* أبو الحسن بن أبي الليث الكاتب يطلق من حبسه على إثر دعاء دعا به*
حدثني فتى من الكتاب البغداديين، يعرف بأبي الحسن بن أبي الليث، وكان أبوه من كتاب الجيل، يتصرف
مع لشكرورز بن سهلان الديلمي، أحد الأمراء- كان- في عسكر معز الدولة، قال: قرأت في بعض
الكتب، إذا دهمك أمر تخافه، فبت وأنت طاهر، على فراش طاهر، وثياب كلها طاهرة، واقرأ: "والشمس
وضحاها"، إلى آخر السورة، سبعاً، "والليل إذا يغشى" إلى آخر السورة، سبعاً، ثم قل: اللهم اجعل لي
فرجاً ومخرجاً من أمري، فإنه يأتيك في الليلة الأولة أو الثانية، وإلى السابعة، آت في منامك، يقول لك:
المخرج منه كذا وكذا.
قال: فحبست بعد هذا بسنين، حبسة طالت حتى أيست من الفرج، فذكرته يوماً وأنا في الحبس، ففعلت
ذلك، فلم أر في الليلة الأولة، ولا الثانية، ولا الثالثة شيئاً، فلما كان في الليلة الرابعة، فعلت ذلك على
الرسم، فرأيت في منامي، كأن رجلاً يقول لي: خلاصك على يد علي بن ابراهــيم فاصبحت من غد
غد متعجباً، ولم أكن أعرف رجلاً يقال له علي بن إبراهيم، فلما كان بعد يومين، دخل
إلي شاب لا أعرفه، فقال لي: قد كفلت بما عليك، فقم، وإذا معه رسول إلى السجان بتسليمي إليه،
فقمت معه، فحملني إلى مترلي، وسلمني فيه، وانصرف.
فقلت لهم: من هذا ؟ فقالوا: رجل بزاز من أهل الأهواز، يقال له علي بن إبراهيم، يكون في الكرخ، قيل
لنا إنه صديق الذي حبسك، فطرحنا أنفسنا عليه، فتوسط أمرك، وضمن ما عليك، وأخرجك.
قال مؤلف هذا الكتاب: فلما كان بعد سنين، جاءني علي بن إبراهيم هذا، وهو معاملي في البز، منذ
سنين كثيرة، فذاكرته بالحديث، فقال: نعم، كان هذا الفتى قد حبسه عبدوس بن أخت أبي علي الحسن
بن إبراهيم النصراني، خازن معز الدولة، وطالبه بخمسة آلاف درهم، كانت عليه من ضمانه، وكان
عبدوس لي صديقاً، فجاءني من سألني خطابه في أمر هذا الرجل، وجرى الأمر على ما عرفنك.

* اللـهم اجعل لي من آإمري فرجآإ ومخرجآإ *
وما أعجب هذا الخبر، فإني قد وجدته في عدة كتب، بأسانيد، وبغير أسانيد، على اختلاف الألفاظ،
والمعنى قريب، وأنا أذكر أصحها عندي: وجدت في كتاب محمد بن جرير الطبري، الذي سماه: كتاب
الآداب الحميدة، والأخلاق النفيسة، حدثني محمد بن عمارة الأسدي، قال: حدثنا عبد الله بن يزيد، قال:
أنبأنا أنيس بن عمران النافعي أبو يزيد، عن روح ابن الحارث بن حبش الصنعاني، عن أبيه، عن جده، أنه
قال لبنيه: يا بني، إذا دهمكم أمر، أو كربكم، فلا يبيتن أحد منكم، إلا وهو طاهر، على فراش طاهر، في
لحاف طاهر، ولا تبيتن معه امرأة، ثم ليقرأ والشمس وضحاها، سبعاً، والليل إذا يغشى، سبعاً، ثم ليقل:
أللهم اجعل لي من أمري فرجاً ومخرجاً، فإنه يأتيه آت في أول ليلة، أو في الثالثة، أو في الخامسة، وأظنه
قال: أو في السابعة، فيقول له: المخرج مما أنت فيه كذا وكذا.
