منتديات رياض الأنس

منتديات رياض الأنس (http://www.riyadelounss.com/vb/index.php)
-   رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة (http://www.riyadelounss.com/vb/forumdisplay.php?f=5)
-   -   حق المسلم على المسلم (http://www.riyadelounss.com/vb/showthread.php?t=9299)

السعيد 07-28-2018 07:13 AM

حق المسلم على المسلم
 
بسم الله الرحمن الرحيم

حق المسلم على المسلم

الدرس : ( الاول )

الموضوع : حق النصيحة - 1






الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
ما أخطر شيء في حياة الإنسان؟ :
أيها الأخوة المؤمنون, في الدروس السابقة: كان الموضوع الإجمالي هو حقوق الزوج على زوجته، وحقوق الزوجة على زوجها، وحقوق الأب على ابنه، وحقوق الابن على أبيه، واليوم ننتقل إلى بابٍ جديد من أبواب الحقوق، ألا وهو حق المسلم على المسلم، حقوق المسلم على المسلم كثيرة، منها النصح له، وقبل الحديث عن هذا الحق الجليل، أود أن أقدم لهذا الحق بمقدمةٍ موجزة: إن أخطر شيءٍ في حياة الإنسان دينه, قال:
ابن عمر دينك دينك إنه لحمك ودمك.
يعني طالب عنده مكتبة كبيرةٌ جداً، لكن هناك كتاباً واحداً في هذه المكتبة هو الكتاب المقرر الذي سيؤدي فيه امتحاناً, ويعلّق على هذا الامتحان آمالاً ضخمة، إذاً هذا الكتاب ليس ككل الكتب.
رجل الأعمال في محفظته أوراق كثيرة, لكن أخطر وثيقةٍ في هذه المحفظة جواز سفره، لولا هذا الجواز لبقي في أرضه، إذاً الدين أخطر شيءٍ في حياة الإنسان، هناك زوجته ، هناك عمله، هناك صحته، هناك دخله، لكن الدين متعلقٌ بالآخرة، موضوع الدين موضوعٌ مصيري، إذا سكنت في بيت هي سنواتٌ وتمضي, إن كان واسعاً أو ضيقاً، عالياً أو منخفضاً ، ملكاً أو أجرةً، سنواتٌ تمضي الزوجة لا بدَّ من أن يمضي وقتٌ تفارقها أو تفارقك، لكن الشيء الذي سيتصل بحياتك الأبدية هو الدين.
هل ينحصر مفهوم الدين حول العبادات الشعائرية؟ :
النقطة الثانية: هو أن الدين شيءٌ عظيمٌ جداً وواسعٌ جداً، فقد يفهمه الناس فهماً مغلوطاً، فيوجد عندنا عبادات شعائرية؛ http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4602/01.jpg
الصلاة والصوم والحج والزكاة، من توهم أن أداء هذه العبادات هو الدين فقد وقع في خطأٍ كبير، من توهم أن الطبيب هو الذي يرتدي ثوباً أبيض، أو هو الذي يضع على عينيه نظارة هو الطبيب، أو هو الذي يسأل الناس عن أكلهم أو عن آلامهم، الطبيب إنسان درس الطب سنواتٍ طويلة, وأصبح يملك قدرةً على تشخيص المرض وعلى وصف الدواء.
النبي -عليه الصلاة والسلام- في تعريفٍ جامعٍ مانعٍ قال:
فعَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ, أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ:
((الدِّينُ النَّصِيحَةُ, قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ))
قد يفهم المسلمون الدين أنه صلاةٌ وصيام وحجٌ وزكاة.
سيدنا عمر قال: من شاء صام ومن شاء صلى ولكنها الاستقامة. ((من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بُعداً))
[أخرجه الطبراني في المعجم الكبير]
ماذا تستنتج من هذا المثال؟ :
وأنا في طريقي إلى هذا المسجد لمع في ذهني مثل: أن العام الدراسي هو عامٌ طويل في آخره امتحان، الامتحان فيه ينكشف الطالب, وينكشف مستواه العلمي, وفهمه واستيعابه, فمن ظن أن الامتحان لا علاقة له بالعام الدراسي فقد وقع في خطأٍ كبير، إذا جاء يوم الامتحان, ارتدى هذا الطالب أجمل ثيابه, وتوجه إلى الامتحان, واقتنى الأقلام, وكل حاجاته, لكنه لم يدرس، هذا الامتحان لا معنى له، أهم شيءٍ فيه أن تُعد له العدة طوال العام الدراسي.
أردت من هذا المثل: أنك إذا وقفت لتصلي, فاعلم أن الصلاة امتحان، بل إنها ميزانٌ كما قال عليه الصلاة والسلام، إن ما بين الصلاتين؛ استقامتك، صدقك، غضُّك للبصر، نُصحك للمسلمين، ورعك، هذا يبدو في الصلاة، فإذا فصلت بين حياتك ونشاطك وتجارتك وبيعك وشرائك من جهة، وبين الصلاة من جهة، وجعلت الصلاة كشعيرةٍ تعبدية, انقلبت الصلاة والحالة هذه إلى طقسٍ لا معنى له، لكنك إذا فهمت أن الصلاة كساعة الامتحان، أهم ما فيها أن تعد لها قبل أن تأتيها، لذلك جاء قوله تعالى:

﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾
[سورة طه الآية: 14]
تقول: أقمت البناء؛ أي أنك اشتريت الأرض ووضعت التخطيط وبذلت الجهد، إقامة البناء شيءٌ يحتاج إلى جهد كبير مسبق، فلذلك: إما أن تفهم الدين فهماً أجوف على أنه شعائر تؤدى وكفى، أو على أنه كتابٌ يُقرأ، أو على أنه مجلس علمٍ يُحضر، أو على أنه حجٌ يُؤدى، أو احتفالٌ بعيد المولد يُقام وانتهى الأمر، ونحن على ما نحن عليه، هذا هو الفهم السقيم للدين.
ما هو الدين؟ :
الدين شيءٌ يدخل في كل حياتك، في كل حركاتك وسكناتك، في كل نشاطاتك، في كل علاقاتك، فالنبي -عليه الصلاة والسلام- قال:
((الدِّينُ النَّصِيحَةُ))
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4602/02.jpg
أي إذا جاءك أخ مسلم أو غير مسلم إلى محلك التجاري, وأراد أن يشتري منك حاجة، وأنت من أجل أن تبيع هذه الحاجة الكاسدة أوهمته أنها جيدة، وأثنيت عليها بما لا تستحق، حتى أقنعته بشرائها، إنك لم تنصحه، إذاً ما قيمة دينك؟ ما قيمة صلاتك؟ هذا الذي وقع في مخالفةٍ شرعية، قالت له السيدة عائشة: أبلغوا فلاناً أنه أحبط عمله، أو أنه خسر جهاده مع رسول الله.
فالذي أتمناه عليكم أن تضعوا أيديكم على جوهر الدين: ((الدِّينُ النَّصِيحَةُ))
الدين يبدو في دكانك، في متجرك، وراء طاولتك إذا كنت موظفاً، في العيادة إذا كنت طبيباً، وراء مكتبك في المحاماة إذا كنت محامياً، وراء مكتبك الهندسي إذا كنت مهندساً، وراء مهنتك إذا كنت من أصحاب المهن، في مهنتك اليومية، إذا غششت المسلمين فلست مسلماً. لم نفى النبي عن العبد صفة الإسلام في هذا الحديث؟ :
النبي -عليه الصلاة والسلام- نفى عنك صفة الإسلام:
فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قال:
((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلاحَ فَلَيْسَ مِنَّا, وَمَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا))
[أخرجه مسلم في الصحيح]
النبي أخرجك من دائرة المسلمين إذا لم تنصح أخاك، أي إذا قال لك: ماذا أفعل بهذا المبلغ؟ لو أن هذا المبلغ لك تشتري به دكاناً، تقول له: لا, أعطن إياه، ماذا كنت تفعل لو أن هذا المبلغ معك؟ بماذا نُصحك لهذا الإنسان صاحب المبلغ ينم عن دينك، يجب أن تنصح له بما أنت فاعلٌ لنفسك، بما أنت تفعل لو أن هذا المبلغ لك، هذا هو الدين، الدين يبدو أكثر ما يبدو في التعامل. الدين معاملة :
لذلك ورد عن النبي -عليه الصلاة والسلام-: أن الدين هو النصيحة، وأن الدين المعاملة.
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4602/03.jpg
والعوام يقولون هذا الكلام: الدين المعاملة، الدين في تعاملك مع زوجتك، الدين في تعاملك مع عُمَّالك، الدين في تعاملك مع أولادك، الدين في تعاملك مع جيرانك، يجب أن تعرف حدك فتقف عنده، فلذلك الشيء المؤلم: أن مفهوم الدين مضطرب، مفهوم الدين مفهوم أصبح زئبقياً, فكل إنسان يفهمه على طريقة، بحيث أن الذي قد يفهمه إنسان أن تقيم في بيتك كل عام احتفالاً بعيد المولد، وتأتي بالمنشدين وانتهى الأمر وأنت لا تصلي، هناك من يفهم الدين هكذا؛ الدين أن تذهب إلى الحج, وأن تأتي من الحج, وأن توضع الزينات، وأن تقدم الحلويات، وأن يبارك لك بهذا الحج وانتهى الأمر، الدين داخل بحياتك اليومية، داخل في كل دقيقة من حياتك، في كل ثانية، في كل حركة، في كل سكنة، في نومك، في استيقاظك، في علاقاتك بزوجتك، بأولادك، بمعملك، بعمالك، بمكتبك، بمن يقف أمامك، بمن يقف وراءك، بمن هو فوقك، بمن هو تحتك، هذا هو الدين، الدين هو النصيحة.

لم تأخر المسلمون عن الأمم؟ :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4602/04.jpg
فلذلك: حينما فهم المسلمون أن الدين عباداتٌ شعائرية صاروا خلف الأمم، ولم تكن كلمتهم هي العليا، وحينما فهم أصحاب النبي -عليه الصلاة والسلام- أن الدين نصحٌ لكلّ مسلم؛ الدين معاملة، الدين انضباط، فتحوا العالم.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: بَدَأَ الإِسْلامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ))
[أخرجه مسلم في الصحيح]
يجب أن نرجع إلى ينابيعه الأولى، إلى ينابيعه الصافية. ليس هذا من الدين في شيء :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4602/05.jpg
الآن: لاحظ أن المسلمين يصلون، الجوامع ممتلئة, والمظاهر الدينية صارخة، ولكن إذا دخلت إلى الأسواق رأيت الكذب، ورأيت الغش، ورأيت الخداع، ليس هذا من الدين في شيء، إذا أردت أن تكسب وقتك، إذا أردت أن تكسب حياتك، إذا أردت أن تضع يدك على جوهر الدين، إذا أردت أن تكون من المؤمنين الصادقين, فالدين النصيحة.
لو أن إنساناً قال لك: أنا لا أعرف انتق لي بنطالا على ذوقك، وانتقيت له البنطال الكاسد ذي اللون غير المرغوب, من أجل أن تُصرف هذا اللون الذي ربص أمامك, فأنت لست مؤمناً، إذا قال لك: انتق لي أنت, يجب أن تنتقي له أجمل الألوان، أما إذا انتقى هو هذا شيءٌ آخر.

إليكم هذا المثل الدقيق على مفهوم: الدين النصيحة :
أنا أضرب المثل الدقيق:
الدين النصيحة.
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4602/06.jpg
قال لك إنسان: افتح محل بهذه المصلحة, أنت تعلم أن هذه المصلحة ذات أرباح طائلة، تقول: لا هذه مصلحة فاقورة، تريد أن تصرفه عن هذه المصلحة وأنت مسلم؟! لست مسلماً.
إنسان بعث لك ابناً تعلمه مصلحة تجعله مستخدماً، وحينما يأتي الوقت المناسب لتعلم هذه المصلحة تبعده خارج المحل، أنت مسلم؟ لا والله:
الدين النصيحة.
وهناك أمثلة لا تُعد ولا تُحصى، أكثرها في العمل، قال لك فلان: هل أشتري هذا البيت؟ تبيع البيت أنت، وأنت تبيع هذا البيت لعلةٍ خطيرة شعرت أن فيه خطر، وزينت له هذا البيت حتى بعته له، أنت مسلم؟ لا والله:
الدين النصيحة.
لم تنصحه بهذا البيت، فلذلك: الله عزَّ وجل يضع الإنسان في مواقف صعبة، أهونها الصلاة والصوم والحج والزكاة، ولكن أصعبها أن تقف على مفترق الطرق، إذا نصحت تخسر وإذا غششت تربح، وهذه حكمةٌ إلهية.
من حقوق المسلم على المسلم :
هذه المقدمة أردت منها أن أصل إلى أن: من حقوق المسلم على المسلم النصح له.
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4602/07.jpg
فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أن النبي -عليه الصلاة والسلام- من خلال حديثٍ طويل يقول:

((حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ, قِيلَ: ما هن يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ, وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ, وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ, وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ فَشَمِّتْهُ, وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ, وَإِذَا مَاتَ فَاتْبَعْهُ))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي والنسائي في سننهم]
اسْتَنْصَحَكَ فعل استفعل, فيه معنى الطلب, كقولك: استغفر، كقولك: استرحم، كقولك استودع.
أول حق: هذا الذي يدخل إلى محلك أليس مسلماً؟ مسلم، يقول لك: انصحن؛ هل هذا القماش جيد؟ هل هذه الآلة جيدة؟ هل هي أصلية أم تقليد؟ هل أنتفع بها أم أنها سريعة العطاب ؟ أنت قد تستعمل هذا الثوب، تقول: لا، أنا أرتدي منه بشكلٍ خبيث، ومن أجل أن تبيع هذا الثوب تفصل منه ثوباً, وكلما سألك إنسان: ما قولك بهذا القماش؟ تقول: لا, أنا أرتدي منه، من أجل أن تبيع هذه البضاعة, وهذا شيءٌ خطير، هذا الذي يدخل إلى محلك التجاري، الله سبحانه وتعالى وكيله وهو مطلعٌ عليك ويعلم السر وأخفى، فمن حق المسلم على المسلم النصح له:
وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ.
متى يستنصح الرجل؟ :
سؤال: الإنسان متى يستنصح إنساناً؟ حينما يأتيك إنسان, ويقول لك: انصحن ماذا أفعل؟ هل تعلم ماذا يعني ذلك؟ يعني ذلك: أنه واثقٌ من رجاحة عقلك، ومن إخلاصك له، إنسان وضع ثقته فيك، وضع ثقته برجاحة عقلك، وضع ثقته بإخلاصك له، أعطاك صفتين؛ صفة عقلية وهي الرُجحان، وصفة نفسية وهي الإخلاص، لا يمكن أن تأتي إنساناً وتستنصحه إلا إذا وثقت بعقله وأخلاقه، إلا إذا وثقت برجاحة عقله وصدق إخلاصه، إذاً حينما يأتيك إنسان وقد منحك الثقة، وقد منحك كل عوامل الرضا تخونه؟! لذلك:
كبرت خيانةً عند الله: أن تحدث الناس بحديث هم لك مصدقون وأنت لهم به كاذب .
هو يصدقك, لأنه منحك الثقة وأنت تكذب عليه، فهذا الذي يغش الناس كذَّاب يكذب عليهم، ينصحهم بشيءٍ لا يفعله هو لنفسه.
شيء آخر: إذا طرق بابك واستُنصحت، فأنت مظنة رجحان العقل، وصدق الإخلاص ، فإن شئت أن تخيِّب الناس فيك فخيبهم إذا شئت، أما لو لم تكن راجح العقل، لو لم تكن مظنة صلاح, لما سألك أحد: وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ.
انظر ما قاله علي كرم الله وجهه :
شيء آخر: هذا الذي يستنصح هو رجل راجح العقل أيضاً، كلاهما عاقل المستنصِح والمستنصَح.
الإمام عليٌِ -كرم الله وجهه- يقول: الرجال ثلاثة؛ رجلٌ رجل -يقول لك: رِجَّال, بالمعنى العامي- ورجلٌ نصف رجل، ورجلٌ لا رجل؛ فالرجل الرجل هو الذي له رأيٌ ويستشير، والرجل نصف الرجل هو الذي له رأيٌ ولا يستشير، والرجل الذي لا رجل هو الذي لا رأي له ولا يستشير .
إن كنت تملك رأياً راجحاً فأنت رجل، أما إذا كنت تملك رأياً راجحاً وتستشير فأنت رجلٌ رجل، أي رجل مربع، رأي من دون استشارة نصف رجل، لا رأي ولا استشارة لست رجلاً.
هذا ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم :
الشيء الآخر: النبي -عليه الصلاة والسلام- أمره الله عزَّ وجل أن يشاور أصحابه, فقال تعالى:
﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾
[سورة آل عمران الآية: 159]
الإنسان يستشير بموضوع زواج، بموضوع تجارة، بموضوع فتح محل تجاري، بموضوع استثمار مال، بموضوع سفر، بموضوع شراء بيت، هذه أشياء تعارف الناس على أنها تنفع فيها المشورة، قبل أن تقدم اسأل، قبل أن تعقد قرانك على هذه الفتاة اسأل عنها، اسأل عن أهلها، عن أخلاقهم, عن مستواهم, عن ورعهم, عن استقامتهم، قبل أن تشارك فلان اسأل عنه، هل هو مستقيم أو منحرف؟ قبل أن تشتري هذا البيت، قبل أن تسافر، قبل أن تعمل، قبل أن تفعل، لا بدَّ من أن تستشير.
فلذلك: النبي -عليه الصلاة والسلام- قال:
((مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا))
[أخرجه مسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي في سننهما]
وفي حديثٍ آخر: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَرَّ عَلَى صُبْرَةٍ مِنْ طَعَامٍ, فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا, فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلاً, فَقَالَ:
((يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ مَا هَذَا؟ قَالَ: أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ اللَّهِ, قَالَ: أَفَلا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ حَتَّى يَرَاهُ النَّاسُ؟ ثُمَّ قَالَ: مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنَّا))
مطلقاً لو غششت مجوسياً فلست مسلماً. قاعدة :
يوجد عندنا قاعدة: الإنسان عليه أن يشاور وعليه أن يستخير، الإنسان الناجح الموفق.
من استشار الرجال فقد استعار عقولهم.
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4602/08.jpg
عليه أن يستشير، وعليه أن يستخير، الاستشارة لأولي الخبرة من المؤمنين، لأن غير المؤمن يغشُّك، والمؤمن الذي لا خبرة له، كيف ينصحك؟ لا بدَّ من توافر الخبرة والإخلاص:

﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾
[سورة القصص الآية: 26]
القوة في العلم والأمانة الإخلاص، فلذلك الإنسان الناجح في عمله الموفق، الذي يُطبق سنة النبي عليه الصلاة والسلام يستشير ويستخير، يستشير أولي الخبرة من المؤمنين، ويستخير الله عزَّ وجل في كل المباحات، إياكم أن تظنوا أن المؤمن يستشير أو يستخير في الأمور التي نص على حرمتها الشرع، هذا كلام مرفوض, لأن الله عزَّ وجل يقول:
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُبِيناً﴾
[سورة الأحزاب الآية: 36]
الاستشارة والاستخارة في الأمور المباحة، بعد أن تستشير أخوانك المؤمنين أولي الخبرة المعتمدين، بعد أن تثق من دينهم, ومن خبرتهم, ومن إخلاصهم, لك تستشيرهم فيشيرون عليك. أحكام الاستخارة :
الآن تنتقل إلى موضوع الاستخارة تستخير الله عزَّ وجل.
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4602/09.jpg
أحكام الاستخارة: إن المؤمن عليه أن يصلي ركعتين نافلتين، ولك أن تعُدَّ بعض السنن الرواتب صلاة استخارة، لو أنك صليت قبل الظهر ركعتين أو بعد الظهر ركعتين فهي صلاة استخارةٍ أيضاً، بل إن بعض العلماء أجازوا أن تصلي ركعتي تحية المسجد كصلاة استخارة؛ أي أن المؤمن يصلي ركعتين؛ إما نافلتين, أو من السنن الرواتب، أو من سنة تحية المسجد، وبعدها يدعو بهذا الدعاء, ويقول:

((اللهم إني أستخيرك بعلمك -أنت تعلم يا رب- وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علاَّم الغيوب.
خذ هذه الآية شعاراً لك في حياتك :
-المشكلة: أنه يوجد أشياء بالحياة تبدو برَّاقة، فإذا أقبلت عليها كانت لغماً متفجراً، يوجد أشياء تبدو غير براقة, فإذا أقدمت عليها كان فيها الخير الكبير، فأنت لا تعلم ولكن الله يعلم، قد يكون في هذه التجارة التدمير الكامل، وقد يكون في هذه الزوجة الشُؤم، وقد يكون في هذا السفر الخير، لا تعرف أنت، يا ترى إذا سافرت أفضل أم إذا بقيت؟ إذا عملت بهذه المصلحة أم بهذه المصلحة؟ إذا اشتريت هذا البيت أفضل أم هذا البيت؟ إذا تزوجت فلانة أو علانة؟ فإنك لا تعلم ولكن الله يعلم، لذلك ربنا عزَّ وجل قال -وهذه الآية لو عقلناها حق العقل وفهمناها حق الفهم، وتدبرناها حق التدبر لوسعتنا ولكفتنا-, قال:
﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
[سورة البقرة الآية: 216]
ماذا نستنبط من هذه القصة؟ :
هذا الذي تعرفون قصته: خطب امرأةً ودخل بها فلم تعجبه، دخل بها ليلةً واحدة, وفي اليوم التالي هام على وجهه، وغاب في بلاد الشام, وهي في المدينة عشرون عاماً، وعاد بعدها إلى المدينة، حن إلى بلده وحن إلى أهله, –والسنة: أن يصلي في المسجد قبل أن يأتي إلى البيت-, فرأى آلافاً مؤلفة متحلقة حول شابٍ يلقي درساً في العلم الشريف فسأل عنه, -هو اسمه أنس بن عامر-, سأل: من هذا الشاب من هذا العالم؟ قالوا: هذا مالك بن أنس http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4602/10.jpg
هذه الزوجة الطيبة الطاهرة التي لم تعجبه يوم دخل بها وشعرت أنه لم يحبها، قالت له كلمة, قالت : يا أنس, قد يكون الخير كامناً في الشر؛ -أي إن رأيتني شراً قد يكون الخير كامناً فيّ, مضى عشرون عام عاد إلى المدينة، فإذا هذا الشاب هو مالك بن أنس ابنه، وقد نشأ نشأةً علميةً طاهرة وفتح الله عليه-, فلما انتهى مجلس العلم, قال له: قل لأمك: إن بالباب رجلاً يقول لك: قد يكون الخير كامناً في الشر, فلما دخل على أمه، وأبلغها مقالة هذا الرجل، قالت له: يا بني إنه أبوك:

﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾
[سورة البقرة الآية: 216]
الله عزَّ وجل قسم لك هذه الزوجة، أنت لا تعلم لكن الله يعلم، لو أنها متوسطة في ميِّزاتها, أنت لا تعلم والله يعلم، جعلك بهذه الوظيفة أنت لا تعلم ولكن الله يعلم، جعلك بهذا الشكل، بهذه البُنية، بهذه الصحة، أنت لا تعلم لكن الله يعلم، لا يوجد عند الله خطأ، الله عزَّ وجل لا يخطئ، فكل شيء في منتهى الحكمة.
حتى إن الإمام الغزالي -رحمه الله تعالى- يقول: ليس في إمكاني أبدع مما أعطاني.
قالت له: قد يكون الخير كامناً في الشر.
هذه الآية وحدها لو تدبرناها، الإنسان يذوب محبة لله عزَّ وجل:
﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
[سورة البقرة الآية: 216]
من هنا أخذ النبي -عليه الصلاة والسلام- هذا الدعاء-: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب.
لم تقرأ قصة سيدنا الخضر كل جمعة؟ :
-ربنا عزَّ وجل علمنا بالقرآن قصة سيدنا الخضر, لماذا تقرؤونها كل جمعة؟ هؤلاء أصحاب السفينة الذي خرقت سفينتهم, وتألموا وضجروا ولاموا سيدنا الخضر على فعلته، ما الذي حصل بعد ذلك؟ إنها نجت من المصادرة:
﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً﴾
[سورة الكهف الآية: 79]
إذاً: قد يكون الخير كامناً في الشر-. ما كان الله ليعذب قلباً بشهوة تركها صاحبها في سبيل الله :
اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، فإن كنت تعلم أن هذا الأمر -ويسميه- خيرٌ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري -الدين رقم 1, الدنيا 2, الآخرة 3- أو قال: عاجل أمري وآجله, فاقدره لي ويسره لي, ثم بارك لي فيه.
-أحياناً الإنسان يتزوج امرأة مباركة، ينجب منها أولاداً، يعيش معها حياةً مديدةً سعيدةً آمنةً-.
وعاقبة أمري وآجل أمري, أو قال: عاجل أمري وآجله, فاصرفه عني واصرفني عنه))
أحياناً الإنسان يتعلق بشيء تعلقاً شديداً, وفي هذا الشيء شرٌ له، فإذا صرفه الله عنه وبقي متعلقاً فيه انشغل، فعندما يفرغك الله من هذا الشيء ويصرفه عنك فهذه نعمةٌ كبرى، لذلك هناك حديث شريف: ((ما كان الله ليعذب قلباً بشهوةٍ تركها صاحبها في سبيل الله))
أي إذا خطبت امرأةً ولم يكن في هذه المرأة الخير، وتركتها في سبيل الله، فالله سبحانه وتعالى أعظم من أن يشغلك بها، أو يعذب قلبك بحبها، هكذا دعاء الاستخارة. دعاء الاستخارة :
فعَنْ جَابِرٍ -رَضِي اللَّهم عَنْهم- قَالَ:
((كَانَ رسول الله -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُعَلِّمُنَا الاسْتِخَارَةَ فِي الأُمُورِ كُلِّهَا, كما يعلمنا السُّورَةِ مِنَ الْقُرْآنِ, يقول: إِذَا هَمَّ بِالأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ, ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ, وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ, وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ الْعَظِيمِ, فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلا أَقْدِرُ, وَتَعْلَمُ وَلا أَعْلَمُ, وَأَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ, اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي, أَوْ قَالَ: فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ فَاقْدُرْهُ لِي, وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي, أَوْ قَالَ: فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ, فَاصْرِفْهُ عَنِّي وَاصْرِفْنِي عَنْهُ, وَاقْدُرْ لِيَ الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ, ثُمَّ رَضِّنِي بِهِ, وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ))
[أخرجه البخاري في الصحيح, وأبو داود والترمذي والنسائي في سننهم]
نقطة دقيقة :
النقطة الدقيقة: أن الإنسان عندما يستخير ربه عزَّ وجل, ينتظر أن يرى معجزة، أن يرى في المنام أن افعل أو لا تفعل، لا هذا كله زيادات، ما ذكرها النبي عليه الصلاة والسلام, أنت إذا استخرت الله عزَّ وجل انتهى الأمر، إذا تيسَّر هذا الأمر يكون الله قد يسره لك واختاره لك، وإذا عسَّره أمامك يكون الله عزَّ وجل قد صرفه عنك، أما أن تنتظر معجزات بعد الاستخارة, هذا كلام ليس من السنة في شيء، أنت استشرت أهل الخبرة من المؤمنين, ثم استخرت الله عزَّ وجل بصلاة ركعتين, وبهذا الدعاء الذي يقطر علماً:
إنك تعلم ولا أعلم.
من خلال هذه الواقعة ماذا يتبين لك؟ :
أحياناً: الإنسان يسافر يكون هلاكه في هذا الطريق.
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4602/11.jpg
قال لي شخص, وهو طالب في الطب, حجمه صغير, مقيم ببلد بجانب حلب, قال لي: يوم الخميس توجهت لكي أركب في السيارة, جلست أول مقعد, جاء شخص ضخم الجثة فتح الباب, قال له: انزل، قلت له: لماذا أنزل؟ فمسكه وكأنه عصفور حمله ووضعه, جلس هو ورفيقه في الأمام، قال لي: نشأ في نفسي حقد إلى هذه الدرجة أنا مهان؟! لا يريد شيئاً، جلس ساعة ثانية إلى أن جاءت سيارة ثانية وركب فيها، قال لي: وصلنا بعد أربعين كيلو متر في الطريق إلى إدلب، وجدنا السيارة مقلوبة وراكبين ميتين منها, عندما مسكك ووضعك لا تعرف أنت لماذا أنزلوك؟ فإنك تعلم ولا أعلم وعلى هذا قس، قس عليها كل شيء, إنك تعلم ولا أعلم.
خطبت عشر فتيات هذه أنسب إنسانة، هذه أنسب واحدة إلى دينك، لو كانت أحسن من ذلك قد تنسى الله نهائياً، يعرف أنك ضعيف, بعث لك واحدة متوسطة, تستعين بها على أمر دينك، فهذا الذي اختاره الله لك، فأنت اجتهد، لكن بعد أن يقع الشيء، هذا اختيار الله لك، قبل أن يقع الشيء, لك أن تجتهد, ولك أن تسأل, لك أن تفعل كل شيء، أنت مخير، لكن بعد أن تستنفذ كل الجهود, ويكون النصيب على هذه الفتاة, فهذا هو الخير، فإنك تعلم ولا أعلم، اجعل هذه الكلمة في بالك، يا رب إنك تعلم ولا أعلم.
اختارك أن تكون موظفاً طوال حياتك، فلا تندب حظك طوال الحياة, وتقول: الدخل لا يكفيني، فإنك تعلم ولا أعلم، فيك علة ببعض الأعضاء ومريض طيلة عمرك ومعك آلام، فإنك تعلم ولا أعلم.
متى يرضى العبد بقضاء الله وقدره؟ :
أما الذي أعرفه أنا: حينما يكشف الغطاء يوم القيامة، وربنا سبحانه وتعالى يُطلع الإنسان على كلِّ شيء ساقه له في الدنيا، لا بدَّ من أن يذوب محبةً لله، والدليل: قول الله عزَّ وجل:
﴿وَآَخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾
[سورة يونس الآية: 10]
أي كل قضيتك مع الله منذ أن خُلقت حتى نهاية الحياة ملخصةٌ بكلمةٍ واحدة, وهي: الحمد لله رب العالمين؛ أي أن القصص التي يمكن أن تؤيد هذه الفكرة على أن الله يعلم وأنت لا تعلم، وكيف قد يكون الخير كامناً في الشر، هذه القصص لا حصر لها، لا تنتهي، أي إن هناك آلاف القصص، ملايين القصص، فإذا عرفت أن في الكون إلهاً عظيماً, وله حكمةٌ بالغة ، وله قدرةٌ قادرة، وهو العدل، وهو صاحب الفضل، السميع البصير، وأن الأمر كلّه بيده، وهذا قضاؤه وهذا قدره وهذا تقديره ترضى بذلك، من هنا ورد في الحديث الشريف:
((الإيمان بالقدر يذهب الهم والحزن))
التوحيد مريح :
وعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ, عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ:
((لِكُلِّ شَيْءٍ حَقِيقَةٌ, وَمَا بَلَغَ عَبْدٌ حَقِيقَةَ الإِيمَانِ, حَتَّى يَعْلَمَ: أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ, وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَه))
[أخرجه أحمد في مسنده]
﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾
[سورة فاطر الآية: 2]
أي إن هذا الإله الذي تعبده يستحق العبادة، لأن أمرك كلُّه بيده، لو لم يكن أمرك بيده لما ركنت إليه، لما اطمأننت إلى عبادته، قد يخطر ببال العبد: يا رب سأعبدك ولكن سأعبد أيضاً من أمري بيده حتى أرضيه، يقول لك: لا، الأمر كلُّه بيدي، هؤلاء صور، هؤلاء دُمى:
﴿مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
[سورة هود الآية: 55-56]
التوحيد مريح:
ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد.
أنت عبدٌ لله، ولك إلهٌ عظيم، أنت تحت رعايته وإشرافه، والأمر راجعٌ إليه، فحُط كل ثقلك عند بابه؛ أي فوض الأمر له. يسن في صلاة الاستخارة ما يلي :
يُسَن في هذه الصلاة: أن تقرأ في الركعة الأولى: قل يا أيها الكافرون، وفي الثانية: سورة الإخلاص.
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4602/12.jpg
أعيد عليكم الدعاء مرة ثانية لأنه دقيق جداً:

((اللهم إني أستخيرك بعلمك, وأستقدرك بقدرتك.
-أي أنت أمام عشر قطع من الذهب, صاحب المحل يعرف هذه أربعة وعشرين قيراطاً، هذه ثمانية عشر قيراطاً، هذه ستة عشر، هذه نحاس مطلي، هذه نحاس، هذه تنك وكلّه أصفر، أنت لا تعرف، قال لك: انتقِ، أستاذ افرض لو طلعت تنك، تقول له: أنت انتق لي، لأنه هو الذي يعرف، لما أنت فوضته أن يختار لك, هو يعرف, أعطاك عيار أربعة وعشرين، قلت له: أنا أريد أن أنتقِ، فانتقيت التنك-.
إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ, وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ, وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ الْعَظِيمِ, فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلا أَقْدِرُ, وَتَعْلَمُ وَلا أَعْلَمُ, وَأَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ, اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي.
-الدين سليم والدخل قليل فأنت نجوت، الدين سليم وعندك مرضان أو ثلاثة أمراض ، فقد نجوت أيضاً، الدين سليم والزوجة سيئة فقد نجوت، الدين سليم والبيت صغير نجوت أيضاً، الدين سليم وهناك متاعب في العمل كبيرة فقد نجوت، الآن بيت واسع ودين رقيق لم تنجُ، الدخل كبير والدين رقيق لم تنجُ.
اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردُّنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر-. وَعَاقِبَةِ أَمْرِي, أَوْ قَالَ: فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ فَاقْدُرْهُ لِي.
-يا رب, إذا كان فيه خير لديني وسأزداد قرباً منك بهذا العمل، إذا هذه المرأة تزوجتها فسأزداد قرباً منك فاجعل أهلها يوافقون، وإذا كانت هذه بداية الفسق والفجور، ومن أجل إرضائها أخسر كل ديني, فيا رب لا أريدها فهذه شر، وهي لغم وليست زوجة-. فَاقْدُرْهُ لِي ويسره لي ثم بارك لي فيه، وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي, أَوْ قَالَ: فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ فَاصْرِفْهُ عَنِّي
-ولكن أروع شيء في الدعاء هو: وَاصْرِفْنِي عَنْهُ, فلا أتذكره وأتألم ويحترق قلبي من أجله-.
وَاقْدُرْ لِيَ الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ ثُمَّ رَضِّنِي بِهِ.
نهاية المطاف :
-قال له: يا رب هل أنت راضٍ عني؟ وكان الإمام الشافعي ماشياً وراءه أثناء الطواف، فقال له: هل أنت راضٍ عن الله حتى يرضى عنك؟ فقال له: يا سبحان الله! من أنت يرحمك الله؟ قال له: أنا فلان, قال له: كيف أرضى عنه وأنا أتمنى رضاه؟ قال له: إذا كان سرورك بالنقمة كسرورك بالنعمة فقد رضيت عن الله.
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4602/13.jpg
سيدنا إبراهيم مثل كبير جداً، قال له: اذبح ابنك، هل أنت تتحملها؟ حينما رضي بهذا الأمر، فداه الله بذبح عظيم، الله امتحنه ونجح بالامتحان.
أحياناً تجد أن أبواب الشر كلها مفتوحة، أبواب الدخل الحرام كلّها مفتوحة، أبواب الحلال مغلقة، ماذا تفعل؟ أنا مضطر وعندي أولاد، فقد سقطت في الامتحان، أما المؤمن يقول لك: والله أموت من جوعي ولا آكل درهماً حراماً، الآن سيكفيك الحلال بوفرة.
((ما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه))
كل شيء بالحياة امتحان، أروع شيء أن الإنسان يُمتحن وينجح بالامتحان-. ويسمي حاجته))
هذا الحديث والدعاء رواه الإمام البخاري، والبخاري -كما تعلمون- أصح كتابٍ بعد كتاب الله، فكل حديثٍ ورد في البخاري أو في مسلم أو في الكتب الصحيحة الست فهو حديثٌ صحيح، وسوف نتابع هذا الموضوع في الدرس القادم إن شاء الله تعالى.

والحمد لله رب العالمين

السعيد 07-28-2018 07:17 AM

رد: حق المسلم على المسلم
 
بسم الله الرحمن الرحيم

حق المسلم على المسلم

الدرس : ( الثانى )

الموضوع : حق النصيحة - 2






الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
من حقوق المسلم على المسلم النصح له :
أيها الأخوة الأكارم, لا زلنا في حقوق المسلم على المسلم، وقد ذكرت في الدرس الماضي: أن من أجلِّ هذه الحقوق النُصح له، إذا غش المسلم أخاه فليس مسلماً، ما الذي يقابل النصيحة؟ الغش أو الخيانة، والغاش ليس مسلماً، والخائن ليس مؤمناً، أما الدليل: النبي -عليه الصلاة والسلام- قال:
((مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا))
[أخرجه مسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي في سننهما]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4615/01.jpg
النبي نفى أن يكون منتمياً إلى هذا الدين، بل هناك حديثٌ آخر:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَرَّ عَلَى صُبْرَةٍ مِنْ طَعَامٍ, فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا, فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلاً, فَقَالَ:
((يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ مَا هَذَا؟ قَالَ: أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ اللَّهِ, قَالَ: أَفَلا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ حَتَّى يَرَاهُ النَّاسُ؟ ثُمَّ قَالَ: مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنَّا))
لو غششت مجوسياً فأنت لست مسلماً، مجوسياً عابد صنم ملحداً، إنه مخلوقٌ من مخلوقات الله عزّ وجل:
الخلق كلهم عيال الله وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله.
فإذا غششت فلست مسلماً، وإذا خُنت فلست مؤمناً، والدليل:
عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى الْخِلالِ كُلِّهَا إِلا الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ))
ما الذي يقابل الغُشَّ والخيانة؟ النصح، أن تكون نصوحاً، والنبي -عليه الصلاة والسلام- وصف المؤمنين فقال: ((المؤمنون نصحةٌ متوادون ولو ابتعدت منازلهم, والمنافقون غششةٌ متحاسدون ولو اقتربت منازلهم))
إذاً: أكبر حقٍ عليك، وأول حقٍ عليك، وأوجب حقٍ عليك تجاه أخيك المسلم: أن تنصح له. ما معنى النصيحة؟ :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4615/02.jpg
ما معنى النصيحة؟ .
جرت عادة العلماء على أن يبدؤوا التعريف بالتعريف اللغوي، إذا قلت: نصحت، ما معنى نصح في اللغة؟
علماء اللغة قالوا: نصح الرجل ثوبه إذا خاطه.
كأن النصيحة التي أرادها النبي عليه الصلاة والسلام: إذا رأيت خللاً في ثوب أخيك, عليك أن تنصح هذا الخلل؛ أي أن ترفو هذا الخلل، أي أن تخيط هذا الخلل، أي أن تسدَّ هذه الثغرة، أي أن تخيط هذا الثوب، فالنصح بالمعنى اللغوي الخياطة، نصح الرجل ثوبه إذا خاطه، نصحت أخي المسلم؛ أي وجدت في ثوبه خرقاً أو ثُغْرَةً فأحكمت إغلاقها، وهذا معنى، المعنى الثاني: نصحت العسل إذا صفيته من الشمع، فهذا عسلٌ نصوح؛ أي مصفَّى.
الآن: ما علاقة النصح بهذا المعنى؟ إذا قدمت لأخيك النصيحة؛ أي قدمت كلاماً صحيحاً حقاً خالصاً دقيقاً، لا يوجد فيه شائبة وهذا حق.
يا أيها الأخوة الأكارم, الذي أراه أن الكلام انتهى دوره, لكثرة الكلام المُنمق، لكثرة الفصاحة، لكثرة البيان، الكلام انتهى دوره ولم يبق إلا العمل، لذلك مهما صافحت أخاك المسلم ، ومهما شددت على يده، ومهما كان لقاؤك له حاراً إذا غششته, أو إذا أخفيت عنه العيب, أو إذا أضللته, أو إذا حاولت أن تصرفه عن شيءٍ مهم, فأنت لست مسلماً, وليس هذا مجتمع المسلمين، ومثل هذا المجتمع لا يحق أن ينصره الله عزّ وجل، لذلك:
الدِّينَ النَّصِيحَةُ.

يجب على المسلم :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4615/03.jpg
يجب أن تنصح المسلمين من خلال عملك في الدرجة الأولى وقبل الحديث، كلٌ في عمله؛ الطبيب في عيادته، والمحامي في مكتبه، والتاجر في حانوته، والبائع في دكانه، والموظف وراء طاولته، هذا الذي أمامك إن كان مخلوقاً فهو مخلوقٌ لله عليك أن تنصح له، وإن كان مسلماً له عليك حقَّان؛ الحق الأول هو الأخوة في الإنسانية، والحق الثاني هو الأخوة في الدين، يجب أن تنصح له، والنصح الكلام المصفى كالعسل، والنصح الكلام الذي لا شائبة فيه، والنصح إحكام الخلل، إغلاق الثُغْرَة وهذا هو النصح، لذلك: هذا المعنى أساسه لغوي وانتقل إلى المعنى المجازي، والمؤمن ناصحٌ ونصوح، من صفات أهل الإيمان أنهم نصحةٌ متوادون، من صفات أهل النِفاق أنهم غششةٌ متحاسدون.
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4615/04.jpg
الله سبحانه وتعالى يقول على لسان سيدنا نوح:

﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾
[سورة الأعراف الآية: 62]
من الذي يجب عليه أن ينصح؟ هو الذي يعلم من الله ما لا يعلم الآخرون، كل من آتاه الله علماً, من أمانة العلم أن تنصح كل المسلمين.
والآية الثانية على لسان سيدنا هود:
﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾
[سورة الأعراف الآية: 68]
هل المسلم مكلف أن ينصح كل إنسان في كل مكان وفي كل وقت وزمان؟ :
1-النصيحة فرض كفاية :
لكن هناك سؤالٌ دقيق, وهذا السؤال: هل أنا عليّ أن أنصح كل إنسان، في كل مكان ، في كل وقتٍ وزمان، ليس هناك استثناء؟ .
قال العلماء: النصيحة فرض كفاية, إذا قام بها البعض سقطت عن الكل.
يعني إذا كنتم جماعة في نزهة, ورأيت إنساناً يعذِّب حيواناً، إذا تكلم أحد هؤلاء ناصحاً, سقط الوجوب عن بقية الحاضرين.
إذاً: النصح فرض كفاية, إذا قام به البعض سقط عن الكل.
هذا الحكم الأول.
2- مثل هذه الحالة أعفاك الشرع من أن تنصحه:
الحكم الثاني هو: إذا غلب على ظنك إذا تيقنت, أو غلب على ظنك أن هذا الإنسان لا يقبل النصيحة بل سيستهزئ بها لأنه ينكر أصل الدين، إذا قلت له: يا أخي قال الله تعالى، يقول لك: أو مصدقٌ أن هذا كلام الله؟ مثل هذا الإنسان لا عليك إن لم تنصحه، انطلاقاً من قوله تعالى:
﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾
[سورة الأعلى الآية: 9]
انطلاقاً من حديث النبي -عليه الصلاة والسلام- أن لا تضع الحكمة في غير أهلها:
من منع الحكمة أهلها فقد ظلمهم، ومن وضعها في غير أهلها فقد ظلمهما.
إما أن تظلم الناس وإما أن تظلم الحكمة، يعني انطلاقاً من قوله تعالى:
﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾
[سورة الأعلى الآية: 9]
وانطلاقاً من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أي إنه من تكلم في الحكمة لغير أهلها فقد ظلمها, ومن منعها أهلها فقد ظلمهم.
أحكام تتعلق بالنصيحة :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4615/05.jpg
أول حكم في النصيحة أنها فرض كفاية, إذا قام به البعض سقط عن الكل، يعني إنسان أخطأ وكنتم جماعة، فأوجهكم أوسطكم أعقلكم أعلمكم أذكاكم أفصحكم, قال له: يا أخي, بأسلوب لطيف ولبق، وبقية الأخوة الحاضرين ليس عليهم أن يتكلموا أكثر من ذلك، وإلا تصبح هذه النصيحة فضيحة، والنصيحة شيء والفضيحة شيءٌ آخر.
الحكم الثاني: أنك إذا غلب على ظنك أن هذا الإنسان بعيدٌ عن الدين بعد الأرض عن السماء، وأنه لا يستجيب، وأنه سيستهزئ، وأنه سيكيل للدين الشتائم، وأنه بعيدٌ عن الله كالحجر الصلب، في مثل هذه الحالة أعفاك الشرع من أن تنصح له.
يعني أحياناً الإنسان يلتقي بسيارة عامة بالطريق بإنسان يسب الدين, يتكلم كلام بذيء بحق الحضرة الإلهية، فإذا نصحته ربما زدته هيجاناً، ربما زدته تفلتاً، ربما حملته على أن يقول كلمة الكفر، مثل هذا من الحكمة أن تبتعد عنه.
3- مثل هذه الحالة أعفاك الشرع من النصيحة أيضاً :
يوجد عندنا حكم ثالث: هناك حالاتٌ إذا نصحت فيها, تخشى أن يلحق بك ضررٌ كبير، كأن يُتلف مالك كله، أن تضيع حريتك، أن تفقد أحد أعضائك، أيضاً في مثل هذه الحالة الشرع الحنيف أعفاك من النصيحة، إذا خفت على نفسك الضرر الكبير، وإذا كان هذا المنصوح بعيداً عن الدين بعد الأرض عن السماء، وإذا قام بهذه النصيحة أحدٌ آخر، سقطت في هذه الحالات الثلاثة.
علام يحض هذا الحديث؟ :
الآن: الحديث النبوي الشريف الذي بين أيدينا، عن ابن رقية تميم الداري، من هو تميم الداري؟ هذا الذي اشترى القناديل والحبال والزيت من الشام, وأخذها إلى المدينة المنورة، وكان وصوله للمدينة يوم الجمعة أو عصر الجمعة، أمر غلاماً له فعلق الحبال وعلق عليها القناديل وملأها بالزيت، وحينما غابت الشمس أمر غلامه أن يُسرج هذه القناديل، ودخل النبي -عليه الصلاة والسلام-, فإذا مسجده النبوي مُزهر متألق بالأضواء، فقال عليه الصلاة والسلام: http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4615/06.jpg

((من فعل هذا؟ قالوا: يا رسول الله تميم الداري، فقال عليه الصلاة والسلام والبسمة على شفتيه, وقد شعر أصحابه أنه رضي تمام الرضى, فقال عليه الصلاة والسلام: نورت الإسلام، نور الله قلبك يا تميم، لو أن لي بنتاً لزوجتكها.
-لذلك هذا الحديث وحده يكفي لدفع الأخوة الأكارم إلى أن يعتنوا بمسجدهم، هذا بيت الله، هذا الذي يُسهم في إنارته، وهذا الذي يُسهم في نقل الصوت، وهذا الذي يُسهم في تنظيفه ، وهذا الذي يُسهم في حراسته، وهذا الذي يُسهم في خدمة الأخوة الكرام رواد هذا المسجد، هذا عمل عظيم، ألا يكفينا شرفاً أن سيدنا إبراهيم -عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام-:

﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾
[الآية: 125سورة البقرة]
أُمر بتطهير البيت؟ لذلك إذا كان هناك من يُغبط, فهذا الأخُ الكريم الذي يعمل في خدمة مسجد لله عزّ وجل، بيت الله، خدمة بيت الله، من الذي سيجازيك؟ الله سبحانه وتعالى-.
هذا تميم الداري الذي قال له النبي -عليه الصلاة والسلام-: نورت الإسلام, نور الله قلبك يا تميم، لو أن ليّ بنتاً لزوجتكها، فقال أحد أصحاب النبي: يا رسول الله, عندي بنت اسمها فلانة, فافعل بها ما تشاء، فزوجه إياها))
يعني هذا الصحابي استغل المناسبة وزوج ابنته، هذا تميم الداري كنيته أبو رُقية. هذا التعريف الجامع المانع للدين :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4615/07.jpg
فعَنْ أبي رُقية تَمِيمٍ الدَّارِيِّ -رضي الله عنه- أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ -التعريف الجامع المانع-:

((الدِّينُ النَّصِيحَةُ, قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ))
المسلم ينصح وغير المسلم يغش، يعني إذا دلك على شيء يغمزه, يقول له: ارفع السعر لأن حالته المادية جيدة، يعمل إشارات حتى يأخذ من ورائك مبلغاً من المال، من صفة أهل النفاق الغش، أما المؤمن نصوح, إذا استشرته يشير عليك ما هو صانعٌ لنفسه، لا يمكن إذا غش المسلم أو إذا لم ينصح فقد خسر إسلامه، وقد خسر دينه:
الدِّينَ النَّصِيحَةُ.
هذا التعريف الجامع المانع للدين، هذا هو الدين. أنواع العبادات :
وقد تكلمت كلمة اليوم, قلت: إن العبادات نوعان؛ عباداتٌ شعائرية مثل: الصلاة وهي عبادة شعائرية, تقف وتقرأ الفاتحة وسورة وتركع وتسجد، الصيام تدع الطعام والشراب، الحج تذهب إلى الديار المقدسة، تخلع الثياب وترتدي ثوبين أبيضين غير مخيطين، تطوف حول الكعبة، تُقَبِّل الحجر، تسعى بين الصفا والمروة، تصعد إلى عرفات، هذه عبادة شعائرية، ويوجد عبادات تعاملية، وهي: الصدق, الأمانة, الإخلاص, عدم الكذب, عدم الغيبة, وعدم النميمة، غض البصر, وعدم سماع الغناء، ضبط اللسان, وضبط اليد، ضبط الأعضاء، هذه العبادة الشعائرية تشبه ساعات الامتحان، وهذه العبادة التعاملية تشبه العام الدراسي بأكمله، فساعات الامتحان: لو أن طالباً لم يقرأ كلمةً أثناء العام الدراسي، إلا أنه أخذ أول قلم وثاني قلم وثالث قلم احتياطاً، وارتدى أجمل الثياب، وتعطر، وحمل شطيرةً ليأكلها إذا جاع، ووضع في جيبه بعض المال، وركب سيارةً فخمة إلى الامتحان، لكنه نسي شيئاً واحداً، نسي أن يدرس فقط, أما كل شيء هيأه سوى الدراسة؛ الأقلام مهيأة, ولباسه جيد, والعطر متعطر، كل هذه العناية بهذه الساعات الثلاث لا قيمة لها، إذا لم يسبق هذه الساعات الثلاث عملٌ دؤوب طوال العام الدراسي، فالعبادات الشعائرية إن لم يمهَّد لها بالعبادات التعاملية لا قيمة لها إطلاقاً.
هذه دعائم الإسلام وليست هي الإسلام :
من هنا قال عليه الصلاة والسلام:
((بُنِيَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ؛ شَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ, وَإِقَامِ الصَّلاةِ, وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ, وَالْحَجِّ, وَصَوْمِ رَمَضَانَ))
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4615/08.jpg
هذه دعائم الإسلام وليست هي الإسلام؛ الإسلام صدق، الإسلام أمانة، الإسلام إخلاص، الإسلام نصيحة، الإسلام ورع، الإسلام محبة لله عزّ وجل، الإسلام بذل المال والوقت والخبرة والجاه في سبيل الله عزّ وجل، هذا هو الإسلام، إذا فعلت هذا, جاء الامتحان, وقفت في الصلاة فانهمرت دموعك، وقفت في الصلاة فاتصل قلبك بالله، وقفت في الصلاة فشعرت بالشوق إلى الله، الامتحان أنت متهيئ له، طول العام الدراسي تعد لهذه الساعات الثلاث، لذلك انتبهوا إلى تعاريف الدين، فالصلاة وكما قال بعض العلماء هو كلام صحيح لكنه في الظاهر: أقوالٌ وأفعال؛ تفتتح بالتكبير وتختتم بالتسليم، الصلاة صلة, والدليل:
﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾
[سورة طه الآية: 14]
﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾
[سورة العلق الاية: 19]
﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾
[سورة العنكبوت الآية: 45]
لو يعلم المصلي من يناجيه ما انفتل.
الصلاة معراج المؤمن.
الصلاة نور.
الصلاة طهور.
الصلاة حبور. ما الذي جعل الناس وراء الأمم؟ :
فلذلك: هذه العبادات الشعائرية، إن الذي جعل الناس وراء الأُمم: أنهم فهموا الدين عباداتٍ شعائرية فقط، ونسوا أن الدين معاملة:
الدين المعاملة.
الدين النصيحة.
رأس الدين الورع.
رأس الحكمة مخافة الله.
هذه التعاريف الخطيرة أربعة تعاريف: رأس الدين الورع.
رأس الحكمة مخافة الله.
الدين النصيحة.
الدين المعاملة.
من هنا قال أحدهم وأظنه التستُري، عبد الله التستُري قال:
والله لترك دانقٍ من حرام, خيرٌ من ثمانين حجةً بعد الإسلام.
وقال عليه الصلاة والسلام: ((لأن أمشي مع أخٍ في حاجته خيرٌ لي من صيام شهرٍ واعتكافي في مسجدي هذا))
كلمة صريحة :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4615/09.jpg
فأنا أقول لكم كلمة صريحة: الإسلام لن ينتشر إلا إذا وجُد مجتمعٌ مسلم، الكلام لا قيمة له، على مستوى مسجد إذا كان هذا المسجد يطبِّق الإسلام، الأخ ورع، صادق في تعامله ، مخلص في صنعته، عفيفٌ في نظراته، ورعٌ في كسبه للمال، دقيقٌ في إنفاق المال، سرُّه كعلانيته، ظاهره كباطنه، راهبٌ في الليل فارسٌ في النهار، يعمل، يأكل من كد يده، يده عُليا وخشنة من عمله، يخدم المسلمين، عضوٌ نافعٌ في المجتمع، إذا كان المسلم هكذا اتسعت دائرة الإسلام, ودخل الناس في دين الله أفواجاً, وإذا فهمنا الإسلام عبادةً شعائرية؛ قيامٌ, وركوعٌ, وسجود, وصيامٌ, وحج، وزينات, وألقاب فخمة, وبروتوكولات, وطقوس، وألبسة خاصة بالمسلمين، وعطر خاص لهم، وحفلات خاصة، وطرب، والحلوى وما شاكل ذلك، إذا فهمنا الدين بشكلٍ شعائري بشكل طقوس انتهى الدين، الدين أكبر ثورة اجتماعية في الأرض، حينما يظهر الدين في مجتمع يصبح مجتمعاً آخر، يوجد فيه كل علاقاته، لذلك حينما فهمنا الإسلام صلاةً وصياماً، قال سيدنا عمر:
من شاء صام ومن شاء صلى ولكنها الاستقامة.
كيف يكون النصح لله؟:
1- أن تؤمن به، وأن تدعو الناس للإيمان به :
الدِّينُ النَّصِيحَةُ, قُلْنَا:
((لِمَنْ يا رسول الله؟ قَالَ: لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِم))
[أخرجه مسلم في الصحيح, وأبو داود والنسائي في سننهما]
اجعل هذا الكلام في بالك، سأحاول فيما تبقى من وقتِ الحديث أن أشرح هذه النقاط الأربعة:
أولاً النصح؛ أي أن تنصح نفسك أو أن تنصح غيرك, الجواب: الحديث يحتمل كِلا المعنيين، أن تنصح نفسك أولاً، وأن تنصح غيرك ثانياً، كيف النصح لله؟ أي أن تؤمن به، أن تؤمن به أنت، وأن تدعو الناس للإيمان به، من خلال شرح آياته، وشرح نعمائه، وشرح بلائه، ونفي الشرك عنه، أن تقنع نفسك بالتوحيد، وأن تبعدها عن الشرك الجلي والخفي، وأن تنبِّه الناس إلى ما قد ينزلقون فيه من شركٍ خفيٍ أو جلي، عدم الإلحاد بأسمائه وصفاته، إذا نفيت علمه فقد ألحدت بأسمائه؛ إذا نفيت حكمته، إذا نفيت رحمته، إذا نفيت تقديره، إذا نفيت عزَّته، إذا نفيت أن دينه لا يصلح، أنت تلحد باسمه، تلحد بهذا الدين القويم، النصح لله: أن تنصح نفسك، أن تعرفها بالله عزَّ وجل، وأن تعرف غيرك.
2-أن تنفي عنه جميع النقائص :
شيءٌ آخر: أن تنفي عنه جميع النقائص.
هذا الشيء الذي تترفع أنت عنه، إياك أن تصف الله به، بشكل أن الله عزَّ وجل خلق الإنسان منذ الأزل وقدَّر عليه أن يكون شقياً، فيأتي إلى الدنيا ماذا يفعل الإنسان؟ فيقول: كاسات معدودة بأماكن محدودة، فيشرب الخمر، لأن الله قدر عليه هذا الشرب, ولم يهتد، لأن الله قدر عليه الضلال، فإذا جاء الموت كان في جهنم إلى الأبد، أتفعل أنت هذا مع تلميذٍ لك، مع صانعٍ عندك، مع مأمورٍ عندك؛ تقدِّر عليه الشر وتجبره عليه وتعاقبه عليه؟ يجب أن تنفي عنه ما لا يليق به، وهذا معنى قولنا سبحانه وتعالى: سبحان الله، هذا التسبيح هو التنزيه والتمجيد، أن تطيعه وأن تدعو الناس لطاعته، هذا هو النصح له، وأن تجتنب معصيته وتحذِّر الناس من معصيته، وأن تحبَّ فيه وأن تبغض فيه، أن تبني كل علاقاتك على أساس محبة الله عزّ وجل، فالذي يحبه الله أنت تحبه، والذي لا يحبه فلا تحبه، قد يكون هنا علاقات عمل لا يوجد مانع، علاقات العمل لا علاقة لها بالمحبة والكراهية، أما أن تقيم مع إنسان علاقةً حميمة، أن تسهر معه إلى أنصاف الليالي، أن تستمتع بحديثه وهو مُلحد، وهو عاصٍ, وهو شارب خمر، من أنت؟ أنت مثله، إذاً أن تبتعد عن معصيته, وأن تقبل على طاعته، وأن تحب فيه, وأن تبغض فيه، وأن توالي من يواليه, وأن تعادي من يعاديه، وأن تجاهد في سبيله، تجاهد نفسك وهواك، وأن تعترف بنعمه وأن تشكره عليها، وأن تخلص له في جميع الأمور، هذا معنى النصح لله، أولاً أنت عليك أن تعرفه، عليك أن تعبده، عليك أن تطيعه، وعليك أن تحبه، عليك ألا تشرك به، عليك أن توحِّده، عليك أن تنزِّهه، وأن تسبِّحه، عليك أن تدعو الناس إليه، هذا هو النصح لله.
يعني أحياناً الإنسان يلتقي بشخص في سفر, هذا أخ لك في الإنسانية, انصحه وحدثه عن الله عزّ وجل، أي حديث آخر سخيفٌ وتافه، يعني ماذا تفعل؟ أي حديثٌ آخر سماه العلماء اللغو:
﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾
[سورة المؤمنون الآية: 3]
هذا النصح لكتاب الله :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4615/10.jpg
أما النصح لكتاب الله؛ أن تؤمن بأن هذا كلام الله، وأن تدعو الناس للإيمان به، وأن تؤكِّد لنفسك ولغيرك أن هذا الكلام ليس ككلام البشر، كلامٌ آخر كلامٌ معجز، وأن تعظِّم القرآن ، وأن تتلوه آناء الليل وأطراف النهار، أن تتلوه حق تلاوته, بدءاً من التجويد وانتهاءً من التفسير، وأن تخشع عند قراءته، وأن تصدِّق ما جاء فيه، وأن تعتني بمواعظه، وأن تتفكر في عجائبه، وأن تعمل بمحكمه، وأن تسلم بمتشابهه، وأن تبحث عن عمومه وخصوصه، وأن تنشر علومه في الناس، هذا النصح لكتابه، كتاب الله؛ هذا منهجك، هذا دستورك، هذا الذي نعيش من أجله.

http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4615/11.jpg
هذه تعليمات الصانع، وأنت آلةٌ معقدة، لا يوجد إنسان عنده آلة غالية، فأنا أعدُّ هذا شيئاً عاماً، لا يوجد إنسان عنده آلة غالية، غالية الثمن، عظيمة الخطر، معقَّدة التركيب، إلا وهو حريصٌ عليها حرصاً لا حدود له، من حرصه على هذه الآلة يسعى لتنفيذ تعليمات الصانع تنفيذاً حرفياً, وقد يكون أحياناً شكلياً، وقد يكون أحياناً مُضنياً، آلة ثمنها ثلاثمائة وخمسون ألف, والله لا يوجد منها هكذا يقول لك، وقف لا تشغلها حتى تبرد، إن أخذ مكيفاً يقول: إياك أن تطفئه اتركه يعمل حسب التعليمات، لماذا أنت حريصٌ كل هذا الحرص على هذا المكيف، ولست حريصاً على هذه النفس التي ملكك الله إياها؟ لماذا لم تحرص على هذه النفس التي قال الله عنها: قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها؟.

لو أن أحداً عينه مريضة لا ينام الليل، أولاً يطلب موعداً, يقول له الطبيب: بعد شهرين فيقبل، قبل أن يلتقي بالطبيب, يقول لك: ثلاثمائة ليرة، مائة وخمسون, قبل أي لقاء وبكل بساطة يدفع، لأن العين -كما يقول عامة الناس-: غاليةٌ على صاحبها، فإذا كانت نفسك بهذا الغلاء فعليك أن تعتني بها، من هنا قال الله عزّ وجل:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾
[سورة المائدة الآية: 105]
أي اعتنوا بأنفسكم، عليك به؛ أي اعتنِ به. ما معنى النصح لرسول الله صلى الله عليه وسلم؟ :
ومعنى النصح لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أيضاً أن تصدقه على أنه رسول الله, وعلى أنه نبي الله، وأن تبين للناس حرص هذا النبي، ورحمة هذا النبي، تبين للناس صواب أقوال هذا النبي، حكمة سنته، وأن تنصره حياً وميتاً، حياً معروفة، أما ميتاً: بالدفاع عنه.
إذا وقف إنسان في مجتمع في احتفال، وانتقص من النبي -عليه الصلاة والسلام-، وأنت تستطيع أن ترد عليه، تبقى ساكتاً؟! هذا من النصح لرسول الله، أن تنتصر له، أن ترد الشبهات التي يتقولها الناس عنه, وأن تعادي من يعاديه، وأن توالي من يواليه، وأن تعظِّم حقه ، وأن توقره، وأن تحيي طريقته وسنته، وأن تبُث دعوته، وأن تنشر سنته، وأن تستفيد من علومه، وأن تفقه معانيها، وأن تدعو إليها، وأن تتلطف في تعليمها للناس، يعني إذا علمت الناس السنة قمت بعملٍ عظيم، لأن السنة تبيينٌ للقرآن الكريم، والقرآن منهج الإنسان، لا يوجد عمل أجل في الحياة بعد تعليم القرآن من تعليم السنة، والسنة والقرآن مصدران أولان كبيران من مصادر التشريع الإسلامي, والتأدُّب عند قراءة السنة:
هناك من يفتح كتاب السنة وهو متوضئ من باب التأدب، هناك مجموعة آداب أُثرت عن السلف الصالح عند قراءة كتب السنة، والتخلق بأخلاق النبي، والتأدب بآدابه، ومحبة آله وأصحابه، وبغض أهل البدع في السنة، وبغض من يتعرَّض لأصحاب رسول الله.
قال له:
((يا سلمان, لا تبغضني فتفارق دينك, فقال سلمان: كيف أبغضك وبك هدانا الله؟ قال: يا سلمان تبغض العرب فتبغضني))
فهذا الذي يغمز من قناة الأمة العربية، يحاول في كل مجلس أن يطعن في هذه الأمة ؛ متخلفة، كذا وكذا، هذه أمتك، وهذه أمة نبيك، وإذا تعثَّرت في آخر الزمان, أنت أن تحطمها؟!!. هذه معنى النصيحة لأئمة المسلمين :
بقي معنى النصيحة لأئمة المسلمين، قال: بمعاونتهم على الحق.
فأنت إذا كنت موظفاً في دائرة، يوجد شخص أعلى منك, مشى في اتجاه أن يصدر قرار، فيه إبعادٌ للناس عن الحق، ولك مكانةٌ عنده، ويستمع إليك ويأخذ بآرائك، أنت إذا نصحته ووجهته، وبينت له الحق, وقلت له: هذا الشيء لا يجوز ولا ينبغي أن يكون في هذا المجتمع المسلم، فإذا أخذ برأيك فقد أعنته، وهذا نصح ولاة الأمور، هذا الوالي إنسان، أولي الأمر من بني البشر، فإذا أنت نصحتهم وبينت لهم فلك أجرٌ كبير، إذاً أن تعينهم على الحق، وأن تنبِّههم, وأن تذكرهم برفقٍ ولطف.
فالله عزَّ وجل علمنا حين قال لسيدنا موسى وأخيه هارون:
﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً﴾
[سورة طه الآية: 44]
فرعون قال: ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾
[سورة النازعات الآية: 24]
ومع ذلك: ربنا عزَّ وجل قال لسيدنا موسى وهو نبيٌ عظيم: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً﴾
[سورة طه الآية: 44]
وإعلامهم بما غفلوا عنه، وتأليف قلوب المسلمين لطاعتهم، وألا تثني عليهم ثناءً كاذباً، هذا كلُّه من النصح لولاة الأمور.
هكذا يرى بعض العلماء :
لكن بعض العلماء يرون أن ولاة الأمور تعني شيئاً آخر، وهم أئمة الدين، وعلماء الدين، يعني هذا العالم ليس معصوماً، فإذا زلت قدمه، أو إذا أخطأ كن له نصوحاً ولا تكن له فضوحاً.
النبي -عليه الصلاة والسلام- معصوم لا شك في ذلك، وليس أحدٌ بعده معصوماً، الولي محفوظ، ما الفرق بين المعصوم والمحفوظ؟ المعصوم الذي عصمه الله عزَّ وجل عن أن يغلط, لأن النبي إذا غلط, وقد أمرنا الله عزَّ وجل أن نتبع سنته, فكأن الله أمرنا بالمعصية، مستحيل، لا يمكن إلا أن يكون النبي معصوماً في أقواله، وفي أفعاله، وفي إقراره، وفي حركاته، وفي سكناته، وفي رضاه، في غضبه، في كل أحواله, معصوم لأنه مشرِّع، معصوم لأن الله قد أمرنا أن نأخذ منه، وأن نتبع أمره, وأن ننتهي عما عنه نهى، فمن باب أولى أن يكون النبي -عليه الصلاة والسلام- معصوماً، والعصمة صفةٌ لازمةٌ للأنبياء، انتهى الأمر، لكن ما جاءنا عن صاحب هذه القبة الخضراء فعلى العين والرأس، وما جاءنا عن من سواه فهم رجال ونحن رجال، أكبر عالم قد تزِل قدمه، قد يخطأ لأن الخطأ صفةٌ من صفات بني البشر، لكن الولي محفوظ، معنى محفوظ: أنه لا تضره معصية، بمعنى: أنه إذا زلت قدمه سريعاً ما يعالجه الله سبحانه وتعالى، المؤمن حساس فهيم فطن، يعرف أن هذا العقاب أو أن هذه المعالجة بهذه الزلة فيتوب رأساً، وما دام قد تاب انتهى الأمر, إذاً هو محفوظ، إذاً العصمة لرسول الله، الله عزَّ وجل عاصم، والنبي معصوم.
أن تقول: العصمة لله خطأ، الله عزَّ وجل هو العاصم، والنبي معصوم، والولي محفوظ، فإذا الإنسان زلت قدمه، سبقه لسانه، تكلم كلمة الأولى ألا يتكلمها، وأنت أخ كريم فبينك وبينه نصحته، يجب أن يقول لك: جزاك الله عني كلَّ خير، هذه صفات العلماء، يجب أن يستمع إلى النصيحة، ولو من أصغر أخوانه، جزاك الله عني كلَّ خير, أنا لست معصوماً، انتهى الأمر، انتهت المناقشة كلّها، لذلك: النبي معصوم, والولي محفوظ, والنصيحة واجبة.
قاعدة :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4615/12.jpg
يوجد عندنا قاعدة: ما من أحدٍ أكبر من أن يُنْقَد وما من أحدٍ أصغر من أن يَنْقُد.
أحياناً طفل ينتقدك، هو على حق وأنت على غير الحق، عوِّد نفسك أن تستمع إلى النصيحة تتلقاها بصدر رحب، عود نفسك أن تكون متواضعاً، عود نفسك أن لا تدعي أنك أفهم الناس، أنت واحد من الناس، هكذا قال سيدنا الصديق، مع شهادة النبي الكريم له, حين قال:
لو وزن إيمان الخلق بإيمان أبي بكر لرجح.
ماذا قال أبو بكر في خطبته الأولى؟ قال: أيها الناس, لقد وليت عليكم ولست بخيركم .
لا يوجد إنسان معصوم إلا النبي، ما دمت لست نبياً فأنت لست معصوماً.
إليكم توضيح هذا الكلام :
قد يسبقك اللسان، لكن أحب أن أبين لكم: الأخطاء الكبيرة والأخطاء التي يسبقها إصرار وتصميم, هذه يجب أن يترفع عنها كل من دعا إلى الله، أحياناً يسبقه اللسان، أحياناً تزل قدمه قليلاً، فأنت كأخ يجب أن تنصحه، ويجب أن تكون في نصحه لطيفاً؛ أي بينك وبينه ، ويجب أن يستمع إليك، ويصغي إليك، يجب أن يشكرك، يجب أن تتخذ هذا القول شعاراً لك :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4615/13.jpg
أحب ما أهدى إلي أصحابي عيوبي.
أحب هدية، لو أن إنساناً قدم لك ساعة ذهبية, أو ساعة من أغلى أنواع الساعات, ثمنها عشرات الألوف، بل مئات الألوف، وإنسان آخر نصحك نصيحة في دينك، قال لك: يا أخي هذا العمل لا يليق بك، هذا مخالفٌ للسنة، لو عرفت قدر هذه النصيحة لسارعت إلى تقبيل يديه، تقول له: شكراً لك على هذه النصيحة، هكذا مجتمع المؤمنين، فيه تناصح، نصحةٌ متوادون، لذلك إذا نُصحت فأصغ لهذه النصيحة، وتواضع للذي ينصحك، وتأدب معه، واشكره على نصيحته، وإذا رأيت أخاً كريماً لك قد زلت قدمه أو سبقه لسانه فأسدِ له النصح، ومن صفات المؤمنين التناصح، وكلُّ واحدٍ يؤخذ منه ويُردُّ عليه إلا صاحب هذه القبة الخضراء.
إذاً: النصح أيضاً على علماء الدين، ومن نصحهم: قبول ما روه وتقليدهم في الأحكام وإحسان الظن بهم.
قصة :
تروى قصة عن رجل جالس مع أخوانه, فمر قطيع من الغنم, فقال لأحدهم: قم فخذ غنمة واذبحها لنا، قال: أعوذ بالله أنا لا أفعل هذا، هو أساء الظن به.
هذه قصة تروى من باب أن الإنسان من الأولى أن يحسن الظن بأخيه المؤمن، أحياناً الإنسان يرى أن إنساناً وضع يده بجيب إنسان، لعل هذا الرداء رداؤه، أو لعله رداء ابنه، أنت دائماً كمؤمن حاول أن تحسن الظن، هذا الموقف سليم، أما إساءة الظن تحتاج إلى دليل قطعي، ما دام لا يوجد دليل قطعي الأولى أن تحسن الظن.
نقطة مهمة :
مرة أنا كنت عند أخ أعطاني منشفة يوجد عليها اسم فندق، أنا اضطربت هذه المنشفة خاصة بالفندق الفلاني، فكيف وصلت إلى هذا البيت؟ تألمت وما تكلمت، بعد أشهر الله عزَّ وجل سخر لي أخاً كريماً, أنبأني أن هذا الفندق يعطي هذه المناشف كل سنة لموظفيه، يقدمها هديةً له، الأمر توضح، لا تسئ به الظن.
المؤمن يجب أن يغلب حسن الظن :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4615/14.jpg
أخ حدثني ذات مرة, فقال لي: عندي صانع من الدرجة الأولى -القصة قديمة من أربعين أو خمسين سنة- فطلب من بائع الزبدة أن يبعث مع صانعه مائة باكيت، أتى الصانع بها، عدّها صاحب المحل فوجدها ناقصة واحداً، اقترب من معطف هذا الصانع فوجد في الجيب علبة، هذا ليس دليلاً قطعياً، كاد أن يطرده، كاد أن يهينه، تريث, ضبط أعصابه، بعد يومين وهو يحاسب المعمل, قال له: والله بعثنا لك مائة باكيت أخذ الصانع واحداً ودفع لنا ثمنه، نريد منك ثمن تسعة وتسعين.
-الإنسان لا يتسرع, فهذه القصة بليغة أيضاً، هو عنده دليل قطعي, طلب منه مائة بعث له مائة ووجدهم تسعة وتسعين وفي الجيبة يوجد واحد، معنى ذلك: أن الصانع أخذه-.
فلما ذهب ليحاسب المعمل، قال له: والله بعثنا مائة، اشترى صانعك واحد ولنا معك تسعة وتسعين، الواحد لازم هذه النقطة ينتبه لها، فالمؤمن يجب أن يغلِّب حسن الظن.
كيف تكون النصيحة لعامة المسلمين؟ :
قال: أما النصيحة لعامة المسلمين؛ نصيحتهم بإرشادهم إلى معرفة ربهم، بمصالحهم في دنياهم وآخرتهم، إعانتهم على أمر دنياهم بالقول والفعل، ستر عوراتهم، سدُّ خُللهم، دفع المضار عنهم، جلب المنافع إليهم، أمرهم بالمعروف، نهيهم عن المنكر برفق.
تطبيق عملي للنصيحة :
مرة قال لي شخص: البراد إذا كان وضع بشكل أُفقي, ثم وضع بشك عمودي وشغلنا, فإن المحرك يحترق على الفور، لأن الزيت يكون قد أخذ مكاناً آخر، وبعدها كنت ماشياً في الحريقة, فرأيت رجلاً قد اشترى براداً من المؤسسة الاستهلاكية, ويريد أن يضعه على السيارة بشكل أُفقي، توقعت أنه لا يعرف، فانتقلت من رصيف إلى رصيف, فقلت له: هذا عندما تشغله انتظر عليه ثماني ساعات، قال لي: والله لم يقل لي أحد والله يجزيك الخير، لعله من أجل شرائه له دفع مبلغاً أساسياً بحياته، وضعه في البيت فشغله فاحترق المحرك، ثمنه ألفان أو ثلاثة آلاف ليرة أو أكثر، نصيحة هذه.
من هو المؤمن؟ :
واحد في الطريق انصحه، النصح لكل مسلم، في أمر دينه وفي أمر دنياه، تجد الصيدلي كتب الدواء, وقال له: كم ملعقة قبل وبعد الطعام؟ يكتب قبل الطعام أو بخط لا يفهم، اكتب بخط واضح, كم ملعقة قبل الطعام بعد الطعام؟ هذا مسلم هذا؟ الطبيب كذلك يبين قبل الأكل بعد الأكل، فينقص كلمة فلم يفهم المريض شيئاً، ودفعة ثانية استشارة، النصح لكل مسلم ؛ طبيب، محام, صيدلي، موظف في دائرتك, ومواطن معه معاملة, فقل له: هذه لعند فلان وفلان وفلان، أما أن يصرفه فقط فهذا غير مؤمن، إذا كنت مؤمناً تذهب معه، هكذا المؤمن، النصح لكل مسلم.
هذه البيعة :
إذاً: هؤلاء كلهم عباد الله عزّ وجل, لا تفرق, فكلهم عباد الله، إذا كنت مسلماً صحيحاً, يجب أن يكون وقتك كله في خدمة الخلق، من أجل أن يحبك الحق:
عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, قَالَ:
((بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى إِقَامِ الصَّلاةِ, وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ, وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي والنسائي في سننهم]
هذه البيعة، أنت مسلم ما دمت تنصح الخلق، فإذا غششتهم فلست مسلماً؛ ولو صليت وصمت وزعمت أنك مسلم، هذا أكبر حقٍ وأول حقٍ وأخطر حقٍ للمسلم على المسلم، فإذا فتحت دكاناً فانوِ بهذا المحل خدمة المسلمين، إذا اشتغلت أي مصلحة.
هذا الحديث لأصحاب المصالح وأصحاب المهن :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4615/15.jpg
فاليوم حدثني أخ, إذا لم تضغط هذه البواري مواسير تمديدات المياه, قد يكون ثقب صغير يسبب لصاحب هذا البيت مشكلة كبيرة، فيضطر أن يكسر البلاط كله، ويكسر السيراميك, ويدفع عشرات الألوف من أجل ألا تفحص هذا الكوع، فأصحاب المصالح، وأصحاب المهن، هذا الحديث لكم جميعاً، إذا كنت مسلماً فانصح في عملك، يقول لك: "يا أخي الغش هو الماشي، لا هذا كلام الجهلة، لا الحق هو الماشي، قل له: السعر الفلاني وهذه ميزاته الخشب الفلاني، والنوع الفلاني، يركب لوح بللور على مسمارين فقط، يخبطوه خبطة يقع البللور، وثمنه خمسمائة ليرة، من أجل السرعة فقط، يريد الخمسة خمسة، والعشرة عشرة، أصحاب المهن، أصحاب المصالح، الموظفون، الأطباء، الصيادلة، المحامون، المسلمون جميعاً، لا يوجد إنسان ليس له عمل، انصح له، باعه طقم كنباة أول جلسة نزل، يا أخي نزل، قال له: جلست عليه، ما هذا الطقم الكنباة؟ تأخذ طاولة أول يوم, ثاني يوم تقبع الفورميكا، الحذاء عياره جمعة، ويقول لك: هل لبسها ابنك؟ يعني لا يلبسه، النصح لكل مسلم، بهذا الغش انعدمت البركة، تربح كثيراً وتذهب مصادرات كثيراً، بالمائة ألف بالمائتين ألف مصادرة، هذا كله لأنه مال حرام.

أمر خطير :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4615/16.jpg
هذا أيضاً في الغذائيات, يوجد شيء خطر جداً، لأنها كلها أصباغ صناعية، أصباغ بلاط يضعونها في السكاكر، إذا لا يوجد خوف من الله هذا شيء يخوف، مواد كلها انتهى مفعولها فرضاً، يضعون مع الزعتر أحياناً نشارة خشب، كل هذا وارد، إذاً فقد الدين من المجتمع، أصبح الأمر مخفياً، وتصبح تخاف من كل شيء, هذه الأشياء الأجنبية المستوردة، يضعون فيها مواد مخففة من الكوكائين، من أجل الإدمان، تجد الطفل يريد هذا الشراب فقط أو هذه الأكلة باستمرار، يوجد مواد مخففة جداً، تجد الطفل إذا أكلها مرة أو مرتين يحبها دائماً، يبيع حاجاته ويشتريها، إذا كان فقدت الدين فقدت كل شيء, لذلك:
يا موسى خفني وخف نفسك وخف من لا يخافُني.
إذا الإنسان لا يخاف من الله فخف أنت منه:
((بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى إِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ))
[أخرجهما البخاري ومسلم في الصحيح]
نهاية المطاف :
الكلمة الأخيرة في هذا الموضوع: من استبد برأيه هلك، ومن استشار الرجال استعار عقولهم.
وقد روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:
((رأس العقل بعد الإيمان بالله التودد إلى الناس، وما استغنى مستبدٌ برأيه، وما هلك أحدٌ عن مشورة.
-إياك أن تستبد برأيك، اسأل أخوانك المؤمنين، اسأل أولي الخبرة من المؤمنين الصادقين.
حديث خطير-:
رأس العقل بعد الإيمان بالله التودد إلى الناس، وما استغنى مستبدٌ برأيه، وما هلك أحدٌ عن مشورة، فإذا أراد الله بعبدٍ هلكةً, كان أول ما يهلكه رأيه)) لهذا نحن ندعو على أعدائنا, ونقول: اللهم اجعل تدميرهم في تدبيرهم .
إذا الإنسان استبد برأيه, وتكبر, وركب رأسه، ورفض النصيحة, قد يكون دماره في تدبيره.



والحمد لله رب العالمين



السعيد 07-28-2018 07:20 AM

رد: حق المسلم على المسلم
 
بسم الله الرحمن الرحيم

حق المسلم على المسلم

الدرس : ( الثالث )

الموضوع : حق اجابة الدعوة







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
ما ذكر سابقاً :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4606/01.jpg
أيها الأخوة المؤمنون, لا زلنا في موضوع الحقوق، وكما تعلمون أداء الحقوق واجب، أداء الحقوق من العدل والعدل قسري، لكن الإحسان اختياري، فلذلك موضوع الحقوق موضوعٌ مصيري.
تحدثنا -كما تعلمون- عن حقوق الزوجة على زوجها، وعن حقوق الزوج على زوجته، وعن حقوق الأبناء على الآباء، وعن حقوق الآباء على الأبناء، وانتقلنا قبل أسبوعين إلى موضوعٍ جديد, وهو: حقوق المسلم على المسلم.
أي مسلمٍ تلتقي به له حقٌ عليك، وهذا الحق الذي له عليك يصبح عليك واجباً، ومن تعريفات الواجب: أن فاعله يُثاب وتاركه يُعاقب، ما يثاب على فعله ويعاقب على تركه، هذا هو الواجب، فلذلك موضوع الحقوق موضوعٌ مصيري وموضوعٌ خطير تتعلق به سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة، تحدثنا عن هذه الحقوق عن حقٍ واحد هو حق النصيحة، إن أخاك المسلم له عليك حق النصيحة، وواجبٌ عليك أن تشير عليه ما أنت صانعٌ لنفسك في كل مجالات الحياة، وما لم تكن كذلك فلست مسلماً.
من حقوق المسلم على المسلم :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4606/02.jpg
الآن ننتقل إلى حقٍ آخر من حقوق المسلم على المسلم: إن هذا الحق هو إجابة الدعوة، أخوك دعاك، له حقٌ عليك أن تجيب دعوته، وواجبٌ عليك أن تلبي هذه الدعوة، فإجابة الدعوة حقٌ واجبٌ على المسلم لأخيه المسلم، لماذا؟ لأنها تحقق معنى الأُخوة، والأُخوة من معانيها المساواة، والله سبحانه وتعالى يقول:

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾
[سورة الحجرات الآية: 10]
من لوازم الأخوة في الله، من لوازم الأخوة في الدين، من لوازم الأخوة في الإسلام: أن تجيب دعوة أخيك في شتى المناسبات، وتلبية الدعوة -أيها الأخوة- إجابة الدعوة تحقق الأخوة وتزيد في الود وتصفِّي النفوس فيما بينها.
الإسلام حث عليها واعتبر الممتنع عنها عاصياً، عد الإسلام الممتنع عن تلبية الدعوة عاصياً، والدليل:
عن أبي أيوب الأنصاري -رضي الله عنه- قال:
((قال عليه الصلاة والسلام: ست خصالٌ واجبةٌ للمسلم على المسلم, من ترك شيئاً منهن فقد ترك حقاً واجباً: يجيبه إذا دعاه، وإذا لقيه أن يسلِّم عليه، وإذا عطس أن يشمِّته، وإذا مرض أن يعوده، وإذا استنصحه أن ينصح له))
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أن رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: ((لِلْمُؤْمِنِ عَلَى الْمُؤْمِنِ سِتُّ خِصَالٍ: يَعُودُهُ إِذَا مَرِضَ, وَيَشْهَدُهُ إِذَا مَاتَ, وَيُجِيبُهُ إِذَا دَعَاهُ, وَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ إِذَا لَقِيَهُ, وَيُشَمِّتُهُ إِذَا عَطَسَ, وَيَنْصَحُ لَهُ إِذَا غَابَ أَوْ شَهِدَ))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي والنسائي في سننهم]
ويعنينا من هذا الحديث الفقرة الأولى: يجيبه إذا دعاه.
طبعاً يوجد أحاديث أُخرى بروايات أُخرى, تشير إلى حقٍ سادس: ألا وهو إذا مات أن يتبعه؛ أي أن يشيعه.
إشارة لطيفة في هذا الحديث :
وعَنْ جَابِرٍ قَالَ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى طَعَامٍ فَلْيُجِبْ, فَإِنْ شَاءَ طَعِمَ وَإِنْ شَاءَ تَرَك))
[أخرجه مسلم في الصحيح, وأبو داود في سننه]
في هذا الحديث إشارةٌ لطيفةٌ جداً إلى أن المراد من هذه الدعوة اللقاء، هذا الذي لا يجيب الدعوة, لأنه يعاني من حميةٍ قاسية, كأن هذا الكلام يضمِّن أن الدعوة من أجل أن يأكل ويشرب، الحديثٌ دقيقٌ جداً: أن تأكل عند أخيك وأن تشرب شيئاً ثانوياً، ولكن الشيء الأساسي هو أن تلتقي به، هذا اللقاء يضمن المودة والمحبة والأُلفة والتفاهم، هناك بعض الأشخاص يبنون قصوراً من الأوهام إذا تم اللقاء والتواصل, ذابت هذه القصور من المشكلات ومن التصورات ومن الآلام ومن الغضب، فيبدو أن اللقاء شيءٌ مهمٌ جداً في علاقات الأُخوة الإسلامية:
((إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى طَعَامٍ فَلْيُجِبْ, فَإِنْ شَاءَ طَعِمَ وَإِنْ شَاءَ تَرَك))
[أخرجه مسلم في الصحيح, وأبو داود في سننه]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4606/03.jpg
ليس شرطاً أن تأكل؛ أنت صائم، أنت في حميةٍ شديدة، لقد تناولت طعام الغداء، فتقول: يا أخي حسبوها علي، هذه حسبوها عليك ولم يحسبوها، العبرة أن تلتقي بأخيك، وأخوك حينما يدعوك معنى هذا أنه يحبُّك، ومعنى هذا أنه يتمنى أن تكون عنده في البيت، معنى هذا أنه يتمنى أن يلتقي بك، فاللقاء هو الأصل.

حديثٌ آخر: عن ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ:
((عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُجِبْ عُرْسًا كَانَ أَوْ نَحْوَهُ))
فالآن أكثر الدعوات في عقود القِران؛ أي أن الإنسان حينما يزوج ابنه ويرسل هذه البطاقات إلى أخوانه المؤمنين, يتمنى أن يكونوا في هذا الاحتفال، وقد يكون في هذا الاحتفال خيرٌ كبير؛ ككلمةٌ تلقى أو نشيدٌ ينشد، أو مدحٌ للنبي عليه الصلاة والسلام. احذر من هذه الدعوة :
وهذا الحديث الآخر رواه مسلم.
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِي اللَّه عَنْه-, أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ:
((شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ يُدْعَى لَهَا الأَغْنِيَاءُ وَيُتْرَكُ الْفُقَرَاءُ, وَمَنْ تَرَكَ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ))
أي أنك إذا اخترت من المدعوين أُولي الغنى والوجاهة والشأن في المجتمع، وأهملت المؤمنين الصادقين الذين تقع مرتبتهم أحياناً في الدرجة الثانية في المجتمع، إن فعلت هذا فهذه الدعوة شرُّ أنواع الدعوات، كيف؟ عليك أن تذيب الفوارق بين المجتمع، لك أقارب، لك أخوة، لك أصدقاء، لك أخوان في الله عزَّ وجل اُدعهم جميعاً، ولا تجعل أساس الدعوة الغنى، ولا أساس الدعوة الوجاهة، ولا أساس الدعوة علوً المرتبة الاجتماعية، ليس هذا من شأن المؤمن أبداً، المؤمن أخو المؤمن:
المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يحقره.
فيكفي ألا تدعوه إلى هذا الغذاء, لأنه من الدرجة الثانية, لأن لباسه وسط، أنا داعي علية القوم وهذا يفسد الحفلة، إذاً لست مسلماً أنت:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِي اللَّهم عَنْهم- أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: ((شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ يُدْعَى لَهَا الأَغْنِيَاءُ وَيُتْرَكُ الْفُقَرَاءُ, وَمَنْ تَرَكَ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ))
ما ينبغي على المؤمن أن لا يفعله :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4606/04.jpg
حديثٌ سادس:
وعن عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ عُمَرَ, قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:
((مَنْ دُعِيَ فَلَمْ يُجِبْ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ, وَمَنْ دَخَلَ عَلَى غَيْرِ دَعْوَةٍ دَخَلَ سَارِقًا وَخَرَجَ مُغِيرًا))
فالمؤمن ما لم يدعَ فلا ينبغي للمؤمن أن يُذل نفسه، ولا ينبغي للمؤمن أن يذهب بلا دعوة، أحياناً دعاك وحدك فجئت مع خمسة أولاد، هو لم يهيئ نفسه لخمسة أولاد، المكان محدود, والكراسي محدودة, والطعام محدود، واختارك من بين مجموعة فدعاك, فجئت مع أولادك كلهم، هذا ليس من أخلاق المسلم، أما إذا سمى أولادك واحداً واحداً بأسمائهم، أو أعطاك بطاقاتٍ خاصةً لهم, عندئذٍ الأمر طبيعي. ما الحكم الشرعي في إجابة الدعوة؟ :
الآن نريد الحكم الشرعي في إجابة الدعوة: لا شك أن هذه الأحاديث التي بين أيديكم ، هذه الأحاديث الستُ التي تلوتها على مسامعكم: كلُّها تؤكد أن تلبي دعوة أخيك، لكنكم تعلمون أن الأمر في القرآن والسنة, إما أن يكون أمر وجوب, وإما أن يكون أمر ندبٍ، وإما أن يكون أمر إباحةٍ, وإما أن يكون أمر تهديد؛ أمر الوجوب:
﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾
[سورة الروم الآية: 31]
أمر الإباحة: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾
[سورة البقرة الآية: 187]
أي مباحٌ لكم الطعام لأن هذا أمر إباحة، أما أمر الندب: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾
[سورة النور الآية: 32]
أمر التهديد: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾
[سورة الكهف الآية: 29]
﴿سَأُرِيكُمْ آَيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ﴾
[سورة الأنبياء الآية: 37]
فيا ترى هذه الأوامر التي وردت عن النبي -عليه الصلاة والسلام- في إجابة الدعوة: هل هي أمر وجوب أم أمر ندب أم أمر إباحة أم أمر تهديد؟ .
الإمام النووي -رحمه الله تعالى- في شرح صحيح مسلم يقول: لا خلاف أن المؤمن مأمورٌ بإجابة الدعوة.
ولكن هل هو أمر إجابٍ أو ندبٍ؟ هنا الخلاف، هناك خلافٌ بين العلماء, هل الأمر أمر إيجاب أم ندب؟ عند السادة الشافعية هو فرض عين؛ إذا قام به البعض يسقط عن الكل، أي على كل مدعوٍ أن يلبي الدعوة، ولكن يسقط هذا الواجب إذا كان له عُذرٌ شرعي، عذر أي مسافر أو مريض.
بعضهم قال: وفرض كفاية.
بعضهم قال: أنه مندوب في وليمة العرس.
إلا أن العلماء اتفقوا على وجوب الإجابة في وليمة العرس، واختلفوا في سواها، وفي سواها أيضاً بين من يرى أنها واجبةٌ ومندوبة.
على كلٍ؛ الملخص: إن إجابة الدعوة بين أن تكون فرض كفايةٍ, وبين أن تكون فرض عين، وبين أن تكون واجبةً وجوب إيجاب، وبين أن تكون واجبة وجوب ندب، تتراوح أحكام إجابة الدعوة بين هذه النقاط الأربعة. إذا دعي الإنسان من زميل له كتابي :
الآن يوجد عندنا سؤال دقيق، إذا دعي الإنسان من زميلٍ له كتابي -أي من أهل الكتاب-: ما رأي الشرع الشريف في إجابة مثل هذه الدعوة؟.
قال العلماء: تجب هذه الإجابة لعموم الحكم الشرعي.
يجب عليك أن تجيب دعوة هذا الكتابي الذي دعاك إلى وليمة.
وقال بعضهم: إذا كان في هذه الوليمة منكرٌ, وبإمكانك أن تزيل هذا المنكر فلبِّ الدعوة، وإن لم يكن بإمكانك أن تزيل هذا المنكر, فلا عليك ألا تلبي الدعوة.
إذا كان هناك اختلاط، أو يوجد تماثيل، إذا يوجد فيه غناء, أو أي شيء لا يرضي الله عزّ وجل, فإذا كان بإمكانك أن تزيل هذا المنكر فلب الدعوة، وإن لم يكن بالإمكان ذلك لا عليك ألا تلبي هذه الدعوة.
بعضهم قال: إذا قال لك الداعي: أمرني فلان أن أدعوك أنت بالذات، فعليك أن تجيب، أما إذا قال: أمرني فلان أن أدعو من أشاء وها أنذا قد دعوتك، في مثل هذه الحالة لا عليك ألا تجيب.
يعني ترون من هذا الحكم: أنك إذا ذهبت إلى هذه الدعوة, ولم يكن فيها منكرات، ولم يكن فيها معاص، ولم يكن فيها اختلاط، ولم يكن فيها شرب خمر، ولم تكن فيها مخالفاتٌ شرعية، وبإمكانك أن تلبي هذه الدعوة من دون أن يُمَس دينك إطلاقاً فيجب أن تلبيها، أما إذا كان هناك منكرات وليس بالإمكان أن تزيلها، وليس بالإمكان أن تأمر بالمعروف ولا أن تنهى عن المنكر، فيجب عليك ألا تلبي هذه الدعوة، هذا هو الحكم الشرعي.
ما هي الأعذار التي يمكن أن تسقط واجب إجابة الدعوة؟ :
قلنا: إن إجابة الدعوة فرض عين لا تسقط إلا بعذر.
ما هي الأعذار التي يمكن أن تسقط واجب إجابة الدعوة؟.
قالوا: هي أعذار من يمتنع عن الصلاة في المسجد، فإذا كان مريضاً، أو يقوم بشأن مريض، أو كان يجهِّز ميتاً، أو يقوم بإطفاء حريق، أو يخاف ضياع ماله، أو في طريقه من يؤذيه، هذه الأعذار تكون أعذاراً مقبولةً إذا دُعي الإنسان ولم يلبِّ الدعوة.
نقطة هامة :
يوجد نقطة ثالثة: وهي أن هناك بعض الأعراس تستمر أياماً ثلاثة، فإذا كانت الوليمة ثلاثة أيام فدعيت في اليوم الأول وجب عليك الإجابة، فإذا دعيت في اليوم الثاني لم تجب عليك الإجابة، ولكن يُستحب أن تجيب هذه الدعوة، فإذا دعيت في اليوم الثالث ليس لك أن تجيب هذه الدعوة, هكذا قال عليه الصلاة والسلام في بعض الأحاديث الشريفة, الذي رواه أحمد وأبو داود والترمذي, قال:
((الْوَلِيمَةُ أَوَّلَ يَوْمٍ حَقٌّ وَالثَّانِيَ مَعْرُوفٌ وَالْيَوْمَ الثَّالِثَ سُمْعَةٌ وَرِيَاءٌ))
مشكلة :
الآن يوجد عندنا مشكلة: أحياناً الإنسان يُدعى من جهتين, أغلب الظن أن الإنسان يختار الأوجه, يقول لك: هذه أدسم، هذا أوجه، فهنا يوجد عندنا حكم شرعي دقيق جداً، هذا الحكم يُزيل كل مشكلة، يُزيل كل التباس.
مثلاً: إذا دعاك اثنان إلى وليمتين، فإن سبق أحدهما قُدِم الأول لسبقه، دعاك إنسان على طعام متواضع جداً في مكان بعيد، بعد نصف ساعة جاءك إنسان من وجهاء المجتمع يدعوك إلى طعام نفيس، ويوجد حضور من المستوى الرفيع، أنت كمسلم يجب أن تلبي الداعي الأول لسبقه، وهذا هو الحكم الشرعي، وتعتذر للثاني، أما إذا دعواك في وقتٍ واحد.
عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ:
((إِذَا اجْتَمَعَ الدَّاعِيَانِ فَأَجِبْ أَقْرَبَهُمَا بَابًا, فَإِنَّ أَقْرَبَهُمَا بَابًا أَقْرَبُهُمَا جِوَارًا, فَإِذَا سَبَقَ أَحَدُهُمَا فَأَجِبِ الَّذِي سَبَقَ))
هكذا علمنا النبي عليه الصلاة والسلام، ويوجد عندنا: إذا تساويا في الوقت وفي القرب أجب أقربهما رحماً، أي دعواك في وقت واحد والبيتان في مسافة واحدة, فأجب أقربهما رحماً. ما حكم من دعي إلى موضع فيه منكر من زمر أو خمر؟ :
الآن: من دُعي إلى موضعٍ فيه منكر من زَمْرٍ أو خمرٍ, فإن قدر على إزالته لزمه أن يحضر لوجوب الإجابة لإزالة المنكر، ومن لم يقدر لم يحضر، فقد نهى أن يجلس الرجل على مائدة تدار فيها الخمر, لما روي عَنْ جَابِرٍ عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال:
((مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلا يَدْخُلِ الْحَمَّامَ بِغَيْرِ إِزَارٍ, وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلا يُدْخِلْ حَلِيلَتَهُ الْحَمَّامَ, وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلا يَجْلِسْ عَلَى مَائِدَةٍ يُدَارُ عَلَيْهَا بِالْخَمْرِ))
يقول لك: أخي أنا والله لم أشرب, لا يكفي، فقد نهى النبي -عليه الصلاة والسلام- عن أن يجلس على مائدةٍ تدار عليها الخمر.
أيضاً: إذا وجد مكان فيه تماثيل وصور لا ترضي الله عزّ وجل هذه كلها منكرات، لكن بعض العلماء أجاز إذا كانت الصورة ليست كاملة أو كانت في مكان مُهان كالأرض أو التُكأة، هذا مما تساهل به العلماء، أحياناً يكون سجادة عليها صورة، ما دامت سجادة ويُداس عليها فهذه الصورة ليست للتعظيم، ما دامت على مُتكأ، ما دامت ليست كاملة أي جزئية، أما إذا وجدت صورة كاملة معلقة على الحائط أو تمثال, فهذا مما يجعل المؤمن في حرجٍ من أن يكون في هذا المكان. ما حكم من دعي إلى وليمة وهو صائم؟ :
الآن: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أن رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال:
((إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إلى الطعام فَلْيُجِبْ, فَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ, وَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ))
[أخرجه مسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي في سننهما]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4606/05.jpg
دعاك وأنت صائم لكنك صائمٌ صيام فرض، صيام الفرض شيء وصيام النفل شيء آخر، ما دمت صائماً صيام فرضٍ يجب أن تلبي وتصلي، أما إذا كنت صائماً صيام نفلٍ, النبي -عليه الصلاة والسلام- استحب لك أن تفطر إكراماً لأخيك، أخوك دعاك وتكلف لك, وتقول: إني صائم!! فإكراماً له أن تفطر.
فعَنْ جَابِرٍ قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى طَعَامٍ فَلْيُجِبْ, فَإِنْ شَاءَ طَعِمَ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ))
[أخرجه مسلم في الصحيح, وأبو داود في سننه]
ليس القصد أن تأكل, إنما القصد أن تكون عند أخيك، ربما كان وجودك في بيت أخيك يُدخل على قلبه السرور، يوجد أشخاص محميين، يوجد أشخاص عندهم نظام قاسٍ في الغذاء، يوجد أشخاص عندهم أمراض في جهاز الهضم، يوجد أشخاص لهم طعام خاص، يوجد أشخاص يؤثرون عدم تناول الطعام إلا بشكل معين، فهذا إذا دعي يجب أن يلبي من دون أن يُحْرَج.
المستحب لمن دعي إلى طعام وانتهى من الطعام أن يدعو لصاحب الطعام.
عن عبد الله بن الزبير, قال: ((أَفْطَرَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عِنْدَ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ, فَقَالَ: أَفْطَرَ عِنْدَكُمُ الصَّائِمُونَ, وَأَكَلَ طَعَامَكُمُ الأَبْرَارُ, وَصَلَّتْ عَلَيْكُمُ الْمَلائِكَةُ))
[أخرجه ابن ماجه في سننه]
يوجد أناس يقولون: وَصَلَّتْ عَلَيْكُمُ الْمَلائِكَةُ إلا جبريل، فهو يريد كأس من الشاي، وصلى عليكم الملائكة الأطهار إلا جبريل، أما الدعاء النبوي:
((أَفْطَرَ عِنْدَكُمُ الصَّائِمُونَ, وَأَكَلَ طَعَامَكُمُ الأَبْرَارُ, وَصَلَّتْ عَلَيْكُمُ الْمَلائِكَةُ))
هذا كلام جميل إذا إنسان دعي إلى طعام، وانتهى من الطعام، يقول: دائماً يا سيدي, أنت قل له كما قال النبي: ((أَفْطَرَ عِنْدَكُمُ الصَّائِمُونَ, وَأَكَلَ طَعَامَكُمُ الأَبْرَارُ, وَصَلَّتْ عَلَيْكُمُ الْمَلائِكَةُ الأخيار, وذكركم الله فيمن عنده))
من آداب إجابة الدعوة :
1-ألا يميز الغنى بالإجابة عن الفقير :
الآن: من آداب إجابة الدعوة كما جاء في الإحياء: هناك آدابٌ خمس؛ أول أدب: ألا يميز الغنى بالإجابة عن الفقير.
من آداب إجابة الدعوة: أن تجيب دعوة أي إنسان، أي أخ مؤمن، أي أخ مسلم، ألا تميز بين الغني والفقير، التميز بين الغني والفقير نوعٌ من التكبر.
انظر الى هذا الموقف لسيدنا الحسن بن علي :
سيدنا الحسن بن علي -رضي الله عنهما- مر بقومٍ من المساكين الذين يَسألون الناس على قارعة الطريق، وقد نشروا كِسراً -أي خبزاً يابساً فقط- على الأرض في الرمل وهم يأكلون، وهو على بغلته, فسلم عليهم, فقالوا له: هَلُمَّ إلى الغداء يا بن بنت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: نعم, إن الله لا يحب المستكبرين، فنزل وقعد معهم على الأرض وأكل ثم سلم عليهم وركب، بعد أن ركب, قال: قد أجبت دعوتكم فأجيبوني، قالوا: نعم، فوعدهم وقتاً معلوماً فحضروا, فقدَّم لهم فاخر الطعام، وجلس يأكل معهم.
هذا ما كان يصنعه أحد العلماء في الشام :
سمعت عن أحد العلماء في الشام في زمن سابق: أنه كان إذا دعا كبراء القوم، علية القوم، وجهاء القوم، قدَّم لهم طعاماً خشناً, وكان يقول: والله هذا الطعام يحبونه لأنهم لا يأكلونه أبداً، فإذا دعا الفقراء قدم لهم طعاماً نفيساً، ويقول: هذا الطعام يحبونه.
أحياناً الواحد يدعى إلى طعام خشن، وحياته كلها من مستوى عال, فيرى هذا الطعام طيباً لأنه قلَّ ما يأكله.
قف عند هذا الكلام للسادة الصوفيين :
بعض السادة الصوفية يقولون: لا تجب إلا دعوة من يرى أنك أكلت رزقك.
إذا دعاك أحد, وهو موحد, ويرى أن هذا الرزق الذي أكلته هو رزقك، مقسومٌ لك، هذا الإنسان تُجاب دعوته، لأن الضيف يأتي برزقه ويرحل بذنوب القوم.
ويقول بعضهم: لا تجب إلا من إذا أطعمك كأنه سلَّم لك وديعةٌ كانت عنده.
كأنه لك عنده أمانة سلمك إياها, لا تجب إلا دعوة من يرى لك الفضل عليه في قبول هذه الدعوة، يعني ليس هو قد تفضل عليك, بل يرى أنك تفضلت عليه بقبول هذه الدعوة، يعني سمح لك أن تكسب عند الله أجراً، هذه معان راقية جداً.
أحد السادة الصوفيين يقول: آهٍ على لقمةٍ ليس على الله فيها تبعة ولا لمخلوقٍ فيها.
-أي إن أطيب لقمة ليس فيها تبعة عند الله ليس فيها مسؤولية، وليس لمخلوقٍ فيها منة، لا تبعة ولا منة.
قال-: فإذا علم المدعو أنه لا منة في ذلك فلا ينبغي أن يرد.
عقوبة :
أحد الرجال اسمه أبو تراب -رحمه الله تعالى- قال: عُرض علي طعامٌ فامتنعت، فابتليت بالجوع أربعة عشر يوماً.
-كان جوعان، عرض عليه طعام امتنع؛ أي أنت جائع وأخوك أحب أن يكرمك وقدم لك طعاماً، لماذا التكبر؟ وتقول له: ليس بنفسي رغبة, لست جائعاً, لماذا؟ هو أراد أن يكرمك اقبل كرامته.
فهذا أدبه الله عزَّ وجل, ابتلاه بالجوع أربعة عشر يوماً- قال: عرض علي طعامٌ فامتنعت منه، فابتليت بالجوع أربعة عشر يوماً, فعلمت أنه عقوبة.
2-لا ينبغي أن تمتنع عن إجابة الدعوة لبعد المسافة :
الشيء الآخر قال: لا ينبغي أن تمتنع عن إجابة الدعوة لبعد المسافة -هذا ليس من أخلاق المؤمن- كما لا تمتنع عن إجابة الدعوة لفقر الداعي وعدم جاهه، بل كل مسافةٍ يمكن احتمالها في العادة لا ينبغي أن يمتنع عنها الإنسان.
يوجد دعوات غير معقولة، يقول لك: على حدود تركيا مثلاً، هذه تحتاج لثلاثة أيام، تعال تغدى عندنا، هذه غير معقولة، أما خارج دمشق أو حوالي دمشق, أحب إنساناً أن يكرمك, المفروض أن تلبي الدعوة.
فعن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال:
((لَوْ دُعِيتُ إِلَى كُرَاعٍ بالغنيم لأَجَبْتُ))
الكراع مآدم، والغنيم؛ أي خارج المدينة.
ومن كان صائماً نفلاً, فإن كان يسرُّ أخاه إفطاره فليفطر، وليحتسب إفطاره بنية إدخال السرور على قلب أخيه.
النبي -عليه الصلاة والسلام- كان مع بعض أصحابه, وهناك أخ دعاهم, قال له: ((أخوك دعاك وتكلَّف لك, وتقول: إني صائم))
ليس هذا من أخلاق المؤمن. 3-أن تمتنع عن إجابة دعوة الطعام فيها مشبوه :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4606/06.jpg
من آداب إجابة الدعوة: أن تمتنع عن إجابة دعوةٍ الطعام فيها مشبوه.
تعرف إنساناً ماله كلّه حرام، هنا يوجد مشكلة، أو يوجد منكرات، أو يوجد مخالفات، أو يوجد معاص، أو يوجد شيء لا يرضي الله عزَّ وجل، يوجد مزامير, يوجد ملاه، اختلاط، هزل، لعب، كذب، نميمة, غيبة، هذه الدعوات لا تبال بها إطلاقاً، أنت مؤمن طاهر، يجب أن تلبي دعوةً نظيفة؛ فيها طهر، فيها تقوى، فيها ورع، فيها خوف من الله عزَّ وجل، لذلك النبي هكذا نصحنا.
فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ, أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ:
((لا تُصَاحِبْ إِلا مُؤْمِنًا, وَلا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلا تَقِي))
[أخرجه أبو داود والترمذي في سننهما]
4-ألا يقصد من إجابة الدعوة قضاء شهوة البطن :
قال: الأدب الرابع: ألا يقصد من إجابة الدعوة قضاء شهوة البطن.
أخي فلان نريد أن نذهب عنده لأن أكلاته طيبون، فلان عنده أكل مرتب، فلان دعوة دسمة غميقة، هذا كلام كلّه كلام العوام، كأنك بهذه الدعوة تريد أن تقضي شهوة بطنك، فليس هذا من أخلاق المؤمن. ما النية إذاً؟.
النية: أن تجيب هذه الدعوة إكراماً لأخيك المؤمن, لقول النبي -عليه الصلاة والسلام-:
((من أكرم أخاه المؤمن فكأنما أكرم ربه))
في حديث آخر: ((من سرَّ مؤمناً فقد سرَّ الله عزَّ وجل))
من آداب الحضور لمنزل الداعي :
وفي درسٍ آخر إن شاء الله تعالى يوجد موضوع قصير جداً, آداب الحضور لمنزل الداعي، من آداب الحضور: أنه من التواضع لله عزَّ وجل: الرضا بالدون من المجلس.
دخلت هناك كراسي منجدة, وهناك كراسي غير منجدة، وأنت متأخر نصف ساعة، وجدت كرسياً من الدرجة الثانية، إذا أنت كبير ولو كان لك شأن.
من آداب المسلم أن تجلس حيث ينتهي بك المجلس, وإلا أحرجت صاحب الدعوة.
أحياناً يكون في كنباة وفي كراسي، أحياناً في صدر وأحياناً في ناحية الباب، وأنت متأخر, اجلس في أي مكان ولا تنزعج، هناك شخص يقول: لم يعرفوا قدري، لم يعرفوا مكانتي, من آداب المسلم أن يجلس حيث ينتهي به المجلس، هذا الأدب الأول في إجابة الدعوة, فإن من التواضع لله عزَّ وجل الرضا بالدون من المجلس. 5-ألا تجلس مقابل باب يمكن أن يرى منه النساء :
من آداب إجابة الدعوة أيضاً: ألا تجلس مقابل باب يمكن أن يرى منه النساء، دائماً في غرفة الضيوف اختر مكاناً ليس مواجهاً للباب, هكذا أدب المؤمن, يكون الباب في جهة والكنباة بهذه الجهة، وأنت وجهك إلى الحائط لئلا يكون هناك خطأ، هذا أدب ثانٍ.
6-ألا يكثر النظر إلى الموضع الذي يخرج منه الطعام :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4606/07.jpg
أحياناً: الطعام دخل عينه مالت عليه، كلما دخل صحن ينظر إليه، هل يوجد شيء ثان؟ هذا ليس من أدب إجابة الدعوة، ألا يكثر النظر إلى الموضع الذي يخرج منه الطعام فإنه دليل الشراهة.

7-التعريف بالمدعوين :
وإذا كان جلس إلى جانبه أخوين مدعوين, عليه أن يسلم عليهم، ولا يكون كل همه وعقله بالطعام، وأن يسألهم عن حالهم، وإذا دخل ضيفٌ للبيت فليعرفه صاحب المنزل عند الدخول.
أحياناً تدعى دعوة فتجلس وأنت لا تعرف أحداً, تقول: من هذا يا ترى؟ كلهم صامتون, هذا ليس من أخلاق المسلم، المسلم يقول: فلان ابن عمي، فلان صهري، فلان أخي، فلان زميلي بالعمل، فلان شريكي، أخ كريم، فلان جارنا، فلان طبيب، هذا صاحب معمل، هذا تاجر، هذا أخ كريم، هذا موظف، أي أنه يعرف مهنته ويعرف مكانته لكي تنشأ المودة، ولا يكون الهدف الأكل, فالتعريف أيضاً ضروري.
8-غسل اليدين قبل الطعام وبعده :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4606/08.jpg
أيضاً: غسل اليدين قبل الطعام وبعده من سنة النبي -عليه الصلاة والسلام:
بركة الطعام الوضوء قبله وبعد.
فصاحب الطعام يجب أن يغسل يديه قبل كل واحد، في بداية الطعام وآخرهم بعد نهاية الطعام، هكذا الأدب.
بعضهم قال: من دعانا فأبينا فله الفضل علينا، وإذا نحن أجبنا رجع الفضل إلينا:
لا تكـن ضيفاً ثقيلاً يكره الناس لقاءك
فعسـاه مستمداً لك من قـومٍ عشاءك
وعساه مستعيراً لك من جارك غطاءك
إن في الفندق مأواك وفي السوق غذائك
رُبَّ من يلـقاك هشاً كسر الزير وراءك

أنت أحياناً شخص دعاك، فرأساً إليه, طول بالك عليه، دعاك رأساً لا يوجد عنده مكان للنوم، عنده غرفتين له ولأهله ولأولاده، فإن قال لك: أخي هل تريد أن تناموا عندنا؟ فتجيبه: نعم والله. من صفات المؤمن :
بعضهم قال: قم إذا ما الضيف جاءك وامنح الضيف غذاءك
وأجل من وجــهك مر آةً يـرى فيها صفاءك
إن يهُن عــندك ضيفٌ يكــن الهون جزاءك

أي أن من صفات المؤمن إكرام الضيف.

والحمد لله رب العالمين

السعيد 07-28-2018 07:24 AM

رد: حق المسلم على المسلم
 
بسم الله الرحمن الرحيم

حق المسلم على المسلم

الدرس : ( الرابع )

الموضوع : حق زيارة المريض






الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. من حقوق المسلم على المسلم :
أيها الأخوة المؤمنون, لا زلنا في موضوع الحقوق بعد الحديث عن حقوق الآباء، وحقوق الأبناء، وحقوق الأزواج، وحقوق الزوجات، انتقلنا إلى الحديث عن حقوق المسلم على المسلم، وكان من جملة هذه الحقوق حق النصيحة، وكان من جملة هذه الحقوق حق إجابة الدعوة، واليوم ننتقل إلى حقٍ ثالث من حقوق المسلم على المسلم ألا وهو عيادته إذا مرض.
هناك أخوةٌ كرام كثيرون لا يُقيمون قيمةً لهذا الحق، ولا يعرفون قيمة عيادة المريض إلا إذا مرضوا, ومضى يومان وثلاثة وأربعة أيام ولم يأتهم أحد، يقول: أهذا شأني عند أخواني؟ أهذا شأني عند المؤمنين؟ المريض من أشد الناس حاجةً إلى المواساة، المريض من أشد الناس حاجةً إلى من يؤنسه، إلى من يدعوه إلى الصبر، إلى من يعطيه شحنةً روحيةً يُعينه على تحمل المرض، فلذلك: النبي -عليه الصلاة والسلام- في أحاديث كثيرة جداً وصحيحة حضنا على عيادة المريض.
ما حكم عيادة المريض في الشرع الإسلامي؟ :
بادئ ذي بدء: عيادة المريض -كما ذكرت قبل قليل- حقٌ من حقوق المسلم على أخيه المسلم، ولكن بالمعنى الفقهي الدقيق: عيادة المريض سنةٌ مؤكدة.
كلكم يعلّم أن في الدين فرضاً، وفي الدين ندباً، وفي الدين مباحاً، وفي الدين كراهةً، وفي الدين حراماً، فالشيء المندوب، أو السنة المؤكدة أو غير المؤكدة، هذا بين المباح وبين الفرض، فعيادة المريض بالتعريف الدقيق الفقهي، حكمها الفقهي سنةٌ مؤكدة، ما معنى سنةٌ مؤكدة؟ أي فعلها النبي كثيراً وتركها قليلاً، ما معنى سنة غير مؤكدة؟ أي فعلّها قليلاً وتركها كثيراً، فعيادة المريض سنةٌ مؤكدةٌ عند جمهور العلماء، كلمة جمهور تعني أي عند أكثر العلماء.
وقال عليه الصلاة والسلام:
((لا تجتمع أمتي على خطأ))
فالشيء الذي عليه جمهور العلماء هو الشيء الحق، لذلك يعدُّ القرآن الكريم والسنة النبوية مصدران أساسيان للتشريع، ويعدُّ إجماع العلماء مصدراً ثالثاً ذا قيمةٍ كبيرة، يضاف إليه القياس، فالقرآن والسنة والإجماع والقياس مصادر التشريع الأولى، وهناك مصادر فرعية كالاستحسان، والمصالح المرسلة، وسد الذرائع، ومذهب الصحابي إلخ ... إذاً سنةٌ مؤكدةٌ عند جمهور العلماء. ما الدليل على أن عيادة المريض سنة مؤكدة عند جمهور العلماء؟ :
والدليل: فلولا الدليل لقال من شاء ما شاء:
﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾
[سورة يوسف الآية: 108]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4608/01.jpg
البصيرة الدليل، الدليل: قول النبي -عليه الصلاة والسلام- أو قول ابن عباسٍ -رضي الله عنهما- وقول بن عباسٍ يدخل في السنة النبوية, لماذا؟ لأن السنة النبوية هي أقوال النبي وأفعاله وإقراره وصفاته، وأقوال أصحابه, وأقوال التابعين من بعدهم وإقراراتهم، ولأن هذا الصحابي الجليل ما كان له أن يقول شيئاً ما سمعه من رسول الله، وهذا التابعي الذي لازم الصحابي ما كان له أيضاً أن يقول شيئاً ما سمعه من رسول الله، إذاً: إذا رفع الكلام إلى النبي -عليه الصلاة والسلام- فهو الحديث المرفوع، فإذا انتهى عند الصحابي فهو الحديث الموقوف، فإذا انتهى عند التابعي فهو الحديث المقطوع.
على كلٍ؛ في السنة أن عيادة المريض سنةٌ مؤكدةٌ عند جمهور العلماء, بقول ابن عباسٍ -رضي الله عنهما-: عيادة المريض أول يوم سنة وبعد ذلك تطوع.
إذاً يفهم من هذا الحديث: أنه ينبغي أن تعود المريض في أول يوم، لأن الصبر عند الصدمة الأولى، والصابر يفعل في أول يومٍ من المصيبة ما يفعله الجاهل في اليوم الثالث، في اليوم الثالث يقول الجاهل: ماذا نريد أن نفعل؟ هذا أمر الله، بعد ما سب وطبش وكسر، هذا الصبر عند الصدمة الأولى، يبدو أن تعود المريض في أول يوم, هذا أفضل عند الله عزَّ وجل من أن تعوده, بعد أن يبُلَّ من مرضه، وبعد أن يغادر الفراش، وبعد أن يذهب إلى عمله، ليس هناك معنى لهذه العيادة في ذلك الوقت المتأخر. رأي البخاري في مسألة عيادة المريض :
الإمام البخاري يقول: العيادة واجبة, وقال: إنها فرض كفاية؛ أي إذا قام به البعض سقط عن الكل، لحديث أبي موسى الأشعري, أن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال:
((أَطْعِمُوا الْجَائِعَ, وَعُودُوا الْمَرِيضَ, وَفُكُّوا الْعَانِي))
[أخرجه البخاري في الصحيح, وأبو داود في سننه]
فكيف عرف الإمام البخاري أن عيادة المريض فرض كفاية؟ من قول النبي الكريم: "وَعُودُوا الْمَرِيضَ.
لأن هذا الأمر موجهٌ إلى مجموع الأمة، إلى مجموع المؤمنين، إلى مجموع المسلمين، فإذا قام به بعضهم سقط عن بعضهم الآخر، من هنا استنبط الإمام البخاري: أن عيادة المريض فرضٌ ولكنها فرض كفايةٍ وليست فرض عين.
ماذا جاء عن النبي بالنسبة لعيادة المريض:
ولحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -عليه الصلاة والسلام- أنه قال: ((خَمْسٌ تَجِبُ لِلْمُسْلِمِ عَلَى أَخِيهِ؛ رَدُّ السَّلامِ, وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ, وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ, وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ, وَاتِّبَاعُ الْجَنَائِز))
النبي -عليه الصلاة والسلام- في حديثٍ قال: تجب، وفي حديثٍ أمرنا أن نعود المريض.
استنبط العلماء أن النبي -عليه الصلاة والسلام- يحضُّ أصحابه على أن يعود بعضهم بعضاً, لعظم هذا العمل ولشدة مثوبته عند الله عزَّ وجل، وإلا فهو في النهاية مندوب، والمندوب بين المباح وبين الفرض, عندما ربنا عزَّ وجل قال: http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4608/02.jpg
﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾
[سورة النور الآية: 32]
أي زوجوا الشباب، هذا فرض أم مندوب؟ مندوب. لكن الآن يوجد عندنا تفصيل: عيادة بعض المرضى فرضٌ كفرض الصلاة، الوالدان الذين يلوذون بك، الذين ليس لهم أحدٌ سواك، في حق البعض فرضٌ وفي حق البعض حقٌ، من تستفيد من عيادته، وفي حق البعض عملٌ صالح إذا راعيت حاله، وفي حق البعض مباح ، أي شخص بعيد عنك، ليس في حاجةٍ إليك ولست في حاجةٍ إليه، ولا ترجو منه شيئاً ولا يرجو منك شيئاً، لا ترجوه ولا يرجوك، ولست بحاجته وليس في حاجتك، ولا ينتمي إلى مبدئك ولا إلى كذا فهذا عيادته مباحة، أما والداك أخوانك في الله هؤلاء يرتقي أمر عيادتهم إلى مرتبة الواجب، وهناك بعضهم إلى مرتبة الحق، وبعضهم إلى مرتبة العمل الصالح، هذا تفصيل العيادة.
ما المقصود من عيادة المريض؟ :
يقول عليه الصلاة والسلام:
((وَعُودُوا الْمَرِيضَ))
[أخرجه البخاري في الصحيح, وأبو داود في سننه]
هذه الألف واللام، ألف ولام الجنس، يعني أي مريض، فلا تظن المريض هو الذي أقعده المرض في الفراش، لو أنه شكا من عينيه هذا يُعاد، لو أنه شكا من جلده هذا يُعاد، والدليل:
النبي -عليه الصلاة والسلام- عاد كما يقول أحد أصحابه, وقد أصابه رمد؛ أي ألم في عينيه.
فعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ:
((عَادَنِي رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِنْ وَجَعٍ كَانَ بِعَيْنِي))
الحقيقة: ليس القصد عيادة المريض؛ أن تزوره, وأن تسأل خاطره، وأن تسأله عن صحته، وعند من تطبب، وما الدواء الذي أخذه، وخاطرك مع السلامة، ليس هذا هو المقصود من عيادة المريض، قال: المقصود من عيادة المريض: تعهٌّده، وتفقد أحواله, وإيناسه, والتلطف به.
قد يحتاج إلى الدواء، أولاده في المدرسة، أو أولاده صغار,
أو ليس له أولاد ذكور، أو زوجته مريضة، وهو في أمسِ الحاجة إلى بعض أنواع الطعام، إلى لبن، إلى ليمون فرضاً، إلى الدواء الفلاني, المسكن الفلاني، فهذا الذي يزور المريض, وفي نيته أن علي أزوره, وأن أسأله عن صحته, وعند من تطبب, وما الدواء الذي أخذه؟ لا الأمر أعقد من ذلك، يجب أن تتعهده، وأن تتفقد أحواله، وأن تتلطف به، وأن تؤنسه، قد يكون مضطراً إلى إرسال رسالة أقعده المرض عن إرسالها، قد يكون مضطراً إلى تسجيل معاملة ينتهي وقتها بعد يومين أقعده المرض عن تسجيلها، قد يكون مضطراً إلى أن يفعل شيئاً أساسياً في حياته أقعده المرض عن ذلك، إذاً: عيادة المريض تعني: تفقد أحواله، التلطف به، إيناسه، تعهد حاجاته، هذا معنى عيادة المريض. المؤمن صاحب ذوق :
وإن النبي -عليه الصلاة والسلام- حينما أطلق العيادة؛ أي ليس لها وقتٌ خاص، ولكن المؤمن صاحب ذوق، في الوقت المناسب، في وقت الراحة لا في وقت النوم، ولا في وقت متأخر، ولا في وقت مبكر، صلى الصبح حاضر مر أمام بيته, قال: والله أزوره، هذا وقت غير وقت الزيارة، وقت راحة, وقت تهجد، وقت صلاة, وقت ذكر، مرّ الساعة الحادية عشرة في الليل، الثانية عشرة سوف أزوره لأنه مريض، المفروض أن يكون في الوقت مناسب.
النبي -عليه الصلاة والسلام- في بعض الأحاديث القدسية يروي هذا الحديث عن رب العالمين.

كيف نفهم هذا الحديث؟ :
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَا بْنَ آدَمَ مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِ.
-كيف نفهم هذا الحديث؟ الله سبحانه وتعالى نسب المرض إليه مجازاً تكريماً للمريض-. قَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ, أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَه
- لوجدت الثواب عنده، لوجدت الراحة عنده، لوجدت الأنوار عنده، لوجدت تجلي رب العالمين عنده-. يَا بْنَ آدَمَ اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْن, قَالَ: يَا رَبِّ وَكَيْفَ أُطْعِمُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فُلانٌ فَلَمْ تُطْعِمْهُ, أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي
-في العيادة لوجدتني عنده، في الإطعام لوجدت ذلك عندي-. يَا بْنَ آدَمَ اسْتَسْقَيْتُكَ فَلَمْ تَسْقِنِ, قَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ أَسْقِيكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: اسْتَسْقَاكَ عَبْدِي فُلانٌ فَلَمْ تَسْقِهِ, أَمَا إِنَّكَ لَوْ سَقَيْتَهُ وَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي))
علام يدفعنا هذا الحديث: يا بن آدم مرضت فلم تعدن .....؟ :
هل بعد هذا الحديث حديث يدفعنا إلى عيادة أخواننا في الله؟ يدفعنا إلى عيادة أقاربنا؟ ، حتى القريب الذي لا ترجو منه هِدايةً، لو عدته في مرضه لرأيته في حالٍ آخر، لرأيته قد صفت نفسه، ورقَّت روحه، وصار قريباً من أي حديثٍ ديني، وهو في قوته وشدته، قد يكون أبعد الناس عن هذا الحديث وعن هذا الموضوع، قد يقول لك: دعنا من هذا الحديث، ولكنك إذا زرته وهو مريض, لرأيت منه استجابةً لا تصدق، لذلك النفس عند المرض ترق، تصبح شفافة، تصبح قريبةً من الله عزَّ وجل، لأنه في أثناء العلاج, الإنسان في المرض يشعر بضعفه:
وخلق الإنسان ضعيفاً.
المرض من نعم الله على الإنسان، لو أن الإنسان لم يمرض إطلاقاً لظن أنه قوي، ولكن هذا المرض يحجمه, يعطيه حجمه الحقيقي، يجعله عبداً لا يقوى على شيء, ذهبت قوته، انهارت قِواه, ما هذا المرض؟ لو كشف الغطاء يوم القيامة, لرأيت أن المرض من نعم الله الكبرى على الإنسان، لعل المرض هو الذي حثه على التوبة، لعل المرض هو الذي عرفه بعبوديته، لذلك الكافر يعلو ويعلو ويعلو، إلى أن تدق رقبته في أيام، أما المؤمن كلما غفل رده الله، أما الكافر خطه البياني يصعد صعوداً حاداً, وهو يعتدُّ بنفسه, ويظن أنه لا أحد يستطيع أن يزحزحه عن مكانه، أياماً معدودة فإذا هو في أسفل سافلين، أما المؤمن له ترتيبٌ آخر، كلما زلت قدمه جاءه العلاج، كلما جاءه خاطر جاءه العلاج، كلما غفل جاءه العلاج، هذا من رحمة الله بالمؤمنين، المؤمن سنبلة تأتي الرياح فتميلها ثم تعود، ولكن الكافر كالشجرة العملاقة تأتي الرياح فتستأصلها من جذورها، وينتهي الأمر.
قصة إسلام هذا اليهودي :
إذاً: حينما أضاف الله المرض إلى ذاته، هذا تكريمٌ للمريض، وتشريفٌ له, وحينما قال: وجدتني عنده.
أي وجدت ثوابي وكرامتي في عيادة المريض، لذلك بعد هذا الدرس لا ينبغي لواحدٍ منا أن ينسى, أو أن يغفل عن عيادة أخٍ, أو قريبٍ, أو جارٍ.
وتروي الأخبار: أن النبي عاد جاره اليهودي، وكان يؤذيه كل يوم، انقطع الأذى أيام, فتوقع أنه مريض فعاده, وكانت هذه العيادة سبباً في إسلامه.
قصة توبة هذا المغني :
سيدنا أبو حنيفة كان له جار مغنٍ, وكان يزعجه طوال الليل، كل يوم يغني، ويضرب على العود, ويقول:
أضاعوني وأي فتىً أضاعوا ليوم كريهةٍ وطعان خلسي
فلما ألقي القبض عليه وسيق إلى السجن، ذهب أبو حنيفة بنفسه إلى صاحب السجن وتوسل له، وأخرج صاحب السجن كل من السجن إكراماً لمقدم أبي حنيفة، وفي طريق العودة قال: يا فتى هل أضعناك؟ تقول:
أضاعوني وأي فتىً أضاعوا ليوم كريهةٍ وطعان خلسي
فكانت هذه الزيارة سبب توبته، ويبدو أنه يلحق بهذه أن تزور إنساناً فقد حريته، أيضاً هذه الزيارة لها وقعٌ كبير, في أعلى درجة من درجات الصفاء، والإنابة إلى الله، أي أن كلماتك عن الله عزَّ وجل تأتيه كالبلسم، تأتيه كالدواء، تأتيه كالماء على عطش شديد، فإذا أكرم الله عزَّ وجل أحداً بالإيمان, لا يضن بوقته وبزياراته وبأحواله وبعلمه على هؤلاء المرضى، أو هؤلاء الذين فقدوا حريتهم.
بيان ما جاء في عيادة المريض :
وعن ثوبان -رضي الله عنه-, عن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال:
((إِنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا عَادَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ, لَمْ يَزَلْ فِي خُرْفَةِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَرْجِعَ, قيل: يا رسول الله وما الخرفة؟ -الخرفة على وزن غرفة- فقال عليه الصلاة والسلام: جناها))
يعني ثمارها. أي ليس في الجنة فقط بل يأكل من ثمار الجنة، ليس في الجنة فحسب بل يأكل من ثمار الجنة, هذا إذا عاد الإنسان مريضاً.
وعن عليٍ -كرم الله وجهه- قال:
((سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَعُودُ مُسْلِمًا غُدْوَةً -أي صباحاً- إِلا صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُمْسِيَ, وَإِنْ عَادَهُ عَشِيَّةً, إِلا صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُصْبِحَ, وَكَانَ لَهُ خَرِيفٌ فِي الْجَنَّةِ))
إن عدته صباحاً صلَّت عليك الملائكة؛ أي شعرت بالسعادة، وإن عدته مساءً صلَّت عليك الملائكة؛ أي شعرت بهذه السعادة التي تلقيتها من صلاة الملائكة عليك، والخريف هو الثمر المخروف في الجنة المجتنى. ما هي آداب عيادة المريض :
1- يستحب لعائد المريض أن يدعو له بالشفاء وأن يأمره بالصبر :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4608/03.jpg
الآن: ما هي آداب عيادة المريض؟ قال: أولاً: يستحب لعائد المريض أن يدعو له بالشفاء، وأن يأمره بالصبر, لحديث عائشة بنت سعد بن أبي وقاص، أن أباها قال:

((اشْتَكَيْتُ بِمَكَّةَ, فَجَاءَنِي رسول الله -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَعُودُنِي, وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى جَبْهَتِي, ثُمَّ مَسَحَ صَدْرِي وَبَطْنِي, ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْدًا وَأَتْمِمْ لَهُ هِجْرَتَهُ))
[أخرجه البخاري في الصحيح, وأبو داود في سننه]
وعن ابن عباسٍ -رضي الله عنهما- أن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال:
((مَنْ عَادَ مَرِيضًا لَمْ يَحْضُرْ أَجَلُهُ, فَقَالَ عِنْدَهُ سَبْعَ مِرَارٍ: أَسْأَلُ اللَّهَ الْعَظِيمَ رَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ أَنْ يَشْفِيَكَ, إِلا عَافَاهُ اللَّهُ عز وجل مِنْ ذَلِكَ الْمَرَضِ))
[أخرجه أبو داود والترمذي في سننهما]
أي إذا ابتهلت إلى الله ابتهالاً شديداً، وكنت محباً لهذا الأخ, ودعوت الله أن يشفيه, لعل الله عزَّ وجل يظهر له كرامتك عنده, وكرامته عنده, وأن يشفيه بهذا الدعاء، لذلك دعوة الأخ لأخيه لا ترد.
وعن عائشة, أن النبي عليه الصلاة والسلام كَانَ يُعَوِّذُ بَعْضَ أَهْلِهِ, يَمْسَحُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى وَيَقُولُ:
((اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ أَذْهِبِ الْبَاسَ, اشْفِهِ َأَنْتَ الشَّافِي, لا شِفَاءَ إِلا شِفَاؤُكَ, شِفَاءً لا يُغَادِرُ سَقَمًا))
[أخرجهما البخاري ومسلم في الصحيح]
هذا الدعاء النبوي إذا زرت مريضاً, فقل:
((اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ أَذْهِبِ الْبَاسَ, اشْفِهِ وَأَنْتَ الشَّافِي, لا شِفَاءَ إِلا شِفَاؤُكَ, شِفَاءً لا يُغَادِرُ سَقَمًا))
[أخرجهما البخاري ومسلم في الصحيح]
أي مرضاً.
وعن أبي عبد الله عثمان بن أبي العاص -رضي الله عنه-, أنه شكا إلى النبي -عليه الصلاة والسلام- وجعاً في جسده, فقال له: ((اجْعَلْ يَدَكَ الْيُمْنَى عَلَيْهِ, وَقُلْ: بِسْمِ اللَّهِ, أَعُوذُ بِعِزَّةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ سَبْعَ مَرَّاتٍ, فَقُلْتُ ذَلِكَ, فَشَفَانِيَ اللَّهُ))
هذا من أدب الذي يعود المريض أن يدعو له بالشفاء، ودعاء الأخ لأخيه لا يرد، ولعل الله يُظهر كرامتك عنده، ولعل الله يظهر كرامة المريض عندك، ولعل الله يظهر هذا الحب بينكما.
إذاً: إذا عدت مريضاً فادعُ له بالشفاء، بأية لغةٍ تشاء، أو بهذا الدعاء الذي دعا به النبي: ((اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ أَذْهِبِ الْبَاسَ, اشْفِهِ وَأَنْتَ الشَّافِي, لا شِفَاءَ إِلا شِفَاؤُكَ, شِفَاءً لا يُغَادِرُ سَقَمًا))
تحت أي باب تندرج هذه الأحاديث :
وكان عليه الصلاة والسلام يقول:
((لا بَأْسَ طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ))
[أخرجه البخاري في الصحيح]
هذه رواية ثانية وهذه مختصرة: لا بَأْسَ طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. عن أبي أيوب الأنصاري, أن النبي -عليه الصلاة والسلام- عاد أنصارياً فأكب عليه يسأله, قال:
((يا رسول الله, ما غمضت لي عينٌ منذ سبع ليال, ولا أحد يحضرني, لا أحد يزورني -أي أنه يبدو أن هذا الصحابي متألم ألماً شديداً، النبي زاره ألا يكفي هذا؟ يغنيه عن كل أصحابه- فقال النبي -عليه الصلاة والسلام-: أي أخي, اصبر تخرج من ذنوبك كما دخلت فيها))
وكلكم يعلم الحديث المشهور, عندما زار النبي صحابياً كان مريضاً, قال له: ((ادع الله أن يرحمني, قال: يا رب يرحمه, فقال الله عزّ وجل: كيف أرحمه مما أنا به أرحمه؟ وعزتي وجلالي لا أقبض عبدي المؤمن وأنا أحب أن أرحمه, إلا ابتليته بكل سيئةٍ كان عملها سُقْماً في جسده, أو إقتاراً في رزقه, أو مصيبةً في ماله أو ولده, حتى أبلغ منه مثل الذر, فإذا بقي عليه شيءٌ, شددت عليه سكرات الموت, حتى يلقاني كيوم ولدته أمه))
ألم تقل السيدة فاطمة: ((يا أبت لم لعنها الله؟ قال: ما بك يا بنيتي؟ قالت: حمّى لعنها الله, فقال عليه الصلاة والسلام: لا تلعنيها, فو الذي نفس محمدٍ بيده لا تدع المؤمن وعليه من ذنب))
فهي مكفِّرة. قف هنا :
دخل النبي -عليه الصلاة والسلام- على شخص:
فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِي اللَّهم عَنْهمَا-, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- دَخَلَ عَلَى رَجُلٍ يَعُودُهُ, فَقَالَ:
((لا بَأْسَ طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ, فَقَالَ: كَلا بَلْ حُمَّى تَفُورُ عَلَى شَيْخٍ كَبِيرٍ كَيْمَا تُزِيرَهُ الْقُبُورَ, فقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: فَنَعَمْ إِذًا))
أي أن عدَّ كلامه معصية، هذا المتشائم الذي يسيء الظن بالله عزَّ وجل، يعني إذا قال له الطبيب: المرض ليس له دواء، أين إيمانك: وإذا مرضت فهو يشفين؟ أين إيمانك: أليس الله قادراً على أن يشفيك؟ أتصدق كلام طبيب وتكذب كلام خالق الكون؟ ما المرض؟ بيدي الله عزَّ وجل، اسأل الأطباء جميعاً عن شيءٍ اسمه الشفاء الذاتي، مرضٌ عضال، مرضٌ مستفحل ليس له دواء، كيف يتلاشى وحده؟ لا أحد يعرف، وهناك آلاف القصص الواقعية التي أعرف أسماء أصحابها، مرضٌ عُضَال شفي بلا سبب، وإذا مرضت فهو يشفين، فالنبي عدَّ ذلك معصيةً.
قال علماء تفسير الحديث: فنعم إذاً؛ أي إذا كان الأمر كما ظننت فنعم.
لماذا التشاؤم؟ لماذا اليأس من رحمة الله عزَّ وجل؟ لعل النبي -عليه الصلاة والسلام- أراد أن يردعه.
2-يستحب للزائر أن يطيب نفس المريض :
الشيء الثاني: يستحب للزائر أن يضع يديه على مكان المرض, ويسمي الله تعالى, ويدعو للمريض لما تقدم، ويستحب للزائر أن يطيب نفس المريض باطماعه في الحياة، أن ينفس له في الأجل، أصابه مرض، زاره شخص قال له: كم عمرك؟ قال له: اثنان وأربعون عاماً، قال له: يكفيك ذلك، ما هذه العيادة هذه؟! يجب أن تنفس له في الأجل، أن تطمِّعه في الحياة، إن شاء الله عزَّ وجل يكرمك, وتزوج بناتك, وتفرح فيهم، وبناته صغار، أعمارهم سنتان وثلاثة, ومرضه شديد, فأن تدعو له أن يزوج بناته، ويكبروا, ويزوجهم، وترى أولادهم إن شاء الله، هكذا أدب الدعوة.
فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: إِذَا دَخَلْتُمْ عَلَى الْمَرِيضِ, فَنَفِّسُوا لَهُ فِي الأَجَلِ, فَإِنَّ ذَلِكَ لا يَرُدُّ شَيْئًا, وَهُوَ يَطِيبُ بِنَفْسِ الْمَرِيضِ))
فلا تيئسه من الشفاء، أو أن يكون المريض مقتنعاً بمرض, فيخبره الزائر بمرض خطير جداً، غير الذي هو مقتنع به، ويقول له: لا تصدق هذا مرضك من النوع الثاني، هذا كلُّه منهي عنه، دع ذلك للطبيب هو الذي يعرف . ((إِذَا دَخَلْتُمْ عَلَى الْمَرِيضِ, فَنَفِّسُوا لَهُ فِي الأَجَلِ, فَإِنَّ ذَلِكَ لا يَرُدُّ شَيْئًا, وَهُوَ يَطِيبُ بِنَفْسِ الْمَرِيضِ))
فلن يقرب أجله كلامك، ولا يبعد أجله تنفيسك له في الأجل، كلامك لا يقدم ولا يؤخر، لكن أسمعه كلاماً طيباً، الطريقة الأمريكية في المعالجة، يواجه المريض بأكبر كلمة، هناك من يموتون من سماع اسم المرض، يوجد حكمة أبلغ من ذلك، كأن يبلغوا أهله مثلاً، يبلغوا بشكل تدريجي وبشكل خفيف، ولعل الله يشفيه. قصة :
سمعت أن امرأةً مدرسة في المغرب, ولقد نسيت اسمها, ألفت كتاباً عنوانه: لا تنس ذكر الله، أصيبت بمرضٍ عضال، بورمٍ خبيث في ثديها، وحينما جابت كل أطباء فرنسا، فآخر طبيب أخبر زوجها أنه بقي في حياتها أسبوع، واضطر زوجها أن يخبرها بذلك، فأحبت أن تموت في البلاد المقدسة، وانتقلت إلى الديار المقدسة، ودخلت إلى الكعبة المشرفة، وطافت حولها ثمانية عشر شوطاً إلى أن أغمي عليها، لأنها يائسة، وقصةٌ طويلة ألفت في كتاب, قرأت عنه قبل أسابيع ملخص الكتاب، وحدثني أخٌ كريم عن ملخصه، وبعد هذا الطواف الشديد, وهذا البكاء والابتهال والتضرع والخشوع، واستمرت في ذلك أياماً عديدة, بلغت عشرين يوماً تطوف كل يوم، ولا تأكل شيئاً بل تشرب ماء زمزم، ثم تحسست أماكن الورم الخبيث فلم تجد شيئاً، فكاد عقلها يطير أو كاد أن يختل توازنها من شدة الفرح، عادت إلى فرنسا وأطلعت الطبيب على حالتها، فكان الطبيب في دهشةٍ بالغة، ليس هناك أي أثر, لكنه احتياطاً أعطاها دواء هذا الدواء أسقط شعرها كلّه، فتألمت ثانيةً ألماً شديداً، ورأت النبي -عليه الصلاة والسلام- وشكت له سقوط شعرها، فمسح بيده الشريفة على رأسها ونبت شعرها بسرعةٍ غريبة، وهي الآن تتمتع بأتم أنواع الصحة، وعادت إلى الله عودةً وتابت توبةً لو وزعت على أهل بلدٍ لكفتهم، ومرضها عضالٌ خبيث ظهر في أماكن عدة من جسمها.
الذي عند الله ليس عند العبيد، اليأس نوعٌ من أنواع الكفر بالله، والقنوط من رحمة الله من صفات الكافرين:
﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾
[سورة الزمر الآية: 53]
فهو كما قال الشاعر:
نزلت فلما استحكمت حلقاتها
فرجت وكنت أظن أن لا تُفرَج: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً﴾
[سورة الطلاق الآية: 2]
يتقي الله؛ أي كان هناك إحكام، كلمة: ﴿يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً﴾
[سورة الطلاق الآية: 2]
كان في حلقة محكمة حولك ففتح مخرج. 3-يستحب لعائد المريض أن يطلب منه الدعاء :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4608/04.jpg
الآن: يوجد شيء جديد في آداب العيادة: يستحب لعائد المريض أن يطلب منه الدعاء ، قال: فإن دعاء المريض مستجاب، لحديث أنس بن مالك, أن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال:

((عودوا المرضى ومروهم فليدعوا لكم, فإن دعوة المريض مستجابةٌ وذنبه مغفور))
[أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط]
لأنه رقيق قريب من الله عزَ وجل، دائماً المريض تجده صافياً.


4-يستحب تخفيف العبادة :
ويستحب تخفيف العيادة، النبي الكريم عيرها قال:
((فُوَاقَ نَاقَةٍ))
واحد جلس ثلاث ساعات أصبحوا حلبتين وليس ناقة:
العيادة فُوَاقَ نَاقَةٍ.
أي مقدار حلب ناقة عشر دقائق، تخفيف العيادة وعدم تكريرها، إلا إن رغب المريض ذلك في حالات خاصة، المريض مرتاح تماماً, وآكل, ومنظف نفسه, وجالس, والساعة العاشرة صباحاً, والشرفة مشمسة, يشعر بضيق, وأتيت لعنده، قال لك: والله تجلس، إذا هو ألح عليك بالجلوس، وأنت معك وقت، وهو مرتاح ولا يوجد أي مشكلة، هذا استثناء، إلا أن يرغب المريض في إطالتها.
يبدو أن النبي -عليه الصلاة والسلام- لما أصيب سعد يوم الخندق، ضرب النبي عليه خيمةً في المسجد, ليعوده أكثر أصحابه, من أجل أن يستأنس بهم, قال له: اجلس في المسجد.
وهذه يقاس عليها, إذا كان في غرفة في جانب الباب, فتكون أيسر للعوَّاد، إذا كان لك بيتان؛ بيت قريب وبيت بعيد, فاختر البيت القريب من البلد. 5-يستحب لعائد المريض ألا يتناول عند المريض طعاماً ولا شراباً :
قال: يستحب للعائد ألا يتناول عند المريض طعاماً ولا شراباً.
هنا حكمة النبي عليه الصلاة والسلام، توجد أمراض معدية, وأنت مثقف ثقافة طبية, وتعرف أن هذا المرض التهاب كبد معدي، لا تريد شيئاً، فيقولون لك: لا لا بدَّ من كأس من الشراب, وأنت لا تريد أن تشرب عنده، لا بدَّ من أن يطعموك أو فواكه، فلعلة العدوى هذه بعض الحكم، أو لعلة أن هذا المريض منعه الطبيب من هذه الأكلة، فإذا أكلتها أمامه قد يشتهيها, وقد يأكلها مغلوباً, فيتأخَّر شفاؤه، هذه الحكمة الثانية؛ أما الحكمة الثالثة:
قد يكون أهل المريض في شغل، حتى صنع فنجان من القهوة, صعب عليهم, ومشغولين، أو قد يكون لا يوجد أحد يقدم لك القهوة, وزوجته في الداخل، وأنت جالس، وهو لا يستطيع أن يقوم من الفراش، ونقروا الباب وخذوا القهوة، فالنبي الكريم هكذا قال:
إذا عاد أحدكم مريضاً, فلا يأكل عنده شيئاً, فإذا أكل عنده شيئاً, فهذا حقه من عيادته.
ذهب أجره, إلا أن يعود الأصل الفرع، الأب إذا زار ابنه:
أنت ومالك لأبيك.
هذه لها استثناء.
ما يتعلق بموضوع شكاية المريض :
يوجد عندنا موضوع شكاية المريض، فالمريض له الحق في أن يقول مثلاً: لم أنم البارحة طوال الليل، آلام لا تطاق مثلاً, ما حكم هذا في الشرع؟
قال: لا بأس أن يخبر المريض بما يجده من ألمٍ لا على سبيل الضجر والسخط مبتدئاً بحمد الله تعالى, يقول: الحمد لله أشعر كذا كذا، يؤلمني كذا وكذا، أشعر أن حرارتي مرتفعة، أشعر أن قواي منهارة، أشعر أن ألماً وصداعاً في رأسي شديداً، إذا قال المريض هذا الكلام لمن يعوده لا بأس عليه، لكن عليه أن يقدم الشكر قبل الشكوى, الحمد لله على كل حال, لكن البارحة لم أنم الليل من شدة الألم في رأسي، إذا شكر قبل أن يشتكي فلا يشتكي، فهذا ليس شكوى.
إذا كان الشكر قبل الشكوى فليس بشاكٍ.
قال: إن الألم لا يقدر أحدٌ على رفعه, والنفوس مجبولةٌ على وجدان ذلك, فلا يستطاع تغيرها عما جبلت عليه، وإنما كلّف العبد ألا يقع منه في حال المصيبة ما له سبيلٌ إلى تركه، كالمبالغة في التأوّه والجذع الزائد.
النبي بكى حينما مات ابنه إبراهيم، فقالوا:

((أتبك!! فقال: نعم، إن العين لتدمع, وإن القلب ليخشع, ولا نقول ما يسخط الرب, وإنا عليك -يا إبراهيم- لمحزونون))
هذا موقف النبي عليه الصلاة والسلام؛ أي أن الصبر ليس معناه أن تصبح إنساناً آخر كالحجر، لا أنت بشر من لحمٍ ودم، والألم ليس مخالفاً للسنة، ولكن الذي يخالف السنة أن تضجر، أن تكفر، أن تتذمر، كأن تقول: ماذا فعلت؟ أن تقول كلام يتناقض مع الإيمان، أما الألم مع الرضا هذا مقبول. نقطة هامة :
أيضاً هناك شيء آخر: هناك من يشكو إلى الله وهناك من يشكو على الله، إذا شكوت إلى مؤمن فإنما تشكو إلى الله، وإذا شكوت إلى كافر فكأنما تشكو على الله، الدليل: لما سيدنا يعقوب قال:
﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾
[سورة يوسف الآية: 86]
وسيدنا أيوب الله عزَّ وجل أخبرنا أنه صابر: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً﴾
[سورة ص الآية: 43]
ومع ذلك قال: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾
[سورة الأنبياء الآية: 83]
قال الشاعر: وإذا عراك بليةٌ فاصبـر لها
صبر الكــريم فإنـه بك أعلم
وإذا شكوت إلى ابن آدم إنما
تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم

أي أن من أكمل المواقف أن تكون شكواك إلى الله وحده، أما إذا شكوت إلى مؤمن فهذا من قبيل التنفيس، والشكوى إلى مؤمن شكوى إلى الله، بينما الشكوى إلى كافر هي شكوى على الله.خاتمة القول :
الحديث الشريف الذي أخرجه الشيخان والنسائي:
فعن أَبَي هُرَيْرَةَ يَقُولُ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ مِنْه))
[أخرجه البخاري في الصحيح, ومالك في الموطأ]
نحن نعرف يفقه في الدين، هذا الحديث: مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ مِنْهُ.
معناها أنت مطموع فيك، معناها أنت قابل للتربية، معناها أنت غالٍ على الله، معناها أنت فيك خير كبير جداً، معناها أنت قريب كثيراً من الحق، فهذا المرض جاء ليدفعك إلى بابه الكبير، أما الميئوس منه، خارج الاهتمام، خارج المعالجة هذا:
﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾
[سورة الأنعام الآية: 44]
دققوا في هذا الكلام: ﴿حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة﴾
ثلاثة أيام.
وعن مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: ((إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ قَوْمًا ابْتَلاهُمْ, فَمَنْ صَبَرَ فَلَهُ الصَّبْرُ, وَمَنْ جَزِعَ فَلَهُ الْجَزَعُ))
[أخرجه الإمام أحمد في مسنده]
إذا صبرت فهذا دليل نجاحك في الإيمان.
وعن عَائِشَةَ -رَضِي اللَّهم عَنْهَا زَوْجَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَتْ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: مَا مِنْ مُصِيبَةٍ تُصِيبُ الْمُسْلِمَ إِلا كَفَّرَ اللَّهُ عَنْهُ بها, حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, والترمذي في سننه, ومالك في الموطأ]
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: ((مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلا وَصَبٍ وَلا هَمٍّ وَلا حُزْنٍ وَلا أَذًى وَلا غَمٍّ, حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا, إِلا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ))
أعتقد أحاديث كافية جداً أن الإنسان يقبل المرض، وأن يصبر عليه, وأن يعود المريض، وفي درسٍ آخر إن شاء الله تعالى نتحدث عن التداوي، التداوي له حكم دقيق جداً، ترك التداوي معصية لله عزَّ وجل.

والحمد لله رب العالمين

السعيد 07-28-2018 07:29 AM

رد: حق المسلم على المسلم
 
بسم الله الرحمن الرحيم

حق المسلم على المسلم

الدرس : ( الخامس )

الموضوع : حق زيارة المريض - شرعية التداوى من الامراض






الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. ما حكم الشرع في التداوي؟ :
أيها الأخوة الأكارم, لا زلنا في الحديث عن الحقوق، تحدثنا عن حقوق الزوجة على زوجها، والزوج على زوجته، وحقوق الآباء على أبنائهم، والأبناء على آبائهم، وحقوق المسلم على المسلم, ومرَّ بنا من هذه الحقوق حق النصيحة، وحق إجابة الدعوة، وحق عيادة المريض ، وموضوع عيادة المريض، نقلنا إلى موضعٍ فرعي ألا وهو حكم الشرع في التداوي.
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4609/01.jpg
فالتداوي من هدي النبي عليه الصلاة والسلام، إنك مكلّف أن تعبد الله وفق ما أمر الله، وكنت أقول لكم دائماً:
إنَّ العمل الصحيح لا بدَّ من أن يتوافر فيه شرطان؛ الشرط الأول: أن يكون خالصاً، والشرط الثاني: أن يكون صواباً، والإخلاص أن تبتغي بهذا العمل وجه الله عزَّ وجل، والصواب أن يكون مطابقاً للسنة النبوية، ففي كل حركاتك وسكناتك، في كل مواقفك، في كل تصرفاتك، في كل نشاطك، في كل حركتك على وجه الأرض، يجب أن تقتفي أثرّ النبي عليه الصلاة والسلام, لأن الله سبحانه وتعالى يأمرك أن تقتفي أثره:
﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾
[سورة الحشر الآية: 7]
أنت بنص القرآن الكريم في آيةٍ محكمةٍ قطعية الدلالة, يأمرك الله سبحانه وتعالى أن تقتفي أثر النبي عليه الصلاة والسلام. هذا حدود خيار المؤمن :
أحياناً: يجتهد المؤمن اجتهاداً مخالفاً للسنة، وكلّكم يعلم: أنه لا اجتهاد في مورد النص، ما دام هناك نصٌ صحيح في القرآن أو في السنة, فأنت ليس لك خيار، متى ينتهي خيارك؟ إذا رأيت النص الصحيح: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾
[سورة الأحزاب الآية: 36]
قضى الله في القرآن الكريم، وقضى النبي في سنته المطهرة، فإذا وجدت نصاً قرآنياً قطعي الدلالة أو نصاً نبوياً قطعي الثبوت قطعي الدلالة أو ظني الثبوت قطعي الدلالة, فينبغي أن تقتفي أثر هذا النص أو هذه السنة. هذا عين الجهل :
لذلك هناك من يجتهد في أمر صحته وصحة ذويه، فقد لا يأخذ امرأته إلى الطبيب بدعوى الحرص على ألا يراها الأجنبي، بدعوى الغيرة، بدعوى الورع، فإذا ماتت هذه المرأة بسبب الإهمال, يحاسب الزوج على ذلك حساباً عسيراً، اتباع السنة أولى من أن تجتهد، دليل هذا:
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4609/02.jpg
أن النبي -عليه الصلاة والسلام- حينما نهى أصحابه عن أن يركبوا جملاً حروناً، وبعض أصحابه اجتهد أن يذهب مع النبي -عليه الصلاة والسلام- إلى الجهاد، وركب جملاً حروناً, ووقع من عليه, ودقَّت عنقه, وأبى النبي -عليه الصلاة والسلام- أن يصلي عليه، لأنه مات عاصياً، فأنت لا ينبغي أن تعبد الله وَفْق ما تريد، بل كما يريد الله عزَّ وجل, وإرادة الله جاءت محكمةً في القرآن الكريم ومفصلةً في السنة النبوية.
فإنسان يمتنع عن تعاطي الدواء، بدعوى أن الشافي هو الله، هذا جهل.
((من أكل التراب فقد أعان على قتل نفسه))
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4609/03.jpg
أي من أكل فاكهة من دون أن يغسلها، وقال: يا أخي سَمِّ الله وكل فالحافظ هو الله، هذا عين الجهل، أنت كمؤمن ينتهي خيارك وتنتهي آراؤك وتنتهي اجتهاداتك حينما ترى السنة النبوية المطهرة، منهجٌ دقيقٌ دقيق رسمه النبي عليه الصلاة والسلام لا من عند نفسه؛ ولكن من عند خالق الكون:
﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾
[سورة النجم الآية: 3-4]
فهذا الذي يجتهد بعدم تعاطي الدواء، هذا الذي يقول: سلمت أمري لله، هذا الذي يقول: توكلت على الله، هذا الذي يقول: لا شافي إلا الله، هذا الذي يقول: أنا أغار أنا لا أتحمل أن يرى طبيبٌ أجنبي وجه زوجتي، إذاً لن آخذها إلى عيادة الطبيب، هذا هو عين الجهل.
أحد أسباب تخلف المسلمين :
أعيد على أسماعكم مرةً ثانية: يجب أن تعبد الله كما يريد الله لا كما تريد أنت، ربما كان أحد أسباب تخلُّف المسلمين هو فهمهم السقيم للتوحيد، وفهمهم السقيم للتوكل، إن الله سبحانه وتعالى يقول, يحدثنا عن ذي القرنين, ويقول في سورة الكهف: http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4609/04.jpg

﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآَتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً * فَأَتْبَعَ سَبَباً﴾
[سورة الكهف الاية: 84-85]
وعن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ -رَضِي اللَّه عَنْه-, قَالَ رَجُلٌ لرَسُولَ اللَّهِ:
((أَعْقِلُهَا وَأَتَوَكَّلُ أَوْ أُطْلِقُهَا وَأَتَوَكَّلُ, قَالَ: اعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ))
[أخرجه الترمذي في سننه]
هل هناك تناقضٌ بين أن تعقلها وبين أن تتوكل؟ الشرك الخفي أن تعتمد على الأسباب، ولكن التوحيد الجلي أن تأخذ بها، وهذا هو الخيط الدقيق بين الشرك الخفي وبين التوحيد الجلي، التوحيد أن تعتمد على الله وأن تأخذ بالأسباب، والشرك الخفي أن تعتمد على الأسباب.
يقول: الدراهم مراهم، بالمال يحل كل شيء، بالذكاء يحل كل شيء، هذا الكلام عين الشرك:
ولا ينفع ذا الجد منك الجد.
هل يوجد تناقض بين التوحيد وبين الأخذ بالأسباب؟ :
الآية الكريمة التي تتحدث عن اليهود الذين أجلاهم الله عزَّ وجل، وقد وردت قصتهم في سورة الحشر، ومن آيات هذه السورة:
﴿مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا﴾
[سورة الحشر الآية: 2]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4609/05.jpg
أي أنتم أيها المسلمون بحسب المعطيات المادية, ظننتم أو غلب على ظنكم أو تيقنتم أنهم لن يخرجوا, أما هم:

﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ﴾
[سورة الحشر الآية: 2]
اليهود اعتمدوا على حصونهم، والمؤمنون في ساعة غفلةٍ أو في ساعة غيبوبة: رأوا أن هؤلاء اليهود بأيديهم من وسائل المنعة والتحصُّن الشيء الكثير:
﴿مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾
[سورة الحشر الآية: 2]
لذلك الفعال هو الله عزَّ وجل، وأنت إذا أخذت بالأسباب, ليس معنى هذا أنك لست موحداً، أي إذا عالجت زوجتك, أو عالجت نفسك، أو تعاطيت الدواء, ليس معنى هذا أنك تعتمد عليه، الاعتماد عليه شرك، ولكن الاعتماد على الله توحيد، وليس هناك تناقضٌ بين التوحيد وبين الأخذ بالأسباب.
ما معنى هذه الآية؟ :
إذاً: موضوعنا اليوم حول التداوي، والله عزَّ وجل قال في القرآن الكريم على لسان سيدنا إبراهيم: http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4609/06.jpg

﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾
[سورة الشعراء الآية: 80]
الشافي هو الله، وقد وضع لهذا الجسم سنناً دقيقةً جداً؛ فإذا أراد أن يشفيك، ألهم الطبيب أن يأتي تشخيصه للدواء صحيحاً, وتأخذ الدواء، ويفعل الدواء فعله بإذن الله، وتـشفى من المـرض، هـذا معنى قوله تعـالى:
﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾
[سورة الشعراء الآية: 80]
قد يفهم بعضهم هذه الآية فهماً مغلوطاً، يعني فهو يشفين من دون سبب، الله عزَّ وجل يعطي بسبب ويأخذ بسبب، إذا أراد أن يعطيك يعطيك بالأسباب التي خلقها، بالأسباب التي صممها، بالأسباب التي بنى عليها الكون، بالأسباب التي بنى عليها الجسم، أي إذا قلت: إن الله هو الشافي, معنى ذلك: أنه يشفي إذا اتبعت منهجه في تعاطي الدواء، فيكفي أولاً أن يلهم الطبيب التشخيص الصحيح، وثانياً يلهمه الدواء الفعال، ويمكّنك من أخذ الدواء، وقد أودع في الدواء قوة الشفاء فيما يبدو, عندئذٍ تشفى بإذن الله.
علام يطلعنا هذا الحديث؟ :
وسيأتي معنا بالتفصيل: كيف أن هذه الحقائق المهمة جداً في التوحيد وردت في تفصيلات أحاديث التداوي؟.
فعَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ, عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ قَالَ:
((لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ, فَإِذَا أُصِيبَ دَوَاءُ الدَّاءِ بَرَأَ بِإِذْنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ))
يعني ما خلق الله داءً إلا وخلق له دواء. ((لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ -هكذا يقول النبي -عليه الصلاة والسلام- وهو:
﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾
[سورة النجم الآية: 3-4]
فَإِذَا أُصِيبَ دَوَاءُ الدَّاءِ - أي متى لا ينفع الدواء؟ إن لم يكن هذا الدواء لهذا الداء، إذاً من توفيق الله عزَّ وجل للطبيب أن يلهمه التشخيص الصحيح والدواء المناسب- بَرَأَ بِإِذْنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ))
هل الأسباب وحدها تصنع النتائج؟ :
هنا تطالعنا نقطة في التوحيد مهمة جداً: الأسباب وحدها لا تصنع النتائج، فإذا اعتقدت أن الأسباب وحدها تصنع النتائج فهذا شرك.
فالنار لا تحرق إلا إذا شاء الله لها أن تحرق، لذلك لخص علماء السنة والجماعة هذه العقيدة بكلمتين, قالوا: عندها لا بها.
يعني النار تحرق إذا شاء الله لها أن تحرق، والماء يروي إذا شاء الله له أن يروي، والماء ينبت الزرع إذا شاء الله له أن ينبت الزرع، والأشياء -كما يقول علماء التوحيد-: قائمةٌ بالله, وأفعالها قائمةٌ بالله, ولا يقع شيءٌ إلا بأمر الله.
فقال عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث الشريف الذي أخرجه مسلم:
((لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ, فَإِذَا أُصِيبَ دَوَاءُ الدَّاءِ بَرَأَ بِإِذْنِ اللَّهِ))
[أخرجه مسلم في الصحيح]
لو لم يقل بإذن الله عزَّ وجل، لو قال: فإذا أصاب دواء الداء برَأ, معنى ذلك: أن الأسباب تصنع النتائج.
انظر إلى ما قاله الإمام السبكي :
الإمام السبكي يقول: إن التداوي مذهب الجمهور, وفيه ردٌ على من أنكر التداوي من غلاة الصوفية.
بعض الصوفيين المغالين ينكرون التداوي، ويدَّعون واهمين أن التداوي يتناقض مع القضاء والقدر.
وكلّكم يعلم: أن سيدنا عمر -رضي الله عنه- حينما كان على مشارف الشام, وقد بلغه أن بها داءً وبيلاً, امتنع عن دخولها، أصحابه وقفوا موقفين بين أن يدخلوها ويتوكلوا على الله, وبين أن يحجموا عن دخولها -آخذين بالأسباب- سيدنا عمر وقف موقف المحتاط، وامتنع من دخول المدينة، فلما قال له بعضهم: أفراراً من قضاء الله؟ قال: نعم نفر من قضاء الله إلى قضاء الله.
-يعني المرض بقضاء الله والشفاء بقضاء الله- وضرب مثلاً:
لو أن لك قطيعاً من الغنم وأمامك أرضان؛ إحداهما مجدبة والثانية مخصبة، إن رعيتها في المجدبة رعيتها بقضاء الله، وإن رعيتها في المخصبة رعيتها بقضاء الله، قال له: نعم, نفر من قضاء الله إلى قضاء الله.
متى ينعكس على حياة المؤمن التخلف والتراجع والتدهور؟ :
لذلك: فإن العلماء فرقوا بين القضاء والمقضي، أحياناً يأتيك شيءٌ ليس مرغوباً فيه، تستسلم له, ليس هذا من أخلاق المؤمن ولا من عقيدته بل يجب أن ترده، إذا كان هذا الشيء الآتي مزعجاً وهو من قضاء الله عزَّ وجل فردَّه أيضاً من قضاء الله عزَّ وجل، ولولا هذه العقيدة الصحيحة لما قامت الحياة ولما استقامت الحياة، وما من مؤمنٍ يعتقد خلاف هذه العقيدة إلا انعكس هذا على حياته تخلُّفاً وتراجعاً وتدهوراً.
أليس كلُّ شيءٍ بقضاءٍ من الله وقدر كما قال عليه الصلاة والسلام؟ لماذا أمرنا بالدعاء؟ أليس كل شيءٍ بقضاء الله وقدر؟ لماذا أُمِرنا ألا نلقي بأيدينا إلى التهلكة؟ أليس كل شيءٍ بقضاءٍ من الله وقدر؟ إذاً: قد يفهم الإنسان القضاء والقدر فهماً سقيماً, فيصبح على هامش الحياة ويصبح في آخر الركب، والمسلمون ليسوا كذلك.
من سنن الله في خلقه :
أسامة بن شريك قال:
((أَتَيْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَصْحَابَهُ كَأَنَّمَا عَلَى رُؤوسِهِمُ الطَّيْرُ فَسَلَّمْتُ ثُمَّ قَعَدْتُ, فَجَاءَ الأَعْرَابُ مِنْ هَا هُنَا وَهَا هُنَا, فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَتَدَاوَى؟ فَقَالَ: تَدَاوَوْا, فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلا وَضَعَ لَهُ دَوَاءً غَيْرَ دَاءٍ وَاحِدٍ الْهَرَمُ))
أي أن الهرم هذه سنة الله في خلقه.
تعليق :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4609/07.jpg
لكن بالمناسبة تعليق بسيط: أي من شب على شيءٍ شاب عليه، ومن شاب على شيءٍ مات عليه، ومن مات على شيءٍ حُشر عليه.
يعني القصة المعروفة، هذا الذي بلغ السادسة والتسعين أو السابعة والتسعين, وقد أمضى سبعين عاماً في تعليم الناس الخير، تعليم الناس القرآن، وكان صحيح الجسم، وكان مستقيم القامة، وكان حادَّ البصر، وكان مرهف السمع، وكانت أسنانه في فمه، فقال له تلامذته:
يا أستاذنا الكريم, ما هذه الصحة التي أكرمك الله بها؟ قال: يا بني حفظناها في الصغر فحفظها الله علينا في الكبر، من عاش تقياً عاش قوياً.
لذلك من تعلم القرآن متعه الله بعقله حتى يموت، البطولة ليس في مقتبل العمر، ولكن في خريف العمر، فإذا كانت لك بدايةٌ محرقة كانت لك نهايةٌ مشرقة, بقدر جدِّك وسعيك وورعك واستقامتك وطلبك للعلم وأنت في ريعان الشباب، بقدر ما يهيئ الله لك عمراً في خريف العمر, تشعر أن كل هذه الثمار تقطفها في هذا الوقت الحرج.
ما نوع هذه الصيغة؟ :
فهذا الحديث أخرجه الإمام أحمد والترمذي والنسائي, وقال الترمذي: حسنٌ صحيح.
((تَدَاوَوْا, فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلا وَضَعَ لَهُ دَوَاءً غَيْرَ دَاءٍ وَاحِدٍ الْهَرَمُ))
وعن ابن مسعودٍ, أن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: ((إن الله لم ينزل داءً إلا أنزل له شفاءً فتداووا))
هذه الصيغة ما نوعها؟ فعل أمر، والأمر يقتضي الوجوب, أمر النبي -عليه الصلاة والسلام- يقتضي الوجوب.
تعلمون أن هناك أمر إباحة، وأمر وجوب, وأمر تهديد، وأمر ندب, هذا أمرٌ يقتضي الوجوب -تداووا- فأنت ليس لك خيار, لكن أحياناً لست متأكداً أن هذا الدواء يشفي، هنا أنت مخير، هنا يصبح التداوي مباحاً، أما إذا غلب على ظنك، ما معنى غلب على ظنك؟ تسعون في المائة، الشك خمسين، الوهم ثلاثين تقريباً، الظن سبعين، غلبة الظن تسعين، اليقين مائة، إذا غلب على ظنك أن هذا الدواء يشفيك من مرضك، أصبح التداوي حكماً شرعياً يرقى إلى مستوى الفرض، أما إذا كنت شاكاً في فعالية الدواء أصبح الأمر مباحاً. ما دام لكل داء دواء: هل يحتمل هذا النص العموم؟ :
الآن سؤال: ما دام لكل داءٍ دواء, يا ترى هل يحتمل هذا النص العموم؟ فأي داءٍ له دواء؟ الأمراض الخبيثة ليس لها دواء، هناك قائمةٌ من الأمراض التي ليس لها دواء، فالعلماء وقفوا أمام هذا الحديث موقفين بعضهم, قال: إن هذا الحديث يقتضي العموم.
((وما من داءٍ خلقه الله عزَّ وجل إلا وله دواء))
ولكن الإنسان قد لا يعرفه، هناك أمراضٌ كثيرة في حينها لم تكن معروفة الدواء، ثم جاء وقتٌ إذا هي قد عُرفت أدواؤها، هذا موقف أول، والموقف الثاني: أن الداء الذي حينما خلقه الله عزَّ وجل خلقه ليشفى, خلق له دواءً؛ إما أن تأخذ المعنى الأول، وإما أن تأخذ المعنى الثاني. ما سبب مرض الإيدز؟ :
ولكن بكل تأكيد: أن النبي -عليه الصلاة والسلام- حينما حدث أصحابه في موضوع الزكاة, وقال:
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ, قَالَ:
((أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ, خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ, وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ: لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا, إِلا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلافِهِمِ الَّذِينَ مَضَوْا))
[أخرجه ابن ماجة في سننه]
حتى يعلنوا بها: حتى يفخروا بها، حتى يحملوا بطاقات، مرخصٌ لهم أن يفعلوا كذا وكذا، طبعاً مرض الإيدز -كما تعلمون الآن- هو الشبح المخيف بالعالم.
في بعض الإحصاءات: أن العقد القادم يحتمل أن يصاب بهذا المرض ما يزيد عن خمسين مليون إنسان، وهذا المرض بكل بساطة بسبب انحراف أخلاقهم. هذه العلاقة العلمية بين المعصية ونتائجها :
لذلك هناك من يقول: إن بين المعصية وبين نتائجها علاقةً علمية، أي علاقة سببٍ بنتيجة، فالذي حرمه الله عزَّ وجل له نتيجةٌ علمية متعلقةٌ بالسبب، فهذا مرض الإيدز أحد هذه الأمراض التي تنبئنا بصدق النبي -عليه الصلاة والسلام-:
إلا ابتلاهم الله بأمراضٍ لم تكن في أسلافهم.
طبعاً الإنسان حينما يسير وفق هواه، حينما ينطلق من عقال شهواته ونزواته يدفع الثمن غالياً.
لا تنسوا قوله تعالى:
﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾
[سورة طه الآية: 123]
لا يضل عقله ولا تشقى نفسه: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾
[سورة طه الآية: 124]
ولا تنسوا قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾
[سورة الجاثية الآية: 21]
إن الله يعطي الصحة والذكاء والجمال والمال للكثيرين من خلقه، ولكنه يعطي السكينة بقدرٍ لأصفيائه المؤمنين.
متى ينجح الطبيب؟ :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4609/08.jpg
فإذا أصاب دواء الداء، إذاً الطبيب متى ينجح؟ إذا اهتدى إلى شيئين، إذا اهتدى إلى معرفة المرض، وإذا اهتدى إلى الدواء، فإذا أصيب دواء الداء؛ عرف الداء وعرف الدواء والتقيا تقاطعا، لذلك قال الشاعر:

إن الطبيب له عــلمٌ يُدِلُّ به إن كان للناسِ في الآجالِ تأخيرُ
حتى إذا ما انتهت أيام رحلته حار الطبيبُ وخانتــه العقاقيرُ

حار الطبيب في تشخيص الداء، وخانته العقاقير في وصف الدواء.
بعضهم قال: إن الأمراض القاتلة التي لا يمكن للطبيب أن يبرئها, لعل الله سبحانه وتعالى استأثر لنفسه بدوائها، فإذا شاء شفي المريض من هذا المرض العضال.
وهذا ما يفسره الأطباء بالشفاء الذاتي، ورم خبيث مستفحل من الدرجة الخامسة كيف انحسر من دون سبب؟ لعل الله عزَّ وجل هو الذي يستأثر بالدواء، شاء لهذا المريض أن يشفى فشفاه، شفاه من دون أن يعلم الأطباء كيف شفي، هذا بعض تفسيرات الحديث. إليكم بعض الأحكام الشرعية المتعلقة بالتداوي :
نصلُ الآن إلى بعض الأحكام الشرعية المتعلقة بالتداوي.
قالوا: ينبغي أن يكون الطبيب الذي يعالج المرضى المسلمين، ينبغي أن يكون مسلماً.
هل هناك علّة لهذا الحكم الشرعي؟ طبعاً، قد يصف هذا الطبيب دواءاً محرَّماً، قد يصف للمريض النبيذ، ويقول لك: هذا يعطيك حرارة، يجب أن يكون الطبيب مسلماً, لأن المسلم يطبِّق المنهج الإلهي.
ما عند الله لا ينال بمعصية الله، ما جعل الله شفاءه في ما حرَّم .
فالطبيب غير المسلم قد يكشف عن العورات، قد ينظر إلى العورات، قد يصف الدواء غير الشرعي، فلذلك ينبغي أن يكون الطبيب مسلماً ثقةً، ومن هنا؛ ففي كل نصيحة أو في كل توجيهٍ في شأن الصيام والإفطار والإجهاض وما شاكل ذلك، لا يقبل إلا رأي الطبيب المسلم الحاذق الثقة، مسلم حاذق ثقة، مسلم انتماؤه، والحاذق مهارته, والثقة ورعه، مثلاً:
الطبيب قال لي: افطر، أي طبيبٍ هذا, قال لك: افطر؟ لا يجوز أن تفطر إلا برأي طبيبٍ مسلمٍ حاذقٍ ثقة.
رأي العلماء: ويكره لغير ضرورةٍ طلب التداوي من غير المسلمين.
فأحياناً طبيب لا يخاف الله عزَّ وجل يعطي كورتيزون، الكورتيزون له مفعول سريع جداً، فالألم يزول فوراً، لكن هذا الدواء له مضاعفات خطيرة، أما المسلم فإنه يخاف الله عزَّ وجل، يفضِّل ألف مرة أن يتألم المريض وألا يكون هذا الدواء خطراً على مستقبل حياته.
متى يجوز الاستعانة بطبيب غير مسلم؟ :
قالوا: أما إذا دعت الضرورة لذلك فلا مانع.
النبي استأجر دليلاً لطريق الهجرة إلى المدينة المنورة، فلذلك يجب عليك أن تذهب عند الطبيب المسلم، فإذا كان الطبيب المسلم معلوماته ضعيفة والمرض خطير، والطبيب غير المسلم معلوماته جيدة جداً، نفضل عندئذٍ الطبيب غير المسلم.
قال: أما إذا دعت الضرورة فلا كراهة إذا كان خبيراً ثقةً عند المريض.
وقد روي أن النبي -عليه الصلاة والسلام- استعان بطبيبٍ غير مسلم.
هل يجوز للمرأة الأجنبية أن تعالج الرجل؟ :
كما لا يجوز للمرأة الأجنبية أن تعالج الرجل إلا لضرورة -معنى الأجنبية ليس المقصود أنها غير مسلمة، بل أية امرأةٍ ليست من محارمك فهذه امرأة أجنبية، فلا ينبغي أن تعالج المرأة الأجنبية مسلماً إلا لضرورةٍ قصوى وتعلمون السبب-.
وينبغي أن تعالج المرأةُ المرأة.
-يعني إذا كانت هناك طبيبة والمرض خفيف وعادي، وفي إمكان هذه الطبيبة المسلمة أن تعالجه، عندئذٍ كن ورعاً ولا تأخذ زوجتك لعند طبيبٍ طبعاً ذكر، الطبيبة الأنثى أولى في معالجة الأنثى من الطبيب، والأسباب معروفة.
قال-: فإذا اضطر الطبيب أن يعالج امرأة, عليه أن يستر جسدها.

هذا ما يصنعه الأطباء المؤمنون :
أخواننا الأطباء المؤمنون, بارك الله بهم, عندهم أغطية بيضاء, لها فتحة صغيرة، يضعون هذا الغطاء على المرأة, وتكون الفتحة عند موضع الداء، وهنا يعالج، ولا يرى شيئاً, وهذا هو الورع، المؤمن له طريقته ووسائله وغير المؤمن له طرائق ووسائل قد تكون خبيثة.
وعليه أن يغض بصره ما استطاع، ولا يستطيع أحدٌ في الأرض أن يحاسبه إلا الله, لأن الله عزَّ وجل يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ويغض بصره ما استطاع إلا عن موضع الجُرح.
من السنة :
ويواجهنا شيء آخر، فمن الحكم الشرعي ومن السنة النبوية أن تختار أمهر الأطباء والدليل:
يروي زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ, أَنَّ رَجُلا فِي زمن النبي -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَصَابَهُ جُرْحٌ فَاحْتَقَنَ الْجُرْحُ الدَّمَ، وَأَنَّ الرَّجُلَ دَعَا رَجُلَيْنِ مِنْ بَنِي أَنْمَارٍ, فَنَظَرَا إِلَيْهِ, فَزَعَمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ لَهُمَا:
((أَيُّكُمَا أَطَبُّ؟ فَقَالا: أَوَ فِي الطِّبِّ خَيْرٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟! فَزَعَمَ زَيْدٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: أَنْزَلَ الدَّوَاءَ الَّذِي أَنْزَلَ الأَدْوَاءَ))
[أخرجه مالك في الموطأ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4609/09.jpg
أَيُّكُمَا أَطَبُّ؟ أي أن الصحة غالية كثيراً فهي رأس مالك، رأس مالك في الدنيا، ونفسك مطيتك فارفق بها، فاخترت طبيباً من الدرجة الخامسة أو السادسة، هذا طبيب بالمجان, أو هذا أرخص وأقل تكلفة, أو هذا بجانب البيت قريب منا، لا إن صحتك أغلى من ذلك, لأن صحتك رأس مالك في الدنيا.
والنبي يقول: اعقل وتوكل.
ففي شأن الطب لا ينبغي أن تختار الأقل كلفة أو الأقرب، لا بل يجب أن تختار الأصلح, لأن الخطأ في أمر الجسد خطأ له مضاعفات خطيرة جداً، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:
أيكما أطب؟.
وبالمناسبة: هناك مسؤولية الطب:
من طبب -أي من عالج- ومن جعل نفسه طبيباً ولم يعرف منه طبٌ فهو ضامن.
أي مسؤول, ولا بدَّ من أن يحاسب عند الله وعند الناس.
هل يجوز التداوي بالنجس والحرام؟ :
الآن: ينبغي التداوي بالطاهر الحلال، لا يجوز التداوي بالنجس والحرام، أي هذه مادة مخدرة أو كحول وأشياء حرمها الله عزَّ وجل, هذا لا ينبغي أن يفعله المؤمن، والحديث الشريف المعروف:
((من ابتغى أمراً بمعصيةٍ, كان أبعد مما رجا وأقرب مما اتقى))
ماذا يبغي الشفاء؟ ابتعد عن الشفاء, ماذا يخاف المرض؟ اقترب منه، هذا الحديث في كل المجالات، في التجارة تبتغي الربح عصيت الله من أجل الربح، ابتعدت عن الربح واقتربت من الخسارة، في الدراسة تبتغي النجاح عصيت الله من أجل النجاح، ابتعدت عن النجاح واقتربت من الرسوب، في الشفاء ابتغيت الدواء المحرم, ابتعدت عن الشفاء واقتربت من المرض. ((من ابتغى أمراً بمعصيةٍ, كان أبعد مما رجا وأقرب مما اتقى))
إليكم الأدلة من السنة على تحريم التداوي بالنجس والحرام :
ما الدليل في هذا الموضوع؟ .
قال أَبِو هُرَيْرَةَ:
((نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَنِ الدَّوَاءِ الْخَبِيثِ))
يَعْنِي السُّمَّ . [أخرجه أبو داود والترمذي في سننهما]
أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجة والترمذي, وزاد: يعني ما هو نجسٌ وما هو حرامٌ وما هو سمٌ، إما أنه حرام كالخمر والبول والعُذرة أو لحم غير المأكول، هذا كلُّه مما نهى النبي -عليه الصلاة والسلام- عنه.
حديثٌ آخر:
عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّه -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: إِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ الدَّاءَ وَالدَّوَاءَ, وَجَعَلَ لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءً, فَتَدَاوَوْا وَلا تَدَاوَوْا بِحَرَامٍ))
[أخرجه أبو داود في سننه]
((عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ, أَنَّ طَبِيبًا سَأَلَ رسول الله-صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَنْ ضِفْدَعٍ يَجْعَلُهَا فِي دَوَاءٍ, فَنَهَاهُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَنْ قَتْلِهَا))
[أخرجه أبو داود والنسائي في سننهما]
متى تطبق هذه القاعدة؟ :
لكن يوجد عندنا حالات نادرة، قال: إذا غصَّ الإنسان بلقمة ولم يجد ما يسيغها وكاد يموت، وغلب على ظنه أنه سيموت، فإذا شرب الخمرة ليسيغها به, هنا تطبق القاعدة: الضرورات تبيح المحظورات.
خاتمة القول :
والإمام أحمد -رحمه الله تعالى- يكره التداوي بما يصنعه غير المسلمين، لعل شيئاً محرماً دخل في هذا الدواء؛ لذلك: إن تقصير المسلمين في صنع الدواء يجعلهم آثمين جميعاً.
لقد بلغني أن هذه الكبسولات كلها مصنوعةٌ من شحم الخنزير، فالبرشام يصنع من دهنه، حينما يهمل المسلمون تعلُّم العلوم التطبيقية, يصبحون عالةً على غير المسلمين في تلقي الدواء، لذلك فرض الكفاية, إذا قام به البعض سقط عن الكل، فإذا أهمله الكل أثموا جميعاً.
يعني مثلاً: مدينة أو قرية فيها مائة عالم وليس فيها طبيب، وطبيبٌ ذميٌ واحد يكشف العورات، هذه المدينة كلُّها آثمة، مع أن فيها مائة عالم، فتعلم الطب فرض كفاية، هذا أحد أسباب تخلف المسلمين، يعني ترك الأخذ بالأسباب، وترك معرفة حاجات الحياة الأساسية, وإهمال كثير من المستلزمات, وتركها لغير المسلمين, كان بسبب تقصير المسلمين وتقاعسهم، مما أدى إلى هوانهم وتخلفهم.


والحمد لله رب العالمين

السعيد 07-28-2018 07:32 AM

رد: حق المسلم على المسلم
 
بسم الله الرحمن الرحيم

حق المسلم على المسلم

الدرس : ( السادس )

الموضوع : حق السلام




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. من حقوق المسلم على المسلم :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4610/01.jpg
أيها الأخوة المؤمنون, لا زلنا في الحقوق، ولا زلنا في حقوق المسلم على المسلم، وقد كان موضوع الدرس الماضي التداوي، والموضوع الذي قبل الماضي إجابة الدعوة، وعيادة المريض، والنصح لكل مسلم، واليوم ننتقل إلى حقٍ آخر من حقوق المسلم على المسلم ألا وهو: رد السلام.
قد يبدو لكم بادئ ذي بدء: أن موضوع السلام، إلقاء السلام، رد السلام شيءٌ جزئيٌ في الإسلام، ولكن الأحاديث الصحيحة تنبئ بأهمية البدء بالسلام ورد السلام، وسوف ترون بعد قليل, كيف أن موضوع السلام في الإسلام شيءٌ يشغل حيزاً كبيراً, وقبل الدخول في هذا الموضوع لا بدّ من مقـدمة.
هذه الجوانب التي يتمتع بها الإنسان :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4610/02.jpg
الإنسان -أيها الإخوة- له حياةٌ فردية، له حياةٌ عضوية، له حياةٌ نفسية، له حياةٌ عقلية؛ يعيش مع عقله، يفكر, يدرس، يبحث، يطلب الأسباب، يطلب البراهين, يقتنع لا يقتنع، يقبل يرفض، هذه حياة عقلية متعلِّقة بالفكر والحقائق، والدراسة والتأمل، والقبول والرد والرفض، والبرهان وعدم البرهان، والصحة والفساد والبُطلان، هذه حياة عقلية، لكل واحد منا حياته العقلية ولعقله مستوى.
والإنسان له حياة نفسية؛ يغضب، يحزن، يتفاءل، يتشاءم، ينشأ في نفسه صراع، له طموحات، يُحِس بالانقباض، يُحس بالانشراح، يشعر بالسعادة، يشعر بالضيق، هذه حياة نفسية له حياة عقلية, وله حياة نفسية، وله حياة عضوية؛ يأكل، ويشرب، ويهضم الطعام، وله جهاز دوران، وجهاز هضم، وجهاز إفراز، وجهاز عضلي، وجهاز عظمي، له غدد صماء، وله أجهزة، وله عضلات، ويعتريه عطب، وكما يعتريه مرض، ويتمتع بصحة, هذه حياة عضوية, وله حياة نفسيةٌ، وله حياةٌ اجتماعية؛ الإنسان اجتماعي، الله سبحانه وتعالى فطره فطرةً اجتماعية، يُعبر عنها الناس بكلمات، من هذه الكلمات: الجنة بلا ناس لا تداس.
لم خلق الإنسان ذا طبع اجتماعي؟ :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4610/03.jpg
الإنسان يأنس بأخيه الإنسان، فلو نام إنسان في بيتٍ وحده يشعر بالوحشة، لو سافر وحده يشعر بالوحشة، الإنسان مفطور على الاجتماع، رُكبت الطبيعة الاجتماعية في فطرته.
ويبدو أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان ذا طبعٍ اجتماعي لأهدافٍ كثيرة، منها: أن إعداده للآخرة لا يكون إلا عن طريق الحياة الاجتماعية، كيف يرقى الإنسان لو كان يعيش وحده؟ إذا عاش مع الناس يظهر كرمه، يظهر بخله، يظهر صدقه، يظهر كذبه، يظهر حرصه، يظهر إهماله، تظهر شجاعته، يظهر وفاؤه، يظهر إخلاصه, وكل الفضائل التي يمكن أن تسعدك في الجنة وإلى الأبد، لا تكون إلا وسط المجتمع، كل الفضائل التي يمكن أن تسْعَد بها إلى أبد الآبدين, لن تنمو ولن تظهر إلا في جوٍ من الحياة الاجتماعية.
هذا نظام الأسرة الإنسانية :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4610/04.jpg
لذلك: نظام الأسرة اجتماع, هكذا رتب الله الحياة؛ لك زوجة ولك أولاد الزوجة بحاجة إليك وأنت بحاجةٍ إليها، والأولاد بحاجةٍ إليكما وأنتما بحاجةٍ إلى أولادكما، وأنت بحاجة إلى جارك، فلو عددت الحاجات التي أنت بحاجة إليها, تحتاج إلى الطعام، إلى الخبز، إلى اللحم، إلى الفواكه، إلى الخضراوات, وإلى اللباس، لو أنك عددت الحاجات التفصيلية تجدك محتاجاً لمليون مليون حاجة؛ تحتاج لزر، تحتاج إلى خيط، تحتاج إلى إبرة، تحتاج إلى حذاء، إلى نظارة، إلى ساعة، إلى فراش، إلى لحاف، إلى وسادة، إلى بناء، أنت تتقن عملاً واحداً، وتحتاج إلى مليون نشاط بشري، مليون مليون نشاط بشري.
لو دخلت إلى بيتك, تجد أن الزجاج أصل في محتوياته, وتوجد معامل للزجاج، يوجد نوافذ، يوجد بلاط، يوجد دهان، يوجد ثريات، يوجد سجاد، يوجد براد، يوجد غسالة، يوجد سرير، يوجد كتاب، يوجد طباعة، يوجد صف حروف، فكل شيء في بيتك عالم قائم بذاته؛ خبراء، علوم، جهود، أموال مبذولة، فأنت تتقن نوعاً مثلاً، بينما أنت بحاجة إلى مليون نوع وبحاجة إلى مليون نوع.
الحياة الاجتماعية للإنسان ليس فيها حل وسط:
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4610/05.jpg
إذاً: حينما خلّق الله الإنسان خلقه بجبلة اجتماعية، هذا التعايش مع الناس، هذا النظام الاجتماعي يحتاج إلى ضوابط، فخالق الكون الذي أبدع وأتقن حينما خلق الإنسان, شرع له هذه الضوابط، فأنت في حياتك الاجتماعية إما أن تكون أسعد الناس بها، وإما أن تكون أشقى الناس بها، أي أن المجتمع إما أن يكون مصدر سعادةٍ لك, كأن يكون تفاهم زوجي مثلاً، تفاهم بين الأب وأولاده، ومع التفاهم محبة، مع المحبة تضحية، مع التضحية مؤاثرة، فتغدو هذه الأسرة قطعةً من الجنة, وقد تغدو هذه الأسرة قطعةً من النار، بالتباغض، والشحناء، والبغضاء، والكيد، زوجة مشاحنة، والزوج يريد أن يغيظ زوجته, فيبحث عن الطريقة التي يؤلمها به، وتبحث هي عن الطريقة التي تؤلمه بها، والأولاد في واد، والأب في واد، فبينما يجب أن تكون الأسرة مصدر سعادةٍ لأفرادها، إذاً: الأمر ينعكس فتغدو هذه الأسرة مصدر شقاءٍ لأفرادها، فالحياة الاجتماعية ليس فيها حل وسط؛ إما أن تكون سعيداً بها، وإما أن تكون شقياً.
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4610/06.jpg
علاقتك مع شريكك إذاً مبنية على الإنصاف، وعلى التساوي والعدالة، تجد الحياة في الشركة رائعة جداً، أما إذا كان لك شريك له نوايا عدوانية، فتتولّد نوايا خبيثة عند كل شريك, وتصبح هذه الشركة مصدر إزعاجٍ وشقاءٍ للشريكين.
علاقتك بعملك بالوظيفة، أنت في مجتمع صغير، في دائرة، معك زملاء موظفون، ولديهم مستخدم، ويرأسكم رئيس أعلى منك، كما أن هناك من هو أدنى منك، إذاً هناك حياة اجتماعية.
إذا ركبت مركبة عامة, فأنت عندئذٍ ذو علاقات اجتماعية، فالحياة الاجتماعية حياة بالفطرة، الإنسان كائن اجتماعي بالأساس، فلأن الإنسان كائنٌ اجتماعي, لا بدَّ من أن يشرع الله له تشريعاً يضمن سعادته في ظل المجتمع، لذلك حقوق المسلم على المسلم تشريعات شرعها الخالق.
علام تشير هذه النقطة؟ :
سيدنا سعد حينما قال: ثلاثة أنا فيهن رجل, وفيما سوى ذلك فأنا واحدٌ من الناس، ما سمعت حديثاً من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلا علمت أنه حقٌ من الله تعالى.
أي أن هذا الكلام للنبي الكريم يشير إلى العلاقات الاجتماعية، وحقوق المسلم على المسلم تعني بحال أو بآخر: أن هذا من عند الله عزَّ وجل، هذا بإلهام الله عزَّ وجل، بوحيٍ من عند الله، فأنت حينما تقرأ حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المتعلِّق بالحياة الاجتماعية, فأنت تقرأ تعليمات الخالق فيما يتعلق بعلاقتك بمجتمعك هكذا.
علام ينصان هذين الحديثين؟ :
وبعد: فمن تعليمات الخالق الصانع التي جاءتنا عن طريق النبي -عليه الصلاة والسلام- هذان الحديثان الشريفان اللذان هما أصلان من أصول العلاقات الاجتماعية أو من أصول حقوق المسلم على المسلم:
فعن أبي هريرة, أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال:
((حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ خَمْسٌ؛ رَدُّ السَّلامِ, وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ, وَاتِّبَاعُ الجنازة, وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ, وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي والنسائي في سننهم]
وروى مسلمٌ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ:
((حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ, قِيلَ: مَا هُنَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ, وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ, وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ, وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ فَسَمِّتْهُ, وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ, وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعه))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي والنسائي في سننهم]
وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعه؛ أي شيِّعه.
إليكم هذا الحكم الشرعي الذي يتعلق بإلقاء السلام ورده :
الآن: ربما استغرق موضوع السلام وقتاً طويلاً، وسوف ترون معي بعد قليل كيف أن هذا الموضوع خطير جداً؟ فربما كان إلقاء السلام سبباً من أسباب التفاهم الاجتماعي، ربما كان إلقاء السلام والردّ بالسلام سبباً في شيوع السلام بين الناس، ربما كان تبادل السلام سبباً لهذه المودة والمحبة التي يجب أن تكون بين الناس، الله سبحانه وتعالى يقول:
﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً﴾
[سورة النساءالآية: 86]
الحكم الفقهي: أن إلقاء السلام سنة ورد السلام واجب بل هو فرض, لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾
[سورة النساءالآية: 86]
فحيوا هذا أمر، والأمر في القرآن يقتضي الوجوب بأحسن منها, قال لك: السلام عليكم، تقول له: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، قال لك: أسعد الله صباحك، تقول له: أسعد الله جميع أوقاتك؛ أي: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً﴾
[سورة النساءالآية: 86]
بل إن رد السلام على أهل الذمة أو على أهل الكتاب واجب، كالرد على المسلمين تمسكاً بعموم الآية، وهذا قول ابن عباس والشعبي وقتادة, سواء من الإنسان المسلم أو غير المسلم، أي إنسان قال لك: السلام عليكم, تقول له: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، وإن الله عزّ وجل حينما حدثنا عن سيدنا إبراهيم قال:
﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَاماً قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾
[سورة هود الآية: 69]
قالوا: سلاماً؛ أي سلَّموا سلاماً، قال: سلامٌ.
قال العلماء: إن كلمة سلام أبلغ من سلاماً، لأن سلاماً مفعول مطلق لفعلٍ محذوف، أُسلمُ سلاماً، والمفعول المطلق مع الفعل المحذوف يؤلف جملة فعلية، والجملة الفعلية ليست مستمرة, أي أنها وقعت وانتهت، أما سلام جملة اسمية فيها معنى الاستمرار، فسيدنا إبراهيم -عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والتسليم- كانت تحيته أحسن من التي طرحت عليه. من السنة :
عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- قال:
((أنَّ رَجُلاً سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: أَيُّ الإِسْلامِ خَيْرٌ؟ قَالَ: تُطْعِمُ الطَّعَامَ, وَتَقْرَأُ السَّلامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, والنسائي في سننه]
أي أن إطعام الطعام سنةٌ نبويةٌ طاهرة، وتقرأ السلام: قراءة السلام شيء ورده شيءٌ آخر؛ أي أن تطرح السلام، أن تبدأ بالسلام على من عرفت ومن لم تعرف.
وعن أبي أُمامة, قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:
((إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِاللَّهِ مَنْ بَدَأَهُمْ بِالسَّلامِ))
أي أن هذا الذي يسلم على الناس ويبدؤهم بالسلام، أولى الناس وأقربهم إلى الله عزّ وجل. قف عند هذه الكلمة :
وعن عمار بن ياسر قال النبي -عليه الصلاة والسلام-:
((ثَلاثٌ مَنْ جَمَعَهُنَّ فَقَدْ جَمَعَ الإِيمَانَ؛ الإِنْصَافُ مِنْ نَفْسِكَ, وَبَذْلُ السَّلامِ لِلْعَالَمِ, وَالإِنْفَاقُ في الإِقْتَارِ))
أنا أقف عند هذه الكلمة: الإنصاف من نفسك:
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4610/07.jpg
أحياناً الإنسان يكون في مركز قوي فإذا أخطأ سكت، ومن حوله يتحرقون على أن يعترف بخطئه، فإذا وقع الذين هم دونه بهفوةٍ أقام عليهم النكير، هذا إنسان ليس منصفاً، أنت زوج لك الحق أن تتحدث عن أم زوجتك بما يحلو لك؛ من استهزاءٍ, من تعليقاتٍ لاذعة, من نقدٍ جارح، أما إذا تكلمت زوجتك عن أمك كلمةً طلقتها، أنت لست منصفاً، كما هي أمك وأنت تغار على مكانتها كذلك هي أمها.
أحياناً أنت تكون في محل وعندك صانع وفي المحل ابنك، الصانع قد تحمله ما لا يطيق، قد تكلفه بأعمال مرهقة، قد تحاسبه حساباً عسيراً، قد تضيق عليه، قد تحاسبه على أي خطأٍ ارتكبه، أما ابنك تخاف على ظهره أن يحمل فوق طاقة, أنت لست منصفاً.
فالإسلام ليس بالصلاة والصيام ولا بالحج والزكاة فقط، ولكن الإسلام بالإنصاف أيضاً، هل أنصفت زوجتك من نفسك؟ هل أنصفت أولادك من نفسك؟ هل أنصفت جيرانك؟ تعتدي عليهم, فإذا أرادوا أن يسألوك, أو إذا أرادوا أن ينبهوك, أقمت القيامة عليهم، أنت لست منصفاً.
أمٌ لها بنت إذا أكرمها زوجها, تدعو له دعاءً حاراً بالتوفيق، فإذا أكرم ابنها زوجته تقيم عليه النكير، ليست منصفة، وليس عندها من صفة الإنصاف شيء.
يا أخوان, ليس في الحياة أروع من الإنصاف، الإنصاف من نفسك، يجب أن تعرف لكل إنسان قدره وحقه وحدوده وما له وما عليك، يجب أن تنصف في إعطاء الأجر، يجب أن تنصف في المودة التي تملكها، أنت قاضٍ وأمامك خصمان, واحد تبشُّ له وتهشّ له, وتسأله بأدب, والثاني تقول له: ما اسمك؟ بنبرة غضب وعبوس, لماذا هكذا؟. هذا ما كان عليه عمر وعلي رضي الله عنهما :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4610/08.jpg
يروون: أن سيدنا عمر كان في مجلسه مع أبي الحسن -سيدنا علي رضي الله عنهما-, فدخل يهودي له عند أبي الحسن مشكلة, قال عمر: قم يا أبا الحسن فقف إلى جانب الرجل, وحكم بينهما وكان الحق مع أبي الحسن، فلما انفض هذا المجلس رأى سيدنا عمر أن سيدنا علياً قد وجم, قال: ما لك يا أبا الحسن أوجدت عليّ؟ فقال: نعم, لماذا قلت لي: يا أبا الحسن؟ فقد ميزتني عليه عندما دعوته باسمه ودعوتني بكنيتي.
فإذا كنت قاضياً فعليك أن تنصف، وإذا كنت مدرساً فعليك أن تنصف، هذا طالب بينك وبينه مودة لم يكتب وظيفته فتتساهل معه, وتقول له: لا تُعدها مرةٌ ثانية، وطالب ثانٍ تقول له: أحضر والدك، إذاً أنت لست منصفاً، لماذا شددت على هذا الطالب وذاك تساهلت معه؟ إذاً أنت غير منصف، لا شيء يسحق الإنسان كالظلم، لذلك العدل أساس الملك.
على ماذا يدور هذا الحديث؟ :
فعن عمار بن ياسر, قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:
((ثَلاثٌ مَنْ جَمَعَهُنَّ فَقَدْ جَمَعَ الإِيمَانَ؛ الإِنْصَافُ مِنْ نَفْسِكَ, وَبَذْلُ السَّلامِ لِلْعَالَمِ, وَالإِنْفَاقُ مِنَ الإِقْتَارِ))
فكر في بيتك زوجتك, أي إذا أخطأت خطأ تجدك عنيفاً في توبيخك، أما أنت تكسر الشيء والكل يسكت وتظل أنت ساكت، فأنت عندما كسرت الشيء سكتّ, إذاً فعليك أن تقبل عذر المعتذر, هذا بالأواني, أما بالمواعيد فإذا تأخرت دقيقتين تقيم القيامة عليها، أما أنت فتتأخر خمس ساعات تظل وهي ساكتة.
فهذا الحديث دقيق جداً, يدور في بيتك, مع أولادك, مع زوجتك, مع أخوانك, مع أصحابك, مع زملائك في العمل, مع شركائك, أنت مرتاح وشريكك تعبان، فعليك الإنصاف من نفسك، إن الدين حينما يصبح صوماً وصلاةً، حينما يصبح شعائر، حينما يصبح طقوساً وتلغى المعاملة, انتهى الدين كله. هذا الإسلام :
سيدنا جعفر قال للنجاشي: كنا قوماً أهل جاهلية, نعبد الأصنام, ونأكل الميتة, ونأتي الفواحش, ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، حتى بعث الله فينا رجلاً, نعرف أمانته وصدقه, وعفافه ونسبه، فدعانا إلى الله لنعبده ونوحده, ونخلع ما كان يعبد آباؤنا من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم.
هذا هو الإسلام، لذلك فالإنسان حينما يشعر بقوته, ويستخدم قوته في الباطل, فهو ليس منصفاً، البطولة وأنت في أعلى درجة من القوة، وأنت في أعلى درجة من المكانة، وأنت في أعلى درجة من الغنى, وأن تكون منضبطاً بالشرع.
قال رجل لسيدنا عمر: أتحبني؟ فقال: لا والله لا أحبك, قال: هل يمنعك بغضك لي من أن تعطيني حقي؟ قال: لا والله.
الإنصاف من نفسك، إذاً الإسلام يتميز بمبدأ الإنصاف.
عليك مراقبة نفسك :
أحياناً: تأكل أنت ما لذَّ وطاب, والذين هم في البيت ليسوا كذلك في طعامهم، إذاً أنت لست منصفاً، من لهم غيرك؟ الإنسان عليه أن يطعم أهله مما يأكل, وأن يلبسهم مما يلبس.
يا أخوان على الإنسان أن يراقب نفسه، فهذا الحديث قلما ينجو منه أحد، على الإنسان أن يراقب نفسه في أحكامه، وفي مواقفه، في انتقاداته للناس، في ملاحظاته في تضييقه عليهم, يراقب نفسه في كل أحواله، فإذا كان منصفاً كان على خصلة كبيرة من الخير .
فسيدنا رسول الله كان منصفاً، رأى صهره أسيراً عقب معركة بدر, جاء ليحاربه, وجاء ليقتله, وجاء ليبطش بالمسلمين, لكنه صهر ممتاز، فقال عليه الصلاة والسلام:
((والله ما ذممناه صهراً))
كونه جاء ليحارب, جاء ليقاتل, جاء مع المشركين شيء، هذا عمل, أما أنه صهر ممتاز, قال:
والله ما ذممناه صهراً. هذا هو الإنصاف :
ابن أبي بلتعة أحد أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم -إنسان اجتهد اجتهاداً وأخطأ- فقد أرسل كتاباً إلى أهل مكة, يذكر لهم أن النبي سوف يفتح بلادهم -أي أنه اجتهد اجتهاد خطأ- فالنبي جاءه الوحي, وأطلعه على ما فعل ابن أبي بلتعة, فأرسل عليه الصلاة والسلام من يضبط هذا الكتاب مع امرأةٍ في الطريق، فقال سيدنا عمر للنبي الكريم: يا رسول الله, دعني أضرب عنقه, فقد خان الله ورسوله, قال: يا عمر, إنه شهد بدراً, ولعل الله سبحانه وتعالى اطلع على أهل بدرٍ فغفر لهم.
أي لا ينسى فضله، بل نلتمس له العذر, هذا هو الإنصاف.
وعن عمار بن ياسر, قال النبي -عليه الصلاة والسلام-:
((ثَلاثٌ مَنْ جَمَعَهُنَّ فَقَدْ جَمَعَ الإِيمَانَ؛ الإِنْصَافُ مِنْ نَفْسِكَ, وَبَذْلُ السَّلامِ لِلْعَالَمِ, وَالإِنْفَاقُ في الإِقْتَارِ))
الإنصاف من نفسك له ضابط، أما هذا الضابط لو طبقه المسلمون لأغلقت المحاكم أبوابها, ولأُلغيت وزارة العدل كلها، ما هذا الضابط؟.
قال عليه الصلاة والسلام: ((عامل الناس كما تحب منهم أن يعاملوك))
هذا الحديث طبقه النبي عملياً. انظر إلى هذا المنطق السليم للنبي مع هذا الأعرابي:
رجل أعرابي بلغه الإسلام فأعجبه, إلا أنه مدمن على الزنا، وهذا الأعرابي كان صريحاً, فجاء النبي -عليه الصلاة والسلام- وقال:
((يا رسول الله, أنا أشهد أنه لا إله إلا الله وأنك رسول الله, ولكن ائذن لي بالزنا -هذه اسمح لي فيها, فلا أقدر أن أتركها- والصحابة عندها أرادوا أن يقتلوه -ما هذه الوقاحة؟-.
فالنبي قال: دعوه, ثم قال له: اقترب يا عبد الله, اقترب مني, فاقترب -انظروا إلى المنطق- قال: يا عبد الله أتحبه لابنتك؟ -يتصور أن ابنته تزني- فقال: لا، قال: ولا الناس يحبونه لبناتهم، أتحبه لأختك؟ قال: لا، قال: ولا الناس يحبونه لأخواتهم، أتحبه لزوجتك؟ أتحبه لأمك؟ والأعرابي يردد: لا، فقال هذا الأعرابي بعد ذلك: والله دخلت على رسول الله وليس شيءٌ في الأرض أحب إلي من الزنا، وخرجت من عنده وليس شيءٌ أبغض إلي من الزنا))
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4610/09.jpg
انظروا للمنطق السليم، أتحبه لأختك؟ أنت تغش بهذه البيعة، فلو فرضنا أنك تبيع أقمشة وتغش الناس، فلو اشتريت حاجة لك من بائع وغشك ألا تنزعج؟ ألا تحس نفسك أنك تتمزق منه؟ لماذا غششتني؟ أوهمته أن هذه البضاعة أجنبية, وظهر بعد ذلك أنها ليست أجنبية ، أوهمته أن هذه رأس مالها مرتفع وغالٍ ولم تربح شيئاً, ثم تبيّن أنك ربحت بها مائة بالمائة ، فأنت في البيع والشراء أنصف الناس من نفسك، أتحب أن يقال لك كذا وكذا؟ أنت تسخر من إنسان, أتحب أن يُسخر أحد منك؟: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾
[سورة الحجرات الآية: 12]
ولا الناس يحبون أن تفعل معهم كذلك، هذا الحديث يا أخوان: عامل الناس كما تحب أن يعاملوك.
هذا الحديث يحثك أن تقدر الإنسان الذي أمامك، وتقدر الضعيف، وتقدر المسكين، قدر الذي هو وضعه أضعف منك. كيف فسر النووي الإنصاف؟ :
يا أيها الأخوة الأكارم, أنصفوا الناس من أنفسكم.
إن الإمام النووي -رضي الله عنه- قال: الإنصاف يقتضي أن تؤدي إلى الله جميع حقوقه وما أمر به، وأن تجتنب جميع ما نُهيت عنه, وأن تؤدي إلى الناس حقوقهم.
الإنسان يكون ابناً وأبوه موجود، يا ترى: هل تحب أن أباك بعد ما تقدمت به السن يحتاج إلى ابنه والابن يزور عنه؟ .
تصور أنك أب وابنك أغنى منك, وأنت بحاجة لمال ابنك وابنك يتبرأ منك، أليس هذا موقفاً صعباً؟ وهذه نصيحة دائماً:
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4610/10.jpg
ضع نفسك محل الآخرين باستمرار، عندك زوجة وعندك أم، فأن تقف موقفاً منحازاً مع زوجتك, وتدع أمك التي ربتك, هذا موقف لا أخلاقي، تصور أنك أم وأنك ربيت هذا الابن ثلاثين عاماً, ثم تنكَّر لك, والتفت إلى زوجته على حساب حقوقك عليه، ليس هذا هو الإنصاف، لذلك الإنصاف كما فسَّره الإمام النووي -رحمه الله تعالى- قال:
الإنصاف يقتضي أن تؤدي إلى الله جميع حقوقه وما أمر به, وأن تجتنب جميع ما نهيت عنه، وأن تؤدي إلى الناس حقوقهم, وألا تطلب منهم ما ليس لك.
أحياناً الأب مع ابنه لا ينصفه، أي أن هذا الابن يشتغل عند أبيه, فيقول له: ألا تأكل وتشرب؟ ولكن الابن يريد أن يتزوج، ضع نفسك مكان ابنك, فهو يريد أن يشتري بيتاً, وأن يؤثثه، وأن يتزوج، يبذل جهده ثماني ساعاتٍ في عمل شاق معك أيها الأب على أكل وشرب فقط، وتقول له: هكذا أنا ترتيبي, هذا الترتيب خلاف الشرع، نحن نريد الشرع، فهل من المعقول: أن أحد أبنائك يشتغل معك عشر ساعات ليل نهار، والابن الآخر في البيت عاطل بلا عمل ويتساويان في النصيب؟ هذان لا يتساويان، لم تنصف ابنك، وأحياناً الابن لا ينصف أباه ، فموضوع الإنصاف يا أخوان من الدين, إني أذكركم بالحديث الشريف:
ألم يقل النبي -صلى الله عليه وسلم-: الدين النصيحة؟ .
ألم يقل: رأس الدين الورع؟ .
فأكاد أقول: إن الدين إنصاف، وغير المنصف ليس فيه إيمان إطلاقاً، فيجب أن تنصف زوجتك وأولادك وجيرانك وأقرباءك ووالديك وزبائنك, فإنصافهم حق لهم وواجب عليك.
وقائع :
ذكر لي أخ, يحتاج لإجراء عملية, فقال له الطبيب: تكلفك خمسة وسبعين ألفاً, فلو أن هذا المريض باع نفسه وأولاده, فإنه لا يحصل على عشرين ألفاً، والعملية ضرورية, قال له ذاك الطبيب: هذا الحاضر، طبيب آخر قال له: خمسة آلاف.
هذا غير معقول سبعين ألف زائدة، انصفه، فلعلك تضعك الأيام في مثل موقفه، فعندما ينظر الإنسان إلى ربحه فقط, هذا هو الجهل الأساسي، ربحك في إنسانيتك، ربحك في عملك الصالح، ربحك في اعتدال سعرك، ربحك برحمة المسلمين:
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4610/11.jpg
ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء.
كذلك أخٌ ثانٍ قال لي, وهي قضية معلقة بالطب، أول طبيب قال لي: العملية تكلف خمسةً وأربعين ألفاً، والثاني قال: تكلف خمسة وخمسين ألفاً، والثالث قال له: يا أخي الغلاء يسود الوجه, هذه العملية غالية, أنا خائف أن أقول لك فتنزعج, فقال له: ستة آلاف، من خمسة وخمسين ألفاً إلى ستة آلاف, هذا إجرام، فهل تريد منه أن يبيع بيته؟ يبيع سريره؟ يبيع براده؟ لكي تأخذ هذا كله أنت, ثم تقوم برحلة إلى أوروبا في الصيف؟ هذا ليس إنصافاً، لذلك الإنصاف، الإنصاف ويقيم أواصِر المحبة، الإنصاف يجعل المجتمع متكاتفاً، يجعل المجتمع كما قال عليه الصلاة والسلام:
((مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ, مَثَلُ الْجَسَدِ: إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عضوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى))
[أخرجه أحمد في مسنده]
ليس من الإنصاف :
تقول لمن يريد أن يعمل عندك: يا أخي نعطيك فقط ألفي ليرة, موظف عندك لا يكفيه ألفي ليرة، لا تريد يوجد غيرك، طبعاً الموظف مضطر لأنه عاطل عن العمل، وأنت تربح مئات، بل مئات المئات, أعطه أربعة آلاف فهذا إنسان، أخي أنا أجد من يعمل بألفين بل بألف هناك من يرضى، ليس الأمر متوقفاً على من يرضى, بل متوقف على ما يستحق هذا العامل، هناك فرق بين العرض والطلب، إنسان ربط مصيره معك, عنده زوجة وأولاد.
قال لي أخ: إنه في اليوم يصرف مبلغ كذا ألف, أما أنا كعامل يعطيني بالشهر ألف وخمسمائة، فهذه مشكلة، فعليك أن تنصف الناس من نفسك خاصة من هم دونك، وكذلك من هم فوقك، وكن منصفاً مع أولادك، مع زوجتك، مع جيرانك، الإسلام إنصاف, أن تقف عند حدك:
رحم الله عبداً عرف حده فوقف عنده.
أن تعرف ما لك وما عليك، ما ينبغي وما لا ينبغي، ما يجوز وما لا يجوز، ما يصح وما لا يصح، ما هو حق وما هو باطل، ما هو خير وما هو شر، ما هو عدل وما هو ظلم.
أهذا هو الإسلام؟ :
أحياناً تجد شريكين، فيذهب أحدهما إلى أوروبا, ويقضي فيها شهرين، فنادق, أجنحة, سهرات حمراء, سهرات خضراء, وهل هناك صفراء كذلك؟ لا أعرف، ثم يرجع فيسجل مصروفه على المعمل, على حساب باب الاطلاع, فقد رفع مستوى اطلاعه.
أنت ذهبت لكي تعمل سياحة, فحملت الشركاء ما لا يطيقون، السياحة شيء, والاطلاع شيء, والدراسة شيء, والاستيراد شيء، فهذا يحدث.
أنا أريد أن أشتري مرابحة منك، المرابحة ربح ثابت ويكشف رأس ماله، فمثلاً: ذهب إلى أوروبا لخمس أو ست مهام, فاعتبر هذه الرحلة مهمة واحدة, فوضع نفقات كل هذه الرحلة على هذه البضاعة، أخي مصاريف سفر, ورأس مال كذا, والربح بالمائة عشرة، فأنت قد أخذت بهذه الطريقة الربح مائة بالمائة, أحياناً يرفع المصروف فيضاعف ربحه، لا يوجد إنصاف بالبيع بالشراء، أهذا هو الإسلام؟ لا, إن الإسلام إنصاف بكل حركاتك وسكناتك.
قال له: هل تعرفه؟ قال: نعم أعرفه, فقد رأيته بالمسجد، قال: هل سافرت معه؟ قال له: لا, قال: هل عاملته بالدرهم والدينار؟ قال له: لا, قال له: هل جاورته؟ قال له: لا، قال: إذاً أنت لا تعرفه.
ملاحظات حول موضوع الإنصاف :
في نفسي على الإنصاف أشياء كثيرة وملاحظات عدّة؛ الإنصاف في كل شيء حتى في أحكامك، لم تلتقِ فلاناً ثم نسمعك تقول عنه: إنه إنسان سيء، هل التقيت معه؟ لا, هل استمعت إلى كلامه؟ لا, فأنت لم تنصفه، كيف يفعل مسلم هذا مع شخص لم يلتق معه، أو تقول: إنه يا أخي لا يفهم شيء؟ فهل سألته سؤالاً واحداً فقال: أنا لا أفهم؟ أو سألته سؤالاً, وأجاب إجابة خطأ؟ هل قرأت مؤلفاته؟ قرأت كتبه؟ حضرت دروسه؟ لا, بل تقول: أخي إنه غير فهمان، فأنت لست منصفاً، أهكذا يكون المؤمن غير منصف؟:
﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً﴾
[سورة الإسراء الآية: 36]
فأنت مسؤول عن كلامك. هذا سر إفشاء السلام :
وعن أبي الدرداء -رضي الله عنه-, قال رسول الله -صلى الله عليه وسلَّم-:
((أفشوا السلام تعلوا))
أي يرفع الله من شأنكم، ويرفع لكم مقامكم في الدنيا، أفشوا السلام تعلوا.
وفي حديثٍ آخر: عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: ((أن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال:
أَفْشُوا السَّلامَ تَسْلَمُوا وَالأَشَرَةُ شر))
[أخرجه أحمد في مسنده]
يعني: إذا كنت ليس لك أصحاب ضمن حيك فإنك لا تسلم على أحد، يزورك الناس؟ لا، لأنك لا تزور أحداً، فهم إذاً يبحثون لك عن عيب، عن غلطة، ينقضون عليك، ليشفوا غليلهم منك، أما إذا كنت متواضعاً, وسلَّمت عليهم، وزرت جيرانك، وعاونتهم في حياتهم، أصبح هذا البناء التي تساكن جيرانك به أسرة واحدة، إذا سافرت سافرت وأنت مطمئن، كلهم كأنهم أنت، إذا فقدت هذه المودة، وفقدت التحية, وهذا السلام، تعيش في جفاء.
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4610/12.jpg
فإذا دخل أحد من أخوة زوجتك إلى بيتك في غيابك، يقولون: دخل بيته شخص غريب, علماً بأن الداخل أخو زوجتك، يتكلمون بموضوعات ثانية، بينما إذا أنت سلَّمت عليهم, وعرفوا أخلاقك العالية، وتواضعت وخدمتهم, أصبح هذا الحي أسرة واحدة، إني أحب التكاتف والتعاون، فالإسلام جماله في هذه الحياة الاجتماعية السليمة، لأن التباعد والتدابر والتجافي والمشاحنة والبغضاء تفتت المجتمع، قال الله عزَّ وجل: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾
[سورة الأنفال الآية: 46]
بالمنازعة والمشاحنة ضعف، يضعف هذا المجتمع الذي تنتمي إليه، لذلك تجد مجتمعات مفتتة, بفعل الخصومات والغيبة والنميمة والحسد والبغضاء والتدابر والتطاحن والتنافس تجد المجتمع المنهار، أما بتطبيق تعاليم الإسلام, تجد الجتمع كالبنيان المرصوص, يشد بعضه بعضاً، إذاً:
أفشوا السلام تعلوا، أفشوا السلام تسلموا. انظر هذا التواضع عند عمر :
وعن ابن الزبير -رضي الله عنهما-, عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:
((دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الأُمَمِ قَبْلَكُمُ الْحَسَدُ وَالْبَغْضَاءُ، وَالْبَغْضَاءُ هِيَ الْحَالِقَةُ حَالِقَةُ الدِّينِ لا حَالِقَةُ الشَّعَرِ, وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ, لا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا, أَفَلا أُنَبِّئُكُمْ بِشَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلامَ بَيْنَكُمْ))
اقرأ عن الصحابة, تحس أن هؤلاء الصحابة كأنهم يد واحدة، كأنهم جسم واحد, يحب بعضهم بعضاً، يدافعون عن بعضهم بعضاً، يعرفون قدر بعضهم بعضاً.
وقف سيدنا عمر على المنبر, قبل أن يخطب نزل درجة -ماذا حدث!! ألغى الخطبة؟ الخطبة أساس في الإسلام- فلما استقر على الدرجة التي دون الأخيرة, قال: ما كان الله ليراني أضع نفسي في مقام أبي بكر, فنزل درجة اعترافاً بمنزلة أبي بكر، وسيدنا عثمان نزل درجة كذلك.
بعد عشرات السنين, سأل أحد خلفاء بني أمية أو بني العباس, فقال: لماذا لم ينزل فلان الخليفة درجة؟ فقال له صديقه: لو فعلها لكنت أنت في قعر بئر.
لو ينزل كل خليفة درجة فأين مكانك أنت اليوم؟.
المهم أن تعلم أن عمر تواضع في نفسه، فالزم أنت التواضع، سيدنا عمر كان منصفاً، فبعد أن توفي سيدنا الصديق -رضي الله عنه- صار سيدنا عمر -رضي الله عنه- كذلك هو الرجل الأول، ورغم ذلك يرى أفضلية الصديق!
أحدهم أحب أن يتقرب منه, فقال له: والله ما رأينا خيراً منك بعد رسول الله -كلام لطيف، فليس أحسن منك بعد النبي, فكاد أن يبطش بمن في المجلس جميعهم- نظر إليهم نظرةً حادة، خافوا إلى أن قال أحدهم: لا والله لقد رأينا من هو خيرٌ منك، قال له: من هو؟ قال : أبو بكر، فقال: كذبتم جميعاً أيها الساكتون وصدقت أنت، كنت أضلَّ من بعيري، وكان أبو بكرٍ أطيب من ريح المسك -من الذي يقدر أن ينافق لسيدنا عمر؟ انتهى النفاق كلّه, فلا يوجد نفاق، أنصف سيدنا الصديق، فهو قد مات وليس من يدافع عنه، سيدنا الصديق الآن ليس موجوداً، فإذا كان أحب أن يحتل الساحة كلها الآن, فلا يوجد من يحاسبه، لكنه أنصفه قائلاً-: والله كنت أضلَّ من بعيري، وكان أبو بكرٍ أطيب من ريح المسك، قال: ما أنا إلا حسنة من حسنات أبي بكر.
عمر كله حسنة من حسناته، أنصفه من نفسه. النبي أنصف أصحابه واحداً واحداً :
النبي -عليه الصلاة والسلام- أنصف أصحابه واحداً واحداً، هذا قال له:
((والله إني أحبك يا معاذ))
أنصفه.
وسعد قال له: ((ارم سعد فداك أبي وأمي))
وفي سعد قال أيضاً: ((أروني خالاً مثل خالي))
أنصفه.
وعن سيدنا عمر قال: ((لو كان نبيٌ بعدي لكان عمر))
أنصفه.
وسيدنا عثمان قال عنه: ((ذو النورين، ألا أستحي من عثمان؟))
أنصفه.
وأبو عبيدة قال عنه: ((أمين هذه الأمة))
وابن الزبير قال عنه: ((حواري هذه الأمة))
وسيدنا خالد قال عنه: ((سيف الله في الأرض))
لا يوجد صحابي من أصحاب النبي إلا النبي أنصفه في تقييم صحيح، هكذا فعل النبي عليه الصلاة والسلام.
فعَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ -رَضِي اللَّهم عَنْهم جميعاً- قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الأُمَمِ قَبْلَكُمُ الْحَسَدُ وَالْبَغْضَاءُ, وَالْبَغْضَاءُ هِيَ الْحَالِقَةُ حَالِقَةُ الدِّينِ لا حَالِقَةُ الشَّعَرِ, وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ, لا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا, أَفَلا أُنَبِّئُكُمْ بِشَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلامَ بَيْنَكُمْ))
هذا الحديث بإسنادٍ جيد. نقطة هامة :
والنبي يقول, وهو:
﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾
[سورة النجم الآية: 3-4]
((وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ, لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا, ولا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا, أَفَلا أُنَبِّئُكُمْ بِشَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلامَ بَيْنَكُمْ))
ولمَ يقسم النبي فلماذا يقسم؟ معنى ذلك: أن هناك أمراً خطيراً.
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4610/13.jpg
أنت إذا كنت تحب أخوانك فأخوانك يحبونك، لا أحبهم يا أخي، بالزور المحبة، أي يجب أن تعاملوا بعضكم معاملة يكون من ثمارها المحبة, المحبة ليست عملاً إرادياً، بل عملاً عفوياً: ((يا داود ذكر عبادي بإحساني إليهم, فإن النفوس جبلت على حب من أحسن إليها, وبغض من أساء إليها))
هذه النفس مثل الماء في المنحدر، صب الماء على منحدر, وقل له: اصعد إلى فوق ، يرجى الصعود نحو الأعلى، لا يصعد، رجاءً، لا يرد عليك، قل له: انزل، فكل هذا كلام فارغ, لأنه ينزل تلقائياً, فالنزول والهبوط إحدى خصائص الماء: ((يا داود ذكر عبادي بإنعامي إليهم, فإن النفوس جبلت على حب من أحسن إليها, وبغض من أساء إليها))
أحسن إلى الرجل تكن أميره.
بالبر يستعبد الحر. قصة :
يقولون: إن شخصاً مخموراً، سكيراً، عربيداً، خميراً، كان ماشياً في الطريق, ورائحة الخمر تفوح منه، مر الإمام مالك بن دينار, ويبدو أنه أشفق عليه, فأخذه إلى البيت, ونظفه وغسله وأطعمه وصرفه، بهذه المعاملة الطيبة تاقت نفس هذا العاصي إلى الله، فاغتسل وصلى ثم حضر صلاة الفجر في المسجد، فصار يبكي ويناجي ربه، يقولون: إن الإمام مالك بن دينار رأى في المنام: أن يا مالك طهرت فمه من أجلنا فطهرنا قلبه من أجلك, فلما ذهب إلى المسجد صباحاً, وجده في المسجد يصلي، قال له: من الذي هداك إلي؟ فقال له: إن الذي هداني أخبرك بحالي.
أخيرك عني, يقولون لك: أخي هذا شارب، هذا عاصٍ، من الممكن إذا تاب أن يسبقك, لا تعرف, فكن أديباً مع الخلق، الآن هو عاصٍ، لكنه إذا تاب فلعله يسبقك إلى الله.
سيدنا خالد في بدر حارب رسول الله، وفي أحد حاربه، متى أسلم؟ أسلم عام الفتح، ألم يسبق معظم الصحابة؟ أليس كذلك؟ أصبح من كبار الصحابة.
لا تعرف أنت طوالع المستقبل فإنه غيب, فكن أديباً مع الناس، رأيت عاصياً انصحه، فهّمه, بين له, اخدمه.
خذ هذا الشعار لك في حياتك :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4610/14.jpg
أنا أحب أن يكون كلّ أخ شعاره: كن عوناً لأخيك على الشيطان، ولا تكن عوناً للشيطان على أخيك, عاونه على الشيطان, فتواضع له, واخدمه، ولا تنفره من الدين، ولا تكن عوناً للشيطان على أخيك. الحديث الشريف القدسي:
((أنا مع المنكسرة قلوبهم الحزانى في كنف الله, إن الله يحب كل قلبٍ حزين))
الحزانى معرضون للرحمة، الإنسان قيمته بأخلاقه، النبي بماذا مدحه الله عزَّ وجل؟ بيته فخم, مترامي الأطراف مثلاً؟ لا, بماذا مدحه الله عزَّ وجل؟ .
أحياناً أنت تقيم الإنسان بسيارته، ببيته، بمكتبه، بمرتبته، برصيده، بأسرته، بحسبه، بنسبه، أخي فلان يده طايلة، بماذا مدح الله نبيه الكريم؟ قال: http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4610/15.jpg
﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾
[سورة القلم الآية: 4]
إذا كنت تحب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فاقتف أثره في التواضع، في الإنصاف.
كان إذا دخل بيته لف ثوبه لئلا يوقظ أهله, كان إذا دخل إلى بيته قال:
((أكرموا النساء فو الله ما أكرمهن إلا كريم))
كان يقول عن النساء: ((إنهن المؤنسات الغاليات))
كان حليماً صلّى الله عليه وسلَّم، بلغه حديث الإفك, وما أدراكم ما حديث الإفك؟ ومع ذلك كان حليماً, وكان صابراً، لأنه هو الأسوة لنا. إذا أردتم رحمتي فارحموا خلقي :
لذلك: فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ, لا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا, وَلا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا, أَفَلا أَدُلُّكُمْ عَلَى أَمْرٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلامَ بَيْنَكُم))
تريد أن تحب أخاك وأخوك يحبك, المحبة ليست بالإكراه إذاً كيف؟ يجب أن تعامله معاملة يذوب محبة فيك، ويعاملك معاملة تذوب محبة فيه، فإذا أحببته وأحبك صار المجتمع كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً.
ماذا قال الله عزَّ وجل عن أصحاب رسول؟ قال الله عزَّ وجل:﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾
[سورة الفتح الآية: 29]
الإنسان لا بدَّ من أن يرحم أخاه: ((إذا أردتم رحمتي فارحموا خلقي))
إذا وقع إنسان أو عثر فارحمه. أين أنتم من الإسلام معشر التجار؟ :
أحياناً: يضطر أحد الزبائن لبضاعة ما، فيقول له البائع: بثلاثمائة وخمسين، فيقول الزبون: هي بمائتين بالخارج, فيقول: ااتركها لا تشتريها، عرفته مضطراً, وليست هذه البضاعة موجودة عند غيرك، أو يكون مضطراً أن يبيع هذا السرير, لأنه سيجري عملية لزوجته، فيقول له: بمائة ليرة! ثمنه ثلاثة آلاف, فيقول له: إنه لا يلزمني ولكن لا يرحمه، بالشراء والبيع لا رحمة، إنه مجتمع الغاب، فأين أنتم من الإسلام؟.
هذا هو مجتمع الاستغلال :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4610/16.jpg
أنا كنت أضرب مثلاً خلاصته: رجل يريد أن يشتري غرفة نوم، قال له البائع: هي ذات سرير واحد، قال له: أريدها ذات سريرين، قال البائع: إذاً عشرة آلاف زيادة، الخشب أسعاره مرتفعة، قال الزبون: إذاً أنا أريدها بسرير واحد، يقول له: أحسم لك ألفين، لماذا لما أراد شراء سريرين يطلب منه عشرة آلاف زيادة، وعندما اكتفى بسرير واحد أصبح السرير ثمنه ألفان؟ لأنه لا يوجد إنصاف، وحول موضوع الإنصاف، هذا إذا كنت تريد أن تبيع الحاجة فالثمن المدفوع لك زهيد جداً، وإذا كنت تريد أن تشتريها فهي قطعة نادرة وثمنها باهظ، هذا مجتمع القنص، مجتمع الذبح، مجتمع الاستغلال، هذا ليس مجتمعاً إنسانياً بل هو مجتمع الذئاب، لذلك نهى النبي عن بيع المضطر، إذا كان رجل مضطراً ليبيع سلعة, يجب ألا تأخذها بثمن بخس، لأنك عندئذٍ كأنك سرقتها منه، وعلى هذا فقس.
فما دام تعاملنا قائم على جور, وعلى ظلم وعدوان، بين بعضنا البعض؛ الجار مع جاره، والأخ مع أخيه، المعلم مع صانعه، الصانع مع معلمه, فالمجتمع إلى انهيار، لذلك: فالله عزَّ وجل لا ينظر إلى هذه الأمة بالرحمة إذا لم يتراحموا، أما إذا تراحموا يرحمهم الله عزَّ وجل.
ملخص الدرس :
فاليوم قرأت في الجريدة: إلى الآن أمطار دمشق ثمانية وعشرين ملم، بقي من فصل الشتاء شهران فقط، ونحن معدل أمطارنا عادةً مائتان وخمسون ملم في السنة، العام الماضي الذي كان عام محل في دمشق, كان المعدل خمسة وثمانين ملم, وما هطلت الأمطار حتى الآن في هذه السنة, إلا ثمانية وعشرين ملم فقط:
((إذا أردتم رحمتي فارحموا خلقي))
إذا أحدنا وقع فلا أحد يرحمه ولا أحد يأخذ بيده، فالظلم قائم، ومصدره الأنانية والجشع، وهذا ملخص الدرس.
الدرس كأنه حام حول موضوع واحد خلاصته: أن تنصف الناس من نفسك، حق لأخيك عليك أن تنصفه؛ في سمعته، في عرضه، في ماله، في بيعك له، في شرائك منه، في زيارتك له, واذكر قوله تعالى دائماً: إنما المؤمنون أخوة، واذكر أيضاً بقوله صلى الله عليه وسلم: المسلم أخو المسلم.

والحمد لله رب العالمين

السعيد 07-28-2018 07:35 AM

رد: حق المسلم على المسلم
 
بسم الله الرحمن الرحيم

حق المسلم على المسلم

الدرس : ( السابع )

الموضوع : الانصاف من نفسك





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
ماذا فهم النبي من هذه الآية؟ :
أيها الأخوة المؤمنون, لا زلنا في موضوع الحقوق، ولا زلنا في موضوع حقوق المسلم على المسلم، ومن هذه الحقوق التي بدأنا بها منذ درسين حق السلام، والشيء الذي يلفت النظر: هو أن بعض الناس يظنون أن إلقاء السلام شيءٌ تافه، أو شيءٌ لا يقدِّم ولا يؤخِّر.
النبي -عليه الصلاة والسلام- جعل من السلام أداةً لشيوع المحبَّة بين المؤمنين.
لذلك كما مهَّدت في الدرس الماضي: أن الإنسان له حياةٌ جسديَّة، وله حياةٌ عقليَّة، وله نفسيَّة، وله حياةٌ اجتماعيَّة، والله سبحانه وتعالى في منهجه الحكيم، وفي قرآنه الكريم قال:
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾
[سورة الحجرات الآية: 10]
وقد فهم النبي -عليه الصلاة والسلام- من هذه الآية: حقوق الأخوَّة في الله، لذلك تجدون بعد قليل: كيف أن هناك توجيهاتٍ نبويةً عديدةً, هدفها الأوحد تمتين هذه الأخوة في الله، بين أن يكون المجتمع مفكَّكاً، بين أن يكون المجتمع متباغضاً متحاسداً متباعداً متنافراً, وبين أن يكون المجتمع متماسكاً, كأنه جسدٌ واحد, إذا اشتكى منه عضوٌ, تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمَّى.
هذا الإيمان :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4612/01.jpg
فعن أنسٍ -رضي الله عنه-, عن النبي -صلى الله عليه وسلَّم- قال:

((ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلاوَةَ الإِيمَانِ.
-معنى ذلك: أن الإيمان ذوق، ومن هذا الذوق أن للإيمان حلاوة, فمؤمن مع انقباض، مع ضيق، مع يأس, ليس هذا مؤمناً، الذي آمن إيماناً صحيحاً, يجب أن يذوق حلاوة الإيمان.
ومن توجيه النبي -عليه الصلاة والسلام-: أنه من آمن إيماناً صحيحاً, وجد حلاوة الإيمان. يقول عليه الصلاة والسلام-: ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلاوَةَ الإِيمَانِ.
-الإيمان بحث، والإيمان تصديق، والإيمان اتصال بالله عزَّ وجل, والكفر جهل، والكفر تكذيب، والكفر إعراضٌ عن الله عزَّ وجل, هناك بالإيمان جانب فكري، وهناك جانب تصديقي، وكذلك جانب شعوري.
فالنبي -عليه الصلاة والسلام- في هذا الحديث بيَّن الجانب الشعوري, فقال-: ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلاوَةَ الإِيمَانِ .
ما هي الشروط التي ينبغي أن يتحلى بها الإنسان لكي يذوق حلاوة الايمان؟ :
1-أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما :
-بالمناسبة: فهذا الحديث مقياسٌ لنا، إنه وصفٌ للمؤمن كذلك ومقياسٌ لنا، فكل واحدٍ منا يسأل نفسه هذا السؤال: هل تنطبق عليَّ هذه الشروط؟ إذا انطبقت فليفرح, وهنيئاً له، فإذا لم تنطبق, فلا بدَّ من السعي الحثيث حتى يصل إلى هذا المستوى المطلوب، ما هي هذه الثلاث؟
قال عليه الصلاة والسلام- :أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا.
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4612/02.jpg
-هذا كلام معناه واضح، وقد يقول كل واحدٍ منا: نعم الله ورسوله أحب إليَّ مما سواهما, فإذا كان الأمر كلاماً فالقضيَّة سهلة جداً، لكن ربنا عزَّ وجل يضع المؤمن في امتحانات صعبة، مصلحته الماديَّة أن يفعل كذا وكذا، إن رضوان الله عزَّ وجل في أن يدع هذه الصفقة، فإذا أخذ صفقةً فيها شبهة وآثرها على رضوان الله عزَّ وجل، يجب أن يعلم علم اليقين أن الله ورسوله ليس أحب إليه مما سواهما, الذي يطيع زوجته ويعصي ربه, ليعلم علم اليقين أن الله ورسوله ليس أحب إليه مما سواهما؛ الذي يؤثر شهوة، الذي يؤثر مخالفة، يؤثر معصية، يؤثر انحرافاً، يؤثر تقصيراً على طاعة الله ورسوله، فهو لا يحب الله ورسوله كحبِّه لهذا الشيء الذي آثره، إذاً نحن الآن أمام مشكلة، لأن الادعاء سهل جداً:
وكلٌ يدَّعي وصلاً بليلى وليلى لا تقرُّ لهم بذاك
لك أن تدعي ما شئت، ولكن الله سبحانه وتعالى كفيلٌ بأن يضع المؤمن في ظرفٍ دقيقٍ دقيق، يكشف له وللناس أنه لا يحب الله ورسوله كما يدعي، لذلك فالإنسان يجب أن يتلو هذه الآية ويتدبَّرها:
﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾
[سورة العنكبوت الآية: 2]
قد تواجهه موقفاً صعباً، قد تُغلق دونك كل الأبواب -أبواب الحلال كلها مغَّلقة- ويفتح الله لك باباً فيه كسبٌ حرام، المؤمن لو قطَّعته إرباً إرباً لا يقترف الحرام، أما ضعيف الإيمان يقول لك: أنا مضطر عندي أولاد, معنى ذلك: أن الله ورسوله ليس أحب إليه مما سواهما-. 2-وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يعود في الكفر
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4612/03.jpg
وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لا يُحِبُّهُ إِلا لِلَّهِ.
-محبة الناس لها أسباب, هناك محبَّة أساسها المصلحة، ظاهرها محبة حقيقتها المصلحة، وهناك محبة أساسها القرابة، ومحبة أساسها الشهوة، ومحبة أساسها المتعة، ومحبة أساسها الطمأنينة، يا ترى: هل تحب إنساناً ليس لك معه مصلحة, ولا حاجة، ولا تعتز به، ولا تتقوَّى به، ولا ترجو خيره، ولا تخشى شرَّه، ولا يقدِّم لك شيئاً، ولا يؤخِّر لك شيئاً, لا تحبه إلا لله؟ هذه من علامة الإيمان، أتحب مؤمناً لله؟-.
وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لا يُحِبُّهُ إِلا لِلَّهِ, وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ)) فهذا الذي على حافة، على حرف، فكلمةٌ تأخذه إلى أهل الإيمان، وكلمةٌ تدفعه إلى أهل النفاق هذا ليس مؤمناً . ما علاقة هذا الحديث بموضوع السلام؟ :
يا أخوان, حديثٌ دقيقٌ دقيق :
((ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاوَةَ الإِيمَانِ؛ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا, وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لا يُحِبُّهُ إِلا لِلَّهِ, وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ))
فيجب علينا أن نقف عند هذا الحديث، وأن نتأمل هذا الحديث، وأن نمتحن أنفسنا في ضوء هذه المقاييس الثلاثة التي جاءت في هذا الحديث .
ما علاقة هذا الحديث بموضوع السلام؟ أي أنت إذا أردت أن تحب الآخرين عن طريق إفشاء السلام, فينبغي أن تكون مؤمناً، وهذه صفات الإيمان. ((المؤمنون بعضهم لبعض نصحاء متوادون وإن افترقت منازلهم, والفجرة بعضهم لبعض غششة خونة وإن اجتمعت أبدانهم))
من أجل أن يفشو السلام بيننا، وأن تزداد المحبة، وأن تصبح العلاقات متينة, يجب أن نكون مؤمنين، وهذه صفات أهل الإيمان. من هؤلاء السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم القيامة؟ :
1-الإمام العادل :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4612/04.jpg
حديثٌ آخر:
عن أبي هريرة -رضي الله عنه-, عن النبي -صلى الله عليه وسلَّم- يقول:
((سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلا ظِلُّهُ؛ الإِمَامُ الْعَادِلُ .
-لقد مرَّ معنا في درس الجمعة: كيف أن سيدنا سليمان -عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، وهو في أعلى درجة من درجات المُلك والقوة- كان أقرب الناس إلى الله عزَّ وجل.
فالإمامة قد تكون طريقاً إلى الله عزَّ وجل ولكن بشرط أن يكون الإمام عادلاً، لذلك قيل:
العدل حسن لكن في الأمراء أحسن، والورع حسن لكن في العلماء أحسن، والسخاء حسن لكن في الأغنياء أحسن، والصبر حسن لكن في الفقراء أحسن، والتوبة حسن لكن في الشباب أحسن، والحياء حسن لكن في النساء أحسن.
فهذا الإمام العادل من السبعة الذين يظلهم الله تحت ظله يوم لا ظل إلا ظله-.
2-شاب نشأ في طاعة الله :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4612/05.jpg
وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ .
-من شبَّ على شيءٍ شاب عليه.
من لم تكن له بدايةٌ محرقة لم تكن له نهايةٌ مشرقة.
هذا الشاب الذي نشأ في طاعة الله, أصبحت حياته كلها في طاعة الله، له خريف عمرٍ مُشرق، له مستقبل مشرق، له مكانة عند الله كبيرة، هذا الذي نشأ في طاعة الله، والذي آمن في أي سنٍ هو مقبول، وله عند الله شأنٌ كبير، ولكن الشاب إذا نشأ في طاعة الله, يُبنى زواجه على طاعة الله، يُبنى عمله على طاعة الله، تبنى علاقاته الاجتماعيَّة على طاعة الله، الذي يؤمن بوقت متأخر جداً هو أمام زوجة لها مشكلة لا تستجيب له أحياناً، تجعل بيته جحيماً ، له عمل لا يرضي الله، هذا العمل الذي ألفه, فكلَّما فكرت بمعرفة الله, كلَّما جعلت حياتك تسير على وفق مرضاة الله عزَّ وجل-.3-رجل قلبه معلق في المساجد :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4612/06.jpg
وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ .
-المؤمن في المسجد كالسمك في الماء، لأنه بيت الله عزَّ وجل: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ * رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾
[سورة النور الآية: 36-37]
﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾
[سورة النور الآية: 35]
فإذا أردت أن تكون طبيباً, فلا بدَّ من أن تتجه إلى الجامعة، المكان الطبيعي لتعلُّم الطب، وإذا أردت أن تكون مؤمناً فلا بدَّ من أن تتجه إلى المسجد، هو المكان الطبيعي لمعرفة الله عزَّ وجل, من خلال ما يلقى فيه من علم، ومن خلال العبادة, وتلاوة القرآن-. 4-رجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4612/07.jpg
وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ, وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ, وَرَجُلانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ .
-فلا يعرف طعم هذا الكلام إلا من كان له أخٌ في الله, ولا أبالغ إذا قلت: إن أثمن شيءٍ في الحياة أخٌ في الله, يخلص لك الود، يمحضك النصيحة، يقدِّم لك النصيحة، يعينك في الأزمات، يواسيك في النكبات، يفرح لك في المسرَّات، هو يدك اليمنى، قلبك، عينك، سمعك، بصرك, لذلك مما يخفِّف أعباء الحياة، مما يخفِّف على الناس مشاق الحياة, هذه الأخوة في الله، وأصحاب النبي -عليه الصلاة والسلام- كانوا قدوةً لنا في المحبة والتعاون والتآخي، وسوف نرى بعد قليل, في قصة الصحابي الجليل عبد الرحمن بن عوف, كيف كان أصحاب النبي -رضوان الله عليهم- قدوةٌ لنا في هذا المجال؟-.5-رجل طلبته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله :
وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ, فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّه .
-كنت أقول لكم دائماً: إن هناك تطابقاً أحياناً بين القوانين وبين الشرائع, فالسرقة يحرِّمها الشرع، ويحرِّمها القانون، فالذي لا يسرق ربَّما كان بدافع الخوف من عقوبة الإمام أو الحاكم ، أو ربما كان بدافع الخوف من الله، الأمر ملتبسٌ علينا، ولكن هذا الذي يغض بصره عن محارم الله.
هذا الذي تدعوه امرأةٌ ذات منصبٍ وجمال ولا أحد يعلم بهذه الدعوة، فيقول: إني أخاف الله رب العالمين، هذه الأعمال لا يمكن أن تفسَّر إلا بالإخلاص لله عزَّ وجل-.6-رجل تصدق فأخفى حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه :
وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ فأَخْفَى حَتَّى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ.
-وأيضاً إخفاء الصدقة مما يؤكِّد الإخلاص فيه-.7-رجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4612/08.jpg
((وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ))
هذا البكاء بكاء أهل الحب؛ أي أن الإسلام روحه الحب وجسده -إن صحَّ التعبير-؛ هذه العبادات، وهذه الأفعال، وهذه الأوامر، وهذه النواهي، وتلك الشعائر, ولكن روح الإسلام هو الحب، والحب يحتاج إلى جهدٍ كبير، أما إذا امتلأ قلبك حباً لله, تشعر بشعورٍ لا يوصف، لذلك لا ينبغي للإنسان أن يكتفي من الإسلام بمظاهره، بشعائره، بأوامره، بنواهيه، لا بدَّ من أن ينتقل من مستوىً إلى مستوى، إن الاستقامة على أمر الله، وبذل ما آتاك الله في سبيل الله، والتقرُّب إلى الله، وإتقان العبادات, هذا يولِّد في قلبك حباً لله، فإذا شعرت بهذا الحب عرفت ماذا يعني الحب؟ لأن الشاعر يقول:
لا يعرف الشوق إلا من يكابده ولا الصبابة إلا من يعانيها
إذاً :((سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلا ظِلُّهُ؛ الإِمَامُ الْعَادِلُ, وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ, وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ, وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ, وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ, فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ, وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ فأَخْفَى حَتَّى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ, وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ))
هذا الحب في الله ما الذي يفسده؟ :
لا زلنا في الحب، لأن إفشاء السلام من أجل الحب، والحب من أجل أن يمكن المجتمع وتشَدُّ أواصره .
وعن معاذٍ -رضي الله عنه- قال: ((سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلَّم- يقول :قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: الْمُتَحَابُّونَ فِي جَلالِي لَهُمْ مَنَابِرُ مِنْ نُورٍ يَغْبِطُهُمُ النَّبِيُّونَ وَالشُّهَدَاءُ))
هذا الحب في الله .
الآن: هذا الحب ما الذي يفسده؟ الذي يدعمه أن تكون مؤمناً، والذي يدعمه أن تفشي السلام بين أخوانك، ما الذي يقوِّضه؟ ما الذي يفسده؟.
قال عليه الصلاة والسلام: ((الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لا يَخُونُه.
-إذا خنت أخاك المسلم فقد قوَّضت هذه المحبَّة- وَلا يَكْذِبُهُ, ولا يَخْذُلُهُ, كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ عِرْضُهُ وَمَالُهُ وَدَمُهُ)) [أخرجه الترمذي في سننه]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4612/09.jpg
العرض هو السمعة، عرض الإنسان موطن المدح والذم فيه، بمجرَّد أن تنال منه، بمجرَّد أن تغتابه فقد نلت من عرضه، وإذا نلت من عرضه تفتَّت المجتمع، ما الذي يجعل هذه المحبة قويةً؟ أن يخلو مجتمع المؤمنين من الخيانة، والكذب، والخِذْلان، والعدوان على الأعراض والأموال والدماء.
هذا حديثٌ رواه الترمذي، وقال: حديثٌ حسن، وأصلٌ في التعامل:
((الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لا يَخُونُه
((كَبُرَتْ خِيَانَةً أَنْ تُحَدِّثَ أَخَاكَ حَدِيثًا هُوَ لَكَ بِهِ مُصَدِّقٌ وَأَنْتَ لَهُ بِهِ كَاذِبٌ))

[أخرجه الإمام أحمد في مسنده]
كفى بها خيانة أن تنصحه بشيءٍ لا ينفعه، يحقِّق مصلحتك أنت, ولكن هذا الشيء لا ينفعه ، كفى بها خيانة أن تغشَّه في بضاعاته، كفى بها خيانة أن تغبنه في السعر، فإذا خنت أخاك المؤمن فقد تقوَّضت هذه المحبَّة-.
الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ؛ لا يَخُونُه وَلا يَكْذِبُهُ ولا يَخْذُلُهُ, كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ عِرْضُهُ وَمَالُهُ وَدَمُهُ))
[أخرجه الترمذي في سننه]
ماذا فهم العلماء من كلمة بينكم في هذه الآية؟ :
وربنا عزَّ وجل قال :﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾
[سورة البقرة الآية: 188]
أروع ما في هذه الآية: أن الله عزَّ وجل جعل مال أخيك مالك، فلم يقل: لا تأكل مال أخيك، بل لا تأكل مالك، لأن هذا المال مالك، فيجب عليك أن ترعاه، وأن تحفظه، وأن تصونه، فلأن تمتنع عن أن تأكله حراماً فهذا من باب أولى، إذا كان مال أخيك هو مالك، ويجب أن تحرص عليه، وأن تصونه، وأن تحفظه, فلأن تمتنع من أكله ظلماً وعدواناً من باب أولى:﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾
[سورة البقرة الآية: 188]
وكلمة بينكم: فهم منها العلماء أن هذا المال يجب أن يكون بين الناس، متداولاً بين كل الناس، فإذا أصبح المال متداولاً بين أيدٍ قليلة فثم مصيبة المصائب، والله سبحانه وتعالى ما حرَّم الربا، وما حرَّم الاحتكار، وما حرم الغش، وما حرم التدليس، وما حرم الكذب، وما حرم إخفاء العيب، وما حرم كل المُحرَّمات في كسب المال إلا:
﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾
[سورة الحشر الآية: 7]
إذا كانت هذه الكتلة النقديَّة بين كل الناس كان الناس كلهم بخير، أما إذا تداولتها أيدٍ قليلة وقعنا في الطامَّة الكبرى، إذاً :((كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ؛ عِرْضُهُ وَمَالُهُ وَدَمُهُ))
[أخرجه الترمذي في سننه]
الخيانة، والكذب، والخذلان، والعداون على الأعراض والأموال والدماء, يفتِّت المحبة بين المجتمع، يصبح المجتمع كالذئاب كلٌ ينقض على أخيه، الأقوى يأكل الأضعف.
قال جعفر للنجاشي: كنا قوماً أهل جاهليَّة, نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ويأكل القوي منا الضعيف، حتى بعث الله فينا رجلاً, نعرف أمانته وصدقه وعفافه ونسبه، فدعانا إلى الله لنعبده ونوحِّده، وندع ما كان يعبد آباؤنا من الحجارة والأوثان.
عن ماذا ينهى النبي في هذا الحديث؟ :
حديثٌ آخر: رواه الإمام مسلم ينهى فيه النبي -عليه الصلاة والسلام- عن أعمالٍ كثيرة, من شأنها أن تفسد العلاقة بين المؤمنين.
قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام مسلم:
((لا تحاسدوا, ولا تناجشوا .
-ما هو التناجُش؟ تكون أنت في السوق، ولك زميلٌ، أو صديقٌ، أو جارٌ, وهو يبيع شيئاً لإنسان، تقول له: خذ مني ثمنه ألف ليرة, أنت لست صادقاً في هذا الشراء، وهذا السعر ليس سعره، ولكن دفعت هذا السعر من أجل أن تغري هذا المشتري بدفع هذا الثمن، هذا بيع النجش، وبيع النجش حرام, لأنه تمثيليَّة لعملية بيع وخداع وغبن، فالنبي -عليه الصلاة والسلام- يقول-:
لا تَحَاسَدُوا, وَلا تَنَاجَشُوا, وَلا تَبَاغَضُوا, وَلا تَدَابَرُوا, وَلا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ
-كان السلف الصالح إذا جاءه المشتري الأول يبيعه، فإذا جاء المشتري الثاني, يقول له: اذهب عند جاري, أنا قد بعت البيعة الأولى, ويريد لجاره أن يستفتح كما استفتح هو-.
وَلا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ, وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ أخْوَانًا, الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ: لا يَظْلِمُهُ وَلا يَخْذُلُهُ وَلا يَحْقِرُهُ, التَّقْوَى هَا هُنَا, وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ, بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي في سننهما, ومالك في الموطأ]
قف هنا :
والحديث الأخير المتفق عليه: ((الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لا يَظْلِمُهُ وَلا يُسْلِمُهُ,
- من أعان ظالماً سلَّطه الله عليه- .
وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ,
-لأن أمشي في حاجة أخٍ مؤمن خيرٌ لي من صيام شهرٍ واعتكافي في مسجدي هذا-.
وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً, فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ بها كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ, وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ))
[أخرجه أبو داود في سننه]
هذه توجيهات النبي التي جاءت من أجل أن تفشوَ المحبة بين المؤمنين، التعمق بالإيمان يزيدك حباً بأخوانك المؤمنين، وإفشاء السلام يزيد هذه المحبَّة, والذي يقوُّضها أن تخونه، أن تكذب عليه، أن تظلمه، أن تسْلمه، أن تعتدي على ماله أو على عرضه أو على دمه، أن لا تقدِّم له المعونة المناسبة، هذا كله في هذه الأحاديث الشريفة.
هذه مهمة الشيطان :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4612/10.jpg
عن جابرٍ -رضي الله عنه- قال:

((قال رسول الله -صلى الله عليه وسلَّم-: إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ وَلَكِنْ رضي فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُم))
[أخرجه مسلم في الصحيح, والترمذي في سننه]
فالشيطان دوره خطير جداً في التحريش بين المؤمنين، إشاعة البغضاء، من خلال الغيبة والنميمة, هذا كله يسبِّب العداوات بين المؤمنين، الشيطان يئس أن يعبده الناس بعد الرسالة، ولكن طمع في التحريش بينهم.
وفي نهاية المطاف: يقول عليه الصلاة والسلام:

((أَفْشُوا السَّلامَ, وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ, وَصَلُّوا وَالنَّاسُ نِيَامٌ, تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلامٍ))
هل سألت نفسك هذا السؤال؟ :
والآن: ننتقل إلى قصة الصحابي الجليل عبد الرحمن بن عوف .
وقفت وسألت نفسي: أيمكن أن يكون الغني أقرب إلى الله من الفقير؟ قلت: نعم, أيمكن أن يكون الفقير أقرب إلى الله من الغني؟ قلت: نعم, أيمكن أن يكون القوي أقرب إلى الله من الضعيف؟ نعم, أيمكن أن يكون الضعيف أقرب إلى الله من القوي؟ نعم.
إذا كان الغني أقرب إلى الله تارةً، والفقير أقرب إلى الله تارةً أخرى، إذاً الغنى والفقر لا علاقة لهما بالإيمان، لكن الغنى يوظَّف في الطريق إلى الله عزَّ وجل، والفقر يوظَّف كذلك.
الذي نعرفه جميعاً: أن المؤمن تشتهي منه الغنى، وتشتهي منه الفقر، وتشتهي منه القوة، وتشتهي منه الضعف.
ماذا نستنتج من هذه المراحل التي مر بها النبي أثناء دعوته؟ :
النبي كان ضعيفاً في الطائف، وقف الموقف الأديب, فقال:
((اللهمَّ إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلَّة حيلتي، وهواني على الناس، يا رب المستضعفين إلى من تكلني؟ إلى عدوٍ ملَّكته أمري؟ إن لم يكن بك غضبٌ علي فلا أبالي, ولك العتبى حتى ترضى, لكن عافيتك أوسع لي))
هذا ضعف، وهو في أعلى درجة من درجات الحب وهو ضعيف.
وحينما فتح مكَّة قال :((ما تظنون أني فاعل بكم? قالوا: خيراً؛ أخ كريم وابن أخ كريم))
وهذه قوة.
حينما كان غنياً سأله أحدهم: ((لمن هذا الوادي من الغنم؟ قال: هو لك, قال: أتهزأ بي؟ قال: لا والله هو لك))
وحينما كان فقيراً دخل إلى بيته فلم يجد شيئاً يأكله، فقال: ((إني صائم))
فالغنى يوظَّف ولكن لا علاقة له بالإيمان، الإيمان شيءٌ أعظم من ذلك، أعظم من الغنى، وأعظم من الفقر، وأعظم من القوة. ما الذي ينبغي أن نفهمه من هذه المقارنة؟ :
سيدنا سليمان كان ملكاً، آتاه الله الملك، فوهب الله له ملكاً, لا ينبغي لأحدٍ من بعده, ومع ذلك كان نبياً مرسلاً, وفرعون آتاه الله الملك، سيدنا عبد الرحمن بن عوف آتاه الله المال، وقارون آتاه الله المال، إذاً: ما الذي ينبغي أن نفهمه من هذه المقارنة؟.
يجب أن نفهم أن الإنسان يُمتحن بالغنى ويمتحن بالفقر، يمتحن بالقوة يمتحن بالضعف، يمتحن بالصحَّة ويمتحن بالمرض، ويمتحن بالأمن يمتحن بالخوف, قد يطمئن، أيستغل هذه الطمأنينة في الانسياق وراء شهواته؟ أن يستغل هذه الطمأنينة بمزيد القرب من الله عزَّ وجل, فكل شيءٍ يصيب الإنسان مادة امتحانه مع الله عزَّ وجل.
بم تمثل هذه الواقعة؟ :
الآن: نشاهد نموذجاً رائعاً من الغنى المؤمن، كيف أن الغنى إذا وصف به المؤمن كيف يكون؟.
قالوا: ذات يومٍ والمدينة المنوَّرة ساكنةٌ هادئةً، إذا نَقْعٌ -النقع غبار- يلوح في آفاقها, بعدئذٍ انكشف هذا الغبار والنقع عن جلبةٍ وصوتٍ شديد، ثم لاحت قافلةٌ لم يرَ أهل المدينة مثلها ، قافلةٌ تعد سبعمائة بعير محمَّلةٌ بكل حاجات أهل المدينة؛ الطعام، والشراب، والثياب، وما شاكل ذلك -لا يوجد في الشام، ولا في مصر من بضائع، من حاجات- .
هذه السبعمائة راحلة التي وصلت المدينة، رجَّت المدينة رجَّاً، حتى إن السيدة عائشة -رضي الله عنها- سألت: ما الأمر؟ -ما الخبر؟ ما القصَّة؟-, فقالوا: إنها قافلةٌ لعبد الرحمن بن عوف, -قافلة لواحد، تصوَّر سبعمائة شاحنة، حسبتها: يُقدّر طولها بسبعة كيلو مترات، من هنا إلى دوما تقريباً، أو إلى حرستا, هذه السبعمائة راحلة الموثوقة بكل أنواع البضائع، إنها كلها لعبد الرحمن بن عوف-.
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4612/11.jpg
فقالت أم المؤمنين: قافلةٌ تحدث كل هذه الرجَّة؟! فقيل لها: أجل يا أم المؤمنين إنها سبعمائة راحلة, وهزَّت أم المؤمنين رأسها, وأرسلت نظراتها الثاقبة، كأنها تبحث عن ذكرى رأتها أو حديثٍ سمعته، ثم قالت -دقِّقوا-: أما إني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلَّم- يقول: رأيت عبد الرحمن بن عوف يدخل الجنة حبواً -أي زحفاً.
هناك دخول للجنة وثباً، وهناك دخول هرولةً، ودخول خبباً, ودخول ركضاً، ودخول زحفاً، عبد الرحمن بن عوف يدخل الجنة حبواً, لماذا لا يدخلها وثباً، وهرولةً، وخبباً، وقفزاً؟-.
بعض أصحابه نقلوا له مقالة السيدة عائشة، فتذكَّر عبد الرحمن أنه سمع من النبي -صلى الله عليه وسلَّم- هذا الحديث أكثر من مرَّة، وبأكثر من صيغة، وقبل أن تفضَّ مغاليق الأحمال، وقبل أن توضع هذه الأحمال على الأرض, توجَّه إلى السيدة عائشة وقال لها: -طبعاً من وراء حجاب-: لقد ذكَّرتني بحديثٍ لم أنسه، ثم قال: أما إني أشهد الله أن هذه القافلة بأحمالها وأقتابها وأحلاسها هي في سبيل الله عزَّ وجل.
-لماذا لا يدخلها خبباً، قفزاً، هرولةً، ركضاً؟-.
وُزِّعت حمولة هذه القافلة على أهل المدينة وما حولها في مهرجان برٍ عظيم، هذه الواقعة تمثِّل نموذجاً من سخاء سيدنا عبد الرحمن بن عوف، هذه واحدة . متى دخل عبد الرحمن بن عوف في الإسلام؟ :
من عبد الرحمن بن عوف؟ دخل في الإسلام في وقتٍ مبكرٍ جداً، حينما أسلم لم يكن في الإسلام إلا ثمانية أشخاص، أبو بكرٍ -رضي الله عنه-، وعثمان بن عفان، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبي وقَّاص، كان من أوائل المسلمين، وقد التقى النبي -عليه الصلاة والسلام- قبل أن يجتمعا بدار الأرقم، ومنذ أن لقي النبي -عليه الصلاة والسلام- إلى أن توفَّاه الله وهو في الخامسة والسبعين، وهو نموذجٌ باهرٌ للمؤمنين، مما جعل النبي -عليه الصلاة والسلام- يضعه مع العشرة المبشَّرين في الجنَّة، أحد عشر مبشرين بالجنة، وإذا أردت اليقين: ليس هناك إنسانٌ حسب يقيننا بأنه من أهل الجنة إلا هؤلاء العشرة، أما بالظن نرجو الله أن نكون من أهل الجنة، أما باليقين ليس إلا هؤلاء العشرة وهو منهم.
بم حظ هذا الصحابي؟ :
سيدنا عمر حينما أراد أن يستخلف, جعل عبد الرحمن بن عوف في عداد الستَّة الذين استخلفهم، وقال عنه: لقد توفي رسول الله -صلى الله عليه وسلَّم- وهو عنه راضٍ.
يقال: إن هذا الصحابي الجليل كان محظوظاً في التجارة، كان يقول: لقد رأيتني لو رفعت حجراً, لوجدت تحته فضَّةً وذهباً.
لكن هذا الصحابي الجليل لم يكن حرصه على المال شغفاً بالثراء، ولكن قرباً من الله عزَّ وجل.
إليكم الموقف المشرف لهذا الصحابي الجليل حينما هاجر إلى المدينة :
الآن: إليكم هذا الموقف المشرِّف لهذا الصحابي الجليل حينما هاجر إلى المدينة:
النبي -عليه الصلاة والسلام- جرى على أن يؤاخي بين كل اثنين من أصحابه، أحدهما مهاجر من مكَّة والآخر أنصاريٌ من المدينة، وكانت هذه المؤاخاة تتم على نسقٍ يُبهر الألباب، فالأنصاري من أهل المدينة, كان يقاسم أخاه المهاجر كل ما يملك، حتى فراشه، ويومئذٍ آخى النبي -عليه الصلاة والسلام- بين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع -له قصَّة شهيرة:
هذا الذي تفقَّده النبي في أحد، ثم أرسل من يبحث عنه، فرآه صاحبه في عداد الموتى، وهو على وشك الموت فقال: يا سعد لقد كلَّفني النبي أن أبحث عنك، فهل أنت في عداد الأحياء أم في عداد الأموات؟ فقال سعد بن الربيع: بل في عداد الأموات، ولكن بلِّغ عني رسول الله, وقل له: جزاك الله خير ما جزى نبياً عن أمَّته، وقل لأصحابه: لا عذر لكم عند الله إذا خُلص إلى نبيُّكم وفيكم عينٌ تطرف.
هذا سعد بن الربيع هو الذي آخى النبي بينه وبين عبد الرحمن بن عوف.
قال سعد بن الربيع لعبد الرحمن بن عوف فيما رواه أنس بن مالك: أخي أنا أكثر أهل المدينة مالاً فانظر شطر مالي فخذه -هذا موقف الكرم، والتضحية، والمؤاثرة، والبذل.
الموقف الثاني-: قال له عبد الرحمن بن عوف: بارك الله لك في مالك, ولكن دلَّني على السوق. فذهب إلى السوق فاشترى وباع وربح.
بم بشر ابن عوف؟ :
النبي -عليه الصلاة والسلام- قال له: يا بن عوف, إنك من الأغنياء، وإنك ستدخل الجنة حبواً, فأقرض الله يطلق لك قدميك.
يا بن عوف إنك من الأغنياء وإنك ستدخل الجنة حبواً إلا إذا أقرضت الله، عندئذٍ يطلق لك قدميك فتدخلها خبباً، أو هرولةً، أو قفزاً، أو ركضاً.
قال: منذ أن سمع هذا النصح من رسول الله -صلى الله عليه وسلَّم-، وهو يقرض الله قرضاً حسناً, فيضاعفه الله له أضعافاً كثيرة.
من مآثر هذا الصحابي الجليل :
قالوا: مرَّةً باع أرضاً بأربعين ألف دينار، ثم فرَّقها جميعاً في أهله من بني زُهرة، وعلى أمهات المؤمنين، وفقراء المسلمين .
قدَّم يوماً لجيوش الإسلام خمسمائة فرس، ويوماً آخر ألفاً وخمسمائة راحلة, وعند موته أوصى بخمسين ألف دينار في سبيل الله، وأوصى لكل من بقي ممن شهدوا بدراً بأربعمائة دينار, حتى إن عثمان بن عفَّان -رضي الله عنه- أخذ نصيبه من هذه الوصية رغم ثرائه، وقال:
إن مال عبد الرحمن حلالٌ صفوٌ, وإن الطُعمة منه عافيةٌ وبركة.
ابن عوف لم يكن سيداً لأحد بل كان سيد ماله ولم يكن عبد ماله :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4612/12.jpg
شيءٌ مهمٌ جداً -أيها الأخوة-: سيدنا ابن عوف لم يكن سيِّداً لأحد, بل كان سيد ماله ولم يكن عبد ماله.
والخلاصة: إما أن تكون سيد مالك، وإما أن تكون عبداً لهذا المال.
سيدنا ابن عوف كان سيِّد ماله ولم يكن عبداً لماله؛ أي لم يشقَ بجمعه واكتنازه، بل سعد بكسبه وإنفاقه، لم يكن شقياً بجمعه واكتنازه بل كان سعيداً بكسبه وإنفاقه، يجمعه هوناً -بالهدوء- ومن حلال، ثم لا ينعم به وحده, بل ينعم بهذا المال أهله، ورحمه، وأخوانه، ومجتمعه كله, حتى بلغ من سعة عطائه, أنه قد قيل: أهل المدينة جميعاً شركاء لابن عوف -كل أهل المدينة شركاءٌ له في ماله-, ثلثٌ يقرضهم، وثلثٌ يقضي عنهم ديونهم، وثلثٌ يصلهم ويعطيهم, فالمؤمن الغني تتسع رقعة إحسانه إلى مسافات كبيرة جداً.
انظر إلى زهد ابن عوف :
قالوا: جئ له يوماً بطعام الإفطار وكان صائماً، فلما وقعت عليه عيناه فقد شهيته وبكى، وقال: استشهد مصعب بن عمير وهو خيرٌ مني، فكُفِّن في بردةٍ إن غطَّت رأسه بدت رجلاه، وإن غطَّت رجلاه بدا رأسه، واستشهد حمزة وهو خيرٌ مني, فلم يجدوا له ما يُكفَّن فيه إلا بردة ، ثم بسط لنا من الدنيا ما بُسط، وأعطينا منها ما أعطينا، وإني لأخشى أن نكون قد عُجِّلت لنا حسناتنا, ثم أمر برفع الطعام.
ومرَّة ثانية: اجتمع مع أصحابه على طعام، فلما رآه بكى، وقيل له: يا أبا محمد ما يبكيك ؟ قال: لقد مات رسول الله -صلى الله عليه وسلَّم- وما شبع هو وأهل بيته من خبز الشعير، وما أرانا أُخرنا لما هو خيرٌ منه. هذه عادة الأغنياء :
((أحب ثلاثاً وحبي لثلاثٍ أشد: أحب الطائعين وحبي للشاب الطائع أشد، أحب الكرماء وحبي للفقير الكريم أشد، أحب المتواضعين وحبي للغني المتواضع أشد, وأبغض ثلاثاً وبغضي لثلاثٍ أشد؛ أبغض العصاة وبغضي للشيخ العاصي أشد، أبغض المتكبرين وبغضي للفقير المتكبر أشد، وأبغض البخلاء وبغضي للغني البخيل أشد))
هناك عادةٌ عند كل الأغنياء: هي أنهم يحبون أن يتقرَّبوا, من أهل القوة، من الأمراء, ليزدادوا شأناً على شأن، وقوةً على قوة. من الذي اختار عثمان بن عفان للخلافة بعد موت عمر؟ :
هذا الصحابي الجليل الذي يعدُّ من أغنى أصحاب رسول الله -عليه الصلاة والسلام-، جعله سيدنا عمر من بين الستة الذين اختارهم للخلافة من بعده, فاتحه بعض أصحابه, فقالوا له: إنك أحق الستة بالخلافة -فماذا قال؟-
قال: والله لأن تؤخذ مُديةٌ -سكين- فتوضع في حلقي, ثم ينفذ بها إلى الجانب الآخر, أحب إليَّ من ذلك.
فلما اجتمع مع الستَّة أعلن انسحابه من هذا الترشيح, وقال: أنتم أيها الخمسة اختاروا أحدكم, فلما انسحب هو من هذا الترشيح, كلَّفوه هو أن يختار أحدهم، فاختار هذا الصحابي الجليل سيدنا عثمان بن عفان، الخليفة الثالث الراشد.
ما هي المزية التي خص بها هذا الصحابي الجليل:
قال له الإمام عليٌ -كرَّم الله وجهه-: لقد سمعت النبي -عليه الصلاة والسلام- يصفك, ويقول: بأنك أمينٌ في أهل السماء، أمينٌ في أهل الأرض.
السيدة عائشة أم المؤمنين أرادت أن تخصَّ هذا الصحابي بشرفٍ لم تخصَّ به أحداً سواه، فتعرض عليه وهو على فراش الموت, أن يُدفن في حجرتها إلى جوار النبي -عليه الصلاة والسلام-، وإلى جوار أبي بكرٍ وعمر، ولكن عبد الرحمن بن عوف أحسن الإسلام تأديبه، فيستحيي أن يرفع نفسه إلى هذا الجوار، وهو على موعدٍ سابقٍ وثيقٍ مع عثمان بن مظعون، إذ تواثقت بينهما المودَّة, وقال أحدهم للآخر: أيهما مات بعد الآخر يدفن إلى جوار صاحبه.
وبينما كانت روحه تتهيَّأ لرحلتها الجديدة, كانت عيناه تفيضان من الدمع، ولسانه يتمتم ويقول: إني أخاف أن أحبس عن أصحابي لكثرة ما كان لي من مال, ثم عادت ذاكرته إلى قول النبي عليه الصلاة والسلام, وهو الذي لا ينطق عن الهوى, إن هو إلا وحيٌ يوحى، سمع قول النبي الذي قاله مرَّةً: عبد الرحمن بن عوفٍ في الجنَّة.
وقد انطبقت عليهم الآية الكريمة :
﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنّاً وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾
[سورة البقرة الآية: 262]
التعقيب على هذه القصة :
التعقيب على هذه القصَّة: يمكن أن توظِّف الغنى للتقرُّب من الله عزَّ وجل، فإذا كنت غنياً فكن متواضعاً، وكن سَموحاً، وكن سخياً، وإذا كنت فقيراً فكن صابراً، متجمِّلاً، عفيفاً، وإذا كنت قوياً فتواضع لله، واجعل هذه القوة في سبيل الله، وإذا كنت ضعيفاً, فادعُ الله سبحانه وتعالى أن ينصرك، وإذا كنت صحيحاً فوظِّف هذه الصحَّة لخدمة الخلق، وإذا كنت مريضاً فاجعل هذا المرض قربةً إلى الحق، وهكذا .... الإنسان حالته الحاليَّة، ما هو فيه امتحانٌ له.

والحمد لله رب العالمين

السعيد 07-28-2018 07:38 AM

رد: حق المسلم على المسلم
 
بسم الله الرحمن الرحيم

حق المسلم على المسلم

الدرس : ( الثامن )

الموضوع :رد السلام






الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.ما هي الصيغة التي ألقاها النبي لإلقاء السلام ورده؟ :
أيها الأخوة المؤمنون, لا زلنا في موضوع الحقوق، وقد وصلنا في موضوع الحقوق إلى حق المسلم على المسلم، ومن حق المسلم على المسلم السلام، وتحدثنا في درسين سابقين عن فضل إلقاء السلام، وعن وجوب رد السلام، وبقي علينا اليوم أن نتحدث عن الأحكام الفقهية المُتعلقة بالسلام .
بادئ ذي بدء: يقول عليه الصلاة والسلام فيما رواه عمران بن حصين :
قال عمران بن حصين: جاء رجلٌ إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: السلام عليكم, فرد صلى الله عليه وسلم السلام ثم جلس، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- عشرٌ, ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله, فرد عليه الصلاة والسلام السلام, وجلس, وقال النبي الكريم: عشرون, وجاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته, فرد وجلس وقال عليه الصلاة والسلام: ثلاثون.
فهم من ذلك: أن السلام التام: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، هذا السلام ينال ثلاثة أمثال السلام الأول، هذه صيغةٌ من صيغ السلام.
وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت:
((قال رسول الله -صلى الله عليها وسلم- لها: هذا جبريل يقرأ عليكِ السلام, قالت عائشة: وعليك وعليه السلام ورحمة الله وبركاته))
إذاً: كلمة السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ورد السلام: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته, هذه هي الصيغة التي اختارها النبي -صلى الله عليه وسلم- لإلقاء السلام ورد السلام. مما يكره استعماله :
الصيغ الأخرى التي تعرفونها: أنعِم صباحاً، أنعِم مساءً، عِم صباحاً، عِم مساءً، أسعد الله أوقاتكم، أسعد الله صباحك، أسعد الله مساءك، هذه الصيغ التي يستعملها الناس, الأولى منها أن نستعمل تحية الإسلام: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته, لأن السلام اسمٌ من أسماء الله عزَّ وجل .
وهناك تحيات يستخدمها المتفرنجون، كلكم يعرفها، هذه التحيَّات مكروهٌ استعمالها, لأن فيها تقليداً للكفار، واعتزازاً بهم، واشتياقاً إلى أن يكون المُسَلِّمُ مثلهم، التحيَّات التي يستخدمها الأجانب، والتي أصبحت إلى حدٍ ما معرَّبة، هذه التحيات يظنها بعض الناس دليل رقيٍ وحضارةٍ, هذه في نظر الإسلام إلغاء ورد لتحية الإسلام، واستبدال الذي أدنى بالذي هو خير ، وإن طرح السلام بصيغة سلام الأجانب, نوعٌ من أنواع التشبُّه بهم والاعتزاز بهم, فلنحذر منذ اليوم ألا نطرح سلامهم ولا نرد التحية بمثل ردّهم.
ما حكم إلقاء السلام وما حكم رده في الشرع الإسلامي؟ :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4613/01.jpg
الله سبحانه وتعالى يقول :
﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾
[سورة النساء الآية: 86]
بعضهم يقول: طرح السلام سُنَّة، لكن رد السلام واجب؛ أي إذا قال لك أحدهم: السلام عليكم, فهذا قد طبق السنة، أما أنت إذا ألقي عليك السلام فردّك على هذا السلام واجبٌ, والواجب -كما تعلمون- قريبٌ من الفرض، بل هو عند بعض الأئمة هو الفرض نفسه.
والله سبحانه وتعالى حينما قال :
﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾
[سورة النساء الآية: 86]
ليس هناك فرقٌ بين أن يكون هذا الذي سلَّمت عليه مسلماً أو غير مسلم، لأن الآية عامَّة ، ولا شيء يخصصها إلا بعض الأحاديث التي ترد بعد قليل.
علام استدل جمهور العلماء في هذا الحديث؟:
النبي -عليه الصلاة والسلام- فيما رواه الإمام البَيهقي يقول:
((إن الله تعالى جعل السلام تحيةً لأمتنا وأماناً لأهل ذمتنا))
أي أنك إذا سلمت على غير المسلم, فهذه طريقةٌ من طرق بث الطمأنينة فيه، وإذا سلَّمت على مسلم, فهذا نوعٌ من أنواع التحية التي أمرنا الله سبحانه وتعالى بها.
استدل جمهور العلماء على أن رد السلام على كل مُسَلِّم مسلماً كان أو كافراً لا يختلفان إطلاقاً، فأنت إذا ألقي عليك سلام, يجب أن ترد على هذا السلام ولا يعنيك من هو المُسَلِّم. على ماذا تحض هذه الأحاديث؟ :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4613/02.jpg
الآن ندخل في موضوع آخر من السلام: السلام على أهل بيتك، فالنبي -عليه الصلاة والسلام- فيما رواه الإمام أنس بن مالك، قال عليه الصلاة والسلام:
((يا أنس, أسبغ الوضوء يزد في عمرك، وسلِّم على من لقيك من أمتي تكثر حسناتك، وإذا دخلت بيتك فسلِّم على أهلك، يكثر خير بيتك، وصلاة الضحى فإنها صلاة الأوَّابين، يا أنس, ارحم الصغير ووقر الكبير تكن من رفقائي يوم القيامة))
يعنينا من هذا الحديث إلقاء السلام على أهل البيت:
وسلم على أهل بيتك، يكثر خير بيتك .
وفي حديثٍ آخر:
يقول عليه الصلاة والسلام: ((إذا ولج أحدكم بيته فليقل: اللهم إني أسألك خير الولوج وخير الخروج, وبسم الله ولجنا وبسم الله خرجنا, وعلى الله توكلنا, ثم يسلم على أهله))
وعن زيد بن أسلم, أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ((إذا دخلتم بيتاً فسلموا على أهله، واذكروا اسم الله, فإن أحدكم إذا سلَّم حين يدخل بيته, وذكر اسم الله تعالى على طعامه, يقول الشيطان لأصحابه: لا مبيت لكم هنا ولا عشاء))
إذا دخل إلى البيت فسلم على أهل بيته، يقول الشيطان لأصحابه: لا مبيت لكم هنا، فإذا وضع الطعام وسمى الله قبل أن يأكل، يقول الشيطان لأصحابه: ولا عشاء لكم اليوم, فإذا دخل بيته وسلم على أهله وسمى على طعامه, يقول الشيطان: لا مبيت لكم ولا طعام في هذا البيت .
أما إذا لم يسلم على أهل بيته، ولم يذكر الله على طعامه, يقول الشيطان لأخوانه: أدركتم المبيت والعشاء . ما هي المنعكسات التي يطرحها البيت الذي يسود فيه المحبة:
وعن أنسٍ -رضي الله عنه-, قال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:
((يا بني, إذا دخلت على أهلك فسلم تكن بركةً عليك))
فالبيت جنة المؤمن، جنته داره، فإذا كانت علاقته طيبةً بأهله وأولاده يسعد في داره، وإذا سعد الإنسان في داره, خرج إلى الناس وهو سليم الصدر, وكان إنتاجه طيِّباً، فالإنسان يقاس إنتاجه بمدى نجاحه في بيته، فهذا البيت، هذا العُش، هذه اللبنة الأولى, هي أصل صلاح المجتمع، إذا صلحت الأسرة صلح المجتمع، فلذلك: على كل زوجٍ, أو على كل أبٍ: أن يحرص حرصاً بالغاً على سلامة العلاقة بينه وبين أهله، وبينه وبين أولاده، فكلما كانت العلاقة طيِّبةً، والعلاقة علاقة محبةٍ واحترام وودٍ, انعكس هذا في عمله، وانعكس هذا في علاقاته الخارجية. ما حكم السلام على أهل البيت؟ :
فلذلك: إذا دخلت على أهلك فسلم عليهم, تكن بركةً عليك وعلى أهل بيتك.
وفي حديثٍ آخر:
((إذا دخلت على أهلك فسلم عليهم, تحيةً من عند الله مباركةً طيبة))
وبعد: فقد قال العلماء: أواجبٌ إذا خرجت من بيتك ثم دخلت أن تسلم عليهم؟ .
قال بعضهم: لا، لكن هو أحب إلي, فمن منكم يصَّدق أن أصحاب النبي -عليهم رضوان الله- كان الصاحبان إذا مشيا معاً, وفرقت بينهما شجرة, يقول أحدهما للآخر: السلام عليكم؟ .
وإذا كان عندك أخٌ كريم, وخرجت من غرفة الضيوف, وعدت إليها, فقل: السلام عليكم, هذا اسم الله عزَّ وجل، وكلما ألقيت السلام نمت المودة بين المؤمنين، وهذه طريقةٌ سحريةٌ في تمتين العلاقة بين الأخوة المؤمنين .
إذا دخلت مسجد النبي -عليه الصلاة والسلام-, فقل: السلام على رسول الله, هذا أيضاً مما قاله بعض التابعين، وإذا دخلت على أهلك فسلم عليهم، وإذا دخلت بيتاً ليس فيه أحد, فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. ما حكم السلام على الصبيان؟ :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4613/03.jpg
ما حكم السلام على الصبيان؟ .
ورد عن أنسٍ -رضي الله عنه-:
((أن النبي -عليه الصلاة والسلام- مر على صبيان فسلم عليهم))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي في سننهما]
وكان عليه الصلاة والسلام يفعل هذا دائماً, فهذا الصبي الصغير يجب أن تهتم به.
كلكم يعلم: أن سيدنا عمر -رضي الله عنه- حينما كان يمشي في المدينة، رأى مجموعةً من الغِلمان، لما رأوه تفرقوا، إلا واحداً منهم, قال: يا غلام لمَ لمْ تهرب مع من هرب؟! قال: أيها الأمير, لست ظالماً فأخشى ظلمك, ولست مذنباً فأخشى عقابك, والطريق يسعني ويسعك .
ومثل هذا الغلام, فقد دخل مرة على سيدنا عمر بن عبد العزيز وفد من الحجاز, ويتقدم الوفد غلام، فامتعض سيدنا عمر منه لما أراد أن يتحدث باسم الوفد, وقال: اجلس أيها الغلام وليقم من هو أكبر منك سناً, فقال: أصلح الله الأمير, المرء بأصغريه قلبه ولسانه, -فإذا وهب الله العبد لساناً لافظاً وقلباً حافظاً فقد استحق الكلام-, ولو أن الأمر كما تقول, لكان في الأمة من هو أحق منك بهذا المجلس.
أي أن هذا الصغير إذا عرف أن المسلمين يقدِّرونه، ويقدرون وجوده في المسجد، ويحبون وجوده في المسجد، ويكرمون وجوده في المسجد، فإنه ينشأ على حب بيوت الله، وهذا الشاب الذي تعلَّق قلبه في المساجد من السبعة الذين يظلهم الله تحت ظله يوم لا ظل إلا ظله.
إذاً: من السنة أن تسلم على الصبيان، والنبي -عليه الصلاة والسلام- يقول:
((من كان له صبيٌ فليتصابى له))
وكلكم يعلم: كيف كان يركب الحسن والحسين على ظهره الشريف ويقول: ((نعم الجمل جملكما! ونعم العدلان أنتما))
[أخرجه الطبراني في المعجم الكبير]
وكيف كانت الجارية -أي البنت الصغيرة- تأخذه من يده -صلى الله عليه وسلم-, وتقوده حيث شاءت.
والنبي -عليه الصلاة والسلام- في بعض الأحاديث يقول :
((لاعب ولدك سبعاً، وأدبه سبعاً، وراقبه سبعاً، ثم اترك حبله على غاربه))
على كلٍ؛ طرح السلام من الإسلام، صغيراً كان أو كبيراً، قريباً أو بعيداً، مسلماً أو غير مسلم، لكني أضرب مثلاً:
فلو أن واحداً مشى في سوق الحميدية اليوم، أو في أيام الازدحام، أو في أيام الأعياد, فهل عليه أن يطرح السلام على كل أولئك؟ لا، ليس هذا وارداً إطلاقاً. ما حكم السلام في السوق, وما الحكم الذي يمكن أن نستخلصه من السلام؟ :
قيل: إذا مشى المسلم في السوق أو في الشوارع المطروقة ونحو ذلك مما يكثر فيه المتلاقون، فإن السلام يكون في هذه الحالة لبعض الناس دون بعض، لمن تعرف, دخلت إلى محل تجاري: السلام عليكم, دخلت إلى المسجد، دخل معك شخص، حازاك في الدخول, قل: السلام عليكم, أما في الأسواق المزدحمة: ليس من المعقول أن تطرح السلام على كل الناس .
على كلٍ؛ من حِكَمِ السلام أنه به تستكسب الود وتستدفع المكروه، قد يلقاك شخص شرير، فإذا سلمت عليه انطفأت شرته، فالسلام أحياناً تستجلب به المودة أو تستدفع به المكروه ، فإذا كان شخص يخشى شره وسلَّمت عليه وكنت معه لطيفاً، ربما صرف النظر عن إيذائك, هذا من حكمة السلام.
إذا جاء في الخطاب لفظ السلام فهل على القارىء رد السلام؟ :
والآن: عندنا أحكام أخرى لحالات أخرى:
أنه إذا جاء في الخطاب لفظ السلام، تقرأ رسالة، تقرأ في مقدمة الرسالة: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فقال العلماء:
يجب أن تقول: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته, أن ترد على السلام المكتوب، هذا حكمٌ فقهي.
وعن عائشة أنها قالت:
((قال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- :يا عائشة, هذا جبريل يقرأ عليك السلام, قالت: قلت: وعليك وعليه السلام ورحمة الله وبركاته))
أي إذا ألقي عليك السلام مباشرةً وجهاً لوجه, لا بد من أن ترد السلام، وإذا جاءك السلام مكتوباً، أو جاءك على لسان إنسانٍ آخر، يجب أن تقول: عليك وعليه السلام, كما علمنا النبي عليه الصلاة والسلام.
فعن غالب القطان, عن رجلٍ قال: ((حدثني أبي عن جدي, قال: بعثني أبي إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: ائته فأقرئه السلام, فأتيته فقلت: يا رسول الله, إن أبي يقرئك السلام, فقال عليه الصلاة والسلام: عليك السلام وعلى أبيك السلام))
إذاً: طرح السلام مباشرةً لا بدَّ له من رد، إذا جاء السلام كتابةً لا بدَّ له من رد، إذا جاء محمولاً عن طريق شخصٍ ثالث, لا بدَّ له من أن تقول: عليك وعليه السلام . إذا كان المؤمنون جماعة فما حكم طرح السلام؟ :
الآن: إذا كان المؤمنون جماعةً فطرح السلام سنة كفاية، إذا قام به أحدهم سقط عن الباقي, وإذا كان المطروح عليهم السلام جماعة فردُّ السلام واجب كفاية، إذا كان الذي طرحت عليه السلام واحداً رد السلام واجب عين، وإذا كان الذي طرحت عليه السلام جماعةً رد السلام واجب كفاية، طرح السلام من جماعة سنة كفاية، طرحه من واحد سنة عَيْن، هذا حكم السلام.
طبعاً: الحكم المعروف طرح السلام سنة، ورده فرضٌ أو واجب والواجب أولى .
إليكم هذه الأحوال التي يكره فيها طرح السلام:
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4613/04.jpg
الآن: هناك أحوالٌ يكره فيها طرح السلام:
فالإنسان إذا كان يبول في سفر مضطراً، لا يجوز أن تطرح عليه السلام، أو إذا كان يصلي، أو إذا كان يؤذِّن، أو إذا كان يقيم الصلاة، أو إذا كان في الحمام -أي يغتسل-, فطرح السلام على هذا الإنسان لا يجوز، أو إذا كان في فمه لقمة، أو وهو يأكل, وهو يبتلع الطعام، فإذا طرحت عليه السلام فأجابك، فإنه يتضايق ويشعر بحرج بين الرد وبلع الطعام.
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4613/05.jpg
أما السلام في حال خطبة الجمعة فمكروه، أي في أثناء خطبة الجمعة, وفي مجالس العلم السلام مكروه, لأنه كلما دخل إنسان, قال: السلام عليكم, فأجابوه: وعليكم السلام, تبلبل الدرس، وشردت أذهان الحاضرين, ففي خطبة, وفي مجلس العلم، لا يجوز أن تطرح السلام ، دخولك إلى المسجد هو السلام.
وكذلك لا يجوز أن تطرح السلام على من يقرأ القرآن، فالأولى ترك السلام عليه .


ما يتعلق في باب المصافحة والمعانقة :
الآن: ندخل في بابٍ آخر باب المصافحة والمعانقة:
عن حذيفة بن اليمان -رضي الله عنه-, عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:
((إن المؤمن إذا لقي المؤمن فسلم عليه, وأخذ بيده فصافحه، تناثرت خطاياهما كما يتناثر ورق الشجر))
[أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط]
إذاً: فهم من هذا الحديث: أن السلام بين المؤمنين, إذا ألقى أحدهما الآخر, فيكفيه أن تسلم عليه بلسانك وتصافحه بيمينك.
وعن النبي -صلى الله عليه وسلم- فيما رواه سلمان بن الفارسي, أنه قال: http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4613/06.jpg

((إن المسلم إذا لقي أخاه فأخذ بيده, تحاتت ذنوبهما كما يتحات الورق عن الشجرة اليابسة في يوم ريحٍ عاصف))
إذاً: هذا السلام وهذه المصافحة، مما أكدهما النبي -عليه الصلاة والسلام- في أكثر من حديث.
وعن أنسٍ -رضي الله عنه- قال رجلٌ: ((يا رسول الله, الرجل منا يلقى أخاه أو صديقه أينحني له؟ قال: لا, قال: أفيلتزمه ويقبله؟ قال: لا, قال: فليأخذ بيده ويصافحه؟ قال: نعم))
إذاً: النبي نهى عن أن ننحني لبعضنا بعضاً، ونهى أيضاً عن أن يلتزم بعضناً بعضاً, ويقبل بعضناً بعضاً, إلا لحديثٍ آخر نراه بعد قليل .
حدثني عبد الله بن طاووس, عن أبيه, عن عبد الله بن عباس ((أن النبي -عليه الصلاة والسلام- لما قدم جعفر من أرض الحبشة, اعتنقه النبي -صلى الله عليه وسلم- وقبل ما بين عينيه, وكان جعفر أشبه الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم))
إذاً: فهم أنه إذا قدم الإنسان من سفر، وكان لقاءٌ بعد غيابٍ طويل، السنة أيضاً: أن تلتزمه, وأن تعتنقه, وأن تقبله، هذه السنة, أما التقبيل بين الآونة والأخرى: فهذا ليس من السنة، المصافحة من السنة، طرح السلام من السنة . من آداب السلام :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4613/07.jpg
من آداب السلام :
أن يسلِّم الراكب على الماشي، والماشي على القاعد، والقليل على الكثير.
ومن آداب السلام أيضاً :
((إِذَا انْتَهَى أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَجْلِسِ فَلْيُسَلِّمْ, فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَقُومَ فَلْيُسَلِّمْ, فَلَيْسَتِ الأُولَى بِأَحَقَّ مِنَ الآخِرَةِ))
لكن السنة: إذا دخلت إلى جماعة, وسلمت عليهم, وصافحتهم واحداً واحداً, فليس عليك أن تصافحهم حينما تغادرهم، لك أن تقول: السلام عليكم, فالمصافحة عند الدخول فقط وعند الاستقبال، أما عند الوداع يجزئك من السلام, أن تقول: السلام عليكم وتذهب .
من هم أبخل الناس؟ :
هناك بعض أحكامٍ أخرى متعلقةٍ بالسلام :
روى الإمام البخاري في صحيحه, في الأدب المفرد, عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال:
((أبخل الناس الذي يبخل بالسلام .
-أنت صاحب محل وعندك صانع، دخلت على المحل, فقل له: صباح الخير، السلام عليكم ، الله يعطيك العافية, ماذا تكلفك هذه؟ هذه تبث في نفسه الحب، تبث في نفسه الطمأنينة.
هناك أشخاصٌ من أصحاب المحلات مثلاً, يبخلون بإلقاء السلام, بحجة أن هذا ليس شأنه من شأني . هنا المشكلة، وهذا هو الكبر حقاً، يجب أن تسلم على كل من تلقاه على من حولك، لذلك النبي -عليه الصلاة والسلام- يقول-: إن أبخل الناس من بخل بالسلام, وأعجز الناس من عجز عن الدعاء))
إذا كان الله عزَّ وجل يقول : ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾
[سورة غافر الآية: 60]
﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾
[سورة البقرة الآية: 186]
والله سبحانه وتعالى على كل شيءٍ قدير وبالإجابة جدير، وأمرنا أن ندعوه، وما أمرنا أن ندعوه إلا ليستجيب لنا, فتبخل أن تدعوه !!. ما حكم السلام على الفاسق والمبتدع؟ :
لكن الأحكام الشرعية المتعلِّقة بطرح السلام على بعض الأشخاص دقيقةٌ جداً .
فقد روى البخاري أيضاً, عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:
((لا تسلموا على شارب الخمر))
إنسان شارب خمر, تقول له: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وعليك السلام, أنت كأنك تقره على عمله، هذا السلام بين المؤمنين، هذا المتلبس بالمعصية الذي لا يأبه بهذه المعصية من المسلمين لا ينبغي أن تسلم عليه.
وقد ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يجوز في الأصل أن تسلم على الفاسق ولا المبتدع, فإن اضطرت إلى السلام بأن خفت أن تترتب مفسدةٌ في دينٍ أو دنيا فلك أن تسلم عليه؛ أي إذا كان عدم سلامك على هذا الفاسق أو المبتدع أو شارب الخمر، يترتب عليه -أي عدم السلام- مفسدةٌ كبيرة في الدين والدنيا فينبغي أن تسلم عليه، هذا هو الحكم الشرعي.
فمثلاً: إنسان لو لم تسلم عليه لجاءك منه شرٌ خطير، عندئذٍ سلم عليه إتقاءً لشره، مع العلم أنه:
شر الناس من اتقاه الناس مخافة شره.
بعض العلماء قال: ينوي المسلم أن السلام من أسماء الله عزَّ وجل, فإذا قلت: السلام عليكم؛ أي أن الله رقيبٌ عليكم, هذه نية مقبولة . انظر إلى هذا القول للسادة الأحناف :
حتى إن السادة الأحناف قالوا: إن ترك السلام على من يتعاطى خوارم المروءة، من باب التأديب أولى.
من يتعاطى خوارم المروءة؛ أي كل عملٍ يخل بمروءة الإنسان، من جراء هذا العمل يجب أن يشعر هذا العاصي أنه منبوذ اجتماعياً.
وتعلمون موضوع العدالة كيف أنها تسقط وكيف تجرح؟ تسقط عمّن حدّث الناس وكان كاذباً إذاً تسقط بالكذب، وعاملهم فكان ظالماً إذاً تسقط بالظلم، ووعدهم فأخلفهم إذاً تسقط بإخلاف الوعد، فإذا كان صادقاً غير ظالم ولا يخلف وعده, فهو ممن كملت مروءته, وظهرت عدالته, ووجبت أخوَّته, وحرمت غيبته.
وتعلمون أن الأكل في الطريق، والمشي حافياً في الطريق، والبول في الطريق، وأكل لقمة من حرام، وتطفيفٌ بتمرة، وصحبة الأراذل، والحديث عن النساء، من أطلق لفرسه العنان لإيذاء الناس، من قاد برزوناً، هذا كله مما يجرح العدالة.
السادة الأحناف قالوا: إن هؤلاء الذين يفعلون أفعالاً تسيء إلى مروءتهم وعدالتهم, يجب أن نؤدبهم.
ولكن الأحكام تتغير بتغير الأزمان، حينما يكون الجو العام جواً صحياً, فيه استقامةٌ طيبةٌ من المجتمع، إذا خرج أحدهم عن هذا الخط يجب أن يؤدب، أما إذا فشا هذا الانحراف، فصار عدم إلقاء السلام, لا يؤدي الهدف الذي أراده العلماء من هذا الحكم الذي استنبطوه, فالأمر عندئذٍ يختلف والإنسان له فيه عذره.
ما حكم من قبل يد غني لدنياه وثروته وشوكته؟ :
الآن قالوا: من قَبَّلَ يد غنيٍ لدنياه، وثروته، وشوكته، وجاهه، ونحو ذلك, فإن هذا مكروهٌ كراهةً شديدة، بل إنه يرقى إلى حكم الحرام. وكلكم يعلم :
((َمَنْ دَخَلَ عَلَى غَنِيٍّ فَتَضَعْضَعَ لَهُ ذَهَبَ ثُلْثَا دِيِنِه))
من جلس إلى غنيٍ يبتغي من ماله, فتضعضع له, -تمسكن، تذلل-، ذهب ثلثا دينه.
ومن التضعضع له: أن تقبَّل يده من أجل الطمع في المال أو الثروة أو الشوكة أو الجاه، هذا أيضاً مكروهٌ كراهةً شديدة، بل إن بعض العلماء ومنهم النووي, قال: حرام. ما حكم التقبيل وما حكم تقبيل اليد؟ :
شيٌ آخر: يقولون: ما حكم التقبيل؟ قالوا: تقبيل الأرض والأقدام أمام العظماء والملوك، وتقبيل أيدي السيِّدات الأجنبيات كما هي الحالة في بعض العادات والتقاليد، وتقبيل أيدي الفتيات المُراهقات في المجتمعات وعند المقابلات، هذا منكرٌ إنكاراً شديداً.
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4613/08.jpg
ما حكم تقبيل اليد؟ قالوا: حكم تقبيل اليد: نابعٌ من الباعث لهذا التقبيل، فقد يكون التقبيل أساسه بقصد الخضوع وإعلان العظمة هذا الباعث غير مشروع، وقد يكون بقصد إشباع الغريزة تحت ستار التحيَّة وهذا الباعث غير مشروع، وقد يكون تلبيةً للشفقة والرحمة للوالدين وهذا الباعث مشروع، وقد يكون اعترافاً بفضلٍ، وهكذا تتنوع بواعث التقبيل ويأخذ حكم التقبيل حكم الباعث.
إذا كان الباعث التعظيم والتبجيل أو الشهوة الخفية فهذا تقبيلٌ محرم، إذا كان الباعث إكرام الأم والأب، وإشعارهما بأن هذا الابن بارٌ بهما, فهذا الباعث مقبول.
والله سبحانه وتعالى يقول :
﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً﴾
[سورة الإسراء الآية: 24]
بعض الفقهاء يقول: تقبيل المودة للولد يكون على الخَد -الطفل الصغير يُقبل على خده-, وتقبيل الرحمة للوالدين يكون بتقبيل الرأس واليدين، وتقبيل الشفقة للأخ يكون على الجبهة.
بقي علينا موضوع القيام:
يقول عليه الصلاة والسلام: ((مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَمْثُلَ لَهُ عِبَادُ اللَّهِ قِيَامًا, فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ))
هذا رأي الأحناف في موضوع السلام على الشابة الأجنبية :
الآن: هناك حكم رد السلام على الأخت المسلمة: جاء في حاشية ابن عابدين الحكم التالي : إذا عطست شابةٌ مسلمةٌ في حضرتك فلا يجوز أن تشمِّتها -يرحمك الله, هذه ليست واردة إطلاقاً- ولا يسلم عليها, فإذا سلمت عليه يرد السلام بلسانه إن كانت متقدمةً في السن، وبقلبه إن كانت شابة، إذا سلَّمت امرأةٌ أجنبيةٌ على رجل, إن كانت عجوزاً رد عليها بلسانه بصوتٍ يسمع، وإذا كانت شابة رد عليها في قلبه، وإذا سلم الرجل على امرأةٍ أجنبية، فالجواب فيه تماماً بالعكس، إذا كان المسلم شيخاً كبيراً ردت عليه السلام بلسانها، فإن كان شاباً ردت عليها السلام بقلبها.
هذا رأي السادة الأحناف في موضوع السلام على الشابة الأجنبية.
عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-, عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:
((السلام اسمٌ من أسماء الله تعالى وضعه في الأرض فافشوه بينكم))
[أخرجه الطبراني في المعجم الكبير, والبزار في مسنده]
هذه عن أحكام السلام، وأحكام التقبيل، وأحكام القيام، وما يتبع ذلك من أحكام.
لمحة عن حياة زيد بن ثابت :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4613/09.jpg
والآن إلى قصة صحابيٍ جليل:
حينما تمسك بيدك المصحف وتقرأ، فلتعلم أن عليك دَيْنَاً يجب أن تؤدِّيه لصحابيٍ جليلٍ جداً, كان له باعٌ طويل في جمع المصحف، إن هذا الصحابي الجليل هو سيدنا زيد بن ثابت، هو الصحابي الأول الذي جمع القرآن في عهد سيدنا أبي بكرٍ وعمر وفي عهد سيدنا عثمان، فكلما أمسكت مصحفاً, ورأيت الآيات يأخذ كل منها بعناق بعضٍ، ورأيت هذه السور، فإن الفضل الأول لجمع القرآن لهذا الصحابي الجليل.
هو أنصاري من السادة الأنصار، كانت سِنُّه يوم قدم النبي -عليه الصلاة والسلام- المدينة أحد عشر عاماً، شيء يدعو للعجب، سيدنا أسامة بن زيد قاد جيشاً كبيراً عرمرماً بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام, وكانت سنه لا تزيد عن سبعة عشر عاماً.
-تقرأ عن أصحاب النبي الشباب الشيء الذي لا يصدق، أين شبابنا في هذه السن من هؤلاء الشباب الأصحاب الذي ملؤوا كتب التاريخ ببطولاتهم الفذة؟-.
فهذا الصحابي الجليل الذي ندين جميعاً له في قراءة القرآن، حينما دخل النبي -عليه الصلاة والسلام- المدينة مهاجراً, كانت سِنُّه لا تزيد عن أحد عشر عاماً، وأسلم الصبي الصغير مع المؤمنين، وبارك دعوة النبي -عليه الصلاة والسلام- وصحبه أبوه معه إلى غزوة بدر، ولكن النبي -عليه الصلاة والسلام- رده لصغر سنه.
لم لم يأذن النبي لزيد بن ثابت أن يكون في صفوف المجاهدين في غزوة أحد؟ :
وفي غزوة أُحد ذهب جماعة من أترابه إلى النبي -عليه الصلاة والسلام- يضرعون إليه ويرجونه أن يجعلهم في صفوف المجاهدين، وكان الأهل أكثر ضراعةً من الشباب للنبي -عليه الصلاة والسلام- ألقى النبي -صلى الله عليه وسلم- على هؤلاء الفرسان الصغار نظرةٌ شاكرة، وبدا وكأنه سيعتذر عن تجنيدهم، لكن أحدهم وهو رافعٌ بن خُديج تقدَّم بين يدي النبي -عليه الصلاة والسلام- يحمل حربةً ويحرِّكها بيمينه حركاتٍ بارعة، وقال للنبي -عليه الصلاة والسلام-: إني كما ترى رامٍ أجيد الرمي, فأذن لي يا رسول الله.
شاب صغير يحمل أمام النبي حربةً ويحركها حركاتٍ متقنة, ويقول: يا أيها الرسول الكريم، إني رامٍ فأذن لي, وتقدم شابٌ آخر اسمه سمرة بن جُندب وراح يلوِّح في أدبٍ بذراعيه المفتولتين، وقال بعض أهله للنبي: يا رسول الله! إن سمرة يصرع رافعاً -أقوى من هذا- وحيا النبي هذين الشابين بابتسامة حانية وأذن لهما، وكانت سن كل منهما لا تزيد عن خمسة عشر عاماً، ودخلا المعركة.
وبقي من الأتراب ستة أشبال منهم زيد بن ثابت، لم يأذن لهم النبي -عليه الصلاة والسلام- لصغر أسنانهم، ومنهم عبد الله بن عمر، هؤلاء راحوا يضرعون ويرجون، ولكن النبي لم يأذن لهم في هذه السن، كأنهم رجعوا وأعينهم تفيض من الدمع، -هكذا كان أصحاب النبي عليهم رضوان الله- .
هذا ما تفوق به هذا الصحابي الجليل في ظل الإسلام :
تألَّقت شخصية سيدنا زيد في ظل الإسلام تألُّقاً كبيراً، ونمت شخصيته نمواً سريعاً.
-هذا سؤال يطرح نفسه علينا جميعاً: أنت تنمو يا ترى؟ كل واحد منا له هذا المجلس, يا ترى ينمو في الإيمان؟ هل يوازن بين يومه وأمسه؟ يا ترى: أنت اليوم كما أنت قبل عام في إيمانك؟ قبل شهر؟ قبل عامين؟ قبل ثلاثة أعوام؟.
النبي -عليه الصلاة والسلام- يقول:
((من لم يكن في زيادة فهو في نقصان.
- لأن عجلة الزمن متحركة، فلو فرضنا أحداً وصل للصف الثامن ووقف، يقول: أنا لم أتأخر لكني واقف، صار زميلك في الصف الحادي عشر، إذاً إن لم يتقدم ووقف فهو في خسران-.
من لم يكن في زيادة فهو في نقصان، والمغبون من تساوى يوماه))
فالإنسان يجب أن يراقب نفسه، في تبدل أحواله إلى الأحسن، في معلوماته، بمواقفه، ببذله، بتضحيته-.
وبعد فإن كُتَّاب السيرة يقولون: شخصية سيدنا زيد نمت نمواً سريعاً في ظل الإسلام، وتفوق هذا الصحابي الجليل في العلم والحكمة، وتعلم هذا الصحابي أيضاً بعض اللغات الأجنبية، وكان كاتباً من كتَّاب الوحي، وكان كاتباً للنبي -عليه الصلاة والسلام-، كتب له بعض الرسالات لملوك الأرض وعظمائها. كيف عامل ابن عباس هذا الصحابي الجليل؟ :
هناك لقطةٌ طيبة: كيف عامل سيدنا ابن عباس وهو ابن عم النبي -عليه الصلاة والسلام- هذا الصحابي الجليل؟
يقول الشعبي -وهو قاضٍ تابعي-: ذهب زيد بن ثابت ليركب فأمسك ابن عباس بالركاب, فقال له زيد: تَنَحَّ يا بن عم رسول الله, فأجابه ابن عباس: لا هكذا أمرنا أن نصنع بعلمائنا. ما هي العلوم الإسلامية التي نبغ بها زيد بن ثابت؟ :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4613/10.jpg
قبيصة يقول: كان زيدٌ رأساً بالمدينة في القضاء والقراءة والفرائض.
وكان عليه الصلاة والسلام كان يقول:
((أفرضكم زيد))
أي أعلمكم بالمواريث زيد.
- مر معنا بالخطبة، لما ربنا عزَّ وجل قال : ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً﴾
[سورة الفرقان الآية: 52]
هذه الهاء تعود على القرآن، معنى ذلك: إذا تعلَّمت القرآن وعلمته, فهذا في نظر العلماء فوق الجهاد، والجهاد -كما تعلمون- ذروة سنام الإسلام، وتعلُّم القرآن وتعليمه فوق الجهاد، الجهاد هدفه نشر الحق، فإذا كان الهدف نشر الحق، فإذا أنت تعلمت القرآن وعلمته, فقد ساهمت في تحقيق الهدف البعيد للجهاد، والبحث عن الحقيقة جهاد، كما قال الله عزَّ وجل: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾
[سورة العنكبوت الآية: 69]
إذاً-: حينما نبغ هذا الصحابي الجليل بالقرآن، ونبغ بالحكمة، وبعلم المواريث, فقد حقق هدفاً كبيراً جديداً. ما قيل عن زيد بن ثابت :
سيدنا ثابت بن عُبيد يقول: ما رأيت رجلاً أفكه في بيته -انظر لهذه المفارقة- ولا أوقر في مجلسه من زيد.
-أي في عمله وقور جداً أما في بيته فكه جداً، هكذا النبي كان, كان إذا دخل بيته بسَّاماً ضحاكاً، كان يقول: http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4613/11.jpg

((خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي))
[أخرجه الترمذي في سننه]
أعجبني هذا الوصف: ما رأيت رجلاً أفكه في بيته ولا أوقر في مجلسه من زيد
هذه سنة، فأنت إذا كنت في عملك، لا ينبغي أن يكثر مزاحك، إذا كثر مزاحك ذهبت هيبتك، عندك مرؤوسون، مزاح مزاح مزاح ضاعت هيبتك، أما إذا دخلت على أهل بيتك فمن لهم غيرك؟ إذا دخلت عليهم عبوساً قمطريراً، من لهم غيرك؟
بعضهم يقول: ببيته دبور وبالخارج شحرور.
فأولى الناس بمودتك، أولى الناس بلطفك وأنسك، في مزاحك اللطيف: أهل بيتك وأولادك، فهؤلاء الذين في البيت جبارون ومع أصدقائهم ليِّنون، هؤلاء من علامات أشراط الساعة: يوم يبر الإنسان صديقه ويعق أباه.
نموذج غريب جداً, علاقاته الخارجية رائعة جداً, وفي البيت سيئة جداً, ما هكذا المسلم ، هؤلاء أهل بيتك، أولى الناس بك:
ما رأيت رجلاً أفكه في بيته ولا أوقر في مجلسه من زيد-.
سيدنا ابن عباس كان يقول عن سيدنا زيد بن ثابت: كان من الراسخين في العلم.
هذه المهمة التي كلف بها زيد بن ثابت في معركة اليمامة :
سيدنا زيد حفظ القرآن وكتب الوحي، ولكن كلكم يعلم في معركة اليمامة التي كانت بين المسلمين والمرتدين، مات قراءٌ كثيرون، سيدنا عمر -رضي الله عنه- فزع إلى سيدنا أبي بكر لهذا الخبر المريع، واقترح عليه جمع القرآن في مصحف واحد، فحفاظٌ كثيرون استشهدوا في هذه المعركة, وخشي سيدنا عمر أن يستجر القتل في الحُفّاظ، ماذا فعل الصديق -رضي الله عنه-؟ استخار ربه، وشاور أصحابه –انظروا: الاستخارة والاستشارة؛ الاستخارة لله عزَّ وجل، والاستشارة لأولي الخبرة من المؤمنين- ثم دعا زيد بن ثابت, وقال له: يا زيد إنك شابٌ عاقل لا نتهمك، فاجمع القرآن.
- مهمة كبيرة جداً، عليه أن يلتقي بأصحاب رسول الله، وأن يستمع منهم سور القرآن، وأن يجمع بعض الصُحف، أو بعض الرقاع التي كتبت فيها الآيات، وأن يوازن ويقارن إلى أن يصل إلى النص الصحيح- قال: جهدٌ كبير جداً وقد حدثنا عن نفسه, فقال: والله لو كلفوني نقل جبلٍ من مكانه لكان أهون علي مما أمروني به من جمع القرآن, ولكن الله سبحانه وتعالى هو الذي يعين، لأن الله تكفل بحفظه:
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾
[سورة الحجر الآية: 9]
إذاً: هو عمل شاق وجهد واستنفذ كل طاقته، ولكن الله سبحانه وتعالى أعانه.
لكن حينما جمع القرآن في المرحلة الأولى جمعه على عدة أحرف، وهذه الأحرف كان بينها خلافٌ طفيفٌ جداً في موضوع القراءة، فلما اتسعت الفتوحات في عهد سيدنا عثمان، ومرة ثانية خشي أصحاب النبي -عليهم رضوان الله- أن يختلف المسلمون في القرآن، ففزعوا إلى عثمان، وسيدنا عثمان أمر سيدنا زيد بن ثابت مرةً ثانية أن يجمع الناس على نسخةٍ واحدة، وأن ينسخ من هذا النسخة ست نسخٍ، وأن تعمم في الأمصار، فجمع زيد أصحابه وأعوانه, وجاؤوا بالمصاحف من بيت حفصة وكانت محفوظً لديها، وباشر زيدٌ وصحبه مهمتهم العظيمة، وعاونه في ذلك كُتَّاب الوحي. نهاية المطاف :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4613/12.jpg
فإذا قرأتم القرآن ميسَّراً, فالفضل عائدٌ لهذا الصحابي الجليل، -والإنسان إذا ترك أثراً علمياً، وإذا عمل عملاً طيباً.
وكلكم يعلم: أن الإنسان إذا مات انقطع عمله إلا من ثلاث؛ ولدٍ صالحٍ يدعو له، وعلمٍ ينتفع به، وصدقةٍ جارية.
فالإنسان يجهد أن يبقي بعد موته ذكراً يأتيه أجره كل حينٍ من الله عزَّ وجل ولو مات ، والآن أسرع شيء طلب العلم وتعليم العلم، فكل من تعلم العلم وعلمه, فله أجر من تعلم هذا العلم وعمل به إلى يوم القيامة.
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4613/13.jpg
فحينما تحضر أنت لمجالس العلم وتتعلم تصيب شيئين، تتعلم كيف تعيش؟ كيف تتصرف ؟ كيف تتحرَّك؟ كيف تعطي؟ كيف تمنع؟ كيف تغضب؟ كيف ترضى؟ كيف تسالم؟ كيف تعادي؟ لأن كل موقف له حكم شرعي، فتعلُّم العلم ضروريٌ لاكتساب رضوان الله عزَّ وجل، وإذا علمت العلم للآخرين والآخرون علموا العلم بدورهم، كل هذه السلسلة من الأعمال الصالحة هي في صحيفتك، لذلك لا ينبغي أن يشغل الإنسان شيءٌ عن طلب العلم، وطلب العلم -كما تعلمون- فريضةٌ على كل مسلم، وطالب العلم تضع له الملائكة أجنحتها رضىً بما يصنع-.
فرضي الله عن هذا الصحابي الجليل، الذي طوّق أعناقنا بدينٍ لا يؤدى جزاؤه إلى يوم القيامة لجمعه القرآن الكريم.
وكما قلت قبل قليل: الأعمال منوعة, وكأن الحياة فيها ثلاث قوى؛ قوة المال، وقوة العلم، وقوة القوة, فإذا كنت في مركزٍ قوي يمكن أن توظف قوتك في سبيل الحق، وإذا كنت ذا مالٍ وفير يمكن أن تبذل هذا المال في سبيل الحق، وإذا كنت ذا علم غزير يمكن أن تنفق هذا العلم في سبيل الحق، فالعلم والمال والقوة كل هذه العناصر الأساسية ، يمكن أن تكون سبيلك لتدخل الجنة إن شاء الله تعالى، فالبدارَ البدار.


والحمد لله رب العالمين

السعيد 07-28-2018 07:42 AM

رد: حق المسلم على المسلم
 
بسم الله الرحمن الرحيم

حق المسلم على المسلم

الدرس : ( التاسع )

الموضوع : حق الطريق غض البصر - 1 - ( غض البصر مدرسةٌ لتهذيب النفس ).





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
حق الطريق :
أيها الأخوة المؤمنون, أنهينا في الدرس الماضي حقوق المسلم على المسلم، وها نحن ننتقل في هذا الدرس إلى حقٍ جديد وقد يبدو لكم غريباً، إلا أن النبي -عليه الصلاة والسلام- هو الذي سمَّاه هذا الاسم: إنه حق الطريق, الطريق التي نسير فيها لها حقٌ علينا، والنبي -عليه الصلاة والسلام- سمَّاها حق الطريق.
فعن أبي سعيد الخِدْرِيّ -رضي الله عنه-, عن النبي -صلى الله عليه وسلَّم- أنه قال: http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4618/01.jpg

((إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ فِي الطُّرُقَاتِ.
-كلمة إياكم من ألفاظ التحذير، إياك والكذب، إياك والخيانة، إياك والتقصير، إياك وما يعتذر منه-. إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ فِي الطُّرُقَاتِ.
-لا أعتقد أن أحداً يجلس في الطريق، ولكن هذا الذي له محلٌ تجاريٌ مطلٌ على الطريق ، أو هذا الذي يسمح لنفسه أن يجلس في مقاهي الرصيف، هناك مقاصف، وهناك مقاه، وهناك محلاتٌ تطل على الطريق، مثل هذه المحلات، ومثل هذه الملاهي، ومثل هذه المقاصف هذه منهيٌ عنها، فقال عليه الصلاة والسلام- :
إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ فِي الطُّرُقَاتِ, قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ, مَا لَنَا بُدٌّ مِنْ مَجَالِسِنَا نَتَحَدَّثُ فِيهَا.
- أي إذا كان هناك ضرورة، إذا كان لا بدَّ من أن نجلس لشأنٍ مهم، لشأنٍ مشروع, لشيءٍ مباح، لعملٍ، لتجارةٍ، لكسب رزقٍ، لحل مشكلةٍ، لحل قضيَّةٍ -. إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ فِي الطُّرُقَاتِ, قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ, مَا لَنَا بُدٌّ مِنْ مَجَالِسِنَا نَتَحَدَّثُ فِيهَا, قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلا الْمَجْلِسَ فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ.
-الطريق لك أن تذكِّرَ هذه الكلمة ولك أن تؤنِّثها، لك أن تقول: هذه طريق وهذا طريق، وهذه حال وهذا حال، وهذه بئر وهذا بئر, في اللغة العربيَّة كلماتٌ تذكَّر وتؤنَّث في وقتٍ واحد.
قال عليه الصلاة والسلام-: فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلا الْمَجْلِسَ
- المجلس أي إلا الجلوس، هذا مصدر ميمي، المجلس مكان الجلوس، ويأتي المصدر الميمي على وزن مَفْعِل، أي فإن أبيتم إلا الجلوس-. فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ, قَالُوا: وَمَا حَقُّهُ؟ قَالَ: غَضُّ الْبَصَرِ))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, وأبو داود في سننه]
1- غض البصر:
يمكن أن أسمِّي غضَّ البصر مدرسةً في الإسلام، غض البصر لا يوجد قانون في الأرض يلزم به.
قلت لكم سابقاً: إنه قد تتوافق مواد القانون مع أوامر الشرع، فإذا امتنعت عن السرقة, لا ندري امتنعت عنها خوفاً من عقاب الله أم خوفاً من عقاب البشر, لكن رحمةً من الله عزَّ وجل بهذا المؤمن, جعل بعض الأوامر في الشرع لا تتفق مع أي قانون، فجميع القوانين الأرضيَّة لا تُلزم بغض البصر، وإن كان عالِم شهير ألَّف كتاب اسمه: الإنسان ذلك المجهول.
هذا العالِم عالم نفس وطبيب في الأساس، استنبط من خلال التفسُّخ الاجتماعي، ومن خلال الشقاء الزوجي، ومن خلال الانحلال الخُلُقي في العالم الغربي والأمريكي، استنبط أنه لا بدَّ من قصر الطرف على زوجةٍ واحدة.
هذا الكلام قاله ذلك المؤلِّف, وهو لا يدري ما الإسلام؟ ولا يدري ماذا في القرآن؟ ولكن من خلال ملاحظٍة ذكيَّة، ومن خلال استقراءٍ دقيق, وجد أنه لا بدَّ للرجل من أن يقصر طرفه على زوجةٍ واحدة، لم يقل: لا بدَّ من أن يكتفي بزوجةٍ واحدة, بل لا بدَّ من أن يقصر طرفه عليها , لأن الإنسان أحياناً يهتدي بالتجربة، والبحث، والدرس، والتعمُّق، والتحليل، والملاحظة، والاستنتاج، والاستقراء, ينتهي إلى حقيقة توافق ما جاء في القرآن، القضيَّة تفسيرها سهل، فالحقائق واحدة إما أن تصل إليها بالتجربة، وإما أن تصل إليها عن طريق الوحي، فالوحي الذي أوحاه الله للنبي -عليه الصلاة والسلام- هو حقٌ مطلق, لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4618/02.jpg
فيمكنك أن تمسك آلة تحاول تبحث عنها، تفكك جهازاً، تنزع صمَّاماً، اختفى الصوت، تتوهَّم أن هذا الصمام للصوت، شيءٌ آخر:
هذا الفاصل –مثلاً- له علاقة بالشيء الفلاني، فأنت من خلال النزع، والتركيب، والتعطيل، والتشغيل، والتجريب, تكتشف بعض نظام هذه الآلة، هذا العلم اسمه علم تجريبي، وفي هذا العلم التجريبي قد تخطئ وقد تصيب، قد تملك الحقيقة الكاملة أو قد تملك بعضها، ولكنك إذا توجَّهت إلى مخترع هذا الجهاز, وسألته عن سر تصميمه، وعن دقائق عمله, لأعطاك الحقيقة المطلقة.
فأنت إذا توجَّهت إلى كتاب الله, تسأله عن حقائق الأمور، وعن سر الخلق، وعن سر التصرُّف، وعن حقيقة الأمر والنهي، وعن مؤدَّى المعاصي، وعن مؤدَّى الطاعات، لأخذت من كتاب الله الجواب الشافي المطلق الصحيح, لأنه من عند الخبير:
﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾
[سورة فاطر الآية: 14]
وخبرة الله عزَّ وجل ليست حديثة، الإنسان خبرته حديثة، بمعنى أنها حادثة، بمعنى أنها مكتسبة, تنشأ مع الأيام، ولكن خبرة الله قديمة، فإذا سألت الخبير لن تجد إلا في كلامه الحق المُطلق، فإما أن تتجه إلى الصانع, وتستشف من كلامه الحقائق، وإما أن تتجه إلى التجربة، إلا أن مشكلة التجربة أنك قد تصل من خلالها إلى الحقيقة ولكن بعد فوات الأوان.
أنت أمام كرة فهل يا ترى: قنبلة، كرة، لعبة؟ ممكن تجرِّب، ممكن تلمسها بيدك، لكن فيما لو كانت قنبلة وانفجرت لم يبقَ في الحياة دقيقةٌ تستفيد من هذا الدرس، أما إذا سألت الخبير، وأنبأك بالحقيقة الشافية، فأنت قد أخذت الاحتياط، فالإنسان يجوز بعد فوات الأوان، في خريف العمر: أن يكتشف الحقيقة التي جاء بها القرآن, وأنت في مقتبل العمر. نقطة مهمَّة جداً:
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4618/03.jpg
ما من مخلوقٍ إلا ويكتشف في خريف عمره: أن المال ليس كل شيء، هو شيء ولكنه ليس كل شيء، وأن المتعة شيء ولكنها ليست كل شيء، وأن الحياة لا بدَّ لها من نظام، لا بدَّ لهذا الكون من خالق، لا بدَّ لهذا الإنسان من أن يطيع خالقه، هذا متى تعرفه؟ في خريف العمر, من خلال التجربة، والخطأ، والصواب، والدروس الثمينة، والعقاب الأليم، والتجارب.
ما قولك: وأنت في مقتبل العمر, إذا قرأت القرآن من عند الواحد الديَّان، إذا قرأت هذا القرآن واستشفيت منه الحقائق، وكانت هذه الحقائق نوراً لك في طريق الحياة؟ والأغرب من ذلك: أنه ما من مخلوقٍ إلا ويعرف الحقيقة الكاملة التي عرفها الأنبياء، ولكن يوم القيامة:
﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾
[سورة الحديد الآية: 32 ]
فرعون وهو على مشارف الغرق قال : ﴿آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾
[سورة يونس الآية: 90]
فالقضيَّة قضية زمن، هذه الحقائق التي جاء بها الأنبياء، هذه الحقائق التي وردت في القرآن الكريم، هذه الحقائق لا بدَّ من أن تؤمن بها، لا بدَّ من أن تكشفها، لا بدَّ من أن ينكشف الغطاء، لا بدَّ ومن أن تملك البصر الحاد:
﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾
[سورة ق الآية: 22]
ولكن الطامَّة الكبرى: أن هذه الرؤية الصحيحة، وأن هذا البصر الحديد، وأن هذا الغطاء المكشوف, متى جاءنا؟ بعد فوات الأوان.
الطالب إذا دخل الامتحان وليس مستعداً له، وخرج من الامتحان وقلبه يعتصر من الألم، توجَّه إلى البيت, وفتح الكتاب، وقرأ الإجابة الصحيحة وعرفها، ولكن متى عرف الإجابة؟ بعد الامتحان، معنى هذا أنه رسب، أي طالب كسول يمكن أن يعرف الإجابة ولكن بعد الامتحان، أما البطولة: أن تعرفها قبل الامتحان.
حقائق الدين:
إذاً: هذه النقطة دقيقة جداً: حقائق الدين، الحقائق التي جاء بها القرآن، الحقائق التي جاء بها أي كتابٍ سماوي، الرسالات السماويَّة، رسالة الله إلى الإنسان, فيها حقائق، فيها قواعد، فيها قوانين، فيها سنن، هذه الحقائق، وتلك القواعد، وهذه السنن: إذا كشفتها في الوقت المناسب, فأنت أسعد الناس، أما إذا ألقيتها عُرض الحائط، جعلتها وراءك ظهرياً، هجرتها واتجهت إلى قواعد أخرى مستحدثة من وضع البشر، ترضي ميولك، ترضي شهواتك، وتمسَّكت بها، وتشبَّثت بها، ودافعت عنها، ودعوت إليها، وكشفت بعد فوات الأوان أنها باطلة .
قلت لكم في الخطبة: أنه من يتق الله, فلا يسمح للأفكار الزائفة أن تحتل مكانها من عقله ، جعل الله له مخرجاً من الضلال، والضياع، والحيرة، وخيبة الأمل.
الفرق بين المؤمن والكافر:
إذاً: نستنبط من هذه المقدِّمة: أن الفرق بين المؤمن والكافر من حيث المعرفة فرق زمن فقط، المؤمن عرف الحقيقة قبل فوات الأوان، والكافر عرف الحقيقة بعد فوات الأوان، عملية وقت، هذا قبل فوات الأوان، هذا في الوقت المناسب، وهذا في الوقت غير المناسب، هذا في مقتبل العمل, وهذا في خريف العمر، أو على مشارف الموت، أو يوم القيامة.
لا تنسوا هذه الآية:
﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾
[سورة ق الآية: 22]
ماذا قال سيدنا علي؟ لو كُشِفَ الغطاء ما ازددت يقيناً .
أي هو يقينه بعد كشف الغطاء كيقينه قبل كشف الغطاء، هذه البطولة، ليس من يقطع طُرقاً بطلاً, إنما من يتقي الله البطل، أن تعرف الحقيقة في الوقت المناسب. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4618/04.jpg
وبشكل ملخَّص: لو أردت أن أضغط لكم هذه الفكرة: أنت آلة معقَّدة جداً، وفي كتيِّب فيه تعليمات الصانع، فإذا أهملته، ولم تعبأ به، وسخرت منه، وألقيته في الأرض، كذَّبته، وعملت في هذه الآلة دون علم، وفق هواك، وفق مزاجك، حمَّلتها ما لا تطيق فتعطَّلت، عندما تتعطَّل وتدفع الثمن باهظاً، تعلم ساعة إذٍ أنك لو طبَّقت هذه المعلومات, لأخذت من هذه الآلة أعلى مردود، ولقدمت لك أكبر فائدة.
لذلك هذا الذي أقوله لكم دقيقٌ جداً: بمعنى أنه إذا كنت من السعداء، من المتفوِّقين، من الفائزين، من الفالحين، من الناجحين، من أولي الألباب, من أصحاب العقول, تبحث عن الحقيقة في الوقت المبكِّر، لذلك الله سبحانه وتعالى سمَّى البحث عن الحقيقة، ماذا سمَّاه؟ جهاد , فقال:
﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾
[سورة العنكبوت الآية: 69]
البحث عن الحقيقة، معنى ذلك: أنك تحتاج إلى وقت، يجب أن تقتطع من زبدة وقتك وقتاً لمعرفة الله، وقتاً للتأمُّل، وقتاً لمعرفة منهج الله، وقتاً لمعرفة شرع الله، وقتاً لمعرفة كتاب الله، في الدرجة الأولى يجب أن تعرف كتاب الله وأن تعرف سُنة رسول الله، اللذان هما أصلان أساسيان من أصول هذا الدين. غض البصر مدرسة لتهذيب النفس :
فلذلك الفكرة التي قلتها قبل قليل: إن غض البصر ينفرد به الدين، وليس في القوانين الوضعيَّة كلِّها مادَّةٌ تلزم الإنسان بغض البصر، فإذا غض الإنسان بصره عن محارم الله, بماذا يشعر؟ هل يستطيع الشيطان أن يوسوس إليك أنك بهذا الغض تنافق؟ لا والله، ما أحد يراقبك، ولا أحد يلزمك، ولا أحد يحاسبك، إذا كنت خالياً وحدك، في غرفتك الشخصيَّة، والنافذة مفتوحة، وخرجت إلى الشرفة امرأةٌ من الجيران، حينما تغض بصرك عنها, وأنت وحدك في الغرفة، من الذي رأى هذا العمل؟ لا أحد، لذلك:
إذاً: غض البصر مدرسةٌ لتهذيب النفس .
النقطة الدقيقة الثانية: إن غض البصر، أنت قد سمح الله عزَّ وجل لك أن تقف بين يديه في النهار والليلة خمس مرات، في صلاة الفجر والظهر والعصر والمغرب والعشاء، وقد جعل لك آلاف المناسبات في النهار، بل عشرات الألوف، بل مئات للإقبال عليه، كلَّما صرفت بصرك عن امرأةٍ لا تحلُّ لك, شعرت أنك بهذا تطيع الله عزَّ وجل، كأن غض البصر هذا كان لك مُدخلاً إلى الله عزَّ وجل، فأنت حينما تقف في اليوم والليلة خمس مرات تصلي، أنت إذا غضضت بصرك عن محارم الله، في كل مرةٍ تغض فيها البصر ترقى إلى الله، كأن الله سبحانه وتعالى أعطاك مناسباتٍ عديدةً كي تقبل بها عليه.
الطاعة ونتائجها:
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4618/05.jpg
والنتيجة: أن هناك علاقةً علميَّةً بين الطاعة وبين نتائجها، كما أن هناك علاقةً علميةً بين المعصية وبين نتائجها، بمعنى: أنك إذا وضعت يدك على المدفأة أحرقتك المدفأة، هذه علاقة علميَّة، أي علاقة سبب بنتيجة، هذا الذي يغض بصره عن محارم الله قبل الزواج, يعيش حياة هادئةً، حياةً نظيفةً، حياةً وادعةً، قد يبني بهذا الوقت مستقبلاً، فإذا تزوَّج وغضَّ بصره عن محارم الله, عاش حياةً زوجيَّةً سعيدة، تعيش الحياة مرَّتين؛ مرَّةً قبل الزواج ومرَّة بعد الزواج، وحينما تغض البصر عن محارم الله, لا تفعل هذا إلا ابتغاء مرضاة الله، وهذا غض البصر من عبادات الإخلاص، إذا أنفقت المال من دون أن يعلم أحد بهذا الإنفاق, فهذا إنفاق الإخلاص، وإذا غضضت البصر عن محارم الله من دون أن يعلم بهذا أحد، فهذا الغض عبادة الإخلاص. النبي -عليه الصلاة والسلام- قال-:
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ -رَضِي اللَّهم عَنْهم-, عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ:
((إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ عَلَى الطُّرُقَاتِ، فَقَالُوا: مَا لَنَا بُدٌّ إِنَّمَا هِيَ مَجَالِسُنَا نَتَحَدَّثُ فِيهَا، قَالَ: فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلا الْمَجَالِسَ, فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهَا، قَالُوا: وَمَا حَقُّ الطَّرِيقِ؟ قَالَ: غَضُّ الْبَصَرِ، وَكَفُّ الأَذَى، وَرَدُّ السَّلامِ, وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ، وَنَهْيٌ عَنِ الْمُنْكَرِ))
بالمناسبة: ما كان الله ليعذِّب قلباً بشهوةٍ تركها صاحبها في سبيل الله .
فأنت إذا غضضت البصر لم ينشغل قلبك بهذه الشهوة، الله أجل وأكرم من أن يعذِّبك بهذا الغض، بل تجد حلاوته في قلبك . الحكمة من غض البصر:
هناك أحاديث كثيرة سوف ترد معنا في هذا الموضوع، ولكن أريد من هذا الموضوع الوقوف عند حكمة غض البصر:
الله سبحانه وتعالى قال:
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾
[سورة البقرة الآية: 63]
أي يمكن أن تأخذ أمر الله بضعفٍ، بتراخٍ، بليونةٍ، بشكلٍ معتدل, من دون تمسكٍ شديد، يمكن أن تأخذ أمر الله بيسرٍ، لكن ربنا عزَّ وجل قال :

﴿خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾
[سورة البقرة الآية: 63]
أي قوةٌ في التطبيق، حزمٌ في التنفيذ، اندفاعٌ إلى طاعة الله، وقوفٌ عند الشبهات، وقوفٌ عند ما حرَّم الله، هذا معنى قول الله عزَّ وجل:
﴿خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾
[سورة البقرة الآية: 63]
الإنسان منطقي، والإنسان يحب ذاته، هكذا فُطِر، لا يوجد إنسان إلا وهو مفطورٌ على حب وجوده، وحب سلامة وجوده، وحب كمال وجوده، وحب استمرار وجوده, حب الوجود، وسلامة وجوده، وكمال الوجود، واستمرار الوجود، يحب أن يعيش حياة طويلة، والدعاء الشهير: الله يطوِّل عمرك, فأجمل دعاء يسمعه الإنسان أطال الله عمرك، والنبي الكريم قال لرجل سأله:
((أي الناس خير؟ مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ))
[أخرجه الترمذي في سننه]
فالإنسان يحب طول البقاء. فلماذا يؤمن الإنسان؟ حينما يؤمن بالله عزَّ وجل, تصبح الحياة الآخرة امتداداً للحياة الدنيا، معنى هذا: أنه ما مات:
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ﴾
[سورة آل عمران الآية: 169]
فالله عزَّ وجل فطرنا على حب الخلود, فالإنسان إذا آمن, أصبح خط بيانه صاعداً صعوداً مستمراً، ولو جاء الموت يبقى الخط صاعداً.
إذاً: لماذا الإسلام دين الفطرة؟ أنت مفطورٌ على حب الخلود، فإذا آمنت بالله، واستقمت على أمره، وعملت فيما يرضي, شعرت أن حياتك الدنيا وحياتك الآخرة متصلتان، وأن هناك استمرار، وأن الموت عمليةٌ صغيرةٌ جداً، تبديل ثياب فقط، أنت أنت؛ سعادتك، إقبالك، سرورك، طمأنينتك، أنت أنت. متى تستقر النفس البشرية؟ :
لذلك: النبي -عليه الصلاة والسلام- عندما خير بين أن تكون له زهرة الدنيا وبين أن ينتقل إلى الرفيق الأعلى, قال:
((بَلِ الرَّفِيقُ الأَعْلَى))
وعندما قالت ابنة سيدنا بلال: واكربتاه يا أبت, قال: لا كرب على أبيك بعد اليوم, غداً ألقى الأحبَّة محمداً وصحبه.
الإنسان مفطور على حب البقاء، وعلى سلامة البقاء، وعلى كمال البقاء، وعلى وجود البقاء، وسلامة هذا الوجود، وكمال هذا الوجود، واستمرار هذا الوجود، فإذا آمنت بالله وآمنت بالآخرة اطمأنت نفسك، إذاً أنت لست أنت, والموت على طرفي نقيض.
الموت عُرس المؤمن.
الموت فرحة المؤمن.
كلام النبي الكريم، كلام سيد المرسلين, الذي لا ينطق عن الهوى: ((لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ؛ فَرْحَةٌ حِينَ يُفْطِرُ وَفَرْحَةٌ حِينَ يَلْقَى رَبَّهُ))
فما قولك: أن الشيء الذي ترتعد منه فرائص الناس, أن الموت الذي يهز كيان الإنسان، أن الموت الذي يعد أكبر مصيبةٍ عند أكثر الناس، ما قولك: أن هذا الشبح المخيف يغدو عند المؤمن شيئاً مقبولاً مسعداً؟ لذلك الإسلام دين الفطرة، فلن تستقر النفس، لن تهدأ، لن تطمئن، لن تسعد إلا إذا سارت على منهج ربها. مقومات الإنسان:
وقلت لكم البارحة أيضاً أو قبل البارحة: إن ربنا عزَّ وجل أعاننا على أنفسنا بالفطرة، فطر الإنسان فطرةً عالية، فالإنسان إذا انحرف، إذا اعتدى، إذا كذب، إذا خان, يشعر بانقباض شديد، ما هذا الانقباض؟ إنه إحساس الفطرة السليمة، فربنا عزَّ وجل علَّمنا بالعقل، وعلَّمنا بالكون، وعلَّمنا بالقرآن، وعلَّمنا بالسنة، وعلَّمنا بالفطرة، وعلَّمنا بالدعاة، وعلَّمنا بالإلهام، والفطرة أحد هذه المصادر الأساسيَّة في توجيه الإنسان إلى الصواب.
فغض البصر يتناقض مع الشهوة.
النقطة الدقيقة: أن أوامر الشرع تعتمد على العقل، بينما الشهوات تتناقض مع العقل، من تناقض العقل مع الشهوة يكون رقي الإنسان.
فأحياناً يتوافق العقل مع الشهوة, الإنسان لا يرقى، هو جائع والطعام موجود، والطعام طعامه وهو في بيته، فإذا أكل حتى شبع, لا يشعر أنه فعل شيئاً عظيماً يرضي الله عزَّ وجل، العقل توافق مع الشهوة، أنت جائع, والطعام موجود، والطعام حلال، وأنت تأكل هذا الطعام لتقتات به، فتوافق العقل مع الشهوة ربما أدَّى إلى الشُكر، أما أن ترقى بهذا العمل, إنك لا ترقى به, أما إذا عاكست شهواتك، إذا جاء الأمر العقلي يتناقض مع الشهوة التي أودعها الله في الإنسان, هنا يكون الرقي، فمثلاً:
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4618/06.jpg
الإنسان بكظم الغيظ يرقى، الإنسان بالصبر يرقى، الإنسان بغض البصر يرقى، الإنسان بحفظ السر يرقى، لأن الإنسان يتمنى أن يحكي قصص الناس، شيء ممتع جداً، إذا وجد الإنسان في مجلس, وسمع قصَّة ممتعة، ومثيرة جداً، وإذا تكلَّم فيها فضح أخاه الإنسان، الشهوة تدعوه إلى أن يحكي هذه القصَّة، ولكن العقل يأمره أن يسكت عنها، إذا كان وجد في مجلس فيه اختلاط، شهوته تدعوه إلى هذا المجلس، شيء ممتع، لكن عقله يمنعه من ذلك.

لذلك ربنا عزَّ وجل قال:
﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾
[سورة العصر الآية: 1-3]
إيمانٌ، وعملٌ، ودعوةٌ، وصبر، الصبر ربع الإيمان، ربع الفلاح, لماذا؟ لأن الصبر معناه: أن كثيراً من أوامر الدين يحتاج إلى ضبط النفس، ويحتاج إلى كبت الشهوة، ويحتاج إلى تحكيم العقل لا الشهوة، فأنت بالصبر ترقى.
النبي الكريم عندما سُئل عن الإيمان, قال:
((الصَّبْرُ وَالسَّمَاحَةُ))
بل هناك حديثٍ آخر: الإيمان هو الصبر.
الإيمان كله صبر. فغض البصر من حق الطريق، إذا كنت في الطريق، وبالطبع الأجر يختلف، إذا كنت في عهد أصحاب رسول الله الأجر طفيف جداً، النساء كلهن متحجِّبات، طاهرات، عفيفات، تقيَّات.
ربنا وصف المؤمنات فقال :
﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً﴾
[سورة التحريم الآية: 5]
إذا كان الطريق فيه نساء مؤمنات، عفيفات، طاهرات، مطيعات، محتشمات، صادقات، مُحْصنات, الأجر طفيف جداً، أما الأجر متى يعلو جداً؟ حينما يكون القابض على دينه كالقابض على الجمر, أما إذا كان الطريق مليئاً بالمتفلِّتات الملعونات، إذا كان الطريق ممتلئاً بمثل هؤلاء, عندئذٍ يرتفع سعر غض البصر، سعر باهظ جداً؛ بالسيارة، بالطريق، بأي مكان, نساءٌ كاسياتٌ عاريات، مائلاتٌ مميلات، لذلك غض البصر في آخر الزمان أجره كبير جداً، والقاعدة الشهيرة:
الثواب على قدر المشقَّة.
أي قد أراد الله عزَّ وجل أن يجعل لك مناسباتٍ عديدةٍ كل يوم كي ترقى بها إليه، من هذه المناسبات غض البصر.
الحقيقة: الآية الكريمة :
﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً﴾
[سورة الإسراء الآية: 36]
الفؤاد هنا بمعنى الفكر، من فَأَدَ أي قيَّد، أي السمع والبصر والفكر كل أولئك كان عنه مسؤولاً.
الدعاء الشهير: ومتعنا اللهمَّ بأسماعنا وأبصارنا وقوَّتنا ما أحييتنا, واجعله الوارث منا.
((عَيْنَانِ لا تَمَسُّهُمَا النَّارُ؛ عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ, وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ))
[أخرجه الترمذي في سننه]
يوجد عفَّة، المؤمن عفيف، لو أن امرأةً تمشي أمامه لَقَصَّرَ عنها أو لتجاوزها، لو أنه دخل إلى مصعد وفيه امرأةٌ, يخرج لأنه لا يحل له أن يكون معها في مصعدٍ واحد، في مناسبات يبدو لك الإيمان صريحاً واضحاً، وهذا يرضي الله عزَّ وجل، أودع فيك هذه الشهوة وهو ينظر إليك, بركان لكن ومع ذلك ضبط نفسه، لكن لن يضيع عند الله شيء، وزوال الكون أهون عند الله عزَّ وجل من أن يضيع مؤمناً عفَّ قبل الزواج، هذا له مكافأة عند الله، شاب في مقتبل الحياة, الشهوة فيه مستعرة كالبركان، ومع ذلك غضَّ بصره عن محارم الله، وتوجَّه إلى المسجد ليتعرَّف إلى الله، وضبط مشاعره, هذا ممن يحبهم الله:
((سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلا ظِلُّهُ؛ ...... وَرَجُلٌ دعته امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ, فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, والترمذي والنسائي في سننهما, ومالك في الموطأ]
﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً﴾
[سورة الإسراء الآية: 36]
فسماع المنكر فيه معصية، سماع المعصية معصية.
القاعدة الشهيرة: ما حَرُمَ فعله حرم استماعه وحرم النظر إليه.
وفي الحديث الشريف: ((النظرة سهم مسموم .
-هذا من بلاغة النبي عليه الصلاة والسلام، سهم مسموم، لو أنه سهمٌ عادي لفعل فعله في موضعٍ واحد، ولكنه لأنه مسموم, هذا السُم يسري في كل أنحاء الجسد، لذلك الذي يُطلق بصره في الحرام تصبح حياته متسمِّمة، دراسته فيها شرود، عمله التجاري لا يوجد فيه تركيز، مأخوذٌ بمن يطلق إليهنَّ بصره، دراسته ضعيفة، نشاطه متخاذل، مَيله للراحة، لأن الشهوة تَشُل قِوى الإنسان. الحقيقة: هناك سر في تفوُّق المؤمنين في كل مجال، بغض بصرهم عن محارم الله، نفوسهم صافية، وقلبهم فارغ, فإذا أقبلوا على عملٍ أبدعوا فيه، أما هؤلاء الذين ينغمسون في الشهوات إلى قمة رؤوسهم, هؤلاء لا يملكون التركيز، لا يملكون التوفيق، لا يملكون العمل الدؤوب ..-:
النظرة سهم مسموم من سهام إبليس . -
((إبليس طَلاع رَصّاد .
-إبليس ذكي، والذكاء وحده ما له قيمة، والذكاء قوة بالإنسان. والنبي الكريم يقول:
((الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ))
[أخرجه مسلم في الصحيح]
القوة قوة، والمال قوة، والذكاء قوة، والعلم قوة، بمعناها المطلق، ربنا عزَّ وجل قال:
﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾
[سورة الأنفال الآية: 60 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4618/07.jpg
قد تكون القوة قوة علم في آخر الزمان، قد تكون القوة قوة مكيدة، القوة قوة سلاح، قوة تدريب، قوة تخطيط، قوة ماليَّة.
على كلٍ؛ القوة مُطلق على الشيء الذي له تأثير بليغ فيما حوله: ((الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ.. -القوة وحدها خَطِرَة، الذكاء وحده خطر، أما النبي الكريم ربط القوة بالإيمان, فقال-: الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ))
[أخرجه مسلم في الصحيح]
ما هما البابان اللذان يأتي منهما الشيطان للمؤمن؟ :
النظرة سهم مسموم من سهام إبليس -لعنه الله- فمن تركها خوفا من الله, آتاه الله عز وجل إيمانا يجد حلاوته في قلبه))
فهم الإيمان هنا تلك الوجهة إلى الله عزَّ وجل، فالإيمان بالأساس تصديقٌ وإقبال، والكفر تكذيبٌ وإعراض، فالذي يطيع الله عزَّ وجل يقبل عليه، سمَّى النبي -عليه الصلاة والسلام هذا الإقبال إيماناً, قال-: ((النظرة سهم مسموم من سهام إبليس ... -إبليس طلاع رصّاد -ذكي- وما هو بشيء من فخوخه -الفخوخ جمع فخ- بأوثق لصيده في الأتقياء من النساء))
أي أن النساء فخٌ خطير من أفخاخ إبليس، وهو واثقٌ من أن هذا الفخ لن يخطئ، لذلك النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: ((اتَّقُوا النِّسَاءَ))
وقال: ((النساء حبائل الشيطان))
وكل رجل فيه نقطتا ضعف هما: المال والنساء، يستطيع عدوه أن يأتيه من هذين البابين، فإن كان مؤمناً حصَّن نفسه من باب النساء بغض البصر، ومن باب المال بالورع-: النظرة سهم مسموم من سهام إبليس -لعنه الله- فمن تركها خوفا من الله, آتاه الله عز وجل إيمانا يجد حلاوته في قلبه)) وعلى كلٍ؛ الله عزَّ وجل يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، أي أن أدق النظرات المختلسة لامرأةٍ لا تحل لك هذه يعلمها الله عزَّ وجل، ويحاسب عليها، وكلَّما تشدَّدت في غض البصر, شعرت أنك ترضي الله عزَّ وجل، وأن الطريق إلى الله سالك. طبعاً: الحقوق كثيرة ولا زلنا في هذا الحق، الآية والحديث :
﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً﴾
[سورة الإسراء الآية: 36]
بالمناسبة: بالإسلام لا يوجد حرمان, فما من شهوةٍ نهاك الله عنها إلا وجعل لهذه الشهوة طريقاً مشروعاً، قناةً نظيفةً، فإذا منعك من إطلاق البصر، إذا منعك من الزنا, سمح لك بالزواج، إذا منعك من الكسب الحرام, سمح لك بالكسب الحلال، إذا منعك من شيء فهناك بدائل أخرى، بل إن العلماء يقولون استنباطاً من قوله تعالى: ﴿وَكُلَا مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾
[سورة البقرة الآية: 35]
إن نسبة الممنوعات إلى المباحات نسبةٌ ضئيلةٌ جداً جداً جداً.
أي أنك إذا غضضت بصرك عن محارم الله، وتركت هذه الممنوعات في الأطعمة والأشربة، وسلكت في الطريق الصحيح فأنت مع الله عزَّ وجل . أمين الأمة أبو عبيدة:
وإلى قصة صحابي من أصحاب رسول الله -رضوان الله عليهم- أمين هذه الأمة: أبو عبيدة بن الجراح، رضي الله عنه وأرضاه، وهو من العشرة المبشَّرين بالجنَّة .
النبي -عليه الصلاة والسلام- أمسك بيمينه, وقال عنه:
((لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينٌ وَأَمِينُ هَذِهِ الأُمَّةِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ))
[أخرجه الطبراني في المعجم الكبير, والطبراني في المعجم الأوسط]
-أمين هذه الأمَّة، أمين أمَّه وليس أمين سر إنسان-.
سيدنا عمر حينما أراد أن يستخلف عنه خليفةً قُبَيْلَ وفاته, قال هذه الكلمة: لو كان أبو عبيدة بن الجرَّاح حياً لاستخلفته، فإن سألني ربي عنه, قلت: يا رب, استخلفت أمين الله وأمين رسوله.
أبو عبيدة بن الجرَّاح له لقبٌ شهير: ساقط الثنيَّتين.
-وسوف ترون بعد قليل كيف سقطت ثنيَّتاه؟ أسنانه الأماميَّة-.
النبي -عليه الصلاة والسلام- أرسله في غزوة ذات السلاسل مدداً لعمرو بن العاص، وجعله أميراً على جيشٍ فيه أبي بكرٍ وعمر، كان طويل القامة، نحيف الجسم، معروق الوجه، خفيف اللحية، ساقط الثنيتين، وسقوط ثنيتيه وسام شرفٍ يفخر به يوم القيامة.
أسلم هذا الصحابي الجليل على يد أبي بكر الصديق في الأيام الأولى للإسلام، وهاجر إلى الحبشة في الهجرة الثانية، وعاد ليقف إلى جوار النبي -عليه الصلاة والسلام- في معركة بدرٍ، ومعركة أحد، وبقية المشاهد كلها.
منذ أن بسط يمينه مبايعاً رسول الله -صلى الله عليه وسلَّم-، وهو لا يرى في نفسه، وفي أيامه، وفي حياته كلها, سوى أمانةً استودعه الله إياها, لينفقها في سبيله, وفي مرضاته، -أي أن نفسه أمانة بين يديه استودعه الله إياها لينفقها في سبيل الله، كأن هذا الصحابي الجليل تفهَّم ملياً معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾
[سورة التوبة الآية: 111]
باع نفسه لله، وكلمة النبي -عليه الصلاة والسلام- : ((أَمِينُ هَذِهِ الأُمَّةِ أَبُو عُبَيْدَةَ))
[أخرجه ابن حبان في صحيحه, والحاكم في مستدركه]
في إحدى المعارك وقد بلغ القتال ذروته، أحاط بأبي عبيدة طائفةٌ من المقاتلين، وكانت عيناه كعادتهما تحدِّقان كعيني الصقر في موقع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، هو يقاتل ولكن عينه على رسول الله، هذا الحب الذي بين الصحابة وبين النبي -عليه الصلاة والسلام- شيءٌ لا يصدَّق، حتى إن أبا سفيان قال: ما رأيت أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمدٍ محمداً.
-شيءٌ ليس له سابقة في التاريخ، وليس له مثيل، كيف أحب هؤلاء الأصحاب النبي عليه الصلاة والسلام؛ وهو يحارب, ويقاتل الفرسان، وقد تحلقوا حوله، وانكفؤوا عليه، وعينه على النبي عليه الصلاة والسلام-.
وكاد أبو عبيدة يفقد صوابه، إذ رأى سهماً ينطلق من يدي مشركٍ فيصيب النبي، وعمل سيفه في الذين حوله وكأنه مائة سيف، حتى فرَّقهم عنه، وطار -لم يقل المؤلِّف: سار، ولا أسرع، ولا ركض- صوب النبي -عليه الصلاة والسلام- فرأى دمه الذكي يسيل على وجهه، ورأى الرسول الأمين يمسح الدم بيمينه, وهو يقول:
كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ خَضَبُوا وَجْهَ نَبِيِّهِمْ بِالدَّمِ وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ؟ .
-جاء ليدعوهم إلى ربهم، جاء ليهديهم، جاء لينقذهم، جاء ليسعدهم، جاء ليدلَّهم على الجنَّة ، جاء ليجعلهم أُناساً صالحين، جاء ليكون لهم أباً وأماً، خضَّبوا وجه نبيهم-.
مسح النبي -عليه الصلاة والسلام- الدم بيمينه, وهو يقول :
كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ خَضَبُوا وَجْهَ نَبِيِّهِمْ بِالدَّمِ وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ؟ .
سيدنا أبو عبيدة رأى حَلْقتين -بالمناسبة حَلَقَة غلط وصوابها حَلْقة بتسكين اللام-, رأى حلْقتين من حِلَقِ المغفر الذي يضعه النبي فوق رأسه, قد دخلتا في وجنة النبي, -أي حلقتين من هذا المغفر الذي يضعه النبي على رأسه, قد دخلتا في وجه النبي- فلم يُطق صبراً، واقترب يقبض بثناياه -بأسنانه- على حلقةٍ منهما, حتى نزعها من وجنة النبي، حينما نزعها سقطت ثنيَّته الأولى، ثم نزع الحلقة الأخرى فسقطت ثنيَّته الثانية.
وما أجمل أن ندع الحديث لسيدنا أبي بكر -رضي الله عنه- يصف لنا هذا المشهد .
قال: لما كان يوم أحد، ورُمي النبي -عليه الصلاة والسلام- حتى دخلت في وجنته حلْقتان من المغفر، أقبلت أسعى إلى رسول الله, وإنسانٌ قد أقبل من قِبَل المشرق يطير طيراناً، فقلت: اللهمَّ اجعله طاعة -خاف أن يكون عدواً آخر- حتى إذا توافينا إلى النبي -عليه الصلاة والسلام- إذا هو أبو عبيد بن الجرَّاح قد سبقني، فقال: أسألك بالله يا أبا بكر أن تتركني فأنزعها من وجه النبي, فتركته، فأخذ أبو عبيدة بثنيَّته إحدى حلقتي المغفر, فنزعها, وسقط على الأرض، وسقطت ثنيَّته معه، ثم أخذ الحلقة الأخرى بثنيَّته الأخرى فسقطت, فكان أبو عبيدة في الناس أهتم؛ أي ساقط الثنيَّتين.
في يوم نجران سألوا النبي -عليه الصلاة والسلام- أن يبعث معهم من يعلِّمهم القرآن والسُنَّة والإسلام, وفد نجران من اليمن, جاء النبي مسلماً -عليه الصلاة والسلام-، وسألوا النبي أن يبعث معهم من يعلِّمهم القرآن والسنة والإسلام, وقال عليه الصلاة والسلام :لأَبْعَثَنَّ مَعَكُمْ رَجلا أَمِينًا .
-أمين على شرع الله، أمين على كتاب الله، أمين على سنة رسول الله، لا يفتي بالهوى بل يفتي بالحق- وسمع الصحابة هذا الثناء من النبي -عليه الصلاة والسلام-، فتمنَّى كلٌ منهم لو يكون هو الذي يقع عليه اختيار النبي، فتصير هذه الشهادة الصادقة من حظِّه، النبي تلفَّت، قال :
لأَبْعَثَنَّ مَعَكُمْ رَجلا أَمِينًا حَقَّ أَمِينٍ.
يقول عمر بن الخطَّاب -رضي الله عنه-: ما أحببت الإمارة قط حبي إيَّاها يومئذٍ -أي في هذه اللحظة أحببتها حباً لا يوصف, رجاء أن أكون صاحبها- فرُحت إلى الظهر مهجِّراً -أي صلى الظهر مع النبي- فلما صلى بنا رسول الله -صلى الله عليه وسلَّم- الظهر، سلَّم, ثم نظر عن يمينه وعن يساره، فجعلت أتطاول ليراني -لعلَّه يختاره- فلم يزل يتلمَّس ببصره, حتى رأى أبا عبيدة بن الجرَّاح فدعاه, فقال: اخرج معهم فاقض بينهم بالحق فيما اختلفوا فيه, فذهب بها أبو عبيدة.
أي إنها كانت من نصيبه: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾
[سورة الصافات الآية: 61]
هنا العمل: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾
[سورة المطففين الآية: 26]
هنا التنافس: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾
[سورة يونس الآية: 58]
هنا الفرح، وهنا العمل، وهنا التنافس .
كلكم يعلم: أن سيدنا عمر بن الخطاب حينما تسلَّم الخلافة, أصدر أمراً بعزل سيدنا خالد، -والمؤرِّخون يذهبون مذاهب شتَّى في تفسير هذا العزل، مع أن هناك روايةً دقيقة توضِّح حكمة هذا الخليفة الراشد من عزل هذا القائد الناجح- فلمَّا جاءه سيدنا خالد قال: يا أمير المؤمنين لمَ عزلتني؟ قال له: والله إني أحبُّك, -هذا جوابه- أعاد عليه: لمَ عزلتني؟ قال: والله إني أحبُّك, قال: لمَ عزلتني؟ قال: والله ما عزلتك -يا أبا سليمان- إلا مخافة أن يُفتتن الناس بك لكثرة ما أبليت في سبيل الله.
-عزلتك إنقاذاً للتوحيد، لأن الله هو الناصر، فالناس توَّهموا أن كل معركةٍ يقودها سيدنا خالد, لا بدَّ من أن ينتصروا، مع أن الله هو الناصر، أراهم درساً عملياً، سأعزله وسيبقى النصر، إذا كان الله معكم فلا بدَّ من أن ينصركم.
الحقيقة: كان سيدنا خالد يقود معركةً فاصلةً كبرى، واستهلَّ أمير المؤمنين عهده بتولية أبي عبيدة مكان خالد، الآن دقِّقوا كيف يعامل الصحابة بعضهم بعضاً؟.
سيدنا أبو عبيدة معه أمر تعيين، يستطيع في أي ثانية يبرزه لسيدنا خالد، ويقول له: تفضَّل، تنحَّ جانباً وهات القيادة, سلمني إياها, هذا موقف، هذه الطاعة, وهذا أمر سيدنا عمر-.
قال: لم يكد أبو عبيدة يستقبل مبعوث عمر في هذا الأمر الجديد حتى استكتمه الخبر، -طبعاً أبو عبيدة يحارب مع سيدنا خالد- جاء مبعوث سيدنا عمر معه كتاب تعيين سيدنا أبي عبيدة قائداً للجيش وعزل سيدنا خالد -ماذا فعل هذا الصحابي الجليل، هذا الأمين؟-.
استكتمه الخبر, فقال له: إياك أن تذيع هذا الخبر في الناس, وكتمه هو في نفسه، طاوياً عليه صدر زاهد فطنٍ أمين، حتى أتم القائد خالدٌ فتحه العظيم، حتى انتهت المعركة الحاسمة الكبرى، وانتهت بالنصر، وانتهى كل شيء، وآن إذٍ تقدَّم إليه في أدبٍ جليل بكتاب أمير المؤمنين، ويسأله خالد: يرحمك الله أبا عبيدة, ما منعك أن تخبرني حين جاءك الكتاب؟ -لماذا تأخَّرت إلى الآن-؟ فيجبه أمين الأمَّة: إني كرهت أن أكسر عليك حربك، وما سلطان الدنيا نريد، ولا للدنيا نعمل، كلنا في الله أخوة.
-بالمناسبة: عندما قال ربنا عزَّ وجل :
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾
[سورة الحجرات الآية: 10]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4618/08.jpg
هذه إنما أداة قصر؛ أي لا تجد أخوَّةً في أي مجتمعٍ، أخوةً صادقةً، مخلصةً، فيها المودة، والنصيحة، والحب، والوفاء إلا بين المؤمنين.
والشيء الثاني: أن أخوة النسب تجمع على أخوة، بينما أخوة الصداقة تجمع على أخوان، الله عزَّ وجل قال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾
[سورة الحجرات الآية: 10]
أي في أعلى درجة من درجات القرب, هكذا فعل معه-.
ويصبح أبو عبيدة أمير الشام، وتحت إمرته أكثر جيوش الإسلام, طولاً وعرضاً، عتاداً وعُدداً، فما كنت تحسبه حين تراه إلا واحداً من المقاتلين، وفرداً عادياً من المسلمين, وحينما ترامَى إلى سمعه أحاديث أهل الشام عنه، وانبهارهم بأمير المؤمنين بأمير الأمراء، جمعهم وقام فيهم خطيباً، -اسمعوا ماذا قال-؟ قال:
أيها الناس, إني مسلمٌ من قريش -أنا مسلم عادي- وما منكم من أحدٍ أحمر ولا أسود يكبرني بتقوى إلا وددت أني في إيهابه.
-أي إذا واحد سبقني في التقوى, أتمنَّى أن أكون مكانه، هذا منتهى الورع، منتهى التواضع، منتهى معرفة الذات-.
الآن: سيدنا عمر يزور الشام ويسأل مستقبليه: أين أخي؟.
-سيدنا رسول الله عندما بعث سيدنا عمر للحج, قال له:
((لا تَنْسَنَا يَا أُخَيَّ مِنْ دُعَائِكَ))
[أخرجه أبو داود والترمذي في سننهما]
النبي سأل سيدنا عمر الدعاء- فقال: أين أخي؟ قالوا: من؟ قال: أبو عبيدة, ويأتي أبو عبيدة فيعانقه أمير المؤمنين عمر, ثم يصحبه إلى داره، دار أمير الأمراء في الشام، دار القائد العام للجيوش الإسلاميَّة, يصحبه إلى داره, فلا يجد فيها إلا أثاثاً بسيطاً؛ جلد غزال، وقِدر ماء، ورغيف خبز، وسيفاً معلَّقاً في الحائط.
ويسأل عمر, وهو يبتسم: ألا اتخذت لنفسك مثل ما يصنع الناس؟ " فيجيبه أبو عبيدة: يا أمير المؤمنين هذا يبلِّغني المقيل، هو للدنيا وعلى الدنيا كثير.
حينما جاء الخبر -خبر وفاته- بكى سيدنا عمر, وقال: لو كنت متمنياً ما تمنيت إلا بيتاً مملوءاً برجالٍ من أمثال أبي عبيدة.
لاحظوا شيئين كيف عامل النبي؟ هذا الحب الذي لا يوصف، هذا التفاني، هذه التضحية، حب رسول الله، اسمعوا ما قال العلماء: "
حب رسول الله -صلى الله عليه وسلَّم- هو عين حب الله، وعين حب الله حب رسول الله صلى الله عليه وسلَّم.
لذلك قال الله عزَّ وجل:
﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾
[سورة الشرح الآية: 1-4]
الله سبحانه وتعالى جعل حبَّ النبي عين حب الله، وجعل حبَّه عين حب النبي .
النقطة الثانية: هذا الموقف الحكيم، هذا الموقف اللطيف مع سيدنا خالد, كان بإمكانه أن يبلِّغه قرار العزل والتعيين في أثناء المعركة، وأن يتسلَّم الإمارة منه بشكلٍ يلفت النظر, ولكن كتم الخبر حتى انتهت المعركة, لأنه لا يعمل للدنيا بل يعمل لله، هذا سر نجاح أصحاب رسول الله عليهم رضوان الله .

والحمد لله رب العالمين

السعيد 07-28-2018 07:45 AM

رد: حق المسلم على المسلم
 
بسم الله الرحمن الرحيم

حق المسلم على المسلم

الدرس : ( العاشر )

الموضوع : حق الطريق غض البصر - 2 - ( التبرج ).







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
حق الطريق :
أيها الأخوة المؤمنون, لا زلنا في موضوع الحقوق، ولا زلنا في موضوع حق الطريق، وقد بيَّنت لكم في الدرس الماضي: أن من أول حقوق الطريق غض البصر، أما أحكام غض البصر على وجهٍ تفصيلي, فقد مر ذكرها في سورة النور بتفصيلٍ شديد، ولا داعي لأن تعاد مرةً ثانية, ولكن يعنينا من غض البصر: أنه مدرسةٌ يمكن أن تصل بصاحبها إلى الاتصال بالله عزَّ وجل، كأن الله سبحانه وتعالى جعل غض البصر مناسبةً, ليشعر المؤمن في اليوم الواحد عشرات المرات أنه مخلصٌ لله عزَّ وجل، ولعله بهذا الشعور وذاك الإخلاص يقبل على الله عزَّ وجل:
ومن غض بصره عن محارم الله, أورثه الله حلاوةً في قلبه إلى يوم يلقاه.
من الفتن التي تقع بها المرأة :
1-إظهار محاسنها للأجانب :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4620/01.jpg
ماذا يقابل غض البصر؟ إذا كان المؤمنون قد أمروا بغض البصر، فماذا على المؤمنات أن يفعلن؟
هناك أحكامٌ عدَّة تتعلق بالمرأة، الله سبحانه وتعالى نهى النساء عامةً عن أن يتبرَّجن تبرج الجاهلية.
عرَّف العلماء تبرج الجاهلية بأنه: إظهار محاسن المرأة للأجانب.
مهما بالغت المرأة بإظهار محاسنها لزوجها, فهي في أعلى درجات الطاعة لربها، إذا بالغت المرأة المسلمة بإظهار محاسنها لزوجها، وكانت معواناً له على غض بصره, فهي في أعلى درجات الطاعة، أما إذا جهدت لتبرز محاسنها بطريقةٍ أو بأخرى لغير زوجها، للأجانب، لمن لا يجوز لها أن تبرُز أمامهم، لمن لا يجوز لهم أن ينظروا إليها، فهي في أدنى درجات المعصية، في أدناها دَرْكَاً، لذلك عندما قال ربنا عزَّ وجل:
﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ﴾
[سورة الأحزاب الآية: 33]
لو قال: ولا تبرجن, نهيٌ عن مطلق الزينة، قال: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾
[سورة الأحزاب الآية: 33]
المرأة الجاهلة هي التي تبرز محاسنها لغير زوجها . 2-فتنة اللسان :
فتنةٌ أخرى يمكن أن تقع بها المرأة ألا وهي فتنة اللسان.
صوت المرأة عورة، إذا ليَّنته، وكسَّرته، ورقَّقته، ونغَّمته, إنه عورة، ربما شفَّ عن محاسنها وهي محجبةٌ عن الذي يستمع إليها، حتى لو أن صوتها وصل إلينا من وراء حجاب, إذا كسَّرته، وليَّنته، ولوَّنته، ونغَّمته، فإنه عورةٌ وأية عورة، من هنا قال الله عزَّ وجل :
﴿إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾
[سورة الأحزاب الآية: 32]
كلمة: شكراً, فهناك كلمات تعبر عن الشكر والمودة من رجل لرجل معقولة جداً، أما من امرأةٍ لرجلٍ أجنبيٍ لا يحل لها، إنها حبائل الشيطان:
﴿إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾
[سورة الأحزاب الآية: 32]
﴿قَالَ مَا خَطْبُكُمَا ﴾
-سيدنا موسى، قول معروف، لو فتَّشت في اللغة العربية كلها, لن تجد كلمةً جادةً صارمةً موجزةً بليغةً كهذه الكلمة:
فأجابتا- :
﴿لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾
[سورة القصص الآية: 23]
قد يسأل: لمَ أنتما هنا؟ أين أبوكما؟ أين أخوكما؟ لتقطع باب الحوار :
﴿قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾
[سورة القصص الآية: 23]
كلمة واحدة :. ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ﴾
[سورة القصص الآية: 25]
لو اكتفت عند هذا القول لسألها: لماذا يدعوني؟ ما المناسبة ؟:.
﴿قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾
[سورة القصص الآية: 25]
انتهى الكلام : ﴿وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾
[سورة الأحزاب الآية: 32]
علِّموا نساءكم، علموا بناتكم، علموا أخواتكم، علموا من يلوذ بكم من النساء: أن يقلن قولاً معروفاً مع الأجانب. شيء آخر: القصص التي تصف علاقة المرأة بالرجل، هذه القصص سُمِّيت فاحشة، لأن الإنسان بطبيعته، بطبيعة ما أودع الله فيه من شهوة، يميل إلى سماع هذه القصة، فإذا فشت هذه القصص بين المؤمنين، فكأنما فشت الفاحشة بينهم، لذلك هذا الأدب الرخيص، الأدب المثير، الأعمال الفنية المثيرة، أي عملٍ يستهدف إثارة الغرائز هذا محرم؛ ما حَرُم فعله حرم استعماله، ما حرم فعله حرم النظر إليه، ما حرف فعله حرم الحديث عنه, لذلك: http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4620/02.jpg

﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ﴾
[سورة النور الآية: 19]
أنت بدافعٍ تربوي قد تصف جريمةً أخلاقية، ولكن المؤمن يصفها بطريقةٍ أديبة، بطريقة لا تثير الغرائز، وقد توصف جريمةٌ أخلاقيةٌ بطريقةٍ أدبية تثير غرائز الإنسان، فلك أن تصف الرذيلة ولكن بطريقةٍ نشمئز منها لا بطريقةٍ نحبها.
هؤلاء الكُتَّاب الذي يصفون الرذيلة بطريقةٍ نحبها، هؤلاء كتابٌ يعملون على هدم المجتمع وهم لا يدرون أو يدرون، إن جيلاً من الشباب بأسره قد تنحط أخلاقه, بسبب هذا اللون من الأدب، لذلك الكِتاب يجب أن يحسن الإنسان اختياره، ما كل كتابٍ يقرأ، وما كل قصةٍ تقرأ، وما كل أدبٍ يقرأ، وما كل شعرٍ يقرأ، لذلك العلماء قالوا:
الشعر كلامٌ حسنه حسن وقبيحه قبيح.
الشعر كلام، هناك شعرٌ يصف النبي عليه الصلاة والسلام، يصف البطولة, تذوب نفسك بهذه البطولة، وهذا شعرٌ آخر يصف الرذيلة، فالمؤمن يجب أن يدقق فيما يقرأ.
3-فتنة الحذاء :
لو أن هذه المرأة لم تتكلم، هناك فتنةٌ أخرى، قد تسير سيراً بصوتٍ صارخٍ يلفت النظر إليها، قال تعالى:
﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾
[سورة النور الآية: 31]
فهذه الأحذية النسائية التي لها صوت حينما تمشي المرأة، كأن المرأة تقول: ها أنذا انظروا إلي, لو أنها مشت خلف الرجل, تلفت نظره إليها عن طريق هذه المِشية غير الإسلامية، فربنا سبحانه وتعالى يقول :
﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾
[سورة النور الآية: 31]
4-فتنة الطيب :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4620/03.jpg
هناك فتنةٌ رابعة: فتنة الطَيْب، قال عليه الصلاة والسلام :
َ
((الْمَرْأَةُ إِذَا اسْتَعْطَرَتْ فَمَرَّتْ بِالْمَجْلِسِ, فَهِيَ كَذَا وَكَذَا))
يَعْنِي زَانِيَةً . [أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي في سننهم]
امرأة تسير في الطريق بين الأجانب وقد استعطرت، لماذا استعطرت؟ من أجل أن تلفت النظر إليها.
وفي حديثٍ آخر:
((إِذَا شَهِدَتْ إِحْدَاكُنَّ الْمَسْجِدَ فَلا تَمَسَّ طِيبًا))
[أخرجه مسلم في الصحيح, والنسائي في سننه, ومالك في الموطأ]
والنبي -عليه الصلاة والسلام- قال:
((طِيبُ الرِّجَالِ مَا ظَهَرَ رِيحُهُ وَخَفِيَ لَوْنُهُ, وَطِيبُ النِّسَاءِ مَا ظَهَرَ لَوْنُهُ وَخَفِيَ رِيحُهُ))
[أخرجه الترمذي والنسائي في سننهما]
الزينة مطلوبة من دون أن يكون لهذه الزينة رائحةٌ تلفت نظر الرجال .
5-فتنة التعري :
وفتنة التعرِّي هذه فتنةٌ كبيرةٌ جداً، جاء في الحديث الشريف:
((إِيَّاكُمْ وَالتَّعَرِّيَ فَإِنَّ مَعَكُمْ مَنْ لا يُفَارِقُكُمْ))
[أخرجه الترمذي في سننه]
والنساء الكاسيات العاريات اللائي وصفهن النبي -عليه الصلاة والسلام-
((المائلات المميلات, رؤوسهن كأسنمة البَخت المائلة, لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها))
ترتدي ثياباً شفافة، أو ترتدي ثياباً ضيِّقة، الثوب الذي يشفُّ عن لون البشرة، أو يشف عن حجم العضو, هذا ثوبٌ هدفه التزيُّن وليس ستر العورة.
فالنبي -عليه الصلاة والسلام- قال: ((نساءٌ كاسيات عاريات، مائلات مميلات, رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة, لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها))
يدنين عليهن من جلابيبهن:
بقي موضوعٌ حساسٌ جداً, سأقرأ لكم ما ورد في بعض التفاسير عنه، حينما قال الله عز وجل :
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾
[سورة الأحزاب الآية: 59]
قال العلماء: أن يرخين جانباً من خمورهن أو ثيابهن على أنفسهن. وهذا هو المفهوم من ضرب الخمار على الوجه، والمقصود به ستر الوجه وإخفاؤه، سواءٌ بضرب الخمار أو بلبس النقاب, أو بطريقةٍ أخرى غيرها، والمسلمات إذا خرجن من بيوتهن متستراتٍ على هذا النحو، علم أهل الريبة من الرجال أنهن شريفات، وجميع المُفسرين قد ذهبوا هذا المذهب في تفسير هذه الآية.
فيروى عن ابن عباسٍ -رضي الله عنه- قوله: أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة, أن يغطين وجوههن من فوق الجلابيب. وعن ابن سيرين قال: سألت عبيدة بن سفيان بن الحارث الحضرمي عن قوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾
[سورة الأحزاب الآية: 59]
قال: فأخذ ثوبه فغطَّى رأسه ووجهه، وأبرز ثوبه عن إحدى عينيه.
ويقول الطبري أيضاً في تفسير قوله تعالى : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾
[سورة الأحزاب الآية: 59]
لا تتشبهن بالإماء في لباسهن إذا هن خرجن من بيوتهن لحاجتهن، فكشفن شعورهن ووجوههن، ولكن يُدنين عليهن من جلابيبهن، لئلا يعرض لهن فاسقٌ إذا علم أنهن حرائر بأذىً من قول.
ويقول العلامة أبو بكر الجصاص: في هذه الآية دلالة على أن المرأة مأمورةٌ بستر وجهها عن الأجانب، وإظهار الستر والعفاف عند الخروج, لئلا يطمع فيها أهل الريب فيهن .
وقال العلامة النيسابوري في تفسير هذه الآية: كانت النساء في أول الإسلام على عادتهن في الجاهلية متبذِّلاتٍ، يبرزن في درعٍ وخمار من غير فصلٍ بين الحُرة والأمة، فأمرن بلبس الأردية وستر الرأس والوجوه، ذلك الإدناء –أدنى- أقرب إلى أن يعرفن أنهن حرائر، فإن التي سترت وجهها أولى بأن تستر كل شيءٍ في جسمها.
وقال الإمام فخر الدين الرازي: وكان في الجاهلية تخرج الحرة والأمة مكشوفاتٍ يتبعهن الزناة وقع التُهم، فأمر الله الحرائر بالتجلبب، وقوله تعالى : ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ﴾
[سورة الأحزاب الاية: 59]
أي أنهن حُرَّات، لأن من تستر وجهها هو أولى؛ أي هي مظنة أن تستر كل شيءٍ في جسمها هذا المقصود. شروط ملابس المرأة المسلمة:
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4620/04.jpg
الآن شروط الثياب التي يجب أن ترتديها المرأة المسلمة:
أولاً: أن يغطي الثوب جميع الجسم، ألا يشف ويصف ما تحته:
أخبر النبي -عليه الصلاة والسلام- :إن من أهل النار نساءٌ كاسيات عاريات ... إلخ.
ودخلت نسوةٌ من بني تميم على عائشة -رضي الله عنها- وعليها ثيابٌ رقاق، فقالت عائشة: إن كنتن مؤمناتٍ فليس هذا بثياب المؤمنات.
وأدخلت عليها امرأةٌ عروس -على السيدة عائشة- عليها خمارٌ رقيقٌ شفَّاف, فقالت: لم تؤمن بسورة النور امرأةٌ تلبس هذا الثوب.
الآن الشرط الثاني: ألا يحدد الثوب أجزاء الجسم وألا يبرز مفاتنه:
وإن لم يكن رقيقاً شفافاً كتلك الثياب التي جاءتنا عن الغرب، فأي ثوبٍ تلبسه المرأة لو كان سميكاً، إذا كان هذا الثوب يصف حجم أعضائها فكأنه يبرز أعضاءها كما هي .
من صفات ثياب المرأة المسلمة: ألا يكون مما يختص به الرجال كلبس البنطال، وألا يكون الثوب مما اختصت به النساء الفاجرات، أي أحدث الصرعات، هذه الثياب التي ترتديها المرأة الفاجرة لا ينبغي للمرأة المُسلمة أن ترتديها.
هذا مجمل ما ينبغي على المرأة المسلمة أن تفعله إذا خرجت من بيتها، لأن ثياب الإنسان في الإسلام جزءٌ من دينه، ولا سيما المرأة، قضية الثياب، ونوع الثياب، وشكل الثياب هذا متعلقٌ بدين المرأة، أما لها أن ترتدي لزوجها ما تشاء من دون قيدٍ أو شرط، مهما تفنَّنت المرأة في التزيُّن لزوجها, فهي في أعلى درجات الطاعة, أما إذا تفنَّنت في إظهار مفاتنها لغير زوجها بشكلٍ أو بآخر، فهي في أحط درجات المعصية، هذا ملخص هذا الموضوع.
سعد بن عبادة :
والآن إلى القسم الثاني من الدرس وهو سيرة أصحاب رسول الله عليهم رضوان الله .
الحقيقة: لا بدَّ من كلمة أقدم بها الحديث عن قصة سيدنا سعد بن عبادة، هذا الصحابي الجليل له مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- موقفٌ صريح، هذا الموقف يعلمنا أشياء كثيرة، ولكن قبل أن نخوض في هذه القصة التي تتعلق بسيدنا سعدٍ بن عبادة, لا بدَّ من تمهيدٍ:
لماذا يجب أن نقرأ سيرة النبي -عليه الصلاة والسلام-؟ لأن النبي -عليه الصلاة والسلام- مشَرع؛ أي أن أقواله، وأفعاله, وإقراره, وأحواله، وصفاته كلها تشريع، فأنت إذا قرأت ما في القرآن الكريم من أوامر ونواه، أنت لا زلت مفتقراً إلى أن ترى كيف وقف النبي الموقف الكامل في هذا الوضع, وكأن سيرة النبي -عليه الصلاة والسلام- فيها مواقف متنوِّعة جداً، بحيث أن هذه المواقف المتنوعة تغطي كل الأحوال التي يمكن لمؤمنٍ أن يتعرَّض لها. مواقف نبوية:
1-الثبات على المبدأ :
فمثلاً: لو أن شاباً نال شهادة الطب، وعُيِّن طبيباً شرعياً مثلاً، وجاءته حالة وفاة جُرْمِي -قتل- فلو جاءه أهل أشخاص معينون, وعرضوا عليه مبلغاً طائلاً من المال, نظير أن يكتب أن الوفاة جاءت طبيعية، جاءه مبلغٌ كبير، هذا المبلغ يحل به كل مشكلاته.
النبي -عليه الصلاة والسلام- عرض عليه كفار قريش أن يكون أغناهم، عرضوا عليه أن يعطوه أجمل بناتهم، عرضوا عليه أن يسوِّدوه عليهم, هذا موقف.
فالإنسان له مبادئ، بعمله، بمهنته، بمواقفه، يتعرض لإغراءات شديدة جداً، أو يتعرض لضغوط؛ ضغوط أو إغراءات، فإذا اقتدى بالنبي -عليه الصلاة والسلام- في ثباته على مبدئه، تكون هذه السيرة قد قدَّمت له نموذجاً كاملاً, عليه أن يقفه عندما يتعرَّض لضغطٍ أو لإغراء، إذاً: أنت في مثل هذا الموقف تقف ما وقف به النبي عليه الصلاة والسلام.
2-العطف على البنات :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4620/05.jpg
مثلاً: إنسان ولدت له بنت، العوام يقولون: البنت لها كنة, وربنا عزَّ وجل قال :

﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ﴾
[سورة النحل الآية: 58-59]
النبي -عليه الصلاة والسلام- حينما ولدت له السيدة فاطمة، ضمها وشمها ....
هذا موقف، فإذا جاءك بنت قف موقف النبي -عليه الصلاة والسلام-: ريحانةٌ أشمها وعلى الله رزقها.
لعل الخير كله من هذا البنت، لعل خيرك كله من هذه الفتاة، هذا موقف .
3-موقف المؤمن إذا اتهم أهل بيته:
إنسان تحدث الناس حديثاً باطلاً عن أهله، حديث من نوع الزنا، هناك من يسكُت ولا يتأثر فهو الديوث، من هو الديوث؟ الذي يرضى الفاحشة في أهله، لا يغار على عرضه، أو يرضى الفاحشة في أهله، أو إنسان أحمق يذبح هذه المرأة, ويرتكب جريمةً, ثم يظهر أنها بريئة. هذا وقع.
في مسرحية لشكسبير شهيرة جداً، اسمه عُطَيل، توهم أن ديدمونة زوجته قد خانته فذبحها، فلما علم ببراءتها انتحر.
النبي -عليه الصلاة والسلام- تكلمت المدينة كلها عن زوجته السيدة عائشة، وقف الموقف الكامل .
4-علمك عند الفقر الصبر :
النبي -عليه الصلاة والسلام- أصابه الفقر، دخل عليه أحد أصحابه, وقد رآه مصفر اللون، فقال: بأبي أنت وأمي ما لك يا رسول الله؟
ذاق طعم الفقر، فإذا نصح الفقراء بالصبر يكون كلامه مقبولاً، لو أن النبي -عليه الصلاة والسلام- لم يذق طعم الفقر, ونصحنا بالصبر, لما صدَّقه الفقراء.
يا محمد, أتحب أن تكون نبياً ملكاً أم نبياً عبداً؟ قال:
((لا يَا رَبِّ, وَلَكِنْ أَشْبَعُ يَوْمًا وَأَجُوعُ يَوْمًا, أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ, فَإِذَا جُعْتُ تَضَرَّعْتُ إِلَيْكَ وَذَكَرْتُكَ, وَإِذَا شَبِعْتُ حَمِدْتُكَ وَشَكَرْتُكَ))
أي إذا ربنا عزَّ وجل قلَّب الأمور، امتحنك في الغنى فرآك سخياً، الآن سيمتحنك في الفقر، لماذا أنت مُضَّطرب؟ لماذا أنت يائس؟:. ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾
[سورة الملك الآية: 2]
امتحنا هذه السيارة بالنزول فرأيناها جيدة جداً، الآن سنمتحنها بالصعود، لننظر قوة محركه، هل تحمى أم لا تحمى؟ فالله عزَّ وجل هو يمتحن الإنسان . 5-علمك الحلم :
أعرابي أثناء توزيع الغنائم قال:
((اعدل يا محمد. -فما هذا القول؟ يخاطب من؟ يخاطب سيد الخلق، حبيب الحق، كان بإمكان النبي أن يسحقه، أن يشير بقتله- فقال: وَيْلَكَ وَمَنْ يَعْدِلُ إِنْ لَمْ أَعْدِلْ؟))
أعرابيٌ آخر جذبه من ثوبه حتى أثر ثوبه في عنقه الشريف، التفت إليه وتبسَّم, وما زاد عن ذلك.
-يعلمنا كظم الغيظ، وأنت في أعلى درجة من القوة، في أعلى درجة من التمكُّن، هذا جاهل.
اطمئن، رأى النبي مصدر أمنٍ له- فلما صلى قال: ((اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً -من هؤلاء- قال: لَقَدْ تَحَجَّرْتَ وَاسِعاً))
[أخرجه البخاري في الصحيح, وأبو داود والترمذي والنسائي في سننهم]
علَّمك الحلم، علمك الصبر . سيدنا عمر كان ماشياً في المسجد ليلاً -فيبدو أنه داس على رجل إنسان خطأ، هذا الإنسان عصبي المزاج-, قال: أأعمى أنت؟ قال: لا, فقال له من معه: ماذا قال لك؟ فقال لهم: سألني فأجبته, وانتهى الأمر.
اقتدوا بالنبي -عليه الصلاة والسلام-، فلا تغُرَّك قوَّتك إذا كنت قوياً، إذا كان بإمكانك أن تسحق هذا الضعيف, اقتد بالنبي -عليه الصلاة والسلام- اقرأ سيرته من أجل أن تقتدي به .
موقف الغني بالتسامح، موقف الفقر بالصبر والعفاف والتجمُّل .
6-علمك عند القهر الرحمة :
يا ترى: هل تجذبك رحمتك على التشفِّي من أعدائك؟.
النبي الكريم بالطائف حينما دعا ربَّه, فقال:
((اللهم أشكو إليك قلة حيلتي وهواني على الناس))
قف هذا الموقف الأخلاقي، جاءه جبريل, وبإمكانه أن يسحق هؤلاء المكذبين. 7-علمك عند النصر والقوة العفو :
ذاق طعم النصر، مكة التي ائتمرت على قتله، والتي أخرجته، والتي أهانت أصحابه وعذبتهم, و ...., سنوات طويلة, وها هو ذا يفتحها, وتحت إمرته عشرة آلاف سيف تتوهج بالشمس، لو أنه أشار إليهم لأبادوا أهل مكة، قال :
((ما تظنون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيراً, أخ كريم وابن أخ كريم, فقال: أقول كما قال أخي يوسف: لا تثريب عليكم اليوم))
((اذهبوا فإنكم الطلقاء))
علمك العفو، علمك عند القهر الصبر والرحمة، وعلمك عند النصر والقوة العفو . 8-علمك الترفع عن السباب والترفع عن التشفي :
عمير بن وهب الذي توشَّح سيفه, وجاء ليقتل النبيعليه الصلاة والسلا، شعر عليه سيدنا عمر, فقيده بحمالة السيف، قال: أطلقه يا عمر, أطلقه، قال: اقترب يا عمير -بكل لطف ورقة- عفا عنه, وانقلب هذا الذي جاء ليقتله إلى أحب الناس إليه، علَّمك العفو .
سيدنا عكرمة حينما جاء مسلماً، قال عليه الصلاة والسلام لأصحابه ....
علَّمك الترفُّع عن السباب، والترفع عن التشفي .
إنسان آخر جاء ليقتل النبي -عليه الصلاة والسلام- أمسكه عمر وجاء به إلى النبي، فقال سيدنا رسول الله: هل أعددتم له طعاماً؟
سيدنا عمر صُعِق، كأنه يتوقع أن يقول: اضرب عنقه يا عمر, قال:هل أعددتم له طعاماً؟ هكذا النبي.
9-هذا الموقف الكامل إذا فقد الابن :
أذاقه الله فقدان الابن بالوفاة, شيء صعب جداً، دمعت عينه، قالوا:
((أتبك؟ قال: إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ, وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ, وَلا نَقُولُ إِلا مَا يَرْضَى رَبُّنَا, وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ))
هذا الموقف الكامل إذا قبض الابن.
كان يتفقَّد أصحابه، إذا أنت لك أخوان، لك أصدقاء، لك أصحاب، لك زملاء، لك أقارب.
في أعقاب معركة أحد, تفقد أصحابه, فلم يجد أحد أصحابه -سالم بن الربيع- تفقده وبحث عنه حتى عرف خبره. 10-سوى نفسه بأدنى جندي بالجيش :
سوى نفسه بأدنى جندي بالجيش.
في معركة بدر قال:
((كل ثلاثة على راحلة، وأنا وعليٌ وأبو لبابة على راحلة))
ركب النبي على الناقة، جاء دوره في المشي، توسلا إليه أن يبقى راكباً, قال: ((ما أنتما بأقوى مني على السير، ولا أنا بأغنى منكما عن الأجر))
اقتدِ بالنبي الكريم، سوّ نفسك مع أقل إنسان، هذا في الحرب . 11-هذا موقفه في السلم :
في السلم: عندما كانوا في نزهة, وأرادوا أن يذبحوا شاةً, هذا قال:
((علي ذبحها، وهذا: علي سلقها، وهذا: عليَّ سلخها، وقال: وعلي جمع الحطب, فقالوا: نكفيك، قال: لا، أعلم ذلك, ولكن الله يكره عبده متميزاً على أقرانه))
اقتدِ بالنبي الكريم، هذا موقف كامل. 12-كان يمشي في الأسواق ويتفقد أصحابه ويحمل حاجته بيده :
كان يمشي في الأسواق, ويحمل حاجته بيده، وقد تستوقفه امرأةٌ ضعيفة, وكان يقول:
((برئ من الكبر من حمل حاجته بيده))
هذا وسام شرف، حامل خضروات وفواكه، والحاجات لبيته، من أنت؟ أنت أعظم من رسول الله؟ هو في أعلى مقامات البشر، كان يمشي في الأسواق, ويتفقد أصحابه، ويحمل حاجته بيده.13-معاملته مع الصبيان ومع أهل بيته :
وكان إذا رأى صبياناً يقول:
((السَّلامُ عَلَيْكُمْ يَا صِبْيَانُ))
تألفاً لقلوبهم.
وكان إذا دخل بيته بسَّاماً ضحاكاً، وكان يقول: ((أكرموا النساء، فو الله ما أكرمهن إلا كريم))
تسابق مرة مع السيدة عائشة -نبي هذه الأمة، قمة المجتمع، أول خلق الله، سيد الخلق، حبيب الحق- تسابق مع السيدة عائشة فسبقته -كانت صغيرة- قالت: ((فلما ركبني اللحم سبقني, قال:
هَذِهِ بِتِلْكَ السَّبْقَةِ))

أصبحنا تعادل.
سألته مرة: ((كيف حبك لي؟ قال: كعقدة الحبل.
-أي عقدة لا تفك، فصارت كشفرة بينهم، فصارت تقول له من حين إلى آخر-: كيف العقدة؟ يقول: على حالها))

أي متينة، فكان في بيته وديعاً، لطيفاً، مؤنساً، متواضعاً، كان يكنس داره، ويرفع ثوبه، ويخصف نعله, وكان في مهنة أهله، هذا موقف. قراءة السيرة فرضٌ لازم من أجل أن تعرف رسول الله، من أجل أن تقتدي به، من أجل أن تقتفي أثره، من أجل أن تتبع سنته، لأنه الإنسان الكامل.
14-معاملته مع الخلق :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4620/06.jpg
كان يركب الحسن والحسين على ظهره, ويقول:

((نعم الجمل جملكما, ونعم العدلان أنتما))
[أخرجه الطبراني في المعجم الكبير]
معه مسواكان؛ واحد مستقيم، والثاني معوج، فقدَّم المستقيم لأحد أصحابه، انتقى المستقيم وقدَّمه، أكثر الناس يعطي الجيدة له والرديئة للآخر، أعطاه السواك المستقيم، هذا الموقف الكامل الذي يحب أن تقفه .
إنسان نزع له ريشة من على ثوبه، رفع يديه وقال:
((جزاك الله عني كل خير))
ريشة, ماذا فعل؟ ريشة نزعها من على ثوبه.
15-إكرامه للضيف :
عدي بن حاتم استقبله في البيت, ليس عنده إلا وسادة واحدة دفعها إليه، قال:
((اجلس عليها, عدي استحيا, قال: بل أنت, قال: بل أنت, قال: فجلست عليها وجلس هو على الأرض))
إكرام الضيف هكذا؛ تعلم إكرام الضيف، تعلم العلاقة مع الزوجة، العلاقة مع الصغار، العلاقة في الأزمات، في المواقف .16-كان ينوه بفضل أصحابه :
كان ينوِّه بفضل أصحابه، فعن سيدنا الصديق قال:
((ما ساءني قط))
((ما دعوت أحداً إلى الإسلام إلا كانت له كبوة غير أبي بكر))
وعن سيدنا عمر قال: ((لو كان بعدي نبي لكان عمر بن الخطاب))
سيدنا عثمان وصفه بأنه أحيا أمتي: ((أَلا أَسْتَحِي مِمَّنْ تَسْتَحِي مِنْهُ الْمَلائِكَةُ؟))
وعن سيدنا علي قال: ((أنا مدينة العلم وعلي بابها))
[أخرجه الترمذي في سننه]
وعن سيدنا أبي عبيدة قال: ((أَمِينُ هَذِهِ الأُمَّةِ))
وعن سيدنا الزبير قال: ((حواري هذه الأمة))
وعن سيدنا سعد, قال: ((ارمِ فداك أبي وأمي))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح]
وعن سيدنا معاذ, قال: ((والله إني أحبك))
فإذا أنت كنت تاجراً عندك محل، عندك معمل، موظف عندك موظفين، عندك موظف أخلاقه عالية, أسمعه كلمة ثناء من حين لآخر، يطمئن أنك عارف قدره، عندك موظف أمين، اثنِ على أمانته.
رجل دخل على الصلاة مستعجلاً, فأحدث جلبة وضجيجاً، فلما انتهت الصلاة قال: ((زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا وَلا تَعُدْ ))
[أخرجه البخاري في الصحيح, وأبو داود والنسائي في سننهما]
أثنى على حرصه، مع أنه أحدث جلبة وضجيجاً، قال: زادك الله حرصاً ولا تعد لمثلها.
قبل أن يوجهه ويلومه أثنى على حرصه، تعلموا. تدقيق بالحديث .
لذلك ينبغي أن نقرأ السيرة، لأن مواقف النبي -عليه الصلاة والسلام- هي المواقف الكاملة، وأتمنى عليكم أن تسألوا أنفسكم أحياناً: ماذا فعلت في حياتي اليومية اقتداءً بالنبي عليه الصلاة والسلام؟ في بيتك، في عملك، مع أصحابك، مع أخوانك، ماذا فعلت؟ ما الموقف الذي وقفت اقتداءً بالنبي؟ ما التصرف الذي تصرفت اقتداءً بالنبي؟ هكذا.
الحقيقة: نحن الآن أمام قصَّة، قصة يغلب على ظني أنكم تعرفونها جميعاً، ولكن المقصود ليس أحداثها بل تحليلها.
فالنبي -عليه الصلاة والسلام- حينما انتهى من غزوة حنين، وزَّع الغنائم, واهتم يومئذٍ اهتماماً خاصاً بالمؤلَّفة قلوبهم، وهم أولئك الأشراف الذي دخلوا الإسلام من قريب، ورأى النبي -عليه الصلاة والسلام- لحكمته أن يساعدهم على أنفسهم بهذا التآلف، فأعطى ذوي الحاجة من المقاتلين, أما أولو الإسلام المكين، المسلمون الأوائل الأقوياء، فقد وكلهم إلى إسلامهم، ولم يعطهم من هذه الغنائم شيئاً، وكان عطاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- شرفاً يحرص عليه الناس جميعاً، لذلك تساءل الأنصار في مرارة: لمَ لمْ يعطهم النبي -عليه الصلاة والسلام- حظهم من الغنيمة؟ حدثت مشكلة، وجد تساؤل، وحشرجة، وضيق، وحُزن، ومشكلة أساسها الحرمان.
الحقيقة: الآن سنتعلم شيئاً مفيداً جداً في الحياة: أولاً كان من الممكن ألا تقع هذه الحادثة إطلاقاً؟
الله عزَّ وجل على كل شيء قدير، وكل شيءٍ وقع أراده الله، كان من الممكن: ألا تقع هذه الحادثة إطلاقاً؟ ولكن لماذا وقعت؟ وقعت لأنها تكشف حقائق النفوس، الإنسان له حقيقة، فهؤلاء الأنصار -رضي الله عنهم- في بأنفسهم تعلق بالغنائم، لولا هذه الحادثة لما ظهر هذا التعلُّق، فالواحد منا يكون مسلماً مؤمناً مستقيماً، دخله حلال، ضابطاً لجوارحه كلها، يصلي الصلوات بإتقان، ومع ذلك تأتيه مشكلة، فالله عزَّ وجل قال:
﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾
[سورة طه الآية: 7]
أي يعلم سرك وما خفي عنك، قد يكون هناك مرض نفسي خفي عنك، فربنا عزَّ وجل بهذا الظرف الصعب, ظهر على السطح هذا المرض، فعالجك الله منه، فارتقيت عنده, هذه قضية مهمة جداً، المؤمن يظن نفسه متوهماً أنه سليم معافىً، طاهر, لا, هناك أمراض كامنة، هذه الأمراض الكامنة لا تظهر على السطح إلا بحوادث نادرة، فهذا الحادث أراده الله عزَّ وجل، أرداه ليظهر على السطح حرص هؤلاء على الغنيمة أكثر من حرصهم على رضاء النبي عليه الصلاة والسلام، فكانت هذه الحادثة.
الإنسان بساعة الضيق، أو ساعة الحزن عن الدنيا، قد تغيب عنه عصمة هذا النبي العظيم ، قد تغيب عنه نزاهته المُطلقة، قد تغيب عنه حكمته البالغة، حينما وجدوا في أنفسهم على النبي -عليه الصلاة والسلام-, غابت عنهم عصمته، وغابت عنهم نزاهته، وغابت عنهم حكمته، لذلك من خلال هذه الحادثة: أراد الله عزَّ وجل أن يكشف عن حكمة النبي, وعن عصمته, وعن نزاهته.
شيء آخر: إن هذه القصة درسٌ عملي يتعلم به المؤمنون, كيف يقفوا الموقف الحكيم الأكمل إذا واجهتهم معارضة؟
النبي واجهته معارضة، هؤلاء الأنصار تألَّموا، فقد وجدوا عليه في أنفسهم: لماذا فعل هكذا؟ لماذا حرمنا من هذه الغنائم؟ لقد نصرناه؟ هذا التعلق بالغنائم طفا على السطح، عدم المعرفة الكاملة بالنبي -عليه الصلاة والسلام- طفا على السطح، النبي ينطوي على كمالٍ شديد ظهر هذا الكمال.
أنت مدير مدرسة، مدير معمل، موظف، معلم، نشأت حولك حركة ضدك، ما الموقف الأكمل الذي يجب أن تقفه؟.
النبي -عليه الصلاة والسلام- متى واجه هذا الموقف؟ هل في أول الدعوة؟ ليته كان في ذاك الوقت، واجه هذا الموقف وهو في أقوى ما يكون، في أقوى حالة يكونها، النبي كلكم يعلم ليس نبياً فحسب, هو رئيس هذه الدولة الإسلامية، نبيٌ، رسولٌ، يوحى إليه، معصوم، سيد الخلق، حبيب الحق، سيد ولد آدم، سيد الأنبياء والمرسلين، رئيس هذه الدولة، القائد الأعلى للقوات المسلحة عند المسلمين، واجه معارضة.
كان من الممكن: أن يسحقها نهائياً، وكان من الممكن أن يسحقها أدبياً، إذا ندد بهم بهؤلاء الذين وجدوا عليه في أنفسهم سحقهم، نبيٌ عظيم يندد بمن ينتقده بهذه الطريقة سحقهم، وكان من الممكن أن يتجاهلهم، بإمكانه أن ينهيهم كلياً، وبإمكانه أن يهدر اعتبارهم، وبإمكانه أن يتجاهلهم، وبإمكانه أن يعاتبهم, لم يسحقهم، ولم يهدر كرامتهم، ولم يتجاهلهم، ولم يعاتبهم لمصلحته، فماذا فعل؟.
سيدنا سعد بن عبادة -صاحب الترجمة اليوم- كان سيد الأنصار, سمع قومه يتهامسون بعضهم بهذا الأمر، فلم يرضه هذا الموقف، استجاب لطبيعته الواضحة المُسفرة الصريحة، وذهب من فوره إلى النبي -عليه الصلاة والسلام- وقال: ((يا رسول الله -سلك الطريق المباشر ، سلك الأسلوب الصريح، لا يوجد لف ودوران- قال:
يا رسول الله، إن هذا الحي من الأنصار، قد وجدوا عليك في أنفسهم, لما صنعت في هذا الفيء الذي أصبت، قسمت في قومك, وأعطيت عطايا عظاماً في قبائل العرب، ولم يكن في هذا الحي من الأنصار منها شيء -أرأيتم إلى هذه الصراحة؟ أرأيتم إلى هذا الوضوح؟ أرأيتم إلى هذا الطريق المباشر؟.
أذكركم بأن النبي -عليه الصلاة والسلام- كان في أعلى درجات القوة، وكان بإمكان أن ينهيهم، بإمكانه أن يهدر كرامتهم، بإمكانه أن يعاتبهم، بإمكانه أن يجمعهم, ويبين لهم فضله عليهم، كل هذا بإمكانه، ولكن ماذا فعل؟-
قال عليه الصلاة والسلام: وأين أنت من ذلك؟ -أي هل أنت معهم؟- فقال: ما أنا إلا من قومي -نعم أنا مثلهم- فقال عليه الصلاة والسلام: إذاً فاجمع لي قومك.

النبي -عليه الصلاة والسلام- تملَّى وجوههم الآسية، ابتسم ابتسامةً متألقةً -بعرفان جميلهم، وتقدير صنيعهم- وقال:
يا معشر الأنصار, مقالةٌ بلغتني عنكم -بلغني أنكم واجدون علي- وجدةٌ وجدتموها علي في أنفسكم، أما إنكم -الآن دقة الموقف، ماذا يقول لهم؟ أنا نبي هذه الأمة، لقد هديتكم إلى الله؟ لا, بل قال-:
أما إنكم لو قلتم فلصدقتم، ولصدقتم به -لو أردتم أن تقولوا هذا الكلام أنتم صادقون مصدقون- أتيتنا مكذباً فصدقناك، ومخذولاً فنصرناك، وعائلاً فآسيناك، وطريداً فآويناك.
-ماذا ذكر النبي -عليه الصلاة والسلام-؟ ذكر فضلهم عليه، ذوبهم، ألم يكن بإمكانه أن يبدأ بفضله عليهم؟ ذكرهم فضلهم عليه-.
يا معشر الأنصار, -الآن جاء دوره- ألم آتكم ضلالاً فهداكم الله بي؟ -ألم تكونوا ضالين فهداكم الله بي؟- ألم آتكم عالةً فأغناكم الله؟ ألم آتكم أعداءً فألف الله بين قلوبكم؟ -روعة الموقف أنه بدأ بفضلهم عليه، وثنى بفضله عليهم، ذكَّرهم بعملهم، ذكرهم بنصرتهم، ذكرهم بتأييدهم، ذكرهم بإخلاصهم، ذكرهم بتضحياتهم، ذكرهم بإيوائهم له، فخجلوا-.
قالوا: بلى، الله ورسوله أَمَنُّ وأفضل, قال: أجيبوني يا معشر الأنصار, قالوا: بم نجبك يا رسول الله؟ -خجلوا- لله ورسوله المن والفضل, قال: يا معشر الأنصار, أوجدتكم في أنفسكم في لعاعةٍ -أي خشخيشة- تألفت بها قوماً ليسلموا، ووكلتكم إلى إسلامكم؟ -أي ألا تعذروني؟ ألستم واثقين من حكمتي؟ ألستم واثقين من نزاهتي؟ ألستم واثقين من عملي الطيب؟- أوجدتم علي في لعاعةٍ من الدنيا تألفت بها قوماً ليسلموا ووكلتكم إلى إسلامكم -اعتماداً على إيمانكم القوي، وعلى إسلامكم، وعلى طول باعكم في الدين، وعلى قدمكم- ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وترجعوا أنتم برسول الله إلى رحاكلم؟ -ألا توفي معكم يرجعوا الناس بالشاة والبعير وترجعوا أنتم برسول الله إلى رحالكم؟ ألا يوفي معكم ذلك؟- فو الذي نفسي بيده, لولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار، ولو سلك الناس شعباً لسلكت شعب الأنصار، اللهم ارحم الأنصار, وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار, وبكى الأنصار حتى أخضلوا لحاهم -دموع نزلت من اللحى- وقالوا: رضينا برسول الله قسماً وحظاً))
هذا موقف النبي -عليه الصلاة والسلام-, بإمكانه أن يدمِّرهم، بإمكانه أن يسحقهم، بإمكانه أن يهدر كرامتهم، بإمكانه أن يهملهم، بإمكانه أن يعاتبهم، بإمكانه أن يبيِّن فضله عليهم, ما فعل كل هذا، بل تألَّف قلوبهم، واسترضاهم، وبين فضلهم عليه, ثم فضله عليهم، وبين أنه معهم ولن يتركهم، لأنه بعد فتح مكة خاف الأنصار أن يستوطن النبي مكة، قال: ((الْمَحْيَا مَحْيَاكُمْ وَالْمَمَاتُ مَمَاتُكُمْ))
[أخرجه مسلم في الصحيح, وأبو داود في سننه]
هذا هو الوفاء .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4620/07.jpg
أي أنك إذا كنت بموقف قوي، واجهتك مشكلة، لا تسلك سبيل القوة، فهو سبيل فاشل، اسلك سبيل تأليف القلوب، اسلك سبيل التعطُّف، اسلك سبيل الرحمة، اسلك سبيل الاستلطاف، لا تنس فضل الناس عليك، هذه نصيحة، إذا فعلت مع الناس شيئاً يجب أن تنساه، أما إذا فعل الناس معك شيئاً لا ينبغي أن تنساه أبد الدهر .
هناك شيئان-: سيدنا سعد كان صريحاً، سلك الطريق المباشر -أسلوب اللف والدوران تركه، مباشرةً-: إن قومي وجدوا عليك في أنفسهم, أين أنت منهم؟ قال: ما أنا إلا من قومي.
عوِّد نفسك الصراحة، لا يكون لك موقفان؛ موقف معلن، موقف خفي، وجهان ولسانان، شيء يرضي وشيء لا يرضي، هذا الأسلوب لا يرضي الله عزَّ وجل، هكذا كان أصحاب النبي، وهكذا كان النبي.
فلذلك قراءة سيرة النبي -عليه الصلاة والسلام- حتمٌ واجب، من أجل أن تهتدي بهديه، وأن تقتفي أثره، وأن تتبع سنته، وأن يكون هذا الإنسان الكامل لك معلماً.
قال عليه الصلاة والسلام:

((إِنَّمَا بُعِثْتُ مُعَلِّمًا))
موقف العطف واللين، موقف الحكمة، موقف عدم نسيان الفضل، هذا الموقف هو الذي يبقى مع الإنسان .

والحمد لله رب العالمين


الساعة الآن 05:05 PM

Powered by vBulletin™ Version 3.8.7 Copyright © 2012 vBulletin ,
هذا الموقع يتسخدم منتجات Weblanca.com
new notificatio by 9adq_ala7sas
User Alert System provided by Advanced User Tagging (Lite) - vBulletin Mods & Addons Copyright © 2026 DragonByte Technologies Ltd. Runs best on HiVelocity Hosting.