منتديات رياض الأنس - عرض مشاركة واحدة - اعلام الائمة
الموضوع: اعلام الائمة
عرض مشاركة واحدة
قديم 09-21-2018, 01:33 PM   #24


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: اعلام الائمة



بسم الله الرحمن الرحيم

اعلام الائمة

الدرس : ( الثانى و العشرون )


الموضوع : الإمام أبو حنيفة النعمان







ولد سنة 80 هجرية بالكوفة، أبوه هو ثابت بن زوطي، أسر جده في كابل (أفغانستان) على يد أحد فرسان بني تميم، وأحضره للعراق ثم أعتقه، فأصبح ولاءه لبني تميم (روى ذلك حفيد الإمام عمر بن حماد بن أبي حنيفة، وقد أنكر حفيده الآخر ذلك ونقل عنه قوله: " والله ما وقع لنا رق قط")... وأياً كانت الحقيقة فهي لا تنقص من قدر ومكانة أبي حنيفة، فهو وإن فقد فخر النسب، فقد أتاه الله سبحانه وتعالى فخر العلم، وهو أبقى وأزكى...

نقل الرواة أن أحد بني تميم الذين ينتمي إليهم ولاؤه قال لأبي حنيفة أنت مولاي, فقال له أبو حنيفة :"أنا والله أشرف لك منك لي"...

ولد في أسرة متدينة ميسورة الحال، فأبوه ثابت كان تاجر حرير موس ، التقى بالإمام علي بن أبي طالب رضي عنه طفلاً ودعا له ولذريته بالخير...
حفظ القرآن صغيراً، ونال قسطاً من العلوم في الحديث والنحو والفلسفة، وكان يرتاد المناظرات التي كانت تجري في الكوفة بين مختلف الطوائف ويناظر الملحدين وأهل الكتاب للدفاع عن الإسلام بفطرته السليمة...
أتجه للتجارة كأبيه، وفي أحد الأيام كان يجوب السوق فلمحه الفقيه التابعي الجليل عامر الشّعبي، وكان من سادة الفقهاء في الكوفة، يتفرس في وجوه المارّه، فوقع نظره على أبي حنيفة وهو يتعامل مع التجار فرأى فيه الفطنة والذكاء، فدعاه... وفي ذلك يروي أبو حنيفة: " قال لي : إلى من تختلف ؟ فقلت : أختلف إلى السّوق، قال : لم أعن الاختلاف إلى السّوق ، عنيت الاختلاف إلى العلماء ، فقلت له : أنا قليل الاختلاف إليهم ، فقال لي : لا تغفل ، وعليك النّظر في العلم ومجالسة العلماء؛ فإنّي أرى فيك يقظة وحركة ، فوقع في قلبي من قوله ، فتركت الاختلاف إلى السّوق, وأخذت في طلب العلم فنفعني الله به"...
أتجه أبو حنيفة للعلم وترك أمر تجارته لشريكه، وكان قد بلغ من العمر واحد وعشرين عاماً (وقيل أثنان وعشرون)، فأتخذ من حمّاد بن سلمان أستاذاً له وجالس في دروسه لمدة ثمانية عشر عاماً (وقيل عشرون)، منقطعاً له مقبلاً عليه ولزمه كظله، ينهل من علومه في شتى المجالات...
كان فقه حمّاد مطابقاً لفقه الإمامين الجليلين علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود، وذلك لانّ هذا الفقه أخذه حمّاد عن شيخه ابراهيم النّخعي الذي اخذه عن ثلاثة اعلام وهم علقمة بن قيس والقاضي شريح بن الحارث ومسروق بن الاجدع الوادعي الذين هم بدورهم ورثوه عن الإمامين الجليلين علي بن أبي طالب وعبدالله بن مسعود، وكان أبو حنيفة اشهر تلاميذ حمّاد وأقربهم إليه، وكان حمّاد يقول بالرأي كأستاذه النّخعي، ومن ثمّ كان انتماء أبي حنيفة الى مدرسة الرأي ثم تزعّمه لها...
كما سمع أبو حنيفة وهو صبي من أنس بن مالك خادم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، عندما كان يزور الكوفة، ولذلك اعتبر أبي حنيفة تابعياً لأنه سمع من الصحابي الجليل أنس بن مالك، كما استمع الى التابعيّ الفقيه هشام بن عروة بن الزبير بن العوّام (الذي كان يعدّ شيخا للإمام مالك واللّيث بن سعد) ووكيع بن الجرّاح و سعيد بن مسروق والد الإمام سفيان الثوري، كما كان لأبي حنيفة حظّ الاستماع إلى الفقيه المحدث التابعي الجليل عطاء بن رباح...
ومن آل البيت رضوان عليهم، أيضا أخذ أبو حنيفة عن الإمام زيد بن علي زين العابدين بن الحسين، وأمتاز عن غيره بكونه مجمع ثقافات عديدة ووعاء للمعرفة... (وربما يكون هو سبب تأثر الإمام أبو حنيفة بعقيدة المعتزلة الفكرية)...
ومن شيوخ أبي حنيفة من آل البيت أيضاً، عبدالله المحض بن الحسن بن الحسن بن علي ابن ابي طالب، رضي الله عنهم، والذي لازمه لفترة ليست بالقصيرة... أوليس جزء من علم الإمام أبي حنيفة بأثر ينسب إلى عبدالله المحض؟



