![]() |
الفكرالوقت الإنساني
المؤمن بصير بزمانه مُقبل على شأنه.
أحمد ابن حنبل الإنسان ابنُ وقته الحاضر، لأنه لم يَكن موجوداً فيه إلا لأنه مهيَّأٌ له، و متى أدرك الإنسان هذا المعنى من وجوده أدركَ معانيَ الحياة، و متى أدرك معاني الحياةِ قام بوظيفة الاستخلاف التي اختاره الرب لها، و بقدْرِ الإدراكِ يكون الحِراك. كثيراً ما يغيبُ عن أذهاننا إدراك قيمة الوقت الإنساني، و هو الوقت الذي تتجلَّى فيها منفعتنا من الحلة و للحياة، و هذا الغياب عائد إلى أمور كثيرةٍ، رأس تلك الأمور عدم القناعة و الوعي بالوقت الحاضر، فالحياةُ ليست إلا الآن، و لا قيمة لحياةِ الآنِ إلا بوظيفةٍ حالَّةٍ حاضرةٍ. يعيش الكثير من الناس في الوقت الماضي، و الماضي السحيق، و يغيبُ تمام الغَيْبَة عن الوقت الحاضر، لذلك فهو دائماً ما يستجلبُ الماضي في كل شيءٍ من حاضره، لا استجلاباً يستنيرُ به في فهم الحاضر و إنما يُحاكِمُ الحاضر إلى الماضي، فالماضي عنده قاضٍ عدلٍ، و الأوقاتُ لا يحكم بعضها على بعض، و لا يُقايَسُ بينها. هذا الإنسان الذي يعيش في الماضي، أبدَ الوقتِ، هو إنسانٌ فقدَ قيمته في الحاضر، فلم يَعِ و لم يَعرفْ ماذا يريد، و لا ماذا يُناط به، فهو في متاهةٍ لا تنتهي به، فيبقى فيها سنوات عُمُرِه، و إذا أنتجَ شيئاً فإنه يُنتِجُ مَكروراً مما أُنتِجَ في الماضي، فيبقى حاضره عليه خَتْمُ الماضي، فكانَ خاسراً الوقتين، فلا الماضي أدركَ و لا الحاضر اغتنم. هناك نوعٌ آخر من الناس يعيشون في إطار الوقت المُستقبلي، المستقبل الذي لم يأتِ، و رُبما كان بعيداً بُعْدَ المشرقين، أجملُ أصحاب هذا الوقت هم أولئك الذين يرسمون في أذهانهم رؤىً و أهدافاً يرجون أن تتحقَّقَ في حينٍ قادمٍ، و أسوأهم أولئك الذين يَغرقون في وَهم ” المستقبل جميل ” بلا عِنانٍ و لا زِمامٍ، بأملٍ خالٍ من عملٍ. النظرُ إلى المستقبل من أعمالِ الخالدين، و من أساليب حياة العظماء، إلا أنَّ الغِيابَ في ذلك النظر إلى درجةِ تعطيل الحاضرِ لا يكون ممن وعى عقلُه، و لا يَصْدُرُ من حكيمٍ بالحالِ. لا يُفهَمُ وقتٌ إلا من خلال العيش فيه، و الانطلاقِ منه إليه، و الحَيْطة به، أما أن يسلُك الإنسان في فهم الوقتِ مسالكَ خارجة عنه فلن يًصِل إليه، فلا يستطيع أحدٌ أن يفهم وقته الحاضر وهو غارقٌ في الماضي أو المستقبل، لأنه سينطلق في التعامل معه على ضوء رؤيته الذهنية لذَيْنك الوقتين، و هما وقتان خارجان عن حاضره، و هما وهمان بالنسبة للحاضر، و العاقلُ لا يرْكُن إلى الوَهْمِ، و أسوأ الوَهْمِ ما مضى، لأنه لا يُمكن أن يتكرَّر. لكلِّ وقتٍ أهله، و مَن يعيشُ وقتاً ليس له، و لم يَكن فيه، فهو كالمعترِضِ على حكمة الإيجاد، فحكمةُ الإيجادِ قائمةٌ على الغايةِ منها و على الوقتِ الذي أُوجِدَ فيه الإنسان، و ما أوْجدَ الربُّ مخلوقاً في غيرِ زمانه، و ما أوجدَه إلا في وقتِهِ الذي يتناسَبُ و إمكاناته و قُدُراته، و يتناسَبُ مع مهامِّ وظيفته، فمن دَرَى ذا احتذى سُبُلَ العمران في الحياةِ، و صنعَ له آثارَ الخلود المشهود. ضاعَ الحاضرُ عندما أضاع الإنسان نفسه في ماضٍ و في مستقبلٍ لم يملكهما، و هما بالنسبة لحاضره وهمٌ، و كلُّ وقتٍ لم يَحضرْ فيه الإنسان يبقى وهماً له، و إن كان حقيقةً لغيره، و إنَّ العاقلَ الراشد الواعي هو الذي أدركَ ما يلْزَمُه في حاضره فأقبلَ عليه، فالإنسان لا يتكوَّن شأنه، و لا ينبني خلودُه إلا من وعْيِهِ بحاضره. و العملُ الذي يقتضيه الحاضرُ و الحالُ الحالُّ هو أكمل الأعمال، و النقصُ فيه لا يُمْعِنُ فيه إلا ناقِصٌ، و الكاملونَ يَغُضُّونَ الطرْفَ عن نقْصِ الحاضِرِ، إذ لا حاضر يَكتملُ إلا بانتهائه، و ما دام الإنسانُ حيَّاً فكلُّ أوقاته حاضرٌ، و الماضي لمن ماتَ، و المستقبلُ لِمن لم يُخْلَق بَعدُ. كُن ابن وقتك، فابْنِ وقتَك بما يُمليه عليك، عندها تكون إنساناً مؤهَّلاً للخلود. عبد الله بن سليمان العُتَيِّق |
بارك الله فيك
|
موضوع قيم وجميل سيدتي منال
تجيدين الطرح والاختيار تحية |
احسنتي الطرح المفيد اخت منال
تحياتي |
|
كُن ابن وقتك، فابْنِ وقتَك بما يُمليه عليك، عندها تكون إنساناً مؤهَّلاً للخلود.
رووووووووعه |
الف شكر على الطرح الرائع
|
| الساعة الآن 02:37 AM |
Powered by vBulletin™ Version 3.8.7
Copyright © 2012 vBulletin ,
هذا الموقع يتسخدم منتجات Weblanca.com
new notificatio by 9adq_ala7sas
User Alert System provided by
Advanced User Tagging (Lite) -
vBulletin Mods & Addons Copyright © 2026 DragonByte Technologies Ltd. Runs best on HiVelocity Hosting.