منتديات رياض الأنس

منتديات رياض الأنس (http://www.riyadelounss.com/vb/index.php)
-   رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة (http://www.riyadelounss.com/vb/forumdisplay.php?f=5)
-   -   العقيدة الطحاوية (http://www.riyadelounss.com/vb/showthread.php?t=9638)

السعيد 09-15-2018 08:47 AM

العقيدة الطحاوية
 
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية - العقيدة الطحاوية

الدرس : ( الاول )

الموضوع : لا شىء يعجزة






لحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلماً، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه، وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
الله عز وجل قُدرته مُتَعَلِّقة بِكُلّ ممكن فلا شيء يُعْجزه لِكمال قدْرته :
أيها الأخوة المؤمنون، لا شيء يُعجزه لكمال قدرته، لأنّ صاحب الجوْهرة قال: قُدْرته مُتَعَلِّقة بِكُلّ ممكن، فما هو الممكن؟ هو كل ما سوى الله؛ فذات الله واجبة الوجود، وما سواه ممكن الوُجود، فقُدْرته مُتَعَلِّقة بِكُلّ ممكن فلا شيء يُعْجِزُه لِكَمال قدْرته.
أيها الأخوة الأكارم، قد تقول: هذا القاضي عادل، لكِنَّ عَدْل القاضي نِسْبي، وقد تقول: فُلان قَوِي، إلا أنّ قوَّته نِسْبِيَّة، أما إذا نسَبْتَ إلى الله القوّة والعدْل فهي القوَّة المُطْلقة، أُوَضِّحُ لكم هذه الحقيقة؛ قاضٍ قضى بين الناس أربعين عاماً، فأصْدر في هذه السنوات عشَرات القرارات، فإذا كان بين هذه الأحكام والقرارات والبالغة ـ مثلاً مئة حكم ـ قرار غير صحيح فإنَّهُ يُسَمَّى عند الناس قاضياً عادلاً! لأنَّ الأحكام التي تنْطبق على الإنسان أحْكام من نوع الأعمِّ الأغْلب، ولكن لو قلتَ: إنَّ الله عادل، فهي كلمة مُطْلقة، ولا تسْمح لك أن تعتقد طيلةَ عمر الأرض كُلِّها، وفي تاريخ البَشَرِيَّة جميعاً أنّ إنسانًا هُزِمَ حقّه، فصِفاته وأسماؤه تعالى مُطْلقة، إذا قلْنا: لا يُعْجزه شيء، أيْ قُدْرته مُتَعَلِّقة بكُلِّ ممكن، وهذا إلى ماذا ينْقلنا؟ ينقلنا إلى أنَّ المُعْجزات التي وردت في القرآن الكريم يقف منها بعض ضِعاف العُقول موقف المُتَرَدِّد، يقول لك: هل يُعْقل ألاّ تحْرق النار؟! فلو عرفَ أنَّ قدْرته متعلِّقة بكُلِّ ممكن فسَتَقول: هذا مَعْقول، نحن لم نألَفْ في عاداتنا أنَّ النار لا تُحْرق، إلا أنَّهُ في عُقولنا ما دامت قُدْرة الله مُتَعَلِّقة بِكُلّ ممكن: كُنْ فَيَكون، فالبحْر أصبح طريقاً يبَساً! والنار؛ يا نار كوني برْداً وسلاماً على إبراهيم! فكلمة (لا يُعْجِزُهُ شيء) أنَّ قُدْرته مُتَعَلِّقَة بِكُلّ ممكن، وهذه تجعلنا لا نقف حيارى أمام آيةٍ قُرْآِنيَّة أشارتْ إلى خرْقٍ لِقَوانين الكَوْن، وهذا لا يحْملنا على أنْ نرْفض الكرامة بل نُصدِّقُها، لكن لا نرْويها، أما إذا وردَتْ في نَصِّ قرآني أو حديث صحيح فإذا رفَضْناها فقد كَفَرْنا، فأهل الكهْف ليْسوا أنْبياء، بل هم مؤمنون، وكرامتهم أنَّهم لبِثوا في كهْفِهِم ثلاثمئة سنين وازْدادوا تِسْعاً، والسيِّدة مريم ليْسَت نَبِيَّة، إنما هي صِدِّيقَة، ومع ذلك أنْجَبَتْ مولوداً ذَكَراً من دون زواج؛ فهذا خَرْقٌ للعادات، فَكُلّما تَبَحَّرْت في معرفة قدْرة الله عز وجل رأيْت المعجزة أمراً طبيعياً مَحْضاً.

الله عز وجل على كُلّ شيءٍ قدير :
قال: لا شيء يُعْجِزُهُ لِكمال قدْرته، قال تعالى:
﴿ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً ﴾
[ سورة الطلاق: 12 ]
أشْمَل كلمة في القرآن الكريم على الإطْلاق هي كلمة (شيء)، كُلُّ شيءٍ، معنوي، أو مادي، أو حيوي، أو جماد، أو ميِّت، أو حيوان، أو إنسان، كبيراً كان أم صغيراً، قريباً أم بعيداً، مرْئيًّاً أم غير مَرْئي، كُلُّ هذا شيء، والله على كُلّ شيءٍ قدير، ومثل هذه الآية قوله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾
[سورة المجادلة: 7]
تَعَلَّقَتْ قدْرته بِكُلّ ممكن، فالآية الأولى، وهذا منْهج الكتاب؛ إنَّ الله على كلّ شيء قدير، وقال تعالى: ﴿ وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا ﴾
[سورة الكهف: 45]
صِفات الله إذا جاءت بعد كان فهذه الصِّفَات مُترابطة مع المَوْصوف ترابطاً وُجوديًّاً :
أما كلمة (كان) فهي تُفِيدُ علاقة رائِعَة جداً! فقوله: كان الله، هذه الصِّفَة متعلِّقة مع وُجود الله عز وجل تلازماً ترابطيًّاً وُجودِياً، أي منذ أن كان الله تعالى كان عليماً، وكان حكيماً، فإذا قرَأتَ القرآن الكريم، وقرأتْ قوله تعالى:
﴿ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾
[سورة الفتح: 4]
وقال تعالى: ﴿ وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا ﴾
[سورة الكهف: 45]
انْتَبِه إلى هذه العلاقة؛ إذا جاءَتْ صِفات الله بعد كان معنى ذلك أنَّ هذه الصِّفَة مُترابطة مع المَوْصوف ترابطاً وُجوديًّاً! قال تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا ﴾
[سورة فاطر: 44]
كُلٌّ نفْي يأتي في كتاب الله أو سنة نبيه فهو لِكَمال الضدّ :
أيها الأخوة، هذه الآية كم تَبُثّ في الإنسان من طمأنينة ومن أمَل؟! لو أنَّ عبداً مرِض مرضاً عُضالاً، فما دام الله تعالى على كُلِّ شيء مُقْتَدِراً، قال تعالى:
﴿ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ﴾
[سورة البقرة: 255]
يؤوده يعجزه، ومعنى هذا يُثْقِلُهُ ويُعْجِزُه، وحينما يرِدُ في القرآن الكريم نفْيٌ مُتَعَلِّق بِذات الله فهذا النَّفْي هَدَفُه إثْبات كمال الضِدّ، فحينما ننفي عن الله جَلَّ جلاله شيئاً فَلِنُثْبِتَ كمال ضِدِّه، فما كان ليعجزه من شيء في السماوات والأرض، وكذا لا يؤوده حفظهما؛ فهذا النَّفي لثبوت كمال الضدّ، فَكُلٌّ نفْي يأتي في كتاب الله عز وجل، وفي السنَّة المطهَّرة فهو لِكَمال الضدّ، فقوله تعالى: ﴿ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ﴾
[سورة الكهف: 49]
أي لِكَمال عَدْله، وقوله تعالى: ﴿ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾
[سورة يونس: 61]
لِكَمال علمه، وقوله تعالى: ﴿ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ﴾
[سورة البقرة: 255]
لِكَمال حياته، وَقَيُّومتِه، وقوله تعالى: ﴿ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ ﴾
[ سورة الأنعام: 103 ]
لِكَمال جلاله وعَظَمَتِه. نفي العجز عن الله عز وجل لإثبات كمال قدرته :
الفقْرة الثانِيَة: قوله ولا شيء يُعْجِزُه، فَنَفْيُنا العَجْز من أجْل أنْ نُثْبِتَ كمال القدْرة، ما هو ضدّ العَجْز؟ القُدْرة المُطْلقة، لاحظوا أنَّ هذا الكتاب الذي ندْرسه مع القرآن، وسنَفْهَم القرآنَ فَهْماً عقائِدياً، وهو فَهْم أساسه وُجوب أن تنْبَعَ عَقيدَتنا من كتاب الله وسنَّة رسول الله، لذلك لا يُمْكن أن نقع في الشَّطَط، ولا في الخلل، ولا في المبالغة.
المُقْتَدِر اسْمُ فاعل مِن اقْتَدَر، أما قدير فهي صيغة مُبالغة اسم الفاعل، مِن قَدَر يقْدِرُ فهو قادر، فهو فيه المبالغة، ولكن اقْتدر غير مُبالغ به، فالفرق بين قدر واقْتدر كالفرق بين كتب واكْتتب، فَكَتَبَ يدلّ على الكتابة، أما اكْتتب أي أنَّهُ جعل الكتابة حِرْفَةً له.

التَّعْبير عن ذات الله بِألْفاظٍ شرعيَّة نبوِيَّة إلهيَّة هو سبيل أهل السنّة والجماعة :
الآن نأتي إلى شيءٍ أرجو الله سبحانه وتعالى أن نقف على حُدوده؛ قال المؤلِّف: لا يليق بالله عز وجل أن تقول: ليس بِجِسْمٍ ولا بِشَبَح ولا جُثَّة ولا صورة ولا لَحْمٍ ولا دَمٍ ولا شَخْص ولا جَوْهَرٍ ولا عَرَضٍ، ولا بِذي لون ولا بذي رائِحَة ولا طعْمٍ ولا حرارة ولا رطوبة ولا برودة ولا طول ولا عرْضٍ ولا عُمْقٍ ولا اجْتِماع ولا افْتِراق ولا حركة ولا سكون ولا تبعُّضٍ، من يقول هذا الكلام ويسْتَرْسل في التَّعْريف بالله عز وجل عن طريق النَّفْي، كمَنْ يُخاطب الملك ويقول: أنت لسْتَ بفقير ولا بِزَبَّالٍ، فهذا ليس من باب الكمال والأدب مع الله تعالى، لذلك الأكْمل أن نأتي بِصِفات النَّفْي مُجْملةً، وصِفات الإثبات مُفَصَّلَةً، فلو قال الواحد للملك: أنت لسْتَ كَواحِدٍ من رَعِيَّتِك! فهذه أكْمل، وهذه قَضِيَّة أساسِيَّة في درْس اليوم، طبْعاً نُقِلَ عن سيِّدنا عليٍّ قَوْل إلا أنَّهُ مُخْتَصَر: ليس بِجِسْمٍ ولا بِصورة ولا بِمُتَبَعِّض، وكلّ ما خطر ببالك فالله تعالى بِخِلاف ذلك! أما الاسْتِطْرادات الطويلة جداً فهي سوء أدَبٍ مع الله عز وجل، وبالمناسبة النَّفْيُ الصَّرْف لا مَدْح فيه، قد تقول: فلان ليس آكِلاً طعامه، فهذا نفي خالٍ من المدْح، ولكن إن قلت: ليس ظالماً، فإنَّك تُشير إلى أنَّه عادل، فهناك صِفات إن نفَيْتها أثْبَتَّ العَكْس، وكان العكْس مدْحاً، ولكن هناك صِفات إن نفَيْتها ليس هناك ما يُقابلها، إذاً النَّفي المَحْض لا مدحَ فيه.
التَّعْبير عن ذات الله عز وجل بِألْفاظٍ شَرْعِيَّة نَبَوِيَّة إلهيَّة هو سبيل أهل السنّة والجماعة، لذلك حينما أدْخَلْنا عِلْم الكلام في عِلْم العقيدة كَثُرَتْ الصِّفات السّلبيّة، وقَلَّت الصِّفات الإيجابِيَّة؛ عالِمٌ قادِرٌ حيّ مريد، والصِّفات السَّلْبِيَّة كثيرة جداً، ينبغي أن نعْكس الأمر، وهو أن نُكْثر من الصِّفات الإيجابِيَّة في ذات الله عز وجل، وأن نخْتَصِر وأن نهمل الصِّفات السلبيّة، وبالمناسبة كما تعْلمون ممنوع أنْ نُفَكِّر فيها بِنَصِّ السنَّة النَّبَوِيَّة لقول النبي عليه الصلاة والسلام:

((تَفَكَّروا في مخلوقات الله، ولا تفكَّروا في ذاته فَتَهْلكوا))
[ذكره ابن كثير في تفسيره]
التَّفَكّر في ذات الله عز وجل أحدُ أسْباب هَلاك الإنسان :
مرَّةً ثانية وثالثة ورابعة هذا العقْل البشري جهاز اسْتِدلال له مجال مُحدَّد، فَحيثما أعْمَلْتَهُ في مجاله المُحَدَّد أعْطاك نتائِج رائِعة، وما أرْوَعَها!! أما إنْ أعْملته في مجال آخر حَطَّمْتَهُ، ولم يُعْطِكَ شيئاً من النتائج، كالميزان المُحَدَّد ليزِن من خمْس غرامات إلى خمْسة كيلو غرام فإن وزَنْتَ به مئة كيلو غرام حَطَّمْتَهُ، فالعقْل كذلك مجاله المَحْسوسات، وهو بِشَكْل مُخْتصر جهاز ينقلك إلى المَحْسوس، إلى المُغَيَّب عنك، أبْسط مثل: رأيت وراء جدار دخانًا، فَعَقْلك يقول: لا دُخان بلا نار، فأنت لم ترَ النار، ولكن رأيت الأثر، ويجب أن تعتقد أنَّه ما دام هناك شيءٌ مادِيٌّ أمام عَيْنَيْك فالعقْل يعْمل، فإذا أدْخَلْتَ الأثر فإنَّ العقْل لا يعْمل، لذلك الشيء الذي لا أثر له، وليس هناك من سبيل لِتَصْديقه إلا الخبر الصادِق، فالآثار هي الكون، فإذا فَكَّرْت في الكون عَرَفْتَ الله عز وجل، أما إذا تَوَجَّهْت إلى ذات الله عز وجل وقلت: كيف يعْلم؟ ما طبيعة قدرته؟ كيف كان ولم يكن معه شيء؟ إذا خُضْتَ في هذا المجال أحْرَقْتَ هذا العَقْل ولم يُعْطِكَ أيَّة نتيجة، أحدُ أسْباب الهَلاك التَّفَكّر في ذات الله عز وجل.
أمْرُ الله وإخبارُه يجب أن يكون حَكَماً على عَقْل الإنسان :
النُّقطة الثانِيَة: كُلّ حقيقةٍ يعْجز عقْلك عن إدْراكِها أخْبرك الله بها رَحْمَةً بك، فالآن إذا أخبرك الله عن شيء يعْجز عقْلك عن إدْراكه وتَرَدَّدْتَ في قَبول هذا الشيء يجب أن تُعيد إيمانك بالله تعالى، أمّا إذا جعلْت عقْلك حَكَماً على إخبار الله فقد كَذَّبْت الله جلَّ جلاله، ينبغي أن يكون أمْرُ الله وإخبارُه لك حَكَماً على عَقْلك، كما قال بعض العلماء: عَقْلك حِصانٌ تَرْكبه إلى باب السُّلطان، فإذا دَخَلْتَ دَخَلْتَ وحْدك! أقرب مثل: إنسانٌ مريض معه قَرْحة، وحريصٌ على سلامة صِحَّتِه حِرْصاً لا حدود له، سأل عن طبيب شهير في أمراض الهَضْم، وسأل عن أحوال الطبيب؛ من تديّن، وإخلاص، وشهادات، إلى أنْ هداهُ عقْله، واسْتِقراؤه، وأسْئلته، وكلام الناس، والتَّحْقيقات، إلى معرفة الطبيب بشكل كامل، فإذا دخل الآن إلى هذا الطبيب ينبغي أن يُعَطِّل عقْله، لماذا؟ لأنَّ عقْله هو الذي أوْصله إلى هذا الطبيب، فإذا قال له هذا الطبيب: اترك هذا الطعام، وقال المريض: لستُ قانِعاً بذلك، فقد أخطأ، فأنت كذلك عقْلك أوْصلك إلى الله، والله تعالى أوْحى إلى نَبِيِّه، فلو أردْتَ أن تُحَكِّم عقْلك في وحي الله تعالى لِنَبِيِّه الكريم فكأنَّك تُكَذِّب الله عز وجل.
على الإنسان ألا يسْمح لِنَفْسه أن يُناقِش قَضِيَّة إخباريَّة مع أعداء الدِّين :
أيها الأخوة الكرام، أقول ولا أُبالغ: إنّ أكثر مُشْكلات المسلمين أَنَّهم نقلوا قَضِيَّة من الإخباريات إلى المَعْقولات.
بادئ ذي بدء: أيّةُ قضِيّة تُعْرض عليّ فهذه إنْ كانت مِن المعقولات أُفَكِّر بها، وإنْ كانت مِن الإخباريات أُسَلِّم بها، كعالم الجن، والملائكة، والبرزخ، والصِّراط، والجنَّة، والنار، أمّا ذات الله فهذه الموضوعات لا يجوز أن تدخل في إطار البحث العَقْلي، والعقل ينتقل من الأثر إلى المؤثر، ومن الكون إلى المُكَوِّن، ومن النِّظام إلى المُنَظِّم، ومن الخلق إلى الخالق، وهذا هو كلّ ما في الأمر.
سُقْتُ هذا الكلام لِهذا الدعاء النبوي الشريف، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((مَا أَصَابَ أَحَدًا قَطُّ هَمٌّ وَلَا حَزَنٌ فَقَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِكَ وَابْنُ أَمَتِكَ نَاصِيَتِي بِيَدِكَ مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي وَنُورَ صَدْرِي وَجِلَاءَ حُزْنِي وَذَهَابَ هَمِّي إِلَّا أَذْهَبَ اللَّهُ هَمَّهُ وَحُزْنَهُ وَأَبْدَلَهُ مَكَانَهُ فَرَجًا قَالَ فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا نَتَعَلَّمُهَا فَقَالَ بَلَى يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَهَا أَنْ يَتَعَلَّمَهَا))
[ رواه أحمد عن عَبْدِ اللَّهِ ]
ومثال الميزان الذي ذكرته قبل قليل أحبّ أن أُتابعه قليلاً، فأقول: صاحب البقاليَّة عنده سيارة، فهل يزِنُ سيارته بِميزان بقاليَّتِه؟! يسأل الصانع عن وزْن هذه السيارة لأنَّ ميزان البقالية يعْجز عن وزْن السيارة، فالشيء الذي يعْجز عقْلك عن إدْراكه أَخْبرك الله به، فأنت كَدَاعِيَة لا ينبغي أن تُسْتَجَرّ إلى مناقشة قَضِيَّة إخْبارِيَّة؛ لأنَّ أعداء الدِّين أين يكْمُن خُبْثهم؟ يقول أحدهم: أخي أثبتْ لي أنَّهُ يوجد جنّ؛ وهم القادِيانِيَّة وأمثالهم، وفِعْلاً لا دليل عقلي على إثبات الجنّ، وإنَّما الدليل إخباري، ونحن عندما آمنَّا بالله خالقاً، ومُسَيِّراً، وموجوداً، وواحداً، وكاملاً، وآمنَّا بِكلامه ونَبِيِّه، فالقرآن هو الذي أخبرنا بذلك، فأنت لا تسْمح لِنَفْسك أن تُناقِش قَضِيَّة إخباريَّة مع أعداء الدِّين، لأنَّهُ لا يوجد دليل عقْلي، ولا مادِّي، إنما الدليل إخْباري، فهذه النقْطة مُهِمَّة جداً جداً في علاقتك مع الآخرين، فحينما تنْقل قَضِيَّة إخباريّة نقليَّة سَمْعِيَّة إلى مجال عَقْلاني تُخْفِق، فالإنسان حينما تُسَوِّلُ له نفْسه أن يجعل عقله حَكَماً على قَضِيَّة إخبارِيَّة فقد وقع في خطأ كبير، قال تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ*أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ*وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ *تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ *فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ ﴾
[سورة الفيل: 1-5]
بِرَبِّكم، أنتم جميعاً، هل رأى أحدٌ منكم ما فعله الله بأصحاب الفيل ؟ لا أحد رأى ذلك، فكيف يقول الله عز وجل: ألم ترَ ؟ ألم تُصَدِّق؟ أمَعْقولة هذه! قال علماء التَّفْسير: إخْبار الله بِمِصْداقِيَّتِه كأنَّك تراها، إلهٌ يُخْبِرُك. عدم استطاعة الإنسان أن يثبت عدالة الله بِعَقْلِه إلا أن يكون له عِلْمٌ كَعِلْم الله :
ولذلك ننتقل إلى موضوع ثان وهو أنَّ أكثر الخِلافات بين المجموعات الدِّينِيَّة جرت حول إثبات عدالة الله، هناك من يسْلك طريقًا شائكًا، وطويلاً، ومُعَقَّداً، كيف أُثْبِتُ عدالة الله؟ فالله تعالى لو يعْلم أنَّ هذا الذي خلقه سيكون مصيره إلى النار فلماذا خلقه؟!! يقول المضطرب: ينبغي ألاّ يعْلم!! فإذا نَفَيْنا عن الله تعالى العِلْم وَقَعْنا في مُشْكلة كبيرة جداً، والله تعالى يقول:
﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾
[سورة المجادلة: 7]
فأنت لا تسْتطيع أن تُثبت عدالة الله عز وجل بِعَقْلِك إطْلاقاً إلا أن يكون لك عِلْمٌ كَعِلْم الله تماماً، حينها تُثْبِتُ عدالة الله بِعَقْلك، ولكنَّ الله تعالى أخْبرك بمئات الآيات أنَّهُ عادل، أفلا تكْفيك هذه؟! قال تعالى: ﴿ يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ﴾
[سورة لقمان: 16]
وقال تعالى: ﴿ أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾
[سورة التوبة: 70]
وهي أعلى آيات التوحيد، كُلّ هذه الآيات ألا تكْفي؟ أنا الذي أعْجَبُ له أنَّ الإنسان يُريدُ أنْ يُثْبِتَ كمال الله عز وجل بِأُسْلوبٍ لا يُرْضي الله، فالله أخْبرك أنَّهُ لا يظْلمُ أحداً، أما أن تُثبت العدالة بِعَقْلك، فإنّ عقْلك لا يسْتطيع، فالإنسان يرى زلازل، وفيضاناتٍ، وشُعوباً مَقْهورة، وأمراضاً وبيلة ؛ لو كُشَفَ الغِطاء لاخْتَرْتم الواقع، يقول الإمام عليّ كَرَّم الله وجْهه: "والله لو كُشِفَ الغِطاء ما ازْدَدْتُ يقيناً"، فاليقين قبل كَشْف الغِطاء بعدالة الله كيَقينه بعد كشْف الغِطاء. العَجْزُ عن إدراك الإدراك إدْراك :
أردتُ من هذا الدَّرْس أنّ أيّة قَضِيَّة في الدِّين اُنْظر إليها، هل تُصَنَّف مع المعْقولات أم مع المَسْموعات ؟ المَسْموعات، أو الإخباريات، أو التصديقات، كُلُّها بِمَعنى واحد، فإياك أن تنقل قَضِيَّة من الإخباريات، أو المسْموعات، إلى مجال المعقول فلن تُفلح، ولذلك فأنت تسْتطيع أن تُناقش أيّ إنسان في المعقولات، أما في المسموعات فقُل له: ستعرفها وتفهمها بعد أن تؤمن بالله، وبِكماله، وبأسمائه الحُسنى، وبِنَبِيِّه المرسل، فكلّ شيء في الغرفة التي أنت فيها خاضِعٌ للنظر، والتأمّل، والتقييم، ولكن في الغرفة الأخرى التي لا نراها خاضع للإخبار فقط، فالشيء الذي لا تستطيع حواسّك أن تصِلَ إليه فلك سبيل واحد لمعرفته، هو الإخبار، والشيء الذي لا يَقْوى عقْلك على بُلوغه فليس أمامك من سبيل إلا أن تُصَدِّق الله عز وجل، فقولك: لا أدري تجعلك في أعلى درجات العِلْم، فَسُؤال مُتَعَلِّق بذات الله عز وجل ؛ جوابه: لا أدري، وعَيْنُ العلم بالله عين الجهْل به، وعيْنُ الجهْل بالله عَيْنُ العِلْم به، فلو سُئِلْتَ عن حجم البحْر المتوسِّط، وقلت: لا أدري، فأنت عالم، أما إن أجبْتَ بِعَدد فأنت جاهِل، العَجْزُ عن إدراك الإدراك إدْراك، أكْثِر من كلمة لا أدري، فلذلك الإمام مالك لما جاءهُ وَفْدٌ من الأندلس، ولديهم ثلاثين سؤالاً، فأجاب عن سبْعة عشر، وأما الباقي فقال: لا أدري، فقالوا: الإمام مالك لا يدْري! فقال: قولوا: الإمام مالك لا يدري، فهذا أمر لا يُقَلِّل من قدْرك بل يرْفعه، فكلمة "لا أدري" كأنَّك تدْري.
على الإنسان أن يدرس العقيدة من الكتاب و السنة :
قدْ تعْجبون ؛ فالنصّ وِفق المتْن: "ولا شيء يُعْجزه"، فَلِحِرْص المؤلِّف الطحاوي ـ رحمه الله تعالى ـ على التّقَيُّد بِكلام الله عز وجل، قال: ليس قوْل الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ: "ولا شيء يُعْجزه" مِن النفي المذْموم، فإنَّ الله تعالى يقول:
﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا ﴾
[سورة فاطر: 44]
فحتى العبارات جاءتْ موافقة لِكِتاب الله عز وجل، ومُلَخَّص هذا الكلام له صِفات وله أسْماء، فالأكْمل أن ننفي نَفْياً إجْمالياً، وأن نُثْبِتْ إثْباتاً تَفْصيلياً، وهو منهج أهْل السنَّة والجماعة، وفي درْس قادِم إن شاء الله تعالى ننتقل إلى قوله: "ولا إله غيره".
والأكمل أن ندْرس العقيدة من الكتاب والسنَّة، لأنَّ عِلْم الكلام ليس عربياً، ولا إسلامياً، ولأنَّه هَجين، لا يفْتقر إلى عِلْم آخر، وهو مُعَقَّد جداً، والدِّين بالأساس بسيط، وعملِيَّة تعْقيد الدِّين هي عَمَلِيَّة ليْسَتْ مشْروعة، والدِّين آيةٌ واضِحَة كالشِّمْس، وحديثٌ واضِحٌ كالشِّمْس، قال عليه الصلاة والسلام:
((تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ وَمَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا فَعَلَيْكُمْ بِمَا عَرَفْتُمْ مِنْ سُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ وَعَلَيْكُمْ بِالطَّاعَةِ وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ فَإِنَّمَا الْمُؤْمِنُ كَالْجَمَلِ الْأَنِفِ حَيْثُمَا قِيدَ انْقَادَ))
[ابن ماجه عن العرباض]
فَجَعْل الدِّين مُصْطَلحات، ومُعادلات، وأَقْيِسَة مُبْهمة، أنا أرى أنّ هذا ليس في صالح المُسلمين اليوم، ومنهج اقْتِباس العقيدة من الكتاب والسنَّة هو الأكمل، وأن تبقى في حدود الأدب النبوي حيث وصف النبي عليه الصلاة والسلام ربَّهُ. من خرج عن منهج الله عز وجل وقع في الظلم و العدوان و البغي :
هناك نقطة دقيقة، وهي قوله تعالى:
﴿ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾
[سورة الأحقاف: 21]
هل تعتقِدون أنَّ العباد لأنَّهم لم يعْبدوا الله تعالى أذاقهم عذاب يومٍ عظيم؟ ألم يقل النبي فيما يرويه عن ربِّه: (( يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا... يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ ))
[مسلم عَنْ أَبِي ذَرٍّ ]
فلماذا هذا العذاب العظيم لمَن لم يعْبد الله ؟ سؤال مهمّ، الجواب هناك منهج واحد فيه الإنصاف، والإحكام، والعدالة، وهو منهج الله، فإذا خرجْتَ عنه من العدْل إلى الظلم، ومن الرَّحمة إلى الجَوْر، ومن المصْلحة إلى المفْسدة، إذاً فلا بدّ أن تقع في الظُّلم، والعُدْوان، والبغْي، والتجاوز، والعُدْوان يسْتحقّ العذاب، وهذا يُقابله قوله تعالى: ﴿ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ﴾
[سورة الزمر: 66]
ما علاقة الشكْر بالعبادة، لأنَّك إن عبَدْت الله عز وجل أكْرَمَك الله بِنِعَمٍ لا تُعَدُّ ولا تُحْصى، فما عليك إلا أن تشْكر. عَدَم الإيمان بالله يحمل الإنسان على الظلم و الجور :
قال تعالى:
﴿ خُذُوهُ فَغُلُّوهُ* ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُِ ﴾
[سورة الحاقة: 30-31]
بِرَبِّكم هذا الإله الرحيم العدْل إذا لم يُؤْمن به العبدُ فهل يسْتحِق هذا العذاب الأليم؟ الجواب: نعم، لأنَّهُ لم يؤْمن بالله العظيم، وأصْبح مُجْرماً، وظالماً، وباغِياً، فعَدَم الإيمان بالله لابدّ أن يحْملك على هذا، والعالم أمامكم، فإذا كان مِن الممكن أن يسْعد الإنسان من دون الدِّين فهذا الدِّين باطل! لن تعْدِل، ولن تُنْصف، ولن ترْحم، من دون دين الله، فالشريعة رحْمة ومصْلحة، وأيَّةُ قَضِيَّة خرجَتْ من العدْل إلى الجَوْر، ومن المصْلحة إلى المَفْسَدة، ومن الرحْمة إلى القَسْوة، فهي ليْسَت من الشريعة الإسلاميَّة ولو أُدْخِلَت عليها بألف تأويل وتأويل، هناك قوْل لأحد العلماء، فَبِحُكم عملي في مَجَلَّة نهْج الإسلام أُراقب المقالات كلِّها، فجاءَتني مقالة لِعَميد كليَّة الشريعة السابق الشيخ الدُّرَيْني، وهو عالم كبير، ومن المُجَدِّدين للدِّين، وله قَوْل: "إنَّ الله لينْصرُ الدَّوْلة الكافرة العادلة على الدَّوْلة المُسْلِمة الظالمة!" وهو قَوْل نادِر، وفي المقالة ثلاثون صفْحة تُناقض ما قال، إذْ يسْتحيل على الدولة الكافرة أن تكون عادِلة، كما يسْتحيل على الدَّولة المسلمة أن تكون ظالمة! فالكافرة عادِلَة مع شَعْبِها، وشَعْبها يحيا على حِساب الشعوب والأمم الأخرى.
سبحان الله التصوّف كان في الصحابة مُسَمًّى بلا اسم، وقد أصبح فيما بعد اسماً بلا مُسَمَّى، فهُمْ في أعلى الدرجات إلى الله شَوْقاً، والعبادة بلا اسم، والآن صارت اسماً من دون مَضْمون.





السعيد 09-15-2018 01:12 PM

رد: العقيدة الطحاوية
 
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية - العقيدة الطحاوية

الدرس : ( الثانى )

الموضوع : توحيد الله





لحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا، وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه، وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين . موضوع التوحيد أهمّ موضوعٍ على الإطلاق في العقيدة :
أيها الأخوة المؤمنون، لا شكَّ أنَّ أهمّ موضوعٍ على الإطلاق في العقيدة هو موضوع التوحيد، إلا أنَّهُ مما يَلْفتُ النَّظر أنَّ كلّ دَعْوةٍ إلى الله عز وجل ربما رَكَّزَتْ على بعض القضايا أكثر من ترْكيزها على بعض القضايا الأخرى، وكلكم يعْلم أنَّ قضِيَّة التوحيد في مسْجدنا والحمد لله تُسَلَّط عليها الأضواء بِشَكْلٍ مُسْتَمِرّ، ففي دروس التفْسير، وفي دروس الحديث الشَّريف، وفي دروس السيرة، كما رأيْتم، وتعلمون أنّ التَّركيز على التوحيد دائمٌ، فمع أنَّ هذا الموضوع من أخطر موضوعات الكتاب، فمهما فَصّ‍لْتُ فيه، فلن أضيفَ على ثقافتكم في هذا الموضوع شيئاً جديداً، لكنَّهُ من الثابت أنَّ العقيدة الطحاوِيَّة تُفَرِّق بين مُصْطَلَحَيْن؛ مُصْطلح توحيد الربوبِيَّة، ومصْطلح توحيد الألوهِيَّة، فتَوْحيد الربوبِيَّة بِشَكْلٍ مُختصر يُفيد أنَّ لهذا الكون خالقاً واحِداً، وهذا التوحيد يتوافق مع الفطْرة، وليس موْضِع نِزاعٍ عند عامَّة الناس، وذلك لأنَّه لا أحد ادَّعى أنَّهُ هو الذي خلق الكَوْن، والإنسان بِنَظْرةٍ بسيطة في هذا الكون يشْعر بأنَّ له خالقًا، لكنْ أين الخلاف وأين المُشْكلة ؟‍‍! الخِلاف ليس في توحيد الربوبِيَّة، ولكن في توْحيد الألوهيَّة، قال تعالى:
﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ ﴾
[ سورة الزخرف : 87 ]
حتى عُباد الأوْثان يدَّعون أنَّهم يعْبدون الأوْثان لِيَتَقَرَّبوا بها إلى الله زُلْفى، فهذا الكلام تَحَدَّثنا عنه في الدرْس الماضي، وعن طريق دليل التمانع أُثْبِتَ لكم أنَّ لهذا الكون خالقاً واحِداً، ووعَدْتكم في هذا الدَّرْس إلى أن أنتقل إلى توحيد الألوهِيَّة . الإنسان بِدَافِع فِطْرته يُقبل على ما ينْفعه ويبتعد عما يُؤْذيه :
أوَّلاً نقرأ، ونشْرح، فلا ريْبَ أنَّ الإنسان قد يُحَصِّل اعْتِقادات؛ منها ما هو صحيح، ومنها ما هو خطأ وباطل، فَبِذِهْن كُلّ إنسان تَصَوّرات، فمنها ما هو مُطابق للواقع، إذاً فهي حقّ، ومنها غير مُطابقة للواقع، فهي باطلة، فالحقّ هو الشيء الثابت، والباطل هو الشيء الزائل، فَكُلّ شيء ليس له أساس واقِعي فهو باطل، وكلّ شيء مُسْتَنِد للواقع فهو حقّ، لكِنَّه لا بدّ في تَرْجيح تلك المقولات والتَّصوّرات من مِقْياس، ونحن دائِماً نقول : أنت أمام آلاف المقولات في الإسلام، فأنت كَطالب عِلْم وكَدَاعِيَة إلى الله أهم شيء في عِلْمك أن تملك المِقْياس! وقد بَيَّنْتُ لكم سابِقاً أنَّك لو وُضِعْتَ أمام عشرات القطع من الأقْمِشَة، ولِكُل قطعة قماش قياس أُلْصِق عليها، مَكْتوب قياس كذا وكذا، فأنت كيف تَتَحَقَّق من هذه المِقياسات؟ لا بدّ لك من أداة قياس، كذلك لو وقفتَ أمام عشرات المقولات بل مئاتها كيف تتأكّد من صِحَّتها؟ لابدّ من مُرَجِّح.
التَّفْهيم لا التَّلْقين والإقناع لا القَمْع من مبادئ الدعوة إلى الله :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/5392/01.jpg
أذْكر أنَّني ذَكَرْتُ لكم قبل أيام فِكْرة مُهِمّة جداً، وهي أنَّ الإنسان بِحُكم فطْرته يُحِبّ ذاته، ووُجوده، واسْتِمرار وُجوده، وكمال وُجوده، وسلامة وُجوده، فإذا تَيَقَّن المرءُ أنَّ الإيمان بالله تعالى ينْفعه، وأنَّ الكُفْر بالله يضرّه، آمن بِدَافِعٍ من فطْرته، فهي التي تَدْعوه إلى الإيمان بالله، إلا أنّه بَقِيَ على الداعِيَة أن يُقْنِعَ الإنسان أنَّ الإيمان ينْفعه في الدنيا والآخرة، وأنَّ الإعراض عن الله تعالى يضرّه في الدنيا والآخرة، فلذلك لو أنَّ الإنسان خُيِّر بين أنْ يُصَدِّق وينْتفِع، وبين أن يُكَذِّب ويتَضَرَّر، مال بِفِطْرته إلى التَّصْديق كي ينتفع، فالمهم ليس حمْل النفْس على طاعة الله، إنما في إقْناعِها بِمَدى الفائِدَة من طاعة الله، فإذا اقْتَنَعت أصْبح التَّطْبيق سَهْلاً، وهذا الكلام يقود إلى فِكْرة، فقد سُئِلْتُ مَرَّة ما الذي يُقَوِّي الإرادة؟ وهو سُؤال وَجيهٌ جداً، فهناك من يعْصي الله تعالى، وهو لا يعْرِفُه، فالمُقدِّمات متناسبة مع النتائِج؛ لا يعْرفه ويعْصيه، وهناك من يعْرفُه، ويُطيعُه، فهاتان الحالتان طبيعِيَّتان، لأنَّهما متناسبتان بين المقدِّمات والنتائِج، أما الذي يُقْلق فهو من يعْرف أنَّ هذا حرام، وهذا حلال، وأنَّ خالق الكون أمر بِهذا ونهى عن هذا، ثم هو لا يُطيع، فهذه الحالة تُفَسَّر بِضَعْف الإرادة! لذلك بِبَساطة بالغة: بالعِلْم تُقَوِّي الإرادة، ومثَلاً الذي يُغْرم بِتَناول الطعام المالح، فهذا له عادة أصيلة في هذه الأُسرة، مما يؤدي إلى ارتفاع ضَغْطه، فهل المُشْكلة أن نقْمعه عن تناول المِلْح أم أن نُقْنِعَهُ ؟ القمْع لا يُجْدي، لأنَّهُ عادة مُتَأصِّلة في تناول الطعام المالح، لكن الطبيب الحاذق الماهر الذي يُوَضِّح بالأدِلّة الدقيقة كيف أنَّ المِلح يحْبِسُ السوائل، وكيف أن السوائل تمتلئ بها الأوْعِيَة، وكيف أنَّ القلب يجْهَد، فإذا أيْقن المريض بالضغْط أنَّ المِلْح يُؤْذيه، فَتَرْكُ المِلْح حينئذٍ سَهْل جداً، لذا فالإنسان بِدافِعِ فِطْرته يُقْبِلُ على ما ينْفعه، وبِدافِعِ فِطْرته يبْتعِدُ عمَّا يضرّه، بَقِيَت مُهِمَّةُ الداعِيَة في دَعْوَتِه أن يُقْنِع لا أن يقْمع، فهناك من يتمنى أن يدْعوَ إلى الله، يأتي بِصَديقه إلى الدرْس، فهذا الجرّ لا ينفع، فهو يَحْضُر معك مرَّةً واحدة مُجاملَةً لك، فالأَوْلى لا أن تجُرَّه، بل أن تُقْنِعَهُ! لذلك من مبادئ الدَّعوة إلى الله تعالى التَّفْهيم لا التَّلْقين، والإقناع لا القَمْع، فالفِكْرة الأولى اليوم أنّ الإنسان بِدَافِع فِطْرته يُقبل على ما ينْفعه، ويبتعد عما يُؤْذيه، فإذا علِم أنَّ الإيمان ينْفعه وأن الكفْر يضرّه أقبل على الإيمان وابْتَعَد عن الكفْر.
الإنسان ليس مفْطوراً على معرفة ما ينفعه ولكنه مَفْطور على حبِّ ما ينْفعه :
هناك فِكْرة ثانِيَة، وهي أنَّ الإنسان مَفْطور كما قلتُ قبل قليل على جلْب المنافع، ودَفْع المضار بِحِسِّه، إلا أنَّه لا بدّ من شيءٍ خارِجي يُبَيَّن له، فلو كان مَفْطوراً على حُبِّ ما ينْفعه فهل هو مَفْطور على معْرِفَة ما ينْفعه ؟! مِن هنا كان التَّعْليم لا بدّ منه، وإلا أصْبح التَّعْليم لا فائِدَة منه إطْلاقاً، والإنسان أوْدَعَ الله فيه قدْرة التَّعَلّم، فلو أنَّك قرأت الكتاب الفلاني على الطاولة، فهذه الطاولة بعد أن قرأت الكتاب كلَّه، وسألْتها؛ هل تفْهم ما فَعَلْتَ وما قرأت؟!! فحينما خلق الله الخشب لم يُوْدِع فيه القوَّة الإدراكيَّة، فالقَضِيَّة أنَّه ما دام الله تعالى أوْدَع في الإنسان هذه القوَّة سأله أن يتعلَّم، لذا الجمادات لا تُدْرك، والمادَّة ليْسَت عاقِلَة، فالله تعالى ما أوْدع في الإنسان هذه القدْرة إلا وأراد منه أن يتعلَّم، فالله تعالى كما يقول بعض العلماء: ما أمرنا بالدعاء إلا لِيَسْتجيب لنا، وما أمَرَنا بالاسْتغفار إلا لِيَغْفِرَ لنا، وما أمرنا بالتوبة إلا لِيَتوب علينا، وقِياساً على هذه الحقائق فما أوْدع فينا قوَّة التعَلّم إلا من أجل أن نتعلَّم، لذا فالإنسان ليس مفْطوراً على معرفة ما ينفعه، ولكنه مَفْطور على حبِّ ما ينْفعه، يا داود ذَكِّر عبادي بِإحساني إليهم، فإنَّ النفوس قد جُبِلَت على حُبّ من أحْسن إليها، وبُغض من أساء إليها .
توحيد الألوهية و توحيد الربوبية :
كما تعلمون في الدرْس السابق أنَّه ليس هناك شكّ في أنَّ الإنسان مُسَلِّمٌ بالطَّبْع بأنَّ له خالقاً واحِداً، إلا أنَّ التعامل اليوم أنَّ الله عز وجل أوْدع في الأشْياء قوَّة، ففي النار قوّة الإحراق فيما يبْدو، إلا أنَّ الحقيقة التي تعلمونها من دروس جَوْهرة التَّوحيد أنَّ الأشياء تفْعل الفِعْل بِإرادة الله لا بِذاتِها، فإيداع الله للنار قوَّةَ الإحراق منوط بِمَشيئة الله تعالى، لذلك قال علماء التوحيد اخْتِصاراً عندها لا بها؛ عند مشيئة الله، لا بِذات الأشياء التي تفعَلُ فِعْلها، لذا توحيد الألوهيَّة غير توحيد الربوبيَّة، فالله تعالى خلق الكون، وانتهى الخَلق إلا أنَّه بقِيَ التَسْيير والحركة على وَجْه الأرض، فالإنسان أمامه قِوى ومُغْرِيات، والله تعالى خلق القويّ والضعيف، والفقير والغنيّ، والغبيَّ والذَكيّ، فهذه الحُظوظ المُتفاوِتَة، وهذه القوى المتفاوتة، كيف يتعامل معها الإنسان؟ فإذا ظَنَّ أنَّها فاعِلَةٌ بِذاتها فقد وقع في الشِّرْك، وتوحيد الربوبيَّة يعْني أنّ لهذا الكون خالقاً واحِداً، لكنّ توحيد الألوهِيَّة يعْني أنَّ الله تعالى الذي خلق، وهو ربّ العالمين، وهو الذي يتصرَّف، ولو أنَّكم قرأتم آيات التوحيد، وأنا أذْكرها كثيراً، قال تعالى:
﴿ وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾
[ سورة هود: 123 ]
يقول علماء التوحيد: لا إله إلا الله، تعني لا مَعبود بِحَقٍّ إلا الله ؛ فمن هو الذي ينبغي أن تعبده؟ أوَّلاً: هو الخالق، وثانياً: هو الربّ، وثالثاً: هو المُمِدّ، ورابعاً: الذي يُحْيي ويُميتُ ويرْزق ويرفع ويخْفض ويعطي ويمنع، فهذا الذي بيَدِهِ كُلّ شيء هو الذي ينبغي أن تعْبده. الله عز وجل ما أمر الإنسان أن يعبده إلا بعد أن طمأنه :
توحيد الألوهِيَّة يختلف عن توحيد الربوبيَّة، ولو ذَهَبْت إلى بلاد الغرْب لرأيْتَ أنَّ هناك عقيدَةً هي سبب هلاكِهم؛ هم يعْتَقِدون أنَّ الله جلّ جلاله خلاقٌ وليس فعالٌ، كأنَّ المعنى خلق الله الخلْق وقال: انْتهتْ مُهِمَّتي، وبَقِي أنّ لكم أنْ تفعلوا ما تشاؤون، وهو ما يُعَبَّر بِألوهِيَّة الإنسان، لكنَّنا كَمُؤمنين عقيدتنا الإسلامِيَّة النابعة من كتاب الله عز وجل وسنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم تُؤكِّد أنّ الله خلاّق، وفعال، وأقرب آيةٍ لهذه الفكرة قوله تعالى :
﴿ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾
[ سورة الأعراف: 54 ]
وقوله تعالى:
﴿ وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾
[ سورة هود: 123 ]
ما أمرك أن تعبده إلا بعد أن طمْأنك قال تعالى : ﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ ﴾
[ سورة الزخرف: 84 ]
وقال تعالى : ﴿ قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا ﴾
[ سورة الكهف: 26 ]
وقال تعالى: ﴿ فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾
[ سورة الأنفال: 17 ]
هذه الآيات ومثيلاتها تؤكِّد أنَّ الله تعالى إلهٌ واحِد، وهو ربّ واحد، فهو المُسَيِّر. الشرك نوعان؛ شرك خفي و شرك جلي :
قال تعالى:
﴿ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آَللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾
[ سورة النمل: 59]
دَقِّقوا، أمَّن خلق؟ فهو الذي خلَقَ لا غيرُه، ثمّ أإِلهٌ مع الله؟ لا إله معه، فالله هو الخالق، والذي يفْعل ما يريد، ويرزق، ويمنع، ويُحْيي، ويُميت، ويعزّ، ويذِلّ، وهو ربّ العالمين، ولا تنْسَوا أنَّ هذا الاسْتفهام هو اسْتفهام إنكاري، قال تعالى: ﴿ قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآَنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آَلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ﴾
[ سورة الأنعام: 19 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/5392/02.jpg
وكما أقول دائماً في الدروس العامّة وفي دروس التَّفْسير : هناك شِرْك جليّ، وهناك شِرْك خفيّ، فالأوَّل كأن تقول : أعبد بوذاَ، واللات، والعزَّى، إلا أنَّ الشِّرْك الخفيّ أنْ تتَوَهَّم أنَّ جِهَةً ما أرْضِيَةً، أو غير أرْضِيَة، لها التَصَرّف في الكون، لذلك فعَنْ أَبِي عَلِيٍّ رَجُلٍ مِنْ بَنِي كَاهِلٍ قَالَ خَطَبَنَا أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا هَذَا الشِّرْكَ فَإِنَّهُ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ، فَقَامَ إِلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَزْنٍ وَقَيْسُ بْنُ المُضَارِبِ فَقَالَا: وَاللَّهِ لَتَخْرُجَنَّ مِمَّا قُلْتَ أَوْ لَنَأْتِيَنَّ عُمَرَ مَأْذُونٌ لَنَا أَوْ غَيْرُ مَأْذُونٍ، قَالَ: بَلْ أَخْرُجُ مِمَّا قُلْتُ، خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ فَقَال: ((أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا هَذَا الشِّرْكَ فَإِنَّهُ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ فَقَالَ لَهُ مَنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ وَكَيْفَ نَتَّقِيهِ وَهُوَ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ قُولُوا اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ نُشْرِكَ بِكَ شَيْئًا نَعْلَمُهُ وَنَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا نَعْلَمُ))
[أحمد عَنْ أَبِي عَلِيٍّ]
وهذا هو الذي قاله الله عز وجل: ﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ﴾
[ سورة يوسف: 106 ]
ونعوذ بالله من الشِّرْك الخفيّ، ومن الشِّرْك الجَلِيّ. لِلكون خالقٌ واحد و مُسَيِّر واحِدٌ هو الله :
الآن، مَن الإله الذي ينْبغي أن يُعْبد؟ دَقِّقوا في هذه الآية:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾
[ سورة البقرة: 21 ]
لِهذا الكون خالقٌ واحد هو الله، ولِهذا الكون مُسَيِّر واحِدٌ هو الله، فالله هو الخالق، وهو المُسَيِّر، هو الخالق الربّ، وهو المُسَيِّر الحكيم.
من رحْمَةِ الله بالإنسان أنَّه جعل الحقائِق الأساسيّة في الدِّين عليها أكثر من دليل :
النقطة التي بعدها في هذا الموضوع، هو أنَّ الله سبحانه وتعالى رَحْمَةً بِخَلْقِه جَعَل للحقائِق التي يحْتاجُها عِباده أدِلَّة كثيرة؛ قد تحْتاج إلى حقيقة لكِنَّها نادرة، وعليها دليل نادِر، إلا أنّك لو احْتَجْتَ إلى حقيقة أساسيّة في سعادتك، فالحقائِق الأساسِيَّة أكْثر الله تعالى عليها الأدِلَّة، لذلك ما أرْوَعَ قَوْل الشاعر:
وفي كُلِّ شيءٍ له آيةٌ تدلّ على أنَّه واحِدُ
***
سألني اليوم أخٌ كريم، كيف أتَعَرَّفُ إلى الله؟ فقلتُ: الكون أوْسَعُ باب تدْخل منه إلى الله، وهو أقْصر طريقٍ تسْلكه إلى الله، فالكون آياته الكَوْنِيَّة، والقرآن آياته القرآنيَّة، والأفعال آياته التَّكْوينِيَّة، فَمِن هذه الثلاث تَصِل إلى الله عز وجل، وهذا من رحْمَةِ الله تعالى أنَّ الحقائِق الأساسيّة في الدِّين عليها أكثر من دليل. الآية التالية آية أساسِيَّة في موضوع توحيد الألوهِيَّة :
نقفُ عند آيةٍ دقيقةٍ في هذا الموضوع، لماذا اخْتَرْتُ هذا الكتاب في الأساس؟ لِعَلَّة كبيرة جداً؛ وهي أنَّ عِلْم العقيدة ينبغي أن يُؤْخذ من الكتاب والسنَّة، وهذا هو الوَضْعُ الطبيعي والوَضْعُ الصِحِّي، عقيدتنا نأخذها من كتاب ربِّنا، لذلك لا تسْتغْربوا، ولا تعْجبوا أن يكون مِحْور الدَّرْس كُلِّه آيات التوحيد، يقول الله عز وجل:
﴿ مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴾
[ سورة المؤمنون: 91 ]
هذه الآية أساسِيَّة في موضوع توحيد الألوهِيَّة، لذلك أقرأ لكم شَرْحها وأُعَلِّق عليه، قال المؤلف: هذا برهان باهِر على توحيد الألوهِيَّة، الإله الحق لا بدّ من أن يكون خالقاً فعالاً، يُوصِلَ عابِدَه للنَّفْع، فهو الذي خلق وهو الذي يتصرَّف، يُعْطيك الخير ويصْرف عنك الشرّ، وهو الذي ينبغي أن تعْبده، وعَمَلِياً فالناس يعْبدون الذي يتَوَهَّمون أنه ينفعهم، ويصْرف عنهم الشرّ، فإذا اعْتَقدوا أنَّ الله وحده هو الذي ينفع ويضرّ كانوا مِمَّن وحدُّوه، وإن اعْتقدوا أنَّ جِهَةً أخرى هي التي تنفعهم فقد أشْركوا .
الآن أقول افْتِراضاً: لو كان مع الله تعالى إلهٌ آخر يُشْرِكُهُ في مُلْكِه لكان له خلْقٌ وفعْل وأمْر، فمِن أين جئْتُ بِهذا الكلام؟ من قوله تعالى: ﴿ مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴾
[ سورة المؤمنون: 91 ]
وحينها لا يرضى تِلك الشَّرِكة، وإن قدَرَ على قهْر ذلك الشَّريك، وتفرَّد بالمُلْك لَفَعَل! حينما كانت إسبانيا تابِعَة للمُسْلمين كانت مملكة واحدة، فلما أصْبَحَت ممالك، فلو أنَّ واحداً من هؤلاء المُلوك قَدَر على أن يُسَيْطر على الجميع لَفَعَل، ولما لم يقْدر فإنه يسْتَقِلّ بِمُلْكِه، حتى صارت الأندلس ملوكاً و طوائف، يقول الإمام الطحاوي: ما الذي يحْصل لو أنَّ في الكون آلِهَةً أخرى؟ قال: إما أن يذْهب كُلّ إلهٍ بما خلق، وإما أن يعْلوَ بعضهم على بعْض كما قال الله عز وجل، وإما أنْ يُقْهَروا جميعاً، والله عز وجل هو الذي قَهَرَهم، فهم كُلهم مُزَيَّفون! فهذا دليل آخر من كتاب الله على أنَّ لهذا الكون إلهاً واحداً، ففي الدرْس الماضي عرفنا أنَّ لهذا الكون خالقاً واحداً، أما في هذا الدرْس فعرفنا أنّ للكون خالقاً واحِداً، وإلهاً واحِداً، هو الله تعالى، فهو الخالق الإله، قال : إما أن يذْهب كُلّ إلهٍ بما خلق، وإما أن يعْلوَ بعضهم على بعْض، وإما أن يكونوا تحت قَهْر إلهٍ واحِد، يتصرَّف فيهم كيف يشاء، ولا يتصرَّفون فيه، بل يكونون مَرْبوبين، وعبيداً مَقْهورين من كلّ وجْه . انتظام العالم وإحكام أمْره من الأدلةِ القاطعة أنَّ إلهه واحد وله ربٌّ واحد :
ما الذي يُؤَكِّد أنّ لهذا الكون إلهاً واحِداً؟ أما قال الله عز وجل :
﴿ مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴾
[ سورة المؤمنون: 91 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/5392/03.jpg
لو كان للكون آلهة مُتَعَدِّدَة لكان لكلّ إله نِظامه، ودينه، وأنبياؤه، ولرأيْتَ التَعَدُّد، أو لرأيْت الصِّراع، فإن لم ترَ هذين، بقِيَ أن نقول: إنَّ لِهذا الكون إلهاً واحِداً، لذلك يقول صاحب العقيدة الطحاوِيَّة: وانتِظام أمر العالم كلِّه، وإحْكام أمْره، وتدْبير أمْره، من أدَلِّ الأدلة على أنَّ مُدَبِّرَهُ واحد، فأنت أحْياناً تدْخل إلى مُسْتشْفى، أو إلى مدْرسة، أو مُؤسَّسة، تشْعر بالفِطْرة أنّ مُسَيِّراً واحِدا هو المُخَطِّط،وأمْره نافذ في كل هذه المؤسَّسة؛ دوام منتظم، والأعمال والمحاسبات دقيقة، وكلٌّ يجرب بانتظامِ، فالمؤسَّسة تدلُّك على أنَّ مديراً واحِداً بِيَدِهِ كُلّ شيء، لكن لو تنازعوا السلْطة لكانت هناك حرب أهْلِيَّة، قَتْلٌ وضحايا، وعدم اسْتِقرار، لذلك انتظام العالم، وإحكام أمْره من الأدلةِ القاطعة أنَّ إلهه واحد، وله ربٌّ واحد، ولا إله للخلْق غيره، ولا إله لهم سِواه.
كما أنّ دليل التمانع اسْتخدمْناه في توحيد الربوبيَّة، فلنسْتخدم الآن كذلك دليل التمانع أيْضاً في توحيد الألوهِيَّة، وهذه الآية اِعْتَبِرْها أساسِيَّة: ﴿ مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴾
[ سورة المؤمنون: 91 ]
قال أحد العارفين بالله تعالى: والله لو تشابهت ورقتا زيْتون لما سُمِّيتَ الواسِع. الخَلْق مُتَنَوِّع، إلا أنَّ هناك وَحْدة، الذي يلْفت نظري أنّ معمل أدْوِية في بريطانيا مثلاً، ويتناول هذه الحبوب إنسان بأُسْتراليا، أو في أيِّ مكان من العالم فَيَسْكُنُ ألَمُه، على أيّ شيء اعْتَمَدنا؟ أليس هناك بُنْية واحدة للبشر؟ لولا أنَّ هؤلاء الناس جميعاً مُصَمَّمون تَصْميماً واحِداً في أعْصابهم لما نفع الدواء، فالطبيب مثلاً يقْرأ علمه على جثَّة واحدة للإنسان، وكل طبيب في العالم يدْرس الأبعاد نفْسها، التصاميم وبُنْية الأبعاد نفسها، هذا دليل على عدم التَّعدد في الخَلْق، بل هناك وَحْدة وانْتِظام، والعالم كلَّه تجْري به سنن واحدة، فانتظام العالم، وإحكامِهِ دليلٌ على أنَّ له إلهاً واحداً . العالم يفْسد بتَعدُّد الآلهة ولا يصْلح إلا أن يكون له إله واحد هو الذي خلق هذا الكون :
آيةٌ ثانِيَة لا تقلّ عن الأولى أهَمِيَّةً، وهي قوله تعالى:
﴿ مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴾
[ سورة المؤمنون: 91 ]
و(إلا) هنا خرجَتْ عن معناها الذي تعرفونه، فهي ليْسَت أداة اسْتِثناء، لو كانت للاسْتِثناء لفَسَدَ المعْنى؛ ولكان المراد : لو كان فيهما آلهة ليس الله معهم، أما المعنى هنا في هذه الآية: لو كان فيهما آلهة غير الله لفَسَدَتا، فالفساد شيء، وعدم الخلْق شيء آخر، فتوحيد الربوبيَّة يعني استحالةَ وجود خالِقَين لهذا الكون، لكن توحيد الألوهِيَّة: أن لو كان لهذا العالم خالق واحِدٌ، وله آلهة أخرى لفسدتا! فالفساد بعد الوُجود، وهذا الوُجود لا يُعْقل إلا أنْ يكون له إلهٌ واحِد، لكن بعد الوُجود لو أنَّ له آلهة مُتَعَدِّدة لَفَسَد الكوْن، لم يقل لن يوجَدا، إنَّما قال: لَفَسَدتا، لو كان المقصود توحيد الربوبيَّة لقال لم يوجَدا، لكنه قال: لفسدتا، ودرسْنا بالتمانع إرادَتَيْن مُتناقِضَتَيْن، إذاً لا يجوز أن يكون في الكون آلهةٌ مُتَعَدِّدة، بل لا يكون الإله إلا واحداً، وينبغي أن نعتَقِد أنَّ الآية الثانيَة تُكَمِّل الأولى في هذا المعنى، فهناك فكرتان: يجب أن يكون هناك إلهٌ واحد، ويجب أن يكون هذا الإله الواحد هو الذي خلق، وهو معنى قول الله عز وجل: ﴿ مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴾
[ سورة المؤمنون: 91 ]
ويُسْتفاد من هذه الآية معلومتان دقيقتان: العالم يفْسد بتَعَدُّد الآلهة، ولا يصْلح إلا أن يكون له إله واحد، هو الذي خلق هذا الكون. توحيد الألوهيَّة مُتَضَمِّن توحيد الربوبيَّة و ليس العكس :
أمّا الفكرة التالية، أنّ توحيد الألوهيَّة مُتَضَمِّن توحيد الربوبيَّة، وليس العكْس، بِمَعنى أنَّ الإنسان لو اعْتَقَد أنَّ لهذا الكون إلهاً واحداً، فَمِن لوازم الألوهِيَّة أنَّه هو الذي خلق، وله خالق واحدٌ هو الله عز وجل، فإذا اعْتَقَدْتَ بِتَوْحيد الألوهِيَّة اِعَتْقَدْتَ بِتَوحيد الربوبيَّة ضِمْناً، فلو أنَّك اعْتَقَدْتَ أنَّ لِهذا الكون خالِقاً واحداً ربَّما اعْتقدْت أنَّ زَيْداً أو عُبَيْداً بِيَدهما الأمْر، لذلك كما قال تعالى:
﴿ إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾
[ سورة يونس: 24 ]
ظنّ أهلها أنَّهم قادِرون عليها فأشْركوا، سَمِعْتُ أنَّ الاتِّحاد السوفيتي كان يمْلِك من القنابل الذريَّة ما يُدَمِّر العالم خمْس مرَّات، ومع ذلك تداعى كَخيوط العَنْكبوت! فهذا من آيات الله الدالة على عظَمَتِه. من اتجه لغير الله فقد أشرك و الشرك من أكبر أنواع الظُّلم للنَّفْس :
ننتقل إلى موضوع آخر ولا زِلنا في موضوع الألوهِيَّة، وهو أنَّ توحيد الألوهِيَّة هو توحيد الحقيقة، وتوحيد الحقيقة يوجب عليك أن تعتقِد أنَّ لِهذا الكون إلهاً واحِداً، وينبغي أن تتَّجِهَ إليه وحْده، ويعني أن تعْتقِد أنَّ لهذا الكون إلهاً واحِداً ومُسَيِّراً واحِداً، فَيَجِبُ أن تتَّجِهَ إليه وحْده، وتعتقد وحْدانِيَّته في الألوهِيَّة، وأن تتَّجِهَ إليه وحده في العبوديَّة، فَكَلِمَة (إله) تعني شيْئين: تعني المُسَيِّر الذي بِيَدِه الأمْر، والمعبود معاً، فالذي بِيَدِه الأمْر حقيقة، والمعبود، طلب منكَ أن تعرف هذه الحقيقة، وأن تتَّجِه إليه، والدليل قوله تعالى:
﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ ﴾
[سورة فصلت: 6]
فإذا اتَّجَهْت لغيره فقد أشْرَكْتَ، والشِّرْك من أكبر أنواع الظُّلم للنَّفْس، ذَكَرْتُ لكم من قبل مثل؛ أنَّه لو أراد شخصٌ أن يركب قِطاراً إلى حلب، وله في هذه المدينة مَبْلغٌ كبير جداً، ذهَبَ لِيَأخذه بالكمال والتَّمام لِمُجَرَّد الوُصول إلى هذه المدينة، لكنه قد يركب في قِطار حلب ويقع في أخْطاء كثيرة، كلَّ هذه الأخطاء تُغْفَر، قد يجْلس في مَرْكبة من الدرجة الثالثة مع أنّ بِطاقته من الدرجة الأولى، وقد يتلوى جوعاً، ولا يعْلم أنَّ في القِطار مَرْكبة تُعْطي الطعام، فيُمْضي الوقت كلَّه وهو جائِع، قد يخْتار مرْكبة فيها شباب يُقْلِقون راحته، وقد يختار مرْكبة مقعدها عكْس اتجاه القطار، فهذه كلَّها أخطاء، إلا أنَّهُ في النِّهاية يَصِل إلى مكانه المَقْصود، ويأخذ مبْلغه الكبير، لكن هناك خطأٌ لا يُغْتَفَر، وهو أن يركب قِطاراً متجهاً إلى مدينة درْعا، ظنًّاً منه أنَّه متوَجَّه إلى حلب، فهذا خطأ لا يُغْتفر، فالخطأ الكبير أن تتَّجِه إلى لا شيء، وهذا هو الشِّرْك، أن تتَّجِه لِغَيْر الله تعالى، وأن تعقِد الأمَل على غير الله تعالى، وأن ترْجُوَ غير الله، وأن تسْترزق غير الله، وأن تطلب الرحْمة من غيره، لذلك قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا ﴾
[سورة النساء: 116]
القرآن الكريم بِكُلّ سورِهِ وآياته لا يزيد على أن يكون خبراً وطلباً :
قد يقول أحدكم: لمَ لا يغْفر الله عز وجل؟ فهذا تحْصيل حاصِلٍ، فإذا توجَّه الإنسان لِغَيْر الله، ولم يؤمن بالله، ولم يعْتقد أنَّه هو الفعال، فكيف يُرْزق؟ فهذا قد ارْتَكب خطأً مصيريًّاً، وهذه آيةٌ قرآنيَّة تلْفتُ النَّظر، قال تعالى:
﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾
[سورة الأنعام: 115]
حار العلماء في تفْسير هذه الآية ! فيها كلمتان؛ هما صدقًا وعدلاً، فالخبر صادق، والأمر عادلٌ، قال بعضهم: القرآن الكريم بِكُلّ سورِهِ وآياته لا يزيد على أن يكون كلمتين: خبر وطلب، فهو تعالى أخبرك أنَّهُ إلهٌ واحد، وأَمَرَك أن تعبدهُ، قال تعالى: ﴿ فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُون ﴾
[سورة المؤمنون: 32]
خمسةُ أنبياء قالوا هذا الكلام، خبره صادق وأمْره عادِل، قال تعالى : ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾
[سورة الأنعام: 115]
لذلك غالب سور القرآن الكريم مُتَضَمِّنَة لِنَوْعَي التَّوْحيد، فالقرآن إما خبرٌ عن الله تعالى، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، وهو التوحيد العِلمي، وإما دعْوةٌ إلى عبادته وحْده لا شريك له، وخَلْعُ ما يُعْبد من دونه، وهو توحيدٌ عَمَلي، فأنت بين توحيدين : عِلْمي أو عَمَلي، وهذا هو الدِّين كلُّه، فلو أردْتَ أن تضْغط الدِّين لما وجَدْتَهُ يزيد عن هذين التوْحيدين، قال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾
[ سورة الأنبياء: 25 ]
إن شاء الله ننتقل في درْس آخر إلى متابعة هذا الموضوع في توحيد الألوهيَّة، يتم لنا إنجاز فقرات هذا الكتاب، وأرْجو الله سبحانه وتعالى التوفيق لنا ولكم جميعاً.

السعيد 09-15-2018 01:20 PM

رد: العقيدة الطحاوية
 
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية - العقيدة الطحاوية

الدرس : ( الثالث )

الموضوع : القرأن كلة توحيد





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه، وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
التوحيد مرْحلتان؛ مرحلة في الإثبات والمعرفة والثانية توحيد في الطلب والقصْد :
أيها الأخوة المؤمنون، لا زلنا في موضوع التوحيد؛ توحيد الألوهِيَّة، وبعد أن تحَدَّثنا في دروس سابقة عن توحيد الربوبيَّة، وقد اتَّضَح لكم أنَّ توحيد الربوبيَّة ليس مُشكلةً على مُسْتوى الناس جميعاً، لأنَّه ما من واحِدٍ حتى لو كان يعْبَدَ صَنَماً إلاّ ويقول: لا نعْبدهم إلا لِيُقَرِّبونا إلى الله زُلْفى، قال تعالى:
﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ ﴾
[ سورة الزخرف: 123 ]
فَنَحن في توحيد الألوهِيَّة نُعاني من الشِّرْك الخفيّ، حينما تشْعر أنَّ جِهَةً بِإمْكانها أن تنْفعك أو تضرَّك فقد وَقَعْتَ في الشِّرْك الخفي، وفي شِرْك الألوهِيَّة.
ثم إن توحيد الألوهِيَّة يقْتضي شيئين: الشيء الأول أن تُوَحِدَّ الله سبحانه وتعالى مَعْرِفَةً وإثْباتاً، وأن تُوَحِّدَهُ طَلَباً وقصْداً، فأنت أمام مرْحَلَتَيْن هما: مرحلة المعرفة، ومرْحلة التَّوَجّه، فلو أنَّ الإنسان اكْتفى بالمعرفة لما اسْتفاد شيئاً من علمه، قال تعالى : ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ ﴾
[ سورة فصلت: 6 ]
أكبر مُنْزَلَق لِطالب العِلْم أن يتَوَهَّم أنّ العِلْم مَقْصودٌ بِذاته، لكنَّ الحقيقة أنّ العِلْم مقْصودٌ لغيره، فهو وسيلة، وليس غاية، لو وَحَّدْتَ الخالق، ولم تُوَحِّد الوِجْهة إليه، ونِيَّتَك له، فما وَحَّدْته، لذلك التوحيد مرْحلتان: مرحلة في الإثبات والمعرفة، والثانية توحيد في الطلب والقصْد. الآيات التي دَعَت إلى التوحيد في القرآن الكريم :
مؤلِّف الكتاب يقول: نوع التوحيد في المعْرفة ظهر في أوَّل سورة الحديد، وفي أوَّل سورة طه، وآخر سورة الحشْر، وأوَّل السَّجدة، وفي أوَّل آل عمران، وفي سورة الإخلاص، فَنَرْجو منكم أن تعودوا إلى هذه السُّوَر كما جاء في متْن هذا الكتاب، وأن تكْتَشِفوا هذه الآيات التي دَعَت إلى التوحيد في الإثبات والمعْرفة، قال تعالى:
﴿ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ﴾
[ سورة طه: 14 ]
والثاني التوحيد في الطلب والقصْد، وقد أتى على هذا النوع من التوحيد قوله تعالى : ﴿ قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ*لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ﴾
[سورة الكافرون: 1-2]
وقوله تعالى: ﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ﴾
[سورة آل عمران: 64]
القرآن الكريم كلَّهُ توحيد :
النقطة الدقيقة جداً أن ينقلك التوحيد الأوَّل إلى التوحيد الثاني، وعلى هامِش هذا الموضوع التَّفَكّر في آيات الكون، في الحقيقة هي جِسْرٌ ينبغي أن تنْقلك إلى الله تعالى، فكلُّ آيةٍ في جسْمك، أو طعامك، أو في الآفاق قد تنقُلُك إلى الله، فالعِبْرة، والمُعَوَّل عليه أن تصِلَ إلى الله تعالى، فلذلك: الطرائق إلى الخلائق بِعَدد أنْفاس الخلائِق، فالعِبْرة إذًا الوُصول، تَصَوّر أنَّ الوسائِل جِسْر، فالعاقل لا يبقى على الجِسْر، بل ينتقل من الجِسْر إلى الشطْر الثاني.
مُؤَلِّف الكتاب يرى أنَّ القرآن الكريم كلَّهُ توحيد؛ كيف؟ قال: إذا أخبر الله عن ذاته، وعن أسمائه، وصِفاته، وأفعاله، فهذا هو التوحيد العِلْمي، أما إذا دعا إلى عِبادته، وطاعته، وإخْلاص الوِجْهة له، والقصْد له، فهذا هو التوحيد العمَلي، وهناك توحيدٌ ثالث: هو التوحيد الإرادي، والطلبي، وهو أمْرٌ، ونَهْيٌ، وإلْزامٌ بِطاعَتِهِ، فهذا من لوازم التوحيد العملي؛ أن تأتَمِر بما أمَرَ، وتنْتهي عما نهى عنه وزجَر، وأن تُقيمَ شَرْع الله في كُلّ شؤون حياتك، وهذا التوحيد من لوازم التوحيد العملي، فإذا حَدَّثَك عن أهل الجنَّة ونعيمها، فهذه نتائِجُ التوحيد، توحيد علمي، وتوحيد عملي، ونتائج التوحيد، ولوازمه، فلو قرأتَ القرآن كلَّه فإنَّك لا تقرأُ آية تخرج عن هذا، أما إذا حَدَّثَك عن مصير الكفار في النار، فهذا من نتائِج عدم التَّوحيد، إذاً لا يخلو كتاب الله على إجْماله من آيات تُخْبرنا عن التوحيد العلمي، وأخرى تأمرنا بالتوحيد العملي، ولوازم التوحيد من أمْر ونَهْي، والنواهي هي التي تُبْعِدُ الإنسان عن التوحيد، ونتائِج المُوَحِّدين في الجنَّة، ونتائج المُشْركين في النار، لذلك القرآن كلُّه توحيد، ولهذا يتَّضِح قَوْل الأنبياء عليهم صلوات الله تعالى أنَّهم جاؤوا بالمَقولة الثابِتَة التي جاء بها الأنبياء جميعاً قال تعالى:
﴿ فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ ﴾
[سورة المؤمنون: 32]
وقال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾
[ سورة الأنبياء: 25 ]
ثم يأتي على هذا بِمَثَل فقال: الحمد لله رب العالمين توْحيدٌ، الرحمن الرحيم توحيد، مالك يوم الدِّين إخبار، إياك نعبد، وإياك نسْتعين توحيد عملي، اهدنا الصِّراط المستقيم، توحيدٌ مُتَضَمِّنٌ سؤالَ الهدايةِ إلى طريق أهل التوحيد، الذين أنعمْت عليهم، هؤلاء الذين وَحَّدوا، وغير المغْضوب عليهم، ولا الضالين هؤلاء الذين فارقوا التوحيد، إذاً فنحن مع آياتٍ عن التوحيد العلمي، وأخرى تأمرنا بالتوحيد العملي، ولوازم التوحيد مِن أمْرٍ ونَهْيٍ. الحياة الطيِّبة التي يحْياها المؤمن هي شهادة الله له أنَّ هذا القرآن كلامه :
الله جلّ جلاله يشْهد لِنَفْسِه أنَّهُ إلهٌ واحِد، والدليل قول الله عز وجل:
﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾
[سورة آل عمران: 18]
ذكرْتُ لكم مرَّةً أنَّ الله سبحانه وتعالى كيْفَ يشْهد لِهؤلاء الناس أنَّ هذا القرآن كلامه، الإنسان إذا شَهِد تَكَلَّم، وقال: أشْهد لك أنَّك فعلْتَ كذا وكذا، لكِنَّ خالق السماوات والأرض كيف يشْهد للناس أنَّ هذا كلامه ؟! ذَكَرْتُ وقْتها أنَّ الله سبحانه وتعالى يحيي المؤمن والمُسْتقيم على أمْرِهِ حياةً طَيِّبَة، وهذه الحياة الطَّيِّبَة التي يذوقها المؤمن هي مِصْداقٌ لِقوله تعالى : ﴿ مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾
[سورة غافر: 40]
فالحياة الطيِّبة التي يحْياها المؤمن هي شهادة الله له أنَّ هذا القرآن كلامه، لأنَّهُ وَعَد المؤمن بِهذه الحياة الطَّيِّبَة، وها هو ذا قد ذاقها! والحياة الضَّنْك والمعيشة الضَّنْك التي يعيشها المُعْرِض هي شهادة الله لِهذا الإنسان أنّ هذا القرآن حق، فهذه المعيشة الضَّنْك التي يذوقها المُعْرِض تُؤَكِّد أنَّ هذا القرآن كلام الله عز وجل، وقد أذاقه ما وعده به، قال تعالى : ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾
[سورة طه: 124]
الله عز وجل دائِماً يشْهد للإنسان أنَّهُ إلهٌ واحد :
يا أيها الأخوة الكرام، ينبغي أن تقِفوا قليلاً عندما يقول الله عز وجل : "شَهِدَ الله "، فالله تعالى لا تُدْركه الأبصار، فكيف يشْهد لنا أنَّهُ إلهٌ واحِد؟ هذا سؤال؛ قال بعض العارفين: عرفتُ الله من نقْض العزائِم، فالإنسان يُدَبِّر، ويُخَطِّط، ويُهَيِّئ الأسباب، ولأهون الأسباب تتحَطَّمُ كلّ خِططه وآماله، فالله عز وجل فضْلاً على أنّهُ ذَكَّرنا بالقرآن الكريم أنَّه كتابه، وفضْلاً على أنَّهُ قال: فاعلم أنَّه لا إله إلا الله، لو نَظَرْتَ إلى أفعال الله لوجدتَ أنَّها تشْهد كلَّها أنَّهُ إلهٌ واحد، فما من إنسان يعْتدّ بِنَفْسه، ويعْزو القوَّة لذاته إلا نَقَضَ الله عزيمته، والشواهد كثيرة جداً، فهذه المَرْكَبَة التي أطْلَقوها إلى الفضاء وسَمَّوْها المُتَحَدّي، بعد سبعين ثانِيَة فقط أصْبحَتْ كتْلة من اللَّهَب! وتلك الباخرة التي قالوا عنها: إنَّ القَدَر لا يسْتطيعُ أن يُغْرِقَها، في أوَّل رحْلَةٍ لها غَرِقَت، وهي من أعْظم البواخر التي صُنِعَتْ وقْتها، فالله عز وجل دائِماً يشْهد لنا أنَّهُ إلهٌ واحد، وأقرب مثلٍ نفْسك، كلَّما قلْتَ: الله تولاك بالرِّعاية، فإذا قلتَ: أنا تَخَلَّى عنك لأنّ الأمر بِيَدِه، أحياناً هذا الإنسان القويّ يتساهل بلا سَبب! وينتقِم بلا سبب، فالله هو الآمرُ، كما في حديثِ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّم:
((كَانَ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ وَطَاعَتِكَ فَقِيلَ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ عَفَّانُ فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ إِنَّكَ تُكْثِرُ أَنْ تَقُولَ يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ وَطَاعَتِكَ قَالَ وَمَا يُؤْمِنُنِي وَإِنَّمَا قُلُوبُ الْعِبَادِ بَيْنَ أُصْبُعَيِ الرَّحْمَنِ إِنَّهُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُقَلِّبَ قَلْبَ عَبْدٍ قَلَّبَهُ ))
[أحمد عن عائشة ]
شهادة الله عز وجل تعني العِلْمَ والمعْرفة والتَّكلّم والإعلام والإلْزام :
ثم دَعْكَ من التوحيد في القرآن الكريم، ولننتقل إلى أفعال الله سبحانه، فلو تأمَّلْتَ أفعال الله عز وجل لرأيْتَ أنَّها كلَّها تنْطق بالتوحيد، وهذا معنى قول الله تعالى :
﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾
[سورة آل عمران: 18]
فالأسباب أحْياناً تتخَلَّف، وتقع الأشياء بلا أسباب، أو دون أسباب تقع الأشياء، فقد تجد نتيجة من دون سبب، وقد تجد سبباً ولا نتيجة له، ماذا يعني هذا؟! أنَّ الأمْر بِيَدِ الله، إلا أنَّنا نحن بِنَظْرةٍ قاصِرَة نجد أنَّ هذا الشيء سبب لِهذا الشيء، فالسَّبب والمُسَبِّب ترافقا، وكان أحدهما قبل الآخر فَسَمَّيْنا نحن اصْطِلاحاً: الأوَّل سبب، والثاني نتيجة، لكنَّ الأسباب وحْدها لا تسْتطيع أن تخلق النتائج، ولذلك قال علماء التوحيد: عندها لا بها! أي عند مشيئة الله لا بالقدرة التي أودِعَتْ في الأشْياء، فالنقْطة واضِحَة؛ كيف أنَّ الله تعالى يشْهد بأفعاله أنَّه لا إله إلا هو، والمؤلِّف يرى أنَّ شهادة الله عز وجل تعني العِلْمَ، والمعْرفة، وتعني التَّكلّم، والإعلام، وتعني الإلْزام، فإذا قرأتَ القرآن الكريم، وقرأتَ الآيات المُتَعَلِّقة بالتوحيد لَوَجَدْتَ بعضها أنَّ الله تعالى يشْهد، وبعضها أنّ الله تعالى يقول، وبعضها أنَّ الله يُخْبرنا، ويأمرنا. الإعلام نوعان؛ إعلام بالقول و إعلام بالفعل :
والإعلام كما تعلمون هو إعْلامٌ بالقول، وإعلام بالفِعْل، أحياناً يتكلَّم بشيء يُقرّه دون أن يسأله أحد، فالإنسان يتكلَّم، ويٌقِرّ، ويعتقد، ويُعْلِم، ويأمر، فأنت قد تُعْلم دون إلزام، لكنَّك إن ألْزَمت فقد أمرْتَ، ما الفرق بين القاضي والمُفْتي؟ الفرق الدقيق أنّ القاضي يحْكم والمُفتي يحْكم إلا أنَّ القاضي أمْرُهُ مُلْزِم، وأما المُفتي فأَمْره غير مُلْزِم، وعليه فهناك عِلْمٌ، وهناك إقْرار، وهناك إعلام، وهناك أمْرٌ، قال تعالى:
﴿ وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ ﴾
[سورة الزخرف: 19]
هذه مرْتبة التَّكَلّم، فالإنسان بعدما يُعْلم يتكلَّم إلا أنَّهُ لا يلزم، والإعلام كما قلت قبل قليل: إعْلام بالقَوْل، وإعْلامٌ بالفِعْل، لو فرضْنا أنَّكم رأيْتُم على هذه السبورة أنَّهُ ستكون في الدَّرْس التالي مذاكرة، وكتبتُ ذلك على السبورة، ثمّ في الدرْس الثاني ما تَكَلَّمْتُ ولا كلمة، ووزَّعْتُ الأوْراق، ولم أقل مُذاكرة! فهذا أمرٌ بالفِعْل، وربُّنا عز وجل يُعْلِمُنا في كتابه الكريم، وحينما يُهْلِكُ الأقوام التي كفرَت، والذين أرادوا إطْفاء نور الله عز وجل، فهذا هو الإعلام بالفِعْل. العلم و الإقرار و الإلزام :
لدينا شيءٌ آخر، وهو أنَّ الأمْر ـ كما قلتُ قبل قليل ـ قد تأمر، ولا تُلْزِم، وقد تأمر وتُلْزِم، قال تعالى:
﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا ﴾
[سورة الإسراء: 23]
معنى قضى أيْ حَكَم، إلا أنَّه مع الحكم نَهْيُ عن عبادةِ غيره، وهذا أمْرٌ ضِمْني أن تعْبده وحْده، قال تعالى: ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ﴾
[سورة البينة: 5]
وقال تعالى: ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾
[سورة التوبة: 31]
إذاً هناك عِلْمٌ، وهناك إقرار، وهناك إقرارٌ قوْلاً وفِعْلاً، وهناك إلزامٌ، وكُلُّ هذه المعاني ورَدَت فيها آيات كريمة تُؤَكِّدها . النقل و العقل :
الشيخ الطحاوي ـ رحمه الله تعالى ـ يقول: لا ندْخل في ذلك مُتأوِّلين بِآرائِنا، ولا مُتَوَهِّمين بأهوائنا، فإنَّه ما سَلِمَ في دينه إلا من سلَّم لله عز وجل ولِرَسوله، فالإنسان أحْياناً يتأوَّل بِرَأيِه، وهو أخطر شيء في الدِّين، أنْ تجعل رأْيَكَ هو الدِّين، فإن كنت كذلك فلسْتَ من المؤمنين، ولكنك من أهْل الرأي، ومَن هم أهل الرأْي؟ هم الذين اعْتَقدوا رأياً، وبدؤوا يبْحثون عن المُؤيِّدات، فالنَّص الذي يُؤَيِّدُ قولهم يقْبَلونه، ولو كان ضعيفاً، والنَّص الذي ينقض رأيهم يرْفضونه ولو كان صحيحاً، فَدِينهم رأْيُهم، فالنَّص إمّا أن يكون هو الأصْل، وأنت تأخذ عقيدتك عندئذٍ من هذا النَّص الصحيح، وإمّا أن تسْتَخْدِم النَّص لتأييد رَأْيِك، عندَئذٍ تختار ما يوافق هواك، فأخْطر شيء كما يقول الفلاسفة الفلْسفةُ الانتِقائِيَّة! أنت لك رأي مُصِرّ عليه فتَبْحَثُ في الآراء عن رأي يُؤَيِّدُك وترْفض الذي لا يُؤَيِّدُك، فالنَّقْل هو الأصْل.
قلتُ لكم سابِقاً: إنَّ هناك علاقة كبيرة جداً بين النّقْل والعَقْل، فالحقيقة أنَّ النَّقْل ما جاءَنا عن الله عز وجل وَحْياً مَتْلُوًّاً، وما جاءنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم غير مَتْلوّ، فالنَّقْل هو القرآن، وما صحَّ من سنَّة النبي عليه الصلاة والسلام، أما العقْل فهو مِقْياس أوْدعه الله فينا، والواقع خلْق الله عز وجل، والفِطْرة بُنْيَة نفْسِيَّة تكْتشف الخطأ بها، ومن البَديهي أن يتوافق النَّقْل مع العقْل، وأن تتوافق الفطرة مع الواقع، وأن يتوافق الجميع، ولكن نبْدأ بِعَلاقة العقْل والنَّقْل فالعَقْل في الأصل لِفهْم النَّقْل، وله دَوْران: دَوْرٌ قبل النَّقل، ودَوْر بعد النَّقْل، أما الذي قبل النَّقل فالتَّحقُّقُ مِن صِحَّة النقل، أنت بِعَقلك تُمَحِّص الأحاديث، وتختار الصحيح، وتقف مَوْقفاً مترَدِّداً من الضعيف، وتقبل الحَسَن في الأحكام الشَّرْعِيَّة، وتجعل المتواتر في العقائِد الفِكْرِيَّة، فأنت اسْتَخْدَمْتَ عقْلك، فهو للتأكد من صِحَّة النَّقْل، ولفَهْم النَّقْل، أما أنْ يُسْمَحَ للعقل أنْ يتحَكَّم بالنَّقْل، فَيَقْبل بعضه ويرفض بعضه الآخر، فأنت هنا جعلْت العقل هو الأصل، والنَّقل هو الفرع! وهذا مُخالفٌ لما عليه جُمْهور العلماء، لذلك لا يُحْتَكَمُ إلى العَقْل، بل يُحْتَكَمُ إلى النَّقْل، لأنّ العقل قاصِر، وقد يفْشل، وقد ذَكَرْتُ لكم أنّ الأمر الإلهي كلَّما ازْداد وُضوحاً وطَبَّقْتَهُ ضَعُفَتِ العبادة في هذا التَّصْديق، وكلَّما كان غامِضاً، وبادَرْتَ إلى تصْديقهِ، ازْدادَتْ عُبوديَّتك لله تعالى، فأنت حينما تُنَفِّذ أمْراً، وأنت أمام آمِرٍ وأمْرٍ، فإذا كان الآمر عظيماً جداً، وذا كمالٍ مُطْلق، عندها تُبادِرُ إلى تَطْبيقه، ولو لم تجد في الأمْر الحِكْمة التي تبْحث عنها، وهذا يُمَثِّلُه مَوْقف سيّدنا إبراهيم عليه السلام في ذبح ابنه؛ وهناك مواقف عِدَّة لا تُعَدُّ، ولا تُحْصى، كُلّها وَفْق العقْل، والمنطِق، والواقع، والفِطْرة، فأنت إذا صدَقْتَ تكْتسِبُ محامِد كثيرة، أما إذا قيل لك: اِذْبَح ابْنك، وابنك نَبِيّ يسْعى معك، قال تعالى:
﴿ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ﴾
[ سورة الصافات: 102 ]
فهذا الأمر لا يُمكن أن يُقبل بِالعقل، ولا بالواقع، ولا بالفِطْرة، إلا أنَّ سيِّدنا إبراهيم لما قَبِل الأمْر أعْلنَ بِفِعْله هذا أنّه على أعلى مُسْتوى في العُبودِيَّة. كُلّ شيء أراده الله تعالى وقع وكلّ شيء وقع أراده الله تعالى حُكْماً :
الله تعالى أحْياناً يمْتَحِنُ الإنسان؛ يمْتَحِنُ عَقْلانِيَّتَهُ، وعُبودِيَّتَهُ، لو كان مُسْتقيماً اسْتِقامة تامَّة، وأتَتْهُ مُشْكلة بِحَسَب الآيات، والأحاديث، وعقلُك يرى أنه لا ينبغي أنْ تأتي، فأنت هنا تمتحن للعبودِيَّة، فهل أنت موقِن أنَّ هذا الفِعْل فِعْلُ الله؟! وهل هناك مَخْلوقٌ يسْتطيع أن يفعل شيئاً ما أراده الله تعالى؟! طبْعاً، لا يُمْكن أن يفعل مَخْلوقٌ شيئاً ما أراده الله تعالى، ومعلومٌ عندكم أنَّ كُلَّ شيء أراده الله تعالى وقع، وكلّ شيء وقع أراده الله تعالى حُكْماً، فأنت إذا رأيْتَ شيئاً وقع فالله تعالى أراده، لأنَّهُ وقع فقد أراده، وإذا أراده وقع حَتْماً، ألا تعلمون أنَّ مشيئة الله وقدرته مُتَعَلِّقة بالحِكْمة المُطْلقة؟! ألا تعلمون أنَّ حكمته المُطْلقة مُتَعَلِّقة بالخير المُطْلق؟ لذلك فالإنسان حينما يُوَحِّد يسْتريح، فما دام هذا الشيء وقع فالله تعالى أراده، ولذلك فالتوْحيدُ يُعطيك طُمأنينة ما بعدها طُمأنينة، والإيمان بالقدَر نِظامُ التَّوحيد، وهو يُذْهِبُ الهمّ والحَزَن، فحينما تُبادِر إلى تطبيق أمْر الله عز وجل قبل أن تعْرف حِكْمته فهذا ارْتِفاعٌ في مُسْتوى عُبودِيَّتِك، وحينما تُعَلِّق التطبيق على فهْم حِكْمة الأمر، فهذا ضَعْفٌ في عُبوديَّتِك، والأمثلة كثيرة على ذلك، بل إنَّ النبي عليه الصلاة والسلام حينما وَقَّع صُلْح الحُدَيبِيَة، فيا ترى كيف وَقَّعَهُ؟ بأمْرٍ من الله تعالى، فالظاهِر من هذا الصلح شُروط مُهينة، وسيِّدنا عمر احْتار في أمْره، وغَلَتْ في نَفْسِهِ الحَمِيَّة والغيرة على الدِّين، وسيِّدنا الصِدِّيق كان أعلمَ منه، فقال له: اِلْزم غِرْزه، فإنَّهُ عبْد الله تعالى ورسوله، لذلك أيها الأخوة قد يأتي الشيء على غير المُراد، وهو معنى قوْل النبي الكريم لما دخل إلى بيْت أبي السائِب وقالتْ امْرأةٌ : هنيئا لك أبا السائب، فقد أكرمك الله ! فقال: وما أدراكِ أنّ الله تعالى أكْرَمَهُ؟ قولي: أرْجو الله تعالى أن يُكْرِمَهُ، وأنا نبيٌّ مرْسَل، لا أدْري ما يُفْعَل بي ولا بكم، هذا من عُبودِيَّة النبي عليه الصلاة والسلام، فلو قال الإنسان: أنا مُسْتقيم، ولا يُمْكن أن يُصيبني شيء يسوؤني فهذا فيه سوءُ أدَبٍ مع الله عز وجل، فما دُمْتَ عَبْداً لله فأنت في قبْضة الله، وعليك أن تُطيعَهُ، أما أن تُلْزِمَهُ فهذا ليس من شأن العَبْد المُطيع لله عز وجل .
معنى اسم المؤمن :
أردتُ بهذا الدرْس أن نكْتشف أنَّ الله سبحانه وتعالى من أسْمائِه المؤمن، هل الله تعالى مؤمن؟ الإنسان مؤمن، أما الله تعالى من أسْمائِه المؤمن، قال بعض العلماء: إنَّ معنى هذا الاسم يعني أنَّ الله تعالى إذا أرْسَلَ أنبياءه ورسله يسوق الحوادِث التي تَحْمِلُ الناس على الإيمان به، فهو يُؤَكِّد بأفعاله أقوالَه، فأفعاله حينما تؤكِّد فحْوى دَعْوة رسله فكأنَّهُ بهذا التوضيح حمل الناس على الإيمان بِدَعْوتِه، هذا من معاني مؤمن، لأنَّك أحياناً تجد من يُنفق من ماله، واللهُ تعالى يُضاعفه له أضْعافاً كثيرة، وتقرأ في القرآن الكريم:
﴿ قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ﴾
[سورة سبأ: 39]
لكنّك حينما ترى زَيْداً أو عُبيداً يُبارك لهم الله في الحلال تشْعر بالتطبيق العملي، قال تعالى في القرآن: ﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ﴾
[سورة البقرة: 276]
وترى ذلك المحق فيمن أرْبى، فالله تعالى من أسمائِه المؤمن وهو تعالى حَمَلَك بِما رأيته للإيمان به تعالى، هذا معنى اسم المؤمن. الإنسان لا يشعر بِحَلاوة الإيمان إلا بِتَوْحيد الألوِهيّة :
مِحْور الدرْس اليوم أنَّ الله سبحانه وتعالى فضْلاً عن شهادته بالقرآن أنَّهُ لا إله إلا الله، يشْهد لك بأفعاله أنَّهُ لا إله إلا الله، فأفْعالهُ تدلّ على وَحْدانِيَّتِه، فلو قال الطبيب للمريض: لا فرار مِن مرضك، فهو حَسَمَ المسألة، ثمَّ شفاه الله تعالى، فَلِسَبب أو لآخر نمَّى الله عنصر الشّفاء حتى نهض من مرضه .
من هم المُوَحِّدون، أو الذين يتبوؤن قِمَم التوحيد؟ هم الأنبياء، ومَن هم أشدّ منهم توْحيداً؟ الرسل، ومن أشدّ مِن هؤلاء توحيداً؟ أولو العزْم من الرسل، ومن أشدّ من هؤلاء توحيداً؟ النبي وإبراهيم عليهما الصلاة والسلام، والدليل قوله تعالى :
﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ﴾
[سورة الأنعام]
فالعلماء يقولون الخليلان: خليل الله سيّدنا إبراهيم، والخليل الثاني هو محمّد بن عبد الله، هما في قِمم التوحيد، لذلك يقول عليه الصلاة والسلام: (( لا يرجون عبد إلا ربه، ولا يخافن إلا ذنبه ))
[ مسند الفردوس عن علي بن أبي طالب ]
إنّ توحيد الألوهِيَّة ضعيف عند بعض الناس، وإنّ توحيد الربوبِيَّة قاسِم مُشْترك، لذلك يؤمن الإنسان أنَّ لهذا الكون خالِقاً، لكنه معذّب في حياته، فهو يرْجو فلانًا، ويخاف عِلانًا، ويحْسب حساباً لِفلان، إلا أنَّك لا تشْعر أيها الأخ الكريم بِحَلاوة الإيمان إلا بِتَوْحيد الألوِهيّة، ولا تشْعر بالطمأنينة إلا حينما ترى أنَّ لِهذا الكون إلهاً واحِداً، وهو الذي يفْعل ما يشاء، فمشاعر المُوحِّد لا توصف، أوَّلاً: شُعور بالأمن، أمّا الخوف والقلق والحرمان فكلّ هذا أنت مُعافى منه، والاتِّجاه مَرَّة لِزَيْد، وأخرى لِعُبَيْد مُعافى منه، أمْرك كلّه بِيَدِ الله عز وجل .
شارَفْنا على الانتِهاء من توحيد الألوهِيَّة، وسننتقل في الدرْس القادم إن شاء الله إلى موضوع : "ولا شيء مثله"، وإن شاء الله تعالى سنورِد الأدِلَّة والتفاصيل على هذه المَقولة .

