بسم الله الرحمن الرحيم
و صلى الله على سيدنا و حبيبنا محمد صلى الله عليه و سلم
المبعوث رحمة للعالمين و على آله و أصحابه أجمعين .
======== لقد زينت للناس هذه الحياة الدنيا
بأعراضها الزهيدة و اهتماماتها الصغيرة ...
زينت لهم فوقفوا عندها لا يتجاوزونها و لا يمدون بأبصارهم إلى شيء وراءها و لا يعرفون قيما أخرى غير قيمها .
و الذي يقف عند حدود هذه الحياة الدنيا لا يمكن أن يسمو تصوره إلى تلك الاهتمامات الرفيعة التي يحفل بها المؤمن
و يمد إليها بصره في آفاقها البعيدة .
======== إن المؤمن قد يحتقر أعراض الحياة كلها
لا لأنه أصغر منها همة أو أضعف منها طاقة ...
و لا لأنه سلبي لا ينمي الحياة و لا يرقيها ...
و لكن لأنه ينظر إليها من عل مع القيامة بالخلافة فيها و إنشائه للعمران و الحضارة و عنايته بالنماء و الإكثار.
فينشد من حياته ما هو أكبر من هذه الأعراض و أغلى ...
ينشد منها أن يقر في الأرض منهجا ...
و أن يقود البشرية إلى ما هو أرفع و أكمل ...
و أن يركز راية الله فوق هامات الأرض و الناس ليتطلع إليها البشر في مكانها الرفيع ...
و ليمدوا بأبصارهم وراء الواقع الزهيد المحدود الذي يحيا له من لم يهبه الإيمان رفعة الهدف و ضخامة الاهتمام و شمول النظرة .
======== و ينظر الصغار الغارقون في وحل الأرض
المستعبدون لأهداف الأرض ...
ينظرون للذين آمنوا فيرونهم يتركون لهم وحلهم و سفسافهم و متاعهم الزهيد ...
ليحاولوا آمالا كبارا لا تخصهم وحدهم و لكن تخص البشرية كلها ...
و لا تتعلق بأشخاصهم إنما تتعلق بعقيدتهم ...
و يرونهم يعانون فيها المشقات و يقاسون فيها المتاعب ...
و يحرمون أنفسهم اللذائذ التي يعدها الصغار خلاصة الحياة و أعلى أهدافها المرموقة ...
ينظر الصغار إلى الذين آمنوا في هذه الحال فيسخرون منهم و يسخرون من طريقهم الذي يسيرون فيه .
{ زين للذين كفروا الحياة الدنيا و يسخرون من الذين آمنوا .. } البقرة .
======== و لكن هذا الميزان الذي يزن الناس به القيم ليس هو الميزان .
انه ميزان الأرض ... ميزان الكفر ... ميزان الجاهلية ...
أما الميزان الحق فهو في يد الله سبحانه ...
و الله يبلغ الذين آمنوا حقيقة وزنهم في ميزانه
{ و الذين اتقوا فوقهم يوم القيامة } البقرة .
======== هذا هو ميزان الحق في يد الله
فليعلم الذين آمنوا قيمتهم الحقيقية في هذا الميزان ...
و ليمضوا في طريقهم لا يحفلون سفاهة السفهاء و سخرية الساخرين ...
إنهم فوقهم يوم القيامة ...
فوقهم عند الحساب الختامي الأخير ...
فوقهم في حقيقة الأمر بشهادة الله أحكم الحاكمين .