مواقف أبو حنيفة السياسية

كان ابو حنيفة محبّاً للرسول صلى الله عليه وسلم وآل بيته، وكان يفعل ذلك تديّناً وليس تشيّعاً، وكان يجلّ الخلفاء الرّاشين ويخصّ الإمام علي رضي الله عنه بمزيد من الحبّ لانه من آل بيت النبوة أولاً، ثمّ شعوراً منه بأن الخير والبركة التي تحفّه من كل جانب، وهي بركة العلم وبركة المال، هي ثمرة زكيّة لدعوة مباركة دعاها علي بن أبي طالب رضي الله عنه لوالده ثابت حين التقى به في الكوفة...

عاش أبو حنيفة قرابة الخمسين سنة من عمره تحت حكم بني امية، ورآه حكماً عضوضاً يخاصم آل البيت ويحاربهم ويسفك دماءهم، فأتّخذ أبو حنيفة موقفاً معادياً من حكم بني أمية... وعند خرج الإمام زيد على هشام بن عبدالملك،سنة مائة وواحد وعشرون هجرية، كان أبو حنيفة داعماً لهذه الثّورة وأحد مموّليها، وقد بعث للإمام زيد بعشرة الاف درهم، ولما خمدت الثّورة بأستشهاد الإمام زيد رضي الله عنه، قال أبو حنيفة:"لو علمت أن الناس لا يخذلونه كما لا يخذلون أباه لجاهدت معهم لانه إمام حق[1]"... ويروى ايضاً أنه قيل لأبي حنيفة: لما تخلفت عن المشاركة في القتال؟ فأجاب: "حبسني عن ذلك ودائع الناس، وقد عرضتها على ابن أبي ليلى فلم يقبل، فخفت أن أموت مجهلا[2]".
كما تعرّض أبو حنيفة النعمان هو نفسه للضّرب والأذى عندما دعاه الوالي الأموي على العراق ابن هبيرة لتولي القضاء أو بيت المال وقيل أن أبي هبيرة كان يريد أن يجعل خاتم الدولة في يد أبي حنيفة بحيث لا تخرج رسالة الإ من تحت يده، فأبى أبو حنيفة قائلاً: "لو أرادني أن أعدّ له أبواب مسجد واسط لم أدخل في ذلك، فكيف وهو يريد منّي أن يكتب دم رجل يضرب عنقه وأختم أنا على ذلك الكتاب؟ فوالله لا أدخل في ذلك أبدا[3]"، وقدر لأبي حنيفة أن أخلي سبيله فهرب الى مكة ومكث بها ست سنوات الى أن زال حكة بني أمية واستقر الامر لبني العبّاس...

استبشر ابو حنيفة بزوال الظّلم عن آل البيت وكافة المسلمين، وظن أن هذا العهد الجديد ستكون سمته العدل والتسامح وتكريم آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإعطائهم المكانة المرموقة التي يستحقّونها، فبايعهم الإمام ابو حنيفة بيعة رضى وصدق وطمأنينة أملا في أن يلتزموا بالعدل ويشيعوا الامان ويصونوا أموال الدولة وينتهي الظلم والعدوان...

