منتديات رياض الأنس - عرض مشاركة واحدة - نسيم نجد يقول لكم :مرحباً ألف ...و قد أتيتكم من أبها بصور خير من ألف ألف حرف
عرض مشاركة واحدة
قديم 11-24-2017, 03:47 PM   #9


الصورة الرمزية السعيد
السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: نسيم نجد يقول لكم :مرحباً ألف ...و قد أتيتكم من أبها بصور خير من ألف ألف حرف




فتجد الثعابين بعضها يسحب نفسه سحباً ليرضي زائراً قد دفع مبلغاً . أو تجده تفتح فاها ليندهش منها من قد عنا إليها و من بعيد قد أتاها . لم أرحم ثعابين مثل تلك الثعابين .

قال ابني : أبي أريد أن أمسكها بيدي . فقلت خيراً لك أن تمسك حبل الغسيل من أن تمسك هذه الثعابين . فهي كالبلاستيكية أو أشد جماداً منها . أمسكها و صور معها , و هي تتمنى أن تلحق بأخواتها التي سبقنها بلفظ أنفاسهن الأخيرة .

بعد هذه الإطلالة , كان لابد أن نتجه إلى مكان آخر , فأين نذهب ...فكما تعلمون أن اليوم هو اليوم الأخير من الرحلة , فلابد أن يكون لنا زيارة للسودة , فنودعها و نستمتع بلحظات في أعالي جبالها , فمن أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال كان اتجاهنا . تركنا الحبلة خلفنا , و مررنا بمنتزه الأمير سلطان , و القرعاء ...

و شققنا أبها , ثم أخذنا الجبل المحبب إلى نفسي و الذي يرميني إلى حيث الهوى رماني . حيث جبال السودة . إن أكثر ما يميز السودة أنها تخبأ لك مفاجأة سارة بالتأكيد , و لكن ماهي ؟ هل هي سحب و غيوم , أم شمس و ظل و نسيم , أم أمطار و قطرات . لا تفكر كثيراً بماذا ستكون المفاجأة فكل أمر تتصوره بيد الخالق سهل و يسير .


كان المخطط أن سيكون الغداء تحت شجرة من أشجار السودة , أما أن نستظل بظلها عن أشعة الشمس الدافئة , أو أن نحتمي بأوراقها عن قطرات المطر الهاطلة . يساعدنا في ذلك أن الوجبة قد أعدت من قبل , فكل الذي علينا أن نختار مكاننا , و أن ننعم برائحة القهوة و هي تنشر رائحتها في جبال السودة , لكن عندما أقبلنا على السودة . كانت المفاجأة هذا اليوم من النوع الثقيل , فالسحب السوداء تغطي الأفق , و السماء بالأرض تكاد أن تلتصق, و بدأت حركة الناس تزداد و تضطرب .


فالطقس يخبر بأمر قد يطرأ و يستجد . الناس قد ضاقت بهم الطرقات , و قد غادروا أماكنهم من تحت الأشجار و الخيام , و أخذوا الحيطة و الحذر , و ضلوا يشاهدون الحدث , و يترقبون النتيجة من خلال نوافذ سياراتهم . و أحسنهم حالاً من ذهب إلى المطاعم المنتشرة , و استأجر كبينة , و بدأ يراقب الوضع من خلال زجاج كبينته . الرعد صوته يتقدم , و الكون يتحول إلى عالم مظلم , فكأنك في ليل بهيم . و كل حين تشاهد خطوط البرق تمتد من السماء حتى تلامس الأرض . بضوئها الكثيب و تعرجاتها المهولة . أما أنا و أسرتي فقد اخترت شجرة , فأوقفت السيارة تحت أغصانها , رغم علمي بخطورة هذا الموقف في أوقات البرق و الرعد , و لكن خوفي من العواصف , و ما تحمل هو الذي حملني على هذا الأمر , و حصل ماتوقعت فقد هطلت السماء بماء منهمر , و ألقت السحب بأمر ربها مافي بطنها من المطر و البرد . حيث بدأت زخات البرد تضرب الأرض و الأشجار . حتى تهلهلت أوراقها , وغدت الأرض تحت الشجر خضراء من الأغصان و الورق , و البعيدة عنها بيضاء من البرد . صوت البرد و هو يضرب سقف سيارتي و بتسارع مهول يجعل الخوف يدب في قلوب الصغار و الكبار . لأملك أما هذا القضاء و القدر إلا أن أدعو الله بسرعة الفرج . أضع يدي على زجاجة سيارتي الأمامية , و كلي خشية أن تتفتت بين يدي بفعل الضربات القوية من بلورات البرد و التي رأيتها تزداد حجماً و ترميها الرياح بقوة على جوانب السيارة . أيقنت أن البرد قد أصاب السيارة بأضرار بليغة , و أنني سوف أذهب بها إلى مكتب التأجير و أدفع تكاليف مضاعفة , فلما هدأت العاصفة , خرجت من سيارتي المستأجرة لأطمئن عليها , فوجدت فضل الله واسع فقد كانت الأغصان تخفف سقوط البرد على السيارة قبل أن تصل إليها . تنفس المتنزهين الصعداء بعد أن توقف هطول البرد , و استمر المطر فقط .



