انت غير مسجل دخول او لست عضو من فضلك سجل معنا لكي تتصفح المنتدي بدون اي مشاكل


.:: الفعاليات والمواضيع الحصرية والمميزة لمنتديات رياض الأنس ::.
                                                                                                    





آخر 10 مشاركات
ما هي شروط المباهلة ؟ (الكاتـب : - )           »          والواو تتبعني.. (الكاتـب : - آخر مشاركة : - )           »          شيء ما (الكاتـب : - آخر مشاركة : - )           »          مازال / مازلت (الكاتـب : - آخر مشاركة : - )           »          نبض وأحاسيس..~ (الكاتـب : - آخر مشاركة : - )           »          صباح ومساء مختلف في رياض الانس (الكاتـب : - آخر مشاركة : - )           »          سجل دخولك بشخصية تاريخية في قسم الفتوحات (الكاتـب : - آخر مشاركة : - )           »          خوف الأطفال .. الأسباب والعلاج (الكاتـب : - آخر مشاركة : - )           »          سجلوا حضوركم بصور أو اسم لطفل أو طفلة (الكاتـب : - آخر مشاركة : - )           »          مزاجك والصورة (الكاتـب : - آخر مشاركة : - )


الإهداءات


العودة   منتديات رياض الأنس > |~ هدي الرحمن لتلاوآت بنبضآت الإيمان ~| > رياض نسائم عطر النبوة > ريآض سيرة الصحآبة رضوآن الله عليهم أجمعين
ريآض سيرة الصحآبة رضوآن الله عليهم أجمعين سيرة الصحابة والصحابيات والخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم


سلسلة قصص رواها الصحابة

ريآض سيرة الصحآبة رضوآن الله عليهم أجمعين


إضافة رد
   
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
نسخ الرابط
نسخ للمنتديات
قديم 11-08-2018, 02:35 PM   المشاركة رقم: 11

معلومات العضو


الصورة الرمزية السعيد
إحصائية العضو








  السعيد has much to be proud ofالسعيد has much to be proud ofالسعيد has much to be proud ofالسعيد has much to be proud ofالسعيد has much to be proud ofالسعيد has much to be proud ofالسعيد has much to be proud ofالسعيد has much to be proud ofالسعيد has much to be proud ofالسعيد has much to be proud of
شكراً: 0
تم شكره 339 مرة في 277 مشاركة
 

علم الدوله :  qatar



التواجد والإتصالات
السعيد متواجد حالياً

كاتب الموضوع : السعيد المنتدى : ريآض سيرة الصحآبة رضوآن الله عليهم أجمعين
افتراضي رد: سلسلة قصص رواها الصحابة






(التواضع يرفع صاحبه)





مرَّ أنس بن مالك رضي الله عنه على صبيان يلعبون في أحد أزقة المدينة المنورة فقال لهم – وهو الرجل الكبير –: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فقال له أحد مرافقيه: كيف تسلم عليهم وأنت الصحابي المعتبر وهم صغار لا يراعون ذلك؟
فقال له: كيف لا أفعل شيئاً كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله، وأنا أرجو أن أكون رفيقه في الجنة، ومن تشبّه بقوم وسار على نهجهم كان منهم؟!
وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتواضع لهم ويعاملهم برأفة ورحمة ويَلين لهم ويبتسم بوجوههم وهو الذي كان يقول:
( إن الله أوحى إليّ أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد ).

لقد كانت الفتاة الصغيرة تستوقفه – عليه الصلاة والسلام – وتكلمه، فيجيبها، وتأخذ بيده فينقاد لها، وتذهب به لحاجتها أي مكان كان قريباً أو بعيداً.

قال أبو هريرة رضي الله عنه: صدقتَ يا أنس، فقد حدثنا الرسول صلى الله عليه وسلم : ( ما من نبي بعثه الله إلا رعى الغنم ).
قال أصحابه: وأنت يا رسول الله، هل رعيت الغنم مثلهم؟
قال دون حرج: ( نعم أرعاها بأجر زهيد لأهل مكة ).
قال أنس: ليس من المعيب أن يعمل الإنسان بأجر زهيد ومهنة بسيطة، إنما العار أن يمد يده يتكفف الناس وهو قادر على العمل.
قال أبو هريرة: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية خطيرَها وحقيرَها فقد قال: ( لو أهدي إلي ذراعٌ أو كُراعٌ لقبلت )، والكراع ساق البقر أو الغنم لا لحم فيها.

قال أنس: ولقد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم ناقة تدعى "العضباء" كانت لا تُسبق أو لا تكاد تُسبق، فجاء أعرابي بقَعودٍ "جمل" فسبقها فشق على المسلمين أن يسبق جملُ الأعرابي ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وظهر الغضب على وجوههم، فما كان منه عليه الصلاة والسلام – لحسن خلقه وشدة تواضعه - وليذهب غضبهم – إلا أن قال: ( حق على الله أن لا يرتفع شيء من الدنيا إلّا وضعه ). وهذه سنة الله في خلقه.
قال أبو هريرة: وفي قوله هذا صلى الله عليه وسلم تنبيه إلى عدم المباهاة وترك المفاخرة وإلى هوان الدنيا على الله، وأنها ناقصة لا ينبغي الاهتمام بها والركون إليها.

قال الأسود بن يزيد: ومِن تواضعه عليه الصلاة والسلام ما قالته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها حين سألها أحدهم: ما كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته؟
قالت: كان في خدمة أهله يُفَلّي ثوبه، ويحلب شاته، ويرقع ثوبه، ويخصف نعله، ويخدم نفسه، ويعلف ناقته، وينظف البيت، ويأكل مع الخادم لا يتكبر عليها، ويعجن معها، ويحمل بضاعته من السوق .. وإذا أراد أحدهم أن يحمل عنه قال: ( صاحب الحاجة أحق بحملها
وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم وخير خلقه، أفلا نتخذه أسوة وقدوة فنفعل ما يفعل؟

وهنا قال رفاعة بنُ تميم بن أسيد: تعلمون أنني رجل من الأعراب الذين إذا رأوا رأياً، أو بدا لهم بداء قالوه دون أن يستأذنوا، ولو كان الموقف غير مناسب يتطلب الأناة والانتظار، فقد وصلتُ المدينة المنورة يوم الجمعة ظهراً، ودخلت مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب، ولم أكن أعرف خطأ الحديث والإمام يخطب، لقد كان المسلمون جميعاً سكوتاً كأن على رؤوسهم الطير ينصتون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فناديت من وراء: يا رسول الله، أنا رجل غريب جاء إليك يعلن إيمانه بهذا الدين الجديد، لا يعرف كيف يدخل الإسلام، ولا أركان الإيمان، ولا يدري شيئاً من أصول هذا الدين سوى أنه كره الكفر ورغب في ملّة التوحيد والدين الحنيف. قلت هذا بصوت عال بملء فمي، فالتفت الناس إليّ وتعجبوا مما فعلت وظهر على أغلبهم الضيق والتأفف..

أتدرون ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ بأبي وأمي يا رسول الله ما أحلمك وما أعظمك، لقد ترك خطبته، وأقبل إليّ، فلما أصبح أمامي توقف وأشار إلى بعضهم فجاء بكرسي فقعد عليه، وجعل يعلمني مما علمه الله، فكان كلامه حِكماً، ونطقه عظاتٍ، ونظرته بلسماً لنفسي وروحي، ثم عطف إلى منبره صلى الله عليه وسلم فأتم خطبته، وكأن شيئاً لم يكن.

اللهم إني أشهدك وأشهد حملة عرشك، وملائكتك والناس جميعاً أنني أحبه وأرجو شفاعته يوم ألقاك، فاكتبني من عبادك الصالحين المحبين.. اللهم آمين.



( وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ )






قال التلميذ لشيخه: ذكرت لنا – يا أستاذنا الجليل – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تمرّ عليه الأيام الكثيرة لا يوقد في بيته نار يَطبخ فيها طعامه، وأنه كثيراً ما كان يعصب بطنه بحجر كي يسكن جوعه، أفهذه عن قلة المال؟ أم عن اهتمامات أولية يصرف إليها المال قبل توجيهه قِبَل الطعام؟
قال الشيخ: بارك الله فيك، إن سؤالك ينم عن ذكاء وبصيرة، فقد خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة مهاجراً وصحابته الكرام، وتركوا أموالهم ودورهم في مكة فراراً بدينهم، وحين قدموا المدينة آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم وبين الأنصار، فقسم هؤلاء بينهم أموالهم، ولم يكن الأنصار أغنياء، وكان جلُّ اهتمام المجتمع المسلم بناءَ المجتمع الإسلامي في المدينة، وحمايتَه من بحر الكفر الذي يحيط بهم، ويتربص بهم الدوائر، فانطلقت منها السرايا والغزوات لتحقيق ذلك، وهذا كلفهم وقتهم، وأموالهم، فعاشوا سنوات طويلة في عسر وفقر.
قال التلميذ: صدقت يا أستاذي، فقد مات النبي صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة عند يهوديّ
قال الشيخ: وكان المسلمون إذ ذاك يرون ضمن توجيهات قائدهم ومربيهم، أن على المسلم التخفيفَ من الطعام ليبقى الجسم خفيف الحركة، فقال صلى الله عليه وسلم :
( بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه )، وأكد على هذا حين قال:
( طعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الأربعة، وطعام الأربعة يكفي الثمانية
أما الإكثارُ من الطعام وتعدُّدُ الأصناف فيدل على الركون إلى الدنيا والانغماس في ملذاتها.. والبعد عن الجهاد والإعداد له.
قال التلميذ: نعم، لا يجتمع في قلب رجل حب الدنيا وحب الآخرة. والجهادُ مشقة ينأى عنها راغب الدنيا المتثاقل إليها.
وتابع الشيخ: وعلى الرغم من قلة الزاد في أبيات رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقد كان يملك الكثير من السلاح الذي يرهب عدو الله وعدونا، فقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده تسعة أسياف، وسبعة أرماح، وثلاث دروع وخوذتان ومغفران (والمغفر غطاء الوجه) وقوسان ونبّالة، وهكذا يكون المسلم الذي يريد أن ينشر الإسلام في بقاع الدنيا، ويحافظ على مكانة أمته تحت الشمس، وفي مقدمة الركب، دون أن يُكره الناس على الإسلام، إنما ليمنع الأعداء أن يستخِفّوا بنا، لقد تركنا الجهاد فتداعت علينا الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، وهانت علينا أنفسنا فهُنَّا على الآخرين.
قال التلميذ: لعلك يا سيدي تريد أن تصور لي بعد هذه الإضاءة حب المسلمين بعضِهم بعضاً؟
قال الشيخ: أجل يا بني، إن الأشعريين وهم قبيلة من اليمن أفرادُها متحابون متكاتفون إذا خرجوا للغزو ففني زادهم أو قلَّ طعام عيالهم بالمدينة تنادوا، فجمعوا ما كان عندهم من طعام في ثوب واحدٍ، ثم اقتسموه بينهم بالسوية، أفرأيت إيثاراً كهذا الإيثار؟
قال التلميذ: لا والله، فهذه قمة التوادِّ والتراحم والتكافل.
قال الشيخ: ولهذا أحبهم النبي صلى الله عليه وسلم ومدحهم فقال: ( فهم مني وأنا منهم ).
قال التلميذ: يا سبحان الله ما أعظم هؤلاء وأكرمَهم، إن مجتمعهم لفاضلٌ، وإن حياتهم لسعيدة، أهناك صورة أخرى للإيثار يا شيخي الجليل؟
قال الشيخ: أعِرْني سمعك وقلبك وأقبل علي بكليّتك.
قال التلميذ: سمعاً وطاعة ها أنا بين يديك، مقبل عليك.

قال الشيخ: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجده بين أصحابه يفقههم في الدين ويبث فيهم الإيثار وبناء المجتمع الفاضل فيقول:
(من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان معه فضل زاد فليعد به على من لا زاد له ) ويوضح الآثار الإيجابية لهذا الخلق الفاضل، ويدخل رجل، فيدنو منه صلى الله عليه وسلم ويخاطبه في خجل تلمحه من نبرته فيقول: يا رسول الله إني مجهود أصابتني فاقة ولزمني الفقر وسوء العيش.
فينظر إليه الكريم الرحيم ويبتسم ويقول له بلسان الحال لا المقال: أبشر فستجد الطعام والمأوى إن شاء الله، ثم يلتفت إلى انس قائلاً:
( يا أنس؛ قم إلى بيت أم المؤمنين عائشة، فالتمس لهذا الرجل طعاماً أو تمراً )
فيقوم أنس مسرعاً إلى بيتها ويسألها ما عندها فتقول: لا والذي بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بالحق ما عندي إلا الماء.
فيعود أنس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيقول: يا رسول الله ما وجدت عندها إلا الماء، فهي إذاً بحاجة إلى الذي يحتاجه هذا الرجل!! زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأحب نسائه إليه، وابنة صاحبه وحبيبه الصدَّيق، لا تجد في بيتها إلا الماء؟! يا ويح المسلمين الآن! إن بيوتهم مليئة بأطايب الطعام، ولذائذ الشراب وأصناف المأكولات، لكن قلوبهم سوداء خالية من الإيمان، وعقولهم لا تعرف التفكير إلا في توافه الأمور، يسهرون فيما يغضب المولى وينامون على اللهو، ويَغُطون في مستنقعات الغفلة، وينحدرون في متاهات الضلال.
ويرسل النبي الكريم صلى الله عليه وسلم إلى أزواجه كلهن على التتابع يسألهن قِرى هذا الضيف الجائع التعب، فيجبنه بما أجابته الأولى: لا والذي بعثك بالحق ما عندنا إلا الماء! إلا الماء!
وليس يجد بداً من الاستعانة بأصحابه هؤلاء الذين خلفوا الجاهلية وراء ظهورهم، ولازموه ليرتفع بهم إلى سماء الخير والبر، فيقول:
( من يَضيفُ الرجل هذه الليلة؟)
فيقوم رجل من الأنصار – رضي الله عن الأنصار، فقد كانوا قادة الإسلام وحماته – فيقول: أنا يا رسول الله، إنه ضيفي، وسترى ما تَقرُّ به عينُك، ويستأذن هذا الصحابي الجليل رسول الله، فيأذن له، وينطلق بضيفه إلى بيته، حتى إذا وصل قال لزوجته: أكرمي ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإكرامه من إكرامه، وضيف العزيز عزيز.
قالت المرأة: أهلاً وسهلاً ومرحباً..
قال الرجل هامساً: هل عندك شيء نقدّمه له؟
قالت المرأة: لا إلّا قوت صبياني.
قال: أو لم يتعشوا الليلة؟
قالت: بلى ولكنهم اعتادوا أن ينالوا شيئاً قبل النوم.
قال: فعلليهم هذه الليلة بشيء، وإذا أرادوا شيئاً فنوميهم، لا يضيّقوا على الضيف.
قالت: أفعل إن شاء الله تعالى.
وشاغل الأنصاري ضيفَه بأنواع الحديث حتى نام الأولاد فقامت المرأة إلى الطعام وكان قليلاً لا يكفي سوى الرجل؛ ولكن كيف له أن يستسيغ الطعام – على جوعه – وهو قليل؟!، وأنّى له أن يقبل عليه وصاحب الدار لا يمد إليه يده؟!
وتفتقت للأنصاري فكرة رائعة إذا نفذها زال الحرج، وأكل الضيف وشبع.. ما الذي فكر فيه يا ترى؟!
لقد قال لزوجته: إذا وضعْتِ الطعام ودخل الضيف فأطفئي السراج، وكأن زيته قد نفد ونمد في الظلام أيدينا إلى الطعام نوهمه أننا نأكل، فيقبل عليه.
وهكذا فعلتْ، وجلس الضيف، وتصنَّع الرجل وزوجته صنيع الآكلين، مِنْ مدِّ يدٍ وتحريك فم ومضغٍ، فأكل الرجل حتى شبع، وبات الزوجان خاويين جائعين لم يأكلا.
فلما أصبح الصباح غدا الأنصاري بضيفه على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما رآهما تبسم صلى الله عليه وسلم وقال له:
( لقد علم الله – وهو العليم الخبير – ما صنعتما بضيفكما الليلة، ورضي بما فعلتما وأثابكما عليه الثواب الجزيل ).

قال التلميذ لشيخه: ما أعظم هؤلاء الرجال وما أعظم نفوسَهم وما أشد كرمهم.
قال الشيخ: إنهم تعلموا ذلك من سيدهم وقائدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقد ضرب لهم في الإيثار والكرم أروع الأمثلة فتشربوها وعملوا بها.
قال التلميذ: أفلا قصصت عليّ واحدة يا سيدي؟
قال الشيخ: حبّا وكرامةً يا بني..

فقد جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم بثوب جميل مخطط نسجته بإتقان، وخاطته ببراعة، فقالت: يا رسول الله، هذا الثوب هديتي إليك، فقد والله سهرت الليالي وأمضيت الأيام في صنعه ليكون هدية تليق بك يا رسول الله.
فقال: ( جزاك الله عن نبيه خيراً، إنه وايم الله ثوب جميل، وهدية غالية أحتاجها
ودخل إلى بيته فلبس هذا الثوب وخرج به على أصحابه، فنال استحسانهم، وقال أحدهم: ما أحسن هذا الثوب يا رسول الله اكسُنيه.
فجلس النبي صلى الله عليه وسلم بينهم قليلاً ثم عاد إلى بيته فخلع الثوب وطواه، ثم أرسل به إلى الذي طلبه.
فقال له القوم مؤنبين: كيف تطلب ثوباً لرسول الله صلى الله عليه وسلم لبسه محتاجاً إليه؟ وكيف تطيب نفسك به فتأخذه وأنت تعلم أنه صلى الله عليه وسلم لا يرد سائلاً؟
شعر الرجل بأنه أخطأ حين سارع إلى استهداء الثوب، ولكنه اعتذر قائلاً: والله لم أطلبه لألبسه ولكنه حين لامس جسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرفت أنه ثوب مبارك رجوت أن يكون لي كفناً.. ...ومات الرجل وكفنوه به. .



( الحلم وسعة الصدر )





روى أبو هريرة رضي الله عنه قال:
بال أعرابي في المسجد، فقام الناس إليه ليقعوا فيه، سباً وشتماً، ولعل بعضهم مال ليضربه، فمنعهم النبي صلى الله عليه وسلم قائلاً:
(( دعوه – فقد بال وانتهى، ولئن عاقبتموه إن المكان لن يطهُرَ– وأريقوا على بوله سَجلاً من ماء أو ذنوبا من ماء – الدلو الكبير المملوء ماء – فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معَسِّرين )).

فالأعرابي اعتاد أن يبول في أي مكان يصادفه، يشعر بالحاجة إلى ذلك ودون قصد، فهو (الأعرابي) – في رأيه – لم يفعل ما يلام عليه، والمسجد رمل كما الصحراء، فأي خطأ ارتكبه، ولماذا يثور المصلون عليه؟!! والحقيقة أن المرء لا يلام على مُجانبة ما تعلمه.
لكن الناس قاموا إليه: هذا يوبخه، وذاك ينهره، والثالث يصرخ فيه والآخر يكاد يضربه، وهو لا يدري سبباً لذلك، وإن درى فهو يعجب لتصرفاتهم لم يزعجونه؟! وعلام يوبخونه؟!!
ولا يلبث رسول الله صلى الله عليه وسلم – وهو يرى ذلك – أن يأمرهم بما يلي:

1- الكف عنه، لأن الزجر والسب وغيرهما لا تصلح الأخطاء، وهنا يأتي دور الحلم والأناة والتصرف بالحكمة.
2- تطهير المكان، وذلك بأن يريقوا عليه دلواً كبيرة مملوءة ماءً، فالماء الكثير والعمل الجيد الحسن يزيلان الأوضار وينظفان المسجد مما ضره ونجَّسه.
3- التزام الهدوء واللطف، فالمسلمون بعثوا ميسرين، لا معسرين ودعاة إلى الدين لا منفرين منه.
فما كان من البدوي بأفقه الضيق – حين رأى ما فعلوه به، وما أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم – إلا أن دعا الله عز وجل معلناً عن ضيقه منهم وإكباره النبيَّ صلى الله عليه وسلم : اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً. إذ كيف يدعو للباقين، وقد أحرجوه؟! أمّا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد كف أذاهم عنه، وأنقذه منهم، فحَق أن يدعو له.
ودعاء البدوي بالخير للنبي صلى الله عليه وسلم يدل على أن نفسه ارتاحت إليه وسيقبل منه ما يدعوه إلى اعتناق الدين الجديد.
وهنا اغتنم النبي صلى الله عليه وسلم هذا الانفتاح النفسي عنده، وبيّن له أن المسجد مكان طاهر، لا ينبغي له إلا الطهارة.. وطلب إليه أن يدعو للناس جميعاً لأن رحمة الله أوسع.
ثم التفت إلى أصحابه يعلمهم كيف يكونون دعاة، فأمرهم بالرفق قائلاً:
(( إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على سواه )).

وروى ابن عباس رضي الله عنهما أن وفد عبد القيس جاءوا إلى المدينة المنورة لزيارة النبي صلى الله عليه وسلم وإعلان إسلامهم، فلما وصلوا المدينة أسرعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم شوقاً إلى لقائه، أما الأشج وهو من وجهائهم فقد أقام عند رحالهم، فجَمعَ من بقي منهم، وعقل ناقته، ولبس أحسن ثيابه، فهو لن يقابل إنساناً مغموراً، إنما يلاقي سيد ولد آدم محمداً صلى الله عليه وسلم ، فلْيلقَه نظيفاً جميل الهيئة والمنظر، وهكذا انطلق إلى المسجد فسلم، فقرّبه النبي صلى الله عليه وسلم ، فأجلسه إلى جانبه ثم حين انعقد مجلسه صلى الله عليه وسلم بعبد القيس جميعاً، قال:
(( تبايعوني على أنفسكم وقومكم؟)).
قال القوم: نعم يا رسول الله، نبايعك على أنفسنا وقومنا.
قال الأشج: يا رسول الله، إنك تطلب منا أن نتخلى عن دين أقمنا عليه أعمارنا وليس أصعب على الإنسان أن يترك دينه بسهولة، فنحن نبايعك على أنفسنا فقد جئناك طوعاً ورغبة، أما بقية آل عبد قيس، فأرسل إليهم بعض أصحابك – معنا – يدعونهم إلى الإسلام ويرغبونهم فيه، فمن اتبعنا كان منا، ومن أبى قاتلناه.
قال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم : (( صدقت .. إن فيك خصلتين يحبهما الله ورسوله )):
1- (( الحِلم )): وهو العقل المفكر والصدر الواسع وجودة النظر للعواقب.
2- (( والأناة )): وهي التثبت من الأمر، وترك العجلة، والتربص في الأمر.
قال الأشج: يا رسول الله، أهاتان الصفتان جديدتان فيّ أم قديمتان، جبلني الله عليهما مذ خلقني؟
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( بل خصلتان قديمتان )).
قال الأشج: فالحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما الله تعالى ورسوله.



(الانتقام للنفس منقصة، ولله كمال وإيمان)





هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في أسواق المدينة وأزقتها، يراقب المسلمين في حياتهم اليومية من بيع وشراء ومعاملات، ويتابع ما يفعلونه، فيقرُّ هذا على ما يفعل، وينهى ذاك عن خطأ وقع فيه، وينبه الآخر ليمين بدر منه، فلا حاجة للقسم، فكثير الحلف كذابٌ، ويمدّ أصبعه في سلة تمْرٍ فيراها مبتلّة من أسفل فيقول لصاحبها:
( من غشنا فليس منا ).

إنه معلم، وقائد.. يصنع مجتمعاً صالحاً، ويبني دولة قوامها العدل والإنصاف، لم يكن معه – كعادة الحكام – جند وحرس يحمونه، فحبُّ الناس سياج، والسعي في خدمتهم وإسعادهم أفضل طريق للأمن والأمان، ولكنْ لا بد من هَنة من هذا أو ذاك يتلافاها بالحكمة واللطف.

قال أنس: كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في تفقده أمور المسلمين كعادته، وعليه برد غليظ الحاشية من نسج نجران من اليمن، فتقدم منه أعرابي مسرعاً – والأعراب جفاة فيهم رعونة وإن لم يقصدوها – فشدّ بُردة النبي صلى الله عليه وسلم شداً عنيفاً حتى رأيت طرفها العلوي يضغط – بحدّه الغليظ – على عنق الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ضغطاً أثّر فيه، فهممت بدفع هذا الأعرابي السيء الأدب، فمنعني رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ونظر للأعرابي فسمعه يقول له: يا محمد دون أن يلقبه بـ: يا رسول الله، فهمَمْت بضربه لولا أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان قد منعني، وأردف الأعرابيُّ وهو ما يزال يجذب النبي صلى الله عليه وسلم من بردته: مُرْ لي من مال الله الذي عندك، فإنك لا تحمل من مالك ولا مال أبيك.
فسكت النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال – بأبي هو وأمي ما أحلمه وما أعظمه - :
( المال مال الله، وأنا عبده )، ثم ضحك في وجهه وقال: أرسلني يا أعرابي،
وأمر له ببعيرين، يحمل الأول شعيراً، والثاني تمراً – وقال للأعرابي:
( أيكفيك ما أعطيتك من مال الله الذي عندي؟)،
قال الأعرابي: نعم، ولم يزد – لجفائه – على هذه الكلمة.
قلت: يا رسول الله، رجلٌ قليل الأدب، يخاطبك بجفوة، ويشدُّ بردتك فيؤثر في عنقك – ويخاطبك برعونة – فتأمر له بصلة؟
! قال الرسول الكريم البرُّ الرحيم: ( يا أنس، أمِرت أن أخاطب الناس على قدر عقولهم ).
( يا أنس: يقول الله تعالى: { وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ }).
( يا أنس: المسلم الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم ).

قال أنسٌ: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقد اشترى من يهودي سلعة على أن ينقده ثمنها وقت الحصاد .. هكذا كان الاتفاق.
لكن اليهودي جاءه قبل الميعاد، وأمسك ببردة النبي صلى الله عليه وسلم من ناحية عنقه وجذبها جذبة شديدة حتى تغيّر وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم من شدتها، وقال: يا محمد أعطني حقي، فوالله إنكم يا آل عبد المطلب لقوم مُطلٌ (تسوفون في دفع الحقوق وتماطلون).
رأى عمر رضي الله عنه ما فعل اليهودي فغضب ورفع السيف في وجهه، واستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يضرب عنقه لسوء أدبه وتصرفه، وخاف اليهودي، فترك رسول الله صلى الله عليه وسلم وظهر الهلع على وجهه، فما كان من النبي صلى الله عليه وسلم الحليم ذي الخلق العظيم إلا أن التفت إلى عمر قائلاً:
( كان أولى بك يا عمر أن تأمرني بحُسْن القضاء، وأن تأمره بحسن الاقتضاء ).
( يا عمر، ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب ).
( يا عمر، أعطه حقه وزد له ).
قال عمر: أعطيه حقّه يا رسول الله، فما بال الزيادة؟
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الزيادة يا عمر لإخافتك إياه ).
قال عمر: إننا لا نغضب لأنفسنا إلا أن تُنتَهكَ محارم الله.
يا عمر: إن موسى أخذ برأس أخيه يجرّه إليه حين صنع السامري عجلاً جسداً له خوار، فلم يفعل هارون شيئاً، وكان عليه أن يبطش بهذا السامري الذي افترى على الله، واتخذ له ولضعفاء اليهود إلهاً غير الله.
يا عمر: الحلم والصبر واللين في مواقعهما أشد نفعاً.. والصلابة، والغضب والقيام بالحق في مواقعها أجدى وأنفع وهذا حسن الخلق يا عمر.

قالت عائشة رضي الله عنها: إن امرأة من بني مخزوم من قريش سرقت يوم فتَحَ المسلمون بقيادة نبيهم الكريم مكة المكرمة، ووصل خبر السرقة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فأمَر بقطع يدها، فعزّ على بني مخزوم، وهم سادة قريش، أن تقطع يدٌ منهم، إنها لفضيحة الدهر وخزي الزمان، لو أن امرأة من عامة الناس سرقت لهان الأمر!! ولكنّها امرأة من مخزوم وهم سدّة قريش عدداً ومالاً، يا للعار، ويا للشنار.. إنَّ هذا لا يكون، لا يكون أبداً، وبدأوا يقلبون الأمور، ويبحثون عمَّن يجرؤ على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم والشفاعة لها، فما وجدوا إلا الفتى ابنَ السادسة عشرة أسامة بن زيد (الحِبَّ بن الحِبّ).
والعجيب أنهم ما كانوا يلقون إلى هذا بالاً، ولا يهتمون به. أتدرون لماذا؟ لأن أباه – وإن كان يوماً ربيب النبي صلى الله عليه وسلم ، ويطلق عليه زيد بن محمد قبل تحريم التبني – كان عبداً للسيدة خديجة رضي الله عنها، اشترته بحرّ مالها، وأهدته رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عندما تزوجها، فأعتقه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وتبناه، وزوجّه من أم أيمن بركة الحبشية حاضنته رضي الله عنهما، فولدت له أسامة، وورث أسامةُ عنها لونها الأسود.
ما كان الناس يرضون زيداً قائداً لهم، فتأففوا حين جعله النبي الكريم أول قادة جيش المسلمين في مؤتة، فاستشهد رضي الله عنه، وجعل الرسول الكريم ابنه أسامة قبل لحوقه صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى قائد جيش المسلمين إلى بلاد الشام. فتأفف الناس لذلك وتشفعوا بالصحابة الكرام أن يعزله الرسول الكريم عن قيادة الجيش فغضب، وأبى ذلك وقال:
( إنكم أبيتم أباه وإنه لجديرٌ بالقيادة، وأبيتموه، وإنه لحقيق بها )... – وعلى الرغم من ذلك – ولمكانته عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قصدوه ليشفع في هذه السارقة المخزومية.
لم يكن الأمر يسيراً، فالحدّ حين يرفع إلى الحاكم ويصل إليه، لا تجوز فيه الشفاعة، ولكنْ ما على أسامة إن كلم النبي صلى الله عليه وسلم في أمرها؟!..
استجمع قوته وجاء إلى الرسول الكريم فكلمه على استحياء في العفو عنها. ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينصت إليه حتى فرغ من حديثه، قال: ( أتشفع في حد من حدود الله تعالى؟)
وهل يجوز تعطيل الحدود؟!
إذاً لا تستقيم الأمور، ولا يحيا المجتمع الحياة الطبيعية الآمنة، ويعتاد الناس الخطأ والشفاعةَ فيه، فتختل الموازين وتضطرب المعايير .. ينبغي على المسلم أن يقف عند حدود الله، ويلتزم بها، فالقوي والضعيف، والغني والفقير، والكبير والصغير .. متساوون في ميزان الله وشرعه القويم.
وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيباً في الناس يقول لهم:
( إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه – لشرفه ووجاهته -، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد – لخموله بينهم وضعف مكانته -).

إن مجتمعاً تسود فيه هذه القيم المنحرفة لجدير أن يزول ويمحى، وأن يتلاشى ويندثر، ثم أطلق الحاكم العادل تلك الصيحة المدوية التي ملأت الدنيا حقاً وعدلاً، وتصميماً على إقامة حدود الله:
( وايمُ الله، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها ).





(أعرابي في صلاة)





روى معاوية بن الحكم السلميُّ قال :
كنت قريب عهد بالإسلام أعرف أركانه، ولكنني أجهل كيف أؤدي الصلاة والزكاة، وما إلى ذلك.أمّنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة أحد الفروض، فقرأ الفاتحة وسورة ثم ركع وسجد، ونحن نتابعه في صلاته، فنفعل ما يفعل، فعطس رجل إلى جانبي، ولكنه لم يحمد الله، فقلت في نفسي: عجباً لهذا الرجل أما علم أن عليه أن يحمد الله بصوت مسموع كي نشمِّته؟! هكذا أمرنا رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم ، ولعله يجهل هذه السنة فلأبادرْ بتشميته فأنالَ ثواب الله تعالى، فبادرته قائلاً:
يرحمك الله، فكأن القوم رمَوني بأبصارهم شزراً وإنكاراً لما فعلت، وأحسست أن كل واحد منهم يؤنبني وكأنني أتيت كبيرة، ففاض ما في نفسي وصِحت: واثكل أمياه، هلكت إذاً والله، لماذا تنظرون إليَّ هكذا؟ فأخذ المصلون يضربون على أفخاذهم ضربة أو ضربتين وكأنهم بهذا يريدونني أن أصمت،وغضبت لما يفعلون لجهلي بأن هذا يبطل الصلاة، فامتثلت لأمرهم وسكتُّ إلى أن انتهت الصلاة،وأنا أفكر هيّاباً مما قد يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بي.

بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لَمْ تنظر إليّ مؤنباً ولم تعبَس بوجهي ولا أسمعتني ما أكره، لقد كنت معلماً غاية في اللطف والحكمة. قلت مخاطباً الجميع دون أن تخصني بالنصح فأخجلَ من نفسي(إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي التسبيح، والتكبير، وقراءة القرآن))، ولم تأمرني أن أعيد الصلاة لقلة كلامي فيها ولأنني أجهل ما يُبطلها.

وهنا تجرأت وسألت النبي صلى الله عليه وسلم ،فقلت: يا رسول الله إني حديثُ عهد بجاهلية، وقد جاء الله تعالى بالإسلام فلا تغضب مني إن سألتك أموراً أجهل حكمها،
قال الرسول الكريم: ( لا تثريب عليك، سل يا معاوية أجِبْك
قلت: يا رسول الله إن منا رجالاً يقصدون الكهان ممن يدعون معرفة الضمائر وما تخفى النفوس ويخبرون عن المستقبل وما غمض من الماضي.

قال: ( هم كذابون يستعينون بالجن ويتقوّلون فلا تأتهم، فالغيب يعلمه الله سبحانه وحده ).

قلت: وهناك رجال يؤمنون بالطيَرَة، فإذا أرادوا فعل شيء رمَوا طيراً، فإن ذهب يميناً مضَوا في أمرهم، وإن ذهب شمالاً امتنعوا عن هذا الأمر.

قال صلى الله عليه وسلم : ( إن الطيرة وهمٌ في النفوس لا مبرر له، فلا تأبه له يا معاوية، وامض فيما عزمت عليه، فالخير كله عاجلُه وآجله من الله تعالى، واستخِرِ الله وتوكلْ عليه، وعلى الله فليتوكل المؤمنون ).



(السابقون السابقون)





والله لأتوضَّأنّ وضوءاً كما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولأصليَّن ركعتين أدعو الله إثرهما أن يجعلني من أهل الفردوس الأعلى مع النبي الحبيب ، ثم أذهب إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فألزمه يومي هذا فإني أحسُّ أن الدنيا والعمل لها يكاد يجذبني إليها، هكذا حدَّث أبو موسى الأشعري – رضي الله عنه – نفسه، فقام فتوضأ، ثم صلى، ثم انطلق إلى المسجد النبوي يحث الخُطا إليه، ورأى في طريقه بعض أصحابه فسلّم عليهم، فدعَوه إلى الجلوس بينهم، فلم يكترث، إنما جدَّ السير إلى غايته، فلما وصل رأى بعض أهل الصفّة فسألهم عن رسول الله ، فقالوا: انطلقَ الساعة في اتجاه الغرب، بقضي حاجته في غائط بئر اريس.

انطلق أبو موسى إلى ذلك المكان، فرأى عن بعدٍ طيف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجلس عند الباب ينتظر رسول الله، فلما انتهى صلى الله عليه وسلم ، وتوضأ من البئر جلس على حافته ومدّ رجليه إلى الماء يبترد، فدخل عليه أبو موسى وسلّم عليه بتحية الإسلام قائلاً: السلام عليك يا رسول الله ورحمة منك وبركاته، صلى عليك وعلى آلك وأصحابه الطيبين الطاهرين، فردَّ عليه النبي التحية بأحسن منها وسأله عن حاله ودعا له، فَسُرَّ أبو موسى لهذا الدعاء الطيّب من فم طاهر طيّب، وأحسَّ أنه نال اليوم خيراً كثيراً، فانصرف إلى باب الحائط وقال: لأكوننَّ بوّابَ رسول الله اليوم، أمنع مَن يقطع خلوته إلا بإذنه، فناداه رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( يا أبا موسى املِك عليّ الباب، فلا يدخلَّن عليّ أحد إلا إذا أذنتُ له ).
قال أبو موسى: سمعاً وطاعةً يا رسول الله.
فلزمَ البابَ ينظر منه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويملأ عينيه من طلعته البهية، فجاء أبو بكر رضي الله عنه فدفع الباب، فقال أبو موسى مستفسراً: من أنت؟
قال الصدِّيق: أنا أبو بكر، (ولعله سأل عن رسول الله كما سأل أبو موسى فتبعه كما تبعه هذا؟ أو اتفق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يلتقيه في ذلك المكان بعد صلاة العصر فجاء على ميعاد).
قال أبو موسى: تمهل أيها الصدِّيق حتى أستأذن لك على رسول الله .
قال الصدّيق: نعم يا أبا موسى فاستأذن لي عليه.
قال أبو موسى: فذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت له: يا رسول الله، هذا أبو بكر جاء يستأذن أن تسمح له بالدخول عليك.
قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( ايذن له بالدخول، وبشره بالجنّة )،..
يا الله، مقام الصدّيق رضي الله عنه عظيم، يبشّره الرسول الكريم بالجنّة، ذلك المكان الذي يسعى إليه المسلمون يرجون رضاء الله تعالى وفضله! .. ومن أولى بالجنّة ممن شارك الرسول الكريم، ودفع عنه أذى المشركين وبذل له ماله وحياته، وقدّمه على نفسه وآله، صدّقه حين كذّبه الناس، وأجابه إلى الإسلام مسرعأً دون تلكؤ وانتظار، فهنيئاً لك يا أبا بكر أيها الصديق هذه البشرى العظيمة.
قال أبو موسى: فعدت إلى الباب فقلت للصدِّيق ادخل، ورسول الله يبشرك بالجنّة، فنِعمَتْ هذه البشرى ولنعم دار المتقين.
قال الصدّيق: الحمد لله رب العالمين، وله المنّة والنعماء لا نحصي ثناءً عليه، اللهم لك الشكر، يا واهب الخير، يا ذا الفضل الكريم.
السلام عليك يا رسول الله ورحمته وبركاته.
قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( وعليك السلام يا أبا بكر ورحمة الله ومغفرته ورضوانه ).
وجلس الصدّيق عن يمين النبي صلى الله عليه وسلم ومدّ رجليه إلى الماء يفعل ما يفعله الرسول صلى الله عليه وسلم ، وابتسم كلّ إلى صاحبه، يتجاذبان أطراف الحديث، والرَّوح والريحان يعبق المكان، والمَلَك تملؤه أنساً ونشوةً بسيّد الرسل الكرام وصاحبه الصدّيق رضوان الله عليه.
قال أبو موسى في نفسه: ليهنك أيها الصديق مقامك من النبي الكريم، ورجع إلى الباب يحرس المكان، فتذكرَّ أخاه عامراً وتمنّى لو جاء إلى البئر يستأذن على رسول الله فيأذن له ويبشره بالجنّة كما بشّر الصدّيق، ويغنم الخلوَةَ بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لقد تأخر عن المجيء فلقد تركته يتوضأ، وقال: إنه سيلحقني فما الذي به؟! إن يرِدِ الله به خيراً يأت به .. هذا البابُ يتحرك، فلعله أخي عامرٌ قد وصَل، فناديت من أنت.
قال عمر من وراء الباب: أنا عمر بن الخطاب.
قال أبو موسى: فالزم مكانك ريثما أستأذن النبي صلى الله عليه وسلم .
قال عمر: فافعل ما بدا لك، أنا واقف هنا.
فجاء أبو موسى إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: السلام عليك يا رسول الله، هذا عمر بالباب واقفاً يستأذن في الدخول إليك.
قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( ائذن له وبشِّره بالجنة
يارب، ما أعظم حظ السابقين؟! لهم الجنّةُ، الفردوس الأعلى، وهذا الفاروق أوّل من يأخذ كتابه بيمينه يوم القيامة، فطوبى له هذا المقام العالي والمكانة الرفيعة، ألم يكن أوّل من جهر بالإسلام وتحدى المشركين ونادى بكلمة التوحيد حين آمن بها وصدّق، فأعز الله به الإسلام؟ طوبى له، ولنعم دار المتقين.
قال أبو موسى: فعدت إلى الباب، فقلت له: ادخل يا أبا حفص، لقد أذن لك رسول الله بالدخول، وأمرني أن أبشّرك بالجنة، فهنيئاً لك هذه البشرى وهنيئاً لك الفردوس الأعلى.
قال عمر: الحمد لله، فهو وليُّ الحمد، وله المنّة والفضل، لا أحصي ثناء عليه، هو كما أثنى على نفسه، وجزى الله نبيه خيراً، فهو سبب كلّ هذه النعماء، صلى الله عليه وعلى آله وسلم ..
السلام عليك يا رسول الله ورحمة منه وبركات، السلام عليك أيها الصدّيق
قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( وعليك السلام يا عمر ورحمة الله وبركاته ومغفرته ورضوانه ).
ورد الصدّيق بمثل سلام الفاروق أو خيرٍ منه.
فجلس الفاروق إلى يسار المصطفى عليه الصلاةُ والسلامُ ودلّى ساقيه في الماء يفعل كما يفعل صاحباه، وابتسم إلى النبي وإلى صاحبه الصدِّيق فابتسما له، وحفتهم الملائكة طيبين ترفرف أجنحتها رضى بهم، فهم نبيّ كريم ووزيراه الكريمان.
قال أبو موسى متلّهفاً: أين أنت يا عامر لترى الخير العميم، ولتحظى بما حظي به العمَران من مقام عالٍ ودعوة مستجابة، إن يُرِد الله بك خيراً يأتِ بك، فتحرك الباب، فقلت في نفسي كن عامراً، ثم ناديت من بالباب؟
قال عثمان من ورائه: أنا عثمان بن عفان، أرسول الله صلى الله عليه وسلم هنا؟
قال أبو موسى: نعم إنه هنا وصاحباه الصديق وعمر، فانتظر قليلاً كي أستأذن لك عليه.
فذهب أبو موسى إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستأذن لعثمان بالدخول إليه.
قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( ائذن له، وبشره بالجنّة )، وسكت هنيهة، ثم قال: ( على بلوى تصيبه ).
قلت في نفسي بشرى بالجنة، وبلوى تصيبه، يرفع الله بها مقامه ويمتحنه في صبره، فليصبرْ، إن الله مع الصابرين.
قال أبو موسى: فعدت إليه فقلت له: يقول لك الرسول صلى الله عليه وسلم ادخل، ويبشّرك بالجنة على بلوى تصيبك.
قال عثمان: الحمد لله، هو الذي يقدّر الأمور، وهو الذي يعيننا على بلوانا، اللهم ألهمني الصبر واكتب ليَ الخيرَ حيث كان، أنت وليي في الدنيا والآخرة.
السلام عليك يا رسول الله ورحمته وبركاته، السلام عليكما أيها الصدّيقان.
قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( وعليك السلام يا عثمان ورحمته وبركاته ومغفرته ورضوانه ).
وردّ الصدّيق والفاروق السلام بمثله أو بخير منه.
كان المكان حول البئر لا يتسع لأكثر من ثلاثة، رسول الله وأبو بكر، وعمر، فجلس عثمان قبالتهم، وابتسم لهم، وابتسموا له، كانت الأنسام تداعب المكان، والأنس حولهم ينشر المحبة والوئام، وكانت جلسة كريمة تجمع نبياً كريماً، وصديقاً رفيقاً، وشهيدين عظيمين.



(أخلاق عالية)





1- توفي خنيس بن حذافة السهمي في المدينة المنورة، من جراحة أصابته في غزوة أحد، فترك وراءه زوجته الشابة حفصة بنت عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فلم يشأ الفاروق أن تبقى ابنته دون رجل يبني بها، وكان عثمان بن عفان رضي الله عنه قد ماتت زوجته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعثمان، وما أدراك ما عثمان الرجل العفّ المؤمن، من السابقين إلى الإسلام. وهل يرى عمر خيراً منه حرزاً حصيناً لحفصة؟.. هذا ما دار بخلد عمر الفاروق،

ولكن كيف يعرض الرجل ابنته على الناس؟
إن من العادة أن يخطِب الرجال النساء، لا أن يخطب الرجل لابنته رجلاً!! ولكن أليست الفتاة فلذة الكبد كما الفتى سواء بسواء،
فلماذا يخطب لابنه ولا يخطب لابنته؟
من السهل أن يتزوج الرجل المرأة فيكره منها أموراً فيطلقها ليتزوج غيرها، ومن الصعب أن تتزوج المرأة الرجل فترى فيه ما يرغبه عنه فتستطيع منه فكاكاً، فلا عيب إذاً أن يختار الرجل لابنته الزوج الكفء الصالح، بل عليه أن يسعى إلى ذلك قبل أن يبحث عن زوجةٍ لولده.

وهكذا فعل عمر رضي الله عنه، فلقي عثمان، فعرض عليه ابنته حفصة قائلاً: إن شئت أنكحتك حفصة بنت عمر، وأنت تعرفها وتعرف أباها.

قال عثمان: بارك الله فيك يا أبا عبد الله، سأفكر فيما عرضت عليّ، فنعم الرجل أنت، ونعم من هو بعض منك يا أخي.

قال عمر: فلبث عثمان ليالي ثم لقيني فقال: أنا شاكرٌ لك ثقتك فيّ، لكنني لا أرغب هذه الأيام في الزواج.

قال عمر: فلقيت أبا بكر الصدِّيق رضي الله عنه فقلت له مثل ما قلت لعثمان: إن شئت أنكحتك حفصة بنت عمر يا أبا بكر، فصمت أبو بكر الصدِّيق رضي الله عنه، ولم يجبه بشيء من قبول أو إعراض، تصريحاً ولا تعريضاً، فغضبت منه أكثر من غضبي من عثمان، لأن الثاني أجابني مبدياً عما في نفسه، أما الصدِّيق فأعرض عن إجابتي وكأنه لم يسمع قالتي.

فلبثت ليالي، فلقيني الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: (( يا عمر )).
قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك.
قال: (( أخطب إليك ابنتك حفصة أفتزوجُنيها؟)).
قلت: يا رسول الله هذا فضل منك ومنّةٌ، وما أسعدني وأسعدها بك، وصلتني بالله تعالى وجعلتني لك صاحباً، وأكرمتني إذ طلبت حفصة زوجة لك، جزاك الله عني كل خير يا رسول الله.

وتزوج النبي صلى الله عليه وسلم ابنة الفاروق، وانضمت إلى عقد أمهات المؤمنين.

قال الصدِّيق لعمر: يا أخي لعلك غضبت مني حين عرضتَ عليَّ ابنتك فلم أعطك جواباً؟
قال عمر: لعمري إن ما قلته صحيح يا أبا بكر.
قال الصدِّيق: إنّي لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت عليّ إلا أنني كنت أعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر لي أنه يرغب في الزواج منها ولم يكن معنا أحد، فقلت: هذا سرّ لا ينبغي لي أن أفشيه، فلزمت الصمت إلى أن طلبها إليك بنفسه ، ولو تركها النبي صلى الله عليه وسلم لقبلتها يا عمر.
قال عمر: الآن ارتاحت نفسي، حفظك الله يا صدّيق ورضي عنك
. وتزوج عثمان رضي الله عنه أم كلثوم بنت النبي صلى الله عليه وسلم فلقِّب ذا النورين.
وقال النبي : (( لقد تزوج عثمان خيراً من حفصة، وتزوجت حفصة خيراً من عثمان )).

2- قالت عائشة رضي الله عنها: كنّ أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عنده، فأقبلت فاطمة رضي الله عنها تمشي، ما تخطئ مشيتها من مشية الرسول ، (فهي تشبهه حتى في مشيته) فلما رآها رحبّ بها وقال: (( مرحباً يا ابنتي )) ثم أجلسها عن يمينه، فحدّثها وبشّ لها، ثم مال إليها، فأسرَّ لها حديثاً، فبكت بكاء شديداً، فلما رأى جزعها أسرّ لها حديثاً آخر فضحكت، فتعجبتُ لبكائها وضحكها))،فقلت لها: خصّكِ رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين نسائه بالسرار ثم أنت تبكين!

فلما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم سألتها: ما قال لك رسول الله ؟
قالت: ما كنت لأفشي على رسول الله صلى الله عليه وسلم سرّه.

فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت لها: أقسمت عليك بالحب بيننا والمودة الصادقة التي تجمعنا أن تحدثيني بما قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالت: أما الآن فنعم، سوف أحدثك.

أما في المرة الأولى فأخبرني: أن جبريل عليه السلام كان يعرض عليه القرآن كل سنة مرة، يقرأ النبي صلى الله عليه وسلم ويعيده جبريل ليثبت في قلب المصطفى عليه الصلاة والسلام. أما في هذه السنة فقد قرأه الرسول الكريم مرتين وكرره عليه جبريل مرتين، فأحسَّ الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أن هذه دلالة على دنو الأجل، وأمرني بالتقوى والصبر على الفراق، فإن شرف السلف يعدل ما قد يبدو من ألم الفراق، وأنا نعم السلفُ لك، فبكيت بكائي الذي رأيته وسمعته.

وأما في المرة الثانية فإنه عليه الصلاة والسلام قال: (( يا فاطمة أما ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين وأفضلهن في الجنة ))، فأحسست بفضل الله الكبير عليّ ومكانتي في عليين فضحكت ضحكي الذي رأيته وسمعته.