السعيد 09-15-2018 01:30 PM

رد: العقيدة الطحاوية
 
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية - العقيدة الطحاوية

الدرس : ( الرابع )

الموضوع : الله سبحانة وتعالى ليس كمثلة شىء




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه، وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
العقيدة الصحيحة ينبغي أن تنطلق من كتاب الله وسنَّة رسوله :
أيها الأخوة المؤمنون، لا زلنا في درْس العقيدة، وننتقل إلى قول الإمام الطحاوي: "ولا شيء مثله".
في الحقيقة نُعيدُ ونُكَرِّر أنَّ العقيدة الصحيحة ينبغي أن تنطلق من كتاب الله وسنَّة رسول الله، وكلام الله سبحانه وتعالى في أعلى المُسْتويات من حيث المضْمونُ، ومن حيث الشَّكْلُ، فقد اتَّفق أهْل السنَّة على أنَّ الله تعالى "ليس كمثله شيء"، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، وإنّ الله جلَّ جلاله، له ذات، وله صِفات، وله أفعال، والذين أنكروا صِفاته فقد عَطَّلوها، والذين جَسَّدوها انْحرفوا، والذين فَوَّضوا تفْسيرها إلى الله عز وجل اِتَّبعوا، والذين أوَّلوها أرادوا أن يُقْنِعوا مَن جاء بعدهم مِمَّن حَكَّم عقْله في الآيات التي تتحَدَّث عن ذات الله عز وجل في القرآن الكريم، فهناك من أنْكر الصِّفات، وعُرفوا بالمُعَطِّلة، وهناك من جَسَّدها وهم المُشَبِّهَة، وهناك من فَوَّضَ تفْسيرها إلى الله عز وجل، وهناك من أوَّلها تأويلاً يليق بِكَماله.
في الحقيقة نحن مع الفريقين الأخِيريْن، الذين فَوَّضوا، والذين أوَّلوا، وربَّما كُنَّا بِحاجَة إلى التأويل، فإذا قلنا: إنّ الله سميعٌ، أي يعْلم ما تقول، وبصير يعلم ما تفْعل، وإذا قلنا: يدُ الله، أي قُدْرَتُه، وإذا قلنا: وجاء ربّك، أي وجاء أمْر ربِّك، وهكذا نُؤوِّل بما يليق بِكمال الله تعالى، أو نُفَوِّض حيث نقول: هذه الآية نُفَوِّضُ تأويلها إلى الله تعالى، نحن آمنَّا بالله عز وجل، والله تعالى أخْبَرَنا أنَّ لهُ سمْعاً وبَصَراً، نُفَوِّض إلى الله آية السَّمْع والبصر، أو أنَّنا نُفَسِّرهما بما يليق بالله عز وجل.
العقل البشري حينما خلقه الله جعل له حُدوداً لا يتَعَدَّاها وهذا مِن كمال الصَّنْعة :
يا أيها الأخوة، أنا مُضْطَرّ أن أعيد حقيقةً أساسِيَّة مُهِمَّة جداً، وهي أنّ العقل البشري حينما خلقه الله عز وجل جعل له حُدوداً لا يتَعَدَّاها، وهذا مِن كمال الصَّنْعة، فقد تصْنع ميزاناً وتكتب عليه: هذا الميزان يعْمل في دِقَّة بالغة إلى خمْسين كيلواً، فإذا حَمَّلْتَهُ فوق طاقته، فهذا الميزان يصاب بِالعَطَب، هل تتَّهِمُ الميزان أو صانِعَهُ؟ لا، بل أتَّهِمُ نفسي، فلو أنَّني حَمَّلْتُ عقلي قَضِيَّةً فوق العقْل، فلا أتَّهِمُ العقل بالقُصور، ولا أتَّهِمُ الصانِعَ بِصَنْعَتِه، ولكن أتَّهِمُ نفسي أنَّني كلَّفْتُهُ لِغَيْر ما خُلِقَ له، هذه فِكْرة دقيقة جداً، فالعقْل البشري لما أوْدعه الله في الإنسان أوْدعه من أجل أن نصِلَ به إلى الله، وفرقٌ كبير بين أن نَصِل به إلى الله وبين أن نُحيطَ بالله، الإحاطة بالله عز وجل من سابِع المُسْتحيلات! لقوله تعالى:
﴿ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ﴾
[ سورة البقرة: 255 ]
من أراد أن يصل إلى الله فالعقل يكفي أما من أراد أن يصل إلى ذات الله فالعقل يعجز :
وكما ورد في الجوهرة: الجهل بالله عين العلم به، والعلم به عين الجهل به، فإذا أردت أن تصل إلى الله فالعقل يكفي، أما إذا أردتَ أن تصل بِعَقلك إلى ذات الله تعالى؛ كيف خُلِق العالم مِن عدم؟ وكيف يعلم؟ فالعَقْل يعْجز، لذلك أكبر قضِيَّة نلْمَحُها في الجماعات الإسلاميَّة التي لم تتحَقَّق من عقيدةٍ صحيحة، هي الخلط بين مساحَةٍ مُخَصَّصة للأخبار الصادِقَة، ومساحةٍ مُخَصَّصة للمَعْقولات، أقول لكم دائِماً أيها الأخوة: يجب أن تُجيب عن سؤال أوَّلي؛ هل هذه القَضِيَّة مع المَعْقولات أو مع المَسْموعات؟ فإن كانت مع المَعْقولات فسَلِّطْ عليها عقْلك، ولا مانع، أمّا إن كانت مع المَسْموعات فالعَقْل لا دخْل له فيها إطْلاقاً! هي حَكَمٌ على العقْل، وليس العقل حَكَماً عليها، وليْسَت هذه الحقيقة التي أخْبرنا الله بها حَكَماً على العقْل، فأخْطر فِكْرة أن تكون قَضِيَّة مُتَعَلِّقة بذات الله، وهكذا أخْبرنا الله بها، أما إن أردْتَ أن تضَعَها على مِحَكِّ العقل؛ كيف يعلم الله عز وجل؟ وكيف أعْطاهُ اخْتِياراً والله تعالى يعْلم؟ فإذاً ينبغي ألاّ يعْلم، نكون بِهذا دَخَلْنا في متاهَةٍ لا تنتهي، نحن في الإخْباريات نتلقاها من الله عز وجل، ونُفَوِّض تفْسيرها، أو نُؤَوِّلها تأويلاً يليقُ بِكماله، أما في المعْقولات فلك أن تُحَكِّمَ عَقْلَك على هذه الحقائق، وسوف ترى لِهذا العَقل نتائِج باهِرَة جداً، ففي أيِّ نِقاش أو إلقاء مُحاضرة أو درس إياك أن تنقل قَضِيَّة من دائرة الإخباريات والمَسْموعات والتَّصْديق إلى دائِرَة التَّحْقيق.
قضايا الدين تصنف في ثلاث دوائر هي: المحسوسات والمعقولات والإخباريات :
قبل أن نمضي في هذا الدَّرْس أُحِبُّ أن أُحَدِّد بعض الاصْطِلاحات؛ الشيء الذي أخبرنا الله تعالى به فلك أن تُسَمِّيه الإخْبارِيَّات، أو المَسْموعات، أو المُسَلَّمات، أو دائرة الغَيْبِيَّات، أو التَصْديقات، فَكُلُّ هذه المُصْطَلحات مُؤَدَّاها واحد، أما الدائرة الأولى وهي دائرة المعقولات، أو المُشاهدات، أو الاسْتِدْلال، فالعقل مُرْتبط بهذه الأخيرة، أما الغيب فسبيل معْرِفَتِه الخَبَر، وذَكَرْتُ مَرَّةً دائِرَةً ودائِرَةً ودائرةً، دائِرَةُ الشُّهود أداتُها الوحيدة الحواس الخَمْس، ودائرة الغَيْب أداتها الوحيدة الخَبَر الصادِق، وهناك دائِرَة بين بين، وهي ما غابت عَيْنُهُ وبَقِيَتْ آثارُه، فالشُّهود عَيْنُ الشيء وآثاره، والغيب غابَتْ عَيْنُهُ وآثارُه، أما الدائرة التي بين بين غابَتِ العَيْن، وبَقِيَتْ الآثار؛ إذًا حواس، عَقْلٌ، وخبر، هذه النقْطة إذا اسْتَوْعَبْتُموها فلن يسْتطيع الإنسان بالنِّقاش أن يغْلِبَكم، فأيَّةُ قَضِيَّة إخْبارِيَّة الزِّيادة عليها ظَنِّيَّة، والله تعالى أعْطاك الحدّ المناسب، فلا تزدْ على النَصّ القرآني، ولا تزِد على النصّ النبوي، ذَكَرَ عن الجنّ بَضْعة آيات، فهي كافِيَة، أيُّ بَحْثٍ في موضوع الجنّ زِيادة على ما أخبرك الله به فهذا تطاول، وتنطّع، وليس موقِفاً علْمِياً، لأنّ الجن غابَتْ عنك عَيْنُ الجنّ وآثاره، ولم يبْقَ لك منه إلا الخبر الصادِق، فأيّ تسليطٍ للعقل على الخبر الصادِق اتِّهامٌ للمُخبِر، اِنْتَبِه فأنت حينما تُسَلِّط عقْلك على شيء أخْبَرَك الله به إنَّما تتَّهِمُ المُخْبِر وتتَّهِمُ الله عز وجل، لكن حينما تُعَطِّل عقْلك عن شيء دعاك الله تعالى إلى التَّفْكير به فأنت تعْصي ربَّك كذلك، قال تعالى:
﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾
[ سورة البقرة: 164 ]
فالتَّفكّر في الدائرة الوُسْطى، والإحْساس في الدائِرَة الأولى، والتَّصْديق في الدائِرَة الثالثة. عدم إحاطة المخلوق الحادث بالقديم :
الآن، إيَّاك أن تنقل قضِيَّة من مكان إلى مكانٍ، ففي هذا خطر! هذه قَضِيَّة مع الإخباريات فأجعلها مع العَقْلِيات! وأسَلِّط عليها عقلي، وأُمَحِّص والأسباب؛ كلّ هذا كلام فارغ! قال تعالى:
﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ﴾
[ سورة الإسراء: 85 ]
فهل يُمْكن لِمَخْلوق حادِث أنْ يُحيط بالقديم؟! وهل يُمكن لِنَمْلة على سطح جبل هيمالايا، وقد أوتِيَتْ إدراكاً لِتَحْصيل طعامها فقط، فهذه النَّمْلة هل بِإمْكانها أن تُحيط بالجبل؟! ومُكَوِّنات تُربته، وصُخوره، ووزْنِه، وحجْمه! هذا شيءٌ مُسْتحيل، فهذه الحقيقة إذا تَمَثَّلْتموها أيها الأخوة والله الذي لا إله إلا هو لشَعَرْتُم بِرَاحة لا تُقَدَّر بِثَمن .
ففي المحسوسات ربَّما اشْترك بعض المخلوقات معنا، وفي الدائرة الثانِيَة ينفَرِدُ بها الإنسان، والدائرة الثالثة ينْفردُ بها المؤمن . الحديث عن ذات الله هو من الإخباريات ونكْتفي بما أخبرنا الله به :
الحقيقة الأولى أنَّ الحديث عن ذات الله من الدائرة الثالثة؛ من دائرة الغَيْب، ما الخطأ الفادِح الذي وقع به المُتَكَلِّمون؟ أنَّهم نَقَلوا قضايا من دائرة الإخبارِيات إلى دائرة المَعْقولات، فبهذا كُلَّما جهِدوا في حَلِّ مُشْكلة ظَهَرَت لهم عشْرُ مُشْكلات! لذلك ورد في بعض الأحاديث أنَّ: "سرَّ القضاء والقدر ادُّخِرَ إلى يوم القيامة"، فقوله تعالى:
﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ﴾
[ سورة الإخلاص: 1-4 ]
أليس هذا الكون الذي أمامك يدلّ على عظمة ما بعدها عظمة؟ ألا يستأهل ربنا جل جلاله أن تُسلِّم له في قضِيَّة أخبرك عنها؟ وأذكر ذكر حادثة لِوَزير خارِجِيَّة دولةٍ مُتخَلِّفَة الْتقى مع وزير خارِجِيَّة دوْلة كبيرة بِمِقْياس العصْر، فسأله سؤالاً فأجاب عنه، فقال له: لي معلومات غيرها، فَطَرَدَهُ! فهذا إنسان وما تَحَمَّل، أعطاك معْلومات، وهو أكبر مِن أن يكذب، تقول له: عندي معلومات أخرى غير هذه! لذلك خالقُ الكون، وهو بِكُلِّ شيء عليم، ويقول لك في قوله تعالى: ﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ ﴾
[ سورة الأنعام: 148 ]
أخبرك بآيةٍ مُحْكمة وقَطْعِيَّة الدلالة أنَّ الإنسان مُخَيَّر، وأخبرك بِآيةٍ قطْعِيَّة الدلالة أنَّه يعْلم، ثمّ تقول: لا يعْلم! كيف هذا؟ أقول لك: هذا فوق طاقة البشر حتى الأنبياء عرفوا جانباً من عظَمَتِه! لكن لا يسْتطيع نَبِيّ ولا رسول أن يُحيط بالله تعالى، فالنُّقْطة الدقيقة في هذا الدرس أنّ الحديث عن ذات الله هو من الإخباريات ونكْتفي بما أخبرنا الله به، ودون أن تُسَلِّط عقلك في هذه الموضوعات، وإنَّ عدم تسْليط العقل على هذه الموضوعات هو قِمَّةُ العِلْم، فلا تظنّ أنَّهُ لا بدّ أن تعرف كُلَّ شيء، وإذا قلت: هذا الشيء ليس من اخْتِصاصي، فهذه علامة عِلْم وتواضع، وأنّكَ تعرف حجْمك الحقيقي، وأنَّك عبْد، أما حينما تجْلس وكأنّك تجْلس على مائِدَة مُفاوضات مع الله عز وجل، لماذا خَلَقْتَ؟ ولماذا لم تُعْلم؟ ولماذا ...؟ فالعبْد أحْياناً من دون أن يشْعر يضع نفسه نِداً لله ومُحاسِباً! والعياذ بالله، وهذا من ضَعْف الإيمان، ومن ضَعْف معْرِفَتِك بالله عز وجل، فشأنُ العبْد أن يسْتَسْلم. كمال الخلْق يدلّ على كمال التَصَرُّف :
هناك نقطة دقيقة جداً، وأرْجو الله تعالى أن أُوَفَّق في تذْليلها لكم، لأنَّها أساس الدرْس، لو كان هناك أبٌ له من العلم،، والحِكمة، والرَّحْمة، والقدرة، الشيء الكثير، وقد رأى ابنه منه ومن عطْفه ورحْمَتِه وحِكْمته الشيء الكثير، ثمّ جاء أمر من هذا الأب غير واضِحٍ للابن ولم يسْتَوْعِبْهُ، فهل يَحِقُّ لهذا الابن أن يرفض هذا الأمر؟ ألاَ يشْفع لهذا الأمْر عظمة الأب؟ هذه هي النقْطة الدقيقة فأنت: ألا ترى الكون؟! وهذا سؤال صغير، فكمال الخلْق يدلّ على كمال التَصَرُّف، هذا في الدنيا، شركة تصْنع كمبيوترات، كيف تظنّ نِظام مُحَاسبَتِها؟ وحينما تشتري البطيخ كيف تكون المُعاملة؟ هذه النقطة أشار إليها الإمام الشافِعي، وهي أنَّ الأشياء الخسيسة تُباع بالمُعاطاة ولا تحْتاج لا إلى إيجاب، ولا إلى قبول، ولا إلى شاهِدَيْن، فالأشياء الخسيسة تكون بالمناولة؛ أمسَكْتَ كأساً من العصير، وشَرِبْته، ووضَعْت النقود على الطاولة، وانتهى الأمر، أما الأشياء النَّفِيسة فتحتاج إلى عقْد، وإيجاب، وقَبول، وشُهود، فهذه الشَّرِكة التي تبيع الكمبيوترات ألا تَتَوَقَّعون أن يكون لها نِظام مُحاسبة راقٍ جداً؟ فكمال الخلْق ألا يدلّ على كمال التَّصرّف؟ هل ترى في هذا الكون خَلَلاً أو نقْصاً؟ رأيْتُ مَرَّةً أباً يحْمل ابنه من يدِه، لعل الأرض فيها وُحول، فَحِرْصاً على نظافة ابنه رفعه من يده، والله بقيت أُفَكِّر فَتْرة طويلة! فهذه اليد مدْروسة بعِلْم، فلو أنَّ العَضلات التي ترْبط الساعد بالجِسْم أضْعف من أن تحمل الوزْن لانخلَعَتْ يدُ الطِّفل، معنى هذا أنّ وزْن الابن مدْروس، ولو حَمَلْته من يده فلا حرج، ثم انظر إلى سيارة صُنِعَت سنة ألف وتسعمئة، مرَّة قرأت مقالة عنها؛ ليس فيها تَمْديد سرعة، تمْشي بِسُرْعة واحدة، والإضاءة بِقِنْديل، والتَّشْغيل من خارج السيارة، وانْظر إلى سيارة اليوم "أحدث موديل"؛ مرسيدس شبح، لو أقَمْتَ موازنة بينهما! كيف تُفَسِّر هذا التَطوّر؟! علم الإنسان قاصِر، وخبرته حديثة، أما الله عز وجل فخبرته قديمة، والدليل هذا الإنسان، فهل طرأ عليه تعْديل منذ أن خُلِق؟ وهذا الكون بِمَجرَّاتِه، وكازاراته، وسماواته، والجبال، والأنهار، والصحارى، والنبات، والطيور، هذا الكون ألا يدل على عظمة الله عز وجل وعلى علمه وقدرته ورحْمته؟ الطِّفل الصغير أودِع في طحاله كميَّة من الحديد تكَفيه عاميْن، لأنّ حليب الأم مُفْتَقِر إلى الحديد، فأنت لو فَكَّرْتَ في خلْق الإنسان، والحيوان، وفي بُنْيَةِ النبات، لرأيْتَ العَجَب العُجاب، هذا الكون هو الثابت، وهو الذي يدلّ على الله.
من عرف الله أحسن الظن به :
انظُرْ في تصرفات الله عز وجل، فقد تجد أنَّ حرْباً عالَمِيَّة ثالثة تُعلَن على الإسلام، في العالم كلِّه، وهناك من يشكّ بِرَحمة الله، وعظمته، وعدالته، إلا أنَّك لو عرفْت عدالته، وحكمته، من خلال الكون، فهذه المعرفة تُلقي ضَوْءاً على تمام تَصَرّفه، تقول: أنا لا أعلم وربّما هناك حكمة تنْكشف، فسَيِّدنا علي قال: والله لو كُشِفَ الغِطاء ما ازْدَدْتُ يقيناً.
الحديث عن تَصَرُّفاته، وأفعاله، وعن صفاته، وأسمائه؛ كلُّ هذا خاضِعٌ لِمَعْرِفَتِه، فإذا عرفْتَهُ أحسنْتَ الظنَّ به، لذلك إذا أخْبرك الله بِشَيء فبِمُجَرَّد أن تنقل هذا الشيء إلى دائرة العقل، والتَّمْحيص، والتحليل، والدِّراسة، فأنت تُشَكِّك في القائل! إذا سأل الزوج زوْجته عن شيء، ثمّ أرادت التحقق منه؛ ألا تنْشأ مشكلة؟ يقول لها: ألم تُصَدِّقيني؟! فهذه نقطة دقيقة جداً، أنّ الله إذا أراد أن يُخبرك عن شيء، وأنت أردْتَ أن تبحث في هذا الشيء، وأن تبحث عن دليل لهذا الأمر، فقد وقعْتَ في شِبْه إنكار، لذلك من جعل عقله حَكَماً على إخبار الله تعالى عز وجل نقُلْ له: جدِّدْ إيمانك بالله تعالى مَرَّةً ثانية، وجَدِّدْهُ دائماً، فالله تعالى قال، انتهى أمره، فهذه مُقَدِّمَة ذَكَرتها لأنَّ الذي سنتعرض له الآن: أنَّ الله سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء.
الله تعالى ليس كمثله شيء :
اِتَّفق أهل السنَّة على أنَّ الله تعالى ليس كمثله شيء، لا في ذاته، ولا في صِفاته، ولا في أفعاله، إلا أنَّ هذا الكلام يعني أنّ خصائص الربّ تعالى لا يوصف بها شيء من مخلوقاته، فعِلْم الله وقدرته غير علمِ وقدرة المخلوقات، ولا يُماثله شيء من صفات مخلوقاته، لا المخلوقات تُماثل صفاتُها صفاتِ الله، ولا صِفات الله عز وجل يُمكن أن توصَفَ بها مخلوقاته.
ليس كمثله شيء، وهذا ردّ على من شَبَّه ومثَّل صِفات الله بِصفات مادِيّة، فهذا الذي يقول: له سَمْعُ كَسَمْعِنا، وإذا كان ثلث الليل الأخير نزل ربنا إلى السماء الدنيا، فأحد الخطباء يشْرح هذا الحديث ويقول: ينزل كَنُزولي هذا ونزل عن المنبر درجة! فأنت إذا قلتَ: ليس كمثله شيء فلا يمكن أن يوصف مخلوق بِصِفَةٍ خاصَّةٍ بالله، وإذا قلت: ليس كمثله شيء، فلا يمكن أن يرقى مخْلوق بِصِفاته إلى صِفات الله تعالى.
قال: وهو السميع البصير ردٌّ على من نفى الصِّفات، فالآية على صِغَرها قال تعالى: ليس كمثله شيء وهو السميع البصير رَدَدْنا على فرْقَتَين؛ المُجَسِّدَة والمُعَطِّلة، فالمُعَطِّلة عطَّلوا الصِّفات، والمُجَسِّدَة جعلوها صِفاتٍ مادِّيّة كالإنسان.
حياة الله غير حياة الإنسان يتشابَهَا في الاسم فقط :
أقرأ لكم فقرة أساسِيَّة: الله سبحانه وتعالى سَمَّى نفْسه بِأسْماء، وسَمَّى بعض عباده بها، هنا المُشْكِلَة! ليس المُسَمَّى كالمُسَمِّي، إنسانٌ حيّ، تقول: فلان حيٌّ يُرْزق، والله تعالى حيٌّ لا تأخذه سِنَة ولا نوم، فيجب أن تعتَقِد اعتِقاداً قاطِعاً أنّ حياة الله غير حياة الإنسان، تشابَهَا في الاسم فحسب، فالله عز وجل رَحْمَةً بنا قَرَّب لنا معنى الجنَّة فقال: فيها أنهار من ماء، وجنات، وعسل مُصَفى، ولبن لم يتغيَّر طعْمه، فيا تُرى ما العلاقة بين خمْر الدنيا وخَمْر الآخرة؟ لا علاقة بينهما إلا الاسْم، وكذا اللَّبن، والعسَل، فليس ما في الدنيا وبين ما في الجنَّة علاقة إلا الاسْم، كذلك إذا قلنا: الله تعالى حيّ قَيُّوم، وإذا قلنا: هذا إنسانٌ لا يزال حيًّاً يُرزق، فهل حياة الإنسان كَحَياة الله؟ لا، هذا هو مِحْور الدّرْس، فالله تعالى سَمَّى نفسه حَيًّاً عليماً قديراً رؤوفاً رحيماً عزيزاً مؤمناً جباراً حكيماً سميعاً بصيراً مُتَكَبِّراً وسَمَّى بعض عِباده بهذه الأسْماء، قال تعالى:
﴿ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾
[ سورة الروم: 19 ]
وقال تعالى: ﴿ فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ ﴾
[ سورة الذاريات: 28 ]
وقال تعالى: ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾
[ سورة التوبة: 128 ]
فهذا للنبي عليه الصلاة والسلام. المُسَمَّى ليس كالمُسَمِّي :
وقال تعالى:
﴿ وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا ﴾
[ سورة الكهف: 79 ]
فالله تعالى كذلك ملِك، فهل ذاك الملِك مثلُ الله تعالى في هذه الصفة، وقال تعالى: ﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ ﴾
[سورة السجدة: 18]
فالله كذلك سمّى نفسه المؤمن، قال عز وجل: ﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾
[سورة الحشر: 23]
وقال تعالى: ﴿ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ ﴾
[ سورة غافر: 35 ]
فالله تعالى جبار مُتَكَبِّر. الله تعالى له أسْماء وله صِفات وسَمَّى بعض عِباده بأسماء إلا أنَّه لا تشابُه بين الاسْمين:
النُقْطة الدقيقة أنَّ الله تعالى سَمَّى نفْسه بِأسْماء وسَمَّى صِفاته بِصفات، وأطْلَقَها على بعض عباده في القرآن الكريم، والمعْلوم القَطْعي أنَّ الحَيَّ لا يُماثِلُ الحيَّ الآخر، فالله تعالى حَيّ والإنسان كذلك، إلا أنَّهُ شتَّان بين الحياتين! وكذلك يُقال في العزيز والعليم وسائر الأسْماء، قال تعالى:
﴿ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ﴾
[ سورة البقرة: 255 ]
معنى ذلك أنَّ عِلْم الله تعالى غير عِلْم البشر، قال تعالى: ﴿ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾
[ سورة فاطر: 11 ]
الواجبات والفرائِض لا اسْتِخارة فيها الاسْتِخارة فقط في المُباحات والمندوبات :
أيها الأخوة الكرام، هذا هو درْسنا اليوم، فالله تعالى له أسْماء وله صِفات، وسَمَّى بعض عِباده في القرآن بأسماء، إلا أنَّه لا تشابُه بين الاسْمين إلا من حيث اللَّفْظ فقط، فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِي اللَّه عَنْهمَا قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَلِّمُنَا الِاسْتِخَارَةَ فِي الْأُمُورِ كُلِّهَا كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ يَقُولُ: إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالْأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ ثُمَّ لِيَقُلِ:
((اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ الْعَظِيمِ فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ وَأَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي أَوْ قَالَ عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ فَاقْدُرْهُ لِي وَيَسِّرْهُ لِي ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي أَوْ قَالَ فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ فَاصْرِفْهُ عَنِّي وَاصْرِفْنِي عَنْهُ وَاقْدُرْ لِيَ الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ ثُمَّ أَرْضِنِي قَالَ وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ))
[البخاري عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِي اللَّه عَنْهمَا ]
فالإنسان لو أراد الذَّهاب إلى العمرة فهل يسْتَخير؟ الواجبات والفرائِض لا اسْتِخارة فيها، الاسْتِخارة فقط في المُباحات والمندوبات، فإذا كان عليه دَيْن فهل عليه أن يسْتَخير ؟ لا، هذا واجب، فالشاهِد من هذا الحديث قوله: ((فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ وَأَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ))
ثمَّ السؤال المطروح هو: كيف يعرف المُسْتخير أنّ الله تعالى قَبِل ما أراد فعله أو لم يقبلْهُ؟ التَّيْسير أو التَّعْسير، وكُلّ شيء آخر زِيادة ليسَتْ من أصْل الاسْتِخارة، فلو تَيَسَّر الأمْر، ووجَدْتَ عدم الانْشِراح، فأقْبِل، ففي هذا خير لا تعْلمه ما دامت الأمور مُيَسَّرة، لأنَّهُ لو لم يكن الأمر في صالِحِك لخلَقَ الله العقبات أمامه، فلا يغتَرّ المُسْتخير بأن يرى مناماً أو يفْتح المُصْحف. الإنسان مخير :
هناك سؤال سأله أخٌ كريم ويقول: كيف يُقَلِّبُ الله تعالى قلوب العباد بين أصبعيه؟! وهل بهذا يُلْغى اخْتِيار الإنسان؟! أكثر دُعاء أُثِرَ عن النبي عليه الصلاة والسلام:
((كَانَ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ وَطَاعَتِكَ فَقِيلَ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ إِنَّكَ تُكْثِرُ أَنْ تَقُولَ يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ وَطَاعَتِكَ قَالَ وَمَا يُؤْمِنُنِي وَإِنَّمَا قُلُوبُ الْعِبَادِ بَيْنَ أُصْبُعَيِ الرَّحْمَنِ إِنَّهُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُقَلِّبَ قَلْبَ عَبْدٍ قَلَّبَهُ قَالَ عَفَّانُ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ))
[أحمد عن عائشة]
فكيف نُوَفِّق بين هذا الحديث وبين أنَّ الإنسان مُخَيَّر؟ والجواب سَهْلٌ جداً، قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآَتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ ﴾
[ سورة محمد: 17 ]
فالحقيقة أنَّ الإنسان مُخَيَّر، فإذا اخْتار طريق الحق زاده الله من الهُدى بأن يشْرح قلبه للحق، والدليل قوله تعالى: ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ ﴾
[ سورة الحجرات: 7 ]
والإنسان إذا أراد الباطل جعل في قلبه ضَيْقاً، فأن يكون قلبك بين أُصْبعين من أصابع الرحمن من أجل أن يُشَجِّعَك للخير، ومن أجل رَدْعك عن الشرّ، فأنت مُخَيَّر، ولا زِلْتَ مُخَيَّراً، وإرادة الله عز وجل لا تتناقض، وهي قاعِدَة أساسِيَّة في العقيدة، فالله تعالى أرادك مُخَيَّراً، وكذا شاءَتْ مشيئتُه، فأنت جئتَ للدنيا والشرْط هكذا، فالإنسان مُخَيَّر فإذا اخْتار طريق الحق زاده الله من الهُدى بأن يشْرح قلبه للحق، فالله تعالى يتجلى على قلبك من اخْتِيارك الحق، وهذا هو الحال، فمُكافأة الله تعالى لك من حُسْن اخْتِيارك، وإذا أراد الباطل جعل في قلبه ضَيْقاً، وهذا هو الانقِباض، قال تعالى: ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ ﴾
[ سورة الحجرات: 7 ]
عَلَّمونا في عِلم النفْس أنَّهُ بعد كُلّ انْحِراف شُعور اسمُه الكآبة، ولو كان المنحرف ملْحِداً، وعَمِلَ عمَلاً مُنْحَطاً، شعر بهذه الكآبة، فهذا هو معنى قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن، الإنسان إذا خرج عن الفطرة شعر بالكآبة. من رحْمة الله تعالى بالإنسان أن قلوب العباد بِيَدِه :
شيءٌ آخر، وهو أنَّ الله عز وجل خلَق القَوِيَّ والضَعيفَ، والغَنِيَّ والفقير، فلو أنَّ الغنيّ لا يُحِبّك، وأنت مُسْتقيم، وأراد أن ينال منك، فكيف يمنع الله تعالى بؤس هذا الغنِيّ؟ فَقَلْبُ هذا الغنِيّ بِيَد الله تعالى، يُلْقي في قلبه هيْبَتَك فيخاف منك، أو يُلْقي عليه العطف عليك، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((بُعِثْتُ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ فَبَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ بِمَفَاتِيحِ خَزَائِنِ الْأَرْضِ فَوُضِعَتْ فِي يَدِي قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَقَدْ ذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنْتُمْ تَنْتَثِلُونَهَا))
[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْهُ]
تنتثلونها، أي تستخرجونها .
من رحْمة الله تعالى بنا أنَ قلوبنا بِيَدِه. مثال آخر: أحدهم أحَبَّ فتاةً قبل أن يعْرف الله تعالى، ولما عرف الله تعالى رأى أنَّها لا تُناسِبُه، فما دام قلبهُ بِيَد الله عز وجل كيف يُكافئهُ على هذا الاخْتِيار؟ يصْرِفُهُ عنها! قال: وإن كنت تعلم أنَّ هذا الأمر شرّ لي في ديني ومعاشي وعاقِبةُ أمْري فاصْرِفْهُ عَنِّي، ولم يكْتَفِ بهذا بل قال: واصْرِفْني عنه، قال تعالى: ﴿ قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴾
[ سورة يوسف: 33 ]
فالطريق الآن مليءٌ كما ترَوْن بكاسِيات عارِيات، فالله تعالى إذا عَلِمَ من عبْدٍ صِدْقاً في طاعته، فو الله الذي لا إله إلا هو، يمْشي في الطريق، وكأنَّهُ بين الرِّجال، ويصبح موضوع غضّ البصر سَهْلاً جداً، والله هو الذي صرفه عن هذه المعْصِيَة، فلو قال أحدهم: أنا مُلتَزِم، ولي إرادة قَوِيَّة، واعْتَدَّ بِنَفْسِه، أُوكِل لنفسِه، فوَجَد نفسه تنْصرف إليْهِنّ! فالإنسان لا يعْتَد باْستِقامته، وسلامة سلوكه، فيصاب بالغرور، وهذا الكلام كلّه يُلَخَّص بآية واحدة في الفاتِحَة: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾
[ سورة الفاتحة: 5 ]
فهذا هو موقف العُبودية الذي يليق بالعبد نحو ربِّه.

السعيد 09-15-2018 01:35 PM

رد: العقيدة الطحاوية
 
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية - العقيدة الطحاوية

الدرس : ( الخامس )

الموضوع : الله قديم بلا ابتداء ودائم بلا انتهاء







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلماً، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه، وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
في كلام الله تعالى من الدِّقَّة والوُضوح والإيجاز ما يُغْني عن كُلِّ تفْصيل :
أيها الأخوة المؤمنون، ننتقل في موضوع العقيدة إلى قول الإمام الطحاوي: "قديم بلا ابْتِداء، دائِمٌ بلا انتِهاء". هذه الفقرة من العقيدة مأخوذة من قوله تعالى:
﴿ هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾
[ سورة الحديد: 3 ]
وقول النبي عليه الصلاة والسلام في دعائِه الشريف: ((اللَّهُمَّ أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ وَأَنْتَ الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ))
[مسلم عن سهيل]
أما قول الإمام الطحاوي: قديم بلا ابْتِداء، دائِمٌ بلا انتِهاء فهو مُطابقٌ تماماً لقول الله عز وجل: ﴿ هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾
[ سورة الحديد: 3 ]
لازلْتُ أؤكِّد حقيقةً أن نسْتنبط العقيدة بِبَساطةٍ وبِيُسْرٍ من كلام الله عز وجل، ومن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، لأنَّ في كلام الله تعالى من الدِّقَّة والوُضوح والإيجاز ما يُغْني عن كُلِّ تفْصيل. الإيمان الفطري :
لا بدّ أن أقرأ لكم فقرةً من الكتاب تحتاج إلى شرْح؛ يقول الإمام: والعِلْمُ بِثُبوت هذين الوَصْفين مُسْتَقِرٌّ في الفِطَر، أيْ أنَّ الإنسان بِفِطْرتِه يعْتَقِد أنَّ الله سبحانه وتعالى هو الأوّل بلا ابْتِداء، وهو الآخر بلا انتِهاء، فَمَعنى مُسْتَقِرٌّ بالفِطَر أي أنَّ الإنسان أحْياناً يؤمن بالشيء من دون دليل، فإذا آمن بالشيء من دون دليل فهذا اسْمه إيمان فِطْري، فلو أنَّك قرأت القرآن الكريم شعَرْتَ أنَّهُ كلام الله، وهذا الشعور أساسه أنّ فِطْرتك مجْبولةٌ على الإيمان بالله تعالى، ضَرَبْتُ مرَّةً مثَلاً وقلتُ: لو أنَّنا جئْنا بخارِطة ذات بُعد ثالث، ووضَعْناها ضِمن إطار خَشَبي، ثمَّ صَبَبْنا عليها جِبْصيناً سائِلاً إلى أنْ جفَّ، لوجدنا تطابقاً تاماً على مُستوى مِعْشار المليمتر على الخارطة البارزة والمُجَسَّمة وبين هذا القالب.
أيها الأخوة، النَّفْس البَشَرِيَّة في تطابقها مع الشرْع الحنيف ومع الدِّين لا تعْدو على أن يكون التطابق تاماً! فأنت متى ترْتاح؟ إذا عرَفْتَ الله، ومتى تسْتَقِرُّ نفْسك؟ إذا اتَّبَعْتَ منهجه، ومتى تطْمَئنّ؟ إذا ذَكَرْته، ومتى ترْكن؟ إذا اعْتَمَدْتَ عليه، ومتى تشْعر بالأمْن؟ إذا أطَعْتَهُ، معنى ذلك أنّ الفِطَر مَجْبولةٌ على الإيمان بالله والاسْتِعاذة به واللُّجوء إليه، مثَلٌ آخر أقرب؛ هذه المرْكبة صُنِّعَت لِتَسير على طريق مُعَبَّد، فإذا سارَت في طريق وعْر لم تقْطف ثِمارها وتَكَسَّرَتْ، فهذه المركبة لهذا الطريق.
أيها الأخوة، العِلْم بِثُبوت هذين الوَصْفَيْن مُسْتَقِرٌّ في الفِطَر، وكُلُّكم يعْلم أنَّ هناك خالِقاً، وهناك ما سِوى الخالق، فما سِوى الخالق هي الموجودات، من كون وسماوات، قال: فإنّ الموجودات لا بدّ أن تنتهي إلى واجب الوُجود بِذاته قطْعاً للتَّسَلْسُل، فما معنى هذا الكلام؟ أي إذا قلنا: مَن خلق هذا الكون؟ قلنا: خلقه إلهٌ، ومن خلق هذا الإله؟ خلقه إلهٌ آخر، ومَن خلق هذا الآخر؟ حلقة مُفْرَغَة، ونقع فيما يُسَمَّى التَّسَلْسُل غير المُتناهي، فلا بدّ إذاً أن نقْطع هذا التَّسَلْسُل، وهكذا يُقِرُّ العقل أنَّ برهان التَّسلسل يعني أنَّهُ لا بدّ في النِّهاية من خالقٍ لا يحْتاج إلى مَن يخْلُقُه، وما سِوى ذلك مَخْلوقون، هذه الموجودات يجب أن تنْتهي إلى واجب الوجود بِذاته، مثل أقرب من ذلك أن نقول: من أين هذه البيضة؟ من الدجاجة، ومن أين هذه الدجاجة؟ من البيْضة، ثمَّ نبقى نُكَرِّر هذا الحدث، فلا بدّ أن ننتهي إلى أنَّ هناك دجاجة خلقها الله مباشرةً هي التي أخْرجت بيْضةً، والدجاجة هي التي خرجت من هذه البيْضة، أما أن نسْتمِرّ إلى ما لا نِهاية فهذا تَسَلْسل غير متناهٍ، فلا بدّ من قَطْع هذا التَّسلْسل، والعقْل لا يقبل تسَلْسُلاً لا نِهائيّاً، فالتَّسلْسُل حاصِل، أما التَّسلسل اللانِهائي فمَرْفوض.
الوجود والعدم :
قال: فإنَّنا نُشاهد حُدوث الحيوان أمام أعيُنِنا، فالذي عنده هِرَّة قد يسْتيْقِظ أحْياناً، وقد ولَدَتْ له هرر كثيرة، وكذا النبات والمعادِن، وحوادِث الجوّ كالمطر، وغير ذلك، وهذه الحوادِث وغيرها ـ دَقِّقوا ـ ليْسَتْ مُمْتَنِعَة إنَّما هي مَوْلودة، هناك حيوان يولد، ونبات ينْبت، ومطر ينزل، وبُحَيْرة تتشَكَّل، ونَهْر يُشَق، وبئر يُحْفَر، إذاً هناك موجودات، وهذه الموجودات ليْسَت ممْتَنِعة أي يُمْكن أن توجد، فإنَّ المُمْتَنِع لا يوجد، فلو أنَّها كانت ممتنِعة لم تكن موجودة، فما دامتْ ليْست ممتنِعَة فهي موجودة وليْسَت واجِبَة الوجود لِنَفْسِها، فأيّ شيءٍ موجود إلا أنّه لا يسْتطيع أن يخْلق ذاته بِذاتِه، فإذا قلنا ممتَنِعة أي غير موجودة، وإذا قلنا موجودة معنى ذلك أنَّها لا توجد بِذاتِها، قال: فإنّ الممتنِع لا يوجد، وليْسَت واجبة الوُجود بِنَفْسِها، فإنَّ واجب الوُجود بِنَفْسِه لا يقبل العَدَم، فلا يُمكن أن يسْبقه عَدَم، وهذه الأشياء كانت مَعْدومة ثمَّ وُجِدَت، فَعَدَمُها ينْفي وُجودها بِنَفْسِها، ووُجودها ينفي امْتِناعُها، وما كان قابلاً للوُجود والعَدَم لم يكن وُجوده بِنَفْسِه، إذاً ما سِوى الله تعالى موجود، وليس مُمْتَنِعاً، وما سِوى الله تعالى موجودٌ، ولكن ليس بِذاتِه، والسَّبب أنَّهُ سبقه عدم، ولو كان هذا الموجود واجِباً بِذاته لما سَبَقَهُ عَدَم! كما قال تعالى:
﴿ أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ ﴾
[ سورة الطور: 35]
هذه الآية النَّيِّرَة والمُشْرِقَة والواضِحَة الدلالة، هل هم أوْجَدوا ذاتهم بِذاتِهم؟ لا، فهذا الموجود يحتاج إلى واجب الوجود قَطْعاً بالتَّسَلْسُل، وهذا الموجود لا يُعقل أنَّهُ وُجِدَ بِذاته والدليل أنَّهُ لا يسْبِقُهُ عدم، إذاً كلّ هذا الكلام الذي غاص فيه المُتَكَلِّمون مُلَخَّصُه قوله تعالى: ﴿ أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ ﴾
[ سورة الطور: 35]
أَحَدَثوا من غير مُحْدِث، أم هم أحْدثوا أنفسهم؟ والمعلوم قطْعاً أنَّ الشيء المُحْدَث لا يوجِدُ نفْسه، فالممكن الذي ليس له من نفْسه وُجود ولا عدم لا يكون موْجوداً بِنَفْسِه بل لا بدّ من جِهَةٍ توجِدُه، وإلا كان معْدوماً، وكلُّ ما أمكن وُجوده بَدَلاً من عدمه، وعدمه بَدلاً من وُجوده، فليس له من نفسِه وُجودٌ ولا عدم لازِمٌ له، فالكون موجود وليس مُمْتَنِع، ولكنَّ هذا الوُجود ليس بِذاتِه، إذاً هذا الموجود لا بدّ له من واجب الوُجود قطْعاً للتَّسَلْسُل، وهذا الكلام يندرج كلَّه تحت قوله تعالى: ﴿ أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ ﴾
[ سورة الطور: 35]
أحياناً يُغرم الإنسان بِكُتب بعيدةٍ في منهجها عن منهج الله تعالى، يقول الله عز وجل: ﴿ وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً ﴾
[ سورة الفرقان: 33]
لذلك فالإنسان إذا وُفِّق إلى اتِّباع منهج القرآن في العقيدة فقد وُفِّقَ أوَّلاً: إلى عقيدَةٍ صحيحة، ثانِياً: واضِحَة، ثالثاً: بسيطة، رابِعاً: يُمكن أن يحْفَظَها من دون تَعْقيد. ليس كلّ فعْل من أفعال الله عز وجل لنا الحقّ أن نسْتنبط منه اسْماً من أسْمائه عز وجل:
الله سبحانه وتعالى أوَّلٌ بلا بِداية، وآخر بلا نِهاية، علماء الكلام اصْطَلَحوا على تَسْمِيَة هذه الصِّفة في ذات الله عز وجل أنَّهُ تعالى: القديم، لكن ينبغي أنْ تعْلموا أنّ اسم القديم ليس من الأسْماء الحُسنى التي وَرَدَت في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، ليس كلّ فعْل من أفعال الله عز وجل لنا الحقّ أن نسْتنبط منه اسْماً من أسْمائه عز وجل، فالله تعالى قال:
﴿ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ﴾
[ سورة الأنفال: 30]
فهل يحِقُّ لنا أنْ نُسَمِّيَ الله تعالى الماكر، أعوذ بالله، وقال تعالى: ﴿ إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً*وَأَكِيدُ كَيْداً *فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً ﴾
[ سورة الطارق: 15-17]
فهل يحِقّ أن نُسَمِّي الله الكائِد؟ لا يجوز هذا، وقال تعالى: ﴿ وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ ﴾
[ سورة الذاريات: 47]
فهل نُسَمِّي الله تعالى الباني، لم يرِد في حديث رسول الله أنَّ اسمه الباني، أما نحن فقد اسْتَنْبطنا مِن هذا الفعل بنى، وهو لا يجوز، إذاً اسم القديم ليس من أسماء الله الحُسْنى. التَّمَكُّن من لغة العرب أحد الأدوات التي لا بدّ منها لِفَهْم كلام الله عز وجل :
أيها الأخوة تَعالَوا إلى لُغَة العرب، ألم يقل الله عز وجل:
﴿ إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآَناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾
[ سورة الزخرف: 3]
ماذا تعْني هذه الآية؟ وماذا تعْني الآية الأخرى: ﴿ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ﴾
[ سورة الشعراء: 195]
معنى ذلك أنَّ هذا القرآن نزل بِلُغَة العرب، وينبغي أن يُفْهَمَ وَفْق لُغَة العرب، لذلك التَّمَكُّن من لغة العرب أحد الأدوات التي لا بدّ منها لِفَهْم كلام الله عز وجل، (القديم) في لغة العرب التي نزل بها القرآن هو المُتَقَدِّمُ على غيره، فيُقال: قديمٌ للشيء العتيق، وهذا حديثٌ للشيء الجديد، ولم يُسْتعْمل هذا الاسم إلا في المُتَقَدِّم على غيره، لا فيما لم يسْبِقْهُ عَدَم، والله عز وجل قال: ﴿ هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾
[ سورة الحديد: 3 ]
فكَلِمَة أوَّل أصَحُّ من كلمة قديم، فالقديم في اللُّغة هو الشيء المُتَقَدِّم على غيره، فالله عز وجل لم يسْبِقه عدم، لكن أيُّ شيء جاء قبل شيء نقول: هذا قديم، وهذا جديد، والدليل قوله تعالى: ﴿ وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ ﴾
[ سورة يس: 39 ]
العُرْجون القديم الذي يبقى إلى حين وجود العرجون الثاني، فقد يبقى عرجون النَّخل إلى العام القادم، ويظهر عرجون جديد، فنُسَمِّي الأوَّل قديماً، ونُسَمِّي الثاني جديداً، فمعنى القديم الشيءُ الذي تَقَدَّمهُ شيء. التثليث في اللغة العربية :
قال تعالى:
﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْراً مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ ﴾
[ سورة الأحقاف: 11 ]
أي مُتقدِّم في الزمان، قال تعالى: ﴿ قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ*أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ ﴾
[ سورة الشعراء: 75-76 ]
فالأقْدمي مبالغة في القِدم، كلكم إذا قرأ كتاب الإمام الشافعي يجد مصطلح القديم والجديد، فهو رحمه الله تعالى له مذْهب قديم وآخر جديد ولا شكَّ أنَّ هذا مرَّ بكم، قال تعالى: ﴿ يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ ﴾
[ سورة هود: 98 ]
فالقدَم سُمِّيَت قَدَماً لأنَّها مُتَقَدِّمة، وكلكم يعلم أنَّهُ في اللغة العربيَّة شيء اسمه التَّثْليث؛ وهو أن تقول: قَدَمَ وقَدِمَ وقَدُمَ، فمعنى قَدُمَ أصبحَ قديماً، ومعنى قَدِمَ أي حَضَر، ومعنى قَدَمَ أي أنَّهُ سبقه بِقَدَمِه، وكذا البَرّ والبُرّ والبِرّ، فالبَرّ اليابسة، والبُرّ القمْح، والبِرّ الإحْسان،، فَكُلّ حركَةٍ توجب معْنىً خاصاً؛ خُلُقٌ وخَلِقٌ وخَلْقٌ؛ فالخُلُق الأخلاق، والخلْق البُنْيَة، والخَلِق المُهْترئ، حَسَبَ وحَسُبَ وحَسِبَ، فَحَسِبَ ظنَّ، وحَسَبَ عدَّ، وحَسُبَ افْتَخَر بِحَسَبِه؛ كلمات كثيرة في هذا الموضوع، إلا أنَّه توجد كلمات مُثَلَّثة بِمَعْنى واحد، كالمَصْحف والمُصْحَف والمِصْحَف، ورَغْمَ ورُغْمَ ورِغْم، كلُّها بِمَعنى واحد، فقوله تعالى: ﴿ يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ ﴾
[ سورة هود: 98 ]
أي يتَقَدَّمهم، ويُسْتعمل الفعل لازِماً ومُتَعدِّياً، فاللازم ما اكْتَفى بِفِعْلِه، نحو: نام فلان، والمُتَعَدِّي ما يتعَدَّى إلى مفعول به، تقول: أكل الطفلُ التفاحةَ، وشرب الرجلُ الماءَ، إلا أنَّهُ في اللغة أفعال بين بين، فلا هي لازِمَة ولا هي مُتَعَدِّيَة وهذا الفعل اسمه القاصِر، وهو الذي يتعدى إلى مفعول به في المعنى عن طريق أداةٍ هي حرْف الجرّ، تقول: نظرْتُ إلى الحديقة، فالحديقة مفعول به، إلا أنَّ فِعْل نظر قاصِر، لذلك الأفعال القاصرة لها أدوات خاصَّة بها. أسلوب التضمين :
قالوا لنا في الجامِعَة: إنَّ أديبَين في العالم العربي سَلِمَ أسْلوبهما من الخطأ في اسْتِعمال الأدوات، كأن يقول: دعا لِكذا، وهو خطأ، إذْ الصحيح دعا إلى، قال تعالى:
﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾
[ سورة فصّلت: 33 ]
وهو خطأ شائِع، لكِنَّ القرآن وحده أحياناً يسْتخدِم أداةً ليستْ لهذا الفِعْل، وهو أُسْلوب التَّضْمين، قال تعالى: ﴿ وَآَتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً ﴾
[ سورة النساء: 2 ]
ليس في اللغة أكل إلى، فهذا تَضْمين، كأنّ ربنا عز وجل بِتَبْديل الأداة المُتَعَلِّقة بهذا الفعل يسْتخدم فعلين معاً، فالأوَّل المَلْفوظ بلا أداة، والثاني الفعل الذي له هذه الأداة، وهو بحث رائِع جداً، يُدَرَّسُ في قواعِد اللغة العربِيَّة، عند باب التَّضْمين.
وَصَلْنا إلى قوله: هذا أقدم من هذا وهو يَقْدُمه، ومنه سُمِّيَت القَدَمُ قدَماً لأنَّ الإنسان يتَقَدَّمُ بها، وأما إدْخال اسم القديم في أسماء الله تعالى فهو مَشْهور عند أهل الكلام، ولا ريْب أنَّهُ إن كان مُسْتعْمَلاً في نفْس التَّقَدّم فإنَّ ما تَقَدَّم على الحوادِث كلِّها هو أحقُّ بالتَّقَدُّم، لكنّ أسماء الله تعالى هي الأسْماء الحُسْنى التي تَدُلّ على خُصوص ما يُمْدح به، والتَّقدُّم في اللغة مُطْلقٌ، ولا يخْتَصُّ بالتَّقدم على الحوادِث كلِّها، فلا يكون من أسْماء الله الحُسْنى القديم ولكن الأوَّل، وهو أحْسَنُ من القديم لأنَّهُ يُشْعِرُ بأنَّ ما بعده آيِلٌ إليه وتابِعٌ له بِخِلاف القديم، والله تعالى له الأسْماء الحسْنى لا الحَسَنة، وفرق بينهما كبير! فالأسْماء الحُسنى اسم تفْضيل، قال تعالى: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾
[ سورة فصّلت: 33 ]
فالأحْسن للمُذَكَّر، والحُسْنى للمُؤَنَّث. الإيجاز في القرآن الكريم :
قوله: لا يفْنى ولا يَبيدُ إقْرارٌ بِدَوام بقائِه سُبْحانه وتعالى، من أين أخذْنا هذه الحقيقة في عِلْم التوحيد؟ قال تعالى:
﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ*وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾
[ سورة الرحمن: 26-27 ]
وقوله تعالى: ﴿ تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾
[ سورة الرحمن: 78]
لماذا في الآية الأولى ذو، وفي الثانية ذي؟! لماذا في الأولى وَجْهُ رَبِّكَ ذو، وفي الثانِيَة تبارك اسمُ ربِّك ذي؛ هنا السؤال؟! لأنَّ الوجه ذات، بينما الاسم عرض، فنحن نَصِفُ الذات من الوجْه، أما اسم الله عَرَض.
الإيجاز في القرآن الكريم سَمَّاه علماء البلاغة إيجازاً غَنِيّاً، أي كُلُّ الصِّفات المُتَعَلّقَة بالله عز وجل، وكلُّ الصِّفات المتعلِّقة بِكَرَمِه، ورحْمَتِه، وإحْسانِه بِخَلْقِه إكْرامٌ، فَبِهاتين الصِّفَتَيْن جَمَعْنا صِفات العَظَمة والإحْسان.
والفناء والبَيْد مُتقارِبان في المعنى، والجمع بينهما في الذِّكْر للتأكيد، وهو أيضاً مُقَرَّر بقوله: دائِمٌ بلا انتِهاء، لا يفْنى ولا يَبيدُ.
أيُّ شيء وقع في الكون أراده الله وأيُّ شيء أراده الله وقع :
نُتابع ما جاء في العقيدة الطحاوِيَّة، وننتقِل إلى قول الإمام الطحاوي: "ولا يكون إلا ما يُريد"، وهذا الموضوع يحْتاج إلى دِقَّة في الفهْم بالغة، أَيُعْقل أن يقع في كون الله شيء ما أراده الله؟! واللهِ أيها الأخوة، لو أنَّكم عَقَلْتم هذه الحقيقة لكانت هذه الحقيقة برْداً وسَلاماً على قُلوبكم؛ أيُّ شيء وقع في الكون أراده الله، وأيُّ شيء أراده الله وقع، ولا يكون إلا ما يريدُ، إلا أنَّ بعض الفِرَق الضالة كالقَدَرِيَّة والمُعْتَزِلة زَعَموا أنَّ الله تعالى أراد الإيمان من الناس إلا أنَّ الكافر أراد الكُفْر! ماذا يوحِي هذا الكلام؟ أنَّ الكافر أراد شيئاً ما أراده الله تعالى، وهذا لا يليق بِعَظَمَة الله عز وجل، فلو أنَّ إنساناً مُتَمَكِّناً في دائرة، وجاء مُوَظَّف عنده، أو أحد صُنَّاعِه، وفعل شيئاً خِلاف أوامرِ هذا الإنسان العظيم لأنكر عليه كل الإنكار، فالله تعالى لا يقع في كونه إلا ما يريد، فالقَدَرِيَّة توَهَّمَت أنَّ الكافر أراد الكُفْر خِلافاً لإرادة الله تعالى، قال: هذا القول فاسِد، ومَرْدود لِمُخالفته الكتاب والسنَّة والمَعْقول الصحيح، وهي مسألة القدَر المعْروفة، وسوف يَرِدُ شرْحُها إن شاء الله تعالى، سُمُّوا قَدَرِيَّة لإنْكارهم القَدَر، والجَبْرِيَّةُ أيْضاً اعتَمَدَت على المفْهوم القَدَري، واحْتَجُّوا بأنَّ الإنسان مُجْبرٌ على أفْعاله، فما هو الحق؟ فالذي يحْصل في الأرض من مشاكل، وقتْل، وانْتِهاك للأعْراض، وفساد، وظلم، هل أراده الله تعالى؟ فإذا قلتَ: أراده، فَلِمَ أراده؟ وإذا قلتَ: ما أراده فَلِمَ وقع؟ الشرّ المطلق غير موجود، والشرّ للشرّ كذلك غير موجود، لو أنَّ أباً وابنه اتفقا على إجراء عَمَلِيَّة جراحية، فإنّ الطبيب الجراح لا يمكن أن يفتح بطْن ابنه إلا بموافقة الأب، وفَتْحُ البطْن شرّ إلا لإجْراء عَمَلِيَّة لشفاء ابنه، فلا يكون هذا الأمر إلا لِهَدَفٍ نبيل جداً، كاسْتِئْصال عضوٍ تالف، فهذه أوَّل قاعِدَة، شرّ مُطْلق لا يمكن أن يكون، أما الشرّ النِّسبي فَمَوْجود، كَخَرْق السفينة، قال تعالى:
﴿ فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً ﴾
[ سورة الكهف: 71]
وفي قراءة لِيَغْرَقَ أهلها، ثمَّ تَبَيَّن أنّ خرْقها سبب نجاتِها، فلا يُمكن أن نفهم ما يجْري في الأرض من شرّ إلا وَفْقَ هذه الحقيقة، إلا أنَّك قد لا تعرف ما وراء كلّ حادِث، ألسْتَ مؤمناً بأنَّ الله سبحانه وتعالى صادِق، وأنّ هذا الكلام كلامه، وأنَّهُ تعالى في آياتٍ كثيرة كثيرةٍ نفى عن نفْسِه الظلم، قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيراً ﴾
[ سورة النِّساء: 124]
عقيدة أهل السُّنة والجماعة أنّ الإنسان جاء إلى الدنيا ليُمتحن :
كنت أسير مرَّةً في أحد أسواق دمشْق، فاسْتَوْقفني أحد المارَّة، وقال لي: فلان الفلاني جاء إلى مَحَلِّه التِّجاري لِيَكْسب قوت أولاده، فَسَمِع إطلاقَ نارٍ، وكان اثنان يتشاجران، فَمَدَّ رأسه فجاءَت رصاصةٌ في عموده الفقري، وأصبح مشْلولاً من حينه، فقال لي هذا الأخ: وما ذَنْبُه؟ ولماذا فُعِلَ به هكذا؟ فقلتُ: لا أدْري، فهذه الكلمة تُشَرِّف أحْياناً، فهذا الإمام مالك عليه رحْمة الله قال: لا أدْري عندما جاءه وفْدٌ يسْأله عن مسائل، وبعد حينٍ أخٌ كريم قال لي: هناك رجل يسْكن في الحيّ الفلاني، وله أوْلاد أخ أكل أموالهم بالباطل، وقد احْتَكَموا إلى أحد العلماء فلما طولب بما عليه لأولاد أخيه رفض! فَتَوَجَّه هذا العالم إلى أولاد الأخ، وقال لهم: إياكم أن تشْتكوا على عَمِّكم، فهذا لا يليق بكم، ولكن اشْكُوه إلى الله تعالى! فهذا الكلام تَمَّ في الساعة الثانِيَة ليلاً، ففي الساعة الثامِنَة صباحاً أصْبح مَشْلولاً، فَيَجب أن تعلم أنّ كل شيء وقع وراءه حِكمة، سواء عَرَفْتها أم لم تعْرفها، أما أهل السنَّة فيقولون: إنَّ الله وإن كان يريد المعاصي قَدَراً فهو لا يُحِبُّها، ولا يرْضاها، ولا يأمر بها، وهنا سؤال: لماذا أراد؟ ضَرَبْتُ مثَلاً، فقلْتُ: صَيْدلي يريد مُوَظَّفاً، إلا أنَّ هذا الموظَّف لا بدّ أن يكون على مُسْتوى رفيع، فأعلن عن مُسابقة، والامتِحان سَهل، ترتيب الفيتامينات في مكانها، وكذا السموم، فلو أمْسَك هذا الممتحن الفيتامين ليضعه فوق السموم لَوَجدْتَ أنَّ الذي أقام الامْتِحان لا يمْنعه! لماذا؟ لأنَّه الآن يمْتَحِنُه، ويُعْطيه الفرصة للتعبير عن علمه أو عن جهْلِه، فالله عز وجل إذا قلنا: أراد أي سَمَح، ولماذا سَمَح؟ لأنَّه أعْطاك الاخْتِيار، وهو الآن يمْتَحِنُك، أما لو مَنَعْتَ إنساناً في أثناء الامْتِحان، فقد ألْغَيْت امْتِحانه، فأهل السنَّة والجماعة قالوا: إنَّ الله تعالى وإن كان يريدُ المعاصي قَدَراً فهو لا يُحِبُّها، ولا يرْضاها، ولا يأمر بها، قال تعالى:
﴿ وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾
[ سورة إبراهيم: 8 ]
فهو أراد، أي سَمَح، وسمَح لأنَّهُ يمْتَحِنُك، وإذا ألْغى حركتك في الامْتِحان فقد ألغى امْتِحانك، وأنت جئت للدنيا لِتُمْتَحن، وهي عقيدة أهل السنَّة والجماعة.
فالله تعالى لا يُحِبُّها، ولا يرْضاها، بل يُبْغِضُها، ويسْخطها، ويكْرهها، وينْهى عنها، وهو قوْل السّلف قاطِبَةً، فيقولون: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وإنَّ الإنسان إذا اسْتَحكَمت به الشَّهوة وأصَرَّ عليها، أصْبَحَت هذه الشَّهْوة حِجاباً بينه وبين الله، فلَعَلَّ الحِكْمة أن ينطلق إليها كي تفْرغ نفْسه، وكي يأتي العِقاب على أثر هذه الشَّهْوة التي أصرَّ عليها، وحتى تفرغ نفْسه من هذه الشَّهوة، ولله تعالى في خلقه شؤون. إرادة الله تعالى الدِّينِيَّة الشَّرْعِيَّة :
هذا الموضوع إن شاء الله تعالى سنُتابِعُه في وقْتٍ آخر، إلا أنَّني أُنْهي هذا الحديث بِهذه الآيات، فالله تعالى أراد أي سَمَح، لكن هناك آيات أخرى يكْفي أن تسْمعوها، قال تعالى:
﴿ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾
[ سورة البقرة: 185 ]
وقال تعالى: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾
[ سورة النساء: 26 ]
وقال تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً ﴾
[ سورة النساء: 27 ]
وقال تعالى: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً ﴾
[ سورة النساء: 28 ]
وقال تعالى: ﴿ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ ﴾
[ سورة المائدة: 6 ]
قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ﴾
[ سورة الأحزاب: 33 ]
ماذا يريدُ الله عز وجل؟ الخير، والسعادة، والتوبة، والفلاح، والنَّجاح، فهذه إرادة الله تعالى الدِّينِيَّة الشَّرْعِيَّة. إرادة الله تعالى التَّكْوينِيَّة :
أما إرادة الله تعالى التَّكْوينِيَّة فَمُتَعَلِّقَةٌ بِمُعالَجَةِ الإنسان، أحْياناً تفْعل شيئاً يتناقض مع حياتك، زوْجان مُتخاصِمان، وكل يوم في مُشْكِلَة، فلو أنَّهما احْتَكما إلى قاضٍ شرعي ليَحْكم بينهما ويُفَرِّق بينهما إلى أمَدٍ حتى يعْرف كل منهما قيمة الآخر فالقاضي فَرَّقَ لِيَجْمع، فالله تعالى له إرادة شرْعِيَّة، أما إذا أراد بِمَعنى سَمَح، كأن يسمح الله لإنسان أنْ يزْني، أو أن يسْرق، فقد سَمَح له تطْهيراً، وتأديباً، وامْتِحاناً، فهناك إرادتان: تَكْوينِيَّة أو تشْريعِيَّة، أو أن نقول: هناك أمر تكليفي وآخر تكويني، فالتَّكْليفي أمرك بالطاعة، أما التكويني فقد سمح لك أن تعْصِيَهُ لِحِكْمةٍ بالغة لا تعرف قيمتها إلا بعد حين، لذلك احْفظوها: كلّ شيء وقع أراده الله، وكل شيء أراده الله وقع، وإرادة الله تعالى مُتَعَلِّقة بالحكمة المطلقة، وحكْمته المطلقة مُتَعَلِّقة بالخير المطلق، قال تعالى:
﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾
[ سورة آل عمران ]
هذه الفِكرة لو اسْتوعَبَها الإنسان لَمَلأت قلبهُ طمأنينةً واسْتِقْراراً، ويقيناً وراحَةً، فأنت اِفْعَل ما تشاء لكن إياك أن تتَّهِمَ الله عز وجل، لأنَّ هناك كوناً خلَقَه الله عز وجل، ولأنّ هناك أفعالاً يفْعلها، فإذا أردتَ أن تنظر في أفعاله قبل أن تنظر في كونه فقد لا تصِلُ إليه وتُسيء الظنَّ به، أما لو نَظَرْتَ إلى خلقه أوَّلاً لامْتلأت نفسك تعْظيماً له، فإذا نظرْتَ إلى أفعاله لعلَّ النظر الأوَّل ألْقى على النَّظر الثاني ضَوْءاً كاشِفاً، فلو أنَّك رأيْتَ شخْصاً يضْرب طفْلاً فقد تسْتنكر هذا، أما لو قيل لك: هذا أب، فَحَتْماً هذا الضرب رحْمَةً بالابن، أما لو غَفَلْتَ عن الابن، ونظرْتَ إلى الأب لاتَّهمتَه بالظلم والقَسْوة، فأنا أريد أن نُفَكِّر في الكون قبل التفكير في الحوادِث لأنَّ التفكير في الحوادِث حقل ألغام، أما لو فَكَّرتَ في الكون لعرفْتَ الخالق، وتقول هذه المقولة: عظمة الخلْق تدلّ على كمال التَّصرُّف، فابْدأ بالكون، ثمَّ انْظر إلى أفعال الله عز وجل.

السعيد 09-15-2018 01:38 PM

رد: العقيدة الطحاوية
 
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية - العقيدة الطحاوية

الدرس : ( السادس )

الموضوع : الله لا تبلغة الاوهام ولا تدركة الافهام






الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلماً، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه، وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
الحقيقة الأساسِيَّة في عِلْم التوحيد وعلم العقيدة أنَّ عَيْن الجهْل به عيْن العلم به:
أيها الأخوة المؤمنون، نحن مع موضوع جديد أساسه قول الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى: "لا تبْلغه الأوهام، ولا تُدْركه الأفْهام"، مِن حين لآخر أُكَلِّفُكم قِراءة النصوص، وأنا أُعَلِّق عليها، لكن أردْتُ من هذا الدرس إعْطاء بعض القواعد التي أنتم بِأَمَسِّ الحاجة إليها من حيث اللُّغة. قال تعالى:
﴿ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً ﴾
[ سورة طه: 110]
أنت بِعَقْلِك تصِلُ إلى الله أم تُحيطُ به علماً؟ الوُصول شيء، والإحاطة شيء آخر، فأنت بِمَرْكبتك تسْتطيع أن تصل إلى البحر، وأن تراه، وتستمتع بجمال البحْر، وعمقه، وامْتِداده، أما أن تُحيط بالبحر فهذا مُسْتحيل، لذلك الحقيقة الأساسِيَّة في عِلْم التوحيد وعلم العقيدة أنَّ عَيْن الجهْل به عيْن العلم به، وأنّ عين العلم به عَيْن الجهْل به، فوَطِّنْ نفْسك أن تقول: لا أدْري، لأنَّه لا أحد يسْتطيع أن يُحيط بالله سبحانه، قال تعالى: ﴿ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ﴾
[ سورة البقرة: 256]
قال الإمام الطحاوي: قال في الصحاح تَوَهَّمْتُ الشيء ظَنَنْتُه، وفَهِمْتُ الشيء علمتُه، ومُراد الشيخ رحمه الله لا يملك بهواه، ولا يُحيط به علماً، أنا أتمنى على أخوتنا الكرام أنَّهُ إذا ذُكِر إمام جليل، أو عالم، أو فقيه أن تقول كما قال شارح هذا الكتاب رحمه الله تعالى، وأن تقْتصر في كلمة رضي الله عنه على صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، ووجَدْتُ أكثر العلماء يتَّجِهون هذا الاتِّجاه، فإذا ذُكِر الصحابي تَرَضَّوا عنه، وإذا ذُكِر العالم الجليل، أو الفقيه تَرَحَّموا عليه، فإذا ذكرتَ الإمام الغزالي قلت: رحمه الله تعالى، وإذا ذُكِر سيِّدنا معاذ بن جبل قلت: رضي الله عنه، إلا أنَّهُ على وَجْه التحقيق اليقيني ليس هناك من أهل الجنَّة إلا الذين بَشَّرهم النبي عليه الصلاة والسلام، وما سِوى ذلك فرجاءً، وهذا من الأدب مع الله تعالى، بل إنّ هذا الأدب تَحَلَّى به النبي عليه الصلاة والسلام. أن تعرف حقيقة الألوهيَّة هذا فوق طاقة البشر بما فيهم الأنبياء :
عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ أُمَّ الْعَلَاءِ امْرَأَةً مِنْ الْأَنْصَارِ بَايَعَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهُ اقْتُسِمَ الْمُهَاجِرُونَ قُرْعَةً فَطَارَ لَنَا عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ ـ أيْ وقع في سهْمنا ـ فَأَنْزَلْنَاهُ فِي أَبْيَاتِنَا فَوَجِعَ وَجَعَهُ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ وَغُسِّلَ وَكُفِّنَ فِي أَثْوَابِهِ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ: رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ أَبَا السَّائِبِ فَشَهَادَتِي عَلَيْكَ لَقَدْ أَكْرَمَكَ اللَّهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
((وَمَا يُدْرِيكِ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَكْرَمَهُ؟ فَقُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَنْ يُكْرِمُهُ اللَّهُ؟ فَقَالَ: أَمَّا هُوَ فَقَدْ جَاءَهُ الْيَقِينُ وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُو لَهُ الْخَيْرَ وَاللَّهِ مَا أَدْرِي وَأَنَا رَسُولُ اللَّهِ مَا يُفْعَلُ بِي، قَالَتْ: فَوَ اللَّهِ لَا أُزَكِّي أَحَداً بَعْدَهُ أَبَداً))
[البخاري عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ]
معرفة المُسْتقبل ليس من صفات العبْد، بل هي من صِفات الرَبّ، فَمَن تألَّى على الله تعالى، وحَكَم عليه فقد تجاوَزَ حَدَّهُ، ولاحِظوا أهل العِلم إذا أثْنَوا على إنْسان، وتَحَدَّثوا عنه يقولون: ولا نُزَكِّي على الله أحداً، والشيء الثابت أنّ معرفة خبايا النفوس أمرٌ مَوْكول إلى الله عز وجل، فأنت كَدَاعِيَة إذا سئلتَ: هل فلان من أهل الجنَّة أم من أهل النار؟ فقلْ: هذا من شأن الله تعالى وليس من شأننا، توزيع الألقاب والمراتب من تقوى، وصلاح، وإيمان، وهذا منافق، وذاك كافر؛ كلُّ هذا لا يليق بالإنسان، قال تعالى: ﴿ قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ ﴾
[ سورة الأنعام: 104]
فكلما زاد عِلمك ازْداد أدبك لأنَّ مؤشِّر العِلْم يسير معه مؤشِّر الأدب، والحقيقة أنّ الذي يُفَرِّق العالم عن الجاهل هو الأدب الرفيع الذي يتحلّى به العالم، فلو سئلْتَ عن إنسان ورأيته يشْرب الخمْر أمامك، فلا تقل: لعلَّه يكون أحْسن منِّي، فهذا هراء، فالواجب أن تقول: هذه معْصِيَة إذا مات عليها فحالته خطيرة، أما إذا تاب إلى الله تعالى فلعلَّه يسْبقني بعد التوبة، وهذا الكلام كلامٌ عِلْمي يتماشى مع كتاب الله تعالى عز وجل.
فالفهم هو ما يُحصِّله العاقل ويُحيط به، والله تعالى لا يحيط بكيفه إلا هو، حتى الأنبياء، وسيِّدُ الأنبياء يقول: لا يعلم الله إلا الله، أن تعرف حقيقة الألوهيَّة هذا فوق طاقة البشر، بما فيهم الأنبياء.
العِلْم من خصائِصه القطْع والواقع والدليل :
تعلمون أيها الأخوة أنَّ الوهم، والشكّ، والظنّ، وغلبة الظنّ، واليقين، والقطْع، إذا أمكن أن نُعْطي لهذه المصطلحات أرْقاماً فالوَهم ثلاثون بالمئة إلى خمْسة عشر، والشكّ خمسون بالمئة، والظنّ سبعون أو ثمانون، وغلبة الظنّ عشرة زائدة، والقريب من القطع اليقين، أما القطْع فمئة بالمئة، فالعِلم هل يفيد القطْع أمْ الظنّ؟ العِلْم هو القطْع حقيقة، وعلاقة مقْطوع بها مُطابقة للواقِع يُؤَيِّدُها دليل، إذا أردْتَ التعريف الحقيقي للعِلْم؛ حقيقةٌ مَقْطوعٌ بها يُؤَكِّدُها الواقِع، أو مُطابقة للواقع، عليها دليل، فالآن اِحْذف الدليل، ماذا يبقى؟ التَّقْليد، اِحْذف الواقع؛ تُصبح هذه المَقولة جهلاً، فالمقولة إذا خالفت الواقع فهي جهْل وإذا افْتَقَرَتْ إلى الدليل فهي علم، أما إذا شُكَّ في مِصْداقِيَّتِها كأن تكون وهْماً أو شَكاً فليْست بِعِلْم، فالعِلْم من خصائِصه القطْع، والواقع، والدليل، ويا أيها الأخوة أنتم كدُعاة ما دُمْتَ مع الواقِع يُصْغي إليك وأنت مُحْتَرَم، أما إذا ابْتَعَدتَ عن الواقع فَقَدْتَ قيمة العِلْم، لأنَّ الواقِع خلْقُ الله، والقرآن كلامه، والفِطْرة مقْياس نفسي أوْدعَهُ الله فينا، والعقْل مِقياس عِلْمي أوْدَعَهُ الله فينا، فالحقّ يتوافق مع الواقع، والفِطْرة، والعقْل، ومع النَّقل فإذا أُلْغِيَ الواقع فنحن في الجهل، حقيقةٌ تعلمونها وهي أنَّ الجهل لا يعني افْتِقارك إلى المعلومات، لكنَّ الجهل أن تمْتَلِك معلومات كلَّها مغْلوطة! ألاَ يوجد من يتكلَّم ساعة في سهْرة من السهرات كلُّها فلسفة، ويقول: رأيي كذا وكذا، فالجاهل يتحرَّك بالوَهْم، ومعلوماته كلَّها مغْلوطة، أما العالم فهو الذي يمتلئ وِعاؤه حقائق، يَدْعمها العقل، والفطرة، والواقع، أما الذي لا يعلم شيئاً فهو الأمِّي، فالأمِّي شيء، والجاهل شيء آخر.
لا يمكن أن نعرف الله إلا من طريقين الأوَّل من خَلْقِهِ والثاني من كلامه عن نفسه:
هناك نقطة مهمّة جداً أنتم في أَمَسِّ الحاجة إليها وهي أن تجد فلاناً من الناس يحمل دُكتوراه! فهذا ليس له علاقة، فكما أنَّك ـ وقد تكون طالب عِلم منذ عشرين عاماً ـ دَرَسْتَ القرآن، وحفظْته، وفهِمْته، وفسَّرْته، فلعلَّك في قِمَّة العِلم، ولو عُرِضَ عليك تَخْطيط قلب لم تفْقهْ منه شيئاً، فأنت أُمِّيٌّ أمام هذا التخطيط، ولعل الطبيب نفسه لا حظَّ له في علم الدين، فهذا الطبيب أمِّيٌّ في الدِّين، أما في الطب فهو عالم، فالنقطة الدقيقة التي ما رأيتْ أدَقَّ منها قول الإمام عليٍّ كرَّم الله وجْهه: نحن نعرِفُ الرِّجال بالحق، ولا نعرف الحق بالرِّجال، فإذا قال إنسانٌ كذا فنحن عندنا منهج؛ كتاب وسنَّة، وعندنا قرآن، وكلام النبي العدنان، وآراء المُجْتهدين، فلا يكفي أن يقول فلان كذا حتى يكون كلامه حقاً، نحن نُقَيِّم الرجل من كلامه، وليس لنا أنْ نقيِّم الكلام من الرجل، فهذه نقطة دقيقة جداً، كلَّما نما عِلْمك لا تؤخذ بالأشخاص إنما بِالحقائق، وكلما قلَّ عِلْمُك تؤخذ بالأشْخاص، ولذلك الحق ـ انتبه لهذه الحقيقة ـ تصغر فيه الأشْخاص، وتكبر فيه المبادئ، والباطل تصغر فيه المبادئ، وتكبر فيه الأشْخاص، ففي حقل الباطل الأشخاص كُبراء، أما في حقْل الحق الأشْخاص صِغار، والمبادئ هي الكبيرة، فالمبادئ غير الأشْخاص، فأنت اِجْعل تعاملك في الدعوة إلى الله مع المبادئ، المبادئ ترفع الإنسان، أما إذا كان التسْليط على أشْخاص مُعَيَّنين، فإنَّه ينشأ من هذا التَّسْليط حزازات، وحسد، وغيرة، وانتِقاد.
إنما نعرفه سبحانه في صِفاته، ولم يكن له كفواً أحد؛ بما أنَّ الله سبحانه وتعالى لا ترقى إليه الأفهام، ولا تدركه الأبصار، ولا تُحيط به العقول، إذاً لا يمكن أن نعرفه إلا من طريقين: الأوَّل من خَلْقِهِ، والثاني: من كلامه عن نفسه، فالمعرفة المباشرة مُسْتحيلة، لأنَّ الله سبحانه وتعالى لا يُحاط به، إلا أنَّنا قرأنا كلامه، فأخْبرنا عن ذاته أنَّهُ حيٌّ قَيُّوم، لا تأخذه سِنَةٌ ولا نوم؛ قال تعالى:

﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾
[ سورة الحشر: 23]
وبالمناسبة، أذكر أنَّني قلتُ لكم قبل درْسين: إنَّ الشيء الذي يعْجز عقلك عن إدْراكه أخْبرك الله به، فَمِن هذه البُنود الكُبْرى التي يعْجز عقلك عن إدْراكها غَيْبُ الحاضِر، والماضي، والمُسْتقبل، كعالم الجنَّة، والملائكة، من المُغَيَّبات الكبرى التي يعجز عقْلك عن إدْراكها، والتي أخبرك الله تعالى بها هي ذات الله عز وجل، فالأمور إذا تَوَضّحَت زالت الأزْمة التي تنشأ بينك وبين المُناقِش، فالله عز وجل من أجل أنَّنا أضْعف من أنْ نُحيط به، ومن أن نعرِفَهُ معرِفَةً مُطْلقة، ولو كان نَبِيّاً فلا يعرف الله إلا الله، إذْ عُقولنا قاصرة، واللهُ تعالى أخبرنا عن ذاته بِكذا وكذا، وهناك أشْياء نعرفها عن الله تعالى من خلقه، فأنت يمكن أن تُلاحظ أفعال الله عز وجل وخلقه، فَتعرفه مِن خلقه وأفعاله، فإذا قرأت القرآن تعرفه من كلامه، وأكثر من ذلك أنه لم يُكَلِّفْك ما لا تُطيق. التعليم بالصورة أبلغ في التعبير من آلاف الكلمات :
قال رحمه الله تعالى: "ولا يُشبه الأنام"، فهو ردٌّ لِقول المُشَبِّهة الذين يُشَبِّهون الخالق سبحانه وتعالى بالمخلوق، قال عز وجل:
﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾
[ سورة الشورى: 11]
ليس المراد نفي الصفات كما يقول أهل البدع، فَمِن كلام أبي حنيفة رحمه الله تعالى في الفقه الأكبر قوله: لا يُشبِهُ شيئاً من خلقه، ولا يُشبهه شيء من خلقه، وصفاته كلُّها بِخلاف صِفات المخلوقين، يعلم لا كَعِلْمنا، ويقدِرُ لا كَقُدرتنا، ويرى لا كَرُؤيتنا.
هذا الموضوع يقودني إلى شيء، الكَلِمة في اللغة أيها الأخوة ليْسَت ذات معنى إلا إذا كان لها مُرْتَكَز، لأنَّ الكلمة في الأصْل تُثير خِبْرات سابِقَة، أو وِعاء تحتوي على خبرات، فإذا قلت كلمة: بحر، فهذه الكلمة أثارَت صُوَراً في ذِهْنِك الآن، لأنَّك تعرف البحر في سوريا، وهناك مَن ركبه، وهناك من سبح فيه، وهناك من رآه، وهناك من كاد أن يغْرق فيه، وهناك من ركب القارب، واسْتمْتع بِهدوئه، والنسيم العليل على سطْحه، وهناك من كاد يموت فيه، فَكَلِمَة بحْر إذا ذكرتها تُثير كُلَّ هذه الخِبْرات، الآن ربُّنا عز وجل إذا أراد أن يُحَدِّثنا عن الجَنَّة فلو أنَّ الأرْض كُلَّها صَحارى، ولا لون أخضر فيها، ولا مياه عذْبة، ولا جبال خضْراء، ولا أشْخاص في أبهى صورة، فالحديث عن الجنَّة ليس له معنى إطْلاقاً، تفْقِدُ اللغة مَدْلولها إن لم يكن للكلمة مَدْلول، لذلك أخطر تعليم هو التَّعْليم اللَّفْظي، فالآن نحن دَخَلْنا في موضوع تَرْبوي فأنا مثلاً عندما أريد أن أقول للطلاب أشياء كلّها كلام بِكَلام، واقِع الطالب بعيد، أما لو يرى الطالب تفاعل الماء مع الصوديوم؛ هذه الرؤيا لا ينساها حتى الموت، فإذا قلنا: صوديوم يتذَكَّر التفاعل، وإذا قلنا ماء يتذكَّر التفاعل، لذا التعليم بالصورة مُفيدٌ جداً، وأحْياناً قِصَّة واقِعِيَّة، أو مَشْهد، أو مُفارقة، أو صورة رائِعة هي أبلغ في التعبير من آلاف الكلمات.
الأَدَب من أرْقى الفنون وقِوامُه الكلمات :
الصورة قالوا عنها: تحوي طاقة تَعْبيرِيَّة تُساوي ألف كلمة، لذلك صَوَّر الله عز وجل في القرآن مشاهِد، مثَلاً قال تعالى:
﴿ فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾
[ سورة الحج: 45 ]
أيْ هذه صورة مُجتمع أهْلكه الله عز وجل، المرْفَق الأساسي مُعَطَّل، وهذه البئر والقرية كلها خاوية مدمرة، وصارت حطاماً، فهذه صورة من الصُّوَر، فالداعِيَة أحْياناً قد يحتاج أن تُعَبِّر بالصورة لا بالفِكْرة، ونحن عندنا قاعدة وهو تعبير مُباشر وتعبير غير مُباشر، فالتعبير غير المُباشر تعبير بالصورة: بلاني الدَّهر بالأرزاء حتى فؤادي في غِشاءٍ من نِــبال
فكنت إذا أصابَتْني سِهـامٌ تَكَسَّرت النِّصال عن النِّصـال
* * *

هذا تعبير بالصورة، أما لو قال الشاعِر: تكاثَرَت عليَّ المصائِب فهذا تعبير بالفِكْرة، فالتعبير بالصورة أجْمل، لذلك فالأدَب حينما يسْتخدِمُه الدعاة في توظيف الحقّ يُفْلِحون، فالأدَب فنّ، والفنّ هو التأثير في الآخرين عن طريق الكلِمَة، فالفنون الجميلة قِوامها الألْحان، وهذا الفنّ قِوامه الأحْجار، وهذا فنّ قِوامه الألوان، والأَدَب من أرْقى الفنون وقِوامُه الكلمات، فإذا قرأ الإنسان قول النبي عليه الصلاة والسلام: ((...إِنَّ مِنْ الشِّعْرِ حُكْماً ))
[أبي داود عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ]
فللجملة معناها العميق والمؤثِّر. العِلْم بالتَّعَلّم :
الآن دخلنا في موضوع هو من أصول الدعوة، فلا يُعقل من داعِيَة ليس له أُسلوب أدبي، لذلك أتمنى على أخواننا الدعاة أنْ يكون عند كل واحدٍ دَفتر مُختارات، فإذا سَمِعْتَ شِعْراً، أو حكمة، أو قولاً، وأحياناً حَديثاً، فالإنسان كلَّما حَفِظ نُصوصاً رائِعَة فهذا يُعينه على الأداء، وقد يقول أحدكم: أنا أتَّصِل بالله تعالى، وعندها يكون التأثير، أليس في حديث رسول الله صُوَر، وأمْثال، وتعابير، وتوازن لفْظي، ومشاهِد، وقِصص، هذه كلّها أساليب أدَبِيَّة، فالذي أتمناه عليكم أنَّك إن قرأت كتاباً أدَبيّاً، أو إذا قرأْتَ القرآن، أو حديث النبي عليه الصلاة والسلام ينبغي ألاّ تنصَرِف إلى الفِكرة وحْدها، بل إلى الصورة كذلك، تعَلَّم من الأساليب اللغوِيَّة الرفيعة، لذلك تحتاج إلى مختارات لا على أساس أنَّها مختارات الأفكار بل على أساس أنّها صُوَر، أنا أذْكر كلَّما عَثَرْت على عبارة أدَبِيَّة كنت أكْتبها في الدفتر، فمَعَ الكتابة والمُراجعة هَضَمْتها، وكنت أقول لكم دائِماً: إنَّ الإنسان له ذاكرتان؛ ذاكرة تَعَرُّفِيَّة، وذاكرة اسْتِرْجاعِيَّة، فَذاكِرَتُه التَّعَرفيَّة غَنِيَّة جداً، أما الاسْتِرْجاعِيَّة فَضَعيفة جداً، فليس كلّ شيء إذا عرفْته أو قرأتَهُ يمكنك أن تسْتَعيدَهُ، والدليل لو أمسَكْتَ كِتاباً أدَبِياً سَتَجِد عَشَرات الكلمات إذا رأيْتَها في سِياقها تعرِفُ معناها، لكن لو كَلَّفْناك كِتابة موضوع، فهذه الكلمات التي رأيْتها وعَرفتها لا تذكرها عند الكتابة، فما تفْسير ذلك؟ أنَّ هناك ذاكِرَتين تعَرُّفِيَّة واسْتِرْجاعِيَّة، وهذا الشيء واضِح باللغة الأجْنَبِيَّة أكثر، فأن تقرأ كلمة تقول: معناها كذا وكذا، لكن لو قيل لك: ما الكلمة التي تُقابل في الإنجليزيَّة هذه المُفردة العَرَبِيَّة؟ تقول: لا أعرف، أو لا أذْكر، فأنت حينما تقرأ النصّ قِراءة أسْلوبِيَّة تَقِف على الصُّوَر، والتَّشْبيهات، والاسْتِعارات، والكنايات، والتعليقات، والصور الوَصْفِيَّة، والمشاهِد، وإذا وَقَفْت عند هذه التعبيرات، ووضَعْتَ تحتها خطّاً أحْمر، فإنَّك تَمْتَلِكُها، وكأنَّك تنقلها من ذاكِرَتِك التَّعَرُّفِيَة إلى ذاكِرَتِك الاسْتِرْجاعِيَّة، وفي النِّهاية لا بدّ أن ينمو مخزونُك من الكلمات والعبارات الأسلوبية المتنوعة، والورقة ليْسَت معي، فهذا غير وارِد! فإذا لم يكن لك مَخزون من الصُّوَر الأدَبِيَّة والأساليب والأمْثال فالعطاء ضحل، ولا تنسَ أنَّ الأدَب سِلاحٌ خطير، يسْتخدِمُه الدعاة للحقّ، ولذلك أرْوَع ما تقرؤه هو أن تقرأ كلاماً ينطَوي على مضْمون عميق بِأُسْلوب أدَبي، فالعِلْم بالتَّعَلّم، وهذه حقيقة، وعلى هذا فلا تسْمح لنفسِك أن تقرأ كتاباً أدَبِيّاً دون أن تَقِف عند صُوَرِه الأدَبِيَّة؛ من تشْبيه، وبيان، واسْتِعارة، وكناية.
جمال أسلوب القرآن :
هل مَرَّ معكم في القرآن صورٌ أَدَبِيَّة؟ كثيرة جداً، إذا قرأتَ القرآن فشيء رائِعٌ أن تقف عند صُوَرِه، وإذا قرأْت الحديث النَّبَوي فقِفْ عند صُوَرِه، فإنّ الله تعالى قال:
﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُم﴾
[ سورة محمد: 19 ]
هذه الكلمات الخمس: ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾
[ سورة محمد: 19 ]
مُوَضَّحة في القرآن الكريم، فمثلاً سورة يوسف كلّها من أجل أن تعلم أنّه لا إله إلا الله، فإما أن تُعَبِّر تعبيراً تقْريرِياً، وإما أنْ تُعَبِّر تعبيراً تصْويرِياً، والتعبير التَّصْويري أجْمل بِكَثير، وقد ذَكَرْتُ لكم أنَّني أتمنى على من يقرأ القرآن أن ينصرف ذِهْنه إلى نظْمه وأسْلوبه بالإضافة إلى معانيه، قال تعالى: ﴿ فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً* فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً ﴾
[ سورة العاديات:4-5 ]
هذا أُسْلوب موسيقي وفيه إيقاع، حتى هذا الإيقاع يُشْبه حركة الخَيْل، فالإنسان الذي يُحِبّ أن يتزَوَّد من هذه الموضوعات فإنَّ كتباً كثيرة جداً تتحَدَّث عن بلاغة القرآن، وعن التَّصْوير الفني في القرآن، ونحن بِحاجَة إلى أن نضَع يَدَنا على جمال أسلوب القرآن، وعلى جمال أُسْلوب الحديث، كي نقْتَبِسَ منهما أسْلوباً أدَبِيّاً في الدعوة إلى الله، فأنت في النِّهاية يجب أن تُسَخِّر فنَّ الأدب، والتعبير، والقِصَّة، والحِوارِيَّة، والمقال، والشِّعْر في توْضيح الحقّ، حتى لو كنتَ تتكَلَّم بِكَلامٍ عميقٍ جداً، وبِأُسْلوبٍ بسيط ساذج غير أدبي، وعلمي، وركيك، كمن يُقَدِّم أنْفس شراب لِصديق في قدح صدئة، لذلك تَعَلَّموا العربِيَّة فإنَّها من الدِّين، فأنت تتكَلَّم بها كلاماً دقيقاً، واضِحاً، ومؤثِّراً. مذهبنا التكفير بالتجريد لا بالتحديد والتعيين :
قال نعيم بن حمَّاد: من شَبَّه الله تعالى بِشيء مِن خلقه فقد كَفر، ومن أنكر ما وَصَف الله به نفْسه فقد كفر، وليْستْ لما وصَفَت به نفسه ولا رسوله تشْبيه، تعليقنا على هذا الكلام: أنت تقول: في الجنَّة بساتين، وأنّ في الأرض بساتين، فيها أزْهار، وأشْجار، واخْضِرار، وماء عذْب، فهذه صُوَر الأرض، إلا أنَّ جنات الآخرة ليس لها من جَنَّات الدنيا شبه إلا الاسْم، فالنبي عليه الصلاة والسلام بَشَر، فكلّ ما قاله عن الله عز وجل، وكلّ ما قاله الله عن ذاته بَوْن شاسِع، وهو أنَّ المَخلوق لا يُحيط بالخالق، وهذا جاء في الحديث القدسي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَالَ اللَّهُ:
((أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ))
[متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
وقال إسْحاق بن راهَوَيْه: من وَصَف الله فَشَبَّه صِفاته بأحد من خلْق الله فهو كافِرٌ بالله العظيم. ومِن هذا القول ظهرتْ لنا قاعِدَة: إياكم أيها الأخوة الدعاة، ثمَّ إياكم، ثمَّ إياكم أن تُكَفِّروا شخصاً بالتَّحْديد، لكم أن تُكَفِّروا من دون تَحْديد، كيف؟ تقول: من قال أنَّ الله يُشْبه أحداً من خلْقه فهو كافِر، من قال؟ لا نعرف من قال! أما أن تقول: فلان قال كذا فهو كافر؛ أعوذ بالله! أنت الآن دَخَلْت في الفِتَن، والعلماء الأجِلاء عَلَّمونا ألاّ نُكَفِّر بالتَّحْديد، كَفِّرْ مَقولة، أو فِكْرة، ولكن لا تكفِّرْ إنساناً! إياك أن تُكَفِّر المؤمن أو المسلم!! أنت عليك أن تقول: هذه الفكرة كُفْر أو بدْعة، أما أن تعزُوَها إلى أصْحابها فقد وَقَعْتَ في شَرٍّ كبير وفي فتْنة، ويصبح الداعية غارقاً في فتنةٍ، فأنت تقول مثلاً: من رَدَّ هذه الآية فهو كافِر، ومن أنكر عذاب النار فهو كافِر، دائِماً من أنكر! أما التكفير بالتحديد والتعيين فهو ليس من مذْهبنا، فنحن مذهبنا التكفير بالتجريد لا بالتحديد والتعيين، والذي أُضيفه أيضاً أن ليس كلّ من وقع في الكفرِ وقع عليه الكُفْرُ، فلو كان أخوك أمِّي أو جاهل أو ساذج في تفكيره، وكان بِسَاعة غفلة ثمّ قال كلاماً فيه نظر فليس من شأننا أن نُكَفِّره، ولكن نقول أخْطأ وغلط، فأنت ليس من شأنك تقييم العِباد وليس من شأن العِباد أن يُقَيِّموا بعضهم بعضاً.
قال رحمه الله: "علامة ابن جهْمٍ وأصْحابه دَعْواهم على أهل السنَّة والجماعة ما أولِعوا به من الكذب أنَّهم مُشَبِّهة بل هم المعطِّلة، فالذين ينفون صفات الله مُعَطِّلَة، والذين يُشَبِّهون الله مُشَبِّهة، وكلاهما فرقة ضالة، وكذلك قال خلقٌ كثير من السَّلف: علامة الجهْمِيّة تَسْميتهم أهل السنَّة مُشَبِّهَة، فإنَّه ما من أحد نفى شيئاً من الأسْماء والصفات إلا ويُسَمِّي المُثَبِّت لها مُشَبِّهاً، ولقد عرفْنا اليوم منكري الصفات، وهم المُعطِّلة، وتشْبيه الله بخلْقه، وهم المُشَبِّهة، وكلاهما فرقة ضالة، لأنَّهُ لا يُشْبه الأنام، وهم الخلق كلّهم، وكلّ ما سِوى الله.
أعزّ مكان في الدُّنَى سرْجُ سابِحٍ وخير جليس في الأنام كتاب
* * *

فالأنام كلمة واسعة جداً، بعضهم قال: بني البشر، وبعضهم قال: المخلوقات المتحرِّكة، وبعضهم قال: ما سِوى الله. تساوي الأسماء لا يعني تساوي الذوات :
قال رحمه الله: "فَمَن أنكر أسْماء الله بالكُلِيَّة من غُلاة الزنادِقَة كالقرامطة والفلاسفة وقال: إنَّ الله تعالى لا يُقال له: عالِم ولا قادِر ويزْعم من سَمَّاهُ بذلك أنَّهُ مُشَبِّه، لأنَّ الاشْتِراك في الاسم يوجب الاشْتِباه في معناه، ومن أثْبَتَ الاسم، وقال: هو مَجاز كَغالِيَة الجَهْمِيَّة يزْعم أنَّهُ من قال: إنَّ الله عالِمٌ حقيقة، وقادِر حقيقة فهو مُشَبِّه.
هذه الفِكْرة مَبْنِيَّة على وَهْمٍ كبير، وهو أنَّك إذا قلتَ عن الله: إنه عالِم قيل لك: وفلان عالِم، تساوي الأسماء لا يعني تساوي الذوات، فالفِكْرة أساسها غلط، إذْ لما يتشابه شيئان في اسم واحِد فلا يعني أنَّهما مُتَشابِهان في المسمَّى، فهذه الدَّعوى باطِلة.
قال رحمه الله: "ومن أنكر الصفات وقال: إنَّ الله ليس له علْمٌ ولا قدرة ولا كلام ولا مَحَبَّة ولا إرادة كمن قال لِمَن أثْبَتَ الصِّفات مُشَبِّه".
قول المؤلِّف رحمه الله: إنَّ الله ليس له علْمٌ ولا قدرة ولا كلام ولا مَحَبَّة ولا إرادة، فماذا تُعربون هذه اللاءات؟! نحن عندنا قاعِدة في القرآن الكريم، فالله عز وجل قال:

﴿ فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى ﴾
[ سورة القيامة: 31]
فإذا قلنا نحن: فلا صَدَّق وصلى؛ فهل صَلَّى؟ ما صلى، فمعنى الآية الدقيق لم يُصلِّ، ولأنَّ المعْطوف على المَنْفي مَنْفِيّ مثله، ولكن لمّا فَهِمْتُم أنَّهُ صلى حدَثَ الْتِباس، جئنا بِحَرْف زائِد لتوكيد النفي، فَكُلّ هذه اللاءات زائِدَة لِتَأكيد النَّفي. فقولنا: إنَّ الله ليس له علْمٌ، ولا قدرة، ولا كلام، ولا مَحَبَّة، ولا إرادة، كَقَوْلِنا: إنَّ الله ليس له عِلْمٌ، وقدرة، ومحبَّة، وإرادة، ولكن لئلّا نفهم العَكْس جاءَت هذه اللاءات لِتَوْكيد النَّفْي.
قال رحمه الله تعالى: من أثبت الصفات لله فهو مُشَبِّه، وإنَّهُ مُجَسِّم، ولهذا كتب نُفاة الصفات من الجهْمِيَّة والرافضة والمعتزلة ونحوهم كُلّها مَشْحونة بِتَسْميَة مُشَبِّهَة الصِّفات المُجَسِّمَة، ويقولون في كتبهم: إنَّ من جملة المُشَبِّهة قوماً يُقال لهم المالِكِيَّة يُنْسَبون إلى رجل يُقال له مالك بن أنس، وقوماً يقال لهم الشافِعِيَّة يُنسبون إلى رجل يُقال له محمّد بن إدريس، وحتى الذين يُفَسِّرون القرآن منهم كَعَبْدِ الجبار والزَّمَخْشَري، يُسَمُّون كلّ من أثْبت شيئاً مِن الصِّفات والرؤية مُشَبِّهَة.
الله
تعالى يعلم لا كعِلْمِنا ويقدر لا كَقُدْرتنا ويرى لا كَرُؤْيَتِنا : أهل السنَّة والجماعة يُثبتون الرؤية يوم القيامة، لكنّ بعض الفِرَق الضالة تنفي رؤية الله تعالى، فإذا قلت لهم: ما تفعلون بقوله تعالى:
﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ *إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾
[ سورة القيامة: 22-23 ]
قال: منتظرة، أي تنتظر حِسابها، وهذا هو التأويل، قال رحمه الله: وهذا الاسْتِعمال قد غلب عند المتأخِّرين من غالب الطوائف، ولكن المشهور من اسْتِعمال هذا اللّفظ عند علماء السنَّة المشْهورين أنَّهم لا يريدون بِنَفي التَّشْبيه نَفْي الصِّفات عند كل من أثبت الصِّفات، بل مُرادهم أنَّه لا يُشبه المخلوق في أسْمائِه، وصِفاته، وأفعاله، كما تَقَدَّم من كلام أبي حنيفة رحمه الله: أنَّهُ تعالى يعلم لا كعِلْمِنا، ويقدر لا كَقُدْرتنا، ويرى لا كَرُؤْيَتِنا، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾
[ سورة الشورى: 11 ]
مستلزماً لنفي الصِّفات. وهذا شيء جميل جداً، فليس كمثله شيء نَفَيْنا المُشابهة، وهو السميع البصير أثْبَتْنا الصِّفة، وهذه هي العقيدة الصحيحة.
ثمّ قال رحمه الله: ومما يُوضِّح هذا أَنَّ الْعِلْمَ الْإِلَهِيَّ لَا يَجُوزُ أَنْ يُسْتَدَلَّ فِيهِ بِقِيَاسٍ تَمْثِيلِيٍّ يَسْتَوِي فِيهِ الْأَصْلُ وَالْفَرْعُ ، وَلَا بِقِيَاسٍ شُمُولِيٍّ يَسْتَوِي أَفْرَادُهُ ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُمَثَّلَ بِغَيْرِهِ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَدْخُلَ هُوَ وَغَيْرُهُ تَحْتَ قَضِيَّةٍ كُلِّيَّةٍ يَسْتَوِي أَفْرَادُهَا.
هذه القَضِيَّة من أخْطر الأفكار، أحْياناً الإنسان بِسَذاجة وحتى يُوَضِّح شيئاً عن الله عز وجل يُشَبِّهُهُ بِمَخْلوقاتِه، فلا يسْتوي الإله مع المخلوقات ونحن عندنا آية مشْهورة بِكَثْرة، وهي قوله تعالى:
﴿ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُون﴾
[ سورة الأنبياء: 23]
فهل معنى هذا أنَّهُ ظالم؟ لا، لماذا تَوَهَّمْتُم أنَّ نفي السؤال يعْني أنَّهُ ظالم؟! لكن ليس من شأن الإله أن يُسْأل، لا يجْسر من يسْأله، ولا يعني هذا أنَّهُ ظالم بل عادل، قال تعالى: ﴿ إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقيمٍ ﴾
[ سورة هود: 56]
الفرق بين صِفات القُدْرة وصِفات الكمال :
إلا أنَّ بعض الناس لا يسْتطيع أن يُفَرِّق بين صِفات القُدْرة وصِفات الكمال، فيقول لك أحدهم: ألا يسْتطيع الله عز وجل أنْ يضع المُطيع في جَهَنَّم؟
فالقُدْرة شيء، والكمال شيء آخر، فله قُدْرة يقدر على هذا، كحال من لم يكن له مولود ذكر، ثمَّ لما جاءه مولود ذكر قالوا: يقدِر هذا الأب أن يقتل هذا المولود! إلا أنَّه لا يقدِر أن يفعل هذا، فالنقطة في هذا الموضوع أنَّ هذا الأب من حيث العضلات يقْدِر، وربنا عز وجل لو نَفَيْتَ عنه القدرة فأنت غلطان، أما لو أثْبَتَّ له الكمال فأنت مُصيب، كأن تنفي عنه النقص وتثبت له الكمال، لذلك يجب التفريق بين صفات القدرة وبين صِفات الكمال، فلله عز وجل قُدْرةً لا يُسْأل عما يفعل، وليس من شأن الإله أن يُسْأل، وهنا معنى دقيق وهو أنَّ الله عز وجل ليس مقهور وضعيف حتى يستعين بالسبب، فأنا كإنسان مثلاً لا يمكنني أنْ أصل إلى مكان بعيد إلا بالسيارة أو غيرها، فأنا مُفتقِر لهذه الأداة حتى أُكَمِّل ضَعْفي، فاسْتِخدام الإنسان هذه الوسائل صالحة للتعبير عن ضعْف الإنسان، فالإنسان يُسأل لأنَّه مَقهور بالوسيلة، أما الله عز وجل فلا يُسأل عما يفْعل، وليس له وسيلة مقهور بها، ويُكَمِّل ضَعفه بها، وإنما كُنْ فَيَكون قال تعالى:

﴿ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾
[ سورة يس: 82 ]
فهذا المعنى الثاني من قوله تعالى لا يُسأل عما يفعل، فأوَّل معنى: ليس من شأنه أن يُسأل كَإله، والمعنى الثاني: لأنَّه إله فلا تليق به العلَّة الغائيَّة، والمعنى الثالث: لِفَرْط كماله لا يُسأل عما يفعل، فَعَدْله يُسكت الألْسِنَة فلا تُحاول أن تتعرَّف إلى الله تعالى عن طريق تَشْبيهه بِخَلْقِه، هناك عبارة نكرِّرها: إذا أراد الإنسان الكلام عن الله تعالى بالتَّشبيه، وهي أن يقول: ولله المثل الأعلى، فإذا كنت مُضطَرّاً لِتَوضيح فِكرة عن ذات الله عز وجل فقُل: ولله المَثَل الأعلى. على الإنسان ألا يُحاول أن يُخضِع ما تَكَلَّم الله به عن ذاته لِمَقاييس العقل :
ثم قال رحمه الله تعالى: ولهذا لما سلكت طوائف من المتكلِّمين تأولت مثل هذه الأقيِسَة.
فهذه فكرة خطيرة جداً كذلك، لا تُحاول أن تُخضِع ما تَكَلَّم الله به عن ذاته لِمَقاييس العقل، فبالإسْراء والمِعراج، بماذا بدأ الله تعالى في الآية الكريمة؟ سبحان! هذا الذي سَأُحَدِّثكم به لا يخضع لِمَقاييسِكم، ولا لِمَقاييس الزمان أو المكان، لا تُحاوِل أن تقول: كيف أنَّه وصل إلى القدْس بِلَمْح البصر، وكيف وصل إلى السماء، فأنا دَرَسْتُ بالفيزْياء أنَّ هناك طبقة حرارتها خمْسون تحت الصِّفْر، وأخرى ألف، فكيف وصل النبي عليه الصلاة والسلام إلى فوق؟! لا تُحاوِل أن تُخْضِع المُعْجزة إلى مقاييس الزمان والمكان والفيزياء والكيمياء والفلك والرياضِيات والحركة والسُّكون، فهذه كلّها اُتْركها للأوْضاع الطبيعِيَّة، فإذا قال لك الله تعالى: سبحان، فهذا خَرْقٌ للقوانين! فهو لا يخْضع لا للعقل، ولا لمقاييس الزمان والمكان، لذلك قد تجد مَقتولاً في الحرب لونه مروّع، كأن يكون لونه أزْرق، مَذْبوحاً، أو مجْروحاً، وأمْعاؤُه كلُّها خارج جسده، لكنه عند الله ليس كذلك، بل هو حيٌّ، وهذا ما صرَّحتْ به الآية التالية:

﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ﴾
[ سورة آل عمران: 169 ]
فهذا دَخَل في عَالَم آخر غير عالَم المادَّة، فأنت لمّا تؤمن أنَّ لعالَم الدنيا قوانين، ولعالَم ما بعد البرْزَخ قوانين أخْرى ترْتاح، أما لو حاوَلْتَ أن تفْهم ما بعد الموت بِقَوانين ما قبل الموت فتدخل في حقل ما لا نِهاية، فإياك أن تُحاوِل أن تفْهم ما يجْري ما بعد الموت بِقَوانين ما قبل الموت، فَلِكُلِّ حياةٍ قوانين، والنَّفْس البَشَرِيَّة مَحْبوسَة في الجَسَد ولا تنطلق إلا عن طريقه، لكنَّ النفْس البَشَرِيَّة في الآخرة مَرْكزها الجَسَد لكنها تنطلِق انْطِلاقات واسِعَة جداً، بِشَيءٍ يبتَعِد عن قوانين الأرْض، قال تعالى: ﴿ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ*يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ* أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَئِنَّا لَمَدِينُونَ* قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ* فَاطَّلَعَ فَرَآَهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾
[سورة الصافات: 51-55]
لو كان لك قريب ساكن بأمْريكا، ثمَّ سَمِعْتَ بِمَوتِه فلا تستغرب، أما في الآخرة فيكْفي أن يخْطر بِبَالِك كي تراه أمامك! إذاً لا تُحاوِل أن تنقل قوانين عالَم إلى عالَم آخر، وعلى الإنسان أن يعرِفَ حَدَّه كي يقِفَ عنده، فَمِن الأدِلَّة أنَّك تَجِد قانون الكتلة يختلف من الأرض إلى القمر، ونحن في الدنيا نجد هذه الاخْتِلافات فما بالك بالآخرة! فَوَزْنُ الإنسان في الأرْض ستون كيلو غراماً، وفي القمر عشْرة كيلو غراماً. إذا أردْنا التشْبيه فيجب أن نقول ولله المثل الأعلى كي نرْتاح :
ثمَّ قال رحمه الله: ولكن يستعمل في ذلك قياس الأولى، سواء كان تمثيلاً أو شمولاً، كما قال تعالى:
﴿ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى ﴾
[سورة النحل: 60]
مثل أن يعلم أن كل كمال ثبت للممكن أو للمحدث، لا نقص فيه بوجه من الوجوه، ـ وهو ما كان كمالاً للوجود غير مستلزم للعدم بوجه ـ فالواجب القديم أولى به.
فهذا مثل بسيط: أحياناً يُعَبِّر الإنسان عن آخر يقول لك: نشاطه مثل الحِصان، هل في هذا شيء؟! فالحِصان له ذَنَب! فأنت بماذا تُشْبِهُ الحِصان؟ بالقوَّة، فأنت إذا أردْتَ التشْبيه قُلْ: ولله المثل الأعلى كي ترْتاح، وهي بعض آية قرآنِيَّة.
ثمَّ قال رحمه الله: وكل كمال لا نقص فيه بوجه من الوجوه ثبت نوعه للمخلوق والمربوب المدبر ـ فإنما استفاده من خالقه وربه ومدبره وهو أحق به منه وأن كل نقص وعيب في نفسه وهو ما تضمن سلب هذا الكمال إذا وجب نفيه عن شيء من أنواع المخلوقات والممكنات والمحدثات ـ فإنه يجب نفيه عن الرب تعالى بطريق الأولى، ومن أعجب العجب: أن من غلاة نفاة الصفات الذين يستدلون بهذه الآية الكريمة على نفي الصفات والأسماء ويقولون : واجب الوجود لا يكون كذا ولا يكون كذا، ثم يقولون : أصل الفلسفة هي التشبيه بالإله على قدر الطاقة ويجعلون هذا غاية الحكمة ونهاية الكمال الإنساني ويوافقهم على ذلك بعض من يطلق هذه العبارة "ويروى عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال : تخلقوا بأخلاق الله."
لا بدّ من الإشارة إلى أنَّ هذا الحديث لا أصل له في السنَّة، ولا يجوز نسْبته للنبي عليه الصلاة والسلام، ودائِماً إن لم تكن مُتأكِّداً من الحديث فما عليك إلا أن تأتي به على صيغة التَّمريض التي ذَكَرها المُحَدِّثين في كتبهم؛ رُوِيَ، وورَدَ، وقيل، فإذاً نسبْته بالجزْم لا تَصِحّ! والحُلولِيَّة اتَّفقْنا عليها، وقلنا: وَحْدة الشهود شيء، ووَحْدة الوُجود شيء آخر.
ثمَّ قال رحمه الله: ونفي مُشابهة شيء من مخلوقاته له مُستلْزِمٌ لنفي مُشابهته لشيءٍ من مخْلوقاته، لذلك اكْتفى الشيخ رحمه الله تعالى بقوله: لا يُشْبِهُ الأنام، والأنام قيل: الخلق كلُّهم، أو كلِّ ذي روح، وقيل: الناس، وقيل: الثَّقَلان؛ الإنس والجانّ، وظاهر في قوله تعالى:
﴿ وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ ﴾
[سورة الرحمن: 10]
يشْهد للأوَّل أكثر من الباقي، والله أعلم.

السعيد 09-15-2018 01:41 PM

رد: العقيدة الطحاوية
 




بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية - العقيدة الطحاوية

الدرس : ( السابع )

الموضوع : الله حى لا يموت








الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلماً، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه، وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
الله سبحانه وتعالى حَيٌّ لا يموت وقيُّومٌ لا ينام :
أيها الأخوة المؤمنون، وصلنا إلى قول الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى: "حَيٌّ لا يموت، قيُّوم لا ينام".
الإنسان أحْياناً لا يُدْرك الترابط بين الاسْمَيْن، فالله عز وجل ضارّ إلا أنَّهُ لا يجوز أن تقول: الضارّ، وإنَّما الضارّ النافِع لأنَّه يضُرّ لِيَنْفَع، ويمْنعُ لِيُعْطي، ويخْفض لِيَرْفع، فهناك أسْماء من أسْماء الله الحُسْنى لا يجوز أنْ تُلْفَظ إلا مَثنى مثنى، فالإنسان أحياناً لا يُدْرك الترابط بين الاسْمَين، وهو يُذَكِّرُنا بأنَّ أكثر آيات القرآن الكريم تنتهي باسم أو اسْمَيْن، غفور رحيم، هناك دُعاء مأثور، فعن أَبِي مَالِكٍ الْأَشْجَعِيُّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ إِذَا أَسْلَمَ عَلَّمَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّلَاةَ ثُمَّ أَمَرَهُ أَنْ يَدْعُوَ بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ:
((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَاهْدِنِي وَعَافِنِي وَارْزُقْنِي))
[مسلم عن أَبِي مَالِكٍ الْأَشْجَعِيُّ عَنْ أَبِيهِ ]
وقال النبي عليه الصلاة والسلام: إنَّ هذا الدعاء جمَعَ خيْري الدنيا والآخرة، اغفر لي الماضي، وارْحمني بالتَّجَلي والتوفيق، ففي الدنيا: عافِني وارْزقني، وفي الآخرة اغفر لي وارْحمني.
إنَّ الله تعالى سميع عليم، أي سميع إذا تَكَلَّمْت، وعليم إذا سَكَتّ، قال تعالى: ﴿ تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾
[ سورة الرحمن: 78 ]
(فالجلال) جمعَت صِفات القوَّة والعظمة، و(الإكرام) صِفات الحمْد، فالوِرْد النبوي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمْد، فهناك من يملك ولا يُحْمد، وهناك من يُحْمد ولا يمْلك؛ فهذا ضَعيف، أخْلاقه عالية إلا أنَّه لا يمْلك شيئاً، وهناك من يمْلِك إلا أنَّهُ لا يُحْمد؛ دَقِّق؛ فله المُلك والحمد، وذو الجلال والإكرام، والضارّ، والنافع، والخافض، والرافِع، والمُعْطي، والمانع، والمُعِزّ، والمذِلّ، رُبَّما كان العطاء حِرْماناً، وربَّما كان المَنْعُ عيْنَ العطاء! فالمَنْعُ أحْياناً هو عَيْنُ العطاء، فهو تعالى حَيٌّ لا يموت وقيُّومٌ لا ينام. حياته تعالى ليست كَحَياتنا فحياتنا تنتهي بالموت إلا أنّ حياة الله أبَدِيَّة سَرْمَدِيَّة :
الله عز وجل حيّ، والحياة صِفَةٌ في بني البشر، فهل يسْتلزم اشْتراك الصِّفة اقْتِضاء المِثْليَّة؟ لا، فالتشابه بالصِّفات لا يعْني المِثْلِيَّة، لأنَّ حياته تعالى ليست كَحَياتنا، فحياتنا تنتهي بالموت، وكُلُّ مَخْلوقٍ يموت، ولا يبقى إلا ذو العِزَّة والجبروت، إلا أنّ حياة الله عز وجل لا تنتهي، وهي حياةٌ أبَدِيَّة سَرْمَدِيَّة، لذلك حَيٌّ لا يموت، والآن (قَيُّوم) فقد يُراقب الإنسان مُدير المَعْمل، ولكن حينما تنتهي مدَّة الدوام يذْهب إلى بَيْتِه! وبعد الظهْر يأتي، وبعد الساعة السابعة مثلاً يُغلق محلَّه، فلا يتواجد إنسان على الدَّوام لمراقبتك، أما سبحانه وتعالى فقَيُّوم، فالإنسان قد يكون قيُّوماً إلا أنَّه ينام، لكنَّ الله جلّ جلاله لا ينام، إذاً حيٌّ لا يموت قيوم لا ينام قال تعالى:
﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ ﴾
[ سورة البقرة:255 ]
هذه آية الكرسي، حتى إنَّ بعض العلماء قال: هي اسم الله الأعظم، قوله: حيٌّ لا يموت، قيُّوم لا ينام، قال تعالى: ﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ ﴾
[ سورة البقرة:255 ]
هذه الجملة التي جاءت مَقول القول، فما إعرابها؟ هذه الجملة لا مَحَلَّ لها من الإعراب، وهي من الجُمَل التي لا محَلَّ لها من الإعراب، والسؤال: هل هناك قاعدة أساسيَّة في هذا الموضوع؟ إذا قلتَ: عَلِمْتُ أنَّك ناجِح، أنَّ واسْمُها وخبرها في مَحَلّ مفعول به، لماذا؟ لأنَّه أمكننا تأويلها بِمفْرَد، أما الكلام الذي لا يُؤَوَّل فلا مَحَلَّ له من الإعراب. هل هناك فرق بين السِّنَة والنَّوْم؟ الغفلة اليسيرة هي السِّنَة، والنوم العميق هو النوم. الأمر التكويني والأمر التكليفي :
قال المؤلِّف: وقال تعالى:
﴿ الم*اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ*نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ ﴾
[سورة آل عمران: 1-3]
لا ينبغي له أن ينام، قَوْلُ المُؤَلِّف: لا ينبغي له أن ينام تعبير دقيق منه عليه رحمة الله، فهذه الكلمة تَحُلُّ مُشْكِلَة كبيرة، فلا مانعَ من الاسْتطراد إذا كان مُفيداً، فالله عز وجل قال: ﴿ فِيهِ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾
[سورة آل عمران: 97]
وقال سبحانه وتعالى: ﴿ الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾
[سورة النور: 26]
هل هذا أمْرٌ تكْليفي؟ نعم هذا أمر تكليفي، وليس تكوينيّاً، فالأمْر التَّكْويني لا يُمْكن أن يُخْرق في الكون، أما إذا خُرِقَ فمعنى ذلك أنَّه تكليفي معنى الكلام: يا عبادي احْرَصوا على أن يكون الطَيِّبون للطَّيِّبات، وعلى أن يكون هذا البيْتُ الحرام آمِناً، فلو قلنا: إنَّ هذا الأمر تكويني! فإنَّ البيت الحرام قبل عشْر سنوات اخْترق بالرَّصاص، ومات مئات القتلى فالأمر التكويني لا يمكن أن يُخْرق، لكنّ الأمر التكليفي يُخْرق، وأوْضَح مثل لهذا: لوْحة حمْراء مكتوب عليها ممنوع المرور، لكنَّ الطريق مَفْتوح، فأنت لك أن تنْصاع للأمر ولك أن تخرقه، الطريق سالك، أما الأمر التكويني فموضوع به حواجز، ومُسَلَّح، وارْتِفاعه متران، فإذا قال الله عز وجل: ﴿ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾
[سورة النور: 26]
ووجَدْتَ زوْجاً مخْموراً، وزانياً، وله زوجة كالملائكة، وهذا واقع، أو بالعكْس، فهذا الأمر ليس تكوينيّاً ولكنه تكْليفي، وهذا الموضوع دقيق جداً، فقبْلَ أن تتزَوَّج الأمْر تكليفي، وبعد أن تقترن بها أصْبَحَت زوْجَتك، وأصبح الأمر تكوينياً، وأذكر أنَّهُ كان لنا أخ يقول: كان لي أولاد، وكنت أقول لهم: كُلْ واشْكُر! وفي أحد الأيام لم يعْجِبْهم الطعام، فقال لهم: كُلْ واسْكُت. الكلام خبري أو إنْشائي فالأمر التكويني خبري والأمر التكليفي إنشائي :
بالمناسبة كلمة:
﴿ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾
[سورة النور: 26]
هل هي خَبَرِيَّة أم إنْشائِيَّة؟ إنها خبَرِيَّة، والآية ثانية: ﴿ فِيهِ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ﴾
[سورة آل عمران: 97]
كذلك خَبَرِيَّة، نحن عندنا قاعِدَتان؛ العِبارات نوعان: إنشائِيَّة وخَبَرِيَّة، فالكلام الذي يصْدُق أن تقول عن صاحبه: صادق أم كاذِب، فهذا خبري، أما الكلام الذي لا يحْتمِل الصِّدق والكذب فهذا إنشائي، فهل يمكن أن تقول لِمَن قلت له: كم الساعة كذَّاب؟ هو لم يُخْبِرْك عن شيء حتى تقول عنه: كذاب، أما لو قال لك: هذه الساعة ثَمَنها ألف ليرة، فهذا الكلام خَبَري، لك أن تقول عنه: صادٍق أم كاذب، أما إذا سألك، أو طلب منك، أو أمرك، أو نهاك، أو تمنَّى عليك، أو رجاك، أو ناداك، فهذه كُلُّها أساليب الإنشاء، فالكلام في النِّهاية خبري أو إنْشائي، فالخبري يحْتَمِلُ الصِّدْق أو الكَذِب، أما الإنشائي فلا يحْتَمِل الصِّدق أو الكذب، فالأوامر التَّكْليفِيَّة هل ينبغي أن تكون إنشائِيَّة أم خبرِيَّة؟ إنشائِيَّة؛ لأنَّها اِفْعَل ولا تفْعل، أمْرٌ ونَهْي، فإذا جاء الأمْر التّكْليفي بِصيغة الخبر، فأنت إذا أمَرتَ إنساناً فَمُجَرَّد الأمر يعني أنَّهُ مُخَيَّر، وهذه قاعدة أصوليَّة؛ أنا إذا أمرت إنساناً أنْ يأتي في الساعة الثامنة فبِإمكانه أن يُطيع، وبإمْكانه أن يعصي، فالأمر يقتضي الاختيار، والنَّهْي يقتضي الاختيار، أما إذا أخْبَرْتُ، والخبر يوحي أنَّه أمْر تكويني، والأمر التكليفي إنشاء. جعَلَ القرآن بعض الأوامر التَّكْليفِيَّة تُصاغ على صيغة الخبر تأكيداً لها :
إلا أنَّه لِحِكْمة بليغة قد يأتي الأمر التكليفيّ على صيغة الخبر وكأنَّه أمْر تكويني، مثال ذلك قوله تعالى:
﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾
[ سورة البقرة: 233]
لماذا جاءت الصيغة خبريَّة وليستْ إنشائِيَّة؟ لئلا تتوَهَّم أنَّ الوالدة مُخَيَّرة في أن تُرْضِع أو لا تُرْضع، هو أمر تكليفي، ولكن لِتَوْكيده جاء على صيغة الخبر، ففي الأعَمِّ الأغلب الأمر التكليفي إنشائي، والأمر التكويني خبري، لكنَّ القرآن خرج عن هذه القاعدة لِحِكْمة بالغة، فجعَلَ بعض الأوامر التَّكْليفِيَّة تُصاغ على صيغة الخبر تأكيداً لها، فقد يقول الأب لابنه: احْضر عند الساعة التاسعة وإياك أن تتأخَّر، أما إذا قال: أنا ليس لي ابن يدْخل علي الساعة التاسِعَة، هذه العبارة أبْلَغ من الأمر والنَّهْي، فَموضوع الخبر والإنشاء، والأمر التكويني والتكليفي عندنا مُهِمّ جداً في العقيدة.
هل تناقش أو تحاورَ رجلان عند الله وعند الناس، أحدهما يُمَثِّل الأمر التَّكْويني، والآخر يُمَثِّل الأمر التكليفي كما جرى بين سيِّدنا الخضر مع سيِّدنا موسى؟ فَسَيِّدنا موسى يُمَثِّل الأمر التكليفي، أما سيِّدنا الخضر فيمثِّل الأمر التكويني، وموسى عليه السلام يُمَثِّل أمر الله، والخضر يفْهم فِعْل الله، أمر الله شيء وفعله شيء، فالله تعالى يسْمح أن تقع جريمة قتْل، ويسْمح أن تقع جريمة خرق السفينة، فماذا يقول علماء التوحيد؟ شاء وأراد ولم يأمر، ولم يرْضَ، ومعنى أراد: أي سَمَح، ولماذا سَمَح؟ لأنَّ أصْل مجيء الإنسان إلى الدنيا هو الاخْتِيار، وفي الأعَمِّ الأغلب لا يُمَكَّن الإنسان من شَهْوته المُنْحَرِفَة إلا إذا أصرَّ عليها والدليل قوله تعالى: ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُوماً مَدْحُوراً ﴾
[ سورة الإسراء: 18 ]
هنا تتدَخَّل حِكْمة الله عز وجل، وإنَّ الله تعالى لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام. الله سبحانه وتعالى لولا أنَّه شاء لنا أن نشاء لما شِئْنا :
"لما نفى الشيخ رحمه الله التشبيه أشار إلى ما تقع به التفرقة بينه وبين خلقه بما يتصف به تعالى دون خلقه، فمن ذلك: أنه حي لا يموت؛ لأن صفة الحياة الباقية مختصة به تعالى دون خلقه، فإنهم يموتون.ومنه: أنه قيوم لا ينام، إذ هو مختص بعدم النوم والسنة دون خلقه، فإنهم ينامون، وفي ذلك إشارة إلى أن نفي التشبيه ليس المراد منه نفي الصفات، بل هو سبحانه موصوف بصفات الكمال؛ لكمال ذاته."
لا يَقُل أحدكم بِدون، فهذا خطأٌ شائِع، إما أن تقول من دون، وإما أن تقول: دون، أما أن تقول: بِدون فهذا خطأ شائِع، ثمَّ إنَّ الذين أشار إليهم المُؤَلِّف من الذين ضلوا وأضَلُّوا تَوَهَّموا أنَّ نَفْي التشبيه يعني نَفيَ الصِّفات، لكنَّ الصفات هنا ثابتة، والتَّشْبيه مَنْفي. فالحيُّ بِحَياة باقِيَة هو الله، وصفات المخلوق كما تليق به، وصفات الخالق كما تليق به، وهذا لازمٌ في نفي التشبيه وإثبات الصِّفة، وهناك نقطة دقيقة قد تلْتَبِس على الأخوة الأكارم، فالله تعالى حينما يقول:
﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾
[ سورة الكهف: 29 ]
كأنّ قارئ القرآن يفْهم مُتَوَهِّماً أنَّ مشيئة الإنسان قد أُلْغِيَت إذْ قُيِّدَت بِمَشيئة الله، والحقيقة على العَكْسِ مِن ذلك، وهي أنَّ الله سبحانه وتعالى لولا أنَّه شاء لنا أن نشاء لما شِئْنا، فإذا تَمَتَّعْنا بِحُرِّيَة الاخْتيار والمشيئة، وحُرِّيَّة الكَسْب، وكانت هذه الحُرِّيَة سبباً لِسَعادتنا، ودُخولنا الجنَّة، واخْتِيارنا الحَسَن فهذه المشيئة الحُرَّة التي شِئْناها إنَّما هي بِفَضْل مشيئة الله لنا أن نشاء، أحياناً يحتاج الإنسان إلى تأويل بسيط كي تتلاءم الآيات كلِّها مع أصول الدِّين وروح القرآن، أما أن نفهم النَّص على ظاهره فهذا منطلق خطير، وأكثر من ينطلقون من عقيدة الجبر يتَّخذون هذه الآية على أنَّ الإنسان مُسَيَّر ولا مشيئة له إطلاقاً، بدليل أنَّ الله تعالى يقول: ﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾
[ سورة الكهف: 29 ]
وكأنّ مشيئة الإنسان أُلْغِيَت ورُدِفَت بِمَشيئة الله تعالى، لكنّ الحقيقة أنَّكم يا عبادي إذا سَعِدْتم بهذه المشيئة، وارْتَقَيتم بها، واخْتَرتم الجنَّة، واسْتَحقَقْتم دخولها، فهذه المشيئة في الحقيقة أثرٌ من مشيئة الله لكم، ولولا أنَّ الله تعالى شاء لكم أن تكونوا أصْحاب مشيئة حُرَّة لما شِئْتم ذلك، لذا قال العلماء: الجنَّة مَحْضُ فضْل والنار مَحْض عَدْل، والإنسان إذا دَخَلَ الجنَّة فإنه لم يدفع ثمَنَها، ولكنّه قدَّم أسْبابها، وأسْبابها الاسْتِقامة والعمل الصالح، أمّا ثَمَنُها فلا يمْلكه أحدٌ إلا الله. صيغة المبالغة في حقِّ الله تعالى تعني إما الكَمّ أو النَّوع :
"واعلم أن هذين الاسمين أعني: الحي القيوم مذكوران في القرآن معا في ثلاث سور كما تقدم، وهما من أعظم أسماء الله الحسنى حتى قيل : أنهما الاسم الأعظم" الاسم الأعظم حيَّر العلماء، وأكثر العلماء على أنَّه هو الرحمن، أو أنَّه الحيّ القيوم، إلا أنَّ بعضهم له تأويل رائِع جداً، كُلُّ إنسان في حالة مُعَيَّنة هناك اسم من أسماء الله تعالى الحُسْنى يكون أعظم الأسْماء الحسنى عنده، فالمريض بِمَرض عُضال لا شِفاء منه كالسرطان إذا شفاه الله شِفاءً نِهائِياً فاسم الله الأعظم عنده هو الشافي، والفقير حينما يتوَجَّه إلى الله تعالى أن يُغْنيه، ثمَّ يصبح غَنِيّاً، فاسم الله تعالى الأعظم هو الغَنِيّ، وكذا الجبار، والطاغي هذا لا يمكن أن يهتدي، لكن أحْياناً يقصمه الله عز وجل، وبعد أن يقصمه فاسم الله تعالى الأعظم الجبار، فَكُلُّ إنسان له حالة مع الله تعالى الكريم؛ الغنيّ، الرحيم، القدير، إلا أنَّه بِشَكل عام أقرب اسم إلى نُفوس العِباد: الربّ.
قال المؤلِّف رحمه الله: فإنَّهما يتضمَّنان صفات الكمال... ".
فإذا اسْتخدمنا اسم الله بِصيغة المبالغة فماذا تعني صيغة المبالغة في حقِّ الله تعالى؟ الله تعالى قال:
﴿ وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى ﴾
[ سورة طه: 82]
ولم يقل سبحانه وتعالى: غفور، وصيغة الأوَّل على وزْن فعَّال، وهي صيغة مُبالغة، وكلمة غفَّار تعني أنَّه يغفر أكبر ذَنْب، أو مليون ذنب! فصيغة المبالغة في حقِّ الله تعالى تعني إما الكَمّ أو النَّوع. الأصْل في ترْجيح وُجوه الإعْراب هو المعنى لا القاعدة اللغوية :
كُلّ أسماء الله الحُسنى إذا جاءت على صيغة المبالغة كان هذا هو المعنى؛ كمّاً أو نوْعاً، إلا أنَّ هناك حالة واحدة، وهي في قوله تعالى:
﴿ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾
[سورة آل عمران: 182]
الظلاَّم صيغة مبالغة، وهي لِنَفْي الظلم أصلاً، وقد نَفَيْنا عنه سبحانه المبالغة في الظُّلم وغير المبالغة، وبالمناسبة الأصل هو المعنى، والحَكَم في كُلّ قضِيَّة هو المعنى، وسأذكر لكم قاعِدة، في اللغة العربِيَّة بِمَشارقها ومغارِبِها فاعل تعني اسم الفاعل، وكلمة فعلان تعني صفة مُشَبَّهة باسم الفاعل، واسم الفاعل يدُلّ على الحُدوث، والصِّفة المُشَبَّهة باسم الفاعل تدُلُّ على الثُّبوت، كأن تقول: طويل، فهذه صفة مُشَبَّهة باسم الفاعل، وهذا الطول ثابت، أما أن تقول: غاضِب، فهذا اسم فاعل، لأنَّه دلَّ على الحُدوث لا على الثبوت، فالاسم الذي يدلّ على حدوث الفِعْل هو اسم الفاعل، والاسم الذي يدلّ على صِفَة مُلازمة للفاعل هو صِفَة مُشَبَّهة باسم الفاعل، وهذه هي القاعدة، ثم إنّ الله تعالى يقول: ﴿ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾
[سورة الحشر: 24]
الخالق اسم فاعل أم صِفَة مُشَبَّهة؟ الصِّيغة اسم فاعل، لكنَّ الحقيقة أنَّ هذه الكلمة صفة مُشَبَّهة، لأنَّ خَلْق الله تعالى مُسْتَمِرٌّ، وكلمة غَضْبان في قوله تعالى:
﴿ وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي ﴾
[سورة الأعراف: 150]
هو اسم فاعل لأنّ الغضب ليس صفة ثابتة في النَّبي، لذلك أوَّل قاعِدَة تَعَلَّمْناها في الجامعة أنَّ الأصْل في ترْجيح وُجوه الإعْراب هو المعنى، لا تَكُن عبْداً لِقاعدة نَحْوِيَّة، إنَّما كُن عبْداً للمعنى، إذْ هو الأصْل. الله تعالى نفى الظلم عن نفسه :
القاعدة في قوله تعالى:
﴿ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾
[سورة آل عمران: 182]
تعني الكمّ، وتعني العدد، إلا في هذا الاسم فلا تعني المبالغة، فالله تعالى نفى الظلم عن نفسه قال تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾
[سورة النساء: 49]
وقال تعالى: ﴿ فَكُلّاً أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾
[سورة العنكبوت: 40]
إذا أرَدْت أن يسْتقيم عملك وأن يزداد وينمو اجْعَلْه وَفق منْهج الله عز وجل :
قال رحمه الله: فلا يظلم ولا... الكمال، لذلك الإنسان إذا اعْتقَد عقيدة الحق فلا مُفاجأة عنده، سبب سُلوك الحق ألاّ مُفاجأة فيه، وذكرتُ منذ أيام أنَّنا لو أنْشأنا بناء وَفق قواعد عِلْمِيَّة، ووضَعْنا الإسْمَنْت الكافي، ووضَعْنا الحديد الكافي وفق تعليمات المهنْدسين، فهذا البناء في اسْتِمْرار، أما لو وَضَعْنا الإسْمَنْت والحديد بِقِلَّة لانهار بعد زمن قصير، وكذا لو أرَدْت أن يسْتقيم عملك وأن يزداد وينمو اجْعَلْه وَفق منْهج الله عز وجل، وهناك آية دقيقة جداً وهي قوله تعالى:
﴿ أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾
[سورة التوبة: 109]
الإنسان إذا بنى زواجه، أو شَكَّل علاقاته، أو اختار عمله وَفْق منهج الله فهذا الأساس متين، أما لو شَكَّلها وَفْق هواه وشهواته، وخرج بها عن منهج الله فالزواج ينتهي بالطلاق، والعَمَل ينتهي بالإخفاق، وهكذا. الكلام القليل والمُخْتصر والنافع المفيد أفضل من كثير يُنسي بعضه بعضاً :
قال رحمه الله: إكمال ما قبل هذا... كما ثبت هذا عن النبي صلى الله عليه وسلَّم فهذا الحديث رواه مسلم في صلاة المُسافرين وقصرها، باب فضْل سورة الكهف، وآية الكُرسي، وأبو داود في الصلاة، باب ما جاء في آية الكرسي، وأحمد في المسند من حديث أُبَيّ بن كعب رضي الله عنه ولفظه: "يا أبا المنذر أتدري أيَّة آية...." فقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يمْتَحِنُ أصْحابه ويسْألهم، وأمْتع جَلْسة هي الحِوار، فأنت إذا جَلَسْت جلْسَةً خاصَّة لا تسْتأثِر بالحديث، الحديث مناوبة وليس مناهبة، فإذا تكلَّم الجالسون، وأدْلَوا بآرائِهم وسألوك، واسْتمعْتَ لهم، اسْتمْتَعْت بهم، وأيُّ لِقاء فيه حِوار يعني أنَّ فيه مُتْعة، وإذا كان الإنسان يتكلَّم وَحْدَه كان هناك المَلَل، وبالمناسبة أنتم دُعاة، والمُتَكَلِّم لا يشْعر بالبرد، ولا بِالحَرّ، ولا بالوَقْت، ولا بالتَّعَب، ولا بالجوع، والمُسْتَمِعُ يتضاعف شُعوره بالوقت، والحر، والبرد، والجوع، لذلك الملل والسَّأم يتطرّقان إلى المُسْتمع أضْعاف ما يتطرقان إلى المُتَكَلِّم، لذلك تكلَّم وأنْجز الحديث في الوقت المناسب قبل أن يتمنى الناس لو أنك سَكَتَّ، اُسْكُت قبل أن يتمنى أحدٌ أن تسْكت، وقد كان عليه الصلاة والسلام يتخولنا بالموعظة مخافة السآمة علينا، فالكلام القليل والمُخْتصر والنافع المفيد أفضل من كثير يُنسي بعضه بعضاً، دائِماً قِفْ في الوقت المناسب، وأنْهِ الحديث قبل أن يمَلَّ الناس، وقبل أن تُثْقِلَ عليهم، فإذا كان لديك دُروس فلا بدّ أن يعلم المُسْتمع أنَّه في الساعة الفُلانيَّة ينتهي الدَّرس حينها يرْتاح، أما إذا كان الدَّرس مفْتوحاً، فالداعِيَة لا مصْلحة له أن يتكلَّم، والناس في مَلَل، لذلك فالمُتَكَلِّم كما قلتُ لا يشْعر لا بالوقت ولا بأيِّ ضجر، وأذْكر أنَّنا كنَّا نُقَدِّم فحْصاً في الجامِعَة، والله أيها الأخوة، ثلاث ساعات مَرَّتْ عليَّ كخَمْس دقائِق، لكن لما أصْبَحْتُ مُدَرِّساً وأراقب في قاعات الامتِحان فلا يمُرُّ عليَّ الوقت حتى أمَلّ وأضجر! فأثْقل شيء المُراقبةُ في الفَحْص، فهذا الكلام لكم كَدُعاة؛ إذا ألْقَيْتَ كلمة فاخْتَصِر ولا تُطِل، واسْمَح بالحِوار، ولا يُشْترط أن تكون داعِيَة كي تتكَلَّم، فأحياناً تكون لك سَهْرة مع الأقارب، فلا تتكَلَّم وَحْدَك، أما لو أنَّه سَمَح بالحِوار وأصْغى لأقْوالهم، وسألهم وأجابوه، وسألوه فأجابهم، فهذا الحِوار، وهذا الأخذ والعطاء يُبْقي على الجَلْسَة الحَيَوِيَّة والنَّشاط، وهذا أبلغ أثراً، فلو تتبَّعْتم كلام النبي صلى الله عليه وسلَّم حينما خاطب الصحابيّ، وقال له: يا أبا المنذر، أتدري أيٌّ آيةٍ في كتاب الله تعالى معك أعْظم؟ قال: قلتُ الله ورسوله أعلم، ثم قال: "يا أبا المنذر...." فالنبي صلى الله عليه وسلَّم خاطب بالتَّدَرُّج.
"....يُضاد نَفْيُه كمال الحياء " أي كَمالُها يَنْفي هذا الاسْتمرار، ثمَّ قال رحمه الله: لأنَّ نَفْيَه يُضاد...بانتظام " إذاً حيٌّ لا يموت، قيُّوم لا ينام أثْبَتْنا الصِّفات، ونَفَيْنا المُشابهة، وحياة الله غير حياتنا، وقيامه غير قيامنا.
أيّ اسم من أسماء الله تعالى قد يكون أعْظم حسب حال الداعي ورجائه وتوسلاته :
في بعض الأحاديث عن أسماء بنت يزيد قالت: إنّ في هاتين الآيتين اسم الله الأعظم، يقول الله عز وجل:
﴿ الم*اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ*نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ ﴾
[سورة آل عمران: 1-3]
وقوله تعالى: ﴿ وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ﴾
[سورة البقرة: 163]
في هاتين الآيتين هناك خمْسة أسْماء، أفلا يمكن أن نقول: اسم الله الأعظم كذا بالتَّحْديد؟ دائِماً العِلْم لا يعني أن تفهم الشيء بِمَعنى واحد، كلام الله تعالى غَنِيّ، وقد قال سيِّدنا عليٌّ كرَّم الله وجْهه عن القرآن: ذو وُجوه، أمّا موضوع أيُّ أسماء الله تعالى أعْظم؟ فهو موضوع خِلاف، ولا يوجد شيء قطْعي أنَّ الاسم الفُلاني هو اسم الله تعالى الأعظم، وكما قلتُ لكم: في كُلِّ حال من أحوال البشر يكون عند صاحب هذا الحال هو اسم الله الأعظم، فهناك قَوْل يقول: إنّه الحيّ القَيُّوم، وقَوْل: الرحمن الرحيم، وقد يكون أيّ اسم من أسماء الله تعالى أعْظم، حسب حال الداعي ورجائه وتوسلاته.
أ كبر شيء في ثقافة الداعِيَة آياتُ القرآن الكريم، وهو الكتاب الأوَّل، كما أنَّه يجب أن يترافق حفظك للقرآن مع طلبك للعِلْم، فأنت مثلاً لا بدّ أن تكون قد تفاعَلْت مرَّة مع درْسٍ، وسمعت آيات واضِحَة جداً، فلا تجعل حديثك ارْتِجالياً، لو ألْقَيْتَ نظْرة على الدعاة الناجحين، لوجدت أنّ له مجموعة موضوعات جاهزة، وله بعض الآيات يحفظها، ويعرف أبعادها، ودقائِقها، وتأويلها، وتفْسيرها، وشواهدها، فلو تَكلَّمْتَ دائِماً بِكلام أعْددْتَهُ سلفاً لبلغتَ الغاية في نفوس السامعين. من عظمة القرآن أن كلّ آية إذا نزَعْتها من سِياقها فلها معنى مُسْتَقِلاً :
قلتُ من قبل في قوله تعالى:
﴿ ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾
[سورة الأعراف: 55]
العُدْوان يُلْغي اسْتِجابة الدعاء، والعُدوان في عدم التَّضرُّع وفي إطالة الدعاء، فإذا أنت قرأتَ آيَةً قِراءَةً صحيحة، وكَتَبْتها في دفتر صغير، وكتَبْتَ بعض المعاني الدقيقة لها، وكذا الحديث الشريف، وكذا الحُكم الفقهي، والتراجم، فلو كنت مدعوّاً لجَلْسة مع أقاربك لوجدتَ الزاد الذي تتكَلَّم به، فالأشياء الجاهزة تُريحك، وإذا سُئِلْتَ وقلتَ: لا أعلم، فقد ارْتَقَيْتَ عالياً، فنصف العلم لا أدري، فهذا شرف العِلْم، فإذا كان الإمام مالك يقول لما سُئِل: لا أدري، فَمَن أنت أمام هؤلاء؟! ونصف العِلْم لا أدْري، ويَظَلُّ المرء عالماً ما طلب العِلْم، فإذا ظنَّ أنَّه عِلَم فقد جَهِل، دائِماً أسْمع من العلماء كلمات متواضعَة يقولون: أنا طالب عِلْم، التواضع جميل، وإذا ظنَّ الإنسان أنَّه عالم فهو جاهل، فإذا أحَسَّ الناس فيك المَوْضوعِيَّة، وعدم الادِّعاء احْترَموك أكثر، وكلَّما تقدَّم الزّمن تصبح الرغبة لديك في المعرفة والعلم جامحة، وإذا سئِلْت سؤالاً مُفاجئاً، فقلت: واللهِ لا أدري، فقد كبرتَ في عَيْني وعيون العلماء، عليك أن تُقَيِّد العِلْم بالكتابة، والدَّعوة إلى الله تحْتاج إلى جهْد مُسْتَمِرّ، وكُلّ منَّا بدأ من الصِّفْر، وكل طريق طوله ألف كيلومتر أساسه خطوة واحدة، فالقرآن يجب أن يتلى ويُحْفظ خاصَّة لمَن كان صغير السِنّ لأنَّه يصعب عليه الحفْظ في الكِبَر، والقرآن من أيَّة زاوية يُسْعِدُك، وهناك سُوَر يكثر تداولها كالإسراء، والكهف، ويوسف، وجزء عمَّ، وجزء تبارك، فمن أجل التَّسْهيل عليك أن تبدأ بالسُّوَر السَّهْلة، فأحْياناً يبدأ بعضهم بالسُّوَر الصَّعْبة بعدها يعجز عن الحفظ، ويدع القرآن كله.
ثمّ إنّ القرآن الكريم ذو وجوه، ومن عظمة القرآن أن كلّ آية إذا نزَعْتها من سِياقها فلها معنى مُسْتَقِلاً، فإذا وَضَعْتها في سِياقها فلها معنى سِياقي، ونحن عندنا السياق، والسباق، واللِّحاق، فقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ﴾
[سورة الطلاق: 2]
تُفَسَّر بِمُجَلَّدات، أما بالسِّياق فهي على الطلاق، ومن يتَّقِ الله في تطْليق امْرأته يجعل الله له مَخْرجاً في اِرْجاعها وَفْق السنَّة، وتجد مخْرجاً لإرجاعها، أما لو طلَّقها طلاقاً بِدْعِيّاً فليس هناك سبيل أو مخرجٌ لإرْجاعها.

السعيد 09-15-2018 01:48 PM

رد: العقيدة الطحاوية
 
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية - العقيدة الطحاوية

الدرس : ( الثامن )

الموضوع : الله خالق بلا حاجة







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلماً، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه، وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أفعال الله مُعَلَّلَةٌ بِمَصالِح خَلْقِه :
أيها الأخوة المؤمنون، وصلنا في العقيدة الطحاوِيَّة إلى قول المؤلِّف رحمه الله: "خالق بلا حاجة ورازق بلا مؤونة"، الآن الآية الكريمة:
﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾
[ سورة الذاريات: 56 ]
ماذا تُعرِبون هذه اللام؟ لام التَّعليل، ولام التَّعليل مقبولة في حَقِّ الإنسان، ولكنَّها لا تَصِحُّ في حقِّ الله جلَّ جلاله، لماذا؟ فبعضهم يقول: إنَّ الله سبحانه وتعالى خلق الخَلْق لِهَدَف أن يعْبدوه، الإنسان حينما يرْسُم أمامه هدفاً ويسْعى إليه؛ فماذا يعني ذلك؟ يعني أنَّهُ ضعيف، وتوصَّل إلى هذا الهدف بِوَسيلة، لماذا تدْرس؟ كي تتعَلَّم، ولماذا تَحْفِرُ البئر؟ كي تستخرج الماء، ولماذا تزْرع الحبَّ؟ كي تُنْبِتَ الغذاء، فالإنسان حينما يكون له هدف، وهو قاصِر عن أن يَصِل إليه، فيستعين بِأداة، بِمُجَرَّد أن يكون لك هَدَف بعيدٌ عنك، وبعيد أن تصل إليه رأساً، فأنتَ مُحْتاجٌ لِوَسيلة، فلو أنَّني أردتُ الذهاب إلى حلب، لَلَزِمَني ذلك إلى سيارة فَحَلَب بعيدة عنِّي، ولا أستطيع أن أصل إليها إلا أنْ أرْكَبَ السيارة، فلامُ التعليل، والأهداف والوسائل، كلها تَصِحُّ في حقِّ الإنسان ولكِنَّها لا تَصِحُّ في حقّ الله تعالى، فلامُ التعليل في هذه الآية خَرَجَت عن معناها، فليس معناها أنَّ الله سبحانه وتعالى له هَدَف، ووصَلَ إليه بِوَسيلة؛ لا، بل هو خَلَقَ الخَلْق كلهم، وعليهم أن يعبدوه، لذلك خالق بلا حاجة، والعِلَّة الغائِيَّة لا تليق بالله تعالى، ويجب أن نَنْفي عن الله تعالى العِلَّة الغائِيَّة، وهي أن نقول: إنَّ هناك غاية، والله تعالى وَصَل إليها بِوَسيلة، هذا شأْنُ البشَر، وشأْن الضِّعاف، أما الذي إذا أراد شيئاً أن يقول له: كُن فيَكُون فلا يحْتاج إلى وسائل، ولا إلى أهداف، فلا الأهداف تليق به، ولا الوسائل تليق به، إلا أنَّ بعضهم يفْهَم جَهْلاً أو خطأً أنَّنا إذا نَفَيْنا عن الله تعالى العِلَّة الغائِيَّة معنى ذلك أنَّ أفعال الله تعالى لا غايةَ منها! لكن الصواب أنّ أفعال الله مُعَلَّلَةٌ بِمَصالِح خَلْقِه.

الدِّين فيه ثلاث كُلِّيات جانب فِكْري وجانب سُلوكي وجانب جمالي :
قال تعالى:
﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ*مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ*إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ﴾
[ سورة الذاريات: 56-58 ]
أنا خلقتهم، فإذا عبدوني سَعِدوا، وهذه اللام ليْسَت لله عز وجل، ولَيْسَت تَعْليلاً لِخَلْق الله، بل هي عِلَّةُ سعادتهم، إن عَبَدوه سَعِدوا، فهل هناك لامٌ أخرى خَرَجَت عن مَدْلولها في القرآن؟ نعم، هي لام المآل، قال تعالى:
﴿ فَالْتَقَطَهُ آَلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾
[سورة القصص: 8]
لا يُعْقَل لِمَن كان له عَقْل أن يلْتَقِطَ غُلاماً لِيَكون له عَدُوّاً، لكنَّ هذا الغُلام آل أمرُه لِيَكون عَدُوّاً، فهذه لَيْسَت لامَ التَّعْليل، ولكنها لامُ المآل، قال تعالى:
﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾
[ سورة الذاريات: 56 ]
كلُّكم يعْلم أنَّ الدِّين فيه ثلاث كُلِّيات؛ جانب فِكْري، وجانب سُلوكي، وجانب جمالي، الجانب السُّلوكي لا يكون إلا بالجانب الفِكْري، والجانب الجمالي لا يكون إلا بالجانب السُّلوكي، فالله تعالى قال:
﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾
[ سورة الذاريات: 56 ]
الله سبحانه وتعالى خالقٌ بلا حاجة :
قال تعالى:
﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ*مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ*إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ﴾
[ سورة الذاريات: 56-58 ]
الحديث القُدْسي الذي ورَدَ عن الإمام مُسلم عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَى عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ:
((يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّماً فَلَا تَظَالَمُوا يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئاً يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئاً يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْراً فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ))
[مسلم عَنْ أَبِي ذَرٍّ ]
فالله سبحانه وتعالى خالقٌ بلا حاجة.

الله تعالى حينما يَصِفُ ذاته بأسْمائِه أو صِفاته الفُضْلى يأتي بها غالباً مَثْنى مثْنى :
لكنّ الناس فقَرَاء إلى الله عز وجل، قال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ﴾
[سورة فاطر: 15]
مَن يُفَكِّر في كلمة الغَنِيّ الحميد؟ الإنسان أحْياناً تَظْهَرُ موَدَّته ولُطْفُه وأدَبُه ونُعومَتُه إذا كان مُحْتاجاً لإنسان، فإذا اسْتَغْنى عنه تَظْهر فظاظته وكِبْرُه واسْتِعْلاؤُه، فالذي ليس له أصْل إيماني؛ هذا لُطْفُ الضَّعْف، وأحْياناً الغِنى من لوازِمِه الفظاظة، والغِلْظة، والاسْتِعْلاء، والعُنْجُهِيَّة، وهذا شأنُ البَشَر، لكنّ الله سبحانه وتعالى حينما يَصِفُ ذاته بأسْمائِه، أو صِفاته الفُضْلى يأتي بِها في الأَعَمِّ الأغلب مَثْنى مثْنى، وهناك علاقة رائِعة بين الاسْمَيْن، فالله تعالى قال:

﴿ وَلَقَدْ آَتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾
[سورة لقمان: 12]
هو غَنِيٌّ عنكم، ومع أنَّهُ غَنِيٌّ عنكم لا يُعامِلُكم إلا مُعامَلَةً تَحْمَدونه عليها، هذه الآية تُشْبِهُ قوله تعالى:

﴿ يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
[سورة التغابن: 1]
وقوله تعالى:
﴿ تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾
[سورة الرحمن: 78]
الله سبحانه وتعالى رازق بلا مؤونة :
هناك مُلاحظة ذكرتها لكم سابِقاً: أنَّ بعض أسْماء الله الحُسْنى لا يجوز أن تُلْفظَ فُرادى، فلا يجوز أن تقول: الله ضارّ، إنَّما تقول: الضارّ النافع، الخافض الرافع، والمُعطي المانع، والمُعِزّ المُذِلّ، فهو تعالى يخفض لِيَرْفع، ويمنَعُ لِيُعْطي، ويُذِلّ لِيُعِزّ، ويضُرّ لِيَنْفَع، قال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ﴾
[سورة فاطر: 15]
وقال تعالى:
﴿ قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾
[سورة الأنعام: 14]
ومن حديث أبي ذرّ رضي الله عنه الذي رواه مُسْلم:
((يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئاً يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئاً يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْراً فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ))
[مسلم عن أبي ذر ]
فالله تعالى خلق بلا حاجة، ورزَقَ بلا مؤونة، والمؤونة تعني الثِّقَل والكُلْفَة، أحْياناً الإنسان يُعْطي أهله، لكن بعد عَمَلٍ مُضْنٍ، وتَعَبٍ شديد، وبعد أن يسْتنفذ كُلَّ طاقته، أما الله تعالى ولله الأسماء الحُسنى خالقٌ بلا حاجة، ورازق بلا مؤونة.

الموت صِفَةٌ وُجودِيَّة خِلافاً للفلاسفة ومن وافقَهُم :
قال المؤلِّف رحمه الله: "مُمَيِّت بلا مَخافة، وباعِثٌ بلا مَشَقَّة، فالموت صِفَةٌ وُجودِيَّة خلافاً للفلاسفة ومَن وافقهم ".
الآن دَخَلنا في موضوع دقيق، وهو الفَرْق في أن تعْتَقِد عقيدَةً مُسْتَوْحاة من كِتاب الله عز وجل، وبين أن تعْتَقِد عقيدَةً مُسْتَوْحاة من نَظَرِيَّة الفلاسِفَة، ماذا قال الفلاسِفَة: المَوْتُ شيء عَدَمي، حينما تنقَطِعُ الحياة يكون الموت، والموتُ شيء لا وُجود له وهو شيء سِلْبي، ونَفْيُ الحياة يَجْعَلُ الكائِن ميِّتاً، لكنَّ الله عز وجل قال:
﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ﴾
[سورة الملك: 2]
بحسب أحْدَث النَّظريَّات تبيَّن أنّ في الإنسان عوامِل المَوْت، لكنَّها ضعيفة، فإذا قَوِيَت عوامِل الموت على عوامِل الحياة مات الإنسان، هذه العوامِل يبْدأ عملها في العَقْد الرابع أو الخامِس، وتتنامى إلى أن تتغَلَّب على عوامل الحياة، فَيَمُوت الإنسان، إذاً هناك شيء مَخْلوق في الإنسان، وهو عوامل الموت، قال تعالى:
﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ﴾
[سورة الملك: 2]
لذلك فالموت صِفَةٌ وُجودِيَّة خِلافاً للفلاسفة ومن وافقَهُم، قال تعالى:
﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ﴾
[سورة الملك: 2]
ما مِن إنسان في الدنيا إلا والموت يُقْلِقُه :
العَدَم لا يوصَفُ بِكَوْنِه مَخْلوقاً، وفي الحديث عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
((يُؤْتَى بِالْمَوْتِ كَهَيْئَةِ كَبْشٍ أَمْلَحَ فَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ هَذَا الْمَوْتُ وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ، ثُمَّ يُنَادِي: يَا أَهْلَ النَّارِ فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ هَذَا الْمَوْتُ وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ فَيُذْبَحُ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ وَيَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ ثُمَّ قَرَأَ: وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ ـ وَهَؤُلَاءِ فِي غَفْلَةٍ أَهْلُ الدُّنْيَا ـ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ))
[متفق عليه عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
ما مِن إنسان في الدنيا إلا والموت يُقْلِقُه، ولو كان في بَحْبوحة وعِزّ، وكلَّما لاحَ الموت جعل سعادَتَهُ شَقاءً، لذلك فإنّ الموت الذي يلوح للناس في الدنيا يُذْهِبُ عنهم سعادتهم؛ يُجَسَّد هذا الموت بِكَبْشٍ أملح، ويُذْبَحُ بين الجنَّة والنار، ونحن المسلمون دائِماً يجب أن نعْتَقِد أنَّ الله سبحانه وتعالى حينما يقول شيئاً في كتابه الكريم، أو حينما يقول النبي عليه الصلاة والسلام كلاماً فرُبَّما مُعْطَيات العَصْر لا تسْمَحُ لِفَهْم هذا النصّ، وإلى حين كان يُظَنّ بحديث أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/5415/01.jpg
((إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ كُلَّهُ ثُمَّ لِيَطْرَحْهُ فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ شِفَاءً وَفِي الْآخَرِ دَاءً))
[مسلم عن أبي هريرة ]
كان الناس يظنون أن هذا الحديث موضوع، حتى إنّ بعض عُلماء الدِّين وإلى فَتْرة قريبة كانوا يَفِرُّون من هذا الحديث، ويُرَجِّحون أنَّه ليس صحيحاً، ثُمَّ أثْبَتَ العِلْم أنّ في أحد جناحَي الذباب داء، وفي الآخر دواء، فأنت إن لم تَسْتَوْعِب حديثاً، ولم يتوَضَّح في ذِهْنك، وكان العِلْم قاصِراً على أن يُثْبِتَه، فإيمانُك بالله يجب أن يدعوك إلى التَّسليم، لأنَّ الأمْر إذا كان واضِحاً جداً، وكانت نتائِجُه لديك واضِحَة كذلك، وأنت فَعَلْتَهُ، ويغْلِبُ على فِعْلِك اتِّباعُ صالِحِك، أما حينما يَضْعُفُ إدْراكك عن إدْراك حِكْمَتِه، وتُبادِر إلى تنفيذِه، فإنَّ هذا الأمْر يُقَوِّي جانب العُبودِيَّة فيك.

هناك أوامر في الدِّين المَقْصود منها امتِحان عُبودِيَّتك لله عز وجل ومدى إيمانك :
ضَرَبْتُ لكم مَثَلاً مرَّة، وهو أب أولاده على المائدة، فإذا أعْطى الأب أمْراً لأحد أوْلاده؛ أنْ نَظِّف أسنانك، فهذا لِصالِحِه، وكذا لا تتأخَّر عن المدْرسة، واكتب وظائِفَك، فالابن يتلقى من أبيه عشرات الأوامر، كُلُّها واضِحة، فالابن الذَكِّي الذي يُبادِر في تطبيق أوامر أبيه البَيِّنَة حِكْمَتُها ونَفْعُها، فلا يُسَمَّى هذا خُضوعاً للأب، أما حينما يتلقَّى الابن أمراً غير معقول فهو في حالة جوعٍ شديد، والطعام على المائدة ساخِن، ويقول الأب لابنه: لا تأكل! فإذا أطاع الابن كان دليلاً على تَرْبِيَتِه، فأَحْياناً هناك أمْرٌ تَعَبُّدي، وأعظم أمْر تَعَبُّدي في كتاب الله أن يقول الله عز وجل لأحدِ الأنبياء الكِرام: اِذْبَح ابنك، شيء غير مَعْقول، وغير مَقبول، فَدَائِماً الأمْر فيه عُنْصران: مَضْمون الأمْر، والآمِر، فأحْياناً تكون العِلَّة في تطبيق الأمْر مَضْمونَ الأمْر نفْسِه، فإذا كان هناك إنسان عظيم في مَرْكبَة، وأمامه حُفْرة لا يراها، وأدار المُحَرِّك، وهو في طريقه إلى الحُفْرة، لو أنَّ طِفْلاً صغيراً نبَّهَهُ يسْتجيب! هل نقول: إنَّ هذا الإنسان العظيم يَعْبُد هذا الطِّفْل الصغير؟ الأمر واضِح، والنَّصيحة جَلِيَّة، إلا أنَّهُ متى يتَّضِحُ جانب العُبودِيَّة في الإنسان؟ حينما لا يتَّضِح له الأمر! ففي الحديث عن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ اللَّهُ:
((كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ))
[البخاري عن أبي هريرة]
فالله تعالى أمرك بالصِّدْق، وأمرَكَ بأداء الحُقوق، وغضِّ البَصَر؛ كُلُّ هذه الأمور تُريح النفس، فإذا قال لك: لا تأكل، ولا تشرب الخمر، كان واضِحاً، فإذا قال لك: لا تأكل الخنزير كان أوْضَح، فالأمر إذ غابَتْ عنك حِكْمته، والأمر إذا كان شعائِرِياً، وليس واقِعِياً، فالصلاة، والصوم، والحج؛ من طواف، وسعْي، ووُقوف بعرفة، وقد قدِمْتَ من طرف الدنيا، ودَفَعْتَ آلاف الدراهم لِتَقِفَ بين يدي الله، فهذه أوامِر تَعَبُّدِيَّة نبْحث عن حكمتها، إلا أنَّه أحْياناً يغلب على الأمْر أنّ آمِرَهُ عظيم، يكفي، ولذلك قال بعض العلماء: عِلَّةُ أيّ أمْرٍ أنَّهُ أمْر، ألا يكفي أنَّه أمْر الله عز وجل، نحن مع فَهْم الحِكْمة، ومع التمْحيص، ومع التعليل من أجل أن ندْعُوَ إلى الله عز وجل، ولأن تكون الدَّعْوة مَعْقولة فهذا كُلّ شيء لا غُبار عليه، لكن حينما تُعَلِّق تنفيذ الأمْرِ على فهْم حِكْمتِه فأنت لا تعبد الله أبداً، لذلك هناك أوامر في الدِّين المَقْصود منها امتِحان عُبودِيَّتك لله عز وجل، إذْ هناك أوامر المقصود منها إظهار مدى إيمانك بالله تعالى، ومدى تَسْليمك له.

الله تعالى يسوق للإنسان الأقْدار لِيَمْتَحِن ثِقَتَه به واسْتِسْلامه وعُبودِيَّتَه له :
قد يتلقى إنسانٌ من آخر مئة نصيحة، وكل نصيحة أكثر فائِدَةً من أُختها، ثمَّ ينصحُهُ نصيحَةً غير مَعْقولة، ماذا يفعل هذا الإنسان؟ يقيس على ما مضى، فأنت وطِّن نفْسَك أنَّك تطالعك أحياناً حالات غير واضِحَة، هناك أمْرٌ أوْضَح من ذلك؛ فلو أنَّ إنساناً جلسَ على كرسي علاج الأسنان، وأقْنَعه الطبيب أنَّ قَلْع الضِّرْس مُؤلِم جداً، وأنَّهُ لا بدّ من مُخَدِّر، والإبرة فيها ألَم طفيف، فالأمْر واضِح جداً، وما دام كذلك فلا يُقال لِلمريض إلاّ اصْبِر، لأنَّ هذا لِصالِحِه، لكن إذا قال لك الله تعالى:
﴿ فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ ﴾
[سورة القلم: 48]
معنى ذلك أنُّ هناك أمْراً ليس واضِحاً عندك، فلذلك يُمْتَحَنُ الإنسان أحْياناً بِقَضاءٍ من الله تعالى وقَدَرٍ لا يرى حِكْمَتَهُ؛ مُسْتَقيمٌ وجاءَتْهُ مصيبة، ويُنْفِقُ مالهُ ليلَ نهار، وجاءَتْهُ ضائِقَة مالِيَة، كان بارّاً لِوالدِه، ووجَدَ من ابنه بعض المُشاكَسَة، فأنت عُرْضةٌ لابتلاء الله عز وجل، إذْ سبحانه وتعالى قد يسوق لك الأقْدار لِيَمْتَحِن ثِقَتَكَ به، واسْتِسْلامك له، وعُبودِيَّتَك له جلَّ جلاله. لذلك قال سيّدنا سَعْدُ: ثلاثة أنا فيهِنَّ رجل، وفيما سِواهنّ أنا واحِدٌ من الناس: ما سَمِعْتُ حديثاً من رسول الله صلى الله عليه وسَلَّم إلا عَلِمْتُ أنَّهُ حقٌّ من الله تعالى، فَمَثَلاً حَبَّة البرَكة، أو الحَبَّة السَّوْداء تُقَدَّم لإنسان عاش في الصَّحْراء، والمُعْطَيات العِلْمِيَّة ضعيفة جداً، ويقال له: فيها الشِّفاء، كيف؟‍! الكلام كبير جداً، والمَضْمون صغير، حَبَّة سَوْداء فيها شِفاء، نعَم، فقبْل سَنَتَيْن أو ثلاث سنوات عُقِد مؤتمر بالقاهِرَة، هذا المؤتمر من أجل الحَبَّة السِّوْداء، وكان من نتائِج هذا المؤتمر أنّ الحَبَّة السوداء تُقوِّي جِهاز المناعة في الإنسان، وتَقْوِيَةُ جِهاز المناعة شِفاء من كُلِّ مَرَض، فَنَتَائِجُ هذا المؤتمر تتناسَب مع هذا الحديث الشريف.

كُلَّما ازْداد إيمانُكَ بالله تَشْعُر أنَّ الذي يَقُولُهُ النبي وَحْيٌ يوحى :
هناك آلاف الأحاديث فَمَثَلاً عِلْمُ المُسْتَحاَثَّات في الجزيرة العَرَبِيَّة يُؤَكِّد أنّ تحت الرُّبْع الخالي حضارة، ومُدُن مَغْمورة بالرِّمال، وبساتين، وجنَّات، وقُصور، وبُيوت، فكيف يقول عليه الصلاة والسلام:
((لا تقوم الساعة حتى تعود أرض العرب مروجاً وأنهاراً))
[مسلم عن أبي هريرة]
معنى ذلك أنَّها كانت، ومعنى ذلك أنَّها سَتَعود، ومعنى ذلك أنَّ خُطوط المَطَر تنتَقِل، والمُلاحظ بهذه السنوات الخمْس الأخيرة أنَّ نِسَب الأمطار بالشَّرْق أكثر من الغَرْب، وصار هناك قَحْط وجفاف مُمِيت بِشَمال أوروبا، فلَعَلَّ النبي عليه الصلاة والسلام أعْلَمَهُ أنّ هذه البِلاد كانت جنَّاتٍ وانْهاراً، وسَتَعود في نِهاية الدَّوَران للزمن جنَّاتٍ وأنهاراً، فأنت كُلَّما ازْداد إيمانُكَ بالله عز وجل تَشْعُر أنَّ الذي يَقُولُهُ النبي عليه الصلاة والسلام وَحْيٌ يوحى، ولا علاقة لكلامِه بِمُعْطَيات العَصْر، وقد تكون كُلّ مُعْطيات العَصْر العِلْمِيَّة لا تَكْفي لِتَوْجيه مُعطَيات النبي عليه الصلاة والسلام.
قال: وهو وإن كان عَرَضاً، فالله تعالى يَقْلِبُهُ عَيْناً، ما معنى عَيْن وعَرَض؟ العَرَض صِفَة طارِئة فَيُمْكِنُني أن أضَعَ مادةً في هذا الماء، الذي لهُ وَزْنٌ، وحَجْم، وخصائص، فالماءُ عَيْنٌ، ولكن لو وَضَعْتُ في هذا الماء لوْناً أحْمرَ، فصار لوْنُ الماء أحْمر، فاللَّوْن عَرَض، والطاوِلَة عَيْن، ولكن هذا اللَّوْن الذي اِكْتَسَبَتْهُ عَرَض، وكذا اللَّون عرض، أما الشُّعاع عَيْن فقد يكون أحْمر، أو أصفرَ، فالمَوْتُ عَرَض في رأي عُلماء الفلاسفة، وإن كان عَرَضاً فالله تعالى قَلَبَهُ عَيْناً، هكذا قالوا! وأصْبَحَ شيئاً يُخْلَق، وواللهِ الذي لا إله إلا هو هذا المعنى في نَفْسي قديم، حول المرَض لا الموت، فأشْعُر أنّ الإنسان يُصاب بالمرَض إلى أن يَظُنّ، أو يتأكَّد أنَّهُ انتهى؛ فمِن أين تأتي الصِّحَة بعد ذلك؟ تَشْعُر وكانَّ الصِحَّة شيء خُلِق فيه، وكانت هناك عِلَلٌ كثيرة، فالله تعالى كما خلق المرَض يَخْلُقُ الصِّحة، قال تعالى:
﴿ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ*وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ*وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ﴾
[سورة الشعراء: 78-80]
فالشِّفاء شيءٌ يُخْلَق، ولِذلك فهذا المعنى يدْفَعُ اليأس عن كُلِّ الناس.

الله سبحانه وتعالى يقلبُ الأعْراض إلى أعْيان يوم القِيامة :
كَما أنَّ الله تعالى خَلَق المَرَض فإنَّه يخْلُقُ الشِّفاء، وكما أنَّ الله تعالى خلَقَ الحياة يخْلق الموت قال تعالى:
﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ﴾
[سورة الملك: 2]
وقد ورد في العمل الصالِح حديثٌ عن براء بن عازب وهو حديث صحيح أنَّه يأتي صاحِبَه في صورة الشاب الحَسَن، والعَمَل القبيح يأتي في صورة الرجل القبيح، وقد ورَدَ في الحديث عن فضْل القرآن أنَّه يأتي على صورة الشاب الشاحِب اللَّون، أي قِراءَة القارئ، وورَدَ في الأعمال أنَّها توضَعُ في الميزان، والأعْيان هي التي تَقْبلُ الوزْن دون الأعراض، فحينما يوزَنُ الشيء الذي هو عَرَض معنى ذلك أنَّ الله تعالى قَلَبهُ إلى عَيْن، ولِحِكْمةٍ بالغة فهذه الأشياء المَعْنَوِيَّة التي هي أعْراض في الدنيا يجْعَلُها الله عز وجل يوم القِيامة أعْياناً؛ أحْياناً يُعَلِّق الإنسان في بيتِه شهادة، ما معنى هذه الشهادة؟ عِبارة عن وثيقة تُثْبِتُ عِلْمهُ، ففعلُ اللهِ عز وجل أبلغُ من شهادة حينما يريدُ أن يُبَيِّن لِكُلِّ واحِدٍ من خلْقِهِ ماذا عَمِل! فقد يأتي العَمَل مُجَسَّداً، فَمُلَخَّصُ هذه الموضوع أنَّ الله سبحانه وتعالى يقلبُ الأعْراض إلى أعْيان يوم القِيامة، وهو على كُلِّ شيء قدير، وأنا أذكر لكم هذا وهو من باب التقريب، أنَّ بعض الإحْصاءات يَضَعون مُجَسَّداتٍ بيانِيَّةً، ومُكَعَبَّات مُتَفاوِتَةً في الارْتِفاع، فَيُمْكِنُ للفِكْرة أن تُصْبِحُ مُجَسَّدةً بِحَقيقَة. فالفِكْرة ملخصة: أنّ الشيء غير المادِّي يُصْبِحُ يوم القِيامة مادِيّاً، وفي الصحيح أنّ أعْمال العِباد تصْعَدُ إلى السماء، وسيأتي الكلام عن البعْث والنُّشور إن شاء الله تعالى.

الفرق بين كلام الله تعالى وبين كلام البشر وضوحه ودقته :
قال المُصَنِّف: ورد في القرآن مجازات بلاغية؛ منها ما يكون إيجازاً مُخلاًّ، فقد ورد في الحديث عن فضْل القرآن، فالأوَّل من هذه المجازات إيجازٌ مُخِلّ، لأنَّنا توَهَّمْنا خلاف المنطوق، فالله تعالى قال:
﴿ فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى ﴾
[سورة القيامة: 31]
فلو أنَّ الله تعالى قال: فلا صدَّق وصلى، كان معنى الكلام أنَّهُ لم يُصَلِّ، فَلِمَ أضاف هذه (لا) الزائِدَة؟ دَفْعاً لِتَوَهُّمِ أنَّهُ صلَّى، معنى ذلكم أنّ البلاغة أن تقول كلاماً إذا أرَدْتَ منه معنى مُحَدَّداً ينبغي ألاّ يُفْهَمَ على معنى آخر، فهذا سيِّدنا عمر مرَّ على قَوْمٍ يُشْعِلون ناراً، فقال: السلام عليكم يا أهل الضَّوْء! ولم يقُلْ السلام عليكم يا أهل النار! لأنَّهُ لو قال: السلام عليكم يا أهل النار! قد تُفْهَم عبارته أنَّهم من أصْحاب النار، فلو أنَّ أحداً قال لأحدٍ: كيف حالك وهل أنت مُعافىً؟ فأجاب: لا عافاك الله، كان المعنى دعاء عليه، ماذا ينبغي أن يقول؟ لا، وعافاك الله؛ بِإضافة الواو، فـ (لا) إجابة عن السؤال، والجملة التي بعدها دُعاء له، والإنسان كُلَّما ارْتَقَى بِلُغَتِه يخْتار العِبارة المناسِبَة، التي لا يُمْكِن أن تُفْهَمَ فَهْمَيْن، والفرق بين كلام الله تعالى وبين كلام البشر وضوحه ودقته؛ فأحْياناً يكون في ذِهْن الإنسان معنى مُحَدَّد، ولِضَعْف اللُّغَة، وعدم بلاغته الراقِيَة يستعْمل عِبارة تحْتَمِل عِدَّة معانٍ، وهو يريدُ معنىً واحِداً، وهنا نقول: http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/5415/02.jpg
هذه العِبارة تحْتاج إلى شرْح، وعلينا أنْ نرْجِع إلى قائِلِها لنفهم ماذا يُريد بِهذه العِبارة، أما الله تعالى إذا ذَكَر عِبارة احْتِمالِيَّة فالإله له شأن خاص، وهو يريد كُلَّ المعاني التي تحْتَمِلُها هذه العِبارة، لذلك سَمَحَ لنا أن نجْتَهِد، وقد أوْرَدَ لنا ربُّنا عز وجل نُصوصاً، وذكرَ في القرآن آيات ظَنِيَّة المعنى، فأصْبح أحد خلاف العلماء في وِجْهات نَظَرِهم أنَّ أصْل النصّ ظَنِّي الدلالة، والله عز وجل كلامه كامل، لكنه جاء ظنِّي الدلالة، فَمَعنى ذلك أنَّه تعالى أراد لنا أن نفْهَمَ هذا النصّ على معانٍ عِدَّة، وسَمَحَ لنا أن نجْتهِد، والخصائص التي يرْقى بها الإنسان إلى أعلى درجات التكريم أنّه سمح له أن يجْتهِد، وسمَحَ له أن يُبْدِع، وسَمَح له أن يكون فرْداً مميزاً، وسَمَح له أن يكون حُرّاً، وسمَحَ له أن يكون مُريداً، هذا مِن تكريم الله للإنسان، وجعله فرْداً لا مثيل له، والعلماء في زماننا اكْتَشَفوا أنّ في الكون اثنين ونصْف مليار زُمْرة نسيجِيَّة، أي أنَّهُ يوجَد في العالم شخص واحدٌ فقط يُشْبِهُ زُمْرتَكَ النَّسيجِيَّة، وأنا أتَوَقَّع أنْ يُكْتشف بعد حين أنَّ زُمْرة الإنسان النَّسيجِيَّة كَبَصْمة الإصبع لا تتكَرَّر، وما الذي يجْعل الإنسان فرْداً لا مثيل له؟ قال: قُزَحِيَّةُ العَيْن، والآن هناك أُصول إلكترونِيَّة مَبْنِيَّة على قُزَحِيَّة العَيْن، تَضَع عَيْنَيْك على القِفْل، فَيُفْتَحُ الباب، وكذا رائِحَةُ الجِلْد، ونَبْرَةُ الصَّوْت، وبلازْما الدَّم؛ كُلّ هذه ينفرِدُ بها المرءُ عن كل الناس.






السعيد 09-15-2018 01:51 PM

رد: العقيدة الطحاوية
 
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية - العقيدة الطحاوية

الدرس : ( التاسع )

الموضوع : الصفات هل هى عين الذات



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا، وانْفعنا بِما علَّمتنا، وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً، وارْزقنا اتِّباعه، وأرِنا الباطل باطِلاً، وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه، وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أسباب الخِلافات الكثيرة بين الفِرَق الإسلامِيَّة :
أيها الأخوة المؤمنون، وَصَلنا في موضوع العقيدة الطحاوِيَّة إلى موضوع بالغ الدِقَّة، وهو سَبب خِلافات كثيرة بين الفِرَق الإسلامِيَّة، مسْألة الصِّفات؛ هل هي عَيْنُ الذات أم زائِدَةٌ على الذات؟ يقول الإمام الطحاوي: وكذلك مسألة الصِّفَة؛ هل هي زائِدَةٌ على الذات أم لا؟ فلفظها مُجْمَل، وكذلك لفظ: زائِدَة على الذات، أو غير زائِدَة على الذات، فإذا قلنا: زائِدَة على الذات، فهذا كلامٌ مُجْمَل، وإذا نَفَيْنا أنَّها زائِدَة على الذات فهذا أيْضاً كلامٌ مُجْمَل، وأحْيانًا الخُطورة في الإجمال، فإذا سُقْنا كلاماً مُجْمَلاً لا بدّ له مِن تَفْصيل، لأنَّكم كما تعلمون البلاغة بين الإيجاز المُخِلّ، والإطْناب المُمِلّ، فأحْياناً الإجمال والإيجاز يُؤَدِّيان إلى الإخلال بالمَعْنى، فقد يُراد بهما ما ليس مقصوداً منهما، وقد يُراد بهما ما جاز مُفارقَتُه له، ففي موضوع العقيدة، وفي موضوع الإلهِيَّات بالذات، وفي موضوع ذات الله تعالى، ولا سيما في موضوع الإلهيَّات، فالإيجاز أحْيانًا يُوقِعُنا في لبْسٍ شديد، فلا بدّ مِن التَّفْصيل، وهذا يحْمِلُني أن أقول لِسائِلٍ: هذا السُّؤال يحتاج إلى سَهْرة وإلى لِقاء مَفْتوح، تُريد أن أُجيبَك عن موضوعٍ دقيقٍ في القَضاء والقَدَر، بكَلِمة بعد خُطْبة الجُمعة؛ فهذا موضوع طَبيعَتُه التَّفْصيل، وضَرْب الأمثِلَة، وتقليب الوُجوه، والتَّعَمُّق، والتَّحليل، وإيراد الوقائِع، والأدِلَّة القرآنِيَّة، والسنَّة النَّبَوِيَّة، والأدِلَّة الفِطْرِيَّة، لذا أنْصَحُكم كَدُعاة أنَّكم غَداً تُسْألون فَبَعْضُ هذه الأسْئِلَة لا يجوز أن تُجيبوا عنها جواباً مُوجَزاً.
البلاغة لَيْسَت في الإيجاز ولا في الإطْناب إنَّما هي مُطابَقَة الكلام لِمُقْتَضى الحال :
هناك معركة في هذه البَلْدة قبل أسابيع عِدَّة؛ خطيب مسْجد قال في خطبة الجمعة: نحتاج إلى فِقْهٍ جديد، وهناك مَن ردَّ عليه رَدًّاً قاسِياً إلى أقْصى درَجَة، وجعلَهُ جاهِلاً زنْديقًا...الخ، ثُمَّ جرى لِقاءٌ، واسْتَمَعْتُ له في شريط، فهذا الذي قال هذا الكلام الموجَز كان يقْصِدُ كلاماً آخر، لكِنَّ الذي يسْمَعُ هذا الكلام يفْهَمُ عَكْسَ ما قال هذا القائِل، فأحْيانًا الإيجاز يوقِعُنا في مشكلة كبيرة جداً، لذا لا تُجِبْ بإيجاز عن سؤالٍ يحْتاج إلى تَفْصيل، وأن تُعالِج موضوعاً، وأنت تسير في الطريق، أو عَقِب درْس، فَهُناك موضوعات خطيرة لا تُعالَج إلا بالتأنِّي، وبِوَقْتٍ مَفْتوح، وذَكَرْتُ هذا الكلام، لأنَّنا إنْ قلنا: الصِّفات عَيْنُ الذات أَلْغَيْنا الصِّفات، وإذا قلنا: إنَّها زائِدَة على الذات، صار المعنى أنَّ الصِّفات شيء، والذات شيء آخر، وهذا كُفْر‍‌! لِما فيه مِن التَّعَدّد، فَمِثْل هذا الموضوع يَحْتاج إلى تَفْصيل وشَرْح وإيضاح.
ليس كُلّ إيجاز بليغاً، إذْ هناك إيجازٌ مُخِلّ، وليس كُلّ إطْنابٍ مُخِلاًّ أو مُمِلاً، بل هناك موضوعات تَحْتاج إلى الإطناب، والذي أوتِيَ الحِكْمة يعرف كيف يوجِز، وكيف يُفَصِّل، وفي مَوْضِع التَّفْصيل فالتَّفْصيل أوْلى، وفي موْضِعِ الإيجاز فالإيجاز أَوْلى، ورَحِم الله مَن قال: البلاغة مُطابَقَة الكلام لِمُقْتَضى الحال.
بِرَبِّك لو كَلَّفْتَ طِفْلاً أن يَضَع رسالَةً في البريد، ألا تَشْرَح له كُلَّ شيء، تقول له: أمْسِك الرِّسالة بِيَمينِك، واحْذَر أن تسقط من يَدِك، وإيَّاك أن تقول: طابِع مطلق، وإنَّما طابِع كذا وكذا، وضَع يدك عليه بِشِدَّة في أثناء لصْقِه، واذْهب إلى صندوق البريد، وضَعْها في الفَتْحَة الأُفُقِيَّة، فهذا يُقال لِطِفْلٍ صغير، أما لو كان لك صديق عاقِل وراشِد، فأنت تطلب منه فقط أن يضَعَها في البريد، فالبلاغة لَيْسَت في الإيجاز، ولا في الإطْناب، إنَّما هي مُطابَقَة الكلام لِمُقْتَضى الحال. أئِمَّة السنَّة لا يُطلقون على صِفات الله وكلامه أنَّه غيره ولا أنَّه ليس غيره :
ففي موضوع العقيدة، وفي موضوع الإلهيَّات، وفي موضوع صِفات الذات، هذا الموضوع لا يجوز أن نوجِز فيه، ولا أن نَخْتَصِر، ولا أن نَمُرّ مُرور الكِرام، فلا بدّ منَ التَّفْصيل، لأنّ (كلمة) لو سُقْناها بِطَريقة غير صحيحة ربَّما فُهِمَ مِنَّا معنى لم نقصده إطلاقاً.
ولِهذا كان أئِمَّة السنَّة ـ رحمهم الله تعالى ـ لا يُطلِقون على صِفات الله وكلامه أنَّه غيره، لا يقولون صِفات الله غير الله، لأنّ هذا شِرْك ولا أنَّه ليس غيره؛ نكون بِهذا أَلْغَيْنا الصّفات، فإذا قلنا: الصِّفات هي عَيْنُ الذَّات معنى ذلك لا توجد صِفات، وإذا قلنا: الصِّفات زائِدَة على الذَات أصْبَحَ هناك تَعَدُّدِيَّة؛ وكِلاهما كفْر، ولهذا كان أئِمَّة السنَّة ـ رحمهم الله تعالى ـ لا يُطلقون على صِفات الله، وكلامه أنَّه غيره، ولا أنَّه ليس غيره، لأنَّ إطْلاق الإثْبات قد يُشْعِر أنَّ ذلك مُبايِنٌ له، فهناك صِفات؛ إيجازاً وإطْلاقاً، فإطْلاق الإثبات بأنَّ للَّه صِفاتٍ يُشْعِرُ أنَّ هذه الصّفات مُبايِنَةٌ له؛ هي غيره، وإطلاق النَّفْي أنَّ ليس له صِفات أو الصِّفات ليسَتْ زائِدَة قد يُشْعِرُ أنَّه هو هو، وأنْ ليس له صِفات، وأنَّ صِفاته عَيْنُ ذاته، إذا كان لفظ (غَيْر) فيه إجْمال، فلا يُطلق إلا مع البيان، والتَّفْصيل، فهذه أوَّل فائِدَة اسْتَفَدْناها في هذا الموضوع الدقيق، أنَّهُ لا يجوز أن تُطْلِق، بل لا بدّ أنْ تُفَسِّر، فإذا أثْبَتَّ الصِّفات فقد يُفْهَمُ التَّبايُن، وإذا نَفَيْتَها فقد يُفْهم الإنكار، وفي التَّعَدُّدِيَّة والإنكار كلامٌ كُفْرٌ، ما أراده الله سبحانه وتعالى.
فإنْ أُريدَ به أنَّ هناك ذاتاً مُجَرَّدَةً قائِمَةً بِنَفْسِها، مُنْفَصِلَة عن الصِّفات الزائِدَة عليها، فهذا غير صحيح! ذات الله شيء، وصِفاته شيء آخر؛ هذا غَلَط! قال: وإن أُريد به أنَّ الصِّفات زائِدَة على الذات التي يُفْهَمُ ِمن معناها غير ما يُفْهم مِن معنى الصِّفة، فهذا حقٌّ، فالله عز وجل له صِفاتٌ زائِدَة عن ذاته مِن دون أن تكون الذات، وصِفاتها شَيْئَين، ولكن ليس في الخارجِ ذاتٌ مُجَرَّدة عن الصِّفات، بل الذات المَوْصوفَة بِصِفات الكمال الثابِتَة لها، ولا تنْفَصِل عنها.
أكبر مَعْصِيَة على الإطلاق أن نقول على الله ما لا نعلم :
قد يقول أحدكم: ما علاقتنا بِهذه المعاني الدقيقة؟ أحْياناً الإنسان إذا وَقَف على المِنْبَر، أو جلَسَ على كُرْسيّ الدَّعْوة، وتكَلَّم كلاماً عن ذات الله عز وجل ليس دقيقًا، وبالِغ في الدِّقَّة، فقد يُتَّهَمُ بالكُفْر، ولا تَنْسَوْا أنَّ أكبر مَعْصِيَة على الإطلاق أن تقولوا على الله ما لا تعلمون؛ هناك فَحْشاء ومُنْكَر، وهناك إثْم، وعُدْوان، ومَعْصِيَةٌ، وشِرْكٌ، ونِفاقٌ، وكُفْر، أما أكبر معْصِيَة أن تقولوا على الله ما لا تعلمون! لذلك يقول الإمام الغزالي عن العَوَام:
((لئِن يرْتَكِبوا الكبائر أهْوَنُ مِن أن يقولوا على الله ما لا يعلمون))
قبل أيَّام جَلَسْتُ مع صديق، والِدُهُ بعيدٌ عن الدِّين بُعْدَ الأرض عن السَّماء، فَهُوَ يأمُره أن يشْربَ الخَمْر، وأن يرتَكِبَ المعاصي والآثام، ويأمرُه بالقِمار، وغير ذلك، فالذي اسْتَفَدْتُهُ مِن هذه الجَلْسَة أنَّه قال لابنِه: أنا يا بُنَيّ قبل أربعين عاماً الْتَقَيْتُ بِشَيْخٍ في هذه البَلْدَة، وقال لي: لا تَطْلُبِ العِلْم فَتُصْبِحَ مَسْؤولاً! هذا الشَّيخ قال هذه الكلمة ومَشَى! فهذه الكَلِمَة أثْمَرَتْ في هذا الإنسان العاصي بأن رَفَضَ العِلْم، وتَحَرَّك وَفْقَ شَهْوَتِه، فرُبَّ كَلِمَة تتكَلَّمُها قد تُسَبِّب إعْراضاً عن الدِّين، رجل محسوب على دينٍ يقول له هذه الكلمة، فإذا بها تتغلغل في قلبه، وتجد لها مكانًا مُتَّسَعاً! أربعون عاماً يرْفض أن يسْمَع خُطْبَةَ الجمعة، ويرْفض أن يُصَلِّي، لا يعرفُ شيئًا بل يعيشُ لِشَهْوَتِه. ((إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ))
[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
الله جلّ جلاله لا يُحاسِب الإنسان على حَجْم العَمَل بل على نتائِج العَمَل :
أيها الأخوة الكرام، أضَعُ بين أيديكم هذه الحقيقة، وإن كانت قاسِيَة؛ إنّ الله جلّ جلاله لا يُحاسِبُك على حَجْم العَمَل، بل يُحاسِبُك على نتائِج العَمَل، ذكروا أنَّ مَخْبَرَ تحليل بِدِمَشق؛ إنسانٌ شَكَّ في ابنتِه، والبنتُ بريئة، فأخَذَ جُزْءاً من دَمها لِيُحَلِّلَهُ، ليتبيّن ما إذا كانت حامِلاً أو غير حامِلٍ، لأنَّ مشكلةً وَقَعَت؛ فهذه العَيِّنَة وَقَعَت مِن يَدِ المُوَظَّف فانْكَسَرَتْ، فخاف مِنَ الطبيب صاحب المَخْبَر، فَكَتَبَ: الحَمْل إيجابي، ولم يَدْرِ ما فَعَل، فلمَا جاء الأبُ مساءً قال له الطبيب: مَبْروك، ابنتُك حامِل، فَرَجَعَ الأب لابْنَتِه وذَبَحَها، يا تُرَى كيف يُحاسَب صاحِبُ المَخْبَر؟ والله الذي لا إله إلا هو ليُحاسَبَنَّ على أنَّهُ قاتِل، دَقِّقوا في هذا الكلام: إنّ الله جلّ جلاله لا يُحاسِبُك على حَجْم العَمَل، بل يُحاسِبُك على نتائِج العَمَل، والدليل قوله تعالى:
﴿ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ ﴾
[ سورة يس : 12]
عدم انفصال ذات الله عن صِفاتِه لأنَّهُ ذاتٌ واحِدَة :
قال: فإنْ أُريدَ بِهِ أنَّ هناك ذاتاً مُجَرَّدَةً قائِمَةً بِنَفْسِها مُنْفَصِلَة عن الصِّفات الزائِدَة عليها، فهذا غير صحيح، وإنْ أُريدَ به أنَّ الصِّفات زائِدَة على الذَّات التي يُفْهَمُ من معناها غير معنى الصِّفَة، فهذا حَقٌّ، ولكن ليس في الخارِج ذات مُجَرَّدَةٌ عن الصِّفات، بل الذات المَوْصوفة بِصِفات الكمال الثابِتَة لها لا تنفصِلُ عنها، فلا تنفصِلُ ذات الله عن صِفاتِه، لأنَّهُ ذاتٌ واحِدَة، وكما يقول علماء التَّوحيد: واحِدٌ في ذاته، وواحِدٌ في أسمائِه، وواحِدٌ في أفعاله، وواحِدٌ في صِفاته.
قال: وإنَّما يفرض الذِّهن ذاتاً وصِفَةً، أحيانًا العَقْل البشري يُحاوِل أن يُصَنِّف، فالعَقْل البشري يُحْدِث فواصل بين الأشياء، وهذه الفواصِل بين الأشياء ليْسَت موْجودة، أنت تقرأ أن في التاريخ: العَصْر الأموي، والعَصْر العبَّاسي، وعَصْر الدُّوَل المُتتابِعَة، والعَصْر الحديث، فيا تُرى هل نحن نعيش بجِدار يفصل عَصْراً عن آخر؟ لا، هذا التَّقْسيم يُسَمُّونه مَدْرسة، وهو تقسيم عَقْلاني، أما الحياة فهي مُتَداخِلَة، وأشياء أخرى كثيرة، يقال لك: الصِّفات الفيزيائِيَّة، والصِّفات الكيماوِيَّة، فهذه التقسيمات هي عَقْلِيَّة مُتداخِلَة، فَكذلك الذِّهْن، فقالوا: يفرض الذِّهْن ذاتاً، وصِفَةً، كُلٌّ وَحْدَهُ، ولكن ليس في الخارِج ذاتٌ غير مَوْصوفة، فإنَّ هذا مُحال، وهل هناك ذات ليس لها صِفَة؟ أقول: هذه الطاوِلَة متينة، فهل المتانة غير الطاوِلَة؟‍‍! وإذا قلتُ: هذه الطاولَةُ لونها بُنِّي، فهل الطاوِلَة غير اللَّوْن البُنِّي؟! لا، الواقِع أنَّه ما من مَوْجودٍ إلا وَصِفَتُه فيه، أما أن تتَخَيَّل أنَّ الصِّفَة شيء والذات شيء آخر، فهذا فَصْلٌ عَقْلاني وذِهْني مُجَرَّد.
الله سبحانه وتعالى لا يُشْبِهُ خلْقَه وليس كمثله شيء :
قال: ونقول: إنّ الله سبحانه وتعالى لا يُشْبِهُ خلْقَه، وليس كمثله شيء، هذا مَثَل تَوْضيحيّ، ذات الله عز وجل ليْسَت مُنْفَصِلَةً عن صِفَتِه، فإذا قلنا منْفَصِلَةً وَقَعْنا في التَّعَدُّدِيَّة، ومع التَّعَدُّد الشِّرْك، وإذا قلنا: صِفاته عَيْنُ ذاته فقد ألْغَيْنا الصِّفات، ونكون بِهذا أَلْغَيْنا شيئًا ذكَرَهُ القرآن، ولا يَخْفى عليكم أنَّ إنكارَ شيء من كتاب الله تعالى كُفْرٌ، وأنا أقول لكم: إنَّ أكبَر عَقْل بَشَري لا يستطيع أن يعرِفَ شيئاً بسيطاً عن ذات الله عز وجل.
سُؤال بسيط: هل عرَفَ العَقْل البَشَري حُدود الكَوْن؟‍ لا، ما عرِفَ، فإذا كان العَقْل البشري يعْجز عن إدراك الكون المادِيّ، فَهُوَ أشَدُّ عَجْزاً عن معرِفَة الذات التي خَلَقَت هذا الكون! لكن كما يقول سيِّدنا عليّ رضي الله عنه:
(( أخْذُ القليل خيرٌ مِن تَرْك الكثير))
! إلا أنَّه لا بدّ أن تعْرِف أنَّ موضوع ذات الله عَيْنُ العِلْم به هي عَيْنُ الجَهْل به، وكلَّما قلتَ: لا أعرف، فأنت عالم، وكلَّما قلتَ: أعرِف، معنى ذلك أنت جاهِل.
لو قلتَ لأحدهم: هذا البحر ؛ كم لتراً فيه؟ يقول لك: ثلاثة وتسعون ملياراً وستّة وأربعون وأربعة! هذا يعني أنَّه جاهِل، لكن لو قال لك: لا أعلم ! معنى ذلك أنَّه عالِم، لأنَّ هذا بحْر!
قال: ولو لم يكن إلا صِفَةُ الوُجود، فإنَّها لا تنْفَكّ عن المَوْجود، وإن كان الذِّهْن يفرض ذاتًا ووُجوداً لَتَصَوَّروا هذا وَحْده وذاك وَحْده، ولكن لا ينفكّ أحدهما عن الآخر في الخارج، المَوْجود هو الذَّات، أما الوُجود فَهُوَ صِفَة، فَهُناك مَوْجود ينْفَكُّ عن صِفَة الوُجود، فأقْربُ صِفَة للمَوْجود هي الوُجود، كما قلتُ قبل قليل: نحن عندنا جَوْهَر وعَرَض، فالماء جَوْهَر، أما أنَّه لا لَوْنَ له فهذا عَرَض، لأنَّه يمكن أن يكون له لَوْن، وأما لا طَعْمَ له ولا رائِحَة له، فهذا عرض، لكن هل تستطيع أن تفصِل هذه الصِّفات عن الماء؟! لا، وقد يقول بعضهم: الصِّفَة لا عَيْنُ المَوْصوف ولا غيره! فإذا قلنا: عَيْنُ المَوْصوف أنْكَرْنا الصِّفة، وإذا قلنا: غيره وَقَعْنا في التَّعَدُّدِيَّة والشِّرْك، وهذا له معنى صحيح، وهو أنَّ الصِّفَة لا هي عَيْنُ المَوْصوف ولا غيرُهُ، وهو أنَّ الصِّفَة غير عَيْن ذات المَوْصوف التي يفْرِضُها الذِّهْن مُجَرَّدَةً بل هي غيرها، وليْسَت غير المَوْصوف بل المَوْصوف بِصِفاتِه شيءٌ واحِدٌ غيرُ مُتَعَدِّد؛ هذا هو الكلام الدقيق. محاسبة الله تعالى على النَّوايا :
احْفَظ التَّعاريف الدقيقة حَرْفِيًّاً عن ذات الله، لأنَّ أيَّ كلام دون دِقَّة يوقِعُكَ في الكُفْر دون أن تشْعُر، وإن كان الله تعالى يُحاسِبُ على النَّوايا، فهذا الذي قال كما ورد في الحديث: يا ربّ أنا ربَّك، وأنت عبدي، لم يكفر، لذا قال أحدُ العلماء كلاماً رائِعاً: ليس كُلُّ مَنْ وَقَعَ في الكُفْر وَقَعَ عليه الكُفْرُ، فأحْياناً يتَكَلَّم الإنسان كلاماً فيه الكُفْر، فَهُوَ ما أراد الكُفْر، ولكن فيه الجَهْل، وفيه تسَرُّع، فَتَراجَعَ عمَّا قال، لذا كما قلنا: ليس كُلُّ مَنْ وَقَعَ في الكُفْر وَقَعَ عليه الكُفْرُ، فإنْ قُلْتَ: أعوذ بالله، فقد عُذْتَ بالذات المُقَدَّسَة المَوْصوفَة بِصِفات الكمال، والمُقَدَّسَة الثابِتَة التي لا تقْبَلُ الاتِّصال بِوَجْهٍ مِن الوُجوه، فهل إن قلتَ أعوذ بِعِزَّة الله أشْرَكْتَ؟ فقَدْ عُذْتَ بِصِفَةٍ من صِفات الله تعالى، ولم أَعُذ بِغَيْر الله، صِفات الله ليس منفَصِلة عن ذات الله سبحانه وتعالى، وهذا المعنى يُفْهَمُ مِن لَفْظ الذَّات؛ ففي أصْلِ معناها لا تُسْتَعْملُ إلا مُضافَةٍ، تقول: ذات وُجود، وذات قُدْرَةٍ، وذات عِزٍّ، إلى غير ذلك من الصِّفات، فَذات كذا أي صاحِبَة كذا، والذَات تأنيث ذا و ذو، فَهذا أصْل معنى الكلمة، فَعُلِمَ أنَّ الذات لا يُتَصَوَّر انفِصال الصِّفة عنها بِوَجْهٍ من الوُجوه، وإن كان الذِّهْن قد يفرضُ ذاتًا مُجَرَّدَةً عن الصِّفة، وعَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ الثَّقَفِيِّ أَنَّهُ:
((شَكَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَعًا يَجِدُهُ فِي جَسَدِهِ مُنْذُ أَسْلَمَ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَعْ يَدَكَ عَلَى الَّذِي تَأَلَّمَ مِنْ جَسَدِكَ وَقُلْ بِاسْمِ اللَّهِ ثَلَاثًا وَقُلْ سَبْعَ مَرَّاتٍ أَعُوذُ بِاللَّهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ))
[مسلم عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ الثَّقَفِيِّ]
وعن بُسْرَ بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ خَوْلَةَ بِنْتَ حَكِيمٍ السُّلَمِيَّةَ تَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ((مَنْ نَزَلَ مَنْزِلًا ثُمَّ قَالَ أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ))
[مسلم عن بُسْرَ بْنَ سَعِيدٍ]
ولا يعوذ النبي عليه الصلاة والسلام بِغَيْر الله تعالى، ونحن الآن فَهِمْنا أنَّ هذه الاسْتِعاذة للنبي عليه الصلاة والسلام شيء صحيح وتَوْحيدٌ ولا غبار عليه، فالنبي عليه الصلاة والسلام لا يُمكِن أن يعوذ بِغَيْر الله، وفي بعض أدْعِيَتِه عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ فِي وِتْرِهِ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ وَأَعُوذُ بِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ))
[الترمذي عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ]
طول الأَمَل أخْطرُ شيء يُصيب الإنسان :
والرضا صِفَةٌ مِن صِفاتِه، والله تعالى يرْضى ويغْضَب، فعن جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:
((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أَنْ أُغْتَالَ مِنْ تَحْتِي))
[مسلم عن جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ]
أحْياناً يكون الإنسان ماشياً، فإذا به يَقَع، وينفجر من تحته شيء، أو يسقط عليه شيء، فأخٌ تُوُفِّي قبل أسبوعَيْن، وله أصْهار، فأحَدُ أصهاره مُقيمٌ بِحَلَب، فأرْسَلَ زَوْجَتَه كي تحضر التَّعْزِيَة، وبعد أسْبوعَيْن قدِم إلى دمشق لِيَأخذها، فإذا بِحادِث بالطريق جعله في عِداد المَوْتى! شاب في مُقْتَبَل العُمر، هل خَطَر بِبَالِه أنَّه يموت بِهذا السنّ؟! فالإنسان تحت ألْطاف الله عز وجل، وعليه أن يُجَهِّزَ نفْسَهُ، ويقوم بِوَاجِباته، وجميع حُقوقه، وهذه حِكْمةٌ بالغَة، أخْطرُ شيء يُصيب الإنسان هو طول الأَمَل، فقد تُنْسَجُ أكْفان المرء وهو لا يدْري، أعوذ بنور وَجْهك الذي أشْرَقَت له الظلمات. الاسم تارَةً يدلّ على المُسَمَّى وتارَةً يدلّ على الاسم :
وكذلك قوْلهم الاسم عَيْنُ المُسَمَّى، وغيرهُ، وطالَما غَلِط كثير من الناس في ذلك وَجَهلوا الصَّواب فيه، كيف عَيْنُ المُسَمَّى؟ الاسم يُراد به المُسَمَّى تارَةً، فإذا قلتَ: يا الله ‍! تُنادي مَن؟ تُنادي ذات الله عز وجل، وإذا قلتَ: سَمِعَ الله لِمَن حَمِده، أو نحوُ ذلك كان المُراد المُسَمَّى نفسه، أما إذا قلتَ: الله تعالى اسمٌ عَرَبِيّ، وكذا الرحمن من أسماء الله تعالى، ونَحْوُ ذلك، فأنت الآن أرَدْتَ بِكَلِمَة (الله) الاسم، وليس المُسَمَّى، فكلمة (الله) أحْيانًا تُريد بها المُسَمَّى، وأحيانًا تريد بها الاسم، فكلمة (الرَّحمن) اسم مُشْتَق من الرَّحْمة، أو مُشْتَقَّة مِن الرَّحِم، فأنت ما أردْت من كلمة (الرحمن) الله، وإنّما اللَّفظ، فالاسم تارَةً يُراد به المُسَمَّى، وتارَةً يُراد به اللَّفْظ بالذَّات، فالاسم هاهنا المُراد لا المُسَمَّى، ولا يقال غيره، لِما في لفْظ الغير من الإجمال، فإن أُريد بالمُغايَرَة أنَّ اللَّفظ غير المعنى فَحَقّ، فإذا قلنا مثَلاً: طالب ؛ طاءٌ ولامٌ وألف وباءٌ ! وهناك إنسان يطْلب العِلْم، طبْعاً كلمة (طالب) غير هذا الإنسان، إذْ هي في الأصْل حُروف، وهي كلمة تَدُلّ على ذات، فالاسم شيء، والمُسَمَّى شيء آخر، لكن في الاسْتِعمال قد تلفظ كلمة طالب، وأنت تعْنيها، وقد تلفِظها وتعْني اللَّفْظ، تقول: طالب، اسم مُشتَق من طلب، فالاسم تارَةً يدلّ على المُسَمَّى، وتارَةً يدلّ على الاسم.
قال: إنْ أُريد أنَّ الله سبحانه وتعالى كان، ولا اسم له، حتى خلق لِنَفْسِه اسْماً، أو حتى سمَّاه خلقه بِأسْماء من صُنْعِهِم، فهذا مِن أعظم الضلال والإلحاد في أسماء الله تعالى، إذا قُلْتَ: إنَّ الله تعالى لم يكن له اسم، ولكن هو الذي سَمَّى نفْسَهُ (الله)، أو أنَّ خلقه هم الذين سَمَّوْهُ، فهذا ضلال كبير.

السعيد 09-15-2018 01:54 PM

رد: العقيدة الطحاوية
 
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية - العقيدة الطحاوية

الدرس : ( العاشر )

الموضوع : لله ما زال بصفاتة قديما قبل خلقة






الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا، وانْفعنا بِما علَّمتنا، وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً، وارْزقنا اتِّباعه، وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه، وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
الله عز وجل مُتَّصِف بِصفاتهِ قبل خلْقِه :
أيها الأخوة المؤمنون، وصَلْنا في الدَّرْس الماضي إلى قول الإمام الطحاوي ـ رحمه الله تعالى ـ: "مازال بِصِفاته قَديماً قبل خلقِه" إلى آخر كلامِه من الردّ على الجَهْمِيَّة والمعتَزِلَة ومن وافَقَهم مِن الشِّيعَة.
أيها الأخوة، اليوم أُريد أن تُصْغوا إليَّ إصْغاءً شديداً لأنّ هذا مِن أدَقِّ الموضوعات، لن أُعْطِيَكم كَمِيَّة كبيرة إلا أنَّني أُحاوِل أن أُعَمِّق هذه الصَّفَحات التي نحن بِصَدَدها.
الله عز وجل له صِفات، وله صِفات أفْعال، يا ترى قبل أن يفْعَلَ ما يفْعَل لم يَكُنْ مُتَّصِفاً بِهذه الصِّفات؟ مازال مُتَّصِفًا بِهذه الصِّفات قَديماً قبل خلقِه، فَكَلِمَة (خالِق)، مثلاً قبل أن يَخْلُقَ العالَم ألم يكن خالِقًا؟ فالعَالَم حادِث سَبَقَهُ عَدَم، فَقَبْلَ أن يُخْلَق هذا العالمَ فالله عز وجل ألَمْ يَكُنْ قادِراً على أن يَخْلِق ثمَّ صارَ خالِقًا؟! هذا المعنى كُفْر.
يقول الإمام الطحاوي: ما زال بِصفاتِه قديماً قبل خلْقِهِ، طبْعاً المعتزلة والجَهْمِيَّة ومَن وافَقَهم مِن بعض الشِّيعَة يقولون: إنَّ الله تعالى صارَ قادِراً على الفِعْل والكلام بعد أن لم يَكُن قادِراً عليه، لِكَوْنِهِ صار الفِعْل والكلام ممكنًا، بعد أن كان مُمْتَنِعاً، وأنَّه انْقَلَبَ مِن الامْتِناع الذاتي إلى الإمْكان الذاتي؛ هذا كلام المعتزِلة والجَهْمِيَّة وبعض فِرَقِ الشِّيعَة.
فالله عز وجل لم يَزَل مُتَّصِفًا بِصفاتهِ قبل خلْقِه، فَهُوَ تعالى خالِقٌ قبل أن يخْلُق، ومُتَكَلِّمٌ قبل أن يتكَلَّم، مُعْطٍ قبل أن يُعْطي؛ هذا هو موضوع الدرْس اليوم.

الله تعالى قديم وما سِواه حادِث :
بعضهم أيْضاً يقول: إنَّ الفِعْلَ صارَ مُمْكِنًا بعد أن كان مُمْتَنِعاً منه، إذًا كيف تَوَصَّل هؤلاء إلى هذه الحقيقة التي لا تتَّفِقُ مع أُصول العقيدة؟ قالوا: إنَّ دوام الحوادِث مُمْتَنِع، طبْعاً الإنسان يفْعَلُ شيئًا وينتهي الفِعْل، فَدَوامُ الحوادِث مُمْتَنِع، أنت تَصْنَع طاوِلَة وينتهي صُنْعُها! لم تَكُنْ مَصْنوعَة ثمَّ صُنِعَت، وانتهى صُنْعُها، فَما دام الشيء الحادِث لهُ بِداية وله نِهايَة، فَهَؤُلاء يقولون: دوام الحوادِث مُمْتَنِع، وأنَّهُ يجب أن يكون للحوادِث مَبْدأ، لامْتِناع الحوادِث ألاّ يكون لها أوَّل، إذا وُجِدَ حادِث لا أوَّل له فليس هذا بِحادِث، وأصْبَحَ قديماً، ومِنَ ثَمَّ صارَ خالِقاً، فَنَحن عندنا فرْق دقيق؛ فالله تعالى قديم وما سِواه حادِث، فهو تعالى لا أوَّل له، أما الحادِث فَسَبَقَهُ عَدَم، والحادِث لا يسْتَمِرّ إلى ما شاء الله، له بِداية وله نِهاية، وهؤلاء قالوا: إنَّ دوام الحوادِث مُمتنِع، وإنَّه يجب أن يكون للحوادِث مَبْدأ، لامْتِناع حوادِث لا أوَّل لها، فَيَمْتَنِعُ أن يكون الباري عز وجل لم يَزَل فاعِلاً مُتَكَلِّماً بِمَشيئتِه، فَيَسْتحيل على الله أن يكون دائِماً فاعِلاً، ودائِماً مُتَكَلِّماً، بل يَمْتَنِعُ أن يكون قادِراً على ذلك، لأنَّ القُدْرَة على المُمْتَنِع مُمْتَنِعَة، هذا هو الوَهْم الخطير الذي تَوَهَّمَهُ المعتزلة والجَهْمِيَّة، ومَن وافَقَهم من الشِّيعَة، فالشيء الحادث ليس قديماً، سَبَقَهُ عَدَم فله بِدايَة، وليس مُسْتَمِراً أي ينتهي وما دام الحادِثُ مُنْتَهِياً، والله عز وجل هو الذي خلق هذه الحوادِث فَفِعْلُهُ له بِدايَة وله نِهايَة، قبل البداية وبعد النِّهايَة، اِمْتَنَعَ عليه أن يفْعَل فَكَيْفَ نحلُّ هذا الإشْكال؟ قال: إنّ هذا فاسِد، لأنَّه يدلّ على امْتِناع حُدوث العالَم، وهو حادِث‍! والحادِث إذا حدَثَ بعد أن لم يَكُن مُحْدَثًا فلا بدّ أن يكون مُمْكِنًا.
الله عز وجل قادِرٌ دائِماً على كُلّ مُمْكِن :
الآن سَنَدْخُل في مَوضوع، فالإمكان شيء، والحُدوث شيء، فأنا مَثَلاً دائِماً بِإمكاني أن أنقُل هذا الكأس مِن هذا المكان إلى ذاك المكان، فقد نَقَلْتُه في وَقْتٍ مُعَيَّن، وقبل أن أنْقُلَهُ فأنا قادِر عليه، وبعد أن نَقَلْتُه أنا قادِر عليه، فأنا دائِماً يُمْكِنُني أن أفْعَلَ ذلك، لَكِنّ الفِعْل مرتبط بِوَقْت مُعَيَّن، ومكان مُعَيَّن، والآن دَخَلْنا في موضوع حلّ الإشْكال، فالإمْكان يعني أنَّ الله عز وجل دائِماً قادِر على أن يفْعَل ما فَعَل؛ قبل أن يفْعَل، وبعد أن يفْعَل فهو قادِرٌ على فِعْل ما فَعَل، فالقُدْرة المُسْتَمِرَّة تُلْغي معنى الحُدوث الطارئ فيما هو خَلَقَهُ عزَّ وجل.
قال: فلا بدّ أن يكون مُمْكِنًا، والإمكان ليس له وَقْتٌ مُحَدَّد، أما الحُدوث فَلَهُ وَقْت، وما مِن وَقْتٍ يُقَدَّر إلا والإمكان ثابت فيه، مهما أَغْرَقْتَ في القِدَم، ومهما أغْرَقْتَ في المُسْتَقْبَل فإنّ الله سبحانه وتعالى قادِرٌ على أن يَفْعَلَ الذي فَعَلَهُ.
قال: فليس لإمكان الفِعْل، وجوازه، وصِحَّتِه مَبْدَأٌ، ولا نِهايَة، فالله عز وجل كامِلٌ في قدْرَتِه، والعالَم حادِث، أما الله تعالى فهو قادِر على كُلّ مُمْكِن، والعالَم مِن المُمْكِن، فَقَبْلَ أن يخْلِقَهُ فهو قادِرٌ عليه، وبعد أن خَلَقَهُ فهو قادِرٌ على مِثْلِهِ، فَقُدْرَتُهُ ليْسَت مُمْتَنِعَة، بل مُسْتَمِرَّة، أما الحادِث فلم يُسَمَّ حادِثًا إلا لأنَّ له بِداية، وله نِهايَة، فَيَجِب إذاً أنَّهُ لا يزال الفِعْل جائِزاً مُمْكِنًا صحيحاً، فَيَلْزَمُ أنَّه لا يزال الربّ قادِراً عليه، فَيَلْزَمُ جواز حوادِثَ لا نِهاية لأوَّلِها، كيف حَلَلْنا الإشكال؟ الله تعالى له أفعال، وأفْعاله حوادِث، وسَبَقَها عَدَم، وانْتَهَت، إلا أنَّ الله عز وجل قادِرٌ دائِماً على كُلّ مُمْكِن.
ثمَّ إنَّ أسماء الله تعالى وصِفاتُه قديمةٌ قِدَمَ وُجودِه، وكان الله عليماً، وكان الله على كلّ شيء قديراً، فَقُدْرَتُه لا تنْفَكُّ على وُجودِه، فَهُوَ تعالى مَوْجود، وهو تعالى قادِر، وأسماؤُهُ كُلُّها قديمة أزَلِيَّة أبَدِيَّة، فالحادِث سَبَقَهُ عَدَم، وينتهي بِعَدَم، أما الله تعالى فقادِر على كُلّ مُمْكِن، فالقُدْرَة على المُمْكِن ليس لها وَقْت، فَهِيَ مُمْتَدَّة في القِدَم ومُمْتَدَّةٌ في المُستَقْبَل، لكنَّ الحادِث سَبَقَهُ عَدَم، وينتهي بِعَدَم.

قُدْرَة الله تعالى لا علاقة لها بالزَّمَن بل إنَّ الزَّمَن بعض خلقِه :
حينما تتَحَدَّث عن الآخرة فليس لك إلا الخبر الصادِق، يا ترى ما نوع الجَنَّة؟ خلْق مُتَجَدِّد، طبْعاً العلماء أجابوا، عندنا شيء اسمه التَّسلسل، وهو أن تقول: هذه الدَّجاجة من هذه البيْضَة، والبَيْضة من الدجاجة، فهذا إلى متى؟ العَقْل لا يقبل هذا التَّسلسل اللاَّنِهائي، فلا بدّ مِن خالِقٍ خلق أوَّل دجاجة، ثمَّ بدأتْ دجاجة وبيضة الخ... فالتَّسَلسل مُمْتَنِع في الماضي، والتَّسلسل مُمْتَنِع في المستقبل، إلا أن يكون تسَلْسلُ الماضي ينتهي بالله عز وجل، وأن يكون تَسلسل المُستقبل ينتهي بالله عز وجل، فالله عز وجل قادِر أن يخلق في الجنَّة كلّ يومٍ شيئاً جديداً إلى ما لا نِهاية، إلا أنّ آخر شيء هو ذاتُه، فالتَّسلسُل من دون إله مُمْتَنِع، أما إن كان الله تعالى هو الأوَّل، وبعده خَلْقٌ مُتَسَلْسِل فهذا مُمْكِن، هو الآخر وقبله خَلْق مُتَسلسل فهذا مُمْكِن، متى قلتَ: الله، أي لا بِداية ولا نِهاية! والزَّمن خالِقُه الله تعالى، والمُشْكِلة أنَّ القَضِيَّة تَفوق العُقول، وعندما يريد العَقْل الحادِث أن يفْهَم الذات الإلهِيَّة، والأبَدِيَّة السَّرْمَدِيَّة، فهذا شيء فوق طاقَتِه، لكن إذا قلت: (الله) عز وجل كان المعنى ألاّ بِدايَة له، فإذا قُلْتَ: له بِدايَة أصْبَحَ حينئذٍ مَخْلوقًا! فَكَلِمَة حادِث أي سَبَقَهُ عَدَم، وينتهي بِعَدَم، فإذا قلتَ: متى كان الله عز وجل؟ نقول لك: ومتى لم يَكُن؟! والحديث عن ذات الله عز وجل نُفَوِّض للَّه معنى هذه الآيات الدَّقيقة المُتَعَلِّقَة بِذاتِه، والحقيقة المُطْلَقَة عن الله لا يعلمها إلا الله تعالى.
فَيُقال لهم: هَبْ أنَّكم تقولون ذلك، لكن يُقال: إنْ كان جنس الحوادِث عندكم له بِدايَة، فإنَّه صار جنس الحوادث عندكم مُمْكناً بعد أن لم يكن مُمْكِناً، وليس لِهذا الإمكان وَقْت مُعَيَّن، بل ما مِن وقْتٍ يفرض إلا والإمكان ثابتٌ قبله، فالله تعالى خلق العالم قبل مليار سنة، وهو تعالى قادِر على خلقه قبل مليار مليار سنة! وقبل ذلك، والله عز وجل دائِماً قادِر على خَلْق العالم، إذاً فقُدْرَتُه تعالى لا علاقة لها بالزَّمَن، بل إنَّ الزَّمَن بعض خلقِه.

الله تعالى قادِر على خَلْق العالم وقُدْرَتُهُ على الخَلْق لا علاقة لها بالزَّمَن :
الفرْق كبير بين أن يكون الإنسان مُحاطاً بالزَّمان والمكان، وبين أن يكون الله عز وجل هو خالقَ المكان والزَّمان، فَيَلْزَمُ دوام الإمكان، وإلا لَلَزِم انْقِلاب الجنس، فالإمكان مُسْتَمِرّ، وإلا للَزِم انقِلاب الجِنس من الامْتِناع إلى الإمكان، مِن غير حُدوث شيء، فأنت إذا قلتَ: لم يكن الله تعالى قادِراً، ثمَّ أصْبَحَ قادِراً، يُمكن أن نَنْفي العالم كلَّه بهذه المَقولة الضَّالة! فما دام الله تعالى غير قادِر فَكَيف خلق العالم؟! فالله تعالى دائِماً قادِر على خَلْق العالم، وخلقهُ في وَقْتٍ مُعَيَّن، وقُدْرَتُهُ على الخَلْق لا علاقة لها بالزَّمَن، أما الحُدوث فله زَمَن، وسَبَقَهُ عَدَم، وينتهي إلى عَدَم، أمَّا الإله مع أنَّه خلق فلا يجوز أن نقول: قبل أن يخْلُق كان مُمْتَنِعاً على الخَلْق، أو غير قادِرٍ على الخلْق.
صفات الله عز وجل ليْسَت مُتَعَلِّقة بالحوادِث فالله تعالى فعَّال قبل أن يفْعَل :
هناك رأيٌ دقيق عن التَّسَلْسل، قال: وهو أيْضاً انْقِلاب الجِنْس مِن الامْتِناع الذاتي إلى الإمكان الذاتي، فإنّ ذات جِنْس الحوادِث عندهم تصير مُمْكِنَة بعد أن كانت مُمْتَنِعة، وهذا الانْقِلاب لا يَخْتَصّ بِوَقْتٍ مُعَيَّن، فإنَّه ما مِن وقْتٍ يُقَدَّر إلا وإمكانٌ ثابِتٌ قبله، فَيَلْزَم أنَّه لم يَزَل هذا الانْقِلاب مُمْكِناً، فالحوادث ذاتِيًّاً مُمْتَنِعة قبل أن تكون، وممْكِنة بعد أنْ كانت، والله سبحانه وتعالى دائِماً وسابِقاً ولاحِقًا وأزَلاً وأَبَداً قادِرٌ على خلقِها، إذاً صفاته ليْسَت مُتَعَلِّقة بالحوادِث، فَهُوَ تعالى فعَّال قبل أن يفْعَل، وخلاَّق قبل أن يخلق، ومُحْيٍ قبل أن يُحْيي، ومُميت قبل أن يُميت، وأرْجو الله تعالى أن أكون قد وَضَّحْتُ لكم هذه الحقيقة: أنّ الحادث له بِداية ونِهاية، وسبَقَهُ عدم وينتهي بعَدَم، فإذا ربَطْتَ الحادث مع قدرة الله عز وجل ينتج معك كلامٌ فيه كُفْر، وهو أنَّ الله عز وجل قبل أن يخْلق لم يكن قادِراً على الخَلْق‍! وبعد أن خلَق لم يكن قادِراً بعد أنْ خلَق! فإذا ربَطْتَ فِعْل الله تعالى مع الحادِث، فهذا غلط كبير، صِفات الله تعالى الكاملة جلَّ جلاله هي كامِلَة، ولا علاقة لها بالحوادث، وصِفات أفعاله كلَّها أبَدِيَّة أزَلِيَّة، لكن لِحِكْمَةٍ أرادها الله تعالى خلَقَ العالم بعد أن لم يَكُن، وربَّما أنْهى الأرض بِقِيام الساعة، وهذا مُمكن لأنَّها مِن خلقِه.
الله سبحانه وتعالى لا يمكن أن يُحيط به مَخْلوق :
قال: فَيَلْزَم أنَّهُ لم يَزَل المُمْتَنِعُ مُمْكِنًا، وهذا أبْلَغُ في الامْتِناع من قولنا لم يزَل الحادِثُ مُمْكِنًا، فالشيء المُمْتَنِع مُمْكِن، منَعَهُ لِحِكْمة، فقَدْ لزمهم فيما فرُّوا إليه أبْلَغ مما لزِمَهم فيما فرُّوا منه، وهذه نقطة دقيقة جداً، فالإنسان إذا أقْحَمَ عقله في غير اخْتِصاص العَقْل، وأدْخَلَ عقْله في الذات الإلهِيَّة، وبدأ يُفَكِّر، كُلَّما فرَّ مِن فِكْرة خاف منها وَقَعَ في فِكْرة أكبر منها، ويقع في متاهات، لذلك قال تعالى:
﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ﴾
[سورة الإخلاص: 1-4 ]
فَمِمَّا يُريح الإنسان أن يَقِفَ عند حُدوده، ويَعُدَّ أنَّ جَهْلَهُ بِذات الله هو عَيْن العِلْم به، وأنَّ عِلمه بِكُلّ شيء عن الله هو عَيْن الجَهْل به! لأنَّ الله سبحانه وتعالى لا يمكن أن يُحيط به مَخْلوق، بما في ذلك النبي عليه الصلاة والسلام.
قال: فإنَّهُ يُعْقَل كَوْنُ الحادث مُمْكِنًا، ويُعْقَلُ أنَّ هذا الإمكان لم يَزَل، وأما كَوْنُ المُمْتَنِع مُمْكِنًا فَهُوَ مُمْتَنعٌ في نفسِه، فكَيف إذا قيل: لم يَزَل إمكان هذا المُمْتَنِع، وهذا مَبْسوط في مَوْضِعِه.
فليس الشيء الذي لم يحدث ـ المُمْتَنِع ـ ممكن عند الله عز وجل، ليس الحادث ممكن أن يخلقه الله، وإنَّما الشيء الذي لم يخْلقه هو عند الله عز وجل قادِر على أن يخلقه، لذا قال سيِّدنا عليّ رضي الله عنه: "علِمَ ما كان وما لم يكن لو كان كيف كان يكون".


ثلاثة أقوال معروفة لأهل النَّظر من المسلمين وغيرهم في نوع الحوادث :
نوع الحوادث، هل يمكن دوامها في المستقبل والماضي أم لا؟ أم في المستقبل فقط؟ أم في الماضي فقط؟ قال: فيه ثلاثة أقوال معروفة لأهل النَّظر من المسلمين وغيرهم، فأضْعفها قَوْل من يقول: لا يمكن دوامها لا في الماضي ولا في المستقبل، فالتَّسلسل من الماضي إلى ما لا نهاية لا يُمكن! والعقل لا يقبل ذلك، فلا بدّ مِن حدّ.
وثانيها: قَوْلُ من يقول: يمكن دوامها في المستقبل دون الماضي، كَقَوْل كثير من أهل الكلام، ومَن وافَقَهم من الفقهاء وغيرهم.
والثالث: قَوْل مَن يقول: يُمكن دوامها في الماضي والمستقبل كما يقول أئِمَّة الحديث، مع بعض التَّوْجيهات، وهي من المسائل الكبار، ولم يقل أحدٌ يمكن دوامها في الماضي دون المستقبل، ولا شكّ أنَّ جمهور العلماء مِن جميع الطوائف يقولون: إنَّ كُلّ ما سِوى الله تعالى مَخلوق، كائِنٌ بعد أن لم يَكُن، وهذا قَوْل الرُّسُل وأتْباعِهم مِن المُسلمين واليهود والنَّصارى وغيرهم، ومِن المَعْلوم بالفِطْرة أنَّ كَوْن المَفْعول مُقارِنًا لِفاعِلِه لم يزَل ولا يزال معه مُمْتَنِع المُحال، فالله عز وجل خلق العالم، فإذا كان هذا العالم الذي خلقه الله عز وجل مُقارِن لله تعالى أصْبَحَ العالم مثل الله عز وجل! أزَليّ أبديّ!! هذا الكلام فاسِد، فالمَفْعول ليس بالضَّرورة مُقارن للفاعِل، ولمَّا كان تَسلسل الحوادث في المستقبل لا يمنع أن يكون الربّ سبحانه وتعالى هو الآخر، الذي ليس بعده شيء، فكذا تَسلسل الحوادث في الماضي لا يمنَعُ أن يكون الله سبحانه وتعالى هو الأوَّل الذي ليس قبله شيء، فَنَحن نقول: التَّسلسل ممكِن بِشَرط، والماضي ممكن بِشَرط أن ينتهي إلى الله، وإلى الأوَّل الذي ليس له بداية، والتَّسلسل مقبول في المستقبل بِشَرط أن ينتهي إلى الله تعالى الآخر الذي ليس له نِهاية، أما مِن دون الله تَسلسل مُستقبلي مُسْتَمِرّ فالعَقْل لا يقبله! فإنَّ الربّ سبحانه وتعالى لم يزل، ولا يزال يفعل ما يشاء، ويتكلَّم إذا شاء، قال تعالى:

﴿ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ﴾
[ سورة آل عمران: 40 ]
وقال تعالى:
﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ﴾
[ سورة البقرة: 253 ]
وقال تعالى:
﴿ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ ﴾
[ سورة البروج: 15 ]
وقال تعالى:
﴿ وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾
[ سورة لقمان: 27 ]
وقال تعالى:
﴿ قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا ﴾
[ سورة الكهف: 109 ]
فالله عز وجل خالق خلْقًا مُسْتَمِرًّاً، بِمَعنى أنَّه قادِرٌ قدرة لا تتعلَّق بالزَّمان، فهو تعالى فعَّال لما يريد في أيّ وقْت، ومشيئته لا يحدّها شيء، والمُثْبَتُ إنَّما هو الكمال المُمْكن الوُجود، وحينئذٍ فإذا كان النَّوع دائِماً، فالمُمْكن والأكمل هو التَّقدّم على كلّ فرْد من الأفراد، فالله عز وجل خلَق هذا الإنسان بالذَّات، إلا أنَّه تعالى دائِماً قادِر على خَلْق نَوْع هذا الإنسان، بحيث لا يكون في أجزاء العالم شيء يُقارنُه بِوَجْهٍ من الوُجوه، فالله عز وجل دائِماً وأبَداً قادِر على خَلْق النَّوع، بلا زمان وبلا مكان.
وأما دوام الفِعْل فَهُوَ أيْضاً من الكمال، فإنّ الفِعْل إذا كان صِفَة كمال فَدَوامُهُ دوامُ الكمال، ودوام الفِعْل يعني دوام الإمكان.


التَّسلسل لفْظ مُجمل ينقسم إلى :
1 ـ التسلسل الواجب :
قالوا: والتَّسلسل لفْظ مُجمل لم يَرِد في نَفْيِهِ كتاب ولا سنَّة، ويجب مُراعاة لفْظه، وهو ينقسم إلى واجب ومُمْتَنِعٍ وممكن، فكان التَّسلسل في المُؤَثِّرين مُحال مُمْتَنِع لذاته، إذا اعْتبرنا أنَّ الله غير موجود فالشيء نفسه، هذا يُؤَثِّر في الذي بعده، وذاك في الذي بعده، فالله عز وجل يخلق البَيْضة ويخلق منها الدَّجاجة، أما أن نعتَقِد أنّ البيضة وحدها هي التي تخلق، أو العكس فهذا شيء مُستحيل.
والتَّسلسل الواجب ما دلَّ عليه العقل والشَّرع مِن دوام أفعال الربّ تعالى إلى الأبَد، وأنَّه كلَّما انقضى لأهل الجنَّة نعيمٌ أحْدَث لهم نعيماً آخر لا نفاذ له، معنى هذا أنَّ التسلسل قائم في الجنَّة، والله تعالى قال:

﴿ لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ ﴾
[ سورة الحجر: 48 ]
وكذا التسلسل في أفعاله سبحانه من طرف الأزَل، وأنَّ كلّ فِعْل مَسْبوق بآخر فهذا واجب في كلامه، فإنَّه لم يزَل مُتَكَلّماً إذا شاء، أي قادِراً على التَّكلّم متى شاء، فالموضوع كلّه على هذه الفِكْرة وهو أنَّ الله عز وجل دائِماً وأبَداً قادِرٌ على كلّ شيء، فَصِفات أفعاله لا علاقة لها بالعلم الفاني والذي سَبَقه عَدَم، والبديل أنَّ الله تعالى قادِر على كلّ ممكن، والقُدرة على الممكن ليس لها وقتٌ تحَدّ به، فإنَّه لم يزل متَكَلِّماً إذا شاء، ولم تحدث له صِفَة الكلام في وقْتٍ، وهكذا أفعاله التي هي من لوازم حياته، فإنَّ كل حيِّ فعَّال، والفرق بين الحي والميِّت الفِعْل، ومعنى أنَّه تعالى دائِماً فعَّال أي دائِماً قادرٌ على الفِعْل.
لو فرضْنا أنَّ أحَدًا دخل إلى القِطار، وإلى أحد الغرف فيه، وخلال ربع ساعة تجده يستَوْعب ما في القِطار ؛ طاولة مُتَحَرِّكَة، ومقْعد، وتَكْييف، وتدفئَة، وإعلانات، فلو أنَّ النوافذ مغلقة لضاق نفسه، أما لو كان القِطار يمْشي، والنوافذ مَفْتوحة، وينظر مِن خِلالها إلى الطبيعة، فما دام هناك تَجدّد لا يشعر بمَلَلٍ، لذا أفْخَم قِطار مِن دون تَجَدّد تملّ فيه، وأبسَط قطار لو ترى مِن خلاله المناظر تُسَرّ، فلا يمكن إلا أن تكون الجَنَّة مُتَجَدِّدة باسْتِمرار، ما معنى: وهم فيها خالدون؟ إذا أَلِفَ الإنسانُ شيئًا يضجر منه ويمَلّ منه، ولكن من أجل أنَّ الجنَّة مُتَجَدِّدَة فإنَّهُ يخْلُد إليها، فَمَعنى الخُلود الميول، تقول: خَلَدَ إلى الشيء أيْ مال إليه، أما البقاء فيها دوماً فهذه هي الأبَدِيَّة، فهي فيها جمال مُتَجَدِّد، فهذا التَجَدُّد يجعلك تخلد إليها، وهذا هو معنى قوله تعالى

﴿ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ﴾
[سورة التوبة: 100]
أما الدَّوام الذي لا نهاية له فَهُوَ مُسْتفاد من كلمة أبَداً، أما التَّجَدُّد فهو مُستفاد من كلمة خالدين فيها.

2 ـ التسلسل الممكن :
قال: أما التَّسلسل المُمْكن، فالتَّسلسل في مفعولاته من هذا الطَّرَف كما تتسلْسل في طرف الأَبد، فإنَّه إذْ لم يزَل حَيًّاً قادِراً مُريداً ومتَكَلِّماً وذلك من لوازم ذاته، فالفِعْلُ مُمْكن له بِمُوجب هذه الصِّفات له، وأن يفْعَل أكمل من ألاّ يفْعَل، ولا يلْزَمُ من هذا أنّه لم يزل الخلْق معه، فإنَّهُ سبحانه مُتَقَدِّمٌ على كلّ فَرْدٍ مِن مَخلوقاته تَقَدُّماً لا أوَّلَ له، فَلِكُلِّ مَخلوقٍ أوَّل، والخالق سبحانه وتعالى لا أوَّل له، فَهُوَ وَحْده الخالق وما سِواه مَخْلوق كائِن، بعد أن لم يكن، والتَّسلسل المُمْكن نحو الماضي، والواجب نحو المستقبل، والمستحيل أن تعتقد أنَّ الشيء في التسلسل يخلق الذي بعده.
3 ـ التسلسل الممتنع :
قال: وكلّ قَوْل سوى هذا فَصَريحُ العَقْل يرُدُّه ويقضي بِبُطْلانه، نحن عندنا تَسلسل مستحيل، أنَّ الشيء في التسلسل يخلق الذي بعده، والواجب هو تَسَلْسُل المستقبل، والمُمْكِن تسلسل الماضي، والتَّسلسل في الأصل ممْتَنِع عقْلاً إلا أن يكون الله نِهايَةَ التَّسلسل المستقبلي، والله جلَّ جلاله بِداية الأوَّل، وكلّ قَوْلٍ سوى هذا فصَريحُ العقل يرُدُّه ويقضي بِبُطْلانه، وكلّ من اعْتَرف أنّ الربَّ لم يزل قادِراً على الفِعْل لَزِمَهُ أحَدُ أمْرَيْن لا بدّ له منهما: فإمَّا أن يقول: إنَّ الفِعْل لم يَزَل ممكنًا، وإما أن يقول: لم يزَل واقِعاً، وإلا تناقَضَ تناقُضاً بيِّنًا، فَنَحْنُ عندنا ممكن وعندنا واقِع، أما لم يَزَل ممكنًا فهذه لا مشكلة فيها، فَكُل شيء وَقَع فالله تعالى قادِر على إيقاعه متى شاء.
المَقصود أنَّ الذي دلَّ عليه العقل والشَّرع أنَّ كلّ ما سوى الله تعالى مُحْدَثٌ كائِنٌ بعد أن لم يكن.
وموضوع لم يزَل ممكنًا أوْسَع من موضوع لم يزل واقِعاً، وهو موضوع الدَّرس كلِّه، فالله تعالى قادِر على كلّ ممكن، أما أفعاله التي هي حوادث، وقد سبقها عدَم، وتنتهي بِعَدم، فالإمكان أوْسَع من الحُدوث.
وأمَّا كَوْنُ الربّ تعالى لم يَزَل مُعَطَّلاً عن الفِعْل، ثمَّ فَعَل، فليس في الشَّرْع ولا في العَقْل ما يُثْبِتُه، بل كلاهما يدلّ على نقيضِه، وهذه الفِكْرة من أعْقَد أفكار الكتاب.






الساعة الآن 09:34 AM

Powered by vBulletin™ Version 3.8.7 Copyright © 2012 vBulletin ,
هذا الموقع يتسخدم منتجات Weblanca.com
new notificatio by 9adq_ala7sas
User Alert System provided by Advanced User Tagging (Lite) - vBulletin Mods & Addons Copyright © 2026 DragonByte Technologies Ltd. Runs best on HiVelocity Hosting.