قال أنيس: فأصابني وجع لم أدر كيف أزيله، ففعلت أول ليلة هكذا، فأتاني اثنان فجلس أحدهما عند
رأسي، والآخر عند رجلي، ثم قال أحدهما لصاحبه: جسه، فلمس جسدي كله، فلما انتهى إلى موضع
من رأسي، قال: احجم ها هنا، ولا تحلق، ولكن اطله بغرا، ثم التفت إلي أحدهما، أو كلاهما، فقالا لي:
كيف لو ضممت إليهما "والتين والزيتون".
قال: فلما أصبحت سألت أي شيء الغرا ؟، فقيل لي: الخطمي، أو شيء تستمسك به المحجمة،
فاحتجمت، فبرئت، وأنا ليس أحدث ذا الحديث أحداً، إلا وجد فيه الشفاء بإذن الله تعالى، وأضم إليها
التين والزيتون.

* ومن يتوكــل على الله فهو حسبــه *
ووجدت في كتاب أبي الفرج المخزومي عبد الواحد بن نصر، عن أبي القاسم عبد الرحمن بن العباس،
قال: حدثني أبو ساعدة بن أبي الوليد بن أحمد بن أبي داؤد، قال: حدثني أبي، قال:.
حدثنا إبراهيم بن رباح، قال: حدثنا أبو عبد الله أحمد بن أبي دؤاد، قال: حدثنا الواثق، قال: حدثنا
المعتصم: أن قوم ركبوا البحر، فسمعوا هاتفاً يهتف م، من يعطيني عشرة آلاف دينار حتى أعلمه كلمة،
إذا أصابه غم، أو أشرف على هلاك، فقالها، انكشف ذلك عنه.
فقام رجل من أهل المركب، معه عشرة آلاف دينار، فصاح: أيها الهاتف أنا أعطيك عشرة آلاف دينار،
وعلمني.
فقال: ارم بالمال في البحر، فرمى به، وهو بدرتان فيهما عشرة آلاف دينار.
فسمع الهاتف يقول: إذا أصابك غم، أو أشرفت على هلكة، فاقرأ: "ومن يتق اللّه، يجعل له مخرجاً،
ويرزقه من حيث لا يحتسب، ومن يتوكّل على اللّه فهو حسبه، إنّ اللّه بالغ أمره، قد جعل اللّه لكلّ شيء
قدراً".
فقال جميع من في المركب للرجل: لقد ضيعت مالك.
فقال: كلاً، إن هذه لعظة ما أشك في نفعها.
قال: فلما كان بعد أيام، كسرم المركب، فلم ينج منهم أحد غير ذلك الرجل، فإنه وقع على لوح.
فحدث بعد ذلك، قال: طرحني البحر على جزيرة، فصعدت أمشي فيها، فإذا بقصر منيف، فدخلته، فإذا
فيه كل ما يكون في البحر من الجواهر وغيرها، وإذا بامرأة لم أر قط أحسن منها.
فقلت لها: من أنت وأي شيء تعملين ها هنا ؟
قال: أنا بنت فلان بن فلان التاجر بالبصرة، وكان أبي عظيم التجارة، وكان لا يصبر عني، فسافر بي معه
في البحر، فانكسر مركبنا، فاختطفت، حتى حصلت في هذه الجزيرة، فخرج إلي شيطان من البحر،
يتلاعب بي سبعة أيام، من غير أن يطأني، إلا أنه يلامسني، ويؤذيني، ويتلاعب بي، ثم ينظر إلي، ثم يترل إلى
البحر سبعة أيام، وهذا يوم موافاته، فاتق الله في نفسك، واخرج قبل موافاته، وإلا أتى عليك.
ما انقضى كلامها حتى رأيت ظلمة هائلة، فقالت: قد والله جاء، وسيهلكك.
فلما قرب مني، وكاد يغشاني، قرأت الآية، فإذا هو قد خر كقطعة جبل، إلا أنه رماد محترق.
فقالت المرأة: هلك والله، وكفيت أمره، من أنت يا هذا الذي من الله علي بك ؟ فقمت أنا وهي،
فانتخبنا ذلك الجوهر، حتى حملنا كل ما فيه من نفيس وفاخر، ولزمنا الساحل ارنا أجمع، فإذا كان
لليل، رجعنا إلى القصر.
قال: وكان فيه ما يؤكل، فقلت لها: من أين لك هذا ؟ فقالت: وجدته ها هنا.
فلما كان بعد أيام رأينا مركباً بعيداً، فلوحنا إليه، فدخل، فحملنا، فسلمنا الله تعالى إلى البصرة، فوصفت
لي مترل أهلها، فأتيتهم.
فقالوا: من هذا ؟ فقلت: رسول فلانة بنت فلان.
فارتفعت الواعية، وقالوا: يا هذا لقد جددت علينا مصابنا.
فقلت: اخرجوا، فخرجوا.
فأخذم حتى جئتم إلى ابنتهم، فكادوا يموتون فرحاً، وسألوها عن خبرها، فقصته عليهم.
وسألتهم أن يزوجونيا، ففعلوا، وحصلنا ذلك الجوهر رأس مال بيني وبينها. وأنا اليوم أيسر أهل
البصرة، وهؤلاء أولادي منها.

*المعلى بن أيوب الكاتب يتخلص من الفضل ابن مروان بدعاء دعا به *
وذكر أبو عبد الله محمد بن عبدوس الجهشياري، في كتابه، كتاب الوزراء، أن المعلى بن عبد الله بن
المعلى بن أيوب، حدثه عن أبيه، قال: قال لي المعلى بن أيوب: أعنتني الفضل بن مروان، ونحن في بعض
الأسفار وطالبني بعمل طويل يعمل في مدة بعيدة، واقتضانيه في كل يوم مراراً، إلى أن أمرني عن المعتصم
بالله أن لا أبرح إلا بعد الفراغ منه.
فقعدت في ثيابي، وجاء الليل، فجعلت بين يدي نفاطة، وطرح غلماني أنفسهم حولي، وورد علي هم
عظيم، لأنني قلت: ما تجاسر على أن يوكل بي إلا وقد وقف على سوء رأي فيّ من المعتصم.
فإني لجالس، وذقني على يدي، وقد مضى الليل، وأنا متفكر، فحملتني عيناي، فرأيت كأن شخصاً قد
مثل بين يدي، وهو يقول: "قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر، تدعونه تضرعاً وخفيةً، لئن أنجيتنا
من هذه، لنكونن من الشاكرين، قل اللّه ينجيكم منها ومن كلّ كرب".
ثم انتبهت، فإذا أنا بمشعل قد أقبل من بعيد، فلما قرب مني كان وراءه محمد بن حماد دنقش صاحب
الحرس، وقد أنكر نفاطتي، فجاء يعرف سببها، فأخبرته خبري.
فمضى إلى المعتصم، فأخبره، فإذا الرسل يطلبوني، فدخلت إليه، وهو قاعد، ولم يبق بين يديه من الشمع
إلا أسفله.
فقال لي: ما خبرك ؟ فشرحته له.
فقال: ويلي على النبطي، يمتهنك، وأي يد له عليك، أنت كاتبي، كما هو كاتبي، انصرف.
فلما وليت، ردني، واستدناني، ثم قال لي: تمضي مديدة، ثم ترى فيه ما تحب.
قال: فانصرفت، وبكرت إلى الفضل على عادتي، لم أنكر شيئاً.

* ماجاء في الاثر من ذكر الفرج بعد اللا دواء *
أخبرني القاضي أبو القاسم علي بن محمد بن أبي الفهم التنوخي، أبي رحمه الله تعالى، قال: حدثنا محمد بن
إبراهيم الصلحي، قال: حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا حماد بن واقد.
وحدثنا علي بن أبي الطيب، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، قال: حدثنا محمد بن عبد
الله الأزدي، قال: حدثنا حماد بن واقد، قال: حدثنا إسرائيل بن يونس، عن أبي إسحاق الهمذاني، عن أبي
الأحوص، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سلوا الله عز وجل من
فضله، فإن الله يحب أن يسأل، وأفضل العبادة انتظار الفرج من الله تعالى.
أخبرني أبي، قال: حدثنا الفضل بن محمد العطار الأنطاكي، قال: حدثنا سليمان بن سلمة، قال: حدثنا
بقية، عن مالك، عن الزهري، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: انتظار الفرج من الله
تعالى عبادة.
أخبرني أبي، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الكوفي، قال: حدثنا حسين ابن حسن، عن سفيان بن
إبراهيم، عن حنظلة المكي، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: انتظار
الفرج عبادة.
حدثني أبي، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن عامر الطائي، قال: حدثني أبي، قال: حدثني علي بن موسى
الرضا، قال: حدثني أبي موسى، قال: حدثني أبي جعفر، قال: حدثني أبي محمد، قال حدثني أبي علي قال:
حدثني أبي الحسين، قال: حدثني أبي علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، قال: قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم، أفضل أعمال أمتي انتظار الفرج من الله عز وجل.
أخبرني أبي، قال: حدثني أحمد بن عبد الله بن النعمان، قال: حدثني محمد بن يعقوب بن إسحاق الأعرج،
قال: حدثنا عبد الله بن محمد عن سعدويه، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن بكر، قال: حدثنا عبد العزيز
ابن عبد الله عن علي بن أبي علي، عن جعفر بن محمد، عن أبيه عن جده، عن علي رضي الله عنه: أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال لعلي عليه السلام، في حديث ذكره: واعلم أن النصر مع الصبر،
والفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً.

*قصة الثلاثة انطبقت عليهم صخرة
ونجتهم أعمالهم*
حدثنا محمد بن جعفر بن صالح الصالحي أبو الفرج، من ولد علي بن صالح، صاحب المصلى، قال: حدثنا
أبو الجهم أحمد بن الحسين بن طلاب المشغرائي، من قرية من قرى غوطة دمشق يقال لها: مشغرا، قال:
حدثنا محمد بن عبد الرحمن الجعفي، قال: حدثنا أبو أسامة، قال: حدثنا عبيد الله بن عمر، عن سالم، عن
ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: بينما ثلاثة رهط من بني إسرائيل يسيرون، إذ أخذهم
المطر، فأووا إلى غار، فانطبقت عليهم صخرة، فسدت الغار، فقالوا: تعالوا فليسأل الله تعالى كل رجل
منا بأفضل عمله.
فقال أحدهم: اللهم إنه كانت لي ابنة عم جميلة، وكنت أهواها، فدفعت إليها مائة دينار، فلما جلست
منها مجلس الرجل من المرأة، قالت: اتق الله يا ابن عم، ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فقمت عنها، وتركت
المائة دينار، اللهم إن كنت تعلم، أني فعلت هذا خشية منك، وابتغاء ما عندك، فأفرج عنا، فانفرج عنهم
ثلث الصخرة.
وقال الآخر: اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت أغدو عليهما بصبوحهما،
وأروح عليهما بغبوقهما، فغدوت عليهما يوماً، فوجدما نائمين، فكرهت أن أوقظهما، وكرهت أن
أنصرف عنهما، فيفقدا غداءهما، فوقفت حتى استيقظا، فدفعت إليهما غداءهما، اللهم إن كنت تعلم أني
إنما فعلت ذلك ابتغاء ما عندك، وخشية منك، فأفرج عنا، فانفرج الثلث الثاني.
وقال الثالث: اللهم إن كنت تعلم، أني استأجرت أجيراً، فلما دفعت إليه أجره، قال: عملي بأكثر من
هذا، فترك علي أجره، وقال: بيني وبينك يوم يؤخذ فيه للمظلوم من الظالم، ومضى، فابتعت له بأجره
غنماً، ولم أزل أنميها وأرعاها، وهي تزيد وتكثر، فلما كان بعد مدة، أتاني، فقال لي: يا هذا إن لي عندك
أجراً، عملت كذا وكذا في وقت كذا وكذا، فقلت: خذ هذه الغنم، فهي لك، فقال: تمنعني من أجري،
وزأ بي، فقلت: خذها فهي لك، فأخذها ودعا لي، اللهم إن كنت تعلم أني فعلت هذا خشية منك،
وابتغاء ما عندك، فأفرج عنا، فانفرج عنهم باقي الصخرة، وخرجوا يمشون، وذكر الحديث كذا.
قال مؤلف هذا الكتاب: هذا الحديث مشهور، رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم، علي بن أبي طالب،
وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن أبي أوفى، والنعمان بن بشير الأنصاري، وغيرهم،
وعن كل واحد منهم عدة طرق، وقد اختلف في ألفاظه والمعنى واحد، وليس غرضي هنا، جمع طرقه
وألفاظه، فأستقصي ما روي من ذلك، إلا أن في هذه الرواية، غلطاً لا بد من تبيينه، وهو أنه روي من
غير طريق عن أبي أسامة، عن عمر بن حمزة العمري، عن سالم، عن ابن عمر ليس فيه عبيد الله، والمشهور
أنه عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر.
وجاء من طريق أخرى أبين من هذا، ووقع لنا بعلو، فحدثني أبو العباس محمد بن أحمد الأثرم، المقرىء
البغدادي، بالبصرة سنة خمس وثلاثين وثلثمائة، قال: حدثنا إبراهيم بن الهيثم البلدي، قال: حدثنا أبو
اليمان الحكم ابن نافع، قال: أنبأنا شعيب، عن الزهري، قال: أخبرني سالم بن عبد الله ابن عمر، أن عبد
الله بن عمر، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: انطلق ثلاثة رهط ممن كان قبلكم، حتى أواهم
المبيت إلى غار، فدخلوا، فانحدرت عليهم صخرة من الجبل، فسدت عليهم الغار، وذكر الحديث إلى نحو
الرواية الأولى.
*لا إله لا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين*
حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، قال: حدثنا هارون بن سفيان،
قال: حدثنا عبيد بن محمد عن محمد بن مهاجر، قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن سعد عن أبيه، عن
جده، قال: كنا جلوساً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ألا أخبركم وأحدثكم بشيء، إذا
نزل برجل منكم كرب أو بلاء من الدنيا، ودعا به، فرج الله عنه ؟ فقيل له: بلى.
قال: دعاء ذي النون، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.

*طول الغمة يطمع في انقضائها*
كتب سعيد بن حصيد، إلى عبيد الله بن عبد الله بن طاهر، كتاباً من الاستتار، قال فيه: وأرجو أن
يكشف الله، بالأمير أعزه الله، هذه الغمة الطويل مداها، البعيد منتهاها، فإن طولها، قد أطمع في
انقضائها، وتراخي أيامها، قد سهل سبيل الأمل لفنائها.

*أقوال الحكماء في الصبر *
يحكى عن أنوشروان، أنه قال: جميع المكاره في الدنيا، تنقسم على ضربين، فضرب فيه حيلة، فالاضطراب
دواؤه، وضرب لا حيلة فيه، فالاصطبار شفاؤه.
كان بعض الحكماء يقول: الحيلة فيما لا حيلة فيه، الصبر.
وكان يقال: من اتبع الصبر، اتبعه النصر.
ومن الأمثال السائرة: الصبر مفتاح الفرج، من صبر قدر، ثمرة الصبر الظفر، عند اشتداد البلاء يأتي
الرخاء.
وكان يقال: تضايقي تنفرجي.
وكان يقال: إذا اشتد الخناق انقطع.
وكان يقال: خف المضار، من خلل المسار، وارج النفع، من موضع المنع، واحرص على الحياة، بطلب
الموت، فكم من بقاء سببه استدعاء الفناء، ومن فناء سببه إيثار البقاء، وأكثر ما يأتي الأمن من قبل الفزع.
والعرب تقول: إن في الشر خياراً.
وقال الأصمعي: معناه، أن بعض الشر أهون من بعض.
وقال أبو عبيدة: معناه، إذا أصابتك مصيبة، فاعلم أنه قد يكون أجل منها، فلتهن عليك مصيبتك.
قال بعض الحكماء: عواقب الأمور، تتشابه في الغيوب، فرب محبوب في مكروه، ومكروه في محبوب،
وكم مغبوط بنعمة هي داؤه، ومرحوم من داء هو شفاؤه.
وكان يقال: رب خير من شر، ونفع من ضر.

*شريح القاضي يحمد الله على المصيبة أربع مرات*
قال شريح: إني لأصاب بالمصيبة، فأحمد الله عز وجل عليها أربع مرات، أحمده إذ لم تكن أعظم مما هي،
وأحمده إذ رزقني الصبر عليها، وأحمده إذ وفقني للاسترجاع، لما أرجو فيه من الثواب، وأحمده إذ لم
يجعلها في ديني.
*من ساعة إلى ساعة فرج*
ويشبه هذا ما روي عن بزرجمهر بن البختكان الحكيم، الذي كان وزير أنوشروان، فإنه حبسه عند
غضبه، في بيت كالقبر ظلمة وضيقاً، وصفده بالحديد، وألبسه الخشن من الصوف، وأمر أن لا يزاد كل
يوم، على قرصين خبزاً شعيراً، وكف ملح جريش، ودورق ماء، وأن تحصى ألفاظه، فتنقل إليه، فأقام
بزرجمهر شهوراً، لا تسمع له لفظة.
فقال أنوشروان: أدخلوا إليه أصحابه، ومروهم أن يسألوه، ويفاتحوه في الكلام، واسمعوا ما يجري بينهم،
وعرفونيه.
فدخل إليه جماعة من المختصين- كانوا- به، فقالوا له: أيها الحكيم، نراك في هذا الضيق، والحديد،
والصوف، والشدة التي وقعت فيها، ومع هذا، فإن سحنة وجهك، وصحة جسمك، على حالهما، لم
تتغيرا، فما السبب في ذلك ؟.
فقال: إني عملت جوارشاً من ستة أخلاط، آخذ منه كل يوم شيئاً، فهو الذي أبقاني على ما ترون.
قالوا: فصفه لنا، فعسى أن نبتلى بمثل بلواك، أو أحد من إخواننا، فنستعمله ونصفه له.
قال: الخلط الأول: الثقة بالله عز وجل، والخلط الثاني: علمي بأن كل مقدر كائن، والخلط الثالث: الصبر
خير ما استعمله الممتحنون، والخلط الرابع: إن لم أصبر أنا فأي شيء أعمل، ولم أعين على نفسي بالجزع،
والخلط الخامس: قد يمكن أن أكون في شر مما أنا فيه، والخلط السادس: من ساعة إلى ساعة فرج.
قال: فبلغ كسرى كلامه، فعفا عنه.
*يأتي الله بالفرج عند انقطاع الأمل واستبهام الحيل*
فصل لبعض كتاب زماننا، وهو علي بن نصر بن علي الطبيب: وكما أن لله جل وعلا يأتي بالمحبوب، من
الوجه الذي قدر ورود المكروه منه، ويفتح بفرج، عند انقطاع الأمل، واستبهام وجوه الحيل، ليحض
سائر خلقه، بما يريهم من تمام قدرته، على صف الرجاء إليه، وإخلاص آمالهم في التوكل عليه، وأن لا
يزووا وجوههم في وقت من الأوقات عن توقع الروح من، فلا يعدلوا بآمالهم على أي حال من الحالات،
عن انتظار فرج يصدر عنه، وكذلك أيضاً، يسهم فيما ساءهم، بأن كفاهم بمحنة يسيرة، ما هو أعظم
منها، وافتداهم بملمة سهلة، مما كان أنكى فيهم لو لحقهم.
قال إسحاق العابد: ربما امتحن الله العبد، بمحنة يخلصها من الهلكة، فتكون تلك المحنة، أجل نعمة.
قال: وسمعت، أن من احتمل المحنة، ورضي بتدبير الله تعالى في النكبة، وصبر على الشدة، كشف له عن
منفعتها، حتى يقف على المستور عنه من مصلحتها.
وقال عبد الله بن المعتز: ما أوطأ راحلة الواثق بالله، وآنس مثوى المطيع لله.
حكى بعض النصارى، أن بعض الأنبياء عليهم السلام، قال: المحن تأديب من الله، والأدب لا يدوم،
فطوبى لمن تصبر على التأديب، وتثبت عند المحنة، فيجب له لبس إكليل الغلبة، وتاج الفلاح، الذي وعد
الله به محبيه، وأهل طاعته.
قال إسحاق: احذر الضجر، إذا أصابتك أسنة المحن، وأعراض الفتن، فإن الطريق المؤدي إلى النجاة صعب
المسلك.
قال بزرجمهر: انتظار الفرج بالصبر، يعقب الاغتباط.