منتديات رياض الأنس - عرض مشاركة واحدة - الاسراء والمعراج
عرض مشاركة واحدة
قديم 11-11-2012, 07:38 PM   #1


دلير عبدالله غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 53
 تاريخ التسجيل :  Nov 2012
 أخر زيارة : 10-11-2013 (12:18 PM)
 المشاركات : 18 [ + ]
 التقييم :  71
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي الاسراء والمعراج




الإسراء والمعراج
مقدمات .. أحداث .. نتائج
الدكتور صلاح سلطان
المستشار الشرعي للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية
www.salahsoltan.com
إهداء
إلى والد زوجتى و شيخى وأستاذي شكرى النجار ، وولده الأكبر شبل اللذين لقيا الله ربهما فى الجمعة الأولى والثانية من شهر الإسراء والمعراج ، فنتوسل إلى الله أن يجمعنا بهما في ظله يوم لاظل إلا ظله ، وفى الفردوس الأعلى من الجنة. ونسأل القراء الكرام أن يجأروا إلى الله لهما بصالح الدعاء.
مقدمة
الحمد لله أرسل الرسل وأيدهم بالمعجزات، والصلاة والسلام على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رفعه الله في الإسراء والمعراج إلى أرفع الدرجات، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات.
وبعد
فهذا هو العدد الثاني من سلسلة قضايا اجتماعية وإسلامية التي يصدرها المجلس الأعلى للشئون الإسلامية ـ مملكة البحرين ، وهو يتوافق مع ذكرى الإسراء والمعراج مما يحتاج إلى وقفة إيمانية تربوية نستلهم فيها الدروس والعبر، من هذه الذكرى العزيزة في تاريخ أمتنا الإسلامية، فمثلت وحدة الأديان في أصول العقيدة والأخلاق والتشريعات والمقدسات ، ومن هنا نجد في هذه الدراسة التي يقدمها الباحث الدكتور صلاح الدين سلطان ما يروى الغليل أو يشفي العليل حول هذا الحدث الجليل، آملين أن تنال هذه الدراسة اهتمام أهل البحرين وأمتنا العربية والإسلامية، لتكون خطوة على الطريق نحو رضا الله، والجنة ، وتحرير المسجد الأقصى وإرادة هذه الأمة .
الشيخ عبدالله بن خالد آل خليفة
رئيس المجلس الأعلى للشئون الإسلامية
غرة رجب 1428هـ
تمهيد "سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا" [الإسراء : 1]، والصلاة والسلام على من رفعه الله تعالى حتى كان قاب قوسين أو أدنى ، فأوحى إلى عبده ما أوحى وعلى آله الأبرار الأطهار وصحبه المهاجرين والأنصار ، ومن تبعهم بإحسان من الأخيار حتى نلقى الله يوم العرض على العزيز الغفار .
وبعد
فإنني أحب في هذه الوجبة الإيمانية التربوية السريعة أن أقدم لإخواني وأخواتي من مملكة البحرين وإلى كل مسلم ومسلمة على وجه الأرض، ما يلفت الأنظار إلى ربط الإسراء والمعراج بأحداث اليوم، لنزرع معا بذرة الأمل، ونرويها بالعمل ونغذيها بالصبر الجميل، والدعاء الذليل، لتثمر إن شاء الله صفاء ونقاء ، وثباتا وارتقاء، وعزاً وإباء ، وما ذلك على الله بعزيز .
لذا بدأتُ بمقدمات الإسراء والمعراج وركزت على الفتن القديمة الجديدة ، فتن الإغواء والإيذاء ، إغواء بالتنازلات عن الثوابت العقائدية والأخلاقية والتشريعية ، أو المواجهة والحرب والتضييق والمطاردة والحصار الاقتصادي والاجتماعي، ولكن الصبر الجميل ، والثبات على الحق ، يصل بالإنسان إلى فوق ما يتمنى ، ولذا كانت أحداث الإسراء والمعراج مكافأة على هذا الصبر والثبات ، وقد حرصت على عرضها من جانبين: النصوص الصحيحة حول أحداث الإسراء ، ثم نقد النصوص الموضوعة التي تتردد لدى خطباء الفتنة ـ ودغدغة المشاعر دون عقل أو برهان ، وانتهت الدراسة بنتائج ضرورية لتكون لنا محطات نتزود منها عمليا في حياتنا مثل الأمل أن الفرج يأتي من الصبر والثبات، وأن الرفق بالمدعوين نهج المرسلين والدعاة الربانيين، وأننا يجب أن نتحمل مسؤليتنا نحو المسجد الأقصى وأهل فلسطين ،وأننا نجعل الصلاة فعلا منهاجا للزلفى إلى الله وإصلاح كل جوانب الحياة . هذه قطرة في بحر الدروس والعبر، ويبقى أن نحول القول إلى عمل ، والفكر إلى واقع حتى يصلح الله ديننا ودنيانا ، والله أسأل أن يوفقنا وإياكم إلى ما يحب ويرضى .
د.صلاح الدين سلطان
المستشار الشرعي
للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية
غرة رجب 1428هـ
لقد وعد الله تعالى نبيه محمداً - صلى الله عليه وسلم - بقوله تعالى:"وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى" [الضحى : 5] ، وقد أعطاه فأرضاه في الدنيا، وسيعطيه الشفاعة في الآخرة حتى يرضيه في أمته، وإذا كان هناك تكريم ورفعة خاصة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ربه تعالى حتى يثبت قلبه، ويكافئ جهده ، ويعده للقيادة في المدينة، وينقله من علم اليقين إلى عين اليقين، وهذا كان بعد مقدمات كثيرة لكني سوف أركز على نقاط جوهرية في الثبات والصبر على حمل الأمانة وتبليغ الرسالة دون تنازلات أو تحريفات مهما اشتدت الضغوط والمحاولات سواء كانت في فتنتي الإغواء أو الإيذاء، وهما الأمران القديمان الجديدان اللذان يحدثان لكل من صدق الله تعالى وحمل الأمانة، فلابد أن يكون له نصيب من فتنيّ الإغواء أو الإيذاء فإن صبر صبرا جميلا تكون الرفعة والتمكين في الدنيا، والرضا والجنة والنعيم في الآخرة .
وفيما يلي نستعرض ما تعرض له الرسول - صلى الله عليه وسلم - من فتنتي الإغواء والإيذاء حتى يبّدل أو يغيّر في منهج دعوته، لكنه صبر وأصحابه صبرا جميلا، فكان الإسراء والمعراج مكافأة له ولأمته - صلى الله عليه وسلم -. يذكر ابن القيم في زاد المعاد، وابن هشام في سيرته، والطبري في تاريخه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بدأ الدعوة إلى الله سرا ثلاث سنوات وكان من أول من أسلموا السيدة خديجة وسيدنا علي وبنات النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وزيد بن حارثة ، وأبوبكر وبلال بن رباح ، وأبو عبيدة بن الجراح ، وأبو سلمة ، والأرقم بن أبي الأرقم ، وعثمان بن مظعون، وعبدالرحمن بن عوف ، والزبير بن العوام ، وطلحة بن عبيد الله ، ونزل الأمر في قوله تعالى : "وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ" [الشعراء : 214] فصعد النبي - صلى الله عليه وسلم - جبل الصفا ونادى أهله وعشيرته وأخبرهم بالنبوة والرسالة، ودعاهم إلى الإسلام كما روى مسلم بسنده عن ابن عباس فعارضه عمه أبو لهب مع قومه بشدة، وكانت هناك مساندة نبيلة، ومروءة نادرة من عمه أبي طالب،حيث طمأنه أنه لا يزال يحوطه ويمنعه من أذى قومه كما ذكر ابن الأثير في الكامل (1/584) .
بعدها بدأت المواجهة خاصة بعد إسلام عمه حمزة وعمر بن الخطاب، وصارت هناك اجتماعات لمجالس شورى قريش وعشائرها وقبائلها، وكانت هناك ألوان من الإغراء أهمها ما يلي :-
الإغواء بالدخول إلى الإسلام بشرط تغيير بعض الأحكام.. أورد الإمام الطبري، وابن كثير والقرطبي وغيرهم أن سبب نزول الآية :"وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً (28) وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ " [الكهف : 28 -29] ، أن قوما من كفار قريش عرضوا على النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يُسلموا بشرط أن يجلس معهم وحده ولا يجالسهم بالفقراء والضعفاء والعبيد كبلال وعمار وصهيب وخباب وابن مسعود ، وأن يجعل لكلٍ مجلسا، واحداً للأشراف والأغنياء والسادة وآخر للضعاف والفقراء والعبيد؛ فأنزل الله هذه الآيات الداعية إلى أن يصبر النبي - صلى الله عليه وسلم - مع أي أحد فيه هذه الصفات، بل أمره الله بملازمتهم دائما في قوله تعالى :"ولاتعدعيناك عنهم" ونهاه أن يطيع أهل الأهواء الذين يريدون دينا مفصَّلا على أهوائهم ورغباتهم ومطامعهم حيث قال سبحانه :"ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ّكرنا " وأمره بيان الحق :"وقل الحق من ربكم" ولا يلوي على أحد أعرض عنه :"فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر " . هذا الإغراء قد يبدو في أول الأمر قابلا للنظر أن يكون هناك استقطاب لهؤلاء الشرفاء والأغنياء في مجلس خاص، بعيدا عن الضعفاء والفقراء ثم نعلّم هؤلاء الإسلام الصحيح ثم نجمعهم جميعا في مجلس أو مصلى واحد، هذا الإغراء قد ينخدع به بعض الدعاة عندما يقدِّمون تنازلات عن أحكام ثابتة في دينهم فيتساهلون في الأحكام لقوم لعلو منزلتهم الاجتماعية، وهذا الأمر يحتاج إلى صبر الداعية الرباني الذي لا يقدّر الناس إلا بمعيار القرآن الكريم قال تعالى : "إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ" [الحجرات : 13] ، ومعيار السنة النبوية كما ذكر مسلم في صحيحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللّهِ قَالَ: «رُبَّ أَشْعَثَ مَدْفُوعٍ بِالأَبْوَابِ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللّهِ لأَبَرَّهُ».{صحيح مسلم ، باب فضل الضعفاء والخاملين، (16 /149 )،الحديث رقم 6634} إذن لا بد للدعاة ألا يصغوا إلى صوت الهوى ـ وإن بدا أنه هوى دعوي ـ أن نستميل علية القوم بالتنازلات في أول الأمر حتى نجذبهم إلى الإسلام ، حيث حسم الله الإغراء المبني على الهوى بقوله تعالى: "وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ " [الكهف : 29] . بعد أن حدث نفسه أن يفعل لكن الله تعالى أدركه فامتثل لأمره سبحانه كما يروي الإمام مسلم بسنده عن سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - قال: كنَّا معَ النبيّ ستَّة نفرٍ ، فقال المشركون للنبي: اطرد هؤلاءِ لا يجترئون علينا. قال: وكنت أنا وابنُ مسعود ورجلٌ من هُذَيْل، وبلالٌ ورجلانِ لست أسميهما، فوقعَ في نفسِ رسولِ اللَّهِ ما شاء الله أن يقع، فحدَّثَ نفسه، فأنزلَ الله تعالى "وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ" [الأنعام : 52] "{مشكاة المصابيح ، للتبريزي، (10 /572 )، برقم 6202} ، وصار صبر النبي - صلى الله عليه وسلم - مع هؤلاء المؤمنين الضعفاء مثالا يحتذي ، فيروي الإمام جلال الدين السيوطي في جامع المسانيد والمراسيل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «لأَنْ أُجَالِسَ قَوْماً يَذْكُرُونَ اللَّهَ مِنْ صَلاَةِ الْغَدَاةِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ » {جامع المسانيد والمراسيل ، الجلال السيوطي ، (6/ 14 ) برقم 16898} والحق أننا بحاجة إلى هذا الصبر أمام فتن الإغواء أن نتنازل عن بعض أحكام الإسلام لجذب قوم ممن يترفعون عن اللين والتواضع مع البسطاء، لكن هذا لا يعني أن يخص الداعية جهده للبسطاء الفقراء ، بل يجب أن يبسط دعوته لكل من حوله غنيا أو فقيرا، شريفا أو وضيعاً ، صغيرا أو كبيرا ، متعلما أو جاهلا ، رجلا أو امرأة، فمن استجاب منهم إلى داعي الله صبر معهم حتى يلقي الله بهذا الرباط الإيماني القوي ، قال تعالى :" ِإنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ" [الحجرات : 10]
الإغواء بالعيش في سلام مع التنازل عن بعض الأركان :
روى ابن كثير في تفسيره ، وابن هشام في سيرته أن مشركي قريش أرسلوا الأسود بن عبدالمطلب ، والوليد بن المغيرة وأمية بن خلف ، والعاص بن وائل ، فقالوا : يا محمد ، هلم فلنعبد ما تعبد ، وتعبد ما نعبد ، فنشترك نحن وأنت في الأمر ، فإن كان الذي تعبد خيراً مما نعبد ، كنا قد أخذنا منه بحظنا ، وإن كان ما نعبد خيرا مما تعبد ، كنت قد أخذت بحظك منه ، فأنزل الله فيهم "قل يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2) ... لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (6)" [الكافرون : 1- 6] " هذه الدعوة إلى خلط الأديان ، وتذويب الفوارق وتضييع الأركان ، واجهت النبي - صلى الله عليه وسلم - في وقت اشتد إيذاء قريش له وأصحابه، وكان يمكن أن تكون مخرجا لتوقي غضبة قريش بالتنازل عن ركن أساسي وهو التوحيد الصافي، والتجرد الكافي، والإخلاص الشافي في عبادة الله وحده لا شريك له في الخلق أو الأمر لكن النبي - صلى الله عليه وسلم - امتثل أمر ربه، وأعلن قومه بهذا الوضوح ، ومن تكرار آيات القرآن يبدو أن هذا العرض تكرر بأشكال أخري ، وتم الإلحاح عليه مرات حتى ينعم بالسلام القائم على التنازل عن الثوابت ، ولكن الله تعالى كان دائما يثبته في قوله تعالى :" قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ قُل لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَاءكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ (56) قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَكَذَّبْتُم بِهِ مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ "[الأنعام : 56 -57] .
بهذا المنطق يجب أن نواجه كل الدعاة إلى التنازلات عن ثوابتنا العقدية أو الأخلاقية أو التشريعية ، وهي دعوات تقدم بين يديها إغراءات شتى من الأموال، والمراكز المرموقة ، والسفريات العديدة ، ويستجيب لها ضعاف القوم وهناك أمثلة عايشتها بعد أحداث سبتمبر حيث كنت في الولايات المتحدة الأمريكية ، ومن هذه الأمثلة ما يلي :-
في مدينة سكرمنتو ـ ولاية كاليفورنيا قام أحد المسلمين بالدعوة إلى بناء مجمع للأديان (مسجد وكنيسة ومعبد يهودي) في حزام واحد ، ويخرج كلٍ من مصلاه إلى صالات اجتماعية ورياضية وفنية ليتعامل مع الآخر تعاملا مفتوحا لا تراعي فيه غير ضابط واحد أننا جميعا أمريكان ، ونعيش على أرض واحدة . في مدينة هيوستن ـ ولاية تكساس ـ بني مسجد كان في مدخله إعلان نحن نفهم القرآن بالطريقة الأمريكية ، وأول صلاة جمعة خطب حاخام يهودي الخطبة الأولى ، وقام قسيس بالخطبة الثانية ، وصلى إمام مسلم بالمصلين .
أول خطبة جمعة ـ بعد أحداث سبتمبرـ في أكبر مسجد في مدينة كليفلاند ـ ولاية أوهايو قام الخطيب بإعلان أن جميع الأديان صحيحة ، وأن أي إنسان يتبع تعاليم دينه سواء كان يهوديا أو نصرانيا ، أو مجوسيا أو .... فهو من أهل الجنة ، ونحن نتعامل هنا فقط كأمريكان .
أول عدد صدر من مجلة (Horizon) هورايزون الصادرة عن الـ (ISNA) أحد أكبر المؤسسات الإسلامية في أمريكا بعد أحداث سبتمبر كتب أحد الباحثين أن الآيات [البقرة62] و [المائدة:69] و [الحج :17] تصحح أديان اليهود والنصارى والمجوس والصابئين و.. ، وعليه يجب أن تفتح العلاقات معهم كأخوة في الإنسانية فقط.
هذه التنازلات تجري على أرضنا الإسلامية عندما نتنازل عن بعض ثوابتنا وأركاننا وأخلاقنا ، ركضا وراء أعداء الله وأعدائنا ، آملين رغدا من العيش وإنعاش التجارة ،والصناعة و ...، والله تعالى يقول :" إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ" [العنكبوت : 17] .
ولذلك أحب أن أنبه في هذه القضية العقدية المحورية أن هناك الآن في العالم ثلاث فلسفات كبرى :
الأولى : الشيوعية وهم ينفون وجود الله خالقا أو آمرا ، وأول مادة من دستور الاتحاد السوفيتي في الفترة من 23/10/1917م حتى 26/12/1992م ، هي "لا إله والحياة مادة" ، ولقد وجد لهذه الدعوة أنصار وحواريون، ولا يزالون يحملون اسم الإسلام شكلا بلا مضمون ، ومبنى بلا معنى . الثانية : هي العلمانية ، وفي جوهرها لا تمانع أن تؤمن بأن الله خالق الكون لكن الأمر للناس في الأحكام والتشريعات والقوانين، واللوائح في كل أمور الحياة ، فإذا أحلّوا الزنا والربا والخمور والسفور و .. فهذا من حكم الشعب للشعب لأن المنطق يقوم على :"دع ما لله لله ، وما لقيصر لقيصر"فالعلاقة مع الله أنه الخالق علاقة فردية ونحن نأمر ونصرف حياتنا كما نريد . وهذه لها أنصار أكثر الآن في ديار الإسلام، وكثير منهم لا يدري أن هذا ربما يخرجه من الملة أن يعتقد أن الله له الخلق دون الأمر وأن الدين يحتاج إلى تحديث وتطوير وفقا للمفاهيم الغربية الوافدة .
الثالثة : العقيدة الإسلامية التي توجب الجمع بين الأمرين "الخلق والأمر" كما قال تعالى :" أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ" [الأعراف : 54] ، وهي تتوافق مع الفطرة السليمة والعقول الصحيحة ، أن من ابتكر أو اخترع شيئا يكون له حق وضع النظام الذي نتعامل به مع هذا الاختراع ، كذلك الكون والإنسان له خالق واحد، وهو صاحب الحق في الأمر والنهي ، وهذا وحده الحق الذي غيره الباطل .
لا بد لنا إذن أن نتأسى بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في الوقوف بحزم أمام الإغواء بالتعايش في وئام وسلام ، إذا تنازل كل منا عن جزء من دينه ، ولا مانع أن يجرب كلُ ما عند الآخر في الوقت الذي ينادي فيه القرآن علينا " وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (49) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ" [المائدة: 49- 50]
الإغواء بالمال والنساء والجاه أورد ابن هشام في السيرة النبوية {1/294} أن عتبة بن ربيعة كان سيداً حليماً قال ذات يوم وهو جالس في نادي قريش ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالس وحده في المسجد: يا معشر قريش ألا أقوم إلى هذا فأكلمه أموراً لعله أن يقبل بعضها فنعطه أيها شاء ويكُفُّ عنا، وذلك حين أسلم حمزة بن عبد المطلب - رضي الله عنه -، ورأوا أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يزيدون ويكثرون؟ فقالوا: بلى يا أبا الوليد فقم فكلمه، فقام عتبة حتى جلس إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا ابن أخي إنك منا حيث قد علمت من السطة في العشيرة والمكان في النسب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جماعتهم، وسفهت به أحلامهم، وعبت به آلهتهم ودينهم، وكفرت من مضى من آبائهم ، فاسمع مني أعرض عليك أموراً تنظر فيها لعلك أن تقبل منها بعضها، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "قل يا أبا الوليد أسمع"، فقال يا ابن أخي: إن كنت إنما تريد بما جئت من هذا القول مالاً جمعنا من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت إنما تريد شرفاً شرفناك علينا حتى لا نقطع أمراً دونك، وإن كنت تريد ملكاً ملكناك، وإن كان هذا الذي يأتيك رئياً تراه ولا تستطيع أن تردَّه عن نفسك طلبنا لك الطب، وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه، ولعل هذا الذي تأتي به شعر جاش به صدرك، فإنكم لعمري يا بني عبد المطلب تقدرون منه على ما لا يقدر عليه أحد، حتى إذا فرغ عتبة ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يستمع منه قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أفرغت يا أبا الوليد؟ قال: نعم، قال: فاستمع مني، قال: أفعل، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :" بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ حم. تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً " [فصلت : 1 -3] فمضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأها عليه، فلما سمعها عتبة أنصت له، وألقى بيده خلف ظهره معتمداً عليها يستمع منه حتى انتهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى السجدة فسجد فيها، ثم قال: قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت فأنت وذاك، فقام عتبة إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به، فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ فقال: ورائي، إني والله قد سمعت قولاً ما سمعت بمثله قط، والله ما هو بالشعر و لا بالسحر ولا بالكهانة، يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها بي، خلُّوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه واعتزلوه، فوالله ليكوننّ لقوله الذي سمعت نبأ، فإن تصيبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم وعزُّه عزكم، وكنتم أسعد الناس به، قالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه، فقال: هذا رأي لكم فاصنعوا ما بدا لكم.
في هذه الرواية وغيرها عرض سخي للنبي - صلى الله عليه وسلم - من مشركي قريش أن يدع دعوته مقابل ما يلي :-
أن يجمعوا له مالا حتى يكون أغنى أهل قريش مالا .
أن يجعلوه ملكا مطاعا فيهم ، فلا يصدرون في أمر دونه .
أن يزوجوه أجمل النساء ، ولو بلغن عشرا .
أن يوفروا له رعاية صحية نادرة ومتميزة .
هذه العروض كلها مقابل شيء واحد، أن يكف عن الدعوة إلى توحيد الله وإنكار حق أي شخص أو جهة أو هيئة في التشريع والحكم والقضاء دون الله تعالى ، لقوله تعالى :" فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً" [النساء : 65] .


 
 توقيع : دلير عبدالله

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس