بسم الله الرحمن الرحيم
اعلام الائمة
الدرس : ( السادس )
الموضوع : سعيد بن المسيب
هو سعيد بن المسيب ابن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران ابن مخزوم بن يقظةالإمام العلم أبو محمد القرشي المخزومي عالم أهل المدينة وسيد التابعين في زمانه ولد لسنتين مضتا من خلافة عمر رضي الله عنه بالمدينة رأى عمر وسمع عثمان وعلياً وزيد بن ثابت وأبا موسى وسعداً وعائشة وأبا هريرة وابن عباس ومحمد بن سلمة وأم سلمة، رضي الله عنهم أجمعين.. وخلقاً سواهم وكان زوج بنت أبي هريرة وأعلم الناس بحديثه والأكثر رواية عنه، وكان ممن برز في العلم والعمل، لقب بالجرئ لجرئته في الإفتاء بالرغم من إنتمائه لمدرسة الحديث الحجازية المحافظة، ما جعله أبرز الفقهاء السبعة في المدينة.. لقب براوية عمر لكثرة ما نقل عنه من فتاوي وأقضية.
لم يوالي بني أمية قط، ولم يظهر مع ذلك ولائه لآل البيت... ألتزم الصمت ولم يسعى لإثارة أي فتنة بالرغم من أستنكاره لأفعال الأمويين علانيةً.
v من أقواله:
§ "من استغنى بالله افتقر الناس إليه".
§ "إنما العبادة التفكر في أمر الله والكف عن محارم الله".
§ "ما خفت على نفسي شيئا مخافة النساء".
§ كان إذا رأى الصبيان يلعبون قال: "هؤلاء الناس بعدنا".
§ "ما أيس الشيطان من شيء إلا أتاه من قبل النساء".
§ "لا خير فيمن لا يريد جمع المال من حله يعطي منه حقه ويكف به وجهه عن الناس".
v في عزة نفسه وصدعه بالحق:
§ حدثنا عمران بن عبد الله قال: "كان لسعيد بن المسيب في بيت المال بضعة وثلاثون ألفا عطاؤه وكان يدعى إليها فيأبى ويقول لا حاجة لي فيها حتى يحكم الله بيني وبين بني مروان".
§ أنبأنا علي بن زيد أنه قيل لسعيد بن المسيب ما شأن الحجاج لا يبعث إليك ولا يحركك ولا يؤذيك قال: " والله ما أدري إلا أنه دخل ذات يوم مع أبيه المسجد فصلى صلاة لا يتم ركوعها ولا سجودها فأخذت كفا من حصى فحصته بها زعم أن الحجاج قال ما زلت بعد أحسن الصلاة".
§ عن عمران بن عبد الله بن طلحة الخزاعي قال حج عبد الملك بن مروان فلما قدم المدينة ووقف على باب المسجد أرسل إلى سعيد بن المسيب رجلا يدعوه ولا يحركه فأتاه الرسول وقال أجب أمير المؤمنين واقف بالباب يريد أن يكلمك فقال: "ما لأمير المؤمنين إلي حاجة ومالي إليه حاجة وإن حاجته لي غير مقضية" فرجع الرسول فأخبر عبدالملك فقال ارجع فقل له إنما أريد أن أكلمك ولا تحركه فرجع إليه فقال له أجب أمير المؤمنين فرد عليه مثل ما قال أولا فقال لولا أن تقدم إلي فيك ما ذهبت إليه إلا برأسك يرسل إليك أمير المؤمنين يكلمك تقول مثل هذا فقال: "إن كان يريد أن يصنع بي خيرا فهو لك وإن كان يريد غير ذلك فلا أرحل حبوتي حتى يقضي ما هو قاض" فأتاه فأخبره فقال رحم الله أبا محمد أبى إلا صلابة.
§ لما استخلف الوليد قدم المدينة فدخل المسجد فرأى شيخا قد اجتمع عليه الناس فقال من هذا قالوا سعيد بن المسيب فلما جلس أرسل إليه فأتاه الرسول فقال أجب أمير المؤمنين فقال: "لعلك أخطأت باسمي أو لعله أرسلك إلى غيري" فرد الرسول فأخبره فغضب وهم به قال وفي الناس يومئذ تقيّة فأقبلوا عليه فقالوا يا أمير المؤمنين فقيه المدينة وشيخ قريش وصديق أبيك لم يطمع ملك قبلك أن يأتيه فما زالوا به حتى أضرب عنه.
§ عمران بن عبد الله من أصحاب سعيد بن المسيب قال: "ما علمت فيه لينا وكان عنده أمر عظيم من بني أمية وسوء سيرتهم وكان لا يقبل عطاءهم".
§ عن طلحة بن محمد بن سعيد بن المسيب عن أبيه قال: "كان سعيد أيام الحرة في المسجد لم يخرج وكان يصلي معهم الجمعة ويخرج في الليل قال فكنت إذا حانت الصلاة أسمع أذاناً يخرج من قبل القبر حتى أمن الناس".
§ استعمل ابن الزبير جابر بن الأسود بن عوف الزهري على المدينة فدعا الناس إلى البيعة ( لابن الزبير ) فقال سعيد بن المسيب: "لا حتى يجتمع الناس" ..فضربه ستين سوطاً فبلغ ذلك ابن الزبير فكتب إلى جابر يلومه ويقول مالنا ولسعيد دعه وعن عبد الواحد بن أبي عون قال كان جابر بن الأسود عامل ابن الزبير على المدينة قد تزوج الخامسة قبل انقضاء عدة الرابعة فلما ضرب سعيد بن المسيب صاح به سعيد والسياط تأخذه: "والله ما ربعت على كتاب الله وإنك تزوجت الخامسة قبل انقضاء عدة الرابعة وما هي إلا ليال فاصنع ما بدا لك فسوف يأتيك ما تكره".. فما مكث إلا يسيرا حتى قتل ابن الزبير.
§ عن عمران بن عبد الله الخزاعي قال دعي سعيد بن المسيب ليبايع للوليد وسليمان بعد أبيهما فقال لا أبايع اثنين ما اختلف الليل والنهار فقيل ادخل واخرج من الباب الآخر قال والله لايقتدي بي أحد من الناس.... فقال له عبد الرحمن بن عبد القاري: "إني مشير عليك بخصال قال ما هن قال تعتزل مقامك فإنك تقوم حيث يراك هشام بن إسماعيل قال ما كنت لأغير مقاماً قمته منذ أربعين سنة قال تخرج معتمراً قال ما كنت لأنفق مالي وأجهد بدني في شيء ليس لي فيه نية قال فما الثالثة قال تبايع.. قال أرأيت إن كان الله أعمى قلبك كما أعمى بصرك فما علي... وكان أعمى.... فدعاه هشام بن إسماعيل إلى البيعة فأبى فكتب فيه إلى عبد الملك فكتب إليه عبد الملك مالك ولسعيد وما كان علينا منه شيء نكرهه فأما إذ فعلت فاضربه ثلاثين سوطاً وألبسه تبان شعر وأوقفه للناس لئلا يقتدي به الناس فدعاه هشام فأبى وقال لا أبايع لاثنين فألبسه تبان شعر وضربه ثلاثين سوطا وأوقفه للناس... فحدثني الأيليون الذين كانوا في الشرط بالمدينة قالوا علمنا أنه لا يلبس التبان طائعا ًقلنا له يا أبا محمد إنه القتل فاستر عورتك قال فلبسه فلما ضرب تبين له أنا خدعناه قال يا معجلة أهل أيلة لولا أني ظننت أنه القتل ما لبسته.
§ حدثنا سفيان عن رجل من آل عمر قال قلت لسعيد بن المسيب ادع على بني أمية قال: "اللهم أعز دينك وأظهر أولياءك واخز أعداءك ".
§ عن أبي يونس القوي قال دخلت مسجد المدينة فإذا سعيد بن المسيب جالس وحده فقلت ما شأنه قيل نهي أن يجالسه أحد و كان إذا أراد أحدا أن يجالسه قال "إنهم قد جلدوني ومنعوا الناس أن يجالسوني".
§ عن أبي عيسى الخراساني عن ابن المسيب قال: " لاتملؤوا أعينكم من أعوان الظلمة إلا بإنكار من قلوبكم لكيلا تحبط أعمالكم".
§ سئل يوماً: "يزعم قومك أن ما يمنعك من الحج أنك جعلت لله عليك إذا رأيت الكعبة أن تدعوا الله على بني مروان، فقال: مافعلت ذلك، وما أصلي لله عز وجل ألا دعوت الله عليهم".
§ عن علي بن زيد قال قال لي سعيد بن المسيب قل لقائدك يقوم فينظر إلى وجه هذا الرجل ( وإلى جسده ) فقام وجاء فقال رأيت وجه زنجي وجسد أبيض فقال سعيد إن هذا سب هؤلاء طلحة والزبير وعليا رضي الله عنهم فنيهته ( فأبى ) فدعوت الله عليه قلت إن كنت كاذبا فسود الله وجهك فخرجت بوجهه قرحة فاسود وجهه.
تزويجه لأبنته بدرهمين:
تناقل الرواة قصة تزويج ابن المسيب لأبنته وفيها أن عبدالملك بن مروان حاول التقرب من ابن المسيب من خلال المصاهرة، فخطب لولده الوليد أبنة ابن المسيب وأبى الأخير ومازال عبدالملك يطلبها وابن المسيب يرفض حتى ضربة مئة سوط في يوم بارد وصب عليه جرة ماء وألبسه جبة صوف.. وفي أحد الأيام ألتقى ابن المسيب بأحد فتيان قريش من أقاربه، وكان معتاداً على مجالسته وأفتقده لأيام، فقال له: " أين كنت قلت توفيت أهلي فاشتغلت بها فقال ألا أخبرتنا فشهدناها ثم قال هل استحدثت امرأة فقلت يرحمك الله ومن يزوجني وما أملك إلا درهمين أو ثلاثة قال أنا فقلت وتفعل قال نعم ثم تحمد وصلى على النبي وزوجني على درهمين أو قال ثلاثة فقمت وما أدري ما أصنع من الفرح فصرت إلى منزلي وجعلت أتفكر فيمن أستدين فصليت المغرب ورجعت إلى منزلي وكنت وحدي صائما فقدمت عشائي أفطر وكان خبزا وزيتا فإذا بابي يقرع فقلت من هذا فقال سعيد فأفكرت في كل من اسمه سعيد إلا ابن المسيب فإنه لم ير أربعين سنة إلا بين بيته والمسجد فخرجت فإذا سعيد فظننت أنه قد بدا له فقلت يا أبا محمد ألا أرسلت إلي فآتيك قال لا أنت أحق أن تؤتى إنك كنت رجلا عزبا فتزوجت فكرهت أن تبيت الليلة وحدك وهذه امرأتك فإذا هي قائمة من خلفه في طوله ثم أخذ بيدها فدفعها في الباب ورد الباب فسقطت المرأة من الحياء فاستوثقت من الباب ثم وضعت القصعة في ظل السراج لكي لا تراه ثم صعدت السطح فرميت الجيران فجاؤوني فقالوا ما شأنك فأخبرتهم ونزلوا إليها وبلغ أمي وجاءت وقالت وجهي من وجهك حرام إن مسستها قبل أن أصنع بها صالح ما يصنع بنساء قريش إلى ثلاثة أيام، فأقمت ثلاثاً ثم دخلت بها فإذا هي من أجمل الناس وأحفظ الناس لكتاب الله وأعلمهم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعرفهم بحق زوج فمكثت شهراً لا آتي سعيد بن المسيب ثم أتيته وهو في حلقته فسلمت فرد علي السلام ولم يكلمني حتى تقوض المجلس فلما لم يبقى غيري قال ما حال ذلك الإنسان قلت خير يا أبا محمد على ما يحب الصديق ويكره العدو، قال إن رابك شيء فالعصا فانصرفت إلى منزلي فوجه إلي بعشرين ألف درهم".
v تفسيره للرؤى:
كان ابن المسيب من أعبر للناس للرؤيا في زمانه، وقد أورد الذهبي في كتابه سير أعلام النبلاء العديد من حوادث التعبير، أخترت لكم منها القصص التالية:
§ عن الوليد بن عمروا بن مسافع عن عمر بن حبيب بن قليع قال كنت جالسا عند سعيد بن المسيب يوما وقد ضاقت بي الأشياء ورهقني دين فجاءه رجل فقال رأيت كأني أخذت عبد الملك ابن مروان فأضجعته إلى الأرض وبطحته فأوتدت في ظهره أربعة أوتاد قال ما أنت رأيتها قال بلى قال لا أخبرك أو تخبرني قال ابن الزبير رآها وهو بعثني إليك قال لئن صدقت رؤياه قتله عبد الملك وخرج من صلب عبد الملك أربعة كلهم يكون خليفة قال فرحلت إلى عبد الملك بالشام فأخبرته فسر وسألني عن سعيد وعن حاله فأخبرته وأمر بقضاء ديني وأصبت منه خيرا
§ قال رجل رأيت كأن عبد الملك بن مروان يبول قبلة مسجد النبي أربع مرار فذكرت ذلك لسعيد بن المسيب فقال إن صدقت رؤياك قام فيه من صلبه أربعة خلفاء
§ عن مسلم الحناط قال رجل لابن مسيب رأيت أني أبول في يدي فقال اتق الله فإن تحتك ذات محرم فنظر فإذا امرأة بينهما رضاع
§ وقال له رجل إني رأيت كأن حمامة وقعت على المنارة فقال يتزوج الحجاج ابنة عبد الله بن جعفر.... وأمها عقيلة بني هاشم السيدة زينب بنت علي التي شهدت كربلاء، حفيدة الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد أمر عبدالملك بن مروان الحجاج بتطليقها قبل أن يبني بها عندما علم أن عبدالله بن جعفر زوجه أتقاءاً لشره.
§ عن عمران بن عبد الله قال رأى الحسن بن علي كأن بين عينيه مكتوب " قل هو الله أحد " فاستبشر به وأهل بيته فقصوها على سعيد بن المسيب فقال إن صدقت رؤياه فقلما بقي من أجله فمات بعد أيام .
قالوا عنه:
§ علي زين العابدين بن الحسين رضي الله عنهما، قال: " ابن المسيب أعلم الناس بما تقدمه من الآثار وأفقههم في رأيه".
§ سئل الزهري عمن أخذ ابن المسيب علمه فقال: " عن زيد بن ثابت وجالس سعدا وابن عباس وابن عمر ودخل على أزواج النبي عائشة وأم سلمة وسمع من عثمان وعلي وصهيب ومحمد بن مسلمة وجل روايته المسندة عن أبي هريرة كان زوج ابنته وسمع من أصحاب عمر وعثمان وكان يقال ليس أحد أعلم بكل ما قضى به عمر وعثمان منه"
§ كان عمر بن عبد العزيز لا يقضي بقضية يعني وهو أمير المدينة حتى يسأل سعيد بن المسيب فأرسل إليه إنسانا يسأله فدعاه فجاء فقال عمر له أخطأ الرسول إنما أرسلناه يسألك في مجلسك وكان عمر يقول: "ما كان بالمدينة عالم إلا يأتيني بعلمه وكنت أوتى بما عند سعيد بن المسيب".
§ محمد بن يحيى بن حبان قال: "كان المقدم في الفتوى في دهره سعيد بن المسيب ويقال له فقيه الفقهاء".
§ ذكر ابن المسيب أمام ابن عمر رضي الله عنه فقال: "هو والله أحد المفتين".
§ عمران بن عبد الله الخزاعي قال: "سألني سعيد بن المسيب فأنتسبت له فقال لقد جلس أبوك إلي في خلافة معاوية وسألني.. يقول عمران: والله ما أراه مر على أذنه قط إلا وعاه قلبه يعني ابن المسيب وإني أرى أن نفس سعيد كانت أهون عليه في ذات الله من نفس ذباب".
§ وقال قتادة ومكحول والزهري وآخرون واللفظ لقتادة "ما رأيت أعلم من سعيد بن المسيب"، قال علي بن المديني: "لا أعلم في التابعين أحدا أوسع علما من ابن المسيب هو عندي أجل التابعين".
v ذكر مرضه ووفاته:
أوصى هذا العالم الزاهد أهله قبل وفاته فقال: " لا يتبعني راجز ولا نار وأن يعجلوا بي فإن يكن لي عند الله خير فهو خير مما عندكم".
لم يرد أن يشق على الناس في جنازته، وأشهد زرعة بن عبدالرحمن على أبنه محمد فقال: " يازرعة إني أشهدك على ابني محمد لايؤذين بي أحداً حسبي أربعة يحملوني إلى ربي".
عن يحيى بن سعيد قال لما احتضر سعيد بن المسيب ترك دنانير فقال: "اللهم إنك تعلم أني لم أتركها إلا لأصون بها حسبي وديني"... أشفق على بنيه حتى من تحمل تكاليف جنازته.
لم يترك الصلاة حتى في أشد لحظات المرض وعندما دخل عليه عبدالرحمن بن حرملة عليه وجده يصلي الظهر وهو مستلق يومئ إيماءاً ويتلو سورة الشمس.. ولما أشتد عليه المرض أغمي عليه، فدخل عليه نافع بن جبير يعوده وأمر بتوجيه فراشه ناحية القبلة، ففعلوا... ولما أستفاق ابن المسيب قال من أمركم أن تحلوا فراشي إلى القبلة.. أنافع؟ قالوا نعم، فقال له سعيد: لئن لم أكن على القبلة والملة والله لا ينفعني توجيهكم فراشي...وفي رواية أخرى أنه قال: " ألست أمرءاً مسلماً وجهي إلى الله حيث ما كنت".
فاضت روحه وأنتقل إلى جوار ربه في عام 94 هجرية، وسميت تلك السنة بعام الفقهاء، لكثرة من مات بها من الفقهاء.
شخصية أخرى لم تكتف بنقل العلم وإفتاء الناس في أمور دينها ودنياها، بل سجلت موقفاً ولم تخشى في الله لومة لائم.. رفض مصاهرة الخلفاء خوفاً على دينه ودنياه ولم يلهث خلف الولاة ليكسب ودهم.... أين نحن من هؤلاء،،،