لم يكن الامر كما توقّع أبو حنيفة خصوصاً بعدما آلت الخلافة إلى أبي جعفر المنصور... الذي توجس خيفة من محمّد وابراهيم ابني عبد الله المحض بن الحسن، وأمر أبوهما بتسليمهما إليه، وكانا فد غابا عن العيون، فلما لم يستجب اليه، وضعه تحت الاقامة الجبرية مقيّدا في بيته، ثم نقله الى سجن بالكوفة حتى لقي ربّه وعمره انذاك خمس وسبعين سنة. وكان ذلك سنة مائة وخمس وأربعين هجرية، فلمّا علم محمد وابراهيم بموت أبيهما خرجا على المنصوركما سبق وأشرنا في المحطة السابقة، إلا أنّ ثورتهما لم يكتب لها النجاح رغم أن صفوة العلماء خرجوا معهما وأفتوا بمشروعية خروجهما، وفي مقدمتهم الإمامان الجليلان أبو حنيفة ومالك... من أسباب توجس المنصور من أبني عبدالله المحض هو أفتتان الناس بمحمد بن عبدالله الذي لقّب بالشّبه لشدّة شبهه برسول الله صلى الله عليه وسلم، و يلقّب أيضاً بالنّفس الزّكية لورعه وتقواه، وأمّا ابراهيم فكان يعرف بابراهيم الإمام وبالنفس التقية، (والدعوة العباسية أستندت إلى أن مهدي آخر الزمان هو من آل العباس وليس من الطالبيين، وأصبحت لديهم قناعة تامة بهذه الفكرة حتى أكثروا من تسمية أبنائهم بعبدالله ومحمد)...

أمام ما جرى لشيخه من سجن ومهانة، عمد أبو حنيفة إلى مساندة الثّورة بوسائل شتّى، فكان يثبّط قوّاد المنصور من حرب محمّد وابراهيم وكان أيضاً يدفع النّاس إلى خوض غمار الحرب ضد بني العبّاس، وكان يجهر بموقفه هذا في حلقه ومجالسه، "فأرسل المنصور الى عيسى ابن موسى أن أحمل أبا حنيفة، فحمله الى بغداد، فعاش بعد ذلك خمسة عشر يوما[4]"...

وهناك رواية أخرى ذكر فيها أن المنصور الخليفة العبّاسي طلب أبا حنيفة أن يتولّي منصب قاضي القضاة, فأمتنع أبو حنيفة (لعلمه بأنها وسيلة لإسكاته), فحلف وأغلظ المنصور إن لم يفعل ليحبسنّه وليشدّدن عليه, فأمتنع أبو حنيفة وشدّد في الامتناع، فكان جزاؤه أن يخرج به من السّجن ويضرب عشرة أسواط يومياً وينادى به في الأسواق حتى سال الدم من قدميه وضيّق عليه تضييقاً شديداً في مأكله ومشربه, واستمر هكذا حاله لمدّة عشرة أيام, فتوفّي بعد خمسة عشر يوما من سجنه، وقيل أنّه رفع إليه قدح فيه سمّ فأمتنع عن شربه، وقال: "انّي لا أعلم ما فيه ولا أعين على قتل نفسي"، فطرح ثم صبّ في فيه قهراً فمات وكان ذلك سنة 150 للهجرة...




ملامح من شخصية الإمام أبو حنيفة وصفاته:

كان الامام من السموّ بحيث حاز كل صفات الإمامة العلمية والريادة الفكرية والزعامة الدينيّة، كان ذا علم وفقه، وفصاحة وبيان، وورع وتقوى، وعقل وبديهة، وشجاعة وعفة، ومروؤة وجود، وتواضع وحلم، وسماحة ووقار، وأمانة وصدق، وبرّ ووفاء. سنقف عند بعض هذه الشمائل للامام[1].



  • احترامه وتقديره لمن علّمه الفقه، فقد ورد عن ابن سماعة، أنه قال: سمعت أبا حنيفة يقول: "ما صلّيت صلاة مُذ مات حمّاد إلا استغفرت له مع والدي، وإني لأستغفر لمن تعلّمت منه علماً، أو علّمته علماً".
  • سخاؤه في إنفاقه على الطّلاب والمحتاجين وحسن تعامله معهم، وتعاهدهم مما غرس محبّته في قلوبهم حتى نشروا أقواله وفقهه، ولك أن تتخيّل ملايين الدّعوات له بالرّحمة عند ذكره في دروس العلم في كل أرض... نسأل الله من فضله، ونسأل الله لإمامنا أن يتغمّده بواسع رحمته، ومن عجائب ما ورد عنه أنّه كان يبّعث بالبضائع إلى بغداد، يشتري بها الأمتعة، ويحملها إلى الكوفة، ويجمع الأرباح عنده من سنة إلى سنة، فيشتري بها حوائج الشيوخ المحدّثين وأقواتهم، وكسوتهم، وجميع حوائجهم، ثم يدفع باقي الدنانير من الأرباح إليهم، فيقول : "أنفقوا في حوائجكم، ولا تحمدوا إلا الله، فإني ما أعطيتكم من مالي شيئاً، ولكن من فضل الله عليَّ فيكم، وهذه أرباح بضاعتكم، فإنه هو والله مما يجريه الله لكم على يدي فما في رزق الله حول لغيره"... وحدث حجر بن عبد الجبّار، قال: ما أرى النّاس أكرم مجالسة من أبي حنيفة، ولا أكثر إكراماً لأصحابه... وقال حفص بن حمزة القرشي: "كان أبو حنيفة ربما مرّ به الرّجل فيجلس إليه لغير قصد ولا مجالسة، فإذا قام سأل عنه، فإن كانت به فاقة وصله، وإن مرض عاده"...
  • حرصه على هيبة العلم في مجالسه، فقد ورد عن شريك قال كان أبو حنيفة طويل الصمت كثيرالعقل...
  • الاهتمام بالمظهر والهيئة بما يضفي عليه المهابة، فقد جاء عن حماد بن أبي حنيفة أنه قال: "كان أبي جميلاً تعلوه سمرة حسن الهيئة، كثير التعطر هيوباً لايتكلّم إلا جواباً ولا يخوض _رحمه الله_ فيما لا يعنيه"... وعن ابن المبارك قال: "ما رأيت رجلاً أوقر في مجلسه ولا أحسن سمتاً وحلماً من أبي حنيفة."
  • كثرة عبادته وتنكسّه - رحمه الله، فقد قال أبو عاصم النبيل كان أبو حنيفة يسمى الوتد لكثرة صلاته، واشتهر عنه أنه كان يحيى الليل صلاة ودعاء وتضرّعاً. وذكروا أن أبا حنيفة _رحمه الله_ صلى الصبح بوضوء العشاء أربعين سنة... وروى بشر بن الوليد عن القاضي أبويوسف قال: " بينما أنا أمشي مع أبي حنيفة إذ سمعت رجلاً يقول لآخر هذا أبو حنيفة لاينام الليل فقال أبو حنيفة والله لا يتحدث عني بما لم أفعل فكان يحيى الليل صلاةً وتضرّعا ًودعاءً" , ومثل هذه الروايات عن الأئمّة موجودة بكثرة، والتشكيك في ثبوتها له وجه، لإشتهار النهي عن إحياء الليل كله، وأبو حنيفة _رحمه الله_ قد ملأ نهاره بالتعليم مع معالجة تجارته، فيبعد أن يواصل الليل كله... وإن كانت عبادة أبي حنيفة وطول قراءته أمر لا ينكر، بل هو مشهور عنه _رحمه الله_... فقد روي من وجهين أن أبا حنيفة قرأ القرآن كله في ركعة.
  • خوفه من الله تعالى... فقد روى لنا القاسم بن معن أن أبا حنيفة قام ليلة يردد قوله _تعالى_ " بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر " القمر (46) ويبكي ويتضرع إلى الفجر.
  • ومن مظاهر القدوة شدة ورعه، وخصوصاً في الأمور المالية، فقد جاء عنه أنه كان شريكاً لحفص بن عبد الرحمن، وكان أبو حنيفة يُجهز إليه الأمتعة، وهو يبيع، فبعث إليه في رقعة بمتاع، وأعلمه أن في ثوب كذا وكذا عيباً، فإذا بعته، فبين العيب... فباع حفص المتاع، ونسى أن يبين، ولم يعلم ممن باعه، فلما علم أبو حنيفة تصدّق بثمن المتاع كله...
  • تربيته لنفسه على الفضائل كالصدقة، فقد ورد عن المثنى بن رجاء أنه قال جعل أبو حنيفة على نفسه إن حلف بالله صادقاً أن يتصدق بدينار وكان إذا أنفق على عياله نفقة تصدق بمثلها.
  • حلمه مع عامة الناس، لأن من تصدّى للنّاس لا بد وأن يأتيه بعض الأذى من جاهل أو مغرر به، ومن عجيب قصصه ما حكاه الخريبي قال: كنا عند أبي حنيفة فقال رجل: إني وضعت كتاباً على خطك إلى فلان فوهب لي أربعة آلاف درهم فقال أبو حنيفة إن كنتم تنتفعون بهذا فافعلوه... وقد شهد بحلمه من رآه، قال يزيد بن هارون ما رأيت أحداً أحلم من أبي حنيفة , وكان ينظر بإيجابية إلى المواقف التي ظاهرها السوء، فقد قال رجل لأبي حنيفة اتق الله فانتفض واصفر وأطرق وقال جزاك الله خيراً ما أحوج الناس كل وقت إلى من يقول لهم مثل هذا , وجاء إليه رجل، فقال: يا أبا حنيفة، قد احتجت إلى ثوب خز , فقال: ما لونه؟ قال: كذا، وكذا , فقال له: اصبر حتى يقع، وآخذه لك، _إن شاء الله تعالى_ , فما دارت الجمعة حتى وقع، فمر به الرجل، فقال: قد وقعت حاجتك، وأخرج إليه الثوب، فأعجبه، فقال: يا أبا حنيفة، كم أزن؟ قال: درهماً , فقال الرجل: يا أبا حنيفة ما كنت أظنك تهزأ , قال: ما هزأت، إني اشتريت ثوبين بعشرين ديناراً ودرهم، وإني بعت أحدهما بعشرين ديناراً، وبقي هذا بدرهم، وما كنت لأربح على صديق.
  • الجدية والاستمرار وتحديد الهدف، فقد وضع نصب عينيه أن ينفع الأمة في الفقه والاستنباط، وأن يصنع رجالاً قادرين على حمل تلك الملكة.
  • ترك الغيبة و الخوض في الناس فعن ابن المبارك: قلت لسفيان الثوري، يا أبا عبد الله، ما أبعد أبا حنيفة من الغيبة، وما سمعته يغتاب عدوا له قط. قال: هو والله أعقل من أن يسلّط على حسناته ما يذهب بها... بل بلغ من طهارة قلبه على المسلمين شيئاً عجيباً، ففي تاريخ بغداد عن سهل بن مزاحم قال سمعت أبا حنيفة يقول: "فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه" قال: كان أبو حنيفة يكثر من قول: "اللهم من ضاق بنا صدره فإن قلوبنا قد اتسعت له".
  • ومن أهم مظاهر القدوة في شخصيته حرصه على بناء شخصيات فقهية تحمل عنه علمه، وقد نجح أيّما نجاح... ومن طريف قصصه مع تلاميذه التي تبين لنا حرصه على تربيتهم على التواضع في التعلم وعدم العجلة , كما في (شذرات الذهب): لما جلس أبو يوسف _رحمه الله_ للتدريس من غير إعلام أبي حنيفة أرسل إليه أبو حنيفة رجلاً فسأله عن خمس مسائل وقال له: إن أجابك بكذا فقل له: أخطأت، وإن أجابك بضده فقل له: أخطأت فعلم أبو يوسف تقصيره فعاد إلى أبي حنيفة فقال "تزبيت قبل أن تحصرم" – يعنى تصدرت للفتيا قبل أن تستعد لها فجعلت نفسك زبيباً وأنت لا زلت حصرماً.
  • ومن أشد مظاهر القدوة في شخصيته تصحيحه لمفاهيم مخالفيه بالحوار الهادئ، قد كان التعليم بالحوار سمة بارزة لأبي حنيفة، وبه يقنع الخصوم والمخالفين، وروي عن عبد الرزاق قال: شهدت أبا حنيفة في مسجد الخيف فسأله رجل عن شيء فأجابه فقال رجل: إن الحسن البصري يقول كذا وكذا قال أبو حنيفة أخطأ الحسن قال: فجاء رجل مغطى الوجه قد عصب على وجهه فقال: أنت تقول أخطأ الحسن ثم سبّه بأمّه ثم مضى فما تغير وجهه ولا تلوّن ثم قال: إي والله أخطأ الحسن وأصاب بن مسعود.
  • ومن مظاهر القدوة عدم اعتقاده أنه يملك الحقيقة المطلقة وأن غيره من العلماء على خطأ؛ فقد جاء في ترجمته في تاريخ بغداد عن الحسن بن زياد اللؤلؤي يقول: سمعت أبا حنيفة يقول قولنا هذا رأي، وهو أحسن ما قدرنا عليه فمن جاءنا بأحسن من قولنا فهو أولى بالصواب منا .
أهم ما تركه أبو حنيفة للفقهاء ولعامة المسلمين:





