| كَلِمةُ الإِدَارَة |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
| جديد المواضيع |
| رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة ( يختص بالعقيدة والفقه الاسلامي على نهج أهل السنة والجماعة) |
الإهداءات |
![]() |
|
|
|
أدوات الموضوع | إبحث في الموضوع |
|
|
#11 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
كما أخبر سبحانه أن من أطاع الأحبار والرهبان في تحليل ما حرم الله، وتحريم ما أحله الله؛ فقد اتخذهم أربابًا من دون الله، قال تعالى: { اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ } [التوبة/31]. ولما سمع عديّ بنُ حاتم - رضي الله عنه - هذه الآية، قال: يا رسول الله، إنا لسنا نعبدهم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ( أليسوا يُحلون ما حرَّم الله فتحلونه، ويحرمون ما أحل الله فتحرمونه )؟ قال: بلى، قال: ( فتلك عبادتهم ) [الحديث رواه الترمذي]. قال الشيخُ عبد الرحمن بن حسن - رحمه الله -: ( وفي الحديث دليل على أنَّ طاعةَ الأحبار والرهبان في معصية الله؛ عبادة لهم من دون الله، ومن الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله؛ بقوله تعالى في آخر الآية: { وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ}. ونظير ذلك قوله تعالى: { وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ } [الأنعام/121]. وهذا وقع فيه كثيرٌ من النَّاس مع من قلدوهم؛ لعدم اعتبارهم الدليل إذا خالف المُقلَّد؛ وهو من هذا الشرك) انتهى. فالتزام شرع الله، وترك شرع ما سواه، هو من مقتضى لا إله إلا الله، والله المستعان. الفصل الرابع: العبادةُ: معناها، شُمولها 1ـ معنى العبادة أصل العبادة التذلل والخضوع.. وفي الشرع: لها تعاريف كثيرة، ومعناها واحد.. منها: أنَّ العبادة هي طاعة الله بامتثال ما أمرَ الله به على ألسنة رسله. ومنها: أن العبادة، معناها: التذلُّل لله سبحانه فهي: غايةُ الذّلِّ لله تعالى مع غاية حُبّه، والتعريف الجامع لها هو أن العبادة: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه؛ من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة. وهي مُنقسمة على القلب واللسان والجوارح، فالخوف والرجاء، والمحبة والتوكل، والرغبة والرهبة: عبادة قلبية، والتسبيح والتهليل والتكبير، والحمد والشكر باللسان والقلب: عبادة لسانية قلبية. والصلاة والزكاة والحج والجهاد: عبادة بدنية قلبية، إلى غير ذلك من أنواع العبادة التي تجري على القلب واللسان والجوارح، وهي كثيرة. والعبادةُ: هي التي خلق الله الخلق من أجلها، قال تعالى: { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ } [الذاريات/56-58]. فأخبر سبحانه أن الحكمة من خلق الجن والإنس: هي قيامهم بعبادة الله، والله غنيٌّ عن عبادتهم، وإنما هم المحتاجون إليها لفقرهم إلى الله تعالى، فيعبدونه على وفق شريعته، فمن أبى أن يعبد الله؛ فهو مستكبر. ومن عبده وعبد معه غيره؛ فهو مشرك. ومن عبده وحده بغير ما شرع؛ فهو مبتدع. ومن عبده وحده بما شرع فهو المؤمن الموحِّد. 2 ـ أنواع العبادة وشمولها العبادة لها أنواع كثيرة؛ فهي تشمل كل أنواع الطاعات الظاهرة على اللسان والجوارح، والصادرة عن القلب؛ كالذكر والتسبيح والتهليل وتلاوة القرآن، والصلاة والزكاة والصيام، والحج، والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإحسان إلى الأقارب واليتامى والمساكين وابن السبيل، وكذلك حب الله ورسوله، وخشية الله والإنابة إليه، وإخلاص الدين له، والصبر لحكمه والرضا بقضائه، والتوكل عليه، والرجاء لرحمته، والخوف من عذابه، فهي شاملة لكل تصرفات المؤمن؛ إذا نوى بها القربة أو ما يعين عليها. حتى العادات، إذا قصد بها التقوِّي على الطاعات، كالنوم والأكل والشرب، والبيع والشراء وطلب الرزق والنكاح، فإن هذه العادات مع النية الصالحة تصيرُ عبادات؛ يثاب عليها، وليست العبادة قاصرة على الشعائر المعروفة. الفصل الخامس: في بيانِ مفاهيمَ خاطئةٍ في تحديد العبادة العبادات توقيفية بمعنى: أنه لا يشرع شيء منها إلا بدليل من الكتاب والسنة، وما لم يُشْرَع يُعتبر بدعة مردودة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رَدٌّ ) [متفق عليه] أي مردود عليه عمله، لا يقبل منه، بل يأثم عليه؛ لأنه معصية وليس طاعة، ثم إن المنهج السليم في أداء العبادات المشروعة هو: الاعتدال بين التساهل والتكاسل؛ وبين التشدد والغلو. قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: { فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ } [هود/112]. فهذه الآية الكريمة فيها رسم لخطة المنهج السليم في فعل العبادات، وذلك بالاستقامة في فعلها على الطريق المعتدل؛ الذي ليس فيه إفراط ولا تفريط؛ حسب الشرع (كما أمرت) ثم أكد ذلك بقوله: (ولا تطغوا) والطغيان: مجاوزة الحد بالتشدد والتنطع، وهو الغلو. ولما علم صلى الله عليه وسلم بأن ثلاثة من أصحابه تقالوا في أعمالهم، حيث قال أحدهم: أنا أصوم ولا أفطر، وقال الآخر: أنا أصلي ولا أرقد، وقال الثالث: أنا لا أتزوج النساء. قال صلى الله عليه وسلم: ( أما أنا فأصوم وأفطر وأتزوج النساء، فمن رغب عن سُنَّتي فليس مني ) [الحديث متفق عليه]. وهناك الآن فئتان من الناس على طرفي نقيض في أمر العبادة. الفئة الأولى: قصَّرت في مفهوم العبادة وتساهلت في أدائها حتى عطلت كثيرًا من أنواعها، وقصرتها على أعمال محدودة، وشعائر قليلة تؤدى في المسجد فقط، ولا مجال للعبادة في البيت، ولا في المكتب، ولا في المتجر، ولا في الشارع، ولا في المعاملات، وفي السياسة، ولا الحكم في المنازعات، ولا غير ذلك من شئون الحياة. نعم للمسجد فضلٌ، ويجب أن تؤدى فيه الصلوات الخمس، ولكن العبادة تشمل كل حياة المسلم؛ داخل المسجد وخارجه. والفئة الثانية: تشددت في تطبيق العبادات إلى حد التطرف، فرفعت المستحبات إلى مرتبة الواجبات، وحرَّمت بعض المباحات، وحكمت بالتضليل أو التخطئة على من خالف منهجها، وخطَّأ مفاهيمها. وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها. الفصل السادس: في بيان ركائز العبودية الصحيحة إن العبادة ترتكز على ثلاثة ركائز هي: الحبُّ والخوفُ والرجاء. فالحب مع الذّل، والخوف مع الرجاء، لابد في العبادة من اجتماع هذه الأمور، قال تعالى في وصف عباده المؤمنين: { يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ } [المائدة/54]، وقال تعالى: { وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ } [البقرة/165]. وقال في وصف رُسُله وأنبيائه: { إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ } [الأنبياء/90]. وقال بعض السلف: من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبده بالخوف وحده فهو حَرُوري ، ومن عبده بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن مُوحِّد. ذكر هذا شيخُ الإسلام في رسالة (العبودية) وقال أيضًا: (فدين الله: عبادته وطاعته والخضوع له، والعبادة أصل معناها: الذل. يقال: طريقٌ مُعبَّدٌ، إذا كان مُذللًا قد وطئته الأقدام. لكن العبادة المأمور بها تتضمن معنى الذل، ومعنى الحب، فهي تتضمن غاية الذل لله تعالى، بغاية الحب له، ومن خضَعَ لإنسان مع بغضه له لا يكون عابدًا له، ولو أحبّ شيئًا ولم يخضع له لم يكن عابدًا له، كما يُحبُّ الرجل ولده وصديقه، ولهذا لا يكفي أحدهما في عبادة الله تعالى، بل يجب أن يكون الله أحب إلى العبد من كل شيء، وأن يكون الله أعظم عنده من كل شيء، بل لا يستحق المحبة والخضوع التام إلا الله...) انتهى . هذه ركائز العبودية التي تدور عليها، قال العلامة ابن القيم في النونية: وعبادةُ الرحمن غايةُ حُبِّه ** مع ذُلِّ عابده هُما قطبــان وعليهما فَلكُ العبادة دائرٌ ** ما دار حتى قامتِ القُطبــان ومَدارهُ بالأمر أمرِ رَسوله ** لا بالهوى والنفسِ والشيطانِ شبَّه - رحمَهُ الله - دورانَ العبادة على المحبة والذل للمحبوب، وهو الله جل وعلا؛ بدوران الفلك على قطبيه، وذكر أن دوران فلك العبادة بأمر الرسول صلى الله عليه وسلم وما شرعه، لا بالهوى، وما تأمر به النفس والشيطان، فليس ذلك من العبادة. فما شرعه الرسول صلى الله عليه وسلم هو الذي يدير فلك العبادة، ولا تُديره البدع والخرافات والأهواء وتقليد الآباء. 3 ـ توحيد الأسماء والصفات أولًا: الأدلة من الكتاب والسنة والعقل على ثبوت الأسماء والصفات أ ـ الأدلة من الكتاب والسنة سبق أن ذكرنا أن التوحيد ينقسم إلى ثلاثة أقسام: توحيدُ الرُّبوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات، وذكرنا جملة من الأدلة على النوعين الأولين: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية. والآن نذكر الأدلة على النوع الثالث: وهو توحيد الأسماء والصفات. فإليك شيئًا من أدلة الكتاب والسنة: فمن أدلة الكتاب قوله تعالى: { وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } [الأعراف/180]. أثبت الله سبحانه في هذه الآية لنفسه الأسماء، وأخبر أنها حُسنى. وأمر بدعائه؛ بأن يُقال: يا الله، يا رحمن، يا رحيم، يا حي يا قيوم، يا رب العالمين. وتوعّد الذين يُلحدون في أسمائه؛ بمعنى أنهم يميلون بها عن الحق؛ إما بنفيها عن الله، أو تأويلها بغير معناها الصحيح، أو غير ذلك من أنواع الإلحاد. توعدهم بأنه سيُجازيهم بعملهم السيئ. وقال تعالى: { اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ لَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى } [طه/8]، { هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } [الحشر/22-24]. فدلّت هذه الآيات على إثبات الأسماء لله. 2 ـ ومن الأدلة على ثبوت أسماء الله من سنة الرسول صلى الله عليه وسلم: ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إن لله تسعةً وتسعين اسمًا، مائة إلا واحدًا، من أحصاها دخل الجنة ) [متفق عليه]. وليست أسماءُ الله منحصرة في هذا العدد، بدليل ما رواه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: ( أسألُكَ بِكُلِّ اسمٍ هو لَكَ، سمَّيتَ به نفسك، أو أنزلتَهُ في كتابكَ، أو علَّمتهُ أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي ) الحديث [رواه أحمد في المسند وصححه ابن حبان] - وقد دلّ على عدم حصر أسماء الله في تسعة وتسعين. فيكون المراد بالحديث - والله أعلم - أن من تعلم هذه الأسماء التسعة والتسعين ودعا الله بها وعبده بها دخل الجنة ويكون ذلك خاصية لها ]. وكل اسم من أسماء الله، فإنه يتضمن صفة من صفاته؛ فالعليمُ يدل على العلم، والحكيم يدل على الحكمة، والسَّميعُ البصير يدلان على السمع والبصر، وهكذا كلُّ اسم يدل على صفة من صفات الله تعالى، |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#12 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
وقال تعالى: { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ } [سورة الإخلاص]. عن أنس رضي الله عنه قال: كانَ رجلٌ من الأنصار يؤمهم في مسجد قُباء، فكان كلما افتتح سورة يقرأ بها لهم في الصلاة مما يقرأ به؛ افتتح بـ( قل هو الله أحد )، حتى يفرغ منها، ثم كان يقرأ سورة أخرى معها، وكان يصنعُ ذلك في كل ركعة، فكلَّمهُ أصحابهُ فقالوا: إنك تفتتح بهذه السورة، ثم لا ترى أنها تجزئك حتى تقرأ بالأخرى! فإما أن تقرأ بها، وإما أن تدعها وتقرأ بأخرى، فقال: ما أنا بتاركها، إن أحببتم أن أؤمكم بذلك فعلتُ، وإن كرهتم تركتكم، وكانوا يرون أنه من أفضلهم، وكرهوا أن يؤمهم غيره، فلما أتاهم النبي صلى الله عليه وسلم أخبروه الخبر. فقال: ( يا فُلانُ، ما يمنعُك أن تفعلَ ما يأمرك به أصحابُك؟ وما حملَكَ على لُزوم هذه السُّورة في كل ركعة )؟ قال: إنِّي أُحبُّها، قال: ( حبُّكَ إياها أدخَلَكَ الجنَّة ) [رواه البخاري في صحيحه]. وعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثَ رجلًا على سرية وكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم، فيختمُ بـ( قل هو الله أحد )، فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: (سلوه: لأي شيء يفعلُ ذلك)؟ فسألوه، فقال: لأنها صفةُ الرحمن، وأنا أحب أن أقرأ بها، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ( أخبروه أن الله تعالى يحبه ) [رواه البخاري في صحيحه]. يعني أنها اشتملت على صفاتِ الرَّحمن. وقد أخبر سبحانه أنَّ له وجهًا، فقال: { وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ } [الرحمن/27]. وأن له يدين، فقال: { لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ } [ص/75]، { بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ } [المائدة/64]. وأنه يرضى ويحب ويغضب ويسخط، إلى غير ذلك مما وصف الله به نفسه، أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم. ب ـ وأما الدليل العقلي على ثبوت الأسماء والصفات التي دلَّ عليها الشرع فهو أن يُقال: 1- هذه المخلوقات العظيمة على تنوعها، واختلافها، وانتظامها في أداء مصالحها، وسيرها في خططها المرسومة لها، تدل على عظمة الله وقُدرته، وعلمه وحكمته، وإرادته ومشيئته. 2- الإنعام والإحسان، وكشف الضر، وتفريج الكربات؛ هذه الأشياء تدلّ على الرحمة والكرم والجود. 3- والعقاب والانتقام من العصاة؛ يدلان على غضب الله عليهم وكراهيته لهم. 4- وإكرامُ الطائعين وإثابتهم؛ يدلان على رضا الله عنهم ومحبته لهم. ثانيًا: منهجُ أهل السّنَّة والجماعة في أسماء الله وصفاته منهج أهل السُّنَّةِ والجماعة؛ من السلف الصالح وأتباعهم: إثباتُ أسماءِ الله وصفاته، كما وردت في الكتاب والسنة، وينبني منهجهم على القواعد التالية: 1- أنهم يُثبتون أسماء الله وصفاته؛ كما وردت في الكتاب والسنة على ظاهرها، وما تدل عليه ألفاظها من المعاني، ولا يؤولونها عن ظاهرها، ولا يُحرفون ألفاظها ودلالتها عن مواضعها. 2- يَنفونَ عنها مشابهة صفات المخلوقين، كما قال تعالى: { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } [الشورى/11]. 3- لا يتجاوزون ما ورد في الكتاب والسنة؛ في إثبات أسماء الله وصفاته، فما أثبته الله ورسوله من ذلك أثبتوه، وما نفاهُ الله ورسولُه نفوه، وما سَكتَ عنه الله ورسوله سكَتُوا عنه. 4- يعتقدون أنَّ نصوصَ الأسماءِ والصفات من المحكم الذي يُفهم معناه ويُفسَّر، وليست من المتشابه؛ فلا يُفَوِّضون معناها، كما يَنسبُ ذلك إليهم مَن كَذَبَ عليهم، أو لم يعرف منهجهم من بعض المؤلفين والكتاب المعاصرين. 5- يُفوّضونَ كيفية الصفات إلى الله تعالى، ولا يبحثون عنها. ثالثًا: الرّدُّ على من أنكَرَ الأسماءَ والصّفاتِ، أو أنكر بعضها الذين يُنكرون الأسماءَ والصفاتِ ثلاثة أصناف: 1- الجهمية: وهم أتباع الجهمِ بن صفوان، وهؤلاء يُنكرون الأسماء والصفات جميعًا. 2- المعتزلة: وهم أتباعُ واصل بن عطاء؛ الذي اعتزل مجلس الحسن البصري، وهؤلاء يُثبتون الأسماءَ على أنها ألفاظ مُجرَّدة عن المعاني، وينفون الصفات كلها. 3- الأشاعرة والماتريدية ومن تبعهم، وهؤلاء يثبتون الأسماءَ وبعضَ الصِّفات، وينفون بعضها، والشُّبهة التي بنوا عليها جميعًا مذاهبهم: هي الفرارُ من تشبيه الله بخلقه بزعمهم؛ لأن المخلوقين يُسَمَّون ببعضِ تلك الأسماء، ويوصفون بتلك الصفات، فيلزمُ من الاشتراك في لفظ الاسم والصفة ومعناهما: الاشتراك في حقيقتهما، وهذا يَلزمُ منه تشبيه المخلوق بالخالق في نظرهم، والتزموا حيال ذلك أحد أمرين: أ ـ إما تأويلُ نصوص الأسماء والصفات عن ظاهرها، كتأويل الوجه بالذات، واليد بالنعمة. ب ـ وإما تفويض معاني هذه النصوص إلى الله، فيقولون: الله أعلم بمراده منها؛ مع اعتقادهم أنها ليست على ظاهرها. وأول من عُرفَ عنه إنكار الأسماء والصفات: بعضُ مشركي العرب، الذين أنزل الله فيهم قوله تعالى: { كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَا أُمَمٌ لِّتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِيَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَـنِ } [الرعد/30]. وسببُ نزول هذه الآية: أنَّ قريشًا لما سمعت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يذكر الرحمن؛ أنكروا ذلك، فأنزل الله فيهم: { وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَـنِ }. وذكر ابن جرير أن ذلك كان في صلح الحديبية؛ حين كتب الكاتبُ في قضية الصلح الذي جرى بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بسم الله الرحمن الرحيم" فقالت قريش: أما الرحمن فلا نَعرفهُ. وروى ابنُ جرير أيضًا عن ابن عباس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو ساجدًا يقول: "يا رحمن يا رحيم" فقال المشركون: هذا يَزعمُ أنه يدعو واحدًا، وهو يدعو مثنى. فأنزل الله: { قُلِ ادْعُواْ اللَّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَـنَ أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى } [الإسراء/110]. وقال تعالى في سورة الفرقان: { وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ } [الفرقان/60]. فهؤلاء المشركون هُم سلف الجهمية، والمعتزلة والأشاعرة، وكل من نفى عن الله ما أثبتَهُ لنفسه، أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم من أسماء الله وصفاته. وبئسَ السلف لبئس الخلف. والرد عليهم من وجوه: الوجه الأول: أن الله سبحانه وتعالى أثبتَ لنفسه الأسماءَ والصفاتِ، وأثبتها له رسوله صلى الله عليه وسلم، فنفيُها عن الله أو نفي بعضِها: نفيٌ لما أثبته الله ورسوله، وهذا محادة لله ورسوله. |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#13 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
الوجه الثاني: أنه لا يلزم من وجود هذه الصفات في المخلوقين، أو من تسمِّي بعض المخلوقين بشيء من تلك الأسماء المشابهة بين الله وخلقه، فإن لله سبحانه أسماءً وصفات تخصه، وللمخلوقين أسماء وصفات تخصهم، فكما أن لله سبحانه وتعالى ذاتًا لا تشبه ذوات المخلوقين، فله أسماء وصفات لا تشبه أسماءَ المخلوقين وصفاتهم، والاشتراك في الاسم والمعنى العام لا يوجب الاشتراك في الحقيقة، فقد سمَّى الله نفسَهُ عليمًا، حليمًا، وسمَّى بعض عباده عليمًا، فقال: { وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ } [الذاريات/28] يعني إسحاق، وسمى آخر حليمًا، فقال: { فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ } [الصافات/101] يعني إسماعيل، وليسَ العليم كالعليم، ولا الحليم كالحليم، وسمَّى نفسه فقال: { إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا } [النساء/58] وسمَّى بعض عباده سميعًا بصيرًا، فقال: { إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا } [الإنسان/2]، وليس السميعُ كالسَّميع ولا البصيرُ كالبصير. وسمَّى نفسه بالرؤوف الرحيم فقال: { إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ } [الحج/65]، وسمَّى بعضَ عباده رؤوفًا رحيمًا، فقال: { لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ } [التوبة/128]، وليس الرؤوف كالرؤوف، ولا الرحيمُ كالرَّحيم. وكذلك وصف نفسَهُ بصفاتٍ، ووصَفَ عباده بنظير ذلك، مثل قوله: { وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ } [البقرة/255] فوصف نفسَهُ بالعلم، ووصف عباده بالعلم، فقال: { وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلًا } [الإسراء/85]، وقال: { وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ } [يوسف/76]، وقال: { وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ } [القصص/80]، ووصف نفسه بالقوة فقال: { إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ } [الحج/40]، { إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ } [الذاريات/58]، ووصف عبادهُ بالقوة فقال: { اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً } [الروم/54]، إلى غير ذلك. ومعلومٌ أن أسماء الله وصفاته تخصه وتليق به، وأسماء المخلوقين تخصهم وتليق بهم، ولا يلزمُ من الاشتراك في الاسم والمعنى الاشتراك في الحقيقة؛ وذلك لعدم التماثل بين المُسَمَّيين والموصوفين، وهذا ظاهر، والحمد لله. الوجه الثالث: أنَّ الذي ليس له صفات كمال، لا يصلح أن يكون إلهًا؛ ولهذا قال إبراهيم لأبيه: { لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ } [مريم/42]. وقال تعالى في الرد على الذين عبدوا العِجْلَ: { أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا } [الأعراف/148]. الوجه الرابع: أنَّ إثباتَ الصفات كمالٌ، ونفيها نقص، فالذي ليس له صفات، إما معدومٌ وإما ناقص، والله تعالى مُنزَّه عن ذلك. الوجه الخامس: أنَّ تأويلَ الصّفاتِ عن ظاهرها لا دليلَ عليه، فهو باطلٌ، وتفويض معناها؟ يلزم منه أن الله خاطبنا في القرآن بما لا نفهم معناه؟ وأمرنا بتدبر القرآن كله، فكيفَ يأمرنا بتدبر مالا يُفهم معناه؟ فتبين من هذا أنه لابد من إثبات أسماء الله وصفاته على الوجه اللائق بالله، مع نفي مشابهة المخلوقين، كما قال تعالى: { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } [الشورى/11]. فنفى عن نفسه مُماثلة الأشياء، وأثبت له السمع والبصر، فدل على أن إثبات الصفات لا يلزم منه التشبيه، وعلى وجوب إثبات الصفات مع نفي المشابهة ، وهذا معنى قول أهل السنة والجماعة في النفي والإثبات في الأسماء والصفات: إثباتٌ بلا تمثيل وتنزيهٌ بلا تعطيل. الباب الثالث: في بيان الشرك والانحراف في حياة البشرية ولمحة تاريخية عن الكفر والإلحاد والشرك والنِّفاق الفصل الأول: الانحراف في حياة البشرية خلق الله الخلق لعبادته، وهيأ لهم ما يعينهم عليها من رزقه، قال تعالى: { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ } [الذاريات: 56-58]. والنفسُ بفطرتها إذا تُركت؛ كانت مقرة لله بالإلهية، مُحبَّةً لله، تعبدُه لا تُشرك به شيئًا، ولكن يفسدها وينحرف بها عن ذلك ما يُزيِّنُ لها شياطين الإنس والجن بما يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورًا، فالتوحيد مركوز في الفطرة، والشرك طارئ ودخيل عليها، قال الله تعالى: { فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ } [الروم/30]. وقال صلى الله عليه وسلم: ( كل مولود يُولَدُ على الفطرة فأبواه يُهوِّدانه، أو يُنصِّرانه، أو يُمجِّسانه ) [في الصحيحين من حديث أبي هريرة]. فالأصلُ في بني آدم: التوحيد. والدينُ الإسلام وكان عليه آدم عليه السلام، ومن جاءَ بعدَهُ من ذُرّيته قُرونًا طويلة، قال تعالى: { كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ } [البقرة/213]. وأوَّلُ ما حدثَ الشركُ والانحراف عن العقيدة الصحيحة في قوم نوح، فكانَ عليه السلام أول