وعن أنس رضي الله عنه
أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أتى منى،
فأتى الجمرة فرماها،
ثم أتى منزله بمنى ونحر،
ثم قال للحلاق:
” خذ “ وأشار إلى جانبه الأيمن،
ثم الأيسر،
ثم جعل يعطيه الناس "،
وفي رواية:
” ثم دعا أبا طلحة الأنصاري فأعطاه إياه،
ثم ناوله الشق الأيسر “ [1]،
فقال: ” احلق “ فحلقه،
فأعطاه أبا طلحة فقال:
” أقسمه بين الناس “ [2]،
وكان الصحابة يتبركون
بثياب النبي صلّى الله عليه وسلّم
ومواضع أصابعه،
وبماء وضوئه،
وبفضل شربه، وهو كثير[1]،
ويتبركون بالأشياء المنفصلة منه:
كالشعر،
والأشياء التي استعملها وبقيت بعده:
كالثياب، والآنية، والنعل،
وغير ذلك
مما اتصل بجسده صلّى الله عليه وسلّم [2].
ولا يقاس عليه غيره
صلّى الله عليه وسلّم؛
فإنه لم يؤثر عنه
صلّى الله عليه وسلّم
أنه أمر بالتبرك بغيره
من الصحابة رضي الله عنهم أو غيرهم،
ولم ينقل أن الصحابة رضي الله عنهم
فعلوا ذلك مع غيره
لا في حياته
ولا بعد مماته،
ولم يفعلوه مع السابقين الأولين
من المهاجرين والأنصار،
ولا مع الخلفاء الراشدين المهديين،
ولا مع العشرة المشهود لهم بالجنة،
قال الإمام الشاطبي رحمه الله:
"الصحابة رضي الله عنهم
بعد موته عليه الصلاة والسلام،
لم يقع من أحد منهم شيء من ذلك
بالنسبة إلى من خلفه،
إذ لم يترك النبي صلّى الله عليه وسلّم
بعده في الأمة أفضل من أبي بكر الصديق رضي الله عنه،
فهو كان خليفته،
ولم يُفعل به شيء من ذلك،
ولا عمر رضي الله عنه،
وهو كان أفضل الأمة بعده،
ثم كذلك عثمان،
ثم علي،
ثم سائر الصحابة
الذين لا أحد أفضل منهم في الأمة،
ثم لم يثبت لواحد منهم
من طريق صحيح معروف
أن متبركاً تبرك به
على أحد تلك الوجوه أو نحوها " [1]،
ولا شك أن الانتفاع بعلم العلماء،
والاستماع إلى وعظهم، ودعائهم،
والحصول على فضل مجال الذكر معهم
فيها من الخير والبركة والنفع الشيء العظيم،
ولكن
لا يتبرك بذواتهم
وإنما يُعمل
بعلمهم الصحيح،
ويُقتدى
بأهل السنة منهم[2].
3- التبرك بشرب ماء زمزم ؛
لأنه أفضل مياه الأرض،
ويُشبع من شربه ويكفيه عن الطعام،
ويُستشفى بشربه
مع النية الصالحة من الأسقام؛
لأنه لما شرب له؛
قال النبي صلّى الله عليه وسلّم في ماء زمزم:
” إنها مباركة،
إنها طعام طُعم [ وشفاء سقيم ] “ [1]،
وعن جابر رضي الله عنه يرفعه:
” ماء زمزم لما شُرِبَ له “ [2]،
ويذكر أن النبي صلّى الله عليه وسلّم
"كان يحمل ماء زمزم في الأداوي والقِرب،
فكان يصب على المرضى ويسقيهم" [3].
4- التبرك بماء المطر،
لا شك أن المطر مبارك
لما جعل الله فيه من البركة:
من شرب الناس منه،
والأنعام، والدواب،
وإنبات الأشجار، والثمار،
وأحيا به الله كل شيء،
وقد ثبت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم
من حديث أنس رضي الله عنه،
قال:
أصابنا ونحن مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مطر.
قال:
فحسر [1] رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ثوبه
حتى أصابه من المطر،
فقلنا: يا رسول الله لم صنعت هذا؟
قال:
” لأنه حديثُ عهدٍ بربه “ [2]،
قال الإمام النووي رحمه الله:
"ومعنى حديث عهد بربه:
أي بتكوين ربه إياه،
ومعناه
أن المطر رحمة
وهي قريبة العهد بخلق الله تعالى لها،
فيُتبرك بها " [3].
والتبرك الممنوع
منه ما يأتي:
1- التبرك بالنبي صلّى الله عليه وسلّم
بعد وفاته ممنوع
إلا في أمرين:
الأمر الأول:
الإيمان به وطاعته وإتباعه،
فمن فعل ذلك حصل له الخير الكثير
والأجر العظيم
والسعادة في الدنيا والآخرة.
الأمر الثاني:
التبرك بما بقي من أشياء منفصلة عنه
صلّى الله عليه وسلّم:
كثيابه، أو شعره،أو آنيته،
وقد تقدم بيان ذلك.
وما عدا ذلك من التبرك
فلا يشرع،
فلا يتبرك بقبره،
ولا تشد الرحال لزيارة قبره،
وإنما تشد الرحال
لزيارة أحد المساجد الثلاثة:
المسجد الحرام،
والمسجد الأقصى،
والمسجد النبوي،
وإنما تستحب الزيارة لقبره لمن كان في المدينة،
أو زار المسجد ثم زار قبره،
وصفة الزيارة:
إذا دخل المسجد صلى تحية المسجد،
ثم يذهب إلى القبر
ويقف بأدب مستقبلاً الحجرة
فيقول بأدب وخفض صوت:
"السلام عليك يا رسول الله"
وكان ابن عمر رضي الله عنهما
لا يزيد على ذلك،
وإن زاد
"السلام عليك يا رسول الله،
يا خيرة الله من خلقه،
أشهد أنك رسول الله حقاً،
وأنك قد بلغت الرسالة،
وأديت الأمانة،
وجاهدت في الله حق جهاده،
ونصحت الأمة"
فلا بأس بذلك
لأن ذلك من صفاته[1]،
ولا يدعو عند القبر؛
لظنه أن الدعاء عنده مستجاب،
ولا يطلب منه الشفاعة،
ولا يتمسح بالقبر
ولا يُقبله
ولا شيء من جدرانه،
ولا يتبرك بالمواضع التي جلس فيها
أو صلى فيها،
ولا بالطرق التي سار عليها،
ولا بالمكان الذي أنزل عليه فيه الوحي،
ولا بمكان ولادته،
ولا بليلة مولده،
ولا بالليلة التي أسري به فيها،
ولا بذكرى الهجرة،
ولا غير ذلك
مما لم يشرعه الله
ولا رسوله
صلّى الله عليه وسلّم [1].
2- من التبرك الممنوع:
التبرك بالصالحين،
فلا يتبرك بذواتهم،
ولا آثارهم،
ولا مواضع عباداتهم،
ولا مكان إقامتهم،
و بقبورهم،
ولا تشد الرحال إلى زيارتها،
ولا يُصلى عندها،
ولا تُطلب الحوائج عند قبورهم،
ولا يتمسح بها،
ولا يُعكف عندها،
ولا يتبرك بمواليدهم،
وغير ذلك
ومن فعل شيئاً من ذلك تقرباً إليهم
فقد أشرك بالله
شركاً أكبر،
إذا اعتقد
أنهم يضرون
أو ينفعون،
أو يعطون
أو يمنعون،
أما من فعل ذلك
يرجو البركة من الله بالتبرك بهم
فقد ابتدع بدعة نكراء،
وعمل عملاً قبيحاً [1].
3- من التبرك الممنوع :
التبرك بالجبال والمواضع ،
لأن ذلك يخالف
ما كان عليه النبي صلّى الله عليه وسلّم،
والتبرك بذلك
يسبب تعظيم هذه الجبال والمواضع،
ولا يجوز القياس على تقبيل الحجر الأسود
أو الطواف بالبيت،
فإن ذلك
عبادة لله عز وجل توقيفية،
ولا يمسح غير الحجر الأسود
والركن اليماني من الكعبة،
لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم
لم يستلم من الأركان
إلا الركنين، اليمانيين باتفاق العلماء[1]،
قال الإمام ابن القيم رحمه الله:
" ليس على وجه الأرض
موضع يشرع تقبيله واستلامه
وتحط الأوزار فيه
غير الحجر الأسود والركن اليماني" [2].