![]() |
رد: العبادات التعاملية
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية الدرس : ( الثامن ) الموضوع : شركة المضاربة الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.القرض الاستهلاكي : أيها الأخوة الأكارم، نحن في الإطار العام في موضوع الربا، وقد تحدثنا في دروس ثلاث سابقة عن بديل الربا وهو القرض الحسن، وبينّا أن الربا أساسه الاستغلال، والقرض الحسن أساسه الإحسان، وبينّا أن الربا أساسه اتباع الهوى، لكن القرض الحسن أساسه طاعة الرحمن، واليوم ننتقل إلى موضوع أراه من أخطر موضوعات سلسلة من الدروس لماذا؟ لأن دين الله عز وجل لابد من أن يحل كل مشكلات الإنسان، لو أن نظاماً وضعياً ما عجز عن مواجهة مشكلة فشيء طبيعي لأن الإنسان يخطئ ويصيب. لكن دين الله، لكن التشريع الإلهي، المنهج الرباني، هل يعجز عن حلّ مشكلات المجتمع؟ هذا شيء مستحيل عقلاً، فتحدثنا في الدرس الماضي عن القرض الحسن، هذا فيما يتعلق بالتعبير المعاصر بالقرض الاستهلاكي أي إنسان يواجه نفقة طارئة لا يملكها مثلاً عملية جراحية يقترض لها، هذا قرض استهلاكي، ونقول للمقرض: جزاك الله خيراً، أنت إنسان محسن، وأنت إنسان عظيم ورحيم، وأنت ابتغيت الأجر عند الله رب العالمين. القرض الاستثماري : عندنا الآن مشكلة أخرى، عندنا فئة كبيرة في المجتمع تملك المال لكنها متقدمة في السن، أو أنها امرأة لا تقوى على تنمية هذا المبلغ، أو أنه مال لطفل صغير يتيم، أو أنه مال وصاحبه مسافر. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4678/01.jpg إذاً نحن أمام حالة أن إنساناً يملك المال ولا يستطيع أن يستثمره، وعندنا فئة أخرى، شباب في ريعان الشباب مفتولو العضلات يتحرقون على عمل ولا يجدون، أولئك عندهم الأموال ولا يستطيعون أن يعملوا، وهؤلاء عندهم كل طاقات العمل وليس عندهم مال ليعملوا به. الدرس الماضي تحدثنا عن قرض استهلاكي لنفقة طارئة، وظننا الخير والكرم بالذي أقرض إقراضاً حسناً، وإن كنت ميسوراً ومعك مال زائد فأعط جزءاً من مالك كقرض حسن لهذا الإنسان المحتاج. الحالة اليوم من نوع آخر؛ شاب يحمل شهادة هندسة لكن لا يملك أرضاً يزرعها، لا يملك أية إمكانية ليقيم مشروعاً لكنه خبير، درس خمس سنوات هندسة، وذاك درس خمس سنوات علوماً طبيعية، بإمكانه أن ينشئ معمل صابون، لكن لا يملك مالاً، ولكن بإمكاناته العلمية وخبراته الجيدة وطاقاته الخلاقة ونشاطه في أعلى درجة قادر على إنشاء مؤسسة مثمرة ومنتجة. الأول معه المال لكنه متقدم في السن، وهذا الشاب لا يحتاج إلى قرض استهلاكي، يحتاج إلى قرض استثماري، والأول لا يحتاج أن يقرض من دون أن يستفيد، فمن أين يأكل؟ أنت إنسان في بحبوحة أقرضت لوجه الله، والحالة الثانية إنسان معه مئة ألف لا يملك غيرها ولا يستطيع أن يستثمرها، وشاب يحتاج إلى مئة ألف لكنه لا يملكها، أيعقل أن نقول للأول: أقرضه قرضاً حسناً؟ هذا ليس معقولاً لأنه يجب أن يأكل وينفق. نظام المضاربة : من أعظم ما في الشرع نظام المضاربة، هذه شركة قائمة على جهد ومال، المال من جهة والجهد من جهة أخرى، هذا بماله وهذا بعمله وذاك بطاقته، أي يجب أن يبقى في ذهنك أيها الأخ الكريم أن الله عز وجل حينما قال: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً ﴾ [ سورة المائدة: 3 ] دين الله عز وجل دين الخالق، دين رب العالمين كامل وتام، التمام صفة عددية والكمال صفة نوعية، فمن حيث عدد القضايا التي عالجها الدين فعددها تام يغطي كل حركات الإنسان، ونشاطاته، وأحواله في كل حياته، ودين كامل يعالج معالجة وافية وكاملة كل قضية من قضايا الإنسان، والآن كيف نحل مشكلة القرض الاستثماري؟ كيف نحل مشكلة من يملك المال ولا يستطيع أن يستثمره ومن يملك الجهد والطاقة والخبرة ولا يملك المال؟ الشرع الحنيف شرع ما يسمى بشركة المضاربة، المضاربة شركة تقضي حاجتين في وقت واحد، تقضي حاجة صاحب المال الذي لا يستطيع لكبر سنه، أو لصغر سنه، أو لجنسه: أنثى، أو لسفره، أو لجهله أن يستثمر ماله وهو في أمس الحاجة إلى أن يأكل، لا من رأسماله بل من ريع رأسماله، وتحل مشكلة الشاب المفتول العضلات والممتلئ نشاطاً بأن يأكل من خلال عمله، وهذا الشاب لا يقبل صدقة، ولا مساعدة، شاب في أول حياته لماذا الصدقة؟ أروع ما في هذا الدين أنه شرع تشريعاً حكيماً لهؤلاء ولهؤلاء. ومن باب البشارة أن النبي عليه الصلاة والسلام بشخصه كان أول شريك مضارب في الإسلام، اتجر بمال خديجة رضي الله عنها، كان أميناً إلى أعلى درجة، وكان وفياً إلى أعلى درجة، فشركة المضاربة تحل مشاكل الناس جميعاً. المضاربة هي البديل الآخر للربا: البنوك ماذا تعمل؟ هي مخالفةٌ للشرع، لكن تحل مشكلة من معه مال ولا يستطيع أن يستثمره، فتأخذ هذا المال وتقرضه بالربا وتدفع لصاحب المال نسبة ثابتةً، لكن شركة المضاربة تحل هذه المشكلة وفق الشرع، ومن خلال قنوات الشرع، وفق منهج الله عز وجل، لذلك فإني دائماً أشجع أخواننا الكرام من الشباب ومن أصحاب الأموال أن يتعاونوا لأن الله سبحانه وتعالى أمرنا بالتعاون، قال تعالى: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [ سورة المائدة: 2 ] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4678/02.jpg البر صلاح الدنيا، أي أجمل ما في الدنيا أن شاباً يعمل بإخلاص وصدق وإتقان ويدفع لصاحب المال ريعاً معقولاً، ويكتسب مالاً حلالاً، ليس فيه شبهة القرض الربوي، ولا شبهة الربح الثابت، ولا شيء من هذا القبيـل، لكن قد يقول قائل: يا أخي هناك كثير من الشركات الاستثمارية وكلها أعطت أرباحاً خيالية ثم أكلت المال وأصله؟ هذا صحيح وطبيعي لأن هؤلاء ليسوا منضبطين بالشرع، وهؤلاء ليسوا مسلمين حقاً، الشرع موضوع للمؤمنين الصادقين، كل إنسان رفع لافتة وقال: أنا مسلم، فهل أصبح مسلماً حقاً؟ كل إنسان ادعى الورع أهو ورع فعلاً؟ كل إنسان ادعى أنه مطبق للشرع أهو فعلاً مطبق للشرع؟ فإذا الناس خاب ظنهم ببعض الشركات التي أعطت أرباحاً خيالية ثم أكلت المال كله فاتجه الناس نحو المصارف والبنوك، فهذا لا يبرر أن نلغي التعامل في موضوع المضاربة، لذلك موضوع درسنا اليوم: المضاربة، البديل الآخر للربا والقرض الاستهلاكي، أول بديل إذا كنت في حاجة إلى قرض استهلاكي كإجراء عملية جراحية أو ترميم بيت مثلاً فهناك إنسان ميسور الحال معه مال فائض نقول له: أيها الغني أقرض هذا الإنسان المؤمن الصادق الطاهر الفقير قرضاً حسناً تبتغي به وجه الله وهذا موضوع الدروس الثلاث السابقة. أصل شركة المضاربة : لكنّا اليوم مع إنسان يملك مبلغاً من المال وهو مضطر أن يأكل وينفق، لكن لا من أصل المال، بل من ريعه، وإنسان آخر لا يقبل الصدقة ولا المساعدة، يريد أن يعمل وأن يبني نفسه، وهذا شيء جميل، أفنقول لصاحب المال أقرض أم اجعل بينك وبين هذا الشاب شركة مضاربة منك المال ومنه الجهد والربح بينكما بنسب تتفقان عليها؟ هذا أصل شركة المضاربة، هو البديل لأي مشروع أساسه الربا، وقد بينت لكم في درس سابق لو أننا أتينا بمشروعين اثنين متشابهين من حيث كتلة المال، ونوع العمل، وكل شروط العمل، الشركة الأولى أساسها قرض ربوي، ممولة بقرض ربوي، والشركة الثانية ممولة بعقد مضاربة بين صاحب مال وبين شريكِ عملٍ، أسعار شركة المضاربة أقل بكثير من أسعار الشركة الربوية لماذا؟ لأن فائدة القرض الربوي تضاف إلى الكلف، أما هنا فليس عندهم فائدة القرض الربوي، بل صاحب المال يأخذ من الربح نصيبه. إذاً الأسعار تهبط، ولو حلّتْ شركات المضاربة مكان الإقراض الربوي الاستثماري لهبطت الأسعار، فإلى تفاصيل هذه الشركة التي هي الحل الوحيد لحاجتين متكافئتين، حاجة أصحاب الأموال لاستثمار أموالهم، وحاجة أصحاب الأعمال إلى تأمين تمويلٍ لأعمالهم، إنها شركة المضاربة والنبي عليه الصلاة والسلام سيد الخلق وحبيب الحق كان أول شريك مضارب في الإسلام. مشروعية شركة المضاربة : بعيداً عن مصطلحات الفقهاء، للتعريف اللغوي والتعريف الشرعي، نبدأ بمشروعية هذه الشركة، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [ سورة المزمل : 20] ضرب في الأرض أي سافر يبتغي الرزق، قال تعالى: ﴿ فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [ سورة الجمعة : 10] ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنْ الضَّالِّينَ﴾ [سورة البقرة: 198] هذه الآيات الثلاثة، يرى بعض العلماء أن فيها إشارة إلى شركة المضاربة. لكن السنة فصلت فالنبي عليه الصلاة والسلام كما تعلمون سافر بمال قبل النبوة، وسافر بمال خديجة رضي الله عنها، والعير التي كان فيها أبو سفيان كان أكثرها مضاربة مع أبي سفيان، فشركة المضاربة كانت معروفة في العالم العربي قبل بعثة النبي وبعد بعثة النبي، والنبي كان شريكاً مضارباً، إذاً كل شيء فعله النبي هو تشريع. قصة جرت مع أصحاب رسول الله : السنة النبوية كما تعلمون هي أقواله وأفعاله وإقراره، قصة جرت مع أصحاب رسول الله: ((حَدَّثَنِي مَالِك عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: خَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ وَعُبَيْدُ اللَّهِ ابْنَا عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي جَيْشٍ إِلَى الْعِرَاقِ فَلَمَّا قَفَلا مَرَّا عَلَى أَبِي مُوسَى الأشْعَرِيِّ وَهُوَ أَمِيرُ الْبَصْرَةِ فَرَحَّبَ بِهِمَا وَسَهَّلَ ثُمَّ قَال: لَوْ أَقْدِرُ لَكُمَا عَلَى أَمْرٍ أَنْفَعُكُمَا بِهِ لَفَعَلْتُ، ثُمَّ قَالَ: بَلَى هَاهُنَا مَالٌ مِنْ مَالِ اللَّهِ أُرِيدُ أَنْ أَبْعَثَ بِهِ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَأُسْلِفُكُمَاهُ فَتَبْتَاعَانِ بِهِ مَتَاعًا مِنْ مَتَاعِ الْعِرَاقِ ثُمَّ تَبِيعَانِهِ بِالْمَدِينَةِ فَتُؤَدِّيَانِ رَأْسَ الْمَالِ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَيَكُونُ الرِّبْحُ لَكُمَا فَقَالا وَدِدْنَا ذَلِكَ فَفَعَلَ، وَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمَا الْمَالَ، فَلَمَّا قَدِمَا بَاعَا فَأُرْبِحَا، فَلَمَّا دَفَعَا ذَلِكَ إِلَى عُمَرَ قَالَ: أَكُلُّ الْجَيْشِ أَسْلَفَهُ مِثْلَ مَا أَسْلَفَكُمَا قَالا لا فَقَالَ:عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ابْنَا أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَأَسْلَفَكُمَا أَدِّيَا الْمَالَ وَرِبْحَهُ فَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ فَسَكَتَ وَأَمَّا عُبَيْدُ اللَّهِ، فَقَالَ: مَا يَنْبَغِي لَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَذَا لَوْ نَقَصَ هَذَا الْمَالُ أَوْ هَلَكَ لَضَمِنَّاهُ، فَقَالَ عُمَرُ: أَدِّيَاهُ فَسَكَتَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَاجَعَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ، فَقَالَ رَجُلٌ: مِنْ جُلَسَاءِ عُمَرَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَوْ جَعَلْتَهُ قِرَاضًا، فَقَالَ عُمَرُ: قَدْ جَعَلْتُهُ قِرَاضًا، فَأَخَذَ عُمَرُ رَأْسَ الْمَالِ وَنِصْفَ رِبْحِهِ، وَأَخَذَ عَبْدُ اللَّهِ وَعُبَيْدُ اللَّهِ ابْنَا عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ نِصْفَ رِبْحِ الْمَالِ)) [مالك عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ] سيدنا عمر بن الخطاب شديد، رأى يوماً إبلاً سمينة قال: لمن هذه الإبل؟ قالوا: هي لعبد الله بن عمر، قال: ائتوني به، جاؤوا به، قال: لمن هذه وهو متجهم الوجه؟ قال: هي لي، اشتريتها بمالي وبعثت بها إلى المرعى لتسمن فماذا فعلت؟ أي يا أبتِ قل لي ما المخالفة التي خالفت بها الشرع؟ البيع حلال والشراء حلال. استمعوا ماذا قال سيدنا عمر قال له: ويقول الناس ارعَوْا هذه الإبل فهي لابن أمير المؤمنين، اسقوا هذه الإبل فهي لابن أمير المؤمنين، وهكذا تسمن إبلك يا بن أمير المؤمنين، هل تعرف لماذا سمنت الإبل التي تملكها؟ لأنك ابني، فقال له: بع هذه الإبل وخذ رأسمالك ورد الباقي لبيت مال المسلمين. من حقّ صاحب المال أن يشترط على المضارب : ((الإمام البيهقي روى عن حميد بن عبد الله عن ابن عبيد الأنصاري عن أبيه عن جده أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أعطى مالَ يتيمٍ مضاربةً وكان يعمل به في العراق)) [البيهقي عن حميد بن عبد الله عن ابن عبيد الأنصاري عن أبيه عن جده] وروى الإمام مالك: ((عَنِ الْعَلاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ أَعْطَاهُ مَالاً قِرَاضًا يَعْمَلُ فِيهِ عَلَى أَنَّ الرِّبْحَ بَيْنَهُمَا )) [مالك عَنِ الْعَلاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4678/03.jpg وروى الإمام الدار قطني: (( عن عروة بن الزبير وعن غيره أن حكيم بن حزام رضي الله عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يشترط على الرجل إذا أعطاه مالاً مقارضةً يضرب له به، ألا تجعل مالي في كبد رطبة ولا تحمله في بحر ولا تنزل به في بطن مسيل وإن فعلت شيئاً من ذلك ضمنت لي مالي)) [الدار قطني عن عروة بن الزبير] ومن حق صاحب المال إذاً أن يشترط على المضارب ممنوع أن تتجر في البضاعة المهربة، ممنوع أن تسافر به خارج القطر، من حق المضارب أن يشترط على العامل، شريك العمل. كان حكيم بن حزام يشترط ألا تجعل مالي في كبد رطبة، تتاجر لي في الغنم وتقول لي: ماتت الغنم، ولا تحمله في بحر فتغرق، ولا تنزل به في بطن مسيل، يأتي سيل عارم ويتلف البضاعة، وإن فعلت شيئاً من ذلك فقد ضمنت لي مالي وأنت مسؤول. هذه فيها أحكام فقهية سوف نوضحها بعد قليل، من حق صاحب المال أن يشترط على صاحب العمل شروطاً فإذا خالفها ضمن المال والخسارة، وعندئذ تقع وحدها على المضارب فقط لا على صاحب المال، والإمام البيهقي يروي: ((عن نافع رضي الله عنه أن ابن عمر رضي الله عنهما كان يكون عنده مال اليتيم فيزكيه ويعطيه مضاربة ويستقرض فيه)) [البيهقي عن نافع رضي الله عنه] لأن النبي عليه الصلاة والسلام فيما ورد عنه اتجروا بمال اليتامى لا تأكلها الزكاة. وجوب الزكاة على المال النامي : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4678/04.jpg بالمناسبة نحن نعلم أن الزكاة لا تجب إلا على المال النامي، وأصل المال لا ينمو، السلع مثلاً: بيت كان ثمنه عشرين ألفاً في عام خمسة وستين، اليوم ثمنه ثمانية ملايين فقد نما. أما الليرة فهي ليرة وما اختلفت، فالمال لا ينمو والذي ينمو البضاعة إذ تشتد الحاجة إليها فيزداد سعرها، فلماذا أوجب الله الزكاة في المال مع أنه لا ينمو بل بالعكس قد يتراجع؟ العلماء قالوا: أوجب الله الزكاة في المال لئلا يكنز، وإذا كنزه الإنسان أكلته الزكاة، أنت مسلم معك مال وخائف عليه، كل سنة تخرج اثنين ونصف بالمئة زكاته على أربعين سنة ينفد المال كله. إما أن تستثمره وإما أنّ الزكاة تأكل المال، فحكمة الشارع الحكيم من فرض الزكاة على المال ولو كان ورقياً لئلا يكنز، فيحرم منه الشاب الذي يتمنى أن يكون هذا المال معه ليعمل به. لكن يا ترى إذا الناس أساؤوا فهل يلتغي الشرع؟ لا، ثم لا، وإذا كان هناك أشخاص احتالوا وأكلوا أموال الناس بالباطل وكذبوا وأعطوا أرباحاً وهمية ثم أكلوا أصل المال، أنلغي الشرع؟ هذه الأخطاء وقعت ولكن هؤلاء الأشخاص غير ملتزمين وليسوا منضبطين وليسوا ورعين، فإذا أخطأ الإنسان فهل يعطل الشرع؟ لا. شركة المضاربة فيها تأمين حاجة أصحاب الأموال والأعمال : لم ينقل عن أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رضوان الله تعالى عليهم أجمعين أنه أنكر التعامل بالمضاربة. أهم ما في الموضوع أن شركة المضاربة فيها تأمين الحاجتين وتلبيتهما، حاجة أصحاب الأموال وحاجة أصحاب الأعمال. وأروع عمل يقول لك: ضربنا عصفورين بحجر، مثل عامي، العمل الرائع أن تحقق هدفين في عمل واحد، هناك أناس في أمس الحاجة إلى أن يكسبوا مالاً من أموالهم المجمدة، وهناك أناس لا يقبلون الصدقة وهم في أمس الحاجة إلى مال يعملون به. فإذا قلنا إلى هؤلاء ادفعوا إلى هؤلاء، ويا هؤلاء اعملوا وأعطوا هؤلاء، معنى ذلك هذا تشريع حكيم لبّى حاجتين متكافئتين في وقت واحد. التجارة تحتاج إلى مؤمن صادق واستقامة و توفيق : لكن النبي الكريم قال: ((لا تُصَاحِبْ إِلا مُؤْمِنًا ولا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلا تَقِيٌّ)) [أخرجه أبو داود والترمذي عن أبي سعيد الخدري ] بطولتك أن تبحث عن المؤمن الصادق، الذي لو قطعته إرباً إرباً لا يأكل قرشاً حراماً، ابحث عن هذا وادفع له المال، وخذ منه ربحاً حلالاً، وهو بنيته الطيبة يوفقه الله عز وجل. ((مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ )) [ البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ] أخواننا التجار يعرفون مع الله لا يوجد أحد ذكي، يوجد تاجر موفق وتاجر غير موفق، أي أكبر تاجر وأذكى تاجر وأطول خبرة عند التاجر يمكن أن يريه الله عز وجل صفقة متألقة نيرة ويكون فيها إفلاسه، ويمكن أن يلهم الله التاجر المؤمن صفقة في نظر الناس عادية جداً يربح منها أرباحاً طائلة جداً. الأمر إذاً رهن توفيق الله، والتجارة تحتاج إلى استقامة وإلى توفيق الله فقط، لا تحتاج إلى ذكاء من أعلى مستوى. ولو كانت الأرزاق تجري مع الحجا هلكن إذاً من جهلهن البهائم *** ترى في المجتمع إنساناً شعلةَ ذكاء، لا يملك قرشاً في جيبه، وآخر على البساطة يأتيه المال جزافاً، من دون حساب، الرزق له قوانين. أسباب زيادة الرزق : 1 ـ الاستقامة : نحن سابقاً تكلمنا بخطبة أو بخطبتين فيما أذكر عن أسباب زيادة الرزق وذكرت في وقتها الاستقامة والدليل قال تعالى: ﴿ وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ﴾ [ سورة الجن: 16-17 ] ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ﴾ [ سورة الأعراف : 96 ] 2 ـ الأمانة : الأمانة: (( الأمانة غنىً )) [ القضاعي عن أنس ] الإنسان الأمين موثوق، والموثوق تدفع له الأموال، ويعمل عملاً طيباً حلالاً، وينتفع وينفع. 3 ـ إتقان العمل : إتقان العمل عاملٌ للرزق: (( إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه )) [ الجامع الصغير عن عائشة ] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4678/05.jpg انظر إلى أصحاب الحرف ترى المتقن ليس عنده كساد، وغير المتقن عمله يقول لك: أعمل شهراً وأقف شهرين، ويقول: عندنا ركود وكساد، بينما المتقن عمله في نفس الوقت يقول لك: عندي عمل لشهرين قادمين، لماذا فلان يعمل قليلاً ويقف بلا عمل كثيراً وفلان دائماً عنده عمل؟ فالمتقن لا يشكو فتور السوق وعليه طلب كثير. أسمع عن بلاط كان الناس يوصون عليه من قبل سنتين، فمعمل البلاط لسنتين مشغول، عمله متقن، والعامل لا يمكن أن يبلط مع رفرفة، وميل صحيح. تلاحظ شركات ليس لها دعاية، لأنها ليست بحاجة إلى دعاية، إنتاجها نافق من دون دعاية، وعندما تبدأ بالدعاية فمعنى هذا أن عندها كساداً، وعلامة الكساد الدعاية، إذاً: الإتقان الشديد وحده هو دعاية. يا أخوان، بإتقان عملك تجعل كل زبائنك يدعون لك مجاناً، كن نجاراً متقناً فهذا الزبون يمدحك سنتين وهو لا يشعر، يقول: الله يوجه له كل خير، صنع لنا أبواباً جيدة، بينما رجل اشترى طقم جلوس فأول يوم فرح به ودعا الضيوف لبيته فكسر الطقم، فذهب إلى الذي باعه فقال له: الطقم انهار. فقال: الظاهر جلستم عليه. إنسان رأى عرقاً أخضر في غرفة النوم، فالخشب لم يجف بعد، أصابَتْه بعض القطرات من السقف فنبت عرق أخضر. تريد أن يثني الناس كلهم على بضاعتك فأتقن عملك، تجعل الناس يروجون بضاعتك وهم لا يشعرون، إذاً شركة المضاربة فيها دفع الحاجتين، تلبية حاجتين في وقت واحد. نطاق المضاربة نطاق واسع : الآن نطاق المضاربة واسع جداً، يجوز أن تدفع مالك إلى اثنين أو إلى ثلاثة أو إلى أربعة، لا شيء يمنع أن تدفع مالك إلى اثنين أو إلى ثلاثة أو إلى خمسة، عندنا قاعدة: مثل غربي، إياك أن تضع البيض كله في سلة واحدة. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4678/06.jpg والتجار يقولون: اجمع عيالك وفرق مالك، أحياناً تكون مصلحة رائجة فإن كان كل ماله في هذه المصلحة، فربما بقرار تنتهي هذه المصلحة، مرة كنت في حمص هناك محلات عند موقف شركات الباصات تبيع بيعاً مذهلاً من طعامٍ وشرابٍ وسندويش، فلما نقل مركز الباصات إلى خارج حمص، العشرون محلاً أغلقت، فإذا كان المال كله في عمل واحد وصارت مشكلة توقف العمل، فتوزيع الأموال حكمة، فيجوز دفع الأموال إلى اثنين أو ثلاثة. إذا كان هذا مربحه أكبر نميل إليه، يجوز دفع المال إلى اثنين وأكثر مضاربةً، ويمكن أن تكون أنت شريك العمل وأن تأخذ أموالاً من أكثر من شخص، مشروعك أكبر من حدود شخص، قد تحتاج إلى مئة شخص أو خمسين فيمكن أن تدفع إلى أكثر من واحد ويمكن أن تأخذ من أكثر من واحد هذا يجوز في تشريع المضاربة. أحياناً أنت شريك مضارب ومعك مال أكثر من طاقتك، يمكن أن تضارب أنت به، تثق بإنسان عنده خبرة جيدة تدفع له هذا المال وتقول له: أنت مسؤول، إذا استأذنت صاحب المال فلست مسؤول، إن لم تستأذنه فأنت مسؤول، فالخسارة عليك، ممكن لِلْمضارب أن يضارب إذا كان حجم عمله لا يحتمل الكتلة النقدية التي معه، يمكن للمضارب أن يأخذ مضاربة أخرى، أي يأخذ من أكثر من إنسان لمضاربة واحدة ويأخذ من أكثر من إنسان لمضاربة ثانية فيقوم بمشروعين في وقت واحد. من الممكن أن تدفع المال لأكثر من مضارب، ومن الممكن للمضارب أن يأخذ من أكثر من إنسان، ويمكن للمضارب أن يضارب، ويمكن للمضارب أن يأخذ مضاربة أخرى لموضوع آخر. يمكن أن يكون رأس المال نقداً أو عروضاً، إنسان عنده بضاعة قال صاحبها: بع هذه البضاعة واجعل مالها مضاربة بيني وبينك، أو قيّمها وبعها مضاربة بيني وبينك، قد يضع إنسان بضاعة عند آخر بالأمانة كأن يضع عنده قماشاً ويقول له: بع هذا القماش والربح بيننا، شخص عنده محل ولا يملك بضاعة، وشخص مستورد يملك بضاعة كثيرة، أعطاه عشر صفقات وقال له: بع هذه الصفقات والربح بيني وبينك مناصفة. يمكن أن تأخذ مالاً ويمكن أن تأخذ بضاعة، يمكن أن تكون المضاربة في جميع أنواع التجارة المباحة، أي نوع من أنواع التجارة المباحة تجري فيها المضاربة. بالصناعة ممكن، وفي الزراعة والتجارة ممكن، وفي الخدمات ممكن، مكتب هندسي والمهندس لا يملك إلا اختصاصه يحتاج إلى مكتب، وإلى موظفين، جاء إنسان ممول، ممكن صيدلية، إنسان يحمـل شهادة صيدلة لكن لا يملك المال، وهناك جهة موَّلت المحل والأدوية والتجهيزات والربح بينهما، ليس هناك شركات أوسع من المضاربة. قواعد استنبطها العلماء في المضاربة: لكن هذه المضاربة ولئلا يستغل طرف الطرف الآخر، ولئلا يحيف طرف على الطرف الآخر، ولئلا يظلم طرف الطرف الآخر، هناك قواعد استنبطها العلماء، هذه القواعد تعد كالشروط بعضها برأس المال، رأس المال لا يستحق الربح إلا إذا سلمته، أنا واضع مبلغاً فماذا ربحنا؟ طبعاً هذا شرط بديهي. لا بد من تسليم رأس المال حتى يستحق الربح، ولا يستحق رأس المال الربح إلا من تاريخ التسليم، فمن قبل لا يجوز ومن بعد لا يجوز، فيه ظلم، ومن قبل لا يجوز فيه ظلم للمضارب. أعطاه المال في شهر نيسان قال له: أنا أريد الربح من أول السنة لا يجوز، من قبل لا يجوز ومن بعد لا يجوز. شدة شروط صاحب المال تقيد الشريك و تقلل الربح: من حيث تصرف العامل يوجد عدة آراء: إذا دفعت المال للشريك المضارب، ولم تشترط عليه شيئاً، ولم تقنن له قانوناً، ولم تحظر عليه محظوراً، فأنت مسؤول عن كل تصرفاته، أما إن قلت له :أنا لا أوافق على أن أشتري بضاعة غير نظامية، فإن اشترى بضاعة غير نظامية وصودرت فهو مسؤول وحده عن ذلك، إذا خالف المضارب تعليمات صاحب المال يصبح ضامناً أي مسؤولاً. يجوز أن تشترط ويجوز ألا تشترط، إن كان لك ثقة كبيرة في هذا المضارب لا تقيده، تعرفه من حكمته وعقله الكبير وذكائه وورعه أنه يختار الشيء المناسب لهذا المال، أما إن كنت تعرفه طائشاً فاحذر. ذهب مفتش في التعليم الابتدائي إلى قرية من قرى محافظة ريف دمشق، ودخل إلى صف وسمع درس المعلم اللطيف، وأحب أن يتقرب من الطلاب فسأل طالباً: أنت يا بني ماذا تحب أن تكون عندما تكبر؟ هل تحب أن تكون طياراً مثلاً أو مهندساً؟ فقال له الطالب: مهرب، أستاذ. إذا أنت اشترطت على المضارب ألا يشتري بضاعة غير نظامية واشترى فهو مسؤول، ممكن لك أن تشترط ألا يتعامل بنقد غير سوري، يوجد قوانين قاسية لمن يتعامل بنقد غير سوري، عشرون سنة في السجن أحياناً فأنت ليس لك مصلحة، وأنت كصاحب مال عليك أن تقول: هذا ممنوع وذاك ممنوع، والمال يبقى في سوريا ولا يخرج خارج القطر، لا يجوز لك استثمار عن طريق العملة لأن هذه ممنوعة، بضاعة غير نظامية مرفوضة فأنت لك حق أن تشترط، وإذا لم تشترط معنى هذا أن لك ثقة كبيرة في هذه الجهة من حيث العلم والحكمة والورع... طبعاً هناك شروط قاسية جداً، والشروط إذا اشتدت قيدت شريك العمل وقللت فرص الربح، إذا قال له مثلاً: بأية لحظة أطلب المال تقدمه، فهذا كلام فارغ، اشترى فيه بضاعة وليس معقولاً أن يعطيك المال في أية لحظة، فإن كان المال لا يعمل معنى هذا أنه أعطاك ربا، إذا مالك في الصندوق وبأي لحظة يدفعه لك فمعنى هذا أن المال لم يربح وأعطاك ربحاً خلبياً وهمياً. صاحب المال ليس مسؤولاً إلا في حدود المال : عندنا حكم خاص: إذا المضارب خالف تعليمات صاحب المال بعضهم يقول: يضمن الخسارة ولا يأخذ شيئاً من الربح، إن ربح فلصاحب المال وإن خسر فعليه تأديب له لأنه خالف تعليمات صاحب المال. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4678/07.jpg لو فرضنا أن هذا المضارب أعطاه مليوناً أو نصف مليون، فذهب واشترى بضاعة بعشرة ملايين ولسبب أو لآخر البضاعة تلفت أو هبط سعرها فجأة وعليه التزام دفع عشرة ملايين، فالشريك المضارب عليه أن يدفع هذه الخسارة الكبيرة، صاحب المال ليس مسؤولاً إلا في حدود المال الذي دفعه إليه، أما أن تحمله أكثر من حجمه فلا، وهذه يسمونها: توصية شركة بسيطة، صاحب المال ليس مسؤولاً إلا في حدود المال. أعطاك مئة ألف فعملك ضمن المئة ألف، فأية خسارة تزيد على حجم المال كله فصاحب المال ليس مسؤولاً عنها، لا يسأل إلا في حدود رأسماله الذي دفعه إليك. الآن أكبر مشكلة في التجارة، أن يعمل التاجر بعشرة أضعاف حجمه المالي، فأحياناً تقع هزات فوق طاقة الاحتمال، معه مبلغ تدين عشرة أمثاله، واشترى صفقة وفي نيته أن يسترد ربحها أضعافاً مضاعفة، الصفقة لم تبع أو صودرت أو نشأ منها مشكلة. صار معرض خارج سوريا وهؤلاء التجار اجتهدوا، وأرسلوا بضاعة كبيرة جداً، بينهم تاجر حتى يمرر أكبر كمية بضاعة ممكنة وضع الأسعار: العُشر في الفواتير، والقصد أن يبيع البضاعة ويربح أضعافاً مضاعفة، مسموح للتاجر فرضاً بمبلغ ثلاثمئة ألف ليرة والقصة قديمة، هؤلاء التجار حتى يخرجوا بضاعة بمبلغ مليوني ليرة أعطوا أسعاراً لبضاعتهم على الفواتير بقيمة العشر، ووضعوا ضمن البضاعة تهريبات كبيرة جداً، القطر الآخر الذي كان سوف يقام فيه المعرض قال: أنا سوف أشتري البضاعة بفواتيرها، فكل شيء ضمن البضاعة وفيها مهربات خيالية، راحت البضاعة كلها بمبلغ عُشر ثمنها، فلو فرضنا أن هذا استدان عشرة أضعاف رأسماله ما الذي حلّ به؟ العاقل الذي يعمل ضمن حدود رأسماله، أما أكثر فقد تقع هزات لا تحتملها. خذ من الدنيا ما شئت وخذ بقدرها هماً، ومن أخذ من الدنيا فوق ما يكفيه أخذ من حتفه وهو لا يشعر. نفقة العامل : بقي موضوع نفقة العامل: وهو موضوع خلافي أيضاً، شريك العمل إذا سافر، أكثر العلماء قالوا: إن مصروف الطعام والشراب والمبيت وغسل الثياب من حساب شركة المضاربة، أما في بلده فطعامه في بيته. لكن هناك لفتة لطيفة قالوا: فأيام سفره لم يبع شيئاً، ولا أحضر بضاعة، فيدفع شريك المال نفقات السفر والإقامة في الفنادق، ولكنه إذا أكل في مطعم على البحر وبذخ فلا يجوز أن يعمل هكذا، فالشركة لا تتحمل هذه النفقة، فموضوع النفقة موضوع خلافي، بعضهم أجاز نفقته في بلده، وبعضهم منع النفقة كلياً، وبعضهم وقف موقفاً متوسطاً قال: في السفر نعطيه لنفقة الطعام والشراب وغسل الثياب الحد الأدنى إن احتمل العمل ذلك، وأحياناً يبيع بحجم كبير ويقبض أموالاً كثيرة والشركة تتحمل هذه النفقات. قالوا: إذا خرج المضارب إلى سفر بماله ومال شريكه فالنفقة بينهما وليس كلها عليه، قد يقول لك: أنا سوف أبيعك مرابحة اكشف الفواتير، قد يكون سافر إلى أوربا وسافر إلى إجراء ثلاثين صفقة ومعها سياحة وضع كل نفقات الفنادق والطعام على حساب صفقة واحدة ويقول هذه هي التكلفة: كلفنا السفر ثلاثمئة وخمسين ألفاً. هذا كذب وأنت أحضرت ثلاثين صفقة وعملت سياحة أيضاً، فهذه تحتاج إلى تقوى، الإنسان إذا لم يتقِ الله عز وجل فالله يتلف له ماله. (( مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ وَمَنْ أَخَذَها يُرِيدُ إِتْلافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ )) [البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ] ما يتعلق بالأرباح والخسائر : الأرباح والخسائر هذه بين صاحب المال وصاحب العمل وهو بالاتفاق، المسلمون عند شروطهم، هناك أعمال مركز الثقل فيها الجهد، ممكن أن نأخذ لرجل محلاً خارج دمشق بدون فروغ، ونأخذ له عُدة تصليح سيارات بعشرة آلاف ونقول له: اعمل، يأتيه محرك يعمل به بجهده، وعضلاته، وخبرته، ليس من المعقول أن نقول له: نصف للمال ونصف للجهد، بل يأخذ للجهد ثمانين بالمئة لأن المال قليل جداً والجهد كبير جداً. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4678/08.jpg نفتح محلَ بيعٍ فقط ليس فيه جهد كبير، والبضاعة كلها مسعرة، والمحل مكلف ملايين، ضع فيه شريكاً مضارباً يكفيه بالمئة ثلاثون أو خمسة وثلاثون، فكل مصلحة لها عرف، بعض المصالح تستدعي خمسين بخمسين، وبعضها ثمانين بعشرين، المرجح هو الجهد. هل الأصل والأساس للجهد أم للمال؟ هذا يعرفه أصحاب الحرف وأصحاب المصالح وهذا بالاتفاق. المسلمون عند شروطهم، لكن لا يجوز أبداً أن يأخذ صاحب المال ربحاً ثابتاً وإلا انقلب إلى ربا، له نصيب ثابت وليس ربحاً ثابتاً، يقول له: أريد خمساً وثلاثين بالمئة نصيب ثابت، أو أريد خمسين بالمئة، وفرق كبير بين الربح والنصيب، النصيب مشروع أما الربح فلا يجوز لأنه صار ربا. أما الخسارة فهي على صاحب المال وحده لأن هذا شريك الجهد، خسر جهده، عمل سنةً مجاناً وأكل بالدين، الخسارة على صاحب المال، إلا في حالتين إذا كان هناك عدوان أو تقصير أو مخالفة للتعليمات فالخسارة يتحملها شريك الجهد وهو ضامن ومسؤول. أنا لا أقدم لكم تعليمات تفصيلية، أقدم لكم الأشياء الأساسية في هذا الموضوع، لأن الدرس ينتهي مع انتهاء هذا الموضوع. ما يفعله الإنسان في حلّ شركة المضاربة : الآن أردنا حل هذه الشركة ولدينا بضاعة، لو قلت لامرأة عمرها ثمانون سنة واضعة معك المال: تعالي وخذي القماش، أموالك أصبحت قماشاً، وهي لا تستطيع أن تبيع القماش، التعليمات أو الأصول الشرعية ينبغي أن تقلب البضاعة إلى مال ثم تردها إلى صاحب المال، أعطاك مالاً تعطيه مالاً، أما أن تقول: تعال وخذ بضاعة فلا. أما لو فرضنا شريك المال تاجر مقتدر، وأحب أن ينوع أعماله، ووضع معك مالاً، وهذه البضاعة تلزمه، فممكن أن يبيعها ويربح بها فتعطيه بضاعة عندئذ. هل من المعقول أن تكلف إنساناً ليس له خبرة تجارية وتعطيه بضاعة؟ هذا ظلم شديد، وأحياناً بالعكس البضاعة غالية جداً تقول له: انتظر حتى أبيعها، ويمكن أن تباع الآن ولكن عليك أن تنتظر فترة أطول، وفي بعض الأحوال صاحب المال يُظلم أو صاحب الجهد يُظلم فلا بد من العدل بينهما، الأكمل أن تدفع لصاحب المال ماله والربح بينك وبينه. لو فرضنا عقد المضاربة كان فاسداً فماذا نعمل؟ ينقلب الشريك المضارب إلى أجير يأخذ أجر المثل والربح كله لرأس المال. كما قلت قبل قليل: هذه الأحكام المتعلقة بالمضاربة أحكام إجمالية وأحكام غير تفصيلية، لكن القصد من هذا الموضوع أن في الإسلام الحل لكل مشكلة قائمة في كل مجتمع إنساني، إنسان معه مال لا يستطيع استثماره يود أن يعيش منه يدفعه إلى إنسان يملك الطاقة ولا يملك المال هذا يكمل هذا، وحاجتان أساسيتان تلبيان في عقد واحد. تدابير احترازية : بقي من الدرس الماضي فكرة أود أن أعرج عليها حتى يكون الموضوع تاماً، نحن حينما تحدثنا عن القرض الحسن في الدرس الماضي وصلنا إلى أن هناك تدابير احترازية تُلزم المقترض أن يدفع للمقرض ماله، من هذه التدابير منعه من السفر، ومن هذه التدابير حبسه، ومن هذه التدابير الحجر عليه ومنعه من التبرع بماله، هذه كلها من التدابير الاحترازية. مساعدة المدينين لأداء ديونهم : آخر موضوع بعد عقوبة حبس المدين، مساعدة المدينين لأداء ديونهم، أروع ما في الشرع أن الله سبحانه وتعالى شرع لنا في الزكاة مصرفاً هو مصرف الغارمين. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4678/09.jpg الغارمون هم أصحاب الديون التي لا يطيقون وفاءَها، هؤلاء يجب لهم في الزكاة ما يغطي لهم هذه الديون، هذه نقطة دقيقة جداً قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [ سورة التوبة : 60] الغارم هو الذي ركبه دين لا يستطيع أن يؤديه، الإمام القرطبي يقول: "الغارمون هم الذين ركبهم الدين ولا وفاء عندهم به ولا خلاف فيه، إلا من اقترض في سفاهة فإنه لا يعطى منها". يقول المزكي: ماذا عليك من دين؟ يقول الغارم: ثلاثة آلاف، لماذا استقرضتهم؟ يقول: ذهبنا إلى اللاذقية للتنـزه، واشترينا فيديو، الدين في سفاهة لا يمكن أن يؤدى من الزكاة، يكون الدَّين مشروعاً لسبب جوهري كعملية جراحية، ترميم بيت يكاد ينهار مثلاً. (( عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: أُصِيبَ رَجُلٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ثِمَارٍ ابْتَاعَهَا فَكَثُرَ دَيْنُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ فَتَصَدَّقَ النَّاسُ عَلَيْهِ)) [مسلم عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ] شروط دفع الدَّين عن الغريم من بيت مال المسلمين: صاحب الدَّين المشروع يجوز أن يأخذ من أموال الزكاة، إذا لم يتقدم أحد فماذا نفعل؟ إنسان غارم عليه دين لا يطيق وفاءه، وما أحد تقدم، وهناك أزمة ولا توجد سيولة نقدية بين أيدي الناس، الشرع قال: بيت مال المسلمين متكفل بأن يحمل عن هذا الغريم دينه، لكن العلماء قالوا: لا يدفع بيت مال المسلمين الدين عن الغريم إلا في شروط: أن يكون هذا الدين لسبب معقول، وجيه وأساسي، عمل جراحي، آلة ليأكل منها، وأن يكون صاحب الدين قد بذل كل جهده في تأدية الدين فلم يستطع، فدينه على بيت مال المسلمين ليوفي دينه، و أن يوجد في بيت المال مال، فيمكن حينئذ أن يلبي بيت المال حاجة المدين. عندنا قاعدة أساسية: لا تركة إلا بعد أداء الدين، شخص ترك بيتاً وترك سيارة ومحلاً تجارياً، هذه ليست تركة إلا بعد أن تؤدى ديونه، ما لم تؤدّ ديونه فهذه ليست تركة، والدين يؤخذ من رأس المال، قال تعالى: ﴿ وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمْ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [ سورة النساء: 12] كما قال العلماء: لا تركة إلا بعد أداء الدين، حجم التركة التي تركها الميت هو المبلغ المنقول أو غير المنقول بعد أداء ديونه لعظم الدين، فالدين يؤخذ قبل كل شيء ولو استغرق التركة كلها، ولو عنده أيتام، أصحاب الأموال مفضلون. |
رد: العبادات التعاملية
تسلمين اختى افراح على تواجدك الدائم
|
رد: العبادات التعاملية
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية الدرس : ( التاسع ) الموضوع : مقدمة عن القضاء الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. القضاء : أيها الأخوة المؤمنون، موضوع من أبرز موضوعات الفقه الإسلامي، هو موضوع القضاء، منذ أن شرفني الله عز وجل بالتدريس و الخطابة في هذا المسجد ما خطر في بالي أبداً أن أعالج هذا الموضوع، لظني أنه موضوع اختصاصي، من شأن القضاة وحدهم، ولكن مع مرور الزمن تبين أن هناك أشخاصاً كثيرين يقومون بشكل أو بآخر بدور القضاة. فالبنت التي تأتي أباها وقد غضبت من زوجها، أليس الأب قاضياً؟ يستمع منها ما شاء له أن يستمع، ولا يخطر في باله أبداً أن يسأل صهره الكريم ما القصة؟ وما الحدث؟ فالأب الذي يحكم على صهره دون أن يستمع منه، ويكتفي بكلام ابنته، فهو قاض ظالم، والأم كذلك، ورئيس الدائرة الذي يختلف أمامه موظفان، فيرجح جانباً على جانب، من دون أن يأخذ بأسباب القضاء. تكشف لي من خلال مضي الأيام أن القضاة الذين يقضون بين الناس أكبر بكثير، وعددهم أكثر بكثير من القضاة الذين نصبوا في قصر العدل، ألا يختلف التجار فيما بينهم؟ أكثر التجار يحكمون بعضهم في بت قضاياهم المعلقة، إذاً التاجر قد يكون قاضياً، و رئيس الدائرة قد يكون قاضياً، والأب قد يكون قاضياً، والأم قد تكون قاضية. ولا أعتقد أن هناك شعوراً يمس النفس البشرية أشد إيلاماً من الشعور بالظلم، أحياناً إذا ظلمت طفلاً صغيراً لا تزيد سنه عن خمس سنوات يكاد يخرج من جلده، تقول: طفل، إذا شكا رفيقه ضربت الاثنين معاً وقلت لهم: اذهبوا، فالمظلوم من الأطفال يكاد يتمزق، أي ما من شعور يسحق النفس كأن تشعر أنها مظلومة، لذلك ورد في الأثر أن عدل ساعة خير من أن تعبد الله ستين عاماً. والقصة التي تروى أن حجراً ضج بالشكوى إلى الله عز وجل قال: يا ربي عبدتك خمسين عاماً وأنا في دورة الخلاء؟ فقال الله عز وجل: تأدب يا حجر إذ لم أجعلك في مجلس قاضٍ ظالم، أي أن يكون الحجر في دورة المياه هذا أشرف له ألف مرة من أن يكون في مجلس قاصٍ ظالم. القضاء أن تقضي بين الناس بالحق : كما قلت قبل قليل: ما خطر في بالي في العشرين سنة الماضية أن أعالج موضوع القضاء، إلا أنني تأكدت أنه ما من واحد، إن كان أباً، أو أماً، أو كان موظفاً، أو طبيباً، أو مهندساً، أو معلماً، أو مديراً، أو رئيس دائرة، ما من إنسان إلا وهو يقوم بدور القاضي شاء أم أبى، يا ترى هناك بديهيات في القضاء، هناك مبادئ أساسية، نحن هنا في هذا الدرس لا يعقل أن ندخل في تفاصيل القضاء، ولكن هناك مبادئ أساسية مثلاً، أحد أكبر هذه المبادئ أن تستمع إلى الطرف الآخر، هناك أناس كثيرون يحكمون على أشخاص من زاوية واحدة، يغذى من جهة واحدة، فإذا أراد أن يحكم حكماً وكانت معلوماته من طرف واحد ثم استمع إلى الطرف الآخر يصعق، فهذه بديهية من بديهيات القضاء، أنا لا أتحدث عن القضاء الرسمي، أن تكون مستشاراً في محكمة استئناف، ولا أن تكون قاضي صلح، ولكن أن تكون قاضياً بين ابنتك وزوجها، أن تكون قاضياً بين تاجرين، بين شريكين، أن تكون مدير لمدرسة واختلف مدرسان، الحكم إليك، هذا هو القضاء، أن تقضي بين الناس بالحق، فلذلك قالوا: القضاء غاية رسالات الله. العدل أساس الرخاء و الاطمئنان : ما الذي يطمئن الناس؟ أن يشعروا أن الحقوق مصونة، وأن كل من اعتدى عليها مدان، و سينال عقابه الصارم، إذا شاع في المجتمع هذا الشعور نحن بخير. ولا أدل على ذلك من أن أحد رؤساء الوزارة في الدول الغربية عقب الحرب العالمية الثانية، طبعاً بلاده كلها مهدمة، المعامل مخربة، والزراعة متعطلة، الأموال مفقودة، كل شيء صفر، وقف في مجلس العموم، وسأل وزراءه وزيراً وزيراً، كيف حال الصناعة عندك يا فلان؟ قال له: المعامل كلها خربت بالقنابل، كيف حال النقد عندك يا وزير المالية؟ قال له: لا يوجد نقد، إفلاس كامل، كيف حال الصناعة؟ كيف حال التجارة؟ طبعاً يريد شيئاً، هذا رئيس الوزراء وصل إلى وزير العدل، فقال له: كيف العدل عندك يا فلان؟ قال: بخير، قال: إذاً كلنا بخير. أي لا يوجد شيء يمس حياة كل إنسان كالقضاء، كأن يصل الإنسان إلى حتفه أساساً. سيدنا عمر مشى في الطريق رأى غلماناً فلما رأوه تفرقوا إلا واحداً منهم، سأله: أيها الغلام لمَ لم تهرب مع من هرب؟ قال له: أيها الأمير لست ظالماً فأخشى ظلمك، و لست مذنباً فأخشى عقابك، والطريق يسعني ويسعك، هذا الغلام الصغير رسم سياسة المجتمع، أي في المجتمع الذي يخاف فيه المذنب ويطمئن البريء هذا مجتمع متفوق جداً، هذا مجتمع متقدم، وفي المجتمع الذي يخاف فيه البريء ويطمئن المذنب هذا تخلف قضائي ما بعده تخلف، أي هذا المجتمع في طريق الهاوية. ((عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ امْرَأَةً سَرَقَتْ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ فَفَزِعَ قَوْمُهَا إِلَى أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ يَسْتَشْفِعُونَهُ قَالَ عُرْوَةُ: فَلَمَّا كَلَّمَهُ أُسَامَةُ فِيهَا تَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَتُكَلِّمُنِي فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ، قَالَ أُسَامَةُ اسْتَغْفِرْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَلَمَّا كَانَ الْعَشِيُّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ خَطِيبًا، فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ، أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّمَا أَهْلَكَ النَّاسَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا، ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتِلْكَ الْمَرْأَةِ فَقُطِعَتْ يَدُهَا فَحَسُنَتْ تَوْبَتُهَا بَعْدَ ذَلِكَ وَتَزَوَّجَتْ، قَالَتْ عَائِشَةُ فَكَانَتْ تَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ فَأَرْفَعُ حَاجَتَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ )) [البخاري عَنِ الزُّهْرِيِّ ] ما من مجتمع يشعر بالطمأنينة، والرخاء، والطيب كالمجتمع الذي يسوده العدل. العدل أساس الملك : نحن اتفقنا في دروس كثيرة الإنسان مسؤول في الدائرة التي أقامه الله بها، لا علاقة لنا نحن بالأمور العامة، لنا علاقة بالبيوت، أي لا يستطيع الأب أن يعدل بين أولاده، ممكن يعطي ابناً، يزود أول ابن ببيت وسيارة، ويعطيه نصف المعمل، وعنده خمسة أولاد بلا شيء، ممكن! ممكن ابن من زوجة يعطيه كل شيء، وابن الزوجة المطلقة لا يعطيه شيئاً، ممكن! هذا قاض تفضل، فلذلك لا أعتقد أن واحداً من الحاضرين ولا إنسان في المجتمع إلا ويتعرض إلى موقف القضاء، فالأب محكم بين أولاده، فإما أن يعدل بينهم، وإما أن يجور عليهم. ((عَنِ الشَّعْبِيِّ عليه الصلاة والسلام، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: انْطَلَقَ بِي أَبِي يَحْمِلُنِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ اشْهَدْ أَنِّي قَدْ نَحَلْتُ النُّعْمَانَ كَذَا وَكَذَا مِنْ مَالِي، فَقَالَ أَكُلَّ بَنِيكَ قَدْ نَحَلْتَ مِثْلَ مَا نَحَلْتَ النُّعْمَانَ قَالَ: لا، قَالَ فَأَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي ثُمَّ قَالَ: أَيَسُرُّكَ أَنْ يَكُونُوا إِلَيْكَ فِي الْبِرِّ سَوَاءً قَالَ بَلَى قَالَ فَلا إِذًا )) [ مسلم عَنِ الشَّعْبِيِّ ] فأنا كنت أتوهم أن هذا الموضوع اختصاصي، خاص بالقضاة، ثم وجدت أن هذا الموضوع من ألصق الموضوعات بالمؤمنين، أي أنت قاض في أغلب الأحيان، في بيتك قاض، مع أولادك قاض، بين أولادك قاض، بين الذكور والإناث قاض، بين زوجتك وأهلها، بين صهرك وابنتك، لابد من أن تقف موقف القاضي، على مستوى الأسرة، لذلك العدل أساس الملك، ما من أسرة ترقى وتزدهر إلا بالعدل، بين الذكور والإناث، وبين الإناث والذكور، فالعدل إذاً قيمة من قيم الإيمان العليا، بل إنه هدف من هدف رسالات الأنبياء، العدل يشيع الطمأنينة بين الناس، و ينشر الأمن. حدثني أخ يعمل في الأمن الجنائي، موضوع الجرائم وما الجرائم، قال لي: دخلت علينا امرأة محجبة وسمعت صوت شاب يصيح من التعذيب، هذه المرأة خرجت عن طورها، وانطلقت تسب هؤلاء الذين يعذبون الشاب، قال لي هذا الضابط: ترفقنا بها وقلنا لها: يا أختي هذا الشاب الذي نعاقبه زنا بفتاة قاصر وقتلها، قال لي هذا الضابط: فجأةً انقلبت هذه المرأة إلى امرأة أخرى تلهج بالثناء والدعاء لهم، شيء مريح، إنسان يزني بفتاة قاصر، ويقتلها!! إن الله يذع في السلطان ما لا يذعه في القرآن. إقامة العدل يشيع الأمن : لذلك العدل من أوثق الموضوعات في حياة المؤمنين، وكم من رجل يصلي ويصوم، ويحج، ولا يقيم العدل في بيته، ولا مع أولاده، ولا بين أصهاره، تجد صهراً مقرباً، وصهراً منبوذاً، أنا سمعت قصة من صديق، طبعاً زوجته لها أب ميسور الحال، و له بيت مصيف من أرقى المصايف، فهذه الفتاة دعت زوجها وأولادها إلى زيارة أبيها في هذا المصيف، في أحد أيام العيد رأت أخوتها هناك هي من أم غير الأم التي مع أبيها، طبعاً الأولاد الآخرون مدعوون لتناول طعام الغذاء عند أبيهم، في أول أيام العيد، في المصيف والطعام ما لذّ وطاب، هذه الفتاة التي هي ابنة صاحب البيت، مع زوجها، لم تستقبل الاستقبال الكافي، ثم طردت، أو ما يشبه الطرد حتى يفرغ الجو لأخوتها الأخريات، تقول هذه الفتاة: تألمت ألماً لا يعلمه إلا الله، كسر قلبها، هذا ظلم، هذه ابنتك، وهذه ابنتك، عندما تستقبل هؤلاء وترحب بهم، وتدعوهم لتناول طعام الغذاء، وهذه لأنها من زوجة مطلقة، وزوجتك الحالية لا ترضى عنها، طردت من البيت في أول أيام العيد، لما أعطيت ابنتك من هذه الزوجة خمسة آلاف وأعطيت هذه خمسمئة، وهذه ابنتك و هذه ابنتك هذا ظلم كبير، و هناك كل موقف من الآباء يهتز له عرش الرحمن. فلذلك أيها الأخوة، هذا الموضوع ليس اختصاصياً، هذا الموضوع لصيق بكل مؤمن، طبعاً أنا لا أعالجه من زاوية القضاء الرسمي، و المحاكم الصلح، والبداية، والاستئناف، والنقد، ولا أعالجه من نواح أخرى، أنا أعالج موضوع القضاء من حياة المؤمن، هو في أسرة، هو شريك في عمل، هو حكم تجاري، هو مدرس على طلاب، هو مهندس على عمال، لا يوجد إنسان إلا وكل إليه أمر بعض الأشخاص، فكل مجموعة أشخاص تحت رعايتك، فأنت بشكل أو بآخر قاضٍ عليهم، لذلك القضاء العدل يشيع الطمأنينة، يشيع الأمن، تشتد العلاقات بين الأفراد، تقوى الثقة بين الحاكم والمحكوم، تنمو الثروة، لأن بالطمأنينة الإنسان يتحرك، أما أخذ ماله، أقام دعوى بقيت لعشر سنوات، ثم خرج السارق بكفالة، وانتهى الأمر، والموضوع تلفلف، فهذا الشيء مؤلم جداً. مهمة الأنبياء : الحقيقة مهمة الأنبياء والرسل القيام بأمر العدل وتنفيذه، قال تعالى: ﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾ [ سورة الحديد : 25 ] آية واضحة جداً: ﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ﴾ [ سورة الحديد : 25 ] إذاً أحد أكبر أهداف إرسال الأنبياء والمرسلين أن يقوموا بالعدل والقسط بين الناس. أكبر أهداف الأنبياء أن يقوموا بالعدل والقسط : (( بَيْنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْسِمُ ذَاتَ يَوْمٍ قِسْمًا، فَقَالَ ذُو الْخُوَيْصِرَةِ - رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ- يَا رَسُولَ اللَّهِ اعْدِلْ قَالَ: وَيْلَكَ! مَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَعْدِلْ )) [ البخاري عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ] يقولون إن النبي عليه الصلاة والسلام كان عمه العباس مقيماً في مكة، و كان قد آمن به، وأخفى عن المشركين إيمانه، وإسلامه، وقام بدور خطير جداً، كان عين النبي عليه الصلاة والسلام في مكة، فكلما أجمعت قريش أمراً ضد محمد عليه الصلاة والسلام، كان العباس يخبر النبي عليه الصلاة والسلام بالخبر، فما دام عمه العباس بين علية القوم في مكة فلن يفاجأ النبي عليه الصلاة والسلام، أي هذا موقف ذكي جداً، أن إنساناً له خصم، وخصم شرس وقوي، و يتربص به الدوائر، فأن يكون لك عينٌ بين صفوفه، وبين قياداته، القضية في منتهى الذكاء، فالنبي عليه الصلاة والسلام بعد أن أسلم عمه العباس أمره أن يبقى في مكة، وأن يخفي عن الناس إسلامه، ليكون عيناً له في هذه البؤرة الخطرة، جاءت معركة بدر، دققوا الآن النبي عليه الصلاة والسلام أمر أصحابه ألا يقتلوا عمه العباس، هكذا الأمر جاء من دون تفاصيل، إذا رأيتم عمي العباس فلا تقتلوه، الأمر غامض، لو قال النبي لهم إن عمي أسلم فلا تقتلوه شاع الخبر، وصل إلى مكة فانتهى دور عمه، لو أمر عمه ألا يخرج مع المشركين بحرب محمد ينكشف عندهم أيضاً، إن لم يشارك عمه في الخروج لحربه ينكشف أمره، وإن لم يأمر أصحابه ألا يقتلوه ربما قتلوه على أنه مشرك، ولو أنه أعلن أن عمه قد أسلم ينكشف أمره، فالنبي لحكمة بالغة قال: إذا رأيتم عمي العباس فلا تقتلوه، هناك صحابي ضعيف الإيمان قال: أحدنا يقتل أخاه وأباه في الحرب، وينهانا النبي عن قتل عمه، أي ما رأى الحكمة بل رآها عصبية، لأنه ألزم ألا يقتل عمه، أما نحن فنقتل آباءنا، فلما كشف الأمر لهذا الصحابي يقول هذا الصحابي: بقيت عشر سنوات وأنا أتقرب إلى الله بالنوافل والصدقات لعل الله يغفر لي هذا الظن السيئ برسول الله، قَالَ: وَيْلَكَ! مَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَعْدِلْ؟ أي إذا المؤمن ما عدل من يعدل؟ لكن الذي يعرف الله لم يعدل، إذا كان جائراً، ظالماً، على مستوى أولاده، من يعدل إذاً؟ الكافر سيعدل؟ ﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ﴾ [ سورة الحديد : 25 ] كلّ إنسان قاض في عمله : النبي عليه الصلاة والسلام حينما أنشأ أول دولة في المدينة نصب نفسه قاضياً بين الناس، فجاء في الصحيفة المعاهدة بينه وبين اليهود، إنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث، أو شجار يخاف فساده، فإن مرده إلى الله عز وجل، وإلى محمد رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، معنى هذا أن الإنسان الكبير هو القاضي، الآن كبير العائلة هو القاضي بين أفراد العائلة، الأب هو القاضي، المعلم هو القاضي، المهندس هو القاضي، الطبيب في المستشفى هو القاضي، بأي مكان الرجل القيادي شاء أم أبى هو قاض أيضاً، كل هذه التمهيدات من أجل أن تنتبهوا إلى أنكم في الأعم الأغلب تعملون عمل القاضي، إما في بيتكم، أو في مساجدكم، أو في أعمالكم، وَاللَّهِ سبحانه وتعالى يقول: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا * وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ [ سورة النساء: 105-106 ] على الإنسان أن يكون عادلاً بين كل من يلوذ به : أيها الأخوة، الآن جانب كبير من دينك أساسه أن تكون عادلاً بين كل من يلوذ بك، بين كل من تتولى ولايته، تتولى أمره، وبين كل من ولاك الله عليهم، أي أحد أكبر الجوانب بإيمانك فيما ولاك الله عليهم. ((عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلام قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْيَمَنِ قَاضِيًا فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ تُرْسِلُنِي وَأَنَا حَدِيثُ السِّنِّ، وَلا عِلْمَ لِي بِالْقَضَاءِ، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ سَيَهْدِي قَلْبَكَ وَيُثَبِّتُ لِسَانَكَ، فَإِذَا جَلَسَ بَيْنَ يَدَيْكَ الْخَصْمَانِ فَلا تَقْضِيَنَّ حَتَّى تَسْمَعَ مِنَ الآخَرِ كَمَا سَمِعْتَ مِنَ الأَوَّلِ، فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يَتَبَيَّنَ لَكَ الْقَضَاءُ، قَالَ: فَمَا زِلْتُ قَاضِيًا أَوْ مَا شَكَكْتُ فِي قَضَاءٍ بَعْدُ )) [ أبو داود عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلام] القاضي لما يستلهم الله عز وجل، الله يلهمه الصواب، والإنسان مفتقر لله عز وجل. ﴿ وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ*فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آَتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ ﴾ [ سورة الأنبياء: 78-79] أحياناً القاضي إذا كان مستعيناً بالله، مفتقراً إليه، يكشف الله عن بصيرته، ويرى المذنب من غير المذنب. يقول سيدنا علي: " فو الذي فلق الحبة، ما شككت في قضاء بين اثنين"، أي يتضح له الحكم حتى يكون جلياً، واضحاً، لا لبس فيه، لا غموض فيه، لا اضطراب فيه. إذا حكمت بين اثنين فلا تسمع لأحدهما دون الآخر : الآن نصيحة لوجه الله تعالى: إذا إنسان شكا لك عن إنسان لا تستمع إليه، قل له: آتِ بخصمك وتعال، لأنه إن استمعت له وحده سيلقي عليك معلومات كثيفة جداً كلها من جانب واحد، و يخفي عنك الجانب الآخر، فلو جلس أمام خصمه ليتحدث إليك، أربعة أخماس الكلام يسكت عنه، الخصم موجود، فأول شيء إذا حكمت بين اثنين بين ولديك، وبين بناتك، بين أصدقائك، بين شركائك، إياك أن تصغي إلى واحد منهم في غيبة الآخر، لأن كل إنسان يتكلم وفق ما يريد، يبرز نقاطاً، ويخفي نقاطاً، النقاط التي أبرزها يبالغ بها، والنقاط التي ليست في صالحه يكتمها، فلو كان الخصم جالساً تأكدوا - كما أقول لكم - تسعة أعشار الكلام الذي كان سيقوله أمامك وحده عن خصمه لن يقوله لك في حضور خصمه، فأنت حتى توفر وقتك، وجهدك، إذا حكمت بين اثنين لا تقبل أن تسمع لواحد منهما منفرداً عن الآخر، لأن فيه خطورة، الخطورة أنه قال: عرفت هواها قبل أن أعرف الهوى فصادف قلباً خالياً فتمكنا *** أنت كقاض خال الذهن، يأتي أول إنسان صفحتك بيضاء يملؤها بحجج، واتهامات، وإشارات ضد خصمه، الخصم الثاني عليه مهمتان: يزيل من ذهنك ما ثبت عنه، ثم يبين حجته، فأنت كلفت الخصم فوق طاقته، أما إن لم تستمع إلا إلى الاثنين معاً فهذا من الحكمة بمكان. قال له يا علي: ((...إِذَا جَلَسَ بَيْنَ يَدَيْكَ الْخَصْمَانِ فَلا تَقْضِيَنَّ حَتَّى تَسْمَعَ مِنَ الآخَرِ كَمَا سَمِعْتَ مِنَ الأَوَّلِ، فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يَتَبَيَّنَ لَكَ الْقَضَاءُ...)) [ أبو داود عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلام] هذه أول قاعدة، كل إنسان كُلف أن يقضي بين اثنين، رفعت إليه قضية، أول نصيحة من النبي عليه الصلاة والسلام عليه أن يستمع إلى الخصمين معاً، والأكمل أن يستمع إليها معاً في مجلس واحد. يروى أن أحد القضاة في العصر العباسي كان من أنزه القضاة، طرق بابه، وقدم الطارق طبقاً من الرطب، أي أكلة نفيسة جداً من أرقى أنواع الحلويات في ذلك الزمان، من الرطب في بواكيره، فهذا الرطب في بواكيره كان يحبه القاضي، فسأل الغلام: من قدم هذا الطبق؟ قال له: رجل، قال له: صفه لي، قال: شكله كيت وكيت، فعرف أن هذا أحد خصومه في القضاء، أحد المتداعيين، المتقاضيين عنده، فرد الطبق، وفي اليوم التالي حكم بينهما، وفي اليوم الثالث توجه إلى الخليفة، وقال: أرجو أن تعفيني من منصب القضاء، قال له ولمَ؟ قال له: وَاللَّهِ قبل يومين طرق بابي فقدم لي طبق من رطب في بواكيره، وقد عرف الناس أنني أحب هذه الفاكهة في بواكيرها، فلما علمت أنه من أحد الخصوم رددته، في اليوم التالي تمنيت أن يكون صاحب الحق هو الذي قدم لي هذا الطبق، مع أني رددته فكيف لو قبلته؟ هكذا كان القضاة. أما الآن إنسان له دعوة إخلاء، تلقى هاتفاً، فقال له: أنا فلان القاضي، وخصمك دفع لي ثلاثمئة ألف، ما قولك أنت تزيد عليهم أم يذهب من يدك البيت؟ انتبه، هذا القاضي موديل جديد، قال له: في اليوم التالي تمنيت أن يكون صاحب الحق هو الذي قدم لي هذا الطبق، مع أني رددته، فكيف لو قبلته؟ لذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: ((عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: الْقُضَاةُ ثَلاثَةٌ وَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ، وَاثْنَانِ فِي النَّارِ، فَأَمَّا الَّذِي فِي الْجَنَّةِ، فَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَقَضَى بِهِ، وَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَجَارَ فِي الْحُكْمِ فَهُوَ فِي النَّارِ وَرَجُلٌ قَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ فَهُوَ فِي النَّار)) [ أبو داود عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ] والآن ثلاثة، طبعاً إلا من رحم ربك، المؤمن مؤمن، لا يغير ولا يبدل، بكل عصر، وكل مصر، أما إذا الإنسان غاب عنه الإيمان وطمع في الدنيا فالأمر خطير. القضاء فرض كفاية : الشيء الثاني: القضاء فرض كفاية، إذا قام به البعض سقط عن الكل، أما إذا اعتذر الجميع، فعلى الحاكم أن يجبر من يثق بعلمه وورعه على منصب القضاء. ((عن الزُّهْرِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ قَيْسَ بْنَ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لا حَسَدَ إِلا فِي اثْنَتَيْنِ رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالا فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا )) [ البخاري عن الزُّهْرِيُّ] ((عن أَبُي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَنْ طَلَبَ قَضَاءَ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى يَنَالَهُ ثُمَّ غَلَبَ عَدْلُهُ جَوْرَهُ فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَمَنْ غَلَبَ جَوْرُهُ عَدْلَهُ فَلَهُ النَّارُ)) [أبو داود عن أَبُي هُرَيْرَةَ] وَاللَّهِ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ كما قال عليه الصلاة والسلام دققوا في هذا الحديث: ((عن عِمْرَانُ بْنُ حِطَّانَ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ فَذَاكَرْتُهَا حَتَّى ذَكَرْنَا الْقَاضِيَ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: لَيَأْتِيَنَّ عَلَى الْقَاضِي الْعَدْلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ سَاعَةٌ يَتَمَنَّى أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ بَيْنَ اثْنَيْنِ فِي تَمْرَةٍ قَطُّ )) [ أحمد عن عِمْرَانُ بْنُ حِطَّانَ ] و قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لا حَسَدَ إِلا فِي اثْنَتَيْنِ رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالا فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا )) [البخاري عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا] وقال أيضاً :((عن أَبُي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَنْ طَلَبَ قَضَاءَ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى يَنَالَهُ ثُمَّ غَلَبَ عَدْلُهُ جَوْرَهُ فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَمَنْ غَلَبَ جَوْرُهُ عَدْلَهُ فَلَهُ النَّارُ )) [أبو داود عن أَبُي هُرَيْرَةَ] وَاللَّهِ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ كما قال عليه الصلاة والسلام دققوا في هذا الحديث.((عن عِمْرَانُ بْنُ حِطَّانَ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ فَذَاكَرْتُهَا حَتَّى ذَكَرْنَا الْقَاضِيَ فَقَالَتْ عَائِشَةُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: لَيَأْتِيَنَّ عَلَى الْقَاضِي الْعَدْلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ سَاعَةٌ يَتَمَنَّى أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ بَيْنَ اثْنَيْنِ فِي تَمْرَةٍ قَطُّ )) [أحمد عن عِمْرَانُ بْنُ حِطَّانَ ] لأنها حقوق العباد.((عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الْقَاضِي مَا لَمْ يَجُرْ فَإِذَا جَارَ تَخَلَّى عَنْهُ وَلَزِمَهُ)) [ الترمذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى] وفي حديث آخر.((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ وَلِيَ الْقَضَاءَ فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ )) [ أبو داود عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ] مَنْ وَلِيَ الْقَضَاءَ فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ، وهذا تعبير شائع، ما ذبح لكنه هلك، وقد فسر المفسرون هذا الحديث، أنه من تولى القضاء و لم يكن أهلاً له، ولم يكن عالماً بالكتاب والسنة، ولم يكن خبيراً بأحوال النفس البشرية، ولم يكن مطلعاً على العلم الشرعي، من ولي القضاء من دون أدواته فقد ذبح بغير سكين.((عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلا تَسْتَعْمِلُنِي قَالَ فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى مَنْكِبِي ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ إِنَّكَ ضَعِيفٌ وَإِنَّهَا أَمَانَةُ وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ إِلَّا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا )) [مسلم عَنْ أَبِي ذَرٍّ] القضاء عمل جليل وعظيم : القضاء عمل جليل، وعمل عظيم، أحياناً يتلقى تهديدات، أحياناً يأتيه خصمان متفاوتان، أحدهما رفيع الشأن، والثاني من عامة الناس، والحكم مع هذا الأول، أحياناً يأتيه غني وفقير، أحياناً يأتيه قوي وضعيف، أحياناً يأتيه حاكم ومحكوم، فالقاضي يحتاج إلى مستوى رفيع جداً من الإيمان، ومن مراقبة الله عز وجل، والخوف منه.((عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَا وَرَجُلانِ مِنْ قَوْمِي فَقَالَ أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ: أَمِّرْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَقَالَ الآخَرُ مِثْلَهُ، فَقَالَ إِنَّا لا نُوَلِّي هَذَا مَنْ سَأَلَهُ وَلا مَنْ حَرَصَ عَلَيْهِ)) [ البخاري عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِي اللَّه عَنْه ] لذلك قالوا: طالب الولاية لا يولى.((عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنِ ابْتَغَى الْقَضَاءَ وَسَأَلَ فِيهِ شُفَعَاءَ وُكِلَ إِلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أُكْرِهَ عَلَيْهِ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ مَلَكًا يُسَدِّدُهُ )) [الترمذي عن أنس ] إذا أكره عليه؛ معنى هذا هو متعفف، معنى هذا هو ورع، فإذا أكره أنزل الله عليه ملكاً يسدده، فإذا طلبه، وطلب الشفعاء من أجله عندئذٍ أوكل إلى نفسه، وقد يقع في شر عمله، وقد يكون تدميره في تدبيره، والخوف من العجز عن القيام بالقضاء على الوجه الأكمل هو السبب بامتناع بعض الأئمة الكبار في قبول منصب القضاء. صفات القاضي : من طريف ما يروى، أن ابن شريح دعي إلى أن يتولى القضاء - قضاء مصر - فلما عرض عليه الأمير امتنع فدعا له في السيف، قلنا قبل قليل: يجوز للحاكم أن يجبر صاحب الكفاءة، والعلم، والورع على أن يتولى القضاء، فدعا له بالسيف، أي إما أن تقبل، وإما أن أقطع رأسك، لا يوجد غيرك مناسباً، فلما رأى ذلك، أخرج مفتاحاً كان معه - مفتاح بيته - وقال: هذا مفتاح بيتي، ولقد اشتقت إلى لقاء ربي، فلما رأى الأمير هذا تركه، هذا المفتاح وتفضل واقتلني، ولا أتسلم القضاء. العلماء قالوا: لا يصلح للقضاء إلا من كان عالماً بالكتاب والسنة، فقيهاً في دين الله، قادراً على التفرقة بين الصواب والخطأ، بريء من الجور، بعيداً عن الهوى. والفقهاء اشترطوا أيضاً في القاضي أن يرقى إلى مستوى الاجتهاد، فيكون عالماً بآيات الأحكام، وأحاديث الأحكام، عالماً بأقوال السلف، وما أجمعوا عليه، وما اختلفوا فيه، عالماً باللغة، عالماً بالقياس، وأن يكون مكلفاً ذكراً، عدلاً، سميعاً، بصيراً، ناطقاً، هذه الصفات التي أوجبها الفقهاء في القاضي. ((عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: لَقَدْ نَفَعَنِي اللَّهُ بِكَلِمَةٍ سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيَّامَ الْجَمَلِ، بَعْدَ مَا كِدْتُ أَنْ أَلْحَقَ بِأَصْحَابِ الْجَمَلِ فَأُقَاتِلَ مَعَهُمْ قَالَ: لَمَّا بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ أَهْلَ فَارِسَ قَدْ مَلَّكُوا عَلَيْهِمْ بِنْتَ كِسْرَى قَالَ: لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً)) [البخاري عَنْ أَبِي بَكْرَةَ] الحكمة من عدم تولي امرأة القضاء : الآن هناك رغبة عند معظم الشعوب أن تولي عليها امرأة، رئاسة وزارة، تركية وفرنسا، وانكلترا، والهند، لأن المرأة على جانب رفيع جداً من المكانة عند الله، هي مشرفة كالرجل، مكلفة كالرجل، ولكن ليس الذكر كالأنثى، لها صفات وخصائص تؤهلها لأن تكون أماً في المرتبة الأولى، أما أن تكون قاضيةً، هل بإمكان امرأة امتلأت عاطفة حب أن تحكم بالإعدام على إنسان؟ صعب جداً، أن تحقق في موضوع أخلاقي، في جريمة جنسية مثلاً، فالله عز وجل أكرمها بالحياء، أبرز ما في المرأة حياؤها، أن تستمع إلى التفاصيل من المجرمين، وأن تدير النقاش فيما بينهم، هذا شيء صعب جداً، وقد قال الله عز وجل: ﴿ يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ ﴾ [ سورة صَ : 26 ] من ليس أهلاً للحكم فلا يقضِ بين الناس : الله جلّ جلاله وجه الخطاب لسيدنا داود، قال يا داود: ﴿ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ [ سورة صَ : 26 ] والإنسان عليه أن تكون هذه الآية نبراساً أمامه، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، إذا كان النبي وهو المعصوم يخشى عليه من اتباع الهوى، فأولى أن يخشى غيره ذلك، هذا تحت قاعدة الأولى من باب أولى، فإذا كان النبي عليه الصلاة والسلام مأموراً بالاستقامة فنحن من باب أولى.((عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: الْقُضَاةُ ثَلاثَةٌ وَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ، وَاثْنَانِ فِي النَّارِ، فَأَمَّا الَّذِي فِي الْجَنَّةِ، فَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَقَضَى بِهِ، وَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَجَارَ فِي الْحُكْمِ فَهُوَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ قَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ فَهُوَ فِي النَّارِ)) [أبو داود عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ ] انظر إلى الجهل، إن لم تكن عارفاً بالحكم وقضيت ظلماً، هذا القاضي بالنار، وإن عرف الحق وقضى بخلافه فهو بالنار، أما إذا عرف الحق وقضى به فهو بالجنة، لذلك النبي قال:((...الْقُضَاةُ ثَلاثَةٌ وَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ، وَاثْنَانِ فِي النَّارِ..)) [ أبو داود عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ] لذلك كان بعض القضاة لا يصدر حكماً إلا إذا تأكد أن هناك فتوى لفقيه كبير تؤكد حكمه، حتى أن بعضهم كان يزيل حكمه برأي المجتهد الكبير، على مذهب أبي حنيفة الموضوع في الحاشية الفلانية، في كتاب السرخسي، صفحة كذا، الحكم القضائي من شدة ورعه، يأتي باجتهاد الفقهاء، مدعماً به حكمه. والعلماء قالوا: كل من ليس بأهل للحكم فلا يحل له أن يقضي بين الناس، فإن حكم فهو آثم، ولا ينفذ حكمه، ولو وافق الحق، لأنه قد يوافق الحق صدفة، من لم يكن أهلاً للحكم في القضاء بين الناس، لا يملك العلم بالكتاب والسنة، ولا بالأحكام الفقهية، ولا بالقدرة على التفريق بين الحق والباطل، وليس يعلم دقائق اللغة العربية، من لم يكن كذلك لا يحق له أن يحكم، وإذا حكم لا ينفذ حكمه ولو جاء صواباً لأن هذا فاقد الأهلية.((عَنْ مُعَاذٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِمُعَاذِ ابْنِ جَبَلٍ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ: فَذَكَرَ كَيْفَ تَقْضِي إِنْ عَرَضَ لَكَ قَضَاءٌ، قَالَ أَقْضِي بِكِتَابِ اللَّهِ قَالَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي كِتَابِ اللَّهِ، قَالَ: فَسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي سَنَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: أَجْتَهِدُ رَأْيِي وَلا آلُو، قَالَ: فَضَرَبَ صَدْرِي فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَا يُرْضِي رَسُولَهُ )) [أحمد عَنْ مُعَاذٍ ] كلكم يذكر أن سيدنا عمر رَضِي اللَّه عَنْه جاءته امرأة تشكو زوجها، قالت: يا أمير المؤمنين إن زوجي صوام قوام، أي يصوم النهار، ويقوم الليل، يبدو أن سيدنا عمر كانت أعباؤه كثيرة جداً، فقال لها: بارك الله لك في زوجك، والله شيء جميل، صوام في النهار، قوّام في الليل، في الليل يصلي وفي النهار يصوم، أحد الصحابة الكرام كان إلى جانبه فقال: يا أمير المؤمنين إنها تشكو زوجها، لا تمدحه إنها تشكوه، قال: إن فهمت كذلك فاقض بينهما، فهذا الصحابي قضى لها أن يخصص لها كل أربعة أيام يوماً واحداً، من أين جاء بهذا الحكم؟ لو أن هذا الإنسان له أربعة زوجات، وفق السنة، نصيبها يوم من أربعة، أعطاها يوماً من أربعة أيام، أعجب به سيدنا عمر فولاه قضاء البصرة. أحياناً الله عز وجل يلهم القاضي الحكم الصحيح:(( قَالَ لِمُعَاذِ ابْنِ جَبَلٍ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ: فَذَكَرَ كَيْفَ تَقْضِي إِنْ عَرَضَ لَكَ قَضَاءٌ قَالَ أَقْضِي بِكِتَابِ اللَّهِ، قَالَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي كِتَابِ اللَّهِ، قَالَ: فَسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي سَنَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: أَجْتَهِدُ رَأْيِي)) [أحمد عَنْ مُعَاذٍ ] متى يكون الاجتهاد؟ عندما لا يكون للقضية مورد في النص.قواعد متعلقة بالقضاء : الآن عندنا مجموعة قواعد، أحياناً الإنسان يسألك سؤالاً أن تحكم بين اثنين وأنت مستعجل، أنت مقدم على عمل، أنت جائع، أنت في حر شديد، العلماء قالوا: على القاضي أن يتحرى الحق، فيبتعد عن كل ما من شأنه أن يشوش عليه فكره، فلا يقضي أثناء الغضب، ماذا قال سيدنا سليمان لما جاءه الهدهد وحدثه عن بلقيس قال: ﴿ قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ﴾ [ سورة النمل: 27] هناك نصيحة أن الإنسان لا يتخذ قراراً وهو غاضب، كل قضية صاحبها غاضب ليقل في نفسه لا أحكم على هذا الموضوع إلا بعد أسبوع، بعد أسبوع يهدأ الإنسان، والله أنا أعاني من أخواننا، تجد أخاً متزناً وهادئاً، بساعة غضب طلق زوجته، وهو يحرص عليها حرصاً بالغاً، وهو يكره فراقها كفراق دينه، غضب ذهب إلى بعض العلماء قال: العملية منتهية، لا يوجد أمل، علماء آخرون أفتوا له فوقع في تشويش كبير، كلها من ساعة الغضب. فلذلك القاضي عليه ألا يقضي وهو غضبان، ولا في أثناء الجوع المفرط، أحياناً عنده اجتماعات ببعض الوزارات يفرضون ضرائب بعد الساعة الثانية والنصف، كلهم متعبون و يريدون أن ينهوا هذا الاجتماع بسرعة، فيضعون بالمئة مئة ضرائب، هذا الاجتماع يجب ألا يتم إلا بعد الظهر حيث يكونون مرتاحين، القاضي إذا كان جائعاً جوعاً مفرطاً، أو يعاني من الهم المقلق، ابنه مريض مرضاً خطيراً، معه التهاب سحايا، فيجب ألا يقضي بهذا الوقت لأنه مشوش، أو في الخوف المزعج، أو في النعاس الغالب، ما سمع الثاني سمع الأول ثم نام، والثاني ما سمعه عندما تكلم، أو في الحر الشديد، أو في البرد الشديد، أو في شغل القلب، ، إذا كان القاضي شاباً خاطباً، وصار هناك مشكلة مع خطيبته مثلاً، هذا تشوش، يجب ألا يحكم الآن، إذاً في الغضب الشديد، أو الجوع المفرط، أو الهم المقلق، أو الخوف المزعج، أو النعاس الغالب، أو الحر الشديد، أو البرد الشديد، أو شغل القلب شغلاًً يصرفه عن المعرفة الصحيحة، كل هذا استنبط من حديث النبي الكريم:(( لا يَقْضِي الْقَاضِي بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ)) [أحمد عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ ] من يستطيع أن يشهد شهادة تقيم الحق فليفعل : عدل ساعة خير من أن تعبد الله ثمانين عاماً، إذا رأيت إنساناً مظلوماً، و كان بإمكانك أن تشهد شهادة صحيحة تنقذه من الظلم فهذا عمل عظيم، لا تقول: لا وقت لديّ، هذا كلام الشياطين، هذا كلام الجهال، إذا كان بإمكانك أن تشهد شهادة تقيم الحق، تنصف المظلوم، فافعل، هذا من أجلّ الأعمال الصالحة، قال تعالى: ﴿ وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا ﴾ [ سورة البقرة : 282] إنسان مستقيم لا يعرف غير زوجته، زوجته محجبة، غاض بصره، يتهم بأنه يفسد، جاؤوا بشاهد زور وشهد وحلف يميناً، سألوا الكذاب: تحلف؟ قال: جاء الفرج، يحلف طبعاً، أما المؤمن فلا يشهد إلا بالحق، كل واحد منكم معرض لأن يكون شاهداً بقضية لا يتردد، لا يرفض، لا يقول لا وقت لدي، أنقذ هذا الإنسان المظلوم من الظلم. القضاء مسؤولية كبيرة جداً : هذا الموضوع له تفصيلات أخرى، أي الإنسان أقل شيء يقضي بين أولاده، أقل شيء يقضي بين صهره وابنته، أقل شيء يقضي بين شريكين، أقل شيء يقضي بين بعض الأقارب، إذا كان كبير العائلة قاضياً بين كل أفراد هذه العائلة، فنحن هذا الموضوعات ليست اختصاصية، هذه موضوعات عامة، أهم ما فيها إياك أن تستمع من طرف واحد، أنا لولا أنني ترفع إليّ مجموعة قضايا ملخصها أن ابنته تشاجرت مع زوجها فذهبت إلى والدها و تكلمت ما شاء لها أن تتكلم، الأب عاقل، وكبير العائلة، وفهمان، ومثقف، سمع منها فقط، حتى امتلأ حقداً على صهره، وأخذ موقفاً عنيفاً، ما كلف خاطره أن يسأل صهره مرة يا بني احكِ أنت ماذا فعلت معك، هذا لا يجوز أبداً، هذا شيء يتكرر، لولا أنه تكرر مرات كثيرة جداً لما قلته لكم، أحياناً ابنك يشتكي لك عن جاره، اسمع من الجار أيضاً، قد يكون ابنك هو الظالم، من السذاجة، والغباء، وضيق الأفق، والتخلف العقلي أساساً أن تنحاز مع ابنك انحيازاً أعمى، وهو على باطل، هذا سلوك جاهلي أساساً، من هو المؤمن؟ المؤمن إنسان راق، علامة المؤمن أنه ينصف الناس من نفسه، فأنتم قضاة، شئتم أم أبيتم، أنت وجارك، وأنت وأخوك، وأنت وابن عمك، وأنت وشريكك، وأنت صديقك، وأنت وأحد الأخوان بالمسجد، وأحياناً ببيعة تختلفون، هل من المعقول من أجل بيعة ترفعون على القضاء؟ ضعوا حكماً بينكم، لا يوجد إنسان إلا ويحكم بقضية، فإذا حكم بقضية أول شيء ليستمع إلى الطرفين معاً، والأولى في مجلس واحد، ألا تكون غضبان، ألا تكون جوعان، ألا تكون مزعوجاً، ألا تكون مشوشاً، ثم إذا عرفت الحق فاقض وإلا اعتذر، إن عرفت الحق فاقض به وإلا إن لم تملك أدوات الحكم ابتعد عن الحكم، لأن هذا يحتاج إلى مسؤولية كبيرة جداً، والعدل من صفات المؤمن، والنبي عليه الصلاة والسلام من جملة ما أرسله الله ليحكم بين الناس بما أراه الله. |
رد: العبادات التعاملية
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية الدرس : ( العاشر ) الموضوع : واجبات القاضى الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. القضاء : أيها الأخوة المؤمنون، لازلنا في موضوع القضاء، ولقد ذكرت لكم في الدرس الماضي أنه من خلال سنوات قليلة ما خطر في بالي أن أعالج موضوع القضاء ظناً من أنه موضوع اختصاصي، وكأنني وجدت بالتجربة أنه ما من واحد منكم إلا ويأخذ دور القاضي شاء أم أبى، من خلال حياته اليومية، فالأب قاضٍ بين أولاده، والمعلم قاضٍ بين تلاميذه، وأي منصب قيادي مستشفى، مدرسة، رئيس هذا المنصب، رئيس هذه المؤسسة، هو بشكل أو بآخر، قاضٍ بين موظفيه، و بعض التجار ينصبون حكاماً بين التجار المتخاصمين. فدور القضاء يمس كل مسلم، وقد ذكرت لكم في الدرس الماضي أن هناك قواعد لابد من أن تأخذ بها، و لو لم تكن قاضياً، ولو كنت عاملاً، ولو كنت طبيباً، ولو كنت مدرساً، لابد من أن تأخذ دور القاضي. و بينت أيضاً كمثال صارخ متكرر أن الإنسان إذا جاءته ابنته تشكو زوجها أليس قاضياً بينهما؟ فلو أنه استمع إلى ابنته فقط، وبنى حكماً، وأخذ موقفاً من صهره دون أن يجتمع بصهره ولا مرة واحدة فهذا العم أو هذا الأب أخذ دور القاضي وهو لا يدري، وأجحف بحق الصهر وهو لا يدري، لأنه خالف مبدأً أساسياً من مبادئ القضاء، وهو أن تستمع إلى الطرفين معاً، والأولى أن تستمع إليهما في مجلس واحد، وذكرت لكم أيضاً أنك إذا استمعت إلى أحد الأطراف منفرداً تكلم لك الساعات الطوال، فإذا استمعت إليه وخصمه إلى جانبه صار كلامه ربع ساعة، لماذا؟ لأن الإنسان في غيبة خصمه يتكلم كما يريد، أما إذا كان خصمه أمامه، فلابد من أن يتوقع أن يعارضه، وأن يكذبه، فلا يتكلم إلا بما هو يقيني. تسوية القاضي بين الخصمين في خمسة أشياء : الآن القاضي، من واجبات القاضي أن يسوي بين الخصمين- يروى وَاللَّهِ أعلم بصحة هذه القصة- أن سيدنا عمر كان إلى جانبه الإمام علي كرم الله وجهه، دخل يهودي ليخاصم علي أمام سيدنا عمر، فقال عمر: انطلاقاً من التسوية بين الطرفين قم يا أبا الحسن وقف إلى جنب الرجل، كان يجلس إلى جنبه، فتغير لون سيدنا علي، وكأنه غضب، فلما حكم سيدنا عمر، وكان الحق مع سيدنا علي، قال له مالك يا أبا الحسن أوجدت علي؟ أي هل حزنت مني، قال: نعم، قال له: ولمَ؟ قال: لأنك ميزتني عليه، فقلت لي قم يا أبا الحسن ولم تقل لي قم يا علي، طبعاً إذا إنسان خاطب خصمه قال له: أبو فلان والثاني ما اسمك أنت؟ ما سوى بينهما، سأل عن اسمه بفظاظة، والثاني أبو فلان، ما سوى بينهما. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-5570/01.jpg فإذا كنت أباً، كنت معلماً، كنت رئيس دائرة، ضابط بسكنة، أي منصب قيادي يجب أن تسوي بين الخصمين، قال: هناك عدد من المواضيع يجب أن تسوي بين الخصمين في الدخول عليك، أي إنسان يدخل لعند القاضي، يجلس ساعات طويلة، على كنبة والشاي، والقهوة بعد ذلك يدخل الخصم الثاني على الواقف، ما الموضوع بسرعة قل لي؟ هذا ليس قاضياً، قال: في الدخول عليه، وفي الجلوس بين يديه، وفي الإقبال عليهما، ممكن القاضي يقبل على خصم بابتسامة، بإشراقة وجه، ويقبل على خصم آخر بعبوس، إذا فعل ذلك فليس قاضياً عدلاً، في الإقبال عليهما، لما الخصم تتجهم بوجهه تربكه، تضعف له معنوياته، يفقد حجته، والثاني عندما تبتسم في وجهه تعطيه شعوراً أنه هو المنتصر، هو قوي، رفعت معنويات خصم، وخفضت معنويات خصم، ليس هذا هو القاضي العدل. أحياناً الحماية تكون قاضية في البيت، عندها كنتها، وعندها ابنتها، ابنتها بالتعبير الدارج: يا حبيبتي، ويا عيني، لأدنى شكوى معها حق تعبانة، أما كنتها فلا يوجد شي من هذا، باسمها، مع قسوة، مع تجهم، هذا إنسان عادي، من حثالة البشر من يفعل هذا. قال: بالدخول عليه، وفي الجلوس بين يديه، وفي الإقبال عليهما، وفي الاستماع لهما، أحدهما سمع له ثلث ساعة، والثاني كل كلمتين يقاطعه، خلصنا، بسرعة، وفي الاستماع لهما، وأخطر شيء وفي الحكم عليهما، إذاً يجب أن يسوي القاضي بين الخصمين في خمسة أشياء، في الدخول عليه، و في الجلوس بين يديه، وفي الإقبال عليهما، بابتسامة، أو بعبوس ، والاستماع لهما، والحكم عليهما. التسوية في الأفعال لا في القلب : لكن العلماء قالوا: المطلوب التسوية في الأفعال، لا في القلب، القلب لا تملكه. ((عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْسِمُ فَيَعْدِلُ وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ، فلا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلا أَمْلِكُ، قَالَ أَبو دَاود يَعْنِي الْقَلْبَ )) [ أبي داود عَنْ عَائِشَةَ] إذا أحد الخصمين، لطيف المعشر، رقيق، ذكي، طليق اللسان، أديب، حيي، مؤمن، والثاني مذهبه بغالي، أنت معقول ألا تحب الأول؟ ليس بيدك، أنت أميل للأول ميل القلب لا تؤاخذ عليه، مؤاخذ على الجور في الأفعال، أنت محاسب على أفعالك، دخلا عليك سويت بينهما في الدخول، سويت بينهما في الجلوس، سويت بينهما في الإقبال عليهما، سويت بينهما في الاستماع إليهما، أنصفت في حكمك لهما، أنت عادل، أما مال قلبك لهذا دون هذا، رأيت طلاقة لسان هذا، وعي هذا، وسامة هذا، ودمامة هذا، حجة هذا وخرق هذا، فمال قلبك للأذكى، للأعقل، للألطف، للأبلغ في كلامه، لمن كان لطيفاً أديباً، لا تؤاخذ على ميل القلب، لأن الله عز وجل قال: ﴿ وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [ سورة النساء : 129] أن زوجاً يعدل بين زوجتين بقلبه؟ مستحيل، لابد من فروق فردية بينهما، لكنه مكلف أن يعدل بأفعاله، هذه نقطة مهمة جداً، والمطلوب منه التسوية بينهما في الأفعال دون القلب. ابتعاد القاضي عما يضرّ أحد الخصمين : أنا لا أتحدث عن القضاة الشرعيين، أو القضاة في المحكمة، أنا أتحدث عن كل واحد منكم إذا كان قاضياً، أي واحد من أخوتنا الكرام إذا كان حكماً في موضوع http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-5570/02.jpg كان أخاً أكبر وعنده أخوة صغار اختلفوا، كان أخاً أكبر عنده أخت متزوجة اختلفت مع زوجها، صار قاضياً، كانت حماية عندها ابنتان، أب عنده أولاد، كل إنسان له دور في الحياة، قال: القاضي لا ينبغي أن يلقن واحداً منهما حجته، يقول له: يمكن أنت اعترفت بهذا الشيء لأنهم عذبوك أليس كذلك؟ لقنه الحجة، لا يجوز أن يلقن القاضي الحجة لأحد الخصمين، هناك قضاة يحاول أن يلقن الحجة، هو ضربك من الخلف، أنت كنت واقفاً، هو لم يكن واقفاً، هو الضارب، أتاه هاتف: يجب أن تتوصى بفلان، فلقنه الحجة، ولا ينبغي أن يلقن الواحد منهما حجته، ولا شاهداً شهادته، لأن ذلك يضر بأحد الخصمين، بالمقابل ولا ينبغي للقاضي أن يخاطب المحامي أن قل كذا بالمذكرة، اكتب كذا، بيّن كذا، اذكر الوثيقة الفلانية، ما عاد قاضياً، لا ينبغي للقاضي أبداً أن يلقن حجة لخصم، ولا أن يلقن شهادة لشاهد، لأن هذا يضر بأحد الخصمين، كما أنه لا ينبغي أن يلقن المدعي فحوى الدعوى، اجعل الدعوى مثلاً إنكار التوقيع، لم يخطر بباله، وقع توقيعاً صحيحاً، وما خطر ببال الخصم أبداً أن التوقيع ممكن أن يجر ثماني سنوات، قال له: أنت ادع أن هذا ليس توقيعك، ما عاد قاضياً، ممكن أن يلقن القاضي المدعي فحوى الدعوى، لقن المدعي أن يدعي، وأن يطلب الاستحلاف، ولم يلقن المدعى عليه الإنكار، أو الإقرار. على القاضي ألا يضيف أحد الخصمين دون الآخر : الآن القاضي لا ينبغي أن يضيف أحد الخصمين دون الآخر، أحضر لأحد الخصمين فنجان قهوة، هذا غير صحيح، دخل لمكتبه، غيّر القوس، وقعد جلسة طويلة، ومزح، ومودة، وقهوة، وعصير، لا ينبغي أن يضيف القاضي أحد الخصمين دون الآخر، قال: لأن ذلك يكسر قلب الآخر، كما أن القاضي لا ينبغي أن يجيب إلى ضيافة أحدهما، أنت قاض، وعندك خصمان، أحد الخصمين دعاك إلى وليمة، إلى نزهة، إلى زيارته، لا ينبغي للقاضي لا أن يضيف، ولا أن يقبل ضيافة أحد الخصمين ما داما متخاصمين، لكن لو أن الدعوى انتهت، وحكم بالعدل، ودعي من قبلهما معاً، أو من قبل أحدهما، ما دام الدعوى انتهت، وأصدر الحكم فلابأس، لكن القاضي النزيه معروف عنه أنه لا يزور أحداً، ولا يقبل دعوى، سداً لذريعة أن يتهم أن هذا الذي دعاه له قضية عنده، و قلتم لكم الدرس الماضي كيف أن أحد قضاة جاءته هدية ثمينة، طبق من الرطب في بواكيره، فلما سأل الغلام من قدم هذا الطبق؟ قال: فلان، قال: صفه لي؟ قال: كيت و كيت، فعلم أنه أحد المتخاصمين، قال: أعطه إياه، في اليوم التالي و قف الخصمان أمامه تمنى أن يكون الحق مع الذي قدم الطبق، فلما تمنى هذه الأمنية توجه إلى الخليفة يطلب منه أن يعفيه من هذا المنصب، قال له: ولمَ؟ قال له: لأني تمنيت أن يكون الحق مع الذي قدم لي الطبق، مع أنني رددته فكيف لو قبلته؟؟ وروي أن النبي صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان لا يضيف الخصم إلا وخصمه معه، ممكن أن يتحاكم إليك اثنان، ادعهما معاً لطعام الغذاء، إذا كنت قاضياً، طبعاً قطاع خاص، قال: و ينبغي للقاضي ألا يقبل هدية من أحد إلا إذا كانت ممن جرت عادته بأن يهديه قبل تولي منصب القضاء، إذا كان هناك قرابة، أو هدايا مستمرة قبل أن يكون قاضياً، و هناك رأي أن هذا الشيء مكروه، وهناك رأي أن هذا لا يجوز، لكن الهدية إن كانت سائدة قبل تولي منصب القضاء ربما غفر لمن قدمها، أما إذا قدمت بعد تولي منصب القضاء فهذه ليست هدية وإنما رشوة. (( مَنِ اسْتَعْمَلْنَاهُ عَلَى عَمَلٍ فَرَزَقْنَاهُ – أي أجرينا له رزقاً - رِزْقًا فَمَا أَخَذَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ غُلُولٌ )) [ أبو داود عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ] و:((الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ فِي الْحُكْمِ )) [ الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ] طبعاً هنا تنصرف إلى القضاء بالذات، الراشي والمرتشي ملعونان، إذا استويا في القصد والإرادة، إذا أراد الراشي أن يحكم القاضي له وهو ليس محقاً، وأراد القاضي أن يستفيد من هذه الرشوة فيحكم لأحدهما ولو كان مبطلاً، فالراشي والمرتشي متساويان في اللعنة. من يعطي اتقاء الظلم لا شيء عليه : إلا أن بعض العلماء قال: إذا أعطى الرجل ليتوصل بعطيته إلى حق منع منه، أو أن يدفع عن نفسه ظلماً محققاً، فإن الذي يعطي اتقاء الظلم، أو لدفع ظلم متحقق ثابت، لا يمكن تلافيه نرجو أن يعفو الله عنه، المعطي غير الآخذ، إنسان له حق ضائع، ولا يستطيع أن يأخذه إلا بأن يدفع شيئاً لمن يمنع عنه الحق، فالذي يمنع الحق آثم لا محالة أما الذي يدفع ليدفع عنه ظلماً، متحققاً، ثابتاً، فلا يمكن تلافيه إلا بهذه الطريقة، المرجو أن يعفو الله عنه وألا يؤاخذ، قال هذا الإنسان الذي يدفع المال ليدفع عن نفسه ظلماً محققاً، ثابتاً، لا يمكن أن يتلافاه المرجو أن الدافع يعفو الله عنه، وليس على سبيل القطع، المرجو على سبيل الظن الحسن بالله عز وجل، أو من دفع مالاً ليصل إلى حق، أو ليدفع ظلماً عنه، دفعاً لظلم أو وصول لحق، و ليس هناك طريق آخر إلا هذا الطريق، المرجو أن يعفو الله عنه. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-5570/03.jpg روي عن الحسن والشعبي وجابر بن زيد وعطاء أنهم قالوا: لا بأس أن يصانع الرجل عن نفسه وماله إذا خاف الظلم، أما الآخذ فيستحق وعيد الله عز وجل، لأنه أكل السحت، ووعيد رسوله صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ ... )) [ الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ] قال: من هو الذي يدخل في وعيد الله ووعيد رسوله؟ قال الآخذ إنما يستحق الوعيد إذا كان ما يأخذه على حق يلزمه أداؤه، أي عليك حق لابد من أن تؤدي، أنت لا تؤديه إلا بمبلغ من المال، هذا هو المرتشي، أو عمل ضار باطل يجب عليك تركه، لا تتركه إلا مقابل مبلغ من المال، أي الذي يمتنع عن أداء واجبه إلا بمبلغ، أو يحاول أن يوقع الضرر الكبير، ولا يمتنع عن إيقاع الضرر إلا بمبلغ، إذا أمكنك أن تؤذي الناس، ولم تمنع أذاك عنهم إلا بمقابل شيء، أو كان الأمر متعلقاً بك أن تنفعهم فلم تنفعهم، وهو واجب عليك، إلا أن يدفعوا لك، هذا الذي لا يمتنع عن إيقاع الأذى، ولا يفعل ما هو واجب عليه إلا مقابل شيء، فهذا ينطبق عليه وعيد الله ووعيد رسوله صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. القضاة يأخذون المال على أربعة أقسام هي : 1 ـ الرشوة : قال: القضاة يأخذون المال على أربعة أقسام، الرشوة، والهدية، والأجرة، والرزق، فأما الرشوة فإن كانت ليحكم له الحاكم بغير حق فهي حرام، على الآخذ والمعطي معاً، وإن كانت ليحكم القاضي بالحق على غريمه فهي حرام على الحاكم دون المعطي، أي إنسان مظلوم، والقاضي لا ينقذه من ظلمه إلا مقابل مبلغ فالمعطي نرجو الله ألا يؤاخذه الله، لكن الآخذ آثمٌ دائماً، وقيل: تحرم لأن الذي يدفع يوقع هذا الحاكم - القاضي - بالإثم، لأنه سبب إفساده، وقيل: تحرم أي من دفع مبلغاً من المال ليدفع به ضرراً متحققاً، ظلماً لا يمكن تلافيه، الكلمات دقيقة جداً، كل كلمة تعني شيئاً، أي إذا إنسان عنده معمل أغذية بوظة، أي شيء، أخذت عينة من هذه الأغذية فإذا الحليب لا دسم فيه، حليب بودرة، استحق أن يعاقب، وأن يسجن عرفياً، والضبط عادل، لأن البائع ظالم، يأخذ ثمن الحليب كامل الدسم، الطازج، ويدفع لأطفالنا حليباً لا دسم فيه، وهو مجفف، فهذا الضبط عادل، فإذا دفع مبلغاً من المال ليتلافى السجن، أو ليتلافى العقاب، فهذا المبلغ حرام على الدافع أيضاً، لأنه ضرر متحقق، لكن ليس ظالماً، ضرر متحقق، عادل، من دفع مبلغاً من المال ليدفع به ضرراً متحققاً ظالماً لا يمكن تلافيه، نرجو الله أن يعفو عن الدافع، أما الآخذ فما دام هذا الشيء من واجبه فلم يفعله إلا بمقابل، وما دام مأموراً ألا يفعله فلم يمتنع عن فعله إلا بمقابل، فهو آثم لا محالة، قال: هذه الرشوة. 2 ـ الهدية : وأما الهدية فإن كان ممن يهاديه قبل الولاية فلا يحرم أن تستديم، إذا كان هناك تعامل بين هذا الإنسان وبين ذاك القاضي قبل أن يكون قاضياً فلا يحرم أن تستديم، وإن كان لا يهدي إليه إلا بعد الولاية الآن إذا كانت هذه الهدية بعد الولاية فهي رشوة وليست هدية. لو إنسان له قريب قاض، وعنده مزرعة، قدم له صندوق فاكهة، و لا يوجد علاقة بينه وبين القاضي، و لا يوجد خصومة، فلا مانع، أما إذا كان هناك خصومة فلا يجوز أن يقدم له شيء، قال: فإن كانت ممن لا خصومة بينه وبين أحد جازت وكرهت، وإن كانت ممن بينه وبين غريمه خصومة عنده فهي حرام على القاضي وعلى الخصم، على أي إنسان، قال هذه النوع الثاني الهدية. 3 ـ الأجرة : النوع الثالث: الأجرة، فإن كان للقاضي جراية من بيت المال ورزق منه حرمت بالاتفاق، لأنه إنما أجري له الرزق لأجل الاشتغال في القضاء فلا وجه لأجرة، وإن كان لا جراية له من بيت المال، أحياناً نوكل إنساناً يحكم في قضية شائكة، قضية تجارية، تحتاج إلى شهر وكل يوم سهر للساعة الثانية عشرة، ممكن أن نعطيه أجرة، أخي أنت لك أتعابك أنت ادرس هذه الوثائق، ادرس الفواتير، ادرس الحسابات، وأنت حكم، اسمع منا، وخذ تصاريح منا، واحكم بيننا http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-5570/04.jpg هذا صار حكماً تجارياً، الوقت ثمين، معقول أن نشغل إنسان مئة ساعة على شهر زمان، وكل يوم عشر ساعات، أو على أسبوعين، و لا ندفع له شيء؟ ممكن إذا كان بالأصل غير قاض، وليست له جراية من بيت المال، كلفناه أن يكون حكماً في قضية شائكة، وتحتاج إلى جهد كبير كبير، وإلى وقت طويل طويل، لا مانع من أن نعطيه أجرة على عمله. لذلك قالوا: إن تولية القضاء من كان غنياً أولى من توليته من كان فقيراً، لذلك في بعض البلاد الأجنبية القاضي ليس له معاش، لا راتب له إطلاقاً، معه دفتر شكات يقبض أي مبلغ يريده، لأنه لو إنسان دفع له مئة ألف يتمكن أن يأخذهم من دون رشوة، يكتب شك بمئة ألف، أما إذا قاض مؤمن، لو كان دخله أقل من حاجته لا يأخذ درهماً حراماً، هناك قاض ببعض البلاد لما تقاعد سحب ثلاثين ألف جنيه بيوم واحد فلما سئل لماذا أخذت هذا المبلغ؟ قال: هناك خصم عندي، دفع لي هذا المبلغ فأخذته من الخزانة العامة حتى لا أقع تحت ضغط هذا الخصم، أما المؤمن فعليه من الله رقيب. ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ﴾ [سورة النساء:1] رسالة عمر بن الخطاب في القضاء : سيدنا عمر رَضِي اللَّه عَنْه أرسل رسالة في القضاء، أرسلها إلى أبي موسى الأشعري، هذه الرسالة الآن أينما دخلت إلى قاعات المحاكم أو إلى مكاتب القضاة الفخمة أو إلى مكاتب المحامين، إنها مطبوعة و موضوعة على الجدار، سيدنا عمر الذي عاش في الصحراء، والذي تعلم من رسول الله صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يكتب رسالة في القضاء تعد منهجاً ودستوراً لكل القضاة في العالم: "بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله عمر بن الخطاب أمير المؤمنين إلى عبد الله بن قيس، سلام عليك أما بعد: فإن القضاء فريضة محكمة، و سنة متبعة"، أي الله عز وجل فرض علينا أن نكون قضاة عادلين. ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا ﴾ [سورة النساء:58] ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾ [سورة المائدة: 42] يقولون: إن الحجاج سأل أعرابياً من أنا؟ قال له: أنت قاسط عادل، فقال لمن حوله: أتعلمون ماذا قال لي؟ قالوا: قال لك: قاسط عادل، قال: بل قال لي: أنت ظالم كافر، وكيف؟ لأن كلمة أقسط معناها عدل، أما قسط بمعنى ظلم، قال تعالى: ﴿ وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا ﴾ [سورة الجن: 15] وعادل: ﴿ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴾ [سورة الأنعام: 1] عدل عن الإيمان إلى الكفر، فقال: قال لي: أنت ظالم كافر، لذلك: "أما بعد فإن القضاء فريضة محكمة، وسنة متبعة، عدل ساعة خير من أن تعبد الله ثمانين عاماً"، تقف موقفاً فيه عدل، تقف موقفاً فيه إنصاف، أن تكون مع الحق، أحياناً معظم الناس مع أولادهم على الباطل، أما الأب المؤمن فيقف مع الحق، ولا تأخذه في الله لومة لائم، لعل ابنه على باطل. يروون أن القاضي شريح كان بين ابنه وبين شخص خصومة، فجاء ابنه إليه وقال: يا أبت هناك خصومة بيني وبين فلان أعرضها لك فإن شئت نرفعها إليك، فإذا رفعناها إليك الحق مع من؟ قال له: الحق معك، ارفعها إلي، فلما رفعت إليه حكم على ابنه، فوجئ ابنه، قال: يا بني خشيت إن قلت لك أنت لست على حق أن تذهب إلى غيري فأردت أن أقتص لخصمك منك أنا. قال له: "أما بعد فإن القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة، فافهم إذا أدلي إليك" الإضبارة يتصفحها تصفحاً، لا، لا يكفي، يجب أن تقرأها كلمة كلمة، أن تقرأ الوثائق وثيقة وثيقة، أن تقرأ مذكرات المحامين مذكرة مذكرة، أن تقرأ إفادات الشهود إفادة إفادة، أن تقرأ بهدوء، وتمعن، لتكتشف الحق، قال له: "فافهم إذا أدلي إليك"، استمعوا القصة لما قالت له زوجي صوام قوام، ما انتبه، قال لها: بارك الله لك في زوجك، قال له: إنها تشكو زوجها هي لا تمدحه، قال: فاحكم بينهما إذاً، " فافهم إذا أدلي إليك، فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له" أي إذا كان المحامي لامعاً، معه أدلة قوية، لكن القاضي ما قرأ المذكرة، قرأ كلمتين، كله كلام، هو لا يوجد عنده وقت، هذا عمل خطير جداً، يجب أن تقرأ المذكرة كلمة كلمة. كنت مرة عند قاض، فخبر قاضياً دونه، قال له: اقرأ الإضبارة خمس مرات، أي أراد أن يقرأ بتؤدة، وتفهم، افهم القضية، اقرأ الإفادات، اقرأ التقارير، اقرأ الضبط كلمة كلمة، اقرأ مذكرات المحامين، "فافهم إذا أدلي إليك"، أحياناً قضية تعرض في وقت غير مناسب، أحياناً مثلاً بعد الخطبة يكون الإنسان متعباً، ممكن أن يسأل سؤالاً لطيفاً سريعاً، أما قضية متشابكة، عقود تجارية، دفع وما سجل، لا أستطيع أن أفهم لك الموضوع الآن، أي كل وقت له وقت، لكل مقام مقال، وهناك وقت لا يناسب الإنسان أن يفهم قضايا متشابكة، لكن هذه القضية تحتاج إلى جلسة هادئة، تسمع كلمة كلمة، تعبيراً تعبيراً، مصطلحاً مصطلحاً، حتى تفهم عليه، "فافهم إذا أدلي إليك، فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له"، إذا شعر المحامي أن القاضي لا يقرأ المذكرة، لا يوجد عنده وقت، أجلناها شهرين، قدم مذكرة، ردّ عليه مثل الرد الأول، فهذا ليس قاضياً، لا يقرأ شيئاً، " فافهم إذا أدلي إليك فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له، آس بين الناس في وجهك" ابتسامة ابتسامة، عبوس عبوس، تجهم تجهم، لا تعبير لا تعبير، أحياناً وجهه مثل الجدار، لا تعرفه حزيناً أم مسروراً، هذا وجه بلا تعبير، ليس له أي تعبير، " آس بين الناس في وجهك"، بشاشة مع بشاشة، ابتسام مع ابتسام، عبوس مع عبوس، تجهم مع تجهم، لا تعبير مع لا تعبير، أما اختلاف " فآسي بين الناس بوجهك وعدلك في مجلسك، حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولا ييأس ضعيف من عدلك". الحكم السريع في القضايا يريح النفس : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-5570/05.jpg هناك الكثير من القصص المشهورة ، أحياناً القاضي يُشعر الخصم أنه لا يوجد أمل ينصفه، ينصرف عنه، أحياناً ترتكب جرائم في قصر العدل، يشعر ولي المقتول أنه لم يأخذ حقه، فيأخذ حقه بنفسه، لذلك القضاء يجب ألا يطول كثيراً، قضية ثماني سنوات وقضية عشر سنوات، محامي ربى ابنه على المحاماة، كبر الابن وأصبح محامياً، بجلسة واحدة أنهى قضية، يقول له والده: لماذا أنهيتها؟ أنا ربيتك منها يا بني، هذه الطول في القضايا شيء مستحيل، ثلاث عشرة سنة، خمس عشرة سنة، اثنتا عشرة سنة، ثماني سنوات، إذاً الحكم العادل هو الحكم السريع، قال: "حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولا ييأس ضعيف من عدلك، البينة على من ادعى"، عبء تقديم الوثائق، و الأدلة، والصكوك، والإيصالات، والفواتير على من؟ على المدعي، " البينة على المدعي، واليمين على من أنكر"، الآن هناك قضايا لا يوجد فيها وثائق، لا يوجد غير اليمين، القاضي أحياناً، الدعوى أساسها أن له معه مئة ألف، من دون إيصال، لا يوجد طريقة ثانية، إلا أن يدعو المدعى عليه بحلف اليمين، أحياناً يدعى المدعي لحلف اليمين، تحلف يميناً؟ أنا مدع! حلف اليمين على المدعى عليه، النبي عليه الصلاة والسلام جعل هذا قانوناً، البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر . الصلح سيد الأحكام : "والصلح جائز بين المسلمين، إلا صلحاً أحلّ حراماً، أو حرم حلالاً"، ممكن أن يكون الصلح خير، قالوا: الصلح سيد الأحكام، فكل قاض إذا تمكن من الصلح يريح النفس، تلاحظ المتخاصمين يدخلون على القضاء يبقون عشر سنوات، يصبح مع الواحد حقد، مستعد إذا كان الخلاف على مئة ألف أن يدفع مئتي ألف ليكسر رأس خصمه، المحامون يفرحون، لأنها تصبح من حظهم، فأفضل شيء الصلح، وأفضل عمل المحامي الاستشارة الوقائية، عوض أن تدخله بالخصومة استشره قبل الخصومة، اعمل عقداً وخذ رأيه بالعقد، عقد الشراكة سجله بمحكمة البداية، اشتريت أرضاً، أخي من يملكها؟ فلان يوقعها لك، لا، أريد حصر إرث لأعرف من هم الذين يملكونها، إنسان اشترى أرضاً، تخلف مالك واحد عن التوقع، أخذها بثلاثمئة ألف، أصبح ثمنها خمسة و عشرين مليوناً، الدعوى بالقضاء من ثلاث عشرة سنة لأن هناك توقيعاً ناقصاً، أحد الورثة باع بالإيجاب والقبول، لكنه كان مسافراً فلم يوقع، فالأسعار ارتفعت كثيراً، من ثلاثمئة ألف لعدة ملايين، وجد الذي لم يوقع معه فرصة ذهبية أن يرفض البيع، يطلب أسعاراً خاصة. الجهل أكبر سبب للخلاف بين الناس : لا ترى اثنين بالقضاء إلا بسبب جهل، البطل هو الذي لا يدخل القصر العدلي إطلاقاً، كل شيء موثق، الدّين له سند، والشراكة لها عقد، والبيع له طابو، والزواج بالمحكمة، كله موثق، أما زواج عرفي، أخي من أجل أن يدخل علينا، كل الكتاب يكتب بيوم واحد، بكل عشر زيجات تسع يريدون كتاباً على الورق، لماذا؟ http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-5570/06.jpg حتى يستطيع أن يدخل و يخرج، كلام ليس له معنى، لو صار هناك خلاف ينكر الزواج، لو صار هناك حمل وأنكر الزواج صارت فضيحة أليس كذلك؟ قال سيدنا معاوية لسيدنا عمر بن العاص: ما بلغ من دهائك؟ كان عمر بن العاص من كبار دهاة العرب، قال له: ما بلغ من دهائك؟ قال له: وَاللَّهِ ما دخلت مدخلاً إلا أحسنت الخروج منه، قال له: لست بداهية، أما أنا وَاللَّهِ ما دخلت مدخلاً أحتاج أن أخرج منه، أنا لا أدخل بالأصل. فإذا الإنسان تمكن ألا يدخل يكون عاقلاً جداً، لأن القضاء يهز الأعصاب، ويحطم النفوس، تجد أسرتين عشر سنوات، سهراتهم كلها حقد وغليان، أحياناً يكونون أخوات، أحياناً أقرباء، عندما يدخلوا القضاء أصبحت العداوة مستمرة، صار هناك أحقاد وضغائن وتكسير رؤوس، أعرف شخصاً دفع ثلاثة أضعاف موضوع الدعوى حتى يكسر رأس خصمه، لماذا الشرع؟ من أجل ألا تختصم مع أحد، حتى تكون متفرغاً للعبادة، فلكل قضية حل، قرض ضع سند، بيت بعقد موثق، ورثة خذ توقيعهم كلهم، عقد شراكة في محكمة البداية، لا تدع قضية سائبة، لا تدع قضية مفتوحة، دفع مبلغاً ضع وصلاً، كل شيء ثبته، ترتاح. كل إنسان ساهم بإفساد الآخرين آثم مثلهم : هناك نقطة مهمة جداً إذا أنت أهملت هذه الأمور، وخصمك زاغ عن الحق وأغراه الشيطان بأكل المال بالباطل، فأنت مؤاخذ، أنت ساهمت بإفساد إنسان، مثلاً لو أن شخصاً وضع على الطاولة خمسين ألفاً، والمحل فيه بضاعة و موظفون، وفقدوا يا ترى الذي أخذهم آثم؟ لا شك آثم، سارق، و المهمل الذي تركهم بهذا المكان أيضاً آثم،لأنه ساهم بإفساد إنسان، لولا هذا المال بهذه الطريقة ما سرق، فالسارق يوم القيامة يقول: يا رب هو الذي أغراني بسرقته، لو كان في مكان حرز حريز أنا ما كنت أخذته، لكنه أغراني بسرقته، فكل إنسان يساهم بشكل أو بآخر بإفساد الآخرين فهو آثم مثلهم. التراجع عن الخطأ فضيلة : قال: " ولا يمنعك من قضاء قضيته اليوم فرجعت فيه لرأيك ، وهديت فيه لرشدك أن تراجع الحق "، التراجع فضيلة، الاعتراف بالذنب فضيلة، سيدنا عمر على المنبر قال: "أخطأ عمر وأصابت امرأة" مرة كان على المنبر يخطب خطبة رائعة جداً قطع خطبته وقال: يا بن الخطاب، كنت غلاماً ترعى إبلاً على قراريط لبني فلان، وأكمل الخطبة، هذا الكلام ليس له علاقة بالخطبة، أي قطع غير منسجم، فلما سأله سيدنا ابن عوف لماذا قلت هكذا على المنبر؟ فقال له: جاءتني نفسي وقالت لي أنت أمير المؤمنين وليس بينك وبين الله أحد، أعلى شخصية، فأردت أن أعرفها حقها، أنت كنت عميراً ترعى الإبل على دريهمات لبني كذا، الكبر مهلك، "ولا يمنعك من قضاء قضيته اليوم فرجعت فيه لرأيك ، وهديت فيه لرشدك أن تراجع الحق ؛ لأن الحق قديم لا يبطل الحق شيء، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل". http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-5570/07.jpg أحياناً الأب يضرب ابنه ظلماً، يظن أنه هو من كسر هذه الحاجة، أو هو عمل هذا الشيء، لو الإنسان غلط يجب أن يعتذر، لو أخطأ الإنسان مع إنسان أدنى منه، صار هناك ظلم، قدم اعتذارك، قدم هدية، رمم فيها ما حصل، أما لا يتراجع، هناك أشخاص يدركون أنهم على باطل، وأنهم اقترفوا ظلماً شديداً، ومع ذلك لا يتراجعون. "الفهم الفهم فيما تلجلج في صدرك مما ليس في كتاب الله ولا سنة رسوله"، أي الذي فيه نص واضح قضيته سهلة، أما قضية ليس لها نص، تحتاج إلى اجتهاد، وإلى قياس، وإلى أدلة، الأمر إذا كان كذلك فإياك أن تتسرع، "الفهم الفهم فيما تلجلج في صدرك مما ليس في كتاب الله ولا سنة رسوله". ولهذه الوصية تتمة نشرحها في الدرس القادم إن شاء الله تعالى، بقي علينا في الدرس القادم إن شاء الله متابعة شرح هذه الوصية، والحديث عن شفاعة القاضي، هل له أن يشفع؟ والحديث عن نفاذ حكم القاضي ظاهراً، وعن القضاء عن الغائب، حكم غيابي، والقضاء بين الذميين، و ظهور حكم جديد للقاضي، كيف يتصرف، ونماذج من القضاء من عصر صدر الإسلام، هذه الموضوعات في الدرس القادم إن شاء الله تعالى. |
رد: العبادات التعاملية
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية الدرس : ( الحادى العاشر ) الموضوع : شفاعة القاضى الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. كل إنسانٍ لابد من أن يقف موقف القاضي في حياته : أيها الأخوة المؤمنون، لا زلنا في موضوع القضاء، ولا زلنا منطلقين من مقولة أن كل إنسانٍ لابد من أن يقف في موقف القاضي في يوم من أيام حياته، بل في بعض أيام حياته، و بعض الناس يقف هذا الموقف في معظم أيام حياته، ولو لم يكن له علاقة بالقضاء، أو بسلك القضاء، أو بما يتعلق بالقضاء. طبيعة الحياة اليومية فيها مواجهات، وفي كل مجتمع رجل كبير، يلجأ إليه، يحتكم إليه، فإن كنت أباً فأنت قاضٍ بين أولادك، وإن كنت عماً فأنت قاض بين صهرك وابنتك، وإن كنت تاجراً قديماً فأنت قاض بين التجار المحدثين، فلابد للمسلم أن يقف موقف القاضي شاء أو أبى، لذلك المبادئ الأساسية التي نص عليها القرآن والسنة يجب أن تكون بين أيديكم، حتى لو وقفت موقف القاضي، قضيت بالحق، القضاء كما تعلمون له مفهوم واسع، ومفهوم ضيق، فأن تلجأ إلى المحاكم، إلى القضاء الرسمي، هذا قضاء، لكن أن تلجأ إلى صديق ليكون حكماً بينك وبين صديق آخر فهذا أيضاً قضاء. العدل و الإحسان : هناك موضوع جديد وهو شفاعة القاضي، لأن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿ وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ﴾ [ سورة النساء: 128] أحياناً الإنسان يكسب الحكم، لكن يخسر الطرف الآخر، لا تنسوا أيها الأخوة أن كل مؤمن مأمور بالعدل وبالإحسان، المؤمن الذي لا يحب أن يقطع الناس عن الله عز وجل، أحياناً يرى أن يربح أخاه وأن يجعله قريباً منه، وأن يجعل هذا الأخ المتخاصم معه مشدوداً إلى الدين أربح عنده من أن يأخذ ماله، لذلك من أروع الآيات قوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ [ سورة النحل: 90 ] أنا أذكر أن أخاً يعمل في دكان، وهذه الدكان تقع في محضر، والمحضر اشتراه رجلاً، الدكان يجب أن تهدم بأمر محافظة دمشق، لأنها أصبحت ليس لها وجود على المخطط التنظيمي، والذي اشترى المحضر اشتراه نظيفاً، صاحب هذه الدكان عرض أمره على رجل قال: ماذا أفعل؟ أين أذهب؟ فلما استدعي صاحب الأرض الذي اشتراها قال كلاماً صحيحاً، قال: أنا اشتريت أرضاً نظيفة، ليس فيها دكان، أنا لا ذنب لي، قلت له: وَاللَّهِ معك الحق، ولكن لا تنسى أن الله يأمر بالعدل، وهذا هو العدل، ويأمر بالإحسان، أتريد أن تجعل أخاك في الطريق؟ قال: لا وَاللَّه، في ذلك الوقت الله عز وجل وفقه أنه دُفع له مبلغ من المال و جمع له مبلغٌ آخر، و اشترى دكاناً في بعض الجادات العليا، أي العدل أن نمسك بهذا الإنسان، ونلقي به في الطريق، هذا العدل، أما الإحسان فألا نتخلى عنه. المؤمن الصادق مأمور بالعدل والإحسان : في أي قضية أيها الأخوة لا تنسى أنك مأمور بالعدل والإحسان، إنسان تزوج امرأة على أساس أنها بنت، وهذه المرأة من أسرة معروفة، وما إلى ذلك، بعد خمسة أشهر يرى أن حملها في مستوى الشهر التاسع، إذاً هذا المولود ليس منه، إذاً هي زلت قدمها وانحرفت، العدل أن يطلقها، العدل أن يخبر أهلها، العدل أن يلقيها خارج المنزل لكن الإحسان، لذلك أحد خطباء دمشق قبل خمسين عاماً رأى النبي عليه الصلاة والسلام في المنام يقول له: قل لجارك فلان إنه رفيقي في الجنة، هذا العالم اختل توازنه، أنا الذي أخطب، وأنا الذي أتكلم، وأنا صاحب العمامة البيضاء، وأنا من أهل العلم، وأنا، وأنا، والمنام يقول: قل لجارك فلان إنه رفيقي في الجنة، إذاً ماذا فعل جاري؟ جاري سمان، أنا أحق بهذه البشرى منه، فلما ذهب إليه وناشده أن يخبره بما فعل، وأقسم عليه أن له عنده بشارة من رسول الله، ولن يخبره إياها إلا إذا أخبره بما فعل، قال: تزوجت امرأة من أسرة معروفة، وبعد خمسة أشهر وجدتها في شهرها التاسع، عطفت عليها ورثيت لحالها، فجئت بقابلة في منتصف الليل وولدتها، وأخذت الغلام تحت إبطي ودخلت إلى المسجد، بعد أن نوى الإمام صلاة الفجر، وضعت الغلام وراء الباب، وصليت مع الناس كأحد المصلين، فلما انتهت الصلاة بكى الطفل الصغير، وتحلق المصلون حوله، وتظاهرت أنني لا أعلم شيئاً، قلت: ما الأمر؟ قال: تعال وانظر إلى هذا الغلام، قال: أعطوني إياه أنا أكفله، وأخذه ورده إلى أمه و سترها، هذا الإحسان، العدل أن يطلقها، العدل أن يفضحها، العدل أن يخبر أهلها، أما إذا تابت على يديه توبة نصوحة، وسترها، وكان بإمكانه أن يسحقها، وكان بإمكانه أن يفضحها، وكان بإمكانه أن ينبذها: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى ﴾ [ سورة النحل: 90 ] المؤمن الصادق دائماً يشعر أنه مأمور بالعدل والإحسان، أحياناً لأن تربح أخاك ولا يعلم هذا إلا الله، لأن تربح أخاك أغلى عندك من أن تأخذ حقك منه و تخسره، هذا ليس قسرياً، هذا شيء طوعي، الطوعي غير القسري، القسري أعطه حقه، أما إذا كان أخ ضعيف رقيق الحال، لك عنده حق، فإذا سامحته به، وكسبته، مرة قرأت كلمة لأحد الأدباء وَاللَّهِ أعجبتني، قال: لأن يربح الإنسان إنساناً خير له من أن يربح الدنيا وما فيها، أن تشعر أن هذا الإنسان قدمت له عملاً طيباً، دائماً في الخلافات لاحظ العدل والإحسان، الإنسان يكفيه مشاحنة أن يقول: آخذ حقي لا أدعه، خذ حقك، وامحق، هكذا يقال له، أنا لا أدعو إلى ترك الحقوق لكن أدعو إلى بعض المسامحة، أدعو إلى الرحمة، أدعو إلى تأليف القلوب، أدعو إلى غض البصر أحياناً، أدعو إلى الحل الوسط، أدعو إلى سددوا وقاربوا، أدعو إلى التسامح ما بينكم، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام علمنا كيف يكون القاضي شفيعاً. شفاعة القاضي : لذلك قال العلماء: للقاضي أن يشفع الشفاعة الحسنة، ويطلب من الخصوم أن يصطلحوا، أو يتنازل أحدهم عن بعض حقه، هكذا علمنا صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، هناك شخص يأتي لعندك، ويحكي لك قصة أخ، ينظر منك أن تمسك هذا الأخ وتفرمه حتى ينبسط، أنا أب أيضاً، أنت أخ وهو أخ، نحن نعاتبه ونوجهه ونسمع منه، نلتمس له العذر، أما من أجل أن تفشي غليلك فهذا ليس من أخلاق المؤمن. أحد الصحابة الفقراء جداً في ساعة من ساعات صفائه ماذا يفعل؟ ماذا يقدم لله عز وجل؟ لا يملك شيئاً فرفع يديه إلى الله عز وجل وقال: يا رب أنا عرضي أسامح به كل من تكلم عني، أملك أن أسامح، من تكلم عني شيئاً أنا أسامحه. يقولون إن أحد العلماء تكلم الناس عنه كثيراً بالباطل، لأن الحسد دائم، الحسد شغال بكل العصور، كل ذي نعمة محسود، تجد إنساناً إن وفقه الله كان له خصوم كثر، كانوا يشككون فيه، أناس يطعنون بعلمه، ناس يطعنون بنزاهته، أناس بإخلاصه، أناس يتهمونه تهماً ليس لها أصل، قال له رجل: وَاللَّهِ إنني أشفق عليك من كثرة ما يقول الناس عنك، قال له: هل سمعت مني شيئاً عنهم؟ قال له: لا وَاللَّهِ، قال: إذاً عليهم فأشفق، الإنسان بطولته أن يبقى مستقيماً، أن يبقى في طاعة الله. القاضي له أن يشفع لأن الصلح سيد الأحكام : إذاً أول شيء نستفيده من هذا الدرس أن النبي عليه الصلاة والسلام فيما روى كعب بن مالك أنه تقاضى ابن أبي حدرد ديناً كان له في عهد رسول الله صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في المسجد فارتفعت أصواتهما- أي كانا يتحاوران في دَين، طبعاً المساجد وقتها كانت صغيرة، هذا الذي ترونه الآن، الحرم المدني، القسم العثماني الذي بناه العثمانيون لا يزيد عن واحد من مئة من حجم الحرم الحقيقي الآن، هذا الحرم أربعة أمثال مسجد رسول الله، حتى في الأعمدة يقول لك: هذه حدود المسجد في عهد رسول الله، مسجد صغير، وحوله غرف للنبي عليه الصلاة والسلام، فلما تحاور هذان الصحابيان في أمر دين- حتى سمعها رسول الله صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو في بيته، فخرج إليهما حتى كشف سجف حجرته، ونادى كعب بن مالك قال: يا كعب، قال: لبيك يا رسول، فأشار له بيده أن ضع الشطر من دينك، قال كعب لقد فعلت يا رسول الله، فقال النبي عليه الصلاة والسلام للثاني: قم فاقضه، دخل النبي شفيعاً بين اثنين بحكم مكانته، أمر كعب أن ينزل عن شطر دينه، وأمر الطرف الآخر أن يقضي دينه، إذاً القاضي له أن يشفع، لأن الله يقول: ﴿ وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ﴾ [ سورة النساء: 128] الصلح سيد الأحكام، إذا كنت تستطيع أن توفق بين اثنين يحتكمان لك، وأن توفق بينهما، زوجان متشاكسان، طالبة الطلاق وهو يريد أن يتخلص منها، إذا وفقك الله أن تجمع بينهما على خير هذه بطولة، بين شريكين، بين زوجين، بين أخوين، هذا من الأعمال الطيبة. لكن دائماً وأبداً لا تنسوا أن العدل قسري، وأن الإحسان طوعي، لا تستطيع أن تجبر على الإحسان، لكن على العدل لك أن تجبر، وأساساً القاضي يجبر، القاضي يصدر حكماً يوضع في التنفيذ، المعنيون في التنفيذ ينفذون حكم القاضي قسراً، العدل قسري، أما الإحسان فطوعي، أنا أتمنى على الإنسان ألا يأمر بالإحسان أمراً، يستثير نخوة المؤمن، يستثير حماسه، يبين له آثار الإحسان، آثار العفو، آثار المسامحة، إذا بين له الآثار عندئذ لا يجد هذا الخصم وداً من أن يسامح. حكم القاضي لا يحل حراماً ولا يحرم حلالاً : يا أخوان هناك نقطة في هذا الدرس، أنا أراها أخطر نقطة في هذا الدرس، قال العلماء: حكم القاضي لا يحل حراماً، ولا يحرم حلالاً، كيف؟ ادعى إنسان على أن له على زيد مئة ألف، فقال القاضي: ائتني بالشهود، فلفق شاهدين كاذبين مرتزقين مأجورين، وشهدا أمام القاضي، وأقسما اليمين، وقالا: نحن نشهد أن لفلان على فلان مئة ألف، شيء جميل، القاضي ليس آثماً، طلب الشهادة فجاءته، استحلف الشهود فحلفوا، وشهدوا بادعاء المدعي، فحكم القاضي لزيد بمئة ألف على عبيد، زيد معه الآن حكم قاض، قاض شرعي، وقاض من كبار القضاة، وقاض القضاة، وقاض ورع إلى أقصى درجة، ونزيه إلى أقصى درجة، هل هذا الحكم الذي مع زيد على عبيد يجعل له حقاً على عبيد؟ أبداً، و لو أن القاضي رسول الله صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حكم القاضي لا يحل حراماً ولا يحرم حلالاً، لو أن إنساناً ادعى أنه طلق زوجته، تطليقات ثلاثة، وهو لم يطلقها وجاء بشهود، عندئذ أصدر القاضي حكماً بطلاق هذه المرأة من زوجها، وجاء رجل ليتزوجها هي عليه حرام، لأن الطلاق لم يقع، ولا زالت على عصمة الأول، فانتبهوا لهذا النقطة الدقيقة، لو أنك ملكت حكماً قضائياً من أرفع مستوى، والأغرب من ذلك، لو أن هذا الحكم من فم النبي عليه الصلاة والسلام لقول النبي عليه الصلاة والسلام: (( إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، وَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَلا يَأْخُذْ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ)) [ متفق عليه عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ] لذلك دائماً، كلما سئلت أقول: هذه الفتوى على وصفك، على ما تقول، فلو لم تكن صادقاً فيما تقول هذه الفتوى ليست لك، لا تعتمد عليها، لا تأخذها حجة، هي ليست بحجة، لذلك قالوا: الفتوى على قدر النص، قال له: يا سيدي لما طلقتها كنت لا أرى بعيوني، لما طلقتها كنت مجنوناً، هل يقع هذا الطلاق يا سيدي؟ قال له: والله يا بني قال عليه الصلاة والسلام: "لا طلاق في إغضاب"، أخذنا فتوى دبرنا حالنا، لا لم تدبر حالك إن لم تكن غاضباً على النحو الذي وصفه النبي صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقد طلقت امرأتك، ولو قال لك شيخ الشيوخ أنه لا يقع، الفتوى على قدر النص، ما دمت قد قلت أنا حينما طلقتها كنت في غضب شديد، كدت أجن، كأنني مجنون، على هذا الكلام الطلاق لا يقع لكن تطابق كلامك مع الواقع محاسب أنت عليه، المفتي ليس عليه إثم، أفتى على قدر النص. الفتوى أمانة : كل إنسان له وظيفة بالحياة، والإنسان ما دام ضمن عمله فهو محترم، أما إذا تجاوز اختصاصه إلى اختصاص آخر لا يبدو محترماً، الإفتاء اختصاص، والاجتهاد اختصاص، والتدريس اختصاص، والقضاء اختصاص، والدعوة إلى الله اختصاص، والعلم اختصاص، والتربية اختصاص، أنا أتمنى على كل إنسان أن يتجه إلى أصحاب الاختصاص، اسألني عن قضية بالقانون أنا لا أعرفها، ولا يطعن هذا في مكانتي أنني لا أعرفها، كل إنسان أقامه الله بعمل، المحاماة اختصاص، كل سنة يوجد مئتي قانون، وتعديلات، وتعديل التعديل، وإلغاء، وتعليق، ونسخ، واجتهاد محكمة النقض، من يحفظ هذا؟ هذا اختصاص القضاة والمحامين، فأنت اسأل أصحاب الاختصاص دائماً. أخواننا نصف العلم لا أدري، القصة أقولها دائماً الإمام مالك إمام دار الهجرة، أنا لست متأكداً الإمام مالك أم الإمام أحمد بن حنبل، لكن كان وحيد عصره وفريد زمانه، كان الإمام الأول، جاءه وفد من المغرب، من بلاد الأندلس، طبعاً ليس الآن طائرة ثماني ساعات، قاعد، مرتاح، ثلاث وجبات، ومرطبات، من بلاد الأندلس إلى المدينة أي هناك سير خمسة أشهر، جاء وفد يحمل ثلاثين سؤالاً من بلاد المغرب، ليسأل هذا الإمام العظيم، إما أنه الإمام مالك أو الإمام أحمد بن حنبل، وأرجح الظن أنه الإمام أحمد بن حنبل، فعرضوا عليه هذه الأسئلة، هذا الإمام الأوحد، أي أعلى شخصية علمية في العالم، فقال: هذا السؤال هذا جوابه، وهذا السؤال هذا جوابه، أجاب عن سبعة عشر سؤالاً، وقال: الباقي لا أدري، لا أعلم، هم دهشوا، صعقوا، الإمام أحمد بن حنبل لا يعلم ؟! قال: قولوا لهم الإمام أحمد لا يعلم. الإفتاء جسر إلى جهنم، كلما لقيت إنساناً جباناً بالفتوى احترمه زيادة، كلما لقيت إنساناً سريعاً بالفتوى احتقره، لأن الفتوى أمانة، أي إذا كان الشيء حراماً وقلت له: حلال خرب بيتك، وإذا الشيء كان بالعكس حلال حرمته عليه، أيضاً حسابك يوم القيامة، أنت لا تعلم لماذا تفتي بهذا الموضوع؟ فلذلك الإنسان لا يفتي بسرعة. ماذا يحصل مع الناس؟ كلما لقوا إنساناً عنده مسحة دينية يقولون: وَاللَّهِ ابننا صاحب دين، ابنكم صاحب دين على العين والرأس، له دروس علم لكن ليس مفتياً، الإفتاء منصب، الإفتاء اختصاص، فقل: لا أعلم، قل لا أعلم وافتخر فيها، لأن نصف العلم لا أدري، ومن علامة العالم أنه يكثر من قول لا أعلم، و يظل المرء عالماً ما طلب العلم، فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل، في اللحظة التي تتوهم أنك تعلم فأنت لا تعلم، قل لمن يدعي في العلم فلسفة حفظت شيئاً وغابت عنك أشياء. المؤمن وقّاف عند كتاب الله : هذه أخطر فكرة في الدرس، حكم القاضي لا يحل حراماً، ولا يحرم حلالاً، ولو معك حكم، و لو كان القانون معك، لن تنجو، أخي المادة كذا لصالحي، صح، وبالقبر لصالحك؟ هذه بالدنيا لصالحك، ما دام هناك قضاء ومحاكم، المادة الخامسة و الثلاثون من القانون الفلاني لصالحي و القبر؟ مرة أحد أخواننا الكرام استشارني استشارة أعجبتني، هناك محضر تمكن من أن يخلصه بنصف القيمة، سألته: كيف خلصته بنصف قيمته؟ هذا المحضر لثلاثين أسرة، إذاً هذا يحتاج إلى دعوى إزالة شيوع، هذه الدعوى من مستلزماتها أن يوضع هذا المحضر في المزاد العلني، بالمزاد العلني ممكن أن تجري مؤامرة، أي يأتون بأشخاص خلبيين، يدخلون بالمزايدة، ويرفعون الأسعار قليلاً قليلاً، هذا الذي حصل، أحضر أربعة أشخاص أو خمسة، ونزلوا بالمزايدة، مثلاً المحضر ثمنه ثمانمئة ألف - القصة قديمة من اثنتي عشرة سنة- الآن ثمنه ملايين، كان ثمنه ثمانمئة ألف، بدؤوا بأربعمئة، جاء أول مزايد قال: أربعمئة وعشرة آلاف، الثاني أربعمئة وخمسة عشر، رفعوا إلى أربعمئة وخمسين، نصف القيمة، ذكاء هذا؟ لا ليس ذكاء، لأن له أصحاباً أيتام، قصر، بعدما اشترى هذا المحضر بنصف القيمة، وسوف يعمره، انتبه، وسألني هذا الأخ الكريم، قال لي: أنا أخاف من القبر، قلت له: معك حق، قال لي: ما الحل؟ قلت له: أن تدفع لأصحابه ثمنه الحقيقي، القانون معك، الآن المحضر لك، تذهب إلى المحافظة غداً، وتقدم نتيجة المزايدة، تدفع التأمين، تدفع الثمن ويطوب لك، القانون كله أصبح معك، لكن هؤلاء القصر الأيتام محضرهم ثمنه ثمانمئة ألف، إذا نقدتهم أربعمئة ألف هل يرضى الله عنك؟ قال: لا وَاللَّهِ بعد أسبوع جاءني و قال لي: انسحبت من هذا المشروع خوفاً من الله فقط، والنصف مليون وقتها بقدر خمسين مليوناً الآن. هذا المؤمن، المؤمن وقاف عند كتاب الله. الاستقامة و الأمانة : قلت يوم الجمعة: الاستقامة مليون بند وأكبر بند فيها ترك الحرام، ترك المال الحرام، مع المال الحرام لا يوجد صلاة، ولا صيام، ولا حج، ولا وجهة، ولا قلب مستنير، ولا وجه مستنير، ولا صلة بالله، محجوب، آكل مال حرام، يقول العبد: يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وغذي بالحرام، وَاللَّهِ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ أيها الأخوة لو معك مئة مليون بالحرام، ولاحظت يوم القيامة كيف تحاسب عنها لهانت على نفسك. أنا من حوالي ستة أشهر جاءتني قصاصة، وقرأتها لكم، وَاللَّهِ أعتز بها، وضعتها عندي، هذه القصاصة من أحد أخواننا وأنا أحترمه احتراماً كثيراً مع أني لا أعرفه، تكلمت مرة في درس في الكويت عن الأمانة، قلت وقتها: الأمانة ليس ما عليك من حقوق، أو سندات الأمانة ليس أن تدفع ذمة مرتبة عليك، ليس أن تدفع سنداً مستحقاً، ليس أن تؤدي ديناً لتاجر، هذا سلوك مدني، ما معنى مدني؟ أي خصمك بلوى، إن لم تدفع معه سند، يبعث لك مذكرة عن طريق محامي، يبعث لك بطاقة بريدية، يتكلم عنك أن سلعة فلان كذا، ينزع لك اسمك، يقاضيك، فأنت وجدت الأسلم أن تدفع السند، لكن ما هي الأمانة التي تعد عند الله عبادة؟ هي حالات نادرة، أن إنساناً أعطاك مئة ألف، ما أبلغ أحد من الخلق، لا زوجته، ولا أولاده، ولا أخذ منك وصلاً، ومات، لا يستطيع أحد على وجه الأرض أن يقاضيك، ومع ذلك حملت هذا المبلغ وتوجهت إلى ورثة المتوفى، وأعطيتهم إياه، هذه الأمانة، تكلمت القصة وأنا بالعثمان قبل سنة تقريباً، ولمحت بالموضوع مرة ثانية بدرس بالنابلسي، جاءتني قصاصة ورق، يقول لي صاحبها: والله يا أستاذنا أديت قبل أسابيع اثني عشر مليون ليرة لورثة، ليس معهم وثيقة بهذا المبلغ، دفع اثني عشر مليوناً بناء على درس الاثنين بالكويت، هذه الأمانة، و الله يوم القيامة يشعر بسعادة، يشعر براحة، الإنسان ليس له إلا ما أكل. ((عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقْرَأُ أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ قَالَ: يَقُولُ ابْنُ آدَمَ مَالِي مَالِي، قَالَ: وَهَلْ لَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مِنْ مَالِكَ إِلا مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ، أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ، أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ )) [مسلم عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ أَبِيهِ ] كل شيء ليس لك، تأمل بهذا البيت أين صاحبه؟ كله جبصين، انظر الغرف الواسعة، المناظر الطبيعية، انظر السجاد الإيراني الثمين، أين صاحبه؟ أنا مرة حضرت دفن ميت، والله الإنسان كان غالياً عليّ، لكنه أنيق، نظيف جداً، مرتب جداً، وضعوه بالقبر، وأحضروا البلاطة ووضعوها فوق الفتحة، فلم تتغطَ الفتحة بشكل تام، فكان هناك تراب جانب القبر وهناك مجرفة، وضع التراب فنزل فوقه، أين سريره الأنيق؟ أين بيته الفخم؟ تدفئة مركزية، جبصين، ألمنيوم، هو بالأخير في القبر. لذلك حكم القاضي لا يحل حراماً، لو معك من رسول الله فتوى لو المادة الخامسة و السبعون كلها لصالحك، لو أخذت حكماً من محكمة النقض انتهى، لكنك لم تنته من الله، هذا الكلام أبرز ما في الدرس، حكم القاضي لا يحل حراماً ولا يحرم حلالاً، لأن القانون لو كان معك، حكم القاضي لو كان لصالحك، لا ينجيك من عذاب الله، وقد قال الشافعي: " حكم الحاكم لا يحلل الحرام". القضاء على الغائب : عندنا موضوع آخر وهو القضاء على الغائب، يا ترى هل يجوز للمدعي أن يدعي على غائب وهذا الغائب ليس له وكيل؟ طبعاً نحن نعرف بالقضاء ممكن أن تقيم دعوى على إنسان غائب، والغائب يبلغ بالصحف المحلية، فإذا لم يحضر يحكم غيابياً، هكذا القانون والقانون له أصل بالشرع، الأدلة، أن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ ﴾ [ سورة ص : 26 ] فالحكم بالحق أمر ثابت، لا أعطل هذا الحكم أو ذاك الأمر لمجرد أن أحد الخصوم غائب، يغيب إلى ما شاء الله، يتزوج ويغيب، هذه الزوجة تريد نفقة، أخي غائب لا نستطيع أم نقيم عليه دعوى نفقة، لأنه غائب، هذا كلام غير مقبول، الغائب تقام عليه الدعوة ويحكم غيابياً لأن الحق أحق أن يتبع. هناك دليل عندنا غير الآية، دليل عملي، قال سيدنا عمر: من كان له دين فليأتنا غداً، فإنا بايعوا ماله وقاسموه بين غرمائه، وكان الشخص الذي قضي عليه ببيع ماله غائباً، شخص عليه ديون، وترك بيته وهرب، سيدنا عمر قال: من كان له عليه دين فليرفع إلينا دينه حتى نبيع ماله، ونقسمه بين غرمائه، الشخص غائب الدليل القوي: ﴿ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ ﴾ [ سورة ص : 26 ] والدليل الثاني: من كان له دين فليأتنا غداً، فإنا بايعوا ماله وقاسموه بين غرمائه، وكان الشخص الذي قضى عليه ببيع ماله غائباً، لكن هنا يوجد استدراك، إذا حضر الذي حكم عليه بالغياب – غيابياً- القاضي عليه أن يستمع إليه، إذا حضر كانت حجته قائمة، وتسمع، ويعمل بمقتضاها، لو أدى ذلك إلى نقض الحكم، لأن الحكم الغيابي حكم مشروط. إنسان ادعى أن له على فلان مئة ألف، و أحضر بينة – وصلاً - وشهوداً، وكل شيء، و قال: إن لهذا الشخص بيتاً، أعطني البيت، أو ضع يدي عليه، أو نبيع البيت وآخذ حقي، أصدر حكم ببيع البيت ووفاء الثمن للغريم، بعد ذلك جاء الغائب، قال: هو استرد دينه مني وهذا الدليل، هذا الوصل ينقض الحكم، لأن الحق قديم، لأن تعود إلى الصواب خير من أن تمضي في الخطأ، لذلك الغائب إذا حضر كانت حجته قائمة وتسمع ويعمل بمقتضاها، ولو أدى إلى نقض الحكم، لأنه في حكم المشروط، بعض المذاهب قالوا: لا بد من أن يكون لهذا الغائب وكيل ينوب عنه. تحاكم الذميين إلى قضاة المسلمين : الآن إذا تحاكم الذميون إلى قضاة المسلمين جاز ذلك، ويقضى بينهم بما أنزل الله وبما يقضى بين المسلمين، يقول الله تبارك وتعالى: ﴿ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾ [ سورة المائدة: 42 ] لذلك المحاكم الشريعة الإسلامية تقبل أي قضايا شخصية لغير المسلمين، ممكن إلا أن يكون لهذا الطوائف محاكم مذهبية خاصة، أما لو أن شخصين ترافعا في قضية شرعية أو شخصية، يمكن أن يحكم بينهم القاضي الشرعي الإسلامي. الآن عندنا قضية يثيرها بعض الأخوة كثيراً، هل لصاحب الحق أن يأخذ من المماطل حقه من دون أن يقاضيه؟ لك مع إنسان دين ثابت، لم يدفع لك من ثلاث عشرة سنة، جاءك شخص قال لك: هذا المبلغ لفلان، أعطه له، فلان غريمك تستطيع أن تأخذ حقك هذا موضوع نبحثه إن شاء الله. العدل أساس الملك : أخرج أبو نعيم في الحلية- حلية الأولياء- قال: افتقد علي بن أبي طالب كرم الله وجهه درعاً له، وجدها عند يهودي، التقطها فعرفها، سيدنا علي على علو مقامه، افتقد درعاً له وجدها مع يهودي، فقال: درعي؟ سقطت عن جمل له أورق، قال اليهودي: درعي وفي يدي، ثم قال اليهودي بين وبينك قاضي المسلمين، فأتوا شريحاً، كان من أشهر القضاة، فلما رأى علياً قد أقبل تحرف عن موضعه، وجلس علي فيه ثم قال علي: لو كان خصمي من المسلمين لساويته في المجلس، ولكني سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: لا تساويهم في المجلس وساق الحديث، قال شريح: ما تشاء يا أمير المؤمنين، تصور أمير مؤمنين، حاكم المسلمين، بلاد الحجاز، والشام، ومصر، والعراق كلها تحت أمرته، وخصمه يهودي، من الشرذمة القليلة، اختصم مع خصمه على درع، وتوجه هذا الأمير العظيم مع اليهودي إلى قاضي المسلمين شريح، قال شريح: تكلم يا أمير المؤمنين، قال: درعي سقطت عن جمل لي أورق، فالتقطتها هذا اليهودي، قال شريح: ما تقول يا يهودي؟ قال: درعي وفي يدي، قال شريح: صدقت والله يا أمير المؤمنين، إنها لدرعك، مبشر بالجنة، ممكن أن يكذب؟ مستحيل ولكن لا بد من شاهدين، فدعا قنبراً، والحسن بن علي، وشهدا أنها درعه، فقال شريح أما شهادة مولاك فقد أجزناها، وأما شهادة ابنك لك فلا نجيزها، فقال علي كرم الله وجه، ثكلتك أمك، أما سمعت عمر بن الخطاب يقول: قال عليه الصلاة والسلام: "الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة"، قال: اللهم نعم، قال: أفلا تجيز شهادة سيد شباب أهل الجنة؟" ثم قال لليهودي: خذ الدرع، قال: خذها واذهب، إليك هذه، القاضي مقتنع مئة بالمئة بأن الدرع لسيدنا علي، لكن الإجراءات لا بد لها من شهود، قنبر مقبول، أما ابنك فغير مقبول، فقال اليهودي: أمير المؤمنين جاء معي إلى قاضي المسلمين وقضى له ورضي؟ صدقت و الله يا أمير المؤمنين، إنها لدرعك، سقطت عن جمل لك التقطتها، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، فوهبها إليه علي كرم الله وجهه، وأجازه بتسعمئة. العدل شيء لا يصدق، قلت لكم في أول درس: إذا كان العدل بخير فنحن جميعاً بخير، هذه القاعدة البسيطة رسمها طفل صغير، لمَ لم تهرب؟ قال له: أيها الأمير لست ظالماً فأخشى ظلمك، ولست مذنباً فأخشى عقابك، والطريق يسعني ويسعك. علامة الحياة الاجتماعية الصحيحة : علامة الحياة الاجتماعية الصحيحة أن يطمئن المستقيم، وأن يخاف المذنب، أما إذا خاف المستقيم واطمأن المذنب فهذه حالة مرضية خطيرة جداً، مادمت مستقيماً يجب ألا تخاف أحداً. تلخيص لما سبق : نرجو الله سبحانه وتعالى مرة ثانية أن هذا الموضوع ما كان يخطر ببالي إطلاقاً خلال عشرين سنة لأن أطرحه، كلي قناعة أنه موضوع اختصاصي، خاص بالقضاة، لكني وجدت وَاللَّهِ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ ما من واحد منكم إلا ويحكم بين شخصين، وهو لا يشعر، هذه مبادئ العدل، مبادئ الشهادة، وعندنا موضوعات مهمة جداً، الشهادة، واليمين، وموضوع الخصوم، موضوع المساواة، هذه كلها موضوعات يجب أن تكون ماثلة أمامكم،أي ممكن أن أقول لكم شيئاً أساسياً بالدرسين السابقين ألا تستمع من طرف واحد، استمع إلى الطرفين معاً والأكمل أن يكونا في مجلس واحد. الشيء الثاني حكم القاضي لا يحل حراماً، علاقتك مع الله لو معك القانون كله، لو القاضي من طرفك، لو معك حكم، لو معك فتوى من رسول الله، لن تنجو من عذاب الله إلا إن استقمت على أمره. وفي درس قادم إن شاء الله تعالى عندنا موضوع الدعاوى والبينات، موضوع الإقرار، موضوع الشهود، موضوعات لطيفة كلها ونحتاجها، لا سمح الله ونحن في القضاء أحياناً تنتبه أنت هذا ليس إقراراً، هذه الشهادة غير صحيحة، هذا الشاهد كان مسافراً وقت وقوع الحادث. |
رد: العبادات التعاملية
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية الدرس : ( الثانى العاشر ) الموضوع : الدعوة و البيان الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. الدعوى و معناها اللغوي : أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في موضوع القضاء، وقد تحدثنا في دروس سابقة عن مهمة القاضي، وعن شروط القاضي، وعن نزاهة القاضي، وعن بعض الأحكام الشرعية المتعلقة بالقضاء. واليوم ننتقل إلى أحد أكبر موضوعات القضاء وهو الدعوة والبينات، يقول لك: أقمت عليه دعوى، أقام عليّ دعوى، هناك ثلاثة آلاف وخمسمئة دعوى بمحكمة النقض، ما معنى كلمة دعوى؟ الدعاوي جمع دعوى ومعناها اللغوي: الطلب. ﴿ قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً﴾ [سورة الفرقان:77] دعانا إلى طاعته: أي طلب منا أن نطيعه، دعانا إلى معرفته: طلب منا أن نعرفه، دعونا إلى الله ورسوله: أي طلبنا من الناس أن يتعرفوا إلى الله ورسوله، فالدعاوي جمع دعوى، والدعوى الطلب وقد قال تعالى: ﴿ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ﴾ [ سورة فصلت: 31] أي ما تطلبون. الدنيا مبنية على السعي والكدح و الآخرة على الطلب : هذا يقودنا إلى حقيقة أساسية في الجنة وهي أن الدنيا مبنية على السعي، والكدح، وبذل الجهد، والتعب، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ ﴾ [ سورة الانشقاق: 6] لكن الجنة مبنية على نوع آخر، على نظام آخر، لمجرد الطلب اطلب أي شيء تراه أمامك للتو، خطر في باله صديق قديم له في الدنيا. ﴿ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ * قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ * فَاطَّلَعَ فَرَآَهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ ﴾ [ سورة الصافات: 51 ـ 55] ما من حاجة للسفر، ما من حاجة لبذل الجهد، ما من حاجة لكسب الرزق، لتحمل الحر والقر، والمخاطرات، لا يوجد تعب، لا يوجد إرهاق، لا يوجد سأم، لا يوجد ضجر، لا يوجد شيخوخة، لا يوجد كبر، أنت في أعلى درجات النشاط، أي شيءٍ يخطر في بالك فهو أمامك: ﴿ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ﴾ [ سورة فصلت: 31] يدعون يطلبون فالدعوى هي الطلب. معنى الدعوى في الشرع : لكن الدعوى في الشرع لها معنى دقيق، وهي إضافة إنسان إلى نفسه استحقاق شيءٍ في يد غيره أو ذمته، أقمت عليه دعوى بمئة ألف ليرة، أي أنني أضفت إلى نفسي هذا المال، وطالبت به، فهو في ذمته، أو في يده، فالدعوى إضافة الإنسان إلى نفسه استحقاق شيءٍ في يد غيره، أو في ذمته، والمدعي هو الذي يطالب بالحق، وإذا سكت عن المطالبة ترك نقطة دقيقة جداً، أي إذا شخص له عند الآخر دين ولم يطالب به سقط هذا الدين، الآية الكريمة. ﴿ وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ﴾ [ سورة آل عمران: 75] الحياء و الخجل : كل حق يحتاج إلى مطالبة، الحق الذي لا يطالب به يترك، وهذا يقودنا إلى حقيقة أساسية، وهي أن الخجل مرض، والجرأة فضيلة، الحياء فضيلة، والخجل مرض، كأنني أرى أنه لا فرق بين الحياء والخجل، لا، فرق كبير، الحياء أن تستحي من الله، الحياء أن تستحي من الفحشاء والمنكر، من شيءٍ شائن، من شيءٍ لا يرضي الله، أما الخجل وهو رذيلة فأن تخجل أن تطالب بحقك. ﴿ لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا ﴾ [ سورة النساء: 148] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-5572/01.jpg لك حق تسكت عنه خجلاً، هذا ليس فضيلة، هذا رذيلة، لذلك الحياء فضيلة، الحياء من الإيمان، أما الخجل فمن ضعف الشخصية، تخجل أن تأخذ حقك، تخجل أن تطالب، هذا ليس مقبولاً، قد يكون هذا المال ليس حقك، بل حق أولادك، حق أهلك، أحياناً تجد أخوات- واردة كثير - وهناك عشرات القصص، أخ كبير مسيطر على المال كله، أخ صغير له أولاد على مشارف الزواج، ليس عندهم بيوت، كل شيء مجمد، يقول لك: أستحي لا أستطيع أن أطالب أخي الكبير، هذا حق أولادك، لكن الأولاد ينحرفون، بلا بيوت، بلا زواج، هناك ميراث ضخم بمئات الملايين مجمد، لأن أكبر الأخوة مسافر، أو بعيد عن الحاجة اليومية، أو مسيطر، الذي يخجل من أخذ حقه هذا ليس فضيلة بل نقص في الإنسان، أما الحياء فأن تستحي من الله حق الحياء. ((اسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ، قَالَ: قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نَسْتَحْيِي وَالْحَمْدُ لِلَّهِ قَالَ: لَيْسَ ذَاكَ وَلَكِنَّ الاسْتِحْيَاءَ مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى، وَالْبَطْنَ وَمَا حَوَى، وَلْتَذْكُرِ الْمَوْتَ وَالْبِلَى، وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدِ اسْتَحْيَا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ)) [ الترمذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ] فالمدعي هو الذي يطالب بالحق، وإذا سكت عن المطالبة ترك ذلك الحق. الحق العام و الحق الخاص : لذلك يقولون: تحريك الدعوى، إذا الإنسان ما حرك الدعوى فالدعوى ميتة، الحق ميت، الحق منته، ضائع، لكن هناك حق عام، لو أن إنساناً ارتكب جريمة، لو أن المدعى عليه سكت، ولم يطالب، هناك حق عام هذا لا بد منه، لذلك يعد تحرير الرقبة حقاً عاماً، لكن الدية حق خاص، فالذي يقتل مؤمناً خطأً عليه حقان، حق عام، وحق خاص، حق عام هو أنه أزهق نفساً مؤمنة، بريئة، بغير ذنب، لا بد من أن يدخل لمجتمع المسلمين نفس مؤمنة. ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾ [ سورة النساء: 92] ﴿ فتحرير رقبة مؤمنة ﴾ هذا الحق العام، أم الحق الخاص ﴿ ودية مسلمة إلى أهله ﴾ المدعى عليه هو المطالب بالحق، وإذا سكت لن يترك، اختلف الأمر، المدعي إذا سكت عن المطالبة ترك حقه، أما المدعى عليه فإنسان اقترف ؟إثماً، أكل مالاً ليس له، هو سكت لكن سكوته لا يعني أنه قد سومح، لا، إذاً ترك المدعي المطالبة شيء وترك المدعى عليه المطالبة شيء آخر، ترك المدعي المطالبة يسقط حقه، لكن ترك المدعى عليه المطالبة لا يسقط مسؤوليته، فرق بينهما. قال: ممن تصح الدعوى؟ الدعوى لا تصح إلا من الحر، العاقل، البالغ، الراشد، فالعبد، والمجنون، والمعتوه، والصبي، والسفيه لا تقبل دعواهم، بالتعبير القانوني تشطب، وكما تجب هذه الشروط بالنسبة للمدعي فإنها تجب أيضاً بالنسبة للمنكر الدعوى. الدعوى و البينات : أول شيء أيها الأخوة: أي أهم ما في هذا الدرس هذا العنوان: لا دعوى إلا ببينة، لولا البينة لقال من شاء ما شاء، لولا البينة لكان هناك مئات ألوف الدعاوي في المحاكم، لولا الدليل لقال من شاء ما شاء، لي معك مئة مليون، رجاء من دون دليل قل: ألف مليون، لابد من بينة، البينة أساس الدعوى، ولا دعوى إلا ببينة، ولا تثبت الدعوى إلا بدليل يستبين به الحق ويظهر. ((عَنِ ابْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لذَهَبَ دِمَاءُ قَوْمٍ وَأَمْوَالُهُمْ ذَكِّرُوهَا بِاللَّهِ وَاقْرَءُوا عَلَيْهَا ( إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ ) فَذَكَّرُوهَا فَاعْتَرَفَتْ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ )) [ البخاري عَنِ ابْن عَبَّاسٍ ] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-5572/02.jpg أحياناً يتوفى رجل غني، أخي أنا مُدين المرحوم مئة ألف، لكن كان لي ثقة فيه فلم آخذ منه وصلاً، كلام لا فائدة منه، أنا الغرض الفلاني لي لكنني أعرته للمحروم، إذا كل إنسان مات، ونحن مكلفون أن نصدق كل دعاوى الناس، ما بقي شيء للورثة، لذلك لا دعوى إلا بدليل، فانتبه الآن أنت، إذا كان لك عند إنسان شيء، والإنسان مات فجأة، لا شيء لك عنده، لذلك خذ وصلاً، اطلب بينة، إيصالاً، سنداً، شهوداً، تسجيلاً رسمياً، توقيعاً، لأن لو كان لك مع إنسان مئة ألف ومات فجأة بحادث، وتقدمت إلى الورثة، وحلفت لهم أيماناً مغلظة وذكرت لهم قرائن كثيرة، قد يقبلون، والأغلب أنهم يقبلون، وإن لم يقبلوا لا شيء عليهم، لأن المال شقيق الروح، الآن تجد شخصاً الأسعار هبطت فجأة صار معه جلطة ومات، ما تفسير ذلك؟ المال شقيق الروح، يقولون: مرض السكر، إذا كانوا تجاراً للسكر وانخفضت أسعار السكر، وكانوا قد اشتروه بأسعار عالية ارتفع السكر بدمائهم، إذا انخفضت أسعاره في السوق ارتفعت نسب السكر في دمائهم، معنى هذا أنه صار هناك اضطراب شديد، المال شقيق الروح، فالإنسان عندما يدين ماله، يدفع ماله لجهة، يتساهل بالإيصال، يموت فجأة. قال لنا أخ من أخواننا: عندما كان مسموح التعامل بالعملات الأجنبية قبل اثنتي عشرة سنة إنسان يريد أن يصرف مبلغاً ضخماً يستبدله بالعملة أجنبية، وقف عند أحد محلات الصرافة أول سوق الحميدية، و أعطاه ستمئة ألف بالسبعينات، هذا المبلغ الآن يعادل ستة ملايين، قال له: الآن أمهلني لبعد الظهر، قال له: أعطيني إيصالاً بهم، بدأ بكتابة الإيصال، فجاء أخوه و قال له: تأخرنا على موعدنا في عين الخضراء، فلم يأخذ الإيصال صار حادث فمات هذا الشخص، عاد الرجل عند العصر فشاهد النعوة، مساء رأى النعوة، ذهب إلى الورثة وتذلل أمامهم، وأقسم الأيمان المغلظة، واضطربت نفسه، كل إنسان مفرط يدفع الثمن باهظاً. إذاً لا دعوى بلا بينة، هذه ضعها ببالك، أقرضت إنساناً ، هذا البيت سلمته حتى تتلافى ضريبة معينة، أو عليك حجز جمركي، فقيدت البيت باسم أحدهم، وما أخذت منه تصريحاً معاكساً، ومات الشخص، و الله البيت بيتي، كلام لا معنى له، هذا البيت اشتراه والدنا، أعطاك إياه عيرة، مؤقتاً، نريد حقه، لو تتبعت قضايا القضاء، أو مضامين الدعاوي في قصر العدل لوجدت العجب العجاب، ولا أبالغ تسعة أعشار القضايا لو طبق أصحابها أحكام الشريعة لما دخلوا قصر العدل. قال له: يا عمرو ما بلغ من دهائك؟ قال له: و الله ما دخلت مدخلاً إلا أحسنت الخروج منه، قال له: لست بداهية، أما أنا والله ما دخلت مدخلاً أحتاج أن أخرج منه. إذا الإنسان ذكي يدخل وينظر، أما إذا كان أكثر ذكاء لا أدخل و هذا أفضل، فكل إنسان يمضي من حياته ستين أو سبعين سنة ما دخل قصر العدل معنى هذا أنه إنسان في أعلى درجات الصدق والأدب، لأنه عرف ما له وما عليه. الحكمة من الأحكام الشرعية التي شرعها الله : أساساً هناك نقطة مهمة جداً، ما هذه الأحكام الشرعية التي شرعها الله عز وجل إلا من أجل أن تكون متفرغاً لعبادته، قلت لكم سابقاً: دعوى واحدة تهز أعصاب أسرتين ثماني سنوات، ثماني سنوات أعصاب مضطربة، توتر عال، موضوع المجالس كلها، ماذا قال لك المحامي؟ والله قال: هناك أمل لكن ضعيف، هذا لا يعرف شيئاً اذهب إلى غيره، يأتي إلى محام ثان: والله هذه ليست سهلة، هذا بطنه كبير، و هناك أناس من أجل مئة ألف يدفعون خمسمئة ألف، دخل بالغيظ، يريد أن يغيظ خصمه، لم يعد يهمه المبلغ، أسرتان ثماني سنوات دخلوا بمتاهة قصر العدل، والمحاكمات، وابتزاز المحامين أحياناً غير المؤمنين طبعاً من أجل غلطة بسيطة، لم يأخذ إيصالاً، لم يسجله بالطابو، لم يعمل عقد شراكة بمحكمة البداية، لم يعمل تصريحاً بكاتب العدل، لأنك استكسلت، يوم ونصف بقصر العدل أمضيت ثماني سنوات بالمحاكم مع خصمك. أيها الأخوة الأكارم: بطولتكم أن الإنسان لا يحتاج أبداً أن يدخل قصر العدل، طبق الشرع. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ﴾ [ سورة البقرة: 282] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-5572/03.jpg كتبت، تفضل هذا توقيعك، سكت، أنا ألاحظ أحياناً بين الأخوة التجار، سيدي قال: إنه لم يستلم شيئاً، أنت اعمل له إيصالاً، حدد الكمية والوزن، وخذ توقيعه، قال لك: لا، تفضل هذا أفضل بكثير، أنا أعتقد أن هناك مئات ألوف القضايا الشائكة بين التجار أساسها عدم التسجيل، أساسها التسليم، إنسان قال لي كلمة قال: أنا ثماني سنوات ما ربحت حتى ضبطت أموري، أحد أكبر معامل المفروشات، يطلب مثلاً خمسين ثوب قماش، يقول له: بعثتهم، تأتي الشاحنة يقول له، أفرغهم في المستودع، هذا انتبه أنه لا يعد، ولا يكيل، صار كلما يطلب طلبية يفقد ثلثها، سيارة شاحنة فيها قماش كنبات، يقول له: أفرغ ما تحمل في المستودع، لا يربح، دائماً يخسر لأنه لم يستلم، ما أخذ الثوب قرأ متراجه، وسجله، وضعه بالمستودع، كل إنسان لا يسجل لا يوجد عنده رصيد بضاعة، لا يوجد عنده إيصالات، أموره عشوائية، تسليم بلا توقيع، استلام بلا عد، لا يربح، و يصير وراء الناس، لن تربح حتى تضبط أمورك، الله وصف أهل الدنيا غير المؤمنين، قال: ﴿ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ﴾ [ سورة الكهف: 28] إذاً هذه قضية أساسية، لا دعوى إلا ببينة، دع معك إيصالاً، دع معك صورة العقد، دع معك وثيقة، خذ رقماً، خذ تاريخاً، خذ توقيعاً، اعمل عقد شركة، سجلها بقصر العدل، اعمل كاتب عدل، هذا كله من الشرع، حتى لا تضطر أن تدخل لقصر العدل، ادخله مرة لأخذ توقيع، أو لتصريح، أحسن من أن تدخله ثماني سنوات وأعصابك متوترة، لا تفهموا من كلامي أنه يجب ألا تدخلوا إلى قصر العدل، قد يكون لك صديق قاض، قد تدخل لتشفع لإنسان، هذه لا علاقة لها، لكن لا يدخل مدعياً، ولا مدعى عليه، أما إذا دخلت لأن لك صديقاً فلا يوجد مانع. المدعي يكلف بإقامة الدليل على صدق دعواه وصحتها : أحياناً تجد شيئاً مضحكاً جداً، إنسان يأخذ دور القاضي، يطالب المدعى عليه بدليل عكسي، البينة على من ادعى، كل إنسان يدعي يقدم هو الدليل، الوثائق، الوقائع، الشهود، الأدلة، الإيصالات، الحسابات، أما تطالب المدعى عليه بتقديم دليل عكسي فهذا منتهى الحمق، أنت تستطيع أن تثبت أنه لا يوجد له معك شيء، هو يذكر واقعة، أو حادثة، يأتي بشهود، يقدم وصلاً، أما أنا فأريد أن أثبت أنه ليس له معي شيء، بالأصل أنا بريء، فلذلك لا دعوى إلا ببينة، كي تبقى أعصابك مرتاحة، وصلاتك صحيحة، ونفسك مطمئنة، ووقتك مريح، وحتى تأتي بيوت الله عز وجل مرتاحاً، كن دقيقاً في تعاملك، فأي شيء لك على الناس خذ به بينة. مرة حدثني أخ، هناك موضوع استثمار بين أخ وأخ، قال له: و الله أريد خمسة آلاف، قال له: تكرم، مرّ الأخ الذي معه مبلغ الاستثمار على دكان الأخ الذي يستثمر عنده، قال له: هذه الخمسة آلاف، وجد ابنه خذ هذا المبلغ وأعطه لوالدك، قال له: أريد وصلاً، هناك ورقة صغيرة كتب عليها الإيصال وخبأه، بعد سنة أثناء الجرد قال له: أنا ما أخذت منك شيئاً، فأجابه: بل أخذت خمسة آلاف، قال: لا أذكر، قال له: انتظر، أحضر له الورقة الصغيرة، قال له: نعم لا تؤاخذني، شيء مريح جداً، سبحان الله الإنسان غريب كل شيء عليه ينساه، الذي يتذكره هو الذي له لا عليه. أول حقيقة في هذا الموضوع: أن المدعي هو الذي يكلف بإقامة الدليل على صدق دعواه، وصحتها، لأن الأصل في المدعى عليه البراءة، انظر ما أجمل الدين، هناك أنظمة كل إنسان متهم ما لم يثبت براءته، أما النظام الإلهي فالإنسان بريء في الأصل، ما لم تثبت إدانته، الأصل أنت بريء، الأصل في الأشياء الإباحة، الأصل في الذمم البراءة، ما لم تثبت إدانته. ((البينة على المدعي واليمين على من أنكر )) [البيقهي والطبراني بإسناد صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما] أنا عشرات المرات سمعت أشخاصاً يطالبون المدعي أن يحلف اليمين، أي يعكسون الآية، أو يطالبون المدعى عليه أن يأتي بالأدلة، المدعي يقدم الأدلة، والمدعى عليه يقدم الأدلة المعاكسة، المدعي يدعي والمنكر يحلف اليمين، إذا لم يكن هناك أدلة، الدليل يشترط أن يكون قطعياً لأن الدليل الظني لا يفيد اليقين، قال تعالى: ﴿ وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا ﴾ [ سورة النجم: 28 ] هذا إيصال، هذا المبلغ ليس لك، هذا لفلان، أنا أعطيته إياه، صار هذا دليلاً ظنياً، القطعي أن تقدم إيصالاً باسمك، أنا الموقع فلان الفلاني استقرضت من السيد فلان، اسمك فلان، هناك دليل قطعي، و هناك دليل ظني، الدليل الظني لا قيمة له في الدعاوي والقضاء. ((عن ابن العباس رَضِي اللَّه عَنْهما أن النبي صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: لرجل ترى الشمس، قال نعم، قال: على مثلها فاشهد أو دع )) [الحاكم عن ابن العباس رَضِي اللَّه عَنْهما] القضية إذا كانت كالشمس في رابعة النهار اشهد عليها، أو فدع أي نحتاج إلى أدلة قطعية لا أدلة ظنية. الإقرار : طرق إثبات الدعوى كثيرة، أحد هذه الطرق الإقرار، قال أحد الولاة لسيدنا عمر: إن أناساً قد اغتصبوا مالاً ليس لهم، لست أقدر على استخراجه منهم، إلا أن أمسهم بالعذاب، فإن أذنت لي فعلت، قال: يا سبحان الله، أتستأذنني في تعذيب بشر؟ وهل أنا لك حصن من عذاب الله؟ وهل رضائي عنك ينجيك من سخط الله؟ أقم عليهم البينة فإن قامت فخذهم بالبينة، فإن لم تقم فادعوهم إلى الإقرار، فإن أقروا فخذهم بقرارهم، فإن لم يقروا فادعوهم لحلف اليمين، فإن حلفوا أطلق سراحهم، و أيم الله لأن يلقوا الله بخيانتهم أهون من أن ألقى الله بدمائهم. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-5572/04.jpg يا أخون هناك قضية مهمة الإقرار، مشكلته مشكلة، إذا أقررت بشيء وأصبحت مداناً بموجبه لا تستطيع أن تلغي إقرارك، المرء مأخوذ بإقراره، قال لي أخ بدعوى سير دخل على القاضي اضطرب، قال له: أنت مقر بما جاء بضبط الشرطة العسكرية؟ قال له: نعم، سيدي الضبط جاء عكس الحادثة، كلمة نعم أي مقر، القاضي ما قرأ على المتهم الضبط، القاضي يسأل المتهم: أنت مقر بما جاء بضبط الشرطة العسكرية؟ قال له: نعم سيدي، القاضي ما أسمعه إياه، وهذا الإنسان ما قرأ الضبط، قال له: أقر، اكتب أقر، على السجن رأساً، هذه كبيرة جداً، ما معنى إقرار؟ الإقرار سيد الأدلة، إذا الأدلة سلسلناها أعلى أنواع الأدلة الإقرار، الإقرار نعم أنا فعلت كذا. ﴿ قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآَنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ﴾ [ سورة يوسف: 51] انتهى الأمر، صار سيدنا يوسف بريئاً عليه الصلاة والسلام: " أنا راودته عن نفسه " هذا إقرار، فأحياناً الإنسان يضطرب فيقر، يقر بجريمة أحياناً، يقر بعمل خطير جداً، لا تقل نعم، إياك أن توقع على شيء، على بياض لا يوجد توقيع، عمل وكالة عامة طلق له زوجته، عمل وكالة عامة أخذ له أمواله كلها، أنا إذا رأيت إنساناً على الفطرة إياك أن توقع على شيء، لأن أي توقيع، إنسان وقّع على أجرة بيت، كتب تسلمت من فلان مبلغ كذا، قال له: وقع هنا في الأسفل، كل شهرين نفس الرقم، أقام دعوى إنه لا يدفع، قال له: أنا دافع له سيدي انظر هذه القائمة، وهذا توقيعه في الأسفل، هذا أول شهر، وهذا ثاني شهر، وثالث شهر، لأنه عمل فاصلاً بين توقيعه وبين المبلغ انتبه، لا توقع إلا على سواد لا على بياض، وإياك أن تجعل بين توقيعك وبين المبلغ مسافة فارغة، اعمل خطاً مائلاً ووقع، فلو كتب معنى هذا هناك تزوير، انتبه، أنا قد سمعت قصصاً أساسها الغفلة، والبساطة، التعبير اليومي الدروشة، فالمؤمن كيس فطن حذر. مشروعية الإقرار بالكتاب و السنة : الإقرار خطير جداً، المرء مأخوذ بإقراره، أحياناً تكون هناك مغالطات، أنت مقر على الضبط؟ نعم سيدي، خذه إلى السجن، معنى هذا أنه اعترف بكل شيء، الضبط كله مزور ، اقرأه لي حتى أسمعه ، فالإقرار أخطر شيء، هو سيد الأدلة، الإقرار في اللغة الإثبات، قرّ الشيء يقر، أي استقر، الإقرار بالشرع الاعتراف، اعتراف المدعى عليه بمضمون الدعوى أقوى الأدلة، لإثبات دعوى المدعى عليه، ولهذا يقولون: إنه سيد الأدلة، عندنا سيد الأدلة وعندنا سيد الأحكام، سيد الأدلة الإقرار، وسيد الأحكام الصلح، إذا كنت قاضياً أقنعت الخصمين بالصلح، أنت أعظم قاضي صار هناك مودة و ألفة. أجمع العلماء على أن الإقرار مشروع بالكتاب والسنة، لقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴾ [ سورة النساء: 135] ما معنى أن يشهد الإنسان على نفسه، أي أن يقر، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (( يا أُنَيْسُ اغْدُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا فَسَلْهَا فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا فَاعْتَرَفَتْ فَرَجَمَهَا )) [ البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ] يقولون: صل من قطعك، وأحسن إلى من أساء إليك، وقل الحق ولو كان على نفسك، أحياناً الإنسان يحرج إذا اعترف بخطئه، أو بفعله، أو بذنبه، لكن الاعتراف بالذنب فضيلة، الإنسان لو أخترق جدار الخجل وقال: أنا فعلت هذا، هذا شيء عظيم، فالمؤمن يقر بالحق طواعية من دون ضغط، من دون إحراج. طلب العلو في الدنيا دليل حبها : و: ((عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: أَمَرَنِي خَلِيلِي صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَبْعٍ، أَمَرَنِي بِحُبِّ الْمَسَاكِينِ وَالدُّنُوِّ مِنْهُمْ، وَأَمَرَنِي أَنْ أَنْظُرَ إِلَى مَنْ هُوَ دُونِي وَلا أَنْظُرَ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقِي وَأَمَرَنِي أَنْ أَصِلَ الرَّحِمَ وَإِنْ أَدْبَرَتْ، وَأَمَرَنِي أَنْ لا أَسْأَلَ أَحَدًا شَيْئًا، وَأَمَرَنِي أَنْ أَقُولَ بِالْحَقِّ وَإِنْ كَانَ مُرًّا، وَأَمَرَنِي أَنْ لا أَخَافَ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لائِمٍ، وَأَمَرَنِي أَنْ أُكْثِرَ مِنْ قَوْلِ لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ، فَإِنَّهُنَّ مِنْ كَنْزٍ تَحْتَ الْعَرْشِ )) [أحمد عَنْ أَبِي ذَرٍّ] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-5572/05.jpg أَنْ أَنْظُرَ إِلَى مَنْ هُوَ دُونِي، في الآخرة ليس هكذا، هذا في الدنيا فقط، ساكن ببيت، غرفتان وصالون، هناك بيوت غرفة واحدة، هناك بيت الأسيقة فيها مكشوفة، عندك بيت و لكنك لم تستطع أن تدهنه، نعمة الحمد لله، هناك أرض فيها اهتزازات، بيوتنا مستقرة، فالإنسان كلما نظر إلى من هو أدنى منه سعد بدنياه، أما من نظر إلى من هو أعلى منه شقي بدنياه، من دخل على الأغنياء خرج من عندهم وهو على الله ساخط، عمل عرساً، دعا مئة مدعو، أحضر فرقة منشدين، وألقيت كلمات طيبة، ووزع بوظة، لكن هناك عرساً يكلف خمساً وعشرين مليوناً، من دخل على الأغنياء خرج من عندهم وهو على الله ساخط، ما القصد؟ القصد أن يفرح الناس، يصبح هناك تعارف بين الأقرباء، الإنسان عندما يطلب العلو في الدنيا دليل حبه للدنيا، ودليل بعده عن الله عز وجل: ((قَالَ: أَمَرَنِي خَلِيلِي صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَبْعٍ، أَمَرَنِي بِحُبِّ الْمَسَاكِينِ وَالدُّنُوِّ مِنْهُمْ، وَأَمَرَنِي أَنْ أَنْظُرَ إِلَى مَنْ هُوَ دُونِي وَلا أَنْظُرَ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقِي ... )) [أحمد عَنْ أَبِي ذَرٍّ] الابتعاد عن الدنيا و زينتها : وكان النبي عليه الصلاة والسلام كلما وقعت عينه على مباهج الدنيا يقول: (( اللهم لا عيْشَ إِلا عَيْشُ الآخِرَةِ ... )) [ من صحيح البخاري عن أنس بن مالك ] و الله عز وجل علمنا، لما خرج قارون بزينته: ﴿ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴾ [ سورة القصص: 79] تجد شخصاً إذا رأى بيتاً فخماً أو مركبة فخمة يتنهد تنهيدة تطلع من أعماقه، آه ليتني أملك مثل هذه السيارة: ﴿ يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴾ هنيئاً له، يقول لك: هو فوق الريح، رأى ليلة القدر، فتح الله عليه، كأنه فهم القرآن، راجت تجارته، فتح عليه، يفهمون الفتح فقط بالمال، حتى إذا كتبوا على المحلات التجارية. ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً ﴾ [ سورة الفتح: 1] يقصدون الغلة فقط، يكون الدرج ممتلئاً، أغلب الظن هكذا هذا الآية يحبها التجار: ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً ﴾ [ سورة الفتح: 1] هذه الآية موجهة للنبي عليه الصلاة والسلام، كان السلف الصالح يقولون: فتح الله عليك فتوح العارفين، أنار لك قلبك، فأن تتعرف على كلام الله عز وجل، تصبح داعية إلى الله، هذا الفتح، أما الآن فالفتح هو الغلة. من الاستهزاء بالقرآن أن تستخدمه لمعاني بعيدة عنه : بالمناسبة من الاستهزاء بالقرآن الكريم أن تستخدمه لمعاني بعيدة عنه، عندما يطالبونه يقولون له: ﴿ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ ﴾ [ سورة المؤمنون: 96] هذه آية كريمة، لا علاقة لها بالمطالبة بالدين، فحينما تستخدم آيات القرآن الكريم لغير ما وضعت له، أو لغير ما أنزلت من أجله، فهذا سوء أدب من الله عز وجل. لو إنسان اسمه يحيى، قال له: يا يحيى خذ الكتاب، لا يجوز، هو اسمه يحيى ومعك كتاب أنت، أنت الآن استخدمت القرآن الكريم استخداماً آخر: ((عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: أَمَرَنِي خَلِيلِي صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَبْعٍ، أَمَرَنِي بِحُبِّ الْمَسَاكِينِ وَالدُّنُوِّ مِنْهُمْ، وَأَمَرَنِي أَنْ أَنْظُرَ إِلَى مَنْ هُوَ دُونِي وَلا أَنْظُرَ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقِي وَأَمَرَنِي أَنْ أَصِلَ الرَّحِمَ وَإِنْ أَدْبَرَتْ، وَأَمَرَنِي أَنْ لا أَسْأَلَ أَحَدًا شَيْئًا، وَأَمَرَنِي أَنْ أَقُولَ بِالْحَقِّ وَإِنْ كَانَ مُرًّا، وَأَمَرَنِي أَنْ لا أَخَافَ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لائِمٍ، وَأَمَرَنِي أَنْ أُكْثِرَ مِنْ قَوْلِ لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ، فَإِنَّهُنَّ مِنْ كَنْزٍ تَحْتَ الْعَرْشِ )) [أحمد عَنْ أَبِي ذَرٍّ] علاقتنا بالنص كلمة: ((... أَنْ أَقُولَ بِالْحَقِّ وَإِنْ كَانَ مُرًّا... )) [أحمد عَنْ أَبِي ذَرٍّ] الصادق عظيم، أحياناً هناك مواقف حرجة، أنا فعلت هذا، هذا الذي حصل، أحياناً هناك إنسان يغلي غلياناً، أحياناً الأب عما يغضب، في غضب شديد يقول: من فعل هذا؟ يقول ابنه: أنا فعلت هذا، أنا أقول لكم هذه الكلمة الصادقة تطفئ غضب الأب، الصدق محترم. شروط صحة الإقرار : وكان عليه الصلاة والسلام يقضي بالإقرار، بالدماء، والحدود، والأموال، الإقرار يقضي به النبي بالدماء، والحدود، والأموال، ويشترط لصحة الإقرار العقل، والبلوغ، والرضا، وجواز التصرف، وألا يكون المقر هازلاً، وألا يكون أقرّ بمُحال عقلاً، من وضع الجبل بهذا المكان؟ http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-5572/06.jpg أنا، أقر هذا العمل مستحيل عقلاً، يجب أن يكون موضوع الإقرار معقولاً، فلا يصح إقرار المجنون، ولا الصغير، ولا المكره، ولا المحجور عليه، ولا الهازل، ولا بما يحيله العقل، يجعله مستحيلاً، أو تحيله العادة، لأن كذبه في هذه الأحوال معلوم، ولا يحل الحكم الكذب. أخطر ما في الإقرار، ومتى صح الإقرار كان ملزماً للمقر، بعت ووقعت، أنا لا أريد أن أبيع، لكن أنت وقعت، قلت: أنا بعت، أقررت بالبيع، انتهى الأمر، أيضاً بالمناسبة مشكلات كثيرة أساسها الإقرار السريع، بالمناسبة الإقرار المتعلق بحق من حقوق الناس لا يمكن الرجوع عنه، لا أعرف، لست منتبهاً، لم أفكر، وقعت على بياض، استعجلت، عليّ ضغط، مستعجل عندي موعد، كله كلام غير مقبول، وقعت أنك بعت هذا البيت، هذا إقرار. أخ ذكر لي جاء أناس لعنده يخطبون ابنته، رأوا أن البنت مناسبة، قالوا له: هل تقبل أن تزوجنا ابنتك؟ قال: قبلت، على مهر كذا، هذا ليس زواجاً، بلى هذا زواج، زواج شرعي، ما دام هناك إيجاب، وقبول، ومهر، وشاهد، فهذا زواج، لست مقتنعاً بالزواج، لا تتزوج، الآن ابنتك على ذمة زوجها، ولا تستطيع أن تزوجها لآخر، ما لم تحدث مخالعة، إقرار أيها الأخوة، الإقرار خطير، موضوع الزواج صارت زوجته. المرء مأخوذ بإقراره : أقول لكم قصة وقعت لكن لن تصدقوها، في هذه البلدة وقعت، كان هناك أربعة أصدقاء يجلسون في كازية يتسامرون، قال أحدهم للآخر: هل تبيع هذه الكازية؟ قال له: نعم أبيعها، ما الثمن؟ قال له: بستمئة ألف، قال له: اشتريت، ضحكوا وانتهى الأمر، بعد اثنتي عشرة سنة الشخص الذي اشترى الكازية مشافهة قال هذه القصة لقريبه و هو محام، فقال له هذا المحامي: هي لك، قال له: غير معقول، قال له، والله هي لك، أقم دعوى، و أحضر الشهود ففعل هذا لكنه لم يدفع لصاحبها حقها، فقال له: الدفع ليس له قيمة، ثمن الكازية ذمة، صار حقها اثني عشر مليوناً، لأنه قال له: بعت، صار هناك إيجاب و قبول و شهود، و انتهى الأمر، و دعي لحلف اليمين، حلف قال: أنا قلت بعتها، وهناك شهود فلان كان قاعداً، يا أخي ما دفع شيئاً؟ أنت هل قلت له: أريد حقها، ما طالبته. كازية تقدر باثني عشر مليوناً راحت بستمئة ألف، كلمة بعت، انتبهوا، الشرع ليس بحاجة إلى الورق، بالزواج والبيع هناك إقرار فقط، أقررت انتهى الأمر، المرء مأخوذ بإقراره، زوج}تك، أي زوجته، البنت له صارت، أغرب من هذا بالشرع هل تشتري هذا البيت؟ نعم أشتري، انتهى كل شيء، سعره كذا وافقت، ما دفعت شيئاً، بعد ساعة احترق البيت لابد من دفع ثمنه مع أنه محروق، احترق على حسابك لأنك قلت اشتريت، انتبهوا بالبيوت، والدكاكين، بالزواج، عندما تقول: نعم بعت، زوجت، اشتريت، المرء مأخوذ بإقراره ما دام إقراره في حق لبني البشر لا يستطيع المرء أن يعود عن إقراره أبداً. الإقرار المتعلق بحق من حقوق الله يصح الرجوع عنه : قال: أما إذا كان الإقرار متعلقاً بحق من حقوق الله تعالى، كما في حد الزنى والخمر، قال: فإنه يصح الرجوع عنه، لقوله صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ادْرَءُوا الْحُدُودَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ، فَإِنْ كَانَ لَهُ مَخْرَجٌ فَخَلُّوا سَبِيلَهُ فَإِنَّ الإِمَامَ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعَفْوِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعُقُوبَةِ )) [الترمذي عَنْ عَائِشَةَ ] هذا موضوع خلافي، إذا كان الإقرار متعلقاً بحق من حقوق البشر لا رجوع فيه، والمرء مأخوذ بإقراره، أغلق قلمك، وضعه بجيبك، لا توقع، ولا تقل وافقت، إلا بعد دراسة، اسأل الخبراء صرنا في حياة معقدة جداً، إذا لك أخ محام تثق بدينه وعلمه اسأله قبل أن توقع، قبل أن تقر. الآن إنسان يفتح محلاً صغيراً، بالمالية مقطوعة ضريبته ثمانمئة بالسنة، ألف ليرة بالسنة، لأن له محلاً تجارياً له أن يستورد، جاء صديقه استورد على اسمه مثلاً بخمسين ألف دولار، طالبوه بضريبة مليون ليرة، لا تقل له: لابأس استورد نحن أخوان، هل تعرف أبعاد هذه؟ عندما أعطيته اسمك، و سجلك التجاري، واستورد، أنت المكلف أمام المالية، صرت أنت مكلفاً، تنصل منه هداك الله، هناك قصص واقعة، قصص ما أكثرها، أحياناً الضريبة تصل إلى خمسين بالمئة. الإقرار حجة قاصرة : عندنا قاعدة أن الإقرار حجة قاصرة، كيف؟ إنسان ادعى على عشرة أن له عندهم أموالاً، اعترف اثنان من عشرة، اعتراف الاثنين أن عليهم هذا المال لفلان لا ينسحب على بقية المدعى عليهم http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-5572/07.jpg الإنسان لا يتمكن أن يقر إلا على نفسه، أما إقراره على نفسه فينسحب على غيره هذا الإقرار مع أنه سيد الأدلة لكنه حجة قاصرة، أما البينة فحجة متعدية، أنا قدمت إيصالاً بعشرة تواقيع، هي بينة، هذه البينة تلزم كل هؤلاء بالمبلغ، الإقرار دليل، والبينة دليل، لكن البينة حجة متعدية أما الإقرار فحجة قاصرة، أنا ادعيت على عشرة أشخاص أن لي عندهم مالاً، اعترف اثنان، اعتراف الاثنين لا ينطبق على البقية، فالإقرار مع أنه أقوى الأدلة، لكنه حجة قاصرة، بينما البينة حجة متعدية، لو أحضر مئة توقيع، المئة صاروا ملزمين بالدفع، معنى هذا أن البينة أقوى للمستقبل. ثم إن الإقرار كلام واحد لا يتجزأ، إنسان أقرّ أنا أخذت المبلغ ديناً، ويوجد بالإقرار بعته الغرض الفلاني، أخذ كلمة دين، الإقرار لا يتجزأ، أحياناً يكون هناك حقوق متداخلة، فإذا أخذنا فقرة بالإقرار صار هناك ظلم، الإقرار كلام واحد، وحدة لا تتجزأ، لا يجوز أن نأخذ بعض الإقرار وأن ندع بعضه الآخر. الميراث و مرض الموت : الآن عندنا موضوع دقيق جداً موضوع مرض الموت، أكثر المشكلات تحدث بهذا المرض، قال: إذا أقرّ إنسان لأحد ورثته بدين، عنده خمسة أولاد، أقرّ لأحد الأولاد أنه يا بني أنت لك عندي خمسمئة ألف ليرة، فإن كان في مرض موته لا يصح هذا الإقرار، ما لم يصدقه باقي الورثة، إذا كان الإنسان بمرض وفاته، وأقرّ لأحد الورثة بدين هذا الإقرار لا يصح، إلا إذا قبله ووافق عليه باقي الورثة، ذلك لأن احتمال كون المريض قصد بهذا الإقرار حرمان ورثته، أحياناً يكون عنده ثلاث بنات، وثلاثة صبيان، لا أريد أن أعطي الأصهار، يعترف لثلاثة أولاد أن لكل واحد منهم مليون، الإرث ثلاثة ملايين، مات الشخص، ثلاثة ملايين وزعوهم على الأولاد، سند رسمي إقرار، البنات حرموا، قال: لا يصح إقرار إنسان لأحد الورثة بالدين ما لم يصدق باقي الورثة، قال: أما إذا كان الإقرار في حال صحته فإنه جائز، واحتمال الحرمان حرمان سائر الورثة، إذاً مرض الموت له حكم خاص، أما إذا أقرّ لأجنبي وليس لورثته، الإقرار مهما بلغ لا يزيد عن حجم ثلث المال عند الفقهاء، لو أقر بمئة مليون لإنسان غير الورثة ضمن الثلث، والثلثين للورثة، قال: إذا الإنسان بصحته يوجد عليه دين ثم أقر للآخر بهذا الدين في مرضه يجب وفاء الدين، هكذا الحكم الشرعي، بعض العلماء لهم رأي آخر، أن الإنسان إقراره عند الوفاة مقبول حتى لورثته، لأن الإنسان حينما يواجه الموت أغلب الظن يخاف الله عز وجل، ويخاف الحساب، فيغلب على ظننا أنه أراد بهذا الإقرار إيصال الحق لأصحابه. على كل الإنسان قال: التقوى أقوى، والعاقبة للمتقين، وسيدنا عمر كان وقافاً عند كتاب الله، والإنسان يتعلم أحكام الشرع حتى يعيش حياة هادئة، وديعة، مطمئنة، وخالية من قصور العدل، من المحاكمات، ومن تشنج الأعصاب وما إلى ذلك، وكل إنسان يعرف بما له وما عليه هو من أسعد الناس، وأبعدهم عن دخول متاهات المحاكم. |
رد: العبادات التعاملية
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية الدرس : ( الثالث العاشر ) الموضوع : الشهادة الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. الشهادة : أيها الأخوة المؤمنون: لا زلنا في موضوع القضاء، وها نحن أولاء اليوم ننتقل إلى فقرة من فقرات هذا الموضوع، بل إلى موضوع أساسي في هذا الموضوع الكبير، ألا وهو الشهادة. الشهادة أيها الأخوة مشتقة من المشاهدة، وهي المعاينة، أن يرى عين الشيء لأن الشاهد يخبر عما شاهد، وقيل: الشهادة مأخوذة من الإعلام، لقوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [ سورة آل عمران: 18] الشهادة إذاً أن تشاهد ثم تعلم، هناك تلق و إلقاء، هناك إطلاع وإخبار من المشاهدة، ومن الإعلام، والشاهد حامل الشهادة، ومؤديها، لأنه شاهد لما غاب عن غيره، عندنا عالم الشهود، وعالم الغيب، فلان شهد، وفلان غاب، يؤكد هذا المعنى أنه من شهد معصية فأنكرها كأن كمن غاب عنها، ومن غاب عن معصية فأقرها كان كمن شهدها. الشيء الأساسي في الشهادة أيها الأخوة لا شهادة إلا بعلم لذلك الشاهد الزور يرتكب كبيرة: ((عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ رَضِي اللَّهم عَنْهم قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ ثَلاثًا، قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَجَلَسَ وَكَانَ مُتَّكِئًا، فَقَالَ: أَلا وَقَوْلُ الزُّورِ، قَالَ: فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا لَيْتَهُ سَكَتَ )) [ البخاري عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ رَضِي اللَّهم عَنْهم] بالمناسبة، العطف يقتضي التجانس، هذه قاعدة في اللغة، أي ليس معقولاً أن تقول: اشتريت أرضاً وملعقة، ليس هناك تجانس بينهما، اشتريت ملعقة وشوكة، معقول اشتريت أرضاً وبستاناً، فالعطف يقتضي التجانس، فالنبي عليه الصلاة والسلام جعل شهادة الزور كالإشراك بالله، لأن شهادة الزور فيها تضييع للحقوق، وتضليل للقاضي، وعدل ساعة خير من أن تعبد الله ثمانين عاماً، إذاً لا شهادة إلا بعلم، ومن أين يأتي العلم؟ قال: يأتي أولاً من الرؤية، ثانياً من السماع، لو سمع الإنسان رجلاً يقول لزوجته: أنت طالق، فهذه شهادة أتته عن طريق السماع، أما لو رأيت إنساناً اعتدى على إنسان بالضرب هذه رؤية، فالرؤية أحد أسباب العلم، والسماع أحد أسباب العلم أيضاً. الاستفاضة : عندنا شيء آخر في الشهادة: الاستفاضة، أي سمع أهل البلدة جميعاً أن فلاناً تزوج فلانة، هو ما رأى عقد الزواج، ما ذهب إلى المحكمة الشرعية، ولا رأى عقد الزواج، ولا كان حاضراً يوم العقد، فسمع بأذنه الإيجاب، والقبول، والشاهدين، والمهر لكن هذا الخبر استفاض، ما من أحد إلا وقال: ما هذا العرف يا أخي؟ بيت فلان أقاموا عرساً لا مثيل له، البلدة كلها تتحدث عن هذا العرس، هذه استفاضة، أي خبر شاع إلى درجة أنه أصبح يغلب على اليقين أنه وقع، الاستفاضة هي الشهرة، اشتهر بين الناس أن فلاناً زوج فلانة، اشتهر بين الناس أن فلاناً مات، هو ما رآه مات، وما رآه وهو يدفن وما قرأ نعوته، لكن خبر فلان هل تدرون؟ توفي فلان، شاع بين الناس، و استفاض بين الناس، و اشتهر بين الناس، قال: هذا أحد أسباب العلم، الشهادة فالشاهد، رأى، أو سمع، أو انتهى إلى علمه بالتوافر والاستفاضة والشهرة. عند السادة الشافعية تصح الشهادة بالاستفاضة، في النسب والولادة، والموت والعتق، والولاء، والولاية، والوقف، والعزل والنكاح وتوابعه، والتعديل، والتجريح والوصية، والرشد، والسفر والملك، هذه الموضوعات التي أقرّ السادة الشافعية أنه يمكن للشاهد أن يستخدم النوع الثالث وهو الاستفاضة، أو الشهرة، في الإدلاء في شهادته. أبو حنيفة قال: خمسة أشياء تصح فيها الاستفاضة، النكاح والدخول والنسب والموت وولاية القضاء. لو فرضنا إنساناً كان في حرب، كان في الجبهة، وتناقل الجنود أن فلاناً استشهد هو ما رآه، هو ما رأى جثته، ولا رأى مقتله، لكن تناقل كل الجنود أن فلاناً الفلاني استشهد، فزوجته بعد حين، بعد سنوات، طلبت من القاضي أن يطلقها منه لعلة غيابه المديد، فالقاضي يحتاج إلى شاهد، فإذا استدعي هذا الشاهد، وقد كان جندياً في المعركة وقال له: وَاللَّهِ يا سيدي قد سمعت كل الناس، كل المحاربين، كل الجنود يقولون: فلان استشهد، إذاً هذه شهادة، شهادة بالاستفاضة، أي النكاح، النسب، الموت، العتق، الولاء، الوقف، الملك، الطلاق، أي هذه الموضوعات التي يمكن أن تكون محصورة في شهادة الاستفاضة، أو الشهرة، أو تناقل الأخبار. حكم الشهادة : على كل أيها الأخوة الكرام: هذا الموضوع مهم جداً، لأنه بالشهود تستخلص الحقوق، بالشهادة يعرف الحق من الباطل، بالشهادة يمكن أن نصل إلى الحكم الصحيح، فكل إنسان يسهم في إحقاق الحق له عند الله أجر كبير، لكن قد تفاجؤون أن حكم الشهادة كلكم يعلم في الفقه أن الأمور كلها بين خمسة أحكام في الأعم الأغلب، بين الإباحة وبين الفرضية، وبين التحريم، وبين أنها مندوبة، أو مكروهة، فرض، تحريم، مندوب، مكروه، إباحة. الإباحة: يستوي دليل الإباحة، لا يوجد دليل لا في التحريم ولا في التحليل، إذاً الشيء مباح، والأصل في الأشياء الإباحة. الفرضية: كل أحكامها قطعية الدلالة. التحريم: أيضاً قطعي الدلالة. المكروه: الكراهة نوعان تحريمية أقرب إلى الحرام، تنزيهية أقرب إلى الحلال. المندوبية. صار عندنا إباحة، مندوب، مكروه، فرض، تحريم، فأي شيء تفعله لابد من أن ينتظمه أحد هذه الأحكام. حكم الإدلاء بالشهادة : الإدلاء في الشهادة ما حكمه ؟ قد تفاجؤون أنه فرض عين، كيف أنك مأمور أن تصلي، كيف أنك مأمور أن تصوم رمضان، أن تحج البيت إذا كنت مستطيعاً، كيف أنك مأمور أن تكون صادقاً، مأمور أنت أيها المسلم أن تدلي بشهادتك، أما كلمة لا دخل لي، هذه ليست آية ولا حديثاً، هذه كلمة من الشيطان لا دخل لنا بهذه القصة، سلامتك يا رأسي، تنسحب بانتظام، هذه كلها كلمات الشيطان لأن الشيطان يهمه أن يكون هناك ظلم، يهمه ألا يظهر الحق، فإذا إنسان شاهد حادث مرور، الآن العقلاء جميعاً ينسحبون، يقول: لا دخل لي، غداً يأخذوني إلى المحكمة خمس مرات أو ست، أنت هل تعلم أنك إذا ذهبت إلى المحكمة وأدليت بشهادتك أنك عملت عملاً عظيماً؟؟ قد يكون السائق بريئاً، قد تكون سيارته واقفة، والضبط كتب أنه ينطلق بسرعة جنونية، طبعاً الضبط له ملابسات، الضبط أن السائق ينطلق بسرعة جنونية، والواقع أن السيارة كانت واقفة، والإنسان اصطدم بها، أليس في الأرض صاحب مروءة ينطلق للإدلاء بشهادته لإحقاق الحق؟ إذاً الإنسان الذي يظن أنه ذكي، في قضية ينسحب، ويتملص فهذا في الدنيا، أما عند الموت فلا يرتاح، أما المؤمن إذا رأى حادثاً، رأى منازعة، رأى خصومة زوجية، أحياناً يكون الزوج ظالماً جداً ومع ذلك يتواطأ مع الشهود ليقنعوا القاضي الشرعي أنها هي الظالمة، فإذا كانت عند القاضي ظالمة خسرت مهرها، أو صداقها، فإذا أنت على صلة مع الأسرة، وتعرف أن الزوج ظالم، وذهبت إلى القاضي وأدليت بشهادتك هذا عمل عظيم، أي ما من شعور يسحق النفس كالشعور بالظلم، شعور مؤلم جداً، فكل إنسان يدلي بشهادته يكون حقق العدالة، إذاً هي فرض عين، على من تحملها، متى دعي إليها وخيف من ضياع الحق، تحملت الشهادة؛ أي كنت شاهداً ودعيت إلى الإدلاء بهذه الشهادة فهي فرض عين، بل تجب إذا خيف من ضياعه و لو لم يدع إذا تحملتها ودعيت فالإدلاء بالشهادة فرض عين، أما إذا تحملتها ولم تدع، وانطلقت من ذاتك، مبادرة منك إلى الشهادة فهذه أيضاً واجب، فرض عين إذا دعيت، وواجب إذا لم تدع، الواجب أقصى درجة، العشاء فرض، والوتر واجب، عند بعض المذاهب الأحكام فرض وواجب، وسنة، أي مندوب، ومباح، ومكروه، ومحرم، هناك فرض وواجب، إذا تحملت الشهادة، ودعيت إلى أن تدلي بها فهذا فرض عين، أما إذا لم تدع، وذهبت إلى الإدلاء بها فهذا واجب، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِباً فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آَثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾ [ سورة البقرة: 283] قلبه آثم، أي بعيد عن الله عز وجل، وفي الحديث الصحيح: ((انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا )) [ البخاري عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِي اللَّه عَنْه] وفي أداء الشهادة نصر له، النبي عليه الصلاة والسلام يأمرك أن تنصر أخاك ظالماً، أو مظلوماً، مظلوماً أن تشهد معه، وظالماً أن تشهد ضده، إن شهدت ضده أوقفته عند حده. ادعت امرأة على مستأجر بيت أنه فاسد أخلاقياً، وقد أخبرها المحامي أنه لا سبيل إلى إخلاء البيت إلا بهذه الطريقة، المستأجر محمي بالقانون، ومستأجر هذا البيت إنسان مستقيم، دخله محدود، ورفع الأجرة مرات عديدة، فلما عجز عن مجاراة طموح صاحبة البيت، استقر البيت على أجرة ثابتة، فسألت محامياً فقال لها: ليس لك إلا طريق واحد، أن تقيم عليه دعوى فساد أخلاقي، فلما القاضي طلب الشهود، جاءت صاحبت البيت بابنتها، وابنة المدعي لا تقبل شهادتها للمحاباة - سنرى بعد قليل – فقال: ائتني بشاهده أخرى أقنعت صاحبة البيت طالبة تسكن عندهم في البيت أن تدلي بالشهادة، وافقت هذه الطالبة بعد شهر، هم حين وافقت فرحوا فرحاً شديداً، وأكرموها، وأطعموها أطيب الطعام، وغسلوا لها الثياب، فلما جاء يوم المحاكمة قالت للقاضي: وَاللَّهِ ما علمت رجلاً أكثر ورع وإيمان من هذا الإنسان، ما أطلق بصره بالحرام ولا مرة واحدة، وما مكن نظره مني وأنا أسير، لماذا فاجأت هؤلاء؟ لأنها ذكية جداً، لو أنها رفضت لبحثوا عن شاهدة زور، أما حينما أقنعتهم أنها تشهد، إنها تدخر شهادتها الحقيقية، فهذه الشهادة أسقطت الدعوى، وشطبت، أحياناً الشاهد له موقف حازم. (( أَلا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ الشُّهَدَاءِ الَّذِي يَأْتِي بِشَهَادَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا )) [ مسلم عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ] وجوب الشهادة على من قدر على الإدلاء بها دون ضرر : إلا أنها تجب الشهادة على من قدر على الإدلاء بها بلا ضرر يلحقه، في بدنه أو عرضه، أو ماله، أو أهله، لقول الله عز وجل: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ [ سورة البقرة: 282 ] لو فرضنا إنساناً خدمته إلزامية، ولا يوجد إجازة، نقول له: اهرب وادخل السجن ستة عشر يوماً؟ هذا. ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (286) ﴾ [ سورة البقرة: 286 ] إذا طلب إجازة وأعطاه رئيسه إجازة لابأس، إذا لم يعطه إجازة، كان هناك استنفار شديد، جاهزية عظمى، عليا، ما تكلف، إذاً الإنسان متى قدر على أدائها وجبت عليه، أحياناً يلحق الشاهد الضرر، شاهد عامل يومي فإذا غاب عن عمله يوماً بقي بلا دخل بمثل هذه الحالة يجب أن نعوض على الشاهد مقدار الضرر، أجرة يوم، هذا يسمونه إذن سفر بالنظام العام، لو جئنا بشاهد من حلب إلى الشام يمنح إذن سفر، تعويض يوم نظير الانتقال والطعام والمبيت، أي " ولا يضار كاتب ولا شهيد "، أحياناً الناس لا يوجد فيهم ذوق، يأتي بالشاهد من مكان بعيد وينتظر دوره الطويل، وحينما ينتهي يقولون له: شكراً فضلت، هذا عطل وقته، وعطل عمله، وعطل إمكاناته، فإذا عوضت عليه بعض الضرر فهذا من قبيل الإحسان، في حالة واحدة تنقلب الشهادة من واجب إلى مندوب إذا كثر الشهود ولم نخف ضياع الحق، مئة إنسان شاهدوا الحادثة، صار الحكم الآن مندوباً، أي لك أن تشهد، وإذا حل محلك إنسان فأنت معفى من الشهادة. إذا تخلف إنسان عن الإدلاء بالشهادة، وكان معه عشرات من الشهود عندئذ التخلف لا يدخله في الإثم، صار معذوراً. صفات صاحب الشهادة : 1 ـ الإسلام : الآن أي إنسان يشهد؟ لابد من أن يكون الشاهد مسلماً، فلا تجوز شهادة الكافر على المسلم، لأن الكافر كذاب، وله مصلحة في إحقاق الباطل، وإزهاق الحق، الكافر حينما كفر بالله عز وجل، ليس بعد الكفر ذنب، الأخلاق وحدة، هذا الذي كفر بربه أيكون وفياً للحقيقة؟ لا، هذا الذي أنكر وجود خالقه، هذا الذي قابل نعم الله بالكفران، بالمعاصي والآثام، هذا الموقف الجاحد، أيعقل أن يخرج منه موقف وفي؟ لا، الوفاء كتلة، أقول لكم بصراحة كلمة: القيم لا تتجزأ، إنسان أمين مالياً أما على أعراض الناس ليس أميناً، فهذا خائن، لأن الأمانة واحدة، الأمانة وحدة لا تتجزأ، فإذا كان فلان أميناً على أموال الناس، ليس أميناً على أعراضهم، فأمانته على أموال الناس أمانة تمثيلية، الخيانة واحدة والأمانة واحدة، من كان أميناً على أموال الناس، فهو على أعراضهم أشد أمانة، ومن كان على أعراضهم أميناً فهو على أموالهم أشد أمانة، والأمانة وحدة لا تتجزأ أبداً، فلذلك الكافر ما دام قد خان الحقيقة العظمى، ما دام رد على خلقه ونعم الله عليه بالكفر، والجحود، والمعصية، والانحراف، هذا خان الحقيقة العظمى، فكيف يؤتمن على حقيقة جزئية؟ يغير ويبدل، لذلك الله عز وجل قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ﴾ [ سورة الحجرات: 6 ] أنا بالنسبة لي، أقيس عقل الإنسان من سرعة تصديقه، هذا الذي يتسرع فيصدق الخبر من دون تمحيص، من دون بحث، من دون دليل، هي الغوغاء، يقول لك: غوغائية، الآن عامة الناس كلمة تأخذهم وكلمة تسترجعهم، هذا الخط العريض، أما الخلاصة، النخبة، الخواص، فهؤلاء راسخون كالجبل، أي خبر يصدقه يكون أحمق، أي مقالة قرأها إذاً صحيحة، أربعة أخماس الصحافة كلها كذب أحياناً، أحياناً تجد خبراً هدفه الطعن بالدين، اكتشفوا مثلاً مستحاثة تثبت أن الإنسان أصله قرد، انتهى الأمر، مقالة قرأها وانتهى الأمر، القضية أعمق من ذلك، فكل إنسان يتسرع بقبول الأشياء، دليل عدم نضجه، وكل إنسان يتروى، يتثبت أحياناً هناك قصص مثيرة جداً، العوام تناقلوها وانتهى الأمر أما الخواص فيمحصونها، ويدرسونها، ويطلبون الدليل، أنت سمعتها بأذنك؟ لا و الله، رفيقي سمع الخبر، أنت الخبر متى سمعته، لما ضيقت عليه يقول لك سمع رفيقي هذا الخبر، تسأله: متى اجتمعت به؟ و الله منذ شهر، القصة من يومين، إذاً صار هناك تناقض، انتهى، فالقصة ليس لها أصل، والعوام يتناقلون أكثر القصص الكاذبة، فكل إنسان يتلقى معلوماته من عامة الناس، هذا إنسان من الدرجة الخامسة، أما المؤمن فكيس فطن حذر، لا يصدق بسرعة، يطلب الدليل. اسمعوا هذه القاعدة المنهجية ما أجملها: إن كنت ناقلاً فالصحة، مدعياً فالدليل، نقل لك إنسان خبراً، تأكد من صحة الخبر، تأكد من الناقل، قد يكون أحد الرواة كاذباً، قد يكون أحد الرواة مغرضاً، قد يكون أحد الرواة مطعون بأخلاقه، مطعون بعدالته، مطعون بضبطه، إذاً علم الحديث رائع جداً يعلمك الخبر الصحيح، من هو المثقف ثقافة عالية؟ من هم خاصة المجتمع؟ هؤلاء الذين عندهم منهج دقيق جداً في القبول والرفض، لا يقبل إلا بالدليل، ولا يرفض إلا بالدليل، أحياناً تجد مشاكل الزوجات والزواج، تحكي لأبيها كلمتين تكون ذكية جداً، تعرف من أين يجرح والدها، والأب طائش أيضاً، وغوغائي، رأساً يأتي بها، أبداً تعرف مستواك العلمي، والثقافي، والاجتماعي من سرعة التصديق، لا تصدق كل ما يقال لك، طبعاً هذه بالعلاقات الزوجية، مرة امرأة عادية ليس لها مشكلة إطلاقاً، لكنها غير فقيهة وقفت على باب بائع ألانت له القول، من دون أن يكون عندها نية سيئة، هو طمع بها وعرف بيتها فجاءها في ضحوة النهار، فتحت له الباب فاقتحم البيت وهي في أتم ثيابها، طلبت من ابنها أن يبلغ والده، في بيتنا رجل، فذهب الطفل ليخبر أباه، فعاد ورأى رجلاً في البيت أغلق الباب واتصل بالشرطة، وجاء وألقى القبض على الشخص، واتهم زوجته بالزنا، و طلقها فوراً، له منها أولاد، بعد حين تأكد أنها بريئة هي التي أخبرت، طبعاً هي أذنبت لأنه: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً ﴾ [ سورة الأحزاب: 32 ] المرأة المؤمنة لا يمكن أن تلين بالقول للبائع، كلام في منتهى الجدية، الشراء يحتاج إلى جدية، على كل بعد سنة ندم أشد الندم لأنه تسرع، لماذا أرسلت ابنك إليك ؟ معناها هي طلبت، رأيتها في كامل ثيابها، اسمع القصة، التسرع أحد صفات ضعاف العقول، الطبقة الدنيا في المجتمع، الغوغائية، هي بسرعة تقبل الخبر، لا تصدق، تحقق، تريث، اطلب الدليل، اطلب الشهود، إن كنت ناقلاً فالصحة، مدعياً فالدليل، برمج عقلك على الأدلة، برمج عقلك على الشهود، برمج عقلك على تقصي الحقائق الصحيحة، فالإسلام، لا تجوز شهادة كافر على مسلم، إلا في حالات نادرة، إذا الإنسان المسلم في سفر حضرته الوفاة وأراد أن يوصي ولم يجد إلا كافراً ممكن، إنسان مقيم ببلد أجنبي، وحضرته الوفاة، كان مسافراً بمهمة شعر بدنو أجله، و له ببلده مشكلات، أحضر جاره النصراني وقال له: اشهد أن البيت الفلاني لفلان، الوضع ممكن، وهو مسافر إذا حضرته الوفاة ولم يجد مسلماً يمكن أن يشهد ذمياً أو من أهل الكتاب على وصيته. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آَخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا ﴿مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذاً لَمِنَ الْآَثِمِينَ ﴾ [ سورة المائدة: 106 ] الأحناف أجازوا شهادة الكفار بعضهم على بعض، لأن ملة الكفر واحدة، النبي عليه الصلاة والسلام رجم يهوديين بشهادة اليهود عليهما بالزنا، واردة. 2 ـ العدالة : الصفة الثانية: العدالة، نحن قلنا سابقاً: عندنا صفتان أساسيتان بالمؤمن، العدالة والضبط. العدالة: صفة أخلاقية. الضبط: صفة عقلية. أحياناً إنسان طيب لكنه ينسى كثيراً، وهناك إنسان آخر خبيث يحب أن يغير الحقيقة، فالعدالة صفة أخلاقية والضبط صفة عقلية، الشاهد يجب أن يتصف بالعدالة، قال: هي صفة زائدة عن الإسلام يجب توافرها بالشهود، من هو العدل؟ قال: الذي يغلب خيره شره أي في الأعم الأغلب سمعته طيبة، لا يتكلم أحد عنه أنه أكل مالاً حراماً، ولا اعتدى، ولا عمل عملاً مشيناً، من غلب عليه الصلاح والتعفف، تعريف العدالة، من غلب عليه الصلاح، معصوم؟ لا ليس معصوماً، العصمة للأنبياء، النبي معصوم، والولي محفوظ، معنى معصوم أنه لا يمكن أن نجد خطأ في أقواله، وفي أفعاله، وفي أحواله، مستحيل، من؟ النبي، أما الولي فمحفوظ بمعنى أنه لو زلت قدمه قليلاً عاد إلى الله وتاب، أي تعامله مع الله أنه يفهم على الإشارة، يفهم فهماً سريعاً، الآن المؤمن كلما ارتقى إيمانه يفهم على ربه، أحياناً يحس بنفسه محجوباً بالصلاة، هناك تقصير، وهضم حقوق، وإساءة، قلت لكم مرة: إنسان سمع من أستاذه أن لكل سيئة عقاباً، غلط غلطة، فحسب توجيه أستاذه عنده مشكلة، انتظر لم يحدث معه شيء اليوم، جاء إلى البيت الوضع سليم، خرج من البيت الوضع سليم، هو ينتظر الضربة من الله، مضى يومان ثلاثة، أسبوع، بالمناجاة قال: يا ربي عصيتك ولم تعاقبني؟ قال وقع في قلبه أن يا عبدي قد عاقبتك ولم تدر، ألم أحرمك لذة مناجاتي؟ ألا تكفيك هذه؟ إذا كان هناك طفل حساس، أي إذا أدار والده وجهه عنه غلى غلياناً إذا عنده حساسية، وإنسان يحتاج إلى عصي حتى يفهم، العبد يقرع بالعصا، والحر تكفيه الإشارة، كلما ارتقى مستواك تفهم بسرعة، هذه بين بعض الناس، أما مع الله عز وجل فكلما ارتقى مستواك تفهم على الله بسرعة، القضية معسرة لماذا تعسرت؟ لأن الله لا يريدها، وجدت نفسك في الصلاة في حجاب إذاً أنت متلبس بمعصية، لذلك من لم تحدث المصيبة في نفسه موعظة فمصيبته في نفسه أكبر، الله عز وجل قال: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ﴾ [ سورة الطلاق: 2 ] يجب أن يكون الشاهد عدلاً، أي معروف بالصلاح والتستر، أي لو فرضنا غلط، لا يحب أن يتكلم عن غلطه، يستحي، لو فرضنا أنه لم يصلِّ الصبح حاضر، يقول: أنا لم أستيقظ اليوم على الصلاة، يستر نفسه، التستر علامة الصلاح، من غلب عليه الصلاح والتستر هذه دليل العدالة . ﴿ يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ ﴾ [ سورة الحجرات: 6 ] هذه الآية أساسية بالموضوع، إذاً ليس عدلاً، إذاً خبره ليس صحيحاً، شهادته ليست مقبولة، قال عليه الصلاة والسلام: "لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة، ولا زانٍ ولا زانية"، فلا تقبل شهادة الفاسق، ولا من اشتهر بالكذب، أو بسوء الحال وفساد الأخلاق، هذا في المختار في معنى العدالة، فاسق، فاسقة، زانٍ، زانية، خائن، خائنة، من اشتهر بالكذب هذه الشهادات كلها مرفوضة، هذه العدالة، الصلاح بالدين، هذا الصلاح بالدين أن يؤدي الفرائض، والنوافل، أن يجتنب المحرمات، والمكروهات، ألا يرتكب الكبائر، وألا يصر على الصغائر، وأن يؤدي الفرائض، والنوافل، وأن يجتنب المحرمات والمكروهات، وألا يرتكب كبيرة، وألا يصر على صغيرة، كلام واضح مثل الشمس، هذا إنسان دين أدى الفرائض، والواجبات و المندوبات، وترك المحرمات، والمكروهات، وما ارتكب كبائر وما أصر على الصغائر، هذا الدين، أما المروءة فأن يفعل الإنسان ما يزينه بين الناس، وأن يجتنب ما يشينه، هذا معنى قول النبي: "من جاءكم من ترضون دينه وخلقه". جاء رجل و خطب ابنة أحدهم، فسأله الأب: هل عندك بيت؟ قال له: طبعاً، قال : أرني ورقة الطابو، قال له: عندك محل؟ قال له: طبعاً ، فقال: أرني ورقة الطابو، قال له: هذه ورقة الطابو، قال له: أنت شريك أم صانع؟ قال له: إني شريك، ارني عقد الشراكة، تفضل هذا عقد الشراكة، عندك سيارة ؟ نعم عندي، وَاللَّه شي جميل، وافق الأب وصار هذا الرجل خطيب ابنته، وبعد لم يعقد القران، دخل إلى المحل مرة، قال الأب لأصدقائه: فلان خطيب ابنتي، نظر إليه واحد، وقال له: هذا نصراني؟ فسأله: هل أنت نصراني فعلاً ؟ قال له: لم تسألني عن ديني، أنت سألتني عن بيتي، عندي بيت، وعلى سيارتي، وعلى محلي، عن ديني لم تسألني، والآن أكثر الناس المهم أن يكون عنده بيت، ومعمل، وسيارة ، وانتهى، فاسق، فاجر، زان، شارب خمر مثل بعضها، بعد ذلك يدفعوا الثمن، يقرأ القرآن ويقول: صدق الله العظيم الله، قال: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾ [ سورة البقرة: 221 ] فإذا أنت اخترت إنساناً مشركاً، أو فاسقاً، أو فاجراً، على إنسان مؤمن معنى هذا أنت ما صدقت الله عز وجل. حكم شهادة الفاسق إذا تاب : هناك سؤال الآن، هل تقبل شهادة الفاسق إذا تاب؟ اتفق الفقهاء على شهادة الفاسق إذا تاب، لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، ولي في هذا الموضوع تعليق لطيف؛ أحياناً الإنسان يكون له ماض، ويتوب منه، الآن صالح، الآن مستقيم، الآن طاهر، الآن منيب، الآن تائب، لا يوجد عمل أكثر كراهية لله عز وجل وإجرام من أن تذكر الإنسان بماضيه، أن تنبش الماضي، أنت لم تكن جيداً، الشيطان يتكلم، صار جيداً الآن وتاب، ورجع إلى الله عز وجل، وصلى، وصام، وحجب زوجته، وترك الملهيات، وحرر دخله، هل يجب أن تذكره بماضيه؟ هل تنبش له الماضي؟ سيدنا عمر رَضِي اللَّه عَنْه سأل رجله له أخت زنت وأقيم عليها الحد، ومضى عليها عهد طويل وتابت من ذنبها، وجاءها خاطب فهذا الأخ احتار من باب الورع أيذكر للخاطب ماضيها؟ فسأل سيدنا عمر، سيدنا عمر غلى كالمرجل، قال له: وَاللَّهِ لو أخبرته لقتلتك، هي تابت، سيدنا يوسف- انظر إلى كمال الأنبياء- عندما التقى بإخوته قال: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴾ [ سورة يوسف: 100 ] أيهما أشد خطراً الجب أم السجن؟ الإنسان في السجن مضمونة حياته، ومضمون طعامه، وشرابه، لكن محجوزة حريته، أما بالجب فالموت محقق، لماذا أغفل الجب وذكر السجن؟ لئلا يذكر أخوته بجريمتهم، منتهى الأدب، ذكر السجن وأغفل الجب قال: وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي ، ما عمل نفسه مبرأ وأخوته مجرمين، قال: نحن الاثنان اختلفنا، ودخل بيننا الشيطان، هو نبي، هو إنسان طاهر، ما عمل شيئاً إطلاقاً، هم افتروا عليه، وماذا قال؟ قال العكس: ﴿ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ﴾ [ سورة يوسف: 100 ] هذا اللطف، وهذا الكمال، إنسان تعرفه ما كان مستقيماً، الآن استقام، شجعه، اثن عليه، طيب له نفسه، رحب فيه ترحيباً زائداً، الآن إذا الإنسان كان له ماض وتاب إلى الله عز وجل، وجد المؤمنين رحبوا به، اهتموا به، أعانوه على الشيطان، أما إذا ذكروه بماضيه، الآن أنت أصبحت جدياً نحن لا نعرفك هكذا. مرة قرأت خبراً، إنسانة تعمل في الفن وتابت إلى الله وتحجبت حجاباً تاماً، حتى وجهها، أي وضعت نقاباً، وانتهت من كل هذه الأعمال، مديرة برامج بالرائي كل أسبوع تظهر لها فيلم من أفلامها هي محجبة، وتلك نكاية بالحق، وإحراج لها، كل إنسان ينبش ماضي الأشخاص، من تتبع عورات المسلمين تتبع الله عورته، حتى يفضحه في عقر داره، فمن تاب علينا أن نعينه على التوبة، ترك هذا الأمر أعنه على تركه، ترك هذا السلوك أعنه على تركه، اثن عليه، انفتح عليه، عاونه، وإلا يكون عملنا كعمل الشيطان، لذلك تقبل شهادة الفاسق إذا تاب، إلا في حالة واحدة، إلا إذا كان فسقه بسبب القذف، أي اتهم امرأة بريئة بالزنا، قال: القذف له حكم شرعي. ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ [ سورة النور: 4 ] إذاً كم هي المرأة غالية على الله سبحانه وتعالى؟ امرأة بريئة تتهم في عفتها وفي شرفها، الذي اتهمها لا تقبل شهادته أبداً، أي فقد حقه المدني، فقد اعتباره الاجتماعي، لذلك في قول: قذف محصنة يهدم عمل مئة سنة، قبل أن تنهش في أعراض الناس، قبل أن تتهم الفتيات البريئات، الطاهرات، العفيفات، من دون تحقق، من دون دليل، عليك أن تنتبه. يروى قصة لا أعرف مدى صحتها مؤثرة جداً مغسلة في عهد الإمام مالك، إمام دار الهجرة، كانت تغسل امرأة فالتصقت يدها بجلد الميتة، قصة لها مغزى، الله أعلم بصحتها، لكنها مؤثرة جداً، قطعة واحدة يد المغسلة مع جسد الميتة، بذلت محاولات بعد ذلك صرخت ماذا نفعل؟ أنقطع جزءاً من لحم الميتة أم نقطع يد المغسلة؟ لا يوجد حل فاستفتوا الإمام مالك، فقال: هذه المغسلة أغلب الظن اتهمتها بالزنا وهي على مغتسل الموت فاجلدوها ثمانين جلدة ومع الجلدة الثمانين فكت يدها. لذلك هناك غيبة القلب، لو بقيت ساكتاً و اتهمت إنساناً وهو بريء بقلبك، افتحوا كتاب إحياء علوم الدين للإمام الغزالي هناك باب اسمه غيبة القلب، لم تتكلم بأي كلمة، لكن تتهم الآخرين اتهامات باطلة، فهذه المرأة المغسلة ما نزعت يدها من جسد الميتة إلا بعد أن جلدت ثمانين جلدة، وهذا حد القذف، لذلك: قذف محصنة يهدم عمل ثمانين سنة. شروط أخرى للشاهد : بقي من شروط الشاهد المسلم البلوغ، والعقل، والكلام، والحفظ، والضبط، ونفي التهمة، وبعدها ننتقل إلى حد الشهادة، هناك موضوعات تحتاج إلى أربعة شهود، موضوعات إلى ثلاثة، موضوعات إلى اثنين حصراً، موضوعات لرجل وامرأتين، موضوعات امرأة واحدة تكفي، موضوع رقيق جداً، ودقيق جداً، وما منا واحد إلا وهو في أمس الحاجة لهذا الموضوع، لأن الحياة كلها مشكلات، علاقات مالية، علاقات أسرية، صدام، حوادث سير، فأنت شاهد ويجب أن تفقه وأن تعرف هذا الموضوع معرفة دقيقة إن شاء الله في الدرس القادم نتابع هذا الموضوع، ربما استغرق إتمام الموضوع درساً آخر وبعدها ننتقل إلى اليمين. أرأيتم أيها الأخوة كيف أن هذه الموضوعات من ألصق الموضوعات في حياة المؤمن، وينبغي أن نعرفها جميعاً، لأن هذا الفقه، إذا أراد الله بعبد خيراً فقهه في الدين، وبصره بعيوب نفسه، والفقه في الدين أن تعرف ماذا ينبغي أن تفعل؟ ماذا ينبغي، وفي القدر الذي ينبغي، وفي الوقت الذي ينبغي، وهذه الحكمة، ومن أوتي الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً. |
رد: العبادات التعاملية
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية الدرس : ( الرابع العاشر ) الموضوع : الشاهد الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. من صفات الشاهد : 1 ـ العدالة : أيها الأخوة المؤمنون، لا زلنا في موضوع القضاء، ولا زلنا في بعض موضوعاته الكبرى، ألا وهو الشهادة، وقد تحدثنا في الدرس السابق عن أن الشاهد يشترط فيه أن يكون مسلماً، وأن يكون الشاهد أيضاً ذا عدالة، وبينت لكم أن العدالة صفة نفسية بينما الضبط صفة عقلية، العدالة - وهذا موضوع ذكرته كثيراً من قبل لكن متصل بموضوعنا- العدالة إما أن تسقط، وإما أن تجرح: ((من عامل الناس فلم يظلمهم، وحدثهم فلم يكذبهم، و وعدهم فلم يخلفهم، فهو ممن كملت مروءته، وظهرت عدالته، ووجبت أخوته، وحرمت غيبته)) [ مسند الشهاب عن علي بن أبي طالب] أما الكذاب فتسقط عدالته، الظالم تسقط عدالته، المخلف وعده تسقط عدالته، وإذا سقطت عدالته فقد اعتباره، وفقد مكانته، وفقد حقوقه الاجتماعية، يكفي أن تقول: فلان لا تقبل شهادته، أي ساقط، ساقط اجتماعياً، لأنه كاذب، أو لأنه ظالم، من هو الظالم؟ لو عرف الله لما ظلم، هو لا يعرف الله إطلاقاً، لو أن عرف الله سبحانه وتعالى قيوم السموات والأرض، وأن عدله مطلق، وأنه لا بد من أن يعاقبه ما ظلم، إذاً الذي يظلم هو لا يعرف الله إطلاقاً، فالذي يكذب. (( يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى الْخِلالِ كُلِّهَا إِلا الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ )) [ أحمد عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ] أي ممكن أن يكون المؤمن اجتماعياً، أو انعزالياً، أو منفتحاً، أو منغلقاً، أو حريصاً، أو ينفق كثيراً، يتحمل الإيمان آلاف الطباع، وكلهم على العين والرأس، مؤمن حاد الطبع، مؤمن هادئ جداً، مؤمن عصبي كما يقولون، مؤمن عنده راحة نفسية، هذه كلها طباع مقبولة: (( يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى الْخِلالِ كُلِّهَا إِلا الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ )) [ أحمد عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ] فالكذب يتناقض مع الإيمان، مرة ذكرت أو سألني أخ كريم، شيء عجيب، يدخل النار من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر؟ (( لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ، قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً، قَالَ: إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ )) [ مسلم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ] أي هناك معاص كثيرة يغفرها الله عز وجل، أما مثقال ذرة من كبر فتدخل النار؟ الجواب لأن الكبر يتناقض مع العبودية لله عز وجل. ضربت مثلاً كيلو حليب يتحمل كيلو ماء، وشرب الحليب مع الماء مقبول، طبعاً من دون أن تشتريه مغشوشاً، لو أنت أضفت الماء للحليب ممكن، ألا تضيف الماء للبن لتعمل لبناً عيراناً؟ يا ترى الماء الكثير مع اللبن هل يفسده؟ لا يفسده، شراب طيب، أما قطرة كاز في إناء الحليب فتلقيه في المجاري، انتهى. أشياء تفسد العمل : هناك أشياء تفسد العمل، الخلق السوء يفسد العمل كما يفسد الخل العسل، انتهى الأمر، فالعدالة: ((من عامل الناس فلم يظلمهم، وحدثهم فلم يكذبهم، و وعدهم فلم يخلفهم، فهو ممن كملت مروءته، وظهرت عدالته، ووجبت أخوته، وحرمت غيبته)) [ مسند الشهاب عن علي بن أبي طالب] أنا أرى أن الإنسان لو كان فقيراً من المال لكنه ظاهر العدالة فهو في أعلى عليين، ولو كثر ماله وسقطت عدالته فهو في أسفل السافلين، البطولة أن تتعامل من مقاييس رب العالمين، ابتغوا الرفعة عند الله، أنت تتعامل مع ما جاء به القرآن والسنة، فالظلم يسقط العدالة، والكذب يسقط العدالة، وإخلاف الوعد يسقط العدالة، أي إسقاط العدالة كأن تأتي بكأس من البلور وتأتي بمطرقة وتحطمه، هذا الكأس تحطم، لكن هناك أعمال لا تسقط العدالة، لكنها تجرحها، أحياناً الكأس لا يتحطم لكنه يشعر، هنا العلماء عدوا أكثر من ثلاثين حالة تجرح العدالة، الأكل في الطريق يجرحها، الحديث عن النساء يجرحها، التنزه في الطرقات يجرحها، صحبت الأراذل تجرحها، من علا صوته في البيت يجرح عدالته، تطفيف بتمرة يجرح العدالة، أكل لقمة من حرام تجرحها، من أطلق لفرسه العنان، السرعة الزائدة في قياس المركبات تجرح العدالة، الطائش، أرعن، مجروح العدالة، من قاد جرذوناً - حيوان مخيف- كلب عقور، يربي الكلاب، هذا يجرح العدالة، وهناك حالات كثيرة تجرح العدالة، فالشاهد ينبغي أن يكون ضابطاً عدلاً، أي واع، عنده وعي وعدل، وعنده ورع، وعنده استقامة، هذه العدالة. 2 ـ البلوغ و العقل : ثم البلوغ والعقل، هنا يوجد موضوع لطيف أنه لو أن أطفالاً صغاراً يلعبون، فجرح بعضهم بعضاً، هل تقبل شهادة الصغار؟ العلماء وقفوا عند هذا السؤال وقفة لطيفة جداً، فقالوا: هؤلاء الصغار إذا اجتمعوا جميعاً على شهادة واحدة، قبل أن يتفرقوا، لو أنهم تفرقوا، وذهبوا إلى أهليهم ربما الأهل أوحوا إليهم بشهادة معينة لعلاقات قديمة، أما الأطفال الصغار، إن اجتمعوا على شهادة واحدة، قبل أن يتفرقوا إلى أهليهم، فشهادتهم أقوى من شهادة الكبار لماذا؟ لأن الكبار ما كانوا يلعبون في ملعب، شهادتهم إن اتفقت، وقبل أن يتفرقوا أقوى من شهادة الراشدين، الغائبين عن ملعبهم، هم يحضرون، لذلك بعض العلماء أخذ بشهادة الصغار خلافاً لهذه القاعدة في موضوعات الصغار في ملاعبهم، في لهوهم، مع أن النبي عليه الصلاة والسلام حينما كان يدعو إلى اللعب، كان يقول: أنا لم أخلق لهذا، فقلت اليوم في حديث: يا رب هو حينما كان صغيراً عرف مهمته، نحن الكبار هل نعرف مهمتنا في الحياة؟ هل نعرف رسالتنا؟ هل نعرف ما يصلح لنا وما يفسدنا؟ هل نعرف الهدف الكبير من خلقنا؟ 3 ـ الكلام : الآن من شروط الشهادة الكلام، لا بد من أن ينطق، أما إذا كان أخرساً فشهادته مرفوضة ولو تكلم، أي سبحان الله هناك إعجاز في القرآن الكريم. ﴿ إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ ﴾ [ سورة النمل: 80] الأصم يفهم، أما إذا أدبر فلا يفهم، الأصم يفهم بالإشارة، على كلٍّ الأخرس ولو أشار، ولو فهمت إشارته لا تقبل شهادته، لأنها قضية حقوق، إلا أن بعض العلماء أجاز أن الأخرس إذا كتب فشهادته مقبولة فشهادة كتابية، أنه يتمتع بوعي. 4 ـ الضبط : ولا تقبل أيضاً شهادة من عرف بضعف الضبط، الضبط صفة عقلية، أي نساء، كثير النسيان، ضعيف الملكات، محدود الإمكانات، مثل هذا الإنسان لا يفرق بين رجل ورجل، بين حادث وحادث، فهذا الضعيف في ملكاته كثير النسيان، المحدود في إمكاناته، العلماء لا يقبلون شهادته، قلنا لكم مرة: إن إنساناً ذهب لطبيب يشكو له مرض النسيان، حدثه عن مرضه طويلاً، فلما انتهى سأله الطبيب هذا المرض منذ متى كان معك؟ قال له: أي مرض هذا؟ طبعاً نسي ماذا قال له فكثير النسيان لا تقبل شهادته . 5 ـ ألا تكون له علاقة حميمة مع المتهم : لكن سبحان الله ما أعظم هذا الشرع، من أبرز شروط الشاهد في القضاء الإسلامي أن تنفى عنه التهمة، أية تهمة هذه؟ الإنسان لا تقبل شهادته لزوجته، ولا الزوجة لزوجها، ولا شهادة الأب لابنه، ولا شهادة الابن لأبيه، ولا شهادة المنفق على المنفق عليه، لأن المنفق له يد بيضاء، فإذا أوحى إلى المنفق عليه اشهد هكذا، ربما خاف على رزقه فشهد، فحيثما كانت علاقة بين رجلين، علاقة حميمة، وطيدة، متينة، تقتضي المحاباة، فالشهادة عندئذ لا تقبل. 6 ـ عدم قبول شهادة العدو على عدوه : كذلك لا تقبل شهادة العدو على عدوه، أيعقل أن يكون الخصم حكماً؟ ألم يقل الشاعر: يا أعدل الناس إلا في معاملتــي فيك الخصام وأنت الخصم والحـكم أعيذها نظرات منــــك صادقة أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم *** الخصم لا يكون حكماً، كما أنه لا يكون شاهداً، لذلك الشرع الحنيف رفض شهادة الخصم على خصمه. بالمناسبة حينما أقول شهادة، إذا أضفت لها اللام، هي شهادة له أما إذا أضفت على، عليه، شهدت له أي صدقته، شهدت عليه أي كذبته، فشهادة العدو على عدوه لا تقبل، لأنه عدو، ولصالحه أن يوقع بعدوه الضر، لكن دقة الشرع دقيقة جداً قال: إذا كان بين رجلين خصومة دنيوية، فشهادة أحدهما على الآخر غير مقبولة، أما إذا كان بين الرجلين خصومة أخروية، فالشهادة مقبولة، كيف؟ لأن الرجل إذا كان خصماً عقائدياً لرجل معناها رجل مؤمن، والمؤمن يخاف الله عز وجل، وهو مظنة الصدق والصلاح، لذلك لو سألت مؤمناً صادقاً أن يشهد على عدوه لا يشهد إلا بالحق، لذلك شهادة الخصم الأخروي مقبولة ولو على عدوه، أي إنسان معروف بالصلاح، والتقى، والورع، يبيع دينه بعمل بسيط؟ وَاللَّهِ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ لو قطع إرباً إرباً ما باع دينه، لا يشهد إلا بما رأى، شخصية المؤمن شخصية فذة، إنسان متميز، إنسان رائع، المؤمن رجل مبادئ، التبر عنده كالتراب، الدنيا كلها تحت قدمه إذا تعارضت مع مبادئه، لذلك إذا كان بين رجلين خصومة أخروية أي الرجلان أحدهما رجل مؤمن، تقي، متمسك بالدين، ورع، يخاف الله عز وجل لو شهد على عدوه شهادة فهي مقبولة، أما في خصومة دنيوية، مثلاً مختلفين على محضر، فشهادة أحدهما على الآخر غير مقبولة. عدم قبول الشهادة للقريب أما عليه فمقبولة : هناك نقطة دقيقة: قلت قبل قليل: إنه لا تجوز شهادة الأب لابنه، ولا شهادة الابن لأبيه، ولا شهادة الزوج لزوجته، ولا شهادة الزوجة لزوجها، ولا شهادة المنفق للمنفق عليه، لكن تجوز الشهادة عليهما فهمتم؟ الشهادة لهما لا تجوز، أما عليهما فتجوز، لو أن إنساناً شهد على ابنه أنه هو المتسبب بإيذاء هذا الرجل، معنى هذا أنه أب ورع جداً، أنه واع جداً، شهد على ابنه أنه هو المتسبب، هذه مقبول، لا تقبل الشهادة له، أما عليه فتقبل. 7 ـ ألا يكون خائناً أو مجلوداً بحدٍّ : وقد ورد عن النبي صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه لا تقبل شهادة خائن ولا خائنة، ولا ذي غمرٍ على أخيه المسلم. ((عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ وَلا خَائِنَةٍ وَلا مَجْلُودٍ حَدًّا وَلا مَجْلُودَةٍ، وَلا ذِي غِمْرٍ لأَخِيهِ، وَلا مُجَرَّبِ شَهَادَةٍ، وَلا الْقَانِعِ أَهْلَ الْبَيْتِ لَهُمْ، وَلا ظَنِينٍ فِي وَلاءٍ وَلا قَرَابَةٍ، قَالَ الْفَزَارِيُّ الْقَانِعُ التَّابِعُ هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لا نَعْرِفُهُ إِلا مِنْ حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ زِيَادٍ الدِّمَشْقِيِّ وَيَزِيدُ يُضَعَّفُ فِي الْحَدِيثِ، وَلا يُعْرَفُ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ إِلا مِنْ حَدِيثِهِ، وَفِي الْبَاب عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ وَلا نَعْرِفُ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ وَلا يَصِحُّ عِنْدِي مِنْ قِبَلِ إِسْنَادِهِ، وَالْعَمَلُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي هَذَا أَنَّ شَهَادَةَ الْقَرِيبِ جَائِزَةٌ لِقَرَابَتِهِ وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي شَهَادَةِ الْوَالِدِ لِلْوَلَدِ وَالْوَلَدِ لِوَالِدِهِ، وَلَمْ يُجِزْ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ شَهَادَةَ الْوَالِدِ لِلْوَلَدِ، وَلا الْوَلَدِ لِلْوَالِدِ، وقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِذَا كَانَ عَدْلا فَشَهَادَةُ الْوَالِدِ لِلْوَلَدِ جَائِزَةٌ، وَكَذَلِكَ شَهَادَةُ الْوَلَدِ لِلْوَالِدِ، وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي شَهَادَةِ الأَخِ لأَخِيهِ أَنَّهَا جَائِزَةٌ، وَكَذَلِكَ شَهَادَةُ كُلِّ قَرِيبٍ لِقَرِيبِهِ، وقَالَ الشَّافِعِيُّ لا تَجُوزُ شَهَادَةٌ لِرَجُلٍ عَلَى الآخَرِ وَإِنْ كَانَ عَدْلا إِذَا كَانَتْ بَيْنَهُمَا عَدَاوَةٌ وَذَهَبَ إِلَى حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْسَلا لا تَجُوزُ شَهَادَةُ صَاحِبِ إِحْنَةٍ يَعْنِي صَاحِبَ عَدَاوَةٍ،وَكَذَلِكَ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ حَيْثُ قَالَ لا تَجُوزُ شَهَادَةُ صَاحِبِ غِمْرٍ لأَخِيهِ يَعْنِي صَاحِبَ عَدَاوَةٍ )) [ الترمذي عَنْ عَائِشَةَ] قال الغمر: هو صاحب الحقد، هناك إنسان حقود، المؤمن غر كريم، سليم الصدر، نظيف القلب، يألف ويؤلف، ينسى العداوة، يسامح، ويتجاوب، لكن غير المؤمن أو بعض المؤمنين المقصرين فعنده حقد، فقال: صاحب الحقد هو ذو الغمر، والعداوة تظهر في الأقوال والأفعال، ومن مظاهر العداوة أن تفرح بمصيبة ألمت بأخيك، وبالمناسبة هذا الكلام قد يكون خطيراً إذا أنت إنسان، وألمت بأخيك المسلم مصيبة، وفرحت بهذه المصيبة، ادمغ نفسك بالنفاق ولا تحابي نفسك، هذه صفات المنافق، أنت كمؤمن ينبغي أنت تفرح بالخير يصيب إخوانك المؤمنين، أخوك تزوج، لماذا تزوج قبلي؟ أرجو الله ألا يوفقه بهذا الزواج، هذا ليس مؤمناً، هذا إنسان بعيد عن الدين، حقود، حسود، أما المؤمن وَاللَّهِ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ يتبدى إيمانك بفرحك الشديد بالخير يصل إلى أخيك، وهناك أدلة كثيرة من هذه الأدلة أن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ﴾ [ سورة النساء: 29] ما قال: لا تأكلوا أموال إخوانكم، ما قال: لا تأكلوا مال أخيكم قال: ﴿ لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ﴾ لأن الله سبحانه وتعالى يشير بهذه الآية إلى أن مال أخيك هو مالك، كأنه مالك، تفرح به، وتحرص على صيانته، وعلى تنميته، فحينما تشعر أن مال أخيك هو بمثابة مالك لا من حيث أن تأكله بل من حيث أن تحرص على سلامته، وأن تحرص على تنميته، وأن تحرص على حفظه، هذا معنى: ﴿ لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ﴾ إنك إذا أكلت مال أخيك كأنما أكلت مالك. الإسلام دين المحبة و التآلف : نحن لا نذوق عظمة الإسلام إلا إذا عشنا بالإسلام، إلا إذا عشنا الإسلام في بيوتنا، في أعمالنا، في علاقاتنا، أي أروع ما في الإسلام هذا المجتمع الإسلامي الذي يسعد به المسلمون، أنت لست وحدك في الحياة، لك مئة أخ وأخ، لك ألف أخ، كلما تعاونا، وتكاتفنا، وتسامحنا، وعذر بعضنا بعضاً، وتعاون بعضنا مع بعض، أصبحنا نحب بعضنا أكثر، لذلك يد الله مع الجماعة، يد الله على الجماعة، لذلك ربنا عز وجل إن رأى شريكين مخلصين يبارك لهما في أعمالهما، أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه، شركة على التأبيد، بنية خالصة مباركة تجد أن هذه الشركة بارك الله بها، وحفظها، ونماها، إذاً قال عليه الصلاة والسلام: (( لا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ وَلا خَائِنَةٍ وَلا مَجْلُودٍ حَدًّا وَلا مَجْلُودَةٍ، وَلا ذِي غِمْرٍ لأَخِيهِ، .... وَلَمْ يُجِزْ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ شَهَادَةَ الْوَالِدِ لِلْوَلَدِ، وَلا الْوَلَدِ لِلْوَالِدِ، ... )) [ الترمذي عَنْ عَائِشَةَ] أما له فلا تجوز، وقد قال عليه الصلاة والسلام حديثاً اعتمده الإمام الشافعي: "لا تجوز خصم على خصمه". جواز شهادة الأخ لأخيه و الصديق لصديقه : العلماء بعضهم قال: شهادة الأقرباء تجوز، أي نحن استثنينا الزوج لزوجته، والزوجة لزوجها، والأب لابنه، والابن لأبيه، لأن علاقة الأب بابنه علاقة حميمة، بضعة منه، ماذا قال النبي الكريم؟ "فاطمة بضعة مني، من أكرمها فقد أكرمني، ومن أغضبها فقد أغضبني"، علاقة الأب بابنه علاقة حميمة، كذلك الابن بابيه علاقة حميمة، علاقة الزوج بزوجته، وعلاقة الزوجة بزوجها، أما على مستوى الأخوة فربما قبلت شهادة الأخ لأخيه أو على أخيه، على أخيه مقبولة، أما لأخيه العلماء فأجازوا هذه الشهادة، وكذلك تجوز شهادة الصديق لصديقه، الأخ لأخيه تجوز، والصديق لصديقه تجوز. 8 ـ ألا يكون مجهول الحال : أما شهادة مجهول الحال، شخص لا نعرفه يشهد، هناك قصة رائعة جداً، وهذه القصة لها دلالات كثيرة، حصلت في عهد عمر بن الخطاب، فقد شهد عند عمر بن الخطاب رجل فقال له عمر: يا هذا لست أعرفك؟- أنت قد تكون أنزه إنسان، أعلم إنسان، لكن الشخص لا يعرفك، اعذره، ما عرفني، أنا معروف بين الناس كلهم، وقال لي: ما اسمك؟- قال له: يا هذا لست أعرفك، لكن من أدب سيدنا عمر، قال له: ولا يضرك أني لا أعرفك، هذا شيء لا يضرك، لأن بعض الغزوات القاسية جاء رسول من هذه المعركة الحاسمة يخبر سيدنا عمر أن هناك شهداء كثر، فقال عمر من هم؟ قال الرسول: يا أمير المؤمنين لست تعرفهم، فصار يبكي سيدنا عمر، قال: وما يضرهم أني لا أعرفهم إذا كان الله يعرفهم؟ انظر إلى هذا الأدب، وما يضرهم أني لا أعرفهم إذا كان الله يعرفهم؟ فالإنسان كلما ارتقى إيمانه يرتقي أدبه، قال له: يا هذا لست أعرفك، ولا يضرك أني لا أعرفك، أنت بمكانتك العلية. وأنا كنت أقول دائماً إن الإنسان أحياناً يكون معه كيلو معدن أنا أقول: معدن لأن لي هدفاً، لو أنه بذكاء، وبحنكة، وبطلاقة لسان، وبأسلوب دعائي أوهم أن هذا المعدن ذهب خالص، أربع وعشرون و هو تنك، هو الخاسر، والناس صدقوه، وظنوا أن معه ذهباً، هذا الذهب العظيم، ولو أن إنساناً آخر معه كيلو معدن وهو ذهب حقيقي والناس يظنونه معدناً خفيفاً هو الرابح. خيرك منك، وشرك منك، وعلاقتك بالدرجة الأولى مع نفسك، قال: يا هذا لست أعرفك، ولا يضرك لأني لا أعرفك، ائت بمن يعرفك، نريد شاهداً، ومن يعرف بهذا الشاهد أنه رجل عاقل، مستقيم، من أهل الصلاح، فقال رجل من القوم: أنا أعرفه، فقال له سيدنا عمر: بأي شيء تعرفه؟ قال: بالعدالة والفضل، شيء جميل، قال: هل هو جارك الأدنى الذي تعرف ليله ونهاره ومدخله ومخرجه؟ قال: لا، قال: هل عاملته بالدرهم والدينار الذين يستدل بهما على الورع؟ قال: لا، إنسان ذهب معك في سفر، صرفت كذا و كذا ما قال لك ما الحساب؟ إذاً يوجد حساب، ونفقات، وطعام، وأجور، أنت ساكت وهو ساكت، هو من دون سفر إنسان راق جداً، بالسفر كشف، إنسان يسكن إلى جانبك، جارك، يا ترى هذا الجار مؤمن؟ ورع؟ مستقيم بصلاته؟ بغض بصره؟ في بيته هل هناك ملهيات؟ لا يوجد ملهيات، تعرفه جارك الجانب بك، قال: لا، لا أعرفه، قال: هل رافقته بالسفر الذي يستدل به على مكارم الأخلاق؟ قال: لا، قال: يا هذا إنك لا تعرفه، ثم قال للرجل: ائت بمن يعرفك هذا لا يعرفك، سيدنا عمر أخذ السفر، وأخذ الجوار، وأخذ التعامل بالدرهم والدينار، لذلك أقرب الناس لك جارك، أحياناً الشخص لا تعرفه إطلاقاً، تلتقي به في مجلس، في بيت، في زيارة، في العيد، إذا نظرت إليه لا تعرف ما اسمه، ولا عمله، ولا ثقافته، ولا شهاداته، لا تعرفه إلا من هندامه، من قوامه، ومن شكله، قال: إذا تكلم تنسى شكله، ولباسه، وهندامه، فإذا عاملك تنسى حديثه، إذا تكلم بالقيم، والدين، والورع، أو تكلم بالدعوة إلى الله، و عندما عاملته بالدرهم والدينار كان بلا ذمة و لا أمانة، كل كلامه سقط، لذلك الإنسان عندما يخطئ، إذا كان معه شيء من العلم، وألقاه على الناس، ثم أساء معاملتهم، يا ليته يسقط هو وحده، لكن المشكلة أن كل الذي ألقيته على الناس من علم ومن حقائق تسقط مع سقوط المتكلم، الملاحظ أن الإنسان إذا تكلم بالعلم، وله مواقف أخرى غير مقبولة، تكلم بما ليس قانعاً به، الكلام الثاني يبطل الأول. أخطر إنسان في المجتمع الإسلامي من يدعو إلى الله وليس معروفاً بالصلاح : نحن عندنا في اللغة العربية أثناء التصحيح قاعدة، لو إنسان قال: مفعول به صح مفعول به، لكنه مرفوع، بالسلم إذا قال: مفعول به علامة، ومنصوب علامة ثانية، أصبح له علامتان، لو قال: مفعول به مرفوع، كلمة مرفوع تذهب صحة أول قسم، إذا قال: مفعول به منصوب يأخذ العلامتين، إذا قال: مفعول به علامة، إذا قال مفعول به مرفوع يأخذ الصفر، قال: مفعول به لكن الجزء الثاني يذهب صواب الجزء الأول، الخطأ في الجزء الثاني يذهب صواب الجزء الأول، هذه القاعدة نفسها إذا تكلمت كلاماً صحيحاً، وأتبعته بكلام سيئ، فالكلام السيئ يذهب قيمة الكلام الصحيح، لذلك أخطر إنسان في المجتمع الإسلامي هو الذي يدعو إلى الله وليس معروفاً بالصلاح، لأن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [ سورة فصلت: 33 ] دعا وعمل صالحاً، لو دعا إلى الله ولم يعمل صالحاً تسقط دعوته. إذا إنسان قال لك: هذا كتاب، وهذا إبريق، هذا ليس إبريقاً، لكن قال لك: هذا إبريق ليكون هذا أيضاً ليس كتاباً، انتبهت إلى أول الكلام، مادام ارتكب حماقة في وصف هذا الكأس وقال: هذا إبريق كبير، وهو كأس صغير، أنت الآن تشك بأول وصف. فإذا دعوت إلى الله إياك أن تقول كلاماً في موضوع آخر غير صحيح، لأن الخطأ في الجزء الثاني يذهب صواب الجزء الأول. لذلك أنا أشعر كثيراً في حالات زواج هناك شيء مؤلم جداً، أنه سألت عنه؟ سألنا عنه، قال: آدمي، ما معنى آدمي؟ سألوا شخصاً لا علاقة له، فتبني أسرة على شكل غير صحيح، ثم يفاجؤون أنه يشرب الخمر، أو أنه لا يصلي، لذلك القصة هي دقيقة جداً ويجب أن نأخذ بها، الجار يعرف حقيقة جاره، والذي يحتكك معك بالدرهم والدينار يعرف ورعك، واستقامتك، والذي يسافر معك يعرف مكارم أخلاقك. عدم جواز شهادة البدوي على الحضري إلا إذا كان عدلاً مرضياً : بعض العلماء قالوا: لا تجوز شهادة البدوي على الحضري، هذا موضوع خلافي أي في الحياة الحضرية هناك ملابسات، أمور متداخلة، تعقيدات، البدوي عاش بالصحراء، حياته بسيطة، لا يوجد فيها تعقيدات، بعضهم قال: إن البدوي لا يجوز أن يشهد على الحضري للمفارقة الحادة بين الحياتين، حياة فيها بساطة، وحياة فيها تعقيد، لكن الصحيح كما قال بعض العلماء: جواز شهادته إذا كان عدلاً مرضياً، وهو من رجالنا، من أهل ديننا، والعموميات في القرآن الكريم الدالة على الشهادة تسوي بين البدوي والحضري، إذا كان بدوي مؤمن، أنا لي كلمة أقولها دائماً أتمنى أن تكون دقيقة عندكم: و الله أيها الأخوة لا يضاف على كلمة مؤمن ولا كلمة، لا يجوز أن يضاف على كلمة مؤمن كلمة، مؤمن، إن كان بدوياً مؤمن، إن كان حضرياً مؤمن، إن كان يحمل شهادة عليا مؤمن، إن كان لا يحمل شهادة مؤمن، يقرأ القرآن، أي من أجل أن يقوى الإسلام، أقول أنا كلمة: لو أن المسلمين في عهد النبي عليه الصلاة والسلام كانوا كالمسلمين الآن وَاللَّهِ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ الإسلام لا يخرج من مكة، أما لأنه خرج من مكة، ووصل إلى أطراف الدنيا، معنى ذلك أن الصحابة كانوا في مستوى رفيع جداً من إنكار الذات، واحد من الصحابة رآه النبي يبكي - سيدنا بلال الحبشي- قال له: ما يبكيك يا بلال؟ قال له: غرابة نسبي، فقال عليه الصلاة والسلام: أنا جد كل تقي ولو كان عبداً حبشياً، بالمقابل ولو كان هاشمياً قرشياً ولم يكن مؤمناً فلا علاقة له بي، والدليل الله عز وجل قال: ﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ*مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ ﴾ [ سورة المسد: 1-2 ] وقال النبي الكريم: سلمان منا آل البيت. مجتمع المؤمنين مجتمع الطبقة الواحدة : لن تكون مؤمناً إلا إذا تخليت عن كل أنواع العنصرية فيك، كل إنسان يعتز بأسرته، ببلده، بحيه، بوالده، باختصاصه، إنسان عنصري. ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ [ سورة الحجرات: 13] بدوي، حضري، مدني، ريفي، من هذه الأسرة، من هذه الفئة، هذه كلها عنعنات جاهلية. سيدنا عمر لما جاءه بدوي من فزارة يشتكي جبلة، قال له: يا بن أيهم أصحيح ما ادعى هذا الفزاري الجريح؟ قال: لست ممن يكتم شيا أنا أدبت الفتى أدركت حقي بيدي، قال أرض الفتى لا بد من إرضائه مازال ظفرك عالقاً بدمائه أو يهشمن الآن أنفك- ملك من ملوك الغساسنة جبلة بن الأيهم - قال له: أرض الفتى أو يهشمن الآن أنفك وتنال ما فعلته كفك، قال: كيف ذاك يا أمير؟ هو سوقة وأنا عرش وتاج؟ كيف ترضى أن يخر النجم أرضاً؟ قال له سيدنا عمر: نزوات الجاهلية، ورياح العنجهية قد دفناها، أقمنا فوقها صرحاً جديداً، وتساوى الناس أحراراً لدينا وعبيدا، فقال جبلة: كان وهماً ما جرى في خلدي أنني عندك أقوى وأعز، أنا مرتد إذا أكرهتني، قال عمر: عنق المرتد بالسيف تحز، عالم نبنيه كل صدع فيه بشبا السيف يداوى، وأعز الناس بالعبد، بالصعلوك تساوى. مجتمع المؤمنين مجتمع الطبقة الواحدة، وَاللَّهِ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ لو كنت مديراً عاماً لأكبر مؤسسة، وعندك مستخدم مسلم من إخوانك، إن رأيت نفسك فوقه فأنت لا تعرف الله، قد يكون فوقك يوم القيامة. ((رُبَّ أَشْعَثَ مَدْفُوعٍ بِالأَبْوَابِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ )) [مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ] الإنسان العاقل والموفق هو الذي يكتفي قبل فوات الأوان، المقياس الذي يقيس الله به عباده هو الطاعة، الله يقيس عباده بالطاعة، يقيس عباده بالإخلاص، يقيس عباده بخدمة الخلق، الخلق كلهم عيال الله وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله، هناك عنعنات جاهلية، التمايز الأسري، التمايز المالي، الاجتماعي، أنا من بيت فلان، هناك كثير من الأسر لها نظرة فوقية ليعض الأسر، هذه كلها من الجاهلية. مرّ أحد الصحابة يبدو أنه تغاضب مع سيدنا بلال، قال له: يا بن السوداء، يا لطيف، يا لطيف، القيامة قامت ولم تقعد، قال له عليه الصلاة والسلام: إنك امرؤ فيك جاهلية، هذا الصحابي ما قبل إلا أن يضع خده على الأرض ليأتي ابن السوداء و يضع رجله فوق خده، لعل الله يغفر له، مجتمع المسلمين مجتمع الطبقة الواحدة: ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ [ سورة الحجرات: 13] المقاييس التي يتعامل الله بها مع عباده : النبي عليه الصلاة والسلام في إحدى المرات قال: يدخل عليكم رجل من أهل الجنة- بشارة- أحد الصحابة من شدة رغبته بالتفوق والتنافس الشريف بين الصحابة الكرام ادعى أنه على خلاف مع زوجته، وأراد أن يضيف عند هذا الصحابي الذي بشره النبي بالجنة، نام عنده، ووجده أنه عادي، صلاة زائدة لا يوجد، نام، طبعاً صلى الفجر بوقته، هو تصور أنه يصلي مئة ركعة بالليل، وجده شخص عادي جداً، إذاً كيف بشره النبي بالجنة وعباداته لا تزيد عما هو مألوف بين الصحابة الكرام؟ ثم عرف هذا الصحابي أن هذا الذي بشره النبي بالجنة لا يحمل غلاً في قلبه لأحد، هذا مقياس. مرة قلت لكم: شخص رأى النبي الكريم، هو رجل له دعوة، وإمام مسجد، قال له: قل لجارك فلان إنه رفيقي في الجنة، كان جاره سمان، له قصة مع زوجته، فأنت إذا كنت عاقلاً وتمكنت أن تضع يدك على المقياس الذي يقيس الله به عباده، هذا المقياس هو أهم مقياس، الله يقيس عباده بالإخلاص، بالطاعة، بخدمة الخلق، قال: لأن أمشي مع أخي في حاجته خير لي من صيام شهر، واعتكافه في مسجدي هذا، هناك شخص صلاته في أول صف، لكن لا يمكن أن يقدم خدمة، ينسحب فوراً، وهناك إنسان معطاء، حياته مبنية على البذل. لذلك أيها الأخوة موضوع المقياس الدقيق الذي ينبغي أن نقيس به أنفسنا هو مقياس أساسه الإخلاص، أول نقطة تكلمتها أساسه خدمة الخلق، لأن أمشي مع أخي في حاجته خير لي من صيام شهر واعتكافه في مسجدي هذا، المقياس الثاني الورع: ((ركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلط)) [الجامع الصغير عن أنس] (( من لم يكن له ورعٌ يصده عن معصية الله إذا خلا لم يعبأ الله تعالى بسائر عمله )) [ مسند الشهاب عن أنس بن مالك] (( ترْكُ دانق من حرام خير من ثمانين حجة بعد الإسلام )) [ ورد في الأثر ] درء المفاسد مقدم على جلب المنافع، دع خيراً عليه الشر يربو، أعتقد ست كلمات، الورع، والإخلاص، وخدمة الخلق هذه المقاييس الله جل جلاله يتعامل بها مع عباده. هناك مقاييس أخرى الشيخ أحمد الشامي رحمه الله خرج في جنازته خمسين ألفاً، وخمسة آلاف امرأة، كلهن كن مطلقات فأفتى لأزواجهن بإرجاعهن، وفاء له خرجن في جنازته، ما بقي إنسان في القطر ما قدم تعزية، و هو كان قصير القامة جداً، مقياس العلم والعمل فقط، هذا المقياس الوحيد، شيء والله لا يصدق الذي حدث بعد وفاته. إذاً الإخلاص، والورع، وخدمة الخلق، وأن يكون طعامك حلالاً، إذا الإنسان في عمله كذب فالأكل حرام، طعامه أصبح حراماً إذا كان هناك غش، أو تدليس، أو كذب، لذلك يقول العبد: يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب له، اجعل أن يكون طعامك حلالاً، أي من عمل مشروع، من عمل لا يوجد به كذب، أو تدليس، أو غش، أو إيهام، واحرص على أن تكون ورعاً، واحرص على أن تكون مع الورع مخلصاً وعندئذٍ ترى أنك في أعلى مقام. نصاب الشهادة : بقي موضوع لا أحب أن أرجئه للدرس القادم من لوازم الشهادة فاسمحوا لي أن أتابعه، أولاً: نصاب الشهادة، هناك موضوعات لابد من أربعة شهود. ﴿ وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [ سورة النساء: 15] ﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ [ سورة النور: 4] إذا إنسان اتهم امرأة بالزنا، ودبر ثلاثة، يجلد، يجب أن يكون هناك أربعة شهود، لأن الإنسان شرفه وسمعته أثمن ما يملكه، ممكن أن تأكل خبزاً يابساً، لكن لك اسم متألق بالبلد، هذه المرأة قد تكون أفقر امرأة بالبلدة، لكن اسمها نظيف، أما أن تتهمها بعرضها، بشرفها، لابد من أن تأتي بأربعة شهود، فإن جئت بثلاثة فلابد من أن تجلد، كم هي المرأة عند الله غالية: ﴿ وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [ سورة النساء: 15] ما فتح عبد على نفسه باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر : الآن لا تحل المسألة إلا لأحد ثلاثة، بالمناسبة ما فتح عبد على نفسه باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر، لما أنت تنطلق لتمد يدك إذاً أنت قررت أن تكون فقيراً، انتهى الأمر، عندما تتخذ قراراً أن تمد يدك تستجدي، وتتضعضع أمام الأغنياء، أنت الآن حكمت على نفسك بالفقر، ما فتح عبد على نفسه باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر، أنا أنصح كل أخواننا بدل أن تطلب قرضاً وتنوي العمل الله عز وجل سيوفقك، وتصبح دافعاً للزكاة، وأعظم أنواع الزكاة إذا أعطيتها لإنسان جعلته دافع زكاة، كان قابض زكاة صار دافع زكاة، فقال النبي الكريم: (( لا تحل المسألة إلا لأحد ثلاثة رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة )) [ مسلم عن قبيصة] صار معه حادث دهس، والدية مئتا ألف، و لا يملكهم، تحمل شيئاً لا يطيقه، بيته انهار مثلاً، تحمل شيئاً فوق طاقته، بضاعته احترقت، فلس، هناك أحياناً كوارث طبيعية، فهذا الإنسان تحل له المسألة، فلس، بضاعته تلفت، أو أسعارها أصبحت بالحضيض، عليه ديون للناس، انكشف، عمل حادثاً مثلاً، والسيارة ليست له تغرم بتصليحها، مئتا ألف فرضاً، صار هناك حادث دهس خطأً دفعوا له مئتي ألف، هذا أمر قاهر، قال: ((...حلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواماً، من عيش أو قال: سداداً من عيش، ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوى الحجة من قومه لقد أصابت فلانا فاقة فحلت له المسألة)) الإنسان يقبل أن يأكل مالاً وهو قوي، شديد، عتيد، كاسب، شاب، شيء لا يحتمل، والله أنا أحياناً أنظر إلى شخص يمتلئ قلبي أدباً منه، شاب في مقتبل حياته يمد يده على مواقف السيارات، أنت مؤمن؟ لا ورب الكعبة، كل إنسان الله عز وجل آتاه صحة، وشباباً، عليه أن يكسب ماله، إذاً أربعة شهود لمن؟ لحالات الزنا، ثلاثة لحل المسألة، وتقبل شهادة رجلين دون النساء في جميع الحقوق والحدود. شهادة النساء في الحدود غير جائزة : بالمناسبة شهادة النساء في الحدود غير جائزة، ما السبب؟ لأن المرأة أساسها تستحي، طبيعة المرأة طبعاً المرأة الشريفة، المرأة الكاملة، المرأة كما أرادها الله، طبيعتها أساسها الحياء، هل بإمكان امرأة أن تبحلق في جريمة أو في حادث زن؟ لا تستطيع، طبيعتها أساسها الحياء، لذلك لأنها يغلب عليها الحياء لا تستطيع أن تملك نظرها في جريمة أخلاقية، لذلك لا تقبل شهادة النساء في الحدود، عند عامة الفقهاء، قال تعالى: ﴿ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ﴾ [ سورة الطلاق: 2] في الحقوق المدنية تجوز شهادة. ﴿ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى ﴾ [ سورة البقرة: 282] المرأة طبيعتها انفعالية، عاطفية، تهتم بالانفعالات، والعواطف، الأمور الدقيقة الدقيقة هذه من اختصاص الرجال، فامرأتان يقومان بمقام رجل في الشهادة. قبول شهادة الرجل الواحد في العبادات : أما شهادة الرجل الواحد في العبادات، أخبرت النبي صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أني رأيت الهلال فصام، يمكن أن يدخل مئة مليون مسلم في العبادة بشهادة رجل واحد، أربعة ثلاثة، اثنان، واحد، واحد في العبادات، الأحناف أجازوا شهادة الرجل الواحد في بعض الحالات الاستثنائية، على الولادة، شهادة المعلم وحده في شهادة الصبيان، شهادة الخبير وحده في تقييم المتلفات، أحياناً القاضي يكلف خبيراً ليقدر مقدار الخسارة، السيارة عملت حادثاً كم خسرت من ثمنها؟ خبير واحد، هذا شاهد، وتقبل شهادة الواحد في تزكية الشهود وجرحهم، والحاكم معه سياسة شرعية، معه حرية حركة، قال: يجوز للحاكم الحكم بشهادة رجل واحد إذا عرف صدقه، وورعه، وعدالته، وضبطه في غير الحدود طبعاً، الله عز وجل ما أوجب على الحكام القضاة أن يحكموا بشاهدين، لكن أوجب علينا أن نحفظ حقنا بشاهدين، هناك فرق أحياناً القاضي له قناعة، قنع أن هذا الإنسان لا يكذب، وأدلى بشهادة صحيحة فحكم على شهادته. جواز شهادة امرأة مسلمة ورعة في القضايا الاختصاصية : وقبل عند الفقهاء شهادة امرأة واحدة أي مسلمة، ورعة، في قضايا النساء أحياناً يصير خلاف يا ترى هذه الزوجة بكر أم بنت؟ بنت أم امرأة؟ من يحكم على هذا؟ امرأة خبيرة، امرأة واحدة تكفي، امرأة واحدة ورعة تقدم تقريراً أنها بكر، لا كما ادعى زوجها. الخلاصة إذا علم الحاكم صدق الشاهد الواحد قبلت شهادته، والمرضعة وحدها تكفي شهادتها، أنا أرضعت فلاناً، حرم على أخته من الرضاعة، المرضعة تكفي، وتجوز شهادة القابلة في الاستهلال، ما الاستهلال؟ إذا الطفل ولد وقال: واع أي بكى، أحياناً كلمة واع تغير مليون ليرة إن كان هناك ميراث، إذا ولد بكى وتوفي بعد ذلك، يتغير كل الميراث، إذا ولد ميت ليس له ميراث، إذا ولد حي وعلامة أنه حي إذا بكى، بعد أن بكى مات فوراً، هذا الطفل ورث، وسوف يورث في قضايا الإرث يجوز بالملايين، بمئات الملايين، تقبل شهادة القابلة في قضايا الاستهلال. عند الحنابلة ما لم يطلع عليه الرجال غالباً تقبل فيه شهادة امرأة عدل، القضايا النسائية المحضة، أحياناً يكون هناك عيب بالزوجة، يوجب الفراق، والطلاق، والقاضي كيف يتأكد من هذا العيب؟ يجب أن يستخدم امرأة خبيرة، مسلمة، ورعة، عدل، تقبل شهادتها وحدها، طبعاً هذا موضوع اختصاصي، لكن إجمالاً الشهادة شيء مهم جداً، لأن الشهود بهم تستخرج الحقوق. عندنا أربع شهادات للقذف، للاتهام بالزنا، إن لم يؤمن أربعة شهود بل ثلاثة فسيجلد، و هناك ثلاثة شهود في موضوع المسألة، شاهدان في الحقوق العامة، غير الحدود، رجل وامرأتان في بقية الحقوق، ممكن رجل عدل واحد وامرأة عدل واحدة، في قضايا اختصاصية، كالخبرة، والقضايا النسائية، وفي درس قادم إن شاء الله ننتقل إلى موضوع جديد من موضوعات القضاء وهو اليمين. |
رد: العبادات التعاملية
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية الدرس : ( الخامس العاشر ) الموضوع : اليمين الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.اليمين : أيها الأخوة المؤمنون، لا زلنا في موضوع القضاء، وسننتقل اليوم إلى موضوع اليمين، وقد مرّ بنا من قبل موضوع الأيمان، ولكن اليمين اليوم من زاوية القضاء فقط. فالمدعي قد يعجز على أن يأتي ببينة، وثيقة، سند، إيصال، مستمسك، قد يعجز عن أن يدلي ببينة، بوثيقة قطعية الثبوت، ما بقي له إلا يمين المدعى عليه، هناك تعليق لطيف جداً: الذي قصر في أخذ وثيقة صار عرضة لقلق شديد، يكفي أن يحلف خصمه، الدعوى ردت وخسر الدعوى، فكل إنسان يفرط في أخذ وثيقة، إيصال، عقد موثق، مسجل، مصدق، كل إنسان يقصر في طلب وثيقة من الطرف الآخر، إذا حصل خلاف وأنكر الطرف الآخر، ولا تملك أنت الوثيقة، ما بقي لك إلا يمين المدعى عليه، فإن حلف خسرت الدعوى، القلق الذي يعانيه المدعي، الذي لم يأخذ وثيقة من الطرف الآخر هو جزاء التقصير، هناك دعاوى كثيرة في قصر العدل، ليس هناك بينة، سبحان الله! أحياناً الإنسان بجهله، أو بجهالته، أو لرعونته، أو بوسوسة من الشيطان، يعد أخذ الوثيقة عيباً، عاراً، هو إنسان لا يسأل، المال ليس له قيمة، ويهم الطرف الآخر أن يكتب وصلاً يقول له: أبداً نحن لا يوجد إيصال بيننا: أحبب حبيبك هوناً ما عسى أن يكون بغيضك يوماً ما *** تجد هذه الشركة قائمة على الود، والمحبة، والتفاني بعد أشهر أصبح هناك خلاف، منازعات، مواقف عدوانية، وقع الشك، لا يوجد غير القضاء، جئنا إلى القضاء لا يوجد وثائق، هناك عقد؟ و الله لا يوجد، إذاً عندما أخذت المليون أعطيته إيصالاً؟ قال: لا والله ما أخذنا إيصالاً، لا يوجد إيصال بالمليون، ولا عقد شراكة، لا يوجد غير اليمين، وتعرفوا المثل المعروف: الكذاب سألوه تحلف قال: جاء الفرج، أحلف طبعاً. المفسد أشدّ جرماً من الفاسد : يا أخوان كلكم شباب مقبلون على حياة عملية، يمكن لم يعد الإنسان يستطيع أن يعمل لوحده، لابد من شركة، لابد من تعاون، لابد من علاقة هذه العلاقة، إن لم تكن موثقة الآثم هو الذي يفسد أخاه، أبسط مثل وأنا أعيده كثيراً: أنت ممكن أن تضع على الطاولة خمسمئة ليرة، ممكن أن تكون في الدرج، أو في الصندوق، ما دام على الطاولة صار هناك عملية إغراء لإنسان فيأخذها، هذا الإنسان ما خطر بباله أن يأكل مالاً حراماً، أما حينما رأى المال سائباً في مكان غير صحيح، لا يوجد دقة بالتعامل معه، فأخذ هذا المال، فيا ليت الإثم يبقى على الذي أخذ لكن الذي سمح له أن يأخذ، أو جعل هذا المال عرضةً، و جعله مغرياً أشد إثماً، الأول فاسد، أما الذي سمح له أن يأخذه لتقصيره فمفسد، والمفسد أشد جرماً من الفاسد. الآن في قانون المخدرات الجديد إذا الإنسان أفسد الآخرين يعدم، كل من يعمل بتجارة المخدرات يعدم، أما الذي تعاطى المخدرات لمرة واحدة فعنده خمس عشرة سنة سجناً، الإعدام لمن يتجر، لمن يفسد. إذا عجز المدعي بحق على آخر عن تقديم البينة، وأنكر المدعى عليه هذا الحق ليس له إلا يمين المدعى عليه، طبعاً هذا خاص بالأموال، والعروض، ولا يجوز هذا في دعاوى العقوبات والحدود، بالأموال والعروض، أي الدعاوى المدنية، خلاف على مال، أما إذا في اقتراف للحدود، فالحدود لها علم آخر، ولها فقه آخر، الحديث الصحيح الذي رواه البيقهي والطبراني عن رسول الله صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. (( الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ )) [ الترمذي عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ] من ينُكر يدعى لحلف اليمين : الذي ينكر يدعى لحلف اليمين، والمدعي يقدم البينة، لذلك في القانون- قانون المحاكمات السوري- عبء تقديم الأدلة على المدعي وقد روى البخاري ومسلم. ((عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ رَضِي اللَّهم عَنْهم مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَسْتَحِقُّ بِهَا مَالا وَهُوَ فِيهَا فَاجِرٌ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَ ذَلِكَ ( إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا ) فَقَرَأَ إِلَى ( عَذَابٌ أَلِيمٌ ) ثُمَّ إِنَّ الأَشْعَثَ بْنَ قَيْسٍ خَرَجَ إِلَيْنَا فَقَالَ مَا يُحَدِّثُكُمْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: فَحَدَّثْنَاهُ قَالَ: فَقَالَ صَدَقَ لَفِيَّ وَاللَّهِ أُنْزِلَتْ كَانَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ خُصُومَةٌ فِي بِئْرٍ فَاخْتَصَمْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: شَاهِدَاكَ، أَوْ يَمِينُهُ، قُلْتُ إِنَّهُ إِذًا يَحْلِفُ وَلا يُبَالِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَسْتَحِقُّ بِهَا مَالا وَهُوَ فِيهَا فَاجِرٌ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَ ذَلِكَ ثُمَّ اقْتَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ ( إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا ) إِلَى ( وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) )) [البخاري عَنْ أَبِي وَائِلٍ ] (( إِنَّ الأَشْعَثَ بْنَ قَيْسٍ خَرَجَ إِلَيْنَا فَقَالَ مَا يُحَدِّثُكُمْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: فَحَدَّثْنَاهُ قَالَ: فَقَالَ صَدَقَ لَفِيَّ وَاللَّهِ أُنْزِلَتْ كَانَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ خُصُومَةٌ فِي بِئْرٍ فَاخْتَصَمْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: شَاهِدَاكَ، أَوْ يَمِينُهُ... )) [البخاري عَنْ أَبِي وَائِلٍ ] لا يوجد حل وسط، ما معك شهود يدعى إلى حلف اليمين، إذا حلف، هو أساساً كنت أروي لكم هذه القصة كثيراً أن أحد الولاة في عهد سينا عمر، وجه له سؤالاً قال له: يا أمير المؤمنين إن أناساً قد اغتصبوا مالاً ليس لهم، لست أقدر على استخراجه منهم إلا أن أمسهم بالعذاب، فإن أذنت لي فعلت، فقال سيدنا عمر: يا سبحان الله! أتستأذنني في تعذيب بشر وهل أنا لك حصن من عذاب الله؟ وهل رضائي عنك ينجيك من سخط الله؟ أقم عليهم البينة فإن قامت فخذهم بالبينة، فإن لم تقم فادعوهم إلى الإقرار، فإن أقروا فخذهم بإقرارهم، فإن لم يقروا فادعوهم لحلف اليمين، فإن حلفوا فأطلق سراحهم، و أيم الله لأن يلقى هؤلاء ربهم بخيانتهم أهون من أن ألقى ربي بدمائهم. إذاً اليمين، ويسمونها القضاة اليمين الحاسمة، إما أن يحلف، وإما أن يحكم. اليمين الغموس أخطر يمين في الدين : إن حلف لا يحكم، فقال عليه الصلاة والسلام: ((... شَاهِدَاكَ، أَوْ يَمِينُهُ، قُلْتُ إِنَّهُ إِذًا يَحْلِفُ وَلا يُبَالِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَسْتَحِقُّ بِهَا مَالا وَهُوَ فِيهَا فَاجِرٌ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ... )) [البخاري عَنْ أَبِي وَائِلٍ ] والعلماء سموها اليمين الغموس، وسميت غموساً لأنها تغمس صاحبها في النار، وتخرجه من الإسلام، وهذه اليمين لا كفارة لها، لأن الذي يكفر عن يمينه هو مسلم، من حلف هذا اليمين خرج من الإسلام، وغمس في النار، واسألوا أهل العلم، واسألوا القضاة، كم من شخص حلف يميناً غموساً وقع مشلولاً أمام القاضي، أحياناً الله يؤخر العقاب، لأن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾ [ سورة آل عمران: 137 ] وفي آية ثم انظروا. ﴿ قُلْ سِيرُواْ فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾ [ سورة الأنعام: 11 ] إذا وقع مشلولاً فوراً يكون " فانظروا " وإذا الله أعطاه فرصة يمكن ألا يصير معه شيء، لكن لحين، فإن لم يتوب جاء البلاء. إذاً هذا اليمين أخطر يمين في الدين: ((...مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَسْتَحِقُّ بِهَا مَالا وَهُوَ فِيهَا فَاجِرٌ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ... )) [البخاري عَنْ أَبِي وَائِلٍ ] حقوق العباد لا تسقط إلا بالأداء أو المسامحة : لو سحبت وثيقة من إضبارة الدعوى، لو سرقت وثيقة، لا يوجد حلف اليمين، أي حينما سرقت هذه الوثيقة صار القاضي ملزماً أن يحكم لزيد على عبيد، إذاً اقتطعنا بهذه الوثيقة التي سحبناها مال امرئ مسلم، فالإنسان أيها الأخوة هناك أشياء كثيرة يمكن أن يفعلها ويجد الله تواباً رحيماً، إلا أن يقتطع حق امرئ مسلم، لا تنسوا أن حقوق العباد مبينة على المشاححة بينما حقوق الله عز وجل مبينة على المسامحة، مهما تكن الذنوب التي بينك وبين الله فالصلحة بلمحة، أما الذنوب بينك وبين العباد فهذه لا تسقط إلا بالأداء أو المسامحة. هناك كلمة لا ننتبه لها نحن، هذه الكلمة، هذا حديث شريف. (( أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إِلا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ فَقَالَ: ( يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ) وَقَالَ: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ) ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ يَا رَبِّ وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ )) [مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ] معنى المأكل الحرام أي يغش، فمأكله صار حراماً، يكذب، يدلس، يوهم، يغير أوصاف البضاعة، يأخذ سعراً فوق ما تستحق، أية طريقة ولو أنها مقبولة عند الناس الآن تقريباً يقول لك: هكذا العمل. أنا لي قريب يعمل في تصليح السيارات، له جار جاءه شخص معه سيارة جديدة اقتناها حديثاً، فيها علة خفية، العلة ليست خفية على الخبير، لكن على صاحبها خفية، طلب منه عشرة آلاف ليرة، وثلاثة أيام، القريب جاره، قال له يا فلان: السعر ليس معقولاً؟ تنتهي بنصف ساعة، يكفيها ألف ليرة، قال له: هكذا العمل، أنت لا تعرف أن تعمل، قال لي قريبي: أول يوم خبّر أسرته أخذهم إلى بلودان بالسيارة، صلحها بدقيقتين، وثاني يوم أخذهم إلى الوادي، واليوم الثلاث إلى المطار، جاء صاحبها ليأخذ السيارة دفع العشرة آلاف أخذ السيارة، هذا الإنسان ظن نفسه ذكياً جداً، ومعلماً، ويعرف أن يكسب المال، باليوم الخامس دخلت نثرة حديد في عين ابنه، ابنه يعمل في مخرطة، اضطر يأخذه إلى لبنان - القصة قديمة جداً- كانت الليرة اللبنانية بمئة وستين قرشاً سورياً، دفع ستة عشر ألف ليرة لبنانية عملية جراحية بالمشفى الأمريكي، حتى نزعت هذه القطعة من قرنية العين، فستة عشر ضرب مئة و ستين الناتج خمسة و عشرون، أخذ عشرة آلاف دفعهم خمسة و عشرين، و على هذا فقِس. كل إنسان يظن نفسه بكسب المال الحرام ذكياً هو أحمق وغبي، قال: يا رب كم عصيتك ولم تعاقبني؟ قال: عبدي كم عاقبتك ولم تدر؟ من بلاء إلى بلاء، من مصيبة إلى مصيبة، من ضبط إلى ضبط، من مصادرة إلى مصادرة، قال له: كم عصيتك ولم تعاقبني؟ قال له: كم عاقبتك ولم تدر؟ من يُعمل عقله يقف عند حدود الله : أيها الأخوة الكرام: عقل الإنسان إذا أعمله يقف عند حدود الله، هذه القصة واحدة من آلاف، كل واحد منكم يعرف ذلك. ((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ )) [ البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ] الغش يدخل بالمال الحرام، الكذب يدخل بالمال الحرام، التدليس يدخل بالمال الحرام، إخفاء العيب يدخل بالمال الحرام، تغيير صفات البضاعة يدخل بالمال الحرام، الربح الفاحش يدخل بالربح الحرام، بقى الشيء الذي يستنبط، إذا الإنسان استقام يعيش كريماً، أما الغنى الفاحش الفجائي فلن يناله، الغنى الفاحش، الغير المعقول، بين عشية أو ضحاها خلال سنوات يحكي بمئة مليون، هناك مشكلة، معنى هذا أن هناك مشكلة في الكسب، أما وفق الشرع، وفق الأصول، لن يصل إلى ثروة طائلة في وقت قصير: ((...مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَسْتَحِقُّ بِهَا مَالا وَهُوَ فِيهَا فَاجِرٌ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ... )) [البخاري عَنْ أَبِي وَائِلٍ ] هذا يذكرننا بقوله تعالى: ﴿ يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآَمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ [ سورة الأحقاف: 31] من للتبعيض، لماذا يا ربي من، كلهم سوى فرض مرة، ما بين وبينكم اغفره لكم، لكن ما بينكم وبين العباد لا يغفره إلا العباد، اذهب إلى العبد فأدي، أو ليسامحك. لي قريب ثان دخل شخص ألقى له ظرفاً، فتحه وجد فيه مالاً، دخل لعنده أكل من اثنتي عشرة سنة قطعة من الكاتو ولم يدفع ثمنها، بعدما اصطلح مع الله حاسب نفسه واستحى أن يقول له: أنا أكلت من عندك دون أن أدفع الثمن، هذا الظرف وضع فيه ثمن الكاتو على السعر القديم طبعاً، خطأ هذا يجب أن يضع على السعر الجديد. الصلح مع الله يكون بأداء الحقوق : على كلٍّ الإنسان عندما يحاسب نفسه إنسان عظيم، قال لي أخواننا عنده معمل دخل لعنده شخص شاب، يبدو الصلاح عليه، قال له: عرفتني؟ قال: لا والله ما عرفتك، قال له: أنا كنت عندك من اثنتي عشرة سنة موظفاً، فقال له: نعم تذكرت، قال له: كنت آخذ من عندك بضاعة ولا تدري، وآخذ مالاً ولا تدري، في ذلك الوقت كان هذا الشخص يفقد مالاً من جيبه، يفقد بضاعة، لم يترك شيئاً ليكشف ذلك الإنسان و لم يتمكن من ذلك، كان حاذقاً جداً، بعد ذلك يئس، ثم توقف عن ذلك، هذا بعدما راجع نفسه مع الله، جاء إلى صاحب المعمل ليعترف له أنه هو الذي كان يأخذ المال والبضاعة من وراء ظهره، وأنه جاء مستغفراً ليدفع ما عليه، الأخ الكريم قال له يا بني نظير توبتك أنا أسامحك، وإذا رغبت لك محل في هذا المعمل بأعلى راتب. لا يوجد أجمل من الصلح مع الله، أي أداء الحقوق، لذلك التوبة أيها الأخوة لها ثلاثة فروع: فرع متعلق بالماضي، وفرع متعلق بالحاضر، وفرع متعلق بالمستقبل، الماضي إصلاح، والحاضر إقلاع، والمستقبل عزيمة، بالماضي الأخطاء الماضية كلها، الحقوق السابقة عليك أن تؤديها، إلا في حالة واحدة، إنسان كان بحلب مثلاً وأكل و لم يدفع ما عليه، ذهب فشاهد المنطقة كلها مهدمة، لأن هناك تنظيماً، وجد ساحة كبيرة أين المحل؟ لا يوجد محل، بهذه الحالة يدفع المبلغ الذي لم يدفعه سابقاً صدقة، تسجل في صحيفة صاحب المال، صاحب الدكان، هذا الحل الوحيد، أما هناك أشخاص يقولون: نحن سوف ندفعها صدقة حتى لا نواجه خطأنا أمام الشخص، ما دام الشخص موجوداً وتعرفه يجب أن تؤدي الحق إليه، لكن لست مكلفاً أن تؤدي الحق بشكل فاضح، بطريقة أو بأخرى، هذا المال إذا وصل إليه انتهى الأمر، هذا المال إذا وصل إليه دون أن تفضح نفسك لا يوجد مانع، لكن حقوق العباد مرة ثانية لا تؤدى إلا بالأداء أو المسامحة، وأكبر غلطة وأكبر وهم أخواننا الحجاج يتوهمون إذا حجوا بيت الله الحرام عادوا من ذنوبهم كيوم ولدتهم أمهاتهم، هذا الكلام لا ينصرف إلا إلى الذنوب التي بينك وبين الله، أما مغتصب لبيت وراح ليحج الحمد لله الله غفر لي، لا يوجد مغفرة هنا، مغتصب دكاناً، عليك ديون لم تؤدها، أخي حججنا فمحيت ذنوبنا، ما ذهب شيء عليك بالحج إطلاقاً، هذه كيوم ولدته أمه فقط بالذي بينك وبين الله، انتبهوا، هذا الوهم الكبير عند العوام، أما آكل أموال الناس بالحرام، تغش الناس، لك أعمال سيئة جداً، هذا المعنى لا يقبل، والمعنى غير شرعي. ((عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ، وَرَجُلٌ مِنْ كِنْدَةَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ الْحَضْرَمِيُّ يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنَّ هَذَا قَدْ غَلَبَنِي عَلَى أَرْضٍ لِي كَانَتْ لأَبِي، فَقَالَ الْكِنْدِيُّ: هِيَ أَرْضِي فِي يَدِي أَزْرَعُهَا لَيْسَ لَهُ فِيهَا حَقٌّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْحَضْرَمِيِّ: أَلَكَ بَيِّنَةٌ، قَالَ: لا، قَالَ فَلَكَ يَمِينُهُ، قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنَّ الرَّجُلَ فَاجِرٌ لا يُبَالِي عَلَى مَا حَلَفَ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ يَتَوَرَّعُ مِنْ شَيْءٍ، فَقَالَ لَيْسَ لَكَ مِنْهُ إِلا ذَلِكَ، فَانْطَلَقَ لِيَحْلِفَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أَدْبَرَ أَمَا لَئِنْ حَلَفَ عَلَى مَالِهِ لِيَأْكُلَهُ ظُلْمًا لَيَلْقَيَنَّ اللَّهَ وَهُوَ عَنْهُ مُعْرِضٌ )) [ مسلم عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ عَنْ أَبِيهِ] لا يوجد غير اليمين، أي القلق الذي ينتاب المدعي إذا لم يبق له إلا يمين خصمه هو جزاء تقصيره في أخذ مستند أصولي. اليمين لا تكون إلا بالله أو باسم من أسمائه : الآن اليمين لا تكون إلا بالله أو باسم من أسمائه، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: (( مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ )) [ البخاري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِي اللَّهم عَنْهم] وعن ابن عباس رَضِي اللَّه عَنْهما أن النبي صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لرجل حلفه:" احلف بالله الذي لا إله إلا هو ما له عندك شيء". حكم وجود البينة بعد حلف اليمين : هناك موضوع دقيق جداً أنتم أيها الأخوة في أمس الحاجة إليه، إنسان حلف يميناً، سقطت الدعوى، لأن الخصم حلف، بعد أن حلف المدعى عليه اليمين عثر المدعي على وثيقة، على إيصال، على عقد، على شاهد، هنا اختلف العلماء، اليمين حلف، والدعوى ردت وسقطت، وبرئ المدعى عليه، فجأة المدعي عثر على وثيقة، ما الذي يحصل؟ استمعوا الآن إلى آراء الفقهاء إلى هذا الموضوع. وقف العلماء في هذه المسألة مواقف ثلاث: منهم من قال: لا تقبل هذه البينة، بعد حلف اليمين لا تقبل، منهم من قال: تقبل، منهم من قال: تقبل بشروط، لا تقبل إطلاقاً، وتقبل إطلاقاً، وتقبل بشروط. أما الذين رأوا أنها لا تقبل لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ((... شَاهِدَاكَ، أَوْ يَمِينُهُ... )) [البخاري عَنْ أَبِي وَائِلٍ ] فاليمين حجة، وقد حلف المدعى عليه اليمين، فهذه حجة يقوم عليها حكم، فلما حكم القاضي بسقوط الدعوى بحلف اليمين ظهرت بينة أخرى، لذلك أهل الظاهر قالوا: لا تقبل، لأنه قامت حجة كافية لإصدار حكم، ونحن عندنا قاعدة بالقضاء: إذا عندنا حجة كافية لإصدار حكم لا تقبل حجة مخالفة لها. أما الذين رأوا أنها تقبل، تقبل البينة بعد حلف اليمين فهم الحنفية والشافعية والحنابلة، قالوا: البينة العادلة أحق من اليمين الفاجرة، وهذا رأي عمر بن الخطاب رَضِي اللَّه عَنْه، حجتهم في ذلك أن اليمين في الأصل حجة ضعيفة، وهي لا تقطع النزاع، إذاً تقبل البينة بعدها لأنها هي الأصل، واليمين هي البديل، ومتى جاء الأصيل غاب البديل، الأصل السند، الأصل العقد، الأصل الوصل، لا يوجد وصل، لا يوجد عقد، لا يوجد سند، البديل اليمين، بعد أن حلف اليمين عثرنا على الأصل، الأصل إذا جاء بطل البديل، هذا رأي الطرف الآخر. لكن العلماء الآخرون الذين قالوا تقبل بشروط، رأيهم أن المدعي إذا كان يجهل هذه البينة، لم يعثر عليها، لم يجدها، لا يعلمها، وقبل حلف يمين المدعى عليه، ثم وجدها بعد حين، أو عثر عليها تقبل هذه البينة، أما إذا أثبت المدعى عليه أن هذه البينة معلومة عنده، وفي حوزته، ولم يستخدمها بل استخدم اليمين، لأنه في زعمه أقوى فعندئذ لا تقبل هذه البينة. إذاً الذين قالوا بعدم قبول البينة بعد اليمين انطلقوا من أن اليمين حجة تكفي لإصدار حكم، والحجة الكافية لإصدار حكم لا تقبل حجة مخالفة لها. والذين قالوا: تقبل البينة بعد اليمين، انطلقوا من أن البينة هي الأصل، واليمين دليل ظني، واليمين هو الخلف أي البديل فإذا وجد الأصل يجب أن يغيب البديل. والفريق الثالث رأوا أن البينة إذا كانت معلومة للمدعي ولم يستخدمها، وآثر عليها يمين المدعى عليه لا تقبل، أما إذا عثر عليها بعد حلف اليمين ولم يكن يعلمها فعندئذ تقبل. عدم الحلف يعد إقراراً لدعوى المدعي : الآن هذا المدعى عليه قال: أنا لا أحلف اليمين، إذا عرضت اليمين على المدعى عليه لعدم وجود بينة المدعي فنكل ولم يحلفها عد نكوله في مثل هذا إقراراً للدعوى، عدم الحلف إقرارٌ لدعوى المدعي إذ لو كان صادقاً لحلف، والنكول يكون صراحة أو بالسكوت احلف بقي ساكتاً، يا أخي احلف، معنى هذا أنه نكل، أما قال: أنا لا أحلف، إما صراحة، أو بالسكوت، على كلٍّ صراحة أو بالسكوت عدم الحلف يعد إقراراً لدعوى المدعي، الأرجح أنه إذا لم يحلف لا يجوز للقاضي أن يقول للمدعي إذاً أنت احلف أنك على حق، هذه اسمها رد اليمين، ما دام المدعى عليه نكل بحلف اليمين، لم يحلف، هناك من يرى أن على القاضي أن يرد اليمين على المدعي، إذاً أنت احلف أنك على حق، هذا موضوع خلافي لماذا؟ قال لأن اليمين كما قال عليه الصلاة والسلام تكون على النفي فقط لا على الإثبات، واليمين على من أنكر، يحلف مع الإنكار، أما الإثبات فلا يحتاج إلى يمين، الإثبات يحتاج إلى أدلة. النّكول وحده لا يكفي للحكم : أما عند الإمام مالك، والإمام الشافعي، فأن النكول وحده لا يكفي للحكم على المدعي عليه، لأنه حجة ضعيفة، أي عندنا هنا حالة شخص لا يحلف، هو على حق والمبلغ ما أخذه، وليس في ذمته لكن عنده ورعاً بحيث أن الموضوع بكامله لا يساوي عنده حلف يمين بالله عز وجل، هذا ورع، فنحن إذا إنسان رفض أن يحلف نعده متهماً؟ لا، هذا رأي الإمام الشافعي، والإمام مالك، النكول وحده لا يكفي للحكم، أنا أعرف شخصاً ولو كان على الحق مئة بالمئة لا يحلف، الله أغلى من ذلك، والدنيا كلها لا تعدل عنده جناح بعوضة، ليأكل هذا المال ولا يحلف، هذا رأي الإمام الشافعي، أي ليس النكول كافياً لإصدار حكم بالاتهام، لذلك الإمام الشافعي يرى أن ترد اليمين على المدعي، احلف أنت إذاً أنك على حق، هنا يوجد مشكلة، إذا المدعى عليه استغل ورعه، هذه كثيراً ما تحدث، يكون هناك بعض المحامين عندهم حاسة سادسة، يكون الطرف الخصم ديناً، ورعاً، ولبسوه تهمة يعرف نقطة الضعف عنده، من اليمين، أكثر المحامين الذين عندهم حنكة، الخصم ما وضعه؟ إذا كان وضعه ديناً جيد، الدين عنده نقطة ضعف، وهي يخاف من الله كثيراً، يبدأ باليمين، الرد الطبيعي أن الإنسان عندما يكون ورعاً ويأبى أن يحلف اليمين لا لأنه مذنب بل لأنه متورع عن ذلك، القاضي يقول له: إذاً أنت احلف اليمين أنك على حق. قصة معروفة لما دخل أبو حنيفة على المنصور وعند المنصور أحد خصومه وأراد هذا الخصم اللدود أن يحرجه، وأن يفسد ما بين المنصور وبين أبي حنيفة من علاقة فقال: يا إمام إذا أمرني الخليفة بقتل امرئ أأقتله أم أتريث فلعله مظلوم؟ فقال أبو حنيفة لخصمه: الخليفة على الحق أم على الباطل؟ أجبني، قال له: على الحق، قال له: كن مع الحق. إذا شعر القاضي أن هذا المتهم المدعي عليه ورع، ودين، ولا يحلف اليمين، إذاً أنت أيها المدعي احلف أنك على حق، فإن حلفت نعطيك الحق، وإذا لم يحلف ردت الدعوى. قال: هناك دليل هو أن النبي عليه الصلاة والسلام رد اليمين على طالب الحق ويبدو أن العلة هذه أن إنساناً ورعاً، لا يحلف اليمين، هل يعد هذا دليل على أنه مذنب؟ لا، لذلك النبي ردّ على من لم يحلف رد عليه اليمين، هذا الحديث الذي فيه رد اليمين من قبل النبي عليه الصلاة والسلام، في هذا الحديث راوي اسمه مسروق، هو غير معروف، والراوي المجهول الحال هذا يضعف الحديث. اليمين على نية المستحلف لا على نية الحالف : النقطة الثانية: هناك أشخاص بجهل فاضح أنا حلفت لكن نويت على الخبز لا على النقود، ساذجة، جهل، حمق، طبعاً الجواب السهل البسيط : اليمين على نية المستحلف لا على نية الحالف، نيتك ليس لها قيمة إطلاقاً، نيتك على نية المستحلف الذي استحلفك، فأنا سمعت من أناس كثيرين أنه ظن حاله شاطراً ونوى نية أخرى، والقاضي عندما حلفه نوى نية أخرى وحلف وقال لي: نفدت، أنا ما قصدت النقود، هذا الجهل لماذا العلم ضروري يا أخوان؟ حلف يميناً غموساً وهو لا يدري، وخرج بها من الإسلام وهو لا يدري، أي من الكبائر اليمين الغموس، فلذلك اليمين على نية المستحلف فإذا حلف أحد المتناقضين، كانت اليمين على نية القاضي، وعلى نية المستحلف الذي تعلق حقه فيها، لا على نية الحالف، لما تقدم في باب الأيمان حديث صريح، حديث للنبي عليه الصلاة والسلام. ((الْيَمِينُ عَلَى نِيَّةِ الْمُسْتَحْلِفِ )) [مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ] لكن بعض العلماء قالوا: يجوز التورية إذا اضطر إليها إذا كان مظلوماً، إما أن تقول إن الكتب السماوية مخلوقة وإما أن نقطع رأسك وكلام الله قديم، وهذه العقيدة الصحيحة، قال له: الزبور، والتوراة، والإنجيل، والقرآن كلها مخلوقة، وقصد أصابعه هذه حالات نادرة، إذا كنت مظلوماً ظلماً واضحاً وأكيداً، العلماء قالوا: للمظلوم أن يوري يمينه، أحد الأئمة قال له: التوراة، والإنجيل، والقرآن كلها مخلوقة، ونجا من القتل. الشاهد الواحد ندعمه بيمين المدعي : الآن عندنا حالة ما قال له النبي الكريم: ((... شَاهِدَاكَ، أَوْ يَمِينُهُ... )) [البخاري عَنْ أَبِي وَائِلٍ ] معنى هذا: شاهدان في شاهد واحد، هناك حل لطيف إذا الإنسان عنده شاهد واحد ممكن أن يستخدم هذا الشاهد مع يمينه، شاهد ويمين، شاهد شهد هذه الواقعة، والمدعي يحلف يميناً إضافة للشاهد، لو كان هناك شاهدان لا يوجد مشكلة، الشاهدان يكفيان لإثبات الحق، لكن شاهد واحد ندعم هذا الشاهد بيمين المدعي، أتينا بالشاهد، وأنا أحلف اليمين، القاضي أنا الذي أراه كلما كان قريباً من الله عز وجل الله يلهم القاضي، أي هناك بإخلاصهم في إظهار الحق، الله عز وجل يرشدهم إلى أساليب مبتكرة في كشف الحقيقة، دائماً القانون يعطي للقاضي حرية الحركة، أحياناً تنشأ عنده قناعات. اسمع إقرار قانون المخدرات أنه لو فرضنا إنساناً بريئاً، ودس في جيبه قطعة حشيش، وأخبرت النيابة بهذا، إذا ما أعطينا للقاضي حرية حركة راح إعداماً، أو حوكم ثلاثين سنة، يجب على القاضي أن يدرس حالة الشخص، إذا ما عرف أنه يتعاطى المخدرات، سمعته طيبة، دين، إذا هذه مدسوسة عليه، يعطى القاضي حرية الحركة كيلا نقع في ظلم شديد، القوانين دائماً تعطي القاضي حرية الحركة، له قناعات، الشافعي يقول: القضاء بشاهد ويمين لا يخالف ظاهر القرآن، لأنه لا يمنع أنه يجوز أقل مما نص عليه. القرين القاطعة : الآن عندنا شيء اسمه القرين القاطعة، خرج الإنسان من دار خالية، خائفاً مرعوباً، مدهوشاً، وفي يده سكين ملوثة بالدم، فدخل إلى الدار فإذا فيها شخص مذبوح هي قرينة، هنا لا يوجد إقرار، ولا شهود، ولا يمين، ولا بينة، لكن هناك قرينة، إنسان خرج من داره خائفاً، مدهوشاً، معه سكين، عليها آثار دم، دخلنا إلى الدار فإذا فيها إنسان مذبوح، هذا يسمون القرينة القاطعة، قصة وقعت في هذه البلدة. ضابط شرطة يسكن في بناء بالطابق الثالث، نازل رأى باباً فتح، خرج منه إنسان خائف، هو قبض عليه احتياطاً، دخل إلى البيت شاهد إنساناً ميتاً وحده، على القرينة القاطعة، اتهم هذا بالقتل، طبعاً وضع في السجن، وحوكم، وحكم عليه بعشرين سنة، بعد ست سنوات إنسان اقترف جريمة، وأثناء الاعتراف اعترف بهذه الجريمة والجريمة السابقة التي اتهم بها هذا الإنسان الخائف، طبعاً صدر قرار بإطلاق سراحه، وتعويض، لي صديق كان وقت إطلاق سراحه في المحكمة، يعمل بالقضاء، بفضول منه سأله قال له: تعال إلي، أنت دخلت إلى السجن ست سنوات ظلماً، بربك هل فعلت مع الله شيئاً تستحق عليه هذا العقاب الخاطئ؟ قال له: نعم وأكثر والله، أي إذا القاضي غلط الله لا يغلط، هناك أشخاص يساقون إلى جريمة وهم منها بريئون، لكنهم اقترفوا جريمة سابقة. حدثني قاض و الله من فمه، قال: حكمنا على إنسان قاتل بالإعدام، وكلفت المحامي أن يبلغه الحكم، قال له المحكوم بالإعدام أستاذ أنت قاتله؟ قال له: لا، قال له: وأنا ما قتلته، أنا قاتل إنساناً غيره، فأنتم اطمئنوا إذا القاضي غلط الله لا يغلط، عدالة مطلقة، لكن المشكلة أن الإنسان يحاسب بذنب آخر، أما هو من هذا الذنب بريء، بالطرف الثاني هناك مشكلة، لذلك: ﴿ وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ﴾ [ سورة الكهف: 49] هذه تابعة للحساب القديم، معروفة عندكم، الشوحة قالت لسيدنا سليمان: اسأل لنا ربك الله هل هو مهول أم عجول؟ سأله فقال له: قل لها أنا مهول و لست عجولاً، أي على التراخي، هذه شاهدت أناساً يأكلون اللحم، خطفت اللحم وطارت به، فعلقت بصة نار باللحم احترق عشها مع البيض الذي فيه، وراح كل شيء، استغربت فعادت إلى سيدنا سليمان، فقالت له؟ ألم تقل أن الله مهول كان الله عجولاً؟ قال: يا رب ماذا أقول لها؟ قال: قل لها: هذا حساب قديم، فأحياناً يكون هناك حساب قديم متداخل، هذه القرينة القاطعة. عندنا مثل إنسان على رأسه عمامة، وبيده عمامة، وآخر خلفه يركض وراءه يطالبه بالعمامة، هذه قرينة كافية أن العمامة للثاني، معه عمامة، وبيده عمامة، والثاني بلا عمامة ولحقه، معناها قرينة كافية، لذلك بعض الأجانب عندهم شيء اسمه المحلفين، المحلفون أشخاص عاديون، يأتون بخمسين شخصاً من الشارع، ويسمعونهم وقائع الجريمة، الإنسان بالفطرة يحس أن هذا مجرماً وهذا بريئاً، فالقضاة يأخذون برأي المحلفين وهم من عامة الناس وهذا لا يوجد عليه ضغوط، أحياناً تجد الدعوى فيها ملف تلفيق، وفيها وثائق مزورة، وفيها شهود زور، أما أن يأتي إنسان من عامة الطريق اسمع القصة يقول: و الله فلان متهم، وفلان بريء، فالأخذ بالمحلفين له وجهة نظر أن هذا الإنسان لا يوجد عليه ضغوط، و ليس له مصلحة لا مع زيد، ولا مع عبيد. قال: رجلان في سفينة، وفي السفينة دقيق، أحدهما تاجر والثاني صاحب السفينة، الدقيق لمن؟ للتاجر، والسفينة لمن؟ لصاحب السفينة، هذه قرينة كافية، أي هناك أشياء واضحة كالشمس. الدين الإسلامي يعتمد على الإقرار الشفهي إذا تواضع الناس واتفقوا : الدين الإسلامي يعتمد على الإقرار الشفهي، لكن إذا تواضع الناس، واتفق الناس على أن تكون الوثائق كلها مكتوبة، تواقيع، وشهود، تؤخذ بها، قد تكون شهادة مكتوبة بالأصل، الدين قائم على الإدلاء الشفهي، بعت؟ بعت، زوجت؟ زوجت، لكن أحيانا أخوان يسألونني نريد كتاباً و لكن ليس كتاب محكمة، ما القصة؟ أنا أعرف لماذا، إذا ما تمّ الزواج، لأنهم متوقعون الطلاق سلفاً، إذا الزواج لم يتم لا تسجل الزوجة أنها مطلقة، جوابي على السؤال: قبل مئة سنة كيف كنت تشتري البيت؟ ترى البيت يعجبك، الثمن مناسب، معك الثمن تعطيه ثلاثمئة ليرة ذهبية، يعطيك مفتاح البيت، فقط، هذا الشراء الآن أنت تقبل أن تشتري بيتاً على المفتاح فقط؟ تريد الورقة الخضراء، الأمور تعقدت، الحياة أصبحت معقدة، الأحكام تدور مع الزمان، فكما أنه اليوم لا يمكن أن تقبل بشراء بيت بالتسليم فقط بالمفتاح، لابد من إقرار الجهات المسؤولة، كذلك في الزواج أنا أقترح وأتمنى على كل أولياء الأمور ألا يسمحوا بالزواج العرفي، هو أولاً ممنوع، والذي يجري العقد مؤاخذ، ويحاسب حساباً عسيراً، وكل الأشخاص المشبوهين يطلبون الزواج العرفي خارج المحكمة، وخارج المحكمة يكفي أن يقول لا أعرفها، وانتهى الأمر، ضاعت حقوقها، هي عند الناس زانية، لذلك كما أن البيت لا يشترى إلا بالسجل العقاري، كذلك البنت لا تزوج إلا بعد قران أصولي في المحكمة، تسمع أحياناً حجة مضحكة، يقول فيها: لا يوجد أسهل من عقد القران في الدولة، ثاني يوم يأتي القاضي إلى عندك إلى البيت، لا يوجد مشكلة أبداً إلا أن تكون في نية خبيثة، أو في نوايا غير مشروحة عند الزوج. التناقض : عندنا في الدرس القادم موضوعاً جيداً جداً، لكم أن تستخدموه أنتم: التناقض، إذا وقع الشهود في تناقض، أو وقع في الاعتراف تناقض، فالتناقض دليل قطعي على إبطال الدعوى، أو على أن المدعي ليس صادقاً في دعواه، فالتناقض موضوع أيضاً ضروري جداً أن نصل إليه، أنا بالمناسبة هذا الموضوع ليس اختصاصياً، أنا أحكي الأشياء الأساسية، مبسطة مع الأمثلة لكم، للخلافات المنزلية، أب عنده أولاد، تاجر عند موظفون، أي أنت قاض شئت أم أبيت، هذه بعض الأشياء الأساسية في القضاء، أما التفاصيل في مجلات، وفي اجتهاد محكمة النقد، وفي أراء للعلماء مفصلة بالموسوعات الفقهية، وفي تفاصيل أنتم في غنى عنها طبعاً، أما القاضي عليه أن يعلمها كلها، والمحامي، ومن يعمل في القضاء، هذه من لوازم حرفته، أما أنتم فنعطيكم كما قال المثل تعلم كل شيء عن شيء، وشيئاً عن كل شيء، هي باب شيء عن كل شيء. |
