وفي العراق ألتقى الإمام زيد بواصل بن عطاء مؤسس فرقة المعتزلة (سنتعرف عليه اكثر في محطتنا التالية)، وكان في سن الإمام زيد وتدارس معه زمناً، خاصة وأن واصل بن عطاء هذا قد تتلمذ على يد عبدالله بن محمد بن الحنفية ابن عم الإمام زيد.
أدت هذه المدارسة بين العالمين إلى تقارب وجهات النظر بينهم وتبينهم نفس الأفكار وخاصة مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتوصلا إلى دور العقل في حياة الإنسان، فكانا أول المتكلمين في الإسلام عن دور العقل وأهميته في إدراك العلاقة بين العبد وربه.
الوضع السياسي:
آلت الخلافة في سنة 105 هجرية إلى هشام بن عبدالملك، أقوى ملوك بني أمية بعد معاوية بن أبي سفيان وأبوه عبدالملك بن مروان، وفي عهده نشطت الدعوة للإمام الهادي من آل البيت من بني هاشم، وكان خلف هذه الدعوة بنو العباس من أبناء محمد بن علي بن عبدالله بن عباس رضي الله عنه، وظن الناس أنهم يدعون لإمام من آل البيت الطالبيين أو هكذا أوهمهم بنو العباس، حتى تمكنوا من الأمر وجلسوا على كرسي الخلافة.
وبما أن هذه الدعوة نشطت في خراسان، وكانت عيون هشام تنقل إليها أخبارها، وأخبار العالم الشاب الفقيه من آل البيت الذي يجوب العراق ويناظر علمائها من مختلف الفرق الإسلامية، وأصبح له قاعدة جماهيرية من شيعة العراق، وظن هشام أن زيداً بن علي هو هذا الإمام الذي تتم الدعوة له في خراسان، وأن لم يظهر منه ما يثير الريبة والشك، فعمد إلى التضييق عليه وإحراجه عله يكشف عما في نفسه.
v الأيقاع بين أحفاد السبطين:
أوعز هشام إلى واليه على المدينة خالد بن عبدالملك أن يزيد التنازع بين الحسنين والحسينيين، وأن لا يبت ولا يفصل الخلاف البسيط الذي نشأ بين زيد بن علي وابن عمه جعفر بن الحسن بن الحسن على بعض أوقاف الإمام علي، وتوفي جعفر والخلاف لم يحسم، وأنتقل الأمر إلى عبدالله بن الحسن بن الحسن بعد أخيه، ويروي ابن الأثير في الكامل وصف الخصومة بين أبناء العمومة كما تناقله الرواة " وأندفع عبدالله بن الحسن وقال لزيد في الخصومة: يابن السندية، فضحك زيد، وقال: قد كان أسماعيل أبناً لأمة، ومع ذلك صبرت بعد وفاة سيدها، إذا لم يصبر غيرها" ([1])، وقد ندم الإمام زيد على هذا القول ولم يدخل على عمته زمناً حتى أرسلت إليه " يابن أخي: أني أعلم أن أمك عندك كأم عبدالله عنده" وقد نهرت أبنها عبدالله بقولها "بئس ما قلت لأم زيد أما والله لنعم دخيلة القوم كانت"، وكان ابن عبدالملك يحاول أطالة أمد الخلاف لتزداد الشقة بين أبناء آل البيت، ويعرض بهم أمام الناس يتبادلون الشتائم، وأرسل إليهم ليجتمعوا إليه في الغداة وأجتمع معهم الناس بين مهموم وشامت، وفطن الإمام زيد بفراسته لذلك، "فلما أراد عبدالله أن يبدأ الكلام، قاطعه زيد قائلاً: لا تعجل يا أبا محمد، أعتق زيد ما يملك أن خاصمك إلى خالد أبداً، ثم أقبل على خالد فقال: أَجمَعت ذرية رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لأمر ما كان يجمعهم عليه أبوبكر ولا عمر"، في أشارة إلى أنهما تصالحا دون الحاجة إليه ليحكم بينهم.... "وقام ابن عبدالملك يحرض الجالسين على زيد لإحراجه وإيذائه قائلاً: أما لهذا السفيه أحد، فتكلم رجل من ذرية الأنصار، فقال: يابن أبي تراب، وابن حسين السفيه، أما ترى للوالي عليك حقاً ولا طاعة، فقال زيد: أسكت أيها القحطاني فإنا لا نجيب مثلك، فرد عليه الرجل: ولم ترغب عني، فوالله إني لخير منك، وأبي خير من أبيك، وأمي خير من أمك، فتضاحك زيد وقال: يا معشر قريش هذا الدين قد ذهب، فذهبت الأحساب فوالله ليذهب دين القوم وما تذهب أحسابهم، فتكلم عبدالله بن واقد بن عبدالله بن عمر بن الخطاب فقال: كذبت والله أيها القحطاني فوالله لهو خير منك نفساً وأماً وأباً ومحتداً، وتناوله بكلام كثير وأخذ كفاً من حصباء وضرب بها الأرض ثم قال: إنه والله مالنا على هذا من صبر".
v مواجهة الإمام زيد لهشام بن عبدالملك:
وما كان من الإمام زيد ألا التوجه إلى الشام لمقابلة هشام بن عبدالملك، ليشكو إليه أمر خالد بن عبدالملك، وكان هشام لا يأذن له بالدخول، وكلما رفع إليه كتاباً بأمر كتب هشام أسفله ارجع إلى منزلك. وأقسم زيد على أن لا يعود للمدينة حتى يلقى هشاماً، وأذن له الأخير بعد طول أمتناع، وعندما دخل عليه الإمام زيد وعرض عليه بعض ما كان "قال هشام: لا أصدقك، فقال زيد: يا أمير المؤمنين إن الله لا يرفع أحداً عن أن يرضى بالله، ولم يضع أحداً عن أن لا يرضى بذلك منه، فقال هشام: لقد بلغني يا زيد أنك تذكر الخلافة وتتمناها ولست هنالك وأنت أبن أمة، فقال زيد: إن لك جواباً، فقال هشام: فتكلم، فقال زيد: إنه ليس أحد أولى بالله ولا أرفع عنده من نبي أبتعثه، وقد كان أسماعيل عليه السلام ابن أمة وأخوه أبن صريحة فأختاره الله عليه وأخرج منه خير البشر، وما على أحد من ذلك إذ كان جده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأبوه علي ابن أبي طالب ما كانت أمه، فقال له هشام: أخرج، فقال له الإمام زيد: أخرج ثم لا أكون ألا بحيث تكره" ([2]).
وفي هذا النص دليل واضح على أن الإمام زيد لم يكن ينوي الخروج على الخلافة الأموية وما أجبره على ذلك إلا سوء معاملة هشام له وتجنيه عليه، مع الأخذ بعين الأعتبار دعوات أهل العراق له.
v دعوة الإمام زيد:
لم يخرج طامعاً في ملك، أو ساعياً لجاه وسلطان، وإنما دفع الظلم، وأقامة الحق، وأصلاح ذات البين، وقد قال مخاطباً أصحابه: " إني أدعو إلى كتاب الله، وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، وإحياء السنن وإماتة البدع، فإن تسمعوا يكن خيراً لكم ولي، وإن تأبوا فلست عليكم بوكيل" ([3]).
وقال يوماً لأحد أصحابه: " أما ترى هذه الثريا، أترى أحداً ينالها؟ قال صاحبه: لا، قال: والله لوددت أن يدي ملصقة بها فأقع على الأرض، أو حيث أقع، فأتقطع قطعة قطعة، وأن الله يجمع بين أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم" ([4]).
ومن ما سبق نستلخص أن أهداف دعوته كانت كالتالي:
1)إقامة الحكم على أساس من كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، والعوده إلى سنن السلف الصالح.
2)أصلاح ما بين أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ولو كان الثمن حياته.
v مبايعة أهل العراق:
لم يألوا أهل العراق جهداً في محاولة إبقاء الإمام زيد عندهم، وأقناعه بالخروج على بني أمية ورد الحق لأصحابة من آل البيت، مع وعدهم له بالنصرة أن خرج لقتال الأمويين، ومما ذكره ابن الأثير في الكامل في التاريخ، أن جماعة من أهل الكوفة لحقوا به أثناء خروجه منها للمدينة في أحد رحلاته وقالوا له: " أين تخرج عنا رحمك الله، ومعك مائة ألف سيف من أهل الكوفة والبصرة وخراسان يضربون بها بني أمية دونك، وليس قبلنا من أهل الشام إلا عدة يسيرة، فأبى عليهم، فما زالوا يناشدونه حتى رجع إليهم" ([5])، وتم لهم ما أرادوا إذ أيقن الإمام زيد بعد مواجهته لهشام بن عبدالملك في الشام، أنه لا مفر من الخروج عليه وخلع طاعته، فأتجه من الشام إلى العراق، وأستتر بالكوفة متنقلاً بين منازل ساداتها، والشيعة يتوافدون إليه يبايعونه ومعهم جمع غفير من وجوه الكوفة والعراق.
وكان الإمام زيد يبايعهم بالتالي: " إنا ندعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، وجهاد الظالمين والدفع عن المستضعفين وإعطاء المحرومين وقسم هذا الفيء بين أهله بالسواء، ورد المظالم ونصر أهل البيت، أتبايعون على ذلك؟ قالوا: نعم، فيضع يده على أيديهم ويقول: عليك عهد الله وميثاقه وذمته وذمة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، لتفين بيعتي ولتقاتلن عدوي ولتنصحن لي في السر والعلانية، فإذا قال نعم، مسح يده على يده ثم قال اللهم أشهد.... فبايعه خمسة عشر ألفاً وقيل أربعون ألفاً" ([6]).
خلال أقامته بالكوفة كاتب الإمام زيد العديد من الفقهاء والمحدثين في العراق، ومن بينهم أبو حنفية وسفيان الثوري، منهم من لبى دعوته بالخروج على الظلم ومنهم من أعتذر.
موقف الهاشميين من خروجه:
لم يكن الإمام زيد وحده في تعرضه لظلم هشام بن عبدالملك، ولم يكن هو الوحيد المقصود بالأذى بل كان معه في ذلك داود بن علي بن عبدالله بن العباس، ومحمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، وقد رافقوه في رحلته إلى الشام، وحاولوا أثنائه عن عدم الخروج على طاعة هشام والعودة معهم إلى الحجاز، وفي ذلك قال له محمد بن عمر: " أذكرك الله يا زيد لما لحقت بأهلك ولا تأتِ أهل الكوفة فأنهم لا يفون لك فلم يقبل وقال: خرج بنا أسرى على غير ذنب من الحجاز إلى الشام ثم إلى العراق، إلى قيس ثقيف يلعب بنا (وتلك مكيدة أخرى دبرها له هشام ليوقع به ولكنه فشل) وقال:
بكرت تخوفني المنون كأنني أصبحت عن عرض الحياة بمعزل
فأجبتها إن المنية منهل ولا بد أن أسقى بكأس المنهــل
ثم قال: أستودعك الله وإني أعطي الله عهداً أن دخلت يدي في طاعة هؤلاء ما عشت" ([1]).
أما داود بن علي فقد قال له: " يابن عم إن هؤلاء يغرونك من نفسك، أليس هم من خذلوا من كان أعز عليهم منك، جدك علي ابن أبي طالب حتى قتل، والحسن من بعد بايعوه ثم وثبوا عليه، فانتزعوا رداءه وجرحوه، أو ليس هم قد أخرجوا جدك الحسين، وحلفوا له وخذلوه وأسلموه، ولم يرضوا بذلك حتى قتلوه، فلا ترجع إليهم، وإني خائف إن رجعت إليهم ألا يكون أحد أشد عليك منهم، وأنت أعلم" ([2])، ومضى داود إلى المدينة وذهب زيد إلى الكوفة.
وفي روايات أخرى أن داود بن علي رافقه إلى الكوفة، ولحق بهم بعض من بني العباس ليقاتلوا إلى جانبه (بعض المصادر تذكر أنهم بايعوا محمد بن عبدالله بن الحسن المثنى على السمع والطاعة ومن بينهم أبو جعفر المنصور) بناءاً على وصية شيخهم محمد بن علي بن عبدالله بن عباس، هذا والله أعلم.
وقد كتب له عبدالله بن الحسن بن الحسن: " أما بعد فإن أهل الكوفة نفخ في العلانية، خور في السريرة، هرج في الرخاء جزع في اللقاء، تتقدمهم ألسنتهم، ولا تشايعهم قلوبهم، ولقد تواترت إليّ كتبهم بدعوتهم، فصمت عن ندائهم، وألبس قلبي غشاء عن ذكرهم، يأساً منهم، واطراحاً لهم، وما لهم مثل ألا كما قال علي بن أبي طالب: إن أهملتم خضتم، وإن حوربتم خرتم، وإن أجتمع الناس على إمامة طعنتم، وإن أجبتم إلى مشقة نكصتم" ([3]).
وأتاه في الكوفة سلمة بن كهيل الحضرمي ([4])، " فذكر له قرابته من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وحقه، فأحسن ثم قال له: ننشدك الله كم بايعوك؟ قال: أربعون ألفاً، قال: فكم بايع جدك؟ قال: ثمانون ألفاً، قال: فكم حصل معه؟ قال: ثلاثمائة، قال: أنشدتك الله أنت خير أم جدك؟ قال: جدي، قال: فهذا القرن خير أم ذلك القرن؟ قال: ذلك القرن، قال: أفتطمع أن يفي لك هؤلاء وقد غدر أولئك بجدك؟ قال: قد بايعوني ووجبت البيعة في عنقي وأعناقهم، قال: أفتأذن لي أن أخرج من هذا البلد فلا آمن أن يحدث حدث فلا أملك نفسي، فأذن له فخرج إلى اليمامة" ([5]).
وكانت طائفة من الشيعة قد أتت جعفرالصادق بن محمد الباقر في المدينة قبل خروج زيد، فأخبروه ببيعة زيد، فقال: " بايعوه فهو والله أفضلنا وسيدنا" ([6])، وعادوا إلى العراق وقد كتموا هذا الخبر عن الإمام زيد.
ومما سبق من الأخبار التي تناقلاتها المصادر التاريخية، يتبين إن معظم من عاصروه من آل البيت والهاشميين حاولوا أثنائه عن الخروج عن طاعة هشام بن عبدالملك، لكن قناعة الإمام زيد بأنه هالك لا محالة سواء خرج عن طاعة هشام أو صالحه، فبنو أمية لا يؤمن جانبهم، وأعتناقه لمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ورفع الظلم عن العباد جعلته يمضي في طريقه دون تردد، يدعو الناس إلى بيعته ويعد العدة لمواجهة الأمويين.
v أنقلاب الرافضة:
لما وصلت الأخبار إلى هشام بن عبدالملك، بخروج الإمام زيد في العراق يدعو لنفسه، ومبايعة أعداد كبيرة لهن أرسل إلى واليه على العراق يوسف بن عمر كتاباً جاء فيه: " أنك لغافل، وأن زيد بن علي غارز ذنبه بالكوفة يبايع له، فألح في طلبه وأعطه الأمان، وإن لم يقبل فقاتله" ([7])، فما كان من يوسف بن عمر ألا التحرك في طلب الإمام زيد ومن معه من أعيان الكوفة، فبدأ يدعو من عُرف بأنهم بايعوا الإمام زيد، وما أن رأى هؤلاء الشدة وأستشعروا بدنو المواجهة، أكثروا من مناقشة الإمام زيد ومجادلته، وأثاروا أمراً وهم يعرفون أن آل البيت لا يثيرون هذا الأمر ولا يتحدثون فيه، وقد حوت كتب التاريخ والرواة، الجدل الذي دار بين الإمام زيد وشيعة العراق، وننقلها لكم من البداية والنهاية، للحافظ ابن كثير " فقالوا له: ما قولك يرحمك الله في أبي بكر وعمر؟ فقال: غفر الله لهما، ما سمعت أحداً من أهل بيتي تبرأ منهما، وأنا لا أقول فيهما إلا خيراً، قالوا: فلم تطلب إذا بدم أهل البيت؟ فقال: إنّا كنا أحق الناس بهذا الأمر، ولكن القوم استأثروا علينا به ودفعونا عنه، ولم يبلغ ذلك عندنا بهم كفراً، قد ولوا فعدلوا، وعملوا بالكتاب والسنة، قالوا: فلم تقاتل هؤلاء إذا؟ قال: إن هؤلاء ليسوا كأولئك، إن هؤلاء ظلموا الناس وظلموا أنفسهم، وإني أدعو إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، وإحياء السنن وإماتة البدع، فإن تسمعوا يكن خيرا لكم ولي، وإن تأبوا فلست عليكم بوكيل، فرفضوه وانصرفوا عنه ونقضوا بيعته وتركوه، فلهذا سموا: الرافضة من يومئذ، ومن تابعه من الناس على قوله سموا: الزيدية"([8])، ويقال أن الإمام زيد هو من سماهم الرافضة لأنهم رفضوه، وقد أعلن هؤلاء الرافضة أن جعفر الصادق بن محمد الباقر هو إمامهم.
v في ساحة المعركة:
أثار الرافضة هذا الخلاف، والعدو بدأ في مهاجمة الإمام زيد وأتباعه، مما أضطره إلى الخروج لقتالهم قبل الموعد الذي أتفق عليه مع أصحابه وكان ذاك الموعد أول ليلة من صفر – بعد أكثر من شهر، ولما بلغ الوالي تحرك زيد ومن معه، أمر جنده بجمع أهل الكوفة في المسجد الأعظم وحصرهم فيه، وخرج الإمام زيد ومن معه ليلاً يدعون الناس للخروج وكانت الدعوة التي أتفقوا عليها " يامنصور يامنصور"، ولما طلع عليهم الفجر، ونظر الإمام زيد إلى الناس حوله، لم يجد إلا مائتين وثمانية عشر رجلاً، "فقال زيد: سبحان الله أين الناس؟ فقيل: أنهم في المسجد الأعظم محصورون، فقال: والله ما هذا بعذر لمن بايعنا"، ([9])، وكان قد بايعه من الكوفة وحدها على القتال والنصرة خمسة عشر ألفاً.
أما جيش يوسف بن عمر فقد تجاوز الخمسة آلاف بين فارس وراجل، وقد أثار هذا الذعر في نفوس أهل الكوفة الضعيفة، فجبنوا عن نصرة الإمام زيد ونكثوا عهودهم بنصرته، وألتفت الإمام زيد إلى أحد رجاله وقال: " أنا أخاف أن يكونوا قد فعلوها حسينية، قال: أنا والله لأقاتلن معك حتى أموت وإن في المسجد فأمضِ بنا نحوهم" وجاء زيد ومن معه حتى أنتهوا إلى باب المسجد، وهم ينادون: "ياأهل المسجد أخرجوا من الذلّ إلى العز، أخرجوا إلى الدين والدنيا فأنكم لستم في دين ولا دنيا" ([10]).
ولم يلبي النداء عند المسجد ألا عددٌ يسير من أهل الكوفة، وتقدم الإمام زيد بمن معه لمواجهة الجيش الأموي، المتفوق عدداً وعدةً، وقاتلوهم وأكثروا فيهم من القتل وأنهزم جناح الجيش الأموي، ودب الرعب في نفوس جنوده، من قتال هؤلاء الأبطال الصابرين.
وتذكر المصادر أن رجلاً من جند الأمويين خرج على فرس رائع، وبدأ يشتم فاطمة الزهراء أبنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، شتماً قبيحاً (وهي من خير نساء العالمين)، فبكى الإمام زيد حتى أبتلت لحيته، وجعل يقول: " أما أحد يغضب لفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أما أحد يغضب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أما أحد يغضب لله تعالى... فأستتر أحد رجال زيد، وسار وراء الجند الأمويين وقتل ذلك الرجل وهو فوق فرسه، فرماه عنها وركب الفرس، ولما أهم بالرجوع كاد الأمويون أن يقضوا عليه لولا كبر أصحاب زيد وحملوا عليهم حملة شديدة، وأستنقذوا من ثأر لكرامة بنت رسول صلى الله عليه وآله وسلم، ولقد طابت نفس زيد رضي الله عنه بهذا، فجعل يقبل ما بين عيني الرجل الذي ثار لكرامة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ولكرامة الإسلام، ويقول: أدركت والله ثأرنا، أدركت والله شرف الدنيا والآخرة وذخرها" ([11]).
ولما أشتد الأمر على الأمويين، ودب بين جنودهم الذعر وبدؤوا بالأنسحاب، فأستعان قادة الجيش بالرماة بعد أن فشلوا في المواجهة المباشرة، ولم يتمكنوا من زيدٍ وأصحابه ألا بالنبل، ونال زيداً سهم في جبهته، ورجع أصحابه عن ساحة المعركة بعد أن حل الظلام، وأحضروا طبيباً لمعالجة زيد، فأنتزع السهم من جبهته وأستشهد الإمام زيد رضي الله عنه في لحظته، وهو في سن الثانية والأربعين، في سنة 122 هجرية.
أوصى من بعده لولده يحيى، وفي رواية أخرى أنه أوصى لمحمد (النفس الزكية) بن عبدالله بن الحسن المثنى.
v التمثيل بجــســده:
نظراً لعلم أصحاب زيد بما أعتاد عليه بنو أمية من تمثيل بأجساد أعدائهم، فقد قرر أصحابه ومعهم أبن الإمام زيد يحيى، دفنه في حفرة يستخرج منها الطين، ثم أجروا الماء على قبره. وذكر ابن الأثير أن مولىً سندياً للإمام زيد هو من دل شرطة الكوفة على قبره، فأستخرجوا جثمانه وحزوا رأسه وأرسلوه إلى هشام في الشام فصلبه على باب مدينة دمشق، ثم أرسله للمدينة، أما جسده فقد صلب عارياً في كناسة الكوفة إلى أن مات هشام سنة 125 هجرية، حين تولى الوليد بن يزيد الخلافة وأمر بإنزال جثمانه وحرقه ونسفه في اليم، لا حباً في عترة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأنما بعد ما بلغه خبر قتل يحيى بن زيد في خراسان، فلم يرد أن يتذكر الناس زيداً وأن يثوروا لمقتل أبنه.
ولقد تداول شعراء بني أمية مجموعة من الأبيات في قتل الإمام زيد وصلبه، يخاطبون بها الطالبيين وشيعتهم، ومنها هذا البيت:
صلبنا لكم زيداً على جذع نخلةٍ***ولم أر مـهدياً على الجذع يصلبُ
أيفاخر أحد بقتل حفيد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم،،،
v وعلى الباغي تدور الدوائر:
كان مروان بن الحكم قد أوصى أولاده عندما ثبت له أمر الخلافة، بأن لا يتعرضوا لأولاد علي ابن أبي طالب ولا ينالوهم بأذى، فنهاية الحكم في البيت السفياني لم تكن ألا تحقيقاً للعدالة الألهية بعد الظلم الذي تعرض له الإمام علي و والداه الحسن والحسين رضي الله عنهم، ولذلك صادق مروان بن الحكم علي زين العابدين وبالغ في تقديره وتكريمه، وكذلك فعل عبدالملك بن مروان، فكان علي زين العابدين محط ترحيب وتكريم من قبلهم.
ويبدو أن مروان بن الحكم كان محقاً في تشاؤمه من المصير الذي قد يلحق، بمن ينالون آل البيت بأذى، وما هي ألا سنوات قليلة لم تتجاوز العشر، وإذا بنو العباس يستخرجون الأمويين من قبورهم ويمثلون بما بقي من أجسادهم ويحرقونها، ولقد أحدث العباسيون مقتلةً عظيمة في الأمويين، حتى قيل أن عدد من قتلوا في دمشق في يوم واحد قد تجاوز المائة أموي.
وعندما دانت خراسان لبني العباس على يد أبو مسلم الخراساني، أمر بإنزال جثمان يحيى بن زيد (ظل مصلوباً خمس سنوات) الذي كان مصلوباً منذ مقتله، وصلى عليه ودفنه، وأمر بالنياحة عليه في خراسان، بل أنه أستولى على ديوان بني أمية في خراسان وعرف منه أسماء من حضر قتل يحيى بن زيد، فمن كان حياً قتله، ومن مات خلفه في أهله بسوء، وكان ذلك في عام 130 هجرية.
ولعل الحكمة الآلهية أقتضت بأن لا يتم الأمر لزيد بن علي أو أيٍ من آل البيت، لتكون نهاية الأمويين على يد من أهم أشد منهم قسوة، وما فَعَله بنو أميةَ بعترةِ النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فعله بنو العباس بهم، وصدق الله وعده إذ قال: )وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (([1]).
v قالوا عــــــــــــــنه:
§ الإمام أبو حنيفة: " شاهدت زيد بن علي فما رأيت في زمانه أفقه منه، ولا أعلم، ولا أسرع جواباً، ولا أبين قولاً، لقد كان منقطع القرين"([2]).
§ عبدالله بن الحسن بن الحسن: "لم أر فينا ولا في غيرنا مثله"([3])، " العلم بيننا وبين الناس علي بن أبي طالب، والعلم بيننا وبين الشيعة زيد بن علي" ([4]).
§ الإمام علي بن موسى الرضا: " إن زيد بن علي كان من علماء آل محمد" ([5]).
§ هشام بن عبدالملك: " أمنع أهل الكوفة من حضور مجلس زيد بن علي، فإن له لساناً أقطع من ظبة السيف، وأحد من شبا الأسنة، وأبلغ من السحر والكهانة، ومن كل نفث في عقده"([6]).
صفات الإمام زيــــد:
1)الإخلاص، فإخلاصه في طلب العلم دفعه لأن يهاجر طلباً للعلم في كافة الأمصار الإسلامية، وخاصةً البصرة، موطن الفرق الإسلامية. ولم يمنعه إخلاصه لطلب العلم ولآل بيته من أن يجالس واصل بن عطاء ويذاكره، وأن أختلف معه في الرأي.
2)الشجاعة، وقد أتاه الله الشجاعة الأدبية لقول كلمة الحق لا يخشى فيها لومة لائم في ظل أحلك الظروف التي كانت تحيط به، فطرح مبدأ التقية الذي أعتمده آل البيت وأعلن عن آرائه وأن كانت ستؤدي لهلاكه، ولم يقبل بتكفير أبا بكر وعمر رضي الله عنهم، وأن أدى ذلك إلى أن يفقد النصرة التي وعده إياها أهل العراق. وشجاعته في الحرب والإقدام ونصرة الحق جعلته يواجه جيش الأمويين الذي يزيد عن عشرة الآف، بمن معه ولم يتجاوزوا الثلاثمائة.
3)الصبر، وقد نقش الإمام زيد على خاتمه "أصبر تؤجر، وتوق تنج"، وقد كان مثالاً للصبر على ما أحتمله من أقوال السفهاء وموالي بني أمية، والشجاعة بدون صبر تهور وأندفاع، وكان دائماً ما يحض أتباعه على الصبر.
4)الوعي الفكري، وهذا ليس بغريب على رجل من آل البيت، فقد حفظ كل أحاديث آل البيت التي سمعها من أبيه وأخيه، وأحاديث التابعين التي رواها أبوه وأن لم يروي ألا ما أتصل منها بجده الإمام علي رضي الله عنه، ولم يكتف بما ناله من العلم في بيته وفي المدينة، بل أرتحل للبلاد التي فيها علوم لا يعرفها ليتلقاه عن أهلها. ولعل أبرز النماذج على وعيه الفكري، تعليله للوقائع وربطه الأسباب بالمسببات، وخير مثال على ذلك آراؤه في ولاية المفضول.
5)الفصاحة، فجده محمد بن عبدالله صلى الله عليه وآله وسلم، أوتي جوامع الكلم وفصل الخطاب، وجده الآخر علي ابن أبي طالب خطيب المسلمين وإمام البلاغة، فليس بمستبعد على واحد من آل البيت أن يؤتى الفصاحة وجودة البيان، ومما نقل عنه أنه "سئل يوماً: الصمت خير أم البيان؟ قال: قبح الله المساكتة، ما أفسدها للبيان، وأجلبها للعيّ والحصر" ([1])، ومناظراته مع أبن عمه جعفر بن الحسن بن الحسن، وأجتماع الناس عليهما ليحفظا منهما خير دليل على بلاغته وحسن بيانه، هو وابن عمه. حتى أن هشاماً بن عبدالملك كان يخشى الإمام زيد لبلاغته وحسن بيانه وتأثيره على الناس.
6)قوة الفراسة، ولم تنقص الإمام زيد الفراسة في التعرف على أحوال الناس وآرائهم دون أن يحتك بهم بشكل مباشر، وقد أستدل على ما يبطنه له والي المدينة خالد بن عبدالملك، فأنهى خصومته مع أبناء عمه الحسنين حول أوقاف الإمام علي.
7)الهيبة، آتى الله سبحانه وتعالى الإمام زيد بسطة في الجسم، بمقدار ما آتاه من قوة في العقل، وكان مهاب الجانب ليس من عامة الناس وحسب، بل حتى أن هشاماً بن عبدالملك كان يتجنب لقائه.
وكان أخوه الأكبر محمد الباقر معجباً بصفاته، ومحباً له، كثير الثناء عليه، ومثله أبنه جعفر الصادق، والذي كان يقاربه في العمر.
v آراء الإمام زيـــــــــد:
بعد أكتمال تجربة الإمام زيد العلمية، ومناظرته لعلماء ومفكري العراق والشام من مختلف الأطياف الفكرية والعقائدية تبلورت لدى الإمام زيد أفكار سياسية وفقهية كانت هي الأساس للفرقة الزيدية، كان تكون هذه الآراء أما للرد على بعض المغالين أو لتعليل بعض الأحداث.
§ آراؤه في السياسة:
أشرنا إلى ظهور أفكار غريبة لدى بعض الفرق، التي أنشقت بسبب الخلافات السياسة، ومعظم تلك الأفكار تدور حول الخلافة وأحقية آل البيت بالخلافة، وتمثلت تلك الأفكار بالتالي:
1- أن الخلافة بالوراثة، وليست بالأختيار، فالإمام علي قد أوصى له النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأخبره بأسماء الأئمة من بعده!! ، بشكل مباشر، وهو بدوره أوصى لمن بعده.
2- رفض إمامة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، لأنهما أغتصبا الخلافة من الإمام علي رضي الله عنه، وهما أولى بالسب واللعن ([2]).
3- عصمة الأوصياء عن الخطأ، لأن إمامتهم قدسية، وهم الهداة الأعلام.
4- فكرة المهدي المنتظر، والتي قالها المختار الثقفي عن محمد بن الحنفية.
وقد أنتشرت هذه الأفكار، وبدأ الشيعة بتداولها كجزء من عقيدتهم، ومناقشتها في أجتماعاتهم في العراق، وفارس وخراسان، وبالتالي كان لا بد من خروج إمام من آل البيت إلى العلن، ليرد على هذه الأفكار، ويخلص الشيعة من بعض الأفكار الغريبة، ولم تخرج آراء الإمام زيد في الخلافة عن آراء جده الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه.
1) ولاية المفضول: وهي أن الخلافة ليست بالوراثة المطلقة، وقد تكون في بيت معين من ناحية الأفضلية لا من ناحية الأصل، فلا يوجود ما يمنع أن تكون الخلافة في غيره، على أن لا تتعارض مع مصلحة المسلمين، ولم ينكر الإمام زيد بأن الإمام علي كان أفضل من الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهم أجمعين، لكنه قال بشرعية خلافتهما، وأن كان الإمام علي أفضل بمناقبه في الإسلام، ومواقفه في الحروب. ولعل هذه المقولة التي رويت عنه توضح فكرته: " كان علي بن أبي طالب أفضل الصحابة، إلا أن الخلافة فوضت إلى أبي بكر لمصلحة رأوها، وقاعدة دينية راعوها من تسكين ثائرة الفتنة، وتطيب قلوب العامة، فإن عهد الحروب التي جرت في أيام النبوة كان قريباً، وسيف أمير المؤمنين عليه السلام من دماء المشركين من قريش لم يجف بعد، والضغائن في صدور القوم من طلب الثأر كما هي، فما كانت القلوب تميل إليه كل الميل، ولا تنقاد له الرقاب كل الأنقياد، وكانت المصلحة أن يكون القيام بهذا الشأن لمن عرفوا باللين والتودد والتقدم بالسن والسبق في الإسلام، والقرب من رسول الله ، ألا ترى أنه لما أراد أبو بكر في مرضه الذي مات فيه تقليد الأمر إلى عمر بن الخطاب صاح الناس، وقالوا: لقد وليت علينا فظاً غليظاً، فما كانوا يرضون بأمير المؤمنين عمر لشده، وصلابه، وغلظ له في الدين، وفظاظة على الأعداء، حتى سكنهم أبو بكر" ([3]).
ويستفاد من هذا النص أمور ثلاث، أولها أن الخلافة أختيار ولم ينص عليها النبي عليه الصلاة والسلام ، لا لعليٍ ولا لغيره، وثانيها أن علياً بن أبي طالب أفضل من الشيخين وكافة الصحابة، لا لقرابته من رسول الله ، وإنما لمواقفه في الإسلام، وثالثها أن المصلحة كانت حينها في تولي الشيخين للخلافة، لطاعة الناس لهما لسبقهما في الإسلام ولتقدمهما في السن. هذا ولم يتطرق الإمام زيد لذكر خلافة عثمان رضي الله عنه لا من قريب ولا من بعيد.. وهنا لنتذكر قول الحسن المثنى في الفرق بين الولي والوالي،،،
وهذا خلاف ما ورد في كتاب مجموع رسائل الإمام زيد بن علي، والمنشور في الموقع الألكتروني الخاص بالزيدية ، حيث ورد في مناظرته مع أحد أهل الشام ما نصه " فقتله أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم بكتاب اللّه تعالى، حين خالف كتاب اللّه تعالى، وكان أول الناكثين على نفسه، وأول من خالف أحكام القرآن، آوى طريد رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم الحكم بن أبي العاص، ومروان ابنه، مع نَفْيِه أبا ذر رحمه اللّه تعالى من المدينة إلى الرَّبذَة، وإنما ينفى عن مدينة رسول اللّه صلى اللّه الفُسَّاق والمخبثون، ومع ضربه ابن مسعود رضي اللّه عنه حتى مات، ومع مشيه على بطن عَمَّار بن ياسر رحمة اللّه عليهما حتى سَدِمَ من ذلك دهراً طويلا، ومع أخذه مفاتيح بيت مال المسلمين من عبدالله بن الأرقم، وإنفاقه المال على من أحب من أقاربه" ([4]). وهذه الحوادث تأكدها المصادر التاريخية كافة، وأن غيبت قصة موت ابن مسعود رضي الله، لكن الثابت أن عثمان رضي الله عنه لم يصلي عليه ودفن ليلاً، وكان قد أوصى قبل وفاته إلى الزبير بن العوام، نحن لا نصدق هذه الرواية عن الإمام زيد ولا نكذبها، وأن كان لها شواهد في المصادر المعتمدة، ونكتفي بما أتفق عليه جمهور العلماء من موالاة كافة صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لفضلهم في الإسلام،،،
) شروط الإمامة: شرط الإمام زيد، أن يكون الإمام عدلاً فاطمياً، أي من ذرية الإمام علي من فاطمه رضي الله عنهما، من أولاد الحسن والحسين، ليخالف بذلك الإمامية والكيسانية، وهذا شرط أفضلية، فالأفضل من ذرية الحسن والحسين موجود، ولكن المصلحة العامة للمسلمين أقتضت بتولي غيره.
2) لا عصمة لإمام: وبما أنه نفى الوراثة عن الخلافة، و وصية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، لعليٍ من بعده، فأنه رفض بشكل قاطع فكرة عصمة الأئمة، بسبب كونهم الأوصياء على الأمة، وأنهم يثبتون وصايتهم بالمعجزات.
3) هجر مبدأ التّقيّة: وأشترط لكي يكون الشخص إماماً أن يخرج داعياً لنفسه، وبذلك هجر مبدأ التّقيّة الذي ألتزمه أبوه من قبله، مع الأخذ في عين الأعتبار مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والذي يتعارض مع مبدأ التقيّة.
4) خروج إمامين في قطريين: بالرغم من عدم وجود مستند شرعي يؤكد هذا الرأي للإمام زيد في زمانه، ألا أنه على ما يبدو لاحظ أتساع رقعة الدولة الإسلامية، وقّدر حدوث مثل ذلك في قطريين إسلاميين متباعدين، وأن لم يكن وارداً في أيامه، بشرط أن لا يبغى أحد الأئمة المختارين على الآخر، وأن يكون بينهما تعاون و ود.
5) لا مهدية ولا إمام مكتوم: وبما أن الإمام زيد قد أشترط أن يخرج الإمام داعياً لنفسه، فقد نفى فكرة الإمام المستور كما عند الإمامية، أو المهدي المنتظر التي نادى بها الكيسانية، ويكون بذلك نفى الأفكار المصاحبة لهذه الفكرة من أن الأئمة يحيّون لقرون بسبب عصمتهم وقدراتهم الآلهية الخاصة.
وهذا لا يعني أن الزيدية لا يقرون بالإمام المهدي الذي سيظهر في آخر الزمان ليملئ الأرض عدلاً، بعدما ملئت جوراً وظلماً، وهو أمر متفق عليه بين جمهور الفقهاء، ولكنهم يرفضون الفكرة التي يعتنقها الإمامية والكيسانية من قبلهم ([1]).
§ آراؤه في أصول الدين:
بدأت الفرق التي تكون بعضها وأنشق بعضها الآخر بسبب الخلافات الساسية في بلورة أفكارها الأعتقادية، متأثرة بفكر أصحاب الديانات القديمة في بلاد فارس، وبأفكار اليهود والنصارى الذين كانوا يقيمون بين المسلمين، بالإضافة إلى تناقل الفلسفات الفارسية والهندية القديمة وأعتناق بعض أصحاب تلك الفرق لأفكارها. ومن أبرزهم الكيسانية الذين أنشقوا عن الشيعة ونادوا بإمامة محمد بن الحنفية، وغيرهم من القدرية والجبرية، وأن ظهرت أفكار أخرى في مراحل زمانية لاحقة، لكن آراء الإمام زيد في أصول الدين تكونت للرد على ما كان سائداً في عصره من آراء ومعتقدات.
1) في مرتكب الكبيرة:
أتفق رأي الإمام زيد مع رأي الإمامية ([2])، والمعتزلة في أن مرتكب الكبيرة، بمنزلة بين الإيمان والكفر، ويسمى فاسقاً ويسمى مسلماً، و زادت المعتزلة في ذلك بأن مرتكب الكبيرة مخلد في النار، أما الإمام زيد والإمامية فيرون أنه لا يخلد في النار ألا غير المسلمين، والمسلمون من مرتكبي الكبائر أنما يذبون بمقدار ذنوبهم، ثم يدخلون الجنة.
2) في القدر:
ينسب إلى علي زين العابدين خاصةً، وإلى آل البيت عامة أن علم الله سبحانه وتعالى أزلي، وإرادته أزلية، وإيمان الأنسان بالقضاء والقدر لا يسقط التكليف، فهو يقوم بأفعاله أختياراً، ومسئول عما يفعل امام الله سبحانه وتعالى، وبمقتضى إرادته وحريته يستحق الثواب والعقاب. ولم يكن غريباً أن يتبنى الإمام زيد هذه الفكرة المعتدلة وسط الآراء المنحرفة التي سادت في ذلك الزمان وسبق الأشارة إليها، علماً بأن هذا الرأي كان هو الرائج في آخر عهد الصحابة، ونسب هذا الرأي إلى عبدالله بن عباس في نهره للجبرية من أهل الشام.
3) نفي البداء:
سبق وأشرنا إلى الرأي المنحرف الذي أعتنقه الكيسانيون، في أن إرادة الله سبحانه وتعالى تتغير بمقتضى تغير علمه تعالى الله عما يقولون، وأستشهدوا على ذلك بقوله تعالى) وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ(([3])،وقد خالفهم الإمام زيد في ذلك وأتفق رأيه ورأي جمهور العلماء في أن علم الله تعالى أزلي وإرادته خالدة، ولا يقع شيء ألا بعلمه وتقديره، وأما الآية التي أستشهدوا بها في تدل على بُدُو بعض من علمه للناس وقد كانوا لا يحتسبون هذا العلم ولا يقدرونه. هذا وقد أعتنق الإمامية مبدأ البداء بعد وفاة أسماعيل بن الإمام جعفر الصادق، قبل أبيه وهذا يخالف نظريتهم في الإمامة بأنها تنتقل من الأب للأبن، فنقلوا الإمامة من أسماعيل إلى الإمام موسى الكاظم الأبن الثاني للإمام جعفر، وهنا أنشقت عنهم الفرقة التي نادت بولد أسماعيل بن جعفر إماماً، وتكونت الفرقة الإسماعيلية.
4) لا رجعة للمهدي:
بما أن شرط الإمام زيد الأساسي للإمامة هو الخروج والدعوة، فهو قد نفى فكرة الإمام المكتوم والتي أرتبط بفكرة رجعة المهدي المنتظر، فلا رجعة ولا إمام مكتوم عند الإمام زيد، وهي أحد أفكار الكيسانية التي أبتدعوها ونشروها بين الناس برجعة محمد بن الحنفية، وكذلك قالت السبئية برجعة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه، وهو رأي يتفق مع رأي جمهور العلماء.
5) لا معجزة لإمام:
رأى الإمام زيد أن الإمام من بني فاطمة ككل البشر، ليس بمعصوم عن الخطأ، وليس علمه فيضاً من الله تعالى تعالى، أنما علمه بالبحث والدرس، يخطئ ويصيب كغيره من الناس، وبما أنه كذلك فهو لا يحتاج لخوارق العادات ومعجزات الأنبياء لإثبات إمامته، كما تدعي الإمامية، وكل ما عليه هو التقدم وأثبات أحقيته في الإمامة بالحجة والبرهان على معارضيه وحمل السيف على الخارجين عليه، وليس بغريب أن يتبنى الإمام زيد هذا الرأي وهو الذي ينادي بأستخدام العقل في أستيعاب الشرع، وهو رأي جمهور العلماء.
6) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
بعد مأساة كربلاء أخذ آل البيت عامة وعلي زين العابدين خاصة بمبدأ التّقيّة، مستشهدين بقوله تعالى : )لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ( ([4])، والتّقيّة هي السكوت عن مقاومة الباطل من غير رضا به، وهي جائزة في حال الخوف على النفس، ويروي الإمامية عن الإمام جعفر الصادق قوله: "التّقيّة ديني ودين آبائي"([5])، وقد ألتزم الإمام زيد بمبدأ التّقيّة، وظل مهادناً للخلفاء الأمويين، حتى ضيّق عليه هشام بن عبدالملك وبالغ في أحراجه وإذلاله، حتى خرج عليه بعد أن أغراه أهل العراق بالنصرة، وكان الأساس الأول في دعوته هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، عملاً بقول الله سبحانه وتعالى: )وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ( ([6])، ولا بد من أن نشير إلى تأثر آراء الإمام زيد بآراء المعتزلة، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي أحد أصول العقيدة الأعتزالية، وهذا أدى إلى أن تخلى الإمام عن مبدأ التقية لما رآه من أن قول الحق خير من السكوت على الظلم.
7) الصفات ليست غير الذات:
أتفق رأي الإمام زيد مع رأي واصل بن عطاء شيخ المعتزلة في زمانه بأن الصفات ليست غير الذات الآلهية، مخالفين بذلك الآراء التي أنتشرت في ذلك الوقت بأن الصفات غير الذات فالله سبحانه وتعالى يتصف بكل الصفات التي ذكرت في القرآن، فهو عالم سميع بصير مريد، وعلم الله تعالى غير ذاته ولكن صفات الله اذا أشتركت في الأسم مع صفات المخلوقين فإن صفات الله تليق بذاته ولاتشابه صفات البشر في شيء. أما رأي المعتزلة والإمام زيد أن الله تعالى يتصف بأنه حي قادر سميع بصير، ولكن بذاته ومن غير قدرة زائدة على الذات، وما كان قولهم هذا ألا لتفادي قول النصارى بأن الله ثالث ثلاثة و وضعوا له صفات.
وقد أضاف الإمامية وأكثر الزيدية بعد الإمام زيد إلى أن لله صفة قديمة وردت في القرآن منسوبة لله تعالى وغير مقرونة بالذات العليّة، وهي صفة الكلام... وقد أختلفت آراء العلماء حول هذا الموضوع الفلسفي، وكان للإمام أحمد بن حنبل بالذات العديد من المناظرات مع المعتزلة حول هذا الموضوع.
8) التكليف بالعقل:
وهذا الموضوع يحتاج للشرح والأسهاب وبالمختصر هو أن الأنسان يتعرف إلى الله عز وجل ويدرك الرسالة المحمدية وتكاليف الشرع بأستخدام عقله، فالعقل يسبق التشريع، لأنه الأداة التي ستوصل الأنسان لفهم التشريع، وهذا الدور الأول للعقل، أما الدور الثاني للعقل فيتمثل بحكم العقل على الأمور التي لم يرد فيها نص شرعي.
v الزيدية كمذهب فقهـــــــــي:
بالرغم من أن من ناصروا الإمام زيد لم يكونوا كلهم من المتشيعين لآل البيت، إلا أنه تم تصنيف المدرسة الفقهية الزيدية كمدرسة شيعية، والشيعة الإمامية يصفون المذهب الزيدي بأنه خامس (أو سادس) المذاهب السنية، ولا يخفى عليكم السبب بعد أن عرفنا الأفكار التي دحضها الإمام زيد عن الإمامة والعصمة.
لم تختلف مصادر التشريع في الفقة الزيدي عنها عند الأئمة السنة الأربعة، مع الأخذ بعين الأعتبار دور العقل الذي أضافه الإمام زيد لمصادر التشريع، وكذلك تقسيمه للإجماع، إلى إجماع عام خاص بفقهاء الأئمة، وإجماع خاص، والمقصود فيه إجماع أئمة العترة من آل البيت، كما أقر الإمام زيد بصحة فتوى الصحابة ولكن بشروط، هذا التقارب الفقهي جعل من الزيدية تأخذ من كافة المدارس الفقهية ما يناسبها، ويناسب الأفكار الأساسية للإمام زيد، وهو ما جعل فقهاء الزيدية على اطلاع واسع بمختلف المدارس الفقهية.
أكثر ما لفت نظري عند قراءتي عن مصادر التشريع في الفقة الزيدي هو تعريفهم للقرآن، وجاء التعريف على النحو التالي: " هو كلام الله المنّزل على محمد صلى الله عليه وآله وسلم، للإعجاز بأقل سورة منه، أو بعدة آيات موتواترات، وهو الموجود بأيدي الأمة من غير زيادة فيه إجماعاً، ولا نقصان عما في العرضة الأخيرة، ولا إزدياد بخلاف الإمامية، ومنه البسلمة في غير براءة، وهي آية من أول الفاتحة، وأول كل سورة عند جمهور السلف وأئمتنا والشافعية وقراء مكة، خلافاً لبعض السلف ومالك وأبي حنيفه والثوري والأوزاعي وقراء البصرة والمدينة والشام، وقال بن المسيب ومحمد بن كعب، و روى عن الشافعي، هي آية من الفاتحة فقط".
ويستفاد من هذا التعريف مايلي:
1) أن القرآن الكريم منّزل من عند الله تعالى، وهو معجزة محمد ، الكبرى الذي تحدى به العرب على أن يأتوا بسورة مثله أو حتى آية، ولم يتمكنوا لأنه ليس بكلام بشر.
2) إجماع علماء الأمة على عدم وجود أي زيادة فيه ولانقص، بإستثناء الإمامية الذين أدعوا بوجود نقص فيه وبحذف الآيات الخاصة بآل البيت، وذكروا ما أسموه بمصحف فاطمة، وهذا أفتراء على آل البيت، وقد نفى ذلك الإمام جعفر الصادق، وأعتبر من يقول ذلك غير مسلماً.
3) أن القرآن ثبت متواتراً ولا يعرف أن كتاباً من الكتب تواتر كتواتر القرآن.
4) أن التفصيل الخاص بالبسملة وتحديد كونها جزء من سورة الفاتحة أو من سورة في القرآن، على حسب رأي كل فريق أنما يدل على أتصال الفقه الزيدي بفقه الجمهور وأعتماده عليه بغض النظر عن الفريق الذي ينتمي إليه الفقه.
كان لتدارس الإمام زيد مع الإمام أبوحنيفة في المدينة أثره في تلاقي المذهبين في أكثر من مجال (علماً بأن المذهب الحنفي هو الأكثر أنتشاراً في العالم الإسلامي اليوم)، وربما كان هو سبب أعتبار المذهب الزيدي (بالنسبة للإمامية) كمذهب سني خامس (أو سادس)، مع الأخذ بعين الأعتبار أن الإمام أبو حنيفة لازم أئمة آل البيت وأخذ عنهم طريقة أستنباط الأحكام الفقهية.
وكغيره من أئمة المذاهب الفقهية التي أنتشرت في القرن الثاني كان للإمام زيد تلاميذ، قاموا بتدوين علمه ونسخ مصنفاته ونشرها في أصقاع الدولة الإسلامية.
v تركــــة الإمام زيد:
بالرغم من أن عصر الإمام زيد لم يكن عصر تدوين علوم، الإ أن الزيدية يقررون أن الإمام زيد كتب كتباً، وصنف في العلوم بل أنهم يعتبرونه أول من قام بالتدوين من آل البيت رضوان الله عليهم، وقالوا بأنه ألّف كتاب تفسير الغريب، وكتاب الحقوق، وكتاب المجموع في الحديث، وكتاب المجموع في الفقه، والكتابان الأخيران هما عماد الفقه الزيدي ويسميان المجموع الكبير.
ولقد قام تلميذ الإمام زيد، أبو خالد عمرو بن خالد الواسطي، الذي رافقه في المدينة وفي العراق برواية كتب الإمام زيد وتدوينها، وهو الذي قام بجمع مجموع الحديث ومجموع الفقه في كتاب واحد.
ولقد تعرض الإمامية وبعض علماء السنة لأبي خالد الواسطي وطعنوا في روايته، ألا أن فريقاً آخر من علماء السنة يعتبرونه ثقه وقبلوا روايته.
ولم يتوقف الأمر عند حد الطعن في الراوي، فالمجموع ذاته تعرض للطعن بسبب وجود بعض الأحاديث الموضوعة فيه، وعدم ثبوت نسبة ما روي عن الإمام علي بن أبي طالب إليه، وتفرد أبي خالد بالرواية، ومخالفة الإمام الزيدي الهادي لبعض ما أشتمل عليه المجموع.
ولقد قام علماء الزيدية بالرد على هذه الطعون في شرح المجموع ([7])، ولا يتسع المجال هنا للتعرض لتلك الطعون والرد عليها (مع العلم أن علماء الزيدية قاموا بتفنيد تلك الطعون، وذكروا أن معظم الأحاديث الموضوعة رويت بإسناد آخر في كتب الصحاح ومع تغيير بسيط في المفردات التي لا تضر المعنى العام، أما مخالفة الإمام الهادي فهي طبيعية لتغير بعض الأحكام بتغير ظروف الزمان والمكان)، ونكتفي بذكر أن المجموع الكبير مقبول لدى الزيدية وقبله من قبلهم أئمة آل البيت رضي الله عنهم، ولم يطعنوا فيه، وبعض علماء السنة.
v أنتشار المذهب الزيدي:
بالرغم من كون الإمام زيد من البيت الحسيني إلا كافة اللأئمة الذين أعتنقوا المذهب الزيدي ونادوا به وسعوا في أنتشاره هم من البيت الحسني، وبالرغم من أضطهاد العباسيين لهم ومطاردتهم إلا أنهم نجحوا في نشر المذهب الزيدي وأقامة دويلات صغيرة هنا وهناك، ومن أبرز أنجازات أئمة الزيدية هو إسلام معظم سكان الديلم في جنوب بحر قزوين على يد أحد أئمة الزيدية، بالرغم من الفتوحات الإسلامية وصلت لتلك المنطقة في مرحلة مبكرة، لكن سكانها بقوا علي وثنيتهم... كما نجح أحد الأئمة الزيدين بتكوين المملكة الأخيضيرية في اليمامة والتي أستمرت لما يقارب القرنين.
كما برز الكثير من العلماء والفقهاء في شتى العلوم ممن كانوا على المذهب الزيدي، حتى نجح الإمام الهادي في تكوين أول دولة للزيدية في صعدة في اليمن، أستمرت لقرون طويلة حتى أنهارت بقيام الجمهورية اليمنية...