(ليس للشيطان في بيتنا نصيب)





قال عثمان: يا أبت إنّ ذكر الله في كلِّ الأمور أمر رائع، وسمةٌ من سمات المسلمين يجب أن تلازمهم، ولكنني أراك تحرص على ذكر اسم الله تعالى في أمرين اثنين أكثر من غيرهما.
قال الأب: ذكر الله يا بني تجعلك في ذمته ورعايته، وهذا دأب المسلمين، وعنوان المؤمنين، ولكن ما الأمران اللذان تقصدهما يا عثمان؟
قال عثمان: أقصد ذكر الله تعالى حين تدخل البيتَ وحين تتناول الطعام.
قال الأب: أحسنت يا ولدي في ملاحظتك هذه، فالرسول الكريم عليه الصلاة والسلام يحضّنا على ذلك، فقد روى جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله:
( إذا دخل الرجل بيته، فذكر الله تعالى عند دخوله، وعند طعامه، قال الشيطان لأصحابه لا مبيت لكم ولا عَشاء، وإذا دخل، فلم يذكر الله تعالى عند دخوله قال الشيطان: أدركتم المبيت، وإذا لم يذكر الله تعالى عند طعامه قال: أدركتم المبيت والعشاء )
فهل عرفت يا عثمان لماذا أذكر اسم الله في الدخول إلى البيت وتناولِ الطعام؟
قال عثمان: نعم يا والدي، حفظك الله مربياً ومرشداً.
قال الأب: سأقص عليك يا ولدي موقفين اثنين للنبي صلى الله عليه وسلم يوضحان ما يجب أن تفعله إذا أكلت.
قال عثمان: أشكرك على ذلك يا أبتِ سلفاً فما هما؟
قال الأب: روى حذيفة بن اليمان صاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان قد حضر مع رسول الله طعاماً، ولا يجوز – كما تعلم – أن يبدأ أحد الطعام إلا إذا بدأه الكبير فيهم، والوجيهُ بينهم، وهذا نوع من أنواع الأدب، فلم يمدَّ أحدٌ يده، فهم ينتظرون الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أن يضع يده، فيفعلوا ذلك بعده، وقبل أن يمد الرسول صلى اللهُ عليه وسلم يده امتدت إلى الطعام يد فتاة صغيرة فلم تذكر اسم الله، فأخذ رسول الله يدها فأبعدها عنه.
ودفع أعرابي يده إلى الطعام مسرعاً دون أن يسمّي الله، فلتقّفها الرسول الكريم مانعاً يده أن تصل إليه، فلما نظرا إليه مستنكرين ما فعله قال النبي صلى الله عليه وسلم إذ ذاك: ( إن الشيطان يستحل الطعام أنْ لا يُذكرَ اسم الله تعالى عليه، وإن هذه الجارية حين مدَّت يدها مدَّ يده معها، وإن هذا الأعرابي حين مدَّ يده مدّ الشيطان يده مع يده، وقد منعت شيطانيهما أن يأكلا حين رددت يديهما، فالآن اذكروا اسم الله تعالى وكلوا ). ففعلنا.
قال عثمان: ألا يكفي أن يسمي واحد ممن يجلسون إلى الطعام، فتهرب الشياطين؟
قال الأب: ينبغي أن يسمّي كل واحدٍ، فإن لكلٍّ شيطاناً.

أما الموقف الثاني يا ولدي فإذا نسيت أن تذكر الله تعالى أوّل الطعام، فاذكره متى تذكرتَه، فقد روى أمية بن مخشِيٍّ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك ذات مرة، فقال له أصحابه: ما الذي أضحكك يا رسول الله؟ قال:
( ألا ترون إلى هذا الرجل الذي يأكل الآن؟ لم يذكر اسم الله تعالى فشاركه الشيطان طعامه، حتى لم يبق من طعامه إلا لقمة، فتذكر فقال: بسم الله أوله وآخره ورفع اللقمة إلى فمه، فلما سمع الشيطان ذكر الله استقاء ما في بطنه ).
يا بُنيَّ ؛احمدِ الله على رزقه وفضله تكن على خطا رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم ، فقد كان يقول حين ترفع إليه مائدته: ( الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه )، وكان يقول: ( من أكل طعاماً فقال: الحمد لله الذي أطعمني هذا ورزقنيه من غير حولٍ مني ولا قوةٍ غفر له ما تقدم من ذنبه ).



(ثمرٌ يانع ودعوة مستجابة)





روى أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غاب عنه فتى من اليهود كان يخدمه، فسأل عنه النبي صلى الله عليه وسلم ، فأخبروه أنه مريض، فما كان من البرِّ الرحيم صلى الله عليه وسلم إلا أن ذهب إلى بيت الفتى يعوده، ويدعو له بالشفاء، فلما وصل إلى بيته ورآه يحتضر قعد عند رأسه، وقال:
( يا غلام، أنت ذاهب إلى دار أخرى، ومنزل يختلف عن منزلك هذا، وأنا أرجو لك الخير، فلا تقابل الله إلا وأنت مسلم ).
كان الفتى محباً للنبي صلى الله عليه وسلم ، عارفاً صدقه، موقناً بنبوّته، ولكنْ كيف ينطق بالشهادة دون استئذانٍ من أبيه؟

صحيح أن برّ الأبناء آباءَهم فرضٌ فرضه الله تعالى علينا، لكن الحقَّ أحقُّ أن يتبع، والتزام الدين الصحيح أولى من البقاء على الكفر، ولعله كان يريد الإسلام في هذه اللحظة لكنه وجِلَ أن يراه أبوه يسلمُ دون إذنه، خواطر مرّت في ذهنه فما استطاع أن يحزم أمره، وهو على حافة قبره، فنظر إلى أبيه كأنّه يستشيره أو يرجوه أن يسمح له بالدخول في هذا الدين الجديد.

ورأى الأب في وجه ابنه علامة الرغبة في ذلك، ورأى فيه الاستعطاف في أن يوافق النبيَّ صلى الله عليه وسلم، ولعلّه أيضاً لم يشأ أن يخالف النبي صلى الله عليه وسلم وهو في بيته يعود ابنه، ولعله أيضاً كان يعرف في قرارة نفسه أن الكبر سيضرُّ ابنه إلى أبد الآبدين، فليسمح له باعتناق هذا الدين الجديد، وليكنْ ما يكون.
هذا ما قد يكون دار بخلَد اليهودي الأب فقال لابنه: أطع أبا القاسم.

وكانت النجاة من النار من نصيب الفتى، وأدركته رحمة الله سبحانه وتعالى قبل أن يلفظ أنفاسه، ونطق كلمةَ الفوز قبل أن يسلم الروح، وما أعظمه من فوز، وكلمةَ الصدق، وأعظم بها من كلمة صادقة أنقذته من الجحيم وحملته إلى ربض الجنة، شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وأسلم النفس إلى بارئها، وخرج النبي صلى الله عليه وسلم مرتاحاً لإسلام الفتى، منبسط الأسارير لخاتمة حياته، ما أسعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقد أنقذ به الله تعالى هذا الفتى من النار، فله الحمد وله الشكر.
{ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (128)}(التوبة)












عرض جميع مواضيع [ السعيد ]
عرض البوم صور السعيد   رد مع اقتباس
قديم 11-09-2018, 02:25 PM   المشاركة رقم: 12

معلومات العضو


الصورة الرمزية السعيد
إحصائية العضو








  السعيد has much to be proud ofالسعيد has much to be proud ofالسعيد has much to be proud ofالسعيد has much to be proud ofالسعيد has much to be proud ofالسعيد has much to be proud ofالسعيد has much to be proud ofالسعيد has much to be proud ofالسعيد has much to be proud ofالسعيد has much to be proud of
شكراً: 0
تم شكره 339 مرة في 277 مشاركة
 

علم الدوله :  qatar



التواجد والإتصالات
السعيد متواجد حالياً

كاتب الموضوع : السعيد المنتدى : ريآض سيرة الصحآبة رضوآن الله عليهم أجمعين
افتراضي رد: سلسلة قصص رواها الصحابة



(واستجاب الله دعاءَ أمِّ سلمة)






روت أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، قالت:
شهد أبو سلمة – زوجها – معركة أحد في شوال من السنة الثالثة للهجرة، فجُرح فيها جرحاً، فاندمل دون أن يبرأ، ثم انتقض هذا الجرح بعد مدّة يسيرة، وبدأ الألم يزداد حتى قضى عليه بعد ستة أشهر في جمادى من السنة الرابعة، فأتيتُ النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، إن أبا سلمة قد مات.
فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت أبي سلمة فرآه شاخص البصر فأغمض عينيه وقال: ( إن الروح إذا قبضَ تبعه البصر
فلما تأكد أهلُ أبي سلمة من موته علت أصواتهم بالبكاء وضجوا بالعويل، وبدأ بعضهم يدعو على نفسه ويرجو أن يلحقه أو يكون مكانه.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير، فالملائكة موجودة تسمع دعاءكم، وهي مجابة الدعوة، وتؤمِّن على ما تقولون ).
فلما هدأت نفوسهم قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا ربّ العالمين، وأفسح له في قبره، ونوّر له فيه ).
قالت أم سلمة: فلما رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأى الانكسار في وجهي، قال لي:
( قولي: اللهم اغفر لي وله، وأعقبني منه عقبى حسنة، اللهم اؤجُرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها ).
فقلت في نفسي: أيُّ المسلمين خيرٌ من أبي سلمة؟ أوّلُ بيت هاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟! ثم إني قلتُ مؤمنة بمقال النبي صلى الله عليه وسلم ، فجاءني رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد انقضاء عدّتي يطلبني لنفسه، فقلت له: يا رسول الله إنني امرأة قد أسنّت ولي عيال كثيرون، وأخاف أن لا أكون حسَنة التبعُّل.
قال النبي صلى الله عليه وسلم :
( إن رسول الله أسنُّ منكِ، أما عيالك فأنا وليُّ أمرهم، ويعينك الله على حسن التبعُّل ).

فتزوجها رضي الله عنها وكانت ذا رأي سديد، وفكر صائب، وكان أولادها في رعاية خير الأنام، محمد عليه الصلاة والسلام، وقد روت كثيراً من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان ابنها سلمة أحد رواة الحديث، وكان من أشهر ما رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( يا غلام سمِّ اللهَ وكل بيمينك، وكل مما يليك ).
وقد كان أبو سلمة رضي الله عنه أخاً للنبي صلى الله عليه وسلم في الرضاع وكان حمزة رضي الله عنه أخاهما فيه كذلك





(فضل المسير إلى المسجد)





حفظك الله أبا أيمن، وبارك فيك، وجعلك من خاصته، وأهل طاعته.
هكذا استقبل أبو حسان أخاه أبا أيمن حين رآه قادماً من المسجد في حرِّ الرمضاء وقد أدى صلاة الظهر في المسجد جماعة، لا يثنيه عن ذلك بعد المسجد، ولا ظلمة الليل، ولا هجير الظهر، وشدة الرطوبة التي يلفح حرُّها وجهه المشرق بالإيمان، ثم قال له: ما الذي يشدك إلى الجامع على الرغم من هذا الطقس الذي يُحيل حرُّه الجسمَ عرقاً، ولهيبه الرملَ جمراً؟
قال أبو أيمن: قولُ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((من غدا إلى المسجد أو راح أعدَّ الله له في الجنة نُزُلاً كلما غدا أو راح))، وسكت قليلاً يمسح العرق عن جبينه ثم قال: وقولُ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((من تطهَّر، ثم مضى إلى بيت من بيوت الله ليقضي فريضة من فرائض الله كانت خطواته إحداهما تحطُّ خطيئة، والأخرى ترفع درجة)).
ألا ترى يا أخي أننا كثيرو الذنوب والآثام؟ وليس لنا من العمل الصالح إلا القليل؟ وكثرة خطانا إلى المساجد، ومنها، تمحوها وتكسبنا الحسنات دون عناءٍ يذكر.
قال أبو حسان: كتب الله لك العافية وجمّلَكَ بالصبر، أفلا استأجرت سيارة إلى المسجد، أو انتظرتني لآخذك في طريقي إليه؟
قال أبو أيمن: إذاً فاستمع إلى هذه القصِّة لتدرك زهدي فيما رَمَيتَ إليه:

كان رجل من الأنصار، لا أحد أبعدُ من المسجد منه، وكانت لا تخطئه صلاة، فقيل له: لو اشتريت حماراً تركبه في الظلماء، وفي الرمضاء إلى المسجد؟
قال: ما يسرُّني أنّ منزلي إلى جنب المسجد؛ إني أريد أن يُكتب لي ممشاي إلى المسجد ورجوعي إذا رجعتُ إلى أهلي.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً يسمع إلى حديثه فقال له: ((قد جمع الله لك ذلك كله)). وأنا مثله أرجو هذا الثواب يا أخي.
قال أبو حسان: صدقت يا أخي، متعك الله بالصحة، وكتب لنا ولك الأجر العميم، فقد روى جابر رضي الله عنه فقال:
خلت البقاع حول المسجد، فأراد بنو سلمة أن ينتقلوا قرب المسجد، فبلغ ذلك النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فقال لهم: ((بلغني أنكم تريدون أن تنقلوا قرب المسجد؟)) قالوا: نعم يا رسول الله، قد أردنا ذلك.
فقال: ((بني سلمة!! ديارَكم تُكتبْ آثارُكُم، ديارَكم تُكْتب آثارُكم)).
فقالوا: ما يسرُّنا أنّا كنّا تحوّلنا.

قال أبو أيمن: أما المسير في ظلمة الليل إلى العشاء، وصلاة الصبح فأجره عظيم جداً، نورٌ في البصر والبصيرة، وأمان على الصراط ويوم الحشر، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : ((بشّروا المشّائين في الظلم إلى المساجد بالنور التامِّ يوم القيامة)).أفرأيت أحسنَ من هذا يا أخي؟
قال أبو حسان: لا والله، تبذل الجهد القصير في هذه الدنيا الفانية، فتنال الأجر الدائم، والثوابَ القائم في الدار الباقية.

فهنيئاً لك يا أخي الحبيب ممشاكَ إلى المسجد في الأوقات كلها.
وهنيئاً لك صلاة الجماعة ذات الأجر المضاعف.
وهنيئاً لك رضا الله سبحانه وبشرى نبيّه الكريم.





(شكوى الجمل)



دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بستاناً لأحد الأنصار، وكان هذا البستان واسعاً مُسوَّراً يكثر فيه النخيل، وكانت الظلال الوارفة تطرد الحَرَّ وتهيئ لمن جلس فيها أنساماً باردة تداعبه وتغريه بالبقاء فترة من الزمن يتمنّى كل لحظة أن تطول، وكان خرير الجداول المنبثة بين الأشجار عزفاً لطيفاً يملأ المكان أنساً ولطافة يغريان بالصمت، ويشدان الآذان إلى التحليق في أجواء موسيقى طبيعية حلوة.

وإلى جانب السور جمل بدا كله ملتصقاً بالأرض، ساكناً، يحرك عنقه بين الفينة والأخرى، يمضغ بعض الأشواك، ويرسل رغاءً خفيفاً بين الحين والآخر، فلما رأى الجمل رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر إليه بعينين سالت مدامُعها وبدأ صوته يتوالى، ومد رأسه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .

لقد عرف فيه إنساناً رؤوفاً رحيماً، ونبياً عطوفاً كريماً، لا تعجب! فالحيوانات كلها كانت من جند سليمان عليه السلامُ تعرف مقداره ومكانته وتقرُّ له بالنبوة والطاعة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ذو المكانة الأرفع والمقدار الأسمى له من الآيات الدالة على محادثته الحيوان القصصُ الكثيرة، بل إن الجذع حنَّ إليه، ومال نحوه، وأصدر أنيناً حزيناً حين فارقه الرسول صلى الله عليه وسلم على منبره، فترك رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر، وخطا إليه يمسح عليه ليسكت، ويعدُه أن يكون من شجر المدينة إن صبر.

جاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى الجمل فمسح سنامه ورأسه وأذنيه بيده الرحيمة، وربتّ على رقبته، فسكن الجمل واستكان إليه. هذا الحيوان الأعجم هدأ حين وضع الرسول العظيم يده الحانية عليه وشعر بالأمان والاطمنان، وعلم أنه بين يدي أكرم الخلق على الله سبحانه، وعلم أنه وصل إلى من ينصفه، ويدفع عنه الظلم، فأسلم قياده إليه، واعتمد في رفع ظُلامته عليه، لقد آوى إلى ركن ركين، وملاذٍ أمين.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ((من صاحب هذا الجمل؟ لمن هذا الجمل؟))
فانطلق أحد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يلتمس صاحبه ويبحث عنه، فلما عرفه، دعاه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلما جاء مسرعاً قال له النبي صلى الله عليه وسلم : ((ما شأن جملك هذا؟ وماذا كلّفتَه؟)).
قال الأنصاري صاحب الجمل: لا أدري ما شأنه يا رسول الله، ولكنْ حملنا عليه أثقالاً كثيرة، ثم ربطناه إلى الساقية يدور حولها ليرتفع الماء فنسقي النخيل والأشجار، فبذل جهده، ثم توقف وقد ظهر العجز عليه، وهذا أمرٌ لم نكن نعهده فيه، فاتفقنا على نحره، وأكل لحمه، فقد أسنّ ولم يعد للعمل صالحاً.
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ((لا تفعل ذلك، وأرِحه، وأكثر عَلَفه، ولا تكلفه إلا ما يُطيق، واتق الله فيما ملّكك من البهائم، ليبقى عليك فضله، ويزيدك من رزقه. فإن هذا الجمل شكا إليَّ أنك تجيعه، وتتعبه في العمل فلا تقابل نعمة الله بمعصيته، بل بالشكر والإحسان ليدوم لك الامتنان)).





(الجهاد طريق الجنة)





مرَّ رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بشعبِ جبل لا يقصده أحد، فرأى فيه عين ماء عذب، فأعجبته، فقال: وددت لو اعتزلت الناس في هذا المكان المنقطع أعبد الله تعالى، فلا تقع مني إساءة لأحد، ولا يسيء أحد إليَّ فألقى ربي خفيفاً نظيفاً ليس لأحد عليَّ مظلمةٌ، ولن أفعل ذلك حتى أستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فلما جاءه وأخبره بالشعب وعُيَيْنة الماء ورغبته في اعتزال الناس هناك، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : (لا تفعل، فإن مُقام أحدكم في سبيل الله أفضل من صلاته في بيته سبعين عاماً، ألا تحبون أن يغفر الله لكم، ويدخلكم الجنة؟!)
قال الحاضرون: بلى،
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (اغزوا في سبيل الله)، ثم أردف عليه الصلاة والسلام قائلاً: (والذي نفس محمد بيده لوددت أن أغزو في سبيل الله فأُقتل، ثم أغزو فأُقتل، ثم أغزوَ فأُقتل).
صمت الناس، وهم بين متعجب من فضل الجهاد ومفكِّرٍ في ما يعادله من الثواب.
قال رجل: يا رسول اله، فما جزاء من قاتل في سبيل الله؟
قال صلى الله عليه وسلم : (الجنّة، من قاتل في سبيل الله من رجل مسلم فُواقَ ناقة – الفواق ما بين الحلبتين من الزمن – وجبت له الجنّة، ومن جرح جرحاً في سبيل الله أو نُكبَ نكبةً فإنها تجيء يوم القيامة كأغزر ما كانت، لونها الزعفران وريحها كالمسك).
قال رجل: ما الذي يعدل الجهاد يا رسول الله؟
قال صلى الله عليه وسلم : (لا تستطيعونه
فكرَّرَ عليه السؤال، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تستطيعونه)، فلما تعجبوا قال عليه الصلاة والسلام:
(مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم، القائم، القانت بآيات الله، لا يفتُر من صلاة ولا صيام حتى يرجع المجاهد في سبيل الله).
قال الحاضرون: مَنْ يستطيع ذلك؟! لن تجد إلا الملائكة يستطيعون ذلك.
ثم إن فتى جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني أريد الغزو، وليس معي ما أتجهز به. قال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم : (ائت فلاناً، فإنه كان قد تجهّز للحرب، فمرض، فأقرئه السلام وخذ ما تجهّز به).
فذهب الفتى إلى الرجل المريض، فسلّم عليه، ثم قال له: رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرئك السلام ويقول: أعطني الذي تجهّزت به.
قال الرجل: سمعاً وطاعة لرسول الله، ثم التفت إلى امرأته فقال: يا فلانة أعطيه الذي كنت تجهّزتُ به، ولا تحبسي عنه شيئاً، فوالله لا تحبسين منه شيئاً فيباركَ الله لك فيه، فأدّته إليه كاملاً.

وجاء رجل مدجج بالسلاح إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أتأمرني أن أسلم ثم أقاتل أم أقاتل ثم أسلم؟
قال صلى الله عليه وسلم : ((لا يقبل الله العمل إلا بعد الإيمان، فأسلم ثم قاتل)).
فحين أسلم الرجل ثم قاتل، َقُتِل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (عَمِلَ قليلاً وأُجِر كثيراً).

قال رجل: فما فضل الشهادة يا رسول الله؟
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (ما أحدٌ يدخل الجنة يجب أن يرجع إلى الدنيا، وله ما على الأرض من شيء إلا الشهيد، يتمنّى أن يرجع إلى الدنيا، فيُقتل عشرَ مرات، لِما يرى من الكرامة).

والتقى المسلمون في غزوة بدر بالمشركين، وصفّ الرسول الكريم صل الله عليه وسلم المسلمين ثم قال: (لا يباشرْ أحد منكم بالقتال إلا إذا أذنت لكم
فقالوا: سمعاً وطاعةً، ثم إنّ المشركين هاجموا المسلمين، فلما وصلوا إلى مرمى سهامهم أمرهم القائد الفذُّ صلى الله عليه وسلم فرشقوهم بالسهام، فلما دنوا أمرهم أن يرموهم بالرماح، فلما تلاحموا بدأ الطعن والضرب بالسيوف، ونادى رسول الله صلى الله عليه وسلم : (قوموا إلى جنّة عرضها السماوات والأرض) ، فقال عمير بن الحمام الأنصاري، رضي الله عنه: يا رسول الله؛ جنّة عرضها السماوات والأرض؟
قال: (نعم).
فقال عمير: بخٍ بخٍ متعجباً، مفخماً ما سمعه،
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (ما الذي دعاك إلى قول بخٍ بخٍ؟) قال عمير: يا رسول الله رجاء أن أكون من أهلها،
قال الرسول صلى الله عليه وسلم : (فأنت من أهلها).
وأخرج عميرٌ تمرات من جَعبته، فجعل يأكل منهن ثم حنَّ إلى القتال، فقال: لئن أنا حييت حتى أكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة، إنها لحياة طويلة، لا أريدها، فأنا أصبو إلى حياة دائمة تمنعني عنها هذه التمرات، فرمى ما كان معه من تمرات، ثم قاتل المشركين، يضرب هنا وهناك حتى قتل، فدخل الجنّة فهو في حوصلة طير أخضر يأكل من ثمار الجنّة، ثم يأوي إلى عرش الرحمن آمناً مطمئناً.



(بئر معونة)





في السنة الرابعة للهجرة قَدِم أبو براء بن عازب بن مالك، ملاعبُ الأسنّة، وهو سيّد قومه بني عامر بن صعصعة، على رسول الله صلى الله عليه وسلم في مدينته الطيبة، وأهدى النبيَّ صلى الله عليه وسلم هديةً لم يقبلها، وقال: (يا براء، لا أقبل هدية مشرك
ثم عرضَ عليه الإسلام، وبما أن الزعماء يكبر عليهم أن تُردَّ هديتهم لأنها عنوان سيادتهم، فقد قال للنبي صلى الله عليه وسلم : إن أمْرك هذا حسنٌ – ولم يسلم – فلو بعثتَ رجلاً من أصحابك إلى أهل نجد يدعوهم إلى دينك لرجوت أن يستجيبوا لك.
قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أخشى عليهم أهل نجد ففيهم غدر ).
قال أبو براء: أنا جار لهم.

ماذا يفعل رجل واحد مع رجال قلوبهم قدَّت من صخر، وسكن الشيطان في صدورهم، وفرَّخ فيها؟
لأبعثنَّ لهم رجالاً صدقوا الله ما عاهدوه عليه، حياتهم للقرآن، يتدارسونه كل وقتهم، ولْيكونوا من الأنصار الذين آمنوا بي ونصروني، وأعزَّ الله بهم وبمدينتهم الإسلام، وهبُوا حياتهم لمولاهم، وقرآنه محفوظ في عقولهم وأفئدتهم، أسميتهم القرّاء، يتدارسونه في الليل، ويخدمون إخوانهم في النار، فيجيؤون بالماء إلى المسجد لينتفع به المحتاجون شرباً ووضوءاً، وينطلقون إلى أحراش المدينة، فيحتطبون ويبيعون الحطب، فيشترون لأهل الصفّة من الفقراء والمحتاجين طعاماً.

وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى نجد سبعين رجلاً من القرّاء، فيهم حرام بن ملحان، خال أنس بن مالك، وعامر بن فُهيرة، وساروا حتى نزلوا بئر معونة، من أرض بني عامر فلما نزلوها أرسلوا حرام بن ملحان بكتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى شيخ قبائلهم عامر بن الطفيل، فلما أتاه لم ينظر في كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يَرْعَ حرمة رسوله، فعدا عليه فطعنه وقتله، فقال حرام وهو يلفظ أنفاسه: فزت وربِّ الكعبة، .. فاز بالجنّة، عرضها السماوات والأرض، وفاز برضوان الله تعالى، فحياتُه، وعمله، وأمله أن يصل إلى هذا، ووصل لأنه كان صادقاً يسعى بكل ما أوتي إلى لقاء الله، فلقيه، فأحسن الله وفادته.

واستصرخ عامر بن الطفيل بني عامر لقتل القرّاء، فقالوا: لن نخفر أبا براء، فقد أجارهم، لكنهم تخاذلوا عن نصرة المسلمين القادمين إليهم ليعلّموهم ويفقهوهم، حين استصرخ بقية القبائل من بني سليم وعصيّة، ورعل، وذكوان، فأجابوه وخرجوا إلى المسلمين وأحاطوا بهم حتى قتلوهم عن آخرهم.

هكذا أعداء الله، لا يرعَون في مؤمن إلّاً ولا ذمّة، ولا عهداً، ولا ميثاقاً، فهم لا يريدون لراية الإسلام أن تعلو خفاقةً، ولا لضياء الحقِّ أن ينير الدنيا خيراً وعدلاً، يقتلون الدعاة ويكممون الأفواه، ويفترون عليهم أسوأ الصفات، ويزعمونهم خارجين على الأمة إرهابيين متخلفين! وهم هكذا في كل زمان ومكان، يريدون أن يطفئوا نور الله، ولكن هيهات هيهات، فما للمخلوق قِبَلٌ للخالق، ولا الضعيف بالقوي طاعة.

قال القرّاء وهم يرون مصارعهم حين أحاط بهم الأعداء، فُزنا وربّ الكعبة كما فاز حرام بن ملحان، وانتضوا سيوفهم وقارعوا عدوهم وجأروا إلى الله بالدعاء: اللهم بلّغ عنّا نبينا أنا قد لقيناك، فرضينا بك ربّاً وبشرعك ديناً، وبنبيّك رسولاً، وأنك رضيت عنا فأدخلتنا الجنة وشملتنا برحمتك وغفرانك.

وأمر الله تعالى سفيره الكريم جبريل عليه السلام فأوصل ما قالوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال للمسلمين: ( إن إخوانكم قد قتلوا، وإنهم قالوا: اللهم بلّغ عنا نبيك أنا قد لقيناك فرضينا عنك ورضيت عنا ) وصلى رسول الله والمسلمون معه على هؤلاء الشهداء صلاة الغائب، وحزن عليهم، وكيف لا يحزن المسلمُ على إخوانه، وهم قد بذلوا أرواحهم وحياتهم لله، وقال صلى الله عليه وسلم : (هذا من عمل أبي براء، لم يدافع عنهم) ، فبلغه ما قال النبي الكريم، فحملته النخوة العربية والخوف من العار إلى أن طعن عامر بن الطفيل فخَرَّ عن فرسه، ودميَ، وعرف الأخير أنه أساء لعمّه فقال: إن مِتُّ فلا تنالوه بسوء، دمي حلال له، لكنّه لم يمت.

رحم الله قتلى بئر معونة، ورحم الدعاة في كل أرض وكلّ زمن، فإن إيذاءهم يترى، والتضييق عليهم يستمر، ورغم كل هذا فهم على طريق الهدى سائرون.
{ وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (8)}(البروج)




(سعد وسعيد)




1- حين فتح المسلمون العراق بقيادة المثنى بن حارثة، ثم أتمها خالد بن الوليد رضي الله عنه جهز الفرس جيشاً عرمرم بقيادة رستم، وانطلقوا من فارس يريدون دحر المسلمين واسترجاع ما سُلب منهم.
كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب قد جهز جيشاً قوياً يحارب به هؤلاء، وحدثته نفسه أن يقوده بنفسه، فمنعه أصحابه قائلين: إن المسلمين بحاجة إليك، وأصحابُك فيهم القادة العظام، المجرّبون في الحرب القادرون على إحراز النصر بإذن الله، نزل الفاروق على رأيهم، واستشارهم فيمن يوليّ، فوقع الاتفاق على أحدِ العشرة المبشرين بالجنة، سعد بن أبي وقاص، أول رام بسهم في الإسلام، والوحيد الذي فداه الرسول الكريم بأمه وأبيه حين قال له في غزوة أحد:
(( ارم يا سعد ارم، فداك أبي وأمي ))، لم يتخلف عن غزوات الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ، كان مستجاب الدعوة رضي الله عنه.
عيّنه الفاروق أميراً على الجيوش الإسلامية، وكانت الرسل بينهما تتوالى يومياً، وكان أمير المؤمنين، يزوّد سعداً بالمؤن والذخائر والجنود، ويطلّع على مجريات المعركة، ويسدّدها، وعنه تصدر التعليمات، فكأنه القائدَ الفعليَّ للمعركة، وانتصر المسلمون في موقعة القادسية على الفرس نصراً مؤزراً، وصار سعدٌ والي العراق، ومقرّه الكوفة، يحكم بالعدل، يواسي الفقير، ويأخذ على أيدي الظالم، ويقسِمُ بالسويّة، ولكنَّ أهل السوء – في موسم الحج – شكَوه إلى أمير المؤمنين، ووصفوه بغير ما هو أهل له، فعزله، ليس تصديقاً لهم، إنما يريده مستشاراً له، واستعمل عليهم عمار بن ياسر رضي الله عنه، ثم إنهم حين رأوا عمر عزله اشتطوا فقالوا: إنه لا يحسنُ الصلاة.
أصاحبُ رسول الله صلى الله عليه وسلم المبشر بالجنّة، الذي استعمله رسول الله على غزواتٍ ومدحه وفداه بأمه وأبيه لا يحسن الصلاة؟!! هذا افتراء وبهتان،
احتد سعدٌ وقال: أما أنا فوالله كنت أصلي بهم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لا أخرم عنها، أقرأ في الركعتين الأوليين من صلاة العشاء فأطوّل وأخفف في الثالثة والرابعة كما يفعل رسول الله صلى الله عليه سلم .
قال عمر: صدقت يا أبا إسحاق فوالله لأنت الصادق وهم الكاذبون.
ولكي يطيّبَ الفاروق خاطر سعد أرسل معه وفداً إلى الكوفة، يمرون معه على مساجدها، ويسألون الناس عن سعدٍ وسيرته فيهم حين كان أميراً، فلم يدَعوا مسجداً إلا سألوا المصلين فيه عن سعدٍ رضي الله عنه، والناس يذكرونه بالخير، ويثنون عليه، ويفيضون في مدحه.
حتى إذا وصل إلى مسجد لبني عبس ذكره الناس فيه كالعادة بالفضل وسموّ الأخلاق، والعدل، فقام رجل منهم ضاقت نفسه لمدحه وكان ممن فسَدوا عليه، واغتابوه، يقال له أسامة بن قتادة ويكنى أبا سعدة، فقال: إن كنتم تطلبون الصدق في سعد فإليكم حقيقة الأمر:
فإنه كان يرسل الجيش للقتال ولا يخرج معه.
وإذا قسم بين الناس الأموال كانت قسمته ضيزى، ليس فيها مساواة.
وإذا حكم بينهم لم يعدِل، إنما دأبه أن يميل إلى ذوي الأموال والأهواء.
وهنا تأثر سعدٌ رضي الله عنه، وكان كما أسلفنا مستجاب الدعوة فقال:
أما وقد قلتَ فإني أدعو عليك دعوات ثلاثاً.
اللهم إن كان عبدك هذا كاذباً، قام رياء وسمعة فأطلْ عمره، وأطل فقره، وعرّضه للفتن.
فكان هذا الشيخ بعد ذلك إذا سئل ما شأنك؟ قال: أصابتني دعوة سعدٍ، فها أنا شيخ كبير مفتون أعمى، عندي عشرُ بنات لا أعرف كيف أصرف عليهن.
وعاش الرجل إلى أن أدرك إحدى الفتن فغاص فيها.
قال جابر بن سمرة: لقد أبصرت هذا المفتون الكذاب قد سقط حاجباه على عينيه من الكبر، وإنه ليتعرض إلى الفتيات في الطريق فيغمزهن ويمسك بأصابعهن يداعبهن كما يفعل السفيه، فيهربن منه.

2- أما سعيد بن زيد، وهو كذلك أحد العشرة المبشرين بالجنة رضي الله عنه، فقد خاصمته امرأة اسمها أروى بنت أوس إلى مروان بن الحكم، وادّعت أنه أخذ شيئاً من أرضها،
فقال سعيد: أنا آخذ من أرضها شيئاً بعد الذي سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!
قال مروان: ماذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟
قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
(( من أخذ شبراً من الأرض ظلماً، طوّقه إلى سبعة أرضين )).
فقال مروان: لا أسألك بعد هذا بيّنة، فأنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، شهد لك بالجنّة. قال سعيد: اللهم إن كانت كاذبة فأعمٍ بصرها، واقتلها في أرضها، فما ماتت حتى ذهب بصرها فكان الناس يرونها تلتمس الطريق تقول: أصابتني دعوة سعيد.. وإنها مرّت على بئر في الدار التي خاصمته فيها، فوقعت فيها، فكانت قبرَها.




(المجتمع المتكافل)



طعام الاثنين يكفي أربعة، وطعام الأربعة يكفي ثمانية، هكذا قال النبي صلى الله عليه وسلم ، ويكفي الإنسان بضع لقيمات يُقمن صلبه، فلم يخلقنا الله تعالى للأكل والشرب، وإنما جعلهما وسيلة لغاية سامية، لحياة نكون فيها عباداً لله فننشئ مجتمعاً متراحماً متكافلاً.
إن أصحاب الصفّة كما مرّ معنا كانوا أناساً فقراء، وإن النبي صلى الله عليه وسلم قال مرة:
(( من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث (يأكل معهما)، ومن كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامسٍ، بسادس ))،
وهكذا، فقام أبو بكر إلى ثلاثة من أهل الصفّة، فدعاهم إلى بيته، ثم إنّه قال لابنه عبد الرحمن: هؤلاء أضيافك يا بني، فإني منطلق إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فلي عنده ما يشغلني، فأطعم أضيافك، وأحسِنْ قراهم.
وانطلق الصديق أبو بكر إلى دار النبي صلى الله عليه وسلم فجلس عنده ما شاء الله له أن يجلس، وتعشى عنده مع نفر من أصحابه، ولبث هناك إلى ما بعد صلاة العشاء.
أما عبد الرحمن فقد جاء بطعام إلى أهل الصفّة الذين جاء بهم أبوه الصدّيق رضي الله عنه فقال: اطعَموا،
فقالوا: أين ربّ منزلنا؟
قال: إنه ذهب لبعض شأنه، وأمرني أن أضيفكم،
قالوا: ما نحن بآكلين حتى يجيء والدك، ولن نأكل إلا بوجوده وأن ينال من الطعام معنا.
قال عبد الرحمن: أرجوكم أن تأكلوا، فوالله إنه إن جاء، ولم تطعموا لألقينَّ منه ما يسوء، فلم يقبلوا، فعرفتُ أنه سيغضب مني، واحترت في أمري، فلما جاء بعد العشاء وجدهم جالسين لم يعودوا إلى منزلهم، فعلم أنهم لم يأكلوا، فسألهم عن إبائهم الطعام فقالوا: أنت دعوتنا، فلما ذهبت انتظرناك.
وكنتُ لما رأيته داخلاً اختبأت لئلا أرى منه وأسمع ما لا يسرُّ،
فنادى: أين أنت يا عبد الرحمن؟ كيف تترك أضيافك دون طعام؟ فلما لم أجبه، وكان يعلم أني أسمعه، قال: سألتك بالله أن تجيبني إن كنت تسمعني،
فلم أر بدّاً من إجابته، فجئته على خوف واستحياء، فأسمعني ما كنت أتوقعه، فقلت له: يا أبتِ والله لقد عزمت عليهم أن يطعموا، واعتذرت لهم عن غيابك، فأبوا وقالوا: لسنا بآكلين إلا إذا أكل الصديق، فالتفت إليهم قائلاً: أحقاً ما يقوله هذا؟
قالوا: صدق والله، فكيف نأكل ولست معنا؟! فظهر الغضب على وجهه، أما الآن فليس مني، ولكن منهم فقال مغضباً: كلوا لا هنيئاً ولا مريئاً، فتقبّلوا هذا منه لمكانته عندهم، ولأنهم أغضبوه، فكيف يُدْعون فلا يأكلون؟ وابنه بينهم، وهو منشغل عنهم؟.
لم تمتد أيديهم إلى الطعام، فسألهم ما يمنعكم أن تأكلوا؟ قالوا: أنت صاحب الطعام وصاحب البيت فابدأ أولاً،
قال: انتظرتموني، ثم فرضتم عليَّ الأكل، والله لا ذقته أبداً هذه الليلة،
قالوا: والله لا نطعمه حتى تطعمه.
قال: ويلكم!! ما لكم لا تقبلون عنا قراكم، هات طعامك يا عبد الرحمن، فجاء به إليه، وهو شبعان، قد أكل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فوضع يده فقال: بسم الله، لأحنثنّ بقسمي هذا، فهو من الغضب ومن الشيطان، وأخذ الأضياف الثلاثة وعبد الرحمن وأم رومان زوجة الصديق يأكلون، والصدِّيق ينظر إليهم ويبتسمُ، ولكنّه التفت فجأة إلى زوجته فقال لها: يا أم رومان ما الذي أراه، فانتبهت وقالت: سبحان الله، إن الطعام يكثر، ولا يقلُّ، كلما أكل أحدهم لقمة رَبَت من أسفلها أكثر منها حتى علا الطعام في القصعة، وكاد يسقط منها، فلما شبع القوم، بعث الصدِّيق غلامه بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره بخبرها، فأكل النبي صلى الله عليه وسلم منها، وتركها عنده إلى الصباح.

وجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم اثنا عشر رجلاً، كانوا على موعد معه فخرج بهم إلى ظاهر المدينة، حيث كان في انتظارهم عدد كبير من المسلمين، وهناك قسّم الرسول صلى الله عليه وسلم الناس إلى اثنتي عشرة مجموعة على رأس كلّ واحدة منها رجل ممَّن كانوا عنده في الصباح، ثم قدَّم لهم النبي صلى الله عليه وسلم هذه القصعة فأكل منها الجميع وكفتهم، فقد كانت مباركة، ظهرت بركتها عند الصدِّيق رضي الله عنه، وزادت بركةً في بيت النبي صلى الله عليه وسلم .







(أهل الأنوار)





كانت ليلة مظلمة من ليالي المدينة، غابت عنها نجومها، وغاب عنها قمرها، لكن الصحابة الأجلاء كانوا يقبسون الأنوار من قمر الهداية، وكوكب العناية الربانية، مَن اصطفاه ربه فأعلى مقامه، وجعله نوراً يهدى به البشرية إلى يوم القيامة.

سمعوا آيات الله تتلى من فم مَن عليه نزل القرآن الكريم، فملأ قلوبهم نوراً وعيونهم ضياءً، وسمعوا كذلك من المصطفى دعاءه:
(( اللهم اجعل من أمامي نوراً، ومن خلفي نوراً، وعن يميني نوراً، وعن شمالي نوراً، ومن فوقي نوراً، ومن تحتي نوراً، اللهم اجعلني نوراً ))،
أو كما قال عليه الصلاة والسلام، فلما أرادوا العودة إلى بيوتهم كانت الأنوار تحفهم من كل جانب، وكأنهم في رابعة النهار.

هذا أُسيد بن حضير وعبادة بن بشر رضي الله عنهما يخرجان من حضرة النبي (الضياء) عليه الصلاة والسلام، وأمامهما مثل المصباح ينير دربهما .. ما كانا يغنيَّان، ولا يتمايلان تمايل السكارى.. ولم يكن حديثهما مما يندى له الجبين، إنما كانا ملكين يمشيان على الأرض، ذكرُ الله في قلبيهما ولسانيهما، يحمدانه على نعمة الإسلام، ونور الإيمان.
كان هذا المصباح يشق طريقهما فترتاحُ نفساهما إلى ما هما عليه من دين عظيم كريم يقرب إلى الله تعالى.
فلما افترقا كلُّ إلى أهله انقسم هذا النور نورين، والمصباح مصباحين.

أرأيت أخي الحبيب ما يفعل الإيمان والإسلام في حياة أتباعه؟

جعلنا الله من أهل الأنوار في الدنيا والآخرة.







(غزوة الرجيع)





في السنة الرابعة للهجرة، وفي شهر صفر منها، جاء رهط من قبيلتي عُضَل والقارة، أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر، يريدون أن يظفروا ببعض المسلمين أسارى ليبيعوهم إلى مشركي مكة فيقتلهم هؤلاء بقتلاهم في أحد فقال هؤلاء الرهط للنبي صل الله عليه وسلم: يا رسول الله إن فينا رغبة في الإسلام، فقد بدأت بيوتنا يفشو فيها هذا الدين الحديث، ولا نعرف شيئاً عنه، فابعث لنا نفراً يفقهوننا في الدين، ويقرئوننا القرآن.

كانت هذه الكلمات منهم عرضاً رائعاً، حفز النبي صلى الله عليه وسلم – وهو سيّد الدعاة – على أن يرسل إليهم بعض الفقهاء الشباب، يعلمونهم دينهم، ويرشدونهم إلى سنّة نبيهم، والشباب عدّة المستقبل وبُناته، وعلى همتهم تقوم أركانه، فاختار ستة وأمّرَ عليهم عاصم بن ثابت، فانطلقوا معهم إلى نجد – مكان إقامتهم -.

فلما كانوا بالهدأة وهي بلدة بأعلى مرِّ الظهران، ظهر الغدر في عيون أولئك الرهط، وقاموا يريدون أسرهم، فلما علموا أنهم لا يقدرون عليهم استصرخوا عليهم حياً من هذيل، فبعثوا لهم مئة رجل، فالتجأ المسلمون إلى جبل، واعتصموا فيه، فلما رأى المشركون أن لا سبيل إلى هؤلاء النفر الستة استنزلوهم وأعطوهم الأمان، وأقسموا أن لا ينالوهم بسوء، فقال عاصم: والله لا أنزل على عهد كافر، فالكافر لا أمان له ولا ذمّة، وصعّد نظره في السماء وقال: اللهم بلّغ عنا نبيّك أنّا نموت على دينك وأنه أدى الأمانة وبلغ الرسالة ونصح الأمة فعليه منك الصلاةُ والسلام، وكان على رأيه اثنان آخران هما مرشد بن أبي مرشد، وخالد بن البَكير، فقتل عاصمٌ ومرشد وخالد.
واستأسر بعد ذلك خبيب بن عدي، وزيد بن الدثِنَّة ورجل آخر هو عبد الله بن طارق، فلما أسروهم، أظهروا الغدر كعادتهم وربطوهم بالقسيّ، فقالوا لهم: أين العهد والذمّة، فقال المشركون: لا عهد لكم ولا ذمة، وصدق الله العظيم حين وصف المشركين قائلاً:
{ لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (10)}(التوبة)"
وساقوهم إلى مكة، أما عبد الله بنُ طارق فلم يرضَ المسير، وتمنّى لو قتل مع الشهداء الثلاثة، واستمكن في الأرض، فدفعوه، فلما يئسوا منه وضعوا السيف في صدره فلحقت روحه بإخوانه الثلاثة إلى بارئها.
وأراد هؤلاء القتلة أن يحزّوا رأس عاصم ليبيعوه من سلافة بنت سعد، وكانت نذرت أن تشرب الخمر في رأس عاصم لأنه قتل ابنَيْها في غزوة أحد، فجاء النحل بأعداد هائلة يطنُّ حوله، فما استطاعوا الوصول إليه، فقالوا: دعوه إلى المساء فيذهب النحل، فنأخذه، فبعث الله تعالى سبيلاً احتمله، وكان عاصم عاهد الله أن لا يمسّ مشركاً، ولا يمسّه مشرك، فمنعه الله في مماته كما منعه في حياته.
وأما خبيب فقد اشتراه بنو الحارث بن نوفل، وكان خبيب هو الذي قتل الحارث في "أحد" فأخذوه ليقتلوه به، فبينما خبيب عند بنات الحارث استعار من إحداهنّ موسى يستحدُّ بها، فاقترب منه طفل صغير فجلس على فخذ خبيب، والموسى في يده، فصاحت المرأة خوفاً على صغيرها أن يقتله خبيب، فقال لها: أتخشين أن أقتله؟ إن الغدر ليس من شيمة المسلمين وليس من شأنهم الغدر بالآخرين، وأعاده إلى أمه، فكانت هذه المرأة تقول: ما رأيت أسيراً أخيرَ من خبيب، لقد رأيته، وما بمكة ثمرة، وإن في يده لقِطفاً من عنب يأكله، ما كان إلا رزقاً رزقه الله خبيباً.
فلما خرجوا من الحرم ليقتلوا خبيباً قال: ردّوني أصلي ركعتين، فتركوه فصلاهما، فسن سنة حسنة لمن يقتل صبراً أن يصلي ركعتين.
ثم قال: لولا أن تقولوا جزع لزدت، وقال أبياتاً منها:

ولست أبالي حين أقتل مسلماً * على أي جنب كان في الله مصرعي
وذلك في ذات الإله، وإن يشأ * يبـارك على أوصـال شِــلوٍ ممـَزّع

اللهمَّ أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ثم صلبوه.
يقول أبو سفيان بعد ما أسلم: فوالله لقد كنت وابني معاوية ممن حضرَ مقتله، فما سمعت بدعائه حتى انحنيت، وأحنيت رأس ولدي خوفاً أن يصيبنا دعاؤه.

وأما زيد بن الدثِنَّة فإنّ صفوان بن أميّة بعث به مع غلامه نسطاس إلى التنعيم خارج مكة ليقتله بابنيه، فقال نسطاس: أنشُدك الله أتحب أنّ محمداً الآن مكانك نضرب عنقه وأنّك في أهلك؟
قال: ما أحبُّ أن محمداً الآن مكانه بين أصحابه تصيبه شوكة تؤذيه وأنا جالس في أهلي.
فقال أبو سفيان: ما رأيت من الناس أحداً يحبُّ أحداً كحبِّ أصحاب محمدٍ محمداً.. ثم قتله نسطاس.

وهكذا انطوت صفحة من صفحات الغدر التي تتوالى على المسلمين في كل زمان ومكان، لا لذنب إلا أنهم قالوا: ربّنا الله، ولا يزال ركبُ الإيمان على الرغم من كيد الكائدين، ومكر الماكرين، يمشي معلناً كلمة الإيمان: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.























عرض جميع مواضيع [ السعيد ]
عرض البوم صور السعيد   رد مع اقتباس
قديم 11-09-2018, 02:33 PM   المشاركة رقم: 13

معلومات العضو


الصورة الرمزية السعيد
إحصائية العضو








  السعيد has much to be proud ofالسعيد has much to be proud ofالسعيد has much to be proud ofالسعيد has much to be proud ofالسعيد has much to be proud ofالسعيد has much to be proud ofالسعيد has much to be proud ofالسعيد has much to be proud ofالسعيد has much to be proud ofالسعيد has much to be proud of
شكراً: 0
تم شكره 339 مرة في 277 مشاركة
 

علم الدوله :  qatar



التواجد والإتصالات
السعيد متواجد حالياً

كاتب الموضوع : السعيد المنتدى : ريآض سيرة الصحآبة رضوآن الله عليهم أجمعين
افتراضي رد: سلسلة قصص رواها الصحابة






(إياك واللعن)







قال الابن لأبيه: يا أبتِ قرأت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أُتِيَ برجل شرب خمراً، فقال:
(( اضربوه تعزيراً له ورَدْعاً ))،
فقال أبو هريرة: فمنا الضارب بيده، والضارب بنعله، والضارب بثوبه، فلما انصرف قال بعض القوم: أخزاك الله، فقال رسول الله صلى الله عليه سلم: (( لا تقولوا هذا، لا تعينوا عليه الشيطان )) فلماذا أبى عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك؟
قال الأب: الدعاء بقولهم: أخزاك الله، لعنة، ولا يُلعنُ إلا الظالمون، لقوله تعالى: " أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ " .
قال الابن: لقد ظلم نفسه بشرب الخمر يا والدي.
قال الأب: يا بني إن الظالمين: الذين يصدون عن سبيل الله، وهذا مسلم ارتكب خطأً فعزّره رسول الله صلى الله عليه وسلم . وليس المؤمن بطعّان ولا لعّان .. أليس كذلك يا بني؟
قال الابن: بلى يا والدي.
قال الأب: وقد حدثنا النبي صلى الله عليه وسلم أن العبد إذا لعن شيئاً، صعدت اللعنة إلى السماء فتغلق دونها الأبواب، ثم تنزل إلى الأرض فتغلق دونها أبواب الأرض، ثم تمشي اللعنة يميناً وشمالاً فإذا لم تجد طريقاً إلى ملعون رجعتْ إلى قائلها، كما أن النبي صلى الله عليه وسلم ينبهنا إلى أن اللعّانين لا يكونون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة.
قال الابن: أعوذ بالله أن أكون لعّاناً.
قال الأب: أما وقد كرهت أن تَلعنَ فاسمع ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم مَن لعنت ناقتها.
قال الابن: شوقتني يا والدي ومعلمي إلى قصتها.
قال الأب: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره، وامرأة من الأنصار على ناقةٍ عليها بعض متاع القوم، إذ وصلوا إلى مكان ضيّق بين جبلين تزاحم فيه الركبُ، فأرادت المرأة أن تسرع ناقتها، فلم تستطع، فضجرت منها فلعنتها، فسمع النبي صلى الله عليه وسلم مقالتها، فقال: (( خذوا ما على الناقة من متاع ودعوها فإنها ملعونة، لا تصاحبنا ناقة معلونة )).
وقال راوي الحديث – يا بني -: فكأني أرى الناقة تمشي في الناس لا يتعرض لها أحد.
قال الابن: أفلا تجوز اللعنة أبداً؟
قال الأب: بلى، ولكن في حدود الشرع، فقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم : الواصلة والمستوصلة وآكل الربا والمصورين ومن لعن والديه، ومن ذبح لغير الله، ومن أحدث منكراً، ومن آذى المسلمين.
قال الابن: فما الواصلة والمستوصلة؟
قال الأب: التي تصل شعرها بشعر غيرها تدعى مستوصلة، ومَنْ تقوم بهذا العمل فهي واصلة.
قال الابن: أهناك من لُعنوا أيضاً؟
قال الأب: نعم: اليهود الذين اتخذوا مقابر أنبيائهم مساجد، والمتشبهون من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال.
ورفع الأب وفتاه أيديهما إلى السماء يسألان الله الهداية، والفقه في الدين لهما ولكل المسلمين.





(صور مردودة)



الصورة الأولى:
مرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم في السوق يراقب البيع والشراء، وتصرُّفَ الناس في السوق، يرشد هذا، ويعلّم ذاك، ويسلم على هذا، ويصبغ المجتمع بصبغة الإسلام، وتوقف عند رجل يبيع طعاماً، فأدخل يده في الإناء فأصابها البلل، فقال له: (( ما هذا يا صاحب الطعام؟ إنّه جافٌ من فوقُ مبللٌ من تحت )).
قال الرجل معتذراً: نزل المطر عليه يا رسول الله فابتلَّ.
قال الرسول صلى الله عليه وسلم : (( أفلا جَعلت ما ابتلَّ فوق الطعام حتى يراه الناس؟! هذا غش لا يرضاه الله عز وجلَّ ولا نرضاه يا صاحب الطعام: من غشّنا فليس منّا )).

الصورة الثانية:
كان أبو مسعود البدري يضرب أحد عبيده بالسوط لذنبٍ أذنبه، فسمع صوتاً من خلفه يقول: (( يا أبا مسعود )) لكنّه – لغضبه الشديد من فتاه – لم يسمع الكلام ولم يعرفِ المنادي، فلما اقترب الصوتُ منه عرف فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فتوقف عن الضرب واحمرَّ وجهه خجلاً أن يراه الرسول صلى الله عليه وسلم وهو منفعل يضرب عبده.
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : (( يا أبا مسعود، إذا دعتك قدرتك على ظلم الناس، فتذكر قدرة الله عليك، يا أبا مسعود: اعلم أن الله أقدر عليك منك على هذا الغلام )).
فقال أبو مسعود: فسقط السوط من يدي هيبة، ثم قلت: لا أضرب مملوكاً بعده أبداً يا رسول الله.
ثم التفت أبو مسعود إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسترضيه قائلاً: يا رسول الله هو حرٌّ لوجه الله.
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : (( أما إنّه لو لم تفعل للفحتك النار يوم القيامة يا أبا مسعود: من ضرب غلاماً له حدّاً لم يأته، أو لطمه فإن كفارته أن يعتقه )).
قال أبو علي سويد بن مقرِّن رضي الله عنه: كنا سبعة إخوة من بن مقرِّن ما لنا إلا خادمة واحدة، لطمها أصغرنا فأمرنا الرسول الكريم أن نعتقها.

الصورة الثالثة:
مرَّ عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما بفتيان من قريش نصبوا طيراً (حيّاً) وهم يرمونه، وقالوا لصاحب الطير: كل سهم لا يصيب الطير فهو لك، فرضي، فهم يصوبون سهامهم نحوه، فلما رأوا عبد الله بن عمر تفرَّقوا، فقال بن عمر: من فعل هذا؟ لعَنَ الله منْ فعل هذا، إن رسول الله صلى الله عليه سلم لعن من اتخذ شيئاً فيه روح هدفاً.

الصورة الرابعة:
كان هشام بن حكيم بن حزام رجلاً صلباً في الحق، لا يخشى في الله لومة لائم، عُرف عنه ذلك، فكان الفاروق يُسَرُّ لهذا، ويقول إذا بلغه أن هشاماً ينكر منكراً: ما بقيت أنا وهشام فلا يكون هذا.
رجل كهشام قليلاً ما نجده في هذا الزمن الذي فسد فيه كل شيء إلا ما رحم الله.
مرَّ هشام هذا بالشام على ناس من الأنباط – وهم قوم من العرب دخلوا في العجم والروم فاختلطت أنسابهم، وفسدت ألسنتهم – قد أقيموا في الشمس، يلفحهم هجيرها، يُصبُّ على رؤوسهم الزيت فقال: ما هذا؟
قيل: يعذّبون لأنهم لم يدفعوا خراج الأرض.
قال: أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( إن الله يعذب الذين يعذّبون الناس في الدنيا بغير الحق )).
فدخل على الأمير فحدَّثه بما حدَّث به النبي صلى الله عليه وسلم فأمر الأمير بإخلاء سبيلهم.
أما في هذا الزمان فصبُّ الزيت في حر الشمس على الوجوه يعتبر من المزاح الخفيف، لقد اخترع أعداء الله طرقاً شيطانية فيها شتى الأفانين في العذاب، لا تخطر على بال، طرقاً تدل على بهيمية مخترعيها ومستعمليها، وتدلُّ على أنهم لا يمتّون إلى الإنسانية بصلة، حدّثنا عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: (( صنفان من أهل النار لم أرهما ))، وذكر القوم يضربون الناس بأذيال البقر وهي كناية عن التفنن في التعذيب وإيذاء الناس، نعوذ بالله من شرورهم.

الصورة الخامسة:
قال ابن مسعود: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فانطلق لحاجته، فرأينا طائراً معها فرخان، فأخذنا فرخيها، فجاءت الحمّرة (الطائر) فزعة تطير من فوق رؤوسنا، وكأنها ترجونا أن نعيد إليها فرخيها، لا يقرُّ لها قرار، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم ، فرآها تطير مضطربة، فقال: (( من فجع هذه بولدها؟ ردّوا ولدها إليها )).
ورأى قرية نملٍ قد حرَّقناها، فقال: (( من حرق هذه؟)).
قلنا: نحن فعلنا ذلك يا رسول الله، قال: (( إنّه لا ينبغي أن يعذِّب بالنار إلّا ربُّ النار )).

هذا هو الإسلام رحيم بأتباعه رحيم بغيرهم، لا يرضى أن يكون المسلمون ذوي قلوب فظّة قاسية، بل ذوي قلوب محبة رحيمة تحمل الودّ والسلام إلى العالم قاطبة.
وهذا هو النبي الرحيم الذي علّم الإنسانية اللطف والتراحم، فهل نقتدي به لنكون سادة العالم مرة أخرى؟!





طاعون عمواس







روى عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه خرج إلى الشام عام ثمان عشرة للهجرة، يريد الاطلاع على أحوال أهلها، وعمل أمرائها، حتى إذا كان بمنطقة تدعى "سرغا" لقي أمراء الأجناد، وسرغُ هذه تقع قرب تبوك – وعلى رأسهم أبو عبيدة بن الجراح، فأخبروه أن الطاعون وقع في الشام وكثر الموت في أهلها، وأنه قد مات ممن دخلها من الجزيرة العربية فقط خمسة وعشرون ألفاً، فنرى أن تعود فلا تدخلها، فقال عمر لعبد الله بن عباس: ادعُ لي المهاجرين الأولين من صلوا إلى القبلتين أستشيرهم، فدعاهم وأخبرهم أن وباء الطاعون قد فشا في الشام أفيدخلها؟ فاختلفوا في آرائهم.
فقال بعضهم: قد خرجت لأمر عزمت عليه، ولا نرى أن ترجع عنه.
وقال بعضهم: معك بقية الناس الكرام من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا نرى أن تقدم بهم على هذا الوباء، فتفنى ويفنون معك.
قال: قد سمعت مقالتكم ونصحكم، وسنسمع رأي غيركم، ونادى عبد الله بن عباس فأمره أن يدعوَ من كان من الأنصار فجاءوه، فاستشارهم في دخوله بلاد الشام، فسلكوا سبيل المهاجرين، واختلفوا في الرأي اختلافهم، فأمرهم بالخروج من خيمته، واستدعى المهاجرين الذين أسلموا وهاجروا إلى المدينة قبل الفتح ممن كانوا معه فاستشارهم، فأشاروا عليه جميعاً أن يعود إلى المدينة، وأن لا يُقدِم بهم على هذا الوباء الذي سيحصدهم.
قال: هذا ما ارتاحت نفسي إليه وعزمت عليه، ونادى مناديه في الناس: إنَّ أمير المؤمنين عزم على العودة إلى المدينة، فجهزوا أنفسكم، اتخذ هذا القرار لأنه رأى أكثر الناس نصحوه بذلك.
لم يكن هذا الأمر ليعجِب أميرَ الجند أبا عبيدة بن الجراح، فقال معاتباً خليفة المسلمين: أفراراً من قدر الله يا أمير المؤمنين؟!
قال عمر رضي الله عنه: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة! فما ينبغي لي أن أخالف غالبية الناس وآراءهم، وكنت أود أن تكون منهم، فهو الرأي الأرجح والقرار الأصوب، نعم نفرّ من قدر الله إلى قدر الله، ووضَّح له الأمر فضرب له مثلاً فقال: أرأيت يا أبا عبيدة لو كان لك إبل فهبطت وادياً له جانبان: الأول خصب المرعى كثيره، والثاني ليس فيه إلا القليل من الكلأ، أليس إن رعَتِ المرعى الخصيب رعته بقدر الله، وإن رعت المكان الجديب رعته بقدر الله؟
هكذا كان اجتهاد أمير المؤمنين، وقد أيّده الله سبحانه وتعالى بعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، وقد كان متغيِّبا في بعض حاجته، فلما علم ما كانوا فيه يخوضون، قال: إن عندي من هذا علماً، فقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
( إذا سمعتم به – أي بالطاعون – بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض، وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه )، فحمد اللهَ تعالى عُمرُ لما وفقه إليه وانصرف قافلاً.





(من علائم الساعة)




يقول أبو هريرة رضي الله عنه: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس يوماً بين أصحابه، يعلمهم ويربيهم، ويهديهم إلى طريق الرشاد، وقد يسأل أحدُنا: أهكذا كانت مجالس النبي الكريم صلى الله عليه وسلم مع أصحابه؟
فالجواب: إن مهمة الأنبياء الأخذُ بيد الناس إلى جادة الرشاد، وسبل الاستقامة، فمجالسهم مجالس علم، وأدب، وأخلاق. فيها ما يرضي الله تعالى، فيباهي بهم ملائكته.
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدثهم هذه المرة عن علائم الساعة فقال:
( لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، حتى يختبئ اليهودي وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر والشجر: يا مسلم؛ هذا يهودي خلفي، تعال فاقتله، إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود ).

قلت في نفسي: يا سبحان الله، كل كلام سيدنا الرسول صلى الله عليه وسلم صدق وعدل، وليس لنا إلا الإيمانُ به والتصديق به، ولا أقصد الإيمانَ والتصديق التقليديين، بل المبصرَيْن، المفكرَين.
قال مجاهد: كيف ذلك؟

قلت: تصوّر أنك قبل تسعين سنة، أو في بداية القرن العشرين تسمع هذا الحديث ثم تقول لنفسك: أين اليهود؟ وكيف نقاتلهم؟ وأين هم حتى نقاتلهم؟ إنهم شذاذ آفاق، وجبناء، لا يثبتون أمام أحد ،فكيف يكون لهم جيش يتحدون به المسلمين؟!!

ثم تقرأ حديثاً للرسول الكريم يوضح الصورة، إذ يقول عليه الصلاة والسلام:
( تقاتلونهم أنتم شرقي النهر وهم غربيّه ).
والنهر نهر الأردن هل يكونُ وجودنا في شرق الأردن فقط؟ وتكون فلسطين كلها لليهود؟ إنها لمصيبة لجلل، ما بعدها مصيبة. اللهم صدَقَ رسولك الكريم، فأغثنا يارب.

ونعود إلى السؤال نفسه الذي طرحته على نفسك فتقول – وأنت في بداية القرن العشرين -: هذه الأردن وفلسطين تبع للدولة العثمانية، واليهود سيملكون فلسطين، فهناك أسئلة كثيرة تستدعي الإجابة، منها:

1- أهذا يعني أن شذاذ الآفاق سيهاجرون إليها هجرات منظمة فيكونون الأغلبية فيها؟
2- أهذا يعني أن الدولة الإسلامية ستنتحسر وتتقوقع أو تتلاشى ليخلو لهؤلاء الأنجاس أن يدخلوا فلسطين بسهولة ويسر؟
3- أيعني هذا أن المسلمين في فلسطين لن يجدوا عوناً ولا نصيراً، فيُذبحون ويُطردون من بلادهم ليتشتتوا في بلاد الله الواسعة؟
4- إن اليهود معروفون بجبنهم ونذالتهم، ولكنهم سيقدمون إلى فلسطين، فهل هذا يعني أنهم سيكونون في قابل الأيام في مركز القوة والسيطرة على عقول الناس ومصادر رزقهم، فيسخّرون النصارى لفرض ما يريدون؟.. وتعود إلى القرآن الكريم لتقرأ:
{ وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (4)}(الإسراء)
فهل هذا هو العلو الكبير؟
5- أيعني هذا أن المنطقة ستخلو من حاكم مسلم غيور وجيش مسلم عقدي يقلم أظفار اليهود ومن والاهم، أو يدحرهم، أو يلقي بهم إلى حيث جاءوا؟

إن كثيراً من الأسئلة لتنصب عليك انصباباً، تحاورك، وتداورك، وتبحث عن جواب، بل أجوبة مقنعة، كل ذلك في إطار واحد لا تحيد عنه، هو الإيمان بما يخبرنا به النبي الصادقُ الصدوق.

وترى نفسك في منتصف القرن العشرين، واليهودُ لهم دولة ناشئة، تقوى ويصلب عودها، والمسلمون شرّدوا من بلادهم فلسطين، فهم يعيشون في الشتات، والفقر والحاجة، أمّا في نهاية هذا القرن فانظرْ إلى البلاد العربية ضعيفة ممزقة، مهيضة الجناح ليس لها من أمرها شيء ،يحكمها دمىً صنعت على أيدي العدو، ينفذون ما يريده السيد اليهودي الذي يشمخ كلما رأى منهم ذلّاً، ويعربد كلما رأى فيهم خزياً وهواناً، يأمر فيسارعون إلى تنفيذ أوامره، ويصرخ فيرتعدون أمام جبروته، يسعَون إلى مرضاته بكل سبيل، فاقتصاد الأمة هزيل متداعٍ، والحريات مخنوقة، والرأي محجور عليه، والدعاة إلى الله مضيَّق عليهم، وكل ذلك يرضيه، فيزدادون إيذاءً للحركات الإسلامية، فيرمونها بالإرهاب حيناً، والتطرف حيناً آخر، ويطاردونهم، فلا يكاد المسلم يجدُ مكاناً يُؤويه.

قال مجاهد: فكيف تعود الأمور إلى نصابها وينتصر المسلمون على اليهود؟
قلت: انتبه يا مجاهد لقد قلت في الجملة الأخيرة: وينتصر المسلمون على اليهود.
قال: ما الغرابة في ذلك؟ ألسنا مسلمين؟
قلت: بلى، ولكننا مسلمون لا نفقه إسلامنا ولا نعمل به.
قال: أفلا نصلي؟ أفلا نزكي؟ ألا نحج؟ ألا نصوم؟ ألا نقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله؟
قلت: نفعل كل هذا، لكننا نكذب ونغش، ونحكم بغير ما أنزل الله، ونتعامل بالربا، ووسائلُ إعلامنا تنشر السمَّ في المجتمعات، وتكرِّس الفساد وتَشْغل الناس عن الاهتمام بدينهم وعقيدتهم، فأين هؤلاء المسلمون الذين ينتصرون على اليهود فيقاتلونهم عن عقيدة وإيمان؟
قال: صدقت والله، لا نصر إلا بالعودة إلى الله تعالى.
قلت: بل قل: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما نراه الآن بشائرُ لانتصارانا على اليهود، فقوتهم وصلت إلى مدى كبير، إلى أعلى ما تكون، وهذا إيذان بالانحدار، كما أن الإسلام هذا المارد العملاق – وهو فطرة الله التي فطر الناس عليها – يتحرك ليكون الهادي الحقيقي لأتباعه إلى درب العزة والكرامة، وحين يقاتل المسلمون تحت راية دينهم، ترى اليهودي يهرب ويتوارى فزعا خائفا وراء أي شيء يجده، ولكن حين ينصر الله المسلمين، يسخِّر لهم كل شيء؛ فينطق الحجر قائلاً بلغة عربية فصيحة: يا مسلم يا عبد الله، هذا يهودي ورائي، فتعالَ واقتله وأرحني من رجسه ونَتَنِه، وينطق الشجر بلغة عربية فصيحة: يا مسلم يا عبد الله، هذا يهودي ورائي، فتعال واقتله وأرحني من خبثه، والأرض كلها تستنجد من هذا المجرم القذر، لقد عاث فيها فساداً وخَنى، ولا يطهِّرها إلا المسلم الطاهر، لكنَّ هناك شجراً قصيراً ذا أشواك يسمى شجرَ الغرقد، إنه شجر يهودي بطبعه، يلائم اليهودي، يتستَّر عليه، واليهود يعرفون ذلك، فهم يزرعونه في كل مكان، ولكن الحذر لا ينجي من القدر، والنهاية المحتومة قادمة، والنصر لأولياء الله.

ومن علائم الساعة أيضاً ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم من أن نهر الفرات – هذا البحر من الماء العذب الذي ينبع من تركيا فيمر في الشمال الشرقي من سوريا ليدخل العراق ويمتزج مع أخيه دجلة فيؤلفان شط العرب، ثم يصبان في الخليج، يكاد ينحسر عن ذهب، وقُيلْ عن جبل من ذهب، فيسمع الناس به فيقصدونه من كل حدَب وصوب ليأخذوا هذا الذهب.

ولكن ما سبب انحساره؟
لم يذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولعل السدود التي أقامها الأتراك حوله جعل ما يصل من مائه إلى سوريا قليلاً، ولعل مجرى مائه سيتغير إلى مكان آخر فيظهر هذا الجبل الذهبي، ولعله يغيض ماؤه فترة من الفترات لأمر يريده الله سبحانه وتعالى، لكنَّ العبرة من ذلك أن الناس حين يتسامعون بهذه الكنوز الذهبية التي يسيل لها اللعاب ينطلقون إليها، كل واحد منهم يرجو أن تكون من نصيبه، فيلتقي هناك خلق كثير، ويقتتل الناس على هذا الذهب، ولا ينجو من كل مئة رجل إلا رجلٌ واحد، أما التسعة والتسعون فيُقتلون، ولطمعهم يُمَنِّي كلُّ واحد منهم نفسه أن يكون الناجي، ويأمرنا النبي صلى الله عليه وسلم – إذا حدث هذا في زماننا – أن نبتعد عنه، ونتحاشاه، فلماذا؟

الأمر بسيط لأرباب العقول، فإن الطمع يزين لأصحابه أن يحوزوا على كل شيء دون الآخرين، فيستحلّوا لهذا كل حرام، فتكون مقتلة عظيمة يشارك فيها القتيل والمقتول، فلا يصل إلى هذا الذهب إنسان حتى يقتل عدداً من الناس وفيهم المسلمون، فهو إلى النار، وقد يُقتل أوّلاً، أو يعِدُ أن يقتل عدداً منهم فهو إلى النار أيضاً، فإذا لم يتوجه إليه وامتثل النهي سلِم، وسلم منه غيره، إنها لفتنة عظيمة لا ينجو منها إلا التقي، نسأل الله الهداية.





( القائد البطل )





لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة في الثامن من رمضان عام ثمانٍ للهجرة سمعت هوازن بهذا الفتح العظيم، فقال مالك بن عوف النصري لقبائلها: هذا محمدٌ فتح مكة، ولا يمنعه أحد من غزونا، فلنغزُهُ قبل أن يغزوَنا، فأجابوه إلى ما يريد، وانطلقوا نحو مكة إلا قبيلتي كعب وكلاب.
وكان الشاعر الفارس دريد بن الصمّة من قبيلة جشم، وهو إذ ذاك شيخ كبير لا يمكنه القتال، لكنه خرج معهم للاستئناس برأيه، والتَّيمن بمعرفته الحرب، فلما وصلوا بجمعهم إلى (أوطاس) على ليلة من مكة قال دريد: بأي أرض أنتم؟
قالوا: بأوطاس، قال: نِعْمَ مجالُ الخيل، مكان واسع ممتد ليس فيه صخور تعيق الحركة، ولا أملس ناعماً يزعج الخيل، ولكنني أسمع رغاء البعير، ونهاق الحمير، ويعار الشاء، وبكاء الصغير
قالوا: ساق مالكٌ مع الناس أبناءهم ونساءهم وأموالهم،
قال: يا مالك ما الذي حَمَلَكَ على هذا؟
قال: سقتهم مع الناس ليقاتل كل إنسان عن حريمه، وماله.
قال دريد متهكماً: راعي ضأن والله (أي لا يفهم إلا في الرعي، أما قيادة الجيش فليس من أهلها) هل يردُّ المنهزمَ شيءٌ؟ إن المعركة إن كانت لك لم ينفعك فيها إلا رجل بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك فرّ المقاتلون وسبى محمدٌ نساءك وأخذ أموالك، فكان العار ملازماً لك، يا مالكُ أعدْ من معك إلى بلادهم، ثم القَ المسلمين على متون الخيل، فإن انتصرت لحق بك النساء والأولاد والمال، وإن هُزمت فقد احتفظت بأهلك ومالك.
قال مالكٌ: رجلٌ كبير خَرّفَ، والله لا أستمع إليه.
قال دريد: أين قبيلتا كعب وكلاب.
قالوا له: لم تلحقا بنا ورغبتا عن الحرب.
قال دريد: لقد أحسنتا صنعاً، فلم تسلما قيادهما لغرٍّ جاهل ليس له في الحروب دراية. وددت يا بني جُشَم أن تفعلوا فعلتهما.
فلما خاف مالك بن عوف انفضاض الناس عنه والعملَ بما قاله دريد أمسك بسيفه وقال: والله لتطيعُنَّني يا معشر هوازن أو لأتكئنَّ على هذا السيف حتى يخرج من ظهري.
قال دريد: هذا يوم لم أشهده – لم أحارب فيه – وما فاتني، فأنا موجود غير محارب.
قال مالك: إذا رأيتم القوم – المسلمين – فاكسروا أغماد سيوفكم وشدّوا عليهم شدة رجل واحد.
وأرسل عيونه يرصدون النبي صلى الله عليه وسلم وجيشه فعادوا وقد تفرقت أوصالهم خوفاً.
قالوا: إنا رأينا رجالاً بيضاً على خيل بيض، فوالله ما تماسكنا أنْ خفنا – ولعلهم رأوا الملائكة على هذه الهيئة – فلم يحفل مالكٌ بما قالوا.
ولما بلغ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم خبرُهم، أجمع المسير إليهم، واستعار من صفوانَ بن أمية مئة درع وسلاح، ثم سار إلى المشركين بعشَرة آلافٍ هم جيشه، وألفين ممن أسلموا بعد الفتح، فكان العدد اثني عشر ألفاً.
قال أحد المسلمين: لن نغلب اليوم من قلةٍ، وهذا يدل على ضعف الإيمان، فالنصرُ من عند الله، وليس بسبب الكثرة: فكم من فئة مؤمنة قليلة العدد انتصرت على جيش أكبر منها بكثير.

فلما قال الناس مثل ما قال: أراد الله تعالى أن يعلمهم كيف يتَّكلون عليه، لا على أنفسهم، فخسروا المعركة في أولها ليعودوا إلى الله ويتوكلوا عليه فينصرهم، وذلك قوله تعالى: { وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (25) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (26) }.
وانحدر المسلمون في وادي حنين في عماية الصبح، وكانت هوازن قد سبقتهم إلى الوادي فكمَنت في شِعابه ومضايقه، فلما صار المسلمون بينهم، شدوا عليهم شدة رجل واحد، وفوجئ المسلمون فهربوا، لا يلوي أحد على أحد، أما رسول الله صلى الله عليه وسلم النبي الشجاع الذي لا يعرف الخوفُ إليه سبيلاً فقد انحاز إلى يمينه، ثم قال: (( أيها الناس! هلموا إليَّ أنا رسول الله )) (قالها ثلاثاً) فما سمعه سوى نفر من المسلمين، منهم أبو بكر وعمرُ وعليٌّ والعباسُ وأبو سفيان.
وكان العباس آخذا بلجام بغلة النبي صلى الله عليه وسلم (دُلْدُل)، وكان جسيماً شديدَ الصوت فقال له النبي صلى الله عليه وسلم :
(( يا عباس نادِ الأنصارَ أصحاب السَّمُرة )) (أيْ أصحاب بيعة الرضوان، وكانت عند هذه الشجرة)،
فنادى بأعلى صوته: أين أصحاب السَّمُرة؟ قالوا: لبيك لبيك، فوالله إن سُرعة إجابتهم حين سمعوا صوته عطفةُ البقر على أولادها، وسَرعان ما اجتمع حوله مئة رجل فاستقبل بهم القوم وقاتلهم، فلما رأى شدة القتال قال:
أنا النبيّ، لا كذبْ ... أنا ابن عبد المطّلبْ
وقال النبي صلى الله عليه وسلم لبغلته دلدل: ((البَدي دلدل))، فوضعت بطنها على الأرض، فتناول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم حُصَيّاتٍ صغاراً فرمى بهنَّ في وجوه الكفار – ثم قال - : ((انهزموا وربّ الكعبة))، ما أعظم الثقة بالله، والركون إليه.
قال العباس: فوصل التراب إلى عيني كل كافر – إنها معجزة ربانية – { وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى }، ولم يلبث الكفار أن تهاوَوا أسارى ضِعافاً، والمسلمون يقيّدونهم ويغنمون أموالهم وذراريهم ونساءَهم.







(هجرة المصطفى وصاحبه)






حدثت عائشةُ رضي الله عنها، زوجُ النبي صلى الله عليه وسلم قالت: لم أعقل أبويّ إلا وهما مسلمان، ولم يمرَّ علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفَيِ النهار، بُكرة وعشية، فلما ازداد أذى المشركين استأذن أبو بكر رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أن يهاجر إلى الحبشة، فأذن له، فخرج، فلقيه في سفره ابنُ الدَّغِنّة، وهو سيد قبيلة القارة، فقال: أين تريد يا أبا بكر؟
قال أبو بكر: أخرجني قومي، فأريد أن أسيح في الأرض، وأعبد ربي.
قال ابن الدَّغِنة: مثلك لا يخرج يا أبا بكر، إنك تُكسب المعدوم، وتصل الرحمَ، وتحمل الكلَّ، وتَقري الضيفَ، وتعينُ على نوائب الحق، وهذه صفات رجل عظيم، يجب على قومه أن يكرموه لها ويُعظموه، قال أبو بكر: ولكن قومي لم يفعلوا ذلك إنما أساءوا وأهانوا.
قال ابن الدغنة: فأنا لك جارٌ، ارجع واعبد ربّك ببلدك.
فرجع الصدِّيق، وابن الدغنة له جارٌ، وعلمت قريش بذلك فلم تتعرض للصدِّيق، وقالت لابن الدغنة: مُرْه أن يعبد ربّه في داره، فليصلِّ فيها، وليقرأ ما شاء، ولا يؤذينا بذلك، ولا يستعلِنْ به، فإنا نخشى أن يَفتن نساءنا وأبناءنا.
وهكذا يفعل أعداء المسلمين، يحسبون الإسلام صلاة وقراءة للقرآن ليس غير، ويرفضون أن يبلّغ الداعية دين ربّه فإن فعل ساموه سوء العذاب، سَجناً، وتعذيباً وإرجافاً.

ولبث أبو بكر زمناً يعبد ربه في داره ولا يستعلن بصلاته، ولا يقرأ في غير داره، ثم بدا له أن هذا الأمر قتلٌ ووأد لدينه، فابتنى مسجداً بفِناء داره، يصلي فيه ويقرأ القرآن، فيجذبُ بذلك نساء المشركين وأبناءهم وهم يعجبون منه، وينظرون إليه، وكان الصدِّيق رجلاً بكّاء، لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن، فأفزع ذلك وجهاءَ قريش وأشرافَها، وعدّوا ذلك خرقاً للاتفاق، فأرسوا إلى ابن الدغنّة أن لا صبر لهم على ذلك، فإما أن يعود أبو بكر إلى بيته يقرأ فيه ويصلّي فلا يراه أحد، وإلا ضربوا بجوار ابن الدغنة عرض الحائط، فخاف هذا أن تضيع هيبته فجاء إلى الصديق يعرض عليه ذلك، أو يعيدُ إليه جواره وذمّته، فما كان من أبي بكر إلا أن ردّ جواره شاكراً وقال: أرضى جوار ربي تبارك وتعالى وجوارَ رسوله صلى الله عليه وسلم .
وفي هذه الأثناء أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه بالهجرة إلى المدينة المنورة، وتجهّز الصديق يريد الهجرة إليها، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلّمَ :
((على رٍسْلِك يا أبا بكر، فإني أرجو أن يؤذن لي بالهجرة كذلك))،
فرح الصدِّيق بصحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم في هجرته، وجهّز راحلتين كانتا له، واعتنى بهما انتظاراً ليوم الهجرة الموعود، ومرّت أربعة شهور.

قالت عائشة: فبينما نحن جلوسٌ في البيت في حرّ الظهيرة قال قائل للصدّيق: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلّمَ متقنِّعاً في ساعة لم يكن يأتينا فيها، فقال الصدّيق: مرحباً بأبي هو وأمي، واللهِ ما جاء به في هذه الساعة إلا أمرٌ عظيم. فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مستأذناً فقال:
((يا أبا بكر أخرج مَنْ عندك فلي معك حديث))،
قال الصديق: إنما هم أهلك يا رسول الله، فقل ما بدا لك.
قال صلى الله عليه وسلّمَ : ((قد أُذِن لي في الخروج)).
قال الصدِّيق: الصحبةَ يا رسول الله؟
قال صلى الله عليه وسلّم : ((نعم يا أبا بكر)).
قال الصدِّيق : هاتان الراحلتان جهزتهما لهذا الأمر، خذ إحداهما بأبي أنت وأمي.
قال الرسول صلى الله عليه وسلم : ((آخذ بالثمن))،
قال الصدِّيق: لك هذا إن شئت.
قالت عائشة: فجهزناهما أفضل الجهاز، ووضعنا لهما طعام السفر في جراب، فقطعت أسماءُ بنت أبي بكر قطعة من نطاقها، فربطت به على فم ذلك الجراب، فبذلك سُميت ذاتَ النطاقين.

ولحق الرسول الكريم وصاحبه بغارٍ في جبل ثور ثلاث ليال، يبيت عندهما عبدُ الله بن أبي بكر – وهو غلام حذق فهِم – فيدلج من عندهما بسَحر، فيصبح في مكة لا يراه أحد، فكأنه بات فيها لا يعلم شيئاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن أبيه، فلا يسمع أمراً من مشركي مكة فيه كيد لهما إلا وعاه حتى يأتيهما بخبره حين يختلط الظلام. ويرعى عامر بن فهيرة على آثاره فيطمسها، ويسقيهما اللبن.
واستأجر الرسولُ صلى الله عليه وسلم والصدِّيقُ رضي الله عنه رجلاً من بني الدَّيْل، ماهراً في معرفة الطرق، فتركا راحلتيهما عنده قبل أن يذهبا إلى غار ثور، وعلى الرغم أنه كان كافراً إنّهُ كان شريفاً يحفظ العهد والذمّة، فأتاهما بعد ثلاث ليال براحلتيهما فسار بهما ناحية الساحل، وابنُ فُهَيرة يطمس على آثارهما بغنمه.

وكان سراقة قد سمع أنَّ أهل مكة قد جعلوا في مقتل الرجلين أو أسْرِهما مالاً كثيراً، فهو يتمنّى لو رآهما، فكان المالُ من نصيبه، فبينا هو جالس في نفر من قبيلته جُعشم جاء رجل يقول: إني قد رأيت قبلَ قليل أشخاصاً لم أتبيّنْهم بالساحل أظنهم محمداً وأصحابه.
قال سراقة: فعرفت أنهم هم، ولم أكن أحبُّ أن يشرِكني أحدٌ بالجائزة، فقلت مخذّلاً: إنهم بعض من يبحث عن ضالة، فلا تُشغِل بالك فيهم، ثم لبثتُ ساعةً في المجلس تعْمِيةً، ثم قمت فدخلت بيتي وأمرت جاريتي أن تدخل بفرسي وراء التلِّ كي لا يراني أحد أركبها، وأخذتُ رمحي، ولحقتُ بها من خلف الدار، ثم ركبت فرسي وأسرعت وراءهم حتى دنوتُ منهم، فتعثّرتْ بي فرسي، فخرَرْت عنها، فأهويت يدي إلى كنانتي فاستخرجت منها الأزلامَ، فاستقسمت بها أأضرُّهم أم لا، فخرجت تقول لا تفعل، فعصيتُها، وكنا في الجاهلية نصدَّقها، فإذا خالفتْ ما نريد تَبِعنا أهواءنا، وركبت فرسي وتبعتُهم، فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ القرآن ولا يلتفت، وأبو بكر يكثر الالتفات، فساخت يدا فرسي في الأرض حتى بلغتا الركبتين، فخررتُ عنها، ثم زجرتها، فنهضَتْ فلم تكد تُخرج يديها، فلما استوت قائمة إذا لِأثَر يديها مثلُ الدخان لا نار فيه، فاستقسمت بالأزلام، فخرج الذي أكره، فناديتهم بالأمان، فوقفوا، وركبت فرسي حتى جئتهم، فتيقنت حين نظرت إلى الرسول صلى الله عنه وسلم أنَّ الله مانعُه وأنّه سيظهر على قومه، فقلت: إن قومك قد جعلوا فيك الديّة، وقصصت على رسول الله صلى الله عليه وسلّم خبر القوم، وعرضْتُ عليهم الزاد والمتاع، فلم يقبلاها إلا أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ((اخفِ عنا وخذّل)).
فسألته أن يكتب لي كتابَ أمْنٍ فدفع الرسول الكريم إلى عامر بن فهيرة فكتب له رقعة من جلد، ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ووصل إلى أهل المدينة من المسلمين واليهود خبر هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم إليهم، فكانوا يخرجون كل غداة إلى الحَرّة ينتظرونه حتى يردَّهم حرّ!ُ الظهيرة.
فلما آوَوْا إلى بيوتهم أوفى رجلٌ من يهود على تل من تلالهم لأمرٍ ينظر إليه فبصُر بركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فنادى بأعلى صوته: يا معشر العرب هذا حظكم الذي تنتظرونه، فهب المسلمون يستقبلونه حتى وصل إلى مشارف المدينة، فعدل إلى منازل عمرو بن عوف، وذلك يوم الاثنين من شهر ربيع الأول، فقام الصدِّيق يردُّ تحية المستقبلين، وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم صامتاً، وأقبل من الأنصار من لا يعرفون النبي صلى الله عليه وسلم يحيون الصديق، حتى أصابت الشمسُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم،فأظله الصديق فعرف الناس إذ ذاك رسول الله صلى الله عليه وسلم
وبقي هناك بضعَ عشْرةَ يوماً، وأسس المسجد الذي بُني على التقوى الذي ذكره الله تعالى في قرآنه الكريم: { لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ }.

ثم ركب رسول الله ناقته وسار معه الناس حتى بركت عند مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم ، وكانت الأرض لغلامين من الأنصار اشتراهما منهما، وبدأ والمسلمون بناء مسجده عليه الصلاة والسلام، فكان يقول وهم يحملون اللِّبَن:
هذا الحِمال لا حِمال خيبرْ هذا أبرُّ – ربَّنا – وأطهر
ويقول:
اللهم إن الأجرُ أجرُ الآخرة فارحم الأنصار والمهاجرة
وبدأ بناء الدولة الإسلامية.







(شيخٌ مخرّفٌ)






ما أجمل هذين البيتين وأصدق قائلهما ولعله الإمام الشافعي رضي الله عنه :
مرض الحبيب فزرته * فمرضت من حزني عليه
جاء الحبيب يعودني * فشفيت من نظري إليه

وكثير من الصحابة رضوان الله عليهم يمرضون، فيعودهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويدعو لهم، فيشفيهم الله تعالى ببركة دعائه صلى الله عليه وسلم ، ولكنّ بعض الناس – إذ يمرضون – تضيق أخلاقُهم، وتسفُه أحلامهم، فيتفوهون بما لا يجوز، ويتكلمون بما يضرّهم.

فمثال الأول سعد بن عبادة، جاءه الرسول صلى الله عليه وسلم يعوده وكان مغمىً عليه، فدعا له النبي صلى الله عليه وسلم ، ووضع يده الشريفة على رأسه ،فكأن المرض زال عنه، وسرّ سعد لرؤيته النبيَّ صلى الله عليه وسلم ولدعائه له بالشفاء.

ومثال الثاني رجلٌ يدخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده، فلما جلس إليه دعا له فقال: (( لا بأس طهورٌ إن شاء الله ))، دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يُهدى لهذا الشيخ العجوز، فتفتَّح له أبواب السماء لتصعد إلى المولى تعالى، فتنزل بالقبول والشفاء، فما أعظم أن يدعو الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ، فيلبي الله الكريم دعاءَه.
وشاء سوء حظ هذا الشيخ أن يأبى دعاء النبي صلى الله عليه وسلم له بالشفاء: تقول طهور؟ (والمقصود بهذه الكلمة أن الله تعالى يطهره إن صبَرَ على المرض وألمه من الذنوب والآثام) قالها مستنكراً، ثم أردف قائلاً: بل هي حُمّى تفورُ أو تثور، على شيخ كبير، تُزيره القبور!! فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ((نعم)).
إنه يستحق ذلك، رفض الدعاء بالشفاء لقلّة صبره، وادعى أن هذه الحمى لن تتركه، بل إنها تزداد وتزداد حتى تقطع أنفاسه وتورده الموت.
فكان جواب النبي صلى الله عليه وسلم : ((نعم))، دعاءً. كانت السماء مفتوحة الأبواب، فارتدت الدعوة الأولى- هذا ما كان- وارتفعت الدعوة الثانية، فجاءت كلمة المليك في السماء موافقة دعوة النبي صلى الله عليه وسلم،
ماتَ الشيخ... ماتَ داعياً على نفسه بتأمين الرسول عليها وأمْرِ الله بها.

فليدعُ الإنسان بما ينفعُه وإخوانه ولا يضرُّ نفسه ولا يضرُّ إخوانه.







(إسلام عبد الله بن سلام أحد أحبار اليهود)




لما وصل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة كان عبد الله بن سلام يقطف بعض ثمار نخيله، فلما سمع بقدومه انطلق إلى دار أبي أيوب الأنصاري رضي الله فسلم عليه وأعلن إسلامه، وقال: يا رسول الله أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك عبد الله ورسوله، وأنك جئت بحق وقد علمَتْ يهودُ أني سيِّدُهم وابن سيدِهم، وأعلَمُهم، وابن أعلمِهم، فادعهم فاسألهم عني قبل أن يعلموا أني أسلمت، فإنهم إن يعلموا أني أسلمت قالوا فيّ ما ليس فيّ ونعتوني بأقبح النعوت.

فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليهود فأقبلوا فدخلوا عليه، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((يا معشر اليهود، ويلَكُم اتقوا الله، فوالذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أني رسول الله حقاً، إني جئتكم بحق، فأسلموا)).
قالوا: ما نعلم أنك رسول الله.
كررها عليهم ثلاثَ مرات، فكان ردّهم هو هو، لا يعلمون أنه رسول الله!.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((فما مكانة عبد الله بن سلام فيكم؟)).
قالوا: سيِّدُنا وابنُ سيِّدِنا، وأعلمُنا وابن أعلمِنا.
قال: ((أفرأيتم إن أسلم ما أنتم قائلون؟)).
قالوا: حاشا لله، ما كان ليسلم.
قال: ((أفرأيتم إن إسلم؟)).
قالوا: حاشا لله ما كان له أن يسلم.
قال للمرة الثالثة: ((أفرأيتم إن أسلم؟)).
قالوا للمرة الثالثة: حاشا لله، ما كان له أن يسلم.
قال النبي صلى الله عليه وسلم : ((يا ابن سلام، اخرج عليهم)).
فخرج عبد الله بن سلام فقال: يا معشر يهود اتقوا الله، فوالله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أنه رسول الله ،وأنه جاء بحق.
قالوا له مصرين على كذبهم، كذبت، أنت أجهلُنا وابن أجهلِنا، كذّاب.
فعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم مفترون، كاذبون، وأن الإيمان لن تُخالط بشاشتُه القلوبَ المظلمة التي يحملونها في صدور قاسية.
فقال لهم: ((اخرجوا))
فخرجوا ملعونين مطرودين من رحمة الله.












عرض جميع مواضيع [ السعيد ]
عرض البوم صور السعيد   رد مع اقتباس
قديم 11-10-2018, 07:04 AM   المشاركة رقم: 14

معلومات العضو


الصورة الرمزية السعيد
إحصائية العضو








  السعيد has much to be proud ofالسعيد has much to be proud ofالسعيد has much to be proud ofالسعيد has much to be proud ofالسعيد has much to be proud ofالسعيد has much to be proud ofالسعيد has much to be proud ofالسعيد has much to be proud ofالسعيد has much to be proud ofالسعيد has much to be proud of
شكراً: 0
تم شكره 339 مرة في 277 مشاركة
 

علم الدوله :  qatar



التواجد والإتصالات
السعيد متواجد حالياً

كاتب الموضوع : السعيد المنتدى : ريآض سيرة الصحآبة رضوآن الله عليهم أجمعين
افتراضي رد: سلسلة قصص رواها الصحابة






(المتنبئ الكذاب)







روى عبد الله بن عباس رضي الله عنهما :
قدِم مسيلمة الكذاب على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجعل يقول لأصحابه: إنْ جعل لي محمدٌ الأمر من بعده، وسلمني قياد دينه تبعته، وإلا فلا، قال هذا وكان معه من قبيلته خلق كثير يقولون ما قاله.
فلما وصل مسيلمة المدينة أقبل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه ثابت بن قيس بن شماس، وفي يد رسول الله صلى الله عليه وسلم قطعة من جريد (والجريد ورق النخل وغصنه)، حتى وقف على مسيلمة في قومه، فصوّب إليه نظره وقال: ((يا مسيلمة)).
قال: نعم.
قال: (( لو سألتني هذه القطعةَ ما أعطيتكها، ولئن كتبَ الله لك الشقاءِ لتشقيَنَّ، ولا عاصم لك من أمر الله، ولئن أدبرْتَ عن دينه، وسلكتَ غير سبيل المؤمنين فلن تُعجزه ،واللهُ غالب على أمره، ولقد أراني الله عز وجل متقلبكَ وعاقبةَ أمرك، فالحذرَ الحذرَ، ولن يُنجي حذرٌ من قدر )).
قال أبو هريرة رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((بينما أنا نائم رأيت في يديَّ سوارين من ذهب – والذهب حرام على ذكور المسلمين – فنفختُهما، فطارا، فأوّلتُهما كذابين يخرجان بعدي، فكان أحدُهما العنسيَّ والآخرُ مسيلمةَ الكذاب صاحب اليمامة)).
وقاد خالد ابن الوليد سيف الله المسلول جيش المسلمين في قتال مسيلمة الكذاب فقُتِل الكذابُ في حديقة الموت وأراح الله المسلمين منه.







(النصراني المرتد)




روى أنس بن مالك رضي الله عنه قال: أسلم رجلٌ نصرانيٌ، وقرأ سورتي البقرة وآل عمران، وحفظهما، وكان كاتباً، فاستعمله النبي صلى الله عليه وسلم في رسائله، ولكنَّ سوء حظه جعله يرتد نصرانياً ليسيء إلى الإسلام ونبيه، فكان يدّعي أنّه كتب ما يريد من آيات، وترك ما يريد من آيات، ومحمّد رسول الله صلى الله عليه وسلم - الذي وصفه الله تعالى بحرصه على حفظ آيات الله:
{ لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (19) }(القيامة).
يقرأ – حسب ما يزعم هذا الخبيث – من الآيات ما بدّله وحرّفه هذا المرتد..!

وأمات الله تعالى هذا النصراني المرتد، فإلى جهنم مآله، أما في الدنيا فحين دفنوه وعادوا إلى دورهم أصبحوا، فإذا به فوق الأرض، لفظته فلم تقبله، وكيف تقبل كذاباً أفاكاً؟
فماذا قال أهله وأصحابه؟
قالوا: هذا فِعلُ محمد وأصحابه، غاظهم حين ترك دينهم، وهرب منهم، فنبشوا عن صاحبنا وألقـَوه على ظهر الأرض.
فحفر له أهله حفرة عميقة ودفنوه فيها، فلما أصبحوا رأوه فوق الأرض، فقد لفظته كرهاً له، وغضباً منه، فقالوا للمرة الثانية: هذا فعل محمد وأصحابه، نبشوا عن صاحبنا لمّا ترك دينهم وهرب منهم، فهم ينتقمون منه، فحفر له أهله وأصحابه حفرة أعمق من الثانية، أعمق ما استطاعوا ودفنوه فيها، فلما أصبحوا رأوا جثته فوق الأرض .. للمرة الثالثة ترفضه الأرض، فعلموا أنَّ ما يرونه ليس فعلَ بشر، إنما هو أمرٌ من رب الأرض وربِّ البشر، فتركوه ولم يدفنوه، فتفسخ ،وزكمت رائحته الأنوف، كما زكم كذبه وإفكُه نفوسَ المؤمنين.

كلامُ سيّدي الرسول * حقٌ لأرباب العقول
عدلٌ جميعُ ما أتى * صِدْقٌ جميع ما يقول (1)




(اتركوا لي صاحبي)



روى أبو الدرداء رضي الله عنه قال:
كنت جالساً عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ أقبل أبو بكر يشتدُّ، آخذاً بطرف ثوبه حتى أبدى عن ركبته، فنظر إليه النبي صلى الله عليه وسلم وهو قادم إليه فقال: إن صاحبكم أبا بكر قادمٌ إليكم من خصومة، فلما وصل الصدّيق سلّم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلينا، فلما استوى جالساً التفت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله إنه كان بيني وبين ابن الخطاب شيء من ملاسنة، ولعلّي تسرعت معه، ثم ندمت، فسألته أن يغفر لي تسرعي معه، فأبى أن يغفر لي، فأقبلت إليك.

ما أعظم هذا الصديق الكريم، إن الإنسان ليجتهد في أمر، فإذا ما بدا له خطؤه عاد عنه إلى الصواب، وهذا يدل على معدنه الأصيل ونفسه الطيبة، فما بالك بالصدِّيق أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه الذي تربى في مدرسة المصطفى وكان أحدَ المربين الأفاضل في هذه المدرسة العظيمة.

قال صلى الله عليه وسلم مهدئاً رُوعه: ( يغفر الله لك يا أبا بكر )، ثلاث مرات.. رسول الله صلى الله عليه وسلم يستغفر للصدِّيق! وثلاث مرات.. إذاً فلا تثريب عليه أغفر ابن الخطاب له أم لم يغفر.

ثم إن عمر بن الخطاب حين هدأت ثائرته، قال: ويحي! يستميحني الصدَّيقُ ويرجو أن أقيل عثرته فأعرِضُ عنه؟!! والله لأذهبن إليه فأستغفره أنا.
سبحان الله.. ما أعظم الأخوَّة في الله! وما أجمل التحاببَ فيه، إنّه نبعُ الصفاء، يا للأخوّة في الله.. اللهم إني أحبّ من يحبونك وأبغض من يبغضونك، وانطلق الفاروق إلى دار أبي بكر فسأل عنه فلم يجده، فقال: هو عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذهب إليه، فسلّم وجلس، ولم ينبس ببنت شفة.

لم يكن يرضى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحد أن يُغضب الصديق، فلما رأى عمر قادماً، وعمر قد أغضب الصدِّيق، تغيّر وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أشفق أبو بكر على عمر من غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم ،فجثا على ركبتيه أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، والله أنا كنت أظلم، والله أنا كنت أظلم (مرتين قالها) راجياً عفو رسول الله عن عمر.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( إن الله بعثني إليكم، فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدق، وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركو لي صاحبي، فهل أنتم تاركو لي صاحبي؟ ).

اللهم ارض عن الصدّيق والفاروق وأكرمهما ، واغفر لي بحبهما واحشرني معهما في زمرة الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم، واهدِ قومي إلى الحق وإلى طريق مستقيم ،فإنهم لا يعلمون.







(نهاية طاغية)







أمية بن خلف أحد طغاة الكفار في مكة، وقف يحارب الدعوة بعنف وشراسة، ويعذب المؤمنين بها، وما فعله بمؤذن الرسول الكريم بلال بن رباح من منعه عن الطعام، ورميه على الرمال الحارقة في الهجير إلى أن اشتراه الصدَّيق دليلٌ على عداوته للإسلام ونبيه وأتباعه.
أمية هذا كان صاحباً لسيّد الأوس سعد بن معاذ رضي الله عنه في الجاهلية، ينزل عليه إذا مر بالمدينة ذاهباً إلى الشام وقافلاً منها.
فلما انتقلت الدعوة الشريفة إلى المدينة دخل سعدٌ فيها مؤمناً بها، مدافعاً عنها، ولكن هذا لم يمنع التواصل بين الرجلين.

انطلق سعد بن معاذ بعدما أسلم – قبل معركة بدر – إلى مكة معتمراً، فنزل على أمية بن خلف فبات عنده، وحين أصبح الصباح خاف أمية على سعد أن يصيبه مكروه إذا اعتمر فطاف بالكعبة فرآه الناس، فقال له: انتظر يا سعد حتى إذا انتصف النهار، وغفل الناس، انطلقتَ فطفتَ دون أن يلحظك أحد، قال سعد: كما ترى يا أمية.

وحين اشتدت الحرارة ولاذ الناس ببيوتهم، انطلق سعد يطوف بالكعبة معتمراً، وحدث ما كان أمية يتخوف منه. فهذا أبو جهل الذي يسكن قريباً (وبيته الآن أماكن لقضاء الحاجة، بنتها إدارة الحرم المكي وهو يستحق ذلك!!) لعله كان عائداً إلى بيته فرأى سعداً فقال: من هذا الذي يطوف بالكعبة؟
فقال سعد: أنا سعد بن معاذ.
وهنا اكفهر وجه أبي جهل غضباً فقال: تطوف بالكعبة آمناً وقد آويتم محمداً وأصحابه.
قال سعد: نعم آويناهم حين ضيقتم عليهم وشددتم عليهم الخناق، فاشتد خصامهما وعلت أصواتهما.
فقال أمية وقد احتد من ضيفه ونسي الصحبة وفضلَ سعد عليه: لا ترفع صوتك على أبي الحكم، فإنه سيد أهل الوادي.
قال سعد متناسياً خذلان أمية له وموجهاً كلامه لأبي جهل: والله لئن منعتني أن أطوف بالبيت لأقطعن طريق تجارتك إلى الشام.
فبدأ أمية يصرخ في وجه سعد ويمسكه ويقول مكرراً دون أن يرعى حسن الضيافة: لا ترفع صوتك على أبي الحكم، لا ترفع صوتك عليه.
عند ذلك احتد سعد هذه المرة على أمية، لا على أبي جهل وقال: دعنا منك – يا أمية – فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إنه قاتلك)).
قال أمية: أتخاطبني أنا؟ أأنا الذي يزعم محمد أنه يقتلني؟
قال سعد: نعم أنت يا أمية، أنت الذي يقتلك رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قال أمية متلوياً وكأنه لديغ: ما يكذب محمد إذا حدَّث، وانكمش في نفسه.

ثم انطلق سعد إلى مدينة الإسلام، فما يطيب المقام إلا هناك في أكناف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وسيعتمر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم- إن شاء الله -وتحت رايته.
ورجع أمية حزيناً كاسف البال يقول لامرأته: أما تعلمين ما قال أخي اليثربي؟
قالت: وما قال؟
قال: زعم أنه سمع محمداً يقول: إنه قاتلي، فوالله ما يكذب محمد.
فلما خرج المشركون إلى بدر للقتال استصرخ أبو جهل أمية، فكره هذا أن يكون معهم، فقال له أبو جهل: يا أبا صفوان إنك حين يراك الناس قد تخلفت، وأنت سيد أهل الوادي تخلفوا معك، فلم يزل أبو جهل يشجعه حتى قال: أما إذا غلبتني فوالله لأشترين أجود بعيرٍ بمكة، ثم قال لامرأته: يا أم صفوان، جهِّزيني.
فقالت له: يا أبا صفوان أنسيت ما قاله لك أخوك اليثربي؟
قال: لا، ما أريد أن أجوز معهم إلا قريباً يوماً أو يومين ثم أعود.
لكن الله تعالى أراد له الموت في بدر حتى قتله الله فيها.

والمعروف أن النبي صلى الله عليه وسلم توعد أُبيَّ بن خلف أخا أمية، فالتبس ذلك على سعد، فحقق الله تعالى ما قال سعد في أميّة – كرامةً له - إذ قُتل أميةُ في بدر ، وقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم أبيّ بن خلف بيده الشريفة يوم أحُدٍ فكانت معجزة له حققها الله تعالى لنبيه الكريم صلى الله عليه وسلم .







(العُمَران)





قالت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها: شَخَص بصر النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم قال: الرفيق الأعلى (ثلاثاً) ثم مات عليه الصلاة والسلام.
أما الصدِّيق فكان بالسّنح في العلية وكان بيتُه هناك في أعالي المدينة، فقام عمر يقول: والله ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وليبعثنه الله، فليقطعنَّ أيدي المنافقين وأرجلهم.
وجاء الصدّيق إلى بيت عائشة وفيه جثمان رسول الله صلى الله عليه وسلم مسّجى، فسأله الناس: أرسول الله حي أم ميت؟!
فلم يجب، يريد أن يتأكد بنفسه، فلما دخل كشف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقبّل وجهه الشريف، فلما علم أنه مات حقاً قال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، طِبتَ حيّاً وميتاَ، والله الذي نفسي بيده لا يذيقك الله الموتتين أبداً.
ثم خرج، فقال لعمر: أيها الحالف، على رِسلك، فسكت عمر ثم جلس، فتكلم أبو بكر، فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه:
من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حيّ لا يموت.
قال الله تعالى مخاطباً نبيّه الكريم : { إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (30)}(الزمر)
وقال سبحانه : { وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (144)}(آل عمران).
وهنا علم الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم التحق بالرفيق الأعلى فبدأوا ينشجون.
وبكت السيدة فاطمة أباها سيّد الآباء فقالت:

إنا فقدناك فقد الأرض وابلها * وغاب – مذْ غبت – عنا الوحي والكتب
فليت قبلك كان الموت صادفنا * لما نُعيتَ وحالت دونك الكثبُ
قالت السيدة عائشة:
فما كان من خطبتهما من خطبة إلا نفع الله بها.
1- لقد خوَّفَ عمرُ الناس، وإن فيهم لنفاقاً، فردّهم الله بذلك.
2- ثم لقد بصَّرَ أبو بكر الناسَ الهدى، وعرّفهم الحق الذي عليهم.
ثم بويع الصديق خليفة في سقيفة بني ساعدة بيعة الخاصة، وفي اليوم التالي في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة العامة.







(إني أحبك أيها الفاروق)





1- روى سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال:
استأذن عمر بن الخطاب رضي الله عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعنده نسوة من قريش يكلمنه، عالية أصواتُهن على صوته، فلما استأذن عمر بن الخطاب قمن فبادرن بالحجاب – وقفن خلف الحجاب – فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فدخل عمر ورسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك.
فقال عمر: أضحك الله سنّك يا رسول الله – يدعو له -.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم :
(عجبت من هؤلاء اللاتي كن عندي، فلما سمعن صوتك بادرن بالحجاب).
فقال عمر: أنت أحق أن يهبْنَ يا رسول الله.
ثم قال: يا عدوات أنفسهن؛ أتهبنني ولا تهبْنَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟
فقلن: نعم، أنت أفظ وأغلظ من رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
(إيهاً يا ابن الخطاب، والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكاً فجاً إلا سلك فجاً غير فجك).

2- روى عبد الله بن عباس رضي الله عنهما يقول:
لما قُتل عمر بن الخطاب، وضع على سريره فالتفّ حوله الناس يدعون ويصلون عليه قبل أن يرفع فيدفن، وأنا فيهم، فلم يرُعني إلا رجل أخذ منكبي، فنظرت فإذا عليٌّ فترحم على عمر فقال:
ما خلفت أحداً أحبّ إليّ أن ألقى الله بمثل عمله منك، وايمُ الله أني لأظنُّ أن يجعلك الله مع صاحبيك، وحسبت أني كثيراً كنت أسمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
(ذهبت أنا وأبو بكر وعمر)
(ودخلت أنا وأبو بكر وعمر)
(وخرجت أنا وأبو بكر وعمر).

3- روى أبو هريرة رضي الله عنه قال:
بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال:
( بينما أنا نائم رأيتني في الجنة، فإذا امرأة تتوضأ إلى جانب قصر فقلت: لمن هذا القصر؟ فقالوا: لعمر، فذكرت غيرَتَه، فوليّتُ مدبراً
فبكى عمر وقال: أعليك أغارُ يا رسول الله؟!

4- وروى حمزة عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
(بينما أنا نائم شربت اللبن حتى أنظر إلى الريّ في أظفاري، ثم ناولت عمر).
قالوا: فما أوَّلته يا رسول الله؟
قال: (العلم).

أقول وقلبي يخفق سعادة بما اقرأ عن أمير المؤمنين عمر ، وبما شرُفتُ بكتابته عنه :
( إني أحبك أيها الفاروق ، وأرجو ربي أن يحشرني معك تحتَ ظل عرش الرحمن في زمرة الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم.)







(عملية فدائية/"مقتل كعب بن الأشرف")




روى جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال:
في السنة الثالثة للهجرة كان كعب بن الأشرف قد أساء إلى المسلمين، وكثُر في نسائهم تشبيبُه، وذهب إلى مكة يحرض المشركين على الثأر لقتلاهم في بدر وبكى عليهم، وحرّض على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم عاد إلى المدينة وكانت أمه من بني النضير واليهود ينسبون إلى أمهاتهم، أما أبوه فكان من بني نبهان من طيّء.
قال النبي صلى الله عليه وسلم :
( مَن لكعب بن الأشرف هذا الذي اتخذ المسلمين غرضاً يرمى، ولم يرعَ حرمة الجوار فاستعدى علينا كفار قريش؟ أين الفدائيون الذين يقتنصونه من حصنه فيكون عبرة لمن يعتبر؟ إن من آذى الله ورسوله دمه مهدور ).
قال محمد بن مسلمة: أتحب أن أقتله يا رسول الله؟
قال: نعم يا محمد بن مسلمة، ولك الأجر من الله تعالى.
قال محمد بن مسلمة: سمعاً وطاعةً يا رسول الله، ولكن ائذن لي يا رسول الله أن أنال منك أمامه حتى يطمئن لي ولإخواني.
قال الرسول الكريم الله صلى الله عليه وسلم :
( قولوا ما بدا لكم فأنتم في حل من ذلك، إن مصلحة الدعوة، والوصول إلى الهدف، والتخلّصَ منه وإراحة المسلمين من شره تبيح ذلك على أن تكون قلوبكم عامرة بحب الله ودينه ورسوله ).
قال ابن مسلمة: والله لا يتجاوز ذلك ألسنتنا فالله ورسوله أحب إلينا من أنفسنا وأهلينا.
قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ( سيروا على بركة الله ).
وانطلق محمد بن مسلمة في ثلاثة من المسلمين الأشداء فيهم أبو نائلة أخو كعب من الرضاعة، ولكن أخوَّةَ الإسلام أقوى من كل أخوة، فالعقيدة أساس كل محبة وأساس كل أخوّة، والتاريخ الإسلامي فيه صور كثيرة تدل على أن الاختلاف في العقيدة يقطع كل صلة إلا صلة الأرحام، وتبقى العقيدة لب العلاقة بين الناس، فهذا عمر يقتل خاله هشام بن العاص، وأبو عبيدة يقتل أباه الذي حرص على قتله، ومصعب بن عمير يعلن على ملأٍ من المسلمين أن أخوّة الإسلام أقوى من أخوة النسب حين يقول لأخيه أبي عزيز – صاحب لواء المشركين يوم بدر – وقد أسره احد المسلمين : ( وصِّهِ بي يا أخي ) فرد مصعب رضي الله عنه موجهاً حديثه للمسلم : اشدد عليه فإن له أماً غنية تفديه. فقال أبو عزيز : أهذه وصاتك بي يا أخي؟!
فقال المسلم الرائع الذي يرى أخوة الإيمان هي الأخوّةُ الحقيقية وما عداها ساقط
(صه ؛ فإنه أخي مِن دونك).
انطلق محمد بن مسلمة وإخوانه إلى كعب في حصنه فقالوا له:
إن هذا الرجل – يعني رسول الله عليه وسلم -: قد أجهدنا في الصدقات، وعنّانا، فضاقت علينا السبل حتى ضاعت العيال وجهدت البهائم، وإنا قد جئناك نستلفك طعاماً، نرهنك ونوثق لك.
قال كعب: والله لتملّنَّه وتكرهُنّه.
قال مسلمة: إنا قد تبعناه، فلا نحب أن ندعه حتى نعلم إلى أي شيء يصير شأنه، ولا بدّ لاتخاذ قرار العودة عنه من سبب قوي يعذرنا الناس فيه.
قال كعب: أقبل رهانكم أن يكون نساءَكم.
قالوا: كيف نرهنك نساءنا وأنت أجمل العرب؟! لا، غير هذا فاطلب.
قال كعب: فارهنوني أبناءكم إذاً.
قالوا: كيف نرهنك أبناءنا، فيُسبُّ أحدهم فيقال: رُهِن بقليل من الطعام، هذا عارُ علينا، لا نقبل به، ولكننا نرهنك دروعنا وسيوفنا، وأرادوا أنهم إذا جاءوا بأسلحتهم لا ينكر عليهم حملها ولا يخاف منهم.
وانطلق هؤلاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فأخبروه بما كان،فدعا لهم وشيَّعهم إلى بقيع الغرقد.
ووصلوا إليه ليلاً ودَعوه لينزل من حصنه، فوثب إليهم مرّحباً، فقالت له امرأته: أين تخرج من هذه الساعة؟
قال: إنما هو محمد بن سلمة وأخي أبو نائلة.
قالت: أفي مثل هذه الليلة وأنا وأنت عروسان وأنا أخاف عليك؟
قال: إن الكريم لو دُعي إلى طعنة بليل لأجاب.
وكان مسلمة قال لأصحابه شأشمّه أولاً، فإذا شممته ثانية فاضربوه بالسيف، وحين وصل إليهم قال له محمد بن سلمة:
ما هذا العطر الطيب يا كعب؟! وشم رأسه مبدياً إعجابه، فقال له: هذا أطيبُ عطر، ثم قال متباهياً فخوراً؛ وتزوجت أعطرَ نساء العرب وأكملَهُنَّ.
قال محمد بن سلمة: هنيئاً لك يا كعب.
ثم ساروا يتحدثون ساعة ثم مال عليه محمد وقال: هات رأسك أشمّ العطر ثانية، فلما استمكن منه قال: دونكم فاقتلوه، فكانت نهايته، وصرخ صرخة سمعها مَن في الحصن ولم يجرؤ أحد على استجلاء الخبر، وانطلقنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم نزف إليه الخبر.
وخاف اليهود حين سمعوا بمقتله على أنفسهم.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من ظفرتم به من رجال يهود فاقتلوه
فوثب أحد المسلمين واسمه مُحَيِّصة بنُ مسعود على ابن سِنِّينة اليهودي فقتله -وهو تاجر كان يبايعهم- فقال له أخوه حُوَيِّصة: كيف تقتله وهو من نستفيد من ماله وتجارته؟( أتقتلُه وشحم بطنك من خيره)؟! وأغلظ له في الكلام وكان مشركاً،
فقال مُحَيِّصة: لقد أمرني بقتله مَن لو أمرني بقتلك ما ترددت.
فقال حويصة: إن ديناً أصحابُه بهذا الإخلاص لدين عَجَبٌ، ثم أسلم.









(عملية فدائية أخرى/"مقتل أبي رافع اليهودي")





روى البراء بن عازب رضي الله عنه قال:
كان الحيّان من الأنصار، يتباريان في نصرة الدين، فلما سمع الخزرج أن محمد بن مَسْلمة وإخوانَه من الأوس قتلوا كعبَ بن الأشرف قالوا: والله لا يسبقونا، واستأّذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتل أبي رافع اليهودي فأذن لهم، ودفعوا له فتياناً لهذه المهمة فأمّر عليهم عبدَ الله بن عتيك.

وكان أبو رافع هذا صديقاً لكعب بن الأشرف، له مثله جولاتٌ في إيذاء المسلمين والتحريض عليهم، وينال من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان في حصن له بأرض الحجاز، فلما دنا الفدائيون منه وقد غربت الشمس، وراح الناس بسَرْحهم، قال عبد الله لأصحابه: اجلسوا مكانكم، فإني متلطِّفٌ للبوّاب لعلي أن أدخل، فأقبل حتى دنا من الباب، وتقنّع حتى لا يراه فيعرف أنّه غريب، وجلس قريباً من الباب كأنه يقضي حاجته، فلما دخل الناس، هتف به البوّاب متعجلاً؛ يا عبد الله إن كنت تريد أن تدخل، فادخل سريعاً، فإني أريد أن أغلق الباب، فدلف مسرعاً وكمن في زاوية لا يراه فيها أحد.

فلما استكمل الناس دخولهم، أغلق البوّابُ الباب وقفله، وعلَّق المفاتيح على وتد في الجدار وانطلق إلى داره، فقام عبد الله بن عتيك ففتح الباب متحَسِّباً لما قد يجري، فلعله إن انكشف أمره استطاع الهرب.
وكان أبو رافع وجيهاً سَرِيّاً، يسهر عنده قومه في مضافة عالية في داره، فانتظر عبد الله حتى انفض السامرون، فصعِد إليه، كلما فتح باباً أغلقه عليه من الداخل، فقد يُحِسّ به أبو رافع فينادي مستصرخاً يطلب النجدة، فيرى منجدوه الأبواب مغلقة فلا يصلون إليه إلا وهو قتيل، هكذا فكّر عبد الله، وكان تفكيره سليماً.

قال عبد الله: فانتهيت إليه فإذا هو في بيت مظلم بين عياله، لا أدري أين هو، فقلت: أبا رافع، فرد قائلاً: من هذا؟! فأهويت نحو الصوت فأضربه ضربة بالسيف دون أن أصيبه، فصرخ مستغيثاً، فخرجت من البيت لحظات، ثم عدت إليه فقلت – وكأني أحد سكان الحصن: ما هذا الصوت يا أبا رافع؟ فقال: ثكلتك أمك، إن رجلاً في البيت ضربني قبل قليل بالسيف، فحدد عبد الله المكان جيداً وضربه ضربة صائبة جرحته ولم تقتله، ثم وضع ذباب السيف في بطنه حتى خرج من ظهره، فهدأت حركته.
قال عبد الله: وعلمت أني قتلته، فجعلت أفتح الأبواب باباً باباً حتى انتهيت إلى درجة لم أرَها، فوضعتُ رجلي وأنا أظن أني قد انتهيت إلى الأرض، فوقعت، فانكسرت ساقي، فعصبتها بعمامتي، ثم انطلقت حتى جلست على الباب، فقلت: لا أخرج الليلة حتى أعلم أقتلته أم لا –
سبحان الله! ما أعظم هذا الفدائي! يتحمَّل ألم رجله ويصبر عليه ليتأكد من إتمام مهمته!! هكذا يكون الرجال –
فلما صاح الديك وانكشفت الدنيا قام الناعي على السور فقال: أنعي أبا رافع تاجرَ أهل الحجاز، فانطلقتُ إلى أصحابي، فقلت: النجاءَ النجاءَ، فقد قتل الله أبا رافع،ولم يقل قتَلتُه فالله من قتل {..فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللّهَ رَمَى ...(17)}(الأنفال) فقد رباهم الرسول صلى الله عليه وسلم أعظم تربية .
قال عبد الله بن عتيك: وانتهينا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فحدثته بما جرى فقال:
( ابسط رجلك )، فبسطتها فمسح عليها، فكأنني لم أشتكها قط.

ما اروع الأستاذ والتلميذ ّ هكذا ينبغي أن نكون آباء وأبناء، ومعلمين وطُلاّباً ، وقادة وجنوداً ..









(إليك يحن الجذع يا رسول الله)






حين بُني مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان فيه جذع شجرة نخيل، يقف إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمسكه بيده الشريفة وهو يخطب في المسلمين،ويتكئ عليه، كان هذا حتى جاءت السنة السابعة للهجرة، فقال أصحابه يوماً: نصنع لك يا رسول الله منبراً له ثلاث درجات، فترتفع عليه، فنراك وترانا، قال: فاصنعوا ما بدا لكم، وهكذا فعلوا، فلما جَهُزَ المنبر، وقام عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب، سمع المسلمون صوتاً، تلفتوا حولهم، من هذا الذي يبكي؟ من يئن؟ من أين هذا الصوت المتقطع، تكاد نفس صاحبه تخرج من صدره؟ صمت الناس، يبحثون عن مصدر هذا الصوت، ويا للعجب إنه يصدر من جذع النخلة، كان المسجد يغَصُّ بالمصلين، فوصف كثير منهم هذا الصوت.
قال أحدهم: سمعنا للجذع صوتاً كصوت الناقة التي انتهت في حملها إلى عشرة أشهر، فهي تصدر أنين الحمل أو الوضع.
وقال الثاني: اضطربت تلك السارية كحنين الناقة الخلوج التي انتزع ولدها.
وقال الثالث: حنَّت الخشبة حنين الوالد فارقه ولده.
وقال الرابع: خار ذلك الجذع كخوار الثور حتى انصدع وانشق.
وقال الخامس: صاحت صياح الصبي فارق أمّه.
يا الله، خشبة تبكي على فراق رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحن إليه؟! فالمسلمون أحق أن يشتاقوا إليه صلى الله عليه. .
كان الجذع في أقصى حالات السعادة حين يلمسه الرسول صلى الله عليه وسلم، فيشعر بالأمن، والأمان، ويسمع منه القرآن الكريم، والذكر الحكيم، أما الآن فهو يشعر أنه فقد ذلك، فحق له أن يبكي.
فماذا فعل النبي الرحيم، ذو الخلق العظيم، والأستاذ الذي علم البشرية كيف يتصرَّفون، وماذا يفعلون؟
نزل النبي صلى الله عليه وسلم وسار إلى جذع النخلة فضمَّه إليه يسكنه ويهدئه، كما تفعل الأم بوليدها، فجعل الجذع يئن أنين الصبي بين يدي أمه والطفلِ في أحضانها، حتى هدأ وسكن.
قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لو لم أحتضنه لحن إلى يوم القيامة
ثم قال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم للجذع على مسمع من الناس: ( اختر واحداً من اثنين ).
الأول: ( أن أغرسك في المكان الذي أنت فيه فتكون كما كنت نخلة مثمرة وارفة الظلال ).
الثاني: ( أن أغرسك في الجنة فتشرب من أنهارها فيحسن نبتك، وتثمر، فيأكل منك أولياء الله تعالى ).
فقال للنبي فقال النبي صلى الله عليه وسلم : اختار أن أغرس في الجنة يا رسول الله
فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم فدُفِن.















عرض جميع مواضيع [ السعيد ]
عرض البوم صور السعيد   رد مع اقتباس
قديم 11-10-2018, 07:12 AM   المشاركة رقم: 15

معلومات العضو


الصورة الرمزية السعيد
إحصائية العضو








  السعيد has much to be proud ofالسعيد has much to be proud ofالسعيد has much to be proud ofالسعيد has much to be proud ofالسعيد has much to be proud ofالسعيد has much to be proud ofالسعيد has much to be proud ofالسعيد has much to be proud ofالسعيد has much to be proud ofالسعيد has much to be proud of
شكراً: 0
تم شكره 339 مرة في 277 مشاركة
 

علم الدوله :  qatar



التواجد والإتصالات
السعيد متواجد حالياً

كاتب الموضوع : السعيد المنتدى : ريآض سيرة الصحآبة رضوآن الله عليهم أجمعين
افتراضي رد: سلسلة قصص رواها الصحابة





(هرقل الروم)





كاتب رسول الله صلى الله عليه وسلم الملوك والأمراء يدعوهم إلى الإسلام:
1- فبعث إلى كسرى: عبد الله بن حذافة فمزق الكتاب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( مزق الله ملكه )، فسلط الله عليه ابنه شيرويه فقتله.

2- وبعث إلى النجاشي كتابه فسلمه إليه جعفر بن ابي طالب وكان جعفر إذ ذاك في الحبشة وكان حامل الكتاب: عمرو بن أمية الضمري، فأسلم النجاشي رضي الله عنه.

3- وبعث إلى المنذر بن ساوى والي البحرين: العلاءَ بن الحضرمي يدعوه إلى الإسلام، أو الجزية فأسلم المنذر والعربُ كلهم – وكانت البحرين تابعة للفرس – وصالح اليهودُ والنصارى والمجوسُ ودفعوا الجزية.

4- وبعث إلى هوذة بن علي: سليطَ بن عمرو يدعوه إلى الإسلام وكان هوذة نصرانياً، فأرسل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وفداً فيهم مجّاعة بن مرارة والرجّال بن عنفوة يقول له: إن جعل له من الأمر من بعده أسلم وسار إليه ونصره، وإلا قصد حربه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا ولا كرامة، اللهم اكفنيه )، فمات بعد قليل.

5- وبعث إلى الحارث بن أبي شمَّر الغساني: شجاع بن وهب، فلما قرأ كتابه عليهم قال: من ينزع مني ملكي؟! أنا سائر إليه، فلما بلغ قولُه رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: ( بادَ ملكه ).

6- وبعث إلى المقوقس بمصر: حاطب بن أبي بلتعة، فقبَّل كتاب النبي صلى الله عليه وسلم، وأهدى إليه جواريَ منهن مارية أمُّ إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وكانت رسائله عام ثمانٍ للهجرة.

أما رسالته إلى هرقل ملك الروم فقد حملها دِحية الكلبي ،فلما وصلته قبَّلها وجعلها على صدره، وكتب إلى رئيس أساقفته في القسطنطينية يخبره شأنه: فكتب إليه هذا: إنه النبي الذي كنا ننتظره لا شك فيه، فاتّبعه وصدِّقهُ، فجمع هرقل بطارقة الروم في صومعة له في حمص، وغلَّق أبوابها ثم طلع عليهم من عِليّةٍ خائفاً على نفسه منهم، وقال لهم: قد أتاني كتاب هذا الرجل "محمد" يدعوني إلى دينه، وإنه والله النبي الذي نجده في كتابنا، فهلم فلنتبعه ونصدقه، فتسلمَ لنا دنيانا وآخرتنا ونفوز بهما معاً.
فنخروا نخرة رجل واحد استقباحاً لما قاله، ثم ابتدروا الأبواب ليخرجوا فيثوروا ويؤلبوا العامّة والجيشَ عليه فقال: ردّوهم عليّ فردّوهم، فقال لهم: إنما قلت لكم ما قلت لأنظر كيف صلابتكم في دينكم؟ وقد رأيت منكم ما سرَّني، فسجدوا تعظيماً له.
ثم إن هرقل قال لدحية: إني لأعلم أن صاحبك نبيّ مرسل، ولكني أخاف الروم على نفسي، ولولا ذلك لاتبعته، فاذهب إلى الأسقف الأعظم في القسطنطينية واذكر له أمر صاحبك، وانظر ما يقول لك، فجاء دحية وأخبره بما جاء به من رسول الله صلى الله عليه وسلم ،فقال له: والله إن صاحبك نبيٌّ مرسل، نعرفه بصفته ونجده في كتابنا، ثم أخذ عصاه وتوجه إلى البطارقة والقساوسة فقال: يا معشر الروم، قد جاءنا كتاب من أحمد، يدعونا إلى الله، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فوثبوا عليه فقتلوه رحمه الله.
فرجع دِحية إلى هرقل وأخبره بالخبر قال: قد قلت إننا نخافهم على أنفسنا.
ولو أن هرقل ترك الملك وآمن، وفعل كما فعل غيره مما قصَصْتُ عن مَلِك من ملوك بني إسرائيل في كتابي- قصص رواها النبي صلى الله عليه وسلم - لكان من سعداء الآخرة، ولكنه آثر الدنيا العاجلة على الآخرة الآجلة

قال قيصر مخاطباً مَلأَه من البطاركة وقادة الجند والوجهاء:
هلمُّوا نعطيه الجزية فأبوا، فقال: نعطيه أرض سوريا الشام، ونصالحُه، فأبوا واستدعى هرقل أبا سفيان، وكان تاجراً إلى الشام في الهدنة (صلح الحديبية) فحضر عنده ومعه جماعة من قريش أجلسهم هرقل خلف ابي سفيانَ، وقال: إني سائله، فإن كذب فكذّبوه، فقال أبو سفيان: لولا أن يؤثر عني الكذب لكذبت.
فسأله عن النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبو سفيان: صغّرت من شأنه فلم يأبه لقولي.
قال هرقل: كيف نسبه فيكم؟
قال أبو سفيان: هو أفضلنا نسباً.
قال هرقل: هل كان من أهل بيته من يقول مثل قوله؟
قال أبو سفيان: لا.
قال هرقل: فهل له فيكم مُلْكٌ سلبتموه إياه؟
قال أبو سفيان: لا.
قال هرقل: فمن اتبعه منكم؟
قال أبو سفيان: الضعفاءُ والمساكين، والأحداثُ من الغلمان والنساء.
قال هرقل: فهل يحبه من يتبعه ويلزمه أو يَقليه ويفارقه؟
قال أبو سفيان: ما تبعه رجل ففارقه، فأخلاقه تَسَع الجميع.
قال هرقل: فكيف الحرب بينكم وبينه؟
قال أبو سفيان: الحربُ سجال يوم له ويوم لنا.
قال هرقل: هل يغدِر؟
قال أبو سفيان: لا، ونحن منه هدنة (صلح الحديبية) لا نأمن غدره، وكان أبو سفيان في هذا يريد النيل من النبي صلى الله عليه وسلم ، فلم يأبه هرقل لقوله.
قال هرقل: سألتك عن نسبه، فزعمت أنه من أكرم الناس نسباً، وكذلك الأنبياء.
وسألتك: هل قال أحدٌ من أهل بيته مثلَ قوله فهو يتشبه به قلت: لا.
وسألتك: هل سلبتموه ملكه، فجاء بهذا لتردوا عليه ملكه فقلتَ: لا.
وسألتك: عن أتباعه فزعمت أنهم من الضعفاء والمساكين وكذلك أتباع الرسل.
وسألتك: عمن يتبعه أيحبه أم يفارقه؟ فزعمت أنهم يحبونه، وكذلك حلاوة الإيمان لا تدخل قلباً فتخرج منه.
وسألتك: هل يغدر؟ فزعمت أنه لا.
ولئن صدقتَني ليغلبَنَّ على ما تحت قدميَّ هاتين ،ولوددت أني عنده فأغسل قدميه. انطلق لشأنك..
فخرج أبو سفيان وهو متعجب مندهشٌ لما سمعه من هرقل، وقال وهو يضرب إحدى يديه بالأخرى: يا أيها الناس، لقد عظُم أمر محمد حتى باتت الملوك تهابه!
إن هيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم من هيبة الله تعالى، ولكن الغافلين عن هذا الغارقين في أوحال الدنيا لا يدركون ذلك.
قال أبو سفيان مثل هذا في فتح مكة للعباس: لقد بلغ مُلكُ ابن أخيك شأواً عظيماً، فردّ عليه العباس رضي الله عنه: إنها النبوَّةُ يا أبا سفيان، أما آن لك أن تعي هذا؟!
وللدعاة هيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فهذا سلطان العلماء العز بن عبد السلام رحمه الله يرى من مجلسه العرضَ العسكريَّ الذي سار فيه السلطان أيوب ملك مصر، ورآه في رَكبه منتفخاً، منتفجاً، فاستحضر العزُّ هيبة الله في نفسه ،وسأله العون على سلّ هذه السخيمة من نفس أيوب، فناداه وهو جالسٌ: يا أيوب! لم يناده بلقب الملك والسلطنة.
فما كان من السلطان إلا أن أوقف العرض ونزل عن مركبته ،وسعى إلى العزّ بن عبد السلام، يقول له: ما الذي تريده يا شيخنا الجليل؟
قال العزّ: ما تقول لله تعالى وقد ولّاك على عباده إذا وقفت بين يديه وسألك عن الخمارة في مكان كذا؟
قال السلطان أيوب: إنها بنيت على عهد والدي.
قال العزّ: أأنت من الذين قالوا: { إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ } ؟ّ!
قال السلطان أيوب: لا يا مولانا .وأمَرَ لتوه بهدمها، واستأذن الشيخ وعاد إلى موكبه.
قيل لسلطان العلماء العزّ بن عبد السلام: لقد كان مستعظماً في نفسه وهو في موكبه، أما خفت على نفسك من بطشه؟
قال العزّ رحمه الله: استحضرت هيبة الله في نفسي فوجدته كالفأر بين يدي الهِرِّ.

صلى الله على رسوله الكريم، وجزاه خير ما جزى نبياً عن أمته، ورحم الله علماء الأمة العاملين الوقّافين على حدود الله، الذين لا يخافون في الله لومة لائم.







(هو من أهل النار)





روى أبو هريرة رضي الله عنه قال:
شهدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة خيبر، فكان رجل ممّن يدعي الإسلام قاتل قتالاً قلَّ نظيره، ويفتك باليهود فتكاً يريح النفس، فكنت أتعجب لقوته وشجاعته وصبره، فذكرت للرسول صلى الله عليه وسلم تنكيله بالمشركين فقال:
( هو من أهل النار
فتعجبت لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقلت: يا رسول الله انظر ماذا يفعل وكيف يقاتل؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤكداً ما قاله آنفاً:
( من أحب أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إلى هذا ).
وتعجب رجل من المسلمين لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ولفعل ذلك الرجل الذي يحارب بشدة، فقال: لأتبَعَنَّ هذا الرجل ولأريَنّ نهايته.
كثرت الجراح بذلك الرجل فوقع على الأرض لا يستطيع حراكاً، فجعل ذبابة سيفه بين ثدييه ،واتكأ عليه فخرج السيف من بين كتفيه، فانتحر.
فأقبل ذلك الرجل الذي اتبعه إلى النبي مسرعاً، فقال: أشهد أنك رسول الله.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( حق ما تقوله يا رجل، ولكن ما الذي دعاك إلى قولها الآن؟).
قال: يا رسول الله، ذكرتَ آنفاً مشيراً إلى رجل كان شديد القتال: ( من أحب أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إلى هذا ) فتعجبت، ثم تبعتُه ليطمئن قلبي يا رسول الله، وكان ما قلتَه يا رسول الله، وحدِّثه بما رأى.
قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( قم يا بلال، وقل بأعلى صوتك: لا يدخل الجنة إلا مؤمن، وإن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر ).

كثيرٌ من الناس ترى له فعلاً حسناً، بَيْدَ أنه على غير ملة التوحيد ،فله في دنياه ما يناسب فعله، ولا يقبل الله إلا ما كان خالصاً لوجهه الكريم.







(كن نبيهاً ذكياً)




روى عبد الله بن عباس رضي الله عنه قال:
كان النبي صلى الله عليه وسلم يشحذ هممنا كما يشحذ المسَنُّ السكين، ويرفع من معنوياتنا ويشجعنا على التفكير واغتنام الفرص.
فبينا نحن جلوس عنده وهو عليه الصلاة والسلام يربينا ويأخذ بأيدينا إلى الطريق القويم قال:
عُرضت عليَّ الأمم – من لدن آدم عليه السلام إلى يوم القيامة – وكأنها تمشي أمام منصة سيد الأنبياء ذي القدر العلي، والعزم الجليّ .. كل نبي يمشي، ووراءه من اتبعه، فقد تجد نبياً يمشي وحده، إذ جحده قومه، وكذّبوه، فلم يؤمن به أحد، فأخرجوه من بينهم، وقد يقتلونه، ويظنّون أنهم تخلصوا منه، فتحلُّ عليهم نقمة الله وعذابه فيُستأصلون، أو يُرمَون بداهية تجعل حياتهم جحيماً، فمنهم من أرسِل عليه حاصبٌ، ومنهم من أغرق، ومنهم من أرسلت عليهم ريحٌ صرصرٌ عاتية جعلتهم كجذوع النخل المبتورة.. جزاء على كفرهم وقتلهم أنبياءهم الكرام.وقد تجد نبياً لم يؤمن معه سوى الرجلِ أو الرجلين.

ورسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم أن أمته كثيرة، فحين مرّت أمّةٌ كثيرة العدد ملأت مكان العرض واتسع محيطها ظنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها أمة المسلمين، فشعر بالسعادة، فقيل له: هذا موسى وقومه، فظنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن اليهود أكثر من المسلمين.. وتأثَّر، ولم يطل تأثره عليه الصلاة والسلام بذلك، فقد قال له الملك: انظر إلى الأفق، فينظر عليه الصلاة والسلام، فإذا سواد عظيم ملأ الخافقين، جموع المسلمين الممتدة أمام منصة سيد الأنبياء تتوارد، وأمامها رجال كالشموس تلألؤاً.. مَنْ هؤلاء الوضيئون؟! قال له مرافقه: هؤلاء سبعون ألفاً من أمتك يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب.. الله... اللهَ، ما أعظم أن يكون الرجل من بين هؤلاء الرجال العظام.

ونهض رسول الله صلى اله عليه وسلم ، فدخل منزله.. فخاض الناس في صفات هؤلاء النفر الذين يتجاوز الله عنهم ويكتبهم في عليين، لا يحاسبون..
قال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكانوا أوّل مَنْ أسلم، شاركوه السرّاء والضرّاء، وعلى أكتافهم قامت دولة الإسلام؟
وقال بعضهم: فلعلّهم الذين ولدوا في الإسلام، فلم يشركوا بالله شيئاً، ورضعوا لبان التوحيد، وشربوا الإيمان وكانوا جنود الرحمن؟
وكثر الحديث في هؤلاء وتعدد التعليل وذهبت الظنون فيهم كلَّ مذهب.
وخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فرآهم على حالهم التي تركهم عليها، وسمعهم يتداولون الحديث، ويتعاورون التحليل، ويقلبون الأمور، فسألهم قائلاً:
( ما الذي تخوضون فيه؟ ) فأخبروه، فوضح لهم حينئذ صفاتهم ،فهم:
أولاً: لا يطلبون الرُّقْية، ولا يرقُون أحدا (والرقية: تعويذة تكتب فيلبَسها من يطلبها، ليست من الإسلام في شيء إلا أن تكون مما علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كأن يقول:
( باسم الله أرقيك، والله يشفيك ) .
ثانيا: لا يتطيرون، ولا يتشاءمون، فالتشاؤم ليس من الإسلام، لأن المسلم حين يكون إيمانه قويا، يعلم أنَّ ما أصابه لم يكن ليخطئه، ويعتقد أن الله لا يصيبه إلا بما كتبه له، والمتشائم متردد، خوَّاف، يضيّع الفرص، ويكون أثره في مجتمعه سلبياً.
ثالثاً: إيمانه القوي بالله، وصلته المتينة به – سبحانه – تجعله يُسلِمُ الأمور إليه، ويتوكل عليه، فلا يخشى في الله أحداً، ومن كانت هذه صفاته أفاد أمته وأرضى ربّه، وكان على نور منه جلّ شأنه.
يا الله! ما أروع أن يكون أحدنا من هؤلاء،
وكان عكّاشة بن مِحصَن بين الحاضرين، فلمعت في ذهنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب النابهين ذوي البديهة السريعة الذين يغتنمون الفرص ويقتنصونها، ولعله يفوز بدعاء منه – صلى الله عليه وسلم – فقال: يا رسول الله: ادع الله أن يجعلني منهم؟
قال عليه الصلاة والسلام: ( أنت منهم ) ، كافأه على نباهته وسرعة بديهته.
ويسأله آخر أن يكون منهم، فماذا كان جواب المعلم الأول؟!!
نبهه الرسول المعلم أنه ضيّع على نفسه المبادرة حين تأخّر عن عكاشة، وكان عليه أن يسبقه، فالنجاح حليف المتنبهين اليقظين، الذين لا يفوّتون الفرص..
وهكذا نجح رسول الله صلى الله عليه وسلم في إثارة الحوافز، والدفع إلى التنافس .







(لا تغرنك المظاهر)





جلس المعلم العظيم صلى الله عليه وسلم مع بعض أصحابه أمام مسجده صلى الله عليه وسلم ، فمرَّ رجل من أشراف الناس، فسلم، فرد الرسول الكريم السلام بأحسن منه، كان الرجل يلبس غلالة رقيقة جديدة تشف عما تحتها من ثوب جميل، كان يملأ العين وينبئ عن نعمة يتقلب فيها، فنظر إليه رجل من المسلمين نظرة تنِمُّ عن إعجاب ورغبة في أن يكون مثله غنياً، موسراً، وأن يكون في مثل مكانته شرفاً وسؤدداً..
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتابع نظرات هذا الرجل ومتابعته للمارِّ حتى جاوزهم، وغاب عن أنظارهم، فالتفت إلى الرجل فقال له: (( ما رأيك في هذا؟ )).
لقد تبعَتْ نظراتُ الرجل ونفسهُ ذاك الذي مرَّ، وتمنى أن يكون مثله جاهاً وثراء، فرأيه إذاً معروف، وإجابته لن تكون سوى الإطراء والمديح.. وهكذا كان فقد قال المسؤول للنبي الكريم ما يحس به ويعتقده: هذا والله لجدير أن يجاب طلبه في كل مايريد، فإن خطب إلى قوم كان لهم الشرف أن يزوِّجوه، وهل يجدون خيراً منه محتداً، وأكثر أموالاً وأشرف مكانة؟!! إنهم يرتفعون مكانة إنْ أصهر إليهم، فقربهم إليه.
وهو جدير أيضاً إن سار في حاجة أن تُقضى، فإن منزلته كبيرة وجاهه عظيم، ولا ينبغي أن يرد، وهل يرد أمثاله عن الشفاعة؟
لم يحِرْ رسول الله صلى الله عليه وسلم جواباً، ولم يعلق على رأي المسؤول، فهو صلى الله عليه وسلم لا يحب الجدال والمراء، فالله تعالى كفل للمبتعدين عن الجدال – ولو كانوا أصحاب حق – قصراً رائعاً في منتصف الجنة وأعلاها مكاناً، والجدال يورث في النفس الألم، وفي القلب الكمد، ويتعب صاحبه دون طائل..
ومر رجل آخر مشيته على الأرض خفيفة، ليس فيها تصنع ولا خيلاء، ثيابه بسيطة لكنها نظيفة – فالمسلم نظيف – هيئته تدل على فقر مستور ينأى بصاحبه أن يمد يده للناس، يتخذ من العفاف سمتاً، يحسبه الناس غنياً من التعفف..
فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى من سأله آنفاً، فقال: (( ما رأيك في هذا؟ ))،
لم يملأ عينَه كما فعل الرجل السابق، فكانت نظراته إليه تختلف عن الآخر، بل إنها كانت عن النقيض منها! فقال: هذا رجل من فقراء المسلمين!! مغمور لا يهتم به أحد، ولا يلقى إليه بالاً، وأي فائدة يجنيها المرء إن صاحبه وخالطه؟
هذا جدير إن خطب أن يرد، فلا يُزوّج، فزوجته ستعيش معه في حال سيئة، وضنك واضح، لا جاه له يحتمي به الآخرون، ولا مكانة تشفع له عندهم، ولن يسمع أحد قوله أو ينصت إليه..
حكم على الرجلين أحكاماً تتسم بالسطحية، والنظرة المادية، أُخِذ بظاهر الأول وعاف حالَ الثاني، ونسي أن الله لا ينظر إلى صور الناس وأجسادهم، بل إلى قلوبهم وأعمالهم، ونسي أيضاً أن الفخر والخيلاء صفة المتكبرين الفارغين، الذين يرون لأنفسهم ما لا يرونه للآخرين، ونسي كذلك أنه كم من أشعث أغبر لو أقسم على الله لأبرَّه، قوّام، صوّام .. يرى الدنيا فانية، والحياة إلى زوال.
وكثير من الناس تغرهم البهارج، وتسحرهم الأعراض، فيغفلون عن الجوهر، وينساقون وراء كل ما يلمع، ويبرق، يشدهم سرابها، ويستهويهم خُلّبُها..
وهنا يعيد الرسول الكريم الأمور إلى نصابها، ويقوِّم الأحكام الخاطئة، وينبه الضائعين عن النهج السليم، ويهديهم إلى الصراط المستقيم، فيقول:
(( إن هذا الفقير الذي أنفت أن تكون مثله في تواضعه وتقواه وصفاته الحميدة التي لم تتبدّ لك لقصر نظرتك خير من ملء الأرض مثل ذلك الرجل الذي أخذ عليك لبّك فأعماك عن الحقيقة )).
فالإنسان يحكم بعين بصيرته على الأمور لا بعين بصره.







أوَيسٌ القُرَنِيِّ







يا أمير المؤمنين، هذا مدد من المسلمين قادم إلى المدينة من اليمن يريدون القتال في سبيل الله، وقد جهَّزوا أنفسهم للسفر إلى العراق، ليكونوا في الجند الذين استعدوا لفتح إيران وما وراء النهرين، وهم ينتظرون الإذن منك للسفر.

قال الفاروق عمر: دعهم ينتظرون قليلاً كي أودعهم، ثم إني أريد أن أسألهم عن أويس بن عامر.

يا أمير المؤمنين، إنني لفي عجب مما تصنع، أفكلما جاء مدد من اليمن سألتهم عن أويس بن عامر هذا! فما شأنه يرحمك الله.

سترى ذلك – إن شاء الله – حين أراه وأكلمه وأعرف خبره.

قال عبد الله بن عمر لصاحب أبيه: تلَبَّث يسيراً حتى ينقضي عجبك، فأمير المؤمنين لا يفعل أمراً إلا إذا كان مهماً، أو له فيه الخير والبركة.

قال الرجل لعبد الله: أوتعرف أنت يا عبد الله، لمَ يسأل أمير المؤمنين عن هذا الرجل كلما جاء مدد من اليمن.

قال عبد الله: لا، ولِمَ أسأل والدي عن الأمر، فهو إن أراد أن يذكره لي ذكره دون أن أسأله إياه، ولعلنا ندرك السبب إن رأى بغيَته وحدَّثه..

وانطلق الثلاثة إلى معسكر المسلمين من أهل اليمن خارج المدينة، وسلَّم أمير المؤمنين على جمع المجاهدين، وذكّرهم بالجهاد، وحضّهم عليه وبيّنَ أنه ذروة سنام الإسلام، وبه يعلو شأنه، ثم نادى: أفيكم أويس بن عامر؟

قال أحدهم: - وكان شاباً – لبيك يا أمير المؤمنين.

قال عمر: أأنت هو؟

قال: نعم يا أمير المؤمنين، أنا من هتفت باسمه.

قال عمر: أانت من قبيلة مراد؟

قال: أجل، من قبيلة مراد.

قال عمر: أمن بطن قَرَن؟

قال: من بطن قَرَن يا أمير المؤمنين.

قال عمر: أكان بك بَرَصٌ فبرأتَ منه إلا موضعَ درهم؟

قال: قد كان بي برصٌ فشفاني الله منه إلا موضع درهم لم يزل في جسمي يذكّرني بفضل الله عليّ ومنّته إذْ أذهب عني الأذى وعافاني وجمَّلني في أعين الناس ،فله الحمد والشكر على نعمائه يا أمير المؤمنين.

قال عمر: ألك والدة لا تزال حيّة ترزق وأنت بها بارٌّ؟

قال: نعم، أسأل الله أن يطيل عمرها ويحسِّن عملها، ويكتب لي ثواب البر بها، فتحت قدميها جنتي.

قال عمر: أنت يا أويس على خير عميم وفضل عظيم.

قال: بشَّرك الله بالخير – يا أمير المؤمنين – فمن دلّك عليَّ وعرَّفك بي فسألتَ عني، واجتهدتَ أن تراني؟

قال عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

( يأتي عليكم أويس بن عامر، مع أمداد أهل اليمن، من مرادٍ، ثم من قَرَن، كان به برص، فبرأ منه إلا موضع درهم، له والدة، هو بها برُّ، لو أقسم على الله لأبرَّه، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل ).

سمعَ الجمع هذا الحديث، فضج المكان بالتهليل والتكبير، والصلاة على سيدهم وحبيبهم محمد عليه الصلاة والسلام.

يا الله، ما أروع حبَّ النبي الكريم أمّتَه! وما أسعدهم بانتمائهم إليه! إنهم يشعرون بوجوده، وهو في جوار ربه، ويعيشون معه بأرواحهم وقلوبهم، ويرون في كل آنٍ ولحظةٍ عظيمَ فضله، وجلال قربه.

قال أويس: والله إني لأحب الله ورسوله، وأتمنى لقاءَهما.

قال عمر: صدقتَ يا أويس، وما حدَّثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا إلا لعلمه بذاك وأنك من أهل الله وخاصته، وقد مدحك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:
( إن خير التابعين رجلٌ يقال له: أويس، وله والدة، وكان به بياض، فمُروه فليستغفر لكم ).

قال أويس: وكيف أستغفر لك يا أمير المؤمنين، وأنت أفضل مني، وصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومن أوائل العشرة المبشرين بالجنة. أنت الصاحب، وأنا التابع، فما استغفاري لك يرحمك الله؟!

قال عمر: رحمك الله يا أويس، فمن يدّعي أنه خير من إخوانه؟! ومن يزعم أن المستغفر، أو الداعي، أفضل من المستغفَر له أو المدعوِّ له؟

إنني استأذنت رسول الله في العمرة، فأذن لي وقال: ( لا تنسنا يا أخيَّ من دعائك ) فقال كلمة ما يسرُّني أن لي بها الدنيا.

قال أويس – وقد اغرورقت عيناه بالدموع لهذا الفضل العظيم الذي حباه إياه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحيٌ يوحى -: وما فائدة دعائي يا أمير المؤمنين؟!

قال عمر: هذا إرشاد لنا – يا أويس – إلى الازدياد من الخير واغتنام دعاء مَنْ تُرجى إجابته، وأنت مستجاب الدعوة، فلا تحرمنا دعاءك يا أخي.

رفع أويس يديه إلى السماء، وتوجّه بوجهه وقلبه إلى مالك الملك وملك الملوك، وسكب العبرات أمامه وتذلل أمام عتباته، ونادى بلسان الحال والمقام ربّه، واستغفر لعمر وللمسلمين..

يا رب، يا عظيماً بنفسه، يا كريماً بعطائه، يا رحيماً بخلقه، إليك نشكو ضعفنا، وقلّة حيلتنا، وهواننا على الناس، أنت رب المستضعفين، وأنت ربنا لذنا بجنابك، ولجأنا إلى رحابك، فلا ترّدنا خائبين، يا رب العالمين..

إذا كان أمير المؤمنين عمر الفاروق خليفة المسلمين الذي أذلّ الروم، ومرّغ رؤوس الفرس، ونشر الإسلام شرقا وغربا يحتاج إلى الاستغفار ويسأل الصالحين أن يستغفروا له!، فماذا يقول معشر الغثاء الذين هانوا وذلوا أمام أعدائهم، وأضاعوا كرامتهم وقبلوا الدنيَّة في حياتهم؟ رحماك يارب، هيِّء لنا من أمرنا رشدا ..

قال له عمر: أين تريد؟

قال أويس: أريد الكوفة

قال عمر: ألا أكتب لك إلى عاملها فيكرم وفادتك، ويكفيك مؤونتك؟

قال أويس: لأن أكون في عامة الناس أحبُّ إلي من أن أكون سريَّاً يشار إليه بالبنان. وانطلق أويس مع اليمانيين إلى الكوفة حامياً للثغور، مجاهداً في سبيل الله، يحيا حياة المساكين ويرضى من الدنيا الفانية بما يسُدُّ الرمق، فهو يريد أن يخرج منها خفيفاً، لا له ولا عليه.

ومرت سنوات على هذا اللقاء، وجاء موسم الحج، فوفد أهل الكوفة على عمر رضي الله عنه، وفيه رجل كان غنياً موسراً، يرى من أويس عزلة عن الناس، ورضىً بالكفاف من الحياة – ينشغل بنفسه عن تفاهات الحياة – فكان هذا الرجل يسخر من أويس ويبخسه حقّه.

فقال عمر: هل هنا أحد من القرنيين؟

قال الرجل: أجل يا أمير المؤمنين، أنا منهم.

فسأل عمر عن أويس، فكان ردُّ الرجل ردَّ مَنْ يجهل مكانة الصالحين ولا يأبه إلا للوجهاء من الناس أصحابِ المال الوافر، والغنى الظاهر، فأعاده عمر إلى صوابه وردَّدَ على مسامعه وصفَ الرسول الكريم صلوات الله عليه لأويس، وأمره إن عاد إلى الكوفة أن يلتمس استغفار أويس له..

وعاد الرجل إلى الكوفة والتمس أويساً فلقيه، واعتذر إليه عما بدر منه وقال له: استغفر لي يا أخي.

قال أويس: أنت أحدث عهداً بسفر صالحٍ، فقد رجعت من الحج وعُدتَ مغفورا لك دون ذنوب كيومَ ولدتك أمك، فأنت أحق أن تستغفر لي.

فأبى الرجل أن يفارق أويساً إلا أن يستغفر له.

قال أويس حين رأى تحوّلا في نظرةِ الرجل إليه: ألقيت عمر أمير المؤمنين فأخبرك بما قاله النبي صلى الله عليه وسلم ؟

قال الرجل: نعم..

فاستغفر أويس له، ودعا له خيراً.

وفطن الناس إلى مكانة أويس، وقد جهد أن لا يفطَنوا إلى ذلك، فخرج عنهم كي لا ينشغل بهم عن خالقه سبحانه.

روى عبد الله بن مسلم قال:
غزونا أذربيجان زمن عمر بن الخطاب، ومعنا أويس القرني، فلما رجعنا مرض علينا، فحملناه، فلم يستمسك، فمات، فنزلنا، فإذا قبر محفور، وماء مسكوب، وكفنٌ وحنوط، فغسلناه، وكفنّاه وصلينا عليه، ودفناه، فقال بعضنا لبعض: لو رجعنا، فعلَّمنا قبره، فإذا لا قبر ولا أثر.

رياض الصالحين: باب زيارة أهل الخير ومجالستهم وصحبتهم ومحبتهم وطلبِ زيارتهم، والدعاءِ منهم، وزيارة المواضع الفاضلة








الختام












عرض جميع مواضيع [ السعيد ]
عرض البوم صور السعيد   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدليلية (Tags)
الصحابة, رواها, زمزمة, قصص


أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع
RSS RSS 2.0 XML MAP HTML

Loading...

Powered by vBulletin™ Version 3.8.7 Copyright © 2012 vBulletin ,

IP