رد: العبادات التعاملية
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية الدرس : ( السادس العاشر ) الموضوع : التناقض في الشهادة الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. التناقض : أيها الأخوة المؤمنون، لا زلنا في موضوع القضاء، وها نحن ننتقل اليوم إلى موضوع يعد أحد الأدلة السلبية في القضاء، ألا وهو التناقض، وقبل أن نمضي في الحديث عن التناقض، وعن تناقض الشهود، وعن تناقض المدعي، وعن تناقض البينات، لابد من وقفة قصيرة حول موضوع التناقض في شكل عام. لا أبالغ إذا قلت: إنه ما من صفة في الإنسان أحطّ من التناقض، لأن الإنسان إذا تناقض تخلى عن إنسانيته، وتخلى عن عقله، والناس يراقبونه مراقبة دقيقة، مهما يكن الإنسان صغير السن، أو ضعيف الملكات، بإمكانه أن يكشف التناقض بشكل جلي واضح، تناقض الأفكار، تناقض العادات، تناقض السلوك، تناقض الأقوال، فالصفة الذميمة الدنيئة في الإنسان أن يتناقض في تصرفاته، وفي أقواله، وهذا الموضوع يقودنا إلى موضوع أخلاقي هو في الأساس موضوع قضائي، لكن التناقض يقودنا إلى موضوع أخلاقي. فالذي يعامل الناس كما لا يحب أن يعاملوه إنسان متناقض،الذي يعامل الأشخاص البعيدين عنه بعكس ما يعامل القريبين منه، أي الذي يزين بميزانين، يكيل بمكيالين، مصالحه، وعلاقاته النسبية تؤثر في أحكامه، هذا إنسان وقع في أحط دركات التناقض، وأحط دركات الإنسانية، لذلك الشيء الذي يؤلم ولاسيما ما تسمعونه وما يجري في العالم اليوم من تناقض، أي الأقوياء يقيسون بعدة مقاييس، لهم عدة موازين، يسلكون مع الشعوب الضعيفة سلوكاً، ومع الشعوب الأخرى سلوكاً آخر، يعلنون أفكاراً لا يلبثون أن يتخلوا عنها في منطقة أخرى وفي مجتمع آخر، لذلك كما أقول لكم: ما من شيء يهبط بالإنسان إلى أدنى مستويات الدناءة كأن يكون متناقضاً، أو أن يقيس بمقياسين، أو أن يكيل بمكيالين، والإنسان حينما ينحرف يناقض، المستقيم لا يتناقض أبداً أما حينما يكذب، سوف يكذب في هذا الموطن، وينسى ما قال في موطن آخر فيتكلم في كلام آخر، لذلك لا يمكن لإنسان أن يكذب دون أن يكشف، كيف يعرفون الكاذب؟ هناك في علم النفس روائج للكذب، يوجهون له مئة سؤال، كل هذه الأسئلة حول موضوعات عديدة، لكن بصيغ مختلفة، إذا أراد أن يكذب، يكذب في جانب، ثم يصدق في جانب آخر، يكشف تناقضه فيعرف أنه كاذب، أي كم دخلك في الشهر؟ يعطي رقماً كبيراً، ممَ تعاني؟ يقول لك: أنا أعاني من عدم القدرة على الالتزام بين دخلي ومصروفي، الآن قلت إن دخلك كبير، روائج الكذب أساسها التناقض، موضوعات محددة تطرح عليها أسئلة عديدة، مختلفة فإذا صدق في جهة وكذب في جهة يكشف تناقضه وبالتالي يتبين كذبه. على كلٍّ دائماً أقول لكم الحديث الشريف: ((يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى الْخِلالِ كُلِّهَا، إِلا الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ )) [أحمد عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ] الكذب والخيانة يتناقضان مع الإيمان، ولا تنسوا المثل الذي طرحته لكم من قبل أن اللبن في البيت يتحمل ضعفيه ماء، ممكن تعمل لبناً ممدداً، عيران، لكن اللبن لا يتحمل نقطة واحدة من النفط تلقيه في المهملات، إذا شعرت أن فيه راحة نفط. تناقض الكذب مع الإيمان : لذلك الكذب يتناقض مع الإيمان، الإيمان لا يقبل الكذب إطلاقاً والخيانة، من الذي يكشف الكذب؟ التناقض، فالإنسان إذا كذب في البيع والشراء تجده يتحدث حديثاً يكون هناك شخص اشترى منه هذه الحاجة، الله وكيلك رأسمالها كذا، بعد سنة أو ستة أشهر يتكلم قصة عن شراء هذه البضاعة أخذناها لهطاً، أخذناها بسعر قليل، ينسى أنه قد باع زبوناً وقال رأسمالها غال عليّ، ينكشف، من أراد ألا يظهر التناقض لا يكذب إطلاقاً، إنه إن كذب ولو مرة لابد من أن ينكشف، والإنسان إذا كذب سقط من عين الآخرين، النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا طلع على كذب بعض أهله، كان يقاطعهم إلى حين طويل، لشدة ألمه، لشدة اشمئزازه من الكاذب. على كلٍّ القاضي والمحقق حينما يكتشف أن هناك تناقضاً في الإفادة يعلم علم اليقين أن في هذه القضية إثبات ضد هذا المتهم، التناقض شيء مهم جداً، يكشف كذب الشهود، يكشف كذب الإدعاء، يكشف كذب البينات. من أدلى بشهادة ثم تراجع عنها قبل صدور الحكم يعاقب : قال: إذا أدى الشهود الشهادة ثم رجعوا عنها في حضور القاضي قبل إصدار الحكم تكون شهادتهم كأن لم تكن، لكن يعذرون، معنى يعذرون أي يعاقبون، أدلى بشهادة أمام القاضي، والقاضي قبل أن يصدر الحكم قال له الشهود: لا نحن كنا مخطئين، الحدث وقع كمايلي، إذا أدى الشهود بشهادة متناقضة لشهادتهم الأولى عندئذ القاضي يعاقبهم. ﴿ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ﴾ [ سورة الإسراء: 36] هل تصدقون أيها الأخوة أن جريمة قتل وقعت بسبب شهادة كاذبة، امرأة قدمت تحليلاً لتعرف ما إذا كانت حاملاً أم غير حامل، طبعاً المخبر لا يعرف لمن هذا التحليل، الموظف المكلف بالتحليل وقع هذا الأنبوب من يده، انتهى، فخاف من الطبيب أن يعنفه فكتب: الحمل إيجابي، هي فتاة، هناك مشكلة عائلية، وتهمة كبيرة، وهي بريئة، اتفقوا على أن يحللوا، فلما جاءت النتيجة إيجابية قتلت الفتاة، ذبحت، لأن هذا الموظف ما انتبه قال: نضع إيجابياً نبشر الجماعة، هي قضية خطيرة جداً، هذا معنى قول الله عز وجل: ﴿ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ﴾ [ سورة الإسراء: 36] أي القضية ممكن أن يظهر منها مضاعفات خطيرة جداً، يجوز أن تقع جريمة، أو طلاقاً، أو تشرد أسرة، أو تضيع الحقوق، من أجل الإدلاء بشهادة غير صحيحة. أيها الأخوة الكرام، الإنسان كلما عرف حدود مسؤولياته يتأدب مع الله عز وجل، ويتأدب مع الخلق، إذاً هذا الشاهد أدلى بشهادة، ثم أدلى بشهادة مناقضة، القاضي عليه أن يعاقبه، لكن هذه الشهادة الأولى كأن لم تكن، تلغى، ويحكم القاضي في ضوء الشهادة الجديدة التي أدلى بها الشاهد مناقضة للشهادة السابقة. من أدلى بشهادة ثم تراجع عنها بعد صدور الحكم لا ينتقد الحكم : قال: أما إذا رجع الشهود عن الشهادة بعد الحكم في حضور القاضي، فلا ينتقد الحكم الذي حكم به، ويضمن الشهود المحكوم به، أي إذا أدلى الشاهد بشهادة، والقاضي اتخذها حجة، وأصدر قراراً، ثم جاء الشهود إلى القاضي، وأدلوا بشهادة مناقضة للشهادة السابقة، وكان القاضي قد أصدر الحكم، هذا الحكم نافذ، لكن الشهود يضمنون كل الأضرار التي لحقت بالمحكوم عليه. وقد روي أن رجلين شهدا عند الإمام علي كرم الله وجه على آخر بالسرقة فقطع يده، ثم عادا بعد ذلك برجل غيره قائلين: إنما السارق هذا، كنا مخطئين، بعد أن قطعت يده، فقال علي كرم الله وجهه: لا أصدقكما على هذا الآخر، وأضمنكما دية يد الأول، ولو أني أعلمكما فعلتما ذلك عمداً، قطعت أيديكما، لا أصدقكما على هذا الآخر وأنتما تضمنان دية اليد المقطوعة، الآن الموضوع سوف يأخذني إلى موضوع آخر ليس له علاقة بالفقه له علاقة بالطب. الانتباه في العمليات الجراحية و خاصة الاستئصال : أيها الأخوة الكرام، إذا كان هناك موضوع جراحي، استئصال، لا تكتفي برأي طبيب واحد، زارنا طبيب كريم في أحد خطب الجمعة وبعد الخطبة حدثني بقصة يشيب لهولها الولدان، امرأة استأصل ثديها على أساس أنها مصابة بورم خبيث، الذي استأصل الثدي أرسلها إلى طبيب آخر ليجري لها الأشعة، لئلا ينمو مرة ثانية، الطبيب الثاني طبيب متفوق جداً، نظر إلى البنية النسيجية لم ير فيها أثر السرطان إطلاقاً، فتوجه إلى الطبيب الأول، وقال له: أنت أرسلت لي هذه المريضة كي أجري لها الأشعة، والأشعة كما تعلم تؤذي الرئة، لكن تضمن عدم نمو السرطان مرة ثانية؟راجع نفسك وتأكد، فلما تأمل الطبيب الأول بطبيعة النسيج قال:والله معك الحق، لا تجري لها الأشعة، أي كان هناك خطأ بالاستئصال، فقال لي الطبيب وأنا شاكر له: أستاذ أي شيء فيه استئصال لا يمكن أن يكون برأي طبيب واحد، بعد حين أحد أخواننا الكرام قال لي: ابنتي تحتاج إلى استئصال كلية والعملية غداً، يجب أن نجريها فوراً و هكذا قال الطبيب، قلت له: قف، اذهب إلى طبيب آخر، وطبيب ثالث، الطبيب الآخر قال: ممكن أن تعمل بعد فترة، لم ير من المناسبة أن تستأصل، بعد شهرين أو ثلاثة عادت الكلية إلى وضعها الطبيعي، هذه ليس لها علاقة بالفقه، هي بالطب شي اسمه استئصال، لا يمكن أن يكون بناء على طبيب واحد، إذا دخل مبضع الجراح مشكلة كبيرة جداً، الإنسان الله عز وجل أعطاه عقلاً، طبيب واثنان وثلاثة ومجمع أطباء، وتواتر، وتحاليل، حتى نقرر استئصال هذا العضو، أما لنصيحة واحدة، لتوجيه واحد، لرأي واحد، هذا لا يكون، هذه نصيحة قدمها هذا الطبيب الكريم، قال: أستاذ بالاستئصال لا يمكن أن يبنى على رأي طبيب واحد، لأنه عانى، قال لي: أنا عانيت شيئاً كثيراً، طبعاً هو كان اختصاصه في الأورام الخبيثة. تناقض الشهود بعد إصدار الحكم دليل فسقهم : هذا السارق قال: إنما السارق هذا، فقال علي: لا أصدقكما على هذا الآخر وأضمنكما دية الأول، ولو أني أعلمكما فعلتما ذلك عمداً لقطعت أيديكما، لا تنس: ﴿ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ﴾ [ سورة الإسراء: 36] أحياناً تمسك القميص تعمل هكذا أي تحركه، أربع حركات يطلقون امرأة، هل تعلم والله فلان أخذ فلانة، خير إن شاء الله، الله ما بيننا وبينها هذه الحركة فقط تطلقها: ﴿ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ﴾ [ سورة الإسراء: 36] هذا الذي يرى يظن أنه يرى ولم ير، يظن أنه سمع ولم يسمع، يفكر فيتهم، يحلل فيفتري، هذا يحاسب، لذلك أيها الأخوة الكرام: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ﴾ [ سورة الحجرات: 6] إذا تناقض الشهود بعد إصدار الحكم لماذا يثبت الحكم؟ العلماء قالوا: إن الحكم ثبت بقول عدولٍ، وسبب شرعي، ودعوى الشهود بعد ذلك، الكذب اعتراف منهم أنهم فسقة، والفاسق لا ينقض الحكم لقوله، سيبقى الحكم على ما كان عليه، هذا رأي. رجوع القاضي عن حكمه إذا تناقض الشهود : هناك رأي آخر أن القاضي ولو أصدر حكماً مبرماً، بناء على شهادة شهود، ثم هؤلاء الشهود أدلوا بشهادة مناقضة للشهادة الأولى، القاضي عليه أن يرجع لأن الحق قديم والرجوع عن الخطأ فضيلة، وعندنا قاعدة أساسية أن الحدود تدرأ بالشبهات، ما دام الشاهد الذي بنيت عليه الحكم أيها القاضي تناقض بشهادته، وتراجع عن شهادته إذاً الدليل أصابه شبهة، إذا تطرق إلى الدليل الاحتمال بطل الاستشهاد به، وبطل الاستدلال به، هذا الرأي الثاني. الرأي الثاني يجب أن يرجع القاضي عن حكمه إذا تناقض الشهود، لكن في كل الأحوال الشاهد المتناقض يعاقب، يعاقب لأنه افترى، أولاً: ضلل القاضي، وثانياً: أوقع القاضي في ظلمٍ شديد، والظلم ظلمات يوم القيامة، وعدل ساعة أفضل عند الله من أن تعبد الله ثمانين عاماً، أن تعدل ساعة. ضرورة براءة الذمة : الآن عندنا شيء آخر: المدعي تناقض، فهمنا تناقض الشهود قبل الحكم وبعد الحكم، قبل الحكم كأن لم يشهدوا ويعاقبوا، وبعد الحكم هناك اتجاهان، إما أن يثبت الحكم، ويعاقب الشهود، وإما أن يرجع القاضي عن حكمه بناء على أن الاحتمال تطرق إلى الاستدلال، والحق قديم، والرجوع عن الخطأ فضيلة، أما إذا سبق كلام من المدعي مناقض لدعواه، بطلت الدعوى، انتبهوا أيها الأخوة هذا أخطر حكم بالدرس، إذا سبق كلام من المدعي مناقض لدعواه بطلت الدعوى، مثلاً إذا أقرّ إنسان بمال لغيره، ثم ادعى أنه له فهذا الادعاء المناقض لإقراره مبطل لدعواه، ومانع من قبولها، بالقضاء تعريف أو مصطلح مشهور: لم تسمع الدعوى، شطبت الدعوى، أو لم تسمع، أو لا تقبل هذه الدعوى، لا تقبل في الأصل، ولا تقرأ، ولا يلتفت إليها، الإنسان مأخوذ بإقراره، مسؤول بإقراره، أحياناً يقر، ثم يرى شيئاً آخر يطالب القاضي يقول: الدعوى ساقطة، الدعوى مشطوبة، الدعوى لا تسمع، الدعوى مرفوضة شكلاً ومضموناً، انتهى الأمر، فقبل أن توقع، قبل أن تقر، الإنسان مأخوذ بإقراره، ودائماً أقول لكم: عند أهل الدين نقطة ضعف، إذا كان الرجل ديناً وعدك، أنت وعدتني، يقول له: أنت وعدتني، أنت صاحب دين، أنت تصلي، أنت ابن مشايخ، وأنت ابن جوامع، هكذا قال له دينك؟ دائماً الإنسان الذكي غير المؤمن يعرف نقطة ضعف المؤمن، المؤمن يخاف على سمعته، ألم تعدني أنت؟ لماذا تراجعت؟ أين العهد؟ يعمل درس مزاودة، كلمة حق أريد بها باطل، أما إذا كان بعض الناس يشعرون إذا القضية تحل عند المشايخ، يذهبون إلى المشايخ، سيدي نريد حكم الشرع في هذه القضية، يكون هناك مئة ألف قضية يلجأ فيها إلى القانون، إلا هذه لا يستفيد منها لأن القانون مع فلان، ويعرف أن الشرع ينصره فيلجأ إليه، هذا الأسلوب باطل، إذا لقيت القضاء طريقه مسدود تأتي إلى المشايخ، سيدي نحن نريد الشرع، يكون بيته غر شرعي، ولا بيعه شرعي، ولا أهل بيته شرعيون، ولا سلوكه شرعي، لا يوجد عنده شيء شرعي، يريد مصلحته، هناك قانون يحمي الموظف، إذاً لا يوجد غير الشرع، ملك حر هذا. على كلٍّ هذا الذي أقوله واقع، قبل أن تقر، قبل أن توقع، قبل أن تبصم، قبل أن توافق، انتبه، إذا بدا لك في المستقبل شيء لا تستطيع أن ترجع، اشتريت البيت، ابحث عنه قد يكون مرهوناً، قد يكون عليه تنظيم، قد يكون عليه تجاوز، أملاك عامة، قد يكون عليه مشاكل كثيرة، قبل أن توقع، قبل أن تقر، يجب أن تتأكد من إقرارك. إذاً: إذا سبق كلام من المدعي مناقض لدعواه بطلت الدعوى، فإذا أقرّ بمال لغيره ثم ادعى أنه له فهذا الادعاء المناقض لإقراره مبطل لدعواه، ومانع من قبولها، أخي عملنا براءة ذمة، يقول له: بريء الذمة فيوقع، تراجع الدفاتر تظهر لك معه عشرة آلاف وقد أعطيته براءة ذمة، راحوا عليك العشرة آلاف، أنت أبرأته انتهى الأمر، لذلك عد الخطأ والنسيان، إذا أنت أبرأت شخصاً تحفظ، عد الخطأ والنسيان، أو أمهل البراءة حتى تراجع دفاترك، أي الملخص أن الإنسان مأخوذ بإقراره، بعدما يقر لا يوجد يتراجع لأن الإنسان ليس طفلاً، قال: إذا أبرأ أحد آخر من جميع الدعاوى فلا يصح له أن يدعي عليه بشيء، أبداً، إذاً أخطر شيء براءة الذمة، أحياناً شريكان يتفككوا، براءة ذمة، أحياناً زبون ومورد يتفككوا براءة ذمة، براءة الذمة خطيرة جداً. قال: المدعى عليه يجوز أن يقدم البينة التي يدفع بها دعوى المدعي ليثبت براءته إذا كانت لديه هذه البينة، فإن لم تكن لديه هذه البينة جاز له أن يقدم بينة تشهد بالطعن في عدالة الشهود، وتجريح بينة المدعي، ممكن أن تقدم أنت بينة تناقض البينة التي أقيمت عليك، ممكن أن تقدم شهوداً يطعنون بالبينة التي أخذت بها، لأنه إذا قدمت بينة مناقضة للأولى أو قدمت شهوداً طعنوا بالبينة، فصار هناك تناقض، والتناقض يحل أي مشكلة. إذا تعارضت البينتان ولم يوجد ما يرجح إحداهما قسمت الذمة مناصفة : أحياناً وهذا يقع في كل علاقاتنا المالية، عليك ذمة لإنسان طالبك فيها أنت تذكر أنك دفعتها، عندك ظن، هو يذكر أنه لم يأخذها منك، لا معه هو دليل، ولا معك دليل، أو معه دليل، ومعك دليل، أنت كاتب بدفترك دفعة لفلان، وهو كاتب بدفتره فلان لم يدفع، أي على الحالتين دفتره عكس دفترك، أو ظنه عكس ظنك، فالنبي عليه الصلاة والسلام في مثل هذه الحالة حكم بالنصف، أي إذا صار هناك خلاف على عشرة ليرات، لا يوجد دليل قطعي أو على عشرة آلاف، أو خمسة آلاف، أنت لست متذكراً، وهو ليس متذكراً، أنت لست متأكداً دفعت، هو ليس متأكداً أنك دفعت، وقع في مشكلة، هنا تناقض إذا تعارضت البينتان ولم يوجد ما يرجح إحداهما قسم المدعى بين المدعي والمدعى عليه مناصفة، هكذا فعل النبي: ((عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ أَنَّ رَجُلَيْنِ ادَّعَيَا بَعِيرًا أَوْ دَابَّةً إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَتْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ فَجَعَلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمَا، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ سَعِيدٍ بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ بِمَعْنَى إِسْنَادِهِ أَنَّ رَجُلَيْنِ ادَّعَيَا بَعِيرًا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَعَثَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَاهِدَيْنِ فَقَسَمَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ )) [أبو داود عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ] أي ثمنه طبعاً، الأريح للنفس سجل، خذ توقيعاً، الآن كل قضية مثلاً تحاسب السمان أخي كم الحساب؟ يقول لك: ثلاثة آلاف، تدفعهم وتمشي، بعدما أخذهم منك، دخل زبون طلب منه حاجة لم يسجل، بعد شهر نسي الدفعة، قال: لنا معك أستاذ ثمانية آلاف، تقول له: لماذا ثمانية آلاف لقد دفعت لك ثلاثة آلاف، يقول لك: لكن ذلك غير مسجل عندي، تدخل معه بنقاش، الأولى ألا تخرج من المحل ليكتب سددت، خالص، وقع، التاريخ، أنهي الموضوع، لاحظت أنا ملاحظة الإنسان كلما كان دقيقاً في تعامله مع الآخرين ريح حاله، ريح حاله من الإحراج، من جلسات التحكيم، من المناقشة، من العي بالتعبير الشائع، ريح حاله من أنه متهم، من الكلام الغير مقبول، هناك متاعب لا يعلمها إلا الله أساسها الإهمال، خذ وصلاً، خذ توقيعاً، وقع له، قل له: سدد، اكتب خالص، اكتب الدفعة وصلت، دفع ومشى، قبض ما سجل، أخي دفعنا، لا لم تدفع، والإنسان سبحان الله أميل أن ينسى الذي عليه، وأميل أن يتذكر الذي له، يتذكر الدفعة مرتين، أخي دفعت، أكيد دفعت لي، الإنسان يميل لأن يتذكر لمصلحته وينسى لمصلحته، ومن كتب حجة على من لم يكتب إذا إنسان لم يسجل المسجَل حجة عليه، أيضاً: ((عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي دَابَّةٍ لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ فَجَعَلَهُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ )) [أحمد عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ ] وإلى هذا ذهب أبو حنيفة، فإذا كان في يدي أحدهما بينة فعلى خصمه البينة، فإن لم يأتِ بها فالقول لصاحب اليد مع يمينه، فالأرض بيد من؟ بيد فلان، إنسان ادعى ملكها، صار هناك دعوى وصار هناك يد، إن جاء بالبينة انتهى الأمر، إذا لم يكن هناك بينة هي لمن بيده مع يمينه، البينة على من ادعى واليمن على من أنكر، ولو جاء كل واحد ببينة، أرض هذا أحضر حجة قديمة، وحجة أخرى قديمة، صار عندنا حجتان متكافئتان ومتناقضتان، فالقاضي يرجح لمن الأرض بيده، يرجح البينة مع شمول اليد على هذه الأرض، أيضاً هناك شاهد آخر أن رجلين اختصما في ناقة، فقال كل واحد منهما نتجت عندي، وأقام بينة، فقضى بها رسول الله صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لمن هي في يده أخرجه البيهقي. على الشاهد أن يحلف اليمين قبل أن يدلي بشهادته : كلكم يعلم الآن أن الشاهد قبل أن يدلي بشهادته يحلف اليمين على كتاب الله، هذا إجراء أخير، إجراء مستحدث، الأصل أن الشاهد صادق، الأصل الإنسان بريء ما لم تثبت إدانته، لكن الآن لشيوع الكذب، ولكثرة شهود الزور، أنا سمعت أمام المحاكم تريد شاهداً يا أخ؟ يعرضون أنفسهم، يقول له: أنا أرخص منه، لضعف الإيمان، ولشيوع الكذب، ولكثرة شهود الزور، صار هناك إجراء مستحدث، أن الشاهد تقوى شهادته باليمين، قال: إن عدالة الشهود في هذا الزمن قد أصبحت غير معلومة، فوجب تقويتها باليمين، هذا رأي مجلة الأحكام العدلية، هذه المجلة تعد أعلى مرجع تعديلي في الحكم العثماني، أحكام المجلة إذا ألح المشهود عليه، على الحاكم قبل الحكم تحليف الشهود أنهم لم يكونوا في شهادتهم كاذبين، وكان هناك لزوم لتقوية الشهادة باليمين كان للحاكم أن يحلف الشهود، وأن يقول لهم إن حلفتم قلبت شهادتكم وإلا فلا. الآن لأتفه قضية، ولو قضية تموينية، التسعيرة نازلة من على القماش، الشاهد يجب أن يحلف على كتاب الله، هذه نقطة ضعف فينا من ضعف الإيمان، من شيوع الكذب، من كثرة شهود الزور، صار القاضي لا يقبل الشاهد إلا مع تقوية الشهادة باليمين، لأنه لما سألوا الكاذب تحلف؟ قال: جاء الفرج، ومع ذلك هناك من يحلف على غير ما هو كائن، و عند الأحناف الشاهد لا يمين عليه لأن لفظ الشهادة يتضمن معنى اليمين. شهادة الزور من أكبر الكبائر : أما شهادة الزور فهي من أكبر الكبائر، ليست كبيرة فقط بل من أكبر الكبائر، وأعظم الجرائر، لأنها مناصرة للظالم، وهضم لحق المظلوم، وتضليل للقضاء، وإيغار للصدور، وتأريث للشحناء بين الناس. القرآن الكريم فيه قاعدة، أن المعطوف والعطوف عليه لابد من أن يكونا مشتركين في شيء واحد، العطف يقتدي المشاركة، والعطف يقتدي المجانسة، والمثل معروف لا أحد يقول: أنا اشتريت سيارة وملعقة لا يتناسبون، هذه ثمنها ثلاثة عشر مليوناً وهذه ثمنها خمسة ليرات لا يتناسبون، ما اشتريت مثلاً أرضاً ومحفظة، لا يتناسبون، فالعطف يقتدي المشاركة، اسمع الآية الكريمة يقول الله عز وجل: ﴿ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ ﴾ [ سورة الحج: 30] أي الله عز وجل جعل قول الزور قريباً من عبادة الأوثان. ((عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَنْ تَزُولَ قَدَمَا شَاهِدِ الزُّورِ حَتَّى يُوجِبَ اللَّهُ لَهُ النَّارَ )) [ ابن ماجه عَنِ ابْنِ عُمَرَ ] الآن هناك تعاون كبير بين الناس، أنا أشهد معك، وتعلم أنه مبطل، وتعلم أنه آكل حقوق، وتعلم أن خصمه مظلوم أنا أشهد معك، أين يمشي الناس؟ (( لَنْ تَزُولَ قَدَمَا شَاهِدِ الزُّورِ حَتَّى يُوجِبَ اللَّهُ لَهُ النَّارَ )) [ ابن ماجه عَنِ ابْنِ عُمَرَ ] و: ((عن عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِي اللَّهم عَنْهم قَالَ ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْكَبَائِرَ، أَوْ سُئِلَ عَنِ الْكَبَائِرِ فَقَالَ الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، فَقَالَ أَلا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ قَالَ: قَوْلُ الزُّورِ، أَوْ قَالَ شَهَادَةُ الزُّورِ قَالَ شُعْبَةُ وَأَكْثَرُ ظَنِّي أَنَّهُ قَالَ شَهَادَةُ الزُّورِ )) [ متفق عليه عن عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ] هل تصدقون أن أكبر قول زور أو أن أكبر شهادة زور أن تقول على الله ما لا تعلم، والآية الكريمة التي ذكرت أنواع المعاصي آخر شيء على أنها أخطر شيء: ﴿ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [ سورة البقرة:169 ] تنفر الناس من حضرة الله عز وجل، وتفسر الآيات تفسيراً غير صحيح، توهم الناس أن عز وجل قد تعبده طوال حياتك، وإذا شاء وضعك في جهنم، هكذا، أنت تقدر أن تعارضه؟ لا أقدر أن أعارضه، هذا الكمال الإلهي، يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته محرماً بينكم فلا تظالموا، أين قوله تعالى؟ ﴿ الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾ [ سورة غافر: 17] أين قوله تعالى؟ ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا ﴾ [ سورة النساء: 49] أين قوله تعالى؟ ﴿ وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا ﴾ [ سورة النساء: 124] أين قوله تعالى؟ ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ﴾ [سورة الزلزلة:7] خمسون آية أو ستون آية تبين نزاهة الله سبحانه وتعالى المطلقة، وأنت تريد أن تقنع الناس أن هذا العبد يمضي كل حياته في طاعة الله وقد يضعه في النار لا لشيء، هل أنت بإمكانك أن تسأله؟ أنت في ملكه وهو حر في ملكه؟ هكذا يقول لك، هذا الكلام غير صحيح، هذا الكلام منفر، هذا الكلام ما أراده الله، هذا الكلام يبعد الناس عن الله عز وجل، أنا أرى أن هذا الكلام عن الله من أكبر الكبائر، أكبر شهادة زور، أكبر قول زور أن تتهم عدالة الله، أن تتهم رحمة الله، أن تبين أن الله سبحانه وتعالى لا يرحم عباده. ((أَلا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ ثَلاثًا، قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَجَلَسَ وَكَانَ مُتَّكِئًا فَقَالَ أَلا وَقَوْلُ الزُّورِ، قَالَ فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا لَيْتَهُ سَكَتَ )) [البخاري عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ رَضِي اللَّهم عَنْهم] أي أعادها مرة، وثانية، وثالثة، لأن هذه الشهادة تُضيع الحقوق، تعين الظالم على ظلمه. شهادة الحق أعظم شهادة : أنا ذكرت قصة قبل درسين على ما أذكر الآن مناسبة جداً، ولها علاقة بهذا الموضوع، القصة أن إنساناً مؤمناً توفي رحمه الله أعرفه جيداً، رجل مستقيم، وورع، وملتزم، وابن مساجد، ساكن ببيت قد استأجره، ورفع الأجرة مرات عديدة حتى بلغت الأجرة أكثر من ثلثي راتبه، وما عاد بإمكانه أن يرفعها، أصحاب البيت يريدون البيت، صاحبة البيت سألت محامياً، قال لها: لا يوجد غير طريقة واحدة، أن تدعي عليه بالفساد الأخلاقي، أقيمت عليه دعوى فساد أخلاقي، أنه كان يكشف عورته أمام جيرانه، هكذا اشتكت، دعوى قذرة، هذه تريد شاهداً، جاءت المدعية بابنتها شاهدة، فالقاضي بحسب ما اتفقنا بالشهود رفض هذه الشهادة للمحاباة، وهذا مرّ معنا سابقاً، فقال لها: ابحثي عن شاهد آخر أو عن شاهدة أخرى، عندهم بالبيت طالبة جامعية قالوا لها: هل تشهدين معنا؟ قالت: لهم نعم أشهد، وجدوا أن الفرج قد جاء، وانحلت القضية، إذا شهدت هذه الطالبة بمضمون الدعوى أخلي البيت، واستعيد، هذه الطالبة رسمت خطة، بعد شهر جاء موعد الدعوى، والقاضي استحلفها على كتاب الله، وقال: هل رأيته يفعل هذا؟ قالت له: والله يا سيدي لم ينظر إلى امرأة إطلاقاً، ما رأيت أعف منه، ولا أشد حشمة وأدباً، هي خافت أن يبحثوا عن شاهدة تشهد لهم، فقبلت هي حتى تشهد بالحق وشهادتها كانت الحكم الفاصل. لا يوجد أعظم من شهادة الحق، أحياناً حادث سير يكون السائق واقفاً، يزور الضبط ويكتب أنه كان منطلقاً بسرعة عالية، مقابل أشياء، فنحن عندما نشهد شهادة حق وفق ما وقع هذا عمل عظيم. الظلم ظلمات يوم القيامة : قلت لكم: إن حجراً ضجّ بالشكوى إلى الله قال: يا رب عبدتك خمسين عاماً في بيت الخلاء - القصة رمزية - قال له: تأدب يا حجر إذ لم أجعلك في مجلس قاض ظالم، أي الحجر في المرحاض أشرف له ألف مرة من أن يكون في مجلس قاض ظالم، الظلم ظلمات يوم القيامة، لا يوجد شعور مسعد يفوق أن تحكم بالعدل، أو أن تكون منصفاً، أحياناً بالبيت كنة مظلومة، كلهم ضدها، ليس لها نصير أبداً، تعمل ليلاً نهاراً، دائماً عليها ضغط، دائماً حماتها تخرب العلاقة بينها وبين زوجها، أي لا نصير لها أبداً، هناك نساء مضطهدات واللَّه كبير، إنسان يظلم امرأته ويقول: ليس لها أحد إنها مقطوعة، الله وراؤها، الله عز وجل هو وكيلها، والله كبير وعقابه أليم، وبطشه شديد، هذا الدرس ليس للقضاة، هذا لنا كلنا، على الإنسان أن يكون منصفاً بين كنته وبين ابنته، وبين ابنه وبين صهره، بين فلان وفلان، بين جيرانه وبين شركائه، أحياناً يكون هناك شريك قوي، المحل باسمه، والرخصة باسمه، والامتياز باسمه، و شريكه الثاني ضعيف لكن قد دفع معه مالاً، وضعيف الشخصية، لكنه مسيطر عليه، يشغله ليلاً نهاراً، ولا يعطيه حقه، الله كبير، فالإنسان أنا أقول عندما تنفك شركة، أو يصير طلاق، الله مع المظلوم دائماً، بالمستقبل يكشف لك من هو المظلوم، المظلوم يوفق والظالم يمحق. فهذه الموضوعات مرة ثانية وثالثة قد تتوهمون أنها لا علاقة لنا بها، لا يوجد إنسان ليس له علاقة فيها، كلمة الشهادة، وكلمة التناقض، واحلف يميناً، والدليل معك، و من قال لك هذا الكلام؟ الإنسان لا يشعر يكون مرة قاضياً، ومرة مدعياً، ومرة مدعى عليه، ومرة شاهداً، ومرة متناقضاً، ومرة يحلف يميناً، ومرة يكذب، ومرة يصدق، هذا كله يجري في حياتنا اليومية. الالتزام أجمل شيء بحياة الإنسان : أيها الأخوة الكرام، أجمل شيء بالحياة أن يكون الإنسان ملتزماً، من إنسان يقف عند حدود الله، يقف عند الأمر والنهي، يعرف ما له وما عليه، إنسان يعيش مطمئناً، يحيا سعيداً، يحيا حميداً بين الناس، يحيا متألق الاسم، هناك أشخاص يقولون لك: أنا لا أعرف قصر العدل، ما دخلت لمخفر بحياتي، والله هذا وسام شرف، لأنه يعامل الناس بأصول، إن تعامل مادياً هناك إيصالات، وعقود، لا يوجد مجال للكذب والافتراء، وفي الأصل لا تصاحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامك إلا تقي، بالأصل إذا أنت لك أصدقاء غير مؤمنين هؤلاء ألغام إن شاركتهم يأكلوا مالك، إن أحسنت لهم يسيئوا لك، إن سلمت لهم يطعنوك، إن صدقتهم يكذبوك، إن أمنتهم يخونوك، لا تصاحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامك إلا تقي، والإنسان يتعلم، لكن هناك فرقاً بين أن يأتي خبير بالألغام ويقول لك: انتبه هذه قنبلة، ابتعد عنها، وبين أن تكشفها بنفسك، إذا امتحنتها بنفسك وانفجرت بين يديك، عرفتها قنبلة، لكن لم يعد بحياته وقت ليستفيد من هذا الدرس، هذه النقطة دقيقة جداً، أحياناً يقع الإنسان في مشكلة مدمرة ينتهي بجلطة إلى القبر رأساً، أخي اتعظنا، لم يعد هناك وقت لأن تتعظ، مرة إنسان دخل للمستشفى طبعاً كان مدمن تدخين، صار معه سرطان بالرئة، زاره أحد أقربائي، و يكون أيضاً قريبه، زاره قال له: أنا لي مع هذه السيجارة حساب طويل لكن عندما أخرج من المستشفى، لم يخرج منها، خرج ميتاً، أي حساب طويل هذا؟ تحاسبت وخلصت، وانتهى الأمر، قال له: لي حساب معها طويل عندما أخرج من المستشفى، لم يخرج إلا ميتاً، انتهى، هذه القصة أنه أحياناً السعيد يأخذ خبرات جاهزة، من هو الخبير؟ الله عز وجل قال: ﴿ إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾ [ سورة فاطر: 14] ﴿ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾ [ سورة فاطر: 14 ] الله وحده الخبير، نحن خبراتنا تأتي بالتراكم، خبراتنا محدثة تتنامى، أما الله عز وجل فخبرته قديمة، كل إنسان يهتدي بهدي الله عز وجل لا يغلط أبداً، لا يضطر أن يدخل إلى محاكم، ولا إلى مخافر، ولا تتمرغ سمعته في الوحل، لأنه بالأساس قال له يا عمر ما بلغ من دهائك؟ قال له: والله ما دخلت مدخلاً إلا أحسنت الخروج منه، قال له: لست بداهية، قال له: أما أنا والله لا أدخل مدخلاً أحتاج أن أخرج منه، إذا أنت دخلت وخرجت، أنا لا أدخل إطلاقاً، أيهما أذكى؟ لا يدخل إطلاقاً، هذا دخل وخرج، أما الأذكى فلا يدخل إطلاقاً. هذا الكلام إن شاء الله نحن نطبقه، وأنا أحبّ الإنسان أن يكون منصفاً، ويكون منهجياً، الشهادة هكذا، اليمين هكذا، الدعوى هكذا، البينة هكذا، التناقض هكذا، لعل الله سبحانه وتعالى يرحمنا بهذا الفقه، والفقه ضروري جداً، إذا أحبّ الله عبداً فقهه في الدين، وبصره بعيوب نفسه. |
| الساعة الآن 02:55 PM |
Powered by vBulletin™ Version 3.8.7
Copyright © 2012 vBulletin ,
هذا الموقع يتسخدم منتجات Weblanca.com
new notificatio by 9adq_ala7sas
User Alert System provided by
Advanced User Tagging (Lite) -
vBulletin Mods & Addons Copyright © 2026 DragonByte Technologies Ltd. Runs best on HiVelocity Hosting.