رسول إلى البشرية بعد حدوث الشرك فيها: { إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ } [النساء/163]. قال ابن عباس: كان بين آدم ونوح عليهما السلام عشرةُ قرون؛ كلهم على الإسلام. قال ابن القيِّم : ( وهذا القولُ هو الصواب قطعًا؛ فإنَّ قراءة أُبيّ بنِ كعبٍ - يعني: في آية البقرة -: ( فاختلفوا فبعث الله النبيين ). ويشهد لهذه القراءة قوله تعالى في سورة يونس: { وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُواْ } [يونس/19]. يريد - رَحمهُ الله - أنَّ بعثةَ النبيين سببُها الاختلاف عما كانوا عليه من الدين الصحيح، كما كانت العربُ بعد ذلك على دين إبراهيمَ عليه السلام؛ حتى جاء عمرو بن لحي الخزاعي فغيّر دينَ إبراهيم، وجلبَ الأصنام إلى أرض العرب، وإلى أرض الحجاز بصفة خاصة، فعُبدت من دون الله، وانتشر الشركُ في هذه البلاد المقدسة، وما جاورها؛ إلى أن بعثَ الله نبيه محمدًا خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم فدعا الناس إلى التوحيد، واتّباع ملَّة إبراهيم، وجاهد في الله حق جهاده؛ حتى عادت عقيدة التوحيد وملة إبراهيم، وكسَّر الأصنام وأكمل الله به الدين، وأتمَّ به النعمة على العالمين، وسارت على نهجه القرون المفضَّلَة من صدر هذه الأمة؛ إلى أن فشا الجهل في القرون المتأخرة، ودخلها الدخيلُ من الديانات الأخرى، فعاد الشرك إلى كثير من هذه الأمة؛ بسبب دعاة الضلالة، وبسبب البناء على القبور، متمثلًا بتعظيم الأولياء والصالحين، وادعاء المحبة لهم؛ حتى بنيت الأضرحة على قبورهم، واتخذت أوثانًا تُعبدُ من دون الله، بأنواع القُربات من دعاء واستغاثة، وذبح ونذر لمقامهم. وسَموا هذا الشرك: توسُّلًا بالصالحين، وإظهارًا لمحبتهم، وليس عبادة لهم، بزعمهم، ونسوا أن هذا هو قول المشركين الأولين حين يقولون: { مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى } [الزمر/3]. ومع هذا الشرك الذي وقع في البشرية قديمًا وحديثًا، فالأكثرية منهم يؤمنون بتوحيد الربوبية، وإنما يُشركون في العبادة، كما قال تعالى: { وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ } [يوسف/106]. ولم يجحد وجودَ الرب إلا نزرٌ يسير من البشر، كفرعون والملاحدة الدهريين، والشيوعيين في هذا الزمان، وجحودهم [ باللسان ] *، وقرارة نفوسهم، كما قال تعالى: { وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا } [النمل/14]. وعقولهم تعرف أن كل مخلوق لابد له من خالق، وكل موجود لابد له من موجد، وأن نظام هذا الكون المنضبط الدقيق لابد له من مُدّبر حكيم، قدير عليم، من أنكره فهو إما فاقد لعقله، أو مكابر قد ألغى عقله وسفه نفسه، وهذا لا عِبرةَ به. |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#14 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
الفصل الثاني: الشرك : تعريفه، أنواعه أ ـ تعريفـه الشرك هو: جعل شريك لله تعالى في ربوبيته وإلهيته. والغالب الإشراك في الألوهية؛ بأن يدعو مع الله غيره، أو يَصرفَ له شيئًا من أنواع العبادة، كالذبح والنذر، والخوف والرجاء والمحبة. والشركُ أعظمُ الذنوب؛ وذلك لأمور: 1 ـ لأنه تشبيه للمخلوق بالخالق في خصائص الإلهية، فمن أشرك مع الله أحدًا فقد شبهه به، وهذا أعظم الظلم، قال تعالى: { إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } [لقمان/13]. والظلم هو: وضع الشيء في غير موضعه، فمن عبد غير الله؛ فقد وضع العبادة في غير موضعها، وصرفها لغير مستحقها، وذلك أعظم الظلم. 2 ـ أن الله أخبر أنه لا يغفره لمن لم يتب منه، قال تعالى: { إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } [النساء/48]. 3 ـ أن الله أخبر أنه حرَّم الجنة على المشرك، وأنه خالد مخلد في نار جهنم، قال تعالى: { إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ } [المائدة/72]. 4 ـ أنَّ الشركَ يُحبطُ جميعَ الأعمال، قال تعالى: { وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } [الأنعام/88]. وقال تعالى: { وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ } [الزمر/65]. 5 ـ أنَّ المشرك حلالُ الدم والمال، قال تعالى: { فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ } [التوبة/5]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( أمرتُ أن أقاتلَ حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها ) [رواه البخاري ومسلم]. 6 ـ أنَّ الشركَ أكبرُ الكبائر، قال صلى الله عليه وسلم: ( ألا أنبئكم بأكبر الكبائر) قلنا: بلى يا رسول الله، قال: ( الإشراك بالله، وعقوق الوالدين...) الحديث [رواه البخاري ومسلم]. قال العلامة ابن القيم: ( أخبر سُبحانه أن القصد بالخلق والأمر: أن يُعرفَ بأسمائه وصفاته، ويُعبدَ وحده لا يُشرك به، وأن يقوم الناس بالقسط، وهو العدل الذي قامت به السماوات والأرض، كما قال تعالى: { لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ } [الحديد/25]. فأخبر سبحانه أنه أرسل رسله، وأنزلَ كُتبه؛ ليقوم الناس بالقسط، وهو العدل، ومن أعظم القسط: التوحيد، وهو رأس العدل وقوامه؛ وإن الشرك ظلم كما قال تعالى: { إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } [لقمان/13]. فالشرك أظلم الظلم، والتوحيد أعدل العدل؛ فما كان أشد منافاةً لهذا المقصود فهو أكبر الكبائر ). إلى أن قال: ( فلما كان الشرك منافيًا بالذات لهذا المقصود؛ كان أكبر الكبائر على الإطلاق، وحرم الله الجنة على كل مشرك، وأباح دمه وماله وأهله لأهل التوحيد، وأن يتخذوهم عبيدًا لهم لما تركوا القيام بعبوديته، وأبى الله سبحانه أن يقبل لمشرك عملًا، أو يقبلَ فيه شفاعة، أو يَستجيب له في الآخرة دعوة، أو يقبل له فيها رجاء؛ فإن المشرك أجهل الجاهلين بالله، حيث جعل له من خَلْقِهِ ندًّا، وذلك غاية الجهل به، كما أنه غاية الظلم منه، وإن كان المشرك في الواقع لما يظلم ربَّه، وإنَّما ظلَمَ نفسه ) انتهى. 7 ـ أنَّ الشركَ تنقص وعيب نزه الرب سبحانه نفسه عنهما، فمن أشرك بالله فقد أثبت لله ما نزه نفسه عنه، وهذا غاية المحادَّةِ لله تعالى، وغاية المعاندة والمشاقَّة لله. ب ـ أنواع الشرك الشرك نوعان: النوع الأول: شرك أكبر يُخرج من الملة، ويخلَّدُ صاحبُهُ في النار، إذا مات ولم يتب منه، وهو صرفُ شيء من أنواع العبادة لغير الله، كدعاء غير الله، والتقرب بالذبائح والنذور لغير الله من القبور والجن والشياطين، والخوف من الموتى أو الجن أو الشياطين أن يضروه أو يُمرضوه، ورجاء غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله من قضاء الحاجات، وتفريج الكُربات، مما يُمارسُ الآن حولَ الأضرحة المبنية على قبور الأولياء والصالحين، قال تعالى: { وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَـؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ } [يونس/18]. والنوع الثاني: شرك أصغر لا يخرج من الملة؛ لكنه ينقص التوحيد، وهو وسيلة إلى الشرك الأكبر، وهو قسمان: القسم الأول: شرك ظاهر على اللسان والجوارح وهو: ألفاظ وأفعال، فالألفاظ كالحلف بغير الله، قال صلى الله عليه وسلم: ( من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك ) [رواه الترمذي وحسنه وصححه الحاكم]. وقول: ما شاء الله وشئت، قال صلى الله عليه وسلم: لما قال له رجل: ما شاء الله وشئت، فقال: ( أجعلتني لله نِدًّا ؟! قُلْ: ما شاءَ الله وحده ) [رواه النسائي]. وقول: لولا الله وفلان، والصوابُ أن يُقالَ: ما شاءَ الله ثُمَّ شاء فلان؛ ولولا الله ثمَّ فلان، لأن (ثم) تفيدُ الترتيب مع التراخي، وتجعلُ مشيئة العبد تابعة لمشيئة الله، كما قال تعالى: { وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ } [التكوير/29]. وأما الواو: فهي لمطلق الجمع والاشتراك، لا تقتضي ترتيبًا ولا تعقيبًا؛ ومثلُه قول: ما لي إلا الله وأنت، و: هذا من بركات الله وبركاتك. وأما الأفعال: فمثل لبس الحلقة والخيط لرفع البلاء أو دفعه، ومثل تعليق التمائم خوفًا من العين وغيرها؛ إذا اعتقد أن هذه أسباب لرفع البلاء أو دفعه، فهذا شرك أصغر؛ لأن الله لم يجعل هذه أسبابًا، أما إن اعتقد أنها تدفع أو ترفع البلاء بنفسها؛ فهذا شرك أكبر لأنه تَعلَّق بغير الله. القسم الثاني من الشرك الأصغر: شرك خفي وهو الشرك في الإرادات والنيات، كالرياء والسمعة، كأن يعمل عملًا مما يتقرب به إلى الله؛ يريد به ثناء الناس عليه، كأنه يُحسن صلاته، أو يتصدق؛ لأجل أن يُمدح ويُثنى عليه، أو يتلفظ بالذكر ويحسن صوته بالتلاوة لأجل أن يسمعه الناس، فيُثنوا عليه ويمدحوه. والرياء إذا خالط العمل أبطله، قال الله تعالى: { فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا } [الكهف/110]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( أخوفُ ما أخافُ عليكم الشرك الأصغر ) قالوا: يا رسول الله، وما الشرك الأصغر؟ قال: "الرياء" [رواه أحمد والطبراني والبغوي في شرح السنة]. ومنه: العملُ لأجل الطمع الدنيوي، كمن يحج أو يؤذن أو يؤم الناس لأجل المال، أو يتعلم العلم الشرعي، أو يجاهد لأجل المال. قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( تَعِسَ عبدُ الدينار، وتَعِسَ عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة، إن أُعطي رضي، وإن لم يُعطَ سخط ) [رواه البخاري]. |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#15 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
قال الإمام ابنُ القيم رحمه الله: (وأما الشرك في الإرادات والنيات، فذلك البحر الذي لا ساحل له، وقلَّ من ينجو منه. فمن أراد بعمله غير وجه الله، ونوى شيئًا غير التقرب إليه وطلب الجزاء منه؛ فقد أشرك في نيته وإرادته، والإخلاص: أن يُخلصَ لله في أفعاله وأقواله، وإرادته ونيته. وهذه هي الحنيفية ملة إبراهيم التي أمر الله بها عباده كلهم، ولا يُقبلُ من أحد غيرها، وهي حقيقة الإسلام، كما قال تعالى: { وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ } [آل عمران/85]. وهي ملَّةُ إبراهيمَ - عليه السلام - التي من رغب عنها فهو من أسفَهِ السُّفهاء ) يتلخَّصُ مما مرّ أن هناك فروقًا بين الشرك الأكبر والأصغر، وهي: 1- الشرك الأكبر: يُخرج من الملة، والشرك الأصغر لا يُخرج من الملة، لكنه ينقص التوحيد. 2- الشرك الأكبرُ يخلَّدُ صاحبه في النار، والشرك الأصغر لا يُخلَّد صاحبُه فيها إن دَخَلها. 3- الشركُ الأكبرُ يحبطُ جميعَ الأعمال، والشركُ الأصغرُ لا يُحبِطُ جميع الأعمال، وإنما يُحبِطُ الرياءُ والعملُ لأجل الدنيا العملَ الذي خالطاه فقط. 4- الشرك الأكبر يبيح الدم والمال، والشرك الأصغر لا يبيحهما. |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#16 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
الفصل الثالث: الكفر: تعريفه، أنواعه أ ـ تعريفـه الكفر في اللغة: التغطية والستر، والكفر شرعًا: ضد الإيمان، فإنَّ الكُفرَ: عدم الإيمان بالله ورسله، سواءً كان معه تكذيب، أو لم يكن معه تكذيب، بل مجرد شك وريب أو إعراض أو حسد، أو كِبر أو اتباع لبعض الأهواء الصادة عن اتباع الرسالة. وإن كان المكذب أعظم كفرًا، وكذلك الجاحدُ والمكذِّب حسدًا؛ مع استيقان صدق الرسل . ب ـ أنواعه الكفر نوعان: النوع الأول: كفر أكبر يخرج من الملة، وهو خمسة أقسام: القسم الأول: كُفرُ التَّكذيب، والدَّليلُ: قوله تعالى: { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ } [العنكبوت/68]. القسم الثاني: كفر الإباء والاستكبار مع التصديق، والدليل قوله تعالى: { وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ } [البقرة/34]. القسم الثالث: كفرُ الشّكِّ، وهو كفر الظّنّ، والدليل قوله تعالى: { وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا * قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا * لَّكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلاَ أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا } [الكهف/35-38]. القسم الرابع: كفرُ الإعراضِ، والدليلُ قولُه تعالى: { وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنذِرُوا مُعْرِضُونَ } [الأحقاف/3]. القسم الخامس: كفرُ النّفاقِ، والدليلُ قوله تعالى: { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ } [المنافقين/3]. النوع الثاني: كفرٌ أصغرُ لا يُخرجُ من الملة، وهو الكفرُ العملي، وهو الذنوب التي وردت تسميتها في الكتاب والسنة كُفرًا، وهي لا تصلُ إلى حدِّ الكفر الأكبر، مثل كفر النعمة المذكور في قوله تعالى: { وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ } [النحل/112]. ومثلُ قتال المسلم المذكور في قوله صلى الله عليه وسلم: ( سباب المسلمِ فُسوقٌ، وقتالُه كفر ) [رواه البخاري ومسلم]. وفي قوله صلى الله عليه وسلم: ( لا تَرجعوا بعدي كُفَّارًا يضربُ بعضكم رقابَ بعض ) [رواه الشيخان]. ومثل الحلف بغير الله، قال صلى الله عليه وسلم: ( من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك ) [رواه الترمذي وحسنه وصححه الحاكم]. فقد جعل الله مُرتكِبَ الكبيرة مُؤمنًا، قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى }. فلم يُخرج القاتلَ من الذين آمنوا، وجعله أخًا لولي القصاص فقال: { فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ } [البقرة/178]. والمرادُ: أخوة الدين، بلا ريب. وقال تعالى: { وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا } [الحجرات/9]. إلى قوله: { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ } [الحجرات/10]. انتهى من شرح الطحاوية باختصار. وملخص الفروق بين الكفر الأكبر والكفر الأصغر: 1- أنَّ الكفر الأكبر يُخرجُ من الملة، ويحبط الأعمال، والكُفر الأصغر لا يخرج من الملة ولا يحبط الأعمال، لكن ينقصُها بحسبه، ويعرِّضُ صاحبَها للوعيد. 2- أنَّ الكفرَ الأكبرَ يُخلد صاحبه في النار، والكفر الأصغر إذا دخل صاحبه النار، فإنه لا يخلد فيها؛ وقد يتوب الله على صاحبه، فلا يدخله النار أصلًا. 3- أنَّ الكفرَ الأكبرَ يُبيح الدم والمال، والكفر الأصغر لا يُبيحُ الدم والمال. 4- أن الكفر الأكبر يُوجب العداوة الخالصة بين صاحبه وبين المؤمنين، فلا يجوز للمؤمنين محبته وموالاته ولو كان أقرب قريب، وأما الكفر الأصغر فإنهُ لا يمنع الموالاة مطلقًا، بل صاحبه يُحَبُّ ويُوالى بقدر ما فيه من الإيمان، ويُبغض ويُعادى بقدر ما فيه من العصيان. |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#17 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
الفصل الرابع: النفاق: تعريفه، أنواعه أ ـ تعريفـه النفاق لغة: مصدر نافق، يُقال: نافق يُنافق نفاقًا ومنافقة، وهو مأخوذ من النافقاء: أحد مخارج اليربوع من جحره؛ فإنه إذا طُلب من مخرج هرب إلى الآخر، وخرج منه، وقيل: هو من النفق وهو: السِّرُ الذي يستتر فيه . وأما النفاق في الشرع فمعناه: إظهارُ الإسلام والخير، وإبطانُ الكفر والشر؛ سُمي بذلك لأنه يدخل في الشرع من باب، ويخرج منه من باب آخر، وعلى ذلك نبه الله تعالى بقوله: { إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } [التوبة/67]. أي: الخارجون من الشرع. وجعل الله المنافقين شرًّا من الكافرين فقال: { إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ } [النساء/145]. وقال تعالى: { إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ } [النساء/142]، { يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضًا وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ } [البقرة/9، 10]. ب ـ أنواع النفاق النفاق نوعان: النوع الأول: النفاقُ الاعتقادي: وهو النفاق الأكبر الذي يُظهر صاحبه الإسلام، ويُبطن الكفر، وهذا النوع مخرج من الدين بالكلية، وصاحبه في الدرك الأسفل من النار، وقد وصَفَ الله أهله بصفات الشر كلها: من الكفر وعدم الإيمان، والاستهزاء بالدين وأهله، والسخرية منهم، والميل بالكلية إلى أعداء الدين؛ لمشاركتهم لهم في عداوة الإسلام. وهؤلاء مَوجودون في كل زمان، ولا سيما عندما تظهر قوة الإسلام ولا يستطيعون مقاومته في الظاهر، فإنهم يُظهرون الدخول فيه؛ لأجل الكيد له ولأهله في الباطن؛ ولأجل أن يعيشوا مع المسلمين ويأمنوا على دمائهم وأموالهم؛ فيظهر المنافق إيمانه بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر؛ وهو في الباطن منسلخ من ذلك كله مكذب به، لا يؤمن بالله، ولا يؤمن بأن الله تكلم بكلام أنزله على بشر جعله رسولًا للناس يهديهم بإذنه، وينذرهم بأسه ويخوفهم عقابه، وقد هتك الله أستار هؤلاء المنافقين، وكشف أسرارهم في القرآن الكريم، وجلى لعباده أمورهم؛ ليكونوا منها ومن أهلها على حذر. وذكرَ طوائف العالم الثلاثة في أول البقرة: المؤمنين، والكفار، والمنافقين، فذكر في المؤمنين أربع آيات، وفي الكفار آيتين، وفي المنافقين ثلاث عشرة آية؛ لكثرتهم وعموم الابتلاء بهم، وشدة فتنتهم على الإسلام وأهله، فإن بلية الإسلام بهم شديدة جدًّا؛ لأنهم منسوبون إليه وإلى نصرته وموالاته، وهم أعداؤه في الحقيقة؛ يخرجون عداوته في كل قالب يظن الجاهل أنه علم وإصلاح، وهو غاية الجهل والإفساد . وهذا النفاق ستة أنواع : 1- تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم. 2- تكذيبُ بعض ما جاءَ به الرسول صلى الله عليه وسلم. 3- بُغضُ الرسول صلى الله عليه وسلم. 4- بغضُ بعض ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم. 5- المسرَّة بانخفاض دين الرسول صلى الله عليه وسلم. 6- الكراهية لانتصار دين الرسول صلى الله عليه وسلم. |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#18 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
النوع الثاني: النفاق العملي: وهو عمل شيء من أعمال المنافقين؛ مع بقاء الإيمان في القلب، وهذا لا يُخرج من الملة، لكنه وسيلة إلى ذلك، وصاحبه يكونُ فيه إيمان ونفاق، وإذا كثر؛ صارَ بسببه منافقًا خالصًا، والدليل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: ( أربعٌ مَنْ كُنَّ فيه كانَ منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها؛ إذا أؤتمن خان، وإذا حدّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر ) [متفق عليه]. فمن اجتمعت فيه هذه الخصال الأربع، فقد اجتمع فيه الشر، وخلصت فيه نعوت المنافقين، ومَن كانت فيه واحدة منها صار فيه خصلة من النفاق، فإنه قد يجتمع في العبد خصال خير، وخصال شر، وخصال إيمان، وخصال كفر ونفاق، ويستحق من الثواب والعقاب بحسب ما قام به من موجبات ذلك. ومنه: التكاسل عن الصلاة مع الجماعة في المسجد؛ فإنه من صفات المنافقين، فالنفاق شر، وخطير جدًّا، وكان الصحابة يتخوفون من الوقوع فيه، قال ابن أبي مليكة: ( أدركت ثلاثين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كُلُّهم يخاف النفاق على نفسه ). الفروق بين النفاق الأكبر والنفاق الأصغر 1- إن النفاقَ الأكبرَ يُخرجُ من الملَّة، والنفاقَ الأصغر لا يُخرجُ من الملَّة. 2- إن النفاق الأكبر: اختلاف السر والعلانية في الاعتقاد، والنفاق الأصغر: اختلاف السر والعلانية في الأعمال دون الاعتقاد. 3- إن النفاق الأكبر لا يصدر من مؤمن، وأما النفاق الأصغر فقد يصدر من المؤمن. 4- إن النفاق الأكبر في الغالب لا يتوب صاحبه، ولو تاب فقد اختلف في قبول توبته عند الحاكم. بخلاف النفاق الأصغر؛ فإن صاحبه قد يتوب إلى الله، فيتوب الله عليه، قال شيخ الإسلام ابن تيمية : ( وكثيرًا ما تعرض للمؤمن شعبة من شعب النفاق، ثم يتوبُ الله عليه، وقد يرد على قلبه بعض ما يوجب النفاق، ويدفعه الله عنه، والمؤمن يبتلى بوساوس الشيطان، وبوساوس الكفر التي يضيق بها صدره، كما قال الصحابة: يا رسول الله، إن أحدنا ليجد في نفسه ما لئن يخرّ من السماء إلى الأرض، أحب إليه من أن يتكلم به، فقال: ( ذلك صريح الإيمان ) [رواه أحمد ومسلم]. وفي رواية: ما يتعاظم أن يتكلم به، قال: ( الحمدُ لله الذي ردَّ كيده إلى الوسوسة )، أي حصول هذا الوسواس، مع هذه الكراهة العظيمة، ودفعه عن القلب، هو من صريح الإيمان ) وأما أهل النفاق الأكبر، فقال الله فيهم: { صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ } [البقرة/18]. أي: إلى الإسلام في الباطن، وقال تعالى فيهم: { أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ } [التوبة/126]. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ( وقد اختلف العلماءُ في قبول توبتهم في الظاهر؛ لكون ذلك لا يُعلم، إذ هم دائمًا يظهرون الإسلام ) . |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#19 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
الفصل الخامس: بيان حقيقة كل من الجاهلية - الفسق - الضلال - الردة: أقسامها، أحكامها 1 ـ الجاهليـة هي الحال التي كانت عليها العرب قبل الإسلام؛ من الجهل بالله ورسله، وشرائع الدين، والمفاخرة بالأنساب، والكبر والتجبر، وغير ذلك ، نِسبةً إلى الجهل الذي هو عدم العلم، أو عدم اتباع العلم، قال شيخُ الإسلام ابن تيمية: ( فإنَّ من لم يعلم الحق فهو جاهل جهلًا بسيطًا، فإن اعتقد خلافه فهو جاهل جهلًا مركبًا، فإن قال خلاف الحق عالمًا بالحق، أو غير عالم، فهو جاهل أيضًا، فإذا تبيّن ذلك فالناس قبل بعث الرسول صلى الله عليه وسلم كانوا في جاهلية منسوبة إلى الجهل، فإن ما كانوا عليه من الأقوال والأعمال، إنما أحدثه لهم جاهل، وإنما يفعله جاهل، وكذلك كل ما يخالف ما جاء به المرسلون، من يهودية ونصرانية، فهو جاهلية، وتلك كانت الجاهلية العامة. فأما بعد بعث الرسول صلى الله عليه وسلم فقد تكون في مصر دون مصر، كما هي في دار الكفار، وقد تكونُ في شخص دون شخص، كالرجل قبل أن يسلمَ فإنه في جاهلية، وإن كان في دار الإسلام، فأما في زمان مطلق فلا جاهلية بعد مبعث محمد صلى الله عليه وسلم؛ فإنه لا تزال من أمته طائفة ظاهرين على الحق إلى قيام الساعة، والجاهلية المقيدة قد توجد في بعض ديار المسلمين، وفي كثير من الأشخاص المسلمين، كما قال صلى الله عليه وسلم: ( أربع في أمتي من أمر الجاهلية...) [رواه مسلم] وقال لأبي ذر: ( إنك امرؤ فيك جاهلية ) [في الصحيحين] ونحو ذلك ) انتهى. وملخص ذلك : أن الجاهلية: نسبة إلى الجهل، وهو عدم العلم، وأنها تنقسم إلى قسمين: 1 ـ الجاهلية العامة: وهي ما كان قبل مبعث الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وقد انتهت ببعثته. 2 ـ جاهلية خاصة ببعض الدول، وبعض البلدان، وبعض الأشخاص، وهذه لا تزال باقية، وبهذا يتضح خطأ من يُعمّمونَ الجاهلية في هذا الزمان فيقولون: جاهلية هذا القرن أو جاهلية القرن العشرين، وما شابه ذلك، والصواب أن يُقالَ: جاهلية بعض أهل هذا القرن، أو غالب أهل هذا القرن؛ وأما التعميم فلا يصحُّ ولا يجوزُ؛ لأنه ببعثة النبي صلى الله عليه وسلم زالت الجاهلية العامة. 2 ـ الفسـق الفسق لغة: الخروج، والمراد به شرعًا: الخروج عن طاعة الله، وهو يشمل الخروج الكلي؛ فيقالُ للكافر: فاسق، والخروج الجزئي؛ فيقال للمؤمن المرتكب لكبيرة من كبار الذنوب: فاسق. فالفسق فسقان: فسق ينقل عن الملة، وهو الكفر، فيسمَّى الكافرُ فاسقًا، فقد ذكر الله إبليسَ فقال: { فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ } [الكهف/50]، وكان ذلك الفسق منه كُفرًا. وقال الله تعالى: { وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ }، يريد الكفار، دلَّ على ذلك قوله: { كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ} [السجدة/20]. ويُسمَّى مرتكب الكبيرة من المسلمين: فاسقًا، ولم يُخرجهُ فسقُهُ من الإسلام، قال الله تعالى: { وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } [النور/4]. وقال تعالى: { فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ } [البقرة/196]. وقال العلماء في تفسير الفسوق هنا: هو المعاصي . 3 ـ الضـلال الضلال: العدول عن الطريق المستقيم، وهو ضد الهداية، قال تعالى: { مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا } [الإسراء/15]. والضلالُ يطلق على عدة معان: 1- فتارةً يُطلقُ على الكفر، قال تعالى: { وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلًا بَعِيدًا } [النساء/136]. 2- وتارة يُطلقُ على الشرك، قال تعالى: { وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلًا بَعِيدًا } [النساء/116]. 3- وتارة يُطلقُ على المخالفة التي هي دون الكفر، كما يقال: الفرق الضالة: أي المخالفة. 4- وتارة يُطلق على الخطأ، ومنه قولُ موسى عليه السلام: { فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ } [الشعراء/20]. 5- وتارةً يُطلقُ على النسيان، ومنه قوله تعالى: { أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى } [البقرة/282]. 6- ويُطلقُ الضلالُ على الضياع والغيبة، ومنه: ضالة الإبل . 4 ـ الردة وأقسامها وأحكامها الردة لغة: الرجوع، قال تعالى: { وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ } [المائدة/21]. أي: لا ترجعوا، والردة في الاصطلاح الشرعي هي: الكفرُ بعد الإسلام، قال تعالى: { وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَـئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } [البقرة/217]. أقسامها: الردة تحصل بارتكاب ناقضٍ من نواقضِ الإسلام، ونواقضُ الإسلام كثيرة ترجع إلى أربعة أقسام، هي: 1- الردة بالقول: كسبِّ الله تعالى، أو رسوله صلى الله عليه وسلم، أو ملائكته، أو أحد من رسله. أو ادّعاء علم الغيب، أو ادّعاء النبوة، أو تصديق من يدعيها. أو دعاء غير الله، أو الاستعانة به فيما لا يقدر عليه إلا الله، والاستعاذة به في ذلك. 2- الردة بالفعل: كالسجود للصنم والشجر، والحجر والقبور، والذبح لها. وإلقاء المصحف في المواطن القذرة، وعمل السحر، وتعلمه وتعليمه، والحكم بغير ما أنزل الله معتقدًا حِله. 3- الردة بالاعتقاد، كاعتقاد الشريك لله، أو أن الزنا والخمر والربا حلال، أو أن الخبز حرام، وأن الصلاة غير واجبة، ونحو ذلك مما أُجمع على حله، أو حرمته أو وجوبه، إجماعًا قطعيًّا، ومثله لا يجهله. 4- الردة بالشك في شيء مما سبق، كمن شكَّ في تحريم الشرك، أو تحريم الزنا والخمر، أو في حل الخبز، أو شك في رسالة النبي صلى الله عليه وسلم أو رسالة غيره من الأنبياء، أو في صدقه، أو في دين الإسلام، أو في صلاحيته لهذا الزمان. 5- الردة بالترك، كمن ترك الصلاة متعمدًا؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( بين العبد وبين الكفر والشرك ترك الصلاة ) [رواه مسلم] وغيره من الأدلة على كفر تارك الصلاة. وأحكامها التي تترتب عليها بعد ثبوتها هي: 1- استتابة المرتد، فإن تاب ورجعَ إلى الإسلام في خلال ثلاثة أيام؛ قُبِلَ منه ذلك وتُرِك. 2- إذا أبى أن يتوبَ؛ وجب قتله؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ( من بدَّلَ دينه فاقتلوه ) [رواه البخاري وأبو داود]. 3- يُمنع من التصرف في ماله في مدة استتابته، فإن أسلم فهو له؛ وإلا صار فيئًا لبيت المال، من حين قتله، أو موته على الردة. وقيل: من حين ارتداده يصرف في مصالح المسلمين. 4- انقطاع التوارث بينه وبين أقاربه؛ فلا يرثهم ولا يرثونه. 5- إذا ماتَ أو قُتلَ على ردته فإنه لا يُغسَّلُ ولا يُصلَّى عليه ولا يُدفنُ في مقابر المسلمين، وإنما يُدفَنُ في مقابر الكفّار، أو يُوارى في التراب في أي مكان غير مقابر المسلمين. |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#20 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
الباب الرابع: أقوال وأفعال تُنافي التوحيد أو تُنقِصُه وفيه فصول: الفصل الأول: ادعاء علم الغيب في قراءة الكف والفنجان، والتنجيم... إلخ. الفصل الثاني: السحر والكهانة والعرافة. الفصل الثالث: تقديم القرابين والنذور والهدايا للمزارات والقبور وتعظيمها. الفصل الرابع: تعظيم التماثيل والنصب التذكارية. الفصل الخامس: الاستهزاء بالدين والاستهانة بحرماته. الفصل السادس: الحكم بغير ما أنزل الله. الفصل السابع: ادعاء حق التشريع والتحليل والتحريم. الفصل الثامن: الانتماء إلى المذاهب الإلحادية، والأحزاب الجاهلية. الفصل التاسع: النظرة المادية للحياة. الفصل العاشر: التمائم والرقى. الفصل الحادي عشر: الحلف بغير الله، والتوسل والاستعانة بالمخلوق دون الله. الفصل الأول: ادِّعاء علم الغيب في قراءة الكف والفنجان وغيرهما المراد بالغيب ما غاب عن الناس من الأمور المستقبلة والماضية وما لا يرونه، وقد اختص الله تعالى بعلمه، وقال تعالى: { قُل لا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ } [النمل/65]. فلا يعلم الغيب إلا الله سبحانه، وحده، وقد يُطلع رسله على ما شاء من غيبه لحكمة ومصلحة، قال تعالى: { عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ } [الجن/26، 27]. أي: لا يطلع على شيء من الغيب إلا من اصطفاه لرسالته، فيظهره على ما يشاء من الغيب؛ لأنه يُستدل على نبوته بالمعجزات؛ التي منها الإخبار عن الغيب؛ الذي يطلعه الله عليه، وهذا يعم الرسول الملكي والبشري، ولا يطلع غيرهما لدليل الحصر. فمن ادّعى علم الغيب بأي وسيلة من الوسائل غير من استثناه الله من رسله، فهو كاذب كافر؛ سواء ادّعى ذلك بواسطة قراءة الكف أو الفنجان، أو الكهانة أو السحر أو التنجيم، أو غير ذلك، وهذا الذي يحصل من بعض المشعوذين والدجالين؛ من الإخبار عن مكان الأشياء المفقودة والأشياء الغائبة، وعن أسباب بعض الأمراض، فيقولون: فلان عَمِلَ لكَ كذا وكذا فمرضتَ بسببه، وإنما هذا لاستخدام الجن والشياطين، ويظهرون للناس أن هذا يحصل لهم؛ عن طريق عمل هذه الأشياء من باب الخداع والتلبيس، قال شيخُ الإسلام ابن تيمية : ( والكهان كان يكون لأحدهم القرين من الشياطين، يخبره بكثير من المغيبات بما يسترقه من السمع، وكانوا يَخلطون الصِّدقَ بالكذب ) إلى أن قال: ( ومن هؤلاء من يأتيه الشيطان بأطعمة فواكه وحلوى، وغير ذلك مما لا يكون في ذلك الموضع، ومنهم من يطير به الجني إلى مكة أو بيت المقدس أو غيرهما ) انتهى. وقد يكون إخبارهم عن ذلك عن طريق التنجيم، وهو الاستدلال بالأحوال الفلكية على الحوادث الأرضية، كأوقات هُبوب الرياح ومجيء المطر، وتغير الأسعار، وغير ذلك من الأمور التي يزعمون أنها تدرك معرفتها بسير الكواكب في مجاريها، واجتماعها وافتراقها. ويقولون: من تزوج بنجم كذا وكذا، حصل له كذا وكذا، ومن سافر بنجم كذا حصل له كذا، ومن وُلد بنجم كذا وكذا حصل له كذا؛ من السعود أو النحوس، كما يعلن في بعض المجلات الساقطة من الخزعبلات حول البروج؛ وما يجري فيها من الحظوظ. وقد يذهب بعضُ الجهال وضعاف الإيمان إلى هؤلاء المنجمين، فيسألهم عن مستقبل حياته، وما يجري عليه فيه، وعن زواجه وغير ذلك. ومن ادَّعى علم الغيب أو صدَّق من يدَّعيه، فهو مشركٌ كافر؛ لأنه يدَّعي مشاركة الله فيما هو من خصائصه، والنجوم مسخَّرة مخلوقة، ليس لها من الأمر شيء، ولا تدل على نحوس، ولا سعود، ولا موت، ولا حياة، وإنما هذا كله من أعمال الشياطين الذين يسترقون السمع. الفصل الثاني: السحرُ والكهانةُ والعِرافة كل هذه الأمور أعمال شيطانية مُحرَّمة تخل بالعقيدة أو تناقضها؛ لأنها لا تحصل إلا بأمور شركية. 1 ـ فالسحرُ عبارةٌ عما خفي ولَطُفَ سببُهُ سُمِّي سِحْرُا؛ لأنه يحصل بأمور خفية، لا تدرك بالأبصار، وهو: عزائم ورقى، وكلام يتكلم به، وأدوية وتدخينات، وله حقيقة. ومنه ما يؤثر في القلوب والأبدان فيُمرض ويقتُل ويفرق بين المرء وزوجه، وتأثيره بإذن الله الكوني القَدَريّ، وهو عمل شيطاني، وكثير منه لا يتوصل إليه إلا بالشرك والتقرب إلى الأرواح الخبيثة بما تحب، والتوصل إلى استخدامها بالإشراك بها؛ ولهذا قَرَنهُ الشارع بالشرك، حيث يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( اجتنبوا السبعَ الموبقات ) قالوا: وما هي؟ قال: ( الإشراكُ بالله والسحر...) [رواه البخاري ومسلم] الحديث. فهو داخل في الشرك من ناحيتين: الناحية الأولى: ما فيه من استخدام الشياطين، والتعلق بهم والتقرب إليهم بما يحبونه؛ ليقوموا بخدمة الساحر، فالسِّحرُ من تعليم الشياطين، قال تعالى: { وَلَـكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ } [البقرة/102]. الثانية: ما فيه من دعوى علم الغيب، ودعوى مشاركة الله في ذلك، وهذا كفر وضلال، قال تعالى: { وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ } [البقرة/102]، أي: نصيبٌ. وإذا كان كذلك فلا شكَّ أنه كفر وشرك؛ يناقض العقيدة، ويجبُ قتل متعاطيه، كما قتله جماعة من أكابر الصحابة رضي الله عنهم، وقد تساهل الناس في شأن الساحر والسِّحر، ورُبما عدوا ذلك فنًّا من الفنون؛ التي يفتخرون بها، ويمنحون أصحابها الجوائز والتشجيع، ويُقيمون النوادي والحفلات والمسابقات للسحرة، ويحضرها آلاف المتفرجين والمشجعين، أو يسمونه بالسرك، وهذا من الجهل بالدين والتهاون بشأن العقيدة، وتمكين للعابثين. 2 ـ الكهانة والعرافة وهما ادعاء علم الغيب، ومعرفة الأمور الغائبة، كالإخبار بما سيقع في الأرض، وما سيحصل، وأين مكان الشيء المفقود؛ وذلك عن طريق استخدام الشياطين الذين يسترقون السمع من السماء، كما قال تعالى: { هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ } [الشعراء/221، 223]. وذلك أن الشيطان يسترق الكلمة من كلام الملائكة، فيلقيها في أذن الكاهن، ويكذب الكاهن مع هذه الكلمة مائة كذبة، فيصدقه الناس بسبب تلك الكلمة، التي سُمعت من السماء، والله عز وجل هو المنفرد بعلم الغيب، فمن ادعى مشاركته في شيء من ذلك، بكهانة أو غيرها، أو صدَّق من يدعي ذلك؛ فقد جعل لله شريكًا فيما هو من خصائصه. والكهانة لا تخلو من الشرك؛ لأنها تَقَرُّبٌ إلى الشياطين بما يحبون؛ فهي شرك في الربوبية من حيث ادعاء مشاركة الله في علمه، وشرك في الألوهية من حيث التقرب إلى غير الله بشيء من العبادة. وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من أتى كاهنًا فصدَّقه بما يقول؛ فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ) [رواه أبو داود]. ومما يجب التنبيه عليه والتنبه له: أن السحرة والكهان والعرافين، يعبثون بعقائد الناس بحيث يظهرون بمظهر الأطباء، فيأمرون المرضى بالذبح لغير الله؛ بأن يذبحوا خروفًا صفته كذا وكذا، أو دجاجة، أو يكتبون لهم الطلاسم الشركية، والتعاويذ الشيطانية بصفة حروز يعلقونها في رقابهم، أو يضعونها في صناديقهم، أو في بيوتهم. والبعض الآخر يظهر بمظهر المخبر عن المغيبات، وأماكن الأشياء المفقودة؛ بحيث يأتيه الجهال فيسألونه عن الأشياء الضائعة، فيخبرهم بها أو يحضرها لهم، بواسطة عملائه من الشياطين. وبعضهم يظهر بمظهر الولي الذي له خوارق وكرامات أو بمظهر الفنان، كدخول النار ولا تؤثر فيه، وضرب نفسه بالسلاح، أو وضع نفسه تحت عجلات السيارة ولا تؤثر فيه، أو غير ذلك من الشعوذات التي هي في حقيقتها سحر من عمل الشيطان، يجري على أيدي هؤلاء للفتنة. أو هي أمور تخيلية لا حقيقة لها؛ بل هي حيل خفية يتعاطونها أمام الأنظار، كعمل سحرة فرعون بالحبال والعصي. قال شيخ الإسلام في مناظرته للسحرة البطائحية الأحمدية الرفاعية ( قال: يعني شيخ البطائحية ) ورفع صوته: نحن لنا أحوال كذا وكذا، وادَّعى الأحوال الخارقة كالنار وغيرها واختصاصهم بها، وأنهم يستحقون تسليم الحال إليهم لأجلها ). قال شيخ الإسلام: ( فقلتُ ورفعتُ صوتي وغضبت: أنا أُخاطب كل أحمدي من مشرق الأرض إلى مغربها: أي شيء فعلوه في النار ؟! فأنا أصنع مثل ما تصنعون، ومن احترق فهو مغلوب، وربما قلت: فعليه لعنة الله، ولكن بعد أن نغسل جسومنا بالخل والماء الحار، فسألني الأمراء والناس عن ذلك؛ فقلت: لأن لهم حيلًا في الاتصال بالنار، يصنعونها من أشياء من دهن الضفادع، وقشر النارنج، وحجر الطَلْق، فضج الناس بذلك؛ فأخذ يُظهر القدرة على ذلك، فقال: أنا وأنت نُلَفُّ في بارية بعد أن تُطلى جسومُنا بالكبريت. فقلت: فقُم، وأخذت أُكرِّر عليه في القيام إلى ذلك، فمدَّ يده يُظهر خلع القميص، فقُلتُ: لا، حتى تغتسل بالماء الحار والخل؛ فأظهر الوهم على عادتهم فقال: من كان يحبُّ الأمير فليحضر خشبًا - أو قال: حزمة حطب - فقلتُ: هذا تطويلٌ وتفريقٌ للجمع ولا يَحصلُ به مقصود؛ بل قنديل يُوقد وأُدخل أصبعي وأصبعك فيه بعد الغسل، ومن احترقت أصبعه فعليه لعنة الله، أو قلت: فهو مغلوب، فلمَّا قلتُ ذلك تغيَّرَ وذَلَّ ) انتهى . والمقصود منه بيان أن هؤلاء الدجالين يكذبون على الناس بمثل هذه الحيل الخفية، كجرهم السيارة بشعرة وإلقائه نفسه تحت عجلاتها وإدخال أسياخ الحديد في عينه، إلى غير ذلك من الشعوذات الشيطانية. |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| الكلمات الدليلية (Tags) |
| لن, الأكثر, التوحيد, الشرك, يضادها, عقيدة, وما, والأصغر, والبدع, والتعطيل |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء : 0 , والزوار : 1 ) | |
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| حـمايةُ النبي صلى الله عليه وسلم جَنَابَ التوحيد وتجفيف منابِع الشرك | السعيد | رِيَاض نَسَائِم عِطْرُ النُبُوَّة | 4 | 10-07-2019 01:35 AM |
| الشرك الخفي ... | ناصح أمين | رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة | 8 | 02-05-2019 06:52 AM |
| عقيدة أهل السنة والجماعة | السعيد | رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة | 5 | 11-08-2018 01:31 PM |
| ان الشرك في كل صوره ... | ناصح أمين | رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة | 4 | 03-31-2017 07:44 AM |
| الشرك ... تعريفه وأنواعه | منال نور الهدى | رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة | 6 | 07-20-2014 07:18 PM |