المقترض فيقول عليه الصلاة والسلام: ((مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ )) [البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ] أيها الأخوة: والله لهذا الحديث الشريف كلمة واحدة، لو عليك مئة ألف مليون، الله عز وجل لا يريد منك إلا أن ترد هذا المال، إذا انعقدت نيتك على أن ترد هذا المال أدى الله عنك، يسر أمرك، حلّ العسير، سهّل البعيد، أزال العقبات لمجرد أن تنعقد نيتك على رد هذا القرض: (( مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلافَهَا .. )) [البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ] لعلكم تتوهمون لو أن النبي يقول أتلفها الله، قال: (( .... أَتْلَفَهُ اللَّهُ )) [البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ] نظام الزكاة وحده يكفل توزيع الأموال توزيعاً عادلاً : لسيدنا علي كرم الله وجهه قول رائع يقول: "لئن كان هناك فقير فبظلم من الغني" http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-5797/02.jpg أي كأن الله سبحانه وتعالى لحكمة بالغةٍ بالغة جعل الإنسان حينما يغتني، وحينما يمنع زكاة ماله، وحينما يسلك طرائق غير مشروعة في كسب المال من احتكار، إلى غش، إلى تدليس، لعل هذا المال الوفير الذي أصبح في حوزته هو مقتطع من لقمة الفقير، مثلاً لو قلنا إلى إنسان: سرْ على طريق عرضه ستين متراً، مهارته لا تبدو في القيادة لو نام يبقى على الطريق، أما لو قلنا لإنسان: سرْ على طريق عرضه كعرض مركبتك، وعلى يمينك وادٍ وعلى يسارك وادٍ، هذا الامتحان صعب لو أنك غفلت دقيقة وقعت في الوادي، نظام الحياة نظام أساسه الابتلاء، الإنسان حينما يغتني بأساليب غير مشروعة هو الذي يسبب فقراً مدقعاً، ما اتخم غني إلا بجوع فقير، لذلك سيدنا علي يقول: "لئن كان هناك فقير فبظلم من الغني". حدثني أخ كريم قال: صدقني ولا أربعة بالمئة ولا ثلاثة بالمئة من أغنياء المسلمين يؤدون زكاة أموالهم، قلت: لو أن جميع الأغنياء أدوا زكاة أموالهم ما بقي فقير، حجم الزكاة حجم فلكي، لا يعطي الفقراء معونات، لا يؤمن لهم أعمالاً، أو موارد رزق دائمة، لا يحل مشكلة الشباب، لو لم يكن في الإسلام إلا نظام الزكاة لكفت، نظام الزكاة وحده هو الذي يكفل توزيع الأموال توزيعاً عادلاً. آية الدَّين موجهة للمؤمنين : ثم إن الله سبحانه وتعالى لم يخاطب عامة الناس في موضوع الإقراض قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ ﴾ [ سورة البقرة: 282 ] آية الدين موجهة للمؤمنين، يوجد نقطة دقيقة جداً أحبّ أن أضعها بين أيديكم هو أن غير المؤمن لا يتحرك إلا بالمقابل، لا يتحرك حركة، لا يتكلم كلمة، لا يدخل في وساطة إلا مقابل أجر، وهذا الأجر حظه من كل أعماله، وليس له عند الله شيء، أما المؤمن فأساس حياته العطاء، القرض لا يليق إلا للمؤمن، لغير المؤمن يحسبه ويقول: يوجد تضخم نقدي بالمئة سبعة عشر، إن أقرضت مئة ألف معنى هذا أبي سأستردها سبعة وثمانين ألفاً، أو ثلاثة وثمانين ألفاً، معنى هذا أنه يوجد خسارة، طبعاً الله عز وجل قال: ﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ﴾ [ سورة البقرة: 276 ] القرض عمل صالح وليس سلوكاً تجارياً : القرض في الحقيقة عمل صالح وليس سلوكاً تجارياً، دقق الآن إذا أردت أن تقيّمه بميزان تجاري فأنت لست مؤمناً، القرض لا يقيّم بميزان تجاري، يقيّم بميزان العمل الصالح، والشيء الدقيق كما ورد عن السيد المسيح: ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، وأنت أيها المؤمن لست بالمال وحده تحيا، تحيا أنت برضوان الله عنك، تحيا بأعمالك الصالحة لو كان هناك تضخم نقدي الله عز وجل يضاعفه لك أضعافاً كثيرة، الله عز وجل قادر على أن يرزقك رزقاً وفيراً من حيث لا تحتسب، فإذا ضحيت بإقراض مؤمن وكان التضخم النقدي كبيراً وقد أخذت المال بعد حين أقل من قيمته الحقيقية فهذا عند الله لا يضيع، أمور التجارة والتضخم النقدي وحساب تجميد الأموال يعلمه الله عز وجل. علاقة القرض بالمال : أيها الأخوة، لعلكم تعجبون ما علاقة القرض بالمال؟ القرض هو القطع، قرض قطع، المقترض يقتطع من مال المقرض جزءاً يأخذه، والمقرض يقتطع من ماله جزءاً يعطيه للمقترض، فأصل القرض في اللغة اقتطاع جزء من المال من إنسان إلى إنسان، في الاصطلاح الفقهي تمليك بعض المال للغير على أن يرد مثله بعد حين. أيها الأخوة، بعض الأئمة حاولوا التفريق بين القرض والدين، القرض شيء والدين شيء آخر، في رأي أبو هلال العسكري القرض حينما تدفع نقداً لإنسان فهذا قرض أما إذا بعت بضاعة وسجلت ثمنها على فلان فهذا هو الدين، الدين هو أثمان البضائع، أما القرض فهو النقد الذي يعطى من إنسان إلى إنسان. على المسلم ألا يدخل مقياس الربح و الخسارة عند الإقراض : أردت قبل كل شيء أن أضع بين أيديكم هذه الحقيقة، القرض عمل صالح لا يوزن بميزان التجارة، وكل إنسان إذا طلب منه قرض ودخل في حساباته سوف أجمد هذا المال سنة، وسوف أحسب لو وضعته في مشروع كان يعطي ثمانية عشر بالمئة إذا كان تفكيرك هكذا لا تقرض، أنت بعيد عن هذه الآية، لا يمكن أن تدخل مقياس الربح والخسارة و تضخم الأموال والأرباح والاستثمار إذا طلب منك أن تقرض إنساناً مبلغاً. (( مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ فِي الدُّنْيَا يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَنْ سَتَرَ عَلَى مُسْلِمٍ فِي الدُّنْيَا سَتَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ )) [ابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-5797/03.jpg حدثني صديق قال: جاءه شاب مقدم على زواج، ويحتاج إلى مبلغ من المال، فلما شعر أن المبلغ مؤمن قال لي: والله ما كان من هذا الشاب إلا أن بكى من شدة الفرح وخرّ لله ساجداً يشكر الله، إنسان مضطر لمبلغ من المال حتى ينجز شيئاً أساسياً في حياته، ولا يملكه، وطرق بابك وتوسم فيك الخير والصلاح وأنت لبيته، ولكن والله أيها الأخوة من أخذ أموال الناس ولم يردها، من أخذ أموال الناس وماطلهم، من أخذ أموال الناس وتجاهل أصحاب الأموال، من أخذ أموال الناس ولم يعبأ بهذا المال، والله يحاسب حساباً عسيراً لماذا؟ لأنه منع الخير، الآن كل إنسان أقرض ولم يسترد الدين، أقرض ولم يسترده يقول لك: حلفت يميناً ألا أدين، من الذي حمله على هذا اليمين؟ هؤلاء الذين ماطلوا، فالإنسان إذا عمل على تطبيق الشريعة وأحكام القرض يروج القرض، من أخذ أموال الناس شاركهم في أموالهم، من أخذ وأعطى شاركهم في أموالهم، لكن الحقيقة أدق حديث في هذا الموضع: (( مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ فِي الدُّنْيَا يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَنْ سَتَرَ عَلَى مُسْلِمٍ فِي الدُّنْيَا سَتَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ )) [ابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه] الإقراض يسجل عند الله صدقة : أما الحديث الذي فيه بشارة: (( عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُقْرِضُ مُسْلِمًا قَرْضًا مَرَّتَيْنِ إِلا كَانَ كَصَدَقَتِهَا مَرَّةً )) [ابن ماجه عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ] أنا أعرف أناساً كثيرين والحمد لله، طالب علم إفريقي أنهى دراسته وهو في طريقة إلى بلده دخل إلى مكتبة، وهذه الكتب مهمة جداً سينشئ معهداً شرعياً هناك، أراد أن يشتري وسأل عن هذا الكتاب وعن هذا الكتاب، فكان هناك رجل يقف قال له: كل هذه الكتب أعطه إياها وخذ ثمنها مني، وقال له: لكم علينا حق كبير، لا أحد يعرف الآخرة لها ثمن، وهذا طالب علم أنهى دراسته وذاهب إلى بلده في إفريقيا ليؤسس معهداً شرعياً، جامع وهو في أمس الحاجة إلى هذه الكتب، ولما شعر أنه لا يملك ثمنها كلها عدّ هذا من أفضل الأعمال، وقال لي: الفاتورة ستة آلاف، وقال له: أعطه كل هذه الكتب وخذ ثمنها مني، إذا الإنسان ليس له عمل صالح، كل إنسان يوجد عنده اختصاص: أناس عندهم مال، علم، قوة، أناس عندهم جاه، خبرات، إذا الإنسان ما قدم شيئاً مما أتاه الله كيف يرقى؟ كيف يلقى الله؟ وطالب علم أيضاً حدثني سائق تكسي رأى طالباً إفريقياً آخر عليه أن يذهب إلى بيروت ليتابع أطروحته، سائق تكسي أخذه إلى بيروت وانتظره ساعات طويلة وأعاده إلى بلده مع الهدايا وقال له: ادع لنا يا أستاذ فقط، ولم يأخذ منه درهماً واحداً، مع الله تضيع هذه؟ هذا عمل طيب، طالب علم ضيف عندنا، فقير الحال، مضطر أن يسافر، إذا علم الإنسان أن الله هو المعطي والمعز عندئذٍ يقدم كل ما عنده لله عز وجل. (( عَنْ قَيْسِ ابْنِ رُومِيٍّ قَالَ: كَانَ سُلَيْمَانُ بْنُ أُذُنَانٍ يُقْرِضُ عَلْقَمَةَ أَلْفَ دِرْهَمٍ إِلَى عَطَائِهِ فَلَمَّا خَرَجَ عَطَاؤُهُ تَقَاضَاهَا مِنْهُ وَاشْتَدَّ عَلَيْهِ فَقَضَاهُ فَكَأَنَّ عَلْقَمَةَ غَضِبَ فَمَكَثَ أَشْهُرًا ثُمَّ أَتَاهُ فَقَالَ: أَقْرِضْنِي أَلْفَ دِرْهَمٍ إِلَى عَطَائِي قَالَ: نَعَمْ وَكَرَامَةً يَا أُمَّ عُتْبَةَ هَلُمِّي تِلْكَ الْخَرِيطَةَ الْمَخْتُومَةَ الَّتِي عِنْدَكِ فَجَاءَتْ بِهَا، فَقَالَ: أَمَا وَاللَّهِ إِنَّهَا لَدَرَاهِمُكَ الَّتِي قَضَيْتَنِي مَا حَرَّكْتُ مِنْهَا دِرْهَمًا وَاحِدًا، قَالَ: فَلِلَّهِ أَبُوكَ مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا فَعَلْتَ بِي قَالَ: مَا سَمِعْتُ مِنْكَ، قَالَ: مَا سَمِعْتَ مِنِّي، قَالَ: سَمِعْتُكَ تَذْكُرُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُقْرِضُ مُسْلِمًا قَرْضًا مَرَّتَيْنِ إِلا كَانَ كَصَدَقَتِهَا مَرَّةً قَالَ كَذَلِكَ أَنْبَأَنِي ابْنُ مَسْعُودٍ)) [ابن ماجه عَنْ قَيْسِ ابْنِ رُومِيٍّ] أي إذا أقرضت إنساناً مرتين أنت قدمت له شيئاً ثميناً، إحدى هاتين المرتين تسجل لك عند الله صدقة، إذا أخ ببحبوحة رصد مبلغاً من المال لحل مشاكل المؤمنين، يقرض ويسترد، هذا من أجلّ الأعمال، يجب أن تعلم علم اليقين من خلال هذا الحديث الذي قاله النبي عليه الصلاة والسلام أن الإقراض يسجل عند الله صدقة، فلك أن تقتطع شيئاً من مالك، وأن تجعله في متناول المقترضين. المؤمن سخي و عفيف : لكن أيها الأخوة الشيء اللطيف في الإسلام بقدر ما المؤمن سخي بقدر ما الثاني عفيف، سيدنا سعد بن الربيع ماذا قال لعبد الرحمن بن عوف؟ دونك نصف مالي، هاتان الدكانان اختر إحداهما، هذان البستانان خذ أحدهما، ماذا قال له ابن عوف؟ قال له: بارك الله لك بمالك ولكن دلني على السوق. حدثني رجل ممن يعتني بسيرة أصحاب رسول الله: من خلال مطالعاتي كلها ما ثبت عندي أن مهاجراً أخذ من أنصاري شيئاً مع أن كل الأنصار بذلوا نصف أموالهم، إذا إنسان رغب أن يفعل خيراً يجب ألا يستغل. ((عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: لأن أقرض دينارين ثم يردا، ثم أقرضهما أحب إلي من أن أتصدق بهما )) [ المهذب عن أبي الدرداء رضي الله عنه] هذه نقطة مهمة جداً، أي إذا أنت رصدت مبلغاً من المال وليكن مبلغاً رمزياً أقرضته مرة، مرتين، ثلاث، أربع، خمس، قال: أحبّ إليّ من أن أتصدق بهما، كيف؟ إذا معك عشرة آلاف تصدقت بها انتفع بها واحد، أما لو دورتها بين عشرة انتفع بها عشرة، فلان انتفع بها ردها لك، ثم أعطيتها لفلان ردها إليك، أعطيتها لفلان، ولكن هذا النظام وهذا التوجيه يحتاج إلى مؤمنين من أعلى درجات العفة، من أعلى درجات الغيرة، من أعلى درجات الحرص، الذي يمنع الماعون إنسان يعطل الخير. مرة قلت لكم: رجل في الصحراء يمتطي حصاناً رأى رجلاً في الحر اللاهب ينتعل رمال الصحراء المحرقة، دعاه إلى ركوب الخيل وإذا هذا الرجل أحد لصوص الصحراء ما إن اعتلى الخيل حتى دفع صاحب الخيل إلى الأرض وعدا بالفرس لا يلوي على شيء، قال له صاحب الفرس: لقد وهبت لك هذه الفرس ولن أسأل عنها بعد اليوم ولكن إياك أن يشيع هذا الخبر في الصحراء فإذا شاع هذا الخبر تذهب منها المروءة، وبذهاب مروءتها يذهب أجمل ما فيها. الحياة جميلة بالتعاون : الحياة جميلة بالتعاون، حدثني أخ بمثل دقيق جداً قال: لو أتينا بمسمار وأدخلناه في لوح خشبي، وجئنا بالأوكسجين وسلطناه عليه خلال نصف دقيقة يذوب- معروف عندكم لحام الأوكسجين- لماذا؟ لأن الحرارة التي أخذها المسمار وزعها على اللوح، أخذ و وزع، هذا المثل دقيق، أنت كمؤمن مع المؤمنين مهما كان عليك شدة تتوزع، أما إذا لم يكن هناك تعاون، المجتمع المنحرف، المجتمع المادي، المجتمع الكافر، أساسه أفراد ليس أساسه تعاوناً، تأتي المصيبة على الرجل تسحقه سحقاً http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-5797/04.jpg أما مجتمع المؤمنين فلست وحدك في الحياة، أنا والله أعرف عشرات بل مئات القصص، يوم الجمعة حدثتكم عن صندوق العافية، لي يومان أو ثلاثة وأنا في أعلى درجات السرور، صار شيء من الوعد إنسان يحتاج إلى عملية بخمسمئة ألف، مبلغ كبير جداً فوق طاقة الناس، إن قضى بعِلته يأثم جميع المسلمين وإذا كلفنا جهة فوق طاقتها هذه العملية، الآن والحمد لله يمكن أن يجبى من المساجد كل أسبوع لصندوق العافية، وهذا المريض يفحصه أطباء من أعلى مستوى، ويقررون إذا تعالج مرضه في القطر، أو خارج القطر، والمبلغ مغطى، هذا تكافل اجتماعي، أي الفقير يجب أن يعالج بأعلى درجة، لذلك الله عز وجل قال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آَمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ [ سورة المائدة : 2 ] و قال عليه الصلاة و السلام: ((أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَكُونَ مِثْلَ أَبِي ضَمْضَمٍ؟ قَالُوا: وَمَنْ أَبُو ضَمْضَمٍ؟ قَالَ: رَجُلٌ فِيمَنْ كَانَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِمَعْنَاهُ قَالَ عِرْضِي لِمَنْ شَتَمَنِي)) [أبو داود عَنْ ثَابِتٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَجْلانَ] لا يملك شيئاً، أفقر صحابي كان إذا خرج من بيته يقول: "اللهم إني قد تصدقت بعرضي على عبادك"، أي إذا رجل تكلم عليه كلاماً غير صحيح أنا مسامحه وسأقرضه بحقي، وأنا لي حق بمطالبته في الذي تكلمه عني ظلماً، إني أقرضت للمسلمين عرضي، وقد روي عن ابن عمر أنه قال: "أقرض من عرضك ليوم فقرك"، أي من سبك فلا تأخذ منه حقاً ولا تقم عليه حداً حتى تأتي يوم القيامة موفور الأجر. عدم الاقتراض إلا ممن يملك التصرف : أخواننا الكرام، من البديهيات أنه لا يصح أن تقترض إلا ممن يملك التصرف http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-5797/05.jpg إذا إنسان سفيه أو صغير هذا إقراضه باطل، ويحرم أن تستعين بالقرض على معصية، إنسانة تتقاضى من جمعية خيرية مبلغاً كل شهر، فوجئ من يعطيها هذا المبلغ أنها ركبت صحناً بثلاثة وثلاثين ألفاً، فلما طالبوها أن كيف هذا؟ فقالت: والله بالدين أخذته، هذه وقعت في وقت قريب، جمعية خيرية وهي تتقاضى ثلاثة آلاف في الشهر، فلما سألوها عن هذا الصحن قالت لهم: بالدين أخذته، هذا القرض ليس له أجر طبعاً. من هو آكل السحت؟ قال: هو الذي يستقرض مالاً وفي نيته ألا يؤديه، لذلك ورد أنه من تزوج امرأة على صداقٍ وفي نيته ألا يؤديه لها لقي الله زان، ومن أخذ مال وفي نيته ألا يؤديه لقي الله سارقاً، روي عن السيدة عائشة أنها كانت تستدين فقيل لها: مالكِ وللدين؟ فقالت: ((عن عَائِشَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ هَمَّهُ قَضَاؤُهُ أَوْ هَمَّ بِقَضَائِهِ لَمْ يَزَلْ مَعَهُ مِنَ اللَّهِ حَارِسٌ )) [أحمد عن عَائِشَةَ] وأنا ألتمس من الله ذلك العون. من نوى قضاء دينه تولى الله عنه ردّه : أخ من مدة أقرض أخاً، وهذا الأخ صار معه شيء قاهر، ففقد كل أمواله، والمبلغ ضخم، فهذا الأخ الثاني صادق، ولكنه والله لا يملك شيئاً، ولا مصروف يومه، والمبلغ المقترض كبير، والذي أقرض هذا المبلغ لا يملك غيره، وقعت مشكلة، حدّثت المقترض قلت له: انظر الله عز وجل لا يطالبك إلا بشيء واحد أن تنوي أداء هذا الدين، وتأثر تأثراً كبيراً، وبعد عدة شهور فاجأني أن الله عز وجل رغم الأزمة المستحكمة في البيع والشراء، وكساد البضاعة، وبرود الأسواق، الله يسر له طريقة من طرق البيع، يوجد تجار كبار أعطوه بضاعة ولم يأخذوا ثمنها، بضاعة جيدة باعها نقداً، واستطاع خلال ثمانية أشهر أن يرد هذا المبلغ الضخم، أنا الذي استفدته أن هذا قول النبي لا ينطق عن الهوى، لا تملك إلا أن تنوي قضاء هذا الدين، وعندئذ يتولى الله عنك أن يرده: " تعرضوا للرزق فإن غلب أحدكم فليستدن "، قبل أن تفكر بالدين تحرك حركة في طلب الرزق. عن ابن عمر أنه كان يزكي مال اليتيم، ويستقرض منه، ويدفعه مضاربةً، إذا زكاه ذهب عنه شره، وإذا استقرض منه كان الله في عون هذا اليتيم، ويدفعه مضاربةً لئلا تأكله الزكاة. (( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :إِنَّ اللَّهَ مَعَ الدَّائِنِ حَتَّى يُقْضَى دَيْنُهُ مَا لَمْ يَكُنْ فِيمَا يَكْرَهُ اللَّهُ قَالَ وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ يَقُولُ لِخَازِنِهِ اذْهَبْ فَخُذْ لِي بِدَيْنٍ فَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ أَبِيتَ لَيْلَةً إِلا وَاللَّهُ مَعِي بَعْدَمَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ )) [ابن ماجه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ جَعْفَرٍ] إنسان عليه دين وفي نيته أن يؤدي هذا الدين الله معه بالتوفيق، والنصر، والحفظ. الاستقراض يكون لأشياء أساسية فقط : إلا أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (( عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ دَلافٍ الْمُزَنِيِّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَجُلاً مِنْ جُهَيْنَةَ كَانَ يَسْبِقُ الْحَاجَّ فَيَشْتَرِي الرَّوَاحِلَ فَيُغْلِي بِهَا ثُمَّ يُسْرِعُ السَّيْرَ فَيَسْبِقُ الْحَاجَّ فَأَفْلَسَ فَرُفِعَ أَمْرُهُ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ: أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّ الأسَيْفِعَ أُسَيْفِعَ جُهَيْنَةَ رَضِيَ مِنْ دِينِهِ وَأَمَانَتِهِ بِأَنْ يُقَالَ سَبَقَ الْحَاجَّ أَلا وَإِنَّهُ قَدْ دَانَ مُعْرِضًا فَأَصْبَحَ قَدْ رِينَ بِهِ فَمَنْ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلْيَأْتِنَا بِالْغَدَاةِ نَقْسِمُ مَالَهُ بَيْنَهُمْ وَإِيَّاكُمْ وَالدَّيْنَ فَإِنَّ أَوَّلَهُ هَمٌّ وَآخِرَهُ حَرْبٌ )) [مالك عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ دَلافٍ الْمُزَنِيِّ عَنْ أَبِيهِ] كيف نوفق بين هذه الأحاديث؟ إياكم والدين أي أن تستدين لشيء ثانوي، شيء ليس أساسياً، أما يوجد عمليات جراحية، تأمين وقود، أحياناً لا يوجد عندك وقود، عندك برد شديد، أحياناً تأمين طعام، جدار انهدم، أن تستقرض لأشياء أساسية لا يوجد مانع أما أن تستقرض لأشياء ثانوية فلا. (( عن سَهْلُ ابْنُ الْحَنْظَلِيَّةِ قَالَ: قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ وَالأقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ فَسَأَلاهُ فَأَمَرَ لَهُمَا بِمَا سَأَلا وَأَمَرَ مُعَاوِيَةَ فَكَتَبَ لَهُمَا بِمَا سَأَلا فَأَمَّا الأقْرَعُ فَأَخَذَ كِتَابَهُ فَلَفَّهُ فِي عِمَامَتِهِ وَانْطَلَقَ وَأَمَّا عُيَيْنَةُ فَأَخَذَ كِتَابَهُ وَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَانَهُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَتُرَانِي حَامِلاً إِلَى قَوْمِي كِتَابًا لا أَدْرِي مَا فِيهِ كَصَحِيفَةِ الْمُتَلَمِّسِ فَأَخْبَرَ مُعَاوِيَةُ بِقَوْلِهِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ سَأَلَ وَعِنْدَهُ مَا يُغْنِيهِ فَإِنَّمَا يَسْتَكْثِرُ مِنَ النَّارِ )) [أبو داود عن سَهْلُ ابْنُ الْحَنْظَلِيَّةِ] حكم الاقتراض : أيها الأخوة، الإقراض مندوب، الاقتراض مباح، إلا أن هذه الإباحة تتبدل من حرمة إلى فرض إلى كراهية إلى إباحةٍ، فلو أن الإنسان استقرض ليفعل معصية فهذا القرض حرام، استقرض ليجري عملية لابنه هذا القرض فرض، لا أملك ماذا أفعل؟ ابنك يحتاج إلى عملية، أنت الشرع يأمرك أن تقترض قرضاً واجباً، فرض، إذا كان هناك عملية ولم تجر يتفاقم الأمر فالقرض واجب، إذا كاد الإنسان أن يموت من البرد، وعند طفل رضيع ولد حديثاً، والحرارة خمس تحت الصفر، ولا يوجد عنده وقود سائل، ولا يملك فعليه أن يقترض، يوجد حالات معينة يجب أن تستقرض والله يوفي عنك، موضوع خطر، عملية برد شديد، هذا القرض واجب، والقرض الحرام أن تستقرض بمعصية، أما إذا شيء غير أساسي صار شيئاً مكروهاً، أما الشيء الأساسي وعندك ما يغطيك صار مباحاً، فالقرض يتراوح بين الواجب والفرضية والحرمة والإباحة وبين الكراهة. أخواننا الكرام، الحاجة مرض عضال، أو عملية جراحية، أو نفقة ضرورية لا تقوم الحياة إلا بها، لذلك الذي عليه دين الفقهاء حرموا عليه أن يأكل فاكهتين أو لونين من الطعام، أنت عليك دين ولو علم الدائن أنك تأكل وتشرب كما يشتهي يتألم ألماً شديداً، وللنبي قول دقيق: "لا أشتري حاجةً لا أملك ثمنها". ما المقصود بذلك؟ الأشياء الثانوية، الترف الكماليات. من استقرض ينبغي أن يؤدي دينه : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-5797/06.jpg هناك أمر دقيق جداً في الدين، الإنسان إذا استقرض ينبغي أن يتيقن أنه بإمكانه أن يؤدي هذا الدين، يوجد عنده مال مجمد، دكان، بيت لم يبع معه، سجادة، له حساب مع شخص، أما أنه يستقرض مبلغاً ضخماً، ويقول لك: أريد خمسمئة ألف وكل شهر أدفع لك ألفاً من يعطيك؟ هذا كلام غير معقول، لماذا تريد هذا المبلغ؟ أريد أن أعمل مشروعاً و أشتغل، أدخل معك شريكاً، لا يريد قرضاً، هذا الكلام غير معقول، والله أسمع كلاماً غريباً جداً، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ ﴾ [ سورة البقرة: 282 ] تثبيت الدَّين بكتابة أو رهن : إذا إنسان لم يكتب، يوجد مشكلة، يموت الإنسان فجأةً، أنت دينته ثلاثمئة ألف، طرقت باب الورثة هل يوجد معك وصل؟ لا، ليس لك عندهم شيء، سؤال لو كنت مكانهم هل تعطي كل إنسان على دعواه؟ من يومين يوجد مشكلة توفي شخص فجأةً جاء رجل معه وصل بمئتي ألف، والثاني قال: لي معه ثمانمئة ألف ولكن لا يوجد وصل، هل هذا معقول؟ http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-5797/07.jpg يوجد احتمالان؛ أن تكون فعلاً أعطيته ثمانمئة ألف ولكن لم تأخذ وصلاً منه، الورثة هل من الممكن أن يعطوا كل مدع دعواه؟ لا ليسوا مكلفين، إذا ما دفعوا ليسوا مكلفين، إذا ما دفعوا معنى هذا أن أباهم المتوفى أكل مالاً حراماً، ولو أعطوه ولم يكن قد أعطاه آباهم أطعموا المعطى مالاً حراماً، يوجد مشكلة أحدهم ظالم إما المتوفي أو المدعي، إذا لا يوجد ورقة يوجد مشكلة، دائماً يقول لك: أنا واثق منه إذا كان حياً وإذا مات؟ لم يكن الموضوع موضوع ثقة، موضوع حقوق، لم يكلف الوريث أن يدفع ديون والده شفهياً. يوجد طرفة بالقرض، قال: استقرض من الأصمعي خليل له- صديقه - فقال: حباً وكرامة ولكن سكن قلبي برهن يساوي ضعف ما تطلبه، وهذا أحياناً شيء وارد، قطعة ذهب ثمنها مئة ألف ضمانة لا يوجد مشكلة، فقال له: يا أبا سعيد ألا تثق بي؟ قال: بلى وإن خليل الله إبراهيم كان واثقاً من ربه ولكن قال له: ليطمئن قلبي يا رب، فلذلك ممكن أن تطلب رهناً إذا شخص لا تعرفه أعطه رهناً يكافئ القرض ولا يوجد مشكلة أهم من الوصل. بالمناسبة ممكن أن تطلب ضماناً، إيصالاً، ممكن أن تطلب رهناً، ممكن تطلب كفيلاً ضامناً، يقول النبي عليه الصلاة والسلام: (( فِي الْخُطْبَةِ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ: الْعَارِيَةُ مُؤَدَّاةٌ وَالزَّعِيمُ غَارِمٌ وَالدَّيْنُ مَقْضِي)) [ابن ماجه عَنْ أَبِي أُمَامَةَ] بالتعبير العامي، الكفيل حطاط، بالتعبير الفصيح والزعيم غارم، أنت ممكن أن تطلب إيصالاً أو رهناً أو كفيلاً. التعريف بمن أراد القرض ضروري : آخر شيء في الدرس أن سيدنا عمر جاء لعنده من يريد أن يستقرض منه، فقال له: ائتني بمن يعرفك، فأتاه برجل فأثنى عليه خيراً، قال له عمر: أنت جاره الأدنى الذي يعرف مدخله ومخرجه؟ قال له: لا، قال: كنت رفيقه في السفر الذي يستدل به على مكارم الأخلاق؟ قال: لا، قال: فعاملته بالدرهم والدينار الذي يستبين به ورع الرجل؟ قال: لا، قال: أظنك رأيته قائماً بالمسجد يصلي يخفض رأسه طوراً ويرفعه أخرى؟ فقال: نعم، قال: اذهب فلست تعرفه، وقال للرجل اذهب فائتني بمن يعرفك، يوجد لهذه القصة تتمة، قال له: يا هذا أنا لا أعرفك ولا يضرك أنني لا أعرفك، قد تكون إنساناً كاملاً ولا أعرفك. الموضوع أن التعريف ضروري، يوجد حالات فيها سذاجة، يعطيه مبلغاً يختفي الذي أخذ المبلغ، إن شاء الله تعالى في درس قادم نتابع هذا الموضوع لأن المسلمين في أمس الحاجة إليه. |
رد: العبادات التعاملية
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية الدرس : ( الاربعون ) الموضوع : الاداء الحسن وشروط القرض الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. أحكام تفصيلية في القرض : أيها الأخوة الكرام، مع الدرس الثاني من دروس القرض، والقرض كما تعلمون تشتد الحاجة إليه فيما بين المسلمين، وله أحكام تفصيلية أرجو الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا إلى معرفتها وإلى تطبيقها. العلماء يقولون: يصح القرض في المثلي، كالمكيل والموزون، القمح يكال أو يوزن، الشيء الذي يكال أو يوزن اسمه مثلي، يمكن أن تأخذ مد قمح وأن ترده، طبعاً لا ترد العين نفسها بل ترد مثلها، كيلاً أو وزناً، إذا اقترضت مد قمح وطحنته وخبزته وأكلته عينه استهلكت، أما حينما ترد مد قمح من مثله فأنت لم ترد العين لكنك رددت المثل كيلاً أو مثلاً فالذي يمكن أن يكال أو أن يوزن يصح فيه القرض، والمعدود أيضاً المتقارب يصح فيه القرض، البيض مثلاً، حبات الجوز هذه تعد عداً، يوجد بلاد تبيع الحاجة عداً، أحياناً وزناً. ما يصح فيه القرض : يصح القرض في المثلي، كالمكيل، أو الموزون، أو عداً، وفيما هو زرعي من الزراعة، أن تكيله طولاً كالقماش، وجاز قرض الخبز وزناً وعداً، كله إقراض، أو أن تقرض مالاً، الشيء الذي يزن يعد، يكال، وكل شيء مثلي يصح القرض به، الخمسمئة ليرة تنفقها وتستهلكها وبعد حين قدمت خمسمئة ليرة مثلها، إذاً يصح القرض فيما هو موزون أو مكيل أو معدود إذا كان حجم المعدود متقارباً. (( عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَقَاضَاهُ دَيْنًا... )) [ابن ماجه عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-5798/01.jpg قد يسأل أحدكم أليس في الصحابة الكرام من هو غني يقدم للنبي كل حاجاته دون أن يلجئه إلى القرض؟ الجواب النبي صلى الله عليه مشرع لابد من أن يستقرض ليعلمنا كيف نستقرض وكيف نقرض، أحياناً يفعل النبي شيئاً لا لأنه محتاج إليه بل لأنه مشرع. (( عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَقَاضَاهُ دَيْنًا كَانَ عَلَيْهِ فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ حَتَّى قَالَ: لَهُ أُحَرِّجُ عَلَيْكَ إِلا قَضَيْتَنِي فَانْتَهَرَهُ أَصْحَابُهُ وَقَالُوا وَيْحَكَ تَدْرِي مَنْ تُكَلِّمُ، قَالَ: إِنِّي أَطْلُبُ حَقِّي، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَلا مَعَ صَاحِبِ الْحَقِّ كُنْتُمْ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى خَوْلَةَ بِنْتِ قَيْسٍ فَقَالَ لَهَا: إِنْ كَانَ عِنْدَكِ تَمْرٌ فَأَقْرِضِينَا حَتَّى يَأْتِيَنَا تَمْرُنَا فَنَقْضِيَكِ، فَقَالَتْ: نَعَمْ بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَأَقْرَضَتْهُ فَقَضَى الأعْرَابِيَّ وَأَطْعَمَهُ، فَقَالَ: أَوْفَيْتَ أَوْفَى اللَّهُ لَكَ، فَقَالَ: أُولَئِكَ خِيَارُ النَّاسِ إِنَّهُ لا قُدِّسَتْ أُمَّةٌ لا يَأْخُذُ الضَّعِيفُ فِيهَا حَقَّهُ غَيْرَ مُتَعْتَعٍ )) [ابن ماجه عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ] أي الإنسان حينما يقرض، أو حينما يستقرض ويؤدي، يؤدى إليه الأخذ والعطاء وفق أصول مشروعة، المجتمع الذي يفعل هذا مجتمع عند النبي مقدس، وللعوام أقول في هذا المعنى: من أخذ وأعطى شارك الناس أموالهم، العبرة أن تأخذ وأن تعطي في الوقت المحدد. الأحكام التي استنبطها العلماء من الحديث السابق : هذا الحديث استنبط منه العلماء أحكاماً كثيرة، استنبطوا منه جواز الزيادة على مقدار القرض من المستقرض، وعلى جواز المطالبة بالدين إذا حلّ أجله، لك أن تطالب ولا إثم عليك، لا يمنعك الحياء أن تطالب بما لك من قرض. استنبط العلماء من هذا الحديث أحكاماً كثيرة أولاً: الأداء الحسن، فالنبي عليه الصلاة والسلام أدى إليه القرض ودعاه إلى الطعام، لا يوجد أجمل من إنسان أقرضك مبلغاً من المال أديته من الإحسان، مع الشكر، مع الامتنان، هذا يعين على انتشار الخير، الخير يفشو بين الناس وينكمش، يفشو إذا جازيت على الخير خيراً مثله، وينكمش إذا أسأت لمن أحسن إليك. إنسان اتصل بي في هذا الأسبوع أقرض إنساناً مئة ألف، قرض حسن طالبه وهو مضطر أن يبيع بيته، وأن يشتري بيتاً أفضل من بيته، والفرق مئة ألف، أقرضه إلى أن يتيسر له بيع بيته، هذا الإنسان ماطله ثم ماطله ثم ماطله بقي سنوات يطالبه، آخر كلمة قالها له: عليك بالقضاء، هذا بربكم لو جاءه بعد حين إنسان آخر يستقرضه أيقرض أحداً؟ انتهى المعروف، فكل إنسان يقدم لك معروفاً ولا ترد عليه بمعروف مثله أنت ماذا تفعل؟ أنت منعت الخير، أحياناً الإنسان يشجع على الخير، ويوجد حالات ينفر من الخير، بين أن تعين وبين أن تمنع، وقد أشار القرآن الكريم إلى هؤلاء الذين يمنعون الماعون، طبعاً قصة طويلة ذكرت لكم أطرافها فقط، إنسان أقرضك ثم طالبك ثم ماطلت إلى أن قسا عليه بالكلام وقال له: افعل ما بدا لك وهذا القضاء، هل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ بشكل أو بآخر الناس ليسوا أنبياء، إنسان عادي عمل عملاً طيباً إن قابلته بالإساءة منعته أن يفعل خيراً إلى يوم القيامة، إلا أن المؤمن لا يتأثر، المؤمن الصادق لا يتأثر بهذا الموقف، يصنع المعروف مع أهله ومع غير أهله فإن أصاب أهله أصاب أهله، وإن لم يصب أهله فهو أهله، هذا شأن المؤمن الصادق، لكن أنا لا أقول إن الناس جميعاً في هذا المستوى الرفيع من الإيمان، الناس يتأثرون بمواقف الآخرين. يجوز للمُديّن أن يطالب بالدين إذا حلّ أجله : أيها الأخوة الكرام، موضوع دقيق جداً في القرض هو أنه طبعاً يجوز أن تطالب بالدين إذا حلّ أجله. (( ثَلاثٌ فِيهِنَّ الْبَرَكَةُ الْبَيْعُ إِلَى أَجَلٍ وَالْمُقَارَضَةُ وَأَخْلاطُ الْبُرِّ بِالشَّعِيرِ لِلْبَيْتِ لا لِلْبَيْعِ )) [ابن ماجه عَنْ صَالِحِ بْنِ صُهَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ] هذه معونة من البائع إلى الشاري، أي إذا الإنسان جمع بين القمح والشعير للاستهلاك لا للبيع. ((قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ وَهُمْ يُسْلِفُونَ فِي الثِّمَارِ السَّنَتَيْنِ وَالثَّلاثَ، فَقَالَ: أَسْلِفُوا فِي الثِّمَارِ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ )) [البخاري عن ابن عَبَّاسٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا] عدم ثبات خيار المجلس و خيار الشرط بالقرض : أيها الأخوة الكرام، الآن يوجد عندنا موضوع في القرض دقيق، لا يثبت بالقرض خيار المجلس ولا خيار الشرط http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-5798/02.jpg أنت في البيع هناك خيار المجلس، إذا عرضت على إنسان أن تبيعه شيئاً وهو في المجلس، ما دام في المجلس والمجلس واحد إلى نهاية المجلس يقول لك: اشتريت، وإذا قال لك: اشتريت لزم البيع، أما إذا غادر المجلس ولم يقبل سقط حقه في لزوم البيع، لو عاد إليك بعد حين لك أن تبيعه بسعر آخر، هذا اسمه خيار المجلس، أما خيار الشرط أنت اشتريت بيتاً بشرط أن يكون صحيفته بيضاء في السجلات العقارية، وصار ثمن وإيجاب وقبول وشاهدان، فلما طالبته بوثيقة براءة الذمة قال لك: العقار مشغول بذمة، أو مرهون بذمة، هذا اسمه خيار الشرط، فسخ العقد، أنت اشترطت أن يكون المبيع بريء الذمة من أي تعلق، قال: في القرض لا يثبت لا خيار المجلس ولا خيار الشرط، لأن المقصود من الخيار الفسخ والقرض، يجوز لكل من العاقدين أن يفسخ إذا شاء، القرض عمل صالح يجوز بأي لحظة أنا أريد مالي، لا يوجد شيء يمنعك أن تطالب بمالك بعد حين، بعد دقيقة، فسخ العقد بيد المتعاقدين دائماً فلا معنى لخيار المجلس ولا لخيار الشرط، عند جمهور الفقهاء قال: لا يشترط الأجل في القرض، فإذا أجل القرض إلى أجل مسمى معلوم لم يتأجل وكان حالاً، باعتبار أن القرض محض تبرع، فيحق للمتبرع المطالبة ببدله بالحال، وهذا بخلاف البدل في البيع. الفرق بين القرض و الدّين : الآن موضوع دقيق إذا بعت إنساناً حاجة على أن يدفع ثمنها بعد شهر، هذا قرض أم دين؟ الدين له أجل، لا يحق لمن باع حاجةً نسيئةً أن يطالب بثمنها حالاً، أما القرض فيجوز، أن تقرضه مئة ألف وتقول له بعد ساعة أريدها، هذا الفرق بين القرض والدين، إن دينته أي بعته حاجةً واشترط عليك أن يدفع ثمنها بعد شهر، هذا دين، الدين إلى أجل، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ ﴾ [ سورة البقرة: 282 ] أما القرض فلا يصح فيه إلا أن يكون حالاً، فإذا أجبر فمن باب الإحسان، أنت لا يحق لك أن تطالب بالدين إلا عند حلول الأجل، أما لك أن تطالب بالقرض قبل حدّ حلول الأجل، لأن الأجل غير ثابت في القرض، إلا أن الإمام مالك قال: يتأجل القرض بالتأجيل لقول النبي عليه الصلاة والسلام: ((الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ )) [ المستدرك عن عائشة] موضوع الأجل في القرض موضوع خلافي، أما الأجل بالدين فثابت. (( عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَقَاضَاهُ دَيْنًا كَانَ عَلَيْهِ فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ حَتَّى قَالَ: لَهُ أُحَرِّجُ عَلَيْكَ إِلا قَضَيْتَنِي فَانْتَهَرَهُ أَصْحَابُهُ وَقَالُوا وَيْحَكَ تَدْرِي مَنْ تُكَلِّمُ، قَالَ: إِنِّي أَطْلُبُ حَقِّي، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَلا مَعَ صَاحِبِ الْحَقِّ كُنْتُمْ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى خَوْلَةَ بِنْتِ قَيْسٍ فَقَالَ لَهَا: إِنْ كَانَ عِنْدَكِ تَمْرٌ فَأَقْرِضِينَا حَتَّى يَأْتِيَنَا تَمْرُنَا فَنَقْضِيَكِ، فَقَالَتْ: نَعَمْ بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَأَقْرَضَتْهُ فَقَضَى الأعْرَابِيَّ وَأَطْعَمَهُ، فَقَالَ: أَوْفَيْتَ أَوْفَى اللَّهُ لَكَ، فَقَالَ: أُولَئِكَ خِيَارُ النَّاسِ إِنَّهُ لا قُدِّسَتْ أُمَّةٌ لا يَأْخُذُ الضَّعِيفُ فِيهَا حَقَّهُ غَيْرَ مُتَعْتَعٍ )) [ابن ماجه عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ] هذا دليل على جواز المطالبة بالدين إذا حل أجله وعدم تأخير الوفاء به أي التسويف. ثبات القرض بالقبض أو العقد : الآن القرض متى يثبت؟ إنسان أقرضك مد قمح، قال أبو حنيفة رضي الله عنه: يثبت القرض بالقبض، فلو اقترض إنسان مد حنطة وقبضه فله الاحتفاظ به ورد مثله، وإن طلب المقرض رد العين، لما الإنسان اقترض شيئاً تملكه هذا التملك يثبت بالقرض، من باب التوضيح إنسان أقرضك مد قمح، أنت حينما سلم لك هذا المد تملكته، فلو طالبك بعد دقيقةٍ لك أن ترد مثله لا أن ترد عينه لأن القرض يثبت بالمقابضة. عند المالكية: يثبت القرض بالعقد، اتفقنا ولو لم يقبض هذه السلعة، أو تملك هذا الإنسان هذا المبلغ فلو هلك هلك على ذمته، طبعاً هذه الموضوعات فقهية. كل قرض جرّ منفعةً فهو حرام : أما الموضوع المتعلق بالقرض والخطير جداً والتي تنزلق فيه أقدام أناس كثيرين فموضوع القرض الذي جر منفعةً http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-5798/03.jpg القاعدة الفقهية تقول: كل قرض جرّ منفعةً فهو حرام، إلا أن هذه المنفعة ينبغي أن تكون مشروطة، فإن لم تكن مشروطةً ولا متعارفاً عليها فلا بأس بذلك، المنفعة المشروطة أو المتعارف عليها، والمتعارف كالمشروط، العرف كالشرط، أي معروف إن أقرضت إنساناً هذا المبلغ يؤديه إليك بالمئة مئة وعشرة، إذا كان معروفاً هذا القرض جرّ نفعاً فهو ربا، إذا كان معروفاً أو اشترطت رده لي بهذه القيمة فصار القرض ربوياً، كل قرض جرّ نفعاً فهو ربا، هذا النفع إن كان مشروطاً كان ربا، وإن كان متعارفاً عليه فهو ربا، إلا أنه إن لم يشترط وإن لم يتعارف عليه كان أداءً حسناً، هذه حكم الهدية للمقرض إن كانت بشرط كرهت تحريماً، وإن لم تكن بشرط ولا بتعارف جازت، وكانت أداءً حسناً، لأن النبي صلى الله عليه وسلم اقترض وأدى القرض أداءً حسناً. تحريم الانتفاع بشيء من أموال المقترض : الإمام مالك يرى أنه يحرم الانتفاع بشيء من أموال المقترض، قال: كأن تركب دابته، أو أن تستعير سيارته، وأن تأكل في بيته، أنت دينته مبلغاً ضخماً، الغداء عندك اليوم، وثاني يوم غداء، وثالث يوم، وأنت مرتاح تأكل عنده، فإن أكلت في بيته أو ركبت دابته فقد انتفعت بهذا القرض، وكل قرض جرّ نفعاً فهو ربا، كما تحرم الهدية، هدية المقترض لرب المال، صار عسر، قدم له هدية حتى يطيل المدة، هذه الهدية مقابل زيادة المدة صارت هذه الهدية من نوع الربا. أن تستعمل مركبته، تأكل في بيته، أو أن تقدم له هديةً، أو أن يقدم لك هديةً من أجل أن تؤخر القرض، فهذا قرض جرّ منفعة. حكم الزيادة في القرض و حكم الزيادة في الدين : أما عند وفاء الدين دققوا الآن، إذا قضى المدين أكثر من الدين جاز له، النبي استقرض ناقة وأدى ناقةً أكبر منها، جائز لا يوجد شرط ولا عرف، ولا هدية إلا أنه حين وفاء الدين أردت أن تدفع الدين وزيادة، هذا أداء حسن لأنه غير مشروط، طبعاً اتفقنا أنه يوجد دين ويوجد قرض في الدرس الماضي وضحت لكم هذا، الدين ما هو؟ الدين أنت بعته سلعة وسجلت عليه، وفي ذمته ثمنها، هذا دين، أما إذا أقرضته مبلغاً من المال عداً ونقداً فهذا قرض، فالزيادة في القرض لها حكم، والزيادة في الدين لها حكم. إذا قضى المدين أكثر من الدين جاز ذلك مطلقاً إذا كان الدين بسبب بيع سلعة، أما إذا كان الدين بسبب قرض سلفاً فمنع ذلك مطلقاً إن كانت الزيادة بشرط، إذا كان بشرط ربا حتماً، ربا حقيقي، إذا أنت أقرضته مالاً واشترطت عليه أن يرده إليك زائداً هذا هو الربا، أو عدةٍ أو عادة، أنت اشترطت عليه، أو وعدك أن يعطيك زيادة، أو المألوف في هذا التعامل الزيادة، عادة أو عدة شرط في القرض المالي فهو ربا حقيقي، إن كانت هذه الزيادة بغير شرط ولا وعد ولا عادةٍ جازت اتفاقاً عند المالكية، لأن النبي عليه الصلاة والسلام استلف بكراً وقضى رباعياً، أي عمره أربع سنوات، لكن يوجد رأي آخر: إذا كان الزيادة في القرض ضعف المبلغ المدفوع لا تكون مقبولة في الشرع إلا إذا كانت يسيرة جداً، وإلا انقلبت إلى ربا. عدم اجتماع القرض وشرط البيع : أيها الأخوة الكرام، لا يجتمع قرض وشرط بيع، قال: أن تقرض ألفاً على أن يبيعك داره بهذا الثمن، إذا أقرضت مع الشرط أيضاً هذا القرض جرّ منفعةً. (( عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ سَلَفٍ وَبَيْعٍ وَشَرْطَيْنِ فِي بَيْعٍ وَرِبْحِ مَا لَمْ يُضْمَنْ )) [النسائي عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ] أنا أقرضك مليوناً على أن تبيعني هذا البيت بهذا الثمن، مثلاً البيت ثمنه أربعة ملايين، أشتريه بثلاثة ونصف، وأنا سوف أدينك مليوناً معنى هذا النصف مليون مقابل القرض واضح جداً. نهى الرسول صلى الله عليه على أن يجتمع سلف أي دين وبيع، هذا أيضاً محرم. من سمى للزمن ثمناً وقع في شبهة الربا : كما نهى النبي عن بيعتين في بيعة، أي نقداً وعدةٍ، نقداً وتقسيطاً. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-5798/04.jpg الحكم الدقيق سوف أقوله لكم وقلته كثيراً، لك أن تشتري بأي ثمن، ولك أن تدفع بأي طريقة، ولك أن تبيع بأي ثمن، ولك أن تقبض الثمن بأية طريقة، بعد عام، بعد عامين، على خمس دفعات، ولك أن تدفع الثمن بأية طريقة، أما حينما تسمي للزمن ثمناً فقد وقعت في شبهة الربا، كنت ضربت على ذلك مثلاً، هذا الكتاب ثمنه مئة ليرة، لو جلدناه تجليداً أفخم من هذا التجليد، وبعناه بمئة وثلاثين جاز البيع لأن الثلاثين في الكتاب، لو أننا كتبنا على هذا الكتاب بالحروف المذهبة اسم صاحب الكتاب صار بمئة وخمسين، العشرون بالكتاب، لو أننا طبعناه على ورق ثقيل غال جداً صار ثمنه مئتين، كل هذه الزيادات في الكتاب، لو أننا مثلاً جعلنا حروفه نافرة كزيادة في الفخامة صار بمئتين وخمسين، الخمسون بالكتاب، أما إذا بعناه لأجل بثلاثمئة فهذه الخمسون الأخيرة مقابل ماذا؟ مقابل الأجل، فإذا سميت للزمن ثمناً لك أن تشتري بأي ثمن، ولك أن تبيع بأي ثمن، لك أن تقبض بأية طريقة، ولك أن تدفع بأية طريقة، أما حينما تسمي للزمن ثمناً فقد وقعت في شبهة الربا، لذلك ورد في الحديث الشريف: (( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ بَاعَ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ فَلَهُ أَوْكَسُهُمَا أَوِ الرِّبَا )) [أبو داود عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ] قلت له: نقداً بهذا السعر، ونسيئةً بهذا السعر، إما أن تكتفي بالسعر الأقل أو يكون الربا. لا يجوز للمقترض أن يؤدي بعض الدين أو أقل منه إلا بالمحاللة : الآن لو أن المقترض أدى دون القرض، وأحله المقرض من القرض جاز، أنت أقرضت مئة ألف ردها لك ثمانين، قلت له: سامحك الله، جاز. أحد العلماء يقول: لا يجوز أن يقضي المقترض دون الحق بغير محاللة، يجب أن يقول لك: سامحتك، أما لا يوجد غير هؤلاء وإذا ما أخذتهم فليس لك عندي شيء، لا يجوز أن تؤدي بعض الدين أو أقل من الدين المستحق إلا بالمحاللة. كلكم يعلم الحديث الصحيح: (( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْظَلَةَ غَسِيلِ الْمَلائِكَةِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: دِرْهَمٌ رِبًا يَأْكُلُهُ الرَّجُلُ وَهُوَ يَعْلَمُ أَشَدُّ مِنْ سِتَّةٍ وَثَلاثِينَ زَنْيَةً )) [أحمد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْظَلَةَ] يقول سيدنا عمر رضي الله عنه: ((لا يَبِعْ فِي سُوقِنَا إِلا مَنْ قَدْ تَفَقَّهَ فِي الدِّينِ )) [الترمذي عَنِ الْعَلاءِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ] ((مَا أَحَدٌ أَكْثَرَ مِنَ الرِّبَا إِلا كَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهِ إِلَى قِلَّةٍ )) [ابن ماجه عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ] لقوله تعالى: ﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ﴾ [ سورة البقرة: 276 ] (( لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لا يَبْقَى مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلا آكِلُ الرِّبَا فَمَنْ لَمْ يَأْكُلْ أَصَابَهُ مِنْ غُبَارِهِ )) [ابن ماجه عن أبِي هُرَيْرَةَ] أبو حنيفة النعمان رضي الله عنه قال: من شدة ورعه كان لا يقعد في ظل شجرة أو جدارٍ من له عليه دين، لا ينتفع بظل جدار مرهون عنده، أو جدار إنسان عليه دين له. الهدية في القرض : الآن عندنا موضوع الهدية في القرض، هذه الهدية في الشرط إن اشترطت كرهت تحريماً، وإلا فلا، وعند المالكية تحرم هدية المقترض لرب المال إن قصد المهدي بهديته تأخير الوفاء، وهذا يقع كثيراً. (( عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي إِسْحَقَ الْهُنَائِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ الرَّجُلُ مِنَّا يُقْرِضُ أَخَاهُ الْمَالَ فَيُهْدِي لَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا أَقْرَضَ أَحَدُكُمْ قَرْضًا فَأَهْدَى لَهُ أَوْ حَمَلَهُ عَلَى الدَّابَّةِ فَلا يَرْكَبْهَا وَلا يَقْبَلْهُ إِلا أَنْ يَكُونَ جَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ قَبْلَ ذَلِكَ )) [ابن ماجه عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي إِسْحَقَ الْهُنَائِيِّ] لك صديق يوصلك إلى بيتك وتوصله يوجد تعامل قبل القرض، صار القرض واستمر هذا التعامل لا يوجد مانع، وإذا كان هناك هدايا متبادلة، منافع متبادلة، يوجد أخذ وعطاء قبل القرض، جاء القرض واستمرت هذه العادة، هذه ليس لها علاقة بهذا القرض: ((عن بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ أَتَيْتُ الْمَدِينَةَ فَلَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ: أَلا تَجِيءُ فَأُطْعِمَكَ سَوِيقًا وَتَمْرًا وَتَدْخُلَ فِي بَيْتٍ ثُمَّ قَالَ إِنَّكَ بِأَرْضٍ الرِّبَا بِهَا فَاشٍ إِذَا كَانَ لَكَ عَلَى رَجُلٍ حَقٌّ فَأَهْدَى إِلَيْكَ حِمْلَ تِبْنٍ أَوْ حِمْلَ شَعِيرٍ أَوْ حِمْلَ قَتٍّ فَلا تَأْخُذْهُ فَإِنَّهُ رِبًا وَلَمْ يَذْكُرِ النَّضْرُ وَأَبُو دَاوُدَ وَوَهْبٌ عَنْ شُعْبَةَ الْبَيْتَ)) [البخاري عن بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ] القت الجاف من النبات، وقد نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن قبول هدية المدين لأنها قريبة من الربا، يوجد قصة طريفة: رجل كان يهدي لعمر بن الخطاب رضي الله عنه فخذ جزور- يوجد تعامل بينهما - قال إلى أن جاءه ذات يوم بخصم فقال له يا أمير المؤمنين اقض بيننا قضاء فصل كما تفصل الفخذ من سائر الجزور؟ قال عمر: فما زال يرددها حتى خفت على نفسي فقضى عليه عمر، ثم بعث إلى عماله فقال: أما بعد فإياكم والهدايا فإنها من الرشاوى، كره بالهدية فحكم ضده. (( مَا مِنْ قَوْمٍ يَظْهَرُ فِيهِمُ الرِّبَا إِلا أُخِذُوا بِالسَّنَةِ وَمَا مِنْ قَوْمٍ يَظْهَرُ فِيهِمُ الرُّشَا إِلا أُخِذُوا بِالرُّعْبِ )) [أحمد عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ] وكان عمر بن عبد العزيز يقول رحمه الله تعالى: كانت الهدية فيما مضى هدية أما اليوم فهي رشوة، هذه الهدية في القرض. الترغيب في القرض وأداء الديون : بقي موضوع أخير نختم به الدرس وهو الترغيب في القرض وأداء الديون. أيها الأخوة: المشكلة مع تطورات الحياة إن صح التعبير مع ما يسمى بالتضخم النقدي، فكأن القرض الحسن ألغي، هناك من يدفع صدقة، أو يدفع زكاة ماله، لكن القرض الحسن لا يغني لا عن الزكاة ولا عن الصدقة، لأنه يوجد إنسان لا يقبل زكاة، ولا صدقة، وقد يكون غير محتاج، فإذا أنت حسبت القرض الحسن على أساس التضخم، هذه عقلية تجارية، أما إذا حسبت القرض الحسن على أساس العمل الصالح فهذه عقلية إيمانية، العقلية التجارية القرض يلتغي، أما بالعقلية الإيمانية فالقرض ينتشر، الآن دققوا فيما قاله النبي عليه الصلاة والسلام، طبعاً الحديث المعروف. ((أتدري ما حق الجار إذا استعانك أعنته، و إذا استقرضك أقرضته، و إذا افتقر عدت عليه، و إذا مرض عدته، و إذا أصابه خير هنأته، و إذا أصابته مصيبة عزيته، و إذا مات اتبعت جنازته، و لا تستطيل عليه بالبناء تحجب عنه الريح إلا بإذنه، و لا تؤذيه بقتار قدرك إلا أن تغرف له منها، و إن اشتريت فاكهة فاهد له، فإن لم تفعل فأدخلها سراً و لا يخرج بها ولدك ليغيظ بها ولده - الشاهد في هذا الحديث المعروف عندك، وإن استقرضك أقرضته- )) [ شعب الإيمان عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده] هذا من حق الجار، فكيف حق الجار المسلم؟ أصبح له حقان، فكيف من حق الجار المسلم القريب؟ أصبح له ثلاثة حقوق. الصدقة بعشرة أمثالها و القرض بثمانية عشر ضعفاً : أيها الأخوة، الصدقة بعشرة دققوا في هذا الحديث: (( عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ مَكْتُوبًا الصَّدَقَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا وَالْقَرْضُ بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ، فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ مَا بَالُ الْقَرْضِ أَفْضَلُ مِنَ الصَّدَقَةِ قَالَ لأنَّ السَّائِلَ يَسْأَلُ وَعِنْدَهُ وَالْمُسْتَقْرِضُ لا يَسْتَقْرِضُ إِلا مِنْ حَاجَةٍ )) [ابن ماجه عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-5798/05.jpg الصدقة بعشرة أمثالها، والقرض بثمانية عشر، وصلة الأخوات بعشرين، وصلة الرحم بأربعة وعشرين، الصدقة بعشرة، القرض بثمانية عشر، صلة الأخوان بعشرين أما صلة الرحم فبأربعة وعشرين. (( عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ قَالَ: أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَوْ كَانَ لِي مِثْلُ أُحُدٍ ذَهَبًا لَسَرَّنِي أَنْ لا تَمُرَّ عَلَيَّ ثَلاثُ لَيَالٍ وَعِنْدِي مِنْهُ شَيْءٌ إِلا شَيْئًا أَرْصُدُهُ لِدَيْنٍ )) [البخاري عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ] أنا لفت نظري هذا التعقيب الأخير، إلا شيئاً أرصده لدين، أي إذا إنسان ميسور الحال، و رصد مبلغاً من المال ليس هو زكاة وليس هو صدقة، رصده للإقراض، لحل مشكلات المؤمنين، والله هذا من أجلّ الأعمال، أحياناً مثلاً تعطي عشرة آلاف تدينها عشرة آلاف، إذا رجل ميسور - وما أقلهم هؤلاء - يمكن أن يرصد مبلغاً من المال للإقراض، وكل إنسان يرد القرض يكون قد ساهم بالخير، وكل إنسان يماطل أو يختفي يكون قد ساهم بمنع الخير. من وفى بعهده كافأه الله عز وجل : أنا أذكر قصة أن رجلاً له صديق على مقعد الدراسة، الأول فتح محل بقالية والثاني صار من كبار تجار البناء، لما كبروا هذا الفقير أراد الزواج لا يوجد بيت عنده، فذهب إلى صديقه التاجر قال له: أعندك بيت تؤجرني إياه؟ قال: أنا لا أؤجر، أنا أبيع فقط، فلح عليه مرة ثانية وثالثة، قال له مرة: لك عليّ إن أجرتني بيتاً وطلبته مني أن أسلمك إياه بعد أسبوع، عهد علي، يبدو هذه الكلمة أعطته لتاجر البناء شعوراً فيوجد عنده بيت في أبي رمانة قال له: اسكن فيه، وأخذ منه أجرة، كان يوجد كساد ولم يكن رواج في البيع والشراء، سكن به ثماني سنوات، طبعاً البيت كان يساوي مئة ألف أصبح ثمنه ثمانمئة ألف، ثمانية أمثال، جاء زبون اشتراه بثمانمئة ألف، هذا تاجر البناء طرق باب صديقه المستأجر، قال له: ألم تقل عهداً عليّ أن أسلمك البيت بعد أسبوع، قال له: نعم، فقال له: معك من الوقت ستة أشهر، أنا بعت البيت- هذه القصة وقعت في هذه البلدة- بعد أسبوع يطرق باب مالك البيت ويقدم له المفتاح، المالك لم يستوعب الموضوع أين ذهب بنفسه؟ أين سكن؟ وظنها مزحة فذهب إلى البيت رآه فارغاً، ومرتباً نظيفاً، جاهز للسكنى فوراً، لما أغلق الباب فتح باب الجيران وسألوا صاحب البيت: بربك كم دفعت لهذا المستأجر؟ قال: والله لم أدفع له شيئاً إلا أنه عاهدني إن طالبته بهذا البيت ردّه إليّ بعد أسبوع، قالوا: عجيب أمر هذا المستأجر، والله باع كل أثاث بيته وسكن في فندق، قال: ما هذا الكلام؟ قالوا: هذا الذي حصل، باع أثاث بيته بعشر قيمته، فذهب إلى الفندق، رآه فعلاً قد استأجر غرفتين هو و أولاده فقال له: ما هذا؟ قال له: أنا عاهدتك والمسلمون عند شروطهم، يبدو أن هذا التاجر أثار هذا الموقف الأخلاقي الذي فيه وفاء بالعهد كل مشاعر الأخلاق عنده، فأقسم عليه بكل المقدسات التي يؤمن بها، أن يعود إلى البيت، وأن يعقد له عقد بيع في الثمن الذي كان يستحقه حين سكنه بمئة ألف، وكل أجرة دفعها تعد من ثمن هذا البيت، وتعهد بتأمين أثاث البيت كله. أنا أقول لكم كلمة أيها الأخوة: صدقوني يوجد بدمشق سبعمئة ألف شقة مغلقة، العلماء قالوا: ليس هناك أزمة سكن، أزمة إسكان، أزمة السكن شيء وأزمة الإسكان شيء آخر، لما الناس مرجت عهودهم وضاعت أمانتهم، أخوانا الكرام: (( لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ وَلَا دِينَ لِمَنْ لَا عَهْدَ لَهُ )) [أحمد عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ] لا يوجد عهد، لا يوجد فيه دين، أنا قلت بعض العبارات لعلها قاسية: إذا الإنسان أعطى عهداً وما نفذه يضع صلاته، وصيامه، وعباداته في الحاوية ويرتاح، لا أقول هذا من عندي، إنسان خالف بالتعامل الشرعي فبلغ هذا السيدة عائشة فقالت: "قولوا له إنه أبطل جهاده مع رسول الله". والله لو كنا عند عهودنا ومواثيقنا لكنا في حالة غير هذه الحال، ترى الإنسان يتلوى على غرفة ليسكن بها لا يجد وسبعمئة ألف شقة مغلقة، السبب لا يوجد عهد، تسكنه يتملك البيت ويقول لك: هذه المحاكم لا يوجد لك عندي شيء، هذا هو الإسلام؟ ما قيمة الصلاة والصوم؟ ما قيمة العبادات إذا لم يكن هناك وفاء بالعهد؟ صدقوني أيها الأخوة لا يوجد إنسان يفي بعهده ولو دفع الثمن باهظاً إلا وكافأه الله عز وجل. لا إِيمان لمَنْ لا أَمَانة له وَلا دين لمن لا عَهد له : لنا أخ من أخواننا يسكن في بيت، تقول صاحبة البيت له: انظر يا فلان إذا طالبتك بالبيت تؤديه إلي، قال لها: حاضر، وهو في أشد أزمة البيت قالت له: أريد البيت، البيت في المرابط في المهاجرين، قال لها: حاضر، جاءته بمحام وكتب لها عقد التنازل بإلغاء المحاكمة، يقول لي هذا الأخ: والله بعد أن وقعت هذا التنازل، قال لي المحامي بالكلمة غير اللائقة: أنت حمار، بقيت في الطريق، قصة طويلة ليس هناك مجال لتفصيلاتها، إلا أن هذا الإنسان بتفاصيل مدهشة بعد أربعة أشهر اشترى بيتاً في البناء الذي يعمل به، طابق ثامن وأربع جهات مكشوف، وبسعر معتدل، والله يسر له ثمنه، قال لي: أنا ما أدركت سر توفيقي في شراء هذا البيت إلا بعد أن عرفت أن ابنة صاحبة البيت فتاة فاتها قطار الزواج فجاءها خاطب ليس عنده بيت، فقالت لأمها: لو طالبت فلاناً بالبيت وأداه لنا لتزوجت به، فلما لبى طلبها وذهبت هذه الفتاة إلى العمرة، هذه الفتاة تقول: منذ أن غادرت بلدتها في الطواف والسعي، وفي المدينة تقول: يا رب وفق فلاناً – المستأجر- لشراء بيت أفضل من بيتنا. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-5798/06.jpg الإنسان يكون وفياً، وعنده عهده، ويؤدي ما عليه، شيء لا يقدر بثمن، نحن فقدنا العهد، فقدنا الأمانة، فقدنا الوفاء، فالناس مرجت عهودهم، يقول لك: ألف قلبة ولا غلبة، يقلب، أما المؤمن بالشرع فوفاء العهد أقدس عنده من كل شيء، لذلك يقدم، نحن بحاجة إلى من يفي بوعده. الموضوع الذي قلته قبل قليل: نحن يوجد عندنا أزمة إسكان لا أزمة سكن، لا يوجد عهد، يقول لك: فقط أنا أريد هذا البيت لمدة شهر، أنا مرة لي أخ من أخواننا أحدهم يدهن بيته فطلب أن يسكن في بيت ثان كإعارة لمدة شهر، سكن فيه وتملكه ومضى عليه عشر سنوات وإلى الآن متملكه، وهم إلى الآن في المحاكم، هؤلاء هم المسلمون الذين يستحقون النصر من الله عز وجل؟ عشرون ثلاثون ألف دعوة إخلاء في البلد، طبعاً هذا الموضوع حساس جداً لا أحد يأخذ مني أحكاماً، يوجد مستأجر ظالم ويوجد مالك ظالم، أنا لا أدخل في التفاصيل، كل حالة لها تفصيل، لكن الإنسان إذا أعطى عهداً ينبغي أن يكون عند عهده. (( لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ وَلَا دِينَ لِمَنْ لَا عَهْدَ لَهُ )) [أحمد عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ] لا يوجد عهد لا يوجد دين. إذا أراد الله بعبدٍ خيراً سيّر إليه حوائج الناس : وقال عليه الصلاة والسلام: ((إن لله عباداً اختصهم بحوائج الناس، يفزع الناس إليهم في حوائجهم أولئك هم الآمنون من عذاب الله)) [الطبراني وابن عساكر عن ابن عمر] إذا رجل طرق بابه، يُسأل مالاً، معاونة، صدقة، زكاة، خدمة، ليل نهار لا يتأخر، إذا أراد الله بعبدٍ خيراً سيّر إليه حوائج الناس، إذا أحبك الله عز وجل جعل حوائج الناس إليك، لا تتأفف اصبر، طرق الباب ليلاً ونهاراً، ذو الحاجة أرعن، صاحب الحاجة أعمى، أنت عندما الإنسان يثقل عليك بالطلب تصور أن الله قادر أن يضعك مكانه، هذا التصور يريحك، رجل أعرابي شدّ النبي من ثوبه، وقال له: أعطني من مال الله: (( عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرَانِيٌّ غَلِيظُ الْحَاشِيَةِ فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيٌّ فَجَبَذَهُ جَبْذَةً حَتَّى رَأَيْتُ صَفْحَ أَوْ صَفْحَةَ عُنُقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَثَّرَتْ بِهَا حَاشِيَةُ الْبُرْدِ مِنْ شِدَّةِ جَبْذَتِهِ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَعْطِنِي مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي عِنْدَكَ فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ فَضَحِكَ ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ )) [البخاري عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ] انظر إلى الحلم، الإنسان أحياناً يكون بحاجة، يطرق بساعة متأخرة، يتصل بساعة مبكرة، صاحب الحاجة أرعن، صاحب الحاجة أعمى، إذا أنت ميسور والله أتاك حلماً وإمكانيات، لا تتأفف، لا تتبرم، الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، هذا الحديث شعار لكل مسلم: ((عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا اسْتَعْمَلَهُ، فَقِيلَ كَيْفَ يَسْتَعْمِلُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: يُوَفِّقُهُ لِعَمَلٍ صَالِحٍ قَبْلَ الْمَوْتِ )) [الترمذي عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ] هذا الحديث شعار لكل مؤمن. إذا أراد الله بعبدٍ خيراً سير إليه حوائج الناس، ابن عباس رضي الله عنه، يقول: ورد علينا المدينة الوليد بن عتبة والياً وكأن وجهه ورقة مصحف، فو الله ما ترك فقيراً إلا أغناه، ولا مديوناً إلا أدى عنه الدين، وكان ينظر إلينا بعين أرق من الماء، وكلمنا كلاماً أحلى من العسل. (( مَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا فِي الدُّنْيَا سَتَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَنْ نَجَّى مَكْرُوبًا فَكَّ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي حَاجَتِهِ )) [أحمد عَنْ مَسْلَمَةَ بْنِ مُخَلَّدٍ] المستدين تاجر الله في الأرض : أنا منذ أسبوع أخ من أخواننا بقي هنا ست عشرة سنة يطلب العلم، وهو من إفريقيا، وأخذ ماجستير والحمد لله، دخل إلى مكتبة، هذا الكتاب ضروري ثمنه ثلاثة آلاف، وهذا بألفين، يقول له: ما ثمن هذه الكتب؟ وكان هناك رجل يقف أمامه، فقال له هذا الرجل: أعطه كل الكتب وخذ ثمنها مني، وقال له: لكم علينا دين كبير http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-5798/07.jpg إذا إنسان ساهم لطالب علم في بلدنا فله أجر كبير، وأنا أطمئنكم هذه البلدة الطيبة مرغوبة عند كل طلاب العلم في إفريقيا، وآسيا، وشمال أوربا، يفضلونها على مصر والحجاز، السبب طالب العلم مكرم عندنا، وهو ضيفنا، أحدكم إذا رأى طالب علم يوجد أخوان أفارقة، صينيون، أتراك، أخوان من بلاد مختلفة، وهي محجة هؤلاء الطلاب، أنت يوجد عندك شيء زيادة، طالب علم يقيم سنتين، في الشتاء لا يوجد عنده بساط على البلاط وأنا والله لا أدري، ألا يوجد أحدكم عنده بساط قديم؟ سجادة مستعملة؟ أعيره إياها، أحياناً تنحل قضايا ليس بالهبة، ولكن بالاستعارة، ويسكن في بيت ولا يوجد عنده أثاث إطلاقاً، أحياناً لا يوجد عنده طعام، إذا الإنسان رأى طالب علم حوله غريباً، ليس له أحد في الشام، وأعانه فهذا من أعظم الأعمال. (( عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ قَال: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْسَجَةَ يَقُولُ سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَنْ مَنَحَ مَنِيحَةَ لَبَنٍ أَوْ وَرِقٍ أَوْ هَدَى زُقَاقًا كَانَ لَهُ مِثْلَ عِتْقِ رَقَبَةٍ )) [الترمذي عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ] منح منيحة أي أعطاه مالاً، هدى زقاقاً أي دله على الطريق، أعطى أو دلّ. وعن ابن مسعود وهذا الحديث أجمل شيء: ((كل قرض صدقة)) [ شعب الإيمان عن ابن مسعود] وقال جعفر بن محمد: "المستدين تاجر الله في الأرض، وذلك لما يكسب المقرض من الثواب والحسنات". أيها الأخوة الكرام، نحن نريد أن نرد على انقراض القرض، القرض انقرض نفسه بالإقراض، طبعاً أنا لا أقول: ارم مالك على أشخاص لا تعرفهم، أنا ما أردت هذا الكلام، أما شخص موثوق، مؤمن، معروف، وأنت معك، وهو مضطر إلى مبلغ من المال يحل مشاكله، فهذا العمل كالصدقة تماماً بل بثمانية عشر ضعفاً. |
رد: العبادات التعاملية
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية الدرس : ( الحادى و الاربعون ) الموضوع : الترهيب من الدين الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. الترهيب من الدّين : أيها الأخوة الكرام، مع الدرس الثالث من دروس القرض، والقرض كما نوهت في درس سابق من أوسع النشاطات المالية التي يمارسها الأفراد متعاونين فيما بينهم، لذلك وضع الشرع الحنيف قواعد وضوابط من أجل أن يرد القرض إلى صاحبه، ومن أجل أن تسري هذه العلاقة الطيبة بين الناس. موضوع اليوم الترهيب من الدين، قد يقول أحدكم: كيف شجع النبي على الإقراض وكيف رهب منه؟ الإنسان أحياناً يستقرض من دون حاجة، فمن أراد أن يستقرض مبلغاً من المال ليتوسع، ليحقق بعض الكماليات، مثل هذا الإنسان أنبه النبي عليه الصلاة والسلام، فقد قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام أحمد والحاكم: (( الدين راية الله في الأرض فإذا أراد أن يذل عبداً وضعه في عنقه)) [أحمد و الحاكم عن ابن عمر رضي الله عنهما] الدين فيه ذل، لأنك مدين إلى إنسان، وهذا الذل يرهق النفس، وكل الشرائع التي شرعها الله عز وجل من أجل أن تضبط الأمور، وأن يكون الإنسان حراً من القيود، وأن يتفرغ إلى طاعة الله وعبادته. حقوق العباد مبنية على المشاححة وحقوق الله مبنية على المسامحة : بالمناسبة أي شيءٍ يشوش عليك حياتك، ويحملك ما لا تطيق، ويجعلك في اضطراب نفسي شديد، هذا الشيء يعيق عليك أن تعبد الله عز وجل، يبعدك عن طاعة الله، فلذلك الدَّين كما يقولون همّ في الليل وذل في النهار. ((جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ صَابِرًا مُحْتَسِبًا مُقْبِلاً غَيْرَ مُدْبِرٍ كَفَّرَ اللَّهُ بِهِ خَطَايَايَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنْ قُتِلْتَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ صَابِرًا مُحْتَسِبًا مُقْبِلاً غَيْرَ مُدْبِرٍ كَفَّرَ اللَّهُ بِهِ خَطَايَاكَ ثُمَّ إِنَّ الرَّجُلَ لَبِثَ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَفَّرَ اللَّهُ بِهِ خَطَايَايَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنْ قُتِلْتَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ صَابِرًا مُحْتَسِبًا مُقْبِلاً غَيْرَ مُدْبِرٍ كَفَّرَ اللَّهُ بِهِ خَطَايَاكَ إِلا الدَّيْنَ كَذَلِكَ قَالَ لِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلام )) [أحمد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-5799/01.jpg إن قتل الإنسان في سبيل الله، إن أعطى كل ما يملك، إن جاد بنفسه، والجود بالنفس أقصى غاية الجود، ومع ذلك يكفر الله له بهذا الاستشهاد كل الخطايا إلا الدين، لأن حقوق العباد مبنية على المشاححة وحقوق الله عز وجل مبنية على المسامحة، هذا الحديث الثاني وهو في صحيح مسلم. ((يُغْفَرُ لِلشَّهِيدِ كُلُّ ذَنْبٍ إِلا الدَّيْنَ )) [مسلم ، أحمد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ] شهيد قدم روحه، قدم نفسه ومع ذلك الدين لا يسقط عن الشهيد. (( عنَ أَبِي مُوسَى الأشْعَرِيَّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ أَعْظَمَ الذُّنُوبِ عِنْدَ اللَّهِ أَنْ يَلْقَاهُ بِهَا عَبْدٌ بَعْدَ الْكَبَائِرِ الَّتِي نَهَى اللَّهُ عَنْهَا أَنْ يَمُوتَ رَجُلٌ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لا يَدَعُ لَهُ قَضَاءً )) [أبو داود عنَ أَبِي مُوسَى الأشْعَرِيَّ عَنْ أَبِيهِ] إنسان يكون عنده محل تجاري ويستقرض، فإذا مات هذا المحل يغطي دينه، عنده ذهب لزوجته، امرأة عندها ذهب استقرضت، ماتت، الذهب الذي عندها يغطي دينها، إنسان استقرض عنده بضاعة، بضاعته تغطي دينه، فالإنسان عندما يستقرض ينبغي بادئ ذي بدء أن يفكر كيف يغطي هذا الدين. والحقيقة هناك من يقول: الذي يستقرض ولا يهيئ ما يغطي هذا الدين يموت عاصياً، وقد وقع في الكبائر. (( عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ مَاتَ وَهُوَ بَرِيءٌ مِنْ ثَلاثٍ الْكِبْرِ وَالْغُلُولِ وَالدَّيْنِ دَخَلَ الْجَنَّةَ )) [الترمذي عَنْ ثَوْبَانَ] المال قوام الحياة : أيها الأخوة، لأن المال كما يقولون شقيق الروح، والمال قوام الحياة، والإنسان إذا استقرض و رد القرض كما استقرضه شجع العمل الصالح، دائماً وأبداً اعتقد مايلي: إما إن تكون محبباً لشرع الله، أو مبغضاً له، فإذا استقرضت وأديت هذا الدين أشعت هذا العمل الطيب، إن استقرضت ولم تؤدِ الدين، أكثر الناس يحرمون على أنفسهم قضاء حوائج بعضهم بعضاً، يقول: أنا حلفت يميناً ألا أدين، لأن أهل الدنيا حينما يستقرض يكون في ألطف حالاته فإذا طولب صار في أغلظ حالاته، يتكبر، ويسب، وقد يعنف، وقد يختفي، وقد لا يرد على الهاتف، وقد يطرق بابه ويقول: قولوا له لست هنا، فهذا ليس من أخلاق المؤمن. يروى أن لقمان الحكيم قال: حملت الحديد والجندل- والجندل هو الصخر - فلم أحمل شيئاً أثقل من الدين. تحذير النبي من الدَّين : طبعاً مرةً ثانية: هذا الترهيب لمن يستقرض قرضاً لا لحاجة أساسية، لا لعملية جراحية، لا ليأكل ويشرب، بل يستقرض ليوسع معيشته، ليشتري بعض الكماليات ليظهر أمام الناس بمظهر الغنى، هنا جاء تحذير الدين. ((لا تُخِيفُوا أَنْفُسَكُمْ بَعْدَ أَمْنِهَا، قَالُوا: وَمَا ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الدَّيْنُ )) [أحمد عن عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-5799/02.jpg الإنسان أحياناً قد لا ينتبه يوجد شيء في حياته أساسي وهو الأمن، قال تعالى: ﴿ وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [ سورة الأنعام : 81 ] الإنسان إذا ما كذب حر، رافع الرأس، إذا ما عليه دين طليق الحركة، والإنسان إذا تحمل شظف العيش وتخفف من الدين أفضل من أن يثقل كاهله بالدين، أنا أقول هذا الكلام أنطلق من واقع من أجل حفلة زفاف تنوء الأسرة تحت ثقل الدين خمس سنوات، من أجل حفلة لساعات معدودات، والشيء الذي تعرفونه أن إرضاء الناس شيء محال، رجل وضع في كل علبة ملبس ليرة ذهبية، الأغنياء احتقروه نحن فقراء ليضع لنا قطعة نقدية؟ والفقراء قالوا: يجعلهم اثنتان، لا يوجد أحد يرضي الناس، فالذي يبذخ ويترف من أجل انتزاع إعجاب الناس، ويتحمل ضغط الدين لسنوات معدودة، ليس هذا من الحكمة في شيء. مقياس الحياة الأسرية : شيء آخر لو أراد الإنسان أن يوسع على عياله، قال عليه الصلاة والسلام: ((ليس منا من وسع الله عليه ثم قتر على عياله)) [مسند الشهاب للقضاعي عن عائشة] أما إذا إنسان لم يوسع الله عليه فليس مضطراً أن يوسع على عياله، أي أجمل مقياس في الحياة الأسرية أطعمهم مما تأكل، وألبسهم مما تلبس، الله ما كلفك أن تطعمهم أطيب الطعام وأن تستقرض، وأن تكون ذليلاً، وأن تكون مرهقاً، وأن تكون تحت كابوس الدائن، لا الله ما كلفك، أطعمهم مما تأكل، وأنت في أعلى درجات الورع، وأنت في أعلى درجات الوفاء الزوجي أن تطعمها مما تأكل، طبعاً من الخيانة الزوجية أن تأكل ما لذّ وطاب في المطاعم، ومع أصدقائك، وفي السهرات، وأن تدع لهم طعاماً خشناً، هذا لا يجوز، أما لو كان دخلك محدوداً فلا تسمح لنفسك أن تستقرض من أجل أن توسع على عيالك، وكانت الصحابية الجليلة تقول لزوجها: نحن بك إن استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا، تقول هذه الصحابية: نصبر على الجوع ولا نصبر على الحرام، اتق الله بنا، المرأة المؤمنة صابرة والمرأة المؤمنة تعين زوجها في ساعات الضيق، والحديث الشريف: (( عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَدِمَتْ عِيرٌ الْمَدِينَةَ فَاشْتَرَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهَا فَرَبِحَ أَوَاقِيَّ فَقَسَمَهَا فِي أَرَامِلِ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَقَالَ لا أَشْتَرِي شَيْئًا لَيْسَ عِنْدِي ثَمَنُهُ)) [أحمد عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ] الدَّين مجمع كل بؤس : إنسان ملك ثمن شيء يشتريه، أي أن تحتاج، أن يقل مستوى معيشتك بافتقادك إلى هذه الآلة أهون ألف مرة من أن تشتري هذه الآلة ديناً، صار عندك عبء خارجي، ودائماً الحياة فيها مفاجآت، الآن يعاني الذي يعمل في التجارة كساداً في البيع، يوجد عنده التزامات، موقّع سندات، اشترى بضاعة بالملايين، يتمزق الإنسان، ليس هذا من الحكمة في شيء، أكثر الناس يكون معه مليون يعمل بعشرة ملايين، فلو بارت الأسواق صار هناك إفلاسات، هروب، مواقف صعبة جداً، وكان يقال: الأذلاء ثلاثة النمام والكذاب والمديان - كثير الدين لسبب أو لغير سبب- أنا أعرف أناساً كثيرين همه أن يستدين، لحاجة ولغير حاجة، لشيء أساسي، لشيء ثانوي، ليقيم حفلة، ليشتري ثياباً فخمة، ليصلح بيته، ليوسع غرفته، وإذا ضاقت عليه الأمور تحمل ضغطاً لا يحتمل، وقيل أيضاً: الدَّين رق فلينظر أحدكم أين يضع رقه. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-5799/03.jpg ويوجد دائنون قساة يطالبونه مطالبة عنيفةً قاسية، مع أن الذي يطالب ينبغي أن يكون رفيقاً، و رقيقاً، ورحيماً، قال حكيم: الدين مجمع كل بؤس، همّ بالليل وذل بالنهار، وهو ساجور الله تعالى في أرضه، الساجور هو القيد الذي يوضع في رقبة الدواب، فإذا أراد الله أن يذل عبداً جعله طوقاً في عنقه. (( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا شَهِدَ جَنَازَةً سَأَلَ هَلْ عَلَى صَاحِبِكُمْ دَيْنٌ فَإِنْ قَالُوا نَعَمْ قَالَ هَلْ لَهُ وَفَاءٌ فَإِنْ قَالُوا نَعَمْ صَلَّى عَلَيْهِ وَإِنْ قَالُوا لا قَالَ صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِ الْفُتُوحَ قَالَ أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ فَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا فَعَلَيَّ وَمَنْ تَرَكَ مَالا فَلِوَرَثَتِهِ )) [أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ] في حديث آخر، صحابي جليل توفي فأراد النبي أن يصلي عليه فقال النبي: أعليه دين؟ قالوا: نعم درهمان، فقال: صلوا على صاحبكم: (( أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِجَنَازَةٍ فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ صَلِّ عَلَيْهَا، قَالَ: هَلْ تَرَكَ عَلَيْهِ دَيْنًا، قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: هَلْ تَرَكَ مِنْ شَيْءٍ، قَالُوا: لا، قَالَ: صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ، قَالَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ يُقَالُ لَهُ أَبُو قَتَادَةَ: صَلِّ عَلَيْهِ وَعَلَيَّ دَيْنُهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ )) [النسائي عن ابْنَ الأكْوَعِ] وتتمة هذا الحديث في اليوم التالي سأل النبي عليه الصلاة والسلام ابن مسعود أدفعت الدين؟ قال: لا، سأله في اليوم التالي: أدفعت الدين؟ قال: لا، تعهد ضمنه ولم يؤده، في اليوم الثالث قال: أدفعت الدين؟ قال: نعم، فقال عليه الصلاة والسلام: الآن ابترد جلده، دققوا أي جلد المتوفى لم يبترد بضمان الدين، لكنه ابترد بأداء الدين، فرق بين الأداء والضمان، الذي ضمن صلى عليه النبي، لكنه حين أدى الدين ابترد جلده، والله أيها الأخوة من باب النصيحة الإنسان يراجع كل حساباته، يراجع ما عليه من ديون، ما عليه من حقوق، ينوي أداءها في لحظته، يوجد بحث سنصل إليه الآن حينما يعلم الله منك نية الأداء يؤدي عنك. تعلق نفس المؤمن بدينه : وفي موضوع آخر متعلق بهذا الموضوع الخطير، نفس المؤمن متعلقة بدينه: (( نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ )) [الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ] أنا جاءني رجل وهذه القصة من عشرين عاماً تقريباً، كان أخوه وقد توفاه الله ناظر وصية، وعليه ثمانية آلاف ليرة لم يؤدها، أنفقها ولم يؤدها وأدركه الموت، هذا الأخ من أخواننا الكرام، أخوه تاجر كان ناظر وصية وفي رقبته ثمانية آلاف ليرة، رآه يحترق يقول له: أخي الثمانية آلاف أدها عني، وفعلاً في اليوم التالي أداها عنه، شيء مخيف أنا لا أحب أن يكون المنام أساس التدريس ولا أساس الدين، المنام إعلام شخصي من الله عز وجل. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-5799/04.jpg المنام شيء عظيم لكن لصاحبه فقط، لكن مرةً أعرف رجلاً يروي هذه القصة له عمة، أو خالة يحبها حباً جماً توفاها الله عز وجل من حين إلى آخر يراها في المنام، وهي تشتعل، رآها خلال ثماني سنوات كل شهرين أو ثلاثة في منام مخيف، وهو قلق أشد القلق على عمته أو خالته، ثم رآها بعد ثماني سنوات بأبهى حلة، وجهها منير، متألق ترتدي ثياباً بيضاء وهي مشرقة، سألها كيف حالتك؟ قالت: الحمد لله، قال: ما الذي حل بك من قبل؟ قالت: بالتعبير العامي الحليبات- الحليب- ثم علم أن لهذه المرأة أولاداً من زوجها و أولاداً من زوجته السابقة، فكانت تسقي أولادها حليباً صرفاً وأولاد زوجها حليباً ممزوجاً بالماء حسب هذه الرؤيا ثماني سنوات تحترق بهذا الذنب العظيم، أحياناً كما قال عليه الصلاة والسلام: (( إِنَّ رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ )) [البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ] إعلام من الله عز وجل: (( عَنْ سَمُرَةَ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: هَاهُنَا أَحَدٌ مِنْ بَنِي فُلانٍ فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ ثُمَّ قَالَ: هَاهُنَا أَحَدٌ مِنْ بَنِي فُلانٍ فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ ثُمَّ قَالَ: هَاهُنَا أَحَدٌ مِنْ بَنِي فُلانٍ فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تُجِيبَنِي فِي الْمَرَّتَيْنِ الأولَيَيْنِ أَمَا إِنِّي لَمْ أُنَوِّهْ بِكُمْ إِلا خَيْرًا إِنَّ صَاحِبَكُمْ مَأْسُورٌ بِدَيْنِهِ فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ أَدَّى عَنْهُ حَتَّى مَا بَقِيَ أَحَدٌ يَطْلُبُهُ بِشَيْءٍ )) [أبو داود عَنْ سَمُرَةَ] (( عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى الْفَجْرَ ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ: هَاهُنَا مِنْ بَنِي فُلانٍ أَحَدٌ مَرَّتَيْنِ، فَقَالَ: رَجُلٌ هُوَ ذَا فَكَأَنِّي أَسْمَعُ صَوْتَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّ صَاحِبَكُمْ قَدْ حُبِسَ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ بِدَيْنٍ كَانَ عَلَيْهِ )) [أحمد عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ] الله عز وجل أطلع النبي أن أحد هؤلاء من بني جندب على باب الجنة حبس على دين، معنى هذا أن نفس المؤمن معلقة بدينه. (( عن مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا بِفِنَاءِ الْمَسْجِدِ حَيْثُ تُوضَعُ الْجَنَائِزُ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ بَيْنَ ظَهْرَيْنَا فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَصَرَهُ قِبَلَ السَّمَاءِ فَنَظَرَ ثُمَّ طَأْطَأَ بَصَرَهُ وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى جَبْهَتِهِ ثُمَّ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ مَاذَا نَزَلَ مِنَ التَّشْدِيدِ، قَالَ: فَسَكَتْنَا يَوْمَنَا وَلَيْلَتَنَا فَلَمْ نَرَهَا خَيْرًا حَتَّى أَصْبَحْنَا قَالَ مُحَمَّدٌ فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا التَّشْدِيدُ الَّذِي نَزَلَ، قَالَ: فِي الدَّيْنِ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ رَجُلاً قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ عَاشَ ثُمَّ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ عَاشَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ مَا دَخَلَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَقْضِيَ دَيْنَهُ )) [أحمد عن مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ] من تدخل لمنع إحقاق الحق فقد أفسد على الله شريعته : أنا أضعكم أمام نصوص صحيحة عن الذي لا ينطق عن الهوى، عن رسول الله المشرع، قال عليه الصلاة والسلام: ((عَنْ يَحْيَى بْنِ رَاشِدٍ قَالَ: خَرَجْنَا حُجَّاجًا عَشَرَةً مِنْ أَهْلِ الشَّأَمِ حَتَّى أَتَيْنَا مَكَّةَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ قَالَ فَأَتَيْنَاهُ فَخَرَجَ إِلَيْنَا يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ فَقَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَنْ حَالَتْ شَفَاعَتُهُ دُونَ حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَقَدْ ضَادَّ اللَّهَ فِي أَمْرِهِ وَمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ فَلَيْسَ بِالدِّينَارِ وَلا بِالدِّرْهَمِ وَلَكِنَّهَا الْحَسَنَاتُ وَالسَّيِّئَاتُ وَمَنْ خَاصَمَ فِي بَاطِلٍ وَهُوَ يَعْلَمُهُ لَمْ يَزَلْ فِي سَخَطِ اللَّهِ حَتَّى يَنْزِعَ وَمَنْ قَالَ فِي مُؤْمِنٍ مَا لَيْسَ فِيهِ أَسْكَنَهُ اللَّهُ رَدْغَةَ الْخَبَالِ حَتَّى يَخْرُجَ مِمَّا قَالَ )) [أبو داود عَنْ يَحْيَى بْنِ رَاشِدٍ] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-5799/05.jpg ردغة الخبال مكان في النار، أن تقول في مؤمن ما ليس فيه، أن تفتري على المؤمن، أن تنسب إلى مؤمن قولاً ما قاله، أن تذكر للناس عيباً في المؤمن لا يتصف فيه، أن تنسب إلى مؤمن عملاً سيئاً ما فعله، أن تنسب إلى مؤمن عقيدةً زائغةً ما اعتقدها. ((... مَنْ حَالَتْ شَفَاعَتُهُ دُونَ حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَقَدْ ضَادَّ اللَّهَ فِي أَمْرِهِ ... )) [أبو داود عَنْ يَحْيَى بْنِ رَاشِدٍ] أي الله عز وجل شرع تشريعاً فأنت حاولت أن تعطل هذا التشريع، تعطيل هذا التشريع أنت أفسدت على الله شرعه وحكمته، مثلاً إنسان غش الناس في بضاعتهم أو في غذائهم، استخدم مادة فاسدة تسبب أمراض للناس، وطبعاً أولي الأمر من أولى واجباتهم ضبط هذا الغش، وتحرير ضبط وإيداع صاحبه بالسجن، يأتي إنسان يتدخل ويشفع ويدفع مالاً ويتكلم مع القاضي، يعمل وليمة، وترتيباً يخلصه، إذا كان مظلوماً لا يوجد مانع، وإذا كان ظالماً؟ بضاعة فيها مواد مسرطنة، لحوم فاسدة أحياناً، تسبب أمراضاً للناس وبيلة يتدخل، نحن إذا تدخلنا لمنع إحقاق الحق أو لمنع إقامة الحدود فقد أفسدنا على الله شريعته، أنا أرى إذا كان هناك موضوع يمس قوت المسلمين، مصالح المسلمين، يمس مستوى معيشة المسلمين، وإنسان ليس عنده رادع من دين، ولا من خلق، ولا خوف من الله، إذا اقترف شيئاً سبب للمسلمين ضرراً كبيراً لا ينبغي أن تدّعي الرحمة والشفقة والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [ سورة النور : 2 ] عند الله حساب بالحسنات والسيئات : ضبطوا أناساً يأخذون الدواب الميتة من الطرقات، يجعلونها طعاماً، ضبطوا أناساً يضعون أصبغة البلاط في سكاكر الأطفال، أصبغة رخيصة جداً ملونة، ضبطوا أناساً يبيعون لحم القطط، أي إنسان بهذا المستوى هل من الممكن أن تتدخل و تحميه من العقاب؟ هذه نقطة مهمة: ((... مَنْ حَالَتْ شَفَاعَتُهُ دُونَ حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَقَدْ ضَادَّ اللَّهَ فِي أَمْرِهِ ... )) [أبو داود عَنْ يَحْيَى بْنِ رَاشِدٍ] الآن تسمعون أن هذا البقر المجنون إذا أكل لحمه، أو شرب حليبه يؤدي إلى الوفاة، البارحة مات في اليونان رجل، طبعاً هذا موضوع آخر، كل إنسان غيّر خلق الله يدفع الثمن، لو أن إنساناً يوجد عنده بضاعة تؤذي المسلمين لا ينبغي أن يبيعها، وأن يخفي عيبها، هذا الشيء مدمر. ((... وَمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ فَلَيْسَ بِالدِّينَارِ وَلا بِالدِّرْهَمِ وَلَكِنَّهَا الْحَسَنَاتُ وَالسَّيِّئَاتُ ... )) [أبو داود عَنْ يَحْيَى بْنِ رَاشِدٍ] عند الله عز وجل هناك حساب بالحسنات والسيئات، أنت اغتبت إنساناً، الذي اغتيب له عند المغتاب دين، وسوف يأخذه من حسناته فإن فنيت طرح عليه من سيئاته، عند الله يوجد حسابات غير الدرهم والدينار. ((... وَمَنْ خَاصَمَ فِي بَاطِلٍ وَهُوَ يَعْلَمُهُ لَمْ يَزَلْ فِي سَخَطِ اللَّهِ ... )) [أبو داود عَنْ يَحْيَى بْنِ رَاشِدٍ] امرأة على ابن أختها دين - مبلغ ضخم- والدائن شرس قال لها: أعطيني عقداً لبيتك صورياً وأوقف عنكم المطالبة، وهي امرأة بسيطة بيتها ثمنه يقدر بعشرين مليوناً، قدمت له عقداً صورياً، هذا العقد قدم للمحكمة على أنه عقد بيع قطعي، والآن يطالبها بالتسليم، الآن ترى مجرى القضية يلفت النظر، كأن القاضي مع هذا المغتصب، كأن المحامي مع هذا المغتصب. ((... وَمَنْ خَاصَمَ فِي بَاطِلٍ وَهُوَ يَعْلَمُهُ لَمْ يَزَلْ فِي سَخَطِ اللَّهِ ... )) [أبو داود عَنْ يَحْيَى بْنِ رَاشِدٍ] شيء مخيف أن تكون أنت طرفاً في قضية فيها ظلم، تدافع عن باطل، تدخل في قضية باطلة وهذا الكلام يحتاجه أخواننا المحامون، أي إذا كانت أتعاب الدعوى أتعابها مليوناً اركلهم بقدمك إن كانوا باطلاً، لو كان المحامون لا يتسلمون قضايا غير عادلة لكنا في حال غير هذا الحال: ((.... وَمَنْ قَالَ فِي مُؤْمِنٍ مَا لَيْسَ فِيهِ أَسْكَنَهُ اللَّهُ رَدْغَةَ الْخَبَالِ حَتَّى يَخْرُجَ مِمَّا قَالَ )) [أبو داود عَنْ يَحْيَى بْنِ رَاشِدٍ] على الإنسان أن يسجل كل شيء عليه : و: ((عن علي رضي الله عنه قال: كان عليه الصلاة والسلام إذا أوتي بالجنازة لم يسأل عن شيء من عمل الرجل، يسأل عن دينه، فإن قيل عليه دين كف عن الصلاة، وإن قيل ليس عليه دين صلى عليه، فأوتي بجنازة فلما قام ليكبر سأل النبي الكريم أصحابه قال: على صاحبكم دين؟ قالوا: نعم ديناران، فعدل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: صلوا على صاحبكم، فقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: هما علي يا رسول الله، فتقدم وصلى عليه، ثم قال لعلي: جزاك الله خيراً، فك الله رهنك كما فككت رهان أخيك، إنه ليس من ميت يموت وعليه دين إلا وهو مرتهن بدينه، ومن فك رهان ميت فك الله رهانه يوم القيامة، فقال بعضهم: هذا لعلي خاصةً أم للمسلمين عامة؟ فقال الرسول: بل للمسلمين عامة )) [ الدار قطني عن علي رضي الله عنه] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-5799/06.jpg إذا مسلم فك رهان أخيه فهذا عمل عظيم، له قريب توفي وعليه دين فقال: علي دينه هذا عمل عظيم، هل تصدقون أن النبي عليه الصلاة والسلام قبيل وفاته صعد المنبر وقال: "أيها الناس من كنت أخذت له مالاً فليسألني إياه، ومن كنت جلدت له ظهراً فهذا ظهري فليقتد منه، ومن كنت شتمت له عرضاً فهذا عرضي فليقتد منه، ومن كنت أخذت له مالاً فهذا مالي فليأخذ منه ولا يخشى الشحناء فإنها ليست من شأني ولا طبيعتي" وهو سيد الخلق وحبيب الحق. الإنسان قبل أن يحج، أن يبدأ بعمل، قبل أن يتزوج يعمل حسابات من حين إلى آخر، يسجل والتسجيل سُنة، رجل عليه دين ولم يسجل، هذا الدائن وقع بحرج استحى أن يطالبك، إن طالبك تنزعج، وإن لم يطالبك أكلت مالاً حراماً، وإن سكت مغبون، والمغبون لا أجر له، هذه الحالة تحير، هذا ورع، ما معنى قوله تعالى: ﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ﴾ [ سورة الكهف: 28 ] أي أموره مسيبة بلا ضوابط، رجل يلزمه دفتر في جيبه دائماً، استقرض مبلغ يسجله فوراً، الحياة فيها متاعب كثيرة يأتي يوم عليك وتنسى، تنسى أن عليك ديناً نهائياً. (( عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: صاحب الدين مغلول في قبره حتى يقضى دينه )) [عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه] (( عَنْ سَعْدِ بْنِ الأطْوَلِ قَالَ: مَاتَ أَخِي وَتَرَكَ ثَلاثَ مِائَةِ دِينَارٍ وَتَرَكَ وَلَدًا صِغَارًا فَأَرَدْتُ أَنْ أُنْفِقَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ أَخَاكَ مَحْبُوسٌ بِدَيْنِهِ فَاذْهَبْ فَاقْضِ عَنْهُ، قَالَ: فَذَهَبْتُ فَقَضَيْتُ عَنْهُ ثُمَّ جِئْتُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ قَضَيْتُ عَنْهُ وَلَمْ يَبْقَ إِلا امْرَأَةً تَدَّعِي دِينَارَيْنِ وَلَيْسَتْ لَهَا بَيِّنَةٌ، قَالَ: أَعْطِهَا فَإِنَّهَا صَادِقَةٌ )) [أحمد عَنْ سَعْدِ بْنِ الأطْوَلِ] علاقة الدين بالزكاة : أيها الأخوة الكرام، لهذا الموضوع تتمة رائعة جداً سوف نتابعها في درس قادم، ويوجد علاقة الدين بالزكاة هذا نبحثه في درس قادم. تقول: أدينه بشرط أن يدفع زكاة ذلك المال الذي أخذه، هذا غير جائز، هذا المال مالك، وزكاة مالك عليك، وأنت إذا أقرضته أقرضته لله، وهو من أجلّ الأعمال الصالحة، أما إذا ألزمت المستقرض أن يدفع زكاة هذا المال فهذا لا يجوز، زكاة المال على صاحب المال، والله عز وجل يعطيك أضعافاً مضاعفة، أما أن تشترط على الذي استقرض هذا المبلغ أن يدفع زكاته فكأنما جررت نفعاً، وكل قرض جرّ نفعاً فهو ربا. الشرط عند الإقراض : يوجد موضوع أن إنساناً استقرض مبلغاً لأربع سنوات والعملة اختلفت أسعارها، الحقيقة حتى الآن إذا لم يكن هناك شرط فالمال يؤدى كما أخذ بالعملة نفسها، أما عند الأحناف إذا اشترط المقرض أن يكون تقييم القرض بالذهب، وأن يرد ذهباً فلا يوجد مانع، لأن المئة ألف يساوون مثلاً عشرين ليرة ذهبية http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-5799/07.jpg أنا أريد بعد سنة أو سنتين أن ترد لي عشرين ليرة ذهبية، لا يوجد مانع، ولابد من الشرط عند الإقراض، أما بلا شرط المئة ألف مئة ألف، وأن هذا الذي استقرض هذا المبلغ إذا نظر إلى فرق العملة و رده فهذا من إحسانه، وإذا لا يوجد شرط المئة ألف مئة ألف، يوجد حالات الآن قرض من ثلاثين سنة خمسة آلاف ثمن بيت، الآن ثمن خمس بلوكات، هذه نقطة مهمة جداً إذا القرض طال صار مشكلة كبيرة، والحقيقة مع تفاوت العملات الآن يوجد قروض في أساسها بضعة آلاف لو حسبتها على سعر الذهب أو العملات الصعبة لأصبحت نصف مليون، وهي أساسها خمسة آلاف ليرة، وإذا المقترض دفع أكثر فهذا إحسان منه، وإذا كان هناك شرط ممكن المئة ألف تساوي عشرين ليرة ذهبية أنا أقول له: رد لي المبلغ عشرين ليرة ذهبية، لا يوجد مانع، نكون يسرنا على الناس رواج القروض، وإذا هبط سعر الذهب، يقول: أنا أريد مئة ألف، نقول له: لا، تأخذ العشرين ليرة ذهبية، يوجد حالات السعر يهبط نلتزم بالشرط. يمكن أن تشترط بالعملة التي تريدها، وأن تستردها بهذه العملة أو بالذهب لا يوجد مانع، ولكن لابد من الشرط، مرّ عليّ نمط غريب يريد أن يقرض مليون ليرة، ذكر له اسم اثنتي عشرة عملة صعبة، الجنيه الإسترليني، المارك، الدولار، الين، ترى أسعارهم اليوم وتجمعهم وتأخذ المتوسط وبعد سنوات تأخذ أسعار العملات كلها وتأخذ المتوسط وتؤدي لي الدين بهذه السعر، إذا عملة من العملات ارتفعت كسب، نحن نقول لمثل هذا: اجلس في بيتك ولا تقرض أحداً. عدم تأدية الديون إلا ببينة أو شهود : إنسان جاءه رجل قال له: لي دين مع والدك مئة ألف بلا بينة، لا تعطه شيئاً إلا إذا اقتنعت، وأحضر شهوداً وأشياء دقيقة، وإلا فلا، لماذا لم تطالبه وهو حي؟ لم يكن لدي وقت، هذا كلام غير مقبول، لا تؤدى الديون إلا ببينة أو شهود، أما بلا دليل فلا تؤدى إطلاقاً، إذا فعلنا ذلك صار لكل إنسان أن يدعي على الميت ما شاء من الديون. |
رد: العبادات التعاملية
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية الدرس : ( الثانى و الاربعون ) الموضوع : المدين يحاسب على نيتة الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. الإخلاص والنية الطيبة : أيها الأخوة الكرام، مع الدرس الرابع من دروس القرض، ونظراً لأن القرض من أوسع النشاطات الإنسانية بين الناس لذلك نحن في أمس الحاجة إلى معرفة أحكامه التفصيلة، الموضوع اليوم: المدين يحاسب على نيته. بادئ ذي بدء يقول عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: (( إِنَّمَا الأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ )) [ البخاري عن عمر ] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-5801/01.jpg إنما أداة قصر، أي قيمة العمل محصورة في نيته، والنية أيها الأخوة لها شأن كبير كبير، وخطير خطير في حياة المسلم، قد يأتي الإنسان بعمل عظيم قال تعالى: ﴿ وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا ﴾ [ سورة الفرقان: 23 ] الإخلاص والنية الطيبة سبب قبول العمل، الله سبحانه وتعالى لا يقبل العمل المشترك، كما أنه لا يقبل على القلب المشترك، العمل المشترك لا يقبله، والقلب المشترك لا يقبل عليه، موضوع النية موضوع دقيق، إلا أن الإنسان أحياناً يتساءل كيف أنوي نوايا طيبة؟ الحقيقة أن النية الطيبة محصلة إيمانك، محصلة توحيدك، محصلة استقامتك، محصلة أعمالك الصالحة، يمكن أن نجمع كل النشاطات، نشاط تلقي العلم نشاط فكري، نشاط تعليم العلم نشاط توحيدي، نشاط سلوكي، عمل صالح، كل هذه النشاطات الدينية تسهم مجتمعةً في صياغ النية التي ينوي بها الإنسان عمله، لهذا قال عليه الصلاة والسلام: ((إِنَّمَا الأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى ... )) [ البخاري عن عمر ] قد نعجب أشد العجب أن إنساناً مات في ساحة الجهاد يقال له يوم القيامة: قاتلت ليقال عنك كذا وكذا وقد قيل خذوه إلى النار، تعلمت العلم ليقال عليك كذا وكذا وقد قيل خذوه إلى النار، قرأت القرآن ليقال عنك كذا وكذا وقد قيل خذوه إلى النار، فشيء خطير خطير أن نصحح نوايانا، من تعلم العلم ليجادل به العلماء، أو ليماري به السفهاء، أو ليصرف وجوه الناس إليه، فليتجهز إلى النار. النية الطيبة أساسها التوحيد : أيها الأخوة، موضوع النية دقيق أريد أن أقف عنده قليلاً، ما الذي يسمو بنية الإنسان؟ توحيده، إذا وحّد معنى وحّد أنه لم يرَ مع الله أحداً، الله هو كل شيء، هو المعطي، هو المانع، هو المسعد، هو المشقي، هو المحيي، هو المميت، الله كل شيء، إذاً تتجه إليه مخلصاً، النية الطيبة أساسها التوحيد، التوحيد هو الذي يقودك إلى نية طيبة، ومعرفتك بالله عز وجل من خلال خلقه، من خلال آياته الكونية والتكوينية والقرآنية، أيضاً تقودك إلى النوايا الطيبة http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-5801/02.jpg مثلاً ورد أنه من استدان ديناً وهو يريد أن يقضيه، هذه الإرادة لا يعلمها إلا الله، استدان ديناً، والشيء المعلن جمعة، شهر، ستة أشهر، وقد يمتد هذا إلى سنوات وسنوات ولا يقضى الدين، الشيء المعلن لا قيمة له إطلاقاً، العبرة بالواقع، من استدان ديناً وهو يريد أن يقضيه فمات ولم يقضِ دينه- يريد ومات- الله سبحانه وتعالى قادر على أن يرضي غريمه بما شاء ويغفر للمتوفى، يقول الله عز وجل للدائن يوم القيامة: انظر إلى هذا القصر، يقول: يا ربي لمن هذا القصر؟ قال: لمن يدفع لي ثمنه، قال: وما ثمنه؟ قال: أن تعفو عن أخيك، أن تسامح أخاك، يقول: يا رب أشهد أني سامحته، لو فرضنا إنساناً توفي وعليه دين وفي نيته أن يؤديه يوم كان حياً، الله عز وجل أدى عنه، أي حمل دائنه على أن يسامحه وغفر له وسامحه، فالعبرة أنك حينما تستقرض هذا المبلغ من المال أن تنوي أداءه، ومن استدان ديناً وهو لا يريد أن يقضيه ومات على ذلك لم يقض دينه، يقال له: أظننت أنّا لن نوفي فلاناً حقه منك؟ فيأخذ من حسناته فتجعل في حسنات الدائن، فإن لم يكن له حسنات أخذت من سيئات الدائن فجعلت في سيئات المدين، هذا موضوع جديد ودقيق، إنسان استقرض قرضاً أو استدان ديناً وفي نيته أن يؤديه، لو أنه مات فجأةً فالله سبحانه وتعالى يحمل دائنه على أن يسامحه يوم القيامة ويعفو عنه. هذا موضوع متعلق بالدين، لذلك قال عليه الصلاة والسلام: (( مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ )) [البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ] الله عز وجل رب النوايا : أحياناً تنشأ ظروف ليست في الحسبان، إنسان استقرض قرضاً والله عز وجل يعينه على وفاء الدين بالتوفيق، تروج تجارته، يأتيه مبلغ من المال لم يكن بالحسبان، هذا بشرط أنه ينوي أداء الدين، فالإنسان ليدقق في موضوع نيته، على موضوع نيته تكون المعونة من الله عز وجل. ((عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: يَدْعُو اللَّهُ بِصَاحِبِ الدَّيْنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُوقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَيُقَالُ يَا ابْنَ آدَمَ فِيمَ أَخَذْتَ هَذَا الدَّيْنَ وَفِيمَ ضَيَّعْتَ حُقُوقَ النَّاسِ، فَيَقُولُ يَا رَبِّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي أَخَذْتُهُ فَلَمْ آكُلْ وَلَمْ أَشْرَبْ وَلَمْ أَلْبَسْ وَلَمْ أُضَيِّعْ وَلَكِنْ أَتَى عَلَى يَدَيَّ إِمَّا حَرَقٌ وَإِمَّا سَرَقٌ وَإِمَّا وَضِيعَةٌ، فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ صَدَقَ عَبْدِي أَنَا أَحَقُّ مَنْ قَضَى عَنْكَ الْيَوْمَ فَيَدْعُو اللَّهُ بِشَيْءٍ فَيَضَعُهُ فِي كِفَّةِ مِيزَانِهِ فَتَرْجَحُ حَسَنَاتُهُ عَلَى سَيِّئَاتِهِ فَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِه)) [أحمد عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-5801/03.jpg الله عز وجل رب النوايا، إنسان يستقرض ليشتري حاجات ثانوية، يستقرض لينفق المال جزافاً، أما إذا الإنسان استقرض لأمر جلل، فهناك ظروف قاهرة الإنسان يكون في أعلى درجات الانضباط، يشتري بضاعة ينشأ ظرف طارئ يسمح باستيرادها، تهبط أسعارها خسر نصف رأس ماله، لو أن رأس ماله قرض - أي دين -ماذا يفعل؟ خسر، فإذا إنسان خسر في تجارة، أو احترق بيته، أو سرق، هذه ظروف قاهرة، فمن استقرض ليقف على قدميه بعد ظرف قاهر شيء ومن استقرض ليشتري وليظهر بمظهر لائق أمام الناس ولينفق المال جزافاً شيء آخر، ربنا عز وجل يعلم علماً يقيناً الباعث الحقيقي لهذا القرض. ((عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ الدَّيْنَ يُقْضَى مِنْ صَاحِبِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذَا مَاتَ إِلا مَنْ يَدِينُ فِي ثَلاثِ خِلالٍ الرَّجُلُ تَضْعُفُ قُوَّتُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَسْتَدِينُ يَتَقَوَّى بِهِ لِعَدُوِّ اللَّهِ وَعَدُوِّهِ، وَرَجُلٌ يَمُوتُ عِنْدَهُ مُسْلِمٌ لا يَجِدُ مَا يُكَفِّنُهُ وَيُوَارِيهِ إِلا بِدَيْنٍ وَرَجُلٌ خَافَ اللَّهَ عَلَى نَفْسِهِ الْعُزْبَةَ فَيَنْكِحُ خَشْيَةً عَلَى دِينِهِ فَإِنَّ اللَّهَ يَقْضِي عَنْ هَؤُلاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ )) [ابن ماجه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو] دين الزواج، قلت لكم سابقاً: يوجد أحاديث كثيرة في الجامع الصغير تبدأ بكلمة حق، حق الأب على ابنه، حق الأخ على أخيه، حق الجار على جاره، حق الولد على والده، إلا أن حديثاً واحداً تقرأه فيقشعر جلدك حق المسلم على الله أن يعينه إذا طلب العفاف. قضية النية في الدين مهمة جداً : أخواننا هناك قصة لولا أنني أثق ثقةً كبيرة في قائلها يصعب أن تصدق، على موضوع عندما تكون نية الإنسان طيبة الله عز وجل يتولى أمره، رجل مقيم في بلد خليجي وحضر إلى الشام في الصيف، له أصدقاء، من خلال مناقشات معينة حول استثمار الأموال يضع مبلغاً ضخماً هو كل ما يملك في حياته في شركة في الخليج استثمارية ضخمة جداً تعطي أرباحاً تقدر بسبعين بالمئة، والناس كلهم أقبلوا عليها إقبالاً جنونياً، فهذا الرجل المهندس له قريب في الشام من طلاب العلم ومخلص، من حديث إلى حديث قال له: أنا أضع مالي في الجهة الفلانية والأرباح طائلة وأنا مرتاح جداً، تفاصيل القصة لا سبيل إلى ذكرها، إلا أن ملخصها أن هذا المال موضوع في هذه الجهة بشكل لا يرضي الله، والجهة ليست منضبطة، ويوجد شبهة الربا، والأرباح غير معقولة، والأرباح خلبية، فجرى نقاش حاد بين هذا المهندس الذي وضع ماله في هذه الشركة الاستثمارية وبين قريبه طالب العلم، هذا النقاش انتهى بعد منتصف الليل إلى قناعة الضيف أن هذه الطريقة بالاستثمار مشبوهة ولا ترضي الله عز وجل، وفيها مظنة ربا، والقصة قديمة، والاتصال الهاتفي كان صعباً جداً، فبعد أن انتهت هذه السهرة قال الرجل الضيف: والله سأتصل وهو معه أسهم اسمية تباع لحاملها، بأخي أو بشريكي وأطلب منه أن يبيع هذه الأسهم تبرئة لذمتي أمام الله، القصة تتمتها أنه في اليوم التالي اتصل لم يفلح في الاتصال، اتصل مساءً لم يفلح، اتصل صباحاً لم يفلح،مساء لم يفلح، صباح اليوم الثالث لم يفلح، مساء اليوم الرابع لم يفلح فقال: أنا حينما أعود بعد شهر أبيع هذه الأسهم وأنجو من شبهة الربا وانتهى الأمر، أمضى في الشام ثلاثين يوماً، وعاد إلى بلده في الخليج، أما هنا فبدأت القصة حينما وطأت قدمه أرض المطار، قال له أخوه: هل علمت ماذا حلّ بهذه الشركة الضخمة؟ قال: لا، قال: فلست، يروي من حضر أن هذا الإنسان كان قد وضع مليون دينار كويتي في هذه الشركة وقع مغشياً عليه، كل ما يملك في حياته، الشركة فلست، يبدو أن أخاه عجل عليه بهذا الخبر، قال له: قم والله لم ينجُ من المستثمرين في هذه الشركة إلا أنت، قال له: كيف؟ قال له: قبل شهر رأيتك في المنام تأمرني أن أبيع أسهمك في هذه الشركة بسعر شرائك، هل يعقل أن أبيعها؟ رأيتك مرةً ثانية في الليلة نفسها لا يعقل، رأيتك مرةً ثالثة في الليلة نفسها، حينما رأيت الرؤيا ثلاث مرات خفت، وبعت لك الأسهم، وقبضت ثمنها، وبعد أيام معدودة أعلنت الشركة إفلاسها، هذا نوى وهو في الشام أن ينجو من شبهة الربا، طبعاً قريبه صديقي، والقصة سمعتها من أحد الطرفين، وهي قصة غريبة جداً، الله أحياناً يتدخل، هو نوى أن ينجو من شبهة الربا، فلذلك قضية النية في الدين مهمة جداً. المدين يحاسب على نيته : أنا والله أعرف أخاً عليه مبلغ بحسب دخله، لا يستطيع أن يوفيه ولا بعشر سنوات، استقرض مبلغاً ضخماً، وكانت تجارته جيدة جداً، حدث أمر قاهر بتجارته فشبه فلس، ولا يوجد معه دخل لطعامه وشرابه، والمبلغ كبير جداً، ولا يستطيع أن يوفيه في أقل من عشر سنين، سبحان الله فجأة فتح له باب رزق وخلال سبعة أشهر وفِّي هذا المبلغ الكبير، أنا تيقنت وقتها أن هذا الأخ الكريم يبدو أنه نوى بشكل واضح جداً، والله علم ذلك أن يؤدي هذا الدين، فأدى الله عنه، محور الدرس الآن المدين يحاسب على نيته. (( مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ )) [البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ] مجمل النشاط الديني يتوج بنية الإنسان : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-5801/04.jpg بالمناسبة المدين لا ينبغي أن يأكل إلا لوناً واحداً، ولا يشتري إلا فاكهة نوعاً واحداً، ونوعاً متوسطاً، سوف يحضر فقط فريز، لا، يوجد فاكهة غالية جداً، فاكهة عادية نوع واحد، طعام نوع واحد إلى أن يفي الدين، لازلنا في موضوع النية، من أصدق امرأة صداقاً- أي تزوج امرأة على صداقٍ - وفي نيته ألا يوفيه إياها لقي الله زانياً، صدقوني كلام النبي. ومن استقرض ديناً وفي نيته ألا يؤديه لقي الله سارقاً، نحن اليوم في موضوع النية، إنما الأعمال بالنيات، نيتك محصلة دينك، محصلة معرفتك، محصلة توحيدك، محصلة استقامتك، محصلة تفكرك، محصلة أعمالك الصالحة، كل النشاطات الدينية تنتهي بالنية، كيف أن المجتمع مثلاً ثروته القومية، مع إنتاجه الزراعي، مع إنتاجه الصناعي، مع صادراته، مع موازنة صادراته، مع استيراده، كل هذا يسهم في تحديد سعر النقد عنده سعر النقد متعلق بمجمل النشاط الاقتصادي، كذلك مجمل النشاط الديني يتوج بنية الإنسان. من يأخذ ويعطي يملك أقدس شيء وهو ثقة الناس به : من استقرض قرضاً وهو ينوي قضاءه وكل الله به ملائكة يحفظونه، ويدعون له حتى يقضيه، يوجد قصة وردت في السيرة النبوية الشريفة، لعلها قصة رمزية إلا أن النبي رواها: (( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ رَجُلاً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يُسَلِّفَهُ أَلْفَ دِينَارٍ قَالَ ائْتِنِي بِشُهَدَاءَ أُشْهِدُهُمْ، قَالَ: كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا...)) [أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ] طبعاً لا يبنى حكم شرعي من هذه القصة. (("... قَالَ: ائْتِنِي بِكَفِيلٍ، قَالَ: كَفَى بِاللَّهِ كَفِيلاً، قَالَ: صَدَقْتَ فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَخَرَجَ فِي الْبَحْرِ فَقَضَى حَاجَتَهُ ثُمَّ الْتَمَسَ مَرْكَبًا يَقْدَمُ عَلَيْهِ لِلأجَلِ الَّذِي كَانَ أَجَّلَهُ فَلَمْ يَجِدْ مَرْكَبًا فَأَخَذَ خَشَبَةً فَنَقَرَهَا وَأَدْخَلَ فِيهَا أَلْفَ دِينَارٍ وَصَحِيفَةً مَعَهَا إِلَى صَاحِبِهَا ثُمَّ زَجَّجَ مَوْضِعَهَا ثُمَّ أَتَى بِهَا الْبَحْرَ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ قَدْ عَلِمْتَ أَنِّي اسْتَلَفْتُ مِنْ فُلانٍ أَلْفَ دِينَارٍ فَسَأَلَنِي كَفِيلاً فَقُلْتُ كَفَى بِاللَّهِ كَفِيلاً فَرَضِيَ بِكَ وَسَأَلَنِي شَهِيدًا فَقُلْتُ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا فَرَضِيَ بِكَ وَإِنِّي قَدْ جَهِدْتُ أَنْ أَجِدَ مَرْكَبًا أَبْعَثُ إِلَيْهِ بِالَّذِي لَهُ فَلَمْ أَجِدْ مَرْكَبًا وَإِنِّي اسْتَوْدَعْتُكَهَا فَرَمَى بِهَا فِي الْبَحْرِ.. )) [أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ] الوقت مقدس، حلّ الدين، طبعاً قصة رمزية ليس القصد أن نستنبط منها أحكاماً لكن القصد كي تروا كيف أن الأجل مقدس. ((... حَتَّى وَلَجَتْ فِيهِ ثُمَّ انْصَرَفَ يَنْظُرُ وَهُوَ فِي ذَلِكَ يَطْلُبُ مَرْكَبًا يَخْرُجُ إِلَى بَلَدِهِ فَخَرَجَ الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ يَنْظُرُ لَعَلَّ مَرْكَبًا يَجِيءُ بِمَالِهِ فَإِذَا بِالْخَشَبَةِ الَّتِي فِيهَا الْمَالُ فَأَخَذَهَا لأهْلِهِ حَطَبًا فَلَمَّا كَسَرَهَا وَجَدَ الْمَالَ وَالصَّحِيفَةَ ثُمَّ قَدِمَ الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ تَسَلَّفَ مِنْهُ فَأَتَاهُ بِأَلْفِ دِينَارٍ وَقَالَ: وَاللَّهِ مَا زِلْتُ جَاهِدًا فِي طَلَبِ مَرْكَبٍ لآتِيَكَ بِمَالِكَ فَمَا وَجَدْتُ مَرْكَبًا قَبْلَ الَّذِي أَتَيْتُ فِيهِ قَالَ: هَلْ كُنْتَ بَعَثْتَ إِلَيَّ بِشَيْءٍ، قَالَ: أَلَمْ أُخْبِرْكَ أَنِّي لَمْ أَجِدْ مَرْكَبًا قَبْلَ هَذَا الَّذِي جِئْتُ فِيهِ، قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَدَّى عَنْكَ الَّذِي بَعَثْتَ بِهِ فِي الْخَشَبَةِ فَانْصَرِفْ بِأَلْفِكَ رَاشِدًا )) [أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ] لعل القصة تشير إلى أن الإنسان عندما يحل أجل الدين، والأجل مقدس لأن الدائن بنى على الأجل أعمالاً، قال: أنا لي مبلغ كذا يأتيني في واحد الشهر، ومبلغ سوف يأتيني في خمسة الشهر، يهيئ مشروعاً، صفقة، جاء أول الشهر وخمسة الشهر لا يوجد شيء، أحياناً الإنسان عندما يأخذ ويعطي يملك أقدس شيء في الحياة وهو ثقة الناس به، تستطيع أن تأخذ مرة واحدة ولا تعطي، ولكن مرة ثانية انتهيت، أخطر شيء الإنسان أن ينتهي من بين أصدقائه، من بين إخوانه، من مجتمعه، يستطيع أن يلعب على الناس مرة واحدة، ولكن مرتين صعب، أما المؤمن فيأخذ ويعطي، هذا الأخذ والعطاء يكون اكتسب شيئاً لا يقدر بثمن وهو الثقة، ثقة الناس به، الحقيقة الموثوق أكبر غني، لأنه مهما طلب يعطونه الناس، والإنسان إذا ما وثق به فقير جداً، لو طلب أصغر مبلغ لا أعطيه مرسة يشنق نفسه بها، هكذا يقول الناس، وهذا من عدم وفاء الدين، طبعاً توقيع الإنسان و وعده يجب أن يحافظ عليه. من ملك ثقة الناس ملك كل شيء : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-5801/05.jpg يقولون: قصص رمزية ولكن والله لها معنى كبير، السلف الصالح إنسان وضع عند إنسان أمانة وهو يريد قضاء فريضة الحج، عاد بعد فريضة الحج غلط بالمحل، ودخل إلى محل قبله، وقال له: الأمانة، قال له: أي أمانة،؟ قال: التي أودعتها عندك قبل الحج، قال له: كم ليرة؟ قال: ثلاثين، فقال له: هذا المبلغ، خاف على اسمه، كان الناس يقولون: ألف غلبة ولا قلبة، اسم، الاسم متألق جداً، يوجد اسم لا يباع بمليار، اسم تجاري صدق، أمانة، أحياناً الإنسان يدين بضاعة ويقول لك: كأنها عندي، كأن ثمنها معي، يوجد شخص تخاف أن تعطيه أقل مبلغ، وشخص ولو طلب أكبر مبلغ تعطيه، فالإنسان الحقيقة إذا ملك ثقة الناس ملك كل شيء، وإذا الناس سحبت الثقة منه فقد كل شيء، يوجد مثل فرنسي أحياناً أنا أذكره: تستطيع أن تخدع الناس كلهم لبعض الوقت، وتستطيع أن تخدع بعضهم لكل الوقت، أما أن تخدع كل الناس لكل الوقت فهذا شيء مستحيل. الوصية من تمام النية في أداء الدَّين : يوجد شيء دقيق جداً في موضوع الدين، قال: من تمام النية في أداء الدين الوصية، أنت عندما تتدين مبلغاً ولا تكتب، يوجد مشكلة، من منا يضمن حياته لبعد ساعة؟ الإنسان أحياناً يموت بحادث، يموت بسكتة قلبية، بخثرة دماغية، أحياناً يسكت، يفقد ذاكرته، يفقد النطق، إذا استقرض مبلغاً من المال في حياته وما سجله و وافته المنية، ما الذي يحصل؟ هذا الدائن إذا جاء بعد الوفاة يطالب بدين بلا بينة لا يصدق، فإذا لم يعطَ تعلق حقه في ذمة الميت، وعذب بهذا الحق، فمشكلة كبيرة جداً، اكتب في وصيتك: فلان له عليّ مئة ألف ليرة تؤدى له بالتمام والكمال عند الوفاة، عند الوفاة التي تسبق الأجل المحدد، أنت استقرضت مئة ألف لسنة، إذا الإنسان مات قبل السنة يجب أن يكتب في الوصية ذلك، فكل شيء مكتوب يحل مشكلة. نظراً لأهمية الدين الشرع الحنيف جعل أداء الديون مقدماً على تنفيذ الوصايا. حسن القضاء في الدين : الآن يوجد عندنا موضوع ثان متعلق بالدين اسمه حسن القضاء في الدين: (( عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كَانَ لِي عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَيْنٌ فَقَضَانِي وَزَادَنِي وَدَخَلْتُ عَلَيْهِ الْمَسْجِدَ فَقَالَ: لِي صَلِّ رَكْعَتَيْنِ )) [البخاري عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ] طبعاً هذا الأداء الحسن أولاً غير مشروط، وغير متوقع، وغير مطلوب، أما إذا أديت الدين و زدت عليه تكريماً لهذا الذي أقرضك فهذا اسمه أداء حسن. (( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَقَاضَاهُ فَأَغْلَظَ فَهَمَّ بِهِ أَصْحَابُهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: دَعُوهُ فَإِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالاً...)) [البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-5801/06.jpg مسموح لصاحب الحق أن يشتد بالمطالبة، لذلك قالوا: صاحب الحاجة أرعن، صاحب الحاجة أعمى. طبعاً قد يقول أحدكم كيف كان هذا؟ يكون لأنه يوجد إنسان غير معصوم، الأعرابي غير معصوم، وغير مستقيم أحياناً، وغير منضبط، لكن ليظهر كمال النبي، ليظهر حلم النبي، ليظهر عفو النبي، والنبي مشرع وقدوة لنا. إذا إنسان تكلم بعصبية ورفع صوته لأنه صاحب حق، أنت اقبله لأنه محروق، لأنه صاحب حاجة، لأنه مضطر، وأعظم شيء بالإنسان أن يفهم الأمور لا من زاويته، بل من زاوية الآخرين، أساساً الناجحون في الحياة الذي يستوعبون الناس أحد خصائصهم ذلك، إذا إنسان وقف موقفاً قاسياً منهم لا ينظر إلى هذا الموقف من زاويته هو، بل من زاوية الطرف الثاني فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: (( ... دَعُوهُ فَإِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالاً...)) [البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ] أحياناً أنت موظف يأتيك مراجع جاء من بلد بعيد، وجاء البارحة فقلت له: تعال غداً، ينام في فندق ويدفع مبلغاً ضخماً، جاء في اليوم الثاني، وأنت مرتاح، تعال غداً أيضاً فخرج منه صوت عال، احلم عليه هو مسافر وأنت مقيم، هو نام في فندق، أنت في بيتك مرتاح، وهو على أحر من الجمر، فإذا إنسان له حاجة ورفع صوته تحمله، تصرف تصرفاً غير حكيم تحمله. ((... ثُمَّ قَالَ أَعْطُوهُ سِنًّا مِثْلَ سِنِّهِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلا أَمْثَلَ مِنْ سِنِّهِ فَقَالَ: أَعْطُوهُ فَإِنَّ مِنْ خَيْرِكُمْ أَحْسَنَكُمْ قَضَاءً )) [البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ] فهذا شاهد على أن النبي عليه الصلاة والسلام إذا أدى الدين يؤدي الدين ويزيد في الأداء تحت باب حسن أداء الدين، وقد ورد في الحديث الشريف: ((... لا قُدِّسَتْ أُمَّةٌ لا يَأْخُذُ الضَّعِيفُ فِيهَا حَقَّهُ غَيْرَ مُتَعْتَعٍ... )) [ابن ماجه عن أبي سعيد الخدري ] أي يأخذ حقه وهو مطمئن. الضعيف قوي حتى يأخذ حقه والقوي ضعيف حتى يعطي الحق : يروون عقب الحرب العالمية الثانية- الثالثة بدأت-الدمار عمّ فصار اجتماع في بريطانية في مجلس العموم، ورئيس الوزارة بدأ يسأل وزيراً وزيراً، كيف الصناعة عندك يا فلان؟ قال له: المعامل كلها مدمرة، كيف الزراعة عندك يا فلان؟ الحقول كلها محروقة، كيف الخزينة عندك يا فلان؟ الخزانة فارغة، لا يوجد وزير إلا قال له صفر، طبعاً عقب حرب مدمرة استمرت سنوات وحصدت خمسين مليون إنسان، معروفة عندكم هذه الحرب، فسأل وزير العدل قال له: كيف العدل عندك يا فلان؟ قال له: بخير، فقال: كلنا إذاً بخير، العدل جيد كلنا بخير، طبعاً يقول عليه الصلاة والسلام: ((... لا قُدِّسَتْ أُمَّةٌ لا يَأْخُذُ الضَّعِيفُ فِيهَا حَقَّهُ غَيْرَ مُتَعْتَعٍ... )) [ابن ماجه عن أبي سعيد الخدري ] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-5801/07.jpg الضعيف قوي حتى يأخذ حقه، والقوي ضعيف حتى يعطي الحق، هكذا قال سيدنا الصديق: "القوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه، والضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ الحق له"، هكذا قال سيدنا الصديق رضي الله عنه، ويقول الرسول صلى الله عليه: (( من انصرف غريمه عنه وهو راض صلت عليه دواب الأرض )) [ الطبراني عن خولة بنت قيس امرأة حمزة بن عبد المطلب] رجل له معك مال أديت له المال وقلت له: جزاك الله خيراً، قال لك: أنت أيضاً أديت المبلغ في الوقت المناسب وأنا شاكر جداً، إذا غريمك انصرف وهو راض عنك رضي الله عنك، إذا جاء غريمك قولوا له: ليس موجوداً، لا يوجد غيري لك معه مال؟ بدأ يكبر في الكلام، أخي هذه المحاكم لا أعطيك شيئاً، إذا انصرف عنك الغريم وهو متألم أنت كنت أمامه ذليلاً، ضعيفاً، تترجاه وتتوسل إليه، فلما ملكت المال وأصبح المال بيدك ومضى عليه سنوات وسنوات وطرق بابك تطرده وتقسو عليه!! ترفع صوتك أمامه وتدعوه إلى القضاء!! أساساً من يفعل هذا يمنع الخير في المجتمع، هؤلاء الذين وصفهم الله عز وجل بأنهم يمنعون الماعون: ((من انصرف غريمه وهو ساخط كتب عليه في كل يوم وليلة وجمعة وشهر ظلم )) [ الطبراني عن خولة بنت قيس امرأة حمزة بن عبد المطلب] (( عَنْ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَزَادَ أَحَدُهُمَا عَلَى الآخَرِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَوْ قَدْ جَاءَنَا مَالُ الْبَحْرَيْنِ لَقَدْ أَعْطَيْتُكَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا وَقَالَ بِيَدَيْهِ جَمِيعًا فَقُبِضَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ أَنْ يَجِيءَ مَالُ الْبَحْرَيْنِ فَقَدِمَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ بَعْدَهُ فَأَمَرَ مُنَادِيًا فَنَادَى مَنْ كَانَتْ لَهُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِدَةٌ أَوْ دَيْنٌ فَلْيَأْتِ فَقُمْتُ فَقُلْتُ: إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ لَوْ قَدْ جَاءَنَا مَالُ الْبَحْرَيْنِ أَعْطَيْتُكَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا فَحَثَى أَبُو بَكْرٍ مَرَّةً ثُمَّ قَالَ لِي عُدَّهَا فَعَدَدْتُهَا فَإِذَا هِيَ خَمْسُ مِائَةٍ فَقَالَ خُذْ مِثْلَيْهَا )) [البخاري عَنْ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ] المؤمن سهل في قضائه و في اقتضائه : أيها الأخوة، بحسب امرئ من البخل أن يقول: آخذ حقي ولا أدع منه شيئاً. أي لا أسامحك ولا بقرش. (( غَفرَ الله لرجل كان قبلكم سهلاً إذا باع، سَهلاً إذا اشترى، سهلاً إذا اقتضى)) [البخاري عن جابر بن عبد الله ] ((عن عُثْمَانَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ اشْتَرَى مِنْ رَجُلٍ أَرْضًا فَأَبْطَأَ عَلَيْهِ فَلَقِيَهُ فَقَالَ لَهُ: مَا مَنَعَكَ مِنْ قَبْضِ مَالِكَ؟ قَالَ: إِنَّكَ غَبَنْتَنِي فَمَا أَلْقَى مِنَ النَّاسِ أَحَدًا إِلا وَهُوَ يَلُومُنِي، قَالَ: أَوَ ذَلِكَ يَمْنَعُكَ، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَاخْتَرْ بَيْنَ أَرْضِكَ وَمَالِكَ ثُمَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَدْخَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْجَنَّةَ رَجُلاً كَانَ سَهْلاً مُشْتَرِيًا وَبَائِعًا وَقَاضِيًا وَمُقْتَضِيًا )) [أحمد عن عُثْمَانَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ] إذا باع هناك سهولة، تسامح، طيب نفس، تساهل، إذا اشترى هناك تساهل أيضاً، قال لك: أنا أحتاج والدين لبعد أسبوع معك دفعة من الدين؟ لا السند بعد أسبوع، هذا سهل القضاء، كن سهلاً في قضائك وفي اقتضائك. (( من حج عن أبويه أو قضى عنهما مغرما بعث يوم القيامة مع الأبرار)) [ الدار قطني عن ابن عباس] من أعظم الأعمال أن تقضي عن أبيك ديناً، أنت لست مكلفاً بذلك لكن من الوفاء أن تقضي عن أبيك ديناً. (( عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَلَفَ مِنْهُ حِينَ غَزَا حُنَيْنًا ثَلاثِينَ أَوْ أَرْبَعِينَ أَلْفًا فَلَمَّا قَدِمَ قَضَاهَا إِيَّاهُ ثُمَّ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ إِنَّمَا جَزَاءُ السَّلَفِ الْوَفَاءُ وَالْحَمْدُ)) [ ابن ماجه عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ] جزاء من أقرضك قرضاً أن تفي له هذا القرض وأن تشكره. من استقرض ولم يوف بعهده منع الخير في المجتمع : أيها الأخوة الكرام، من خلال هذا الدرس في موضوعيه، موضوع أثر النية في القرض، وموضوع الأداء الحسن ينبغي أن نتعامل مع بعضنا بعضاً وفق سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والآية الكريمة: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ [ سورة الأنفال: 33 ] قال العلماء: أنت فيهم أي سنتك مطبقة فيهم، والإنسان لأن يربح أخاً أكبر من أن يربح الدنيا وما فيها، أحياناً تربح المبلغ وتخسر أخوك، أنت أكبر خاسر لأن أخاك الذي خسرته سوف يتحدث عنك، وسوف تسقط في نظر المجتمع، أنا كما يبدو لي أن القرض يحل مشكلات كثيرة جداً، أما حينما استمرأ الناس أن يماطلوا من أقرضهم تجد مع تقدم الزمن يكاد هذا القرض ينعدم، قرض لا يوجد، مشكلة كثيرة ندور على أناس كثيرين يملكون المال ولا يقرضون، يبدو أن لهم تجربة مرة سيئة جداً، هذا الذي استقرض ولم يوف بعهده منع الخير في المجتمع، أحياناً أنت حينما تستقرض وتوفي تدعم الحق، وتعطي المقرض معنوية طيبة، وأن يعيد هذه الخبرة مع إنسان آخر. |
رد: العبادات التعاملية
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية الدرس : ( الثالث و الاربعون ) الموضوع : موازنة بين الصدقة و القرض الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. ورود القرض الحسن في القرآن الكريم : أيها الأخوة الكرام: مع الدرس الخامس من دروس القرض الحسن، القرض الحسن ورد في القرآن الكريم في خمس آيات، الآية الأولى في سورة البقرة: ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ [ سورة البقرة: 245 ] وفي سورة المائدة: ﴿ وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ﴾ [ سورة المائدة: 12 ] وفي سورة الحديد: ﴿ إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ ﴾ [ سورة الحديد : 18 ] وفي سورة التغابن: ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ ﴾ [ سورة التغابن: 11 ] وفي سورة المزمل: ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ﴾ [ سورة المزمل: 20 ] في خمس آيات في كتاب الله ربنا سبحانه وتعالى يأمر المؤمنين تارةً ويصفهم تارةً أخرى بأنهم يقرضون قرضاً حسناً. أنواع التجارة : الحقيقة أيها الأخوة التجارة نوعان: تجارة مع الناس وتجارة مع الله، التجارة مع الناس رابحة أو خاسرة، وإذا ربحتَ ربحت ربحاً معقولاً، عشرون بالمئة، ثلاثون بالمئة، أما إذا ربحت مئة بالمئة فتعد تاجراً فذاً، أما إذا ربحت مئتين بالمئة فشيء غير معقول، إلا أنك إذا تاجرت مع الله الربح ليس له حدود، التجارة نوعان تجارة مع العباد، وتجارة مع رب العباد، مع العباد تربح أو تخسر، وإذا ربحت فتربح بحدود معقولة، لكن التجارة مع الله عز وجل لا حدود لها، وكلها بالقرض الحسن، قال بعضهم: "القرض الحسن لا وفاء له إلا من خزائن رحمة الله". كيفية تعامل أصحاب النبي مع القرآن الكريم : لما نزل قوله تعالى: ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ [ سورة البقرة: 245 ] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-5802/01.jpg قال أبو الدحداح: الآن دققوا كيف يتعامل أصحاب النبي مع القرآن الكريم. قال زيد بن أسلم: لما نزل قوله تعالى ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ﴾ قال أبو الدحداح: فداك أبي وأمي يا رسول الله إن الله يستقرضنا وهو غني عنا؟ قال: نعم، يريد أن يدخلكم به الجنة، الله سبحانه وتعالى جعل القرض الحسن ثمن الجنة، القرض الحسن بمفهومه الواسع، أي عمل صالح هو قرض حسن، ليس القرض الحسن هو إعطاء المال، أي عمل صالح مع أي مخلوق من مخلوقات الله عز وجل هو قرض حسن، هذا الصحابي ما استوعب خالق الكون يستقرضنا!! فداك أبي وأمي يا رسول الله إن الله يستقرضنا وهو غني عنا؟ قال: نعم إنما يريد أن يدخلكم به الجنة، قال: فإني إن أقرضت ربي قرضاً حسناً يضمن لي ولصبيتي الجنة؟ فقال عليه الصلاة والسلام: نعم، فقال أبو الدحداح: يا رسول الله ناولني يدك، فناوله النبي الكريم يده، فقال: إن لي حديقتين إحداهما بالسافلة والأخرى بالعالية، والله لا أملك غيرهما قد جعلتهما قرضاً لله تعالى- هبة- فقال عليه الصلاة والسلام: اجعل أحدهما لله تعالى والأخرى دعها معيشةً لك ولعيالك، النبي اقترح عليه أن يجعل أحدها لله تعالى والثانية معيشةً له ولعياله، فقال أبو الدحداح: أشهدك يا رسول الله أني جعلت خيرهما لله تعالى، الأجمل الأكبر، وهو حائط فيه ستمئة نخلة. قال عليه الصلاة والسلام: إذاً يجزيك الله به الجنة. القرض الحسن تجارة مع الله : الآن وازنوا بين رجل معاصر أراد أن يعمل صالحاً وذهب إلى امرأته ليخبرها بهذا العمل الصالح، ماذا تقول له امرأته؟ وبين صحابية جليلة جاء زوجها ليخرجها من البستان. قال: فانطلق أبو الدحداح حتى جاء أم الدحداح وهي مع صبيانها بالحديقة تدور تحت النخل، فناداها يا أم الدحداح: قالت لبيك، قال: اخرجي فقد أقرضت ربي حائطاً - والله لو أنها امرأة معاصرة لصرخت بالويل-، قالت أم الدحداح: ربح بيعك بارك الله لك فيما اشتريت، ثم أقبلت على أبنائها تخرج ما في أفواههم وتنفض ما بأكمامهم حتى أفضت إلى الحائط الآخر.. ، هكذا كان أصحاب النبي، نزلت آية: ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ [ سورة البقرة: 245 ] أيها الأخوة، هذه تجارة مع الله القرض الحسن تجارة مع الله، مطلق العمل الصالح، قد تبذل من مالك، من وقتك، من جهدك، من خبرتك، من علمك، من جاهك، قد تعين مريضاً، قد تعين أرملةً، حيواناً مجروحاً، قد تعين مخلوقاً كائناً من كان، كله قرض حسن. القرض الحسن أفضل من الصدقة : الحقيقة ما سرّ أن القرض الحسن أفضل من الصدقة؟ http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-5802/02.jpg السر أنه ما كل إنسان يقبل الصدقة، أما كل إنسان إذا كان محتاجاً إلى المال يقبل القرض الحسن، وتبقى نفسه عزيزة رافع الرأس، دائرة الصدقة تضيق، لكن دائرة القرض الحسن تتسع، كل إنسان يكون له عمل، له بيت يضطر إلى قرض حسن، فإذا شاع القرض الحسن بين الأخوة المؤمنين حلت مشكلاتهم، القرض الحسن أوسع من الصدقة، شيء آخر بالحديث القدسي المعروف: ((إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَا ابْنَ آدَمَ مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي قَالَ يَا رَبِّ كَيْفَ أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي قَالَ يَا رَبِّ وَكَيْفَ أُطْعِمُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فُلانٌ فَلَمْ تُطْعِمْهُ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَسْقَيْتُكَ فَلَمْ تَسْقِنِي قَالَ يَا رَبِّ كَيْفَ أَسْقِيكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ اسْتَسْقَاكَ عَبْدِي فُلَانٌ فَلَمْ تَسْقِهِ أَمَا إِنَّكَ لَوْ سَقَيْتَهُ وَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي )) [مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ] هذا الحديث أصل وهو صحيح وقد ورد في الكتب التسع. حقيقة الدَّين : أخواننا الكرام هذا الحديث من أصول الدين: (( والله لأن أمشي مع أخ في حاجته خير لي من صيام شهر، واعتكافه في مسجده هذا )) [ الجامع الصغير عن ابن عباس] الاعتكاف أن تدع عملك ليلاً نهاراً في المسجد، صيام وصلاة والشهر ثلاثون يوماً، يقول النبي: (( والله لأن أمشي مع أخ في حاجته خير لي من صيام شهر، واعتكافه في مسجده هذا )) أيها الأخوة: السلف الصالح كانوا يفقهون حقيقة الدين، سيدنا ابن عباس كما قلت لكم رأى رجلاً ركبه الهم، قال: مالك؟ قال: عليّ ديون لا أطيق سدادها، قال: لمن؟ قال: لفلان، قال: أتحب أن أكلمه لك؟ قال: إذا شئت، فخرج من معتكفه، فقال له رجل فضولي: أنسيت أنك معتكف؟ قال: لا، لكنني سمعت صاحب هذا القبر والعهد به قريب لأن أمشي مع أخ في حاجته خير لي من صيام شهر واعتكافه في مسجدي هذا. تعلق القرض الحسن بكل عمل صالح : مرة ثانية أخواننا الكرام القرض الحسن لا يتعلق بالمال وحده يتعلق بكل عمل صالح، ابن سيدنا عمر رضي الله عنه قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ [ سورة البقرة: 261 ] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-5802/03.jpg قال عليه الصلاة والسلام: "ربي زد أمتي في كل سنبلة مئة حبة أي سبع سنابل، فنزل قوله تعالى: ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ [ سورة البقرة: 245 ] هاتان الآيتان متكاملتان، سيدنا عثمان - والقصة معروفة- أتته بضاعة من الشام دفعوا له ضعف ثمنها، بالمئة مئة وصلوا معه إلى خمسة أضعاف، قال: دُفع أكثر، قالوا: من دفع لك أكثر من هذا؟ قال: إنها لله عز وجل، وعدني الحسنى بعشرة أمثالها. سيدنا عمر رضي الله عنه كتب إلى ابنه عبد الله يوصيه قال: "أما بعد فإني أوصيك بتقوى الله عز وجل فإنه من اتقاه وقاه، ومن أقرضه جزاه، ومن شكره زاده، واجعل التقوى نصب عينيك وزاد قلبك". أيها الأخوة، القرض الحسن من أجلّ الأعمال الصالحة عند الله، الحقيقة القرض الحسن يؤكد صدق الإيمان. أدعية عن رسول الله نصح بها الغرماء : يوجد موضوع آخر في الدين، ولعل هذا من آخر دروس الدين، الإنسان أحياناً يكون عليه دين لا يطيق وفاءه، يوجد طائفة كبيرة جداً من الأدعية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كلها نصح بها النبي الغرماء. (( عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ الْمَسْجِدَ فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ مِنَ الأنْصَارِ يُقَالُ لَهُ أَبُو أُمَامَةَ فَقَالَ: يَا أَبَا أُمَامَةَ مَا لِي أَرَاكَ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ فِي غَيْرِ وَقْتِ الصَّلاةِ.. )) [أبو داود عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ] كلكم يعلم المؤمن عملي، يوجد نص ورد عن سيدنا عمر رأى رجلاً يقرأ القرآن في وقت العمل، قال له: إنما أنزل هذا القرآن ليعمل به أفتخذت قراءته عملاً؟ (( ... مَا لِي أَرَاكَ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ فِي غَيْرِ وَقْتِ الصَّلاةِ.. )) [أبو داود عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ] يوجد وقت للصلاة، و وقت للتهجد. ((... قَالَ هُمُومٌ لَزِمَتْنِي وَدُيُونٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: أَفَلا أُعَلِّمُكَ كَلامًا إِذَا أَنْتَ قُلْتَهُ أَذْهَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَمَّكَ وَقَضَى عَنْكَ دَيْنَكَ، قَالَ: قُلْتُ بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: قُلْ إِذَا أَصْبَحْتَ وَإِذَا أَمْسَيْتَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُبْنِ وَالْبُخْلِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ وَقَهْرِ الرِّجَالِ، قَالَ: فَفَعَلْتُ ذَلِكَ فَأَذْهَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَمِّي وَقَضَى عَنِّي دَيْنِي )) [أبو داود عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ] هذا الدعاء من أصح الأدعية. (( عَنْ سُهَيْلٍ قَالَ: كَانَ أَبُو صَالِحٍ يَأْمُرُنَا إِذَا أَرَادَ أَحَدُنَا أَنْ يَنَامَ أَنْ يَضْطَجِعَ عَلَى شِقِّهِ الأيْمَنِ ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ وَرَبَّ الأرْضِ وَرَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ فَالِقَ الْحَبِّ وَالنَّوَى وَمُنْزِلَ التَّوْرَاةِ وَالإنْجِيلِ وَالْفُرْقَانِ أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ كُلِّ شَيْءٍ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ اللَّهُمَّ أَنْتَ الأوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ وَأَنْتَ الآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ اقْضِ عَنَّا الدَّيْنَ وَأَغْنِنَا مِنَ الْفَقْرِ... )) [مسلم عَنْ سُهَيْلٍ] أنا أدعو أحياناً على المنبر: " الله صن وجوهنا باليسار ولا تبذلها بالإقتار، فنسأل شر خلقك، ونبتلى بحمد من أعطى وبذم من منع، وأنت من فوقهم ولي العطاء، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء". أحياناً الإنسان يكون على درجة عالية من الإيمان، على درجة عالية من الاستقامة، على درجة عالية من العمل الصالح، أنا أدعو وأقول:" اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم أقرر أعيننا من رضوانك"، يقول لك: عندي أرض تضاعفت مئة ضعف ويكشر، عندي وكالة، بيت، فيلا، كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم أقرر أعيننا من رضوانك. (( عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: أَتَى عَلِيًّا رَضِي اللَّهُ عَنْهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنِّي عَجَزْتُ عَنْ مُكَاتَبَتِي فَأَعِنِّي...)) [أحمد عَنْ أَبِي وَائِلٍ] أي عن وفاء ما عليّ لسيدي حتى يعتقني. ((... فَقَالَ عَلِيٌّ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ أَلا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ عَلَّمَنِيهِنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ كَانَ عَلَيْكَ مِثْلُ جَبَلِ صِيرٍ دَنَانِيرَ لأدَّاهُ اللَّهُ عَنْكَ، قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: قُلِ اللَّهُمَّ اكْفِنِي بِحَلالِكَ عَنْ حَرَامِكَ وَأَغْنِنِي بِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِوَاكَ )) [أحمد عَنْ أَبِي وَائِلٍ] هذا دعاء مأثور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، يوجد دعاء آخر: "اللهم فارج الهم وكاشف الغم، مجيب دعوة المضطرين، رحماء الدنيا والآخرة أسألك أن ترحمني برحمةً من عندك تغنني بها عن رحمة من سواك". الدعاء بإخلاص دعاء مستجاب : والله قبل أيام التقيت برجل صالح وهو يعمل بالتجارة، أقرض رجلاً مبلغاً كبيراً، وهذا الإنسان ليس جيداً وهو محتال، وقد أخذ من أناس كثيرين أموالاً طائلة، ويبدو أن هذا المال هلك، قال لي: والله صليت قيام الليل ودعوت في وقت السحر وقلت: يا رب هذا المال تعلم أنه حلال فرده لي، على ثلاثة أيام، يقسم بالله العظيم أن الله تعالى ألهم هذا المحتال أن يعطيه الدين، أعطاه إياه على دفعات ثلاثة ولم يعطِ أحداً غيره، أنا أقول لكم قيام الليل. ((إِنَّ اللَّهَ يُمْهِلُ حَتَّى إِذَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الأوَّلُ نَزَلَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ هَلْ مِنْ تَائِبٍ هَلْ مِنْ سَائِلٍ هَلْ مِنْ دَاعٍ حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ)) [مسلم عن أَبِي هُرَيْرَةَ] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-5802/04.jpg إذا ضاقت الحيل ليس لك إلا الله، ليس لك إلا أن تقوم الليل وتنفذ دعوة الله عز وجل، هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ قال لي: والله بعد أن يئست أن أسترد من مالي درهماً واحداً وعلمت أنه نصاب محتال وقد أخذ أموالاً طائلة من أناس كثيرين وامتنع عن الدفع، ما وجدت من حيلة إلا أن أدعو الله عز وجل، ثلاث ليالي وأنا أدعو الله عز وجل ليرد لي المال، فما كان من هذا المحتال بشكل أو بآخر وبسبب لا يعلمه أن ردّ له الدين على ثلاث دفعات، ولم يعطِ أحداً سواه. آلاف الشواهد أيها الأخوة، الله عز وجل يحب أن يريك آياته، وهذه من آياته، تدعوه ولا يستجيب لك؟ والدعاء في الدين، إذا رجل قال بإخلاص يا رب اقض عني الدين، يوجد إنسان ما عليه دين، ما أكثر الديون في هذا الزمان، ديون لا أطيق لها سداداً، والله عز وجل موجود، قلت لكم في الدرس الماضي: أحد أخواننا الكرام أصابه مصيبة في ماله، فذهب معظم رأس ماله، وعليه دين مليون وأكثر ولا يجد قوت يومه، أيضاً لا يوجد إلا الدعاء، الله عز وجل يسر له، بأقل من سنة قضى دينه، بظرف استثنائي وقلّما يقع، والقصة لها تفاصيل كثيرة، من أقل من عام مكنه الله أن يرد دينه، إذا كان لك دين اطلب من الله أن يرد لك إياه، وإذا عليك دين اطلب من الله أن يعينك على وفائه، والحديث الأساسي في هذا الموضوع: ((منْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ )) [البخاري عن أبي هريرة ] المتوفى لا يبرأ من دَينه إلا بالأداء : ذكرت لكم أن العام الماضي كنت في العمرة، بين المغرب والعشاء يوجد درس في الحرم النبوي قلت: أستمع إلى الدرس وسماع الدرس واجب، هذا المدرس ذكر حديثاً ذكرته لكم عدة مرات، أحد أصحاب النبي توفي فجاء النبي ليصلي عليه قال: أعليه دين؟ http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-5802/05.jpg (( عَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يُصَلِّي عَلَى رَجُلٍ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ فَأُتِيَ بِمَيِّتٍ فَقَالَ: أَعَلَيْهِ دَيْنٌ قَالُوا نَعَمْ دِينَارَانِ قَالَ صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ فَقَالَ أَبُو قَتَادَةَ الأنْصَارِيُّ هُمَا عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَنَا أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ فَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ وَمَنْ تَرَكَ مَالاً فَلِوَرَثَتِهِ )) [أبو داود عَنْ جَابِرٍ] هذه القصة لها تتمتها، أن النبي الكريم في اليوم التالي سأل ابن مسعود أدفعت الدين؟ قال: لا، سأله في اليوم الثالث أدفعت الدين؟ قال: لا، سأله في اليوم الرابع أدفعت الدين؟ قال: نعم، فقال عليه الصلاة والسلام: الآن ابترد جلده. استنبط العلماء أن المتوفى لا يبرأ من دينه بالضمان بل يبرأ من دينه بالأداء، حكم شرعي لو كفل دينه رجل تبقى ذمة المتوفى معلقة إلى أن يؤدى الدين. حقوق العباد مبنية على المشاححة : الآن نحن في موسم الحج، يوجد وهم عند الناس شائع أن الإنسان إذا حج بيت الله الحرام رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه، هذا الكلام صحيح وغير صحيح، هو حديث شريف، صحيح فيما بينك وبين الله، وليس صحيحاً فيما بينك وبين العباد، ما بينك وبين العباد لا يسقط إلا بحالتين بالأداء أو بالمسامحة، إذا حججت ألف حجة لابد من أن تؤدي ما عليك أو أن يسامحك الذي له عليك حق، أما تغتاب الناس، تأكل أموالهم، وتحج والله عز وجل يغفر لي، فهذا كلام فارغ، حقوق العباد مبنية على المشاححة. دعاء أداء الدَّين : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: إني ذو عيال وعليّ دين وقد اشتدت حالتي فعلمني دعاء إذا دعوت به رزقني الله ما أقضي به ديني، وأستعين به على عيالي، فقال: يا عبد الله توضأ وأسبغ الوضوء ثم صلِّ ركعتين تتم فيهما الركوع والسجود ثم قل: يا ماجد، يا واجد، يا كريم، أتوجه إليك بمحمد نبيك نبي الرحمة، يا محمد يا رسول الله إني أتوجه بك إلى الله ربك ورب كل شيء أن تصلي على محمد، وعلى أهل بيته، وأسألك نفحةً من نفحاتك، وفتحاً يسيراً، ورزقاً واسعاً، ألم به شعثي، وأقضي به ديني، وأستعين به على عيالي، هذا أيضاً حديث في أداء الدين، وكان عليه الصلاة والسلام يدعو ويقول: (( عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَدْعُو فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ فَالِقَ الإصْبَاحِ وَجَاعِلَ اللَّيْلِ سَكَنًا وَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ حُسْبَانًا اقْضِ عَنِّي الدَّيْنَ وَأَغْنِنِي مِنَ الْفَقْرِ وَأَمْتِعْنِي بِسَمْعِي وَبَصَرِي وَقُوَّتِي فِي سَبِيلِكَ)) [عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ] الدعاء الذي أدعوه دائماً: "اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا"، صلاح الدنيا يكون بالمال، المال قوام الحياة. يوجد دعاء قوله تعالى: ﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ﴾ [ سورة آل عمران: 26 ] يقول سيدنا جعفر: بورك لعبد في حاجة أكثر فيها من دعاء ربه كائنة ما كانت. أي إذا كان هناك مشكلة أصابتك ودعتك إلى أن تدعو الله كثيراً، هذه المشكلة بارك الله فيها، لماذا؟ لأنها سبب هذا الدعاء، أية مشكلة دعتك إلى أن تدعو الله بإخلاص، وبلهفة، وبإقبال، فهذه المشكلة مباركة لأنها سبب اتصالك بالله عز وجل. حرية المسلم كرامته وذله دَينه : قال أحدهم للآخر: أتحج وعليك دين؟ قال: نعم الحج أقضى للدين، كيف؟ الدعاء هناك مستجاب، العلماء يقولون: الإنسان إذا رأى الكعبة أول مرة له عند رؤيتها دعاء مستجاب، أنا أنصح أخواننا الذين ذهبوا إلى الحج أو العمرة أول مرة حينما تواجه الكعبة أول ما تواجهها ينبغي أن تدعو الله كثيراً، لأن لك عند الله دعاء مستجاباً، والحج كله دعاء. يقول أحدهم: ما احتجت إلى شيء استقرضته إلا استقرضته من نفسي، قالوا كيف؟ قال: أصبر على نفسي حتى أجد ثمنه، بدل أن أستقرض ثمنه وأتحمل ذلّ الدين أصبر على نفسي و أستقرضه من نفسي. قال بعض الشعراء: وإذا غلا شيء عليّ تركته فيكون أرخص ما يكون إذا غلا *** http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-5802/06.jpg إذا الناس تعودوا كل شيء غلى يتركونه الأسعار تهبط، كل شيء على، الإنسان لا يعظم شيئاً، شيء ارتفع سعره بشكل غير طبيعي، إذا زاد إقبال الناس عليه كان الاحتكار وكان الاستغلال، فإذا ارتفع ثمن شيء ارتفاعاً فاحشاً المعالجة الواعية بترك هذا الشيء، سمعت في بعض البلاد يوجد جمعيات تجول الأسواق، وتدرس الأسعار، فإن رأت أن سلعةً زاد سعرها بشكل غير طبيعي دعت الناس إلى ترك شرائها، إذا دعي الناس إلى ترك شراء هذه السلعة رجعت إلى سعرها المعتاد. قال بعض الشعراء: لقد كان القريض سمير قلبي فألهتني القروض عن القريض *** القريض الشعر، وألهته هذه الديون عن الشعر، بعضهم قال: حرية المسلم كرامته، وذله دينه، وعذابه سوء خلقه، وقال بعضهم: أربعة لا تستقل مهما كانت قليلة لها نتائج خطيرة، الدَّين، والنار، والعداوة، والمرض، الدين إذا كان قليلاً يدعو إلى مزيد من الدين، إذا إنسان استبرأ الدين يستدين أيضاً إلى درجة صار وفاؤه فوق طاقته، النار معظم النار من مستصغر الشرر، أحياناً دخينة تلقى في غابة تحرق خمسة وعشرين دونماً، أحياناً تحرق ثلاثمئة وخمسين دونماً. كل قضية في البداية أمرها سهل : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-5802/07.jpg هناك نقطة مهمة جداً، أحياناً تنشأ مشكلة أنت لا تبالي فيها تظن أنها ستبقى بهذا الحجم، بينك وبين صهرك، بينك وبين ابنتك، بينك وبين شريكك مثلاً، بينك وبين صديقك تنشأ مشكلة أنت تظن أن حجمها صغير وتعتقد أنها تبقى بهذا الحجم، لا، إذا أنت لم تعالجها سريعاً هذه المشكلة تتفاقم من مشكلة صغيرة جداً تصبح عداوة كبيرة جداً، العداوة تتفجر، والنار تتفاقم، والدَّين يكثر. والمرض يقول أخواننا الأطباء: القضية في البداية أمرها سهل، لو فرضنا ورماً خبيثاً في أوله سهل معالجته بالأشعة، بالاستئصال، أما إذا انتشر صار صعباً، أكثر الأمراض في البدايات سهلة جداً، أربعة لا تستقل. رجل شاعر كان مديناً فقال: ألا ليت النهار يـعود ليلاً فإن الصبح يأتي بالهموم حوائج لا تطيق لها قضاءً ولا رداً و روعات الغريم *** الشاعر أحمد شوقي معروف عندكم، كان من فصحاء الشعراء، وكان أمير الشعراء، مرةً حضر حفل تكريم بطل عالمي في رفع الأثقال فأنشأ قصيدة قال فيها: قل لي نصـير وأنت بر صادق أحملـــت إنساناً عليك ثقيلا أحملـت ديناً في حياتـك مرةً أحملت يوماً في الضلوع غليلا أحملت ظلماً من قريــب غادرٍ أو كاشح بالأمس كان خليـلا أحملت منا من بالنهار مكـرراً والليل من مسد إليك جميـلا أحمـلت طغيان اللئيم إذا اغتنى أو نال من جاه الأمور قليـلا تلــك الحيــاة وهذه أثقالها وزن الحديد بها فعاد ضئيـلا لمَ لا يَلِينُ لك الحـديدُ ولم تزَلْ تتلو عليه وتقرأ التنزيــلا؟ *** البطل لا الذي يحمل الأثقال هناك ديون لا تحتمل، هناك أغلال لا تحتمل، هناك ثقل لا يحتمل، هناك غدر لا يحتمل، هناك ظلم لا يحتمل، هناك قهر لا يحتمل، فحمل هذه الأثقال أشد على النفس من حمل الأثقال. البطولة هذا الذي يتحمل قال: ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى عدواً له ما من صداقته بد *** ما الذل؟ أن يقف الكريم بباب اللئيم ثم يرده، واللهِ والله مرتين لحفر بئرين بإبرتين، ونقل بحرين زاخرين بمنخلين، وكنس أرض الحجاز بريشتين، وغسل عبدين أسودين حتى يصيرا أبيضين، أهون علي من طلب حاجة من لئيم لوفاء دين. أقوال في الدَّين : سيدنا ابن عوف كان من أغنياء الصحابة، قيل له: بم نلت هذه الثروة؟ قال: لأني ما بعت ديناً ولا استقليت ربحاً، هذه خبرة في التجارة، تجارة الدين ليست تجارة، الدين هالك إلا ما رده الله. قال ابن جريج رآه سيدنا عمر وهو متقنع، فقال يا أبا خالد إن لقمان كان يقول: القناع بالليل ريبة وبالنهار مذلة، فقلت: إن لقمان لم يكن عليه دين، هو تقنّع ليهرب من غرمائه. سيدنا أبو عبيدة روى أن عمر بن الخطاب - وهذه قصة رهيبة جداً- أرسل إلى عبد الرحمن بن عوف يستسلفه أربعمئة درهم، سيدنا عمر يستلف من سيدنا ابن عوف أربعمئة درهم؟ فقال عبد الرحمن: أتستسلفني وعندك بيت المال ألا تأخذ منه ثم ترده؟ فقال عمر: إني أتخوف أن يصيبني قدري فتقول أنت وأصحابك اتركوا هذا لأمير المؤمنين حتى يأخذ من ميزاني يوم القيامة، ولكن أستسلفها منك لما أعلم من حرصك فإذا مت جئت واستوفيتها من ميراثي. وقال ابن المسيب: لا خير فيمن لا يجمع المال فيقضي به دينه، ويصل به رحمه، ويكف به وجهه. قال الطحاوي: ثلاثة يدعون الله فلا يستجاب لهم، رجل أعطى ماله سفيهاً وقد قال تعالى: ﴿ وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا ﴾ [ سورة النساء : 5 ] ورجل داين بدين ولم يشهد- لم يكتب إيصالاً فأنكر عليه الدين، هو المسؤول المقصر وهو أولى بالخسارة-. وقال حاتم الأصم: العجلة من الشيطان إلا في خمسة أمور؛ إطعام الطعام إذا حضر الضيف، وتجهيز الميت إذا مات، وتزويج البكر إذا أدركت، وقضاء الدين إذا وجب، والتوبة من الذنب إذا أذنب، العجلة في هذه الخمسة محمودة. كان عليه الصلاة والسلام جالساً وحياله جحر، ثقب في الأرض، فقال عليه الصلاة والسلام: "لو جاء العسر فدخل هذا الجحر لجاء اليسر حتى يدخل عليه فيخرجه فأنزل الله قوله تعالى: إن مع العسر يسراً". قال: ثلاثة تذهب عن القلب الحزن: صحبة العالم، وقضاء الدين، ومشاهدة الحبيب، إذا الإنسان أدى ما عليه وأخذ الإيصال يشعر نفسه صار خفيفاً، انطلق. أحد الحكماء قال: إني ذقت الطيبات كلها فلم أجد أطيب من العافية، وذقت المرارات كلها فلم أجد أمر من الحاجة إلى الناس، ونقلت الحديد والصخر فلم أجد أثقل من الدين. القرض الحسن و جزاؤه عند الله : أيها الأخوة، أرجو الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بهذه الموضوعات الخمس عن القرض الحسن، والقرض الحسن الناس الآن في أمس الحاجة إليه، إذا لك أخ تثق بدينه وبأمانته، وأنت ميسور وأحب أن يستقرض منك قرضاً، هذا القرض أعظم عند الله من الصدقة، وجزاء القرض الحسن أن الله يعطي الإنسان من خزائن رحمته، وخمس آيات أهمها قوله تعالى: ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ |
رد: العبادات التعاملية
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية الدرس : ( الرابع و الاربعون ) الموضوع : تعريف البيع والشراء الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. شطر الدين معرفة الله و تطبيق أوامره : أيها الأخوة الكرام، عطفاً على درس الجمعة وعلى آية سورة الجمعة وهي قوله تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾ [ سورة الجمعة : 2 ] فإذا كانت تلاوة الآيات الكونية الدالة على عظمة الله والاتصال بالله وتزكية النفس تطهيراً وتحلية هو علم الحقيقة فتعليم الكتاب والحكمة منه أي السنة النبوية المطهرة هو علم الشريعة، الشيء الأساسي في حياة المؤمن أنه بالكون يعرفه و بالشرع يعبده، أنت حينما تعبد الله تندفع اندفاعاً كبيراً لتطبيق أمره، إذاً شطر الدين أن تعرف الله وشطره الآخر أن تعرف أمره وأن تطبقه. البيع و الشراء : كنت في حيرة من موضوع جديد نتابع به دروس الأحد من موضوعات الفقه التي هي شديدة العلاقة بحياتنا اليومية، ما وجدت نشاطاً في حياة الإنسان المعاصر يدور مع الناس كيفما داروا كنشاط البيع والشراء http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4949/01.jpg إن كنت تاجراً تبيع وتشتري، وإن كنت مستهلكاً تشتري وتبيع، والبيع والشراء من أوسع النشاطات الإنسانية، فلذلك لأنه نشاط يومي وضروري وأساسي، ويدور مع الإنسان كيفما دار، لابد من معرفة أحكام البيع والشراء، لأن سيدنا عمر رضي الله عنه يقول: "من دخل السوق قبل أن يفقه وقع في الربا شاء أم أبى" دخول السوق، البيع، الشراء، التراضي، هناك عشرات أو مئات أنواع البيوع المحرمة، وهناك بيوع حلال مئة بالمئة، لذلك أردت في هذه الدروس التي نحن فيها، طبعاً درس الجمعة تفسير، درس الأحد سنة إما حديث أو فقه وكلاهما من السنة، فلذلك نبدأ بهذا الدرس، سلسلة دروس عن أحكام البيوع في الإسلام، لأنه لا يوجد رجل من أخواننا الحاضرين إلا يبيع ويشتري فإذا عرف أحكام البيع والشراء شعر براحةٍ تجاه ربه أنه سلك الطريق الصحيح في العلاقات المالية، ولا تنسوا أيضاً أن الأحكام الشرعية تسعون بالمئة منها متعلق بالنساء والبيع والشراء، بالنساء إثم، بالبيع والشراء عدوان، أحياناً الإنسان يستجيب إلى شهوة دون أن يؤذي أحداً، أحياناً يأخذ مالاً ليس له وقع في العدوان، فالمؤمن بعيد عن الإثم والعدوان. الدين كامل يغطي كل حاجات الناس : باب البيع واسع، أحكامه كثيرة ومتشعبة، وقضاياه متجددة، يوجد مئات بل بضع مئات من الأساليب المستحدثة في البيع والشراء لم تكن من قبل، إلا الذي يطمئننا أن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [ سورة المائدة: 3 ] ففي ضوء هذه الآية الكريمة لا يمكن أن تكون هناك حالة في البيع والشراء إلا وقد غطيت بحكم شرعي مستنبط من كتاب الله أو سنة نبي الله، لأن الدين كامل ويغطي كل حاجات الناس، حاجة الناس إلى البيع والشراء حاجة ماسة، معرفة هذه الأحكام من الضرورات الملحة، لذلك ننطلق في هذا الدرس من كليات البيع والشراء وفي دروس قادمة إن شاء الله تعالى ننتقل إلى التفاصيل. البيع لغة : البيع في اللغة مطلق المبادلة، أصل النشاط المعاشي للإنسان القديم المبادلة، ومعنى البيع في اللغة مطلق المبادلة، الحقيقة الإنسان عندما يشتري حاجة لو لم يرَ أن هذه الحاجة أثمن من ثمنها لما اشتراها، وأن البائع لو لم يرَ أن هذا الثمن أثمن منها لما باعها، حينما تشتري سلعة تتوهم أو تعلم أنها أثمن من ثمنها، وحينما تبيع حاجةً تتوهم أو تعلم أن ثمن هذا الشيء الذي تبيعه أثمن منه، من هنا يتم البيع والشراء. مرة قرأت كتاباً مترجماً عنوانه: "فن البيع"، أما مؤلف هذا الكتاب فتوسع في تعريف البيع توسعاً لا يصدق، المحامي يبيع ويشتري، يبيع خبرته ويأخذ ثمنها، كل إنسان إذا وسعت مفهوم البيع يأخذ ويعطي، يعطي علماً، يعطي سلعةً، يعطي قناعةً، يعطي توجيهاً ويأخذ ثمنه. فالبيع في اللغة: مطلق المبادلة، وقد عرفه بعض علماء اللغة فقالوا: إعطاء المثمن وأخذ الثمن، هذه مثمن أي ثمنت، وضع لها ثمن، إعطاء المثمن وأخذ الثمن، هذا تعريف الراغب الأصفهاني للبيع. الشراء: إعطاء الثمن وأخذ المثمن، أحياناً وقد تستغربون قال تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ﴾ [ سورة البقرة: 207 ] ما معنى يشري؟ أي يبيع، في اللغة العربية يبيع بمعنى يشتري ويبيع، ويشتري بمعنى يبيع ويشتري، فهذان الفعلان يتناوبان بالمعنيين التاليين، يسمى البيع شراءً ويسمى الشراء بيعاً فتقول: باعه الشيء وباع منه أي اشترى منه، يشري نفسه أي يبيع نفسه. التعريف الشرعي للبيع : أما التعريف الشرعي فنحن عندنا في المصطلحات مصطلح لغوي ومصطلح شرعي، الصلاة مصطلح شرعي، أن تتوضأ وتتجه نحو القبلة وأن تكبر وأن تقرأ دعاء الثناء والفاتحة وسورة وتركع وتسجد، أما الصلاة بمعناها اللغوي فاتصال، فنحن حينما نتحدث بالفقه نعول على المعنى الشرعي لا المعنى اللغوي، الحج القصد هذا المعنى اللغوي أما الشرعي فأن تقصد بيت الله الحرام في وقت معلوم وفي مكان معلوم، الصيام بالمعنى اللغوي إمساك، مطلق الإمساك، أما الصيام بالمعنى الشرعي فالإمساك عن الطعام والشراب وسائر المفطرات من طلوع الفجر الصادق إلى غياب الشمس بنية، هذا التعريف الشرعي. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4949/02.jpg البيع مطلق المبادلة أما شرعاً فنقل الملك بعوض جائز من إنسان إلى إنسان بثمن، يجوز قبضه وحيازته والانتفاع به. تعريف آخر للبيع والشراء، البيع مبادلة المال بالمال على سبيل التراضي، أؤكد لكم مرةً ثانية أنني ما اخترت هذا الموضوع إلا لأنه ما منا واحد على الإطلاق إلا يبيع ويشتري. مرة أناس يجلسون في ساحة محطة وقود جلسة سمر عصراً، يشربون النراجيل ويتحدثون، قال أحدهم: أتبيع هذه المحطة؟ قال له: نعم، قال: بكم؟ قال: بستمئة ألف، قال: اشتريت، كلام بكلام، وانفض المجلس وذهب كل في حال سبيله، ومضى عشر سنوات، للذي قال اشتريت صديق محامي يذكر له هذه الطرفة أن فلاناً قال لي تشتري؟ فقلت له: اشتريت، المحطة أصبح ثمنها عشرة ملايين ليرة، فهذا المحامي ولا أقره على عمله قال له: هذه المحطة لك، ألم تقل اشتريت أصبحت لك، فبالإسلام لا يوجد كتابة شيء دقيق جداً، قلت اشتريت انتقلت ملكيتها إلى الذي قال اشتريت، لو أن الشاري اشترط دفع الثمن ولم يدفع العقد لم ينعقد، إذا سكت البائع عن قبض الثمن وقال: بعتك، قال: قبلت، انتقلت ملكية المحطة من فلان إلى فلان وبقي ثمنها في ذمة الشاري، القصة طويلة أقيمت دعوة وجيء بالشهود لينطقوا أنه قال اشتريت، قال بعتك، وقال اشتريت فقط، يا سيدي ما دفع، الدفع موضوع ثان، ثمن هذه المحطة بقي في ذمته لمَ لم تطالبه؟ والقصة شهيرة جداً رواها لي أحد السادة المحامين، وشيء لا يصدق محطة وقود ثمنها عشرة ملايين تنتقل ملكيتها بستمئة ألف ليرة وهذا الذي حصل، سقت هذه القصة الغريبة الحادة كي يتنبه لها الإنسان. تشتري هذه الحاجة بكم تبيعها؟ بألف ليرة، فقال له: اشتريت، بعد دقيقة احترقت ينبغي أن تدفع ثمنها لأنها انتقلت ملكيتها إليك وتلفها على حسابك، أشياء كثيرة جداً في البيوع، يوجد مآس كبيرة جداً بسبب جهل الناس بأحكام البيع والشراء يتسرعون يقول: اشتريت؟ يقول: بعت، ما كتبنا، الكتابة مثبتة أما إذا أتيت بشهود سمعوك تقول بعتك فالبيع تمّ وانعقد، طبعاً هذه حادثة نادرة جداً حادثة محطة الوقود، لكن ذكرتها كي يتنبه الأخوة الكرام إلى القضية في البيع والشراء لا يوجد فيها مزاح إذا قلت اشتريت ويوجد شاهد انتقلت الملكية إليك. الرضا أحد شروط صحة البيع : من أدق التعاريف مبادلة مالٍ بمال على سبيل التراضي، يقول لك: التاجر راضياً لأنه غافل، لأنه جاهل، لو كشفت الحقيقة هل يرضى أن تبيعه سلعة المئة بألف؟ والنبي الكريم يقول: (( غبن المسترسل ربا، غبن المسترسل حرام )) [ الجامع الصغير عن جابر وعلي] قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ﴾ [ سورة النساء: 29 ] فالرضا أحد شروط صحة البيع، أما المال فهو كل ما يجوز تملّكه والانتفاع به والتصرف فيه، هل يجوز أن تتملك خنزيراً؟ لا، إذاً لا يجوز بيعه ليس مالاً، الخنزير، الخمر هذه أشياء لا تملك ولا تباع، تعريف المال: ما يجوز تملكه والانتفاع به والتصرف فيه بالبيع والهبة والصدقة وغير ذلك من وجوه التصرف شرعاً. تبادل المنافع : الحقيقة التبادل ليس مقصوراً على الأموال إنما هو عام وشامل، هناك تبادل المنافع إلا أن تبادل المنافع لا يسمى بيعاً، أحياناً تخدمه ويخدمك، تعلمه رياضيات يعلمك لغة عربية مثلاً، أي تعاونه بقضية ويعاونك بقضية، تبادل المنافع ليس بيعاً، البيع محصور فيما كان قائماً على أخذ شيء له ثمن على سبيل التراضي بين المعطي والآخذ، شرحت له مسألة رياضيات هذه منفعة، طبعاً لها أجرة لكن ليست بيعاً وهي اسمها جُعالة، التدريس والطبابة والمحاماة، أجر المدرس والطبيب والمحامي ليس بيعاً، ليس مبادلة مال بمال، ليس هناك عوض، هناك بذل جهد، هناك بذل عناية، الطبيب يستحق أجره ولو لم يشف المريض، المدرس يستحق أجره ولو لم ينجح الطالب، والمحامي يستحق أجره ولو لم تنجح القضية، إلا أن المحامي الذي يوقن أن هذه القضية لا تنجح، وأن اجتهاد محكمة النقد مناقض لأساسها، هذا المحامي لا يجوز أن يأخذ هذه الدعوى أصلاً، ولا يطمع الموكل أنها ستنجح، والمدرس الذي يوقن أن هذا الطالب سوف لا ينجح لا ينبغي أن يطمئنه تطميناً كاذباً، وكذلك الطبيب، أحياناً يكون المرض خبيثاً بالدرجة الخامسة ولا يوجد أمل بالشفاء، يقول إنسان: أفتح البطن وأنزع كتلة وأخيط فآخذ خمسين ألف ليرة، أحسن من بلاء، هذا لا يجوز الطبيب أجره جعالة وكذلك المحامي والمدرس، إلا أنه لابد من الأمل يكون هناك أمل بالمئة خمسين، بالمئة تسعين أما ما بلغت لا يوجد أمل إطلاقاً لماذا أخذت مال هذا المريض؟ مشروعية البيع في ديننا : طبعاً البيع والشراء يجب أن تعلموا علم اليقين أن هذا الشرع العظيم كل نشاطات الإنسان مغطاة بأحكام شرعية، الأحكام الشرعية تبدأ بالفرض، ثم بالمندوب، ثم بالواجب، بالمستحب، بالمباح، بالمكروه تنزيهاً، بالمكروه تحريماً، بالحرام، هذه الأحكام الخمس من الفرضية إلى التحريم مروراً بالواجب والندب والإباحة والكراهة، كذلك البيع والشراء تتناوله الأحكام الخمس يوجد بيع محرم، محرم أن تبيع لحم الخنزير، أدوات اللهو، محرم أن تبيع الخمر، ويوجد بيع فرض، ينبغي أن تبيع المواد الغذائية الأساسية عند الحاجة إليها دون أن تمتنع عن بيعها. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4949/03.jpg أيها الأخوة: الدليل القرآني على أن البيع مشروع في ديننا العظيم قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [ سورة البقرة: 275 ] هذا أكبر دليل، والدليل الثاني: ﴿ وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ ﴾ [ سورة البقرة: 282 ] طبعاً يوجد عندنا بيع الثمين وبيع الخسيس، كأس عرق سوس لا تحتاج إلى شهود تدفع ثمنها وتشرب لا يوجد بعتك وبعتني أشهد، المناولة فقط للأشياء الخسيسة هي بيع وشراء، أما الأشياء الثمينة بيت، مركبة، أرض، فأشهدوا إذا تبايعتم، هذا دليل آخر، والدليل الثالث، قال تعالى: ﴿ وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ ﴾ [ سورة البقرة: 282 ] أموالكم. الغش والتدليس أكل للمال بالباطل : الإله العظيم سمى مال أخيك مالك من زاوية واحدة، من زاوية الضرورة، العناية به والحفظ له، يجب أن تحفظ مال أخيك وكأنه مالك، أحياناً إنسان يشتري قماشاً وهذا القماش محمي أي أخذ حرارة زائدة فضعفت مقاومته، تمسك القماش بضغط بسيط يتمزق، ممكن أن تخيطه قمصاناً وتبيعه لا يأتي في بال الشاري لكن دفع خمسمئة ليرة، وفرح به على العيد وهو يلبسه صار قطعتين، أنت ماذا فعلت؟ أنت أكلت ماله بالباطل، يجب أن يلبس قميص بخمسمئة ليرة يعيش خمس سنوات، غسيل ولبس وكوي، من أول لبس تمزع، القماش مضروب، هناك إنسان باع طقم كنبات أول يوم صار في الأرض، ركض الشاري للبائع فقال له: الظاهر أنكم جلستم عليه. فلذلك أن تبيع حاجةً سيئةً فيها غش هذا أكل المال بالباطل، كل أنواع الغش والتدليس والاحتيال تعد أكلاً للمال بالباطل، لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل، كلمة بينكم تفيد أن الوضع الاجتماعي السليم أن تكون الكتلة النقدية بين أيدي الناس جميعاً، هذه رحمة الله عز وجل، الناس كلها تملك ثمن طعام وشراب ولباس وبيوت ومركبات، أما عرس بستين مليوناً وألف شاب لا يملكون غرفة يتزوجون بها فهذه مشكلة، معنى هذا الكتلة النقدية ليست متداولة بين أيدي الناس، لا تأكلوا أموالكم التي ينبغي أن تكون بينكم متداولةً، لئلا يكون دولة بين الأغنياء منكم. الحكمة من تحريم الربا : بصراحة كل طريقة تجمع الأموال بأيد قليلة و تحرم منها الكثرة الكثيرة هذه طريقة تدمر المجتمع، لماذا الربا محرم أشد التحريم؟ لماذا ربنا سبحانه وتعالى يتهدد آكل الربا بحرب من الله ورسوله؟ لأن شارب الخمر يؤذي نفسه، والزاني يؤذي نفسه وامرأة معه، أما المرابي فيؤذي مجتمعاً بأكمله، المال في هذا المجتمع ينتقل إلى أيد قليلة، الشيء الدقيق في الشرع أن الشرع رفض وحرم أشد التحريم أن يلد المال المال، تجلس في بيتك وتضع مئة مليون وتأخذ على المئة اثني عشر، أو ستة عشر، لا تعمل، ولا تقدم سلعة، ولا خدمة، ولا صنعة، ولا تزرع، ولا تعمل شيئاً، إلا أن المال يلد المال http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4949/04.jpg المال إذا ولد المال تجمعت الأموال في أيد قليلة وحرمت منها الأيدي الكثيرة، أما إذا ولدت الأعمال فالمال شيء دقيق جداً أيها الأخوة، أي محل تجاري إذا فتح يشغل خمسمئة إنسان من دون أن يشعر يحتاج إلى فواتير، حبر، مطبعة، ورق، المطبعة فيها موظفون، فيها محاسب، نقل البضاعة يحتاج إلى سيارة، وإلى من يحمل البضاعة، إلى سائق سيارة، إلى بنزين، تصليح سيارة، وأنت لا تدري فتحت مؤسسة بسيطة، خمسمئة إنسان يكسب من وراء هذه المؤسسة وأنت لا تدري. ملخص الملخص بلا تعقيدات فقهية المال يجب أن يتولد من الأعمال، هذا صنع باباً، مفروشات، هذا طبب، هذا حلق شعراً، هذا صلح كهرباء، هذا جَلَّسَ سيارة، هذا صحح محركاً، قدم شيئاً، إما زرع أو صنع أو تاجر أو قدم خدمات، أو خبرات، أو معونات، المال جاء على أثر عمل مشروع، أنت مرتاح، المال ولد المال غير مشروع، الربا أساسه أن المال يلد المال. لأن المال إذا ولد المال صار هناك غني وفقير، أما إذا الأعمال ولدت الأعمال فالكل في حق الحياة سواء. أركان البيع والشراء : 1 ـ التراضي : أخواننا الكرام، لا أريد أن أدخلكم في تفاصيل وفي خلافيات فقهية أنتم في غنى عنها، لكن أوضح لكم أركان البيع والشراء بشكل مبسط، أول ركن من أركان البيع والشراء أن يكون هناك من يدل على الرضا لنقل الملك من المالك إلى المشتري، صراحةً كأن يقول: بعتك هذا الشيء أو أعطيتك هذا الشيء بمبلغ كذا، بعتك هذا الشيء بمبلغ كذا، أو أعطيتك هذا الشيء بمبلغ كذا، أو ملكت هذا الشيء بمبلغ كذا، أو هو لك، أو هات الثمن، أو هو حلال عليك ونحو ذلك من أي لفظ يشعر بالرضا من انتقال المبيع من المالك إلى الشاري، لابد من أن يكون هناك رضا: ﴿ وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ ﴾ [ سورة البقرة: 282 ] بالأشياء الخسيسة المعاطاة تكفي أي يوجد حاجات ثمن الحاجة ليرتان وضعت ليرتين وأخذت الحاجة، الإشارة والمناولة تحل محل التراضي المعلن صراحةً في الأشياء الثمينة. الحقيقة لا يلزم في الإيجاب والقبول ألفاظ معينة، لأنه يوجد قاعدة أصولية: العبرة في العقود في المقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني. سؤال: لو قلت لأحدكم وهبتك هذا القلم بمئة ليرة، هذا عقد هبة؟ نوع العقد بيع واللفظ هبة، العقد بيع، لو قلت: بعتك هذا القلم بلا ثمن، هذا عقد هبة، العبرة بالعقود بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني، هذه قاعدة لا يوجد لفظ معين، أي لفظ يدل على الإيجاب والقبول، الإيجاب من قبل البائع والقبول من قبل الشاري مع التراضي صحّ البيع أي أكبر ركن من أركان البيع التراضي صراحةً، ضمناً، أو إشارة، أو تناولاً. 2 ـ الإيجاب والقبول : والشيء الثاني الإيجاب والقبول، إلا أنه تشتري هذا البيت؟ بكم، ثلاثة ملايين، سكت وجلس ربع ساعة، وذهب، بعد أسبوع المبلغ جاهز، ماذا جاهز أنت لم تقل اشتريت، ولم تقل قبلت الآن ثمنه خمسة ملايين ونصف. 3 ـ الإيجاب والقبول في مجلس واحد : لا يصح البيع إلا بالتراضي والإيجاب والقبول في مجلس واحد، لعل بعض العلماء يقول: تشتري هذه البيت، بكم؟ بثلاثة ملايين، ماذا طبخت اليوم؟ بامية، كبيرة أم صغيرة؟ صغيرة، بكم الكيلو أخذته؟ بندورة دبس أم عصير طازج؟ يجب أن يكون الإيجاب والقبول في مجلس واحد متصل، أما بعد أن دخل موضوع جديد انقطع المجلس، لو أنت قبلت قد لا يقبل البائع، أما إذا اختلف المجلس فالبيع لا يصح، التراضي، الإيجاب والقبول، وأن يتم الإيجاب والقبول في مجلس واحد متصل. 4 ـ توافق الإيجاب مع القبول حتى ينعقد البيع : يوجد حالة رابعة: تشتري هذا البيت؟ نعم أشتري، بكم؟ بثلاثة ملايين، لا بمليونين، ما توافق رقم البائع مع الشاري، البيع لم ينعقد لا بد من التوافق، صار التراضي، الإيجاب والقبول، وأن يتم الإيجاب والقبول في مجلس واحد متصل، وتوافق الإيجاب مع القبول حتى ينعقد البيع. 5 ـ أن يكون الإيجاب بلفظ الماضي : الآن يجب أن يكون الإيجاب بلفظ الماضي، بعتك، أما أبيعك فهذا ليس عقد بيع هذا عقد وعد بالبيع، هناك فرق، يجب أن يكون الإيجاب بالفعل الماضي، بعتك، تقول أنت: اشتريت بالماضي، أما أبيعك و أشتري فلا يصح، إلا أن العلماء يوجد عندهم حالة واحدة، إذا قلت له: أبيعك وناولته الشيء، وقال لك: أنا أشتري منك وأخذ الشيء منك ونقدك ثمنه، تبادل المبيع مع الثمن في الوقت الحاضر يجيز أن يكون الإيجاب والقبول في الفعل المضارع، أما أصل البيع فأن يستخدم الفعل الماضي بعتك واشتريت. 6 ـ أن يصدر البيع عن إنسان عاقل مختار : الآن حتى يصح البيع يجب أن يصدر البيع عن إنسان عاقل مختار، فكل إنسان أكرهناه بقوة السلاح على أن يبيع شيئاً العقد لا ينعقد، يجب أن يكون مختاراً، وأن يكون عاقلاً، فالمجنون بيعه باطل، والمكره بيعه باطل، فالمجنون لا يبيع ولا يشتري، المكره لا يبيع ولا يشتري ولو أتى بصيغة تدل على أنه راض، لا عبرة لرضائه ما دام كان مكرهاً، ولا عبرة لرضائه ما دام مجنوناً، العاقل والمختار يصح منهما الشراء والبيع، ولا يشترط أن يكون بالغاً، والصبي المميز يجوز بيعه وشراؤه بشرط أن يأذن له وليه بذلك. 7 ـ الإسلام ليس من شرط البيع والشراء : ولا يشترط الإسلام بالبيع والشراء، يمكن من أن تشتري من أهل الكتاب، يمكن أن تشتري من غير المسلمين، يمكن أن تبيع غير المسلمين، فليس من شرط البيع والشراء الإسلام، إلا أن السلاح لا يباع في زمن الفتنة. 8 ـ أن يكون مملوكاً للبائع : يشترط في المبيع أن يكون مملوكاً للبائع، مقدوراً على تسليمه، رجل مرة باع شخصاً حافلة تراب، قال له: كل يوم مئة ألف، فقال له: بكم؟ طبعاً هي طرفة هل يستطيع أن يسلمه الحافلة، يوجد أشياء لا تسلم، لابد من أن يكون المبيع مملوكاً من قبل البائع، وطاهراً، ولا يكون لحم الخنزير ولا الميتة ولا الخمر قادراً على تسليمه، يوجد أشياء لا تسلم. 9 ـ أن يكون مباحاً تملكه : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4949/05.jpg شيء آخر: يجب أن يكون مباحاً تملكه، معلوم القدر والصفة منتفع بها، هذه شروط الشيء المبيع. هذه أركان البيع بشكل إجمالي، التراضي صراحةً أو ضمناً أو إشارةً أو تعاطياً، الإيجاب والقبول، الإيجاب من البائع والقبول من المشتري في مجلس واحد متصل مع توافق الإيجاب والقبول ثلاثة بثلاثة وأن يكون الإيجاب والقبول باللفظ الماضي، بالمضارع لابد من قرينةٍ تدل على أن الإيجاب تمّ بصحة تامة والقبول تمّ بصحة تامة، الإيجاب والقبول يجب أن يصدرا عن مميز مختار، فالمجنون بيعه باطل وشراؤه باطل، والمكره بيعه باطل وشراؤه باطل. الإسلام ليس شرطاً في صحة البيع لك أن تبيع غير المسلمين ولك أن تشتري منهم، يشترط في المبيع أن يكون مملوكاً، طهراً، مقدوراً على تسليمه للمشتري، مباحاً تملكه، معلوم القدر والصفة، منتفع به. البيع والشراء نشاط أساسي في حياة الإنسان : أيها الأخوة، إلا أن الشرع الحكيم استثناءً من بعض أركان المبيع هناك حالات، مثلاً بيع الأخرس يجوز، بيع الأعمى، بيع المزايدة، هذه أنواع من البيوع جازها الشرع تمشياً مع مصالح المسلمين، بيع السلم، بيع العرايا، هذا إن شاء الله نأخذه في درس قادم؛ بيع الأخرس يجوز، بيع الأعمى، بيع المزايدة، بيع السلم، بيع العرايا، هذه بيوع أجازها الشرع، ويوجد بيوع محرمة على الإطلاق، نبدأ بالبيوع التي أجازها الشرع والبيوع التي حرمها الشرع، لكن أريد أن أقول لكم، نشاط البيع والشراء نشاط أساسي في حياة الإنسان حتى لو كان موظفاً، دخله محدود لابد من أن يشتري الحاجات، فحينما يسلك المؤمن الذي عرف الله الأسلوب الصحيح في البيع والشراء يضمن أن بيعه صحيح، وأن هذه اللقمة التي يأكلها حلال هو وأولاده، وقلت لكم قبل قليل: "من دخل السوق من دون فقهٍ أكل الربا شاء أم أبى"، ويوجد أساليب من البيع لا تعد ولا تحصى بعضها محرم، وبعضها مكروه، وبعضها باطل، وبعضها فاسد، فالإنسان لابد من أن يستيقن من أحكام البيوع لأنها أحد أدوات سلامة علاقته مع الله عز وجل. أحياناً ترى طفلاً صغيراً غير مميز باعك حاجة بثمن بخس، أنت مؤمن، نحن قلنا: طفل مميز، علامة تمييزه أن السعر معقول، أما أحياناً بربع الثمن لا يعرف، وأنت مؤمن لا تشتري منه نبهه للثمن، وضعه أبوه في المحل وذهب للغداء، فرح بنفسه وباع ونسي صفراً وأنت مؤمن، كثير من الحالات يوجد بيع بسعر غير معقول، المؤمن يتفقه لكي لا يقع في الحرام. حدثني أخ اشترى حاجة بسعر مرتفع من يوم لضعفين أو ثلاثة، منع استيرادها ارتفع سعرها، جاء إلى بائع فباعه على السعر القديم، فذهب إلى البيت ولم يستطع أن ينام، في اليوم الثاني قال له: البضاعة ارتفع ثمنها إلى ثلاثة أضعاف وأنت مخير وأنا جاهز فأخذ نصف الفرق إكراماً له، يوجد مؤمن رضا الله عز وجل أغلى عنده من أي شيء، ومن أي سلعة، والبيع والشراء -كما قلت لكم- نشاط يومي، لا يوجد رجل إلا يبيع ويشتري، أنا واقف أمام شخص وضع نوعين من الطماطم، نوع الكيلو بليرتين، ونوع بستة، لاحظت رجلاً عبأ من الذي ثمنه بستة ليرات و وجههم من الذي ثمنهم بليرتين وزان، أربعة كيلو وأعطاه على الكيلو ليرتين، صدقوني مثل هذا الإنسان ينبغي أن يضع صلاته وصيامه بالحاوية، هذه سرقة. يوجد أساليب كثيرة جداً إما غلط في الحساب، أو يأخذ شيئاً غير صحيح، هذا الشيء لا يسمى شطارة، هذا يسمى معصية وسرقة مبطنة، فالإنسان ينتبه ليس كل شيء رخيص يشرى، إن شاء الله في الدرس القادم ننتقل إلى بعض البيوع التي أباحها الشرع الحكيم، وفي الدرس بعد القادم ننتقل إلى بيوع حرمها الشرع، ثم هناك أحكام تفصيلية هذه فيما أعتقد نحتاجها أشد الحاجة. |
رد: العبادات التعاملية
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية الدرس : ( الخامس و الاربعون ) الموضوع : البيوع المحرمة - 1 - بيع المكره و التلجئة و الهازل الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. البيع والشراء : أيها الأخوة الكرام، قبل أربعة دروس تكلمت عن موضوع البيوع، وذكرت أن أوسع نشاط للإنسان هو البيع والشراء، ما منا واحد على الإطلاق إلا يشتري ويبيع، ولأن الحرمة في البيع قد تدخل في بيوعنا ونحن لا ندري، فلذلك وقتها أردت أن أبدأ سلسلة دروس حول البيع والشراء ثم بدأت بالدرس الأول، وعرفت البيع، ثم ذكرت أركان البيع الصحيح، ووعدتكم أن أتابع الموضوع ولسبب أو لآخر وجدت موضوع الكبائر مهم جداً فبدأت في موضوع الكبائر ولم أصل إلى كل الكبائر بل إلى الكبائر التي لا تعرف أنها كبائر. البيوع المحرمة : 1 ـ بيع المكره : والآن نعود إلى موضوع البيوع ونبدأ بالبيوع المحرمة، هناك أناس كثيرون يبيعون أو يشترون والحرمة واضحة في بيعهم أو شرائهم، ومن هذه البيوع وهي كثيرة جداً - لكن نقف عند أبرزها- بيع المكره، لا يجوز لأحد أن يكره أحداً على بيع شيء، فإن من باب أكل أموال الناس بالباطل، أي هناك سرقة وهناك إكراه على بيع و هذا نوع من السرقة آخر، كما أن السرقة أكل لأموال الناس بالباطل، كما أن الغش في البيع أكل لأموال الناس بالباطل، كذلك أن تكره إنساناً على أن يبيع شيئاً هو في أمس الحاجة إليه هذا نوع من البيوع المحرمة الباطلة بيع المكره، وهو إثم كبير وحرام عظيم، الدليل قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ﴾ [ سورة النساء: 29 ] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4950/01.jpg من أكل أموال الناس بالباطل أي تلجئهم إلى بيع ما في أيديهم إكراهاً، معنى هذا أنك أنت أقوى، استخدمت قوتك في إجبار الناس على بيع ما في حوزتهم، والتراضي كما تعلمون، ﴿ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ ﴾ أي الإنسان عندما يبيع حاجةً يبيعها وهو بأعلى درجات الرضا، وحينما يشتري حاجة يشتريها وهو بأعلى أنواع الرضا، فإذا كان هناك رضاً من البائع مثله بالإيجاب، ورضاً من الشاري مثله بالقبول، إذا تمّ الإيجاب والقبول فالبيع صحيح، إلا أنه لا بد من ملاحظة، هو أن الرضا بحسب ما يسمع، لو سمعت أن هذه السلعة اشتريتها بمئة بعتها له بمئة وعشرة، أما إذا اشتريتها بعشرة وبعتها له بمئة وقلت له: اشتريتها بتسعين، لو كشفت الحقيقة يرضى؟ هناك من يفهم التراضي أنك إذا أعطيته معلومات مغلوطة فرضي، لا، ينبغي أن يرضى فيما لو كشفت الحقيقة، بل إن بعض العلماء يقول: إذا باع أحد سلعة مكرهاً لا ينعقد البيع أصلاً، لأن هذا من باب أكل أموال الناس بالباطل. تقديم مصلحة المجموع على مصلحة الفرد : يوجد استثناءات، نريد أن نوسع طريقاً فلابد من أن نجبر صاحب الأرض على أن يبيع هذه الأرض لمصلحة المسلمين العامة، وحينما تقتضي مصلحة المسلمين العامة أن نجبر أحداً من المسلمين على بيع أرضه، أو على بيع بيته، يجب أن نعوض ما يساوي ثمنها حقيقةً، يوجد عندنا استثناء لأن القاعدة الأساسية أن مصلحة المجموع مقدمة على مصلحة الفرد فأحياناً نضطر إلى إنشاء جسر، أو فتح طريق، أو إنشاء مدرسة، أو بناء مسجد، الحاكم هو الذي يقرر المصلحة العامة، عندئذ يجبر صاحب الأرض أو العقار على بيع أرضه ولكن الخطأ ألا نعطيه حقه، يجب أن نعطيه الثمن الحقيقي لهذه الأرض. تقديم حق الغرماء على مصلحة الفرد : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4950/02.jpg يوجد حالة أخرى مسموحة؛ إنسان يوجد عليه ديون وقد أعلن إفلاسه، طبعاً نحن نكرهه على أن يبيع دكانه أو مركبته أو بيته في المصيف من أجل أن نسدد عنه الدين للغرماء. على كلٍّ مصلحة المسلمين مقدمة على مصلحة الفرد، وحق الغرماء مقدم على مصلحة الفرد، في مثل هاتين الحالتين يمكن أن نكره إنساناً على أن يبيع ما بحوزته وفاءً لديونه، أو تحقيقاً لمصلحة ثابتة للمسلمين، قلت مصلحة ثابتة، لأنه أحياناً تتخذ المصلحة ذريعةً لمصلحة شخصية، أما الشيء الذي ينبغي ألا ننساه فهو أنك إذا أكرهت إنساناً على أن يبيع شيئاً لمصلحة المسلمين العامة أو سداداً للغرماء ينبغي أن تعطيه حقه كاملاً لا أن تعطيه عشر حقه. لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق : أحياناً الإنسان يغيب عن ذهنه إذا كنت أنت موظفاً و أوكل إليك تقييم هذه الأرض وقيّمتها بعشر ثمنها نظراً لما تملك من سلطة لا تنجو من عذاب الله، أنت و وظيفتك مسؤولان عند الله عز وجل عن تقييم هذه الأرض بعشر ثمنها، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، حقوق، وكلكم يعلم أن حقوق العباد مبنية على المشاححة وحقوق الله عز وجل مبنية على المسامحة، وكلكم يعلم أن الحق البشري لا يسقط إلا بالأداء أو المسامحة، هذا بيع الإكراه محرم قطعاً، معنى الإكراه أنه يوجد إنسان قوي والمالك ضعيف والذي أكرهه قوي، ما من قوي إلا وهناك من فوقه أقوى منه، فوق كل قوي أقوى، فوق كل عليم أعلم، والإنسان إذا خاف الله فيمن دونه كفاه الله فيمن فوقه. أحياناً إنسان يجد أن الطرف الآخر ضعيف لا يملك أن يشتكي، هذا الإكراه على البيع من البيوع المحرمة التي لا تنعقد أصلاً، حتى لو أكرهنا أحداً لمصلحة المسلمين أو أداءً لحقوق الغرماء ينبغي أن نعطيه حقه بالتمام والكمال. 2 ـ بيع التلجئة : البيع الثاني، بيع التلجئة، قد يجد المرء نفسه مضطراً لبيع صوري خوفاً من ظالم، أحياناً هناك من سيأخذ أمواله كلها مصادرةً بغير حق ظلماً وعدواناً، فإذا باع بيته بيعاً صورياً هذا البيع اسمه بيع التلجئةِ، أي ألجِئ إلى بيع بيته كي ينجو من المصادرة الظالمة http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4950/03.jpg لو فرضنا إنساناً عليه ديون وباع أملاكه كلها ليفر من أداء الديون هذا بيع غير صحيح، أو هو لا يعتبر عند الفقهاء بيع التلجئة، لأن البيع من أجل أداء الحقوق، أما إذا كان هناك حقوق، إذا كانت أملاكه سوف تصادر ظلماً وعدواناً عندئذ مسموح له أن يبيع بعض ممتلكاته بيع التلجئة، يتفق مع رجل أن يتظاهرا ببيع شيء حتى لا يأخذه الظالم، نقول الظالم لأنه يوجد استملاك ظالم أو مصاردة ظالمة، إلا أنه لو أن الذي سجلته باسمه ادعى أنه له أنت بعته بيعاً شكلياً من أجل أن ينجو هذا البيت من المصادرة الظالمة، والذي اشترى هذا البيت- وهذا والله وقع- أنا حدثني أخ: إنسان اضطر أن يبيع بيته بيع تلجئة لشخص، والبيت ثمين جداً، وهذا الذي باعه إياه قريبه، بعد أن تملّك البيت في السجلات الرسمية قال هو لي ولن أعيده إليك وبقيا في المحاكم ثماني سنوات. بيع التلجئة أن تبيع بعض ما تملك خوفاً من اغتصاب ظالم، فالذي تملك البيت لا يحق أن يقول هذا البيت بيتي سجل باسمي، وقد حصل أمام القاضي العقاري إيجاب وقبول، الجواب هذا البيع لا يصح ولا ينعقد عند جمهور الفقهاء، ولو كان البيت باسمك، وما أكثر البيوت بأسماء غير صاحبيها، كما قلت قبل قليل: هذا البيع لا يصح ولا ينعقد لأن نية البيع غير موجودة، وإنما الأعمال بالنيات، والتراضي بين البائع والشاري معدوم. الأمور بمقاصدها : زارني شخص وحدثني عن إنسان له ابن أخ شقي تاجر بالمخدرات صار عليه ديون كثيرة جداً، فصاحب الدين هدد أقرباءه وأقنع امرأةً ساذجة على أن تطوب بيتاً ثمنه أربعون مليوناً لكن كضمانة من أجل ستة ملايين، بعد أن طوبت له البيت من أجل أن تحفظ ابن أخيها ادعى الذي طوب له البيت أنه ملكه، أنا لا أتكلم من هواء، أتكلم من وقائع، هناك أناس كثيرون يخافون ظلماً ينقلون البيت إلى قريب فإذا بهذا القريب تسول له نفسه أن يغتصب هذا البيت، ما الحكم الشرعي في هذه الحالة؟ قال: هذا البيت لا يصح ولا ينعقد عند جمهور الفقهاء، لأن نية البيع والشراء غير متحققةٍ، والتراضي بين البيع والشاري معدوم، والأمور بمقاصدها، هذه قاعدة أصيلة بالفقه، أنا أقول مثلاً: بعتك هذا المصحف الشريف بلا ثمن، أنا أقول: بعتك هذا عقد هبةٍ عند الفقهاء، أنا أقول: وهبتك هذا المصحف الشريف بألف ليرة مع أن كلمة هبة جعلته بيعاً، وكلمة بيع جعلته هبةً، فالأمور بمقاصدها. هذا البيع - قال العلماء - من الحيل المباحة شرعاً، أي إذا كان ممكن أن تخسر مالك الذي حصّلته بطريق مشروع وبكد يمينك وعرق جبينك، أن تخسره اغتصاباً من قبل ظالم لك أن تحتال وأن تبيع هذا الشيء لشخص آخر، أما هذا الشخص الذي اشتراه لو أنه ادعى أنه ملكه فالجواب إن البيع في الأصل لن ينعقد ولن يصح، لأن نية البيع في الأصل لم تصح، والتراضي بين البائع والشاري غير موجود قطعاً، هذا بيع التلجئة، أن ينعقد بيع التلجئة انعقاده محرم. 3 ـ بيع الهازل : قال: ومثله بيع الهازل، ذكرت لكم قبل عدة دروس أن إنساناً يجلس جلسة مسائية مع أصدقاء له في محطة وقود، فقال له أحدهم: أتبيع هذه المحطة؟ قال: أبيعها، قال بكم؟ قال: بستمئة ألف، قال: اشتريتها، والبيع هزل بهزل، لا أحد حرك ساكناً ولا إنسان دفع مبلغاً ولا إنسان سلم، بعد ست أو سبع سنوات لهذا الذي قال: اشتريت محامياً حدثه بالقصة فقال له: هي لك، ودخلا بالقضاء واستطاع تملّك هذه الكازية بعشر ثمنها، أما هو إذا أثبت أن هذا البيع هازل فلا ينعقد، أحياناً الإنسان يتسلى تشتري أنا أبيع، بعتك تسلية فقط، مزاح، تمضية وقت فراغ، لا يوجد نية بيع ولا شراء، قال: هذا بيع الهازل لا ينعقد أصلاً، لو أن الذي قال اشتريت تمسك بهذه الكلمة وقال: هو لي، قال: القاضي مكلف أن يستمع إلى قرائن من قبل البائع تؤكد أنه هازل، وينبغي أن يحلف اليمين حتى يلغى هذا العقد. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4950/04.jpg ألم يقل مرة سيدنا معاوية لسيدنا عمرو بن العاص وكان عمرو بن العاص من دهاة العرب، قال: يا عمرو ما بلغ من دهائك؟ قال: ما دخلت مدخلاً إلا أحسنت الخروج منه، فقال له معاوية: لست بداهية أما أنا فما دخلت مدخلاً أحتاج أن أخرج منه، أيهما أهون أن تدخل في مأزق وأن تجهد لتخرج منه أم ألا تدخل أصلاً؟ هذا بيع الهازل، يوجد دعوة ويمين وأدلة وقرائن، فإذا ما أديت الأدلة والقرائن وما حلفت يميناً ينعقد البيع وقد يكون بثمن بخس، فما أحوجك إلى أن تحتاج هذا الموضوع كله؟ فعليك ألا تتحدث عن بيع وشراء إلا جاداً، ثلاثة جدهن جد وهزلهن هزل، منها الطلاق والعتاق والزواج، أحياناً الإنسان وهو يمزح، أريد أن أتزوج فلانة، تكون فلانة إنسانة فاتها قطار الزواج وصلتها هذه الكلمة غرقت في نشوة ما بعدها نشوة، وبدأت تفكر وتحلم طوال الليل، متى سيأتي خاطباً؟ أين سأسكن؟ أسكن مع أهلي، والقصة كلها هو يهزل بها هزلاً، أن تمزح بموضوع الزواج هذا مزاح ممنوع، موضوع الطلاق ممنوع، موضوع العتاق ممنوع، موضوع البيع والشراء ممنوع، عقاب الذي يمزح يقع البيع إذا لم تأت بقرائن، لابد من أن تأتي بقرائن للقاضي حتى لا ينعقد هذا البيع. تعريف العاقل : أخواننا الكرام، تعريف العاقل هو إنسان لا يندم، حينما تندم معنى هذا أنه يوجد عمل خطأ أساسه تفكير خطأ، أو عدم تفكير، نتج عن عدم التفكير أو عن التفكير خطأ، عمل خطأ، والعمل الخطأ نتج بعده ندم، حينما تندم أنت عطلت عقلك أو أسأت استخدامه فالعاقل لا يندم لأن العقل في أساسه أن ترى الشيء قبل أن يقع، هذا العقل. ذكرت قبل يومين في درس الفجر أن البهيمة الحيوان يخاف بعينه والإنسان يخاف بعقله، فأنت انظر متى ترتدع عندما ترى المرض لا سمح الله؟ ضربت مثلاً الدخان أنا أعرف أناساً كثيرين خمسة شرايين بقلبهم مسدودة من الدخان، أعرف أناساً كثيرين أصيبوا بسرطان بالرئة من الدخان بعد أن أصيبوا أقلعوا، ما الذي أخافهم؟ عينهم لا عقلهم، أما لو إنسان قرأ مقالة عن الدخان وكيف أن الدخان يجلط الدم وأن احتمال إصابة الإنسان بالجلطة من بين المدخنين ثمانية أمثال، وأن الدخان يسرع القلب وتضطرب له الأعضاء، واحتمال سرطان الحنجرة والرئة قائم، واحتمال الغر غرين قائم، وهو إتلاف للمال بغير مبرر، وقد قال بعض العلماء: المدخن الغني مبذر والفقير سفيه لأنه ينفق ماله بلا طائل لما يضره، والغني مبذر، ولا يوجد إنسان حينما يبدأ الدخان يقول: بسم الله الرحمن الرحيم، ولا يوجد إنسان عندما ينتهي يقول: يا ربي لك الحمد، لا تسمي ولا تحمد، لأن أساسه غير صحيح، أنا شاهدي إذا خفت بعقلك فأنت إنسان، أما إذا خفت بعينك فأنت دون مستوى البشر قال تعالى: ﴿ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ﴾ [ سورة الفجر: 24] ﴿ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [ سورة المؤمنون: 100] عشرات الآيات تبين أن الإنسان لا يرى الحقيقة عندئذ لات ساعة مندم، أما البطل فهو الذي يرى الحقيقة قبل أن تقع، المهندس يقول لك: هذا البناء خطر يجب أن تخليه، الساكن إذا كان غير مثقف لا يستعمل عقله يقول لك: أين أذهب؟ لا يوجد لي مكان آخر، إذا وقع البيت خلال ثوان يشعر أنه كان ينبغي أن يخرج، خاف بعينه. بيع الهازل يحتاج إلى أن تأتي بقرائن، وأن تحلف اليمين على أنك هازل، وهناك أدلة تقنع القاضي بها لئلا ينعقد البيع، وأنا ذكرت هذا من قبل، الإسلام لا يحتاج إلى ورق بالأساس، زوجتك وقبلت، وبعتك واشتريت، الإسلام شفوي الورق للتأكيد، أما إذا قام شهود على أنك قلت أنك بعت، وشهود على أنك قلت اشتريت، فينعقد البيع والشراء. 4 ـ بيع المضطر : الآن بيع آخر محرم، البيع الأول بيع المكره، المكره يوجد جهة خارجية أكرهته، وبيع التلجئة باع بيعاً صورياً لينجو من اغتصاب ظالم، وأما بيع الهازل فهو الذي جعل من البيع والشراء موضوعاًً للهزل والسخرية، أما بيع المضطر، قد يضطر الإنسان لبيع شيء مما يمتلكه لسداد دين حل سداده، أو لأي ضرورة من ضرورات الحياة، فيعرض هذا الشيء على بعض من يعلم حاله، فهل يجوز أن يشتريه منه أو لا يجوز؟ الجواب: يقول لك: مضطر أخذناه بنصف قيمة، طبعاً المكره يوجد جهة أكرهتك، والتلجئة أيضاً من داخل نفسك أقمت بيعاً شكلياً، أما بيع المضطر فبيع حقيقي والدافع ذاتي، وأكثر المشترين إذا شعروا بالحاسة السادسة أن هذا البائع مضطر يبخسون بالثمن، والله أعرف إنساناً باع شيئاً بربع قيمته لضرورة قاهرة، لعملية جراحية، فهذا الشاري ظن أنه ذكي جداً، وأنه شاطر جداً، وأنه هكذا الشراء، هذا بيع المضطر، قال: يجوز أن يشتريه منه بالثمن المتعارف عليه، البيع صحيح ولا شيء عليك إذا اشتريت هذا الشيء من مضطر بسعره الحقيقي، أو بسعر لا يشعر البائع أنه غبن به، أحياناً الإنسان سعّره بمئة باعه بتسعين لا يوجد مشكلة، هو مضطر للمال والفرق بسيط، أما سعّره بمئة باعه بخمس أو بعشر فهذه يسمونها بالعلوم الحديثة عقود إذعان، عقود الإذعان غير صحيحة، الشاري مذعن، أكره على أن يبيع بهذا السعر، قال ولا يجوز. أيها الأخ: أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة، قبل أن تصلي وقبل أن تحج هل علاقاتك المالية شرعية؟ العلماء قالوا: لا يجوز، بيع حرام أن يشتريه منه بثمن بخسٍ انتهازاً لحاجته للبيع، أو استغلالاً لظروفه المحرجة التي يمر بها، فإن ذلك ليس من الدين في شيء، طبعاً قد تقول أنت: هو عرض بهذا السعر، عرض بسعر وأنا كاسرته لماذا باعني؟ هذا كلام غير مقبول، هو باعك لأن ابنه ينتظر عملية جراحية، يوجد طبيب توقف عن العملية قال: أحضروا لي مئة وخمسين ألفاً، ولما جاؤوا بهذا المبلغ من جهات عدة، عدّ هذا المبلغ ورقة ورقة، أحياناً يوجد حالات تبيع حاجاتك بربع قيمة، بيع المضطر، إذا اشتريت هذه الحاجة بسعرها الحقيقي، أو بسعر أقل بقليل لكن الذي باعها ما شعر أنه غبن قال: هذا بيع صحيح، أما إذا شعر البائع أنه مغبون بشكل غير معقول فهذا البيع لا يجوز أصلاً وهو بيع محرم. من غبن إنساناً في بيعه عاقبه الله : يوجد نقطة أحب أن أذكر أخواننا بها، يوجد شيء اسمه إذا إنسان باع عن طيب نفس، باع وهو راض فالذي اشترى هذه الحاجة يهنأ بها، والله عز وجل يبارك له فيها، وهناك آلاف الأمثلة حينما تشتري حاجة اضطراراً تتعطل بيديك، يصيبها الخلل، قد تضيع منك http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4950/05.jpg أنا أذكر إنساناً يوجد عنده سيارة فيها عيب خطير فباعها، قال لي وهو لا يشعر: بعتها ولبستها لشخص، وظن نفسه ذكياً جداً وحقق إنجازاً عظيماً لأنه خلص منها، وذهب إلى طرطوس، واشترى سيارة من الوكالة، وقال لي: أخذتها كحلي، في اليوم الخامس والله ضربت ضرباً شوهها بكاملها جاءني وهو مضطرب، قلت له: ألم تقل لي قبل يومين أنك لبست السابقة لإنسان؟ الله كبير. أخواننا الكرام، إذا الإنسان اشترى حاجة من إنسان مضطر بنصف ثمنها الله جل جلاله لا يبارك له فيها، مرة قال لي أخ كلمة وهو صديق عمل، قال لي: لي والد صالح أردت أن أذهب إلى قبرص في العيد لا يوجد مكان في الطائرة، لي أصحاب أقوياء تمكنت عن طريق أصحابي أن ألغي حجز اثنين بتهمة، فقال له والدي: إذا ذهبت إلى هذا المكان للاستجمام لن تسعد، وإن ذهبت إلى هذا المكان لن تربح لأنه مبني على ظلم إنسان، ذهب - القصة طويلة - أصابه خوف، أول ليلة لم يجد فنادق ولا درجة ثانية ولا رابعة ولا بيوت ولا سكن، سائق التاكسي دعاه لعنده في البيت، في منتصف الليل والد سائق التاكسي دخل عليه بشكل مخيف، فظن أنه دخل ليقتله لأن معه مالاً، فقال لي: يجب أن أغير مكاني لأن الفرشة ابتلت من شدة الخوف، فوضع المال بوجاء الحمام، قال: أصابني خوف ما أصبت به بحياتي. العمل الصالح ثمن رقي الإنسان عند ربه : يقول له: أبقِ الحاجة عندك وسأقرضك ما يكفيك لهذه الأزمة، هذا أشرف موقف عندئذ ترقى عند الله، أخوك المؤمن عرض لك حاجة بنصف ثمنها لأنه مضطر وأنت معك مبلغ من المال قل له: دع الحاجة عندك وأنا سأقرضك هذا المبلغ لوجه الله، أنت ترتقي عند الله عز وجل، أي حتى لو باعك الشيء بأقل من سعره الحقيقي بقليل أنت الأكمل والأورع أن تترفع عن هذا القليل، وأن تعاونه إما بالشراء بالسعر المساوي للقيمة أو أن تقرضه هذا المبلغ لوجه الله تعالى. (( حَدَّثَنَا شَيْخٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ قَالَ: خَطَبَنَا عَلِيٌّ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ أَوْ قَالَ قَالَ عَلِيٌّ: يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ عَضُوضٌ يَعَضُّ الْمُوسِرُ عَلَى مَا فِي يَدَيْهِ، قَالَ: وَلَمْ يُؤْمَرْ بِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ( وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ) وَيَنْهَدُ الأشْرَارُ، وَيُسْتَذَلُّ الأخْيَارُ، وَيُبَايِعُ الْمُضْطَرُّونَ، قَالَ: وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الْمُضْطَرِّينَ وَعَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ وَعَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ أَنْ تُدْرِكَ )) [أبو داود عن شَيْخٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ] 5 ـ بيع المجنون : إذاً أول بيع بيع المكره، جهة قوية أكرهت إنساناً على بيع ما في يده. البيع الثاني: بيع التلجئة، هذا من الحيل المشروعة تلافياً للظلم، وبيع الهازل، وبيع المضطر، وبيع المجنون، قال: في شروط البيع أن يكون البائع عاقلاً، فلا يجوز بحالٍ بيع المجنون، وأقول مرة ثانية: أنا لا أتحدث من فراغ، هناك أناس معهم لوثة جنون، باعوا معظم ممتلكاتهم بأرباع أثمانها، وقد حدثني أخوان كرام عنهم، مشكلة كبيرة هذا أمر ظاهر لا يحتاج إلى بيان، لأن المسألة لو أن المجنون يفيق في بعض الأوقات ويجن في بعضها فباع أو اشترى في الوقت الذي يفيق فيه صح بيعه وشراؤه، وسائر العقود عند جمهور الفقهاء بشرط أن تقوم على ذلك بينة، مجنون لكن تأتيه نوبات متباعدة، بعيداً عن هذه النوبات المتباعدة باع بيتاً بسعر معقول، ويوجد قرائن على أنه عاقل في وقتها، قال: هذا البيع عند جمهور الفقهاء يصح لأنه الجنون ليس ثابتاً بل نوبياً، والجنون وحالة العقل التي باع بها البيت هناك قرائن تؤكد أنه يشعر بملكاته التامة، لابد أن يشهد على هذا البيع شاهدان من العدول على أنه باع واشترى في وقت كان فيه عاقلاً. 6 ـ بيع من خفّ عقله وضعف رأيه : آخر موضوع في هذا الدرس، بيع من خف عقله وضعف رأيه، يوجد أشخاص قرارهم في البيع والشراء غير حكيم، سريعو البيع وسريعو الشراء، هذا يقال له خف عقله، أحياناً يشتري بشكل غير معقول من دون تدقيق، من دون فحص البضاعة، وأحياناً يبيع بشكل غير معقول، لا يجوز بيع من خفّ عقله جداً ولا شراؤه، بل يجب الحجر عليه لقوله تعالى: ﴿ وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا ﴾ [ سورة النساء: 5 ] من تحرى الحلال بارك الله له : نحن بالدرس الماضي ذكرنا أن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴾ [ سورة المنافقون: 9 ] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4950/06.jpg ذكرت أن الإنسان لو اشتغل بالمال عن ذكر الله فقد اشتغل بالخسيس عن النفيس، المعنى المخالف لهذه الآية: لو أن الإنسان لم يشغله ماله عن ذكر الله، طلب المال عمل جيد وضروري لأن المال قوام الحياة، أوضح مثل ترى شاباً الطرق أمامه مسدودة، لا يوجد عنده بيت، ولا أثاث، ولا زوجة، حينما يكسب المال ويتزوج فيحصن نفسه يشتري بيتاً صغيراً، يأوي إلى بيت تطمئن نفسه، يسعد فتاةً أخرى، يشكل أسرة هي أساس المجتمع، هذا الذي سمح له بعمل. أنا أذكر لكم قول سيدنا عمر حينما سأل أحد الولاة قال له: ماذا تفعل إذا جاءك الناس بسارق أو ناهب؟ قال: أقطع يده، قال: فإن جاءني من رعيتك من هو جائع أو عاطل فسأقطع يدك. أحد الأخوة الكرام، يوجد عنده معمل وعنده ثمانون عاملاً، قال لي: العمل ضعف كثيراً، أنا أفكر أن أغلق المعمل وأرتاح، عندي مال يكفيني إلى نهاية حياتي، قلت له: وهؤلاء الثمانون عاملاً ماذا تفعل بهم؟ لو أنك لم تربح شيئاً، لو أن الأرباح صفر إلا أن حركة البيع والشراء تغطي المصاريف أنت الآن تقوم بعمل عظيم، ما هو هذا العمل العظيم؟ أنك تمد ثمانين أسرة بحاجاتهم، والسيد المسيح يقول: "ليس بالخبز وحده يحيا به الإنسان"، ما كل ربح مال يوجد أرباح معنوية، أحياناً يكون أخ عنده بيت زائد عن حاجته يؤجره إلى شاب مؤمن وشابة مؤمنة متزوجان، يوجد بيوت تؤجر في الليلة الواحدة بعشرة آلاف ليرة ماذا يجري فيها؟ قيام ليل، وهو يعلم ماذا يجري في هذه الليلة الواحدة، أما إن أجره إلى أسرة شريفة مؤمنة بعشر الأجرة المعقولة، هذا الدخل فيه بركة، ما معنى بركة؟ أي الله عز وجل يعطيك من الشيء القليل شيئاً كثيراً، أنا والله أجد هذا الشيء واضحاً في حياة بعض الأخوة، ترى دخله محدوداً، وصحته جيدة، ولباسه أنيقاً، وأولاده تربيتهم عالية، كيف يدبر نفسه بهذا الدخل؟ يوجد بركة، الله عز وجل يتم عليه الصحة هو وزوجته وأولاده، والأشياء يشتريها من منابعها وفي أوقات محددة، بذخ لا يوجد عنده، تبذير لا يوجد عنده، إسراف لا يوجد عنده، والله عز وجل يحفظ هذه الأسرة، فإذا الإنسان آثر الدخل القليل الحلال على الدخل الكبير الحرام الله عز وجل يبارك له بهذا الدخل القليل، الإنسان عندما يتحرى الحلال الله عز وجل يطرح في رزقه البركة، ترى بشيء قليل فعل الشيء الكثير. الحكمة من أن الحلال صعب و الحرام سهل : المال ضروري جداً لكن لحكمة أرادها الله عز وجل بالغةٍ بالغةٍ، جعل الكسب الحلال صعباً، وجعل الكسب الحرام سهلاً، قال لي أخ: والله مقصف يبيع الخمور، فيه رقص، ولحوم، وفنانون وفنانات، قال: أربعة ملايين ونصف ربحه في خمسة وأربعين يوماً أقسم بالله، معنى هذا أن الرزق الحلال صعب والحرام سهل، لو الله عكس الآية لو جعل الحلال سهلاً والحرام صعباً لأقبل الناس جميعاً على الحلال لا حباً بالله ولا تعبداً له ولكن طلباً للوفرة، ولأعرض الناس عن الحرام لا خوفاً من الله ولا كراهيةً له، ولكن تلافياً للخسارة، أما الآية فمعكوسة الله جعلك أمام امتحان صعب، أحياناً يوجد أعمال أرباحها وفيرة لكن فيها شبهات، يوجد أعمال أرباحها قليلة ولكن فيها صلاح المجتمع، لذلك قال عليه الصلاة والسلام: ((من بات كالاً في طلب الحلال بات مغفوراً له)) [رواه ابن عساكر عن أنس ، والطبري عن ابن عباس ] لا تفرح بالكثير الخبيث افرح بالقليل الطيب: (( الإِيمانُ قَيَّدَ الفَتْكَ لا يَفْتِكُ مؤمِن )) [ أخرجه أبو داود عن أبي هريرة ] المؤمن مقيد بآلاف القيود، هذه القيود أوسمة شرف. تعريف السفيه في اللغة : أخواننا الكرام هذه الآية الكريمة، المؤمن على هدى، ماذا تفيد على؟ تفيد الاستعلاء، الهدى يرفعك، الهدى كله قيود ومع ذلك يرفعك، والضلال كله تفلت ومع ذلك يكون معه مرض نفسي، أو كآبة، أو يدخل السجن، يكون متفلتاً والتفلت يؤدي إلى أن تفقد حريتك، والاستقامة والعفاف تؤدي إلى أن ترتفع عند الله عز وجل، قال تعالى: ﴿ قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [ سورة سبأ: 24 ] السفيه في اللغة من خفّ عقله جداً إلى درجة لا يحسن فيه التصرف، يلحق بالسفيه الصبي غير المميز، أيضاً هذا بيعه لا ينعقد، صبي غير مميز، يوجد صبي ذكي يبيع ويشتري أفضل من والده، الصبي غير المميز بيعه لا ينعقد يلحق بمن خف عقله أو ضعف رأيه. الصدق و الأمانة يوصلان الإنسان إلى الله : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4950/07.jpg العلماء قالوا: أما من خفّ عقله بعض الشيء وضعف رأيه إلى حد ما بحيث يدرك شيئاً ويغيب عنه آخر، قال: هذا يجوز بيعه بحيث يقول لمن باعه أو اشترى منه لا تخدعني، أحياناً يكون هناك رجل خبراته محدودة، أنا بذمتك إذا خدعتني، رأيه ضعيف والشاري ورع، اشترى منه وأعطاه سعره الحقيقي. يوجد رجل من الأغنياء تزوج امرأة دون أن تعلم زوجته الأولى، الزوجة الأولى رأته تغير عليها، وهي حصيفة وذكية، دققت وأرسلت من يعلمها أين يذهب، عرفت أنه تزوج امرأة ثانية، انظروا إلى الورع ثم أن هذا الزوج توفاه الله عز وجل فما كان من زوجته الأولى إلا أن أرسلت بنصيب الزوجة الثانية إلى بيتها، ما كان من الثانية إلا قالت للأولى: والله طلقني قبل أيام وليس لي عنده شيء، هذا مجتمع، مجتمع عظيم، عندما يكون هناك أمانة وصدق نرقى، أساساً سيدنا جعفر ذكر للنجاشي عن الإسلام، قال له: "وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة"، الدين كله أمانة وصدق، أما الصوم والصلاة فمن أجل أن تقطف ثمار الأمانة والصدق، إذا أنت أمين وصادق واتصلت بالله عز وجل ترى الطريق سالكاً، أما إذا لا يوجد أمانة ولا صدق فلن تصل إلى الله عز وجل. خيار الشرط : لذلك: ترك دانق من حرام خير من ثماني حجج بعد حجة الإسلام. ((عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانٍ قَالَ هُوَ جَدِّي مُنْقِذُ بْنُ عَمْرٍو وَكَانَ رَجُلاً قَدْ أَصَابَتْهُ آمَّةٌ فِي رَأْسِهِ فَكَسَرَتْ لِسَانَهُ وَكَانَ لا يَدَعُ عَلَى ذَلِكَ التِّجَارَةَ وَكَانَ لا يَزَالُ يُغْبَنُ فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ لَهُ: إِذَا أَنْتَ بَايَعْتَ فَقُلْ لا خِلابَةَ ثُمَّ أَنْتَ فِي كُلِّ سِلْعَةٍ ابْتَعْتَهَا بِالْخِيَارِ ثَلاثَ لَيَالٍ فَإِنْ رَضِيتَ فَأَمْسِكْ وَإِنْ سَخِطْتَ فَارْدُدْهَا عَلَى صَاحِبِهَا)) [ ابن ماجه عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانٍ] إذا إنسان لم يتأكد من السعر اشترى بيتاً، لعله مصادر، لعله مرهون، قال له: أعطيني خياراً، الخيار بالبيع موجود، اطلب خياراً ثلاثة أيام هذا بيع شرعي، إما أن تقول وافقت أو لم أوافق، ويوجد حالات يقول فيها العلماء: "من اشترى ولم يرَ فله الخيار إذا رأى" أنت خذ خيار الشرط على أن أبحث في السجلات الرسمية عن وضع هذا البيع، فإذا ظهر أن عليه رهناً، أو ضريبة، أنا في حل من هذا العقد، وأهم هذه الشروط خيار الشرط، أنت يوجد عندك قضية ما بحثتها، أنا عندي هذا الشرط أنا أريد البيت نظيفاً من كل رهن أو مشكلة أو كل ضريبة سابقة، أعطني ثلاثة أيام خيار شرط. الذي أريد أن أقوله لكم: جزء كبير من عبادتك بيعك وشراؤك، أنت تصلي الصلاة عبادة، تصوم، تحج، لكن إذا في البيع يوجد خطأ اليوم درسنا بيع من ضعف عقله، بيع المجنون، بيع المضطر، بيع الهازل، بيع التلجئة، بيع المكره، هذه كلها بيوع محرمة ولا تنعقد أصلاً إلا بحالات كما ذكرت قبل قليل، وإن شاء الله تعالى في درس قادم نتابع هذه الأنواع المحرمة، وبعد أن ننتهي منها ننتقل إلى الأنواع الجائزة، نكون قد أخذنا فكرة عن حقيقة البيع والشراء، وعن شروط البيع والشراء، وعن أركان البيع والشراء، وعن أنواع البيع المحرم، وأنواع البيع الجائز، حتى الإنسان يبيع ويشتري وهو مطمئن أنه وفق الشرع، يقول سيدنا عمر: "من دخل السوق قبل أن يتفقه أكل الربا شاء أم أبى"، وقع في الربا. |
رد: العبادات التعاملية
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية الدرس : ( السادس و الاربعون ) الموضوع : البيوع المحرمة - 2 - بيع النجس والمتنجس الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. الدين المعاملة : أيها الأخوة الكرام، بدأنا في الدرس الماضي الحديث عن أنواع البيوع المحرمة، و وعدتكم أن أتابع هذا الموضوع في هذا الدرس، وما اخترت لكم موضوع البيوع إلا لأن كل إنسان كائن من كان لابد من أن يبيع أو يشتري، فإذا صحّ بيعه وصح شراؤه، واستقامت وجهته إلى الله سبحانه وتعالى، لأن الدين كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في التعبير الجامع المانع: الدين المعاملة. ذكرت هذا كثيراً من قبل أن هنالك عبادات تعاملية، وهناك عبادات شعائرية، فالصلاة والصوم والحج عبادات شعائرية، والبيع والزواج والطلاق عبادات تعاملية، فإن صحت عباداتك التعاملية صحت عباداتك الشعائرية، بل إن النبي عليه الصلاة السلام حينما قال: (( بُنِيَ الإسْلامُ عَلَى خَمْسٍ شَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وإقامة الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَصَوْمِ رَمَضَانَ )) [البخاري عن عبد الله بن عمر ] يستفاد من هذا الحديث أن العبادات شيء والإسلام شيء آخر، الإسلام بناء أخلاقي، الإسلام صدق، الإسلام أمانة، الإسلام إنصاف، الإسلام تواضع، حب، إخلاص، إقبال على الله عز وجل، هذا الإسلام، دعائمه الصلوات والصيام والحج والزكاة، بني الإسلام على خمس فما لم تصح هذه العبادات التعاملية لا تصح العبادات الشعائرية، وكنت قد ضربت المثل التالي، العبادات التعاملية عام دراسي، والعبادات الشعائرية الامتحان ثلاث ساعات، العام الدراسي تسعة أشهر، دراستك وحفظك ومراجعتك تتبدى في هذه الساعات الثلاثة، فإن لم تصح الدراسة لا يصح الامتحان، إن لم تجتهد في أثناء العام الدراسي لا معنى للامتحان، فهذه النقطة تغيب عن معظم المسلمين، يتوهمون أن الدين أن تصلي، الدين أن تصدق، فإن صدقت تصلي، الدين أن تكون أميناً فإن كنت أميناً تصلي، الدين أن تكون منصفاً، فإن أنصفت الناس تصلي، أما أن تظن أن الصلاة شيء منفصل عن الدين فهذا ما أوقع معظم المسلمين في أكثر بقاع المسلمين بعمل خطير هو فصل الدين عن الحياة، يصلي ويصوم ويحج فإذا دخلت إلى بيته لم تجده بيتاً إسلامياً، الدين المعاملة، يجب أن نعنى بالعبادات الشعائرية وأن نعنى أيضاً بالعبادات التعاملية كي تصح عباداتنا الشعائرية. أقوى دليل في هذا الموضوع أن النجاشي لما سأل سيدنا جعفر عن الإسلام أجابه إجابةً أخلاقية، قال له: كنا قوماً أهل جاهلية نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، بماذا أمرنا؟ بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء. صحة العبادات الشعائرية مرتبط بصحة العبادات التعاملية : الدين كله حسن الخلق، الدين تواضع لله، الدين صدق، الدين أمانة، لذلك هذه أكبر نقطة، لا تصح عباداتك الشعائرية من صلاة وصوم وحج إلا إذا صحت عباداتك التعاملية، الآن طالبني بالدليل، قال تعالى: ﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾ [ سورة العنكبوت: 45 ] فإن لم تنهَ لم تنعقد الصلاة، الدليل: (( مَن لم يَدَعْ قولَ الزُّورِ والعمَلَ بِهِ، فَليسَ للهِ حاجة فِي أَن يَدَعَ طَعَامَهُ وشَرَابَهُ)) [أخرجه البخاري وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة ] الدليل: (( من حج بمال حرام فقال : لبيك اللهم لبيك ، قال الله له : لا لبيك ولا سعديك حجك مردود عليك)) [الأصبهاني في الترغيب عن أسلم مولى عمر بن الخطاب ] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4996/01.jpg لو أنفقت زكاة مالك ولم تكن مستقيماً، قال تعالى: ﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ﴾ [ سورة التوبة: 53] هذه الزكاة، والصيام، والحج، والصلاة، من هو المفلس النبي الكريم سأل أصحابه: (( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ قَالُوا الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لا دِرْهَمَ لَهُ وَلا مَتَاعَ، فَقَالَ: إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا وَأَكَلَ مَالَ هَذَا وَسَفَكَ دَمَ هَذَا وَضَرَبَ هَذَا فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ )) [ مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ] و: ((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ فُلانَةَ يُذْكَرُ مِنْ كَثْرَةِ صَلاتِهَا وَصِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا غَيْرَ أَنَّهَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا، قَالَ: هِيَ فِي النَّارِ، قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَإِنَّ فُلانَةَ يُذْكَرُ مِنْ قِلَّةِ صِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا وَصَلاتِهَا وَإِنَّهَا تَصَدَّقُ بِالأثْوَارِ مِنَ الأقِطِ وَلا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا قَالَ: هِيَ فِي الْجَنَّةِ )) [ أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ] وأن السيدة عائشة رضي الله عنها ذكر لها عن أحد الأصحاب الذين وقعوا في مخالفة كبيرة في البيع والشراء، قالت: قولوا له إنه أبطل جهاده مع رسول الله. ديننا أخلاق واستقامة وإخلاص وصدق : أخواننا الكرام، كلام دقيق وخطير، ديننا معاملة، ديننا أخلاق، ديننا استقامة، ديننا إخلاص، صدق، فإن طبقت العبادات التعاملية صحت عباداتك الشعائرية، والشيء الدقيق أنك إذا طبقت العبادات التعاملية وجدت الطريق سالكاً إلى الله، من السهل أن تقبل على الله، من السهل أن تتصل به، من السهل أن يخشع قلبك له، من السهل جداً أن تشعر بحلاوة الصلاة، وحلاوة الإقبال على الله لأن عملك طيب، يدك نظيفة، وجوارحك منضبطة، بيتك إسلامي، وعملك إسلامي، فالطريق إلى الله سالك. إذا الإنسان اعتاد أن يسلك إلى الله، اعتاد أن يتصل به، يكون عنده ميزان حساس جداً، لمجرد أن يقع في مخالفة تعاملية يشعر أن حجاباً كان بينه وبين الله، قال تعالى: ﴿ بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ﴾ [ سورة القيامة: 14-15 ] لو أنك كذبت كذبةً واحدة قم وصلِّ، المقياس هو الصلاة، النبي عليه الصلاة والسلام قال: الصلاة ميزان. فمن وفى استوفى، من وفى الاستقامة حقها استوفى من الصلاة ثمراتها، الصلاة ميزان، قال تعالى: ﴿ فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [ سورة آل عمران: 61 ] اجعل ميزانك الصلاة، إذا فعلت شيئاً وقمت إلى الصلاة فشعرت أن بينك وبين الله حجاباً هذا الشيء غلط، هذه فطرتك، قال تعالى: ﴿ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ﴾ [ سورة الشمس: 8 ] النفس إذا فجرت تعلم أنها فجرت وتحجب عن ربها، والنفس إذا استقامت تعلم أنها استقامت وتتصل بربها، أي المنطلق في هذه الدروس دروس البيوع أنه إذا صحت معاملاتك صحت صلاتك، وأي إنسان - وصدقوا ما أقول- يدّعي أنه موصول بالله وليس مستقيماً على أمره فهو كاذب، لأن الله طيب ولا يقبل إلا طيباً، الله عز وجل كماله مطلق لعلك ترى قوياً يتقرب إليه المتقربون بولائهم وإعلان ولائهم وهم ليسوا مستقيمين، الإنسان لا يعلم. العبرة أن يصل الإنسان إلى الله : إنسان سلم عليك سلاماً لطيفاً، احترمك احتراماً تحبه، لا تعلم ماذا يعمل لكن الله يعلم، أنت بإمكانك أن تتقرب إلى إنسان تراه عظيماً ولو لم تكن مستقيماً، لكنك لم تستطع أن تتصل بالله، ولا أن تنال منه شيئاً إن لم تكن كاملاً، فلذلك لا أحد يقول في نفسه: أنا أضع عقبات تعجيزية والله من أجل أن نوفر أوقاتنا، وأن نربح أنفسنا، ما لم تكن طيباً فالله لا يقبلك، ما لم تكن مستقيماً فالله لا يتجلى عليك، ما لم تكن صادقاً أميناً فالله لا يوفقك، العبرة أن تصل إلى الله، أي أية وسيلة اسلكها والعبرة أن تصل إلى الله، ولن تصل إليه إلا بطاعته، ولن تصل إليه إلا بالإحسان إلى خلقه، ولن تصل إليه إلا إذا كنت كاملاً، يمكن أن تغلط ممكن، لكن ولي الله لا تضره معصية بمعنى أنه لا يصر عليها يتوب منها سريعاً، سرعان ما يتوب منها، سرعان ما يستغفر، المؤمن مذنب تواب، أنا لا أقول إنكم معصومون، أما الذي يريد أن يصر على معصية فهذا محجوب، لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (( لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع استغفار )) [ أخرجه الحارث عن أبي هريرة وعبد الله بن عباس ] الدين معرفة بالله وطاعة له : أنا سمعت أو قرأت في كتب الفقه أن أهل بلدةٍ لو اتفقوا على أن يلغوا الأذان لحوربوا، يمكن أن ينسوا الأذان أما إذا اتفقوا على أن يعطلوا شعيرة من شعائر الله ما داموا قد أصروا على هذه المعصية فهم حجبوا عن الله عز وجل. النقطة الثانية الإنسان متى يحتاج الإنسان إلى الفقه؟ حينما يشعر أنه في أمس الحاجة إليه، حينما يعرف الله، بعد أن تعرفه تريد أن تتقرب إليه، ما من طريق أقرب إلى الله من طاعته. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4996/02.jpg ما تقرب المتقربون إلا بطاعة الله، ما تقرب العباد إلى الله بأحب ما افترضه عليهم، فأنت حينما تعرف الله، وترجو ما عند الله، تسأل ما حكم الله في هذا؟ أقول لكم أيها الأخوة: المؤمن الصادق شغله الشاغل أن يتحرى أمر الله وأن يطبقه، أي إذا صحّ أن نقول عرف الله لا أقول عرفه المعرفة الكاملة، أقول عرفه معرفة لا بأس بها، عرفه معرفة دفعته إلى الطاعة، عرفه معرفة حملته على الطاعة، إن وصلت إلى هذه المعرفة يجب أن تبحث عن أمره ونهيه، لأنك إن عرفته لابد من أن تتقرب إليه، أنت لاحظ نفسك لو إنسان من بني البشر وجدته متألقاً في نظرك، تألق علمي، تألق أخلاقي تحب أن تتقرب إليه، أحياناً تدعوه إلى وليمة، أحياناً تقدم له هدية، أحياناً تزوره، أحياناً تطلب منه الدعاء، كل واحد منا إذا رأى شخصاً كبيراً يتقرب منه ولله المثل الأعلى إذا أنت وجدت عظمة الله، ورحمة الله، وقدرة الله، وتربية الله، وأردت أن تتقرب إليه ماذا تفعل؟ بطاعته، أي إنسان عرف الله المعرفة الصحيحة يجد نفسه مندفعاً إلى طاعة الله، كيف أطيعه؟ لابد من معرفة أحكامه، فلذلك النبي عليه الصلاة والسلام بقي سنوات طويلة في مكة يرسخ الإيمان أما عندما انتقل إلى المدينة نزل التشريع، فالمؤمن بعد فترة طويلة من معرفة الله والتفكر في آياته والتأمل في أسمائه الحسنى الآن يشعر بحاجة جديدة إلى معرفة أوامره ونواهيه، فالدين معرفة بالله وطاعة له، طاعته أي أوامره، من هنا انطلقنا من موضوع البيوع، هناك بيوع محرمة. بيع النجس والمتنجس : الآن البيع المحرم الثامن بيع النجس والمتنجس، فلا يجوز شرعاً بيع النجس كالخمر والخنزير والميتة، ما معنى كلمة نجس؟ أي عينه نجسة، فالميتة نجسة، والخنزير نجس، والخمر نجس، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [ سورة المائدة: 90 ] ((عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْخَمْرِ عَشْرَةً عَاصِرَهَا وَمُعْتَصِرَهَا وَشَارِبَهَا وَحَامِلَهَا وَالْمَحْمُولَةُ إِلَيْهِ وَسَاقِيَهَا وَبَائِعَهَا وَآكِلَ ثَمَنِهَا وَالْمُشْتَرِي لَهَا وَالْمُشْتَرَاةُ لَهُ )) [الترمذي عن أنس] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4996/03.jpg لا يجوز بيع النجس والمتنجس فلا يجوز شرعاً بيع النجس كالخمر والخنزير والميتة، ولا بيع المتنجس الذي لا يمكن تطهيره كزيت إذا تنجس، والسمن المائع، السمن والعسل ونحوه، في الشتاء إذا وقعت بالسمن فأرة، والسمن جامد يمكن أن تقطع من كتلة السمن شيئاً حول الفأرة أما السمن السائل أو الزيت إذا سقط فيه ما ينجسه فلا يجوز بيعه. أما ما يمكن تطهيره كالثوب والطعام اليابس فيغسل، ويجوز بيعه بشرط أن يخبر البائع المشتري بما أصاب سلعته حتى يسلم من خصلة الغش الذي هو من الكبائر. كلّ شيء غير طاهر محرم بيعه : مرّ معنا أن الغش من الكبائر، فلا يجوز بيع النجس من الخمر والخنزير والدم، كما أنه لا يجوز بيع المتنجس الذي لا يمكن أن يطهر، أما إذا كان جافاً فبإمكانه أن يطهر، من أجل أن تخرج من الغش ينبغي أن تخبر الشاري، الشافعية استثنوا من ذلك ما إن باع الإنسان داراً مبنية بآجر نجس، أو دار مسمدة بذبل هذا يصح عند السادة الشافعية، بل إن جمهور العلماء يعد أن الطهارة شرط في صحة الانعقاد، الأصل أن كل شيء غير طاهر محرم بيعه، النبي عليه الصلاة والسلام قيل له: (( عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: عَامَ الْفَتْحِ وَهُوَ بِمَكَّةَ إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالأصْنَامِ فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ فَإِنَّهَا يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ وَيُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ فَقَالَ: لا هُوَ حَرَامٌ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ ذَلِكَ قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ إِنَّ اللَّهَ لَمَّا حَرَّمَ شُحُومَهَا جَمَلُوهُ ثُمَّ بَاعُوهُ فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ )) [متفق عليه عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْد ِاللَّهِ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا] على أنه لا يجوز بيعه، ويجوز الانتفاع به، بقية العلماء لا يجوز بيعها ولا الانتفاع بها، هذا بيع محرم، بيع النجس والمتنجس، البيع المحرم أيضاً بيع ما لا يقدر على تسليمه، تبيع شيئاً ولا تقدر على أن تسلمه، كمن يبيع الطير في الهواء، والسمك في الماء، والحيوان الشارد الغائب، استثنوا من ذلك خلايا النحل لأنها لو خرجت تعود إلى الخلية قطعاً، ممكن للإنسان أن يبيع خلية نحل والنحلات في الحقول، لأن هذا النحل لابد من أن يأوي إلى خليته مساءً، وهناك كلمة سر إن لم تذكرها النحلة تقتل، لا يمكن أن تدخل نحلة إلى غير خليتها، نظام لا يصدق. وما دمنا قد تحدثنا عن النحل فهناك شيء لا يصدق في النحل، هناك نحلات مستطلعات تذهب للتعرف على أماكن الرحيق بالزهر، تعود وتخبر النحلات برقصات، هذه الرقصات تخبر بها النحلات عن المسافة بينها وبين حقل الزهور، وعن جهة حقل الزهور، وعن كثافة حقل الزهور. لا يجوز للمكلف أن يبيع ما لا يقدر على تسليمه : والدليل على أنه لا يجوز للمكلف أن يبيع ما لا يقدر على تسليمه ما رواه الإمام مسلم وأبو داود والترمذي: (( عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ: َأْتِينِي الرَّجُلُ يَسْأَلُنِي مِنَ الْبَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدِي أَبْتَاعُ لَهُ مِنَ السُّوقِ ثُمَّ أَبِيعُهُ قَالَ: لا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ )) [أبو داود والترمذي عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ] حدثني أخ كان حديث عهد بالتجارة ولم يتفقه بأصول التجارة، قال: خرجت إلى حمص، هو تاجر أقمشة وجد مسطرة قماش جيدة في حمص فحملها وانطلق بها إلى مدينة أخرى وباعها هناك بسعر جيد جداً، عاد ليشتريها ويبيعها البضاعة بيعت، فاضطر أن يشتريها بأغلى مما باعها لأنه خالف توجيه النبي عليه الصلاة والسلام: ((... لا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ )) [أبو داود والترمذي عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4996/04.jpg أي لا تبع ما ليس في ملكك وقدرتك على تسليمه، يوجد استثناءات بسيطة الإنسان أحياناً يبيع الصوف الذي على غنمه هذا بيع السلم مستثنى، لا تبع شيئاً حتى تحوزه إلى رحلك، والقضية لها تفاصيل كثيرة جداً، طبعاً لو طبقنا هذا الحديث ألغينا ما يسمى بيع المضاربات، كميات كبيرة في أراضيها تباع وتشترى مئات المرات، وكلما بيعت واشتريت ارتفع سعرها، فحينما لا تنوي شراء البضاعة ونقلها إلى مستودعك تكون أقرب منك إلى المقامرة لا إلى المتاجرة، حينما تشتري وتبيع وليس في نيتك أن تستقدم البضاعة إلى مستودعاتك النية ليست إذاً أن تأتي ببضاعة وأن تبيعها للمسلمين وأن تحل بها مشكلاتهم، النية أن تربح عن الطريق البيع والشراء والبضاعة في مكانها، هذا بيع المضاربة ينتهي، طبعاً يوجد استثناءات بسيطة ليس هنا مجال لذكرها. أحياناً تكون البضاعة في طريقها إليك تعرض أنت مساطرها فالشاري بالخيار إذا جاءت، من لم يشترِ ما لم يرَ له الخيار إذا رأى، لكن البضاعة في طريقها إليك، أما إذا كانت البضاعة لا تنوي أن تستقدمها إطلاقاً، لا تنوي أن تنقلها إلى رحلك، تبيع وتشتري، والبضاعة في مكانها، هذا كما قلت قبل قليل أقرب إلى المقامرة من المتاجرة، والإنسان إذا اشترى بضاعة وحازها إلى رحله، النية أن يبيعها، وإذا طرحها في السوق حلت أزمة وانتفع الناس بها، وانتفع هو ببيعها، فهدم التجارة ألا تستقدم البضاعة وأن تبيعها للناس، فهذه مقامرة لذلك هذا يسمونه بيع المضاربات وبيع المضاربات يرفع الأسعار ولا ينتفع الناس. بيع المضاربات : مرت فترة القيم الثابتة ارتفعت ارتفاعاً مذهلاً، السبب هذه الأرض تباع وتشترى عشرات المرات دون أن تعمر، هذا البيت على العظم يباع ويشترى إلا أن يبلغ سعراً غير معقول، لا أحد سكنه، هذا الذي يشتري ويبيع دون أن يفعل شيئاً هذا يسهم في رفع الأسعار دون أن يدري، هذا سماه العلماء بيع المضاربات، النبي حسمه بهذا الحديث، "... لا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ ". مرة ثانية أقول لكم: أنا لا ألقي تفاصيل بالفروع أو بفروع الفروع، كل موضوع إذا أردت أن تصل إلى أدق تفاصيله هناك كتب بالفروع، أنا أعطيكم أصول هذا الموضوع، أما كل شيء ففيه تفاصيل واستثناءات وتوجيهات واجتهادات. تحريم بيع الغرر : بيع الغرر، بيع الغرر أيضاً محرم، من البيوع الفاسدة، وهو أيضاً بيع ما لا يعلم قدره ولا صفته، لا تعرف ما قدره ولا صفته، تبيع وتشتري، يكون في الغالب مبنياً على الغش والخداع، روى مسلم والترمذي وأبو داود: (( نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الْحَصَاةِ وَعَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ )) [مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ] كان العرب في الجاهلية يمسك أحدهم حصاة ويلقيها فحيثما وصلت تكون حدود الأرض، إذا إنسان رياضي يأخذ أربعة أمثال الغير رياضي معنى هذا أن هذا الشيء أصبح مقامرة. مرة قال لي أخ اشترى أرضاً: أخذني صاحب الأرض ليريني إياها، أرض رائعة جداً، أرض منبسطة مطلة على سهل جميل، سعرها معتدل، فاشتراها بعد ذلك كان عرضها ثلاثاً وعشرين متراً وطولها مئة وستة وثمانين متراً، هذا بيع الغرر، صاحب الأرض أوهمه أن الأرض منبسطة وهي شريط، ما طلب مخططات، ما طلب حدوداً، بيع الغرر شيء غير معروفة مساحته، أو شيء معروفة مساحته وأبعاده غير معروفة، تأخذ أرضاً ضيقة. يروون أن إنساناً كثير الكذب وعنده عبد كلما كذب يكذبه العبد، فانزعج منه انزعاجاً كبيراً، اشترى له عباءة وقال له البسها و اسكت، قال هذا الرجل: أنا عندي أرض من هنا إلى بيروت - أحد كذباته- هذا العبد لم يتحمل خلع أول كم، فقال: لكن عرضها متر، فقالوا له: معقول؟ فقال لهم: هذا ضيقها عليّ، كنت سوف أعرضها. الغرر أي الشيء الغير واضح، لا كميته، ولا أطواله، ولا أبعاده، وكل إنسان يحب أن يغش لا تفهم منه شيئاً، أتركها لله بنصيبها، الآن انتظر، لا يعطيك معلومات دقيقة لأنه ينوي أن يغشك لذلك قالوا: الجهالة تفضي إلى المنازعة. اطلب الكمية والنوعية والسعر والتسليم وطريقة الدفع، اتفقوا عليها و وقعوا ، أما كل شيء فيه جهالة فمشكلة، كانوا في الجاهلية الغواص يبتاعون منه ما يعثر عليه، ينتظرونه ولو لم يأتِ بشيء يأخذ مبلغاً من المال، لو جاء بلآلئ عشرة أضعاف ما أخذ يجب أن يدفعها للشاري أيضاً هذه مقامرة، بيع الغرر، وبيع الغواص يغوص ويخرج هذه الغوصة بألف، لو جاء بالصدف ولم يأت باللؤلؤة يأخذ ألفاً، لو جاء بلآلئ قيمتها عشرة آلاف يأخذ ألفاً، هذا أيضاً بيع الغرر. بيع البخت : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4996/05.jpg بيع البخت، أي بهذه السلعة هدية ثمينة قد تكون وقد لا تكون وما أكثر هذه الآن، أحياناً يشتري الطفل مئة علبة لا ليأكل ما فيها بل من أجل الهدية، دفعنا الأب ثمن مئة قطعة، قالت أم: إن ابنها يشتري ويلقي في المهملات يهمه الصورة، صار هناك تبديد للأموال، هذا بيع البخت، تشتري شيئاً لا تعلم ما إذا كان فيه هدية أو لا يوجد هدية، هم يضعون في كل عشرة آلاف هدية واحدة يصبح الشراء الهدف منه البحث عن الهدية، هذا بيع البخت أيضاً في الشرع محرم. كل هذه الأنواع أقرب إلى المقامرة من التجارة، وهو نوع من أكل أموال الناس بالباطل، الإمام النووي يقول: بيع الغرر النهي عن بيع الغرر أصل من أصول الشرع يدخل تحته مسائل كثيرة جداً . بيع النجش : بيع النجش بيع محرم أيضاً، ما بيع النجش؟ أن تشتري أنت شراءً خلبياً بسعر مرتفع من أجل أن تقنع إنساناً مغفلاً، هذه يفعلها بعض التجار، يأتي إنسان يطلب سلعة يعطيه السعر يجدها غالية الثمن، فيقول رجل: أنا أخذها وهذا السعر، الأول تعلق بها يشتري الثاني شراء خلبياً صورياً من أجل أن يقنع الأول بشراء هذه السلعة. يوجد رجل متفق مع الصانع، يدخل شخص ويرى كنزة بكم هذه؟ يقول له: معلمي بكم؟ فيذكر المعلم رقم مثلاً مئتا ليرة . وقد روى الترمذي وأبو داود: ((لا تَنَاجَشُوا )) [الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ] هذا البيع بيع التناجش بيع خلبي بيع تمثيلي، مثل ذلك مثلاً محضر يباع بالمزاد العلني، للمحضر مئتا مالك لم يتفقوا، المحضر يباع بالمزاد العلني، أحياناً يدخل عشرة متفقين والعشرة يمثلون واحداً يزيدون شيئاً بسيطاً، يبدأ المحضر بمليونين، يقول أحدهم: مليونين وخمسين ألفاً، يصعد الثاني خمسة آلاف، عشرة آلاف، يستقر مثلاً على مليونين وخمسمئة، والمحضر ثمنه أربعة ملايين، هذا البيع فيه تمثيل، طبعاً هذا البيع فيه مزاودة قليلة جداً، إنك إن تكلمت شيئاً لا تقصده باتفاق مسبق فهذا ينطوي تحت بيع النجش، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (( لا تَنَاجَشُوا )) [الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ] بيع الثمر : والبيع المحرم الآخر بيع الثمر قبل أن يبدو صلاحه، أي الضمان ينبغي ألا يشتري ثمراً يمكن أن يصاب بالصقيع، بعد أن ينجو من الصقيع ويبدو صلاحه، العنب يسود والحب يشتد بدا صلاحه يشتري، أما أن تشتري قبل أن يظهر صلاحه، لو أصابته آفة سماوية لو جاءه صقيع وتلف الثمر فتنشأ منازعة، يقول الشاري للبائع تريد أن تأخذ مالي لم أجنِ شيئاً من مزرعتك، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تَنَاجَشُوا )) [الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4996/06.jpg ((نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاحُهَا نَهَى الْبَائِعَ وَالْمُبْتَاعَ)) [متفق عليه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا] وفي لفظ آخر: (( عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: نَهَى عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ حَتَّى يَزْهُوَ وَعَنِ السُّنْبُلِ حَتَّى يَبْيَضَّ وَيَأْمَنَ الْعَاهَةَ نَهَى الْبَائِعَ وَالْمُشْتَرِيَ )) [متفق عليه عَنِ ابْنِ عُمَرَ] ((لا تَبْتَاعُوا الثِّمَارَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاحُهَا )) [متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ] ((نَهَى عَنْ بَيْعِ الْعِنَبِ حَتَّى يَسْوَدَّ وَعَنْ بَيْعِ الْحَبِّ حَتَّى يَشْتَدَّ )) [متفق عليه عَنْ أَنَسٍ] لذلك إذا بعت الثمر قبل أن ينجو من الآفة السماوية وقبل أن يبدو صلاحه فهذا بيع فيه غرر، قد يصاب بآفة سماوية وقد تنشأ مشكلة كبيرة بين البائع والشاري. طبعاً كل ثمرة، وكل صنف من الثمار له صلاح خاص، الحب يشتد، العنب يسود، هناك شيء يصفر، يخضر، يبيض، كل ثمرة لها صلاح خاص، هذه تابعة إلى العرف. صلاح البال يحتاج إلى طاعة لله : أنا الذي أجده أن كل هذه الأحكام الفقهية لها هدف واحد أن تنتظم الحياة بين البشر كي يتفرغ البشر إلى عبادة الله، الآن كل قضية تدخل مع إنسان بخصومة ست سنوات أو سبع في القضاء كل هذه السنوات تحطم الأعصاب، بسبب متابعة القضايا والدفع، والإنسان عمره أصغر من أن يضيعه في خصومات كان في غنى عنها، قلت لكم مرة سيدنا معاوية سأل سيدنا عمرو بن العاص وكان من دهاة العرب، قال: يا عمر ما بلغ من دهائك؟ قال: والله ما دخلت مدخلاً إلا وأحسنت الخروج منه، قال: لست بداهية، أما أنا والله ما دخلت مدخلاً أحتاج أن أخرج منه. أنت من أجل أن تعبد الله، وأن تصفو نفسك، أخواننا الكرام سلامة الصدر وراحة البال شيء ثمين جداً، فكل إنسان يفرط، لا يسجل عقد شراكة، لا يأخذ إيصالاً والمبلغ يذهب جزافاً، يتألم أشد الألم، دخل في متاهات القضاة والمحامين، والأمل، والتوقع، والخوف، دمرت حياته النفسية، لذلك تطبيق الشرع من أجل أن يتفرغ قلبك لمعرفة الله، لهذا ربنا جل جلاله رفع صلاح البال إلى مستوى الهدى، قال تعالى: ﴿ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ ﴾ [ سورة محمد: 5] صلاح البال يحتاج إلى طاعة لله، أطع الله عز وجل، طبق شرعه لا تقع في مشكلة، يبدو أنه ما من مشكلة في الأرض تقع إلا بسبب مخالفة لمنهج الله هذا يبدو جلياً واضحاً، يبدو أن أي مخالفة لمنهج الله بسبب الجهل، فنحن عدونا الأول هو الجهل، وعلاجنا في العلم نتفقه، لو دخلت إلى قصر العدل لوجدت كل الدعاوى التي تعد بالألوف بعشرات الألوف سببها مخالفة قواعد الشرع. حتى في الزواج كل إنسان يرغب أن يجلس مع خطيبته فترة طويلة بلا عقد حتى يجربها ويمتحن أخلاقها، لو أنه وقع الذي يخشى أن يقع ثم اختفى الخطيب ماذا تفعل؟ على القضاء صار في البيت كارثة، فكل إنسان يتساهل في أمور الشرع يدفع الثمن باهظاً، دائماً الإنسان الأحوط يطبق قواعد الشرع. البيوع المحرمة : فبدا لنا الآن أن بيع الثمر قبل بدو صلاحه بيع محرم، وأن بيع النجش بيع محرم وأن بيع الغرر بيع محرم، وأن بيع ما لا تقدر على تسليمه بيع محرم لأنه أقرب إلى المقامرة، وأن بيع النجس والمتنجس بيع محرم، وأن بيع الصبي، وبيع من خف عقله هذا في الدرس الماضي بيع محرم، وبيع المضطر، وبيع المجنون، وبيع الهازل، بيع التلجئة، وبيع المكره كل هذه من البيوع المحرمة، لهذا قال سيدنا عمر: "تفقهوا قبل أن تدخلوا الأسواق فمن دخل السوق قبل أن يتفقه أكل الربا شاء أو أبى"، وقع في ربا، أو في غبن، غرر وهذه من ضرورات البيع والشراء، الإنسان يسأل، قال تعالى: ﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [ سورة النحل: 43] ﴿ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا ﴾ [ سورة الفرقان: 59] والله سبحانه تعالى أمرنا أن نسأل، أنت عندك مسؤولون، إنسان يعرف الله اسأله وإنسان يعرف أحكامه، أو يعرف الله ويعرف أحكام الشرع، وإنسان يعرف أمور الدنيا فاستشر واستخر، اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك. الاستشارة و الاستخارة : أي موضوع الاستشارة والاستخارة وإن كان بعيد عن درسنا مهمة جداً، أنت تنقصك المعلومات تأخذها من شخص يجتمع فيه خصلتان الإخلاص والخبرة، فأنت مكلف أن تستشير أولي الخبرة من المؤمنين وصلت إلى معلومات الآن تخاف أن يكون هناك معلومات غابت عنك، الآن تستخير الله بعلمه، تستخيره بقدرته، لأنك يا الله تعلم وأنا لا أعلم، وتقدر وأنا لا أقدر، إن كان في هذا الأمر صلاح لي في ديني ودنياي وعاقبة أمري فقدره لي، وإن لم يكن لي فيه صلاح في ديني ودنياي وعاقبة أمري، فاصرفني عنه واصرفني عنه، وقدر لي الخير حيث شاء، هذه الاستخارة والنبي قال: (( ما خاب من استخار، ولا ندم من استشار )) [أخرجه الطبراني عن أنس بن مالك ] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4996/07.jpg ما خاب من استخار ولا ندم من استشار استشر المؤمنين الخبراء واستخر رب العالمين، والاستخارة شيء مهم جداً لأن الله رب العالمين يرى هذا العبد يصلي ركعتين، ويدعو بهذا الدعاء، ويفوض أمره إلى الله، جواب الاستخارة إن رأيت التيسير فتابع الأمر، إن رأيت التعسير فقف، لأن جواب الله عز وجل تيسير أو تعسير، إن كان الأمر فيه صلاح لك فتيسير، ما فيه صلاح لك فتعسير. المؤمنون أمرهم شورى بينهم : الإنسان إذا اتصل بالله أصبحت قدراته مفتوحة، أما إذا انقطع عن الله فأصبحت قدراته مغلقة، أنت إن كنت مع الله موصولاً استعنت بعلمه، واستعنت بحكمته، واستعنت بتوفيقه وبنصره، بتأيتده، أما الإنسان إذا كان بعيداً عن الله عز وجل فقدراته محدودة، وقد تكون متضائلة، وقد تكون موهومة، يقع في شر عمله، والإنسان كما قال عليه الصلاة والسلام: (( عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ خَطَبَ النَّاسَ بِالْجَابِيَةِ فَقَالَ قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَ مَقَامِي فِيكُمْ فَقَالَ: اسْتَوْصُوا بِأَصْحَابِي خَيْرًا ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ يَفْشُو الْكَذِبُ حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيَبْتَدِئُ بِالشَّهَادَةِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا فَمَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ بَحْبَحَةَ الْجَنَّةِ فَلْيَلْزَمِ الْجَمَاعَةَ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ وَهُوَ مِنَ الاثْنَيْنِ أَبْعَدُ لا يَخْلُوَنَّ أَحَدُكُمْ بِامْرَأَةٍ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ ثَالِثُهُمَا وَمَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ وَسَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ فَهُوَ مُؤْمِنٌ )) [أحمد عَنِ ابْنِ عُمَرَ] أجمل شيء أن المؤمنين قد وصفوا الله أن أمرهم شورى بينهم، وأن الله سبحانه وتعالى أمر النبي عليه الصلاة السلام فقال: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [سورة آل عمران:159] أنت عود نفسك أن تستشير لأنك إذا استشرت الرجال استعرت عقولهم، استشر أولي الخبرة من المؤمنين، ثم استخر الله عز وجل، وهذه أحكام الشريعة. |
رد: العبادات التعاملية
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية الدرس : ( السابع و الاربعون ) الموضوع : البيوع المحرمة - 3 - بيع السمسار وتلقى الركبان الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. الهدف من الحياة طاعة الله : أيها الأخوة الكرام، ذكرت لكم في الدروس السابقة أن الإنسان إذا كان على جانب من معرفة الله عز وجل يجد نفسه مندفعاً أشد الاندفاع إلى التقرب منه، ولا شيء يقرب إلى الله كطاعته، لذلك قبل يومين سألني أخ كريم قال: ما الهدف من الحياة؟ أن نعيش في بحبوحة أم أن نبكي في الصلاة أم ألا نرى أحداً فاسقاً من حولنا؟ أم ماذا؟ قلت: الهدف أن تطيع الله لأن الله عز وجل يقول: ﴿ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [ سورة الأحزاب: 71 ] ينبغي أن تطيعه في سرك وعلانيتك، في نشاطك وجهدك، في فرحك وحزنك، في خلوتك جلوتك، يجب أن تعبد الله في كل أحيانك، وفي كل أوقاتك، وفي كل شأنك، وفي كل حركاتك وسكناتك، لأنك إن أطعته حققت الهدف من وجودك، متى يأتي دور الفقه؟ الذي يعرف الأمر ولا يعرف الآمر يتفنن في التفلت منه، أما الذي يعرف الآمر قبل الأمر فيتفانى في طاعته، فأنت حينما تتعرف إلى الله عز وجل وتقدر الله حقّ قدره، قال تعالى: ﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آَبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ ﴾ [ سورة الأنعام : 91 ] أنت حينما تقدره حق قدره تبحث عن أمره ونهيه، قصة تعرفونها، أخ كريم يعمل في لف المحركات قال لي: قبل أن أعرف الله أحياناً يأتيني محرك معطوب كلفة لفه خمسة آلاف ليرة، أفتحه فإذا خط خارجي قد فلت يكلفني دقائق، يوصل هذا الخط خارجياً ويعود المحرك كما كان، ولما يأتي صاحب المحرك آخذ منه خمسة آلاف ليرة، أما حينما عرفت الله فأخذت منه خمساً وعشرين ليرة والشرط خمسة آلاف ليرة، من الذي يعلم؟ الله وحده يعلم، لن تنضبط، لن تستقيم إلا إذا عرفت أن الله معك، حاضر وناظر، يعرف سرك ونجواك. ما من إنسان إلا ونشاطه الأكبر البيع والشراء : لذلك كلما شعرت بحاجة إلى معرفة أحكام الفقه كلما اندفعت اندفاعاً شديداً إلى معرفة أحكام الفقه، معنى ذلك أن هذه بادرة طيبة، بادرة تعني أنك أردت أن تصل إلى الله من خلال طاعته، في الأديان الوضعية هناك طقوس يتوهم المتوهمون أنها توصلهم إلى معبودهم، أما عندنا في الإسلام فهناك عبادات، وهناك طاعات، وهناك معاملات، وهناك آداب توصلك إلى الله، هي التي توصلك إلى الله، هي التي يعول عليها، فلذلك بدأنا قبل أسبوعين بالبيوع المحرمة، ولماذا اخترت البيوع بالذات؟ لأنه ما من إنسان إلا ونشاطه الأكبر البيع والشراء، كن من شئت لابد من أن تبيع وتشتري، ولأن أكل لقمة من حرام تجرح العدالة، ولأن الله سبحانه وتعالى لا يقبلنا إلا إذا كان مطعمنا حلالاً، يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة، يقول العبد: يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب له؟ من هذا المنطلق كانت هذه الدروس المتعلقة بالبيوع، وبدأت بالمحرمات وهذا هو الدرس الثالث عن البيوع المحرمة. نهي النبي أن يكون الحضري سمساراً للبادي : الآن نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون الحضري الذي يسكن المدن سمساراً للبادي الذي يسكن البوادي والقرى النائية وذلك بأن يتلقاه، يأتي بدوي معه سمن، جبن، فواكه، معه منتجات باديته، أو منتجات قريته، يقول له صاحب أحد المحلات اليوم السعر منخفض دع البضاعة عندي، وأنا أبيعها لك بسعر مرتفع بعد حين، هذا الشيء نهى عنه النبي. (( نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ )) [أحمد عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا] لأنه يوجد نقطة دقيقة ذكرتها قبل يومين، هي أن السعر حر لك أن تبيع بأي سعر، ولك أن تشتري بأي سعر، إلا أن ولي أمر المسلمين إذا حدد أسعار المواد الأساسية كالخبز، والسكر، والرز، وما إلى ذلك، إذا حدد أسعار بعض السلع الأساسية ينبغي للمسلم أن يتقيد بذلك، لأن هذا لمصلحة العامة، حوض سمك لك أن تشتريه بأي سعر، ولك أن تبيعه بأي سعر، لكن متى يصبح سعره معقولاً؟ إذا انتفى الغش، وانتفى التدليس، وانتفى الإيهام، وانتفى إخفاء العيب، وانتفى الاستغلال، كل المعاصي المتعلقة بالبيع والشراء إذا انتفت السعر يستقر بشكل طبيعي ومعقول، لأنه هناك منافسة، كل إنسان يحب أن يبيع يضع هامش ربح معقول، ويسعّر، أقل من هذا السعر لا يستطيع أن يعيش من هذه التجارة، الأسعار تتحرك وتضطرب إلى أن تنخفض إلى الحد المعقول، والآن أي سلعة فيها منافسة، والناس أحرار في شرائها وبيعها، ترى سعرها أقل سعر، إذا توافرت المواد تنخفض الأسعار للربع أو إلى الأربعين بالمئة، التغى الاحتكار، التغى الاستغلال، التغى إخفاء العيب، التغى الغش، التغى الكذب، التغى التدليس، أي معصية بالبيع والشراء إذا ألغيت السعر سعر السوق هو السعر الطبيعي والمعقول والمألوف. على الإنسان ألا يحدث تغيراً مفتعلاً في حركة السوق : لذلك لما يأتي قَرَوي ولا تقولوا قُرَوي لأن النسب لا يصح مع الجمع، يقول لك مباراة دُولية غلط، مباراة دَولية، حينما يأتي قَروي مع جبنه أوسمنه أو بيضه أو تفاحه أو فاكهته أو محصوله إلى السوق ليبيعه، عرض هذه البضاعة بشكل طبيعي يحدد سعرها المعقول، فلو جاء صاحب الدكان وقال: ابقها عندي الآن السعر قليل أنا أبيعها لك، أي أجرى تعديلاًَ على حركة السوق، وأي تعديل مفتعل على حركة السوق غير الطبيعية هذا يؤدي إلى ارتفاع الأسعار، أحياناً إشاعة، أحياناً إيهام، أحياناً كذب، أحياناً تدليس، إخبار غير صحيح، فلذلك النبي عليه الصلاة والسلام قال: (( مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلاحَ فَلَيْسَ مِنَّا وَمَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا )) [ مسلم عن أبي هريرة] الحديث البليغ: (( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ عَلَى صُبْرَةٍ مِنْ طَعَامٍ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلاً فَقَالَ: يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ مَا هَذَا؟ قَالَ: أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: أَفَلا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ حَتَّى يَرَاهُ النَّاسُ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنَّا)) [مسلم عن أبي هريرة] غش مطلقاً، لو غششت مجوسياً فلست منا، ليس منا من غش ومن غشنا فليس منا، هذا الحضري صاحب الدكان يقول لهذا البدوي: اجعل البضاعة عندي اليوم غير مناسب أنا أبيعها لك بعد حين بسعر أعلى، الآن غيّر حركة السوق، لأنه يوجد قول: الله هو المسعر أحياناً تجد فاكهة الكيلو بثلاث ليرات أو ليرتين، يوجد سنوات بخمسين ليرة، الكمية بيد الله عز وجل، والموضوع فعلاً عجيب، كل سنة يوجد محصول رخيص، مرة المشمش، ومرة الكرز، مرة التفاح، مرة البطاطا، بثلاث ليرات بيعت البطاطا، رأس مالها أغلى بكثير، الله هو المسعر، الكميات تحدد الأسعار، فلذلك حينما يقول الحاضر للبادي: أنا أبيع لك بضاعتك فقد خالف منهج رسول الله، أساس منهج رسول الله ألا تحدث تغيراً مفتعلاً في حركة السوق الطبيعية، عرض وطلب هذه الحركة الطبيعية تحدد سعراً معقولاً يرضى به الكل. نهي النبي عن تلقي الركبان : شيء آخر: نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن تلقي الركبان، أي أصحاب البضائع؛ السمون، الزيوت فرضاً، الأجبان، الفواكه، التفاح من مناطق معينة، يخرج التاجر إلى هذه الطرق ويشتريها منه في الطريق هذا اسمه بيع تلقي الركبان، صاحب هذه البضاعة لم يصل إلى السوق، لم يعرف سعرها الحقيقي أوهمته بسعر غير حقيقي، هذا البيع حرام، دعه يصل إلى السوق ويعرف سعر بضاعته، عندئذ يطلب السعر المناسب، لذلك قال عليه الصلاة والسلام أيضاً: (( لا تَلَقَّوُا الرُّكْبَانَ وَلا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ وَلا تَنَاجَشُوا وَلا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ وَلا تُصَرُّوا الْغَنَمَ وَمَنِ ابْتَاعَهَا فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْتَلِبَهَا إِنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا وَإِنْ سَخِطَهَا رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ )) [البخاري عن أبي هريرة] (( ... وَلا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ ...)) [البخاري عن أبي هريرة] كم باعك هذه السلعة؟ أنا عندي أرخص أعدها له وخذ من عندي، النجش كما قلنا في الدرس السابق بيع وهم من أجل رفع السعر. غبن المسترسل حرام : يبدو أن الله سبحانه وتعالى أرادنا أن نكون صافين، أن نعبده ونحن فارغون من الهموم، إنسان باع شيئاً بنصف سعره يتألم ألماً شديداً، الغبن مؤلم، إنسان يكون صغيراً ساذجاً يوهمه إنسان بشيء ويشتري منه الحاجة بنصف قيمتها، يشعر بألم وضيق، أنت أساساً بالتعبير العامي لا تتهنى بالسلعة إذا اشتريتها إلا أن يكون صاحبها راضياً، فإذا غششته أو أوهمته أو أقنعته أن السعر قليل وغداً سوف ترتفع الأسعار لن يبارك الله لك، حدثني أخ عمل بالتجارة هو خبرته ضعيفة جداً أول صفقة اشتراها، فاشترى قماشاً عرضه على تاجر كبير، التاجر الكبير ذكي جداً ولكن ذكاءه ذكاء شيطاني، أبدى من العطف والغيرة على مصلحة هذا التاجر الناشئ الشيء الكثير، قال له: كم متراً اشتريت؟ قال له: خمسة آلاف، فقال له: أصلحك الله هل يوجد أحد يشتري خمسة آلاف، فقال له: إن شاء الله عرضين؟ فقال له: عرض، فقال له: هذا ليس مطلوباً أبداً، بأسلوب ذكي جعل الشاري يبرك، بعد ذلك اشتراها منه برأس مالها، باعها في اليوم الثاني بأربعة أضعاف رأسمالها، ويعد نفسه شاطراً لكنه غبي هذا نوع من السرقة، لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: (( غبن المسترسل ربا، غبن المسترسل حرام )) [ الجامع الصغير عن جابر وعلي] المحتكر خاطئ : يوجد أساليب ذكية جداً بالشراء والبيع مع الغبن، لكن الله بالمرصاد الذي تجمعه من هذا الطريق يتلفه الله دفعةً واحدة من طريق آخر، لا تلقوا الركبان يوجد تاءين حذفت الأولى تخفيفاً، لا تتلقوا الركبان. (( لا تَلَقَّوُا الرُّكْبَانَ وَلا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ وَلا تَنَاجَشُوا وَلا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ ... )) [البخاري عن أبي هريرة] هذه توجيهات النبي صلى الله عليه وسلم، لو أنه جاء باد معه بضاعة واشتراها منه الحاضر بسعرها الصحيح لا يوجد مشكلة أبداً، أما أن يشتريها منه بسعر قليل ثم يبيعها بسعر عال فلا يجوز، أو أن يحبس البضاعة ليرتفع سعرها لا يجوز. (( الْجَالِبُ مَرْزُوقٌ وَالْمُحْتَكِرُ مَلْعُونٌ )) [ابن ماجه عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ] المحتكر خاطئ، من المحتكر؟ هو الذي يحبس البضاعة ليرتفع ثمنها كما يكون البائع محتكراً يكون الشاري محتكراً، كل إنسان يشتري أكثر من حاجته هذا الشراء المفتعل يسبب أزمة في السوق، يرتفع السعر فجأةً، ارتفاع السعر بسبب الشراء الغير معقول، أحياناً الإنسان بخبر بسيط يكثر من الكميات، يصبح هناك جنون على طلب السلعة يرتفع سعرها أضعافاً مضاعفة، رفع الأسعار مخيف. قال لي أخ محاضر: صار منافسة على محضر، المحضر بدأ بخمسين ستين مليوناً انتهت مزاودته على مئتين وتسعين مليوناً، متر الهواء أغلى من متر المنتهي عماره، الآن إلى النصف الأسعار وعلى هذا المحضر للربع، فالإنسان يرحم المسلمون عندما يبيع بسعر معتدل يكون عمل عملاً صالحاً. إذا رجل يعرف السعر بالمدينة هذه حالة استثنائية، ثم تلقى رجلاً ريفياً معه بضاعة فاشتراها منه بسعر المدينة ليس إثماً، أنت تسير في طريق وإنسان معه جبن السعر مئة وعشرون، قلت له: بسعر السوق، مئة وعشرون لا شيء عليك، إذا أنت اشتريت بسعر معقول، بسعر سوق المدينة، أنت ما تلقيت الركبان، أنت مستثنى، أنت لم تغشه، ولا أردت أن تأخذ بضاعته رخيصةً، ولا أردت أن تخدعه. بيع الكلب من البيوع المحرمة : قال: من البيوع المحرمة بيع الكلب، اختلف الفقهاء في بيع الكلب، الشافعي قال: لا يجوز بيعه أصلاً، وقال أبو حنيفة: يجوز بيعه والانتفاع بثمنه مع الكراهة إذا لم يكن للحاجة، وفرّق المالكية بين الكلب المأذون في اتخاذه وهو الكلب الذي يحرس الزرع والماشية وما في حكمهما ويخشى عليهم من اللصوص مثلاً، والكلب غير المأذون كالكلب الذي يقتنى للعب به ونحو ذلك، أي إذا كلب اقتني هواية شيء والكلب الذي يقتنى لأداء مهمة شيء آخر، في بعض الأرياف، وبعض الأماكن النائية لصوص، هناك كلاب الحماية لها دور كبير، ويوجد كلاب بوليسية ثمينة جداً، الكلب عنده حاسة شم مليون ضعف حاسة الإنسان، يكفي أن تعطيه أحد أدوات مجرم يبحث عن هذه الرائحة من بين خمسمئة ألف إنسان، الله عز وجل أعطى هذا الحيوان حاسة شم تفوق حدّ الخيال، وكثيراً ما اكتشفت الجرائم عن طريق الكلاب، فهذه الكلاب لها قدرات عالية أعطاها الله إياها. قيمة الإنسان بمعرفته بربه وبأخلاقه واستقامته : بالمناسبة ما من صفة بالإنسان مادية إلا وهي في الحيوان أبلغ من الإنسان، الصقر يستطيع أن يرى السمكة في الماء وهو في أعالي الأجواء، ينقض على السمك وهو في الماء، ينقض على فريسته وهو على ارتفاع شاهق، بل إن بعض العلماء يقول: إن الصقر يرى رؤيةً تزيد عن رؤية الإنسان بثماني مرات، كأن معه تلسكوباً وميكروسكوباً، الجمل يرى في الصحراء الشيء البعيد قريب، والصغير كبير، عينه ميكروسكوب وتلسكوب تقرب وتكبر، الكلب مليون ضعف حاسة الشم عنده تزيد عن حاسة شم الإنسان، والحديث في هذا الموضوع طويل، فالإنسان إذا افتخر بسمعه، وبصره، وشمه، وحجمه، و وزنه ففي كل صفة من صفاته حيوان يزيد عليه في هذا، الإنسان قيمته بمعرفته بربه وبأخلاقه واستقامته. الله وحده هو الذي يعلم : لذلك قال العلماء: يجوز بيع الأول ولا يجوز بيع الثاني، فكل ما لا يجوز اتخاذه لا يجوز بيعه. ((رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَمَهْرِ الْبَغِيِّ وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ )) [البخاري عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأنْصَارِيِّ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ] الكاهن الذي ينبئ بالغيب يتكهن، والكهانة هي التنبؤ بالغيب وكما تعلمون لا يعلم الغيب إلا الله. ((مَنْ أَتَى كَاهِنًا أَوْ عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ )) [أحمد عن أبي هريرة] وأنا إلى الآن أسمع من رواد المساجد، اليوم سمعت الظهر أن إنساناً ابنه منحرف، معنى هذا أنه مسحور، ذهب إلى إنسان يفك له السحر دخل في متاهة الخرافات، الله سبحانه وتعالى هو الضار النافع، أحياناً يعزو النجاة على يد إنسان والله عز وجل يقول: ﴿ قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا ﴾ [ سورة الجن : 21] ﴿ قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ِلَّةٌ ﴾ [ سورة الأعراف : 188] ﴿ قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ ﴾ [ سورة الأنعام: 50] ﴿ قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ [ سورة الأنعام الآية :15 ] أربع آيات احفظوهم، هذا مقام النبي، ممكن إنسان دون النبي يفوق النبي في هذه الخصائص؟ لا، لا أحد يعلم الغيب، أنا لا أقول أن ترد بلسانك لك أن تركل بقدمك مليون قصة مفادها أن فلاناً يعلم وفلاناً لا يعلم، لا أحد يعلم، الله وحده هو الذي يعلم. (( عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأنْصَارِيِّ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَمَهْرِ الْبَغِيِّ وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ )) [البخاري عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأنْصَارِيِّ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ] من جمع ثروة على أنقاض الشباب خسر الدنيا و الآخرة : أحياناً يوجد دخول إلى ملاه، مقاصف، فيها معاص، فيها نساء، رقص، هذه كلها مال حرام بحرام، لي طالب حدثني عن بعض أقربائه كان يملك دار سينما وحصّل ثروة طائلة - القصة قبل ثلاثين سنة- حصّل مبلغاً يزيد عن عشرة ملايين ليرة قبل ثلاثين سنة، الآن هذا المبلغ يعادل ألف مليون، أصيب بمرض خبيث، دخل عليه هذا الطالب وهو خاله، رآه يبكي قال: إنني جمعت هذا المبلغ كي أستمتع به في حياتي وها قد عاجلني الموت قبل أن أستمتع به، من أين جمعه؟ بناءً على إفساد أخلاق الشباب، كلما كان الفيلم منحرفاً وفيه مناظر مغرية يقبل عليه الشباب أكثر، فالإنسان عندما يجمع ثروة على أنقاض الشباب، وعلى أنقاض أخلاق الناس، وعلى أنقاض الغيبة، وعلى أساليب غير صحيحة، هذا المال يذهب ويذهب معه صاحبه، هذا المال يتلف ويتلف صاحبه، هذه حقائق ثابتة. حلوان الكاهن : (( ... نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَمَهْرِ الْبَغِيِّ وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ )) [البخاري عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأنْصَارِيِّ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ] حلوان الكاهن، أكثر الناس يكونون في نزهة تأتي المنجمة تتكلم، أو فنجان قهوة، أو حظك هذا الأسبوع، أو البروج، هذه كلها حرام بحرام، لأن أحداً لا يعلم الغيب إلا الله، والله عز وجل أكرمنا بالدين، وأخرجنا من الخزعبلات، والترهات، والأباطيل، والخدع، ونقلنا إلى المعرفة الصحيحة، العجيب حينما ترى أناساً يصدقون هذه الأكاذيب، حينما تراهم من بين الشاردين ليس هذا مشكلة، أما حينما تراهم من بين الذين يرتادون المساجد، هذا فك لي السحر، وهذا يريد ديك أبيض وديك أسود معاً، يريد خروف فيه لطعة سوداء في ليته حتى ينفك السحر، كله كذب ودجل، الله عز وجل علمنا: ﴿ وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنْ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ﴾ [ سورة الأعراف: 200 ] ﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ ﴾ [ سورة الناس : 1-4 ] لمجرد أن تستعيذ بالله يخنس هذا الشيطان وينتهي. بيع السِّنَّور : أيضاً الفقهاء اختلفوا في بيع السِّنَّور، السنور بكسر السين المشددة وفتح النون المشددة، هو الهر قال بعضهم: يحرم بيعه، وقال بعضهم الآخر: يكره بيعه، والأصح عند الجمهور جواز بيعه لعدم صحة ورود النهي عن بيعه في السنة، يكره، وإذا صحّ أنه نهي عنه، فنهي عنه نهي كراهة تنزيه لأن بيعه ليس من مكارم الأخلاق، إلا إذا إنسان أراد أن يشتريه لهدف، لكي يؤدي وظيفته في أكل القوارض، قال: يجوز أن تشتريه، وهذا شيء لا شيء فيه. النهي عن بيع أدوات اللهو : قال لا يجوز بيع أدوات اللهو كالطبل والمزمار والطاولة والشطرنج وغيرها مما لا ينتفع به شرعاً، نقل هذا الإمام النووي عن فقهاء كثيرين، قال صاحب قوت القلوب: كل ما كان سبباً لمعصية من آلة وأداةٍ فهو معصية ينبغي ألا يصنعه و لا يبيعه وألا يعاون على صنعه ولا بيعه، أي بيع أدوات اللهو القديمة والحديثة، والحديثة جداً هذه الصاج الذي يضعونه على السطح هذا أيضاً يحرم بيعه وشراؤه، بيع أدوات اللهو محرم عند الفقهاء جميعاً، كل ما كان سبباً لمعصية محرم بيعه وشراؤه لأنك إن اشتريته أفسدت نفسك وإن بعته أفسدت غيرك، والله عز وجل يقول: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آَمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ [ سورة المائدة: 2 ] نهي النبي عن البيعتين في بيعة : وقد نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن البيعتين في بيعة لما فيه من الغبن والربا والخلل في الصيغة وجهل الثمن وغيرها، الآن دققوا في بيعتين في بيعة، رواه أبو داود في سننه عن أبي هريرة: ((مَنْ بَاعَ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ فَلَهُ أَوْكَسُهُمَا أَوِ الرِّبَا )) [أبو داود عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ] قال: صورة هذا البيع كان الرجل يبيع سلعةً ديناً فإذا حان الأجل ولم يتمكن هذا الشاري أن يسدد ما عليه باعه السلعة نفسها مرة ثانية بسعر أعلى، شيء واحد بيع مرتين. هذه صورة، أوكس الثمنين الأقل أو يكون الربا، ما تمكن من التسديد في اليوم المعين باعه الشيء مرة ثانية بسعر أعلى، صورة من صور الربا أخذ فائدة مضاعفة بسبب التأخير. أو الإنسان باع قمحه والذي اشترى القمح اشتراه بثمن بخس فلما حان وقت تسليم القمح لم يتمكن من ذلك، فباعه القمح بسعر أعلى ليشتريه بسعر أعلى أيضاً، طريقة من طرق الاحتيال على نيل ربح زائد عن الحد المعقول، أما أوضح صورة متداولة لهذا البيع فأن تقول: هذا الشيء نسيئة بكذا وحال بكذا، براد يباع نقداً بكذا وتقسيطاً بكذا، بيعتين في بيعة، شيء واحد له سعران، سعر الحال وسعر المؤجل، طبعاً المؤجل أعلى، أنا أقول دائماً: لك أن تشتري بأي ثمن ولك أن تبيع بأي ثمن، ولك أن تدفع الثمن بأي طريقة ولك أن تقبض الثمن بأي طريقة، أما حينما تسمي للزمن ثمناً فوقعت في الربا، أي كتاب ورق أسمر بمئة ليرة، يوجد طبعة ورق أبيض بمئة وخمس وعشرين، الخمسة والعشرون في الكتاب، يوجد طبعة مجلدة بمئة وخمسين، يوجد طبعة مجلدة جلد طبيعي بمئة وخمسين، كلما السعر ارتفع الفرق بالكتاب، يوجد طبعة مجلدة بجلد طبيعي وعليها اسم صاحب الكتاب بالحروف المذهبة بمئتين، أما هذا الكتاب فنقداً بمئتين تقسيطاً بثلاثمئة، المئة الأخيرة هل هي في الكتاب مقابل الزمن؟ لك أن تشتري بأي سعر ولك أن تبيع بأي سعر ولك أن تقبض الثمن بأي طريقة نقداً أو تقسيطاً ولك أن تدفع بأي طريقة نقداً أو تقسيطاً، أما حينما تسمي صراحةً أو ضمناً للزمن ثمناً، نقداً بكذا وتقسيطاً بكذا فأنت ماذا فعلت؟ سميت للزمن ثمناً وقعت في الربا وهذا الحديث الشريف الذي ذكره النبي عليه الصلاة والسلام أوضح دليل على تحريم هذه الطريقة: (( مَنْ بَاعَ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ فَلَهُ أَوْكَسُهُمَا أَوِ الرِّبَا )) [أبو داود عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ] تحريم بيع المسلم على بيع أخيه : أيضاً محرم أن يبيع المسلم على بيع أخيه: (( لا يَبِيعُ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ حَتَّى يَبْتَاعَ أَوْ يَذَرَ )) [النسائي عَنِ ابْنِ عُمَرَ] المؤمن عفيف، المؤمن رحيم، المؤمن أديب، المؤمن لا ينشئ عداوة مع إخوانه، فإذا إنسان اشترى شيئاً أو باع شيئاً ابتعد، فإذا اشترى أو ترك، إذا اشترى انتهى الأمر، إذا ترك اقترب واشتر أنت مكانه، أما أن تحشر أنفك وأن تفسد هذه البيعة وأن تغري البائع بسعر أعلى أو أن توهم الشاري أنه مغبون كي تحل محله فهذا سلوك لا أخلاقي لا يتناسب مع أخلاق المؤمن: (( لا يَبِيعُ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ حَتَّى يَبْتَاعَ أَوْ يَذَرَ )) [النسائي عَنِ ابْنِ عُمَرَ] ويوجد حديث آخر: ((لا يَبِعْ أَحَدُكُمْ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ وَلا يَخْطُبْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ إِلا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ )) [مسلم عَنِ ابْنِ عُمَرَ] وحديث ثالث: (( لَيْسَ مِنَّا مَنْ خَبَّبَ امْرَأَةً عَلَى زَوْجِهَا أَوْ عَبْدًا عَلَى سَيِّدِهِ )) [أبو داود عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ] هذه بديهيات في عالم الإيمان. من سوء الأدب والأخلاق أن تنشر نصيحة سلبية : أحياناً أخ من إخواننا قال لي: أنا عندي عمل تجاري وضريبة أدفعها في السنة، وجدت تدقيقاً غير معقول، تدقيق لم آلفه من قبل، بحثت فوجدت أن رجلاً سألني عن بيت للزواج يبدو أن البيت سيئ فنصحته ألا يتزوج من هذا البيت، هذا الذي نُصح نقل هذه النصيحة إلى أصحاب الأمر، ونشأت العداوات، هؤلاء وصلوا إلى موظفي المالية فأصبحوا يثيرون على هذا الإنسان مشكلات لا تنتهي، أنت إذا إنسان نصحك ونصحته، من سوء الأدب والأخلاق أن تنشر هذه النصيحة، أما كلما رجل نصحته ينقل للطرف الآخر نصيحتك له فهذه تفت المجتمع، طبعاً أنت محرم عليك أن تغتاب الناس إلا إذا استنصحت، زواج، شراكة، بيت ليس له أساسات، له مشكلة، يوجد إنذار بالهدم، إنذار بالإخلاء، يوجد فيه خطر كبير، وإنسان أعجبه البيت رخيص وثالث طابق ومشمس، البناء الذي في مصر انهار بلا إنذار سمعت اثني عشر طابقاً بثواني صار كوماً من الأنقاض ومات عشرات تحت الأنقاض، حتى يوجد إنسانة جاءت من أمريكا إلى مصر ودخلت إلى هذا البناء بعد ثانيتين انهار هذا البناء، بقيت تحت الأنقاض ستاً وثلاثين ساعة، القضاء والقدر من أمريكا إلى القاهرة لتزور هذا البناء يمكن فيه مصرف لثانية انهار البناء، فإذا قال لك: سعر البيت مناسب وتعلم أنت علم اليقين أنه يوجد خطر على أساساته فإن بقيت ساكتاً خنته، فأنت مضطر إذا استنصحت أن تنصح، في شراء بيت، في زواج، في شراكة، أما الطرف الذي استنصحك فيكون عديم الذوق، وعديم الأخلاق، إذا نقل نصيحتك السلبية إلى الطرف الآخر، يكون بعيداً جداً عن صفات الذوق والأخلاق، فهو أحدث مشكلة لم تنتهِ ودماراً للأسرتين، لأنه استنصحه ونصحه ونقل النصيحة للآخرين، وصدقوني من بين المؤمنين أناس كثيرون جداً يسألك تقول له الصح لا يحلو له إلا أن ينقل هذه النصيحة للطرف الآخر هكذا قال عنك، أنا نصحتك أنت لماذا فعلت هذا؟ لذلك نهى النبي: (( لا يَبِيعُ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ حَتَّى يَبْتَاعَ أَوْ يَذَرَ )) [النسائي عَنِ ابْنِ عُمَرَ] البيع وقت النداء يوم الجمعة من البيوع المحرمة : أيضاً من البيوع المحرمة البيع وقت النداء يوم الجمعة، يحرم على كل من تجب عليه الجمعة أن يبيع أو يشتري عند النداء لصلاة الجمعة، مرة رجل جاء من بلد إسلامي وهناك الصلاة بالإكراه أي إذا أذن الظهر والمحل مفتوح شيء كبير جداً، مع الصلوات الخمسة لا يمكن أن تجد محلاً مفتوحاً في كل البلاد، أتى من هذه البلاد إلى بلدنا في الصيف ودخل إلى أحد المساجد المزدحمة في صلاة الجمعة، فوجد أعداداً كبيرة جداً، هو لفت نظره شيء أنتم جميعاً قد لا تنتبهون إليه، قال هذا الزائر: كل هؤلاء الذين أتوا إلى هذا المسجد جاؤوا طواعيةً وباختيارهم، قال له صديقه: ما هو الدليل؟ قال: لأن هناك على باب المسجد بائع يبيع العوجة وما صلى، ولا أحد أجبره. شيء جميل جداً هذا الازدحام وهذا الإقبال على المساجد اختياراً، نحن لا يوجد عندنا اختيار، قال تعالى: ﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [ سورة البقرة : 256 ] نعمة الأمن لا تعدلها نعمة على الإطلاق : أيضاً قصة سمعتها تبشر، حدثني أخ جاء بطائرة أجنبية وهو في الطريق إلى دمشق أذيع في الطائرة أنكم في دمشق أأمن بلد في العالم، تستطيعون أن تتجولوا حتى ساعة متأخرة من الليل دون أن تخشوا شيئاً، ترى أباً أرسل ابنه في الساعة الواحدة مساءً ليحضر الخبز، طفل صغير، تأتي المرأة أحياناً من بيت أهلها إلى بيت زوجها الساعة الثانية عشرة مساءً، هذه من نعم الله العظمى، نعمة الأمن لا تعدلها نعمة على الإطلاق، أكثر البلاد الغربية لا تستطيع أن تتجول بعد غياب الشمس، إذا دخلت إلى الفندق هناك تعليمات إذا داهمك لص أعطه كل ما تملك و إلا تفقد حياتك، هذه من أعظم الدول رقياً بالمقياس المادي، أيضاً هذا البلاغ أذيع في الطائرة أنكم في دمشق في أأمن بلد في العالم. أخ أيضاً زارنا شاهد أربعة محلات أو خمسة في الأسواق وقت الظهر موضوع كرسي على الباب وصاحبها في الصلاة، محلات فيها بضائع ثمينة جداً هذه من نعم الله علينا، نعمة الأمن، ونعمة الطمأنينة، معظم الناس يدخلون بيوتهم آمنين مطمئنين. اختلاف الفقهاء في حكم البيع وقت النداء : يحرم على كل من تجب عليه الجمعة أن يبيع عند النداء لصلاة الجمعة لقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [ سورة الجمعة : 9 ] طبعاً التحريم قطعي أما بقي فالبيع ينعقد أو لا ينعقد؟ أي إذا بعت بيتاً بخمسين مليوناً وقت النداء وجاءك بعد ذلك سبعين هل تستطيع أن تقلب هذه البيعة؟ هذا البيع حكم وقت النداء، يوجد فقهاء يقولون: البيع ينعقد ولكن المتعاقدين وقعا في المعصية، ويوجد فقهاء قالوا: لا ينعقد، البيع باطل، أيّ بيع مهما كان كبيراً إذا تمّ وقت النداء فهذا بيع باطل لا ينعقد أصلاً، بعضهم قال: ينعقد إلا أن الذين عقدا وقعوا في معصية كبيرة. بيع أوراق اليانصيب من البيوع المحرمة : ومن آخر البيوع المحرمة بيع أوراق اليانصيب، طبعاً نحن يوجد عندنا مبدأ في الإسلام المعاوضة، أن تدفع شيئاً دون أن تأخذ شيئاً لا يجوز، أو أن تأخذ دون أن تقدم لا يجوز هذا أصل اليانصيب، قال لي أخ من أخواننا الكرام - والآن ليس معنا - : ضاقت به الدنيا، بيته بعيد، وعمله بعيد، والازدحام على المواصلات قديماً كان شديداً جداً، ضاقت نفسه وقبل أن يصطلح مع الله اشترى ورقة يانصيب، لعلها تربح فيشتري سيارة، وشاءت الصدف أنه بعد أن اشتراها، اشتراها الخميس دخل إلى الجامع يوم الجمعة لأداء صلاة الجمعة، فكانت الخطبة على اليانصيب، قال لي: والله أخرجتها من جيبي ومزقتها أثناء الخطبة، لأنها حرام، له عمل دخله قليل جداً قال لي: جاءني زبون- هو يطبع أقمشة بألفين أو ثلاثة آلاف- أراد طبع خمسين ألف قميص، ودفع له مبلغاً جيداً، وأعطاه رعبوناً كبيراً، وأنجز العمل صار معه سبعة وعشرون ألفاً، نزل إلى السوق رأى سيارة ممتازة بسبعة وعشرين ألفاً، له أخ قال له: تعال وانظر إلى هذه السيارة هذه التي نركبها الآن بهذه الطريقة جاءت، فأنا دمعت عيني أنه مزق الورقة خوفاً من الله، الله لم يدعه بلا سيارة، ما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه، صدقوني أيها الأخوة من سابع المستحيلات زوال الكون أهون على الله من أن تدع شيئاً خوفاً منه ثم لا يعوضك الله خيراً منه في الدنيا والآخرة. (( ما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه )) [ الجامع الصغير عن ابن عمر ] ما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه : لكن يوجد شقان: في دينه ودنياه، في دينه بقي الطريق إلى الله سالكاً، ما عصيت، أنت تصلي، وأنت مرتاح تصلي، وأنت وجهك أبيض، وضعت مصلحتك تحت قدمك هذه في دينه، ودنياه تأتيه الدنيا وهي راغمة، هذا الحديث أخواننا اجعلوه شعاراً لكم، قبل أن تقدم على شبهة، قبل أن تفكر في مخالفة لا تنسى هذا الحديث: (( ما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه )) [ الجامع الصغير عن ابن عمر ] وهذا الحديث له تطبيقات لا تعد ولا تحصى، أنا متأكد لا يوجد رجل منكم إلا ويوجد عنده قصتان أو ثلاث أو أربع حول هذا الحديث، والشيء الملموس الشيء الذي فيه شبهة ضعه تحت قدمك، تأتيك الدنيا وهي راغمة. قال لي أخ من الأخوان عرض عليه بيت ولكن فيه شبهة، طريقة ربوية فسألني قلت له: لا يجوز، فرفضه، بعد حين جاء إنسان عرض عليه بيت، وتقريباً الدفع أكثر من مريح، والآن البيت له، هذه قاعدة: (( ما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه )) [ الجامع الصغير عن ابن عمر ] يوجد قول آخر يكمل هذا الحديث: "من ابتغى أمراً بمعصيةٍ كان أبعد مما رجا، وأقرب مما اتقى". إذا أردت الوصول إلى هدفك بمعصية ابتعد الهدف عنك، أما إذا أردته بطاعةٍ فالهدف اقترب منك. قال: جاء في الفتاوى الإسلامية أن بيع الأشياء عن طريق اليانصيب حرام بلا شك لأنه بيع باطل أو فاسد للجهالة، لكونه على خطر، لأن كل من يدفع شيئاً لا يدري عن المبيع الذي يأخذه، ولا إن كان يأخذ في نظير ما دفع شيئاً فهو حرام كالقمار تماماً. |
رد: العبادات التعاملية
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية الدرس : ( الثامن و الاربعون ) الموضوع : البيوع الجائزة الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. البيع والشراء من أوسع نشاطات الإنسان : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-7331/01.jpg أيها الأخوة الكرام، من خلال الدروس السابقة تبين أن الإنسان حينما يعرف الله عز وجل ينطلق برغبة شديدة إلى معرفة أمره ونهيه، لأنك إن عرفته لابد من أن تتقرب إليه، وأول شيءٍ تتقرب إليه أن تطيعه، ومن لوازم طاعته أن تعرف أمره ونهيه، ولأن موضوع البيع والشراء نشاط واسع جداً لا يعفى منه إنسان، ما من إنسان إلا ويشتري ويبيع، لأن الإنسان في الأصل أراده الله اجتماعياً، كيف يشتري ويبيع؟ سمح له أن يتقن شيئاً وهو محتاج إلى مليون شيء، فيبيع ما عنده ويشتري ما عند الآخرين، الله عز وجل أرادنا أن نكون في مجتمع، وسمح لكل منا أن يختص، فالذي تبيعه هو اختصاصك، والذي تشتريه هو ما تحتاجه. نشاط البيع والشراء هو من أوسع نشاطات الإنسان، وبينت في دروس ثلاث سابقة البيوع المحرمة التي حرمها الله عز وجل من خلال بيان النبي عليه الصلاة والسلام. من البيوع الجائزة : 1 ـ بيع الأخرس : واليوم ننتقل إلى البيوع الجائزة، هناك بيوع قد يتوهم بعضنا أنها محرمة وإنها جائزة، من هذه البيوع بيع الأخرس، بيع الأخرس صحيح إذا أفصح عن رضاه بإشارة مفهمةٍ أنه رضي بشراء هذه الحاجة، ورضي بدفع ثمنها المحدد، كأن يعطي الشيء للمشتري أو يأخذ المشتري السلعة، إذا أعطاه الثمن معنى هذا أنه رض، وإذا قبض السلعة معنى أنه رضي، إذا هزّ برأسه معنى هذا أنه رضي، إذا أشار بيده معنى هذا أنه رضي، فالأخرس بيعه جائز، قال: إن لم يستطع الأخرس التعبير عن رضاه بوسيلة متعارف عليها قام وليه بالبيع والشراء نيابة عنه، والذي يلفت النظر أن الله سبحانه وتعالى لحكمةٍ بالغة إذا سلب من إنسان قدرةً، أو عضواً، أو حاسةً، يعوضه أضعافاً مضاعفة، مرة كان أحد طلابي في الجامعة كفيف البصر، جاء وقت الامتحان، امتحنته وهو يلقي درساً، الذي لا يصدق أنه يتحرك بين الطلاب فإذا وصل إلى الحائط قبل سنتمترات يعود، بقي مع الطلاب أسبوعين أو ثلاثة يتوجه للطالب ويقول له: تكلم فلان وهو كفيف البصر، رأيت منه العجب العجاب، أي ممكن أن يتحسس حدود الصف، يتعرف إلى أماكن الطلاب، يسأل طالباً ويتوجه نحوه، فالله سبحانه وتعالى حينما يسلب من إنسان حاسةً يعوضه قدرات فائقة في حواس أخرى. فأول موضوع في درسنا بيع الأخرس صحيح بشرط أن يعبر عن رضاه بحركة بقبض المبيع، أو هز رأسه، أو حركة يديه، فإن لم يستطع التعبير عن رضاه بحركة أو بإشارة أو بعمل يقوم حينئذ وليه بالبيع والشراء. 2 ـ بيع الأعمى : البيع الآخر، جائز بيع الأعمى، يجوز بيع الأعمى وشراؤه إذا كان يعرف السلعة معرفةً تامة، عن طريق اللمس، أو الشم، أو الذوق، أو كان قد رآها قبل إصابته بالعمى، أو وصفت له وصفاً يفيد العلم بها، أو وصفاً يفيد الاطمئنان إليها، عندئذ يجوز بيع الأعمى ومرّ معي حديث: (( ترك السلام على الضرير خيانة)) [ الجامع الصغير عن أبي هريرة] أي أخ كريم يسير في الطريق لا يراك إن لم تسلم عليه فقد خنته، يجب أن تسلم عليه، يوجد حكم خاص بفاقد البصر إن لم يستطع معرفة أوصاف هذه السلعة معرفة تامة جاز له أن يشتريها بشرط، أن يكون له الخيار في ردها، يأخذها إلى بيته تراها زوجته، يراها أولاده، إن أعجبتهم تمّ البيع، وإلا من حقه أن يرد المبيع، هذا حكم خاص بالعمى أما لو أن مع الأعمى بصيراً والبصير رآها و وصفها له قال: لزمه البيع ولا خيار له، لأن هذا البصير كان بمنزلة الوكيل. 3 ـ بيع المزايدة : قد تتساءلون ألم يقل النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-7331/02.jpg ((لا يَبِعْ أَحَدُكُمْ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ وَلا يَخْطُبْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ إِلا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ )) [متفق عليه عَنِ ابْنِ عُمَر] وفي النسائي: (( عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لا يَبِيعُ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ حَتَّى يَبْتَاعَ أَوْ يَذَرَ )) [النسائي عَنِ ابْنِ عُمَر] هناك نهي جازم أن تبتاع على بيع أخيك، أو أن تشتري على شراء أخيك، أو أن تخطب على خطبة أخيك، إلا أن هناك استثناءً رحمة بالمسلمين أردت أن تبيع حاجةً بأعلى سعر، لك أن تبيعها مزايداً، لو سألني أحدكم أين وجه التفضيل بينهما؟ لو أنك اشتريت سلعةً من أخ كريم ثم جاء أخ ثالث أفسد بينكما، وباعك سلعةً مشابهة بسعر أدنى على بيعه أو اشترى منك سلعة مشابهة بسعر أعلى على شراء، قامت عداوة بينك وبين أخيك، هذا البيع يسبب عداوات، أما حينما تقول: معي هذه الحاجة من يشتريها بأعلى ثمن؟ قام أحدهم قال: عليّ بدرهمين، قام الثاني قال: عليّ بثلاثة دراهم، هنا فرق كبير، البيع على البيع مداخلة على بيع حصل أما بيع المزايدة فليس هناك مداخلة، لم يشترها أحد، تبيعها أنت لمن يدفع أكثر. قصة دقيقة جداً لها دلالات تشريعية : الحقيقة أن هناك قصة دقيقة جداً ومعبرة جداً ولها دلالات تشريعية بالغ، هذه القصة هي أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه رجل يسأله مالاً- صدقة- فقال عليه الصلاة والسلام أما عندك شيء؟ روى أبو داود في سننه : ((عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَجُلاً مِنَ الأنْصَارِ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُهُ، فَقَالَ: أَمَا فِي بَيْتِكَ شَيْءٌ، قَالَ: بَلَى حِلْسٌ نَلْبَسُ بَعْضَهُ وَنَبْسُطُ بَعْضَهُ وَقَعْبٌ نَشْرَبُ فِيهِ مِنَ الْمَاءِ، قَالَ: ائْتِنِي بِهِمَا، قَالَ: فَأَتَاهُ بِهِمَا فَأَخَذَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ وَقَالَ: مَنْ يَشْتَرِي هَذَيْنِ، قَالَ رَجُلٌ: أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمٍ، قَالَ: مَنْ يَزِيدُ عَلَى دِرْهَمٍ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا، قَالَ رَجُلٌ: أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمَيْنِ فَأَعْطَاهُمَا إِيَّاهُ وَأَخَذَ الدِّرْهَمَيْنِ وَأَعْطَاهُمَا الأنْصَارِيَّ، وَقَالَ: اشْتَرِ بِأَحَدِهِمَا طَعَامًا فَانْبِذْهُ إِلَى أَهْلِكَ وَاشْتَرِ بِالآخَرِ قَدُومًا فَأْتِنِي بِهِ فَأَتَاهُ بِهِ فَشَدَّ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُودًا بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ لَهُ اذْهَبْ: فَاحْتَطِبْ وَبِعْ وَلا أَرَيَنَّكَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَذَهَبَ الرَّجُلُ يَحْتَطِبُ وَيَبِيعُ فَجَاءَ وَقَدْ أَصَابَ عَشْرَةَ دَرَاهِمَ فَاشْتَرَى بِبَعْضِهَا ثَوْبًا وَبِبَعْضِهَا طَعَامًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَجِيءَ الْمَسْأَلَةُ نُكْتَةً فِي وَجْهِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لا تَصْلُحُ إِلا لِثَلاثَةٍ لِذِي فَقْرٍ مُدْقِعٍ أَوْ لِذِي غُرْمٍ مُفْظِعٍ أَوْ لِذِي دَمٍ مُوجِعٍ )) [أبو داود عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ] هذه القصة وردت في الصحاح، لك أن تبيع بالمزايدة، بالمقابل ولك أن تشتري بطريقة المناقصة، تشتري بالمناقصة وتبيع بالمزايدة، إلا أن النبي عليه الصلاة والسلام لماذا فعل هذا؟ رجل سأله صدقةً، سأله مالاً، قال: أعندك شيء؟ ويبدو أن هذا السائل فقير جداً: ((... فَقَالَ: أَمَا فِي بَيْتِكَ شَيْءٌ، قَالَ: بَلَى حِلْسٌ نَلْبَسُ بَعْضَهُ وَنَبْسُطُ بَعْضَهُ وَقَعْبٌ نَشْرَبُ فِيهِ مِنَ الْمَاءِ، قَالَ: ائْتِنِي بِهِمَا، قَالَ: فَأَتَاهُ بِهِمَا فَأَخَذَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ وَقَالَ: مَنْ يَشْتَرِي هَذَيْنِ، قَالَ رَجُلٌ: أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمٍ، قَالَ: مَنْ يَزِيدُ عَلَى دِرْهَمٍ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا، قَالَ رَجُلٌ: أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمَيْنِ فَأَعْطَاهُمَا إِيَّاهُ وَأَخَذَ الدِّرْهَمَيْنِ وَأَعْطَاهُمَا الأنْصَارِيَّ... )) [أبو داود عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ] ثم توجه النبي إلى صاحب الحلس والقعب السائل: ((.. وَقَالَ: اشْتَرِ بِأَحَدِهِمَا طَعَامًا فَانْبِذْهُ إِلَى أَهْلِكَ وَاشْتَرِ بِالآخَرِ قَدُومًا فَأْتِنِي بِهِ...)) [أبو داود عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-7331/03.jpg تروي الكتب الصحيحة أن النبي عليه الصلاة والسلام شدّ بيده الشريفة على هذا القدوم يداً خشبية وقال: اذهب واحتطب: ((... فَشَدَّ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُودًا بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ لَهُ اذْهَبْ: فَاحْتَطِبْ وَبِعْ وَلا أَرَيَنَّكَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا...)) [أبو داود عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ] طبعاً أول استنباط أن النبي عليه الصلاة والسلام أدرك حقيقةً عميقةً جداً أن الإنسان لا يستطيع أن ينتج ولا أن يعمل إذا كان في بيته حاجة، أو في مرض، أو في انهيار، أو في جوع فقال له: ((.. وَقَالَ: اشْتَرِ بِأَحَدِهِمَا طَعَامًا فَانْبِذْهُ إِلَى أَهْلِكَ وَاشْتَرِ بِالآخَرِ قَدُومًا فَأْتِنِي بِهِ.... )) [أبو داود عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ] الإنسان إذا اطمأن على أهله، هم مقيمون في البيت يأكلون ويشربون، هم في صحة جيدة، الآن صار في الإمكان أن تعمل، وأن تنتج، وأن تبدع، لذلك دور المرأة في البيت مهم جداً، إذا كفتك المرأة أمر أولادك، وأمر حاجاتك، وأمر طعامك، وأمر لباسك، وانطلقت إلى عملك فنصف جهدك بسببها، لو لم توفر لك هذه الحاجات لما أمكنك أن تنطلق إلى عملك، تنطلق إلى عملك وتأتي ظهراً فتجد الصغار قد أكلوا وارتاحوا والبيت نظيف. ((.. وَقَالَ: اشْتَرِ بِأَحَدِهِمَا طَعَامًا فَانْبِذْهُ إِلَى أَهْلِكَ وَاشْتَرِ بِالآخَرِ قَدُومًا فَأْتِنِي بِهِ فَأَتَاهُ بِهِ فَشَدَّ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُودًا بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ لَهُ اذْهَبْ: فَاحْتَطِبْ وَبِعْ وَلا أَرَيَنَّكَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَذَهَبَ الرَّجُلُ يَحْتَطِبُ وَيَبِيعُ فَجَاءَ وَقَدْ أَصَابَ عَشْرَةَ دَرَاهِمَ فَاشْتَرَى بِبَعْضِهَا ثَوْبًا وَبِبَعْضِهَا طَعَامًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَذَا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَجِيءَ الْمَسْأَلَةُ نُكْتَةً فِي وَجْهِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ...)) [أبو داود عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ] هذه القصة لها دلالات. قيمة العمل : العمل شرف والإنسان لا يستطيع أن يرفع رأسه إلا إذا أكل من عمله، وكد يده، وعرق جبينه، فالعمل شرف، والنبي عليه الصلاة والسلام أكد قيمة العمل في أحاديثه كثيراً، نحن علاقتنا بهذه القصة أنه يجوز أن تبيع بالمزايدة ويجوز أن تشتري بالمناقصة، لأنه إذا بعت على بيع أخيك أفسدت علاقة بين اثنين، أما إذا بعت بالمزايدة فما أفسدت على أحد، لأن السلعة لم تبعها بعد أنت تبيعها لمن يدفع أكثر، إلا أنه بالمناسبة أحياناً يكون هناك محضر، له مالكون كثيرون، تقام دعوى إزالة شيوع، قد يأتي أناس كثيرون يمثلون طرفاً واحداً، يجرون مزايدة تمثيلية، كل منهم يرفع قيمة المحضر قليلاً إلى أن يرسوا المحضر على قيمة بأقل من قيمته الحقيقية، لا تعد هذا ذكاءً ولا شطارةً ولا فلاحاً، هذا مخالف لطبيعة البيع والشراء. 4 ـ بيع السلم : شيء آخر: هناك ما يسمى ببيع السلم، بيع السلم عرفه الفقهاء بأنه بيع شيء موصوف مؤجل في ذمة البائع، معلوم الكيل والوزن والقدر، معلوم الأجل، بشكل ملخص إنسان يوجد عنده قطيع من الأغنام، والسنة جافة، والكلأ غير موجود، والأغنام جائعة أو كادت أن تموت جوعاً، ولا يملك ثمن إطعامها ماذا يفعل؟ بإمكانه أن يبيع صوفها، يبيع صوفها بعد ستة أشهر ويأخذ الثمن سلفاً ويشتري به علفاً لهذه الأغنام. بيع السلم إحسان من الشاري للبائع، المشتري بحاجة إلى صوف لكن بإمكانه أن ينتظر مدةً طويلة ليستلم بها الصوف لكن يعطي الثمن سلفاً، من هنا سمي هذا البيع السلم، قال: هو جائز ولو فيه بعض الغرر، لكن الشريعة الإسلامية غلبت مصالح المسلمين على الغرر القليل، قال: سمح بهذا البيع رعايةً لمصالح الناس وتوسعةً عليهم في أبواب المعاملات. بيع السلم نوع من الدين : طبعاً كما تعلمون أيها الأخوة الأصل في البيع أن يكون المبيع موجوداً وقت البيع، لا تبع ما ليس عندك، لا تبع شيئاً حتى تحوزه إلى رحلك هذا الأصل في المبيع، الفقهاء حرموا بيع المعدوم غير الموجود إلا أنه هناك استثناء، طبعاً لماذا أراد الشرع الحكيم أن يكون الشيء المباع موجوداً؟ قال: دفعاً للغرر ودفعاً للغبن، الشيء الغائب قد تغتر به فتدفع أكثر من ثمنه، وقد تغبن بهذا الثمن، إلا أن السلم هو سلف تدفع قيمة السلعة سلفاً وتقبضها بعد حين بعكس بيع التقسيط، تأخذ السلعة سلفاً وتدفع ثمنها مقسطاً إلى أقساط، على كلٍّ السلم نوع من الدين، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ ﴾ [ سورة البقرة : 282] السلم نوع من الدين، و الحقيقة بكل بيع جائز يوجد انحرافات خطيرة جداً، أنا كنت في قرية أعلموني أن أهل القرية أغنياء جداً، وأن علاقاتهم في البادية علاقات ممتازة أساسها بيع السلم، فيأتي صاحب قطيع الغنم مضطراً ليأكل ويشرب وليطعم غنمه علفاً فيبيع صوف غنمه بخمس قيمته نقداً، هذا أشد أنواع الربا، بعد أشهر عديدة يتسلم دافع الثمن الصوف بثمن بخس يربح به أضعافاً مضاعفة، طبعاً هذا بيع المضطر أما بيع السلم ليس هكذا، بيع السلم أن تشتري بضاعةً وتنتظر حتى تتسلمها بعد حين من أجل ألا نقع في الغرر والغبن يجب أن تكون هذه البضاعة أولاً معلومة الكيل، والوزن، والقدر، معلومة النوع والصنف، معلومة الأجل. إقرار المسلمين بيع السلم : وأما السنة فقد رويت أحاديث كثيرة من الكتب الصحاح وغيرها عن أن النبي عليه الصلاة والسلام: (( عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ وَهُمْ يُسْلِفُونَ فِي التَّمْرِ السَّنَتَيْنِ وَالثَّلاثَ فَنَهَاهُمْ وَقَالَ: مَنْ أَسْلَفَ سَلَفًا فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ )) [أبو داود عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-7331/04.jpg أي أنت اشتريت قمحاً سلماً، يجب أن يكون في عقد السلم كمية القمح، ونوع القمح، ونقائه من الشوائب، كل الصفات التي يجب أن تتوافر في القمح الجيد، أو في أي قمح آخر، لابد من صفات محددة، كميات محددة، بأوقات محددة. وقد روى الإمام البخاري وأبو داود: ((عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْمُجَالِدِ حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدٌ أَوْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الْمُجَالِدِ قَالَ: اخْتَلَفَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ وَأَبُو بُرْدَةَ فِي السَّلَفِ فَبَعَثُونِي إِلَى ابْنِ أَبِي أَوْفَى رَضِي اللَّهُ عَنْهُ فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: إِنَّا كُنَّا نُسْلِفُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فِي الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ وَسَأَلْتُ ابْنَ أَبْزَى فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ )) [البخاري عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْمُجَالِدِ] القرآن أشار إليه في آية الدين والسنة بينته تفصيلاً في حديثين صحيحين وقد ثبت بالإجماع كما حكى الإمام القرطبي عن أن بيع السلم أقره جميع المسلمين، كل شيء حلال مشروع، صحيح مشروع، يمكن أن ينحرف إلى أسلوب آخر، فإذا اشترينا سلعة سلماً بأبخس الأثمان مستغلين اضطرار بائعها فقد وقعنا فيما يسمى بالغبن الفاحش، وغبن المسترسل كما قال عليه الصلاة والسلام ربا، غبن المسترسل حرام. شروط بيع السلم : السلم له ستة شروط: أن يكون هذا في الذمة، القمح بعد ستة أشهر، الصوف بعد سنة، أن يكون المسلم فيه بالذمة أن يكون موصوفاً، كل أخواننا أصحاب الحرف يقولون لك: هذا تفاح نوعه كذا، قمح نوعه كذا، عنب نوعه كذا، صوف نوعه كذا، أن يكون موصوفاً، وأن يكون مقدراً، وأن يكون مؤجلاً، وأن يكون الأجل معلوماً أي بعد ستة أشهر بدءاً من كذا، وأن يكون موجوداً عند محل الأجل، أنت تشتري من إنسان قمحاً عنده أرض، وقد زرعه من توه، شيء أصله موجود، عنده قطيع غنم الصوف الذي على ظهر الغنم سوف يقصه، أن يكون موجوداً، وأما الثلاثة ففي رأس المال أن يكون معلوم الجنس مقدراً نقداً معلوم الجنس، ورقي، ذهب، فضة، والكم، هناك بعض الحالات أكثر هذه البيوع شيوعاً أن يطلب رجل له أرض مزروعة من رجل آخر ثمن قدرٍ معين من زرعه على أن يقبضه فوراً أو بعد يومين أو ثلاثة، على أن يعطيه ما اشتراه من الزرع أو الثمر في شهر كذا أو حين الحصاد، فينتفع صاحب الزرع بالثمن في وجوه الانتفاع الجائزة، وينتظر المشتري إلى الوقت المعلوم، ويأخذ ما اشتراه مكيلاً أو موزوناً أو معدوداً بالصفة التي وصفت له. أي بشكل مختصر بيع السلم معونة من الشاري إلى البائع، بيع السلم جائز إلا أنه كما قلت لكم منتشر انتشاراً كبيراً في بعض الأماكن بشكل مشوه، بشكل خرج من بيع السلم إلى الغبن الفاحش، والغبن الفاحش يساوي الربا تماماً. وننتقل إلى موضوع في المبيع، بدأنا ببيع الأخرس، وبيع الأعمى، وبيع المزايدة، وبيع السلم، وكل هذه البيوع لماذا ذكرناها؟ قد يتوهم الإنسان أنها غير جائزة لأن فيها شرطاً قد اختل، الأعمى لا يرى كيف يرضى؟ والأخرس لا يعبر عن رضاه؟ كيف يبيع ويشتري؟ والمزايدة كأنها بيع على بيع، والسلم كأنه بيع المعدوم، بيع المعدوم له وجه صحيح وهو بيع السلم، وبيع الأخرس والأعمى إذا عبر عن رضاه بطريقة أو بأخرى بيع شرعي جائز، وبيع المزايدة بيع شرعه الشرع الإسلامي لمصلحة المسلمين، بيع المزايدة وشراء المناقصة وكلاهما جائز. الآداب التي يتحلى بها البائع المسلم : 1 ـ الصدق و الأمانة : الآن ننتقل إلى الآداب التي يتحلى بها البائع المسلم، من أولى هذه الصفات قال العلماء: الصدق والأمانة. ((التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الأمِينُ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ )) [الترمذي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ] والحقيقة لا تستكثروا عليه هذه الصفة، لا لأنه: (( لا حَسَدَ إلا في اثنَتَيْنِ: رجلٌ آتاهُ اللَّه القرآنَ فهو يَتْلُوهُ آناءَ اللَّيلِ وآناء النَّهارِ ورجل آتاه الله مالاً فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار )) [ رواه مسلم عن عبد الله بن مسعود ] فالنبي الكريم جمع بينهما وجعلهما في سوية واحدة، ويمكن أن تصل إلى أعلى درجات الجنة بإنفاق المال، لأن المال شقيق الروح، فلذلك التاجر الصدوق داعية إلى الله لا بلسانه ولكن بمعاملته، ولا تستغربوا أن أكبر قطر إسلامي الآن اندونيسيا قريب من مئتي مليون هذا القطر ما دخله فرس ولا سيف، انتشر فيه الإسلام عن طريق التجار وحدهم ومن خلال معاملتهم الطيبة، فالصدق والأمانة أول آداب البيع والشراء، من هنا قال عليه الصلاة والسلام: (( الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا أَوْ قَالَ حَتَّى يَتَفَرَّقَا فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا )) [البخاري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ] مرة قال لي أخ: عندي قطعة تبديل غالية جداً بقيت عندي خمس سنوات، مللت من تحويلها من جرد إلى جرد، وثمنها غال، جاء إنسان طلبها فصعدت على السلم كي أجلبها لها، قال لي: وأنا على السلم قال لي: أصلية؟ قلت: لا والله ليست أصلية، قال: هاتها. هي كلمة لو قال أصلية ولم تكن كذلك البيع صار فيه كذب، وصار فيه غش لأنه قال الحقيقة البيع صار صحيحاً، فأحياناً تنعقد صفقة كلها حرام لأن فيها كذباً، وأحياناً تصدق، الصدق جعل بيعها صحيحاً. أحياناً يتوهم أحدكم أنه لا يستطيع أن يبيع بضاعة سيئة، لا لك أن تبيع بضاعة سيئة ولكن بيّن ضعفها، رخيصة السبب فيها هذه العلل، إنسان يريد أن يشتري بضاعة رخيصة، أنت قد لا تستعملها، لكن الإنسان قد يريد بضاعة بهذا المستوى فلا تمنعه من ذلك، العبرة أن تبين ولا تكذب فقط، هذا القماش قابل للانكماش: (( الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا أَوْ قَالَ حَتَّى يَتَفَرَّقَا فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا )) [البخاري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ] يوجد رواية للبخاري: فإن صدق البيعان. أي البائع والشاري هذا على سبيل التغليب، تقول مثلاً: النيران الشمس والقمر أو القمران أو الشمسان، وأوضح تغليب الوالدان، الأب ولد لا ما ولد إنك غلبت الولادة على الأبوين معاً تقول: الوالدان. (( عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا قَالَ هَمَّامٌ وَجَدْتُ فِي كِتَابِي يَخْتَارُ ثَلاثَ مِرَارٍ فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا فَعَسَى أَنْ يَرْبَحَا رِبْحًا وَيُمْحَقَا بَرَكَةَ بَيْعِهِمَا )) [البخاري عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ] ارتباط نجاح الإنسان بالعمل بطريقة جني المال : الآن يوجد نقطة دقيقة نجاحك بالعمل التجاري، أو الصناعي، أو الزراعي لا بحجم المال الذي تجنيه ولكن بطريقة جنيه، فإذا كانت طريقة جنيه صحيحةً بارك الله لك في هذا القدر، وإذا بارك لك في هذا القدر من المال نفعك كثيره وقليله، أما إذا محقت بركة المال فلن تنتفع به لا بكثيره ولا بقليله، المال شيء عجيب بين أن تنتفع به وبين أن تسعد به وبين أن يبارك لك فيه وبين أن تعيش أنت وأهلك، وبين أن يكون المال بين يديك وأنت محروم منه. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-7331/05.jpg أحياناً علة في جسم الإنسان وبيلة تحرم الإنسان قيمة المال كله، ما قيمة المال؟ أكثر الناس يستخدمون هذا المثل، يقول لك: الصحة تمثل الرقم واحد، المال صفر أمامه أصبح عشرة، الزواج الناجح صفر ثان أصبح مئة، الأولاد الأبرار صفر ثالث أصبحوا ألفاً، المركب الجيد عشرة آلاف، الدار الواسعة صفر خامس، أما لو حذفت هذا الواحد فما قيمة المال بلا صحة؟ وما قيمة البيت الواسع بلا صحة؟ ما قيمة المركبة الفارهة بلا صحة؟ هذا عند أهل الدنيا، أما عند أهل الإيمان فيوجد ترتيب آخر، واحد الإيمان والصحة صفر، جيد جداً، المال صفر، الزواج صفر، الأولاد الأبرار صفر، والمنزل الواسع صفر، والمركب الجيد صفر، أما إذا ألغيت الإيمان فلا قيمة لكل حظوظ الدنيا مجتمعةً. (( عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: التَّاجِرُ الأمِينُ الصَّدُوقُ الْمُسْلِمُ مَعَ الشُّهَدَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ )) [ابن ماجه عَنِ ابْنِ عُمَرَ] الحقيقة الذي يبدو لي أن التاجر داعية بعمله، أنا سمعت أن بائعاً متواضعاً في بعض مناطق ريف دمشق له درس في مسجد لكنه صادق تماماً في بيعه وشرائه، لولا أنه صادق لما أتى إليه أحد، يقول له أحدهم: أعندك بيض؟ يقول: نعم عندي، يقول له: طازج؟ يقول: لا جاري قبل قليل جاءه البيض الطازج، لا يكذب أبداً، أحد أخواننا والده رجل صالح وبائع متواضع عليه إقبال شديد جداً لاستقامته، وإخلاصه، وصدقه، فمرة جاء لصوص وفتحوا المحل ووضعوا أثمن ما في المحل في سيارة شاحنة فلما جلس السائق ليقودها لم تعمل فتركها وولى هارباً، فجاء صاحب المحل الساعة السابعة ليرى بضاعته على ظهر شاحنة أمام المحل، المستقيم الله يحفظه. الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه : قيل لسيدنا أبي ذر الغفاري كما أعتقد، أو لأبي الدرداء إن محلك قد احترق، قال: لا لم يحترق، قيل: لقد احترق، فذهبوا فرأوا محل جاره قد احترق، فلما عادوا إليه قال: أعلم ذلك، الله عز وجل يطمئن طالما أديت زكاته، وكان صاحبه مستقيماً، ما غش، ما دلس، ما احتكر، نصح المسلمين، خدمهم، الله عز وجل في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه. لكن أحياناً التاجر يكون تاجراً، أحياناً يستغل حاجة الناس، يكذب، يدلس، يغش، يخفي العيب، يزور، ممكن لذلك قال: (( عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمُصَلَّى فَرَأَى النَّاسَ يَتَبَايَعُونَ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ التُّجَّارِ فَاسْتَجَابُوا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَفَعُوا أَعْنَاقَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ إِلَيْهِ، فَقَالَ: إِنَّ التُّجَّارَ يُبْعَثُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فُجَّارًا إِلا مَنِ اتَّقَى اللَّهَ وَبَرَّ وَصَدَقَ )) [الترمذي عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ] التجارة مغرية، أحياناً الناس لا يعرفون حقيقة البضاعة، أنت تشتري الدواء تدفع ثمنه خمسين ليرة، يوجد مادة فعالة في الدواء، لو معمل الدواء أنقص المادة إلى النصف أنت لا تعلم ذلك ولا تملك قدرة على معرفة ذلك إلا بالاستعمال، ممكن أن تبيع إلى أمد قصير بيعاً كثيراً وأن تربح أموالاً طائلةً لكن هذا لا يستمر، الله يتدخل ويؤدب، والناس ينسحبون. والحديث معروف: "إن أطيب الكسب كسب التجار الذين إذا حدثوا لم يكذبوا، وإذا وعدوا لم يخلفوا، وإذا ائتمنوا لم يخونوا، وإذا باعوا لم يطروا، وإذا اشتروا لم يذموا وإذا كان عليهم لم يمطلوا، وإذا كان لهم لم يعثروا". 2 ـ التنزه عن الحلف : من أدب البيع والشراء فضلاً عن الصدق والأمانة التنزه عن الحلف، قال تعالى: ﴿ وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [ سورة البقرة : 224 ] ﴿ لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [ سورة المائدة: 89 ] لا تحلف بموضوعات سخيفة، والأولى أن تحفظ يمينك، وأبو حنيفة النعمان رضي الله عنه كان يدفع ديناراً ذهباً لكل يمين يحلفها صادقاً بها. (( عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الأنْصَارِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِيَّاكُمْ وَكَثْرَةَ الْحَلِفِ فِي الْبَيْعِ فَإِنَّهُ يُنَفِّقُ ثُمَّ يَمْحَقُ )) [مسلم عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الأنْصَارِيِّ] وقد روى الإمام البخاري ومسلم: (( عن أبي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ الْحَلِفُ مُنَفِّقَةٌ لِلسِّلْعَةِ مُمْحِقَةٌ لِلْبَرَكَةِ )) [متفق عليه عن أبي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ] الطريقة السليمة في كسب المال تسبب البركة من الله : أقول مرة ثانية: لا تعتد بحجم المال الذي تربحه، يجب أن تهتم بطريقة كسب المال، لأن الطريقة السليمة الشرعية تسبب البركة من الله عز وجل، والبركة أن تنتفع بالقليل الانتفاع الكثير. 3 ـ التصدق بشيء من المال : وهناك من آداب البيع التصدق بشيء من مالك، مرة أخ حدثني قال لي: كنا في مدينة نتناول طعام الفطور في مطعم، الطعام يكلف عشرين ليرة، جاء طفل يبدو أنه فقير جداً واشتهى أن يأكل من هذا الطعام الذي يقدم في هذا المطعم، قال لصاحب المطعم: أتبيعني طبق الفول بهذا المبلغ ومعه ربع ليرة؟ قال له: نعم، لصاحب المطعم ابن - قدم له الطبق مع مقبلات وخبز، وأخذ منه ربع ليرة- عاتبه، قال: يا بني اشتهى أن يأكل، يوجد أشخاص نفوسهم حامضة لا يقبل أن يعطي شيئاً من دون ثمن. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-7331/06.jpg من آداب البيع والشراء أن تتصدق، طبيب المريض لا يملك، مرة حدثني أخ دخل إلى صيدلية امرأة كبيرة بالسن معها وصفة طبية والمبلغ الذي معها لا يكفي الوصفة ينقصها خمس ليرات فصاحب الصيدلية أرجع الدواء بعنف وقال لها: اذهبي وأحضري المبلغ، فقال لي: أنا لم أتحمل هذا الموقف فقلت له: أرجعه وهذا الفرق، هذا الأخ لم يتحمل هذه القسوة البالغة على إنسانة لا تملك ثمن الدواء الكامل، فقال لي: بعد فترة كان عندنا سفرة إلى البادية، ضللنا الطريق وكدنا نموت، فدعوت الله في بركة هذا العمل الذي فعلته قبل يومين كي ينقذنا والله أنقذنا، الإنسان لا يعرف بأي عمل صالح الله ينصره، والنبي علمنا إذا الإنسان وقع في ضائقة يتذكر أعماله الصالحة الخالصة ويذكرها فالله سبحانه وتعالى ينجيه بها، قال لي: كدنا نموت عطشاً، الطريق ضللناه، السيارة تعطلت فاضطرا أن يمشيا على قدميهما، الله عز وجل جمعهم براع معه ماء وأنقذهم ودلهم على أقرب مكان فيه ماء ومواصلات، تصدق بشيء من المال. أحياناً تبيع بضاعة، غذاء اشتهاه إنساناً، تقف امرأة على بائع دجاج ماذا تشتري من عنده؟ أرجل الدجاج، الأرجل تباع كطعام للكلاب، قالت له: والله سأطبخها لأولادي وأطعمهم، يوجد فقر مدقع، تشتري أرجل الدجاج كي تطعمهم مرقتها. الصدقة تمحو السيئة : الإنسان يجب أن يرق قلبه، القصد إذا عندك بضاعة طعام أو شراب أو حاجات أساسية غير الزكاة، هنا التوجيه غير الزكاة، أن يجعل من بعض ماله صدقةً غير موضوع الزكاة، لقوله تعالى: ﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [ سورة هود : 114 ] الحقيقة لعله يكون في البيع والشراء خطأ، يمين، إخفاء عيب دون أن تشعر انسقت مع مصلحة البيع، هذه الصدقات لعلها تمحو السيئات. مرة قال لي أخ تاجر: خسرت ثمانية ملايين بحريق المحل، صار حريق جماعي بخان الجمرك قال لي: لو رجل اتصل بي هاتفياً وأعلمني بالحريق وفرت ثمانية ملايين، محله آخر محل احترق، نزل الساعة العاشرة رأى كل شيء منته، ثم قال: لعل الله سبحانه وتعالى جعلها كفارةً لما مضى، قال: ثلاثون سنة بالتجارة لعل هناك أخطاء، أو كلام غير صحيح، أو إخفاء عيوب، غبن بالبيع والشراء، هذا المبلغ من عام أربعة وسبعين مبلغ كبير جداً، التصدق بشيء من ماله لقوله تعالى: ﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [ سورة هود : 114 ] ((عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي غَرَزَةَ قَالَ: كُنَّا فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُسَمَّى السَّمَاسِرَةَ فَمَرَّ بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَمَّانَا بِاسْمٍ هُوَ أَحْسَنُ مِنْهُ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ التُّجَّارِ إِنَّ الْبَيْعَ يَحْضُرُهُ اللَّغْوُ وَالْحَلْفُ فَشُوبُوهُ بِالصَّدَقَةِ )) [ابن ماجه عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي غَرَزَةَ] أي الصدقة لعلها ترمم الأخطاء الطفيفة غير المقصودة في البيع والشراء، وكما يعلم أخوتنا الكرام صدقة السر تطفئ غضب الرب، وتدفع البلاء، تدفع حسد الحاسدين، تزيد في بركة المال. 4 ـ السماحة و التيسير : من آداب البيع والشراء السماحة والتيسير، رحم الله عبداً سهلاً إذا باع، سهلاً إذا اشترى، سهلاً إذا قضى، سهلاً إذا اقتضى، يوجد أشخاص أولاً عندهم عنف وتدقيق لا يحتمل، جشع، محاسبة تفوق الحد المعقول. العلماء فسروا سمحاً إذا باع أي يتجاوز عن المعسر ولا يرد السائل، ولا يمنع من خير، ولا يسكت عن ضيم كل هذا من السماحة. (( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ سَمْحَ الْبَيْعِ سَمْحَ الشِّرَاءِ سَمْحَ الْقَضَاءِ )) [الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ] (( عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: حُوسِبَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مِنَ الْخَيْرِ شَيْءٌ إِلا أَنَّهُ كَانَ يُخَالِطُ النَّاسَ وَكَانَ مُوسِرًا فَكَانَ يَأْمُرُ غِلْمَانَهُ أَنْ يَتَجَاوَزُوا عَنِ الْمُعْسِرِ قَالَ قَالَ اللَّهُ: عَزَّ وَجَلَّ نَحْنُ أَحَقُّ بِذَلِكَ مِنْهُ تَجَاوَزُوا عَنْهُ )) [مسلم عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ] أن تتجاوز عن معسر هذا عمل صالح، كبير، من آداب التجارة الصدق والأمانة، ثاني أدب التنزه عن الحلف، وثالث أدب التصدق بشيء من المال، والسماحة والتيسير. 5 ـ معرفة الحلال و الحرام : خامس أدب معرفة الحلال والحرام، أنا كنت أسمع أنه عند العصر ينتهي البيع والشراء عند التجار، كل يوم له نزهة صغيرة هكذا سمعت، والمغرب درس علم، والعشاء في بيته، قيام الليل والفجر في المسجد. (( عَنْ صَخْرٍ الْغَامِدِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لأمَّتِي فِي بُكُورِهَا )) [الترمذي عَنْ صَخْرٍ الْغَامِدِيِّ] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-7331/07.jpg معرفة الحلال والحرام، أي طلب العلم فرض عين، يوجد علم ينبغي أن يعرف بالضرورة هذا فرض عين من أجل أن تعرف الحلال والحرام سيدنا عمر يقول: " لا يبع في سوقنا إلا من تفقه بالدين، وإلا أكل الربا شاء أو أبى". 6 ـ الإكثار من ذكر الله : آخر أدب من آداب البيع والشراء الإكثار من ذكر الله، سمعت عن تاجر إذا فتح محله التجاري يقول: بسم الله الرحمن الرحيم نويت خدمة المسلمين، ينوي أن يخدم المسلمين، صارت عبادة، يبيعهم بضاعة جيدة بمعاملة طيبة، بسعر معتدل، الإنسان المسلم الذكي قلب عمله إلى عبادة، يوجد إنسان ينوي أن يجمع الأموال، لا، نويت خدمة المسلمين هذه نية طيبة جداً، الإكثار من ذكر الله. كان عليه الصلاة والسلام إذا دخل السوق يقول: "أعوذ بالله من يمين فاجرة أو صفقة خاسرة". الله يورطه أحياناً إذا ماله حرام يتورط بصفقة خاسرة يفلس فيها، قال: الذكر بالقلب واللسان معاً، قال تعالى: ﴿ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ ﴾ [ سورة النور: 37] يوجد بائع عصير شيء لا يصدق، حينما يؤذن الظهر يغلق المحل ويذهب، شيء طبيعي، أما الشيء الغير طبيعي أن ترى عشرين رجلاً ينتظرونه، ينتظرونه ثلث ساعة، ألا تذهبوا وتصلوا معه؟ من أجل كأس عصير!! عمله متقن و ورع، فلذلك الإكثار من ذكر الله، هذا من آداب البيع والشراء، كلمة رجال أي أبطال، وليس ذكوراً. أكاد أقول لكم الضابط الذي يضبط ما إن كنت منغمساً في الدنيا أو أنها في يديك توظفها بالخير موضوع العبادات، إذا لم تلهك الدنيا عن عباداتك فأنت والله نقلتها من قلبك إلى يديك، أما إذا غفلت بها عن عباداتك والله هي متشعبة في قلبك. أرجو الله سبحانه وتعالى أن تكونوا قد أفدتم من هذا الموضوع، تحدثنا في درس قديم عن تعريف البيع والشراء وعن أركانه وشروطه، وتحدثنا عن البيوع المحرمة وتحدثنا عن البيوع الجائزة، وتحدثنا عن آداب البيع والشراء. |
رد: العبادات التعاملية
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية الدرس : ( التاسع و الاربعون ) الموضوع : البيوع المنهى عنها الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. بيان النبي هو التشريع الكامل : أيها الأخوة الكرام، بادئ ذي بدء أبين لكم أن النبي عليه الصلاة والسلام حينما بيّن لأصحابه ولأمته من بعده ما نزل عليه من قرآن كريم، هذا البيان هو التشريع الكامل، وهذا التشريع الكامل يجسد قول الله عز وجل: ﴿ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [ سورة المائدة : 3] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-7334/01.jpg لو أن هناك حالات في الحياة الاقتصادية أو الاجتماعية ليس لها حكم شرعي فهذا نقص في الدين، أما حينما نوقن أن الكتاب والسنة يغطيان تشريعياً كل حاجات الناس إلى يوم القيامة فعندئذ نبحث فيما قاله النبي، وفيما جاء به من أقوال وأفعال وإقرار عن حالات مشابهة للتي قالها صلى الله عليه وسلم. البيوع التي نهى عنها النبي : في هذا الدرس موضوع الدرس العام موضوع البيوع التي نهى عنها النبي عليه الصلاة والسلام، ولا أدري لما قفز إلى ذهني أن النبي عليه الصلاة والسلام حينما قال: (( إِذَا صَلَّتِ الْمَرْأَةُ خَمْسَهَا، وَصَامَتْ شَهْرَهَا، وَحَفِظَتْ فَرْجَهَا، وَأَطَاعَتْ زَوْجَهَا قِيلَ لَهَا : ادْخُلِي الْجَنَّةَ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شِئْتِ )) [من مسند أحمد عن عبد الرحمن بن عوف ] هي في البيت عدد المزالق قليل جداً، أما الرجل الذي يكسب المال فهناك بضع مئات من الأحاديث الشريفة تبين ما ينبغي وما لا ينبغي في كسب المال، وفي البيع والشراء، ومن أحاديث تزيد عن تسعمئة حديث اخترت لكم بعض الأحاديث التي تبين أن هذا النبي عليه الصلاة والسلام لا ينطق عن الهوى. البيوع التي نهى عنها النبي كثيرة جداً، وما أكثر ما يقع بها بعض الناس، اليوم إنسان سألني سؤالاً، قال لي: أنا أشتري حاجة وأدفع ثمنها ويرجوني البائع ألا أبيعها لشهر وبعد شهر يأتيني بالثمن الذي أخذه ويعطيني ربحاً ويسترد هذه الحاجة، هل في هذا خطأ؟ قلت له: فيه كل الخطأ، هذا هو الربا بعينه، بالحقيقة أنت ما بعته حينما تبيعه هذه الحاجة أو حينما تشتري منه هذه الحاجة وتعطيه ثمنها ويشرط عليك ألا تبيعها لا يجتمع بالفقه الإسلامي بيع وشرط، حينما تبيع أطلقت يد الشاري في المبيع فيما اشتراه، له أن يبيعه، له أن يستعمله، له أن يؤجره، له أن يرهنه، أما إذا بعته شيئاً واشترطت عليه ألا يبيعه فاجتمع بيع وشرط، هذا الشرط يفسد البيع، قلت له: أنت في الحقيقة لم تشتر منه شيئاً إنما أقرضته مبلغاً من المال لشهر وأخذت الساعة رهينةً لهذا القرض، وحينما أدى لك هذا المال أعطاك ربحاً وهو الفائدة التي نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم. القرض الربوي : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-7334/02.jpg أيها الأخوة، أرأيتم إلى هذا السؤال؟ عملية قرض ربوي محض، أنا اشتريت حاجة من إنسان شراء شرعياً لكن رجاني ألا أبيعها وبعد شهر جاءني بثمنها، وأعطاني ربحاً عليها، مع أن الشكل بيع وشراء وربح، الحقيقة قرض ربوي ورهينة هذه هي الحقيقة، الإنسان حينما يكون دخله مشبوهاً يأكل مالاً حراماً، وهذا المال الحرام إذا اشترى به حاجةً هذه تسمم حياته كلها، يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة، من هذا السؤال الذي طرح علي اليوم استوحيت موضوع هذا الدرس، كم هناك من بيوع حرمها النبي عليه الصلاة والسلام والناس لا يعرفونها. من الشيء الشائع بين الناس أن كل إنسان معه مبلغ من المال يعطيه لإنسان يعمل في التجارة ويأخذ على الألف مبلغاً ثابتاً هذا هو الربا بعينه، الاستثمار والمضاربة يجب أن تعطيه الربح الحقيقي، لابد من حساب متاجرة، لابد من جرد، تعطيه الربح الحقيقي، تعطيه نسبةً من الربح الحقيقي هذا مشروع، أما أن تعطيه على الألف مبلغاً معين دون أن تجري حساباً فهذا قرض ربوي. للشيطان منفذان المال و المرأة : وجدت أن هناك مزالق كثيرة جداً يقع فيها الناس، والحقيقة لو أن التشريع الإسلامي فرزته لوجدت أن تسعين بالمئة من أحكام التشريع متعلقة بكسب المال وعلاقتك بالنساء، فإذا ضمنت ألا تأكل مالاً حراماً، وألا تنظر عينك إلى ما حرم الله فقد أغلقت على الشيطان منافذه، الشيطان له منفذان منفذ المال ومنفذ المرأة، إن صحّ التعبير في الرجل نقطتا ضعف المرأة والمال، فإذا أحكم إغلاقهما لن يستطيع أحد أن يذله، الذين يسقطون كيف يسقطون؟ إما بأكل مال حرام، أو اعتداء على عرض حرام، هذا سبب السقوط والضعف، والإنسان هذان الشيئان ينهيانه، فلذلك من دخل السوق ولم يتفقه أكل الربا شاء أم أبى، أنت حينما تبيع وتشتري حينما تكون لك حرفة، تجارة، أحكام الفقه معرفتها فرض عين على كل من يعمل بالتجارة، لماذا؟ لأنه قد يأكل الربا وهو يظن أنه يأكل حلالاً. من البيوع المحرمة بيع النجش : هناك حالات كثيرة، إنسان يساهم مع إنسان في شراء بيت يقول له: شرط أن تضمن لي المبلغ بالتمام والكمال ثم أعطني أجرة على هذه الحصة، بيت ثمنه أربعة ملايين دفعت معه مليوناً ضمن لك هذا المبلغ لا ينقص ولا يزيد، وفي أثناء بقائه معك عليك أن تؤدي أجرة البيت، قرض ربوي، أما حينما تشتري معه ربع البيت وتأخذ منه أجرة وحينما تريد أن تبيع هذه الحصة بسعر السوق فقد يزيد ثمن البيت، أو قد ينقص، أو قد ينظم، أو قد يهلك، فإذا كان هناك ضمان صار قرضاً ربوياً، مزالق الكسب الحرام أيها الأخوة لا تعد ولا تحصى الآن البيع الأول المحرم: (( عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ النَّجْشِ )) [البخاري عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا] الآن ندخل في مناقصة أو مزايدة، أربعة أشخاص أو خمسة يمثلون طرفاً واحداً، وتكون الأرض المعدة للعمار أصحابها أيتام و أرامل، فهؤلاء الخمسة يزيدون بمبالغ قليلة جداً ليستقر السعر على سعر دون سعرها الحقيقي عن طريق هذه التمثيلية، أي أنت تدفع سعراً أنت لا تريد أن تشتري إما أن تدفع سعراً عالياً من أجل أن تمكن الشاري من شراء هذه السلعة، أو تدفع سعراً قليلاً من أجل أن تمكن البائع من بيع هذه السلعة، أنت لست شارٍ ولا بائع ولكنك ممثل، تدخل مع هذه العقود من أجل أن ترفع السعر، أو أن تخفض السعر، فبيع النجش موجود في كل زمان، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع النجش، هذا أول نوع من أنواع البيع المحرم. (( مَنِ اشْتَرَى شَاةً مُصَرَّاةً فَلْيَنْقَلِبْ بِهَا فَلْيَحْلُبْهَا فَإِنْ رَضِيَ حِلابَهَا أَمْسَكَهَا وَإِلا رَدَّهَا وَمَعَهَا صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ )) [مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ] أحياناً نحبس الحليب بالضرع يوماً ويومين وثلاثة ثم نأتي بهذه الغنمة إلى السوق أو بقرة نحبس حليبها في ضرعها، فحينما يرى الشاري ما شاء الله الضرع منتفخ هذه كل يوم تعطي أربعين كيلو يدفع ثمنها خمسة وثمانين ألفاً، يحضرها ويحلب الحليب في اليوم الثاني فيحصل على اثني عشر كيلو، هذه شاة أو غنمة أو بقرة مصراة، يقاس على هذا حالات كثيرة جداً مشابهة، فأي حالة مشابهة لهذه الحالة فهي بيع محرم. أي توهم الإنسان، يوجد حالات كثيرة جداً فيها غش، فهذه البقرة المصراة، أو الغنمة المصراة، أو الشاة المصراة يقاس عليها آلاف الحالات. حدثني صديق إنسان عنده محل يسمونه سوبر ماركت، أراد أن يبيعها وهذه تشبه البقرة المصراة وضع إعلاناً بالجريدة أنه يستقبل الزبائن بين الساعة الواحدة والنصف والساعة الثانية لا يوجد عنده وقت، يأتي الشاري ليس معقولاً، الزبائن مئة شخص والبيع على أوجه، يطلب سعراً عالياً ويقول له: أنا الآن ليس لدي وقت تعال إلى البيت، ترى بعينك ليس لدينا وقت، هذا يأتي إلى البيت يدفع سعراً عالياً جداً، يأتي في اليوم الثاني لا يوجد أي زبون أول يوم وثاني يوم، هناك مقابل المحل يوجد معمل مياه غازية يعطل بين الساعة الواحدة والنصف والثانية فكل العمال يدخلون إلى هذا المحل ويشترون، متى يستقبل الشارين؟ بين الواحدة والنصف والثانية ظهراً هذا وقت راحة هذا المعمل، فكل الزبائن يدخلون بهذا الوقت، فباع بسعر كبير جداً عن طريق هذا الإيهام كالبقرة المصراة تماماً. الزكاة تجب لا في عين المحاصيل بل في علتها : كلام النبي عليه الصلاة والسلام ليس المقصود منه الصفة الضيقة، الصفة الواسعة، لما قال النبي: "تجب الزكاة في القمح والشعير والتمر والزبيب"، الآن يوجد مزارع فريز، تضمن بمئات الألوف، مزارع فاكهة نادرة جداً وغالية جداً، العلماء قالوا: تجب الزكاة لا في عينها بل في علتها، على عهد النبي كان هناك قمح وشعير وزبيب وتمر، أما الآن فيوجد عندنا عشرون نوعاً من الفاكهة وكل نوع غال جداً. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-7334/03.jpg فتجب الزكاة لا في عينها بل في علتها، ما علتها؟ أنه محصول أساسي يباع بثمن كبير، لذلك هذه البقرة المصراة أو الغنمة المصراة هذه تشبه هذا البيع، جاء الشاري بوقت فيه ازدحام شديد، فدفع ثمناً غالياً، فلما اكتشف الحقيقة أنه في اليوم نصف ساعة فقط ازدحام على هذا المحل، هو سأل المفتي في مصر وهذه القصة وقعت في مصر، هل يجوز أن أبيعها ثانيةً في هذه الطريقة؟ هذا كان سؤاله الجواب لا، لا يجوز إذا الإنسان كان مغفلاً لا ينبغي أن يفعل ما فعل به مع الآخرين. هذه النقطة دقيقة، رجل عنده خمسة آلاف قداحة غاز كاسدة ذهب إلى بعض المحلات التي فتحت جديداً وأعطاهم قطعاً مجاناً مسطرة اعرضها عندك لا أريد ثمنها، صاحب المعمل الذي عنده كساد أرسل شخصاً إلى هذا المحل، قال له: عندك من هذه؟ قال له: نعم، قال: أريد خمسة آلاف، تساوم معه على السعر وأعطاه خمسة وعشرين ألفاً، فهذا الرجل شعر بقوة فذهب إلى المعمل قال: أريد القداحات، فقال صاحب المعمل: نقدي، استدان ودفع ثمن القداحات وأحضرهم بالتمام والكمال، ما جاء صاحبهم في اليوم الثاني ولا الثالث، لأن المعمل أرسل هذا الشخص. يوجد أساليب اليوم نوع من السرقة، الإنسان يجب أن يكون حذراً، المؤمن كيس فطن حذر، تساوموا ودفع رعبوناً وغاب، طبعاً صاحب المعمل استغنى عن الخمسة آلاف وحمله الخمسة آلاف قداحة ودفع ثمنهم نقداً. ما نهى عنه النبي الكريم : 1 ـ أن يبيع حاضر لباد : ((عن أَنَس بْنُ مَالِكٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قال: نُهِينَا أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ)) [البخاري عَنْ أنس بن مالك] أحياناً يأتي الأعرابي معه بضاعة، يأتون يوم الجمعة السعر يهبط قليلاً، يقول له صاحب أحد المحلات: لا تبع اليوم البضاعة دعها عندي أنا أبيعها لك بثمن مرتفع غداً، هذا منهي عنه، أن تمنع السعر المنخفض وتحتكر البضاعة وتبيعها بسعر مرتفع، البادي هو الذي يسكن البادية قد يأتي بصوف، قد يأتي بحليب، بجبن، بسمن، وأغلب الظن يأتون بوقت متقارب، فحينما يأتون جميعاً السعر يهبط، وهناك أناس فضوليون يقول له: لا تبع اجعل البضاعة عندي أنا أبيعها لك بسعر أعلى، معنى ذلك أن كل إنسان ساهم برفع السعر محاسب عند الله عز وجل، المحتكر إذا أرخص الله السلع حزن، وإذا ارتفعت فرح، المؤمن بالعكس. 2 ـ تلقي الركبان : و: ((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنِ التَّلَقِّي لِلرُّكْبَانِ وَأَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ وَأَنْ تَسْأَلَ الْمَرْأَةُ طَلاقَ أُخْتِهَا وَعَنِ النَّجْشِ وَالتَّصْرِيَةِ وَأَنْ يَسْتَامَ الرَّجُلُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ )) [مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ] يوجد أشخاص يسافر إلى منبع البضاعة ويعتم على البائع السعر الحقيقي بالسوق، لا يوجد سعر بل كساد كم تبيعني؟ يوهمه أنه لا يوجد سعر، كل إنسان يذهب ليشتري الحاجات بأقل من أسعارها الحقيقية ليمنع صاحب البضاعة من أن يعرف الثمن هذا بيع محرم أيضاً، ممنوع أن يبيع حاضر لباد، وممنوع للحاضر أن يتلقى الركبان فيشتري منهم قبل أن يصلوا إلى المدينة، دعه يصل ويعرف السعر ويبيع وهو مرتاح، أما أنت عندما تلقيته قبل أن يصل وعرضت عليه سعراً أقل من السعر الحقيقي فأكلت منه مالاً حراماً. 3 ـ أن تسأل المرأة طلاق أختها : ((... وَأَنْ تَسْأَلَ الْمَرْأَةُ طَلاقَ أُخْتِهَا ... )) [مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ] يكون هناك حالة معينة، الزوج لا يوجد عنده أولاد فتزوج امرأة ثانية من أجل أن تنجب له أولاداً، والأولى معززة مكرمة تذهب إلى بيت أهلها لا أعود حتى تطلقها، هو لم يرتكب معصية وهو مضطر إلى ولد، وهذه الأولى لا تنجب، ابق معها، لا أعود إلا إذا طلقتها، فنهى النبي عليه الصلاة والسلام أن تسأل المرأة طلاق أختها. 4 ـ أن يَسْتَام الرَّجل علَى سوم أَخِيه : ونهى: ((... وَأَنْ يَسْتَامَ الرَّجُلُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ )) [مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ] أي إنسان اشترى حاجة تسأل الشاري بكم اشتريتها أنا أبيعك بأقل من هذا الثمن، هذا محرم وهذا يفعله معظم الناس، يوجد نوع من الحشرية إنسان اشترى وانتهى الأمر صار إيجاب وقبول وبيع، يجب أن يعلم بكم اشترى، أو البائع كم باع، من أجل أن يوقع بينهما ويستغل هذا الخلاف لصالحه هذا أيضاً محرم، كل شيء فيه جهالة ممنوع التعامل فيه. 5 ـ شراء ما في بطون الأنعام : و: ((نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ شِرَاءِ مَا فِي بُطُونِ الأنْعَامِ حَتَّى تَضَعَ وَعَمَّا فِي ضُرُوعِهَا إِلا بِكَيْلٍ وَعَنْ شِرَاءِ الْعَبْدِ وَهُوَ آبِقٌ وَعَنْ شِرَاءِ الْمَغَانِمِ حَتَّى تُقْسَمَ وَعَنْ شِرَاءِ الصَّدَقَاتِ حَتَّى تُقْبَضَ وَعَنْ ضَرْبَةِ الْغَائِصِ)) [ابن ماجه عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ] أي قد تلد أنثى أو ذكراً، أنا أشتري ما في بطنها بكذا، هذا فيه جهالة قد يأتي ميتاً وقد يكون ذكراً أو أنثى، أو أنا أشتري ما في ضرع هذه البقرة، اشتريه باللتر، توقع صاحبها عشرة كيلو فكانوا خمسة عشر يتضايق: (( نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ شِرَاءِ مَا فِي بُطُونِ الأنْعَامِ حَتَّى تَضَعَ وَعَمَّا فِي ضُرُوعِهَا إِلا بِكَيْلٍ ...)) [ابن ماجه عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ] 6 ـ ضربة الغائص : ونهى أيضاً : (( .... وَعَنْ ضَرْبَةِ الْغَائِصِ)) [ابن ماجه عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ] يقول إنسان لغواص يصيد اللؤلؤ: هذه الغوصة بألف ليرة، كل شيء تأتي به من أعماق البحر بألف ليرة، قد يأتي بلؤلؤ حقيقي وقد يأتي بمحار كاذب، كل شيء فيه جهالة منهي عنه. (( عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ شِرَاءِ مَا فِي بُطُونِ الأنْعَامِ حَتَّى تَضَعَ وَعَمَّا فِي ضُرُوعِهَا إِلا بِكَيْلٍ وَعَنْ شِرَاءِ الْعَبْدِ وَهُوَ آبِقٌ وَعَنْ شِرَاءِ الْمَغَانِمِ حَتَّى تُقْسَمَ وَعَنْ شِرَاءِ الصَّدَقَاتِ حَتَّى تُقْبَضَ وَعَنْ ضَرْبَةِ الْغَائِصِ)) [ابن ماجه عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ] آداب المؤمنين : الشيء الثاني أيها الأخوة من آداب المؤمنين لا يدخل على بيع ولا على خطبة، النبي عليه الصلاة والسلام قال: (( الْمُؤْمِنُ أَخُو الْمُؤْمِنِ فَلا يَحِلُّ لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَبْتَاعَ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ وَلا يَخْطُبَ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ حَتَّى يَذَرَ )) [مسلم عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِمَاسَةَ] فلان خاطب أي لم يقل لا ولم يقل نعم، يجب أن ننتظر حتى يعطي رأيه، إذا قال: نعم انتهى الأمر، وإذا قال: لا ندخل، أما إنسان خاطب ولم يبت في أمر هذه الفتاة فلا ينبغي أن تخطب مرة ثانية على خطبة واحد آخر. 7 ـ بيع الماء : (( عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ فَضْلِ الْمَاءِ )) [مسلم عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ] أحياناً يكون إنسان عنده بئر، وهذا البئر غزير، وحاجته من الخمسة إنش إنش واحد، ويوجد عنده أربعة فائض، منهي عن بيع الماء إلا في حالة واحدة أن يكون استخراج الماء ذو كلفة، أما إذا لا يوجد كلفة فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الماء. ((الْمُسْلِمُونَ شُرَكَاءُ فِي ثَلاثٍ الْمَاءِ والكلأ وَالنَّارِ)) [أبو داود عَنْ أَبِي خِرَاشٍ] 8 ـ بيع الثمر حتى يبدو صلاحها : و نهى أيضاً: (( عن ابْنَ عُمَرَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا وَكَانَ إِذَا سُئِلَ عَنْ صَلاحِهَا قَالَ حَتَّى تَذْهَبَ عَاهَتُهُ )) [البخاري عن ابْنَ عُمَرَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا] هذا الكلام لمن يضمن الفاكهة، فقبل أن يبدو صلاحها ينبغي ألا تباع وألا تشترى: (( ... وَكَانَ إِذَا سُئِلَ عَنْ صَلاحِهَا قَالَ حَتَّى تَذْهَبَ عَاهَتُهُ )) [البخاري عن ابْنَ عُمَرَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا] أخواننا الذين يضمنون يوجد وقت إذا وصلوا إليه انتهى الصقيع، والثمار واضحة وبدا صلاحها عندئذ نشتري ما على الشجر، أما أن نشتري قبل أن تنتهي مدة الخطر، أو قبل أن يبدو صلاحها، فلا يجوز أن نشتري فاكهة على أشجارها. على الإنسان ألا يكتفي بوزن واحد : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-7334/04.jpg (( عَنْ عَبْد ِاللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ )) [البخاري عَنْ عَبْد ِاللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا] اشتريت طعاماً يجب أن تكيل هذا الطعام إما بالوزن أو بالكيل، ينبغي ألا تبيعه حتى تستوفيه، هذا يحدث في تقبيض المال، رجل قابض خمسة آلاف يقول له: هذه خمسة آلاف ليرة الآن قبضتها، لعلك سحبت منها مئة ونسيت، لا تعطي هذا المبلغ إلا إذا عددته أمامه، خذه وعده فإذا سلمته عده مرة ثانية، هذه قاعدة في التعامل، اشتريت طعاماً يجب أن تزينه أو أن تكيله، هذا يحدث كثيراً، إنسان اشترى حاجة ذهب ليتغدى باع ابنه منها جاء بعد الظهر زبون قال له: اليوم اشتريتها خذها، هؤلاء خمسة وعشرون كيلو، ولكن بيع منهم خمسة كيلو، من أجل دقة العمل ومن أجل سلامة الدخل ينبغي أن تعد أو تزين وحينما تسلم تعد أو تزين، ألا تكتفي بوزن واحد. على الإنسان ألا يبيع ما لا يملك : أتمنى على الأخوة الأكارم ألا يظن أن هذه الأشياء غير واقعية، هناك آلاف الحالات بشكل آخر أما الجوهر فواحد، أنا ذكرت قبل قليل أن الغنمة المصراة والآن لا أحد يبيع غنماً، أكثر الأخوان الحاضرون في المدينة، لكن الذي باع المحل التجاري أثناء الازدحام هذه حالة مشابهة تماماً للغنمة المصراة، والآن كذلك أي حديث شريف له تطبيقات عديدة جداً بأساليب أخرى بالعصر الحديث. (( عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تُزْهِيَ، فَقِيلَ لَهُ وَمَا تُزْهِي؟، قَالَ: حَتَّى تَحْمَرَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَرَأَيْتَ إِذَا مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ بِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ )) [البخاري عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ] أي بعت التفاح قبل أن يبدو صلاحها، جاء صقيع ذهب بكل الثمر، تطالب الذي اشترى بهذا المبلغ، تأخذ هذا المبلغ مقابل ماذا؟ لا يوجد شيء، أنت بعت قبل أن يبدو الصلاح، لو أنك أنت بعت بعدما يبدو الصلاح وصار مشكلة أخرى البستان صودر أو استملك هذا موضوع ثان، أما حينما تأتي جائحة سماوية وأنت بعت قبل أن يبدو الصلاح بما تأخذ مال أخيك تأخذه ظلماً. (( عَنْ عَبْد ِاللَّهِ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانُوا يَتَبَايَعُونَ الْجَزُورَ إِلَى حَبَلِ الْحَبَلَةِ فَنَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُ فَسَّرَهُ نَافِعٌ أَنْ تُنْتَجَ النَّاقَةُ مَا فِي بَطْنِهَا )) [البخاري عَنْ عَبْد ِاللَّهِ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ] مثلاً ناقة أو دابة حبلى، تشتري ما في بطنها وما سينجبه بطنها، هذه قضية غير معقولة وكان في الجاهلية من يفعل هذا. (( عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَيْسَ عَلَى رَجُلٍ بَيْعٌ فِيمَا لا يَمْلِكُ )) [ النسائي عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ] لا تبع ما لا يكن في حوزتك. محاسبة المقصر : جميع المشكلات التي تتأتى فيما بين الناس سببها أنهم يبيعون ما لا يملكون، وفي القانون المدني هذا البائع اسمه بائع فضولي لا يملك شيئاً، أما من ألصق ما قرأت في قانون الإيجارات، إذا إنسان أجّر بيتاً الذي أجر ليس مالكاً، مؤجر فضولي، والمالك لم يوقع، ولم يلتقِ بالمستأجر، إذا مضى عامان ولم يتدخل المالك الحقيقي فهذا البيع يثبت، أين أنت قاعد؟ هذا الذي يهمل ماله إلى درجة أنه يؤجر لسنتين أو سنة وهو لا يوجد عنده علم هذا العقد الفضولي يثبت لأن الأول مقصر، مرة قال لي أخ وهو شريك مع شخص بمصلحة يغيب عن البلد كثيراً مضى أربع سنوات فوجئ أن هذا المكان الذي هو موضع شراكة بين اثنين يبيع بضاعة محرمة، يبيع خمراً، فقال لي: أنا لا أعلم ما يبيع، أين أنت؟ فكل إنسان مقصر يحاسب. كل إنسان يبيع ما ليس عنده يدخل بمتاهة كبيرة : و: ((عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ يَأْتِينِي الرَّجُلُ فَيَسْأَلُنِي الْبَيْعَ لَيْسَ عِنْدِي أَبِيعُهُ مِنْهُ ثُمَّ أَبْتَاعُهُ لَهُ مِنَ السُّوقِ، قَالَ: لا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ )) [الترمذي عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ] هذا يحدث كثيراً، يوجد عندك الحاجة الفلانية؟ يقول له: نعم، يتصل بالهاتف أرسل لي هذه الحاجة، إذا أنت بلغت البائع أنك تبيعها له على حسابه لا يوجد مانع، أما أنت حينما تبيع الزبون معنى ذلك أنها ملك لك، وهي ليست ملكاً لك فينشأ مشكلات كثيرة أحياناً تشتريها من البائع والزبون لا يشتريها منك. قال لي شخص: كسدت عندي أربع سنوات قطعة للسيارة غالية جداً، جاءه زبون قال له: عندك هذه القطعة، قال له: عندي، خبر وأحضرها ولم يتفقوا على سعرها الذي أحضرها من عنده لا يعيدها، وهو أعطاك إياها بيعاً، ما معنى البيع؟ إيجاب وقبول واتفاق صار بيع قطعي، والملكية انتقلت من هذا إلى هذا، وهناك والله آلاف المشاكل من أجل أن يحقق ربحاً يشتري ولا يعلم ماذا يفعل، ليشتري ليبيع تنشأ مشكلة في أثناء البيع هو شار فلذلك قال عليه الصلاة والسلام: ((... لا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ )) [الترمذي عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ] حدثني شخص أنه في سفر لعمل دخل إلى بائع جملة رأى مسطرة جيدة قماش أخذ هذه المسطرة ولم يشترِ منه شيئاً، وصل إلى مدينة أخرى عرضها فوجدت رواجاً كبيراً، باع منها كمية كبيرة، جاء حتى يشتري ويسلم البضاعة انتهت، الذي اشترى البضاعة منه ألزمه بكل متر ربحاً خيالياً وإلا له معه مبلغ يخصم من الدين، فقال لي هذا الشخص: خرب بيتي لأني أخذت المسطرة وعرضتها في مكان آخر، فلما عدت بنفس اليوم أو بيوم ثاني لنشتري البضاعة ونسلمها انتهت البضاعة، فرض عليه الشاري بكل متر ربحاً خيالياً وإن لم يدفع له يحسمه من الحساب، فكل إنسان يبيع ما ليس عنده يدخل بمتاهة كبيرة جداً. النذر : (( عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لا طَلاقَ إِلا فِيمَا تَمْلِكُ وَلا عِتْقَ إِلا فِيمَا تَمْلِكُ وَلا بَيْعَ إِلا فِيمَا تَمْلِكُ زَادَ ابْنُ الصَّبَّاحِ وَلا وَفَاءَ نَذْرٍ إِلا فِيمَا تَمْلِكُ )) [ أبو داود عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ] أحياناً إنسان في ساعة شدة يقول: نذراً علي إن شفى الله لي ابني لأذبح عشرة خراف، ثمنهم خمسون ألفاً وراتبه أربعة آلاف من أين يحضرهم؟ وقع بإشكال كبير، الإنسان يتعقل، وهنا الجواب: (( ...لا وَفَاءَ نَذْرٍ إِلا فِيمَا تَمْلِكُ )) [ أبو داود عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ] ممكن أن تقول: أنا سوف أعطي هذه المروحة إذا نجح ابني وهذه المروحة لأبيك، هذا نوع من الحمق، الإنسان أحياناً يعطي شيئاً ليس له. من حلف على معصية فلا يمين له : ((... مَنْ حَلَفَ عَلَى مَعْصِيَةٍ فَلا يَمِينَ لَهُ.. )) [ أبو داود عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ] إذا حلفت أن تعصي الله احنث ولا تعص الله. ((...وَمَنْ حَلَفَ عَلَى قَطِيعَةِ رَحِمٍ فَلا يَمِينَ لَهُ... )) [ أبو داود عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ] إنسان حلف ألا يزور أخته لا يمين له، ينبغي أن تزور أختك وأن تكفر عن يمينك. ((... وَلا نَذْرَ إِلا فِيمَا ابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ )) [ أبو داود عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ] رجل عنده في المحل بضاعة محرمة يا رب إذا وفقتني سوف أذبح خروفاً، هذا نذر لم يبتغ فيه وجه الله تعالى، فالنذر ينبغي أن يبتغى فيه وجه الله تعالى. من عمل في التجارة ينبغي أن يتوقع الربح والخسارة : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-7334/05.jpg هناك نقطة مهمة جداً بعض الناس يدفعون أموالهم حتى يستثمروها وهو يريد ربحاً مضموناً لا يخطر في باله الخسارة أبداً، فإذا الذي يعمل في المضاربة خسر لا يقبل، لا يتحمل خسارة، وهذا ظلم شديد، وصار ربا، إذا كان المضارب الذي يعطي ماله ولا يوجد تقصير ولا عدوان و لكن هناك ظروفاً سيئة فإذا أنت رفضت تحمل الخسارة هذا رفض ظالم غير معقول. (( عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: عَنْ سَلَفٍ وَبَيْعٍ وَعَنْ شَرْطَيْنِ فِي بَيْعٍ وَاحِدٍ وَعَنْ بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ وَعَنْ رِبْحِ مَا لَمْ يُضْمَنْ )) [النسائي عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ] ربح مضمون لا يوجد، نقول: نربح إن شاء الله، وكل إنسان أراد أن يعمل في التجارة ينبغي أن يتوقع الربح والخسارة، أما الربح متوقع والخسارة مرفوضة فهذا موقف ظالم. |
رد: العبادات التعاملية
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية الدرس : ( الخمسون ) الموضوع : مقدمة عن فلسفة المال للامام الغزالى الحمــد لله رب العالميـن والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. أيها الأخوة الأكارم: ما منا واحد إلا ويتعامل بالنقد يشتري به ويبيع به، وقد يغيب عن ذهنه حقيقة هذا النقد، هذا المال: الليرة، ماذا يعني النقد ؟ قد لا تصدقون أن الإمام الغزالي رحمه الله تعالى فهم حقيقة النقد، قبل أن تأتي النظريات الحديثة في تعريف النقد ودوره في الحياة الاقتصادية، فهناك نص للإمام الغزالي في الإحياء يُعد من أندر النصوص في تعريف النقد وفلسفة النقد ودور النقد في الحياة الاقتصادية، من نعم الله تعالى أنه خلق الدراهم والدنانير وبها قوام الدنيا. الله عز وجل ذكر في القرآن الكريم أن المال هو قوام الحياة، الشاب بالمال يتزوج ويشتري بيتـاً وأثاثاً، ينجب أولاداً ويربي أولاده ويأتي بالطعام والشراب، يعالج أولاده إذا مرضوا، المال قوام الحياة وكسب المال جزء من الدِين، طلب الحلال فريضة بعد الفريضة. فيقول هذا الإمام الجليل: من نعم الله تعالى أنه خلق الدراهم والدنانير وبها قوام الدنـيا وهما شيئان لا منفعة في أعيانهما، إذا واحد كان جـائعاً جداً ومعه خمس مائة ليرة هل يستطيع أن يأكلها ؟ إذا كانت حالة برد شديد ومعه ألف ليرة هل يتغطى بها ؟ لا، وفي حال مرض شديد ومعه ألف ليرة هل يستخدمها كدواء ؟ ينقعها ويشرب ماءها. النقطة الدقيقة جداً في المال أن المال لا يُنتفع به مباشرةً، من جعله سلعةً وقع في الربا، المال ثمن وليس شيئاً، ليس سلعة. يروى من باب التقريب أن إنساناً كان يقطع فيافي الصحراء، على ناقة ثم نفذ طعامه وشرابه فأيقن بالموت وبعد أن أيقن بالموت وكادت نفسه تفيض من شدة الخوف، لمح عن بعد شجرةً فأشرق في نفسه نور من الأمل، هرع نحو الشجرة فشرب حتى ارتوى لكنه جائع جوعاً شديداً فإذا بكيس إلى جانب الشجرة سر به سروراً عظيماً وهو يتوهم أن فيه خبزاً ولكن يا للأسف فقد فتح الكيس فلم يجد فيه إلا لآلئ فصاح قائلاً: واأسفاه هذه لآلئ. إنسان مقطوع في الصحراء، جاء من الكويت إلى الشام قبل أن يكون الطريق معبداً وفي الطريق صحراوي ضل الطريق وبقي يبحث عن الطريق ساعات وساعات إلى أن نفذ الماء الذي معه فوجد ميتاً هو وزوجته وأولاده وقد (هبج) إن صح التعبير وجهه بأظافره من ألم العذاب وكـان معه مئات ألوف الليرات في السيارة. مائة ألف ليرة لا تغني عن كأس ماء، قيل يا أمير المؤمنين: بكم تشتري هذه الكأس من الماء إذا منع عنك ؟ قـال: بنصف ملكي، قال: فإذا شربته ومنع إخراجه، قال: بنصف ملكي الآخر، قال السائل: كل ملكك يساوي كأس ماء تشربها وتخرجها فاتق الله. الإمام الغزالي يقول: هما شيئان الدراهم والدنانير، لا منفعة في أعيانهما ولكن يضطر الخلق إليهما من حيث إن كل إنسان محتاج إلى أعيان كثيرة وأنا لا أبالغ إن قلت قد يحتاج أحدكم إلى مليون حاجة، قد يلزمه زر، قد يلزمه إبرة قد يلزمه أن يعالج ابنه، قد يلزمه أن يشتري ثقّابة ليضع الأوراق في الإضبارة، قد يلزمه أن يأكل، قد يلزمه أن يتعلم، قد يلزمه أن يسافر و إذا كان عنده مركبة فأكثر من أربعة مائة ألف قطـعة في السيارة وكل قطعة لها اسم، وكلها معرضة للتلف والتبديل. يقول الإمام الغزالي: الإنسان محتاج إلى أعيان كثيرة في مطعمه، يحتاج إلى مسكة من أجل الجبن، يريد محلباً وحبة بركة، أحياناً يحتاج إلى عصفر وإلى ملح ليمون ويحتاج إلى خل أحياناً. انظر البيت كم حاجة فيه، يحتاج إلى قدح للشراب وقدح للشاي وفنجان قهــوة، إلى أوانٍ وأدوات وإلى مبيد للصراصير أحياناً، يحتاج إلى أدوية منعشة وإلى أدوية مسكنة، إذا أردت أن تعد الحاجات التي أنت في حاجة إليها ولا أبالغ تفوق المليون حاجة ولكن نحن لا نشعر بها، نشتريها تباعاً. قال قد يعجز عما يحتاج ويملك ما يستغني عنه، هنا المشكلة، معك حاجات لا تحتاجها وأنت بحاجة إلى حاجات تلزمك، ما هو العمل ؟ كمن يملك الزعفران وهو محتاج إلى جَملٍ يركبه، طبعاً النص قديم، ولكن نبدل هذا النص. مثلاً: شخص زرع حبة البركة وعنده ثمانية أطنان أو عشرين طناً وهو يحتاج إلى دراجة وثياب، حاجات معينة ولابد منها. كمن يملك الزعفران وهو محتاج إلى جمل يركبه وكمن يملك الجمل وربما يستغني عنه ويحتاج إلى زعفران فلابد من معاوضة. أصل المال أن كل إنسان عنده نوع من الحاجات، فائض عن حاجته، ويحتاج إلى حاجات كثيرة هو في أشد الحاجة إليها، كيف نتبادل مع بعضنا بعضاً ؟ ولا بد في مقدار العوض من تقدير، هل معقول أن نعطيه أوقية زعفران بجمل، إذا كان شخص يلزمه مادة غذائية وعنده خمسة أطنان من قمح هل يعطي قنطار القمح بكيلو جبن، ليس معقولاً. فما هو الطريق؟ قالوا: إذاً لا يبدّل صاحب الجمل جمله بكل مقدار من الزعفران. ولا مناسبة بين الزعفران والجمل. أي كم أوقية من البن تساوي سيارة، لا يتناسبان إطلاقاً، لو لا وجود المال لتعقدت الأمور، هل بالوزن يمكن أن نشتري بن ونبيع البن بوزن الجمل، هل ذلك ممكن ؟ لا حل لهذه القضية. قالوا: وكـذا كمن يشتري داراً بثياب، أو دقيقاً بحمار لا يوجد تناسب بين الأشياء، فلا يدري كم الجمل يساوي من الزعفران،عندئذ تستحيل المعاملات بين الناس. فافتقرت هذه الأعيان المتنافرة المتباعدة إلى متوسط يحكم بينها بحكمٍ عدل، فيُعرف كلُ واحد برتبته ومنزلـته حتى إذا تقررت المنازل وترتبت الرتب عُلم بعد ذلك المساوي من غير المساوي فخلق الله تعالى الدنانير والدراهم حاكمين متوسطين. هذه ثمنها خمسين ليرة وهذه ثمنها خمس مائة ليرة، دخل عنصر ثالث وهو المال لو أنت بحاجة إلى كأس وعندك هذه المسجلة هل من المعقول أن تدفعها مقابل هذا الكأس ؟ عندما أقول لك هذه ثمنها مائة ليرة، وهذه خمسون ليرة، عشر كؤوس تساوي مسجلة، فالمال هو الذي يقوم الأشياء كلها، أريد أن أشغّل إنساناً عندي ماذا أعطيه ؟ لو أعطيته الدقيق هو بحاجة إلى ثياب أما أنا فأقول له: أنت تعمل في اليوم بخمس مائة ليرة وأنت بهذه الخمس مائة تشتري ما تشاء. ما هو النقد ؟ هو تعبير عن الجهد البشري، أو تعبير عن السلعة، وكلٌّ يقوم بالمال رأى بالنقد. قال: وخلق الله الدراهم والدنانير حاكمين ومتوسطين بين سائر الأموال حتى تقدر الأموال بهما، الحقيقة كلمة المال لا تعني النقد، المال شيء ينتفع به مباشرةً الجمل مال، الطائر مال، الماء مال إذا كنت تستخرجه من أعماق الأرض، الطعام مال، السجاد مال، الثريا مال، الطاولة مال، كل شيء تنتفع به مال. أما النقد: كل شيء يُقَيمُ به المال هو النقد، والنقد له فلسفة عميقة جداً، وسيط تقيم به كل الأشياء وإذا قُيمتْ صار من السهل أن تتبادل السلع والمنافع والخبرات والخدمات، لا يمكن أن نتبادل السلع والخدمات والخبرات إلا عن طريق الوسيط الذي هو المال. شخص راتبه فرضاً عشرة آلاف ليرة، يلزم ابنه درس رياضيات والدرس مثلاً قيمته بخمسمائة ليرة في الساعة، يدفع خمسمائة مقابل الدرس، هل من المعقول أن يدفع جهده كله مقابل الدرس مستحيل، إذاً عندنا وسيط بين كل السلع وبين كل الأموال وبين كل الخدمات. يقال مثلاً: هذا الجمل يساوي مائة دينار وهذا القدر من الزعفران يساوي مائة فهما من حيث إنهما متساويان بشيء واحد إذاً هما متساويان وهذا المال مقوِّم لذلك حينما يلد المال المال وقعنا في مخالفة كبيرة الأعمال تلد المال، أما المال لا يلد المال إذا ولد المال المال نقلناه من ثمن إلى سلعة وهنا الحرمة. إذا أودعنا المال في المصرف وأخذنا فائدة معنى المال ولد المال، معنى ذلك حولناه إلى سلعة، نحن ينبغي أن نجعل المال يُكتسب على الأعمال طبعاً، الموضوع يحتاج إلى تفصيل كبير، حينما يقتصر كسب المال على الأعمال ترخص الأسعار وتنعدم البطالة ويعمـــل الجميع وينخفض مستوى المعيشة، وحينما تلد الأعمال المال تعمر الأرض وتذهب الرذائل وتختفي الجرائم. أما حينما يلد المـال المال تتجمع هذه الأموال في أيدٍ قليلة وتحرم منها الكثرة الكثيرة، دخلنا في متاهة الجرائم والسرقات والدعارة. باحثة اجتماعية كتبت تقريراً عن دراستها، زارت كل سجون النساء، فاكتشفت حقيقةً مرة أن تسعين بالمائة من النساء اللواتي يعملن بالدعارة يعملن عن حاجة إلى المال لا عن فساد خلقي، وعشرة بالمائة فاسدات بطبعهن، معنى هذا مسؤولية المجتمع، حينما يلد المال المال تتجمع هذه الأموال في أيدٍ قليلة وبعض الناس يقيم حفل عرس بستين مليوناً أو بستين ألفاً والشباب عندئذٍ لا يستطيعون الزواج ولا يحظى أحدهم بغرفة في أطراف المدينة، يعني وقع الخلل فمن أين يأتي؟ يأتي الخلل من سوء توزيع الثروة، لأن هذه الكتلة النقدية يجب أن تكون متداولة بين الناس، فالكتلة النقدية إذا كانت في أيدي الجميع فنحن بخير ونحن في بحبوحة والمسلم الصادق ولو أن الأسعار تدَنّت وقلَّ ربح التاجر لكان الناس جميعاً تنعموا وجميعاً أكلوا. شخص ضمن محصول مشمش فرضاً والسعر بثلاث ليرات فأكل جميع الناس هذه الفاكهة ولم يبق: أحد من الناس إلا وأكل من هذه الفاكهة حتى شبع، فالمسلم الصادق لو قلّ ربحه يشعر أن المسلمين انتعشوا، دائماً المؤمن إذا الله عز وجل أرخص الأسعار فرح، والمحتكر إذا أرخصها الله حزن يقول لك: تبهدل سعرها، دعه يتبهدل والناس تأكل. لذلك أهل الكفر والعياذ بالله تكون المحاصيل جيدة جداً فيتلفون مئات الأطنان من البن حفاظاً على السعر. وفي أمريكا عندما أسعار الحمضيـــات انخفضت فمحصول سنة بكامله وضعوه في أماكن شاسعة وتركوه يتلف للحفاظ على سعره المرتفع، صار الزنوج الفقراء يدخلون من تحت الأسوار ليأكلوا البرتقال مجاناً و في العام التالي سمموه لئلا يأكله أحد، وحوش. وأكبر عمل وحشي قرأت عنه قبل سنوات أنه تم إطلاق النار على عشرين مليون رأس غنم في أستراليا أعدمت بالرصاص ودفنت تحت الأرض وشعوب بأكملها تموت من الجوع والشيء بالشيء يذكر يا أيها الأخوة لا بد من أن أعلق على ما سمعتم في هذين اليومين، أقول لكم: في مؤتمر صحفي بُثّ على عشر محطات فضائية استمع إلى هذا المؤتمر سبعمائة مليون إنسان تقول امرأة أنا زنيت في اليوم الفلاني مع فلان وفي اليوم الفلاني مع فلان، وذكرت سبع حالات خيانة، والعالم كله يبكي من أجلها عند وفاتها منذ أيام وقد سار في جنازتها سبعة ملايين. ماهذا العالم الذي نعيشه ؟ وهؤلاء الذين اغتصبوا في البوسنة والهرسك خمسة وثلاثين ألف امرأة اغتصبوهن في البوسنة و ما بكي أحد. هذه المقابر الجماعية التي اكتشفت في البوسنة والهرسك ما بكى من أجلها أحد، هؤلاء الخمس مائة ألف طفل ماتوا في العراق جوعاً بسبب الحصار الاقتصادي ما بكى من أجلهم أحد، هؤلاء المليون إنسان ماتوا في هذه الحروب التي تجري في هذه الدول المتخلفة ما بكى من أجلهم أحد. من أجل هذه المرأة الفاسقة، عندما ماتت الدنيا قامت ولم تقعــد، وأحد الأثرياء العرب يشتري سيارتها بمليون دولار، لأنها من رائحتها. هذا عصرنا لا بد أن نكفـر بالكفر، لا بد من أن تحتقر الكفر والفجور. والطريـــق إلى الله لا يكون سالكاً إذا عظّمت هؤلاء الكاذبين، يكذبون ويدجلون ويغيرون الحقائق ويقيسون بمقياسين. المال إذا ولد المال ماذا حصل ؟ تجمعت هذه الأموال في أيدٍ قليلة وحرمت منها الكثرة الكثيرة فكان الزنا وبيوت الدعارة والجرائم والقتل لأن المال قوام الحياة. سيدنا عمر رضي الله عنه أول سؤال كان يطرحه على ولاته، كيف الأسعار عندكم ؟ قال يوماً لأحد ولاته ماذا تفعل إذا جاءك الناس بسارق أو ناهب، قال: أقطع يده، قال له إذاً، إذا جاءني من رعيتك جائع أوعاطل فسأقطع يدك، يعني ما دمنا تحدثنا عن هذه التي ماتت قبل يومين ومشى في جنازتها سبعة ملايين والعالم كله يبكي من أجلها فإني أذكركم بتصريح قرأته بأم عيني في جريدة تتحدث عن وزير الصحة البريطاني يحمل دكتوراه في العلوم الإنسانية عقد مؤتمراً صحفياً وقال أنا شاذ جنسياً نحن في أي عصر ؟ والله هذه الدول التي يسمونها دول العالم الثالث فيها بقية حياء وفيها بقية خجل وبقية رحمة وفيها بقية قيم. يجب أن نعتز بإسلامنا ونعتز بديننا وأن نعتـــز بعلاقاتنا الاجتماعية وأن نعتز بما بقي من حب للخير والفضيلة، أولئك وحوش في أثواب بشر. الآن لا ينبغي أن يكون لأحدٍ غرضٌ في عين المال، عين النقد هو لا ينتفع به مباشرةً، ينتفع به بالوساطة، به تشتري الطعام، به تشتري المدفأة به تشتري سريراً، به تشتري مركبة، هل يمكن أن ننتفع به مباشرةً ؟ لا، من جعله سلعةً ولم يجعله ثمناً يعني كسب المال الحرام، المال إذا ولد المال كان الربا، والشيء الثابت قولاً واحداً أنه إذا فشا الربا ارتفعت الأسعار وفشت البطالة وتفاوت الناس في دخلهم وربنا عز وجل قال: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (7)﴾ (سورة الحشر ) ما هي الحالة الصحية الرائعة ؟ أن يأكل كل الناس وأن يسكن كل الناس في بيوت، وأن يعالج كل الناس بالأدوية الجيدة وأن يعيش كل الناس في بحبوحة، هذه هي الحالة الصحية الجيدة. سيدنا عمر جاءه رسول من أذربيجان معه هدية ثمينة: طعام حلوى، أكل منها قطعة واحدة، وقال للرسول: هـل يأكل عندكم عامة المسلمين هذا الطعام، قال: لا هذا طعام الخاصة، أخرج اللقمة من فمه وقال: حرام على بطن عمر أن يذوق طعاماً لا يشبع منه المسلمون، ووبخ الوالي وقال: كيف يعنيك أمر الناس إن لم تأكل مما يأكلون ؟ ومرة عندما ترك أكل اللحم شهرين متتابعين فاشتهى اللحم فخاطب بطنه وقال له: قرقر أيها البطن أو لا تقرقر فوالله لن تذوق اللحم حتى يشبــع منه صبية المسلمين. دعي إلى طعام وضع له على طبق، أطيب ما في الجزور قال: بئس الخليفة أنا إذا أكلت أطيبها وأكل الناس كراديسها. لذلك قالوا: من ملك المال ملك كل شيء، هو الوسيط وهو الأداة للتقويم أداة العدل في التبادل، إذا فقدت النقود لجأ الناس للمقايضــة. أحياناً تجد بالجريدة بيت يعرض مقابل بيت فلا ترتاح لعل هذا البيت لا يساوي هذا البيت، مقايضة بيت ببيت نظراً لشح المال وعندنا مشـكلة أن المال قليل والسـلع كثيرة جداً فتجد مائة عرض بالجريدة للمقايضة مباشرة، والمقايضة ماذا تفعل ؟ هذا البيت لا يساوي هذا المحل، أما لو قومنا البيت بالمال و قومنا المحل بالمال صار هناك موازنة، إذا ملك شخص قماشاً فهل هو إذا ملك القماش ملك كل شيء ؟ لا ملك القماش فقط، أما لو باع القماش بالمال و صار معه رصيد ضخم فالآن ملك كل شيء، يقول لك البضاعة مجمدة أما لو باعها بالنقد فالإنسان حر بالنقد، يشتري طعاماً، يشتري ثياباً، يشتري منزلاً، يشتري مركبة، يسافر، يتاجر، يؤسس عملاً، هذا كله كلام الإمام الغزالي قبل أن تظهر النظريات الاقتصادية و قبل أن تظهر قيمة النقد و فلسفة النقد قال: من ملك المال ملك كل شيء، لا كمن ملك ثوباً فإنه لم يملك إلا الثوب، فلو احتاج إلى طعام ربما لم يرغب صاحب الطعام في الثوب لأن غرضه دابة لا ثوب، فشخص معه قماش فقط و لزمه طعام فجاء لصاحب الطعام قال له أنا عندي قماش وأريد طعاماً، فيقول أنا أريد دابة لا قماشاً، فمع السلامة، أما مادام معه نقد فإنه يشتري به الطعام بكل حرية. قال: المال كالمرآة ليس لها لون لكنها تحكي كل شيء، أي شيء تضعه أمامها يرتسم فيها. النقد ينبغي ألا يكون غرضاً في ذاته، حتى إن الإنسان إذا كسب المال بنية استعماله في الخير فله أجر، أما حينما يكنز المال للمال عطل وظيفته، و لنأتِ بمثل بسيط: إذا أحضــرنا مائة مليار ليرة، من فئة الخمسمائة، و شكلنا منها نصباً تذكارياً في ساحة عامة ثم طليناها بمادة عازلة و جعلناها بشكل تمثال جميل أو مجسم جمالي جميل فهذه المائة مليار ليرة ماذا فعلنا بها عطلناها، فالمال وظيفته الوحيدة أن يكون متداولاً لذلك الذي يكنز الذهب و الفضة ماذا يفعل ؟ يعطل قيمتها، يعطل الدور الذي أراده الله لها، لذلك نتساءل: لم فرض الله تعالى الزكاة ؟ لئلا يخزن الناس المال، لأنك إن خزنت المال و أنت كمسلم تؤدي فالزكاة كل عام الزكاة تأكل المال كله ، فلئلا يؤكل المال تستثمره فالزكاة لها حكمة سلبية: أنك إن لم تستثمر مالك تأكله الزكاة و قد ورد هذا عن رسول الله ((عَنْ مَالِك أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ ابْنَ الْخَطَّابِ قَالَ اتَّجِرُوا فِي أَمْوَالِ الْيَتَامَى لا تَأْكُلُهَا الزَّكَاةُ )) لأنك لو خزنتها و دفعت زكاة مالهم كل عام بعد حين تنفذ هذه الأموال إذ أن الزكاة تأكلها. قال العلماء إن كل من عمل عملاً لا يليق بالحكمة التي خلق الله المال من أجلها فقد كفر نعمة الله تعالى، وبشكل عام البخيل الذي يكنز المال يعيش فقيراً ليموت غنياً، شخص وجدوه ميتاً من أربعة أيام، ثلاثة و نصف مليون ومليون ومليون كله مكردس وهو لا ينفق شيئاً منها، كنز المـال مخالفة لحكمة المـال، أكمل شيء، وهذا الشيء الناس بعيدون عنه جداً أنك تجد إنساناً كبيراً في السن لا يقوى على أن يعمل إطلاقاً معه مال، تجد شاباً كتلة حياة ونشاط وحيوية ولا يملك من المال شيئاً، فلو كان هناك أمانة وثقة واستقامة وخوف من الله لما وجدت عندنا مشكلة إطلاقاً لأن لدينا أموالاً ولدينا مشاريع أعمال، ذاك شـاب متوقد حيوية ونشاطاً ليس معه مال وهناك إنسان معه مال ولا إمكانية عنده ليشغله، فلو دفع هذا المال لهذا الشاب لتكاملا وهذا أشرف طريق لاستثمار المال المضاربة، لكن حينما أساء الناس ولوج هذا الباب المشروع قَوّوا مركز المصارف، وعندما أخذ الناس الأموال ليستثمروها فأكلوها أضعفوا ثقة الناس بهذا الباب المشروع. والنبي عليه الصلاة والسلام كان أول مضارب في الإسلام اتّجر بمال خديجة. فمنها المال و منه الجهد والربح بينهما إذاً أول مضارب هو النبي عليه الصلاة و السلام، فالطريق الأكمل لاستثمار المال أن يشترك اثنان: واحد بماله و الآخر بجهده و أن يتقاسما الربح و الخسارة و انتهى الأمر لكن هذ1 الطريق أساء الناس استخدامه فكفر الناس بهذه الطريقة، فصار الاستثمار الربوي هو الأفضل عند الناس وهذه مشكلة كبيرة جداً. والمهم الآن أن نفهم معنى هذه الآية الكريمة: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34)﴾ (سورة التوبة) طبعاً بالمناسبة ؛ المـال الذي تُؤدّى زكاته ليـس بكنز، مهما كثر والمال الذي لا تؤدى زكاته هو كنز مهما قلّ. المال خلق ليحل مشكلات الناس، خلق لخدمة الإنسان فإذا كنت أنت في خدمته وقد انقلبت المفاهيم ؛ قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (13)﴾ (سورة الجاثية ) كل الكون مسخر للإنسان يجرى في الخليج سباق للهجن للعمال يضعون طفلاً صغيراً على ظهر الجمل لأنه خفيف الوزن ويعدو، لكن هذه الحركة المستمرة للجمل وعمود الطفل الفقري لا يزال طرياً يسبب له العدو تشوهات في عموده الفقري، وكثـيراً ما يقـع هذا الطفل من على الجمل فيموت، في هذه الحالة من المسخر للآخر ؟ الطفل مسخر للجمل، أما الأصل أن يسخر الجمل للإنسان، الآية عُكست، هذا إنسان فهل يعقل أن نضحي به من أجل سباق ؟ هل يعـقل أن نشوه عموده الفقري من أجل سباق ؟ يجب أن نعلم من هو المسخر للآخر، كل مافي الكون مسخر للإنسان والإنسان مكرم وهو المخلوق الأول. فقال: كل من استعمل المال كسلعة وخالف فيه حكمة الله عز وجل فقد كفر نعمة المال وقد يحرمه الله من نعمة المال، فالمال إما أن تكون في خدمته وهذا هو شقاء الإنسان وإما أن يكون في خدمتك. الحقيقة في سلم المال خط أحمر، دون هذا الخط هو في خدمتك بعد هذا الخط أنت في خدمته قد تضيع دنياك وتضيع آخرتك من أجل إدارة هذه الأموال وفي النهاية ليس لك من مالك إلا ما انتفعت به، يعني هذا الثوب الذي لبسته وهذا الطعام الذي أكلته وهذا السرير الذي نمت عليه، هذا هو المال الذي انتفعت به وما سوى ذلك تحاسب عليه من دون أن تنتفع به، هنا الفرق بين الكسب والرزق، الرزق ما انتفعت به، أما الكسب فما كان في خزانتك، و هناك شيء من الواقعية، شخص يملك خمسين ليرة و شخص معه خمسون مليوناً أرادا أن يأكلا فسعة معدة كل واحد منهما واحدة فهذا تشبعه لقيمات و هذا تشبعه لقيمات إذاً ما قيمة هذا المال الفائض ؟ محاسب عليه، ليس لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأبقيت. الإمام الغزالي قال: من طلب النقد لغير ما وضع له فقد ظلم نفسه. أيها الأخوة الكرام أنا ذكرت هذا الموضوع تمهيداً لموضوع دقيق في أحكام الربا وأرجو الله تعالى أن أحسن اختيار موضوعات درس الأحد من الموضوعات التي تشتد الحاجة إليها، لا أحد من الحاضرين إلا يبيع ويشتري شاء أم أبى. يجب أن تفهم ما حكمة المال، هو قوام الحياة فالذي يبخل به يظلم نفسه، والذي ينفقه جزافاً يظلم نفسه وإنفاق المال سفهاً يعد من السفاهة لذلك فالسفيه يحجر عليه، ينبغي أن تعلم أن المتقين هم كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً (67)﴾ (سورة الفرقان ) يعني جزء من دينك أن تعلم كيف تنفق المال، يروى أن سيدنا رسول الله جاءه فقير فأرسله إلى بعض أصحابه دخل عليه أرضاً فيها بقية حبات قمح فرآه يجمع هذه الحبات، فما سأله ودار بخلده أن هذا الذي يجمع حبات القمح بخيل فانصرف عنه، جاء النبي الكريم وقال له رأيته يفعل كذا وكذا قال له: عد واسأله، فسأله فأعطاه قطيعاً من الإبل، قال له: عجبت لك تجمع الحب وتعطي هذا العطاء، قال له: يا أخي نجمع هكذا لننفق هكذا. المؤمن عجيب أمره، سمعت من يومين قصة صدقوني كاد قلبي يدمى لها رجل دعي إلى وليمة في دول الخليج، و الداعي إنسان عظيم جداً وغني كبير أقسم ناقل الخبر بالله أن أكثر من عشرين رجل يحملون المنسف عليه جمل وفوق الجمل خروف، أقسم بالله أن رائحة السمن تشم على بعد أكثر من خمسين متراً كم واحداً المدعوون ؟ عشرة أشخاص، هذا المنسف يطعم ألف رجل، أكل الضيوف شيئاً لا يذكر فلما جاء وقت غسل اليدين غسلوا أيديهم فوق هذا المنسف فقال واحد من المدعوين: يا سيدي، بأدب جم أليس هناك من يأكل هذا الطعام، قال: لا يجوز أن يأكل منه أحد بعدي، هذا يلقى بالقمامة قال لي: والله بأم عيني رأيت ما سمعت، أنا مدعو وليست قضية خبر سمعناه، بل شاهد عيان. أين (( يا عائشة أكرمي جوار نعم الله فإن النعمة إذا نفرت قلما تعود)) أين هي: والله المؤمن يحرص على حبة رز، حبة رز واحدة لا يدعها في الصحن، كل شيء له حل، أنا مـرة دعيت إلى عقد قران وأنا أذكر هذا مادحاً لا ذامّاً، رجل من كبار الأغنياء دعا ألف شخص، دفع ثمن العشاء مليون ليرة، كل شخص ألف ليرة، سوف تقول إسراف، وأنا حضرت الدعوة فوجدت أنه لم يؤكل عُشر الطعام، سألت ثاني يوم ماذا فعل بالطعام، قال: أكله طلاب أحد المياتم لمدة اثني عشر يوماً وضع في برادات في علب فاخرة و أكل الأيتام منه طيلة اثني عشر يوماً، والذي أقام هذا الحفل قدم مليون ليرة للفقراء لتزويج الشباب. لا نستطيع أن نتكلم، مادام ولا حبة رز ذهبت ضياعاً، كله انتهى إلى بطون جائعة والرجل غني أحب أن يكون الحفل فاخراً، ولكنه مهيئ فريق عمل، فبعد أن انتهى الطعام كله وضع بأكياس وعلب كرتون وحمل إلى البرادات، ميتم أكل اثني عشر يوماً من هذا الطعام. ((يا عائشة أكرمي جوار نعم الله فإن النعمة إذا نفرت قلما تعود)) وإذا نقضوا عهد الله وعهد رسوله سلط عليهم عدواً يأخذ ما في أيديهم وقد حصل هذا، دول غنية جداً أصبحت الآن فقيرة جداً، قال لي أخ: كان المواطن من هذه الدول لا يعمل إطلاقاً ويحتقر العمل ولا بعشرة آلاف ريال، الآن يعمل بألف وخمس مائة فقط، لا يوجد طعام، حينما يلقون بالطعام في القمامة فهذا هو الجزء، سلط عليهم من يأخذ ما في أيديهم. وإن شاء الله في الدرس القادم حديثنا عن موضوع ربوي مهم جداً، عن ربا النسيئة وربا الفضل، أي عن ربا القرض وربا البيع والموضوع حساس جداً ومهم جداً وجعلت هذه المقدمة للإمام الغزالي عن فلسفة المال وعن قيمة المال تمهيداً لهذين الدرسين. |
رد: العبادات التعاملية
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية الدرس : ( الحادى و الخمسون ) الموضوع : الربا النسيئة و ربا الفضل الحمد لله رب العالمــين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. تمهيد: أيها الأخوة الأكارم؛ كما تعلمـــــون في الإنسان نقطتا ضعف خطيرتان: موضوع المال وموضوع المرأة... لذلك تجد في التشريع الإسلامي أحكاماً كثيرةً تتعلق بكسب المال وإنفاقه وبالعلاقة بالمرأة وأردت بالدرس الماضي أن أبدأ موضوعاً تشتد الحاجة إليه، وهي حالات تخفى على معظم الناس فيها شبهة الربا، والإنسان حينما يحرر دخله من الحرام يكون طعامه طيباً وإذا كان طعامه طيباً كان مستجاب الدعوة وإذا كان مستجاب الدعوة كان أقوى الناس على الإطلاق. (( يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة)) [أخرجه الطبراني في المعجم الصغير عن عبد الله بن عباس] وطيب الطعام يكون بأن تشتريه بمال حلال والمال الحلال هو المال الذي برأ من شبهة الكسب الحرام ومن أبرز أنواع الكسب الحرام الكسب الربوي. الربا: أيها الأخوة الكرام؛ ينقسم الربا إلى نوعــين كبيرين أوضحهما علماء المسلمين، وفصّلوا أحكامهما: الأول: ربا النسيئة من النسيء وهو التأجيل. الثاني: ربا الفضل أي الزيادة ولو من دون تأخير. ربا النسيئة وربا الفضل... الزيادة مع التأجيل ربا النسيئة، والزيادة من دون تأجيل ربا الفضل. نحا علماء الاقتصاد هذا النحو في تقسيم الربا لكنهم استعملوا أسماء جديدة من هذه الأسماء ربا الديون وهو ربا النسيئة، وربا البيوع وهو ربا الفضل، إذاً عندنا نوعان من الربا: 1- ربا النسيئة... 2- وربا الفضل... http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-7323/01.jpg الزيادة مقابل الأجل ربا النسيئة، الزيادة من دون أجل ولكن في البيع هو ربا الفضل. أيها الأخوة؛ النوع الأول كان شائعاً في الجاهلية يمكن أن نسميه ربا الديون: وهو فضل العين على الدين: يعني أقرضت مائة ليرة تستردها مائة وعشرين، فضل العين على الدين... وفضل الحلول على الأجل: يعني إذا أعطيته المبلغ وفي وقته أديته مائة، فإن أخرته أديته مائة وعشرين، وهو ينطبق على المعاملات المصرفية الربوية التي ذكرناها. يعني أي قرض بفائدة قلّت أو كثُرت هو ربا الديون وهو ربا النسيئة وهو ربا الجاهلية وهو ربا القرآن، كلها أسماء لمسمى واحد. قوام هذا الربا أو قوام هذه المعصية الكبيرة الزيادة على الدين مقابل الأجل وهذا يتناول صوراً كثيرة بعضها ظاهر جلي، وبعضها خفي. الظاهر الجلي: طبعاً الظاهر الجلي كلكم تعرفونه إنسان استقرض قرضاً ربوياً، يعني أخذ الألف ليردها ألفاً وثلاث مائة هذا ظاهر جلي. الظاهر الخفي: ولكن الذي يخفى على الناس أنواع أخرى منها مثلاً: النوع الأول: النوع الأول والمعروف والمشهور الذي لا يختلف فيها اثنان الزيادة المشروطة على القرض مقابل الأجل وهو معروف . النوع الثاني: الزيادة على الدَّيْن الذي ثبت في الذمة ثمناً لسلعةٍ بأن يتأخر المشتري عن الدفع فيلزم بدفع زيادة مقابل هذا التأخير. اشتريت حاجة على أن تؤدي ثمنها في الوقت المناسب فلم تستطع أن تؤدي ثمنها في هذا الوقت فتأخرت في الأداء فزاد عليك البائع في الثمن، زيادة في ثمن الشـيء مقابل الأجل هذا نوع يخفى على معظم الناس. النوع الثالث: مبادلة صـك بنقد يدفع حالاً أقل من قيمة الصك. معك سند، معك إيصال، شك، يستحق بعد شهرين تأتي إلى جهة أو إلى مصرف تحسم هذا الشك أو تحسم هذا السند أو تحسم هذا الصك، تأخذ أقل من قيمته حالاً على أن يأخذه المصرف بعد شهرين مؤجلاً، هذا أيضاً نوع من أنواع الربا ويفعله معظم الناس. معه سندات بضاعة باعها بمائة ألف تستحق بعد ستة أشهر يأتي إلى المصرف يضعها بين يديه ويعطيه المصرف قيمتها محسوماً منها ستة بالمائة مقابل أنه قبضها حالاً والمصرف يأخذها بعد ستة أشهر هذا أيضاً نوعٌ من أنواع الربا. إذاً الزيادة المشروطة على القرض مقابل الأجل هذا نوع واضح صارخٌ لا يختلف فيه اثنان وهو ربا القروض، ربا القرآن، ربا الجاهلية، وهو الذي نص عليه القرآن وحرمه أشد التحريم. وهناك أنواع خفية زيادة على الدَّيْن الذي ثبت في الذمة ثمناً لسلعة بأن يتأخر المشتري عن الدفع فيلزم بدفع زيادة مقابل هذا التأخير، فلو أن إنساناً اشترى سلعة بثمن على أن يؤدي الثمن بعد ستة أشهر دون زيادة في الثمن فلا يوجد مشكلة أبداً ولا شيء عليه، أما إذا اشترى سلعة بثمن فتأخر عن دفع الثمن فزاد البائع مبلغاً من المال مقابل هذا التأخير، مقابل هذا الأجل، فقد وقع في ربا ولكن بشكل آخر ليس ربا القروض ولكن ربا البيوع. النوع الرابع: وإليكم شكلاً آخر من أشكال الربا، اشتراط منفعة مادية ولو باسم هدية زيادة على مبلغ الدَيْن وهذا طبق القاعدة الشهيرة كل قرضٍ جرَ نفعاً فهو ربا. إنسان أقرض إنساناً مائة ألف على أن يسكن بيته لشهرين، على أن يأخذ مركبته لشهرين، أية منفعة مادية أو معنوية، منفعة رقبة، منفعة إيجار، أية منفعة وصلت إليك عن طريق هذا الدين طبعاً هذه المنفعة مشروطة، فهو نوع من الربا لكنه يخفى على كثير من الناس، وقد تسمعون أن إنساناً أحياناً يقترض مليون ليرة على أن يعطي المقرض بيته لسنة يسكنه، وبعد عام يؤدي له المليون، مليون دون زيادة، لكن هناك منفعة جاءت هذا المقرض عندما سكن هذا البيت لسنة. إذاً أية منفعة مشروطة على الدين فهو نوع من الربا ليس جلياً ولكنه نوع خفي. القرض له ثلاثة وجوه: http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-7323/02.jpg (( حَدَّثَنِي مَالِك أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَجُلاً أَتَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ فَقَالَ : يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِنِّي أَسْلَفْتُ رَجُلاً سَلَفًا وَاشْتَرَطْتُ عَلَيْهِ أَفْضَلَ مِمَّا أَسْلَفْتُهُ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ : فَذَلِكَ الرِّبَا ، قَالَ : فَكَيْفَ تَأْمُرُنِي يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ : السَّلَفُ عَلَى ثَلاثَةِ وُجُوهٍ سَلَفٌ تُسْلِفُهُ تُرِيدُ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ فَلَكَ وَجْهُ اللَّهِ وَسَلَفٌ تُسْلِفُهُ تُرِيدُ بِهِ وَجْهَ صَاحِبِكَ فَلَكَ وَجْهُ صَاحِبِكَ قَالَ فَكَيْفَ تَأْمُرُنِي يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ أَرَى أَنْ تَشُقَّ الصَّحِيفَةَ فَإِنْ أَعْطَاكَ مِثْلَ الَّذِي أَسْلَفْتَهُ قَبِلْتَهُ وَإِنْ أَعْطَاكَ دُونَ الَّذِي أَسْلَفْتَهُ فَأَخَذْتَهُ أُجِرْتَ وَإِنْ أَعْطَاكَ أَفْضَلَ مِمَّا أَسْلَفْتَهُ طَيِّبَةً بِهِ نَفْسُهُ فَذَلِكَ شُكْرٌ شَكَرَهُ لَكَ وَلَكَ أَجْرُ مَا أَنْظَرْتَهُ)) [أخرجه مالك في الموطأ] القرض بشتى أنواعه، أو البيع لأجل في شتى أنواعه؛ هو عمل تبتغي به وجه الله، هـو عمل فيه مساعدة للفقراء، إن أقرضته أو بعته حاجة إلى أجل فابتغ بذلك وجه الله. الوجه الأول للقرض: ابتغاء وجه الله تعالى. (( فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: السَّلَفُ عَلَى ثَلاثَةِ وُجُوهٍ سَلَفٌ تُسْلِفُهُ تُرِيدُ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ فَلَكَ وَجْهُ اللَّهِ)) أي: إنسان أقرض مائة ألف وابتغى بها وجه الله، على طريقة الحسابات المادية فهذه المائة ألف ترد له بعد حين أقل بفعل التضخم النقدي، فلو أديتها بعد عام مائة ألف فهي في الحقيقة ثمانون ألفاً، تضخّم كل سنة تقريباً سبعة عشر بالمائة، يعني إذا أنت كسبت وجه الله تعالى هل تعلم ماذا كسبت؟ إذا كسبت رضوان الله تعالى. إذا كسبت أن الله راض عنك. إذا كسبت أن الله سوف يكافئك أضعافاً مضاعفة. فالله ماذا عنده..... عنده كل شيء، عنده السعادة، عنده التوفيق، عنده رفع الذكر، عنده الطمأنينة، عنده الأمن، عنده الغنى، عنده القوة. إذا ابتغيت به وجه الله سبحانه وتعالى هذا المعنى يرد في آية قرآنية قال تعالى: ﴿ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [سورة الشورى الآية: 40] ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [سورة الشورى الآية: 39] مثال: يعني إذا كان لك مع مواطن مبلغٌ من المال وقال لك مَلِكُ هذا البلد مثلاً: دعه له ولك عندي أجر. فماذا يعطي الملك؟!!! يعطي بيتاً، فأقلُّ عطائه بيت، أقل عطائه مركبة. وأنت لك معه عشرة آلاف قال لك دعها ولك عندي مكافأة!!! يجب أن تعلم ماذا يعني عندما يقول الملك لك عندي مكافاة، فكيف إذا قال لك ملك الملوك: ﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [سورة الشورى الآية: 40] إخواننا الكرام؛ ألا ينبغي أن تفعل شيئاً لوجه الله، أحياناً بإمكانك أن تأخذ حقك من الطرف الآخر بقوة القانون أو بقوة العرف أو بقوتك أنت، لكنك عفوت عنه ابتغاء وجه الله. قال لي أخ ذكر اسم تاجر كبير توفي رحمه الله فصار يبكي. قلت له: لماذا تبكي؟! قال: والله ما ذكرته مرة إلا بكيت. قلت له: ما قصتك قال؟! قال: أنا في مقتبل حياتي، اشتريت بضاعةً وأصبت في أزمة في العمل التجاري فلم أستطع سداد ثمنها فجاء صاحب البضاعة من الشام وهو في بلد آخر، ومعه السندات وبإمكانه أن يحجز على بيتي وعلى أثاث بيتي وعلى محلي، بإمكانه أن يفعل ما يشاء، فلما رآني صادقاً ورآني في ضيق شديد أمسك هذه السندات ومزقها لوجه الله تعالى وقال له: تعال وخذ بضاعة من جديد، وإذا أردت بضاعة من عند غيري قل لي لآخذها لك. سبحان الله بهذه النية الطيبة فإن هذا التاجر المكسور والذي على وشك الإفلاس بهذه البضاعة الثانية التي أخذها ديناً نهض وباع وربح وسدد كل الديون. قال لي: لولا هذا الموقف الأخلاقي إذ مزق هذه السندات لوجه الله، ودعاني أن أشتري بضاعة أخرى بدين من عنده أو من عند غيره، لما وجدتني بما أنا عليه الآن، طبعاً كنا في زيارته في بيته، فله بيت واسع وأموره ميسرة. قال لي: كل هذه البحبوحة وهذا الفضل من هذا الذي أعانني حينما وقعت. أنت حينما تفعل خيراً تبتغي به وجه الله، هل تعلم ماذا عند الله، الله إذا أعطى أدهش. الوجه الثاني للقرض: ابتغاء وجه صاحبك. ((فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: السَّلَفُ عَلَى ثَلاثَةِ وُجُوهٍ سَلَفٌ تُسْلِفُهُ تُرِيدُ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ فَلَكَ وَجْهُ اللَّهِ وَسَلَفٌ تُسْلِفُهُ تُرِيدُ بِهِ وَجْهَ صَاحِبِكَ فَلَكَ وَجْهُ صَاحِبِكَ)) أردتَ أن تخدم إنساناً بذاته فقد يكون هذا الإنسان قريباً وقد يكون جاراً وقال: لك وجه صاحبك، فلا مانع يمنع من ذلك. الوجه الثالث للقرض: من أجل المنفعة والربح. أما النوع الثالث من السلف فهو: ((وَسَلَفٌ تُسْلِفُهُ لِتَأْخُذَ خَبِيثًا بِطَيِّبٍ فَذَلِكَ الرِّبَا)) يعني أقرضت قرضاً واشترطت على المدين أن يؤديه إليك بزيادة. الخلاصة. (( قَالَ فَكَيْفَ تَأْمُرُنِي يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ أَرَى أَنْ تَشُقَّ الصَّحِيفَةَ فَإِنْ أَعْطَاكَ مِثْلَ الَّذِي أَسْلَفْتَهُ قَبِلْتَهُ وَإِنْ أَعْطَاكَ دُونَ الَّذِي أَسْلَفْتَهُ فَأَخَذْتَهُ أُجِرْتَ وَإِنْ أَعْطَاكَ أَفْضَلَ مِمَّا أَسْلَفْتَهُ طَيِّبَةً بِهِ نَفْسُهُ فَذَلِكَ شُكْرٌ شَكَرَهُ لَكَ وَلَكَ أَجْرُ مَا أَنْظَرْتَهُ)) لك معه مائة ألف أعطاك ثمانين ألفاً وأنت قبلت وخفضت له هذا الدين، فلك ثوابك عند الله تعالى. واحد اقترض قرضاً وهذه حالة نادرة، صعبة جداً، حالة شائكة والخيط رفيع. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-7323/03.jpg إنسان أقرض قرضاً حسناً لوجه الله تعالى ولا يريد إلا المبلغ بالذات، فالذي اقترض المبلـغ قدم له هدية لم تخطر على باله ولم يشترطها، هذا اسمه أداء حسن فعله النبي عليه الصلاة والسلام ولم ينتظرها ولم تطلبها نفسه. يعني يمكن لإنسان أن يتدين دينةً ويستفيد منها، وتحل له مشكلة كبيرة والذي أقرضه إنسان طيب صالح مؤمن ورع، فلما أداها له أداها مع كلمة شكر أو مع هدية صغيرة أو مع شيء يسعد قلبه، الثاني رفض وتورع وخاف فقال له: هذا أداء حسن فعله النبي عليه الصلاة والسلام، هذا لا شيء فيه. وأنا ذكرت كلمة الفائدة المشروطة على القرض، الذي إن أقرضك اشترط عليك فهذا هو المحرم. العلة في ذلك أن عقد القرض يوجب على المقترض أن يرد مثل ما أخذ دون أي زيادة، فإن أُلزم بزيادة على مقدار القرض بصورة ظاهرة أو خفية كانت هذه الزيادة ربا. عقد القرض يجب أن يؤدى كما أخذ، إن أُدي زيادة فهذه الزيادة المشروطة ربا واضح لاشك فيه. قال بعض العلماء: أجمع العلماء أن المسلف، المقرض، إذا اشترط على المستلف زيادة أو هدية، فقال له: أعطني هدية فهي ربا، أي هدية يشترطها المقرض ربا. وقد روى ابن مسعود وأبي بن كعب وابن عباس أنهم نهوا عن قرض جر منفعةً. الآن عندنا حالات خاصة. إن شرط أن يؤجره داره أو أن يبيعه شيئاً لم يجز. أنا سوف أقرضك قرضاً لكن أجرني بيتك بالشهر بمائة ليرة وهو يساوي عشرة آلاف، أو أنا سوف أقرضك هذا القرض على أن تأجرني بيتك هذا لمدة ستة أشهر، وبالشهر ألف ليرة، وأجرة البيت حقيقة عشرة آلاف ليرة، استأجر البيت ولكن هذه الأجرة ليست طبيعية وهي مخفضة جداً بسبب هذا القرض فهي إذاً منفعة. أو أقرضه مليونين على أن تبيعني هذا البيت بمليونين والبيت ثمنه أربعة ملايين أو ثلاثة ملايين، فهذه كلها حالات قروض مشروطة. الآن في الإسلام بيع السلم أيضاً يشتري الصوف ولكن بسعر بخس، الصوف ثمن الكيلو خمسون ليرة يشتريه بعشر ليرات فهذا الراعي باع صوف غنمه بخُمس ثمنه مقابل هذا السلم. لهذا منع السلف رضي الله عنهم قبول هدية المقترض إلا أن يحسبها المقترض من الدين. يوجد استثناء بسيط واحد اقترض مائة ألف وقدم لك هدية وأنت بحاجة إلى هذه الهدية، وعدها دفعة أولى من هذا القرض هذه الهدية ثمنها ألف كتبت على ظهر الإيصال ألف ليرة دفعة أولى من القرض فليس في هذا مشكلة. روي عن ابن سيرين أن عمر أسلف أبي بن كعب عشرة آلاف درهم فأهدى إليه أبي من ثمرة أرضه، قدم له سلة تفاح مثلاً، من ثمرة أرضه فردها عليه ولم يقبلها فأتاه أبي فقال: لقد علم أهل المدينة أني من أطيبها ثمرة وأنه لا حاجة لنا فبما منعت هديتنا. هنا يوجد حكم جديد، أخوان أو صديقان أو جاران أو شريكان بينهما تعامل وهدايا بين الحين والحين وعنده بعض الفواكه الناضجة وقدم لجاره هدية من هذه المزرعة وجرى قرض بينهما، مادامت هذه الهدية مألوفة قبل القرض وبعد القرض فليس من مشكلة. كذلك: أشخاص عندهم مزارع ولهم أصدقاء أو أقارب ومن عادتهم مع قدوم محصول الكرز أن يقدم لصديقه صندوق كرزٍ ومع قدوم محصول العنب يقدم صندوقاً كذلك، هذان الصديقان أو الجاران الهدية بينهما شائعة، فإذا جرى بينهما قرض فهذه الهدية لا علاقة لها بالقرض إطلاقاً، لأنها كانت قبل القرض واستمرت بعد القرض، إذاً لا علاقة لها بالقرض. إذاً عنـدما قـال له: أنا من عـادتي أن أقدم لك من هذه الثمرة اليانعة وعندي من أطيب ثمر المدينة ومن عادتي أن أقدمها لك فلم رددتها؟ عندئذ قبلها سيدنا عمر منه. هذا حكم آخر: لما توهم عمر رضي الله عنه أن هذه الهدية بسبب القرض رفضها، فلما تيقن أنها لا علاقة لها بالقرض قبلها، فالحكم الشرعي إذا كان هذا التهادي وارد قبل القرض وهو من شأن هذين الشخصين الصديقين، الجارين فلا شيء عليهما في هذا القرض. (( عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ أَتَيْتُ الْمَدِينَةَ فَلَقِيتُ عَبْدَاللَّهِ بْنَ سَلامٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ : أَلا تَجِيءُ فَأُطْعِمَكَ سَوِيقًا وَتَمْرًا وَتَدْخُلَ فِي بَيْتٍ ثُمَّ قَالَ : إِنَّكَ بِأَرْضٍ الرِّبَا بِهَا فَاشٍ إِذَا كَانَ لَكَ عَلَى رَجُلٍ حَقٌّ فَأَهْدَى إِلَيْكَ حِمْلَ تِبْنٍ أَوْ حِمْلَ شَعِيرٍ أَوْ حِمْلَ قَتٍّ فَلا تَأْخُذْهُ فَإِنَّهُ رِبًا)) [ أخرجه البخاري] الهدية المشروطة تعد ربا. الربا الخفي والحيل الربوية وأحكامها: لازلت أؤكد أن الربا الجلي يعرفه جميع المسلمين ولكنني ألح على هذه الحالات من البيع التي يدخلها الربا وظاهرها بيع حلال، هنـاك بيوع يفعلها كثير من الناس نهى عنهـا النبي صلى الله عليه وسلم لما فيها من الربا الخفي كما في هذا الحديث الشريف، الآن دققوا في هذا الحديث: عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( لا يَحِلُّ سَلَفٌ وَبَيْعٌ وَلا شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ وَلا رِبْحُ مَا لَمْ تَضْمَنْ وَلا بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ)) [ أخرجه الترمذي وأبو داود والنسائي] هذه الأنواع يدخلها الربا الخفي. هذا الحديث أيها الأخوة أصل من أصول المعاملات المالية، وهو نص في تحريم الحيل الربوية وقد اجتمع على أربعة أحكام: الحكم الأول: تحريم السلف والبيع. وهذا من ذرائع الربا، الإمام أحمد بن حنبل يقول: هو أن يقرضه قرضاً ثم يبايعه عليه بيعاً يزاد عليه. مثلاً: أنا أقرضت إنساناً مائة ألف على أن أبيعه حاجة ثمنها سبع مائة ألف فبعته إياها بمليون، أو ثمنها سبعون ألفاً فبعتها بمائة ألف، وأنا أقرضته مائة ألف وسوف أستردها مائة ألف قرض حسن لكن اشترط هذا القرض أن أبيعه حاجة بمائة ألف ثمنها سبعون ألفاً فالأمر واضح أن هذا سلف وبيع، ذريعة للربا، ربا خفي. يقول لك هذا قرض حسن وهذا بيع مشروع لم نفعل شيئاً، لكن هذا الذي باعك إياه لا يساوي أكثر من سبعين ألفاً ورضيت أنت بهذا السعر المرتفع مقابل أنه أقرضك مائة ألف إلى عام هذا نوع من الربا الخفي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم. الحكم الثاني: لا شرطان في بيع. ما معنى شرطان في بيع؟ العلماء فسروا هذا القول للنبي الكريم تفاسير عديدة، أن يقول بعتك بكذا نقداً وبكذا نسيئة شرطان في بيع، نقداً بهذا السعر وتقسيطاً بهذا السعر، هكذا فسر بعض العلماء قول النبي الكريم. (( وَلا شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ)) بعتك هذه السلعة على أن تبيعني هذه السلعة بالسعر الفلاني ربط بيعاً ببيع، كل بيع مشروط بشرط هو فاسد، باع بيعة بسعر مرتفع على أن يشتري مني هذا بسعر معين. وبعضهم فسر هذا النص: (( وَلا شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ)) بأن النبي عليه الصلاة والسلام يحرم الحيل الربوية فإذا قال الإنسان لصاحبه: خذ هذه السلعة بعشرة نقداً وآخذها منك بعشرين نسيئةً هذا بيع العينة وهذا شائع في البلاد الإسلامية. إنسان يضع سجادة يبيعها بيعاً شرعياً، يبيعها نسيئة بخمسة آلاف، يقول لك الشاري اشتريتها بخمسة آلاف ثم يقول لك بعد قليل: أتشتريها مني نقداً تقول له: نعـم بأربعـة آلاف فيعطيه أربعة آلاف ويسجل عليه خمسة آلاف، يعني أقرضه الأربعة آلاف بخمسة آلاف، أما هو بالظاهر باعه سجادة أو باعه صندوقاً أو باعه سلعة معينة، بيع العينة ذريعة إلى الربا. النبي عليه السلام حينما قال: (( لا يَحِلُّ سَلَفٌ وَبَيْعٌ وَلا شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ وَلا رِبْحُ مَا لَمْ تَضْمَنْ وَلا بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ)) http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-7323/04.jpg أيّ قرض مشروط ببيع أو شراء بسعر غير طبيعي فهو ذريعة إلى الربا. والذريعة الثانية: نهى النبي عن شرطين في بيع أول معنى للشرطين أن هذه السلعة تبيعها نقداً بكذا ونسيئة بكذا ، الزيادة مقابل الأجل هذا أول تفسير ، ثاني تفسير أبيعك هذا الشيء على أن تبيعني ذاك الشيء . التفسير الثالث: أن تبيع نسيئة وأن تشتري نقداً بثمن أقل وهو بيع العينة وهذه الحيل الربوية نهى عنها الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن هذه الحيل أحياناً أن يقدم إنسان لإنسان قرضاً ليستكمل به ثمن بيت، بيت بخمسة ملايين قدم له مليوناً يقول له اكتب لي خمس البيت، وأعطني أجرة. أما أن يشرط عليه أن هذا المليون يجب يعطيه مليوناً بعد عام ، فإذا اشترط عليه أن يؤدى بعد عام مليوناً بالتمام والكمال فالأجرة ربا، أما إذا دفع مليون خمس البيت وسجل باسمه وأعطاه أجرة ولكن بعد عام صار تنظيم على البيت فأصبحت قيمته بما فيها قيمة مليون القرض أصبحت مئتي ألف، فإذا كنت مستعداً أن القرض أو خمس البيت أن يرتفع أو أن ينخفض فالأجرة حلال وأنت لك خمس البيت سواء ارتفعت الأسعار أو انخفضت، صعوداً أو هبوطاً، حتى لو احترق، أنت اشترطت ضمان المليون أعطني أجرة عليه كل شهر لأني أملك في بيتك خمس هذه ذريعة إلى الربا. والآن أكثر استثمار المال عند التجار بأن يكون الربح ثابتاً من دون حسابات أعطيك على الألف كذا، الظاهر استثمار والباطن ربا، لا يوجد جرد ولا حساب أرباح ولا خسائر ولا تعرف شيئاً عن المحل، أعطاه مائة ألف بربحٍ ثابت في الاستثمار فهو ربا، طبعاً؛ أنا أعلم أنكم أجمعون تعلمون الربا الصريح، أنا أدخل في متاهات الربا الخفي الذي ينطلي على كثير من الناس، ترى شخصاً صالحاً صائماً مصلياً من رواد المساجد ويقول لك: فلان جيد وضعت معه مالاً ويعطيني أرباحاً جيدة، لكن لا يحب أن يدخلنا في الحسابات بل يعطينا أرباحاً ثابتة وهذا أريح لنا، أكلت الربا وأنت لا تدري، قرض عادي ما هو الفرق بين هذه الحالة وبين أن تضع مبلغاً في مصرف وأن تأخذ مبلغاً شهرياً فالحالة هي هي، لماذا الاستثمار حلال؟ لأنه فيه ربح وخسارة، أعتقد أن هذا الحديث أصل في العلاقات الربوية: (( لا يَحِلُّ سَلَفٌ وَبَيْعٌ وَلا شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ وَلا رِبْحُ مَا لَمْ تَضْمَنْ وَلا بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ)) الحكم الثالث: ولا ربح ما لم تضمن. ما تفسيرها: ولا ربح ما لم تضمن؟ النبي عليه الصلاة والسلام نهى أن تباع السلعة حيث تُبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم. مثـلاً: تاجر استورد شاياً، بناً، قماشاً، باع البضاعة وهي في عرض البحر، فلو صار أمر قاهر، لو منع من استلامها، أو لو أن البضاعة صودرت، أو لو غرقت الباخرة فلا يحل أن تبيع شيئاً ما لم تكن ضامناً تسليمه، أنت حينما تبيع ما لا تملك فإنك لا تضمن تسليمه لذلك نهى أن تباع السلعة حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم. ما الذي يحصل الآن؟ يحصل ما يسمى بالمضاربات كيف كان البيت سابقاً قبل عشر سنوات، البيت يباع خمسين مرة من إنسان إلى إنسان إلى إنسان والبيت لازال على العظم ولا أحد اشتراه ونوى أن يسكنه فعلاً لكن يتاجر بالعقارات، الأسعار صعدت إلى مستوى غير معقول حتى قيل أن أغلى بيت في العالم في سوريا، هذه مضاربات وليست تجارة، فالبيت يجب أن يباع لمن يسكنه، والمركبة لمن يركبها، والأرض لمن يزرعها، أما أن تكون سلعة للمضاربات فلا يصح، ترى مائة طن بن لازالـت في البرازيل باع المائة طن لواحد والواحد لواحد بالفاكسات فهذا صار قماراً، مادام التاجر لم يحزها إلى رحله ولم يستقدمها إلى مستودعاته ولم تكن في ضمانة تمكنه من أن يسلمها للشارين فهذا بيع غير صحيح. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-7323/05.jpg لا يجوز لمن اشترى سلعة أن يبيعها قبل أن يستلمها بصورة شرعية، تدخل بها السلعة في ضمان المشتري، ولعلكم استمعتم إلى قصص كثيرة جداً عن تجار باعوا على المساطر، ولم يتمكنوا من تسليم البضاعة ثم دخلوا مع خصومهم بدعاوى وخصومات ومشكلات لا نهاية لها. ما من مشكلة على وجه الأرض إلا بسبب مخالفة شرعية، لا تبع ما ليس عندك، لا تبع شيئاً حتى تحوزه إلى رحلك، فالنبي عليه الصلاة والسلام نهى عن ذلك. (( وَلا رِبْحُ مَا لَمْ تَضْمَنْ وَلا بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ)) الحكم الرابع: ولا بيع ما ليس عندك. تحريم بيع ما ليس عندك، قال أحد العلماء: وأما قوله صلى الله عليه وسلم لا تبع ما ليس عندك، فمطابق لنهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر، لأنه إذا باع ما ليس عنده فليس هو على ثقة، بل قد يحصل عليه أو لا يحصل، فيكون له غرراً كبيع الطير في الهواء، والسمك في الماء، يا ترى يسلم أم لا يسلم البضاعة؟ وصلت أم لم تصل؟ هذه كلها متاهات نهى عنها الشارع الحكيم. وقال بعض العلماء: وحينما نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن بيع ما ليس عنده، إنما نهى عنه لكونه غير مضمون عنده ولا ثابت في ذمته ولا في يده، فالمبيع لا بد أن يكون ثابتاً في يده وذمة المشتري، وبيع ما ليس عنده ليس بواحد منهما. الخاتمة: أيها الأخوة؛ هذا الموضوع دقيق وحساس وأرجو الله سبحانه وتعالى أن يكون واضحاً عندكم لأن كسب المال أكبر جزء من الدِّين: إن صح كسبك وصح إنفاقك فقد نجوت من المال الحرام. لأن الإنسان يوم القيامة يسأل كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم : (( لا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعٍ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ وَعَنْ جَسَدِهِ فِيمَ أَبْلاهُ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ وَضَعَهُ وَعَنْ عِلْمِهِ مَاذَا عَمِلَ فِيهِ)) [ أخرجه الدرامي عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ] أما عن المال فيسأل سؤالين من أين اكتسبه؟ وفيم أنفقه؟ وهذا سؤال خطير والمسلمون حينما يكون دخلهم حلالاً وإنفاقهم حلالاً يعيشون في بحبوحة وسلام وعافية. ﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [ سورة النحل الآية: 43] ﴿ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً﴾ [ سورة الفرقان الآية: 59] ﴿ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [ سورة الذاريات الآية: 58] وكلمة حق لا تقطع رزقاً ولا تقرب أجلاً، وحينما تترك شيئاً لوجه الله يعوضك الله خيراً منه في دينك ودنياك. |
رد: العبادات التعاملية
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية الدرس : ( الثانى و الخمسون ) الموضوع : الاموال التى يقع فيها الربا الحمد الله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لاعلم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. أيها الأخوة الأكارم: نتابع الموضوع الذي بدأناه في الأسبوع الماضي حول بعض المعاملات الربوية وقد ذكرت شيئاً عن ربا النسيئة أو ربا الفضل أو ربـا البيوع وربا القروض، واليوم ننتقل إلى الأموال التي يقع بها الربا، أرجو من الله تعالى أن يوفقني إلى توضيح دقائق هذا الموضوع وأعينوني أنتم بمتابعتي كلمة بكلمة. إن الربا بقسميه أيها الأخوة ربـا الديون وربا البيوع لا يقتصر وقوعه على معاملات الذهب والفضة والنقود كما يتوهم كثير من الناس، ربا النسيئة وربـا الفضل، ربا القروض وربا البيوع لا يقع في النقود: الذهب والفضة والنقد فقط بل يصل إلى مواد كثيرة، فالربا يجري في الذهب والفضة والنقود وفي غيرها أيضاً وقد بين عليه الصلاة والسلام عدداً من الأشياء التي يجري فيها الربا وهذه الأشياء اختارها النبي عليه الصلاة والسلام لأنها كانت شائعة في عصره. والعلماء لهم مقولة رائعة وهي أن: التـحريم أو الإيجاب يجب في علتها لا في عينها، فلو أن النبــي عليه الصلاة والسلام قال: تجب الزكاة في القمح والشعير والزبيب والتمر، فصار هناك مائة محصول في أيامنا هذه تدر أرباحاً كبيرة جداً، فالعلماء وصلوا إلى هذه الحقيقة، تجب الزكاة في علة هذه الأصناف لا في عينها، يعني في الحمص، والعدس مثلاً، والرز فكل محصول يلتقي مع القمح والشعير والزبيب والتمر تجب فيه الزكاة فقد قال عليه الصلاة والسلام: ((عن عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ يُخْبِرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ رِبًا إِلا هَاءَ وَهَاءَ وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ رِبًا إِلا هَاءَ وَهَاءَ وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ رِبًا إِلا هَاءَ وَهَاءَ وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ رِبًا إِلا هَاءَ وَهَاءَ)) (أخرجه الستة) البرُ هو القمح وهاء وهاء أي يقول: كل واحد من المتبايعين للآخر هاء فيعطيه ما في يده يداً بيد، يعني المقابضة في المجلس، يعني هات وهات المقابضة في مجلس واحد يداً بيد. يعني خذ مني وأعطني، بعد قليل نكتشف معكم حكمة النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الموضوع الخطير الذي يعود نفعه على الأمة بأكملها. ((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: التَّمْرُ بِالتَّمْرِ وَالْحِنْطَةُ بِالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ يَدًا بِيَدٍ فَمَنْ زَادَ أَوِ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى إِلا مَا اخْتَلَفَتْ أَلْوَانُهُ)) معنى ألوانه أي أجناسه كالحنطة بالشعير، الشعير جنس والحنطة جنس إذا اختلفت ألوانه أي اختلفت أجناسه يجوز زيادة أحدهما عن الآخر ولكن يجب التقابض بالحال. ((عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ مِثْلاً بِمِثْلٍ سَوَاءً بِسَوَاءٍ يَدًا بِيَدٍ فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ )) (أخرجه مسلم) نستنبط من هذه الأحاديـث: أنه لا يجوز مبادلة نوع بمثله كالذهب بالذهب والبر بالبرُ، و القمح بالقمح لماذا ؟ أنت تعطي تمراً لتأخذ تمراً، فالمعنى أن فيه مشكلة، لعلك أعطيت التمر الرديء واشتريت بما يساويه التمر الجيد، أو أخذت لا أقول اشتريت، أعطيت التمر الرديء وأخذت التمر الجيد، أو أعطيت التمر الجيد وأخذت مقابله تمراً رديئاً ضعفاً، تأتي إلى إنسان لا يعلم أنواع التمر فتعطيه تمراً رديئاً بتمرٍ جيد صار فيه أكل مال حرام، إذا كان الصنف واحد يجب أن تكون المبادلة سواء بسواء، كيلو بكيلو، مائة كيلو بمائة كيلو، لأنهم كانوا في الجاهلية يبيعون التمر الجيد بضعفين أو ثلاثة من التمر الرديء، يأخذ هذا الإنسان التمر الرديء ليعطيه تمراً جيداً مع من لا يعرف أنواع التمر، فمادام هناك تبادل من جنس واحد يجب أن تكون الكميتان متساويتين لئلا يقع التدليس والاستغلال، فتأكل حينئذٍ مال أخيك بغير حق. أول حكم يستنبط من هذه الأحاديث: لا يجوز مبادلة نوع بمثله كالذهب بالذهب ولا البر بالبر إلا بشرطين: 1 ـ المساواة لقوله صلى الله عليه وسلم: ((مِثْلاً بِمِثْلٍ سَوَاءً بِسَوَاءٍ)) وهو تأكيدٌ لقوله: "مثلاً بمثل"، مما يوجب الاحتياط في ذلك، كذلك قوله: لا تزيدوا بعضها على بعض. ((فَمَنْ زَادَ أَوِ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى إِلا مَا اخْتَلَفَتْ أَلْوَانُهُ )) كل هذا من أجل ألا يقع الاستغلال بين الناس، من أجل ألا يأكل بعض الناس أموال بعضهم الآخر بالباطل، من أجل ألا يُستغل جهل الإنسان، أحياناً يُستغل جهل الإنسان، أحياناً يأكل ماله بالباطل، تأخذ بضاعته بأبخس الأثمان. فمن أجل لا يقع هذا فلا يجـوز مبادلـة صنف بصنف من نوع واحد إلا مثلاً بمثل ويداً بيد وسواء بسواء وقابضةً مع التساوي في مجلس واحد. 2 ـ الشرط الثاني التقابض فلا يجوز أن يكون أحدهما حالاً والآخر مؤجلاً، لقوله صلى الله عليه وسلم: ((عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لا تَبِيعــُوا الذَّهـَبَ بِالذَّهـَبِ إِلا مِثْلا بِمِثْلٍ ولا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ ولا تَبِيعُوا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ إِلا مِثلاً بِمِثْلٍ وَلا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ ولا تَبِيعُوا مِنْهَا غَائِبًا بِنَاجِزٍ )) وقوله صلى الله عليه وسلم: ((إِلا هَاءَ وَهَاءَ )) يعني خذ وأعطني أو يداً بيد، المساواة والتقابض في مجلس واحد. الآن لا عبرة باختلاف البدليـن جودة ورداءةً، هنا المشكلة، إن أردت أن تلغي النقود كوسيط لا يجوز إلا أن تعطــي كمية بكمية متساويتين، سواء بسواء ومثلاً بمثل، وأن يجري التقابض في مجلس واحد يداً بيد، هاء وهاء خذ وأعطني فلا عبرة لاختلاف البدين جودة ورداءةً. ذهب بذهب عيار أربعة وعشــرين وثمانية عشر، مادام ذهب بذهب لا عبرة باختلاف هذه المتسميات وإن كان لها أصل في سباكة الذهب، طبعاً يوجد حل دقيق بعد قليل، فلا يجوز بيع مائة كيل قمح جيد، بمائة وخمسةٍ رديئةً، لو فتحنا هذا الباب يدخل التدليس، يُستغل جهل الإنسان يمكن أن نبيعه مداً جيداً ونأخذ منه أربعة أمداد رديئة هذه الأمداد نأخذها ونعطيها لإنسان جاهل مقابل أربعة أمداد جيدة، هذه الحيل وهذه الأساليب الرخيصة في ابتزاز أموال الناس وبخسهم أموالهم بغير حق، فالشارع الحكيم حرمها. ((عَنْ أَبِي سعِيدٍ قَالَ: كُنَّا نُرْزَقُ تَمْرَ الْجَمْعِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ الْخِلْطُ مِنَ التَّمْرِ فَكُنَّا نَبِيعُ صَاعَيْنِ بِصَاعٍ فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: لا صَاعَيْ تَمْرٍ بِصــَاعٍ وَلا صـَاعَيْ حِنْطَةٍ بِصَاعٍ وَلا دِرْهَمَ بِدِرْهَمَيْنِ )) كيف درهم بدرهمين ؟ كانت سباكة الدراهم كيفية كل درهم له وزن فيقول لك هذا الوزن ضعف هذا، مثلاً يمثلاً إذا اتحد الصنف يجب أن تكون الكميتان متساويتين سواء بسواء لكي لا يقـع الغبـن الفاحش ولئلا يقـع أكل أموال الناس بالباطل ولئلا يفضي هذا إلى منازعة شديدة، لا درهم بدرهمين لأن الدراهم كانت في أيامهم تتفاوت جودة ورداءة. ((عن سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: جَاءَ بِلالٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَمْرٍ بَرْنِيٍّ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مِنْ أَيْنَ هَذَا قَالَ بلالٌ كَانَ عِنْدَنَا تَمْرٌ رَدِيٌّ فَبِعْتُ مِنْهُ صَاعَيْنِ بِصَاعٍ لِنُطْعِمَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: عِنْدَ ذَلِكَ أَوَّهْ أَوَّهْ عَيْنُ الرِّبَا عَيْنُ الرِّبَا لا تَفْعَلْ وَلَكِنْ إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَشْتَرِيَ فَبِعِ التَّمْرَ بِبَيْعٍ آخَرَ ثُمَّ اشْتَرِهِ )) وهذا مثل قريب من حياتنا: أحياناً يكون تفاح صغير الحجم لكنه طيب جداً وإلى جانبـه تفاح كبير مُغذّى بأسمدة كيميائية، الحجم كبير واللــون زاهٍ بلا طعم، إذا أعطاك شـخص كيلواً من الحجم الكبير وأخذ خمسة من الحجم الصغير ألا يكون غبنك، فمادامت المادة جنسها واحد فسواء بسواء وانتهى الأمر. يوجد عندي تمر رديء وتمر جيد، يوجد عندي ذهب عيار ثمانية عشر وذهب عيار أربعة وعشرين، عندي قمح يصلح لعمل معين قاسٍ جداً أريد أن أبيعه بثمن عالٍ وأريد ان اشتري قمحاً للخبز، فماذا أفعل ؟ ((فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: عِنْدَ ذَلِكَ أَوَّهْ أَوَّهْ عَيْنُ الرِّبَا عَيْنُ الرِّبَا لا تَفْعَلْ وَلَكِنْ إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَشْتَرِيَ فَبِعِ التَّمْرَ بِبَيْعٍ آخَرَ ثُمَّ اشْتَرِهِ )) دخل وسيط وهو المال، بع الذي عندك وهو له سعر في السوق قد يكون سعر الكيلو فرضاً ستين والرديء أربعيـن، عندما أنت أعطيت مد واحد صاعاً واحداً وأخذت صاعين فقد صار الفرق بالمائة خمسين، لو عرضت على أحد التمر الجيد الذي سعره ستون و أخذت بدلـه الرديء بخمس وأربعيـن، فماذا فعلت ؟ أعطيته صاعاً واحداً جيداً وأخذت مقابله صاعين من الرديء فقد حصل غبن، الحل إذاً بع التمر الذي عندك نقداً واشترِ بمالك تمراً آخر. بع الذهب الذي عندك واشترِ به ذهباً آخر. هذا هو الحل والمقايضة والمبادلة لا تجوز إلا بحالات دقيقة جداً إن كانت من جنس واحد سواء بسواء يداً بيد هاء بهاء. 3 ـ الحكم الثالث إذا بيع صنف بصنف آخر، ليس الصنفان من نوع واحد كالقمح بالشعير حل التفاضل، ممكن تفاح بعنب، قمح بشعير، رز ببرغل، حل التفاضل بأن يكون أحدهما أكثر من الآخر، فستق عبيد وفستق حلبي فرق كبير بينهما، لكن حرم النّساء أي التأجيل بل يجب أن يقبض كل فريق ما ابتاعه من الآخر في المجلس الواحد والأحاديث صريحة جداً في هذا كقوله صلى الله عليه وسلم: ((فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ )) إذاً في موضوع التبادل حين اتحاد الصنف يجب أن يتـم التقابض في المجلس وأن تكون الكميــات متساوية، لكن إذا اشترى سلعة من السلع المذكورة غير الذهب والفضة فاشتراها بذهب أو فضة أو نقود يحل التأجيل لما أخرجه البخاري ومسلم: ((عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهَا قَالَتِ: اشْتَرَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا بِنَسِيئَةٍ وَرَهَنَهُ دِرْعَهُ)) طبعاً هذا الحديث له تفسير دقيق، تفسير تشريعي، يجوز التعامل مع أهل الكتاب ولا سيما النصارى، فالنبــي عليه الصـلاة والسلام كان بإمكانه أن يأخذ هذا من أصحابه ولكنه مشرع وهذه النقطة يجب أن تكون واضحة في أذهانكم، فالإنسان أحياناً لنقص علم عنده يقول: كيف هاجر عمر متحدياً المشركين ؟ وقال: من أراد أن تثكله أمه أو ييتم ولده فليلحق بي إلى هذا الوادي، خرج سيدنا عمر رافع الرأس عزيزاً شاهراً سيفه وهاجر، بينما النبي عليه الصلاة والسلام تخفّى وذهب مع أبي بكر إلى غار ثور وهيأ من يمحو آثارهما ومن يأتيهما بالأخبار ومن يأتيهما بالزاد ومن يهيئ الناقة للرحيل واستأجرا خبيراً. أيعقل أن يكون عمر أشجع من رسول الله، عمر بن الخطاب يهاجر أمام الناس في وضح النهار متحدياً المشركين والنبي عليه الصلاة والسلام يتسلل من بيته إلى غار ثور كيف ؟ الجواب: النبي مشرع، بينما سيدنا عمر غير مشرع، سيدنا عمر لا يمثل أحداً آخر بل يمثل ذاته فقط، فإذا نجح نجح وإذا لم ينجح لم ينجح، أما النبي فهو مشرع لكل المسلمين. لو أن النبي عليه الصلاة والسلام هاجر كما فعل عمر لكان من السنة المغامرة والاقتحام ولصار أخذ الاحتياط حراماً ولَعُدَّ اقتحام الأخطار واجباً وهلكت أمته من بعده، هذه نقطة دقيقة جداً أرجو أن تكون واضحة عندكم فالنبي مشرع، صلى الظهر ركعتين، قال ذو اليدين: يا رسول الله أقصرت الصلاة أم نسيت، قال: كل هذا لم يكن، قال ذو اليدين: بعضـه قد كان، فلما سـأل أصحابه الكرام وتأكد أنه صلى ركعتين ((فقـال عليه الصلاة والسلام: إنما نسيت كي أسن لكم سجود السهو)) ولو أنه في كل حياته لم ينس ولا مرة، كيف يسن لنا سجود السهو، فالنبي مشرع. في معركة بدر لحكمة بالغة بالغة بالغة ثلاث مرات أرادها الله عز وجل حجب عنه الموقـع المناسب، حجبــه عنه وحياً وإلهاماً، لا وحياً ولا إلهاماً لا بالوحي عرف الموقع المناسب ولا بإلهام، اجتهد واختار موقعاً، جاء صحابي جليل اسمه الحباب بن المنذر بأدب يأخذ الألباب، قال: يا رسول الله هذا الموقع وحي أوحاه الله إليك أم هو الرأي والمكيدة قال: بل هو الرأي والمكيدة، قال: يا رسول الله هذا ليس بموقع قال: أين الموقع فدله على موقع آخر، فقال عليه الصلاة والسلام: هذا هو الصواب، فأعطى أمراً فأقام المسلمون في هذا الموقع الجديد. هذا الفعـل أراده الله سبحانه وتعـالى، ولو أن النبي عليه الصلاة والسلام اختار الموقع المناسب أول مرة ما عرفنا موقف النبي حينما ينصح، كل الأحداث الذي وقعت للنبـي أحداث مقصـودة لذاتها وتتضح من خلالهـا حكمة بالغة، أليس من الممكن أن يكون بيت رسول الله منتظماً وهادئاً وساكناً إلى أقصى الحدود ممكن، لماذا السيدة عائشة حينما رأت طبـق طعام جاء من عنـد ضرتها صفية أمسكته وكسرته فماذا كان موقف النبي عليه الصلاة والسلام ؟ كان بإمكانه أن يفعل كل شيء ولكن قدر أنها قد أصيبت بالغيرة فقال: ((غضبت أمكم غضبت أمكم)) لولا هذه المشكلة التي ظهرت في بيت النبي ما ظهر موقف النبي الكامل، والنبي مشرع لنا، ولما قال ربنا عز وجل : ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً (19)﴾ (سورة النساء ) قال العلماء: ليست المعاشرة بالمعروف أن تمتنع عن إيقاع الأذى بها، بل أن تحتمل الأذى منها، والنبي وقف موقفاً كاملاً. هذا العقد الذي في صدر السيدة عائشة لماذا انقطع ؟ لو لم ينقطع لما ذهبت لتبحث عنه وبقيت في موقعها ولركبت هودجها، لما كان شيء اسمه حديث الإفك ولما وقعت مشكلة، لو أن هذا العقد لم ينفرط لما كان هناك حديث إفك، لو أنها بحثت عنه قريباً من موقعها فدعاها الصحابة إلى ركوب الهودج لما كان حديث الإفك، لو أنهم عندما حملوا الهودج رأوه خفيفاً لما كان حديث الإفك، لو أن الهودج حمل ولم ينتبه الصحابة أنه خال من السيدة عائشة ولم يأت مسطح وراءها لما كان حديث الإفك أكثر من عشرين حالة، لو أنها كانت على غير ما كانت لماذا كان هذا الحديث ؟ قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (11)﴾ (سورة النور ) حديث الإفك وقع لحكمـة بالغة بالغة وكأن الله أراد أن يكـون، وكان بتقدير عزيز حكيم. الحباب بن المنذر حينما صحح الموقع للنبي عليه الصلاة والسلام عرفنا من النبي خُلُق الإصغاء للنصيحة والرجوع إلى الحق. سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام حينمـا هاجـر إلى المدينة وأخذ بكل الأسباب علّمنا تشريعاً، فالنبي مشرع لذلك الذي يفعله يجب أن يؤخذ على أنه حدث تشريع لا على أنه صدفةً، وبعد، فالذي تحدثنا عنه هو الذهب والفضة والقمح والشعير والملح. 4 ـ الحكم الرابع، لا تختص هذه الأحكام الذي أخذناها بهذه الأصناف الستة التي ذكرت في الأحاديث بل اجتهد الأئمة الأربعة وغيرهم أن أحكام الربا تجري فيها وفي غيرها وإن اختلفوا في غيرها، فعند الإمام الشافعي كل المطعومات حتى التفاح تجري فيها أحكام الربا، يعني رز برز وهناك رز ثمنه أربعة أضعاف ثمن غيره. وعند المالكية تشمل هذه الأحكام كل مطعوم يكال ويقتات به ويدخر كالذرة والأرز. أيها الأخوة الكرام: الحكمة من تحريم ربا البيوع التي أشرنا إليها في الدرس الماضي هي سد ذريعة الربا، وإحكام الغلق أمام كل حيلة قد تسلك للتوصل إلى الربا، يعني أن الربا محرم بشكل واضح وجلي، لكن إذا باع إنسان قطعة أمامه أو أي شيء باعه ديناً بسعر ثم اشتراه نقداً بسعر آخر مثلاً لو باع إنسان سجادة ديناً بألف واشتراها نقداً بثمان مائة، يظن بعضهم أنه: ما فعل شيئاً محرماً باع واشترى، لكن هذا البيع والشراء هو بيع العينة وهو وسيلة إلى الربا، فالشارع الحكيم حينما يحرم شيئاً يسد كل المسارب إليه وهذا ما يسميه الفقهاء بسد الذرائع. الزنا حرام والشرع الحكيم سد كل مسارب الزنا، سد النظر إلى المرأة الأجنبية وسد الخلوة و صحبة الأراذل وسد النظر إلى ما لا يُرضي الله عز وجل وسد كل طريق يوصل إلى الزنا، فلذلك عندما يحرم الشارع الحكيم شيئاً يسد المسارب عليه تطبيقاً لقاعدة سد الزرائع وهي مما امتازت به هذه الشريعة السمحة، لذلك تحريم ربا الفضل يشتمل على الحكم السابقة لتحريم الربا إضافة لأمور أخرى منها: عندما يصبح كل شيء بغير سعره الحقيقي يختلط الحابل بالنابل، وكل شيء إذا دفعنا ثمنه مؤجلاً بسعر أعلى اختفى السعر الحقيقي للسلعة، إذا عم هذا النوع من البيوع اختفى سعر السلعة الحقيقي والإنسان أحياناً عنده مال، هذا المال قد يستطيع أن يستفيد منه استفادة كاملة لو اشترى به الحاجات نقداً أما حينما يشتريها نسيئة مؤجلة قد يذهب معظم دخله أو يذهب جزء كبير منه هدراً فالربا ذهب بمالهم دون أن يستفيدوا منه الاستفادة الكاملة، لأنهم يجهلون القيم الحقيقية للسلع أو يتجاهلونها شاءوا أم أبوا، و فيما يروي التاريخ، فقد كان اليهود يستغلون جهل الناس أبشع استغلال فقد يبيعون الأشياء الجيدة بأضعاف مضاعفة من الأشياء الرديئة ثم يأتون إلى هؤلاء الذين يجهلون قيم هذه الأشياء فيبيعونها بأسعار باهظة فهم يشترون ويبيعون من أجل أن يأكلوا أموال الناس بالباطل. وعندنا حالات نادرة: إذا باع شخص شيئاً بجنسه مؤجلاً فهو بمثابة دين للمشتري، يعني باع قمحاً على أن يدفع ثمن القمح قمحاً بعد حين، اشترى قمحاً على أن يدفع ثمن القمح قمحاً بعد حين، هذا صار دين فقط وتجري عليه كل أحكام الدين بشرط ألا يشترط عليه أن يرد هذا القمح من نوع أجود، إذاً يقع ربا أو اشترط عليه أن يرده في وقت يغلو فيه السعر فكذلك صار ربا. الحكم الثاني: إذا بيع جنسٌ بآخر نساءً أي مؤجل فإنه قد يلحق أحد الطرفين غبن كبير نتيجةً للتقلبات المفاجئة للأسعـار في هذه السلـع، يعني إذا الإنسان باع جنساً بآخر مساءً ما الذي يحدث أحياناً، الإنسان قد يشتري بضاعة بعملة أجنبية مساءً، وبعض التجار أفلسوا لأنهم اشتروا بضاعة بعملة أجنبية وارتفع سعرها فجأةً إلى ضعفين أو ثلاثة، فهو قد باع هذه البضاعة على أن ثمنَ هذه العملة سبعٌ وعشرون فصار ثمن هذه العملة خمسين مثلاً ففلّس، فهذه حكمة الشارع الحكيم أنه لا يجوز أن يكون البيع مساءً أو الدفع مساءً. القصد من منع التفرق قبل التقابض و إنجاز التقابض في وقت واحد هو إنجاز هذه العملية بالسرعة التي تؤمن للطرفين مغبة تقلبات الأسعار،و في حالات كثيرة جداً تأخير الدفع سبب الإفلاس. وللعلماء اجتهاد في حقيقة النقد، النقد له وظيفتان رئيسيتان ووظيفتان ثانويتان. 1 ـ الوظيفة الأولى الرئيسية أو الرئيسة هو وسيط للمبادلة، ونحن قبل قليل تحدثنا عن ربا الفضل وربا النسيئة، ربا الفضل ربا في مبادلة، إذا دخل المال بينهما وسيطاً فلا يوجد مشكلة، بعت هذا التمر بثمن واشتريت ذاك التمر بثمن، فالمال وسيط للمبادلة، أما الآن فالناس عادوا للمبادلة ترى الآن الصحف فيها إعلانات كلها مقايضة بيع بيت بأرض وأرض بمحل، سوف نرجع إلى ما كنا عليه قبل وجود النقد لقلة النقد بين أيدي الناس. 2 ـ النقد له وظيفة ثانية هي مقياس للقيمة، تقول سعر هذا القمح مائة ليرة فهذا قمح قاسٍ يصـلح للصناعـة، سعر هذا القمـح ستـون ليرة يصلح للخبز، للاستعمال اليومي، المال صار أحد وسائل التقييم، هذا البيت قِبليّ ثمنه ثلاثة ملايين وثمن الشمالي مليونين، صار المال أحد وسائل التقييم وأحد وسائل المبادلة أولاً، والتقييم ثانياً. 3 ـ المال مستودع للقيمة والجهد، شخص واحد اشتغل فاعلاً فأخذ مساءً ثلاث مائة ليرة هذه الثمن مائة جهد إنسان لمدة ثماني ساعات، طبيب في مستشفى أخذ في الشهر عشرة آلاف، هذه العشر آلاف جهد إنسان داوم كل يوم ثماني ساعات لست وعشرين يوماً، فـصار المال له وظيفـة ثانويـة لعـلاج المرضى مستودع للقيمة والجهد، الوقت له قيمة ترجم إلى مال والعلم له قيمة ترجم إلى مال، الجهد العضلي له قيمة ترجم إلى مال. للإمام الغزالي لفتة لطيفة جداً قال: الأطعمـة خلقت ليتغذى بها فلا ينبغي أن تصرف عن جهتها فإن فُتح بابُ المعاملة فيها يجب تقييدها بالأيدي ويؤخر عنها الأكل الذي أريدت له، فما خلق الله الطعام إلا ليأكل والحاجة للأطعمة شديدة فينبغي أن تخرج عن يد المستغني عنها إلى المحتاج، هذا يسمونه المضاربة، أنا أشتري بيتاً ليس في حاجة إليه أنا لا أبتغـي السكن أبتغي التجارة واشتراه إنسان وباعه واشتراه إنسان آخر وباعه، فهذا الأمر كان قبل خمس سنوات أو عشر سنوات فكل إنسان باعه بأغلى من سابقه فالبيت بيع عشر مرات كان بمائة ألف صار بخمس مائة ألف جاء الساكن الحقيقي صار السعر فوق طاقته، هؤلاء الذين ربحوا ماذا قدموا للأمة ؟ ما قدموا شيئاً. بيت على العظم بيع عشر مرات أرض بور لم تزرع بيعت عشر مرات، هذه التجارة الجوفاء هذه التجارة الإسفنجية، هذه التجارة التي تقوم على المضاربة ولا تبني اقتصاد أمة، لكي لا يقع هذا في الشرع نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن أشياء كثيرة تفضي إلى هذه المضاربة، يعني لا ينبغي أن يخرج عن يد المستغني عنها إلى المحتاج هناك بين الناس مستغنٍ وبينهم محتاج، يعني ينبغي أن يشتري البيت الذي يسكنه وينبغي أن يشتري المركبة الذي يركبها وينبغي أن يشتري الأرض الذي يزرعها، ألغينا المضاربة وألغينا التضخم النقدي وألغينا التجارة الإسفنجية وألغينا كل شيء يوهم أننا في بحبوحة ونحـن في الحقيقة نعاني ضوائق لا ضائقة واحدة. إنسان مثلاً عنده تمر يبيعه ليشتري سمناً فهذا معقول، أما أن يبيع التمر بتمر معنى هذا أنه وقعت مشكلة، يريد أن يخدع الناس بأن يبيعهم تمراً رديئاً ليأخذ مكانه تمراً جيداً يستغل جهلهم لذلك حرم الشارع الحكيم ربا الفضل، وكأن النبي عليه الصلاة والسلام بهذه الأحكام التشريعية قيد نطاق البيع بالمقايضة لأن البيع بالمقايضة كثيراً ما يدخل فيه الغبن الفاحش وكثيراً ما يقع به الضرر، فإن النبي عليه الصلاة والسلام أمرك أن تبيع تمرك بأي ثمن تشاء وأن تشتري بالذي معك من المال أي تمر تشاء، وبهذا نكون خرجنا من موضوع ربا الفضل بهذه الطريقة، وإن شاء الله تعالى بقي في هذا البحث موضوعان آخران، الموضوع الأول: هل يمكن أن يكون هناك مصرف إسلامي ؟ هذا سؤال كبير يمكن تحقيقه بكل بساطة ولكن الأمر منوط بإرادة الإنسان بأن يطيع الله عز وجل في كل تصرفاته. |
رد: العبادات التعاملية
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية الدرس : ( الثالث و الخمسون ) الموضوع : مواصفات البنك الاسلامى الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لاعلم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. أيها الأخوة الأكارم: مازلنا في موضوع الربا لأن كسب المال وإنفاق المال موضوع كبير جداً في الدِّين، ولأن الإنسان حينما يحصن نفسه من المال الحرام ومن العمل الحرام فقد وقي. أيها الأخوة: قبل الحديث عن الموضوع الذي نحــن بصدده أريد أن أضع بين أيديكم مشكلة تعاني منها الدول الإسلامية هذه المشكلة تتضح بالمثال التالي: بلد من البلدان الزراعية، اقتصادها زراعي لها ثقافة وقيم ومثل معينة، فجأةً ظهر عندها ثروات باطنية فأرادت أن تحـول اقتصادها من اقتصاد زراعي إلـى اقتصاد صناعي، ليس عندهـا المؤهلات كـي تصـنع معملاً، فآثرت أن تشتري معملاً جاهزاً، اشترت هذا المعمل الجاهز على المفتاح وهي في أمس الحاجة إلى من يتقن إدارته وتشغيله، طلبت من البلد المصنّع لهذا المعمـل أن يأتي بفنيين يسيّرون أمر هذا المعمل وطلبت كذلك أن ترسل إليهم عناصر تتدرب على تشغيل هذا المعمل، نحن بلد زراعي لنا قيم ومثل ولنا مبادئ وعادات ولنا ثقافات معينة فماذا فعلنا ؟ أردنا أن نحول اقتصادنا من اقتصاد زراعي إلى اقتصاد صناعي ولا نملك المؤهلات لتشغيل معمل، طبعاً هذا مثل، فماذا فعلنا ؟ استوردنا معملاً على المفتاح، ونحن بحاجة إلى من يديره ويشغله فطلبنا من البلد المصنع أن يرسل لنا طاقماً فنياً لتسيير هذا المعمل، ولئلا يبقى هذا الطاقم دائماً وله رواتب عالية جداً، طلبنا من الجهة المصنّعة أن تدرب لنا موظفين تدريباً فنياً عالياً، دربنا هؤلاء الموظفين ما الذي حصل ؟ صار عندنا أشخاص تفكيرهم وعلاقاتهم غربية، والذين ذهبوا إليهم تدربوا عندهم، فنحـن ماذا فعلنا ؟ لم نستورد معملاً ولكن في النهاية استوردنا ثقافةً، فهذه الثقافــة إن كانت تتناقض مع ثقافتنا ومع علاقتنا ومع قيمنا ومع مثلنا فإنها تحدث مشكلة تهز كياننا، وقد أتيت بمثل بسيط لبيان مدى الضرر بثقافتنا نتيجة استيراد معمل. لو استقدمنا مشروع مصرف ربوي، طبعاً التعامل والأساليب والمبادئ والخطط والتي يقوم عليها المصرف تنعكس على عقول من يعمل في هذا المصرف، ونحن من أجل أن نحدّث حياتنا وأن نطورها دون أن نشعر تسربت إلينا ثقافة غريبة عن ثقافتنا، هجينة على ثقافتنا، وهي ثقافة تتناقض مع مبادئنا فلذلك ما الذي يقي المسلمون اليوم في أن يذوبوا في مجتمعات أخرى تؤمن بغير ما نؤمن، وتعتقد بغير ما نعتقد، وتسعى إلى غير ما نسعى، وتحكمها قيم غير قيمنا، لا بد من أن نؤسلم كل شيء، لنا أن نستورد إنجازاً حضارياً لكن هذا الإنجاز الحضاري يجب أن يُطوّع بإسلامنا، يُطوّع بمنهج ربنا يُطوّع لمبادئنا، هذا مثل ذكرته لكم كي نشعر أننا نرتمي في أحضان الآخرين. وهكذا تجد أن حياتنا غربية وأنماط علاقاتنا غير إسلامية وتفكيرنا غير إسلامي وتصورنا غير إسلامي، علاقاتنا الاجتماعية غير إسلامية، ثم إن قيمنا أصبحت غير إسلامية والمسألة كلها أننا أردنا أن نحدّث حياتنا فمن دون أن نشعر أخذنا قيم الغرب. سئل أحد الأدباء ماذا نأخذ وماذا ندع من ثقافة الغربيين ؟ فقال إجابةً رائعةً: نأخذ ما في عقولهم وندع ما في نفوسهم، إحساسنا ملكنا وإحساسهم ملكهم، لكن الثقافة قدر شائع بين كل الأمم والشعوب ممكن أن تأخذ إنجازاً حضارياً ولكن ممكن أيضاً أن تجعله وفق منهج الله عز وجل وهذا ممكن أن يكون. شيء آخر هناك فتوى في المذهب الحنفي تجيز أن تودع الأموال في بلاد الكفر أو البلاد المعاهدة إن صح التعبير، المشكلة في هذه الفتوى التي ذكرها الأحناف بقصـد إضعافهم، أما حينما وضـع المسلمـون أموالهم في بلاد الغرب بدل أن يضعفـوهم قَوّوهم بهـذا، تصور دولـة صغيرة معها ألف مليـار ومليارات من الدولارات، كلها أموال المسلمين هذه قويت وصنعت السلاح وباعت السلاح، من دفع الثمن ؟ هؤلاء الضعاف الذين وضعوا أموالهم في بلاد الغرب. أنا أقول لكم بدافع إسلامي ينبغـي أن يُستثمر المال في بلاد المسلميـن لأن هذا يقويهم ويرقى بصناعتهم ويرقى بعلاقاتهم كلها، هذا الموضوع مختصر أصلُ منه إلى موضوع دقيق ذكرت جزءاً منه في درس سابق هذا الجزء هو: أنه ممكن أن نستخدم المصرف الإسلامي في إنجاز هذه المهمات الشرعية: تحويل النقود إلى مكان آخر مقابل مبلغ يسير من المال، تحويل النقود من بلد إلى بلد هذا لا شيء عليه إطـلاقاً، ومـا يـأخذه المصرف نظير التحويـل هو أجرة مشروعة، وهـذا بند من بنود عمل المصرف الإسلامي ولا شيء عليه من وجهةٍ شرعية. شيء آخر إصدار شيكات للسفر فالمسافر ينتقل من بلد إلى بلد قد لا يستطيع أن يحمل معه أموال عندئذ يكون مُعرضاً للسرقة، إذاً يمكنه أن يأخذ ما يسمى شيكاً في بلد ويصرفه في بلد آخر هذا البند الثاني أيضاً لا شيء عليه كذلك. الشيء التالي: يمكن للمصرف الإسلامي أن يحصّل الديون التي يضعها الدائنون لدى المصرف ويوقعون عليها بتكليف المصرف بقبضها مقابل أجر عمل على هذا العمل. وأجر تحصيل هذا البند الثالث لا شيء فيه أيضاً. يمكن أن يؤجر هذا المصرف خزائن حديدية لمن يبغي أن يحفظ أمواله في هذا المصرف وهذا أيضاً عمل رابع ولا شائبة فيه. 5 ـ يمكن أن يسـهل المصرف تعامل الدول مع بعضهـا بعضاً أو تعامـل التجار أو المعامل مع بعضها بعضاً. الشيء الدقيـق في هذا الموضوع هو أنه هل يعجـز الإسلام عن تأميـن حاجة المسلمين إلى مصارف إسلامية صحيحة ؟ الحقيقة الإسلام منهج كامل وحاجة الناس إلى مصرف إسلامي حاجة أساسية، لو تصورنا من باب التصور ملامح هذا المصرف الإسلامي، كيف يعمل ؟ الحقيقة لدينا أشياء لطيفة جداً أريد أن أضعها بين أيديكم. 6 ـ هذا المصرف يمكن أن يقبل ودائع بحسابات جارية، دون أن يعطي عليها فوائد وهذا شيء مشروع أن يقبل ودائع بحسابات جارية بل إن معظم المصارف حتى بالدول الغربية الحساب الجاري لا تعطي عليه أية فائدة، فإذا وضعت هذا المال في مصرف إسلامي بحـساب جارٍ لا شيء عليك، وفي دراسة لطيفة أنّه في عام سبعة وستين وتسعمائة وألف أكثر من خمسين بالمائة من مجموع الودائع في بعض المصارف الكبرى كانت بحسابات جارية لا فائدة عليها. أما الودائع بعيدة المدى، لآجال مديدة بعد سنة أو سنتين، قالوا فهذه تعود إلى المرابحة ممكن بهذا المال إنشاء مشروع حيوي أساسي تجاري، صناعي، زراعي ويوزع ربحه على المودعين في هذا الحساب طويل الأجلأو قصير الأجل، ففي حال قصير الأجل فالمودع ضمن المال في مكان أمين واستجَرَّ منه متى أراد، أما إذا وضع المال لأجل طويل يستطيع أن يوظف هذا المال في مشروع يربح أو يخسر وهذا أيضاً شيء مشروع. البند الأول الحساب الجاري هذا لا يربح شيئاً لكن المودع وضع المال في مكان أمين واستجر منه عند حاجته ونظم حساباته، الآن المسلمون بحاجة ماسة إلى مصرف إسلامي أنا أذكر لكم هذه الخصائص حتى يتبين الإنسان ويعتقد حازماً أن الإسلام منهج دقيق جداً، منهج يغطي كل حاجات المجتمع. وممكن لهذا المصرف أن يقرض قرضاً حسناً لمن يثق بأمانته والشخص الذي لا يعرفه المصرف يأخذ منه رهناً. إذاً البند الثالث من بنود عمل المصرف القرض الحسن برهن أو بغير رهن وبلا فائدة، هناك خدمة كبيرة جداً: مصرف زراعي، مصرف صناعي، مصرف تجاري ممكن أن يشتري هذا المودع حاجته وأن يبيعها إياه مرابحةً وهذا أقره مجمـع الفقـه الإسلامي، ويمكن لهذا المصـرف أن يمول المزارعين والصناعيين والتجار مقابل مرابحة مشروعة بالإسلام. هذا المصرف أيضاً بإمكانه أن يكـون شريكَ مضاربةٍ مع جهات ذات خبرات عالية في الاقتصاد وبالنسبة لمشروع كبير جداً يحتاج إلى تمويل فهذا المصرف يكون شريكَ مضاربةٍ في تمويل مشروع ضخم يعود الربح على المضاربين أو على المودعين في هذا المصرف. أيها الأخوة: أنا ذكرت هذا الموضوع من أجل أن يعتقد الإنسان أو أن يوقن أن منهج الله كامل مهما تطورت الحياة ومهما اشتدت الحاجة إلى مؤسسات مالية تغطي حاجات المجتمع فالإسلام عنده من التشريعات الدقيقة الحكيمة ما يوفـر لهذا المجتمع كل حاجاته، مثلاً لو أنني ذكرت إلى جانب هذا الموضوع موضوع التأمين، يمكن أن يشترك مائة تاجر فرضاً ويضعون في صندوق بنسب مستورداتهم مبلغاً من المال فأي تاجر أصيب بمصيبة في تجارته ؛ تلفت بضاعته مثلاً أو غرقت تجارته يُعطى من هذا الصندوق تعويض بضاعته، لو أن واحداً من هؤلاء المائة لم يصب بشيء فهذا المبلغ للمائة، هذا اسمه تأمين تعاوني، هذا ليس مباحاً فقط بل مندوب إليه، التأمين التعاوني. أنا سمعت من أخ كريم منذ يومين أن إحدى الدول الإسلامية في جنوب شرق آسيا، أعتقد ماليزيا حققت فائضاً من عملها التجاري يزيد عن مليار دولار أو عن مائة مليار، قال هناك الخبراء اكتشفوا أنها كُلما قلّت الفائدة على المبالغ المودعة حدث نمو اقتصادي كبير، فإلى أن تصل الفائدة إلى الصفر يكون النمو في أعلى مستوى، هذا النظام نظام خالق الكون الله الذي حرم الربا هو الذي خلق الإنسان فحينما نعتقد أن هذا التحريم مبني على أسس وعلى قواعد ترتاح نفسك، والأصل كله في هذا الموضوع أن هذا المال كتلة ووضعها الطبيعي الذي يريده الله عز وجل أن تكون موزعة بين كل الناس قال تعالى: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (7)﴾ (سورة الحشر ) الحالة المرضية الوبائية أن يتجمع المال بأيدٍ قليلة، وأما الحالة الصحية أن يكون هذا المال متداولاً بين كل الناس. الآن إذا ولّد المال المال تجمـع المال في أيدٍ قليلـة، وإذا ولـّدت الأعمال المال توزع هذا المال على الأيدي الكثيرة والمال قوام هذه الحياة وقد جاء هذا في القرآن الكريم، فإذا جمع المال في أيدي قليلة، كانت كارثة على المجتمع أما إذا تداول الناس جميعاً هذا المال ضمنت أن التداولَ تلده الأعمال لا أن المصارف الربوية هي التي تلـده، أيّ إنسان يريد أن يعمـل في نسبة معروفـة بين التجار، الحد الأدنى للمصـاريف عشر المبيعات يعني بع بمليون مصروفك بمائة ألف فهذه لمن ؟ لمن ينقل لك البضاعة ويخزن لك البضـاعة، لمن يضـع لك البضـاعة في حاويات، للمخلـص للمحاسب، أنت حينما تقـوم بتأسيس عمل تجاري تحتاج إلى عشرات الأشخاص بعضهم يعمل معك مباشرةً وبعضهم يعمل معك بشكل غير مباشر، حينما تؤسس عملاً تستخدم أيداً عاملة، والآن معروف أن المشكلة الأولى في العالم مشكلة البطالة وهناك علاقة وثيقة جداً بين البطالة والربا. الربا ما أساسه ؟ مال يلد المال، فالمصاريف قليلة جداً، أما الأعمال حينما تلد المال لا بد من عشر هذا المبلغ، عشر الحركة المالية يذهب مصاريف منوعة، معنى ذلك أننا حققنا فرصَ عملٍ كثيرة جداً للناس. أيها الأخوة: الإنسان حينما يقنع أن هناك نظاماً إسلامياً كاملاً فهذا يدفعه إلى أن يبحث عن البديل للنظام الربوي غير الإسلامي، الربا كما قال الله عز وجل: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (276)﴾ (سورة البقرة ) كلكم يعلم أيها الأخوة أن عندنا ما يسمى بالموشور، الموشور شكل هندسي عبارة عن دوائر متناقصـة إلى أن تنتهي إلى الصفـر وهذه الدوائر لها محور لو سمينا المحور هو السعر فكل سعر له دائرة متعلقة به، فكلما ارتفع السعر صغرت الدائرة وكلما انخفـض السعـر اتسعت الدائـرة، هناك علاقـة بين السعر وبين الشريحة المستفيدة من هذه السلعة، ما الذي يحصل ؟ أنه إذا انخفضت الأسعار عم الخير. أوضح مثل: فاكهة من فواكـه الصيف لو بيعـت بخمس ليرات لاشترى هذه الفاكهة في المدينة مليون إنسان، ولو بيعت بعشر ليرات لاشتراها نصف مليون، بخمسة عشر: مائتا ألف، بعشرين: مائة ألف، بخمس وعشرين: وخمسون ألفاً، فكلما ارتفع السعر ضاقت الشريحة، إن ضاقت الشريحة صار هناك أناس منتفعون وأناس محرومون، إن كان هناك تفاوت بين الناس، أناس يذوقون أصعب مشاعر الجوع والحرمان وأناس يتمتعون بكل مباهج الحياة و هذا الفارق الشديد في حياة الناس يسبب كل المشكلات وكل الإحباطات وكل العقد النفسية بل وكل أعمال العنف التي تجري في العالم اليوم. والذين يعملون في الأمن الجنائي يعلمون هذه الحقيقة، كلما اشتدت البطالة اتسعت دائرة الجرائم، وكلما اتسع العمل قلّت البطالة. أيها الأخوة: الشيء الآخر: في موضوع الربا أن الربا يسهم في رفع الأسعار والسبب: أنك حينما يكون متـاحاً لك أن تستثمر المال في طريق ربوي آمن فليس هناك مغامرة، التجارة فيها مغامرة، والتجارة فيها متاعب وفيها يعني حل مشكلات بشكل يومي، أما الذي يضع ماله في البنك فلا متاعب عنده ولا ضرائب ولا رسوم مالية ولا جمارك ولا تموين تأمينات هذا كله معفى منه، ما الذي يحصل ؟ كلما وضعت الأموال في البنوك انتشرت البطالة، البطالة تسبب أزمة اجتماعية، وكذلك كلما وضعت الأموال في البنوك بحرز هناك شيء آخر فلا تجد من يغامر بماله في عمل تجاري أو صناعي أو زراعي لأنه متاح له أن يأخذ الربح من مصرف ربوي بلا جهد، لو أن المصرف أعطى ثمانية عشر بالمـائة أو خمسة عشر، لما كان يضع في العمل الصناعي أو التجاري رأس مال ضخم، إلا مقابل ربح كبير، ماذا يعني الربح الكبير يعني ارتفاع الأسعار، ارتفع السعر ضاقت الشريحة، وإذا ضاقت الشريحة صار هناك فرق طبقي كبير وكثرت المشكلات. ذكرت مرة أن الإنسان عندما يشرب الخمر يؤذي من ؟ يؤذي نفسه فقط وإذا زنا يؤذي نفسه والتي زنا بها، أما إذا أكل الربا يسهم بشكل أو بآخر في هدم المجتمع، لذلك ما من معصية توعد الله مرتكبيها بالحرب إلا الربا قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (24)﴾ (سورة البقرة ) والحقيقة حينما يكون المجتمع في بحبوحة فهو في خير، إنسان له عمل والعمل يعود عليه بدخل، الدخل يجعله يفكر بالزواج وفي اقتناء بيت، إذا بدأنا بمال انتقلنا إلى شراء بيت ثم غرفة نوم، وغرفة ضيوف، ثلاجة غسالة خطبنا فتاة، واضطر لشراء ذهب لخطيبة وموضوع الزواج أساسي في المجتمع فحينما تحل البطالة محل العمل تنشأ فوضى اجتماعية والحقيقة أننــي لا أبالغ إذا قلت أننا لو حلّلنا مشكلات العالم كله لوجدنا هذه المشكلات تعود قطعاً إلى مخالفة منهج الله سبحانه وتعالى في الناحية الاقتصادية. فالربا يسهم في البطالـة ويسهم في رفع الأسعار، ما دام هناك جهة تعطيك مبلغاً مضموناً بلا جهد فأنت لن تغامر بمالك في مشروع تتحمل المغامرة والمتاعب والمشكلات والضرائب من مزاولة العمل إلا بربح كبير جداً معنى ذلك أنك دون أن تشعر تعلم أن وجود بنك ربوي يسهم في رفع الأسعار، وكذلك فللمصرف الإسلامي مهمات أخرى: يمكن أن يجمع الزكاة ويوزعها أيضاً على المستحقين بجهاز فني وبجهاز يكون متمكناً من أداء هذه المهمة ويمكن لهذا المصرف أن يأخذ أموال الصدقات ليجعلها قروضاً حسنة يوزعها على المستحقين وهذا أيضاً جزء من عمل المصرف الإسلامي ويمكن أن يعطي قروضاً إنتاجية، قروضاً استثمارية عن طريق المرابحة وهذا أيضاً مشروع في الإسلام. أيها الأخوة: هناك نقطتا ضعف في الإنسان، المال والمرأة، فإذا حصن نفسه ضد إغراء المرأة وإغراء المال فقد حقق تسعة أعشار دينه فمن تزوج فقد ملك نصف دينه فليتق الله في النصف الآخر. الإنسان حينما يحصن نفسه تجاه المال الحرام وتجاه المرأة التي لا تحل له فقد نجا من مطبات ومن ألغام كثيرة جداً، يوجد شيء آخر في الموضوع أن الإنسان أحياناً ينتقل في عمله من تحصيل رزقه إلى جمع المال وجمع المال يؤدي إلى حالة مرضية أحياناً في بعض الحالات يكون المال في خدمتك وفي حالات أخرى تكون أنت في خدمته وحينما ينتقل الإنسان من مخدوم إلى خادم ضيع من حياته جزءاً كبيراً، لذلك العلماء فرقوا أيضاً بين ما هو كسب وبين ما هو رزق. فالكسب هو حجمك المالي، والرزق هو الذي تنتفع به حصراً، الذي لا تنتفع به محاسب عليه، وهذه مصيبة كبرى بينما رزقك هو الذي أكلت فأفنيت ولبست فأبليت، أما الذي يبقـى لك هو ما تصدقت فأبقيت، وما سوى ما أكلت فأفنيت وما لبست فأبليت وما تصدقت فأبقيت، ما ليس لك فهـو كسب وليس رزقاً و شيء آخر في موضـوع كسب المال، المال الحلال بالتعبير الشائـع فيه بركة، معنى فيه بركة تنتفع به أعلى أنواع الانتفاع، والمال الحرام من خصائصه أنه يذهب بشكل غير مريح وكأن الله سبحانه وتعالى يعاقبك ويحاسب على الإنفاق غير المشروع، والإنسان كلما حرص على كسب الحلال كلما مكنه الله عز وجل من أن ينتفع به إلى أعلى درجات الانتفاع. ((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ )) ذكرنا في هذا الدرس أنه ما من حالة اجتماعية أو مالية أو اقتصادية، ما من حاجة يحتاجها المجتمع إلا ولها تشريع يغطي هذه الحالة والدليل أن الله عز وجل حينما قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (3)﴾ (سورة المائدة ) أنت تتعامل مع منهج خالق الكون، سمعت خبراً قبل أيام أن تلك البلدة الإسلامية التي حققت أعلى نمو اقتصادي سببه أنها اقتربت من منهــج الله عز وجل، بلد نامٍ يحقق ألف مليار، مبلـغ كبير جداً وهذا فائض معنى ذلك أن الأخ بمنهج الله يحقق نجاحاً كبيراً. هناك شيء آخر أن سيدنا عمر حينما مر على بلد ورأى أكثر الفاعليات فيه بيد الأقباط فعنف أهله تعنيفاً شديداً وقال: كيف بكم إذا أصبحتم عبيداً عندهم. وأنا في خطب كثيـرة ذكرت، كيف أن الفقـر ليس قدراً وقلت: هناك فقر القدر وهناك فقر الكسل وهناك فقر الإنفاق، فقر القدر إنسان عاجز مصاب بإحدى حواسه الخمس أو مصاب بشلل أو مصاب بعاهة، فهذا فقر لكن فقر القدر. أما الكسول فقد يفتقر ولكن افتقار الكسول لا يسمى افتقار القدر بل فقر الكسل. أما فقر الإنفاق: ((فقد حدث النبي عليه الصلاة والسلام عليه فقال: قال له أحد أصحابه: قال والله إني أحبك قال عليه الصلاة والسلام: انظـر ماذا تقول، قال: والله إني أحبك، قال انظر ماذا تقـول، قال: والله إني أحبك، قال: إن كنت صادقاً فيما تقول فلَلَفقر أقرب إليك من شرك نعليك )) ما معنى ذلك ؟ يعني إن أحببتني رق قلبك وأنفقت مالك على كل محتاج ومسكين وقد قال الله عز وجل في الحديث القدسي يخاطب عبداً من عباده الأغنياء: ((عبدي أعطيتك مالاً كثيراً فماذا صنعت فيه ؟ يقول: يا رب لم أنفق منه شيء مخافة الفقر على أولادي من بعدي، يقول له الله عز وجل: ألم تعلم أنني أنا الرزاق ذو القوة المتين، إن الذي خشيته على أولادك من بعدك قد أنزلته بهم، ويقول لعبد آخر: عبدي أعطيتك مالاً فماذا صنعت فيه، يقول يا رب أنفقته على كل محتاج ومسكين بثقتي أنك خير حافظ وأنت أرحم الراحمين، يقول الله عز وجل: أنا الحافظ لأولادك من بعدك)) أيها الأخوة: هناك نقطة أخيرة في الدرس أن المصرف الربوي كيف ينمي أمواله ؟ يأخذ أموال المودعين يضعها في بنوك أخرى في فائدة عالية وينقلها من بنك إلى بنك ومن عملة إلى عملة يتقصى بها أعلى الأرباح. أما المصرف الإسلامي فماذا يفعل ؟ ليس أمامه إلا طريق واحد أن يستثمر هذا المال في مشاريع، إذاً المصرف الإسلامي كل مدخراته في مشاريع زراعية وصناعية وتجارية، ماذا فعـل في البلد ؟ رخاء كبيراً وصارت هناك فرص عمل كبيرة جداً وهذه أحدث حركة إنفاق عام، فلو أن شركة رأس مالها ثلاثمائة مليون بدأت بمشروع فكم عاملاً تحتاج و كم نشاطاً تجارياً وصناعياً أحدثت، ممكن تستقطب ألف عامل، وألف مؤسسة، أنا سمعت مصنع سيارات ارتبط به أكثر من أربع مائة مصنع وكل مصنع به آلاف العمال معنى ذلك أن العمل الإنتاجي يحتاج إلى يد عاملة كبيرة جداً ومن مزايا المصرف الإسلامي أنه مسموح له فقط أن ينمي أمواله عن طريق المضاربة، أي مشاريع زراعية وصناعية وهذه المشاريع من شأنها أن تشغل اليد العاملة وتلغي البطالة وتحقق الرخاء والإنسان حينما يكسب المال سوف ينفقه على حاجاته الأساسية، مشكلة التضخم النقدي توفر كل شيء ولكن لا تحدث حركة في السوق، كل شيء جامد إذا لم تكن حركة فلا ربح ولا إنفاق: حلقة مفرغة، إذا وُجد كسب وجد إنفاق والإنفاق يدعو إلى مزيد من الإنفاق، إذا قلّ الكسب قلّ الانفاق وكل شيء توقفت حركته، ترى مشروعاً يجب أن يبيع باليوم بمائة ألف فيبيع باليوم بألف أو ألفين، ما الذي يحصل يصرف موظفيه واحداً تلو الآخر، يقلص إنتاجه ويحدث انكماش اقتصادي، الإنسان حينما يطبق هذا المنهج العظيم يقطف ثماره اليانعة بشكل أو بآخر. لو أن الإنسان لم يفقــه حكمة تحريم الربا، ولو أنه لم يفقه حكمة المضاربة المشروعة التي شرعها الله عز وجل فلمجرد أن يطبقها تطبيقاً صحيحاً يقطف ثمارها عن علم أو عن غير علم، وهذه قاعدة في علم الأصول أن ـ الانتفاع بالشيء ليس أحد فروع العلم به ـ لو لم تعلم حكمة منع الربا ولو لم تعلم حكمة القرض الحسن لقطفت كل ثمار هذا النظام وأنت لا تشعر لذلك إلى مزيد من طاعة الله عز وجل حتى في كسب الأموال. أخواننا الكرام ممن يعملون في التجارة والصناعة والزراعة أحياناً يسألك أحدهم مسألة: هل هذه حرام ؟ بحسب منطق العصر أن هذا الهرمون يكبر الثمرة ويعطيها ألواناً زاهية ويكون سعرها أعلى ويدرُّ ربحاً أكثر، أنت لو طبقت منهج الله عز وجل ولم تؤذِ عباده لجعل الله لك ربحاً من باب آخر أوسع بكثير. فكـل مشـكلات النـاس أنهم يبحثون عن ربح سـريع ولا يعبئـون بمنهج الله عز وجل، الإنسان عندما يطبق هذا المنهج بشكل صحيح فالله عز وجل هو الذي يعطي ويغني. طبعاً هذه الدروس الثـلاثة في هذا الموضوع الدقيق أعتقد أنها كانت وافية وشاملة، بأول درس تحدثنا عن تعريف ربا النسيئة وربا الفضل، في الدرس الثاني تكلمنا عن الأموال التي تقع في محل الربا بشكل تفصيلي وعن بعض المبادلات التجارية التي حرمها الشرع الحنيف، وفي هذا الدرس تحدثت عن مشكلة استيراد أنظمة اقتصادية غربية وهذه لا بد من أن يرافقها ثقافات وقيم تتناقض مع ديننا ومع أهدافنا ومثلنا فلابد من أن نؤسلم كل شيء مستورد، بأن نجعله وفق الإسلام وليس هذا ببعيد، و يمكن أن تنشأ شركات تأمين إسلامية وبنوك إسلامية تطبق أحكام الدين مائة بمائة دون أن يكون هناك شبهة فنرجو الله سبحانه وتعالى أن يتاح لنا في القريب العاجل أن نستمتع بكل شيء إسلامي مريح للنفس وفيه طمأنينة. |
