منتديات رياض الأنس - عرض مشاركة واحدة - ذائقة نورانية رسائل الايمان
الموضوع: ذائقة نورانية رسائل الايمان
عرض مشاركة واحدة
قديم 11-03-2017, 11:50 AM   #7


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: رسائل الايمان



وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً (5)

صلاة الفجر فى السجن الانفرادى هى سكينة داخل السكينة، ومستوى أعلى للصعود الروحى فطوال النهار والليل هناك أصوات ما تأتى من البعيد، أما فى الفجر وبعد هدوء أصوات الآذان المتناغمة المنبعثة من مساجد المرج أو الخانكة فإن الهدوء يصبح عميقا، وحتى أسراب الغربان تنحنى للحظة الخلود هذه، فتلتزم الصمت لمدة ساعة على الأقل، ولا تبدأ بالنعيق إلا قبيل الشروق. وخلال هذه الساعة لا تسمع إلا صوت الصمت وتلاوتك للقرآن سواء داخل الصلاة أو خارجها. وتشعر بالأسى على الحياة فى تلك البلاد التى أتيت منها حيث تم تركيب الحياة لتحاصر صلاة الفجر، نعم أنا أشعر أننى فى بلاد أخرى مساحتها 6 متر×4 متر (الزنزانة) ولكنها أشبه بقارة منعزلة كالقطب الجنوبى مثلا، عالم آخر، ليس فيه بشر, فأنا لا أرى البشر إلا لدقائق متناثرة, مجموعها فى المتوسط اليومى نصف ساعة، أما لمدة 23 ساعة ونصف الساعة، فأنا مع الله، والملائكة، ولا يتبدى هذا الإحساس بصورة عميقة بأكثر من لحظات الفجر. أما فى الدنيا البعيدة التى أتيت منها فكما ذكرت فقد تم تركيب الحياة فيها وكأن ذلك بشكل مقصود لمحاربة صلاة الفجر. فالحياة الحقيقية تبدأ بعد صلاة العشاء، والبرامج والأفلام التليفزيونية تبدأ بعد العاشرة مساء وتصل لذروتها فى منتصف الليل أو بعده، فينام أغلب الناس متأخرين ولا يصلون الفجر, أو يصلون الفجر وهم فى حالة كدر شديد من قلة النوم! فتضيع أبهى لحظات الوجود للصلاة والتفكر، لحظات الانتقال من الليل إلى النهار: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ}.
وهناك طرفة تقول أن الرسول صلى الله عليه وسلم عاد إلى الحياة واستقل مركبة طائرة. وطلب من السائق أن يهبط فى البلد الذى يستيقظ أهله ساعة الفجر، فهبطت المركبة فى اليابان!
{وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً} يقول المفسرون: أى تشهده الملائكة. وهكذا يضيع على معظم المسلمين أبهى لحظات هذا الاحتفال السماوى.
لو سألنى أحد هل تحتمل نفسيا أن تبقى وحيدا لا ترى البشر تقريبا لمدة عام عدا زيارة واحدة لمدة ساعة كل أسبوعين أو حتى كل أسبوع؟ لقلت له بلا تردد لا أستطيع أو سيكون وضعا صعبا للغاية. ولكننى فى التجربة وجدت بالعكس فأنا أزداد ارتياحا يوما بعد يوم، ورغم أننى قد يضيق بى المقام للحظات كل يوم أو كل بضعة أيام، لأن الإنسان حيوان اجتماعى كما يقولون، أعود فأشعر بمشاعر مضادة إذ أصبحت خائفا من الخروج من هذا القمقم، والاحتكاك مرة أخرى بممارسات البشر. وتذكرت كلمة عجيبة قالها أحد العارفين بالله (غنيمة المؤمن غفلة الناس عنه وخفاء مكانه عنهم!!).
وقد عانيت كثيرا فى البلاد البعيدة التى أتيت منها من الكذب والنفاق وضعف النفوس وحسدها وحقدها وحرصها على حطام الدنيا، وهذه أكثر الأشياء التى جعلتنى أكره الدنيا، ولطالما هفت نفسى إلى الرهبانية، أو الصوفية المتطرفة, ولم يردعنى إلا علمى اليقينى أن ذلك ليس من الإسلام. ولكننى فهمت معنى ما يروى عن سيدنا يحيى عليه وعلى محمد الصلاة والسلام أنه - قبل بعثته - (استوحش الناس وآنس إلى الوحوش فعاش فى البرارى)، وكنت أتفاعل مع مشاعر الإمام أبى حامد الغزالى وهو يتحدث عن رغبته الجارفة فى الانعزال عن العالم فى المرحلة الأخيرة من حياته، ولكننى ظننت أبدا أن مخالطة الناس هى الجهاد الأصعب، حتى هيأ لى القدر هذه التجربة التى لم أكن أحلم بها، أن أعيش بدون بشر!!
ومع ذلك فأنا أحسن الظن بالناس على المدى الطويل، وأدرك جوانب الخير فى الإنسان، ولن أتخلى بإذن الله حتى الرمق الأخير عن أهلى وأحبائى وأبناء عشيرتى وموطنى, وأنا مشغول بعيوبى عن عيوب الناس، ولكننى أمقت الخيانة والغدر والكذب والنفاق والنفوس الوضيعة التى تسعى إليك عندما تريد منك شيئا، وتزور عنك عندما تتصور أن البعد عنك غنيمة، أمقت الذى ينفذ أوامر السلطان ويكسر أوامر الله، أمقت الذى يتقرب إليك وينافقك عندما تكون لك سلطة ما، وينكرك عندما يرى مصلحته الأنانية فى ذلك كما فعل بطرس عندما أنكر المسيح ثلاث مرات عند صياح الديك (أى عند الفجر).
وأصل الداء هو الانشغال بحب الدنيا والانهماك فى سفاسفها، لذلك كم كانت رائعة كلمات الإمام على بن أبى طالب رضى الله عنه التى قالها وهو خليفة المسلمين، عندما خاطب الدنيا قائلا:
(قد أبنتك ثلاثا لا رجعة فيها! فعمرك قصير.. وعيشك حقير.. وخطرك كبير.. آه من قلة الزاد وبُعد السفر.. ووحشة الطريق).
لذلك ما أجمل هذا الدعاء القرآنى:
{وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا}.
نعم نحن نحتاج لسلطان نصير من الله لمواجهة ظلم القريب والبعيد. فحتى الرسول صلى الله عليه وسلم كان يعانى مما يقولون عنه، وهو من هو من حيث قوة الإيمان والصلابة فعزاه الله وقال له: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ}(الحجر: 97-99).


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس