وقفة لـ الشاعر العراقي الراحل محمد مهدي الجواهري - منتديات رياض الأنس
  التسجيل   التعليمات   التقويم   البحث   مشاركات اليوم   اجعل كافة الأقسام مقروءة


رِيَأضُ رُفُوفِ الأُنْس (كل ما يشمل من سيرة الادباء و أعمالهم الأدبية و الشعرية وتحميل وقراءة الروايات)

2 معجبون
إضافة رد
نسخ الرابط
نسخ للمنتديات
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
قديم 09-18-2021, 02:14 PM   #1



الصورة الرمزية منال نور الهدى
منال نور الهدى غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1
 تاريخ التسجيل :  Sep 2012
 أخر زيارة : 01-12-2022 (08:00 PM)
 المشاركات : 21,897 [ + ]
 التقييم :  6713
 الدولهـ
algeria
 الجنس ~
Female
 MMS ~
MMS ~
لوني المفضل : Darkgreen
افتراضي وقفة لـ الشاعر العراقي الراحل محمد مهدي الجواهري





حييت سفحك عن بعد فحييني … يا دجلة الخير يا أم البساتين
حييت سفحك ظمآنا ألوذ به … لوذ الحمائم بين الماء والطين

في الذكرى الـ23 لرحيله، ما زالت مواقف الأدباء والنقاد تتباين
حول الشاعر العراقي الراحل محمد مهدي الجواهري، الملقب "بشاعر العرب الأكبر"،
إذ تستعيد الأوساط الثقافية بهذه المناسبة منجزه الشعري وتحولاته السياسية
والاجتماعية على مدى سنوات عمره التي ناهزت القرن.

يعود أصل الجواهري إلى أسرة سكنت مدينة النجف، إحدى أهم مدن العراق الدينية
والثقافية، وولد في 26 يوليو/تموز 1899، وكان والده عالم دين أراد لابنه
أن يكون مثله، فجعله يرتدي عباءة وعمامة منذ سن العاشرة. نظم الشعر
في سن مبكرة،‏ وأظهر ميلاً منذ الطفولة إلى الأدب، فأخذ يقرأ
في كتاب البيان والتبيين ومقدمة ابن خلدون ودواوين الشعر.

وانطلاقا من النجف إلى دمشق مرورا بلبنان والمغرب العربي إلى براغ،
التي أقام فيها الجواهري نحو 30 عاما، كانت له محطات عديدة في الشعر
والسياسة والصحافة، إذ أصدر عدة صحف، الفرات والانقلاب والرأي العام.

ونشر أول دواوينه "حلبة الأدب" عام 1923، وهو مجموعة شعرية معارضة لمشاهير شعراء
عصره، كأحمد شوقي وإيليا أبو ماضي. ولا يبدو أي تأثر للجواهري بالتيارات الأدبية الأوروبية،
في حين تتقاسم موضوعاته المناسبات السياسية والتجارب الشخصية،
وتبدو في كثير منها الثورة على التقاليد والأوضاع السياسية والاجتماعية الفاسدة.


تمثال الجواهري أمام مقر اتحاد الأدباء في بغداد (الجزيرة)


تحولات شخصية
وفي محاولة للوقوف على تحولات الجواهري الشخصية وأثرها على منجزه الشعري،
ترى الناقدة الدكتورة موج يوسف أنه "لا حاجة للوقوف عند محطات حياته الشخصية،
بقدر حاجتنا إلى قراءة مواقفه الشعرية، التي عبرت عن مرحلة معينة
من مراحل حياته ومجتمعه.

وتضيف أنه يمكن أن نختار من شعره موقفين عبرا عن أيديولوجيته التي لم يتحرر منها؛
فمن ناحية نشأته الدينية في مدينة النجف، وأخرى اختلاطه بأصدقائه الشيوعيين
والماركسيين، أمثال حسين الرحّال وعبد الفتاح إبراهيم وغيرهما".

وتواصل "ما يهمنا تأثير هذه الأيديولوجيات في شعره، إذ كتب قصيدة "رجعيون"
ضد فقهاء مدينة النجف، الذين عارضوا فتح مدرسة للبنات فقال:
فما كان هذا الدين لولا ادّعاؤهم … لتمتاز في أحكامه الطبقات
أتُجبى ملايينٌ لفردٍ وحوله … ألوفٌ عليهم حلّت الصدقاتُ

تظهر هذه الأبيات -كما ترى الناقدة العراقية- التمييز الطبقي،
وتكشف النزوع الاشتراكي لدى الجواهري، وتختتم موج يوسف حديثها
بالقول "الحق، إن الجواهري لم يلفت نظره للماركسية سوى المادية التاريخية
التي تقول إن صناعة التاريخ هي وليد صراع الطبقات، لكنه لم يكن ماركسيًّا،
فيما لم يظهر حسه الإسلامي إلا حين يستفزّ".

تميزت قصائد الجواهري بالتزام عمود الشعر التقليدي، وبجزالة في النسيج،
كما تميّزت بالثورة على بعض الأوضاع الاجتماعية، وكان مقربا من رئيس الوزراء العراقي
عبد الكريم قاسم خلال السنين الأولى من قيام النظام الجمهوري في العراق،
لكنه افترق عنه بعد ذلك، فتعرض للمضايقات مما دفعه إلى مغادرة العراق
عام 1961، ولم يعد إلا بعد عام 1968 بدعوة من الحكومة العراقية.

رجل القرن
رئيس مؤسسة "نخيل عراقي" ورئيس مؤسسة شبكة الإعلام العراقي الأسبق الشاعر
مجاهد أبو الهيل وصف الجواهري بأنه رجل القرن الماضي، قائلا "إنه عاصر تحولات
سياسية واجتماعية وثقافية وشعرية، وكان فاعلاً لدرجة أن الناقد عبد الله الغذامي
اعتبر أن من أهم أسباب نشوء حركة الشعر الحر في العراق وجود قامة شعرية
لا يمكن تجاوزها اسمها محمد مهدي الجواهري، لذلك عمد شعراء العراق
إلى ابتكار منطقة للإبداع الشعري خارج أسوار مملكة الجواهري الشعرية
التي شيدتها الكلمات والقوافي".

أما عضو اتحاد الأدباء العراقيين والعرب الشاعر والناقد محمد الكعبي فيعلق
على شعرية الجواهري بالقول "نسهب في الحديث عن التراث الشعري العربي،
لكننا نصمت حين نصل إلى أبي الطيب المتنبي، كما نسهب في وصف وجزالة الشعراء
في القرن العشرين الميلادي، ونلوذ بالصمت حين يتعلق الأمر بالجواهري،
لأن كلا من المتنبي والجواهري شاعران عصيان على التوصيف والخوض
في دهائهما الشعري، وما يزخران به من عمق ودقة وجمال في اللفظ والمعنى".

ويضيف "باعتقادي أن التنوع في شعر الجواهري لم يدرس بعد، رغم العديد الذي كتب عنه،
فهو قامة شعرية نادرة، أسس الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق، وترأس دورته
الأولى، ورأس وفد أدباء الاتحاد إلى روسيا، خطابه الشعري الجماهيري
ما زال عالقا في ذاكرة الأجيال".

وأشار إلى أن "اتحاد الأدباء خلد الجواهري بإقامة تمثال نصفي له في مقر الاتحاد،
وإقامة مهرجان شعري باسمه، وقاعة تحمل اسمه، هذا كل ما حصل عليه شاعر العرب
الأكبر من تكريم في العراق، وكان الأجدر أن تخصص جائزة عالمية باسمه تمنح سنويا
للمبدعين في مجالات الأدب أسوة بجائزة نوبل للآداب".

