تنتقل إلى محطة جديدة في أهم موقع سياحي في الأردن... البتراء،،،
تبعد البتراء مسافة 260 كم تقريباً عن عمان، وهي على الطريق الرئيسي المؤدي للعقبة... بدأت الرحلة في الصباح الباكر، الساعة السابعة صباحاً بناءاً على نصيحة سائق شركة هيرتز الذي رافقني في الرحلات السابقة... التكلفة في ذلك اليوم بلغت 150 دينار أردني لأن الرحلة بدأت في السابعة صباحاً وأنتهت في التاسعة مساءاً (بالنسبة لي السعر عادل في سيارة حديثة ومع سائق وقطعنا مئات الكيلومترات من البحر الميت إلى البتراء ومنها لوادي رم في أقصى الجنوب الأردني) ،،،
الطريق ممتاز وهذا يحسب للحكومة الأردنية التي توفر بنية تحتية مناسبة ومهمة للسياحة... أضف إلى ذلك وجود العديد من الأستراحات الرائعة على الطريق، وللأمانة ذهلت بروعة ونظافة بعض الأستراحات التي توقفنا فيها في الطريق، وكانت أول مره أشاهد أستراحات في بلد عربي (وخليجي) بهذه النظافة وهذه الخدمة الرائعة بالإضافة لعرضها منتجات يدوية محلية للبيع وبعض التذكارات الأخرى، كما أنها تعج بالوفود السياحية الأجنبية... وقد ذكرت هذا للسائق فضحك وقال بأن هناك أستراحات سيئة أيضاً، لكن معظم الأستراحات نظيفة،،،
قبل الوصول للبتراء أسمحوا لي بأستعراض تاريخها... فلا جدوى من زيارة مكان تاريخي ومعلم أثري مهم دون معرفة تاريخه،،،
المدينة الوردية التي نحتت في الصخر، وأبدع العرب الأنباط في زخرفتها قبل ميلاد المسيح عليه السلام ب400 عام، لتكون عاصمةً لملكهم الذي شمل أجزاء واسعة من الجزيرة العربية وأمتد لدمشق شمالاً وبعض الأجزاء من سيناء في الغرب، مما مكنهم من السيطرة على كافة طرق التجارة والقوافل بين الجنوب والشمال وأنعكس أيجاباً على الأنباط فأثرى خزائنهم،،،
من المؤلم والمؤسف أن الكثير من المصادر تنسب الفضل في بناء هذه المدينة الرائعة لغير العرب لا لشيء ألا كونها أعظم من أن تكون أنجزت بواسطة العرب!! وللأسف أن بعض هذه الأدعاءات تتناقلها بعض المواقع العربية بل وحتى الأردنية دون وعي بأبعادها... فاليهود روجوا لقصة أن البتراء بناها الآرامييون - وهم مجموعة قبائل هاجرت من اليمن في القرن الثاني عشر قبل الميلاد وأستقرت في الشام وهذا يعني أنهم قحطانيون (عرب عاربه) خاصة ً أن لغتهم الآرامية قريبة جداً من اللغة العربية... والآرامية هي لغة المسيح عليه السلام، وأنضم لهم للسكن فيها الأنباط وهي قبائل عربية عاشت في بادية الشام وأنتقلت إلى المنطقة عندما أجتاحها القائد البابلي نبوخذ نصر وكانوا منضمين لجيشه... ومن الثابت أن الأنباط يتحدثون اللغة العربية وأمتزجوا مع الآراميين وأصبحت اللغة العربية هي لغتهم خاصة ً بعد أن خضعوا لحكم العرب العدنانيون (عرب مستعربه)... والمفارقة هنا أن الآراميون في الأصل من العرب، والأنباط من العرب، ولاحاجة للتفريق بينهم وبين العرب العدنانيين (اليهود يحبون تعزيز هذه التفرقة في التاريخ لأن العدنانيون من ولد أسماعيل عليه السلام، ولهذا يطلق عليهم تسمية عرب مستعربه فأسماعيل عليه السلام تعلم العربية من قبيلة جرهم القحطانية، التي نزلت بمكة بعد تفجر عين زمزم فيها...أما اليهود فهم من ولد أسحاق عليه السلام)،،،
أطرف الروايات هي التي يروج لها المتعصبين للحضارة الفرعونية، بما أن أحد الفراعنة هو من بنى البتراء:
عندما خضعت بلاد الشام لحكم الفراعنة... وأسلوب البناء والكتابات والتماثيل المحفورة للملوك ولأصنام العرب القديمة، خير دليل على عدم صحة هذه الرواية،،،
تختلف الروايات بين الحقيقة والخيال وتبقى البتراء مدينة العرب الأنباط تحتفظ بسحرها وأسرارها،،،
عرفت قديماً بأسم سلع، وسماها الأنباط بالرقيم وتعني الحجر المحفور، ثم سماها الرومان بالبتراء وتعني في اللغة اليونانية القديمة الحجر المحفور،،،
أحتل الرومان المدينة في سنة 106 ميلادية بعد أن قاموا بمحاصرة المدينة الحصينة وقطعوا عنها قنوات المياه التي تزودها بالماء... فقدت البتراء أهميتها بعد أن أصبحت مدينة صغيرة في الولاية العربية التي أسسها الرومان وأشتغل أهلها بالزراعه إلى أن هجروها في نهايات القرن الثامن الميلادي بعد الزلازل المتوالية التي أصابت المدينة بأضرار كبيرة،،،
بعد ذلك فقدت المدينة وأهملت، وأختلطت قصتها بقصص التراث العربي لدرجة أن بعضهم أنكر وجودها، إلى أن جاء للمنطقة المستشرق الأنجليزي -السويسري يوهان لودفيج بركهارت، الذي درس اللغة العربية وأتقنها في مصر، ودرس الثقافة الإسلامية، وبعض المصادر تذكر بأنه أسلم ربما متأثرين بالخدعة التي قام بها ليضلل دليله البدوي في الرحلة التي قام بها من مصر إلى سوريا، وفي الطريق طلب من دليله أن يتوجه إلى الجبل القريب من البتراء والذي يعتقد بأن هارون عليه السلام دفن فيه بحجة تقديم أضحية... وعندما سمع السكان المحليون بطلبه تعاطفوا معه وسمحوا له بدخول المنطقة الجبلية التي تحتضن البتراء في أحد زواياها... وهناك أكتشف المستشرق بأن البتراء حقيقة لا خيال، وقام بوصفها و وضع رسوم لها في كتابه الذي صدر في عام 1828 بأسم "أسفاري في سوريا والأراضي المقدسة"... وبدأ المستشرقون بالتوافد على المنطقة ووصفها أحدهم بأنه لايوجد مثيل لها في العالم،،،
أهم المستشرقين الذين زاروا البتراء الفنان ديفيد روبرتس الأسكوتلندي في العام 1839 ووضع أول لوحات للمدينة عرفها العالم،،،
وفي العام 1924 بدأت المدرسة البريطانية للآثار في القدس بأعمال حفريات شاملة للكشف عن المدينة وتاريخها،،،