منتديات رياض الأنس

منتديات رياض الأنس (http://www.riyadelounss.com/vb/index.php)
-   رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة (http://www.riyadelounss.com/vb/forumdisplay.php?f=5)
-   -   احاديث قدسية مؤثرة (http://www.riyadelounss.com/vb/showthread.php?t=9408)

السعيد 08-16-2018 07:25 AM

احاديث قدسية مؤثرة
 
بسم الله الرحمن الرحيم

احاديث قدسية مؤثرة

الدرس : ( الاول )

الموضوع :يا عبادي إني حَرَّمتُ الظُّلمَ على نفسي..





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
وقفة قصيرة حول معنى الحديث القدسي :
أيها الأخوة الكرام، قبل أن نبدأ في شرح بعض الأحاديث القدسية، لا بد من وقفة قصيرة حول معنى الحديث القدسي.
أيها الأخوة، القدس، القدس بضم الحرفين أو تسكين الثاني، معناه الطهر، والأرض المقدسة الأرض المطهرة، وتقدست أسماء الله تنزهت عن كل نقص وعيب، وقد أضيف الحديث إلى الله عز وجل فقيل الحديث القدسي، بمعنى أن هذا الحديث مضاف إلى الله وحده، ذلك أن الله قد يلقي في روع النبي المعنى، وقد يريه في منامه هذا المعنى، وقد يأتيه عن طريق جبريل، وقد كلف النبي عليه الصلاة والسلام أن يصوغه هو، فالفرق بين القرآن الكريم وبين الحديث القدسي أن القرآن الكريم لا يكون إلا عن طريق جبريل، والنص من الله عز وجل، بينما الحديث القدسي يكون عن طريق المنام، ورؤيا الأنبياء حق، ويكون عن طريق الإلقاء في الروع:
(( إن روح القدس نفثت في روعي أن نفساً لن تموت حتى تستوفي رزقها...))
[حديث صحيح بشواهده، ابن ماجه وأبو نعيم في الحلية والحاكم وابن حبان عن جابر]
إما عن طريق المنام، وإما عن طريق الإلقاء في الروع، وإما عن طريق جبريل، وإما عن أي طريق آخر، المعنى من الله عز وجل والصياغة من رسول الله صلى الله عليه وسلم. الله عز وجل لا يظلم مثقال ذرة :
من الأحاديث الشهيرة المتواترة في الصحاح:
(( يا عبادي إني حَرَّمتُ الظُّلمَ على نفسي...))
[ أخرجه مسلم والترمذي عن أبي ذر الغفاري ]
فهذا الكم الكبير من المسلمين الذين يخوضون في القضاء والقدر يريدون أن يعرفوا كنه الذات الإلهية وهذا مستحيل، لأن: (( تفكروا في مخلوقات الله ولا تفكروا في ذاته فتهلكوا ))
[ورد في الأثر]
أنّى لهذا الإنسان الضعيف المحدود أن يحيط بالله عز وجل! ألا يكفينا أنه يوجد آيات كثيرة تقترب من المئة، وأحاديث صحيحة كثيرة، تؤكد أن الله لا يظلم، أليس هذا هو الطريق الأقصر؟ ألم يعلم المؤمن أنه لا يمكن أن يصل على عدل الله بعقله إلا بحالة واحدة أن يكون له علم كعلم الله، وهذا مستحيل يقول الله عز وجل: (( يا عبادي إني حَرَّمتُ الظُّلمَ على نفسي...))
[ أخرجه مسلم والترمذي عن أبي ذر الغفاري ]
تحريم ذاتي ألم يقل الله عز وجل: ﴿ إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾
[ سورة هود: 56 ]
ألم يقل الله عز وجل: ﴿ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ ﴾
[ سورة غافر: 17 ]
﴿ وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾
[ سورة النساء: 77 ]
لا فتيلاً ولا نقيراً ولا قطميراً؛ الفتيل خيط بين فلقتي نواة التمر . ﴿ وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ ﴾
[ سورة الأنبياء: 47 ]
﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ﴾
[ سورة الزلزلة: 7-8 ]
كل هذه الآيات، وتلك الأحاديث، وهذا الحديث القدسي ألا يقنعك أن الله لا يظلم؟ لا بد من أن تخوض في القضاء والقدر، فتارة تنفي علم الله عز وجل، وتارة ترى رؤية ليست صحيحة فتتكلم على الله ما لا تعلم. ترتيب المعاصي في القرآن الكريم ترتيباً تصاعدياً :
أيها الأخوة الكرام، الله عز وجل حينما رتب المعاصي في القرآن الكريم رتبها ترتيباً تصاعدياً، فبدأ بالإثم والعدوان، والفحشاء والمنكر، والشرك والكفر، وجعل على رأس هذه المعاصي:
﴿ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة البقرة:169 ]
فالله في هذا الحديث القدسي الصحيح يقول: (( يا عبادي إني حَرَّمتُ الظُّلمَ على نفسي، وجعلتُه بينكم محرَّما، فلا تَظَالموا))
[ أخرجه مسلم والترمذي عن أبي ذر الغفاري ]
الظلم ظلمات يوم القيامة: (( اتقوا دعوة المظلوم ولو كان كافراً فإنَّهَا لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَينَ اللهِ حِجَابٌ ))
[ متفق عليه عن عبد الله بن عباس ]
قبل أن تظلم، قبل أن تأخذ ما ليس لك، قبل أن تلصق تهمة بإنسان بريء، قبل أن تستغل قوتك فتسحق من تحتك، قبل أن تستغل مكانتك فتغطي على من قدم لك خدمةً: (( يا عبادي إني حَرَّمتُ الظُّلمَ على نفسي، وجعلتُه بينكم محرَّما، فلا تَظَالموا))
[ أخرجه مسلم والترمذي عن أبي ذر الغفاري ]
إياكم أن يظلم بعضكم بعضاً، قد يظلم الزوج زوجته، وقد تظلم الزوجة زوجها، والله بالمرصاد، وقد يظلم الأخ أخاه، وقد يظلم الشريك شريكه، وقد يظلم الجار جاره، بل إن بعض العلماء له مقولة أرددها كثيراً: إن الله ينصر الأمة الكافرة العادلة على الأمة المسلمة الظالمة، بل إن النبي عليه الصلاة والسلام حينما أرسل عبد الله بن رواحة ليقيّم تمر خيبر، أغروه بحلي نسائهم كرشوة، فقال: والله جئتكم من عند أحبّ الخلق إلي، ولأنتم أبغض إليّ من القردة والخنازير، ومع ذلك لن أحيف عليكم، فقالوا: بهذا قامت السموات والأرض، وبهذا غلبتمونا، ولن نغلب أعداءنا إلا إذا أقمنا العدل في حياتنا، بهذا قامت السموات والأرض، وبهذا غلبتمونا، إنسان قدم نفسه في سبيل الله هل من جود فوق هذا الجود؟ هل من كرم فوق هذا الكرم؟ هل من تضحية فوق هذه التضحية؟ (( يُغْفَرُ للشهيد كلُّ ذَنْب إلا الدَّيْنَ ))
[مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص ]
أن تأكل حق الناس هذا ظلم، كان النبي عليه الصلاة والسلام لا يصلي على صحابي جليل عليه دين، يقول أعليه دين؟ فإن قالوا: نعم، يقول: صلوا على صاحبكم، فإن قال أحد أصحابه: عليّ دينه يا رسول الله، سأل هذا الضامن: أأديت الدين؟ قال: لا، سأله مرة ثانية: أأديت الدين؟ قال: لا، سأله مرة ثالثة، أأديت الدين؟ قال: نعم، قال عليه الصلاة والسلام: الآن ابترد جلده . حقوق العباد مبنية على المشاححة وحقوق الله مبنية على المسامحة :
أيها الأخوة الكرام، حقوق العباد مبنية على المشاححة، بينما حقوق الله مبنية على المسامحة، هناك وهم خطير أن الإنسان إذا حج بيت الله الحرام يرجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه، يرجع من ذنوبه التي بينه وبين الله حصراً، أما الذنوب التي بينه وبين العباد فلا تسقط إلا بالأداء أو المسامحة، والذي يصوم رمضان، ويقوم رمضان، ويتوهم أنه إذا صام رمضان وقام رمضان غفر الله له ما تقدم من ذنبه،أجمع العلماء أنه يغفر ما تقدم من ذنبه الذي بينه وبين الله فقط، أما ما بينه وبين العباد فهذه الذنوب لا تغفر إلا بالأداء أو المسامحة.
(( يا عبادي إني حَرَّمتُ الظُّلمَ على نفسي، وجعلتُه بينكم محرَّما، فلا تَظَالموا يا عبادي، كُلُّكم ضالّ إلا مَنْ هَدَيتُه...))
[أخرجه مسلم والترمذي عن أبي ذر الغفاري ]
﴿ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ ﴾
[سورة آل عمران: 73]
﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآَتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا﴾
[سورة هود: 28]
الهدى هدى الله، ومن لم يكن على منهج الله فهو على الباطل حتماً، لأنه لا طريق ثالثة إلا الحق أو الباطل. من لم يكن على منهج الله فهو على الباطل حتماً :
أيها الأخوة:
﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ ﴾
[ سورة القصص: 50]
ما بعد الحق إلا الضلال: ﴿ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآَيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ ﴾
[سورة الجاثية: 6]
إن لم تكن على منهج الله فأنت في الباطل حتماً: ((...يا عبادي، كُلُّكم ضالّ إلا مَنْ هَدَيتُه، فاسْتَهدُوني أهْدِكم... ))
[أخرجه مسلم والترمذي عن أبي ذر الغفاري ]
اطلبوا الهدى من الله لا تطلبوا الهدى من أهل الغرب، ولا من علماء الغرب، ولا من علماء النفس، اطلبوا الهدى من الله، من الذي خلقنا، من الذي يربينا، من الذي أنزل القرآن الكريم: (( ... يا عبادي، كُلُّكم جائع إلا مَنْ أطعمتُهُ، فاستطعِموني أُطْعِمْكم ))
[أخرجه مسلم والترمذي عن أبي ذر الغفاري ]
﴿ أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ ﴾
[ سورة قريش:4]
الأمطار أحد أسباب الرزق، فحينما تهطل الأمطار ترتج الأرض وتنبت النبات الطيب، إذاً: (( ... يا عبادي، كُلُّكم جائع إلا مَنْ أطعمتُهُ، فاستطعِموني أُطْعِمْكم ))
[أخرجه مسلم والترمذي عن أبي ذر الغفاري ]
تقنين الله تقنين تأديب لا تقنين عجز :
يقول الله عز وجل:
﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقاً﴾
[سورة طه:132]
معنى ذلك أنك إذا أديت العبادات الله عز وجل يوفر لك رزقك، ورزق أهلك في البيت: (( ... يا عبادي، كُلُّكم جائع إلا مَنْ أطعمتُهُ، فاستطعِموني أُطْعِمْكم ))
[أخرجه مسلم والترمذي عن أبي ذر الغفاري ]
اطلب الرزق من الله: ((ابتغوا الحوائج بعزة الأنفس))
[ورد في الأثر ]
الدعاء الذي أثر عن النبي عليه الصلاة والسلام: "اللهم ارزقني طيباً واستعملني صالحاً": (( ... يا عبادي كلكم عارٍ إلا من كسوته فاستكسوني أَكْسِكم... ))
(( يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَسَأَلُونِي، فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ ... ))
[ مسلم عن أبي ذر]
يجب أن نعلم علم اليقين أن تقنين الله لا يمكن إلا أن يكون تقنين تأديب لا تقنين عجز: ﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ﴾
[ سورة الحجر: 21]
ذكرت لكم مرة أن اكتشف في الفضاء الخارجي سحابة يمكن أن تملأ محيطات الأرض ستين مرة في اليوم بالمياه العذبة، فإذا قنن الله الأمطار تأديباً: ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ﴾
[ سورة الأعراف 96 ]
﴿ وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ﴾
[ سورة الجن: 16-17 ]
الرزق من الله عز وجل :
إذاً الرزق من الله عز وجل:
(( إن روح القدس نفثت في روعي أن نفساً لن تموت حتى تستوفي رزقها، فاتقوا الله عباد الله وأجملوا في الطلب - وهناك زيادة ببعض الروايات - واستجملوا مهنكم...))
[حديث صحيح بشواهده، ابن ماجه وأبو نعيم في الحلية والحاكم وابن حبان عن جابر]
إياك أن تبحث عن مورد رزق مشبوه لأن الله تكفل لك برزقك، كنت أضرب على ذلك مثلاً: أن بستاناً فيه شجرة تفاح على الغصن الثالث تفاحة، هذه لك لن يأكلها غيرك، ولكن طريقة وصولها إليك باختيارك، لا سمح الله ولا قدر قد يأخذها إنسان سرقة، وقد يأخذها تسولاً، وقد يأخذها ضيافة، وقد يأخذها هديةً، وقد يشتريها بماله، طريقة وصول الطعام إليك باختيارك، أما حينما خلق لك هذا الفم فلا بد من أن يرزقك لقوله تعالى: ﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ﴾
[سورة الروم: 40]
الله عز وجل لا ينزل مصيبة من دون سبب :
إذاً:
(( يا عبادي لو أنَّ أوَّلكم وآخرَكم، وإنسَكم وجِنَّكم، قاموا في صعيد واحد فسألوني، فأعطيتُ كُلَّ إنسان مسألتَهُ، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما يَنْقُص المِخْيَطُ إذا أُدِخلَ البحرَ ))
[ مسلم عن أبي ذر]
إبرة غمستها في مياه البحر المتوسط ثم رفعتها كم حملت من الماء وكم نقص من ماء البحر؟ ((.... ذلك لأن عطائي كلام، وأخذي كلام - موطن الشاهد بآخر فقرة وهي أخطر فقرة في الحديث - فمن وَجَدَ خيراً فليَحْمَدِ الله ومن وجد غير ذلك فلا يَلُومَنَّ إلا نَفْسَهُ ))
[ مسلم عن أبي ذر]
لا تلم القدر، لا تقل: لا حظ لي، لا تقل: أنا لست مرزوقاً، الله لا يحبني: ((.... فمن وَجَدَ خيراً فليَحْمَدِ الله ومن وجد غير ذلك فلا يَلُومَنَّ إلا نَفْسَهُ ))
[ مسلم عن أبي ذر]
ابحث عن الخلل في إيمانك، في كسب مالك، في إنفاق مالك، في علاقاتك الاجتماعية، ابحث عن سبب قلة الرزق، الله عز وجل لا يمكن أن ينزل مصيبة من دون سبب: ﴿ وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ ﴾
[ سورة الشورى: 30 ]
من حاسب نفسه أثنى الله عليه :
إذاً:
((.... فمن وَجَدَ خيراً فليَحْمَدِ الله ومن وجد غير ذلك فلا يَلُومَنَّ إلا نَفْسَهُ ))
[ مسلم عن أبي ذر]
فأنت حينما ترد الكرة عن ملعبك، أنت حينما تأتي الأمور على خلاف ما تريد وتحاسب نفسك حساباً دقيقاً، لعلي أخطأت في كسب المال، لعلي حلفت يميناً ليست كما ينبغي أن تكون، لعلي قصرت في أداء حق، فهذا الذي يقول لعلي ولعلي أثنى الله عليه، قال تعالى: ﴿ لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ*وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾
[ سورة القيامة: 1-2]
فهذا الحديث أيها الأخوة: (( عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَى عَنْ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ ))
[مسلم والترمذي عن أبي ذر الغفاري ]


والحمد لله رب العالمين

السعيد 08-16-2018 07:29 AM

رد: احاديث قدسية مؤثرة
 
بسم الله الرحمن الرحيم

احاديث قدسية مؤثرة

الدرس : ( الثانى )

الموضوع : إن لله ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
صفة المؤمنين الأولى أنهم يؤمنون بالغيب :
أيها الأخوة الكرام، مع الحديث القدسي الأول الذي ورد في صحيح البخاري، فقد قال رسول صلى الله عليه وسلم: ((إن لله ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قوما يذكرون الله تنادوا: هلمُّوا إلى حاجتكم ـ أي وجدوا بغيتهم ـ قال: فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا، قال: فيسألهم ربهم، وهو أعلم منهم، ما يقول عبادي؟ قال: تقول: يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك ويمجدونك، قال: فيقول: هل رأوني؟ قال: فيقولون: لا والله ما رأوك، قال: فيقول: وكيف لو رأوني؟ قال: يقولون: لو رأوك كانوا أشد لك عبادة، وأشد لك تمجيداً، وأكثر لك تسبيحاً، قال: يقول: فما يسألونني؟ قال: يسألونك الجنة، قال: يقول: وهل رأوها؟ قال: يقولون: لا والله يا رب ما رأوها، قال: يقول: فكيف لو أنهم رأوها؟ قال: يقولون: لو أنهم رأوها كانوا أشد عليها حرصاً، وأشد لها طلبا ً، وأعظم فيها رغبة، قال: فمم يتعوذون؟ قال: يقولون: من النار، قال: يقول: وهل رأوها؟ قال: يقولون: لا والله يا رب ما رأوها، قال: يقول: فكيف لو رأوها؟ قال: يقولون: لو رأوها كانوا أشد منها فراراً، وأشد لها مخافة، قال: فيقول: فأشهدكم أني قد غفرت لهم، قال: يقول ملك من الملائكة: فيهم فلان ليس منهم، إنما جاء لحاجة، قال: هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم))
[ متفق عليه عن أبي هريرة]
أيها الأخوة، ما صفة المؤمنين الأولى؟ أنهم يؤمنون بالغيب، لم يروا الله عز وجل ولكن الكون دلهم عليه، آمنوا بالله غيباً، لم يروا الجنة، ولكن الله أخبرهم عنها، فآمنوا بها، لم يروا النار، ولكن الله أخبرهم عنها، فآمنوا بها، كلما هبط المخلوق تعامل بحواسه، وكلما ارتقى تعامل بعقله، العقل أن تصل إلى الشيء قبل أن تصل إليه، الكافر يعيش لحظته، يعيش بيئته، يعيش واقعه.
الكافر يعيش لحظته والمؤمن يبحث عما بعد الموت :
لذلك الله جلّ جلاله خلق في الإنسان نقاط ضعف لصالحه، خلقه عجولاً، فالإنسان بحسب طبعه يحب الشيء العاجل، يحب الذي أمامه، يحب المتعة التي أمامه، يحب المال الذي يأخذه بحق أو بغير حق، يحب اقتناص اللذة الفورية، بينما المؤمن يرجئ حاجته إلى ما بعد الموت، آمن بالغيب، كل شيء في الدنيا يدعوك إليها، ومع ذلك تجد المؤمن معرضاً عنها، وكل شيء في الآخرة يحتاج إلى جهد، إلى كلفة، لماذا سمي التكليف تكليفاً؟ لأنه ذو كلفة، فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ﴾
[ سورة البقرة: 3]
تصوروا أن راكب دراجة يمشي على طريق مستوية، ثم واجه طريقين، الأول طريق صاعد، والثاني طريق هابط، وراكب الدراجة يمتعه ويريحه أن يسلك الطريق الهابط، بل إن الطريق الهابط معبد وتحفه الأشجار والأزهار، والطريق الصاعد فضلاً عن أنه صاعد ومتعب لكن فيه حفر، وفيه أكمات، وفيه تراب، طبع راكب الدراجة يقتضي أن يسلك الطريق الهابطة، الطبع، كل شيء في البيئة يدعوه أن يسلك الطريق الهابط، وكل شيء في البيئة يدعوه إلى الانصراف عن الطريق الصاعد، كتبت لوحة عند مفترق الطريقين: هذا الطريق الهابط ينتهي بحفرة ما لها من قرار، فيها وحوش كاسرة، تلتهم من يقع فيها، وهذه الطريق الصاعدة تنتهي بقصر منيف هو لمن دخله، هذه اللوحة ما فيها يدعوك إلى أن تتخذ قراراً معاكساً يدعوك إلى أن تسلك الطريق الصاعدة وأن تدع الطريق الهابطة، هذه القضية كلها، فالكافر يعيش لحظته، يعيش وقته، يعيش الشهوات التي أودعت فيه، يعيش المكاسب التي بين يديه، والمؤمن يبحث عما بعد الموت، من هنا: إن أكيسكم أشدكم للموت ذكراً، وأحزمكم أشدكم استعداداً له، ألا وإن من علامات العقل التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والتزود لسكن القبور، والتأهب ليوم النشور. المؤمن آمن بالآخرة فاتقى أن يعصي الله في الدنيا وقيد هواه بحدود الشرع :
أيها الأخوة: ((الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني ))
[أخرجه الحاكم عن شداد بن أوس]
مثل ذكرته كثيراً لكنه يناسب هذا الموضوع، المركبات التي تنطلق إلى بعض أحياء دمشق، كانت تنطلق من مركز المدينة، وكان اتجاهها نحو الشرق، ففي أيام الحر الشديدة يصعد الراكب، فيرى المقاعد اليمنى فيها شمس لاذعة، والمقاعد اليسرى فيها ظل ظليل، هذه المركبة تتجه نحو الشرق، والحي الذي تبتغي أن تصل إليه في اتجاه الغرب، لا بد من أن تدور حول مركز المدينة، فالراكب الذي يفكر يجلس في الشمس لأنه سيبقى دقيقة واحدة وبعدها تنعكس الآية، وينعم بالظل الظليل إلى نهاية الرحلة، أما الراكب الذي لا يفكر، الذي يعيش وقته، حاضره، فيجلس في الظل، ويتهم الذي يجلس في الشمس بأنه أحمق، لكن بعد دقيقة تنعكس الآية، هذه القصة كلها، هذه قصة الدنيا والآخرة، المؤمن آمن بالآخرة فاتقى أن يعصي الله في الدنيا، وقيد هواه بحدود الشرع، بقية الله خير لكم، بينما الكافر أطلق لشهواته العنان، عاش وقته ولحظته، وعاش كما يقال شبابه، واستمتع بشبابه، واقتنص من اللذات ما هو مباح أو ما هو محرم. إيمان المؤمن بالغيب :
ثم: ﴿ وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ ﴾
[ سورة ق : 19 ]
﴿ لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ﴾
[ سورة ق : 22 ]
إذاً هذا الحديث القدسي تلخصه كلمة واحدة في كتاب الله: ﴿ الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ﴾
[ سورة البقرة: 1-3]
آمنوا بالله ولم يروه، ولكن الكون دلهم عليه، والقرآن دلهم عليه، والأنبياء دلوا على الله عز وجل، وآمنوا بالجنة ولم يروها، واستعاذوا من النار ولم يروها، المؤمن يؤمن بالغيب، لهذا الحديث رواية أخرى وردت في صحيح مسلم يقول عليه الصلاة والسلام: ((أن لله ملائكة سيارة فضلا يبتغون مجالس الذكر))
[ أحمد عن أبي هريرة]
هذا مجلس ذكر إن شاء الله: ((ما جلس قوم مجلسا يذكرون الله تعالى إلا حفت بهم الملائكة وغشيتهم الرحمة وذكرهم الله فيمن عنده))
[مُسلِمٌ عن أبي هريرة]
هؤلاء الملائكة يبتغون مجالس الذكر: ((فَإِذَا وَجَدُوا مَجْلِساً فِيهِ ذِكْرٌ قَعَدُوا مَعَهُمْ. وَحَفّ بَعْضُهُمْ بَعْضاً بِأَجْنِحَتِهِمْ. حَتّىَ يَمْلأُوا مَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ السّمَاءِ الدّنْيَا. فَإِذَا تَفَرّقُوا عَرَجُوا وَصَعِدُوا إِلَىَ السّمَاءِ. قَالَ: فَيَسْأَلُهُمْ اللّهُ عَزّ وَجَلّ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ: مِنْ أَيْنَ جِئْتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: جِئْنَا مِنْ عِنْدِ عِبَادٍ لَكَ فِي الأَرْضِ، يُسَبّحُونَكَ وَيُكَبّرُونَكَ وَيُهَلّلُونَكَ وَيُمَجّدُونَكَ وَيَسْأَلُونَكَ. قَالَ: وَمَاذَا يَسْأَلُونِي؟ قَالُوا: يَسْأَلُونَكَ جَنّتَكَ. قَالَ: وَهَلْ رَأَوْا جَنّتِي؟ قَالُوا: لاَ. أَيْ رَبّ قَالَ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْا جَنّتِي؟. قَالُوا: وَيَسْتَجِيرُونَكَ. قَالَ: وَمِمّ يَسْتَجِيرُونَنِي؟ قَالُوا: مِنْ نَارِكَ. يَا رَبّ قَالَ: وَهَلْ رَأَوْا نَارِي؟ قَالُوا: لاَ. قَالَ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْا نَارِي؟. قَالُوا: وَيَسْتَغْفِرُونَكَ. قَالَ: فَيَقُولُ: قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ. فَأَعْطَيْتُهُمْ مَا سَأَلُوا وَأَجَرْتُهُمْ مِمّا اسْتَجَارُوا. قَالَ: فَيَقُولُونَ: رَبّ فِيهِمْ فُلاَنٌ. عَبْدٌ خَطّاءٌ. إِنّمَا مَرّ فَجَلَسَ مَعَهُمْ. قَالَ: فَيَقُولُ: وَلَهُ غَفَرْتُ. هُمُ الْقَوْمُ لاَ يَشْقَىَ بِهِمْ جَلِيسُهُمْ))
[ مسلم عن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ]
ثمن الجنة الإيمان بالغيب :
الحديث الأول من رواية البخاري، والثاني من رواية مسلم، مفاده أن ثمن الجنة الإيمان بالغيب، أما لو أتيح للإنسان أن يرى الجنة وهو في الدنيا، ويرى النار، فلا يرقى في الجنة، لو خيرت بين مغنم كبير وعذاب أليم أمامك، المغنم أمامك والعذاب أمامك، اختيار المغنم ليس لك أجر فيه، اخترته بحواسك، والبهائم كذلك تختار ما فيه صلاحها بحواسها، لماذا ترقى أنت عند الله؟ لأنك لم ترَ لا الجنة ولا النار ولكن الله أخبرك بهما، صدقته فآمنت بالغيب، الجنة ثمن الإيمان بالغيب: ﴿ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾
[ سورة البقرة: 1-3]
لذلك من يضحك أولاً يضحك قليلاً ويبكي كثيراً، ومن يضحك آخراً يضحك كثيراً ولا يبكي أبداً، والبطولة أن تضحك آخراً: ﴿ إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ * إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ ﴾
[ سورة المؤمنون: 109-111]
وفي آية أخرى: ﴿ فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ ﴾
[ سورة المطففين: 34]
العبرة للعاقبة :
أيها الأخوة العبرة للعاقبة: ﴿ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾
[ سورة الأعراف: 128]
العبرة لما بعد الموت، من هنا قال الإمام علي كرم الله وجهه: "الغنى والفقر بعد العرض على الله"، لا يعد الغني غنياً في الدنيا ولا الفقير فقيراً، الفقر فقر الأعمال الصالحة والغنى غنى الأعمال الصالحة.

والحمد لله رب العالمين

السعيد 08-16-2018 07:36 AM

رد: احاديث قدسية مؤثرة
 
بسم الله الرحمن الرحيم

احاديث قدسية مؤثرة

الدرس : ( الثالث )

الموضوع :ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنىً وأسدّ فقرك.





الحمد لله رب العالمين، و الصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
كل أعمال الدنيا مهما ارتقت تنتهي بالموت :
أيها الأخوة الكرام، فيما أخرجه الترمذي في جامعه بسنده قال:
((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ تَفَرَّغْ لِعِبَادَتِي أَمْلَأْ صَدْرَكَ غِنًى وَأَسُدَّ فَقْرَكَ وَإِلَّا تَفْعَلْ مَلَأْتُ يَدَيْكَ شُغْلًا وَلَمْ أَسُدَّ فَقْرَكَ))
[الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
أيها الأخوة، حقيقة مهمة جداً هي أن هناك أعمالاً لها أثر في المستقبل، و هناك أعمالاً لا أثر لها في المستقبل إطلاقاً، مثلاً من واقع الدنيا لو ذهبت إلى بلد، و درست اختصاصاً نادراً، هناك اختصاصات تدر على صاحبها في الشهر مليون ليرة، لو ذهبت إلى بلد، و أمضيت فيه بضع سنوات، و درست، و نلت شهادة نادرة جداً، المؤسسات الضخمة بحاجة إليك، أو لو جلست مع أصدقائك تلعب النرد، كلاهما عمل، العمل الأول له أثر مستقبلي، هذه الشهادة هيأت لك دخلاً فلكياً، بينما لعب النرد ليس له أثر إطلاقاً في المستقبل، الآن: هذا المثل منطلق لو أنك آمنت بالله، لو أنك تعرفت عليه، لو أنك فكرت في ملكوت السموات و الأرض، لو أنك تعرفت إلى منهج الله، لو أنك حملت نفسك على طاعته، هذا عمل، لكن أثره المستقبلي جنة عرضها السموات و الأرض إلى أبد الآبدين، بينما كل أعمال الدنيا مهما ارتقت تنتهي بالموت، مهما بلغت من مكان رفيع، مهما بلغت من ثروة طائلة، مهما بلغت من عز الدنيا، لابد من أن توضع في القبر، فالذي يحصله الإنسان في عمر مديد يخسره في ثانية واحدة. الإنسان خاسر لا محالة لأن مضي الزمن يستهلكه :
لذلك هذا الحديث القدسي يقترب من سورة العصر:
﴿ وَالْعَصْرِ ﴾
[ سورة العصر: 1]
يقسم الله بمطلق الزمن: ﴿ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴾
[ سورة العصر: 2]
خاسر لا محالة، لأن مضي الزمن يستهلكه، أنت بضعة أيام كلما انقضى يوم انقضى بضع منك، مضي الزمن يستهلكه، فالإنسان خاسر لأنه يتناقص، لو أن لأحدنا عمراً يقدر بسبعة و ستين عاماً، كل ثانية تمضي يقترب من نهايته، نحن بضعة أيام عشنا إلى رمضان هذا و لا ندري أنعيش إلى رمضان آخر؟ لا أحد يضمن أن يعيش ثانية بعد التي هو فيها، و من عدّ غداً من أجله فقد أساء صحبة الموت، فلذلك هذا الوقت الثمين الذي هو أنت، الذي هو رأسمالك، الذي هو أثمن ما تملكه، هذا الوقت الثمين ينفق على طريقتين: إما ينفق استهلاكاً كلعب النرد، مهما استمتعنا بالحياة، و جلسنا في بيوت جميلة، و انتقلنا إلى أماكن جميلة، و أكلنا أطايب الطعام، و استمتعنا بكل ملذات الحياة، يأتي ملك الموت ليأخذ منا كل شيء، بربكم لو أن أحداً منكم ذاق ألوان الطعام الطيبة في ولائم عديدة ،ثم آلمه سنه ألماً لا يطاق، لو تذكر طعم الطعام الذي أكله هل يذهب عنه ألم سنه؟ إذاً: الاستمتاع بالحياة ليس له أثر مستقبلي إطلاقاً، الاستمتاع بالحياة ديدن أهل الأرض، أهل الأرض ديدنهم الاستمتاع بالحياة، يأتي ملك الموت فينهي كل شيء، الموت ينهي غنى الغني و فقر الفقير، و قوة القوي و ضعف الضعيف، و دمامة الدميم، و ذكاء الذكي و غباء الغبي، ينهي الموت كل شيء، و ترون أنتم بأم أعينكم كيف أن ملوكاً و أغنياء غادروا الدنيا شأنهم شأن أي إنسان على وجه الأرض، كل مخلوق يموت. الوقت الثمين ينفق استهلاكاً أو ينفق استثماراً :
فيا أيها الأخوة، هذا الوقت الثمين الذي هو أنت إما أن ينفق استهلاكاً أو أن ينفق استثماراً، إما أن تنفقه في عمل له أثر مستقبلي بعد الموت، وإما أن تستمتع بمتعة آنية تنقضي مع انقضاء وقتها، لذلك جاءت الآية الكريمة التي لو تدبرها الناس لوسعتهم:

﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾
[ سورة العصر: 1-3]
أي يومك إن خلا من زيادة علم بالله، و من عمل صالح تتقرب به إلى الله، و من دعوة إلى الله بشكل أو بآخر، و من صبر عن معصيته، و على طاعته، و على قضائه و قدره، فهذا اليوم خسارة و لو بعت بمليون ليرة، لو حققت ربحاً مادياً فلكياً هو خسارة عند الله، لأن الله هو الذي يعلم، و الله يعلم و أنتم لا تعلمون، فابن آدم تفرغ لعبادتي، هذا الوقت أيها الأخوة له زكاة، كيف أن للمال زكاة للوقت أيضاً زكاة، إن أنفقت زكاة مالك حفظ الله لك بقية مالك، و إن أنفقت زكاة وقتك حفظ الله لك بقية وقتك، و بارك الله لك في وقتك، و فعلت في الوقت القليل الشيء الكثير، و أما الذي لا يقتطع وقتاً من وقته لعبادة الله يقول لك: لست فارغاً، أنا مشغول: إلى متى أنت باللذات مشغول و أنت عن كل ما قدمت مسؤول
تعصي الإله و أنت تظهر حبه ذاك لعمــري في المقال شنيع
لو كان حبك صادقاً لأطعتـه إن المـــحب لمن يحب يطيع
***
الإنسان حينما يعمل عملاً صالحاً ينفق الوقت استثماراً :
تفرغ، لابد من وقت فراغ، إن لله عملاً في النهار لا يقبله بالليل، و إن لله عملاً في الليل لا يقبله بالنهار، الآن إذا أديت زكاة وقتك فاقتطعت من وقتك وقتاً لعبادتك، لأداء الصلوات الخمس بإتقان، لقراءة القرآن، لحضور دروس الإيمان، لدعوة إلى الله، لعمل صالح، لصلة ذوي القربى، لخدمة المؤمنين، أنت حينما تعمل عملاً صالحاً تنفق الوقت استثماراً، هذا الذي ذهب إلى بلد غربي، و درس و نال شهادة نادرة جداً، الآن درّت عليه كل شهر مليون ليرة، إذاً الوقت الذي أمضاه في الدراسة ليس ضائعاً، وقت مستثمر، و نحن في هذه الدنيا المحدودة إذا عشنا استرخاء و استمتاعاً بالحياة أنفقنا الوقت إنفاقاً استهلاكياً، متى نتألم؟ حينما نغادر الدنيا:
﴿ رَبِّ ارْجِعُونِ* لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا ﴾
[ سورة المؤمنون: 99-100]
هل تصدقون أيها الأخوة أن النبي عليه الصلاة و السلام كان يمشي مع أصحابه فرأوا قبراً فقال: (( صاحب هذا القبر إلى ركعتين مما تحقرون من تنفلكم خير له من كل دنياكم))
[ رواه ابن المبارك عن أبي هريرة ]
يوجد شركات عملاقة فائض أرباحها يساوي ميزانيات دول، يوجد شركة أرباحها السنوية تساوي الدخل القومي لمجموعة دول، لو أنك تملك مثل هذه الشركة، هي ملكك و لم تحقق الذي خلقت من أجله فأنت خاسر. من يتفرغ لعبادة الله يملأ الله صدره غنى و يسدّ فقره :
أيها الأخوة، ابن آدم تفرغ لعبادتي، لا تقل مشغولاً، أي مثلاً لو أنك أتيت بشهادة عالية، و فتحت عيادة، و وضعت على باب العيادة أن أوقات الزيارة بين الخامسة و السابعة، و جاءك مريض في الساعة السادسة، هل يمكن أن تقول له: أنا مشغول، لماذا أنت هنا؟ تقول: مشغول لشيء من الدنيا، تقول: مشغول لعمل تافه، لعمل سخيف، لعمل لا جدوى منه، لعمل ليس له أثر مستقبلي، أما أنت تقول: مشغول لأداء عبادة، مشغول لأداء صلوات، مشغول لقيام الليل في رمضان، مشغول لطلب العلم، مشغول لتربية الأولاد، ابن آدم:
((... تَفَرَّغْ لِعِبَادَتِي أَمْلَأْ صَدْرَكَ غِنًى))
[الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
تحس بالغنى، تحس بالتوازن، تحس أنك بعين الله:
﴿ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ﴾
[ سورة الطور: 48 ]
تحس أن الله معك، و إذا كان الله معك فمن عليك؟ تحس أنك وصلت إلى كل شيء، ابن آدم اطلبني تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، و أنا أحب إليك من كل شيء.
أنت حينما تتفرغ لعبادة الله ينطبق عليك قوله تعالى: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ﴾
[ سورة الليل: 5-7 ]
الإحساس بالتيسير إحساس لا يوصف، الأمور كلها تجري لصالحك، الأمور ميسرة، عملك ميسر، زواجك ميسر، تربية أولادك ميسرة، تزويج بناتك ميسر: ((... تَفَرَّغْ لِعِبَادَتِي أَمْلَأْ صَدْرَكَ غِنًى وَأَسُدَّ فَقْرَكَ وَإِلَّا تَفْعَلْ مَلَأْتُ يَدَيْكَ شُغْلًا ...))
[الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
و عزتي و جلالي لا أقبض عبدي المؤمن، إن لم ترض بما قسمته لك فلأسلطن عليك الدنيا، تركض فيها ركض الوحش في البرية، ثم لا ينالك منها إلا ما قسمته لك و لا أبالي، و كنت عندي مذموماً، أنت تريد و أنا أريد فإذا كلمتني فيما أريد كفيتك ما تريد، و إن لم تكلمني فيما أريد أتعبتك فيما تريد، ثم لا يكون إلا ما أريد. الحياة من أعظم النعم لأن الإنسان في الحياة يتوب إلى الله ويتدارك كل تقصير :
متى تكون خيبة الأمل؟ متى يكون الشعور بالخسارة؟ عند مجيء ملك الموت:
﴿ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ ﴾
[سورة الزمر: 56]
﴿ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا ﴾
[سورة المؤمنون: 99-100]
أيها الأخوة، نحن أحياء و الحياة من أعظم النعم، إنك في الحياة تتوب إلى الله، و في الحياة تتدارك كل تقصير، و تصحح كل خلل، و تسد كل فجوة، مادمت حياً، أكبر نعمة أن القلب ينبض، بإمكانك أن تفعل كل شيء، أما إذا ابتعدت عن منهج الله كنت في خسارة ما بعدها خسارة، و إلا تفعل ملأت يديك شغلاً، أندم الناس من عاش فقيراً ليموت غنياً، أندم الناس غني دخل ورثته بماله الجنة و دخل هو بماله النار، أندم الناس عالم دخل بعلمه النار و الذين علمهم دخلوا الجنة، فالقضية خطيرة جداً، إن تفرغت لعبادة الله ملأ صدرك غنى، و سدّ فقرك، أي كيف أنك تؤدي زكاة مالك ليحفظ الله لك بقية مالك عليك أن تؤدي زكاة وقتك، إن أديت زكاة وقتك بالتفرغ لعبادة الله يمكن أن تفعل في الوقت المحدود الشيء المستحيل، عندئذ يبارك الله لك في وقتك، أمورك ميسرة: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ﴾
[ سورة الليل: 5-7 ]
الأمور ميسرة. الإنسان من خوف الفقر في فقر و من خوف المرض في مرض :
هذا الحديث أولاً صحيح:
((يَا ابْنَ آدَمَ تَفَرَّغْ لِعِبَادَتِي ......))
[الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
لا تقل: أنا مشغول: ((يَا ابْنَ آدَمَ تَفَرَّغْ لِعِبَادَتِي أَمْلَأْ صَدْرَكَ غِنًى وَأَسُدَّ فَقْرَكَ وَإِلَّا تَفْعَلْ مَلَأْتُ يَدَيْكَ شُغْلًا وَلَمْ أَسُدَّ فَقْرَكَ))
أَمْلَأْ صَدْرَكَ غِنًى وَأَسُدَّ فَقْرَكَ، لأنك من خوف الفقر في فقر، و من خوف المرض في مرض، و توقع المصيبة مصيبة أكبر منها، أما الذي يتفرغ لعبادة الله فيملأ الله له صدره بالغنى، وَأَسُدَّ فَقْرَكَ، تأتي الأمور كما تريد، الأمور ميسرة، وَإِلَّا تَفْعَلْ مَلَأْتُ يَدَيْكَ شُغْلًا وَلَمْ أَسُدَّ فَقْرَكَ.

والحمد لله رب العالمين







آفراح 08-16-2018 11:48 AM

رد: احاديث قدسية مؤثرة
 
جوزيت كل خير وبورك فيك
تحية

السعيد 08-16-2018 01:16 PM

رد: احاديث قدسية مؤثرة
 
بسم الله الرحمن الرحيم

احاديث قدسية مؤثرة

الدرس : ( الرابع )

الموضوع : يؤذينى ابن ادم يسب الدهر






الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
الابتعاد عن الكلمات التي لا أصل لها في الدين :
أيها الأخوة الكرام، معظم الناس إلا قليلاً منهم يعتقدون أن الله خلق السماوات والأرض، ولكن قلة من هؤلاء يعلمون أن الله بيده كل شيء، وأنه في السماء إله وفي الأرض إله، وأنه:
﴿ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا ﴾
[ سورة الأنعام: 59]
﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ ﴾
[ سورة هود: 123 ]
هذا هو الإيمان، فلذلك عند معظم الناس كلمات لا معنى لها، يقول لك أحدهم: لقد سخر القدر مني، أي قدر هذا؟ قلب له الدهر ظهر المجن، من هو الدهر؟ إله آخر؟ هناك كلمات يرددها العوام ليس لها أصل في الدين، حديث قدسي يشير إلى هذه الحقيقة يقول عليه الصلاة والسلام: (( يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهْرَ وَأَنَا الدَّهْرُ بِيَدِي الْأَمْرُ أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ))
[ متفق عليه عن أبي هريرة]
ليس في الكون إلا الله. التوحيد هو الطريق إلى الله عز وجل :
حينما تربط كل الجزئيات بخالق السماوات والأرض تكون قد قطعت أربعة أخماس الطريق إلى الله، هذا هو التوحيد، إذ قال الله عز وجل:
﴿ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا ﴾
[ سورة الأنعام: 59]
حينما أمر الله أم موسى: ﴿ أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ ﴾
[ سورة طه: 39]
صندوق خشبي فيه طفل ولد لتوه، حركة هذا الصندوق بيد من؟ ﴿ أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ ﴾
[ سورة طه: 39]
﴿ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴾
[ سورة القصص: 7]
عندما واجه سيدنا موسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة و السلام البحر و من ورائه فرعون، و ما أدراكم ما فرعون! بقوته، و حقده، و جبروته، وقواته، و أسلحته، يتبع شرذمة قليلة: ﴿ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾
[ سورة الشعراء: 61-62]
كلمة التوحيد هي الكلمة الأولى في الإسلام :
أنت حينما تؤمن أن الأمر كله بيد الله تكون قد قطعت أشواطاً جيدة في معرفة الله، فهذا الذي يسب الدهر من هو الدهر؟ هذا الذي يندب حظه، ما الحظ؟ العوام يقولون: هذه البنت محظوظة: و هذه البنت حظها قليل، الحظ إله ثان؟ ليس إلا الله هو المعطي، هو المانع، هو الخافض، هو الرافع، هو المعز، هو المذل، هو الناصر، هو الذي لا ينصر، حينما تربط كل أمورك بالله عز وجل تكون موحداً، و ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، بل إن كلمة التوحيد هي الكلمة الأولى في الإسلام، و لا تقبل من المسلمين تقليداً، قال تعالى:
﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾
[ سورة محمد: 19 ]
لو تابعت قراءة الآية: ﴿ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ﴾
[ سورة محمد: 19 ]
أي أنت حينما تعلم أن الأمر بيد الله، و حين يأتيك أمر على خلاف ما تريد، ينبغي أن تراجع نفسك، فالله سبحانه و تعالى غني عن تعذيب الناس. من يوحد ينضبط لسانه و يزول حقده :
أيها الأخوة، يقول الله عز وجل في الحديث القدسي: (( يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهْرَ ... ))
[ متفق عليه عن أبي هريرة]
هناك من يقول: لعن الله هذه الساعة، أية ساعة هذه، تلعن من؟ حينما توحد ينضبط لسانك، حينما توحد يزول حقدك، لأن علاقتك مع الرحيم، مع العليم، مع العدل، مع الحكيم، مع اللطيف: (( يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهْرَ وَأَنَا الدَّهْرُ بِيَدِي الْأَمْرُ أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ))
[ متفق عليه عن أبي هريرة]
فكلمة حظ، و كلمة دهر، و كلمة قدر، و كلمة شؤم، الشؤم محرم في الدين: ((لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ...))
[ متفق عليه عن ابن عمر]
الإنسان يدخل إلى محله إنسان كادت تعقد بيعة دسمة فلا تعقد يتشاءم ممن دخل عليه، هذا كلام لا معنى له إطلاقاً، هناك من يتشاءم من رقم معين، من يوم معين، من شخص معين، هذه كلها خرافات لا أصل لها في الدين: ((لا عدوى و لا طيرة))
[ صحيح عن ابن عمر]
لكن الإنسان حينما يأتيه شيء على خلاف ما يريد ينبغي أن يراجع حساباته. الله عز وجل ما أمر الإنسان أن يعبده إلا بعد أن طمأنه أن الأمر بيده :
الحديث الذي ذكرته أول يوم:
((عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَى عَنْ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ:....... يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ ))
[ مسلم عَنْ أَبِي ذَرٍّ ]
الآن المسلمون يلومون عشرات الأطراف و لا يفكرون أن يلوموا أنفسهم أبداً، كل مشكلة في حياتنا نعزوها إلى الاستعمار، شيء مريح نحن لا ذنب لنا أبداً، إن رأى حفرة في الطريق يعزوها إلى الاستعمار، أو إلى الموساد، أو إلى الصهيونية، يجب أن نعزو كل مشكلاتنا إلى أنفسنا لأن الله موجود، و لن يسلم أحداً لأحد، حينما يسلمك إلى غيره لماذا تعبده؟ قال لك: ﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ ﴾
[ سورة هود: 123 ]
متى أمرك أن تعبده؟ حينما أكّد لك أن الأمر كله- كله توكيد- بيده: ﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ ﴾
[ سورة هود: 123 ]
الخلق كلهم عند الله سواسية ليس بينه و بينهم قرابة إلا طاعتهم له :
لذلك أيها الأخوة، جسمك، أجهزة جسمك، قلبك، أوعيتك، رئتاك، دماغك، حواسك، من حولك؛ زوجتك، أولادك، من فوقك، من هو أقوى منك، من هو تحتك، كلهم بيد الله، فالمؤمن علاقته مع جهة واحدة، اعمل لوجه واحد يكفك الوجوه كلها، من جعل الهموم هماً واحداً كفاه الله الهموم كلها، أي ليس غريباً أن يقول أحد علماء القلوب: أعرف مقامي عند ربي من أخلاق زوجتي، أحياناً تجد الزوجة في أطيب علاقة مع زوجها، و أحياناً تجدها في أسوأ علاقة، راجع نفسك، أي دائماً في التربية قاعدة أنك إذا علمت طلاباً و وجدت منهم ما يزعجك يجب أن تعلم أن هناك خللاً في تدريسك، الدرس الناجح، و الشخصية القوية، و النفسية التي هي كالأب، هذه تجذب الطلاب، فإن لم تحسن ضبط الصف فهناك مشكلة في تدريسك، في شخصيتك، و في علمك، و في قدرتك، عود نفسك ألا تعزو الأخطاء إلى غيرك، عود نفسك ألا تحابي نفسك، ألا تثني عليها، عود نفسك أن تتهمها دائماً، عود نفسك أن تعلم أن الله عادل، ما كان له أن يظلم، ما كان له أن يعطي أناساً و يحرم أناساً، كلهم عباده، أروع ما قاله سيدنا عمر حينما رأى سيدنا سعد، سعد بن أبي وقاص خال رسول الله و ما من صحابة رسول الله صحابي فداه النبي كسيدنا سعد قال:
((مَا سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُفَدِّي أَحَدًا بِأَبَوَيْهِ إِلَّا لِسَعْدٍ فَإِنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ يَوْمَ أُحُدٍ ارْمِ سَعْدُ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي ))
[ متفق عليه عن علي ]
و كان إذا دخل عليه سعد داعبه و قال: (( هذَا خَالِي فَلْيُرِنِي امْرُؤٌ خَالَهُ))
[الترمذي عليه عن جابر]
حينما توفي رسول الله صلى الله عليه و سلم التقى سيدنا عمر بسيدنا سعد قال له: "يا سعد لا يغرنك أنك خال رسول الله فالخلق كلهم عند الله سواسية، ليس بينه و بينهم قرابة إلا طاعتهم له فقط"، و أنت حينما تتعامل مع الله مباشرة، حينما يطلع على قلبك ليس فيه غل لأحد، حينما يطلع على عملك فإذا هو وفق شريعة الله عز وجل، حينما يجدك حيث أمرك، و يفتقدك حيث نهاك، أنت ولي من أولياء الله، و لو لم يكن لك مظهر الولي: ﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ* الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ﴾
[ سورة يونس: 62-63 ]
التوحيد أخطر ما في الإيمان :
أخطر ما في الإيمان التوحيد، أن ترى أن يد الله تعمل وحدها، الناس يخافون من أقطاب أرضية، تهديد من وحيد القرن يقلق العالم الإسلامي، تهديد واحد يقصف أو لا يقصف لا نعلم، هم حينما يخافون من أقطاب الدنيا يقعون في عذاب نفسي، قال تعالى:
﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ﴾
[سورة الشعراء: 213]
﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ *فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ ﴾
[سورة آل عمران: 173-174]
ثم يقول الله عز وجل: ﴿ إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ ﴾
[سورة آل عمران: 175]
أي يخوفكم من أوليائه: ﴿ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾
[سورة آل عمران: 175]
الأيام و الدهر و الحظ و القدر كلمات لا معنى لها في الدين إطلاقاً :
أخوتنا الكرام، هل من مصيبة في الأرض تفوق أن تجد نفسك فجأة في بطن حوت؟ في ظلمة بطن حوت، و في ظلمة البحر، و في ظلمة الليل البهيم، و مع ذلك نادى في الظلمات و كان هناك تغطية الحمد لله:
﴿ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ ﴾
[سورة الأنبياء : 87-88]
القصة انتهت جاء القانون: ﴿ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾
[سورة الأنبياء : 88]
هذه واحدة، حديث آخر يقترب من هذا المعنى: ((يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ يَقُولُ يَا خَيْبَةَ الدَّهْرِ....))
[ متفق عليه عن أبي هريرة]
يقول لك: الأيام عاطلة، ما معنى عاطلة؟ ما هي الأيام؟ أي أنا أسوأ ما سمعت في حياتي بنشرة جوية أن الطقس عاطل أي يوجد مطر، لأن الأنيق الذي هو غارق في ملذاته تزعجه المطر، فالأيام عاطلة أية أيام هذه؟ يقول الله عز وجل في الحديث القدسي: ((يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ يَقُولُ يَا خَيْبَةَ الدَّهْرِ فَلَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ يَا خَيْبَةَ الدَّهْرِ فَإِنِّي أَنَا الدَّهْرُ أُقَلِّبُ لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ...))
[ متفق عليه عن أبي هريرة]
خاب ظني بالدهر، خاب ظني بالأيام، الأيام، و الدهر، و الحظ، و القدر، هذه كلمات لا معنى لها في الدين إطلاقاً، ليس إلا الله: ﴿ فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى*وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى*وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى*فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ﴾
[ سورة الليل: 5-10 ]
العاقل من يعزو الأشياء إلى الله عز وجل لا إلى أسباب أرضية :
الآن قد تستمع أنت إلى نشرة جوية أن هناك منخفضاً متمركزاً فوق قبرص متجهاً إلى القطر، سرعته كذا، أحياناً الإنسان من خلال سماعه لهذه النشرات الجوية ينسى أن الله هو الذي ساق هذا السحاب، ففي الأحاديث القدسية حديث دقيق جداً:
((صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ عَلَى إِثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنْ اللَّيْلَةِ فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟..))
[ متفق عليه عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ ]
على إثر سماء أي على إثر مطر، و الله أنا حينما تنزل الأمطار و الله أسجد لله شكراً، لا ينبغي أن ترى هذه الأمطار منخفضات تتحرك و الأرصاد ترصدها، ينبغي أن تراها رحمة الله عز وجل، أي قبل أيام في تدمر نزل ثمانية و ثلاثون مليمتراً، هي معدل تدمر في العام كله بليلة واحدة، إذا أعطى أدهش، في ليلة واحدة نزلت أمطار العام كله: (( فَقَالَ هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ فَأَمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ وَأَمَّا مَنْ قَالَ بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي وَمُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ))
[ متفق عليه عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ ]
بنوء كذا و كذا، أي منخفضات، و سرعات، و سرعة الرياح، أنا لا أنكر أن تستمع إلى النشرة الجوية، لكن أنا أنكر أن تعزو الأمطار إلى أسباب أرضية، ينبغي أن تعزوها إلى الله عز وجل.
مثلاً أنا أقدم لكم بعض الشواهد: أحياناً في العام الماضي - و الفضل لله عز وجل- إنتاجنا من القمح خمسة ملايين طن - بفضل الله عز وجل- عن طريق الأمطار الغزيرة، في سنوات ستمئة ألف طن أقل من مليون طن، إذا أعطى أدهش، فأحياناً خمسة ملايين طن و أحياناً ستمائة ألف طن، قال: ((... فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ وَأَمَّا مَنْ قَالَ بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي وَمُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ))
[ متفق عليه عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ ]
لذلك أنت لو استمعت إلى نشرات الأخبار، أو النشرات الجوية، يجب أن ترى أن يد الله تعمل وحدها، و أنه ما من عثرة ولا اختلاج عرق و لا خدش عود إلا بما قدمت أيديكم و ما يعفو الله أكثر. من رأى أن الأمور على خلاف ما يريد فليتهم نفسه :
التوحيد هو المطلوب، و حينما تتهم نفسك دائماً، و حينما لا تحابي نفسك أبداً، و حينما تتهم نفسك عند كل مشكلة لا ترضيك، أنت قطعت أربعة أخماس الطريق إلى الله عز وجل، لأن الله عز وجل غني عن تعذيبنا: ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ﴾
[سورة الشورى: 30]
يقول الله عز وجل: ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾
[ سورة محمد: 19 ]
التتمة: ﴿ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ﴾
[ سورة محمد: 19 ]
إن رأيت أن الأمور كانت على خلاف ما تريد لا تتهم القدر، لا تتهم الدهر، لا تتهم الأيام السوداء، لا تتهم الحظ، هذه لا معنى لها، اتهم نفسك.

والحمد لله رب العالمين



السعيد 08-16-2018 01:19 PM

رد: احاديث قدسية مؤثرة
 
بسم الله الرحمن الرحيم

احاديث قدسية مؤثرة

الدرس : ( الخامس )

الموضوع : ان الله كتب الحسنات و السيئات







الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
علة وجود الإنسان على سطح الأرض أن يعمل صالحاً :
أيها الأخوة الكرام، لا يصح العمل إلا إذا عرفت سرّ وجودك في الأرض، هذه أخطر قضية في الإيمان، وكنت أضرب على ذلك مثالاً مشهوراً، الإنسان إذا ذهب إلى بلد وسأل إلى أين أذهب؟ نسأله نحن: لماذا أتيت إلى هنا؟ لعلك جئت طالب علم اذهب إلى المعاهد والجامعات، أما إذا جئت تاجراً فاذهب إلى المعامل والمؤسسات، أما إن جئت سائحاً فاذهب إلى المقاصف والمتنزهات.
السؤال الأكبر لماذا نحن في الأرض؟ لا يصح عملنا إلا إذا عرفنا سرّ وجودنا، الله عز وجل يقول:
﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾
[ سورة الذاريات: 56]
الآن هناك حديث قدسي يبين أن سرّ وجود الإنسان في الأرض أن يعمل الصالحات، وهناك أدلة كثيرة، ذلك أن الإنسان حينما يأتيه ملك الموت ماذا يقول: ﴿ رَبِّ ارْجِعُونِ* لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ ﴾
[ سورة المؤمنون: 99-100]
ما من ميت يقول: لعلي أتمّ البناء، أو لعلي أنال الشهادة، أو لعلي أتزوج، قال: ﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ ﴾
إذاً علة وجودك على سطح الأرض أن تعمل صالحاً، هذا العمل الصالح هو ثمن جنة عرضها السموات والأرض، هو ثمن سعادة أبدية، الدنيا محدودة لكن الجزاء غير محدود إلى أبد الآبدين، وكنت أقول دائماً: لو وضعت واحداً في الأرض وأصفاراً إلى الشمس- بعد الشمس عنا ثمان دقائق أي: مئة و ستة و خمسون مليون كيلو متر- كل ميلي صفر، كم هذا الرقم؟ إذا قيس إلى اللانهاية فهو صفر، إذاً نحن في حياة محدودة جداً، سنوات بعد الأربعين لا تزيد عن العشرين أو الثلاثين أو العشر سنوات، وتنتهي الحياة، وتواجه أبداً أبدياً، وحياة سرمديةً، إما في جنة يدوم نعيمها، أو في نار لا ينفد عذابها. العبادة حركة فيها جانب سلبي وجانب إيجابي :
إذاً هناك من يأكل ويشرب، ويتنزه ويسمر، ويتحدث ويسافر ويتطلع، ويتابع الأخبار، ينبغي أن نعلم سرّ وجودنا، سرّ وجودنا أن نعبد الله، والعبادة حركة، سلوك، فيها جانب سلبي وجانب إيجابي، الجانب السلبي أن تنتهي عما عنه نهى الله، والجانب الإيجابي أن تفعل ما أمرك الله به، أمرك أن تتصدق، أن تعاون، أن تلبي حاجة الضعيف، فلذلك يقول الله عز وجل في الحديث القدسي - وقد ذكرت لكم في أول يوم أن الحديث القدسي رؤيا من الله في المنام، أو إلقاء في الروع، أو عن طريق جبريل، لكن صياغة المعنى من رسول الله صلى الله عليه وسلم، الحديث القدسي له طعم خاص- إذاً:
(( عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه عز وجل قال: إن الله كتب الحسنات وكتب السيئات، فمن هَمَّ بحسنة فلم يفعلها كتبت له حسنة))
[ متفق عليه عن عبد الله بن عباس]
أخ مقيم في بلاد الغرب البعيدة، استمع إلى دروس علم، تأثر تأثراً شديداً قال بصراحة: هذه الدروس معناها أن أعود إلى بلاد المسلمين لا أن أبقى هناك، لك أن تسافر إلى هناك لتنال شهادة عليا تقوي بها المسلمين، لك أن تذهب إلى هناك لتقيم إقامة مؤقتة تكسب بها مالاً تقيم فيه أود حياتك، أما أن تنوي الإقامة الدائمة، من نوى الإقامة الدائمة انطبق عليه: (( من أقام مع المشركين فقد برئت منه الذمة ))
[أخرج ابن المنذر عن جرير بن عبد الله البجلي]
فهذا الأخ مقيم ببلد اسمها نيوجرسي، استمع إلى الأشرطة وقنع أن إقامته هناك غير صحيحة، فجمع أمتعته، وأنهى عمله، وكانت دنياه في أوجها، قنع وجاء إلى الشام، خلال يومين أصيب بحادث وتوفي، على أي عمل مات؟ على أرقى عمل. نية المؤمن خير من عمله :
لذلك:
((إِذَا أَرَادَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِعَبْدٍ خَيْرًا عَسَلَهُ قِيلَ وَمَا عَسَلُهُ قَالَ يَفْتَحُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ عَمَلًا صَالِحًا قَبْلَ مَوْتِهِ ثُمَّ يَقْبِضُهُ عَلَيْه))
[ أحمد عن سريج]
فيقول الله عز وجل في الحديث القدسي: (( مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا...))
[ مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
له نيته، ونية المؤمن خير من عمله، كرم الله عز وجل ليس ككرم العباد، العباد لا يعطون إلا بعد الإنجاز، لكن الله يعطي على نيتك، فهذا نوى أن يعود إلى بلاد المسلمين، وأن يخدم المسلمين، وتوفي بعد يومين بحادث. ((من همّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، ومن هم بحسنة فعملها كتبت له عشراً إلى سبعمائة ضعف، ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب، وإن عملها كتبتٌ))
[ مسلم عَنْ أبي هريرة]
لأن الله سبحانه وتعالى يحب أن نربح عليه: ﴿ أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة الصف : 11 ]
قال: (( وَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَعَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ عَشْرًا إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ...))
لذلك: إنما الأعمال بالنيات: ((وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا))
هناك سؤال دقيق جداً لمَ لم يعملها؟ لأنه لم يستطع لا أجر له إطلاقاً، لكن لم يعملها خوفاً من الله عز وجل. كرم الله عز وجل على العباد :
قصة سمعتها لعلها قبل أربعين عاماً: شاب رافق أمه لأداء فريضة الحج، إذاً هو حج معها، وهو في مقتبل العمر، فتح مكتبة في بعض أحياء دمشق، المكتبة قريبة من ثانوية بنات، يبدو أن فتاة ساقطة جاءت إلى محله التجاري ولمّحت له أنها تريده، فأغلق المحل وتبعها، المواصلات كانت حافلات كهربائية قديمة، هو يتبعها تذكر أنه حج بيت الله الحرام، أيعقل أن يعصي الله؟ فرجع ركب إحدى الحافلات وعاد وقال: معاذ الله إني أخاف الله رب العالمين، القصة تتمتها رائعة، أن رجلاً في اليوم التالي وقف أمام محله قال: يا بني أنت متزوج؟ قال: لا، قال: عندي بنت تناسبك، هذا الشاب ظنّ أن بالبنت عيباً لأنها عرضت، مع أن عرض الفتاة في مجتمعنا أو في الأعراف غير مقبول، بينما في القرآن مقبول:
﴿ قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ ﴾
[ سورة القصص: 27 ]
فظن الشاب أن في الفتاة عيباً خطيراً لأن والدها عرضها عليه، أرسل أمه فإذا هي فتاة رائعة، فوافق، فقال له: لكني لا أملك شيئاً، قال: هذا ليس من شأنك هذا من شأني، وعقد معه شركةً، وأنا أذكر أن العم توفي، أما الشاب الآن فلا يزال حي يرزق، لأنه قال: معاذ الله إني أخاف رب العالمين. ((وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا))
لا لأنه لم يستطع، الذي لم يستطع هو أشقى الناس.
قال: ((....وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا لَمْ تُكْتَبْ))
أية سيئة قلت: معاذ الله إني أخاف الله رب العالمين لا أفعلها خوفاً من الله كتبها الله لك عنده حسنة كاملة،
و في رواية أخرى قال: ((وَ مَنْ هَمَّ بِهَا وَ عَمِلَهَا كُتِبَتْ عَلَيْهِ سَيِّئَةٌ))
هذا نموذج من كرم الله عز وجل: ((من همّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، ومن هم بحسنة فعملها كتبت له عشراً إلى سبعمائة ضعف، ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب، وإن عملها كتبتٌ))
لذلك ملك الشمال يكتب السيئات، ملك اليمين أمير عليه، لا يسمح ملك اليمين أن يكتب ملك الشمال السيئة إلا إذا أصرّ العبد عليها، ولم يتوب منها، ولم يندم، وتبجح بها، وافتخر بها، عندئذٍ تكتب عليه، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ﴾
[ سورة البقرة: 286]
الفعل خماسي، أي عمل السيئة، لم يتوب، لم يندم، أصرّ عليها، عادها، تكتب عندئذٍ سيئة. الله سبحانه وتعالى لا يحاسب إلا على العمل :
في حديث آخر، يقول الله عز وجل:
(( يَقُولُ اللَّهُ إِذَا أَرَادَ عَبْدِي أَنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً فَلَا تَكْتُبُوهَا عَلَيْهِ حَتَّى يَعْمَلَهَا ...))
[ متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
هذه بحبوحة أخرى، أي شيء تحدثك نفسك به لا تحاسب عليه ما لم ينقلب إلى عمل، أي شيء تحدثك نفسك به لا يكتب عليك إلا أن ينقلب إلى عمل، لكن لو أنك استمرأت هذه الخواطر السيئة كانت خواطر فأصبحت فكراً، ثم أصبحت شهوة، ثم أصبحت إرادة، ثم أصبحت معصية، ثم أصبحت عادة، وبعد أن تنقلب الخواطر إلى عادات يصعب كثيراً تركها، فالأولى أن أتلافى الأمر من بدايته، أن أذهب عني الخواطر، ولكن الله سبحانه وتعالى لا يحاسب إلا على العمل: (( إذا أراد عبدي أن يعمل سيئة ، فلا تكتبوها عليه حتى يعملها ، فإن عملها فاكتبوها بمثلها ، وإن تركها من أجلي فاكتبوها له حسنة ، وإذا أراد أن يعمل حسنة ، فلم يعملها فاكتبوها له حسنة ، فإن عملها فاكتبوها له بعشر أمثالها إلى سبع مائة ضعف))
الله سبحانه وتعالى يحب أن نربح عليه :
الملخص أن الله سبحانه وتعالى يحب أن نربح عليه، يحب أن نتاجر معه، العمل الصالح الذي تعمله في صحيفتك، وفي صحيفة من دلك عليه، وفي صحيفة من أعانك عليه، وفي صحيفة من قبله منك، فيجزي الله عز وجل أطرافاً كثيرين، بل إنك لو ربيت ولداً صالحاً أعماله كلها في صحائفك:
﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾
[ سورة الطور: 21 ]
كل أعمال أولادك إلى يوم القيامة، تصور لو أن إنساناً توفي وترك ولداً صالحاً، هذا الولد جاء من ذريته مئة ألف إنسان، ولأنه كان صالحاً تزوج امرأة صالحة، أنجبوا أولاداً صالحين وهكذا، فمئة ألف إنسان كل أعمالهم في صحيفة هذا الأب، لذلك: خير كسب الرجل ولده، قال عليه الصلاة والسلام: (( الدال على الخير كفاعله ))
[الترمذي عن أنس ]
كفاعله تماماً، وفي حديث آخر: ((نية المؤمن خير من عمله ونية الكافر شر من عمله))
[المعجم الكبير عن سهل بن سعد الساعدي]
العمل الصالح علة وجودنا بعد أن نؤمن بالله و نلتزم بالأمر والنهي :
إذاً أيها الأخوة، ملخص هذا اللقاء الطيب أن علة وجودنا بعد أن نؤمن بالله الإيمان الصحيح، وبعد أن نلتزم بالأمر والنهي، علة وجودنا الأولى العمل الصالح، كما أن طالباً ذهب إلى بلد بعيد ليدرس، سبب وجوده في هذا البلد الدراسة فقط، فأي شيء يقربه من هدفه هو الصح، وهو الحق، وهو الخير، وأي شيء يبعده عن هدفه هو الشر، لو صاحب زميلاً له يتقن لغة أهل البلد من أجل أن يتمرن في الحديث معه هذه تابعة لهدفه، فأنت حينما تعلم علم اليقين بأنك موجود في الدنيا لعبادة الله بنص الآية الكريمة:
﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾
[ سورة الذاريات: 56]
إذاً أي شيء يقربك من عبادة الله هو الحق، وهو الخير، وهو الجمال، وهو السعادة، وهو التوفيق، وهو التفوق، وهو الفوز، وهو النجاح، وهو الفلاح، وأي شيء يبعدك عن سرّ وجودك في الأرض فهو الشر، وهو الأذى، وهو الغباء، وهو الحمق، مثلاً حينما قال سيدنا يوسف: ﴿ قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ ﴾
[ سورة يوسف: 33]
وبعدها: ﴿ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴾
[ سورة يوسف: 33]
جهل سرّ وجوده فانشغل بشهوة عابرة ليس لها أثر مستقبلي، أما لو تزوج أنجب ولداً صالحاً، نفع الناس من بعده، لو أنه سلك الطريق الصحيح لكان لهذا الطريق الصحيح أثر مستقبلي.
هذان الحديثان القدسيان يدلان على كرم الله عز وجل، الخواطر لا تحاسب عنها.

والحمد لله رب العالمين

السعيد 08-16-2018 01:21 PM

رد: احاديث قدسية مؤثرة
 
بسم الله الرحمن الرحيم

احاديث قدسية مؤثرة

الدرس : ( السادس )

الموضوع : انا عند ظن عبدى بي



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
الظن الحسن علامة معرفة الله عز وجل :
أيها الأخوة الكرام، الله جلّ جلاله هو الذات الكاملة، وهو واجب الوجود، وما سوى الله ممكن الوجود، السموات والأرض و ما سوى الله ممكنة الوجود، ومعنى ممكنة الوجود أنه يمكن أن تكون وألا تكون، فيمكن إذا كانت أن تكون على النحو الآخر على غير الذي هي عليه، في هذا الكون حقيقة واحدة هي الله، كل السعادة، والأنس، والتوفيق أن تعرفه، وكل الشقاء، والهلاك، والمعيشة الضنك أن تغفل عنه، فالإنسان حينما يذكر الله يذكر الحقيقة الوحيدة في الكون، لذلك ورد في الحديث القدسي الذي أخرجه الإمام البخاري في صحيحه:
((يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً ))
[ البخاري عن أبي هريرة]
ما ظنك بالله؟ في بعض آيات القرآن الكريم يقول الله عز وجل: ﴿ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ﴾
[ سورة آل عمران: 154 ]
وفي آية أخرى: ﴿ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ﴾
[ سورة الفتح : 6]
الحقيقة إذا عرفت الله تظن به الظن الحسن، فالظن الحسن علامة معرفة الله، والظن السيئ علامة الجهل به، ولأن ترتكب الكبائر أهون من أن تقول على الله مالا تعلم! فهذا الذي ينفر الناس من الذات الإلهية، ويبث عقيدة الجبر أن الله خلقه كافراً، كتب عليه الكفر قبل أن يخلق، وسيضعه في جهنم إلى أبد الآبدين، هذا لأن يرتكب الكبائر أهون من أن يقول على الله ما لا يعلم. حسن الظن بالله ثمن الجنة :
أيها الأخوة، حسن الظن بالله ثمن الجنة، وهو حقيقة، وسوء الظن به جهل، في علاقاتنا الاجتماعية قد تحسن الظن بإنسان ويكون على خلاف ذلك، أما فيما يتعلق بالذات الإلهية فحسن الظن بالله هو الحقيقة، وسوء الظن به هو الجهل، فلذلك علامة معرفة الله حسن الظن به، علامة معرفته أن تثق أن الله لن يتخلى عن المؤمنين، ولن يضيعهم، ولن يبخس عملهم، وفي الآخرة العاقبة للمتقين:
((أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي..))
[ متفق عليه عن أبي هريرة]
كيف تظن الله عز وجل؟ أضرب لكم مثلاً: يبين لك أنه إذا أطاع الله تخطفه الناس، ويفقد منصبه، ويسرق ماله، بشكل أو بآخر يوهم من حوله أن طاعة الله خسارة، وأن ما هم عليه الناس اليوم من ضلال، وانحراف، وبعد، هو الضمان والسلامة، هذا سوء ظن بالله. ﴿ وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا ﴾
[ سورة القصص: 57 ]
يوم كنتم مشركين كنتم آمنين، فلما آمنتم بالله ورسوله تتخطفون من أرضكم؟ يتوهم المتوهمون أنه إذا أطاع الله عز وجل فقد منصبه، وأنه إذا امتنع عن هذه العلاقة الربوية مات من الجوع، وأنه إن لم يضع ماله في مؤسسة ربوية ويرتكب أكبر معصية يضيع ماله، هذا كله يقوله المسلمون اليوم، إنه سوء ظن بالله عز وجل، وأن الفتاة إن لم تتبرج وإن لم تبدِ مفاتنها لن تتزوج، من يعرفها؟ مئات الطروحات ومئات أنماط السلوك تشف عن سوء ظن بالله عز وجل، إن لم يكن لك جهة قوية تعتمد عليها فأنت منهزم، على مستوى السياسة إن لم تكن دولة قوية أنت تابع لها، وتأتمر بأمرها، وتنبطح أمام رغبتها، فأنت منهزم، فأين الله؟ ما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه :
مئات بل آلاف الطروحات، ومئات بل آلاف الأنماط السلوكية، كلها تشف عن سوء ظن بالله عز وجل:
﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ﴾
[سورة البقرة: 143]
أن يضيع إيمانكم هذا مستحيل وألف ألف مستحيل! من حسن الظن بالله أن تعتقد أنه مستحيل وألف ألف مستحيل أن تطيعه وتخسر، ومن حسن الظن بالله أن تعتقد أنه مستحيل وألف ألف مستحيل أن تعصيه وتربح، وأنه ينبغي أن تعتقد أنه مستحيل وألف ألف مستحيل أن تطيعه وتذل، أو تعصيه وتعز، أو أن تدع شيئاً لله لابد من أن يعوضه الله عليك خيراً منه في الدنيا والآخرة، سبحانك إنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت. (( ما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه ))
[ الجامع الصغير عن ابن عمر]

الفكر الشائع بين المسلمين هو سوء الظن بالله عز وجل :
أعيد وأكرر: الفكر الشائع بين المسلمين سوء الظن بالله، والسلوك الشائع بين المسلمين سوء الظن بالله، في إحصاء أخير ثلاثة آلاف مليار دولار من أموال المسلمين مودعة عند أعدائهم، والمسلمون في أمس الحاجة إلى هذا المال، أليس هذا السلوك سوء ظن بالله؟ لو أنه وظف هذه الأموال في بلاد المسلمين تمحق الأموال؟ لا والله ! وهناك قصص لا تعد ولا تحصى، أنت حينما تثق بالله، وأن الله لن يضيعك، حينما تمتنع عن شيء حرام ولو فيما يبدو أنه يغنيك إلى نهاية حياتك، وتقول: معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي، أنت حينما تمتنع عن معصية لابد من أن ييسر الله لك الطاعة، فيمكن أن يلخص الإيمان كله بحسن الظن، ويمكن أن يلخص ضعف الإيمان كله بسوء الظن، والله عز وجل يقول في الحديث القدسي:
((أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي..))
[ متفق عليه عن أبي هريرة]
ظن به كما شئت، بربكم -مثل تركيبي- لو أن جندياً والده قائد الجيش، وكل الرتب بالجيش بإمرة والده، وأن عريفاً هدده فارتعدت فرائصه خوفاً، أليس في عقله خلل؟ إذا كانت كل قوى الأرض هي لله وكل الطغاة عصي بيد الله فأي تهديد جاءك؟ ﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾
[سورة الفتح: 10]
دخلت مرة إلى مسجد وهذه الآية الكريمة بصدر المسجد وبخط رائع وبحجم كبير: ﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾
[سورة الفتح: 10]
الابتعاد عن سوء الظن بالله عز وجل :
هذا الذي نسمعه اليوم من تهديدات من وحيد القرن لا تنسى أن يد الله فوقه، وأنه في قبضة الله، هذا هو الإيمان:
((أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي..))
[ متفق عليه عن أبي هريرة]
في بعض الروايات: فليظن بي ما يشاء، لا تظنن ظن سوء بالله، أنت لمجرد أن تقول: قد يعبد الإنسان ربه طوال حياته وقد يضعه في جهنم من قال لك ذلك؟ وقد يطيعه طوال حياته وقد يكون المصير في النار؟ قد يعصيه ويضعه في الجنة، ويطيعه ويضعه في النار، من قال لك ذلك؟ ألم يقل: ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ*وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾
[سورة الزلزلة: 7-8]
ألم يقل الله عز وجل: ﴿ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ ﴾
[سورة غافر: 17]
ألم يقل الله عز وجل: ﴿ وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾
[سورة الأعراف: 43]
ألم يقل الله عز وجل في الحديث القدسي: ((عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَى عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ: يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا...))
[مسلم عَنْ أَبِي ذَرٍّ ]
عقيدة الجبر من أبرز العقائد الزائغة :
أخطر شيء في الدين أن تنفر الناس من الله عز وجل، وأن تلقي عليهم عقائد زائغة، ومن أبرز العقائد الزائغة عقيدة الجبر.
ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له إياك إياك أن تبتل بالماء
***
والعوام يقولون كلاماً يشبه هذا الكلام، يقولون: طاسات معدودة بأماكن محدودة، شرب الخمر مقدر على الإنسان، أجبره أن يشرب الخمر ثم يعذبه على هذا أهكذا الله عز وجل؟ هذه كلها عقائد زائغة، عقيدة الجبر، الخوف من طغاة الأرض، اتباع طرائق تثمير المال بأساليب ربوية من أجل حفظ المال، هذا كله من سوء الظن بالله عز وجل، لذلك آية واحدة والله أيها الأخوة تملأ نفس الإنسان غنى: ﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾
[ سورة الجاثية: 21 ]
والله في أي مكان وزمان ونظام وعصر وأي إقليم وظرف: ﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾
[ سورة الجاثية: 21 ]
هذه الآية أصل في عدل الله عز وجل، كلما عرفته أحسنت الظن به، ووثقت به، وتوكلت عليه، وصدقت تطمينه. ﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا ﴾
[ سورة التوبة: 51 ]
وكلما عرفته ازددت حباً له، من أعجب الأشياء أن تعرفه ثم لا تحبه، ومن أعجبها أن تحبه ثم لا تطيعه. ((أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي .. ))
[ البخاري عن أبي هريرة]
ما من عمل أعظم عند الله من تعريف الخلق بربهم :
قد يكون هناك ظاهرة جغرافية معينة ينبغي أن تعزوها إلى الله، ما معنى ذكر الله؟ أن تربط الناس بالله لا أن تربطهم بالطغاة، علامة عصر الشرك الناس مرتبطون بالطغاة، يستمع ساعات طويلة إلى الأخبار لا يرى إلا وحيد القرن وتصريحاته، أين الله؟ أن تذكر الله، وأنه واحد أحد، فرض صمد، وأن الأمر بيده، وأنه لا معطي لما منع، ولا مانع لما أعطى، وتذكر أن في السماء إله وفي الأرض إله، أن تربط الناس بالله، في السلوك أن تربطهم بالشرع، في العقيدة أن تربطهم بالقرآن، في الظواهر الكونية أن تربطهم بالله عز وجل، يكفي أن تقول: أمطرنا بنوء كذا وكذا فهذا نوع من الكفر، ويكفي أن تقول: أمطرنا برحمة الله فهذا نوع من الإيمان، أن تذكر الله في كل شيء، في كل موقف وتصرف، قد تقرأ مقالة تتناقض مع القرآن الكريم ينبغي أن تذكر للناس أن هذه المقالة غير صحيحة، وهي تتناقض مع الله عز وجل، أن تعرف الناس بالله عز وجل، ما من عمل أعظم عند الله من تعريف الخلق بربهم، الكلمة الطيبة صدقة، ويا علي:
(( فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ))
[رواه البخاري عن سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ]
و : (( خير له مما طلعت عليه الشمس ))
[ أخرجه الطبراني عن أبي رافع ]
و : (( خير لك من الدنيا وما فيها ))
[ تخريج أحاديث الإحياء للعراقي ]
((...َأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي .. ))
[ البخاري عن أبي هريرة]
ما معنى معه هنا؟ هذه المعية معية خاصة، في القرآن معية عامة ومعية خاصة، المعية العامة وهو معكم أينما كنتم؛ مع الكافر، والملحد، و الطاغية، والمؤمن، والنبي، ليست واردة هنا، أما هنا المعية الخاصة، فأنا معكم بالحفظ، وبالتوفيق، وبالتأييد، وبالدعم. إذا أحبّ الله عبداً ألقى حبه في قلوب الخلق :
وقال الله:
﴿ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي ﴾
[ سورة المائدة: 12]
إذا كان الله معك فمن عليك؟ وإذا مواطن بمملكة الملك معه عندئذ الملايين لا قيمة لها، إذا كان من بيده كل شيء معه ما قيمة هؤلاء الرعاع وهؤلاء السوقة وهذه الدهماء؟ لا قيمة لها إطلاقاً، فإذا كان الله معك فمن عليك؟ وإذا كان عليك فمن معك؟ إذا كان الله معك خدمك عدوك مقهوراً، وإذا كان الله ليس معك تطاول عليك أقرب الناس إليك: ﴿ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ ﴾
[ سورة الحج: 18]
أنا معه إذا ذكرني، كلمة ذكرني واسعة جداً، في كل مظهر كوني يذكر الله، في الكسوف، والخسوف، والمطر، وفي كل موقف، وتصرف، وحكم، يذكر الله، الحقيقة الوحيدة في الكون هي الله، إن ذكرتها فأنت على حق، وإن غفلت عنها فأنت على باطل، ربط الناس بالله عقيدة وسلوكاً وتصرفات: ((وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ... ))
[ البخاري عن أبي هريرة]
أنت صامت تقول: ما أعظم هذا الكون! ما أجمل هذا النبات!‍ ما أروع هذا الخلق! تذكرت عظمة الله في خلقه، في الأمطار، والأشجار، والأسماك، وفي جمال الأرض، وكثرة النعم، ووفرة الماء: ((... إِذَا ذَكَرَنِي فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ))
هناك شخص همه الحديث عن نفسه، وعن شخصياته، وعن بطولاته، و عن إنجازاته، ورحلاته، وحماقاته، أحياناً هو محور الحديث، وهناك شخص آخر همه تعريف الناس بالله، يضع نفسه في التعتيم لا يذكر نفسه أبداً: ((... وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ .. ))
[ البخاري عن أبي هريرة]
إن ذكرت الله لتعرف الناس به ذكرك الله بأطيب سيرة، وأعطر قصة في أرقى مستوى، لذلك إذا أحبّ الله عبداً ألقى حبه في قلوب الخلق، تجد المؤمن محبوباً، الناس يعشقونه مع أنه لا يتحدث عن نفسه أبداً، يتحدث عن الله عز وجل، هذا مصداق قول الله عز وجل: ((..وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ..))
الله جلّ جلاله على علوه وعظمته يتجاوب مع أية حركة تجاهه :
إن صحّ التعبير ردة فعل الله أنت لمجرد أن تخطب ود الله في شيء؛ في صدقة، في ركعتين من الصلوات، في كلمة طيبة، وتسبيح، وتعظيم، أي تقرب إليه ترى أن الله سبحانه وتعالى ألقى في قلبك السكينة، والسعادة، والطمأنينة، ويسر لك الأمور، الله جلّ جلاله على علوه، وعظمته، يتجاوب مع أية حركة تجاهه، حركة بسيطة، النبي عليه الصلاة والسلام أحد أصحابه نزع عن ثوبه ريشة رفع يده إلى السماء وقال: جزاك الله خيراً، علامة المؤمن إذا قدمت له خدمة لا ينساها حتى الموت، وإذا فعلت أعمالاً بطولية مع الناس تنساها من توها، الله عز وجل من كمالاته أنك إذا تقربت إليه بصدقة، صدقة السر تطفئ غضب الرب.
(( باكروا بالصدقة، فإن البلاء لا يتخطى الصدقة ))
[ أخرجه البيهقي عن أنس ]
تقربت إليه بركعتين، أو بصيام يوم، أو بطاعة، أو بحفظ كتاب الله، أو بتعليم العلم، يكافئك في الدنيا والآخرة، يوجد تجاوب، لمجرد أن تتقرب إلى الله تجد أن الأمور كلها تتحرك لصالحك: ((...وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً ))
[ البخاري عن أبي هريرة]
لمجرد أن تعقد التوبة مع الله تشعر براحة، لمجرد أن تتصدق يكافئك الله أضعافاً مضاعفة، وما نقص مال من صدقة، هذه حقيقة صارخة، فمهما كنت كريماً الله أكرم منك. (( أنفق بلالُ ولا تخش من ذي العرش إقلالاً ))
[أخرجه الطبراني عن بلال ]
عبدي: (( أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ ))
[ ابن ماجه عن أبي هريرة ]
والله مرة أخ بمكان لجمع المال في مسجد فيما أعتقد قال: معي خمسون ليرة ترددت بدفعها، أدفعها أم لا، معه خمسون وبقي معه خمس ليرات، فدفع الخمسين أقسم لي بعد يومين جاءه خمسة آلاف! (( أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ ))
[ ابن ماجه عن أبي هريرة ]
ملخص الكلام: لمجرد أن تتحرك نحو الله حركة تأتيك عطاءات، و توفيقات، وتيسيرات، وإكرامات لا تعد ولا تحصى. من عرف الله ذاق من القرب ما لا يوصف :
أقول لكم أيها الأخوة: ما الذي يجعل المؤمن يمشي بطريق الإيمان بعزيمة قوية؟ لا لأن أفكار الدين منطقية، ولا لأن الدين قدم له تصورات راقية عن الكون والإنسان، الدين قدم له ذلك، لكن لأن الله سبحانه وتعالى حينما تتوب إليه تتبدل معاملته لك، في البيت ترى الكل حولك في أعلى درجة من الحب، تقول الزوجة: لم يكن كذلك، هناك تطور جذري طرأ عليه، إذا أحبك الله ألقى حبك في قلوب الخلق، ويسر لك الأمور.
لذلك هؤلاء الذين عرفوا الله وأحبوه ذاقوا من القرب ما لا يوصف:
فلو شاهدت عيناك من حسننا الذي رأوه لما وليت عنا لغيرنا
ولو سمعت أذنك حسن خطابنا خلعت عنك ثياب العجب وجئتنـا
ولو ذقت من طعم المحبة ذرة عذرت الذي أضحى قتيلاً بحبنـا
ولو نسمت من قربنا لك نسمة لمـت غـريباً واشتياقاً لقـربنا
فما حبنا سهل وكل من ادعى سهـولته قـلنا لـه قد جهلتنا
***
هذا الحديث: ((يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً ))
[ البخاري عن أبي هريرة]
هكذا التعامل مع الله عز وجل، ونحن في رمضان اصطلح مع الله، وتب إليه، وأحبه، إن أحببت مخلوقاً يموت فأنت خاسر، ينبغي أن تحب الواحد الحي، الأبدي، السرمدي، الذي لا يموت، إن أحببت الذي يموت فأنت قد قامرت وغامرت، لذلك لو كنت متخذاً خليلاً لكان أبو بكر خليلي ولكن أخ وصاحب في الله.

والحمد لله رب العالمين

السعيد 08-16-2018 01:26 PM

رد: احاديث قدسية مؤثرة
 
بسم الله الرحمن الرحيم

احاديث قدسية مؤثرة

الدرس : ( السابع )

الموضوع : اعددت لعبادي الصالحين





الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
الإيمان بالجنة جزء أساسي من عقيدة المسلم :
أيها الأخوة الكرام، أخرج الإمام الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يقول الله:
(( أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر))
[الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه]
واقرؤوا إن شئتم: ﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾
[ سورة السجدة : 17 ]
وفي الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مئة عام لا يقطعها، واقرؤوا إن شئتم: ﴿ وَظِلٍّ مَمْدُودٍ ﴾
[ سورة الواقعة: 30 ]
و: ((موضع سَوْط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها...))
[أخرجه البخاري ومسلم عن سهل بن سعد]
واقرؤوا إن شئتم: ﴿ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾
[ سورة آل عمران: 185 ]
التكذيب العملي هو أخطر أنواع التكذيب :
أيها الأخوة الكرام، ليس في العالم الإسلامي صوت مسموع ينكر الجنة والنار، ولكن لو دققت في عمل المسلمين لا تجد في أعمالهم، وفي حركاتهم وسكناتهم، وكسب أموالهم، وإنفاق أموالهم، وانضباطهم، ما يؤكد أنهم مؤمنون بالجنة أو النار، هنا المشكلة، لذلك أخطر أنواع التكذيب، ليس التكذيب القولي، لا يجرؤ أحد في العالم الإسلامي أن ينكر الجنة أو النار إلا أن يكون ملحداً، لكن التكذيب العملي هو أخطر أنواع التكذيب، لأن هذا الذي يكذب الجنة والنار من خلال سلوكه لن تستطيع إقناعه لأنه يقر بهما، ولكن طريقة كسب المال، غش المسلمين، الاختلاط، العدوان على أموال الآخرين، العدوان على أعراضهم، عدم أداء العبادات، تجد في العالم الإسلامي على اتساعه سلوكاً لا ينبئ أبداً بإيمان هؤلاء أن بعد الموت حياة أبديةً، جنة أو نار.
الأصل هو الإيمان والإنسان إذا اختل إيمانه اختل ميزانه :
لذلك الأصل هو الإيمان، والإنسان إذا اختل إيمانه اختل ميزانه، والخلل في الميزان لا يصحح، بينما الخلل في الوزن لا يتكرر، إذاً أنت في الأصل مخلوق للجنة، تصور طالباً على مقعد الدراسة، معقد الدراسة مصمم لينتبه الطالب، ليس هناك مقعد مريح يصبح كالسرير، وليس مع المقعد من الطعام ما لذّ وطاب، ولا من أنواع التسلية ما يلفت النظر، هنا مكان للدراسة، فلو أن طالباً أراد أن يكون له مقعد كمقاعد المركبات الفاخرة يصبح سريراً، وأمامه أنواع الطعام، والشراب، والشطائر، والعصير، والمذياع، وجهاز رائي صغير، هذا السلوك يتناقض مع صف في التعليم، أما حينما يدرس وينال الشهادات العليا ففي منطق العصر أنا أقول: قد يقتني بيتاً، ويؤسس عملاً، ويأكل ما لذّ وطاب، والناس حينما يستبقون الأمور، ويجعلون الدنيا مقراً وليست ممراً يقعون بخطأ كبير، أين الخطأ ؟ أن هناك شبح الموت، هناك القلق العميق، من منا يملك أن يعيش ساعة بعد هذه الساعة ؟ لا أحد، قلق الموت يجعل الحياة مخيفة، هناك في العالم الإسلامي قلق عام، الزمن ليس في صالح العاصي، لأنه كلما تقدمت به السن ضعفت قدرته على الاستمتاع بالحياة، فإذا بنى حياته على أنقاض الآخرين، بنى مجده على أنقاضهم، بنى حياته على موتهم، هناك قلق عميق داخلي، وهذا معنى قوله تعالى:
﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً ﴾
[ سورة طه: 124 ]
العاقل من يدخل الجنة و النار في حساباته اليومية :
أخوتنا الكرام، أنا أقول بدقة: قد لا تجد إلا القليل القليل من يدخل الجنة والنار في حساباته اليومية، في كسب ماله، في إنفاق ماله، في صدقه، في أمانته، قد لا تجد إنساناً خوفاً من الآخرة يركل دخلاً كبيراً لأن فيه شبهة، قد لا تجد إنساناً يرفض عطاء كبيراً لأن لهذا العطاء شرط لا يرضي الله عز وجل، فالذي يستوي عنده التبر والتراب يكون مؤمناً بالآخرة، الذي يعمل من الصباح الباكر إلى ساعة النوم ليرضي الله عز وجل، ويقدم الأعمال الصالحة، هو الذي يؤمن بالآخرة، فلذلك قضية أن تؤمن أنك مخلوق للجنة، وأنك في الدنيا أتيت لدفع ثمن الجنة وهو طاعة الله والعمل الصالح هذا الذي يعول عليه في دروس العلم.
أعددت لعبادي الصالحين.. مشكلات الصحة لا تنتهي في الحياة، دققوا في هذا الحديث.
(( بادروا بالأعمال الصالحة، فماذا ينتظر أحدكم من الدنيا؟ ))
[الحاكم عن أبي هريرة ]
أي ممكن أن أستيقظ كل يوم كاليوم السابق إلى ما شاء الله ؟! مستحيل، لا بد من يوم ينشأ بالجسم تطور لم يكن من قبل، فإذا كان هذا التطور بوابة الخروج سوف يتفاقم إلى أن ينتهي بالنعوة. (( بادروا بالأعمال الصالحة، فماذا ينتظر أحدكم من الدنيا؟ ))
[الحاكم عن أبي هريرة ]
حديث ينخلع له القلب: ((هل تنتظرون إلا فقراً منسياً))
[الحاكم عن أبي هريرة ]
كاد الفقر أن يكون كفراً، قد يكون الفقر منسياً لعبادتك لله عز وجل: ((أو غنىً مطغياً))
[الحاكم عن أبي هريرة ]
الغنى يوهم الغني بأنه قوي فيطغى: ﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى* عَبْدًا إِذَا صَلَّى ﴾
[ سورة العلق: 9-10 ]
الآية الكريمة، حينما يستغني الإنسان في توهمه عن الله عز وجل يطغى. ﴿ كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى ﴾
[ سورة العلق: 6-7 ]
توهم أنه غني والمال يفعل به ما يشاء فاستغنى عن طاعة الله. ((هل تنتظرون إلا فقراً منسياً أو غنىً مطغياً أو مرضاً مفسداً..))
[الحاكم عن أبي هريرة ]
من حفظ الله في الصغر حفظه الله في الكبر :
هناك أمراض تجعل حياة الإنسان جحيماً لا يطاق، وليس لها ضابط، تصيب الكبير والصغير، والنساء والرجال، والأقوياء والضعفاء، والأغنياء والفقراء، والمثقفين والجهلاء، الورم ليس له ضابط أبداً.
((أو مرضاً مفسداً أو هرماً مفنداً...))
[الحاكم عن أبي هريرة ]
تضعف ملكات الإنسان. ﴿ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا ﴾
[ سورة النحل: 70 ]
فهذا الذي له بداية محرقة في شبابه له نهاية مشرقة، هذا الذي حفظ الله في الصغر يحفظه الله في الكبر، إذاً العبرة أن تجد في عملك، وفي حركتك اليومية، وفي ذهابك وإيابك، وفي كسب مالك وإنفاق مالك، أن اليوم الآخر بجنته وناره داخل في حساباتك.
قال أحدهم لراعٍ: بعني هذه الشاة وخذ ثمنها؟ قال: ليست لي، قال: قل لصاحبها ماتت أو أكلها الذئب، قال: والله إنني لفي أشد الحاجة إلى ثمنها ولو قلت لصاحبها ماتت أو أكلها الذئب لصدقني فإنني عنده صادق وأمين ولكن أين الله؟
كم مسلم من بين المسلمين يقول: معاذ الله؟ يكون في أمس الحاجة إلى المال، ويأتيه المال من طريق حرام فيركله بقدمه؟ إن لم يكن لك موقف، إن لم تعطِ لله، إن لم تمنع لله، إن لم تغضب لله، إن لم ترض لله، إن لم يستوِ عندك التبر والتراب، فلست مؤمناً الإيمان الذي أراده الله باليوم الآخر، أما كلنا والحمد لله فنقول ونشهد أن الجنة حق، وأن النار حق، و لكن هل عملنا للجنة؟ وهل اتقينا النار؟. من صحت عقيدته صحّ عنده كل شيء :
ورد أن بعض العلماء قرأ حديثاً قال: استغنيت به عن أربعمئة ألف حديث، "اعمل للدنيا بقدر بقائك فيها، واعمل للآخرة بقدر مقامك فيها، واتق النار بقدر صبرك عليها، واعمل لله بقدر حاجتك إليه".
المشكلة إن صحت عقيدتك صحّ كل شيء، أهم شيء في أركان الإيمان الإيمان بالله واليوم الآخر، أي هناك يوم آخر، هؤلاء الغربيون صدقوني أيها الأخوة لو لم يكن هناك يوم آخر لكانوا أذكى أهل الأرض، ليس عندهم إلا الدنيا، ولا بد من مال وفير، ولا يقبل عندئذٍ مع المال الوفير والقناعة أن الدنيا هي كل شيء أن يكون هناك محرمات، ليس عندهم شيء حرام، ملوا المرأة اتجهوا إلى الجنس المثلي، اتجهوا إلى تبادل الزوجات، اتجهوا إلى زنى المحارم، لو لم يكن هناك آخرة هم أذكى أهل الأرض، لأنهم استمتعوا إلى أقصى غايات الاستمتاع، حياتهم كلها متع، لا يعرفون إلا المتع، لكن حينما يدنو أجلهم ينسون الحليب الذي رضعوه من أمهاتهم، إن كان هناك آخرة، وهذه حق، المسلم ولو كان فقيراً، ولو كان مضطهداً، ولو كان متخلفاً بمقياس العصر، ما دام قد بات على عقيدة الدين الصحيحة، ومادام ملتزماً أمر الله عز وجل هو الفائز، العبرة أن تصح العقيدة.
على الإنسان أن يتحرك وفق عقيدته لا وفق واقعه :
كنت أذكر كثيراً هذا المثل: راكب دراجة وصل إلى مفترق طريقين؛ طريق هابطة معبدة، محفوفة بالأشجار، والأزهار، والأطيار، وطريق صاعدة وعرة، فيها حفر، وأكمات، وغبار، كل معطيات البيئة تقتدي أن تسلك الطريق الهابطة، كراكب دراجة مريحة، نسيم عليل، أشجار جميلة، أزهار فواحة، والطريق الصاعدة متعبة، وفيها مشقة كبيرة، ولكن هناك لوحة مكتوب عليها: عند مفترق الطريقين هذا الطريق الهابط ينتهي بحفرة ما لها من قرار، فيها وحوش كاسرة، والطريق الصاعد ينتهي بقصر منيف هو لمن وصل إليه، هذه اللوحة مع هذا البيان ألا يقتضي أن تتخذ قراراً مناقضاً لمعطيات البيئة!! طبعاً، فالعاقل هو الذي يصدق هذا البيان، ويبني حركته وفق هذا البيان، ويسلك الطريق الصاعدة، لكن الناس معظمهم اليوم يتحركون لا بعقيدة ولكن بواقع، يحب أن يأكل أطيب الطعام، وأن يسكن أجمل البيوت، وأن يتزوج أجمل النساء، وأن تكون له مكانة في المجتمع، لذلك ينسى ما سوف يكون عند اقتراب الأجل، الحديث القدسي:
(( أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ))
[الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه]
مهما وقعت عينك في الدنيا على جمال طبيعي، بدءاً من جمال الطبيعة، إلى جمال النساء، إلى جمال الصغار، إلى طعوم الفواكه الطيبة إلى أطايب الطعام، ما لا عين رأت، ودائرة المرئيات محدودة جداً، كل واحد منا رأى عدة مدن في الأرض، لكنه في الأخبار يستمع إلى مئات المدن مثلاً: (( ... ولا أذن سمعت ....))
[الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه]
دائرة المسموعات أكبر بكثير، سمعت أنت بالقطب الجنوبي، هل وصلت إليه؟ لا، سمعت مثلاً بكوبا هل وصلت إليها؟ لا: (( أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر))
[الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه]
أضيق دائرة دائرة المرئيات، وأوسع منها دائرة المسموعات، والدائرة التي لا نهاية لها دائرة الخواطر، هذا الذي أعده الله للمؤمن، فبربكم سنوات معدودة فيها مرض، فيها خوف، فيها فقر، فيها قلق، فيها كآبة، الدنيا محفوفة بالآلام والأحزان، هكذا شاء الله لها أن تكون، لا راحة لمؤمن، إنسان عمل تعليقاً قال: ولا لكافر، لا يوجد أحد مرتاح: (( أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر))
[الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه]
مقياس القرآن هو الفوز بالجنة :
واقرؤوا إن شئتم، دقق، لو أن الإنسان حفظه ضعيف فقال: "لو تعلم نفس"، لو حرف امتناع لامتناع، أي يمكن أن تعرف، امتنع العلم لامتناع شيء آخر، أما الآية: فلا تعلم، أي مستحيل أن تعلم ما في الجنة:
﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾
[ سورة السجدة : 17 ]
وفي الجنة شجرة، تجد إنساناً يقول لك: صار لي خمس و ثلاثون سنة أخذنا بيتاً مثلاً بداريا، مساحته سبعون متراً، و قمنا بكسوته، خمس و ثلاثون سنة كدح لشراء بيت مساحته تقدر بسبعين متراً على العظم خارج دمشق، بالجنة قصور، وظل ممدود، وفي الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مئة عام لا يقطعها، واقرؤوا إن شئتم: ﴿ وَظِلٍّ مَمْدُودٍ ﴾
[ سورة الواقعة: 30 ]
وموضوع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها، أولاً: لا يوجد هم، ولا حزن، ولا مرض، ولا حسد، ولا عدوان، ولا تهديد، لا شيء في الجنة إلا ما يريح الإنسان: ﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾
[ سورة السجدة : 17 ]
واقرؤوا إن شئتم: ﴿ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾
[ سورة آل عمران: 185 ]
هذا مقياس القرآن، أما مقياس الناس فالفوز بالمال فقط، الفوز بالمنصب الرفيع، الفوز بالنجاح بالانتخابات فرضاً، الفوز بالسيطرة، الفوز أن تقعد على منابع النفط، الفوز أن تقهر شعوب الأرض، هذا الفوز بمقاييس الكفرة الفجار، أما الفوز عند الله: ﴿ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾
[ سورة آل عمران: 185 ]


والحمد لله رب العالمين

السعيد 08-16-2018 01:30 PM

رد: احاديث قدسية مؤثرة
 
بسم الله الرحمن الرحيم

احاديث قدسية مؤثرة

الدرس : ( الثامن )

الموضوع : إذا كان ثلث الليل الأخير نزل ربكم إلى السماء الدنيا.





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
المواظبة على قيام الليل :
أيها الأخوة الكرام:
(( عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ يُمْهِلُ حَتَّى إِذَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَوَّلُ نَزَلَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ؟ هَلْ مِنْ تَائِبٍ؟ هَلْ مِنْ سَائِلٍ؟ هَلْ مِنْ دَاعٍ حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ؟))
[مسلم عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ]
والله أيها الأخوة لسنوات طويلة جداً تزيد عن العشرين ما من أخ وقع في مشكلة كبيرة يبدو أن ليس لها حل، وأغلقت أمامه كل الأبواب، وسدت أمامه كل المنافذ، وجاءني مستفتياً لا أملك إلا هذا الحديث أقول له: صلِّ ركعتين في ثلث الليل الأخير، لأن الله سبحانه وتعالى في نص الحديث الصحيح يقول: ((...نَزَلَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ هَلْ مِنْ تَائِبٍ هَلْ مِنْ سَائِلٍ هَلْ مِنْ دَاعٍ حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ))
[مسلم عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ]
قد تأتي مشكلات فوق طاقة الإنسان، ويكاد للإنسان من جهات قوية لا يستطيع لها مجابهة، قد تأتي أمراض وبيلة، ويفتقر الإنسان، ويتآمر عليه من حوله، ويطعنه في الظهر أقرب الناس إليه، في حالات صعبة جداً هذا الحديث فيه الفرج.
إله عظيم بيده ملكوت السموات والأرض، بيده كل شيء، وهو القوة المطلقة، والرحمة المطلقة، والعدل المطلق، يقول لك: ألك حاجة ألبيها لك؟ اسألني يا عبدي، ادعني ألك حاجة فأقضيها؟ ألك ذنب فأغفره لك؟ ألك سؤال فأعطيه؟ ماذا ينتظر الإنسان؟
والله الذي لا إله إلا هو سمعت من بعض الأخوة قصصاً لا تصدق حول هذا الحديث، مصيبة ما بعدها مصيبة يزيحها الله عنك.
العبرة من الدين أن يكون للإنسان علاقة مع الله مباشرة :
لذلك إن أردت أن تلخص العبادة كلها يمكن أن تلخص بالدعاء، وحينما تدعو الله عز وجل ويستجيب لك يجب أن تعد هذا يوماً من أيام الله، وقد قال الله عز وجل:
﴿ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ ﴾
[ سورة إبراهيم: 5 ]
يوم دعوته فاستجاب لك، يوم سألته فأعطاك، يوم استغفرته فغفر لك، يوم اعتززت به فأعزك، العبرة أيها الأخوة من كل هذا الدين أن يكون لك علاقة مع الله مباشرة، أن تناجيه، وتسأله، وتستغفره، وتطلب عفوه، وتطلب منه أن يتوب عليك، لابد من علاقة مباشرة.
أخ كريم حدث في حياته إحباط، الإحباط أدى به إلى حالة نفسية مرضية، فذهب إلى طبيب غير مسلم، الطبيب النفسي قال له بعد أن حدثه عن قصته كلها قال: مشكلتك أنك تشعر أن الله ليس راضياً عنك لابد من أن تكثر مناجاته.
كان عليه الصلاة والسلام إذا حزبه أمر بادر إلى الصلاة، المشكلات كبيرة جداً، الطالب في مدرسته، التاجر في تجارته، والصانع في مصنعه، والموظف في مكتبه، والطبيب في عيادته.
من ذاق طعم القرب من الله اكتفى به :
أحياناً تأتي مشكلات تسحق الإنسان من لك إلا الله؟ بل لعل الله سبحانه وتعالى من حكمته أنه يسوقك إلى بابه، يبتليك بمشكلات بهدف واحد أن يسمع صوتك، وتساق إلى بابه وتذوق طعم القرب منه، الإنسان ألف الحياة الدنيا، وألف الطعام، والشراب، والزوجة، والأولاد، والنزهات، والسهرات، والولائم، لكن لو أنه ذاق طعم القرب من الله لاكتفى به.
ورد في بعض الآثار القدسي: "أنه من أحبنا أحببناه، ومن طلب منا أعطيناه، ومن اكتفى بنا عما لنا كنا له وما لنا".
ورمضان كله من أجل تمثل قوله تعالى:

﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ﴾
[ سورة البقرة: 176 ]
من أجل أن تقطع أملك من الخلق وتعقد الأمل على الحق، من أجل أن تنصرف عن الخلق وتتجه إلى الله عز وجل، لأن كل شيء بيده، وإليه يرجع الأمر كله، فهذا الحديث أولاً في صحيح مسلم وصحيح الإمام مسلم أصح كتاب بعد القرآن الكريم يقول عليه الصلاة والسلام: (( عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّهَ يُمْهِلُ حَتَّى إِذَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَوَّلُ نَزَلَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ هَلْ مِنْ تَائِبٍ هَلْ مِنْ سَائِلٍ هَلْ مِنْ دَاعٍ حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ))
[مسلم عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ]
في رواية ثانية يقول الله عز وجل: (( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَنْزِلُ اللَّهُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا كُلَّ لَيْلَةٍ حِينَ يَمْضِي ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَوَّلُ فَيَقُولُ أَنَا الْمَلِكُ أَنَا الْمَلِكُ مَنْ ذَا الَّذِي يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ ذَا الَّذِي يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ فَلَا يَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يُضِيءَ الْفَجْرُ ))
[مسلم عَنْ َأَبِي هُرَيْرَةَ]
هو ينتظرك، تعاني من مشكلة مالية، أو صحية، أو زوجية، أو عقوق الأبناء، أو انحراف الزوجة، ونشوزها، وتطاولها، ومن كساد البضاعة تعاني ما تعاني، هذا الحديث علاج لكل مؤمن. الدعاء يقوي العقيدة بالله عز وجل :
وأنا أقول لكم أيها الأخوة: لا يقوي عقيدتك بالله إلا الدعاء، كيف؟ أنت حينما تدعوه ويستجيب لك تعلم أنه سمعك، وأنه قدير، ورحيم، ومجيب، فيزداد إيمانك بالله.
قصة من أربعين عاماً؛ لي صديق له أب قاس، ظهر في صدره التهاب، فرأى بعض الأطباء إجراء عملية موضعية، فجاء ابنه على استحياء وخوف منه قال له: يا أبت سمعت من شيخي: "داووا مرضاكم بالصدقات"، طبعاً هو زار عدة أطباء يبدو أنه التهاب متفاقم، ولابد من شق هذا المكان، فبعد أن زار كل من يعرفه من الأطباء كلهم أجمعوا على عملية موضعية، فهذا الابن ببساطة وبحياء وبخوف ووجل من أبيه قال له: سمعت من شيخي قول النبي عليه الصلاة والسلام أن:

(( داووا مرضاكم بالصدقة ))
[ أخرجه الطبراني عن عبد الله بن مسعود ]
والده قاس جداً قال له: أنا سأدفع عنك خمس ليرات - قصة قديمة- فإن شفاك الله بهذه الصدقة آخذها منك، وإن لم تشفَ بها أنا أدفعها ولا علاقة لك بذلك، يبدو أن هذا الأب شديد جداً، فالله سبحانه وتعالى استجاب لهذا الابن البار وشفيت هذه المنطقة، وذهب القيح، والتأم الوضع، فذهب إلى كل الأطباء الذين زارهم وأشاروا عليه بإجراء عملية وأراهم كيف شفي، وأصبح لهذا الأب اعتقاد بابنه دام عشرات السنين أن الله عز وجل لم يخيبه، نحن قبل سنتين دعونا الله للاستسقاء، وأنا يغلب على ظني أن هذا الاستسقاء كان صادقاً، الأموي وحوله مئات الأمتار كان ممتلئاً، وكان في الدعاء تضرع، ووجل، وخوف، ثم جاءت الأمطار، ففي خطبة قلت: يا رب لا تشمت بنا الطرف الآخر، حاشا لله أن تدعوه مخلصاً ثم لا يستجيب لك، أن تعلق الأمل عليه ثم يخيب ظنك، أن تتوكل عليه ثم لا تجد بغيتك، هو أهل التقوى وأهل المغفرة، قدير، سميع، عليم، مجيب، رحيم، بيده كل القوى، أهل الأرض ممتلئون خوفاً من وحيد القرن! لو أنهم عرفوا أنه في قبضة الله، وأنه لا إله إلا الله، ولا معطي، ولا مانع، ولا قابض، ولا باسط إلا الله، ولا خافض، ولا رافع، ولا معز، ولا مذل إلا الله، لعكفوا على عبادة الله وارتقت نفوسهم، ألم يقل الله عز وجل: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾
[ سورة آل عمران: 139]
من وقع في المخالفات حجب عن الله :
كل بطولة المؤمن أن يؤهل نفسه لتلقي نصر الله عز وجل، ولتحقق وعود الله، أما أن يقع في المخالفات، والتقصيرات، والتجاوزات، وأكل المال الحرام، وغش المسلمين، فمثل هذا الإنسان لا يستطيع أن يدعو الله أبداً، هناك حجاب كثيف بينه وبين الله.
الصيغة التي جاء بها مسلم:

((أنَا الْمَلِكُ أَنَا الْمَلِكُ مَنْ ذَا الَّذِي يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ ذَا الَّذِي يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ فَلَا يَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يُضِيءَ الْفَجْرُ))
هناك رواية ثالثة لهذا الحديث: ((عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ يُمْهِلُ حَتَّى إِذَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَوَّلُ نَزَلَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ؟ هَلْ مِنْ تَائِبٍ؟ هَلْ مِنْ سَائِلٍ؟ هَلْ مِنْ دَاعٍ؟ حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ))
[مسلم عَنْ َأَبِي هُرَيْرَةَ]
الله عز وجل فعّال لما يريد :
أيها الأخوة الكرام: حينما توحد الله وتراه وحده فعالاً في الأرض... كلمة:
﴿ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ﴾
[ سورة هود : 107]
أنت من؟ أنت لست فعالاً لما تريد، لعلك تريد أشياء لا تعد ولا تحصى، ولست قادراً على أن تفعل منها شيئاً، لكن الله: ﴿ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ﴾
[ سورة هود : 107]
ليس المجال مجال قصص، لكن هناك قصص واقعية والله لا تصدق، لي صديق أصيب بمرض خبيث في رئتيه، فزرته مرة في البيت قال: هناك احتمال أن تجرى عملية في بلاد بعيدة جداً، وأن هذه العملية تكلف ثمن بيته الذي يسكنه، زرع رئة واحتمال نجاحها ثلاثون بالمئة- أنا أظنه صالحاً ولا أزكي على الله أحداً -العينات التي أخذت من رئتيه فحصت وحللت في بلادنا، وفي بلاد الغرب، فكانت ورماً خبيثاً من الدرجة الخامسة، أعرف أطباء أثق بهم ثقة كبيرة قالوا: لا أمل من شفائه إلا بعملية زرع كبيرة، ونجاحها ثلاثون بالمئة، وفي بلاد بعيدة، وتكلف ثمن بيته، يبدو أنه دعا الله عز وجل بإخلاص شديد، وهو الآن حي يرزق، وأظن القصة من عشرين سنة!
فحينما تدعو الله الذي يبدو مستحيلاً في قدرة الله عز وجل أي يأس وأي شعور بالخوف يتبدل حين تثق بالله.
﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ﴾
[ سورة الأعراف :156]
من كان الله معه فلا أحد عليه :
هناك مُدرّسة في باريس أصلها مغربية، أصيبت بورم خبيث، فقال لها الطبيب- يبدو أنه بلغ درجة كبيرة من الانتشار-: معك أسبوعان فقط وبعدها تموتين، والطبيب بفرنسا، فحينما أيقنت بالموت ذهبت إلى مكة المكرمة لتؤدي عمرة قبل أن تغادر الدنيا، يبدو في أثناء الطواف وقد قالت في كتيب ألفته أنها طافت ثمانية عشر شوطاً من شدة تعلقها بالله، وخوفها من أن تموت على غير الإيمان، وشربت من ماء زمزم، وعادت إلى بلدها لتموت، لكن الله شفاها، وألفت كتيباً صغيراً، قصة مؤثرة جداً، كيف أن أصحاب موسى قالوا:
﴿ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ﴾
[ سورة الشعراء:61]
فرعون بكل قوته، وجبروته، وطغيانه، وحقده، وراء شرذمة قليلة، والبحر أمامهم، ومع ذلك أنجاهم الله عز وجل.
كيف سيدنا يونس الأمل صفر في بطن الحوت، وهو في ظلمات ثلاث قال:
﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾
[ سورة الأنبياء:87-88]
والله هناك قصص لغرابتها لا تصدق! إنسان في طريقه لمنطقة جميلة في وسط القطر، ترك المركبة وذهب لمطعم، فابنه لعب بأدوات القيادة، فانطلقت المركبة في الوادي، والوادي سحيق جداً فدعا الله أنه إذا نجا أهله وأولاده يتصدق بكل ما يملك! ونزلت المركبة لقعر الوادي وسلمت زوجته وأولاده وأنجز وعده! مرض عضال، مصيبة كبيرة، عدو كبير، إذا كان الله معك فمن عليك؟ وإذا كان عليك فمن معك؟ الشدائد من أجل أن تدعو الله بإخلاص وتعكف على بابه :
والله أيها الأخوة: في عشرين سنة سابقة لا يوجد أخ يضعني أمام مشكلة ليس لها حلّ إطلاقاً إلا أدله على هذا الدعاء، والحديث القدسي، وقد أستمع من بعض الأخوة لإجابات من غرابتها لا تصدق، كيف أن الله سبحانه وتعالى صرف عنه هذا البلاء، فهذا الحديث مهم جداً جداً.
((عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّهَ يُمْهِلُ حَتَّى إِذَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَوَّلُ نَزَلَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ هَلْ مِنْ تَائِبٍ هَلْ مِنْ سَائِلٍ هَلْ مِنْ دَاعٍ حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ))
[مسلم عَنْ َأَبِي هُرَيْرَةَ]
وأنا أقول لكم مرة ثانية: أحياناً القصد أن تذوق طعم القرب من الله، قد تساق الشدائد من أجل أن تدعو الله بإخلاص، من أجل أن تلجأ لبابه، من أجل أن تعكف على بابه، الله هو قمة العبودية، والأنبياء الكرام من دون مصائب عاكفون على بابه وهم في أوج قوتهم.
النبي الكريم قبيل وفاته وقد دانت له الجزيرة العربية من أقصاها إلى أقصاها صعد المنبر وقال: "من كنت جلدت له ظهراً فهذا ظهري فليجلده، ومن كنت أخذت له مالاً فهذا مالي فليأخذ مني، ومن كنت شتمت له عرضاً فهذا عرضي فليقتد منه، ولا يخشى الشحناء فإنها ليست من شأني ولا من طبيعتي".
الحقيقة الإنسان حينما يكون ضعيفاً يكون متواضعاً، لكن بطولته حينما يكون قوياً وغنياً، حينما تشعر وأنت في أعلى درجات القوة بالافتقار إلى الله، وحينما تشعر وأنت في درجات الغنى بالافتقار إلى الله، فأنت موحد، لكن الغنى يطغي والقوة تنسي في بعض الأحيان.
فنحن تحت رحمة الله، ونسأله وحده، ونعتمد ونتوكل عليه وحده، وهذا الحديث هو الدواء لكل داء ومشكلة، ولكل عدو متربص بنا، ولكل مرض عضال، فما عند الله ليس عند العبد.


والحمد لله رب العالمين

السعيد 08-16-2018 01:38 PM

رد: احاديث قدسية مؤثرة
 
بسم الله الرحمن الرحيم

احاديث قدسية مؤثرة

الدرس : ( التاسع )

الموضوع : المحبوبية في الإسلام، إذا أحب الله العبد نادى جبريل إن الله يحب فلاناً.





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أية دعوة إلى الله تتجاهل الحب هي دعوة عرجاء :
أيها الأخوة الكرام، الدعوة إلى الله تنجح نجاحاً باهراً حينما تراعي في الإنسان جانبه العقلي والنفسي والمادي، فكما أن الإنسان عقل يدرك هو قلب يحب، والعقل غذاؤه العلم، والقلب غذاؤه الحب، فأية دعوة إلى الله تتجاهل الحب هي دعوة عرجاء، ذلك أن الله سبحانه وتعالى يقول:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾
[ سورة المائدة: 54]
استنبط العلماء أن الذي يحب الله والذي يحبه الله لا يمكن أن يرتد، فحينما يكون الدين عقلياً فكرياً نصياً ضمن حب هناك نكسات كثيرة، أما حينما يكون الدين علماً متيناً وأدلة قوية وحباً والتزاماً -هذه خطوط ثلاثة معرفة وحب وسلوك - فهناك التفوق، وآيات كثيرة تتحدث عن الحب، الحديث القدسي اليوم: ((إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ الْعَبْدَ نَادَى جِبْرِيلَ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحْبِبْهُ فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ فَيُنَادِي جِبْرِيلُ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ ))
[البخاري عن أبي هريرة]
القرآن الكريم والسنة النبوية توجها إلى العقل والقلب معاً :
ما من نعمة في الدنيا إلا ولها آثارها في الآخرة، كأن يحبك الناس، لأن الله إذا أحبك ألقى محبتك في قلوب الخلق، وأكاد أقول: الأنبياء بكمالهم ملكوا القلوب، والأقوياء بقوتهم ملكوا الرقاب، والبشر جميعاً أتباع نبي أو قوي، فالذين هم أتباع النبي سلاحهم الكمال الإنساني، بكمالهم يملكون القلوب، والذين هم أتباع القوي سلاحهم ما منحوا من قوة، فبقوتهم يملكون الرقاب، وشتان بين من يملك القلوب وبين من يملك الرقاب.
على كلٍّ القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة توجهت تارة إلى العقل لتقنعه، وتارة إلى القلب لتغذيه، وفي بعض الآيات الكريمة تتوجه الآية إلى القلب والعقل معاً:
﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ ﴾
[ سورة الانفطار: 6-7]
الحبّ هو علة الخلق :
أيها الأخوة الكرام: جانب الحب هو علة الخلق، لو أن الله أراد أن يخضع له البشر جميعاً لكان ذلك، ولكن هذا الخضوع قسري لا يثمر سعادة.
﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ﴾
[ سورة يونس: 99]
﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾
[ سورة هود: 118]
الله جلّ جلاله ما أرادنا أن نأتيه قسراً، أراد أن نأتيه طوعاً، إذا أتيناه قسراً لا قيمة لهذا الإتيان، لأن الله عز وجل يقول: ﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ﴾
[ سورة البقرة: 256]
فجانب الحب جانب أساسي، الفرق بين الحب وبين الواجب كالفرق بين أرحنا بها وأرحنا منها، هذا هو الفرق بين الحب والواجب، فأنت حينما تحب الله تفعل المستحيل، أصحاب النبي أحبوا الله، قلة قليلة بحياة خشنة، بمعدات بسيطة، وبيوت من اللبن وصغيرة وخشنة، فتحوا أطراف الدنيا، وحينما فرغ الدين من الحب أصبح ثقافة وتقاليد وعادات وأصبح سلوكاً أجوفاً وعبادات لا تقدم ولا تؤخر، بين مؤمن مفعم قلبه بالحب، وبين مؤمن ممتلئ قلبه بالمعلومات فرق كبير جداً، لابد من أن يمتلئ العقل بالمعلومات، ولا بد من أن يمتلئ القلب بالحب، فهذه المرأة الأنصارية التي رأت زوجها في أرض المعركة شهيداً ورأت أباها في أرض المعركة شهيداً، ثم رأت ابنها ثم أخاها وفي كل مرة تقول: ما فعل رسول الله؟ فلما رأته واطمأن قلبها قالت: يا رسول الله كل مصيبة بعدك جلل. الحبّ يصنع المعجزات و التقليد لا يصنع شيئاً :
أخواننا الكرام: الحب يصنع المعجزات، ومن دون حب لا يمكن أن تقدم شيئاً لله، مستمع جيد، ومعلق جيد، لكن لا تقدم شيئاً، كل إنسان حينما يستمع إلى كلام منطقي مؤيد بالأدلة والبراهين يعجب بهذا الكلام، لكن العبرة ماذا قدمت لله عز وجل؟ لو سألك الله يوم القيامة ماذا فعلت من أجلي يا عبدي؟ هذا سؤال، الحب يصنع المعجزات، بينما التقليد لا يصنع شيئاً.
((إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ الْعَبْدَ نَادَى جِبْرِيلَ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحْبِبْهُ فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ فَيُنَادِي جِبْرِيلُ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ ))
[البخاري عن أبي هريرة]
انظر إلى الطفل قال تعالى: ﴿ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي ﴾
[ سورة طه: 39]
أي ألقى في قلب أبويه الحب له، تجد الأبوين لا يهنأ لهما عيش إلا إذا كان ابنهما على ما يرام، فهذه الرحمة التي يتراحم بها الناس، والتي يعقبها ميل قلبي هو الحب، وأقول لكم هذه الكلمة: الإنسان الذي لا يجد رغبة في نفسه أن يكون محبوباً عند الله وعند خلقه، ثم لا يجد رغبة أن يحب الله جلّ جلاله، فإنه ليس من بني البشر! البطولات التي ظهرت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أساسها الحب، قيل لأحد أصحاب رسول الله قبل أن يصلب -ألقي القبض عليه وسيق إلى مكة - قبل أن يصلب قال له أبو سفيان: أتحب أن يكون محمد مكانك وأنت معافى في بيتك؟ استمعوا إلى الجواب قال: والله لا أحب أن أكون في أهلي وولدي وعندي عافية الدنيا ونعيمها ويصاب رسول الله بشوكة! فقال أبو سفيان: ما رأيت أحداً يحب أحداً كأصحاب محمد يحبون محمداً! أكبر نجاح في الحياة أن يحبك الله :
أخوتنا الكرام، نحن في أمس الحاجة إلى الحب، أن نحب بعضنا، ونقدم لبعضنا كل شيء، ونؤثر بعضنا على كل شيء، هناك رواية ثانية:
((إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ الْعَبْدَ نَادَى جِبْرِيلَ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحْبِبْهُ فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ فَيُنَادِي جِبْرِيلُ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ ))
[البخاري عن أبي هريرة]
((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ فَقَالَ إِنِّي أُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ قَالَ فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ ثُمَّ يُنَادِي فِي السَّمَاءِ فَيَقُولُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ قَالَ ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ وَإِذَا أَبْغَضَ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ فَيَقُولُ إِنِّي أُبْغِضُ فُلَانًا فَأَبْغِضْهُ قَالَ فَيُبْغِضُهُ جِبْرِيلُ ثُمَّ يُنَادِي فِي أَهْلِ السَّمَاءِ إِنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ فُلَانًا فَأَبْغِضُوهُ قَالَ فَيُبْغِضُونَهُ ثُمَّ تُوضَعُ لَهُ الْبَغْضَاءُ فِي الْأَرْضِ))
[مسلم عن أبي هريرة]
أنت حينما تمشي في رضوان الله يحبك الله، ويحبك جبريل، ويحبك أهل السماء، وتلقى القبول في الأرض، وحينما يمشي الإنسان في سخط الله يبغضه الله، ويبغضه جبريل، ويبغضه أهل السماء وأهل الأرض، أكبر نجاح في الحياة أن يحبك الله.
مرة سمعت كلمة من أخ كريم يروي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لسيدنا معاذ قال ((عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: أَخَذَ بِيَدِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ إِنِّي لَأُحِبُّكَ يَا مُعَاذُ فَقُلْتُ وَأَنَا أُحِبُّكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ.....))
[النسائي عن معاذ بن جبل]
والله ما رأيت في الأرض مرتبة تعلو هذه المرتبة! أن يحبك رسول الله، كيف يحبك؟ إذا كنت مستقيماً، الأقوياء يقربون من يعلن لهم الولاء، لكن الأنبياء بوحي من الله عز وجل لا يقربون إلا من كان راضياً لله عز وجل، لذلك قيل: "يا رسول الله مثل بهم؟ قال: والله لا أمثل بهم فيمثل الله بي ولو كنت نبياً" . من لم يخفق قلبه بحب الله و رسوله ففي إيمانه خلل :
هناك حديث آخر:
((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا نَادَى جِبْرِيلَ إِنِّي قَدْ أَحْبَبْتُ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ قَالَ فَيُنَادِي فِي السَّمَاءِ ثُمَّ تَنْزِلُ لَهُ الْمَحَبَّةُ فِي أَهْلِ الْأَرْضِ فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا ) وَإِذَا أَبْغَضَ اللَّهُ عَبْدًا نَادَى جِبْرِيلَ إِنِّي أَبْغَضْتُ فُلَانًا فَيُنَادِي فِي السَّمَاءِ ثُمَّ تَنْزِلُ لَهُ الْبَغْضَاءُ فِي الْأَرْضِ ))
[الترمذي عن أبي هريرة]
إن كنت على علاقة طيبة مع الله فمن لوازم هذه العلاقة أن الناس يحبونك، وقد ورد أنه: من أخلص لله تعالى جعل قلوب المؤمنين تهفو إليه بالمودة والرحمة.
فلذلك إن لم يخفق قلبك بحب الله ورسوله، وحب المسجد، والقرآن، وأخوتك المؤمنين، ففي الإيمان خلل.
قديماً الذي يقف أمام مقام النبي عليه الصلاة والسلام ولا يبكي يقال له: مالك؟ لكنك تجد أحياناً من يبكي أمام مقام النبي الآن يسأل: أبك حاجة؟ الأصل أن تبكي أمام قبر النبي وأن تحبه.
أخوتنا الكرام: أرأيتم إلى وردة مصنوعة من الشمع، ثم وردة طبيعية فواحة الرائحة؟ بين وردة طبيعية فواحة الرائحة وبين وردة اصطناعية مملة كما بين مسلم يحب الله ومسلم لا يحب الله أو قلبه خاو من المحبة، الإسلام من دون حب جسد من دون روح -جثة - فلذلك تجد قلوب المسلمين قاسية من بعدهم عن الله، وانغماسهم في المخالفات، فهو مسلم بحسب هويته، وقيد نفوسه، وبيئته، ومن أبويه المسلمين، ولكن المسلم الذي يغلي قلبه كالمرجل هذا نفتقده، فالحياة أساسها الحب.
النبي عليه الصلاة والسلام كان أحب الخلق إلى الله، وأقسم الله بعمره الثمين، وحينما تشعر أن الله يحبك فأنت في الأوج، ملك في الدنيا، فإذا أحبك الله أحبك الخلق، وإذا أبغض الله عبداً أبغضه الخلق.

والحمد لله رب العالمين


الساعة الآن 12:00 PM

Powered by vBulletin™ Version 3.8.7 Copyright © 2012 vBulletin ,
هذا الموقع يتسخدم منتجات Weblanca.com
new notificatio by 9adq_ala7sas
User Alert System provided by Advanced User Tagging (Lite) - vBulletin Mods & Addons Copyright © 2026 DragonByte Technologies Ltd. Runs best on HiVelocity Hosting.