رد: العبادات التعاملية
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية الدرس : ( الرابع و الخمسون ) الموضوع : البيع النقدي وبيع التقسيط الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهـم لا علم لنا إلا ما علمتنـا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا وزدنا علمــاً وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه واجعلنا ممـن يستمعون القول فيتبعــون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. أيها الأخوة الكرام: أخ كريم قدم لي أوراقاً مصورةً من كتاب في شرح الأحاديث الصحيحة، وجدت أن من أمانة التبيين، حيث أن أمانة التبيين هي أمانة العلماء، وأمانة التبليغ هي أمانة الأنبياء، والله سبحانه وتعالى أخذ العهد على العلماء أن يبينوا للناس، فدوري في هذا الدرس أن أبين ما في هذه الأوراق. الموضوع حول حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ بَاعَ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ فَلَهُ أَوْكَسُهُمَا أَوِ الرِّبَا)) ( الترمذي ـ النسائي ـ أحمد) يحتاج الأخوة الكرام في هذا الدرس إلى دقة في الإصغاء، درس الفقه قد يبدو جافاً لكنه خطير، ونحن في أمس الحاجة إلى هذا الدرس ((مَنْ بَاعَ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ فَلَهُ أَوْكَسُهُمَا أَوِ الرِّبَا )) هذا الحديث رواه ابن أبي شيبة في المصنف وأبو داود، وابن حبان في صحيحه، والحاكم، والبيهقي، وحدثنا ابن أبي زائدة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً إلى النبي هذا سند الحديث قلت هذا سند حسن وقد صححه الحاكم ووافقه الذهبي ثم ابن حزم في المحلّى ورواه النسائي والترمذي، وصححه ـ يعني قال صحيح، وابن الجارود وابن حبان والبغوي في شرح السنة وصححه أيضاً الإمام أحمد والبيهقي من طرق عن محمد بن عمرو بلفظ نهى عن بيعتين في بيعة. الآن في السند، السند صحيح في كل هذه الكتب الصحيحة ورد هذا الحديث: (( مَنْ بَاعَ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ فَلَهُ أَوْكَسُهُمَا أَوِ الرِّبَا)) وقال البيهقي، قال عبد الوهاب يقول في شرح هذا الحديث: هو لك بنقد بعشرة وبنسيئة بعشرين مثلاً، معنى بيعتين في بيعة هو لك نقداً بعشرة ونسيئةً بعشرين، وبهذا فسره الإمام ابن قتيبة، ومن البيوع المنهي عنها شرطان في بيع واحد هو أن يشتري الرجل السلعة إلى شهرين بدينارين وإلى ثلاثة أشهر بثلاثة دنانير، وهو بمعنى بيعتين في بيعة، النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن بيعتين في بيعة واحدة أن يقول نقداً كذا ونسيئةً كذا، إلى شهر بكذا وإلى شهرين بكذا. طبعاً نهى عن بيعتين في بيعة، وقال هذا الحديث بهذا اللفظ مختصر صحيح، ولابن مسعود قول ((الصفقة في الصفقتين ربا)) أخرجه عبد الرزاق في المصنف، وابن أبي شيبة أيضاً، وابن حبان، والطبراني وسنده صحيح. الآن للإمام أحمد ولابن حبان رواية: ((لا تصلح صفقتان في صفقة ولفظ ابن حبان لا يحل صفقتان في صفقة)) وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ لا تَصْلُحُ صَفْقَتَانِ فِي صَفْقَةٍ وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَعَنَ اللَّهُ آكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ وَشَاهِدَهُ وَكَاتِبَهُ)) (البخاري ـ مسلم ـ الترمذي ـ النسائي ـ أبي داود ـ الدارمي ) وسنده صحيح أيضاً، ورواه ابن نصر في السنة وزاد في روايته: أن يقول الرجل إن كان بنقد فبكذا وكذا وإن كان إلى أجل فبكذا و كذا، أعتقد أنه واضح وهو رواية لأحمد، راوي هذا الحديث سماك الراوي عن عبد الرحمن، مَن سماك ؟ سماك بن حرب تابعي معروف قال: أدركت ثمانين صحابياً وقد فسره هذا الراوي كما قلت آنفاً: أن تقول نقداً بكذا ونسيئةً بكذا، هذا تفسير راوي الحديث الذي هو تابعي جليل لقي ثمانين صحابياً. قال علماء الحديث فتفسير هذا التابعي للحديث ينبغي أن يقدم عند التعارض مع تفسيرات أخرى، فلو أن لهذا الحديث تفسيرات أخرى وفسره راويه، وهو تابعي جليل لقي ثمانيــن صحابياً فتفسير الراوي ينبغي أن يقدم على تفسيرات أخرى غير هذا التفسير، ولاسيما وهو أحد رواة الحديث، والراوي كما قال العلماء أدرى بمرويه من غيره، لأن المفروض أنّه تلقى الرواية من الذي رواه عنه مقروناً بالفهم والمتابعة، ومن ثم فكيف وقد وافقه على ذلك جمع من علماء الأمة وفقهائها، من هم العلماء الذين فسروا هذا الحديث بهذا التفسير ؟ أول عالم هو ابن سيرين قال: كان يكره أن أقول أبيعك بعشرة دنانير نقداً أو بخمسة عشر إلى أجل والكراهية أساسها النهي. والإمام طاووس قال: إذا قال هو بكذا وكذا إلى كذا وكذا، وبكذا وكذا إلى كذا وكذا فوقع البيع على هذا فهو بأقل الثمنين إلى أبعد الأجليــن، لو أن إنساناً قال أبيعك هذه السلعة بمائة إلى شهر وبمائتين إلى أربعة أشهر، كيف يصحح هذا البيع ؟ أن يدفع أقل الثمنين لأطول الأجلين هذا قول الإمام طاووس، وابن سيرين كان يكره أن أقول أبيعك بعشرة دنانير نقداً أو بخمسة عشر إلى أجل. والإمام سفيان الثوري أيضاً يقول: إذا قلت أبيعك بالنقد إلى كذا وبالنسيئة بكذا وكذا فذهب به المشتري، مثلاً بائع قال للمشتري: أبيعك هذه السلعة بألف نقداً وبألف وخمسمائة نسيئةً أي إلى أجل، أي تقسيطاً، فالمشتري حمل هذه السلعة وذهب قال: هو بالخيار في البيعين ما لم يكن وقع بيع على أحدهما فإذا وقع بيع على أحدهما فهو مكروه وهو بيعتان في بيعة وهو مردود ومنهي عنه، صاحب البيع إذا وجد بضاعته عند الشاري فأخذها انتهـى الأمر فإن لم يجدها فعليه أن يأخذ أقل الثمنين لأطول الأجلين هذا رأي سفيان الثوري لتفسير هذا الحديث. لازلنا مع الحديث الشريف ((مَنْ بَـاعَ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْـعَةٍ فَلَـهُ أَوْكَسُهُمَا أَوِ الرِّبَا )) والإمام الأوزاعي رحمه الله تعالى قيل له فإن ذهب بالسلعة على ذينك الشرطين أو على هذين الشرطين فقال: هي بأقل الثمنين إلى أبعد الأجلين، هذا رابع إمام، الآن أئمة الحديث، الإمام النسائي: قال تحت باب بيعتيـن في بيعة هو أن يقول: أبيعك هذه السلعة بمائة درهم نقداً وبمائتي درهم نسيئةً و بنحوه، هذا تفسير الحديث (( مَنْ بَاعَ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ فَلَهُ أَوْكَسُهُمَا أَوِ الرِّبَا)) الإمام النسائي إمام كبير من أئمة الحديث يقول معنى هذا الحديث: أن يقول البائع أبيعك هذه السلعة بمائة درهم نقداً وبمائتي درهم نسيئة وقد فسر ابن عمرو هذا الحديث أيضاً. ((عنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لا يَحِلُّ سَلَفٌ وَبَيْعٌ وَلا شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ وَلا بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ )) ( الترمذي ـ أبي داود ـ ابن ماجة ـ أحمد ـ الدارمي ) العالم الثاني من علماء الحديث ابن حبان قال في صحيحه: ذكر الزجر عن بيع الشيء بمائة دينار نسيئةً وبتسعين دينار نقداً. أول عالم ابن سيرين، ثم طاووس، وسفيان الثوري، و الأوزاعي والإمام النسائي، وابن حبان، وابن الأثير في غريب الحديث ذكر في شرح الحديثيـن المشار إليهما آنفاً. الآن معنى الحديث الشريف الصحيح الذي رواه عدد كبير من علماء الحديث في الكتب الصحيحة: ((حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ بَاعَ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ فَلَهُ أَوْكَسُهُمَا أَوِ الرِّبَا )) (الترمذي ـ النسائي ـ أحمد ) فضلاً عن أن راوي هذا الحديث تابعي وقد لقي ثمانين صحابياً وقد فسر هذا التابعي الجليل وهو راوي الحديث، وهو أقدر من يفهم معنى الحديث لأنه حينما تلقى الحديث عن الذي أخذ منه تلقاه مع الفهم السديد لهذا الحديث، هذا الراوي يرى أن معنى الحديث: أن تقول أبيعك هذه السلعة بمائة درهم نقداً أو بمائتين نسيئةً، وفضلاً عن فهم الراوي لهذا الحديث ولأنه شهد ثمانين صحابياً، ولأنه حين التعارض مع تفسيرات أخرى لهذا الحديث نأخذ تفسير راوي الحديث وهو تابعي جليل فضلاً عن ذلك فهناك علماء كبار من أمثال الأوزاعي وطاووس، وسفيان الثوري، والنسائي، وابن حبان، وابن الأثير كل هؤلاء العلماء شرحوا هذا الحديث كما شرحه راوي الحديث التابعي الجليل سِمَاك. أيها الأخوة: وقيل في تفسير البيعتين أقوال أخــرى، حتى أكون معكم موضوعياً هناك علماء آخرون فسروا البيعتين تفسيراً آخر ولكن تفسير العلماء والفقهاء وتفسير علماء الحديث وراوي الحديث هذا التفسير: أن تقول أبيعك هذه السلعة بكذا نقداً وبكذا نسيئةً، وما تقدم من تفسير البيعتين كما يقول مؤلف الكتاب هو الصحيح، وقد اختلف العلماء في ذلك قديماً وحديثاً على ثلاثة أقوال: حكم بيع النسيئـة، حكم بيع الأجل أو المصطلح الحديث حكم بيع التقسيط، اختلف فيه العلماء قديماً وحديثاً على ثلاثة أقوال، يعني الأقوال المختلفة جداً جمعت في أقوال ثلاثة القول الأول: أنه باطل مطلقاً وهذا مذهب ابن حزم، بيع النسيئة مع الزيادة في الثمن باطل مطلقاً وهذا مذهب ابن حزم. المذهب الثاني: أنه لا يجوز إلا إذا تفرقا على أحدهما يعني البائـع قال هذه السلعة بمائة نقداً وبمائة وخمسين نسيئةً فالشاري اعتمد على أحد البيعين وخرج من المحل وقد وقع خياره على أن يشتري نقداً أو نسيئةً هذا المذهب الثاني، لا يجوز إلا إذا تفرقا على أحدهما، أو إذا ذكر البائع ثمن السلعــة نسيئةً فقط هذا المذهب الثاني. المذهب الثالث: أنه لا يجوز كالمذهب الأول ولكن إذا وقع ودفع الشاري أقل السعرين إلى أطول الأجلين جاز. صار معنا ثلاثة مذاهب في بيع النسيئة وبيع الأجل وبيع التقسيط، كلها أسماء لمسمى واحد، أوضح لكم الحقيقة بشكل عرضي، كتاب ورقه أسمر جلده بسيط رخيص ثمنه مائة ليرة، فلما جعلنــــا الورق أبيض صار بمائة وخمسين، فالخمسين في الكتاب، هذه الزيادة في الثمن في الكتاب ؟ طبعاً في الكتاب كان ورق أسمر رخيص صار ورق أبيض الآن نبيعـــك كتاباً بورق أبيض ومجلد بمائتين، الخمسين الثانية في الكتــــاب ؟ طبعاً في الكتاب، الآن كتبنا اسمك بحروف مذهبة على الكتاب فطالبناك بمائتين وخمسين ليرة الخمسين الثالثة في الكتاب ؟ في الكتاب إلى الآن الزيادة يقابلها زيادة في النوعية أليس كذلك، الآن الكتاب بثلاث مائة ليرة إلى ستة أشهر، هل هذه الزيادة في الكتاب ؟ لا ولكنها مقابل الأجل، هذا هو موضوع الدرس الزيادة التي مقابل الزمن مقابل الأجل بيع النسيئة، بيع الأجل، بيع التقسيط مع الزيادة.... أما التقسيــط بلا زيادة عمل صحيح، لو بعت تقسيطاً من دون زيادة عمل صالح، فالمذهب الأول أنه باطل مطلقاً وهذا مذهب ابن حزم والمذهب الثاني أنه لا يجــوز إلا إذا تفرقا على أحدهما أو اكتفى البائع بسعر النسيئة دون أن يذكر السعر النقدي هذا المذهب الثاني والمذهب الثالث لا يجوز كالمذهب الأول إلا أنه إذا وقع ودفع الشاري أقل الثمنين لأطول الأجلين صح البيع. دليل المذهب الأول أن هناك نهيـاً في الأحـاديث المتقدمة، الحديث الشهير )) مَنْ بَاعَ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ فَلَهُ أَوْكَسُهُمَا أَوِ الرِّبَا (( هذا الحديث شرحه الراوي وهو تابعي ولقي ثمانين صحابياً وفسر البيعتين أن تقول حالاً بكذا وآجلاً بكذا، نقداً بكذا ونسيئةً بكذا، وأئمة كبار كابن سيرين، وطـاووس، سفيان الثوري، و الأوزاعي، ومحدثون كبار كالنسائي، وابن حبان، وابن الأثير فسرا هذا الحديث كما فسره راوي الحديث. والملخص أن هناك ثلاثةَ مذاهب الأول أنه باطل مطلقاً وهذا مذهب ابن حزم، والثاني أنه لا يجوز إلا إذا تفرق المتبايعان على أحدهمــا أو اكتفى البائع بذكر سعر النسيئة، والثالث أنه لا يجوز ولكنه إذا وقع صح أن يأخذ البائع أقل الثمنين لأطول الأجلين. دليل المذهب الأول هذا الحديث الصحيح الذي فيه نهي عن بيعتين في بيعة، ودليل المذهب الثالث هو قول النبي عليه الصلاة والسلام ((مَنْ بَاعَ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ فَلَهُ أَوْكَسُهُمَا أَوِ الرِّبَا)) يعني ممكن أن تدفع الأقل لأطول الأجلين صح البيع. لكن أصحاب المذهب الثاني بينوا علة المنع بأنها الجهالة، أي أن هذا الشاري خرج من المحل التجاري ولم يتضح له أو لم يستقــر السعـر عنده على أحد السعرين، فأصحاب المذهب الثاني عدوا الجهالة هي العلة في التحريم، فلو لم يكن هناك جهالة لما وجدت مشكلة، هذا الرأي المعارض، مادام الشاري خرج من المحل ولم يستقر على أحد السعرين ففي الأمر جهالة. قال بعض العلماء: هذا التعليل مردود لأنه مجرد رأي مقابل النص الصحيح، الرأي لا يمنع نصاً صريحاً، يـقول عليه الصلاة والسلام: ((فَلَهُ أَوْكَسُهُمَا أَوِ الرِّبَا)) لا يوجد كلمة جهالة حينما قلنا: إن العلة هي الجهالة السعر واضح، سعر النقدي واضح وسعر الأجل واضح، فـهذا خرج لا على جهالة بل على علم، إن دفع السعر نقداً فالسعر كذا وإن دفعه نسيئةً فالسعر كذا، أن تقول: إن التحريم بسبب الجهالة، فلو اتضح السعرين لم يعد هناك جهالة إذاً البيع صحيح هذا الكلام مردود، لأنه مجرد رأي مقابل النص الصحيح في حديث أبي هريرة وحديث ابن مسعود أنه ربا، هذا من جهة ومن جهة ثانية أن هذا التعليل مبني على القول بوجوب الإيجاب والقبول لكن السنة تقبل بيع المعاطاة، أي إنسان اشترى شيئاً يوجد دلائل بأنه راضٍ بهذا الثمن، يعني هل من المعقول لو أنك أردت أن تشتري مثلاً كأس شراب في الطريق أن تقول له: بعتــك هذا الكأس بليرتين وأنا قبلت أن أشربه بليرتين، تشرب الكأس وتمشي، بيع المعاطاة بيع بسيط، الشاري رضي بهذا الثمن فما ناقش ولا اعترض، أصحاب مذهب أن هذا البيع باطل أو أنه يصح بشرط أن تدفع أقل الثمنين لأطول الأجلين ينطلقون من أن البيع الشرعي يحتاج إلى رضى ويحتاج إلى طيب نفس فقط قال تعالى: ﴿أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (سورة النساء) فأي إشارة إلى أن الشاري راض والبائع راض فهو بيع شرعي لا يحتاج إلى إيجاب وقبول، فبيع المعاطاة يحقق التراضي وطيبة النفس وهو بيع شرعي فقد أذن الله به والزيادة عليه من إيجاب وقبول ما لم يوجبه الشرع. الآن المشتري حينما ينصرف بمشتراه فإما أن يدفع الثمن وإما أن يؤجل، فإذا باع، دفع الثمن فالبيع صحيح بأقل الثمنين، وحينما يؤجل ينصرف. هنا موضع الخلاف هو يعلم كم سيدفع لو أجّل، هنا لا يوجد جهالة والبيـــع لا يحتاج إلى إيجاب وقبول، يحتاج إلى التراضي والتراضي حاصل، أما المذهب الثالث أن هذا البيع مرفوض وغير صحيح أما إذا دفع الشاري أقل الثمنين بأطول الأجلين فهو صحيح وهو حديثنا الذي قاله النبي صلى الله عليه وسلم في أول الدرس، يقول عليه الصلاة والسلام: ((مَنْ بَاعَ بَيعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ فَلَهُ أَوْكَسُهُمَا أَوِ الرِّبَا )) هذا دليل المذهب الثالث، وحديث ابن مسعود رضي الله عنه حينما يقول: الصفقة في الصفقتين ربا. ((لا تَصْلُحُ صفْقَتَانِ فِي صفْقَةٍ )) الآن لو قال لك أحدهم هذا الثمن لك أن تدفعه حالاً أو آجلاً ولا يتغير فاخترت أحدهما فأنت لست ممن اشترى شيئاً بعقدين، مادام الثمن واحد أنت خرجت من هذا الخلاف كلياً. أيها الأخوة: الآن المشتري إذا اشترى بيعتين في بيعة على ما وصفنا وأراد مجانبة الربا فله أوكسهما، لو أنك دخلت إلى محل وعرض عليك البائـــع سعرين، سعر حال وسعر آجل، فاخترت السعر الأقل حالاً لا يوجد مشكلة أو اخترت السعر الأقل ورضي معك إلى أجل لا يوجد مشكلة، إذا حاورته وحككته وقبل منك أن يعطيك أقل السعرين بأطول الأجلين لا يوجد شيء عليك بيعك صحيح وشراؤك صحيح. القول الثاني الآن وهو أضعف الأقوال (( مَنْ بَاعَ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ فَلَهُ أَوْكَسُهُمَا أَوِ الرِّبَا )) المذهب الأول أن هذا البيع باطل كلياً هذا مذهب ابن حزم، والمذهب الثالث أنه باطل أو أنه فاسد يصحح إذا دفعت أقل الثمنين لأطول الأجلين، أما المذهب الثاني أن هذا البيع علةُ تحريمِهِ الجهالةُ فلو وضحت نقداً بكذا ونسيئةً بكذا صح البيع إذا خرج المشتري على أحد العقدين فالـبيع صحيح وهذا ما يقوله معظم الذين يبيحون بيع التقسيط باختلاف الثمن، القول الثاني هو أضعف الأقوال لأنه لا دليل عنده إلا الرأي، والرأي غير صحيح والرأي هو أن العلة هي الجهالة، الجهالة غير موجودة، لأنه وضحه البائع قال نقداً بكذا، لما النبي صلى الله عليه وسلم قال: "...أَوِ الرِّبَا " العلة هي الربا، هي التفاضل، علة التحريم التفاضل وليس الجهالة، والحديث واضح وكلام ابن مسعود رضي الله عنه ((الصفقة في الصفقتين ربا)) فالعلة هي الربا وليست الجهالة، وحديث ابن مسعود مطابق لكل هذه الأحاديث كلها ولكنه يزيد عليها بعلة التحريم الصفقتان في الصفقة ربا ((لا تَصْلُحُ صفْقَتَانِ فِي صفْقَةٍ)) هذا الحديث بين علة التحريم والحديث الصحيح محور الدرس: هذا البيع فاسد وليس باطلاً. بالمناسبة لو أن إنسان تزوج إمرأة فإذا هي أخته من الرضاعة ما حكــم هذا الزواج ؟ باطل ينبغــي أن يفسخ فوراً، إنسان تزوج فتاةً بلا مهر ما حكم هذا الزواج ؟ فاسد هذا الزواج يصحح بمهــر المثل، بين كلمة باطل وفاسد مسافة كبيرة، الباطل لا يصحح أما الفاسد يصحح. فإذا قلت هذا البيع باطل لأن النبي قال فله أوكسهما أو الربا فالنبي سمح بتصحيح هذا البيــع، أما ابن حزم قال: البيع باطل مطلقاً، أما الذي قال العلة: هي الجهالة فالعلـة مردودة ليست العلة هي الجهالة. فقد خرج المشتري وهو يعلم علم اليقين الثمن نقداً والثمن نسيئةً فإن دفع نقداً كان بها، وإن قبل نسيئة دفع أول قسط، فالقسط عنده معلوم وكم قسط معلوم، ومتى تنتهي الأقساط معلومة فأن نقول: إن هناك جهلاً فهذه علة ليست مقبولة إطلاقاً. حديث ابن مسعود بين العلة، علة التحريم الربا التفاوت بالسعر حديث النبي عليه الصلاة والسلام بين أن هذا البيع يصحح بأن تدفع أقل الثمنين لأطول الأجلين، يقول صاحب الكتاب: هذا ما بدا لي من طريقة الجمع بين الأحاديث والتفقه فيها، وما اخترته من أقوال العلماء حولها، فإن أصبت فمــن الله وإن أخطأت فمن تقصيري ونفسي ـ كلام طيب وكلام فيه تواضع ـ والله أسأل أن يعفره لي وكل ذنب لي، كذلك يقول: واعلم يا أخي المسلم أن هذه المعاملة التي فشت بين التجار اليوم وهي بيع التقسيط وأخذ الزيادة مقابل الأجل وكلمـا طال الأجل زيد في الزيادة، يعني أكثر سؤال واجهته في أمريكا البيت ثمنه مائة ألف دولار وتقسيطاً ثلاث مائة ألف، ثلاثة أمثال ولأن الذي يذهب إلى هناك لا يملك هذه المائة فيشتري بيتاً بالتقسيط لثلاثين عاماً، وهذا شيء مؤلم، وما من يوم إلا وسئلت هذا السؤال عشرات المرات، مشكلــة كبيرة جداً أكثر الجالية المسلمة تسكن في بيت بهذه الطريقة ولأنها تسأل دائماً هناك انزعاج، هناك شعور بأنه في الأمر خطأ. فهذه المعاملة هي غير شرعية من جهة ولأنها تنافي روح الإسلام القائم على التعاون، مثلاً إنسان عنده غنم في البادية لا يملك ثمن علف، يستطيع أن يبيع صوف الغنم والتسليم بعد ستة أشهر وأن يأخذ ثمــن الصوف نقداً، هذه الحالة اسمها بيع السلم، ما ملخصها أو ما حكمتها ؟ معاونة الشاري للبائع، بيع التقسيط من دون زيادة ما حكمة هذا البيع ؟ معاونة البائـع للشاري، يعني بيع التقسيط إحسان وبيع السلم إحسان هذا ما يتميز به الإسلام، إنسان مضطر إلى حاجة لا يملك ثمنها فإن بعته إياها فأنت حققت عملاً صالحــاً كبيراً عند الله عز وجل، طبعاً ما يكون محتالاً معه مال ويكتمــه ويشغله بمحـل آخر وقال لك أعطني بالتقسيط هذا موضوع آخر، أما إذا إنسان محتاج في أمس الحاجة وأخذها تقسيطاً بسعرها نقداً فأنت عملت عملاً صالحاً ليس له علاقة بالتجارة. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: ((عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: رَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ سَمْحًا إِذَا اشْتَرَى سَمْحًا إِذَا اقْتَضَى )) ( البخاري ـ الترمذي ) وفي حديث آخر رواه الحاكم: (( من كان هيناً ليناً قريباً حرمه الله على النار)) أيها الأخوة: لهذا الموضوع تتمة إن شاء الله في درس قادم نشرحه حين نلتقي ونجيب على أي سؤال إن شاء الله، هذه أمانة التبيين بلغتكم إيـاها، وأنت لك أن تفعل ما تشاء، أنا بينت لك الأحاديث وشرحها وكيف شرحها راوي الحديث وكيف علماء كبار قالوا بهذا الشرح، وكيف علماء السنة قالوا بهذا الشرح، وكيف أن الذين أجازوا اعتمدوا على علة الجهالة والجهالة مردودة في هذا الموضوع. |
رد: العبادات التعاملية
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية الدرس : ( الخامس و الخمسون ) الموضوع :مقدمة عن البيعتين فى البيعة و البيع بشكل عام الحمد لله رب العالمين،والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين،اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا،إنك أنت العليم الحكيم،اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه،وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه،وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. أيها الأخوة الكرام: بادئ ذي بـدء في الدين أصول وفي الدين فروع،الأصل أن تؤمن بالله موجوداً،وواحداً،وكاملاً،الأصل أن تؤمن به خالقاً ورباً ومسيراً،الأصل أن تؤمن أنه لا معبودَ بحق إلا الله،وهذا الإيمان متاح لك من خلال الكون الذي هو مظهر لأسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى،وأداة هذا الإيمان العقل الذي أودعه الله في الإنسان فهو مناط التكليف،فأنت بعقلك ومن خلال الكـون المعجز يمكن أن تصل إلى قناعةٍ يقينيةً،يقينيـة،يقينية أن لهذا الكـون خالقـاً عظيماً،ورباً رحيماً،وإلهاً حكيماً. ثم إنك إن تصفحت كلام الله عز وجل من خلال إعجاز القرآن تدرك أن هذا القرآن كلام الله بالدليل العقلي القطعي الثابت،يعني إلى درجة،والله ولا أبالغ،أنه ما من خلية من جسدك،وما من قطرة في دمك إلا وتنطق بأن هذا القرآن كلام الله من خلال إعجازه وهذا عن طريق العقل. ثم إنك يمكن أن تؤمن برسول الله صلى الله عليه وسلم بدليل أنه جاء بهذا القرآن،فالإيمان بالله،والإيمان بكلامه،والإيمان برسوله الذي سيبين كلامه هذه أصول الدين،انتهى بعد ذلك دور العقل العقل أوصلك إلى الله وأوصلك إلى كلامه وأوصلك إلى رسوله وأوصلك إلى الله موجوداً وواحداً وكاملاً،وأوصلك إلى أن كلامه معجزٌ،وأوصلك إلى رسوله مبيناً. ثم يأتي دور التلقي،و تفتح القرآن فتقرأ قال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ (سورة النور ) ولا مجال هنا لكلمة لماذا،فهذا كلام الله،قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ يعني يا من آمنتم بي،يا من آمنتم بعظمتي،يا من آمنتم بعلمي،يا من آمنتم بحكمتي،يا من آمنتم برحمتي،يا من آمنتم بقوتي،يا من آمنتم بمحبتي لكم ؛ افعلوا كذا،بعد أن آمنتَ بالله بعقلك،وآمنتَ برسول الله بعقلك،وآمنتَ بكتابه بعقلك،الآن جاء دور التلقي جاء دور الأخذ عن الله،الآن جاء دور النص،الدين،بالتعريف الجامع المانع نقل عن الله،الدين وحي أوحاه الله. النقطة الدقيقة ؛ أنه لا يجوز بحال من الأحوال أن تحكم عقلك بالنص،يعني:أنت صاحبت إنساناً سنتين أو ثلاثاً،أو أربعاً وجدته قمة في الأدب،قمة في العلم،قمة في الوفاء،قمة في الورع،قمة في العفة،وكان ذاهباً إلى بيروت مثلاً فقلت له اشترِ لي هذه الحاجة فاشتراها لك ودفعت له ثمنها،لمجرد أن تسأل شخصاً آخر عن سعر هذه الحاجة فأنت بشكل أو بآخر تكذبه. فبعد أن آمنتَ بالله من خلال العقـل وبالدليل العقلـي اليقيني،بعد أن آمنت برسول الله،بعد أن آمنت بكتابه،فقد انتهى دور العقل،وجاء دور النقل،انتهى دور التحقيق وجاء دور التصديق،انتهى دور المحاكمة وجاء دور المسالمة،هذه الحالة تأتي عقب الإيمان بالله،فأنت بالكون تعرفه،و بعد أن عرفته كيف تصل إليه ؟ كيف تتقرب إليه ؟ بتنفيذ أمره ونهيه،إذاً شرطان أساسيان أن تؤمن به وأن تطيعه فإن آمنت به ولم تطعه فما انتفعت بهذا الإيمان،لو أطعته تقليداً فمقاومتك هشة لا تصمد أمام إغراء ولا أمام ضغط،لأقل ضغط تترك،ولأقل إغراء تكفر،لذلك يمكن أن ترى في المساجد شاباً أقبل على الدين إقبالاً عاطفياً وليس إقبالاً عقلياً واندفع اندفاعاً هشاً،فإن فتاة قد تصرفه عن الدين كله،أو أي ضغط فلو قال له أحدهم أخذوا اسمك فلن يقرب المسجد أبداً،وانتهى يعني أن أقل ضغط أو أقل إغراء ينهيه. فمن أطاعه ولم يتحقق من عظمته فمقاومته هشة،ومن عرفه ولم يطعه فما انتفع بهذه المعرفة،فالبطولة الآن بعد أن عرفته أن تتحرك وفق منهجه،والله أيها الأخوة ما لم تأتِ حركتك اليومية وفق منهج الله فأنت لم تنتفع بهذه المعرفة إطلاقاً،يجب أن تأتي حركتك اليومية سواء:في بيتك،في نومك،في استيقاظك،في علاقتك بأهلك،في علاقتك بأولادك،في عنايتك بجسمك،في عنايتك بطعامك،في كسب مالك،في تجارتك،في بيعك،في شرائك،في نزهتك،في أفراحك في أتراحك،في علاقتك مع من هم فوقك،في علاقتك مع من هم دونك،في كل حركاتك وسكناتك،ما لم تأتِ هذه الحركة وفق منهج الله فأنت لم تنتفع بهذه المعرفة. وأوسع نشاط بشري هو البيع والشراء،فليس من رجل من إخواننا الحاضرين وغير الحاضرين،وليس من إنسان على وجه الأرض إلا ويمارس هذا النشاط يومياً،ولن تجد إنساناً على وجه الأرض إلا وهو ذو عـلاقة بشكل أو بآخر بامرأة،هي زوجته طبعاً،وإن لم تكن زوجته فهي امرأة لا تحل له،فقضية المال والنساء أوسع مساحة يحتلها الشرع أجل أقول:مساحة المال والنساء،وقضية المال والمرأة نقطتا ضعف في الإنسان لا يؤخذ إلا منهما،فأحياناً أجد شاباً يقول لي انصحني يا أستاذ،أنظر إليه فماذا أقول له ؟ في سن الإقبال على الحياة أقول له:غض بصرك،وقد يقول لي إنسان آخر عمره خمسة وخمسين عاماً انصحني فهو تاجر كبيـر،أقول له:اضبط دخلـك،فبعض الناس أول نصيحة له ضبط الدخل،وهناك إنسان أول نصيحة له غض البصر،و لعل تسعة أعشار الأحكام الشرعية في تنظيم كسب المال وإنفاقه وفي تنظيم علاقتك بالمرأة،لذلك يعد أوسع نشاط للإنسان وأكثر نشاط وأدوم نشاط:نشاط البيع والشراء،والبيع معلوم بالضرورة أنه حـلال،بالقرآن والسنة وإجماع الأمة البيع حلال في جـميع مصادر التشريع:بالقرآن والسنة وإجـماع الأمة، قال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ (سورة البقرة ) آية واضحة كالشمس،وقال تعالى،وهذه الآية أيها الأخوة من أدق الآيات في القرآن الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ وكلما قرأت هذه الآية تذكَّرْ هذا التقدم،يعني يا من آمنتم بي،يا من عرفتموني،يا من آمنتم بحكمتي،يا من آمنتم بعلمي،يا من آمنتم برحمتي،يا من آمنتم بمحبتي لكم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (سورة النساء ) لا تأكلوا أموالكم بالباطل،عندي جيبان في هذا الثوب لو وضعت خمسمائة ليرة نزعتها من هذا الجيب ووضعتها في الجيب الآخر فهل اعتديتُ على أحد،فما معنى قول الله عز وجل لا تأكلوا أموالكم ؟ هـذا مالي أنقله من مكان إلى مكان،رجل باع بيتاً واشترى سيارة فماذا فعل؟ ما اعتدى على أحد،الآية ليس هذا معناها،معناها لا تأكلوا أموال بعضكم بعضاً بالباطل لأن مجتمع المؤمنين مجتمع متكافل متضامن،متعاون،فلو أكلت مـال أخيك فأفقرته كأنك أكلت مالك،وإذا أغنيته كأنك اغتنيت أنت به،ويوجد معنى دقيق جاء به المفسرون أنك يجب أن تتعامل مع مال أخيك وكأنه مالك من زاوية واحدة وهي:ضرورة الحفاظ عليه،فلأن تمتنع عن أكله حراماً من باب أولى. يعني إذا إنسان أعارك سيارة وقال لك:هذه مثل سيارتك.ما معنى هذا ؟ أنت يجب أن تقودها وأن تعتنـي بها وأن تتجنـب أن تصيبها بالعطب والعطل وكأنها سيارتك،إذا قال لك هذه كأنها سيارتك هل معنى هذا أنه ملكك إياها ؟ وهل معنى هذا أنك ذهبت إلى الدوائر الرسمية و امتلكتها؟ لا.عندما قال لك:كأنها سيارتـك يعني احرص عليها واعتـن بها.إنسان أعارك سيـارة لأمر ضروري وقال لك:هذه سيارتك ما معنى هذا الكلام ؟ ليس معنى هذا الكلام أنه وهبها لك،معنى هذا الكلام أنه يرجوك أن تعتني بها وكأنها سيارتك بالضبط،هذا معنى قوله تعالى: ﴿لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ﴾ (سورة النساء ) لا تأكلوا أموال إخوانكم فهو من زاوية واحدة:مالكم من حيث ضرورة الحفاظ عليه،قال تعالى: ﴿لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (سورة النساء ) بالباطل قيد هل هناك أكل لأموال إخوانكم بالحق ؟ نعم التجارة تشتري السلعة بخمسين وتبيعها بسبعين أنت أكلت من ماله ولكن نظير خدمة كبيرة،أنت استوردت ودفعـت أموالاً منـذ ستة أشهر ودفعـت ضرائـب ودفعت رسوماً واستخدمت موظفيـن،جئت بهذه البضاعـة جزأتها ووزعتها،وشغّلت عندك مندوبين للمبيعات،عندك طقم موظفين من أجل أن توصل هذ السلعة إلى جوار أخيك في الإنسانية،وهو اشترى السلعة بسبعين وأنت اشتريتها بخمسين،عليك مصاريف خمسة أو عشرة و ربحت عليه عشرة فأنت أكلت ماله ولكن هذا الأكل بالحق لأن الله أحل البيع. فمعنى هذا أنّ أكل مال المسلم له وجهان،وجـه حـق ووجه باطل والنهي تناول الباطل،قال تعالى: ﴿لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ ( سورة النساء ) يعني بغير مسوغ،من دون مسوغ،أحياناً تشتري سلعة لها علبة ومختومة،ومغلفة بغلاف،وينشأ ظرف قاهر وكأنك ندمت على شرائها،أو لم تنتبه لبعض خصائصها فتقول:هل ممكن أن تعيدها،هناك باعة يقول له:تخسر بها خمس مائة ليرة ولو أنه فتحها واستعملها فهذا موضوع آخر وليس للبائع مصلحة أن يُعيدها أما كونه ما فتحها ولا استعملها فإذا قال لك البائع تخسر خمس مائة ليرة خلال ربع ساعة،أنت سـلمت إنساناً آلة وأرجعتها لمكانها كما أخذتها رددتها،هذه الخمسمائة لمَ أخذتها أيها البائع ؟ مقابـل ماذا ؟ مقابـل لا شيء.أنت إذاً بالباطل أخذتها،قد يسأل سائـل أيجوز أن أرجـع ؟ العـدل قسري والإحسان طوعي،إذا تم البيـع بالإيجـاب والقبـول،والقبض والتسليم ولا يوجـد عيب وأعطيت الشاري خيار المجلس وما اعترض ونقدك الثمن وسلمته البضاعة وكان راضياً ثم بدا له بعد حين أن يعيد هذه السلعة فأنت بالخيار إن رفضت أن ترجعها له فأنت بالعدل وإن أرجعتها له فأنت بالإحسان والله عز وجل يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ (سورة النحل ) فكما أنـك مأمور بالعدل مأمور بالإحسان،ومن أقال نادماً بيعته أقال الله عثرته: "عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ:قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَنْ أَقَالَ مُسْلِمًا أَقَالَهُ اللَّهُ عَثْرَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)) ( أبي داود ـ أحمد ) ذات مرة قال لي أخ وقد توفي رحمه الله،يبيـع مفروشات:جاءتـني امرأة فاشترت طقم كنبات،لفت نظـري أنها تريد أن تدفع ثمـن هذا الطقم خمسات وعشرات،فافرض أن الطقم ثمنه ثمانية آلاف،أو عشـرة آلاف،وقد نقدتني إياه خمسات وعشرات،سلمتها إياه وقبضت الثمن،ثم قال:وفي اليوم التالي جاءتنـي تبكي وتقـول إنها وفـرت من مصروف البيت ثمن هذا الطقم فلما رآه زوجها قال:إن لم ترجعيه وتأتيني بثمنه أطلقكِ،فجاءت ترجو البائع أن يرجع هذه البضاعة،قال لها:حباً وكرامة،أقسم بالله أنه وضعه على الرصيف ريثما يرده إلى مستودعه فجاء من اشتراه بسعر أغلى. ((...مَنْ أَقَالَ مُسْلِمًا أَقَالَهُ اللَّهُ عَثْرَتَهُ يَوْمَ الْقيَامَةِ)) إن الله يأمر بالعدل والإحسان،لكن إن أرجعت هذا الطقم لها أي إن أرجعت هذه الآلة ولم تستعملها إطلاقاً وألزمتها أن تدفع خسارة ألف ليرة فهذه الألف فيمَ أخذتها ؟ بالباطل هذه لا وجه لها،رجل باع طقم كنبات والذي اشتراه فرح به ودعا أصدقاءَه،أول ما جلسوا عليه خفس،عاد إلى عنده يغلي و قال:الطقم خفس،فقال له:لعلكم جلستم عليه. هذا موضوع آخر ليس له علاقة بالدرس،قال تعالى: ﴿لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ ( سورة النساء ) فالتجارة أكل للمال لكن بالحق لا بالباطل،الآن يقول لك:التراضي يا أخي وقـد رضي،ولو كشفت له الحقيقة،لو كشفت له أن هـذه البضاعـة ليست مستوردة إنما هي محلية لكن الماركة مزورة فلن يشتري،بالمناسبة صار عندنا معامل بأعلى درجة من التقنية تصنع علامات فارقة،وعلامات صناعة،وصنع في فرنسا،وصنع في الولايات المتحدة الأمريكية بشكل متقن جداً،فإذا أنت بعت بضاعة على أنها أجنبية،فهناك مثلاً قماش من الصيـن مثلاً يوضـع عليه حاشية:فرنسي،والفرنسي غـالٍ جداً ويوجـد جوخ مثلاً من الدرجة العاشرة ويوضع عليه حاشية:إنكليزي يباع بسعر كبير.هذا غش فلـو أن هذا الذي اشترى هذه البضاعة كشفت له الحقيقة فلـن يرضى،الناس يتمسكون بالرضى الظاهري بالرضى الابتدائي وليس الرضى النهائي فهذا ليس رضى.لو كشف له أنه ربح عليه أضعاف مضاعفة،رأسماله مـائة وبـاع بـألف،هل يرضى ؟ لا يرضى،قال تعالى: ﴿إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ ( سورة النساء ) بالمناسبة البيع لا يكون حلالاً إلا بتحقيق شروط وانتفاء موانع،هناك شروط يجب أن تتحقق وهناك موانع يجب أن تنتقي،حتى يكون البيع حلالاً،من هذه الشروط،شروط صحة البيع:التراضي،أن يرضى البائع والشاري،أنت لاحظ عندما تشتري آلة ويقول لك صاحبها هذه ثمنها ألفا ليرة،فالذي يحصل تماماً أن الذي اشترى هذه الآلة رأى أنها أثمن من ألفي ليرة،والذي باع هذه الآلة رأى أن الألفين أثـمن منها،لا أحد يبيع حاجة إلا ويعتقد أن ثمنها أثمن منها،ولا أحد يشتري حاجة إلا إذا اعتقد أنها أثمن من ثمنها،إذا كانت المعلومات صحيحة والمواصفات مكشوفة،أما إذا كان تدليس في البيع،فهذا التدليس أخو الكذب،يا أخي:أنا ما كذبت،لا،أنت أوهمته أن … بكذا وكذا إنسان خطب فتاة أين البيت ؟ بالمالكي،يا لطيف،طار عقلهم فوراً وافقوا،من دون تردد،ثم ظهر أنه شارع المالكي في ببيلا. يقول لك أنا ما كذبت،صح ولكن أنت أوهمتهم أن بيتك في المالكي بدمشق لا في مالكي ببيلا،التدليس أخو الكـذب،فإذا أنت ما كذبت،ولا دلست،ولا أوهمت،ولا احتكرت،ولا استغللْت،ولا زورت فالبيع صحيح وسليم. قال لي أخ إنه يضع إضاءة حمراء أمام محل بيع الفروج،لأن الفروج الزهر يكون طازجاً،وغير منقوع بالماء،هذا الضوء الأحمر مخفيّ،والزبون يتوهم أنه طازج،ولكن هذا اللون الأحمر مصدر تدليس،أوهمته أن الفروج طازج،وهناك أساليب لا تعد ولا تحصى في الغش والتدليس والكذب على كل البيع لا يكون حلالاً إلا بتحقيق شروط وانتفاء موانع. فمن صحة شروط البيع أو من شروط صحة البيع:التراضي التراضي إذا كشفت الحقائق،ممكن أن تشتري مثلاً قماشاً إنكليزياً حسب الحاشية،لبدلة فيكون تايوانياً،ثم انتفاء الجهالة في الثمن،هذه حادثة وقعت خلاصتها:شخص عنده محل تجاري جاره يبيع غرف نوم رأى غرفة جيدة أعجبته فقال له هذه أرسلها إلى بيتي،فبادر وأرسلها فوراً،جاره ما سأله ما الثمن؟ لا الشاري سأل عن الثمن ولا البائع ذكر الثمن،دفع دفعة،ثم دفعة كلما أرسل دفعة يقول الشاري لنفسه لعله انتهى.ثم اختلفوا،الشاري بذهنه مائة ألف فكانت خمسمائة الف،وتقاتلوا،فالجهالة تفضي إلى المنازعة.حدثني أخ وهي طرفة ولكن لها معنى دقيق،قال لي:أنا عملي بالأقمشة وكل مرة ننقل البضاعة عن طريق من يحترف هذه الحرفة وتقع عند كل نقل بضاعة مشكلة كبيرة يكون الشرط خمس مائة يريد ألفاً،ألم نتفق على خمس مائة فيدعي أن الأثواب وزنها ثقيل والطريق طويل،قال لي:مرة أحببت أن أعمل تجربة فجاء بهؤلاء الذين ينقلون البضاعة إلى مكان البضاعة وقال لرئيسهم عد الأثواب فقال له:لا مشكلة،فقال له:أريد أن تعدهم،فعدهم ثم قال له:احمل الثوب،لماذا ؟ قال له:لعله يكون ثقيلاً فحملــه،امشِ معي ووصـل إلى المكان المحدد والمكان بالطابق الرابع وممنوع استخدام المصعد،فصعدوا بدون مصعد ووضعوا البضاعة بغرفة على الرف العلوي،إذا قال له:عددهم كثير فقد عدهم وإذا قال له وزنهم ثقيل،حملهم،وإذا قال له الطريق طويل قاسه إذا قال له ما سمحوا لنا أن نستخدم المصعد نريد أن تزيد أجرتنا فلا يحـق لهـم،ثم قال:ولأول مرة في حياتي أشارطهم مثلاً خمسمائة فقبلوا وانتهى الأمر.وقال:معوضين أستاذ وانتهى كل شيء، يا إخواننا الكرام: ما من مشكلة في التجارة إلا بسبب الجهالة،العلماء قالوا:الجهالة تفضي إلى المنازعة،وضِّح،كل إغفال،أو غمغمة،أو اتفاق ضبابي،كل اتفاق لا يوجد فيه وضوح بالثمن فالبيع باطل،من شروط صحة البيع التراضي،وانتفاء الجهالة بالثمن والسلعة،يطلعه على مساطر رائعة،تأتي البضاعة خلاف هذه المساطر،قال:من اشترى ولم يرَ فله الخيار إذا رأى. يوجد أساليب للبيع كثيرة بيت خامس طابق الدلال من ذكائه في كل ميدة يقول له قصة لا ينتبه الشاري،يقول له قصة يرتاح الشاري صعد ثاني طابق قصة ثانية ليرتاح،يصل إلى فوق مرتاحاً ويرى بيتاً نشطاً له إطلالة جميلة فيشتريه فوراً،لو صعد بشكل مستمر يصل متعباً فلا يشتري،فهذه عملية التدليس،كما أن الكذب،والتزوير،حتى إن أحدهم حدثني أنه صلى باتجاه الشمال والدلال ما دله على جهة القبلة،لأن البيت رآه في الليل وقال له:قبلي،أنا لم أصلِ بعد أعطوني سجادة وصلى باتجاه الشمال،اعتقد أنه قبلي واشترى البيت فكان شمالي الاتجاه. من شروط صحة البيع التراضي،وانتفاء الجهالة في الثمن والسلعة لكل من المتبايعين،قد يكون البيت مرهوناً وهناك دعوى وعليه ضريبة مالية كبيرة جداً متراكمة،أو قد تكون الأرض ليست واضحة المعالم يقول له:مربعة،ويكون عرضها عشرين متراً وطولها مائتا متر،اطلب المخطط،هذه كلها دروس،المؤمن كيس فطن حذر،وليس كيس قطن،قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً﴾ (سورة النساء ) وأجمل كلمة قالها سيدنا عمر:لست بالخب ولا الخب يخدعني لست من الخبث بحيث أخدع ولا من السذاجة بحيث أخدع،أنا لا أخدع ولا أنخدع،مؤمن وليس ساذج. وبعد كل هذا فمن شروط صحة البيع كذلك قدرة البائع على تسليم السلعة،يعني باع بضاعة قبل أن يحوزها إلى رَحله،قال لي صديق رأى مساطر بضاعة أعجبته أخذها من دون اتفاق وسافر بها إلى بعض المحافظات وعرضها بثمن فيه ربح كبير وباعها ورجع ليتم الصفقة فأخبره أن الصفقة بيعت من قبل مجيئه إليه وانتهت،الذي اشتراها منه طلب منه ربحاً على كل متر بثمن البضاعة وله معه مبلغ ضخم قال له أنت بعتني مثلاً ألف"يرد"أريد بكل"يرد"ربحاً،خمسين ليرة،ضرب ألف بخمسين،أريد أن تخصم لي من حسابك خمسين ألف،لأنه تاجر غشيم،والثمن غال جداً فكانت النتيجة خسارة كبيرة. لا تبع شيئاً حتى تحوزه إلى رحلك،لكن هذه الكلمة أيها الأخوة تحل مشكلة في العالم خطيرة جداً،بيع المضاربة،أكثر البيوع في العالم مثلاً خمسين ألف طن بن في البرازيل تباع ألف مرة وهي لازالت في المستودعات،تباع بالفاكسات،بعت واشتريت.هذا صار قمار و ليست تجارة،عندما تحوزها إلى رحلك فأنت تاجر حقيقي استوردتها كي ينتفع الناس بها،فكل بيع وشراء صوري الهدفُ منه المقامرة هذا بيع المضاربة،ما الذي ينفي هذا البيع ؟ لا تبع شيئاً حتى تحوزه إلى رحلك،وقدرة البائع على تسليم السلعة وحيازة السلعة في ملكه قبل بيعها،وأن لا يكون فيها عيب قادح،وألا يكون البيع لكل من البائع والمشتري خيار النكل،يوجد عندنا مجلسُ عقدٍ ضمن المجلس لك تقول قبلت أولا،لك أن تنكل ما دمت في مجلس العقد فإذا خرجت من المجلس ثبت البيع،من حق البائع والشاري ضمن مجلس العقد أن ينكل كل منهما ما لم يفترقا فإذا افترقا ثبت البيع. يا أيها الأخوة: كلمة دقيقة جداً:الإسلام نصوصه كلها شفهية،يعني إذا أنت قلت اشتريت وقال لك الطرف الثاني بعت،فكلمة اشتريت وكلمة بعت نقلت الملكية إليك لو احترقت البضاعة على الذي قال اشتريت ولو لم يدفع ثمنها. وهناك قصة جرت في الشام من أشهر القصص:جلسة في محطـة وقود عصراً،جلسة مؤانسة،تسلية وزعوا كؤوس الشاي قال الأول للثاني أتبيعني هذه المحطة ؟ فقال له:أبيعها،قال له:بكم،قال:بست مائة ألف،قال له:اشتريت،لا البائـع جاد ولا المشتري جاد ولم يحـدث شيء بعـد هذا الإيجاب والقبـول ولا كلمة ولا اتصال هاتفـي ولا لقاء لمدة اثنتي عشرة سنة،الذي قال اشتريت له محام بارع جداً قال له:هذه المحطة ملكك صار ثمنها اثني عشر مليوناً،أقام دعوى عليه وجاء بالشهود فعلاً قال له بعتك وقال له اشتريت،قال له:ولكن ما دفع الثمن،فقال له:موضوع آخر،أنت ما طالبته. اثنان في قطار وشوهدت محفظة كبيرة جداً على مقعد قـال له أزح هذه الحقيبة،قال له:لا أزيحها،تلاسنوا،تشاحنوا تماسكوا،تضاربوا،جاءت الشرطة بالقطار أوقفوا القطار ما هي المشكلة ؟ قال له:هذه المحفظة لا يرفعها من هنا،فقال له:لماذا لم ترفعها من هنا ؟ فقال له:ليست لي هي لفلان،فقالوا له:لماذا لم ترفعها من هنا ؟ فقال:ما أحد طلب مني أن أرفعها من هنا. مادمت في مجلس العقد فأنت مخير،أن تقول رفضت،أو أن تقول بعت،قال اشتريت،هكذا سمعت الموضوع وما تحققت منه،نقلت هذه المحطة لمن قال اشتريت بعد اثني عشر عاماً بستمائة ألف ليرة فانتبهوا بالزواج لا يوجد مزاح،ثلاثة هزلهـن جد وجدهـن جد الزواج والإعتاق والطلاق،والبيع لا يوجد فيه مزاح أن تقول له بعتك فإذا شهد شهود فأنت بعته وانتهى الأمر،لا تقل بعتك،دائماً تريث،مرة ثانية الإيجاب والقبول هما شـرطا البيع ولو لم يكن عقد مكتوب. عندنا شرط آخر مانع،وألا يكون هذا البيع مراد به الربا كبيع العينة في أكثر البلاد الإسلامية طبعاً الربا محرم ولكن هناك حيلة على الربا هي:بيع العينة،يعني يضع أحدهم سجادة أو صندوق شاي أو أي حاجة فيأتي مقترض الربا،يشتري صندوق الشاي بألف ليرة مثلاً ديناً بعد ما يشتريه بألف ليرة ديناً يبيعه لصاحب المحل نقداً بثمان مائة ليرة يسجل ألفاً ويدفع ثمان مائة،في بلد إسلامي آخر صندوق شاي بالريالات،في بلد إسلامي سجادة يعني ممكن أن يتم قرض ربوي بفائدة عالية جداً من خلال بيع صوري شكلي،فيشتري الصندوق بألف ديناً ثم يشتري منه البائع نقداً بثمان مائة،قالوا:وألا يكون هذا البيع مراد به الربا كبيع العينة والمقصود من قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (سورة البقرة ) ليس على إطلاقـه العـام كما يتصـوره الناس بل أحل الله البيع بشروطه ومواصفاته التي بينتها الآيات وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم،وليس كل ما يسميه الناس بيعاً هو حلال،بل الحلال ما جاء موافقاً للشروط والمواصفات التي شرعها الله تبارك وتعالى وأما ما كان بيعاً ينطوي على غرر أو حيلة أو ربا فهو حرام،كما نهى النبي عليه الصلاة والسلام: ((عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ لُبْسَتَيْنِ وَنَهَانـَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعَتَيْنِ عَنِ الْمُنَابَذَةِ وَالْمُلامَسَةِ وَهِيَ بُيُوعٌ كَانُوا يَتَبَايَعُونَ بِهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ)) ( النسائي ) والنبي نهى عن أكثر من ثلاثين نوعاً من أنواع البيوع،فإذا قال هؤلاء وأحل الله البيع فهناك بيوع محرمة،النبي نهى عن ثلاثين نوعاً من أنواع البيوع. بقي في هذا الدرس تقسيم لطيف للبيوع،ينقسم البيع إلى قسمين بيع ناجز وبيع مؤجل،البيع الناجز:أن يتم فيه التبادل بين البائع والشاري يداً بيد في وقت واحد،ونعني بالتبادل:الثمن والسلعة دفعتَ واستلمتُ،باللغة الأجنبية،كاش أند كاري،ادفع واحمل وامشِ هذا بيع يداً بيد في وقت واحد تبادل البائع والشاري السلعة والثمن. أو السلعة بالسلعة بعته قمحاً مثلاً بتمر،التمر مال والقمح مال كقمح بقمح أو قمح بتمر وهذا له صورتان،صورة مشروعة وصورة محرمة،البيع الناجز أن يتم به التبادل حالاً بين المتبايعين بين البائع والمشتري،يعني تبادل السلعة بالثمن أو تبادل السلعة بالسلعة،أكرر:لهذا البيع الناجز صورتان،صورة محرمة وصورة مشروعة فالمحرمة بيع صنف بجنسه متفاضلاً،أن تبيع قمح بقمح أبيع قمح حوراني بقمح مستورد متفاضلاً،هذا بيع محرم كبيع صنف بجنسه متفاضلاً كبيع تمر بتمر مع الزيادة أو بيع ذهب بذهب مع الزيادة أو بيع فضة بفضة مع الزيادة وهذا كله قطعي التحريم. الصورة المشروعة من هذا البيع إذا اختلفت هذه الأصناف:بعنا تمراً بقمح،يجوز البيع والاستبدال مع الزيادة،كيف شئنا،فيجوز بيع طن قمح بنصف طن تمر بشرط أن يكون التسليم في الحال.هذا حكم البيع الناجز:لك أن تبيع شيئاً بشيء،سلعةً بثمن،سلعةً بسلعة بشرط يداً بيد،إذا وجد تماثل فممنوع التفاضل،وواجب أن يكون التسليم حالاً يداً بيد،إذا لم يكن تماثل ممكن أن يكون تفاضل لكن الشرط المستمر هو التسليم يداً بيد ومثلاً بمثل. أما إذا تأخر فيه تسليم بدل عن بدل وهذا له صور كثيـرة بعضها مشروع وبعضها غير مشروع،الآن نلخص البيـع العاجل:البيـع العاجل التسليم فوري والدفع فوري،دفع وتسليم،دفعت الألفين أخذت المسجلة،إذا كان في تماثل ممنوع التفاضل،قمح بقمح من دون تفاضل تمر بتمر من دون تفاضل،قمح بتمر ممكن لكن لابد من أن يكون التسليم في وقت واحد،يعني إذا الإنسان اشترى ذهباً بعملة سورية ممنوع أن يتأخر التسليم لا العملة السورية ولا الذهب ممنوع مباشرةً،حتى إذا الإنسان باع عملة بعملة يجب أن يكون سعر اليوم والتسليم مباشرةً حتى يكون حلالاً،سعر اليوم والتسليم مباشرةً،هذا إذا كان بيع العملة مسموحاً به طبعاً. الآن بيع الأجل:الصور المحرمة بيع الأجل له صور عديدة،بيع الأجل بيع تمر مثلاً أو قمح بصنف آخر كالشعير إلى أجل هذا لا يجوز إجماعاً أقول لا يجوز إجماعاً أن تبيع صنفاً بصنف مع التأجيل في التسليم لقول النبي عليه الصلاة والسلام: "عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ وَالشَّعِيـرُ بِالشَّعِيـرِ وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ مِثْلاً بِمِثْلٍ سَوَاءً بِسَوَاءٍ يَدًا بِيَدٍ فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ)) (الترمذي ـ النسائي ـ ابن ماجة ـ ابي داود ـ أحمد ـ الدارمي ) عندنا ثلاث كلمات بَر،وبُر،وبِر،البَر اليابسة،والبِر الإحسان ماذا بقي ؟ إذا كان قمح ؟ البُر،إذا وجد تماثل فممنوع التفاضل،إذا كان اختلاف بالنوع فمسموح التفاضل أما بالحالات كلها يداً بيد،هذا صنف. الآن يوجد صنف آخر اشترى سلعة ودفع ثمنها وتسليمها آجلاً،هذا بيع السلم يجوز بلا إشكال.هذا وضع استثنائي النبي شرعه،يعني راعٍ يوجد عنده ألف رأس غنم على وشك الموت جوعاً ليس معه ثمن علف ممكن أن يبيع صوف الغنم الآن ويقبض ثمنه ويشتري طعاماً وعلفاً للغنم ويسلم الصوف بعد ستة أشهر هذا بيع السلم شراء سلعة مما تخرجه الأرض زراعة قمح،أو صوف أو ما شاكل ذلك ليست موجودة الآن،يعني بيع التقسيط معاونة البائع للشاري،قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (سورة المائدة ) بيع السلم معاونة الشاري للبائع،السلف الصالح كانوا قديماً إذا رأوا إنساناً يبيع عنباً وتأخر بعض الوقت ولا يمكنه ترك البضاعة في الطريق كان بعض الصالحين يشترون العنب منه ويجعلونه خلاً يعني هذا شراء لوجه الله أحياناً تشتري هذه الحاجة وتعاون بها،أحياناً طفل يتسول منك لا تعطه،أما إذا باعك مسكة اشترِ منه،إذا كان يبيع فاشترِ منه،إذا طفل فقير جداً وقال له أبوه اذهب واعمل فاشترى علب محارم أو مسكة...،فإذا طلب منك التسول لا تعطه لأنك إن أعطيته تعلمه على التسول،أما طلب منك أن يبيعك ولم تكن بحاجة إلى هذه السلعة اشترها منه و لك أجر. الآن بيع سلعة بالدراهم والدنانير على أن يستلم المشتري السلعة وقت العقد ويؤجل تسليم الثمن هذا بيع المؤجل أي بيع التقسيط فإذا كان السعر واحداً لا يتأثر بالدفع الفوري أو بالدفع على أقساط فالبيع مشروع فله أوكسهما،أما إذا كان السعر يتأثر بالزمن فهذا الموضوع موضوع الدرس الماضي. |
رد: العبادات التعاملية
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية الدرس : ( السادس و الخمسون ) الموضوع : العرف وما تعارف علية الناس الحمد لله رب العالمين،والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين،اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا،إنك أنت العليم الحكيم،اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه،وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه،وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. أيها الأخوة الكرام: أعيد وأكرر:مطلبان ثابتان لكل إنسان في كل زمان ومكان،أن يسلم وأن يسعد،لا يسلم إلا باتباع منهج الله،ولا يسعد إلا بالقرب من الله،قال تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (سورة الرعد) ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ (سورة فصلت ) تسلم باتباع المنهج،وتسعد بالقــرب من الله،وسيلة القرب من الله العمل الصالح قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ (سورة الكهف ) هذه الجمل هي خلاصة خلاصة الخلاصة،السلامة والسعادة مطلبان ثابتان لكل إنسان في كل زمان ومكان،تسلم باتباع المنهــج وتسعد بالقرب من الله،وأداة القرب العمل الصالح. وبعد،فمن أجل أن تعرف هذه الحقائق لابد من طلب العلم،طلب العلم هو الحاجة العليا عند الإنسان،يؤكد الإنسان إنسانيته بطلب العلــــم في الدرس الماضي تحدثت عن بيع التقسيط،وفي الدرس قبل الماضي بينت مقدمةً لهذا الدرس،ووجدت من المناسب أن يكون محور هذا الدرس إجابة عن سؤال يسأله كل الناس.يا أخي الناس كلهم هكذا،الناس جميعاً هكذا يفعلون،وهل كل الناس على خطأ ؟ يتوهم المسلم غير طالب العلم،يتوهم المسلم الذي لم يتحقق،الذي لم يتعلم الذي لم يطلب العلم،يتوهم أن ما يفعله الناس هو الصحيح،وغاب عنه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ (سورة الأنعام ) لذلك الإجابة عن هذا السؤال الذي يلقيه كل إنسان،يا أخي الناس كلهم هكذا،هل كل الناس غلطوا ؟ وأنتم وحدكم تعرفون ؟ لا يجرؤ إنسان كائناً من كان أن يقول في الدين برأيه،ولا حتى الصحابة،الدين توقيفي من عند الله،النبي عليه الصلاة والسلام قال كما علمه الله سبحانه،قال تعالى: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ (سورة الأنعام ) بكل قضيةٍ هناك رأي شخصي إلا بالدين،في كل قضية يوجد توجه تصور،رأي،نزعة،هذا في أمور الدنيا،أما في الدين فهو وحي من السماء،حقاً الدين وحي من السماء،الدين توقيفي،الدين نقل،والعقل لفهم النقل،لا للتحكم بالنقل،لا لإلغاء النقل،لا فَلَيُّ عنق النص ليوافق مصالحنا فهذا ليس من الدين في شيء،لذلك محور هذا اللقاء وبالله التوفيق،العرف،هذا العرف الذي يحتج به معظم المسلمون هكذا تعارف الناس،هكذا ألفنا،هكذا وجدنا أهل السوق،هكذا وجدنا آباءنا. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4665/01.jpg العرف،بالتعريف الدقيق:ما اعتاده الناس،هل اعتاد الناس أنك إذا ألقيت إنساناً في النار لا تحرقه النار،النار تحرق عادةً،أما عقلاً يمكن أن يبطل الله مفعولها،قال تعالى: ﴿يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ (سورة الأنبياء ) يجب أن نفرق بين ما هو مألوف وبين ما هو ممكن،فالعرف عادةً ما اعتاده الناس،وما ألفوه،وما تواضعــوا عليه في شؤون حياتهم حتى أنسوا به،واطمأنوا إليه،وأصبح الأمر معروفاً سواء كان عرفاً قولياً،أو عـرفاً عملياً،أو عرفاً عاماً،أو عرفاً خاصاً،أي ما استقر في النفس من جهة العقول وتلقته الطباع بالقبول،هذا العرف:ما تعارف الناس عليه،ما ألفه الناس،ما تواضع عليه الناس،هناك أعراف قولية،هناك أعراف عملية،هناك أعراف عامة،هناك أعراف خاصة. من الأعراف القولية أنك إذا قلت:أكلت لحماً المقصود:لحماً غير السمك،فلو أن إنساناً حلف يمين طلاق على ألا يذوق لحماً وأكل سمكاً لا يحنث بيمينه،لأن كلمة اللحم عرفاً لحم ضأن،أما لغةً فالسمك لحم قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً﴾ (سورة النحل ) لغةً السمك لحم أما عرفاً فلا،إذا رجل سألك ماذا تغذيت ؟ تقول لـه:سمكاً ولا تقول لحماً،ماذا أكلتم البارحة ؟ لحماً،يعني لحم ضأن أو لحم بقر،العرف القولي أن كلمة لـحم تعارف الناس على أنها تعني لحم الضأن،وكلمة سمك لها معنى آخر،هذا يتعلـق بالبيوع بالطلاق،فالعرف يؤخــذ به في موضوع الأيمان،مثلاً كلمة:ولد،تعني ذكر أما في اللغة قال تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ﴾ (سورة البقرة ) الولد في اللغة ذكر أو أنثى،أما في العرف الولد ذكر فقط،إذاً في موضوع الأيمان يؤخذ بالعرف،هذه أعراف قوليـة،يوجد عندنا أعراف عملية،إنسان يسير في الطريق والحر شديد،وبائع يبيــــع عرق سوس والكؤوس ملأى وموضوعة على الطاولة،يمسك بكأس يشربها ويضع ليرتين ويمشي،لا يقول له أتبيعني هذا الكأس بليرتين يقول له:وأنا قد قبلت،ما وردت إطلاقاً،هذا بيع المعاطاة،يعني ألفنا الأشـياء الخسيسة،قضية كأس شـراب،كأس عصير،لا تحتاج لا إلى إيجـاب ولا إلى قبول،تشـرب هذه الكأس وتدفـع الثمن وأنت ساكت فهذا عرف عملي. وبعد،عندنا عرف عام،عندنا عرف خاص،العرف العام يطبق في كل البلاد،والعرف الخاص في بعض البلاد،دعيـت إلى مؤتمـر في المغـرب،في المطار حذروني إياك أن تقول الله يعطيك العافية،لأن هذه معناها هناك:الله يدمرك،أعوذ بالله منعونا أن نقول هذه الكلمة في بلدة في شمال إفريقيا،يعني إذا إنسان عالم كبير وباحث كبير وله باع طويل في التأليف اسمه نكاشة،هذه عندنا غير مقبولة،النكَّاشة الكبير،بينما عندنا غير واردة،هذا عرف خاص،يعني نكش مثل بحث،ولكن عندنا النكاشة للبابور،أما هناك عالم كبير. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4665/02.jpg أممكن لخليفة أن يقف أمامه شاعر كبير ويمدحه ويقول له أنت جرثومة ؟ والله يقطع رأسه،كلمة جرثومة يوم قيلت لخليفة كانت تعني أصل الشيء،قال له:أنت جرثومة الدين والإسلام والحسب،أبو تمام للمعتصم،كلمـة عصابة الآن أعوذ بالله،قال عليه الصـلاة والسلام:إن تهـلك أيتها العصابة فلن تعبد بعد اليوم،النبي سمّى أصحابه عصابة،عصبة خير،وفي اسم قديم لهيئة أكل حقوق الأمم عفواً لهيئة الأمم،هناك إنسان سماها هيئة أكل حقوق الأمم،كان اسمها عصبة الأمم. إذاً،عندنا عرف خاص،وعرف عام،وكل بلد له كلمات،وله تقاليد،وله أعراف،هذا الشيء لا غبار عليه ولا يقدم ولا يؤخر لكن يوجد نقطة دقيقة جداً ما الفرق بين العــرف والإجمـاع ؟ عندنا قرآن،وسنة،وإجماع،وقياس،الإجمـاع شيء والعرف شيء آخر الإجماع العلماء الكبار،المجتهدون النخبة اتفقوا على شيء هذا اسمه إجماع أجمعت الأمة أي أجمع علماء الأمة،أحياناً تعقد مؤتمــرات فقهية يتخذ فيها قرار بالإجماع،ويوجد عندنا إجماع سكوتي،إنسان ألف كتاباً ونشره،ما أحد اعترض عليه،ولا أحد رد عليه،معنى هذا أنه صار عليه إجماع سكوتي،أما إذا ألف كتاباً،وألف قراءات معاصرة ورد عليه ألف إنسان وسفهوه بمعنى أن هذا الكلام فيه غلط،لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: "لا تجتمع أمتي على خطأ" لذلك قال علماء العقيدة النبي عليه الصلاة والسلام معصوم بمفرده وأمته معصومـة بمجموعها،فإذا كنت مع الجماعـة لا تغلط بل تسأل وتأخذ الجواب الصحيح،تلتقي مع أخيك تراه يغض بصـره،تلتقي مع أخيك تراه يتعفف عن شيء لا يرضي الله،تتعلم منه أشياء كثيرة،الإنسان إذا عاش وحده أو ترك الجماعة ينصّب نفسه مفتياً يقول لك انظـر إلى هذه لا شيء عليها أقنعنـي بها،إلى درجة والله،هكذا قال،ولعله كاذب أو صـادق ما أدري قال لي:هل الله حرم الخمر،هات لي آية أن الخمر حرام،قلت له أعوذ بالله ما هذا الكلام،قلت له:فاجتنبوه أشد أنواع التحريم،قال تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ (سورة الحج ) هل هناك من ذنب أكبر من أن تعبد صنماً ؟ جاء التحريم:فاجتنبوا الرجس من الأوثان يعني أبقِ بينك وبينه هامشَ أمانٍ،هكذا. إذاً الإجماع ما اجتمع عليه علماء الأمة،أما العرف ما تواضع عليه الناس جميعاً،هؤلاء يُسَمَّون حديثاً:الخط العريض في المجتمع يعني الدهماء،سوقة الناس،وهناك حالياً أعراف وتقاليد ما أنزل الله بهـا من سلطان يفعلها معظم الناس،الدليل:اذهب إلى قمـة قاسيون وألق نظــرة على الناس هناك ترَ ما تعارف عليه الناس،كيف يمضـون سهراتهم،القـضية سهلة جداً،أعراس الناس،الاختلاط يجب علــى العريس أن ينصمــد أمام عدد كبير من النساء الكاسيات العاريات المائلات المميلات وإلا فهو أعور،أعوذ بالله،هذا عرف،آلاف الأعراف ما أنزل الله بها من سلطان لا أصل لها. و السؤال الدقيق الذي يطالعنا الآن ما علاقة الإسلام بالأعراف والتقاليد ؟ كلام دقيق،الإسلام أقر من الأعراف ما كان صالحاً وتلاءم مع مقاصده ومبادئه ورفض من الأعراف ما ليس كذلك،أو أدخل علـى بعض الأعراف تصحيحات وتعديلات،فهناك أعراف رفضها،كان في الجاهليــة عرف:أن يأتي الأب بابنته التي هي كالوردة فيلقيها في حفرة ويهيل عليها التراب،قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ (سورة التكوير ) وكان من أعراف الجاهلية أن ترى امرأة لها عشرة أزواج،أجل،تعدد الرجال بالجاهلية كان موجوداً،وكان في عشرات الأنواع من الزواج الباطل هذا كان في الجاهلية،على كل الإسلام رفض بعض الأعراف وقبل بعضها وصحح بعضها الآخر،والأصل الإسلام،الأصل منهج الله وعند المؤمنين الصادقيــن هناك عرف:يجب أول يومٍ من العيد أن يجتمــع الأولاد عند أمهم،هذا شيء طيب بارك الله بهم،هذا يتوافق مع مقاصد الشريعة في بر الوالدين،وهناك عشرات الأعراف التي أقرها الإسلام حلف الفضول كان في الجاهلية والـنبي باركه،قال:لو دعيت إلى حلف مثله للَّبيت،وبارك هذا الحلف،حلف لإقامة العدل ونصرة المظلوم. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4665/03.jpg فالإسلام أقر بعض الأعراف وألغى بعضها وعدل بعضها الآخر،فالأصل هو الشرع فما وافق الشرع قبلناه وما حاد عنه قليلاً صححناه وما ناقضه رفضناه ولو كان عرفاً يسري في الأمة جميعها،هذا أهم ما في الدرس،والأصل هو الشرع،أهم ما في الدرس هذه الكلمات:ما وافق الشرع من الأعراف والتقاليد قبلناه على العين والرأس وما حاد عنه قليلاً صححناه وما ناقضة رفضناه ولو كان عرفاً يسري في الأمة جميعاً،هذا شأن المؤمن. حالياً عندنا بالنسبة للإنسـان ثوابـت غـطاها الإسـلام بالنصوص القطعية ومتغيرات إن لم يأتِ بها نص صريح فالمرجع في هذه المتغيرات العرف،إليكم شرح ذلك،قال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آَتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (سورة البقرة ) كم نعطــي هذه المرضعة ؟ كم أجرها ؟ ألف،عشرة آلاف،مائة ألف،خمسمائة ليرة،ليرة،من يحدد هذا المبلغ ؟ العرف،هذه الآية القرآنية تركت تحديد الأجر إلى العرف،آية ثانية،قال تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ (سورة البقرة ) ما قيمة هذه المتعــة للمطلقة ؟ يحددها العرف.لذلك فالقرآن الكريم لو حدد تحديداً جامداً،وتحديداً صارماً لهلك الناس،لو قال القرآن الكريم خمس دراهم لهلك الناس،يعنــي لنا أخوان تزوجوا بالستينات،كان المتأخر ألفين والمتقدم ثلاثة،مبلغ جيد يساوي ثمن بيت،بالستينات كان البيت ثمنه إذا كان ملحقاً أو قبواً ستة آلاف ليرة،كعرف:فمهـر هذه المرأة يساوي ثمن بيت،يأتي إنسان متزوج بالستينات يقول لها سوف أعطيك ألفين هل لكِ عندي شيء ؟ ماذا ألفين ؟ لا يكفيها هذا المبلغ يومين فاختلف الأمر فالقرآن لعظمة هذا التشريع لم يحدد المبلغ بل تركه للعرف. رجل نام فرأى في المنام شيئاً مسعداً كان راتبه خمسة آلاف فرأى في المنام أن راتبه مليون،أصابه فرح في المنام يفوق حد الخيال،ثم في المنام طرق الباب فجاء عامل البريد معه فاتورة الهاتف بسبع مائة وخمسين ألفاً فما استفاد شيئاً. طبيب أسنان جاءه إنسان من الريف فصنع له بدلة،هذا الريفي عنده سمن وغنم،وكان قد أحضر معه صفيحة سمن كبيرة من النوع البلدي،قال له ماشي الحال،واعتبر هذا الطبيب هذه الصفيحة مقابل بدلة الأسنان،ثم شاءت الأقدار أن يمتد به العمر إلى ما بعد خمس وعشرين سنة،فهذه البذلــة تلفت وجاء إلى الطبيب نفسه فقال له اصنع لي بدلة جديدة فقال له ستة آلاف فخرج هذا الريفي من جلده،وقال له هل معقول ؟ فقال له الطبيب أعطني صفيحة سمنة مرة ثانية وأنا أقبل،فالأعراف هكذا والأسعار اختلفت. القرآن الكريم ما حدد مبلغاً بل ترك الأشياء المتغيرة للأعراف،انظر عظمة التشريع،هناك أشياء دقيقة في التشريع قد لا ننتبه لها فالله عز وجل حرم الخمر وبين رسوله علة التحريم وهي الإسكار،فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: ((...كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ...)) ( مسلم ـ أبي داود ـ ابن ماجة ـ النسائي ـ أحمد ـ الدارمي ) لأن الله يعلم أن سيكون بعد حين آلاف المشروبات كلها خمر ولكن ليس اسمَها خمر،ابتكروا مائة اسم للخمر،لو أنه حرم الخمر من دون تعليل لكان فقط نوع واحد محرم وألف نوع مباح،فلما جاء بالعلة صار كل مسكر حرام،دخل فيه الهيروين،المخدرات،لأنها تؤدي مفعول الخمر بل وأكثر،لأنه سوف يكون مخدرات،أنواع من المشروبات،أسماء ما أنزل الله بها من سلطان،فالعلة التي ذكرها الحديث حسمت الأمر. ذات مرة كنت في مؤتمر والأمور ماعت جداً،فقلت لهم إذا كان الأمر كذلك فهناك قيم روحية،وهناك مشروبات روحية فهل يكون الأمر سواءً ؟ يعني حين تميع الأمور جداً فقد يكــون من الممكن ذات يوم مئات المشروبات كلها خمر فجاءت علة التحريم وهي الإسكار لتحسم الخلاف والتمادي،لهذا قال عليــه الصلاة والسلام: ((...كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ..)) وما أسكر كثيره فقليله حرام،ما أسكر كثيره فملء الفم منه حرام.ما أسكر كثيره فالقطرة منه حرام،لكن الخنزير حُرم من دون تعليل،فلن يكون هناك خنازير أخرى في آخر الزمان،خنزير واحد لا يوجد غيره،طبعاً هناك إنسان مثل الخنزير هذا موضوع ثان،أما في الأصل خنزير واحد،ولا توجد حيوانات سوف تصبح خنازير،والخنزير واحد،فما جاء مع التحريم علة تبين تحريم لحم الخنزير. ((عن حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ:قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا أَوْ قَالَ حَتَّى يَتَفَرَّقَا فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا)) ( مسلم ـ الترمذي ـ النسائي ـ أبي داود ـ أحمد ـ الدارمي ) ما حدود التفرق ؟ يا ترى إذا خرج من المحل،أو طرح موضوع آخر،أو ركب سيارته،أو سلم عليه،فالنبي قال:"...مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا..."أما تحديد مفهوم التفرق ترك للعرف فكل عصر له ظروفه أحياناً يكون اتصال هاتفـي،انقطع الاتصال وصار إيجاب وقبول بالهاتف،أو أغلق السماعة،فما كان من ذكر للهـاتف،لأنه سيكون.الآن خيار مجلس،المهم هناك تفـرق،يا ترى التفرق بخروج الإنسان من المحل وإما بطرح موضوع جديد،أو بدخول إنسان آخر،أو بطرح صفقة جديدة،أو بانقطاع الاتصال الهاتفي،هذا أيضاً ترك للعرف. ((عَنْ جَابِرِ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ:قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَلَهُ مِنْهَا يَعْنِي أَجْرًا وَمَا أَكَلَتِ الْعَوَافِي مِنْهَا فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ)) (مسلم ـ الترمذي ـ الدارمي ) http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4665/04.jpg الإحياء كيف يكون،ببناء سور،بحفر بئر،بزرع نبات،بإشادة بناء،من يحدد إحياء الأرض كيف يكـون ؟ العرف،كل عصر له ترتيـب،الآن لو أن إنساناً وضـع على قارعة الطريق حاجـة وإنسان أخذها ومشى هل تقطع يده كسارق،قال العلمــاء:لابد من أن تكون في حرز،كنت مرة في منطقة اصطياف،وإنسان وضع على الطـريق برميل ماء،وضعه والشيء الذي يفهم من ذلك أنه لا يريده،وضعه على قارعة الطريق،فجاء إنسان حمله ومشى،أقام عليه شكوى في المخفر وأحضروه،لدى الناس جهل كبير،لما أنت تضع شيئاً على قارعة الطريق وكأنك استغنيت عنه،فإذا إنسان حمله لا يعد سارقاً،ليس في حرز،ما هو الحرز ؟ أيضاً مفهوم الحرز ترك للعرف. في زماننا:إنسان يشتري بيتاً بمائة مليون ودفع الثمن،كيف يتم قبض البيت؟ البيت لا يقبض باليد،قديماً قبل مائة عام يتم قبض البيت بإعطاء المفتاح و ما كان هناك طابو،الآن فهل تقبل أن تشتـري بيتاً على المفتاح؟ قد يكون عنده خمسون مفتاحاً لهذا البيت،هذه الأيام لا تقبل إلا بالسجل العقـاري،هذا هو القبض،عندما يسمع قاضي السجل العقاري الإقرار والقبول وأنك قبضت الثمن ويقول قبضت الثمن يوافق القاضي على إجراءات البيع بعد عدة أيام يأخذ ورقة التمليك الحقيقية. ابن مسعود يقول:ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن،هذا هو العرف،المسلمون وليس الفسقة منهم،وقال بعض العلماء:إن العادة مُحَكَّمَةٌ في أمور كثيرة،أحد طلاب العلم الضعفاء في اللغة قرأ إن العادة مَحْكَمَة،ما كان يفهم كيف يشرحها،العادة مُحَكَّمَةٌ في أمور كثيرة،المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً. اشتريت بيتاً و بعد أن اشتريته ودفعت الثمن جئت إلى البيت فوجدت أنه ليس للنوافذ منجور،كان هناك على النوافذ منجور فنزعت جميعها،نوافذ ألمنيوم غالية الثمن ففكها،يقول له:هل أنت قلت لي أنك تريـد نوافذ معه،ما هذا الكلام ؟ عُرف البيت مع النوافذ،قد يختلفون على المكيف لا.فالمكيف لا علاقة له بالبيت،يختلفون علـى الهاتف،أما علـى الأبواب فلا يختلفون،بيـت مع أبواب،بيت مع نوافذ،بـيت مـع أباجورات،فالمعروف عُرفـاً كالمشروط شرطاً. وقيل التعيين بالعرف كالتعيين بالنص،والممتنع عادةً كالممتنع حقيقةً،هذا كله عن علاقة الأعراف والتقاليد بهذا الفرع العظيم والعلماء قالوا: والعرف بالشرع له اعتبار لذا عليه الشرع قد يدار أيها الأخوة: رعاية الأعراف والتقاليد نوع من أنواع رعاية مصالح المسلمين لأن الشريعة كما تعلمون مصلحـة كلها،رحمـة كلها،حكمة كلها وأية قضية خرجت من المصلحة إلى المفسدة،ومن العدل إلى الجور ومن الرحمة إلى خلافها فليست من الشريعة في شيء ولو أدخلت عليها ألف تأويل وتأويل. الآن من مصالح الشريعة المعتبرة أن يقر الإسلام مصلحة المسلمين فيما لا يتعارض مع الشرع،قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (سورة البقرة ) http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4665/05.jpg في زماننا هذا الناس اتفق الناس على أن المهر متقدم ومتأخر،هذا ليس من الشرع هذا من العرف لكن المقدم مائة ألف ولا يملكها العريس يُكتب المقدم مائة ألف غير مقبوضة دين في ذمتي لا يوجد مشكلة ما دام المسلمين وجدوا هذه مصلحة لهم وفيها تيسير للزواج وحفظ حقوق للزوجة،جمعنا بين حفظ الحقوق وبين تيسير الزواج فجعلنا بعض المهر مؤخراً يدفع على التراخي،يقول لك المعجل والمؤجل،هذا ليس من الشرع ولكن من العرف الذي قبله الشرع. أعرابي دخل المسجد فبال في المسجد فتناوله الناس فقال لهم النبي عليه الصلاة والسلام: ((عن أَبي هُرَيْرَةَ أَنَّ أَعْرَابِيًّا بَالَ فِي الْمَسْجِدِ فَثَارَ إِلَيْهِ النَّاسُ ليَقَعُوا بِهِ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعُوهُ وَأَهْرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ أَوْ سَجْلاً مِنْ مَاءٍ فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ)) ( الترمذي ـ النسائي ـ أبي داود ـ ابن ماجة ـ أحمد ) هذا أصل في الشرع،الشرع يدور مع التيسير من دون أن يتناقض مع الأمر الإلهي. وبعد فهذا كلام دقيـق:العرف يعتبـر ويعتد به إن لم يخالف نصاً ثابتاً أو إجماعاً يقينياً،أو إن لم يكـن من ورائه ضرر خالص أو راجح،أما العرف المصادم للنصوص الذي يحل حراماً،أو يبطل واجباً،أو يقر بـدعةً في دين الله،أو يشيع فساداً،أو ضرراً في دنيا الناس فلا اعتبار له إطلاقاً ولا يجوز أن يراعى في تقنين أو فتوى أو قضاء. هذا أيضاً كلام دقيق هو صلب ما في الدرس،إذا وافق العرف الشرع على العين والرأس وإن صادم نصاً شرعياً نركله بقدمنا،والحقيقة المؤلمة ومع الأسف الشديد هناك عشرات الأعراف في بيوت المسلمين ليست من الشرع،الاختلاط منها،وإذا الشاب له انتماء لمسجد أراد أن يقيم أمر الله في بيته يقوم عليه الناس ولا يراعونه أبداً بل يقولون له:لا تُفرّقْ العائلة،هكذا ربينا،هكذا نشأنا. يقولون هذا عندنا غير جائزٍ فمن أنتمُ حتى يكون لكم عندُ من أنت ؟ أنت مشرّع،معك وحي ؟ مجتهد،من أنت ؟ إنسان عادي،هكذا ربينا،هكذا ربانا والدنا،قال تعالى: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ (سورة البقرة ) يعني:أمثلة كثيرة،أكبر أعراف المجتمع الإسلامي التي تسبب فساداً كبيراً الاختلاط،حدثني أخ:أقرباؤه ذهبوا إلى الساحل مجموعات وكانوا في تكشف،وتفلت،قال لي:ثلاثة طلاقات بعد هذه النزهة كل واحد تعلق بزوجة الثاني،صار نظر وامتلأت العيون من الحـرام وصار اسـتلطاف،ونفـور نحـوه من زوجته،الاختلاط أكبر الأعراف التي ينبغي أن نحاربها،لأنه مظنة و سبب لفساد كبير. من الأعراف مثلاً،احتفالات المسلمين في أعراسهم،و دخول العريس على النساء المدعــوات،بيوتات مسلمـة يحضـرون في المساجـد يصلـون،ثم في الأعراس تتكشف نسائهم. أو أن معملاً يجب أن يصنع دعاية يحضر نساء كاسيات عاريات ويعرضهن لترويج بضاعة ولا ينتبه أنه مسلم. يقول لك المبيعات ارتفعت،ولكن أذهبتَ آخرتــك،أكلُ الربا أصبح من الأعراف يقول لك:هل من المعقول أن أجمد أموالي ؟ لا تجمدها،جُمدت أنت معها. أزياء النساء اللواتي يخطرن بها في الأسواق،يقولون:هكذا الموضة،من الذي قال ذلك ؟ يعني كأن الموضة آلهة أخرى،عند كثيرين خوف شديد من أن نخرج على المألـوف،المألوف منحـرف،لذلك العظماء هم يقودون البيئة ولا تقودهم البيئة،العظماء يغيرون في البيئة ولا يتأثرون بالبيئة،لا يتأثر بالبيئة إلا الرعاع،يا بني الناس ثلاثة:عالم رباني ومتعلم على سبيل نجاة،وهمج رعاع أتباع كل ناعق،لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق فاحذر يا كميل أن تكون منهم. والله حدثني أخ يعمل في شركة طيران،فإحدى شركات الطيران في المغرب العربي لا أعرف يا ترى مغرب،أو جزائر،أو تونس،لا أعرف وكانت تُقِل رحلة حجاج،تعطلـت في تونس فأكثر الحجاج و الحاجات سبحـوا في البحر لتمضية الوقت باختلاط،ما قولك فالسباحة عرف،نساء ورجال يسبحون في البحر وأنتم حجاج أيضاً ! لأن الحاج إذا حج بمال حرام ناداه منادٍ إذا قال لبيك اللهم لبيك يقال له:لا لبيك ولا سعديك وحجك مردود عليك،إذا كان في المال شبهة فكيف إذا كانت معصية قائمة،في الحج ترى نساء بعد طواف الإفاضة وقد ترى المرأة نصف عارية تقريباً،كيف كنتِ حاجة ؟ الأمور هكذا. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4665/06.jpg العرف يجب أن ُيَحّجم،يجب أن ننظر إلى أن هذا العرف إذا صادم نصاً يجب أن نركله بأقدامنا أما إذا توافق مع نص فلا مانع من الأحذية. الحقيقة:العرف مرجع في حالة دقيقة وهي:كل ما ورد به الشرع مطلقاً ولا ضابط له فيه ولا في اللغة يرجع فيه إلى العرف. أيها الأخوة: أختم هذا الدرس بحديث شريف وقد يفهم فهماً بعيداً عن تصوركم يقول عليه الصلاة والسلام: ((عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ:النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلامِ النُّبُوَّةِ إِذَا لَمْ تَسْتَحْيِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ)) ( أبي داود ـ أحمد ـ ابن ماجة ـ مالك ) من أدق معاني هذا الحديث يعني إذا لم تستحِ من الله في هذا العمل فاصنع ما تشاء،لا تعبأ بالناس،تقول له زوجته ازنِ كل يوم بواحدة لكن لا تتزوج عليّ،الـعرف:أنه ممنـوع أن تتزوج امرأة ثانية هذه كبيـرة،والزنا لا يوجد به مشكلة،حينما نخاف من العرف ونعصي الله فنحن في أدنى درجة وفي أبعد ما نكون عن الدين العرف مقبول إذا وافق النص الشرعي ومرفوض إذا صادم نصاً شرعياً،إذا لم تستحِ من الله فافعل ما تشاء. لو فرضنـا حالات نادرة،وأنا لا أشجع على ذلك لأن الإنسان بواحـدة لا يخلص لكن لو فرضنا أن إنساناً زوجته مريضة مرضاً شديداً ولا تصلح كزوجة أبداً،صار غير محصن هل نسمح له أن ينحرف أم يتزوج ؟ لا.بل نسمح له أن يتزوج،امرأة لا تنجب يطلقها ؟ لا،لا تطلقها.عاملها كزوجة محترمة إلى أعلى درجة،لكن إذا كنت بحاجة ماسة إلى ولد فهذا من حقك أن تتزوج،الله عز وجل سمح بالتعدد واشترط فيه العـدل،والإنسان لا يُقبل على هذا ويطبق العدل التام بالتعدد إلا إذا كان مضطراً بمرض أو مشكلة إلى آخره. حالياً هناك أعراف تصـادم نصوصاً شرعية،والناس يخضعـون للعرف ولا يخضعون للشرع،الدرس كما أنتظر هو جواب لسؤال الناس كلهم هكذا،فهل هم على خطأ ؟ لا تقل الناس كلهم كذلك،قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ (سورة الأنعام ) ((عنُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي قَالَ:قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ وَنَحْنُ عِنْدَهُ طُوبَى لِلْغُرَبَاءِ فَقِيلَ مَنِ الْغُرَبَاءُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أُنَاسٌ صَالِحُونَ فِي أُنَاسِ سُوءٍ كَثِيرٍ مَنْ يَعْصِيهِمْ أَكْثَرُ مِمَّنْ يُطِيعُهُمْ)) ( مسند الإمام أحمد ) والإحساس بالغربة إحساس صحي وجيد،في زمن الفساد،قال تعالى: ﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ﴾ (سورة الكهف ) الكـهف جامعـك،وبيتك،ادخل بيتـك وصلّ،واجلس مع أولادك واقـرأ القرآن،وكهفك أيضاً جامعك،قال تعالى: ﴿يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقاً﴾ (سورة الكهف ) فيا أيها الأخوة: الذي أتمنـاه أن يكون الشرع محكّماً في حياتنـا،العرف ما وافق الشرع وما خالفه لا يجوز اتباعه ولا العمل به. |
رد: العبادات التعاملية
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية الدرس : ( السابع و الخمسون ) الموضوع : شروط البائع و الشاري الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. نشاط البيع والشراء نشاط عام لكل المسلمين : أيها الأخوة المؤمنون، لا شك أن هذا الدرس - درس الأحد- مخصص للسنّة النبوية المطهرة، فهناك موضوعات كثيرة تعرض مـن خلال أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولابد من أن نتعرض من حين لآخر إلـى موضوعات في الفقه، تشتد الحاجة إليها، لو سألنا أنفسنا: أي موضوع فقهي يحتاجه كل مسلم كائناً من كان في أي عمل وفـي أي مرتبة وفي أي حقل؟ الجواب: هو البيوع، البيع والشراء، ما منا واحد إلا ويشتري أو يبيع، ولو كان موظفاً، ولو كان في حرفة فكرية، ولو كان بعيداً عن الأسواق، لا يخلو مسلم كائناً من كان من بيع أو شراء. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-7335/01.jpg أيها الأخوة، ليس هناك من موضوع أخطر في حياة المؤمن بعد معرفة الله من أوامر الله ونواهيه، أنت عرفت الله، عرفت جانباً من عظمة الله، تشتد الحاجة الآن إلى أن تتقرب منه بطاعته، طاعته تحتاج إلى معرفة أمره، لذلك الاهتمام الأول لكل مؤمن أن يعرف الله أولاً، والاهتمام الثاني أن يعرف منهجه، فلذلك نشاط البيع والشراء نشاط عام لكل المسلمين، وحينما يذكر بعض العلماء هذا المصطلح العلم الذي ينبغي أن يعلم بالضرورة تماماً كالمظلي قد يجهل مئات الحقائق عن مظلته، قد يجهل شكلها، ولونها، ونوع قماشها، ونوع خيوطها، ونوع حبالها، وألوان حبالها، إلا أن معلومة واحدة لو جهلها نزل ميتاً، طريقة فتح المظلة نوع من العلم متعلق بالمظلة ينبغي أن يعلم بالضرورة، وأيضاً أحكام البيع والشراء، لأن كل مسلم يمارسها من دون استثناء، فأحكام البيع والشراء عِلمٌ في الفقه ينبغي أن يُعلم بالضرورة. فأنت كسائق سيارة قد لا تحتاج إلى فهم مما صنع المكبح، وكيف كان قوام هذه المركبة انسيابياً، هذا المعدن طُرِق أم ضُغط، هذا ليس من شأنك أن تعرفه، لكن لابد من أن تعرف كيف تقلع بالسيارة، وكيف توقفها عند الضرورة، وكيف تصونها من التلف والخلل. حقائق في البيع و الشراء : أيها الأخوة الكرام: في موضوع البيع والشراء بعض الحقائق، الحقيقة الأولى التمهيدية: كان عليه الصلاة والسلام يدعو ويقول: (( اللَّهُمَّ بَارِكْ لِأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا...... )) [ أبو داود عَنْ صَخْرٍ الْغَامِدِيِّ] المسلمون ولاسيما في مثل هذه الأيام يطلبون أرزاقهم في ساعة متأخرة من النهار، وقد جعلوا ليلهم نهاراً، ونهارهم ليلاً، وهذه مشكلة كبيرة، بعض الأمم المتقدمة اقتصادياً من الساعة الخامسة لا ترى مكاناً في الطريق، ينامون باكراً ليستيقظوا باكراً، فكأن الساعات الأولى من النهار لها مهمة كبيرة جداً، فكان عليه الصلاة والسلام يدعو ويقول: ((... اللَّهُمَّ بَارِكْ لِأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا وَكَانَ إِذَا بَعَثَ سَرِيَّةً أَوْ جَيْشًا بَعَثَهُمْ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ وَكَانَ صَخْرٌ رَجُلًا تَاجِرًا وَكَانَ يَبْعَثُ تِجَارَتَهُ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ فَأَثْرَى وَكَثُرَ مَالُهُ )) [ أبو داود عَنْ صَخْرٍ الْغَامِدِيِّ] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-7335/02.jpg حدثني صاحب معمل قال لي: والله منذ خمس وعشرين سنة أنا في المعمل من الساعة الخامسة صباحاً، ومعمله يعد الأول في اختصاصه، فبورك لأمتي في بكورها. الشيء الثاني: عن علي رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله تعالى يحب أن يرى عبده تعباً في طلب الحلال)) [رواه الديلمي في مسند الفردوس عن علي] أي متعباً في طلب الحلال، ولحكمة بالغة بالغة جعل الله الحرام سهلاً، والحلال صعباً، لو أن الأمر كان معكوساً لأقبل الناس على الحلال لا حباً بالله، ولا خوفاً منه، ولا طلباً لرضاه، ولا طلباً للجنة، لأنه سهل، ولترك الناس الحرام لا لحرمته، ولا لأنه سبب غضب الله عز وجل، ولكن لأنه صعب، الآية معكوسة: الحلال صعب، والحرام سهل، وأوضح مثل: قد تعمل امرأة في البيوت طوال النهار وتأخذ مبلغاً، وقد ترتزق المرأة بثدييها فتأخذ أضعاف هذا المبلغ في ساعة واحدة، أي شيء طريقه حرام قد تجده سهلاً، وأي شيء طريقه حلال قد تجده صعباً. هل تصدقون أن أغنى الناس قافلة هم تجار المخدرات؟! أموال المخدرات أرقام فلكية، ويسعى أصحابها إلى غسلها في البنوك، لدينا مشكلة في العالم اسمها غسيل الأموال أي مال حرام يوضع في بنك على أنه مال مشروع ثم يأخذ شرعيته من إيداعه في هذا البنك، لذلك تجار المخدرات من أغنى الأغنياء، ذلك لأنهم يكسبون المال الحرام. على الإنسان أن يكون طعامه طيباً بعد أداء العبادات : الآن مع ضيق الأرزاق ومع الشدة العامة على الناس تجد أماكن اللهو لها أرباح كبيرة جداً، أحياناً تجد خمسين سيارة تقف أمام ملهى، ماذا يوجد بداخل هذا الملهى؟ امرأة ترقص، ومغنٍ يغني، وخمر تدار، وأرباحهم فلكية، مع أشد الأوقات ضيقاً! لذلك لا تطمع بمال كثير حرام، ابحث عن الحلال ولو كان قليلاً، الحلال فيه بركة من الله عز وجل، الله عز وجل يحفظ لك صحتك، وأهلك، ومالك من خلال المال الحلال، ولكن المال الحرام يذهب ويذهب أهله معه، والحلال يتلف، لكن الحرام يُتلِف أهله، لذلك قال صلى الله عليه وسلم: (( يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة )) [أخرجه الطبراني عن عبد الله بن عباس ] فأول شيء بعد أداء العبادات أن يكون طعامك طيباً، معنى الطعام الطيب أي طعام أُشتُري بمال حلال، والمال الحلال كُسِب كسباً مشروعاً، أي لا كذب فيه، ولا غش، ولا تدليس، ولا احتكار، ولا تجاوز. هذا الحديث أيها الأخوة يعد من أركان الفقه: (( يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة )) [أخرجه الطبراني عن عبد الله بن عباس ] اجعل طعامك طيباً من خلال شرائك له بمال حلال، كسبته بكد يمينك وعرق جبينك. مفهوم البركة : نحن أيها الأخوة تعاملنا مع الحضارة الغربية، أعطتنا عقلية مادية، نحن لا يوجد بحياتنا مفهوم البركة غير واضح وغير مستعمل هذا المفهوم، لكن الله عز وجل إذا بارك في شيء نفعك منه نفعاً كثيراً بشيء قد يكون قليلاً، أحياناً مال كثير لكن لا بركة فيه، أما المؤمن ولو أن دخله قليل لكن الله سبحانه وتعالى يطرح البركة فيه، طبعاً لن تجد في الآلات الحاسبة زراً خاصاً للبركة، واحد زائد واحد اثنان، والدليل: لو أقرضت مئة ألف قرضاً حسناً ستعود لك بعد عام ثمانين ألفاً بحسب التضخم النقدي في العالم، ولو أقرضت هذا المبلغ ربوياً لجاءك مئة وعشرين ألفاً لكن الله عز وجل قال: http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-7335/03.jpg ﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ﴾ [ سورة البقرة: 276 ] خلاف حسابات الناس، فإذا كان هناك قرض حسن مع القرض الحسن بركة، وإذا وجد قرض ربوي فمع القرض الربوي محق للمال، والله عز وجل عنده ألوان وأنواع من إتلاف المال الحرام. حدثني أخ من تركيا قال: معمل ضخم جداً يصنع فوط الأطفال، متحلل من كل قيمة دينية، أكثر إعلاناته امرأة بشكل فاضح، يأكل الربا ويوكل الربا، ويعيّن نساء كاسيات عاريات، لا علاقة لهذا المعمل بالدين، وأرباحه بأوجها، وأول معمل، شيء يلفت النظر، أعرض عن الدين وعن شرع الله كلياً، ولم يعباً بحلال ولا بحرام، لكنه تعلم أصول التسويق، قال لي هذا الأخ من تركيا: في ليلة واحدة احترق المعمل بأكمله ولم يبق منه شيء، الله عز وجل قال: ﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ﴾ [ سورة البقرة: 276 ] الله يرخي الحبل إلى أن يتوهم العاصي أنه لا يوجد حساب، لكن في أية لحظة يقع هذا الإنسان المتفلت من طاعة الله في قبضة الله. التعب في طلب الحلال : أيها الأخوة الكرام، مرة ثانية الكسب الحرام سهل، والكسب الحلال صعب، هذه حكمة بالغة، لو أن الكسب الحرام صعب لتركه الناس لصعوبته فقط، ولو أن الكسب الحلال سهل لأقبل الناس عليه لا حباً بالله، ولا خوفاً منه، ولا طلباً لمرضاته، ولا سعياً لدخول الجنة، لكن لأنه سهل أقبلوا عليه، أما الله عز وجل جعل الكسب الحرام سهلاً، والكسب الحلال صعباً، إنسان يتاجر سنة يتعب ويستورد ويبيع ويجمع ثمن البضاعة ويبذل جهود جبارة، وقد لا يأخذ ربحاً بعد عام بأكمله يساوي ما يأخذه إنسان منحرف في يوم واحد، أنا رأيت بيتاً في القاهرة تسكنه إنسانة تعمل في الفن، ثمن البيت عشرون مليون دولار، تقريباً ألف مليون ليرة سورية، مساحته ألف متر، على طابقين، فيه مسبح، وكل شيء يخطر في بال إنسان موجود في هذا البيت، تسكنه امرأة تعرض جسمها على الناس فقط، الحرام سهل، والكسب كبير جداً. إن الله تعالى يحب أن يرى عبده تعباً في طلب الحلال، أي متعباً في طلب الحلال من المعاناة. المؤمن بطلبه للحلال هو في طاعة الله : وفي حديث آخر يقول عليه الصلاة والسلام فيما رواه مالك بن أنس: (( طلب الحلال واجب على كل مسلم )) [ الجامع الصغير عن مالك بن أنس] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-7335/04.jpg أنت في طلب الحلال في عبادة، تخيل شاباً يعمل ثماني ساعات ليكسب قوت أولاده، ليكسب لهم طعامهم وشرابهم وثيابهم وثمن أقساط مدارسهم، وليكسب لهم مبلغاً يعالجهم فيه عند الطبيب عند الضرورة، هذا كله أعمال بطولية، لذلك المؤمن عاداته عبادات، طلبه للحلال عبادة، والمؤمن بطلبه للحلال هو في طاعة الله دائماً. ((عن رافع بن خديج قال: قيل: يا رسول الله أي الكسب أطيب؟ قال: "كسب الرجل بيده، وكل بيع مبرور)) [الإمام جلال الدين السيوطي عن رافع بن خديج] سلعة جيدة، سعرها معتدل، مع معاملة طيبة، هذا التاجر الصدوق مع النبيين يوم القيامة، لأنه كان داعية بمعاملته، وأكبر قطر إسلامي على الإطلاق فُتِح عن طريق التجار، التاجر الصدوق مع النبيين يوم القيامة. إذاً كل بيع مبرور، أنت بحاجة إلى سلع كثيرة، قد تجد سلعة جيدة وسعرها معتدل، والذي باعك إياها عاملك معاملة طيبة، هذا داعية إلى الله دون أن يشعر، هذا داعية صامت.الإسلام دين الفطرة والواقع والتوازن : أيها الأخوة، الإسلام عملي، والإسلام دين الفطرة، والإسلام دين الواقع والتوازن والتعادل، فأنت حينما تعمل وتكسب رزق أولادك أنت في عبادة، لذلك العلماء قالوا: العمل إذا كان في الأصل مشروعاً، وسلكت به الطرق المشروعة، ولم يشغلك عن واجب ديني، ولا عن طاعة، ولا عن طلب علم، وأردت من خلاله كفاية نفسك وأهلك، ونفع المسلمين، انقلب إلى عبادة، لذلك أروع شيء في حياة المؤمن أنه يعبد الله في المسجد، ويعبد الله في عمله، وكان السلف الصالح إذا فتح باب دكانه يقول: نويت خدمة المسلمين. والله يوجد أخ من إخواننا أنا أحترمه كثيراً، عنده معمل يبيع فيه مواد غذائية للأطفال يقول: هذا الطفل أخذ من والده عشر ليرات، هل يعقل أن أطعمه غذاء فاسداً؟ توجد مواد غذائية مضى وقت صلاحيتها هذه تباع للمعامل بأسعار رخيصة جداً، فهو يقسم بالله أنه يشتري أفضل الأنواع بأعلى الأسعار، كي يأكل هذا الطفل الذي هو ابن مسلم هذه القطعة جيدة نافعة مفيدة ينتفع بها جسمه، بهذه النية طبعاً قال لي: بحسب الحسابات ينبغي ألا أربح لأن المنافسين كلفتهم قليلة، وبضائعهم من الدرجة الرابعة والخامسة وهذا لا يظهر، يوجد أغلفة جميلة وفخمة جداً، لا يظهر نوع المواد الدهنية والمواد السكرية والمواد الأخرى، ومع ذلك قال: والله توجد البركة أربح ببركة الله، و هذا إذا لقي الله عز وجل يوم القيامة يلقاه بوجه أبيض، يا رب أنا نفعت المسلمين، أنا ما غششتهم، وما أطعمتهم طعاماً قد غششتهم فيه، ما أطعمتهم طعاماً فاسداً، ما بنيت ثروتي على جوعهم، ولا على غشهم، ولا الاحتيال عليهم، فإذا كل مؤمن عرف الله وراقب الله فيما يبيع ويشتري لقي الله و هو راض عنه. لو أن إنسان وجد فأرة في تنكة زيت، لا يمكن له أن يبيعها، ثمنها ألفان لا يمكن، لكن إذا كان إيمانه ضعيفاً فيبيعها. طلب العلم فريضة على كل مسلم : أيها الأخوة، سيدنا عمر روي عنه أنه قال: "لا بيع في سوقنا إلا من يفقه، وإلا أكل الربا شاء أم أبى". وطلب العلم فريضة على كل مسلم، مادام فرض عليك أن تأكل الحلال إذاً فرض عليك أن تعلم ما الحلال، هذه عندنا قاعدة أصولية: ما لا يتم الفرض إلا به فهو فرض، ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وما لا تتم السنّة إلا به فهو سنّة، مادام الله عز وجل فرض عليك أن تأكل مالاً حلالاً إذاً فرض يتبع هذا الفرض أن تعلم ما الحلال. شيء واضح بيّن كالشمس، وشيء واضح في حرمته كالشمس، هذا الشيئان ليسا مشكلة، السرقة وشرب الخمر حرام، والبيع المبرور حلال، لكن بين الحلال البين والحرام البين منطقة واسعة جداً من المشتبهات، من هنا قال عليه الصلاة والسلام: ((.... الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَةٌ فَمَنْ تَرَكَ مَا شُبِّهَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ كَانَ لِمَا اسْتَبَانَ أَتْرَكَ وَمَنِ اجْتَرَأَ عَلَى مَا يَشُكُّ فِيهِ مِنَ الْإِثْمِ أَوْشَكَ أَنْ يُوَاقِعَ مَا اسْتَبَانَ وَالْمَعَاصِي حِمَى اللَّهِ مَنْ يَرْتَعْ حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ )) [متفق عليه عن النعمان بن البشير] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-7335/05.jpg أنت قد تجد مادة حمراء رجراجة فوق بعض الحلويات، يا ترى هذه أُخذت من عظام الخنزير لأنها مستوردة أم أُخذت من عظام الغنم؟ هذه قضية مشتبه بها، لحم الخنزير حرام مئة بالمئة واضح، ولحم الضأن واضح، لكن هذه المادة الرجراجة هل أُخذت من عظام الخنزير إذا جاءت مستوردة على شكل مسحوق أم استُوردت من بلد إسلامي يحلل عظام المواشي والأنعام؟ هذا يحتاج إلى تحقيق، إذا كان لا وقت لديك لأن تحقق فالأولى ألا تأكله، هذا الشرع. يوجد حلال واضح بيّن نيّر، وحرام واضح بيّن، واضح صارخ، بينهما أمور مشتبهات تشبه الحلال وتشبه الحرام، الورع يدع ما اشتبه عليه طلباً لسلامة دينه وعرضه.معنى البيع لغةً : أخواننا الكرام: معنى البيع لغةً مطلق المبادلة، أعطيتك هذا الكأس وأخذت منك عشرين ليرة، مبادلة، من تعاريف البيع الشرعية، طبعاً التعريف اللغوي مطلق المبادلة، من تعاريفه الشرعية مبادلة مال بمال، نحن عندنا وهم أن المال هو النقد، كل شيء ينتفع به فهو مال، فتعريف البيع مبادلة مال بمال، فالقمح مال، والورق النقدي مال، أنا بحاجة إلى القمح ومعي مال، وبائع القمح بحاجة إلى المال، وليس بحاجة إلى القمح، هو اشتراه ليبيعه، مبادلة مال بمال على سبيل التراضي، أو نقل ملك بعوض على الوجه المأذون، لكن في اللغة العربية عندنا كلمات تسمى من ألفاظ التضاد، فالنبي هو العبد، المولى هو العبد، والمولى هو السيد، وشرى باع واشترى، معنى باع اشترى، ومعنى اشترى باع. ﴿ وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ ﴾ [ سورة يوسف : 20 ] أي باعوه بثمن بخس. ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ ﴾ [ سورة البقرة: 207] أي من يبيع نفسه ابتغاء مرضاة الله، فشرى أو اشترى تعني باع واشترى وباع تعني اشترى وباع، كما يطلق على العروس عريس، وعلى العريس عروس. مشروعية البيع : طبعاً البيع شيء مشروع لأنه بالبيع تتحقق مصالح العباد، قال تعالى: ﴿ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ﴾ [ سورة البقرة: 275] كلام معجز أن البيع الأعمال و الربا الأموال، بالبيع يأتي المال و المال أكبر كتلة نقدية تتوزع بين أيدي الناس جميعاً، كأن الله عز وجل جعل هذه الكتلة النقدية موزعة بين أيدي الناس جميعاً لئلا يكون دولة بين الأغنياء منكم، لئلا يتداول المال بين الأغنياء شرّع الله البيع وحرم الربا، لو كان الربا مسموحاً به هذه الكتلة النقدية يتداولها الأغنياء فقط، المال إذا ولد المال لم يعد هناك فرص عمل، سيحقق هذا ارتفاع في الأسعار، وكلما ارتفع السعر ضاقت شريحة المنتفعين به، أصبح هناك تفاوت طبقي كبير جداً، صار هناك حسد وحقد ودعارة وسرقة واحتيال ونصب وكذب وغش، كلما تفاوت الدخل، إنسان يملك ملايين مملينة، ومليون إنسان لا يملك ما تقوم به حياته، لذلك آية موجزة وأحل الله البيع لأن الأعمال ترد المال. سمعت عن معمل سيارات فرنسي قال: مئتا شركة في فرنسا تنظم لهذا المعمل حاجاته الأساسية، معمل سيارات متعاقد مع مئتي شركة، عندما العمل يدر المال لابد من أن توزع الأعمال بين كل الناس، وأبسط مثل بين أيديكم افتح محلاً تجارياً تحتاج إلى فاتورة ودفتر فواتير، يوجد مطبعة، المطبعة فيها عمال، تشتري حبراً وورقاً، تعين عمالاً، عندك مخزن، عندك شاحنة، فأنت عندما اضطررت لدفتر فواتير شغّلت مطبعة، واضطررت لمستودع شغّلت تجار البناء، بنوا مستودعك، واضطررت لتعيين موظفين هيأت فرصة عمل دون أن تشعر، عندك أناس يعيشون من هذا العمل مباشرة، وعندك آلاف مؤلفة من الناس يعيشون من هذا العمل بشكل غير مباشر، فالعمل إذا ولد المال كان المال موزعاً بين كل الناس، أما إذا ولد المال المال، المال لا يحتاج إلى مقر، ولا إلى مكاتب، ولا إلى مستودعات، ولا إلى موظفين، ولا إلى مندوبي مبيعات، لا يحتاج إلى شيء إلا أن يضع ماله في البنك، ويأخذ أرباحه كل عام فقط. ﴿ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ﴾ [ سورة البقرة: 275] من كلام النبي صلى الله عليه وسلم: ((عَنْ جَدِّهِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْكَسْبِ أَطْيَبُ قَالَ عَمَلُ الرَّجُلِ بِيَدِهِ وَكُلُّ بَيْعٍ مَبْرُورٍ )) [ أحمد عَنْ جَدِّهِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ] من جهل بقواعد البيع و الشراء أكل الربا شاء أم أبى : أخواننا الكرام، لأن هناك مشكلات لا تعد ولا تحصى بين الناس بسبب جهلهم بقواعد البيع والشراء، لأن الذي يجهل هذه القواعد يأكل الربا شاء أم أبى، أمثلة بسيطة: يقول: والله الحمد لله أنا أكرمني الله بإنسان أمين وضعت عنده قرشين للاستثمار، رجل واضح لا يحب المشاكل، يعطيني ربحاً ثابتاً، على الألف كذا، لا يحب أن يدخل بحسابات ولا بجرد، هذا عين الربا، وضعت عنده مئة ألف أعطاك ربحاً ثابتاً بالشهر، هذا ربا، لعله ربح أربعة أضعاف أو لم يربح، إن ربح أربعة أضعاف ظلمك، وإن لم يربح وأعطاك ربح ظلمته، هذا مثل بسيط بين أيديكم: يشتري بيتاً لزمه مليون ليرة يطلب من رجل فيريد حصة بالبيت يقول له: على عيني، البيت أربعة ملايين، المليون ربع البيت، كتب له ربع البيت، ويلزم له أجرة طبعاً أعطاه أجرة، بعدما انتهت المدة، أو بعدما أصبح الشاري ببحبوحة، اشترط عليه أن يدفع له المليون بالتمام والكمال، إذا ضمن الذي ساهم في شراء هذا البيت مبلغه بالتمام والكمال فكل أجرة يأخذها من ساكن البيت تعد فائدة ربوية، أما إذا دفع معه مليوناً وبعد سنتين البيت قُيّم هنا الصعوبة، يجب أن تأخذ قيمة البيت بعد انتهاء العلاقة بينك وبين الذي اشترى البيت، قيمة البيت الحقيقية، عندئذ تغدو الأجرة حلالاً، هذه أمثلة يقع بها معظم الناس، لذلك البيع له أثر، أثره نقل الملكية من البائع إلى الشاري، ونقل ملكية الثمن من الشاري إلى البائع، وحلل لكل منهما التصرف فيما أخذه، فالذي اشترى البيت له أن يعدل وأن يبدّل فيه، أصبح ملكاً له حراً يفعل به ما يشاء، والذي أخذ المال له أن ينفقه على حاجاته أو على سفره أو على أولاده هو حر. فأثر البيع يبنى نقل الملكية من البائع إلى الشاري بالمبيع، ونقل ملكية الثمن من الشاري إلى البائع بالنسبة للثمن. أركان البيع : 1 ـ الإيجاب و القبول : أركان البيع: الإيجاب والقبول، بعتك يقول: اشتريت، قد يقول لك الشاري: أتبيعني؟ الإيجاب من الشاري ممكن، يقول لك البائع: قبلت، قد يقول لك البائع: أتشتري هذه السلعة بهذا الثمن؟ يقول الشاري: قد قبلت، الإيجاب والقبول كلمتان يتلفظ بهما الشاري والبائع، ولا عبرة لمن يبدأ، قد يكون المجيب شارياً http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-7335/06.jpg وقد يكون المجيب بائعاً، لكن العلماء استثنوا الأشياء الخسيسة، فيمكن أن تقف عند بائع عصير، توجد كأس من عرق السوس غير معقول أن تقول له: أتبيعني هذا الكأس بليرتين؟ يشرد ويقول: نعم قبلت بيعك الكأس بليرتين، يلزمنا شاهد أيضا، هذا غير معقول، هذا اسمه بيع التعاطي، الأشياء الخسيسة لا تحتاج لا إلى إيجاب ولا إلى قبول، لكن تحتاج لأن تدفع الليرتين وتشرب الكأس وانتهى الأمر، فهذا الإيجاب والقبول في الأشياء الثمينة، والأشياء الخسيسة إيجابها وقبولها المعاطاة أي سلمته الثمن وسلمك المبيع. لا تحتاج ألفاظ الإيجاب والقبول إلى ألفاظ معينة، هذا الدين يسر، أية كلمة تشير إلى أنك قبلت أن تبيع، وأية كلمة تشير إلى أنك قبلت أن تشتري فهي إيجاب وقبول، لو قال لك البائع: بعت، أعطيت، ملكت، هو لك، هات الثمن، هذه كلها ألفاظ مشروعة، لو قال المشتري: اشتريت، أخذت، قبلت، رضيت، خذ الثمن، هذا كله إيجاب وقبول، لكن لابد من شروط في الصيغة، قال: يشترط في الإيجاب والقبول أن يتصل كل منهما بالآخر في مجلس واحد، ليس بينهما فاصل، قال: أتبيع هذا البيت بخمسة ملايين؟ فقال صاحب البيت لك: نعم بعتك إياه، تمّ البيع من مجلس واحد، قلت له: أتبيع هذا البيت بمليونين؟ لم يتكلم، غاب ساعة ودخل، إذا قال: نعم البيع لم ينعقد لأن المجلس ما اتصل، أصبح هناك فاصل لابد من أن يكون الإيجاب والقبول في مجلس واحد. 2 ـ توافق الإيجاب والقبول في مجلس العقد : الشيء الثاني المهم: ينبغي أن يتوافق الإيجاب والقبول أكثر من منازعات، بكم هذه السلعة؟ تقول له: المتر بمئة، فيقول: أعطني خمسة أتواب، لم يقل له أنه قبل، يكتبهم عنده بحساب التاجر المتر بثمانين وليس بمئة، وعند الحساب يتشاجرون، أهم شيء أن يتوافق الإيجاب والقبول في مجلس العقد، والآن الأكمل أن يكون خطي، ورقة ثلاثمئة متر قماش المتر بمئة ليرة وقّع، أما دائماً فالبائع يضع سعراً، والشاري يضع سعراً، والمشاجرة عند الحساب، هذا يقع في اليوم آلاف المرات، يجب أن يتوافق الإيجاب والقبول توافقاً تاماً في مجلس العقد. حدثني أخ قال: لي جار يبيع غرف نوم، عنده غرفة جميلة جداً قال له: ابعثها لي، فأرسلها له فوراً، بعث له أول جمعة خمسة آلاف، الجمعة الثانية عشرة آلاف، الجمعة الثالثة خمسة آلاف..... أصبح المبلغ ثمانين ألفاً، لم يعد يرسل، قال له: أين الباقي؟ قال أي باقي؟ قال: ثمنها مئة وخمسون ألفاً، تشاجروا ودخلوا محاكم وتشادوا وتشاتموا، الجهالة تفضي إلى المنازعة، كن واضحاً بكل شيء، لا تقل له: ابعثها لي، كم ثمنها؟ قال: مئة وخمسون، قل له: ليس لي مصلحة فيها، شكراً، ابعثها، وهو بعث دفعات، أهم شيء أنك كمسلم لا تحتاج إلى القضاء. قال: يا عمر: ما بلغ من دهائك؟ قال: والله ما دخلت مدخلاً إلا أحسنت الخروج منه، قال: والله لست بداهية، سيدنا معاوية يقول له: أما أنا فما دخلت مدخلاً أحتاج أن أخرج منه، كل شيء واضح. حدثني أخ اضطر أن أنقل أقمشة من مكان لمكان، هؤلاء الذين يعملون في نقل الأقمشة متعبون جداً، لا تقدر عليهم، قال: مرة جاء رئيسهم قال له: عد الأثواب، قال: لا يهم، قال: لا بل عدهم كم توب؟ فعدهم، قال له: احمل توباً، حمله، امش معي فمشى الطريق كله، قال له: هذا المصعد ممنوع استعماله، قال: أربعة طوابق، هذا الممشى لآخره هذا الباب تدخل للداخل توجد غرفة على اليمين على الرفوف، قال: ثم أعطيه ما يطلب، إذا قال: الكمية كثيرة لقد أرغمه أن يعدّهم، إذا قال له: ثقيلة الوزن، جعله يحملها، إذا قال له: الطريق طويل، هو مشى وقدر المسافة، لم يسمحوا لنا بالمصعد، بلغه بذلك، الغرفة بآخر الممشى قلت لك ذلك ضمن المكتب إلى الداخل غرفة على اليمين على الرفوف، لو طبقتم هذه الطريقة بكل حياتكم لما وجدت المشاكل، كل شيء أوضحه، هو أساساً الفقه من أجل ماذا؟ من أجل أن تتفرغ لعبادة الله، لا تكون بمحكمة ولا بحكم تجاري، وقّع واكتب ورقة، ثبّت كل شيء بتوقيع، بشاهد، بعقد. أعرف رجلاً دخل بمدرسة كان رأسمالها لا يذكر لتفاهته، بعد عدة سنوات أصبح المبلغ تقريباً مئة ضعف، التعليم الخاص راج، وارتفعت أسعار المدارس، فهو دخل معه كشريك، دفع له عدداً من الدفعات بقدر رأسماله، هو فكر أن هذه أرباحها، الشريك يظن أنها أرباح، والأول أعطاه رأسماله دون أن يشعر، فلما جلسا للمحاسبة قال: أنا أخذتهم منك قرضاً، كاد أن يُصعق، لا يوجد وضوح، تدخل معي في هذا المشروع؟ أدخل معك، كلام شفهي بشفهي، اعمل عقداً واكتبه، فأنا أنصح الأخوة الكرام القرض بإيصال، البيع بثمن، أو بعقد، بأصول واضحة، الصفات واضحة. 3 ـ أن يكون بلفظ الماضي : قال بعض العلماء: أن يكون بلفظ الماضي كأن يقول البائع: بعتك، يقول المشتري: قبلت، أو بالمضارع إن أريد به الحال، أبيع وأشتري، أما إذا أريد به المستقبل فهذا ليس بيعاً ولا شراءً، هذا اسمه وعد بالبيع، لا بيع ولا شراء، ولا يترتب على الوعد بالبيع شيء، إلا إذا إنسان يحترم اسمه عمل له وعداً بالبيع. في الفقه شيء لطيف قال: ينعقد البيع بالإيجاب والقبول، وينعقد بالكتابة، الآن أكثر الاستيراد يلزمه رسالة مكتوبة تصل عبر الفاكس أو الإيميل، فممكن أن ينعقد بيع بالكتابة يوجد شروط يقبلها المشتري، ويرسل رسالة بتوقيعه. قال: إذا كان كل من المتعاقدين بعيد عن الآخر، أو كان العاقد بالكتابة أخرس لا ينطق، أو ينعقد البيع عن طريق رسول من أحد المتعاقدين، مندوب يمكن. أيها الأخوة، شروط البيع بعضها متصل بالعاقد وبعضها متصل بالمعقود عليه، الشروط التي لها علاقة بالعاقد أن يكون العاقد عاقلاً و مميِزاً، فلا يصح عقد المجنون ولا السكران ولا الصبي غير المميِز، فالمجنون والسكران والصبي الذي لا يميز عقده باطل. قال: الصبي المميِز عقده صحيح، لكن صحته تتوقف على إذن الولي، إذا الولي أجازه يصبح عقده صحيحاً. شروط صحة المعقود عليه : الآن نحن أمام شروط صحة المعقود عليه: المعقود عليه له شروط أولها: طهارة العيب، وإمكان الانتفاع بهذا المبيع، وملكية العاقد له، والقدرة على تسليمه، والعلم به، وكون المبيع مقبوضاً، وسوف نفصل هذه الشروط لأنها مهمة جداً في دروس قادمة إن شاء الله تعالى. الزواج والبيوع من أهم موضوعات الفقه : أيها الأخوة، قضية البيوع قضية صعبة جداً لأن كل واحد منا يبيع ويشتري شاء أم أبى، وتعد أول موضوعات الفقه، الزواج والبيوع حاجتان أساسيتان، حاجة المسلم إلى تكوين أسرة، وحاجته إلى كسب رزقه، وقد قيل: إذا أحرزت النفس قوتها اطمأنت، فإذا الإنسان وفّق إلى زوجة صالحة يجب أن يعلم قواعد الزواج، وفرائضه، وسننه، ومستحباته، ومكرهاته، ومحرماته، قضية الزواج وقضية البيوع من أهم موضوعات الفقه، لأنها تدور مع المؤمن في كل شؤون الحياة. الفقه يدور مع حاجات الناس كيفما داروا : و: ((عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْد ِاللَّهِ رَضِي اللَّهم عَنْهمَا أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ عَامَ الْفَتْحِ وَهُوَ بِمَكَّةَ إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْأَصْنَامِ فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ فَإِنَّهَا يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ وَيُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ فَقَالَ لَا هُوَ حَرَامٌ....)) [البخاري عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِي اللَّهم عَنْهمَا] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-7335/07.jpg لكن في شرح طويل سنأتي على شرح هذا الحديث، يوجد شيء محرم بيعه وشراؤه كلحم الخنزير ولحم الميتة كالخمر والأصنام، فقال: ((...ِ أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ فَإِنَّهَا يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ وَيُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ فَقَالَ لَا هُوَ حَرَامٌ....)) [البخاري عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِي اللَّهم عَنْهمَا] طبعاً يجوز بوقت من الأوقات سمّ الأفعى لا ينتفع به، أما الآن فمهم جداً، الفقه يدور مع حاجات الناس كيفما داروا، لأن الله عز وجل قبل أن نعبده باشتراط العلماء، الأفعى لا ينتفع بها سابقاً، أما الآن فأول دواء لخفض الضغط مأخوذ من سم الأفعى، الإنسان إذا لدغته أفعى لا سمح الله ضغطه يصل إلى الصفر، فيموت الملدوغ بانخفاض الضغط، أخذوا سم الأفعى ومددوه وعالجوه فأصبح أنجح دواء لخفض الضغط، فما كان لا ينتفع به سابقاً ينتفع به لاحقاً، وهناك أمثلة كثيرة. |
رد: العبادات التعاملية
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية الدرس : ( الثامن و الخمسون ) الموضوع : شروط المبيع الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. شروط المبيع : 1 ـ أن يكون طاهر العيب : أيها الأخوة الكرام، لا زلنـا في أهـم موضوع من موضوعات الفقه ألا وهو البيوع، ذلك أن كل مسلم لا يخلو من أن يبيع أو أن يشتري، فلذلك طلب الفقه حكم واجب على كل مسلم، وصلنا في الدرس الماضي إلى شروط المبيع، تحدثنا عن شروط البائع أو الشاري ووصلنا إلى شروط المبيع. أول شيء في هذه الشروط أن يكون طاهر العيب، المبيع البضاعة، الشيء الذي تبيعه أو الشيء الذي تشتريه، ينبغي أن يكون طاهر العيب، لحديث جابر: ((عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِي اللَّهم عَنْهمَا أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ عَامَ الْفَتْحِ وَهُوَ بِمَكَّةَ إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْأَصْنَامِ فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ فَإِنَّهَا يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ وَيُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ فَقَالَ لَا هُوَ حَرَامٌ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ ذَلِكَ قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ إِنَّ اللَّهَ لَمَّا حَرَّمَ شُحُومَهَا جَمَلُوهُ ثُمَّ بَاعُوهُ فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ قَالَ أَبُو عَاصِمٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ حَدَّثَنَا يَزِيدُ كَتَبَ إِلَيَّ عَطَاءٌ سَمِعْتُ جَابِرًا رَضِي اللَّهم عَنْهم عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ )) [ البخاري عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِي اللَّهم عَنْهمَا] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-7337/01.jpg الحقيقة: قد يفهم بعض الأخوة أن استخدام هذه المواد المحرم أكلها حرام، الجواب: لا، حرام بيعها، أما الشيء الذي يحرم أكله فقد ينتفع به فالضمير يعود إلى البيع بدليل أن البيع هو الذي نعاه النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث نفسه، وعلى هذا يجوز الانتفاع بشحم الميتة بغير البيع فيدهن بها الجلود، ويستضاء بها وغير ذلك، مما لا يكون أكلاً أو يدخل في بدن الإنسان. أحد كبار العلماء قال: قول النبي صلى الله عليه وسلم حرام قولان: أحدهما أن هذه الأفعال حرام، والثاني أن البيع حرام، فإن كان المشتري يشتريه من أجل أن ينتفع به طبعاً القولان مبنيان على أن السؤال: هل وقع التحريم عن البيع لهذا الانتفاع المذكور أو عن الانتفاع المذكور؟ الأول: اختاره هذا العالم الجليل أن البيع حرام لكن الانتفاع بهذه المواد ليس حراماً والدليل: ((... قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ ذَلِكَ قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ إِنَّ اللَّهَ لَمَّا حَرَّمَ شُحُومَهَا جَمَلُوهُ ثُمَّ بَاعُوهُ فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ قَالَ أَبُو عَاصِمٍ حَدَّثَنَا عَبْدُالْحَمِيدِ حَدَّثَنَا يَزِيدُ كَتَبَ إِلَيَّ عَطَاءٌ سَمِعْتُ جَابِرًا رَضِي اللَّهم عَنْهم عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ )) [ البخاري عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِي اللَّهم عَنْهمَا] جملوه أي أذابوه، والعلة في التحريم هي النجاسة عند جمهور العلماء، فيتعدى هذا إلى كل نجس، أول شرط من شروط البيع أن يكون طاهر العيب، فكل شيء نجس محرم بيعه، ولكن ليس محرم أن ننتفع به. تصميم الله عز وجل هو الكمال المطلق : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-7337/02.jpg السادة الأحناف استثنوا من تحريم البيع بيع الأرواث والأزبال النجسة التي تدعو الضرورة إلى استعمالها في البساتين، الأسمدة الحقيقة الآن هي الأسمدة العضوية، والعالم في حقب كثيرة سار في طريق مسدود حينما استبدل الأسمدة الطبيعية بالأسمدة الكيماوية، الأسمدة الكيماوية رفعت ملوحة التربة وسببت مشكلات لا تنتهي، الآن عادوا إلى أصل التصميم، عادوا إلى السماد الطبيعي، حتى في مكافحة الأوبئة الزراعية عادوا إلى المكافحة الحيوية، لأن الله سبحانه وتعالى خلق كل شيء موزون مع ما يقابله، فكل حشرة لها حشرة تلتهمها، فالآن بعد أن يئسوا من مكافحة الآفات الزراعية عادوا إلى المكافحة الحيوية، وعادوا إلى السماد الطبيعي، الشيء الدقيق أن تصميم الله عز وجل هو الكمال المطلق، وأي تعديل لهذا التصميم، وأي خروج عنه، وأي استبدال لهذا التصميم بتصميم آخر، فهو نحو الأسوأ قولاً واحداً. على المؤمن أن يعتز بدينه الإسلامي : الآن: أهل الدنيا عادوا إلى الدين لا عبادة بل عادوا إليه اضطراراً، قبل أن ينحل الاتحاد السوفيتي حرم الخمر تحريماً قطعياً لا لأسباب تعبدية، ولا لأسباب دينية، ولكن لأسباب اجتماعية واقتصادية، حسبوا كم من ساعات العمل تضيع بسبب شرب الخمر، الآن هناك جامعات في أمريكا بعضها للذكور وبعضها للإناث، وكلما تقدم العلم وجد بالبحث الدقيق والتحليل العميق أن التصميم الإلهي هو الكمال المطلق، وأي تصميم آخر نقص محقق، لذلك عودة أهل الدنيا الشاردين إلى أحكام الدين لا عن تعبد ولكن عن اضطرار، لذلك كلما تقدم العلم اقترب من الدين، الدين هو الأصل، والذي يؤلم أشد الألم أن بعض المسلمين إذا رأوا قضية دينية توافقت مع الدين يفرحون بالدين، أن تفرح بدينك لأن العلم يوافقه هذا ضعف في إيمانك، ينبغي أن تفرح للعلم إذا اقترب من الدين. هكذا سمعت: مركز إسلامي بدولة عظيمة صاحب منصب رفيع جداً يقترب من رئيس الجمهورية زار هذا المركز، رئيس هذا المركز أُخذ بهذه الزيارة، نائب رئيس جمهورية في دولة عظمى تحكم العالم الآن فكان هناك احتفال بمركز إسلامي، وهذا النائب زار هذا المركز فقال له من يشرف على هذا المركز: إن مجيئكم على هذا المركز اعتراف بنا وبديننا، فقال هذا المسؤول الكبير قال: إن دينكم يحتل ثلث العالم، وإن نبيكم أعظم قائد في العالم، ودينكم وقائدكم أكبر بكثير من أن يحتاج إلى اعتراف به من أمثالي، فالقضية أن تعتز بدينك، أنت معك الوحي ومعك الحق المطلق، أنت معك تعلـيمات الصانع ومعك الحق الخيّر، لكن من ضعف المسلمين يأتون بأدلة على عظم دينهم من أعداء الدين. الانصياع لأمر الله حباً لطاعته : عثرت في موضع معلوماتي على أن المرأة المتبرجة تزداد احتمالات إصابتها بسرطان الجلد، وهذه النسب بدأت ترتفع في العالم الغربي، ذلك أن جلد المرأة حساس جداً، فإذا كشفت هذا الجلد ومشت في الشمس ساعات طويلة فالشمس وحدها مع التعرض لها ساعات طويلة ممكن أن تسبب سرطان للجلد. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-7337/03.jpg التعليق الدقيق: أن المرأة إذا خافت على جلدها من السرطان فتحجبت فإنها لا تعبد الله أبداً، تعبد مصلحتها، وتعبد ذاتها، وتعبد سلامتها، لكن المرأة المؤمنة لو علمت أن أشعة الشمس تزيد جسمها صحة ونشاطاً وتزيد جلدها حيوية، فالقضية التعبدية تغيب عن معظم الناس. توجد نغمة أنا أحياناً أستخدمها لكن مع ضعاف الإيمان، الصلاة تعد تمرينات رياضية من أكمل الأنواع، ومتوازنة ومعتدلة، ويمكن أن يفعلها كل إنسان ذكراً كان أم أنثى، كبيراً أو صغيراً، في أي وقت وفي أي مكان، أنت إذا أقبلت على الصلاة لأنها تليّن عضلاتك أنت لست عابداً لله، وإذا أقبلت على الوضوء لأنه يوسع شرايينك فأنت لست عابداً لله، إذا أقبلت على الصيام لأنه يصون أجهزتك فأنت لست عابداً لله، ينبغي أن تنصاع لأمر الله حباً بطاعته فقط، قد تأتي منفعة جانبية لا مانع، لكن ألا يكون الباعث لهذه الطاعة سلامة الجسم. جواز بيع كل نجس ينتفع به : من شروط البيع الأولى: أن يكون المبيع طاهر العيب، فالأشياء النجسة كالخمر، كالخنزير، كلحم الميتة يحرم بيعه، ولا يمنع أن نستخدمها كما أشار النبي عليه الصلاة والسلام في غير أكلها وشربها. يجوز بيع كل نجس ينتفع به في غير الأكل والشرب كالزيت النجس يصبح منه وقعت فأرة في الزيت هل نبيع الزيت؟ أصبح زيتاً نجساً وبيعه محرم، ماذا نفعل؟ نستخدم هذا الزيت للاستصلاح، أو لصنع الصابون فرضاً، الأحناف أجازوا بيع الشيء النجس بغير الأكل والشرب من أين جاؤوا بالدليل؟ الحقيقة: الحديث الأول النبي الكريم قال: إنه حرام، وقد عقّب بعض العلماء على هذا التحريم أن النبي عليه الصلاة والسلام في البدايات لئلا يختلط الحلال بالحرام منع بيع الأشياء النجسة، لكن بعد حين بعد أن ترسّخ الحق في النفوس سمح ببيعها استناداً إلى هذا الحديث الشريف: ((عن ابن عمر سُئل عن زيت وقعت فيه فأرة فقال: استصبحوا به وادهنوا به أدمكم )) [البيهقي بسند صحيح عن ابن عمر] سمح أن نستصبح بالزيت وأن ندهن به الجلد، ثم إن النبي عليه الصلاة والسلام مرّ على شاة فوجدها ميتة ملقاة فقال: ((...هَلَّا أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا فَدَبَغْتُمُوهُ فَانْتَفَعْتُمْ بِهِ فَقَالُوا إِنَّهَا مَيْتَةٌ فَقَالَ إِنَّمَا حَرُمَ أ َكْلُهَا )) [مسلم عن ابن عباس] ومعنى هذا: أنه يجوز الانتفاع في غير الأكل ومادام الانتفاع جائزاً فإنه يجوز بيعها، حتى لا يقع إشكال لماذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: ((..... لَا تَكْتُبُوا عَنِّي وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ وَحَدِّثُوا عَنِّي وَلَا حَرَجَ وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ .....)) [مسلم عن أبي سعيد الخدري] حديث صحيح من أمهات الأحاديث، النبي عليه الصلاة والسلام في مرحلة معينة خاف أن يختلط كلامه بالقرآن الكريم فقال: "لَا تَكْتُبُوا عَنِّي" بعد أن نضج الصحابة الكرام وأصبح أسلوب القرآن واضحاً بيناً نيّراً سمح بالكتابة قال: ((..... قَيِّدُوا الْعِلْمَ بِالْكِتَابِ )) [الدارمي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده] التحريم مرحلة، كذلك تحريم بيع الأشياء النجسة لغير الأكل والشرب كان مرحلياً، فلما توضح هذا الأمر عند أصحاب رسول الله قال: ((...هَلَّا أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا فَدَبَغْتُمُوهُ فَانْتَفَعْتُمْ بِهِ .. )) [مسلم عن ابن عباس] وكل شيء ينتفع به يجوز بيعه، هذا رأي السادة الأحناف. أخواننا الكرام، كل إنسان يعمل في البيع والشراء ينبغي أن يقف على أحكام الشرع في البيع والشراء، لأنه من لم يتفقه أكل الربا شاء أم أبى، ودائماً وأبداً هناك ما يسمى في الفقه العلم الذي ينبغي أن يُعلَم بالضرورة، ما هو العلم؟ أركان الإيمان، وأركان الإسلام، وحقوق الزوجة، وحقوق الزوج، والبيع والشراء، يمكن أن يندمج تحت بنود العلم الذي ينبغي أن يُعلَم بالضرورة لأنه ما من واحد منا إلا ويبيع ويشتري ولو لم يكن تاجراً. 2 ـ أن يكون منتفعاً به : الشرط الثاني: أن يكون منتفعاً به، فلا يجوز بيع الحشرات ولا الحيّة ولا الـفأرة إلا إذا كان ينتفع بها. بالمناسبة الفقه أحياناً يدور مع المتغيرات، يوجد بالإنسان ثوابت هذه لا تتغير لا بمكان، ولا بزمان، ولا بظرف، ولا ببيئة، ولا بحضر، ولا ببدو، ولا بريف، ولا بتخلف، ولا بتقدم.... هذه الثوابت مغطاة بنصوص قطعية الدلالة لا يختلف فيها اثنان، يقول: الدين فيه اختلاف، في الثوابت ليس هناك اختلاف أبداً، لأن الله جل جلاله جعـل الأحكام المتعلقة بالثوابت قطعية الدلالة لا تحتاج إلى اجتهاد أبداً، أنا إن قلت لك: أعط فلاناً ألفاً ومئة درهم هذا النص لا يحتاج لا إلى تفسير، ولا إلى تأويل، ولا إلا اجتهاد، ولا إلى فهم واضح، القضايا الكبيرة المتعلقة بالعقيدة والعبادات الكبرى أحكامها جاءت مغطاة بنصوص قطعية الدلالة، أما المتغيرات فجاءت بنصوص ظنية الدلالة، والنص الظني الدلالة من قبل الله عز وجل له حكم خاص، لو أن النص ظني الدلالة من قبل غير الله لكان يفسر تفسيراً آخر، كل إنسان يتكلم قد تأتي عبارته فضفاضة فتحتمل معاني كثيرة، إذا أنت قلت: القمح مادة خطيرة تقصد أنت أنها أساسية، لكن الثاني سمعها أنها مادة مفجرة، لا ليس كذلك، فكلمة خطيرة كلمة فضفاضة، المعنى الذي أردته أنت هو فهم معنى آخر، هذه كلمة اسمها احتمالية، فإذا ورد في القرآن نص احتمالي أو نص ظني الدلالة فله خصائص أخرى أن الله أراد كل الاحتمالات معاً هذه نقطة مهمة جداً. فالاجتهاد محله النص الظني الدلالة، النص يفهم على حالات عديدة، لو قلت لك: أعط فلاناً ألف درهم ونصفه، هذا نصف آخر، النصف الأول أعطه ألفاً وخمسمئة درهم نص قطعي الدلالة لا يحتاج إلى تفسير، ولا إلى تأويل، ولا إلى اجتهاد، ولا إلى استنباط، كله مقطوع، أما إذا قلت لك: أعط فلاناً ألف درهم ونصفه يا ترى نصفه تعود إلى الألف أم إلى الدرهم؟ مسافة كبيرة جداً، لو قلت: أعط فلاناً مليون دولار ونصفه مثلاً، فالفرق نصف مليون دولار، مئتان وخمسون مليوناً الفرق، فالعبرة أن تعيد هذا الضمير إلى الألف أو إلى المليون دولار، هذا اسمه نص احتمالي، وهو موضع الاجتهاد، المتغيرات في حياتنا مغطاة بنص احتمالي فمثلاً: الأفعى لا تباع أبداً لأنها ليست نافعة، ضارة مميتة، لكن الآن أول دواء للضغط مأخوذ من سمّ الأفعى، الأفعى حينما تلدغ الإنسان يموت فوراً لانخفاض ضغطه إلى الصفر، فإذا أخذنا سمّ الأفعى ومددناه وأعطيناه مقادير قليلة هو خير دواء لارتفاع الضغط، فالآن الأفعى ينتفع بها، فالشرع يدور مع المتغيرات أحياناً، قال: لا يجوز بيع الحشرات ولا الحية ولا الفأرة إلا إذا كان ينتفع بها، إذاً توجد حالة استثناء. يجوز بيع الهرة، والنحل، وبيع الفهد لحديقة الحيوان، وما يصلح للصيد، أو ينتفع بجلده، يجوز بيع الفيل للحمل، بيع الببغاء والطاووس والطيور المليحة الصورة وإن كانت لا تؤكل، يجوز بيع الكلب مع أن النبي نهى عنه، لكن كلب الحراسة هو الكلب المعلل، فكلب الصيد والحراسة مستثنى من بيع الكلب. إذاً الشرط الثاني في المبيع أن يكون منتفعاً به، فإذا الشيء كان بعصر لم يكن منتفعاً به ثم أصبح منتفع به يأخذ حكماً جديداً، الفقه اجتهادي ويمكن أن يدور مع التفوق، لكن الشيء الذي حرمه الله قطعاً لا يمكن أن يأتي وقت يصبح فيه حلالاً. 3 ـ أن يكون مملوكاً : الشرط الثالث: أن يكون المبيع مملوكاً، من الذي يبيع شيئاً لا يملكه؟ قال: هو إنسان فضولي، الآن توجد آلاف المطبات وآلاف الأخطار من أن تشتري بيتاً ممَن لا يملكه، أن تشتري بيتاً بوكالة مزورة، البيع باطل، فالإنسان قبل أن يشتري يجب أن يتأكد من أن الذي باعه هذا البيت مالك له، وتمت بيوع بيوتات بمئات الملايين بوكالات مزورة، الفقه يبعدك عن المحاكم، من تفقه في دينه كان يقظاً، فبيت تشتريه ينبغي أن تعلم من صاحبه، بالقوانين النافذة إذا استأجر أحد بيتاً من إنسان ليس مالكاً لهذا البيت وبقي المالك بعد علمه ساكتاً سنتين يصبح العقد صحيحاً، فإذا أنت أيضاً كنت مالكاً حقيقياً وجاء إنسان وأجّر بيتك أو باع بيتك وبقيت أنت ساكتاً مدة سنتين يجعل هذا البيع صحيحاً،فكم من حالة بيع أو إيجار تألم مالك البيت وبقي ساكتاً إهمالاً فانقلب العقد إلى عقد صحيح. الفضولي: هو الذي يعقد لغيره دون إذنه كأن يبيع الزوج ما تملكه الزوجة بدون إذنها، أو أن تتري لها ملكاً دون إذنه بالشراء، فلدينا شراء فضولي وبيع فضولي، أو أن يبيع لغيره في غيبته، أو أن يشتري لغيره في غيبته، قال: عقد الفضولي يعتبر عقداً صحيحاً إلا أن لزومه يتوقف على إجازة المالك، إذا المالك أجاز أصبح العقد صحيحاً، فإذا أجازه نفذ وإن لم يجزه بطل. أدلة من حياة الرسول : الآن أدلة من حياة رسول الله: ((...عَنْ عُرْوَةَ الْبَارِقِيِّ قَالَ دَفَعَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دِينَارًا لِأَشْتَرِيَ لَهُ شَاةً فَاشْتَرَيْتُ لَهُ شَاتَيْنِ فَبِعْتُ إِحْدَاهُمَا بِدِينَارٍ وَجِئْتُ بِالشَّاةِ وَالدِّينَارِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ لَهُ مَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ فَقَالَ لَهُ بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي صَفْقَةِ يَمِينِكَ.....)) [الترمذي عَنْ عُرْوَةَ الْبَارِقِيِّ] طبعاً بيع حلال اشترى بالدينار شاتين، باع الشاة بدينار بقي دينار. ((...عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ يَشْتَرِي لَهُ أُضْحِيَّةً بِدِينَارٍ فَاشْتَرَى أُضْحِيَّةً فَأُرْبِحَ فِيهَا دِينَارًا فَاشْتَرَى أُخْرَى مَكَانَهَا فَجَاءَ بِالْأُضْحِيَّةِ وَالدِّينَارِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ ضَحِّ بِالشَّاةِ وَتَصَدَّقْ بِالدِّينَار.. )) [الترمذي عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ] ففي الحديث الأول أن عروة اشترى الشاة الثانية وباعها من دون إذن مالكها، وهو النبي الكريم، ولما رجع وأخبره أقرّه ودعا له، فدلّ ذلك على صحة شراء الشاة الثانية وبيعه إياها لأن النبي أقره على هذا البيع، فأنت تبعث موظفاً عندك يبيع أو يشتري فإذا سُئلت عن هذا موافق؟ موافق نعم. 4 ـ أن يكون المعقود عليه مقدوراً على تسليمه شرعاً وحسّاً : الشرط الرابع: أن يكون المعقود عليه مقدوراً على تسليمه شرعاً وحسّاً، فما لا يقدر على تسليمه حسّاً لا يصح بيعه، كالسمك في الماء سموه بيع الغرر. ((لَا تَشْتَرُوا السَّمَكَ فِي الْمَاءِ فَإِنَّهُ غَرَرٌ)) http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-7337/04.jpg [ أحمد عن عبد الله بن مسعود ] ((عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ....عَنْ ضَرْبَةِ الْغَائِصِ )) [ أحمد عَنْ أَبِي سَعِيدٍ] والمراد به أن يقول من يعتاد الغوص لغيره: ما أخرجته في هذه الغوصة فهو لك بهذا الثمن، لوجود شيء مجهول. الجهالة تفضي إلى المنازعة : أخواننا الكرام، بالبيع والشراء أكبر سبب للتنازع والخصومات والمحاكم والنكوص بالبيع هو الجهل، فالجهالة تفضي إلى المنازعة، فكلما وضحت واستوضحت الأمور فأنت في أمان، وكلما كان هناك جهالة في المبيع في الثمن، في وقت التسليم، في وقت القبض، ووقت الدفع، هذه الجهالات تسبب المنازعات. بصراحة الذي يحصل هو البائع يريد أن يبيع فيغفل الشروط القاسية الذي يتحملها المشتري، والمشتري يريد أن يشتري فيغفل طريقة الدفع، تصبح حالة بالعامة اسمها المغمغة، لا يوجد شيء واضح، البائع متعلق بالبيع يضع سعراً عالياً وقبضاً فورياً، والشاري متعلق بالمبيع يضع سعراً بخساً وأداء متأخراً فيتصادمان. تكاد تكون أكبر المشكلات بين التجار الجهالة، يشتري على مسطرة قماش ألوان زاهية جداً تأتي البضاعة على غير ما اشترى تنشأ منازعة. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-7337/05.jpg أنت إن أردت أن تكون مرتاحاً، وألا تدخل إلى المحاكم إطلاقاً، وألا تقع في منازعات لا تنتهي، كن واضحاً في كل شيء، فضربة الغائص وشراء السمك في الماء وبيع الطير المنفلت الذي لا يعتاد أن يرجع بيع ليس صحيحاً، أن يبيع الإنسان ما ليس عنده، كثير من الأشخاص يمسك مساطر بيده يبيع عليهم، أنت تبيع ما لا تملك وما لا تقدر على تسليمه، لو أنك عدت إلى صاحب البضاعة فقال لك: بعتها، وأنت بعت بضاعة في مكان آخر، لا تستطيع أن تسلم هذه البضاعة لأنك لا تملكها، ويقع أناس كثيرون في أخطاء لا تعد ولا تحصى، معه مسطرة يبيع لم يدفع ثمن البضاعة يظن نفسه أنه متفوق في البيع والشراء، قد ترجع لتأخذ البضاعة يقول لك: لا يوجد قد بعناها، وأنت بعت بيعاً غير صحيح، بعت ما لا تملك، لا تبع ما ليس عندك، لا يجوز بيع اللبن في الضرع، ولا يجوز بيع الصوف على ظهر الحيوان، ولا يجوز أن يباع التمر حتى يبدو صلاحه، ولا يجوز بيع السمن قبل أن يستخرج من اللبن، ولا يجوز بيع المرهون ولا الموقوف، كم بيت يُشترى الآن وعليه إشارة رهن؟ البيع باطل، لست قادراً على تسليمه. ودائماً يا إخوان البائع عندما يريد أن يخدع المشتري يقول: أنا مضطر لأن تعطيني جواباً الآن، يريد أن يبيع بيتاً حتى تذهب إلى السجلات الرسمية لتكشف في لوحة هذا البيت يلزمك يومين، فأنت لا تعجل قل له: لا يوجد نصيب، لا بد من أن أكشف حقيقة هذا البيت، قد يكون مرهوناً، قد يكون بالأساسات خلل كبير، وأمر بإخلاء البيت، قد يكون وقد يكون... أساليب الغش في البيع والشراء لا تعد ولا تحصى، أهم شيء في الموضوع أن يكون كل من المبيع والثمن معلوماً. في كل بضاعة قياسات وأشكال وألوان ودرجات ومراتب، فغرفة نوم كلمة عامة، الصالة فيها عشرون غرفة نوم، قلت له: ابعث لي غرفة نوم، يجب أن تكون معيناً، فلذلك يجب أن يكون المبيع والثمن معلوماً. جار قال لجاره النجار: ابعث لي هذه، فبعثها له، وأرسل له ثمنها بدفعات أسبوعية، ثم أوقف الدفعات قال له: أين الباقي؟ هو يعتقد أنها بثمانين ألفاً لكن ثمنها مئة وخمسون، واختلفوا ودخلوا المحاكم، يجب أن يكون المبيع والثمن معلوماً، وسأضيف وطريقة الدفع معلومة، والتسليم معلوماً، متى يسلم المبيع؟ متى يستحق دفع الثمن؟ ما نوع الثمن؟ أحياناً يكون بدون توضيح يوجد عملات محلية وعملات دولية وسعر مجاور أوضح كل شيء، يقول العلماء: إذا كان الثمن والمبيع مجهولين أو كان أحدهما مجهولاً فإن البيع لا يصح لما فيه من غرر، والعلم بالمبيع يكتفى فيه بالمشاهدة، لكن هنا يوجد لغم، تفضل هذه سيارة، الشاري لا خبرة لديه اليوم توجد سيارات تظنها لم تركب بعد وهي قالبة ومقطوعة فيجب أن توضح حقيقة هذه المركبة، فإذا كان المبيع والثمن مجهولين أو كان أحدهما مجهولاً فإن البيع لا يصح. بيع ما غاب عن مجلس العقل: أيها الأخوة، أما إذا كان البيع غائباً عن مجلس العقل فيجوز البيع، لكن إذا رأيت المبيع بعد حين لك أن تنجز المبيع أو ألا تنجزه، من اشترى دون أن يرى فله الخيار إذا رأى، ممكن أن يغيب المبيع عن مجلس العقل، مباع بالشحن لها مصادر، لو جاءت البضاعة بحقيقة بخلاف هذه النماذج يفسخ البيع، قال: يجوز بيع ما غاب عن مجلس العقل بشرط أن يوصف وصفاً يؤدي إلى العلم به، فإذا ظهر موافقاً للوصف لزم البيع، وإن ظهر مخالفاً ثبت لمن لم يره من المتعاقدين الخيار في إمضاء العقد. ((....عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّهم عَنْهما قَالَ بِعْتُ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ مَالًا بِالْوَادِي بِمَالٍ لَهُ بِخَيْبَرَ.....)) [ البخاري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّهم عَنْهما] روى أبو هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (( من اشترى شيئاً لم يره فله الخيار إذا رآه )) [ الدار قطني عن أبي هريرة] وأحياناً يكون هناك مشقة للرؤية، اشترى ألف علبة سمنة هل من المعقول أن يفتح واحدة واحدة، يأخذ عينات عشوائي لا على التعيين يفحصهم، كل عشر واحدة فبكل مصلحة يوجد تقاليد تحل محل الرؤية، مثلاً: الجزر واللفت والبطاطا والبصل هذه لا تشترى إذا رأيتها تحت الأرض، فيوجد خبراء يقدرون حجمها وقيمتها. بيع الجزاف : عندنا شيء اسمه بيع الجزاف كم من الألبسة تباع من غير عدد كما تراها، أحياناً طعام كومة دون وزن هذا البيع جزاف أيضاً يصح، ترى شكلها إجمالاً أما بالتفاصيل فلا يوجد، بيع الجزاف هو الذي لا يعلم قدره على التفصيل، وهذا البيع كان متعارفاً عليه بين الصحابة الكرام على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد كان المتبايعان يعقدان العقد على سلعة مشاهدة لا يعلم مقدارها إلا في التخمين من الخبراء، وقال ابن عمر: كانوا يتبايعون الطعام جزافاً بأعلى السوق. لكن الجزاف يحتاج إلى نقل حتى يصح البيع وله تفصيل دقيق، بالنقل إذا وجد شيء غير صحيح ينكشف، مرة وجدت صحن حلويات تقدر فيه كيلوان ظهر أنه قشرة رقيقة وكله ورق مجموع في الأسفل فقط قشرة خارجية، فهذا بيع جزاف، أنت اشتريت كيلوان فإذا بالوزن وقيتان، ففي موضوع الجزاف ينبغي أن ينقل حتى يصح البيع. 5 ـ أن يكون المبيع مقبوضاً : ومن شروط البيع أيضاً أن يكون المبيع مقبوضاً، إذا إنسان باع شيئاً وكان اشتراه سابقاً وكان يملكه ينبغي أن يكون مقبوضاً لديه، هذا ينقلنا إلى بيع خطير جداً بيع المضاربات، خمسون ألف طن بالبرازيل فرضاً يباعوا ألف مرة وهم بمكانهم، يصبح البيع مقامرة http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-7337/06.jpg لأن الشاري ما ضمن المبيع اشترى وأصبح ملكه لكن في ضمان البائع، فهو باع وربح لكن لم يضمن المبيع، فإذا لم يوجد ضمان البيع أصبح ربوياً، أما أنت عندما تأتي بالبضاعة إلى بلدك تستوردها وتخزنها أصبح هناك ضمان، ولو تلفت فهي على مسؤوليتك، الموضوع دقيق، فلا يصح أن تشتري بضاعة من بائع لم يقبضها، وإذا أقفلنا هذا الشرط دخلنا في المضاربات الدولية، تجد البلد بحاجة ماسة لمادة أساسية غذائية، هذه المادة تباع بكميات فلكية في منابعها باليوم مئات المرات، وتتحقق أرباحاً طائلة والبضاعة في مكانها، فكأنك قامرت بمادة غذائية. ((عن ابْنَ عُمَرَ رَضِي اللَّهم عَنْهمَا قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ النَّاسَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَبْتَاعُونَ جِزَافًا يَعْنِي الطَّعَامَ يُضْرَبُونَ أَنْ يَبِيعُوهُ فِي مَكَانِهِمْ حَتَّى يُؤْوُوهُ إِلَى رِحَالِهِمْ )) [البخاري عن ابْنَ عُمَرَ رَضِي اللَّهم عَنْهمَا] فرضاً: أحدهم اشترى مادة غذائية، وكون الذي باعها قبض ثمنها وهي عنده بمخازنها، قبض ثمنها فلم يعد يهمه سلامتها، فالأول باعها وهي فاسدة دون أن يعلم باعها مرة ثانية، أما حينما يأخذها إلى مخازنه، ويضمن سلامتها، ويعلم أحوالها، يكون بيعه صحيحاً، فلئلا تباع ولاسيما المواد الغذائية تباع من دون ضمان ومن دون تفحص فلابد من أن تنقلها إلى رحلك، وحول هذا الموضوع مذاهب شتى بعضه يختصر على المواد الغذائية وبعضهم يعمم على كل المواد، وفي درس آخر إن شاء الله ننتقل إلى الإشهاد على عقد البيع والحمد لله رب العالمين. أسئلة و أجوبة : سؤال: أنا أعمل في محل بيع شوكولا، ثمن الكيلو ثلاثمئة وخمسون، نضع الشوكولا في علبة بلاستيك ونحتسبها مع الوزن، وزن العلبة مئتان وخمسون غراماً، نشتري العلبة بثماني عشرة ليرة، وتباع للزبون كوزن بخمس وثمانين ليرة بسعر الشوكولا، أحياناً تشتري الأجاص بصندوق، ثمن الكيلو خمسون ليرة، وتحسب بالصندوق كيليين، يحضرون الحطب ويضعونه بالماء مدة، بالزاوية توجد حطبة كبيرة منقوعة بالماء ومحسوبة أنها كيلوان وهي خمسة كيلو، ثلاثة كيلو بخمسين فيوجد غش واضح جداً، يوجد مواد غالية جداً توضع في ورق ثمين وورق ثخين وله وزن، هذا كله من الغش. سؤال: أخ يقول: أنا أقرأ القرآن قراءة عادية لا ألتزم بقواعد التجويد لأني أجهلها وسني يقارب الخمسين هل ضروري أن أذهب لأتعلم القواعد الصحيحة؟ طبعاً الأكمل أن تقرأه مجوداً، أما إن لم تستطع النبي الكريم ذكر الذي يتعتع في القرآن، الأكمل أن تقرأه مجوداً، وحق تلاوته أن تقرأه تلاوة صحيحة، وأن تقرأه قراءة مجودة، وأن تفهمه وتعمل به، هذه المعاني كلها تنطوي تحت حق تلاوته. سؤال: أنا أبيع أقمشة على مساطر موجودة عندي لضيق المحل وبالاتفاق مع البائع الأساسي هل هذا جائز؟ إذا كانت البضاعة موجودة وتملكها في المستودع ومعك مساطرها، والآن تكلمنا إذا توافقت المساطر مع البضاعة البيع جائز، أما إذا اختلفت فالبيع غير جائز. سؤال: - يقول: بيع مجلات البوردا جائزة؟ إذا وجد في البيت مجلة وفيها صور نساء شبه عارية وأكثر مجلات الأزياء هكذا ويوجد بالبيت شباب وصغار ومراهقون والصورة لها أثر كبير جداً لدرجة أنها تدفع إلى المعصية، فطبعاً الأب المنضبط عنده مقص رقابة بالبيت، لا يسمح بمجلة فيها صور فاضحة أو صور شبه عارية على أساس مجلة أزياء، أنت متزوج وعندك زوجة لكن هذا ليس عنده زوجة، يوجد فرق كبير بين أحدهم عنده زوجة والآخر لا زوجة لديه، فعلى كل لا ينبغي أن يكون في البيت شيئاً يثير شهوة الصغار أو المراهقين ويدفعهم إلى المعصية. سؤال: أخ يقول لأخ: أنا يلزمني مبلغ وقد يكون مليون ليرة وأنا مسافر أعطيك على كل سفرة خمسين ألفاً؟ نحن نريد ربحاً حقيقياً قد يزيد وقد ينقص، أما أخذت منه مليوناً وكلما سافرت على السعودية أعطيته خمسين ألفاً على السفرة كأنك أعطيته ربحاً ثابتاً، والربح الثابت تقريباً ربا، فلذلك الاستثمار بالتجارة يكون حلالاً صرفاً إذا كان الربح حقيقياً محققاً محسوباً مدروساً فالمساهمة حلال، أما إذا كان الربح مقطوع فأصبح كأنه فائدة . الختام |
| الساعة الآن 04:39 PM |
Powered by vBulletin™ Version 3.8.7
Copyright © 2012 vBulletin ,
هذا الموقع يتسخدم منتجات Weblanca.com
new notificatio by 9adq_ala7sas
User Alert System provided by
Advanced User Tagging (Lite) -
vBulletin Mods & Addons Copyright © 2026 DragonByte Technologies Ltd. Runs best on HiVelocity Hosting.