فمن أخلص أعماله لله،
مُتبعاً في ذلك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم،
فهذا الذي عمله مقبول،
ومن فَقَد الإخلاص،
والمتابعة لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم،
أو أحدهما
فعمله مردود
داخل في قوله تعالى:
{ وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ
فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا }
[الفرقان: 23]،
ومن جمع الأمرين
فهو داخل في قوله عز وجل:
{ وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا
مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ }
[النساء: 125]،
وفي قوله تعالى:
{ بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ
وَهُوَ مُحْسِنٌ
فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ
وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }
[البقرة: 112]،
فحديث عمر رضي الله عنه:
”إنما الأعمال بالنيات“
ميزان للأعمال الباطنة،
وحديث عائشة رضي الله عنها:
”من عمل عملاً ليس عليه أمرنا
فهو رد“
ميزان للأعمال الظاهرة،
فهما حديثان عظيمان
يدخل فيهما الدين كله:
أصوله، وفروعه، ظاهره وباطنه،
أقواله، وأفعاله [1].
وقد تكلم الإمام النووي
على حديث عائشة رضي الله عنها كلاماً نفيساً،
قال فيه:
"قوله صلّى الله عليه وسلّم:
”من أحدَثَ في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد“،
وفي الرواية الثانية:
”من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد“،
قال أهل العربية:
الرد هنا بمعنى المردود،
ومعناه: فهو باطل غير معتد به،
وهذا الحديث قاعدة عظيمة
من قواعد الإسلام،
وهو من جوامع كلمه صلّى الله عليه وسلّم،
فإنه صريح
في رد كل البدع ،
والمخترعات [1]،
وفي الرواية الثانية زيادة وهي:
أنه قد يعاند بعض الفاعلين
في بدعة سُبِقَ إليها،
فإذا احتج عليه بالرواية الأولى يقول:
أنا ما أحدثت شيئاً،
فيحتج عليه بالثانية
التي فيها التصريح
برد كل المحدثات،
سواء أحدثها الفاعل
أو غيره سبق بإحداثها " [2].
المطلب الثالث:
ذم البدعة في الدين:
جاء في ذم البدعة نصوص كثيرة من الكتاب والسنة،
وحذر منها الصحابة والتابعون لهم بإحسان،
ومن ذلك على سبيل الإيجاز ما يلي:
أولاً: من القرآن:
1- قال الله عز وجل:
{ هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ
مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ
وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ
فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ
فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ
ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ
وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ }
[آل عمران: 7]،
وقد ذكر الشاطبي رحمه الله
آثاراً تدل على أن هذه الآية
في الذين يجادلون في القرآن،
وفي الخوارج ومن وافقهم [1].
2- وقال عز وجل:
{ وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا
فَاتَّبِعُوهُ
وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ
فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ
ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }
[الأنعام: 153]،
فالصراط المستقيم هو سبيل الله
الذي دعا إليه، وهو السُنَّة،
والسبل هي سبل أهل الاختلاف
الحائدين عن الصراط
وهم أهل البدع [1]،
فهذه الآية تشمل النهي
عن جميع
طرق أهل البدع [2].
3- وقال سبحانه وتعالى:
{ وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ
وَمِنْهَا جَآئِرٌ
وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ }
[النحل: 9]
فالسبيل القصد هو طريق الحق،
وما سواه جائر عن الحق:
أي عادل عنه،
وهي طرق البدع والضلالات[1].
4- وقال عز وجل:
{ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ
وَكَانُواْ شِيَعًا
لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ
إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ
ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ }
[الأنعام: 159]،
وهؤلاء هم
أصحاب الأهواء،
والضلالات،
والبدع
من هذه الأمة[1].
5- وقال عز وجل:
{ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ،
مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ
وَكَانُوا شِيَعًا
كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ }
[الروم: 31-32].
6- وقال سبحانه وتعالى:
{ فَلْيَحْذَرِ
الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ
أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ
أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }
[النور: 63].
7- وقال عز وجل:
{ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ
عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ
أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ
أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً }
[الأنعام: 65].
8- وقال الله تعالى:
{ وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ،
إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ }
[هود: 118-119]،
والله عز وجل أعلم [1].