ذكرت لكم أن أبا حنيفة جالس الإمام زيد بن علي وتأثر بعلمه، ويبدو أنه أخذ عنه طريقته في أستنباط الأحكام الفقهية فيما لم يرد فيه نص، وذلك بالأخذ بالقياس... وأن كان الفقهاء ينسبون القياس للإمام أبي حنيفة، إلا أني رأيت أن أشير لهذه النقطة عملاً بمبدأ إعطاء كل ذي حق حقه، فالقياس اليوم هو أحد أهم مصادر التشريع فيما يستجد من أمور على المسلمين لا يوجد فيها نص شرعي من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة،،،





يمكن أن نستكشف أصول مذهب أبو حنيفة من خلال مقولته المشهورة: " إني آخذ بكتاب الله إذا وجدته، فما لم أجده فيه أخذت بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا لم أجد فيها أخذت بقول أصحابه من شئت، وادع قول من شئت، ثم لا أخرج من قولهم إلى قول غيرهم، فإذا انتهى الأمر إلى إبراهيم، والشعبي والحسن وابن سيرين وسعيد بن المسيب فلي أن أجتهد كما اجتهدوا"... فكان له الفضل بفتح باب الأجتهاد وعدم حصره على الفقهاء والعلماء من التابعين، كما أنه فرق بين الصحابة، فوضع الخلفاء الراشدين وبعض الصحابة من أهل الرأي كعبدالله بن مسعود في منزلة أعلى من حيث وزنهم العلمي وقدرهم الفقهي، عن غيرهم وأعتبر أقوالهم وفتاوهم من مصادر التشريع، عملاً بقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم "أصحابي كالنجوم بأيهم أقتديتم أهتديتم"، وكان لأبي حنيفة أسلوباً مميزاً في أستخدام القياس للبحث عن الأحكام، وذلك عن طريق عرض المسألة على تلاميذ العلماء في حلقة الدرس ليدلي كلٌّ بدلوه، ويذكر ما يرى لرأيه من حجة، ثم يعقِّب هو على آرائهم بما يدفعها بالنقل أو الرأي، ويصوِّب صواب أهل الصواب، ويؤيده بما عنده من أدلةٍ، ولربما تقضَّت أيام حتى يتم تقرير تلك المسألة... وهذه هي الدراسة المنهجية الحرة الشريفة التي يظهر فيها احترام الآراء، ويشتغل فيها عقل الحاضرين من التلامذة، كما يظهر علم الأستاذ وفضله، فإذا تقررت مسألة من مسائل الفقه على تلك الطريقة، كان من العسير نقدها فضلاً عن نقضها، ولم يقف اجتهاد أبي حنيفة عند المسائل التي تعرض عليه أو التي تحدث فقط، بل كان يفترض المسائل التي لم تقع ويقلّبها على جميع وجوهها ثم يستنبط لها أحكاماً، وهو ما يسمى بالفقه التقديري وفرص المسائل، وهذا النوع من الفقه يقال إن أبا حنيفة هو أول من استحدثه، وقد أكثر منه لإكثاره استعمال القياس، روي أنه وضع ستين ألف مسألة من هذا النوع... وقد عاب البعض على الحنفيين مبالغتهم في أفتراض المسائل التي تم تقع بحجة إيجاد الرأي الشرعي فيها، حتى أطلق البعض عليهم جماعة " ال أرأيتين"، بسبب قولهم عند أفتراض المسائل "أرأيت لو حدث كذا وكذا"،،،





وقد جادل فقهاء المدينة أبو حنيفة على أكثاره من أستخدام القياس، لكنه نجح في أقناعهم بوجهة نظره ونقل لنا الرواة موقفه مع أحدهم... " لقد أتّهم أبو حنيفة على أنّه يقدّم القياس على السنّة وتوسّعت دائرة الاتّهام حتى بلغ الى أسماع الإمام الجليل محمّد الباقر، فلما التقيا بالمدينة المنورة وكان ذلك أول مرّة، قال الباقر لأبي حنيفة: أنت الذي حولت دين جدّي وأحاديثه بالقياس؟ فقال أبو حنيفة: معاذ الله، فقال محمّد: بل حوّلته، وهنا قال له أبو حنيفة: اجلس مكانك كما يحقّ حتّى أجلس كما يحقّ لي، فإن لك عندي حرمة كحرمة جدّك صلّى الله عليه وسلّم في حياته على أصحابه، فجلس، ثم جثا أبو حنيفة بين يديه ثم قال: إني سائلك عن ثلاث كلمات فأجبني: الرجل أضعف ام المرأة؟ فقال محمد: المرأة، فقال أبو حنيفة: كم سهم المرأة؟ فقال الباقر للرّجل سهمان وللمرأة سهم، فقال أبو حنيفة: هذا قول جدّك، ولو حوّلت دين جدّك لكان ينبغي في القياس أن يكون للرّجل سهم، وللمرأة سهمان لأن المرأة أضعف من الرجل.. ثم قال: الصّلاة أفضل أم الصّوم؟ فقال محمّد: الصّلاة أفضل، قال: هذا قول جدّك ولو حوّلت قول جدّك لكان القياس أن المرأة اذا طهرت من الحيض أمرتها أن تقضي الصلاة ولا تقضي الصّوم.. ثم قال: البول أنجس أم النطفة؟ قال البول أنجس. قال: فلو كنت حوّلت دين جدّك بالقياس لكنت أمرت أن يغتسل من البول ويتوضأ من النطفة، ولكن معاذ الله أن أحول دين جدّك بالقياس... فقام الامام محمد الباقر فعانقه وقبل وجهه وأكرمه.[1]






وصف الإمام أبو حنيفة بأنه من أقوى الفقهاء حجةً وبياناً، ولم تقتصر مناظرته على الفقهاء في المدينة، والملاحدة في العراق بل أمتدت لتشمل الخوارج والشيعة في العراق والجبريين والجهميين، فأفحمهم جميعاً وألزمهم الحجة... فلا عجب أن يشن الروافض وعلى فترات مختلفة من التاريخ هجوماً عنيفاً على أبي حنيفة في محاولات بائسة للتقليل من شأنه وقدره العلمي ومكانته عند أهل السنة، متهمينه بأخذ العلم والتتلمذ على يد الإمام جعفر الصادق، وقد رد عليهم بعض العلماء في ذلك بأنه لو صح فلما الأختلاف في العقيدة والأصول والفقة بين المذهب الجعفري والمذهب الحنفي؟





وللأسف وجد أيضاً من أهل السنة من أتهم أبا حنيفة بالإرجاء والقول في خلق القرآن، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية في ذلك: " إن الأئمة المشهورين كلهم يثبتون الصفات لله عز وجل، ويقولون: إن القرآن كلام الله ليس بمخلوق، ويقولون: إن الله يُرى في الآخرة، هذا مذهب الصحابة والتابعين لهم بإحسان من أهل البيت وغيرهم، وهذا مذهب الأئمة المتبوعين فقط، مالك بن أنس، والثوري، والليث بن سعد، والأوزاعي، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد".




أنتشار المذهب الحنفي:
نشأ المذهب الحنفي بالكوفة مسقط رأس ومكان نشأة إمامه أبو حنيفة النّعمان ثمّ تدارسه العلماء بعد وفاة شيخه الى بغداد ثم شاع بعد ذلك في أصقاع الدّنيا... وقد ساعد المذهب على الإنتشار تولي أبي يوسف تلميذ أبي حنيفة منصب قاضي القضاة سنة سبعين ومائة، حيث لا يولّى قاض في كل البلاد الإسلامية من أقصى المشرق الى بلاد أقصى المغرب إلا من يشير به ويرتضيه، وحتما لا يولّي الّا أصحابه الذين يرتضون طريقته في الإجتهاد والفتيا، وهي طريقة أبي حنيفة... ولذلك قال ابن حزم:" مذهبان انتشرا في بدء امرهما بالرياسة والسّلطان، الحنفيّ بالشرق والمالكيّ بالاندلس[1]". كما ساعد على انتشاره نشاط العلماء فيه والعمل على نشره، ومن المناظرات التي كانت تقوم بينهم وبين غيرهم من أصحاب المذاهب الاخرى.
وعمل على نشره أبي عبد الله أسد بن الفرات لما تولى القضاء بإفريقيّة حتى شاع فيها... قال ابن فرحون:" ان المذهب الحنفيّ ظهر ظهورا ًكثيراً بإفريقية الى سنة أربع مائة، وانقطع بعدها، ودخل منه شئ الى ما وراءها من المغرب قديماً الى الاندلس[2]".

أماّ مصر فقد عرفت المذهب الحنفيّ لما تولّى قضاءها اسماعيل بن اليسع الكوفي، وكان كذلك مع القاضي الحنفي قضاة من المذاهب الشافعي والمالكي، فكان القضاء بين هذه المذاهب الثلاثة، فيتولاّه الحنفية تارة والمالكيّة أخرى والشافعية ثالثة... وأستمرّ الامر كذلك إلى أن استولّى الفاطميّون على مصر، فجعلوا مذهب الشيعة الاسماعيليّة هو المذهب الرسمي... فكان منهم القضاة الا أن ذلك لم يقضي على المذاهب الاخرى، بل كان الناس يتبعون مذاهبهم السنية، والدولة تغض الطّرف عنهم ولا ينظرون الى المذاهب الاخرى نظرة معاداة الا أنّهم لم يسمحوا للمذهب الحنفي بالظّهور، ولم يصنعوا ذلك مع الأخذين بالمذاهب الأخرى وذلك يعود لإنّ المذهب الحنفي مذهب الدولة العباسيّة الرسمي...

ولما قامت الدّولة الأيّوبيّة، اتّجهت إلى اعادة المذهب الشافعي والمذهب المالكي وذلك لإن صلاح الدّين الايّوبي شافعيّ والشّعب كان مالكيّاً، ولكن لمّا آل الأمر الى نورالدين الشّهيد في الشّام وكان حنفيّاً، نشر مذهبه في الشّام، ومن الشّام قدم إلى مصر وانتشر بين كل فئات الشّعب، فكثر المعتنقون للمذهب، وقوي بعد ذلك وانتشر لما توثّقت العلاقة بين صلاح الدّين والدّولة العبّاسيّة وأنشأ للحنفيّة المدرسة السيوغية بالقاهرة.

ولما استولى العثمانيّون على مصر كان القضاء كلّه على مذهب أبي حنيفة، فرغب كثير من طلبة العلم في معرفته ...

وأمّا بلاد المشرق والعراق وما وراءه أي خرسان وسجستان وما وراء النهر كان المعتنقون للمذهب الحنفي كثير (بسبب أصل أبي حنفية)... وكان المذهب الحنفي غالباً على أهل أرمينية وأذريبيجان وتبريز وأهل الري والأحواز ثم كان في أقليم فارس كثير من الحنفية ثم غلب عليها المذهب الشيعي الإثنا عشري المنسوب للإمام جعفر الصادق... أما الهند فيكاد المذهب الحنفي ينفرد بالسلطان ومسلمو الصّين أكثرهم من الحنفية...

إمام وشهيد آخر... ترك أثراً كبيراً في العالم الإسلامي ولازال أثره باقياً إلى اليوم، ويكفي أن كل عقود الزواج تتم وفق المذهب الحنفي، لأنه كان أول من قال بإن الزواج علاقة شراكة بين فردين تقتضي وجود عقد نكاح،،،

أقيمت له صلاة الجنازة أكثر من مرة يوم وفاته لما حضي به من حب وتكريم من قبل عامة الناس... شخصية أخرى تحبس الأنفاس وتثير في النفس الكثير... أرجو أن نتعلم منها ونقتدي بها في بعض أمور حياتنا،،،








 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس