![]() |
من ديوان جكاياتي المقاهية [ الوهم ]
من ديوان حكاياتي المقاهية
إليكم قصتي ::: الوهم يحتضن الجبل تلك القرية التي يذوب سكانها بين التِباب والوديان الصحراوية. يلتمس كل واحد منهم رزقه ما بين صيد واحتطاب ورعى للنعاج. قد رُسمت على وجه الوادي نظرات الجفاف في ثوب الجبل، لكن الحياة تسير بشدتها مع القبول — أهل القرية حياة بدوية وليس لديهم طموح في الانحدار ناحية الحضر. السكون والهدوء يملأان المكان سكينة. تمر بهم أسراب الطير السارح لعيشه ورزقه قبل طلوع الشمس وتودعهم في رجوعها لأعشاشها قبيل المغيب. لا أحد يمر عندهم في واديهم الأقرع؛ ومن أين يأتي المرور؟ إلا تائه أو ضال للطريق، أو ذا مراد من جفاء الأرض أو أول خبرة للبيداء. فيمر الطير كأنه عابر سبيل؛ قد يراه البعض أثناء قطعه للوادي وقد لا يراه أحد إن أتى في وقت فراغ الأكواخ من أهلها. لكن الهدوء لا يدوم دائماً، فكثيراً ما يتغير الحال من يوم إلى يوم، ومن ساعة إلى ساعة. وذات يوم وجدوا رجلاً منهم تأخر عن معاد رجوعه إلى أهله وبيته. استأثرت زوجته وأولاده بهم سكان القرية نظراً لتأخره، فبحثوا عنه في الوادي والدروب الصحراوية دون جدوى. غلبهم الليل والجهد فباتوا حتى شق النور عليهم، وظنّوا أن شيئاً قد حدث لأحدهم فانتظروا الصباح للخروج من جديد. مع بكر الشروق خرج الجميع للبحث في مضارب الصحراء لعلهم يعثرون عليه أو يأتون به إلى أولاده ودارِه، لكن الوادي شحّ بهم، وتبّابه وأحجارُه السوداء اشتدت عليهم، ولم يكن أثر له من قريب أو بعيد. فقد خَطّ أثره إلى إحدى المغارات—وهذه لم يدخلها أحد من قبل—فكيف لهم؟ أضاء البعض مشعلَه الزيتِي وتقدم إلى المغارة يستكشفها، ومن خلفه باحثون مؤازِرون. لكن حمزة كان أسرع منهم؛ فقد أكل فريسته وتمدد في هدوء لا يغيّب رقوده شيء في الوادي. فمن هذا الذي دخل عرينه وتجاسر في مسعاه يَطلبه؟ فانقض عليهم بكل قوته، فصاروا من هول الفزع والخوف كجروز. بحث كل واحد منهم عن حَجْر يختبئ فيه من الهول الذي لاقوه. ذابوا في الصحراء كلٌ على رأسه، لا ينظر أحدهم خلفه، وتملكهم الفزع والرجوع، فانصرفوا وقد عرفوا أين سَكَن قريبهم—وأين مثواه؟ وبادر كل واحد منهم بتقوية متاريس أبوابه، وكثرت الأغلال على الأبواب من الداخل حتى صاروا في سجنٍ عميق. طال بهم الأمد وتغلّـل الخوف في الصغار والنساء؛ كانوا لا يخرجون أطفالهم خارج البيوت حتى في وضح النهار، فصار الليل عندهم مساوياً للنهار في تلك المحنة. والراعي فيهم لا يبرح كثيراً، وبدأت الأغنام تضعف وساءت أحوالهم من سيئ إلى أسوأ. ضاقت عليهم الدنيا بما رحبت، وظنّوا أنه لا مفرّ من الوقوع بين أنياب ذلك الحيوان. لم يمرّ عليهم أمر كهذا من قبل؛ فهو عدو لا يعرف الشفقة إلا بإشباع رغبته: اللحم والدم ولا غير ذلك. ما العمل؟ وكيف الخروج؟ اجتمعوا في ضحى يوم حتى أهلكهم الكلام والحيرة. لكن كان بينهم رجل قليل الكلام، ينأى بنفسه عنهم، يقلب عينيه في وجوه القوم ويرى خوفهم وحيرتهم، وكأنه لا يهمه الأمر. قال بصوت خافت رافعاً يده يريد منهم أن يسمعوا له: «أنا أكفيكم شرّ هذا الأسد، وهذ العدو اللعين الذي أسكن الخوف فيكم وجعل أعتابه تسكن بينكم». انصبّ النظر إليه بدهشة؛ فهو نحيل، قصير، فكيف يقتل الأسد؟ هل هو في عقله؟! قال الرجل: «نعم، أعى ما قلت». زاد استغرابهم، لكنه أكمل: «سأقضى عليه». قالوا له: «نحن معك، لكن كيف؟ أنت ضعيف لا طاقة لك بهذا الحيوان المفترس». فرد الرجل واثقاً: «سأمضي قُدماً لما أريد، وسأبيح لكم بعد رجوعي كيف مثلت له القضاء، لكن بشرط أن تمنحوني بعض الوقت، وأن تلتزموا ببيوتكم ورعاية مصالحكم كما كنتم حتى أعود». خرج الرجل إلى مهمّته بعصا في يده لا يحمل غيرها، فوجد حمزة مستلقياً في ظلّ صخرة ينظر الوادي أمامه. تقدم الرجل رويداً رويداً حتى صار منه بقليل. استغرب الأسد من جسارة الرجل الذي أتى إليه منفرداً غير خائف ولا مرتاب. نظر الرجل في عيني الأسد قائلاً: «جئتُ إليك قاتلاً لك». قال الأسد متعجباً: «أنت قاتلي؟» قال الرجل: «نعم، أنا قاتلك أيها الوحش». تعجب الأسد: «وكيف لك بقتلي وأنت خاوي اليدين؟» قال الرجل: «لكن لدي سلاح لم أحضره معي لقتلك، جئتك الآن محذّراً: إياك إياك تضحك». ضحك الأسد ضحكة عالية وهو ينظر لهذا الكائن النحيل، متيقناً أنه لو وضعه بين ذراعيه لكان وجبة سهلة لم تكتمل. تدارك الرجل وقال: «سأعود لك، وسوف أقتلك». غادر الرجل مملكة الأسد، وظلّ الأسد مُعلّقاً ذهنه بالسلاح الذي سيقتل به من قبل الرجل النحيل. مرّت الأيام والرجل لم يعد؛ التهم الوهم كبد الأسد، واعتلاه الهمّ حتى هزل جسمه وانقطع عن الطعام والشراب، فما عاد يستطيع الحراك. بدأ العدّ التنازلي لسقوط الملك الذي أرعب الناس، والذي يتشفّى في لحومهم. وأتى الرجل النحيل خاوياً بلا سلاح كما جاءه أول مرة، ووقف أمامه في مقابل فمه وأنينه، فقال للوحش: «أين السلاح الذي وعدتني أن تقتلني به؟ لقد جئتني خاوياً كما جئتني أول مرة». فأجاب الرجل: «هل هناك أقوى من سلاحي الوهم والهمّ؟ لقد نلت منك وقتلتك وعاقبتك أيها الوحش. لتكن لأمثالك عبرة». ومن ثم مات الوحش—وبحمد الله—بسبب ما حلّ به من وهم وخوف. بقلم سيد يوسف مرسي |
| الساعة الآن 11:32 AM |
Powered by vBulletin™ Version 3.8.7
Copyright © 2012 vBulletin ,
هذا الموقع يتسخدم منتجات Weblanca.com
new notificatio by 9adq_ala7sas
User Alert System provided by
Advanced User Tagging (Lite) -
vBulletin Mods & Addons Copyright © 2026 DragonByte Technologies Ltd. Runs best on HiVelocity Hosting.