منتديات رياض الأنس - عرض مشاركة واحدة - لأرجنتين .. كوخ وطفل وكرة .
عرض مشاركة واحدة
قديم 05-14-2018, 09:27 AM   #9


الصورة الرمزية السعيد
السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: لأرجنتين .. كوخ وطفل وكرة .










Diego Armando Maradona 10
D A M 10

لا أعلم ما هي كمية الكلمات والمفردات واللغات التي أستطيع بها التعبير عن إعجابي المطلق ( كروياً ) بهذا المخلوق
الذي لم تلد نساء الأرض لاعباً مثله ، هذا المخلوق الذي سحر محبي كرة القدم وغيرهم بفنه ،
وألهب حماس وحناجر المتيمين بإبداعه ، وأطلق العنان لخيالهم بقدرته على
فعل الممكن واللا ممكن في كرة القدم .

ولعلي اقتبس بتصرف كثير من الجمل التي ذكرها الرائع إدواردو غاليانو ( وترجمها البليغ صالح عالماني ) في كتابه
الرائع كرة القدم في الشمس والظل والذي أنصح الجميع من محبي الكرة وغيرهم بقراءته :

" وفي يوم ميمون يولد ( المعبود ) في كرة القدم ، يولد في مهد من القش وفي كوخ من الصفيح ويأتي إلى الدنيا محتضناً الكرة ،
يعيش في بيت فقير ، في حي فقير ، إنه يعرف اللـــعب منذ أن يبدأ المشي ، ففي سنواته المبـــكرة يُبهج المراعــــي ،
ويلعب في مجاهـــل الضواحي الهامشية إلى أن يخيم الليل و لا يعود قادراً على رؤية الكرة ، هو أشدهم مرحاً
وأقصرهم قامة ، كان ينام في الليل وهو يحتضن الكرة وفي النهار يصنع العجائب بها ، وفي سنوات شبابه
يطير ويُطيِّر في الاستادات ، فنونه البهلوانية تجتذب الحشود، أحداً بعد أحدٍ من كل أسبوع، ويتنقل
من فوز إلى فوز، ومن تصفيق حماسي إلى آخر ، الكرة تبحث عنه ، تتعرف عليه، تحتاج إليه ،
وعلى صدر قدمه تستريح وتتأرجح ، إنه يُخرج منها الألق ويجعلها تتكلم ، وفي هذا
الحديث بين اثنين يتحدث ملايين البكم ، المجهولون المحكومون بأن يكـــــونوا
مجهولين دائماً، يمكنهم أن يشعروا بأنهم أحدٌ ما للحظة ، بفعل وظرافة هذه
المحادثة ، حين يلعب هو، يكون في الملعب اثنا عشر لاعباً... أتقول
اثني عشر؟ قل خمسة عشر! عشرين! الكرة تضحك مشرقة
في الهواء ، ينزلها هو، ينوّمها،يغازلها، يراقصها، وحين
يرى محبوه هذه الأشياء التي لم يُرَ لها مثيل
، يشفقون على أحفادهم الذين لم
يولدوا بعد لأنهم لم يروها .






لم يستخدم دييغو آرماندو مارادونا المنشطات مطلقاً عشية المباريات من أجل مضاعفة قدرته الجسدية ، صحيح أنه كان قد تورط
في تعاطي الكوكائين، ولكنه كان يتعاطاه في الحفلات الكئيبة، لكي ينسى ويُنسى، حين صار محاصراً بالشهرة التي لم تعد
تسمح له بالعيش. وقد كان يلعب أفضل من الجميع رغماً عن الكوكائين وليس بفضله ، لقد كان مثقلاً بوزن
شخصيته ، وكانت لديه مشاكل في العمود الفقري منذ ذلك اليوم البعيد الذي هتفت فيه الحشود باسمه
لأول مرة ، وكان مارادونا يحمل شحنة ثقيلة اسمها مارادونا ينوء بها كاهله ، لقد كان الجسد مثل
تورية: ساقاه تؤلمانه ، ولا يستطيع النوم دون حبوب ، ولم يتأخر طويلاً في ملاحظة أن العمل
كإله في الاستادات هو مهمة لا تطاق، ولكنه عرف منذ البداية أنه من المستحيل التخلي
عن ذلك « إنني بحاجة إلى أن يحتاجوا إلي » ، اعترف بذلك بعد أن أمضى
سنوات وهو يحمل الهالة فوق رأسه، خاضعاً لطغيان المردود الذي
يفوق طاقة البشر، متخماً بالكورتيزون والمُسكّينات والهتاف،
محاصراً بمطالب مؤلهيه وأحقاد المسيئين إليه.





بعد مونديال 1990 تم وأد هذا الجسد وتصفيته و خيل للجميع أنه تحول إلى جثة جامدة لن تقوى على الحراك ، ولكن
تلك الجثة نهضت قافزة فبعد انتهاء عقوبة الكوكائين، كان هو إطفائي المنتخب الأرجنتيني الذي كان يحرق آخر
احتمالاته في الوصول إلى مونديال 1994 ، وبفضله استطاع المنتخب الوصول ، وفي المونديال كان
مارادونا من جديد ، مثلما في الأزمنة السابقة، هو الأفضل، عندما انفجرت فضيحة الإفيدرين ،
و الإيفدرين لا يعتبر عقاراً منشطاً في الرياضة الاحترافية في الولايات المتحدة و في
بلدان أخرى كثيرة ، و لكنه محظور في المنافسات الدولية.





لقد كان من السهل محاكمته على أي حال ، و من السهل أيضاً إدانته ، إنما لم يكن من السهل أبداً نسيان أن
مارادونا كان يقترف منذ سنوات خطيئة أن يكون الأفضل، وخطيئة أن يندد بأعلى صوته بالأشياء التي
يأمر النظام بالصمت عنها، ويقترف جريمة اللعب الأعسر، وهو ما يسميه معجم
لاروس الصغير المصور « عمل عكس ما يتوجب عمله » .

كان قد ألحق الإهانة بآلية السلطة ، فقد تمادى في الكلام ، وهذا سلوك له ثمنه ، والثمن يُدفع نقداً ودون حسم ، وقد وفر لهم
مارادونا نفسه الذريعة بميله الانتحاري لتقديم نفسه على طبق لأعدائه الكثيرين ، وبتلك اللامسؤولية الطفولية التي تدفعه
إلى الوقوع في أي فخ يُنصب في طريقه ، والصحفيون أنفسهم الذين كانوا يحاصرونه بالميكرفونات ، صاروا
يلومونه لعجرفته ونزقه، ويتهمونه بكثرة الكلام ، ولم تكن تنقصهم الأسباب ، ولكن ليس هذا هو الذنب
الذي لا يستطيعون غفرانه له : ففي الواقع لم يكن يروقهم ما يقوله أحياناً ، فهذا السفيه الذي يرد
بتكبر وبحدة اعتاد أن يوجه الضربات كذلك إلى أعلى ، ففي مونديالي 1986 و 1994
في المكسيك والولايات المتحدة ندد بسلطة التلفزيون الدكتاتورية التي تجبر اللاعبين
على هدّ ظهورهم في منتصف النهار، والاحتراق تحت الشمس الساطعة .





وكان مارادونا في ألف مناسبة ومناسبة أخرى على امتداد حياته الرياضية قد قال أشياء حركت وكر الزنابير ، صحيح أنه لم
يكن اللاعب الوحيد المتمرد، ولكن صوته هو الذي أحدث أصداء عالمية للأسئلة التي لا تطاق: لماذا لا تسود في
كرة القدم الأنظمة العالمية لقانون العمل؟ وإذا كان كل فنان يعرف ما هي أرباح الاستعراض الذي يقدمه،
فلماذا لا يمكن للاعبين أن يعرفوا الحسابات السرية لشركة كرة القدم متعددة الجنسيات الضخمة ؟
وكان هافيلانج يصمت، مشغولاً بأمور أخرى ، وجوزيف بلاتير بيروقراطي الفيفا الذي
لم يركل كرة طوال حياته ، ويركب سيارة ليموزين طولها ثمانية أمتار ،
كان يكتفي بالقول: آخر نجم أرجنتيني هو ديستيفانو.

وعندما طُرد مارادونا من مونديال 1994 ، فقدت ملاعب كرة القدم متمردها الأكثر صخباً ، وفقدت كذلك لاعباً
رائعاً ، مارادونا هو شخص يفقد السيطرة على نفسه عندما يتكلم، ولكنه يفقد السيطرة على نفسه
أكثر عندما يلعب ، ولا يمكن لأحد أن يتكهن مسبقاً بالشيطنات التي سيقدم عليها مبدع
المفاجآت هذا الذي لا يكرر ألعابه ويستمتع بتشويش أجهزة الحاسوب "


..........................

و أستأذنكم بعد أن أطلت عليكم بما اقتبسته أعلاه أن أجمل شيء من مميزاته المتعددة : فتركيبة اللاعب الفنية والنفسية والتي
جمعت نسبة عالية من أغلب المواصفات المطلوبة للاعب كرة القدم هي التي جعلته الأفضل في رأيي فالمهارة ورؤية
الملعب والجدية والذكاء والإبداع والتحرك والقيادة والإرادة والتحمل والشغف باللعبة وكونه الأمل للفريق في
حال انعدام الحيل كل تلك الصفات حدث ولا حرج ، أما دقة التمرير فجيدة جداً ، و استخدام
الرأس والقوة البدنية والأدوار الدفاعية لمن هم في مثل مركزه جيدة إلى جيدة جداً ،
وسرعته جيدة ،وقد يحدث أن يكون هناك من هو أفضل منه بصفة أو
اثنتين أو حتى أكثر بما تميز به لكن في المجمل لن
يصل إلى تلك النسبة من التميز والاندماج .

ولعلي أركز على بعض النقاط والصفات التي ذكرت فالشغف بلعب الكرة ( أو أي جسم كروي ) لا أجد حتى الآن من يهواها ويداعبها
مثله فرغم الظروف ( والتي تسبب نفسه بجزء منها ) الكثيرة التي حلت به ورغم مشاركته الفعالة جداً في إحراز كأس
العالم و إنجازات نابولي المتعددة إلا أنه شغفه لم يتوارى تحت أي حجة ، كذلك حبه لمداعبة المستديرة في كل
وقت كحين أداء عمليات الإحماء قبيل المباريات تجده مستمتعا هائما في التراقص معها ولعل مباراة نابولي
ضد بايرن في ميونيخ خير دليل ، وحتى بعد إعلانه اعتزال اللعب رسمياً ظل شغفه ولمساته الساحرة
مثار إعجاب الكثيرين ولعل في أحداث مباراة اعتزال النجم الألماني الكبير لوثر ماثيوس
دليلاَ على شيئ من ذلك رغم أن جسمه لا يؤهل للجري فضلاً عن لعب الكرة .



أما التحمل فيكفي أن أستشهد بحادثتين : الأولى مباراة كوريا الجنوبية 86 و الثانية المداعبات اللطيفة من اللاعب
Gentile تشهدان بذلك فما تعرض له خلال هالواقعتين يوضحان قوة تحمله لمختلف
أنواع العنف ودون اعتراض يليق بما تعرض له .

أما كونه الحل وأمل الفريق ومن تتوجه له أنظار اللاعبين قبل المناصرين إذا أقفلت الطرق وانعدمت الحيل فبالتأكيد
أنه الأبرز في تلك الصفة والدلائل كثيرة أبرزها مباراة الأرجنتين ضد منتخب البرازيل 1990 ولاعبيه
أساتذة الكرة الرائعين والذين يستحقون الفوز في تلك المباراة والتي وقف الحظ
ومارادونا ضدهم ، ولعل هذه الصفة ( وصفات كثيرة أخرى ) موجودة
في أحد سحرة كرة القدم الرائعين جداً جداً ألا وهو زيدان
والذي أعاد للكرة جمالاً قل وجوده تلك الفترة .

ولعلي أعرج على أمرين آخرين أحببت أن أشير إليهما قبل أن أختم ، أولهما في موضوع تقييم أفضلية لاعب عن آخر فالكثيرون
يستشهدون بالبطولات كجزء من عملية التقييم لكني أجزم أن البطولات يجب أن لا يكون لها وجود في عملية التقييم
هذه ( رغم ما يقال عن مارادونا وتحقيقه كأس العالم 86 ) فالحكم أولاً وأخراً على اللاعب نفسه ومميزاته و
طول فترة تميزه و الابتكار الذي أحدثه أثناء لعبه ، أما المنجزات فهناك لاعبون لم يخدمهم الوقت
وبعضهم لم تخدمهم جنسياتهم والفرق التي لعبوا لها في تحقيق شيء منها ، ولا يقلل
منهم عدم حصولهم على منجز معين فابننا الظاهرة الكروية الفاتنة ميسي
أو الأستاذ الهولندي المبهر والمبدع دينيس بيركامب لا يقلل عدم
حصولهما على كأس العالم من تقييمي للعبهما أي شيء .

أما الأمر الآخر فإن القمة قد تتسع لأكثر من شخص كل على حسب نظرته لكرة القدم وذائقته الكروية فالملك بليه قد يكون
الأفضل لمن أدركوه أو الفنان الكبير والممتع رونالدينهو أو الهداف الفذ رونالدو أو زيزو أو ميسي أو باجيو أو ريكيلمي
أو غيرهم ، فكرة القدم وبالذات للمشاهد يجب أن تكون متنفساً رحباً و رياضة تزرع السعادة على شفاه متابعيها ،
أما إن كانت مرتعاً للتعصب وللكدر والحزن في حال الخسارة ولفقد أواصر المحبة بين الأصدقاء
فالواجب أن نعيد التفكير في أنفسنا وفي عقولنا وفي فهمنا لهذه الرياضة
ونتوقف عن الانجراف في سلوك الطريق الخاطئ .





ختاماً حديثي و مقدمتي عن مارادونا لا أود أن أنهيهما ولكي لا أطيل عليكم أكثر فلا يسعني في نهاية هذه
الاستراحة الثانية إلا أن أذكر الجميع بحلميه الكبييرين وهو في ( طفولته ) حيث كان حلمه الأول
المشاركة في كأس العالم والثاني تحقيقه لهذه البطولة وعليه يصدق قول المتنبي :
" وإذا كانت النفوس كبارا تعبت في مرادها الأجسام " .









 
 توقيع : السعيد



رد مع اقتباس