محطات حياته
ومن أبرز المحطات في حياة الجواهري مقتل شقيقه جعفر خلال انتفاضة الوثبة عام 1948،
التي اندلعت ضد معاهدة بورتسموث مع بريطانيا واستطاعت إسقاطها،
والتي ألهمته أحد أشهر قصائده في الرثاء، بعنوان "أخي جعفر"، حيث يقول فيها:

أتعلم أم أنت لا تعلمُ .. بأن جراح الضحايا فمُ
فمٌ ليس كالمدعي قولةً .. وليس كآخر يسترحم
أتعلم أن جراح الشهيدِ .. تظلّ عن الثأر تستفهم
أتعلم أن جراح الشهيدِ .. من الجوع تهضم ما تلهم
تمص دمًا ثم تبغي دمًا .. وتبقى تلحّ وتستطعم

كانت علاقاته وطيدة مع الملوك والرؤساء العرب، ومع كبار الأدباء والفنانين والمفكرين
وأهل السياسة، وحظي بعلاقات اتسمت بالحميمية والجفاء مع مختلف قادة العراق،
وعام 1983 دعاه الرئيس السوري آنذاك حافظ الأسد إلى دمشق، فاستقبل بحفاوة
تليق به، وخُصصت له دار وسيارة.

وفي مستهل التسعينيات، وأثناء عودة الشاعر الجواهري من القاهرة
إلى دمشق مر بعمان،
فاستقبل بترحاب منقطع النظير، حيث قرأ يوم 2 ديسمبر/كانون الأول 1992
في حضرة الملك الراحل الحسين بن طلال قصيدته:
يا سيدي أسعف فمي ليقولا .. في عيد مولدك الجميل جميلا.

مواقفه السياسية
وعن مواقفه السياسية، أكدت الدكتورة خيال الجواهري، ابنة الشاعر الراحل
في حديث للجزيرة نت أن والدها "تعرض للاعتقال في العهد الملكي مرات عديدة،
ولكن فترات السجن لم تكن طويلة، لأنه كان هناك دوما من يتدخل ويتوسط لإخراجه
من السجن، واشترك فى ثورة العشرين ضد الاحتلال البريطاني،
وألغيت جريدته "الفرات" وسجن عدة مرات.

وتضيف خيال أن الجواهري عارض حركة مايو/أيار في العراق عام 1941
لتعاطفها مع ألمانيا، وانتخب نائبا فى مجلس النواب عام 1947،
لكنه استقال عام 1948 اعتراضا على معاهدة بورتسموث مع بريطانيا.

"بارك بقصائده ثورة 14 يوليو/تموز 1958، وكان مقربا من رئيس الوزراء العراقي
آنذاك عبد الكريم قاسم، لكنه اختلف بعد ذلك مع سياسته، فغادر العراق،
وبقي وفيا لنهج الثورة، وناهض انقلاب فبراير/شباط 1963، الذي أطاح بقاسم،
ولم يعد للعراق إلا بعد قيام ثورة يوليو/تموز 1968،
التي تسلم فيها حزب البعث الحكم في العراق".

وتضيف أن علاقته لم تكن طيبة مع السلطات آنذاك، رغم تودد النظام له،
إذ زاره في البيت الرئيس الراحل أحمد حسن البكر، لكنه غادر العراق عام 1980
بعد تولي صدام حسين السلطة، واختار براغ مقرا لإقامته.

وسبب ذلك -كما تقول خيال الجواهري- أن السفارة الألمانية في بغداد دعته للإقامة
في برلين لوجود خطر على حياته، وحين استجاب الجواهري حطت الطائرة الألمانية
في براغ ليرحب وفد من اتحاد الأدباء التشيك بالجواهري، ويخبروه
أنهم كانوا وراء دعوته للإقامة في براغ للتمويه على السلطة عبر سفارة ألمانيا
في العراق، والتحقت به عائلته بعد ذلك.

وتؤكد ابنته أن السلطات العراقية بذلت جهودا كبيرة وقدمت الكثير
من الوعود والإغراءات، لكن أباها رفض العودة.

خيال الجواهري قالت إن الأطباء نصحوا والدها بارتداء غطاء رأس لوجود حساسية في رأسه (مواقع التواصل)



سر القبعة
وعن القبعة التي كان يعتمرها الجواهري تحدثت لنا ابنته قائلة "أصيب
والدي بنزلة برد حين كان يشارك في مؤتمر أدبي في الاتحاد السوفياتي السابق،
ونصحه الأطباء بارتداء غطاء رأس لوجود حساسية في رأسه،
فلفتت انتباهه قبعة مخملية كانت معروضة
في حانوت المستشفى، فارتداها، ومنذ ذلك الحين بقيت تلازمه لحين وفاته،
ولم يكن يخلعها حتى أثناء النوم". وتضيف ابنته أنها لا تزال تحتفظ بعدد
من هذه القبعات التي كانت تُهدى لوالدها من أوزبكستان وأذربيجان.

توفي الجواهري يوم 27 يوليو/تموز 1997 في دمشق، ولم يوص بدفنه في بلده -
حسب ابنته خيال- فدُفن في مقبرة الغرباء في العاصمة السورية،
وكتب على قبره "يرقد هنا بعيدًا عن دجلة الخير".



 
 توقيع : منال نور الهدى





أطروحاتكم وردودكم الراقية تعكس ما مدى توازن فكركم و ثقافتكم.
جملوا حضوركم بتفاعلكم الذي يترك أثار طيبة وينثر روائح زكية.


رد مع اقتباس
قديم 09-18-2021, 02:27 PM   #2



الصورة الرمزية منال نور الهدى
منال نور الهدى غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1
 تاريخ التسجيل :  Sep 2012
 أخر زيارة : 01-12-2022 (08:00 PM)
 المشاركات : 21,897 [ + ]
 التقييم :  6713
 الدولهـ
algeria
 الجنس ~
Female
 MMS ~
MMS ~
لوني المفضل : Darkgreen
افتراضي الجواهري... جغرافية الكتابة وأثرها على تحولاته الشعرية



يُروى أن الشاعر علي بن الجهم، وهو شاعر تمتعت لغته بفصاحة عالية،
قدم إلى بغداد أيام «المتوكل»، حيث ازدهار بغداد،
وحيث الحياة الناعمة المختلفة تماماً عن حياة البداوة.
وكعادة الشعراء، توجه ليمدح الخليفة، فبدأ بقصيدته التي مطلعها:

أنت كالكلب في حفاظك للود
وكالتيس في قراع الخطوبِ
أنت كالدلو لا عدمناك دلــواً
من كبار الدلا كثير الذنـوبِ

فاستغرب جلاس الخليفة ونداماه من هذه الخشونة التي تطغى على خطاب الشاعر
ذي اللهجة البدوية، ولكن الخليفة كان أعرف بطبيعة البيئة وأثرها على النتاج الأدبي،
فأمر له بدارٍ حسنة على شاطئ دجلة، فيها بستان حسن، والجسر قريب منه،
وأمر بالغذاء اللطيف، وكان يرى حركة الناس، ولطافة الحضر،
فأقام ستة أشهر على ذلك، والأدباء يتعاهدون مجالسته،
حتى استدعاه الخليفة، فأنشد بين يديه قصيدته الشهيرة:

عيون المها بين الرصافة والجسر
جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري

فقال المتوكل قولته الشهيرة في علي بن الجهم: «لقد خشيت عليه أنْ يذوب رقة ولطافة».
أسوق هذه المقدمة لأتحدث عن نموذج شعري عراقي ملأ الدنيا المعاصرة، وشغل الناس
جدلاً وحواراً، ذلك هو الشاعر الكبير «محمد مهدي الجواهري»، بوصفه المثال
والنموذج الأكثر التصاقاً بالمكان وبجغرافيته، حتى لتبدو شقوق الأرض طافحة
في نصوصه، أو خضرة المكان متفشية في نصوص أخرى، مما جعله نموذجاً
شعرياً لتجسد الأمكنة، وحلولها في نصوصه، وكأنه ملتصقٌ بروحه وجسده
في المكان، ومعبرٌ عنه بنصوصه التي يُشم منها عطرُ الأمكنة التي عاشها وألفها.
وبسبب من مرجعياته الثقافية التي كونت شخصيته الثقافية، وهي مرجعيات تراثية
ودينية أسهمت ببناء شخصيته الشعرية، كان السائد في شعر «الجواهري»
هو غلبة اللغة والروح التراثية، ويصل الحال في نصوص كثيرة إلى الوعورة
في اللفظ، مما استدعى محققي ديوانه في بغداد في سبعينات القرن الماضي
أنْ يضعوا تحت كل قصيدة من قصائده معاني للكلمات، وتحديداً في بداياته الشعرية،
والجواهري نفسه يوصي المبدعين ويقول لهم: «لا بد لكم أنْ تختزنوا
من مفردات اللغة الجميلة كنزاً دفيناً يمدُ إليكم نفسه بنفسه عند الضرورة الماسة
قبل أنْ تمدوا أيديكم إليه».
وفعلاً، فالجواهري أحد أهم الشعراء الذين تلبس الموروث شعرهم،
ولكنْ في الواقع هناك زوايا نظر مختلفة تفحص شعر الجواهري، وأهم هذه الزوايا -
كما أظن - هي المكان، ولا أقصد به ذلك البعد الفلسفي للمكان، إنما المكان بجغرافيته،
وبيئته، وبأشجاره، ووحشته، أو بلطفه ومائه وثلجه، بالقرية التي فيه وبالمدينة،
وهنا سأتوقف في هذا البحث عند محور «الجغرافية المكانية»، لأن التراث أخذ حصته
من الدراسة في شعر الجواهري.
إن الذي دعاني أنْ أخصص الجغرافية في نصوص الجواهري هو ذلك التنوع الهائل
الذي يحصل على النصوص من خلال تجواله المستمر، مما يعني أن مرجعيته التراثية
لم تكن هي المرجعية الأقوى لديه، فاللغة التي أجهد نفسه في حفظ مفرداتها،
والغوص بمكنوناتها، لم تكن هي الأساس الوحيد لصناعة الجواهري الشعرية،
بل إن هذه اللغة التي يمتلكها تتحول وتتبدل بتبدل الأماكن والمناخات، فهي
«كالماء الجاري وهو يمر على الحصى والحجر والطين وكل شيء فيؤثر فيه ويتأثر به».
بهذا المنظور، نحاول مقاربة هذه الفكرة التي تقول إن المكان هو الموجه الأكثر أثراً
على الجواهري في إنتاج القصيدة، على خلاف ما هو متعارف عليه، من أن الموروث له
سطوة كبيرة على شعر الجواهري، وأن مغذياته الكبرى تنبع من اللغة وموروثها،
ذلك أن الأماكن جميعاً (مدناً وقرى، وعواصم أوروبية وعربية وشرقية، تلك التي
عاش فيها) تُعدُ نبعاً، ومغذياً حياً ينشر ظلاله في نصوصه المختلفة، ذلك أن شعر
الجواهري في النجف هو غير شعره في بغداد، وهو غيره في «علي الغربي»،
وغيره في طهران، وغيره في بيروت ودمشق، وهو يكاد يكون شخصاً آخر
وشاعراً آخر في براغ.
إن هذه التحولات التي تحدث للجواهري، بوصفه نصاً شعرياً متنقلاً، وهو ذاته
من تحدث عنها في مذكراته أيضاً من خلال تأثير الأماكن على وعيه وثقافته،
وبالتالي على نصه الشعري - هذه التحولات في لغة القصيدة، ومعجمها بالتحديد،
وفي صورها، وزاوية النظر، أي في شكل الخطاب بشكل عام وفي مزاج القصيدة -
إذا صحت هذه التسمية - حين تكون بمزاج جيد.
إذن هي تحولات رُصِدت من خلال متابعة رحلات الجواهري، وما كتبه في تلك المدن:
شاباً في النجف، أو مهاجراً لبغداد، أو منفياً ومزارعاً في قرى «علي الغربي»
في جنوب العراق، أو لاجئاً في دمشق، أو مسافراً في أصفهان وطهران،
أو منفياً ومقيماً في براغ.
- جواهري النجف
فمن النجف التي ولد فيها ونشأ ودرس وكتب أولى حروفه، نجد تضافراً ين البيئة
والنص الذي كتبه في تلك المدة، فضلاً عن أثر الموروث المهم، ولكن جغرافية النجف
الوعرة كان لها أثرٌ واضحٌ في نصه أيام شبابه، هذه المدينة التي يقول عنها
في أول سطر في مذكراته: «ولدتُ فوق أرض ملحية عطشى، رغم أنها على مقربة
ميل أو ميلين من مياه الفرات»، ثم يستمر الجواهري بسرد مشاهد عن هذه المدينة
التي يضيق فيها، حيث كان يقول: «بين آونة وأخرى، تضيق عيناي بمشهد الصحراء
الجافة اللانهائية». إذن، ما الذي يمكن أنْ تتركه مشاهد هذه المدينة
في قلب الصبي الشاعر وذاكرته؟ وهي المدينة التي يقول إنها «كانت مدينة بلا شجر،
ولا عشب، وبما يشبه الشحة في المياه أيضاً، عدا مياه الآبار. فقد زحف الملح
من البحر اليابس إلى أرضها، وغطت رياح السموم كل ما فيها بلون التراب الرمادي».
وضمن هذا السياق الذي يلف المدينة، ما الذي يمكن أنْ يُنتجه الشاعر الذي تشكل
البيئة جزءاً أساسياً في نصه الشعري، وتحديداً المكان الذي يحيط به؟ منطلقين
من الرؤية التي ترى أن المكان قد «يفرض لغته على النص، وقد يشكل
هذا جزءاً من وعي لغة المكان»، نستعير سؤال الناقد ياسين النصير حول الربط
بين المكان والنتاج الأدبي، فهل يحمل المكان كروموسومات وراثية ليفرضها
على سكنته، بحيث تفرز من خلال نتاج أبنائه خصوصية سلوكية وإبداعية؟
ومن ثم يعود ياسين النصير ويرى أن تساؤله افتراضي، وربما غير مشروع،
لكنه يستحث هذا التساؤل ما هو بيولوجي لأنْ يستوعب ما هو ثقافي،
وضمن هذا الفهم يتشكل ما يشبه الاندماج الكلي بين الشخص وجسده المكاني.
أما نحن الباحثين عن هذا الربط بين البيئة والقصيدة، فليس لنا إلا الإجراء الواقعي،
أي فحص القصائد، وكأننا في مختبر تحليلي لفحص دم القصيدة، أو البحث عن dna»»
القصيدة، وبهذا نقول إن هذا النص عائدٌ للمدينة الفلانية دون تلك المدينة،
وما سهل عملية هذا الفحص السريري للنصوص هو الجهد العظيم
الذي قام به محققو ديوان الجواهري، وهم من كبار علماء العربية
(مهدي المخزومي،
وعلي جواد الطاهر، ورشيد بكتاش، وإبراهيم السامرائي)، حيث وضعوا تحت
كل قصيدة تاريخ كتابتها، والمكان الذي كُتبت فيه ومناسبته،
وبهذا قد قدموا خدمة كبيرة للباحثين الذين سيعيدون النصوص
إلى مدنها التي كتبت فيها، حيث التحول في اللغة والصورة وزاوية النظر.
فها هو «الجواهري» في بداية كتاباته في النجف يقول في أوائل قصائده 1921:

هو العزم لا ما تدعي السمْر والقضْبُ
وذو الجــــد حتــــى كل ما دونه لعبُ
ومن أخلفته في المعــــالي قضيــــــة
تكفل في إنتاجها الصارم العضْـــــبُ
ومن يتطلب مصعبــــــاتِ مســـــالكٍ
فأيسرُ شيءٍ عنده المركـــب الصعبُ

- التراث والمكان
يتبين من خلال هذه الأبيات، وهي جزء من نص طويل، أن الشاعر الذي يتحدث
في النص منشطر على نصفين: التراث والمكان، حيث الشجاعة التي تبعث أمصالها
في اللغة وبلاغتها، وحيث البيئة التي تصفق لمثل هذه الأفكار المكررة، فوعورة اللغة،
واللجوء إلى مفردات مثل «السمر، والقضب، والجد، والصارم، والعضب، ومصعبات،
والصعب»، كل هذا المفردات الخشنة في ثلاثة أبيات، وهي تُشبه خشونة المدينة
التي يصفها الجواهري لحظة فتح عينيه على ملوحتها وسورها القديم،
علماً بأن النص يشتمل معظمه على هذه اللغة التي ألجأت محققي الديوان
إلى وضع معانٍ للكلمات، وكأن الشاعر - في هذه النصوص - ينتمي للعصر الجاهلي،
لهذا فاللغة هي ليست لغة الجواهري، قدر ما هي اللغة التقليدية التي تشربها،
والبيئة النجفية التي غرق فيها، وتأثر بمناخها وخشونتها، فأنتج نصاً مطابقاً للمدينة
التي كان يعيش فيها الجواهري ذو العشرين عاماً، وللمكان الذي لم يرَ غيره
في تلك المدة، فلا يستطيع الانفلات من الواقع إلا بهذا النص الذي يشبه مدينته الصحراوية.
لقد بقي الجواهري - كما أزعم - متأثراً بالبيئة أكثر من الموروث اللغوي، رغم سطوة
الموروث وهيمنته، إلا أن البيئة بقيت محرضاً رئيساً في الكتابة، فهو حتى
حين كتب عن ثورة العشرين، فإن الناقد علي جواد الطاهر، في مقدمة ديوان الجواهري،
يرى أن المكان هو سبب هذه الكتابات «لقد انصرم عام 1920 أو كاد...
ولتكن بقايا الثورة العراقية أول موضوعات النشر، كأنه لا يريد أن يخرج عن النجف
وعلى النجف، بما ترسخ فيها من مفهوم الشعر وموضوعاته حتى كاد يأسن» (11).
لهذا فالبيئة تشكلُ عاملاً مهماً لدى «الجواهري» في بناء نصوصه الشعرية،
وحتى في طريقة المعالجة، وزاوية النظر، فضلاً عن العامل الأهم،
وهو تغير معجمه الشعري، تبعاً لتغير المكان الذي يسكنه ويعيش فيه،
ليصل حد التسرب بمساماته.
- من محاضرة ألقيت في مؤتمر نقدي نظمته مؤسسة
«سلطان بن علي العويس الثقافية»
في دبي احتفاء بمنجز الجواهري الشعري


 
 توقيع : منال نور الهدى





أطروحاتكم وردودكم الراقية تعكس ما مدى توازن فكركم و ثقافتكم.
جملوا حضوركم بتفاعلكم الذي يترك أثار طيبة وينثر روائح زكية.


رد مع اقتباس
قديم 09-21-2021, 09:38 AM   #3
سليلة الأبجدية



الصورة الرمزية عاشقة الأنس
عاشقة الأنس متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 390
 تاريخ التسجيل :  Jun 2014
 أخر زيارة : اليوم (09:44 AM)
 المشاركات : 7,017 [ + ]
 التقييم :  2289
 الدولهـ
Algeria
 الجنس ~
Female
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: وقفة لـ الشاعر العراقي الراحل محمد مهدي الجواهري



سيرة عن شاعر العراقي كبير و معروف
استمتعت واستفدت استاذة منال
ودي لك


 
 توقيع : عاشقة الأنس


كل الشكر للأستاذة المصممة البارعة سوالف احساس على التوقيع


رد مع اقتباس
قديم 01-14-2022, 09:10 PM   #4



الصورة الرمزية آفراح
آفراح غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 20
 تاريخ التسجيل :  Sep 2012
 أخر زيارة : 01-16-2022 (10:44 PM)
 المشاركات : 16,155 [ + ]
 التقييم :  1765
 الجنس ~
Female
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: وقفة لـ الشاعر العراقي الراحل محمد مهدي الجواهري



شاعر كبير ومميز بقصائده وعلمه
شكراعلى المعلومة سيدتي منال
تحية


 
 توقيع : آفراح


كلمة شكر لا تفي حقك على الاهداء مصممتنا المبدعة سوالف احساس على الرمزية والتوقيع


رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء : 0 , والزوار : 1 )
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG]متاحة
كود HTML معطلة



أقسام المنتدى

|~ هدي الرحمن لتلاوآت بنبضآت الإيمان ~| @ رياض روحآنيآت إيمانية @ رياض نسائم عطر النبوة @ رياض الصوتيات والمرئيات الإسلامية @ |~ قناديل الفكر بالحجة والبيآن ~| @ ريـــــــآض فلسفــة الفكـــر و الــــــرأي @ ريــــآض الـــدرر المـنـثـــــورة .. "للمنقول" @ رياض هطول الاحبة @ رياض التهآني و الإهدآءآت @ |~ صرير قلم وحرف يعانق الورق ~ | @ رياض منارة الحرف وعزف الوجدان "يمنع المنقول" @ رياض القصيدة و الشعر "يمنع المنقول" @ رياض القصة و الرواية المنقولة @ رياض صومعة الفكر واعتكاف الحرف @ رياض رشفة حرف @ |~ لباس من زبرجد وأرآئك وألوان تعانق النجوم~| @ رياض حور العين @ رياض آدم الانيق @ رياض الديكور و الاثاث @ رياض المستجدات الرياضية @ رياض ابن بطوطة لسياحة والسفر @ |~ فن يشعل فتيل الإبداع بفتنة تسحر ألباب الفنون ~| @ رياض ريشة مصمم @ رياض الصور المضيئة @ رياض الصور المنقولة @ |~ أفاق التكنولوجيا والمعلومآت الرقمية ~| @ رياض البرامج و الكمبيوتر @ رياض المنسجريات @ رياض الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية @ |~ دستور الهيئة الإدارية ~| @ رياض مجلس الادارة @ رياض المشرفين و المراقبين @ رياض الشكاوي والاقتراحات @ رياض الارشيف @ نــــور الأنــس @ ذائقة الشعر و القصائد المنقولة @ "ذائقة الخواطر والنثريات المنقولة" @ رياض رفوف الأنس @ رياض صدى المجتمع @ ريآض الآحاديث النبوية @ رياض الاعجاز القرآني @ ريآض سيرة الصحآبة رضوآن الله عليهم أجمعين @ ريآض الطفولة والأسرة @ ريآض أروقــــــة الأنــــــــس @ رياض ملتقى المرح @ رياض نفحات رمضان @ ريآض شهِية طيبة @ ريآض فعآلية رمضآن المبآرك @ ريآض الفوتوشوب @ ريآض القرآرآت الإدآرية العآمة @ ريآض برنآمج كرسي الإعترآف @ ريآض الفتوحآت والشخصيآت الإسلآمية @ ريآض التاريخ العربي والعالمي @ ريآض إبن سينآ لطب والصيدلة @ |~ وشوشة على ضفآف شهد التحلية ~| @ ريآض مجآلس على ضوء القمر @ ريآض YouTube الأعضآء " لأعمآلهم الخآصة والحصرية " @ ريآض YouTube العآم @ ريآض فكّر وأكسب معلومة جديدة @ ] البصمـــة الأولــــى [ @ رياض Facebook "فيسبوك" @ ريآض المؤآزرة والموآسآة @ رياض تطوير الذات وتنمية المهارات @ رياض فضاء المعرفة @ رياض Twitter "تويتر‏" @ رياض شبكة الأنترنت @ رياض المحادثات @ رياض سويش ماكس @ رياض الأنبياء والرسل @ رياض Google @ رياض الإدارة والمراقبين العامين @ قسم خاص بالشروحات برامج التصميم بكافة أنواعه @ رياض لأعمال المصمم المبدع "ابوفهد" @ ابداع قلم للقصة والرواية (يمنــــــع المنقــــــول) @ أرشيف فعاليات رمضان ( للمشاهدة) @ رياض خاص بأعمال المصممة الرائعة ذات الأنامل الماسية "سوالف احساس" @ |~ بانوراما للإبداع الفتوغرافي ~| @ رياض خاص بأعمال المصممة المبدعة ذات الأنامل الذهبية "سهاري ديزاين" @ |~ واحة غناءة تغازل الأطياف وتتماوج بسحر الألوان ~| @ رياض خاص بالصحفي المتألق محمد العتابي @ رياض عقد اللؤلؤ المنثور "يمنع المنقـــول" @ رياض لتعليم الفتوشوب من الألف الى الياء @


الساعة الآن 08:13 PM