خرجوا من بين الأشجار , و أخذ يلملمون بقايا أغراض رحلتهم . و ما بعثرته الرياح من بعدهم . أما الأطفال و الصغار فقد أعجبهم أن تحولت أرض السودة إلى قطعة بيضاء في فصل الصيف و ليس الشتاء , فأخذوا يتقاذفون بكرات البرد المتبقية ...


و بعد وقت يسير خرجت أشعة شمس عسير لتذيب المتبقي من البساط الأبيض , و تحاول أن تمسح بقع من الماء المتساقط . تذوب قطع البرد فتكون جداول صغيرة تمر بين الأشجار , و ثم تختفي من بين أغصانها , و أعشابها , و أحجارها . علم الناس أن الأرض لم تعد تناسبهم لقضاء بقية اليوم . فرطوبة الأرض , و خشيتهم من تكرر الحدث , و خوفهم على أطفالهم من موجة البرد التي هبت . لذا فقد خرجوا من السودة زرافات و وحداناً ليبحثوا عن مناطق أقل ضرراً و ارتفاعاً , أو لم تصبها سحابة السودة الصيفية فلم يكن للماء في أرضها بقية . اكتظت الشوارع بالسيارت نزولاً إلى إتجاه أبها ...


و كانت سيارتي من بين السيارات الهاربة من تلك الأرض الغارقة . و لقد كان يوماً مشهود بالبرد و العواصف , حتى أن أحد الأشخاص ممن أعرفهم باسمه و أذاعت الصحف خبره توفي أثناء العاصفة الرعدية و هو يتلقى مكالمة هاتفية من على أرض السودة , بينما كانت عائلته بمرافقته - فرحمه الله تعالى - و أيضاً من الأحداث أن توقفت العربات المعلقة بعائلة لمدة خمس و أربعون دقيقة و هي معلقة بين السماء و الأرض , فنسأل الله اللطف بنا و الرحمة . و على أخوتنا المغفرة . خرجت من السودة حتى ابتعدت عن جبالها العالية .و وصلت إلى منطقة أقل سحباً , و ابعد عن المرتفعات العالية , انعطفت ذات اليمين , و ذلك لأتناول وجبة الغداء المنتظرة , اخترت جبل مطل على قرية .


هذا الجبل يردد من بين جباله أصوات الرعاة و ثغاء غنمهم , بل يكبر أصوات بيوت أهل القرية و أطفالهم , فكأن الجبال أخذت على عاتقها بترديد مقالهم . فتنشر الود بينهم و تنقل لبعضهم سرورهم و فرحهم و أخبارهم . هدأ أطفالي – أيضاً الكبار – بعد هذه العاصفة , و اخترنا مكاناً علياً لتناول الوجبة , فسبحان الله فتلك الأرض لم تصبها قطرة .


فتحنا الحافظات فانتشرت رائحة الكبسة التي أعدت بصورة رائعة , أو أن الجوع قد عمل عمله فأصبح بنظري بهذه الصورة – ليه مستخسر أن تثني على طبخ الريحانة ...صحيح رجال مالكم أمان – بعدما وضعنا سفرة الأكل , و نوعنا فيها المشارب و المآكل و لله الحمد , خرجت علينا من بين الجبال البعيدة سحابة سوداء مظلمة , فبدت أشد من أختها التي سبقتها .


بل يسبقها صوت الرعد و زمجرته , فسبحان من سبح الرعد بحمده و الملائكة من خيفته . لما نظر أبنائي و زوجتي و أيضاً أبيهم لهذا القادم من بعيد طلبنا من الله الحفظ و العون , و أن يجعلها سقيا رحمة لا غرق , و لا عذاب , و أن يجعلها في بطون الأودية و الشعاب .


أراد الله سبحانه و تعالى أن يسوق هذه السحاب بسرعة عجيبة عبر رياح هبة من جهتها . بل لم يتوقف الأمر على ذلك بل من خلف جبل آخر خرجت سحب أخرى بيضاء ثم تبعتها رمادية ثم سوداء . فأظلمت الدنيا من حولنا .


و سكتت أصوات أهل القرية التي بقربنا , و أخذ الراعاة يطردون غنمهم باتجاه محلاتهم . فلا تسمع إلا صوت الرعد من بين الجبال يدوي , و الأغنام بسرعة تهرب . أنهينا الغداء بسرعة قياسية . و بالحلق غصة , و بين الأيدي بقية من الأطعمة .


فنفضنا أغرضنا بسرعة , و ركبنا سيارتنا لنحاول أن نهرب من عالي الجبل الذي هو بالتأكيد معرض للصواعق و البرق بصورة أكثر .


و عندما وضعنا أرجلنا بسيارتنا و إذ السماء تنقسم ببرق يكاد أن يخطف الأبصار ...ثم ثواني فيتبعه صوت صواعق تكاد أن تذهب بالعقل و السمع . رحماك ربي خلقتنا من ضعف و أوكلنا أمرنا إليك بقوتك و عزتك . أحس بصوت الصواعق يهز سيارتي , و نور البرق يأتي من كل مكان . لم أخشى شيء سوى أن يصيب الهلع أطفالي و أمهم التي لم يروا مثل هذا من قبل . و أصدقكم القول لم أره حتى في أكثر البلدان الأوربية عرضة للصواعق و الرعود . و لقد مر بنا في ألمانيا عواصف موسمية و لكن لم تكن بمثل هذا الذي رأيت . لم يكن يسكن الطرقات سوى سيارتي التي تنزلق و بسرعة لتهبط إلى قاع الوادي , و لتتعدى المرتفعات العالية , و تهبط إلى منطقة أكثر أمناً , أيضاً خشيت إن لم أخرج من هذه المنطقة و بسرعة أن تحتجزني الأمطار عبر أماكن أخرى مررت بها و هي ليست معبدة . لم يدم الوضع كثيراً , فقد كانت سحابة صيف مرت على تلك الجبال و أروتها ثم غادرتها .


كانت محتاجاً أن أودع أبها بصورة أفضل حالة القلق التي أصابتا , لذا بحثت عن جلسة رائقة تنفض عني غبار التنقل و الترحال الذي طاردني شبحه منذ الصباح الباكر .



دخلت إلى قرية صغيرة . فبحثتن عن مزرعة لأستظل بظل شجره . وجدت مكاناً مناسباً في احد مدرجات المزارع القريبة من الجبال . و هذا المدرج يطل على طريق أبها – السودة .



كان علي أن أحمل أغراضي و خيمتي و القهوة و شاي . ثم مددت فرشتي تحت تلك الشجرة , و أخذت أرقب المزارع من حولي .



و بعض العاملين بها من أهل تلك القرية . حيث يجدون بطلب قوت يومهم , و التزود مما تحمله مزارعهم من زرعهم . فواكه , و خضروات , أو حبوب متنوعات . تنظر إلى المزارع و هو يتفقد كل شجرة . فينظر إلى مزرعته قطعة قطعة .



 
 توقيع : السعيد



رد مع اقتباس