ذائقة نورانية العقيدة الاسلامية - الصفحة 4 - منتديات رياض الأنس
  التسجيل   التعليمات   التقويم   البحث   مشاركات اليوم   اجعل كافة الأقسام مقروءة

سَمَاءُ الأُنسِ تُمطِر حَرْفًا تُسْقِي أرْضَهَا كلِمة رَاقِيَة وبِـ قَافِيَة مَوزُونَة و نبْضُ حرْفِ يُفجِّرُ ينَابِيع الفِكْرِ سَلسَبِيلًا، كُن مَع الأُنِسِ تُظِلُّ بوارِفِ أبجدِيَتِهَا خُضْرَة ونُظْرَة وبُشْرَى لـ فنِّ الأدبِ و مَحَابِرَهُ. وأعزِف لحنًا وقَاسِم النَاي بِروحَانِيَة وسُمُوِ الشُعُورَ و أَرْسُم إبْدَاعًا بِـ أَلْوَانٍ شَتَّى تُحْيِ النَفْسَ بِـ شَهقَةِ الفَنِّ نُورًا وسًرُورَا كَلِمةُ الإِدَارَة




جديد المواضيع


رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة ( يختص بالعقيدة والفقه الاسلامي على نهج أهل السنة والجماعة)

الإهداءات

إضافة رد
نسخ الرابط
نسخ للمنتديات
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
قديم 06-19-2018, 08:13 AM   #31


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: العقيدة الاسلامية



بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية

الدرس : ( الثامن و العشرون )




الموضوع :الموازنة بين النبوة و العبقرية



الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
الفرق بين النبوة والعبقرية وما شابه ذلك:
وصلنا في الدرس السابق في موضوع الإيمان بالرسل إلى موضوع دقيق هو الموازنة بين النبوة والعبقرية, فأعداء الإسلام يصفون النبي عليه الصلاة والسلام بأنه عبقري، يعني متفوق في ذكائه، واستطاع بما أوتيّ من عبقرية أن يجمع الناس حوله هذا ادعاء أعداء الإسلام, ولكن النبوة شيء والعبقرية شيء آخر, والنبوة شيء والملك شيء آخر, في موضوع الفرق بين النبوة والملك,
" دخل سيدنا عمر رضي الله عنه على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان مضجعاً على حصير أثّر في خده الشريف, فبكى عمر وقال: رسول الله ينام على الحصير وكسرى ملك الفرس ينام على الحرير, فقال النبي عليه الصلاة والسلام: " يا عمر إنما هي نبوة وليست ملكاً, أما ترضى أن تكون الدنيا لهم والآخرة لنا " ؟
( ورد في الأثر )
الفرق بين النبوة والعبقرية, أن الإنسان العبقري مهما كان ذكاؤه حاداً، مهما تكن قدراته كبيرة, هو إنسان نجد في كلامه بعض السقطات, فإذا كان الموضوع موضوع عبقرية فلا يخلو عبقري من سقطة في فكره أو في تعبيره, وهذا مما بُريء منه النبي عليه الصلاة والسلام, أيضاً تاريخ العظماء في العالم يؤكد لنا أن هناك بعض السقطات الخُلُقية، فالمربي الكبير الذي درسنا عن نظرياته في الجامعة - جان جاك روسو - له انحرافات خلقية شاذة, فكيف يصلح أن يوازن النبي مع العبقري؟
أحد علماء نفس الطفل يُعدُّ أول عالمٍ في العالم, إن مُعظم كتبه تدرس في أكثر جامعات العالم, قال عنه بعض من التقاه: إنك إذا حدثّته في موضوع آخر غير اختصاصه بدا لك وكأنه طفل, فالعبقري الذكي مهما ارتفع شأنه، مهما اتسعت قدراته، لابد من سقطة في فكره, أو في قوله، أو في عمله، وهذا لا يصلح أن يكون نبياً أو داعياً للخير بإذن الله, فالنبوة شيء والعبقرية شيء آخر.
كبار العلماء في العالم " فرويد " هذا من كبار العلماء في علم النفس, فسّر الحياة كلها تفسيراً جنسياً لدرجة أن ما جاء به من نظريات يدعو إلى الضحك والسخرية, فالأنبياء على حد زعمه مصابون بانحراف خلقي، لأنهم يرغبون أن يجلسوا مع الرجال لا مع النساء رأي هذا العالم الخبير.
" دارون " جاء بنظرية تغيير معالم الكتب المقدسة: أن أصل الإنسان قرد وهذا مما ثبت بطلانها, ولكن أراد بهذه النظرية أن يُهوّش على المسلمين وغير المسلمين عقائدهم الدينية.
إذاً: العباقرة بمقياس البشر, لابد من أن يكون في أفكارهم أو في أخلاقهم أو في أقوالهم سقطات, وهذه السقطات لا تجعلهم مؤهلين أن يبلغوا الناس الشرع الإلهي, إذن العبقرية شيء والنبوة شيء آخر.
العبقرية مبنية على حدود معينة أما النبوة مبنية على التبليغ بما شرعه الله:
أن النبوة لو أنها عبقرية على حدّ قولهم, فالإنسان هو الإنسان ينظر إلى الشيء من وجهة نظرٍ خاصة, فإذا كان هذا العبقري ذا منبت طبقيّ فقير رأى الأمور بمنظار الفقراء, ولو كان هذا العبقري ذا منبت من نوع آخر لرأى الأمور من زاوية معينة, فالإنسان يصعب أن يكون حيادياً إذا نظر وإذا فكّر وإذا شرّع, لا بد من أن ينظر إلى الأشياء من وجهة نظر خاصة، ولا بد أن ينحاز إلى جهة دون أخرى, ولا بد من أن يرعى مصالح فئة دون أخرى, لو أن النبي إنسان عبقري لما كان شرعه كاملاً, فكل إنسان يتصرف بحسب واقعه, فالذي يملك سيارة يقول لك: الطرق ازدحمت يجب أن يحدّ من استيراد السيارات, أما الذي لا يملك يرفض هذا التوجيه لماذا؟ لأن الإنسان لا يخرج من واقعه, ولا من بيئته, فينظر إلى الشيء بحسب رؤيته له, هذا الإنسان مهما كان ذكياً ليس مؤهلاً أن يكون مشرعّاً للناس, لأنه سينظر لكل شيء من زاويته هو, فيأتي شرعه منحازاً إلى فئة دون أخرى، ينطلق من وجهة نظر دون أخرى, يرعى مصالح فئةٍ دون أخرى, لكن النبي معصوم عن الخطأ, لأن الله سبحانه وتعالى عصمه, فالعبقرية لا علاقة لها بالنبوة, النبوة شيء والعبقرية شيء آخر, النبي إنسان اصطفاه الله سبحانه وتعالى ليُبلّغ الخلق شريعة ربّ العالمين, هذه الشريعة من عند حكيم خبير, من عند خالق لا من عند مخلوق, فلو أن الشريعة من عند مخلوق لحابت أناساً دون أناس، لنظرت من وجهة خاصة دون وجهة أخرى.
فلذلك من الخطأ الفادح ومن الضلال المبين أن تصف النبي بأنه عبقري, هو نبي, هو إنسان اصطفاه الله سبحانه وتعالى, اصطفاه على علم وعصمة، عصم لسانه وأفعاله من أن تكون مجانبة للحق, لأنه سيشرع للناس من عند الله سبحانه وتعالى, فهذه الشبهة وهذه الفرية التي يطرحها بعض أعداء الدين من أن محمداً عبقري, نقول: هو نبيّ مرسل وكفى, لأنه لا يصلح للتشريع إلاّ الخالق:
﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾
(سورة المُلك الآية: 14)
التشريع البشري ناقص أما التشريع الرباني كامل:
أكبر مثل أمامنا الأوربيون رأوا أنفسهم كما يدعي بعضهم أنهم آلهة الأرض، العلم هو كل شيء, فتقدم العلم عندهم تقدماً هائلاً, وأطلقوا للإنسان أن يفعل ما يشاء إرضاء لشهواته ونزواته, فحطمّوا كل القيود, مبدأُهم مبدأ اللذة, اقتناص اللذة حيثما وجدت وبأي ثمن, ماذا حلّ بهم؟ تقطعت أواصر القربى فيما بينهم, تحطمت العلاقات الأُسرية المقدسة, تفتت الأسرة, شاع الطلاق, لا يدوم الزواج في بعض البلاد الأمريكية أكثر من سنتين لشدة تفلت الزوجة والزوج من قيود الأخلاق, فالشيء الدقيق أن الله سبحانه وتعالى قال:
﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾
( سورة الملك الآية: 14)
إذا اشتريت سيارة, ومع هذه السيارة نشرة دقيقة توضح لك طريقة استعمالها، وطريقة قيادتها، وطريقة صيانة أجهزتها، ومتى يجب أن تزودها بالوقود والزيت، ومتى يجب أن تغير بعض القطع المستهلكة استهلاكاً شديداً, أي إنسان مؤهل أن ينصحك في هذا الموضوع أفضل من صانع السيارة ؟ قال تعالى:
﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾
( سورة الملك الآية: 14)
أريد أن أصل إلى حقيقة: أن الإنسان مهما كان عبقرياً، مهما كان موضوعياً، مهما كان نزيهاً، ليس مؤهلاً أن يضع تشريعاً للناس, لأنه لا بد من كبوة، لا بد من سقطة في خلقه, لكن النبي عصمه الله سبحانه وتعالى من الغلط بكل أنواعه, اصطفاه على علم, وأوحى له بالهدى، وأمره بالتبليغ وعصمه من كل غلط, لذلك يُعد ما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام مصدراً تشريعياً للناس.
كما يستحيل أن يُلم العبقري بكل جوانب الحياة, فهذا عبقريته عسكرية, وهذا عبقريته سياسية، وهذا عبقريته في الأخلاق، وهذا عبقريته في التشريع، وهذا عبقريته مثلاً في الفكر، وهذا عبقريته في النظريات المجردة, فكل عبقري نمت عبقريته في جانب من جوانب الحياة، لكن النبي لأن الله اصطفاه, ولأن الله أوحى إليه, فكل ما جاء به متوازن يُغطي كل مناحي الحياة, كل نشاطاتها، كل اتجاهاتها، هذا من عظمة الأنبياء والرسل الذين اصطفاهم الله لنا.
الفرق بين ما تأتي به النبوات وبين ما تأتي به الفلسفات:
العلاقة بين ما تأتي به النبوات وبين ما تأتي به الفلسفات, لو اطلعتم على تاريخ الفلسفة لوجدتم أن هناك نظريات مضحكة جاء بها الإغريق والرومان, لو أنك عرضت هذه النظريات التي جاءت بها الفلسفات المتعددة لوجدت فرقاً شاسعاً بينها وبين العدل والحق, لوجدت بينها اختلافاً كبيراً, لوجدت بعضها خرافياً, لوجدت بعضها منحرفاً, اطلعت في هذه الأيام على مقالة عنوانها " من غرائب المعتقدات " قلت: هذه المقالة تؤكد, كيف أن البشر من دون وحي إلهي, من دون هدى رباني يتيهون في ضلالات عمياء, فقال: في بلاد الهند ما يزيد عن أربعمئة ديانة, لنأخذ إحدى هذه الديانات وهي ديانة الهندوس, قال: إن القانون هناك يُحرّم قتل البقرة أو أكل لحمها, والجزاء هو السجن مدى الحياة, فالبقرة تُترك لتموت, ولا يُؤكل لحمها، فإذا دهسها سائق من دون نية أو دون قصد, فلا بد أن يدخل السجن عاماً بأكمله, ويدفع غرامة تزيد عن ثلاثة آلاف, ويضاعف الجزاء إذا تكرر العمل، حينما بعدوا عن شريعة السماء وقعوا في متاهة عمياء, قال: الناس هناك لا يمنعون البقرة من أكل حوائجهم رغم ما يعانونه من فقرٌ شديد، فإذا دخلت البقرة إلى حانوت, وأكلت ما لّذ وطاب من هذه الفاكهة المعروضة، فإن هذا يسعد صاحب الحانوت، ولو أنها أكلت كل ما في الحانوت من فواكه, وعاد هو إلى البيت طاوياً من الجوع إنه سعيد جداً, لأن بركة البقرة حلت في حانوته، قال: بل يفرحون بذلك ويتركونها تعمل ما تشاء تيمناً وتبركاً حتى ولو هلكوا جوعاً.
أحد الباحثين تقصّى حقيقة هذه العبادة, فقال: سأل بعض الخبراء في هذه الديانة فقال: إننا نعتقد بوجود مشكلات كثيرة تأتي للإنسان بعد الموت, وأن أمامنا أنهاراً لا نستطيع عبورها, فإذا وقفنا لنجتاز هذه الأنهار إلى الجنة كانت هذه الأنهار عقبة بيننا وبين الجنة, فتأتي البقرة ونمسك بذنبها فتقودنا إلى الجنة, هذا سر اعتقادهم بالبقرة، لذلك نسجد لها ونحبها لأنها تسبح بنا إلى عالم آخر, هذه من معتقدات الهندوس, ونحن نسجد مرة في السنة للكلاب, وخاصة كلاب الحراسة, ونعمل لها أطواقاً من الزهور نعلقها في أعناقها, ولا نتعرض للكلاب بأذى أبداً، لماذا قال: سر هذا الاعتقاد أن هذا الكلب هو الذي يدخلهم الجنة بعد الموت, كيف؟ قال: لأنه يحرس الجنة، فإذا جاء هذا الهندوسي يوم القيامة, وكان قد أحسن لهذا الكلب في الدنيا، سجدَ لهُ، أكرمه، أطعمه، فإن هذا الكلب يأخذ بيده ويدخله الجنة, لأن الجنة كما يزعمون تحت أقدام الكلاب, قال: فإنهم يحترمون الكلب, ويقدمون له المأكولات, هذه الفلسفات, في غياب الوحي السماوي، في غياب الهدى الرباني، في غياب توجيه الله سبحانه وتعالى يهبط الإنسان إلى هذا الدرك من السخف، ومن الغباء، ومن الخرافة، ومن الدجل, فلذلك لا يمكن أن تعتمد على الفلسفات وحدها, لأن الفلسفات وحدها قد تؤدي بنا إلى الهاوية, قد يأتي الإنسان الفيلسوف بنظريات مضحكة، أبو العلاء المعري فيلسوف تسمعون به، شاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء, هذا حرّم اللحم على نفسه هكذا, غاب عنه أن هذا المخلوق إنما خُلق من أجل الإنسان, وأنه إذا قدّم لحمه للإنسان سيسعد بهذا التقديم إلى الأبد, قال تعالى:
﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ ﴾
(سورة لقمان الآية: 20)
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾
(سورة الحج الآية: 65)
﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ﴾
(سورة النحل الآية: 5)
عدّ الزواج وإنجاب الأولاد جناية, لو تركنا الفلاسفة يتحدثون على أهوائهم لوصلنا معهم إلى خرافات, وإلى سقطات, وإلى انحرافات ما أنزل الله بها من سلطان.
إذاً: الفلسفات في غياب الدين أكثرها تنطوي على التناقض والتهافت ومخالفة الواقع, وتنطلق من وجهات نظر متباينة، ومنطلقة من واقع محدد لا يصلح أن يعمم على أهل الأرض هذا أيضاً من سقطات الفلسفة.
الفلسفة لا تصلح إلا للعصر التي تعيش فيه أما الدين يصلح لكل زمان ومكان:
تشريع حمورابي، الفلسفة الإغريقية، لا تصلح لهذا العصر، لأنها نبعت من بيئة معينة, لكن الدين الذي جاء به النبي من عند الله، يصلح في كل زمان ومكان, لا يتغير, ينطلق من قيم ثابتة, من معطيات ثابتة، ما جاء به القرآن الكريم، وما جاء به من حكم وحقائق، لا يستطيع أهل عصره أن ينقضوها, ولا أهل العصور اللاحقة، لأنه من عند الله، حينما قال ربنا عزّ وجل عن العنكبوت:
﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾
(سورة العنكبوت الآية: 41)
الآن عرفوا أن التي تنسج البيت هي الأنثى، لو كان من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: نسج بيتاً, قام بهذا العمل الذكر لا الأنثى, وأثبت العلم خلاف ذلك، فمعنى ذلك أن هذا الكتاب ليس من عند الله, الآن اكتشفوا أن العسل ألوان معروفة, لكن كل لون من ألوان العسل يشير إلى نوع من أنواعه, وأن كل نوع من أنواعه يشفي مرضاً معيناً قال الله:
﴿ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾
(سورة النحل الآية: 69)
الديانات السماوية أصلها واحد أما النظريات الفلسفية فحواها التنافس والاختلاف:
الديانات السماوية لا تختلف عن بعضها بعضاً من حيث الأصول, هذا يؤكد أنها جميعاً من عند الله لذلك قال تعالى:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾
(سورة الأنبياء الآية: 25)
دعوة الأنبياء واحدة، فحوى رسالات الأنبياء واحدة، الحلال حلال، والحرام حرام في كل رسالات السماء, بينما في النظريات الفلسفية تجد التنافس والتباين والاختلاف والزيغ والانحراف هذا كله واضح في الفلسفات، وأما بحوث الفلاسفة في أمر الغيب فهذا ضرب من الحدس والتخمين، أنى لهذا الفيلسوف أن يعلم الغيب, أنى له أن يعلم ما سيكون بعد الموت, أنى له أن يعلم ما كنا عليه في عالم الأزل، أنى لهُ أن يعلم تاريخ البشرية، لكن الأنبياء بما جاءهم من تشريع سماوي عرّفونا في عالم الأزل, وبتاريخ الأمم والشعوب, وبما ينتظر الإنسان بعد الموت من جنة أو نار، من برزخٍ، من حساب، من صراط مستقيم، من أشياء كثيرة, لولا أن الأنبياء جاؤوا بها لكنّا نحن في عمى عن هذه الحقائق.
لما لم تكن رسالة الأنبياء محملة بالمعارف والعلوم الكونية:
قد يسأل سائل: لما لم يكن البشر بحاجة إلى أنبياء يحملون للناس المعارف والعلوم الكونية؟ يا ترى القرآن كتاب رياضيات؟ لا, كتاب فيزياء؟ لا, كتاب كيمياء؟ لا، كتاب فلك؟ لا, كتاب علم اجتماع ؟ لا, الكتب السماوية التي جاء بها الأنبياء ليست كتباً علمية تحمل المعالم والمعارف الكونية, حكمة ذلك: كلكم يعلم أن الإنسان فيه ثلاث دوافع:
1- دافع البقاء.
2- دافع إلى بقاء النوع.
3- دافع إلى بقاء الذكر.
فبدافع البقاء نأكل ونشرب، وبدافع بقاء الجنس بقاء النوع نتزوج ونتوالد، وبدافع بقاء الذكر نعمل أعمالاً لتخلد أسماءنا, فكل إنسان ينطوي على هذه الدوافع, فبحكم هذه الدوافع يسعى لإعمار الأرض من أجل أن يأكل.
أيها الأخوة, لو أن دافع الجوع غير موجود في الإنسان لما وجدت على الأرض شيئاً, لماذا العمل؟ لا أحد يعمل, من ينسج لك هذا القميص؟ لا أحد, من يبني لك هذا البيت؟ لا أحد, من يزرع لك النبات؟ لا أحد, بدافع الجوع يدفع الناس إلى العمل, والعمل يتبعه الخبرة, والخبرة تعمق العمل, فالإنسان بحكم دوافعه الفطرية سيتعلم العلوم الأرضية, لأن هذه العلوم الأرضية هدفها إعمار الأرض فقط, وهذه العلوم الأرضية لا تنفعه بعد الموت, تنتهي كل إنجازاتها في الحياة الدنيا, لكن الناس بحاجة إلى أن يعرفوا ربهم, وأن يعرفوا مهمتهم, وأن يعرفوا علّة خلقهم, وأن يعرفوا هدفهم, جاءت الكتب السماوية لتعرف الإنسان بربه، جاءت لتعرفه بمهمته، جاءت لترسم له طريق السعادة، جاءت لتطرح عليه أوامر الله عزّ وجل ونواهيه, هذا الذي يقول لك: إن كل النظريات وكل العلوم في القرآن موجودة, هذه شحطة, القرآن كتاب هداية ورشد وليس كتاب علوم, لكن أحياناً في لفتات إلى بعض أصول العلوم وليست الفروع مذكورة, فأن تبحث في القرآن الكريم عن فروع العلوم, هذا شيء مستحيل, لأن هذا مناقض لمهمة هذا الكتاب المقدس الذي بين أيدينا, مهمته إرشادنا إلى ربنا:
﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾
(سورة الغاشية الآية: 17)
﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ ﴾
(سورة التين الآية: 1)
قال:
﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا ﴾
(سورة الشمس الآية: 1)
تكلم عن الماء فقال:
﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ ﴾
(سورة الحِجر الآية: 22)
لَفَتَ نظرك أن تخزين الماء شيء مستحيل عليك, هل فكرت في هذه النعّمة؟ القرآن أساسه كتاب هداية، كتاب يلفتنا إلى الله سبحانه وتعالى, لكن فيه صور دقيقة وإشارات دقيقة للعلوم التي بثها الله في الأرض، من دون أن يكون فيه تفصيل كل شيء في أمور الدنيا, فلذلك بُنيت الشرائع على إصلاح النفوس, وعلى تعريفها برب السموات والأرض, وحملها على الالتزام بتطبيق أوامره, واجتناب نواهيه.
لا زلنا في موضوع الأنبياء والرسل, وسوف نتابع هذا الموضوع إن شاء الله تعالى في درس قادم.









والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 06-19-2018, 08:15 AM   #32


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: العقيدة الاسلامية



بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية

الدرس : ( التاسع و العشرون )




الموضوع :دلائل الرسالة



لحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
ينبغي على المسلم أن يكون سلاحه في معرفة الأشياء الدليل:
لازلنا في موضوع الإيمان بالرسل، والآن ننتقل إلى فصل جديد عنوانه دلائل الرسالة, ذكرت لكم من قبل أن على الإنسان الواعي ألاّ يقبل شيئاً إلاّ بدليل، وألاّ ينفي شيئاً إلاّ بدليل، وقد قال العلماء: " إن كنت ناقلاً فالصحة وإن كنت مدعياً فالدليل " لذلك كان علماء الحديث رضي الله عنهم, قد بذلوا جهوداً جبارة في معرفة الخبر الصادق من الخبر الكاذب, وصنفوا الأحاديث، الأحاديث المتواترة في النص، والمتواترة في المعنى, والأحاديث الصحيحة، وأحاديث الآحاد، والأحاديث الحسنة، والأحاديث الضعيفة, لأن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم.
أريد أن ألقي على مسامعكم هذه الملاحظة: أكثر من أخ في كل أسبوع تقريباً, يقولون لي: هل هذا حرام؟ لما هو حرام؟ فلان قال: حرام, اسأله: ما الدليل؟ أن تأخذ دية أخ قتل في حادث حرام؟ اسأله: ما الدليل؟ هل عندك آية أو حديث أو حكم فقهي لإمام عظيم من أئمة الفقه ينهى عن ذلك؟ فالملاحظ أن أكثر الناس يُقال له: حرام فيصدق, يُقال له: حلال فيصدق, لا تقبل أن يكون الشيء حلالاً إلا بدليل من الكتاب أو من السنة أو من الإجماع أو من القياس, وإن لم تستطع أن تستنبط أنت الدليل, فاسأل أهل الذكر, اسأل العلماء، اسأل الفقهاء، ما رأي الإمام أبي حنيفة؟ ما رأي الإمام الشافعي؟ ما رأي الإمام أحمد؟ هناك أئمة عظام درسوا النصوص، ومحصوها وصنفوها واستنبطوا منها الأحكام, وإذا قيل لك: هذا شيء حرام, ما الدليل؟ إذا كنت ناقلاً فالصحة وإذا كنت مدعياً فالدليل, هناك أشخاص جانبوا المنهج العلمي, قرأ في الفتوحات كلاماً يتعارض مع كتاب الله, فقال الشيخ الأكبر هو الشيخ الأكفر, ولكن هذا الذي قرأته في كتاب الفتوحات ليس للشيخ محي الدين, لم يصح نقله عنه، لم يصح هذا القول له, إذا كنت ناقلاً فالصحة وإذا كنت مدعياً فالدليل, فإذا الواحد مرّن نفسه، وطن فكره على أن لا يقبل شيئاً إلا بدليل, وألاّ ينفي شيئاً إلا بدليل, وألاّ يقبل خبراً إلا إذا توافرت شروط الصحة, وألاّ ينفي خبراً إلا إذا قام الدليل على كذب الناقل,
" أَخْبَرَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ لا أَدْرِي سَمِعْتُهُ مِنْهُ أَوْ لا ابْنُ عَوْنٍ عَنْ مُحَمَّدٍ إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ "
(أخرجه الدارمي في سننه)
متى يجب اﻹيمان بالرسل ؟
موضوع درس اليوم دلائل الرسالة: متى يجب الإيمان بالرسل؟ العلماء قالوا: " متى ثبت لديك بالدليل القاطع " في عندنا دليل مقنع، في دليل ظني، في دليل قاطع, أعلى أنواع الدلالة هو الدليل القاطع, حركة السيارة دليل قاطع على أن في المستودع وقوداً هذا دليل قاطع, فلذلك متى ثبت لديك بالدليل القاطع أن واحداً من البشر رسول من عند الله يبلّغ ما أمر الله تبليغه للناس، وجب عليك الإيمان به, ووجب عليك اتباعه, والائتمار بأمره, والانتهاء عما نهى عنه في حدود شروط رسالته, وشروط العمل بها.
إذا كنت جندياً في قطعة عسكرية، وجاءك إنسان يحمل كتاباً فيه أمر عسكري, أنت بحسب نظام الجندية يجب أن تأتمر بهذا الكتاب بما جاء في هذا الكتاب، ويجب أن تنتهي عما نهى عنه هذا الكتاب, بقي أن تعرف أن هذا الكتاب صحيح أنه هو من عند من هو أعلى منك، تنظر في فحواه, تنظر في الذي جاء به, هناك أدلة تجعل هذا الكتاب عندك مقبولاً, وهذا الذي جاء به مُصَدّقاً, فليس كل إنسان يدعي النبوة أو الرسالة نُسلم له بدعواه حتى تتوافر فيه شروط صدقه.
أدلة الإيمان بالرسول عليه الصلاة والسلام:
1- فحوى الرسالة:
العلماء قسّموا أدلة الإيمان بالرسول عليه الصلاة والسلام إلى أربعة أدلة:
الأمر الأول: أول دليل على صدق رسول الله في أنه رسول الله, أول دليل على صدق نبوته، وصدق رسالته: هو فحوى رسالته أي تأمل في المضمون، فأي إنسان إذا نظر بإمعان العاقل المنصف فيما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام من دعوة التوحيد، من بيان لأصول العبادات ونظم المعاملات ومناهج الأخلاق, ثم يراقب موافقتها لصالح الناس, وسعادتهم في شتى مطالب حياتهم في دنياهم وفي أخراهم، يرى أن كل جزئية موافقة للحق دون مِرية, فلا تناقض في النصوص, ولا ضعف في أصول الشريعة ولا فروعها, إذا نظرت هذا النظر, ودققت هذا التدقيق, وعرفت هذه المعرفة, لاشك أنك تُسلم وتُسلّم وتعتقد وتؤمن أن هذا الذي جاء بهذا الشرع العظيم, وهذا الدستور القويم, وهذا المنهج المفصل هو رسول من عند الله سبحانه وتعالى, منهاج الكتاب, مضمون الكتاب, أسلوب الكتاب, محتوى الكتاب, بنود الكتاب, هذا في مستوى المرسل, لذلك الدين من عند الله, والله سبحانه وتعالى خالق السموات والأرض, الكل عبيده, فالدين الذي يدعو إلى المساواة بين الناس هو دين الله, يجب أن يكون هناك تناسب بين عظمة الخالق وبين عظمة التشريع, فلابد أن تعرف عظمة التشريع من عظمة الخالق، هذا دليل كبير جداً على صدق رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم, لو أن في الدين أمراً يخص أمة دون أمة، فئة دون فئة، طبقة دون طبقة، لما كان هذا الدين من عند الله سبحانه وتعالى لأن:

" الْخَلْقُ كُلُّهُمْ عِيَالُ اللّهِ، وَأَحَبُّهُمْ إِلَيْهِ أَنْفَعُهُمْ لِعِيَالهِ "
( أخرجه البيهقي في الشعب، وأبو يعلى من حديث أنس وسنده ضعيف، وابن عديّ من حديث ابن مسعود)
فإذا نظر الإنسان في أصول هذه العقائد, في أصول هذا الدين, في أصول هذه العبادات, في نظم المعاملات، في مناهج الأخلاق, يكتشف أن هناك تناسباً بين هذا التشريع العظيم وبين خالق الكون, الشيء الذي أُضيف على الدين وليس منه يتهافت، يتساقط, لا ترتاح له, أتُحب أن تُقرض الناس بالربا؟ كيف؟ اشترِ كيس سكر, ضعه أمام الدكان, يأتيك الرجل ليقترض منك مثلاً ألف ليرة, تبيعه هذا الكيس بألف ليرة ديناً، وتشتريه منه بثمانمئة ليرة نقداً, والكيس ما زال بمكانه, هذا بيع صوري, هذا حيلة على الربا, لذلك منع الفقهاء هذا البيع سداً للذريعة, هذا بيعٌ ما أريد به البيع أريد به الربا, خالق الكون لا تنطلي عليه هذه الحيّل, هنالك علماء رفضوا مبدأ هذه الأساليب, لأنها حيّل شرعية لا تنطلي على الله سبحانه وتعالى, الشيء الذي يلفت النظر أن أي مؤتمر عام تشريعي, لو أنّه ضم عشرات العلماء الكبار في القانون, وشرعوا تشريعاً, تجد بعد حين يُضطرون إلى تشريع معدّل, تُعدّل المادة الفلانية بالمادة الفلانية, بعد شهرين أو أكثر يصدر تعديل آخر, هذا صنع البشر قال الله:
﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً ﴾
( سورة النساء الآية: 28)
مهما اجتهد الإنسان في سد المنافذ, يأتي إنسان أذكى ويفتح بعض المنافذ, فلذلك المشرّع دائماً واقع في دوامة مع المشرّع له، لكن المشرع إذا كان هو الله سبحانه وتعالى, تشريعه لا يحتاج إلى تعديل, ولا إلى تبديل, ولا إلى إلغاء, ولا إلى تعطيل, ولا إلى شيء من هذا القبيل, تشريعه جامع مانع.
أول دليل يقوم على صدق نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقوم على صدق رسالته أن تنظر في فحوى رسالته، في الأوامر, بماذا أمر؟ أمر بغض البصر, أمر بالصدق, أمر بالأمانة, أمر بحسن الجوار, أمر بصلة الرحم, أمر بالإحسان, عن أي شيء نهى؟ نهى عن الكذب, نهى عن الفسق, نهى عن الفجور, نهى عن الزور, نهى عن الخيانة, نهى عن عقوق الوالدين, نهى عن الظلم, هذا تشريع إلهي, لأن هذه الأوامر وهذه النواهي تتناسب مع عظمة الله جلّ جلاله, وتتناسب مع أمره, النجاشي حينما سأل سيدنا جعفر رضي الله عنه, فسيدنا جعفر قال: أيها الملك, كنّا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام ونأكل الميتة، ونأتي بالفواحش، ونسيء الجوار، ونقطع الرحم، ويأكل القوي منا الضعيف, حتى بعث الله فينا رسولاً نعرف أمانته وصدقه وعفافه ونسبه, فدعانا إلى الله لنعبده ونوّحده, لذلك فحوى الرسالة, قال له: وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار, الدين كله مكارم أخلاق.
الدليل من الكتاب على صدق الرسول:
هل في النصوص القرآنية ما يؤكد هذا المنهج في الإيمان برسول الله؟ أول فقرات المنهج أن تنظر في مضمون هذه الرسالة, القرآن فيه جانب عقائدي, فيه جانب تشريعي، فيه تشريع شخصي: علاقة الزوج بزوجته، تشريع الطلاق، تشريع الزواج، فيه جانب اجتماعي: علاقة الأخ بأخيه، فيه جانب ينظم حياة الجماعة: البيع في الشراء, الرهن، الدين، الأمانة، فيه جانب تربوي، اقتصادي، صحي, دولي, هذا القرآن إذا تأملته وتدبرته ونفذت إلى لبّه, تعرف أن الذي جاء به رسول من عند الله سبحانه وتعالى، نادى الله الناس أن يؤمنوا بالرسول متحققين صدقه من خلال ملاحظتهم للحق الذي جاء به من عند ربهم, قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآَمِنُوا خَيْراً لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً ﴾
(سورة النساء الآية: 170)
آمن بما جاء به من الحق من ربك, ووجه الله بشدة الإنسان إلى تدبر القرآن, لأن تدبره يهدي إلى أنه حق في كل جزيئة من جزئياته, وهذا يدل على أنه من عند الله, لأنه لو كان من كلام الإنسان لاشتمل على اختلاف كثير، ومفارقات ظاهرة بينه وبين الحق، ولما كان محمد صلى الله عليه وسلم هو المبّلغ لهذا القرآن, كان ذلك دليلاً على أنه رسول الله يبلّغ عنه كلامه, فبعد أن قال الله عزّ وجل لرسوله في سورة النساء:
﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً﴾
( سورة النساء الآية: 79)
ما معنى قوله تعالى:
﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا ﴾
( سورة النساء الآية: 79)
هذا القرآن الذي جئت به, لو تأمله الناس, لو تدبروه, لو عقلوه, لعرفوا أنك رسول, فالله شهد لهم من خلال كلامه أنه رسول, وقد جعل الله سبحانه وتعالى طاعة الرسول طاعة له فقال تعالى:
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافاً كَثِيراً﴾
(سورة النساء الآية: 82)
في انسجام, في تكامل, القرآن يقدم تفسيراً شاملاً للكون والحياة، لما كان عليه الإنسان قبل أن يأتي إلى الدنيا، لما سيؤول إليه وضع الإنسان، قيم الحق والباطل، قيم الخير والشر, كل هذه الأمور جاء بها الدين, فدل بهذا على أن القرآن شاهد من عند الله على صدق رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الأمر اﻹلهي لرسوله بأن ينادي بالناس جمعياً بأنه رسول الله إليهم:
أنّ الله سبحانه وتعالى بيّن صفة أُولي الألباب الذين أعلنوا إيمانهم بالرسول الذي ناداهم إلى الإيمان بالحق، وبادروا إلى ذلك منذ عرفوا أن جوهر رسالة محمد صلى اله عليه وسلم حقٌ لا مرية فيه, قال تعالى:
﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آَمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآَمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 193)
أمر الله نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم أن ينادي في الناس جميعاً بأنه رسول الله إليهم جميعاً, وأن يبين لهم أن جوهر الرسالة هو الإيمان بالله الذي له ملك السموات والأرض, والذي لا إله إلا هو, والذي يحيي ويميت, وأمرهم أن يؤمنوا بالله ورسوله النبي الأميّ, لافتاً نظرهم إلى أن هذا الرسول فردٌ مثلهم يؤمن هو أيضاً بالرسالة التي يحملها إليهم فيؤمن بالله وكلماته, لذلك فعليهم أن يتبعوه ليهتدوا, قال تعالى في سورة الأعراف:
﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾
(سورة الأعراف الآية: 158)
دعوة أهل الكتاب إلى اﻹيمان بهذه الرسالة:
أن الله سبحانه وتعالى أمر رسوله محمداً أن يدعو أهل الكتاب إلى كلمة الحق، التي هي سواء بين جوهر رسالته وجوهر رسالات موسى وعيسى وسائر الرسل عليهم الصلاة والسلام فقال تعالى:
﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 64)
كل هذه الفقرات لها محور واحد, وهو أنك إذا دققت وتأملت وتعمقت وتدبرت في مضمون الرسالة التي جاء بها النبي عليه الصلاة والسلام, تحكم بالدليل القاطع على أنه رسول الله
2- أنه يتميز بشخصية غير عادية شملت فيه الكمال اﻹنساني:
الدليل الثاني على أن النبي عليه الصلاة والسلام هو رسول من عند الله: لدى دراسة شخصية رسول الله صلى الله عليه وسلم نلاحظ أن له شخصية غير عادية, أحياناً تجلس في مجلس، شخص متفوق من حديثه, من ملاحظاته, من أسلوبه في الحديث, من لغته، من ثقافته تعرفه, فلو أنك التقيت النبي عليه الصلاة والسلام لرأيت شخصية فذة غير عادية, لذلك قالوا: محمد سحر أصحابه, يعني انتزع إعجابهم, لأنه شخصية فذة, والله سبحانه وتعالى لا يصطفي لرسالته إلا صفوته من خلقه, قال الله:
﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحاً وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾
(سورة آل عمران الآية: 33)
النبي عليه الصلاة والسلام سحر أصحابه بمعنى انتزع إعجابهم، تعلقوا به أيما تعلق، أحبوه حباُ فاق حدّ التصور، أطاعوه طاعة جاوزت حدود الخيال, لماذا؟ لأنه شخصية فذة, فهذه الشخصية الفذة, لا نجدها إلاّ في زمرة الأنبياء الذين اصطفاهم الله تعالى لوحيه ورسالاته, ذلك أن شخصية النبي عليه الصلاة والسلام مصونة بالعصمة الربانية من جميع جوانبها، ومتصفة بصفات الكمال الإنساني في خلقه وسلوكه, وعصمته عن الخطأ في بيان حدود الصراط المستقيم لعقائد الناس وعباداتهم وأخلاقهم ومعاملاتهم, أما إذا درست شخصية أخرى من الشخصيات التي تميزت في الأرض، لوجدت على الرغم من عبقريته سقوطاً في بعض جوانب شخصيته، سقوطاً في أقواله أو أفعاله أو أخلاقه، لابد من جانب متميز وجانب مقصر, ليس هناك كمال مطلق, ليس هناك عصمة, ليس هناك إعداد رباني لهذا الإنسان, قد يعجبك علمه وتحتقر أخلاقه، قد يعجبك خلقه وتحتقر علمه, فالذين نبغوا في الحياة، نبغوا بجانب على حساب جانب, أما النبي عليه الصلاة والسلام فقد استكمل الكمال البشري من كل جوانبه، فمن اتصف بهذه الصفات الراقية والكمال الإنساني، لابد أن يكون رسول الله سبحانه وتعالى.
شهادة التاريخ لرسول الله على أنه رسول الله من خلال أخلاقه وصفاته:
نزل الوحي على النبي عليه الصلاة والسلام في غار حراء، أول ما بدىء به من الوحي, وكان لنزول الوحي وقع ثقيل على نفسه, فرجع إلى زوجته خديجة يرجف فؤاده, ويقول: زملوني زملوني. فزملوه حتى إذا ذهب عنه الورع. فقال لخديجة واخبرها الخبر: لقد خشيت على نفسي. فقالت خديجة: كلا والله لا يخزيك الله أبداً, إنك لتصل الرحم وتحمل الكَلَّ وتكسب المعدوم, وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق. شخصيته الفذة بفضائلها وقيمها وطباعها تتناسب مع شخصية رسول الله سبحانه وتعالى, فخديجة رضي الله عنها استدلت من خلال كمال صفاته التي تعرفها فيه أن الله لا يخزيه أبداً.
سيدنا الصديق رضي الله عنه لم يحتاج إلى أدلة تدله على صدق رسالة النبي صلى الله عليه وسلم حينما دعاه إلى الإسلام, لأنه عرف عنه الكثير. النبي عليه الصلاة والسلام كان شخصية فذة قبل أن تأتيه الرسالة, كان كريماً، كان صادقاً، كان أميناً، كان عفيفاً، كان يحب الخير، كان قلبه رقيقاً، فهذه كلها صفات تليق برسول الله صلى الله عليه وسلم, ولما بعث سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى بعض أحياء العرب يدعوهم إلى الإسلام, قالوا يا خالد: صف لنا محمداً، فقال: هو رسول الله والرسول على قَدرِ المرسل, ولما وقف النبي صلى الله عليه وسلم على الصفا ونادى بطون مكة, يا بني عبد المطلب, يا بني عبد مناف، يا بني فلان, فلما اجتمعوا قال لهم:
" عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ) صَعِدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الصَّفَا فَجَعَلَ يُنَادِي يَا بَنِي فِهْرٍ يَا بَنِي عَدِيٍّ لِبُطُونِ قُرَيْشٍ حَتَّى اجْتَمَعُوا فَجَعَلَ الرَّجُلُ إِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَخْرُجَ أَرْسَلَ رَسُولا لِيَنْظُرَ مَا هُوَ فَجَاءَ أَبُو لَهَبٍ وَقُرَيْشٌ فَقَالَ أَرَأَيْتَكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلا بِالْوَادِي تُرِيدُ أَنْ تُغِيرَ عَلَيْكُمْ أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ قَالُوا نَعَمْ مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ إِلا صِدْقًا قَالَ فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ"
(أخرجه البخاري عن ابن عباس في الصحيح)
ملك عُمان لما بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوه إلى الإسلام, ماذا قال؟ قال: والله ما دلني على هذا النبي الأميّ إلا أنه لا يأمر بخير إلا كان أول آخذ به، ولا ينهى عن شيء إلا كان أول تارك له، وأنه يغلب فلا يظفر، ويُغلب فلا يضجر، ويفي بالعهد، وينجز الوعد، وأشهد أنه نبي, هذا كله دليل على أخلاق النبي.
عن ابن عباس, أن أبا سفيان أخبره: أن هرقل عظيم الروم أرسل إليه في ركب من قريش وكانوا تجاراً في الشام فأتوه, فدعاهم إلى مجلسه وحوله عظماء الروم، ثم دعاهم ودعا بترجمان، فقال: أيكم أقرب نسباً لهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ فقال أبو سفيان: أنا أقربهم به نسباً؟ فقال: أدنوه مني وقربوا أصحابه فاجعلوهم عند ظهره, ثم قال لترجمانه: قل لهم: إني سائل هذا عن هذا الرجل فإن كذبني فكذبوه, فقال أبو سفيان: فو الله لولا الحياء من أن يؤثّر عليّ كذب لكذبت عنه, ثم كان أول ما سألني عنه أن قال: كيف نسبه فيكم؟ قلت: والله هو فينا ذو نسب، قال: فهل قال هذا القول منكم أحد قبله قط؟ قلت: لا, قال: فهل كان من أبائه من ملك؟ قلت: لا, قال: فأشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ قلت: بل ضعفاؤهم, قال: أيزيدون أم ينقصون؟ قلت: بل يزيدون, قال: فهل يرتد أحد منهم سخطاً لدينه بعد أن دخل فيه؟ قلت: لا, قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت: لا, قال: فهل يغدر؟ قلت: لا, ونحن منه في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها, لكي يوغر صدره, قال له: في غيابنا لا نعرف ماذا يعمل؟, قال: فهل قاتلتموه؟ قلت: نعم, قال: فكيف كان قتالكم إياه؟ قلت: الحرب بيننا وبينه سجال، ينال منا وننال منه, قال: فبماذا يأمركم؟ قلت: يقول: اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئاً واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة والزكاة والصدق والعفاف والصلة, فقال للترجمان: قل له: سألتك عن نسبه: فذكرت أنه فيكم ذو نسب، وكذلك الرسل تبعث في نسبٍ من قومها، وسألتك: هل قال أحدٌ منكم هذا القول؟ فذكرت أن لا، فقلت: لو كان أحد قال هذا القول قبله لقلت: رجلٌ يتأسّى بقول قبله، وسألتك: هل من آبائه من ملك؟ فذكرت أن لا، قلت: لو كان من آبائه من ملك لقلت: رجل يطلب ملك أبيه, وسألتك: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فذكرت أن لا, فقد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله عزّ وجل، وسألتك: أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ فذكرت أن ضعفاؤهم اتبعوه, وهم أتباع الرسل عادة، وسألتك: أيزيدون أم ينقصون؟ فذكرت أنهم يزيدون, وكذلك أمر الإيمان حتى يتم, وسألتك: أيرتد أحد منهم بعد أن دخل في الدين؟ فذكرت أن لا، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب, وسألتك: هل يغدر؟ فذكرت أن لا، وكذلك الرسل لا تغدر, وسألتك: بماذا يأمركم؟ فذكرت أنه يأمرنا أن نعبد الله ولا نشرك به شيئاً, وينهانا عن عبادة الأوثان, ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف, فإن كان ما تقوله حقاً: فسيملك موضع قدمي هاتين, في الوقت نفسه جاءه كتاب رسول الله الذي بعث به دُحية إلى عظيم بصرى فدفعه إلى هرقل فقرأه فإذا فيه:(بسم الله الرحمن الرحيم, من محمد بن عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم. سلام على من اتبع الهدى أما بعد, فإني أدعوك بدعاية الإسلام, أسلم تسلم, يؤتك الله أجرك مرتين, وإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين، ويا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون ).
قال أبو سفيان: فلما فرغ من قراءة الكتاب كثُر عنده الصخب وارتفعت الأصوات وأُخرجنا, فقلت لأصحابي حين أخرجنا: إن محمداً يخافه ملك بني الأصفر، فمازلت موقناً أنه سيظهر حتى أدخل الله عليّ الإسلام, هذه قصة تؤكد أن الإيمان برسول الله قد يكون من أخلاقه ومن صفاته الفضلى.
خلاصة الدرس:
دليلان كبيران على رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم, الأول فحوى رسالته والثاني أخلاقه, ففحوى رسالته تتناسب مع الذي أرسله الله سبحانه وتعالى، وأخلاقه الكريمة تتناسب مع الذي أرسله، ويكفي أن الله سبحانه وتعالى قال في حقه:
﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾
(سورة القلم الآية: 4)
ما تبقى من الدرس إلى موعد آخر إن شاء الله.






والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 06-19-2018, 08:18 AM   #33


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: العقيدة الاسلامية



بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية

الدرس : ( الثلاثون )




الموضوع : تتمة الأدلة القطعية على رسالة النبي عليه الصلاة والسلام





الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
الأدلة القطعية على رسالة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام:
3- أخبار الرسل السابقين في كتبهم ببعثة هذا الرسول:
لازلنا في موضوع الإيمان بالرسل، ووصلنا في الدرس الماضي إلى أن هناك أربعة أدلة قطعية على رسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم, تحدثنا عن الدليل الأول: وهو فحوى الرسالة, وعن الدليل الثاني: وهو شخصية النبي صلى الله عليه وسلم, واليوم إلى الدليل الثالث إن شاء الله تعالى:
الدليل الثالث: هو الاستدلال بأخبار الرسل السابقين بصفاته وانطباقها عليه تماماً: الرسل السابقون الذين جاؤوا برسالات من عند الله, في هذه الرسالات إشارات واضحة جداً إلى أنه سيأتي رسول في آخر الزمان اسمه أحمد, وله صفات معروفة مكتوبة عندهم في كتبهم المنزلة من عند الله سبحانه وتعالى, فنحن نعلم أن جميع الأنبياء عليهم السلام أخوة، لأن الذي أرسلهم هو الله سبحانه وتعالى برسالة توحيد واحدة, وإن من تمام رسالة كل رسول أن يؤمن بمن سبقه من رسل, وبما أنزل عليهم من كتب، لذلك فإن المؤمن يؤمن بالرسالات السماوية كلها وبالرسل كلهم وبالكتب المنزلة على رسله كلها، وأن يدعو قومه إلى الإيمان بما آمن، فما من مسلم إلا ويؤمن:

﴿آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ﴾
( سورة البقرة الآية: 285)
المصدر واحد, سيدنا عيسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام يقول: " صلوا في كل أوقاتكم، صلّوا وأنتم في أعمالكم، صلوا وأنتم في بيوتكم " لو تتبعت الكتب السماوية على حقيقتها قبل أن يطرأ عليها التعديل والتغيير, قبل أن يطرأ عليها التحوير, لوجدت مضمون الكتب السماوية مضموناً واحداً لأنه من أصل واحد, إذن من تمام رسالة كل رسول أن يؤمن بمن سبقه من رسل الله، وبما أنزل عليهم من كتب, وأن يدعو قومه إلى الإيمان بما آمن, كما أن من تمام رسالته أن يدعو قومه إلى الإيمان بكل رسول صادق يأتي بعده إن لم تكن رسالته خاتمة الرسالات السماوية, وبما أنَّ رسالة الإسلام خاتمة الرسالات، فلن تجد في القرآن الكريم دعوة إلى الإيمان برسول قادم, لأن النبي عليه الصلاة والسلام خاتم الأنبياء, لكن في الإنجيل تجد دعوة للإيمان بسيدنا محمد عليه الصلاة والسلام, وحيث أن الله سبحانه وتعالى أراد أن يختم رسالات السماء برسالة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام ويجعلها عامة للناس, فقد بشّر برسالته في كتب الديانتين اليهودية والنصرانية ليحثّ أتباعهما على اتباع رسالة محمد صلى الله عليه وسلم متى بعثه الله، وليجعل في كتبهم حجةً عليهم إذا هم أخذتهم العصبية، أو حجبهم الحسد عن أن يؤمنوا بالنبي الجديد، في الكتب السابقة إشارات واضحات إلى أنه سيأتي نبي كريم اسمه أحمد، واسمه أحمد يعني حقيقته أحمد الخلق، استمعوا إلى قوله تعالى:
﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾
( سورة البقرة الآية: 89)
كانوا أهل الكتاب قبل بعثة محمد عليه الصلاة والسلام يستفتحون على كفّار العرب, أي يستنصرون عليهم إذ يدعون الله أن يرسل إليهم الرسول المنتظر لكي يتبعونه فينتصرون به على المشركين، ربنا عزّ وجل يقول:
﴿الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾
( سورة البقرة الآية: 146)
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ ﴾
( سورة البقرة الآية: 146)
أي النبي عليه الصلاة والسلام, قال الله:
﴿ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾
( سورة البقرة الآية: 146)
يعني في كتبهم آيات دالة وصريحة على بعثة النبي ورسالته وأوصافه, وتعهدُ الله عزّ وجل بأن يكتب رحمته التي وسعت كل شيء لأهل الكتاب, الذين يؤمنون بمحمد بدلائل البشارة الموجودة في كتبهم, فقال تعالى في الأعراف:
﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾
(سورة الأعراف الآية: 156-157)
هذه الآيات كلها تؤكد أن الله سبحانه وتعالى ذكر في الكتب السابقة آيات كثيرة عن بعثة النبي عليه الصلاة والسلام، وعلى الرغم من كل التحريفات التي اصطنعها الأحبار والرهبان في التوراة والإنجيل، فقد بقي في نسخ التوراة والإنجيل حتى الآن كثير من هذه البشائر, وإن كان أهل الكتاب ممن يدخل في الإسلام يكابر في تطبيقها على محمد عليه الصلاة والسلام, وزاد الإنجيل على التنويه بصفات محمد فقد ذكر اسمه المشتق من معنى الحمد، قال تعالى:
﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾
(سورة الصف الآية: 6)
ذكر نوع من الأمثلة من التوراة واﻹنجيل على بعثة النبي عليه الصلاة والسلام:
بعض الأمثلة من التوراة والإنجيل التي تتحدث عن بعثة النبي عليه الصلاة والسلام, ما جاء في نسخ الإنجيل وفق الترجمات العربية, أنّ اسم النبي المبشر به " فرقليط " هذا الاسم, اسم يوناني، تعريبه مشتق من الحمد, محمد وأحمد, الآية 15 من إنجيل يوحنا: " إن كنتم تحبوني فاحفظوا وصاياي وأنا أطلب من الأب فيعطيكم فرقليط آخر ليثبت معكم إلى الأبد. فأما إذا جاء الفرقليط الذي أرسله أنا إليكم من الأب روح الحق الذي من الأب ينبثق, وهو يشهد لأجلي وأنتم تشهدون لأنكم معي من الابتداء, جاء الرب من سيناء وأشرق لنا من ساعير واستعلن من جبال فاران, فاران يعني مكة ".
مما جاء في كتب بعض الديانات الأخرى عن النبي عليه الصلاة والسلام, حينما ينحدر الفارسيون إلى الحضيض الخلقي, سيولد رجل في الجزيرة العربية يزلزل أتباعه عرشهم ودينهم وكل شيء لديهم، وسيغلب جبابرة الفرس المتغطرسين, وإن البيت المعمور الذي يضم كثيراً من الأصنام سيُطهّر من هذه الأصنام، وسيصلي الناس متجهين إليه، وسيستولي أتباعه على مدن باريس وتاوس وبلخ والمواقع الأخرى المحيطة بها, سيختلف الناس كثيراً بشأنه, أما عقلاء فارس فسينضمون إلى أتباعه. على كلٍ هذا بحث طويل في مراجعة الكتب القديمة، والتحقيق وقراءة ما جاء فيها من بشارات, نحن نريد من هذا كله حقيقة واحدة وهي أن من تمام رسالات الرسل أن يؤمنوا بالرسالات السابقة، ويدعوا أتباعهم إلى الإيمان بالرسالات اللاحقة إن لم تكن الرسالة خاتمة الرسالات.

الاستشهاد بأمثلة تاريخية على أتباع الرسل الذين آمنوا ببعثة النبي:
في يوم غزوة أحد جاء حبرٌ من أحبار يهود المدينة اسمه مُخَيريقٌ, وكان أحد بني ثعلبة إلى قومه, فقال لهم: يامعشر اليهود, والله لقد علمتم إن نَصْرَ محمدٍ عليكم لحق, قالوا: إن اليوم يوم السبت, قال: لا سبت لكم فأخذ سيفه وعدته, وقال: إن أصبت فمالي لمحمد يصنع فيه ما شاء، ثم غدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقاتل معه حتى قُتل، فقال عليه الصلاة والسلام لمّا علم بالأمر: مُخَيريقٌ خير اليهود, رأى في التوراة ما يؤكد أن هذا النبي حق فذهب إليه, وقاتل معه, واستُشهد في أُحد.
أرسل النبي عليه الصلاة والسلام كتاباً إلى النجاشي ملك الحبشة دعاه فيه إلى الإسلام, وهو أحد الكتب التي أرسلها الرسول إلى ملوك العرب, وملوك البلاد المجاورة للبلاد العربية آنذاك, وقد حمل هذا الكتاب إلى النجاشي سيدنا جعفر بن أبي طالب ابن عم الرسول، ولما وصل إليه وعلم النجاشي مضمون كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال: أشهد بالله إنه لنبي الذي ينتظره أهل الكتاب، وقد كان النجاشي نصرانياً, ثم كتب إلى الرسول جواب كتابه إليه, فكان مما كتبه إليه: " فأشهد أنك رسول الله صادقاً مصدقاً, وقد بايعتك وبايعت ابن عمك وأسلمت على يديه لله ربّ العالمين " وكان سبب إيمان النجاشي بمحمد عليه الصلاة والسلام معرفته بصفاته من الإنجيل وانطباقها عليه، سأتلو عليكم كتاب سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام إلى النجاشي: " بسم الله الرحمن الرحيم, من محمد رسول الله إلى النجاشي ملك الحبشة. فإني أحمد إليك الله الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن, وأشهد أن عيسى بن مريم روح الله, وكلمته ألقاها إلى مريم البتول الطيبة الحصينة، فحملت بعيسى من روحه ونفخه كما خلق آدم بيده ونفخه, وإني أدعوك إلى الله وحده لا شريك له, والموالاة على طاعته, وأن تتبعني وتؤمن بالذي جاءني فإني رسول الله, وقد بعثت إليك ابن عمي جعفراً، ونفراً معه من المسلمين, فإذا جاؤوك فأقرهم ودع التجبّر فإني أدعوك وجنودك إلى الله, فقد بلّغتُ ونصحت فاقبلوا نصحي والسلام على من اتبع الهدى " فلما وصل إليه الكتاب وضعه على عينيه، ونزل من على سريره, فجلس على الأرض, ثم أسلم وكتب الجواب إلى النبي عليه الصلاة والسلام: "بسم الله الرحمن الرحيم, إلى محمد رسول الله من النجاشي أصحمة بن أبجر. السلام عليك ورحمة الله وبركاته, الحمد لله الذي هداني للإسلام, أما بعد, فقد بلغني كتابك يا رسول الله فيما ذكرت من أمر عيسى, فورب السماء والأرض إن عيسى ما زاد على ما ذكرت, وقد عرفنا ما بُعثت به إلينا, وقد قربنا ابن عمك وأصحابه فأشهد إنك رسول الله صادقاً مصدقاً, وقد بايعتك وبايعت ابن عمك وأسلمت على يديه لله ربّ العالمين, وأرسلت إليك ابني أبرهة بن الأصحم بن أبجر, فإني لا أملك إلا نفسي فإن شئت أن آتيك فعلت يا رسول الله " هذا هو جواب ملك الحبشة لذلك النبي الكريم حينما جاءه وفد الحبشة أبى ألا يخدمهم إلا بنفسه, وحينما توفي ملك الحبشة صلى عليه صلاة الغائب, لأنه عدّه أحد أتباعه، هذه رسالة رسول الله لملك الحبشة, وكما قلت قبل قليل: إن سبب إسلام النجاشي هو أنّ الصفات التي جاءت عنده في الإنجيل وجدها منطبقة على النبي عليه الصلاة والسلام.
النبي عليه الصلاة والسلام أرسل كتاباً إلى المقوقس ملك القبط في الإسكندرية, قال في هذا الكتاب: " بسم الله الرحمن الرحيم, من محمد بن عبد الله إلى المقوقس عظيم القبط. سلام على من اتبع الهدى أما بعد, فإني أدعوك بدعاية الإسلام, أسلم تسلم, يؤتك الله أجرك مرتين, فإن توليت فعليك إثم كل القبط ", قال الله:

﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾
(سورة آل عمران الآية: 64)
أما جواب المقوقس, يقول: " بسم الله الرحمن الرحيم, إلى محمد بن عبد الله من المقوقس. سلام عليك أما بعد، فقد قرأت كتابك وفهمت ماذكرت فيه وما تدعو إليه, وقد علمت أن نبياً قد بقي, وقد كنت أظن أنه بالشام وقد أكرمت رسولك، وأهدى الرسول عليه الصلاة والسلام أصنافاً من الهدايا أرسلها مع حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه, وكان هذا الصحابي هو الذي حمل كتاب الرسول إليه ".
قصة رابعة تتحدث عن إيمان أهل الكتاب بسبب ما عندهم في كتبهم من آيات تؤكد بعثة النبي عليه الصلاة والسلام:

" أخرج ابن سعد عن أبي هريرة قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت المدارس فقال "أخرجوا إلى أعلمكم فقالوا: عبد الله ابن صوريا. فخلا به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فناشده بدينه وبما أنعم الله به عليهم، وأطعمهم من المن والسلوى، وظللهم به من الغمام، أتعلم أني رسول الله؟ قال: اللهم نعم، وإن القوم ليعرفون ما أعرف، وإن صفتك ونعتك المبين في التوراة ولكنهم حسدوك. قال: فما يمنعك أنت؟ قال: أكره خلاف قومي، وعسى أن يتبعوك ويسلموا فأسلم "
( ورد في الأثر )
قَدِمَ الجارود بن العلاء من علماء النصارى مع وفد من قومه إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فقال للنبي عليه الصلاة والسلام: " والله لقد جئت بالحق، ونطقت بالصدق، والذي بعثك بالحق نبياً، لقد وجدت وصفك في الإنجيل، وبشّرَ بك ابن البتول، فطول التحية لك, والشكر لمن أكرمك، لا أثر بعد عين، ولا شك بعد يقين مديد، فأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله " هذه كلها أدلة تؤكد بعثة النبي عليه الصلاة والسلام, وأنَّ الرسل السابقين بُشّروا بهذه البعثة.
أمّا قصة عبد الله بن سلام:

" عَنْ أَنَسٍ قَالَ سَمِعَ عبد الله بْنُ سَلامٍ بِقُدُومِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهْوَ فِي أَرْضٍ يَخْتَرِفُ فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ ثَلاثٍ لا يَعْلَمُهُنَّ إِلا نَبِيٌّ فَمَا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ وَمَا أَوَّلُ طَعَامِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَمَا يَنْزِعُ الْوَلَدُ إِلَى أَبِيهِ أَوْ إِلَى أُمِّهِ قَالَ أَخْبَرَنِي بِهِنَّ جِبْرِيلُ آنِفًا قَالَ جِبْرِيلُ قَالَ نَعَمْ قَالَ ذَاكَ عَدُوُّ الْيَهُودِ مِنَ الْمَلائِكَةِ فَقَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ ( مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ ) أَمَّا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ فَنَارٌ تَحْشُرُ النَّاسَ مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ وَأَمَّا أَوَّلُ طَعَامٍ يَأْكُلُهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ فَزِيَادَةُ كَبِدِ حُوتٍ وَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ الْمَرْأَةِ نَزَعَ الْوَلَدَ وَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الْمَرْأَةِ نَزَعَتْ قَالَ أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إلا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الْيَهُودَ قَوْمٌ بُهُتٌ وَإِنَّهُمْ إِنْ يَعْلَمُوا بِإِسْلامِي قَبْلَ أَنْ تَسْأَلَهُمْ يَبْهَتُونِي فَجَاءَتِ الْيَهُودُ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ رَجُلٍ عبد الله فِيكُمْ قَالُوا خَيْرُنَا وَابْنُ خَيْرِنَا وَسَيِّدُنَا وَابْنُ سَيِّدِنَا قَالَ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَسْلَمَ عبد الله بْنُ سَلامٍ فَقَالُوا أَعَاذَهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ فَخَرَجَ عبد الله فَقَالَ أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَقَالُوا شَرُّنَا وَابْنُ شَرِّنَا وَانْتَقَصُوهُ قَالَ فَهَذَا الَّذِي كُنْتُ أَخَافُ يَا رَسُولَ اللَّهِ "
(رواه البخاري عن أنس في الصحيح)
المقصد من هذه الأمثلة والآيات، للتأكيد على أنه من الدلالة القاطعة على بعثة النبي عليه الصلاة والسلام الأوصاف الدقيقة التي جاءت في كُتب أهل الكتاب من التوراة والإنجيل.






والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 06-19-2018, 11:31 AM   #34
سليلة الأبجدية



عاشقة الأنس غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 390
 تاريخ التسجيل :  Jun 2014
 أخر زيارة : 10-25-2025 (10:31 AM)
 المشاركات : 4,570 [ + ]
 التقييم :  2789
 الدولهـ
Algeria
 الجنس ~
Female
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: العقيدة الاسلامية



في ميزان حسناتك وبارك الله فيك


 
 توقيع : عاشقة الأنس

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 06-20-2018, 06:50 AM   #35


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: العقيدة الاسلامية





بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية

الدرس : ( الواحد و الثلاثون )




الموضوع : الاستدلال بالمعجزة




الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
الأدلة القطعية على رسالة النبي محمد عليه الصلاة والسلام:
4- الاستدلال بالمعجزة التي يجريها الله على يد النبي:
لازلنا في موضوع الإيمان بالرسل, وقد تحدثنا في الدرس الماضي عن الدليل الثالث على الإيمان بالرسل, وهو ما ورد في الكتب السماوية السابقة من بشارات بالأنبياء بسيدنا محمد عليه الصلاة والسلام, واليوم ننتقل إلى الدليل الرابع من الأدلة على صدق إرسال الرسل ونبوة الأنبياء إن شاء الله:
الدليل الرابع: هو الاستدلال بالمعجزة التي يجريها الله سبحانه وتعالى على يد النبي: لقد علمنا من تاريخ الأمم أن كل أمةٍ جاء فيها رسول يدّعي النبوة كانت تطلب منه برهاناً على صدقه, ومن حقها أن تطالب بهذا البرهان إن لم يحصل لها العلم بنبوته من طريق آخر, وذلك للتثبت من صحة نبوته, يشهد بهذا قول النبي عليه الصلاة والسلام:

" عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا مِنَ الأَنْبِيَاءِ نَبِيٌّ إِلا أُعْطِيَ مَا مِثْلهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُ وَحْيًا أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَيَّ فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَة "
( ورد في الأثر)
كل نبي أيده الله سبحانه وتعالى بمعجزة تُثبت لقومه أنه نبي, ما المعجزة؟ فالمعجزة: ممكنة عقلاً، ممتنعة عادةً، يجريها الله على يد من أراد أن يؤيده ليثبت بذلك صدق نبوته وصحة رسالته. الذي خلق الماء، أعطاه هذا التركيب، هذه السيولة هو الذي صممه هكذا، هو قادر على أن يجعله طريقاً يبساً, فالمعجزة ممكنة عقلاً, ممتنعة عادة, لذلك لا تُجرى إلا على يد نبي تأكيداً للناس على أن هذا هو نبي مُرسل من عند الله سبحانه وتعالى, أن يضرب موسى بعصاه الحجر فتنفجر اثنتا عشرة عيناً، هذه معجزة، أن يأتي سيدنا عيسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، فيحيي الميت، ويبرئ الأكمه والأبرص، ويخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله، أو ينبئهم بما في بيوتهم, هذه أشياء لا يستطيع بشر أن يفعلها، إنها فوق إمكانات البشر، الحواجز المادية تحجب علم البشر، سيدنا موسى أمسك العصا فإذا هي ثعبان مبين، نزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين، ضرب البحر فأصبح طريقاً يبساً، ضرب الصخر فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً، هذه كلها أشياء ممتنعة عادة، ممكنة عقلاً، خالق الكون بإمكانه أن يفعل ما يشاء هو على كل شيء قدير قال الله:
﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾

(سورة يس الآية: 82
مما تعلمنا في الكيمياء أن العناصر لها نواة, وحول النواة كهارب, هناك عنصر حوله كهروب واحد، هذا أبسط العناصر، هناك عنصر حوله كهروبان وهكذا, فهناك عنصر بنيته صلبة, وهناك عنصر آخر بنيته غازية، والعناصر كما تعرفون: إما أن تكون صلبة كالمعادن وأشباه المعادن، وإما أن تكون سائلة, وإما أن تكون غازية، فبين عنصرين أحدهما صلب والآخر غازي كهروب واحد, فلو أن الله سبحانه وتعالى أجرى تعديلاً طفيفاً على بنية العنصر كان غازاً فصار صخراً، كان ماءً فصار طريقاً يبساً، فالمعجزة ممكنة عقلاً، هو الخالق، هو المصمم، هو المخطط، الذي أعطى الحديد هذه القساوة يمكن أن يجعله ليناً قال الله:
﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾
(سورة سبأ الآية: 10)
الخالق الذي جعل الإنسان عن طريق أب وأم, يمكن أن يجعله عن طريق أبٍ من دون أم، أو عن طريق أمٍ من دون أب، فالمعجزة كما تحدثنا عنها في دروس سابقة حينما وصلنا إلى واجب الوجوب والمستحيل والممكن، فأي شيء آخر غير الشيء الذي عليه ممكنة عقلاً، فممكن أن يكون الماء صلباً والحديد سائلاً، ممكن أن يعيش الإنسان بدون طعام، كل شيء ممكن، لذلك ربنا عزّ وجل قال:
﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾
( سورة الانفطار الآية: 8)
فالذي صممه أن يعيش بالطعام, يمكن أن يصممه أن يعيش من دون طعام، لكن هذا الذي هو عليه الإنسان هو ليس في الإمكان أبدع مما كان, هو أنسب وضع له، فهذا الذي ينكر وقوع المعجزة فقد عطّل تفكيره, هذا الكون من صممه؟ خالقه, مادام قد صممه على هذا الوضع فبقدرة الخالق أن يصممه تصميماً آخر,على وضعٍ آخر, النار من أعطاها قدرة الإحراق؟ الله سبحانه وتعالى الذي أعطاها قدرة الإحراق يستطيع أن يسلبها هذه القدرة قال الله:
﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾
(سورة الأنبياء الآية: 69)
قال المفسرون: لولا أن الله عزّ وجل قال:
﴿وَسَلامًا ﴾
( سورة الأنبياء الآية: 69)
لمات من شدة البرد وهو في النار قال تعالى:
﴿بَرْدًا وَسَلامًا ﴾
( سورة الأنبياء الآية: 69)
إذا فكرت في الكون تستشف عظمة الخالق، لا تستبعد أن تقع أية معجزة يجريها الله عزّ وجل على يد نبيه, فالإيمان بالمعجزة أمر ممكن عقلاً ممتنع عادة، لا يستطيع أن يفعلها سائر البشر، حينما يأتي النبي بهذا, فهذه شهادة من عند الله بأن هذا الرسول رسولي وهو صادق فيما يقول, لأن الذين يتحداهم الرسول بالمعجزة بشراً أو غيرهم، لا يستطيعون الإتيان بمثلها منفردين ولا مجتمعين في حدود قدراتهم الممنوحة لهم بحسب مستواهم, أحياناً يجري الله سبحانه وتعالى المعجزة على يد النبي من دون أن يطالَبَ بها، وأحياناً يُطالَبُ بها, فإذا جاءت من دون طلب, فمعنى ذلك أن حكمة الله سبحانه وتعالى اقتضت أن تؤيد هذا النبي الكريم بهذه المعجزة, وإن طُولب بها النبي فكان الإتيان بها تحدياً لهؤلاء المعاجزين، الذين علقوا إيمانهم بهذا النبي على أن يأتي لهم بمعجزة.
من شروط المعجزة:
1- أن تكون خارقة للعادة:
العلماء وضعوا بعض الشروط للمعجزة:
أولاً: أن تكون من الأمور الخارقة للمعتاد المألوف في قوانين الكون وأنظمته الدائمة: مثلاً لو أصيب إنسان بمرض, وجاء الطبيب وفحص المريض, وعرف الداء وشخّص له الدواء, وتناول الدواء وشفي الداء، هذا أمر ممكن عادة, فلا يسمى إبراء هذا المريض بمعجزة، ولكن أن يأتي نبي كريم فيضع يده على هذا المريض فيشفى، يضع يده على عينيه فيبصر، يضع يده على جلد الأبرص فيعود جلداً ناصع البياض متألقاً، هذا هو الخارق للعادة، يجب أن تكون المعجزة خارقة للعادة, أما إن كانت وفق مألوف العادة لا ترقى إلى مستوى المعجزة.

2- التحدي:
ثانياً: أن يتحدى بها النبي من تناولتهم دعوته وشملتهم رسالته: فإن جرى خارق العادة على يد غير مدعي الرسالة، المتحدي بالإتيان بمثلها فإنــها لا تكون معجزة وقد تكون كرامة، يعني يجب أن تتم هذه على يد النبي نفسه، ولو تمت على يد آخر هذه ليست معجزة إنما هي كرامة.
3- أن تتعذر معارضته:
ثالثاً: أن تَعجز الأمة وجميع البشر عن المعارضة بمثلها على الصورة الخارقة التي تم تحديهم بها: يعني أن يصل الإنسان إلى كوكب بمركبة هذا ليس بمعجـزة, لأن قوانين الأرض كلها طُبقت على هذه المركبة، فهذه المركبة فيها ضغط جوي، فيها هواء، فيها طعام، فيها اتصال لاسلكي، هذه البذلة الفضائية التي ارتداها رواد الفضاء، فيها ضغط كاف، فيها هواء مضغوط، فيها تنفس، فحينما يتم خرق العادة وفق قوانين الأرض هذا لا يُعد معجزة، ولكنه يجب أن تتم خلافاً لقوانين الأرض، حتى أن صعود الإنسان إلى القمر كان وفق قوانين الأرض، ما هي المركبة الفضائية؟ هي جميع الشروط المتوافرة على سطح الأرض جمعت في هذه المركبة, هذا وفق قوانيــن الأرض، لكن الإسراء والمعراج معجزة، لأنها خلاف القوانين التي ألفها البشر، ولكن هذه المعجزة ليست للناس، إنها خاصة بالنبي عليه الصلاة والسلام:
﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا﴾
( سورة الإسراء الآية: 1)
4- أن لا تكون مكذبة له:
رابعاً: يشترط في المعجزة بالإضافة إلى الشروط السابقة ألا يكون الأمر الخارق للعادة متضمناً تكذيب مدعي النبوة الذي جرى هذا الأمر الخارق على يديه: قد يأتي على يديه أمر خارق لكن يُكذبه لا يصدقه, كما حكي أن مسيلمة الكذاب لما قيل: إن محمداً وضع يده على عين أرمد فشفيت، فأرنا مثل ذلك فوضع يده على عين أرمد فعميت، هذا العمل خارق للعادة لكنه كذّبه ولم يصدقه, أما إذا طُلبت المعجزة تعنتاً، وشططاً، واستخفافاً، فأغلب الظن أن الله سبحانه تعالى لا يستجيب لهؤلاء المتعنتين، أنت كمعلم حينما تُسـأل بدافع الفهم تُجيب, أما حينما تُسأل بدافع آخر لا تجيب قال تعالى:
﴿وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آَيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ﴾
(سورة الأعراف الآية: 132)
افعل ما شئت لن نؤمن بك، إذاً هؤلاء القوم لا يستحقون أن يجري الله لهم معجزة، كفار قريش طلبوا من النبي عليه الصلاة والسلام بعض المعجزات تعنتاً، وسخريةً، وتعجيزاً، وقالوا:
﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيراً * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلاً * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولاً﴾
(سورة الإسراء الآية: 90- 93)
تعليق صغير: أن الذي يتعامى عن ما في الكون من معجزات، الكون بوضعه الراهن, بأنظمته الطبيعية، بسننه الثابتة، بقوانينه المحكمة، هو بحد ذاته معجزة، فمن تعامى عن هذه المعجزة، لن يؤمن بخرق هذه العوائد، لذلك ورد في الأثر:: "حسبكم الكون معجزة "
( ورد في الأثر)
الكون بما فيه دليل على المعجزة:
الشمس: ستة آلاف درجة على سطحها، عشرون مليون درجة في باطنها، مضى تألقها خمسة آلاف مليون عام، فمن أين تأتي الشمس بهذه الطاقة؟ هناك نجمٌ يسع الشمس والأرض مع المسافة بينهما، هناك ثقوب بالفضاء سوداء إذا دخلتها الأرض أصبحت كالبيضة مع وزنها نفسه
خلق الإنسان معجزة، هذا القلب الذي ينبض في رحم الأم، قلب الجنين الذي ينبض وهو في الرحم، ليس هناك هواء وليس هناك رئة، الرئة معطلة والهواء غير موجود، فالله سبحانه وتعالى بحكمة بالغة جعل بين الأذينين ثقباً، للقلب أذينان وبطينان، الذي اكتشفه عالم اسمه بوتال هذا الثقب يسمح بمرور الدم من الأذين الأيسر إلى الأذين الأيمن، لأن الدم يتلقى ويتجدد ويكسب الأوكسجين عن طريق دم الأم من خلال المشيمة، فيأتي الدم إلى الأذين الأيسر فينتقل عبر هذا الثقب إلى الأذين الأيمن في الجنين, هذا الجنين خرج إلى الدنيا وأمسكته القابلة من قدميه, واستنشق الهواء لأول مرة، وصرخ صرخته المعهودة, ما الذي حصل؟ هكذا الأطباء قالوا: قال تأتي جلطة فتغلق هذا الثقب، والله إنها معجزة, لو أن الإنسان بقي ثقبه مفتوحاً لأصيب بمرض اسمه مرض الـزرق الذي لا يسمح للإنسان أن يعيش فوق عشر سنوات، يحتاج لكي يسير أمتاراً إلى جهد كبير، دمه أزرق، لأن الدم بدل أن يذهب إلى الرئة ليتخلص من غاز الفحم، ويأخذ الأوكسجين من الهواء الخارجي، ينتقل مباشرة عبر هذا الثقب إلى الأذين الأيمن، إذن يبقى الدم غير نقي, من أين يأتي الإنسان بالطاقة؟ يحتاج إلى أوكسجين لحرق المواد السكرية، فلو أن هناك عملية جراحية معقدة تُجرى لهذا الإنسان، العلماء قالوا: احتمال نجاحها 30% وتكلف أكثر من 200 - 300 ألف ليرة، يحتاجون إلى شق الصدر بالمنشار، وتوسيع هذه الريش وإخراج القلب من مكانه، وقطع الشرايين الكبرى، ووصلها بقلب صناعي, وشق القلب، وفتح الجدار بين الأذينين، وإغلاق هذا الثقب عن طريق الخياطة وبعدئذٍ يمسدون القلب، إما أن يتحرك وإما أن يموت، احتمال الموت بالمئة سبعين، يد من وصلت إلى هذا الثقب وأغلقته؟ إنها معجزة.
طائر يطير من شمال أمريكا إلى جنوبها، أطول رحلة يقوم بها 86 ساعة طيران متصلة، هل في الأرض كلها طائرة تطير في الجو ستاً وثمانين ساعة متصلة؟ أليس هذا معجزة؟
أن يأتي سمك من أعالي الأنهار في أمريكا ويتجه نحو المحيط الأطلسي، إلى أن يصل إلى غرب أوروبا، ينمو ويكبر، ثم يعود إلى مسقط رأسه، هذا السمك، وهو على سواحل فرنسا أو سواحل إسبانيا فيتجه غرباً إلى مسقط رأسه، لو كانت زاوية اتجاهه درجة زيادة، يأتي إلى شمال أمريكا، فكيف يتجه هذا السمك وهو تحت الماء إلى مصب الأمازون؟ كيف يرسم له هذا الطريق ؟ أليس هذه معجزة ؟ سمك من أعالي النيل " ثعبان الماء"، يخرج من أعاليه إلى البحر المتوسط يتجه غرباً إلى مضيق جبل طارق، يصعد شمالاً على سواحل إسبانيا، ثم يدخل بحر المانش ليصل إلى بحر الشمال ويعود من حيث جاء، أريد أن أؤكد لكم أن الكون بحد ذاته هو معجزة, كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: " حسبكم الكون معجزة ".
خلق الإنسان, تحدثنا عن المخيخ يوم الجمعة, التوازن، هل التوازن سهل؟ عملية بالغة التعقيد، أن تمشي على قدميك، أن تقف، أن تركع، أن تسجد، أن تقوم، لولا هذا الجهاز العصبي، لما أمكنك أن تفعل هذا، لكن لو كان أحد يمشي وشاهد أفعى، ماذا يحدث له؟ من منكم يصدق أن هناك أعمال داخلية تجري في الجسم لا يصدقها العقل، إذا وقعت عين إنسان على منظر أفعى, يتم الإحساس بالعين, وتنتقل الصورة عبر العصب البصري إلى الدماغ، الدماغ يترجم هذه الصورة، في الدماغ إدراك, وفي العين إحساس، الدماغ يدرك أن هذه أفعى وخطيرة وسمها خطير، وقد تكون لدغتها مميتة، الدماغ ملك الجهاز العصبي، يأمر ملكة الجهاز الهرموني وهي الغدة النخامية، ملكة جميع الغدد الصماء في الجسد تأتمر بأمر ملكة واحدة هي الغدة النخامية، لا يزيد حجمها على حبة العدس في الدماغ، الدماغ يأمر ملكة الغدة النخامية النظام الهرموني عن طريق ضابط اتصال, هناك ضابط اتصال بين المخ وبين الغدة النخامية, هذا الضابط هو الجسم تحت السرير البصري في جذع الدماغ، الغدة النخامية تعطي أمراً عاماً إلى الكظر، غدة فوق الكلية، هناك خطر أيها الكظر تصرف، " هذه كلها كلمات مجازية، ليس هناك إلا الله عزّ وجل "، الكظر يصدر أمر هرموني إلى كل الشرايين والأوردة بتضييق لمعتها لتوفير الدم للعضلات، تجد رجل له وجه أزهر مورّد، فإذا خاف اصفر وجهه، أين لونه الأحمر؟ لأنَّ الكظر أعطى أمر لكل الشرايين لتضييق اللمعة، لقد ذهب جزء من دمه الذي قد وفرناه من الشرايين ليتجه إلى العضلات ليعينها على مواجهة الخطر، يصدر الكظر أمراً ثانياً إلى القلب بمضاعفة ضرباته، لماذا ؟ لأن سرعة الدم في الشرايين تحددها عدد ضربات القلب، فمن أجل تلبية حاجة العضلات إلى الطاقة، الدم يسرع في الشرايين عن طريق سرعة ضربات القلب، من أعطى القلــب هذا الأمر, قال: الكظر؟ لو أن القلب أسرع والرئة على الوضع الطبيعي، مستحيل، لا يلحق القلب، لابد من أن يزداد خفقان الرئتين من أجل تلبية حاجة القلب بتصفية الدم، يخرج أمر رابع للكبد بطرح كمية سكر زائدة في الدم من أجل أن تحترق، وتوفر للعضلات طاقة، أليس هذا معجزة؟ فهل تدري ماذا حصل؟.
لماذا الماء، اجعل الماء بدرجة الغليان لمئة درجة وبرّده لتسعين درجة لانكمش، لو لدينا أجهزة دقيقة جداً تقيس حجم الماء لانكمش "70/60/40/30/10/9/8/5/+4 درجات" وبعد هذه الدرجة ينعكس الموضوع يزداد حجم الماء، فلولا هذه الظاهرة لما كنّا على سطح الأرض, لولا أن الماء يزداد حجمه عندما يصل تبريده إلى درجة + 4، البحار يتجمد منها القسم السطحي فقط، كلما تجمد الماء، ازداد حجمه، قلّت كثافته، طفا على سطح الماء، بهذه الطريقة تبقى البحار كلها سائلة, لو أنه برد انكمش، فزادت كثافته، فغاص في الماء، خلال سنوات تصبح البحار كلها متجمدة من سطحها إلى أعماقها، وإذا تجمدت انعدم التبخر، وإذا انعدم التبخر انعدم المطر، وإذا انعدم المطر انعدم الإنبات، وإذا انعدم الإنبات مات الحيوان، وإذا مات الحيوان مات الإنسان وانتهت الحياة كلها من على سطح الأرض، أليس هذا بمعجزة؟
أشعة الشمس أشعة قاتلة، فيها مواد ضارة بالإنسان, من خلق طبقة الأوزون، هذه الطبقة تحمي الكائنات الحية التي على سطح الأرض من أشعة الشمس الضارة، كل سبعة أشخاص في أمريكا، واحد منهم مصاب بسرطان الجلد, السبب؟ أن كثرة إطلاق الصـواريخ والمركبات، طبقة الأوزون تخلخلت، من تخلخل هذه الطبقة نفذت أشعة الشمس المؤذية، من خلق طبقة الأوزون؟ أليست هذه بمعجزة؟
هذه الشجرة لو أنَّ الماء انقطع عنها؟ هذه الشجرة ماذا يحصل لها؟ أول شيء يحصل لها أن أوراقها تذبل، لماذا كان الذبول في أوراقها؟ لأن الشجرة إذا انقطع الماء عنها تستهلك أول ما تستهلك ماء أوراقها، ثم تستهلك ماء الأغصان، ثم تستهلك ماء الفروع، ثم تستهلك ماء الجذع، ثم آخر ما تستهلكه ماء الجذور، حفاظاً على الأمل، يعود البستاني إلى بستانه بعد شهرين الشجرة يابسة, لكن بقية حياة في جذرها، يسقيها فتعود كما كانت؟ والله أشعر مهما تكلمت عن ظواهر الكون العدد لا يُحصى، وهذا العلم محدود، ربنا عزّ وجل قال:

﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً﴾
(سورة الإسراء الآية: 85)
تكريم الله للنبي محمد بأن جعل معجزته مستمرة إلى يوم القيامة:
لذلك من تكريم الله سبحانه وتعالى لنبينا عليه الصلاة والسلام أن المعجزة التي جاء بها مستمرة، وهي القرآن الكريم, أما المعجزات التي جاء بها الأنبياء انقلبت إلى أخبار, كوقائع انتهت بقيت أخباراً، لما فرعون تتبّع سيدنا موسى فانتقل من ضفة إلى أخرى كلها ماء، فهذه معجزة انتهت وبقيت خبراً, إما أن تصدقه إن كنت مؤمناً أو تكذبه إن كنت غير ذلك, لكن المعجزة التي جاء بها النبي عليه الصلاة والسلام وهي القرآن الكريم مستمرة, قال الله:
﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آَيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
( سورة الأعراف الآية: 73)
﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً ﴾
(سورة الإسراء الآية: 88)
﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾
(سورة البقرة الآية: 23)
سوف نتابع هذا الموضوع إن شاء الله تعالى في دروس قادمة.






والحمد لله رب العالمين



 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 06-20-2018, 06:55 AM   #36


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: العقيدة الاسلامية






بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية

الدرس : ( الثانى و الثلاثون )




الموضوع : معجزات سيدنا عيسى عليه الصلاة والسلام



الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
من إرهاصات سيدنا عيسى عليه الصلاة والسلام قبل النبوة:
1- ولادته من أم من دون أب:
تحدثنا عن المعجزة تعريفاً، وبياناً، وشروطاً في الدرس الماضي، وفي هذا الدرس سنورد بعض المعجزات التي خصّ بها الله سبحانه وتعالى رسله السابقين, فمثلاً: سيدنا عيسى عليه وعلى نبينــا أفضل الصلاة والسلام, كان عيسى عليه السلام خاتمة أنبياء بني إسرائيل, وقد أرسله الله إليهم وأنزل عليه الإنجيل, وأيده بخوارق عادات باهرات، من هذه الخوارق: ما كان إرهاصاً لنبوته, ومعنى إرهاصاً: أي دليلاً مسبقاً على نبوته، تمهيداً لنبوته، إثباتاً لنبوته، ومنها ما كان معجزة مرافقة لرسالته ليشهد الله له بصدقه فيما يبلغ عن ربه.
من إرهاصاته ولادته من أمٍ من دون أب: وقد شهد الله بذلك في القرآن معلناً براءة أمه وحصانتها, موضحاً طريقة تكوينه في بطنها بوساطة نفخة من جبريل عليه السلام, الله سبحانه وتعالى حينما خلق الإنسان، صممه على أن يتكاثر عن طريق الزواج, فالزوج والزوجة ينجبان أولاداً هذه سنة الله في خلقه, وكأن سبب إنجاب الولد هو هذا الزواج, ومع مرور الأيام ترسب في أوهام الناس أن الزواج وحده هو سبب إنجاب الأولاد, وكأن الله سبحانه وتعالى لا دخل له في ذلك, إذا اعتقدت أن السبب وحده كافٍ لإحداث النتيجة فهذا شرك, السبب وحده لا يكفي، لابد من فعل الله سبحانه وتعالى, لذلك مادام الزوج والزوجة - في العادة - ينجبان أولاداً، ربنا سبحانه وتعالى سيأتينا بأربعة حالات خاصة:

1- أن يأتي المولود من زوج بلا زوجة وهذه حال السيدة حواء.
2- أن يأتي المولود من زوجة بلا زوج وهذه حال سيدنا عيسى.
3- أن يأتي الطفل من دون أب ولا أم كما هي الحالة في سيدنا آدم.
4- وقد يتزوج الرجل بامرأة والرجل شاب في ريعان الشباب, والزوجة شابة في ريعان الشباب ولا ينجبان أولاداً.
فهل السبب وحده كافٍ لإحداث النتيجة؟ الجواب لا, فربنا عز وجل من حين لآخر يريد أن يعلمنا أن السبب وحده لا يكفــي لإحداث النتيجة، لا بد من المسبب الأول وهو الله سبحانه وتعالى، فإما أن يعطّل السبب وإما أن يلغيه، انظر معنى التعطيل ومعنى الإلغاء: قد يكون الزوجان شابان لا ينجبان أولاداً، الله عطّل السبب, وإما أن يلغيه يحدث إنجاب أولاد من دون أب, كما هي الحال عند سيدنا عيسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام, هذه عقيدة ومهمة جداً.
نموذج من الأمثلة لبيان الحقيقة بأن الفاعل الحقيقي من وراء هذه الأسباب هو الله:
لو أن مصباحاً كهربائياً وُضع في جهة ما من الغرفة, ووضع إلى جانبه مفتاح كهربائي لا علاقة له بالمصباح إطلاقاً، ليس هناك اتصال بينهما، ووضع خط بين المصباح، خط كهربائي سرّي إلى مكان يجلس فيه إنسان، دخل إلى الغرفة داخـــل رأى مصباحاً ورأى مفتاحاً، فتوجه إلى المفتاح وضغط المفتاح فتألق المصباح، هذا الجالس على كرسي وثير في مكان بعيد بمجرد أن وضع الداخل يده على المفتاح ضغط من عنده الزر فتألق المصباح, فتوهم هذا الداخل أنه هو الذي حرّك الزر فتألق المصباح، فهذا الجالس أراد أن يعرّفه أن ضغطك لهذا الزر لا علاقة له لتألق المصباح, ولا يكفي ضغط الزر لتألق المصباح, فدخل مرة وتوجه إلى المفتاح وضغط الزر فلم يتألق المصباح, وفي مرة ثانية جعله يدخل وجعل المصباح يتألق من دون ضغط الزر، هدف هذا الجالس على الكرسي: أن يعرف هذا الداخل أنه ليس هو الذي يؤلق المصباح, يقول لك: هذه البرزة مُبرمجة, ففي النواة عرى مُلونة " جينات " تحمل مورثات، عبارة عن تعليمات مرسومة على العرى الملونة في الجينات والجينات فيها خمسة آلاف مليون معلومة، كلما قلنا: هذه النواة مسؤولة عن تشكل الجنين, وهذه الغدة مسؤولة عن تنظيم توازن السوائل، وهذه الغدة مسؤولة عن إحداث الاستجابات الكافية عند الخطر، وهذا المركز مسؤول عن توازن السوائل، وهذا المركز مسؤول عن التنفس، بمعنى أيها الدارس تعطي المادة فوق حجمها، تجعلها عاقلاً، تجعلها إنساناً مخططاً عاقلا، هذا شرك بالله عزّ وجل.
مثلاً آخر: لو أنّ مطبعة من أحدث المطابع صممت لطبع الورق على وجهين بشكل مستمر، تطبع لوجهين ولخمسة ألوان، هذه المطبعة مصممة تصميم رائع جداً، خبرات العالم كله في مئة عام سابقة مجموعة في هذه المطبعة، هذه المطبعة تُشبه تصميم الخلق، أسطواناتها، أجهزتها الإلكترونية، فيها عقول إلكترونية، فيها قطع ضوئية، فيها تنضيد ضوئي، فيها أشياء دقيقة جداً، فيها لوحات التصوير، فيها لوحات اللمس، فيها تطابق الألوان، هذه المطبعة بهذا التصميم، بهذه الأدوات، وبهذه التحكمات، تشكل الخلق, ما قيمة المطبعة من دون ورق، ومن دون حبر؟ لا قيمة لها، الأوراق والحبر يشكل الإمداد أي التربية, وحينما يُضغط على الزر فتعمل الكهرباء عملها، في المولدات، وتحرك العجلات، هذه الكهرباء هي الإرادة الإلهية في إحداث الشيء تقريباً, أصبح عندنا: خلق، و تربية، تسييــر، فالشيء الذي تراه أعينكم فيه خلق وفيه تربية وفيه تسيير, علماء التوحيد لخصوا هذا كله في كلمتين فقالوا: عندها, لا بها, يعني عند الإرادة لا بالسبب, الشيء يحدث عندما يريد الله له أن يحدث, لا باتخاذ الأسباب، لذلك قال العلماء: اتخذ الأسباب وتوكل على رب الأرباب, توكل على مُسبب الأسباب, أردت من هذا الكلام أن تعلموا أن السبب وحده لا يكفي لإحداث النتيجة, لا بد من فعل الله عزّ وجل في كل مرة, هذه هي عقيدة أهل السنة والجماعة, وهي عقيدة السلف الصالح, هذه هي العقيدة المستنبطة من آيات القرآن الكريم، تقول: هذه الغدة مسؤولة عن الكظر، والبنكرياس مسؤول عن الأنسولين الذي يحرق السكر في الدم، والصفراء مسؤولة عن إفراز المادة الصفراوية والمواد الدسمة، وكل ما واجهك مشكلة تعزوها إلى عنصر, أو إلى غدة، أو إلى جهاز، أو إلى خلية، هذه المواد حينما تجلّى الله عليها, جعلها تقوم بهذه المهمات المعقدة, فعندها لا بها, فالبنكرياس مصمم تصميم رائع، صممه الخالق، وأمده بمواد خاصة عن طريق الدم، ثم سمح له أن يعمل بإشراف الله سبحانه وتعالى, لا يوجد مرض عضـال، كل أجهزتك بيد الله سبحانه وتعالى يُعملها أو يعطلها, من هنا نفسر ما يسميه الأطباء بالشفاء الذاتي.
كل إنسان ينجب ولداً, هذا الولد من خلق الله، يد الله هي التي صورته في الرحم، الرّب هو الذي أمده بالغذاء، الخالق هو الذي خلقه على هذا الشكل، الإرادة الإلهية هي التي فعلت فعلها في تصويره في رحم الأم، فكل شيء يمكن أن تفهم من خلاله الخالق، والرب، والمسيّر، فهذه هي المعجزة الأولى لسيدنا عيسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام.
أدلة الكتاب والسنة حول موضوع الأسباب والتأثر بها ونسيان المؤثر:
قال عليه الصلاة والسلام:
" عن عَبْدَ الْحَمِيدِ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ حَدَّثَهُ أَنَّ أُمَّهُ حَدَّثَتْهُ وَكَانَتْ تَخْدِمُ بَعْضَ بَنَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ ابْنَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدَّثَتْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُعَلِّمُهَا فَيَقُولُ قُولِي حِينَ تُصْبِحِينَ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ لا قُوَّةَ إلا بِاللَّهِ مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ فَإِنَّهُ مَنْ قَالَهُنَّ حِينَ يُصْبِحُ حُفِظَ حَتَّى يُمْسِيَ وَمَنْ قَالَهُنَّ حِينَ يُمْسِي حُفِظَ حَتَّى يُصْبِحَ "
( ورد في الأثر )
﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾
(سور الزُمر الآية: 62)
﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾
(سور هود الآية: 123)
﴿أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ ﴾
(سور الشورى الآية: 53)
﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾
(سور الأنفال الآية: 17)
﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾
(سور الفتح الآية: 10)
﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾
(سور فاطر الآية: 2)
2- كلامه في المهد:
المعجزة الثانية من معجزات إرهاصات النبوة: تكلمه وهو صبي في المهد، وفي حكاية كلامه وهو صبي, ووصف لحال أمه حينما جاءت إلى قومها تحمله، قال تعالى في سورة مريم:
﴿ فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً * يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً * فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً * قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آَتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً * وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصْانِي بِالصّلاةِ والزَّكَاةِ مَا دُمْت حَيّاً * وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً * وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً * ذَلِكَ عيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ ﴾
(سورة مريم الآية: 27- 34)
معجزات سيدنا عيسى عليه الصلاة والسلام:
وأما معجزاته: فقد أرسل الله عيسى عليه السلام في قومٍ يفاخرون بمهاراتهم بالطب، بحسب مستوى زمانهم, فأجرى الله على يديه معجزات باهرات تُشاكل نوع مهارة قومه بحسب الصورة, ولكن بمستوى لا يستطيع الطب بالغاً ما بلغ أن يصل إليها، فمن هذه المعجزات:
1- نفخ الروح في الطير فينفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله, هذه معجزة فوق طاقة البشر.
2- أنه يمسح الأكمه, والأكمه هو الذي وُلد أعمى، ما رأى النور في حياته, فيبرئه بإذن الله.
3- أنه يمسح على الأبرص فيشفيه بإذن الله, والبرص من أعقد الأمراض التي تستعصي على الطب.
4- أنه يحيي الموتى بإذن الله, بعضهم قال: بالنداء, وبعضهم قال: بالنفث.
5- أنه يُنبئ الناس بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم, وهذا نوع من الاطّلاع على الأشياء المحجوبة والبعيدة, ونفوذ العلم بها إلى ما وراء الحجب مستحيل.
6- أنه كفّ الله بني إسرائيل عنه حينما أرادوا قتله, وألقى شبهه على من دلّ على مكانه ثم رفعه إليه:

﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾
(سورة النساء الآية: 157)
﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً * بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾
( سورة النساء الآية: 157-158)
7- أن الحواريين طلبوا من سيدنا عيسى عليه السلام أن يُنزل الله عليهم مائدة من السماء ليأكلوا منها, ولتطمئن قلوبهم بالإيمان فيثبتوا عليه, فدعا عيسى ربه فأنزل عليهم المائدة التي طلبوها فكانت معجزة كبيرة له.
ينبغي على المسلم أن يكون إيمانه وفق الكتاب والسنة لأن القضية مصيرية:
بالمناسبة: لا تقبلوا مني شيئاً من دون دليل, أعيد على أسماعكم وأقول: " إن كنت ناقلاً فالصحة، وإن كنت مبتدعاً فالدليل", الحقيقة لها علاقة بالإيمان، يبنى عليها مستقبلك وسعادتك، لا تقبل لا مني ولا من غيري من دون دليل، الدليل يجب أن يكون نصاً قطعي الثبوت قطعي الدلالة, القرآن الكريم والسنة المطهرة الصحيحة المتواترة تواتراً لفظياً أو معنوياً: هي نصوص قطعية الثبوت قطعية الدلالة, أو هناك دليل عقلي ويجب أن يطابق دليلاً نقلياً، لأن الدين يثبت بالنقل لا بالعقل وحده, يقول لك: أنا عقلي يقول لي: أنَّ الصلاة ليس لها لزوم, هذه مستحيلة, من أنت؟ هذا دين, هذا شرع, لذلك لا تقبل من أحدٍ شيئاً إلا بالدليل القطعي الثبوت القطعي الدلالة، والدليل النقلي والعقلي لأن العقيدة خطيرة جداً.
هذه الحقائق من العقائد التي يجب أن تُعلم بالضرورة, ومن أنكرها فقد كفر, قال أحد الأئمة الكبار: ما جاءنا عن صاحب هذه القبة الخضراء فعلى العين والرأس, وما جاءنا عن غيره فنحن رجال وهم رجال، وقال بعضهم: كل إنسان يُؤخذ منه, ويُرد عليه إلا صاحب هذه القبة الخضراء, حرر عقلك, ينبغي أن تفهم الأمور فهماً منهجياً، فكرة تحتاج إلى دليل، آية قرآنية, يجب أن تكون قطعية الثبوت قطعية الدلالة، كيف؟ ربنا عزّ وجل قال:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾
)سورة البقرة الآية: 183(
هذا قرآن، القرآن قطعي الثبوت، ولكن وجوب الصيام يُستنبط من هذه الآية بدلالة قطعية، أما لمّا ربنا عزّ وجل يقول:
﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ ﴾
(سورة الواقعة الآية: 20-21)
فهل يمكنك تكفير شخص أكل الطعام قبل الفواكه؟ صحيح أن هذه آية قرآنية لكن الدلالة منها ظنية, يُفهم منها أحياناً أنه يُستحسن أن تأكل الفاكهة قبل الطعام, أما هل هناك دلالة قطعية بذلك؟ لا، لذلك يكفر الإنسان حينما يُنكر الدلالة القطعية.
المعجزات التي وردت في سورة المائدة بشأن سيدنا عيسى عليه الصلاة والسلام:
في سورة المائدة نصٌ جمع كل هذه المعجزات قال تعالى:
﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ * وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آَمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آَمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ * إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ * قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيداً لِأَوَّلِنَا وَآَخِرِنَا وَآَيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ * قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لَا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعَالَمِينَ ﴾
(سورة المائدة الآية: 110- 115)
كل هذه المعجزات التي منّ الله بها على سيدنا عيسى بن مريم, وردت في هذه الآيات الطوال من سورة المائدة, إن شاء الله في درس قادم نتحدث عن معجزات سيدنا موسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام, وقد نعرّج على معجزات بعض الأنبياء الآخرين.




والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 06-20-2018, 06:57 AM   #37


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: العقيدة الاسلامية






بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية

الدرس : ( الثالث و الثلاثون )




الموضوع : معجزات سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام


الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
معجزات سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام:
1- معجزة العصا:
تحدثنا في الدرس الماضي عن معجزات الأنبياء, ومنها معجزات سيدنا عيسى عليه السلام, واليوم إلى بعض معجزات سيدنا موسى عليه السلام:
المعجزة الأولى: انقلاب عصاه حية تسعى، ثم ابتلاعها حبال سحرة فرعون وعصيهم, يروي بعض المفسرين أنّ الله سبحانه وتعالى لما سأل سيدنا موسى قال:
﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾
(سورة طه الآية: 17)
هذه الصيغة صيغة سؤال, إذا أردت أن تسأل فاستخدم كلمة " ما " الاستفهامية، فهل يصح بحق الله سبحانه وتعالى أن يسأل؟ من الذي يسأل دائماً؟ الذي يريد أن يتعلم، أو أن يعلم شيئاً يجهله, فهل يصح هذا بحق الله عزّ وجل؟ قالوا: لا, قال: وما تلك بيدك يا موسى, إنها فرصة العمر لسيدنا موسى أن يناجي الله رب العالمين:
﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآَرِبُ أُخْرَى ﴾
(سورة طه الآية: 18)
شعر هذا النبي الكريم أنه أطال فقــال كلمة ليعرف إذا كان يجوز أن يطيل أم لا يطيل:
﴿ وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾
( سورة طه الآية: 18)
يقول له يا موسى: وما هي تلك المآرب الأخرى؟ العملية عملية حوار مع الله عزّ وجل " مناجاة "، قال الله:
﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾
( سورة طه الآية: 17-18)
أراد الله أن يذكره أن هذه التي بيده عصاه، يعني انظر إليها يا موسى، دقق فيها, قال الله:
﴿قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى * فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى ﴾
(سورة طه الآية: 19-20)
انظر كيف أصبحت حية تسعى, سيدنا موسى قال:
﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ * قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ* وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ * قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾
(سورة الشعراء الآية: 30-34)
دائماً أهل الكفر يصرفون حقيقة أهل الإيمان إلى سحر أو خرافة أو ذكاء أو ما شاكل ذلك:
﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ * يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ * قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ* يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾
(سورة الأعراف الآية: 109-112)
قال فرعون: أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى، فلنأتينــك بسحر مثله فاجعل بيننا وبينك موعداً, قال موسى: موعدكم يوم الزينة " يوم العيد، يوم العطلة ", وأن يُحشر الناس ضحى, وتمت المباراة في اليوم المحدد, وقدم سحرة فرعون سحرهم أولاً, فجاؤوا بأشكال تشبه الأفاعي ووضعوا فيها زئبقاً, ووضعوا الأفاعي على سطح ساخن فلمــا تمدد الزئبق وهو رجراج تحركت الأفاعي, ثم ألقى موسى عصاه فأخذت تلقف ما يأفكون, فهذه الأفعى أكلت كل الحبال, وظهرت المعجزة الباهرة حقيقة ناصعة أمام فرعون, وأمام جميع سحرته, والحشد الذي اجتمع لمشاهدة هذه المباراة الكبرى بين معجزة موسى و سحرة فرعون, والذي جعل سحرة فرعون يخرون سجداً لله عزّ وجل, قال الله:
﴿قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ ﴾
)سورة الأعراف الآية: 121-122)
وكان إيمان هؤلاء السحرة برهاناً دافعاً لفرعون يثبت له أن هذا ليس سحراً إنما هو إعجاز, وأن هذا الرجل هو نبي, قال الله:
﴿قَالَ آَمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى * قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا* إِنَّا آَمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾
(سورة طه الآية: 71-73)
2- معجزة اليد:
المعجزة الثانية: أن سيدنا موسى عليه السلام أدخل يده في جيبه فإذا هي بيضاء من غير سوء, وهذا حصل لما دخل على فرعون الذي ادعى الألوهية وجرى بينهما الحوار التالي، قال سيدنا موسى يا فرعون:
﴿وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾
( سورة الأعراف الآية: 104-105)
قال فرعون: ﴿قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ ﴾
(سورة الشعراء الآية: 29)
قال موسى:
﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾
(سورة الشعراء الآية: 30)
قال فرعون: ﴿قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآَيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾
(سورة الأعراف الآية: 106-108)
3- معجزة الرجز مع أنواعها:
المعجزة الثالثة: معجزة الرجز, وهي على أنواع: فهناك رجز السنين وهي سنوات الحدب والقحط, وذلك بسبب قلة مياه النيـل, وانحباس أمطار السماء على غير عادتهــا, وهناك رجز نقص الثمرات، و رجز الطوفان، و رجز الجراد، ورجز القمل، ورجز الضفادع، و رجز الدم، قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ * فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آَيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ * فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آَيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ * وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ * فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ * فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ ﴾
( سورة الأعراف الآية: 130-136)
4- انفلاق البحر:
المعجزة الرابعة: فلــق البحر, فلما مشى سيدنا موسى مع قومه بني إسرائيل باتجاه خليج السويس تبعهم فرعون, قال الله:
﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾
(سورة الشعراء الآية: 61)
ها هو ذا فرعون بخيله ورجله وجماعته وأعوانه وهيبته وسيطرته وقوته يتبعــون فئة مستضعفة معهم نبي كريم, فلما وصل سيدنا موسى وأصحابه إلى ضفة خليج السويس إلى البحر, وتبعهم فرعون, قال الله:
﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ * فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ *وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآَخَرِينَ * وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ* ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآَخَرِينَ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾
(سورة الشعراء الآية: 61-67)
ففرعون حينما أدركه الغرق, قال: آمنتُ بالذي آمنت به بنو إسرائيل, قال الله:
﴿آَلْآَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾
(سورة يونس الآية: 91)
يجب أن تستنبط من هذه القصة موعظة كبرى, وهي لا بد من أن تؤمن, ولكن إيّاك أن تؤمن بعد فوات الأوان فإن هذا الإيمان لا ينفعك, لا بد في ساعة حرجة من أن تؤمن ولكن بعد فوات الأوان.
هناك معجزة خامسة وسادسة وسابعة وثامنة لسيدنا موسى, أخذنا فكرة عن بعض هذه المعجزات.
معجزة سيدنا صالح عليه الصلاة والسلام:
بقي علينا معجزة سيدنا صالح, وهي انشقاق الجبل وخروج الناقة, قال الله:
﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آَمِنِينَ * فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ * وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً فَارِهِينَ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ * الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ * قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ * مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآَيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ * وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ * فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ * فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ﴾
( سورة الشعراء الآية: 141-159)
أخذ العبر من قصص الأنبياء:
هناك ملاحظة مهمة جداً, إن الإنسان إذا طلب المعجزة ونفذها الله له, ولم يؤمن بعدها استحق الهلاك, لأن المعجزة آخر برهان يقدمه الله سبحانه وتعــالى لهذا الضال فإذا لم تنفع معه المعجزة, استحق الهلاك وانتهى الأمر, تقول له: يا رب إذا نجحتني لا أعصيك, ينجحه الله فيعصيه, لا بد من أن تأتي الضربة القاصمة, وإن شفيت لي ابني فلا أعصيك، يشفي له ابنه ويعود سيرته الأولى، فإذا طلبــت من الله شيئاً ساعة الضيق, أو ساعة الشــدة, وعلقت استقامتك على حصول هذا الشيء, فالله سبحانه وتعالى قد يحققه لك, ولكن إذا نكثت، أو إذا خالفت، أو قصرت، فلا بد من العذاب الأليم إن كان فيك بقية خير, ولا بد من الهلاك العميم إذا كان الأمل مفقوداً في الخير, هذه سنة الله في خلقه.
بقي علينا المعجزة التي جاء بها النبي عليه الصــلاة والسلام هذه إن شاء الله تعالى إلى الدرس القادم لأهميتهما الكبيرة، وسوف نحدثكم عن شهر الصيام لأنَّ شهر الصيام على الأبواب.






والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 06-20-2018, 06:59 AM   #38


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: العقيدة الاسلامية








بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية

الدرس : ( الرابع و الثلاثون )




الموضوع : معجزة الرسول الكريم : القرآن



الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
معجزات النبي محمد عليه الصلاة والسلام:
1- القرآن الكريم:
أيها الأخوة, تحدثنا في الدروس السابقة عن بعض معجزات الأنبياء عليهـم الصلاة والسلام, ننتقل اليوم إلى معجزات النبي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم, إن أعظم معجزة أيده الله بها هي معجزة القرآن، والملاحظ أن المعجزات التي أيد الله بها أنبياءه السابقين كانت معجزات مادية أي تنقضي في أزماتها، فكون العصا انقلبت ثعباناً فهذا الشيء رأوه في عهد سيدنا موسى وانقضى, وكون البحر قد انشق وصار طريقاً يبساً فهذه المعجزة، رآها من رآها وانتهت، وأن سيدنا عيسى أبرأ الأكمه و الأبرص وأحيا الموتى، فهذه المعجزات انتهت, هذه المعجزات طبيعتها مادية وانقضت, وبقيت خبراً إما أن تصدّقه أولا تصدّقه، ولكن القرآن الكريم بما أنه خبر سابق من أعلى مستوى لذلك ثبتت بالقرآن الكريم معجزات الأنبياء السابقين، لكن القرآن الكريم معجزة من نوع آخر لا تنقضي بحياة النبي، ولا تحصر لأناس شاهدوها، ومستمرة إلى نهاية الزمان, وقد قال العالم ابن رشد: إن دلالة القرآن على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ليست كدلالة انقلاب العصا حية، ولا كدلالة إحياء الموتى وإبراء المرضى, فإن تلك المعجزات وإن كانت أفعالاً لا تظهر إلاّ على أيدي الأنبياء, وفيها ما يقنع الناس من العامة, إلاّ أنها مقطوعة الصلة بوظيفة النبوة وأخبار الوحي ومعنى الشريعة.
فالفكرة دقيقة جداً توضح بالمثل التالي: لو أن رجلين طبيبيــن أرادا أن يثبتا لك أنهما طبيبان حاذقان، فالأول طار في السماء ليؤكد لك أنه طبيب، والثاني شفى مريضاً ذا مرض مستعصٍ, " أي المعجزات أقرب إلى الإقناع " فالأولى منقطعة الصلة بمهمة الطبيب, أما الثاني فمتصلة بمهمة الطبيب, ولذلك فالإبراء دليل قطعي على الطب، ومعرفة السطوح دليل قطعي على معرفة الهندسة, وصنع الأبواب دليل قطعي على صنعة النجارة، فكون العصا أصبحت حية، والبحر أصبح طريقاً، والميت قام وعاد حياً, فهذه أعمال خارقة للعادة ولا يمكن أن يفعلها إلاّ نبي, لكن ليس هناك علاقة سبب بنتيجة أو علاقة دلالة على النبوة بقدر ما أن القرآن الكريم ذو علاقة وشيجة ومتينة بنبوة النبي عليه الصلاة والسلام, أي أرسل الله سبحانه وتعالى النبي عليه الصلاة والسلام رسولاً ومعه نظام كامل, و هذا القرآن دستور شامل فيه تشريع لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه, أشار إلى هذه الفكرة في كتابه القسطاس المستقيم فقال: لذلك اختار الله لخاتمة الرسالات السماوية العامة للناس أجمعين المعجزة التي تدخل في صميم كتاب الرسالة نفسها, وجعل هذا الكتاب الذي يطلع عليه الأجيال في كل زمن ويتلونه في كل عصر هو البرهان العظيم الذي يلامسون وجوه إعجازه ويستدلون بها على أمره. فأنت بعد مضي ألف وخمسمئة عام أو أربعمئة عام على بعثة النبي عليه الصلاة والسلام تفتح القرآن، فتقرأ آية، ترى الناس لو اجتمعوا لا يستطيعون أن يصيغوا منهجاً للزوج كهذا المنهج، ولا منهجاً للقاضي كهذا المنهج، ولا منهجاً لمن بيده الأمر كهذا المنهـج، إنه منهج صحي، واجتماعي، واقتصادي، ودولي، وهو منهج في الحرب، و في السلم، و في العلاقات الشخصية، و الأحوال الشخصية، فهذه المعجزة التي جاء بها النبي عليه الصلاة والسلام هي بين ظهرانينا.

دلائل وعبر من القرآن الكريم على إعجازه:
وقد تأثرت قبل أيام حينما ذكرت لكم أن النحلة لا تنطلق لجني الرحيق قبل أن تستقر في خلية، وهذه حقيقة مستنبطة من واقع النحل لكن الله عزّ وجل يقول:
﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾
(سورة النحل الآية: 68-69)
فلو قال: وكلي من كل الثمرات، الواو مطلق العطف, أما " ثم " للترتيب مع التراخي, قال الله:
﴿ ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلا﴾
( سورة النحل الآية: 69)
فالنحلة تقطع طريقاً طوله خمسون كيلو متراً في ذهابها لجني الرحيــق, فمن دلهّا على مكان الأزهار؟ و من ألهمها طريق العودة؟ أسئلة كثيرة, وقد أشار ربنا عزّ وجل إلى هذه الأسئلة.
العنكبوت اتخذت بيتاً، والعلم كشف أن أنثى العنكبوت هي التي تنسج البيت، والنحلة ذكوراً وإناثاً، أما التي تصنع الشمع وتجني الرحيق وتصنع العسل هي الأنثى قال الله:

﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنْ اتَّخِذِي﴾
( سورة النحل الآية: 68)
ياء المؤنثة المخاطبة، الكون هل هناك كلمة تصلح أن يوصف بها الكون كله؟ ربنا عزّ وجل قال:
﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ﴾
( سورة الطارق الآية:11)
أي كل كوكب في السماء له مسار دائري يرجع إلى المكان الذي انطلق منه, أي كل سبعين سنة يعود إلى مكانه الذي انطلق منه قال تعالى:
﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾
(سورة فُصلّت الآية: 42)
حينما نجد أمامنا كتاباً معجزاً فيه نظام دقيق، و فيه حل أمثل لكل مشكلاتنا نستنبط منه: أن هذا الكتاب هو كلام الله حقاً وصدقاً وليس بكلام بشر, وأن الذي جاء به هو نبي مرسل من عند الله, لأن هذا الذي بلّغه إلينا لا يعقل أن يفعله هو، والذي يجذب النظر كما قلت قبل قليل إلى أن معجزات الأنبياء السابقين المادية لولا القرآن الكريم لم نعلم بها بطريق يقيني ثابت، فالذي يّعرفنا بها بيقين إنما هو القرآن نفسه, فمتى ثبت القرآن ثبتت هذه المعجزات.
من وجوه إعجاز القرآن الكريم:
1- تحدي العالم أن يأتوا بمثله:
أولاً: الله سبحانه وتعالى تحدى الناس جميعاً أن يأتوا بمثله أو بمثل ســـورة منه, فما استطاع واحد منهم أو جماعة منذ بعثة النبي صلى الله عليه وسلم حتى عصرنا هذا أن يعارضه بكتاب مثله, فمثلاً: لو اطلعتم على كتب المواريث فالحقيقة هناك كتب تعد بآلاف الصفحات، لو كلفنا لجنة من كبار العلماء أن تضغط هذه المجلدات والمؤلفات إلى صفحتين مستحيل، فالمواريث كلها مأخوذة من صفحتين, كل هذه الاستنباطات الفرعية، وكل هذه الأحكام التفصيلية، وكل الأحوال التي يتوفى عنها الإنسان مردّها صفحتان من كتاب الله، فهل بالإمكان أن تضغط المؤلفات كلها والتفريعات كلها والاستنباطات كلها بصفحتين, في صفحتين نظّم الله المواريث كلها بشكل عادل, فلا الوقت يسمح ولا الإمكانيات تسمح أن تكتشفوا عظمة التشريع من بحث المواريث وهو آيات معدودة فقط.
القرآن تحدى الناس جميعاً أن يأتوا بمثله أو بمثل سورة منه على الرغم من وجود أعداء كثيرين للإسلام في عصور التاريخ, ومنهم دول كبرى, وهم يتمنون لو يستطيعون معارضة القرآن لا شتروا ذلك بالقناطير المقنطرة من أنفس ما يملكون، قال تعالى:

﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾
(سورة البقرة الآية: 23)
وقال تعالى معلناً عجز الإنس والجن عن معارضته في سور الإسراء:
﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً ﴾
(سورة الإسراء الآية: 88)
2- إعجازه من حيث الصياغة اللغوية:
العرب كانت تقول مثلاً: القتل أنفى للقتل، وتعد هذه العبارة من أعلى بيان، وأعلى مستوى في البلاغة وربنا عزّ وجل قال:
﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾
(سورة البقرة الآية: 179)
حول هذه الآية سبع عشرة خصيصة لهذه الصياغة, قال الله:
﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ ﴾
( سورة البقرة الآية: 179)
يعني الحياة تتأتى من قتل القاتل, إذا علم القاتل أنه لابد من أن يُقتل فربما أحجم عن القتل, ووفر حياته وحياة المقتول, فما دام القاتل لابد من أن يقتل إذاً وفرنا حياتين: حياة القاتل نفسه وحياة المقتول, و الآن لا يحضرني السبع عشرة خصيصة في هذه الحالة وإن شاء الله في وقت آخر ألقيها على مسامعكم.
نموذج من الأمثلة على الصياغة اللغوية من القرآن الكريم:
﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾
(سورة هو د الآية: 6(
لقد وقف العلماء عند هذه الآية, فكلمة دابة هي نكرة, ولم يقل الدابة لأنها معرفة، الدابة التي حدثتك عنها هي على الله رزقها، فإما أن تكون" أل " للعهد الذكري أو للجنس، في " أل " إذا وضعت على كلمة دابة قصرتها على دابة معينة, لكن:
﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ ﴾
( سورة هود الآية: 6)
هذا التنكير يفيد الشمول، يعني كل أنواع الدواب فالنمل، والغنم، والماعز، والجمال، والفيلة، والكلاب، والبشر، جاءت " من " وهي لا ستغراق أفراد النوع فرداً فردا، وتم استنباطه من كلمة " من دابة " فالدابة نكرة تشمل أنواع الدواب، ولو قال ربنا عزّ وجل: الدواب على الله رزقها، هذه العبارة لا تعني أن رزقها على الله حصراً بل عليه وعلى غيره لكن:
﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ ﴾
( سورة هود الآية: 6)
النفي والاستثناء جعل الرزق قاصراً على الله عزّ وجل، ولو قلنا: ما من دابة إلاّ الله يرزقها، فالمعنى مهما ذهب ليس على وجه الإلزام، أما " على " فتفيد الإلزام, وهذا من القرآن, لو كان هناك وقت ودرست آيةً آية في صياغتها اللغوية تجد العجب العجاب لا يستطيع بشر أن يفعل هذا، فهو شيء فوق طاقة البشر مثلاً:
﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾
(سورة سبأ الآية: 24)
لماذا الهدى جاءت معه لعلى والضلال جاءت معه في؟ إذا قلنا المهتدي وضعه النفسي يشبه إنساناً واقفاً على رأس تلة, والأشياء كلها أمامه مبسوطة واضحة، فالمهتدي يشبه إنساناً وقف على قمة قاسيون فيقول: هذه المزة، وهذه البرزة، وهذا حي الميدان, وهذه المرجة، يقول لك: الأشياء ببساطة لأنه يراها رأي العيــن، الشام كلها أمامه منبسطة، فربنا عزّ وجل قال:
﴿ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى﴾
(سورة سبأ الآية: 24)
" على " للاستعلاء, قال الله:
﴿أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾
(سورة سبأ الآية: 24)
الضلال ليس على ضلال وإنما " في ", إنسان يغرق في أمكنة النجاسة يتخبط فهذه " في " ظرفية، فالضال " في ", أما المهتدي " على ", ومن هذا القبيل هناك شيء لا يعد ولا يحصى فلو تتبعتم صياغة القرآن لرأيتموه فوق طاقة البشر.
فالإنسان يراعي نقطة ويغفل عن نقاط، والنبي عليه الصلاة والسلام مع أن كلامه ليس في مستوى القرآن, ومع ذلك شيء معجز قال:

" حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ قَالَ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ فَإِنْ غُم عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلاثِينَ "
( أخرجهما البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر في صحيحهما )
أي صوموا جميعاً لرؤيته، أي إذا رآه واحد منكم فصوموا جميعاً فالصياغة دقيقة جداً، فإذا أكرم الله الإنسان, وكشف له أوجه الإعجاز في كتاب الله فهذه نعمة كبرى, للقرآن وجوه إعجاز كثيرة ففيه مالا يتناهى من الأعاجيب, والفضل لله عزّ وجل بأنه كل يوم يكشف للإنسان في القرآن أشياء ما كان يعرفها من قبل، فحرف الجر يعطي معنى دقيقاً جداً, قال تعالى:
﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾
(سورة يوسف الآية: 58)
لماذا لم يقل: فدخلوا عليه وعرفهم، أو لماذا لم يقل ودخلوا عليه فعرفهم، أو لماذا لم يقل ودخلوا عليه وعرفهم، ولماذا لم يعمل واو عدد "2" أو واو وتاء أو تاء وواو؟ فهذه إشارة عظيمة جداً فهم أخوته بمجرد أن حضروا حاضرة مصر دخلوا عليه، أي لا يوجد عنده نظام معقد, بعد أن دخلوا عليه عرفهم، لو قيل له: هؤلاء أخوتك على الباب لكان مباشرة أدخلهم وتجاوز القواعد، لكن متى عرفهم ؟ بعد أن دخلوا عليه من استعمال الفاءين.
أضرب لكم بعض الأمثلة لكن والله الذي لا إله إلا هو ما من آية في كتاب الله لو محصّت فيها ودققت لوجدت العجب العجاب, البارحة مرت معنا آية في العفيف كيف جمعت القرآن والسنّة والإجماع والقياس؟ قال الله:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ﴾
( سورة النساء الآية: 59)
إذا تنازعتم في حالة طارئة شديدة ابحثوا عن العلة المشتركة, فهناك بعض المشروبات تسكر وليست بخمر, فهل هي محرّمة ؟ نعم لأن علة التحريم السكْر فأي شيء أسكَرْ فهو محرّم بالقياس، فالقياس مصدر شرعي كبير، فهل الحشيش محرم ؟ هو محرّم لأنه يُذهب العقل، وباب القياس باب رائع جداً, قال تعالى:
﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾
( سورة النساء الآية: 59)
فإجماع العلماء هنا في الآية معناها العلماء، فالقرآن والسُنة وإجماع العلماء والقياس في آية واحدة, قال الله:
﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً ﴾
(سورة النساء الآية: 115)
فإذاً سبيل المؤمنين هو الإجماع وقد قال عليه الصلاة والسلام:
" حَدَّثَنِي أَبُو خَلَفٍ الأَعْمَى قَالَ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِنَّ أُمَّتِي لا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلالةٍ فَإِذَا رَأَيْتُمُ اخْتِلافًا فَعَلَيْكُمْ بِالسَّوَادِ الأَعْظَمِ "
( ورد في الأثر)
لذلك فوجوه الإعجاز كثيرة، إذ فيه ما لا يتناهى من الأعاجيب, وفيه ما لا يحصى من المعجزات الجزئية التي يُنتبه إليها في كل عصر كلما تقدم الناس في ميادين العلم والتجربة ونظم الحياة.
إن شاء الله في الدرس القادم نذكر بعض وجوه الإعجاز في القرآن, فهناك إعجاز بياني، وإعجاز تشريعي، و إعجاز تاريخي، و إعجاز بلاغي، و إعجاز غيبي، و إعجاز علمي، و إعجاز حسابي, والقرآن الكريم كما أحصاه المحصون كلمة يوم وردت حصراً 365 مرة، وكلمة شهر وردت 12 مرة حصراً, وفي القرآن الكريم عدد كلمات الجنة يساوي عدد كلمات النار، وكلمات الجن ككلمات الإنس، وكلمات الدنيا ككلمات الآخرة، وكلمات الملائكة ككلمات الشياطين، كيف جاءت بأعداد متوافقة تماماً إنه لشيء عجيب؟ فهذا إعجاز حسابي، وهناك إعجاز رياضي، هكذا وإن شاء الله في الدرس القادم نحاول أن نقف على بعض من ألوان الإعجاز من أجل أن نعلم أن هذا القرآن كلام الله، وأن الذي جاء به رسول الله عليه الصلاة والسلام.




والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 06-20-2018, 07:01 AM   #39


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: العقيدة الاسلامية






بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية

الدرس : ( الخامس و الثلاثون )




الموضوع : الوان اعجاز القران





الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
من وجوه إعجاز القرآن الكريم:
وصلنا في الدرس الماضي إلى أن معجزة النبي صلى الله عليه وسلم هي القرآن الكريم، وهناك فرقاً كبيراً بين معجزات الأنبياء السابقين التي هي من النوع المادي الذي ينقضي بانقضائه, وبين معجزة النبي عليه الصلاة والسلام التي هي باقية إلى نهاية الساعة أو باقية إلى الأبد، وهي كلام الله عز وجل الذي أنزله عليه, وقلنا إن للقرآن الكريم وجوهاً عديدة للإعجاز نكتفي اليوم بوجه واحد من وجوه إعجازه، هذا الوجه هو أنه:
﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾
(سورة فُصلّت الآية: 42)
فأية حقيقة علمية عرضها القرآن، وأي دستور أو قانون أو نظام وضحّه القرآن، وأي مبدأ أو أي تشريع أو أي حكم نطقه، وأي خبر تاريخي أخبر به في الماضي أو مما سيقع في المستقبل, كل هذا ثابت لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه, ومع أن العلوم العصرية تقدمت تقدماً كبيراً كالعلوم الوضعية والمادية، لم نجد في كل هذه العلوم شيئاً ينقض ما في القرآن الكريم من حقائق.
متى ينشأ التعارض بين القرآن والعلم:
متى ينشأ التناقض؟ ينشأ التناقض بين حقيقة علمية وبين خرافة، أو بين حقيقة دينية وبين نظرية علمية لم تتحقق بعد، قد نجد تناقضاً بين الدين وبين النظريات العلمية التي لم تثبت صحتها، ونجد تناقضاً بين خرافة لا أصل لها في الدين وبين حقيقة علمية، أما أن نجد خلافاً أو تناقضاً بين حقيقة علمية وحقيقة جاء بها القرآن فهذا مستحيل, قال الله:
﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ ﴾
( سورة فصلت الآية: 42)
في العصر الذي أنزل فيه القرآن لم يظهر ما ينقضه, ولا في العصور اللاحقة بعد ألف عام أو ألوف الأعوام, قال تعالى مشيراً إلى هذا الوجه من وجوه الإعجاز في سورة فصلت:
﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾
( سورة فصلت الآية: 42)
وقال تعالى:
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾
(سورة الحِجر الآية: 9)
فالقرآن الكريم لم يأته الباطل بحالٍ من الأحوال, ولا من وجه من الوجوه, وكذلك لن يأتيه الباطل، " لم" لنفي الماضي، و " لن " لنفي المستقبل لتأبيد النفي كما يقول النحاة، وكذلك لن يأتيه الباطل من أي وجه من الوجوه مهما توالت الدهور واتسعت تجارب الحياة وزادت مكتشفات العلوم.
تسابق القرآن بحقائقه العلمية قبل اكتشاف أهل العلم هذه الحقائق:
لا يأتيه الباطل في آية حقيقية علمية عرضت, والآن اكتشفوا أن الشمس تسير أي تجري، وربنا عزّ وجل قال:
﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ﴾
(سورة يس الآية: 38)
فالقرآن الكريم أثبت ذلك، وهناك الكثير من الحقائق الفلكية، والحقائق النباتية والحيوانية متعلقة بالإنسان، وفي خلق الإنسان، في خلق الأرض في الجبال, فإن كل هذه الحقائق لم يأت مع تطور العصر ومع تطور العلم ما ينقضها إطلاقاً، قبل أسابيع قلت لكم: اكتشف علماء النحل أن النحل لا يمكن أن ينتقل لجني الرحيق قبل أن يستقر في خلية، وربنا عزّ وجل قال:
﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾
( سورة النحل الآية: 69)
بعد أن تتخذي من الجبال بيوتاً كلي من كل الثمرات، و" ثم " للترتيب على التراخي، ولا يأتيه الباطل في أي مبدأ أو تشريع أوضحه، وتجارب الحياة تثبت باستمرار كمال مبادئ الإسلام وتعاليمه.
من عجائب إعجاز القرآن الكريم تشريعه الثابت الذي يصلح لسعادة الإنسان ومصالحه:
يوجد صحفي من دولة أجنبية كتب مقالة فقال: من أشد وحشية نحن أم المسلمون، لأن الكفار يتهموننا أن قطع يد السارق نوع من أنواع التوحش، فذكر هذا الصحفي أن ستة عشر مليون سرقة تتم في عام واحد, و أربعون في المئة من هذه السرقات تتحول إلى جريمة قتل، بل إن الإحصاء الدقيق في كل 30 ثانية ترتكب جريمة سرقة أو قتل أو اغتصاب, هذا الصحفي زار بلداً إسلامياً تقطع فيه يد السارق، رأى أشياء تكاد لا يصدقها العقل، أن هناك شاحنات مكشوفة تحمل ملايين من العملات تنتقل من محافظة إلى محافظة لدفع رواتب الموظفين من دون حراسة إطلاقاً, فربنا عزّ وجل سنَّ هذا التشريع، فقد سأل شاعر الإمام الشافعي قال له:

يد بخمس مئين عسجد وديت ما بالها قطعت في ربع دينار
شيء عجيب! لو أن يداً قطعت بحادث سيارة ديتها في الإسلام خمسمئة دينار ذهبي، فأجابه الإمام الشافعي رضي الله عنه قال:
عّز الأمانة أغلاها, وأرخصها ذلّ الخيانة, فافهم حكمة الباري
لما كانت أمينة كانت ثمينة, فلما خانت هانت, هذا تشريع إلهي، لو سألتني أن ألخص لك الفساد البشري بكلمات، أقول لك: الفساد البشري يلخص بعدوانين: عدوان على المال, وعدوان على العرض، هذا كل الفساد البشري، العدوان على المال جزاؤه قطع يد السارق, قال الله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾
( سورة المائدة الآية: 38)

﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾
(سورة النور الآية: 2)
فالإسلام وضع حداً قاسياً للعدوان على الأموال والعدوان على الأعراض, ولذلك فتشريعاته ثابتة, هناك دولة لا تؤمن بوجود الله إطلاقاً تصدر قبل سنة تقريباً تشريعاً بمعاقبة من يشرب الخمر, لماذا؟ لأنه قيل في الإحصاء: خُمس الشعب مدمن خمر, وهذا الخُمس مُستهلك غير منتج، لذلك حرّمت قبل عام الخمرة في بلاد شاسعة تمتد بين قارتين تحت طائلة أقصى العقوبات، بينما في الإسلام الخمر محّرم من الأساس، وتحريم الإسلام للخمر من نوع راقٍ جداً، لا في أثناء الدوام ولا خارج أوقات الدوام، ولا في المحافل الخاصة ولا في المحافل العامة, فالخمر حرام وانتهى الأمر، أما يجوز لو منع الخمر بقرار أو بقانون يشرب ليلاً، ويشرب سراً، ويشرب تهريباً، فربنا عزّ وجل قال:
﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ ﴾
( سورة فصلت الآية:42)
في أي مبدأ أو تشريع أوضحه، وتجارب الحياة تثبت باستمرار كمال مبادئ الإسلام وتعاليمه وقوانينه وأنظمته وسلامتها وصلاحيتها لسعادة الناس جميعاً قال تعالى:
﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً * وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً ﴾
(سورة الإسراء الآية: 9-10)
ظهور واقعية الخبر التي وعد القرآن به في المستقبل:
لا يأتيه الباطل في أي خبر أخبر به عما سيحدث في مستقبل أيام الدهر, قال تعالى:
﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً ﴾
(سورة الفتح الآية: 27)
وقد تحقق ما أخبر الله به في هذه الآية, فدخل النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه المسجد الحرام آمنين محلقين رؤوسهم ومقصرين غير خائفين، إنها آية وردت ثم تحققت.
وقوله تعالى:
﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾
(سورة النور الآية: 55)
وقد وفى الله للمؤمنين هذا الوعد، فحكم المسلمون مشارق الأرض ومغاربها, ورفرفت رايتهم في أطراف الأرض، ووصلوا إلى مشارف باريس, وإلى أطراف جنيف من الغرب ومن الشرق، وإلى أطراف الصين, واحتلوا القسطنطينية التي كانت معقلاً للروم.
وقوله تعالى:
﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ﴾
(سورة الصف الآية: 9)
وقد تحقق ظهور الإسلام على سائر الأديان بالحكم والسلطان, حينما طبق المسلمون إسلامهم بالحجة والبرهان في كل عصر.
وقوله تعالى:
﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾
(سورة الصف الآية: 13)
وقد تحقق ذلك فتم نصر الله للمؤمنين من أصحاب رسول الله, فتم لهم الفتح القريب وهو فتح مكة.
وقوله تعالى:
﴿الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾
(سورة الروم الآية: 1-6)
وقد تحقق ذلك فانتصر الروم على فارس بعد ذلك في بضع سنين كما أخبر الله عزّ وجل في القرآن الكريم, كل هذه الآيات التي تتحدث عن المستقبل تحققت, قال الله:
﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ ﴾
( سورة فصلت الآية: 42)
لا من حيث الآيات العلمية، ولا من حيث التشريعات, ولا من حيث الأخبار الماضية, ولا من حيث الأخبار المستقبلية، هذا كله وقع، والآن فرعون المحنّط الذي أُخذ إلى فرنسا لترميمه, هذا الفرعون هو الذي يثبت العلماء أن طريقة موته كانت غرقاً, قال الله:
﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آَيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آَيَاتِنَا لَغَافِلُونَ ﴾
(سورة يونس الآية: 92)
كل شيء أخبر عنه في التاريخ صحيح.
من دلائل إعجاز القرآن حفظه من أي ضياع أو تحريف أو تبديل قد يطرأ عليه:
لا يأتيه الباطل بأن تتعرض نصوصه للضياع أو التحريف أو التبديل بالزيادة فيها أو النقص منها، وقد تم فضل الله فصدق وعده, فعّم القرآن وانتشر بأحكم طريقة علمية يمكن أن تتوصل إليها الإمكانات الإنسانية، وحفظه الله كما أنزله طوال هذه القرون دون أن يستطيع أعداؤه أن ينقصوا منه شيئاً أو أن يزيدوا فيه حرفاً, يروى أن الإنكليز مرة طبعوا خمسين ألف نسخة مصحف في أيام العثمانيين ووزعوها وحذفوا كلمة " غير " في الآية الكريمة:
﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾
(سورة آل عمران الآية: 85)
فجمعت النسخ هذه وأحرقت، فالله عزّ وجل سخر أناساً تحريريين محققين مدققين يضبطون النصوص، والآن لا يوجد تبديل فتحة أو ضمة أو كسرة أو حرف جر، فترى كل مصحف والحمد لله قام بتصحيحه وضبطه وفق رواية حفص عن عاصم عن فلان الفلاني والقارئ الفلاني, سخر الله عزّ وجل لهذا الكتاب الكريم علماء يضبطون النصوص، ويعرفون القراءات، ويعرفون أماكن الوقوف, و السجدات، و الأحكام، ضبطوه ضبطاً دقيقاً، فربنا عزّ وجل تولى حفظه وسخر هؤلاء المتشددين.
يقول الإنسان: كلمة الرحمن يلزمها ألف, والصحيح يلزمها ألف لكن لم يجرؤ أحد على تبديل كتابة المصحف حتى لا يكون هذا التبديل مسوغاً لتبديل آخر، لذلك هنالك إملاء قرآني خاص, فالسموات لا يلزمها ألف, وإله لا يلزمها ألف، والرحمن لا يلزمها ألف، وهناك تاء مبسوطة، وتاء مربوطة، فهناك حكمة بالغة من كون هذه التاء هنا، فالرحمة جاءت في أماكن مبسوطة وأماكن مربوطة، وهناك أحرف مثلاً: حروف مدغمة، حروف مفكوكة، وهناك واو بمعنى ألف، فهذه كلها علم قائم بذاته فلا يجرؤ إنسان على إضافة حرف ولا سكون ولا فاصلة ولا نقطة أبداً, فهذا النص وردنا بالتواتر الجمع عن الجمع، قطعي الثبوت قطعي الدلالة، هذا حفظ الله عزّ وجل أن سخر له أناساً حريصين.
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافاً كَثِيراً﴾
(سورة النساء الآية: 82)
اقرأ كتاباً ترى فيه تناقضاً أحياناً، فالإنسان ليس عنده إمكانية للنجاة من الخطأ، و أي كتاب مهما كان مؤلفه على مستوى رفيع يقع أحياناً بتناقض، ويتكلم بفكرة ثم ينفيها من غير أن يشعر في الفصل الرابع, أو يبالغ في فكرة ثم يظهر حجمها أقل من ذلك، وأحياناً يكون فيه اضطراب، قال الله:
﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ﴾
( سورة النساء الآية: 82)
في قوله تعالى:
﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً ﴾
(سورة الإسراء الآية: 31)
﴿ وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ﴾
(سورة الأنعام الآية: 151)
فهناك فقر واقع، وهناك فقر متوقع، فالفقر الواقع نرزقكم أيها الفقراء وإياهم، والفقر المتوقع نرزقهم وإياكم، فهناك دقة بالغة يستحيل على إنسان أن يدركه, و سوف نأخذ وجهاً آخر من دروس إعجازه في درس قادم إن شاء الله تعالى.






والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 06-20-2018, 07:03 AM   #40


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: العقيدة الاسلامية




بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية

الدرس : (السادس و الثلاثون )




الموضوع : صفات الرسل (1)




الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
اختيار الرسل اصطفاء من الله لهم:
وصلنا في الدرس الماضي إلى موضوع صفات الرسل عليهم الصلاة والسلام، يا أيها الأخوة, بما أنَّ الأنبياء والرسل صلوات الله عليهم وسلامه مكلفون برسالة عليهم أن يُبلغوها, ولاسيما الرسل فلا بُدَّ من صفات تتوافر فيهم، فالرسل قبل كل شيء مصطفون من قِبل الله جلَّ وعلا بالوحي, أي الرسالة اصطفاء من الله سبحانه وتعالى لأهلية الرسل, وبما أنَّ الرسول مبلغّ عن الله علوم شريعته وأحكامه لخلقــه، وبما أنَّ الرسول قد حمل مهمة الدعوة إلى الله, وإلى صالح العلم بالأسلوب الحكيم، وبما أنَّ الرسول مصدّق من قِبل الله جلَّ وعلا بالمعجزة، والمعجزة تصديق من الله ورسوله، وبما أنَّ الرسول قدوة حسنة يتأسى بها في عمله, وفي خلقه, ويُهتدى بهديه، وبما أنَّ الرسول مُطاع بإذن الله متبع بأمر الله، وبما أنَّ الرسول قائد أمته ومدبّر سياستها الدينية والدنيوية, لهذه الأسباب كلها يجب أن تتوافر في الرسول صفات لا بد من توافرها.
صفات الرسل بالإجمال:
من هذه الصفات, علّو الفطرة وصحة العقل والصدق في القول والأمانة في تبليغ ما عٌهد عليه تبليغه, والعصمة من كل ما يشوه السيرة البشرية, وسلامة البدن مما تنفر منه الأذواق السليمة، وقوة الروح بحيث لا تستطيع نفس إنسانية أو جنية أن تسطو عليه سطوة روحانية, لأن الله يُمده دائماً بمدد منه, وهذه الصفات إن شاء الله تعالى سوف نُفصّلها واحدةً واحدة، لكن فيما عدا ذلك فهو بشر, كيف؟ يقول عليه الصلاة والسلام:
" عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُ الْبَشَرُ فَأَيُّمَا رَجُلٍ آذَيْتُهُ أَوْ جَلَدْتُهُ فَاجْعَلْهَا لَهُ زَكَاةً وَصَلاةً "
(أخرجه الإمام أحمد عن الأعرج عن أبي هريرة في مسنده)
ومن صفات الأنبياء التي تمُت إلى البشر بصلة أنهم يأكلون ويشربون, وما أروع القرآن حينما وصف بشرية سيدنا عيسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والتسليم كان يأكل الطعــام ويمشي في الأسواق, فالذي يأكل الطعام ليس إلهاً إنه مفتقر إلى تناول الطعـام، ونحن جميعاً مفتقرون إلى شرب كأس ماء، وإلى تناول الطعام، إنه مفتقر إلى كسب الطعام، فأنت مُفتقر إلى الطعام وإذا جلست في البيت سوف تجوع، ولا بُدَّ من أن تخرج لتكسب رزقاً تشتري به طعامك، وهاتان الصفتان كافيتان لأن تكون بشراً وليس فوق البشر، فالأنبياء بشر, قال تعالى:
﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾
(سورة الكهف الآية: 110)
من علائم بشرية رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه يأكل ويشرب وينام، فهو يحتاج إلى النوم، لماذا النوم؟ فأنا بشر أحتاج إلى النوم, كل إنسان يحتاج إلى النوم, لكن من قضى عمره بالنوم أتى يوم القيامة مفلساً، أمّا أن ينام ويتزوج إذ يوجد في نفسه حاجة إلى نصفه الآخر كما يقولون: هذه حاجة ثابتة في الأنبياء أيضاً، فالنكاح من سُنة النبي عليه الصلاة والسلام, وإنه يمرض، والمرض من صفات البشر, وقد ينسى
" اللهم إني بشر أنسى كما ينسى البشر "
( ورد في الأثر )
كما قال عليه الصلاة والسلام:
" عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا بِقَوْلِهِ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ فَلا يَأْخُذْهَا "
(أخرجه البخاري عن أم سلمة في الصحيح)
أنه ينسى فيما لا علاقة له بتبليغ ما أمره الله أن يبلغه، ولا ينسى أوامر التبليغ فهذه تتناقض مع عصمته, قال الله:
﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾
(سورة الأعلى الآية: 6)
وقد تمتد إليه أيدي الظلمة, ألم يرد في القرآن الكريم أنّ الكفار قد اعتدوا على الأنبياء فقتلوهم, قال الله:
﴿وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ﴾
(سورة آل عمران الآية: 112)
لأنهم بشر, إلا إذا عصمهم الله عزّ وجل من القتل بنص من القرآن الكريم, قال الله:
﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ﴾
(سورة المائدة الآية: 67)
أكثر المفسرين على أنه معصوم من أن يغتاله بشر, أي النبي محمد عليه الصلاة والسلام, وهذه الصفات التي تمتُّ إلى بشريته بصلة لا تنقص من قدره كنبي, ولا تقلل من مكانته عند الله عزّ وجل،
" إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُ الْبَشَرُ "
( ورد في الأثر)
وهذه الصفات تؤكد في الأنبياء عبوديتهم لله عزّ وجل.
صفات المرسلين عليهم الصلاة والسلام بالتفصيل:
1- الفطانة:
لو أردنا أن نأخذ الصفات التي يجب أن تتوافر في الرسل عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام كان في مقدمة هذه الصفات:
1- الفطانة: الفطانة بمعنى الذكاء، أي ما كان الله عزّ وجل ليرسل رسولاً إلى خلقه لا يتصف بالفطانة، فالفطانة صفة لازمة للأنبياء, مادام الله سبحانه وتعالى قد اصطفاهم، وما دام الله سبحانه وتعالى قد كلفهم تبليغ رسالاته, وبما أنَّ الله سبحانه وتعالى قد كلفهم بنشر دينه فلا بد من أن يعطيهم مع هذا التكليف ما يعينهم على نشر الرسالة, لا بد من أن يكون النبي الرسول أعلى كل أصحابه ذكاءً حتى يستوعبهـــم، وحتى يستطيع توجيههم، وحتى يعرف إمكاناتهم, ولذلك فالنبي الكريم صلى الله عليه وسلم كان يجمع كل صفات الكمال, فهذا سيدنا خالد كان شجاعاً, إذن هو سيف الله, وهذا سيدنا أبو عبيدة كان أميناً, إذن أبو عبيدة أمين هذه الأمة, وكان سيدنا علي مدينة العلم, وكان سيدنا معاذ, والله يا معاذ إني لأحبك كان محبوباً, وكل صحابي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتصف بصفة يتميز بها, لكن النبي عليه الصلاة والسلام, جمع كل صفات الكمال, قال الشاعر:
و أحسن منك لم تر قط عيني وأجمل منك لم تلد النسـاء
خٌلقت مبرءاً من كل عيــب كأنك قد خُلقت كما تشــاء
محمدٌ بشرٌ وليس كالبشــر لأنه ياقوتة والناس كالحجر
لو أن هذا النبي العظيم عليه أتم الصلاة والتسليم قيست إمكاناته الفكرية بمقاييسنا المعاصرة, لكان من أعلى البشر إدراكاً وفطانة وحسن تصرف واستيعاباً وحفظاً ومحاكمة وقياساً وإلقاءً، و لا يوجد إنسان يستطيع أن يقود إلا أن يكون على مستوى عالٍ من الذكاء, ولو أن الإنسان محدود لا يستطيع أن يقود نفسه قبل أن يقود الآخرين, أي يكون له تأثير على الآخرين بإمكانات محدودة وهذا شيء مستحيل, وهذا مثل قريب: فمن منا يستطيع أن تُتلى عليه سورة البقرة فيحفظها من أول مرة؟ هذا فوق طاقة البشر، النبي عليه الصلاة والسلام إذا جاءه الوحي يحفظه فوراً, وهذا أعلى مستوى في الذكاء، حَفَظَة القرآن يقول لكَ: يوجد متشابهات, والله احترت غفور رحيم أو رحيم ودود, تجده أثناء الحفظ أو أثناء القراءة أو أثناء الصلاة يقع في إشكالات، أمّا النبي عليه الصلاة والسلام لم ينس شيئاً من كتاب الله أبداً، هذه من فطانته عليه الصلاة والسلام، وبهذه الفطانة يعرف ما أنزل إليه، و يعرف المضمون، والنبي عليـه الصلاة والسلام بيّن للناس ما نُزل إليهم عن طريق السنّة المطهرة التي هي أصلٌ ثانٍ من أصول الشريعة الإسلامية, قال الله:
﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾
(سورة النجم الآية: 3-4)
السنّة المطهرة وحيّ غير متلو، فالنبي الكريم, يجب أن يعرف مدلولات الآيات الكريمة بشكل دقيق حتى يفسرها, فأحكام العدة، وأحكـام الطلاق، وأحكام الزواج، وأحكام الصلاة، و أحكام الصيام، وأحكــام الحج، وأحكام الزكاة، وأحكام البيوع، هذه التفصيلات الشديدة، يقول لك: 80 حديث في البيوع مأخوذة من آية واحدة, قال الله:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ ﴾
(سورة النساء الآية: 29)
التراضي صار له أحكام: لا يكون فيه تدليس، ولا يكون فيه غش، ولا يكون فيه غبن بالسعر، ولا فيه غبن بأشياء أخرى، ولا جهالة في الثمن، وجهالة بالقيمة، والتسليم, وأحاديث كثيرة جداً في البيوع كُلُها مستنبطة من آية واحدة، أحاديث الصيام مستنبطة من آية الصيام, وأحكام المواريث.
يجب أن تكون فطانته مُعينة له على فهم هذا الوحي الذي جاءه من عند الله، و حفظ ماأنزل إليه من كلام الله، ووسيلة لنقل هذه الرسالة, وهذا الكتاب الكريم إلى الناس، ووسيلة لإلقاء الحق بحكمةٍ بالغة، والآيات التي تشهد له بالفطانة، يقول الله عز وجل:
﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ ﴾
(سورة القيامة الآية: 16-17)
فربنا سبحانه وتعالى وصف فطانته صلى الله عليه وسلم, قال الله:
﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ﴾
(سورة القيامة الآية: 16-17)
هذه إشارة من الله عزّ وجل إلى فطنته أو فطانته, وفي آية أخرى:
﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآَنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾
(سورة طه الآية: 114)
و كأنه فَهِمَ على الله عزّ وجل كل ما يريد, ولذلك فربنا عزّ وجل قال له: انتظر, اصبر, حينما تنزل الآية.
مشاهد من فطنته مع أصحابه:
سأله أحد أصحابه, ماذا ينجّي العبــد من النار؟ فقال عليه الصلاة والسلام: الإيمان بالله, قال يا رسول الله: أَمع الإيمان عمل؟ قال: أن تعطي مما أعطاك الله, قال: فإن كان لا يجد ما يعطي؟ قال: أن تأمر بالمعروف وأن تنهى عن المنكر, الحديث طويل, وكأنّ النبي عليه الصلاة والسلام ضاق به ذرعاً, فقال له: أما تريد أن تترك لصاحبك من خير, ليكف أذاه عن الناس, فجاء السؤال إن فعل هذا دخل الجنة؟ فقال عليه الصلاة والسلام:
" أّيما عبدٍ يصيب خصلة من هذه الخصال إلا أخذت بيده حتى تدخله الجنة "
( ورد في الأثر )
يعني كل خصلة إذا طبقتها تنقلك إلى أعلى منهـــا, وهكذا إلى أن تدخل الجنة، ويوجد توجيهات نبوية دقيقة جداً، حينما بلغ النبي عليه الصلاة والسلام أن الأنصار قد وجدوا عليه في أنفسهم, الآن هو قائد وعقب المعركة هناك أناس فُتنوا أي غضبوا، ووجدوا عليه في أنفسهم، فقال عليه الصلاة والسلام لزعيمهم سيدنا سعد بن عبادة, قال: يا سعد مقالة بلغتني عنكم, قال: نعم, قال يا سعد: أين أنت من قومك؟ " أراد أن يعرف موقف زعيم الأنصار " أهو معهم؟ موافق لهم أم منفصل عنهم؟ فقال: ما أنا إلا من قومي, أي معهم, فقال: اجمع لي قومك, فجمعهم له، ووقف النبي عليه الصلاة والسلام فيهم خطيباً, قال:
" عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ لَمَّا أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَعْطَى مِنْ تِلْكَ الْعَطَايَا فِي قُرَيْشٍ وَقَبَائِلِ الْعَرَبِ وَلَمْ يَكُنْ فِي الأَنْصَارِ مِنْهَا شَيْءٌ وَجَدَ هَذَا الْحَيُّ مِنَ الأَنْصَارِ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى كَثُرَتْ فِيهِمُ الْقَالَةُ حَتَّى قَالَ قَائِلُهُمْ لَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْمَهُ فَدَخَلَ عَلَيْهِ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هَذَا الْحَيَّ قَدْ وَجَدُوا عَلَيْكَ فِي أَنْفُسِهِمْ لِمَا صَنَعْتَ فِي هَذَا الْفَيْءِ الَّذِي أَصَبْتَ قَسَمْتَ فِي قَوْمِكَ وَأَعْطَيْتَ عَطَايَا عِظَامًا فِي قَبَائِلِ الْعَرَبِ وَلَمْ يَكُنْ فِي هَذَا الْحَيِّ مِنَ الأَنْصَارِ شَيْءٌ قَالَ فَأَيْنَ أَنْتَ مِنْ ذَلِكَ يَا سَعْدُ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَنَا إِلا امْرُؤٌ مِنْ قَوْمِي وَمَا أَنَا قَالَ فَاجْمَعْ لِي قَوْمَكَ فِي هَذِهِ الْحَظِيرَةِ قَالَ فَخَرَجَ سَعْدٌ فَجَمَعَ النَّاسَ فِي تِلْكَ الْحَظِيرَةِ قَالَ فَجَاءَ رِجَالٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ فَتَرَكَهُمْ فَدَخَلُوا وَجَاءَ آخَرُونَ فَرَدَّهُمْ فَلَمَّا اجْتَمَعُوا أَتَاهُ سَعْدٌ فَقَالَ قَدِ اجْتَمَعَ لَكَ هَذَا الْحَيُّ مِنَ الأنْصَارِ قَالَ فَأَتَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِالَّذِي هُوَ لَهُ أَهْلٌ ثُمَّ قَالَ يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ مَا قَالَةٌ بَلَغَتْنِي عَنْكُمْ وَجِدَةٌ وَجَدْتُمُوهَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَلَمْ آتِكُمْ ضُلالاً فَهَدَاكُمُ اللَّهُ وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمُ اللَّهُ وَأَعْدَاءً فَأَلَّفَ اللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ قَالُوا بَلِ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ وَأَفْضَلُ قَالَ أَلا تُجِيبُونَنِي يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ قَالُوا وَبِمَاذَا نُجِيبُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ الْمَنُّ وَالْفَضْلُ قَالَ أَمَا وَاللَّهِ لَوْ شِئْتُمْ لَقُلْتُمْ فَلَصَدَقْتُمْ وَصُدِّقْتُمْ أَتَيْتَنَا مُكَذَّبًا فَصَدَّقْنَاكَ وَمَخْذُولاً فَنَصَرْنَاكَ وَطَرِيدًا فَآوَيْنَاكَ وَعَائِلاً فَأَغْنَيْنَاكَ أَوَجَدْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ فِي لُعَاعَةٍ مِنَ الدُّنْيَا تَأَلَّفْتُ بِهَا قَوْمًا لِيُسْلِمُوا وَوَكَلْتُكُمْ إِلَى إِسْلامِكُمْ أَفلا تَرْضَوْنَ يَا مَعْشَرَ الانْصَارِ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاةِ وَالْبَعِيرِ وَتَرْجِعُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رِحَالِكُمْ فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْلا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الأَنْصَارِ وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ شِعْبًا وَسَلَكَتِ الأنْصَارُ شِعْبًا لَسَلَكْتُ شِعْبَ الأَنْصَارِ اللَّهُمَّ ارْحَمِ الأَنْصَارَ وَأَبْنَاءَ الأنْصَارِ وَأَبْنَاءَ أَبْنَاءِ الأَنْصَارِ قَالَ فَبَكَى الْقَوْمُ حَتَّى أَخْضَلُوا لِحَاهُمْ وَقَالُوا رَضِينَا بِرَسُولِ اللَّهِ قِسْمًا وَحَظًّا ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَفَرَّقْنَا "
(أخرجه الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري في مسنده)
هذا موقف فيه منتهى الفطانة, كادت أن تحدث فتنة فطوّقها اللهم صلِ الله عليه وأنهاها، كان فطناً، أي كان إدراكه ومعالجته للأمر من أعلى مستوى،
" وكان أحدهم يقول له: عظني, فينظر إليه فيقول له: لا تغضب وكأنه أدرك أنه يعاني من الغضب الشديد، يقول له آخر عظني يقول له: قل آمنت بالله ثم استقم، فكل صحابي جليل أو كل رجل سأله يعطيه ما يناسبه "
( ورد في الأثر )
وهذه من علائم الفطنة التي كان النبي عليه الصلاة والسلام يتمتع بها.
صور من مواقف الأنبياء الفطنة أثناء حوارهم مع المعاندين للحق:
الأنبياء أيضاً فطنون، فسيدنا إبراهيم, قال الله:
﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ ﴾
(سورة الأنعام الآية: 83)
أوتي الحجة، أنت تقدر أن تناقش خصماً عنيداً؟ فهل تصمد في نقاش دقيق جداً من واحد مثقف ثقافة عالية يريد أن يُطفئ نور الله عزّ وجل؟ فإذا كان عندك حُجة قوية فهذه صفة طيبة في المؤمن, فإذا كنت مؤمناً صادقاً فيجب أن يكون معك شيءٌ من هذه الحُجة، أو معك حُجة قوية، فالنمرود مثلاً, قال له: من ربك يا إبراهيم؟
﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾
(سورة البقرة الآية: 258)
أعطاه صفة دقيقة يُحيي ويُميت " فأجابه النمرود: أنا أحيي وأميت, فمن كان محكوماً بالإعدام أعفو عنه فقد أحييتهُ، وأُحضر إنساناً وأقوم بقتله، وكان من الممكن أن يقوم سيدنا إبراهيم بتفنيد هذه الحُجة، أي أنت لا تُحييه من العدم، فإذا عفوتَ عنه فليس هذا حياةً بالمعنى الدقيق، لكن من فطانته عليه الصلاة والسلام ما أراد أن يدخل مع النمرود في نقاش سفسطائي بل تركه, وقال له:
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾
( سورة البقرة الآية: 258)
وإذا أردت أن تُناقش إنساناً فلا تبدأ بحُجة ضعيفة مُركبة تحتاج إلى توضيح, وإلى شواهد.
سيدنا نوح أيضاً, قال الله:
﴿قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا ﴾
(سورة هود الآية: 32)
أي ضاقوا به ذرعاً, و كأنه غلبهم بالحجة فلم يتمكنوا, وليس من السهل أن تواجه قوماً بأكملهم بحجة ناصعة وتغلبهم بها, فهذه الصفة، صفة الفطنة أو الفطانة, وبالتعبير الحديث الذكاء أو سرعة الفهم، ودقة المحاكمة، وحسن التكيّف، أي أن تصـل إلى كل أهدافك بأيسر السبل، وأن تحقق أعلى مردود بأقل جهد، هذه من تعريفات الذكاء, و هذه كلها من لوازم أو من دلائل الذكاء والفطنة والفطانة, وهل يرسل الله عزّ وجل رسولاً أقل ذكاءً من أذكى رجل في الأمة؟ مستحيل, وبالمناسبة فصعب على إنسان أقل ذكاء أن يقود من هو أكثر ذكاء، إذ تجده دائماً يكشفه، وأحياناً يقوم بتفنيد أغلاطه، أو يُشوّه سمعته أمام الآخرين، أو يقوم بتحجيمه أمام الآخرين, فيطرح عليه سؤالاً لا يستطيع أن يجيب عليه فتجده أصبح صغيراً، فكيف يقود إنسان أمة, وهو قليل الذكاء؟ كان صلى الله عليه وسلم سيد العلماء وكان جميع أصحابه الكرام يطأطؤون له رؤوسهم في مجلسه تعظيماً له بالحق، وليس بالقهر لما عنده من صفات.
2- العصمة:
2- العصمة: ثبت أن الرسول " أي رسول " هو المثل الأعلى لأمته, والذي يجب الاقتداء به في اعتقاداته وأفعاله وأقواله وأخلاقه, وهو الأسوة الحسنة بشهادة الله له, و لذلك وجب أن تكون اعتقاداته وأفعاله وأقواله وأخلاقه الاختيارية موافقة لطاعة الله عزّ وجل، ووجب ألا يدخل في شيء من اعتقاداته وأفعاله وأقواله وأخلاقه معصية لله تعالى, فالنبي قدوة حسنة، ومثل أعلى، وأسوة صالحة، فهل يكون في أقواله أو أفعاله أو أخلاقه خطأ أو معصية ؟ هذا مستحيل, لأنه قدوة, مكلّف برسالة, ومكلف أن يقتدي الناس به في أقواله وأفعاله وأخلاقه ومعتقداته, والله سبحانه وتعالى أمر الأمم بالاقتداء برسلهم, فإذا أمكن أن يفعل الرسل المعاصي, كان معنى الأمر أن يتخذوهم أسوة في المعاصي, وهذا مستحيل في حق الله سبحانه وتعالى، لأن الله سبحانه وتعالى لا يأمر بالفحشاء، قال الله:
﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾
(سورة الحشر الآية: 7)
الأنبياء معصومون في معتقداتهم وأخلاقهم وأقوالهم وأفعالهم, فتعريف السنّة المطهرة: ما صح عنه من أقوال وأفعال وإقرار، يعني إذا كان واحد فعل أمامه شيئاً فسكت النبي عليه الصلاة والسلام فسكوتهُ يُعد إقراراً, وفِعلُ هذا الصحابي من السُنة المُطهرة لأنه سكتَ عنه النبي عليه الصلاة والسلام إذ لا يعقل أن يسكت عن خطأ، فالعصمةٌ إذاً في هذا المعنى حِفظُ أوامر الله تعالى من مخالفتها وحفظ نواهيه من الوقوع بها، لا يُعقل أن يعصي أمراً ولا أن يفعل معصيةً، فإذا قال الله لهُ افعل: فلا يُعقل أن لا يفعله، وإذا قال له لا تفعل: فلا يُعقل أن يفعله، وهذا معنى أولي مبسّط من معاني العصمة، والدليل:
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾
(سورة الأحزاب الآية: 21)
أسوة حسنة في مطعمه، ومشربه، ومسكنه، وملبسه، وزواجه، وعلاقته بجيرانه، وفي سلمه، وحربه، و توجيهه، و في صلاته و صيامه، وأما في حق جميع الرسل, قال تعالى:
﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ ﴾
(سورة الأحزاب الآية: 21)
هذه " في " تعود على الرسل جميعاً.
آية ثالثة, تأمرنا أن نتبع الرسل فهم الأسوة الحسنة:
﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
(سورة آل عمران الآية: 31)
ومن الأدلة القاطعة على معنى العصمة التي هي صفة أساسية من صفات الأنبياء, قول الله عزّ وجل:
﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ﴾
(سورة الفتح الآية:2 )
﴿مَا تَقَدَّمَ﴾
(سورة الفتح الآية:2 )
بالعفو عنك, و" ما تأخر" بوقايتك من الوقوع به، فإذا أعطيت إنساناً مصباحاً, وأمرته أن يسير في طريق مظلم ذات حفر وعقبات, فإن هذا المصباح يقيه الوقوع في الحفر ويقيه الارتطام بالعقبات, فكأنك بهذا المصباح جعلته لا يقع, فهذا معنى قول الله عزّ وجل:
﴿ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾
(سورة الفتح الآية:2 )
لأنكَ مستنيرٌ بنور الله عزّ وجل فلن تقع في ذنبٍ في المستقبل.
من لوازم العصمة:
1- العصمة عن الكتمان والتحريف:
من لوازم العصمة التي هي صفة أساسية بحق الأنبياء والرسل, العصمة عن الكتمان والتحريف: فكتمان الحق معصيةٌ في الدعوة إلى الله عزّ وجل، والتحريف أيضاً معصيةٌ في الدعوة إلى الله عزّ وجل، فالنبي عليه الصلاة والسلام معصوم عن الكتمان وعن التحريف وعن الخطأ والغلط والنسيان فيما أمره الله بتبليغه للناس، وهذه أيضاً من لوازم العصمة التي هي صفة أساسية, لأنه لو لم يكن معصوماً عن ذلك لم يكن أهلاً للاصطفاء بالرسالة, ولأثر ذلك في أصل مهمة البعثة, ولانعدمت الثقة بما يبلغه عن الله من شرائع وأحكام وأخبار وغيرها، وعلى مستوى اللغة العربية إذ كان الإنسان حُجة في اللغة, وكان من عادته الغلط في النحو والصرف، فلم يعد حُجّة, وصار كلامه غير حُجة, ونُفيت عنه أن يُحتجَّ بِهِ، فالنبي لا يمكن أن يعتقد عقيدة تُخالف الحق الذي أمرَ الله به، فهو في أحاديثه لا يكذب الله عزّ وجل, كيف؟ الله عزّ وجل أمر بشيء, فهل يُعقل أمرهُ أن يكون مخالفاً لأمر الله عزّ وجل؟ لأن هذا يتنافى مع أصل النبوة ومهمة الرسالة، والدليل أن الله عزّ وجل قد قيّض رجالاً، غيورين، ثقاة، عدولاً، أمضوا حياتهم كلها في تتبع الحديث الصحيح وتثبيته, ونفي وتجريح الحديث الموضوع وإبعاده, وهذا من فضل الله سبحانه وتعالى.
فصحيح " البخاري ومسلم " كتابان يعدّان من أصح الكتب بعد كتاب الله جلّ وعلا, ولا يمكن أن تتعرض أفعال الرسول وأقواله وسيرته للمعاصي سواءً أكانت كبيرة أم صغيرة, لأن هذا يتنافى مع كونه أسوة حسنة, ويتعارض هذا مع الأمر بالاقتداء به واتباعه, ولو كانت كذلك لما كانت أفعاله وأقواله حجة شرعية على أمته, وهناك أحاديث ضعيفة أنه حينما شاهد عمه الحمزة, وقد مُثّل به نوى أن ينكلّ بهم, والحديث الصحيح قوله:
" لا أمثّل بهم فيمثّل الله بي ولو كنت نبياً "
( ورد في الأثر )
وفي الدرس القادم إن شاء الله تعالى ننتقل إلى صفات الصدق في الرسل عليهم الصلاة والسلام.









والحمد لله رب العالمين







 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدليلية (Tags)
الاسلامية, العقيدة


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء : 0 , والزوار : 1 )
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG]متاحة
كود HTML معطلة



المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
و الناظر في هذه العقيدة ... ناصح أمين رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة 6 01-21-2019 07:21 AM
العقيدة الطحاوية السعيد رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة 22 09-16-2018 02:18 PM
العقيدة الاسلامية - الجن والسحر السعيد رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة 12 09-10-2018 01:29 PM
العقيدة و الاعجاز السعيد رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة 39 08-07-2018 06:39 PM
العقيدة الاسلامية من مفهوم القران والسنة السعيد رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة 41 07-07-2018 06:22 PM


الساعة الآن 03:57 PM