منتديات رياض الأنس

منتديات رياض الأنس (http://www.riyadelounss.com/vb/index.php)
-   رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة (http://www.riyadelounss.com/vb/forumdisplay.php?f=5)
-   -   الفقة الاسلامى 2 (http://www.riyadelounss.com/vb/showthread.php?t=9580)

السعيد 09-08-2018 07:04 AM

الفقة الاسلامى 2
 
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى

الدرس : ( الاول )

الموضوع : شروط الزواج





تحريم الزواج بالمشركة :
أيها الأخوة المؤمنون : وصلنا في الدرس الماضي في موضوع الزواج إلى المحرمات مؤقتاً من النساء . من هذه المحرمات مؤًقتاً المشركة ، اتفق العلماء على أنه لا يحل لمسلم أن يتزوج من الوثنية ولا الزنديقة ، ولا المرتدة عن الإسلام ولا عابدة البقر ، ولا المعتقدة بمذهب الإباحة أي هذا اللانمطي ، اللاديني ، الذي لا يؤمن بشيء ، ويفعل كل شيء ، هذه الإباحية ، من تعتقد بمذهب الإباحية لا يحل لمسلم الزواج منها .
فالوثنية من تؤمن بالوثن ، من تعبد صنماً ، والزنديقة التي تنكر الأديان السماوية، والمرتدة التي أسلمت ثم كفرت ، وعابدة البقر والمعتقدة لمذهب الإباحة كالوجودية ، ونحوها من مذاهب الملاحدة ، هؤلاء النساء كلهن لا يحل لمسلم الزواج منهن . ربنا سبحانه وتعالى يقول :
﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾
[سورة البقرة : 221]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-1645/01.jpg
أي الزوج أم الزوجة إن كانا مؤمنين بالله فهما يدعوان إلى الله والدار الآخرة وإلى الجنة ، وإن كانا على خلاف ذلك ، إن كانت امرأة دعت زوجها إلى جهنم ، وإن كان رجل دعا زوجته إلى جهنم .
الحقيقة هناك سبب أو علة بليغة لتحريم الزواج بالمشركة ، هذا الإنسان الذي لا دين له . . ماذا يفعل الدين ؟ الدين فيه مجموعة أوامر ومجموعة نواه ، فيه نظام ، فيه ما يجوز وفيه ما لا يجوز ، فيه ما هو مباح وفيه ما هو غير مباح ، فاللاديني لا يحرم شيئاً ويبيح لنفسه كل شيء ، أي اللاديني قد يقارب امرأته في أثناء الحيض ، مع أن الله سبحانه وتعالى يقول : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾
[سورة البقرة : 222]
خطر في بالي مرةً أن بحثاً عليماً قيماً يمكن أن يُبحث فيه وهو تقصي علل الأوامر والنواهي في القرآن الكريم . ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾
[سورة البقرة : 183]
هذه العلة ، السبب ، الهدف . . ﴿قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾
[سورة البقرة : 222]
فالزوج المشرك أو المرأة المشركة لا ترحم حلالاً ، ولا تفعل شيئاً مما يأمر الله به . هذه العلة ، فالإنسان الذي لا دين له ، لا كتاب سماوي لديه ، لا يخاف من الله ، لذلك جاء في الحديث القدسي : " ياموسى خف ثلاثاً ؛ خفني ، وخف نفسك ، وخـــف من لا يخافني " .
هذا الذي لا يخاف الله يخيف ، ليس عنده رادع ، ليس عنده شيء لا يجوز ، ليس عنده شيء حرام ، ليس عنده شيء مخالف للإنسانية ، للرحمة ، للقيم . دابة فلتانة . ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾
[سورة الكهف : 28]
علة الزواج بكتابية :
أما الكتابية فشيء آخر ، الكتابية تؤمن بالله ، تؤمن بكتاب مقدس نزل على سيدنا عيسى ، تؤمن بشيء لا يجوز وشيء يجوز ، فالكتابية شيء ، والمشركة شيء آخر ، ولا يُجمع بينهما لأن الله سبحانه وتعالى سمح للمؤمنين بالزواج من الكتابية لعلة سوف نراها .
يحل للمسلم أن يتزوج الحرة من نساء أهل الكتاب .
الحقيقة يوجد آيتان ، آية تبيح وآية لا تبيح ، وبعضهم جمع بينهما ، لأن هناك حالات تبيح ، وهناك حالات لا تبيح ، أي إذا كان دين الكتابية أقوى من دين المسلمين ، فالأولاد يأتون لأقوى الأبوين ، فإذا كان الدين المسيحي أقوى من الإسلام في العالم ، وله مركز الصدارة ، فأولاد الزوجة الكتابية يميلون لأقوى الأبوين ، أو لدين أقوى الأبوين ، أو للدين الأقوى، ففي هذا الظرف لا ينبغي للمسلم أن يتزوج بالكتابية لأنه إذا تزوج بالكتابية نشأ الأولاد على حب غير المسلمين .
شيء عانيته بنفسي ، زرت صديقي ، هو متزوج من كتابية رأيته يلح على أولاده لحضور خطبة الجمعة في هذا المسجد إلحاحاً غير طبيعي فلما سألته عن السبب ، قال لي: أولادي على دين أمهم ، يميلون إلى أمهم . حتى طالب كان ديانته الإسلام ، أدى الفحص تربية مسيحية بالشهادة الثانوية بتوجيه أمه ، أي إذا الإنسان تزوج كتابية في هذا الزمان فهناك احتمال كبير أن يكون الأولاد على دين أمهم . أما إذا كان الإسلام هو الأقوى ، وهو الأعز ـ الإسلام عزيز دائماً ، لكن المسلمين هناك مراحل يكونون فيها في مركز الصدارة ، وفي مركز القوة ، و مراحل أخرى ينتابهم الضعف ، فإذا كان الإسلام هو الأقوى ، وهو مركز الصدارة ، ويُدار به دفة العالم لا مانع من أن تأخذ كتابية لأنها سوف تسلم قطعاً ، دينك هو الأقوى .
هناك شيء آخر : الإسلام حكيم إلى أبعد الحدود ، حينما سمح للرجل المسلم أن يتزوج من الكتابية فلأن في الزواج علاقات متينة جداً ، هذه العلاقات المتينة تكون عن طريق الزواج ، فلعل هذه المرأة الكتابية إذا تزوجها المسلم وصار بينه وبين أهل زوجته خبز وملح كما يقولون وزيارات وأخذ وعطاء ، ربما كان هذا المسلم سبباً في هداية هؤلاء جميعاً ، في هداية زوجته وأهل زوجته . أي لابد من هدف أخلاقي سامٍ حينما يقرر الرجل المسلم الزواج من الكتابية لسبب عالٍ ، لسبب وجيه ، أن يأخذ بيدها ، أو أن يكون هذا الزواج سبباً لهداية أهلها ، أو إذا كان دينه هو الأقوى . أما في بعض الحالات فلا ينبغي للمسلم أن يأخذ الكتابية بسبب أن الأولاد قد ينشؤون تنشئة لا ترضي الأب ، وهذا ما يحصل كثيراً ، كثيرون هم الأشخاص الذين تزوجوا كتابية ففي ليلة لا قمر فيها كما يقولون افتقد الزوجة فإذا هي في بلدها وقد أخذت الأولاد معها .
تحريم زواج المسلمة بغير المسلم :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-1645/02.jpg
أما زواج المسلمة بغير المسلم فهذا لا يجوز قطعاً ، هناك حكمة بالغة ، لأن للرجل القوامة ، الرجال قوامون على النساء ، مسلمة تخاف من الله ، تحب أن تطيع الله عز وجل ، يأتي زوجها غير المسلم فيأمرها بالفجور ، لا يمكن هذا ، يأمرها أن تختلط مع الرجال، يأمرها بما لا يرضي الله ، قد يعاملها معاملة خلاف الشرع ، لذلك إذا أبيح للمسلم أن يأخذ الكتابية فلأن القيادة بيده ، أما لا يباح للمسلمة أن تتزوج الكتابي إطلاقاً كيفما كان دين هذا الكتابي ضعيفاً كان أو قوياً لأن القيادة بيده ، والولاية له ، والقوامة عائدة للزوج ، فقد يأمرها وكثيراً ما يأمرها بما يغضب الله عز وجل .

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾
[سورة الممتحنة :10]
هذه الآية مدلولها قطعي في تحريم زواج المسلمة بغير المسلم . تعدد الزوجات :
أما الزيادة على الأربع فطبعاً ربنا عز وجل قال :
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾
[سورة النساء : 3]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-1645/03.jpg
طبعاً منطوق هذه الآية مثنى وثلاث ورباع ، بعضهم أصلحهم الله فهم هذه الآية فهماً على خلاف اللغة ، مثنى وثلاث أي اثنتان زائد ثلاث صاروا خمس ، ورباع زائد أربع صاروا تسع ، بعضهم فهم مثنى على اثنتين اثنتين أي أربع ، وثلاث ست صاروا عشر ، ورباع ثماني صاروا ثماني عشرة . طبعاً لغة العرب واضحة كالشمس ، العرب ليس من عادتهم ولا في لغتهم أن تعبر عن التسعة بكلمة اثنتين ، ثلاث ، أربع ، ما أحد فعلها إطلاقاً ، هذا الأسلوب ليس وارداً في لغة العرب إطلاقاً ، أما مثنى وثلاث ورباع أيضاً مثنى مثنى ، ثلاث ثلاث ، رباع رباع ، إذا أردت التكرار تكرر .
الشيء الرابع الواو هنا للتخيير ، ولكن لو استخدمنا حرف أو بدل الواو ماذا ينتج عن هذه الآية ؟ لا يحل لمن عنده اثنتان أن يقترن بالثالثة ، مثنى أو ثلاث أو رباع ، لو استخدمنا أو فهذه للتخير ، ولا يجوز الجمع بينهما ، إما اثنتان وإما ثلاث ، أما كان عنده اثنتان فصاروا ثلاث ، لذلك لا ينبغي أن تكون هذه الآية بهذا الشكل ، هي أوضح شيء مثنى وثلاث ورباع ، فقال الإمام الشافعي : بلغ سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لا يجوز لأحد غير رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجمع أكثر من أربع نسوة ، وهناك أدلة أخرى . النبي الكريم قال لغيلان بن أمية الثقفي وقد أسلم وتحته عشر نسوة اختر منهن أربعاً وفارق سائرهن ، وفي كتاب أبي داود عن الحارث بن قيس قال : أسلمت وعندي ثماني نسوة ، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم قال : اختر منهن أربع . إذاً لا يجوز الاقتران بأكثر من أربع نساء في حكم الشرع ، أما في هذه الأيام فالواحد ليس بمقدوره أن يأخذ أكثر من واحدة .
وسوف ننتقل إن شاء الله إلى موضوع العدل بين الزوجات ، وهذا موضوع دقيق العدل بين الزوجات هو حكمة تعدد الزوجات . * * *
المعروف لا يصلح إلا لذي دين أو لذي حسب أو لذي حلم :
والآن إلى بعض الأحاديث الشريفة . ((إن المعروف لا يصلح إلا لذي دين أو لذي حسب أو لذي حلم))
[ الطبراني عن أبي أمامة ]
هذا الحديث له معنيان ، المعنى الأول : أن المعروف لا يمكن أن يصدر إلا عن رجل يعرف الله عز وجل ، وإلا لماذا يفعل المعروف ليس له تفسير ؟ تنتظر إكراماً من إنسان مقطوع عن الله ، تنتظر إنساناً لا يعرف الله أن ينصفك ، مستحيل ، تنتظر إنساناً يضحي من أجلك ولا يعرف الله عز وجل ؟ مستحيل ، المعروف لا يصلح إلا لذي دين أو لذي حسب . . الناس يستخدمون عبارة أن فلاناً ابن عائلة أي ابن أسرة عريقة ، يبدو أن الأسرة الدينة لها تربية ثابتة ، لها تقاليد ، لها عادات مقتبسة من الدين ، فالإنسان يردعه دينه ، أحياناً في بعض الأسر العريقة التي لها باع طويل في العلم والدين أولادها على مستوى راق من التهذيب ، الدين بحكم العقل دين ، أما أولاد الأسر الراقية فبحكم العادة ، ألفوا عادات راقية ، فالمعروف لا يصدر إلا من رجل دين ، وأن هذا الدَّيِّن يعرف مهمته في الحياة ، وأن الله سبحانه وتعالى خلقه للعمل الصالح ، وهذا العمل هو بغيته ، والإيمان يحرك الإنسان نحو العمل الصالح إلى أبعد الحدود ، هذا الدين ، أما بالحسد لو كان من أسرة راقية ، هذه الأسرة كما قلنا : لها تربيتها ، لها عاداتها ، فيها الحياء ، فيها الوقار ، الصغير يحترم الكبير ، الكبير يحنو على الصغير ، العمل المشين لا يفعله أفراد هذه الأسرة ، القبائح يترفعون عنها يخافون على سمعتهم .
أذكر أنه وقع خلاف بين شخصين ، أحد هذين الشخصين من أسرة راقية الأب له مكانة دينية في المجتمع ، فقلت لابنه : ألا تغار على سمعة أبيك ؟ قال : نعم ، وأخاف على سمعتي واحكم كما تشاء ولا أخالف أمرك ، أنا أردت أن أثير عنده هذا الشعور ، أي يخاف على سمعته ، يخاف على سمعة أبيه ، يخاف على اسم أبيه ، فهذا ليس بداع ديني ولكن بداعي الحفاظ على مكانة الأسرة ، فهذا قد يفعل خيراً بحكم العادة ، أما الأول فبحكم العقيدة . أو بذي حلم ، الحلم من عُرف عنه أخلاق فاضلة ، أي إنسان أحياناً يكون تفكيره ناضجاً جداً يجد أن مكارم الأخلاق أليق به من ترك هذه المكارم ، حتى إني أقول كلمة : إن العمل الأخلاقي يلتقي مع العمل الذكي في النتائج ، ويختلف عنه في البواعث .
مثلاً مدير دائرة مؤمن ، ومدير دائرة ذكي ، المؤمن يرى أنه إذا عدل بين الناس يطبق أمر الله بحكم محبته لله عز وجل ، بحكم ورعه ، بحكم خوفه من الله عز وجل ، يعدل بين الموظفين ، يتواضع لهم ، يبحث في مشكلاتهم ، يعين ضعيفهم ، يقبل العذر من المقصر، لطيف ودود ، هذه صفات المؤمن .
وإنسان إذا عنده ذكاء من درجة عالية يرى أنه من أجل أن يكون له مكانة كبرى في هذه الدائرة يعدل بين الموظفين ، لا حباً بالله ، ولا خوفاً من عقاب الله ، ولا يبتغي بهذا العمل رضا الله أبداً ، ولكنه يبتغي بهذا العمل أن تكون له مكانة كبيرة عند الناس ، قد يسأل من كان بحاجة إلى مساعدة ، هذا الذي ساعده ينشر هذه القصة بين الموظفين ، فيأتيه الثناء فيحبه الجميع ، هو يسعى إلى أن ينتزع إعجاب الناس ، ينتزع محبتهم ، ينتزع مودتهم وتكون له هذه ، ولكن مثل هذا الإنسان الذكي ليس له عند الله في الآخرة من خلاق . هذه المشكلة التي تحير المؤمن . يا أخي الجماعة في أوربا صادقون . . نعم ، لا يغشون . . نعم ، بضاعتهم درجة أولى صحيح ، يصنفونها لك تصنيفاً صحياً ، الشحن ، المواعيد كلها مضبوطة ، لا يوجد عندهم غش ، لا يوجد عندهم خداع ، نعم ، العمل الذكي يلتقي مع العمل الأخلاقي في النتائج ويختلف عنه في البواعث ، شتان بين من طهرت نفسه فهو لا يفعل إلا هذا الموقف الكامل ، وبين من خطط فرأى أن هذا الموقف أنفع له في الدنيا ، فرق كبير . . هذا الذي يعانيه بعض المسلمين . الإنسان الذكي لا يكذب ، الذكي لا يخلف وعده ، الذكي لا يتكبر . .
الآن إذا رجل تكبر ، اسمع ماذا يقولون عنه في غيابه ، لو تتبع ما يُقال في غيبته وتهكمات الناس ، وسخريتهم لا تحتمل . يأتي إنسان يتواضع ، إذا تواضع يثنون عليه ، يا أخي ما هذا ؟ متواضع ، نفسه هنية مثلاً ، لا يتكبر ، عطف علينا ، فإذا دخل مدير دائرة والآذن وقف له فقال له : الله يعطيك العافية ، كيف صحتك ؟ كيف أولادك ؟ هل يلزمك شيء ؟ هذا العمل يقوم فيه ذكي ، حتى ينتزع إعجابه ، الآذن يتكلم ، يقول لك : ما هذا ؟ مديرنا متواضع ، مديرنا الجديد ابن حلال ، هو هكذا يريد ، يريد السمعة وقد حصلت له لذلك يوم القيامة يقول : " يا رب ، قرأنا القرآن من أجل رضاك ، يقول لهم : كذبتم ، قرأتم القرآن ليقال عنكم قراء وقد قيل، تعلمت العلم ليقال عنك عالم وقد قيل ، جاهدت في سبيلي ليقال عنك شجاع وقد قيل " لما الإنسان يكون ذكياً يفعل عملاً يلتقي مع عمل المؤمنين ، أما بالنوايا فشتان بينهما أين الثرى من الثريا ؟
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-1645/04.jpg
التعليق هذا على أن المعروف لا يصلح إلا لذي دين ، أو لذي حسب ، أو لذي حلم ، طبيب مثلاً راكب سيارته ورأى رجلاً جريحاً ، ورأى جمهرة من الناس حوله ، وهذه الجمهرة من الناس أبناء حيه ، فيوقف سيارته ويأخذ هذا الجريح ، ولا يبالي بالدماء التي ستلوث السيارة، يأخذه إلى المستشفى ، إذا كانت نيته تكثير الزبائن - لأن الناس يثنون عليه - فإذا كانت نيته هكذا فهذا العمل فيه رحمة ، ولكن قد يكون الطبيب خال من الرحمة ، عمله رحيم وهو خال من الرحمة . أحياناً قاض يأتيه مواطن عادي ، يأتيه شخص له قيمته ، فيرى الحق مع هذا المواطن العادي ، وهذا الشخص الوجيه الكبير الحق ليس معه ، يحسب إنه إذا حكم لهذا الفقير والحكم انتشر وبلغ الناس ، ووصل هذا الحكم لقضاة الاستئناف والتمييز من رؤسائه تيقنوا من نزاهته ، إذاً يصير له مستقبل باهر في القضاء ، فيحكم بالعدل لا حباً في العدل وليس عادلاً ، حكمه عادل وهو ليس بعادل . لذلك النوايا دقيقة جداً ، الإنسان يتفحص نيته لماذا أفعل هذا الخير ؟ هل أبتغي به السمعة والجاه ؟
(( عن عمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِي اللَّه عَنْهِ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ ))
[متفق عليه عن عمر ]
(( يا معاذ أخلص دينك يكفك القليل من العمل ))
[شعب الإيمان عن معاذ]
إذاً : " إن المعروف لا يصلح إلا لذي دين أو لذي حسب ، أو لذي حلم " .
هذا أخلاقي ، أخلاقه جاءت من ذكائه ، وهذا أخلاقه جاءت من عاداته ، وهذا أخلاقه جاءت من تدينه ، هذا متدين ، نفسه سمت واتصلت بالله عز وجل ، فأصبح المعروف من قبله عفوياً ليس متصنعاً . إذا إنسان رأى ابنه اقترب من المدفأة ، وكاد يضع يده عليه أيقول يا ترى أوبخه أم لا أوبخه ؟ بشكل لا شعوري يصرخ فيه ، توبيخ الأب أو نهي الأب عن اقتراب ابنه من مدفأة ليس عملاً إرادياً ، عمل لا إرادي عفوي . المعروف عفوي عند المؤمن :
المعروف بالمؤمن عفوي ، غير مقصود ، لا يفكر ، رجل بحاجة إلى مساعدة يساعده فوراً ، شخص استجار به يجيره ، استغاث به يغيثه ، والدته بحاجة إلى مساعدة يساعدها فوراً ، لا يناقش الأمور . أعمل أم لا أعمل ؟ ماذا سيتكلمون عني ؟ هذا شيء بالمؤمن غير وارد ، أما أهل الدنيا فعلهم للمعروف بعد دراسة طويلة ، بعد دراسة طويلة وجد أن يدفع السند لأنه ذمة عليه ، فإذا لم يدفعه قد يضطر أن يشتري شقة ثانية منه ، فإذا لم يدفع له أول دفعة يجوز ألا يبيعه شقة ثانية ، ليس من باب وفاء دين ، لا ، لكن إذا أعطيناه الدفعة الأولى يثق بنا ، الآن نستطيع أن نأخذ منه بضاعة بمئة ألف ، حسابه معي عشرون ألفاً سأدفعه قبل أسبوع ، إن دفعته قبل أسبوع سيحس هذا البائع الكبير أنني أنا إنسان موثوق هو أعطاني عشرة آلاف فقط ، أما أنا فمتأكد إذا أعطيته الحساب قبل أسبوع و طلبت منه مئة ألف سيعطيني ، ولكن بعد أن آخذ هذه المئة ألف أماطله . يقول لك : دخل في قلبي غرقنا ، وفاء السند في الوقت المناسب ليس فضيلة عند هذا الإنسان ، يسمونه تكتيك ، بالتعريف الحديث مناورة . أحياناً يعجب هذا الإنسان ولكنه يناور عليك ، مخادعة ، مناورة ، تكتيك . عندك تكتيك واستراتيجية http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-1645/05.jpg
المؤمن أخلاقه استراتيجية ، أي ثابتة ، لا يغير ، لا تحت ضرورة ولا تحت إغراء ولا تحت ضغط ، أخلاقه هي هي ، أما الكافر فأحياناً يعمل خطة مرحلية ، أحياناً إنسان يقول لك : أتضع أموالي عندك ؟ تقول له : نعم ، أنا أعطي بالمئة ثمانية وأربعين أرباحاً ، ما هذا الكلام ؟ مبلغ مذهل ، أين ما كان بالمئة عشرة ، أو بالمئة خمسة عشر ، بالمئة عشرون إذا كان الإنسان موفقاً جداً ، هذا الدفع المغري حتى تأتيه الأموال الطائلة ، عندئذ يأخذها ويهرب بها . وهذا شيء يقع باستمرار . هذا المعنى الأول : أن المعروف لا يصدر إلا عن إنسان دين بسبب سمو النفس وعقيدته الراقية ، والمعروف لا يصدر إلا عن إنسان من أسرة راقية ، أن هذه الأسرة لها عادات راقية بحكم العادة ، والمعروف لا يصدر إلا عن إنسان صاحب خلق ، صاحب أخلاق وهذه الأخلاق الثانية ناتجة عن ذكاء . والمعنى الآخر لهذا الحديث أنك إذا صنعت المعروف مع غير هؤلاء فإنهم يفسرون هذا المعروف تفسيراً سيئاً ، فإنهم يردون على معروفك بإساءة بالغة ، وهناك شكاوى كثيرة تصلني ، أنه فعلت معه كذا وكذا وكذا ، وفعل معي كذا وكذا وكذا ، كان الرد بمنتهى الوقاحة ، بمنتهى اللؤم ، كيف فعلت معه هذا المعروف وقابلك بهذه الإساءة ؟ لأن هذا ليس صاحب دين ، وليس صاحب نسب رفيع ، وليس صاحب ذكاء عال . . لا ذكاء يهديه للمواقف المقبولة ، ولا عنده عادات أصيلة ثابتة في أسرته ، ولا عنده مخافة من الله عز وجل فشيء طبيعي إذا فعلت معروفاً مع أحد غير هؤلاء أن تلقى رداً وقحاً ، أو رداً سيئاً ، أو رداً فيه مقاومة ، فالإنسان لا يُفاجأ ، و قد جاء في الحديث الشريف :

((اصنع المعروف إلى من هو أهله ، وإلى غير أهله ، فإن أصبت أهله أصبت أهله، وإن لم تصب أهله كنت أنت أهله))
[ ذكره السيوطي في الجامع الصغير، وعزاه إلى الخطيب في تاريخ]
أي الإنسان يريد أن يعمل موازنة بين الحديثين ، إذا كنت تريد أن تضحي تضحية كبرى ، وتضيع أولادك من أجل إنسان لئيم ، لا ، أولادك أولى ، أحياناً إنسان يقول لك : أنا مستجير بك ، فتعطيه من قوت أولادك ، تعطيه من حصة أولادك ، وتنجده ، ثم يعاملك معاملة في منتهى اللؤم . المكثرون في الدنيا الذين يتبجحون بأموالهم الطائلة هم المقلون يوم القيامة :
و:
(( عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ : خَرَجْتُ لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْشِي وَحْدَهُ وَلَيْسَ مَعَهُ إِنْسَانٌ قَالَ : فَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَكْرَهُ أَنْ يَمْشِيَ مَعَهُ أَحَدٌ قَالَ فَجَعَلْتُ أَمْشِي فِي ظِلِّ الْقَمَرِ فَالْتَفَتَ فَرَآنِي فَقَالَ : مَنْ هَذَا ؟ قُلْتُ أَبُو ذَرٍّ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ قَالَ يَا أَبَا ذَرٍّ تَعَالَهْ قَالَ : فَمَشَيْتُ مَعَهُ سَاعَةً فَقَالَ : إِنَّ الْمُكْثِرِينَ هُمُ الْمُقِلُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا مَنْ أَعْطَاهُ اللَّهُ خَيْرًا فَنَفَحَ فِيهِ يَمِينَهُ وَشِمَالَهُ وَبَيْنَ يَدَيْهِ وَوَرَاءَهُ وَعَمِلَ فِيهِ خَيْرًا قَالَ فَمَشَيْتُ مَعَهُ سَاعَةً فَقَالَ : لِي اجْلِسْ هَا هُنَا قَالَ فَأَجْلَسَنِي فِي قَاعٍ حَوْلَهُ حِجَارَةٌ فَقَالَ لِي : اجْلِسْ هَا هُنَا حَتَّى أَرْجِعَ إِلَيْكَ قَالَ : فَانْطَلَقَ فِي الْحَرَّةِ حَتَّى لَا أَرَاهُ فَلَبِثَ عَنِّي فَأَطَالَ اللُّبْثَ ثُمَّ إِنِّي سَمِعْتُهُ وَهُوَ مُقْبِلٌ وَهُوَ يَقُولُ : وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى قَالَ : فَلَمَّا جَاءَ لَمْ أَصْبِرْ حَتَّى قُلْتُ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ مَنْ تُكَلِّمُ فِي جَانِبِ الْحَرَّةِ مَا سَمِعْتُ أَحَدًا يَرْجِعُ إِلَيْكَ شَيْئًا قَالَ : ذَلِكَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَام عَرَضَ لِي فِي جَانِبِ الْحَرَّةِ قَالَ : بَشِّرْ أُمَّتَكَ أَنَّهُ مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ قُلْتُ : يَا جِبْرِيلُ وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : قُلْتُ : وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى ؟ قَالَ نَعَمْ وَإِنْ شَرِبَ الْخَمْرَ ))
[متفق عليه عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِي اللَّه عَنْه]
إِنَّ الْمُكْثِرِينَ هُمُ الْمُقِلُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . طبعاً الحديث طويل ، وهذه أول فقرة منه ، المكثر يقول : عندي مال لا تأكله النيران ، أهلكت مالاً لبداً ، هؤلاء المكثرون في الدنيا الذين يتبجحون بأموالهم الطائلة ، وبأن أموالهم لا تفنى ، وأن أموالهم بازدياد ، وأنهم لا يخشون شيئاً في الدنيا ، هؤلاء الذين يقولون هذا الكلام هم المقلون يوم القيامة ، هم الفقراء ، لأن هذا المال يفيد الجسد في هذه الحياة الدنيا ، فإذا جاء الأجل انقطع هذا المال ، وهناك بعد الموت شيء آخر هو العمل الصالح ، هو الذي يجدي . (( . . .إِنَّ الْمُكْثِرِينَ هُمُ الْمُقِلُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . .))
[متفق عليه عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِي اللَّه عَنْه]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-1645/06.jpg
لذلك قال الله تعالى :
﴿وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾
[سورة الزخرف : 32]
النبي الكريم استثنى ، قال : (( إِلَّا مَنْ أَعْطَاهُ اللَّهُ خَيْرًا فَنَفَحَ فِيهِ يَمِينَهُ وَشِمَالَهُ وَبَيْنَ يَدَيْهِ وَوَرَاءَهُ وَعَمِلَ فِيهِ خَيْرًا . .))
[متفق عليه عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِي اللَّه عَنْه]
هنا في الحديث دقة بالغة ، إلا من أعطاه الله تعالى خيراً . لذلك قال العلماء : لا يُسمى المال خيراً إلا إذا أنفق في طاعة الله ، قال تعالى : ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ * كَلَّا﴾
[سورة الفجر : 15-17]
قال ربنا له : كلا . . ليس هذا إكراماً إلا إذا أنفقته في طاعتي فهذا إكرام ، أي لا يُسمى المال إكراماً إلا إذا أنفق في طاعة الله عز وجل . ﴿فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِي . .﴾
[سورة الفجر : 15]
أي أدخل إلى بيته كل وسائل الراحة . ﴿ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِي . . كلا﴾
[سورة الفجر : 16-17]
ربنا عز وجل قال : كلا . . وكلا أداة ردع ، أي لا هؤلاء على حق ولا هؤلاء على حق ، لا هذا القول صحيح ، ولا هذا القول صحيح ، ليس إعطائي المال إكراماً بل هو امتحان، فإذا أنفق في طاعة الله انقلب إكراماً ، وليس حرماني لهذا العبد من المال إهانة ، إنه معالجة ، الحرمان معالجة ، والعطاء إكرام . النبي الكريم قال : " إِلَّا مَنْ أَعْطَاهُ اللَّهُ خَيْرًا - لماذا سماه النبي خيراً - قال : فَنَفَحَ - نفح أي أعطى - فنفح فِيهِ يَمِينَهُ وَشِمَالَهُ وَبَيْنَ يَدَيْهِ وَوَرَاءَهُ وَعَمِلَ فِيهِ خَيْرًا ". .
أي سأله عن يمينه شخص فأعطاه ، عن شماله فأعطاه ، سأله شخص قرضاً لثمانية أشهر دفع له ، سأله شخص عطاء من دون قرض ، فدفع له . أي اليمين والشمال والأمام والوراء كناية عن شتى وجوه الخير . وَعَمِلَ فِيهِ خَيْرًا . . قال : هذا الإنسان المكثر هنيئاً له ، هذا قد يسبق المقل ، لأن المال قوة ، وفي المال طاقة كبيرة جداً على اكتساب مرضاة الله . وحبذا المال أصون به عرضي ، وأتقرب به إلى ربي . التيسير و التعسير :
وفي حديث آخر :
(( إِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَصنع ))
[ الترمذي عن زر بن حبيش]
من المعاني المستفادة من هذا الحديث الشريف أن الملائكة وهم جنود الرحمن يضعون أجنحتهم لطالب العلم ، بعضهم فهم هذا الحديث على أنها تكرم طالب العلم ، الملائكة تكرم طالب العلم ، إن الملائكة في السماء والحيتان في البحر لتصلي على معلم الناس الخير .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-1645/07.jpg
هذا المعنى معنى تكريم ، أي الملائكة تكرم طالب العلم ، بعضهم توسع في هذا المعنى ، فقال: الملائكة تكيد لأعداء طالب العلم فتمنعهم من أن يؤذوه ، الملائكة تتكفل بحاجات طالب العلم ، ما الذي جعل أبو حنيفة ينقطع للعلم والدراسة ؟ هو أنه مرّ في الحج بشيخ يدرس في الحرم ، وقد سمع منه هذا الحديث :" من طلب العلم تكفل الله له برزقه " يلهمك إذا كنت تاجراً يلهمك الصفقات الرابحة ، فيكون عملك قليلاً وربحك كثيراً . إذا كنت صانعاً يرسل إليك زبائن درجة أولى ، أخلاقهم عالية ، شراؤهم سهل ، دفعهم جيد . إذا كنت موظفاً تنتزع ثقة رؤسائك ، يعطونك إضافات ليست لغيرك . أي مادام الإنسان طالب علم يتكفل الله عز وجل برزقه . أب عادي يكون راغباً أن يكون ابنه طبيباً ، والابن يكلفه بأعمال فوق طاقته ترى الأب إذا شاهد ابنه متفوقاً بدراسته ، وأحياناً عنده فحص لا يدع أحداً يكلفه بشراء غرض حتى شراء خبز يقول له : أنا أحضر الخبز ، اجلس وادرس ، إذا جاءه ضيوف ، ويريدون غرضاً إذا قالوا : أوصل فلانة خالتك ، الأب ينهى الأم يقول : دعيه يدرس ، أي إنسان عادي إذا رأى ابنه متفوقاً يريحه من أعباء البيت ، يمكن أن يعطيه غرفة خاصة ، يمكن أن يبالغ بإكرامه . فربنا عز وجل خلقنا لنعرفه . معقول إذا اتجه إنسان إلى الله يتعب بحياته ؟ العكس هو الصحيح . الإنسان عندما يتجه إلى غير الله عز وجل ، يذيقه الله مرارة الدنيا . الدنيا تغر ، وتضر ، وتمر . . أوحى ربك إلى الدنيا أنه من خدمني فاخدميه ، ومن خدمك فاستخدميه . تسمع من الناس قصصاً ، ترى رغم ذكائهم ، رغم تقديرهم للأمور ، تأتيهم مشكلة لم تكن في الحسبان ، تأتيهم مزعجات ، يتورطون تورطات ما كان لهم بها .
البعد عن الله عز وجل يسبب تضييقاً في الدنيا ، والقرب من الله عز وجل يسبب تيسيراً ، والتيسير والتعسير لهما قانون في كتاب الله .
﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ﴾
[ سورة الليل : 5-7 ]
تلقى شخصاً تريده ، بيته بعيد ، الحاجة لا تجدها فوراً . آلة منتجة تعطلت ، تحضر خبيراً فيخربها ، يكسر قطعة فيها ، بدلاً من أن يصلحها . إذا كنت موفقاً تحضر شخصاً يلهمه الله إلى الحق ، يقول لك : العطل من هنا ، ولكن إذا أنت موفق تحضر شخصاً بدل أن يعطلها خمسة أيام يصلحها في ساعة ، إن كان في التجارة ، أو في الصناعة ، أو في الزراعة فالإنسان عندما يكون مع الله عز وجل يتكفل له برزقه . ليس معنى هذا أن يمد يده إلى الناس ، لا ، ليست واردة ، معنى يتكفل له برزقه يلهمه أعمالاً مريحة ، ودخلها معقول ، انظر أهل الدنيا لا يعرفون الله عز وجل ، يقول لك : آه ، يخرج منه آهة محروقة حرقاً ، يقول : اشتغلنا ثلاث سنوات بلا مقابل ، يدخل بمشروع ، يدفع ، يسهر ، يركض ، بعد ذلك يعمل حسابه جمع طرح خسران ثمانية آلاف ليرة بعد ثلاث سنوات عمل ، انظر إلى الدنيا ما أصعبها الخسارة مؤلمة جداً . إنسان يتعب ، يحضر بضاعة ، يبيعها ، يشحنها ، يحصل ثمنها ، يشتغل فيها سنتين ، بعد ذلك تظهر النتيجة خسارة ثمانية آلاف بضاعة ، هذا عمل بلا مقابل ، فالله عز وجل قادر أن يشغل الإنسان بلا مقابل طول عمره ، يقول لك التجار كلمة مضحكة : مثل مطحنة الجن ، خرير وعجيج على الفاضي ، يشغله ، يشغله ، بالآخر لا يوجد محصول ، لا يوجد نتيجة ، أما المؤمن فموفق . ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى* وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى* فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ﴾
[ سورة الليل الآيات : 5-9 ]
إعانة الملائكة طالب العلم على أمر معاشه :
(( إِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَصنع ))
[ الترمذي عن زر بن حبيش]
أي أول شيء تعينه على أمر معاشه ، أنا أدعو هذا الدعاء : " اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا - الإنسان ينضبط بالدين ، يعرف الحرام من الحلال ، الخير والشر، ما يجوز وما لا يجوز ، عنده منظومة قيم ينضبط فيها - وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا - أيضاً الدنيا إذا إنسان بحاجة إلى المال ، ما عنده قوام الحياة شيء صعب - وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير ، واجعل الموت راحة لنا من كل شر " فالملائكة تعينه على حوائجه ، الملائكة ترد كيد أعدائه عنه ، الملائكة تكرمه . . على الإنسان أن يسعى للدار الآخرة :
انظروا إلى الحياة الدنيا ، انظروا إلى عمارة ترتفع ، نشاط ، اليوم جبل إسمنت ، ثاني يوم جاء الإسمنت ، ثالث يوم جاء نجار الباطون ، ترى الذي يبني العمارة كتلة انتباه ، كتلة يقظة ، نشاط البناء ، نشاط التجارة ، نشاط الصناعة ، نشاط العلم ، دراسات في الجامعة، أي هناك نشاطات عديدة ، أقدس نشاط على وجه الأرض أن تطلب العلم الشرعي ، لا يوجد نشاط عند الله أكثر قدسية منه ، تذهب تزور أقرباءك ، تحصّل مبلغاً ، تفكر بمشروع، تعقد صفقة ، تشتري بيتاً ، تبيع بيتاً ، تبدل سيارتك ، تعمل نزهة ، هذه نشاطات مشروعة ، مباحات ، لكن أقدس نشاط تقوم به أن تتعلم ، أن تعرف الله عز وجل ، خُلقت من أجل أن تعرفه ، وأي نشاط مناقض لهذا النشاط فهو خسارة كبرى . عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :
((إِنَّ الْمَيِّتَ يَعْرِفُ مَنْ يَحْمِلُهُ وَمَنْ يُغَسِّلُهُ وَمَنْ يُدَلِّيهِ فِي قَبْرِهِ ))
[ أحمد عن أبي سعيد الخدري]
حقيقة كبيرة جداً إنسان يظن أن هذا مات ، لذلك النبي الكريم قال : (( كسر الرجل ميتاً ككسره حياً ))
[التمهيد لابن عبد البر عن عائشة]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-1645/08.jpg
إذا وضعوه بالقبر ورموه رمياً ، أحياناً يكون أطول من القبر يحصروه به ، هذا عمل فيه إهانة ، لا يجوز كشف عورة الميت أثناء التغسيل ، إهانة له . حينما خاطب النبي الكريم قتلى بدر من المشركين . قال : يا أمية بن خلف ، يا هشام بن عيينة ، يافلان ، يا فلان سماهم بأسمائهم هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً فإني وجدت ما وعدني ربي حقاً ؟ كذبتموني وصدقني الناس ، وأخرجتموني وآواني الناس . . الحديث طويل ، الصحابة تعجبوا ، قالوا : يا رسول الله أتخاطب قوماً جيفوا ، قال : ما أنتم بأسمع لي منهم ولكنهم لا يجيبونني - يسمعون مثلكم - فهذا الحديث إذا توفي الإنسان فمن بكى ، ومن فرح ، و من أهانه يرى الميت كل ذلك، ويسمع ما يقولون ، فالنبي الكريم يقول : عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ
((إِنَّ الْمَيِّتَ يَعْرِفُ مَنْ يَحْمِلُهُ وَمَنْ يُغَسِّلُهُ وَمَنْ يُدَلِّيهِ فِي قَبْرِهِ ))
[ أحمد عن أبي سعيد الخدري]
وقال : ((إن العبد إذا وضع في قبره , وتولى عنه أصحابه إنه ليسمع قرع نعالهم ..))
[البخاري عن قتادة عن أنس رضي الله عنه]
أما هذا الشعور الذي لا يوصف فهو اشترى البيت ، هو فرش البيت على ذوقه ، قال لي أخ قصة من يومين يبيع مفروشات درجة أولى ، جاءه تاجر ، قال له : أريد غرفة نوم من خشب الجوز ، قال له : والله لا يوجد جوز عندنا زان . . قال : أريدها جوزاً ، قال له : إذاً اشتر لي خشب جوز ، اشـتروا خشب جوز ، قال : هذا الجوز يتخمر سنة صحيحة ، يكون أبيض بعد تخميره سنة يصير أسود ، أخذنا له خشب الجوز ، وخمرناهم سنة اثنا عشر شهراً ، قال : ما مرّ بحياته كهذا الزبون ، زار الخشبات وقت التخمير مرتين أو ثلاث ، بعد ذلك صنعوا غرفة النوم ، قال لي : هناك عقدة بالخشب بالرجل من الداخل ، فرفض و قال : بدل لي إياها ، كل أسبوعين أو ثلاثة له زيارة ، يتفقد غرفة النوم ، الخزانة ، البخ ، المسكات ، المرايا . هذا معه وسواس . وبعد ذلك ، قال له : اترك لي إياها حتى ندهن الغرفة ، ثم دهنوا الغرفة واعتنوا بالغرفة ، ورتبوها ودوكروها ، قال له : أما تريد أخذ الغرفة إنها حاجزة محل عندنا ؟ قال له : غداً إن شاء الله ، خبرته ليأتي ليأخذها رفعت السماعة سمعت ضجيجاً ثم جاء إلى التلفون من يكلمني فكانت امرأة قلت لها : أختي الغرفة ، قالت : لا نريد الغرفة مات صاحبها . غضبت . سبحان الله ، فعلى الإنسان أن يسعى للدار الآخرة . ((إِنَّ الْمَيِّتَ يَعْرِفُ مَنْ يَحْمِلُهُ وَمَنْ يُغَسِّلُهُ وَمَنْ يُدَلِّيهِ فِي قَبْرِهِ ))
[ أحمد عن أبي سعيد الخدري]
((العبد إذا وضع في قبره, وتولى عنه أصحابه إنه ليسمع قرع نعالهم. . .))
[البخاري عن قتادة عن أنس رضي الله عنه]
هو عمر هذا البيت ، هو فرش هذا البيت ، هو رتب هذا البيت ، دفنوه بنفس اليوم، قال لي شخص : شاهدت جنازة تشيع بعد العشاء ، مع أنه مكروه ، ما الدليل ؟ معنى هذا أن هناك مشكلة بالبيت ، هو اشترى البيت !!
المشكلة الإنسان يعلق آماله كلها بزوجته تخيب له ظنه ، يعلق آماله بولده . . قال رجل لشاب : أين ذاهب ؟ قال له والله حرفياً : رايح أسكر على روح أبي . أبوه خلف له مالاً كثيراً ومات ، فهذا الابن يشرب خمراً على روح والده . قال : " يا عبدي أعطيتك مالاً فماذا صنعت به ؟ قال : يا رب لم أنفق منه شيئاً مخافة الفقر على أولادي من بعدي ، قال له : عبدي أما علمت أني أنا الرزاق ذو القوة المتين ، إن الذي خشيته على أولادك من بعدك قد أنزلته بهم - أي جعلتهم فقراء ، وأنت تظن أنك تجمع المال لهم - والثاني قال له : ماذا صنعت في المال ؟ قال له : يا رب أنفقته على كل محتاج ومسكين ، لثقتي أنك خير حافظاً وأنت أرحم الراحمين . فقال : عبدي أنا الحافظ لأولادك من بعدك ". اطلب من الله يحفظ لك الأولاد من بعدك فقط . الله عز وجل يرزقهم ، ويعافيهم ، ويهديهم ، ويجعلهم قرة عين ، ويجعلهم خلفاء لك ويجعل لهم أعمالاً صالحة مستمرة . (( إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية ، أو علم يُنْتَفَعُ به، أو ولد صالح يدعو له ))
[مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن أبي هريرة ]
المؤمن يستمد قيمته من أن الله سبحانه وتعالى راض عنه :
الحديث قبل الأخير :
(( إن الناس لا يرفعون شيئاً إلا وضعه الله تعالى ))
[ البيهقي في شعب الإيمان عن سعيد بن المسيب]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-1645/09.jpg
أحياناً الناس يقدرون شيئاً من الأشياء ، طبعاً لا يرفعون شيئاً بغير حق ، أحياناً يقدرون شيئاً لا يرضي الله عز وجل ، وأحياناً يتهافتون على معصية تغضب الله ، هناك أشياء غالية كثيراً ، معنى هذا أن عليها طلباً كثيراً ، وقد تكون تغضب الله عز وجل ، هناك أجهزة لهو عليها طلب شديد ، إن الناس لا يرفعون شيئاً إلا وضعه الله تعالى ، قرأت مقالة لكاتب أن حجزاً برأس السنة لا يوجد ، كل الأماكن لا يوجد بها محلات ، معنى هذا أن الطلب كثير على الفنادق ، سهرة بالفندق الفلاني ، والفلاني ، والفلاني ، عشاء مع أعمال لا يعلمها إلا الله ، فيها مخازي لا يعلمها إلا الله ، ألف ليرة على الشخص وطاولات درجات أولى وثانية وثالثة ، لا يوجد محلات ، واضطر أن يعملها بالبيت ، أحضر رفاقه وعملها بالبيت . قال :
(( إن الناس لا يرفعون شيئاً إلا وضعه الله تعالى ))
[ البيهقي في شعب الإيمان عن سعيد بن المسيب]
أي أنت تعلق بالذي رفعه الله ، الله رفع قراءة القرآن ، رفع فهم القرآن ، رفع أن تكون أديباً متأدباً بآداب القرآن ، رفع أن تكون عالماً بالله عز وجل ، رفع أن تكون محسناً ، رفع أن تكون محباً لله ورسوله ، ولم يرفع الإنسان لما عنده من متاع ، لكن في آخر الزمان تكون قيمة الرجل بما عنده من متاع . أي يستمد قيمته بين الناس من أثاث بيته ، وأجهزته فقط . لكن المؤمن يستمد قيمته من أن الله سبحانه وتعالى راض عنه . (( إن الناس لا يرفعون شيئاً إلا وضعه الله تعالى ))
[ البيهقي في شعب الإيمان عن سعيد بن المسيب]
الأولاد مجبنة و مبخلة :
ويقول عليه الصلاة والسلام :
(( إن الولد مبخلة ، مجبنة ، مجهلة ، محزنة ))
[ صحيح الجامع عن الأسود بن خلف و خولة بن حكيم ]
أي هذا الحديث فيه توجيه نبوي شريف ، أن الإنسان إذا رزقه الله أولاداً يجب أن يعتدل ، أن يعاملهم معاملة راقية تتيح له أن يقبل على الله عز وجل . أما معنى مبخلة أي قد يشد الإنسان على نفسه باختياره أبواب خير كان يفعلها خوفاً على أولاده ، أو خوفاً على أولاده من بعده كما قلنا قبل قليل ، فكأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يريد أن نتهرب من العمل الصالح والإنفاق في سبيله خوفاً على الأولاد من بعدنا ، لأن الله عز وجل قال : ﴿وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ﴾
[سورة البقرة 272]
فأحد أسباب البخل بالعمل الصالح ، بالخير ، بالإنفاق ، بالمال الخوف على الأولاد من بعده . مبخلة ، أي إن الأولاد يسببون البخل أحياناً وهذا بخل غير مشروع ، لم يرضه النبي صلى الله عليه وسلم . وسيدنا الصديق أعطى كل ماله ، فلما قال له النبي الكريم : يا أبا بكر ماذا أبقيت لنفسك ؟ قال : الله ورسوله . ممكن أتصور إنساناً ينفق ماله ثم يفقره الله ؟ هذا الشيء أنا أعده من خامس المستحيلات ، أنفق أنفق عليك ، أنفق بلالاً ولا تخشى من ذي العرش إقلالاً . لا يمكن ، فالذي يتخذ أدنى حجة بعدم الإنفاق غلطان . جعله بخيلاً ، الابن جعل أباه بخيلاً ، هذا معنى مبخلة .
مجبنة : أي الإنسان أحياناً يقف مواقف مشرفة ، ابنه تزوج مثلاً لا يريد أن يخزي بيت عمه ، يقف موقفاً لا يليق به ، لولا هذا الابن كان وقف موقف الحق ، هذا العمل لا يجوز، أي شخص دين يصلي يعمل عرساً مختلطاً بفندق ؟ هذه مشكلة ، هكذا طلبوا بيت العروس ، طلبوا عرساً مختلطاً بالذات ، أي رجال ونساء ، المرأة بأبهى زينة ، أثناء العرس يعرفهم على بعضهم ، فلان وزوجته ، هذه زوجته ، هذه زوجة فلان ، جاؤوا بأحدث طرز ، كلها فتنة ورجال ونساء . دين وتصلي وتعمل عرساً مختلطاً بفندق !! جبن أن يرفض بسبب الابن ، فالأولاد مبخلة مجبنة ، الإنسان أحياناً يسافر في طلب العلم ، من أجل أولاده لا يسافر إذاً يبقى جاهلاً ، هذه على موضوع الفقر فسرها الفقهاء . لها تفسير آخر : إذا الإنسان جالس مع أولاده ، وحان درس العلم و تريد ابنته أن تأتي إليه هي و زوجها ، يتخلى عن الدرس ، عليه أن يقول لها : لا يا ابنتي أهلاً وسهلاً هذا بيتك ، أنا سأغيب ساعة وأرجع ، مكانتك محفوظة أما هذا فمجلس العلم لابد منه . فأحياناً الإنسان من أجل أولاده يجهل أي يصير جاهلاً هذا معنى مجهلة .
أما محزنة : إنسان قبل الزواج ، أو قبل أن ينجب أولاداً ، تهمه صحته ، بعدما أنجب أولاداً ، وابنه ارتفعت حرارته يا ترى التهاب سحايا ؟ يا ترى التهاب أمعاء ؟ صار الأب لا ينام الليل ، طبعاً صار معه متاعب ، ومشاغل ، وأسباب للحزن عن طريق أبنائه ، الحديث ليس فيه نهي ولا أمر ، الحديث فيه تقرير ، أي من خصائص الأولاد أنهم يحملون على البخل ، وعلى الجهل ، وعلى الحزن ، فخذ من الدنيا ما شئت ، وخذ بقدرها هماً . سبحان الله الإنسان غير المؤمن لايرضى ، قالت ممرضة : دخلت لبيت فولدت المرأة بنتاً فبكوا كثيراً ، من غرائب الصدف بنفس اليوم دُعيت إلى بيت آخر ، البيت الآخر جاءهم صبي بكوا كثيراً لأن هذا الصبي السابع ، فهذا الحديث فيه تقرير ، تقرير لحقيقة أن الذي عنده بنات الحمد لله ، والذي عنده بنات وذكور الحمد لله ، والذي لا يوجد عنده أي الله فرغه لطاعته ، الحمد لله .
والله هناك دعاء هذا الدعاء من أدق الأدعية ، يقول عليه الصلاة والسلام : ((اللهم ما رزقتني مما أحب فاجعله عوناً لي فيما تحب ، وما زويت عني ما أحب فاجعله فراغاً لي فيما تحب ))

السعيد 09-08-2018 07:07 AM

رد: الفقة الاسلامى 2
 
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى

الدرس : ( الثانى )

الموضوع : حقوق الزوجة






الحقوق المعنوية للزوجة :
1 ـ حسن المعاشرة :
أيها الأخوة المؤمنون : وصلنا في موضوع الزواج إلى حقوق الزوجة ، وحقوق الزوجة كما بينا من قبل حقوق مادية ، كالمهر ، والجهاز ، والنفقة ، وحقوق معنوية .
أولى هذه الحقوق المعنوية حسن المعاشرة .
2 ـ صيانة الزوجة :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/3700/01.jpg
والحق الثاني غير حسن المعاشرة صيانة الزوجة ، فماذا تعني صيانة الزوجة ؟ يجب على الزوج أن يصون الزوجة ، ويحفظها من كل ما يخدش شرفها .
هناك أزواج يأخذون من زوجاتهم حظوظهم ، ولكن لا يعنون بشرف زوجتهم ، وسمعتها ، وصيانتها ، فهم يستهترون بالقواعد الشرعية التي شرعها الله عز وجل ، فكلما يسلم عرضها ، ويمتهن كرامتها ، ويعرض سمعتها لمقالة السوء ، هذا مما يتحمله الزوج أمام الله عز وجل .
وقد روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
(( إن الله يغار - الغيرة على الزوجة خلق عظيم - وإن المؤمن يغار ، وغيرة الله أن يأتي العبد ما حُرم عليه ))
[البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه]
الفرق بين غيرة الله و غيرة المؤمن :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/3700/02.jpg
ما الفرق بين غيرة الله عز وجل وبين غيرة المؤمن ، الله سبحانه وتعالى يغار على عبده أن يعصيه ، لذلك مما يدل على غيرة الله عز وجل أن العبد إذا عصاه ساق له من الشدائد ما يجعله يعود إليه راشداً غانماً .
الله سبحانه وتعالى يغار أيضاً أن يرى عبده يعتمد على مخلوق مثله ، من علامة غيرة الله عز وجل أن هذا المخلوق الذي اعتمد العبد عليه يخذله ، هذه علامة ثانية . إذا اعتمدت على عبد من عباد الله ، وعلقت عليه الآمال يغار الله عز وجل ، إذا تذللت أمام فلان وفلان عبد مثلك لا يملك شيئاً ، لا يقدم ولا يؤخر ، يغار الله عز وجل ، فيجعل الإساءة عن طريق هذا الذي اعتمدت عليه ، إذا التفت إلى ما سواه يغار الله عز وجل ، حتى أن بعضهم يفسر أن سيدنا إبراهيم عليه أتمّ الصلاة والتسليم حينما التفت إلى ابنه إسماعيل وهو نبي كريم غار الله عز وجل ، فأمره أن يذبح ابنه . لما يركن المؤمن لشيء مما سوى الله عز وجل ، إذا ركن المؤمن لزوجته ، وظن فيها سعادته لابد من أن تسيء هذه الزوجة ، لأن الله يغار خلقتك من أجلي ، لم أخلقك من أجلها .
إذا تعلق الإنسان بأي جهة من الجهات ، ورأى فيها خلاصه فإن الله يغار ، هذه غيرة الله ، من غيرة الله عز وجل أن العبد إذا بقي شارداً عن الله ، ملتفتاً إلى الدنيا بعث إليه شيئاً يذكره بالله ، حتى يسمع صوت عبده .
أي إذا إنسان زوج ابنه ، كان يأتي إليه كل يوم مرة ، بعدما زوجه لم يعد يأتيه بالشهر مرةً ، يتألم الأب ، أنسيتنا ؟ . .
الأب زوج ابنه ، النفقات على الأب ، هو اختار له إياها ، لما رآها نسي الأب . الأب يغار ، والله سبحانه وتعالى إذا رأى عبداً مؤمناً ، في الشدة ملتفت إليه ، فلما آتاه الدنيا نسيه ، يغار ، يسلبها منه . إذا أحب الإنسان ألا يسلبه الله النعم فلا يتعلق بها ، إذا تعلق بها سلبها الله منه ، هذه غيرة الله عز وجل ، أما غيرة المؤمن : (( وإن المؤمن يغار ، وغيرة الله أن يأتي العبد ما حُرم عليه ))
[البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه]
وروي عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( ما أحد أغير من الله ، ومن غيرته حرم الفواحش ))
[متفق عليه عن ابن مسعود]
لأن الله يغار حرم الفواحش ، أي أن يتعلق إنسان بغير زوجته الله يغار ، وهذا محرم ، زوج يميل إلى غير زوجته ، زوجة تميل إلى غير زوجها ، يصير استلطاف ، إن الله يغار ، هذا لم يسمح الله به عز وجل ، سمح لك بالزوجة ، قال تعالى : ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ ﴾
[ سورة المعارج: 29-31 ]
(( ما أحد أغير من الله ، ومن غيرته حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ، وما أحد أحب إليه المدح من الله عز وجل ، ومن أجل ذلك أثنى على نفسه ، وما أحد أحب إليه العذر من الله عز وجل ومن أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين ))
[متفق عليه عن ابن مسعود]
الحديث جميل جداً ، يوضح أخلاق الله عز وجل . http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/3700/03.jpg
((قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ لَوْ رَأَيْتُ رَجُلًا مَعَ امْرَأَتِي لَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ غَيْرَ مُصْفَحٍ فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ وَاللَّهِ لَأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي وَمِنْ أَجْلِ غَيْرَةِ اللَّهِ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنَ اللَّهِ وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ بَعَثَ الْمُبَشِّرِينَ وَالْمُنْذِرِينَ وَلَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْمِدْحَةُ مِنَ اللَّهِ وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ وَعَدَ اللَّهُ الْجَنَّةَ ))
[متفق عليه عن المغيرة بن شعبة]
أي إذا إنسان وهو في محله التجاري دخلت عليه امرأة ، إذا كان يحب الله عز وجل فالله يغار أن يلتفت هذا الرجل إلى هذه المرأة ، يجب أن تكون التفاته إلى زوجته فقط ، والزوجة إذا كانت مؤمنة تصون نفسها ، وتخاف أن تكون غيرة الله عز وجل قد اطلعت عليها، لذلك من علامات إيمان المؤمن العفة عند الرجال وعند النساء .
هناك فكرة ساذجة ، سخيفة أن الرجل لا يعيبه شيء ، والله الذي لا إله إلا هو إن الذي يعيب المرأة يعيب الرجل ، في عالم الإيمان ما يعيب المرأة يعيب الرجل ، أما في عالم الجهلة فالرجل لا يعيبه شيء ، أما المرأة فقط فيعيبها كل شيء ، المرأة والرجل سواء في العيب . ثَلَاثَةٌ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ هُم :
1 ـ العاق لوالديه :
(( ثَلَاثَةٌ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ؛ الْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ ، وَالْمَرْأَةُ الْمُتَرَجِّلَةُ، وَالدَّيُّوثُ ، وَثَلَاثَةٌ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ الْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ ، وَالْمُدْمِنُ عَلَى الْخَمْرِ ، وَالْمَنَّانُ بِمَا أَعْطَى ))
[النسائي وأحمد عن عبد الله عن أبيه]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/3700/04.jpg
العاق لوالديه : لا يوجد إنسان أقرب لإنسان من الأب لابنه ، فالذي يعق والديه لا يدخل الجنة أبداً ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام: (( ليعمل العاق ما شاء أن يعمل فلن يدخل الجنة ))
[الحاكم عن معاذ بن جبل رضي الله عنه ]
وفي رواية " فلن يُغفر له . . " . لو أن في اللغة أقل من كلمة أف لقالها الله عز وجل ، أي أقل كلمة ، أقل صوت ، أف اسم صوت ، يعني أتضجر ، أقل كلمة في اللغة إصدار صوت من الشفتين هو الفاء ، في هذه الكلمة عقوق للوالدين : " ما بر أباه من شدّ النظر إليه "
قال له : أحضر لنا هذه الحاجة من السوق ، فنظر له هكذا وقال : طيب . ذهب فأحضر الحاجة من السوق ثم عاد ، ولكن هذه النظرة فيها عقوق للوالدين . لذلك من علامات أهل الإيمان أن الأبناء يعتزون بآبائهم .
والنبي الكريم قال: (( رحم الله والداً أعان ولده على بره ))
[ كشف الخفاء رواه أبو الشيخ في الثواب بسند ضعيف عن علي وابن عمر مرفوعا]
2 ـ الديوث :
(( ثَلَاثَةٌ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ وَالْمَرْأَةُ الْمُتَرَجِّلَةُ وَالدَّيُّوثُ وَثَلَاثَةٌ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ الْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ وَالْمُدْمِنُ عَلَى الْخَمْرِ وَالْمَنَّانُ بِمَا أَعْطَى ))
[النسائي وأحمد عبد الله عن أبيه]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/3700/05.jpg
من هو الديوث ؟ النبي الكريم في أحاديث أخرى عرف الديوث قال: " الذي لا يغار على عرضه ، أو يرضى الفاحشة في أهله " أي إذا أخذنا التعريف الدقيق : الذي يرضى الفاحشة في أهله بالمئة خمسة في بلادنا ، الذي يبلغه أن امرأته تأتي المنكر وتأتي الفاحشة ويسكت هؤلاء قلة قليلة ، ولكن الذي لا يغار على عرضه كثرة كثيرة ، أي إذا الأب جالس وزوجته على الشرفة تنشر الغسيل ، وهي متبذلة في ثيابها ، هذا الذي يرى زوجته هكذا ، ولا يتحرك فيه شيء ، هذا في عرف رسول الله ديوث ، الديوث لا يدخل الجنة ، الذي يفتخر أن تظهر زوجته بأكمل زينتها أمام الأجانب ، ويدعو الناس إلى التعرف على زوجته . . أعرفك عليها زوجتي المصون . أي مصون هذه ؟ http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/3700/06.jpg
هذا الذي يرضى الفاحشة في أهله ، أو لا يغار على عرضه ديوث ، والديوث لا يدخل الجنة ، ولا يذهبن الظن بكم إلى أن هذا تشدداً ، حينما تبدو المرأة بزينتها أمام أجنبي لابد من أن تقع أشياء لا تُحمد عقباها ، أقل هذه الأشياء ميل القلب ، أي أطهر إنسان إذا التقى إنسانة في مكان ، في دائرة ، في غرفة ، وتملى منها ، لو لم ينبس ببنت شفة أقل شيء أنه يميل إليها وينقطع عن الله عز وجل ، لكن الإنسان إذا مال إلى زوجته لا ينقطع عن الله ، يقوم ويصلي ويقبل في صلاته ، لأن هذه حلاله ، يصلي العشاء ، ويصلي الفجر ، ويقبل على الله ، ويستغرق في كمال الله ، وهو مائل إلى زوجته ، لأن هذا يرضي الله عز وجل ، حتى أن النبي الكريم قال : "إذا نظر الرجل إلى امرأته نظرة رحمة أظلهما الله برحمته " ، و أن تضع اللقمة في فم زوجتك هي لك صدقة ، كأن الله في عليائه يرضى عن زوجين متحابين ، سبحان الله ! يرضى عن زوجين ودودين ، يرضى عن زوجة تؤثر رضا زوجها وعن زوج يؤثر رضا زوجته ، هذا كله شيء مباح ، هذه القناة الصحيحة ، هذا الشيء المسموح به . ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ ﴾
[ سورة المعارج: 29-31 ]
3 ـ المرأة المترجلة :
إذاً العاق لوالديه ، والديوث ، ورجلة النساء ، أي المرأة المسترجلة التي تبدو كالرجال فيما تلبس ، أو فيما تقول ، أو تقلدهم فيما يفعلون ، في كلامهم ، في حركاتهم ، في تصرفاتهم ، في أشياء ترى أنها ترتفع في نظر الناس إذا قلدت الرجال . . شيء يقوله علماء النفس : المرأة هي أنثى وفيها أنوثة ، إذا استرجلت المرأة فقدت أنوثتها ، وإذا فقدت المرأة أنوثتها فقدت أجمل ما فيها ؛ فالوقاحة ، والصوت المرتفع ، والتصرفات التي تكون معهودة عند الرجال إذا فعلتها النساء فقدن أنوثتهن .
الطلاقة ، أحياناً أنت تغض بصرك وهي تنظر إليك ، أنت مستح منها وهي تنظر إليك ، هذه امرأة مسترجلة ، رجلة .
(( عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ حَجَّاجٌ لَعَنَ اللَّهُ الْمُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ وَالْمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ ))
[متفق عليه عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ]
فالمرأة الرجلة ، والديوث ، والعاق لوالديه هؤلاء لا يدخلون الجنة .
ويقول عليه الصلاة والسلام : ((ثلاثة لا يدخلون الجنة أبداً الديوث والرجلة من النساء ، ومدمن الخمر قالوا : يا رسول أما مدمن الخمر فقد عرفناه ، فما الديوث ؟ قال: الذي لا يبالي من دخل على أهله ))
[الدلائل في غريب الحديث عن عمار بن ياسر]
تقول : والله جاء رفيقك في غيابك ، يقول : أدخلته ؟ ليس من اللائق ألا تدخليه ، لماذا أدخله ؟ أأستقبله في البيت في غيابك ؟ لا يبالي . يأتي رفيقه يقول : هاتي القهوة أم فلان. ماذا هاتي القهوة ؟؟ هذا شيء لا يجوز ، هذا ديوث .
" قالوا: يا رسول الله أما مدمن الخمر فقد عرفناه ، فما الديوث ؟ قال : الذي لا يبالي من دخل على أهله ، قلنا : فما الرجلة من النساء ؟ قال: التي تتشبه بالرجال " .الغيرة :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/3700/07.jpg
إذاً وكما يجب على الرجل أن يغار على زوجته فإنه يُطلب منه أن يعتدل في هذه الغيرة ، هنا حالتان ، حالة سليمة ، وحالة مرضية . مرضان ووضع سليم ، المرض الأول المبالغة في الغيرة ، هذه مرض ، والمرض الثاني عدم الغيرة ، ديوث ، لا يبالي ، لا يهمه . أما الوضع السوي فالاعتدال في الغيرة ، فلا يبالغ في إساءة الظن بها ، ولا يسرف في تقصي كل حركاتها وسكناتها ، ولا يحصي جميع عيوبها ، فإن ذلك يفسد العلاقة الزوجية ، ويقطع ما أمر الله به أن يوصل .
(( إِنَّ مِنَ الْغَيْرَةِ مَا يُحِبُّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَمِنْهَا مَا يَبْغُضُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَمِنَ الْخُيَلَاءِ مَا يُحِبُّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَمِنْهَا مَا يَبْغُضُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَأَمَّا الْغَيْرَةُ الَّتِي يُحِبُّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَالْغَيْرَةُ فِي الرِّيبَةِ وَأَمَّا الْغَيْرَةُ الَّتِي يَبْغُضُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَالْغَيْرَةُ فِي غَيْرِ رِيبَةٍ وَالِاخْتِيَالُ الَّذِي يُحِبُّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ اخْتِيَالُ الرَّجُلِ بِنَفْسِهِ عِنْدَ الْقِتَالِ وَعِنْدَ الصَّدَقَةِ وَالِاخْتِيَالُ الَّذِي يَبْغُضُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْخُيَلَاءُ فِي الْبَاطِلِ))
[النسائي وأبو داود وأحمد عن جابر بن عتيك الأنصاري]
الغيرة في الريبة : شعرت الوضع غير طبيعي ، صار هناك ريبة ، هناك وضع لست مرتاحاً له ، الآن الغيرة يحبها الله . لكن زوجتك مؤمنة طاهرة ، لم تر أبداً في سلوكها شيئاً شاذاً ، تقصي الحركات والسكنات ، ومن خبّرك ؟ وأريد أن أحضر جهازاً يسجل لي المخابرات الآتية في البيت ، المبالغة في هذا الموضوع يفسد العلاقة الزوجية ، إن كانت هذه الغيرة مبنية على ريبة فهي التي يحبها الله عز وجل ، وإن كانت هذه الغيرة غير مبنية على ريبة فهذه التي يبغضها الله عز وجل ، وهي التي تسيء العلاقة بين الزوجين .
كذلك المرأة ، هناك امرأة غيورة ، والغيرة في النساء مرض وضعها الطبيعي سوي ، هناك امرأة لا تبالي ، هذه مريضة ، وهناك امرأة تبالي كثيراً لدرجة أنها ترهق زوجها بالتحقيقات ؛ أين كنت ؟ ومع من ذهبت ؟ وامرأة بين بين ، هذه تغار على زوجها إن ارتابت في سلوكه ، ولا تغار عليه إذا كانت واثقة من أخلاقه . ((وَالِاخْتِيَالُ الَّذِي يُحِبُّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ اخْتِيَالُ الرَّجُلِ بِنَفْسِهِ عِنْدَ الْقِتَالِ ))
أي إذا كنت أمام عدو لله يجب أن تظهر بمظهر قوي ، إن هذه المشية يبغضها الله إلا في هذا الموطن . الله عز وجل يحب الرجل رابط الجأش عند الصدمات :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/3700/08.jpg
وعند الصدمة ، أحياناً الإنسان يبلغ نبأ مفجعاً ، الله يحب الإنسان إذا تبلغ نبأ مفجعاً أن يكون متماسكاً ، الصبر عند الصدمة الأولى ، أي إذا المرأة بكت لا مانع ، المرأة تبكي ، والطفل يبكي ، والصغير يبكي ، والشاب يبكي ، والشابة تبكي ، والبكاء لا يزلزل مكانة الباكي ، أما إذا الزوج بكي فتنهار الأسرة كلها ، أي بكاء الزوجة شرف لها ، بكاء الابن شرف له ، لكن بكاء الرجل عند المصيبة ، بكاؤه إذا تجلى الله على قلبه هذا بكاء الصحابة الكرام ، هذا بكاء الصديقين ، هذا البكاء الذي يحبه الله عز وجل ، إن لم تبكوا فتباكوا ، أي إذا إنسان جلس بذكر الله عز وجل وفاضت عيناه في الدموع أقول لك : هنيئاً له، قلبه حي ، هناك حياة بقلبه ، هناك نبض ، تذرف عيناه بالدموع ، هذا البكاء ليس له علاقة في حديثنا ، أما إنسان بلغه نبأ فبكى ، هو الرجل هو القيم في البيت ، لذلك من صفات الرجال محنكون في الأزمات ، متماسكون عند الزلازل ، أحياناً قائد جيش إذا فرطت أعصابه تفرط المعركة كلها ، القيادة العالية ، التماسك الداخلي ، مهما كانت الأخبار سيئة في الحرف ، مهما كان هناك تقدم واجتياح ترى القواد الكبار متماسكين ، لأنه إذا انهارت أعصابه انتهت المعركة . حتى ربان السفينة ، يكون هناك أخطار هائلة ، على وشك الغرق ، ربان الطائرة ، قائد الطائرة يكون في مطبات جوية خطيرة جداً ، أحياناً يكون في عطل خطير بالطائرة ، إذا انهار الربان ينتهي ، ويموت الركاب جميعهم . هناك مناصب قيادية أحوج ما يحتاج فيها الإنسان إلى رباطة الجأش وتماسك الأعصاب . فالله عز وجل يحب الإنسان أن يكون عند الصدمة رابط الجأش متماسكاً .
" ثلاثة أنا فيهن رجل ؛ ما سمعت حديثاً من رسول الله إلا علمت أنه حق من كتاب الله تعالى ، ما مشيت في جنازة فحدثت نفسي بغير ما تقول ، ما صليت صلاة فشُغلت نفسي بغيرها حتى أقضيها " رجولة :
﴿ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ ﴾
[ سورة النور: 37]
سُئلت امرأة مسترجلة : أنك على هذا الموقف ثابتة ؟ قالت لهم : هل أنا رجل حتى أقلب ؟ أي نحن في عصر ضاعت قيمة الرجال ، أي هي تترفع عن أن تكون رجلاً فتغير موقفها . شيء مؤلم . الاختيال :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/3700/09.jpg
الاختيال الذي يبغضه الله عز وجل الاختيال بالباطل ، يقولون إن أحد الصحابة كان له شأن - ليس اختيالاً حاشا لله ، كبر لا - في موقف ظنه الصحابة تيهاً ، فقيل له : ما هذا التيه يا فلان ؟ قال: هذا ليس تيهاً ولكنها عز وطاعة .
الطائع يشعر بعزة ، إذا إنسان طائع لله عز وجل يحس نفسه غالياً على الله ، أحياناً بحياتنا الاجتماعية إذا رجل له مكانة كبيرة في دائرة ، عنده موظف مخلص ، ومستقيم وإنجازه شديد ، ومقرب من هذا المسؤول الكبير ، ترى هذا الموظف المخلص المستقيم النزيه عنده نوع من أنواع الكبرياء ، هذه مقبولة . . الحمد لله الذي أخرجنا من ذل معصيته إلى عز طاعته . والله الذي لا إله إلا الله في قلب المؤمن عزة لو جمعت أهل الأرض كلهم وما فيهم من كبر لا يبلغون ما عنده من عزة ، قال تعالى :
﴿فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً ﴾
[سورة النساء: 139]
المؤمن عزيز .
سيدنا عبد الرحمن بن عوف ، جاءه رجل يقول له: يا أخي أنت أخي في الله ، خذ هذا البستان بكامله ، هدية ، قال له: بارك الله لك في مالك ، ولكن دلني على السوق . أحياناً إذا قلت لإنسان : خذ هذا المبلغ ، يتألم ، إذا دين آخذه ، أنت كن رقيقاً ، وقل له: دين . بكلمة دين حفظت له ماء وجهه .
وقال علي كرم الله وجهه :" لا تكثر الغيرة على أهلك فتؤتى بسوء من أجلها"
أي إذا شخص أكثر الغيرة ، هناك شخص كان يقفل الباب ، ما هذا الكلام ؟ الشباك مفتوح ، إذا قفلت الباب هناك هاتف ، لا يوجد حل وسط ، إما ثقة ، أو عدم ثقة ، أنت ابحث عن زوجة من أرقى الناس ، من أشرف العوائل ، ادرس الأمر دراسة ملية ، لا تتسرع بالزواج لأن الشك يتلف الأعصاب . * * *
أحاديث تبدأ بكلمة إنما :
إلى بعض الأحاديث الشريفة . هناك بعض الأحاديث القصيرة التي تبدأ بكلمة إنما . .
تفسير إنما البيع عن تراض :
(( إِنَّمَا الْبَيْعُ عَنْ تَرَاض))
[أبو داود عن أبي سعيد]
طبعاً المعنى واضح ، والحديث من الأحاديث الواضحة ، لكن أردت أن أذكره لفكرة واحدة ، هو أن بعض الباعة يستغلون جهل بعض الزبائن ، يقول لك: هو راض . مثلاً يأتي زبون ، هذه الحاجة سعرها عشرة ، رآه غشيماً قال له: ثلاثون ، قال له: راعينا ، قال بخمس وعشرين من أجلك ، أنت ابن حلال ، يقول : إذاً أعطني ، ماذا يظن هذا البائع ؟ أن هذا البيع عن تراض ، لو كُشف لهذا الشاري أن هذه الحاجة سعرها عشر ليرات ، هل يرضى ؟ لا يرض ، لذلك التراضي هنا ليس معناه أن يرضى وهو لا يعلم ، أن يرضى وهو يعلم السعر الحقيقي ، هذه الناحية أضعها بين أيديكم لأنها خطيرة .
أخي هو رضي ، أحياناً يخفي العيب ، النبي الكريم قال : " من باع عيباً " ما سماه سلعة ، باع عيباً ، فكلمة تراضي ، الإنسان لا يرضى إذا كان مغبوناً ، أما يرضى إذا كان جاهلاً ، فرضاه وهو جاهل لا قيمة له ، ولا علاقة له بهذا الحديث إطلاقاً .
رضا الشاري الجاهل لا علاقة له بهذا الحديث ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام: ((غبن المسترسل حرام ))
[الطبراني عن أبي أمامة]
من هو المسترسل الغشيم ؟ الجاهل ، سبحان الله إذا الباعة غير مؤمنين و عرفوا أن هذا الشاري جاهل يرفعون السعر إلى درجة مذهلة ، لذلك عندما يسخر الله أناساً لقمع أناس فالله حكيم ، وهؤلاء دواء لهؤلاء ، وأما المستقيم فلا سلطان لأحد عليه . (( إِنَّمَا الْبَيْعُ عَنْ تَرَاض))
[أبو داود عن أبي سعيد]
أي التراضي الحقيقي . تفسير إنما الحلف حنث أو ندم :
حديث آخر : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( إِنَّمَا الْحَلِفُ حِنْثٌ أَوْ نَدَمٌ ))
[ابن ماجه عَنِ ابْنِ عُمَرَ]
أي نوع من أنواع الأيمان حنث أو ندم ، حلفت ألا تزور بيت أختك ، إن زرتها حنثت في يمينك ، وإن لم تزرها تندم وتقول : ما كان يجب عليّ أن أحلف هذا اليمين . هناك حالة ندم ، فالإنسان يكون حراً طليقاً يقيد نفسه بيده . حلفت يميناً ألا تذهب زوجتك إلى عند أمها ، الآن إذا ذهبت صار هناك طلقة ، وإن لم تذهب فأنت متألم أي زودتها في هذا اليمين ، أمها !! مثل ما تحب أن تزور أمك هي تحب أن تزور أمها ، فكل إنسان يحلف لابد من أن يندم ، ولا بد من أن يحنث ، والحنث مشكلة ، والندم مشكلة . وقال أصيحابي الكرار أو الردى فقلت : هما أمران أحلاهما مر
***
انظر إلى هذا الكلام الموجز : (( إِنَّمَا الْحَلِفُ حِنْثٌ أَوْ نَدَمٌ ))
[ابن ماجه عَنِ ابْنِ عُمَرَ]
أحياناً يكون له جار سمان ، يتشاجر هو وإياه ، يحلف بالله ألا يشتري منه ، يأتيه أحياناً ضيف ، ويلزمه أوقية لبن ، وهو بجانبه ، والباعة بعيدون ، فيتغلب غلبة لأنه حلف اليمين ، لا تحلف يميناً ، لا تقيد نفسك أبداً ، كن حراً طليقاً ، أنت قل بنفسك : لن أشتري من عنده ، وأنا أجد من علامة جهل الإنسان كثرة أيمانه ، كيفما تحرك يحلف يميناً ، تراه مقيداً ، من شيخ إلى شيخ ، حلفت طلقت أم لم أطلق ، والله نحتاج نحن إلى مجلس خبراء من أجل هذا الموضوع . تفسير إنما الطاعة في المعروف :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/3700/10.jpg
(( إنما الطاعة في المعروف ))
[ البخاري عن علي]
أحاديث كلها موجزة ، أحياناً تظن الزوجة أن الله أمرها بطاعة زوجها ، وإذا أمرها بالسفور ؟ فهذه ليست طاعة ، إذا أمرها أن تدخل على رفيقه وتسلم عليه ، هذه ليست طاعة . حيثما وردت كلمة طاعة في القرآن والحديث فيعني في المعروف ، فيما شرع الله ، فيما أمر به ، فيما سمح به ، لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ، أي مخلوق . من يطيع مخلوقاً في معصية الخالق كمن يتلقى أمراً من عميد ، ويتلقى أمراً من عريف ، فيطيع العريف ويعصي العميد ، يكون لا يعرف الرتب إطلاقاً ، لا يعرف الصلاحيات ، هذا إنسان لا تقدم طاعته ولا تؤخر ، ولا تقدم معصيته ولا تؤخر ، ولكن ذاك الذي يملك الثكنة ، هذا مثل منتزع من حياتنا ، فالذي يطيع إنساناً ويعصي إلهاً ، هذا منتهى الحمق ، إنه من ضعف اليقين أن ترضي الناس بسخط الله . تفسير النساء شقائق الرجال :

ربنا عز وجل يزوج الرجال بما يشبههن من النساء ، وأغلب الظن أنه هذه الزوجة أنسب زوجة لي . أي الزواج حدث ضخم . طبعاً في حالات شاذة ، لها تفسير ، أما الحالة العامة فإن الطيبين للطيبات .
الطيبون للطيبات والطيبات للطيبين ، والزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة . له غلطة ، لها غلطة ، له خبرات سابقة ، لها خبرات سابقة ، عفيف جداً ، عفيفة جداً ، ورع ، ورعة: (( إنما النِّسَاءَ شَقَائِقُ الرِّجَالِ ))
[ الترمذي عن السيدة عائشة ]
هناك رجل فطن و هناك امرأة فطنة ، رجل عنده ذكاء اجتماعي و رجل أحمق و امرأة حمقاء . ((لا تسترضعوا الحمقاء ؛ فإنَّ اللبن يورِّث ))
[البزَّار عن عائشة]
هذه الحقيقة اكتشفت حديثاً أن جزءاً من أخلاق المجتمعات يتأثر بنوع الطعام بنوع اللحوم التي يأكلها المجتمع . ((لا تسترضعوا الحمقاء ؛ فإنَّ اللبن يورِّث ))
[البزَّار عن عائشة]
وتخيروا لنطفكم فإن العرق دسـاس ، فهذه الأحاديث : " إنما النساء شقائق الرجال " ، " إنما الطاعة في معروف " ، " إنما الحلف حنث أو ندم " ، " إنما البيـع عن تـراض " .
حقائق أساسية : لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق . لا تحلف يميناً مهما يكن السبب ، إلا إذا استحلفت ، إذا استحلفت لا خيار لك .
قال له : أنا والله حلفت ، ولكن نويت على غيرها . قال : له أخذت منه المبلغ؟ قال : ما أخذتهم أنا سيدي ، قصده المفاتيح ما أخذهم ، اليمين على نية المستحلف لا على نية الحالف . يحنث بيمينه بحسب نية المستحلف لا بحسب نية الحالف . * * *
فن الانتقاد الناجح المثمر مبني على حقيقتين :

والآن إلى السيرة التي نتحدث عنها كل أسبوع ، وهي متابعة لقصة سيدنا عمير ابن سعد .
عمير هذا الشاب الصغير الذي لا يزيد عمره عن عشر سنين ، والذي حدثتكم عنه في الدرس السابق ، وكيف أنه كان سبباً في توبة عمه زوج أمه الجلاس ، وكيف أنه وقف موقفاً رائعاً .
اليوم خطر في بالي خاطر ، النبي الكريم كان يصلي ، بعد أن نوى الصلاة وائتم به الصحابة الكرام ، جاء رجل متأخراً فأحدث من الجلبة والضجيج في الجامع ما شوش على المصلين صلاتهم ، بعد أن انتهى النبي الكريم من صلاته ، قال لهذا الرجل : " زادك الله حرصاً ولا تعد ". استنبط العلماء من هذا القول أن فن الانتقاد الناجح المثمر مبني على حقيقتين ؛ الحقيقة الأولى : أن تبدأ بالثناء على الذي تنتقده .
عندك ابن غلط ؛ أنا والله يا بني مسرور من أمانتك ، ومن أدبك ، ومن صلاتك، لكن هذا الموضوع لا أحبه لك . لما الابن سمع كلمات الثناء بما هو أهله ، الشيء الواقعي صار بعد هذا الثناء يتحمل النقد ، هذه بتلك ، صار هناك تعادل .
أساساً ألّف كتاب اسمه : كيف تكسب الأصدقاء ؟ لدييل كارينجي ، هذا مؤلف أمريكي ، الكتاب طُبع منه خمسة ملايين نسخة ، من أوسع الكتب انتشاراً ، أي كيف تعامل الناس معاملة يحبوك فيها ؟ هناك رجل عالم في مصر ، ألف كتاباً تعقيباً على هذا الكتاب ماذا فعل ؟ دلل على أن كل قواعد هذا الكتاب إنما هي آيات كريمة ، وأحاديث شريفة . ففي أحد الفصول ، أنه إذا أردت أن تنتقد مرؤوساً لك ؛ أنت مدير معمل ، مدير مؤسسة ، رئيس دائرة، مدير ثانوية ، مدير مدرسة ، ضابط في قطعة عسكرية ، عندك عنصر أساء ، لابد من أن تحاسبه ، لما تحاسب هذا العنصر على خطئه ولا تذكر محاسنه ، هذا العنصر ينقم عليك ، هذا العنصر عامل جهده ، جاء باكراً ، عامل أعمالاً لا بأس بها ، غلط غلطة مع مراجع مثلاً استدعاه المدير ، هذه كيف تغلطها ؟ يتألم بنفسه ، أنه أما رأى دوامي مضبوطاًَ ؟ أما رأى إخلاصي ؟ ألم ير أني لم أرتشِ في حياتي ؟ لما المدير العام يقول له : أنا مسرور من نزاهتك وأنا أعرف أن دوامك مضبوط . وأنا بلغني أنك إنسان نبيه ، لكن هذا الموضوع لا تريد أن توصف به ، والموضوع كذا وكذا وكذا . الثناء الحقيقي ، المعتدل ، الواقعي ، إذا بدأ به الذي يحاسب ، ثم ثنى بالخطأ هذا الخطأ يُتقبل ، فالنبي الكرم لما ركض هذا الإنسان أحدث جلبة وضجيجاً وصياحاً في المسجد ، وشوش على المصلين ، هذا عمل سيئ ، ولكن بدافع ماذا؟ بدافع حرصه على الصلاة ، قال له عليه الصلاة والسلام: " زادك الله حرصاً ولا تعد"
جربوا هذه القاعدة ، لا يوجد واحد منا إلا و يكون تحت يده أحد ، قد يكون أباً ، قد يكون معلماً ، قد يكون عنده موظفون في محل تجاري ، أنت أثني على ما هو موجود ، ثم ثني بالخطأ ، وعلى انفراد ، إذا فعلت هذا أمام الناس صار تشهيراً ، والإنسان قلّما يعترف بخطئه إذا كان في ملأ . لا يعترف بخطئه . تذكير الآخرين بفضلهم قبل انتقادهم :
لذلك سيدنا عمير بن سعد كان الجلاس أمامه قد تكلم بكلمة فيها كفر ، لكن أحسن له كثيراً ، قال له: والله يا عماه ، ما من رجل على ظهر الأرض أحب إلي بعد رسول الله منك . بدأ بموقفه ، حتى لا يقول ما هذا اللؤم ؟ ربيته ، أطعمته ، كسوته ، اعتنيت به و هكذا تكلم ، أي أنا أعرف فضلك عليّ .
سيدنا رسول الله بلغه أن بعض الأنصار في أنفسهم حزن ، قال له: يا رسول الله: إن قومي وجدوا عليك في أنفسهم - سيدنا سعد بن عبادة - قال: ولمَ ؟ قال: في هذا الفيء الذي وزعته على الأنصار ؟ قال له : يا سعد أين أنت منهم ؟ قال: ما أنا إلا من قومي . والله أنا مثلهم حزين أيضاً . قال له : اجمع لي قومك ، فجمع قومه ، قال لهم : " يا معشر الأنصار، مقالة بلغتني عنكم ، وجدة وجدتموها علي في أنفسكم ، من أجل لعاعة تألفت بها قوماً ليسلموا ، ووكلتكم إلى إسلامكم ، يا معشر الأنصار ، أما أنكم لو قلتم لصدقتم ولصدقتم به ، أتيتنا مكذباً فصدقناك ، أتيتنا عائلاً فأغنيناك ، أتيتنا ضعيفاً فنصرناك - هذا صحيح - لو قلتم هذا أنتم صادقون ، ولو قلتم للناس هذا أنتم مصدقون ، أنتم صادقون ومصدقون . ولكن يا معشر الأنصار ، ألم تكونوا ضلالاً فهداكم الله بي ؟ ألم تكونوا أعداءً فألف بين قلوبكم ؟ ألم تكونوا عالة فأغناكم الله ؟" متى بدأ بفضله عليهم ؟ بعدما ذكر فضلهم كما يتوهمون ، لا ينسى الجميل صلى الله عليه وسلم .
صهره دخل مع المشركين في حربه ، أبو العاص ، كان أحد الجنود أو أحد الأبطال إن كان هناك بطولة لجيش الكفار في بدر . ألقي القبض عليه أسيراً ، استعرض الأسرى فرأى صهره . . قال : والله ما ذممناه صهراً . كصهر ممتاز ، أما هنا فيحارب رسول الله . بكلمة ما ذممناه صهراً ذوبه ذوباناً . وضمه إلى بيته ، وأكرمه ، وقبل الفداء الأقل من المطلوب وأرجعه إلى زوجته . انظر هذه المواقف كلها ، أنت تريد أن تنتقد .
الآن معظم مشاكل الناس الانتقاد ، ينتقده بقسوة فيقطعه ، إن كان الأب مع ابنه ، إن كان الأخ مع أخيه ، الشريك مع شريكه ، الزوجة مع زوجها ، انتقاد حاد ، مؤذ ، كلمة قاسية ، اذكر الميزات ، هذه التي تشكو منها ، أليست عفيفة ؟ نعم ، أليست شريفة ؟ نعم . أليست سيدة منزل جيدة ؟ نعم . تطبخ ؟ تطبخ ، نظيفة ؟ نظيفة ، إذا كنت تريد أن تعاتب زوجتك ، قل لها : والله أنا ممنون من اهتمامك ، ومن ترتيبك ، ومن نظافتك ، ومن ، ولكن لي عندك ملاحظة . انظر الآن كلمة ممنون برد وسلام . أما إذا بدأت بالنقد تلقى بركاناً . . لذلك إذا أحسنت إلى إحداهن الدهر كله ، ثم رأت منك شيئاً قالت: لم أر منك خيراً قط .
إذا إنسان بلغ سيدنا رسول الله ما معنى هذا ؟ أنه صار نماماً ، أنه تكلم عنك هكذا ، قال له: إني ذاهب إليه ، لأقول له ما قلت . وبهذا الكلام أعطاه فرصة ليتوب . ذكر فضله وانتقده ، وأعطاه فرصة ، وذهب وما غدر به ، وطفل عمره عشر سنوات .
كيفية اختيار عمر بن الخطاب ولاته :
سيدنا عمر رضي الله عنه كان يختار ولاته ، وكأنه يختار قدره . مهم كثيراً أن يحسن الخليفة اختيار الولاة ، لأنه أحد أسباب نجاحه في خلافته حسن اختياره للولاة ، وأحد أسباب إخفاق الخليفة سوء الاختيار للولاة ، هؤلاء الحواشي خطيرون جداً ، لأنه إن كانوا محسنين فالناس في بحبوحة ، وإن كانوا سيئين فالناس في بلاء .
قال : وكان رغم بصيرته النافذة ، وخبرته المحيطة يستأني طويلاً ، ويدقق كثيراً في اختيار ولاته ومعاونيه . اسمعوا هذه العبارة كان يقول سيدنا عمر: أريد رجلاً إن كان ليس عليهم أمير بدا وكأنهم أميراً عليهم ، وإن كان أميراً عليهم بدا وكأنه واحد منهم ، هكذا يريده. والله هذا مقياس من أرفع المقاييس ، يعين أميراً عليهم إنساناً منهم متواضعاً ، هو ليس أميراً عامل حاله أمير بالرعاية والاهتمام والشؤون والخدمة . إن كان ليس عليهم أمير بدا وكأنهم أميراً عليهم ، وإن كان أميراً عليهم بدا وكأنه واحد منهم . أريد والياً ، لا يميز نفسه على الناس في ملبس ، ولا في مطعم ، ولا في مسكن . يقيم فيهم الصلاة ، ويقسم بينهم بالحق، ويحكم فيهم بالعدل ، ولا يغلق بابه دون حوائجهم .
هذه الشروط الواجب توافرها في الولاة . والدليل هكذا كان سيدنا عمر ، ترك اللحم أثناء المجاعة أربعين يوماً فكركب بطنه فحدثه ، قال: يا بطني ، قرقر إن شئت أولا تقرقر ، فوالله لن تأكل اللحم حتى يشبع منه صبية المسلمين ، جاءته هدية من أذربيجان طعام نفيس ، فلما أكلها قال : يا هذا أيأكل عندكم عامة المسلمين هذا الطعام ؟ قال: لا هذا طعام الخاصة . فلفظها من فمه .
إلزام أمير المؤمنين عمر عمير بن سعد بولاية حمص :
في ضوء هذه المعايير اختار سيدنا عمر عمير بن سعد بعدما كبر والياً على حمص ، وحاول عمير أن يخلص منها وينجو ، ولكن أمير المؤمنين ألزمه بها إلزاماً وفرضها عليه فرضاً ، واستخار الله عميراً ومضى إلى واجبه وعمله ، وفي حمص مضى عليه عام كامل ، لم يصل إلى المدينة منه خراج ، ولا كتاب ، ولا خبر ، ولا شيء ، بل ولم يُبلغ أمير المؤمنين رضي الله عنه كتاباً ، و نادى أمير المؤمنين كاتبه وقال له: اكتب إلى عمير ليأتي إلينا ، فدعاه على جناح السرعة سيدنا عمير جاء من حمص إلى المدينة ، وسيدنا عمر كتب فقال: ذات يوم شهدت في شوارع المدينة رجلاً أشعث أغبر تغشاه وعاء السفر ، يكاد يقتلع خطاه من الأرض اقتلاعاً ، متعباً ، من طول ما لاقى من عناء ، وما بذل من جهد ، على كتفه اليمنى جراب وقصعة – قصعة : صحن - وعلى كتفه اليسرى قربة صغيرة فيها ماء . مطرة ، وصحن ، وجراب . وإنه ليتوكأ على عصا لا يؤودها حمله الضامر الوهنان ، وجلس إلى مجلس عمر في خطا وئيدة وقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين . من هذا ؟ سيدنا عمير ، ما استدعاه عمر ، جاء .
ويرد عمر السلام ثم يسأله ، وقد آلمه ما رآه عليه من جهد وإعياء ما شأنك يا عمير ؟ قال : شأني ما ترى ، ألست تراني صحيح البدن ؟ قال: بلى ، معي الدنيا أجرّها بقرنيها ، هذه معي ، كل الدنيا أجرها ، هذا الجراب ، وهذه القصعة ، وهذه المطرة ،
قال: يا عمير ما معك ؟ قال: معي جرابي أحمل فيه زادي ، وقصعتي آكل فيها ، وأدواتي أحمل فيها وضوئي وشرابي ، وعصاي أتوكأ عليها ، وأجاهد بها عدواً إن عرض ، فوالله ما الدنيا إلا تبع لمتاعها ، هذا كل دنياي ، جئت من حمص أنا وأغراضي كلها ، قال عمر: أجئت ماشياً ؟ قال : نعم . قال : أو لم تجد من يعطيك دابة تركبها ؟ قال: إنهم لم يفعلوا ، وإني لم أسألهم .
قال له : فماذا عملت فيما عهدنا إليك به ؟ قال : أتيت البلد الذي بعثتني إليه فجمعت صلحاء أهله ، ووليتهم جباية فيئهم وأموالهم - انظر إلى هذه الإشارة ، الصلحاء ولاهم جباية الأموال ، أحياناً يكون هناك أخطاء كبيرة جداً في جباية الأموال ، أحياناً يتحمل الإنسان فوق طاقته ، أحياناً تنهار أسر - قال له عمر: فما جئتنا بشيء ؟ طبعاً الوالي يجبي الأموال ينفقها على المحتاجين ، والفائض يرسله إلى الخليفة . فقال له : أما جئتنا بشيء ؟ قال له : أتيت البلد الذي بعثتني إليه ، فجمعت صلحاء أهله ، ووليتهم جباية فيئهم وأموالهم ، حتى إذا جمعوها وضعتها في مواضعها ، ولو بقي منها شيء لأتيتك به .
قال له: أما جئتنا بشيء ؟ قال : لا ، فصاح عمر وهو منبهر سعيد : جددوا لعمير عهداً ، تمديد سنة ثانية ، فأجابه عمير في استغناء عظيم : تلك أيام قد خلت ، لا عملت لك ولا لأحد بعدك .
سيدنا عمر ماذا قال ؟ قال : وددت لو أن لي رجالاً مثل عمير ، أستعين بهم على أعمال المسلمين أي نزاهة فوق التصور ، لم يملك من الدنيا إلا هذا الجراب ، وهذه القصعة ، وهذه المطرة كما يسمونها الآن ، وهذه العصا ، جاء بكل متاعه من حمص ، مشياً على قدميه ، فأمير حمص سيدنا عمير رسم واجباته فقال : ألا إن الإسلام حائط منيع ، وباب وثيق ، فحائط الإسلام العدل ، وبابه الحق .
له حائط ، وله باب ، الحائط هو العدل ، والباب هو الحق ، فإذا نُقض الحائط ، أي لا يوجد عدل ، وحطم الباب ، استفتح الإسلام ، ولا يزال الإسلام مينعاً .
طبعاً استفتح الإسلام أي انتهى ، فتحت بلاد المسلمين ، وأخذت أرضهم ، وانتهكت حرماتهم ، وفعل بهم أعداؤهم ما يشاؤون ، متى ؟ إذا انهار الحائط وهو العدل ، وتخرب الباب وهو الحق ، ولا يزال الإسلام منيعاً ما اشتد سلطانه ، وليست شدة السلطان قتلاً بالسيف ، ولا ضرباً بالسوط ، ولكن قضاءً بالحق ، وأخذاً بالعدل ، هذا كان منهجه في إدارة شؤون حمص .
سيدنا عمير رأيتم في الأسبوع الماضي حينما كان شاباً صغيراً كيف وقف من عمه الجلاس ، وحينما كبر وعينه سيدنا عمر والياً على حمص ، رأيتم تقشفه ، وزهده وورعه ، وتقاه . وكل واحد منا إذا تعفف عن الحرام ، إذا زهد في الدنيا ، وأحب الله ، وكان عند أمره فهو من أسعد الناس بلا شك ، ولا يزيده الزمن إلا سعادة ، والزمن في صالحه ، ومهما امتد به العمر يزداد رفعة ، وسعادة ، ومكانة ، فإذا جاء الموت كان الموت عرسه ، وفرحته الكبرى ، لأن الله عز وجل أعدّ للمؤمنين ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر .
إمكانية الهدى موجودة عند كل إنسان :
هناك سؤال : هؤلاء الصحابة هل هم من طينة ونحن من طينة ثانية ؟ لا والله . والله الذي لا إله إلا هو حينما خلق الله الخلق لم يميز أحداً على أحد ، فرعون عنده استعداد أن يكون مؤمناً كبيراً ، لذلك :
﴿ اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً ﴾
[ سورة طه: 43 -44 ]
إمكانية الهدى عند فرعون موجودة ، إذا رأيت إنساناً ضالاً بعيداً عن الحق ، عنده استعداد أن يكون من كبار المؤمنين ، كهؤلاء الصحابة الذين بلغوا الأوج ، سعدوا وأسعدوا ، أخلصوا لله فكسبوا الدنيا ، هم ملوك الآخرة ، هؤلاء الصحابة هم ملوك الآخرة .
أحياناً يكون الإنسان له عمل متواضع ، يأتي إلى مكان آخر له شأن كبير ، فالإنسان قد يكون في الدنيا إنساناً عادياً ، لكن إذا انتقل إلى الدار الآخرة قد يكون ملكاً من ملوك الآخرة ، يُشار له بالبنان . ﴿ إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ * خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ ﴾
[سورة الواقعة]
الإنسان ألا يغار ، هذه القصص ألا تبعث الغيرة في نفس أحدنا ؟ والإله موجود كما هو ، وأبواب البطولة مفتوحة ، أبواب التقوى ، والعمل الصالح ، ومد يد المعونة للناس ، وذكر الله ، وقراءة القرآن ، والتفكر في آلاء الله ، كله مفتوح ، والله هو هو ، وكل الفرص التي كانت متاحة لهؤلاء الصحابة متاحة لكم ، ولي الآن . ألا تستطيع أن تكون ورعاً ؟ نعم . ركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلط ، ألا تستطيع أن تكون محسناً ؟ نعم . ألا تستطيع أن تكون محباً لله ؟ نعم . كله بيدك ، فلماذا هؤلاء كانوا هكذا ولماذا نحن هكذا? نحن ألف كألف ، وكانوا واحداً كألف ، فلذلك سُمي عصر رسول الله عصر الأبطال . إذا الطفل هكذا مواقفه ، ولما كبر صار والياً على حمص ، هكذا مواقفهم ، الإنسان يستطيع أن يسلك هذا الجانب . على الإنسان محاسبة نفسه ليرتفع عند الله عز وجل :
أنا أردت من هذه القصص ليس المتعة ، أي إذا خطر ببال أحدكم أن هذه القصص ممتعة ، هي ممتعة ، ولكن والله ما أردتها لأنها ممتعة ، ولكني أردتها كدرس عملي أمامنا ، وحافز يحفزنا إلى أن نكون على قدم هؤلاء ، قال: لا تسبوا أصحابي من بعدي ، فلو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغتم مد أحدهم ولا نصيفه .
ورع ، محبة ، استقامة ، طهر ، إخلاص ، صدق ، تضحية ، هكذا كانوا والأبواب مفتحة ، فالإنسان يحاسب نفسه ، أنا ماذا فعلت من هذه القصص ؟ من هذه المواقف المشرفة ؟ هل لي مواقف مثلها ؟ هل لي مواقف أفخر بها عند الله عز وجل ؟ لقد رضي الله .
الآن أرقى لقب ، يقول لك : معه بورد ، يكتبها عند أحسن خطاط يضع لها إضاءة من الداخل . والله كلمة رضي الله عنه والله أرقى من بورد ، إذا كان إنسان مذنب رضي عنك فأعطاك هذه الشهادة ، فكيف إذا رضي عنك الإله ؟
ما معنى منحوه شهادة ؟ رضوا عنه . متى يمنح الدكتور الطالب الإجازة ؟ عندما يرضى عن مستواه العلمي ، كأنها رضي فلان عنه ، فإذا رضي فلان عنه فمنحه هذه الشهادة فكيف إذا رضي الله عنه ؟ فكلمة رضي الله عنه أعلى لقب علمي ، أعلى لقب أخلاقي ، أعلى لقب إنساني ، الإنسان يسعى أن يرضي الله عز وجل ، لذلك :
﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا ﴾
[ سورة الفتح : 18]
لذلك : "ما ضر عثمان ما فعله بعد اليوم " . إن شاء الله عز وجل يكرمنا ، ويكون لأحدنا موقف مشرف ، موقف أخلاقي ، موقف فيه نبل ، موقف فيه تضحية ، فيه معاونة ، فيه ورع ، فيه عفة . قال لي مرة شخص : دُعيت إلى امرأة ذات منصب وجمال ، فقلت : إني أخاف الله رب العالمين . . هذه القصة وقعت معه من ثلاثين سنة كلما رأى شخصاً يحكيها له ، يفتخر فيها ، هذا موقف ، موقف مشرف ، لا أحد يخشاه إلا الله .
والإنسان كلما تقدم بهذا الموضوع يسعد ، في فترة يحس حاله كتلة من السعادة متنقلة ، شيء عظيم عند الله عز وجل ، أما المال وحده فلا يرفع الإنسان عند الله عز وجل ، لا المال ولا الشهرة ولا أي شيء من متاع الدنيا .

السعيد 09-08-2018 07:09 AM

رد: الفقة الاسلامى 2
 
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى

الدرس : ( الثالث )

الموضوع : حقوق الزوج





حقوق الزوج على زوجته :
1 ـ أن يكون أمره نافذاً :
أيها الأخوة المؤمنون: حقوق الزوج على زوجته ، تحدثنا في الدرس الماضي كيف أن الله سبحانه وتعالى قال:
﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ﴾
[سورة النساء34: ]
وكيف أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لموفدة النساء إليه : (( انصرفي أيتها المرأة ، وأعلمي من وراءك من النساء أن حسن تبعل إحداكن لزوجها ، وطلبها مرضاته ، واتباعها موافقته ، يعدل ذلك كله- أي يعدل الجهاد في سبيل الله - ))
[أخرجه ابن عساكر وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان عن أسماء بنت يزيد الأنصارية]
وكيف أن المرأة إذا صلت خمسها ، وأطاعت زوجها ، وحفظت فرجها ، دخلت جنة ربها . وكيف أن المرأة إذا ماتت وزوجها عنها راض دخلت الجنة .
عقبت على هذه الأحاديث التي في صالح الزوج أن المرء يجب أن يكون أهلاً لهذه المعاملة ، عليه أن يكون كريماً ، عليه أن يكون حليماً ، عليه أن يكون ورعاً ، إذا حقق هذه الصفات استحق أن تكون هذه الأحاديث مما تعنيه . والحديث الأخير الذي أنهيت به موضوع الفقه في الدرس الماضي قوله عليه الصلاة والسلام : ((حق الزوج على زوجته ألا تمنعه نفسها ولو كان على ظهر قتب – بعير- وألا تصوم يوماً واحداً إلا بإذنه إلا لفريضة ، فإن فعلت أثمت ولمن يُتقبل منها ، وألا تعطي من بيتها شيئاً إلا بإذنه ، فإن فعلت كان له الأجر وكان عليها الوزر ، وألا تخرج من بيته إلا بإذنه فإن فعلت لعنها الله وملائكته حتى تتوب أو ترجع ، وإن كان ظالماً ))
[ أبو داود عن عبد الله بن عمر]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/3699/01.jpg
لحسن سير الحياة في الأسرة لابد من طرف أمره نافذ ، وهو الزوج كونه ظالم أو غير ظالم بحث آخر ، لكن لابد من إنسان يأمر فيطاع ، لابد لهذه السفينة من ربان ، لابد لهذه الطائرة من طيار وقائد إذا أمر يُنفذ الأمر ، بصرف النظر عن قناعة معاونه بأحقية هذا الأمر ، أو عدم قناعته ، لذلك وإن كان ظالماً .
حينما جاء النبي الكريم أخو إحدى الصحابيات يستأذنه في أن تخرج أخته لعيادة أبيها ، قال له: " قل لأختك طاعتها لزوجها خير من عيادة أبيها" وكره النبي عليه الصلاة والسلام أن يعتدي على حق الزوج .
هذا ملخص الأحاديث التي سيقت في الأسبوع الماضي ، وقد رجوت الأخوة الأكارم أنهم إذا ذكروا هذه الأحاديث في ثورة الغضب فإن الزوجة تكفر بها ، وقد تسمعك كلاماً لا ترضاه ، لا ينبغي أن تستغل هذا الحديث استغلالاً شخصياً ، قبل أن تقول هكذا يقول عليه الصلاة والسلام راقب نفسك ، هل أنت في مستوى هذه الأحاديث ؟
لذلك خرج النبي عليه الصلاة والسلام مرةً إلى أصحابه قائلاً: "غضبت أمكم غضبت أمكم " السيدة عائشة ، يُستنبط من هذا الحديث أن المرأة إذا غضبت على الزوج أن يسكت ، وإذا غضب الزوج على المرأة أن تسكت .
أي إذا مسكنا زجاجتين وصدمناهما ببعضهما تتكسران ، أما قطعة من الإسفنج وقطعة من الزجاج فلا يحصل شيء ، الأولى تمتص الثانية ، فإذا كانت الزوجة غضبانة فأنت مثّل دوراً سلبياً ، فإذا كنت أنت الغاضب عليها أن تمسك . النبي الكريم هكذا علمنا ، خرج على أصحابه وقال: "غضبت أمكم غضبت أمكم "
المرأة أحياناً يكون عليها ضغوط كثيرة ، الزوج يخرج من البيت يرجع الظهر أحياناً تتعسر في أمور الغسيل ، أحياناً يكون حاجات ناقصة في البيت ، فالرجل حين يرجع إلى البيت ويلقى زوجته غاضبة عليه أن يتلقى هذا بصدر واسع . 2 ـ عدم إدخال من يكره زوجها إلى البيت :
الحق الثاني الذي على المرأة : عدم إدخال من يكره زوجها إلى البيت ، إذا قال زوجها: فلانة لا أريد أن تدخل بيتي فمعنى ذلك أن فلانة لا ينبغي أن تدخل بيته ، رضيت أم غضبت ، أعجبها ذلك أم لم يعجبها ، فمصلحة الزوجة مع زوجها لا مع جاراتها ، وكم من مشكلة وقعت بسبب أن هذه الزوجة الحمقاء آثرت علاقتها الطيبة بجيرانها ، وضحت برضا زوجها ، لذلك إذا أمر الزوج أن هذه فلانة لا أحب أن تدخل بيتي ، فللزوج وجهة نظر تحترم، قد تدخل امرأة إلى البيت من أهل اليسار ، ليس عكس اليمين ، أي الغنى ، فكلما وقع بصرها على شيء في البيت ازدرته ، فانطمست الزوجة ، فإذا عاد الزوج أقامت عليه النكير؛ أنت لا تعرف قدري ، أنت لا تقدم لي على الأعياد شيئاً يُذكر ، أنت لا تكرمني بسبب هذه الزائرة الظالمة التي لا تعرف الله عز وجل .
لذلك قال عليه الصلاة والسلام: " ليس منا من فرق " .
أي إنسان يفرق بين زوجين ، بين أخوين ، بين أم وابنها ، بين شريكين ليس من أمة سيدنا محمد ، وقد يكون التفريق ببعض الملاحظات .
امرأة زارت امرأة أخرى ؛ كم كان مهرك ؟ تقول : عشرة آلاف ، عشرة ، لماذا من بهذا الوقت قبل بعشرة ؟ شيطان داخل فيها ، إن تكلمت على المهر تؤذي ، وإن تكلمت على نوع الصيغة تؤذي ، وإن تكلمت على البيت تقول : ما هذا البيت ؟ أيسكن هذا البيت؟ والله خم دجاج أفضل منه . يأتي الزوج يرى زوجتها مقلوبة ، لم تكن هكذا ، هو مسرور وراض و هي راضية ، فإذا أمر الزوج أن هذه المرأة التي تزورنا كل حين فتفسد العلاقة فيما بيننا ينبغي ألا تأتينا ، فعلى الزوجة أن تنصاع لهذا الأمر .
طبعاً كل إنسان له مشكلة ، والناس كما يقال بلاء للناس ، أحياناً الإنسان يكون مرتاحاً ، كلمة سيئة ، ساعة غفلة من الزوجة ، وساعة يقظة شيطانية من الزائرة ، ترى أن عرى الزوجية قد فصمت وصار الخصام والمشاحنة ، وما من مشكلة إذا أردت أن أعمم إلا وراءها إنسان سبب الإيقاع بين هذين الشخصين .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/3699/02.jpg
لذلك يتمنى الشيطان أن يفرق تلك العلاقات ، أي ما من علاقة يرضى عنها الله سبحانه وتعالى كأن تكون العلاقة بين الزوجين طيبة ، وما من علاقة يكرهها الله عز وجل كأن يكون الخصام والشقاق . تدخل إلى بيت متواضع جداً بالجادة العاشرة إن كان هناك عشر جادات ، الأرض عدسة ، الفرش إسفنج فقط ، الجلائل خام أبيض ، و لكن هناك سعادة، و مودة ، و رحمة ، هذا البيت جنة . وتدخل إلى بيت فرشه مكلف مليون ليرة ، ثمنه مليونان، وجميع الأجهزة الكهربائية موجودة من دون استثناء ، وهذا البيت قطعة من جهنم .
سر الزواج الوفاق بين الزوجين ، وأبشع ما في الزواج أن يكون الخصام والنكد. تلقى البنت تنشأ على النكد ، البنت تشرب من أمها ، إذا زُوجت هذه الفتاة تكون علاقتها بزوجها سيئة ، لأنها رأت علاقة أمها بأبيها ، وإذا كانت العلاقة طيبة بين الأم والأب ، أغلب الظن بأن زواج البنات ناجح ؛ لأنك ترى المودة والرحمة والتسامح واللطف والاعتذار تتعلم من أمها ، فالإنسان إذا خطب الأهل لا يكون مخطئاً ، إذا أصرّ على معرفة طبيعة العلاقة في هذا البيت بين الزوجين ؛ هل هناك تسامح ؟ هل هناك مودة ؟ هل هناك احترام ؟ هل هناك شقاق ؟ خصام ؟ نكد ؟ إغاظة ؟ إذا تزوج إنسان ابنة بيت فيه خصام أغلب الظن أنه لن يرتاح، إذاً هذا أمر قطعي ، أنا أريد أن أوضح ذلك ، إذا قال الزوج : لا أريد أن تدخل فلانة إلى بيتي . . لكن أنا سأهمس في أذن الأزواج : إياك أن تستخدم هذا الحق في منع الزوجة أن ترى أهلها . لا أسمح لأمك أن تدخل بيتي . لا ، هذا فيه ظلم ، هذه أمها ، إن قلت ذلك ووقع منك يمين معظم ، فكأن الطلاق صار بيد الزوجة ، كانت تخاف منك ، فصرت تخاف منها ، فإذا سمحت لأمها بدخول البيت وقعت طلقة . لا ينبغي أن تستخدم هذا الحق استخداماً تعسفياً ، بالقوانين مادة تقول : التعسف في استعمال السلطة ، مثلاً موظف في دائرة وموظف آخر في دائرة ، الأول أعلى من الثاني ، لم يرض الثاني أن يتواطأ مع الأول لكسب حرام ، فأمر بنقله إلى محافظة نائية ، نقول : إن هذا النقل تعسفي ، لم يُقصد منه المصلحة العامة ، لكن القصد الكيد والإبعاد . كذلك الزوج أعطاه الله صلاحيات ، كل إنسان أعطاه الله صلاحيات لا ينبغي أن يستخدمها بشكل تعسفي . أي إذا رسول الله قال للمرأة : " إذا صلت المرأة خمسها ، وصامت شهرها ، وأطاعت زوجها ، دخلت جنة ربها "، لا ينبغي لهذا الزوج أن يستخدم هذه السلطة بشكل تعسفي . الإنسان العاقل دائماً يجعل مجالاً كبيراً جداً للمودة .
أحبب حبيبك يوماً ما عسى أن يكون بغيضك يوماً ما ، وأبغض بغيضك يوماً ما عسى أن يكون حبيبك يوماً ما . أي لا ينبغي أن يعادي الرجل أهل زوجته ، صار هناك مشكلة يعاتب عاتباً لطيفاً فقط . أما يقيم النكير ، ويسب ، ويبهدل ، ويخبط الأبواب ويطردهم. أنت ما أبغضتهم هوناً ما ، أبغضتهم بالمبالغة ، فكأنك قطعت حبال المودة .
الاعتدال علامة عقل الإنسان الراجح :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/3699/03.jpg
الإنسان علامة عقله الراجح اعتداله ، علامة عقله الراجح أنه معتدل في انفعالاته، معتدل في تصرفاته ، معتدل في كلامه . أي إذا دخل إلى البيت فوجد شيئاً لا يعجبه قال : والله إذا هذا الشيء وقع مرة ثانية سأحزن ، . . شيء جميل ، أريد أن أحزن الكلام معقول أما أريد أن أطلق فوقعت مرة ثانية بمشكلة ، أحرجت أنت ، إن ما طلقت لم يعد لكلامك قيمة وإن طلقت خربت بيتك ، لا تقل أريد أن أطلق . إن وقعت مرة ثانية سأحزن ، أما أريد أن أعمل شيئاً لن تسري منه ، ما هذا الشيء ؟ هذا الشيء المخفي يخيف كثيراً . إنسان دخل إلى مطعم فقال: هل تعشيني أم أعمل مثلما صنع أبي البارحة فخاف منه ، أن يكون أبوه مجرماً ، أو قاتل قتيل ، قال له: لا تعال أعشيك ، فصنع له عشاءً فخماً ، بعد أن انتهى قال له: ماذا صنع أبوك ؟ قال له: نام بلا عشاء . فإذا إنسان قال : إن أعيد هذا الشيء سترون شيئاً كبيراً ، ما هذا الشيء ؟ الله يعلم ، هذا شيء واسع ، مفتوح ، إذاً هناك أزواج ما عندهم حكمة ، الإنسان لا يحدد ، ولا يذكر عقوبات محددة ، يذكر عقوبات معممة ، لذلك قال الله تعالى :
﴿ إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى ﴾
[سورة النجم: 16]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/3699/04.jpg
هذا اسمه في البلاغة إيجاز غني ، إذ يغشى السدرة ما يغشى ، لقد أصابني ما أصابني ، آلمني ما آلمني ، إيجاز ولكنه غني يحتمل معاني كثيرة . أحياناً الإنسان يتخاصم مع سمان بجانبه ، يحلف يميناً ألا يشتري من عنده ، ثم يأتيه ضيف بعد أسبوعين ويريد كبريت ، والسمان فاتح ، والمحل بعيد جداً ، تقع بحرج ، إذا خاصمت السمان جارك قل له : والله أحزنتني ، إذا قلت له : أحزنتني فقط واضطررت أن تذهب إليه مرة ثانية ، لا يصير شيئاً ، لا احتقرك ، ولا تحداك ، أما إذا قلت له : والله لن أشتري منك بعد الآن ، وكنت مضطراً فتوقفت عنه تقع بحرج كبير .
الإنسان كلما ازداد عقله لا يحلف أيماناً ، ولا يحدد عقوبات ، ولا يقيد نفسه ، أنت حر ابق حراً . أنا ألاحظ أن معظم الكلمات تأتي من كلمة مرتجلة غير مدروسة ، لذلك يتمنى سيدنا عمر أن تكون له رقبة مثل رقبة الجمل ، الكلمة قبل أن ينطق بها تمشي مسافة طويلة ، يدرسها وهي تمشي ، تُحكى ، أو لا تحكى ، تجوز أم ما تجوز ، هناك كلمة تهد علاقة ، تفصم علاقة كبيرة ، تفصم شركة ، كلمة واحدة ، هناك كلمة تطلق . ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾
[سورة البقرة: 269]
كل إنسان مأمور بالإحسان :
ولا تنسوا أن الله عز وجل يأمرنا جميعاً قال : ﴿ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً ﴾
[ سورة البقرة: 83 ]
أنت مأمور . أكثر الناس يظنون أن الأوامر هي الصلاة والصوم والحج والزكاة مع أنك لو دققت في كتاب الله لوجدت أن أي أمر في كتاب الله يقتضي الوجوب . ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى ﴾
[ سورة النحل الآية : 90 ]
أنت لست مخيراً ، أنت مأمور بالإحسان ؛ أخي ليس له حق عندي ، نعم ليس له حق عندك ، هذا عدل ، والإحسان ؟ له حق عندك بالإحسان . رجل طلق زوجته لأسباب قاهرة ، عاهد نفسه أن يقدم لها معاشاً شهرياً ما امتد به العمر ، لم يقصر ولا شهر ، يطرق الباب هذا المبلغ يكفيها ، الطلاق كان لأسباب مشروعة وقاهرة ، هذا إحسان ، أنت مأمور به. لذلك في بعض الآيات القرآنية تقول : حقاً على المحسنين ، حقاً على المتقين .
الآن إذا إنسان من أهل الكرم ، من أهل الجود ، وشخص أكرمك كنت في مدينة وضيفك ، وأكرمك ، ونمت عنده ليلتين ، رجع هذا الشخص المضيف فزارك في بلدك ، له عليك بالقضاء حق أن ينام عندك ، له عليك في القضاء حق أن تعشيه ، لكنك أنت كإنسان كريم تجد أنك مدين له ، ولا بد من أن تقابله على ضيافته بضيافة أكبر ، هذا حق على المحسن ، حق على المتقي ، حق على المؤمن ، فالإنسان لا يقول : ليس له عندي حق ، أنت كمؤمن عندك حق كبير ، له عندك حق الإحسان ، ولو لم يكن له عندك حق ثابت ، هذه الآية تحل مليون مشكلة ، وما من إنسان يصلي الجمعة في المسجد إلا ويقرؤها الخطيب قبل أن ينزل : ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى ﴾
[ سورة النحل الآية : 90 ]
والقصة المشهورة قلتها لكم سابقاً ، الذي وجد زوجته حاملاً ليس منه ، فسترها وأكرمها ، وجعلها زوجة طيبة ، إمام المسجد المجاور رأى في المنام رسول الله عليه الصلاة والسلام يقول له : قل لجارك فلان إنه رفيقي في الجنة .
يستطيع أن يطلقها ، من حقه ، لأنها أتت فاحشة ، يستطيع أن يفضحها ، لكنه قبلها ، وجبر خاطرها ، فقال له : إنه رفيقي في الجنة . لا تعاملوا الناس على العدل عاملوهم على الإحسان ، أنت أدِّ ما عليك ، والناس يفعلون ما يشاؤون ، إن قدموا لك حقك لابأس ، وإن لم يقدموا فالله يعرف من المحسن . لذلك في حديث كلما أذكره يقشعر بدني ، قال عليه الصلاة والسلام : ((اصنع المعروف إلى من هو أهله ، وإلى غير أهله ، فإن أصبت أهله أصبت أهله، وإن لم تصب أهله كنت أنت أهله))
[ ذكره السيوطي في الجامع الصغير، وعزاه إلى الخطيب ]
أنت تتمتع به ، العمل الطيب فيه سعادة كبرى ، لا يعلمها إلا من ذاقها . 3 ـ خدمة المرأة زوجها :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/3699/05.jpg
والحق الثالث الذي للزوج على الزوجة خدمة المرأة زوجها ، أساس العلاقة بين الزوج وزوجته هي المساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات ، وأصل ذلك في قوله تعالى: ، انظر إلى الآية ما أدقها :
﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾
[ سورة البقرة : 228]
أي أنت تريد من زوجتك أن تتزين لك ، هذا حقك ، ولها حق مشابه .
(( اغسلوا ثيابكم، وخذوا من شعوركم واستاكوا، وتنظفوا فإن بني إسرائيل لم يكونوا يفعلون ذلك فزنت نساؤهم ))
[ابن عساكر عن عبد الله بن ميمون القداح]
إن كان لك عليها هذا الحق ، فلها عليك مثل هذا الحق ، ربنا عز وجل يقول : ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾
[سورة البقرة :228]
بالمعروف أي المألوف ، بيت معقول خدمته ، أما أحياناً تأتي الكنة إلى بيت ثماني غرف وصالون ، الكل يرتاحون ، وعليها المسح والجلي والطبخ والعزائم ، هذا شيء فوق طاقتها ، أما بيت مؤلف من غرفتين وصالون ، بيت معقول خدمته وطبخه ، أما تطبخ لعشرة أشخاص فهناك أشخاص ليس عندهم إنصاف ، هذه كنة .
الدرجة هي القيادة فقط ، أنا أشبهها بالرتب العسكرية ، مثل عميد ولواء ، درجة واحدة بينهما ، لكن ليس مجنداً ولواء . درجة واحدة ، هذا له رتبة ، وهذا له رتبة ، هذا له معاش ضخم ، وهذا له معاش ضخم ، هذا له مكتب فخم ، وهذا له مكتب فخم ، لكن هذا آمر هذا ، هذا قائد اللواء ، هذا معاون قائد اللواء . فإذا صحّ أن يطرح هذا المثل في البيت المرأة لها حقوق مشابهة لحقوق الزوج ، وعليها واجبات مشابهة لواجبات الزواج ، وله عليها درجة واحدة ، فالآية تعطي المرأة من الحقوق مثل ما للرجل عليها ، فكلما طولبت المرأة بحق طولب الرجل بمثله . فكأن النبي الكريم استنباطاً من قوله تعالى: ﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ﴾
[ سورة الأحزاب: 33 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/3699/06.jpg
هذه أصل من أصول النظام الاجتماعي ، المرأة متفرغة لخدمة زوجها وأولادها والزوج متفرغ لتأمين نفقات هذه الأسرة وحسن قيادتها . لذلك في المجتمعات المستهترة المنحل خلقياً ، أرقى مرتبة تنالها امرأة أن يُكتب على هويتها سيدة منزل ، أي متفرغة لتربية الأولاد ، الطيار إذا جلس في غرفته يكون محصوراً ، هذا مكانه الطبيعي مكان القيادة ، فلما المرأة تخرج من بيتها من أجل أن تقوم بأعمال مشابهة للرجل ضاع البيت وضاع الأولاد ، ولما الرجل يكون باله مشوشاً ، مضطرباً ؛ هل حضر ابنه أم لم يحضر ؟ فتح الباب ، دخل مع رفيقه إلى البيت ، صنعوا شيئاً ، مشوش . لا ينتج ، حتى الرجل ينتج إنتاجاً مضاعفاً ، وحتى المرأة تكون مصونة ، الأصل الذي جاء به القرآن الكريم : ﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ﴾
[ سورة الأحزاب: 33 ]
ولا يخطر في بال أحدكم أن هذه الآية موجهة لنساء النبي فقط إن كن مأمورات بأن يقررن في بيوتهن ، فنساء المؤمنين من باب أولى أن يقررن في بيوتهن . بعض الأحاديث الشريفة في توزيع العمل في البيت :
وهناك بعض الأحاديث الشريفة في توزيع العمل في البيت ، وقد حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بين علي كرم الله وجهه وبين فاطمة رضي الله عنها ، فجعل على فاطمة خدمة البيت ، وجعل على علي العمل والكسب ، لا يوجد أحد ابنته أشرف من السيدة فاطمة ، أي صهره وابنته حكم على فاطمة بخدمة البيت ، وحكم على علي بالكسب والعمل ، هذا توزيع النبي الكريم .
وقد روى البخاري ومسلم أن فاطمة رضي الله عنها أتت النبي صلى الله عليه سلم تشكوا إليه ما تلقى في يديها من الألم وتسأله خادمة ، فقال: " ألا أدلكم على ما هو خير لكما مما سألتما ؟ إذا أخذتما مضاجعكما فسبحا الله ثلاثاً وثلاثين ، واحمدا ثلاثاً وثلاثين ، وكبرا أربعاً وثلاثين فهو خير لكما من خادم "
كأن النبي ما أحب أن يكون الإنسان عنده خادم في البيت ليس ما أحب للمؤمنين ، بل ما أحبها لابنته ، لو أعطى إشارة يأتيها مئة خادم ، مئة إنسان يخدمونها ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحب ذلك ، الإنسان يخدم نفسه ، ويكون أكثر تواضعاً ، وأكثر إرضاءً لله عز وجل ، وإن الله يكره العبد أن يُرى متميزاً على أقرانه ، منظر غير مقبول ، إنسان مرتاح والثاني يعمل ، أما الزوج فليس مرتاحاً و هو تعب جداً ، وهناك كل هم يهد جبلاً ، قد يكون عمل البيت أشق ، مسح ، جلي ، غسيل ، يجوز الرجل ذهب إلى المكتب ثلاث ساعات يوجد عنده هموم ، كل هم يجعله يفكر ، خمس ساعات في المكتب ، عليه دفع ولا يوجد بيع ، وسندات مستحقة ماذا يعمل ؟ تقول له : أنت لا تعمل شيئاً في المكتب ، جالس مرتاح ، لا ليس مرتاحاً . أحياناً الأعمال المادية أخف من الأعمال التي تصيب الهم في الإنسان .
وعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها أنها قالت: " كنت أخدم الزبير خدمة البيت كله - أسماء بنت أبي بكر زوجة الزبير بن العوام حواري رسول الله ، وعبد الله بن الزبير ابنها ، هذا الطفل الصغير الذي مر به سيدنا عمر في الطريق ورأى غلمان كثيرين فلما رأوه تفرقوا لهيبته إلا عبد الله بن الزبير بقي واقفاً في مكانه ، فلما حاذاه عمر قال له: يا غلام لمَ لم تهرب مع من هرب ؟ قال : أيها الأمير لست ظالماً فأخشى ظلمك ، ولست مذنباً فأخشى عقابك ، والطريق يسعني ويسعك- هذا عبد الله بن الزبير . وعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها أنها قالت: " كنت أخدم الزبير خدمة البيت كله وكان له فرس فكنت أسوسه وكنت أحش له ، وأقوم عليه ، وكانت تعلفه ، وتسقي الماء ، وتخرج الدلو ، وتعجن ، وتنقل النوى على رأسها من أرض له على ثلثي فرسخ "
تقوم بخدمة شاقة لها أجر كبير . ففي هذين الحديثين ما يفيد بأن على المرأة أن تقوم بخدمة بيتها كما أن على الرجل أن يقوم بالإنفاق عليها . وقد شكت السيدة فاطمة رضي الله عنها ، هذه التي قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم قال : " فاطمة بضعة مني ، من أكرمها فقد أكرمني ، ومن أغضبها فقد أغضبني "
وكل أب إذا عنده ابنة يشعر هذا الشعور نفسه ، أي لا يوجد أغلى من البنت، لذلك الزوج إذا كان مخلصاً ، إذا كان مستقيماً ، إذا أكرم الزوجة ، فله مكانة عند الأب قد تزيد عن أولاده . الصهر غال .
شكت السيدة فاطمة رضي الله عنها ما كانت تلقاه من خدمة ، فلم يقل الرسول صلى الله عليه وسلم لا خدمة عليها ، وإنما هي عليك . شكت له فما تكلم ولا كلمة ، عليها الخدمة . قال ابن القيم: " وهذا أمر لا ريب فيه "، لا يصح التفريق بين شريفة ودنيئة وفقيرة وغنية ، فهذه أشرف نساء العالمين كانت تخدم زوجها .
أنا والله ابنتي لا تخدم أحداً ، احضر لها خادمة ، من ابنتك ؟ أشرف من السيدة فاطمة ؟ لا . من أنت ؟ أعظم من رسول الله ؟ لا . هو رسول الله ، أبوها وهي ابنته ، وكانت تخدم زوجها . يقول له : احضر لها جلاية ، كيف كان أجدادنا يعيشون ؟ جاءت الرسول صلى الله عليه وسلم تشكو الخدمة فلم يشكها ، أي لم يسمع منها ، دعواها مشطوبة ، غير مقبولة .
4 ـ تجاوز الصدق بين الزوجين :
آخر موضوع : تجاوز الصدق بين الزوجين ، العنوان قد يثير التباساً أي يكذبون على بعضهما ؟ لا . ولكن اسمعوا أي صدق يجب أن نتجاوزه بين الزوجين .
روي عن ابن أبي عذرة الدؤلي أيام خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، أنه كان يخلع النساء اللاتي يتزوج بهن ، فثارت له في النساء في ذلك أحدوثة يكرهها ، فلما علم بذلك أخذ بيد عبد الله بن الأرقم حتى أتى به إلى منزله ثم قال لامرأته : أنشدك بالله هل تبغضينني – تكرهيني – قالت : لا تنشدني بالله – لا تحرجني – قال : فإنما أنشدك بالله ، قالت: نعم . فقال لابن الأرقم : أتسمع ؟ انطلق بنا إلى عمر بن الخطاب . فقال لعمر : إنكم تتحدثون أني أظلم النساء وأخلعهن فاسأل ابن الأرقم ، فسأله فأخبره فأرسل إلى هذه المرأة وقال : أنت قلت إنك تبغضين زوجك ؟ قالت: إني أول من تاب ، إنه ناشدني - أي حلفني بالله- فتحرجت أن أكذب ، أأكذب يا أمير المؤمنين ؟ - أقول أحبه وأنا لا أحبه - قال: نعم تكذبين .
ليس هذا هو الصدق ، أحياناً يكون الزوج كريماً ، ميسور الحال ، أخلاقه عالية، مؤمن ، فيه علة بخَلقه يسأل زوجته أتحبينني ؟ لا أحبك ، هذا ليس صدقاً ، هذه وقاحة . . قالت : أأكذب ، قال: نعم تكذبين .
والعكس أحياناً يكون ، أي نصيبه ، ليست كاملة ، فيها مجموعة علل ، كيف تراني ؟ يقول لها : والله الحمد لله ، أنا مسرور منك كثيراً . أنت تكذب بهذا الكلام ، هذا الكذب يحبه الله ، هذا الكذب يرضاه الله عز وجل ، هذا الكذب أنت مأمور به ، هناك أزواج سبحان الله ما عندهم حكمة ، لو كنت مثل فلانة . أذهب لها كل معنوياتها ، رأته لا يحبها ، فلما دخل إلى البيت ليست لابسة ، يائسة ، لا يوجد أمل ، أزالت اسمك من القائمة ، أما المؤمن فلا يتكلم هذا الكلام ، الحمد لله أكرمني الله بك ، لا يوجد أحسن منك ، أنت أنسب واحدة لي ، هذا الموضوع دقيق جداً .
(( قالت: أأكذب يا أمير المؤمنين ؟ قال: نعم تكذبين ، فإن كانت إحداكن لا تحب أحدنا فلا تحدثه بذلك ، فإن أقل البيوت الذي يُبنى على الحب ))
كلمة بيت ، ليس هناك بيت واحد مبني على حب صاعق ، أي حب مجنون ليلى، البيت مبني على التعامل بالإسلام ، على الإيمان ، على الرضا بقضاء الله ، على الرضا بما قسمه الله لك من زوجة وهي كذلك ، الكلام دقيق : " فإن أقل البيت الذي يُبنى على الحب ، ولكن الناس يتعاشرون بالإسلام والأحساب "
هناك بنت أصل ، وهناك ابن أصل ، لا يكسر خاطرها ، وبنت الأصل لا تذم زوجها ، هذا نصيبها . زوجك صحته زيادة ، قولي له أن يخفف وزنه . ما هذا الكلام ؟ أتكرهها فيه ؟ هناك أشخاص كثيرون كلامهم ثقيل ، فإن أقل البيت الذي يُبنى على الحب ، ولكن الناس يتعاشرون بالإسلام والأحساب .
كل إنسان يعمل بأصله ، الأصيل لا يحرج امرأته ، لا يحمر وجهها ، لا يخجلها، لا ييئسها منه ، وبنت الأصل لا تذم زوجها ، هذا الحديث دقيق جداً ، وله آثار كبيرة، مسموح للزوج أن يكذب على زوجته تقرباً لها ، تطييباً لقلبها ، ومسموح للزوجة أن تكذب على زوجها تطييباً لقلبه وإكراماً له .
وفي درس قادم إن شاء الله تعالى نتحدث عن إمساك الزوجة بمنزل الزوجية، وعن الانتقال بالزوجة أي السفر بها ، ومنع الزوجة من العمل ، وخروج المرأة لطلب العلم، وتأديب الزوجة عند النشوز ، وتزين المرأة لزوجها ، هذه كلها موضوعات الدروس القادمة إن شاء الله تعالى .
***
أحاديث تبدأ بإنما :
الحديث الأول الاستئذان من أجل النظر :
والآن إلى بعض الأحاديث الشريفة : لأن أحاديث كثيرة تبدأ بكلمة إنما . أي إذا قلت : إنما شوقي شاعر . إذا قلت : شوقي شاعر ماذا تعني باللغة ؟ المعنى الدقيق لها أنه شاعر ، هل يمنع أن يكون كاتباً ؟ لا ، هل يمنع أن يكون حقوقياً ؟ لا كان هو حقوقياً ، هل يمنع أن يكون مثلاً تاجراً ؟ لا . إذا قلت : شوقي شاعر معناها شاعر ، ولا يمنع أن يكون أديباً ، أو كاتباً ، أو قصصياً ، أو محامياً . إذا قلت : إنما شوقي شاعر . اختلف الوضع شاعر فقط ، أي حصرنا شوقي بالشعر ، إذا قلنا : الشاعر شوقي . عكسناها ، أيضاً شوقي شاعر . أما إذا قلنا : إنما الشاعر شوقي ، أي لا شاعر غيره . فكلما وجدنا كلمة إنما تعني أداة حصر وقصر فمثلاً :
﴿ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾
[ سورة فاطر: 28 ]
معناها العلماء وحدهم يخشون الله ، إذا قلنا : العلماء يخشون الله ، لا تمنع أن يخشى الله بعض الجهال ، قلنا : العلماء يخشون الله لا يمنع أن يخشى الله غير العلماء ، أما إذا قلنا : إنما يخشى الله من عباده العلماء أي العلماء وحدهم ولا أحد سواهم يخشى الله .
هذا هو القصر . (( سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ اطَّلَعَ رَجُلٌ مِنْ جُحْرٍ فِي حُجَرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِدْرًى يَحُكُّ بِهِ رَأْسَهُ فَقَالَ لَوْ أَعْلَمُ أَنَّكَ تَنْظُرُ لَطَعَنْتُ بِهِ فِي عَيْنِكَ إِنَّمَا جُعِلَ الِاسْتِئْذَانُ مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ ))
[متفق عليه عن سهل بن سعد]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/3699/07.jpg
إذاً ما حكمة يا الله ؟ ما حكمة طرق الباب ؟ لو إنسان باب صديقه مفتوح أله حق أن يدخل فوراً ؟ لا يجوز ، إذاً ما العلة ؟ النظر ، لما ينظر الإنسان إلى زوجة صديقه فقد أتى إثماً كبيراً ، الإنسان في بيته حر ، يتحلل من الثياب أحياناً ، يتبذل في بيته ، المرأة تطبخ ، تجلي ، تغسل ، تلبس لباساً خفيفاً ، ألبسة غير سابلة ، حرة في بيتها مادام بيتها غير مكشوف مستور . فلما يكون الاستئذان موجوداً معناها من أجل البصر .
هناك أشخاص كثيرون ، يدخلون إلى غرفة في المستشفى ، أخي نريد أن نزور صديقنا ، إذاً صديقك زوجته عنده ، يجب أن تطرق الباب ، أخي هنا مستشفى ؟ أيضاً يجب أن تستأذن ، أينما كنت يجب أن تستأذن . . السلام عليكم أأدخل ؟ السلام عليكم أأدخل ؟ فإن قيل لك ادخل تدخل وإلا انتظر ، وإلا انصرف . إنما جعل الاستئذان من أجل البصر ، حتى لا تقع عينك على امرأة لا تحل لك . لكن علماء الحديث وسعوا هذا الحديث ، قال: ليس من أجل المرأة فقط حتى من أجل الرجل .
الإنسان أحياناً يكون في بيته جالس بقميص شيال مثلاً ، ليس مؤاخذاً ، هو في بيته أو بمحل مثلاً ، وبالمحل له غرفة داخلية يعزل المحل ، متخفف من ثيابه ، يجب أن تطرق الباب ، لو كان المستودع داخلياً ، انقر نقرتين على الباب ، أنا فلان ، لو كان رجلاً ، طبعاً المرأة أشد إثماً ، وأكثر حرجاً ، وأكثر إيلاماً للزوج أن يراها الأجنبي ولكن لا يمنع هذا أن يكون من أجل الزوج أيضاً . ((إِنَّمَا جُعِلَ الِاسْتِئْذَانُ مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ))
[متفق عليه عن سهل بن سعد]
لذلك علمنا عليه الصلاة والسلام أن إذا طرقنا باباً أن نعطي ظهورنا للباب أولاً وأن نقف بإزاء المصراع الثابت ، في مصراع متحرك ومصراع ثابت ، أول شيء نعطي ظهرنا للباب وفي حذاء المصراع الثابت ، هناك أشخاص يقفون مواجه الباب ، وعلى الباب المتحرك ، يُفتح الباب فيرى داخل البيت . هكذا أدبنا عليه الصلاة والسلام . الحديث الثاني إنما الدّين النصح :
حديث آخر وأخير : يقول عليه الصلاة والسلام :
(( إنما الدين النصح ))
[ أبو الشيخ الأصبهاني عن ابن عمر]
تنصح زبائنك ، أما إن كنت لا تنصحهم فلست ديناً ، ولو كنت تصلي مئة ركعة كل يوم ، وعامل ثلاثاً وعشرين عمرة ، خير إن شاء الله ، و حاجج ثماني مرات ، و تصوم اثنين وخميس ، وعاشوراء ، ونصف شعبان ، وسبع وعشرين من رجب ، وتصلي قيام الليل، والأوابين ، والضحى ، و لكنك لا تنصح زبائنك لست ديناً . . http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/3699/08.jpg
(( إنما الدين النصح ))
يجب أن تنصح زبونك ، وكأن الحاجة لك هل تأخذها أنت ؟ أنا لا آخذها ، ولكنها رخيصة ، هذه فيها عيب . ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي ﴾
[ سورة النور: 55 ]
لما فهموا الدين النصح فتحوا العالم ، ولما فهمناه صوماً وصلاة وحجاً وزكاة فقط تلك الله يعفو عنا ، يقول لك : أخي الله يسامحنا نحن عبيد إحسان ولسنا عبيد امتحان ، يقول لك: الله قال : ﴿ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ ﴾
[سورة يوسف: 53]
يتكلم لك بكلام من القرآن ، يفعل ما يشاء ، يغش ، ويكذب ، ويغير الحقائق ، أما عندما يؤذن الظهر ، يقول : أخي بالإذن أريد أن أصلي ، ما هذه الصلاة ؟ إن راحت أو ما راحت الصلاة مثل بعضها ،لما تغش الناس بمصالحهم ، وتكذب عليهم.
أحياناً عامل البلور يضع للبلور مسماراً في كل جهة فقط ، أحياناً يضرب الباب ضربة قوية فينكسر البلور ، ثمنه خمسون ليرة . حتى يوفر دقيقة واحدة دفعك خمسين ليرة ، ويصلي ، والله قال لي أخ عن دهانين شركاء ، أحدهما له لحية ، والصلاة بالجامع ، والله شيء جميل ، أنعم بها وأنعم به ، ولكن صاحب البيت قال لهم : أنا مشغول ، وهذا المفتاح دهنوا البيت ، أنا واثق بكم .
الشريك الأول ليس له مظهر ديني ولكنه ورع ، قال له: هناك هاتف بهذا البيت إذا لزمني أن أخبر زوجتي هل عندك مانع ؟ قال: لا والله مسامح ، خبر على حسابك بقدر ما تريد . الثاني الذي له لحية خبر مخابرة إلى السعودية ، فيها ثلاثمئة وخمس وخمسون ليرة ، قال : أما هو فقال لنا خبروا ، أهو قال لك خبر مخابرة خارجية ؟ قال: خبر مخابرة داخلية سمح لك ، قال له : أريد أن أقول له ، قال : لا تقل له ما فيها شيء . فكوا الشركة من هذا العمل ، قال له: أنت لست إنساناً مستقيماً ، إذا أنت زيك ديني ، والفاتورة جاءت ثلاثمئة وخمس وخمسين ، ماذا يقول على دينك ؟ أهكذا المسلم ؟ غدار ؟ . دهنت البيت أخذت أجرة مضاعفة بهذه الطريقة .
فأنا قناعتي أن الدين بالاستقامة ليس بالمظهر ، مع أن المظهر أنعم به وأكرم ، أنا أحترم المظهر ، ليس معناها أنا أطعن بالمظهر لكن مظهراً من دون مخبر ليس له قيمة . كان هناك طفل بسوق الحميدية أصلحه الله وهداه ، يكنس المحل ، يجمع الغبار ، يحضر علبة جرابات ثقيلة ، يضعهم فيها ويلفهم بورق هدايا ، و شريطة حمراء ثم يضعها على الرصيف. يأتي رجل يراها يظنها واقعة من شخص يأخذها وينظر حوله هل أحد يراه ؟ . ثم يتبعه ، وعندما يبعد مئتي متر ويفك الشريطة الحمراء و يفتح العلبة يراها وسخاً .
هناك شخص تراه ، مظهره فخم جداً ، افتحه تراه أعوذ بالله ، غشاش ، آكل مال حرام ، لا يؤتمن ، كذاب . الدين مخبراً وليس مظهراً . (( إنما الدين النصح ))
هناك أحاديث بروايات أخرى : (( إِنَّمَا الدِّينُ النَّصِيحَةُ قَالُوا لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ ))
[ مسلم والنسائي وأبو داود وأحمد عن تميم الداري ]
***
على الإنسان أن يكون مستقيماً ورعاً و صادقاً :
والآن إلى قصة صحابي جليل رضوان الله عليه : غريب لو قرأت النصوص القديمة ، قال جعفر بن أبي طالب للنجاشي: " كنا قوماً أهل جاهلية ، نعبد الأصنام ، ونأكل الميتة ، ونأتي الفواحش ، ونسيء الجوار ، ويأكل القوي منا الضعيف ، ونقطع الرحم ، حتى بعث الله فينا رجلاً نعرف صدقه ، ونسبه ، وأمانته ، وعفافه ، فدعانا إلى الله لنعبده ، ونوحده، وندع ما يعبد آباؤنا من الحجارة والأوثان ، وأمرنا بصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وصلة الرحم ، وحسن الجوار " لم يتكلم عن الصلاة ، هذه الصلاة وسيلة ليست غاية ، الغاية أن تكون إنساناً شريفاً ، مؤتمناً ، صادقاً ، ورعاً لذلك :
(( ركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلط ))
[ الجامع الصغير عن أنس ]
(( من لم يكن له ورعٌ يصده عن معصية الله إذا خلا لم يعبأ الله تعالى بسائر عمله ))
[ مسند الشهاب عن أنس بن مالك]
لذلك قال تعالى : ﴿ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً ﴾
[سورة الكهف من الآية 105]
هؤلاء الذين يعصون الله في السر ، ويعبدونه في العلانية لا شأن لهم عند الله . أبو طلحة الأنصاري :
ضيفنا اليوم الصحابي الجليل أبو طلحة الأنصاري ، وله قصة مثيرة عرف زيد ابن سهل النجاري المكنّى بأبي طلحة أن الرميصاء بنت ملحان النجارية المكناة بأم سليم قد غدت أيماً ، أي مات زوجها فاستطار فرحاً بهذا الخبر ، ولا غرو ، فقد كانت أم سليم سيدة حصاناً رزاناً ، راجحة العقل ، مكتملة الصفاة . يظهر أنها إنسانة ممتازة ، درجة أولى كمالاً وصلاحاً ، كمال في العقل ، وصلاح في الشكل .
فعزم على أن يبادر إلى خطبتها قبل أن يسبقه إليها أحد من الذين يسعون إلى أمثالها من النساء ، وكان أبو طلحة على ثقة من أن أم سليم لن تؤثر عليه أحداً من طالبها - كان واثقاً من نفسه ، يظهر أنه من وجهاء المدينة ، ومن أغنيائها - فهو رجل مكتمل الرجولة، مرموق المنزلة ، طائل الثروة ، وهو إلى ذلك فارس وأحد رماة يثرب المعدودين .
مضى أبو طلحة إلى بيت أم سليم ، وفيما هو في بعض طريقه تذكر أن أم سليم قد سمعت من كلام هذا الداعي المكي مصعب بن عمير فآمنت بمحمد واتبعت دينه . هو في الطريق قال لنفسه : لكنها أسلمت أي هذا شيء كأنه عيب صار فيها .
سيدنا رسول الله قبل أن يهاجر بعث إلى المدينة مصعب بن عمير يدعو إلى الدين الجديد ، وآمن من آمن من الأنصار مع هذا الصحابي الجليل قبل أن يأتي النبي إلى المدينة . لكنه ما لبث أن قال في نفسه : وما في ذلك عناء ، ألم يكن زوجها الذي توفي عنها مستمسكاً بدين آبائه ، نائياً بجانبه عن محمد ودعوته ؟
بلغ أبو طلحة منزل أم سليم ، واستأذن عليها ، فأذنت له وكان ابنها أنس حاضراً فعرض نفسه عليها ، فقالت: إن مثلك يا أبا طلحة لا يُرد ، لكني لن أتزوجك وأنت كافر - انظروا دقة الكلام ، كلام مثل الرياضيات - لم تقل لن أتزوجك لأنك كافر . لا ، وأنت كافر معناها إذا آمنت أتزوجك ، الواو الحالية ، لن أتزوجك على هذه الحال ، إعراب الجملة حالية والواو واو الحال . لن أتزوجك وأنت رجل كافر . فظن أبو طلحة أن أم سليم تتعلل عليه بذلك أي هذه حجة غير صحيحة ، وأنها قد آثرت عليه رجلاً آخر أكثر منه مالاً وأعز نفراً . فقال لها: والله ما هذا الذي يمنعك مني يا أم سليم . قالت: وما الذي يمنعني إذاً ؟
قال: الأصفر والأبيض - العوام يقولون : والله لا أخذنا منه لا أصفر ولا أبيض . أي لا فضة ولا ذهب - قالت: الذهب والفضة ؟ قال: نعم . قالت: بل إني أشهدك يا أبا طلحة ، وأشهد الله ورسوله ، أنك إن أسلمت رضيت بك زوجاً من غير ذهب ولا فضة ، وجعلت إسلامك لي مهراً ، حتى أؤكد لك أن سبب رفضي أنك كافر ، لو أسلمت لرضيت بإسلامك مهراً لي .
فما إن سمع أبو طلحة كلام أم سليم حتى انصرف ذهنه إلى صنمه الذي اتخذه من نفيس الخشب ، وخصّ به نفسه كما كان يفعل السادة من قومه ، لكن أم سليم أرادت أن تطرق الحديد وهو ما زال حامياً - كما يقولون - فقالت له : ألست تعلم يا أبا طلحة أن إلهك الذي تعبده من دون الله قد نبت من الأرض ؟ قال: بلى . قالت: أفلا تشعر بالخجل وأنت تعبد هذا الجذع من الشجرة ؟ جعلت بعضه إلهاً بينما جعل غيرك بعضه الآخر وقوداً يصطلي به ، شجرة قسم صنعته أنت إلهاً وقسم جعله غيرك حطباً، إنك إن أسلمت يا أبا طلحة رضيت بك زوجاً ، ولا أريد منك صداقاً غير الإسلام ، قال: ومن لي بالإسلام ؟ قالت: أنا لك به ، قال: وكيف ؟ قالت: تنطق بكلمة الحق ، فتشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله ، ثم تمضي إلى بيتك فتحطم صنمك ، ثم ترمي به .
فانطلقت أسارير أبي طلحة وقال : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمداً رسول الله أي الله أعلم فرح بها زوجة فأسلم ، ثم تزوج من أم سليم ، فكان المسلمون يقولون ما سمعنا بمهر قط كان أكرم من مهر أم سليم . أكرم مهراً ، فقد جعلت صداقها الإسلام . جهاد و جود أبي طلحة الأنصاري :
منذ ذلك اليوم انضوى أبو طلحة تحت لواء الإسلام ، ووضع طاقاته الفذة كلها في خدمته ، فكان أحد السبعين الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة العقبة ، ومعه زوجه أم سليم ، وكان أحد النقباء الاثني عشر الذين أمّرهم النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الليلة على مسلمي يثرب - جعله أميراً- ثم إنه شهد مع رسول الله مغازيه كلها ، أي بدر ، وأحد ، والخندق ، وأبلى فيها أشرف البلاء وأعزه ، لكن أعظم أيام أبي طلحة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما هو يوم أحد . وهاكم خبر ذلك اليوم .
أحب أبو طلحة رسول الله صلى الله عليه وسلم حباً خالط شغاف قلبه ، وجرى مجرى الدم من عروقه ، فكان لا يشبع من النظر إليه ، ولا يرتوي من الاستماع إلى عذب حديثه ، وكان إذا بقي معه جثا بين يديه وقال له: نفسي لنفسك الفداء ، ووجهي لوجهك الوقاء، فلما كان يوم أحد انكشف المسلمون عن رسول الله فنفذ إليه المشركون من كل جانب ، حتى إن المرجفين أرجفوا بأن محمداً صلى الله عليه وسلم قد قتل ، فازداد المسلمون وهناً على وهن وأعطوا ظهورهم لأعداء الله ، عند ذلك لم يثبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غير نفر قليل في طليعتهم أبو طلحة ، قالوا : انتصب أبو طلحة أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم كالطود الراسخ بينما وقف النبي عليه الصلاة والسلام خلفه يتترس به ، أي جعل نفسه ترساً لرسول الله .
ثم وتر أبو طلحة قوسه التي لا تفل ، وركب عليها سهامه التي لا تخيب ، وجعل - هو أحد الرماة الكبار ، بالأساس كان رامياً من رماة معدودين - وجعل يذود بها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويرمي جنود المشركين واحداً إثر واحد ، وكان النبي عليه الصلاة والسلام يتطاول من خلف أبي طلحة ليرى مواقع سهامه ، فكان يرده خوفاً عليه ويقول له: بأبي أنت وأمي لا تشرف عليهم فيصيبوك . رسول الله أحب أن يرى السهام ما مصيرها ، هل تصيب ؟ وكان عليه رضوان الله يقول : إن نحري دون نحرك ، وصدري دون صدرك ، جُعلت فداك يا رسول الله ، وكان الرجل من جند المسلمين يمر برسول الله ومعه الجعبة من السهام ، فيميل عليه النبي ويقول له : انثر سهامك بين يدي أبي طلحة ولا تمض بها .
ولا زال أبو طلحة ينافح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كسر ثلاثة أقواس ، وقتل ما شاء أن يقتل من جنود المشركين ، ثم انجلت المعركة ، وسلم الله نبيه وصانه بصونه . أي هذا موقف لا يُقدر بثمن ، أن جعل من نفسه ترساً لرسول الله وقال: نفسي دون نفسك ، ونحري دون نحرك ، جعلت فداك . كما كان جواداً بنفسه في سبيل الله ، وفي ساعات البأس كان أكثر جهاداً بماله في مواقف البذل ، من ذلك أنه كان له بستان ، من نخيل وأعناب لم تعرف يثرب بستاناً أعظم منه شجراً ، ولا أطيب ثمراً ، ولا أعذب ماءً ، وفيما كان أبو طلحة يصلي تحت أفيائه الظليلة أثار انتباهه طائر غرد ، أخضر اللون ، أحمر المنقار ، مخضب الرجلين . طائر جميل جداً وهو يصلي نظر إليه . وقد جعل يتواثب على أفنان - الأفنان : الأغصان - الأشجار طرباً مغرداً متراقصاً ، فأعجبه منظره ، وسبح بفكره معه ، ثم ما لبث أن رجع إلى نفسه فإذا هو لا يذكر كم صلى . كم ركعة ، اثنتان أم ثلاث ، لا يدري ، فما إن فرغ من صلاته حتى غدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وشكا له نفسه التي صرفها البستان ، وشجره الوارف ، وطيره الغرد عن صلاته ثم قال : اشهد يا رسول الله أنني جعلت هذا البستان صدقة لله تعالى ، لأنه شغله عن الصلاة ، هل أحدنا إذا رأى شيئاً في البيت وأعجبه وما عرف كم ركعة صلى ، أيقدمه لله هدية جزاءً عن شروده في الصلاة ؟ بستان واسع فيه أشجار مثمرة ، فيه خيرات ، لأنه شغله عن صلاته قدمه هدية لله عز وجل ، لشدة حرصه على الصلاة .
يروون أن سيدنا رسول الله علمنا ، أهديت له بردة يمانية ، فصلى بها ركعتين ثم خلعها ، فقال : خذوها عني كادت تفتنني عن صلاتي ، أي بعضهم يقولون تعليماً لنا : الإنسان إذا التفت لغير الله في الصلاة كأنه ما صلى .
خروج أبي طلحة للغزو و موته في عِرض البحر :
المسلمون عزموا على غزوة في البحر في خلافة عثمان بن عفان ، أول غزوة في البحر . إذا ذهبت إلى قبرص ترى جوامع في مدن قبرص كلها ، هذه الجوامع بفضل سيدنا عثمان رضي الله عنه الذي فتحها بحراً .
فأخذ أبو طلحة يعد نفسه للخروج مع جيش المسلمين فقال له أبناؤه : يرحمك الله يا أبانا لقد صرت شيخاً كبيراً ، وقد غزوت مع رسول الله ، وأبي بكر ، وعمر ، لم تفتك غزوة واحدة ، بدر وأحد والخندق ومؤتة ، والغزوات كلها ، وحنين ، ومع سيدنا الصديق ، حرب المرتدين ، وفتوح الشام ، والقادسية ، واليرموك ، ومع سيدنا عمر . يكفيك ، تقاعد . لا يوجد تقاعد في الجهاد ، يرحمك الله يا أبانا ، لقد صرت شيخاً كبيراً - بالمناسبة لا شيخوخة في الإسلام المسلم لا يشيخ أبداً ، عمره النفسي سبعة عشر ، ثمانية عشر دائماً ، أما عمره الزمني فيصير خمساً وثمانين ممكن ، يشيخ جسمه ولا تشيخ نفسه - فهلا ركنت إلى الراحة وتركتنا نغزو عنك ، نحن أولادك ، نيابة عنك .
فقال: إن الله عز وجل يقول - اسمعوا كيف فهموا كلام ربنا عز وجل :
﴿انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾
[سورة التوبة: 41]
انظروا فهمه الدقيق لهذه الآية ، ما معنى خفافاً ، الشاب خفيف ، الطفل إن صعد الدرج يصعد خمس درجات معاً ، وإن نزل على الدرابزين ينزل زحفاً ، بدقيقة يصبح تحت ، خفيف ، أما انظر الإنسان في الثلاثين درجة درجة ، بالسبعين بالثمانين ، يضع رجله على الدرجة ويسحب الثانية إليها ، ثم يرتاح عشر دقائق ، فربنا عز وجل قال: ﴿انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً ﴾
[سورة التوبة: 41]
فهو قد استنفرنا جميعاً شيوخاً وشباناً ، ولم يحدد لنا سناً ، ثم أبى إلا الخروج ، وبينا كان الشيخ المُعَمَر أبو طلحة - المُعَمَر يصح ، والمُعمِر يصح ، إذا قلنا : معمَر اسم مفعول عمره الله عز وجل ، إذا قلنا معمِر كان عمره طويلاً - وبينما كان الشيخ المعَمَر أبو طلحة على ظهر السفينة مع جند المسلمين في وسط البحر ، مرض مرضاً شديداً فارق على إثره الحياة ، فطفق المسلمون يبحثون له عن جزيرة ليدفنوه فيها ، فلم يعثروا على مبتغاهم إلا بعد سبعة أيام ، وأبو طلحة مسجى بينهم لم يتغير فيه شيء كأنه نائم . وفي عرض البحر بعيداً عن الأهل والوطن ، نائياً عن العشير والسكن دُفن أبو طلحة ، أغلب الظن بجزر من جزر اليونان ، حول قبرص . وما يضيره بعده عن الناس مادام قريباً من الله عز وجل .
أي إذا إنسان دفن بمدفنة العائلة لها بناء فخم ، ونوافذ عليها حديد ، وشاهدتان من أمام ومن وراء ، ويا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية ، وكان آكل ربا ماذا استفاد ؟ وإذا دُفن بباب صغير أو بالدحداح ، أو وضع له قبر صنعوا له مقاماً . . وإذا رجل كان الله راضياً عنه ودُفن في البحر لا مانع ، وماذا يضيره بعده عن الناس مادام قريباً من الله عز وجل ؟
هذا صحابي جليل أحب أم سليم ، وكيف تزوجها ، وكان مهرها الإسلام ، وكيف أنفق البستان بكامله ، وكيف جاهد ، وكيف وقف موقفاً من رسول الله ، يشهد له التاريخ . رضي الله عنه وأرضاه أعلى لقب يحوزه إنسان في الدنيا ، لا يوجد معه بورد ، يقول لك: فلان معه بورد ، بالحرب العالمية يقول لك : فلان ماريشال أي أعلى رتبة عسكرية ، أعلى رتبة يحوزها إنسان أن يُقال بعد اسمه رضي الله عنه .
إذا رضي الله عن إنسان فقد سعد في الدنيا والآخرة .
***
الصيام أثناء الامتحان :
جاءني سؤال من أخت كريمة ، تقول : أنا طالبة من طالبات جامعة دمشق فرع الطب أريد فتوى بالنسبة لصيام شهر رمضان المبارك والامتحان على الأبواب ، فهل يجوز لي أن أفطره ؟ لا أستطيع تقديم الامتحان ، ثم أصوم شهراً متتالياً بعد الفحص ، فما حكم ذلك فأنا في حيرة وقلق ؟ طبعاً هذا السؤال ربما يكثر وروده في هذه الأيام ، لأن فحوص الجامعة وفحوص الشهادتين الإعدادية ، والثانوية ، ولم تنج إلى الفحوص الانتقالية من رمضان .
ما سمعت في كتاب الله إجازة للإفطار إلا للمريض أو المسافر فإن كنتم مرضى أو على سفر ، أي المرض والسفر عذران مقبولان عند الله ، لكن اسمعوا ماذا قال الله عن السفر والمرض .
﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾
[سورة البقرة :184]
أي الذي يطيق الصيام في السفر إذا أفطر فعليه فدية ، ليس قضاءً فقط ، قضاء وفدية ، أي إذا رجل ركب طائرة ذهب إلى فرنسا في رمضان ، والطائرة مكيفة ، وجالس على مقعد وثير ، يصير سريراً إذا أحب ، ومن فندق مكيف إلى فندق مكيف ، وأفطر ، لأن الله قال : ﴿ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر﴾
[ سورة البقرة :184]
وقال : ﴿ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ ﴾
من يطيق الصيام مع السفر أو يطيق الصيام مع المرض ؟ أي عنده دسك ، آلام في الظهر ، وآلام في الرجل ، لكن هذا لا علاقة له بالمعدة والطعام والشراب ، والأدوية كلها خارجية ، تسطيح على ظهره ، هذا يطيق الصيام مع المرض إذا أفطر فعليه إضافة إلى القضاء فدية . طعام مسكين ، قال : ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾
إفطار يوم لا يعدله صيام الدهر كله ، لذلك نحن بتوفيق الله عز وجل ننصح الأخت الكريمة ونقول لها كما قال الله عز وجل : وأن تصومي خير لك إن كنت تعلمين ، السبب الامتحان دقيق جداً إذا طالب آثر رضاء الله عز وجل وصام ، هناك مليون طريقة للتوفيق .
أحياناً الله عز وجل يلهم هذا الطالب فيقرأ بحثاً معيناً ، يقول لك : إني أقرأه ، جاء رفيقه ، قال له: البحث قرأته ؟ قال: ما قرأته ؟ فيقول له : اقرأه . في اليوم الثاني جاء في الامتحان سؤال قد يأخذ علامة تامة ، إلهام من الله عز وجل ، هذا شيء بيد الله وحده ، فإذا راقب الله عز وجل إنساناً طالباً أو طالبة يصوم في رمضان ، في شهر الصوم والامتحان في هذا الشهر الله سبحانه وتعالى لا أقول أغلب الظن ، لئلا تجربوا ، الله لا يجرب ولا يُشارط، لكن لا أعتقد طالباً يصوم برمضان ويؤدي امتحاناً ويخفق في امتحانه إلا إذا ترك الأخذ بالأسباب أي ما درس إطلاقاً ، أنا سوف أصوم وأنجح ، لا تنجح بالصوم ، أما إذا درس وعمل جهده وصام برمضان أغلب الظن أن الله سبحانه وتعالى سيوفقه .
بالمناسبة ممكن للطالب برمضان أن ينام العصر بقدر ما يقدر ، يجبر نفسه على الاستلقاء ساعتين أو ثلاث ، حتى يقدر بعد الإفطار إلى السحور أن يبقى يقظاً . إذا سهر من الإفطار إلى السحور وصلى الصبح ونام ساعتين ، استيقظ الساعة الثامنة ، ثم درس بنشاط من الثامنة إلى الساعة الثانية عشرة كاف ، اشرب كمية كافية ، كُلْ أكلاً يقيم أودك ، اعتمد الطعام والشراب ، واسهر طوال الليل ، و نم العصر ، وحاول بالسهرة أن تشرب قدر ما تستطيع ، لعل التفوق يكون في هذا الامتحان في رمضان ، الله عز وجل موجود .
قال النبي الكريم : " إذا استشير أحدكم فليشر ما هو صانع لنفسه "
بعيد عن موضوع فتوى رسمية وكيف الجواب ، ليس هذا عملي إطلاقاً ، لكن أنا لا أفطر ، لو كنت طالباً في رمضان لا أفطر ، وليكن ما يكون ، ولا يكون إلا الخير . ولا يكون إلا النجاح ، هذا الكلام ليس للأخت الكريمة ، لكل طالب في الثانوية أو الكفاءة أو الجامعة ، هذا الجواب للجميع .

السعيد 09-08-2018 07:12 AM

رد: الفقة الاسلامى 2
 
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى

الدرس : ( الرابع )

الموضوع : التبرج





حمد لله رب العالمين ، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً ، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه ، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
بقاء المرأة في بيتها نظام اجتماعي أمثل تنتظم به الحياة :
أيها الأخوة المؤمنون ؛ وصلنا في هذه الموضوعات إلى موضوع التبرج .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3794/01.jpg
التبرج إظهار ما يجب إخفاؤه ، إظهار محاسن المرأة التي أمر الله بإخفائها ، الآية القرآنية التي تتحدث عن التبرج قوله تعالى :

﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾
[سورة الأحزاب : 33]
بهذه الآية أسئلة كثيرة ، أول شيء حينما يذكر الله عز وجل شيئاً في كتابه الكريم فمعنى ذلك أن هذا الشيء أساسي في سلامة المرء وسعادته في الدنيا والآخرة .
لا يظن بعض الناس أن الله عز وجل ذكر آية في القرآن الكريم فيها توجيه اجتماعي أن هذه الآية من الثانويات ، ما دام الله عز وجل قال : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ﴾
[سورة الأحزاب : 33]
معنى ذلك أن بقاء المرأة في بيتها نظام اجتماعي أمثل تنتظم به الحياة ويسعد به الرجال ، وتسعد به النساء ، ويسعد الناس في الدنيا والآخرة .
المرأة إذا خرجت من بيتها ، وخالطت الرجال سببت فساداً كبيراً . لأن المرأة محببة إلى الرجال هذه فطرة ، قال تعالى : ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ﴾
[سورة آل عمران : 14]
كيف أن البارود يشتعل بالنار ، من خصائص هذه المادة اشتعالها بالنار ، فإذا منعت النار عن البارود فهذا مبني على علم كبير ، ربنا عز وجل قال : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ﴾
[سورة الأحزاب : 33]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3794/02.jpg
فلما خرجت ابنتا سيدنا شعيب عليه على نبينا أفضل الصلاة والسلام لسقي الغنم قالتا :
﴿قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ ﴾
[سورة القصص: 23]
أي ما خرجنا إلا لسبب قاهر ، أما من غير سبب قاهر فينبغي أن تبقى المرأة في بيتها ، وليس معنى ذلك أن تبقى جاهلة ، بعض الجهلة يقرن بين بقاء المرأة في بيتها وبين الجهل ، يجب أن تبقى في بيتها وهي في قمة الفهم ، والتأدب بأخلاق الإسلام والتفقه في الدين وفهم كتاب الله ، واتباع سنة رسول الله ، قربنا عز وجل يقول : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ﴾
[سورة الأحزاب : 33]
لا حاجة إلى التفصيل لأن كلكم تعرفون ذلك ، ولو أن امرأة متبرجة تعمل في مكان، يراها الرجال كل يوم ، وكل ساعة ، الرجال على أنواع ، بعضهم كالذئب ، بعضهم كالثعلب ، بعضهم يشتهي ما ليس عنده ، هذا شيء طبيعي أن يتقرب الرجال إليها ، فإذا تقرب الرجال إليها شعرت بقيمتها ، وبخطورة جمالها في الحياة ، لذلك تستعلي على زوجها في البيت، تفسد علاقتها مع زوجها ، وتفسد علاقة الأزواج مع زوجاتهم ، وتحتل مكان رجل لو عُين مكانها لتزوج ، إذاً عطلت مكاناً لرجل ، وعطلت زواجاً لأنثى ، ورزقها مضمون على أبيها أو على زوجها ، هذا نظام الإسلام . فربنا عز وجل حينما قال : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ﴾
[سورة الأحزاب : 33]
أي النظام الأمثل أن تتفرغ المرأة لرعاية زوجها وأولادها ، وأن تكون عالمة لأمر دينها وحقوق زوجها . ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ﴾
[سورة الأحزاب : 33]
العلاقة بين الآيتين التاليتين:
السؤال الدقيق : لماذا قرن الله عز وجل بين أمره الشريف العظيم
﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ﴾
- وبين نهيه الآخر - : ﴿ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾
[سورة الأحزاب : 33]
لماذا قرنهما مع بعضهما ؟ الأصل أن تبقى المرأة في البيت . يا بنيتي يا فاطمة - هكذا قال عليه الصلاة والسلام - ما خير ما تفعله المرأة ؟ قالت : ألا ترى وألا تُرى . (( صَلاةُ الْمَرْأَةِ فِي بَيْتِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلاتِهَا فِي حُجْرَتِهَا ، وَصَلاتُهَا فِي مَخْدَعِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلاتِهَا فِي بَيْتِهَا ))
[ سنن أبي داود عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ]
الدار مجمل الغرف مع الساحة الثانوية ، مع الفناء ، أما البيت فالغرفة ، " وصلاتها في قعر بيتها خير من صلاتها في بيتها " . إذا في غرفتين ، غرفة مطلة على فناء الدار ، وغرفة داخلية ، لأن المرأة كلها فتنة ، صوتها فتنة ، حركتها ، مشيتها . ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ﴾
[سورة الأحزاب : 33]
ما علاقة النهي الثاني ؟ فإذا خرجتن لأمر ضروري لا تبرجن ، إذا قلنا لإنسان : لا تأكل أكل النهم ، فهل نحن ننهاه عن الأكل ؟ لا . لا تقوموا لي كما يقوم الأعاجم ، الأعاجم يقومون تعظيماً لملوكهم ، أما إذا قام الصحابة الكرام لنبيهم فهذا التعظيم ليس لذاته ، بل لحقيقته العظمى ، إذاً النهي ليس نهياً مطلقاً . ﴿ وَلَا تَبَرَّجْنَ ﴾
[سورة الأحزاب : 33]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3794/03.jpg
المرأة لابد من أن تتبرج لزوجها ، فإذا تركت التبرج لزوجها أثمت ، لأنها إذا تبرجت لزوجها كان تبرجها لزوجها أغض لبصره ، وأحصن لنفسه ، لكن المرأة غير المسلمة تتبرج لغير زوجها ، للأجانب في الطرقات ، تظهر مفاتنها لمن ليس له علاقة بها ، تبرز مفاتنها لمن لا يجوز له أن يرى مفاتنها ، تبرز مفاتنها فتفسد علاقة الأزواج بزوجاتهم ، أو تفسد علاقة الشباب بربهم ، أو تفسد علاقة المجتمع بعضه ببعض .
﴿ وَلَا تَبَرَّجْنَ ﴾
[سورة الأحزاب : 33]
أي هذه الفتنة ، هذا الجمال الذي منحه الله للمرأة ، حينما منحه إياها من أجل أن يكون عوناً لها على أن يحبها زوجها ، من أجل الوفاق الزوجي ، أي المرأة محببة ، لو أنها تقوم بتربية الأولاد وتقوم بالوضع ، وبالحمل ، وبالرضاع ، وبالخدمة ، وبالطبخ وليس لها شكل مقبول ، لم تستقم الحياة الزوجية ، لكن الله سبحانه وتعالى جعل لها هذا الشكل المحبب وقال : ﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ﴾
[ سورة آل عمران: 14 ]
من أجل أن تكون الألفة بينهما : ﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ﴾
[سورة الروم: 21]
هذه مودة ، تأتي من أنها محببة للرجل ، هذا الشيء الذي منحه الله إياه لعلة واضحة ، إذا استخدمت لغير ما خلقت له فقد فسدت وأفسدت . على المرأة صون عرضها و عفافها لأن هذا أثمن ما تملك :
﴿ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾
[سورة الأحزاب : 33]
في الجاهلية كانت النساء تتبرج لا بقصد إرضاء أزواجهن ، بل بقصد إبراز مفاتنهن، لذلك هذه تصل في تفرغ المرأة لزوجها ، وفي صونها لنفسها ، وأثمن ما تملك المرأة شرفها وعرضها وعفافها ، فإذا عرضت هذا الشيء الثمين لأنظار الناس كلهم فقد أثارت حولها الذئاب ، الجوهرة المكنونة توضع في علبة مخملية ، وفي صندوق ، أما الشيء التافه الذي لا قيمة له فتراه ملقياً في الطريق . ﴿ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾
[سورة الأحزاب : 33]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3794/04.jpg
من الكلمة الأولى يُفهم أن هناك جاهلية أمر وأدهى سوف تأتي في آخر الزمان .
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ﴾
[سورة الأحزاب : 59]
أكثر المفسرين فسروا هذه الآية أن الجلباب يجب أن يستر جسد المرأة كله ، من رأسها إلى أخمصها ، هذا هو الجلباب ، وسُمح أن تبقى عين واحدة مكشوفة كي ترى طريقها. ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ﴾
[سورة الأحزاب : 59]
والآن هات لي واحدة لا يرى الناس وجهها ، لا يستطيع أحد مهما بلغ فسقه أن يسمعها كلمة في الطريق ، ولا أن يتحرش بها ، ولا أن يصف شكلها ، ولا أن يتكلم كلاماً يؤذيها، لأنه لا يراها ، فإذا بدا الوجه ، وهو موطن الفتنة في المرأة كانت التعليقات ، إن كان فاتناً علق الناس تعليقاً خاصاً ، فإن لم يعلقوا أضمروا في نفوسهم ما لا تُحمد عقباه ، وإن نظروا وكان في الوجه دمامة تكلموا بكلمات تعقد هذه المرأة ، لذلك قال الله عزوجل : ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ ﴾
[سورة الأحزاب : 59]
معنى المرأة التي تظهر مفاتنها قد تؤذي ، وقد تؤذى ، تؤذي بإثارة الشهوات وقد تؤذى ببعض الكلمات التي تجرح شعورها إن بقي عندها شعور .
على كلٍّ الآية الثانية : ﴿ وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ﴾
[سورة النور : 31]
المفسرون قالوا : الذي يظهر من زينة المرأة طولها ، هل تستطيع أن تخفي طولها؟ كونها ممتلئة الجسم أو نحيلة ؟ هذا شيء لا تستطيع أن تخفيه ، لذلك الآية الكريمة : ﴿ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ﴾
[سورة النور : 31]
أما الوجه لو أن الوجه مستثنى من هذه الآية إلا ما أظهرن ، بيدها أن تظهره أو لا تظهره ، أما إلا ما ظهر ليس إلا ما أظهرن منها ، الوجه إلا ما أظهرنا ، والمعصم إلا ما أظهرن ، والرقبة إلا ما أظهرن ، كل هذه الأعضاء يمكن سترها ، إلا ما ظهر من دون قصد، ومن دون إرادة ، ومن دون إمكان ، إلا ما ظهر منها ، قالوا : طولها ، وقالوا : ثيابها. ابتعاد المرأة عن التبرج :
﴿ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ ﴾
[سورة النور : 31]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3794/05.jpg
الجيب فتحة الصدر ، يضربن بخمورهن ، والخمار الرداء التي تختمر به المرأة، والخمر تستر عقل الإنسان ، والخمار يستر المرأة ولتضرب خمارها على جيبها مروراً بوجهها .
﴿ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آَبَائِهِنَّ أَوْ آَبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾
[سورة النور : 31]
والنبي صلى الله عليه وسلم يقول : (( يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح لها أن يُرى منها ))
[أبو داود عن عائشة]
أي المرأة إذا بلغت سن البلوغ لا ينبغي أن يراها الأجنبي لأنه إذا رآها زرعت الشهوة في قلبه ، يقول عليه الصلاة والسلام : ((... إن المرأة إذا أقبلت أقبلت في صورة شيطان ...))
[الترمذي عن جابر بن عبد الله]
أي إذا رأيتها مقبلة بزينتها حركت الشهوة ، وإذا رأيتها مدبرة حركت الشهوة لذلك قال عليه الصلاة والسلام : (( مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً هِيَ أَضَرُّ عَلَى الرِّجَالِ مِنْ النِّسَاءِ ))
[ مسلم عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ]
ويقول عليه الصلاة والسلام : (( صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلَاتٌ مَائِلَاتٌ رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا ))
[ مسلم وأحمد عن أبي هريرة]
أي الثوب إذا شفّ عن لون الجلد فهذا ليس بثوب ، إنها بهذه الثياب كاسية عارية، أي القماش الرقيق الذي يظهر ملامح الجسد يدخل بهذا الحديث كاسية عارية ، والثياب الثخينة إذا كانت ضيقة فوصفت حجم العضو كاسية عارية . ((.....كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلَاتٌ مَائِلَاتٌ رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا ))
كيف أفهم أن امرأة مؤمنة تظهر مفاتنها للأجنبي ؟ إيمانها بقلبها كبير ، لا تدع الصلاة ، أي غطاء رأسها في محفظتها ، لكن مضطرة ، هذا كلام مرفوض ، لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق .
أب سأل بناته ، لماذا أنتن متحجبات ؟ فأجابت كل فتاة كلمة بحسب مستواها قالت إحداهن : لأن الله أمر بذلك ، وقالت أخرى : لأنني بهذا أرضي الله عز وجل ، وقالت ثالثة : أنا متحجبة لئلا أؤذي عباد الله .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3794/06.jpg
شاب في مقتبل حياته ، ملتهب ، إذا رأى فتاة وكان منظرها مثيراً لشهوته ، ماذا يصنع بنفسه ؟ جاهل ، ليس له مجلس علم يعلمه غض البصر ، ليس له أستاذ يعلمه الدين الصحيح ، ليس له تعلق بالآخرة ، سيفسق ، سينحرف ، سوف يبتغي وراء ذلك ، هي شريفة ما جرؤ على التكلم معها ، ولا تكلم معها ، ونظرها في الأرض ، ولكن زرعت الفتنة في نفسه.
إذا لبست المرأة لباساً حديثاً وفق أحدث الموضات ، معنى ذلك أنها تدعو الناس إلى النظر إليها ، تدعو الناس إلى التهامها بعيونهم ، وتقول إنها شريفة ، أين شرفها ؟ لو أنها شريفة لحجبت مفاتنها عن الذئاب . أقول الذئاب بالذات .
مثل مضحك ، إذا رجل ركب سيارة عامة ترى أبوابها مخلوعة لها وضع خاص هذه عامة ، أما السيارة الخاصة فمنتظمة ، أيضاً المرأة لما تظهر مفاتنها صارت عمومي ليست خصوصي ، مستهلكة من الجميع ، يستمتع بها الجميع ، ولا شأن لها عند الله عز وجل أما هذه المرأة التي خلقها لتكون لزوجها ، فعندئذ يرزقها الله بهاءً إلى أمد طويل ، سبحان الله المرأة التي تصون نفسها بالخمسينات مشرقة ، والتي يراها الأجنبي صباحاً ومساءً بسن مبكرة يذهب رونقها ، ويذهب جمالها لأنها استهلكت ، استهلكت وأهلكت . الحياة السليمة أساسها تطبيق لكتاب الله :
وعن موسى بن يسار رضي الله عنه قالت : " مرت بأبي هريرة امرأة وريحها تعصف - الآن أين ما مشيت ، على بعد ثلاثة أمتار تشم رائحة المرأة ، أي يدفع الناس على العطورات مبالغ طائلة ، النساء في الطريق ، إذا كان الرجل غير منتبه يشم رائحة نسائية فينظر طبعاً أهل الدنيا . فسيدنا أبو هريرة مر بامرأة وريحها تعصف ، فقال لها : أين تريدين يا أمة ؟ قالت إلى المسجد ، فقال : وتتطيبين ؟ قالت نعم ، قال : فارجعي فاغتسلي ..أي إذا خرجت المرأة متعطرة خرجت زانية ، قال : فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :
((لاَ يَقْبَلُ اللَّهُ مِنِ امْرَأَةٍ صَلاَةً خَرَجَتْ إِلَى الْمَسْجِدِ وَرِيحُهَا تَعْصِفُ ، حَتَّى تَرْجِعَ فَتَغْتَسِلَ ))
[ أبو يعلى عن أبي هريرة]
الموضوع حساس ودقيق ، وكل منا يعرف أبعاده ، ويعرف كم من طلاق تم بسبب الاختلاط ، كم من شقاء وقع في بيت بسبب التبرج ، كم من انحراف وقع من زوج أو من زوجة بسبب ذلك .
أحياناً في هذا المسجد تأتيني مشكلات ، شيء لا يُذكر ، إنسان غائب عن زوجته دخلت إلى بيت الجار في غيبته ، طبعاً هناك إهمال للشرع ، هذا الشرع إذا طبقته كان وقاية لك من المشكلات ، ومن المفاجآت ، ومن الأمور التي لا تحتملها ، فإذا أطلقته ، ولم تكن عالماً بمضار الاختلاط نلت فوق ما تستطيع ..
رجل والله في هذا المسجد ، القصة من ثماني سنوات، بعدما انتهت خطبة الجمعة قال لي سؤالاً : قال : والله زوجتي وجدتها مع رجل ، قلت : له ما السبب ؟ قال لي : جارنا دخل إليّ ، زارني ، فقلت لا : فلان مثل أخيك هات القهوة ، هذا جاهل بما يكون من عواقب الاختلاط . الإنسان الذي يحب نفسه ويحب أن يمضي عمراً مع زوجته في اطمئنان ودعة ، واطمئنان إلى أخلاقها ، وإلى استقامتها ووفائها ، لا يعرض نفسه إلى مهالك بسبب جهله بالدين.
إنسان آخر دعا زوجته إلى العمل خارج المنزل ، بوظيفة حساسة لها علاقة بضرائب معينة، جاءتها الهدايا ، جاءتها المبالغ ، اشترت بيتاً آخر ، غابت عن البيت ، استعلت على زوجها ، بعد ذلك شعر أن على نفسها جنت براقش ، تركته بعد ذلك ، من هو أمام من هو معجب بها ، وبقيمتها ، وبدخلها .
أحدهم نفخ قربة وركب فيها بالنهر ، في منتصف الطريق نفست فغرق ، فقال له بعضهم : يداك أوكتا وفوك ونفخ ، أي ربطتا ، هذا من صنعك .
تسمعه أحياناً يقول لزوجته : يجب أن تظهري على إخوتي كلهم من دون شيء هؤلاء إخوتي . هل هذه آية أم حديث ؟ من أين أتيت بها ؟ جهل .
أحياناً الأهل يشترطون على الزوج أن ابنتهم تختلط مع أخوة زوجها شرطاً ، لا تعمل لنا تفرقة في العائلة ، نحن ربينا سوية ، شيء جميل ما هذه العادات ؟
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3794/07.jpg
صنف آخر ، أن فلانة ربيتها ، أين هي ؟ صارت زوجة ، يجب ألا تحجبها عني أنا مربيها ، ما هذا الكلام ؟ كلام جهل ، وترى مضاعفات ، وانحرافات ، وغمز ، ولمز ، ويفاجئون بعضهم بأوضاع غير سليمة ، ويشتكون من بعضهم ، ويخونون بعضهم ، وتصير عداوات . هذه كلها منافذ الشيطان .
فإذا أردت أن تحيا سليماً من هذه الآفات فطبق كتاب الله .
إذا اشترى رجل سيارة ، معها نشرة بالعربية ، مرة قرأتها بكاملها هي من ستين أو سبعين صفحة تقريباً ، متى يجب أن تضع الزيت ، كيف تمسح البلور ، إذا مستحته من دون ماء ينجرح ، لابد أن تفحصها كل فترة من أسفلها لتزفيتها ، وإلا تهترئ ، وجدت أشياء ضرورية جداً . من أفهم جهة تعطيك النصائح الصحيحة في صيانة السيارات ؟ المعمل . أما إذا سألت رجلاً ليس له علاقة بالمصلحة إطلاقاً فيعطيك نصائح غير صحيحة ، يقول لك : لا تحميها صباحاً فوراً امش لا يوجد وقت . غير فهمان .
فالإنسان حينما يتلقى النصائح بأمور حياته من جهات غير خبيرة يدفع الثمن ، أما إذا تلقى النصيحة من خبير : ﴿ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾
[ سورة الملك : 14 ]
نحن من خلقه ، وهذا الكتاب القرآن الكريم هو دستورنا في الحياة تخالفه فتدفع الثمن . علاقة المعصية بنتائجها علاقة علمية :
كنت أقول دائماً : إن الإنسان إذا لمس مدفأة تحترق يده ، العلاقة بين لمسها واحتراق اليد هذه علاقة سبب بنتيجة ، أي علاقة علمية ، أما إذا اشترى الأب دراجة لابنه الناجح هذه علاقة حكيمة ، الأب قال لابنه : إذا نجحت أشتري لك دراجة . هذه علاقة ليست بالضرورة، علاقة وضعها الأب ، فلما نجح الابن اشترى له دراجة .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3794/08.jpg
علاقة المعصية بنتائجها علاقة علمية ، أي كل معصية فيها بذور نتائجها ، من دون تدخل من الله ، نفس المعصية . تيار ستة آلاف فولت ، يقول لك : خطر الموت ، أي ما من حاجة إذا مسكه إنسان يأتي آخر و يكتب له ضبطاً ويخالفه ، يموت لوحده منه ، من دون تدخل الدولة ، إذا إنسان مسك تياراً توتره عال وخالف اللوحة المرسوم عليها جمجمة وعظمتين ، ومسكه يصبح فحماً فوراً ، لا حاجة لأن يكتبه مخالفة ، ويحيلوه على القضاء ، ما من حاجة لذلك . مسك التيار نفسه يحول صاحبه فحماً فوراً ، يجب أن تفهم الدين هكذا ، الاختلاط يسبب خراب البيوت ، التبرج يسبب فساد العلاقة بين الأزواج كلهم ، كل معصية لله عز وجل تسبب فساد الحياة من دون تدخل من الله ، الله لا يعاقب أحداً ، عمل نظاماً دقيقاً ، تخالف فتقع . إذا رجل حرك المقود على اليمين فجأة وعلى اليمين واد ، هذا التحريك بحد ذاته فيه بذور الوقوع في الوادي ، هكذا الشرع ، لذلك أوامر الشرع ليست قيوداً للإنسان ولكنها ضمان لسلامته .

الحرام هو ما حرمه الله :
لا أقول من باب المبالغة إذا الإنسان أحب نفسه يستقيم على أمر الله ، يحب أن يعيش حياة هادئة مع زوجته يقول لك : والله عشت معها خمساً وأربعين سنة ما رأيت منها شيئاً أكرهه ، معناها أنت حصنتها وحصنت نفسك ، أما المفاجآت فلا يعلمها إلا الله .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3794/09.jpg
لا أحب أن أخوض بهذه الموضوعات كثيراً لأنني سمعت قصصاً يقشعر منها البدن من الاختلاط . قال رجل لأستاذ في المدرسة : أخي عنده ثلاثة أولاد ، من كل أخ واحد، مني واحد ومن أخيه الثاني واحد ، ومنه واحد . اختلاط ، هذا أخي ، وإذا أخوك ؟ الحمو الموت.
الذي حرمه الله فهو حرام ، سبحان الله أرى عوائل لا أقول في قمة الجهل ، لا ، الجهل ليس له قمة ، بل في حضيض الجهل ، إذا أراد الشاب فيهم أن يطبق الشرع يقيمون عليه النكير ، لماذا ؟ من أين أتيت بهذا الدين ؟ هذا قرآن كريم ، حديث رسول الله ، ألا يعجبكم قرآن الله عز وجل :
﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾
[سورة الأحزاب : 33]
و : ﴿ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوْ التَّابِعِينَ أَوْ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الْإِرْبَةِ مِنْ الرِّجَالِ أَوْ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾
[سورة النور الآية 31]
معدودون سبعة لا يوجد غيرهم . ابن عمها ليس وارداً ، أخي نحن هكذا تربينا . ابن خالتها غير وارد ، أخو زوجها غير وارد ، خال زوجها غير وارد ، فبذلك يخالفون الشرع ، وتقع المشكلات . * * *
ارتقاء الإيمان يؤدي إلى صفاء النّفس :

والآن إلى بعض الأحاديث الشريفة التي درجنا قبل رمضان على شرحها بفضل الله وتوفيقه .
قد يكون الحق مراً ، أو الحق قاس على بعض الناس ، هذا الحق ونحن نقول: النسب النظامية بالكولسترول هكذا ، إذا أنت عندك نسبة عالية تقول : أنا لا أعاني من شيء ، فالإنسان إذا انحرف عن الشرع هذه حالة مرضية ، والعلاج حتمي فإما أن يعالج نفسه قبل أن يعالجه الله عز وجل ، حتمية المعالجة ، رحمة الله عز وجل تقتضي أن يعالج كل العباد .
يقول لك : نحن نخالف ولم يحدث معنا شيء ، هذا كلام فيه جهل أيضاً ، هناك أمراض دور حضانتها ثلاثون سنة وأمراض عشر سنوات ، وأمراض خمس سنوات ، إذا إنسان وضع في الأساسات خمسة أكياس بدلاً من سبعة ، ثم يقول لك : لم يحدث شيء ، نقول له : طول بالك .. هذا الحديث : ((لَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ كَيْفَ أَنْتَ يَا حَنْظَلَةُ قَالَ قُلْتُ نَافَقَ حَنْظَلَةُ قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ مَا تَقُولُ قَالَ قُلْتُ نَكُونُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَافَسْنَا الْأَزْوَاجَ وَالْأَوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ فَنَسِينَا كَثِيرًا))
[ مسلم عن حنظلة الأُسَيِّدِىِّ رضي الله عنهما ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3794/10.jpg
الإنسان كلما ارتقى إيمانه تصفُ نفسه ، يصبح يرى ما لا يراه الناس ، إذا كانت المطر ستهطل ، يجوز واحد من أهل الدنيا يقول : قالوا : اليوم ستنزل المطر ، انظر كم ميلي نزلت اليوم ، يأتي بباله مطر نزلت ، وكم ميلي ، وكان يجب ألا تنزل المطر لأنه يوجد عنده شيء من دون تغطية ، عنده إسمنت من دون تغطية ، هذا تفكيره ، يأتي المؤمن يرى المطر تنزل، يراها رحمة الله ، يرى يد الله تنزله ، يرى استجابة الله لعباده ، يخطر بباله معاني قد يبكي منها ، كل هذه المعاني لا تخطر في بال الكافر أبداً .
المؤمن يأكل فاكهة ، يرى الذي خلقها بهذا القوام ، بهذا الشكل ، بهذه الرائحة ، بهذا الطعم ، بهذا السعر ، بهذه الكمية ، بهذه الغزارة كانت تراباً ، بستان فيه أجاص ، وتفاح، وخوخ ، ومشمش ، أثمار متفاوتة في الأشكال والألوان والطعوم ، هذه حامضة ، وهذه حلوة ، هذه هلامية ، هذه قاسية ، هذه لها قشرة ، هذه ليس لها قشرة ، هذه شكلها كثمرة ، هذه شكلها مربع ، هذه شكلها كروي ، هذه شكلها دائري ، هذه كبيرة ، هذه صغيرة، يرى رحمة الله عز وجل ، لذلك المؤمن يرى ما لا يراه الناس ، لو كبر إيمانه أكثر يحس أن هذه المخلوقات تسبح الله عز وجل .
إذا إنسان رأى زهرة يقشعر بدنه أمامها ، كائن جميل خلقه الله ، تسبح بحمد الله ، تجنب أن يدوس على زهرة في الطريق ، إذا ارتقى أكثر ، كأنها تخاطبه ويخاطبها .
إنسان صالح بقي بالطعام رزة فأكلها ، قال : سمعتها تقول : رب لا تذرني فرداً وألحقني بالصالحين .
الله خلقها من أجلك أيها الإنسان ، لمَ تتركها هكذا هملاً ؟ خلقت من أجلك . الأصل هو الدين :
كلما صفت نفس الإنسان يرى ويسمع ما لا يراه الناس وما لا يسمعون . الأنبياء ..
(( أعرف حجراً بمكة كان يسلم علي ))
[ مسلم عن جابر بن سمرة ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3794/11.jpg
دخل على بستان صلى الله عليه وسلم فرأى جملاً ، فلما رآه حن - بكى الجمل- فتقدم منه ، ومسح ذفريه ، وقال :
(( من صاحب هذا الجمل؟ قال فتى من الأنصار: هو لي يا رسول الله، قال له النبي الكريم: ألا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها فإنه شكا إلي أنك تجيعه وتدئبه))
[الطبراني عن عبد الله بن جعفر]
لا تنكر على العلماء الكبار ، لا تنكر على العارفين بالله ، أحوالهم شفافية ، نفوسهم كشوفاتهم ، قل : الله أعلم .
أخي هل هذه : يا سارية الجبل الجبل ، أنت في مستوى سيدنا عمر ؟! . قال : أسمع صوت أمير المؤمنين يحذرني الجبل ، قال : يا سارية الجبل الجبل ..
إذا سمع الإنسان هذه الحادثة من عالم دكتور في الجامعة هذه حقيقة علمية .. كم نحن مخدرون ، دخل عندنا دكتور قال لنا : هذه الحادثة اسمها التخاطر النفسي ، النفس لا تزال كائناً مجهولاً ، لها شعاع .
هناك حادثة سجلها العلماء أن امرأة في إيطالية ابنها في باريس رأت وهي في المطبخ أن ابنها قد داسته سيارة ، رأته في عينها هذه اسمها أحلام اليقظة ، بعد أربعة أيام جاء ابنها بنعش مع تقرير بنفس الدقيقة ، قال : هذه حادثة علمية ثابتة اسمها التخاطر النفسي تفسيرها صعب ، عندما يقولها دكتور في الجامعة ساعتئذ يا سارية الجبل الجبل صحيحة ، إذا لم يقلها الدكتور فهي غير صحيحة ، هذا هو الجهل ، إذا كان شيء بالعلم يوافق الدين أقبله ؟ لا ، إذا كان الدين يوافق العلم تقبل الدين ، الأصل هو الدين ، الأصل ما جاء به كتاب الله . أنواع الحقائق :
لذلك بعض العلماء قالوا : الحقائق نوعان ، حقائق تنحدر إلينا عن طريق الوحي للأنبياء ، وحقائق نكشفها عن طريق التجربة ، مصدرها واحد.
ربنا عز وجل قال : العسل فيه شفاء للناس ، كلام إله ، حقيقة ثابتة قطعية ، قد يكون العلماء كشفوا للعسل مليون فائدة ، وألفوا عنه كتباً ، هذا العلم جاءنا عن طريق التجربة، وكلمة فيه شفاء للناس هذا عن طريق الوحي ، العلم الذي جاءنا عن طريق التجربة علم ناقص أحياناً يعتريه الشك والخطأ والنسيان ، وأما العلم الذي جاءنا عن طريق الوحي فكامل مكمل . أي إذا مسكت مذياعاً ونزعت منه الصمام توقف الصوت ، قلت : هذا من أجل الصوت ، قد يكون الصمام على طريق الصوت من أجل شيء آخر ، أما إذا قال لك مخترع الجهاز : هذا الصمام من أجل ثلاثين فائدة هي كذا وكذا وكذا ، هذا علم كامل من مخترع الجهاز ، أما إذا نزعت الصمام ورأيت آثار نزعه فغاب الصوت قلت : هذا من أجل الصوت هذا علم ناقص ، قد يكون الصمام على طريق الصوت ، أما هو فمهمته تصفية الصوت لا إحداث الصوت ، فالعلم التجريبي علم له قيمته ولكن يبقى ناقصاً ، أما علم الأنبياء فكامل ، لما قال الله :
﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ﴾
[سورة الأحزاب : 33]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3794/12.jpg
الآن العلماء الأجانب يقترحون إنشاء جامعات للفتيات وجامعات للذكور في أمريكا نفسها ، وجدوا سبعاً وعشرين ألف لقيط في الحدائق ، هناك بلاد نصف سكانها بالقضاء . الآن الأجانب بدافع علمي بحت يقترحون أن تكون جامعات للفتيات وجامعات للذكور .
(( أعرف حجراً بمكة كان يسلم علي ))
[مسلم عن جابر بن سمرة ]
يقول عليه الصلاة والسلام : (( قَالَ : لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ ))
[أبو داود والنسائي عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ]
هذا تعليم لنا ، إياك أن تكون شاهداً على جور . (( عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رَضِي اللَّه عَنْهمَا قَالَ سَأَلَتْ أُمِّي أَبِي بَعْضَ الْمَوْهِبَةِ لِي مِنْ مَالِهِ ثُمَّ بَدَا لَهُ فَوَهَبَهَا لِي فَقَالَتْ لَا أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخَذَ بِيَدِي وَأَنَا غُلَامٌ فَأَتَى بِيَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إِنَّ أُمَّهُ بِنْتَ رَوَاحَةَ سَأَلَتْنِي بَعْضَ الْمَوْهِبَةِ لِهَذَا قَالَ أَلَكَ وَلَدٌ سِوَاهُ قَالَ : نَعَمْ قَالَ فَأُرَاهُ قَالَ لَا تُشْهِدْنِي عَلَى جَوْرٍ وَقَالَ أَبُو حَرِيزٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ ))
[أبو داود والنسائي عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ]
هذا جور . الأب العاقل المؤمن يعدل بين أولاده ، بصرف النظر عن فروقهم الفردية ، واحد بهلول ، واحد لا يوجد عنده إمكانيات يكون بهلولاً ، واحد قريب منه ، بعيد عنه ، واحد متزوج عنده غضبان على كنته لا يريد أن يعطيه شيئاً من الميراث ، واحد ليس متزوجاً بعد ، هذه كلها اعتبارات لا قيمة لها عند الشرع . هؤلاء جميعاً أولادك ، ساوِ بينهم في العطية ، قال له : إني لا أشهد على جور ، هذا جور .
يقول عليه الصلاة والسلام : ((إِنِّي لَأَدْخُلُ الصَّلَاةَ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُطِيلَهَا فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَأَتَجَاوَزُ فِي صَلَاتِي مِمَّا أَعْلَمُ مِنْ شِدَّةِ وَجْدِ أُمِّهِ مِنْ بُكَائِهِ))
[البخاري عن أبي قتادة ]
كان عليه الصلاة والسلام حكيماً ، دخل في الصلاة وفي نيته أن يطيل الصلاة سمع بكاء الصغير وأمه تصلي خلف الصفوف ، فاقتصر من الصلاة رفقاً بهذه الأم التي تشفق على ابنها من البكاء . لذلك كان عليه الصلاة والسلام أخف الناس صلاة في تمام .
أي أحياناً تصير الصلاة عرض عضلات ، حافظ والله شيء جميل أما إذا كان لوحده وصلى عشر ساعات فلا مانع ، لكن مع الناس أحدهم لا يستطيع أن يقف كثيراً ، أي تحملك أن تقرأ نصف صفحة ، ثلاثة أرباع الصفحة ، خمس صفحات ، أما إذا كان في قيام ليل فهذا لحاله ، ليس له علاقة ، أما الصلاة العادية ، الصلوات الخمس ، فكان أخف الناس صلاة في تمام ، أي يؤدي خصائصها وأركانها وشروطها بالتمام والكمال مع خفة في الصلاة، أي نصف صفحة ، ثلاثة آيات ، أربع آيات ، يقول عليه الصلاة والسلام : (( إِنِّي لَمْ أُؤمَرْ أَنْ أَنْقُبَ عَنْ قُلُوبِ النَّاسِ وَلَا أَشُقَّ بُطُونَهُمْ ))
[متفق عليه عن عمارة بن القعقاع]
التأدب بآداب الإسلام :
أنت بعت صحوناً ، أخي هذه الصحون يا ترى يريد أن يضع فيها مستلزمات المشروب ؟ هذا ليس شغلك .
أنت بعت صحوناً ، صحون يوضع بها طعام ، هناك شخص يدقق بشكل مزعج .
الإنسان إذا دخل المسجد ، و رأى إماماً ، يسأل : أخي هذا الإمام ورع ؟ هذا ليس شغلك ، صلِّ وراء كل بر وفاجر . إذا تعرفه فاجراً سلفاً فلا تصلِّ وراءه ، أما دخلت إلى المسجد فصلّ من أجل وحدة الصف .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3794/13.jpg
إنسان وضع لك طعاماً ، يا ترى هل ماله حلال ؟ إذا قلت له : مالك حلال يجوز أن ينفر منك ، إن قلت له : أنا لا أعرف هل دخلك حلال أم حرام ؟ يعمل معه تحقيقاُ من أجل لقمتين ، حل عنه لا يريد أن يطعمك .
النبي الكريم كان رقيقاً ، قال :
(( إِنِّي لَمْ أُؤمَرْ أَنْ أَنْقُبَ عَنْ قُلُوبِ النَّاسِ وَلَا أَشُقَّ بُطُونَهُمْ ))
[متفق عليه عن عمارة بن القعقاع]
كان بعض الأصحاب مع سيدنا عمر في البادية ، وجدوا ماء يريدون أن يتوضؤون منه ، قال : يا صاحب الماء هل ترد الوحوش هذا الماء ؟ قال سيدنا عمر : يا صاحب الماء لا تخبرنا ، أي ماء موجود ، ونظيف ، وطاهر ، إذا كنت تريد أن تتبع الأمور لأقصاها صار هذا تعنتاً .
الإنسان يجب أن يتأدب بأدب الإسلام ، هناك شخص يحل غلاظته على الناس باسم الدين ، أنا من أجل أن أتحقق ، من أجل أن أدقق وأتقصى الحلال ، أنت تقصى الحلال بشكل لطيف ليس بشكل مزعج للناس ، لئلا يكره الناس دينك .
إنسان اضطر أن يصافح شخصاً مشركاً ، هو مسك العباءة وصافحه قال: هذا مشرك نجس ، هذه ليس لباقة أن تصافحه بالعباءة ، ليست نجاسة عينية ، نجاسة حكمية ، قد يكون منذ قليل كان في الحمام غسل بصابون معطر ووضع عطراً على يديه ، ليس يديه النجسة، بل تصرفاته نجسة .
﴿ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ﴾
[ سورة التوبة : 28 ]
لا يصافحه إلا بالعباءة ، هذا مما ينفر الناس من الدين .
مرة أحدهم قال لي : ضع لي عندك هذا الغرض ، كتبت عليه السيد فلان ، هو ليس مسلماً بل نصرانياً ، قيل لي : كيف تقول عنه سيد ؟ كان سيعمل لي مشكلة ، قلت له : أنا أقصد السيد هو الذئب ، وجمعه أسياد فسكت . نفدت منه بهذا التوجيه . يكون هو له عمل أسوأ منه ، لكنه تزين بالباطل ، المسلم إذا لم يكن ورعاً مستقيماً ما هذه الادعاءات الكاذبة ؟ (( إني لا أصافح النساء ))
[النسائي وابن ماجه وأحمد ومالك عَنْ أُمَيْمَةَ بِنْتِ رُقَيْقَةَ]
تراه يصافح معظم الناس وضحكته ظاهرة ، ويشد على يدها من باب المودة وهي أجنبية عنه .
إني لا أصافح النساء ، يقولون عنه : جلف ، لا يوجد عنده لباقة ، عند الله مكرم. إني لا أقبل هدية مشرك ، بعض الأشخاص يقبلون أية هدية ، إن كانت من مشرك لها معانٍ كثيرة ، لكن هناك استثناءات قليلة ، إذا كان هذا المشرك فيه نواة طيبة ، ويُرجى له الصلاح وقبلتها تأليفاً لقلبه ، فالنبي فعل هذا حينما قبل مارية القبطية من المقوقس ، أما للأفراد فلا يجوز ، فإذا فعلوها فقد خالفوا هذا الحديث الشريف . لا تصح إلا من أنبياء أو ممن بيدهم ولاية الأمور ، أما من أفراد فتقبل هدية من مشرك معنى ذلك كأنها رشوة ، أي خذها واسكت. فالإنسان إذا جاءه خير عن طريق مشرك ، أو كافر يميل نحوه ، إذا مال قلبه إلى مشرك تنتقل له أحواله ، شهواته ، دناءته ، ميوله المرضية ، هذا كله يأتيه عن طريق العدوى ، من أحبّ قوماً فهو معهم . كل نفس تُحشر على هواها ، فمن هوي الكفرة حشر معهم ولا ينفعه علمه شيئاً. (( إني وإن داعبتكم فلا أقول إلا حقاً ))
[ﺍﻟﺘﺭﻤﺫﻱ ﻜﺘﺎﺏ ﺍﻟﺒﺭ ﻭﺍﻟﺼﻠﺔ ﻋﻥ ﺃﺒﻲ ﻫﺭﻴﺭة]
هناك مزاح غليظ يسبب جلطة أحياناً ، يسبب طلاقاً ، أحدهم خطب امرأة قيل له هذه ليست من مستواك ، ففي اليوم الثاني طلقها ، بعد أسبوعين قال له : ماذا صنعت ؟ قال له: والله كنت أمزح معك مزاحاً . كان قد طلقها وانتهى ، هذا المزاح مدمر . " إني وإن داعبتكم فلا أقول إلا حقاً " .
معناها المداعبة والمزاح مستحب من المؤمن ، لكن المزاح الذي لا يخدش حياء إنسان ، ولا يجرح إنسان ، أي له شروط كثيرة جداً ، مطلق المزاح غير مطلوب .
من كثر مزاحه استخف به ، إياك وكثرة الضحك ، فإن كثرة الضحك تميت القلب.
لكن المزاح اللطيف ، القليل ، يضفي بهجة ، وأنساً ، ويسبب محبة وميل القلوب نحو المتكلم . الفكاهة بالتعليم :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3794/14.jpg
درسنا في التربية موضوعاً مستقلاً ، الفكاهة بالتعليم ، أحياناً تشعر أن الطلاب قد تعبوا ، وبقي لانتهاء الدرس ثلث ساعة ، أحياناً طرفة أدبية تعطي نشاطاً و استماعاً إلى ساعة ثانية . ولكن له شروط ، ألا تمزح على طالب بالذات ، أو على مهنة أولياء الطلاب ، هذا شيء لا يجوز ، لذلك المعلم الناجح يعرف مهن أولياء الطلاب كلهم ، ولو كان هناك طرفة ممتعة جداً تمس إحدى المهن فلا يستخدمها أبداً ، لأنها تجرح طالباً . فالمزاح المطلوب هو الذي لا يؤذي أحداً ، ولا يحرج إنساناً ، ولا يجرح نفساً ، ولا يخدش شعوراً . هناك مزاح ليس له علاقة بالحاضرين إطلاقاً ، مزاح أدبي ، مزاح لغوي ، فكرة معينة ، مفارقة.

(( إني وإن داعبتكم فلا أقول إلا حقاً ))
[ﺍﻟﺘﺭﻤﺫﻱ ﻋﻥ ﺃﺒﻲ ﻫﺭﻴﺭة]
التأدب بآداب النبي الكريم :
قال :
(( إنما يقيم من أذن ))
[ كنز العمال عن ابن عمر]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3794/15.jpg
إنما يقيم الصلاة من أذن ، ما علاقة هذه بهذه ؟ كان في المئذنة أنهى الأذان ، فقام غيره ليصلي ، ثم بدؤوا بالصلاة وهو لم ينزل من المئذنة ، بهذه الطريقة المؤذن نفسه الذي كان في رأس المئذنة هو الذي يقيم الصلاة ، هذا نظام اجتماعي .
ساقي القوم آخرهم شرباً ، إذا إبريق ليمون والحاضرون عشرة ، فعبأ كأساً وشربها ، ثم صب كأساً وكأساً ثالثاً انتهى الإبريق ، إذاً كان يجب بحسب الشرع أن يشرب آخر واحد ، ساقي القوم آخرهم شرباً ، اعمل حسابك ، الكل يريد أن يشرب وأنت آخر واحد معنى هذا عليك أن توازن بحيث يبقى لك شيء في الآخر . إنما يقيم الصلاة من أذن ، تريد أن تسبق المؤذن لا يجوز ، الذي أذن يقيم الصلاة .
العيادة فواق ناقة ، زرت مريضاً ، يريد أن يأخذ إبرة ، أو يقضي حاجة ، قعد وانبسط ، جلس ثلاث ساعات والمريض يغلي .
العيادة فواق ناقة ، مقدار حلب ناقة ، أي عشر دقائق . * * *
نعيم بن مسعود :
والآن إلى قصة لصحابي جليل رضي الله عنه وأرضاه .
قام هذا الصحابي بعمل كبير جداً . هذه القصة مفادها أن المؤمن يجب أن يكون ذكياً ، المؤمنون كلهم مكرمون ، ولكن هناك مؤمناً محدوداً ، ومؤمناً متقد الذكاء ، متقد الذكاء يجري الله على يديه خيراً كثيراً .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3794/16.jpg
قال : نعيم بن مسعود فتى يقظ الفؤاد ، ألمعي الذكاء ، خرَّاج ولاج ، لا تعوقه معضلة ، ولا تعجزه مشكلة ، يمثل ابن الصحراء بكل ما حباه الله من صحة الحدس ، وسرعة البديهة ، وشدة الدهاء ، لكنه كان صاحب صبوة - له ميول- وخدين متعة ، كان ينشدهما أكثر ما ينشدهما عند يهود يثرب - طبعاً قبل أن يسلم - فكان كلما تاقت نفسه لقينة أو هفا سمعه لوتر شدّ رحاله إلى منازل قومه في نجد ، ويمم وجهه شطر المدينة حيث يبذل المال ليهودها بسخاء ، ليبذلوا له المتعة بسخاء أكثر ، ومن هناك فقد كان نعيم بن مسعود كثير التردد على يثرب ، وثيق الصلة بمن فيها من اليهود وبخاصة بنو قريظة ، ولما أكرم الله الإنسانية برسول الله صلى الله عليه وسلم كان نعيم بن مسعود ما يزال مرخياً لنفسه العنان، فأعرض عن هذا الدين الجديد أشد الإعراض خوفاً من أن يحول هذا الدين بينه وبين متعه ولذاته .
أحياناً ترى شخصاً خلافه مع الدين ليس عقائدياً ، خلافه ليس إيديولوجياً ، خلاف تضارب مصالح ، له عدة شهوات مستمتع بها ، يخاف إذا تدين أن يحرم منها ، يقول لك : أخي لا أريد مازال الوقت باكراً .
سيدنا نعيم كان من هذا القبيل ، ثم ما لبث أن وجد نفسه مسوقاً إلى الانضمام إلى خصوم الإسلام .. كان على الحياد فصار مع الخصوم ، مدفوعاً دفعاً إلى إشهار السيف في وجه المسلمين ، لكن نعيم بن مسعود فتح لنفسه يوم غزوة الأحزاب صفحة جديدة في تاريخ الدعوة الإسلامية ، وخطّ في هذه الصفحة قصة من روائع قصص مكائد الحروب .
قصة من روائع قصص مكائد الحروب :
الحقيقة قصة مثيرة جداً ، قصة ما يزال يرويها التاريخ بكثير من الانبهار بفصولها المحكمة ، والإعجاب ببطلها الأريب اللبيب .
فقبيل غزوة الأحزاب بقليل هبت طائفة من يهود بني النضير في يثرب وطفق زعماؤهم يحزبون الأحزاب لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم والقضاء على دينه ، فقدموا على قريش - من بني النضير - وحرضوهم على قتال المسلمين ، وعاهدوهم على الانضمام إليهم عند وصولهم إلى المدينة ، وضربوا بذلك موعداً لا يخلفونه ، ثم تركوهم وانطلقوا إلى غطفان في نجد ، فأثاروهم ضد الإسلام ونبيه ، ودعوهم إلى استئصال الدين الجديد من جذوره، وأسرّوا إليهم بما تمّ بينهم وبين قريش .
وفد من بني النضير ذهبوا إلى قريش وحرضوهم على قتال المسلمين ، ليس قتالاً ولكنه استئصال ، حرب إبادة ، إنهاء الإسلام كله ، وانطلقوا بعدها إلى غطفان ، وحرضوهم كذلك وعاهدوهم على ما عاهدوهم عليه ، وآذنوهم بالموعد المتفق عليه .
خرجت قريش من مكة بقضها وقضيضها، وخيلها ورجلها ، بقيادة زعيمها أبي سفيان بن حرب متجهة شطر المدينة ، كما خرجت غطفان من نجد بعدتها وعديدها ، بقيادة عيينة بن حصين الغطفاني ، وكان في طليعة رجال غطفان بطل قصتنا نعيم بن مسعود .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3794/17.jpg
خرج مع الأحزاب ليحارب رسول الله ، كان في القمة ، فلما بلغ الرسول صلوات الله عليه نبأ خروجهم جمع أصحابه الكرام وشاورهم في الأمر ، فقرّ قرارهم على أن يحفروا خندقاً حول المدينة ، ليصدوا عنها هذا الزحف غير المقدس الكبير الذي لا طاقة لها به ، وليقف الخندق في وجه الجيش الكثيف الغازي .
هذا كله معروف لديكم ، وما كاد الجيشان الزاحفان من مكة ونجد يقتربان من مشارف المدينة حتى مضى زعماء يهود بني النضير إلى زعماء يهود بني قريظة القاطنين بالمدينة .
الآن مؤامرة ثالثة ، زعماء بني النضير ذهبوا إلى زعماء بني قريظة وهم يسكنون في المدينة نفسها، وجعلوا يحرضونهم على الدخول في حرب النبي ، ويحضونهم على مؤازرة الجيشين القادمين من مكة ونجد ، فقال لهم زعماء بني قريظة : لقد دعوتمونا إلى أن نبغي ، ولكنكم تعلمون أن بيننا وبين محمد ميثاقاً ، على أن نسالمه ونوادعه لقاء أن نعيش في المدينة آمنين مطمئنين ، وأنتم تدرون أن مداد ميثاقنا معه لم يجف بعد ، ونحن نخشى إذا انتصر محمد في هذه الحرب أن يبطش بنا بطشة جبارة ، وأن يستأصلنا من المدينة استئصالاً جزاء غدرنا به .. لكن زعماء بنو النضير مازالوا يغرونهم بنقض العهد ، ويزينون لهم الغدر بمحمد صلى الله عليه وسلم ويؤكدون لهم بأن الدائرة ستدور عليه في هذه المرة لا محالة .
ويشدون عزمهم بقدوم الجيشين الكبيرين ، فما لبث بنو قريظة أن لانوا لهم ونقضوا عهدهم مع رسول الله صلوات الله وسلامه عليه ، ومزقوا الصحيفة التي بينهم وبينه ، وأعلنوا انضمامهم إلى الأحزاب في حربه .
النبي الكريم حفر الخندق تجاه الجيش الغازي ، أما بنو قريظة فيسكنون خلفهم ..
فوقع الخبر على المسلمين وقوع الصاعقة .. حاصرت جيوش الأحزاب المدينة وقطعت عن أهلها الميرة والقوت ، وشعر النبي صلوات الله عليه أنه وقع بين كيد عدوين؛ قريش، وغطفان ، وبنو قريظة ، وبنو النضير .
فقريش وغطفان معسكرون قبالة المسلمون من خارج المدينة ، وبنو قريظة متربصون متأهبون خلف المسلمين في داخل المدينة ، ثم إن المنافقين الذين في قلوبهم مرض أخذوا يكشفون عن مخبآت نفوسهم ويقولون : كان محمد يعدنا بأن نملك كنوز كسرى وقيصر وها نحن اليوم لا يأمن الواحد منا على نفسه أن يذهب إلى بيت الخلاء لقضاء حاجته .
ثم طفقوا ينفضون عن النبي جماعة إثر جماعة بحجة الخوف على نسائهم وأولادهم وبيوتهم من هجمة يشنها عليهم بنو قريظة إذا نشب القتال ، حتى لم يبق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سوى بضع مئات من المؤمنين الصادقين .
أعتقد هذه النقطة أخطر نقطة مرّ بها المسلمون .
وفي ذات ليلة من ليالي الحصار الذي دام قريباً من عشرين يوماً لجأ النبي صلوات الله عليه وسلامه إلى ربه ، وجعل يدعوه دعاء المضطر ، ويقول : "اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك .."
إذا الإنسان وقع في مأزق حرج وتقطعت به الآمال يلتجئ إلى الله عز وجل ، هو في حسب الظاهر .

السعيد 09-08-2018 07:15 AM

رد: الفقة الاسلامى 2
 
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى

الدرس : ( الخامس )

الموضوع : انواع الطلاق





حمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الواعد الأمين، اللهمّ لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنَّك أنت العليم الحكيم ، اللهمّ علِّمنا ما ينفعنا ، وانْفعنا بما علَّمتنا، وزِدنا علمًا ، وأرِنا الحقّ حقًا وارزقنا اتِّباعه ، وأرِنا الباطل باطلاً وارزقنا اجْتِنابه ، واجْعلنا مِمَّن يستمعون القَوْل فيتَّبِعون أحْسَنَهُ ، وأدْخِلنا بِرَحمتِكَ في عبادك الصالحين.
أنواع الطلاق :
1 ـ الطلاق الرجعي :
أيها الأخوة المؤمنون ، وصلنا في موضوع الطلاق إلى الطلاق السني ، والطلاق البِدْعي .
واليوم نتحدَّث إن شاء الله تعالى عن الطلاق الرجعي ، والطلاق البائن، فالطلاق الرجعي هو الذي يوقعُه الزوج على زوجته التي دخل بها حقيقة .
فعليه أن يكون دخل بالزوجة حقيقة وإلا الطلاق لا يقع ، أي دخل على زوجته دخولاً حقيقيًا ، أو طلّقها على مال ، أو كان الطلاق مكمِّلاً للثلاث كان طلاقًا بائنًا لا رجعة فيه ، معنى رجعي أي يمكن تداركهُ ، يمكن أن يعود الزوج ، ويرجع إلى زوجته .
الطلاق الرجعي لا يمْنعُ الاستمتاع بالزوجة ، لأنّه لا يرفع عقْد الزواج ، أي طلّقها في طهْرٍ لم يمسَّها فيه ، لها الحقّ أن تتزيَّن وأن تتبرّج وأن تبدو بأجمل زينة ، هذا كلّه من حقّها وله الحقّ أن ينظر إليها ، الطلاق الرجعي لا يمنعُ الاستمتاع بالزوجة ، ولا يُزيل المُلْك ، ملْكُه عليها قائم ولا يؤثِّر في الحلّ ، لا يحلّ عقْد الزواج ، إلا أنَّه لا يترتَّب عليه أثرهُ ما دامت المطلَّقة في العدّة ، ما دامت المطلّقة في الحيضات الثلاث لا يظهر أثرهُ ، لا يظهر أثرهُ إلا بعد انقضاء العِدَّة ، فإذا انْقضَت العِدَّة ، ولم يُراجِعها بانَتْ منه بيْنونةً صغرى ، إذًا الطلاق الرجعي لا يمنعُ الاستمتاع بالزوجة ، وإن مات أحدهما ورثهُ الآخر ، مادامت العِدَّة لمْ تنْقض ، ونفقتها واجبة عليه ، فما دام العدّة قائمة والزواج قائم ؛ كلّ شيء قائم .
والرجعة حقّ للزوج مدّة العِدَّة ، إذا قال لها : راجعتُك ومسَّ يدها ، فقد راجعها ، وقد أنهى هذه الطَّلْقة ، وهو حقّ أثبتَهُ الشارعُ له ، ولهذا لا يملك إسقاطهُ ، فلو قال : لا رجعة لي كان له الحق في الرجوع ، أيْ كلامه لا يقدّم ولا يؤخِّر ، ، ولا يغيّر من الحقوق التي ثبَّتها الله عز وجل ، قال تعالى :

﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾
[ سورة البقرة : 228 ]
وإذا كانت الرجعة حقّاً له ، فلا يشترط رضا الزوجة وعلمها إن بانَت عنه ما دامتْ ضِمْن العِدَّة ، علمها ورضاها لا يشترط ، المقصود هو ، إذا ندم على فعلته ، وقال لها : راجعتكِ أو مسَّ يدها فقد راجعها و انتَهت الطَّلْقة .
ولا تحتاج إلى وليّ ، فجعل الله الحقّ للأزواج لقول الله عز وجل :
﴿ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ ﴾
[ سورة البقرة : 228 ]
وتصحّ المراجعة بالقول مثل أن يقول : راجعتك ، مثل أن يضع يده على يدها ، وروى الشافعي أنّ المُراجعة لا تكون إلا بالقول الصريح للقائل عليه ، ولا تصحّ إلا باللّقاء.
قال أبو حنيفة : لا بأس للزَّوجة أن تتزيَّن لِزَوجها ، طبعًا المطلّقة طلاقًا رجعيًّا ، وتتطيَّب له ، وتتشوّق ، وتلبس الحليّ ، وتُبدي الجمال والكحل ولا يدخل عليها إلا أن تعلم بِدُخوله بِقَولٍ ، أو حركة من تَنَحْنُحٍ ، أو خفق نعْلٍ .
الطلاق الرجعي ينقص عدد الطلقات التي يملكها الرجل على زوجته ، فإن كانت الطلقة الأولى احْتَسَبَتْ ، وبقيَت له طلقتان ، وإن كانت له الثانية احتسبَتْ وبقِيَت له طلقة واحدة ، ومُراجعتها لا تمْحو الأثر ، فلو طلّقها في طُهْر لم يمسَّها فيه ، وبعد أسبوعين ندم على هذه التطليقة ، وقال لها : راجعْتُك ‍، فما انتهى كلّ شيء ، فهذه حُسِبَت طلقة ولو راجعها ، لو أنّه تراجع عن هذه الطلقة حُسبَت طلقة ، إنّ المراجعة لا تمحو الأثر ، وهذه حكمة بالغة لكي لا يصبح الطلاق لعبًا بين الأزواج .
مثلاً ، وإن كانت الثانية احْتسبَت وبقيَت له طلقة واحدة ، ومراجعتها لا تمحي هذا الأثر ، بل لو تركت حتى انْقضَت عِدَّتها من غير مراجعة وتزوَّجَت زوْجًا آخر ، ثمَّ عادَت إلى زوجها الأوّل ، عادَت إليه بما بقي لها من الطَّلقات ‍! فالطلقة هذه ثابتة ، شيء دقيق ، أنت قلتَ لها بِساعة غضب : طلّقتك ، وكانت في طُهْرٍ لم تمسَّها فيه ، وبعد ساعةٍ ندِمت ، وقلت لها : راجعتك ولمسْت يدها ، رجعَت واحْتُسبَت طلقةً ، فلو أنَّكَ طلَّقتها طلاقًا فيه بيْنونة صغرى وتزوَّجَتْ مكانك رجلاً آخر ثمّ طلَّقها ، وعُدْت إليها بقي لك عندها طلقتان ، احْتُسب الواحدة .
2 ـ الطلاق البائن :
أما الطلاق البائن فهو الطلاق المُكمّل للثلاث ، والطلاق قبل الدخول والطلاق على المال ؛ أي مخالعة ، وقبل الدخول مباشرةً ينفذ مرَّةً واحدة أو الطلاق المُكمِّل للثلاث .
والطلاق البائن إن شاء الله تعالى نأخذه في درس آخر ، وربّما أمكن إعطاؤهُ في هذا الدرس .
وهو ينقسم إلى بائن بَيْنونةً صُغرى ، وهو ما كان دون الثلاث ، وبائن بَينونة كبرى وهو المكمِّلُ للثلاث ، فإذا طلَّقها في طهْرٍ لمْ يمسَّها فيه ، ومضَتْ عِدَّتها كاملةً ثلاث حيضات ولم يراجعها ولم يمسَّها فهذه طلقة بانَت عنه ، لكن بيْنونة صغرى ، لا ترجع إليه إلا بعقْد جديد ، ومهْر جديد ، ورِضاءٍ منها ، لكن لا تحتاج إلى أن تُزوَّج بغيره ، هذه هي البينونة الصغرى .
الطلاق البائن بيْنونةً صغرى يُزيل قيْد الزّوْجيَّة بِمُجرّد صدوره ، وإذا كان مُزيلاً للرابطة الزوجيّة ، فإنّ المطلّقة تصير أجْنبيَّةً عن زوجها ، فلا يحلّ له الاستمتاع بها ، لا يستمتع بها إلا ضمن العِدَّة ، فإذا انْقضَت العِدَّة بانَتْ عنه بيْنونةً صغرى ، ولا يرثُ أحدهما الآخر إذا مات ، يحلّ بالطلاق البائن موعد مؤخَّر الصداق ، فنحن عندنا مهر مؤجّل ، ومهر معجَّل ، المؤجّل يحِلّ في حالتين ، أيّهما أبْعَد ، وأيّهما أقرب ، الطلاق أو الموت ، وللزّوج أن يعيد المطلّقة طلاقًا بيْنونةً صغرى إلى عصمته بِعَقْدٍ ومهْرٍ جديدَيْن دون أن تتزوَّج زوجًا آخر ، وإذا أعادها عادَت إليه بما بقيَ من الطَّلقات، عادَت إليه على تطليقة واحدة ، أو على تطليقتين ، فإذا كان طلَّقها واحدةً من قبْل ، فإنّه يملك عليها طلْقتَيْن بعد العَوْدة إلى عصمتِهِ ، وإذا كان طلَّقها طلْقتَين لا يملك عليها إلا طلْقةً واحدة .
وأما الطلاق البائن بَيْنونةً كبرى فيُزيل قَيْد الزَّوجيَّة تمامًا مثل طلاق البينونة الصغرى ويأخذ جميع أحكامه ، إلا أنّه لا يُحِلّ للرجل أن يعيد من أبانها بيْنونةً كبرى إلى عصمته ، إلا بعد أن تنكحَ زوْجًا آخر نكاحًا صحيحًا لا لبْسَ فيه ، ويدخل بها دون إرادة التحليل ، فإن طلَّقها فلا تحلّ له من بعدُ حتى تنكحَ زوجًا غيره ، فإن طلَّقها الطَّلقة الثالثة ، فلا تحلّ لزوجها الأوّل إلا بعد أن تتزوَّج آخر ، لقوله عليه الصلاة والسلام :

(( سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يطلق امرأته ثلاثا فيتزوجها آخر فيغلق الباب ويرخي الستر، ثم يطلقها قبل أن يدخل بها فهل تحل للأول؟ قال: لا حتى تذوق عسيلته. وفي لفظ: حتى يجامعها ))
[البيهقي عن عائشة]
أي حتى يتمّ الزواج الحقيقيّ ، هذا فيما يتعلّق بالطلاق الرجعي والطلاق البائن البَينونة الكبرى أو الصغرى ، الصغرى ربطت نفسها ، وينعقد زواج جديد بِعَقد جديد ، ومهر جديد ، ورضاء الزوجة ، أما البينونة الكبرى فلا بد من الزواج من رجل آخر زواجًا صحيحًا لا تحليل فيه ، أما الطلاق الرجعي طلّقها في طهر لمْ يمسّها فيه، فإن راجعها في خلال العدَّة ثلاثة أطهار رجعت له من دون عقْد ومن دون مهْر ، وانتهى الأمر ، ولكنّها احْتُسبَت طلقةً ، ولو أنَّه طلّقها طلاقًا رجعيًا ، وبانَت عنه بيْنونة صغرى ، ثمّ تزوَّجَت برجل آخر ، ثمّ طلّقها ، فعادَت إليه عادَت إليه على طَلقتين ، فالطلاق لعِبٌ بالنار ، فلو قلت : طلّقتك ، وبعد ساعة راجعتها احْتُسِبَت طلْقة ، فالأفضل ، والأوْجه ، والأعقل ألا تلجأ إلى الطلاق إلا في حالات نصَّ عليها الشّرع أما أن يُتَّخَذ أداةً لِرَدع الزَّوجة فهذا لعبٌ بالنار ، ويوقع الرجل في شبهة الحرام ويبقى مُشوَّشًا ، ومُتْعبًا ، ويصبح متعباً بالفتاوى المتناقضة التي يجمعها من عامّة الناس . * * *
تحريم الدخول على النساء :
والآن إلى بعض الأحاديث الشريفة ؛ يقول عليه الصلاة والسلام :
((إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ ....))
[ متفق عليه عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ]
" طبعًا المقصود بالنساء الأجنبيّات ، أنا من خلال ملاحظتي أرى أنّ بعض الرجال أو بعض الشباب يكثر الدخول إلى بيت قبل التأكّد من أنّ هذا البيت مثلاً ليس فيه نساء ، سريع الدخول إلى البيوت ، قليل الاستئذان ، سريع القبول ، النبي الكريم قال : ((إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ ....))
[ متفق عليه عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ]
لأنّ أوّل شيء هناك تهمة ، فالإنسان قد يُتَّهَم وهو بريء ، وهناك شيء آخر ، قد يقعُ هو فريسة لهذه المخاطرة ، لأنّ النبي صلى اله عليه وسلم وهو الرؤوف الرحيم قال : (( ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما ... ))
[أحمد عن عمر]
لماذا لم يقل : ما خلا كافر بكافرة ؟ ولماذا لم يقل ما خلا منافق بِمنافقة ؟ قال : ما خلا رجلٌ ، وهذه كلمة مطلقة ، وما دامت الكلمة نكرة ، وتنكيرها شمولي أيْ أيّ رجلٍ كائنًا من كان - مؤمن ، كافر ، فاسق ، عاص ، طائع - أيّ رجلٍ إذا خلا بامرأة كان الشيطان ثالثهما ، إياكم والدخول على النساء ، أحيانًا الإنسان يطرق باب أخيه ، أخوه له زوجة ، تقول له : أخوك غير موجود ، يقول لها : سأرتاح عندك قليلاً ثمّ أذهب ، تقول له : لا، هذا لا يجوز ، هذه زوجة الأخ امرأة أجنبية لا تحلّ لك أن تدخل عليها ، ولا أن تنظر إليها ، قيل يا رسول الله : الحمو ؟ فقال : الحمو الموت ..." أحيانًا تقول : النَّمِر الموت ، أي النَّمر يفضي بك إلى الموت ، فالحمو الموت أي يفضي خطره إلى الموت ، وربّما كان الموت أهْون ، حديث مقتضب وموجز ، و تكمن بلاغته صلى الله عليه وسلّم في إيجازه ، إياكم والدخول على النساء ، المقصود الأجنبيّات اللاتي لا تحلّ لك أن تراهنّ ، الإمام مالك رضي الله عنه توسَّع في هذا الحديث ، فمَنَعَ الدخول على النساء اللاتي لا يحلّ لك الزواج منهنّ خوْفَ ما قد يخطر في البال من تهمٍ بعيد ، نهى الابن على أن يدخل على زوجة أبيه ، لا تحلّ له، ولكن قطع الابن من أمّه أكبر بكثير من طبعه من زوجة أبيه .
السادة الأحناف نهَوا الرجال عن الاختلاء بالصِّهرة الشابة ، الكنَّة ، فهي محرّم الزواج منها ، ولك أن تنظر إليها ، ولكن في حضرة الابن يجوز ، ولكن في غيبة الابن فالأكمل والأولى ألا تخْلُوَ بها ، لذلك قال بعضهم : لا تبلغ أن تكون من المتّقين ، حتى تدع ما لا بأس به ، حذرًا ممَّا به بأس ، زوجة الأب لا ينبغي أن تخْلُوَ بها ، مع أنَّها لا تحلّ لك ، والصِّهرة الشابة زوجة الابن الشابة لا يقبل لك أن تخلُوَ بها، أما بحضور ابنك فهي زوجة ابنك ، ولك أن تحادثها ، وتجلس معها ، وتأكلا معًا، الإمام مالك توسَّع في فهْم هذا الحديث حتى وسَعهُ إلى دائرة تَحِلّ ، ولكن منعَ الخَلوَة من باب الكمال .
إياكم والدخول على النساء، هناك أشخاص سريع الدخول ، امرأة في غرفة لوحدها ولو أنّها مسنَّة لا يجوز الدخول عليها ، مثلاً زوجة أخي ، وأخي مسافر ، قد يحتاجون إلى أغراض ، فيذهب ويبقى ساعة عندهم ، يمكن لأحد الجيران ألا يعرف هذا ، يعرفون أنّ زوجها بالحج أو مسافر ، وجاء رجل فبقيّ ساعة ثمّ خرج ! ممكن أن تسبِّب سمعة سيّئة للبيت ، قال النبي الكريم :
((إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ ....))
[ متفق عليه عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ]
هذا كمال المؤمن ، قٌال عليه الصلاة والسلام : " الإيمان عفّة عن المطامع، الإيمان عِفّة عن المحارم ..." الإنسان كلّما كان عفيفًا أكثر كلّما ارتفع في نظر الناس، هناك شهوَة ، هناك شهوتين مهلكتين ؛ النساء والمال ، (( ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء ))
[الترمذي وابن ماجه عن أسامة ]
الورع :
الورع قال عليه الصلاة والسلام : لا ورعَ كالكفّ ..." ترك المحارم ورع ، وهذا حدّ ، وهو أحد أنواع الورع ، فأنت إذا سألتني ما الورع ؟ أقول لك : الاستقامة على أمر الله تعالى ، ترْك ما نهى الله عنه ، وهناك تعريف أرقى ؛ ترْك ما لا بأس به حذرًا ممَّا به بأس، هذا ترْك مضانّ التُّهم ، فالدخول مثلاً على زوجة الابن وهي وحدها في البيت ، هناك احتمال بالمئة خمسة أو بالمئة سبعة ، احتمال بسيط جدًّا ، فاحتمال أن يميل قلبه إلى أمّه هذا ينتفي كُليًّا ، أما زوجة أبيه فالاحتمال أكثر ، لذا الإمام مالك وسّع الدخول ، وهذا من كمال الورع ، أن تدع ما لا بأس به حذرًا ممّا به بأس ، أن تدع مضانّ المعصِيَة ، فتَرْك المعصيَة ورع ، وترك مضانّ المعصيّة ورع أرقى ، ترك ما يشغل القلب عن الله عز وجل هذا أرقى درجات الورع ، شيءٌ مباح ، لكنّك إذا اشتغلتَ به أبْعدك عن الله عز وجل ، وهذا أرقى درجات الورع ، أي القلب له عز وجل وما جعل الله عز وجل لرجل من قلبين في جوفه .
النهي عن محادثة النساء :
شيءٌ آخر ؛ يقول عليه الصلاة والسلام : إياكم ومحادثة النساء ، تجد شخصًا طليق اللّسان ، إذا كان عنده زبونة بالمحلّ يسوق الحديث من موضوع إلى موضوع ! هذا لا يجوز قال تعالى :
﴿ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا ﴾
[ سورة الأحزاب : 32]
نساءً ورجالاً ، كم سعر هذا القماش ؟ سعر هذا القماش المتر بعشرة ، أما هذا اليوم فمناسب ، وهذا اللون مناسب لك ، هذا كلّه كلام باطل ، إياكم ومحادثة النساء ، الواحد قد يكون طليق اللسان ، وقد يكون فصيحًا ، وقد يكون له ذكاءً ، وقد يكون له قدرة على إدارة حديث ممتع ولبق ، ولكن لا يظهر هذه البراعة على النساء ، فربّما أهلكهُ هذا الحديث : (( إياكم ومحادثة النساء ))
[ كنز العمال عن سعد بن مسعود]
أكثر الناس لهم جولات في الحديث مع أقربائهنّ ، بنت خالته ، بنت عمّته ، زبونة بالمحلّ ، وهو لا يدري أنّ هذا حجاباً بينه وبين الله تعالى ، لا يدري أنّه بهذه المحادثة قد ابتعد عن الله تعالى بعدًا كبيرًا ، لا يدري أنّه بهذه المحادثة قد سدّ الطريق إلى الله عز وجل : (( إياكم ومحادثة النساء فإنَّه لا يخلو رجل بامرأة ليس لها محرم إلا همّ بها))
[ كنز العمال عن سعد بن مسعود]
قال تعالى: ﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ ﴾
[ سورة آل عمران: 14 ]
الصمت أحد أنواع العبادة الراقية :
الحديث الثالث ، وهو قوله عليه الصلاة والسلام :
(( إياكم والفتن ، فإنّ وقْع اللّسان فيها مثل وقع السيف ))
[ ابن ماجة عن ابن عمر]
أحيانًا يكون هناك امرأة فلتانة ، قد تحكي كلمةً لا تبالي بها ، قد لا تعلّق عليها أهميّة ، هذه الكلمة خطيرة جدًّا ، كأن تقول : والله سمعتُ أنّه يريد الزواج عليها! وهو ما سمع ، مزاح فقط ! هذه الكلمة في هذه الفتنة ، الزوجة في بيت أهلها ، والزوج مزعوج ، وهي تتلقّف الأخبار بفارغ الصّبر ، تتلقّف شبح الخبر ، وهو ينتظر ردّ الفعل، وأعصابهُ متوتّرة ، يأتي إنسان خاليّ البال مرتاح ينقل كلمة غير دقيقة فإذا هي تُسبّب الطلاق ، هذا مثل ، فالإنسان بالفتنة تكون أعصابهُ متوتّرة لا يحتمل كلمة ، ويشبه الطالب بالامتحان ، قبل الفحص بِساعتين يقول لك : فلان أتى بالأسئلة ، وتكون هذه مزحة ، تجد أعصابه تضطرب ، وقد يجد أنّ موضوعًا ما درسه ، لذا المؤمن لا يلعب بأعصاب الناس ، فهناك حالات يحدث فيها توتّر شديد ، فهذا الذي يُشيع أخبارًا سيّئة في الحروب ، هذا مؤاخذ عند الله عز وجل ، وفي الأزمات الكبرى، وفي موضوع الطلاق ، وفي موضوع الفراق ، وموضوع خصومة شديدة ، مثل هذه الموضوعات الخطيرة الكلام فيها خطير ، لأنّ أعصاب الطَّرَفين متوتِّرة إلى أقصى الحدود ، وأيّ كلمة قد تخرب بنيانًا ، أو قد تقوّض دعائم الصلح ، لذا قال عليه الصلاة والسلام : (( إياكم والفتن ، فإنّ وقْع اللّسان فيها مثل وقع السيف ))
[ ابن ماجة عن ابن عمر]
أحيانًا خطبة ، عند أهل الزوجة وعند أهل الزوج حساسيّة بالغة أن تقول: الزوج بخيل ، أنت تمزح فقط ، ولكن هناك من يظنّها حقيقة فيتَّهمون بعضهم بالبخل، وينقل الكلام لأهل الزوجة ، فيقولون : لا نعطي البخيل !!! هذا وضع خطِر، أنت بالحاسّة السادسة تعلم أن هناك حالات يكون فيها الإنسان في أقصى درجات التوكّل ، الكلام قد يفضي إلى التهلكة ، الكلام قد يفصل علاقة شريفة ، قد يقطع خيرًا كثيرًا : (( إياكم والفتن ، فإنّ وقْع اللّسان فيها مثل وقع السيف ))
[ ابن ماجة عن ابن عمر]
أحدهم تزوّج امرأة ، فقال لي شخص : هذه المرأة ليْسَت من مُستواه ! هذه فقيرة وهو قصَدَ شيئًا ، وانفعل الزوج ، وحصل الطلاق ! أحيانًا الإنسان يحذّر أنيسه فيقول : لا نعرف الله أعلم ، هو يقصد موضوع الإرث ، وذاك فهم موضوعًا أخلاقيًّا فحدث الطلاق ، في الفتن المؤمن الراقي ، والمؤمن في حدّه الأدنى يلْزم الصَّمت .
أحيانًا تحصل خطبة ، ولا تتِمّ ، نريد أن نفهم لماذا فسِخَت الخطبة ؟ يمكن أن يكون لهذا الزوج وضعٌ خاص مثلاً ، وما ناسبتْهُ هذه الزوجة ، ولكن قد تناسب غيره ، لا ينبغي أن تلوك الحديث بين الناس ، أحد أنواع العبادة الراقية الصّمت .
* * *
أمنية أربعة شباب في فناء الكعبة :
والآن إلى قصّة تابعيّ جليل ؛ هو عروة بن الزبير ، ما كانت شمس الأصيل تُلَملم خيوطها الذهبيّة عن بيت الله الحرام ، وتأذن للنَّسمات النبيلة بأن تتردَّد في رحابه الطاهرة ، حتى شرع الطائفون بالبيت من بقايا صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، وكبار التابعين يعطّرون الأجواء بالتّهليل والتكبير ، ويقرعون الأرجاء بصالح الدعاء ، حتى أخذ الناس يتحلَّقون زمرًا زمرًا حول الكعبة المعظَّمة الرائدة وسط البيت في مهابة وجلال ، ويملؤون عيونهم من بهائها الأسمى ، ويُديرون أحاديث لا لغو فيها ولا تأثيم ، وبالقرب من الركن اليماني جلس أربعة فتيان ، صلاح الوجوه ، كرام الأحساب ، معطّري الأردان ، كأنّهم حمامات المسجد نَصاعةً ؛ هم عبد الله بن الزبير ، وأخوه مصعب بن الزبير ، وأخوهما عروَة بن الزبير ، وعبد الملك بن مروان، أربعة شباب في فناء الكعبة تحلّقوا قُبَيل الغروب ، وجلسوا ، ودار حديث الفتية الأبرار ثمّ ما لبث أن قال أحدهم : لِيَتَمَنَّى كُلّ منَّا على الله ما يحبّ ، فانطلق أخْيِلَتُهم تحلّق في عالم الغيب الرَّحب ، ومضَت أحلامهم تتوق في رِياض الأماني الخضْر ، ثمّ قال عبد الله بن الزبير : أمنيَّتي أن أملِكَ الحجاز ، وأن أنال الخلافة ، وقال أخوه مصعب: أما أنا فأتمنَّى أن أملِك العراقَين - الكوفة والبصرة - فلا يُنازعني فيهما منازع ، وقال عبد الملك بن مروان : إذا كنتما تقْنعان بذلك فأنا لا أقْنعُ إلا أن أملك الأرض كلّها ! وأن أنال الخلافة بعد معاوية بن أبي سفيان ، مَنْ بقيَ عروَة بن الزّبير ، وسكت عروة بن الزبير فلم يقل شيئًا ، فالْتفتوا إليه وقالوا : وأنت ماذا تتمنّى يا عروة ؟ قال : بارك الله لكم فيما تمنَّيْتم من أمر دنياكم ، أما أنا فأتمنَّى أن أكون عالمًا عاملاً يأخذ الناس عنِّي كتاب ربّهم وسنَّة نبيِّهم وأحكام دينهم ، وأن أفوز في الآخرة بِرِضا الله عز وجل ، وأن أحظى بِجَنّته ، قصّة واقعيّة ، أربعة شباب في فناء الكعبة ، تمنّى الأول أن يكون ملك الحجاز ، وتمنّى الثاني أن يكون ملِك العراق ، وتمنّى الثالث أن يكون خليفة المسلمين كلّهم ، وتمنّى الرابع أن يكون عالمًا بِكِتاب الله ، وسنّة نبيّه ، ربّنا عز وجل قال :
﴿ كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا ﴾
[سورة الإسراء: 20]
والشيء الثابت في العلم الدّيني أنّ الله عز وجل متكفّل أن يعطيّ كلّ مخلوق سُؤلهُ ، لكنّ الشرط أن يكون الطلب في صدق شديد ، إن كنت بطلبك صادقًا تصل إليه وربّ الكعبة ، فالذي وصلت إليه هو الذي أنت فيه سابق ، والذي لم تصل إليه هو الذي تمنَّيْتهُ ، فالتَّمَنِّي شيء ، والطّلب السابق شيء . قال تعالى : ﴿ وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا ﴾
[سورة الإسراء: 19]
من سعى في طلب شيء ، وصلهُ وربّ الكعبة ، أحدكم يطلب من الله تعالى، إذا طلبت أن تختم كتاب الله ، والله لن تموت إلا بعد أن تفهم كتاب الله ، وإن طلبْت الدنيا تأتيك الدنيا ، إلا أنّ الله تعالى إذا كان يُحِبّ عبْدًا ، وطلبَ الدنيا ، وكانت الدنيا تؤذيه ، ربّما أخَّرها له فلعلَّه يُغَيِّر رأيَهُ ، قال تعالى : ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا ﴾
[سورة الإسراء: 18]
وقال تعالى : ﴿ وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا ﴾
[سورة الإسراء: 19]
والآية الثالثة : ﴿ كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا ﴾
[سورة الإسراء: 19]
ودار الزمان دورته ، فإذا بعبد الله بن الزبير يُبايَعُ له بالخلافة عقب موت يزيد ، فيَحكِمُ الحجاز والبصرة واليمن وخراسان والعراق ، هذا الطّفل الصغير صار رجلاً ، وحكمَ هذه البلاد ثمّ وثب عند الكعبة غير بعيد عن المكان الذي تمنّى فيه ما تمنّى ، وإذا بمصعب بن الزبير يتولّى إمْرة العراق من قِبَل أخيه عبد الله ، ويُكْتب هو الآخر دون ولايته أيضًا ، وإذا بعبد الملك بن مروان تؤول إليه الخلافة بعد موت أبيه ، وتجتمع عليه كلمة المسلمين بعد مَقْتَل عبد الله بن الزبير ، وأخيه مصعب على أيدي جنوده .
ثمّ وجدوه أعظم ملوك الدنيا في زمانه ، فماذا كان أمر عروَة بن الزبير ؟ كلّ واحد تمنّى أمنية .
عروة بن الزبير نشأته و حياته :
ولد عروة في بيت من أعزّ البيوت شأنًا وأرفعها مقامًا ، أبوه الزبير بن العوّام حواري رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، وأوّل من سلّ سيفًا في الإسلام ، وأحد العشرة المبشّرين بالجنّة ، هذا والدهُ .
وأمّه أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها المُلقَّبة بذات النّطاقين ، وجدّه من أمّه أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه ، وجدّته من أبيه صفيّة بن عبد المطّلب عمّة رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، وخالته عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنها ، فقد نزل إلى قبرها حينما دُفنت بنفسه وسوّى عليها لحْدها بيَديه ، أفتظنّ بعد هذا الحسب حسبًا ؟ وأنّ فوق هذا الشَّرَف شرَفًا ؟ وحقّق عروَة أمنيته التي تمنّاها على الله عند الكعبة المعظّمة ، علامة صدق طلبه السعي ، أكبّ على طلب العلم ، وانقطع له ، واغْتنَم البقيّة الباقية من صحابة رسول الله ، فطفق يؤمّ بيوتهم ، ويصلّي خلفهم ، ويتتبّعُ مجالسهم ، حتى روى عن علي بن أبي طالب ، وعبد الرحمن بن عوف ، وزيد بن ثابت ، وأيّوب الأنصاري ، وأسامة بن زيد ، وسعيد بن زيد ، وأبي هريرة ، وعبد الله بن عباس ، والنعمان بن بشير ,
هم طلب العلم و هؤلاء طلبوا الخلافة والمُلْك ، هذا طلب العلم ، تتبَّع صحابة رسول الله ، صلّى خلفهم ، سألهم ، روى عنهم ، نقل عنهم ، وأخذ كثيرًا عن خالته عائشة أمّ المؤمنين ، حتى غدا أحد فقهاء المدينة السبعة الذين يفزع إليهم المؤمنين في دينهم ، ويتَّعظ بهم الولاة الصالحون على ما استرعاهم الله عز وجل من أمر العباد والبلاد ، من ذلك لمّا قدم عمر بن عبد العزيز المدينة واليًا عليها من قِبَل الوليد بن عبد الملِك ، جاءه الناس فسلّموا عليه ، فلمّا صلّى الظهر دعا عشرةً من فقهاء المدينة، وعلى رأسهم عروة بن الزبير فلمّا صاروا عنده رحَّب بهم وأكرمَ مجالسهم ، ثمّ حمِد الله عز وجل وأثنى عليه بما هو أهله ، ثمّ قال : إنّي دعوتكم لأمر تؤجرون عليه ، وتكونون لي فيه أعوانًا على الحقّ ، فأنا لا أريد أن أقطَع أمرًا إلا برأيِكم أي برأي من حضر منكم ، فإن رأيْتم أحدًا يتعدّى على أحد ، أو كان لعامل مظلمة فأسألكم أن تبلّغوني ذلك ، فدعا له عروة بن الزبير بخير ، ورجا له من الله السّداد والرّشاد ، وقد جمع عروة بن الزبير العلم إلى العمل ، فقد كان صوّاماً في الهواجر ، قوّامًا في العتمات ، رطب اللّسان دائمًا بذكر الله عز وجل ، وكان إلى ذلك ختيمًا لكتاب الله جلّ وعلا ، عاكفًا على تلاوته ، فكان يقرأ ربع القرآن كلّ نهارٍ نظراً في المصحف ، ثمّ يقوم به الليل تلاوةً عن ظهْر قلب ، ولم يُعْرف عنه ترْك ذلك منذ صدْر شبابه إلى يوم وفاته ، غير مرّة واحدة بِخَطب نزلَ به سيأتيكم نبأه بعد قليل .
كان عروة بن الزبير يجد في الصلاة راحة نفسه ، وقُرّة عينه ، وجنّة ربِّه فيُتقِنها ويتقن شعائرها أتمّ الإتقان ، ويُطيلها غاية الطول ، - طبعًا وحده - وروِيَ عنه أنّه رأى رجلا يصلّي صلاةً خفيفة ، فلمَّا فرغ من صلاته دعاه وقال له : يا بن أخي ، أما كانت لك عند ربّك جلّ وعلا حاجة ؟! والله إنّي لأسأل الله تبارك وتعالى كلّ شيءٍ حتى الملْح ! وأنا أدعوكم لذلك ، حياتنا كلّها مشاكل ، صلِّ وادْعُ الله في الصلاة حتى تحسّ أنّ ربّنا عز وجل سمعك ، وقد أدّى رغبتَك ، وكان عروة بن الزبير رضوان الله عليه سَخِيّ اليد ، سمْحًا ، جوادًا ، ومِمَّا أُثر عن جوده أنّه كان له بستان من أعظم بساتين المدينة ، عذب الماء ، ذليل الأشجار ، باسط النخيل ، وكان يُسَوِّر بستانه طوال العام لحماية أشجاره من أذى الماشيَة ، وعبث الصُّبْيَة ، حتى إذا آن أوان الرُّطَب وأيْنعت الثِّمار ، وطابَتْ واشْتَهَتْها النُّفوس كسر حائط البستان من أكثر من جهة ليُجيز للناس دخوله ! أما الآن فيقول له : انْتبه الفواكه مرشوشة بالمواد السامّة !! ولا تكون هناك مواد ولا شيء !!! أما ذاك فكان يكسر جدران البستان حتى يتيح للمارة الأكل منها ، والآن بأمريكا حتى يُحافظوا على سعر الفواكه يتْلفون قسمًا كبيرًا منها ، فأبناء الجيوش كانوا يذهبون إلى أماكن إتلاف هذه الفواكه ، لما أكلوا البرتقال خفّ البيع ، العام القادم سمّموا البرتقال حتى لا يأكل الطفل الفقير البرتقال من دون دراهم ، يشتريها أبوه من السوق فيبقى السعر مرتفعاً !! وُحُوشٌ فكان الناس يلمّون به ذاهبين آيبين ، ويأكلون من ثمره ما لذّ الأكل ، ويحملون ما طاب لهم الحمْل ، وكان كلّما دخل بستانه هذا ردّد قوله عز وجل :

﴿ وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا ﴾
[ سورة الكهف : 39 ]
قبل عشرين أو ثلاثين سنة هكذا قيل لي : يخرج الفلاّح من البستان ويضع سلّة تفاح بالطريق ، هذا مشمش ، وهذا تين ، وهذا تفاح ، فالناس في الطريق يأكلون ما يشتهون، الآن كيلو التوت بخمس عشرة ليرة ، وقد كان لا يُباع إطلاقًا ، التوت وقف مبذول للناس كلّهم، ولكن لمَّا بخل الناس شدَّد الله عليهم ، والآن في بعض القرى، وقد شاهدْت هذه بنفسي ، كلّما مرّ المارّ يسلّمونه فواكه ضيافةً ، والله عز وجل يُعطيهم ثمارًا فوق الحُسبان ، خيرات وبركات ، وتصدير وأسعار جودة ، أما أهل هذه القرية فلا تمرّ إلا وتأخذ فاكهةً مجَّانًا . امتحان الله عز وجل لعروة بن الزبير :
وفي سنة شاء الله جلّ وعزّ أن يمتحن عرْوَة بن الزبير امتحانًا لا يثبت له إلا ذوي الأفئدة التي عمّرها الله بالإيمان ، دعا خليفة المسلمين عروة بن الزبير لزيارته في دمشق فلبّى الدعوة ، وصحب معه ابنه الأكبر ، ولمَّا قدِم على الخليفة رحَّب بِمَقْدَمهِ أعظم ترحيب ، وأكرم وِفادته أوفى إكرام ، وبالغ في الحفاوة به ، ثمَّ شاء سبحانه وتعالى أن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن ، ذلك أنَّ ابن عروة دخل على اصْطبل الوليد لِيَتَفَرَّج جِياده الصافِنات فرَمَحَتْهُ دابَّة رمْحةً قاضِيَةً أوْدَتْ بِحَياتِهِ ‍، ولم يكد الأب المفجوع ينفض يديه من تراب قبر ولده حتى أصابتْ إحدى قدَمَيْه الآكلة - الغرغرينا- وأصبح معه الموات ، فتورَّمَتْ ساقُه ، وجعل الورم يشتدّ ويمْتدّ بِسُرعة مذهلة فاسْتدعى الخليفة لِضَيفِهِ الأطباء من كلّ جهة ، وحضَّهم على معالجته بأيَّة وسيلة ، لكنَّ الأطِبَّاء أجمعوا على أنَّه لا منْدوحة لِبَتْر ساق عروَة ، قبل أن يَسْرِيَ الورَم إلى جسَدِهِ كلّه ، ويكون سببًا في القضاء عليه ، ولم يجِد بُدًّا من الإذعان لذلك - انظر مقامه العالي ، أحيانًا المصائب تكون مصائب رفْع ، فالأنبياء مصائبهم كشف، والمؤمنون رفع ، وغير المؤمنين ردْع :
(( ما أصاب عبد مصيبة فما فوقها إلا بإحدى خلتين بذنب لم يكن الله ليغفر له إلا بتلك المصيبة أو بدرجة لم يكن الله ليبلغه إياها إلا بتلك المصيبة))
[ الديلمي عن ثوبان]
ولمَّا حضر الجرَّاح لِبَتْر الساق أحضَرَ معه مباضعه لِشَقّ اللَّحم ، ومناشيره لِنَشْر العظم ، قال الطبيب لعروة : أرى أن نسْقيك جرعةً من مُسْكر لكي لا تشعر بالآلام ، فقال : هيهات ‍!- اسم فعل ماض- لا أستعين بِحَرام على ما أرجوهُ مِن عافِيَةٍ، فقال له : إذًا نسقيك مخدِّرًا ، فقال : لا أحبّ أن أُسلبَ عضْوًا من أعضائي دون أن أشْعرَ بِألمِهِ وأحْتسب بذلك ، فلمَّا همَّ الجراح بِقَطع الساق تقدَّم نحو عروة طائفة من الرجال ، فقال : ما هؤلاء ؟ فقال : جيءَ بهم لِيُمسِكوك ‍فربَّما اشْتدّ عليك الألم فجذبْت قدمَكَ جذْبةً أضرَّتْ بك ، قال : رُدُّوهم لا حاجة لي بهم ، وإنِّي لأرجو أن أكْفيَكم ذلك بالذِّكْر والتَّسْبيح ، ثمَّ أقبلَ عليه الطبيب وقطع اللَّحم بالمِبضع ، ولمَّا بلغَ العظم وضع عليه المنشار وطفِقَ ينشرهُ به ، وعروَة يقول : لا إله إلا الله والله أكبر ، وما فتىء الجرَّاح ينشر وعروة يكبّر ويُهلِّل حتى بُتِرَتْ الساق بتْرًا ، ثمّ أغْليَت الزَّيت في مغارف الحديد ، وغُمِسَت فيه ساق عروة لإيقاف تدفّق الدِّماء ، وحسْم الجراح ، وأُغْمِيَت عليه إغماءةً طويلة حالَت دون أن يقرأ حصَّته من كتاب الله ذلك اليوم ، هذا هو الأمر القاهر الذي لم يقرأ فيه حصّته من كتاب الله ، وليس لسبب تافهٍ ، نعسان ، لك كمّية قرآن اقرأها ؛ حزب أو نصفه جزء اقرأها ، وكان هذا هو اليوم الوحيد الذي لم يقرأ فيه القرآن !! وكانت المرَّة الوحيدة التي فاتهُ فيها ذلك الخير ، ولمَّا صحا عروة دعا بقَدَمِهِ المبتورة فناولوه إيَّاها ، اسْمعوا الآن ؛ فجعلَ يُقبِّلُها بيَدِهِ ويقول : أما والذي حملني عليك يا قدمي في عتمات الليل إلى المساجد - انظروا هذا القسَم - إنَّه ليعْلمُ أنَّني ما مشْيتُ إلى حرامٍ قطّ ، وقد شقَّ على الوليد بن عبد الملك ما نزل بِضَيفه الكبير من النوازل ، فقد احْتسَب ابنه ، وفقَدَ ساقهُ في أيَّام معدودات فجعل يحتال لِتَعْزيَتِهِ وتصبيره على ما أصابه ، وصادف أن نزلَ بِدَار الخلافة جماعةٌ من بني عفْسٍ فيهم رجلٌ ضرير ، فسأله الوليد عن سبب كفّ بصره ، قال : يا أمير المؤمنين لم يكن في بني عفْس رجلٌ أوْفَرَ مِنِّي مالاً ، ولا أكثر أهلاً وولدًا ، والله إذا أعطى أدْهش وإذا أخذ أدْهش ، نزلْتُ مع مالي وعِيالي في بطْن واد من منازل قومي فطرقنا سيْلٌ لم نرَ مثلهُ قطّ ، فذهبَ السَّيل بما كان لي من مالٍ وأهل وولدٍ ،‍‍ ولم يترك لي غير بعيرٍ واحد وطفلٍ صغير حديث الولادة ‍‍!! وكان البعير صعبًا ففرّ مِنِّي ، فتركْتُ الصَّبيّ على الأرض ، ولَحِقْت بالبعير ، فلم أُجاوِز مكاني قليلاً حتى سمِعْت صَيْحة الطِّفل فالْتَفَتّ فإذا رأسهُ في فمِ ذئْبٍ يأكلهُ ، فبادرتُ إليه غير أنَّني لم أستطع إنقاذهُ إذْ كان قد أتى عليه ، ولحِقْت بالبعير فلمَّا دَنَوْت منه رماني بِرِجلهِ على وجهي رمْيةً حطَّمَتْ جبيني وذهبتْ بِبَصري ، وهكذا وجدْت نفسي في ليلة واحدة من غير أهل ولا ولد ولا مالٍ ولا بصر !!! فقال الوليد لِحاجِبِه انْطلق بهذا الرجل إلى ضَيْفنا عروة بن الزبير ، ولْيقصَّ عليه قصَّته لِيَعلمَ أنَّ في الناس من هو أعظمُ منه بلاءً ، ولمّا حُمِل عروة إلى المدينة، وأُدخل على أهله ، بادرَهم قائلاً لا يهُولنَّكم ما ترَوْن ! لقد وهبني الله عز وجل أربعةً من البنين ، ثمَّ أخذ منهم واحدًا وأبْقى ليَ ثلاثًا ، فله الحمد والشكر ، وأعطاني أربعة أطراف ثمَّ أخذ منها واحدًا وأبقى لي منها ثلاثة ، وَيْمُ الله لأن أخذ الله لي قليلاً فقد أبقى لي كثيرًا ، ولأن ابتلاني مرَّةً فلطالما عافاني مرَّات .
الصبر مؤشّر للإيمان ، إذا كان هناك إيمان كان هناك الصبر ، وإذا لم يكن الإيمان لم يكن الصَّبر ، الصّبر معرفة بالله عز وجل ، الأمر بيده وهو رحيم ، وحكيم ، وعليم، وعلامة المؤمن أنَّه راض ، ويقول : الحمد لله رب العالمين على أشدّ المصائب فكيف على أهونها ؟ إذا أصابتْه مصيبة قال : " الحمد لله ثلاثاً ، الحمد لله إذ لم تكن في ديني ، والحمد لله إذ لم تكن أكبر منها ، والحمد لله إذْ أُلْهِمتُ الصَّبْر عليها " مواقف الصحابة أو أصدقاؤهم من المصيبة ، إذا الواحد ساذج ورأى مؤمنًا أُصيب بِمُصيبة يقول : حتْمًا عمل معصيَة !! وهذه فظاظة بالتفسير، وسوء الظنّ بالأخ المسلم ، كبار الصحابة أصابتهم مصائب كبيرة ، وهذه مصائب رفْع وليْسَت مصائب ردْع ، فالعاصي له مصائب ردْع ، أما المؤمن فله مصائب رفْع قال تعالى :
﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ*الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ* أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾
[سورة البقرة: 155-157]
فالإنسان بالمصيبة يظهر ، وبها ينحطّ .
أما أصحابه ماذا قالوا ؟
ولمَّا عرف أهل المدينة بِوُصول إمامهم وعالمهم عروة بن الزبير ، تسيلوا على بيته لِيُواسوه ويُعَزُّوه فكان من أحسن ما عُزِّيَ به كلمةً قالها إبراهيم بن محمّد بن طلحة ، قال له : " أبْشِرْ يا أبا عبد الله ، فقد سبقَكَ عضْوٌ من أعضائك ، وولدٌ من أبنائك إلى الجنَّة ، والكلّ يتْبَعُ البعض إن شاء الله تعالى ، ولقد أبقى الله لنا مِنك ما نحن فقراء إليه ، أبقى لنا منك علمك وفقْهك ورأيَك ، أما الطرف الذي سبقك إلى الجنَّة احْتسِبْهُ عند الله ".









السعيد 09-08-2018 01:17 PM

رد: الفقة الاسلامى 2
 
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( السادس )

الموضوع : الخلع





الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الواعد الأمين، اللهمّ لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنَّك أنت العليم الحكيم ، اللهمّ علِّمنا ما ينفعنا ، وانْفعنا بما علَّمتنا وزِدنا علمًا ، وأرِنا الحقّ حقًا وارزقنا اتِّباعه ، وأرِنا الباطل باطلاً وارزقنا اجْتِنابه ، واجْعلنا مِمَّن يستمعون القَوْل فيتَّبِعون أحْسَنَهُ ، وأدْخِلنا بِرَحمتِكَ في عبادك الصالحين .
أمراض الإنسان متأتية من بعده عن الله عز وجل :
أيها الأخوة المؤمنون ، ربّنا سبحانه وتعالى في سورة البقرة يخاطب سيّدنا آدم عليه وعلى نبيّنا أفضل الصلاة والسلام ، قال تعالى :
﴿ قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾
[ سورة البقرة : 38 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3793/01.jpg
عندنا هُدَى بالزواج ، فمن طبَّق شرع الله بالزواج لا خوفٌ عليه ولا هو يحزن ، والعلماء فرّقوا بين الخوف والحزن ، الخوف ممّا سيكون والحزن عمّا مضى ، فلو جاء ملك الموت لا يخاف ممّا بعد الموت ، ولا يحزن على ترك الدنيا ، وهل في الدنيا حالةٌ أرقى وأشرف وأبعث على الطمأنينة من أن تواجهَ شيئاً لا تخاف ممّا سيليه ؟ ولا تخاف ممّا كان ؟ فهذه الحالة النفسيّة تغطّي ما كان وما سيكون ، أحيانًا الإنسان يخاف ممّا سيكون يكاد قلبهُ ينخلع ، أو يحزن على ما كان ، فإذا عرف الإنسان الله عز وجل لا يحزن على ما فاته من الدنيا ، ولا يهلع لما سيُصيبُه في المستقبل ، لأنّ الله عز وجل طَمأنهُ ، فهذه الأبحاث الفقهيّة في الزواج ، والطلاق ، والمخالعة ، و أبحاث البيوع ، والعلاقات الشخصيّة ، وعلاقات الإنسان مع الله عز وجل ، علاقاته مع جيرانه وزوجته وأولاده ، كأنّه قطار ماشٍ على سِكَّةٍ في سلامة ، فإذا خرج عن هذه السكَّة تعرّض هذا القطار للتَّدَهْوُر ، تمامًا حينما يخرج الإنسان عن خطّ الله عز وجل يتدَهْوَر ، فالأمراض النفسيّة كثيرة جدًّا ، ما هي الأمراض ؟ هي شعور بالاختلال الداخلي ، هذا الدِّين دين الفطرة أحيانًا تمشي بالسيارة على الزّفت ، تقول : هذه السيارة مصنوعة لهذا الطريق ، وهذا الطريق لهذه السيارة ، أما إن مشَيت بها في طريق وعِرة فتشعر أنّ الوضع غير طبيعي فهذه الطرق ليسَت لهذه السيارة .
الباخرة بالبحر هذا مكانها الطبيعي ، السَّمَك بالماء مكانه الطبيعي ، لمَّا الإنسان يعرف الله عز وجل تستقرّ نفسهُ ، ربّنا عز وجل في آيات كثيرة قال: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾
[سورة الروم: 30]
أي هذا الدِّين بِتَشريعاته ، وعلاقاته العامّة والخاصّة ، العبادات والمعاملات ، كلّ هذه العلاقات تنطبق انْطِباقًا تامًّا على فطرة الإنسان ، فالإنسان دائمًا يحسّ أنَّه مخلوق بهلع شديد ، الدِّين يُزيل هذا الهلَع ، قال تعالى: ﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلَّا الْمُصَلِّينَ ﴾
[ سورة المعارج: 19-22]
ذهب الهلَع ، وذهب الحسَد: ملك الملوك إذا وهب لا تسألنَّ عن السَّبب
الله يـعطي من يشاء فقِفْ على حدّ الأدب
***

أكثر أمراض الإنسان مُتأتِّيَة من بعده عن الله ، سأقول كلمة الآن : الإنسان لو جُمِعَت له الدنيا من أطرافها ، لو جمع مالها إلى سلطانها إلى ملاذِّها إلى مباهجها إلى العمْر الطويل إلى الزواج الناجح وكان بعيدًا عن الله عز وجل فهو أشقى الناس ، وإن وجدْتم في علاقاتكم ، وفي خبراتكم ، وفي معارفكم ، أو من يلوذ بكم إنساناً بعيداً عن الله تعالى وسعيداً فهذا الدِّين يكون باطلاً ، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾
[ سورة طه: 124]
قانون ؛ مَنْ اسم شرط جازم ، تعريف الشّرط في اللّغة : حدَثان لا يقع الثاني إلا بوقوع الأوَّل ، فإذا وقع الإعراض فجزاء الشرط حَتميَّة وقوع الجواب بالمئة مئة ، كأن تقول : إذا لمَسْت المدفأة وهي مشتعلة تحترق يدك ، احتراق اليد شيءٌ لازِم ؛ أيْ حَتْمي ، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾
[ سورة طه: 124]
كلّ الأبحاث الفقهيّة الهدف منها الإنسان يسلك طريق الإيمان . الخلع :
نحن في دروس سابقة تحدَّثنا عن الخلع ، أو المخالعة ، كما أنَّ الزَوْج الله سبحانه وتعالى أعطاه الطَّلاق ، هو الذي عقد الزواج ، يستطيع الزَّوْج لأسباب قاهرة أن يستخدم حقَّه فإما العلاقة الزوجيّة وهي الطلاق ، ولكن الذي يستخدم هذا الحقّ للطَّرَف الآخر تنشأ حقوق واجبة ؛ المهر ، وكذلك الزوجة ، كأنَّ ربّنا عز وجل جعل الطلاق والمخالعة صمّام أمان في هذا الوعاء البخاري ، ففي الوعاء البخاري مادام محكم الإغلاق هناك منطقة يضعون لها قطعة بلاستيك ، فإذا كان الإحكام شديداً والضغط صعد وكان هناك احتمال لانفجار الوعاء تذوب هذه القطعة وتفتح البخار ، ويتلافى الانفجار تمامًا ، في الزواج هناك صمَّام لسلامة هذا الزواج ، فإذا كانت العلاقة بين الزَّوجين بِشَكل متفجِّر يأتي الطلاق من طرف الزَّوج ، وتأتي المخالعة من طرف الزوجة ، ولكنّ الزَّوج إذا طلَّق عليه المهر ، أما الزوجة فتطلب المخالعة فعليها أن تفتدي نفسها بما قدَّم لها .
الخلْعُ كما سبق إزالة مُلْك النِّكاح في مقابل المال ، فالعِوَض جزءٌ أساسي في مفهوم الخلْع ، أي لا يوجد خلْع من دون عِوَض ، لأنّ الزَّوْج تكلّف ودفع ، دفع خمسين ألفًا ، وكتب عليه خمسين ألفًا ، وأسّس البيت وفرش ، ووضع كلّ شيء جمَّعه بهذا الزواج ليَسْتقرّ ، ليجد طبخة مطبوخة عند الرجوع ، وليجد امرأة تنتظرهُ ، ليُحْصِن نفسهُ ، فإذا لم ترغب به المرأة وجب عليها أن تدفعَ له كلّ التكاليف ، لا خلْعَ بلا عِوَض ، فهذا جزء أساسي في مفهوم الخلع فإذا لم يتحقّق العِوَض لم يتحقّق الخلع ، وهو باطل .
الفرْق بين النِّكاح الفاسد والنِّكاح الباطل :
نحن تكلمنا سابقًا عن الفرْق بين النِّكاح الفاسد والنِّكاح الباطل ، النِّكاح الفاسد يُصحَّح ، أما النِّكاح الباطل فلا يُصحّح ، فإذا قال الزوج لزوجته : خالعْتك وسكت لم يكن ذلك خلعًا ، خلع باطل ولا يسمَّى ذلك خلعًا ، خالعْتك على ماذا ؟ على أن تردِّي إليّ ما أعطيتك إيّاه!! هنا الخلْع صحيح .
ثمّ إنَّه إن نوى الطلاق كان طلاقًا رجعيًّا ، بالمناسبة إذا الإنسان استخدم ألفاظ الطلاق ليْسَت النيَّة شرطًا في الطلاق ، أما إذا استخدم عبارات أخرى غير عبارات الطلاق فعندئذٍ تُشترط النيّة ، إذا الإنسان قال : وهبتك هذا الكتاب بمئة ليرة ، ما دام قال : بمئة ليرة فهو ينوي البيع فهذا عقد بيع ، أما إذا قال : بعتك هذا الكتاب بلا ثمن ، هو قال : بلا ثمن فهو يعني هديّة ، فالإنسان عندمَّا يغيّر الألفاظ النيّة شرط أساسي ، أما إذا لم يغيِّر الألفاظ من دون نيّة ، إذا قال لآخر بِعنِ هذا القلم ؟ فقال: بعتكه بِلَيرة ! انْوِ ما شئت ، أما إذا قلت له : هَبني وخذ ليرة فكأنّك تريد البيع .
أحيانًا تدخل إلى مكتبة عند بائع ، تقول له: كم ثمن المصحف ؟ يقول لك: أعوذ بالله ، هذا وهبه خمسون ليرة ! فقط خمسون !! أنا الذي أراه الأمور بمقاصدها ، أنت تدفع ثمنه فلا تقل له بيعه بخمسين ، قل: وهبه على خمسين ليرة ، من أجل الشرع ، لأن الألفاظ هذه شيء غير طبيعي .
إذًا : فإذا قال الزوج لزوجته : خالعْتك وسكت ، لم يكن ذلك خلعًا ، أما إذا قال: خالعتك ونوى الطلاق ، هذا أصبح طلاقًا وليس مخالعة ، وكان طلاقًا رجعيًّا ، كما تحدّثنا من قبل عن الطلاق الرجعي ، وإن لم ينو شيئًا لم يقع شيء ، إذا قال: خالعتك وسكت ، وما نوى الطلاق هذا كلام لا معنى له لا يقع شيئًا إطلاقًا ، لأنَّه من ألفاظ الكناية التي تفتقر إلى نيّة .
الشافعيّة قالوا : لا فرْق في جواز الخلع بين أن يخالع على الصداق أو على بعضه أو على مال آخر سواء أكان أقلّ من الصداق أو أكثر ، ولا فرق بين العَين والدَّيْن والمنفعة ، ربّنا عز وجل أطلق ، والمطلق على إطلاقه ربّنا عز وجل بالمخالعة ، وفي آية المخالعة يقول تعالى:
﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾
[ سورة البقرة: 229]
بالآية لا يوجد تخصيص أنَّ المهر بالذات مال آخر ، قدَّم لها المهر مثلاً أساور بأربعين ألفاً ، وهي معها نقدي ، فدفعت له ثلاثون ألف ليرة سورية ، هذا ممكن ، افْتَدَت به فكما يقول الشافعيّة : لا فرق في جواز الخلع بين أن يخالع على الصداق نفسه ؛ دفع لها أربعين ألفاً بشكل أساور ذهبيّة ، ممكن أن تعطيه الأساور نفسها أو على بعضه خمسة أساوِر من ستّة ، ثلاثة من ستّة ، أو على مال آخر كأن تقول له : خذ الدكان وخلّصني ، سواء أكان أقلّ من الصداق أو أكثر ، ولا فرق بين العَين والدَّيْن والمنفعة ، وضعت له سنداً ، تأخذ أجرة بيت بعد سنة ثلاثة آلاف هذا ممكن دَين ، أو منفعة من دون مقابل ، أو عَين كأن تقدّم له قطعة ذهبيّة أو سيارة .
وضابطه - أي الشيء الذي يضبطه - أنّه كلّ ما جاز أن يكون صداقًا جاز أن يكون عِوَضًا ، كلّ شيء يمكن أن يكون صداقًا يمكن أن يكون عوضًا ، الصحابة على درع ، أو على تحفيظ القرآن ، أو على إسوارة من ذهب ، أو قطعة من فضة ، أو على عين ، أو على جمل ، أو زيتون ، كلّ ما جاز أن يكون صداقًا جاز أن يكون عوضًا في الخلع لِعُموم قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾
[ سورة البقرة: 229]
هذا الشيء العام في موضوع الخلع . جواز أن تدفع الزوجة للزوج أكثر مما أخذت :
لكنّ جمهور الفقهاء ذهبوا إلى أنّه يجوز أن يأخذ الزوج من الزوجة زيادة على ما أخذت منه ، المهر خمسون ألفًا قالتْ له : خُذْ ستِّين ألفًا وخلِّصْني ، فجمهور الفقهاء قالوا : يجوز لقول الله تعالى:
﴿ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾
[ سورة البقرة: 229]
لكنّ بعضهم قال : لا يجوز ، أي عندنا شخص العِوَض هو المهر ، لماذا ؟ هل هذه تجارة ؟ تزوَّج ثمّ أصبح يقسو عليها ، حتى عافَت المهر ، وأصبح الزواج تجارة .
روى البيهقي عن أبي سعيد الخدري أنه قال: " كانت أختي تحت رجل من الأنصار فارتفعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، فقال: أتردّين حديقته ؟ قالت : وأزيد عليها - معناها متألّمة كثيرًا - فردَّت عليه حديقته وزادته " ومن هنا أخذ العلماء أنَّه يجوز أن تدفع الزوجة أكثر مما أخذت ورأى بعض العلماء أنّه لا يجوز للزوج أن يأخذ منها أكثر مما أخذت منه ، لما رواه الدارقطني بإسناد صحيح أنّ أبا الزبير قال : " إنّه كان أصدقها حديقةً فقال النبي عليه الصلاة والسلام : أتردّين عليه حديقته التي أعطاك ؟ قالت : نعم ، وزيادة ، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: أما الزيادة فلا ! ولكن حديقته " عندنا روايتان لحديث واحد ، رواية فيها زيادة ورواية من غير الزيادة ، بعض العلماء أخذ الزيادة ، وبعضهم الآخر أكتفي بعدمها ، واختلاف الفقهاء رحمة واسعة ، واتفاقهم حجّة قاطعة ، كأنّ - سبحان الله - اختلاف الفقهاء الكبار توسعة على الناس ، ممكن لواحدة أن تكون متألّمة كثيرًا ، الزوج دفع مبلغًا زهيدًا ، وهي في بحبوحة فوهبَت له على أن يتركها ، في بعض المذاهب يجوز ، وعلى بعضها الآخر لا يجوز ، وكنت أقول لكم : إنّ التقليد يجوز ، والتلفيق لا يجوز ، وهناك حالات يسعها الشرع . طريقة الفقهاء الكبار في استنباط الأحكام :
هنا الخلاف في أصول الفقه ، ما معنى أصول الفقه ؟ طريقة الفقهاء الكبار في استنباط الأحكام ، هل يجوز أن يأتي حديث فيُخصِّص آية ؟ بعضهم قال : يجوز ، والبعض الآخر قال : لا يجوز ، الأصل في الخلاف تخصيص عموم الكتاب بالأحاديث الأحاديّة ، فمن رأى أنّ هموم الكتاب يُخصَّص بأحاديث الآحاد مثلاً ، إذا قلنا : أعلى راتب في الدولة خمسة آلاف ليرة هذه مادة الدستور ، وسيصْدر قانون يفصّل ذلك القانون ؛ ألا يستطيع أن يقول أعلى راتب ثمانية آلاف ؟ الدستور وضع حدّاً أعلى ، فالقانون إذا أراد أن يفسّر ويوضّح راتب الموظّفين وأنواع التعويضات عليه أن يتقيّد بهذا السقف ، من الألف إلى الخمسة ، وبعضهم قال: يجوز و للتفسير أن يتجاوَز السقف ، وهو رأي ضعيف ، ربّنا عز وجل بالقرآن الكريم وضع حدودًا أحيانًا يأتي حديث مفرد يتجاوز هذا السقف ، هناك من الفقهاء مَن قال : لا يجوز لأحاديث الآحاد أن تخصِّص عموم الكتاب ، وبعضهم قال : يجوز .
هناك توجيه لطيف جمع بين الرأييْن ، قال : فمن رأى أنّ القدْر راجع فيه إلى الرضا يجوز ، هي راضِيَة ، أما إذا كان هناك نوع من الابتزاز ، لا أخلعك حتى تعطيني هذا البيت ، دفع لها خمسين ألفًا ، وأراد أن يأخذ منها مئتي ألف ! فهذا ابتزاز ، هنا يأخذ الفقهاء بظاهر النصّ ، وعموم الآية ، وبحديث الآحاد الذي يمنع أن تردّ الزوجة أكثر ممّا أخذت ، أما إذا كانت المرأة في بحبوحة ويُسر ، ووهبَت له شيئًا من مالها ، فنأخذ بظاهر الآية وعمومها .
عظمة الشرع الإسلامي :
الخلْع في العادة يكون بتراضي الزوج والزوجة ، فإذا لم يتمّ التراضي منهما فللقاضي إلزام الزوج بالخلْع ، كثير من يسألني : سامحني فهل يؤاخذني الله تعالى ؟ الله يؤاخذ إذا لم تكن هناك مسامحة http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3793/02.jpg
إذا كانت هناك علاقة ماليّة بين شخصين ، وأحد الشخصين سامح ، هنا انتهى الأمر ولا يوجد شيء ، إلا في بعض الحالات هناك حق عام ، وحقّ خاص ، أحيانًا يحصل القتل الخطأ ، سائق السيارة دعس إنساناً يظهر أنّ أهل المقتول ورعون ، ويخافون من الله ، ووجدوا أنّ هذا السائق فقير ، ثمّ الأمر قضاء وقدر ، ولم يرتكب خطأً في السواقة ، حينها يتنازل الأهل عن حقوقهم ، هنا بالقرآن الكريم هناك حقّ عامّ ولو تنازلت ، قال تعالى:

﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾
[ سورة النساء: 36]
الديّة هذه هي الحق الخاص ، أما تحرير رقبة مؤمنة فهذا في الحق العام يعني أنت بهذا الحادث أزْهقْت نفسًا مؤمنة ، المجتمع الإسلامي كان هناك مليون مؤمن فنقصهُ واحد ، ولو تنازل لك الأهل عن هذا الحق ، فأنت أنقصْت من المجتمع شخصًا قد يكون طبيبًا ، أو مهندسًا ، أو إنسان داعيَة ، أو طالب يُنتظر منه مستقبلاً باهرًا ، فأنت أفقدْت المجتمع الإسلامي عنصرًا طيِّبًا فالأهل تنازلوا ؛ هذا حقّهم الشخصي أسقطوه ، ولكن هناك حقّاً عاماً وهو إعتاق رقبة مؤمنة وهي أن تدخل لهذا المجتمع إنسانًا مؤمًنا كان عبْدًا تُحرِّرهُ ، دِقَّة الشَّرع ، فهنا الآن في المحاكم ولو أنت تنازلت عن الحقّ الخاص هناك حقّ عام ، فلو سرق إنسان وقال له المسروق : تنازلت عن حقّي الشخصي ، يُلاحق السارق بالحق العام ، من أين أُخذ الحق العام؟ من هذه الآية: ﴿ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾
[ سورة النساء: 36]
هذه هي عظمة الشرع الإسلامي . من كان متوازناً مع الآخرين أصبح محبوباً عندهم :
قال : فإذا لم يتِمَّ التراضي منهما ، فللقاضي إلزام الزوج بالخَلْع ، لأنّ ثابتًا وزوجته رفعَا أمرهما إلى النبي صلى الله عليه وسلّم ، وألْزمهُ النبي بأن يقبل الحديقة ، اللهمّ صلِّ عليه دخل وسيطًا بين زوجين ، يبْدو أنَّ الزوجة تكرهُ زوْجها ، فقال عليه الصلاة و السلام : لو تُراجعينهُ ؟ قالتْ : يا رسول الله ؛ أَتأْمُرُني ؟‍ قال: لا ، إنَّما أنا شفيع ، لو أمرتُكِ لوَجَب أن تنفِّذي الأمر إنَّما أنا شفيع ، فالإنسان أحيانًا تكون له مكانة بأُسرة إذا رأى الأمر صعبًا لا يفرض الحلّ فرضًا ولكن يجعل الحلّ باختيار الطَّرفَيْن ، لأنّ مكانته الكبيرة تقتضي الإلزام ، وإذا كان هناك إلزام كان هناك ظلم ، قالتْ : يا رسول الله أَتأْمُرُني ؟‍ قال : لا ، إنَّما أنا شفيع ، أنا لا آمرك أنت حرَّة ، فالإنسان عندمّا تكون له مكانة بمُجتمعه لا يستخدم هذه المكانة لطرف دون آخر ، ولكن عليه أن يوازن موازنة دقيقة ، كلّما كان الإنسان متوازنًا مع الآخرين يصبح محبوبًا عند الأطراف جميعًا أما ينحاز إلى فئة من دون فئة فلا تصبح له مكانة عاليَة ، من عظمة رسول الله صلى الله عليه وسلّم أنّه ما من صحابيّ جليل عاملَهُ إلا ظنَّ نفسهُ أنه أقربَ الناس إليه http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3793/03.jpg
هل عندك هذه الإمكانيَة التي تستطيع أن تعاشر مئتي رجل أو أكثر كلّ واحد يظنّ نفسه أقرب إليك ؟؟‍ صلى الله عليه وسلّم من رآه بديهةً هابهُ ، له هيبة ، ومن عاملهُ أحبَّه ، عظماء العالم يجلس معهم طفل صغير فيستأنس فيهم ، وشابّ يستأنس ، وكبير ومتقدّم في السنّ يستأنس ، فالذي عنده هذه النفس الشابة والنّفس المتطلِّعة لمعرفة الله عز وجل عنده مرونة فائقة ، إذا جلس مع طفل صغير ، قال له يا : عُمَير ماذا فعل النُّغَير ؟ طفل له عصفور يداعبه ، فكلّما رآه النبي صلى الله عليه وسلّم يقول له يا عمير ما فعل النُّغَير ؟ سيّدنا الحسن والحُسَين كانا يركبان على ظهره الشريف أثناء الصلاة فكان يقول : نعم الجمل جملهما ، ونعم الحِمل أنتما ، كان يضع الحسن والحسين على ركبتيه ويقبلهما ويقول : " اللَّهم إنِّي أحبّهما فأحِبّهما " هكذا المؤمن ، من كان له صبيًّا فلْيتصاب له ، إذا الواحد دخل إلى بيته وكانت له مكانة كبيرة خارج البيت ، إذا دخل ولاعب ابنه الصغير وضاحكه ومزح معه ، ونزل إلى مستواه هذه سنَّة مطهَّرة ، كان عليه الصلاة والسلام يُسلِّم على الصِّبْيان ، أحيانًا يدخل صبيّ للمسجد فإذا بالمؤمنين يرحِّبون به ، ويضعونه بينهم ، ومرَّةً تجد أخًا آخر يسيء الكلام معه ، ويردّه إلى الوراء ، لا يوجد عندنا أحد أحسن من الآخر ، سيّدنا مالك بن أنس هذا إمام دار الهجرة يقولون إنّ هارون الرشيد كان في عمرة أو حجّ فبعث له خبرًا وقال له : يا مالك لو جئتنا إلى بيتنا لِتُعلِّمَنا ؟ هارون الرشيد الخليفة، فبعث له جوابًا قال له : يا هارون العِلْم يُؤْتى ولا يأتي ، فلمَّا سمع هذا القول قال: هذا صحيح وهذا هو الحق ، أنا سآتي ، ثمَّ بعث له خبرًا آخر : وإذا أتَيْتني فلا أسمح لك بِتَخطِّي رِقاب المسلمين ، عليك أن تجلس حيث ينتهي إليك المجلس ‍‍!! قال: صحيح ، ثمّ جاء الخليفة ودخل إلى المسجد فوضعوا له كرسيًّا فقال هذا الإمام : من تواضع لله رفعَه ، ومن تكبَّر وضعه !! كم كان للعلم قيمة في ذلك الزمان ، نعم الحاكم في باب العالم ، وبئس العالم في باب الحاكم ، فالإسلام لا يوجد أحد خير من الآخر لو جاء طفل صغير مبكِّرًا ، وجلس في أوَّل المجلس لكان هذا مقبولاً ، ويُثنى عليه ، أما أن تضعه آخر الصفّ فهذا غير مقبول ، اِجْلس حيث ينتهي بك المجلس ، قال: لو علم الناس ما في الصفّ الأوّل لكان قرعةً ، لو علم الناس كم في الصفّ الأوّل من الخير الكبير لكان قُرْعةً .

تحريم إيذاء الزوجة بِمَنْع حقوقها حتى تضجر و تخلع نفسها :
آخر موضوع بالخلع ، يُحرَّم على الرجل أن يؤذيَ زوجته بِمَنْع بعض حقوقها حتى تضجر ، وتخلعَ نفسها ، وهذا هو الظلم بِعَينه ، يأتي كلّ يوم الساعة الثالثة ليلاً ، ولا يحضر لها أكلاً ، يُعنِّفها أمام والدته ، ويضربها أحيانًا ، يجعلها ترى الجنَّة بِفِراقِهِ ، لو كان مهرها المتأخِّر مئة ألف لفضَّلت الخلع ، حكى لنا شخص من المسجد أنَّ أحدهم تزوَّج امرأةً صالحة بنت عالم ، يظهر أنَّه ما حصل تحقّق بالزواج ، فهذه مُربَّاة تربيةً دينيّة ، وهذا الشاب يريد أن يفلت على هواه ، يريد اختلاطاً ، ويستقبل رفاقه ، فأمرها بِمَعاص كبرى فرفضَت ، متأخِّرها مئة ألف ، وهذا الزوج أساء إليها إساءة بالغة ، يتأخّر ويهينها ويضربها ، وهي صابرة ، وخلال سنة يئسَت ، وبعدها استسْلَمَت وقالَتْ له : لا أريد شيئًا فقط الخلْع ، فعلاً خلَعَها وخلص منها ، ولكن كيف خلعها ؟ لأنَّه ضارَّها ، بعدما خلعها وكان هذا الخلْع بِتَوجيه والدَتِهِ ، اخْلُصْ منها وأنا أزوِّجك أحسن منها ، وهو كلام معروف ، فالنتيجة خلعها ، وتزوَّج أخرى وبعدما مضى على زواجه فترة طويلة ، ذهب إلى الزبداني في نزهة ، ورجع يوم الجمعة عصرًا ، والظاهر كان هناك ازدحام بالسير ، وهو ماهر بالسواقة ، فكان يمر ويخرج من هنا ويدخل من هناك فكأنَّها خافَت ، فقالت له : على رسْلك ! فقال: أنته منك كما انتهَيت من فلانة ، فالأب كان غير راض على عمل ابنه ، هذه التي أخذتها صاحبة دين ، وأنت الذي تظلمها ، وهذه بنت عالم والأم توجِّه ابنها وتحرّضه على طلاقها ، وخلعها ، ومضايقتها ، والأب ينهاه على ذلك فركب الابن وراء المِقوَد ، وزوجته جنبه ، وأمّه وراءه ، وأبوه وراء زوجته ، النتيجة أنّه دخل في سيارة شحن كبيرة أقْسمَ بالله الأخ الذي حكى لنا القصّة قال : انقسم الابن وأمّه إلى قطعتين !!! فالأب خرَّ لله ساجدًا وقال: يا رب أنا أشهد أنَّهم ظلموا ، الأم لقِيَت جزاء عملها ، والأب لقي نتيجة عمله إذْ نجَّاه ، والزوجة ما حدث لها شيء ، وكذا الأب ، والأبناء ، من الذي قُتِلَ ؟ الابن الظالم والأم المحرِّضة ، فالواحد إذا كانت له زوجة ، ولو كان لها الحق أن تخلع نفسها منه إذا لم يعجبهُ شكلها ، أما أن يُضايِقَها في أنصاف الليالي ، ويظلمها ، ويهينها ، ويحرمها ، ويقسو عليها إلى أن تفدي نفسها منه ، فهذا أبشع أنواع الظلم ، والله سبحانه وتعالى يقتصّ منه ، فكما قلت سابقًا : فويل لقاضي الأرض من قاضي السماء ، أحيانًا القاضي يجور ولكن ربّنا عز وجل كلّ شيء عنده بِحِسابٍ دقيق .
هذا الموضوع يحتاج إلى تفصيل طويل ، موضوع الإساءة إلى الزوجة حتى تخلع نفسها، وإن شاء الله نرجئه إلى موضوع قادم ، والخلع فيه موضوعات كثيرة .
الذي لا يخاف من الله تعالى أحمق ، وكلّ إنسان يظنّ إذا أكل حقوق الآخرين ، أو ظلم زوجته، أو ظلم جيرانه ، وتعدَّى على الناس أنَّه ذكيّ يكون في حضيض الغباء ، أما الذكاء فله قِمَّة ، كلّ إنسان يظنّ أنَّه إذا لعب على الناس ، وأكل حقوقهم هو ذكيّ بهذا العمل يكون في غاية الحمق والغباوة .
* * *
الإيمان بالقدر يذهب الهمّ والحزن :
والآن إلى بعض الأحاديث الشريفة ، يقول عليه الصلاة والسلام:
(( الإيمان بالقدر يذهب الهمّ والحزن . . . ))
[ كنز العمال عن أبي هريرة]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3793/04.jpg
ائتني بواحدٍ مؤمن بالقضاء والقدر إيمانًا صحيحًا ، أنّ لكلّ شيءٍ حقيقة وما بلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أنَّ ما أصابه لم يكن ليُخطئه ، وأنَّ ما أخطأهُ لم يكن لِيُصيبهُ ، إنسانٌ بهذا المستوى أنا أضْمنُ له بأن لا يحْزَن ، عظمة الإيمان أنَّك ترى يد الله فوق أيدي الناس ، وترى أنّ الله عز وجل لا يمكن أن يقع في الكون حادث إلا بعِلْمه وأمره وقوَّته وقدرته وانتهى الأمر .
تجد المؤمن مطمئنّاً ؛ الحمد لله على كلّ حال ، إذا أقْبلت الدنيا ، أو أدْبرت ، وإذا كثر ماله ، أو قلَّ ، إذا تزوَّج فلانة هذه نصيبي ، أحدهم جاء عند رسول الله وقال له : اُدع الله أن يرزقني زوجة صالحة ؟ فتبسَّم عليه الصلاة والسلام ، فقال : والله يا أخي لو دعوتُ لك أنا رسول الله وجبريل وميكائيل ما تزوَّجْت إلا التي كتبها الله لك ، لأنَّ هذا الزواج أخطر حادث بحياة الإنسان ، وستعيش مع إنسانة طوال حياتك ، فالله عز وجب يتدخَّل ، ويبعث الطِّيب للطَّيِّبة ، قال تعالى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ﴾
[ سورة النور :26 ]
والزاني لا ينكح إلا زانية ، لك أنت تجربة قبل الزواج ، ولها هي أيضًا تجربة قبل الزواج ، ولك عِفَّة بالغة قبل الزواج تأخذ واحدة مثل الألماس ؛ عفيفة ، لك تطلّعات ، تجدها هي أيضًا لها تطلّعات ، لك مغازلات ، لها مغازلات ، كلّ شيء بِثَمنه ، تجد بالأخير الله عز وجل أنّ التي كتبها الله لك هي التي سوف تأخذها ، هذه هي شريكتك بالضَّبْط ، هذا الكلام أقوله للشباب : حسِّنْ نفسك ، رقِّ إيمانك ، وجدِّد إيمانك حتى يسمح الله لك بزوجة صالحة ، تسرّك إذا نظرت إليها ، وتحفظك إن غبت عنها ، وتطيعك إذا أمرتها ، لا تقل : أمِّي تفهم كثيرًا بالخطبة ‍! تجد نفسك وقعْت على رأسك رغم خبرة أمِّك ، ولا تقل حتى أراه أوَّل مرَّة وثاني مرَّة ، أنت تجدها بالخطبة كالملائكة ، تقول : أنا أرى ملكًا وليس امرأة !! طوِّل بالك الكلام بعد الزواج!!! والله تظهر لك نجوم الظُّهر ، لذا موضوع الزواج موضوع خطير جدًّا ، ليس لك خيار فيه ، لذا قال النبي عليه الصلاة والسلام : " أفضل شيء بعد التقوى زوجة صالحة " إذا صاحب تقوى يستحقّ الزوجة الصالحة ، وإن كان قليل التقوى يستحقّ زوجة مشابهة له .
الإيمان بالقدر يذهب الهمّ والحزن ، هذا البيت لم يكن من نصيبي ، الحمد لله رب العالمين ، أنا أسعى ولا أتواكَل ، لكن رأيته مناسباً ، وسعره مناسب ، والمبلغ موجود ، ثمّ ذهبنا فقيل لنا: والله بيع !! نقول: هذا من سوء حظّنا ، ليس لا ننام طوال الليل ! انظر ما أجمل المؤمن ، خطب فلانة والبنت مناسبة ، والعمر مناسب ، وثقافتها مناسبة ، ذهبنا للخطبة فقيل لنا خطبت ، لا ننتحِر ، لا يوجد نصيب وانتهى الأمر . علامة قارىء القرآن أنَّه لا يحزن :
لذلك قال عليه الصلاة والسلام : "لا يحزن قارىء القرآن . . ." علامة قارىء القرآن أنَّه لا يحزن يعلم أنَّه توجد آيات دقيقة :
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة البقرة: 216]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3793/05.jpg
أحدهم حمل أواني زجاجية ، تزحلق فانكسروا كلّهم ، صار يبكي بكاء مراً ، ويقول: يا رب ، أريد أن آتي لأهلي بأكل ، ذهب كلّ رأس ماله ، قال له : يا رب ، ذهبت مني قطعة ذهب ثمنها مئة وسبعون ليرة وما غضبتُ ، أما الآن فليس عندي إلا هذه ، وعندي الآن عائلة ، فُتِحَ الشباك وقال له : تعال ، أنت الذي ضاع منك الذَّهَب ؟ فقال : نعم ، قال له : خُذْ هذه وجدتها منذ سبع عشرة سنة ، وها أنا أردّها لك !! أين انكسرت الأواني؟ أمام من وجد ذهبه ، قال تعالى:
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة البقرة: 216]
هذه الآية وحدها لو لم يكن في كتاب الله غيرها لكفَتْ ، كلّ شيء بِقَدر تمكَّنت من الذهاب مع هذه البِعْثة أم لا ، قل : الحمد لله رب العالمين وبعدها ذهب ! شرّ أذهبه الله عنك ، هل كان الله غافلاً ؟ قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾
[ سورة الحديد: 22 ]
قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾
[ سورة الطور:48 ]
قال تعالى ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾
[ سورة هود : 123 ]
عندما تُوحِّد ترتاح ، لذلك الإيمان بالقدر يذهب الهمّ والحزن ، حرامٌ على مؤمن يحزن، أموره كلّها بيَدِ أرْحم الراحمين ، وبيَدِ كريم وعليم وقدير هل يخاف الإنسان من أمِّه ؟ كم يشعر بمحبَّة تِّجاه أمِّه ؟ كلّها رحمة له .
النبي عليه الصلاة والسلام رأى امرأة تقبّل ابنتها ، فقال: " أتُلقي هذه بولدها إلى النار . . . .للّه أرحم بعبده من هذه بولدها . . ." لمَّا الإنسان يتذوّق القرآن الكريم ، هناك آية وحدها تكفي قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ ﴾
[ سورة آل عمران: 158 ]
إلى أين تذهب ؟ إذا كانت لك زوجة فيها رحمة ، لم تغضبني أبدًا ، مرَّةً عزَّيت صديقًا لي بوفاة والدته ، عمر والدته ثمانون سنة ، أثناء التعزية بكى الأب بكاءً مُرًّا ، بعد التعزية حاوَل الأصدقاء التخفيف عنه ، فصار يبكي أكثر ، فقال : والله عشت معها خمساً أربعين سنة ما نمت ولا ليلة غضبان منها ! هذه زوجة فيها إخلاص ومحبّة فتأثّر ، فأنت ذاهب إلى من هو أرحم ، عليم حكيم ، ربّنا عز وجل لمّا يتجلّى على قلبك تذوب ذوبانًا محبَّةً ، تُوفِّيَت امرأة صالحة رأتْها ابنة ابنتها بالرؤيا بِمَكان يشبه أماكن جميلة جدًّا كلّها جبال خضراء وسواحل ، وقالت لها : أنا مفتوح من قبري نافذة مباشرة لهذه المناظر ! تعيش في الجنَّة ، ورأتْها بنتٌ أخرى في بيت فخْم جدًّا مثل القصر ، فقالت لها : هذا بيتي ! وبيتها في الدنيا كان متواضعًا ، أنت لا تعرف الإنسان إذا مات على الإيمان أين يذهب ؟ إذا مات الواحد يقولون : مسكين !! ليس هو المسكين أنت المسكين ، إذا الواحد غير مستقيم في حياته هذا هو المسكين ، ذاك في قمَّة السعادة ، لا كرب على أبيك بعد اليوم ، فالإنسان إذا رزقه الله موتةً على الإيمان ، ماذا فيها الدنيا ؟
الإيمان بالقدر يذهب الهمّ والحزن ، والإيمان بالقدر نظام التوحيد ، إذا أردت أن تناقش ناقش ، هذا فعل معك هكذا ، هل هذا بعِلْم الله أم لا ؟ إذا قلت : ليس بعلمه أشْركت ، وإذا قلت : بعلمه ، فكيف سمح الله له ؟ الله تعالى حكيم ، إذًا للحكمة حكمة ، والله عليك ، فهو يعلم ما في النفوس ، الله قدير ، والله لطيف ، والله جبّار ، فأنت إذا قلت : ليس بعلم الله ؛ هذه مشكلة وإذا قلت بعلمه : معنى هذا أنك أشركت ، لذلك ممَّا أثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّه إذا أصابتْه مصيبة كان يقول : لا إله إلا الله العليم الحكيم ، لا إله إلا الله الرحمن الرحيم ؛ انظر دقَّة الكلام كلّ شيء بيَدِهِ هو العليم الحكيم ، وكلّ شيء بيدِه هو الرحمن الرحيم ، الحديثان دقيقان ؛ الإيمان بالقدر يذهب الهمّ والحَزَن ، والإيمان بالقدر نظام التوحيد ، وما تعلَّمت العبيد أفضل من التوحيد ، ما من عثرة ، ولا اختلاج عرق ، ولا خدش عود إلا بما قدَّمَت أيديكم وما يعفو الله أكثر . الإيمان والعمل قرينان متلازمان :
الإيمان والعمل قرينان لا يصلح كلّ واحد منهما إلا مع صاحبه ، إيمان بلا عمل كالشّجر بلا ثمر .
المؤمن عفيف عن المحارم ، عفيف عن المطامع ، الغنى غنى النفس ،الأمْن والعافية نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس ، ما معنى الأمن ؟ لسْتَ مُلاحقاً ، شيء جميل ، تنام ملء عينيك ، إذا دقّ الهاتف الساعة الثانية عشرة ليلاً لا تخاف ، إذا الباب طرق الساعة الواحدة لا تخاف ، قال تعالى:
﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة الأنعام : 81 ]
هذه النعمة العظمى من الله عز وجل ، تجد قلب المؤمن كلّه أمن وطمأنينة بحيث له من الطمأنينة لو وزَّعَها على مليون من الناس لاطمأنُّوا ، هذه نعمة الله الكبرى ، والكافر يلْقي في قلبه الرعب ، قال تعالى: ﴿ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ ﴾
[سورة الحشر: 2]
تجد في قلوبهم فزعًا شديدًا . الأمانة تجلب الرزق والخيانة تجلب الفقر :
آخر حديث :
(( الأمانة تجلب الرزق ، والخيانة تجلب الفقر ))
[ الديلمي عن جابر]
هذا قانون من قوانينه صلى الله عليه وسلّم ؛ الأمانة تجلب الرزق ، والخيانة تجلب الفقر ، إذا الصانع سرق ، وأراد أن يطلب عملاً يسأل صاحب العمل صاحب الدكان الأوّل ، فإذا قال له : يده خفيفة يصرفه عنه ، ثمّ تجده ينصرف من محلّ لآخر ، جميع الأبواب مغلّقة في وجهه ، لذلك في الأمن يُشاركونك ، ويعطونك أموال استثمار ، ويقدِّمون لك أثْمن ما عندهم، ويعطونك محلاّت وبيوت ، فقط أن تكون أمينًا لذلك سأل أحد الشعراء الإمام الشافعي ، قال له: يد بعشر مئين عسجد وديت ، اليد هذه إذا قطعت بحادث خطأً ديَّتها عشر مئات دينار ذهبي ، الدينار الذهبي الآن ثمنه سبعمئة ليرة أو أكثر ، عشر مئات ، أي ألف دينار ذهبي
ما بالها قطِعَت في ربْع دينار ، إذا الواحد سرق ربع دينار يقطعون له يده ؟ وإذا قطعَت خطأً يدفع المتسبِّب بالحادث ألف دينار ذهبي ، وهي سرقت ربع دينار فقطعت ؟‍‍
فقال الإمام الشافعي: عِزُّ الأمانة أغلاها وأرخصها ذلّ الخيانة فافْهم حكمة الباري
***

لمَّا كانت أمينة كانت ثمينة ، فلمَّا خانَت هانَتْ ، سائق تاكسي من المطار إلى الشام وجد بالمقعد الخلفيّ خمسين ألف ليرة ، أخذها عند مدير مكتبة التاكسي ، هذا الإنسان جاء من الكويت ، وقعت له بطريقة أو أخرى ، وصل عند بيت عمّه فوجد خمسين ألفًا مفقودة ، انخلعت روحهُ ، فقال له أحدهم : أخي لا تزعج نفسك فقد ذهبت دراهمك ‍! أصابه كمد منقطع النظير ، طرق الباب صديقه فرآه على هذه الحال ، فقال له : دعنا نذهب إلى المطار ، راحوا إلى هذا المطار وسألوا أنّهم ركبوا سيارة تاكسي ، وضاعت منا دراهم ، فقال لهم : نعم هناك سائق وجد دراهم أين هو ؟ قالوا: الآن نزل إلى الشام ، نزلوا على مكتب الشام سألوا فقالوا لهم : أعطاهم لمدير المكتب ، راحوا على البيت ، فأعطاهم خمسين ألفًا ، سحب خمسة آلاف وقال له هذه هديّة له ، فقال له : لا ، سنقيم له لقاء صحفياً نثني على أمانته ! شيءٌ جميل ، وأنا كنت راكبًا تاكسي آتٍ من بيروت إلى الشام ، والسائق ربح بضاعة وركّاباً ، ركب معه جندي ، وضع في الخلف علب سردين ، وقف هذا السائق في محلّ ، نزلت كي أرى أغراضي ، السائق لم ينتبه لي ، رأيته يأخذ علب سردين ويضعها وراء الدولاب ، هذه سرقة ، قلتُ : سبحان الله ، هذا عند الله سائق وذاك سائق ؟ ظفره بمليون . عِزُّ الأمانة أغلاها وأرخصها ذلّ الخيانة فافْهم حكمة الباري
ربحت ألفي ليرة ، وسيارتك ملك لك ، وهذا جندي فقير ، تخبِّؤهم وراء الدولاب !! وذاك خمسون ألفًا سلَّمهم لصاحبها ، الأمانة تذهب الرزق ، والخيانة تجلب الفقر . * * *
الربيع بن خثيم :
والآن إلى بعض حياة التابعين ، الربيع بن خثيم حينما حضرته الوفاة - من آخر القصّة - جعَلَت ابنتهُ تبكي ، فقال لها: ما يُبْكيك يا بنيتيّ وقد أقبلَ على أبيك الخير ؟! ها قد جاء الخير ، هل نحن الآن نعدّ لأنفسنا هذا الإعداد ؟ الموت حق ، نعدّ أنفسنا كي نجد كلّ خير في هذه الساعة ، قمَّة السعادة عرس ، الموت عرس المؤمن وتحفة المؤمن ، نهاية القصّة بكت فقال لها : ما يبكيك وقد جاء على أبيك الخير ؟ هذا الرجل الربيع بن خثيم أصيب بالفالج ، فقال هلال لضيفه منذر الثوري ألا أمضي بك يا منذر إلى الشيخ لعلَّنا نؤمن ساعة ؟ بعض الصحابة كان يقول : اجلس بنا نؤمن ساعة ، إذا جلست مع أخيك وحدَّثك وحدَّثتهُ هي ساعة إيمان http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-3793/06.jpg
فقال منذر: بلى فوالله ما أقْدَمَني الكوفة إلا الرَّغبة في لقاء شيْخِك الرَّبيع بن خُثَيْم والحنين في عَيْش ساعة في رِحاب إيمانه ، ولكن هل استأذنت لنا عليه ؟ فقد قيل لي : إنَّهُ منذ أُصيب بالفالج لزِمَ بيتهُ وانْصرفَ إلى ربّه ، وعزف عن لقاء الناس ، فقال هلال : إنّه كذلك منذ عرفته ، وإنّ المرض لم يغيّر منه شيئًا !! هذه هي البطولة ، حكَيتُ لكم عن قصّته لمّا قطعت رجله حملها وبكى ، وقال : والله يا رب ما مشيْت بها إلى معصية قطّ ، وأنا أحتسبها عندك ، أصيب بالفالج فما غيَّرَ المرض منه شيئًاً ، فقال منذر : لا بأس ، ولكِنَّك تعلم أنَّ لِهَؤلاء الأشياخ أمْزِجَةً رقيقة ، فهَلْ ترى أن نُبادِر الشَّيْخ فنسْألهُ عمَّا نريد أم نلْتزمُ الصَّمْت فنَسْمعُ منه ما يريد ؟ فقال هلال : لو جلست مع الربيع عامًا بأكمله فإنَّه لا يكلّمك إلا إذا كلّمته ، ولا يبادرك إلا إذا سألته ، فهو قد جعل كلامه ذكرًا وصمته فكرًا ، فقال منذر : فلنمض إليه إذًا على بركة الله ، مضيا إلى الشيخ ، فلمَّا صارا عنده سلَّمَا وقالا : كيف أصبح الشيخ ؟ فقال: أصبح ضعيفًا مذنبًا يأكل رزقهُ ، وينتظر أجله ، فقال له هلال : لقد أمّ الكوفة طبيب حاذق ، أفتأذن بأن أدعوه لك ؟ قال: يا هلال ، إنِّي لأعلم أنَّ الدواء حقّ ، ولكنِّي تأمَّلتُ عادًا وثمود وأصحاب الرسّ وقرون بين ذلك كثيرة ، ورأيت حرصهم على الدنيا ، ورغبتهم في متاعها ، وقد كانوا أشدَّ منَّا بأْسًا ، وأعظمَ قدرةً، وقد كان فيهم أطبَّاء ومرضى ، فلا المُداوي ولا المُدَاوَى ، ثمَّ تنهَّدَ تنْهيدةً عميقةً وقال: ولو كان هذا هو الداء لتداوَيْنا منه ، فاسْتأذن منذر وقال: فما الداء إذًا يا سيّدي الشيخ ؟ قال: الداء الذنوب ، قال منذر : وما الدواء ؟ قال : الاستغفار ، قال منذر : وكيف يكون الشفاء ؟ قال: بأن تتوب ثمّ لا تعود ! ثمَّ حدَّق فينا وقال : السرائر السرائر ، أي عليكم بالسرائر تكون نقيّة طاهرة ، قال تعالى
﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾
[ سورة الشعراء:88-89]
قال: عليكم بالسرائر التي تخفى على الناس وهنّ على الله بوادر ، هذه النوايا الخفيّة عند الله تعالى مكشوفة ، قال منذر فما الدواء ؟ قال: التوبة النصوح ، ثمّ بكى حتّى بلَّلت دموعه لحيتَهُ ، ثمَّ بكى حتى بلَّلَتْ دُموعه لِحْيتهُ ، ثمّ قال له منذر أَتبكي وأنت أنت ؟ قال: هيهات لِمَ لا أبكي وقد أدْركتُ قومًا نحن في جنبهم لُصوص ، أي عظمة الصحابة واستقامتهم وعملهم الصالح وتضحياتهم ، نحن إلى جانبهم كأنّنا لصوص .
قال له : لقد أدركْت قومًا نحن في جَنبِهم لُصوص ، فقال هلال : وإذْ نحن كذلك دخل علينا ابن الشيخ فحَيّا وقال: يا أبت إنَّ أمِّي قد صنَعَت لك خبيصًا وجوَّدَتهُ ، نوعٌ من الحلْوَة، وإنَّه ليَجْبر قلبها أن تأكل منه ، فهل آتيك به ؟ فقال: هاتِهِ ، فلمَّا خرج لِيُحضرهُ طرق سائلٌ فقال : أدْخلوه ، ولمَّا صار بِصَحن الدار نظرتُ إليه فإذا هو رجل كهْلٌ مُمَزَّق الثِّياب ، قد سال لُعابهُ على ذقنه ، وبدا من ملامح وجهه أنَّه معتوه ، فما كِدْتُ أرفعُ بصري عنه حتى أقبل ابن الشيخ بِصَحبة الخبيص فأشار إليه أبوه أن ضَعها بين يدي السائل ، مَعتوه لُعابهُ على لحيته مُمَزَّق الثياب ، وهذا الطعام صنَعَتْهُ الزَّوجة ليأكل زوجها منه فوضَعَها بين يديه ، فأقبل عليها الرجل وجعل يلتهم ما فيها الْتِهامًا ، ولعابهُ يسيل فوقها ، فما زال يأكل حتى أتى على ما في الصَّحفة كلّها ، فقال له ابنه : رحمك الله يا أبي ، لقد تكلَّفَت أُمِّي وصنعت لك هذا الخبيص ، وكنا نشتهي أن تأكل منه فأطْعمْتهُ لهذا الرجل الذي لا يدري ما أكل ، فقال : يا بني إذا كان هذا الرجل لا يدري ماذا يأكل فإنّ الله يدري ، ثمّ تلا قوله عز وجل: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾
[ سورة آل عمران: 92]
وفيما هو كذلك إذْ دخل عليه رجل من ذوي قُرْبة ، وقال : يا أبا يزيد ! قُتِلَ الحُسَيْن بن عليّ كرَّم الله وجهه ، وابن فاطمة عليها وعليه السلام ، فقال الربيع : إنا لله وإنا إليه راجعون ثمّ تلا قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾
[ سورة الزمر : 46 ]
ولكنَّ الرجل لم يشْفه كلامه ، فقال له : ما تقول في قتله ؟ قال: أقول إلى الله إيابهم وعلى الله حسابهم ! قال هلال : ثمَّ إنِّي رأيتُ وقت الظهر قد اقترب فقلتُ للشيخ أوْصِني ؟ قال: لا يَغُرَّنَك يا هلال كثرة ثناء الناس عليك ، فإنَّ الناس لا يعلمون منك إلا ظاهرك ، واعْلم أنَّك صائرٌ إلى عملك ، وأنَّ كلّ عملٍ لا يُبْتغى به وجْه الله يضْمحِلّ - والله كلمات تكتب بماء الذهب - فقال المنذر : وأوْصني أنا أيضًا جُزيت خيرًا ؟ قال : يا منذر اتَّق الله فيما علمْت ، وما اسْتأثر عليك بعلمه فَكِلْهُ إلى عالمه ، لا تقل فيما لا تعلم ، يا منذر لا يقل أحدكم : اللهمّ إني أتوب إليك ، ثمّ لا يتوب ثمّ تكون كِذْبة ، ولكن قلْ : اللهمّ تُب عليّ ، فيكون دُعاءً ، واعْلم يا منذر أنَّه لا خَير في كلامٍ إلا في تهليل الله أي التوحيد ، وتحميد الله أي الحمْد ، وتسبيح الله في التنزيه ، وسؤالك من الخير ، وتعوُّذك من الشرّ ، وأمرِكَ بالمعروف ، ونَهْيِكَ عن المنكر ، وقراءة القرآن ، فقال المنذر : قد جالسْناك فما سمعناك تتمثَّل بالشِّعر ، وقد رأينا بعض أصحابك يتمثَّلون به ؟ فقال : ما من شيءٍ تقوله هناك إلا كتِبَ وقرأ عليك هناك يوم القيامة ، وأنا أكرهُ أن أجد في كتابي بيت شِعْر يقرأ عليَّ يوم يقوم الحساب ثمّ الْتفتَ إلينا جميعًا وقال : أكْثروا من ذِكْر الموت فهو غائبكم المُرتقب ، كلّنا ينتظرنا الموت ، والمطابع جاهزة ، وإنّ الغائب إذا طالتْ غَيبَتُه أوْشكَتْ أوْبَتُه ، ثمَّ اسْتعْبَر أيْ بكى ، وقال : ماذا نصْنعُ غدًا إذا دُكَّت الأرض دكًّا دكًّا وجاء ربّك والملك صفًّا صفًّا وجيء يومئذٍ بِجَهَنَّم ؟ قال هلال : وما كاد الربيع أن ينتهي من كلامه حتى أُذِّن للظُّهر فأقْبل على ابنه وقال : هيَّا نُجِبْ داعيَ الله ؟ فقال ابنهُ : أعينوني على حَمْلهِ إلى المسجد جُزيتُم خيرًا ؟ فرفعناهُ ووضعَ يمناهُ على كتف ابنه ، ويُسْراه على كتفي وجعل يتهادى بيننا ، ورجلاه تخطان على الأرض خطا ، فقال المنذر : يا أبا يزيد لقد رخَّص الله لك ، فلو صلَّيْت في بيتك ! فقال : إنَّه كما تقول : ولكنَّني سمعتُ المنادي ينادي حيّ على الفلاح ، فمَن سَمِع منكم المنادي ينادي إلى الفلاح فلْيُجِبْهُ ، ولو حَبْواً .
الربيع بن خثيم علمٌ من أعلام التابعين ، لا أريد أن أطيل عليكم ، نأخذه في درس آخر ، ولكن آخر كلمة تركت في نفسي أثرًا : لقد ظلَّ الربيع حياته كلّها يترقَّب الموت ويستعدّ للقائه ، هذا الذي أريده من الإخوة الأكارم ، من الآن إلى عند الموت استعدّ له ، وهذا مكسب لك وتكون أذكى الناس وأعقلهم ، استعدّ ، وأكثر من العمل الصالح ، وابذل من مالك ، كن ورعًا، ادفع مالك أمامك ، إذا دفعته أمامك سرَّكَ اللَّحاق به ، وإذا خلَّفْتهُ وراءك أزْعجَكَ تركَهُ ، ما هو المال ؟ وسائل راحة ، زوجة ، أولاد ، وأموال طائلة ، إذا تركته في الدنيا ، والله خروجك منها تمزيق ، أما إذا دفعته أمامك فأسهل شيء أن تسافر عند مالك ، لذلك استعدُّوا للموت منذ الآن بالعمل الصالح ، والاستقامة ، وحضور مجالس العلم ، والقرآن الكريم بقراءته ، وفهمه، وتطبيقه .

السعيد 09-08-2018 01:19 PM

رد: الفقة الاسلامى 2
 
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( السابع )

الموضوع : فسخ العقد اما بسبب اساسى او سبب طارئ



الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهمّ لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنَّك أنت العليم الحكيم ، اللهمّ علِّمنا ما ينفعنا ، وانْفعنا بما علَّمتنا وزِدنا علمًا ، وأرِنا الحقّ حقًا وارزقنا اتِّباعه ، وأرِنا الباطل باطلاً وارزقنا اجْتِنابه ، واجْعلنا مِمَّن يستمعون القَوْل فيتَّبِعون أحْسَنَهُ ، وأدْخِلنا بِرَحمتِكَ في عبادك الصالحين .
فسخ عقد الزواج :
أيها الأخوة المؤمنون ، سوف ننتقل الآن إلى موضوع آخر وهو الفسخ في العقد أي نقضه ، نقض الشيء أي حلّ عُراه وجزَّأهُ ، وفسْخ العقد يعني حلّ الرابطة بين الزوجين ، وقد يكون الفسخ بِسَبب خلل وقع في العقد ، أو بسبب طارىءٍ عليه يمنع بقاءهُ ، إما خللاً في العقد أو طارئاً طرأ عليه يمنعُ بقاءهُ .
مثال الفسخ بسبب الخلل الواقع فيه ، إذا تمَّ العقد وتبيَّن أنّ الزوجة التي عُقِدَ عليها أو التي عقد عليها ، إذا تبيَّن له أنَّها أخته من الرضاعة فُسِخَ العقد ، عقدك على امرأة هي أختك من الرضاعة عقْدٌ باطل لا يُصَحَّح ، علاجه الفسخ ، أما عقدك على امرأة بلا مهْر فعقْدٌ فاسدٌ يُصَحَّح علاجُه تسْمِيَة مهر المثل ، إذًا فرْق بين العقد الباطل ، وبين العقد الفاسد ، فإذا تمَّ العقد وتبيَّن أنَّ الزوجة التي عقدَ عليها أختهُ من الرضاع فُسخَ العقد أيْ أُلْغِيَ ، إذا عقد غير الأب أو الجدّ للصغير أو للصغيرة عقد بالوكالة ، ثمّ بلغ الصغير أو الصغيرة فَمِنْ حقّ كلّ منهما أن يختار البقاء على الزَّوجيَّة أو إنهائها ، فلو زوَّج الواحد ابنته دون سِنّ البلوغ إلى شاب، أو إلى صغير وتمَّ العقد بينهما ، فإذا بلغت البيت فلها خيار البقاء أو الفسخ لأنّ خيارها لم يكن صحيحًا حين العقد ، لم تكن تعرف ما إذا كانت توافق أو لا توافق ، ولا أعني صغيرة سبعة عشرة ، الصغيرة هي سبع أو ثماني أو إحدى عشرة سنة ، قبل أن تعي ما الزواج ، إذا عقد على الصغيرة وكان العاقد غير الأب والجدّ ، لأنّ الأب والجدّ لا يبتغي لابنه غير الصلاح ، غير الأب والجدّ إذا عقد وكالة على صغيرة أو صغير ، ثمَّ بلغ الصغير أو الصغيرة فللصغير أو الصغيرة إذا بلغا اختيار البقاء أو الفسخ فهذا هو الخلل في صلب العقد ، العقد فيه خلل ، العقد ينقصه موافقة الزوجة أو موافقة الزوج إذا كان صغيرًا ، فلمَّا كبرَت العقد إمَّا أن يثبت وإما أن يُفْسخ ، إذا ثبت أنَّ هذه البنت أو هذه الزوجة أخت الزوج من الرضاع يفسخ العقد مباشرة ، هذا الفسخ لِعِلَّة ثابتة في العقد .
أما الفسْخُ لِعِلَّة طارئة فإذا ارتدَّ أحدُ الزَّوجين ، كان مسلمًا ثمّ ارْتدّ عن الإسلام ولم يعُد إليه فُسِخَ العقد بسبب الردَّة الطارئة ، والنبي صلى الله عليه وسلّم فسَخَ عقْد ابنته زينَب على صِهره حينما أصرَّ على الشِّرْك ، ودخلَت زيْنت في الإسلام ، ثمَّ عاد إليها بعد أن آمنَ ، فارْتِداد أحد الزوجين عن دين الله ، أو إصراره على الشرك ، وبقائه على الشرك يفسخ العقد بينهما .
الحالة الثانية : إذا أسْلم الزوج وأبَت الزوجة أن تسلم ، أو إذا أسلمت الزوجة وأبى الزوج أن يسلم ، فيُعَدُّ العقد فاسخًا ، أي لاغيًا ، وتحلّ علاقة الزوجين ، إذا كان الزوج مسلماً ، أو الزوجة مسلمة توصلهُ إلى جهنَّم ، تجد بعضهم يتزوّج امرأة غير مسلمة ، ويأتي بها إلى بلده فإذا بها تعمل حمَّام شمس على الأسطوح ! ما هذا ؟ هكذا عاداتهم !! لو كنت فقيهًا هذا الزواج فاسِخ ، تجدهُ يقول لك : الحمد لله أنا إيماني بقلبي ! ماذا تريدني أن أفعل معها ؟ هكذا النساء ! هداها الله ، فهذا الزواج لا يجب أن يتِمّ ، امرأة فاسدة مائلة مميلة ، تخرج وكأنَّها عارية ، تُخالط الرجال ، لا تستحي من الله ، ولا من الناس ، هذه كيف تكون زوجتك؟
الفسخ و الطلاق :
الفرْقة الحاصلة بالفسخ غير الفرْقة الحاصلة بالطلاق ، هنا عندنا فرقتان ، فرقةٌ حصَلَت بالفسخ ، وفرقة حصلَت بالطلاق ، إذْ أنَّ الطلاق ينقسم إلى طلاقٍ رَجْعِيّ ، وطلاقٍ بائن ، الطلاق الرجعي لا يعني أنّ تفكيره قديم أو صعب !! لا ، الرجعي يعني أنَّه يمكن أن تُراجعها في هذا الطلاق ، والرجعيّ لا ينْهي الحياة الزوجيّة في الحال ، طلَّقتها وبعدها هناك ثلاث حيضاتٍ أو ثلاثة أشهر تبقى عندك وتستطيع ان تشاهدها ، وتستطيع أن تتزيَّن لها ، ولك أن تراجعها بكلمة ، أو بكنايةٍ ، أو بإشارة ، أو بأيّ شيءٍ آخر ، هذا هو الطلاق الرجعي ، فالطلاق إما رجعيًّا ، وإما بائنًا ، والرجعيّ لا يُنهي الحياة الزوجيَّة في الحال ، والبائن يُنهيها في الحال ، أما الفسخ فسواءٌ أكان بسببٍ طارىء على العقد ، أو بسبب خلل فيه ، فإنَّه ينهي العلاقة الزوجيّة في الحال ، إذا الواحد شعر أنَّ بجانب الوقود السائل نار يقول : والله ناوي أن أبْعِد النار عن الوقود السائل ! ما هذا ؟ أتنْوي ؟ لن تستطيع اللَّحاق ، سيكون انفجار ، ففي مثل هذه الحالات لا بدّ من إبعادهما في الحال ، ومن جهة أخرى ، فإنّ الفرقة بالطلاق تنقص عدد الطلقات ، أي الواحد طلَّق زوجته طلاقًا رجْعيًّا ، ومضَت العِدَّة ولم يُراجِعها فبانَت عنه بيْنونةً صغرى ، له أن يعْقِدَ عليها عقْدًا جديدًا بِرِضاها ، وبِمَهر جديد ، ولكنَّه بقي معه فرصتان فقط لا ثلاث ، فالطلاق البائن ينقص عدد الطلقات ، فإذا طلَّق الرجل زوجته طلاقًا رجْعِيًّا ثمَّ راجعها في عدَّتها ، أو عقد عليها بعد انقضاء العدّة عقْدًا جديدًا فإنَّه تُحْسبُ عليه تلك الطَّلقة ، ولا يملك عليها بعد ذلك إلا طلْقتين ، أما لو أن رجلاً جاء الإسلام ودخل في دين الإسلام وأصرَّتْ الزوجة على الشّرْك ففُسِخَ العقد بينهما ، بعد خمس سنوات أسْلمَت فعقدَ عليها عقْدًا جديدًا ، وتزوَّجها ، أمامه ثلاث طلقات ، فالفُرْقة بسبب الفسْخ لا تنقص عدد الطَّلقات لكنّ الفرقة بسبب الطلاق البائنة تنقص عدد الطلقات ، فلو فُسِخَ العقد بسبب خيار البلوغ ، مثلاً صغيرة عُقِدَ زواجها على شاب ، فلمَّا بلغَت اختارَت أن تفسخَ العقد وفسخَتْهُ ، وبعد فتْرةٍ ارْتأتْ أن تنْفِذَهُ فَعَقَدَتْ على زوجها عقدًا جديدًا ، ما دام هذا الفسخ بسبب خيار البلوغ إذًا بقِيَ أمامه ثلاث طلْقاتٍ .
الفسخُ بِقَضاء القاضي ، هناك حالات يكون سبب الفسْخ فيها جليًّا لا يحتاج إلى قضاء القاضي .
علامة التَّدَيّن الصحيح الخوف من الله :
يبْدو أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام تشْريعهُ كان واضحاً ، و فقه الناس بالدِّين واضح ، فَتِسْعة وتسعون بالمئة من المشكلات كانتْ تُحَلُّ فيما بين الناس ، سيّدنا أبو بكر عيَّن سيّدنا عمر قاضيًا ، وبقيَ في منْصبه الرفيع سنَتَين أو حَوليْن كاملين ، ولم يترافَع إليه اثنان في قضيَّة .
لو أنصف الناس استراح القاضي ومال الجميع إلى التراضي
***
الحقيقة لا تُغْلق أبواب المحاكم إلا إذا عرف الناس ربّهم ، إذا عرف الناس ربّهم لا يجترئون على حقّ الآخرين ، ولو دفعوا الثمن غاليًّا ؛ يخافون من الله تعالى ، علامة التَّدَيّن الصحيح الخوف من الله ، وعلامة ضعْف التَّدَيُّن في الناس عدم الخوف من الله تعالى ، وعدم الخوف من الله يعني رفع القضايا إلى القضاء ، لذلك جاء في الحديث القدسي : " يا موسى خَفْ ثلاثًا ، خفني وخف نفسك وخف من لا يخافني " نصيحة لكلّ أخ مسلم ، في كلّ علاقاتك؛ علاقة الزواج ، علاقة الشراكة ، علاقة الجِوار ، إذا ما كان مؤمنًا سوف يُسَبِّب لك متاعِبَ كُبرى ، المشكلة أنَّني لا أُفاجأ بِتَصرّف فيه بغي أو عدوان أو ظلم من إنسان غير مؤمن، بالعكس أنا أُفاجأ إذا كان مؤمنًا لأنّ الذي لا يعرف الله لا لا يمكن أن يستقيم ، فالإنسان عندما يُشارك شخصًا لا دين له ، يقول لك : فقط لا يُصَلِّي !! لا قيمة لها ، أما أخلاق وفهم ومرونة وذكاء ، فقط لا يصلّي ، هذا ما دام مقطوعًا عن الله قد يُسَبِّب لك متاعب لا حصْر لها ، أنت قلْت ذكيّ ، وأحد أنواع الذكاء يظهر أمامك بِمَظهر يأخذ بالألباب ، ما هذا الشريك؟! وسيم ، بعد سنوات تجده أخذ منك مئة ألف وأنت لا تشعر ، سافرت فغشّك ، أخي هذا لبِق ، ما معنى لبِق ؟ ليس لها معنى ، إما أن يكون متديِّنًا أو لا ؟ إذا لا يوجد دين أي لا يخاف من الله عز وجل ، ولو أرضاك بلسانه فسوف يُفاجئك بعمله السيئ ، فهذه نصيحة ، لا تقيم علاقة مع إنسان ليس فيه دين ثمّ تُفاجأ ، أنا أفاجأ إذا استقام معك ، لأنّ انحراف غير الديِّن حَتْمي ، قال تعالى : ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيم ﴾
[سورة الماعون: 1ـ2]
سبب ، التعليل العلمي أنَّ هذا الإنسان مجموعة شهوات ، وهذه الشهوات قِوَى مندفعة ، فهناك محرك إلى حُبّ المال ، الإنسان محرّك لكسب المال بشكل منقطع النظير ، وهناك محرِّك إلى حبّ النساء منقطع النظير ، فهذه الشهوات المندفعة ما الذي يوهنها ؟ خوف الله وحده ، فإذا لا يوجد خوف من الله شهوات ، ولا بدّ وهي تنطلق من أن تأخذ ما لها وما ليس لها ، قال تعالى: ﴿ وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا * وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا ﴾
[سورة الماعون: 19-20]
عندنا قاعدة وهي أنَّ هذا الإنسان إذا كانت له صِلَة بالله عز وجل يخافه فهو منضبط ، وإن لم تكن له صِلَة لا يخافه ولا ينضبط ، هو عنده شهوات ، ومن أجل أن يروي شهواته لا بدّ من مال ، والمال قد يأخذه حلالاً أم حرامًا ، فلذلك احتمال انحراف غير الدَّيِّن احتمال حتمي ، ولا بدّ منه ، فلمَّا الإنسان يتورَّط بعلاقة مع إنسان مشرك أو غير ديِّن ، أو لا يصلّي ، وطعنه طعنةً فلا يشكي للخلق ، ولا يتفاجأ ، ولا يقول : أنا ما توقَّعت أن أفعل هكذا ، أنت ما توقَّعتَ لأنَّك لا تعرف ، لو تعرف طبيعة المعرض عن الله عز وجل تتوقَّع منه كلّ شيء ، نِيَّة المؤمن خير من عمله ، ونيَّة الكافر شرّ من عمله ، إلا أنّ الكافر نوعان ، هناك كافر ذكيّ يستدرج كثيرًا من الناس ، أشخاص كثيرون يقولون لك : فلان آدمي وجيّد إلا أنّه لا يُصلِّي ، هذا لا يكفي ، ما دام مقطوعاً عن الله فهو إنساني شهواني ، ويصل إلى شهواته بأيّ ثمن ، قال تعالى : ﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ ﴾
[ سورة القصص: 50 ]
الربط بين الإيمان و العمل الصالح :
انظر للقرآن ما أجمله ، لو تتبَّعْت آيات القرآن الكريم تجد معظمها يربط بين الإيمان والعمل الصالح ، قال تعالى :
﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾
[ سورة البقرة:25 ]
عندنا معنى عكسي ، إذا قلنا : فلان طويل ، وفلان غير طويل ، ما معنى غير طويل ؟ أي قصير ، هذا المعنى العكسي ، تقول : من جدَّ وجَدَ ، ومن تكاسلَ خسِرَ ، فمن تكاسل خسر هذا معنى لم يُذْكر لكنَّه منطو في الجملة الأولى ، المعاني العكسيّة دقيقة جدًّا ، من سار على الدَّرب وصل ؛ هذه عبارة مُنْطوٍ فيها أنَّه من وقف في الدَّرب لا يصل ، فقوله تعالى : ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾
[ سورة البقرة:25 ]
ماذا ينطوي في هذه الآية ؟ الذين لم يؤمنوا لهم أعمال سيّئة دون ذلك ، لهم أعمال لا ترضي الله ، ولا تُرضي الناس ، فالإنسان عندما يقيم علاقة مع إنسان جيِّد يكون قد أراح نفسه ودخل ببحر الأمان ، فإذا تورَّط بعلاقة مع إنسان لا دين له تجد أنَّه سوف يُسبِّب له متاعب لا حصْر لها ، وأنا في غِنَى عنها ، لذلك : اتقوا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله عز وجل . تلخيص لما سبق :
هناك حالات يكون سبب الفسْخ فيها جَلِيًّا لا يحتاج إلى قضاء القاضي كما إذا تبيَّن للزَّوجين أنَّهما أخوان من الرضاعة ، وحينئذٍ يجب على الزوجين أن يفسخا العقْد من تِلْقاء أنفسهما ، وهناك حالات يكون سبب الفسخ خفيًّا غير جليّ فيحتاج إلى قضاء القاضي، ويتوقّف عليه ، كالفسخ بإباء الزوجة المشركة الإسلام إذا أسْلم زوجها ، لأنَّها ربّما لا تمتنع فلا يُفْسخُ العقد، فالقاضي متى يفسخ العقد ؟ إذا لم يحصل شيءٌ ، فالقاضي يرفع الأمر إليه ، وكان منْصب القاضي في العصور القديمة أعلى منصب الدولة ، لأنَّه أوَّل شيء فقيه وورع ، وهو الحكَمُ الفيْصَل في كلّ أمرٍ ، وإن شاء الله تعالى في درس قادم ننتقل إلى موضوع العدَّة ، وهذا موضوع جليل ، كثير من الناس يسأل عنه ، ولاسيما في هذه الأيام التي يظنّ الناس فيها أنّ العدَّة شيء يجب أن نتساهل فيه مع أنَّ العِدَّة لها تعليلات جليلة سوف نقف عندها إن شاء الله في درسٍ قادم .
* * *
رسول الله لا ينطق إلا بالحق :
والآن إلى بعض الأحاديث الشريفة ، بالمناسبة صلى الله عليه وسلّم قيل له : " يا رسول الله إنَّك بشر ، وإنَّك تغضب ، فإذا غضبْت أفنكْتُب عنك ؟ - أي هناك ساعات غضب أفنكتب عنك هذا الغضب ؟ لأنَّه ممكن أن يكون هناك خطأ - فأمْسك عليه الصلاة والسلام بِفَمه الشريف وقال : والذي بعث محمدًّا بالحق ، إنّ هذا الفم لا ينطق إلا بالحق "
فالإنسان عندما يوقن أنَّ هذا الكلام وحيٌ يوحى إلى رسول الله وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحيٌ يوحى ، أي قاعدة من الله عز وجل ، فإذا أخذ بها سعد ، وإذا تركها شقي ، وسيّدنا سعد بن معاذ كان يقول : " ثلاثةٌ أنا فيهنّ رجل ، وفيما سوى ذلك فأنا واحدٌ من الناس " معنى كلمة رجل إنسان عظيم ، قال تعالى :
﴿ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ ﴾
[ سورة النور : 37 ]
ما سمعتُ حديثًا من رسول الله إلا علمت أنَّه حقّ من الله تعالى ، مثلاً : (( الأمانة تجلب الرزق ، والخيانة تجلب الفقر ))
[ الديلمي عن جابر]
أنا سمعتُ آلاف القصص عن شخص أُتيح له أن يسرق فسرَق ، وهو يظنّ أنَّه بهذه السرقة سوف يغتني ، ولو قرأ هذا الحديث ، وتيقَّن منه ، لعلم أنَّ الخيانة طريق الفقر ، وضع ابنه عند صديقه في المحل التِّجاري ، هذا الابن وجد الغلّة كثيرة ، كلّ يوم يأخذ ألف ليرة ويخبّئها ، على عدَّة أسابيع أصبح معه تسعون ألف ليرة ، خبَّأهم بعلبة نحاس بِمَحلّ بالبيت ، وجاءته سفرة ، ووصَّى زوجته أن تنظِّم البيت تنظيمًا جيِّدًا ، فوجدت عِدَّة أشياء لا قيمة لها فرمَتها، ورمَت معهم التسعين ألفًا ‍! لو علم هذا الابن أنَّ الأمانة تجلب الغنى، والخيانة تجلب الفقر ما فعل هذا ، وهذه أحاديث مصيريّة ، وما منَّا واحد إلا وله أعمال ، أحيانًا الإنسان يكون تحت يده مال ، ولا توجد قوَّة تكشفه ، وأحيانًا يضع مصروفًا ، يضعهم ثلاثينات ، ضعهم ستِّين، الحمد أنَّه لم يحاسبْك ، الله المحاسب ، والخيانة تجلب الفقر ، لو تتبَّعت مليون قصَّة كلّ إنسان خان لا بدّ أن يفتقر ، الذين أكرمهم الله تعالى بالحياة الدنيا أُمناء يملكون ثرْوةً طائلة هي ثقة الناس بهم ، ثقة الناس بك ثرْوَة لا تُقدَّر بِثَمَن : (( الأمانة تجلب الرزق ، والخيانة تجلب الفقر ))
[ الديلمي عن جابر]
والأمانة ليس لها وَضع نسبي ، إذا كان عندك مستودع للوقود ، وسألوك هل هو محكم ؟ فلا تقل وسط ! ما معنى وسط ؟ إما أن يكون محكمًا أو غير محكَمٍ ، المحكم أن تملأ ألف لتر فيبقى ألف لتر ، أما إذا كان غير محكم فيمكن أن يرشح منه بشهر أو شهرين أو سنة وأحيانًا بأسبوع ، إذا كان بِقَعْره فتحة كبيرة ، بخمس دقائق يفرغ ، فالخيانة نسبيَّة أما الأمانة فمطلقة ، الأمانة إذا أراد أن يضع الإنسان عظمة في فمه في غير دكانه لا يستطيع . أشياء تجرح العدالة :
طبعًا هناك موضوع عالجْتهُ كثيرًا :
((من عامل الناس فلم يظلمهم وحدثهم فلم يكذبهم ووعدهم فلم يخلفهم فهو ممن كملت مروءته ، وظهرت عدالته ، ووجبت أخوته ، وحرمت غيبته))
[ مسند الشهاب عن علي بن أبي طالب]
فإذا حدَّث الناس وكذبهم سقطَت عدالته ، فإذا وعد الناس وأخلفهم سقطَت عدالته ، فإذا عامل الناس وظلمهم سقَطَت عدالته ، وهناك أشياء تجرحها ، هناك أشياء تسقطها وهناك أشياء تجرحها ، الخيانة ، وإخلاف الوعد ، والظّلم يسقط العدالة ، أما أكل لقمةٍ من حرام يجرحها، مقبل على الحرام ، تطفيف بِثَمرة ، الميزان لم يأت بما يُعادل تمرة تُجْرح العدالة ، حتى بعض العلماء قالوا : إذا كذب الإنسان على حيوان وليس على إنسان تُجْرح عدالته ، ألهى قطَّة فظنَّت أنَّ معه لحمًا ، فلمَّا أتَتْ عنده فَطردها ! لو كان هذا الإنسان محدّث لامْتنعَ علماء الحديث عن الأخذ عنه لأنَّه كذب على حيوان ، وهذا الذي جاء من المدينة المنوَّرة إلى البصْرة ليتلقَّى العلم عن رجل ، فلمَّا وصل إليه رآه رفع طرف ثوبه يلهم فرسه بأنّ في هذا الرِّداء شعيرًا ، فلمَّا أقْبلَت عليه أمسك بها ، ولم تجد الشعير فعاد إلى المدينة ولم يُكلِّمْهُ ، وهذا هو المؤمن، المؤمن شيءٌ عظيم ، خُلق إلى أبْعَد الحدود ، استقامة ، نُبْل ، وفاء ، عفَّة ، حياء ، صبر ، تجمُّل في فاقة ، شُكر ، والله المؤمن كما يقولون أحيانًا شخصٌ كألف ، أما المؤمن فأحد أعضائه يعادل مجتمعًا بِكَاملِهِ إذا كان مستقيمًا ، ليس يصلّي فقط ، من شاء صام ، ومن شاء صلّى ، فتَطفيف بِتَمرة تجرح العدالة ، أكل لقمة من حرام تجرح العدالة ، السَّيْر حافيًا في الطريق تجرح العدالة ، البول في الطريق يجرح العدالة ، الأكل في الطريق يجرح العدالة ، من علا صوته فسمعه من في الطريق يجرح العدالة ، الحديث عن النّساء يجرح العدالة ، التّنزّه في الطرقات يجرح العدالة ، صحبة الأراذل تجرح العدالة ، سماع الغناء يجرح العدالة ، من قابل هونًا تُجرح عدالته ، من أطلق لفرسه العِنان تُجْرح عدالته ، الموضوع طويل ، وأنا أذكر ثلاثاً وثلاثين نقطة إذا فعلها المسلم جُرِحَت عدالته ، ورُفضَت شهادته ، فكم الإسلام مُقدَّس ، والشيء بإمكانك ، فممكن ألا تأكل بالطريق ، وممكن ألا تنظر للنساء ، وممكن ألا تتنزَّه بالطّرقات ، لأنّ هناك عورات ، ولاسيما في هذه الأيام ، كيفما الْتفتّ نساء كاسيات عاريات ، حامل بذر في وقت العصريّات ! أنت مسلم ؟! هذا يجرح عدالتك . أهمية الوقت :
(( من لعب بالنرد فكأنّما غمس يديه في لحم خنزير ودمه ))
[ ابن حبان عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه]
الوقت ثمين جدًّا ، يقول لك ماذا فعلنا ؟ ما لعبنا وما كذبنا ولا شربنا خمرًا ، إنَّما نحن نتسلّى ، إذا طالب عنده فحص الساعة الثامنة ، وجلس ورتَّب مكتبته ، ونزَّل الكتب كلّها على الأرض ، وصفَّها حسب الطول ، ثمّ ضبّطها أكثر ، ولمَّعها ماذا عمل هذا ؟ رتَّب مكتبته ، هل هذا وقت ترتيب المكتبة ؟ أنت جالس بزمن محدود ، الله عز وجل خلقك في الدنيا لمهمّة كبيرة جدًّا ، وأعطاك إمكانات لا نهائيّة لمعرفة الله ، فَمِنَ الغباء أن تستخدم هذه الإمكانات ، وأن تستهلك هذا الوقت ، أن تستخدم هذا الفكر البشري ، وأن تستخدم هذا الوقت في أشياء لا تمدّ إلى سعادتك الأبديّة بِصِلَة ، خُلِقْت في الدنيا لعُمْرٍ محدود ، وأعطيت إمكانات غير محدودة لمعرفة الحقائق ، وحلّ المشكلات ، فمِنَ السخف والغباء أن تستخدم إمكاناتك في أشياء سخيفة، وأن تستهلك وقتك في ما لا علاقة له بالآخرة ، لذلك ما من مؤمن يأتيه ملك الموت إلا ويُحِسّ بالنَّدَم ، على ماذا ؟ دخل الجنّة ، يندم على ساعةٍ مضَت في الدنيا لم يذكر الله فيها ، لذلك لا إسراف في الخير ، ولا خير في الإسراف ، قرأت قرآناً الصبح ، والساعة عشرة عندك وقت فراغ، اقرأ سورة ثانية وافهمها ، فهمتَ هذه الآية زارك ضيف ، ما هي أسعار الذهب ؟ غالٍ هذه الأيام! لا ، تكلّم عن هذه الآية فهي تُفرحُ القلب ، أما هذه فتزعجه ، احْك له عن موضوع يتعلّق بآخرته ، لا يوجد خبر سارّ ، قال عليه الصلاة والسلام : " ما من يوم إلا والذي بعده أشر حتى تقوم الساعة " فلا أحد يتوقَّع أنّ هناك شيئاً أحسن ممَّا مضى ، و لكنه يتوقع أنَّ الله سيُكْرمهُ إكرامًا شديدًا ، والخير بيد الله فقط وليس بيد الأشخاص . استقامة الحياة لا تكون إلا بالدين :
إذًا :
(( الأمانة تجلب الرزق ، والخيانة تجلب الفقر ))
[ الديلمي عن جابر]
إذا كنت رجلاً بالمعنى الذي أراده سيّدنا معاذ ، وقرأت هذا الحديث علمْت أنَّه حقّ من الله تعالى اعْمِل شيئًا فيه خيانة لن تعمل شيئًا ، هناك محاسب ، وحسابه قليل ، هذا المال ليس لك ، لذلك لن تستقيم الحياة الدنيا إلا بالإيمان ، لأنّ الإيمان وحده وليس شيء آخر يرْدع الإنسان ، لأنّ الإنسان إذا أراد أن يطبّق شيئاً من أخيه الإنسان ، فهذا إنسان وهذا إنسان ؛ يلعب عليه ، نسمع أشياء مضحكة ، حكى لي شخص كان بأوروبا ، قال لي : الطريق سرعته ثمانون ، والناس يمشون بسرعة مئة وعشرين ، طبعًا يضعون برابيش بالطريق تمشي عليها السيارة ، الجهاز يكشف أنّ هناك سرعة زائدة ، فكلّ المواطنين عند هذه النقطة يضبِّطون سرعتهم ، ثمّ يعيد المشي على سرعة أكبر ، لا يوجد حل للموضوع ، فأعادوا صنع أجهزة متنقّلة، يضعونها بتمويه ضمن شجرة ، يقولون لك : هذا الطريق مراقب بالرادار ! هذا أبسط مثل ، وهناك الآن عدّة طرقات مراقبة بالرادار ، ما فوق الثمانين تُخالف ، من هذا الذي يُخالف؟ سيارة واقفة معها جهاز ، أما إذا الله عز وجل شرّع فالله يرى العداد بكلّ لحظة ، ويرى نيّتك ، فلو الواحد أراد أن يسرع لعلم نيّته ، فما الحياة إلا تشريعًا إلهيًّا ، لا يمكن أن تنتظم ، سمعتُ قصَّةً عن أحد التابعين اشترى زيتًا ، وجد بتنكةٍ فأرةً ميتة ، فقال : لو أرْجعتُ هذا الزيت لصاحبه لباعه غيري من المسلمين ، فآثر أن يبقي هذا الزيت على أن يرْجِعَه لصاحبه ، تشريع إلهي ؛ هذا زيت نجس ، خطر ببالي خاطرًا ، نحن نشتري الزيت كثيرًا ، فيا ترى بائعو الزيت عندهم ورع إذا وجدوا بهذا الحوض أو المستودع فأرة ، هل يمتنعون عن بيعه ؟! يقولون : لا بدّ من بيعه ، ومن يدري ؟ الله يدري ! فالحياة لا تستقيم إلا بالدِّين ، يمكن للواحد أن يأكل زيتًا نجسًا وهو لا يدري ، فلمَّا يكون هناك تشريع إلهي تجد الناس تنضبط انضباطاً مذهلاً ، أمريكا بعام ثمانيةٍ وعشرين فيما أذكر أصدرتْ قانونًا بِتَحريم الخمر ، بقي القانون أربعة عشر عاماً ، الذي حصل أنّ ثلاثمئة إنسانٍ أُعْدِموا ردعًا للناس ، وأكثر من ثلاثمئة ألف كتاب طبع لِتَحذير الناس من الخمر ، ودخل السِّجن مئات الألوف ، وصنعَت بواخر بِكَاملها ذات جدارين لتهريب الخمر ، الخمور يزداد بيعها في ظلّ هذا القانون ، أما الدّين الإسلامي فحرَّم الخمر ، إلا ما ندر؛ هذا المسلم الفاجر ، ولكنّك تجد ألف مليون مسلم لا يشربون الخمر إلا ما ندر هذا هو مفعول الشرع الإلهي ، حُرِّمَ عليكم ، وما دام هناك تحريم انتهى الأمر ، لا تحتاج إلى نشرات ، ولا إلى ... حُرِّم عليكم وانتهى الأمر ، فالآن في أوروبا يعرفون المسلم من الخمر ، لا يشرب فيَثِقون به ، يمكن أن يبعث بضاعة له من دون أن يحوِّل ثمنها إذا لم يكن يشرب الخمر ، أما إذا شرب ، فهذا الذي خان دينه لا يوثق به ، من كأس خمْرٍ يكشفونه . الأمانة غنى :
حديث آخر ، يقول عليه الصلاة والسلام :
(( الأمانة غنى ))
[الجامع الصغير عن أنس]
الأمانة طريق الغنى الحديث له علاقة بالأوّل ، من منَّا لا يحب أن يكون في بحبوحة ؟ إذا قال : لا ! يكون كلامه غير صحيح ، إذا الإنسان ميسور الحال ، ومعه قوت يومه ، لذَّ شيئًا فاشتراه ، بذلة اشتراها ، لباسه أنيق ، وبيته مريح ، هذا شيء مطلق طبيعي وشرعي ، هذا غير ملام فيه ، أنت طريقك الأمانة فيا أيّها الشباب هذا الطريق طريقه الأمانة ، بعملك كُنْ أمينًا ، لا تحدِّثْك نفسكَ أن تأخذ قرشًا غير شرعي ، إذا شعر من أنت عنده بهذه الأمانة ، وهذا النقاء يمحضك ثقته ، ثمّ يعطيك من الأرباح نسبة ، ثمّ يُشاركك ، ثمَّ يُزوِّجك ابنته، يقول : لن أجد مثل هذا ! سببها الأمانة ، وأنا أعرف أناسًا بالأمانة بلغوا أعظم مرتبة ، وبالخيانة ينفض كما ينفض الفأر الميّت !! هذا لا نريده ، يمكن أن يكون قد أخذ ليرة ! فتح الدرج وأخذ ليرة فانتهى، وسقطت عدالته ، فالذي يريد أن يزداد بحبوحة ويكون رزقه وفيرًا ، ولا يكون متضايقًا فلْيَكن أمينًا إلى أبْعد الحدود . * * *
عمر بن عبد العزيز وابنه عبد الملك :
والآن إلى قصَّة من قصص التابعين ، القصّة بين عمر بن عبد العزيز وابنه عبد الملك .
ما كاد التابعيّ الجليل وأمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ينفض يديه من تراب قبر سلفه سليمان بن عبد الملك ، سلفه الخليفة سليمان بن عبد الملك توفّي ، وليّ العهد الخليفة من بعده عمر بن عبد العزيز ، بعدما انتهى من مراسم الدَّفن ، ونفض يديه من تراب قبره حتى سمع للأرض من حوله رجَّةً – ضجيج - فقال ما هذه ؟ فقالوا : هذه مراكب الخلافة يا أمير المؤمنين قد أُعِدَّت لك لِتَرْكَبها ، فنظر إليها عمر بِطَرف عينه ، وقال بصوته المتهدّج الذي أنهكه التَّعَب وأدبره السفر : ما لي ولها ، نَحُّوها عنِّي بارك الله فيكم ! وقرِّبوا إليّ بغلتي فإنَّ لي فيها بلاغًا ؛ أي متعوِّد عليها ، ثمّ إنَّه ما كاد يستوي على ظهر البغلة حتى جاء صاحب الشُّرطة لِيَمشي بين يديه ومعه رِجاله الذين اصطفوا عن يمينه وعن شماله ، وفي أيديهم الحراب اللامعة ، فالْتَفَتَ إليه وقال : ما لي بك وبهم حاجة ، فما أنا إلا رجل من المسلمين أغدو كما يغدون ، وأروح كما يروحون ، ثمَّ سار وسار الناس معه حتى دخل سيّدنا عمر المسجد ، ونودي في الناس : الصلاة جامعة الصلاة جامعة ، فتسايَلَ الناس على المسجد من كلّ ناحيَة ، فلمَّا اكْتملَت جموعهم قام فيها خطيبًا ، فحمِدَ الله وأثنى عليه ، وصلى على نبيّه صلى الله عليه وسلّم ، ثمَّ قال : " أيّها الناس إنِّي قد ابْتُليتُ بهذا الأمر - رآه بلْوى ، وبلاءً من الله عز وجل - على غير رأيٍ منِّي - طبعًا سليمان بن عبد الملك عقد أمراً وما أطْلعَ عليه أحد قال: إذا متُّ افتحوا هذا الكتاب تعرفوا مَن الذي سيأتي من بعدي - فقال : إني قد ابْتُليتُ بهذا الأمر على غير رأي منّي فيه ، ولا طلبٍ له ، ولا مشورة من المسلمين ، وإنِّي خلعْت ما في أعناقكم من بيْعتي ، فاختاروا لأنفسكم خليفةً ترضونه ، فصاح الناس صيْحةً واحدة : قد اخْترْناك يا أمير المؤمنين ، ورضينا بك فَلِي أمرنا باليُمْن والبركة " فلمّا رأى الأصوات قد هدأت ، والقلوب قد اطمأنَّت حمد الله كرَّةً أخرى ، وأثنى عليه ، وصلى على سيّدنا محمَّدٍ صلى الله عليه وسلّم ، وطفق يحضّ الناس على التقوى ، ويزهِّدهم في الدنيا ، ويرغّبهم في الآخرة ، ويذكّرهم بالموت بلهْجةً تسْتلين القلوب القاسيَة ، وتسْتدرّ الدموع العاصِيَة ، وتخرج من فؤاد صاحبها ، وتستقرّ في فؤاد السامعين ، ثمّ رفع صوته المتْعب حتى أسْمع الناس جميعًا وقال : " من أطاع الله وجَبَت طاعته ، ومن عصا الله فلا طاعة له على أحد ، أيّها الناس أطيعوني ما أطعْت الله فيكم فإن عصَيْت الله فلا طاعة لي عليكم " ثمَّ نزل عن المنبر واتَّجَهَ إلى بيته ، وآوى إلى حجرته ، فقد كان يبتغي أن يصيب ساعةً من الراحة بعد ذلك الجهد الجاهد الذي كان فيه منذ وفاة الخليفة ، يظهر انَّه بذل جهدُا جهيدًا أضْناه ، بعدما ألقى هذه الخطبة السريعة نزل إلى بيته ليَسْتريح .
لكنّ عمر بن عبد العزيز ما كاد يسْلم جنْبهُ إلى مَضْجعه حتى أقبل عليه ابنه عبد الملك ، وكان يومئذٍ يتَّجِه نحو السابعة عشرة من عمره ، وقال : ماذا تريد أن تصنع يا أمير المؤمنين ؟ فقال : أيْ بُنيّ أريد أن أغفَلَ فلم تبق في جسدي طاقة ! فقال : أتغْفو قبل أن تردّ المظالم إلى أهلها يا أمير المؤمنين ؟! فقال : أيْ بنيّ ، إنِّي قد سهرت البارحة في عمّك سليمان وإنِّي إذا حان الظهر صلَّيْت في الناس ، ورددْت المظالم إلى أهلها إن شاء الله ، فقال ابنه : ومن لك يا أمير المؤمنين لأن تعيش إلى الظهر ؟ هل تضمن العيش ؟ فأْهبَت هذه الكلمة عزيمة عمر ، وأطارَت النَّوْم من عَيْنيه ، وبعثَت القوَّة والعزم في جسده ، وقال : اُدْن منِّي أيْ بُنيّ ، فدنا منه فضمَّه إليه ، وقبَّلَ ما بين عينيه ، وقال : الحمد لله الذي أخرج من صُلْبي من يُعينني على ديني ، والله إذا الواحد أخرج له من صلْبهِ من يُعينه على دينه ، بابا قُم فصَلِّ الصُّبح ، وأحيانًا توقظه ابنته ، لا بدّ أن يذوبَ خجلاً من الله أن بعث له طفلاً يعينه على أمر دينه .
بكى سيّدنا عمر ، ثمّ قام وأمر في الناس أن يُنادَى : ألا من كانت له مظلمةٌ فلْيرْفَع - لم ينَم - فمن عبد الملك هذا ؟ وما خبر هذا الفتى الذي قال عنه الناس : إنَّه هو الذي أدخل أباه في العبادة ! وسلكه مسالك الزهاد .
سيرة عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز :
كان لعمر بن عبد العزيز خمسة عشر ولدًا ، فيهم ثلاث بنات ، وكانوا جميعًا على حظٍّ مَوفور من التُّقَى ، ومقامٍ كبير من الصَّلاح ، لكنّ عبد الملك كان واسطة العِقْد - أي أحسنهم- فقد كان أديبًا أريبًا له سنّ الفتيان وعقل الكهول - أما الآن الجسم كبير والعقل كالقمحة !! أجسام البغال وأحلام العصافير - أما عبد الملك فقد كان له سنّ الفتيان وعقول الكهول ، ثمّ إنَّه نشأ في طاعة الله جلّ وعزّ منذ نعومة أطفاله ، فكان أقرب الناس سمْتًا إلى آل الخطَّاب عامَّةً ، وأشْبههم بعبد الله بن عمر ، خاصَّةً في تقوى الله ، وتخوُّفه من معاصيه ، وتقرّبه إليه بالطاعة ، حدَّث ابن عمّه عاصم قال : وفدْتُ على دمشق ، فنزلْت على ابن عمّي عبد الملك وهو عذب وذي زوج ، فصلَّينا العشاء ، وآوى كلٌّ منَّا إلى فراشه فقام عبد الملك إلى المصباح فأطفأه ، وأسْلك كلٌّ منَّا جفْنيه إلى الكرى ؛ ناموا ، ثمَّ إنِّي استيقظت في جوف الليل فإذا عبد الملك قائمٌ يصلّي في العتمة ، وهو يقرأ قوله عز وجل :
﴿ أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ* ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ*مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾
[ سورة الشعراء: 205-207]
قال : فما راعني منه إلا أنَّه كان يُردِّد هذه الآية ويبكي بكاءً مكبوتًا يقطع نياط القلب ، وكأنَّه كلَّما فرغ من الآية عاد إليها حتَّى قلتُ : سيقتلهُ البكاء : ﴿ أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ* ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ*مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾
[ سورة الشعراء: 205-207]
وقد كان فضل الشام في زمنه ، فقد رُوِيَ أنَّ عمر بن عبد العزيز جمع فقهاء الشام وقال : إنِّي قد دعوْتكم لأمر هذه المظالم - عنده مظالم- التي في أهل بيتي -أقربائي - فقالوا: يا أمير المؤمنين إنَّ ذلك أمرٌ كان في غير ولايتك - هذا الشيء كان بعهد سليمان - وإنّ هذه المظالم على من غصبها ، فلمْ يرْتَح إلى ما قالوه ، فالْتفت إليه أحدهم مِمَّن يرى غير رأيِهِم وقال: ابْعَث يا أمير المؤمنين إلى عبد الملك - ابنك- فإنّه ليس بدون من دعَوت علمًا ، أو فقْهًا ، أو عقلاً ، ابنك ليس أقل عقلاً من هؤلاء ، ابْعَث إليه واسْتشرْهُ في هذا الأمر ، عمرهُ سبعة عشر عامًا ، فلمَّا دخل عليه عبد الملك قال له عمر : ما ترى في هذه الأموال التي أخذها بنو عمِّنا من الناس ظلمًا وقد حضر أصحابها وجعلوا يطلبونها وقد عرفنا حقَّهم فيها ؟ فقال : أرى أن تردّها إلى أصحابها ما دمت قد عرفْت أمرها ، وإنَّك إن لم تفْعل كنت شريكًا للذين أخذوها ظلمًا !! هذا هو رأيه ، وأنت بيَدِك الأمر، تقدر أن تنتزعها منهم بقوَّة السلطان وعلمت بذلك ، فإن سكت عليهم فأنت شريكهم في الإثم ، فانْبسطَت أسارير عمر ، وارْتاحَت نفسهُ ، وزال عنه ما أغمَّه .
ولقد آثر الفتى العمري المرابطة على الثغور ، والإقامة في إحدى المدن القريبة منها على البقاء في بلاد الشام . حرص عمر بن عبد العزيز الشديد على ابنه عبد الملك :
كان أبوه أيْ عمر بن عبد العزيز على الرغم من كلّ ما عرفه من صلاحه وتُقاه شديد الخوف عليه من نزعات الشيطان ، كثير الإشفاق عليه من نزوات الشباب ، حريصًا أن يعلم من أمره كلّ ما يجوز له أن يعلم ، وكان لا يغفل عن ذلك كلّه ولا يهمله ، حدَّث ميمون بن مهران وزير عمر بن عبد العزيز وقاضيه ومستشاره قال : دخلت على عمر بن عبد العزيز فوجدته يكتب رسالة إلى ابنه عبد الملك يعظه فيها ، وينصحه ، ويبصِّره ، ويحذِّرهُ ، وينذرهُ ، ويبشِّرهُ ، وكان ممَّا جاء في قوله : " أما بعد ، فإنّ أحقّ من وعى عنِّي وفهم قولي لأنت ، أحقّ الناس عرف الهدى أنت ، وإنَّ الله وله الحمد قد أحسن إلينا في صغير الأمر ، وفي كبيره ، فاذْكر يا بنيّ فضْل الله عليه وعلى والدَيْك ، وإيَّاك والكِبْر والعظمة فإنَّها من عمل الشيطان ، وهو للمؤمنين عدوّ مبين ، واعْلَم أنِّي لمْ أبْعَث بكتابي هذا لأمْرٍ بلغني عنك ، فما عرفْتُ من أمْركَ إلا خيرًا - لا توجد وِشايَة - إلا أنَّه بلغني عنك شيءٌ من إعجابك بِنَفسك - ابن الخليفة ؛ تقى وصلاح وورع وشكل وشباب ، له حق في الإعجاب - قال : فإنَّه بلغني عنك شيءٌ من إعجابك بِنَفسك ولو أنَّ هذا الإعجاب - انظر يا بني - خرج بك إلى ما أكره لرأيْتَ مِنَّي ما تكره ! انتبه !! "
قال ميمون : ثمّ الْتَفَتَ إليّ عمر وقال : يا ميمون إنَّ ابني عبد الملك قد زُيِّنَ في عيني ؛ أرى أنَّه إنسان ممتاز ، وإنِّي اتَّهم نفسي في ذلك ، وأخاف أن يكون حبّي له قد غلب على علمي به ، هناك من يحبّ ابنه محبَّةً عَمْياء ، يأتي ابنه لعنده فيقول له : فلان ضربني لأمّه أو أبيه ، فينزل الأب بغضب ! مهلاً عليك ، أنت أيها الأب حبّك لابنك غلب علمك به ، فقد يكون هو المفتري ، وقد يكون هو المُسبِّب ، لا يكن حبّك لابنك غالبًا على علمك به ، وهذه دقيقة جدًّا .
قال له : أخاف أن يكون حبِّي له قد غلب على علمي به ، وأدركني ما يدرك الآباء من العمى عن عيوب أولادهم - أحيانًا الآباء يُصيبهم العمى عن عيوب أولادهم - فصِرْ إليه واصْبر غَورهُ ، وانْظر هل ترى فيه ما يشبه الكبْر والفخْر ؟ من أجل قليل من الكبر بعث وزيره يراقبه ، فإنَّه غلامٌ حَدَثٌ ولا آمن عليه الشيطان .
قال ميمون : فشَدَدْت الرِّحال إلى عبد الملِك حتى قدِمْتُ عليه فاسْتأذنْتُ ودخلْت ، فإذا غلامٌ في مقتبل العمر ، ريَّان الشباب ، بَهِيّ الطَّلْعة ، جمّ التواضع ، قد جلس على خشبةٍ بيضاء فوق بساطٍ من شعر ، فرحَّبَ بي ثمَّ قال : لقد سمعْتُ أبي يذكرك بما أنت أهل له من الخير ، وإنِّ لأرجو أن ينفع الله بك ، هذا كلام الابن لِمَيمون وزير عمر ، فقلتُ له : كيف تجد نفسك ؟ فقال : بخير من الله عز وجل ونِعمة ، غير أنّي أخشى أن يكون قد غرَّني حُسن ظنِّ والدي بي ، وأنا لم أبلغ من الفضل كلّ ما يظنّ ، وإنّي أخاف أن يكون حبّه لي قد غلب على معرفته بي - الوزير طار عقله !! هذا مضمون الرسالة - فأكون آفة عليه ، فعَجِبْتُ من اتِّفاقهما !!! ثمّ قلتُ له : أعْلِمْني ؛ من أين معيشتك ؟ فقال : من غلَّة أرْضٍ اشْتريْتُها مِمَّن ورثها عن أبيه ، ودفعْتُ ثمنها من مال لا شبهة فيه فاستغنيت بذلك عن فيء المسلمين - أي هذا مِن كَدِّي - قلتُ : فما طعامك ؟ فقال: ليلة لحمٌ ، وليلة عدس وزيت ، وليلة خلّ وزيت، وفي هذا بلاغ ، فقلتُ له : أفما تعْجبكَ نفسكَ ؟ - أراد أن يرى رأيَ والده فيه - فقال : قد كان فِيَّ شيءٌ في ذلك فلمَا وعظني أبي بصّرَني بِحقيقة نفسي ، وصغَّرها عندي ، وحطّ من قدرها في عيني ، فنفعَنِي الله عز وجل بذلك فجَزاه الله عنِّي خير الجزاء ، قال : فقعَدْتُ ساعةً أحدِّثهُ ، وأسْتمتعُ بِمَنطقهِ فلم أرَ فتًى كان أجْمَلَ وجْهًا ، ولا أكْمَلَ عقْلاً ، ولا أحْسنَ أدبًا منه على حداثةِ سِنِّه ، وقِلَّة تجربته ، فلمَّا كان آخر النهار أتاه غلامٌ فقال : أصْلحك الله لقد فرغْنا ! - جاء يتفحّص الأمر ، جاء يحاسبه على الشعرة - فسكَتَ ، فقلتُ : ما هذا الذي فرغوا منه ؟ فقال: الحمَّام ، وقال : وكيف ؟ فقال : أفرغُوهُ لي من الناس ، فقلتُ : لقد كنت وقعْتَ من نفسي موقعًا عظيمًا حتى سمعتُ هذا ، الآن سقطت من عيني ؛ الحمَّام أفرغوه من أجلك !! من أنت ؟ فَذُعِرَ واسْترجَعَ - قال : لا حول ولا قوّة إلا بالله - وقال : وما في ذلك يا عمّ يرحمك الله ؟ فقلتُ : الحمّام لك ، فقال : لا ، فقلتُ : وما دعاك أن تخْرج الناس منه ؟ كأنَّك تريد بذلك أن ترفع نفسك فوقهم ، وأن تجعل لك قدْرًا يعلو على أقدارهم ، ثمّ إنَّك تؤذي صاحب الحمَّام في غَلَّة يومه ، وتُرْجِع من أتى حمَّامهُ خائبًا - يأتي الواحد للحمَّام فيُرْجعونه - أنْقصْت الغلَّة لصاحب الحمام ، وخيَّبت أمل المتحمِّم ، وارتفعْت عن الناس - قال : أما صاحب الحمَّام فأنا أرْضيهِ وأعْطيه غلَّةَ يومه ، فقلتُ : هذه نفقَةُ صدقة خالطها كِبْر ‍! هذه كذلك حرام ، وما يمنعك أن تدخل الحمَّام مع الناس فأنت كأحدهم ؟ قال : يمنعني من ذلك أنَّ طائفةً من رعاع الناس يدخلون الحمَّام بغير أُزر ، فأكره رؤية عوراتهم - العورة الفخِذ ، تلك المغلَّظة شيء آخر - قال عليه الصلاة والسلام : لا تنظر إلى فخذ أخيك ...." قال : يمنعني من ذلك أنَّ طائفةً من رعاع الناس يدخلون الحمَّام بغير أُزر ، فأكره رؤية عوراتهم ، وأكره أن أُجبرَهم على وضع الأزر فيأخذوا ذلك على أنَّه إجبار منِّي عليهم بالسلطان ، الذي أسأل الله منه كفافًا لا علينا ولا لنا ، فعِظْني رحمَكَ الله عِظَةً أنتفع بها ؟ ماذا أفعل أنا أكره الدخول معهم ، فقلتُ : انتظر حتى يخرج الناس من الحمَّام ليلاً ، ويعودوا إلى بيوتهم ثمّ ادْخُلْه ، فقال : لا جرم - صحيح - لا أدخله نهارًا بعد اليوم ، عاهده ، ولولا شدَّة برد هذه البلاد ما دخلتهُ أبدًا ، وأطْرقَ قليلاً كأنَّما يفكِّر في أمر ، ثمّ رفعَ رأس إليّ وقال : أقْسَمتُ لَتُطْوِينَّ هذا الخبر على أبي ، فإنِّي أكرهُ أن يظلّ ساخطًا عليّ ، وإنِّي لأخشى أن يحول الأجل دون الرضا منه ، قال ميمون : فأردْت عند ذلك أن أسْبرَ عقلهُ ، فقلتُ له : إن سألني أمير المؤمنين هل رأيْت منه شيئًا ؟ فهل ترضى لي أن أكذب عليه؟ أن أقول له : لا يوجد مثله ، موضوع الحمّام أمر كبير ‍! فقال : لا ، معاذ الله ولكن قل له رأيتُ منه شيئًا فوعظْتهُ وكبَّرْتهُ في عيْنِهِ فسارع إلى الرجوع عنه ، فإنّ أبي لا يسألك عن كشف ما لم ترد إظهاره له !! لأنَّ الله جلّ وعزّ قد أعاذهُ من البحث عن السَّفَه ، أحيانًا يسألك الواحد : أين ذاهب ؟ فتقول : مشوار ، فيعيد السؤال : أين هذا المِشوار ؟ لذا هناك من لا أدب له ، تقول له اُقْعُد هنا ، فيقول لك : لا هنا أحسن ، وقد يكون مباشراً للباب ! لذا هناك أشخاص حشريِّون، سيّدنا عمر أعاذه الله من أن يكشف ما اسْتتَر ، أحدهم أراد أن يستتر عنك فأنت بيّن له أنَّك لم ترهُ .
قال ميمون : فلم أر والدًا قطّ ولا ولدًا مثلهما يرحمهما الله ، هذه قصَّة عبد الملك بن مروان بن سيّدنا عمر بن عبد العزيز ، ومشكلة الحمَّام كانت كبيرة .

السعيد 09-08-2018 01:22 PM

رد: الفقة الاسلامى 2
 
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الثامن )

الموضوع : العدة - طلاق الفار






الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
العدّة :
أيها الأخوة الكرام ... كان موضوعنا في الدرس الماضي العدَّة التي تعتدُّها المرأة إذا طُلِّقت ، أو إذا توفي عنها زوجها ، وقد عُرِّفت العدَّة ، وبُيِّن حكمة مشروعيتها ، وأنواع العدَّة.
فالتي لم يُدخل بها لا عدة لها ، التي لم يُدخل بها إذا مات عنها زوجها ولم يدخل بها فعليها عدة ، المدخول بها على أنواع : إن كانت تحيض فعدتها ثلاثةُ قروء ، أي ثلاثة حَيضات ، وعدة غير الحائض إن كانت صغيرةً لم تحِض بعدُ فعدتها ثلاثة أشهر . وعدة الآيسة من الحيض ثلاثةُ أشهر .
أما إذا طلِّقت المرأة وهي من ذوات الأقراءِ ، من ذوات الحيض - أيْ تحيض - ثم إن لم ترَ الحيض في عادتها ، ولم تدرِ ما سببه ، هذه حالات قد تقع ، طلَّقها زوجها ، وفي الأصل أنها تحيض ، أي من ذوات الحيض ، طلِّقت ، بعد الطلاق لم ترَ الحيض ولم تدر ما السبب ، في مثل هذه الحالات النادرة عليها أن تعتدَّ سنةً بكاملها ، تتربَّص مدة تسعة أشهر لتعلم براءة رحِمها ، لأن هذه المدَّة هي غالب مدة الحمل ، فإذا لم يبن الحمل فيها عُلم براءة الرحم ظاهراً ، ثم تعتدُّ عدة الآيسةِ ثلاثة أشهر ، أي مجموع عدة المرأة التي تحيض ثم طُلقت ولم ترَ الحيض ولم تعلم ما السبب اثنا عشرَ شهراً ؛ تسعة أشهر لبراءة الرحم ، وثلاثة أشهر كعدة الآيسة من الحيض .
عدة الحامل تنتهي بوضع الحمل سواءٌ أكانت مطلَّقةً ، أو متوّفَّى عنها زوجها ، لقول الله تعالى :
﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴾
[سورة الطلاق : 4 ]
وأما المتوفَّى عنها زوجها فعدَّتها أربعةُ أشهرٍ وعشرة أيام ما لم تكن حاملاً، لقول الله تعالى : ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾
[ سورة البقرة :234 ]
إذا طلَّق الرجل امرأته طلاقاً رجعياً ، ثم مات عنها وهي في العدة ، اعتدَّت بعد الوفاةِ ، لأنه توفي عنها وهي زوجته ، أيْ إذا طلَّق الرجل امرأته طلاقاً رجعياً ، ثم مات عنها وهي في العدة ، اعتدَّت بعد الوفاة كعدة المتوفى عنها زوجها ، لأن كل امرأةٍ مطلقةٍ طلاقاً رجعياً هي في حكم الزوجة ، وترث ، كل حقوق الزوجة تنالها المُطلقة طلاقاً رجعياً وهي في العدة .
عدة المُستحاضة أي التي ترى الدم باستمرار ، إن كانت لها عادة فعليها أن تُراعي عادتها في الحيض والطُهر ، فإذا مضت ثلاث حِيَضٍ انتهت العدَّة ، وإن كانت آيسة انتهت عدتها لثلاثة أشهر .
لو وقع زواجٌ غير صحيح فيه اشتباهٌ بالنسب ، فعلى المرأة التي تزوَّجت بهذا الزواج عدَّة ، لكن العلماء قالوا : " من زنى بامرأةٍ لم تجب عليها العدَّة ، لأن العدة في الأصل لحفظ النسب ، والزاني لا يلحقه نسب ". وهو رأي الأحناف والشافعيَّة .
عندنا موضوعات دقيقة لكنها تقع ، مثلاً : تحول العدة من الحيض إلى العدة بالأشهر . إذا طلَّق الرجل زوجته وهي من ذوات الحيض ثم مات وهي في العدة ، فإن كان الطلاق رجعياً فإن عليها أن تعتدَّ عدَّة الوفاة ، وهي أربعة أشهرٍ وعشرَ ، لأنها لا تزال زوجةً له ولأن الطلاق الرجعي لا يزيل الزوجة ، ولذا يثبت التوارث بينهما إذا توفي أحدهما وهي في العدة أيْ تأخذ كامل ميراثها إن كانت مطلَّقةً وهي في العدَّة .
فموضوع العدة صار دقيقاً ، في أي لحظةٍ تُعّد العدَّة قد انتهت ؟ إذا الطبيب رأى المريض في حالة نِزاع ، والزوجة كانت مطلَّقة ، وطلاقها رجعي . أي بشكل عام ولو أن الزوج حيٌ يرزق ، متى تملك المرأة نفسها ومتى لا تملك ؟ إذا مضت القروء الثلاثة ولم يراجعها ملكت نفسها ، وهذه بينونة صغرى ، أيُ هو يستطيع أن يراجعها قبل مضي العدَّة ، فإذا مضت ملكت نفسها ، يستطيع أن يتزوجها بمهرٍ جديد ، وبعقدٍ جديد ، وبرضائها ، لكن قبل أن تمضي العدة يستطيع أن يُرْجِعَها من دون رضائها ، يكفي أن يقول لها : راجعتكِ . الموضوع صار فيه مهر، وصار فيه موافقة ، قبل أن تمضي العدة موافقتها لا قيمة لها ، لكن بعد أن تمضي العدَّة موافقتها لها وزن ، فإن قالت : لا ، لن يستطيع إرجاعها ، وإن قالت نعم ، عليه أن يدفع مهراً جديداً .
فقال الفقهاء : " إذا كانت تغتسل من الحيضة الثالثة ، فإذا بقي عضوٌ من أعضائها لم تغسله ، وقال زوجها من وراء الباب : قد راجعتكِ . رجعت إليه ، أما إذا انتهت من الاغتسال فقد ملكت نفسها " . هذا حد ، أحياناً الإنسان يبقى لآخر لحظة ، ولابد من حدّ فاصل، الحد الفاصل الاغتسال من الحيض ، إذا اغتسلت من الحيضة الثالثة ولم يراجعها ملكت نفسها ، لا تعود إلا بمهر ، ولا تعود إلا برضاها ، وهذه هي البينونة الصغرى . طلاق الفار :
طلاق الفار ؛ قد لا ينتبه الإنسان لمعنى طلاق الفار ، الفار من ماذا ؟ الفار من الزحف ؟ الفار من الجهاد ؟ قال : هناك طلاق الفار من الإرث ، أي أن هناك أزواجاً يبلغ بهم اللؤمُ أن هذه التي قضت معه عمراً طويلاً - ثلاثون سنة - وهو في مرض الموت يطلقها ليحرمها من الإرث يفِرُّ من الإرث . العلماء لهم آراء متعددة في هذا الطلاق .
فلو إنسان على فراش الموت طلَّق امرأته ، وليس هناك سبب ، ليس هناك خلاف ، ليس هناك مشاحنة ، طلَقها لا لشيء إلا ليحرمها الميراث . مثلاً : كان مهرها خمسمئة ليرة سوري ـ تزوجها من أربعين سنةـ هذا كان مبلغ ضخم ، والآن صار عنده أراض ، وأموال منقولة، وغير منقولة ، وبساتين ، وضياع ، وما شاكل ذلك . فقال : أطلقها وأدفع مهرها المؤجَّل وأفرُّ من حصتها الكبرى من الميراث .
أما العلماء رضي الله عنهم لهم آراء دقيقة في هذا الموضوع .
طلاق الفار هو أن يطلق المريض مرض الموت امرأته طلاقاً بائناً بغير رضاها ، ثم يموت وهي في العدة ، فإنه يعتبر في هذه الحال فاراً من الميراث . ولهذا قال مالك : " ترث ولو مات بعد انقضاء عدَّتها ، وبعد نكاح زوجٍ آخر معاملةً له بنقيض قصده ".
سمعت إنساناً - الغباء موجود - سمع أن الإنسان إذا فقد أسنانه أُعفي من الخدمة الإلزاميَّة . شابٌ في مقتبل العمر ذهب إلى طبيب وقال له : اقلع لي كل أسناني . هذا الطبيب صاحب وجدان ، رفض . طبيب آخر أغري بمالٍ كثير فقلع له أسنانه كُلَّها ؛ العلويَّة والسفليَّة وهو في مقتبل العمر ، وصل للجنة الفاحصة خبر أن هذا قلع أسنانه تهرُّباً من الخدمة الإلزاميَّة فكان العقاب مضاعفةُ الخدمة الإلزاميَّة . لماذا كان هذا العقاب ؟ لأن هذا الذي فعل هذا تهرُّباً يجب أن يعامل معاملةً بعكس قَصْدِهِ ، وإذا أردتم الحقيقة والله الذي لا إله إلا هو هذا هو القانون الذي يعامل الله به عباده، كيف ؟ .. من ابتغى أمراً بمعصيةٍ كان أبعد مما رجا .
قد يرجو الإنسان نجاحاً بعلامات عالية ويترك الصلاة ، أنا ما عندي وقت لأصلي، هذا يجب أن يصاب بمرض قبل الامتحان فيرسب ، هو لمَ ترك الصلاة ؟ لمَ ترك حضور مجالس العلم ؟ من أجل التفوُّق . الله سبحانه وتعالى يعامله معاملهً بعكس قصده ، ماذا يقصد ؟ التفوُّق . حُرِمَ الامتحان كلَّه . لماذا قَبِلَ هذا التاجر هذه الصفقة مع أن فيها ربا ؟ ابتغاء الربح . يخسر رضاء الله عزَّ وجل ويخسر الصَفْقَة ، أبداً هذا قانون ، إذا آثرت الدُنيا خسرت الدنيا والآخرة ، وإذا آثرت الآخرة ربحت الدنيا والآخرة ، من آثر دنياه على آخرته خسرهما معاً ، ومن آثر آخرته على دنياه ربحهما معاً .
فهذا الشخص الذي قلع أسنانه ، كنت مع صديق لي قال لي : الآن سأريك شخصاً انتبه لأسنانه . فعلاً أنا دققت فوجدته واضع بدلتين ؛ بدلة علويَّة وبدلة سفليَّة وهو في مقتبل العمر وقَضَّى الخدمة خمس سنوات غير الاحتياط .." من ابتغى أمراً بمعصيةٍ كان أبعد مما رجا وأقرب مما اتقى " .
هذا الحديث يجب أن يكون أمام أعين كل الناس ، أي طريق تؤثر به الدنيا على الآخرة تخسر الدنيا والآخرة ، أي طريق تؤثر به مرضاة الله عزَّ وجل تربح به الدنيا والآخرة .
ويرى أبو حنيفة أن الحكم في هذه الحال يتغيَّر ، فتكون عدتها أطول الأجلين ، عدة الطلاق وعدة الوفاة . أيُّ الأجلين أطول الطلاق أم الوفاة ؟ أطول الأجلين عدة المرأة التي طلَّقها زوجها فراراً من الميراث . هذا رأي الإمام أبو حنيفة .
امرأةٌ لا تحيض ؛ عدتها ثلاث حيضات ، طُلِّقت طلاقاً تعَسُّفياً ـ فراراً من الإرث ـ تنقلب عدتها أربعة أشهر وعشرة أيام ، فلعلَّه يموت قبل هذه المدة فتأخذ الميراث بكامله ، في مثل هذه الحالة تنقلب عدَّتها إلى أطول العدَّتين ، أي أن أربعة أشهر وعشرة أيام عدتها قبل أن يموت من أجل أن تكسب الوقت . هذا رأي الإمام أبي حنيفة .
لكن الإمام الشافعي يقول : " إنها لا ترث كالمطلقة طلاقاً بائناً في الصحَّة " . وحجته أن : " الزوجيَّة قد انتهت بالطلاق قبل الموت ، فقد زال السبب في الميراث ، ولا عبرة بمظنة الفرار ، لأن الأحكام الشرعية تُناط بالأسباب الظاهرة لا بالنيَّات الخفيَّة " . هذا رأي الإمام الشافعي ، ورأي أبي حنيفة ، ورأي الإمام مالك .
واتفقوا على أنه إن أبانها في مرضه فماتت المرأة فلا ميراث له . أنا أعرف شخصاً فعل المستحيل كي يفرَّ ـ هو رجل من الأغنياء ، وهو غني كبير فعل المستحيل كي يحرم زوجته من الإرث ، فمات قبلها ، فورثته . هو كان يتوقَّع أن تموت قبله ، فعمل تحويلات بالأملاك حتى لا يصيبها شيء ، فلما مات قبلها ورثته ، أيْ أن الله عزَّ وجل بالمرصاد .
العدة قد تكون بالأشهر تنتقل إلى الحَيْضات ، إذا شرعت المرأة في العدة بالشهور لصغرها ، أو لبلوغها سن اليأس ، ثم حاضت ، لزمها الانتقال إلى الحَيض ، لأن الشهور بدل عن الحيض فلا يجوز الاعتداد بها مع وجود الأصل .
وإذا انقضت عدتها بالشهور ثم حاضت ، لم يلزمها الاستئناف للعدة بالإقراء لأن هذا حدث بعد انقضاء العدَّة .
الموضوع الأخير في العدة نأخذه في الدرس القادم إن شاء الله ، ماذا ينبغي على المرأة وهي في العدة أن تفعل ؟ منها : لزوم البيت ، عدم التبرُّج . أشياء كثيرة ، وهناك موضوعات خلافيَّة بين الفقهاء .
* * *
تعجيل عقوبة البغي و العقوق في الدنيا :
والآن إلى بعض الأحاديث الشريفة للنبي عليه الصلاة والسلام :
(( بابان معجَّلان عقوبتهما فى الدنيا البغي والعقوق ))
[الحاكم عن أنس]
البغي أي الظلم ، وقد قال عليه الصلاة والسلام : ((اتقوا دعوة المظلوم ولو كان كافراً ... ))
[ الجامع الصغير عن أنس ]
((ليعمل العاقُّ ما شاء أن يعمل فلن يدخل الجنة " . وفي رواية : فلن يغفر له))
[كنز العمال عن معاذ]
اليوم زرت شخصاً له أعمال في الديكور الشَرقي ، هذا شيء غال جداً ، فسألت الصانع : لمن هذا ؟ أبواب تأخذ بالألباب ، تيجان ، زخارف ، لوحات . قال لي : هذا لبيت معلمي - أي صاحب المنشرة - لكنه شيء نفيس ، كبار الأمراء ، كبار الأغنياء ، فعلى مستوى أغنى الناس يصنعون غرف شرقيَّة ، فلما قال : هذا لبيت معلمي . توقعت أن معلِّمه على مستوى رفيع جداً من الناس ، أنا لي عنده مشكلة ، مشكلة إصلاح بين زوجين ، فجاء هذا المعلِّم حدَّثني عن قصَّة ، أن عنده والده ، وله أخوات بنات ، وله أخوات ذكور ، وهذه الوالدة قَعَدَت ، أي أصيبت بشلل ، الزوجة بعد فترة تبرَّمت من خدمتها . كل حماس الأسرة من الذكور والإناث حينما رأوا أن المرأة أصبحت مقعدة تنصَّلوا جميعاً ، وانسحبوا إلى بيوتهم ، وبدؤوا يقومون بزيارات مجاملة من حين لآخر ، فبقي عبء هذه الوالدة على هذا الابن .
قال لي : والله ما تأنَّفت من خدمتها ؛ وخدمتها شاقَّة ، فالبنت لا تتحمَّل ، هناك إقياء مع الخدمة ، شيء لا يحتمله إنسان ، والإنسان إذا أقعد تصبح حركته ثقيلة ، ورائحته كريهة جداً ، فقال لي : خدمتها خدمة ، أنام بجانبها ، كل دقيقتين توقظني ، أريد أن أقضي حاجة ، فيستيقظ ، الدواء ، الطعام ، الشراب ، بذل جهد مضنٍ وهو راضٍ ، وكان يرى أن هذا هو الكسب .
بعد ذلك حدَّثني عن حالته الراهنة ، أراني في محل آخر التزيينات الرائعة ـ قال لي هذا للأمير الفلاني ، هذا للأمير الفلاني . قلت له : هذه اللوحة ما قيمتها تقريباً ؟ وهي متران بمترين . قال لي : هذه ثمنها ثلاثون ألفاً ، لوحة فسيفساء ، فالبيت كله من الديكورات ، جدرانه كلها ، وهناك أيضاً أقواس ، تصورت البيت يأخذ ثلاثة أرباع المليون ليرة إذا كان كله بهذا الشكل ، وعليه إقبال منقطع النظير ، وكأنه في منجاة من هموم الناس الآن . قال لي : كل هذا بسبب الرضا الذي اكتسبته من والدتي . قال لي : والله لا أدري كيف يأتي المال ، من دون جهد دائماً عندي طلبيات لشهر وشهرين خارج القطر ، سبحان الله ! أنا تأثرت ، طبعاً عمل بيتاً له على هذا الترتيب لأنه أولى ، ليس قصدي الحديث عن الزينة ، ولكن قصدي أن الإنسان إذا عمل عملاً صالحاً خالصاً لوجه الله عزَّ وجل ، الله عزَّ وجل قد يكرمه في الدنيا والآخرة . (( بابان معجَّلان عقوبتهما فى الدنيا البغي والعقوق ))
[الحاكم عن أنس]
و : ((ليعمل العاقُّ ما شاء أن يعمل فلن يدخل الجنة ))
[كنز العمال عن معاذ]
سبعة أشياء تنتظر الذي لا يريد الله ورسوله :
حديث آخر كنت قد أسمعتكم إيَّاه كثيراً ، لكنني أعيده لشدَّة تأثري به ، فهو مؤلم لكن واقعي ، قال عليه الصلاة والسلام :
(( بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سَبْعاً هَلْ تَنْتَظِرُونَ ))
[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
فهل يستيقظ الإنسان كل يوم صباحاً مثل البارحة ؟ لا . يستيقظ يوماً يقول لك: تعبان ، شاعر بضيق ، يمكن أن يستيقظ أحد الأيام ويحس بعدم الحركة ، لي قريبة دعت أقرباءها إلى الطعام ، استلقت على السرير فأرادت أن تقوم وإذا ليس بها حركة ، شيء صعب ، شلل نصفي .. (( بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سَبْعاً هَلْ تَنْتَظِرُونَ ))
[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
نريد الدنيا ، فما الذي في الدنيا ؟ ماذا تلد الدنيا ؟ قال المتنبي : أبنت الدهر عندي كل بنتٍ فكيف وصلتِ أنتِ من الزحامِ ؟
* * *
بنت الدهر أي المصيبة ، الدهر ماذا يلد ؟ المصائب . هذا الكلام ليس للمؤمنين ، هذا الكلام موجَّه لمن أصرَّ على الدنيا ، لا يريد إلا الدنيا ، قال عليه الصلاة والسلام : (( بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سَبْعاً هَلْ تَنْتَظِرُونَ ))
[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
فهو الآن بالأربعين ، فماذا يتوقَّع أن يكون وهو في الخمسين ؟ بصحة أطيب ؟ لا. التقيت مع شخص وهو صاحب نكتة ، عمره بالثمانين قال لي : سبحان الله ! وأنا قبل أربعين سنة أنشط من الآن !! قلت له : هذا شيء طبيعي ، مع تقدم العمر ماذا يحصل ؟ هناك كولسترول ، وأسيد أوريك ، ووجع مفاصل ، وانحناء ظهر ، وشَيْب ، وضعف بصر، وضعف سمع ، وآلام بالمعدة ، وآلام بالأمعاء ، وديسك بالظهر ، فالأمراض لا تعد ولا تحصى ، قال : (( بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سَبْعاً هَلْ تَنْتَظِرُونَ ))
[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
1 ـ الفقر المنسي :
أجاب النبي الكريم سبعة أشياء ، قال :
((هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلا فَقْرًا مُنْسِيًا...))
[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
أنا أشعر أن كثيراً من الأشخاص كانوا في بحبوحة ، والله العمل توقف ، كان يلعب بالمال لعباً ، الآن يقول لك : لم يبقَ شيء ، المصلحة صارت لا تطعم خبزاً ، كان له دخل كبير تقلص تقلص ، هذه أغلقت ، وهذه أغلقت ، المحل سلَّمه ، بقي بدون دخل ، فالفقر على الله ليس صعباً ، إذا إنسان وصل لمال كثير ، مثلما أعطاه الله يأخذ ، إذا أعطى أدهش ، وإذا حاسب فتَّش . فالله عزَّ وجل قدير على أن يذهب المال كلَّه دفعةً واحدة ، فهناك فقر ، الفقر الشديد ينسي الإنسان ، النبي الكريم وصف الفقر أنه ينسي ، قد ينسي طاعة الله عزَّ وجل ـ كاد الفقر أن يكون كفراً .. 2 ـ أو الغنى المطغي :
(( .......أَوْ غِنًى مُطْغِيًا...))
[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
كذلك الغنى مصيبة ، إذا كان ليس معه فقه ، ما معه علم ، هناك غنى مغر ، أحياناً يفكر بعمل رحلة إلى أوروبا ، يفكر يذهب إلى الأمكنة الموبوءة بأوروبا ، يريد أن يرى الحي اللاتيني في باريس ، ما الذي في الحي اللاتيني ؟ الحي الفلاني ، المكان الفلاني ، صار عنده رغبة ليتَطَّلع إلى المعصية ، يتشوَّف للمعصية هذا بالغنى ، عندما كان معاشه لا يكفيه كان لا يوجد الحي اللاتيني بحياته ، متى جاء الحي اللاتيني ؟ عندما صار معه نقود ، هذا الغنى المطغي ، أو يستحي بزوجته ، هذه لا تليق بمقامه ، يريد زوجة ثانية سبور ، فهناك غنى مطغ أحياناً .. 3 ـ أو المرض المفسد :
((هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلا فَقْرًا مُنْسِيًا أَوْ غِنًى مُطْغِيًا أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا ... ))
[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
يقول لك : منعوني من اللحم ، والخضر المطبوخة ، لا توجد إلا الخضر المسلوقة بدون ملح . يقول لك : مللت منها . هذا مرض مفسد للصحة ، أحياناً يشتهي قرص فلافل ، يقول لك : ممنوع لأن هذا مقلي بالزيت ، يشتهي صحناً من الحمص . يقول لك : معي أسيد أوريك لا أستطيع . يشتهي قرص كبة ، يقول لك : يمكن هذه تعمل لي مشكلة . فما الذي يأكله إذاً ؟ كله ممنوع عنه .. ((هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلا فَقْرًا مُنْسِيًا أَوْ غِنًى مُطْغِيًا أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا ... ))
[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
أفسد له حياته . 4 ـ أو الهرم المفند :
((أَوْ هَرَمًا مُفَنِّدًا .. ))
[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
ما صار له شيء ، لا افتقر ولا اغتنى ، لا افتقر افتقاراً يُنْسِيه ، ولا اغتنى اغتناء مطغياً ، ولا صار معه مرض مفسد ، لكن صار عمره سبعة وثمانين ، فلم يعد يتذكر جيداً ، هل أطعمتموني ؟ الآن أطعمناك . أنا أكلت ؟ لكن ما الذي عملته الآن ؟ يأتيه ضيف فيقول له: إنهم لا يطعموني . هذا هرم مُفَنِّد ، أي عيوب الإنسان تظهر ، لذلك هناك أشخاص يدعون وأنا والله معهم في هذا الدعاء : أن الله عزَّ وجل يتوفَّانا ونحن في صحتنا ، وفي ذاكرتنا . وإلا صار الوضع غير جيد .
والله أحد الأشخاص وصف لي حالة شخص ، شهد الله أن الموت من نعم الله ، فقد وعيه ومفلوج ، يمسك من تحته ويأكل ، ربطوا له يديه ، ربطوا له رجليه ، يداه مقيَّدتان ورجلاه مقيَّدتان ، وهو أب ، إنسان يرى والده مقيده بحبال ؟! إذا أطلقوا له يديه سيأكل من تحته. هذا هرم فلا أحد يعتز بشبابه ، العبرة للآخرة .
لذلك : التقوى أقوى . لذلك : حفظناها في الصغر فحفظها الله علينا في الكبر . لذلك من تعلَّم القرآن متَّعه الله بعقله حتى يموت ، لذلك قارئ القرآن لا يحزن ، البطولة في خريف العمر ، كل الشباب تجدهم أقوياء ، تجده يأكل أشكالاً ألواناً ، معدته مثل المطحنة ، لكن بعد ذلك خمسين علَّة ، تجده إذا ذهب نزهة معه كمية من الأدوية ، فهذه يتناولها بعد ساعة ، وهذه بعد ربع ساعة ، لا يستطيع . ((هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلا فَقْرًا مُنْسِيًا أَوْ غِنًى مُطْغِيًا أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا... ))
[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
والله شيء واضح ! كلام واضح كالشمس ، أول واحدة : فقر منسي، وغنىً مطغي، ومرض مفسد ، وهرم مفنِّد .. 5 ـ أو الموت المجهز :
((أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا... ))
[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
أيْ موت ينهي الحياة ، انتهاء الحياة ؛ كبر مفنِّد ، مرض مفسد ، غنىً مطغي، فقر .. 6 ـ أو الدجال :
((... أَوِ الدَّجَّالَ فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ .....))
7 ـ أو الساعة :
((....أَوِ السَّاعَةَ فَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ ... ))
[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
فأشراط الساعة كلكم تعرفونها ، فسبعة أشياء تنتظر الذي لا يريد الله ورسوله ؛ تنتظر الذي يريد الدنيا ويصرُّ عليها . هنيئاً لمن عرف الله فوقاه الله من هذا المصير .
إذا بلغ العبد الأربعين أو أكثر لا أذكر نص الحديث ـ عبدي كبرت سنك ، وانحنى ظهرك ، وشاب شعرك ، فاستحِ مني فأنا أستحي منك . فيا خجلي منه إذا هـو قال لــي يـا عبـدنا أمـا قرأت كتابنــــا؟
أما تختـشــي منا ويكفيـك ما جـرى أما تختشي من عتبنا يوم جمعنا؟
أما آن أنْ تُـقلع عن الذنـب راجـعاً وتنظــر ما به جــاء وعدنا؟
* * *
فإذا إنسان بلغ الأربعين أو الخمسين ولا يصلي ، قاعد في القهوة يلعب طاولة سبحان الله ! ماذا جعل لآخرته هذا ؟ إلى أين يمشي ؟ على حواف الموت ، على مشارف الموت ولا يعرف الله إطلاقاً !!.
إذاً.. ((بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ سَبْعًا هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلا فَقْرًا مُنْسِيًا أَوْ غِنًى مُطْغِيًا أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا أَوْ هَرَمًا مُفَنِّدًا أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا أَوِ الدَّجَّالَ فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ أَوِ السَّاعَةَ فَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ ))
[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
هذا من الأحاديث الصحيحة عن أبي هريرة . فضل الغدو باكراً :
حديثٌ أخير :
((باكروا في طلب الرزق والحوائج فإن الغدو بركة ونجاح))
[ الجامع الصغير عن السيدة عائشة ]
هذا الحديث عن عائشة رضي الله عنها ، هناك أشخاص معتادون أن ينطلقوا إلى أعمالهم باكراً ، تجد للساعة الحادية عشرة حلَّ مليون مشكلة ، وهناك أشخاص يعتادون العكس ـ أنا قضيت عمراً بالتدريس تسعاً وعشرين سنة ـ الساعة السابعة أبدأ الدرس ، مرة انتهوا الساعات، فرجعت إلى البيت الساعة الحادية عشرة ، لي جار تاجر قال لي : أين ذاهب الآن ؟ مازال الوقت باكراً؟!! قلت له : أنا راجع من عملي ، انتهيت . قلت له : أنا راجع . والثاني يظن أني متأخر عن العمل . النبي الكريم كان يحب الغدو باكراً ، تحل أعمالاً كثيرة . * * *
عامر بن شُرَحْبيل الشعْبِي :
والآن إلى قصة تابعيٍ جليل . هذا التابعي هو الإمام : عامر بن شُرَحْبيل الشَعْبِي.
كان واسع العلم ، عظيم الحلم ، وإنه من الإسلام بمكان . لِسِتِّ سنواتٍ خلت من خلافة الفاروق رضوان الله عليه ، وُلِد للمسلمين مولودٌ نحيل الجسم ، ضئيل الجِرم ، فالحجم ليس له قيمة ، الرجال تقاس بأعمالها وأخلاقها وعلمها وإيمانها فقط ـ ذلك لأن أخاه زاحمه على رحم أمه فلم يدع له مجالاً لنموِّه ، ولكنه لم يستطع أن يزاحمه لا هو ولا غيره في مجالات العلم، والحلم ، والحفظ ، والفهم ، والعبقريَّة . أيْ ..
فلا تقل : أصلي وفصلي أبداً إنما أصل الفتى ما قد حصل
* * *
أحياناً الإنسان بدلاً من أن يفتخر بآبائه يفتخر به آباؤه ، أحياناً بدل أن يفتخر بأبيه، أبوه يفتخر به ، لأن باب التحصيل مفتوح ..أنا جد كل تقي ولو كان عبداً حبشياً . (( لا منكم، ولا منكم، سلمان منَّا أهل البيت ))
[ الحاكم والطبراني عن كثير بن عبد الله المزني عن أبيه عن جده ]
(( نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه))
[ كنز العمال عن عمر]
ذلكم هو عامر بن شرحبيل المعروف بالشّعبي ، نابغة المسلمين في عصره ، ولد في الكوفة وفيها نشأ ، لكن المدينة المنوَّرة كانت مهوى فؤاده ومطمح نفسه ، كان يؤمّها من حين لآخر ليلقى صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ، وليأخذ عنهم ، كما كان الصحابة الكرام يؤمون الكوفة ليتخذوها منطلقاً للجهاد في سبيل الله أو داراً لإقامتهم .
أتيح لهذا التابعي الجليل أن يلقى نحواً من خمسمئةٍ من الصحابة الكرام ، وأن يروي عن عددٍ كبيرٍ من جِلَّتهم من أمثال علي بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقَّاص ، وزيد بن ثابت، وعبادة بن الصامت ، وأبي موسى الأشعري ، وأبي سعيد الخُدري ، والنُعمان بن البشير ، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس ، وعدّي بن حاتم ، وأبي هريرة ، وعائشة أم المؤمنين ، طبعاً من وراء حجاب ـ وغيرِهم وغيرهم .
وقد كان الشعبيُّ فتىً متوقِّد الذكاء ، يقظ الفؤاد ، مرهف الذهن ، دقيق الفهم ، آيةً في قوة الحافظة والذاكرة . من منا يستطيع أن تُتلى عليه سورة البقرة فيحفظها تواً ؟ هكذا كان النبي صلى الله عليه وسلَّم ، أحدث بحوث للذاكرة أن الذاكرة لها علاقةٌ بالاهتمام ، أيْ إذا بلغ اهتمامك بالقرآن اهتمام النبي العدنان تحفظ البقرة إذا سمعتها مرةً واحدة ، فقوة الذاكرة شيء أساسي .
كان يقول عن نفسه : " ما كتبت سوداء في بيضاء قط- أيْ ما كتب حرفاً أسود على ورق أبيض في حياته ، أي أنه عنده ذاكرة أقوى من الكتابة - ولا حدثني رجلٌ بحديثٍ إلا حفظته ، ولا سمعت من امرئ كلاماً ثم أحببت أن يعيده عليَّ " . نحن إذا شخص نطق بحكمة جميلة ، بالله عليك دقيقة ، بالله عليك أعدها علينا إذا أمكن . يعيدها لك ، أما هو كان عندما يسمعها فيحفظها على الفور ، لا يضطر ليقول له : أعدها لي ، من أي مصدر آخذها ؟ أين الكتاب ؟ ..
وقد كان الفتى مولعاً بالعلم ، مشغوفاً بالمعرفة ، يبذل في سبيلهما النفس والنَفيس ويستهلُّ من أجلهما المصاعب ، إذ كان يقول : " لو أن رجلاً سافر من أقصى الشام إلى أقصى اليمن ـ اسمعوا هذا القول ، ليس على الطائرة جامبو ، لا ، - مشياً على الأقدام - تصور الآن أن تذهب إلى الزبداني مشياً ، تصور ما الذي يصير معك ؟ تحتاج إلى يومين ، وتبقى مطروحاً في الفراش عشرة أيام ، لم يكن هناك إلا مشي أو ركب دواب - لو أن رجلاً سافر من أقصى الشام - أي من حلب - إلى أقصى اليمن فحفظ كلمةً واحدةً تنفعه فيما يستقبل من عمره لرأيت أن سفره لم يضع ". إذا جئت من آخر أحياء دمشق ؛ ركبت أول باص والثاني ، تصور ساعة وربعاً راكباً في الباصات ، وسمعت حديثاً شريفاً واحداً ، وانهمرت دمعة من عيونك على هذا الحديث ، وتأثَّرت فيه وطبَّقته ، هذا الذهاب والإياب ما ضاع عند الله سُدىً أبداً . هو يقول : من أقصى الشام إلى أقصى اليمن .
وقد بلغ من علمه أنه كان يقول : " أقلُّ شيءٍ تعلَّمته الشعر " . أي أن كلام الله عزَّ وجل : ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ ﴾
[سورة يس: 69 ]
هذه معروفة ، لكن .. ﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾
[سورة يس: 69 ]
أي لا يليق بهذا النبي الكريم أن يكون شاعراً ، معنى هذا أن الشعر مرتبة دون: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾
[سورة يس: 69 ]
قال : " أقل شيءٍ تعلَّمته الشعر ولو شئت لأنشدتكم منه شهراً دون أن أعيد شيئاً مما أنشدته " . هذا أقل شيء حافظه من الشعر . وكانت تعقد له حلقةٌ في جامع الكوفة فيلتف الناس حوله زمراً زمراً ، وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلَّم أحياءُ ، يروحون ويغدون بين أظهر الناس . من الصعب جداً أن تلفت نجمة نظرك في النهار ، الشمس مغطية على الكل ، إنها لمضنيةٌ مؤلمةٌ تلك الجهود التي تبذلها النجوم كي تضيء في حضرة الشموس . شيء صعب ، فإذا واحد استطاع أن يحكي مع وجود الصحابة معنى هذا له مكان كبير عند الله عزَّ وجل ، أحياناً الإنسان مع من علَّمه يخجل . يقول له : سكت إجلالاً لعلمك . فتجد الطبيب متحدثاً بارعاً إلا أمام أساتذته تجده يخجل . أي إنسان تعلَّم العلم أمام أستاذه فلا تجد عنده إمكانية يتفاصح أمامه ، يخجل لأنه هو علمه ، حتى أحياناً من آداب المريد مع أستاذه أن يسكت إجلالاً لعلمه .
بل إن عبد الله بن عمر رضي الله عنه سمعه ذات مرة يقصُّ على الناس أخبار المَغازي ، بخفاياها ودقائقها ، فأرهف سمعه إليه وقال : " لقد شهدت بعض ما يَقُصُّه بعيني، وسمعته بأذني ، ومع ذلك فهو أروى له مني " . سيدنا عبد الله بن عمر شاهدت بعيني وسمعت بأذني وهو مع ذلك - عن الشعبي- أروى له مني . شواهد سعة علم الشّعبي :
شواهد سعة علم الشَعبي ، وحضور ذهنه غزيرةٌ وفيرة ، من ذلك ما رواه عن نفسه قال : " أتاني رجلان يتفاخران ، أحدهما من بني عامر والآخر من بني أسد ، وقد غَلَبَ العامري صاحبه ، وعلا عليه ، وأخذه من ثوبه ، وجعله يجرُّه نحوي جراً ، والأسدي مخذولٌ أمامه يقول له : دعني دعني . وهو يقول له : والله لا أدعك حتى يحكم الشّعبي لي عليك . فالتفَتُّ إلى العامري وقلت له : دع صاحبك حتى أحكم بينكما . ثم نظرت إلى الأسدي وقلت : ما لي أراك تتخاذل له ؟ ولقد كانت لكم مفاخر سِتُّ لم تكن لأحدٍ من العرب ؛ أولها أنها كانت منكم امرأةٌ خطبها سيد الخلق محمد بن عبد الله ، فزوجه الله إيَّاها من فوق سبع سموات ـ زينب وحدها زوجها الله ، فزوجنكها ، هذه مفخرة لهذا الأسدي ـ وكان السفير بينهما جبريل عليه السلام ، إنها أم المؤمنين زينب بنت جحش ، فكانت هذه المأثرة لقومك ولم تكن لأحدٍ من العرب غيركم .
والثانية أنه كان منكم رجلٌ من أهل الجنة يمشي على الأرض ، هو عكاشة بن مُحصن .
اللهمَّ صلِّ عليه كان قمة الذوق ، مرَّ عُكَّاشة فبشَّره بالجنَّة ، دخل آخر فقال له : وأنا ؟ ماذا سيقول له اللهمَّ صلِّ عليه ؟ هو ليس من أهل الجنة ، إذا قال له : أنت لست من هؤلاء يكون حطَّمه ، و إذا قال له : أنت من أهل الجنة يكون غشَّه ، ضع نفسك في هذا الموقف ، عكَّاشة بشِّر بالجنة ، أما هذا الذي دخل على النبي بعده فقال : وأنا يا رسول الله ؟ قال له : " سبقك بها عكَّاشة " . أنت تأخرت فسبقك هو وأخذها . فهذا منتهى الذكاء ، منتهى الذوق ، منتهى اللطف إن قال له : لا . فقد حطَّمه ، وإن قال له : نعم . فقد غشَّه ، قال له : " سبقك بها عكَّاشة " .
( من تاريخ الإحياء )
وكانت هذه لكم يا بني أسد ولم تكن لسواكم من الناس .
والثالثة أن أول لواءٍ عُقِدَ في الإسلام كان لرجلٍ منكم هو عبد الله .
والرابعة أن أول مَغْنَمٍ قُسم في الإسلام كان مَغْنَمَهُ .
والخامسة أن أول من بايع بيعة الرضوان كان مِنكم ، فقد جاء صاحبكم أبو سِنان بن وهبٍ إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقال : " يا رسول الله ابسط يدك أبايعك . قال: على ماذا تبايعني ؟ قال : على ما في نفسك - معك على طول الخط ، على أي شيء تريده، ما هذه المحبة ؟- قال له : على ماذا تبايعني ؟ قال له : على ما في نفسك يا رسول الله .؟ قال : وما في نفسي ؟ قال له : فتحٌ أو شهادة . قال : نعم . فبايعه ، فجعل الناس يبايعون على بيعة أبي سنان " .
والسادسة أن قومك بني أسد كانوا سُبُعَ المهاجرين يوم بدر- السبع منهم - فبهت العامري وسكت .
ولا ريب أن الشعبي أراد أن ينصر الضعيف المغلوب على القوي الغالب ، ولو كان العامري هو المخذول لذكر له من مآثر قومه ما لم يُحِطْ به خبرا .
حكمة الشعبي و دهاء ملك الروم :
ولَّما آلت الخلافة إلى عبد الملك بن مروان كتب إلى الحجاج عامله على العراق : " أن ابعث إليَّ رجلاً يصلح للدين والدنيا ، أتخذه سميراً وجليساً " . فبعث إليه بالشعبي فجعله من خاصَّته ، وأخذ يفزع إلى علمه في المُعْضلات ، ويعوِّل على رأيه في المُلِمَّات ، ويبعثه سفيراً بينه وبين الملوك .
انظروا إلى هذا الموقف .
أرسله مرةً في مهمةٍ إلى جستنيان- ملك الروم - فلما وفد عليه واستمع إليه ، سأله الملك الرومي : " أمن أهل بيت المُلك أنت ؟ قال : " لا إنما أنا رجل من جملة المسلمين ، أنا واحد من الدَهْمَاء " هذا من باب رفع شأن المسلمين . فلما أذن له بالرحيل قال له : " إذا رجعت إلى صاحبك - ويعني المَلك عبد الملك - وأبلغته جميع ما يريد معرفته ، فادفع إليه هذه الرقعة ـ أعطاه رسالة ـ "
فلما عاد الشعبي إلى دمشق بادر إلى لقاء عبد الملك ، وأفضى إليه بكل ما رآه وسمعه ، وأجابه عن جميع ما سأله ، ولمَّا نهض لينصرف قال: " يا أمير المؤمنين إن ملك الروم حمَّلني إليك هذه الرقعة " . ودفعها إليه وانصرف .
فلما قرأها عبد الملك قال لغلمانه : " ردوه عليَّ " . فردوه .
ـ فقال له : " أعلمت ما في هذه الرقعة ؟ " .
ـ قال : لا أيها الأمير .
ـ قال عبد الملك : لقد كتب إليَّ ملك الروم يقول : عجبت للعرب كيف ملَّكت عليها رجلاً غير هذا الفتى ؟!! هذه الرسالة فيها لغم .
ـ فبادره الشعبي قائلاً : إنه قال هذا لأنه لم يرك ، ولو رآك يا أمير المؤمنين لما قال ذلك .
ـ فقال عبد الملك : أفتدري لمَ كتب إليَّ ملك الروم بهذا ؟
ـ قال : لا يا أمير المؤمنين .
ـ قال عبد الملك : إنما كتب إليَّ بذلك لأنه حسدني عليك ، فأراد أن يغريني بقتلك والتخلُّص منك .
ـ فبلغ ذلك ملك الروم فقال : لله أبوه !! والله ما أردت غير ذلك .
افتكر أن عبد الملك أحمق ، يقول له : هذا الملك وليس أنت . فيقتله ويرتاح منه، أما كان جوابه في منتهى الروعة !!
الشمائل التي يتصف بها الشّعبي :
بلغ الشعبي في العلم منزلةً جعلته رابعَ ثلاثةٍ في عصره ، فقد كان الزهري يقول: العلماء أربعة ؛ سعيد بن المسيِّب في المدينة ، وعامر الشَعبي في الكوفة ، والحسن البَصري في البصرة ، ومكحولٌ في الشام . لكن الشعبي كان لتواضعه يخجل إذا خلع عليه أحدٌ لقب العالِم .
فقد خاطبه أحدهم قائلاً : أجبني أيها الفقيه العالِم ؟ فقال : ويحك لا تطرنا بما ليس فينا ، الفقيه من تورَّع عن محارم الله ، والعالِم من خشي الله ، وأين نحن من ذلك ؟ .
سأله آخر في مسألة ، قال : قال فيها عمر بن الخطاب كذا ، وقال فيها علي بن أبي طالب كذا . فقال له السائل : وأنت ماذا تقول ؟ فابتسم في استحياء وقال له : وماذا تصنع بقولي بعد أن سمعت مقالة عمر وعلي ؟ . ماذا تريد من كلامي ؟ ..
كان الشعبي يتحلَّى بكريم الشمائل ، من ذلك أنه كان يكره المِراء ، ويتصاون عن الخوض فيما لا يعنيه . كلَّمه أحد أصحابه ذات يوم فقال له :
ـ يا أبا عمرو .
ـ قال له : لبيك .
ـ قال : ما تقول فيما يتكلَّم فيه الناس من أمر هذين الرجلين ؛ عثمان وعلي ؟ .
ـ فقال : " إني والله لفي غنىً عن أن أجيء يوم القيامة خصيماً لعثمان بن عفان أو لعليّ بن أبي طالب " ..
((إذا ذُكِرَ أصحابي فأمسكوا))
[ الجامع الصغير عن عمر ]
كان حليماً . يروى أن رجلاً شتمه أقبح الشتم ، وأسمعه أقذع الكلام ، فلم يزد عن أن قال له : " إن كنت صادقاً فيما ترميني به غفر الله لي ، وإن كنت كاذباً غفر الله لك ".
هل هناك حالة ثالثة ؟ إن كنت صادقاً أرجو الله أن يغفر لي ، وإن كنت كاذباً غفر الله لك . فهل عندك أعصاب تواجه إنساناً اتهمك بأقذع تهمة ؟ أنت تكيل له الصاع صاعين . أما هو فقال له : " إن كنت صادقاً غفر الله لي ، وإن كنت كاذباً غفر الله لك ؟ "
ولم يكن الشعبي على جلالة قدره ، وجذالة فهمه يأنف أن يأخذ المعرفة ، أو يتلقَّى الحكمة عن أهون الناس شأناً ؛ لقد دأب أعرابيٌ على حضور مجالسه ، غير أنه كان يلوذ بالصمت دائماً ، لا يتكلَّم ولا كلمة ، فقال له مرة : ـ " تكلَّم يا رجل " ؟. تكلَّم كلمة نفهم من أنت؟ ما هو تفكيرك ؟ نعجبك أم لم نعجبك ؟ ما هو وضعك ؟ تقبل هذا الكلام أم لا تقبل ؟ احكِ كلمة، أحياناً الأخ يتكلَّم كلمة فتفهم ما هو وضعه ، أنه مسرور أم غير مسرور ؟ شخص ساكت لا تعرف ما هو وضعه ، فقال له هذا الأعرابي: أسكت فأسلم ، وأسمع فأعلم ، وإن حظ المرء من أذنه يعود عليه ، أما حظه من لسانه فيعود على غيره .
فظلَّ الشعبي يردِّد هذه الكلمة ما امتدَّت به الحياة : أسكت فأسلم ، وأسمع فأعلم ، وإن حظ المرء من أذنه يعود عليه ، وحظه من لسانه يعود على غيره .
كان عنده فصاحة وجرأة ؛ مرة كلَّم أمير العراق عمر بن أبي هبيرة الفزاري في جماعةٍ حبسهم ، فقال : " أيها الأمير إن كنت حبستهم بالباطل فالحق يخرجهم ، وإن كنت حبستهم بالحق فالعفو يَسَعَهُم " . فأعجب بقوله وأطلقهم كرامةً لهم .
كان صاحب مرح ، النبي الكريم كان صاحب مرح ، قال : ((روحوا القلوب ساعةً بعد ساعة فإن القلوب إذا كلَّت عميت))
[ من شرح الجامع الصغير عن علي ]
لقد دخل عليه رجل وهو جالسٌ عند امرأته فقال : أيكما الشعبي ؟ فقال : هذه .
وسأله آخر : ماذا كانت تسمَّى زوجة إبليس ؟ فقال له : " والله هذا عُرْسٌ لم نشهده" أنا ما حضرت الحفلة فلا أعرف ما هو اسمها ، وليس هناك بطاقة كريمة فلانة أو فلان ، لا توجد .
ولعلَّ خير ما يصوّر كلام الشعبي ما حكاه عن نفسه : " ما حللت حبوتي إلى شيءٍ مما ينظر إليه الناس- أي أنه كان يجلس في مجلس العلم لا يلتفت لشيءٍ - ولا ضربت غلاماً لي - جالس في مجلس علم ، كل حاجات الناس التي يتطلعون لها لم تكن تخطر في باله ، دخل في هذا المجلس فاستغرق فيه - وما مات ذو قرابةٍ لي وعليه دينٌ إلا قضيته عنه ". عليَّ دينه ، انتهى أمره .
عُمِّر الشعبي نيِّفاً وثمانين عاماً ، فلما لبَّى نداء ربه ونُعي إلى الحسن البصري قال: " يرحمه الله فقد كان واسع العلم ، عظيم الحلم ، وإنه من الإسلام بمكان " .

السعيد 09-08-2018 01:25 PM

رد: الفقة الاسلامى 2
 
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( التاسع )

الموضوع : طلب العلم فريضة على كل مسلم






الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
طلب العلم :
في موضوع طلب العلم ، الذي لاحظته أن أكثر الإخوة الأكارم يحضرون هذه المجالس ويستمتعون بها أولاً ، وينتفعون بها ثانياً ، لكنهم إذا أرادوا أن ينفعوا غيرهم بهذه المجالس ، فإن قدرتهم على نفع الآخرين تبدو محدودة ، لسبب أن هذا الذي استمعوا إليه وتأثروا به في الجلسة هذه مثلاً ، أو يوم الجمعة لا يستطيعون أن ينقلوا هذا التأثير إلى من حولهم إذا ما أرادوا ذلك ، لأن كل ما ليس في القرطاس ضاع .
مثلاً : نحن يوم الأحد منذ أكثر من خمس سنين نعطي بعض الأحاديث من كتاب الجامع الصغير ، هذا الكتاب متوافر في الأسواق ، فلو أن إنساناً اقتنى هذا الكتاب ، وحينما حضر إلى هذا المجلس ، وعاد إلى البيت ، فتح الكتاب ووضع خطاً أحمر تحت الأحاديث التي تمَّ شرحها ، هو إذا ألقى على هذا الكتاب نظرة أو على هذا الحديث يذكر كل ما قيل حوله ، قد نقول حوله ساعة ، أو نصف ساعة ، أو عشر دقائق . إذا قرأ الحديث الشريف تذكر كل شيءٍ قيل حول هذا الحديث .
فلو جلست مع زوجتك ، لو جعلت لأولادك وزوجتك درساً أسبوعياً رسمياً ، لو أن لك أخواتٍ متزوجات ، وجمعتهن في الأسبوع مرة وألقيت عليهن هذه الأحاديث وما بقي في ذاكرتك من شرحها ، هذا الذي تعلَّمته ينتفع به الآخرون ، أما إذا حضرت ، واستمعت ، واستفدت ، وتأثَّرت ، وأعجبت ، كل هذا الخير انصب عليك ، وأنت لم تستطع أن تنقل هذا الخير إلى الآخرين .
إذاً الكتاب الذي ندرسه ، طبعاً هذا الكلام ليس لكل من يحضر ؛ لكن من كان طالباً للعلم ، ومن أراد أن يستفيد من طلب العلم ، ومن أراد أن يؤثِّر في الآخرين لا بد له من وسائل ، أن يقول : والله هناك دروس رائعة جداً . قد لا يرضى فلان أن يأتي معك إلى الدرس، ألا تستطيع أن تنقل له شيئاً مما تعلمته ؟! هذا الشيء لا بد منه .
فالإنسان عندما يقتني كتاب الجامع الصغير ، يستطيع أن يتذكر عشرات أو مئات الأحاديث التي تمّ شرحها في هذا المسجد ، طبعاً هذا الحديث الشريف بالمناسبة هناك حديث واضح جميل جداً ، وحديث قد لا تعرف تفسيره ، و هناك أشخاص إذا وجد حديثاً يأخذه على ظاهره ، ويسأل كيف يقول عليه الصلاة والسلام هذا الحديث وهذا الحديث يتناقض مع هذا الحديث؟! إن كنت تريد أن تدخل في هذه المتاهة لا تشتري هذا الكتاب ، لكن إذا أردت أن تقرأ الأحاديث التي اخترتها أنا لك ، في الصفحة قد أختار حديثاً أو حديثين أو ثلاثة ، كل ما قاله النبي عليه الصلاة والسلام حق لكن هناك حديث معناه ظاهر ، وأثره ظاهر ، وله علاقة بحياتنا اليومية ، وأحاديث قد لا نستطيع فهمها ، وإذا فُهمت لا تتصل بحياتنا اليومية ، ونحن حينما لا نعرف أن نوجه هذا الأحاديث - هذا الكلام أقوله لكم - دعه أوقفه ، إما أن تسأل عنه وإما أن توقفه .
الأحاديث كثيرة منها واضح المعنى و منها ما يحتاج إلى تفسير :
مرة أنا مرة قرأت حديثاً : " اطلعت على أهل الجنة فرأيت أكثر أهلها البله " .
والله هذا الحديث لم أستوعبه ، كيف يكون أهل الجنة بلهاً ؟ المؤمن كيسٌ فطنٌ حذر ، المؤمن كيِّس ، فطن ، حذر ، المؤمن صاحب فطنة ، ذكي ، يقظ ، صاحب ملاحظة " ما اتخذ الله ولياً جاهلاً لو اتخذه لعلمه "
مئات الأحاديث تؤكِّد أن المؤمن ذكي ، فكيف نفسر هذا الحديث ؟ موقوف الحديث حتى يفتح الله لنا معناه .
مرة سألني إنسان عن هذا الحديث ، استطعت أن أفهم منه شيئاً ، إذا الآن إنسان جاءته فرصة صفقة فيها ربح مليون ليرة مثلاً هو طبيب شرعي ، وجاءته حالة تسمم ، أخذ عينة من المعدة ، وجد فيها سماً ، جاءه سين من الناس . قال له : يا دكتور اكتب لنا أن الوفاة كانت طبيعية ، وخذ هذه الملايين الخمسة لأن هذا الإنسان الميت خلّف وراءه مئة مليون اكتب الوفاة طبيعية ، وخذ هذه الملايين الخمسة .
فهذا رفض إحقاقاً للحق ، قال : الموت تسمم ، وفي الأمر جريمة . ألا يقول له معظم أصدقائه : أنت مجنون ، يا أخي مات وانتهى ماذا تريد منه ؟ خذ خمسة ملايين ، خذ بيت بالمالكي بمليوني ليرة وبيت بحاليا بمليون ، ثلاثة ملايين ، خذ سيارة بمئتين وخمسين ألفاً - مازدا - خذ شاليه على البحر ، ماذا تريد من وجع الرأس ، واكتب الوفاة طبيعية ؟!! ألا يتهم هذا الإنسان المستقيم النزيه أنه أبله ؟
فهذا البله إن صح التعبير من نوع آخر ، قد تعرض له صفقة رابحة، فيها شبهة ، تقول : إني أخاف الله رب العالمين . سيدنا يوسف حينما دعته امرأة العزيز ، ألا يقيّمه أراذل الناس بأنه أبله ؟ هذه فرصةٌ لا تعوَّض :
﴿ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ﴾
[ سورة يوسف: 23]
هناك حديث لا يكون معناه ظاهراً أمامك ، لكن لو تعمَّقت فيه تجد له معنى عميقاً جداً مثلاً : لو لم تذنبوا لخفت عليكم ما هو أكبر .... ((لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ، وَلجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ))
[مسلم عن أبي هريرة رضي اللّه عنه ]
لو مر معك حديث هكذا توقف عنه وقل : لا أعرف ، ليس من المعقول أن يكون معناه الظاهري هكذا ؟! ((لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ، وَلجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ تَعالى فَيَغفِرُ لَهُم ))
[مسلم عن أبي هريرة رضي اللّه عنه ]
اسأل عنه ، إذا سألت عنه وأبلغوك ، هذا الذنب هو الشعور بالذنب ، إذا الإنسان ما شعر بذنبه فهو هالك وميت القلب ، إذا اغتاب إنساناً وذهب لينام ، وصدر منه صوت الشخير وقال لك : ماذا فعلنا ؟ لم نفعل شيئاً ، لم نقتل ولم نضرب . هذا ميِّت ، هذا هالك ، هذا لم يذنب بمعنى أنه ما شعر بالذنب ، هنا معنى تذنبوا بمعنى تشعروا بذنوبكم ، فهناك أحاديث واضحة و أحاديث تحتاج إلى تفسير . أهمية الكتب التي نقتنيها :
على كلٍّ إذا اقتنيت كتاب الجامع الصغير واكتفيت بالأحاديث التي أنتقيها لك ، وإذا سألتني عن بعض الأحاديث أعطيك معناها إن شاء الله تعالى ، صار عندك بالبيت نواة مكتبة عندك الجامع الصغير ، كتاب في الحديث ، وهناك طبعاً أحاديث ضعيفة في الجامع الصغير مكتوب " ض" قد يكون الحديث ضعيفاً في مَتْنِهِ ، وقد يكون ضعيفاً في سنده ، مثلاً، بعض الأحاديث الضعيفة .
﴿ هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ ﴾
[ سورة الرحمن: 60]
هذه آية قرآنية ، ورسول الله قالها ، هناك أحد الرواة لم يكن عدلاً ، فالحديث ضعيف ، وهذا الحديث رغم أنه ضعيف من قواه ؟ القرآن ، فهذه آية قرآنية ، لو أنه ضعيفٌ يجب أن نقرأه ، لأن القرآن هو الذي قوَّاه وصحَّحه .
إذاً نريد من أجل أن يصبح هذا العلم واسع الانتشار ، كل واحد حوله خمسين شخصاً أو خمسة وعشرين ، ما بين زوجته ، وأولاده ، وجيرانه ، وعدلاته ، وأصهاره ، وإخوته، وأصدقاء إخوته ، وزملائه في العمل يصبحون خمسين ، فإذا حضر درس الأحد ، وعنده بالبيت الجامع الصغير ، الحديث تأثر فيه تماماً ولكن لم يحفظ نصه ، فتح الكتاب هذا نصه ، كتبه على ورقة ، وضعه بجيبته ، التقى بأخ مؤمن ، بصديق ، بصاحب ، أحسن من حديث لا طائل منه ؛ من حديث الأكل والشرب ، حديث النساء ، من أحاديث تبعث في النفس الضيق والاشمئزاز وضِّح له معنى هذا الحديث .
نحن مثلاً أمضينا سنة أو أكثر في كتاب بالفقه الحنفي مختصر مفيد "مراقي الفلاح" كتاب بالأسواق موجود ، إذا الإنسان اشتراه كذلك كون مكتبة فقه ، كتاب بالفقه أساسي، أراد أن يعرف شروط الصلاة ، مكروهات الصلاة ، سنن الصلاة ، الأركان ، يا ترى تكبيرة الإحرام رُكن أم شرط ؟ إذا الإنسان مثلاً نزل دم من يده هل يتوضأ أم لا يتوضأ ؟ إذا الدم سال يتوضأ إذا لم يسل لا يتوضأ ، كتاب قرأناه كُلَّه خلال سنة أو أكثر " مراقي الفلاح " أيضاً كتاب نقتنيه أحياناً إنسان يسأل نفسه سؤالاً ، يكون معه الجواب في الكتاب .
فأنا أريد أن هذا الشيء الذي نتعلمه أن يبقى له أثر ، والله درِّسنا فيه عشر سنوات تقريباً ، آلمني شخص قال لي : إنسان جاء لعندي لكي أفحصه ، هو خطيب مسجد سألته عدداً من الأسئلة فلم يعرف الجواب . قلت له : هذا الذي سألته عنه درسته خلال سنة ، موضوع النكاح ، سنة بكاملها . قال له : ما هو الطلاق البِدعي والطلاق السني ؟ قال لي : لم يعرف الجواب . مع أننا وقفنا في هذا الموضوع سنة بأكملها ، فالإنسان إذا لم يراجع الموضوع لا يقدر أن يحفظ ، إذاً كتاب مراقي الفلاح ببيوتنا ، كتاب الجامع الصغير ، فمن باب إذا سمعت شيئاً لطيفاً تتذكره ، أما القرآن فسهل ، تفتح سورة : ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى * وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى ﴾
[ سورة الأعلى : 1-4 ]
يمكن تتذكر شيئاً كثيراً عن : ﴿ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ﴾
[ سورة الأعلى : 2 ]
التسوية ، وشيئاً كثيراً جداً عن : ﴿ وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ﴾
[ سورة الأعلى : 3 ]
وعن : ﴿ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ﴾
[ سورة الأعلى : 2 ]
يمكن سورة الأعلى تكون هذه الجمعة كلها مدار حديثك مع إخوانك ، مع أصحابك، مع أصدقائك ، مع جيرانك ، مع زوجتك ، مع أولادك ، والشيء اللطيف في العلم أنه يزكو على الإنفاق ، المال تنقصه النفقة ، والعلم يزكو على الإنفاق - أي يزداد - . اصطفاء الكتب المفيدة تفادياً لإضاعة العمر :
لكن هناك موضوع دقيق أحب أن أطرحه أمامكم : إذا إنسان عنده مكتبة لوالده ، وهذه المكتبة فيها ألف كتاب ، وعنده امتحان و هو في السنة الثالثة في الجامعة بعد أسبوع ، بكتاب مقرر هو مثلاً : الأحوال الشخصية في القانون المدني . أي كتابٍ إذا قرأه يستفد ؟ الكتاب المُقرر . لكن المكتبة فيها كتب كثيرة ؛ فيها قصص ، فيها مسرحيات ، فيها كتب علمية، ، فيها كتب بالتاريخ ، فيها كتب بالفلسفة ، كله نافع ومفيد، لكن الذي ينفعك أكثر من غيره أن تقرأ الكتاب المقرر لتؤدي به امتحاناً وتنجح .
فالآن الأخ المؤمن إذا الله وفقه يعرف أيْ كتاب في الحياة مقرر من قبل الله عز وجل ، فالكتاب المقرر : القرآن الكريم . فإذا أمضى حياته كلها في فهم كتاب الله وسنة رسول الله فقد نجح إلى الدار الآخرة ، ودخل جنةً عرضها السموات والأرض .
فلا تظن أن كل إنسان يقرأ يستفيد ، هناك كتب لا تقدِّم فائدة ، ممتعة، تُمتع ولا تنفع ، و هناك كتب تنفع ولا تُمتع ، وهناك كتب تُمْتِع وتنفع ، كمعرفة كتاب الله عز وجل .
شيء آخر ... الآن أريد أن أضرب أمثلة لأن الموضوع دقيق جداً، مثلاً يجوز أن يعطي تلامذته أكبر كتاب بالفقه " حاشية ابن عابدين " هذا الكتاب يعد أضخم كتاب في فروع الفقه لا في أصوله ، في فروعه ، حالات نادرة لا تقع ، تسعون بالمئة من حالات هذا الكتاب لا تقع ولم تقع ، فإذا أمضى الإنسان عمره كلَّه في معرفة هذا الكتاب وفهم دقائقه ، هل يكون قد ربح أم خسر ؟ خسر ، نافع لكنه ضيَّع معرفة الله ، ضيَّع معرفة نفسه ، ضيَّع العمل الصالح ، ضيع تطهير قلبه .
فالإنسان إذا كان يملك مئة ألف ، يريد أن يتزوج ، فاشترى مخرطة ووضعها ببيته هذه مفيدة ، لا تلزمك بكل عمرك ولا مرة ، تستعملها ربع ساعة ، حجزت غرفة بالبيت ، وثمنها مئة ألف ، استهلكت ثمنها ولم تستفد منها ، أما إذا كنت حكيماً فتأخذ غرفة ضيوف ، وغرفة نوم ، وتأخذ برَّاد ، وغسالة ، ومكواة ، و أداوت أساسية ، وأدوات مطبخ ، وتعيش حياة معقولة بهذه المئة ألف ، أما أن تأخذ بهذا المبلغ مخرطة وتضعها بغرفة الضيوف وتقف ، آلة عظيمة ، صح عظيمة ، مفيدة ؟ مفيدة ، أما هل هي مفيدة لك ؟ لا ليست مفيدة لك .
هذا المثل ضربته ، كذلك إذا إنسان أراد أن يغادر هذا البيت خلال ربع ساعة ، ومعه سيارة صغيرة ، عبِّئها ما شئت ، هل تضع فيها كنباية ؟ لا ؛ بل تضع فيها أجهزة ثمينة ، عندي آلة تسجيل ، فرن ، عندي جهاز ، حقيبة سمسونايت ، صيغة ، لا ، املأها كنباية واحدة وأمشي ؟ يجب أن تختار الشيء المفيد والنافع ، لأنه لا يوجد أوسع من الكتب المؤلفة !! فما يطبع في اليوم من كتب لا تكفي السنوات الطويلة لقراءته ، سنوات ، رقم لم أحفظه قد يحتاج إلى ثمانين سنة ، ما يطبع في العالم من كتب يومياً حتى يقرأه إنسان واحد يحتاج لثمانين سنة ، شيء مستحيل تحتاج اصطفاء .
فلذلك يجوز أن يكون هناك فصلاً بإحياء علوم الدين أنا أتجاوزه بكامله ، لا يتصل بحياتنا اليومية اتصالاً شديداً ، فهناك اصطفاء من قِبَل الذي يدرِّس ، هذا الاصطفاء مبني على معرفة أن هذا الموضوع له علاقة ماسة بحياة الإخوة الحاضرين اليومية .
حكم الصلاة داخل الكعبة . اذهب للحج ، لا يسمح لك أن تدخل داخل الكعبة ، فهذا الشيء مستحيل ، أحياناً هناك موضوعات بالمياه غير مجدية كثيراً ، في بيوتنا مياه نقية وطاهرة ، فالإنسان يجب أن يصطفي ، إذا ما اصطفى يضيع عمره سُدى ، لأن الموضوع دقيق جداً .

* * *
أنواع العلوم :
الإمام الغزالي يقسم العلوم - وأنا هذا الشيء قلته سابقاً - إلى ثلاثة أنواع : علومٌ بأمر الله ، وعلومٌ بمخلوقات الله ، وعلومٌ بالله .
العلم بمخلوقات الله برعت به أوروبا . أخي هذا مختص مثلاً بالأنف ، جاره مريض قال له : أنا أنفي هنا فيه ألم . قال له : أنا مختص بالشق الأيمن بالأنف ، هذه لا أعرف عنها شيئاً . المبالغة بالاختصاص لدرجة أن الإنسان يقضي حياته كلها في فرع دقيق دقيق دقيق من فروع المعرفة يكسب منه قوته ، عند الناس هذا عالم ، أما عند الله فليس بعالم ، لم يعرف آخرته، ولو معه بورد باختصاص معيَّن ، أما الإنسان عندما يعرف ربه ، يعرف لماذا خلقه ؟ يعرف ما الشيء المجدي في الحياة ؟ لا بد من عمل صالح ، لا بد من استقامة ، لا بد من فهمٍ لكتاب الله ، لا بد من تطبيق كتاب الله في الزواج ، في البيع ، في الشراء ، إذا عرف هذه المعرفة استفاد من علمه .
الحديث الشريف هو أرقى أنواع الفهم لكتاب الله :
إذاً الشيء الذي أود أن أقوله لكم ثانياً : كتابنا المقرر هو القرآن الكريم .
(( منْ أُوتِيَ الْقُرْآنَ فَظَنَّ أَنَّ أَحَداً مِنَ النَّاسِ أُوتِيَ أَفْضَلَ مِمَّا أُوتِيَ فَقَدْ عَظَّمَ مَا حَقَّرَ اللَّهُ))
[ ابن المنذر عن سفيان بن عيينة ]
(( لا يحزن قارئ القرآن ))
[ الجامع الصغير عن أنس بسند فيه مقال ]
(( ومن جمع القرآن متعه الله بعقله حتى يموت ))
[ الجامع الصغير عن أنس]
الحديث الشريف هو أرقى أنواع الفهم لكتاب الله ، قد يُسأل إنسان هذا السؤال : رسول الله ألم يترك تفسيراً لكتاب الله ؟ لو ترك تفسيراً لارتحنا من خلافات المفسرين ؟ نعم رسول الله ترك تفسيراً يقدر بألف أو ألفي صفحة ، تفسير النبي عليه الصلاة والسلام هو الحديث الشريف .. ﴿ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ﴾
[ سورة النحل: 44 ]
هذا هو الحديث ، إذاً الكتاب الأول الموجز المُعْجِز هو القرآن ، كتاب التفسير الأول الذي فَسَّره النبي عليه الصلاة والسلام الحديث الشريف ، هناك فقهاء كبار كالإمام أبي حنيفة ، والإمام الشافعي ، وأحمد بن حنبل ، والإمام المالكي ، فهموا فهماً دقيقاً من أحاديث رسول الله ، واستنبطوا منها أحكاماً في المعاملات ، في العبادات ، في الزواج ، في الطلاق ، في الإرث ، هذا هو الفقه .
إذاً لا بد من فهمٍ لكتاب الله ، وفهمٍ لحديث رسول الله ، وفهمٍ لبعض أحكام الفقه التي نحن بحاجةٍ ماسةٍ إليها ، ولا بدَّ من قراءة بعض سير الصحابة الكرام لماذا ؟ لأنك إذا قرأت سِيَرَهم تأكَّدت هذه القيم الأخلاقية السامية عن طريق الواقع ، أي أن هذه المُثُل العليا أصبحت وقائع عُليا . فالناس إذا قلت له : افعل كذا ، لا تفعل كذا . يقول لك : كفانا مثاليات ، الواقع هكذا ، فإذا قرأت عن الصحابة قصةً ترى أن واقعهم كان مثالياً ، لذلك يمكن أن نسمي " المثالية الواقعية " فالإنسان بالقصة يرى أن هذه المُثُل قد تجسَّدت ، والإنسان يتمنى أن يكون له قدوة بالحياة .. ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾
[ سورة الممتحنة: 6 ]
مضمون دروس الأحد و الجمعة من أصول العلوم الشرعية الكبرى :
من هذه المُنطلقات جعلت درسي الجمعة والأحد بين التفسير والتفكير، وبين الحديث والفقه والسيرة ، هذه أصول العلوم الشرعية الكبرى ، لكن لا أعرف مدى استيعاب هذه الحقائق عند الإخوة الحاضرين ، يا ترى هناك فهم دقيق ؟ هناك استيعاب ؟ هناك تمثُّل ؟! أما موضوع تباركنا بحضور الدرس وانتهى الأمر؟ فهذه الكلمات التي لا معنى لها ، لا أحبها كثيراً ، كلمة :
﴿ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ ﴾
[ سورة الملك : 1 ]
كلمة قرآنية ؛ لكن هذه الكلمة القرآنية العظيمة المقدَّسة استخدمها الناس استخداماً مفرغاً من مضمونه ، فإذا أحب أن يجاملك يقول لك : تباركنا ، كيف تباركت ؟ البركة حصلت، الله يبارك فيك ، تباركنا سيدنا. هذا كلام ليس له معنى ، ما معنى تباركت ؟ هل هناك آية فهمتها وتأثرت بها وذكرتها وطبقتها ووجدت نتائجها ؟ كلامك صحيح ، الآن أنت تباركت ، إذا كنت قاعداً مثلاً وسمعت آية غض البصر ، في اليوم الثاني غضضت من بصرك ، دخلت لبيتك وجدت نفسك سعيداً ، هذه الشحناء والبغضاء والخصام ، وأنك ترى الزوجة بشكلٍ لا يرضيك ، وهي تتحدَّاك دائماً وتستعلي عليك ، حينما غضضت بصرك عن محارم الله ، دخلت إلى البيت فرأيت زوجتك امرأةٌ أخرى وديعة ، راقت لك في نظرك ، بقي الجو بينكما أليفاً ، لطيفاً مقدساً ، فيه احترام ، ومودة . والله جميل ، هذا كتاب الله ، هذه قاعدة من قواعد الحق ، الآن تباركت يا أخي ، تعلمت آية وطبقتها ، وقطفت ثمارها ، الآن تباركت ، أما قبل أن تطبق فليس هناك بركة ، هذه بركة موهومة ليس فيها شيء . الانتقال بالناس من الاستماع إلى التطبيق :
لذلك خطر في بالي أن نعمل لقاء إما هنا أو في جامع آخر ، أنا عندي ثلاث رخص في ثلاثة جوامع ، بالنابلسي ، والحاجبية ، والعفيف ، فهذا اللقاء لا يوجد كلام من طرفي أبداً ، إجابات من طرفكم ، مثلاً نعمل مذاكرة بدرس الجمعة لنرى كلمة مثلاً:
﴿ وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ﴾
[ سورة الأعلى : 3 ]
﴿ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ﴾
[ سورة الأعلى : 2 ]
ما معنى التسوية ؟ إذا إنسان استوعب التسوية ، فالكون كله فيه تسوية ، الشمس فيها تسوية ، القمر فيه تسوية ، النجوم فيها تسوية ، الماء فيه تسوية ، الهواء فيه تسوية ، الجبال فيها تسوية ، السهول فيها تسوية ، الصحارى فيها تسوية ، فوضحت معنى : ﴿ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ﴾
[ سورة الأعلى : 2 ]
خلال ثلث الساعة تقريباً ، و إذا عملنا لقاء ثانياً فلا يوجد من قبلي شيء أبداً ، من قبلي أسئلة فقط ، ما معنى : ﴿ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ﴾
[ سورة الأعلى : 2 ]
يجوز أن نسأل : ﴿ وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ﴾
[ سورة الأعلى : 3 ]
ما معنى ؟ ﴿ وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ﴾
[ سورة الأعلى : 3 ]
ما معنى ؟ ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴾
[ سورة الأعلى : 1]
لما لم يقل : سبح ربك الأعلى . لماذا : سبِّح اسمَ ؟! هذه أيضاً وضحتها ، وما معنى ربك ؟ ولماذا الأعلى ؟ ماذا تعني سبِّح ؟ أيْ نَزِّه ، كيف أنزِّه ؟ هذا أمر ضمنه أمر، خذ شهادة ، أيْ ادرس ، هل عرفت الله كي تسبِّحه ؟ معنى التسبيح التوجيه ، معناه الإيجابي التعظيم ، فإذا حصلت مذاكرة في درس الجمعة ، ومذاكرة في درس الأحد ، وسؤال عن تفكير الإنسان اليومي في آيات الله الكونية ، فإن الإنسان ينتقل من مستمع.
نحن كنا في الجامعة بالستينات كان يوجد نظام ألغي الآن ، نظام مستمع ، وطالب نظامي ، المستمع ليس له شيء ، له حق أن يدخل ليحضر محاضرة ، لكن له شهادة خاصة لا تؤهِّله أن يعيَّن بموجبها ، أما الطالب النظامي فهذا الطالب يعطى شهادة تؤهِّله أن يعين بموجبها، يخطر ببالي أحياناً أنه بموسم الشتاء الإخوة الحاضرون يزدادون ، أنا أسميت هذا القسم : زبائن شتوية طلاب العلم شتويون . في الصيف يكونون سارحين خارج البلد ، في الشتاء يقول لك : والله لا يوجد شيء ، الدنيا برد ، أحسن شيء أن نذهب إلى الجامع . العمَّال الموسميون ليس لهم تقاعدية ، وليس لهم تأمينات اجتماعية ، لأنه عامل موسمي ، أما العامل الدائم فله تقاعدية ، وله تأمينات اجتماعية ، فإذا الإنسان كان مريداً موسمياً شتوياً مثلاً ، هذه مشكلة ، نحن نريد مريداً دائماً ، نريد طالباً نظامياً ليس طالباً مستمعاً .
فإذا أكرمنا الله بلقاء ، وحاولنا فيه أن نتذاكر درس الجمعة ودرس الأحد والتفكير اليومي والحديث منكم فقط ، ليس مني ، لعل هذه الحقائق تثبت ، لعل الإنسان قبل أن يأتي إلى الدرس يقول : ماذا أخذنا في درس الجمعة ؟ يفتح المصحف ، يتذكر ، لعله يجلس مع أخيه يقول له : انظر إلى تلك الآية : ﴿ إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ ﴾
[ سورة الطارق : 13]
تكلمت عنها عشر دقائق ، أيْ هناك موضوعات خلافية بين الناس ، المرأة نصف المجتمع ، فهل تشتغل أم لا تشتغل ؟ بهذه الموضوعات ، ربنا قال : ﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ﴾
[ سورة الأحزاب: 33 ]
﴿ إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ ﴾
[ سورة الطارق : 13]
يا ترى إذا كان هناك ربا بنسبة قليلة ، هل هناك مانع ؟ أم لا يوجد مانع ؟ هل ندع المال مجمداً ؟ نستفيد ، يعطونا شيئاً من الفائدة !! ﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ﴾
[ سورة البقرة: 276 ]
حقائق . ﴿ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾
[ سورة فاطر: 14 ]
إذا الإنسان طبَّق كلام الخبير يستقيم ، هذا خبير ، كلام ربنا كلام خبير .. ﴿ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ﴾
[ سورة فصلت: 42]
على كل مسلم أن يكون له أثر إيجابي في حياته :
هناك طموح بنفسي أن يكون كل واحد منكم عالماً ، فلست فرحاً أن أتكلم والكل يستمعون ، ويتأثرون ، وليس هناك أثراً إيجابياً بحياتهم اليومية ، يجب أن يكون كل واحد منكم أمة ، كل واحد خمسون ، رقمه خمسين عند الله عز وجل ، فالواحد بين زوجته ، وأولاده، وأصهاره ، وبين إخوانه ، وأصدقائه ، وأحبابه ، وجيرانه ، وزملائه ، وعدلاته ، ومن تعرَّف عليهم ، ومن لم يتعرَّف عليهم ، هؤلاء نسبة كبيرة ، إذا درس حديثاً شريفاً وبلَّغ الناس فله أجر كبير .
مثلاً :
(( الذنب شؤم على غير صاحبه ))
[ كنز العمال عن أنس ]
والله شيء جميل ، الذنب كله شؤم ، ليس على صاحبه فحسب بل على غير صاحبه . إن عيره ابتلي به ، وإن اغتابه أثم ، وإن رضي به شاركه.
صار هناك مشكلة ثانية الآن ، فلان أذنب ، أنت إياك من ذنبه ، إياك أن تتكلم عنه وقعت في غيبته ، إياك أن تشمت فيه ، تقع بنفس الذنب ، إياك أن ترضى بذنبه ، شاركته في الإثم . هذا حديث يُحكى ؛ يحكى للأهل ، للأولاد ، للأصدقاء .
فهذه المقدمة أردت منها أن الإنسان يتطور ، من لم يكن في زيادة فهو في نقصان، المغبون من تساوى يوماه أي من كان يومه كأمسه .
وهناك ملاحظة ثالثة : إذا كان يعمل في مصلحة واحدة أخوان أو ثلاثة ، جيران ، أقارب، التقوا بين بعضهم أثناء الجمعة لقاء ، وتذاكروا درس الجمعة والأحد ، ما الذي يحصل ؟ مثلاً أحدهم لا سمح الله والدته مريضة قعد في درس الجمعة ، وصلت عند قوله تعالى : ﴿ إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ ﴾
[ سورة الطارق : 13]
يا ترى آخذ لها هدية ؟ آخذ لها وردة أم فواكه ؟ هو يفكر ، فمرَّت الآية : ﴿ إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ ﴾
[ سورة الطارق : 13]
فشرد . إذا كان له جلسة مذاكرة مع صديقه ، أو مع أخيه ، أو مع جاره بهذا الموضوع ، هو غاب عن هذه الآية ، يقول له أخوه : ماذا قال الأستاذ عن آية : ﴿ إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ ﴾
[ سورة الطارق : 13]
يقول له .. معنى هذا أنه استجمع كل الموضوع ، ففي المذاكرة فائدة كبيرة جداُ ، فإذا كنا نريد الانتقال للاستماع من طلاب غير نظاميين ، من مريدين شتويين فقط ، من عمال موسميِّن ، إلى طلاَّب نظاميين ، إلى طلاب علم حقيقتين ، إلى إنسان يتعلَّم ويعلم : (( خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ ))
[البخاري عن عثمان]
خيركم . إذا أردت أن تكون - وهذه صنعة الأنبياء - أن تدعو إلى الله عز وجل هذه صنعة الأنبياء ، إذا أردت ذلك فتحتاج إلى أن تذاكر ، وأن تقرأ ، وتحتاج إلى أن تراجع ما سمعته في درس الجمعة ، لا بد أن تجلس مع نفسك وتفتح المصحف ، تكلم عن : ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴾
[ سورة الأعلى : 1]
والله أشياء جميلة جداً ، إذا تكلمنا عن الامتصاص الشعري ، تكلمنا عن أن الشجرة إذا منع عنها الماء كأن فيها عقلاً ، تتخلى عن أوراقها أولاً - تأخذ ماء الأوراق - تتخلى عن الأغصان الصغير تأخذ ماءها فتيبس ، تتخلى عن الأغصان الكبيرة تأخذ ماءها تيبس الأغصان ، تتخلى عن جذعها ، ييبس الجذع ، حفاظاً على جذرها الذي هو أصل حياتها ، لو لم يكن هناك خالقاً كان أول شيء يموت الجذر مكان انقطاع الماء ، لكن ربنا عز وجل قال : ﴿ وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ﴾
[ سورة الأعلى : 3 ]
من الذي هدى الشجرة أن تسلك في الحفاظ على جذرها هذا السلوك ؟ من هدى النحلة ؟ من هدى النملة أن تأكل رشيم القمحة ؟ إذا كانت تخزن القمح مع الرشيم ينمو ، وكرها من تراب وفيه رطوبة ، ينمو القمح يخرب لها عشها ، من الذي قدَّر ذلك ؟ نحن إذا كنا نبذل جهداً كبيراً في توضيح آيات القرآن الكريم ، والإنسان لم يراجعها في بيته ، ينساها، أما إذا فتح المصحف فتحة ، ورأى ما قيل ، وأحب أن يسجل كلمتين في البيت ، وجلس مع أخيه ، مع صديقه ، لكي يتذاكروا هذا الكلام، حتى إذا أتى إلى الجلسة الثالثة وسألناه عن: ﴿ وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ﴾
[ سورة الأعلى : 3 ]
عن معنى : ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴾
[ سورة الأعلى : 1]
عن معنى : ﴿ إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ ﴾
[ سورة الطارق : 13]
كيف أن الله يكيد ؟ .. ﴿ إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً * وَأَكِيدُ كَيْداً ﴾
[ سورة الطارق : 15-16]
الله يكيد ؟ هل يسمَّى الله الكائد ؟ لا ، لا يسمى الله الكائد ، كيف يكيد ؟ هذه لها تفصيل لطيف جداً ، وهكذا . مطلوب منك التطور من مستمع إلى منتج ومن متعلم إلى عالم:

إن شاء الله أنا أسعى جهدي أن أختار لكم أجمل ما في الكتب ، وأجمل ما قاله المفسِّرون ، وأجمل ما فسَّره المفسرون عن حديث رسول الله ، بقي عليكم إذا كان الكتاب قيِّماً أن تقتنوه ، فأنا أرى أن الكتاب مهما كان ثمنه مرتفعاً هو أرخص شيءٍ في الحياة ، السبب : هناك كتاب نحو ، مؤلفه أمضى في تدريس النحو في جامعة القاهرة أربعين عاماً ، خُلاصة خبرته ، وعلمه ، وتعمُّقه ، وفهمه في النحو والصرف ألفه في كتاب ، أربعة أجزاء ضخمة ، أنا أخذته بستين ليرة قديماً . الآن ثمنه : مئة وأربعون . هذا إذا كانت اللغة عربية اختصاصك فرضاً ، ألا تشتري عقل من بذل جهد مضنٍ مدة أربعين سنة ، وصبَّه بكتاب بمئة وعشرين ورقة؟!! الكتاب رخيص وليس غالياً ، كتاب أحاديث رسول الله مثلاً عشرة آلاف حديث بخمسة وثلاثين ليرة ، ثمنه ثمن غداء واحد ، أوقية ونصف لحمة بخمسة وأربعين ، بعد ساعتين أين الغداء ؟ راح . أما هذا الكتاب فباقٍ .
إذاً هذه مقدمة وهي طموح من قبلي إلى تطوير الإخوة الحاضرين من مستمعين إلى منتجين ، من متعلِّمين إلى علماء ، من مهديين إلى هاديين ، اللهم اهدنا واهد بنا ـ هكذا الدعاءـ وأنت عندما ترى شخصاً أثّر فيك ، واستقام بعد توجيهك ، وصلى صلاة صحيحة ، وصارت له وجهة إلى الله عز وجل ، وأخلاقه سمت ، هو وزوجته وأولاده ، يمكن أن تأتيك سعادة لا يعلمها إلا الله !!
ألا تقولون أنتم في الأوراد : اللهم صلِّ على أسعدنا محمد ؟ ما معنى أسعدنا ؟ أي أسعد خلق الله قاطبةً ، وإذا دعوت إلى الله فأنت تعمل عمله ، صنعتك من صنعته ، لذلك شعور الذي يدعو إلى الله بأن الناس استفادوا منه ، واستقاموا على أمر الله ، وتمثَّلوا كتاب الله، وفهموا سنة رسول الله ، هذا شعور لا يوصف .
أقول لك أنا مرة قرأت أربع كلمات في مجلة مترجمة ، تركت في نفسي أثراً كبيراً " إذا أردت أن تسعد فأسعد الآخرين " .
تجلس مع شخص ممل ، متشائم ، منقبض ، يقرف ويقرِّف ، تكون حالته المادية جيدة ، ومعه شهادات عُليا ، لكن كونه أنانياً يستقطب ذاته في كل شيء ، يحب نفسه فقط ، هذا إنسان لا قيمة له . تجلس مع إنسان آخر يحب الآخرين ، يحب أن يهديهم ، يقول لك : والله جلسنا ساعة لم نشبع منه ، انبسطنا كثيراً ، لماذا انبسطت كثيراً ؟ لأنه غيري ليس ذاتياً ، ليس يبحث عن ذاته ، يبحث عن سعادة الآخرين . فمن هذا المنطلق أريد إن شاء الله تعالى أن نرتقي . من لم يكن في زيادة فهو في نقصان ، المغبون من تساوى يوماه ، كل إنسان يحاسب نفسه . (( حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا... ))
[ الترمذي عن شداد بن أوس ]
فإذا طالب ذهب إلى المدرسة ، ولبس هذا اللباس النظامي المدرسي ، أو لبس لباساً جامعياً ، هناك لباس موحد ، أين ذاهب ؟ إلى الجامعة . من أين أتيت ؟ من الجامعة . أول سنة بالجامعة ، الثانية بالجامعة ، الثالثة بالجامعة ، الرابعة بالجامعة . معنى ذلك أنك ستتخرج مدرساً أو طبيباً ، بعد عشر سنوات أخي لم تأخذ شهادة ؟ لا والله لم آخذ شهادة . محسوب على الناس أنك طالب جامعي ، أين الشهادة ؟
أما إذا كنت طالباً جامعياً فعلياً ، بالأخير ستكون طبيباً ، تفتح عيادة ، تختص بالقلب ، يأتي عندك مريض ، تشغل الجهاز دقيقتين ، يظهر شريط طويل عليه حركات . ماذا تريد ؟! والله أريد مئة وخمسة وسبعين ، مئة تخطيط والباقي معاينة ، عشرون زبوناً تأخذ باليوم ألفي ليرة ، إذا كان طالباً جامعياً و تخرج سيحصل على خمسمئات في المساء ، أما رحنا على الجامعة ، وأتينا من الجامعة ، ولم نأخذ شهادة ماذا استفدنا ؟
فإذا إنسان جاء إلى الجامع ، وراح من الجامع ، والله عندي درس بالجامع . بارك الله ، نفعنا الله ببركتك . من أين أتيت ؟ كنت بالجامع . أهلاً وسهلاً . إلى أين ذاهب ؟ إلى الجامع . بعد عشر سنوات ماذا حصل معك ؟ أنت أنت ، لم نستفد ، لكن بعد عشر سنوات هديت عشرة ، أنت سعيد ، أسعدت الآخرين ، عرفت ربَّك ، عرَّفت الناس بالله عز وجل ، كنت كوكباً دُرِّياً ، صرت مصدر سعادة الآخرين ، والله شيء جميل ، معنى هذا أن الجامع أثمر ، على كل حال الجامع مُذَكَّر والجامعة مؤنَّث ، وتعليم الجامع خيرٌ من تعليم الجامعة .
* * *
طلب العلم فريضة :
لا زلنا مع إحياء علوم الدين ومع فصولٍ مختارة من هذا الكتاب .
روي عن أنس بن مالك رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم وآله أنه قال :
((طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ ...))
[ابن ماجه عن أنس بن مالك]
دائماً افهم المعنى اللغوي للكلمات . أنا أقول لك : تنفُّس الهواء فريضة . هل فهمت معنى الفريضة ؟ تنفّس الهواء فريضة ، شُرب الماء فريضة ، أكل الكرز ليس فريضة . فما معنى أكل الكرز ليس بفريضة ؟ تعيش من غيره ولا يحدث شيء ، ولا نشتريه إذا كان غالي الثمن ، أما تنفس الهواء ففريضة ، تناول الطعام فريضة ، شُرب الماء فريضة ، قال عليه الصلاة والسلام : ((طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ ...))
أي من دون هواء يموت الإنسان ، من دون ماء يموت ، من دون طعام يموت ، من دون علم تموت نفسه ، قال تعالى : ﴿ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ ﴾
[ سورة النحل 21 ]
ميِّت لا يفهم شيئاً ، واقع بالحرام ، ماله حرام ، مُنحرف ، بيته مسيَّب ، زوجته تقوده إلى جهنم ، تجارته تقوده إلى جهنم ، يدخل جهنم من أبوابها كلها ، فجهنم لها سبعة أبواب، يقول لك : ماذا ينقصني ؟ أنا مؤمن أكثر منك ؟! لأنه لم يحضر مجلس علم .
أحدهم ذكر لي بالغرفة بعد الخطبة قصة من ثماني سنوات وصار يبكي ، قال لي موضوعي كبيرة جداً . ما قصتك قل لي خير إن شاء الله ؟ إذا كان الرجل يبكي فليس هذا الشيء سهلاً ، أنت تقبل بكاء طفل ، قد يكون زعبرة ، تقبل بكاء امرأة ؛ المرأة تبكي وتبقى مكانتها هي هي ، أما إذا كان الرجل بكى !! طبعاً بكاء العاشقين هذا لوحده ، هذا يرقى لأعلى عليين ، دعونا من بكاء العاشقين فهذا نادر الآن ، أما رجل يبكي لأمور الدنيا ، فما القصة ؟
قال لي : عندي زوجة ، وأنا لا أعرف ، عندنا جار صار يدخل لعندنا أكثر من سنتين ، وأنا أحضر من عملي ، وآكل الأكل المعد لي ، وأغط في النوم ، مرة الكأس لم أشربه، ودخل جارنا لعندنا ، وعندي منها خمسة أولاد ، وهي تخونه من سنتين ، كل يوم ، كل يوم وهي تسقيه مادة مخدرة .
ـ قلت له : من أين تعرفت على جارك هذا ؟
ـ قال : والله أنا أدخلته إلى البيت ، قلت له مرة : تفضل لعندنا ، أم فلان هذا مثل أخيك تعالِي .
مثل أخيها ، هو أمرها لكي تسهر معهم ، هذا لو كان حاضراً مجلس علم هل يفعلها ؟ لا ، لا يفعلها ، هذه بالعلاقات الاجتماعية .
بالتجارة ، كل غلطة يرتكبها التاجر يفلِّس من ورائها ، يكون عمله غير شرعي، أحدهم أخذ له كذا مليون ، ضرب أخماس بأسداس ، يأخذ قرضاً بفائدة ، يشتري بضاعة ، يأخذ رعبونها ، ويبيعها ، يربح مليونين أو ثلاثة . لكن الله قال : ﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا ﴾
[ سورة البقرة: 276 ]
قال : ﴿ فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾
[ سورة البقرة: 279 ]
باع سيارته ، وباع أول بيت بالمَيْسات ، وباع البيت الثاني ، وبقي عليه خمسة ملايين وهو مفلِّس ، وباع معمله كذلك ، اقترض خمسة عشر مليوناً كي يربحوا خمسة ملايين ، فبيعوه المعمل والبيتين والسيارة ومازال عليه خمسة ملايين . هذا لو كان حاضر مجلس علم كان حصل معه ذلك ؟ لا لم يحصل هكذا .
أحدهم أتى من الكويت معه نقود يريد شراء بيت ثمنه مئة ألف ، أعطاهم لشخص قال له : دعهم معك . أعطاهم لعمه والد زوجته ، هذا عمه لا يوجد عنده دين ، أخذهم ووضعهم بالبنك باسمه . أين النقود ؟ ليس لك عندي شيء ، هذه ضمانة للمرأة . أنتم أخذتم متأخر ومهر وكل شيء . لا. فهل كتب لك إيصال بذلك ؟ ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ﴾
[ سورة البقرة: 282 ]
و هناك شخص آخر اتفق هو و شريكه على صفقة بعشرة آلاف ، أخذوها شراكة بينهم ، صار ثمنها ستمئة ألف ، قال له : ليس لك عندي شيء خذ هذه عشرة آلاف . لم يكتبوها ، هذا العقد لم يكتبوه لو كان حاضر مجلس علم هل صار معه ذلك ؟
أنا أسمع فجائع ، أسمع مصائب كبرى بسبب الجهل ، فطلب العلم سُنّةٌ أم فريضة؟ فريضة . ليس لك خيار ، إيَّاك أن تظن أنك صاحب مصلحة لماذا أكون عالماً ؟ هذا العلم فرض عين على الناس ، طبيب ، مهندس ، صاحب مصلحة ، نجَّار ، لحَّام ، هذا فرض عين على كل إنسان . العلوم بعضها فرض عين و بعضها فرض كفاية :
(( طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ ))
[ابن ماجه عن أنس بن مالك]
اختلف الناس في هذا العلم ، بعضهم قال : علم الفقه ، إذ به يعرف الحلال والحرام، هذا الكلام فيه شيء من الصحة ، وليس فيه الصحة كلها .
وبعضهم قال : علم الكتاب والسنة إذ بهما يتوصل إلى العلوم كلها . وبعضهم قال والصوفية قالت : علم الإخلاص وآفات النفوس .
والفلاسفة قالت : علم الفلسفة .
الفلاسفة قالوا : الفلسفة . الصوفيون : علم الإخلاص . المفسرون : علم الكتاب . الفقهاء : الفقه . المحدثون : علم الحديث . صار هناك اختلافاً ، كل هذه الأقوال صحيحة جزئياً ، والصحة المطلقة أن تأخذ بها جميعاً لأنها علوم يُكّمِّلُ بعضها بعضاً .
فإذا الإنسان أمضى كل حياته بفهم أوسع كتاب بالفقه ، وما عمل عملاً صالحاً ، وما تعرف إلى الله عز وجل ، وما استقام على أمره ، هل أفلح ؟ لا لم يفلح . هذا الكلام فيه جزء من الصحة وليس الصحة كلها .
لكن الإمام الغزالي يقول : والصحيح أنه علم معاملة العبد لربه . العلم المُجدي زائد مجموعة أعمال تقوم بها كل يوم ، زائد مجموعة أعمال تنتهي عنها كل يوم . فإذا فعلت ذلك فقد نجحت وأفلحت .
هذه العلوم فرض عين كما أقول لكم ، لا أحد يقول : أنا معفى منها ، فرض عين. أما فرض الكفاية فهو كل علم لا يستغنى عنه في قوام علوم الدنيا ، كالطب ، الطب فرض كفاية ، فإذا لم يتعلم المسلمون الطب أثموا جميعاً ، فإذا تعلم الطب بعضهم رفع عنهم الإثم هذا معنى فرض كفاية .
والحساب ، فهذه العلوم لو خلا بلدٌ ممن يقوم بها لأثم أهل البلد كلهم ، وإذا قام بها واحدٌ كفى وسقط الفرض عن الباقين ، أما التعميق في دقائق الحساب ودقائق الطب وغير ذلك فهذا يعد فضلاً لأنه يستغنى عنه .
طبعاً هناك تعليق على هذا الكلام ، الآن لا بد من التعمُّق ، كان فيما مضى يستغنى عن التعمُّق ، الآن الأمور معقدة جداً لا بد من أن تتعمق ، صار التعمق بهذا العلوم يجب أن يكون فرض كفاية .
العلم قد يكون مباحاً كالعلم بالأسعار التي لا تخفى فيها ، وتواريخ الأخبار ، علم التاريخ مباح ، علم الجغرافية مباح ، الأدب العربي غير السخيف غير الساقط مباح تعلُّمه ، وقد يكون بعضها مذموماً كعلم السحر والطلسمات والتلبيسات ، أما العلوم الشرعية فمحمودةٌ كلُّها وتنقسم إلى أصولٍ وفروعٍ ومقدِّماتٍ ومتممات ، فالأصول كتاب الله تعالى ، كتاب الحياة ، هذا كتابك المقرر طوال الحياة ، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، والله الذي لا إله إلا هو ، آية تقرأها ألف مرة لا تحس إلا أنها جديدة ، وكل مرة الله عز وجل يكشف لك طرفاً من معناها. كل آية يقرأها الإنسان ثانية يحس أنها آية جديدة :
إذا قرأت كتاب الله اقرأ معه هذه الآية :
﴿ قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي ﴾
[ سورة الكهف : 109 ]
كل واحد منا يعرف القلم والدواية ، إذا عنده دواية ، وكان طالباً جامعياً تكفيه سنتين، يعبئ فيها مسودات كثيرة كما يقولون ، يقول لك : انظر هذه كلها دفاتر السنة الثالثة ، كلها بالحبر الأزرق ، وهذه السنة الرابعة ، كلها من دواية حبر ، الذي عنده لتر من الحبر ، إلى متى تكفيه هذه ؟!! منذ أن بدأ بالكتابة إلى آخر صف بالجامعة ، لتر حبر يكفي الطالب منذ أن بدأ بالكتابة وحتى آخر صف في الجامعة ، هذا اللتر يكفي لخمسة شباب ، إذا عنده مستودع متر بمتر من الحبر ، اشترى مستودعاً مساحته متر بمتر وعبَّأه بالحبر ، هذا إلى متى يكفيه ؟ هذا يكفي الأسرة كلها ولعشرة أجيال ، إذا عنده مستودع تحت الأرض خمسة أمتار مكعبة ، مئة متر مكعب من الحبر ، إذا عندنا نهر بردى حبر ، كله حبر ، إذا عندنا بحيرة قطينة كلها حبر، فهذه ماذا تكفي ؟ تكفي أبناء القطر ليوم القيامة . ﴿ قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي ﴾
[ سورة الكهف : 109 ]
لو كان البحر كله حبراً لتفسير كلمات الله .. ﴿ لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً ﴾
[ سورة الكهف : 109 ]
فهذا الكتاب كتاب العُمر ، اقرأ سورة لكن بإخلاص ، هذه المرة الواو ، هذه المرة الفاء ، هذه المرة التقديم ، التأخير ، التنكير ، التعريف ، الإيجاد ، التفصيل ، كلما قرأت كتاب الله ، يمكن كلمة : ﴿ وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ﴾
[ سورة الأعلى : 3 ]
أعتقد أنه يكتب عندنا ألف صفحة ، كلمة : ﴿ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ﴾
[ سورة الأعلى : 2 ]
يحكى عنها ألف صفحة . العلوم الشرعية كلها محمودة وتنقسم إلى أصولٍ وفروعٍ :
لذلك العلوم الشرعية كلها محمودة ، وتنقسم إلى : أصولٍ وفروعٍ ، ومقدماتٍ ومتممات . فالأصول كتاب الله تعالى ، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم . والفروع ما فهم من هذه الأصول من معانٍ تنبَّهت لها العقول حتى فهم من اللفظ الملفوظ وغيره ، كما فهم من قوله :
(( لا يَقْضِي الْقَاضِي بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ ))
[ابن ماجه عن بكرة عن أبيه]
هذا قول لسيدنا رسول الله : " لا يَقْضِي الْقَاضِي بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ " بعض العلماء استنبط من القول : لا يقضي القاضِ وهو جائع كذلك ، لأن أثر الغضب مشابه لأثر الجوع ، إذا إنسان جائع ولم يأكل صباحاً ، ويريد أن يفصل القضية الساعة الثانية ، لم يعد يدقق بالدعوى نرفز من أحد المدعيين ، إذاً استنباط .
والمقدمات هي التي تجرى مجرى الآلات ، كعلم النحو ، والصرف ، واللغة ، فإنها آلات تعد كالمُقدمات لفهم كتاب الله ، ومتممات كعلم القراءات ، وتجويد قراءة القرآن ، ومخارج الحروف ، والعلم بأسماء رجال الحديث وعدالتهم وأحوالهم فهذه علوم متممات .
عندنا أصول ؛ كتاب الله وسنة رسوله . عندنا فروع ؛ ما فهم من كتاب الله . عندنا مقدمات ؛ كعلم اللغة والنحو والصرف . عندنا متممات ؛ كعلم القراءات والتجويد ومخارج الحروف وما شاكل ذلك ، هذه علوم شرعية كلها .
وسوف نفصل الحديث عن بعض العلوم الأخرى في الدرس القادم إن شاء الله تعالى فسبحان الله هذه المرة الرابعة أحاول أن أقرأ لكم قصة صحابي جليل والوقت لا يتسع لذلك ، إن شاء الله نعود إلى سيرتنا الأولى في قراءة قصةٍ في كل درس .
الذي طرحته في أول الدرس أتمنَّى أن يكون في قلوبكم موضوع اقتناء الكتب التي أدرِّسها ، ومراجعة هذه الأحاديث تغني عن الكتابة ، بدلاً من الكتابة كتاب عندك بالبيت تفتحه، ماذا أخذنا اليوم ؟ ومحاولة نشر هذا العلم . (( خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ ))
[البخاري عن عثمان]
وإن شاء الله أبلغكم في وقت آخر عن درس مذاكرة ، والذي يحب أن يكون طالباً نظامياً يأخذ شهادة ، يستفيد من علمه ، فقد صار هناك سؤال وجواب ، صار يريد أن يراجع درس الجمعة ، ويراجع درس الأحد ، ويفكر تفكيراً صباحياً يومياً ، يعمل مذاكرة مع إخوانه ، أربعة أو خمسة حسب القرابة أو المكان ، حتى يكون أهلاً ليجاوب بالدرس الذي هو كله لكم وليس لي .

السعيد 09-08-2018 01:27 PM

رد: الفقة الاسلامى 2
 
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( العاشر )

الموضوع : الحضانة -1






مقدمة الدرس:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. حضانة الطفل في الإسلام:
أيها الأخوة الكرام، قبل أن نتحدث عن الحضانة، هناك موضوع يتصل بها، وهو: الرحمة المودعة في قلوب الآباء والأمهات تجاه أولادهم:
الله سبحانه وتعالى سخر الآباء والأمهات لتربية الأولاد، لولا أن الله سبحانه وتعالى جعل الطفل محبباً إلى والديه في حركاته وسكناته، وفي كلامه، وانفعالاته،وفي كل تصرفاته، لما ربّت أم ابناً.
يعني مما يقال ـ لا على سبيل قصة واقعية ولكن على سبيل قصة رمزية ـ أن أماً كانت تقبل ابنها وهي تخبز الخبز في التنور، فعجب أحد الصالحين لهذه الرحمة، تضع الرغيف في التنور وتقبل ابنها، فوقع في قلب هذا الإنسان الصالح أن: " يا عبدي، هذه رحمتي لو نزعتها منها، لألقته في التنور "، فإذا رأيت أماً ترعى ابنها، أو رأيت أباً يكدح ويشقى من أجل أولاده، فهذه رحمة الله بهذا المولود، آية في القرآن عن سيدنا موسى ولكنها تصلح لكل أطفال العالم، وهي قوله تعالى: ﴿ أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي ﴾
( سورة طه، آية39 )
يعني: لولا هذه المحبة التي ألقيتها عليك لما رباك أحد
فلو تصورنا أن الله سبحانه وتعالى نزع الرحمة من قلب الأب والأم، لهلك الناس وانقرض النوع البشري، ولكن هذه رحمة أودعها الله في نفس كل إنسان، كافراً كان أو مؤمناً، فالمرأة الكافرة، ألا تربي ابنها، إنها تربي ابنها وتعطف عليه، وكذلك البهائم، هذه التربية التي بموجبها يرقى النوع البشري ويسعد الأبناء برعاية الآباء هي مظهر من مظاهر رحمة الله عز وجل.
مما يتصل بهذا الموضوع قوله تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ﴾
( سورة النساء، آية1 )
أرأيتم كيف يسأل الابن أباه بإلحاح ؟، هل يستطيع الطفل الصغير أن يمسك رجلاً في الطريق ويقول له أعطني ثمن معطف في الشتاء ؟ لا يستطيع، لكنه يأتي إلى أبيه ويطلب منه هذا الطلب ويلحّ عليه، ويغضب ويزمجر، وأخيراً يستجيب الأب له، ويحرم نفسه الحاجات الأساسية ليوفرها لأبنائه..
ما الذي جعل هذا الأب يستجيب لهذا الابن ؟ الله تعالى.
من الذي جعل هذا الابن يلح في الطلب على الأب ؟ الله تعالى.
إذاً، إذا رأيت أباً يعطف على ابنه، إذا رأيت أماً تحدب على أولادها، إذا رأيت ابناً يعرف مكانته عند أبيه وأمه ويحمّـلهما ما لا يطيقان، فهذا من رحمة الله عز وجل، لكن الشرع الشريف ضمن مصالح الصغير في حالة فقد أبيه، أو في حالة فقد أمه، أو في حالة الوفاة، أو في حالة الطلاق، هذا هو موضوع درسنا اليوم، أما الوضع الطبيعي فمعجزة.
مرةً خطر في بالي أنه، مهما بُذِلتِ العناية من جهات أخرى غير الأم، لا تغني عن الأم، مهما كان البناء فخماً.. حدائق، مطاعم فخمة، قاعات مطالعة، رعاية توجيه، مدرسون متفرغون، إذا فقد الابن أمه لا شيء يعوضه عن أمه، يعني لو أن الإمكانات كلها وضعت من أجل أن نعوض هذا الابن عن أمه لا نستطيع.
أنشئت قرى للأطفال، فيها مربيات يتقاضين رواتب شهرية ضخمة، يطبخن لهم، يعني كأن المربية أم، ولكن الأم الحقيقية لا شيء يعدلها، وكذلك الأب، لذلك هذا الموضوع أحد موضوعات التفكر، يعني إذا رجل أحب أن يتـفكر في رحمة الله عز وجل، فلينظر إلى هذه الرحمة الابتدائية التي وضعت في قلب الأم والأب من دون جهد.
المؤمن رحيم.. على من رحيم ؟ رحمة المؤمن على أولاده شيء بديهي، ولكن الشرع الحنيف حينما تحدث عن رحمة المؤمن قال: ولكنها رحمة عامة.
أن تكون الرحمة خاصة، هذا شيء بديهي مفروغ منه، ولا يستطيع الأب أن يدلَّ به على الله، لأن الله أودعه فيه، مثال ذلك، عندما الطالب يستخدم آلة حاسبة في الامتحان، يضع رقماً كبيراً ويضغط على الجذر التربيعي، فخلال ثانية يأخذ الجواب، هل يعد هذا ذكاءً من الطالب ؟ لا، هذا ذكاء ممن وضع هذه الآلة، أما لو أردنا أن نستخرج الجذر التربيعي فنحتاج إلى عشر دقائق !.
فالإنسان عندما يرى نفسه يعطف على ابنه، فهذا شيء وضعه الله في قلبه، لأنه أب، ولأنها أم فقط، فالوضع الطبيعي أيضاً يحتاج إلى تفكر، لذلك يقال: حسبكم الكون معجزة.
يعني الحياة من دون طلاق، من دون فراق، من دون شقاق، من دون موت وهذه الأسرة في وضعها الطبيعي: الأب يعمل ليلاً نهاراً، والأم همها كله أن ترعى أولادها، وأن يكون لأولادها مستقبل إن كن بنات أو شباب، هذا الموضوع يدل على رحمة الله عز وجل، ولكن الشرع كما قلت قبل قليل ضمن للطفل الصغير مصالحه في حالات استثنائية كالموت والطلاق. تعريف الحضانة، وحكم الأولاد الكبار:
عرّفها الفقهاء بأنها: ( القيام بحفظ الصغير، أو الصغيرة، أو المعتوه الذي لا يميز ولا يستقل بأمره، وتعهده بما يصلحه، ووقايته مما يؤذيه ويضره، وتربيته جسمياً ونفسياً وعقلياً، كي يقوى على النهوض بتبعات الحياة والاضطلاع بمسؤولياتها )
التعريف دقيق، لكن شيء في التعريف يلفت النظر وهو ( الصغير أو الصغيرة )، فما حكم الكبير أو الكبيرة ؟
الكبير، له الحرية أن يستقل ويعيش وحده، أو أن يعيش مع أمه،أو مع أبيه.
لكن الكبيرة، لا تستطيع أن تستقل عن أبيها أو أمها، درءاً لفساد سمعتها، يعني لا يجوز لفتاة ولو بلغت العشرين أن تسكن وحدها، لما قد يحدث من فساد أخلاقها، أو لما قد يُتوهَّم من فساد أخلاقها، قد لا يحدث الفساد، ولكن الناس قد يتوهمون الفساد، فدرءاً للفساد أو لتوهّمِ الفساد، لا ينبغي للكبيرة أن تسكن وحدها، هذا تعليق جانبي.
البالغ الراشد لا حضانة عليه، ومن بلغ سن الرشد لا يقال له يتيم، ولا يتم بعد حلم، فإن كان ذكراً، فله الانفراد بنفسه لاستغنائه عن أبويه، ويستحب أن لا يبتعد عنهما، ولا يقطع بره عنهما، إذاً، إن كان ذكراً يستطيع أن ينفرد بنفسه، لكنه لا يستحب أن يستغني عن أحد أبويه، وإن كانت فتاةً، لم يكن لها الانفراد، ولأبيها منعها منه، لأنه لا يؤمَن أن يدخل عليها من يفسدها ويلحق العار بها وبأهلها، فإن لم يكن لها أب، فلوليها وأهلها منعها من ذلك، إذاً: هذا تعليق جانبي على حكم الكبير والكبيرة. حق الصغار في الحضانة، وتقديم الأم للقيام بهذا الواجب:
أما الصغير والصغيرة فالتعريف يقول:
( قيام بحفظ الصغير أو الصغيرة، أو المعتوه الذي لا يميز ولا يستقل بأمره، ووقايته مما يؤذيه ويضره وتربيته جسمياً ونفسياً وعقلياً، كي يقوى على النهوض بتبعات الحياة والاضطلاع بمسؤولياتها ).
فالحضانة بالنسبة للصغير أو الصغيرة واجبة، لأن الإهمال فيها يعرض الطفل للهلاك، والحضانة حق طبيعي للصغير، لاحتياجه لمن يرعاه ويحفظه، ويقوم على شؤونه ويقوم على تربيته، ولأمه الحق في احتضانه:
عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما:
(( أن امرأة قالت: يا رسول الله، ابني هذا كان بطني له وعاء، وثديي له سقاء، وحجري له حواء، وأن أباه طلقني، وأراد أن ينزعه عني، قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أنت أحق به ما لم تنكحي " ))
حديث صحيح الإسناد، أخرجه الحاكم في المستدرك
وإذا كانت الحضانة حقاً للصغير، فإن الأم تجبر عليها إذا تعينت، بأن يحتاج الطفل إليها ولا يوجد غيرها، فتجبر على الحضانة، وهو في سن محتاج فيه إلى أمه، عندئذ يجبر القاضي الأم على حضانة ابنها، كي لا يضيع حقه في التربية والتأديب، فإن لم تتعين الحضانة، بأن كان للطفل جدة ورضيت بإمساكه وامتنعت الأم فإن حقها بالحضانة يسقط، يوجد ناحية مهمة، لم نقل واجب الأم بالحضانة يسقط، بل حقها في الحضانة يسقط، إذا وجد البديل وإذا امتنعت هي لا يسقط عنها الواجب، وإنما يسقط حقها، لأن حقها في تربية وليدها شيء طبيعي وهو الأساس.
يقال: إن أسمى لون من ألوان التربية، هو تربية الطفل في أحضان والديه طبعاً، هذه الحقيقة أصبحت بديهية في العالم، هناك تجارب أجريت على أطفال ووضعوا في ظروف دقيقة جداً، يعني العناية إلى أقصى الحدود، العناية بالجسم، والنفس، والطعام، والألعاب، والتدريس، لكن هذا الطفل الذي نشأ بعيداً عن أمه يصاب بأمراض نفسية، أو معرض للإصابة بأمراض نفسية، أضعاف ما يتعرض الذي نشأ في حضن أمه، لأن الذي ثبت أن القيم والمشاعر النبيلة التي يستقيها الطفل من أمه لن تستطيع امرأة أخرى أن تقدمها للابن، لذلك عندما ترى نصف شعب من الشعوب لقطاء ويحيا في مصحّات، وفي دور رعاية، فاعلم تماماً أن هذا الشعب سيكون شريراً، يعني يتلذذ بإيقاع الأذى للشعوب الأخرى، في بعض الإحصاءات يوجد شعوب أوربية نصفها لقطاء، يعني الإنسان الذي نشأ في رعاية أمه قلما يحتمل أن يوقع الأذى بالآخرين، لأنه استقى من أمه العطف والحنان، أما الذي نشأ بعيداً عن العطف والحنان مستعد أن يفعل كل شيء، لأنه ليس عنده قيم شربها مع حليب أمه.
إن لكل من الحاضنة والمحضون حقاً بالحضانة، إلا أن حق المحضون أقوى، وإن إسقاط الحاضنة حقها لا يسقط حق الصغير في الحضانة، فأسمى لون من ألوان التربية هو تربية الطفل في أحضان والديه، إذ ينال من رعايتهما وحسن قيامهما عليه ما يبني جسمه، ويلبي عقله، ويزكي نفسه، ويعده للحياة، فإذا حدث أن افترق الوالدان وبينهما طفل فالأم أحق به من الأب، ما لم يكن بالأم مانع يمنع تقديمها، أو بالولد وصف يقتضي تخييره، وسبب تقديم الأم أن لها ولاية الحضانة والرضاع، لأنها أعرف بالتربية وأقدر عليها، ولها من الصبر في هذه الناحية ما ليس للرجل، وعندها من الوقت ما ليس عنده، لذا قدمت الأم رعايةً لمصلحة الطفل.
عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما:
(( أن امرأة قالت: يا رسول الله، ابني هذا كان بطني له وعاء، وثديي له سقاء، وحجري له حواء، وأن أباه طلقني، وأراد أن ينزعه عني، قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أنت أحق به ما لم تنكحي " ))
سبق تخريجه
يعني إذا تزوجتِ، فهو أحق به، وأنتِ أحق به ما لم تنكحي.
في بعض الروايات أن سيدنا أبا بكر رضي الله عنه قال: " الأم أعطف، وألطف، وأرحم، وأحنى، وأخير، وأرأف، وهي أحق بولدها ما لم تتزوج ". ترتيب أصحاب حق الحضانة:
إذا كانت الحضانة للأم ابتداءً، فقد لاحظ الفقهاء أن قرابة الأم تقدم على قرابة الأب، وأن الترتيب في أصحاب الحق في الحضانة يكون على هذا النحو:
( الأم ) فإذا وجد مانع يمنع تقديمها، انتقلت الحضانة إلى: ( أم الأم ) وإن علت، فإن وجد مانع انتقلت الحضانة إلى: ( أم الأب )، ثم إلى: ( الأخت الشقيقة )، ثم إلى: ( الأخت لأم )، ثم إلى: ( الأخت لأب ) ثم إلى: ( بنت الأخت الشقيقة )، ثم إلى: ( بنت الأخت لأم )، ثم إلى: ( الخالة الشقيقة )، ثم إلى: ( الخالة لأم )، ثم إلى: ( الخالة لأب )، ثم إلى: ( بنت الأخت لأب )، ثم إلى: ( بنت الأخ الشقيق )، ثم إلى: ( بنت الأخ لأم )، ثم إلى: ( بنت الأخ لأب )، ثم إلى: ( العمة الشقيقة )، ثم إلى: ( العمة لأم )، ثم إلى: ( العمة لأب )، ثم إلى: ( خالة الأم )، ثم إلى: ( خالة الأب )، ثم إلى: ( عمة الأم )، ثم إلى: ( عمة الأب )، بتقديم الشقيقة في كل منهن. يعني طفل من دون رعاية لا يجوز، لا يعدم طفل أن يكون له أحد هؤلاء، لابد من امرأة ترعى حق هذا الطفل، فإن لم توجد للصغير قريبات من هذه المحارم، أو وجدت وليست أهلاً للحضانة انتقلت الحضانة إلى العصبات من المحارم، من الرجال على حسب الترتيب في الإرث.
فينتقل حق الحضانة إلى ( الأب ) ثم ( أب الأب )، وإن علا ثم إلى ( الأخ الشقيق ) ثم إلى ( الأخ لأب )، ثم إلى ( ابن الأخ الشقيق )، ثم ( ابن الأخ لأب )، ثم ( العم الشقيق )، ثم ( العم لأب )، ثم ( عم أبيه الشقيق )، ثم ( عم أبيه لأب )، فإن لم يوجد من عصبته من الرجال المحارم أحد، أو وجد وليس أهلاً للحضانة، انتقل حق الحضانة إلى محارمه من الرجال غير العصبة، فيكون ( للجد لأم ) ثم ( للأخ لأم ) ثم (لابن الأخ لأم )، ثم ( للعم لأم ) ثم ( للخال الشقيق )، ثم ( الخال لأب )، ثم ( الخال لأم )، فإن لم يكن للصغير قريب وهذه حالات شبه نادرة، فلو فرضنا أنه يوجد حالة ليس له أحد، فللقاضي أن يعين حاضنةً تقوم بتربيته، وإنما كان ترتيب الحضانة على هذا النحو لأن حضانة الطفل أمر لابد منه وأولى الناس به قرابته، وبعض القرابة أولى من بعض، فيقدم الأولياء، لكون ولاية النظر في المصالح إليهم ابتداءً، فإذا لم يكونوا موجودين، أو كانوا ووجد ما يمنعهم من الحضانة، انتقلت إلى الأقرب فالأقرب، فإن لم يكن ثمة قريب فإن الحاكم مسؤول عن تأمين من يصلح للحضانة.
إن شاء الله في درس قادم نتحدث عن شروط الحضانة، وقد كان موضوع اليوم ترتيب أصحاب الحقوق في الحضانة، والأم أحق بالولد من أبيه، والحضانة حق مشترك، حق للابن وحق للأم، وقد يسقط حق الأم في بعض الحالات، وتعريف الحضانة.
أحاديث في البر والإثم:
والآن إلى بعض الأحاديث الشريفة، ثلاثة أحاديث، أراها مهمةً في أكثر ما أسأل عنه من موضوعات، كلها تبدأ بكلمة ( البر )، وبالمناسبة، كلمة ( البر) مثلثة، البِر( بكسر الباء ) هو العمل الصالح، والبَر ( بفتح الباء ) اليابسة، والبُر ( بضم الباء ) هو القمح. 1- البر ما سكنت إليه النفس:
عن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه، قال:
(( قلت: يا رسول الله أخبرني بما يحل لي وما يحرم علي قال: فصعد النبي صلى الله عليه وسلم وصوب في البصر فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " البر ما سكنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب، والإثم ما لم تسكن إليه النفس، ولم يطمئن إليه القلب، وإن أفتاك المفتون " ))
حديث رجاله ثقات، أخرجه الحاكم والإمام أحمد
فالمشكلة ليست في إيجاد فتوى، أي شيء تريده هناك من يفتيك بفعله، الفتوى أصبحت مصلحة، أحياناً، يفعل الإنسان معصية ويقول: الشيخ بالأزهر يفتي هذه الفتوى، يعني هل شيخ الأزهر يحميك من عذاب الله ؟، لذلك قال عليه الصلاة والسلام: [ وإن أفتاك المفتون ]
الورع: أن يدع الإنسان ما لا بأس به حذراً مما به بأس، هذه صفات الشخص الورع لا يتجاوز الحدود، فمن تجاوز الحدود فهو من الحضرة مطرود، ركعتان من عبد ورع خير من ألف ركعة من مخلّط، أنا ألاحظ عندما تسأل عن شيء فأنت قلق منه، لأنك سألت عنه.. لمجرد السؤال، تبين أنك قلق.
مثلاً، لو إنسان دخل إلى بيته ظهراً، وتناول طعامه، ثم صلى الظهر واستلقى في الفراش، هل يحتاج هذا الإنسان أن يسأل أحد العلماء عما فعل ؟ لم يفعل شيئاً مريباً، هو مطمئن، إذا كانت الأمور واضحة لك بهذه الدرجة، فأغلب الظن أنك لن تسأل أحداً عنها، لكن لمجرد أنك شككت أو شعرت بالقلق، أو شعرت أنك لست على ما يرام، أو كأن هذا الأمر لا يرضي الله عز وجل، فإنك تسأل العلماء، فأرقى فتوى، أن تدع ما لا بأس به حذراً مما به بأس.
إذا سمعت جواباً مع دليل من كتاب الله، فكن مطمئناً، مثلاً، هل يجوز أن آخذ الدية من رجل قتل ابني خطأً ؟ كثيراً ما سئلتُ هذا السؤال، طبعاً يجوز، قال تعالى:
﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً ﴾
( سورة النساء، آية 92 )
سبحان الله، أحياناً، أرى أشخاصاً في الموقف المباح يتصنعون الورع، وفي الأشياء التي لاشك في حرمتها يفعلونها وهم ساكتون، إذا سألت هذا السؤال ويوجد مستند في كتاب الله أو في حديث رسول الله، افعله ولا تثريب عليك، لكن عندما يكون المستند ضعيفاً، يعني يوجد علاقة مركبة بين حالتك والنص، في مثل هذه الحالات هناك من يفتي، مثلاً،هل يجوز أن أرى امرأة أخي ؟ الجواب: لا، لكن هناك من يفتي، كيف ؟ فتوى مقرونة بحيلة، تحتاج إلى أن تأخذ بنت صغيرة من الحي، وتدفعها إلى زوجة أخيك لترضعها، ثم تعقد كتابك عليها، فتصبح امرأة أخيك حماتك، وتطلق البنت الصغيرة، وتصبح زوجة أخيك حماتك على التأبيد، هذه ليست فتوى، بل هذا هو الضلال بعينه، لماذا منع هذا ؟ لكي لا يقع فساد، عن طريق حيلة شرعية تصل إلى ما تريد، ليس هذا من الدين في شيء، هذا الشيء فعله اليهود وذمهم الله به أيما ذم.
(( البر ما سكنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب ))
هل ترتاح إذا أضفت إلى الحليب ماءً، في الغرفة الخلفية ؟ هل تشعر براحة ؟ هل تشعر بعزة ؟ ألا تخجل من هذا العمل ؟ طبعاً، العمل المنحرف معه اضطراب، لو فرضنا إنسان فاجأك وأنت تفعل هذا، فإنك تضطرب.
(( والإثم ما لم تسكن إليه النفس ولم يطمئن إليه القلب، وإن أفتاك المفتون ))
ما أكثر ما يقال في بعض المخالفات ( سمها سماح )، مثال: رجل باع شيئاً بالتقسيط، وسعره ثابت، فالذي اشترى منه هذا الشيء قال له: " هذا الثمن كاملاً واحسم لي الآن ستة بالمائة "، هذا الحسم ربا، يقول: " أخي احسبها سماح "، هل هي على كتابتها في الدفتر أم على الواقع ؟ الواقع أن الحسم بسبب الدفع النقدي، إذاً: سمها سماح، سمها ما شئت، هي ربا.
إذا إنسان يملك ( طنبر) وضع له نمرة سيارة، هل يصبح سيارة ؟ يبقى كما هو، إذا سميت شيئاً قبيحاً باسم حسن هل تتبدل طبيعته ؟ الربا، إذا سميته سماح، يبقى ربا، لذلك [ وإن أفتاك المفتون ]، أنت قل سعر واحد فقط، إذا رأيت الزبون يظهر لك من شكله، إما دين أو نقدي، فأعطه سعر واحد، في الحالين، مثال: بيع السيارات بالتقسيط، ثمنها مائة ألف، يبيعها بمائة وثلاثين مقابل تقسيطها إلى مدة سنة، هذا الثمن ازداد بازدياد الأجل ؟ واضحة كالشمس.
شعور الإنسان بذنبه أقوى من قناعاته كلها، لو أقنعته سيبقى شعوره أقوى، وعندما يتخيل الإنسان أن خيراً ما في المعصية، يكون أحمقاً، المعصية كلها شر، الذي تجمعه في سنتين تدفعه بيوم أو بساعة، الذي جمع بالحرام يذهب، أهون من إهلاك المال على الله لا يوجد قد يهلك بمصادرة أحياناً، بحريق، بخسارة، النبي الكريم كان إذا دخل السوق يقول:
(( اللهم إني أعوذ بك أن أصيب فيها يمينا فاجرة، أو صفقة خاسرة ))
من حديث ضعيف، أخرجه الحاكم في مستدركه عن بريدة بن الحصيب يمكن للإنسان أن يحصِّـل من أمور غير مشروعة أموالاً طائلةً، ولكن يدفعها بثانية واحدة، قد يدفع كل ما يملك من أجل كلية، إذا توقفت كليته يدفع ست مائة ألف، واحتمال نجاح العملية بالمائة ثلاثين فقط، وتصفية الكلية تكون أقل من الطبيعية، وتحتاج إلى كورتزون وأغلب الظن أنها تبقى سنة ونصف لا أكثر، قد يدفع كل ما يملكه مقابل خلل في القلب، فعندما يغامر الإنسان بمال حرام، الله عز وجل يقف له بالمرصاد، فلذلك:
(( " البر ما سكنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب، والإثم ما لم تسكن إليه النفس ولم يطمئن إليه القلب، وإن أفتاك المفتون " ))
سبق تخريجه
موضوع الربا، قلت لكم عنه، يأتي زبون يقول للبائع: أريد صندوق الشاي هذا، ثمنه ألف ليرة، يقول له: اشتريته، يسجله عليه، من فلان صندوق شاي ألف ليرة، الصندوق هو هو، مازال في مكانه، يقول له البائع: أتبيعه، يقول له: نعم، بكم ؟ يقول: بثمانمائة، هذا ثمنه نقدي ثمانمائة، أنا بعت واشتريت، هذا ربا، قال تعالى:
﴿ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾
( سورة البقرة، آية 275 )
هذه عملية قرض بالفائدة واضحة كالشمس، مهما غلفتها بغلاف شرعي..
في العصور العباسية، كانت دور البغاء يقف على بابها شخص له زيّ ديني، يعقد عقداً، وعندما يخرج الشخص من الدار يطلّق !.. المعاصي كلها يمكن أن تعمل لها غلاف شرعي، هذه معصية.
2- البر حسن الخلق:
عن النواس بن سمعان رضي الله عنه: قال:
(( أقَمتُ مَع رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِالمدينةِ سَنة، مَا يَمْنَعُني مِنَ الْهِجرَةِ إِلا المَسألَةُ، كان أَحدُنَا إذا هَاجَر لَمْ يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عَن شَيءٍ، قال: فَسَألتُهُ عن البِرِّ وَالإثْمِ ؟ فقال رسولُ اللِّهِ صلى الله عليه وسلم: " البِرُّ: حُسْنُ الْخُلُق، والإثمُ: مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ وَكَرِهتَ أَن يَطَّلِعَ عليه النَّاسُ " ))
حديث صحيح، أخرجه مسلم والترمذي
كل شيء تخجل منه إذا اطلع عليه الناس فهذا من الإثم. 3- البر لا يبلى:
الحديث الثالث والأخير، كما ورد في الأثر:
(( البر لا يبلى، والذنب لا ينسى، والديان لا يموت، اعمل ما شئت، كما تدين تدان ))
البر لا يبلى: يعني أن العمل الطيب لا يمكن إلا أن يقدره الناس، في كل مكان، وفي كل زمان، وفي كل عصر، وفي كل مصر.
لي قريب أحب أن يسافر إلى حلب، قال لي: " أقف في موقف السيارات ويوجد ازدحام شديد "، فإذا برجل يشير له بيده، أن تفضل، " فاتجهت نحوه، فرأيت إنساناً في غاية الأناقة والتهذيب، فقال له: أنا ذاهب إلى حلب بسيارتي، وأريد راكباً يرافقني، قال: فركبت سيارة فخمة جداً، وفي الطريق تحدث له وقال: " أنه إنسان مهندس كان مسافراً من محافظة إلى محافظة أخرى، فشاهد حادث سير في الطريق، ورأى في الطريق إنساناً ملقىً وغارقاً في بحر من الدماء، فهذا المهندس، بدافع إنساني، حمل هذا الإنسان الجريح بسيارته، ولم يأخذ بعين الاعتبار أنه قد يوضع في السجن، لأنهم سيظنون أنه هو المتسبب بالحادث، حمله وأسعفه، وانتهى الأمر، وبعد عدة سنوات، هذا المهندس يقرأ عن مناقصة في بعض المحافظات، فسافر حتى يأخذ دفتر الشروط، فيبدو أنه سأل عن المدير العام، فدخل عليه، فإذا بهذا المدير يترك طاولته ويركض إليه يعتنقه ويقبله، وهو لا يعرفه، فقال له المدير: ما عرفتني، قال: لا والله، قال له: أنت الذي أنقذتني في الطريق، يومها لم ينتبه إلى وجهه أنقذه وانتهى الأمر،فكان هذا الرجل هو المدير العام، فقدم له مساعدات، ورست عليه المناقصة وكان سبب غناه.
سبحان الله، البر لا يفنى، إذا فعلت خيراً، فلا يمكن أن يضيع الخير، أحياناً تخدم أخاً لوجه الله تعالى، تمضي ثلاثون سنة، وتكون في موقف في منتهى الصعوبة، تجده أمامك يقدم لك مساعدة،[ البر لا يبلى ]، لا أحد يزهد بالمعروف.
يوجد ناحية مهمة: إذا أنت قلت: يجب أن أفعل خيراً، لعل هؤلاء أحتاج إليهم في المستقبل، فهذا خير مشبوه، ومعه إشراك بالله عز وجل، أنت افعل خيراً من دون أن تنتظر رده من أحد، لكن تأكد أنك إذا فعلت خيراً لابد أن تجد الخير في أصعب ظرف تعيشه فالله عز وجل يسوقه لك ويقدم لك خدمات لا يمكن أن تحلم بها.
قال له: كل هذا الغنى من هذا المشروع، وهذا المشروع سببه هذا الموظف، وهذا الموظف سببه أنني أنقذته من حادث، لكن أرقى أنواع الخير ما لا يكون مشوباً بنية أرضية، قال تعالى:
﴿ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً ﴾
( سورة الإنسان، آية 9 )
(( البر لا يبلى، والذنب لا ينسى، والديان لا يموت، اعمل ما شئت، كما تدين تدان ))
معنى الديان لا يموت: أي عندما تفعل خيراً، كأنك أقرضت الله عز وجل، وصاحب الدين لا يموت، وصاحب الدين يعطيك دينك أضعافاً مضاعفة، أول شيء: الديان من تدين له العباد كلها، لذلك عندما تفعل خيراً مع الله عز وجل لا تعلق أهمية على رد الفعل، الناس عرفوا أو ما عرفوا، ثلاث أحاديث تبدأ بكلمة البر.
(( " البر ما سكنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب، والإثم ما لم تسكن إليه النفس ولم يطمئن إليه القلب، وإن أفتاك المفتون " ))
(( " البِرُّ: حُسْنُ الْخُلُق، والإثمُ: مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ وَكَرِهتَ أَن يَطَّلِعَ عليه النَّاسُ " ))
(( البر لا يبلى، والذنب لا ينسى، والديان لا يموت، اعمل ما شئت، كما تدين تدان ))
سيدنا سلمان الفارسي، الباحث عن الحق:
والآن إلى قصة صحابي جليل هو سيدنا سلمان الفارسي، يقول سيدنا سلمان رضي الله عنه: كنت فتىً فارسياً من أهل أصبهان، من قريةٍ يقال لها جيان، وكان أبي دهقان القرية، يعني رجل دين في القرية، وأغنى أهلها غنىً وأعلاهم منزلةً، وكنت أحب خلق الله إليه منذ ولدت، ثم مازال حبه لي يزداد ويشتد على الأيام، حتى حبسني في البيت خشيةً عليّ، كما تحبس الفتيات، وقد اجتهدت بالمجوسية، حتى غدوت قيم النار التي كنا نعبدها من دون الله، وأنيط إليّ أمر إضرامها حتى لا تخبو ساعة في ليل أو نهار، وكان لأبي ضيعةً عظيمةً تدرّ علينا غلة كبيرة.
وكان أبي يقوم عليها ويجني غلتها، وفي ذات مرةٍ، شغله عن الذهاب إلى القرية شاغل، فقال: يا بني إني قد شغلت عن الضيعة بما ترى، فاذهب إليها وتولى اليوم عني شأنها، فخرجت أقصد ضيعتنا.
وفيما أنا في بعض الطريق، مررت بكنيسة من كنائس النصارى، فسمعت أصواتهم فيها وهم يصلون، فلفت ذلك انتباهي، لم أكن أعرف شيئاً من أمر النصارى، أو أمر غيرهم من أصحاب الأديان، لطول ما حجبني أبي عن الناس في بيتنا، فلما سمعت أصواتهم دخلت عليهم لأنظر ماذا يصنعون، فلما تأملتهم أعجبتني صلاتهم ورغبت في دينهم، وقلت: والله هذا خير من الذي نحن عليه، فو الله ما تركتهم حتى غربت الشمس، ولم أذهب إلى الضيعة، ثم إني سألتهم أين هو أصلُ هذا الدين ؟ قالوا: في بلاد الشام، ولما أقبل الليل عدت إلى بيتي فتلقاني أبي يسألني عما صنعت، فقلت يا أبتِ، إني مررت بأناس يصلون في كنيسةٍ لهم فأعجبني ما رأيت من دينهم، وبقيت عندهم حتى غربت الشمس، فذعر أبي مما صنعت وقال: أي بني ليس في ذلك الدين خير، دينك ودين آبائك خير منه، لو كان استجاب هذا الابن لم يكن الآن هو سيدنا سلمان، إذاً ليس دائماً الأب على حق.
قلت: كلا والله إن دينهم لخير من ديننا، فخاف أبي مما أقول وخشي أن أرتد عن ديني، فحبسني في البيت، ووضع قيداً في رجلي، ولما أتيحت لي الفرصة بعثت إلى النصارى أقول لهم: إذا قدم عليكم ركب يريد الذهاب إلى بلاد الشام فأعلموني، فما هو إلا قليل حتى قدم عليهم ركب متجه إلى الشام فأخبروني به، فاحتلت على قيدي حتى حللته وخرجت معهم متخفياً حتى بلغنا بلاد الشام.
فلما نزلنا فيها قلت: من هو أفضل رجل من أهل هذا الدين ؟ قالوا: الأسقف راعي الكنيسة في الكنيسة الفلانية، فجئته وقلت: إني قد رغبت بالنصرانية، وأحببت أن ألزمك، وأن أخدمك وأتعلم منك وأصلي معك، فقال: ادخل، ودخلت عنده وجعلت أخدمه، ثم مالبثت أن علمت أن الرجل رجل سوء، فقد كان يأمر أتباعه بالصدقة ويرغبهم بثوابها، فإذا أعطوه منها شيئاً لينفقه في سبيل الله اكتنزه لنفسه، ولم يعطِ الفقراء والمساكين منها شيئاً، حتى جمع سبع قلل من الذهب، فأبغضته بغضاً شديداً لما رأيته منه، ثم ما لبث أن مات، فاجتمع النصارى لدفنه، فقلت لهم: إن صاحبكم كان رجل سوء يأمركم بالصدقة ويرغبكم فيها، فإذا جئتموه بها اكتنزها لنفسه، ولم يعطِ المساكين منها شيئاً، قالوا: من أين عرفت ذلك، قلت: أنا أدلكم على كنزه، قالوا: نعم دلّنا عليه، فأريتهم موضعه، فاستخرجوا منه سبع قلل مملوءة ذهباً وفضةً، فلما رأوها قالوا: والله لن ندفنه، ثم صلبوه ورجموه بالحجارة.
ثم إنه لم يمضِ وقت قليل حتى نصَّبوا رجلاً آخر مكانه، فلزمته، فما رأيت رجلاً أزهد منه في الدنيا، ولا أرغب منه بالآخرة، ولا أدأب منه على العبادة ليلاً نهاراً، فأحببته حباً جماً، وأقمت معه زماناً، فلما حضرته الوفاة قلت له: يا فلان إلى من توصي بي، ومع من تنصحني أن أكون من بعدك، فقال: أي بني، لا أعلم أحداً على ما كنت عليه إلا رجلاً بالموصل هو فلان، لم يحرف، ولم يبدل فالحق به، فلما مات صاحبي لحقت بالرجل بالموصل، فلما قدمت عليه، قصصت عليه خبري، وقلت له: إن فلاناً أوصاني عند موته أن ألحق بك، وأخبرني أنك مستمسك بما كان عله من الحق، فقال: أقم عندي، فأقمت عنده فوجدته على خير حال، ثم إنه لم يلبث أن مات، فلما حضرته الوفاة قلت له: يا فلان لقد جاءك من أمر الله ما ترى وأنت تعلم من أمري ما تعلم، فإلى من توصي بي ؟ ومن تأمرني باللحاق به، فقال: أي بني والله ما أعلم أن رجلاً على مثل ما كنا عليه، إلا رجلاً بنصيبين فالحق به.
فلما غيب الرجل في لحده، لحقت بصاحب نصيبين، وأخبرته خبري، وما أمرني بي صاحبي، فقال لي: أقم عندنا، فأقمت عنده فوجدته على ما كان عليه صاحباه من الخير، فوالله ما لبث أن نزل به الموت، فلما حضرته الوفاة، قلت له: لقد عرفت من أمري ما عرفت فإلى من توصي بي، فقال: أي بني، والله إني ما أعلم أحداً بقي على أمرنا، إلا رجلاً بعمورية، هو فلان فالحق به، فلحقت به وأخبرته خبري فقال: أقم عندي، فأقمت عند رجل كان والله على هدي أصحابه، وقد اكتسبت وأنا عنده بقرات وغنيمة، غنيمة: أي غنمة صغيرة، ثم ما لبث أن نزل به ما نزل بأصحابه، فلما حضرته الوفاة، قلت له: إنك تعلم من أمري ما تعلم، فلمن توصي بي، وما تأمرني أن أفعل ؟ فقال: يا بني، والله لا أعلم أحداً من الناس بقي على ظهر الأرض مستمسكاً بما كنا عليه، ولكن قد أظل زمان يخرج فيه بأرض العرب، نبي يبعث بدين إبراهيم، ثم يهاجر من أرضه إلى أرض ذات نخل بين حرتين، وله علامات لا تخفى، فهو يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، فإن استطعت أن تلحق بتلك البلاد فافعل، ثم وافاه الأجل، فلبثت بعده بعمورية زمناً، إلى أن مرَّ بنا نفر من تجار العرب، فقلت لهم: إن حملتموني معكم إلى أرض العرب أعطيتكم بقراتي هذه وغنيمتي، فقالوا: نعم نحملك، فأعطيتهم إياها، وحملوني معهم حتى إذا بلغنا وادي القرى، على طريق المدينة غدروا بي، وباعوني لرجل من اليهود، فالتحقت بخدمته ـ طبعاً هذا في الجاهلية ـ ثم ما لبث أن زاره ابن عم له من بني قريظة، فاشتراني منه ونقلني معه إلى يثرب، فرأيت المدينة بالوصف الذي نعتها، فرأيت النخل الذي ذكره لي صاحبي، وعرفت المدينة بالوصوف التي نعتها به، فأقمت بها معه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم حينئذ يدعو قومه في مكة، لكني لا أسمع له بذكر، لانشغالي بما يوجبه علي الرق، ثم ما لبث أن هاجر النبي صلوات الله عليه إلى يثرب، فوالله إني لفي رأس نخلةٍ لسيدي أعمل بها بعض العمل، وسيدي جالس تحتها، إذ أقبل عليه ابن عم له وقال له: قاتل الله بني قيلة، يعني الأوس والخزرج، والله إنهما الآن لمجتمعون بقباء على رجل قدم عليهم اليوم من مكة يزعم أنه نبي، فما إن سمعت مقالته حتى مسني ما يشبه الحمى، واضطربت اضطراباً شديداً، حتى خشيت أن أسقط على سيدي، وبادرت بالنزول عن النخلة، وجعلت أقول للرجل: ماذا تقول ؟ أعد علي الخبر، فغضب سيدي ولكمني لكمةً شديدة، وقال لي: ما لك ولهذا، عد إلى ماكنت عليه من عملك، ولما كان المساء، أخذت شيئاً من تمر كنت جمعته وتوجهت به إلى حيث ينزل النبي عليه الصلاة والسلام فدخلت عليه وقلت له: إنه قد بلغني أنك رجل صالح، ومعك أصحاب لك غرباء، ذوو حاجة وهذا شيء كان عندي للصدقة، فرأيتكم أحق به من غيركم، فقربته إليه، فقال عليه الصلاة والسلام: " كلوا " وأمسك يده فلم يأكل، فقلت في نفسي: فهذه واحدة، ثم انصرفت وأخذت أجمع بعض التمر، فلما تحول النبي صلى الله عليه وسلم من قباء إلى المدينة جئته، فقلت له: إني رأيتك لا تأكل الصدقة، وهذه هدية أكرمتك بها، فأكل منها وأمر أصحابه أن يأكلوا، فقلت في نفسي: هذه الثانية، فلما رآني النبي أنظر إليه وعرفته، انكببت عليه أقبله وأبكي، فقال عليه الصلاة والسلام: " ما خبرك "، فقصصت عليه قصتي فأعجب بها، وسره أن يسمعها أصحابه مني، فأسمعتهم إياها، فعجبوا منها أشد العجب، وسروا بها أعظم السرور.
فسلام على سلمان الفارسي يوم قام يبحث عن الحق في كل مكان، هذا هو الحق، تحملَ المشاق، وصار عبداً من أجل المشاق، باع نفسه وكل شيء يملكه، البقرات والغنيمة، وقدمها إلى من ينقله إلى أرض العرب، الحق ثمين، ألا سلعة الله غالية. وما حبنا سهل وكل من ادعى سهولته قلنا له: قد جهلتنا
فأيسر ما في الحب للصب قتله وأصعب ما قتل الفتى يوم هجرنا
لذلك بهذا الثمن الباهظ الذي دفعه، صار سيدنا سلمان الفارسي، بالإسلام لا يوجد تمييز عنصري، قال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾
( سورة الحجرات، آية 13 )
سلام على سلمان الفارسي يوم عرف الحق فآمن به أوثق الإيمان، وسلام عليه يوم مات ويوم يبعث حياً.





السعيد 09-09-2018 08:29 AM

رد: الفقة الاسلامى 2
 
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الحادى العاشر )

الموضوع : الحضانة -2






مقدمة الدرس:
الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا إتباعه، وأرنا الباطل باطلاً، وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. شروط حضانة الطفل في الإسلام:
أيها الأخوة الكرام، تحدثنا في درس سابق عن معنى الحضانة، وعن أن الحضانة حق مشترك، وعن أن الأم أحق من الأب في الحضانة، وعن ترتيب أصحاب الحقوق في الحضانة، وأكدت لكم أنه لابد من أن يكون لهذا الطفل رجل أو امرأة مسؤول عنه.
واليوم نتحدث عن شروط الحضانة، يشترط في الحاضنة التي تتولى تربية الصغير وتقوم على شؤونه الكفاءة والقدرة على الاضطلاع بهذه المهمة، وإنما تتحقق الكفاءة والقدرة، بتوافر ـ نقول بتوافر ولا نقول بتوفر، فهذا خطأ شائع ـ بتوافر شروط معينة وهذه الشروط: أولاً - العقل:
فلا حضانة لمعتوه، فالمعتوه قد يقتل الطفل، ولا لمجنون، وكلاهما لا يستطيع القيام بتدبير نفسه، فلا يفوض له تدبير غيره، لأن فاقد الشيء لا يعطيه.
ثانياً - البلوغ:
لأن الصغير ولو كان مميزاً في حاجةٍ إلى من يتولى أمره، ويحضنه فلا يتولى هو أمر غيره، الصغير لا يعقل أن يكون حاضناً لصغير مثله.
ثالثاً - القدرة على التربية:
فلا حضانة لكفيفةٍ، والكفيفة ـ هي فاقدة البصر ـ لا تستطيع أن تحضن طفلاً، لأنها لا تستطيع أن ترى الخطر المحدق به أحياناً، ولا ضعيفة البصر، ولا لمريضة مرضاً معدياً، أو مرضاً يعجزها عن القيام بشؤونه، ولا لمتقدمةٍ بالسن تقدماً يحوجها إلى رعاية غيرها لها، ولا لمهملةٍ شؤون بيتها، كثيرة المغادرة له، يوجد بعض النساء تهمل شؤون بيتها، البيت غير نظيف، فيه فوضى، تقول: الأطفال لا يوجد عندهم أحذية، ويكون في الخزانة اثنان حالتهما جيدة، فلا تعرف ماذا يوجد عندها، تقول:لا يوجد عندنا سكر، ويكون السكر في المطبخ موجوداً، هذه امرأة متسيبة، فوضوية، مهملة، وغالباً تكون المهملة كثيرة المغادرة لبيتها، والله سبحانه وتعالى يقول:
﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآَتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ﴾
( سورة الأحزاب، آية 33 )
فالقرار في البيت ـ أي البقاء فيه ـ أمر إلهي، على النساء أن يتقيدن به، إذاً: ولا حضانة لمهملةٍ لشؤون بيتها، أحياناً، يوجد أدوية سامة، إن كانت في متناول الأطفال تؤذيهم، فالمرأة المهملة لا تبالي كثيراً بهذا الموضوع، لو أن الطفل يحتاج إلى معالجة وإعطاء الأدوية في مواعيدها ومواقيتها، وكمياتها الدقيقة، هذا يحتاج إلى امرأة منتظمة، دقيقة، الطبخ كذلك، المؤنة كذلك، فالتي تهمل شؤون بيتها، وكثيراً ما تغادره، هذه لا تصلح لأن تكون حاضنةً لصغير، بحيث يخشى من هذا الإهمال ضياع الطفل والضرر عليه، أو اجتماعه مع مريضٍ مرضاً معدياً، أو مع من يبغض الطفل، فلا يجوز أن تكون الحاضنة مع من يبغض هذا الطفل، ولو كان قريباً له حيث لا تتوافر الرعاية الكافية له، ولا الجو الصالح، هذا كله تحت عنوان القدرة على تربية الطفل.
رابعاً – الأمانة والخلق:
لأن الفاسقةَ غير مأمونة على الصغير، ولا يوثق بها في أداء واجب الحضانة، فمثلاً إذا كلفناها أن تغلي الحليب وتبرده من أجل إرضاع الصغير، تفتح صنبور الماء الساخن، غير الصالح للشرب، وتستخدم ماءً مشوباً، وترضعه للصغير، لذلك تعاقب هذه الحاضنة عقاباً شديداً على هذا العمل، لأنها فاسقة، والفاسقة لا تخاف من الله عز وجل، لا يهمها أن الطفل إذا شرب هذا الحليب مع الماء السيئ فسيؤذي صحته، هذه نصيحة عامة، إياك أن تتعامل مع فاسق أو تارك صلاة، قد ترى هذا تشديداً، لا، هذا منتهى الاحتياط، لأن تارك الصلاة لا يخاف من الله، يفعل كل ما يحلو له.
مناقشة العلماء لهذا الشرط:
لكن هذا الشرط ناقشه بعض العلماء، مناقشةً دقيقة، وسأقرأ على مسامعكم هذه المناقشة:
قال: " الصواب أن لا تشترط العدالة ـ وهي الأمانة والخلق ـ في الحاضنة قطعاً، وإن شرطها أصحاب أحمد والشافعي رحمهما الله وغيرهم، واشتراطها في غاية البعد، ولو اشترط في الحاضن العدالة، لضاع أطفال العالم، ولعظمت المشقة على الأمة، واشتدَّ العنت، ولم يزل من حين قام الإسلام إلى أن تقوم الساعة أطفال الفساق بينهم "
فكيف التوفيق بين هذين الرأيين ؟
الرأي الأول: أن على الحاضنة أن تكون ذات عقل راجح، وبالغةٍ، وذات قدرةً على التربية، وأن تكون أمينةً، أو ذات خلق رفيع، هذا كله صحيح، نحن أمام خيار إذا كان أمامنا عدة حاضنات، فنختار الأعقل، نختار الأكبر سناً، نختار الأكثر قدرةً، أما إذا كنا أمام حاضنة واحدة، لا غير، هي أمه، فهل يعقل أن نطبق على هذه الأم هذه الشروط ؟ مستحيل، أطفال العالم كلهم تربيهم أمهاتهم، وقد لا تتوافر هذه الشروط في أمهاتهم، فهذا الاعتراض وجيه، ولكن له وجهة نظر من زاوية واحدة، أنك إذا كنت أمام عدة حاضنات اختر هذه الشروط، أما إذا كنت أمام امرأة واحدة ليس لها بديل، إذاً، في مثل هذه الحالة لا تشترط هذه الشروط في الحاضنة.
ثم متى وقع في الإسلام انتزاع الطفل من أبويه أو أحدهما ؟ متى انتزع الطفل من أبويه أو أحدهما بسبب فسقهما ؟ ما سمعنا بهذا، لأن الله عز وجل أعطى الأم والأب حداً أدنى من الرحمة ولو كانا فاسقين، ولو كانا كافرين، أو مشركين، يوجد جزء من الرحمة لا أجر لهما عليه، لأن الله عز وجل وضعه في قلبيهما ابتداءً، هذه رحمة خاصة، لكن الرحمة التي تؤجر عليها ـ أيها الأخ الكريم ـ هي رحمة عامة، أن ترحم الناس جميعاً، لذلك قال لي شخص: صاحب العمل يرهق العامل بما هو فوق طاقته، فأحضر مرةً ابنه، وخاف عليه من النسيم، هنا انكشف الذي في قلب صاحب العمل، الرحمة تجاه ابنه فقط، الله سبحانه وتعالى وضعها في قلبه، لكنه كشف حينما قسى على الغريب قسوة بالغة، إذاً: ليس في قلبه رحمة عامة، في قلبه رحمة خاصة، وهذه الرحمة الخاصة قد وضعها الله عز وجل في قلب كل أم وأب، من أجل أن ينشأ الأطفال في رعايةٍ حسنة، لكن في حالات نادرة جداً نجد خلاف ذلك: حالات نادرة لفقدان الرحمة من قلب الوالدين:
لي صديق طبيب، كان يحضّر ( بورد ) في شيكاغو، وكلمة ( بورد ) تعني هيئة تمتحن الطبيب خلال سنتين من ممارسة الطب، وتمنحه هذه الشهادة، ففي كل ولاية يوجد ( بورد )، هذا الصديق الطبيب بعث برسالة إلى خال له، اطلعت عليها، يقول: يا خالي في ليلة الأحد جاءنا إلى المستشفى خمس عشرة حالة، إحداها: إصابة بآلة حادة لأطفال دون السنتين، وأخرى: طفل، عمره سنة ونصف، ضرب بسكين من قبل والديه، أو أحد والديه ليلة الأحد.. يظهر أنه يوجد انحراف، الطفل بكى فترة من الزمن فلم يتحمله أبوه فطعنه، هذه قصة سمعتها من عشر سنوات في أمريكا، ثم إن أخاً كريماً زار أمريكا قبل ستة أشهر، وحضر قبل شهر، فلما ذهبت لتهنئته بسلامة العودة، سألته عن هذه الظاهرة، وفوجئت أن قانوناً صدر في أمريكا يدعو الجيران إلى مراقبة بعضهم بعضاً، فإذا أخبر جار عن جاره أنه ضرب ابنه الصغير، فلهذا الجار مكافأة كبيرة، حسب القانون الجديد.
يوجد درجة من الفسق والفجور تفقد الإنسان هذا الحد الذي وضعه الله في قلب كل أب وأم، اطلعت مرةً في الصحف على خبر.. امرأة فرنسية أغلقت بيتها وفيه ولدان من أولادها وغادرته، وغابت عن البيت أسبوعين كاملين حتى تأكدت من موتهما، طفلان صغيران عمرهما سنة ونصف وسنتان، انتقاماً من زوجها الذي طلقها، هذا الحد الذي وضعه الله في قلب المرأة أو قلب الأب من الرحمة، والذي سماه النبي صلى الله عليه وسلم، رحمة خاصة يبدو أن الفجور والكفر يبلغان حداً يبطل تأثير هذا الحد الأدنى من الرحمة، هذا هو المجتمع العصري، مجتمع العلم، لذلك، إذا حقق هذا المجتمع تقدماً علمياً، أو تكنولوجياً كما يقولون، فقد حقق تخلفاً اجتماعياً وأخلاقياً منقطع النظير، دائماً الصحة النفسية تحتاج إلى تكامل، أحياناً ينمو العقل على حساب القيم، فهذا إنسان مرفوض، قال أحد الأدباء: " أوربا عقلها من ذهب وقلبها من حديد "، لا رحمة في قلبها، فمن أجل حفاظها على معيشة أبنائها تبيع شعوباً بأكملها، فمثلاً: ما تأكله الكلاب في أمريكا من اللحوم، أكثر مما يأكله الشعب الهندي من اللحوم، الشعب الهندي سبع مائة وخمسين مليون نفس، هكذا ذكر لي، وبالمناسبة، الشعب الهندوسي يعيش في عقيدةٍ فاسدة بعيدة كل البعد عن الحقيقة، البقر يدفن هناك دفناً، أما الإنسان فيحرق، وفي بعض الديانات الهندية يجب أن تحرق المرأة نفسها مع زوجها وهي حية، يموت زوجها فيحرق، فيجب أن تلقي نفسها في النار معه، وفاءً له، وأما الأولاد فيتركون للطريق، هكذا هذه الديانات.. بقرة تدخل إلى محل تجاري يبيع الفاكهة، وتأكل ما لذ وطاب، وأبناء الشعب محرومون من هذه الفاكهة، وصاحب المحل مغتبط أشد الاغتباط بهذا الحظ، وروث البقر يوضع على الأثاث الفاخر في البيوت تقديساً له، وقد يعطر الإنسان ببول هذا البقر، سبحان الله، الحمد لله على دين الإسلام.
نتيجة التوفيق بين الآراء المختلفة:
الخلاصة: ليس من الصواب أن تشترط على الحاضنة هذه الشروط، ولكن في بعض الحالات التي يكون لك خيار، فلك أن تختار هذه أو تلك بحسب العقل والبلوغ والكفاءة والقدرة على التربية، والأمانة، والخلق، والعادة شاهدة أن الرجل لو كان من الفساق، فإنه يحتاط لابنته ولا يضيعها، سبحان الله، هذه من المفارقات، ترى رجلاً له جاهلية كبيرة، له ليالي حمراء، حينما يريد الزواج يبحث عن الشريفة، ولا ترضيه إلا الشريفة، أحياناً يكون للرجل انحرافات خطيرة، ثم يريد أن يكون ابنه أخلاقياً، والذي أعجب منه أحياناً، أن أشخاصاً أعرفهم حريصين على تربية أبنائهم تربيةً دينية، وهم ـ سبحان الله ـ لا يصلّون، ولا يتورعون عن المعصية، لماذا هذا الحرص الشديد على أن يكون أبناؤكم أولي تربيةٍ دينية ؟ هذه من المفارقات، لذلك، التربية من القدوة هي أرقى أنواع التربية، لو كان الأب مستقيماً، وكان أخلاقياً، وكان الأب في بيته متديناً، ولو لم ينطق بكلمة واحدة، لكان عمله خير درس لأولاده، لذلك الإمام الغزالي قال: " الناس يتعلمون بعيونهم لا بآذانهم "، ولذلك قيل: " لغة العمل أبلغ من لغة القول ". خامساً - الإسلام:
فلا تثبت الحضانة للحاضنة الكافرة للصغير المسلم، لأنه يوجد حلال وحرام، وطهارة ونجاسة، يوجد حق وباطل، الحاضنة الكافرة لا تعرف هذا من ذاك، لأن الحضانة ولاية، ولم يجعل الله ولايةً للكافر على المؤمن، طبعاً هذا نوع من مفهوم الآية، أما الآية فمطلقة، قال تعالى: ﴿ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً ﴾
( سورة النساء، آية 141 )
هنا، إذا كنت مؤمناً بأن هذا كلام الله، وأن كلام الله لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأن هذا الكلام قطعي الثبوت وقطعي التطبيق، إذا كنت كذلك يجب أن تؤمن بهذه الآية، وأنه لا يمكن أن يكون للكافر على المؤمن سبيل، فإذا كان عليه سبيل، نقول: الآية صحيحة، ولكن هذا المؤمن يحتاج إلى معالجة، لم يكمل إيمان هذا المؤمن، لو كمل إيمان هذا المؤمن لما كان للكافر سبيل عليه، هذا الكلام ينطبق على مستوى الأفراد، وعلى مستوى الشعوب، وفي الأثر: [ إذا عصاني من يعرفني سلطت عليه من لا يعرفني ].
قال تعالى:
﴿ وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾
( سورة الأنعام، آية 129)
﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾
( سورة النور، آية 55 )
ومن أصدق من الله حديثاً ؟ ومن أوفى بعهده من الله ؟ الله سبحانه وتعالى وعد المؤمنين بهذا، بثلاثة أمور، على أن يلتزموا شرطاً واحداً، وهو: ( يعبدونني، لا يشركون بي شيئاً )، فإذا أخلَّ الناس بما عليهم من شرط واحد، كان الله عز وجل في حل من هذا الوعد بهذه الأمور الثلاثة.
إذاً: فالحضانة كولاية الزواج والمال، ولأنه يخشى على دين الطفل من الحاضنة، لحرصها على تنشئته على دينها، وتربيته على هذا الدين، ويصعب عليه بعد ذلك أن يتحول عنه، وهذا أعظم ضرر يلحق بالطفل.
الحقيقة، أخطر سن ـ هذا كلام دقيق جداً ـ أخطر سن في حياة الإنسان، من واحد إلى ستة، قبل المرحلة الإبتدائية، لأن جميع العادات والتقاليد والمعتقدات تنغرس في الصغير عن طريق المربية، أو المعلمة، أو الحاضنة، لذلك، في بعض الدول، كبار المعلمين يشرفون على تنشئة الأطفال في هذا السن الخطير، عندما يسلم الإنسان ابنه إلى حاضنة غير مسلمة، أو إلى مدرّسة غير مسلمة، فسوف يزرع في أعماق أعماقه عادات وتقاليد يصعب محوها حتى الموت، لأن الذي يتلقاه الإنسان في صغره يصعب تغييره ومحوه، فالطفل صفحة بيضاء.
عرفت هواها قبل أن أعرف الهوى فصادف قلباً فارغاً فتمكنا
هذا الذي يحدث.. لاحظ، إذا علم ابنك بقضية، فإنه يطبقها بحذافيرها عن قناعة، ويصعب أن تمحوها منه.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:
(( ما من مولود إلا يُولَدُ على الفطرةِ، فأبواه يُهَوِّدانِهِ ويُنَصِّرانه، كما تُنْتجون الإبل، فهل تَجدون فيها جَدْعاءَ ))
من حديث صحيح، أخرجه البخاري ومسلم
لماذا لم يقل النبي الكريم ( أو يسلمانه ) ؟
ابن النصراني نصراني، وابن اليهودي يهودي، وابن المجوسي مجوسي، أو ليس ابن المسلم مسلماً ؟، بعضهم استنبط أن النبي عليه الصلاة والسلام أغفل ذكر ( أو يسلمانه ) لأن الإسلام الحقيقي لا يكون بالتقليد، لا يسمى المسلم مسلماً إذا قلد أبويه، الإسلام استسلام لله عن قناعة وتفكير، من الممكن أن يطبق عادات، ولكن لا يسمى مسلماً.
الأحناف وبعض العلماء، ذهبوا إلى أن الحضانة تثبت للحاضنة مع كفرها وإسلام الولد، لأن الحضانة لا تتجاوز إرضاع الطفل وخدمته، رضاعة وتنظيف، فالأحناف أقروا أن يكون للطفل المسلم حاضنة كافرة، وحينما ارتأى الأحناف ذلك اشترطوا أن لا تكون مرتدةً، أي ليست مسلمة مرتدة، أن تكون من الأساس كافرة، لأن المرتدة عندهم تستحق الحبس حتى تتوب وتعود إلى الإسلام، فلا تتاح لها الفرصة لحضانة الطفل، فإن تابت وعادت عاد لها حق الحضانة.
سادساً – عدم زواج الأم الحاضنة:
من الشروط الأخيرة للحاضنة، أن لا تكون متزوجة فإذا تزوجت سقط حقها بالحضانة لما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما:
(( أن امرأة قالت: يا رسول الله، ابني هذا، كان بطني له وعاء، وثديي له سقاء، وحجري له حواء، وأن أباه طلقني، وأراد أن ينزعه عني، قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أنت أحق به ما لم تنكحي " ))
حديث صحيح الإسناد، أخرجه الحاكم في مستدركه
يعني إذا تزوجتِ سقط حقك به، إلا أن هناك استثناءين، هذه القاعدة لمتزوجة بأجنبي، فإن تزوجت بقريب محرم من الصغير مثل عمه، فإن حضانتها لا تسقط، أحياناً الأخ يتزوج امرأة أخيه، ويأخذ الأولاد، فتبقى الحضانة لزوجته على أولادها، لأن العم صاحب حق في الحضانة، وله من صلته بالطفل وقرابته منه ما يحمله على الشفقة عليه ورعاية حقه، فيكون بينهما التعاون على كفالته، بخلاف الأجنبي فإنها إن تزوجته، فإنه لا يعطف عليه ولا يمكنها من العناية به، فلا يجد الجو الرحيم، ولا الظرف الطبيعي، ولا الظروف التي تنمي ملكاته ومواهبه.
سابعاً - الحرية:
آخر شيء الحرية، إذ أن المملوك مشغول بحق سيده، فلا يتفرغ لحضانة الطفل. إذاً: صارت شروط الحضانة، سبعة:
العقل، والبلوغ، والقدرة على التربية، والأمانة والخلق، والإسلام، وأن لا تكون الحاضنة متزوجةً، والحرية، هذه الشروط، وذكرت لكم بعض من عارضها، ووجهة نظره بالمعارضة، ثم وفقت بين الرأيين الذين قد يبدوان متناقضين، ثم نتابع الموضوع في درس آخر عن أجرة الحضانة، والتبرع بالحضانة، وانتهاء الحضانة، إن شاء الله.
شرح بعض الآثار:
وهي ثلاثة آثار: 1 – قوم سوء:
( بئس القوم قوم يمشي المؤمن فيهم بالتقية والكتمان )
يعني إذا أصبح المنكر معروفاً، والمعروف منكراً، إذا أصبحت الأمانة خيانة والخيانة أمانة، إذا عقَّ الرجل أباه وبرَّ صديقه، إذا ركبت ذوات الفروج السروج، إذا ولدت الأمة ربتها، أحياناً تلد المرأة بنتاً وتعلمها، فإذا بها ترى لأمها عقلية قديمة.. تحتقر أمها.
النبي الكريم وصف لنا من أوصاف الساعة الشيء الكثير، في مثل هذه الأحوال: (( إذا كانَت أُمراؤُكم خيارَكم، وأغنياؤُكم سُمحاءَكم، وأمورُكم شورَى بينكم، فَظَهْرُ الأَرضِ خَير ( لكم ) من بطنها، وإذا كانت أمراؤُكم شِرارَكم، وأغنياؤُكم بُخَلاءَكم، وأُمورُك إلى نسائكم، فبطنُ الأَرض خير لكم من ظهرها ))
حديث أخرجه الترمذي بإسناد ضعيف عن أبي هريرة
من علامات قيام الساعة: أن ينتزع الحياء من وجوه النساء، تصير المرأة وقحة، أنت تغض بصرك عنها وهي تنظر إليك بحدة نظر، وأن تذهب النخوة من رؤوس الرجال، وأن تنزع الرحمة من قلوب الأمراء.
جاء في بعض الآثار: ( العدل حسن لكن في الأمراء أحسن، والورع حسن لكن في العلماء أحسن، والحياء حسن لكن في النساء أحسن، والصبر حسن لكن في الفقراء أحسن، والسخاء حسن لكن في الأغنياء أحسن ).
يعني حينما تنقلب الأمور، وتنعكس المقاييس ويصبح الحق باطلاً والباطل حقاً، والأمانة خيانةً والخيانة أمانةً، عندئذ، نفهم قوله تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾
( سورة المائدة، آية 105 )
عن أبي أمية الشعباني، رحمه الله، قال:
(( سألتُ أبا ثعلبةَ الخُشَنيَّ، رضي الله عنه، قال: قلت: يا أَبا ثعلبةَ، كيف تقول في هذه الآية: { عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ } [ المائدة: 105 ] ؟ قال: أَمَا والله لقد سألتَ عنها خبيراً، سألتُ عنها رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فقال: " ائتَمِروا بالمعروف، وانْتَهُوا عن المُنْكَرِ، حتى إِذا رأَيتم شُحا مُطَاعاً، وهوىً مُتَّبَعاً، ودُنيا مُؤثَرةً، وإعجابَ كلِّ ذي رأي برأيِه، فعليكَ بنفسِكَ، ودَعْ عَنْكَ العَوَامَّ، فإِن من ورائِكم أيامَ الصَّبْرِ، الصَّبْرُ فيهنَّ مثلُ القَبْضِ على الجَمرْ، للعاملِ فيهنَّ مثلُ أجر خمسينَ رَجُلاً يعملونَ مِثلَ عَمِلكُم "، وزاد أبو داود في حديثه: قيل: يا رسول الله، أجرُ خمسينَ رجلاً منَّا، أو منهم ؟ قال: " بل أجرُ خَمْسينَ رجلاً منكم " ))
حديث حسن، أخرجه أبو داود والترمذي
هذه من أشراطها الصغرى.
2 – ذم المحتكر:
ويقول عليه الصلاة والسلام:
(( بِئسَ العبدُ الْمُحْتَكِرُ، إن أرخَصَ الله الأسْعارَ حَزِنَ، وإنْ أغْلاها فَرِحَ ))
من حديث أخرجه الطبراني، وفي سنده رجل متروك
مصلحته تتناقض مع مصلحة المسلمين، إذا هطلت الأمطار، والخيرات ظهرت، وقد احتكر الجبن مثلاً، ويطمع أن يبيع كيلو الجبن بخمسة وثلاثين، ينزعج جداً بهذه الأمطار، هذا العبد المحتكر، مصلحته تتناقض مع مصلحة المسلمين، أما المؤمن فيحب الخير للناس جميعاً، لا يمنع بيع بضاعة لكي يرتفع ثمنها، دائماً البضاعة معروضة للبيع، سمعت بفيضانات في بعض المدن السورية، أخرجت بضائع فاسدة من السمن والجبن، تكفي حاجة الناس إلى أشهر طويلة، كله خرج فاسداً، فالنبي الكريم قال:
(( بئس العبد المحتكر، إن أرخص الله الأسعار حزن، وإن أغلاها فرح ))
سبق تخريجه
علامة المؤمن أنه يتعاطف مع الناس، ويرى مصلحته في مصلحتهم، ومن لم يهتم بشؤون المسلمين فليس منهم، يجب أن تفرح فرحاً حقيقياً بنزول الأمطار، ورخص الأسعار، وتوافر الحاجات، لكن يوجد أشخاص يقولون: " ليكن من بعدي الطوفان "، أنا ممكن في هذه البضاعة أن أحقق أموالاً طائلة، وليس علي إن عاش الناس بمجاعة أو بضيق.
3 – صفات مذمومة:
عن أسماء بنت عميس رضي الله عنها، قالت: سمعت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول:
(( بئس العبدُ عَبْد تَخيَّل واختال، ونَسِيَ الكبيرَ المتعال، بئس العبدُ عبد تَجَبَّرَ واعتدى، ونَسيَ الجبَّار الأعلى، بئس العبدُ عبد سها ولها، ونَسيَ المقابر والبِلَى، بئس العبدُ عبد عَتَا وطَغَى، ونسَيَ المبتدأ والمنتهى، بئس العبدُ عبد يَخْتِل الدِّين بالشهوات، بئس العبدُ عبد طَمَع يقوده، بئس العبدُ عبد هوى يُضلُّه، بِئس العبد عبد رَغَب يُذِلُّه ))
حديث أخرجه الترمذي بإسناد ضعيف
تخيل واختال: تخيل نفسه إنساناً عظيماً، وهو عند الله ليس عظيماً، النبي الكريم عليه أتم الصلاة والتسليم كان يدعو ويقول:
(( اللهم اجعلني شكوراً، واجعلني صبوراً، واجعلني في عيني صغيراً، وفي أعين الناس كبيراً ))
حديث أخرجه البزار عن بريدة بن الحصيب، وفيه رجل ضعيف
انظر إلى هذا الأدب العالي، أن يكون في عين نفسه صغيراً، وفي أعين الناس كبيراً، الكافر بالعكس، هو في عين الناس صغير جداً، لكنه في عين نفسه كبير، معه مرض تضخم الذات، يكاد يخرج من جلده من شدة الكبر، والناس لا يعبؤون به، وإن احترموه يحترموه احتراماً ظاهراً، اتقاءً لشره.
تخيل: يعني توهم أنه إنسان عظيم.
قال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ﴾
( سورة الانفطار، آية 6 )
يعني عندما الإنسان يغتر بنفسه، كأنه أعطى لنفسه حجماً أكبر من حجمه الطبيعي سمعت بشخص متخصص ببرامج إذاعية، يقابل فيها أدباء كبار، أو علماء، أو أصحاب شأن، لكنه في هذه المقابلات يحرجهم دائماً، ويضغط عليهم، يظن هذا الأديب أو هذا العالم أنه عندما يجرون معه مقابلة، سوف يزداد حجمه ويشتهر أكثر، فتنتهي المقابلة ويكون منزعجاً كثيراً، فهذا الشخص المتخصص بإجراء هذه المقابلات، ماذا يفعل ؟ قبل أشهر كثيرة يقرأ الإنتاج العلمي أو الأدبي للشخص الذي سيقابله، ويوجه له أسئلة محرجة جداً، يكشف بها تناقضات كثيرة في الكتاب، فلما يدعى الأديب مثلاً إلى إجراء هذه المقابلة، يظن أنه سوف يكسب منها كسب كبير، ويفرح أنه سيتكلم عن إنجازاته العلمية، وأعماله الأدبية، وتاريخه الأدبي، وعن مؤلفاته، فيطرح عليه المذيع سؤالاً دقيقاً، فيجيب إجابةً غير صحيحة، ويكون نقاد نقدوه نقداً لاذعاً، فيذكره بنقد النقاد، فيخرج أمام الناس بشكل متناقض، فلما سألوا هذا الشخص: أنت لماذا تحرج الناس ؟ لماذا تضغط عليهم في هذه المقابلات ؟ قال كلمةً أعجبتني، قال: أحب أن أعيدهم إلى حجمهم الحقيقي.
كل إنسان له حجم حقيقي، عندما الإنسان يظن نفسه بحجم أكبر من حجمه الحقيقي، فهذا هو الغرور، في الإنسان نقطة الدم التي لا يزيد حجمها عن رأس دبوس، إذا تجمدت في أي مكان من الدماغ، أدت إلى شلل، عمى، فقدان ذاكرة، فالمتكبر أحمق، نراه في الناس ليس بحجمه الحقيقي، فالنبي الكريم يقول:
(( بئس العبدُ عَبْد تَخيَّل واختال، ونَسِيَ الكبيرَ المتعال ))
أي دائماً، حسب حجم الجهل يكون الكبر، كلما كبر الجهل يحصل مع الجهل الكبير كبر كبير، وكلما وجد العلم وجد التواضع، لذلك.. العلماء الحقيقيون متواضعون في كل فروع المعرفة، أما المتعالمون:
قل لمن يدعي في العلم فلسفةً حفظت شيئاً وغابت عنك أشياءُ
هؤلاء متكبرون.
(( بئس العبدُ عبد تَجَبَّرَ واعتدى، ونَسيَ الجبَّار الأعلى ))
النبي الكريم، صلى الله عليه وسلم، مرَّ على شخص يضرب غلاماً له، فقال له عليه الصلاة و السلام:
(( اعلم أبا مسعود، أن الله أَقْدَرُ عليك منك على هذا الغلام ))
من حديث صحيح، أخرجه مسلم عن أبي مسعود الأنصاري
عندما الإنسان يتجبر بحكم مكانته، أو بحكم قوته، مثلاً: له رتبة في الجيش، وتحته عريف، أو مجند، وهو مساعد مثلاً، عليه أن لا ينسى أنه يوجد رتب أعلى منه، والله فوق الجميع، صاحب المال يجب أن لا ينسى أن الله هو أغنى الأغنياء، والذي وهبه هذا المال قادر على أن يسلبه منه في ثانية.
(( بئس العبدُ عبد سها ولها، ونَسيَ المقابر والبِلَى ))
سيدنا عمر يقول: عجبت لثلاث، لغافل وليس بمغفول عنه، ومؤمن والموت يطلبه، وضاحك ملء فيه وما يدري أساخط عنه الله أم راضٍ. (( بئس العبدُ عبد عَتَا وطَغَى، ونسَيَ المبتدأ والمنتهى ))
كيف كان نقطة ماء خرج من عورة ودخل في عورة، فخرجت من عورة ـ أيها الإنسان ـ وهذا الماء مهين تستحي به.
(( بئس العبدُ عبد يَخْتِل الدِّين بالشهوات ))
يعني يدخل الدين بالدنيا، أهدافه دنيوية عن طريق الدين، يريد مكاسب دنيوية من طريق الدين، أنا أقول لمثل هؤلاء: دع الدين في نقائه وصفائه، ولا تمرغه في الوحل، بوحل الدنيا، وعندما تصاب مصالحه في الدنيا يقول لك: " أهكذا الدين "، يجعلها قضية دينية، إذا استطاع أن يأخذ حكم في المحكمة، لا يرضى إلا بحكم المحكمة، وعندما ييأس من المحكمة يأتي إلى رجال الدين، هذا يختل الدنيا بالدين.
(( بئس العبدُ عبد يَخْتِل الدِّين بالشهوات ))
يأتي بآيات، ويقول لك: الله عز وجل قال: ( لا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة ) معنى هذا أنه لا يوجد نهي عن الضعف اليسير، التحريم للأضعاف المضاعفة !!
قال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾
( سورة البقرة، آية 278 )
﴿ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ ﴾
( سورة البقرة، آية 279 )
يوجد آيات كثيرة واضحة، هذا يختل الدين بالشبهات، لماذا لا تصلي ؟ يقول لك:
قال تعالى:
﴿ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ﴾
( سورة الحج، آية 41 )
حين يمكنه الله في الأرض يصلي، هكذا يقول.
أنت كنت تصلي، فلماذا توقفت عن الصلاة ؟ يقول لك: قال تعالى:
﴿ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ﴾
( سورة الحجر، آية 99)
وإذا أتاك اليقين لا يوجد عبادة ؟!، يختل الدين بالشبهات، يختل الدين بالدنيا، أو الدين بالشبهات.
(( بئس العبدُ عبد طَمَع يقوده ))
يقول: السيئة بمثلها والحسنة بعشرة أمثالها، يأكل مالاً حراماً ويتصدق بعشرة، ويخرج لا له ولا عليه، يقول لك: هذه العشرة ضرب عشرة.. الناتج تعادل.
(( بئس العبدُ عبد هوى يُضلُّه ))
(( بِئس العبد عبد رَغَب يُذِلُّه ))
فالحديث بأكمله:
(( بئس العبدُ عَبْد تَخيَّل واختال، ونَسِيَ الكبيرَ المتعال، بئس العبدُ عبد تَجَبَّرَ واعتدى، ونَسيَ الجبَّار الأعلى، بئس العبدُ عبد سها ولها، ونَسيَ المقابر والبِلَى، بئس العبدُ عبد عَتَا وطَغَى، ونسَيَ المبتدأ والمنتهى، بئس العبدُ عبد يَخْتِل الدِّين بالشهوات، بئس العبدُ عبد طَمَع يقوده، بئس العبدُ عبد هوى يُضلُّه، بِئس العبد عبد رَغَب يُذِلُّه ))
حديث أخرجه الترمذي بإسناد ضعيف
قصة ترك الإمام الغزالي للجاه والمال:
والآن إلى قصة من قصص العلماء العاملين، اليوم مع الإمام الغزالي رضي الله عنه:
له كتاب عنوانه ( المنقذ من الضلال )، في هذا الكتاب تحدث عن تاريخ حياته، وهذه القصة غريبة جداً، وهي مختارة من تاريخ حياته.
قال الإمام الغزالي رضي الله عنه:
" ولم أزل في عنفوان شبابي منذ راهقت البلوغ، قبل بلوغ العشرين وإلى الآن وأنا أنوف على الخمسين، أقتحم لجة هذا البحر العميق، وأخوض غمرته خوضاً الجسور، لا خوض الجبان الحذور، وأتوغل في كل مغلمة، وأتهجم على كل مشكلة، وأتقحم كل ورطة، وأتفحص كل عقيدة، لا أجد باطنياً إلا وأحب أن أتطلع على بطانته، ولا ظاهرياً إلا وأحب أن أعلم حاصل ظهارته، ولا فلسفياً إلا وأقصد الوقوف على كنه فلسفته، ولا متكلماً إلا وأجتهد بالاطلاع على غاية كلامه، ولا صوفياً إلا وأحرص على العثور على سر صفوته، ولا متعبداً إلا وأترصد ما يرجع إليه حاصل عبادته، ولا زنديقاً معطلاً إلا وأتجسس وراءه للتنبه لسبب جرأته في تعطيله وزندقته ".
يعني عنده حب إطلاع منقطع النظير، لم يترك أهل الظاهر إلا واتبع أسرارهم، ولا أهل الباطن، ولا الصوفيين، ولا أهل الكلام، ولا الفلاسفة، ولا الزنادقة، ولا المعطلة، ما ترك فئة ـ ليس من شره ـ بل من إطلاعه.
" وقد كان التعطش إلى درك حقائق الأمور دأبي وديدني، من أول أمري وريعان عمري، غريزةً وفطرةً من الله وضعتا في جبلتي، حتى انحلت عني رابغة التقليد، وانكسرت علي العقائد الموروثة عن قرب عهدٍ بسن الصبا ".
لم يعد مقلداً، وهذا شيء حسن ـ كما قلنا في الدرس الماضي ـ لو أن سيدنا سلمان الفارسي قلد والده، لم يكن سيدنا سلمان الفارسي، لكان بقي مجوسياً، الإنسان يجب أن يفكر، قال تعالى:
﴿ بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ ﴾
( سورة الزخرف، آية 22 )
هنا الغزالي يصل إلى أنه حطم كل التقاليد، لم يعد مقلداً وصار متحرراً، وهذه كلمة راقية جداً، فلان حر، يتبنى أمره بعد مناقشة ولا يقبله على عواهنه.
ثم يذكر لنا كيف أخذ يجد في طلب حقيقة العلم، وكيف التمس ذلك أولاً عن طريق العلم اليقيني، فلم ير أمام طالب الحق إلا فرق أربع، هي أهل الكلام، والباطنية، والفلاسفة، والصوفية، وأن الحق لا يعدو عن هذه الأصناف، فإن شذ عنهم فلا يبقى في درك الحق مطمع، إذ لا مطمع بالرجوع إلى التقليد بعد مفارقته.
قال: " فابتدرت لسلوك هذه الطرق واستقصاء ما عند هذه الفرق ".
وبعد أن جرب الثلاثة الأولى، علماء الكلام والباطنية والفلاسفة، وخاض بابها غير هياب من العواقب يقول: " خبرناها فنفدنا اليد منها " ـ خرجت اليد فارغة ـ فلا خير فيها عنده لطالب الحقيقة، الساعي إلى معرفة كنه الأمور، ولما فرغ منها أقبل على طريق الصوفية، فوجد فيها ضالته المنشودة، وكان إذ ذاك يدرّس في بغداد، وهاهو يصف حاله إذ صمم على الإعراض عن الجاه والمال، والهرب من الشواغل الدنيوية، الإمام الغزالي وصل إلى أعلى منصب ديني في العراق، والعراق كانت أم الدول، وبغداد عاصمتها.
قال: " ثم لاحظت أحوالي، فإذا أنا منغمس في العلائق ـ العلاقات الاجتماعية ـ وقد أحدقت بي من الجوانب، ولاحظت أعمالي، وأحسنها التدريس والتعليم، فإذا أنا فيها مقبل على علوم غير مهمة، ولا نافعة في طريق الآخرة ".
متبحر في علوم هامة جداً، لكنه وجدها غير مهمة، ثانوية، ولا تنفعه في طريق الآخرة، الإمام الجنيد كان أعظم العلماء، عندما توفي رآه أحد تلامذته في المنام، قال: يا جنيد، ما فعل الله بك ؟ وقد ترك مؤلفات، وكان له دروس.. قال له: " يا بني طاحت تلك العبارات، وذهبت تلك الإشارات، ولم تنفعنا إلا ركيعات ركعناها في جوف الليل "، فالإمام الغزالي شعر أن هذه العلوم غير مفيدة، وغير نافعة.
قال: " ثم تفكرت في نيتي في التدريس، فإذا هي غير خالصة لوجه الله تعالى، بل باعثها ومحركها طلب الجاه وانتشار الصيت، فتيقنت أنني على شفا جرف هارٍ، وإني قد أشفيت على النار إن لم أشتغل بإتلاف الأحوال "
يعني كان في قمة مجده الديني، شعر أنه على شفا جرف هارٍ، لأنه فحص النية، فوجد قصده الصيت والسمعة.
" فلم أزل أتفكر فيه مدةً، وأنا بعد في مقام الاختيار، أصمم العزم على الخروج من بغداد، ومفارقة تلك الأحوال، لا تصفو لي رغبة في طلب الآخرة بكرةً، إلا ويحمل عليها جند الشهوة حملةً فيعكرها عشيةً "
هو صباحاً متحمس لطلب الآخرة، ومساءً وهو في قمة المجد، تفتر همته.
" فصارت شهوات الدنيا تجاذبني سلاسلها إلى المقام، ومنادي الإيمان ينادي: الرحيل الرحيل، فلم يبق من العمر إلا القليل، وبين يديك السفر الطويل، وجميع ما أنت فيه من العمل والعلم رياء وتخييل، فإن لم تستعد الآن للآخرة فمتى تستعد ؟ وإن لم تقطع الآن فمتى تقطع ؟ فبعد ذلك تنبعث الداعية، وينجزم العزم على الهرب والفرار من بغداد، ثم يعود الشيطان ويقول: هذه حالة عارضة، وإياك أن تطاوعها، فإنها سريعة الزوال، وإن أذعنت لها وتركت هذا الجاه العريض، والشأن المنظوم الخالي عن التكدير والتنغيص، والأمر المسلم الصافي عن منازعة الخصوم، ربما ألفت إليه نفسك ولا يتيسر لك المعاودة، فما أزال أتردد بين تجاذب شهوات الدنيا ودواعي الآخرة قريباً من ستة أشهر، أولها رجب، وفي هذا الشهر جاوز الأمر حد الاختيار إلى الاضطرار ".ربنا أعانه قليلاً.
" إذ قفل الله علي لساني حتى اعتقل عن التدريس، فكنت أجاهد نفسي أن أدرس يوماً واحداً، تطييباً لقلوب الناس، وكان لا ينطلق لساني بكلمة، ولا أستطيع، ثم أورثت هذه العقدة باللسان "
صار معه حبسة في لسانه، لا يستطيع أن يتكلم.
" ثم أورثت هذه العقدة في اللسان حزناً في القلب، بطلت معه قوة الهضم فكان لا تنساغ إليّ شربة، ولا تنهضم لقمة "
وصار معه آلام في معدته وأوجاع.
" وتعدى إلى ضعف القوى، حتى قطع الأطباء طمعهم عن العلاج، وقالوا هذا أمر نزل بالقلب، ومنه سرى إلى المزاج، فلا سبيل إليه بالعلاج، إلا بأن يتروح السر عن الهم الملم، ثم لما أحسست بعجزي، وسقط بالكلية اختياري، التجأت إلى الله تعالى التجاء المضطر الذي لا حيلة له، فأجابني الذي يجيب المضطر إذا دعاه، وسهل على قلبي الإعراض عن الجاه والمال والأهل والولد والأصحاب، وأظهرت العزم إلى الخروج إلى مكة وأنا أورث نفسي سفر الشام " قال للناس سوف أذهب إلى مكة وهو إلى الشام.
" حذراً أن يطلع الخليفة "
لأن الخليفة هو الذي عينه، وكان هناك مدرسة راقية اسمها المستنصرية، وهو كان رئيسها، مثل شيخ الأزهر اليوم.
" حذراً أن يطلع الخليفة، وجملة الأصحاب على مقامي في الشام، فتلطفت بلطائف الحيل في الخروج من بغداد، وعزمي أن لا أعاودها أبداً ".
" ثم ارتبك الناس في الاستنباطات، وظن من بعد عن العراق أن ذلك كان لاستثمار من جهة الولاة، وأما من قرب من الولاة فكان يشاهد إلحاحهم في التعلق بي "
بعضهم ظن أنه أخرج إخراجاً من بغداد، إذا كان الإنسان بعيد، هكذا يظن، وإن كان قريباً فهو:
" يشاهد إلحاحهم بالتعلق بي، والانكباب علي، والإعراض عنهم مع الالتفاف إلى أمرهم، ويقولون هذا أمر سماوي وليس له سبب، إلا عين أصابت أهل الإسلام وزمرة العلم ".
يوجد امرأة بلغها عن أحداث لبنان وحربه الأهلية، فقالت: ( أصابتها عين )، هذا تفسير نسائي لأحداث لبنان، وهذا أيضاً، ليس له سبب إلا عين أصابت أهل الإسلام.
" ففارقت بغداد، وفرقت ما كان معي من المال، ولم أدخر إلا قدر الكفاف، وقوت الأطفال، ترخصاً بأن مال العراق مرصد للمصالح، لكونه وقفاً على المسلمين، ثم دخلت الشام وأقمت فيها قريباً من سنتين، لا شغل لي إلا العزلة والخلوة والرياضة، والمجاهدة اشتغالاً بتزكية النفس وتهذيب الأخلاق "
قال تعالى:
﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ﴾
( سورة الشمس، آية 9 )
" وتصفية القلب بذكر الله تعالى، كما كنت حصلته من علم الصوفية، فكنت أعتكف مدةً في مسجد دمشق، أصعد منارة المسجد الأموي طول النهار، وأغلق بابها على نفسي، ثم دخلت منها على بيت المقدس، أدخل كل يوم الصخرة وأغلق بابها على نفسي، ثم تحركت فيَّ داعية فريضة الحج، والاستمداد من بركات مكة والمدينة، وزيارة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعد الفراغ من زيارة الخليل صلوات الله عليه فسرت إلى الحجاز "
هو في قمة مجده، مدير المستنصرية، أعلى رتبة دينية في بغداد، فحص نفسه فوجد النية ليست جيدة كثيراً، النية للشهرة، وحب الجاه، وجد علومه غير نافعة جداً، ترك كل شيء، واتجه إلى الخلوة، وذكر الله عز وجل، وأنا أنصح لكم دائماً، لا بد لك من خلوة مع الله، لا نكلفك أن تترك مناصبك كلها، وتترك تجارتك وتذهب لغير بلد، لا، ابق في بلدك، ولكن اعمل خلوة كل يوم مع الله عز وجل.. ذكر، اذكر الله، اقرأ القرآن، تفكر في آياته، سيدنا رسول الله، كان عمره أربعين سنة، في غار حراء، ماذا كان يعمل ؟ كان يختلي بربه، ورد في الأثر:
" يا موسى أتحب أن أجلس معك ؟ قال: كيف ذلك يا رب و أنت رب العالمين ؟ قال: أما علمت أنني جليس من ذكرني و حيثما التمسني عبدي وجدني ؟ ".
" ثم جذبتني الهمم، ودعوات الأطفال إلى الوطن، فعاودته بعد أن كنت أبعد الخلق عن الرجوع إليه، وآثرت العزلة أيضاً "
الحرص على الخلوة و تصفية القلب للذكر
" وكانت حوادث الزمان ومهمات العيال وضرورات المعاش تغير فيّ وجه المراد، وتشوش علي صفو الخلوة، وكان لا يصفو الحال إلا في أوقات متفرقة "
طبعاً، ترك زوجته وأولاده، غاب عنهم عشر سنوات.
" لكني مع ذلك لا أقطع طمعي منها فتدفعني عنها العوائق، وأعود إليها، ودمت على ذلك مقدار عشر سنين، وانكشفت لي في أثناء هذه الخلوات أمور لا يمكن إحصاؤها واستقصاؤها " هذا الفتح الإلهي:
(( مَنْ أَخْلَصَ لله أربعين صباحاً، ظَهَرَتْ ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه ))

السعيد 09-09-2018 08:35 AM

رد: الفقة الاسلامى 2
 
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الثانى العاشر )

الموضوع : اهمية تطبيق ما يتعلم الانسان من علم وتبليغة






الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
الاستقامة التامة :
أيها الأخوة... انتهينا من موضوعات الصلاة والصيام والحج والزكاة ، ثم أخذنا موضوعاتٍ كثيرة في المعاملات ؛ كالوكالة ، والمزارعة ، والمساقاة ، وأشياء كثيرة . واليوم ننتقل إلى بعض الموضوعات في التوحيد ..
ولكن قبل الخوض في هذه الموضوعات ، لي كلمةٍ أجد نفسي مضطراً أن أقولها من حينٍ إلى آخر :
قد يشبَّه الرجل الذي يكثر حضور مجالس العلم ، والذي يتَّبعها من مكانٍ إلى آخر، ومن مسجدٍ إلى آخر ، وينتقل من خطيبٍ إلى آخر ، ومن مدرسٍ إلى آخر ، ويستمع ، ويطرب، ويستمتع ، ويعجب ، ويثني ، ويدعو ، لكنه إن لم يطبِّق مثله كمثل تاجرٍ اشترى بضاعةً ، وجهد في شرائها ، ثم جهد في نقلها ، ثم جهد في عرضها ، ثم جهد في بيعها ، ثم جهد في شحنها ، ثم جهد في جمع مالها ، وبعد مضي سنتين أو ثلاث أجرى حساباته الدقيقة فإذا هو لم يربح شيئاً ، ألا يتألَّم ألماً شديداً على هذا الجهد المضن الذي بذله بلا ربح ؟ .
لم أقل هذا الكلام من دون سبب ، أناسٌ كثيرون يحضرون معنا ولكنهم لا يلتزمون، نساؤهم على الشرفات ليسوا محجبات ، أجهزة اللهو في البيوت ، الاختلاط من عاداتهم ، بعض تعاملهم التجاري ليس صحيحاً ، بضاعتهم أحياناً محرَّمة ، أي إذا جئت إلى عندنا نحن والله نرحِّب بك ، وأتمنى أن تأتي ، ولكن هناك حقائق مرة ، حقائق صارخة إن لم تطبِّق فلن تكسب شيئاً في الدين ، تداوم شهراً وشهرين وثلاثة ، وسنة وسنتين وثلاث ، بعد هذا تقول : كله كلام بكلام. لأن الطريق مسدود ، الإنسان إن لم يطبق لا يوجد أمامه حل .
فأنا والله أشفق على أوقاتكم من أن تضيع سدى ، أشفق والله على عمركم الثمين ، والله لو تعرفون حق المعرفة أن كل دقيقةٍ تمر في الدنيا تعدل الملايين ، كل دقيقة ، لأنها فرصةٌ لسعادة أبديَّة ، والله حضور مجالس العلم لا يجدي ، كانوا قديماً شيوخ الطريق يقولون للمريد غير الصادق ، يعطونه امتحاناً قاسياً إن لم ينجح فيه يقولون له : يا ولدي فتوحك على غير يدنا . أي إنه أسلوب لطيف من أساليب الرفض ، بعض الشيوخ يقول : إذا الواحد ما استقام ، ما فكَّر ، ما كان له عمل صالح ، ما كان مصلياً صلاة متقنة لا يأتي إلينا ، لأنه إذا بقي الصادقون نتفاهم مع بعضنا أحسن . فهذا الذي والله يحيك في قلبي . فأنا أخ يعطيني دفعاً إلى غير حدود ، وأخ يثبِّط لي عزائمي ، المطبق أنا أقدم كل ما أملك في سبيل هذه الدعوة أجد نفسي مقصراً ، وغير المطبق أشعر بنداء داخلي : انظر كيف هؤلاء التلاميذ ، كيف هذه المستويات ؟ لا يوجد صدق ، لا يوجد التزام ، لا يوجد تطبيق .
فهذا الكلام من القلب للقلب ، لا أستطيع أن أتكلَّمه باستمرار فتملوا، لكن من حين إلى آخر أتكلَّم فيه ، الإنسان يراجع حساباته ، لابدَّ من نزول القبر ، لابدَّ من الحساب ، لابدَّ من دفع ثمن كل معصية ، لابدَّ من أن يقال لك : لمَ فعلت هذا ؟ لمَ ظلمت فلان ؟ لمَ خالفت أمر الله ؟ لمَ عصيت ؟ هذا حساب دقيق .
فكيف النبي الكريم وأصحابه الكرام فتحوا العالَم ؟ كيف كان الواحد كألف ؟ بهذه الاستقامة التامة .
التلازم بين الإيمان و الاستقامة :
يوم الجمعة أثناء الخطبة ، أنا أقرأ آية بالصلاة كثيراً لأنني أحبها ، لكن سبحان الله القرآن لا يبلى على كثرة الترداد ، قلت :
﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا ﴾
[ سورة فصلت: 30 ]
لمَ هذا التلازم ؟ أي أنه من علامة إيمانك الصحيح استقامتك، ولا قيمة للإيمان بلا استقامة .. ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا ﴾
[ سورة فصلت: 30 ]
صار الإيمان له علامة ، أو له نتيجة ، علامته أو نتيجته الاستقامة ، ماذا بعد الإيمان ؟ ﴿ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا ﴾
[ سورة فصلت الآيات : 30]
فهل توجد حالة بالأرض تعادل هذه الطمأنينة ؟ أشد الناس الآن طمأنينةً يطمئنون بماضيهم وفي لحظتهم الراهنة ، ولكن لا يدري أحدهم ماذا سيكون في المستقبل ، لكن هذا الذي آمن بالله واستقام على أمره .. ﴿ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا ﴾
[ سورة فصلت الآيات : 30]
هذه تغطية شاملة للماضي والمستقبل ، لا تخافوا من المستقبل ، ولا تحزنوا على ما فات .. ﴿ وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ ﴾
[ سورة فصلت الآيات : 30-32]
هذه مرتبة ، هذه مرتبة النجاة ، هذه مرتبة الاستقامة ، هذه مرتبة الإيمان مع الاستقامة ، هذا الإنسان لا يغش يصل إلى الجنة ، لكن هناك مرتبة أعلى منها .. ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ ﴾
[ سورة فصلت: 33 ]
إن لم يكن مع الدعوة استقامة فالاستقامة بديهية ، و إن كان مع الدعوة عمل صالح.. ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً ﴾
[ سورة فصلت الآية : 33 ]
فالنظم رائع جداً ، كما أنه لا يجدي إيمانٌ بلا استقامة ، لا تجدي دعوةٌ بلا عملٍ صالح .. ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ * وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ﴾
[ سورة فصلت الآية : 33-34 ]
أي أن عملاً يقود الإنسان إلى النار ، وعملاً آخر يقوده إلى الجنة ، وشتَّان بين الحالتين .. الحد الأدنى من المعرفة أن تعرف الله و تستقيم على أمره :
سبحان الله ! والله قرأت هذه الآية آلاف المرات وما كنت أنتبه لهذا السياق ، لم يقل الله عزَّ وجل : ادفع السيئة بالحسنة . بل قال :
﴿ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾
[ سورة فصلت الآية : 34 ]
أي إذا كان رد الجميل بمئة طريقة حسنة ؛ فعليك أن تختار أحسنها ، فأين نحن من هذه الآيات في سورة فصِّلت ؟ هل أنت في مقام الإيمان والاستقامة أم في مقام الدعوة والعمل الصالح ؟ لابدَّ من أحد هذين المقامين ، الحد الأدنى الاستقامة ، الحد الأدنى أن تعرف الله وأن تستقيم على أمره ، والأرقى من ذلك أن تدعو إلى الله وأن يكون عملك صالحاً .
هناك أناس كثر يغبطونا على هذا المجلس ، مجلس يكون عليه إقبال ، و كثافة ، هناك أشخاص كثيرون يأتون من أطراف دمشق يحضرون هذا المجلس ، والله أنا أفرح بهذا ، وصدري ينشرح لهذا ، لكن حينما أرى أن هذا الحضور فقط حضور من دون التزام هذه ظاهرة لا تبشَّر بخير ، حتى الإنسان لا يقول : أخي والله حضرنا خمس سنوات ولم نستفد شيئاً ، فأحياناً الإنسان يترك المجلس لسبب تافه ، تافه جداً ، فإذا إنسان ما تمكَّنت أن أعزيه بوفاة والدته لم يعد يأتي أبداً إلى الدرس ، هل الله رخيص عليك ؟ من أجل سبب تافه لم يعد يأتي ؟ أنا ما عندي علم أصلاً ، أو ما بلغني خبر ، أو كان عندي أعمال فوق طاقتي ، لا يأتي إلى الدرس .
أنا شبَّهت هذا بإنسان يعطيك سيارة ثمنها نصف مليون ليرة ، نظرت فوجدت المرآة تخض قليلاً ، تقول : لا أنا لا آخذها ، بلا مقابل خذها ، غيّر لي هذه المرآة ، إنسان يرفض الحق لسبب تافه ؟ فمن يدعي العصمة ؟ العصمة للأنبياء ، ما سوى الأنبياء يخطئ ويصيب ، لا يكون ارتباطك بالمجلس ارتباطاً على شعرة ، على كلمة ، على كلمة خرجت عن المنطق ، لا نريد هذا ، هذا ارتباط ضعيف ليس له قيمة ، شرعاً لا يجوز .
فنحن نقوم بالتدريس تقريباً حوالي عشر سنوات ، أمضينا عشر سنوات بالفقه ؛ الصلاة ، والصوم ، والحج ، والبيوع ، والمعاملات بأكملها ، بالمعاملات أخذنا حوالي ستمئة صفحة ، بحث النكاح فقط ثلاثمئة وثلاثين صفحة ، الكلمات الرئيسة ، أخذنا موضوعات كثيرة، يا ترى أين التطبيق؟ رغم كل هذه الموضوعات تجد هناك مخالفات . فهذه الكلمة والله أقولها لكم من القلب إلى القلب توفيراً لوقتكم ، وإشفاقاً على جهدكم ، وعلى هذه المسافة الطويلة التي تتجشمون الوصول إليها .
فالقصة المبسطة سيدنا عمر التقى ببدوي ..
ـ قال له : بعني هذه الشاة .
ـ قال له : ليست لي .
ـ قال : خذ ثمنها وقل لصاحبها ماتت ، أو أكلها الذئب .
ـ قال له : والله إني لفي أشد الحاجة إلى ثمنها ، ولو قلت له ماتت أو أكلها الذئب لصدَّقني فإني عنده صادقٌ أمين ، ولكن أين الله ؟
فكل القصة المبسطة على الحقيقة ثلاث مراتب ، لو كان هناك علوم شرعية ، إن لم تتقنها لكنك أتقنت هذا الموقف أن تقول : أين الله ؟ فأنت جيد .
الإمام الغزالي قال : " أنا تعلَّمت علوماً غير نافعة ، أو قد لا تجديني نفعاً في الآخرة " . الثقافة و الهدى :
لو الإنسان أتقن علماً من العلوم الشرعية فماذا صار ؟ هناك أذكى منه ، الآن جامعة السوربون تمنح دكتوراه في الشريعة الإسلاميّة ، الأستاذ نصراني ، يعطيك دكتوراه في الحديث الشريف ، هناك دكتوراه بأصول الفقه من السوربون ، وهناك كلية شريعة تمنح دكتوراه في العلوم الإسلامية ، هذا الذي منحك دكتوراه صار مؤمناً ؟ هذه ثقافة ، دراسة ، فإذا الإنسان درس شيئاً ، وأتقن شيئاً ، وتعلَّم شيئاً ، وعلَّم شيئاً ، وما اهتدى ، وما استقام ، وما عرف الله عزَّ وجل ، وما سلك إليه سبيلاً ، ماذا قدم للآخرة ؟ الواحد يراجع نفسه ، ينظر إلى حساباته، يحاسب نفسه حساباً دقيقاً ، أما الحركة فيقول بعض العلماء : " هناك حركة وهناك تقدم ، أحياناً هناك إنسان يتحرك ، يقول لك : مكانك راوح . حركة لكن لا يوجد تقدم ، أسمع زعزعةً ولا أرى خشماً ، مثل المثل الذي قلته قبل قليل تماماً : بعنا ، اشترينا ، وشحنا ، وأفرغنا الطرود ، أخذنا متراجاً جاهزاً ، ووضعنا البضاعة في مستودع ، وعرضنا مساطرها ، وأمَّنا البائع ، ثم جمعنا ثمنها ، وبعد سنتين لا يوجد ربح أبداً ، تقول : يا خسارة هذا التعب ، لو لم أعمل و جلست في البيت لكان أريح لي .
لكي لا يؤدي الإنسان عمره سُدى ، العمر ثمين ، تلاحظوا كيف أن الناس تتساقط تساقطاً ، فلان مات . والله عندي علبة فيها كروت زيارات كنت أتفحصها من يومين ، والله هناك ستة أشخاص ميتين ، أين هم؟ من يعرف أين هم ؟
﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾
[ سورة الشعراء:88-89]
لذلك لابد أن نفرق بين الثقافة والهُدى ، الثقافة هذه المعلومات تبقى في الدماغ ، لكن الهدى استنارة القلب بنور الله ، هذه تحتاج إلى استقامة ، إلى مجاهدة ، أنا مثلي الأعلى ذلك البدوي الذي قال : أين الله ؟ لو ما أتقن بعض العلوم الشرعية وقال : أين الله . هذا عندي على العين والرأس ، سيدنا هارون ماذا كان ؟ من أرسل الله ؟ سيدنا موسى ، قال : ﴿ وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي ﴾
[ سورة القصص: 34]
فهذه القضيَّة ليست بالفصاحة ، أبو جهل كان فصيحاً .. ﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ﴾
[ سورة المسد: 1]
أما بلال فيقول : أسهد أن لا إله إلا الله ، ما عنده إمكان أن يخرجها ، سين بلال عند الله تعالى شين ، أي أن سيدنا بلال لا تخرج معه الشين ، حاول حاول ولم يستطع ، قال : أسهد أن لا إله إلا الله . سين بلال عند الله تعالى شين ، إنما التقوى هاهنا ، العبرة بهذا القلب ، يعرف الله عزَّ وجل ؟ يخشى الله ؟ أم إذا انفرد بحرمات الله انتهكها ؟ إذا انفرد الإنسان بحرمات الله فانتهكها فلا قيمة له عند الله إطلاقاً ، لا شأن له عند الله ..
من لم يكن له ورع يصده عن معصية الله إذا خلا لم يعبأ الله بشيءٍ من عمله .
البطولة أن تكون عند الأمر والنهي ، هذه البطولة .. و مــــا مقصود جنـات عدنٍ ولا الحور الحسان ولا الخيام
سوى نظر الحبيب فذا مناهم و هذا مطلب القوم الكـــــــــرام
* * *
أطع أمرنا نرفع لأجلك حجبنا فإنــــا منحنا بالرضا من أحبنا
و لذ بحمانا و احتم بجنـابــــا لنحميك مما فيه أشرار خلقنا
* * *
الابتعاد عن النفاق عند التعامل مع الله :
أنت تتعامل مع الله ، غش معه لا يوجد إطلاقاً ، كثير من كلمات التلبسة في الدعوة كلمات مضحكة ، أما الإنسان فيكون له مظهر معلن جيد ، ومخبر سيئ هذه زعبرة يا أخي هذا ليس بدين ، الدين أن تخشى الله وأنت وحدك كما تخشاه وأنت في ملأ من الناس، الدين ؛ لابدَّ للمؤمن من أن يصلي ، ولكن الصلاة وحدها ليست من الدين .. من شاء صام ومن شاء صلى .
في التعامل المالي ، في التعامل التجاري ، في الأسواق أين بصرك ؟ صار الدين غناء ، إذا كان الإنسان فناناً ، ما معنى فنان ؟ أي يطرب إلى المغنيات والمغنين الأحياء منهم والأموات ، له مجالس طرب ، أنا قلت مرة كلمة : والله الذي لا إله إلا هو لا يجتمع في بيت بني آدم قرآن وغناء ، وإذا اجتمعا ففي الغناء صادق ، وفي القرآن كاذب ، الغناء ينبت النفاق ، أنت مؤمن ، أنت من فئة مختارة ..
﴿ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ ﴾
[ سورة الأنفال : 23 ]
أسمعك الحق الله عزَّ وجل ، فأين أنت من هذا الكلام الذي تسمعه ؟ هل أنت مقتنعٌ به ؟ إذا مقتنع فأنت مقتنع ، غير مقتنع ، أخي أنا لست مقتنعاً بكلامكم ، فإما اترك المجالس ، أو اطلب استماع الحق ، خذ مواقف واضحة ، هذه المواقف الضبابية ، هذه المواقف الاستسلامية ، أي وأتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني ، معظم المسلمين هكذا ، يقول لك: نحن عبيد ضعفاء ، شهواتنا غلبتنا ، ماذا نفعل ؟ نحن عبيد إحسان ولسنا عبيد امتحان، نرجو الله أن يعفو عنا ، نرجوه أن يغفر لنا ، ربنا غفور رحيم ، إن شاء الله لن يحاسبنا على أعمالنا ـ كلام : اللهمَّ لا تسألنا عن شيء . فكيف ذلك وربنا قال : ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾
[ سورة الحجر: 92-93]
فهل نعطل هذه الآية أم نصحح الآية ؟ لا تسألنا عن شيء ، خالق كل شيء ورب كل شيء ، لا تسألنا عن شيء ، ما هذا الكلام ؟ هذا خلاف الدين ، هذا دعاء خلاف الدين . من أراد الدنيا و الآخرة فعليه بالعلم :
المقصود من هذه الكلمة التمهيديَّة أن الإنسان يعمل حساباً ، حتى إذا استقام استقامة تامة ، وسلم وجهه إلى الله عزَّ وجل ، يقول للذي يعلمه : جزاك الله خيراً ، والله استفدنا، والله دخلنا الجنة ، والله توفقنا في الدنيا ، وشعرنا بسعادة ، واطمأن قلبنا ، والله نحن سعداء بذلك، ونحن لا نريد الدنيا نريد الآخرة ، ففي الدنيا ملوك يأكلون ما لذَّ وطاب ، لكن المؤمن والله ملك من ملوك الآخرة ، أنت موعود من رب العالمين ..
﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ ﴾
[ سورة القصص: 61]
إذا إنسان سلك الطريق السيئ ثم قال : غداً أتوب . فهل غداً بيدك ؟ .. " من عدَّ غداً من أجله فقد أساء صحبة الموت " .
غداً بيدك ؟ لا هو ليس بيدك ، فهذا الكلام يدعو إلى التفكر ، هذا الكلام يبعث الهم أحياناً في النفس ، لأنني أضعك أمام مسؤوليات ، وإذا إنسان مثلاً معه مرض عُضال قال له الطبيب : هذا البيت العالي لا يصلح لك . تجده مستغرقاً في التأمل ، كيف أبيعه وهل سأجد بيتاً أرضياً بنفس السعر ؟ وربما لن يباع معنا ، والله الأسعار غالية ، يا ترى أبيع بيتي وبعدها أشتري ؟ فرضاً رُفعت الأسعار بعد ذلك سيضيع بيتي بنصف سعره ؟ نفتح فيها اعتمادات ، وأجلب بضاعة أبيعها ، وأربح فيها عشرة ملايين ، هذه خطر ، فلو باع بيتاً أو باع جزءاً منه ، وقع بخسارة ، عنده بيتان بالميسات باعهم ، باع سيارته ، باع الآلات ومازال عليه أربعة ملايين ليرة ، أنت ألا تؤمن بالقرآن ؟ .. ﴿ فَإِن ْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾
[ سورة البقرة: 279 ]
إنسان آخر كذلك باع بيته ، وباع سيارته ، وباع محله ، ووضعه بالمصرف ، باسم إنسان آخر ليومين أو ثلاثة ، هذا الإنسان خلال يوم فقد كل ثروته ، لأنه قال : أضعهم بالمصرف وآخذ أرباحهم وفائدة الربح ثمانية عشرة بالمئة ، إذا كان يحضر مجالس علم هذا العمل فيه بركة ؟؟ ((من بات كالاً في طلب الحلال بات مغفوراً له ))
[ تاريخ دمشق لابن عساكر عن عائشة ]
إذا الإنسان كان متعباً بالعمل الحلال بات مغفوراً له . فوالله الذي لا إله إلا هو حضور مجالس العلم أضرّ من الطعام والشراب ، فالإنسان إذا لم يأكل ، أو أكل بشكل قليل يكون هو الرابح ، أحياناً يأكل تفاحة ، يأكل طعاماً خفيفاً ، لكن إذا الإنسان لم حضر مجلس علم فمعنى ذلك أنه معرض لأن يتورَّط ورطة كبيرة .
إذا تورط الإنسان بالزواج أحياناً ، أو بالطلاق ، أو بتزويج ابنته ، أو بتجارته ، أنا أقول : كل شيء فيه لغم ، و الإنسان إذا لم يكن مهتدياً ، لم يكن معه بصيرة ، كل شيء فيه لغم يمكن أن ينفجر فيه . فأحياناً الإنسان يغلط غلطة فيُذهب كل ثروته ، يغلط غلطة يخسر زوجته الصالحة ، يغلط غلطة فيأتيك صهر يحرق قلبك ، غلطة واحدة ، عندما يحضر الإنسان مجلس علم يعرف الحق والباطل . الصهر خطب البنت ، شيء جميل ، يريد أن يراها ، لابأس رآها ، يريد أن يمتحن أخلاقها ، استقبلناه ، أحب أن يأخذها نزهة ، ذهبت معه ، فالقضية عدة أيام ، وبعد ذلك تركها فإذا هي حامل منه ، تعال ودبر حالك ، هذا جهل ، أحياناً الإنسان يحضر صهره إلى بيته ويقول : هذا صار منا وفينا ، هذا صار من أهل البيت ، هذا كله كلام فارغ ، كل هذا خلاف الشرع ، هذا ليس في الشرع ، تقع فجائع أخلاقية مثل انفجار لكن بطريقة أخرى .
لذلك الإنسان إذا كان مخيراً يأكل أو لا يأكل ، أنا أعتقد ليس بمخير يحضر مجلس علم أو لا يحضره ، يعرف شيئاً من كتاب الله ، يعرف حديث رسول الله ، يعرف أحكام الفقه، يعرف آيات الله الكونية ، يعرف لمَ خُلِقَ في الدنيا ؟ يعرف هدفه ، يعرف طريقه ، يعرف وسائله، أي أن الإنسان .. ﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ ﴾
[ سورة السجدة: 18 ]
﴿ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة الزمر:9 ]
والله لا يستوون .
إنسان قال لك : الأرض مسطحة غير كروية ، فأنت لا تصدقه ، فأفقه ضيِّق ، آيات كثيرة في القرآن الكريم تقول : ﴿ وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا ﴾
[ سورة النازعات: 30-31]
الدحية هي الكرة ، الجهل بشع ، الجهل يسبب لصاحبه خسارة ، إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم ، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم ، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم ، فالإنسان يقول : أنا لن أحضر مجلس علم ، أنا عندي مشكلة ، حتى أنجح ، حتى أفتح المحل ، حتى أتزوج . هناك أناس تزوجوا و لم يدخلوا ، و أناس اشتروا محلات وما دخلوها ، و أناس اشتروا بيتاً و ما سكنوه ، شخص جاء معه دكتوراه وصل إلى بيته ، وضع الحقائب على الرصيف، ظن السائق أنه طلع فأراد أن يرجع للوراء ، فدهسه ، اثنتا عشرة سنة وهو يدرس ، وصل إلى بلده معه الحقائب ، هناك شخص بالطائرة مات ومعه دكتوراه ، الموت قريب منا ، أما المؤمن عندما يعرف الله عزَّ وجل وأخذ احتياطه ، واستقام ، وعلاقاته كلها جعلها نظيفة ، فمرحباً بالموت ، هو ينتظره ، أنا لا أخاف الموت بل هو غايتي ، فانظر الفرق بين إنسان يكون الموت شيئاً مرعباً له ، وبين إنسان يكون غايته . الدين علمي و كل سبب له نتيجة :
إذاً الشيء الذي أردت أن أقوله لكم : إن الإنسان يأخذ الكلام على مأخذ الجد ، ولا يظن الإنسان أنه إذا حضر مجلساً يتبارك ، والله من جهة البركة لا يوجد ، هذه المعاني ليس لها معنى ، فماذا تعني كلمة نتبارك ؟!
الآن إذا إنسان معه مرض عضال ؛ وهذا الوصفة له ، معه التهاب معدة وأخذ دواء فوراً يشفي الالتهاب ، أما إن أحضر الدواء ، وتركه ، ووضعه في مكان ظريف على الرف ، قرأه ، ترنَّم باسمه ، فهل يشفى ؟ هذا كله كلام فارغ .
مثلما ربنا خلق الكون وفق أنظمة علمية دقيقة ، كذلك الدين علمي ، لا يوجد شطحات في الدين ، و لا خرافات ، و لا نتائج بلا أسباب ، هذا السبب له نتيجة ، وهذه النتيجة لها سبب .
الإنسان يسمع قصصاً بحكم مثلاً من أقربائه ، من أصدقائه، من زملائه ، من جيرانه ، ولكن سبحان الله كل قصة أسمعها ، كأن هذه الحالة تجعلنا نفهم الدين فهماً صحيحاً فهذا الذي أخذ قرضاً دفع الثمن غالياً ، باع بيتين ثمن كل بيت مليون ، باع سيارته ، باع معمله ، وبقي عليه أربعة ملايين ليرة ، لأن العملية غير مشروعة أصلاً ، فالإنسان يجب أن يكون على علم ؛ " الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني " .
والله زرت أخاً كريماً يحضر معنا قال لي : والله مرّ عليه سنة وشهر ولا فاتني الصبح ولا قيام الليل ، ولكن زلت قدمه بمخالفة بسيطة ، استيقظ متأخراً ، طبعاً هو ما فقد شيئاً ولكنه يحلل الأمور ؛ لماذا لم يستيقظ اليوم على صلاة الصبح ؟ لأنه وقع بمخالفة بسيطة ..
عبدي لا تعصني في النهار أوقظك في الليل ، إياك أن تعصني في النهار ، إذا الإنسان نام على طهارة يستيقظ على طهارة في الوقت المناسب ، أما إذا نام على غير طهارة فلن يستيقظ ، وانتهى الأمر .
فلذلك الذي نرجوه والله لا نريد حمداً ولا شكورا ولا ثناء ، ولكن حقائق ، قوانين، فهذا المفتاح لهذا الباب ، فهل يفتح قفل الباب بمفتاح آخر ؟ لا ، الطريق مسدود ، فكل باب له مفتاح توفيراً للوقت والجهد ، وكل واحد منا له هذا السؤال الدقيق : كيف مضت السنوات السابقة من حياته ؟ طبعاً في أربعين ، في ثلاثين ، في خمس وعشرين ، في خمس وأربعين ، في خمس وخمسين ، في ستين ، ولكن بالستين يكبرون ، فهل هناك ستون سنة أخريات ؟ هذه بعيدة جداً هذه الستين ، خمسين سنة أيضاً بعيدة ، فهؤلاء الناس الذين نزلوا في قبر واحد ، اسأل : أخي كم عمره ؟ يقول لك : خمسة وستون ، اثنتان وسبعون ، سبعة وستون ، ثمانية وستون ، أربعة وخمسون ، تسعة وأربعون ، ثمانية وثلاثون . معنى هذا إذا أخذنا أحسن احتمال، لا مرض ، ولا حادث ، ولا شيء ؛ لكن فقط للستين معنى ذلك وأغلب الظن أقل من مرض ، ولو كان هذا الكلام يبعث في القلب القشعريرة ، ما بقي أقل مما مضى ، هناك قبر، البارحة عزينا شخصاً ، طبعاً بيته ، غرفة نومه ، غرفة ضيوفه ، حاجاته ، أين هو الآن ؟ تحت التراب ، و ليس هناك أحد أحسن من أحد ، اقرأ تاريخ الملوك ، الجبابرة ، الوزراء ، الأغنياء ، الحكَّام ، المحكومين ، العلماء ، الجهَّال ، الأنبياء كلهم تحت الثرى .
الآن نحن في سنة ألف وتسعمئة وأربع وثمانين ، سنة ألفين وخمسمئة لا يوجد إنسان على وجه الأرض منا كلنا سيعيش ، كلنا سنموت ، يمكن أن يكون هناك مصلون جدد ، وأجيال آخرى ، أما فنحن تحت التراب ، كل شيء دنيوي لا يفيد يفيد ، مرة أخ يحضر معنا والله وتوفي ، وحضرت جنازته ، وقام رجل وأبَّنه ، فقال : إن هذا الرجل كان مؤذِّناً فهل كان يقول : إن بيته فخم ؟ لا يقولها ، أو كان بيته مزيَّناً بالجبصين ؟ كان يملك سيارتين ، واحدة للسفر وواحدة للحريقة ؟ لم يتكلم بهذا ، ولا سافر لأسبانيا وقعد في فندق خمس نجوم ، لا لم يقل شيئاً من ذلك ، ذهب إلى هولندا ، ذهب إلى أوروبا ، زوج خمس بنات ، عمل كتاب ابنته في أفخر فندق ، ليس لكل هذا الكلام طعم ، فما يدريك بهذا الإنسان إذا وزناه بالميزان ؟ قال : كان يؤذِّن، وهذه الكلمة تركت في نفسي أثراً كبيراً جداً ، أنه اعمل عملاً يحكى به عند الموت واعرف أن أربعة أخماس أعمالنا ، تسعة أعشار أعمالنا، تسعة وتسعين بالمئة من أعمالنا ليس لها ذكر إطلاقاً ، إذا كنت بطلاً اعمل عملاً يحكى عند القبر ساعة عن أعمالك الصالحة ، عن الذين اهتدوا على يديك .
تعريف الناس بالله عز وجل :
الإنسان أحياناً يكون أمة ..
﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً ﴾
[ سورة النحل: 120 ]
أمة ، هو لوحده أمة ، أي إذا الواحد خرج لمستوى .. ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا ﴾
[ سورة فصلت: 30 ]
إلى مستوى .. ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾
[ سورة فصلت الآية : 33 ]
فوالله الذي لا إله إلا هو أحياناً أجد أخاً عنده رغبة جامحة أن يدعو إلى الله فيقول: إن هذا الأخ أحضرته لك ، وهذا أقنعته بالحضور ، وهذا كان يحضر وغاب ، ونحن سألنا عنه فكان مقصراً فعاوناه . والله أنا أغبط هذا الأخ ، بالإسلام لا توجد مراتب دينية ، ولا يوجد تهميش ، أقل إنسان هو داعية ، ألا يوجد حولك أقارب ؟ ألا يوجد جيران ؟ أليس لك أصحاب ؟ أليس لك أصهار ؟ أليس لك إخوان في الله ؟ أليس لك أبناء ؟
ماذا تفعل ؟ أقنعهم . ماذا أقول لهم ؟ يا عيني ثماني سنوات حضور مجالس علم وما عندك إمكان أن تتكلم ساعة عن الله !! قالوا في التدريس : المدرس الناجح يجب أن يتكلم ساعات طويلة كلاماً ممتعاً جداً من دون تحريف . أي هناك أشياء يعقلها ، الآن قل لنفسك : كم آية يمكن أن أتكلم بها وأشرحها للناس ؟ هذا القرآن ، اعمل امتحاناً ، النبي الكريم كان يمشي على رؤوس أصابعه لما توفي سيدنا سعد ، قال : (( اسْتَغْفِرُوا لأَخِيكُمْ وَسَلُوا لَهُ بِالتَّثْبِيتِ فَإِنَّهُ الآنَ يُسْأَلُ ))
[أبي داود عن عثمان بن عفان ]
ماذا يظن الناس ؟ يقولون : كلها خمس كلمات .. من ربك ؟ الله ، حافظها عن غيب ، من نبيك ؟ محمد ، ما دينك ؟ الإسلام . لا ، القرآن كتابك ، ماذا تحفظ منه ؟ الآن اعمل فحصاً لنفسك ، أنت إذا أردت أن تجلس مع إنسان ، وامتحنته بكتاب الله ، كم آية تقدر أن تتكلم في الصلاة ؟ تفضل ، والله ليسوا في بالي ، كم حديث شريف تحفظ ويمكنك أن تفسره للناس ؟ امتحن نفسك ، اجلس مع إنسان وادعه إلى الله فماذا تحكي له ؟
الآن يقول لك : صلِّ ، أي إنسان ممكن أن يقول لك : صلِّ ، ممكن أن تقول لإنسان : يا بني صلّ . فيقول لك : لا أريد أن أصلي . هذه أليست دعوة إلى الله ؟ الصلاة من حق الله ، لكن عرفه بالذي يصلي له أولاً ، تقول له : صلِّ ، ولكن لمن ؟ لله .
حكى لي أخ بالمحكمة ، دخل شخص دعا عليه دعوى وهي كيدية ، قال له : وكِّل الله . فقال له : أين الله لأوكِّله ؟ ألم يمل مني ويعذبني ؟ وهو يصلي ، فهذه الصلاة لا تفيده ، لكن عرف الناس بالله . لكل شي حكمة :
يجب أن تعرف الإنسان بالله بحيث يرى رحمته ، يرى حكمته ، يرى حكمته بالفيضانات، بالكوارث ، وبنزول القحط ، يقول لك : كيلو اللحم يباع على طريق حماة أو حمص بأربع ورقات. انظر إلى عين الرحمة ، أناس غافلون هزهم ربنا هزة قوية ، لم يعد هناك كهرباء ، فكل شيء أصبح لا يدور ، ألا تريد ماء لدوران الآلات ؟ لا يوجد ماء .
الإنسان عندما يريد أن يرى حكمة ربنا ورحمته يراها بالقحط والخير ، بالشدة والرخاء ، بالصحة والمرض ، أحياناً ترى آلة لكن الإله لم نره ، قال لي شخص : هذه الآلة لا تفنى أبداً ، وربنا عز وجل ما كان قادراً على أن يعمل لنا قلباً لا يمرض أبداً !! لا ذبحة ولا جلطة ولا احتشاء عضلي ، أليس قادراً على أن يصنع قلباً لا يصاب بالمرض ، المرض فيه حكمة ، يجب أن أن تكشف حكمة ربنا بالمرض ، هذه آية الشمس جعلها الله تدور ولا تظل ثابتة ، من الذي قال هناك دعاء للدوران ؟ لا يوجد دعاء دوران ، لا يوجد دعاء لشروق الشمس، الشمس تشرق كل يوم ، هناك أشياء ثبتها الله و لم يحركها ، مثلما ثبت الدوران ، وثبت الشروق ، كان ممكن أن يثبت هطول الأمطار تماماً ، الشام فيها ألف وخمسمئة مليمتر إلى أبد الآبدين ، هل بقي هناك دعاء استسقاء ؟ لا حاجة للدعاء ، صار هناك استغناء عن الله عز وجل .
معنى هذا أن المرض فيه حكمة ، القحط له حكمة ، الفقر له حكمة ، الفقر ليس تقنين عجز ؛ تقنين معالجة ، إذا كان هناك إنسان والده ملك ، وصار معه التهاب أمعاء قال له الطبيب : فقط يجب أن يأكل الكوسا مسلوقاً . فهل أبوه ليس عنده إمكانات أن يطعمه كوسا محشي باللحم والسمن ؟! يقدر ، لكن هذا معالجة ، هذا تقنين معالجة وليس تقنين عجز أو فقر.
مرة خطر في بالي خاطر : لماذا يوجد غنى وفقر في الأرض ؟ لو لم يكن هناك غنى وفقر أليس هذا أفضل ؟ لا يمكن ، قلت : لو كان هناك أب عنده خمسة أولاد أحضر لهم كيسين برتقال ، كل كيس ثمنه خمسة وعشرون ليرة ، أصبح ثمنهم خمسين ليرة ، ووضعهم بالغرفة ، هل تعرف الأمين من الذي يأخذ كل شي لنفسه ؟ هل تعرف المنصف من غير المنصف ؟ تضيع الطاسة ، أما إذا أحضر الأب لهم عشر برتقالات ، إذا أكل الابن ثلاث برتقالات ، يحصل أخوه على واحدة ، إذا أكل الأخ أربع برتقالات جعل أخاه لا يأكل ولا برتقالة ، يأتي يأخذ الكبيرة ، وآخر يأخذ الصغيرة ، فالله إذا جعل البرتقال كله حجمه متساو ، لم يكن هناك نزاع، اختلاف القياسات صار فيه إظهار للفضائل .
حتى اختلاف الفاكهة كبيرة وصغيرة ، هذه تفاحة خدها أحمر ، الكل يحب التفاحة الحمراء هذه خدها أحمر أريد أن آخذها ، لا ، يأتي أخ يأخذها لوحده ، يأتي أخ ثان تفضل أنت كلها ، بابا تفضل أنت كلها ، هذه لها معنى ، نشأت محبة بين الأب وابنه ، اختار له أحسن تفاحة ، وجد واحدة خدها أحمر فلم يأخذها وأعطاني إياها ، لو كان كلهم خدهم أحمر ما بقي هناك شيء .
حتى الاختلاف بين الفاكهة له معنى ، المرض له معنى ، الصحة لها معنى ، إذا كان هناك شيء لم يذكره الله فهذا منتهى الحكمة ، صار يمشي في ذهني موضوعات جديدة أن الشيء الذي لم يقل عنه الله إطلاقاً فيه حكمة بالغة ، لو حكاه كان مثل الناس ، لو قال : نسبة الربح ثلاثة عشر ونصف بالمئة على الفاتورة ، هناك آية قرآنية بذلك ؟ وقال مثلاً : أخذت بضاعة كتب نصفها . هذا الصنف لم يبع معك ، فأنت تخسر ، ومعناها لا تستطيع أن تعيش ، هذه الله سكت عنها ، يجوز أنت عندك ستوكات ، وهناك شيء فاخر ، سعر يرخص ، وسعر يعلو ، هذا كله من حكمة الله عز وجل ، فلذلك الإنسان يجب أن يتحرك في موضوعات معينة، و عليه معرفة الله عز وجل لأنك أنت مصيرك معه .
هناك إنسان جالس مع زوجته ، هذا الزواج مؤقت ، كيف مؤقت ؟ هذه زيجة مواتية ، كيف مواتية ؟ هناك موت بعد ذلك ، فعلى قدر ما كانت هذه زيجة جيدة لابد من أن يفرق الموت بينكما ، قدر ما كان بيته جميلاً منتقى ، والله دخلت إلى بيت ، زاوية الشام كل جهاتها مفتوح ، آخذ شرقاً غرباً قبلياً ، كيف هذا المحضر لا أحد أمامه ولا خلفه ولا جانبه ورابع طابق ، دخلت إلى البيت ، لكن أين لا يوجد موت ؟ أريد أن أرى واحداً كهذا ، إن بنى له بيتاً يكون بمحل آخرته ، بباب الصغير ، بمقابر الدحداح ، ما ثمنه ؟ أما ترتيبه فرائع ، السجاد لونه خمري ، الثريات ، الشام مكشوفة كلها ، تريد أن ترى الشمس ؟ هناك واجهة شرقية ، تريد أن تراها بعد الظهر ؟ هناك واجهة غربية ، تريد أن ترى الشام كلها ؟ لكن آخر شيء لا بد من أن يموت ، يشيَّع إلى مثواه الأخير إلى الدحداح ، فالبطولة مع الأخير وليس مع المؤقَّت .
من فكر بالموت نقل اهتماماته من الدنيا للآخرة :
لذلك إذا فكر الإنسان بالموت ينضبط ، وتنتقل اهتماماته من الدنيا للآخرة ، بعد ما كان دنيوياً صار أخروياً ، يجب أن يكون الموت ماثلاً في أذهاننا كل يوم ..
(( من أصبح وأكبر همه الدنيا جعل الله فقره بين عينيه، وشتت عليه شمله، ولم يؤته من الدنيا إلا ما قدر له...))
[ الترمذي عن أنس]
الذي أرجوه من الأخوة الحاضرين أن يعمل كل شخص جرداً لحساباته ؛ فهل هناك مخالفات في بيته ؟ بناته ؟ زوجته ؟ هل عنده عدد من الأجهزة الكهربائية ؟
الآن كلنا نعرف هذا جهاز كهربائي مباح ، كأن يكون من نوع حماصة الخبز فلا مانع ، أما هل هناك أجهزة عنده من نوع آخر مثلاً ؟ من نوع يسبب فساداً أخلاقياً بالأسرة ؟ هذا الذي نريده منكم أن يأخذ الإنسان موقفاً عملياً ، ولا يبقى مقتنعاً ، قال : اللغة من وضاءتها ... أخي هل آتي لك بكأس من الماء ؟ من وضاءة اللغة إحداث الاستجابة .. ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ ﴾
[ سورة الأنفال : 24]
هذه الكلمة استغرقت موضوع الفقه وموضوع الحديث ، بقي القصة. * * *
ربيعة الرأي :
قصة اليوم لأحد التابعين ، ظهرت على ربيعة الرأي علامات النجابة منذ نعومة أظفاره ، وظهرت أمارة الذكاء في أفعاله وأقواله ، فأسلمته أمه إلى المعلمين ، وأوصتهم بأن يحسنوا تعليمه ، واستدعت له المؤدبين وحضتهم على أن يحسنوا تأديبه ، فما لبث كثيراً حتى أتقن الكتابة والقراءة ، ثم حفظ كتاب الله عز وجل ، الآن يقرأ أحدهم القرآن يكون معه ليسانس يقول لك : (يس) ما هذه يس ؟ يا و سين لا يعرف أن يقول : يا سين . يكون معه ليسانس ، أما طفل فيحفظ كتاب الله .
ثم حفظ كتاب الله عز وجل ، وجعل يرتله ندياً طرياً كما أنزل عل فؤاد محمد صلى الله عليه وسلم ، وروى عما تيسَّر له من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، واستظهر من كلام العرب ما يحسن بمثله أن يستظهر ـ ليست كهذه الألغاز كلها حفظها ، لا يوجد فيها شيء، قصص بوليسية تهيج المشاعر كلها ، يجب أن يكون للإنسان برنامج يقرأه ، هناك كتابات مثل السيف ـ
وعرف من أمور الدين ما ينبغي أن يعرف ، وقد أغدقت أم ربيعة على معلمي ولدها ومؤدبيه المال والجوائز إغداقاً ..
إن المعلم والطبيب كلاهما لا ينصحان إذا هما لم يكرما
* * *
أحياناً الأب يتكلم على معلم ابنه كلاماً بالبيت : هذا لا يفهم ؟ لا ، مثل أعلى لابنك ولو كان مخطئاً ، يجب ألا تتكلم بهذا الكلام أمام ابنك ، بعد ذلك يقل شأنه عنده ، انتبه، فإذا أكرمت المعلم ، بعثت له ببطاقة : نشكر اهتمامكم ورعايتكم ، ونتمنى له التوفيق في توجيهكم ، التوقيع الولي . المعلم بالنسبة له يجد أن هناك أهلاً يقدرون جهوده ، فيضاعف جهوده ، أما لماذا لم تعطه الوظيفة ؟ أريد أن أعمل للمعلم مشاجرة بالمدرسة ، ما هذا الأب !! إن المعلم والطبيب كلاهما لا ينصحان إذا هما لم يكرما
* * *
فكانت كلما رأته يزداد علماً تزيدهم براً وإكراماً ، وكانت تترقب عودة أبيه الغائب وتجتهد في أن تجعله قرة عينٍ لها وله ، لكن فروخاً طالت غيبته ، ثم تضاربت الأقوال فيه ، فقال بعضهم : أنه وقع أسيراً في أيدي الأعداء . وقال آخرون : إنه ما زال طليقاً يواصل الجهاد. وقال فريقٌ ثالث عائدٌ من ساحات القتال : إنه نال الشهادة التي تمناها . فترجح هذا القول الأخير عند أم ربيعة لانقطاع أخباره ، فحزنت عليه حزناً أمض فؤادها ، ثم احتسبته عند الله . الحرفة التي اختارها ربيعة لنفسه :
كان ربيعة يومئذٍ قد أيفع وكاد يدخل في مداخل الشباب ، فقال الناصحون لأمه : ها هو ذا ربيعة قد استكمل ما ينبغي لفتىً مثله أن يستكمله من القراءة والكتابة ، وزاد على أقرانه فحفظ القرآن وروى الحديث ، فلو تخيرت له حرفةً من الحرف فإنه لا يلبث أن يتقنها وينفق عليكِ وعلى نفسهِ مما تدره من خيرٍ . فقالت : أسأل الله أن يصير له ما فيه صلاح معاشه ومعاده ، إن ربيعة قد اختار العلم النافع .
الآن الآباء ... يكون الابن ليس له حب بالعلم ، يتعب و يتعب أهله ، إذا كان عندك ابن لا يوجد فيه أمل إطلاقاً ، اكسب عمره وضعه في مصلحة ، يكبر على المصلحة ، وهناك آباء بالعكس يكون ابنه عنده رغبة عالية بالدراسة ، يضعه عنده بالمحل ، هذا لا يجوز هذا الإنسان أين يحب ينبغ ، هناك أشخاص ينبغون نبوغاً هائلاً ، اتركه ماشي ، ادعمه، يبنغ بالدراسة ، اتركه ، ادعمه ، لمَ أنت تعاكس اتجاهه ؟ تعذب نفسك وتعذبه ، تريد أن تمشي سفينة على الأرض ، لا تمشي هذه تمشي على البحر .
ترجو النجاة ولا تسلك مسالكها إن السفينة لا تجري على اليبس
* * *
وعزم على أن يعيش متعلماً ومعلماً ما امتدَّت فيه الحياة ، مضى ربيعة في طريق اختطها لنفسه غير وانٍ ولا مقصرٍ ، وأقبل على حلقات العلم التي كان يزخر بها مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يقبل الظمآن - جمع ظامئ - على الموارد العجاف ، ولزم البقية الباقية من الصحابة الكرام وعلى رأسهم أنس بن مالك خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأخذ عن الرعيل الأول من التابعين ، وفي مقدمتهم سعيد بن المسيب ، ومكحول الشامي ، وسلمة بن دينار ، وواصل كلال ليله بكلال نهاره حتى أنهكه الجهد ، فإذا كلمه أحدٌ في ذلك ودعاه إلى الرفق بنفسه قال ربيعة : سمعنا أشياخنا يقولون : العلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك ، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً .
الآن بالتجارة إذا كنت فتحت محلاً تجارياً في منطقة نائيَّة لن تربح شيئاً ، إذا كنت حسنته أكثر تربح أكثر ، نقلته وعملته بالمدينة تربح أكثر، إذا كان هناك بضاعة نادرة تربح أكثر ، أكثرت البضاعة تربح أكثر ، العلم بالعكس ، تريد أن تبذل كل شيء لتنال شيئاً ، وإذا بذلت شي قليلاً لن تنال شيئاً أبداً ، هذه مشكلة العلم .
ثم ما لبث حتى ارتفع اسمه ، وبزغ نجمه ، وكثر إخوانه ، وأولع به تلاميذه ، وسوَّده قومه ، ولقد صارت حياة عالم المدينة هادئةً وادعةً ، فشطرٌ من يومه في داره لأهله وإخوانه ، وآخر في مسجد رسول الله لمجالس العلم وحلقاته ، ولقد مضت حياته متشابهةً حتى وقع فيها ما لم يكن في الحسبان . البشرى التي زفت لأم ربيعة و الفزع الذي دخل قلبها :
في ذات عشيةٍ من عشيات الصيف المقمرة ، بلغ المدينة المنورة فارسٌ في أواخر العقد السادس من عمره ، ومضى في أزقتها راكباً جواداً قاصداً داره ، وهو لا يدري إن كانت داره ما تزال قائمةً على عهده ، أم أن الأيام قد فعلت بها فعلها ، مضى على غيابه أعواماً طويلة وكان يسائل نفسه عن زوجته الشابة التي خلَّفها في تلك الدار ما فعلت ؟ وعن جنينها الذي كانت تحمله بين جوانحها أوضعته ذكراً أم أنثى ؟ أحيٌ هو أم ميت ؟ وإذا كان حياً فما شأنه ؟ وعن ذلك المبلغ الكبير الذي جمعه من غنائم الجهاد وتركه وديعةً عندها ، حين مضى مجاهداً في سبيل الله مع الجيوش الإسلامية المتوجهة لفتح بخارى وسمرقند وما جاورها ؟
ولقد كانت أزقة المدينة وشوارعها ما تزال عامرةً بالغادين والرائحين، فالناس لم يفرغوا لصلاة العشاء إلا وشيكاً ، لكن أحداً من هؤلاء الناس الذين مرّ بهم لم يعرفه ، ولم يأبه له ، ولم يلتفت إلى جواده المطهم ولا إلى سيفه المدلَّى ، فسكان المدن الإسلامية كانوا قد ألفوا منظر المجاهدين الغادين إلى القتال في سبيل الله ، أو العائدين منه .
لكن ذلك كان فضلاً في إثارة حزن الفارس وازدياد وساوسه ، وفيما هو كان سابحاً في أفكاره هذه ، ماضياً يتلمس في تلك الأزقة التي عراها التغير وجد نفسه أمام داره ، والباب مفتوح ، دخل والابن ما عرفه ، وجد إنساناً داخل البيت ، صاح به ، الأم استيقظت وأطلت من نافذة عليتها فرأت زوجها بشحمه ولحمه ، فكادت تعقد الدهشة لسانها ، لكنها ما لبثت أن قالت : دعه يا ربيعة ، دعه يا ولدي إنه أبوك ، انصرفوا يا قوم بارك الله عليكم ، حذارِ يا أبا عبد الرحمن إن هذا الذي تتصدى له هو ولدك ، وفلذة كبدك .
فما كادت كلماتها تلامس الآذان ، حتى أقبل الابن على أبيه يقبله ، وأقبل الأب على ابنه يضمه ، وانفض عنهما الناس ، ونزلت أم ربيعة تسلم على زوجها الذي ما كانت تظن ظناً أنها ستلقاه على هذه الأرض بعد أن انقطعت أخباره مدةً كثيرة .
جلس فروخ إلى زوجته ، وطفق يحدثها عن أحواله ، ويكشف لها عن أسباب انقطاع أخباره ، ولكنها في شغلٍ شاغل عن كثيرٍ مما يقول ، فلقد نغَّص عليها فرحتها بلقائه واجتماع شمله بولده خوفها من غضبه على إضاعة كل ما أودعه لديها من مال ، مبلغ طائل ثلاثمئة ألف ليرة ، ترك لها ثلاثين ألف دينار ، ثلاثمئة ألف ليرة مبلغ ضخم جداً .. كانت تقول لنفسها : ماذا لو سألني الآن عن ذلك المبلغ الكبير الذي تركه أمانةً عندي ، وأوصاني أن أنفق منه بالمعروف ؟ ماذا سيكون منه لو أخبرته أنه لم يبق منه شيء ؟ أيقنعه قولي هذا ، إنني أنفقت ما تركه عندي على تربية ابنه وتعليمه ؟ وهل تبلغ نفقة ولدٍ ثلاثين ألف دينار ؟ أيصدق أن يد ابنه أندى من السحاب وأنه لا يبقي على دينارٍ ولا درهمٍ ، وأن المدينة كلها تعلم أنه أنفق على إخوانه الآلاف المؤلَّفة ، وفيما كانت أم ربيعة غارقةً في هواجسها ، التفت إليها زوجها وقال: لقد جئتك يا أم ربيعة بأربعة آلاف دينار ، فأخرجي المال الذي أودعته عندكِ لنضم هذا إليه ، ونشتري بالمال كله بستاناً أو عقاراً نعيش من غلته ما امتدت بنا الحياة .
فتشاغلت عنه ولم تجبه بشيء ، فأعاد عليها الطلب وقال : هيا أين المال حتى أضم إليه ما معي ؟ فقالت : لقد وضعته حيث يجب أن يوضع - كلام بليغ واضح - لقد وضعته حيث يجب أن يوضع ، وسأخرجه لك بعد أيامٍ قليلة إن شاء الله .
وقطع صوت المؤذن عليهما الحديث .
المنزلة التي وصل إليها ربيعة الرأي :
هب فروخ إلى إبريقه فتوضأ، ثم مضى مسرعاً نحو الباب وهو يقول : أين ربيعة ؟ ابنه .
قالوا : سبقك إلى المسجد منذ النداء الأول ، ولا نحسب أنك تدرك الجماعة .
بلغ فروخ المسجد فوجد أن الإمام قد فرغ وشيكاً من الصلاة ، فأدى المكتوبة ، ثم مضى نحو الضريح الشريف - أي ضريح النبي الكريم - فسلم على رسول الله صلوات الله وسلامه عليه ، ثم انثنى نحو الروضة المطهرة ، فقد كانت في فؤاده أشواقٌ إليها وحنينٌ إلى الصلاة فيها ، فتخير لنفسه مكانٌ في رحابه النضرة ، فصلى ما شاء الله أن يصلي ، ثم دعا بما ألهم أن يدعو ، ولما همَّ بمغادرة المسجد وجد باحته قد غُصَّت على رحبها بمجلسٍ من مجالس العلم لم يشهد له نظيراً من قبل ، ورأى الناس قد تحلَّقوا حول شيخ المجلس حلقةً إثر حلقة ، حتى لم يتركوا في الساحة موطئاً لقدم ، وأجال بصره في الناس فإذا فيهم شيوخ معممون ذو أسنان ، ورجالٌ متوقِّرون تدل هيئاتهم على أنهم ذوي أقدار، وشبان كثيرون قد جثوا على ركبهم وأخذوا أقلامهم بأيديهم ، وجعلوا يلتقطون ما يقوله الشيخ كما تلتقط الدرر ، ويحفظونه في دفاترهم كما تحفظ الأعلاق النفيسة ، وكان الناس متجهين بأبصارهم إلى حيث يجلس الشيخ منصتين إلى كل ما يلفظ من قولٍ حتى لكأن على رؤوسهم الطير .
وكان المبلغون ينقلون ما يقوله الشيخ فقرةً فقرة فلا يفوت أحداً شيءٌ من كلامه مهما كان بعيداً – لم يكن هناك إضاءة شديدة - هناك شيخ بعيد يحكي ، وحاول فروخ أن يتبين صورة الشيخ فلم يفْلح ، لموقعه منه وبعده عنه ، لقد راعه منه بيانه المُشرق ، وعلمه المتدفق ، وحافظته العجيبة ، وأدهشه خضوع الناس له وما هو إلا قليل حتى ختم الشيخ مجلسه ونهض واقفاً .
فهب الناس متجهين نحوه ، وتزاحموا عليه ، وأحاطوا به ، واندفعوا وراءه يشيِّعونه إلى خارج المسجد .
وهنا التفت فروخ إلى رجلٍ كان يجلس بجانبه وقال : قل لي بربك من الشيخ ؟
ـ فقال الرجل باستغراب : أولست من أهل المدينة ؟
ـ قال فروخ : بلى .
ـ قال الرجل : وهل في المدينة رجلٌ واحد لا يعرف الشيخ ؟
ـ قال فروخ : اعذرني إذا كانت لا أعرفه ، فقد أمضيت نحواً من عمري بعيداً عن المدينة ولم أعد إليها إلا أمسِ .
ـ قال الرجل : لا بأس ، اجلس قليلاً أحدثك عن الشيخ . ثم قال : إن الشيخ الذي استمعت إليه سيدٌ من سادات التابعين ، وعلمٌ من أعلام المسلمين ، وهو محدِّث المدينة ، وفقيهها وإمامها على الرغم من حداثة سنِّه .
ـ فقال فروخ : ما شاء الله لا قوة إلا بالله .
ـ وأتبع الرجل كلامه : وإن مجلسه يضم كما رأيت مالك بن أنس - سيدنا مالك قاعد يستمع إليه - وأبو حنيفة النعمان ، ويحيى بن سعيد الأنصاري ، وسفيان الثوري ، وعبد الرحمن الأوزاعي ، والليث بن سعد ، وغيرهم وغيرهم .
ـ فقال فروخ : غير أنَّك لم تذكر لي اسمه وسكت .
لكن الرجل لم يتح له فرصةً لإتمام كلامه فقال :ـ وهو فوق ذلك كله سيدٌ كريم الشمائل ، موطَّأ الأكناف ، سخي اليد ، فما عرف أهل المدينة أحداً أوفر منه جوداً لصديقٍ وابن صديق ، ولا أزهد منه في متاع الدنيا ، ولا أرغب منه بما عند الله .
ـ فقال فروخ : ولكنك لم تذكر لي اسمه ؟
ـ فقال الرجل : إنه ربيعة الرأي .
ـ قال فروخ : ربيعة الرأي ؟!
ـ قال الرجل : نعم ، إن اسمه ربيعة ، لكن علماء المدينة وشيوخها دعوْه ربيعة الرأي لأنهم كانوا إذا لم يجدوا لقضيةٍ نصاً في كتاب الله أو حديث رسول الله لجؤوا إليه ، فيجتهد في الأمر ويقيس ما لم يرد فيه نصٌ على ما ورد فيه نص ، ويأتيهم بالحُكم فيما أشكل عليهم على وجهٍ تركن إليه النفوس وتطمئن إليه القلوب .
ـ فقال فروخ في لهفة : ولكنك لم تنسبه لي ؟!! ربيعة ماذا ؟
ـ فقال له : إنه ربيعة بن فروخ ، المُكَنَّى بأبي عبد الرحمن ، لقد ولد بعد أن غادر والده المدينة مجاهداً في سبيل الله ، فتولَّت أمه تربيته وتنشئته، وقد سمعت الناس قبيل الصلاة يقولون : إن أباه عاد الليلة الماضية .
عند ذلك تحدَّرت من عيني فروخ دمعتان كبيرتان لم يعرف لهما الرجل سبباً ، ومضى يحث الخطا نحو بيته ، فلما رأته أم ربيعة والدموع تملأ عينيه قالت :
ـ مالك يا أبا ربيعة ؟
ـ قال : ما بي إلا الخير ، لقد رأيت ولدنا ربيعة في مقامٍ من العلم والشرف والمجد ما رأيته لأحدٍ من قبل .
فاغتنمت أم ربيعة الفرصة وقالت : أيهما أحب إليك ثلاثون ألف دينار أم هذا الذي بلغه ولدك من العلم والشرف؟
ـ قال : بل هو أحب إلي ، وآثر عندي من مال الدنيا كله .
ـ قالت : لقد أنفقت ما تركته عندي عليه فهل طابت نفسك بما فعلت ؟
ـ قال : نعم ، وجُزيت عني وعنه وعن المسلمين خير الجزاء .
لذلك النبي الكريم قال :
(( إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلاثَةٍ ؛ إِلا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَه ))
[ مسلم عن أبي هريرة ]
فالذي عنده ابنه يصب عليه كل اهتماماته ؛ يعلمه ، ويزكيه ، ويكرمه ، ويدلله ، ويأخذه معه ، وينصحه ، وينزل لمستواه ، ويتصابى له، فلا تعرف إن كبر الابن قد يكون عالماً مخلصاً، أو مصلحاً اجتماعياً ، ينقذ البشرية من ضلالها ، لا تعرف ، فأثمن شيء بالحياة أن يكون للإنسان ابن كهذا ، فالله عز وجل يرزقنا أولاداً صالحين .. ﴿ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً ﴾

السعيد 09-09-2018 08:39 AM

رد: الفقة الاسلامى 2
 
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الثالث العاشر )

الموضوع : العقيدة الصحيحة طريق نجاة الانسان




الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
الأمور باطنها و ظاهرها بيد الله عز وجل :
لبعض العلماء الأفاضل فصلٌ في العقيدة الصحيحة ، لكن الشيء الذي يلفت النظر في هذا الفصل أنه مأخوذٌ حصراً من كتاب الله عز وجل .
فالعقيدة الصحيحة أن الله سبحانه وتعالى وصف نفسه بأنه رب العالمين ، مقام الربوبية يختلف عن مقام الألوهية ، فالله خالقٌ ، وربٌ ، وإله ، من معاني الرب أنه المُمد فحينما يمدُّ الإنسان بما يحتاج إليه إنه رب العالمين ، وليس رب البشر وحدهم ؛ ولكنه رب جميع العوالم في الكون ، إذاً وصف نفسه فقال :
﴿ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾
[سورة الفاتحة: 2]
وأنه مالك أو : ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾
[سورة الفاتحة: 4]
في الدنيا الأمور على حقيقتها بيد الله عز وجل ، وفي ظاهرها قد تكون بيد زيدٍ أو عبيد . . ﴿ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى ﴾
[ سورة الأنفال : 17 ]
﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾
[ سورة الفتح: 10 ]
ولكن في الآخرة تكون الأمور في الباطن وفي الظاهر بيد الله عز وجل . إعطاء الله البشر فرصة لإظهارهم على حقيقتهم :
لذلك هذا اليوم يوم الفصل ، يوم القيامة ، مالكه الله رب العالمين ، وأنه يستهزئ بالمنافقين ، واستهزاء الله عز وجل بالمنافقين بمعنى آخر أي يحتقر عملهم ، والإنسان في الدنيا إذا كان كاملاً ورأى عملاً سخيفاً ، أو عملاً فيه أذى ، أو فيه فساد ، أو فيه بغي يحتقر هذا العمل ، من علامة المؤمن الكامل في الدنيا أنه يحتقر كل عملٍ منحط ، هذا معنى الاستهزاء ، وأنه يستهزئ بالمنافقين فقال :
﴿ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ﴾
[ سورة البقرة: 15]
وأنه يمدُّ المنافقين : ﴿ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾
[ سورة البقرة: 15]
الإمداد له معنى آخر ، الله سبحانه وتعالى يقول : ﴿ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى ﴾
[ سورة طه: 129]
أي أن ربنا عز وجل في الدنيا أعطانا فرصة ، كي نعبر عن ذواتنا ، كي نظهر حقيقتنا ، فلو أن الله سبحانه وتعالى عجَّل على الكافرين فقضى عليهم ، تكون هذه الفرصة لم تعطَ إليهم تماماً لذلك : ﴿ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ ﴾
[ سورة طه: 129]
هذه الكلمة أنه أعطى للكفار ولبني البشر كافةً فرصةً كي يظهروا على حقيقتهم .
هذا السؤال الذي يخطر في بال الإنسان : فلان أحياناً يفجر ، أحياناً يطغى ، أحياناً يبغي ، يتجاوز حدود البشر ، كيف أبقاه الله عز وجل ؟
الجواب : أن الله سبحانه وتعالى بعث بنا إلى الدنيا كي تظهر حقيقتنا ، فلو فرضنا طالباً دخل امتحاناً ، المعلم يعرفه أنه لن ينجح لشدة كسله ، دخل أول مادة ، هل بإمكان المعلم أو هل المعلم يمنع هذا الطالب من دخول الامتحان لعلمه به ؟ الجواب: لا ، لو أنه حرمه الامتحان لقال : يا أستاذ أنا سأنجح ، أنا حضرت . يعطى الطالب الفرصة الكافية لتقديم جميع مواد الامتحان ، من أجل أن ينكشف على حقيقته . . ﴿ لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ ﴾
[ سورة الأنفال : 42]
فهذا الذي يجعل الله سبحانه وتعالى يعطي للكفار الطغاة مهلةً من جهةٍ كي يظهروا على حقيقتهم ، ومن جهةٍ أخرى لعلهم يهتدون . . ﴿ اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً ﴾
[ سورة طه: 43 -44 ]
وأنه يذهب بنورهم فيتركهم في ظلماتٍ لا يبصرون ، الحقيقة النور نور الهدى ، ولا يعرف هذا إلا المؤمن ، المؤمن على شيء من النور الإلهي ، مستبصر ، يرى الخير خيراً والشر شراً ؛ لكن المنافق والفاجر والكافر يرى الخير شراً ، ويرى الشر خيراً ، فيكفي أن يتباهى الإنسان بالمعصية ، أعمى ، سيدنا يوسف ماذا رأى في الزنا ؟ رأى نتائجها الوخيمة فقال : ﴿ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ﴾
[ سورة يوسف: 23]
أما الأعمى فيراها مغنماً ، وقد ينتهي ، وقد يسفل به إلى أسفل سافلين. من امتلك رؤية صحيحة نجا في الدنيا و الآخرة :
إذاً الإنسان عندما يكون في الدنيا مزوَّداً بنور إلهي ، معنى ذلك أنه يرى الخير خيراً والشر شراً ، فأخطر شيء في الدنيا أن تمتلك رؤيةً صحيحة .
لذلك الإنسان الجاهل يرى المال الحرام مكسباً ، مغنماً ، ولا يدري أن الله سبحانه وتعالى سوف يذهب له هذا المال بأساليب عديدة ، لا يدري ، الحديث الشريف :
(( من أصاب مالاً من نهاوش أذهبه الله في نهابُر ))
[ابن النجار عن أبى سلمة الحمصى]
معنى مهاوش أي أدق تعبير لها في اللغة العامية بالهيلمة ، هناك كسب شرعي وفق جهد ، وهناك عدوان على الكسب ، الإنسان أحياناً يعتدي على كسب الآخرين بأساليب ؛ إما أن يخيفهم ، وإما أن يخدعهم ، وإما أن يدلِّس عليهم ، فكسب المال على نوعين ؛ إما أن تكسبه بجهدٍ حقيقي فهذا هو الكسب المشروع ، وإما أن تكسبه بطريقةٍ من الطرق غير المشروعة، قد تكون بالخداع ، وقد تكون بالضغط ، وقد تكون بالتخويف ، معنى : (( من أصاب مالاً من نهاوش أذهبه الله في نهابُر ))
[ابن النجار عن أبى سلمة الحمصى]
هذا قانون أي يذهب نهباً ، أخذه بوسائل غير مشروعة يُذهب منه نهباً ، من يعرف هذا ؟ المؤمن ، فالمؤمن مستبصر أما غير المؤمن فأعمى . ﴿ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ ﴾
[ سورة البقرة : 19 ]
أي أن الكافر لجهله يظن أنه يفعل ما يشاء . . ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ﴾
[ سورة الأنفال: 36]
من أراد أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله :
الله سبحانه وتعالى بيده كل شيء ، أحياناً الكافر يظن نفسه يفعل ما يشاء ، لكن مشيئته موظفةٌ عند الله عز وجل ، لا يفعل إلا ما يسمح الله من مشيئته أن يحدث ، و . .
﴿ وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾
[ سورة الحج : 6]
إن كانت قدير من فعل التقدير ، تقديره تقدير حكيم عليم ، وإن كان القدير من فعل قدر ، وقدر من القدرة ، فهو على كل شيءٍ قدير ، لذلك إذا أردت أن تكون أقوى الناس فتوكل على الله . . ﴿ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾
[ سورة البقرة: 37]
تواب صيغة مبالغة ، أي كثيراً ما يقبل التوبة عن عباده . . ﴿ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ﴾
[ سورة الجمعة: 7]
﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ﴾
[ سورة إبراهيم: 42]
﴿ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ ﴾
[ سورة البقرة: 98]
طبعاً الله سبحانه وتعالى يكره عملهم ، لا يكرههم بالذات ، يكره عملهم ، وأدق مثل أن الأب قد يكره عمل ابنه ، ومع ذلك يرعاه ويعطف عليه ويقدم له حاجاته وينصحه ، ولكنه يكره عمله ، فإذا عاد إلى رشده أحبه ورفع شأنه . ﴿ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾
[ سورة آل عمران: 105 ]
النعم التي أنعم الله بها على الإنسان :
أي . .
﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً ﴾
[ سورة الإنسان : 1 ]
الله سبحانه وتعالى تفضل علينا بنعمة الإيجاد ، لولا مشيئة الله عز وجل بإيجادنا من نحن ؟ نحن لا شيء ، إذاً هناك نعمة الإيجاد ، لمَ أوجدنا ؟ ليسعدنا ، ولذلك خلقهم . . ﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾
[ سورة هود : 119 ]
وتفضل علينا بنعمة الإمداد ، هذه الثانية ، وتفضل علينا بنعمة الإرشاد ، خلقنا وأمدنا وهدانا ، لذلك قالوا : ﴿ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾
[ سورة المائدة: 6 ]
تمام النعمة الهدى . . ﴿ فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ﴾
[ سورة الفجر : 15 ]
إن كان المال من دون هدىً فليس إكراماً ؛ بل هو امتحان . ﴿ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾
[ سورة المائدة: 40ٍ ]
وأنه تعالى له وجهٌ . . ﴿ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾
[ سورة القصص : 88]
له وجهٌ ، قد يبتغي الإنسان بعمله وجه الله عز وجل ، والمرء يوم القيامة ينظر إلى وجه الله عز وجل ، وأن وجهه . . ﴿ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا﴾
[ سورة البقرة: 115]
أي أينما جلست وتوجهت إلى الله فثم وجه الله . .
يا موسى أتحب أن أسكن معك بيتك ؟ قال : كيف ذلك يا رب ؟! قال : أما علمت أنني جليس من ذكرني ، وحيثما التمسني عبدي وجدني ، وأن بديع السموات والأرض هو الذي أبدعها على هذا الشكل . إبداع الله عز وجل :
أنت لو فكرت الجبل الآن مألوف ، والشجر مألوف ، لكن من أبدع فكرة الجبل ؟ لولا الجبل لما عاش الإنسان ، الجبل فيه خزانات مياه عذبة ، لو الأرض كلها مسطحة ، صحارى ، من أين تأتي الينابيع ؟ فكرة الشجر ، أشجار للزينة ، أشجار حدودية ، أشجار للخشب ، أشجار للظل ، أشجار دائمة الخضرة ، أشجار متساقطة الأوراق ، أشجار مثمرة ، أنواع الفواكه ، هذا كله بفضل من ؟ بفضل الله عز وجل ، إذاً فكرة الإيجاد ، أحياناً يرسمون لك أشخاصاً يعيشون بالمريخ فالإنسان ليس عنده إمكان إلا أن يتخيل مخلوق له رأس ، ويدان ، ورجلان ، وجذع على أشكال متفاوتة ، إذاً من أبدع هذا النظام ؟ من أبدع شكل الكرة ؟ من أبدع شكل الدوران ؟ من خلق نظام الجاذبية ؟ من خلق الماء ؟ فكرة الماء قبل أن يكون الماء من أبدعها ؟ فكرة الهواء ، فكرة المعادن ، التربة ، إنبات النبات ، تحليق الطيور في الفضاء ، فكرة الأسماك من ابتدعها ؟
﴿ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾
[ سورة البقرة: 117]
الآن الغواصات مأخوذة من الأسماك ، الطيران تقليدٌ غير جيد للطائر ، أعظم طائرة صنعت حتى الآن تقليدٌ غير جيدٍ للطائر ، فكرة الطيران من ابتدعها ؟ الله سبحانه وتعالى ، فكرة الغَوص في البحر من ابتدعها ؟ الله سبحانه وتعالى ، فكرة الطاقة ، أنت تحتاج إلى طاقة كي تعيش ، لولا الطاقة لما تمايز الناس ، الإنسان يحتاج إلى الطعام ، والطعام يحتاج إلى كسب والإنسان في الكسب يبدو معدنه الحقيقي ، إما يكذب وإما يصدق ، إما يكسب مالاً حلالاً أو مالاً حراماً ، إما أن يكون متقناً لعمله أو غير متقن ، فأخلاق الإنسان تظهر في كسبه لرزقه ، لو تعمَّقت من أبدع نظام الزوجية ؟ ﴿ مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾
[ سورة هود: 40]
الله سبحانه وتعالى أبدع هذا النظام ، كان بالإمكان أن يخلق الناس كلهم دفعةً واحدة ويموتوا دفعةً واحدة ، ولكن هذا التدرج في الخلق والموت هذا يعطي الإنسان درساً كبيراً جداً ، أكبر موعظة للإنسان الموت ، فمهما كان الإنسان مكابراً ، حينما يرى إنساناً ميتاً ، خشبة لا تقوى على التحرك ، كان شيئاً مذكوراً فصار خبراً ، يكون الإنسان مخيفاً ، فقط عندما الله عز وجل يسحب الروح منه صار نعوة ، صار اسماً على نعوة ، صار حدثاً ، كان شيئاً مخيفاً صار خبراً ، قال الله تعالى : ﴿ وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ ﴾
[ سورة المؤمنون: 44]
من الذي خلق فكرة الموت ؟ فكرة التزاوج في الإنسان ، في الحيوان ، في النبات . . فالحيوانات من خلق هذه الفكرة ؟ الخروف تأكل لحمه ، لماذا جعله الله على شاكلتك ؟ فإذا أنت لم تدرس طب ، ولم تكن متخصصاً بأمور خلق الإنسان ألا تأكل لحماً ؟ ألا ترى القلب والكلاوي والكبد والمعدة والأمعاء والدماغ والشرايين والأوردة والعضلات والعظام والأوتار ؟ هذه ألا تراها أمامك كلها عند اللحام ؟ هناك علاقة بين خلق الإنسان وخلق الحيوان ، هذه العلاقة درس تعليمي لنا ، هذه معنى : ﴿ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾
[ سورة البقرة: 117]
فكرة أن الطفل محبوب ، لو كان الإله خَلْقه غير كامل ؛ قد يكون الطفل حجمه صغيراً أما عقله فناضج ، ما دام عقله ناضجاً بوقت مبكر لم يعد محبوباً ، ولكنه محبوب في براءته ، الأب يحب سذاجة ابنه أحياناً ، تفكيره المحدود ، يعجبه كل شيء ، يفرحه كل شيء ، فالبنت الصغيرة تمسك الوسادة تتصورها لعبة ، أن هذه ابنتها ، تضعها على صدرها تنيمها ، وهي وسادة ، لو كان الطفل عاقلاً ما كان محبوباً ، فكرة الطفل من خلقها ؟ الله عز وجل : ﴿ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾
[ سورة البقرة: 117]
أي على الله كل شيء سهل ، لذلك الإنسان عندما يكون مع الله يكون مع أقوى الأقوياء ، مع القوة المطلقة ، وإذا كان مع شركاء لله عز وجل ، مع الأضعف . . (( ما من عبد يعتصم بي دون خلقي أعرف ذلك من نيته ، فتكيده السموات بمن فيها إلا جعلت له من بين ذلك مخرجاً ، وما من عبد يعتصم بمخلوق دوني أعرف ذلك من نيته إلا قطعت أسباب السموات بين يديه ))
[ رواه ابن عساكر عن كعب بن مالك ]
الله تعالى عزيز حكيم :
﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾
[ سورة الصف : 4]
معنى العزيز أي لا ينال جانبه ، فإذا الطبيب نسي أن يسأل مريضه معك حساسية؟ أعطاه إبرة فصار معه صدمة ، يأتي المريض يفتح للطبيب هاتفاً يوبخه فيه ، الطبيب يخجل والله نسيت أن أسألك معك حق ، لم يعد الطبيب عزيزاً ، إذا صنعت صنعة وفيها خطأ ، فيها عيب ، وجاء زبون كشف العيب ، ووجه لك اللوم ، لم تصبح عزيزاً ، من معاني العزيز أن أحداً لا يستطيع أن ينال جانبه ؛ خلقه كامل ، تصرفه كامل ، حكمته مطلقة ، فأي خلل بالكون ، أي خلل بالتصرف ، لو ربنا عز وجل ما وجه لإنسان معالجات ، ما كان عزيزاً يوم القيامة ، العبد يقول له : يا رب لمَ لم تعالجني بالدنيا ؟ لمَ لم تذكرني ؟ لمَ لم تخوفني ؟ لمَ لم تبعث لي شيئاً يوقفني عند حدي ؟ يقول له الله : لا ، لقد سقت لك كل المعالجات . ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾
[ سورة الصف : 4]
عزيزٌ لأنه حكيم . الشعور بالخيانة و إنكار الجميل أصعب شعور :
وأنه يوفي العهد لمن وفىَّ بعهده . .
﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾
[ سورة التوبة: 111]
فما من شيء مؤلم مثل الخيانة ، مثل إنكار الجميل . . أعـلمه الرماية كـل يوم فلما اشتد ساعده رماني
وكم علمته نظم القوافي فلما قـال قافية هجانـــــي
* * *
لا يوجد شعور مؤلم في الحياة يوازي الشعور بالخيانة ، انظر إلى الأب أحياناً يضع كل أمله بابنه ، الابن أحياناً ينسى والده ، يغيب عنه أسبوعين يا أبت أين أنت ؟ والله مشغول ، ماذا تريد مني ؟ اطمئن لا يوجد شيء ، عندما يكون هناك شيء أنا أخبرك ، يتألم الأب ، هلك حتى رباه ، رآه كبيراً لم يعد يريده ، صار الابن يرى والده عبئاً عليه ، الإنسان عندما يتعلق بالله عز وجل ، الله وفي . . ينادى له في الكون أنَّا نحبه فيسمع من في الكون أمر محبنا
* * *
مسكين الكافر ، حالته يرثى لها ، أحياناً يتعلق بزوجته ، يضع كل أمله فيها ، ربنا عز وجل كذلك لحكمةٍ ربنا مضل ، يضله عنها ، من أسماء الله الحسنى أنه مضل ، يضع كل أمله فيها ، فتتنكر له أحياناً ، أين ذاهبة ؟ والله زائرة عند ابنتي ، وأنا أين ستتركيني ؟ تقول له: أأنت صغير ؟ يتألم ، أنا هكذا عاملتك من زمن ؟! كل إنسان يضع أمله بزوجة أو بولد أو ببنت الله عز وجل من أسمائه المضل ، فلحكمة بالغة يريه من هذا الشخص الذي أشركه مع الله عز وجل أعمالاً مزعجة ، أما المؤمن فثقته بالله وحده ، لذلك الله عز وجل يسخِّر له أعداءه فكيف بأصدقائه ؟ فلا يوجد أجمل من شيخوخة المؤمن ، لأنه سبحان الله كلما ازداد سني عمره يزداد مكانة ، يزداد هيبة ، يزداد عقلاً ، يرتفع شأنه ، تزداد محبة الناس له ، هذه من علامة الإيمان، و أما علامة من أمضى شبابه في معصية الله فأمامه شيخوخة متعبة كثيراً ، من عدة أيام هناك ثلاثة أشخاص عندما كنت صغيراً كانوا بمناصب حساسة بالتربية والتعليم ، لما يدخل أحدهم للمدرسة يبث الرعب والخوف ، والله الآن بوضع يرثى له ، يمشي على عكازة نصفين ، لا يدوم إلا الله عز وجل ، أما المؤمن فلو كان عمله طيباً جداً فله وضع آخر ، الشيخوخة مقياس الشباب ، الشاب المؤمن له شيخوخة سعيدة ، وغير المؤمن يدفع الثمن في الدنيا قبل الآخرة . فقال: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾
[ سورة التوبة: 111]
﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾
[ سورة الحج : 143]
الله تعالى يذكر من ذكره :
و الله عز وجل يذكر من ذكره . . إذا ذكرني عبدي في نفسه ذكرته في نفسي ، وإذا ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير من ملئه ، من فضل الله عز وجل أنك تدعو إلى الله ، والله عز وجل يجعل اسمك برَّاقاً نظيفاً ، لو فكر أحدهم أن يتكلم عليك ، يتصدى له أشخاص عديدون يسكتونه ، هذه من نعمة الله عز وجل ، لذلك في بعض الأبيات الشعرية بهذا المعنى :
وإذا أراد الله نشـــــــــــــر فضيلةٍ طويت أتاح لهــــــا لسان حسود
لولا اشتعال النار فيما جاورت ما كان يعرف طيب عرف العود
* * *
أي البخور . وأنه يذكر من ذكره فقال: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾
[ سورة البقرة: 152 ]
﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾
[ سورة البقرة: 249 ]
﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ ﴾
[ سورة البقرة: 158 ]
وأنه إلهٌ واحد ، هناك إله واحد ، وهناك إله أحد ، واحد أحد ، فردٌ صمد ، الإله الواحد أي لا إله إلا الله ، أما الإله الأحد فليس كمثله شيء ، واحد أي لا إله إلا هو ، أما أحد فليس كمثله شيء ، أحد عدد نوعي ، تقول : الطالب ترتيبه في النجاح الرابع ، ليس معناه هو أربعة ، هو رابع ترتيبه ، فوزن فاعل ، الأول ، الثاني ، الثالث ، الرابع ، الخامس ، هذا عدد نوعي ، عدد تقييم وترتيب وليس عدد كم ، أما أربعة فغير الرابع ، فإذا قلنا : إلهٌ واحد ، أي لا إله إلا هو ، أما إذا قلنا : إلهٌ أحد أي ليس كمثله شيء . . ﴿ وَيُبَيِّنُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾
[ سورة البقرة: 221 ]
﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾
[ سورة الأعراف: 55]
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴾
[ سورة التوبة: 194]
﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ﴾
[ سورة المائدة: 12]
معية الله معية مشروطة :
لكن ربنا عز وجل معيَّته مشروطة . .
﴿إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً﴾
[ سورة المائدة: 12]
الكلمة من كثرة الترداد غاب معناها عن الناس ، إذا قلت لأحدهم : الله معك . هل هناك قوة في الكون تستطيع أن تناله بالأذى . إذا كنت في كل حالٍ معي فعن حمل زادي أنا في غنى
* * *
إذ كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان الله عليك فمن معك ؟ لما الله عز وجل . . ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلَا مَرَدَّ لَهُ﴾
[ سورة الرعد: 11]
إذا ربنا أحب أن يهين إنساناً فهناك عذاب أليم ، و عذاب عظيم ، و عذاب مهين ، من يُهن الله فما له من مكرم ، العذاب المهين عذاب مادي وعذاب نفسي . ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾
[ سورة الأعراف: 55]
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴾
[ سورة التوبة: 194]
﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾
[ سورة آل عمران: 134 ]
﴿إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾
[ سورة الأعراف: 56]
تجليات ربنا عز وجل ، أنوار ربنا عز وجل ، عناية ربنا ، حفظ ربنا للمحسن ، لذلك . . (( صدقة السر تطفئ غضب الرب ))
[الجامع الصغيرعن ابن عباس ]
(( باكروا بالصدقة ، فإن البلاء لا يتخطى الصدقة ))
[الجامع الصغيرعن أنس ]
أي أن الله عز وجل بشكل مطلق مع المحسنين ، المحسن الله معه ، يسدده ، يحفظه ، يحفظ له أولاده ، يحفظ له ماله . ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾
[ سورة إبراهيم : 199]
أحياناً يأتي ببال الواحد خاطر ، الآن جاء بباله ، طرق بالعمود فجرح جبينه ، فهذا العامود ألا يراه ؟! سريع الحساب ، ينوي نية سوء ، يدفع ثمنها قبل أن ينفِّذها ، سريع الحساب ، يتوب إلى الله ، بمجرد أن يتوب يحس أن جبلاً انزاح عن كاهله ، يحس و كأنه صار خفيفاً ، فسبحان الله الصُلحة بلمحة . (( إذا رجع العبد إلى الله نادى منادٍ في السموات والأرض أن هنئوا فلاناً فقد اصطلح مع الله ))
[ورد في الأثر]
لمجرد أن يتوب الإنسان كأن ربنا عز وجل يشعره أنه قبِل توبته ، أنه قبله ، وأنه عفا عما مضى ، وأنه فتحت صفحةٌ جديدة ، والله سبحانه وتعالى يشعره أنه فرح به . (( لله أفرح بتوبة عبده من العقيم الوالد ، ومن الضال الواجد ، ومن الظمآن الوارد))
[ الجامع الصغير عن أبي هريرة ]
الأشياء التي يكرهها الله عز وجل :
﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾
[ سورة البقرة: 205 ]
لا يحب أن تتكلم عن نفسك ، تحزن الناس على أحوالهم ، لا يحب أن تفسد بين زوجة وزوجها ، ولا بين شريك وشريكه ، ولا بين أخ وأخيه ، لا يحب الله عز وجل أن تحبب الناس بالدنيا ، لا يحب أن تشجع إنساناً على معصية ، لا يحب أن تفصل ابناً عن أمه ، تقنع ابناً أن يسكن لوحده ، لا يحب الله عز وجل أن تعمل سوء علاقة بين أخين ، لا يحب أن تعمل سوء علاقة بين جارين ، لا يحب النمَّام ، لا يحب المغتاب ، لا يحب نقل الأحاديث ، لا يحب الفساد ، فكلما كمل إيمان الإنسان تجد كلامه مضبوطاً و موزوناً .
كان أحد الشيوخ - رحمه الله - لا يجرؤ إنسان أن يتكلم في مجلسه كلمة عن إنسان ، يقول له : " يا با أظلم قلبي " . ما هذه الكلام ؟ والله إذا انعدمت الغيبة في المجتمعات يصبح المجتمع جميلاً ، قال لي أخ : دور استمر سبع عشرة سنة ، أحباب ، أصحاب ، أصدقاء ، سبع عشرة سنة ، لا يوجد دور يستمر سنة إلا و ينتهي ، فسأل أحدهم ما سر استمرار هذا اللقاء ؟ فاكتشف الحاضرون شيئين : الأول: أنه لا غيبة في مجلسهم ، والثاني : لا نساء في مجلسهم . لا يوجد اختلاط إذا كان هناك اختلاط يكثر القيل و القال ، و الشقاق الزوجي ، ما دام هناك اختلاط أصبح هناك فساد ، وربنا عز وجل لا يحب الفساد ، هل يا ترى الله يحبني ؟ هل الشيء صعب ؟ هل هي لغز ؟ القرآن واضح : ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾
[ سورة آل عمران: 134 ]
﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ﴾
[ سورة البقرة: 222 ]
اجمعهم ؛ اثنتا عشرة آية . ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ ﴾
[ سورة البقرة:205 ]
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ ﴾
[ سورة الأنفال:58]
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ﴾
[ سورة لقمان : 18]
أنا مرة جمعتهم مع حذف التكرار ، لا يسبب فساداً للناس . محبة الله عز و جل للتائبين :
﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ ﴾
[ سورة البقرة: 222 ]
فإذا غلط الإنسان غلطة لا ييئس ، لا ينكمش ، يدفع صدقة فورية ؛ يا رب تبت إليك، الله يحب التوَّاب ، لا يحب التائب ، يحب التواب ، التواب اسم فاعل مبالغ به ، أي كثير التوبة ، المؤمن مذنبٌ تواب ، ليس معناها أن الذنب يعيده مرتين أو ثلاث ، هذا استهزاء بالله عز وجل ، أما هذه فكان لا يعرفها سابقاً ، بلغه أنها حرام فتركها على الفور ، هناك قضية ثانية لم يكن يعرفها أيضاً تاب عنها ، كلما اكتشف أن هناك خللاً في استقامته ، هناك شيء لا يرضي الله يتوب عنه على الفور ، معنى تواب أنه كلما اكتشف بحياته خللاً يتوب منه فوراً ، مثلاً: ليس من الأصول أن يتحدث الإنسان عن زوجته ولو أنها صالحة ، طبعاً الحديث عن شكلها هذا ديوث ، أما الحديث عن أخلاقها فمن قلة المروءة ، لأن الذين تحدثهم عنها ليس لهم حق أن يتخيلوها تخيلاً ، فهناك أشخاص يقولون : لم أكن أعرفها سابقاً ، الآن عرفتها ، فتب منها ، كلما شعر الإنسان أن هناك شيئاً فيه خلل بكلامه ، ربنا عز وجل علمنا بالقرآن الكريم كله لم يذكر ربنا عز وجل ولا اسم امرأة إلا واحدة : ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ﴾
[سورة آل عمران: 35 ]
﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آَمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ﴾
[ سورة التحريم: 11 ]
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ﴾
[ سورة الأحزاب: 59]
فلو استعرضت القرآن الكريم بكامله ، ستمئة صفحة ، لا يوجد اسم امرأة إلا عيسى ابن مريم ، لأنه صار حوله إشكال ، لأنه قيل : إنه ابن الله لا ابن مريم ، هناك أناس عملوا بطاقات ، شيء جميل ، وصلني عدد منها ، عقد قران ، ندعوكم لحفل زفاف الشاب فلان على كريمة فلان . على كريمة فلان أحلى من أن يكتب على فاتنة مثلاً ، بلا اسم ، هذا انسجام مع كلام الله عز وجل .
بالمناسبة الشيء بالشيء يذكر ، عدة عقود قران توزع فيها بعض الكتب الجيدة، كتاب في الأحاديث مثلاً ، كتاب في تفسير مبسط أحياناً ، مصحف ، كتاب في الحديث الشريف كتاب مشهور للغزالي مثلاً ، هناك كتاب بخمسة ليرات ، وعشرة ، وخمسة عشر ، وثلاثين ، أنت ناوي أن تدفع ثمن هذه العلبة خمسة عشر ليرة ، فيوجد كتاب بخمسة عشر مفيد، يقرأ ، يستفاد منه ، إذا إنسان قرأ حديثاً شريفاً يتأثر فيه ، فهذا بصحيفة الزوجين ، آن الأوان أن يجدد الإنسان هذه التقاليد المستمرة ، شيء ليس له طعم . ﴿ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾
[ سورة الحديد: 29 ]
﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾
[ سورة التغابن: 14]
﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ ﴾
[ سورة البقرة: 245 ]
يظن الغني أنه غني بذكائه ، الغني ببسط الله عز وجل ، والإنسان قد يكون أذكى ، و لكن له عند الله رزق محدود ، لكن ربنا عز وجل حكيم .
وإن من عبادي المؤمنين لمن لا يصلحه إلا الغنى ولو أفقرته لأفسده ذلك ، وإن من عبادي المؤمنين من لا يصلحه إلا الفقر ولو أغنيته لأفسده ذلك ، وإن من عبادي المؤمنين لمن لا يصلحه إلا الصحة ولو أسقمته لأفسده ذلك ، حكيم عليم . قضية الإنسان مع الله ملخصة بكلمة واحدة هي الحمد لله رب العالمين :
لكن ربنا عز وجل قال :
﴿وَآَخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾
[ سورة يونس: 10]
يا ترى دعواهم أي دعائهم ؟ لو كان الدعاء كان الله يقول : وآخر دعوتهم ، أو وآخر دعائهم ، أما هنا : ﴿وَآَخِرُ دَعْوَاهُمْ ﴾
[ سورة يونس: 10]
دعواهم ، الدعوة القضية ، أي قضيتك مع الله ، منذ أن ولدت وحتى الموت ملخصة بكلمة واحدة هي الحمد لله رب العالمين ، الإنسان بيئته ، وضعه ، جسمه ، معه كسل بالأمعاء دائماً ، معه التهاب كبد مزمن ، معه ضعف بالبنية عام ، وضع جسمه ، وضع صحته، دخله ، بيته ، زوجته ، أولاده ، معاشه ، علاقاته مع الآخرين ، يوم القيامة يكشف الله الغطاء فتقول : الحمد لله رب العالمين . هذا الإيمان ، أما سيدنا علي فقال: " والله لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً " . أي صار عنده يقين برحمة الله ، وحكمة الله ، وعلم الله ، وخبرة الله ، قبل كشف الغطاء ، فلو كشف الغطاء ما ازداد يقيناً .
ويقول الإمام عليٌ كرم الله وجهه : " الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين " .
أنا عندما أرى أخاً أو مؤمناً عنده مشكلة كبيرة بحياته وراض ويقول : الحمد لله ، الله حكيم ، هذا أنسب شيء لي ، الله رحيم ، الله عليم . أنا أعد هذا درجة عالية في الإيمان ، أن الإنسان يرضى بمكروه القضاء ، الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين . ﴿ وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ ﴾
[ سورة البقرة: 245 ]
﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾
[ سورة البقرة: 255 ]
﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ﴾
[ سورة البقرة: 255 ]
انظر العظيم قدرةً ، والعلي كرماً . . ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾
[ سورة البقرة: 257]
﴿وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾
[ سورة آل عمران: 156 ]
﴿ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾
[ سورة لقمان: 12]
هو غني ، ومع أنه غني لا يعامل عباده إلا معاملةً يحمدونه عليها . ﴿ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ ﴾
[ سورة آل عمران: 4]
﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ﴾
[ سورة آل عمران: 18]
﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾
[ سورة آل عمران: 26]
(( أنا الله لا إله إلا أنا ، مالك الملوك وملك الملوك ، قلوب الملوك بيدي ، وإن العباد إذا أطاعوني حولت قلوب ملوكهم عليهم بالرأفة والرحمة، وإن العباد إذا عصوني حولت قلوبهم عليهم بالسخط والنقمة ، فلا تشغلوا أنفسكم بسب الملوك، وادعوا لهم بالصلاح ، فإن صلاحهم بصلاحكم ))
[أخرجه الطبراني عن أبي الدرداء ]
﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ﴾
[ سورة آل عمران: 26]
﴿ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ﴾
[ سورة العنكبوت: 6]
((عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَ ـ أما هنا انتبهوا ـ فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ ـ انظر إلى دقة الحديث ـ فَلا يَلُومَنَّ إِلا نَفْس))
[ مسلم عن أبي ذر]
من أحبه الله ابتلاه :
لا يتهم الله عز وجل ، يا رب ماذا فعلنا نحن لك ؟ هناك أناس يتجرؤون على الله عز وجل ، يقولون لك : ماذا فعلنا فنحن نصلي له ؟ فلان الفاجر لا يعمل له شيئاً . كأنه يعترض على حكمة الله عز وجل ، هي هذه جوابها سهل : إذا كان طالب من غير مدرسة فلتان، لا يوجد من يحاسبه بالأساس ، هل عليه وظائف ؟ لا يوجد عليه وظائف ، عليه دوام؟ ليس عليه دوام ، عليه تفتيش نظافة ؟ لا يوجد عليه تفتيش نظافة ، أما بالمدرسة فمحاسب أين وظيفتك ؟ لماذا تأخرت اليوم ؟ لماذا الصدرية ليست نظيفة ؟ فلما ربنا عز وجل يحاسب إنساناً معناها هذا الإنسان ضمن المدرسة ، طالب نظامي ، له مستقبل ، أما إذا كان لم يحاسبه فهذه علامة غضب ، تركه هملاً . .
﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ﴾
[ سورة الأنعام: 44]
الإنسان العاقل يفرح إذا الله عز وجل ابتلاه ، إذا أحب الله عبده ابتلاه ، معناها أنه ضمن العناية الإلهية ، ضمن العناية المشددة ، ضمن المعالجة ، ضمن الرحمة ، معناها ليس ميئوساً منه ، فيه خير ، أما إذا كان متروكاً هملاً يكون هذا خارج المدرسة ، لا يوجد عليه دوام، ولا يوجد تفتيش وظائف ، ولا مذاكرات ، ولا مذاكرة فجائية ، ولا مذاكرة خطية ، ولا مذكرة لوالده، ولا إحضار ولي ، لا يوجد شيء إطلاقاً ، معناها هذا متروك هَمَل أما هذا الجاهل فتجده يقول: أنا أصلي ويبعث لي الله مصائب ، وفلان لا يصلي ليس عنده مصائب . أنت غيره . ﴿ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾
[ سورة آل عمران: 98]
قال له أحدهم : أنا أريد أن أعصي الله عز وجل هل لها فتوى هذه المعصية ؟ قال له : لها فتوى ، اعصه في مكانٍ لا يراك فيه . قال له : لا يوجد إمكان . قال له : إذا أردت أن تعصيه فلا تسكن أرضه . قال له : وأين أسكن إذاً ؟ قال له : تسكن أرضه وتعصيه ؟ قال له: هات الثانية . قال له : إذا أردت أن تعصيه فلا تأكل رزقه . قال له: وماذا آكل إذاً ؟ قال له: تسكن أرضه وتأكل رزقه وتعصيه ؟ قال له : هات الثالثة . قال له : إذا أردت أن تعصيه فاعصه في مكانٍ لا يراك فيه . قال له : لابد من أن يراني . قال له : تسكن أرضه وتأكل رزقه وتعصيه وهو يراك ؟ قال له : هات الرابعة . قال له : إذا أردت أن تعصيه فإذا جاءك ملك الموت فلا تذهب معه ، قال له : لا أقدر ألا أذهب . قال له : تسكن أرضه وتأكل رزقه وتعصيه ولابد من أن تلقاه ؟! ﴿ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾
[ سورة آل عمران: 98]
﴿ إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴾
[ سورة هود: 92]
﴿ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا﴾
[ سورة آل عمران: 141]
يكون بهذه النفس عيوب ، أمراض ، الله عز وجل حليم ، يضعك بظرف يظهر مرض ، يعالجك منه ، شفيت منه ، أيضاً بظرف ثان مرض ثان ، طالما يوجد بالجسد قلب ينبض هناك معالجة إلهية ، حتى تلقاه كيوم ولدتك أمك ، فالإنسان يجب ألا يجزن . ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ ﴾
[ سورة آل عمران: 141]
﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴾
[ سورة آل عمران: 146]
﴿ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ ﴾
[ سورة آل عمران: 150]
﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾
[ سورة آل عمران: 159]
﴿ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾
[ سورة آل عمران: 180]
﴿ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾
[ سورة آل عمران: 182]
وأنه رقيبٌ علينا . ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ﴾
[ سورة النساء : 1]
إنه عليٌ كبير . . طبعاً الموضوع طويل ، العقيدة الصحيحة من كتاب الله عز وجل، هذا كله ورد في القرآن الكريم . . * * *
خروج الرسول الكريم من مكة و صعق قريش بهذا النبأ :
الآن ننتقل إلى قصة صحابيٍ جليل هو سيدنا سراقة ، أنا أتمنى على الأخ الحاضر إذا قلت له : احك لي عن علم الله عز وجل يتكلم لك ساعة . احك لي عن لطف الله عز وجل يتكلم ساعتين على خبرته ، على حكمته ، على أنه عزيز ، على أنه حكيم ، على أنه حليم ، على أنه غني ، هذه معرفة الله عز وجل ، ماذا تعرف عن أسمائه ؟ ضيف اليوم الجليل سيدنا سراقة ، لاحظ أن الصحابة الكرام تقول : سيدنا سراقة لكن كان يقصد رسول الله ، كيف ربنا عفو كريم ، وكيف الإسلام يجب ما قبله ، وكيف الصلحة بلمحة .
هبت قريش ذات صباح وجلةً مذعورة ، فقد سرى في أنديتها أن محمداً قد بارح مكة - خرج من مكة - مستتراً بجنح الظلام ، فلم يصدق زعماء قريش النبأ ، واندفعوا يبحثون عن النبي في كل دارٍ من دور بني هاشم ، وينشدونه في كل بيت من بيوت أصحابه ، حتى أتوا منزل أبي بكر ، فخرجت إليهم ابنته أسماء .
والله الطفل النبيه شيء جميل يقول له : قال أبي : إنه ليس هنا . فقال لها أبو جهل: أين أبوكِ يا بنت ؟ قالت : لا أدري أين هو الآن ؟ فرفع يده ولطم خدها لطمةً أهوت بقرطها على الأرض .
جنّ جنون زعماء قريش حين أيقنوا أن محمداً غادر مكة ، وجندوا كل من لديهم من قفاة الأثر لتحديد الطريق الذي سلكه ، ومضوا معهم يبحثون عنه ، فلما بلغوا غار ثور ، قال لهم قفاة الأثر : والله ما جاوز صاحبكم هذا الغار ، لأن الآثار دالة ، ولم يكونوا مخطئين فيما قالوا لقريش ، فقد كان محمدٌ وصاحبه داخل الغار ، وكانت قريش تقف فوق رأسيهما .
قال له : " والله يا رسول الله لو نظر أحدهم إلى موطئ قدمه لرآنا " . هذا حفظ الله عز وجل ، يقول لك أحياناً : الله يعمي عنك . هي دعوة عامة لكنها عميقة ، أحياناً لا يرى الموظف المخالفة ، أحياناً ينكشها على هوى حفظ الله عز وجل .
حتى أن الصديق رأى أقدام القوم تتحرك فوق الغار فدمعت عيناه ، فنظر إليه النبي الكريم نظرة حبٍ ورفقٍ وعتاب ، فهمس الصديق قائلاً : "والله ما على نفسي أبكي ولكن مخافة أن أرى فيك مكروهاً " هذه المحبة ، والله يا إخوان الإيمان كله محبة ، من لا يحب أهل الإيمان لا يكون مؤمناً . قال له: " والله ما على نفسي أبكي ولكن مخافة أن أرى فيك مكروهاً يا رسول الله ، فقال له عليه الصلاة والسلام مطمئناً : لا تحزن يا أبا بكر فإن الله معنا "
أي إذا أنت مؤمن لك من هذا الكلام نصيب ، هذا ليس تاريخاً ، هذا لنا ، إذا أنت على شيء من الإيمان ، ومستقيم ، وعملك طيب ، بملمة ، بموقف حرج ، بورطة ، يجب أن تطمئن إلى رحمة الله ، إن الله معنا ، فأنزل الله السكينة على قلب الصديق ، وراح ينظر إلى أقدام القوم ثم قال: يا رسول الله لو أن أحدهم نظر إلى موطئ قدميه لرآنا ، فقال له النبي الكريم هذه مرة ثانية فرجع واطمأن قلبه :
(( مَا ظَنُّكَ يَا أَبَا بَكْرٍ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا))
[ [البخاري عن أبي بكر ]
كتقريب للفكرة ، لو فرضنا إنساناً دعي إلى الخدمة الإلزامية وكان والده قائد الجيش، فهل هذه الرتب تخيفه ؟ لا تخيفه ، لأنهم كلهم بإمرته ، النبي الكريم رأى كل من في الكون بيد الله عز وجل وهو رسول الله ، لا تحزن إن الله معنا ، ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما؟ ظهور الإيمان عند الخطر :
وهنا سمعا فتىً من قريش يقول للقوم : هلموا إلى الغار ننظر فيه . أحياناً ربنا عز وجل وهذه من حكمته ، هو سينجيك لكن يوصلك للحفة ، ما دمت أنت بالداخل لا تخف ، لما قربت من الحافة قلبك دق زيادة ، قربت للأمام ، هنا يظهر حسن ظنك بالله ؛ هناك شخص هنا يقول لك : أين الله ؟ وصلوا لنا . الإيمان يظهر عند الخطر ، أصحاب موسى آمنوا بسيدنا موسى لما تبعهم فرعون ، واثقون أن هذا رسول ، لكن عندما اقتربوا من البحر وفرعون وراءهم قالوا عندما بقي كيلو متراً و فرعون وراءهم ، نصف كيلو متر ، عشرة أمتار ، في هذه الساعة لم يتحملوا فقالوا :
﴿ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ *قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾
[ سورة الشعراء: 61-62]
آخر شيء سيدنا رسول الله نفس القصة صارت معه ، كسرى ، وقيصر ، وتفتح عليكم بلاد قيصر وكسرى ، سمعوا واطمأنوا ، وستفتح البلاد ، كل من في الجزيرة جاءهم ليبيدهم ، بالخندق ، اليهود نقضوا عهدهم معهم ، قال المؤرخون : الإسلام بقي على ساعات ، ليست قضية فناء أو بقاء ، قضية ساعات بقي الإسلام كله ، هناك شخص قال : أيعدنا صاحبكم أن تفتح علينا بلاد قيصر وكسرى وأحدنا لا يأمن أن يقضي حاجته .
فربنا عز وجل أحياناً يضيق على المؤمن ، يضيق عليه لدرجة أنه لا يوجد أمل بالمرة ليقوى هذا الدين ، هذه حكمة إلهية . ﴿ هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً ﴾
[ سورة الأحزاب: 11]
كانوا مخلطين ، انفرزوا الآن ، أحياناً بالمنخل ينزل الزيوان يصفى القمح ، كذلك ربنا عز وجل يهز هزة واحدة كل الضعاف تنكشفوا ويتبقى الأقوياء أما : ﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ﴾
[ سورة الأحزاب: 23]
علامة الإيمان أنك في السرَّاء مؤمن وفي الضراء مؤمن ، في الغنى مؤمن وفي الفقر مؤمن ، في إقبال الدنيا مؤمن وفي إدبارها مؤمن ، عندك أولاد مؤمن الله لم يهبك أولاد مؤمن ، عندك زوجة صالحة مؤمن ، زوجة سيئة مؤمن ، دخلك كبير مؤمن ، دخلك قليل مؤمن. قصة سراقة بن مالك مع رسول الله :
هلموا إلى الغار ننظر فيه ، فقال له أمية بن خلف ساخراً : ألم تر إلى هذا العنكبوت الذي عشعش على بابه ؟ ألا ترى العنكبوت ؟ القلب بيد الله عز وجل ، والله إنه أقدم من ميلاد محمد ، تريد الدخول إلى الداخل ، هذا العنكبوت قبل أن يولد محمد ، غير أن أبا جهل قال : واللات والعزى إني لأحسبه قريباً منا يسمع ما نقول ويرى ما نصنع ، ولكن سحره ران على أبصارنا ، والله كأنه بجانبنا قاعد سيدنا محمد .
يقولون - لكن هذه لم يذكرها المؤلف - إن سيدنا الصديق وقعت عينه على عين أحد على هؤلاء الذين يلاحقونه فأصيب بالذعر ، قال له : " والله يا رسول الله لقد رأوني " . قال له : يا أبا بكر ألم تقرأ قوله تعالى :
﴿ وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ ﴾
[ سورة الأعراف: 198]
ألم تقرأ هذه الآية ؟ بيد أن قريشاً لم تنفض يدها من أمر العثور على محمد ، ولم ينثني عزمها عن ملاحقته ، فأعلنت في القبائل المنتشرة على طول الطريق بين مكة والمدينة ، أن من يأتيها بمحمدٍ حياً أو ميتاً فله مئةٌ من كرائم الإبل . الآن الإبل ثمن الواحدة سبعة آلاف ليرة ، مئة في سبعة آلاف أي سبعمئة ألف ثمن بيت جيد .
كان سراقة بن مالك في نديٍ من أندية قومه قريباً من مكة ، فإذا برسولٍ من رسل قريش يدخل عليهم ويزيع فيهم نبأً الجائزة الكبرى التي بذلتها قريش لمن يأتيها بحمد حياً أو ميت.
فما كاد سراقة يسمع بالنوق المئة حتى اشرأبت إليه عنقه ، واشتد عليها صرحه، ولكنه ضبط نفسه ، فلم يفُه بكلمةٍ واحدة حتى لا تتحرك أطماع الآخرين ، وقبل أن ينهض سراقة من مجلسه دخل على الندي رجلٌ من قومه وقال : والله لقد مرّ بنا الآن ثلاثة رجالٍ ، وإني لأظنهم محمداً وأبا بكر ودليلهما .
فقال سراقة وقد كان داهية : بل هم بنو فلان مضوا يبحثون عن ناقةٍ لهم أضلوها لكي لا يأخذ الجائزة غيره ، فقال الرجل : لعلهم كذلك . وسكت ثم مكث سراقة قليلاً حتى لا يثير قيامه أحداً - أي يثير الشبهة - فلما دخل القوم في حديثٍ آخر انسل من بينهم ، ومضى خفيفاً مسرعاً إلى بيته وأسر لجاريته بأن تخرج له فرسه في غفلةٍ من أعين الناس ، وأن تربطه له في بطن الوادي ، وأمر غلامه بأن يعد له سلاحه ، وأن يخرج به من خلف البيوت حتى لا يراه أحد، يريد أن يحضره ميتاً أو حياً ، وأن يجعله في مكان قريب من الفرس .
لبس سراقة درعه ، وتقلد سلاحه ، وامتطى صهوة فرسه ، وطفق يجد السير ليدرك محمداً قبل أن يأخذه أحدٌ سواه ، ويظفر بجائزة قريش ، كان سراقة بن مالك فارساً من فرسان قومه المعدودين ؛ طويل القامة ، عظيم الهامة ، بصيراً باقتفاء الأثر ، صبوراً على أهوال الطرق، وكان إلى ذلك كله أريباً لبيباً شاعراً ، وكانت فرسه من عتاق الخيل .
مضى سراقة يطوي الأرض طياً ، لكنه ما لبث أن عثر به فرسه وسقط عن صهوتها فتشائم من ذلك وقال : ما هذا ؟ تباً لك من فرس . وعلا ظهرها غير أنه لم يمض بعيداً حتى عثرت به مرةً أخرى ، فالإنسان إذا كان يسير في طريق غير صحيح لا سمح الله وأكل أول ضربة ، لا يبقى ماشياً والثانية ربنا نبهه ، أول مرة تعثرت فرسه وثاني مرة فازداد تشاؤماً وهمّ بالرجوع ، فما ردّه عن همه إلا طمعه بالنوق المئة ، فلم يبتعد سراقة كثيراً عن مكان عثور فرسه حتى أبصر محمداً وصاحبه ، فمد يده إلى قوسه ، لكن يده جمدت في مكانها ، ذلك بأنه رأى قوائم فرسه تسيخ في الأرض ، والدخان يتصاعد من بين يديها ويغطي عينيه وعينيها ، فدفع الفرس فإذا هي قد رسخت في الأرض ، كأنما سمِّرت فيها بمسامير من حديد ، الآن أدرك أن هذا الرجل ممنوع منه ، فالتفت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه وقال بصوتٍ ضارع : يا هذان ادعوا لي ربكما أن يطلق قوائم فرسي - لكن يقولون : إن سيدنا سراقة لما قرب من سيدنا رسول الله ، سيدنا الصديق بكى مرة ثانية فقال له : " ما يبكيك يا أبا بكر ؟ " . قال له : " والله ما على نفسي أبكي ولكنني أبكي عليك ، إن أهلك أنا فأنا واحد ، وإن تهلك أنت فأنت أمة " . فقال له رسول الله :" اللهم اكفنا شره متى شئت وكيف شئت " - ولكما عليّ أن أكف عنكما ، فدعا له النبي صلى الله عليه وسلم فأطلق الله له قوائم فرسه ، لكن أطماعه ما لبثت أن تحركت من جديد ، فدفع فرسه نحوهما فساخت قوائمها هذه المرة أكثر من ذي قبل ، فاستغاث بهما وقال: إليكما زادي ومتاعي وسلاحي فخذاه ولكما عليّ عهد الله أن أرد عنكما من ورائي من الناس ، أول عهد أن يكف عنهم ، أما ثاني عهد فأن يبعد الناس عنهما ، طور العهد .
فقالا له : لا حاجة لنا بزادك ومتاعك ولكن ردّ عنا الناس ، ثم دعا له النبي صلى الله عليه وسلم فانطلقت فرسه ، فلما همّ بالعودة ناداهم قائلاً : تريثوا أكلمكم فوالله لا يأتيكم مني شيءٌ تكرهونه . فقالا له : " ما تبتغي منا ؟ " فقال: والله يا محمد إني لأعلم أنه سيظهر دينك - كان ذكياً - ويعلو أمرك ، فعاهدني إذا أتيتك في ملكك أن تكرمني ، واكتب لي بذلك .
فأمر النبي صلوات الله عليه الصديق فكتب له على لوحٍ من عظم ، ودفعه إليه ، ولما همّ بالانصراف ، قال له النبي عليه الصلاة والسلام: (( وكيف بك يا سراقة إذا لبست سواري كسرى ؟ ))
[ من شرح الجامع الصغير عن ابن معين ]
أي هل من المعقول أن تقول لإنسان جالس بدولة من العالم الثالث : كيف بك إذا جلست مجلس أعلى رئيس دولة في العالم ؟

السعيد 09-09-2018 08:42 AM

رد: الفقة الاسلامى 2
 
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الرابع العاشر )

الموضوع : العلم - فضيلة العلم - فصل من فصول احياء علوم الدين








الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
العالِم الحقيقي :
لا زلنا في فصولٍ مختارةٍ من إحياء علوم الدين ، والفصل المختار الذي بدأناه في الدرس الماضي هو العلم ، وقد ذكرت لكم بعضاً مما جاء في هذا الفصل من الأحاديث الشريفة التي تحث الناس على طلب العلم ، ولا زلنا في هذا الموضوع .
ربُنا سبحانه وتعالى يقول :
﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ ﴾
[ سورة آل عمران : 18 ]
قال بعضهم : إذا تعلَّم الرجل ، وسار على معرفةٍ بالله عز وجل ، يكفي أنه جاء ثالث اسمٍ في هذه الآية : ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ﴾
[ سورة آل عمران : 18 ]
ويُستنبط من هذه الآية أن العالم الحقيقي هو الذي يشهد لك عدالة الله عز وجل ، أما الذي ينقل لك بعض ما قرأه فهو ناقل وليس عالماً ، إن قرأ لك بعض ما نقله وما قرأه ، وأدى هذا النقل إلى إيقاعك ببعض التناقضات نقول : عدله غير عدلنا . و نقول نحن أدباً : الإنسان مخير ، لكنه في الحقيقة مجبر على كل أفعاله ، من يقول هذه الكلام ليس عالماً ولكنه ناقل ، نقل حقاً ونقل باطلاً ، نقل حقاً ونقل ما قرأه من الباطل وجاز عليه هذا الباطل ، لذلك : ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ﴾
[ سورة آل عمران : 18 ]
أي أن الإنسان عندما يريد أن يأخذ دينه عن عالم فهذا أثمن شيء في الحياة . . ((إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ))
[ مسلم عن ابن سيرين]
(( يا بن عمر دينك دينك إنما هو لحمك ودمك ، فانظر عمن تأخذ ، خذ الدين عن الذين استقاموا ، ولا تأخذ عن الذين قالوا))
[ كنز العمال عن ابن عمر]
لأن الإنسان إن سمع كلاماً غير صحيح من رجل ينقل لك العلم لا أقول عالماً ، وهذا الكلام أعانك على معصية ، أو غطَّى لك معصية ، أو برر لك المعصية ، فهذا هو الضلال بعينه ، فسيدنا يوسف فعل ما فعل ، من أنت ؟ صار هناك مبرراً لإطلاق البصر . ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ﴾
[ سورة آل عمران : 18 ]
التعامل مع الله عز وجل ثابت :
شيءٌ آخر . .
﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ ﴾
[ سورة العنكبوت : 43]
العالمون وحدهم يعقلون هذه الأمثال ، البارحة في بعض الدروس في درس في مسجد العفيف أخ كريم جاء بمثل - طبعاً هو السؤال عن تشبيه في آية - قال لي : ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ ﴾
[ سورة إبراهيم : 24]
هذا مثل ضربه الله لنا عز وجل ، فكيف أصلها ثابت ؟ أي أن الحق مبني على قواعد ثابتة ، أسس الحق ثابتة ، عبر العصور ، والأزمان ، والأمصار ، والأصقاع ، لا يتبدل ولا يتغير ، الحق هو هو ، قديمٌ وأزليٌ وسرمديٌ وأبدي . . ﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ﴾
[ سورة إبراهيم : 24]
أي أن التعامل مع الله ثابت ، الله سبحانه وتعالى له قواعد ثابتة في التعامل معه . ﴿إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾
[ سورة الأعراف : 56]
﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً ﴾
[ سورة الكهف : 110]
﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴾
[ سورة يوسف : 22]
﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾
[ سورة يوسف : 124]
كلها قواعد ثابتة ، فالتعامل مع الله عز وجل مريح ، أما التعامل مع البشر ، البشر متقلِّب ما كنت ترضيه به اليوم لا يرضى به غداً ، فقد يأخذ موقفاً آخر ، قد يتقلب ، قد يغير ، قد يبدل ، قد ترضيه ، قد لا ترضيه ، قد ترضيه فيغضب غيره . . ﴿ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ ﴾
[ سورة إبراهيم : 24]
السمو في النفس من آثار التدين الصحيح :
آثار التدين الصحيح سمو في النفس . .
﴿ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ ﴾
[ سورة إبراهيم : 24]
آثار الدين الحقيقي مروءة ، وفاء ، عفة ، صدق ، أمانة ، لو أن مال الدنيا وضع تحت يدي رجل مسلم ما أخذ منه شيئاً إلا بحقه ، فالمؤمن أمين ، المؤمن صادق ، المؤمن عفيف ، المؤمن يؤتمن على كل شيء ، فلذلك : ﴿ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ ﴾
[ سورة إبراهيم : 24]
تزوج المؤمن ، أنجب أولاداً صالحين ، جاره دعاه للجامع ، عرفه بالله ، استقام جاره، صهره دعاه للجامع ، عرفه بالله ، استقام ، ابن أخيه ، أخوه ، زميله . . ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾
[ سورة إبراهيم : 25]
﴿ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾
[ سورة إبراهيم : 24-25]
هذا مثل ، قال تعالى : ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ ﴾
[ سورة العنكبوت : 43]
القرآن الكريم آيات بينات :
لكن هذا القرآن الكريم كتاب الله ، قال الله عز وجل :
﴿بَلْ هُوَ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾
[ سورة العنكبوت : 49]
هذه آيةٌ أروع ، أي أن القرآن الكريم ليس هذا الذي كتب على ورق ، القرآن الكريم : ﴿ هُوَ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾
[ سورة العنكبوت : 49]
لذلك : من لم يأخذ هذا العلم عن الرجال ، فهو ينتقل من محال إلى محال ، لا يعرف ما نقول من لم يقتف أثر الرسول صلى الله عليه و سلم : ﴿بَلْ هُوَ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾
[ سورة العنكبوت : 49]
النبي صلى الله عليه وسلم يقول : (( الحكمة تزيد الشريف شرفاً ))
[ الجامع الصغير عن أنس]
أي إذا كان الإنسان من عائلة أو من أصل رفيع وتعلم ، تزيده رفعةً ، هذا العلم يزيده رفعةً ، إن كنت شريفاً فالعلم يزيدك شرفاً ، تعلموا العلم - كما قال بعض الخلفاء - فإن كنتم سادةً فقتم ، وإن كنتم وسطاً سُدتم ، وإن كنتم سوقةً عشتم .
إن كنتم في الأساس سادة فقتم في هذا العلم ، وإن كنتم وسطاً- من الطبقة الوسطى - سدتم بالعلم ، وإن كنتم سوقةً - من دهماء الناس - عشتم بالعلم . (( الحكمة تزيد الشريف شرفاً ، وترفع المملوك حتى يدرك مدارك الملوك ))
[ الجامع الصغير عن أنس]
وقال صلى الله عليه وسلم : ((خَصْلَتَانِ لا تَجْتَمِعَانِ فِي مُنَافِقٍ حُسْنُ سَمْتٍ وَلا فِقْهٌ فِي الدِّينِ))
[ الترمذي عن أبي هريرة]
ما اتخذ الله ولياً جاهلاً لو اتخذه لعلمه . الإيمان مرتبة علمية و أخلاقية و جمالية :
إذا أنت قلت الآن : دكتور . لو قلت هذه الكلمة أمام مليون إنسان ، المليون إنسان يفهمون أن هذا عالم ، غير أنه عالم عنده حكم موضوعي ، لأن من لوازم العالم الحكم الموضوعي ، الإنصاف في الحكم ، فإذا قلت : مؤمن . لا يمكن إلا وأن يكون على شيءٍ من العلم ، فكلمة مؤمن مرتبة علمية ، وكلمة مؤمن مرتبة أخلاقية ، وكلمة مؤمن مرتبة جمالية ، أي أن المؤمن عالم ، المؤمن أخلاقي ، المؤمن له أذواق رفيعة ، كيف رفيعة ؟ أي يطرب في كتاب الله ، يتغنى بالقرآن . لو جمع ذوَّاقو الغناء في العالم ما طربوا بواحد بالمئة ولا بالألف مما يطرب به المؤمن من كتاب الله ، المؤمن له أذواق رفيعة ، حتى في زواجه ، في طعامه ، في شرابه ، في بيته ، له ترتيبات ، له اختيارات راقية جداً ، فالنبي الكريم يقول :
((خَصْلَتَانِ لا تَجْتَمِعَانِ فِي مُنَافِقٍ حُسْنُ سَمْتٍ وَلا فِقْهٌ فِي الدِّي))
[ الترمذي عن أبي هريرة]
فيه فقه ، فيه تعمُّق ، المنافق يخلِّط عملاً صالحاً وآخر سيئاً ، إذاً ليس فقيهاً . . جاء ببالي مثل ، أحب أن أطرق أمثلة من واقع حياتنا : إذا إنسان معه دكتوراه في ميكانيك السيارات ، درس ثماني عشرة سنة ، وتفوق ، بسيارته الخاصة عندما شعل الضوء الأحمر الخاص بالزيت لم ينتبه ولم يهتم ، وبقي يمشي ، فاحترق المحرك ، وآخر لا يقرأ ولا يكتب عندما شعل الضوء الأحمر توقف ، أنقذ عشرين ألف ليرة ، أيهما أفهم ؟ عملياً هذا الذي توقف فجأةً ، هذا استفاد من معلومات بسيطة ، أما هذا الآخر فعلى علمه الشديد حرق المحرك .
فأحياناً الإنسان يكون مثقفاً ثقافة عالية ، لكن لأنه لا يستقيم على أمر الله ليس عالماً ، علمه جهل ، وهذا الذي يبدو لك ليس عالماً ، جهله علم ، مادام استقام ، ما دام خشي الله عز وجل ، استفاد من معلومات بسيطة ، ليس من الشرط أن يكون متبحراً في كل شيء ، لأن العمر قصير ، لكن إذا خشي الله عز وجل فهو على نوعٍ من أنواع العلم الراقي ، كفى بالمرء علماً أن يخشى الله ، ويقول عليه الصلاة والسلام : ((أقرب الناس من درجة النبوة أهل العلم والجهاد ))
[ من أحاديث الإحياء عن ابن عباس ]
فأنا حينما أقول عن العلم أقصدكم أنتم والله ، أقصد من يحضر مجالس العلم ، لأن: (( إنما العلم بالتعلم ))
[الطبراني عن أبي الدرداء ]
وهذا الذي ترك بيته ، وجاء ليجلس في مسجد لا نقدم له شيئاً ؛ لا طعام ولا شراب ولا أي شيء ، وليس المقعد مريحاً على الأرض ، هذا الذي جاء ليتعلم العلم هو المقصود بهذه الأحاديث . أهل العلم و الجهاد أقرب الناس من درجة النبوة :
((أقرب الناس من درجة النبوة أهل العلم والجهاد ، أما أهل العلم فدلوا الناس على ما جاءت به الرسل ))
[ من أحاديث الإحياء عن ابن عباس ]
سيدنا الصديق ماذا قال ؟ قال : " إنما أنا متبع ، ولست بمبتدع " . فالعالم لا يقول لك من عنده شيئاً ؛ مما قاله النبي عليه الصلاة والسلام ، مما قاله الله عز وجل : ((أقرب الناس من درجة النبوة أهل العلم والجهاد ، أما أهل العلم فدلوا الناس على ما جاءت به الرسل، وأما أهل الجهاد فجاهدوا بأسيافهم على ما جاءت به الرسل))
[ من أحاديث الإحياء عن ابن عباس ]
وقال عليه الصلاة والسلام : (( لموت قبيلةٍ أيسر من موت عالم ))
[ الطبراني عن أبي الدرداء]
لأن الإنسان قد يأتي يوم القيامة أمَّة ، وهذا أيضاً تحميس لكم ، أي اعرف بالضبط مكانتك عند الله بعدد الذين تمَّت هدايتهم على يديك ، وهذه صنعة الأنبياء ، وإذا قدَّر الله على يديك هداية رجل فقد سبقت من أُعطي الدنيا بأكملها ، من أعطي مال الدنيا ، هذا أوناسيس ترك أساطيل من البواخر ، ترك جزراً كلها باسمه وهي ملكه الشخصي ، ماذا أخذ معه ؟ قبيل أن يموت قال : أنا أشقى الناس . هذا يسمونه من أكبر أثرياء العالم ، الآن ببعض الدول العربية شخص يملك أربعة أو خمسة آلاف مليون دولار ، هذه أرقام واردة بالبنوك ، فالواحد منا ماذا يأكل الظهر غير أوقية ونصف من اللحم ! كم بدلة يلبس في آن واحد ؟ بدلة واحدة ، كم كُم للبدلة ؟ على كم فراش ينام ؟ على فراش واحد ، وإذا عطش كم كأس يشرب ؟ كأس واحد ، لو إنسان تعمق تجده كله فقاعات صابونة . الهدى تمام النعمة :
و قال عليه الصلاة و السلام :
(( مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِناً فِي سِرْبِهِ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا))
[البخاري والترمذي وابن ماجة عن عبد الله بن محصن ]
ارض بما قسمه الله لك تكن أغنى الناس ، أنت بصحتك أغنى الناس ، فمن طرائف الحكم أن الصحة واحد ، والمال صفر ، صار عشرة ، الجاه صار صفراً واحداً صاروا مئة ، إذا عنده بيت واسع صفر ثالث صاروا ألفاً ، عنده أولاد صفر رابع ، عنده مركبة صفر خامس ، عنده بستان صفر سادس ، عنده بيت بمصيف فخم ثمنه مليونا ليرة صفر سابع ، لكن اسحب الواحد ، كله أصفار ، فإذا الإنسان عنده صحة عنده كل شيء ، إذا كانت الكلاوي سليمة ، قلبه سليم ، أمعاؤه سليمة ، أعصابه سليمة ، كامل الخلق ، عقله برأسه . لي صديق معه عدة أمراض ؛ كوليسترول وأسيد أوريك و....و.....، ونحن نمشي رأينا إنساناً فاقد العقل بالطريق ، قلت له : أغلب الظن أن هذا الإنسان لو فحصت قلبه مئة بالمئة ، نبضه قوي ، وضغطه كذلك، هل تتمنى أن تكون بصحته وبعقله ؟ قال : لا . قلت له : إذاً أنت في نعمةٍ كبرى .
الإنسان في الصحة ، هذه ألح عليها ، لا أحد يقل : أنا معي مال فأنا بنعمة . هذا المال لا يسمى نعمةً إلا إذا أنفقته في طاعة الله ، أنا عندي زوجة . هذه ليست نعمة إلا إذا كانت مؤمنةً ، إن لم تكن كذلك تقود زوجها إلى جهنم ، أنا عندي أولاد . إن اهتممت برعايتهم طبعاً بعدما اهتممت أنت برعايتهم ، إذا استقاموا أو لم يستقيموا فهذا شيء لست مسؤولاً عنه ـ لكن أهملت توجيهم ونشؤووا على الفسق والضلال ، الأولاد لو كانوا أطباء ومهندسين ، وأحدهم معه بورد ، والآخر معه ( إف آر إس ) ، والاخر معه شهادة ( أكريجيه ) ، وكلهم قعدوا أمامك، وكلهم جاؤوا من أوروبا ، واقعون بمشكلات ، تركوا دينهم ، ووقعوا بالفاحشة ، و رأوا أن أمتهم متخلفة ، وأبوهم دقة قديمة ، إذا كان عندك أولاد هكذا بعلية المجتمع وما كانوا دينين ، فهي ليست نعمة بل نقمة ، بالدليل أن يوم القيامة يقول أحدهم : يا رب لا أدخل النار حتى أدخل أبي قبلي لأنه هو الذي شجعني ، لما رآني بالفسق ما نهاني ، افتخر بي ولكن ما نهاني ، فالموضوع ربنا قال : ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ ﴾
[ سورة الدخان : 25-27]
نَعمة . . هذه لا تنسها ، مال من دون هدى نَقمة ، زوجة بلا هدى نَقمة ، صحة بلا هدى نَقمة . الآن . . . صحة وهدى نِعمة ، زوجة مع الإيمان نِعمة ، مال بالإيمان نِعمة ، هذه النِعمة لذلك : ﴿وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾
[ سورة المائدة : 6 ]
قال المفسرون : تمام النعمة الهدى . مهتدي إذاً أنت بنعمة ، أن كل شيء في الدنيا يبقى في الدنيا ، فالصحيح يموت والمريض يموت ، والغني يموت والفقير يموت ، وسيدنا عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه عيَّن مستشاراً من أعلى مستوى ، اسمه عمر بن مزاحم ، قال له : يا عمر الزمني ، فإن رأيتني ضللت فامسكني من تلابيبي وهزني هزاً شديداً وقل لي : اتق الله يا عمر فإنك ستموت . فهذه هي وظيفتك ، راقب أحكامي ، راقب تصرفاتي ، إذا كنت حكمت بين شخصين فراقب حكمي ، إذا كنت أصدرت أمراً راقبه ضمن الحق أو هو الحق ، إذا كنت خرجت عن الحق أمسكني من تلابيبي وهزني هزاً شديداً وقل لي : اتق الله يا عمر فإنك ستموت . فهذا موضوع النِعمة والنَقمة خليه ببالكم ، فالآن الناس تجدهم عنده مال الله كافيه ، لكن هذا المال ينفقه في المعاصي يقول لك : الله مفوضها . إذا كنت غير مهتد لا ليست هذه النعمة ، هذه ليست نعمة هذه نَعمة ، إذا كنت مهتدياً فعلاً الله مفوضها عليك . فضل الحكمة :
لذلك لنبحث عن الهدى لأن ربنا عز وجل قال :
﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾
[ سورة البقرة :269 ]
لأنك بالحكمة تحسن إنفاق المال ، وتحسن كسب المال ، وبالحكمة تنتقي الزوجة الصالحة ، وبالحكمة تصلح السيئة ، وبالحكمة تحسن تربية الأولاد ، وبالحكمة تحسن استغلال وقتك .
حدثني أخ والده معه بعض الآلام ، أخذ حب مسكِّن ، استمر عليه فأدمن عليه ، الآن قعيد الفراش ، يحتاج كل يوم ثلاثين ليرة ثمن هذا الحب ، وهذا الحب مسكِّن من النوع القوي المفعول إذا لم يأخذه يكسر كل شيء أمامه من الوقت الذي بدأ يأخذه باستمرار ، لو كان حكيماً ما وصل إلى ما وصل إليه ، عليه بعض الديون ، ويملك بيتاً ثمنه سبعمئة ألف ، باعه بمئتين وتسعين ألفاً ، في ساعة غضب أحضر دلالاً نهبه نهيباً ، سكن عند أمه بغرفة واحدة هو وخمسة أولاد ذكور وإناث و زوجته ، وباع البيت ، والبيت الآن ثمنه ثمانمئة ألف ، أي حكمة هذه ؟ أضاع البيت الذي كانت مساحته مئة وثمانين متراً ، حكى ابنه لي فقال : شيء صعب .
فكانت الحكمة كل شيء بالحياة ، المال يحتاج إلى حراسة ، أما العلم فيحرسك ، الحكمة تجلب المال ، والحمق يبدد المال ، الحكمة ؛ تنتقي بالحكمة زوجة صالحة ، من دون حكمة تنتقي زوجة جميلة ، فتكيل لك الصاع صاعين ، فالإنسان يبحث عن العلم ، والعلم أثمن شيء بالحياة. (( لموت قبيلةٍ أيسر من موت عالم ))
[ الطبراني عن أبي الدرداء]
من تفقه في دين الله كفاه الله ما أهمه :
(( من تفقه في دين الله عز وجل كفاه الله تعالى ما أهمه ، ورزقه من حيث لا يحتسب ))
[رواه الخطيب في التاريخ من حديث عبد الله بن جزء الزبيدي]
هل أنتم مصدقون هذا الكلام ؟ (( من تفقه في دين الله عز وجل كفاه الله تعالى ما أهمه .......))
[رواه الخطيب في التاريخ من حديث عبد الله بن جزء الزبيدي]
أي إذا كان شاباً انقطع لمعرفة الله ، أكبر همّ تأمين بيت ، أنا والله أضمن له ذلك ، لكن كيف ؟ لا أعرف ، لكن اعتماداً على وعد الله عز وجل ، فكيف يتيسر البيت ؟ لا أعرف ، لكن هذا الذي يهمك اطمئن من أجله . (( من تفقه في دين الله عز وجل كفاه الله تعالى ما أهمه ........))
[رواه الخطيب في التاريخ من حديث عبد الله بن جزء الزبيدي]
يهمه أيضاً زوجة صالحة، أيضاً اطمئن ، من أين تأتي لا أعرف ، لكن تأتيك امرأةٌ تقول ليس في نساء الأرض من هي خيرٌ منها . هكذا الله يُريكها ، وإذا أحدهم تفقه في دين الله وخائف أن يكون رزقه قليلاً ، لا تخف ، لأن الله عز وجل هو الرزاق ، لو قطع البشر بعض أسباب الرزق ، إذا قطع البشر بعض أسباب الرزق يصل الله عز وجل رزق العبد بأسباب عديدة، والعوام تقول هذا : إذا انسدت من باب تنفتح من عشرة أبواب ، وأحياناً المشكلة نفسها تسبب رزقاً وفيراً . (( من تفقه في دين الله عز وجل كفاه الله تعالى ما أهمه ، ورزقه من حيث لا يحتسب ))
[رواه الخطيب في التاريخ من حديث عبد الله بن جزء الزبيدي]
والله أنا كان لي طالب قال لي : أخذت شهادة عالية ، والتحقت بالخدمة الإلزامية ، ولا يوجد مجال أن أتزوج ، لعدم وجود البيت ، وبقي سنتين أو ثلاث ، قال لي : بعد أربع سنوات ضاقت نفسي جداً ، لم أجد طريقاً مفتوحاً ، كل الطرق مسدودة ، وكان مسافراً ، في مكان سفره دعا الله عز وجل من أعماق أعماقه أن يا رب يسر لي زواجاً حتى أحصن نفسي ، ولا يوجد بيت . وهو في طريقه إلى دمشق لم يجد بالكرنك ، ركب الباص ، ومن حمص أخذ الباص الثاني ، قعد فوجد بجانبه إنساناً وقوراً بعد نصف ساعة سأله : الأخ الكريم ما اسمه ؟ قال : اسمي فلان . ما عملك ؟ قال : أنا مدرس . قال له : أمتزوج ؟ قال له : لا والله . قال له: عندي بنت تناسبك . قال له : لكن أنا لا أملك بيتاً ؟ قال له : هي ومعها بيت . قال لي : والله ساعات قليلة ، وتمّ الأمر ، كيف اجتمع معه ، كيف صارت هذه المودة ؟ لا تعرف ، فأنت فقط تتعامل مع الله عز وجل ، إذاً تعرف كيف الله يعامل المؤمنين ، كيف يعامل المخلصين ، كيف يعامل عباده الصالحين ، كيف يعامل من آثر رضاء الله على الدنيا ، إذا كنت تعرف الله عز وجل تقول : حقاً هذا الشيء يقع . العالم أمين الله في الأرض ، أي أمين على هذه الدعوة ، أمين على هذا الكتاب ، أمين على الفتوى ، لأنه إذا أفتى فتوى ضالة أو منحرفة ، كان هذا الذي أفتى جسراً إلى جهنم ، لذلك إذا سألت رجلاً عن قضية وقال لك : اترك لي إياها . لا تشك بعلمه ، شيء يخوف ، فالفتوى تخوِّف كثيراً ، يجوز أن يكون لها وجه صحيح ووجه غير صحيح ، أعطه مهلة ، لأن أجرأكم على الفتوى أجرأكم على النار ، لكي الأمر يتضح ، حرام حرام ، حلال حلال .
يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
ومن ناحية أخرى ، الإنسان يظن أن الداعي إلى الله عز وجل موضوع آلة فقط ينتهي الدرس يكون الواحد قد استنفذ كل طاقته .
و هناك شيء آخر أصبح بجو معين ، ينطرح سؤال دقيق : أن بنت ابن عم خالتي رضعانة من خالتي فهل يجوز لها ابني ؟ سؤال معقد ، امهلني قليلاً لأكتبها ، سؤال معقد يحتاج أن يكتب على ورقة ، يحتاج إلى تريث .
فأنا لا أرى من المناسب بعد الدرس مباشرةً أن تطرح أسئلة فقهية دقيقة جداً ، فهذه الأسئلة تحتاج إلى وقت خاص ، صباحاً من دون أن يكون هناك درس مثلاً ، لأن الإنسان له طاقة وله بؤرة اهتمام ، هذه البؤرة كلها تكون في هذا الموضوع ، فلو نقلته لموضوع آخر تحتاج لصفاء ذهني ، فالأسئلة تحتاج لوقت معين ، فإذا كان السؤال مكتوباً بورقة أهون ، والإجابة عنه تكون أسهل . . العلماء و الأمراء إن صلحا صلح الناس :
(( صنفان من أمتي إذا صلحوا صلح الناس ، وإذا فسدوا فسد الناس : الأمراء و الفقهاء ))
[ابن عبد البر وأبو نعيم من حديث ابن عباس]
إذا أتى عليَّ يومٌ لا أزداد فيه علماً يقربني إلى الله عز وجل فلا بورك لي في طلوع شمس ذلك اليوم ، أي إن كنت على يقينٍ من صدق النبي عليه الصلاة والسلام يجب أن تراجع نفسك كل يوم ، أنا اليوم تعلمت تفسير آية ما كنت أعرفها ، تعلمت حديثاً شريفاً ما كنت أعرفه، تعلمت قضية بالفقه ، عملت عملاً صالح ، نفذت شيئاً من سنة رسول الله ، عدت مريض مثلاً، تصدقت ، نصحت ، أمرت بالمعروف ، نهيت عن المنكر ، تليت كتاب الله ، ذكرت الله عز وجل ؟ (( حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، فإنه أهون لحسابكم ، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا ))
[علقه ابن الجوزي في ' تاريخ عمر بن الخطاب ' عن ثابت بن حجاج ]
إذا كنت وجدت الدرج ملئ بالغلة ، فتقول : السوق حامي اليوم . هذا ليس ربحاً ، هذا مال الدنيا للدنيا ، لا ترتفع عند الله شعرة إذا تضاعف البيع ، أما تعلمت آية ، تعلمت حديثاً، تعلمت حكمة ، سمعت قصة عن صحابي جليل فتأثرت تأثر بليغ ، تمنيت أن تكون على شاكلة هؤلاء الأبطال ، إذا كنت باليوم لك هذا النشاط فهنيئاً لك ، أما إذا أتى عليَّ يومٌ لا أزداد فيه علماً يقربني إلى الله عز وجل فلا بورك لي في طلوع شمس ذلك اليوم ، هذا اليوم غير مبارك ، يقول لك : نهارك عربي بالصلاة على النبي . ما هذه عربي مبارك أي أنك ازدت علم لله عز وجل ، مبارك أي زدت قرب من الله ، عملت عمل صالح ، الله قدر على يديك عملاً صالحاً ، أو سمح لك أن يزداد علمك به ، وهذه نصيحةٌ صادقة :
في اليوم الذي لا تزداد فيه من الله علماً أو لا تزداد فيه من الله قرباً فهذا يومٌ ضائع ولو اشتريت صفقة ربحت منها مليونين ، مال الدنيا للدنيا . جبر الخواطر :
ويقول عليه الصلاة والسلام:
(( ما عُبد الله تعالى بشيءٍ أفضل))
[ من الجامع الصغير عن ابن عمر]
أنا أحفظ مجموعة أحاديث على هذه الصيغة ، من هذه الأحاديث : ((ما عبد الله بشيء أفضل من جبر الخواطر ))
[ كشف الخفاء ]
بدل القلوب ، إنسان مكسور خاطره أكرمته ، لك أخت زرتها ، هي وزوجها متشاجرة مهددة بالطلاق ساعدتها على حلّ مشكلة، قال لي شخص والله أبكاني : له أخت زارها، وجدها على خصام مع زوجها شديد جداً ، زوجها دخله محدود ، تريد منه ثلاثمئة بالشهر كسوة لها ولبناتها ، وهو لا يعطيها شيئاً ، هو جالس يستمع للمشكلة ، بعدما انتهت قال لها : يا أختي المبلغ خذيه مني كل شهر فسكتت ، فهل بقيت مشكلة ؟ وزوجها سكت .
قال لي : كل شهر - والله مضى عليّ ثمانية أشهر لم أتأخر عن أداء المبلغ ساعة - يوم واحد بالشهر أكون عندها أعطيها المبلغ ، أخاف أن أتأخر يوماً فتظن أني غيرت عهدي هذا . قال لي : بعد شهرين أو ثلاثة قالت له : أخي اعمل لنا درس دين نتعلم منك . قال لي : والله هي التي طلبت ، جمع أخواته كلهم وعمل لهم درساً أسبوعياً ، قال لي : علمتهم بعض الآيات القرآنية وبعض الأحاديث من الجامع الصغير ، قال لي : الآن أخواتي الخمس انطلقوا انطلاقة ثانية ، غيروا كل مسلكهم بالحياة .
فهذا المبلغ الذي تدفعه يفعل السحر ، يصير مثل السحر ، إذا إنسان دفع مبلغاً اقتطعه من دخله إرضاءً لله عز وجل ، لأنه جبر خاطرها ، هي لزم عليها أن تنفق بالشهر ثلاثمئة لها ولبناتها ، وزوجها لا يوجد معه ، هذا أخ ، فما عبد الله بشيء أفضل من جبر الخواطر بدل القلوب ، أنا والله أغبط الأغنياء أقسم بالله ، لأن أمامهم أبواباً مفتحة لا يعلمها إلا الله ، مفتَّحة أبواب العمل الصالح أمامهم ، فأقول لكم : بالحياة قوتان قوة العلم وقوة المال ، يمكن بالمال أن تهدي مئة رجل بإحسانك ، هذا دينته ، هذا عاونته ، هذا اشتريت له ، وهذا أقرضته ، تجد القلوب تميل لك ، ويميلون لدينك أيضاً ، ويميلون لجامعك كذلك مكان ما تصلي، تستطيع أن تحضر الناس بمالك وبعلمك كذلك .
إنسانان مغبوطان ؛ إنسان يعلم الناس ، ورجل أتاه الله مالاً ينفقه ابتغاء مرضاة الله، كل هذا الخير ، قال لي : أخواتي وبنات أخواتي ، صار هناك درس أسبوعي . . فإذا إنسان له أخوات بنات عمل لهم درساً أسبوعياً ببيته ، أو ببيت أحد أخواته ، وعلمهم بعض الفقه ، حقوق الزوج ، وحقوق الزوجة ، تفسير جزء عم ، حديث شريف عن رسول الله ، تجد الجو كله انتعش، الآن تجد الناس كل مجالسهم باطلة ، كلام على الناس ، وغيبة ، ونميمة ، ونقل أخبار مزعجة ، وشعور بالتفاهة . (( مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِسًا فَلَمْ يَذْكُرُوا اللَّهَ فِيهِ إِلَّا كَانَ عَلَيْهِمْ تِرَةً . . .))
[أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
يجوز أن تنفق مئة ليرة تسبب هداية إنسان ، لا أحد يستقل بالصدقة ، فمثلما قلت لكم : ما عبد الله بشيء أفضل من جبر الخواطر بدل القلوب . التفقه في الدين خير عبادة :
هذا حديث آخر على الصيغة نفسها :
(( ما عبد الله تعالى بشيءٍ أفضل من فقهٍ في الدين ))
[السخاوي عن أبي هريرة ]
هذه أرقى عبادة ، فالصلاة عبادة ، إذا صليت بالجامع صلاة نفل فهذه عبادة ، إذا استمعت إلى مجلس علم فهذه أفضل عبادة ، إذا صمت نفلاً فهذه عبادة ، لكن إذا كان صيام النفل - إياكم أن تفهموا الفرض ، فالفرض ليس رمضان فقط بل قضاء رمضان - سيمنعك من مجلس علم ، فافطر واجلس مجلس علم ، لأن الفقه في الدين أفضل عبادة .
(( ما عبد الله تعالى بشيءٍ أفضل من فقهٍ في الدين ))
[السخاوي عن أبي هريرة ]
إذا كنت أنت بمكان بعيد ، ومعك أجرة سفر لمجلس علم ، أنت بدرعا مثلاً ، تحتاج عشرة ليرات لتصل ، إذا دفعت العشرة صدقة بدرعا هذا العمل ليس أقل من أن تأتي إلى دمشق وتحضر مجلس العلم ، إذا دفعت هذا المبلغ أجرة طريق لحضور مجلس علم هذا أفضل عند الله من دفعها صدقة . (( ما عبد الله بشيء أفضل من فقه في الدين ، ولفقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد ولكل شيء عماد وعماد هذا الدين الفقه ))
[السخاوي عن أبي هريرة ]
قال لي أحدهم : حفرنا مكاناً بمحل تجاري لنضع أنبوباً ، لم نفعل شيئاً ، فروغ المحل ثلاثمئة ألف ، جاء محامِ وصوره ، وأقاموا دعوى وبعد عدة سنوات أخليت من المحل . لأن الحفر هذا يسبب الإخلاء ، فالجاهل يقول لك : احفر لا يوجد خطر ، هذا الذي تحفره يحمل اثني عشر طابقاً ، تحفر فيتصدع البناء ، فهذه عماد الدين . (( الصلاة عماد الدين من أقامها فقد أقام الدين ومن تركها فقد هدم الدين ))
[البيهقي في شعب الإيمان عن عمر ]
أخي أنا آدمي ، لا أؤذي أحداً ولكن لا أصلي . ما هذا الكلام ؟! هذا إما بلادة و إما ذكاء ، هناك شخص لا يؤذي أحداً يخاف من الناس ، هذه بلادة ، ولكن إذا كان قوياً ولا يؤذي أحداً فهذا ذكاء منه ، يعيش مطمئناً ، ليس هذا الدين ، الدين أن تعرف الله عز وجل .
جاء طالب آخر السنة : لماذا لم تنجحوني ؟ لم أضرب رفاقي ، لم أتشاكس معهم ، ولم أفعل شيئاً ؟ لكن ما درست ، وإذا لم تؤذهم ، إذا لم تؤذ أحداً يجب أن أنجحك ؟ النجاح يحتاج إلى دراسة ، فكلمة أنا لا أؤذي أحداً هذا كلام مضحك ، أو يقول : أنا قلبي أبيض . يكون رمادياً أيضاً ماذا أفعل به ؟ نحن نريد إنساناً مستقيماً ، نحن نريد إنساناً يصلي . ((أفضل من فقه في الدين ، ولفقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد ولكل شيء عماد وعماد هذا الدين الفقه ))
[السخاوي عن أبي هريرة ]
((إِنَّ خَيْرَ دِينِكُمْ أَيْسَرُهُ))
[ أحمد عن أبي قتادة]
ذاهب مع بعض الناس في سفر ، أخي تعال نقصر ، تقول : لا نحن مرتاحون الآن . أنت مرتاح غيرك ليس مرتاحاً ، أنت شاب غيرك يحب أن يصلي قصراً ، يوم سفر ، الإنسان يجب أن يكون مع المجموع ، سيروا بسير أضعفكم . (( خير دينكم أيسره وخير العبادة الفقه ))
[الجامع الصغيرعن أنس]
خير العبادة ؛ الصوم عبادة ، الصلاة عبادة ، الحج عبادة ، الفقه خير هذه العبادات ، إنسان ذهب ليحج ورجع ، عملوا له مباركة ، نظر من فتحة الباب فرأى النساء اللواتي جئن ليباركوا لزوجته ، وهذا حج ؟ لو فقه بالدين ولم يحج لكان أفضل ، أما إذا كان فقيهاً وحج ، فهو شيء راق جداً ، أما الإنسان فيحج لكن لم يفهم شيئاً بالدين ، يجوز أن يقتل إنساناً ليصل للحجر الأسود فهل أنت فقيه بالدين ؟ أخي نريد أن نقبله ، تحتك مع أناس تدهسهم، نريد أن نقبله ، هذا الجهل بعينه ، أو يقعد بعرفات بالخيمة يسمع المسجلة يقول لك : جلسنا خمس ساعات انبسطنا تماماً والحمد لله ، ماء مثلَّج ، ونسمع مسجلة وكل شيء من أحسنه ، فما هذا الحج ؟ فقصدي : (( خير دينكم أيسره وخير العبادة الفقه ))
[الجامع الصغير عن أنس]
أثر العلم و فضله :
اسمعوا لهذا الحديث ، ولا زلنا في فضيلة العلم :
(( قيل : يا رسول الله - انظر لهذا السؤال - أي الأعمال أفضل ؟ فقال : العلم بالله عز وجل . فقيل : أي العلم تريد ؟ قال عليه الصلاة والسلام : العلم بالله سبحانه . فقيل يا رسول الله : نسأل عن العمل وتجيب عن العلم ؟! ـ نقول لك : أي الأعمال أفضل ؟ أنت قلت لنا العلم بالله العلم عمل ؟!- اسمعوا الجواب -. . . فقال عليه الصلاة والسلام : إن قليل العمل ينفع مع العلم بالله تعالى وإن كثير العمل لا ينفع مع الجهل بالله ))
[الجامع الصغير عن أنس]
كثير العمل لا ينفع مع الجهل ، فإذا إنسان عمل بناء من غير مهندسين ، وأحضر مئة طن من الحديد ، ولكن لا يوجد علم ، هنا وضع لكل متر سبعة أكياس ، هناك وضع كيسين ، بعدما انتهى من صب عشرين طابقاً البناء كله مال ، كل البناء صار يحتاج لتكسير ، كل هذه النفقات أصبحت على الأرض ، هذا المال يحتاج لعلم ، تريد أن تضع ثمن حديد ، وثمن إسمنت ، كله شيء غال ، أسعاره غالية ، تريد مهندساً ليعطيك نسباً صحيحة ، فالنبي الكريم يقول : (( إن قليل العمل ينفع مع العلم بالله تعالى ، إذاً العلم أعظم من العمل . وإن كثير العمل لا ينفع مع الجهل بالله ))
[الجامع الصغير عن أنس]
وقال أبو الأسود : " ليس شيءٌ أعز من العلم ، الملوك حكامٌ على الناس ، والعلماء حكامٌ على الملوك ". الآن هل يستطيع أي ملك من الملوك ألا يكون عنده مستشارون ؟ إذا كان يريد أن يمنع شيئاً أو يسمح بشيء يحتاج إلى خبراء اقتصاد ، إذا منعنا ماذا يحدث ؟ يحدث هكذا وهكذا وهكذا ، كل رؤساء الدول حولهم فريق مستشارين من أعلى مستوى ، معناها العلم هو الأساس ، كل وجدت معضلة اجتماعية أو اقتصادية يجتمع الخبراء ، كيف الحل ؟ ماذا نفعل؟ إذاً من هو حجر الزاوية في بناء المجتمع ؟ العلم .
وقال ابن عباسٍ رضي الله عنهما : خُيِّر سليمان بن داود عليهما السلام : ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾
[ سورة النمل :16 ]
بين العلم والمال والمُلك ، فاختار العلم فأعطي المال والمُلك معه .
وسئلٌ ابن المبارك : من الناس ؟ فقال : العلماء . فقيل : من الملوك ؟ قال : الزهاد . فقيل : من السفلة ؟ قال : الذين يأكلون الدنيا بالدين . واستمعوا لهذا الحديث : ((من أوتي القرآن - أي أوتي فهمه- فرأى أن أحداً أوتي خيراً منه فقد حقَّر ما عظمه الله ))
[ إسحق بن راهويه عن عبد الله بن عمرو بن العاص]
الله فهمك كتابه ، وأنت لك دخل محدود ، وساكن ببيت وسط ، غرفتان وصالون ، وتمشي على رجلين ، لا يوجد شيء يرفعك عن الأرض لكنك فاهم كتاب الله ، ولك صديق كان بالابتدائي وكنتما معاً على مقعد واحد ، والآن يحكي بالمئة مليون ، إذا رأيت أن الله أعطاه أكثر منك فقد حقرت ما عظمه الله ، أنت بأدنى مستوى معيشي ، والآخر بأعلى مستوى معيشي ، لكن الله علمك القرآن ، فإذا رأيت أن هذا الصديق أوتي خيراً مما أوتيت ، فقد حقرت ما عظمه الله .
وقال الفتح المُصلِّي رحمه الله : " أليس المريض إذا منع الطعام والشراب يموت ؟ قالوا : بلى، قال : كذلك القلب إذا منعت عنه الحكمة والعلم ثلاثة أيامٍ يموت ".
وقال ابن عباسٍ رضي الله عنهما : " تذاكر العلم بعض ليلةٍ أحب إلي من إحيائها" .
إذا جلسنا ساعة من الزمان تذاكرنا العلم واستفدنا خيرٌ عند الله من إحياء هذه الليلة بكاملها للصبح و لو كنا نصلي ، تذاكر العلم بعض ليلةٍ خيرٌ من إحيائها .
وقال بعض المفسرين وهو الحسن رضي الله عنه :
﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً﴾
[ سورة البقرة : 201 ]
فقال : إن الحسنة في الدنيا هي العلم والعبادة .
بعضهم قال : الزوجة الصالحة .
وقال الأحنف رحمه الله : كل عزٍ لم يرطب بعلمٍ فإلى ذلٍ مصيره .
وقال سالم : اشتراني مولاي بثلاثمئة درهم وأعتقني . فقلت : بأي شيءٍ أحترف ؟ فاحترفت العلم ، فما تمت لي سنةٌ حتى أتاني أمير المدينة زائراً فلم آذن له .
عبد أعتقه سيده ، اختار طلب العلم ، تعلم ، مضى سنة جاءه أمير المدينة زائراً قال : فلم آذن له .
يقول سيدنا الزبير : " عليك بالعلم فإنك إن افتقرت كان لك مالاً ، وإن استغنيت كان لك جمالاً "
أي إذا طالب معه شهادة عليا مثلاً له دخل منها ، وإذا كان ثرياً وتعلم العلم كان له جمال هذا العلم .
وقيل : وجاء في وصايا سيدنا لقمان لابنه : " يا بني جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك " أي لو كان المجلس ضيق فتصرف ، وقال بعض الحكماء : العلم ذكرٌ ـ الشمس مؤنث ، والقمر مؤنث مجازي ـ العلم ذكرٌ ولا يحبه إلا ذُكران الرجال . معنى هذا هناك رجال نساء ؛ إذا همه شهوته ، همه زينته ، همه راحته ، هذا رجل بالنفوس رجل ، أتى تحت اسم الذكور ، ذكور وإناث ، هو مع الذكور جاء اسمه ، لكنه مع النساء ، العلم ذكرٌ ولا يحبه إلا ذكران الرجال ، أي أن الرجل يحب العلم . الأجر الكبير للمتعلم :
قصة اليوم ليس لها وقت ، وهي عن سيدنا معاذ بن جبل إن شاء الله نأخذها في الدرس القادم .
أردت أن أنهي الفصل في هذا اللقاء ، الدرس القادم فضيلة التعلم ، اليوم تحدثنا عن فضيلة العلم ، الدرس القادم فضيلة المتعلم ، هذا له أجر كبير ، يقول الإمام علي رضي الله عنه :" قوام الدين والدنيا أربعة رجال ، عالمٌ مستعملٌ علمه ، وجاهلٌ لا يستنكف أن يتعلم"
أيضاً الفضل لمن يستمع ، لو لم يكن هناك أحد يستمع لما كان هناك علم ، أنا أقول : الفضل لكم في حضور هذا المجلس ، إذا كان هناك توفيق من الله عز وجل فهو بفضل أن هناك مستمعين راغبين في هذا المجلس .
فالدرس القادم في فضيلة تعلم العلم .



السعيد 09-09-2018 08:44 AM

رد: الفقة الاسلامى 2
 
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الخامس العاشر )

الموضوع : العلم - فضيلة التعلم







الحمد لله رب العالمين ، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً ، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه ، و أرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
فضل العلم :
أيها الأخوة المؤمنون ، نبدأ في هذا الدرس قراءة بعض الفصول المختارة والمختصرة من إحياء علوم الدين ، وكتاب إحياء علوم الدين في إجماع المسلمين وعلماء المسلمين من أنفس الكتب التي تعد منهجاً دقيقاً للمسلم في علاقته بربه ، وفي علاقته بالناس ، بل إنه من أبرز الكتب في وصف أحوال القلب وما يصيبه من أمراض ، لذلك الكتاب مقسم إلى أربعة أرباع، ربع في العبادات ، وربع في العادات ، وربع في المهلكات ، وربع في المنجيات ، طبعاً أصل الكتاب ستة أجزاء كبيرة بحرف صغير صغير .
كما قلت قبل قليل نقرأ ونشرح ونعلق بعض الفصول المختارة من هذه الأرباع الأربعة ، من الربع الأول وهو ربع العبادات موضوع العلم ، كتاب العلم وفضله وما يتعلق به قال تعالى:
﴿ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة الزمر : 9]
هذه هل حرف استفهام لكن هذا الاستفهام خرج عن الاستفهام وصار كما يقول علماء البلاغة استفهاماً إنكارياً أي هل يعقل أن يستوي عند الله وعند الناس عالم وجاهل ؟ هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ؟ وقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾
[ سورة المجادلة : 11]
مرة سألت طلاباً قلت لهم : من يذكر اسم تاجر أو غني عاش في دمشق في عام ألف وثمانمئة وسبعة وثلاثين وله جائزة كبيرة ، حك الطلاب رؤوسهم طويلاً ولم يعرفوا ، فقلت لهم : وأنا معكم لا أعرف لأن الإمام علياً كرم الله وجهه قال: يا بني مات خزان المال وهم أحياء وهم في أوج حياتهم ميتون ، والعلماء باقون ما بقي الدهر ، فإذا شئت أن تخلد فبالعلم يبقى اسمك متألقاً إلى قيام الساعة ، إلى نهاية الدوران قال تعالى : ﴿ يَرْفَعْ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾
[ سورة المجادلة : 11]
أقدم ثانوية في دمشق فيها لوحة كتبت بيد خطاط كبير ، إذا دخلت من بابها الرئيسي كتب على هذه اللوحة : رتبة العلم أعلى الرتب ، هناك رتب المال ، وهناك رتب توضع على الكتف ، وهناك رتب الشهادات ، وهناك رتب الوجاهات ، وهناك رتب الحرف ، حتى المعلم هذه رتبة ، هناك في الحياة رتب لا تعد ولا تحصى ، هذه الحكمة تقول : رتبة العلم أعلى الرتب، والشيء الذي يحزن أن العلم مبذول لكل الناس ، العلم الدنيوي الذي هو فرض كفاية مبذول بأجر باهظ ، أي أقل ساعة رياضيات إن فهم الطالب أو ما فهم مئة وخمسون ليرة من أجل بكالوريا ، أما سبحان الله دروس العلم الديني فمبذولة بلا مقابل ، هذا من حكمة الله عز وجل لأن الذين يدرسون العلوم الدينية يطمحون بأجر خيالي ولكن ليس من الحاضرين من الله عز وجل . علامة العالم أنه يطيع الله عز وجل :
ابن عباس يقول : " للعلماء درجات فوق المؤمنين بسبعمئة درجة "، أي المؤمن الذي آمن بالله ، واستقام على أمره ، وعمل صالحاً ، ووقف عند الحدود ، وفعل ما يرضي الله عز وجل ، فهؤلاء عند الله مقربون ، والباب مفتوح لكل واحد منكم ، كل واحد منكم مفتوح له باب أن يكون معلماً للناس ، يكفي أن تطبق ما تعرف حتى تغري الناس أن يتعلموا منك ، فإن لم تطبق لا تغري أحداً ، الإمام علي كرم الله وجهه يقول : " قوام الدين والدنيا أربعة رجال عالم مستعمل علمه ، وجاهل لا يستنكف أن يتعلم ...."، أي فضلك عند الله إن كنت عالماً لا يزيد عن فضل الجاهل الذي يحب أن يتعلم منك - يطلب العلم - لذلك النبي الكريم قال: " تواضعوا لمن تعلمون " تواضع ، قال تعالى:
﴿ يَرْفَعْ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾
[ سورة المجادلة : 11]
﴿ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾
[ سورة الشعراء: 215]
وقال تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ﴾
[ سورة فاطر : 28]
أي العلماء وحدهم وليس أحد سواهم يخشون الله ، إنما أداة حصر ، أي الخشية محصورة بالعلماء ، وموضوع العلماء ليس كل إنسان قرأ كتاباً يسمى عالماً ، ولا كل إنسان حفظ كتاباً يسمى عالماً ، العلماء بالله تعالى علامتهم أنه يطيعونه .
كنت أذكر مثلاً حاداً ، رجل معه خمس شهادات عليا ، نادر أن يجمع الإنسان لسانسين في آن واحد ، لو معه أربع شهادات أو خمس ، ودكتوراه ، وله أربعة و خمسون مؤلفاً في الأسواق ، وعصى الله لا يسمى عند الله عالماً ، هذا مدموغ بالجهل من عند الله عز وجل ، وإنسان لا يقرأ ولا يكتب إذا أطاع الله عز وجل هذا يحمل شهادةً من رسول الله بأنه عالم ، أين هذه الشهادة ؟ كفى بالمرء علماً أن يخشى الله ، إذا قال : هذه حرام لا أفعلها ، أنا لا أغضب الله عز وجل ، هذا عالم ، أو هذا نوع من أنواع العلم ، أنا أقدسه ، وفي الصحيحين أن: (( مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ ))
[ مسلم عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ]
أي إذا سمح لك أن تجلس في مجلس علم ، أو بإمكانك أن تحتل مساحةً من المسجد تكفي لجلوسك ، هذا سماح من الله عز وجل ، الله سمح لك أن تجلس في هذا المجلس علم فيك خيراً ، قال تعالى: ﴿ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ ﴾
[ سورة الأنفال: 23]
(( عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ قَالَ ذُكِرَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا عَابِدٌ وَالآخَرُ عَالِمٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَوَاتِ وَالأَرَضِينَ حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا وَحَتَّى الْحُوتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ ))
[ الدارمي عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ]
العالم و العابد :
كم هي المسافة كبيرة بين النبي صلى الله عليه وسلم الذي هو سيد الأنبياء ، سيد ولد آدم ، قمة البشر ، وبين أدنى مؤمن على وجه الأرض ، هذه المسافة بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين أدنى مؤمن هي المسافة نفسها بين عالم وعابد ، فكن طموحاً إلى العلم ولا ترضى أن تكون عابداً فقط ، العابد بالمناسبة بسبب أي تأثير ، أي إغراء ، أو أي ضغط يتخلى عن الدين ، أي قد يتزوج فيخرج من دينه ، تأتيه امرأة تغريه بالمعصية فيخرج من دينه ، قد يشارك رجلاً فيضغط عليه في فعل بعض المعاصي المالية فيخرج من دينه ، قد يسمع كلمة تهديد فيتخلى عن صلاته ، هذا هو العابد ، يجوز أن العابد في الأيام الماضية في القرون السالفة الجو العام كله ديني ، الفتن قليلة ونائمة ، أكثر الناس دينون ، يجوز في هذه الأيام السالفة أن ينجو العباد ، أما أنا والله أؤكد لكم في هذا العصر الذي وصفه النبي عليه الصلاة والسلام:
(( بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا ))
[الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم ، في مثل هذا العصر الذي ترون فيه الشهوات مستعرة ، والفجور والفسوق والمغريات ، الدنيا في هذا العصر خضرة نضرة ، متألقة متزينة ، تغري أحبابها باتباعها ، في هذا العصر لا يستطيع العابد أن يصمد أمام إغراءات الدنيا ، والذي يحصل تشاهدون إنساناً تدين ثم انتكس ، لماذا انتكس ؟ لأنه ما صار عالماً بقي عابداً ، أخذ بالعاطفة خلال شهر أصابه سرور فاستقر ، إغراء بسيط ترك الدين .
وإذا بلغني عن إنسان حضر معنا شهرين ثم ترك ، أنا يوجد عندي يقين قاطع أنه ما فكر ، أخذ بالعاطفة واستمع وترك ، لأن ترك الحق دليل نكسة خطيرة جداً ، والكلام الصحيح أنه ما آمن حتى كفر ، لم يؤمن بالأساس كان مقلداً والتقليد لا يكفي .
في هذا العصر لا ينجو إلا العالم ، والعابد لا ينجو ، لأنه لم يستطع أن يبقى عابداً، الدنيا تجره إليها ، إغراءاتها ، وفتنها ، وضغوطاتها ، قال عليه الصلاة والسلام: (( إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَوَاتِ وَالأَرَضِينَ حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا وَحَتَّى الْحُوتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ))
[ الدارمي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
هذه النملة والحوت لها بحث مستقل ، أي كيف النملة تصلي على معلم الناس الخير ؟ سوف نأتي بعد قليل على هذا الموضوع. أقدس إنسان شاب همه معرفة الله :
وفي حديث آخر .
(( عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا جِئْتُ لِحَاجَةٍ قَالَ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ فِيهِ عِلْمًا سَلَكَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقًا مِنْ طُرُقِ الْجَنَّةِ ، وَإِنَّ الْمَلائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ ، وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالْحِيتَانُ فِي جَوْفِ الْمَاءِ ، وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ ، وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ ، وَإِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلا دِرْهَمًا وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ ))
[ الدارمي عَنْ كثير بن قيس]
لي صديق رأيته في ضائقة ومتألم لضيق ألمّ به ، وقد آتاه الله علماً وحكمةً ، فقلت له مسلياً : إن الله عز وجل أعطى قارون مالاً فهل كان يحبه ؟ قال لي : لا ، ثم قلت له : إن الله أعطى فرعون ملكاً وأعطى الأنبياء علماً وحكمةً فهؤلاء الذين يحبهم أعطاهم علماً وحكمةً فإذا أوتي الإنسان بعض العلم والحكمة فهو ممن يحبه الله عز وجل . (( وَإِنَّ الْمَلائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ ))
[ الترمذي عن زر بن حبيش]
لا يوجد إنسان أقدس من شاب همه أن يعرف الله ، اسأل الآن الشباب همهم أن يتزوجوا ، أن يشتري بيتاً ، أحدهم سمى لي اسم سيارة وقال : إذا الله رزقني إياها أتمنى أن تمشي فوقي وأرتاح ، هذه هموم الناس ، يريد سيارة وبيتاً ، التقيت مع إنسان هولندي ، سألته هل أنت مؤمن بالله ؟ قال : طبعاً ، قلت له : ما الدليل ؟ قال : المطر ، قلت له : هل أنت مؤمن بالدار الآخرة ؟ قال : لا ، قلت له : هذان الإيمان بالله واليوم الآخر شيئان متلازمان ، قال : أنا لا أؤمن بالدار الآخرة لأن أحداً لم يذهب إلى هناك وعاد وأخبرنا ، طبعاً بلغة أخرى يتكلم ، ثم قال لي : هذه الموضوعات لا تعنينا ولا تهمنا ولا تمتعنا إطلاقاً ، إنما الذي يعنينا بيت أكبر، وسيارة أكبر ، ومال أكثر هذا الذي يعنينا ، لهذا قال تعالى : ﴿ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ﴾
[ سورة النحل :21]
إذا الإنسان عاشرهم ، إذا كان لقاء عابراً يؤخذ بالدقة ، والنظام ، والأناقة ، والترتيب، كل شيء محسوب له حساب ، أما إذا عاش معهم فيراهم تافهين لأن كل من لم يعرف الله عز وجل إنسان تافه الموت ينهيه ، مهما كان كبيراً ، ومهما كان عظيماً ، الموت ينهيه نهائياً . (( وَإِنَّ الْمَلائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ ))
[ الترمذي عن زر بن حبيش]
((مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ ))
[ مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
في الدرس قبل الماضي بالحاجبية ذكرت عن الإنسان مخير أم مسير ، أنواع التسير ، تسير التشجيع ، أي إذا الإنسان آمن الله يسر له أموره ، الناس أكرموه يشعر براحة بقلبه عجيبة ، يقول لك : أكاد أطير من الفرح ، كل إنسان آمن إيماناً صحيحاً ، وتاب توبة صحيحة ، هذه أحواله ، هذا التسير تشجيعي من الله عز وجل إلى أن يبلغ درجة لا ينتكس بعدها ، عندئذ يتولى الله عز وجل تطهيره من كل أمراضه النفسية ، الآن يضعه بظرف معين يبرز عيباً من عيوبه ، يتألم ، ينقطع ، يصبح له غفلة ، يتوب يتجاوز هذا العيب ، يريه الله أسبوعين ثلاثة ثم يضعه في ظرف ثان يظهر معه عيب آخر ، عنده كبر أيضاً ينقطع عن الله بهذا العيب يخجل ، ويتوب ، ويجتهد ، ويعمل أعمالاً صالحة أيضاً اجتازه ولا يزال الله عز وجل ينقيه من عيوبه حتى يلقاه كيوم ولدته أمه ، أما أول الأمر فيوجد تشجيع جداً ، أحياناً الطفل الصغير يرسم ألفاً بالمقلوب يعطونه مرحى لكن بالصفوف العليا إذا غلط غلطة شفهية واحدة ، نحن بالجامعة عندنا فحص شفهي وتحريري ، الشفهي يكفي أن تغلط غلطةً واحدة في تحريك كلمة يقول لك الدكتور : للعام القادم أوصيك بالصيف الطويل فإنه خير الوصية ، نعيد السنة من أجل غلطة شفهية في سنة التخرج .
الطفل الصغير على كتابة ألف يعطونه مرحى ويصفقون له ، هذا سلوك تشجيعي وبعد هذا هناك حساب دقيق ، قال لنا أستاذ في الجامعة في فرنسا : إذا وجدوا غلطة في الأطروحة في الدكتوراه لا تمنح في ذلك العام يعطونه سنة كاملة ، أي هناك دقة بالغة . أجر طالب العلم عند الله :
لكن يوجد أناس عرفوا الجامعة تعريفاً لاذعاً قالوا : إنها مدرسة يدخل فيها الطالب جاهلاً متواضعاً يخرج منها جاهلاً متكبراً ، قال عليه الصلاة والسلام:
(( . . . مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ ))
[ مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
وروي عنه أيضاً أنه قال: (( مَنْ جَاءَهُ الْمَوْتُ وَهُوَ يَطْلُبُ الْعِلْمَ لِيُحْيِيَ بِهِ الإِسْلامَ فَبَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّينَ دَرَجَةٌ وَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ))
[ الدارمي عن الحسن ]
الإنسان عطاؤه محدود أي إذا الإنسان درس أول سنة بالجامعة والثانية والثالثة والرابعة لأمر قاهر لم يتمكن من أن يكمل يقولون : هذا ليس معه شهادة ، ربنا عز وجل معاملته غير هذه المعاملة ، إذا الإنسان بدأ بطريق وجاءته المنية في أول الطريق يعطى الثمار كما لو بلغ آخر الطريق : (( مَنْ جَاءَهُ الْمَوْتُ وَهُوَ يَطْلُبُ الْعِلْمَ لِيُحْيِيَ بِهِ الإِسْلامَ فَبَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّينَ دَرَجَةٌ وَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ ))
[ الدارمي عن الحسن]
قال بعض الحكماء : ليت شعري أي شيء أدرك من فاته العلم ؟ وأي شيء فاته من أدرك العلم ؟ أي إذا إنسان أدرك العلم وتعرف إلى الله وسعد ومات وما عنده بيت ملك ، ما فاته شيء ، مات وما شاهد أوربا رسول الله ما شاهدها ، مات قبل أن يتزوج ، أحد الصحابة له زوجة طلبت منه طلباً لا يملك ثمنه ولن يغير سلوكه عما كان عليه وقت النبي صلى الله عليه وسلم ، قال لها: اعلمي يا فلانة إن في الجنة من الحور العين ما لو أطلت إحداهن على الأرض لغلب نور وجهها ضوء الشمس والقمر فلأن أضحي بكِ من أجلهن أفضل من أن أضحي بهن من أجلكِ ، أي إذا إنسان مات وما تزوج إرادة الله عز وجل ، مات وما اشترى بيتاً ، مات ويوجد طعام ما أكله ، الناس يقولون : مسكين ما تهنى في حياته ، هذا كلام العوام إذا إنسان مات و هو شاب وكان مؤمناً مسكيناً ما شاهد شيئاً من الدنيا ، الذي قال هذا الكلام هو الذي ما شاهد شيئاً ، قال تعالى : ﴿ أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ﴾
[ سورة الأعراف : 185]
﴿ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ ﴾
[ سورة الشعراء: 79]
أي شيء أدرك من فاته العلم ؟ وأي شيء فاته من أدرك العلم ؟ ابن آدم اطلبني تجدني فإذا وجدتني وجدت كل شيء ، وإن فتك فاتك كل شيء ، أحياناً يكون الإنسان متزوجاً زوجة ليست على مزاجه يقول لك : محروق قلبي ، خطبتها وكنت لا أعرف شيئاً ، أمي قالت لي : جيدة ، إذا ما عرف الله معه الحق أن يحترق قلبه لأنه شاهد نفسه أنه سوف يعيش معها إلى الأبد أما المؤمن فيحسن لها ، قال تعالى: ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾
[ سورة النساء: 19]
يحسن لها ويكسب أجراً والله يهنئه في حياته ، لو كانت هي وسط أو دون الوسط سبحان الله مكافأةً له على الرضا بقضاء الله ، الله عز وجل يجعلها ودودة له مودة بالغة ، ويراها جميلة وقد يقول بعد أن يرضى بها : والله ليس في الأرض إنسانة أنسب إلي منها ، إذا رضي بقضاء الله وقدره ، وكان صادقاً وعاملها بالإحسان ، أما إن قال دائماً : لم نوفق في هذا ، دائماً كاسر خاطرها ، هكذا أهل الدنيا . فضائل التعليم :
ومن فضائل التعليم ما ورد في الصحيحين :
(( فَوَاللَّهِ لأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلاً خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ ))
[ متفق عليه عن سهل بن سعد]
قال لي شخص : إن أحدهم اشترى فندقاً في فرنسا ، هذا الفندق مؤلف من ثمانين طابقاً ، كل طابق حوالي خمسين غرفة ، وكل غرفة أجرتها في اليوم خمسين فرنكاً فرنسياً ، الفندق ممتلئ طوال العام ، هذا دخل ولكن على هذا الكلام : (( فَوَاللَّهِ لأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلاً خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ ))
[ متفق عليه عن سهل بن سعد]
إذا إنسان يصدق النبي الكريم ، طبعاً أخي إنسان عنده أراض ، استيقظ وجد نفسه أكبر مليونير ، هذه تضاعفت مئة ضعف ، اشترى بناء في الستينات واختلف هو وشركاؤه فتركوها على الهيكل ، الآن صار ثمن كل طابق مليونين ، كان ثمن الطابق عشرين ألفاً ، يقول رسول الله : (( فَوَاللَّهِ لأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلاً خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ ))
[ متفق عليه عن سهل بن سعد]
لو كنت مصدقاً هذا الكلام تسعى لهداية الناس ليلاً ونهاراً ، وتبذل من أجل هدايتهم الغالي والرخيص والنفس والنفيس ، الإنسان لو صدق هذا انتهت مشاكله كلها ، لو إنسان قال لك: يوجد بيت ثمنه مئة ألف ، والآن ثمنه نصف مليون ، لا تنام الليل إذا كنت تملك المئة ألف وخاطب وتدور على بيوت في آخر الدنيا في الطبالة ، إن قال لك : هذا البيت بمئة ألف في المهاجرين مؤلف من ثلاث غرف وصالون وكاشف الشام وقبلي والكلام صحيح ، لا تنام الليل ولا تغفل وتقرع الباب على الدلال الساعة السادسة صباحاً . لو مصدق سيدنا رسول الله : (( فَوَاللَّهِ لأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلاً خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ ))
[ متفق عليه عن سهل بن سعد]
لا تنام الليل ، تساعده ، تكرمه ، تساعده في دنياه ، تدينه حتى يميل قلبه ، ثم ادعه إلى الله ، الكلام سهل ، عندما أنت تحسن له إحساناً حقيقياً وتقول لك كلمة تذيبه الهدى ليس كلاماً ولما ظنه بعض الناس كلاماً لا أحد يهتدي بالكلام ، عندما يراك تهتم بأموره وكأنه أخوك الحقيقي ساعتها الآية قدر مليون ، والحديث قدر عشرة أحاديث ، لذلك رأس العقل بعد الإيمان التودد إلى الناس . (( فَوَاللَّهِ لأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلاً خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ ))
[ متفق عليه عن سهل بن سعد]
هناك إنسان في قطر عربي حسابه في البنك ثلاثة آلاف مليون دولار ، والدولار بعشر ليرات ، أي ثلاثة آلاف مليون ، إذا أحدكم استطاع أن يهدي شخصاً يجب أن تتكلم له عن الله عز وجل ، أن تساعده ، أن تكون لطيفاً معه ، أن تكون إلى جانبه عند الشدة ، على شهر شهرين ثلاثة ، تتفقده ، إذا مرض تعوده ، إذا استطعت أن تهدي رجلاً فأنت أغنى من هذا الذي رصيده ثلاثة آلاف مليون دولار . (( . . . . وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالْحِيتَانُ فِي جَوْفِ الْمَاءِ . . . . ))
[ الدارمي عَنْ كثير بن قيس]
هنا العلماء فسروا الحديث أن الإنسان عندما يعلم الناس الخير الناس يستقيمون ، إذا ذبحوا غنمة يذبحونها على السنة ، أنا منذ مدة شاهدت رجلاً يذبح غنمة أمام غنمة ، قلت صلى الله عليه وسلم كم كان رقيقاً قال له : أتريد أن تميتها ميتتين هلا حجبت أختها عنها؟؟
أي إذا الإنسان آمن يحسن وهو يذبح الغنمة ، لا يدوس صرصوراً ، قال لي رجل : دخلنا إلى بيت نشاهده يوجد حشرة محببة نسيت اسمها ناعمة الدلال دهسها بقدمه لماذا دهستها ؟ ماذا فعلت لك ؟ عندما أنت تؤمن تصبح محسناً ، المؤمن لا يصدر منه إلا خير ، مصدر طمأنينة، لا يوجد عنده مزاح غليظ ، مصدر سعادة للناس ، أي إذا رؤي المؤمن ذكر الله : (( خياركم الذين إذا رؤوا ذكر الله بهم ))
[البيهقي عن عمر ]
(( عَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ مَثَلَ مَا بَعَثَنِيَ اللَّهُ بِهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَصَابَ أَرْضًا فَكَانَتْ مِنْهَا طَائِفَةٌ طَيِّبَةٌ قَبِلَتِ الْمَاءَ فَأَنْبَتَتِ الْكَلأ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ وَكَانَ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتِ الْمَاءَ فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ فَشَرِبُوا مِنْهَا وَسَقَوْا وَرَعَوْا وَأَصَابَ طَائِفَةً مِنْهَا أُخْرَى إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لا تُمْسِكُ مَاءً وَلا تُنْبِتُ كَلأ فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللَّهِ وَنَفَعَهُ بِمَا بَعَثَنِيَ اللَّهُ بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ ))
[البخاري عَنْ أَبِي مُوسَى]
أخلاق النبي صلى الله عليه و سلم و أدبه :
الناس حيال الحق ثلاثة أصناف إما إنسان يشرب الحق وينبت الخيرات ، إذا علمت رجلاً هذا الرجل تزوج مؤمنة ، أنجب أولاداً طاهرين ، أخواته آمنوا ، أصهرته آمنوا ، جيرانه آمنوا ، زملاؤه آمنوا ، صار هذا الواحد مئة سبحان الله نشر الحق ، ويوجد شخص بمفرده يستفيد، ويوجد شخص لا يفيد ولا يستفيد .
وقال الحسن رضي الله عنه : " لولا العلماء لصار الناس مثل البهائم " الآن هناك أناس مثل البهائم تراه دابة تسير ، كيفما تكلم يؤذي الناس ، كلام بذيء ، يحتقر الآخرين ، طبعاً الإنسان عندما يتعرف إلى الله عز وجل يصبح ملكاً ، كلما ارتقيت تزداد عندك المشاعر والحساسيات والرقة ، النبي الكريم صلى الله عليه و سلم دعي هو و أصحابه الكرام إلى وليمة وكان هناك لحم جزور ظهرت رائحة غير مقبولة أذن العصر فقال عليه الصلاة والسلام : كل من أكل لحم جزور فليتوضأ فقالوا : كلنا أكلنا لحم جذور ، قال: كلكم فليتوضأ ، ما هذه الدقة ؟ ما هذه الحساسية ؟ لكي لا يخجل هذا الذي انتقض وضوءه ، بأسلوب جميل قوموا توضؤوا بسبب أخوكم الذي نقض وضوءه ، يوجد فقهاء فهموا الحديث فهماً آخر قالوا : لحم الجزور نجس ، ما هذا الكلام ؟ يحتاج منه الآكل إلى وضوء ، لا ليس له علاقة أبداً ، الموضوع موضوع رقة وحساسية ، أسلوب راق جداً ، هكذا النبي الكريم بحياته ، النبي ما صافح إنساناً وسحب يده منه حتى يكون المصافح هو الذي يسحب يده ، بحياته ما أكرم نفسه أمام ضيفه ، دخل عليه عدي بن حاتم و هو ملك فناولنه وسادةً من أدم محشوةً ليفاً و قال : اجلس على هذه، قلت : بل أنت ، قال : بل أنت ، قال : فجلست عليها وجلس هو على الأرض .
بحياته ما تميز عن أصحابه ، كان إذا دخل عليه رجل يقول : أيكم محمد ؟ مع أصحابه جالس ليس له أي مظهر من مظاهر الفخامة ، في نزهة قال : وعليّ جمع الحطب ، قالوا: نكفيك يا رسول الله ، قال : أعلم ذلك ولكن الله يكره أن يرى عبده متميزاً على خلقه ، في المعركة قائد جيش ونبي مرسل ما أخذ ناقة بمفرده وركبها قال: أنا وعلي وأبو لبابة ، ولما جاء دوره في السير الصحابة شعروا بالحرج قال : لا ما أنتم بأقوى مني على السير ولا أنا بأغنى منكم على الأجر ، هكذا النبي الكريم .
أثر العلم في حياة الناس :
قال معاذ بن جبل رضي الله عنه : " تعلموا العلم فإن تعلمه لله خشية ، وطلبه عبادة، ومدارسته تسبيح ، والبحث عنه جهاد ، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة ، وبذله لأهله قربة، وهو الأنيس في الوحدة ، والصاحب في الخلوة "
يوجد شخص لا يستطيع أن يكون بمفرده إطلاقاً ، أما الذي له وجهة إلى الله وله حظ من العلم لا يريد أحداً ، يستطيع أن يجلس عشر ساعات بمفرده ، العلم لا يمل ، الإنسان عندما يتعلم إذا قرأ قرآناً ، القرآن ربيع القلب ، ألا بذكر الله تطمئن القلوب والاستئناس بالناس علامات الإفلاس ، علامة المؤمن له جلسات مع ربه ، يحب الخلوة ، هذا إحياء علوم الدين خمسة أجزاء يعد من أهم الكتب الدينية نتيجة خلوة استمرت عشر سنوات في دمشق من قبل الإمام الغزالي ، كان يختلي في الأموي ، في مئذنة العروس في غرفة وكتب هذا الكتاب .
وقال كعب رحمه الله : " أوحى الله إلى موسى عليه السلام أن تعلم يا موسى الخير وعلمه الناس فإنه منور لمعلم الخير ومتعلمه قبورهم حتى لا يستوحشوا بمكانهم "
طبعاً في مقدمة هذا الفصل يتحدث الإمام الغزالي عن الآيات والأحاديث التي ترغب الناس في طلب العلم ، المؤمن يطلب العلم بشكل حثيث ، أي إذا إنسان في وقت الدرس أغلق المحل ، وعنده زبائن الآن لا يوجد عندي وقت ، عندي موعد ، هل تقل رزقته ؟ لا والله ، هؤلاء العشرة يأتون غداً عشرين سبحان الله ، الله يحبب الناس بهذا المحل يقول لك : أنا تعودت على هذا المحل ، يأتيك زبائن من آخر الدنيا ، ويوجد أناس يفتحون حتى الساعة الحادية عشرة يلعبون بالطاولة يعملون عملاً بعيداً عن الله عز وجل ، فالإنسان لا يضن على الله عز وجل بمجلس العلم ، والله عز وجل قادر أن يصرف لك من وقتك عشرات الساعات من دون فائدة ، أحياناً الإنسان يضطر أن يذهب إلى الطبيب مساءً يعطيه وصفة ، يدور أربعة أقطار المدينة ويقول له : يجب مساءً أن يأخذ الدواء ، يصرف مئتي ليرة ، ابنه ارتفعت حرارته ، الوقت بيد الله عز وجل .
قال لي إنسان كان في دولة أجنبية : عندي إقلاع طائرة الساعة الثانية والنصف فركبت تكسي من الفندق إلى المطار ، فوجدت في الطريق أناساً يقفون في الدور ثلاثة كيلو متر فقال للسائق : ماذا يوجد هنا ؟ فقال له : يوجد توزيع لحم ، هل من السهل أن يقف الإنسان من الساعة الثانية بعد منتصف الليل إلى الساعة الثامنة صباحاً !! لما هانت عليهم أنفسهم هانوا على الله عز وجل ، أما عندما يعودون إلى الله عز وجل ويعرفون قيمة العلم فالله عز وجل يكرمهم ، ويجعل وقتهم ثميناً ، فالإنسان إذا كان لا يعرف قيمة الوقت يستهلك وقته لأتفه الأسباب .
* * *
الهروب من أسباب الخطيئة :
والآن إلى بعض الأحاديث الشريفة:
(( تَحَوَّلُوا عَنْ مَكَانِكُمِ الَّذِي أَصَابَتْكُمْ فِيهِ الْغَفْلَةُ قَالَ فَأَمَرَ بِلالاً فَأَذَّنَ وَأَقَامَ وَصَلَّى ))
[ مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
إذا مكان فيه شبهة ، طريق مشبوه فيه نساء كاسيات عاريات ، مرةً
سرت في هذا الطريق فأصابتك غفلة ، إن كنت مؤمناً فلا تعود لمثل ذلك أبداً ، هذا المكان الذي أصابتك فيه غفلة إياكم أن تظنوا أن فيه شؤماً ، لا ، في هذا المكان أصابتك غفلة أي صار فيه معصية ، ولا تزال الأسباب قائمة ، أي إذا كتاب قرأته فتحولت عن الله عز وجل ولمحت كتاباً لنفس المؤلف تقول : لا أريده ، إذا تصفحت مجلة فانصرفت عن الصلاة أو غفل قلبك حين تصفحها ، الحديث واسع جداً ، المكان ، أو الزمان ، أو هذه الدكان ، أو الطريق ، أو النزهة إلى هذا المكان ، والناس في فجور تحول عن هذا المكان الذي أصابتك فيه غفلة ، على ألا يفهم هذا الحديث على معنى تشاؤم لكن على معنى أنه إذا هناك أشياء تدعو إلى المعصية فأنت غيّر هذا المكان .
يقول سيدنا عيسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام : " ليس الشريف الذي لا يرتكب الخطيئة ولكن الشريف هو الذي يهرب من أسباب الخطيئة " ، يجوز إذا الإنسان تساهل سار في طريق الخطيئة لا يستطيع أن يرجع ، أما الشريف فهو الذي يهرب من أسباب الخطئية. ما من داء إلا و له دواء :
ويقول عليه الصلاة والسلام:
((عَنْ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ قَالَ قَالَتِ الأَعْرَابُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا نَتَدَاوَى قَالَ نَعَمْ يَا عِبَادَ اللَّهِ تَدَاوَوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلا وَضَعَ لَهُ شِفَاءً أَوْ قَالَ دَوَاءً إِلا دَاءً وَاحِدًا قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُوَ قَالَ الْهَرَمُ ))
[ أبي داود عَنْ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ]
قال لي رجل : سبحان الله أنا منذ أربعين سنة أنشط من الآن ، فعلاً فالهرم ليس له دواء ، بلغني قصتين في هذا الأسبوع ، أخت تسكن عند أخيها قالت لهم : قلبي يؤلمني ، قالت له زوجته : لا تسمع لها لا يوجد بها شيء ، ثم توفيت ، جاء الطبيب قال لهم : هذه معها جلطة من شهر لماذا أهملتوها إلى الآن ؟ أنا قلت في نفسي : والله الذي لا إله إلا هو تحاسب هذه المرأة كقاتلة ، من أنت حتى تقولي لا شيء فيها ؟ هذا الكلام يقوله طبيب ، أنت عليك أن تأخذ بالأسباب والباقي على الله ، و عندما أنت تأخذ بالأسباب لا عليك أنت ، إذا كان هناك تقصير تبقى غصة في قلبك إلى ساعة الموت ، الله أمرك أن تداويها ، يوجد أناس عندهم تعصب أعمى أخي أنا لا أحب أن يشاهد زوجتي رجل ، أنت ورع أم رسول الله ورع ؟ سمح للطبيب أن يرى المرأة إذا كانت الطبيبة ليست في مستوى الطبيب ، مرض عضال يجب أن تأخذها إلى الطبيب هذا لا يسمى ورعاً إطلاقاً لأنه مباح أن يأخذ زوجته أو أخته إلى طبيب ، أما إذا كان هناك طبيبة من نفس المستوى وتغني عن الطبيب فالطبيبة أولى ، أما في كل الأحوال أن تقول لا شيء فيها وأصابها شيء فهذا مسؤول عنه .
أحياناً الطفل يصيبه جرح بآلة أعطه إبرة كزاز فوراً لا يصيبه شيء ، هذا كلام غير ديني ، الدين يأمرك أن تأخذ الحيطة ، أن تأخذ بالأسباب ثم تتوكل على رب الأرباب ، قال لك: صور صور ، حلل حلل ، لا شيء لا شيء ، طبيب مؤمن حاذق ، إذا كان غير مسلم يوهمك ليبتز منك المال ، وإذا كان مسلماً غير حاذق يغشك من غير قصد ، محدود علمه ، كثير من الأطباء قالوا له : لا يوجد فيه شيء ويكون معه أزمة قلبية والله يعوض ، والإنسان عندما يبذل المال لمعالجة من يلوذ به له أجر ، وعندما يشاهد المريض أن هناك من يهتم به يسر ، من فضل الله أعرف مؤمنين لا يتحمل دخلهم أجور الأطباء الباهظة والتحاليل و مع ذلك لا يقصرون أبداً ، فلا أحد يظن أنه من الورع ألا يأخذ زوجته إلى طبيب ، ليس هذا من الورع إطلاقاً ، هذا من التقصير وعندما يصير شيء تشعر أنك أحد أسباب الوفاة ، مع أن الوفاة بيد الله عز وجل . السلام على الضرير :
الحديث الأخير:
(( ترك السلام على الضرير خيانة ))
[ الجامع الصغير عن أبي هريرة ]
هذا أخوك بالله ، وقد يكون مقامه أعلى منك بمليون مرة عند الله ، قد يكون فاقداً بصره والله فتح له قلبه ، وقد يكون لك عيون مثل عيون البقر وأعمى القلب ، لا تعرف مقام كل إنسان عند الله عز وجل : (( ترك السلام على الضرير خيانة ))
[ الجامع الصغير عن أبي هريرة ]
خيانة له ، سبحان الله بعد أن سمعت هذا الحديث لو كنت بعيداً عن أخ كريم ضرير أنا أتقدم نحوه وأقول له : السلام عليكم ، ألك حاجة ؟ هذا أدب المصطفى . * * *
سيدنا أبو هريرة :
والآن إلى قصة صحابي جليل هو سيدنا أبو هريرة ، طوبى إلى أنك تعرف هذا النجم المتألق من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهل في أمة الإسلام أحد لا يعرف أبا هريرة ؟ لقد كان الناس يدعونه في الجاهلية عبد شمس ، فلما أكرمه الله بالإسلام وشرفه بلقاء النبي العدنان قال له النبي الكريم : ما اسمك ؟ قال : عبد شمس : فقال عليه الصلاة والسلام بل عبد الرحمن ، هذا تعليم لنا ، أكثر شيء المعلمون يكون اسم طالب فيه مشكلة وكلما قرأ اسمه يضحك الطلاب ، أنت معلم وأنت مؤمن أنت اسمك فلان يا بني ، والسجلات ليس لها قيمة اجعل له اسماً جميلاً طوال السنة بين زملائه ، شيء جميل .
أحياناً نقرأ أسماء الطلاب الكنية عليها تعليقات ، اقرأ الاسم الأول ، و أحياناً يكون الاسم الأول عليه تعليق اقرأ الكنية ، أي ابحث عن اسم لا يوجد عليه أي تعليق ، لأن هذا الطالب إذا الطلاب ضحكوا على اسمه ممكن أن يتعقد ، إذا كنت تستطيع أن تحترم الناس كلهم وما يشعر أحد إلا أنك توده وبنظرك عال ، الناس يقبلون عليك ، النبي صلى الله عليه وسلم عن محبة ومودة صادقة وليس عن ذكاء ، هذا موقف ذكي ، لذلك قال تعالى:
﴿ ولا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ﴾
[ سورة الحجرات: 11]
يوجد أناس يمزحون مزاحاً مع بعضهم هذا لا يتناسب مع الإيمان ، فقال : نعم عبد الرحمن بأبي أنت وأمي يا رسول الله ، أما تكنيته بأبي هريرة فسببها أنه كانت له في طفولته هرة يلعب بها فجعل أقرانه ينادونه بأبي هريرة وشاع ذلك وذاع حتى غلب على اسمه ، فلما اتصلت أسبابه بأسباب رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل يناديه يا أبا هر إيناساً له وتحبباً ، كان النبي الكريم صلى الله عليه وسلم كل صحابي يظن أنه أقرب الناس إليه ، طفل صغير قال له يا عمير ما فعل النغير ؟ (( عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِي اللَّهم عَنْهم يَقُولُ : إِنْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيُخَالِطُنَا حَتَّى يَقُولَ لأَخٍ لِي صَغِيرٍ يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ ))
[ مسلم عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِي اللَّهم عَنْهم]
طفل صغير عنده عصفور يلعب فيه ، ولما شاهده مع والده واسمه عمير فقال له: يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ ؟ شاهده مرة ثانية قال له إياها ، ثم مرة ثالثة ، حتى يتحبب منه ، و هناك فقهاء فهموا أنه إذا أحضر عصفوراً ووضعه في قفص مسموح به ، لا يفهم هذا من هذا أي تحبس مخلوقاً من أجل أن تنظر إليه ، يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ ؟ أيضاً من باب التحبب ، فقال النبي الكريم : يا أبا هر إيناساً له وتحبباً فصار يؤثر أبا هر على أبي هريرة ، ويقول : ناداني بها حبيبي رسول الله ، والهر ذكر والهريرة أنثى ، والذكر ليس كالأنثى ، هنا مكتوب خير من الأنثى ، أنا عدلتها لأنه قد تكون الأنثى أفضل من مليون ذكر ، وإذا أردت الكلام الصحيح قد تكون الأنثى المؤمنة أفضل عند الله من مليون ذكر فاسق وفاجر . إسلامه و إسلام والدته :
أسلم أبو هريرة على يد الطفيل بن عمر الدوسي وظل في أرض قومه دوس إلى ما بعد الهجرة بست سنين ، حيث وفد مع جموع من قومه على النبي صلى الله عليه وسلم وقد انقطع الفتى الدوسي لخدمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبته ، فاتخذ المسجد مقاماً والنبي معلماً وإماماً ، إذا لم يكن له في حياة النبي زوج و لا ولد ، أي إذا الإنسان لم يتزوج ليلحق نفسه لا يوجد من يحاسبه ، أين كنت ذاهباً ؟ إلى مجلس علم ، زار أخاه ، تكلم له عن الله عز وجل وقته مفتوح ، بعد الزواج لك شريك تأخرت علينا أين كنت هذا الوقت ؟ فإذا أحدكم ما تزوج هذه قبل الزواج أنسب سن للإقبال على الله عز وجل والاجتهاد في طلب الحق ، كثيراً أنا أغبط الشباب ليس عليه أي مسؤولية أما المتزوج فصار عنده زوجة ، إذا قرُب وضعها صار لها مطالب ، تتوحم ، استيقظت الساعة الثانية عشرة والبيت كما هو ، وإذا جاءه ابن وارتفعت حرارته صار عليه مسؤولية ثانية ، أما أنت قبل الزواج فلا يوجد عندك اي مسؤولية استغل هذا الوقت لمعرفة الله لبناء إيمان قوي .
هكذا صار مع سيدنا أبو هريرة إذ لم يكن له في حياة النبي زوج ولا ولد وإنما كانت له أم عجوز أصرت على الشرك فكان لا يفتأ يدعوها إلى الإسلام إشفاقاً عليها ، وبراً لها ، فتنفر منه وتصده فيتركها والحزن عليها يفري فؤاده فرياً - يقطعه - وفي ذات يوم دعاها إلى الإيمان بالله ورسوله فقالت عن النبي عليه الصلاة والسلام قولاً أحزنه وأمضه ، فمضى إلى النبي وهو يبكي فقال له عليه الصلاة والسلام : ما يبكيك يا أبا هريرة ؟ الحقيقة خيركم خيركم لأهله ، والله الذي لا إله إلا هو إذا أحدكم أحضر إلى هذا الدرس ألف شخص إذا أحضر لي أخاه النسبي أغلى عليّ من الألف شخص لأن الأخ أقرب شيء لك ، إذا أحضرت والدك أفضل ، صهرك أحسن ، هذا يلوذ بك ، خيركم خيركم لأهله ، كان يبكي أمه تسير على الباطل وتكلمت عن النبي كلاماً لا يليق ، فبكى ، أنت هل يوجد عندك إمكان إذا اهتديت هداية حقيقية ولك أخ يسير بشكل ليس جيداً أن تبكي عليه ؟ تتألم تنزل دمعة من عينك من أجله ؟ تقول : يباع في العزاء ماذا أفعل له ؟ ما كان الصحابة هكذا ، يجد أخاه من أمه وأبيه يسير في ضلال ، أنت دلله وأكرمه وآنسه واسأله عن أحواله ودينه وعاونه وإذا أخذت غرضاً لنفسك خذ له مثلما أخذت لك ، اشتريت كنزة تقول : والله أخي لا يوجد عنده كنزة ، هو حجر أم بشر ؟ أول يوم هدية وثاني يوم وثالث يوم يميل ويقول لك : أنت من شيخك خذني معك ؟ فإذا الإنسان أحضر أخاه أفضل من أن يحضر الغريب ، خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي .
فقال: يا رسول الله إني كنت لا أفتر عن دعوة أمي للإسلام فتأبى علي ، وقد دعوتها اليوم فأسمعتني بك ما أكره ، فادع الله جل وعز أن يميل قلب أم أبي هريرة للإسلام ، فدعا لها النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبو هريرة : فمضيت إلى البيت فإذا الباب قد رد وسمعت خضخضة الماء فلما هممت في الدخول قالت : مكانك يا أبا هريرة انظر إلى هذا الأدب ، أمي ، لا ، أمك لها حرمة ، ثم لبثت ثوبها وقالت : ادخل ، فدخلت فقالت : أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله .
ولكن هذه القصة أنا أريد أن أعلق عليها ، إذا كانت القضية بدعاء النبي فلماذا ما دعا إلى الناس معاً دعوة جماعية ؟ واهتدوا كلهم قال تعالى :
﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴾
[ سورة القصص: 56]
أي هذه من باب المصادفة ، ولكن لو أن النبي كان دعا إلى أبي لهب ، قال تعالى: ﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ﴾
[ سورة المسد: 1]
لو أن الهدى يتم بدعوة النبي لدعا النبي للبشر كلهم دفعةً واحدة ، يا ربي اهد كل من خلقته ، الله أعطى الاختيار لكل إنسان ، فإن كانت هذه القصة صحيحة فمن باب المصادفة ، فإذا أردت أن تأخذها على شكلها الظاهري أنه إذا دعا اهتدت وانتهى ، هذه القصة لها استفهامات كثيرة ، لماذا ما دعا إلى عمه أبو لهب ، لماذا ما دعا إلى مسيلمة الكذاب ؟ لفلان ؟ لكن يظهر أنه عاملها بالإحسان وتأثرت واهتدت ووافق هداها دعوة النبي الكريم .
فعدت إلى النبي الكريم وأنا أبكي من الفرح كما بكيت قبل ساعة من الحزن وقلت : أبشر يا رسول الله فقد استجاب الله دعوتك وهدى أم أبي هريرة إلى الإسلام . حبّ أبي هريرة العميق لرسول الله :
وقد أحب أبو هريرة النبي صلوات الله عليه حباً خالط لحمه ودمه ، فكان لا يشبع من النظر إليه ، وفي قوله :
وأحسن منك لم تر قط عين وأجمل منك لم تلد النساء
خلقت مبرأ من كل عـــــــــــيب كأنك قد خلقت كما تشــاء
***
فكان يقول : ما رأيت شيئاً أملح ولا أصبح من رسول الله حتى لكأن الشمس تجري في وجهه ، وكان يحمد الله تبارك وتعالى على أنه منّ عليه بصحبة نبيه و اتباع دينه ، الآن أحدنا شعر بهذه النعمة نعمة الهدى أنه مهتد وعرف الله عز وجل ؟ هذه نعمة كبيرة جداً طبعاً إذا كان مستقيماً لا تعدلها نعمة ، هكذا كان يقول : الحمد لله الذي هدى أبا هريرة للإسلام .
كنت أقول كلمة : أنا في زماني إذا الإنسان عرف الله وأكل خبزاً يابساً هو الرابح لأن آخرته إلى الجنة وسعيد في الدنيا ، الحمد لله الذي هدى أبا هريرة إلى الإسلام ، الحمد لله الذي علّم أبا هريرة القرآن ، الحمد لله الذي منّ على أبي هريرة بصحبة محمد صلى الله عليه وسلم ، كما أولع أبو هريرة برسول الله صلى الله عليه أولع بالعلم وجعله ديدنه وغاية ما يتمنى . ولعه بالعلم :
بينما أنا وأبو هريرة - حدثنا زيد بن ثابت - وصحاب لي في المسجد ندعو الله تعالى ونذكره - أجمل لقاء مع أخيك تذكر الله عز وجل ، هل سمعت تفسير آية أو حديثاً شريفاً؟ - ونذكره إذ طلع علينا رسول الله وأقبل نحونا حتى جلس بيننا فسكتنا هيبةً له فقال : " عودوا إلى ما كنتم فيه ، فدعوت الله أنا وصاحبي قبل أبي هريرة وجعل النبي الكريم يؤمن على دعائنا ويقول : آمين ، انظر إلى هذا التواضع ثم دعا أبو هريرة فقال : اللهم إني أسألك - حدث سفيان بن عيينة عن صحابي عن رسول الله أنه قال : " من كان فيه خصلتان دخل الجنة أما الخصلة الأولى فقد نسيها سفيان وأما الخصلة الثانية فقد نسيتها أنا " ما فهمنا شيئاً من هذا الحديث ، آفة العلم النسيان - اللهم إني أسألك ما سألك صاحبي وأسألك علماً لا ينسى فقال عليه الصلاة والسلام : آمين ، فقلنا : ونحن نسأل الله علماً لا ينسى ، فقال : سبقكم بها الغلام الدوسي "، هذه له خاصة .
وكما أحب أبو هريرة العلم لنفسه فقد أحبه لغيره من ذلك أنه مرّ ذات يوم بسوق المدينة فهاله انشغال الناس بالمدينة ، واستغراقهم بالبيع والشراء والأخذ والعطاء ، فوقف عليهم وقال : ما أعجزكم يا أهل المدينة ، فقالوا : وما رأيت من عجزنا يا أبا هريرة ، فقال : ميراث رسول الله يقسم وأنتم هنا ، ألا تذهبون وتأخذون نصيبكم ؟ قالوا : وأين هو ؟ قال : في المسجد، فخرجوا سراعاً ، ووقف أبو هريرة لهم حتى رجعوا ، فلما رأوه قالوا : يا أبا هريرة لقد أتينا المسجد فدخلنا فيه فلم نر شيئاً يقسم ، فقال لهم : أو ما رأيتم في المسجد أحداً ؟ قالوا : بلى رأينا قوماً يصلون وقوماً يقرؤون القرآن ، وقوماً يتذاكرون في الحلال والحرام ، قال: ويحكم ذلك ميراث رسول الله .
هذا هو الميراث ؛ اقرأ القرآن وافهمه ، وافهم الفقه ، وتعلم شيئاً عن أسماء الله هذا هو ميراث رسول الله .
معاناته خشونة العيش في بداية حياته :
وقد عانى أبو هريرة بسبب انصرافه للعلم وانقطاعه لمجالس رسول الله ما لم يعانه أحد من الجوع وخشونة العيش ، الله يمتحن المؤمن لأنه لو يأتيه الخير فوراً مع الإيمان يرى أن هذا شيء مربح ، أي أن الإيمان تجارة ، بعد أن آمنت الغلة جيدة ، لم يبقَ محبة ، صار استثماراً ، الله عز وجل يؤخر الدنيا مع إيمانه لا يوجد شيء يبقى ، لا يسأل عن الدنيا هدفه الله، ولما الله عز وجل يأنس منه أنه صادق بطلبه ، وأن الدنيا ليست همه ولا تعنيه ولا يأسف عليها عندئذ يعطيه الدين والدنيا ، من أحبنا أحببناه ومن طلب منا أعطيناه ، ومن اكتفى بنا عما لنا كنا له وما لنا .
هكذا صار مع سيدنا أبي هريرة ، ولم يمضِ الوقت الكثير حتى فاضت الخيرات على المسلمين وتدفقت عليهم غنائم الفتح ، فصار لأبي هريرة مال ومتاع وزوج وولد ، غير أن ذلك كله لم يغير من نفسه الكريمة شيئاً ، ولم ينسه أيامه الخالية ، فكثيراً ما كان يقول : نشأت يتيماً ، وهاجرت مسكيناً ، وكنت أجيراً لبصرة بنت غزوان - أجيراً بطعام بطني - سمعت بحياتك أرخص من هذا ؟ وجبة طعام ، أنا سمعت في مصر قديماً كان عامل الزراعة يعمل بطعامه ، وما هو طعامه ؟ أن يسمحوا له أن يمص قصب السكر ، ثماني ساعات مقابل أن يسمح له أن يمص قصبة ، فسيدنا أبو هريرة كان يعمل ببطنه فزوجنيها الله فالحمد لله الذي جعل الدين قواماً وصير أبا هريرة إماماً .
مرة سيدنا عمر وهو خليفة قال : كنت عميراً فأصبحت عمراً فأصبحت أمير المؤمنين ، فإذا إنسان دخل إلى بيته كان طفلاً والآن صار له بيت ، غرفة ضيوف ، غرفة نوم، الحمد لله ، كان يأتي يضع بمفرده العشاء ويأكل ، أما الآن فعندك امرأة جاهزة لتلبية الطلبات ، هذه نعمة ، شاهد ابنه قال له : اذهب وأحضر لنا خبزاً ، الولد نعمة ، والزوجة نعمة ، والبيت نعمة ، ولك عمل ، تذهب إلى العمل يقولون لك : تفضل أستاذ ويمسح لك الطاولة ، لا تنظر إلى نفسك أنك موظف ولكن انظر إلى فضل الله عليك .
سماحة نفسه و خفة طبعه :
وقد ولي أبو هريرة المدينة من قبل معاوية بن أبي سفيان فلم تبدل الولاية من سماحة طبعه وخفة ظله ، وقد جمع أبو هريرة إلى وفرة علمه وسماحة نفسه التقى والورع فكان يصوم النهار ويقوم ثلث الليل ، ثم يوقظ زوجته فتقوم ثلثه الثاني ، ثم توقظ هذه ابنتها فتقوم ثلثه الأخير، هذا البيت دائماً فيه قيام الليل ، هو ثلث وزوجته ثلث وابنته ثلث فكانت العبادة لا تنقطع في بيته طوال الليل .
ابنته كانت تقول له : يا أبت إن البنات يعيرنني فيقلن : لم لا يحليك أبيكِ بالذهب؟ فيقول: يا بنيتي قولي لهن : إن أبي يخشى عليّ حر اللهب ، ولم يكن امتناع أبي هريرة عن تحلية ابنته ظناً ، أخياناً الأب يظن أنه إذا بالغ في إغراق ابنته بالحلي والذهب والحواضر كلها من السوق ماذا تفعل البنت ؟ تجلس بين صديقاتها هذا الثوب بألف وثمانمئة ، بابا اشتراه لي ، وتكون إلى جانبها صديقتها يحترق قلبها ، هذه أسوارة والدي اشتراها لي ، ثلاثة أرباع همها أن تفتخر أمام صديقاتها ألا يوجد بينهم واحدة فقيرة يصيبها عقدة ؟ وتصبح البنت تريد مالاً وزوجاً غنياً ، فاسق أو دين مثل بعضها ، أما المؤمنة فتريد زوجاً مؤمناً ولا ترضى بشاب لا يصلي ، أما الآن إذا كان لا يصلي حتى إن كان غير مسلم إذا حالته المادية جيدة فيقبلون به .
أنا سمعت عن إنسان ذهب إلى أمريكا ابنته زوجها لرجل من هناك ، هذا خلاف الشرع ، إنسان مقيم هناك أمريكي يأخذ امرأة مسلمة هذا لا يجوز ، يظهر أن أمواله طائلة وصار إغراء .
بعث إليه مروان بن الحكم مئة دينار ذهباً فلما كان الغد أرسل إليه يقول : إن خادمي غلط فأعطاك الدنانير وأنا لم أردك بها وإنما أردت غيرك فسقط في يدي أبي هريرة ليس لها حل هذه المشكلة ، قال : أخرجتها في سبيل الله ولم يزد عندي منها ديناراً واحداً فإذا خرج عطائي فخذها مني ، وإنما فعل ذلك مروان ليتأكد من مقامه العظيم .
برّه بوالدته :
ظل أبو هريرة ما امتدت به الحياة براً بأمه فكان كلما أراد الخروج من البيت وقف على باب حجرتها وقال : السلام عليك يا أمة الله وبركاته ، فتقول : وعليك السلام يا بني ، فيقول : رحمك الله كما ربيتني صغيراً ، فتقول : ورحمك الله كما بررتني صغيراً ، ثم إذا عاد إلى بيته فعل مثل ذلك ، وكان أبو هريرة يحرص أشد الحرص على دعوة الناس إلى بر آبائهم وصلة أرحامهم ، فقد رأى ذات يوم رجلين أحدهما أسن من الآخر يمشيان معاً فقال لأصغرهما: ما يكون هذا الرجل منك ؟ قال : أبي ، قال : إذاً لا تسمه باسمه ، ولا تمشي أمامه ، ولا تجلس قبله ، ولا تستسب له ، إذا الابن عمل مشكلة في الطريق يسبون والده أي استسب لأبيه ، بالمناسبة إذا إنسان معتوه استفزه الناس فسب الدين هل أقول لكم من الذي سبّ الدين ؟ هو الذي استفزه ، هذا ليس مؤاخذاً ، إذا أخذ ما أوهب أسقط ما أوجب ، وبالمناسبة إذا إنسان سب الدين يخرج من الإسلام تطلق منه زوجته يحتاج إلى تجديد إسلامه وتجديد عقد مع زوجته .
وفاته :
ولما مرض أبو هريرة مرض الموت بكى فقيل له ما يبكيك يا أبا هريرة ؟ فقال : أما إني لا أبكي على دنياكم هذه ولكنني أبكي لبعد السفر وقلة الزاد ، إذا كان سيدنا أبو هريرة يبكي لبعد السفر وقلة الزاد ونحن لا نبكي فهذه طمأنينة بلهاء ، لقد وقفت في نهاية طريق يفضي إما إلى جنة أو إلى النار ، ولا أدري في أيهما أكون ، وقد عاده رضوان بن الحكم فقال له : شفاك الله يا أبا هريرة ، فقال : اللهم إني أحب لقاءك فأحب لقائي وعجل لي فيه ، فما كان يغادر مروان داره حتى فارق الحياة .
رحم الله أبا هريرة رحمةً واسعة فقد حفظ للمسلمين ما يزيد على ألف وستمئة وتسعة من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم .

السعيد 09-09-2018 08:46 AM

رد: الفقة الاسلامى 2
 
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( السادس العاشر )

الموضوع : فضيلة التعليم






فضيلة التعلم :
أيها الأخوة المؤمنون ، تحدثت عن فضيلة التعلم ، وهذا الفصل من إحياء علوم الدين ، واليوم الحديث عن فضيلة التعليم .
أكبر خطأ يرتكبه الإنسان أن يظن أنه يتعلم ، أنت مكلف أن تعلم كما أنت مكلف أن تتعلم ، وليس التعليم قاصراً على الدعاء والمرشدين والعلماء ، بل كل من يستمع إلى العلم عليه أن يعلم ، فالله سبحانه وتعالى يقول :
﴿وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾
[سورة التوبة : 122]
جاء أناس إلى النبي عليه الصلاة والسلام وتعلموا منه ثم رجعوا إلى قومهم لينذروهم، هذا ينطبق على كل منكم ، جاء إلى مجلس العلم ، ثم عاد إلى البيت ، وله زوجه وله أولاد ، جاءه صديقه ، جاءه أخوه ، جاءه ابن عمه ، جاءه نسيب له ، ذهب إلى عمله ، زميله في العمل ، جاره في العمل ، كل واحدٍ منكم محاط بأربعين أو خمسين إنساناً كل أسبوع ، فإذا حضرت مجلس علم ، وتعلمت شيئاً ؛ حديثاً ، آية ، حقيقة ، فكرة ، وتركت في نفسك أثراً بليغاً ، وحينما عدت إلى البيت نقلتها لزوجتك ، أو لأولادك فأنت ممن تنطبق عليك هذه الآية : ﴿وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾
[سورة التوبة : 122]
والإنذار هنا المقصود به التعليم والإرشاد . قال الله تعالى : ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ ﴾
[سورة آل عمران : 187]
هذا الميثاق ميثاق التعليم . وقوله تعالى : ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾
[سورة البقرة :146]
إثمهم كبير جداً عند الله ، وهو تحريم الكتمان . وقال تعالى : ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾
[سورة البقرة :283]
الآية متعلقة بالشهادة ، والقرآن له خاص وله عام ، الحقيقة من يكتمها فإنه آثم قلبه، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( ما آتى الله عالماً علماً إلا وأخذ عليه من الميثاق ما أخذ على النبيين أن يبينوه للناس ولا يكتمونه ))
[أخرجه أبو نعيم في فضل العالم العفيف من حديث ابن مسعود]
من خشي غير الله فقد رسالته و وجوده :
هناك آية قرآنية استوقفتني كثيراً ، قال تعالى متحدثاً عن هؤلاء الذين يبلغون رسالات الله ، الله سبحانه وتعالى أراد أن يصفهم ، بماذا وصفهم العالم ؟ كم صفة له ؟ ألا يصلي؟ يصلي . ألا يصوم ؟ يصوم . ألا يتقي ؟ يتقي . من الممكن أن تقترح أنت مئة صفة للعالم ، ربنا عز وجل اختار للعلماء صفة واحدة - هو له صفات كثيرة - اختار واحدة لأن هذه الواحدة خطيرة خطيرةْ فإذا توافرت فهو يبلغ رسالات الله ، وإن لم تتوافر فقد هذه الأهلية ، ماذا قال الله عز وجل :
﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ ﴾
[سورة الأحزاب : 39]
لو أن هذا الإنسان الذي يبلغ رسالات الله خشي من جهة غير الله ما النتيجة الحقيقية ؟ أنه سوف يكتم حقيقة لا ترضي هذه الجهة ، ما النتيجة الثانية ؟ أنه سوف يقول قولاً غير صحيح إرضاءً لهذه الجهة فإذا كتمت الحق إرضاء- لمن تخشاه من دون الله - وإذا نطقت بالباطل إرضاءً لمن تخشاه من دون الله ، فهل أنت بعد هذا وذاك تبلغ رسالات الله ؟!
هذه الصفة إذا فقدها العالم فقد رسالته . مثلاً : إذا عطلنا المحرك في السيارة ، فقط المحرك ، لم يبق فائدة في السيارة ، إذا ألغيت المحرك لم يعد اسمها سيارة ، ألغيت وجودها ، إذا عطلت المكبر في المسجلة لم تعد مسجلة ، هي تدور صحيح ولكن لا نسمع الصوت . هناك أشياء أساسية وجوهرية إذا ألغيتها ألغيت الشيء . ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ ﴾
[سورة الأحزاب : 39]
انظر إلى هذا الوصف ما أجمله ، ربنا كلامه موجز ، كلامه معجز لم يقل : ويصلون . . طبعاً يصلون ويصومون . . طبعاً يصومون ويحجون . . طبعاً يحجون ويتصدقون . . طبعاً يتصدقون ، ولكن : ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ ﴾
[سورة الأحزاب : 39]
بمجرد أن يخشى هذا الذي يبلغ رسالات الله غير الله فقد مهمته ، فقد رسالته ، فقد هويته ، فقد وجوده ، فقد وظيفته ، فقد مبرر وجوده ؛ لأنه سوف يبلغ ما يرضى عنه هذا الذي خشيه من دون الله ، سوف يسكت عن الحق إرضاءً لمن خشيه من دون الله ، وسوف ينطق بالباطل إرضاءً لمن خشيه من دون الله ، ولعمري ماذا بقي إذا سكت عن الحق ونطق بالباطل ، ماذا بقي من تأديته لرسالات الله ؟ ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ ﴾
[سورة الأحزاب : 39]
قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه ابن مسعود : (( ما آتى الله عالماً علماً إلا وأخذ عليه من الميثاق ما أخذ على النبيين أن يبينوه للناس ولا يكتمونه ))
[أخرجه أبو نعيم في فضل العالم العفيف من حديث ابن مسعود]
الدعوة إلى الله بالحكمة و الموعظة الحسنة :
وقال تعالى :
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ ﴾
[سورة فصلت : 33]
الله عز وجل بهذا التركيب الاستفهامي التقريري ، هذا استفهام تقريري يبين أن أعلى عمل في الأرض أن تدعو إلى الله ، وأن يكون عملك صالحاً ، وباب الدعوة ميسر لكل إنسان ، لو تعلمت حديثاً واحداً وعلمته فأنت من هؤلاء ، لو تعلمت آية واحدة . . لو لم تستطع أن تتعلم وجررت الناس بمالك حتى حضروا مجلس علم فهو في صحيفتك ، فإما أن تعلم مباشرة ، وإما أن تجذب هذا الإنسان لمن يعلمه ، قال تعالى : ﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ﴾
[ سورة النحل : 125]
قد ترى في سلوك إنسان خمسين مخالفة . . فإذا قلت له : هذه حرام وهذه حرام وهذه حرام وجد كل حياته حراماً ، يقول : أخي لا أريد هذه الطاعة ، هذه ليست حكمة ، الحكمة أن تعرفه بالله عز وجل .
مرةً سمعت كلمة أعجبتني تُسمى التدخل الإيجابي . مثلاً : الباعة أسعارهم مرتفعة جداً ويوجد غش ، ويوجد احتكار ، فنفتتح محلاً بهذا السوق ، ونعرض فيه بضاعة جيدة ورخيصة ، فنحن لم نضيق على الباعة ، تركناهم يفعلون ما يشاؤون ، ولكننا فتحنا محلاً في نفس السوق ، وبعنا بضاعة رخيصة جداً بأسعار معتدلة ، فالناس تهافتوا علينا وتركوهم ، مما اضطرهم أن يخفضوا أسعارهم . هذا أسلوب راق جداً ، فبدلاً من أسلوب العنف نستعمل أسلوب التدخل الإيجابي . فأنت بدلاً من أن تقول له : هذه حرام وهذه حرام وهذه حرام وبيعك حرام ، ومحلك أخذته بالحرام ، وبضاعتك بالحرام ، وزوجتك ماشية بالحرام ، وبناتك لا حجاب . . لقد أكثرت عليه الحرام فيئس من الحلال كله . . عرِّفه بالله ، تكلم له عن آيات الله ، علمه الصلاة، ادعه إلى صدقة . إذا تصدق صلى ، فإذا صلى ذاق من طعم الإيمان ، فإذا ذاق من طعم الإيمان هو يسألك أهذه حلال أم حرام ؟ قل له : هذه حرام . . هذه الآية ؟ لا تعطه كلهم دفعة واحدة . ﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ﴾
[ سورة النحل : 125]
يقولون إن رجلاً فرنسياً أسلم على يد أحد المشايخ في مصر ، قال له : علمني الدين ؟ قال : اجلس عندي درس فقه ، جلس في درسه . . أول يوم أحكام المياه ؛ الماء الطاهر، الطاهر المطهر ، الطاهر غير المطهر ، حكم الوضوء بماء الحمص ، حكم الوضوء بماء العدس ، حكم البئر إذا وقع فيه فأر ، فإذا يلحقها هر فلها حكم آخر ، من دون أن تلحقها قطة فلها حكم ثانٍ يقول : أين الهدى ؟ لا زلنا في الماء ، فأصابه الملل فترك . التقى مع عالم آخر ، قال له : الماء الذي تشربه توضأ منه . ﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ﴾
[ سورة النحل : 125]
من أمر بمعروف فليكن أمره بمعروف :
علمنا الله عز وجل كيف حرم الخمر ، حرمها بالتدريج ، قال تعالى :
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ ﴾
[سورة النساء : 43]
وبعد ذلك قال : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾
[سورة المائدة : 90]
فكما أن الله سبحانه وتعالى حرم الخمر بالتدريج عليك أن تسلك هذا السبيل الحكيم في تحبيب الناس بالخير ، وتنفيرهم من الشر . لذلك من أمر بمعروف فليكن أمره بمعروف .
حينما خرج الدم من يد النبي الكريم لماذا توضأ مرةً ومرةً لم يتوضأ ؟ هناك حكمة ، فإذا كانت كمية الدم كبيرة يتوضأ ، وإذا كانت قليلة لا يتوضأ . أخذ أحد الأئمة أن الدم ينقض الوضوء ، وآخر قال : الدم لا ينقض الوضوء .
لماذا قال رسول الله مرةً : اقرؤوا مع الإمام ومرةً قال : لا تقرؤوا ؟ إذا كان صوت الإمام واضحاً جداً ، وأنت تقف وراءه فتشوش عليه قال : ما لي أنازع القرآن ؟ إذا صفك رقم خمسة عشر ، لست تسمع شيئاً ، أتقف ساكتاً ؟ ما هذه الصلاة ؟ هناك حكمة عندما يعرف الإنسان حكمة كل أمر يقلد .
لك قريب شارب خمر ، وأولاده فقراء ، أتعطيه نقوداً ؟ يشرب بها خمراً ، فأنت تطبق المذهب الشافعي ، تعطيه الزكاة عينية ، تبعث إليه كيس سكر ، أرز ، سمنة ، لكن لك شخص عنده حكمة بالغة ، هو أدرى بالمئة ليرة ، يشتري بها ألبسة لأولاده ، كتب مدرسية ، هو حكيم . الحكيم أعطه نقوداً ، إنسان من الريف تعطيه كيساً من القمح يراه شيئاً ثميناً جداً ، المطحنة جاهزة ، والتنور جاهز ، أعط إنساناً يسكن في الشام كيساً يراه عبئاً عليه ، أين يريد أن يطحنه؟ أين يريد أن يصوله ؟ فهناك حكمة . ﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ﴾
[ سورة النحل : 125]
تشاجر مع صديقه فحلف بالطلاق ، له زوجة صائمة مصلية محجبة مستقيمة ، آدمية عفيفة ، طاهرة ، خدومة ، متواضعة ، وهي تطبخ طُلقت . . اتفاق الأئمة حجة قاطعة ، واختلافهم رحمة واسعة . هناك فقهاء قالوا : إذا حلف إنسان بالطلاق ، ولم تكن زوجته طرفاً في الطلاق ، وكان يكره فراقها كما يكره فراق دينه فإن هذا الطلاق لا يقع . منطقي ، حكيم جداً ، لم تكن طرفاً في الموضوع ، ويكره فراقها كما يكره فراق دينه فهذا الطلاق لا يقع . اتفاق الأئمة حجة قاطعة ، واختلافهم رحمة واسعة .
سألتك امرأة هل هذه الأساور عليها زكاة ، ليس عندها غيرهم ، أنت حنفية ؟ لا ، تقول لها : إن كنت حنفية فعليهم زكاة ، اذهبي وبيعي واحدة وادفعي زكاتهم . . لا ، ممكن أن تقول لها لا يوجد عليهم زكاة ، مادامت لا تملك ثمناً نقدياً آخر هناك مذهب آخر . (( إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه ، فسددوا وقاربوا . . . . ))
[متفق عليه عن أبي هريرة ]
من أمر بمعروف فليكن أمره بمعروف . المؤمن الصادق :
وأما الأخبار فقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الإمام أحمد أنه لما بعث رسول الله معاذاً رضي الله عنه إلى اليمن قال :
((فَوَ اللَّهِ لَأَنْ يُهْدَى الله بِكَ رَجُلاً وَاحِداً خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ))
[متفق عليه عن سهل بن سعد الساعدي ]
من هو المؤمن ؟ الذي يصدق بهذا الكلام ، هذا كلام رسول الله ، لا ينطق عن الهوى ، ترى علامة المؤمن الصادق أن همه الأكبر هداية الناس ، تراه حريصاً على هدايتهم أكثر من حرصه على عمله ، أو على مستقبله ، أو على مستقبل زواجه ، لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من الدنيا وما فيها ، كل واحد له عند الله مرتبة ، هذه المرتبة بحسب الذين اهتدوا عن طريقه : (( ما أحدث رجل أخاً في الله إلا أحدث الله له درجة في الجنة ))
[ كنز العمال عن أنس]
اهتدى على يديك إنسان فأنت مرتبتك واحد ، اثنان اثنان ، إلى أن يقول الله عز وجل عن سيدنا إبراهيم : ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾
[ سورة النجل : 120]
أي اهتدت أمة ، أما سيدنا رسول الله فجميع الأمم عن طريقه . ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾
[ سورة الأنبياء : 107]
فمن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً ، فإذا ساهمت بهداية إنسان ، وهذا الإنسان صار عالماً ، واهتدى على يديه مليون ، المليون لك وله ، حسنات الله عجيبة جداً ، المليون بصحيفته وبصحيفة من علمه أنت من غير أن ينقص من أجره شيئاً . فلما يوقن الإنسان أن هداية الأشخاص أغلى عمل في الأرض هذه صنعة الأنبياء ، قد يعطي الله الدنيا لمن يحب ولمن لا يحب ، ولكن هذه الصنعة لا يسلمها إلا لمن يحب . ﴿ وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي ﴾
[ سورة طه : 41]
ما معنى واصطنعتك لنفسي ؟ أنت لي ، أنت داع إلي . فالسيدة عائشة تحدث الناس عنها أنها زانية ، وهي بقية طاهرة ، لماذا سمح الله لهم أن يفعلوا ذلك ؟ قد جعلها الله أسوة لكل امرأة ، لآخر الزمان ، يتكلم الناس عنها ظلماً وهي بريئة فلها أسوة بالسيدة عائشة كأن السيدة عائشة كانت كبش الفداء ، فالله عز وجل اصطنعها لنفسه . فأجرى هذه القصة تعليماً لنا، فليس كل شيء يُقال صحيحاً . . طاهرة نقية ، حصينة ، حصان ، رزان ، شريفة ، مقربة ، وهكذا تحدث الناس ، فأية امرأة مسلمة مؤمنة لغط الناس بها ، فلها بالسيدة عائشة أسوة حسنة لأن الله اصطنعها لنفسه . فكل إنسان داعية قد يكون فقيراً ، لماذا فقير ؟ حتى إذا كان طالب علم فقيراً لا يأخذ على خاطره ، قد يكون هذا الداعية مريضاً ، إذا إنسان أحب الله أن يعالجه بالمرض ، هذا فلان كان مريضاً . سيدنا رسول الله جاءه جبريل قال له : أتحب أن تكون نبياً ملكاً أم نبياً عبداً ؟ قال : بل نبياً عبداً ، أجوع يوماً فأذكره ، وأشبع يوماً فأشكره .
دخل عدي بن حاتم إلى بيته ، قال : فتناول وسادة من أدم محشوةً ليفاً قال : اجلس عليها ، قلت : بل أنت . قال : بل أنت . وجلست عليها وجلس هو على الأرض . . كيف رسول الله وهو سيد العالمين ليس عنده إلا وسادة واحدة في بيته ، ما هذا البيت ؟ عندما كان يصلي قيام الليل ترفع السيدة عائشة رجليها كي يسجد ، ألهذه الدرجة كانت الغرفة ضيقة ؟ هذه غرفته ، وهذا أثاث بيته الفخم ، وهذه الثريات سراج ، والسجاد جلد غزال . .
دخل سيدنا عمر على رسول الله فرآه نائماً على حصير ، وقد أثر على خده الشريف فبكى ، قال له : يا عمر لمَ تبكي ؟ قال : رسول الله ينام على حصير ، وكسرى ملك الفرس الكافر ، عابد النار ، الظالم ينام على حرير ؟ قال : يا عمر إنما هي نبوة وليست ملكاً . وهناك قولاً آخر : أما ترضى أن تكون لهم الدنيا وتكون لنا الآخرة .
إذاً . . ((فَوَ اللَّهِ لَأَنْ يُهْدَى الله بِكَ رَجُلاً وَاحِداً خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ))
[متفق عليه عن سهل بن سعد الساعدي ]
إن صدقتم بهذا الحديث فانطلقوا إلى هداية الناس ، وكلما تهدي واحداً لك عند الله درجة . من كتم علمه ألجم بلجام من نار :
وقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه ابن مسعود :
(( من تعلم باباً من العلم ليعلم الناس أعطي ثواب سبعين صديقاً))
[رواه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث ابن مسعود]
وقال عيسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام - هكذا تروي الكتب - من علم وعمل وعلم ـ يوجد آية قرآنية بهذا المعنى ؟ . . ﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾
[ سورة العصر : 1-3 ]
إذا كانت حياة الإنسان خالية من إيمان ، وتطبيق ، وتعليم ، وصبر فهو خسران .. أخي معه ثلاثة آلاف مليون ، خسران .
وعمل وعلم ، فذلك يدعى عظيماً في ملكوت السموات .
وقال عليه الصلاة والسلام فيما رواه ابن عباس بسند ضعيف : (( إذا كان يوم القيامة يقول الله عز وجل للعابدين والمجاهدين ادخلوا الجنة ، فيقول العلماء : بفضل علمنا تعبدوا وجاهدوا))
[ أخرجه أبو العباس الذهبي في العلم من حديث ابن عباس بسند ضعيف]
وقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه ابن عمر ، والحديث متفق عليه : (( إن الله عز وجل لا ينتزع العلم انتزاعاً من الناس بعد أن يؤتيهم إياه ولكن يذهبوا بذهاب العلماء ، فكلما ذهب عالم ذهب بما معه من العلم حتى إذا لم يبق إلا رؤساء جهالاً إن سئلوا أفتوا بغير علم فيضلون ويضلون ))
[متفق عليه عن ابن عمر ]
العلم يُنتزع انتزاعاً بقبض العلماء . وقال عليه الصلاة والسلام فيما رواه أبو داود والترمذي عن أبي هريرة وهو حديث حسن : (( من عمل علماً فكتمه ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار ))
[أبو داود والترمذي عن أبي هريرة]
الحكم يعرفه ، ولكن لم يتكلم لمصلحة ، له شريك يربح منه كثيراً وقع شريكه بمخالفة فإذا نصحه بتلك المخالفة سيتشاجران معاً ، يقول له : نفك الشركة بيننا ، فيقول لنفسه : اسكت يا ولد أنت تربح منه . تعلم علماً وكتم هذا العلم من أجل مصلحة مادية ، ألجمه الله بلجام من نار .
قلت لكم مرة : إنسان يصلي في أول صف ، كل صلاة في وقتها ، له محل تجاري وله مطعم يباع فيه الخمر ، قلنا له فقال : إن شاء الله برقبة شريكي ، أنا ليس لي دخل ، أنا إلى المطعم لا أذهب أبداً ، فقط آخذ الأرباح آخر السنة ، في رقبته إن شاء الله . لا في رقبة الشريكين معاً ، إذا قال له : لا يجوز ، يجوز ، هذا ليس عملك إن لم يعجبك ذلك انسحب ، هناك ربح جيد كيف ينسحب؟؟!! (( من عمل علماً فكتمه ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار ))
[أبو داود والترمذي عن أبي هريرة]
النصيحة و التشهير :
وقال صلى الله عليه وسلم :
((ما أهدى مسلم لأخيه هدية أفضل من كلمة تزيده هدى أو ترده عن ردى ))
[أبو نعيم من حديث عبد الله بن عمرو]
فعلامة المؤمنين يتناصحون ، إذا رأى الأخ على أخيه غلطاً ، لكن الفرق بين النصيحة والتشهير ، النصيحة بينك وبينه ، التشهير أمام ملأ ، أمام الملأ لا يرضى منك ، يعارض ، أحياناً لا يكون منطقياً ، أحياناً يركب رأسه ، أحياناً يتعنت ، أحياناً يتشدد لا يتراجع ، لأنك أردت أن تشهر به ، عندئذ لا ينصاع لك ، إن كنت مخلصاً في نصيحتك انصحه على انفراد ، بشكل لطيف .
سيدنا الحسن والحسين رضي الله عنهما حينما رأوا رجلاً كبيراً في السن يتوضأ بشكل غير صحيح ، فتوضؤوا أمامه وسألوه : نحن قد اختلفنا بموضوع في الوضوء ، فاحكم بيننا يا عم وتوضؤوا أمامه ، قال : المخطئ أنا وليس أنتما . أي هذا أسلوب من أساليب تصحيح الأغلاط بشكل لطيف ، فالإنسان إذا أراد أن يتناصح يجب أن يكون ذكياً بالتناصح ، إنسان غلط أمام سيدنا رسول الله باللغة - إذا أخطأت أمام نحوي أو لغوي يقيم القيامة عليك يقول لك : أعد ، أعد . . – فقال : " أرشدوا أخاكم فإنه قد ضلّ " يا ترى تصليح الغلطة وجرحه أفضل من تركها إلى آخر المجلس وتنبيهه لها تنبيهاً لطيفاً ؟ المؤمنون بعضهم لبعض نصحة متوادون ، ولو ابتعدت منازلهم ، والمنافقون بعضهم لبعض غششة متحاسدون ، ولو اقتربت منازلهم .
إذاً : ((ما أهدى مسلم لأخيه هدية أفضل من كلمة تزيده هدى أو ترده عن ردى ))
[أبو نعيم من حديث عبد الله بن عمرو]
وقال صلى الله عليه وسلم : ((الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه))
[الترمذي عن أبي هريرة]
ذكر الله وما يتصل به . النبي الكريم يعلّم الناس كيف يرحمون الحيوان :
وقال عليه الصلاة والسلام :
(( إن الله سبحانه وملائكته وأهل سماواته وأرضه حتى النملة في جحرها ، وحتى الحوت في البحر ليصلون على معلم الناس الخير))
[الترمذي عن أبي أمامة]
لأن معلم الناس الخير يعلمهم كيف يعاملون الحيوان ، فإذا رحم الإنسان الحيوان ففي صحيفة من دله على ذلك .
حدثني شخص أنه ذبح شاة أمام أختها ، قال : والله لأول مرة في حياتي أرى شاة تبكي خوفاً ، النبي الكريم أدرك ذلك ، لما رأى شخصاً يذبح شاةً أمام أختها غضب عليه الصلاة والسلام وقال : " أتريد أن تميتها مرتين ، هلا حجبتها عن أختها " كان عليه الصلاة والسلام رحيماً . . ولما دخل إلى بستان ورأى جملاً فلما اقترب منه حن - معنى حن هطلت دموعه- تقدم النبي عليه الصلاة والسلام ومسح ذفري الجمل وقال : " من صاحب هذا الجمل ؟ قالوا : فتى من الأنصار ، قال : ائتوني به ؟ جاؤوا به فقال : يا فتى ألا تخشى الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها ؟ إنه شكا إلي أنك تجيعه وتدئبه "
فالذي يحمل مفكاً ينعر به الدابة من أجل أن تمشي ، تراها مجروحة ، هذه بهيمة في خدمتك ، فكم من مركوبة خير من راكبها عند الله .
النبي الكريم بلغه عن رجل خان صديقه أثناء السفر أو الجهاد والكلب قتله ، قال : " خان صاحبه ، والكلب قتله ، والكلب خير منه " ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾
[سورة البينة : 6]
طبعاً . ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ ﴾
[سورة البينة : 6]
على طالب العلم أن يعقل ما يقال ليبلغه لغيره :
وقال عليه الصلاة والسلام :
(( ما أفاد المسلم أخاه فائدة أفضل من حديث حسن بلغه فبلغه ))
[جامع بيان العلم وفضله لابت عبد البر عن محمد بن المنكدر]
لذلك طالب العلم همه الأول يعقل هذا الذي يقال ؛ تفسير آية ، تفسير حديث ، حقيقة ، آية كونية ، إذا عقلها وبلغها لأخيه المؤمن يسعد ويسعد .
وهناك حديث رواه أبو هريرة قال : (( كلمة من الخير يسمعها المؤمن فيعلمها ويعمل بها خير له من عبادة سنة ))
[ ابن المبارك عن أبي هريرة]
و: (( رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم مَرَّ بِمَجْلِسَيْنِ فِي مَسْجِدِهِ ، وَأَحَدُ الْمَجْلِسَيْنِ يَدْعُونَ اللَّهَ وَيَرْغَبُونَ إِلَيْهِ وَالآخَرُ يَتَعَلَّمُونَ الْفِقْهَ وَيُعَلِّمُونَهُ ، فَقَالَ : كِلا الْمَجْلِسَيْنِ عَلَى خَيْرٍ وَأَحَدُهُمَا أَفْضَلُ مِنْ صَاحِبِهِ ، أَمَّا هَؤُلاءِ فَيَدْعُونَ اللَّهَ وَيَرْغَبُونَ ، إِلَيْهِ فَإِنْ شَاءَ أَعْطَاهُمْ وَإِنْ شَاءَ مَنَعَهُمْ ، وَأَمَّا هَؤُلاءِ فَيَعْلَمُونَ الْعِلْمَ وَيُعَلِّمُونَ الْجَاهِلَ ، فَهُمْ أَفْضَلُ وَإِنَّمَا بُعِثْتُ مُعَلِّمًا))
[ مسند البزار عن عبد الله بن عمرو]
أي يقلدون النبي صلى الله عليه وسلم في صنعته : (( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ))
[أخرجه البزار عن أبي هريرة ]
الحسد و الغبطة :
الدرس اليوم كله على التعليم ، وكل واحد منكم يجب أن يعلم ، يجب أن يعمل قائمة؛ فلان اهتدى على يدي ، وفلان وفلان ، إذا واحد أحسن من الدنيا وما فيها ، فكيف باثنين أو ثلاثة ؟ إذا إنسان لم يعرف الله عز وجل وصار عنده أموال تعادل ملء الأرض ذهباً . . لو أنه يملك ذهباً ملء الأرض ، وأراد أن يدفع هذا المال كله ليفتدي نفسه من عذاب الله لا يُقبل منه ذلك ، وهداية رجل واحد خير لك من الدنيا وما فيها . والحديث المعروف المشهور :
(( إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ ، إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ ))
[مسلم عن أبي هريرة]
هذه أعمال مستمرة ، غير منقطعة . ((لا حَسَدَ إلا في اثنَتَيْنِ . . .))
[البخاري عن أبي هريرة]
إذا حسدت إنساناً على بناء ضخم فهذا حسد غير ذكي ، حسد غبي ، لأن هذا البناء سوف يغادره إلى مثواه الأخير ، إن حسدته على ماله فهذا حسد غير ذكي ، لأنه لن يأخذ معه إلا أمتار من الخام الأسمر ، وقطن فقط ، إذا حسدته على زوجته سوف يتركها ، إذا حسدته على أولاده فسوف يتركهم ، أو قد لا ينفعونه ، أما إذا حسدته على علم فمعك حق ، إذا حسدته على مال ينفقه في طاعة الله فمعك حق . لكن نحن نسمي الحسد في العلم وفي المال الذي ينفقه صاحبه في طاعة الله غبطة ، هناك أناس يقولون : أنا حاسدك على هذه الدعوة إلى الله . لا تقل له : أنا حاسدك ، بل قل : أنا أغبطك . دقة العبارة جميلة ، في الخيرات غبطة وفي غير الخير حسد .
هناك بيت شعر مكتوب : ملك الملوك إذا وهب لا تسألن عن السبب
***
أي عطاء الله بلا سبب ، أنا عدلت تعديلاً طفيفاً : ملك الملوك إذا وهب قم فاسألن عن السبب
***
لأن عطاء الله بالعدل ، وهناك أسباب . الله يعطي من يشاء فقف على حد الأدب
***
لذلك قال عليه الصلاة والسلام : ((لا حَسَدَ إلا في اثنَتَيْنِ : رجلٌ آتاهُ اللَّه القرآنَ, فهو يَتْلُوهُ آناءَ اللَّيلِ, والنَّهارِ, فَسمِعَهُ جَارٌ له ، فقال : لَيْتَني أُوِتيتُ مِثْلَ مَا أُوتِيَ فُلانٌ : فَعَمِلْتُ مِثْلَ مَا يَعمَلُ ، ورجلٌ آتاهُ اللَّهُ مالاً, فهو يُنفِقُهُ في حَقَّهِ ، فقال رجل : لَيْتَني أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِيَ فُلانٌ فَعَمِلْتُ مِثْلَ ما يَعمَلُ))
[البخاري عن أبي هريرة]
علم يعلمه ، المال ينفقه في طاعة الله ، هؤلاء الشخصان يُحسدان وما سوى ذلك حسد غبي ، الحاسد جاهل ، والمحسود أجهل . من تعلّم وطبق السنة صار له وجهة إلى الله عز وجل :
وقال عليه الصلاة والسلام في حديث حسن :
(( على خلفائي رحمة الله قيل : ومن خلفاؤك يا رسول الله ؟ قال : الذين يحيون سنتي ويعلمونها عباد الله ، يحيون سنتي - وفي رواية - عند فساد أمتي))
[جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر عن سَلَمَةُ بْنُ الْمُحَبَّقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
أخي مرحبا ، قل له : السلام عليكم ، والله أجمل ، السلام عليكم سلام الإسلام ، السلام من أسماء الله عز وجل ، العلم السنة ، المصافحة سنة ، ألا تأكل متكئاً سنة ، هذه مائدة الله عز وجل ، فالإنسان إذا تعلم وطبق السنة يصير له وجهة إلى الله عز وجل ، يسعد ويسعد. أبلغ لغة أن يطبق الإنسان ما يقول ثم يتكلم :
الآثار انتهينا من الأحاديث ، بدأنا بالآيات ، ثنينا بالأحاديث ، والآن الآثار .
قال عمر رضي الله عنه : " من حدث حديثاً فعمل به فله مثل أجر من عمل ذلك العمل "
لذلك أقول دائماً أربعة أدعية أدعيها يقشعر منها جلدي : " اللهم إني أعوذ بك أن يكون أحد أسعد بما علمتني مني" . . والله مصيبة يتعلم حديثاً ويطبقه ويسعد فيه وأنت متعلم نصه ولفظه وروايته ولست مطبقه فتشقى به ، هذه أكبر خسارة .
من أندم الناس ؟ قيل : من دخل الناس بعلمه الجنة ودخل هو بعلمه النار ، روى لنا النبي الكريم عن أهوال يوم القيامة ، أنهم يشاهدون رجلاً انفتح بطنه واندلقت أمعاؤه من بطنه، وهو يدور في النار كما يدور حمار الرحى ، إذا إنسان ضُرب ضربة قوية يدوخ .
((يدور في النار كما يدور حمار الرحى ، وأمعاؤه اندلقت من أقتابه))
[أحمد عن أسامة بن زيد ]
فلان ، هو بذاته ، هذا كان عالماً في الدنيا يسألونه ألست أنت فلان ؟ يقول : نعم ، ألم تكن تأمرنا بالخير ؟ قال : نعم ، ألم تكن تنهانا عن الشر ؟ قال : نعم ، ما الذي جاء بك إلى هنا ؟ قال : كنت آمركم بالخير ولا آتيه ، وأنهاكم عن الشر وآتيه . فلذلك أبلغ لغة أن يطبق الإنسان ثم يتكلم ، إذا طبق وتكلم يؤثر .
رجل عالم عنده عبد ، له تلميذ غني ، مرة هذا العالم زار تلميذه ، هذا التلميذ رحب به ترحيباً منقطع النظير ، صنع له طعاماً اعتنى به ، والعبد يرى تأثير هذا الشيخ على تلميذه ، قال لنفسه : إذا كلمت الشيخ حتى يعتقني فسوف يعتقني ، بعد أن انتهت الزيارة قال له : لو أمرت سيدي أن يعتقني . قال له العالم : خيراً إن شاء الله ، فتوقع أنه سوف يعتقه في اليوم الثاني فمر يوم و اثنان و ثلاثة ، ثم أسبوع وأسبوعان وثلاثة ، وشهر وشهران وثلاثة ، لا حس ولا إنس ، يا ترى ماذا قال له ؟ قال له ؟ لمَ لم يقل له ؟ إذا قال له لمَ لم يطبق ؟ صار هناك سؤال وجواب ، ثم دعاه مرةً ثانية ، وأيضاً أكرمه إكراماً منقطع النظير ، ثم قال له : سيدي أكلمته حتى يعتقني ؟ فقال له : إن شاء الله يصير خيراً . أيضاً مضى أسبوع وأسبوعان ، وشهر وشهران ، لا حس ولا إنس ، ثم عزمه ثالثة ، فقال له : قال : إن شاء الله يصير خيراً . أعطاها نبرة جادة .
بعد عدة أيام استدعاه سيده فقال له : أنت حر لوجه الله ، لكن هذا العبد قد تألم ، قال : إذا كانت تحل بكلمة من هذا العالم فلماذا تأخر إلى الآن رجوته منذ سنة . التقى بالرجل العالم وسأله ، قال : يا بني أنت أتعبتني كثيراً ، اقتصدنا من مصروفنا مبالغ حتى أعتقنا عبداً بعد أن أعتقت عبداً أمرت سيدك فأعتقك . هكذا كان العلماء قديماً . . العدل حسن لكن في الأمراء أحسن ، والورع حسن لكن في العلماء أحسن ، والحياء حسن لكن في النساء أحسن ، والتوبة حسن لكن في الشباب أحسن ، والسخاء حسن لكن في الأغنياء أحسن ، والصبر حسن لكن في الفقراء أحسن .
فالورع حسن ، لكن في العلماء أحسن . قال له : أتعبتنا حتى وفرنا من مصروفنا ، وأعتقنا عبداً ، لما أمرنا سيدك بإعتاقك فنفذ فوراً . لذلك قال الله عز وجل : ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ ﴾
[ سورة فصلت : 33 ]
كل إنسان يتفلسف أما الذي يؤثر كلامه في الناس فهو الذي يطبق .
عندما تعامل الإنسان معاملة إسلامية ثم تنصحه نصيحة يخضع لك ، ويحترمك ويصغي لك ، إذا رأى المعاملة ليس كما يجب ، معاملة مصلحية ، أما الكلام لطيف فقال : " خلقت خلقاً ألسنتهم أحلى من العسل وقلوبهم أمر من الصبر ، فبي حلفت ، أعلي يجترؤون أم بي يغترون ؟ والله لألبسنهم فتنة تدع الحليم حيراناً" . كلام حلو كثيراً ، تطبيق لا يوجد . من حدث حديثاً فعمل به فله أجر مثل ذلك العمل : (( إن الله سبحانه وملائكته وأهل سماواته وأرضه حتى النملة في جحرها ، وحتى الحوت في البحر ليصلون على معلم الناس الخير))
[الترمذي عن أبي أمامة]
تدخل العالم بين الله و خلقه :
وقال بعض العلماء : " العالم يدخل فيما بين الله وبين خلقه "
فعلاً كلما عرضت قضية عليه ، فالقضية معاملة الله للعبد ، يتدخل ويقول له : الله يريد بك خيراً ، هذه القضية لمصلحتك ، من أجل أنْ تصبر ، من أجل أن يرقى بك ، من أجل أن يرفع درجتك ، من أجل ، من أجل . . كالذي يدخل بين الأم وابنها ، يقول : إياك أن تغلط الأم لا يوجد مثلها ، كل أعمالها من أجل مصلحتك ، لو أنك حزنت منها ولكنها لمصلحتك ، أنت تتدخل بين الأم وابنها ، أنت تفهم الابن مقام الابن . فالعالم يتدخل فيما بين الله وخلقه . فلينظر كيف يدخل . . ويكون تدخله إيجابياً ، ألم يقل سيدنا موسى : " اللهم إنك تعلم أني أحبك، وأحب من يحبك ، ولكن كيف أحببك إلى خلقك ؟ قال : ذكرهم بآلائي ، ونعمائي ، وبلائي "
شعور المعلم عند سؤال المتعلم :
سفيان الثوري - رحمه الله - قدم عسقلان فمكث فيها لا يسأله إنسان فقال : " إني مزمع أن أخرج من هذا البلد ، هذا بلد يموت فيه العلم "
أحياناً أسأل الطلاب سؤالاً ، هل هناك سؤال ؟ لا أحد يجيب ، أقول لهم : هذا السكوت أول تفسير هو حسن ظني بكم ، أنكم فاهمون تماماً ولا يوجد قضية غامضة ، والتفسير الثاني : الحياء ، والحياء خلق عال ، والتفسير الثالث عدم المبالاة ، الموضوع كله خارج اهتمامنا . فالإنسان لا يسأل إما عن فهم ، وإما عن حياء ، وإما عن عدم مبالاة . الشيء الخطير الثالثة ، يعيش بدوامة ثانية .
(( من أصبح وأكبر همه الدنيا جعل الله فقره بين عينيه . .))
[ الترمذي عن أنس]
شخص أوقف شخصاً و بدأ بآية ، قال له : والله مستعجل ، عندي موعد فلا تؤاخذني ، والله كلامك حلو ولكني مرتبط بموعد ، قال له : أراك تعرج ، قال : نعم والله ، قال : يوجد لهذا دواء ، قال : أطلت الحديث معه ، نصف ساعة أوقفته من أجل رجله ، من أجل تفسير آية عنده موعد ، مستعجل ، الحجاج ماشي في الطريق ، رأى بائع قدور يصلي قاعداً ، وقف عنده قال : أريد هذا القدر ، وضع سلماً وصعد إليه ، فقال : ليس هذا الذي بجانبه ، فصعد إلى جانبه . . قال : من أجل بيع وشراء يصعد وينزل مئة مرة . ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾
[سورة النساء :142 ]
بزمانك رأيت إنساناً يعد نقوداً ينام – خمسمئات مثلاً – لا ، يبقى صاحياً . أحياناً الإنسان يشرد في الصلاة .
قال عطاء رضي الله عنه : دخلت على سعيد بن المسيب وهو يبكي فقلت ما يبكيك؟ قال : لا أحد يسألني عن شيء ، ما هذا البلد ؟ إذا سأل أحدهم ينتعش المسؤول ، هناك إنسان مهتم ، هذه القضية تشغل باله ، خائف أن يكون قد وقع بالحرام ، عنده ورع ، عنده اهتمام، فالسؤال له فائدة غير مباشرة ، وهو شعور المعلم أن المتعلم مهتم . وقال بعضهم : " العلماء سرج الأزمنة ، كل واحد مصباح زمانه ، يستضيء به أهل عصره " أهمية العلم و العلماء :
وقال الحسن رحمه الله : " لولا العلماء لصار الناس مثل البهائم " ، أي أنهم بالتعليم يخرجون الناس من حدّ البهيمية إلى حدّ الإنسانية ، البهيمية طعام وشراب وعمل واستراحة وملذات ، انظر حياة معظم الناس ، ماذا يوجد فيها ؟ أكلنا ، وشربنا ، ونمنا ، وسهرنا ، وضحكنا ، ولعبنا ، وتنزهنا ، يذهب الصيف ويأتي الشتاء ثم الربيع والخريف ، نفس الوتيرة . حديثه عن الطعام ، أو النساء ، الأكل أو النساء ، طعام وشراب ونوم وراحة وترتيبات وتزيينات وحفلات وانتهى كل شيء ، والآخرة خارج اهتمامهم .
(( من أصبح وأكبر همه الدنيا جعل الله فقره بين عينيه ، وشتت عليه شمله ، ولم يؤته من الدنيا إلا ما قدر له ، ومن أصبح وأكبر همه الآخرة جعل الله غناه في قلبه ، وجمع عليه شمله ، وأتته الدنيا وهي راغمة ))
[ الترمذي عن أنس]
وقال عكرمة : " إن لهذا العلم ثمناً ، قيل : وما هو ؟ قال : أن تضعه فيمن يحسن حمله ولا يضيعه" . وقال يحيى بن معاذ : " العلماء أرحم بأمة محمد صلى الله عليه وسلم من آبائهم وأمهاتهم " كيف ؟ نأخذ مثلاً رسول الله ، رسول الله أرحم بالخلق من أنفسهم بأنفسهم ، واحدنا همه دنياه ، أما النبي الكريمة فهمه آخرتك ، الدنيا زائلة ، أما البطولة فبالآخرة ، لذلك من يقوم مقام الأنبياء هؤلاء حريصون على الناس أشد من حرص الناس على أنفسهم . قال : وكيف ؟ قال : لأن آباءهم وأمهاتهم يحفظونهم من نار الدنيا .
إذا أحدهم اقترب ابنه من مدفأة تراه يقفز قفزاً ، يقول : سيحرق يده . . كيف تغريه بمعصية ؟ ترسله إلى دولة أجنبية لوحده يسكن مع أسرة يبقى فيها أربعة أسابيع أو خمسة حتى يتعلم اللغة . هذه الأسرة قد يكون فيها زنا ، أسرة كافرة ، هذا شيء غير معقول ، تخاف عليه من نار الدنيا ألا تخاف عليه من نار الآخرة ؟
قال : لأن آباءهم وأمهاتهم يحفظونهم من نار الدنيا ، وهم يحفظونهم – أي العلماء- من نار الآخرة .
وقيل : " أول العلم صمت ، ثم استماع ، ثم حفظ ، ثم عمل ، ثم نشر " صمت ، استماع ، حفظ ، عمل ، نشر .
وقيل : " علم علمك من يجهل ، وتعلم ممن يعلم ما تجهل ، فإنك إذا فعلت ذلك علمت ما جهلت ، وحفظت ما علمت "
وقال معاذ بن جبل في حديث مرفوع : " تعلموا العلم فإن تعلمه لله خشية ، وطلبه عبادة ، ومدارسته تسبيح ، والبحث عنه جهاد ، وتعليمه من لا يعلمه صدقة ، وبذله لأهله قربة، وهو الأنيس في الوحدة ، والصاحب في الخلوة ، والدليل على الدين ، والمصبر على السراء والضراء ، والوزير عند الأخلاء ، والقريب عند القرباء ، ومنار سبيل الجنة ، يرفع الله به أقواماً فيجعلهم في الخير قادة وسادة ، هداة يُقتدى بهم ، أدلةً في الخير ، تُقتص آثارهم ، وترمق أفعالهم ، وترغب الملائكة في خلتهم ، وبأجنحتها تمسحهم ، وكل رطب ويابس يستغفر لهم ، حتى حيتان البحر وهوامه ، وسباع البحر وأنعامه ، والسماء ونجومها ، وأن العلم حياة القلوب من العمى ، ونور الأبصار من الظلم ، وقوة الأبدان من الضعف ، يبلغ به العبد منازل الأبرار ، والدرجات العلى ، والتفكر فيه يعدل بالصيام ، ومدارسته بالقيام ، به يُطاع الله عز وجل ، وبه يُعبد ، وبه يُحمد ، وبه يُمجد ، وبه يُتورع ، وبه تُوصل الأرحام ، وبه يُعرف الحلال والحرام ، وهو إمام والعمل تابعه يُلهمه السعداء ، ويحرمه الأشقياء ، ونسأل الله تعالى حسن التوفيق " من أحبّ العاجلة و كره الآجلة حظر الله عنه العلم و الأدب :
و :
(( ما استرذل الله عبداً إلا حظر عليه العلم والأدب ))
[ذكره ابن النجار في تاريخه وكذا القضاعي في الشهاب عن أبي هريرة ، وذكر في الميزان أنه خبر باطل وأعاده في ترجمة أحمد بن محمد الدمشقي وقال له مناكير وبواطيل ثم ساق منها هذا وقال بعض الشراح الشهاب غريب جداً]
معنى استرذله : رآه رجلاً سخيفاً ، شهوانياً ، دنيوياً ، يحب العاجلة ، يكره الآجلة ، يحب مصلحته وشهواته ، يكره الحق ، إن رآه كذلك قال له : هذه المجالس ليست لك ، دعك عنها ، أنت مشغول ، أنت عندك عمل لأنصاف الليالي هنا عمل عبادة ، أحياناً يتوهم ويقول : العمل عبادة أيضاً ابق لأنصاف الليالي بالعمل ، واترك أولادك ، ولا تهذب نفسك ، والموت يأتي فجأة . (( ما استرذل الله عبداً إلا حظر عليه العلم والأدب ))
فإذا سمح الله لرجل أن يحضر مجلس علم ففيه خير ، ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم ، إذا الإنسان حاجز محلاً في جامع فلا يفرط به ، إذا لم يأتِ عدة مرات يتراكم على قلبه الران ، ثم يقطعه نهائياً ، قليل من الإهمال ، أخي والله لا يوجد انشراح ، يضيق الله صدره. ما معنى حظر عليه العلم والأدب ؟ يضيق الله صدره من العلم ، بالأسواق يستأنس ، بالحديث عن الدنيا يطرب ، طليق اللسان ، يحدثك إلى الواحدة ليلاً ، فإذا تحدثت إليه عن الآخرة يتثاءب، يقول : تأخرنا اسمح لنا بالخروج . هذه قاعدة : المؤمن مهما حدثته عن الله عز وجل يبقى سعيداً ومسروراً . (( ما استرذل الله عبداً إلا حظر عليه العلم والأدب ))
طلب الفقه حتم واجب على كل مسلم :
أنا لي عندكم نصيحة ، احضر مجلس العلم في كل أحوالك ، أخي البارحة ما رأيناك ؟ نعم والله كنت متضايقاً ، بالعكس أخي ألا تريد أن تأخذ الدواء ، عندما أشفى آخذه ، ما هذا الكلام ؟ يجب أن تأخذه حتى تشفى ، الدواء للشفاء ، إذا شفيت لا تحتاج إلى دواء .
أخي إذا كنت متضايقاً لا آتي إلى المجلس ، لا بالعكس ، إذا كنت متضايقاً تعال ، إذا كنت متضايقاً تسر هنا ، يذهب عنك الضيق ، متشائم يذهب عنك التشاؤم ، خائف يذهب عنك الخوف ، فهذا المجيء حتمي ، طلب الفقه حتم واجب على كل مسلم .
أي بكل أحوالك ؛ معكر تعال ، مشغول تعال ، وقعت بمخالفة ، خجلان من ربك تعال ، أنت داخل إلى بيته يضيفك .
" إن بيوتي في الأرض المساجد ، وإن زوارها هم عمارها ، فطوبى لعبد تطهر في بيته ثم زارني ، وحق على المزور أن يكرم الزائر"
أخي أنا وقعت بمخالفة ، صافحت اليوم فأنا أستحي من الله لا أريد أن آتي إلى الدرس . بالعكس ، ادفع صدقة وادخل إلى بيته تائباً على نية أن يضيفك في هذا الدرس ، ماذا يضيفك ؟ العفو عنك ، أو المجاوزة ، احتمال أن تدخل إلى الدرس تبكي قليلاً فترى أن قلبك انجلى " إن لربكم في أيام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لها " اجعل الدرس فوق كل أشغالك ، أي هذا الدرس من فضل الله مخصص للتحدث عن نعمه ، هذه السنة العاشرة أدرسها من فضل الله ما غبت درساً ، من فضل الله عز وجل أنه أكرمني لأني حريص على طلب الخير ، وأنتم أيضاً احرصوا على الدوام ، الثبات نبات ، اليوم تأثرت ، اليوم الثاني صفت نفسك ، الثالث تخلصت من ذنب كان جاثماً على صدرك ، إذا ثبت ستتجه نحو الأحسن ، ما من إنسان ثبت على حضور مجلس إلا و تطور ، الإنسان له أذن تسمع ، هذا حرام وهذا حلال ، هكذا طريق السعادة وهكذا طريق الشقاء ، سوف يطبق بعد ذلك ، إذا مضى فترة طويلة وتخلصت من كل مخالفتاك البيتية ، أنا سأتحمل سنة لأن الأمر يحتاج إلى نفس طويل ، أما إذا الإنسان أسرع فأفضل ، من يؤكد له أن الموت بعيد قد يكون قريباً .
إنسان توفي أخوه وترك له عشرة أولاد ، صار يبكي ، له شيخ ذهب إليه قال : لم تبك يا بني ؟ قال : أخي ترك لي عشرة أولاد وما خلف شيئاً ؟ ثم قال : ترك شيئاً يكفيهم سنة قال : جيد ، عندما تمضي السنة ابدأ بالبكاء ، مات قبل السنة ، من عنده ضمان أن يعيش لبعد ساعة ، فالإنسان يتوب .
(( بادروا بالأعمال الصالحة ، فماذا ينتظر أحدكم من الدنيا ؟ هل تنتظرون إلا فقراً منسياً ، أو غناً مطغياً ، أو مرضاً مفسداً ، أو هرماً مفنداً ، أو موتاً مجهزاً ، أو الدجال فشر غائب ينتظر ، أو الساعة والساعة أدهى وأمر ))
[الحاكم عن أبي هريرة ]
اًتوبوا إلى الله ، فإذا تاب الإنسان إلى الله توبة نصوحة فكأن جبل أزيح عن كاهله ، استراح ، لذلك توبوا إلى الله توبةً نصوحة : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

السعيد 09-09-2018 08:54 AM

رد: الفقة الاسلامى 2
 
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( السابع العاشر )

الموضوع : اداب المتعلم وصفاتة





الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
آداب المتعلم :
1 ـ تطهير القلب :
درسنا اليوم في عرض وشرح بعض الفصول المختارة من إحياء علوم الدين ، ونحن في باب العلم ، تحدثنا عن فضيلة العلم ، وعن فضل العلم ، وعن فضل التعلُّم ، وعن فضل التعليم في الدروس الثلاثة السابقة . وفي الدرس الماضي تحدثنا عن آداب المتعلِّم ، وكان أول هذه الآداب تطهير القلب .
والأدب الثاني ، وقبل أن ننتقل إلى الأدب الثاني من آداب المتعلِّم يقول الغزالي : " إني أرى جماعةً من العلماء الفقهاء المحققين برزوا في الفروع والأصول - أي في فروع الفقه وفي أصوله - وعدّوا من جملة الفحول ، وأخلاقهم ذميمة لم يتطهَّروا منها ، فيقال : إذا عرفت مراتب العلوم ، وعرفت علم الآخرة ، استبان لك أن ما اشتغلوا به قليل الغناء من حيث كونه علماً ، وأما غناؤه من حيث كونه عملاً لله تعالى إذا قُصد به التقرُّب إلى الله تعالى ، لقد سبقت إلى هذا إشارة ، وسيأتيك فيه مزيدٌ وبيانٌ ، وإيضاحٌ إن شاء الله تعالى " هذا رأيٌ صائب ، لو أن الإنسان تعمَّق في الأصول والفروع ، وبرَّز فيها يعد عند الناس من جملة الفحول ، ولم يطهر قلبه من الأخلاق الذميمة ؛ من الحسد ، والعُجب ، والكبر ، والاستعلاء ، وتضخم الذَّات ، إن هذا الذي حصَّل تلك الفروع ، وهاتيك الأصول ، وبرع فيها وتعمق ، ووصل إلى أدق الجزئيات، وحفظ ، واستعلى ، ولم ينظر إلى قلبه ليطهره ، إن هذا لا ينفعه شيء في الآخرة ، كما لو أن إنساناً اختصَّ في اختصاصٍ معيَّن وبرع فيه ، اختص في الطب مثلاً ، في الحقوق ، في الآداب ، وصار له مؤلَّفات كبيرة جداً ، وصار اسمه شائعاً على الألسن ، ولم يطهر قلبه ، ولم يعرف ربه ، فإن هذا كله لا يجديه شيئاً .
إذاً هذا العلم الشريف يحتاج إلى تطهير قلب حتى يغدو شريفاً .
2 ـ أن يقلل طالب العلم علائقه من الاشتغال بالدنيا :
الوظيفة الثانية : يقول الإمام الغزالي : " أن يقلل طالب العلم علائقه من الاشتغال بالدنيا "
العارفون بالله لهم عبارات ثابتة : " العلائق عوائق " . أي إنسان لا يوجد عنده وقت ، داخل في خمسين مشروعاً ، وعنده خمس أو ست شركات ، ومشغول من الصباح إلى المساء لو كان هذا الإنسان طيباً ، لو كان فيه خير ، لو كان عنده استعداد ، لكن لا يوجد لديه وقت . الآن إذا إنسان أراد أن يصبح طبيباً غير معقول أن يكون موظَّفاً ، إذا كان موظفاً دوانه من الساعة الثامنة إلى الساعة الثانية والنصف ، فيصل إلى البيت الساعة الثالثة والنصف منته، يريد أن يأكل للرابعة والنصف ، يرتاح ساعتين ، انتهى النهار ، لو عنده رغبة جامحة أن يكون طبيباً ، هذه تحتاج إلى وقت ، و إلى أن يكون مثقَّفاً ثقافة عالية . فما لم يكن هناك وقت فراغٍ كافٍ لطلب العلم فالأمر مستحيل ، إذاً نحتاج إلى وقت فراغ .
وعندما يقتطع الإنسان من أثمن أوقاته وقتاً ليتعرَّف في هذا الوقت إلى الله عزَّ وجل لم يضع عليه شيءٌ في الدنيا ، هنا البطولة ، هنا يختلف المؤمن بالله عن المعتقد ، المعتقد لا تسخو نفسه أن يضيع هذا الوقت في طلب العلم ، المعتقد لا تسخو نفسه أن يمضي ساعتين في أيام المواسم ، يقول لك : بيع مثل النار ، أنا الآن أحتاج لساعة كي أصل ، والدرس ساعة ، وساعة لأرجع ، أكون بعت بخمسة آلاف ليرة في هذا الوقت . المعتقد لا تسخو نفسه أن يضيِّع وقتاً من أوقاته في طلب العلم ، لكن المؤمن إيماناً صحيحاً يرى أن العبد إذا ضيَّع من وقته ، أو إذا استهلك من وقته وقتاً لمعرفة الله عزَّ وجل ، فالله سبحانه وتعالى لابدَّ من أن يعطيه الدنيا قبل الآخرة :
(( مَنْ شَغَلَهُ الْقُرْآنُ وَذِكْرِي عَنْ مَسْأَلَتِي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائِلِينَ ))
[ الترمذي عن أبي سعيد ]
صاحب محل تجاري ، وفي منطقة حساسة ، وعليه إقبال شديد ، الظاهر أن صديقاً له قال له : ألا تحج يا رجل ؟ قال له : والله لا أستطيع أن أحج ، إذا حججت سيذهب كل زبائني ، لا أستطيع أن أغلق أربعين يوماً ، بلغني أن هذا الإنسان أصابه مرض عُضال ألزمه الفراش أربعة أشهر في البيت ، لهذه الكلمة التي قالها ، لا تستطيع أن تحج لكي لا يخف دخلك؟ أربعة أشهر ابتلاه الله بمرضٍ وهو يعلم أن فيه خيراً لعله يصحو . لذلك العلائق عوائق .
أول شيء ، طبعاً هذا الأدب له شطرين ، أول شطر تحتاج إلى وقت فراغ ، الشطر الثاني تحتاج إلى صفاء نفسي يعينك على فهم الحق ، لو إنسان مخاطر مخاطرات كثيرة في أعماله الشخصية ، ودائماً تحت ضغط أو قلق معيَّن ، هذا القلق المستمر ، وهذا الخوف ، وهذه المخاطرات لا تسمح له أن يستوعب العلم ، ولا تسمح له أن يتمثَّل العلم ، ولا تسمح له أن يتعمَّق في العلم . من يقتطع من وقته وقتاً لمعرفة الله فالله يحفظه و يوفقه :
الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه يقول : " والله لو كُلفت شراء بصلة ما تعلمت مسألة " . القصة أنه عندما توقن أنه يوجد إله رزاق ، وأنت الآن ستلتفت لمعرفته من أجل أن تنجو من عذابه يوم القيامة ، من أجل أن تسكن في جنةٍ عرضها السموات والأرض ، إذا كنت هكذا تفعل ، فإن الله سبحانه وتعالى سيرزقك أضعاف ما يرزق هذا الذي انقطع إلى الدنيا ، هذه البطولة ، هذا لا يعرفه إلا المؤمن ، أي أنه لا يضيع عليك شيء ، اجعل هذا الكلام في ذهنك:
(( مَنْ شَغَلَهُ الْقُرْآنُ وَذِكْرِي عَنْ مَسْأَلَتِي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائِلِينَ ))
[ الترمذي عن أبي سعيد ]
أي إذا أنت استهلكت ساعة زمان لمعرفة الله ، يمكن أن يوفر الله عليك عشرات الساعات ، يمكن أن يُعطَّل شيء بآلة من آلات عملك تكلفك ثمانين ساعة ، لا يوجد من قطعها تذهب إلى بيروت ، تذهب إلى الأردن ، تذهب إلى هنا و هناك و لا يتجد ، يذهب وقتك ، وجهدك ، وأموالك ، وتستهلك زمناً طويلاً ، فلو أنت بذلت من وقتك الثمين وقتاً لمعرفة الله عزَّ وجل ، لا يضيع عليك شيء .
حتى أن بعض الفقهاء قال : " حضور مجالس العلم زكاةٌ للوقت " . إذا إنسان ابنه شرب دواء لا يأخذه إلا الكبار ، أخذه على مشفى الأطفال ، يحتاج إلى خمس أو ست ساعات مرافقة معه ، يقول لك : من الساعة العاشرة إلى الساعة الثانية مساء حتى انتهينا ، غسيل معدة وما شاكل ذلك ، خمس ساعات ، أي أن الله عزَّ وجل قادر بكل ثانية أن يُذهب لك مئة ساعة من وقتك ، مع الألم ، والانزعاج ، ودفع المال ، والترجي ، وبذل ماء الوجه ، فعندما يقتطع الإنسان من وقته الثمين وقتاً لمعرفة الله عزَّ وجل . . ﴿ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾
[ سورة الطور : 48 ]
أنت الآن بأعيننا ، فإنك بحفظنا وتوفيقنا . . ﴿ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾
[ سورة هود : 88 ]
بهذا الموضوع القصص أكثر من أن تُحصى ، إذاً العلائق عوائق ، معنى العلائق عوائق أي تحتاج .. ﴿ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾
[ سورة هود : 88 ]
إلى وقت فراغ ، وتحتاج إلى صفاء ، الاقتصاد في المعيشة خيرٌ من بعض التجارة، الكلام دقيق جداً ، لم يقل : خيرٌ من التجارة بل خيرٌ من بعض التجارة ، أي أن التجارة فيها قلق شديد ، فيها خوف ، فيها مخاطر ، والله إذا ضغط الإنسان مصروفه بحيث لا يضطر إلى هذه المخاطر ، وصار عنده صفاء ، فإذا قرأت قرآناً صباحاً ، واستوعبت على الله عزَّ وجل كلامه ، بسبب أنك صافي النفس ، والله هذا الصفاء لا يقدَّر بثمن ، كله ماض . . (( وَهَلْ لَكَ يَا بْنَ آدَمَ مِنْ مَالِكَ إِلا مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ ))
[مسلم عن مسلم بن الحجاج ]
وما سوى ذلك ليس لك ، الذي لك المستهلكات ، أما الأرصدة فليست لك ، المستهلكات لك واستهلكتها ، والأرصدة ليست لك لكنك سوف تحاسب كيف جمعتها ؟ وكيف أنفقتها ؟ فالمستهلكات هي لك وهي مستهلكات ، حديثٌ دقيقٌ جداً : (( وَهَلْ لَكَ يَا بْنَ آدَمَ مِنْ مَالِكَ إِلا مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ ، أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ ، أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ ))
[مسلم عن مسلم بن الحجاج ]
3 ـ ألا يتكبر على العلم ولا يتأمر على المعلم :
الشيء الثالث ، الأدب الثالث من آداب طالب العلم ألا يتكبر على العلم ، ولا يتأمَّر على المعلِّم ، بل يُلقي إليه زمام أمره بالكليَّة في كل تفصيل . أحياناً يقول لك أحدهم : الموضوع الفلاني ما قولك فيه ؟ هذا قولي فيه . فيقول لك : قالوا غير ذلك . أنت اعتمد على واحد ، أنت امنح ثقتك لإنسان ، إما أن تمنحه ثقتك أو لا تسأله ، لا أريد أن أسألك وأقول لك : كلامك غير صحيح . هذا ليس من الأدب في شيء ، أنت اسأل واسمع الجواب ، إذا أعجبك طبقه ، لم يعجبك اتركه ، لا يوجد إلزام ، العالم لن يتبعك إلى البيت ويقول لك : ماذا عملت بكلامي؟ أنت اسمع سألته سؤالاً قال لك : هذه حرام ، فتقول : هذه أفتوا فيها . ما دام أفتوا فيها، طبقها على ذمتهم .
قال لي أحدهم : هذه صار فيها فتوى ـ بالمئة خمسة الربا فيها فتوى ـ قلت له : لابأس . قال : هذه فيها فتوى . قلت له : لابأس ما دام فيها فتوى ، ولكن أنا خائف يوم القيامة ألا تجد مفتيك الذي أفتاك ، هذه أصعب شيء ، يمكن هذا الذي قال لي : بالمئة خمسة لا تجده، هذه صعبة جداً إذا اعتمدت عليه ، ووضعتها بذمته وبرقبته ، وجئت إلى الحساب ، أين هذا ؟ أنا قلت لك يا عبدي أنه بالمئة خمسة مسموح فيها ؟ يا رب هناك إنسان وهو فلان الفلاني سألناه وقتها وقال : لابأس . أين هو؟ أحضروه . ما وجدته ، ماذا ستفعل في نفسك ؟ لذلك النبي الكريم قال :
(( اسْتَفْتِ قَلْبَكَ وَاسْتَفْتِ . . . وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ ))
[ أحمد عن أيوب بن عبد الله ]
الله عزَّ وجل فرز لك مفتياً خاصاً ، خاص لك هو الضمير ، الإثم لا ترتاح إليه والبر تطمئن نفسك إليه ، لمجرَّد أنك تسأل فأنت قلق ، إذاً هذا الذي تفعله ليس صواباً ، من يسأل إذا واحد شرب كأس ماء ؟ أخي حرام ؟ لا ، من في الأرض يسأل عن شرب الماء أحرامٌ هو أم حلال ؟ هذا بديهي ، والطعام كذلك ، والزواج كذلك ، وشراء منزل كذلك ، وشراء فرش للنوم كذلك ، وشراء أشياء أساسية كذلك .
4-الإذعان لنصيحة العالم إذعان المريض للطبيب :
لكن هناك شبهات ، بعضهم يقول لك : هذه حلال ، هذه صورة وليست حقيقة ، وهذا صدى وليس بصوت . وبعضهم يقول لك : حرام ، هذا يثير الفتن ، يحرك المشاعر السُفلى في الإنسان ، يسيء العلاقة بين الزوجين ، يوعي ، أو يكسب الوعي المبكِّر للأطفال ، يوعي في موضوعات هم بعيدون عنها بعداً كبيراً قبل الأوان بكثير ، هذا يسبب انحرافات شخصية عند الشباب والشابَّات ، يقول لك : هذا صورة ، وهذا صدى . .
(( اسْتَفْتِ قَلْبَكَ وَاسْتَفْتِ . . . وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ ))
[ أحمد عن أيوب بن عبد الله ]
فالمشكلة أن طالب الفتوى إما أن يصر على جوابٍ معين ، هذا يجب ألا يستفتي أحداً ، لأنه إذا جاءت الفتوى كما يريد رحَّب بها ، فإن جاءت على خلاف ما يريد رفضها واتَّهم الذي أعطاه إيَّاها بالجهل ، مثل هذا المُصر على شهوةٍ معينة لا ينبغي أن يسأل ، لكنك إذا سألت يجب أن توطِّن نفسك على أن تستجيب للجواب ولو عاكس شهواتك .
فقال الغزالي : " ألا يتكبَّر على العلم ، ولا يتأمَّر على المعلم ؛ بل يلقي إليه زمام أمره بالكلية في كل التفاصيل ، ويذعن لنصيحته إذعان المريض الجاهل للطبيب المشفق الحاذق"
أحياناً يأتي مريض مثقف ثقافة طبية نوعاً ما وليس له ثقة بالطبيب ، يتعبه كثيراً ماذا وصفت لي يا دكتور ؟ يقول له : حب مسكِّن . هل هذا الحب له مضاعفات ؟ لا ليس له مضاعفات . أنا قرأت أن له مضاعفات ، يقول له : لابأس لا تأخذه إذاً . معي وجع رأس كثير ، يقول له : حيرتني نقول لك : خذ هذا الحب تقول : له مضاعفات ، اترك الحب تقول : رأسي يوجعني . هذا المريض المثقف ثقافة وسطاً يتعب الأطباء كثيراً ، أما إذا كان المريض جاهلاً مع طبيب حاذق جداً سلَّم له القياد ، وأعطاه أدوية مدروسة فيها علم ، وفيها خبرة ، وفيها حكمة ، واستعلمها ونجح وشفي . قال الشعبي : " صلَّى زيد بن ثابت على جنازةٍ فقرِّبت إليه دابةٌ ليركبها، فجاء ابن عبَّاس - ابن عم رسول الله عليه الصلاة والسلام رضي الله عنه - فأخذ بركابه ، فقال زيد : خلي عنه يا بن عم رسول الله . فقال ابن عباس : هكذا أُمرنا أن نفعل بالعلماء والكبراء . فقبَّل زيد بن ثابت يده وقال : هكذا أُمرنا أن نفعل بأهل البيت " إن المعلم والطبيب كلاهما لا ينصحان إذا هما لم يكرما
* * *
التملق في طلب العلم محمود :
وقال صلى الله عليه وسلَّم :
(( ليس من أخلاق المؤمن التملق ولا الحسد إلا في طلب العلم ))
[الجامع الصغير عن معاذ ]
التملق ليس من أخلاق المؤمن ، لكن التملق في طلب العلم محمود ، أي إذا تواضع الإنسان ، قدم تحية لشيخه ، هناك شخص يكون فظاً في معاملته ، فظاً في سلامه ، فظاً في نظراته ، هذا لا يليق بطالب العلم . . (( ليس من أخلاق المؤمن التملق ولا الحسد إلا في طلب العلم ))
[الجامع الصغير عن معاذ ]
5-عدم التكبر على المعلم :
توجد فكرة ثانية لطيفة جداً ، قال : " لا ينبغي لطالب العلم أن يتكبَّر على المعلم ومن تكبره على المعلم أن يستنكف عن الاستفادة إلا من المرموقين المشهورين " أي إذا لم يكن اسم هذا العالِم تسير به الركبان ، ملء الشرق والغرب ، لا يجلس في مجلسه . هذا غير معروف ، هذا متى صار عالِماً ؟ متى تعلَّم ؟ من علَّمه ؟ إذا لم يكن له اسم مرموق في المشرقين والمغربين لا يجلس في مجلسه . يقول الإمام الغزالي : " هذا الوضع يشبه إنساناً واجه سبعاً مخيفاً في الغابة ، وبحث عن مخلص ، فأصر على رجل مشهورٍ يخلصه من هذا السبع " أنت تريد أي شخص يخلصك لا يهمك شهرة هذا الدليل الذي ينجيك من هذا السبع المفترس ، طبعاً جهنم كالسبع المفترس فأي إنسان استطاع أن ينجيك من هذا العذاب فأنعم به وأكرم إن كان مشهوراً أو غير مشهور ـ فالحكمة ضالة المؤمن يغتنمها حيث يظفر بها ، ويتقلد المنة لمن ساقها إليه كائناً من كان .
العلم حربٌ للفتى المتعالي كالسيل حربٌ للمكان العالي
* * *
6-من آداب مجالس العلم إلقاء السمع و الإنصات :
ربنا عزَّ وجل قال :
﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ﴾
[ سورة ق : 37]
إلقاء السمع من أدب مجالس العلم ، لذلك النبي الكريم كان قدوتنا ، كان أصحابه الكرام إذا جلسوا عنده كأن على رؤوسهم الطير من السكينة والوقار ، قال : (( تعلموا العلم ، وتعلموا للعلم السكينة والوقار ))
[الجامع الصغير عن أبي هريرة ]
فمن آداب المتعلِّم إلقاء السمع والإنصات ، من حق الأخ على أخيه أن يستمع له . وتراه يصغي للحديث بسمـعه وبقلبه ولعلَّـــه أدرى به
* * *
أحياناً الإنسان يتكلَّم آية يأتي آخر و يكملها عنه ، شيء بديهي أن تعرف هذه الآية ، إذا أحدهم أكمل عنه الآية ، و الآخر أكمل عنه الحديث يتشوش هذا المتكلم . النبي الكريم أثناء صلاته أحدهم قرأ خلفه ، فلما سلَّم قال : (( مَالِي أُنَازَعُ الْقُرْآنَ ))
[الترمذي عن أبي هريرة]
الإنسان يبدأ بآية يكملها عنه آخر ، يبدأ بحديث يكملها عنه أحدهم ، أنا أحفظها انتبهوا لي ، أنا حافظ هذه الآية ، بهذه الحالة صار هناك اضطراب ، فلذلك حسن الإصغاء . . ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ ﴾
[ سورة ق : 37]
أي عنده استعداد . . ﴿ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ﴾
[ سورة ق : 37]
7-على المتعلم ألا يستسلم و يطبق ليصل إلى ما يريد :
شيءٌ آخر : قال بعضهم : " عندما ساق لنا ربنا عزَّ وجل قصة سيدنا الخضر مع سيدنا موسى عليه السلام ، هذه قصة دقيقة جداً "
﴿ قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً ﴾
[ سورة الكهف : 67-68]
النبي الكريم مثلاً جاءه رجل وقال : " إن أخي استطلق بطنه " . فقال له : "اسْقِهِ عَسَلا " . فأسقاه عسلاً ، وجاء له ثانيةً وقال له : " لقد أسقيته عسلاً فلم يزده إلا استطلاقاً -صار معه إسهال زيادة - قال له : " اسْقِهِ عَسَلا " . فجاءه ثالثاً وقال له : " لم يزده العسل إلا استطلاقاً . قال له : (( صَدَقَ اللَّهُ وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيكَ ))
[البخاري عن أبي سعيد]
وبعدها تبيَّن أن الإنتانات المعوية المسبِّبة للإسهالات تحتاج إلى أشربة حلوة من أجل أن تمنع هذه الإسهالات ، وبعد ذلك شفي الرجل . فالإنسان أحياناً تأتيه نصيحة لا تعجبه، يناقش فيها ، الخبير هكذا يصنع ، الآن إذا إنسان مثلاً قال لك : أحدهم خرط المحرك وقال : تحتاج إلى روداج ألفين كيلو متر . إذا ما اقتنعت بهذا الشيء وخالفته ، وصار معك خلل بالمحرك بعد شهر أو شهرين أنت السبب ، أنت ما اقتنعت ، أنت لا تقنع ، هذا كلام خبير، فعندما يسلِّم الإنسان قياده لإنسان خبير ، لو كانت النصيحة لم تعجبه ، أو ما توضَّحت له ، أو ما قبلها ، أو ما استساغها ، هذا كلام خبير .
فإذا أراد إنسان أن يتعلَّم ضرب الآلة الكاتبة لوحده من دون معلِّم ، مثلاً يريد كلمة محمد أين الميم يدور عليه ثم يضربها ، بعدها الحاء ينظر هكذا لم يجدها وبعدها يجدها فيضربها ، هذا لو بقي لوحده خمس سنوات إذا كان عليه أن يكتب صفحة يحتاج إلى ساعة ونصف ، إذا ذهب إلى مكتب تعلم آلة كاتبة يلزموه أن يستعمل عشرة أصابع دفعة واحدة ، فيها صعوبة بالغة ، لكن بعد فترة تجده يكتب على الآلة الكاتبة وعينه على الورقة أي أن الصفحة في ربع ساعة تكون منتهية .
فقد قالوا بالتربية : الطرق التي تقاومها النفس هي المفيدة . إنسان جلس ليقرأ ، يفتح كتاباً ويقرأ وهو مضجع ، أو على مقعد وثير ، أو في حديقة ، يقرأ ، يقول لك : والله اليوم أنهيت سبعين صفحة . هذه الدراسة لا قيمة لها ، وأغلب الظن أنه بعد سبعة أيام ينسى ثلاثة وثلاثين بالمئة مما قرأ ، بعد سبعة أيام أخرى لا يبقى في ذهنه مما قرأ إلا عنوان الكتاب ، مع انطباع أنه كتاب جيد أو سيئ . لكن لو قعد ووضع الكتاب على الطاولة ، وفتح دفتراً ، وقرأ فقرة لخصها على الهامش ، وضع خطوطاً ، وطرح سؤالاً ، وأجاب إجابة ، وناقش فكرة ، يمكن يقرأ بالساعة صفحتين ، لكن هذه الدراسة نهائية للامتحان مرة واحدة ، بقدر ما تبذل من جهد ترسخ المعلومات .
فأحياناً تتلقَّى نصيحة ممن يعلمك قد لا تروق لك ، هذا الذي كلَّفناه أو علَّمناه الضرب على الآلة الكاتبة بعشرة أصابع قد يضجر ، يتضايق ، أخي على مهلكم عليَّ هل يجب أن أستخدم العشرة معاً ؟ بالعشرة معاً ، أعرف أشخاصاً خلال عشر سنوات يتحسَّنون ، يحتاج إلى ساعة ونصف أو ساعتين لكتابة صفحة ، لأنه يبحث على الحرف أين هو موجود ، كل حرف يبحث عنه ، فالطرق الناجحة دائماً تقاومها النفس ، والطرق غير الناجحة تستسيغها النفس ، لأن الإنسان يحب الأسهل ، يحب الأريح ، فالذي يقرأ من دون أن يلخص ، من دون أن يناقش ، مرت فكرة معقدة تركها ومشى ، تجاوزها ، بهذه القفزات المعقد بقي معقداً والصعب بقي صعباً ، والكتاب مجموعة عقد أنت لم تحلها ، لذلك أنَّى لهذا الطالب أن يستفيد ؟ الإنسان إن لم تعجبه الطريقة ، إن لم ترق له عليه أن يستسلم وأن يطبِّق ، هذا من فوائد العلم . . ﴿ قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً ﴾
[ سورة الكهف : 67-68]
8-عدم الإكثار من الأسئلة في غير وقتها :

بعدها الله عزَّ وجل قال :
﴿ قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً ﴾
[ سورة الكهف : 70]
فإذا كان بمصالح مثلاً . . . هذه نظفها ، لماذا ننظفها ألن نغسلها مرة ثانية ؟ تنظيفها له معنى يظهر العيوب . إذا كان هناك تلميذ يريد أن يتعلم مصلحة ، وكلَّما قال له معلِّمه : هذه افعلها . لماذا أفعلها ؟ . إنسان راح يشتري عبداً وجد عبداً رخيصاً جداً ، ويظهر عليه أنه ذكي استغرب كيف رخيص وذكي ؟ قال له : والله هذا هكذا . قال : معنى هذا أنه لقطة . اشتراه وجاء به إلى البيت ، قال له : أحضر لنا كأساً من الماء ، فهذا العبد تأمل فيه وقال له : أنا الآن سأقوم من مكاني ، أحضر لك كأس ماء ، أعطيها لك ، وأرجع لمكاني ، أنت قم واشرب وارجع لمكانك ، هذا هو سبب رخص هذا العبد . . ﴿ وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً ﴾
[ سورة الكهف : 68]
﴿ قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً ﴾
[ سورة الكهف : 70]
وربنا عزَّ وجل قال : ﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة النحل : 43]
سيدنا علي له قول شهير ، يقول رضي الله عنه : " إن من حق العالِم ألا تكثر عليه السؤال " . أحياناً يكون الدرس منتهياً ، انتهاء الدرس يعني أن هذا الإنسان الذي يتكلَّم بذل طاقة كبيرة ، الاستماع سهل ، أما التكلُّم فهو تكثيف الجهود كلها في موضوع محدد مبرمج ، شواهد ، شرح ، تعليل ، انتقال من فكرة إلى فكرة ، مع اللغة ، وسلامة اللغة ، ودقة الحرف ، دقة الحركات الأخيرة ، فعندما ينتهي الإنسان من الدرس كأنه ليمونة وعصرتها ، لم يعد فيها شيء ، تعال اسأله سؤالاً دقيقاً جداً في موضوع الرضاعة ، أو في المواريث ، هذه الطاقة استنفذها ، تحتاج إلى وقت آخر ، يكون في وقت آخر مرتاحاً تسأله ، وبعد ذلك هو يكون مهتماً بالمصلين ، ومن غير المعقول إن كان يريد أن يسلِّم على الناس أن تسأله سؤالاً ، يريد أن يجاوبك عن سؤالك ويكون السؤال كبير جداً ، ويترك الناس كلهم ولا يسلم عليهم ، وهم واقفون ينتظرون أن يسلم عليهم من أدبهم ، ومن مودتهم ، ويعطيك جواباً لموضوعك الخاص ، هذا غير معقول فوقت السلام ليس وقت سؤال .
أنا غير منتبه للسؤال لأن الجو جو سلام ، أحدهم ينتظر ليسلِّم تجد الموقف في منتهى المودَّة ، ومنتهى المحبة ، ألا يجب أن تقابل هذا الودود بمودة مثلها ؟! هذا يأتي ويسألك سؤالاً بالمواريث ، وهذا يريد سؤالاً بالرضاعة ، تتركهم كلهم وتجاوبه . 9- إجلال العالم و التأدب معه و تعظيم حرمته :
سيدنا علي يقول : " ألا تكثر عليه السؤال - طبعاً في وقت غير السؤال- ولا تعنته في الجواب - أعطاك جواباً ولم يعجبك فقلت : ولكن ليس صحيحاً أستاذ هكذا ، أحدهم أفتى بغير ذلك ، أخي لا تبالغ ، والله حيرتمونا يا أخي ، هذه - ولا تعنته في الجواب ، ولا تلح عليه إذا سكت- مثلما تريد اعمل . لا احك لي - ولا تأخذ بثوبه إذا نهض ، ولا تفشي له سراً ، ولا تغتابن أحداً عنده ، ولا تطلبن عثرته " . الإنسان لا يغلط ؟ جل الذي لا يخطئ . . اللهم إني بشر أنسى كما ينسى البشر .
الإنسان أحياناً يكون في موقف ، له دعاء يدعوه مليون مرة في حياته وينسى ، الله يُري الإنسان ضعفه . . "اللهم إني تبرأت من حولي وقوتي والتجأت إلى حولك وقوتك يا ذا القوة المتين " . الإنسان ضعيف ، من قال لك إنني لا أغلط ؟ من قال لك ذلك ؟ أغلط وأغلط وأغلط لكن المؤمن مذنب تواب ، ما عنده غلط عن قصد ، هناك غلط علمي و غلط أخلاقي ، الغلط الأخلاقي هو أن تعرف الحقيقة وتحيد عنها ، هذا غلط خطير جداً ولا يفعله إلا فاسق ، أما المؤمن فيغلط ، والنبي الكريم - طبعاً التعليم لنا - قال :
((اللهم إني بشر أنسى كما ينسى البشر ))
[ورد في الأثر]
ممكن أن ينسى الإنسان ، ينسى فكرة ، ينسى حديثاً ، ينسى تتمة حديث ، فهنا يقول سيدنا علي : " . . . ولا تأخذ بثوبه إذا نهض ، ولا تفشي له سراً ، ولا تغتابن أحداً عنده ، ولا تطلبن عثرةً له ، لكل جوابٍ كبوة ، ولكل حسامٍ نبوة ، ولكل عالمٍ هفوة " . . كفى المرء نبلاً أن تعدَّ معايبه . يكون المدرب مثلاً ملازم أول ، مثلاً لغة أجنبية ، أو اختصاص دقيق جداً ، مثلاً ملازم أول خبير بالألغام ، وجمعوا ضباط الفرقة كلها وتلقوا بعض التعليمات منه ، فقد يكونوا عمداء وألوية ، إذا دخل هذا المدرب النقيب يقفون له كلهم ، يا ترى هم أقل منه رتبة ؟ هم أعلى منه رتبةً ؟ لكن هذا الوقوف لمعلوماته في هذا المجال ، فلذلك الاحترام ليس لذات الإنسان ولكن لمقامه الذي أقامه الله به . " ولا تجلس أمامه وإن كانت له حاجةٌ سبقت القوم إلى تنفيذها " . هذا هو الأدب الثالث من آداب طالب العلم .
الأدب الأول : تطهير القلب . والأدب الثاني : التحرر من العلائق لأنها عوائق .
والأدب الثالث : عدم التكبر على من تتعلَّم منه .
* * *
الرجوع للينابيع الأولى الصافية في معرفة الحقائق :
والآن إلى بعض الأحاديث الشريفة .
بسم الله الرحمن الرحيم يقول عليه الصلاة والسلام - الحديث دقيق وله إشارات دقيقة - قال :
((تسْمَعُونَ وَيُسْمَعُ مِنْكُمْ وَيُسْمَعُ مِمَّنْ سَمِعَ مِنْكُمْ ))
[ أبو داود عن ابن عباس]
وانتهى الحديث . . ((تسْمَعُونَ وَيُسْمَعُ مِنْكُمْ وَيُسْمَعُ مِمَّنْ سَمِعَ مِنْكُمْ ))
[ أبو داود عن ابن عباس]
ففي بعض تفسيرات هذا الحديث أن الحق الصرف الذي لا شائبة فيه ، والذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، في هذه الأجيال الثلاثة ؛ جيل النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام ، وجيل التابعين ، وجيل تابعي التابعين ، وبعد ذلك قد يدخل في الإسلام ما ليس منه ، قد تأتي بعض المبالغات ، قد تأتي بعض التأويلات غير الصحيحة ، قد تأتي بعض الشطحات ، قد تفسر بعض الآيات تفسيراً ما أراد الله بها ذلك ، قد توجَّه بعض الأحاديث توجيهاً لم يرد بها النبي الكريم ذلك ، قد توضع بعض الأحاديث ، والنبي صلى الله عليه وسلَّم بريء، وقد وقد .
أي مثل نبع ماء صاف جداً ، فنبع بردى عند النبع الماء صاف يُشرب ، يجوز أن يشرب منه في سهل الزبداني ، يجوز عند وادي بردى أن تشرب ، لكن اذهب عن عين الفيجة ، عين الخضراء ، لا يُشرب ، عند دمر والهامة ، عند دمشق أصبح لونه غامقاً ، عند جوبر وحرستا وزملكا الماء صار لونه أسود ، فكلما ابتعدنا عن النبع تأتي رواسب سيئة تفسد صفاء الماء ، لذلك الآن الحل الوحيد أن ترجع للينابيع الأولى الصافية ؛ كتاب الله ، وسنة رسوله . النبي الكريم هكذا أخبرنا : ((تسْمَعُونَ وَيُسْمَعُ مِنْكُمْ وَيُسْمَعُ مِمَّنْ سَمِعَ مِنْكُمْ ))
[ أبو داود عن ابن عباس]
لذلك قال أحد الأئمة الكبار : " ما جاءنا عن صاحب هذه القبة الخضراء فعلى العين والرأس ، وما جاءنا عن صحابته فعلى العين والرأس ، وما جاءنا عن سواهم فنحن رجالٌ وهم رجال ، نأخذ وننتقي من أقوالهم ما يناسب القرآن الكريم وسنة النبي العظيم " . أما والله قرأت بكتاب أصفر هذه الفكرة ، قد تكون مخالفة لآية قرآنية ، لمجرَّد أنك تقرأها في الكتاب ليس هذا حجة ، فما أكثر الباطل الذي طُبِع في كتب ، الباطل طُبع في كتب ، أشهر فكرة أن أحد الأئمة الكبار وهو الإمام الشعراني قرأ الفتوحات المكية للشيخ محي الدين رضي الله عنه فرأى أشياء لا يعقل أن تصدر عنه ، زندقة ، لذلك هناك أُناس كفَّروا الشيخ محي الدين ، إن مقامه كبير ، وعارفٌ بالله ، وسلطان العارفين هل يقول هذا في الفتوحات ؟ وقع في شك ، إلى أن التقى بعالمٍ من علماء مكة المكرَّمة ، وبثَّه شكواه .
قال : فدخل هذا العالِم إلى غرفته وجاءني بنسخةٍ من الفتوحات بخط يد الشيخ محي الدين ، كتبها في قونيا بتركيا . قال : " وقابلنا ما في الفتوحات التي بيد الشعراني على الفتوحات التي بيد الإمام المكي والتي بخط الشيخ محي الدين ، فلم أجد فيها شيئاً مما أنكره قلبي فعلمت أنها دسَّت عليه ودسَّها الزنادقة " . قال : " ولقد دسُّوا على الإمام أحمد بن حنبل جملةً من العقائد الزائغة ، وضعوها تحت وسادته قبيل وفاته ، ولولا ثقتي بالإمام أحمد بن حنبل لاتهمت عقيدته " ولقد دسوا على الإمام أبي حامد الغزالي في الإحياء . ولقد دسوا على الإمام الفيروزبادي - صاحب القاموس - قال : " ولقد دسّوا عليَّ وأنا حيٌ أرزق كتاباً في تكفير أبي حنيفة وأنا منه بريء فلما عاتبني به - ذكر اسم الذي عاتبه - قلت : والله ما ألَّفت هذا الكتاب وإذا وقع بيدك فأحرقه "
هذا النص ثمين جداً ، لأن الإنسان عندما يجد شيئاً يتناقض مع كمال الله عزَّ وجل ، مع كمال الأنبياء بكتاب أصفر ، لا تحمِّلها كثيراً ، ما أكثر الدَّس على العلماء الكبار ، أما تأخذ موقفاً غير صحيح ، تكفِّر العالِم فهذا لا يجوز ، هذا موقف غير علمي ، لا تكفره ولا تقبل هذه الأفكار ، لأن الذي يقول الحق لا يقول الباطل ، مستحيل ، إنسان يحمل دكتوراه بالرياضيات يقول لك : واحد وواحد ثلاثة . مستحيل ، ولو وجدتها في كتابه فهي مدسوسةٌ عليه قولاً واحداً . هذا الموقف موقف من أرقى المواقف ، لا نقول : الشيخ محي الدين كافر كما فعل بعضهم ، كفَّروه جهاراً ، ولا نرضى بما قاله في الفتوحات مما يخالف الكتاب والسنة .
فمثلاً قال : " خضُّت البحر الذي وقف بساحله الأنبياء " . أيعقل أن يسبق الولي الأنبياء كلهم؟! الله عنده مراتب ، عنده مقامات ، الرسل في قمَّتهم النبي صلى الله عليه وسلَّم ، الأنبياء، الأولياء ، أما ولي يخوض بحر وقف بساحله الأنبياء فهذا لا يكون ، هذا مدسوسٌ عليه رضي الله عنه ، إذاً : ((تَسْمَعُونَ وَيُسْمَعُ مِنْكُمْ وَيُسْمَعُ مِمَّنْ سَمِعَ مِنْكُمْ ))
[ أبوداود عن ابن عباس]
هؤلاء ثلاثة أجيال الحق صاف فيها ، وبعدها دخل في الإسلام ما ليس فيه . الحدود :
ويقول عليه الصلاة والسلام :
(( تَعَافَوُا الْحُدُودَ قَبْلَ أَنْ تَأْتُونِي بِهِ فَمَا أَتَانِي مِنْ حَدٍّ فَقَدْ وَجَبَ ))
[النسائي عن عمرو بن شعيب ]
أي إذا وقع إنسان بمخالفة وأنت سترته ، لا يوجد مانع ، أما إذا بلَّغتها للقاضي ، والقاضي لم يقم عليه الحد ، لا عفا الله عنه إن عفا .
إذا بلغ هذا الحد القاضي فعليه أن يقيمه ، أما إذا تلافيته أنت ، وشعرت أن هذا الإنسان قد ندم ، وسترته ، فلعلَّ هذا فيه خير ، ضبط أحدهم متلبساً بالسرقة في عهد عمر رضي الله عنه ، فقال : " والله يا أمير المؤمنين هذه أول مرة " . قال له : " كذبت إن الله لا يفضح من أول مرة " هو يعرف معاملة الله للعباد ، لأن الله ستير لا يفضح من أول مرة .
هناك إنسان يعمل على الصندوق فاجأه شركاؤه ، مئتان وخمس وستون ورقة لم يسجلهم ، باع بيعة ووضعها في جيبه ، قال : هذه أول مرة . لا هذه الثالثة ، إذا كانت أول مرة ، الله كريم يعطيك مهلة لتتوب ، يجعلك في مكانتك ، فهذه كانت السرقة الثالثة ، فهذا الشخص الذي ضُبط متلبساً بالسرقة في عهد عمر ظهر أنها ثامن مرة ، الله ستير ، فإذا إنسان وقع بمشكلة وأنت سترته لا يوجد مانع ، أما إذا رُفِعَتْ إلى القاضي . .لا عفا الله عنه إن عفا ، إحقاقاً للحق وإقامةً للنظام العام . يُسنُّ لداخل المسجِد أَنْ يتعاهد نعلهُ :
الحديث الأخير يقول عليه الصلاة والسلام :
(( تعاهدوا نعالكم عند أبواب المساجد ))
[ الجامع الصغيرعن ابن عمر ]
أي أن الإنسان إذا كان بنعله طين ، يجب عليه أن يزيله قبل أن يدخل ، وإذا دخل يضع الحذاء بشكل مقبول ، أي مقابل بعضه ، ويمسكه بيده اليسرى ، هذه من السنة . . (( تعاهدوا نعالكم عند أبواب المساجد ))
[ الجامع الصغيرعن ابن عمر ]
* * *
قصة إسلام طلحة بن عبيد الله التَيْمي :
والآن إلى قصةٍ من قصص الصحابة الكرام رضوان الله عليهم ، الصحابي هو : طلحة بن عبيد الله التَيْمي .
كان طلحة بن عبيد الله التيمي يمضي مع قافلةٍ من قوافل قريشٍ في تجارةٍ له إلى بلاد الشام ، فلما بلغت القافلة مدينة بصرى ، هبَّ الشيوخ من تجار قريش إلى سوقها العامرة يبيعون ويشترون ، وعلى الرغم من أن طلحة كان شاباً حدثاً - بالمناسبة قالوا : العالِم شيخٌ ولو كان حدثاً ، والجاهل حدثٌ ولو كان شيخاً - ليس له مثل خبرتهم في التجارة ، إلا أنه كان يملك من حدة الذكاء ونفاذ البصيرة ما يتيح له منافستهم ، والفوز من دونهم بأفضل الصفقات ، وفيما كان طلحة يروح ويغدو في السوق التي تموج بالوافدين من كل مكان ، حدث له أمرٌ لم يكن سبباً في تغيير مجرى حياته كلها فحسب ، وإنما كان بشيراً بتغيير سير التاريخ كله ، فلنترك الكلام لطلحة بن عبيد الله ليروي لنا قصته المثيرة .
قال طلحة : " بينما نحن في سوق بصرى إذ راهبٌ ينادي في الناس : يا معشر التجار سلوا أهل هذا الموسم أفيهم أحد من أهل الحرم ؟- أي مكي - وكنت قريباً منه فبادرت إليه وقلت : نعم أنا من أهل الحرم ، فقال : هل ظهر فيكم أحمد ؟ فقلت : ومن أحمد ؟ فقال : ابن عبد الله بن عبد المطلب ، هذا شهره الذي يظهر فيه وهو آخر الأنبياء ، يخرج من أرضكم الحرم ، ويهاجر إلى أرضٍ ذات حجارةٍ سود ، ونخيلٍ وسباخ ، فإياك أن تُسبق إليه يا فتى ، قال طلحة : فوقعت مقالته في قلبي ، فبادرت إلى مطاياي فرحَّلتها ، وخلَّفت القافلة ورائي ، ومضيت إلى مكة - هو كان في مكة - فلما بلغتها قلت لأهلي : أكان من حدثٍ بعدنا في مكة ؟ أي بعد سفرهم .
قالوا : نعم ، قام محمد بن عبد الله يزعم أنه نبي ، وقد تبعه ابن أبي قحافة - أي سيدنا الصديق - قال طلحة : وكنت أعرف أبا بكر فقد كان رجلاً سهلاً ، محبباً ، موطَّأ الأكناف - أي ليِّن الجانب - وكان تاجراً ذا خُلقٍ واستقامة ، وكنا نألفه ونحب مجالسه لعلمه بأخبار قريش ، وحفظه لأنسابها ، فمضيت إليه وقلت له : أحقاً ما يُقال من أن محمد بن عبد الله أظهر النبوة وأنك اتبعته ؟ قال : نعم . وجعل يقص عليَّ من خبره ، ويرغِّبني في الدخول معه ، فأخبرته خبر الراهب ، فدهش له ، وقال : هلمَّ معي إلى محمد صلى الله عليه وسلَّم لنقصَّ عليه خبرك ولتسمع ما يقول ، ولتدخلن في دين الله ، فقال طلحة : فمضيت معه إلى محمدٍ صلى الله عليه وسلَّم فعرض عليَّ الإسلام وقرأ عليَّ شيئاً من القرآن . . . " .
أي إذا إنسان قال لصديقه : تعال احضر مجلس علم . هذا الله عزَّ وجل ألهمه ، خيرٌ ساقه الله إليه ، لا ترد طلباً ، هذا الطلب ليس من هذا الصديق بل هو من الله عزَّ وجل ، يمكن أن يكون حضور مجلس علم سبب لسعادتك في الدنيا والآخرة ، يمكن أن تكون استجابتك لهذا الطلب انعطافاً خطيراً في حياتك من الشقاء للنعيم ، من الضياع للهدى ، من الحزن إلى السعادة . .
"..... فشرح الله صدري إلى الإسلام ، وقصصت عليه قصة راهب بُصرى ، فسرَّ بها سروراً بدا على وجهه صلى الله عليه وسلَّم ، ثم أعلنت بين يديه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، فكنت رابع ثلاثةٍ أسلموا على يدي أبي بكرٍ رضي الله عنه "ـ
ثبات طلحة بن عبيد الله على دينه :
وقع إسلام الفتى القرشي على أهله وذويه وقوع الصاعقة ، وكان أشدهم جزعاً لإسلامه أمُّه ، فقد كانت ترجو أن يسود قومه لما يتمتَّع به من كريم الشمائل ، وجليل الخصال، وقد بادر إليه قومه ليثنوه عن دينه ، فوجدوه كالطود الراسخ الذي لا يتزعزع ، هذه البطولة أن تأخذ موقفاً مصيرياً كالصخر . .
قالت له : يا بني لا آكل شيئاً حتى تكفر بمحمد - لسيدنا سعد - فقال في هدوء : "يا أماه لو أن لكِ مئة نفس فزُهقت واحدةً واحدة ما كفرت بمحمد ، فكلي إذا شئتِ أو لا تأكلي " وبعدها أكلت ، عندما رأته متيناً انتهى الأمر ، أما إن كنت متضعضعاً فالأمر مختلف .
فلما يئسوا من إقناعه بالحسنى لجؤوا إلى تعذيبه والتنكيل به ، حدَّث مسعود بن خراشٍ قال : " بينما كنت أسعى بين الصفا والمروة إذا أناسٌ كثر يتبعون فتىً أوثقت يداه إلى عنقه ، وهم يهللون وراءه ، ويدفعونه في ظهره ، ويضربونه على رأسه ، وخلفه امرأةٌ عجوزٌ تسبه وتصيح به . فقلت : ما شأن هذا الفتى ؟ قالوا : هذا طلحة بن عبيد الله صبأ عن دينه وتبع غلام بني هاشم - التاريخ يعيد نفسه - فقلت : ومن هذه العجوز التي وراءه ؟ قالوا : هي الصعبة بنت الحضرمي أم الفتى " .
أي إذا إنسان عرف الله عزَّ وجل ووجد معارضة في البيت ، إذا كان سيستجيب للمعارضة فهو استجاب للشقاء الأبدي ، أما البطولة فأن تبقى صلباً ، وأن تأخذ بيد الذين يعارضونك إلى الله ورسوله ، إن رأوك صلباً ، وإن رأوك قد تبدَّلت تبدلاً جذرياً ، وأنك تمتعت بمكارم الأخلاق أحبوك ، ثم ساروا معك .
ثم جعلت الأيام تدور ، والأحداث تتلاحق ، وطلحة بن عبيد الله يزداد مع الأيام اكتمالاً ، وبلاؤه في سبيل الله ورسوله يكبر ويتعاظم ، وبره بالإسلام والمسلمين ينمو ويتسع .
الألقاب التي لقّب بها طلحة و قصة كل لقب :
أطلق عليه المسلمون لقب الشهيد الحي ، ودعاه النبي عليه الصلاة والسلام بطلحة الخير، وطلحة الجود ، وطلحة الفيَّاض ، ولكلٍ ومن هذه الألقاب قصة لا تقل روعةً عن أخواتها .
أما قصته في الشهيد الحي فكانت يوم أحد ، حين انهزم المسلمون عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ، ولم يبقَ معه غير أحد عشرَ رجلاً من الأنصار ، وطلحة بن عبيد الله من المهاجرين ، وكان النبي عليه الصلاة والسلام يصعد هو ومن معه في الجبل ، فلحقت به عصبةٌ من المشركين تريد قتله ، فقال عليه الصلاة والسلام :
((مَنْ يَرُدُّهُمْ عَنَّا وَلَهُ الْجَنَّةُ أَوْ هُوَ رَفِيقِي فِي الْجَنَّةِ . . . .))
[مسلم عن أنس بن مالك ]
فقال طلحة : أنا يا رسول الله ، فقال عليه الصلاة والسلام : " لا مكانك " - أي الزم مكانك - فقال رجل من الأنصار : أنا يا رسول الله - قال : " نعم أنت " -فقاتل الأنصاري حتى قُتِل ، ثم صعد النبي عليه الصلاة والسلام بمن معه فلحقه المشركون . .
فقال : " ألا رجلٌ لهؤلاء ؟ فقال طلحة : أنا يا رسول الله ، قال عليه الصلاة والسلام : " لا مكانك " - الزم مكانك - فقال رجل من الأنصار : أنا يا رسول الله ، قال : " نعم أنت " ثم قاتل الأنصاري حتى قُتل ، وتابع النبي صعوده فلحق به المشركون ، فلم يزل يقول مثل قوله ، ويقول طلحة : أنا يا رسول الله فيمنعه النبي ويأذن لرجلٍ من الأنصار حتى استشهدوا جميعاً ، ولم يبقَ معه إلا طلحة ، فلحق به المشركون فقال لطلحة : " الآن معاً " [ مسلم عن أنس بن مالك]
يظهر أنه رآه أشجع إنسان فتركه للأخير ، لأصعب موقف ، وكان النبي عليه الصلاة والسلام قد كُسِرَت رباعيته ، وشجَّ جبينه ، وجُرحت شفته ، وسال الدم على وجهه ، وأصابه الإعياء ، فجعل طلحة يكرُّ على المشركين حتى يدفعهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ، ثم ينقلب إلى النبي فيرقى به قليلاً في الجبل ، ثم يسنده إلى الأرض ، ويكر على المشركين من جديد ، وما زال كذلك حتى صدَّهم عنه وحده ، قال أبو بكرٍ : " كنت أنا وأبو عبيدة بن الجرَّاح بعيدين عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم فلما أقبلنا عليه نريد إسعافه قال : " اتركاني وانصرفا إلى صاحبكما " - سيدنا طلحة - فإذا طلحة تنزف دماؤه وفيه بضعٌ وسبعون ضربةً بسيفٍ ، أو طعنةً برمحٍ ، أو رميةً بسهمٍ ، وإذا هو قد قُطِعَت كفُّه وسقط في حفرةٍ مغشياً عليه - إنه قاوم مجموعة بأكملها - وكان النبي صلى الله عليه وسلَّم يقول بعد ذلك :" من سرَّه أن ينظر إلى رجلٍ يمشي على الأرض قد قضى نحبه فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله" .
وكان الصديق رضوان الله عليه إذا ذُكرت أُحُد يقول : " هذا يومٌ كله لطلحة " هذه قصةٌ نُعِت بها طلحة بالشهيد الحي .
أما تلقيبه بطلحة الخير وطلحة الجود فله مئة قصةٍ وقصة ، من ذاك أن طلحة كان تاجراً واسع التجارة ، عظيم الثراء ، فجاءه ذات يومٍ مال من حضرموت ، مقداره سبعمئة ألف درهم ، فبات ليلته وجلاً جزعاً محزوناً ، فدخلت عليه زوجته أم كلثوم بنت أبي بكرٍ الصديق وقالت : ما بك يا أبا محمد لعله رابك منا شيء ؟ قال : لا ، ولنعم خليلة الرجل المسلم أنتِ ، ولكن تفكَّرت منذ الليلة وقلت : ما ظن رجلٍ بربه إذا كان ينام وهذا المال في بيته ؟ قالت : أين أنت من المحتاجين من قومك وأخلائك ؟ فإذا أصبحت فقسِّمه بينهم فقال : رحمكِ الله إنك موفقةٌ بنت موفَّق .
الآن في هذه الآيام إذا كان الزوج يريد أن يدفع صدقة تقيم زوجته قيامته : نحن أولى أولادك أولى بهذا المال ، الناس لهم الله . .
قالت له : امض لما أردت . فقال لها : إنك موفقةٌ بنت موفَّق ، ولما أصبح جعل المال في صررٍ وجفان وقسَّمه بين فقراء المهاجرين والأنصار . وروي أيضاً أن رجلاً جاء إلى طلحة بن عبيد الله يطلب رفده ، وذكر له رحماً تربطه به ، فقال طلحة : " هذه رحمٌ ما ذكرها لي أحدٌ من قبل - قرابة جديدة ما سمعت بها - وإن لي أرضاً دفع لي فيها عثمان بن عفان ثلاثمئة ألف ، فإن شئت خذها ، وإن شئت بعتها لك بثلاثمئة ألف وأعطيتك الثمن ؟ فقال الرجل : بل آخذ ثمنها . فأعطاه إياها .
هنيئاً لطلحة الخير والجود هذا اللقب الذي خلعه عليه النبي عليه الصلاة والسلام .
النبي الكريم كان قدوة ، واد من غنم مرَّ به رجل من زعماء القبائل قال له : " يا محمد لمن هذا الوادي ؟ " قال له : " هو لك " ، قال : " أتهزأ بي ؟ " قال : " هو لك " ، فقال : " أشهد أنك رسول الله تعطي عطاء من لا يخشى الفقر " . النبي الكريم قال : (( ثَلاثَةٌ أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ وَأُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا فَاحْفَظُوهُ قَالَ : مَا نَقَصَ مَالُ عَبْدٍ مِنْ صَدَقَةٍ))
[ الترمذي عن أبي كبشة الأنماري ]
الله الغني ، والله الكريم ، هؤلاء الذين فتحوا العالم كانت هذه أخلاقهم ، هذه شجاعتهم ، وهذا كرمهم ، وهذه استقامتهم ، وتلك محبتهم لنبيِّهم .

السعيد 09-09-2018 08:57 AM

رد: الفقة الاسلامى 2
 
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الثامن العاشر )

الموضوع : صفات المتعلم








الحمد لله رب العالمين ، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً ، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه ، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
تتمة صفات طالب العلم :
10ـ أن يحترز الخائض في العلم في مبدأ الأمر عن الإصغاء إلى اختلاف الناس :
أيها الأخوة الكرام : الصفة الرابعة التي ينبغي لطالب العلم أن يتصف بها أن يحترز الخائض في العلم في مبدأ الأمر عن الإصغاء إلى اختلاف الناس ، أي هناك موضوعات خلافية في الدنيا والآخرة ، موضوعات في الدنيا خلافية وموضوعات في الدين خلافية ، وهناك موضوعات مختلف عليها ، فإذا بدأ بالخلافيات ضاع في شعابها وإذا ترك الخلافيات وبدأ بالمتفق عليه من منا لا يتفق ؟ جميع الملل والنحل ألا توقن أن لهذا الكون إلهاً عظيماً ، هذه حقيقة متفق عليها ، فكّر في هذا الخط في عظمة الله عز وجل ، في خلق الإنسان ، في خلق الحيوان ، في خلق النبات ، في خلق الجبال ، في خلق السحاب ، في خلق السهول ، في خلق الأنهار ، في خلق البحار ، في خلق القمر ، في خلق الشمس ، في خلق الكواكب السيارة ، في خلق المجرات ، هذا باب كلما زدت فيه خوضاً ازددت من الله قرباً وتعظيماً ، وهذا باب لا خلاف فيه ، لا يمكن لفئة من المسلمين أن تختلف في هذا الباب ، فالمشكلة أن الذي يبدأ طريقه في الإيمان في الخلافيات يضيع في شعابها ، والذي يرد الله به خيراً يبعده عن هذا الطريق .
11-الابتعاد عن الخلافيات في الدين و الاهتمام بالجوهر :
سأل تلميذ أستاذه إذا سرت في جنازة فكيف أسير ؟ أمامها أم خلفها ؟ عن يمينها أم عن شمالها؟ فقال هذا الأستاذ : لا تكن في النعش وسر حيث شئت ، الموضوعات الخلافية لا تقدم ولا تؤخر ، الشيخ محي الدين- سلطان العارفين - رضي الله عنه هكذا قال الصوفيون، وقال عنه بعض المسلمين : إنه كافر ، الشيخ محي الدين له عند الله مقام لا يرفع هذا المقام قول أناس : إنه سلطان العارفين ، ولا يجرح هذا المقام قول أناس : إنه كافر ، تلك أمة لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كنتم تعملون ، هذا حديث البحث فيه لا يقدم ولا يؤخر قال تعالى :
﴿ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ ﴾
[ سورة البقرة : 134]
هذا موضوع البحث فيه لا يقدم ولا يؤخر ، الخلاف بين سيدنا علي وسيدنا معاوية : (( إذا ذكر أصحابي فأمسكوا ))
[ الطبراني عن ابن مسعود]
دع هذا الباب من الخلافيات رضي الله عنهم أجمعين : (( أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ))
[ الدارمي عن جابر]
أي إذا الإنسان صادق يصرفه عن هذه الموضوعات كلها ، هذه الموضوعات غير مجزية ، موضوعات لا تقدم ولا تؤخر ، لا ترقى بالإنسان ، أما إذا فكرت بآيات الله امتلأت نفسك عظمةً لله ، إذا عملت عملاً صالحاً اقتربت من الله ، أي الشيء المجدي المعرفة والعمل، والمعرفة والعمل لا خلاف فيهما إطلاقاً بين كل الفرق الإسلامية ، لذلك النبي الكريم قال : ((قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ))
[ ابن ماجه عن العرباض ]
زارني أخ كريم وسألني أنه كان يوجد عقد قران وحضر رجل دين ، وهذا الرجل ألقى كلمة وقال في هذه الكلمة إنه لا يحب أن يحضر عقود نكاح لأنه يوجد من يصور ، وإن من أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصورون ، وأن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة ، فسألني ما رأيك ؟ فقلت : رأي واضح هذا قول النبي الكريم عليه الصلاة والسلام ، أما المشكلة فقلت له: السائل يشبه إنساناً يركب سيارة ويسير في الطريق ، احترق المحرك وبرك في أرضه ، نظر فوجد المرآة فيها برغي يحتاج إلى شد ، فانزعج كثيراً ، يجب أن يكون انزعاجك ليس من المرآة بل من المحرك الذي احترق ، هذا يزعج أكثر ، يوجد أشياء أساسية تركها في الدين وتابع موضوع الصورة فدخل في متاهة الصورة ، يا ترى إذا أحضرنا شفرة و مزقنا الصورة هل تزول الحرمة ؟ إذا وضعناها بمكان مهان ؟ طبعاً تزول ، إذا صور طبيعية غير محرمة ، هذه تفصيلات ، الشيء الذي أعمل عليه أن يبحث الإنسان عن جوهر الدين ، جوهر الدين أن تعرف الله ، وإذا عرفته استقمت على أمره ، وإذا استقمت على أمره أحببته وتقربت إليه بالعمل الصالح ، هذا هو الدين كله ، كما قال سيدنا عمر للبدوي ، قال له : بعني هذه الشاة ، فقال له: ليست لي ، قال له : قل لصاحبها ماتت أو أكلها الذئب ، قال له : والله لو قلت له ماتت أو أكلها الذئب لصدقني فإني عنده صادق أمين ولكن أين الله ؟
هذا هو ، انظر الإمام الغزالي رضي الله عنه يقول : " على طالب العلم أن يبتعد عن الخلافيات " المعتزلة ، والجبرية ، والفئة الفلانية ، والموضوع الخلافي ، الرجم إما بالقتل ، إما بجلد الزاني ، ماهو دليلك وما هو قولك ؟ وهكذا قال أبو حنيفة ، حتى أنه صار نوعاً من الشطوط أما الحنفي فلا يصلي وراء الشافعي ، وأن الشافعي لا يسمح بتزويج ابنته من حنفي ، ما هذا ؟ هذا شطط ما أراده الله عز وجل .
الدين له جوهر ، الإمام الغزالي يقول على طالب العلم أن يحترز في مبدأ الأمر عن الإصغاء إلى خلاف الناس سواء أكان ما خاض فيه من علوم الدنيا أو علوم الآخرة ، أي نصيحتي لوجه الله ابتعد عن الخلافيات ، الخلافيات لا تجدي لا تقدم ولا تؤخر . الابتعاد عن الخلافيات لأنها تحير الذهن و توقع في اليأس :
قال : اسلك في إقناع الآخرين كل طريق إلا أن تناقشهم ، المناقشة تسبب تشنجاً ، تعصباً ، لأنك إذا ناقشته وغلبته تسبب تعصباً ، جرحت له كرامته ، لا يتراجع ، فاسلك كل طريق إلا المناقشة ، المؤمن عندما ينتهي من المتفق عليه يبدأ بالخلافيات ، المتفق عليه لا يبق منها ولا ذرة فهذا الذي أريده ، وهذا الذي جاء في هذا الكتاب القيم إحياء علوم الدين ، على طالب العلم أن يبتعد عن الخلافيات .
قال : لو أنه خاض في الخلافيات فإن ذلك يدهش عقله ، ويحير ذهنه ، ويفتر رأيه ، ويوقع في اليأس عن الإدراك والإطلاع ، طبعاً في التدريس يوجد توجيهات تضعها الوزارة لمؤلفي الكتب ، طبعاً في المرحلة الثانوية لا ينبغي لمؤلف الكتاب أن يذكر خلافاً بين العلماء في كتاب المدرسة ، الطالب يتشوش ، البصريون يعربون هذه الكلمة مثلاً : رأيت فلاناً تحت الشجرة ، تحت الشجرة شبه جملة ، الكوفيون يعربونها متعلقة باسم محذوف ، هذا لا ينبغي أن يكون في التعليم الثانوي ، الطالب يتشوش ، في التعليم الثانوي ينبغي أن تكون الحقائق واضحة و واحدة ، تشعب خلافيات ، أمور معقدة هذا لا يجوز ، أيضاً طالب العلم هذه الأمور الدقيقة ، هذه الخلافيات بين كبار العلماء ، هذا شيء ليس وقته الآن ، إذا وصلت إلى الأساسيات عندئذٍ أنت قادر على الخوض في الخلافيات .
ضرب الإمام الغزالي مثلاً واضحاً جداً ، قال : من يلقي نجاسة يسيرة في كوز ماء ويتعلل أن أضعاف هذه النجاسة قد تلقى في البحر ، والبحر أعظم من الكوز ، فما جاز للبحر فهو للكوز أجوز ، تجد أسيقة مدينة بكاملها تلقى في البحر ، وماء البحر طاهر ، فإن جئت بنجاسةٍ يسيرة وألقيتها في كوز ماء لغلبت النجاسة طهارة الماء وصار الماء نجساً ، ولو جئت بنجاسة كبيرة وألقيتها في البحر لغلب ماء البحر هذه النجاسة وصار ماء البحر طاهراً ، إذا الإنسان شبه نفسه بالبحر هو كوز ماء ، دخل في الخلافيات وتشعبت نفسه ، هذه الخلافيات تأخذ على قلبه ، وتأخذ على مجامع قلبه ، وتفسد عقيدته ، وتوقعه باللامبالاة ، والشكوك وما شاكل ذلك ، لكنك إذا صرت كالبحر مهما قرأت من خلافيات أنت أنت لأنك عرفت الحق ، ومن عرف الحق لا يزيغ عنه أبداً ولا يحيد .
قال : ولا يدري المسكين أن البحر بقوته يحيل النجاسة ماءً فتنقلب عين النجاسة باستيلائه إلى صفته - الطهارة - والقليل من النجاسة يغلب على الكوز ويحيله إلى صفته ، وإلى مثل هذا جوز للنبي صلى الله عليه وسلم ما لا يجوز لغيره .
إذاً الإنسان لا يدعي أنه بحر ولا يتأثر ، فإذا دخل بالخلافيات ربما وقع في الترهات ، وقع في المشكلات ، و زاغت نفسه ، ودخل إلى قلبه الشك ، أما إذا بدأ بالأساسيات وتمكن فعندئذ نقول له : اقرأ ما شئت ، وناقش من شئت ، وجادل من شئت ، فأنت من عرف الحق ، ومن عرف الحق لا يزيغ ، هذه الصفة ينبغي أن تكون بين أيديكم .
12 ـ ألا يدع طالب العلم فناً من العلوم المحمودة إلا وينظر فيها نظراً يطلع به على مقصده
شيء آخر على طالب العلم أن يعرفه ، ألا يدع طالب العلم فناً من العلوم المحمودة ولا نوع من أنواعها إلا وينظر فيها نظراً يطلع به على مقصده وغايته ، هذا مثل قرأته: تعلم كل شيء عن شيء وشيئاً عن كل شيء ، أي أن تعرف الله عز وجل في هذا المجال تعمق ، و اذكر الله ذكراً كثيراً ، وتقرب إليه بالدعوة إليه ، بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وصلة الرحم ، وعيادة المريض ، والإحسان إلى الآخرين ، وإرشاد الرجل في أرض الضلال ، وأن تهدي الأعمى ، وأن تعين اليتيم ، وأن تعطف على المسكين ، وأن تحضر مجالس العلم في هذا المجال مهما تريد ، تعمق ولكن لا يوجد مانع أن تلم بعلم الفرائض ، و بحث البيوع ، لأنك تبيع وتشتري ، يوجد قضية : بائع باع بيتاً و اختلف مع الشاري ، الشاري اعتقد أن البيت بمئة ألف والذي باع البيت قال بمئة وعشرة آلاف ، صار هناك منازعة ، إذا الإنسان قرأ البيوع صار الأمر سهلاً عليه ، إذا حصلت منازعة بين البائع والشاري فالقول قول البائع ، والشاري بالخيار انتهى الأمر لا تحتاج إلى مشاكل .
إذا الإنسان ألمّ بعلم البيوع ، ألمّ بأحكام الآجار ، الوديعة ، الوكالة ، الحوالة ، أحكام اللقطة ، أحكام العبادات بشكل متقن ، إذا نسي فرضاً أو واجباً كيف يسجد للسهو ؟ سجود التلاوة ، هذا كله إلمام فيه ، عندك أصول ، وعندك فروع ، أنا لا أطالب الأخ الكريم بالفروع ، أما الأصول فلابد منها ، تعلم كل شيء عن شيء ، وشيئاً عن كل شيء .
مثلاً في عقد المخالعة إذا كانت المخالعة بدأت من الزوج ، قد خالعتك من عصمتي على أن تبرئيني من المهر المعجل والمؤجل ، تقول له : قد قبلت ، صارت مخالعة ، وهذه المخالعة خطأ وهي طلاق لأنها بدأت بالزوج ، المخالعة الشرعية يجب أن تبدأ بالزوجة ، اخلعني من عصمتك وخذ مهري ، يقول لها : قد قبلت لأن المخالعة طلقة بائنة ، أما إن كانت طلقة واحدة كان بإمكان الزوج أن يردها ثانيةً ضمن العدة ، فيجب أن نعرف شيئاً عن الطلاق ، عن الخلع ، عن الطلاق البائن بينونة صغرى ، بينونة كبرى ، إذا الإنسان حلف طلاقاً وهو غاضب ما حكمه ؟ إذا حلف مع صديقه طلاقاً على زوجته هل تُطلق ؟ ما أحكام هذه الأمور ؟ رأي الإمام أبي حنيفة ، رأي الإمام الشافعي ، هذه الأشياء نعيشها ، يجب على الإنسان أن يلم بهذه الأشياء ، إذا إنسان عمله بالتجارة فرض عليه أن يعرف البيوع ، لأنه يوجد أحكام ربح ثابت صار ربا ، أنا سوف أؤجرك هذا المحل بفروغ كذا وهذا المحل له أجرة ، و رجل وضع فروغاً ويريد أجرة الفروغ ، هذا صار ثابتاً ، أخذ بالمئة سبعة ونصف من قيمة الفروغ لا أدخله شريكاً على الربح والخسارة ، لي أقرباء اشتروا بيتاً و احتاجوا إلى مبلغ من المال ، اقترضوا مبلغاً والشرط أن يرد كما اقترض وأعطوهم أجرة البيت ، الأجرة ربا ، متى تصبح حلالاً ؟ إذا كان بعد أن صار مالك البيت بإمكانه أن يرد المبلغ ، البيت يقيّم من جديد فلو أن البيت هلك ، مقسم بالعمار جاهز ، رجل قال : أنا أدفع لك مبلغاً ولكن أريد أن يعود كما هو ، صدر قرار وصار المقسم للدولة ، هذا الذي دفع القرض إذا أراد أن يأخذ قرضه كما دفعه بالإضافة إلى الأجرة صار ربا ، وطالما أنه يوجد ربح وخسارة فهذه ربا ، موضوع الآجار ، والشراكة ، أحياناً يأخذ الإنسان مبلغاً من رجل يعطيه بالمئة عشرة في السنة ويقول : أنا لا أحب الحسابات ، أتحب أن تأخذ بالمئة عشرة هذا عين الربا ، هذا عمل البنك نفسه ، إذا لم تقم بالجرد والحساب الدقيق على الربح والخسارة صار الربح ثابتاً .
رجل أجّر سيارة وقال : أنا أريد كل يوم مئة ليرة ، يجب أن تعطي حساباً إذا لم يعمل بمئة ليرة ماذا يفعل هذا السائق ؟ يجب أن يكون هناك اتفاق دقيق .
لذلك على طالب العلم ألا يدع فناً من العلوم المحمودة ولا نوع من أنواعه إلا وينظر فيه نظراً يطلع فيه على مقصده وغايته ، لكن عليك ألا تذهب عمرك بكامله في بعض كتب الفقه ، يوجد كتب فقه مؤلفة من عشرين أو ثلاثين جزءاً ولها حاشية ومتن وحاشية الحاشية، و القراءة تحتاج إلى جهد جبار ، ويوجد حالات لا تقع بحالاتها ، إذا وقعت فأرة ببئر ، وإذا لحقت بها قطة ، وأثناء الهروب بولت ، لها حكم آخر ، وإذا لم تلحق بها قطة لها حكم ثان، تدخل في متاهات ، ترى نفسك ضعت ، هل هذا هو الدين ؟
رجل توضأ في ماء الحمص ما حكمه ؟ ماء الورد ، يوجد أشياء سموها الفقهاء أرأيتية ، أرأيت لو أنه فعل كذا وكذا ، أحد الصحابة رضي الله عنه عرضوا عليه قضية من هذا القبيل قال : حينما تقع نفتي بها .
خمسون رجلاً يمسك بعضهم ببعض أول واحد لمست يده بكلب أصبح نجساً ، هذه مشكلة ، يوجد أشياء أعظم من ذلك ، العمر ثمين وقصير فكر في ملكوت السموات و الأرض قال تعالى : ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾
[ سورة آل عمران : 190-191 ]
العلوم إما سالكة بالعبد إلى الله أو معينة على السلوك :
الإمام الغزالي يقول : " ....فالعلوم على درجاتها إما سالكة بالعبد إلى الله تعالى أو معينة على السلوك ، نوع من الإعانة ولها منازل مرتبة في القرب والبعد من المقصود " أي يوجد علوم تسلك بك إلى الله ويوجد علوم تعينك إلى السلوك إلى الله ، لذلك في درس سابق قلت لكم: يوجد علوم تشبه المقدمات ، وعلوم تشبه المتممات ، ويوجد عندنا أصول ، وفروع ، الأصول كتاب الله وسنة رسول الله ، الفروع الاستنباطات ، ما يستنبط من كتاب الله ، ما يستنبط من سنة رسول الله ، المقدمات اللغة العربية ، المتممات علم التجويد .
السعيد الذي يركز كل جهده على الأصول والفروع ، ويلم بالمقدمات والمتممات ، أما إذا اكتفى بالمقدمات ، إذا أراد إنسان أن يذهب إلى الحج واعتنى فقط بزوادته ، هل الحج فقط طعام وشراب ؟ شخص موجود من يومين عند أحد أصدقائي حج السنة الماضية سأله إن شاء الله سررت ؟ فقال له : سررنا كثيراً سبحان الله ، و قال بشكل طبيعي دون أن يشعر بنفسه أكلنا فريكة ، وذكر له طعاماً نادراً أكله في الحج ، سبحان الله الحج فريكة فقط ؟؟ وأنا أجلس وأستمع هذا لم يعرف شيئاً عن الحج ، الحج لقاء مع الله عز وجل .
13 ـ ألا يخوض في فن من فنون العلم دفعةً بل يراعي الترتيب :
الخاصة السادسة لطالب العلم ، ألا يخوض في فن من فنون العلم دفعةً بل يراعي الترتيب ، يبتدئ بالأهم فإن العمر إذا كان لا يتسع لجميع العلوم غالباً فالحزم أن يأخذ من كل شيء أحسنه ، ويكتفي منه بشمله ، ويصرف زمام قوته في الميسور من علمه إلى استكمال العلم الذي هو أشرف العلوم وهو علم الآخرة ، وعلى الجملة فأشرف العلوم وغايتها معرفة الله عز وجل ، النبي الكريم صلى الله عليه وسلم سلك مع أصحابه طريقاً ، والآن في المعاهد والجامعات وكليات الشريعة يسلكون مع الطالب طريقاً ، النبي الكريم عرّف أصحابه بالله أولاً فلما عرفهم به سهل عنهم أن يبذلوا دماءهم في سبيل الله ، الآن عرف الإنسان بأحكام الصلاة لا يصلي ، عرف الإنسان بنواقض الوضوء وهو لا يصلي أبداً ، هذه معلومات ، أما إذا عرف الله عز وجل هو يسألك كيف أتوضأ ؟ علمني إذا عرفته بالله عز وجل أولاً يستقي ، وقرأ القرآن يفهمه ، إذا لم يعرفه وقرأ القرآن يفهمه فهماً معكوساً يقول لك : تعال وانظر هذه الآية القرآنية الله عز وجل يقول :
﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾
[ سورة السجدة : 13]
معنى هذا الموضوع بيده وليس بيدنا ، إذا أحب أن يهدينا وإذا أحب لا يهدينا ، يقرأ آية ثانية قال تعالى : ﴿ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾
[ سورة آل عمران : 105 ]
كأنه يعفي نفسه من الجهد ، النبي الكريم عرّف أصحابه بالله أولاً فلما قرؤوا القرآن فهموه على حقيقته ، بينما إذا عرّفت الإنسان بأحكام الدين أولاً لا يطبقها يتحايل عليها ، أي شخص يريد أن يزكي عن ماله فرأى أن المبلغ كبير ، ثلاثون ألفاً ، نفسه ما سخيت به فوضعه في كيلو خبز ومن ثم جاء إلى فقير وقال له : خذ هؤلاء ، فقال له : أتبيعيني الخبز بخمسة وعشرين ليرة ؟ هو يظن أنه دفع زكاة ماله ، هذا علم الحكم قبل أن يعرف الله .
يوجد شخص آخر قال : أنا أسكن مع زوجة أخي كيف أراها ؟ فقال له رجل: الموضوع سهل جداً ، أحضر بنتاً من الحارة ترضعها امرأة أخيك واكتب على هذه البنت واعقد العقد عليها ، تصبح امرأة أخيك حماتك ، طلق البنت ، والحماة على التأبيد ، دون غطاء ينظر إليها ، هذا تعلم الفقه قبل أن يتعرف إلى الله ، هذه الحيلة لا تنطلي على الله ، أنا أريكم نماذج عندما الإنسان يتعرف الفقه قبل أن يعرف الله .
الآن صندوق شاي لا يوجد غيره ، بيع وشراء ، أفخر أنواع الشاي السيلاني ، يأتي رجل يريد صندوق شاي بكامله ، هذا الصندوق ثمنه ألف ليرة ، يقول له : اشتريت ولكن ديناً ، بعد أن اشتراه يقول له : تشتريه مني ، يقول : نعم ، بثمانمئة ، يعطيه ثمانمئة ، تعلم الفقه ولم يعرف الله عز وجل ، هو مرابي عند الله عز وجل ، إن كان في بلد فيه شاي بشاي ، وإن بلد فيه سجاد بسجاد ، سكر ، يبيعها ديناً ويشتريها نقداً ، تعلم الفقه ولم يعرف الله عز وجل .
شاهد امرأة أخيه ضمن الشرع ، وتهرب من زكاة ماله ضمن الشرع ، وأكل الربا ضمن الشرع ، فلما الإنسان تعلمه الفقه فقط يتحايل عليه ، أما إذا عرفته بالله عز وجل اختلف الأمر ، هذه على الله لا تجوز ، إن الله ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم ، الله ينظر إلى النوايا ، يعلم السر وأخفى، هذا المحذور ، النبي الكريم عرفنا في بداية الدعوة بالله عز وجل ، فلما عرف أصحابه ربهم باعوا أنفسهم ، قال تعالى : ﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾
[سورة التوبة : 111]
أشرف العلوم وغايتها معرفة الله عز وجل :
إذا أردت أن تبدأ بالعلوم ابدأ بالأساسي أولاً ، الأساسي معرفة الله ، لذلك الصحابة الكرام قالوا : " أوتينا الإيمان قبل القرآن " وربنا عز وجل في آية واحدة في القرآن أشار إلى ذلك، قال تعالى :
﴿ قُلْ آَمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّداً ﴾
[سورة الإسراء : 107]
إذا كنت تعرف شخصاً معرفة متينة جداً ، و هو في قمة النزاهة ، والورع ، والإخلاص ، والتقى ، وأنت جالس معه في غرفة والمعطف معلق ، فمد يده إلى المعطف وأخذ ورقة ، أنت تقول : هذا معطفه ، فقام ولبس معطفاً غير هذا المعطف ، قال له صديقه : خذ من جيبي ورقة الكهرباء وادفعها لي ، أنت تعرفه معرفة متينة تفسر هذا العمل بما يليق بمقامه أما إذا لم تعرفه فتقول : مدّ يده على جيب صديقه ويمكن أخذ خمسمئة ليرة ، فأنت إذا عرفت الله عز وجل أولاً تقرأ القرآن وتزداد إيماناً بالله ، لا يسأل عما يفعل ، معناها واضح مثل الشمس لكثرة عدالته ، لأن عدله يسكت الألسنة .
الآن إذا أب وزع الفاكهة على الأبناء بالتساوي ، وزع الحلوى بالتساوي ، المال بالتساوي ، لا أحد يتكلم كلمة ، أما إذا وزعها بغير التساوي فيتقاتلون وينتقدون الأب ، أنت لا تحبني وتحب أخي أكثر مني ، متى يكون الاعتراض ؟ إذا كانت العدالة غير موجودة ، وإذا كان الإنسان لا يعرف الله لا يستجيب له ، لا يسأل عما يفعل لأنه عادل ، عدله يسكت الألسنة، يجب أن تعرف الله قبل أن تقرأ القرآن الكريم ، إذا عرفت الله قبل أن تقرأ القرآن الكريم فهمت هذه الآية : ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾
[سورة التغابن : 16]
يقول لك : على قدر استطاعتك إذا لم يعرف الله عز وجل ، على قدر ما تستطيع، يوجد فرق كبير بين الاثنتين واحدة الحد الأدنى ، والثانية الحد الأقصى ، إذا عرفت الله عز وجل قال تعالى : ﴿ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ ﴾
[ سورة المدثر : 56 ]
الله عز وجل يستحق أن تبذل من أجله الغالي والثمين ، والنفس والنفيس هكذا .
النبي الكريم سلك هذا المسلك عرّف أصحابه بالله أولاً ، ثم عرفهم بالشرع ثانياً ، فعرفوا الله ثم طبقوا الشرع ، الآن عرف الناس بالشرع أولاً يتحايلون على الشرع ، هذا حرام ، هذه صورة وليست حقيقة ، وهذا الغناء صدى ، وهذه امرأة أخيه أصبحت حماته ، والربا صار بيعاً وشراء ، والزكاة اشتراها منه بثمنها ، هذه الأساليب كلها ، لذلك بدأ الدين غريباً ، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها ، بمعرفة الله أولاً ثم تطبيق شرعه ثانياً .
كانوا في بعض المدارس الشرعية يجبرون الطلاب على الصلاة ، طالب شرعي لا يصلي ، فكان يقول : نويت أن أصلي لا وضوء ولا نية - لا إكراه في الدين - تريد هذا الطالب أن تنمي قلبه بالخشوع أولاً من الورع والخوف حتى ينضبط ، فقط تعال وافهم أحكام الصلاة ، شروط الصلاة ، أحكام الغسل ، حفظهم وبصمهم ونجح في الامتحان ولا يصلي ، أنا أعرف مدرسين تربية إسلامية لا يصلون .
وعلى الجملة فأشرف العلوم وغايتها معرفة الله عز وجل ، وهو بحر لا يدرك منتهى غيره ، وأقصى درجات البشر فيه رتبة الأنبياء ، ثم الأولياء ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم .
إن شاء الله في درس قادم نتابع الحديث عن صفات طالب العلم ، الآن عرفنا أن العمر ثمين وقصير ، يجب أن تعرف شيئاً ، الأصول والفروع ، الأصول أولاً ، والفروع ثانياً ، والمقدمات ثالثاً ، والمتممات رابعاً ، وألا تنتقل من علم إلى آخر إلا بعد إحكام العلم الأول وهو معرفة الله ، وهو متعلق بالثاني وهو الشريعة ، ويجب أن تعرف كل شيء عن شيء ، وشيئاً عن كل شيء ، وإذا كنت تاجراً يجب أن تتقن أحكام البيوع .
* * *
الهدية تزيد المحبة بين الناس :
والآن إلى بعض الأحاديث الشريفة ، الأحاديث اليوم كلها متعلقة بسنة نبوية معطرة ألا وهي الهدية ، الإنسان مع زوجته ، الإنسان مع أخيه النسبي ، الإنسان مع جاره ، أحياناً يكون الجار سيئاً جداً ، قدم له هدية وانظر ماذا يفعل ، يخاف أن يزعجك ، يخفض من صوت المذياع ، شيء يشبه السحر ، النبي الكريم صلى الله عليه وسلم لم أذكر بالتفصيل ، قال : من يقم إلى هذا ويقطع لسانه ، يوجد صحابي فهم أن يقطعه قطعاً وصحابي آخر فهم أن يقطع لسانه بهدية .
(( تَهَادَوْا فَإِنَّ الْهَدِيَّةَ تُذْهِبُ وَحَرَ الصَّدْرِ وَلا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا وَلَوْ شِقَّ فِرْسِنِ شَاة ))
[الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
حصل بينك وبين زوجتك فتور ، خصام ، أنا لا أقول أن يحضر شيئاً فوق طاقته، ممكن أن يحضر باقة ورد ، ممكن أن يحضر شيئاً قيمته ليست بثمنه ، بل قيمته بمقدمها ، بمدلولها ، ممكن ابن أن يحضر لوالدته قرص عجوة ، ثمنه على وقتنا عشرة قروش ، الآن ليرة ، ممكن أن يحضر لزوجته شيئاً بسيطاً جداً ، علبة رائحة ، لكن الهدية سبحان الله تفعل فعل السحر بين الأقارب ، بين الأصدقاء ، بين الأخوة ، بين الجيران ، هكذا النبي الكريم يقول : "تهادوا تحابوا" الهدية دين و وفاء ، أنت لم تخسر شيئاً ، لك أخ جاءه مولود أخذت له طقماً ثمنه ثلاثون أو أربعون ليرة ، وأنت إذا جاءك مولود يستحي ألا يقدم لك هدية ، أنت بالفعل لم تخسر شيئاً ، إذا أخ تزوج ، الأخوان هبوا ، أحدهم سجادة ، والآخر براد ، ثلاثة قدموا له براد ، المطبخ يلزمه بعض الحاجيات ، طاولة للطعام كم هي جميلة ، الأخ بأشد الأزمات ، وجد أخوانه قدموا له حاجات ، الآن أخوك بعد سنة تزوج ، تقدم له هدية ، هي عملية دين لكن ليس به صفة الدين ، سند ، أداء على التدريج . ((تَهَادَوْا فَإِنَّ الْهَدِيَّةَ تُذْهِبُ وَحَرَ الصَّدْرِ . . . ))
[الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
بين الزوجين ، بين الأخين ، بين الجيران ، بين الأصدقاء ، هذا كله مدعاة إلى المحبة وزيادة العلاقات . ((أَلا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّلاةِ وَالصَّدَقَةِ ، قَالُوا : بَلَى ، قَالَ صَلاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ فَإِنَّ فَسَادَ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَيُرْوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ هِيَ الْحَالِقَةُ لا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعَرَ وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ ))
[الترمذي عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ]
حديث آخر : (( تَصَافَحُوا يَذْهَبِ الْغِلُّ وَتَهَادَوْا تَحَابُّوا وَتَذْهَبِ الشَّحْنَاءُ ))
[التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مُسْلِمٍ عَبْدِ اللَّهِ الْخُرَاسَانِيِّ]
الغل هو الحقد ، ترى خصومات ، وغيبة ، ونميمة ، أنت صافحه وابتسم بوجهه ، وعاتبه وسامحه ، عود نفسك أن تعتذر ، أخي أنا رجل ، قل للزوجة اصفحي عني أنا غلطت ، الإنسان يغلط ، إذا الزوجة سمعت من زوجها اصفحي عني ، أنا تأخرت عليك ، لم أشعر بالوقت ، ترى هذه الثورة العارمة خفت حدتها ، تعود أن تتكلم كلاماً لطيفاً ، تعود أن يكون ظلك خفيفاً . (( تَصَافَحُوا يَذْهَبِ الْغِلُّ وَتَهَادَوْا تَحَابُّوا وَتَذْهَبِ الشَّحْنَاءُ ))
[التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مُسْلِمٍ عَبْدِ اللَّهِ الْخُرَاسَانِيِّ]
الهدية أولاً للمحبة ، وإذا كان هناك محبة تزداد المحبة ، ارفع مستوى المحبة ، وهي لها مستوى ترتفع . الهجرة في سبيل الله تورث الأبناء مجداً و عزاً :
((.....هاجروا تورثوا أبناءكم مجدا))
[ ابن عساكر عن عائشة]
سبحان الله هذا الحديث كنت عند صديق لي ولهذا الصديق صديق محامي ، فجاءت سيرة الحج ، فقال : أنا حججت أول حجة من فضل الله ، وثاني حجة كانت بدلاً عن والدي ، فانتقده المضيف ، قال له : الأم أولاً ، أمك ثم أمك ثم أمك ثم أباك ، قال له : يوجد سبب ، فقال له : ما هو السبب ؟ قال له : أنا أصلي من يوغسلافيا ، والدي هجر يوغسلافيا وأقام في الشام من قديم الزمان وأنا ولدت في الشام ، حججت عن والدي لأن والدي مسلم وحفظ نفسه ، لكن عندما هاجر أنقذنا نحن ، أنا لو بقيت هناك كنت رجلاً فاسقاً ، زانياً ، شارب خمر، فلما انتقل من تلك البلاد إلى هنا ، أنا ولدت في الشام ونشات نشأة دينية فأنا مسلم بسببه ، وأنا أقمت في الشام ، له حق كبير عليّ ، حق الهداية ، فهذا الابن المحامي قدر هجرة والده إلى بلاد إسلامية ، لأن الأب لو بقي هناك هو مسلم وحافظ على دينه ولكن أولاده ليسوا بيده ، الآن الذين يذهبون إلى أمريكا يقول لك : هل ترى هذه السيارة ؟ تقول له : نعم ، يقول : أخذناها بألف دولار ، وهنا ثمنها مئة وخمسون ألف ليرة ، يتكلم لك يقول : فيلا ثمنها ثلاثون ألف دولار معها مسبح وطابق ثان وثالث ، وكراج للسيارة ، فحديثه دائماً عن الأسعار ، والمتنزهات ، ونياغارا والشلالات الجميلة ، وعن الجزر الجميلة ، ولكن يوجد شيء أنت ليس منتبهاً إليه يوجد رجل أقام هناك ، وله تجارة عريضة و واسعة وبحبوحة ، جاء إلى البيت مرة وكان مسافراً ، جاء في وقت غير مناسب فرأى شاباً مع ابنته بوضع حيواني لم يتحمل وأخبر الشرطة ، جاءت الشرطة وأخذوه هو إلى السجن لأنه هذا الشاب أفاد أن صديقته هي التي أرسلت في طلبه ودعته ، فصاحب البيت تكلم معه كلمات قاسية يستحق عليها أن يسجن ، وهي صديقته وهو جاء بدعوة .
طبعاً السيارة ثمنها ألف دولار ولكن هذه الثانية أحسبت حسابها ؟ ليس لها حساب، عندما الإنسان يقيم مع الكفار سوف يتحمل أن تأتي ابنته في آخر الليل مع صديقها يوصلها إلى البيت ، يتحمل أن تسبح ابنته مع الناس على البلاجات ، يتحمل أن يكون لابنته خمسة أصدقاء قبل الزواج وهذه عفة وأية عفة ؟؟! هذا كلام باطل هناك ، من أقام مع المشركين برئت منه ذمة الله ، أنا أتحدى رجلاً يقيم مع المشركين ويحفظ بناته ، لا يمكن ألا تنشأ البنت على الخمر ، والزنا ، والفجور ، أينما تحرك البنت يوجد فجور ، تبيع المرأة نفسها بدخينة ، بعلبة مسكة ، هناك الأسعار رخيصة جداً ، والأعراض رخيصة ، طبعاً يتناسبون معاً ، بلد أسعاره غالية والأعراض غالية ، أسعار رخيصة وأعراض رخيصة .
أنت هنا يوجد كلمة الله أكبر ، مسجد ، مجلس علم ، شيء اسمه حياء ، خجل ، يوجد بقية دين ، بقية مروءة ، بقية تعاطف ، زارني طبيب يقدم امتحاناً في اللغة العربية ليتعين، لأنه لا يوجد معه بكالوريا سابقة ، قلت له : عجيب أنت مقيم في لندن ودخلك في الشهر ثمانية آلاف جنيه ، وعندك سيارتان وبيت في المصيف ، ما الذي يحضرك إلى الشام ؟ أنا من باب الامتحان أريد أن أرى ماذا يقول ، فقال أنا : جئت إلى هنا لآخذ ثلاثة آلاف ليرة ، وثمن البيت هنا نصف مليون ، فقال : أنا في المكان الذي أسكن به في لندن في الطابق الثامن يوجد رجل توفي وبقي متوفى ستة أشهر ولم يدرِ به أحد ، وله في لندن خمسة أولاد ذكور ومن وجهاء العوائل البريطانية ، ما خطر في بال أحد أبنائه أن يزور والده في هذه الأشهر ، رأى مصيره، إنسان موضوع في غرفة ولندن باردة في الشتاء والطوابق عليا ، تأخر تفسخ جسمه . (( تهادوا تزدادوا حبا و هاجروا تورثوا أبناءكم مجدا))
[ ابن عساكر عن عائشة]
أنا هذا الحديث تذوقته من قصة الأخ المحامي الذي حج بدل والده قبل والدته لأن والده هاجر من بلد الكفر إلى بلد الإسلام ، هنا يوجد مروءة ، تعاطف ، الأخت لها أخوها ، الأخت تسكن عند أخيها ، لها مكان في المجتمع . أثر الهدية في المجتمع :
و :
((أَقِيلُوا ذَوِي الْهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ إِلا الْحُدُودَ ))
[أحمد عَنْ عَائِشَة]
((تهادوا الطعام بينكم فإن ذلك توسعةً في أرزاقكم))
[الكامل في ضعفاء الرجال عَنْ ابن عباس ]
أنا حينما كنت صغيراً عاصرت هذه السنة ، دائماً يوجد سكبة ، خمسة صحون غير الطبخة ، حتى إذا دخل شخص مع ضيف الجيران يتهامسون : أبو فلان معه ضيف ، الحارة فيها أربعون بيتاً ، ترى الصفرة كبيرة ، متى هذه الصفرة صنعت ؟ أبو فلان معه ضيف . (( تَهَادَوْا فَإِنَّ الْهَدِيَّةَ تُذْهِبُ وَحَرَ الصَّدْرِ . . . .))
[الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
فإذا كان هناك حقد أو ألم هذه الهدية تذهب وحر الصدر . (( . . . وَلا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا وَلَوْ شِقَّ فِرْسِنِ شَاة ))
[الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
أي إذا جارة قدمت إلى جارتها طعاماً – نصف مقدم - تقول الأخرى : سلمت يداك و جزاك الله كل خير ، إن شاء الله هذا الشيء يزيد هذا البيت بركة ، يجب أن تكون لطيفاً إلى أقصى الحدود ، مهما كانت الهدية قيمتها قليلة يجب أن تشجع ، أحياناً طفل يحضر إلى المدرسة وردة ، قرنفلة ، يجب أن ترحب بها ، أحياناً إنسان يعطرك ، أحياناً قطعة حلوى أنت لا تأكلها محمي عنها ، المؤمن أديب .
الناس الآن من بُعدهم عن الله عز وجل تأتيه هدية يمط وجهه فيها ، ما ثمنها ؟ هذه لا تساوي شيئاً ، هذا كلام فيه سوء أدب مع الله عز و جل ، هذه سنة ، من سنن الرسول عليه الصلاة والسلام اقبلها ورحب بها وأثني عليها وكافئ عليها ، وإياك أن تظن هذه الهدية هبة، هذه دين كافئ عليها ، فإن لم تجد قل : جزاك الله عني كل خير . ((تهادوا فإن الهدية تذهب بالسخيمة ))
[ شعب الإيمان عن أنس بن مالك]
السخيمة من السخم وهو باللغة العامية الشحار ، الفحم ، أحياناً إنسان يقول لك : أنا قلبي أسود . (( لو دُعيتُ إلى كُراَع أو ذراَع لأجَبتُ ))
[البخاري عن أبي هريرة ]
(( عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَ أَهْلَهُ الأدُمَ فَقَالُوا : مَا عِنْدَنَا إِلا خَلٌّ ، فَدَعَا بِهِ فَجَعَلَ يَأْكُلُ بِهِ وَيَقُولُ : نِعْمَ الأدُمُ الْخَلُّ نِعْمَ الأدُمُ الْخَلُّ ))
[مسلم عَنْ جَابِر]
أحياناً يدعوك إنسان إلى كأس شاي ، بارك الله : (( لو دُعيتُ إلى كُراَع أو ذراَع لأجَبتُ ))
[البخاري عن أبي هريرة ]
هذه سنة المصطفى ومن رغب عنها فليس من أمته : (( تهادوا فإن الهدية تضعف الحب وتذهب بغوائل الصدر ))
[الطبراني وأبو نعيم فى المعرفة عن أم حكيم بنت وداع الخزاعية]
تضاعف وليس تُضْعِف ، أنا أتمنى إن أخ تزوج ، عنده ولادة ، أخوانه حوله ، هذا قدم له شيء ، والأمور كلها دين و وفاء ، و بهذا تزداد المحبة : (( مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى ))

السعيد 09-09-2018 08:59 AM

رد: الفقة الاسلامى 2
 
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( التاسع العاشر )

الموضوع : الوضوء - اركانة - شروطة - سننة





الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
مقدمة :
أيها الأخوة المؤمنون، فقرة الفقه المتعلقة بالعبادات التي وعدتكم بها بالدرس الماضي لا تزيد عن عشر دقائق، إن كانت في كل درس فهذا أعون على إتقان الصلاة التي هي عماد الدين، وكتاب مراقي الفلاح، كتاب في العبادات فقط، وفي الفقه الحنفي فقط، كتاب موجز، ومبوَّب، ومقنَّن ومرقَّم، والقراءة فيه سهلة، وله متن وله شرح، فإذا استعصى عليك شيءٌ في المتن، رجعتَ به إلى الشرح.
أركان الوضوء :
في الوضوء يقول مؤلف الكتاب طبعاً استناداً إلى استنباطات العلماء: أركان الوضوء أربعة، وهي فرائضه:
1 ـ غسل الوجه :
الأول: غسل الوجه، وحدُّه طولاً، من مبدأ سطح الجبهة إلى أسفل الذقن، وحدُّه عرضاً ما بين شحمتي الأذنين.
2 ـ غسل اليدين مع المرفقين :
والثاني: غسل اليدين مع المرفقين، ليس إلى المرفقين بل مع المرفقين، فالمرفق داخل في غسل اليد.
3 ـ غسل الرجلين مع الكعبين :
والثالث: غسل الرجلين مع الكعبين.
4 ـ مســح ربع الرأس :
والـرابع: مســح ربع الرأس.
سبب الوضوء :
استباحة ما لا يحل إلا به، فهل تحل الصلاة بغير وضوء؟ لا، فإنها لا تحلُّ إلا به، لاستباحة الصلاة، واستباحة الطواف، وهذا حكمه الدنيوي، وحكمه الأخروي الثواب في الآخرة.
الوضوء عبادة، فإذا قام الإنسان ليتوضأ، وقال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ثم قال: بسم الله الرحمن الرحيم، دخل في عبادة.

شرط وجوبه :
العقل، البلوغ، الإسلام، القدرة على استعمال الماء الكافي، فإذا كان الإنسان لا يقدر على استعمال الماء، أو يقدر والماء غير كافٍ فعندئذٍ يتيمَّم، وجود الحدث، عدم الحيض والنفاس، فلولا الحدث لما وجب الوضوء، وضيق الوقت.
في بعض الصلوات، كصلاة العيدين، أو صلاة الجنازة، إذا كان الوقت ضيقاً حيث تفوته الصلاة إذا ذهب ليتوضَّأ جاز له التيمم، لضيق الوقت.
إذاً شرط وجوبه: العقل، والبلوغ، والإسلام، والقدرة على استعمال الماء الكافي، ووجود الحدث، وعدم الحيض والنفاس، وضيق الوقت.

شروط صحته :
شروط صحته ثلاثة: عموم البشرة بالماء الطهور، أي أن يبلغ الماء كل الأماكن التي نصّ عليها الشرع بالماء الطهور، وانقطاع ما ينافيه من حيض، ونفاس، وحدث، وزوال ما يمنع وصول الماء إلى الجسد، فطلاء الأظافر يمنع وصول الماء، والشحم يمنع وصول الماء، والعجين يمنع وصول الماء.
وعندنا شروط الوجوب، كما عندنا شروط الصــحة.
هذا فصل قصير، وبعدها ننتقل إلى موضوع آخر.

معلومات جانبية متعلقة بالوضوء :
يجب غسل ظاهر اللحية الكثة، واللحية نوعان، طبعاً الذقن غير اللحية، وكثيرون يظنون أنّ الذقن هو اللحية، فيقال: ليس له ذقن، أو لم يربِّ ذقنه، فكل واحد منا له ذقن، الذقن شيء، واللحية شيء، ويستعمل العامة خطأً الذقن بدل اللحية، إذًا فمن كانت له لحية كثة، أي غزيرة الشعر، يجب غسل ظاهرها، والشرع لم يكلَّفكَ بغسل أصول اللحية، عندئذ تحتاج إلى تنشيف على الهواء، وهذا أمرٌ صعب، فوق الطاقة، وعليه غسل ظاهر اللحية الكثة في أصح ما يُفتى به، ويجب إيصال الماء إلى بشرة اللحية الخفيفة، فإذا كانت اللحية خفيفة وجب أن يصل الماء إلى البشرة، أيْ إلى أصل اللحية، ولا يجب إيصال الماء إلى المسترسل من الشعر عن دائرة الوجه، فإذا كان لك شعر مسترسل لا يجب إيصال الماء إليه، ولا إلى ما انكتم من الشفتين، إذا ضمَّ إنسان شفتيه فهناك جزء من الشفتين من داخل الفم، فالجزء الذي يعد من داخل الفم لا يجب إيصال الماء إليه، ويجب تحريك الخاتم الضيق، وإيصال الماء إلى أصل اللحية الخفيفة، وغسل ظاهر اللحية الكثة، أي الكثيفة، وعدم وجوب إيصال الماء إلى ما استرسل من الشعر الخارج عن دائرة الوجه، فهذه معلومات جانبية متعلقة بالموضوع.
شيء آخر: لو ضره غسل شقوق الرجلين، إذا كان في الأرجل شقوق، أي مذبوحة من الشتاء، وهي مؤلمة، ويؤذيها الماء وضره غسل شقوق رجليه جاز إمرار الماء على الدواء الذي وضعه فيها.
وبعد: شخص واحد له لحية كثة توضأ فرضاً وحلقها، لا يقال له: أعد الوضوء، ولا يعاد المسح، ولا الغسل على موضع الشعر بعد حلقه ولا الغسل بعد قص ظفره، وشاربه.
فإذا طرأ بعد الوضوء قص ظفر، أو قص شارب، أو حلق شعر لم يصل الماء إليه عند الوضوء، فالشرع متساهل لا يجوز أن تعيد الوضوء في هذه الحالات، أ ي معلومات لطيفة ويحتاجها كل إنسان، وهذا مما يعين على إتقان الوضوء، لا زلنا في موضوعات أخرى، وإن شاء الله نتابعها في الدرس القادم، هذا ويسن في الوضوء ثمانية عشر شيئاً، نقرؤها الآن مجرد قراءة، وربما عدنا إليها في الدرس القادم.

ما يسن في الوضوء :
يسن في الوضوء ثمانية عشر شيئاً: غسل اليدين إلى الرسغين، والتسمية ابتداء، والسواك في ابتدائه ولو بالإصبع عند فقده، فالسواك من سنن الوضوء، لم تجد السواك فبالإصبع، والمضمضة ثلاثاً ولو بغرفة واحدة، طبعاً عندنا سنة التكرار، وسنة المضمضة، فإذا أخذت غرفة يمكن أنْ تتمضمض فيها ثلاث مرات، فالمضمضة تحريك الماء بالفم مرة أولى، ثم مرة ثانية، ثم مرة ثالثة، إذاً والمضمضة ثلاثاً ولو بغرفة واحدة، والاستنشاق بثلاث غرفات، قطعاً لأن الاستنشاق ليس عندك عضلات بالأنف تحركها ثلاث مرات، فلابد من المرة الأولى، والثانية، والثالثة، أما بالفم فممكن، إذاً يجوز أن تتمضمض ثلاث مرات بغرفة واحدة، ولا يجوز أن تستنشق ثلاث مرات بغرفة واحدة، فثلاث مرات ثلاث غرفات، والمبالغة في المضمضة والاستنشاق، المبالغة تعني إيصال الماء إلى كل أنحاء الفم، وإيصال الماء إلى أقصى الأنف، المبالغة لغير الصائم، وتخليل اللحية الكثة بكف ماء من أسفلها، والتخليل يعني بالأصابع، الأصابع مبتلة تخلل اللحية الكثة بكف ماء من أسفلها، وتخليل الأصابع، وتثليث الغسل، كل عضوٍ ثلاثًا ثلاثًا، أول مرة تدلك، والثانية إسالة الماء، والثالثة التأكد من التنظيف، واستيعاب الرأس بالمسح مرة، ويجوز مسح ربع الرأس، أما السنة فكامل الرأس، ومسح الأذنين ولو بماء الرأس، فهذا ممكن، أن تمسح الأذنين بماء الرأس نفسه، طبعاً تُدخل إصبعك إلى داخل الأذن، وتمررها بتجاويفها وخطوطها، ثم ظاهر الأذن، و الدلك.
أحدث شيء سمعته من طبيب جزاه الله خيراً أن هناك عصيات بالمستقيم اسمها العصيات الزرق، هذه متواجدة بالمستقيم، ولها وظائف حيوية، ومحظور عليها لأسباب يصعب شرحها أن تنتقل إلى داخل الجسم أو إلى الدم، فإذا دخلت في الفم بسبب عدم الاحتراز منها، عدم إتقان الغسل، إذا دخلت إلى الفم ووصلت إلى الدم سببت أمراضًا وبيلة.
فالأحاديث الشريفة تحضُّنا على المبالغة بالطهارة، فإذا دخل إنسان المرحاض وجب أن يبالغ في تنظيف يديه، ولا سيما الأنامل عند الأظافر، عند هذه الثنيات، فلو أن عصية زرقاء دخلت إلى الفم ولم يكن المتوضأ قد اعتنى بتغسيل يديه، فهذا يسبب له أمراضاً، يجب أن تعلموا أن أوامر النبي الكريم مبنية على حقائق علمية لأن الله سبحانه وتعالى أوحى له بذلك:

﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾
[ سورة النجم: 3-4 ]
ومسح الأذنين ولو بماء الرأس، و الدلك، والولاء، كشخصٍ غسل وجهه، فرنَّ جرس الهاتف، وتكلَّم ربع ساعة، ثم رجع وأكمل غسل يديه، فلم تتوفَّر الموالاة، بل صار في الوضوء انقطاع، فيجب أن يتوضأ مرة واحدة، والنية، والترتيب، فالإنسان أحيانًا ينسى فيغسل رجليه قبل يديه، فاختلَّ الترتيب وخالف السنة كما نص الله تعالى في كتابه، والبداءة بالميامن، في كل شيء تبدأ باليمين، ورؤوس الأصابع، ومقدم الرأس، ومسح الرقبة إلى الحلقوم، إذًا الميامن، والترتيب، والنية، والولاء، والدلك، ومسح الأذنين بماء الرأس، واستيعاب الرأس كله، وتثليث الغسل، وتخليل الأصابع، وتخليل اللحية الكثة من أسفلها، والمبالغة في المضمضة، والاستنشاق لغير الصائم، والمضمضة ثلاثًا بغرفة واحدة أو بثلاث غرفات، أما الاستنشاق فبثلاث غرفات قطعاً، والسواك ولو بالإصبع، والتسمية ابتداءً، وغسل اليدين إلى الرسغين، وهذه ثمانية عشر شيئاً هي سنن الوضوء، وفي الدرس القادم إن شاء الله نتحدث عن آداب الوضوء وهي أربعة عشر أدبًا.

***
للإنسان في علمه أربعة أحوال :
وبعدُ فإلى بعض الفصول المختارة من إحياء علوم الدين، ولا زلنا في الموضوع الكبير، وهو العلم.
الدرس اليوم: "وظائف المعلم"، تحدثنا عن آداب المتعلم، واليوم وظائف المعلم، فإذا وضعك الله عز وجل وأكرمك في مقام التعليم فعليك واجبات، ابحث عن واجباتك قبل أن تبحث عن حقوقك قبل أن نبدأ بالواجب الأول هناك مقدمة لطيفة.
اعلَمْ أن للإنسان في علمه أربعة أحوال، كحاله في اقتناء الأموال، إذ لصاحب المال حالةُ استفادةٍ فيكون مكتسباً، إذًا أولاً كسب المال، وحالُ ادخار لما اكتسبه، فيكون به غنياً عن السؤال، وحالُ إنفاقٍ على نفسه فيكون منتفعاً، وحالُ بذلٍ لغيره فيكون به سخياً متفضلاً، وهو أشرف الأحوال.
اكتساب، وادخار، وإنفاق على نفسه، وإنفاق على غيره، والإنفاق على الغير هو أشرف الأحوال، هو السخاء، هو الفضيلة، وكسب المال ضرورة، وادخاره شح، وإنفاقه على النفس أنانية، وكسبه ضرورة، فلا بد أن نعمل، فادخاره شح، وإنفاقه على الذات أنانية، أما إنفاقه على الآخرين فهذه فضيلة، فكذلك العلم يُقتنَى كما يُقتنَى المال، فله حال طلب واكتساب، وحال تحصيل يغني صاحبه عن السؤال، وحال استبصار، وهو التفكر المحضُ والتمتع به، وحال تبصير، وهو أشرف الأحوال.
إذًا أوّلاً تَعَلُّم، وبعدما تعلمت، جمعت حقائق كثيرة، ومعلومات كثيرة، وفهمت شيئاً كثيراً من كتاب الله، ومن سنة رسول الله، فشعرت بالغنى، هذا الادخار، تأملت فيما تعرف، وتبصرت فيما حصّلت، فشعرت بالراحة، الآن أنفقته على نفسك، فاعملْ به، واستفد منه، أما حينما تعلِّمه غيرك فهو أشرف الأحوال.
فمن عَلِمَ وعمل وعلّم فهو الذي يدعَى عظيمًا في ملكوت السموات والأرض، عَلِم وعمِل وعلّم، هذه سورة نقرؤها كل يوم عشرات المرات

﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾
[ سورة العصر: 1-3 ]
عَلِمَ وعمل ودعا، علم وعمل وعلّم، وإذا واجهته معارضات ولاقى تضيقًا صبر، فلا يترك طلب العلم بسرعة، واللهِ أنا لا أريد هذه العمل، لأنّ به وجع رأس فلا أريده، علم وعمل وعلّم وصبر، فإذا توافرت هذه كلها فيسمَّى عظيماً في ملكوت السموات والأرض.
من يتعلم ويعمل ويعلّم كالشمس والمسك :
اسمعوا التشبيه اللطيف، قال: فإنه كالشمس تضيء لغيرها وهي مضيئة في نفسها، وكالمسك الذي يطيِّب غيره وهو طيب، والذي يعلِّم ولا يعمل به كالدفتر الذي يفيد غيره وهو خال من العلم، والدفتر الفارغ تملؤه علمًا فيفيدك، أما الدفتر فهو جاهل ويبقى جاهلاً، وكالمِسن الذي يشحذ غيره ولا يقطع، والإبرة تكسو غيرها وهي عارية، والمصباح يضيء لغيره وزبالته تحترق، فالذي يتعلم ويعمل ويعلّم، كالشمس، والمسك، والذي يتعلم ويعلم ولا يعمل كالشمعة تحرق نفسها وتضيء غيرها، لذلك نسأل الله أنْ الله يجعلنا من الصادقين في طلب العلم، وأنا أدعو بدعاء دائماً: "اللهم إني أعوذ بك أن يكون أحدٌ أسعدَ بما علمت مني"، أي أنَّ واحداً علَّمتُه ويسبقني، واللهِ هذه صعبة، وشيء مؤلم، تعلِّمه حديثًا يطبقه ويسعد به إلى الأبد، وأنت لا تطبقه، تُعلمه آيةً ويطبقها بحذافيرها، فيجلب منها خير الدنيا والآخرة، وأنت لا تطبِّقها، واللهِ هذا الشقاء كلُّه، لذلك سئل النبي الكريم: مَنْ أندم الناس؟ - أندم اسم تفضيل – قال رجل دخل الناس بعلمه الجنة، ودخل هو بعلمه النار.
وفي صحيح البخاري حديثٌ يقصم الظهر:

((عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: قِيلَ لأُسَامَةَ لَوْ أَتَيْتَ فُلانًا فَكَلَّمْتَهُ قَالَ إِنَّكُمْ لَتُرَوْنَ أَنِّي لا أُكَلِّمُهُ إِلا أُسْمِعُكُمْ إِنِّي أُكَلِّمُهُ فِي السِّرِّ دُونَ أَنْ أَفْتَحَ بَابًا لا أَكُونُ أَوَّلَ مَنْ فَتَحَهُ وَلا أَقُولُ لِرَجُلٍ أَنْ كَانَ عَلَيَّ أَمِيرًا إِنَّهُ خَيْرُ النَّاسِ بَعْدَ شَيْءٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالُوا: وَمَا سَمِعْتَهُ يَقُولُ، قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: يُجَاءُ بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُهُ فِي النَّارِ فَيَدُورُ كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ بِرَحَاهُ فَيَجْتَمِعُ أَهْلُ النَّارِ عَلَيْهِ فَيَقُولُونَ أَيْ فُلانُ مَا شَأْنُكَ أَلَيْسَ كُنْتَ تَأْمُرُنَا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَانَا عَنِ الْمُنْكَرِ قَالَ كُنْتُ آمُرُكُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَلا آتِيهِ وَأَنْهَاكُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَآتِيهِ ))
[البخاري عَنْ أَبِي وَائِلٍ ]
لذلك:
وعالم بعلمه لم يعمــــلن معذب من قبل عباد الوثن
***

"اللهم إني أعوذ بك أن يكون أحد أسعد مني بما علمتني، اللهم أعوذ بك أن أكون عبرة لخَلْقك، اللهم إني أعوذ بك أن أتجمل بشيء يشينني عندك، اللهم إني أعوذ بك أن أقول للناس قولاً في رضاك ألتمس به أحدًا سواك"، القول جيد، القول في رضى الله عز وجل، لكن القائل يلتمس به أحدًا سواك، لذلك أيها الأخوة الأكارم، الإخلاصَ، الإخلاصَ، فقليل من العمل ينفع مع الإخلاص، ومع غير الإخلاص لا ينفع لا قليل العمل ولا كثيره، لذلك: يا معاذ أخلص دينك يكفِكَ القليلُ من العمل، أخلص دينك.
وظائف المعلم :
1 ـ الشفقُة على المتعلمين :
وبعد هذه المقدمة نقول: الوظيفُة الأولى للمعلم الشفقُة على المتعلمين، وأن يجريهم مجرى بنيه:
((إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ مِثْلُ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ، أُعَلِّمُكُمْ إِذَا أَتَيْتُمُ الْغَائِطَ فَلا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ، وَلا تَسْتَدْبِرُوهَا، وَأَمَرَ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، وَنَهَى عَنِ الرَّوْثِ وَالرِّمَّةِ، وَنَهَى أَنْ يَسْتَطِيبَ الرَّجُلُ بِيَمِينِهِ))
[ ابن ماجه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ مِثْلُ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ، حتى الشيء الثابت الذي لا يأتيه الباطل، أنا رحمة النبي عليه الصلاة والسلام لأمته والخلق جميعاً أشد من رحمتهم لأنفسهم.
﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾
[ سورة التوبة:128]
إذا تحدَّاك إنسان، وقابلك مقابلة سيئة، وأنت تقتدي برسول الله فكيف تواجهه؟ جاءه جبريل قال: أمرني ربي أن أكون طوع إرادتك، لو شئت لأطبقت عليهم الجبلين، يقصد أهل الطائف، قال: لا، اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون، لعل الله يخرج من أصلابهم من يوحِّد الله، فرحمته فوق رحمتنا لأنفسنا، وفوق رحمتنا لأولادنا، هذا شيء ثابت، إنما أنا مثل الوالد لولده، إذاً على المعلم أن يقصد إلى إنقاذ المتعلمين من نار الآخرة، وهي أهم من إنقاذ الوالدين ولدهما من نار الدنيا، فإذا كان نشب بالبيت حريق، والابن بالحمام، والحريق من أطراف البيت كله، فإنَّ الأم أو الأب يقتحم أحدهما النار لينقذ ابنه، فإنقاذ الأب ابنه من نار الدنيا ليس بشيء أمام إنقاذ النبي عليه الصلاة والسلام أتباعه من نار الآخرة، فهذه نار مؤقتة، قد يكون الحريق من الدرجة الأولى ولكنه يشفى بإرادة الله، والدرجة الثانية يشفى أيضًا، وبالدرجة الثالثة قد يعيش مشوَّهًا، أما نار الآخرة فليس لها حل، لذلك صار حق المعلم أعظم من حق الوالدين فإن الوالد سبب الوجود الحاضر والحياة الفانية، والمعلم سبب الحياة الباقية، وبالنسبة للدنيا إذا دلَّك شخص على عمل مربح وربح منه فأنت مدِينٌ له، لقد حكى لي أخ، وهو واللهِ صادق عندي، أنَّه اشترى بيتًا أنزل صاحبُه السعر سبعين ألفًا، أنا مبدئِيًّاً ما صدقت، خفَّض سبعين ألفًا، قال لي: نعم والله، سألت ما السبب؟ قال لي: إنَّ صاحب البيت في بداية عمله التجاري دَلَلْتُه على مصلحة ربح منها الملايين، فلم ينس هذا المعروف، إذًا فتخفيض سبعين ألفًا مبلغ يسير، لكنها ثروة طائلة جاءت نتيجة مساعدة سابقة وإرشاد، فقد دعمه ووجهه، فإذا نزل له في سعر البيت سبعين ألفًا فمبلغ بسيط مقارنة بالمليون، فإذا أصاب شخصًا في الدنيا خيرٌ عن طريق شخص آخر فتراه مدينًا له طوال حياته، فإذا كانت المساعدة والدلالة تتعلق بالحياة الأبدية وبالجنة التي عرضها السموات والأرض، إذْ لا فناء، ولا كبر، ولا مرض، ولا هم، ولا حزن، ولا قلق:
((قَالَ اللَّهُ: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لا عَيْنٌ رَأَتْ وَلا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ ( فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ ))
[البخاري عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ ]
إذا دخل شخص بيتًا فخمًا بمصيف جميل، فقال: وَاللَّهِ إنّه جميل ، فقال لك صاحبه: خذه، و يقدر ثمنه بمليونين ونصف، إنّه لك، مع السيارة، وهذا دخل شهري قدْرُه عشرة آلاف ليرة، ألا تشعر أنك صغرت أمامه، والمعلم في الدنيا هو السبب في دخول الجنة، لذلك قالوا: حق المعلم أعظم من حق الوالدين، ولولا المعلم لانساق ما حصل من جهة الأب إلى الهلاك الدائم، إذا ترك لك الأبُ مئة مليون، أجلْ هناك آباء تركوا مئة مليون، فإذا مات الابن انتقلت التركة إلى غيره، فمهما كان عطاء الأب غزيرًا يفقده الابنُ بالموت، أما عطاء المعلم فهو إلى أبد الآبدين، لا ينفد خيرُه، والمعلم سبب الحياة الباقية، ولولا المعلم لانساق ما حصل من جهة الأب إلى الهلاك الدائم، وإنما العلم هو المفيد إلى الحياة الأخروية الدائمة، أعني معلم علوم الآخرة، لا رياضيات ولا هندسة، معلم علوم الآخرة، فإذا عرفت الله عز وجل، واستقمت، وعملت الأعمال الصالحة هذا الذي يعلمك، فأما التعليم على قصد الدنيا فهو هلاك وإهلاك، نعوذ بالله منه، تتعلم من أجل الوجاهة، والمنصب، والرياسة، وترؤس المجتمعات، وتصدّر المجالس، فإذا كان هذا هو العلم فهذا هلاك بهلاك، هذه الوظيفة الأولى للمعلم، أن يعلم المتعلمين كأبنائه.
2 ـ أن يقتديَ بصاحب الشرع :
الوظيفة الثانية: أن يقتديَ بصاحب الشرع صلوات الله عليه وسلامه، فلا يطلب على العلم أجراً، ولا يقصد به جزاء ولا شكوراً، بل يعلمه لوجه الله تعالى، وطلباً للتقرب إليه، وأن يكون هذا العمل خالصاً لوجه تعالى، لا يريد جزاء، ولا شكوراً، ولا تلميحاً، ولا تصريحاً، ولا مادة، ولا معنى، ولا شيئًا من هذا، ولا يرى لنفسه مِنَّة عليهم، هنا تبرز المشكلة، إنّه لم يطلب منهم شيئًا، ولكنه شعر بذاته أن له فضلاً عليهم، وهذا أكبر عيب، قال العلماء: ولا يرى لنفسه منَّة عليهم، وإن كانت المنّة لازمة عليهم، وَاللَّهِ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ إذا علَّمتَ إنسانًا وقبل أنْ يتعلم منك استجاب لك، فهو ذو فضل عليك، وليس لك فضل عليه لو ما تعلم منك، فلو أنّه لم يتعلم على يديك، فقد حُرِمتَ الأجر عند الله، لكن هؤلاء الذين استجابوا لك، واستمعوا، وطبقوا، وسعدوا كلهم في صحيفتك، فهم سبب سعادتك، كالتاجر الذي فتح محلاً فخمًا، ثم لم يدخله أيُّ زبون، فما قيمة المحل؟ فهنا الإمام الغزالي رَضِي اللَّه عَنْه يقول: لا يكفي ألاّ يطلب أجرًا ولا أن يحس أن له فضلاً عليهم، فهو مخطئ، بل لهم الفضل عليك، لأنهم استمعوا، واستجابوا، وإن كانت المنَّة لازمة عليهم، بل يرى الفضل لهم إذ هذَّبوا قلوبهم، فأنتَ تتقرب إلى الله تعالى بزراعة العلوم فيها، وهذه الأمثال جميلة.
قال: كالذي يعيرك الأرض لتزرع فيها لنفسك، فقال لك: خذ الأرض وازرعها، والمحصول لك، فمنفعتك بها تزيد على منفعة صاحب الأرض، فكيف تقلده منَّة وثوابك في التعليم أكثر من ثواب المتعلم عند الله تعالى؟ ثواب المعلم عند الله أكثر من ثواب المتعلم، إذاً من له الفضل على الآخر؟ المتعلم له الفضل، إذْ لولاه لمَا نلت هذا الثواب، فلا تطلب الأجرة إلا من الله تعالى كما قال عز وجل:

﴿ وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ ﴾
[ سورة هود :29]
فإن المال وما في الدنيا كلها خادم للبدن، والبدن مركب النفس ومطيتها، والمخدوم هو العلم، قال العلماء: إذ به شرف النفس، فمن طلب بالعلم المال كان كمن مسح أسفل حذائه بوجهه لينظفه، إذا طلب أحدٌ على دعوته إلى الله منفعةً ماديةً أو معنوية كمن مسح حذاءه بوجهه لينظفه، الحذاء خادم، والوجه مخدوم، لكنك جعلتَ المخدوم خادمًا، والخادم مخدومًا، وهذا هو الانتكاس على أم الرأس، وسوف نتابع هذه الوصايا.
3 ـ أن يترفع عن الدنيا :
ثم عليك أنْ تترفع عن الدنيا، اجعل الدين في السماء، ولا تمرغه في الوحل، هناك أناس مرَّغوه في الوحل، وأساؤوا إليه إساءة كبيرة، فلا تطلب على دعوتك إلى الله ولا على تعليمك أجراً، واحتسب الأجر عند الله تعالى، وإذا كنت طموحًا فاترك الأجر لله عز وجل، وإليك بعض الأحاديث الشريفة.
((ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاوَةَ الإِيمَانِ، أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لا يُحِبُّهُ إِلا لِلَّه، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ))
[البخاري عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِي اللَّه عَنْه]
وبصراحة أريد أنْ أقول لكم: إذا كان الدين عندك حضور مجالس علم فقط، فليس عندك روحانية، ولا تشعر بسرور، واعلم أنّ الإيمان له حلاوة، فإذا أكلَ الإنسانُ أكلة طيبة وهو جائعٌ، ألا يسعد بها؟ بلى، فالإيمان له حلاوة، قال عليه الصلاة والسلام:
((ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاوَةَ الإِيمَانِ- الأولى- أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا...))
كيف ذلك؟ مثلاً دعاك شخصٌ وأنت لم تصلِّ الظهر، تعتذر حتى تصلي الظهر أولاً، اعتذِرْ عن كل شاغلة لتصلي الظهر بإتقان ورويَّة وإلاّ فأنت في غنى عن دعوته.
مثالٌ آخر: دخلتَ أنت وصديق محلاً، وهذا المحل لا يجوز أن تدخله، تقول: استحييت منه فدخلتُ، أي أنّ هذا الصديق أغلى عليك من الله ورسوله، وإذا قلت: أنا لا أدخل، وهذا خطأ، وكان الأولى ألاّ تدخل، وأنت حين تضحي بصداقات الناس من أجل إرضاء الله عز وجل فقد عملتَ صوابًا، ولن يتخلَّى الله عنك، فهو وليُّك، وعندما تؤثر صديقًا على محبة الله، وتؤثر مبلغًا من المال على رضى الله عز وجل، فقد جعلتَ منفعتك مقدمة على طاعة الله و مرضاته، لكنّك إذا كان الله ورسول أحبَّ إليك مما سواهما، فتقول: معاذ الله، كما قال سيدنا يوسف حين دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله رب العالمين.

﴿ وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ﴾
[ سورة يوسف: 23 ]
المؤمن صاحب مبدأ وله مواقف عظيمة :
المؤمن صاحب مبدأ، وله مواقف، فقد يلين الجبل ولا يلين هو، فمواقفه صلبة، لأنه يحب الله ورسوله أكثر مما سواهما، أما بعض الأشخاص إذا دعي إلى حفلة مختلطة يقول: واللهِ استحييت، وأنا أرى أنّ مجاملة الآخرين لا بد منها، ولا بد من مسايرتهم، وأرجو الله أنْ يغفر ذنوبنا، هذا يعني أنّ محبة الناس ومجاملتهم مقدمة على محبة الله و رسوله، إذا كانت لك علاقة ربوية قلت: هكذا يريد شريكي، فالدرهم والدينار أحب إليك من الله ورسوله، قال لي شخص: الحمد لله، إني أصلي الصلاة في وقتها وفي المسجد، ولكن أسأل الله أنْ يصلح شريكي في المطعم فإنّه يقدِّم خمرًا، أصلحه الله و هداه، قلت له: انسحب، فقال: أنسحب؟ أرباحه طائلة، لكني لا أذهب إلى المطعم أبداً، والحمد لله، الأمرُ برقبته، أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، واللهُ عز وجل يضع المؤمن في ظروف، وهذه الظروف يخلقها الله خلقًا، ليظهر الإنسانُ على حقيقته، فيما إذا كان الدرهمُ والدينا أحبَّ إليه من الله ورسوله أو أن الَله ورسوله أحبُّ إليه من الدرهم والدينار، يقول: الضرورات تبيح المحظورات، العلماء قالوا: هذه الضرورات إذا خِفْتَ فَقْدَ الحياة، أو فَقْدَ أحد الأعضاء، فعندئذ الضرورات تبيح المحظورات، يقول المؤمن: واللهِ آكلُ خبزًا يابسًا ولا آخذ مالاً حرامًا، أرضى أنْ آكُل خبزاً فقط، ولا آخذ هذا المال الحرام، نجحت حينئذٍ، وبعدها سوف نعطيك الرضا، والرحمة، والتجلي، والمال، فالله عز وجل قال:
﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴾
[ سورة العنكبوت:2]
لا يمكن لإنسان أنْ ينجو من الفتنة، فربنا عز وجل عنده محكٌّ، لتَتَكَلَّمْ بما شئت، كأنْ تقول: أنا أحب الله، ومحبة لا يعلمها إلا الله، ثم تمر أمام فتاة جميلة فتنظر إليها و تحدق، فأين الذي في قلبك من محبة الله؟ لا توجد مادة في قانون أرضي تحاسبك، تنظر، أوْ لا تنظر، أما ربنا فيحاسبك إذا نظرت وضربَ على اسمك بأنك لستَ له محبًّاً، ورسبتَ في الامتحان، فاحذرْ فإنَّ علاقتك مع الله عز وجل:
((ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاوَةَ الإِيمَانِ، أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا...))
فإذا آثرتَ محبة الله ورسوله جمعت الدنيا والآخرة، لذلك: من آثر دنياه على آخرته خسرهما معاً، ومن آثر آخرته على دنياه ربحهما معاً.
علامة المؤمن الصادق أنْ يحب أخوانه في الله محبة عجيبة :
أمّا الثانية:
((وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لا يُحِبُّهُ إِلا لِلَّه))
في دنياكَ أشخاص تحبهم لله، لا هو زبون، ولا صديق، ولا قريب، ولا صهر، ولا جار، ولا عنده سيارة فتركبها، ولا حالته المادية جيدة، فيدعونا لمائدته، ليس مِن علاقة بينك وبينه إلا علاقة الأخوة في الله، تشعر نحوه بمحبة آسرة، وتعقيبًا على هذه الظاهرة ذكر لي شخصٌ فقال: واللِه إذا مضى يومٌ ولم أرَ صديقي الذي صادقتُه لله فإنّي لا أهنأ، وإذا رأيته أشعر بسعادة عارمة، إذًا علامة المؤمن الصادق أنْ يحب إخوانه في الله محبة عجيبة، خالصةً لله، لا يطمع في مالهم، ولا في مناصبهم، ولا في أي شيء، بل رآه مؤمناً فأحبَّه، ورآه أخلاقياً فأحبه، جاء في الحديث القدسي:
((وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلَّذِينَ يَتَحَابُّونَ فِيَّ، وَيَتَجَالَسُونَ فِيَّ، وَيَتَبَاذَلُونَ فِيَّ))
[أحمد عَنْ مُعَاذٍ]
وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلَّذِينَ يَتَحَابُّونَ فِيَّ- وجبت- وَيَتَجَالَسُونَ فِيَّ، انظُر مليًّاً، فهذه مجالسة لله، دونما مصلحة دنيوية صغرتْ أو كبرتْ، وَجَبَتْ مَحَبَّتِي، أنت الآن ضيف الله عز وجل: "إن بيوتي في الأرض المساجد، وإن زوارها هم عمارها، فطوبى لعبد تطهر في بيته ثم زارني، وحق على المزور أن يكرم الزائر".
(( وَجَبَتْ محبَّتي للمُتَحَابِّينَ فيَّ، والمُتجالِسينَ فيَّ، والمُتزاورينَ فيَّ، والمتباذلينَ فيَّ المتحابُّون في جلالي لهم منابرُ من نُور، يغبِطهم النبيُّون والشهداءُ ))
[أخرجه الترمذي ومالك عن معاذ بن جبل]
((...وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ ))
[ متفق عليه عن أنس بن مالك ]
في أحيان كثيرة تجد الإنسان المسلم يفضل أنْ يأكل تحت المطر، إذا كان خارج بلده و لا يدخل مطعمًا فيه معصية، يفضل أنْ يأكل شطيرة (سندويشة)، يأكل ما خَشُنَ في طاعة الله، ولا يأكل أفخر المأكولات في مكان يعصى الله فيه، فهذه علامة المؤمن.
ابتعاد المسلم عن كل ما هو غير أخلاقي :
((...وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ))
هذا مقياس لنا جميعاً، أن تنفر من كل ما هو جاهلي، ومِن كل ما هو غير أخلاقي، وأنا أشبه هؤلاء بشخصٍ سقط في كنيف ثم خرج أو أُخرِج و دخل حماماً، واغتسل ساعة ثم تعطَّر بالعطورات ذات الأرج الفوَّاح، ولبس الثياب النظيفة، وصفَّف شعره، ثمّ ما لبث أنْ رأى السياقات بمياهها السوداء، أيشتهي أنْ ينزل إلى الكنيف مرة ثانية؟ فلو حَنَّ إلى الكنيف لكان مجنونًا حقًّاً، وهكذا المؤمن بعد أنْ أنقذه اللهُ من القاذورات، والسفالات، والسخافات، ومن كل ما يشين الإنسانَ، كالمزح الفاحش، والغرور، وبذاءة اللسان، والضلالة، فإذا أنقذك الله عز وجل من القاذورات، والبذاءات، وطهَّر قلبك بالإيمان، فأنت ذو حظٍّ عظيم:
((... وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ ))
[ متفق عليه عن أنس بن مالك ]
وإذا تحقَّق للمرء هذه الهداية فإنّه يقول: واللهِ لو قطعت إرباً إرباً فلن أعود إلى ما كنت عليه، هذا شيء يعلمه كل منكم، تكره أن تعود إلى ما كنت عليه، هذا الحديث أُحبُّ أن تحفظوه، وتتمثلوه دائماً.
صفات المؤمن الحق :
إذًا ألخِّص وأكرِّر: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، فإنْ كنتَ في زيارة لبعض أرحامك ووجدتَ ما لا يرضي الله عز وجل مِن منكر، إذًا تودِّع، والسلام عليكم، وهذا تعليم و تنبيهٌ بمَن كنتَ في زيارتهم.
ثانياً:

((...وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ..))
[ متفق عليه عن أنس بن مالك ]
فلا تقيم مودة و صداقة خالصةً إلاّ إذا كانت قائمةً على رضا الله تعالى، فهذا الذي ينمو بذرُه، ثم يكون منها شجرة، ثم تكون هذه الشجرة، شجرة المحبة والمودة مثمرةً ثمرًا يانعًا، فإنها تعود ثمراتها بخيرٍ على الفرد و المجتمع، و بهذا يكون ظلُّ الإسلام ظليلاً، و يتحقق لنا المعنى السامي للحديث:
((...وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ ))
[ متفق عليه عن أنس بن مالك ]
هذه صفات المؤمن الحق:
(( ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ...))
[ متفق عليه عن أنس بن مالك ]
حاسبه الله تعالى حساباً يسيراً يوم القيامة، وأدخله الجنة برحمته، فأعطى المال و عفا عن أهل الإساءة، ووصل رحمه، و ردَّ على الإساءة بإحسان، فسيدنا ابن مسعود رَضِي اللَّه عَنْه فَقَدَ مالاً، فتوجه إلى الله عز وجل وقال: "اللهم إن كان الذي أخذ هذا المال عن حاجة فبارك له فيه، وإن كان قد أخذه بطراً فاجعله آخر ذنوبه يا رب"، وآخر بالغ في الإساءة لصحابي فقال له: "إن كنتَ صادقًا فيما تقول فغفر الله لي، وإن كنتَ غير صادق فغفر الله لك"، فالمؤمن يترفَّع عن مستوى المشاحنة، والخصومات، ويعلو عن كلِّ ما فيه عيبٌ وشين، ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ، فقد سما في معارج القبول، فأنت رجلٌ منَّ الله عليك بنعمةٍ كبرى هي نعمة الهداية، والسلوك الأخلاقي الإيجابي، وكذلك من أدَّى، وأقرى الضيف، وأعطى على النائبة، فهذا برئ من الشح، فلا يسمى شحيحاً، وبرئ من الكبر من حمل حاجته بيده، ودخل بها على أولاده، فقد يذهب الإنسان إلى السوق يشتري خضارًا ويحمل حملاً ثقيلاً، فهذا فخر، أنت عندئذٍ بريء من الكبر، فاحملْ حاجتك بيدك، لقد برئ من الكبر من حمل حاجته بيده، الثالثة: برئ من النفاق من أكثر من ذكر الله ، فإذا أكثرت من ذكر الله، فأنت بريء من النفاق، وبريء من الشح من أدى زكاة ماله، وأقرى الضيف، وأعطى على النائبة، وبرئ من الكبر من حمل حاجته بيده، وبرئ من النفاق من أكثر ذكر الله.








آفراح 09-09-2018 10:25 AM

رد: الفقة الاسلامى 2
 
بورك فيك وجوزيت كل خير
تحية

السعيد 09-09-2018 01:27 PM

رد: الفقة الاسلامى 2
 
تسلمين اختى افراح

السعيد 09-09-2018 01:32 PM

رد: الفقة الاسلامى 2
 
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( العشرون )

الموضوع : الوضوء -فرضيتة - وجوبة - ندبة




الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أقسام الوضوء :
أيها الأخوة المؤمنون، وصلنا في الدرس الماضي إلى أوصاف الوضوء، والوضوء على ثلاثة أقسام:
الأول: فرض، أي من أراد أن يصلي وهو محدث فالوضوء فرض، فعلى المحدث للصلاة، ولو كانت نفلاً، أو فرضًا، أو سنةً، أو تطوعًا، فإن كان المصلي محدثاً، فالوضوء لها ولصلاة الجنازة ولسجدة التلاوة فرضٌ، والوضوءُ فرض لِمَسِّ القرآن، ولو لمراجعة آية.
والثاني واجب: وأما الوضوء الواجب فللطواف بالكعبة، وكما يتضح لكم أن الفرض إذا تركه الإنسان لأيِّ سببٍ يأثم، وإن تركه تهاوناً أَثِم، وإن تركه إنكاراً كَفَر، ومن ترك الصلاة استخفافاً بحقها كفر، أمّا من ترك الصلاة تهاوناً فقد فَسَقَ.
والثالث: مندوب - دققوا أيها الأخوة كيف كان السلف الصالح يتخذون من الوضوء أدباً، حتى يرفع من طاهرة نفوسهم - فيُندَب للنوم على طهارة، فإذا أردت أن تذهب إلى النوم فالوضوء مندوب لك، لأنّ النوم على طهارة يجعل النائم يغيب في منامات سعيدة، فيرى نفسه يقرأ القرآن، أو في مجلس علم، وقد يرى نفسه في زيارة الحبيب المصطفى، وما دام قد نام على طهارة فلنْ يأتيه كابوس في النوم، عند الكوابيس يستيقظ، وكأن الشيطان قد مسّه، هذه المنامات الموحشة، التي تفزع منها النفس، فالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يتوضأ إذا ذهب إلى النوم، ويتوضأ إذا استيقظ منه،، فمثلاً أنْ يستيقظ من النوم مباشرةً إلى الأكل صباحاً، فهذا تأباه النفوسُ الطيِّبة، ولا يجوز له، فالوضوء بعد النوم، أي أنْ يغسل يديه، وكذلك إزالة بعض المفرزات من عينيه، وإزالة بعض الزبد على فمه، وغسل أنفه، وتنظيف ما تراكم فيه، فإذا استيقظ الإنسان من النوم وتوضأ فهذا من السنة بعدَ الاستيقاظ من النوم، كما يُسنُّ المداومة عليه، والمسلم إذا توضّأ وصلى الضحى وخرج من بيته، ثم انتقض وضوءه في أثناء الطريق، ووصل إلى مكتبه، أو وصل إلى مكان عمله فليتوضأ، وهذا الوضوء مندوب للمداومة عليه وعلى استمراريته، وكذلك في الصيف مثلاً رجلٌ متوضئ دخل المسجد، والبحرة فيها ماء زلال، واشتهى أنْ يتوضأ، مع أنّه متوضئ، فهذا مندوب، الوضوء على الوضوء، دخل إلى المسجد الحرام وهو متوضئ وتوضأ فهذا مندوب.
مندوبات الوضوء :
وبعد غيبة، فإذا كان الإنسان في غيبة ندب له الوضوء، وبعد كذب، فإذا وقع الإنسان في كذب فعليه أن يتوضأ، لأن نفسه تنجست:
(( يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى الْخِلالِ كُلِّهَا إِلا الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ ))
[أحمد عَنْ أَبِي أُمَامَةَ]
فلا يخون المؤمن ولا يكذب، وكذلك بعد كذب وغيبة ونميمة، تكلَّم عن شخص، وشعر بوحشة وبحجاب، وانقطعت الصلة مع الله عز وجل، أول عمل أنْ يتوضأ، وبعد كل خطيئة أيضًا، والوضوء يلازم التوبة، والتوبة طهارة الباطن، والوضوء طهارة الظاهر، وبعد إنشاد شعرٍ، وكما قال بعض الشعراء: أعذب الشعر أكذبه، قال تعالى:
﴿ وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ ﴾
[ سورة الشعراء: 224 ـ 226]
إذاً إنشاد الشعر يندَب له الوضوء، فهناك شعر فيه غزل، فيه هجاء، فيه وصف لمحاسن امرأة، شعر من هذا القبيل، عليك أن تتوضأ منه، وكذلك قهقهة خارج الصلاة، اللهم صلِّ عليه كان جلُّ ضحكه تبسمًا، وهناك ضحكة يكاد الشخصُ ينقسم نصفين من فَرط ارتفاع صوته، فهذا الضحك يُندَب أن تتوضأ منه، وغسل ميت، فكل من ساهم في غسل ميت، أو حمله، عليه أن يتوضأ، مع أن الميت طاهر، والمؤمن لا ينجس، ولكن هذا توجيه صحي، أي قد تكون الوفاة بسبب مرض سارٍ، وقد تكون الوفاة قد نتج عنها بعض المفرزات التي فيها بعض الجراثيم، فمن ساهم في غسل ميت، أو حمله فعليه أن يتوضأ، وهذا توجيه صحي كما نوَّهت، ولوقت كل صلاة، أذن العصر وأنت متوضئ فمندوب أن تتوضأ لكل صلاة، وقبل غسل الجنابة، مندوب أن تتوضأ قبل غسل الجنابة، وللجنب عند أكل، وشرب، ونوم، جنب لم يغتسل، وقام ليشرب أو ليأكل فعليه أن يتوضأ، إذًا أكلٌ وشربٌ ونوم ووطء، ولغضب كذلك، فإذا غضب الإنسان وتوضأ فقد يذهب عنه الغضب، وهذا مفهوم ومجرَّب، أو يسكت عنه الغضب، كما قال الله عز وجل:
﴿ وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ﴾
[ سورة الأعراف: 154]
وهذا من أروع تشبيهات القرآن الكريم، وكذلك يتوضَّأ لقراءة قرآن، أو حديث شريف، أو قراءة، فهذا مندوب، أمَّا المسُّ ففرض، فشخص حافظ القرآن أحبَّ أنْ يقرأ القرآن، أو أنَّ المصحف مفتوح، فله أنْ يقرأ دون أن يمسَّ المصحف، ومن دون أن يتوضَّأ، لكن المندوب أن يتوضأ إذا قرأ القرآن، ولقراءة الحديث الشريف كذلك، تعظيماً لهذا العلم الشريف، وروايته، ودراسة العلم الشرعي، كأن يحضر مجلس علم، أو أحبّ أنْ يتدارس مع غيره موضوعًا شرعيًّاً فليتوضأ تعظيماً لهذا العلم، والوضوء مندوب للأذان، وللإقامة، وللخطبة، ولزيارة النبي عليه الصلاة والسلام، وللوقوف بعرفة، وللسعي بين الصفا والمروة، وكذلك أكل لحم جزور، فالفقهاء في هذه المسألة وقفوا عند النص، وإذا مس امرأة، والإمام الحنفي قال: لا مانع، ويقصد زوجته، أما المرأة الأجنبية فتحرم مصافحتها، وليس وضوءه، ولكن إذا مس امرأته فعلى المذهب الحنفي لا يتوضأ، وعلى المذهب الشافعي يتوضأ، فأيهما أكثر حيطة؟ المذهب الشافعي، وإذا أردتَ أن تخرج من خلاف العلماء وأنت حنفي المذهب، وأردت أن تصلي بالناس، وبينهم من هو شافعي المذهب، فإذا أردت أن يطمئن الناس لك، فلتتوضَّأ لتخرج من خلاف العلماء، والوضوء يسع كل المصلين، أما عدم الوضوء فيسع الأحناف فقط، فمن أجل أن تسع كل الناس توضأْ واخرج من خلاف العلماء، هذه مندوبات الوضوء، ولا بأس بعد هذا الشرح المسهب من إعادة موجزة.
إعادة موجزة لما سبق :
أوصاف الوضوء: الفرض والواجب والمندوب.
الوضوء على ثلاثة أقسام:
الأول: فرض على المحدث للصلاة ولو كانت نفلاً، ولصلاة الجنازة، وسجدة التلاوة، ولمس القرآن ولو لمراجعة آية.
والثاني: واجب للطواف بالكعبة.
والثالث: مندوب، للنوم على طهارة، وإذا استيقظ منه، وللمداومة عليه، وللوضوء على الوضوء، وبعد كذب وغيبة ونميمة، وكل خطيئة، وإنشاد شعر، وقهقهة خارج الصلاة، وغسل ميت وحمله، ولوقت كل صلاة، وقبل غسل الجنابة، وللجنب عند أكل، وشرب، ونوم، ووطء، ولغضب، وقرآن، وحديث، وروايته، ودراسة علم، وأذان، وإقامة، وخطبة، وزيارة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ووقوف بعرفة، وللسعي بين الصفا والمروة، وأكل لحم جزور، وللخروج من خلاف العلماء إذا مس امرأة.
* * *
صفات العلماء الذين يعلِّمون الناس العلم الشريف :
وبعد هذه العجالة إلى بعض ما جاء في إحياء علوم الدين من صفات العلماء الذين يعلِّمون الناس العلم الشريف.
1 ـ أن يقتصر المعلم مع المتعلم على قدر فهمه :
الوظيفة السادسة: أن يقتصر المعلم مع المتعلم على قدر فهمه، فلا يلقي إليه ما لا يبلغه عقله فينفر، أو يخلِّط عليه عقله، أو يشوشه، اقتداءً في ذلك بسيد البشر عليه أتم الصلاة والسلام، ماذا قال؟
(( نَحْنُ مَعَاشِرَ الأَنْبِيَاءِ أُمِرْنَا أَنِ نُنَزِّلَ النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ، وَنُكَلِّمَهُمْ عَلَى قَدْرِ عُقُولِهِمْ"، والله هذا الحديث جميل، فليبث إليه الحقيقة إذا علم أنه يستقل بفهمها، وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا أَنْتَ مُحَدِّثٌ قَوْمًا حَدِيثًا لاَ تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ إِلاَّ كَانَ عَلَى بَعْضِهِمْ فِتْنَةً ))
[الجامع الصغير عن ابن عباس]
عليك أنْ تنتقي من الأحاديث ما هو واضح، وأنا أنصح أن الخلافيات يجب ألا نبحث فيها، لماذا؟ هناك أشياء متفق عليها في الإسلام، لا يختلف عليها اثنان على وجه الأرض، وهذه ما أكثرها في كتاب الله، والقرآن كله متفق عليه، التفكر في الكون، وعظمة الله عز وجل، من خلال خلقه، الاستقامة على أمر الله، وتطبيق آيات القرآن، فهناك آلاف الموضوعات التي إذا حدثت الناس بها اجتمعت قلوبهم، وتوحدت كلمتهم، والتفُّوا حولك، من دون أن تبحث في خلافيات لا تقدم ولا تؤخر، لذلك النبي الكريم قال:
(( مَا أَنْتَ مُحَدِّثٌ قَوْمًا حَدِيثًا لاَ تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ إِلاَّ كَانَ عَلَى بَعْضِهِمْ فِتْنَةً ))
[الجامع الصغير عن ابن عباس]
وهذا حديث آخر لم يذكره الإمام الغزالي، قَالَ عَلِيٌّ:
((حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ))
[البخاري عن علي ]
وقال علي رَضِي اللَّه عَنْه وأشار إلى صدره: "إن هاهنا لعلوماً جمَّة، لو وجدت لها حَمَلَةً"، مثلاً كأنْ تقول لفاسق: إنّ هذه المصيبة لرقي الإنسان، فأعظم الناس بلاء الأنبياء، هذا الكلام ليس صحيحًا لإنسان فاسق، يقول لنفسه: فأنا مبتلى، وأنا مثل الأنبياء إذًا، هذا الفاسق لا تقل له هذا الكلام، قل له: المصيبة عقاب من الله عز وجل، ما من عثرة، ولا اختلاج عرق، ولا خدش عود إلا بما قدمت أيديكم، ويعفو الله عن كثير، فإذا خاطبت فاسقًا فبادِره بهذا التوجيه، وإن دخلت على أخ مؤمن راقٍ تائب منيب تقي نقي، مريض فلا تقل له: ربما فعلت ما فعلت، وهذه عقوبة، بل قل لهذا الأخ المؤمن: هذا ابتلاء لرقي المؤمن.
((عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ حُذَيْفَةَ،عَنْ عَمَّتِهِ فَاطِمَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَعُودُهُ فِي نِسَاءٍ فَإِذَا سِقَاءٌ مُعَلَّقٌ نَحْوَهُ يَقْطُرُ مَاؤُهُ عَلَيْهِ مِنْ شِدَّةِ مَا يَجِدُ مِنْ حَرِّ الْحُمَّى، قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ: لَوْ دَعَوْتَ اللَّهَ فَشَفَاكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ بَلاءً الأَنْبِيَاءَ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ))
[أحمد عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ حُذَيْفَةَ عَنْ عَمَّتِهِ فَاطِمَةَ ]
ما أصاب عبد مصيبة إلا بإحدى خلتين، بذنب لم يكن الله ليغفر له إلا بتلك المصيبة، أو بدرجة لم يكن الله ليبلِغه إياها إلا بتلك المصيبة.
فمثلاً إذا قام شخصٌ يدعو عند عقد قران، فليدعُ بما يناسب عقد القران، وهناك أدعية تناسب عقد القران، كما أن هناك أدعية تناسب الزفاف، وللمناسبات الحزينة أدعية، والإنسان ينتقي الدعاء المناسب، والوقت المناسب، والرجل المناسب، كما قال سيدنا علي: "ما كل ما يعلم يقال، وما كل ما يقال له رجال، ولكنْ إذا وجد الرجال فقدْ آن الأوان"، ويجب أن تقول ما يمكن أن يقال، وفي الوقت الذي يقال فيه، وللرجل الذي يستوعب هذا القول، وهذه هي الحكمة، ومن يؤتَ الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً.
وعن سيدنا عيسى أنه قال: "لا تعلق الجواهر في أعناق الخنازير"، والجواهر هنا تعني الحكمة، فإذا حدثت بها مَنْ ليس أهلاً لها فكأنك علَّقتَ الجواهر في أعناق الخنازير، قيل: كِلْ لكل عبد بمعيار عقله، وزِنْ له بميزان فهمه حتى تسلم منه وينتفع بك، وإلا وقع الإنكار لتفاوت المعيار، وسئل بعض العلماء عن شيءٍ فلم يجب، فقال السائل: أما سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول:
((مَنْ كَتَمَ عِلْمًا مِمَّا يَنْفَعُ اللَّهُ بِهِ فِي أَمْرِ النَّاسِ أَمْرِ الدِّينِ أَلْجَمَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنَ النَّارِ))
[ابن ماجة عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ]
فقال له العالم: اترك اللجام واذهب، يبدو أنه رآه ليس في مستوى هذا السؤال، فقد يفتنه إنْ أجابه، وقال تعالى:
﴿ وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا ﴾
[ سورة النساء: 5]
استنبط بعضهم من هذه الآية أن العلم أثمن من المال، فإذا كان المال لا ينبغي أن نؤتيه السفهاء، فالعلم أثمن منه، فلا ينبغي أن تعلِّم السفهاء كلاماً ليس في مستواهم، يتخذونه حجة للحذلقة والاستعلاء على الناس وتغرير الناس وإيهامهم أنهم علماء وهم ليسوا كذلك.
2 ـ المتعلم القاصر ينبغي أن يلقى إليه الجَلِيَّ اللائقَ به :
الوظيفة السابعة للمعلم النصوح: أن المتعلم القاصر ينبغي أن يلقى إليه الجَلِيَّ اللائقَ به، والأمور الواضحة، أما أنْ تعمد إلى كتاب الفتوحات مثلاً لعوام الناس، واللهِ يكفرون لأن به أشياء دقيقة، وبعيدة عن أفهام العامة، وقد لا تقبل لمخالفتها للكتاب، وقد تكون منسوبة إلى الشيخ محي الدين، فقبل أن تقرأ، وقبل أن تدرس محِّصْ، أما أن تقرأ ما في الكتب من دون تمحيص، من دون تقييم، ومن دون تقيد بكتاب الله، فهذا ليس من صفات العلماء في شيء، ليس كل شيء قرأناه ننقله للناس، فهناك أقوال وقصص تقلب الموازين كلها رأسا على عقب، قال العلماء: ولا تذكر لهذا المتعلم القاصر أن وراء هذا العلم الجليِّ اللائق علماً دقيقاً لا أعلمك إياه، لأنك لست في مستواه، قال: عندئذ تفتر همة هذا المتعلم عن الجليِّ، ويشوش عليه قلبه، ويوهم إليه البخل به عنه، إذ يظن كل أحد أنه أهل لكل علم دقيق، فهذه المصيبة أن كل إنسان يعتقد أو يتوهم أنه أهل لكل علم دقيق، فإذا قلت للمبتدئ إن هذه معلومات ساذجة بسيطة، وعندي معلومات دقيقة لا أحدِّثك بها، إذا قلت له هذا زهد فيما تعلمه، وظن نفسه أهلاً لهذا الذي ضننت به عليه، فشوشت قلبه، وحيرت فؤاده، وأوقعته في الفتنة، وأنت لا تدري.
إنّ التجار يعرفون هذه الحقيقة، إذ عند أحدهم مساطر متنوعة بالأسعار، فإذا ذهب إلى منطقة فقيرة مثلاً، لا تنفق فيها البضاعة الثمينة، وعرض ما هو ثمين، ثم عرض الوسط، ثم الأدنى، يتعلق أحدهم بالثمينة ولا يملك ثمنها، فلن يشتري إطلاقاً، تلك غالية ولا تباع في المنطقة الفقيرة، وهذه حينما عرضها مع هذه فقدت رونقها، فزهد بها، هذا شيء متبع، والتجار أذكياء، فلما يعرض التاجر الجيد والغالي لإنسان لا يستطيع أن يدفع ثمنه، ولا أن يتذوقه تعلق به، وزهد في الذي دونه ولم يشتر شيئاً، وهذه الظاهرة في التجارة تنطبق تماما على العلم.
فإذا قلت للمتعلم: عندي علم أعمق و أشمل، وأنت لستَ في مستواه الآن، زهد في الذي تعلِّمه إيّاه ممَّا هو مستواه، قال الغزالي: هذه ليست من صفات العلماء الحكماء، فما من أحد سبحان الله إلا وهو راض عن الله سبحانه وتعالى في كمال عقله، فلا أحدَ من بني البشر إلاّ ويظن أن عقله كامل، كل واحد يرى كمال عقله مئة بالمئة، و الناس كلهم راضون عن عقولهم، وساخطون على أرزاقهم، مع أن تفاوت العقول تفاوت كبير، كالذرة جنب أُحُد، ولكن الناس راضون عن عقولهم، فإذا قلت لهم: أنتم لستم في مستوى هذا الكلام، قالوا: بل أنت وعليك ذلك، قال: وأشد الناس حماقة وأضعفهم عقلاً هو أفرحهم بكمال عقله، قال: وبهذا يعلم أن من تقيد من العوام بقيد الشرع، ورسخ في نفسه العقائد المأثورة عن السلف من غير تشبيه، ومن غير تأويل، وحسن مع ذلك إسلامه، ولم يحتمل عقله أكثر من ذلك، فلا ينبغي أن يشوش عليه اعتقاده، شخص له مصلحة، تفكيره محدود، مستقيم، يصلي، يغض بصره، ماله حلال، فعليك أنْ تقبل منه هذا الوضع، وإن أردتَ أكثر فَتَنْتَه، ليس لديه إمكانية في أنْ يفهم أدق من ذلك، الصلاة فرض فهو يصلي، أما الصلاة فدرجات، والصلاة الوسطى، التفات إلى الله بين الصلاتين، والصلاة لها معوقات، ولها مثبطات، ولها هذه التعقيدات، فلا يفهم عليك، وعليك أنْ تخاطب كل إنسان على قدر عقله.
3 ـ أن يكون المعلم عاملاً بعلمه فلا يكذّب قولَهُ فعلُهُ :
آخر صفة من صفات العلماء العاملين، أن يكون المعلم عاملاً بعلمه، فلا يكذّب قولَهُ فعلُهُ - مفعول به مقدم - فلا يكذب قولَهُ فعلُهُ، لأنّ العلم يدرك بالبصائر، والعمل يدرك بالأبصار، وأرباب الأبصار أكثر من ستة آلاف مليون إنسان، ولكل إنسان عينان، ولا تجد بالمئة ألفٍ واحدًا عنده بصيرة، فأصحاب الأبصار أكثر من أصحاب البصائر، والناس يرون الظاهر، وأرباب الأبصار أكثر، فإذا خالف العملُ العلمَ مُنِع الرشاد، وكل من تناول شيئاً ما، مثلاً لو أنّ شخصًا أمسك الكأس وشرب منها، وقال للناس: لا تشربوا من هذا الماء فإنه سم مهلك، سخر الناس منه واتهموه، وزاد حرصهم على ما نهوا عنه، فيقولون: لولا أنه أطيب الأشياء وألذها لما شرب منه، فإذا ارتكبتَ مخالفة، وحاولتَ أنْ تقنع الناس أنّ هذه مخالفة فلن يسمعوا إليك، ولو أنّ أحدًا منع الناس عن فتِّ البعر لفتوه، وقالوا: ما نهينا عنه إلا لشيء، فإذا فتَّه هو ظنَّ الناسُ أنّ هذا شيء ثمين، إذاً كل إنسان يخالف قولُه فعلَه يغري الناس بالمعصية، هم لا يزهدون به، بل إنه يغريهم بالمعصية، ومثل المعلم المرشد مع المسترشدين مثل النقش من الطين والظل من العود، فكيف يتنقش الطين بما لا نقش فيه؟ ومتى استوى الظل والعود أعوج؟ خُذْ الآن قضيبًا أعوج، واغرزه في الأرض، فهل ترى ظلَّه مستقيمًا؟ مستحيل، لا بد أن يكون ظله أعوج مثله، ومتى استوى الظل والعودُ أعوجُ؟ متى رأيت هذا؟ ولذلك قيل في هذا المعنى:
يا أيها الرجل المـعلم غيره هـلاّ لنفسك كان ذا التعليم
ابدأ بنفسك فانهَهَا عن غيِّها فإذا انتهت عنه فأنت حكيم
لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم
***
وقال تعالى:
﴿ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾
[ سورة البقرة: 44]
ولذلك كان وزر العالم في معاصيه أكبر من وزر الجاهل، إذْ يزل بزلته خلقٌ كثير، ويقتدون به، فإذا كان للعالم غلطة، أو له معصية، أو مخالفة، أو انحراف طفيف، صار هذا الانحراف سُنَّة ودينًا، وفلان لا يُناقش، هذه لا تجوز، إنّ أكثرَ مِن خمسين شيخًا أفتوا فتاوى خاطئة، هذا الجهاز كيف تحويه، أناس كثيرون عندهم مثله عمائم ولِحًى، فعندما يكون الإنسان ذا مظهر ديني، ويخالف الشرع، صارت مخالفته سنة، قدوة، ودينًا، فهذا الذي يخالف الشرع يغري الناس بالمعصية، فلو أنّ واحدًا عصى الله عز وجل ومظهره عادي فالخطرُ محدود، لأنه لا يُتَّخَذ قدوة، بل يسمَّى عاصيًا، أما أنْ يكون للشخصِ مظهر ديني، وله مخالفة والعياذ بالله فهذا قدوة للناس إلى النار، لذلك ورد عن النبي الكريم في صحيح البخاري حديثٌ مخيفٌ، أنّ النبي الكريم وصف شخصًا من وجهاء الدنيا في العلم، رآه أهل النار بينهم فقالوا له:
((عَنْ أَبِي وَائِلٍ، قَالَ: قِيلَ لأُسَامَةَ لَوْ أَتَيْتَ فُلانًا فَكَلَّمْتَهُ قَالَ: إِنَّكُمْ لَتُرَوْنَ أَنِّي لا أُكَلِّمُهُ إِلا أُسْمِعُكُمْ إِنِّي أُكَلِّمُهُ فِي السِّرِّ دُونَ أَنْ أَفْتَحَ بَابًا لا أَكُونُ أَوَّلَ مَنْ فَتَحَهُ، وَلا أَقُولُ لِرَجُلٍ أَنْ كَانَ عَلَيَّ أَمِيرًا إِنَّهُ خَيْرُ النَّاسِ بَعْدَ شَيْءٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالُوا: وَمَا سَمِعْتَهُ يَقُولُ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ يُجَاءُ بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُهُ فِي النَّارِ فَيَدُورُ كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ بِرَحَاهُ فَيَجْتَمِعُ أَهْلُ النَّارِ عَلَيْهِ فَيَقُولُونَ أَيْ فُلانُ مَا شَأْنُكَ أَلَيْسَ كُنْتَ تَأْمُرُنَا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَانَا عَنِ الْمُنْكَرِ؟ قَالَ كُنْتُ آمُرُكُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَلا آتِيهِ وَأَنْهَاكُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَآتِيهِ ))
[البخاري عَنْ أَبِي وَائِلٍ ]
لذلك قال بعض الشعراء:
عالم بعــلمه لم يعمــلَنْ معذبٌ من قبل عُبَّاد الوثن
***
على الإنسان أن يكون عالماً عاملاً مخلصاً يقظاً :
النبي الكريم يقول: " تعلموا ما شئتم، فوالله لن تؤجروا حتى تعملوا بما علمتم"، وقال:
((كل علم وبال على صاحبه إلا من عمل به))
[ رواه الديلمي عن ابن عباس]
وقال: "كل الناس هلكى إلا العالمون، والعالمون هلكى إلا العاملون، والعاملون هلكى إلا المخلصون، والمخلصون على خطر عظيم"، فيجب أن تكون عالماً، عاملاً، مخلصاً، يقظاً، فلو كنتَ تقود سيارة منذ خمسين سنة، فكل هذه السنوات وكل الخبرات لا تسمح لك أن تغمض عينيك وأنت تقودها لأنّك ستصاب بحادث، يجب أن تكون عالماً، عاملاً، مخلصاً، يقظاً، هذا كلام لبيب ناصح، فمن أجل ألاّ يضيع أحدٌ وقته سدى، ويبذل جهدًا بلا طائل، ويكون ممن حصّل العلم ولم ينتفع به، فيجب أنْ يكون جامعًا لكل تلك الأوصاف التي سبقت للعلماء، واللهِ لقد مرَّ معي حديث لا أزال أذكره: " أندم الناس يوم القيامة عالم دخل الناس بعلمه الجنة ودخل هو بعلمه النار"
أربعة أدعية أدعو بها، وكلما دعوتُ بها شعرتُ أنه على كل مسلم أنْ يدعو بها:
"اللهم إني أعوذ بك أن أتزين للناس بشيء يشينني عندك"، "اللهم إني أعوذ بك أن أقول قولاً فيه رضاك ألتمس به أحدًا سواك"، "اللهم إني أعوذ بك أن يكون أحد أسعد بما علمتني مني"، "اللهم إني أعوذ بك أن أكون عبرة لأحد من خلقك".
لا يتجنَّب الناس السوءَ فأعمل معصية، فيأخذوا منها عبرةً، ويعاقبني الله عليها، وأصير حديث سوء للناس، فيقال: فلان هكذا عمل، وجرى معه هذا، قال تعالى:
﴿ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ ﴾
[ سورة سبأ: 19]
هؤلاء القوم الذين كفروا بالله، ودمرهم الله عز وجل فجعلهم أحاديث تتلى.

* * *
أحاديث شريفة :
إليكم بعض الأحاديث الشريفة:
1 ـ ثلاث من نعيم الدنيا وإن كان لا نعيم لها :
((ثَلاَثٌ مِنْ نَعِيمِ الدُّنْيَا وَإِنْ كَانَ لاَ نَعِيمَ لَهَا....))
[كنز العمال عن أبي قرة]
وكل إنسان يوطِّن نفسه أنّه سيُسَرُّ بالدنيا يكون مخطِئًا، وطِّن نفسك على ألاّ تُسرّ فعندها ستجد السرور، هذا من الأقوال المتناقضة فيما يبدو، إن أسعد الناس بها أرغبهم عنها، وأشقاهم فيها أرغبهم فيها، إنّ الذين وصلوا بدنياهم إلى قممها، في المال والعز والجاه والقوة هم أشقى من فيها، وأولئك الذين أخذوا منها اليسير، وعرفوا الله عز وجل، وقنعوا بما آتاهم، هؤلاء أسعد الناس فيها، لِتَكُنْ هذه الكلمة دائمًا في قلبك، إن أسعد الناس في الدنيا أرغبهم عنها، وأشقاهم فيها أرغبهم فيها:
((ثَلاَثٌ مِنْ نَعِيمِ الدُّنْيَا وَإِنْ كَانَ لاَ نَعِيمَ لَهَا : مَرْكَبٌ وَطِيءٌ ، وَالْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ ، وَالْمَنْزِلُ الْوَاسِعُ))
[كنز العمال عن أبي قرة]
2 ـ ثلاث من كنوز البر :
((ثلاث من كنوز البر إخفاء الصدقة .....))
[ ابن عساكر عن أنس]
إنْ فعلتَ خيرًا فلا تذكره لأحد إطلاقاً، هل يقول لك الشيطان: أنت منافق؟ لا يمكن، إذا قمت بالليل وصليت ركعتين، وأهلك لم يعلموا، وزوجتك ما دَرَتْ، والأولاد ما دروا، ونِمتَ وما ذكرتَ شيئًا مِن هذا، هل يقول الشيطان: لستَ مخلصًا؟ فكتمان الصلاة في الليل، وكتمان الصدقة، يثبت للإنسان أنه مخلص، ثلاث من كنوز البر إخفاء الصدقة، وكتمان المصيبة، وكتمان الشكوى، فإذا كان يقينُ الإنسان على مستوى رفيع، يعرف أنّ كل الأمور بيد الله عز وجل، والله يعلم، والشكوى للناس ما فائدتها؟ فالذي يشكو للناس تذهب هيبته، الناس لا يزيدون عن أحد رجلين، إما محب فيتألم وإما عدو فيشمت.
ويعاب من يشكو الرحيم إلى الذي لا يـــرحم
***
الآن إذا أصيب أحدٌ بمصيبة وأخفاها، فقد جعل سيدنا يعقوب قدوة له، قال تعالى:
﴿ قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة يوسف: 86 ]
تجد شخصًا يثور بسرعة ويضجر، فيأتي بعض الناس ليزوروه، فيعيد القصة إعادة مسهبة، وكل مرة يحسِّنها، حتى تصير قصة تروى، أنا أقول لمثل هؤلاء: اكتُبها على شكل نشرة، ثم اطبعها ووزِّعها على الناس، لكنّك تجد آخر مستسلمًا ساكتًا، يعلم أنَّ العباد كلهم لا شيء بيدهم، وأنَّ الأمر كله لله، لذلك لا يشكو إلا لله، وبعضهم قال: من اشتكى إلى مؤمن فكأنما اشتكى إلى الله، ومن اشتكى إلى كافر فكأنما اشتكى على الله، فإذا شكوتَ إلى كافر همَّك أصابك منه الهمُّ، فيقول: أنا قلت لك منذ زمن أنّ هذا الطريق يعود عليك بالشرِّ، فهل نفعك الدينُ؟ لقد كان ينتظر أنْ تصاب فيقول هذه الكلمات، ولعله يدفع عليها مئات الألوف، ويقول: ماذا نفعتك الاستقامة؟ أمَا قلت: إنّ المستقيم ينجيه الله؟ قلت لك: هذا كله خلط، فما صدقتني، فإذا بُحْتَ بشكواك لمؤمن فلا مانع، فإنّه يصبِّرك، ويخفف عنك، ويذكرك بآيات القرآن الكريم، وبرحمة الله، وحكمته، وحلمه، والمؤمن الحقُّ لا يقصُّ لأحد إطلاقاً، مثل سيدنا يعقوب " إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون "، أما إذا قام أحدٌ بالليل وصلى قيام الليل، ثم دعا: يا رب ألَّمت بي هذه المصيبة فارفعها عني، فهَذِهِ أرقى أنواع الشكوى إلى الله وحده، والعوام يقولون: الشكوى إلى الله عزٌّ، والشكوى لغير الله مذلة.
إذاً:
((ثلاث من كنوز البر؛ إخفاء الصدقة، وكتمان المصيبة، وكتمان الشكوى))
[ ابن عساكر عن أنس]
يقول الله تعالى:
((إذا ابتليت عبدي ببلاء فصبر لم يشكني إلى عواده ثم أبرأته أبدلته لحمًا خيرًا من لحمه ودمًا خيرًا من دمه وإن أرسلته أرسلته ولا ذنب له وإن توفيته توفيته إلى رحمتي))
[ ابن عساكر عن أنس]
فَعَوِّد نفسك، قال: هذه حالها كحال السفن بالبحر، فإذا هاج البحر قليلاً تجد أنّ السفن الكبيرة مثل الجبل، والقوارب الصغيرة متأرجحة، هناك شخص يشبه السفينة الكبيرة، فالموج متلاطم، وهي شامخة كالجبل، وأمّا القوارب فأضعف الموج يكاد يقلبها، فلا تكن قاربًا خفيفاً، بل كن سفينة شامخة، ولا تشكُ مصيبتك لأحد، فإنَّ الله يعلم ويرى، والله عز وجل يقدر الليل والنهار، ويعلم إيمانك، ويرى ثقتك به سبحانه، فإذا أصابتك مصيبة، ولم تشكُها لأحد فهذا يؤكد علمك بالله، علمك برحمته، وبحكمته، وبقدرته، وبرأفته، وَاللَّهُ سبحانه وتعالى لا يخيِّب ظنَّك.
3 ـ ثَلَاثٌ مَنْ جَمَعَهُنَّ فَقَدْ جَمَعَ الْإِيمَانَ :
(( ثَلَاثٌ مَنْ جَمَعَهُنَّ فَقَدْ جَمَعَ الْإِيمَانَ الْإِنْصَافُ مِنْ نَفْسِكَ وَبَذْلُ السَّلَامِ لِلْعَالَمِ وَالْإِنْفَاقُ مِنْ الْإِقْتَارِ ))
[البخاري عن عمَّار موقوفًا]
طبعاً إذا كان الشخص ميسور الحال وأنفق، فالإنفاقُ كلُّه مقبول، وهو واللهِ مشكور، لكن إذا كان دخلُ الإنسان محدودًا، وجاءه ضيف من بلد آخر، واعتنى به، وأكرمه، فهذا الإنفاق بالإقتار، وكذلك أنْ يكون له قريب محتاج للمساعدة من أجل عملية جراحية، وراتبُه محدود، فأعان قريبَه، وضغط المصروف، هذا الذي ينفق بالإقتار، لا يعلم كم له من الأجر إلا الله، فالإنفاق من الإقتار، وكذلك بذل السلام للعالم، فأنت مصدر طمأنينة للبشر، لا تُخِفْ أحدًا، بعض الأشخاص مخيفون، المرعبون في النار: "شر الناس من اتّقاه الناس مخافة شره".
هذا شخص يخيفك، إذا قصصتَ عليه حادثةً وأخطأتَ خطأً، خشيتَ أنْ يفشيَ سرَّك، فهو مصدر قلق دائمًا، والنبي الكريم:
(( لا تُصَاحِبْ إِلا مُؤْمِنا، ولا يأكُلْ طَعَامَكَ إِلا تَقِيّ ))
[أبو داود والترمذي عن أبي سعيد الخدري ]
إذا دخَل شخصٌ غير مؤمن إلى بيتك فقد يحسدك على بيتك، وقد يسمعك كلماتٍ مؤلمةً، وإذا أطعمت واحدًا فقد يحسدك أيضًا على طعامك، إذًا:
(( لا تُصَاحِبْ إِلا مُؤْمِناً، ولا يأكُلْ طَعَامَكَ إِلا تَقِيّ ))
أكرِّر:
(( ثَلَاثٌ مَنْ جَمَعَهُنَّ فَقَدْ جَمَعَ الْإِيمَانَ الْإِنْصَافُ مِنْ نَفْسِكَ وَبَذْلُ السَّلَامِ لِلْعَالَمِ وَالْإِنْفَاقُ مِنْ الْإِقْتَارِ ))
فلو فرضنا أنّ أحدًا بمحل تجاري، وأعطى أمرًا للصانع، ونفّذ الأمر، لكنه كسر شيئًا ما مثلاً، فإذا كان مؤمنًا، قال: واللهِ الحقُّ عليَّ، أنا السبب في كسره، والخطأ منِّي لا مِن الصانع، أمّا إذا كان غير مؤمن فيمطِره بوابل من السباب، فلما ينصِف الإنسانُ الناسَ من نفسه فهذا عدل و إحسان، وهذا السلوك المغلوط يقع فيه الأباء مع أبنائهم، والأزواج مع زوجاتهم، فلا يكون منصفًا، بدعوى أنه أبٌ له مكانة، وزوج يجب أنْ يُطاع ولو أخطأ، فعلامة المؤمن أنه ينصف الناس من نفسه، ما دمتَ مخطئًا فاسكت:
(( ثَلَاثٌ مَنْ جَمَعَهُنَّ فَقَدْ جَمَعَ الْإِيمَانَ الْإِنْصَافُ مِنْ نَفْسِكَ وَبَذْلُ السَّلَامِ لِلْعَالَمِ وَالْإِنْفَاقُ مِنْ الْإِقْتَارِ ))
4 ـ ثلاث من الفواقر :
آخر حديث:
(( ثلاث من الفواقر إمام إن أحسنت لم يشكر وإن أسأت لم يغفر.....))
[الطبراني وابن عساكر عن فضالة بن عبيد]
إذا غلطتَ غلطة ليس لها حل، ولا مغفرة، وإن أحسنت وأحسنت وأحسنت يتعامى عن إحسانك، وكأنك لم تحسن، فهذه قبيحة، فإذا كان لرجل صانع، أو عنده موظف، عيَّنوه مدير مدرسة، أو عيَّنوه معلمًا لصف، وجاء طالب في الوقت، وهو منظم ومجتهد، فأثنِ عليه، وأسمعه كلمة لطيفة، أو موظف ليس له أيَّة مشكلة، فابتسمْ بوجهه، وقل له: أسأل الله أن يعطيك العافية، والِله أنا مسرور منك، أنت موطنُ اعتزازٍ عندي، وأنا أثق بإخلاصك، وأضربك مثلاً للآخرين، واللهِ يبقى أسبوعًا متأثِّرًا بهذه الكلمة الطيبة، أمَّا إذا أحسن أحدُهم وتجاهلتَ إحسانَه فقد حطَّمتَه، لكنْ إذا أحسن فأثنِ على إحسانه، لكنَّ النبي الكريم يقول:
((......إمام إن أحسنت لم يشكر وإن أسأت لم يغفر، وجار إن رأى خيرًا دفنه وإن رأى شرًّا أشاعه....))
قد يمضى على جوارك له ثماني سنوات، ولم تسمع منه كلمة شرٍّ أبداً، وذات مرة أخطأت خطأً، فإذا به يفتح عليك السياقات:
((.....إن رأى خيرًا دفنه وإن رأى شرًّا أشاعه، وامرأة إن حضرت آذتك وإن غبت خانتك))
إذاً:
(( ثلاث من الفواقر إمام إن أحسنت لم يشكر وإن أسأت لم يغفر، وجار إن رأى خيرًا دفنه وإن رأى شرًّا أشاعه، وامرأة إن حضرت آذتك وإن غبت خانتك))

السعيد 09-09-2018 01:34 PM

رد: الفقة الاسلامى 2
 
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الحادى و العشرون )

الموضوع : نواقض الوضوء



الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
نواقض الوضوء :
أيها الأخوة المؤمنون، وصلنا في موضوع الفقه إلى نواقض الوضوء، ونواقض الوضوء لا نحتاج إلى أن نقف عندها كثيراً، بل نكتفي بأن نقرأها، ونشرح بعضها.
أولاً: خروج شيء من أحد السبيلين.
ثانياً: ينقض الوضوء ولادة من غير رؤية دم.
ثالثاً: نجاسة سائلة من غيرهما، أيْ من غير السبيلين، والنجاسة السائلة دم أو قيح.
رابعاً: قيء طعام ملء الفم، فالقيء إذا ملأ الفم ينقض الوضوء.
خامساً: دم غلب على الريق أو ساواه، فإذا خرج من الفم دمٌ غلبَ على الريق فهذا ينقض الوضوء.
سادساً: النوم، وليس النوم ذاته ينقض الوضوء، ولكن النوم يضعف سيطرة الإنسان على أعضائه، فالنوم ينقض الوضوء لغيره لا لذاته.
سابعاً: إغماء، وجنون، وسكر، وقهقهة بالغ يقظان في صلاة ذات ركوع وسجود، والعلماء قالوا: القهقهة وحدها لا تنقض الوضوء، ولكن الإنسان يتوضأ إذا تقهقه في الصلاة تأديباً له على استخفافه بهذه العبادة العظيمة.
عشرة أشياء لا تنقض الوضوء :
1 ـ ظهور دم لم يسل عن محله :
ظهور دم لم يسل عن محله، فلو فَرَضْنا إنسانًا ثقبت يده بدبوس صغير، فخرجت نقطة دم لم تسل من محلها فهذا الدم لا ينقض الوضوء.
2 ـ سقوط لحم من غير سيلان دم :
سقوط لحم من غير سيلان دم، فقد يكون هناك بثورٌ في الجلد، فإذا نزعت هذه البثور لم ينتقض الوضوء.
3 ـ مسُّ الرجل امرأته :
من مس امرأة، على المذهب الحنفي امرأة أي زوجته، فإذا مس امرأة أجنبية فإن وضوءه ينتقض، فمسُّ الرجل امرأته لا ينقض الوضوء في المذهب الحنفي، والإمام الشافعي يقول: مس امرأة ينقض الوضوء، والتوفيق بينهما، أن الإنسان إذا مس يد امرأته وشعر بشيء فعليه أن يتوضأ، وإذا لم يشعر بشيء فلا عليه إذا لم يتوضأ.
إذاً: التقليد في المذاهب وارد، والتلفيق مرفوض، التلفيق تصَيُّد الرخص في المذاهب، والتقليد أن تقلِّد المذهب في العلّة التي شرع هذا الحكم من أجلها، لذلك بعض العلماء قال: اختلاف الأئمة ليس اختلاف حجة وبرهان، إنما اختلاف بيئة وزمان، فلو أن الإمام أبا حنيفة رَضِي اللَّه عَنْه وُجِد في زمان الشافعي وفي بيئته لانطبقت أحكامُه على أحكام الإمام الشافعي، فاختلاف الأئمة ليس اختلاف حجة وبرهان إنما اختلاف بيئة وزمان.
شيء آخر: اختلاف العلماء الفقهاء اختلاف رحمة، فاتفاقهم حجة قاطعة، واختلافهم رحمة واسعة، و الاختلاف اختلاف غنى.
جاءني رجل قبل الدرس يستفتيني في موضوع، والإمام مالك قال: أحقًّاً لو أن الإنسان أقسم بالطلاق ثلاث طلقات في مجلس واحد لا تنعقد إلا طلقة واحدة؟ نعم، لأن الثانية والثالثة تأكيد للأولى، فوقع طلقة واحدة، فاختلاف المذاهب رحمة واسعة، جاء عالم آخر قال: إن لم تكن الزوجة طرفاً في الموضوع، وكان زوجها يكره فراقها كما يكره مفارقةَ دينه، فإن هذه اليمين لا تنعقد، لا ينوي الطلاق، ولا يقصد الطلاق إطلاقاً، أراد أن يردعها، فإنّ هذا الطلاق هو المعلق، فهناك طلاق منجز، وطلاق معلق، وعلى كلٍّ اختلاف الأئمة رحمة واسعة.
4 ـ تمايل نائم :
تمايل نائم، يسمع ما يقال، فما دام الذي يغمض عينه ويسمع ما يقال فوضوءه لم ينتقض، طبعاً هناك حكم: " ونومُ مصلٍّ، المصلي ينام؟ فلو فرضنا إنسانًا متعبًا تعبًا شديدًا،، وغفل ثواني وهو في القعود فلا ينتقض وضوءه ما دام مصلياً.
وسوف نتابع هذه الموضوعات في درس قادم إن شاء الله تعالى.
* * *
علامات العلماء المخلصين :
1 ـ أن يقصد بعلمه اللهَ والدارَ الآخرة وألاَّ يقصد العالِمُ الحقُّ بعلمه الدنيا :
سنقوم فيما يلي بمتابعة فصول مختارة من إحياء علوم الدين للإمام الغزالي رَضِي اللَّه عَنْه، ولهذا الإمام كلمة في العلم يقول: "العلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لم يُعْطِك شيئاً".
تحدثنا في الدرس الماضي عن آفات العلم، وقد بيَّن الإمام الغزالي أن للعلماء المخلصين؛ وهم علماء الآخرة علامات، فمن هذه العلامات ألاّ يطلب العالم الدنيا بعلمه، فإن أقل درجات العالم أن يدرك حقارة الدنيا وخستها، وكدورتها، وخطورتها، وانصرامها، أيْ زوالها، وأن يدرك عظم الآخرة ودوامها، وصفاء نعيمها، وجلالة ملكها، ويعلم أنهما متضادتان، والموضوع دقيق، وهذه آيات تقول:
﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾
[ سورة الرحمن: 46 ]
﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾
[ سورة البقرة: 201]
﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾
[ سورة النحل: 97]
﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾
[ سورة الجاثية: 21]
﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ ﴾
[ سورة السجدة: 18 ]
﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ﴾
[ سورة القصص: 61]
من كل هذه الآيات والأحاديث يتضح أن المؤمن سعيد في الدنيا. من طلب الدنيا لذاتها فقد أضرّ بآخرته :
إذاً كيف يفسر قول عليه الصلاة والسلام:
(( مَنْ أَحَبَّ دُنْيَاهُ أَضَرَّ بِآخِرَتِهِ، وَمَنْ أَحَبَّ آخِرَتَهُ أَضَرَّ بِدُنْيَاهُ، فَآثِرُوا مَا يَبْقَى عَلَى مَا يَفْنَى ))
[أحمد عَن أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ ]
هذا الحديث قد يحمل على محمل آخر، هناك في اللغة العربية أسلوبُ استفهامٍ ليس فيه أداة استفهام، وسيدنا عمر رَضِي اللَّه عَنْه فيما يروي التاريخ حينما رأى امرأة جائعة مع أطفالها، ذهب إلى بيت مال المسلمين، وقال لخادمه: احمِل على ظهري كيساً، فقال: أحمله عليك أم عنك؟ فقال له: احمله علي، أنت تحمل وزري يوم القيامة؟ كلمة "أنت تحمل وزري يوم القيامة "، هذا كلام بحسب الظاهر تقريبي، لكن صياغة هذا الكلام والسياق العام يؤكد أنه استفهامي، وكذلك سيدنا موسى حينما التقى بفرعون: ﴿ قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ ﴾
[ سورة الشعراء: 20 ]
لا يمكن أن يستقيم السياق على أن تفهم الجملة فهماً تقريرياً، وهل يُعقل أن يكون النبي ضالاً؟ ﴿ قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ ﴾
[ سورة الشعراء: 20 ]
يجب أن نفهم هذه الآية فهماً على صيغة الاستفهام، بعض العلماء قالوا: من أحب دنياه أضر بآخرته، ومن أحب آخرته أضر بدنياه؟ لا: ﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾
[ سورة الرحمن: 46 ]
لكن من طلب الدنيا لذاتها ربما كان هذا ضرراً لآخرته، فعلى هذا المحمل نحمل هذا القول الطويل، يقول الإمام الغزالي: لو يعلم أنهما كالضرتين، مهما أرضيتَ إحداهما أسخطتَ الأخرى، وأنهما ككفتي ميزان، مهما رجحت إحداهما خفت الأخرى، وكأنهما كالمشرق والمغرب، مهما قربت من أحدهما بعدت عن الآخر، وأنهما كقدحين أحدهما مملوء والآخر فارغ، فبقدر ما تصب منه في الآخر حتى يمتلئ يفرغ الآخر، فإنه من لا يعرف حقارة الدنيا وكدورتها وامتزاج لذتها بألمها ثم انصرام ما يصفو منها، فهو فاسد العقل. من آثر شهوته على محبة الله حرمه الله لذة مناجاته :
في أثناء أدائنا العمرة، لي قريب قال لي: انظر إلى هذا البناء، بناء يناهز ثلاثين أو أربعين طابقًا، ما وقعت عيني على بناء أجمل منه، قال: هذا البناء توفي صاحبُه قبل افتتاحه بأسبوع، وقيل: هذا البناء كلف صاحبه عشرات الملايين، وتوفي عن عمر لا يزيد عن سبع وأربعين سنة، وكان طويل القامة، وضع في قبر صغير فلم يتسع القبر له، فضغطوه ضغطاً حتى جاء رأسه ملتويًا مع رقبته، والبيت الذي كان يسكنه يزيد ثمنه عن عشرات الملايين، وهكذا حكمة الله عز وجل، أن ينزل في قبر يضيق عنه طولاً، فالإنسان حينما يتيقن من زوال الدنيا يلتفت إلى الآخرة، فإذا طمع فيها فقد أهلكته وهلك.
من أقوال السلف الصالح: "إن أدنى ما أصنع بالعالم إذا آثر شهوته على محبتي أن أحرمه لذيذ مناجاتي "، وأحد العلماء الكبار توفي فشاهده بعض تلامذته في المنام، فقال له: يا سيدي ما فعل الله بك؟ يبدو أن هذا العالم له شأن كبير، ومؤلفات خطيرة، وكتب، وآراء، وإنتاج علمي، وسمعة، وصيت، وهو نجم متألق، فقال له: يا بني طاحت تلك العبارات، وذهبت تلك الإشارات، ولم يبق إلا ركيعات ركعناها في جوف الليل.
فليحذر المرءُ أنْ يصيبه غرور ويقع في غشاشة نفسه، إذا كان لك صلة بالله حقيقية مبنية على استقامة تامة، وعلى عمل صالح فهنيئاً لك، وما سوى ذلك فقد يملأ الإنسان الآفاق بسمعته، وعند الله لا يساوي جناح بعوضة، طاحت وذهبت تلك الإشارات، ولم يبق إلا ركيعات ركعناها في جوف الليل، قِفْ في الصلاة، وانظُرْ إلى قلبك، هل لك صلة بالله عز وجل؟ أَلك التفاف نحوه؟ وهل تدمع هذه العين لآية تقرؤها؟ هل لك عمل خالص لوجه الله لا تبتغي به أحداً إلا رضا الله عز وجل؟ إن كنت تخشى على نفسك بعض الشرك الخفي فاكتم عملك؟ إذا استيقظت قبل صلاة الفجر، وصليت قيام الليل، ولم تحدث بهذه الصلاة أحداً، هذا مما يؤكد لك بأنك مخلص، فإن فعلت عملاً ولم تحدث به أحداً، فهذا مما يؤكد لك بأنك مخلص، فالإخلاص له طريق، عبادة في جوف الليل والناس نيام، وعمل صالح لا يبغي به أحدًا من الناس، وهذا يؤكد إخلاصك لله عز وجل، وكلما تعاظم شعورك بإخلاصك كلما ازداد إقبالك على الله عز وجل، وما أقبل عبدٌ بقلبه على الله عز وجل إلا جعل قلوبَ المؤمنين تنساق إليه بالمودة والرحمة، وكان اللهُ له بكل خير أسرع.
الابتعاد عن الشرك الخفي :
الإنسان خلاصتُه علاقتُه مع الله عز وجل، وَحِّدْ، وإياك أن تشرك، فإنَّ الشرك أخفى من دبيب النملة السوداء، على الصخرة الصماء، في الليلة الظلماء، وأدناه أن تحب على جور، وأن تبغض على عدل، فإذا نصحك شخصٌ نصيحة، وهو محق فيها فقلتَ له: أنت مخطئ، وغضبت، فقد أشركتَ نفسك مع الله، أو أنّ شخصًا له انحراف وأحببته على انحرافه، فهذا شرك، فإذا أحببت إنساناً مع انحراف فهذا أحد أنواع الشرك الخفي.
(( عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ فَقَالَ: أَلا أُخْبِرُكُمْ بِمَا هُوَ أَخْوَفُ عَلَيْكُمْ عِنْدِي مِنَ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، قَالَ: قُلْنَا بَلَى، فَقَالَ: الشِّرْكُ الْخَفِيُّ أَنْ يَقُومَ الرَّجُلُ يُصَلِّي فَيُزَيِّنُ صَلاتَهُ لِمَا يَرَى مِنْ نَظَرِ رَجُلٍ ))
[ابن ماجه عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ]
((عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ أَنَّهُ بَكَى فَقِيلَ لَهُ مَا يُبْكِيكَ قَالَ شَيْئًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُهُ فَذَكَرْتُهُ فَأَبْكَانِي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: أَتَخَوَّفُ عَلَى أُمَّتِي الشِّرْكَ وَالشَّهْوَةَ الْخَفِيَّةَ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُشْرِكُ أُمَّتُكَ مِنْ بَعْدِكَ قَالَ نَعَمْ أَمَا إِنَّهُمْ لَا يَعْبُدُونَ شَمْسًا وَلَا قَمَرًا وَلَا حَجَرًا وَلَا وَثَنًا وَلَكِنْ يُرَاءُونَ بِأَعْمَالِهِمْ وَالشَّهْوَةُ الْخَفِيَّةُ أَنْ يُصْبِحَ أَحَدُهُمْ صَائِمًا فَتَعْرِضُ لَهُ شَهْوَةٌ مِنْ شَهَوَاتِهِ فَيَتْرُكُ صَوْمَهُ ))
[أحمد عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ]
فهذه انتهى وقتها، هذه لن تعود إلى قيام الساعة، ولكن شهوة خفية، وأعمال لغير الله، فإذا الإنسان آتاه اللهُ عز وجل رقابة صارمة على نفسه، فقد يلاحظ أحيانًا أنّ له أعمالاً يبتغي فيها غير وجه الله، بل يريد وجه الناس، ويُلاحِظ أنّهم لم يشيروا إلى عمله الصالح فينزعج فمثَلُه كمثلِ طبيبٍ عمِل عمليةً جراحيةً، وبذلَ فيها وقتًا كبيرًا، وضحّى، وما تقاضى شيئًا، فإذا لم يُكتب عنه في الصحيفة تألَّم، يقول: يكتبون ولو كلمة عني، وعن مهارتي في العملية، فحينما يراقب الإنسان نفسه مراقبة صارمة يجد نفسَه أنّ له أعمالاً كثيرة ظاهرُها حسن، وتنطوي على شرك بالله عز وجل، والله سبحانه وتعالى يقول: أنا أغنى الأغنياء عن الشرك، لذلك: ﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ﴾
[ سورة يوسف: 106 ]
قد تقيم وليمة لا تبتغي بها وجه الله، هناك أدعية كنت أقولها لكم دائماً: "اللهم إنا نعوذ بك أن نقول قولاً في رضاك نلتمس أحداً سواك"، "اللهم إنا نعوذ بك أن نتزين للناس بشيء يشيننا عندك"، "اللهم إنا نعوذ بك أن يكون أحد أنفع بما علمتنا منا"، "اللهم إنا نعوذ بك أن نكون عبرة لأحد من خلقك"، فلا نكون نحن قصة، يتعلمُ الناس فينا، "إن أدنى ما أصنع بالعالم إذا آثر شهوته على محبتي أنْ أحرمه لذيذ مناجاتي".
وتروي كتب الأثر أن مؤمنًا ارتكب مخالفة فخجلت نفسه وأحجمت، وعاش في جفوة طويلة، وهو ينتظر أن يعاقبه الله عز وجل. ((مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلا وَصَبٍ وَلا هَمٍّ وَلا حُزْنٍ وَلا أَذًى وَلا غَمٍّ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا إِلا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ ))
[ البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
حال الجفاء مع الله عز وجل حال صعب :
وبعدُ فكلُّ واحد منا حسب ما سمعتم أنه:
(( ما من عثرةً، ولا اختلاج عرق، ولا خدش عودٍ، إلا بما قدمت أيديكم وما يعفو الله أكثر))
[ أخرجه ابن عساكر عن البراء ]
صار عنده قناعة أنّ كل شيء يصيبه بسبب تقصير، أو ذنب، أو مخالفة، فهذا وقع في مخالفة فانتظر الجواب، كطالب اقترف ذنبًا ومرَّ بالأستاذ في مكان ضيق فحاول أنْ يتوارى، كمَن يتوقع أنه سيأكل صفعةً على قفاه، وأحسَّ لها فتجمع، فهذا المؤمن ارتكب مخالفة وينتظر من الله العقوبة، فلم يحصل معه شيء، مرَّ يومٌ، وثانٍ، وثالث، ولم يحصل له شيء، وما أحد حاسبه أو أساء له، ولا أحد أهانه، وما فقد شيئًا، تعجب وهو ينتظر العقوبة من الله عز وجل، ويظهر أنه في ساعة صفاء قام وناجى ربَّه، قال: يا ربي لقد عصيتك ولم تعاقبني؟ فقال: عبدي قد عاقبتك ولم تدرِ، ألم أحرمك لذة مناجاتي؟ ألا تكفيك هذه؟ تريد أخطر؟ يكفيك هذا، فهذه الجفوة لأسبوعين أو ثلاثة، وصلاةٌ شكلية، وعباداتٌ شكلية، وقد شعر بضيق، وانقباض نفسٍ، وضاقت عليه الأرض على رحابتها، إنّها عقوبة صارمة. ﴿ وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾
[ سورة التوبة: 118 ]
هذا حال يكفي، حال الجفاء صعب، لذلك بعض قال الشعراء: فما حبنا سهل و كل من ادَّعـى سهولته قلنا له قـــد جــهلتنا
فأيسر ما في الحب بالصب قتله و أصعب من قتل الفتى يوم هجرنا
***
وقال أحدهم: لو قال محبوبه: لَو قالَ تِيهاً: قِف عَلَى جَمْرِ الغَض َا لوقفتُ مُمْتثلاً ولَـــمْ أَتَوقَّفِ
أو كان من يرضى بخدي موطئـاً لوضعته أرضاً ولم أستنكــف
***
جمر الغضا أشد أنواع الجمر، وقال آخر: هم الأحبة إن جاروا وإن عدلوا فليس لي عنهم معدل و إن عدلوا
والله إن فتتوا في حبهم كـبدي باق على حبهم راضٍ بما فـعلوا
***
بطولة الإنسان أن يحب الله وهو في وضع صعب :
لا تنظر إلى نفسك حالَ الرخاء، ففي الرخاء كلنا نحب الله عز وجل، والبطولة إذَا لاح شبحُ مصيبة، أو ضائقة، أو مشكلة، أو أصاب شيءٌ الجسد، أو أصاب الدخل، أو الأسرة، أو نقص في الثمرات، في الطعام، في مِثل هذه الظروف إذا قلت: الحمد لله رب العالمين، فأنت مؤمن وربِّ الكعبة، لأنّ الإمام علي كرم الله وجهه قال: "الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين "، فالبطولة أن تحب الله وأنت في وضع صعب، النبي الكريم علمنا:
((عَجَبًا لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ ))
[مسلم عَنْ صُهَيْبٍ]
أما محبُّ الدنيا فيتكبر في الرخاء، ويصرخ في الشدة، فذو دعاء عريض، في الرخاء يشعر أنّ الأرض لا تسعه، فالمتكبر أحمق، وجاهل، وفي الشدة تجده يئوسًا، قنوطًا. ﴿ وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا *قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا ﴾
[ سورة الإسراء: 83 ـ 84 ]
من كان قلبه عامرًا بذكر الله فلن يخاف أحداً :
يا ذا العزة والجبروت، يا ذا الملك والملكوت، يا من حفظت موسى بالتابوت، صندوق في النهر، ونجيت يونسَ من بطن الحوت، وحفظت الحبيب محمداً بنسيج العنكبوت، والله كلمة لو أقرؤها مئة مرة لا أشبع منها: "يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟" فإذا كنت معه مستقيمًا، وإذا كان قلبك عامرًا بذكر الله، فينبغي ألاّ تخاف مِن أيِّ جهة في الأرض، ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟
﴿ وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ﴾
[ سورة المائدة: 12 ]
هذه المعية ليست مطلقة، بل مشروطة " إني معكم " كن لي كما أريد أكن لك كما تريد، كن لي بما أريد ولا تقل ما يصلحك، أنت تريد وأنا أريد، فإذا سلمت لي فيما أريد، كفيتك ما تريد، وإن لم تسلم لي فيما أريد، أتعبتُك فيما تريد، ثم لا يكون إلا ما أريد، فإذا كان الإنسان يتعامل مع هذه المعاني، يجد علاقته كلها مع الله عز وجل. في الحياة أشياء متعاكسة و أشدُّ شيءٍ راحةً أنْ ترضي الله وحده :
في الأرض مليون جهة، تريد أنْ ترضي زوجتك فتغضب أمُّك، أو بالعكس، ترضي الوالدة فتغضب الزوجة، ترضي هذا الابن فيسخط الثاني، وإذا زرت هذه البنت سخِطتْ الثانية، إنْ أرضيتَ في الوظيفة مَن هُم أعلى منك أسخطتَ الله عز وجل، إنْ بَعتَ بسعر معقول فلا تربح، وإنْ أردتَ أنْ تربح أغضبتَ الله عز وجل، ففي الحياة أشياء متعاكسة تماماً، وأشدُّ شيءٍ راحةً وأسهله أنْ ترضي الله وحده:
(( اعمل لوجه واحد يكفِك الوجوه كلها ))
[ أخرجه ابن عدي والديلمي عن أنس ]
وفي قول آخر: ((من جعل الهموم هماً واحداً كفاه الله الهموم كلها))
[ الجامع لأحكام القرآن ]
وهناك قول ثالث: ((ومن أصبح وأكبر همه الآخرة جعل الله غناه في قلبه، وجمع عليه شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة ))
[ الترمذي عن أنس]
وأوحى ربك إلى الدنيا أنه من خدمك فاخدميه، ومن خذلك فلا تخذليه، إنّ أدنى ما أصنع بالعالِم إذا آثر شهوته على محبتي أنْ أحرمه لذيذ مناجاتي، " يا داود لا تسأل عني عالمًا قد أسكرته الدنيا فيصدك عن طريق محبتي- يقول مثلاً: ماذا جدَّ معك؟ اشتريتَ بيتاً أم تزوجتَ؟ كم دخلك؟ ماذا فعلت؟ أذهبت إلى المحل الفلاني؟ هل سافرت أم خرجتَ إلى نزهة؟ يدعوك إلى الدنيا- فيصدك عن طريق محبتي، أولئك قطاع الطريق على عبادي، فإذا قابلتَ محبًّاً للدنيا فهذا من قُطَّاع الطريق على عبادي، يا داود إذا رأيت لي طالباً فكن له خادماً، يا داود من رد إليَّ هارباً أكسبته جهبذا"، شخص شارد ضائع، يعصي الله ثم جئتَ فأكرمته، وأقنعته، ودللته، وخدمته، وجئت به إلى الدرس، وتحمَّلته وأعنتَه، وذاكرت معه الدرس حتى صارَ مستقيمًا استقامة تامة، بهذا قد آويتَ لله هاربًا، فما قولك إذا كان عند شخصٍ ابنٌ غالٍ، وضاع هذا الابن، فوجده شخص يعرف أباه، فأكرمه، وأطعمه، وألبسه، وردّه إلى أبيه، سيقول له الأب: أنت فعلتَ معي معروفًا لا أنساه حتى الموت، وكثيرًا ما كنت أضرب مثالاً، لو فرضنا ضابطًا في الجيش، برتبة عالية، لواء مثلاً، وعنده مجنَّد، وهذا المجند رأى ابن هذا الضابط الكبير يغرق في النهر، فألقى بنفسه في النهر، وكان على وشك الموت فأنقذه، وأكرمه، وردَّه إلى أبيه، ألا يستطيع هذا المجند أن يتجاوز التسلسل ويدخل على هذا الضابط الكبير في كل لحظة يشاؤها؟ هذه هي الخلاصة كلها. ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ﴾
[ سورة الكهف:110]
باب الله مفتوح على مصراعيه و ثمنه العمل الصالح :
إذا أردتَ مثلاً أنْ تدخل إلى موظَّف، مدير تربية، مدير معمل، إلخ … فلا بد من انتظار، ومع الانتظار أسئلة، ما اسمك؟ وما الموضوع؟ تعالَ غدًا، فالمقابلة ليست سهلة، أمّا ربنا عز وجل فيقول:
﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا ﴾
[ سورة الكهف: 110 ]
اعمل بهذه الوصفة، فباب الله مفتوح على مصراعيه، والدخول بثمن، وثمنه العمل الصالح، وأبواب الأعمال الصالحة: (( إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم- العمل يحتاج مالاً- فسعوهم بأخلاقكم ))
[أخرجه أبو يعلى عن أبي هريرة ]
الكلمة الطيبة عمل صالح، وأن تتبسم في وجه أخيك، وأن تلقاه بوجه طيب، و أنْ تردَّ الضال إلى أرضه عمل صالح، وأن ترشد الغريب عمل صالح، وأن تميط الأذى عن الطريق عمل صالح، وأن تفرغ من دلوك في إناء المستسقي عمل صالح، وأن تعود مريضاً عمل صالح، وأن تأمر بالمعروف، وأن تنهى عن المنكر، وأن تعلم الناس آية من كتاب الله، فأبواب الأعمال الصالح مفتوحة على مصاريعها، وهي ثمن اللقاء مع الله عز وجل. موت القلب طلبُ الدنيا بعمل الآخرة :
قال: فلان ذو قلب ميّت، أي أنّ موت القلب طلبُ الدنيا بعمل الآخرة.
وقال يحيى بن معاذ: "إنما يذهب بهاءُ العلم والحكمة إذا طلب بهما الدنيا "، العلم والحكمة لهما بهاء، وهذا البهاء يذهب إذا طلب بهما الدنيا، وقال عمر رَضِي اللَّه عَنْه: "إذا رأيتم العالم محباً للدنيا فاتهموه على دينكم، فإن كل محب يخوض فيما أحب "، وقال رجل إلى أخ له: "إنك قد أوتيت علماً، فلا تطفئن نور علمك بظلمة الذنوب، فتبقى في الظلمة يوم يسعى أهل العلم في نور علمهم "، ويحيى بن معاذ الرازي رحمه الله يقول لعلماء الدنيا: "يا أصحاب العلم! قصوركم قيصرية، وبيوتكم كسروية، وأثوابكم ظاهرية، وأخفافكم جالوتية، ومراكبكم قارونية، وأوانيكم فرعونية، ومآثمكم جاهلية، ومذاهبكم شيطانية، فأين الشريعة المحمدية؟".
قيل لبعض العارفين: "أترى أنّ من تكون المعاصي قرة عينه لا يعرف الله عز وجل"؟ إطلاقاً، قد يجلس في سهرة وفيها معصية، فيها سرور بزعمه، وفيها اختلاط، يخوض في بحر الغيبة والنميمة، والغمز واللمز، ثم قام مرتاحًا، ونام بكل راحة، واستيقظ صباحًا مسروراً، وقال: واللهِ البارحة سهرنا سهرة لا أنساها، فما دام مرتاح النفس بالمعصية فهو لا يعرف الله تعالى أبداً، هذا لو كان يعرف الله قليلاً لنام متألمًا على هذه المعصية، لكنّه ما دام لا يتألم فليس به إحساس كالمؤمنين.
﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ﴾
[ سورة الأنعام: 44]
الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا، فقال هذا العارف بالله: "لا أشك أن من تكون الدنيا عنده آثر من الآخرة فإنه لا يعرف الله تعالى"، وقال بعضهم ": لا تظنن أن ترك المال يكفي في اللحوق بعلماء الآخرة فإن الجاه أضر من المال " ففي الحياة شهوات غير المال، الوجاهات شهوات أيضًا يحرص الناس عليها، وعندما تموت من قلبِ الإنسان كلُّ الشهوات المنحرفة، وكل أنواع الشرك، عندئذٍ يتقبَّله الله عز وجل. الله سبحانه وتعالى لا يجمع على عبده أَمْنَيْنِ وخَوفَيْنِ :
كان بِشرٌ يقول: "أنا أشتهي أن أحدِّث، لذلك لا أحدِّث أحداً، ولو ذهبت عني شهوةُ الحديث لحدَّثتُ "، هذا هو الإخلاص، وما دمتُ أشتهي أن أحدِّث فلن أحدث أبداً، فإذا ذهبت عني شهوةُ الحديث حدَّثتُ، وقال هو وغيره:" إذا اشتهيت أن تحدث فاسكت، فإذا لم تشتهِ فحدِّثْ ".
قال سهل رحمه الله: " العلم كله دنيا، والآخرة منه العمل به "، العلم دنيا، هذا معه مال، هذا أثاث بيته فخم، وهذا متعلِّم علمًا، يتيه به على الناس كالطاووس، فالعلم كله دنيا، والآخرة منه العمل به، والعمل كله هباء إلا الإخلاص.
وقال بعضهم: "الناس كلهم موتى إلا العلماء، والعلماء سكارى بعلمهم إلا العاملين، والعاملون كلهم مغرورون إلا المخلصين، والمخلص على وَجَل حتى يدري ماذا يختم له به ".
يقول النبي عليه الصلاة والسلام: "ولا أدري ما يفعل بي"، أي هو صلى الله عليه و سلم في وجل، وكل إنسان لا يخاف، ولا يكون قلقاً، بل هو مطمئن بالدنيا، فهذا في غفلة و ضياع، فالله سبحانه وتعالى لا يجمع على عبده أَمْنَيْنِ وخَوفَيْنِ، فإنْ أمنه في الدنيا خافه يوم القيامة، وإن خافه في الدنيا أمنه يوم القيامة، ومن علامات الإنسان المخلص أنه قلق، يخاف ألاّ يكون مخلصاً، ويخاف ألا يكون موحِّداً، يخاف أن يكون عمله مشوباً بنية لا ترضي الله، وما دام في قلق، بخ بخ فذلك محض الإيمان:
((مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، لا يَتَعَلَّمُهُ إِلا لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيَا لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَعْنِي رِيحَهَا ))
[أبي داود عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
لي قريب توفي منذ زمنٍ، فذهبنا لإجراء المعاملة، آلمني كثيرًا أنّ على أبوابِ مكتبِ دفنِ الموتى قراء كثيرون، وكلهم يرجو ويتوسل أنْ تكلِّفه بقراءة القرآن في المساء، ويقول لك: لباس موحد، وأصوات عذبة، يحاول أنْ يغريك، سبحان الله، كتاب الله ينزل إلى هذا المستوى عند هؤلاء؟ فَلْيَبْحَثْ الإنساُن عن أيِّ عملٍ آخر، فهذا كتاب الله، إنه شيء مقدس، وإنْ كان العلماء أجازوا أن يأخذ الإنسان أجراً على كتاب الله، لأنه كالمعلِّم قد تفرَّغ للتعليم، وهو يعلم الأطفال كتابَ الله، فمِن أين يأكل إنْ لم يتقاضَ أجرًا؟ لذلك أجاز العلماء له أخذ الأجرة على ذلك، لكن أن يرجوَ أحدُهم، ويلحّ، ويطالب، ويتحدث عن ميزاته، ويحسد أخاه الذي كانت هذه المسائية من حصته ونصيبه، ويتهمه بأشياء كثيرة، هذا شيء مؤلم، فكتاب الله ينبغي أن يكون في الأوج.
وهذا خبر آخر: إن العبد ليُنشَر له من الثناء ما يملأ ما بين المشرق والمغرب، وهو لا يزن عند الله جناح بعوضة، فهذه الأحاديث والأقوال يجب أن تُؤخذ مأخذ الجَدِّ، فعلى الإنسان أنْ يراقب نفسه، ويراقب قلبه، ويتوخى الإخلاص، أخلص دينك يكفِك القليلُ من العمل، درهم أُنفِق في إخلاص خيرٌ من مئة ألف درهم أُنفِق في رياء، هذه الصفة الأولى، أنْ يقصد بعلمه اللهَ والدارَ الآخرة، وألاَّ يقصد العالِمُ الحقُّ بعلمه الدنيا. 2 ـ ألاّ يخالف فعلُه قولَه :
الصفة الثانية ومنها ألاّ يخالف فعلُه قولَه، بل لا يأمر بالشيء ما لم يكن هو أولَ عاملٍ به، قال تعالى:
﴿ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾
[ سورة البقرة: 44 ]
﴿ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴾
[ سورة الصف: 3]
﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾
[ سورة هود: 88]
﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾
[ سورة البقرة: 282]
﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾
[ سورة البقرة: 233]
﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾
[ سورة المائدة: 108]
وفي بعض الأقوال: يا بن مريم عظ نفسك فإن اتعظت فعظ الناس وإلا فاستحيِ مني: ((مَرَرْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عَلَى قَوْمٍ تُقْرَضُ شِفَاهُهُمْ بِمَقَارِيضَ مِنْ نَارٍ، قَالَ: قُلْتُ مَنْ هَؤُلاءِ، قَالُوا: خُطَبَاءُ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا كَانُوا يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَيَنْسَوْنَ أَنْفُسَهُمْ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا يَعْقِلُونَ ))
[أحمد عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ]
أشدّ الناس حسرة يوم القيامة من علَّم الناسَ علماً فعمِلوا به ولم يعمل هو به :
هلاك أمتي عالِم فاجر، وعابد جاهل، وشر الشرار شرار العلماء، وخير الخيار خيار العلماء "، أي أنّ العلماء الورعين في القمة، والعلماء غير العاملين بعلمهم في الحضيض، ليس ثمَّةَ حلٌّ وسطٌ، إما في القمة، أو في الحضيض، وقد قال الإمام الأوزاعي رحمه الله: "شكت النواويس - بعض أنواع الطيور - ما تجد من نتَن جِيَفِ الكفار، فأوحى الله إليها أنّ بطون علماء السوء أَنْتَنُ من هؤلاء، ويُروَى أن حجرًا ضجَّ إلى السماء، وقال: يا رب عبَدتُك خمسين عاماً تضعني في مرحاض؟ فقال له: تأدَّبْ، إِذْ لم أجعلك في مجلس قاضٍ ظالم"، فَلأَنْ يكون الحجرُ في مرحاض أشرفَ له ألف مرة من أن يكون في مجلس قاضٍ ظالمٍ.
يقول أبو الدرداء رَضِي اللَّه عَنْه: "ويلٌ لِمَنْ لا يعلم مرة، وويلٌ لمن يعلم ولا يعمل سبع مرات "، لمن لا يعلم مرة، لمن يعلم ولا يعمل سبع مرات، وقال الشعبي: "يَطَّلع يومَ القيامة قومٌ مِن أهل الجنة على قوم من أهل النار، فيقولون لهم: ما أدخلكم النار ونحن إنما أدخلنا اللهُ الجنة بفضل تأديبكم وتعليمكم إيانا؟- نحن بالجنة والفضل لكم، أنتم علمتمونا، أنتم وجهتمونا، أنتم هذّبتمونا، وأمرتمونا بالصلاة فصلينا، وأمرتمونا بغض البصر فغضضنا بصرنا، نحن الآن في الجنة، لماذا أنتم في النار؟ - فقالوا: إنا كنا نأمر بالخير ولا نفعله، وننهى عن الشر ونفعله"، صار عملهم وظيفة، ولقد بلغني عن بعض المطوّعين أنّهم يضربون الناسَ لتخلُّفهم عن الصلاة وهم لا يصلون، وأبعدُ الناس عن الموعظة مَن يعمل في تجهيز الأموات، فقد يسرق شرشفًا أو أيَّ غرض فيأخذه خلسةً، ألا يعتبِر وهو يدفن في اليوم أكثرَ مِن ميت؟ فأين العبرة و العظة من نفسه؟!.
وقال حاتم الأصم رحمه الله: " ليس في القيامة أشد حسرة من رجل علَّم الناسَ علماً فعمِلوا به، ولم يعمل هو به، ففازوا بسببه وهلك هو ".
وقال مالك بن دينار: " إن العالم إذا لم يعمل بعلمه زلت موعظته عن القلوب كما يزل القطر عن الصفا "، الموعظة من إنسانٍ غيرِ عاملٍ بموعظته لا تؤثر في القلوب.
وقال إبراهيم بن أدهم رحمه الله:" مررت بحجر بمكة مكتوب عليه: اقلبني تعتبر، قال: فقلبته، فإذا عليه مكتوب أنت بما تعلم لا تعمل فكيف تطلب علم ما لم تعلم؟ ".
وقال ابن السماك رحمه الله: " كم من مذكِّر بالله ناسٍ لله، وكم مخوفٍ بالله جريء على الله، وكم من مقرب إلى الله بعيد منه، وكم من داع إلى الله فار من الله، وكم من تال لكتاب الله منسلخ عن آيات الله ".
وقال إبراهيم بن أدهم رحمه الله: "لقد أعربنا في كلامنا فلم نلحن، ولحنا في أعمالنا فلم نعرب "، وقال الأوزاعي: " إذا جاء الإعراب ذهب الخشوع ".
أكثرُ المجالس بركةً المجلسُ الذي فيه خشوعٌ للقلب :
الآن نتكلم بشيء في قواعد اللغة و إعرابها، "إذا جاء الإعراب ذهب الخشوع"، يذهب الخشوع كله، أحيانًا تجد الإنسان ينهمك في معلومات ظاهرية، ويدقق بها، ويحفظها، ويعلمها، وليس مِن خشوع في قلب صاحبه، لذلك أكثرُ المجالس بركةً المجلسُ الذي فيه خشوعٌ للقلب، وهذه نصيحة لوجه الله، فإذا كنتَ في مجلس، سهرة مثلاً، وتتكلم عن الله عز وجل فلا تختم الجلسة بالدنيا، فكل هذه البركة تذهب، اجعلْ آخرَ المجلس ذكرًا، ولينفضّ المجلسُ على طعم طيب، وعلى سرور، واستبشار، وتفاؤل.
((مَا مِنْ قَوْمٍ يَقُومُونَ مِنْ مَجْلِسٍ لا يَذْكُرُونَ اللَّهَ فِيهِ، إِلا قَامُوا عَنْ مِثْلِ جِيفَةِ حِمَارٍ، وَكَانَ لَهُمْ حَسْرَةً))
[أبي داود عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
وبعد، فجرِّبْ أيَّ موضوع آخر مؤلِم مقنِّط، يدعو إلى اليأس، والقنوط، والألم، والضيق، والحسد، والتنافر، ثم اذكر آية أو حديثًا، أو قولاً فيه عِظة، تجد نفسك قد انتعشت.
سيدنا عمر رَضِي اللَّه عَنْه قيل له في مجلس من مجالسه: واللِه يا أمير المؤمنين ما رأينا رجلاً بعد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أفضلَ منك، وسيدنا عمر تعلمون ما ورد عن رسولِ الله فيه: " لو كان نبياً بعدي لكان عمر "، لكنّ سيدنا عمر تفرَّس في الحاضرين كلهم، واستعرضهم واحدًا واحدًا، ينتظر منهم أيسكتون أم يتكلمون، وفي أثناء استعراضه لوجوههم تكلم أحدهم، وقال: لا واللهِ يا أمير المؤمنين، لقد رأينا من هو خير منك، فقال له ومن هو؟ قال: أبو بكر الصديق، فقال سيدنا عمر للحاضرين: لقد كذبتم جميعاً وصدق هذا، علّمهم قولَ الحق، ثم قال: والله إن لأبي بكر ريحاً أطيب من ريح المسك، وكنت أنا أضل من بعيري، حين كان لأبي بكر ريح أطيب من ريح المسك كنت أنا أضَّل من بعيري، لقد كذبتم كلُّكم وصدق هذا، لو أنهم سكتوا جميعاً لأغلظ لهم القول، فسيَرُ الصحابة- سبحان الله- تنعش القلوب، وتعطِّر المجالس، إنّه نموذج فَذٌّ من الكمال الإنساني، علماء حكماء، كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء.
روى مكحول عن عبد الرحمن أنه قال: حدثني عشرة من أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالوا: كنا ندرس العلم في مسجد قباء، إذْ خرج علينا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: "تعلَّموا ما شئتم أنْ تعلموا، فلن تؤجروا حتى تعملوا بما علمتم "، تعلّم فالأجر لن يكون حتى تعمل بما علمت.
وقال عمر رَضِي اللَّه عَنْه: " إذا زل العالم زل بزلته عالم من الخلق "، وقال أيضاً: "ثلاث بهن ينهدم الزمان، إحداهن زلة العالم ".
وقال ابن مسعود رَضِي اللَّه عَنْه: " أنزل القرآن ليعمل به، فاتخذتم قراءته عملاً". من سبّ الدين ولم يتُب ففي الشرع إجراءات تلاحقه :
وَرَدَنِي سؤالٌ يومَ الجمعة تسأل فيه أختٌ مؤمنة، إذا سَبَّ الإنسانُ الدينَ فما حكمه في الإسلام؟ طبعاً إذا سبَّ الدين ولم يتُب فهذا ارتداد، وحول هذا الموضوع بحث لطيف، في درس آخر سأقرأ لكم بعض ما فيه، كأنْ يرميَ الإنسانُ المصحفَ على الأرض فكأنما سبَّ الدين، وارتدّ عن دينه، ولدينا حوالي ثلاثين إلى أربعين حالاً ولفظًا إذا قالها الإنسان أو فعلها فقد كفر، وسببُ سؤال الأختِ أنها سمعت مني سابقاً أنه إذا سبَّ الإنسانُ الدينَ تطلَّق منه زوجته، وعليه أن يجدِّد إسلامه، وهذا صحيح، إلا إذا كان هذا السب في ساعة غضب، وتاب فوراً، فهذا الحكم عندئذٍ لا يطبق عليه، أما إذا سبَّ الدين، وبقيَ مصرًّاً، فإنّه قطعاً تطلّق منه زوجته، وكأن الإنسان بهذه الشتيمة قد رسب في الامتحان كله، وعليه أن يتوب إلى الله عز وجل، وأن يجدِّدَ إسلامه، قال بعض العلماء: القاضي يمهل هذا الذي يسب الدين ثلاثة أيام، فإن تاب ورجع إلى الله عز وجل فبها ونعمت، وإلا فهناك سلسلة إجراءات، منها أنه يفقد أملاكه، وتنزع منه، لأنّه أصبح كافرًا مرتدًّاً، إنّ الإنسان قد يغضب، ولكن عليه ألاّ يتجاوزَ الحدود مهما اشتدَّ غضبُه، فهذه مقدسات، والله عز وجل له عقوبات أليمة، كان رجلٌ يصلي، فقال له شخص آخر: لِمَ تصلي فهذه اعتقاداتٌ قديمة نحن الآن في زمن التقدُّم والعلم وإذا كان الله موجوداً فليثبتْ وجودَه؟ وأنا سأمهلك ثلاثة أيام، فهذا الشخص لم يعرف سبيل الإجابة، لكنّ الشخص الذي تحدّى لم يمضِ يوم أو يومان حتّى فَقَدَ بصرَه كلَّه، فالله عز وجل أعطى المهلة للثاني، وكان من الممكن أنْ يموت، لكن اللهَ أعطاه مهلة أوسع، فبكلمة كبيرة قد يفقد الإنسانُ إسلامه كلّه، وإيمانه كله، لذلك جوابًا عن السؤال أقول: إنه من سبّ الدين ولم يتُب، ففي الشرع إجراءات تلاحقه، لكن إذا استرجعَ رأساً وتاب إلى الله عز وجل واغتسل وتشهد مرة ثانية، وكفَّرَ عن هذه الكلمة بصدقة كبيرة، وتاب توبة نصوحًا، فالحكمُ بطلاق زوجته لا ينسحب عليه، والله أعلم.




السعيد 09-09-2018 01:41 PM

رد: الفقة الاسلامى 2
 
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الثانى و العشرون )

الموضوع : الغسل - فرائضة - سننة - ندبة





الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
فروض الاغتسال :
أيها الأخوة الكرام؛ انتهينا من الوضوء وها نحن ننتقل إلى الغسل، ففي الاغتسال يُفرض أحدَ عشرَ شيئاً، أولاً: غسل الفرج والأنف والبدن مرةً واحدة، وداخل المضفور من الشعر، لا المضفور من شعر المرأة لحديث أُمِّ سَلَمَةَ:
(( قَالَتْ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي امْرَأَةٌ أَشُدُّ ضَفْرَ رَأْسِي أَفَأَنْقُضُهُ لِغُسْلِ الْجَنَابَةِ، قَالَ: لا إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِينَ عَلَى رَأْسِكِ ثَلاثَ حَثَيَاتٍ مِنْ مَاءٍ ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَى سَائِرِ جَسَدِكِ الْمَاءَ فَتَطْهُرِينَ ))
[مسلم عن أم سلمة]
أما الرجل فيجب أن يصل الماء إلى أصل شعره بخلاف المرأة، وعلى الرجل في الغسل أن يسري الماء إلى بشرة اللحية، وبشرة الشارب والحاجب، هذا مما يفترض من الغسل. سنن الاغتسال :
ويسن في الاغتسال اثنا عشر شيئاً، الابتداء بالتسمية، والنية، وغسل اليدين إلى الرسغين، وغسل نجاسةٍ إن وجدت، وغسل الفرج، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ويمسح الرأس، ولكنه يؤخر غسل الرجلين إن كان يقف في محل يجتمع فيه الماء، ثم يفيض الماء على بدنه ثلاثاً، ولو انغمس في الماء الجاري أو مكث فقد أكمل السنة، ويبتدئ برأسه في صب الماء، ويغسل بعدها منكبه الأيمن ثم الأيسر، ويدلك جسده.
آداب الاغتسال :
وآداب الاغتسال هي آداب الوضوء، إلا أن المغتسل لا يستقبل القبلة، لأنه يكون غالباً مكشوف العورة، وكره فيه ما كره بالوضوء، و يفرض الاغتسال من الجنابة، ويسن بأربعة مواضع، لصلاة الجمعة، ولصلاة العيدين، وللإحرام، وللحاج في عرفة بعد الزوال.
مندوبات الاغتسال :
ويندب الاغتسال في ستة عشر شيئاً، لمن أسلم، ولمن بلغ بالسن، من بلغ سن البلوغ فعليه أن يغتسل، ولمن أفاق من جنون، وعند حجامة، وغسل ميتٍ، وليلة براءة، أي ليلة النصف من شعبان، وليلة القدر، ولدخول مدينة النبي عليه الصلاة والسلام، وللوقوف بمزدلفة غداة يوم النحر، وعند دخول مكة لطواف الزيارة، ولصلاة استسقاءٍ، هذه الأشياء يندب فيها الغسل وفي أربعة مواضع يسن ويفترض في الجنابة.
* * *
صفات العالم :
1 ـ أن تكون عنايته بتحصيل العلم النافع في الآخرة المرغب في الطاعات :
وننتقل إلى فصل من كتاب إحياء علوم الدين، ولازلنا في باب العلم:
الصفة الثالثة للعالم أن تكون عنايته بتحصيل العلم النافع في الآخرة المرغب في الطاعات، مجتنباً العلوم التي يقل نفعها ويكثر فيها الجدل والقيل والقال.
(( كَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، أَنِ اكْتُبْ إِلَيَّ بِشَيْءٍ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَكَتَبَ إِلَيْهِ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ وَإِضَاعَةَ الْمَالِ وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ ))
[البخاري عَنْ الشَّعْبِيِّ]
روي أن رجلاً جاء النبي عليه الصلاة والسلام: فقال يا رسول الله علمني من غرائب العلم - الأشياء اللطيفة التي إذا حدثتُ بها الناس تأثروا ونلت إعجابهم بهذا المعنى - فقال عليه الصلاة والسلام: ما صنعت في رأس العلم؟ فقال هذا الرجل: وما رأس العلم؟ فقال عليه الصلاة والسلام: هل عرفت الرب تعالى؟ قال: نعم، قال: فماذا صنعت في حقه؟ قال: ما شاء الله، فقال عليه الصلاة والسلام: هل عرفت الموت؟ قال: نعم، قال: فماذا أعددت له - إذًا فقبْل هذه الأشياء التي تريدها لتنتزع إعجاب الناس أنْ يعرف المسلم الرب، وأنْ يعرف ماذا صنع في حقه- أعود لأكرِّر: فقال عليه الصلاة والسلام: هل عرفت الرب تعالى؟ قال: نعم، قال: فماذا صنعت في حقه؟ قال: ما شاء الله، فقال عليه الصلاة والسلام وقد علم أن كلمة ما شاء الله تعني أنه لم يحصل هذه المعرفة: اذهب فأَحكم ما هناك، ثم تعال لتتعلم من غرائب العلم.
هناك أشياء أساسية في حياتنا، وأشياء ثانوية، هناك مهم وهناك أهم، وردت قصة في الإحياء لكنها جاءت مختصرة وسأرويها لكم بشكلها المختصر. ثماني فوائد في العلم :
1 ـ الأعمال الصالحة أفضل محبوبٍ للمرءِ تدخل معه إلى قبره وتؤنسه فيه :
حاتم الأصم كان من أصحاب شقيق البلخي، وهو عارف بالله، رحمة الله عليه فسأله يوماً: يا حاتم لقد صاحبتني ثلاثين سنة فما حصلت فيها؟ وهذه لها معنى، يقول أحدهم: أنا مستمر على حضور الدروس سبع سنوات، أو خمس سنوات، أو أربع سنوات، أو سنة، أو ستة أشهر، فماذا حصلت في هذه الفترة؟ هذا سؤال مهم، فقال: حصلت ثماني فوائد من العلم، وهي تكفيني لأني أرجو بها خلاصي، فقال شقيق: وما هي؟ فقال: أما الأولى فإني نظرت إلى الخلق فرأيت لكل منهم محبوبًا يحبه، فهذا غارق في التجارة، وهذا في الملذات المحرمة، وهذا بالنساء، وهذا بجمع الدرهم والدينار، وهذا غارق ببعض المتع، وهذا غارق بجمع اللوحات النادرة، وهذا يحب السياحة- بالمناسبة لي قريب أحبَّ في آخر حياته أن يحوز جميعَ أنواع السجاد النادر، فجمع ما لا يحتاج إليه ولا إلى عُشره، ولي قريب آخر أحب في آخر حياته القطع من الصيني أيضاً، فجمع منها ما يزيد عن مئات الألوف- فهذا شقيق البلخي يقول: إني نظرت إلى الخلق فرأيت لكل منهم محبوباً يحبه ويعتقده، وبعض أولئك المحبوبين يصاحبه إلى الموت- أي إذا أحب الرجل أن يقتني سيارة فخمة، وأصابه مرض عضال وأصبح على مرض الموت فهذه السيارة انتهى بقاؤها، فإما أن تباع أو أنْ يأخذها أحد الورثة- فرأيت لكل منهم محبوباً يحبه ويعتقده، وبعض أولئك المحبوبين يصاحبه إلى الموت، والبعض الآخر إلى شفير القبر، ثم يتركه المودِّعون وحيداً، ولا يسكن معه في قبره منهم أحدٌ.
الأهل من النساء يودعونه في البيت ويخرجون إلى الشُرف أحياناً، أمّا الأولاد الذكور فإلى شفير القبر.
فتفكرت وقلت: أفضل محبوبٍ للمرءِ ما يدخل معه إلى قبره ويؤنسه فيه، فما وجدته في غير الأعمال الصالحة، فاتخذتها محبوباً لي، لتكون سراجاً في قبري تؤنسني فيه ولا تتركني فريداً، قال تعالى:
﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾
[ سورة العصر: 1-3]
﴿ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ﴾
[ سورة الفجر: 24 ]
﴿ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ* لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾
[ سورة المؤمنون: 99-100]
قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ، لماذا يرجع؟ ليعمر بناء، أو يأخذ شهادة دراسية. 2 ـ القرآن حق ثابت و على الإنسان أن يقود نفسه حتى ترضى بطاعة الله :
فقال له: هات الثانية؟ فقال: إني رأيت الخلق يقتدون بأهوائهم، ويبادرون إلى مراد أنفسهم فتأملت في قوله تعالى:
﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ﴾
[سورة النازعات: 40-41 ]
وبعد؛ فالأشخاص العاديون في زماننا هذا إذا دعي أحدُهم إلى سهرة مختلطة يقول لك: نذهب ونتسلى، وليس عندنا شيء يشغلنا، وإذا دعي إلى رحلة فيها اختلاط، وفيها أشياء يحرمها الله، يقول لك: هذه مناسبة لأرى البلاد الأخرى، وفرصة لا تعوض للاستجمام، أو يقول: هذه الرحلة فيها شواطئ جميلة، هل من المعقول أن أتركها؟ من الذي يقوده؟ هوى نفسه.
إني رأيت الخلق يقتدون بأهوائهم، ويبادرون إلى مراد أنفسهم، فتأملت في قوله تعالى: ﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ﴾
[سورة النازعات: 40-41 ]
فتيقنت أن القرآن حق ثابت، فبادرت إلى قياد نفسي، وتشمرت في مجاهدتها، وما متعتها بهواها، هل يستطيع المؤمن الصادق أن يرتاح بالنوم إلى أقصى الحدود؟ لا، لن يستطيع، فاسمع قوله تعالى: ﴿ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾
[سورة السجدة: 16 ]
لا يستطيع عنده صلاة الفجر، ولا سيما في أيام الشتاء، وهل يستطيع أن يرتاد مجلسًا ويتكلم في الغيبة عن الناس؟ لا يستطيع، وإذا كان جالساً على شرفة أو في الطريق فهل يستطيع إذا مرت امرأة أن يمتع نظره فيها؟ لا يستطيع.
فتيقنت أن القرآن حق ثابت، فبادرت إلى قياد نفسي، وتشمرت في مجاهدتها، وما متعتها بهواها حتى رضيت بطاعة الله سبحانه وتعالى وانقادت، فهذه هي الفائدة.3 ـ الإكثار من الأعمال الصالحة :
فقال له: هات الثالثة؟ قال: يا سيدي إني رأيت كل واحد من الناس يسعى في جمع حطام الدنيا، ثملاً ينفقه، قابضاً بيديه عليه، فتأملت قوله تعالى:
﴿ مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾
[سورة النحل: 96 ]
فلذتُ بالإيثار، واستودعتُ عند الله إعانة البائس وإسعاف الفقير، لعلي أحشر في ظل صدقتي يوم يقوم الناس لرب العالمين، ليس كل مصلٍّ يصلي، إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع لعظمتي، وكفّ شهواته عن محارمي، ولم يصر على معصيتي، وأطعم الجائع، وكسا العريان، ورحم المصاب، وآوى الغريب، نحتاج إلى عمل صالح. 4 ـ الابتعاد عن الملهيات والأباطيل :
قال له: هات الفائدة الرابعة؟ قال: فإني رأيت بعض الخلق أنّ ظن عزه في كثرة الأقوام والعشائر، فاعتز بهم، وزعم آخرون أنه في حيازة الأموال وكثرة الأولاد، وحسب بعضهم العز والشرف في غصب أموال الناس وظلمهم، واعتقدت فئة أنه في إتلاف المال وصرفه وتبذيره.
وأنتَ ترى أناساً إما أن يتحدث عن إتلافه المالَ، أو يتحدث عن عشيرته، أو عن أولاده، أو عن ثروته، أو عن شخصيته، أو عن ماله، فهذا الذي يقول: "أنا" فإنه لا يعرف الله عز وجل، قالها الشيطان فأهلكه الله عز وجل، فتأملت قوله تعالى:
﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾
[ سورة آل عمران: 185 ]
فأقبلت على ربي، ونفضت يدي من هذه الملهيات والأباطيل، فكلها فارغة. 5 ـ القسمة من الله تعالى فلا تحسد أحداً و ارض بقسمة الله :
ثم قال له: هاتِ الفائدة الخامسة؟ قال: رأيت الناس يذمّ بعضهم بعضاً، ويغتاب بعضهم بعضاً، فوجدت ذلك من الحسد في المال والجاه والعلم، اسأل طبيباً عن طبيب آخر فيذمُّه، لماذا؟ واسأل محامياً عن زميله، فيقول لك: هذا المحامي لا يفهم شيئاً، اسأل تاجراً فيقول لك: هذه البضاعة مضمونة، وغيره يقول: في السوق بضاعة مقلدة، وتكون التي عنده تقليد، كل إنسان يذم غيرَه بدافع الحسد في المال والجاه والعلم، فتأملت قوله تعالى:
﴿ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾
[ سورة الزخرف : 32]
فعلمت أن القسمة من الله تعالى، فما حسدت أحداً، ورضيت بقسمة الله عز وجل. 6 ـ لا يجوز معاداة غير الشيطان :
أما الفائدة السادسة: فإني رأيت الناس يعادي بعضهم بعضاً فتأملت قول الله تعالى:
﴿ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾
[ سورة فاطر: 6]
فعلمت أنه لا يجوز معاداة غير الشيطان. 7 ـ الرزق على الله تعالى وقد ضمنه لعبده :
والفائدة السابعة: إني رأيت كل واحد يسعى بجهده، ويشتغل في طلب القوت والمعاش، حيث يقع في شبهة أو حرام، فتأملت قوله تعالى:
﴿ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾
[ سورة هود: 56 ]
فعلمت أن رزقي على الله تعالى وقد ضمنه، فاشتغلت بعبادته، وقطعت طمعي عمن سواه، وترفعت عن الشبهات والدنايا. 8 ـ التوكل على الله :
وأما الفائدة الثامنة والأخيرة: رأيت كل واحد من الخلق يعتمد على مخلوق، بعضهم على الدينار والدرهم، وبعضهم على المال، وبعضهم على الحرفة والصناعة، وبعضهم على مخلوق مثله، من الأمراء وأصحاب الحول والطول، فـتأملت قوله تعالى:
﴿ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ﴾
[ سورة الطلاق: 3 ]
فتوكلت على الله فهو حسبي ونعم الوكيل، فما زاد شيخُه على أن قال له: وفقك الله يا ولدي.
إذاً عندما يرافق الإنسانُ العلماءَ، ويحضر مجالس العلم، فعليه من حين لآخر أنْ يسأل نفسه ماذا حصّلت؟ هل تقدمت؟ هل ازداد عملك الصالح؟ ماذا قدمت للآخرة؟ لو جاء الموت فجأةً هل أعددت له عدته؟ أم ماذا تفعل؟.
هذا من توفيقات الله لهم.
التزين بالمباح ليس حراماً ولكن الخوض فيه يوجب الأنس به :
هناك ملاحظة للإمام الغزالي يقول: التزيُّن بالمباح ليس حراماً، فإذا سكَن إنسان بيتاً فخماً وفرشه بفرش ضخم، وأكل ما لذّ وطاب فما حُكمه وما شأنه؟.
التزين بالمباح ليس حراماً، ولكن الخوض فيه يوجب الأنس به، فإذا بالغ الإنسان في المباح استأنس إلى الطعام، والشراب، والدنيا، والمباهج، فإذا استأنس بها شقّ عليه تركها، واستدامة الزينة لا تكون إلا بمباشرة أسباب ينشغل بمراعاتها، فينفق الإنسان من أصحاب اليسار في السَّنة الكثيرَ، وتراه يقول لك: أنا مصروفي في السنة ثلاثمئة ألف، لو فرضنا لأسباب ما ضاقت بعض المكاسب، فماذا تفعل بنفسك؟ عوّدتَ الأهل على هذا المصروف العالي، تجد نفسك مضطراً فتقع في الشبهات، مضطرًا لتكسب المال الحرام، فلما يغوص الإنسانُ في الدنيا ويخوض فيها وفي المباح منها فقط يجد نفسه لأسباب قاهرة قد ضاقت المكاسب، وليس عنده حل، فيبدأ يتساهل بنوع الكسب، وعندما يعِّود نفسه على الترف فهذا يغامر بدينه، ويخشى عليه التردِّي.
والحزم في اجتناب ذلك، لأن من خاض في الدنيا لم يسلم منها، ولو كانت السلامة مبذولةً مع الخوض فيها لما ترك النبي عليه الصلاة والسلام الدنيا، لكنه تركها حفاظاً على دينه.
2 ـ من صفات المتعلم أيضاً ألاّ يكون مسارعاً إلى الفتوى بل يكون متوقفاً ومحترزاً :
وعندنا صفة أخرى من صفات العلماء؛ ألاّ يكون مسارعاً إلى الفتوى، بل يكون متوقفاً ومحترزاً، فإذا قال عمّا يعلمه تحقيقاً في كتاب الله، أو في حديث رسول الله، أو إجماعاً، أو قياساً فلا حرج، وإن سئل عما يشك فيه قال: لا أدري، احفظوا هذه القاعدة نصف العلم لا أدري، وإن سأل عن اجتهاد احتاط ودفع عن نفسه وأحال إلى غيره فهذا هو الحزم، وفي الخبر: العلم ثلاثة؛ كتاب الله، وسنة قائمة، والشيء الثالث لا أدري.
وقال الشعبي: لا أدري نصف العلم، ومن سكت حيث لا يدري احتسابًا لله تعالى فليس بأقل أجراً ممن نطق صوابًا، لأن الاعتراف بالجهل أشد على الناس، هكذا كان أصحاب النبي عليهم رضوان الله تعالى.
كان ابن عمر إذا سئل عن فتيا قال: "اذهب إلى هذا الأمير الذي تقلَّد أمور الناس، وضَعْهَا في عنقه "، اسأله فهو المسؤول، وكان ابن مسعود رضي الله عنه يقول: "إن الذي يفتي الناس بكل ما يستفتونه مجنون " وقال: "جملة العالم لا أدري، فإن أخطأها فقد هلك "، وقال إبراهيم بن الأدهم:" ليس شيء أشد على الشيطان من عالم يتكلم بعلم ويسكت بعلم، يقول: انظروا إلى هذا أشد عليّ من كلامي ".
وُصف بعضهم بأنّ أكلهم فاقة، ونومهم غلبة، وكلامهم ضرورة، لا يأكلون إلا إذا جاعوا، ولا ينامون إلا إذا ضربهم النوم، بينما تجد أنّ بعضهم عند الظهر ينام ساعتين، ويستيقظ عقب العصر بكثير، ما هذا؟ من قضى عمره نائمًا يرى نفسه يوم القيامة مفلساً.
ومر عليٌّ وعبد الله رضي الله عنهما برجل يتكلم على ملأٍ من الناس، فقال: "هذا الذي يتكلم يريد أن يشد الناس إليه، وفي نفسه شهوة خفية "، وقال بعضهم: "إنما العالم الذي إذا سئل عن مسألة فكأنما يصعق "..
وكان ابن عمر يقول: "أتريدون أن تجعلوني جسراً تعبرون عليه إلى جهنم؟؟"، هذا الذي يفتي من دون علم جعل من نفسه جسراً يعبره الناس إلى جهنم، وقال: "العالِم هو الذي يخاف عند السؤال يوم القيامة أنْ يقال له: مِن أين أفتيت؟ "، لكنّ عالم السوء يقال له: أنت أفتيت في الموضوع الفلاني أن النسب القليلة من الربا تجوز فمِن أين جئت بهذا الكلام؟.
من سكت حيث لا يدري احتسابًا لله تعالى ليس بأقل أجراً ممن نطق صوابًا :
وكان إبراهيم إذا سئل عن مسألة يبكي ويقول: "ألا تجدون أحدًا غيري حتى جئتم إلي؟":
(( مَا أَدْرِي أَتُبَّعٌ لَعِينٌ هُوَ أَمْ لا وَمَا أَدْرِي أَعُزَيْرٌ نَبِيٌّ هُوَ أَمْ لا ))
[أبي داود عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
النبي الكريم علمنا بهذا الكلام إذا واجهتكَ أشياء فَقِفْ عندها، ولما سئل عليه الصلاة والسلام عن خير بقاع الأرض وشرها، قال: لا أدري، حتى جاء جبريل عليه السلام فسأله فقال: خير بقاع الأرض المساجد وشرها الأسواق.
وكان ابن عمر رضي الله عنهما يسأل عن عشر مسائل فيجيب عن واحدة، يروون بعض القصص ما أنزل الله بها من سلطان منها أنّ رجلاً متصوفًا له شأن كبير، فبينما هو في الحمام أعطوه مسألة، فغمسها بالجرن وأعطاهم الجواب، فهذه قصص غير مقبولة، وكان مِن الفقهاء مَن يقول: لا أدري أكثر مما يقول أدري. ((قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى: لَقَدْ أَدْرَكْتُ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ عِشْرِينَ وَمِائَةً مِنَ الأنْصَارِ وَمَا مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ يُحَدِّثُ بِحَدِيثٍ إِلا وَدَّ أَنَّ أَخَاهُ كَفَاهُ الْحَدِيثَ وَلا يُسْأَلُ عَنْ فُتْيَا إِلا وَدَّ أَنَّ أَخَاهُ كَفَاهُ الْفُتْيَا ))
[الدارمي عن عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ ]
وفي حديث آخر، كانت المسألة تُعرَض على أحدهم فيردها إلى الآخر، وكان الصحابة رضوان الله عليهم يتدافعون عن أربعة أشياء؛ الإمامة، - وهي الآن موضِعُ تزاحُمٍ - والوصية، والوديعة، والفدية.
وقال بعضهم: "أسرعهم إلى الفتيا أقلهم علماً، وأشدهم دفعاً لها أورعهم "، وكان شغل الصحابة الكرام والتابعين بخمسة أشياء؛ بقراءة القرآن، وعمارة المساجد، وذكر الله تعالى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
طبعاً لما سمعوا كلام النبي الكريم: "كل كلام ابن آدم عليه وزرُه إلا ثلاث؛ أمر بمعروف، أو نهي عن منكر، أو ذكر لله تعالى".
وقال ابن حصين: "إن أحدهم يفتي في مسألة لو وردت على عمر بن الخطاب رضي الله عنه لجمع لها أهل بلدةٍ جميعاً ". ((عَنْ أَبِي خَلادٍ وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا رَأَيْتُمُ الرَّجُلَ قَدْ أُعْطِيَ زُهْدًا فِي الدُّنْيَا وَقِلَّةَ مَنْطِقٍ فَاقْتَرِبُوا مِنْهُ فَإِنَّهُ يُلْقِي الْحِكْمَةَ))
[ابن ماجه عَنْ أَبِي خَلادٍ]
وقال أبو سليمان:" المعرفة إلى السكوت أقرب منها إلى الكلام، وإذا كثر العلم قل الكلام، وإذا كثر الكلام قل العلم"، وهذا آخر قول: إنّ ابن عباس رضي الله عنهما كان إذا سئل يقول: "اسألوا حارث بن زيد"، وكان ابن عمر رضي الله عنهما يقول: "اسألوا سعيد بن المسيب"، وذكر أن صحابياً روى في حضرة الحسن عشرين حديثاً، فسئِل عن تفسيرها فقال: ما عندي إلا ما رويت، فأخذ الحسن في تفسيرها حديثاً حديثاً، فتعجبوا من حسن تفسيره فأخذ الصحابي حفنة من حصى ورماهم به، وقال: "تسألوني عن العلم وهذا الحبر بين أظهركم ".
انظروا إلى التواضع، إذا عزّ أخوك فهن، هكذا كان السلف الصالح، وهكذا كان التابعون. ((ركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلط))
[الجامع الصغير عن أنس]
من لم يكن له ورع يَصُدُّهُ عن معصية الله إذا خلا لم يعبأ الله بشيء من عمله. * * *
قصة من قصص الصحابة الكرام :
وبعد فهذه قصة من قصص الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين:
ما أدري عن هذه القصة إنْ كنت قرأتها من قبل أم لم أقرأها، والذي ترك أثراً في نفسي أني لمّا قرأتها وكنتُ أظن أني ما قرأتها من قبل، لكنني قرأتها، وكأني أقرأها أول مرة، هناك استنباطات كثيرة قد نقف عندها.
قال مؤلف هذا الكتاب: قلَّما اتصلت الأسباب بين شخصين وتوثقت العرى بين اثنين كما اتصلت وتوثقت بين محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه وبين أبي سفيان بن الحارث، فقد كان أبو سفيان ترباً من أترابه، فقد وجدا في زمن متقارب، ونشأ في أسرة واحدة، وكان ابن عم النبي اللزم، اللصيق، فأبوه الحارث وعبد الله والد النبي الكريم أخوان، ينحدران من صلب عبد المطلب، ثم إنه كان أخاً للنبي من الرضاع، فقد غذتهم السيدة حليمة السعدية من ثدييها معاً، وكان بعد ذلك كله صديقاً حميماً للرسول صلوات الله عليه قبل النبوة وأشد الناس شبهاً به.
فهل رأيت أو سمعت قرابة أقرب أو أواصر أمتن من هذا الذي كان بين محمد بن عبد الله وأبي سفيان بن الحارث؟ لذا كان من المفروض أن يكون أبو سفيان هذا أصدقَ الناس إلى تلبية دعوة النبي عليه الصلاة والسلام، وأسرعهم مباشرةً إلى اتباعه، لكن الأمر جاء على خلاف كل ما يتوقع، إذْ ما إنْ بدأ النبي عليه الصلاة والسلام ينذر عشيرته حتى شبت نار الضغينة في قلبِ أبي سفيان على النبي عليه الصلاة والسلام، فاستحالت الصداقة إلى عداوة، والرحم إلى قطيعة، والأخوة إلى صدّ و ردّ، كل هذه الأسباب قامت في نفس أبي سفيان، ولكن: إنّك لا تهدي من أحببت، لقد كان أبو سفيان لما صدع النبي بأمر ربه فارساً من أنبل فرسان قريش، وشاعراً مقدَّمًا بين الشعراء، فوضع كنانته ولسانه لمحاربة النبي عليه الصلاة والسلام، ومعاداة دعوته، وجنّد قوته كلها ضد الإسلام والمسلمين، فما خاضت قريش حرباً ضد النبي إلا كان مسعِّرها، وما وقع بالمسلمين أذىً إلا كان له فيه يد، ولقد أيقظ أبو سفيان شيطانَ شعره، و أطلق لسانه في هجاء النبي صلوات الله عليه، فقال فيه كلاماً مقذعاً فاحشاً، وطالت عداوة أبي سفيان للنبي عليه الصلاة والسلام حتى قاربت عشرين عاماً، لم يترك خلالها ضربًا من ضروب الكيد للنبي إلا فعلها، ولا صنفاً من صنوف الأذى للمسلمين إلا عمله، وقبيل فتح مكة بقليل كُتِبَ لأبي سفيان أن يسلم، وكان لإسلامه قصة مثيرة وَعَتْهَا كتبُ السير، وتناقلتها كتبُ التاريخ، ولنَدَعْ للرجل نفسه الحديث عن قصة إسلامه، فوصفُه لها أدق.
قصة إسلام أبي سفيان :
قال: لما استقام أمر الإسلام، وقرّ قراره، وشاعت أخبار توجُّهِ النبيّ إلى مكة ليفتحها، ضاقت عليَّ الأرض بما رحبت، وقلت إلى أين أذهب؟ ومن أصحب، ومع من أكون؟
عكرمة بن أبي جهل قبيل فتح مكة فرَّ، وعندما وصل إلى شاطئ البحر رأى صاحب سفينة، قال: أركب معك إلى الشاطئ الآخر، قال له: هل أنت مسلم؟ قال: وما مسلم؟ قال: أن تشهد أن لا إله إلا الله فقال له: إذًا لِمَ هربت؟.
وقلت: إلى أين أذهب؟ ومن أصحب؟ ومع من أكون؟ ثم جئت زوجتي وأولادي وقلت: تهيؤوا للخروج من مكة، فقد أوشك وصول محمد وإني لمقصود، ليس هو مشركًا عاديًا، ولكن له باع طويل في الأذى، وقال في نفسه: وإني لمقتول لا محالة إن أدركني المسلمون، ثم قال: أما آنَ لك أن تدرك أن العرب والعجم قد دانت لمحمد بالطاعة، واعتنقت دينه، وأنت ما تزال مصِرًّاً على عداوته، وكنت أولى الناس بتصديقه ونصره، ومازال أهلي يرغبونني بدين محمد حتى شرح الله صدري للإسلام.
قمت من توي وقلت لغلامي هيئ لي نوقاً وفرساً، طبعاً ولكن النبي الكريم في الطريق، وأخذت معي ابني جعفرًا، وجعلنا نسير نحو منطقة بين مكة والمدينة، وقد بلغني أن محمداً نزل فيها، ولما اقتربت منها تنكرت حتى لا يعرفني أحد فأقتل قبل أن أصل إلى النبي، وأعلن إسلامي بين يديه، وبقيت أمشي على قدمي، وطلائع المسلمين تمضي ميمنة شطر مكة جماعة تلو جماعة، فكنت أتنحى عن طريقهم خوفاً من أن يعرفني أحد من أصحاب النبي، وفيما أنا كذلك إذْ طلع النبي في موكبه فتصديت له ووقفت تلقاءه، وما إن ملأ عينيه مني، وعرفني حتى أعرض عني إلى الناحية الأخرى، فتنحيت إلى ناحية وجهه، فأعرض عني وحوَّل وجهه، فتحولت إلى ناحية وجهه حتى فعل ذلك مراراً، كنت لا أشك و أنا مقبل على النبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفرح بإسلامي، وأن أصحابه سيفرحون لفرحه، لكن المسلمين حينما رأوا إعراض رسول الله عني أعرضوا عني جميعاً، لقد لقيني أبو بكر فأعرض عني أشد الإعراض، فنظرت إلى عمر بن الخطاب نظراً أستلين به قلبه، فوجدته أشد إعراضاً من صاحبيه، بل إنه أغرى بي أحد الأنصار، وقال لي الأنصاري: يا عدو الله، أنت الذي كنت تؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتؤذي أصحابه، وقد بلغت في عداوة النبي مشارق الأرض و مغاربها، ومازال الأنصاري يستطيل عليّ ويرفع صوته، والمسلمون يقتحمونني بعيونهم، ويُسَرّون مما ألاقي، عند ذلك أبصرت عمي العباس، فلذت به، وقلت: يا عم؛ قد ظننت أن يفرح رسول الله بإسلامي، فإذا آمن رجل بعد فترة طويلة فهو ملوم، وأحلى شيء في مسألة الإيمان أنْ يأتي في الوقت المناسب، وأنت شاب، وأنت قوي، وأنت صحيح، وأنت غني، وليس بعد أن شاب شعرك، وانحنى ظهرك، وانزوت عنك الدنيا، وصرتَ قعيدَ البيت عندئذٍ أخذتَ تصلي.
فقلت: يا عم قد كنتُ أرجو أن يفرح رسول الله بإسلامي، لقرابتي منه، وشرفي من قومي، وقد جرى بي ما تعلم، فكلِّمه في أمري، فقال: لا والله لا أكلمه أبداً بعدما رأيت من إعراضه عنك، فإن سمحت فرصة فإني أرجو رسول الله، أمّا الآن فلا يجرؤ أحد أن يكلمه، فقلت: يا عم إلى من تكلني إذاً؟ فقال: ليس عندي غير ما سمعت، فتملكني الهم، وركبني الحزن، ولم ألبث أن رأيت ابن عمي علي بن أبي طالب، فحدثته بأمري، فما لبث أن قال لي كما قال عمي العباس، عند ذلك رجعت إلى عمي العباس وقلت: يا عم، إذا كنت لا تستطيع أن تُعَطِّف عليَّ قلب النبي الكريم فكُفَّ عني ذلك الرجل الذي يشتمني، ويغوي الناس بشتمي، فقال: صِفْهُ لي، فوصفتُه له، فقال: ذلك نعيمان بن الحارث النجاري، فأرسل إليه وقال له: يا نعيمان إن أبا سفيان ابن عم رسول الله، وابن أخي، فإن يكن رسول الله ساخطًا عليه اليوم، فسيرضى عنه يوماً، فَكُفَّ عنه، وما زال به حتى رضي أن يكف عني و قال: لا أعرض له بعد الآن، أغلق الجبهة عليه، ولما نزل النبي عليه الصلاة و السلام بالجحفة جلست على باب منزله، ومعي ابني جعفر قائماً، فلما رآني وهو خارج من منزله أشاح عني بوجهه، فلم أيأس من استرضائه، وجعلت كلما نزل في منزل أجلس على بابه، وأبقي ابني جعفراً واقفاً بإزائي، فكان إذا أبصرني أعرض عني، وبقيت على ذلك زماناً، فلما اشتد علي الأمر وضاقت نفسي، قلت لزوجتي: والله ليرضين عني رسول الله صلى الله عليه وسلم أو لآخذن بيد ابني هذا، ثم لنذهبن هائمين على وجهَيْنا في الأرض حتى نموت جوعاً وعطشاً.
فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم رقّ له، ولما خرج من بيته نظر إليَّ نظراً ألين من النظرة الأولى، ثم دخل النبي عليه الصلاة والسلام مكة فدخلتُ في ركابه، وخرج إلى المسجد فخرجت أسعى بين يديه لا أفارقه على حال، وتمَّ إسلام أبي سفيان بن الحارث أخي النبي في الرضاع وابن عمه.
إرضاء أبي سفيان للنبي الكريم :
هذه واقعة أخرى؛ فقدْ وقف أبو سفيان بن حربٍ على باب عمر ساعات، فلم يسمح له بالدخول، وصهيب وبلال يدخلان ويخرجان بلا استئذان، فلما دخل عاتبه، وقال: أبو سفيان زعيم قريش يقف في بابك ساعات طويلة وصهيب وبلال يدخلان بلا استئذان؟؟ فقال له: هؤلاء اتبعوا النبي في ساعة العسرة وأنت أين كنت؟.
ولما كان يوم الخندق، وجمعت العرب لحرب النبي عليه الصلاة والسلام، وأعدت للقائه ما لم تعد من قبل، وقررت أن تجعلها القاضية على الإسلام والمسلمين، وخرج النبي صلوات الله عليه للقاء الجموع مع أصحابه، ففي أيِّ صف كنت؟ ويوم حنين ماذا كان لك من دور؟ قد قال تعالى:
﴿ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ﴾
[ سورة التوبة:25 ]
إنّ الصحابة الذين خاضوا بدراً وأحداً والخندق، باعوا أنفسهم، ويوم حنين ظنوا أنفسهم أقوياء فخذلهم الله عز وجل، أمّا أبو سفيان بن الحارث فقال: فخرجت مع النبي، ولما رأيت جموع المسلمين الكبيرة قلت: والله لأكفِّرنَّ اليوم عن كل ما سلف مني من عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليرين مني من أمري ما يرضي الله ويرضيه، الآن جاء الوقت المناسب.
ولما التقى الجمعان اشتدت وطأة المشركين على المسلمين، فدب فيهم الوهن والفشل، وصار الناس يتفرقون عن النبي، وكادت تحل بنا الهزيمة المنكرة، فإذا بالنبي عليه الصلاة والسلام فداه أبي وأمي يثبت في قلب المعركة على بغلته الشهباء كأنه الطود الراسخ ويجرد سيفه، ويدافع عن نفسه وعمّن حوله كأنه الليث عادياً: ((عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: رَجُلٌ لِلْبَرَاءِ ابْنِ عَازِبٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا أَفَرَرْتُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ حُنَيْنٍ قَالَ: لَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَفِرَّ إِنَّ هَوَازِنَ كَانُوا قَوْمًا رُمَاةً وَإِنَّا لَمَّا لَقِينَاهُمْ حَمَلْنَا عَلَيْهِمْ فَانْهَزَمُوا فَأَقْبَلَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الْغَنَائِمِ وَاسْتَقْبَلُونَا بِالسِّهَامِ فَأَمَّا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَفِرَّ فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ وَإِنَّهُ لَعَلَى بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ وَإِنَّ أَبَا سُفْيَانَ آخِذٌ بِلِجَامِهَا وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: أَنَا النَّبِيُّ لا كَذِبْ أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ))
[متفق عليه عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ]
عند ذلك وثبت عن فرسي، وكسرت غمد سيفي، واللهُ يعلم أني أريد الموت، وأخذ عمي العباس بلجام بغلة النبي، ووقف بجانبه، وأخذت أنا مكانه من الجانب الآخر، وفي يميني سيفي أذود به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما شمالي فكانت منصفةً...، وإلى الآن لم يتبسم له النبي صلى الله عليه وسلم، فلما نظر النبي عليه الصلاة والسلام إلى حسن بلائي قال لعمي: من هذا؟ قال: هذا أخوك وابن عمك أبو سفيان بن الحارث، فارضَ عنه يا رسول الله، فقال: قد فعلت، وغفر الله له كل عداوة عادانا إياها.
فاستطال فؤادي فرحاً لإرضاء رسول الله صلى الله عني..ثم التفت إلي وقال: أخي تقدم... ألهبت كلمات النبي حماستي فحملت على المشركين حملةً أزالتهم عن مواضعهم، وحمل معي المسلمون حتى فرَّقناهم إلى كل مكان، وظل أبو سفيان بن الحارث منذ حنين ينعم بجميل رضى النبي عنه، ويسعد بكريم صحبته، ولكنه لم يرفع نظره إليه أبداً، ولم ينظر إلى وجهه حياءً منه وخجلاً من ماضيه معه. الابتعاد عن معاداة الله و رسوله و اغتنام كل لحظة في الطاعة :
بعدما أسلم لم ينظر إليه خجلاً، عشرون سنة وهو يعادي النبي، فأحياناً يقصر الإنسانُ ويؤذي الناس، ويحمّل نفسه ما لا يطيق، إذا جاءت الصحوة أعانه الله، والقضية ليست سهلة؛ أن تعادي الله ورسوله، فلا تصلي، وتستهين بالدين، وتؤذي الناس وتغشهم، ماذا يفعل هذا بنفسه؟ يحمِّلها ما لا تطيق.
وجعل أبو سفيان يعض بنان الندم على الأيام السود التي أمضاها في الجاهلية محجوباً عن نور الله، محروماً من كتابه، فأكبَّ على القرآن ليله ونهاره يتلو آياته، ويتفقه في أحكامه، ويتملى من عظاته، وأعرض عن الدنيا وزهرتها، وأقبل على الله بكل جارحةٍ من جوارحه حتى إن النبي صلوات الله عليه رآه ذات مرةٍ يدخل المسجد فقال لعائشة أتدرين من هذا يا عائشة؟ قالت: لا، قال: ابن عمي - أبو سفيان- إنه أول من يدخل المسجد، وآخر من يخرج منه.
ولما لحق النبي صلوات الله عليه بالرفيق الأعلى حزن عليه أبو سفيان بن الحارث حزنَ الأمِّ على وحيدها، وبكاه بكاء الحبيب على حبيبه، ورثاه بقصيدة من غرِّ المراثي تفيض حزنًا ولوعة، وفي خلافة الفاروق رضي الله عنه أحسّ أبو سفيان بدنو أجله، فحفر لنفسه قبراً بيديه، ولم يمض على ذلك ثلاثة أيام حتى حضرته الوفاة، كأنه مع الموت على ميعاد، فالتفت إلى زوجته وأولاده وأهله وقال: لا تبكوا علي فو الله ما تعلقت بخطيئةٍ منذ أسلمت.
إذا تاب الرجلُ إلى الله توبةً نصوحًا، وعاهد الله ألاّ يؤذي أحدًا أبداً، ولا يعصي أبداً، فإذا جاء ملك الموت يقول: مرحباً به وبالموت.
والله ما تعلقت بخطيئةٍ منذ أسلمت، ثم فاضت روحه الطاهرة، فصلى عليه الفاروق رضوان الله عليه، وحزن لفقده هو والصحابة الكرام، وعدوا موته مصابًا جللاً حلَّ بالإسلام والمسلمين.
فاغتنم أخي المسلم خمساً قبل خمس؛ شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، ولا يعرف الإنسان بعد ذلك متى يصيبه آلام، وأوجاع، أيستطيع أن يتصدق أم لا، اكسب الوقت، قم الليل إن كنتَ تستطيع أن تقوم للصلاة، اقرأ القرآن وأنت في شباب، واستغل هذا الشباب، واستبق الخيرات، وإذا درَّتْ نياقُك فاحتلبْها، وإذا هبَّبتْ رياحُك فاغتنمها، فإنَّ الريح عادتها السكون.

السعيد 09-09-2018 01:48 PM

رد: الفقة الاسلامى 2
 
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الثالث و العشرون )

الموضوع : التيمم - تعريفة - شروطة





الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
شروط التيمم :
1 ـ النية :
أيها الأخوة المؤمنون؛ تحدثنا في الدرس الماضي عن الغسل، واليوم نتحدث عن التيمم.
يصح التيمم بشروط ثمانية: الأول: النية، وحقيقتها: عقد القلب على الفعل، والعلماء على خلاف في النية، فأكثرهم أنها عمل قلبي، فإذا عزَم الإنسان على أن يفعل هذه العبادة، فهذه العزيمة هي النية، ووقتها: عند ضرب يده على ما يتيمم به، ففي أثناء الضرب على الحجر، أو التراب، أو الرخام، في أثناء الضرب ينوي الإنسانُ التيممَ من هذا الصعيد الطاهر لأداء الصلاة، أو لقراءة القرآن، أو لشيء آخر.
وشروط صحة النية ثلاثة: الإسلام، فلا تصح النية لغير المسلم، وهذا شيء بديهي، والتمييز، يعني العقل، والعلم بما ينويه، ينوي التيمم للصلاة، كأنْ ينوي التيممَ لصلاة جنازة، أو ينوي التيمم لقراءة القرآن، وهكذا.
ويشترط لصحة نية التيمم للصلاة أحد ثلاثة أشياء: إما نية الطهارة، هذه نية، أو نية استباحة الصلاة، أو نية عبادة مقصودة لا تصح بدون طهارة، من هذه العبادة المقصودة قراءة القرآن.
إذا نعود فنذكِّر أنَّ للتيمم ثمانية شروط:الشرط الأول النية، وهي عقد القلب على فعل طاعة ما.
2 ـ العذر المبيح للتيمم :
الشرط الثاني: العذر المبيح للتيمم، فإذا لم يكن هناك عذر مبيح للتيمم لم يصحّ التيمُّمُ، ما هي الأعذار؟ بُعْدُه مسافة ميل عن الماء، أي إذا كان بينك وبين الماء ميل، ولو في المصر، ولو كنت في بلد آهل بالسكان، وبينك وبين الماء ميل، هذا الميل يجيز لك التيمم، وكذلك حصول مرض، كمثل أشخاص يعانون مِن مرض الروماتيزم، وبردٍ يخاف منه التلف أو المرض، أي يخاف من التلف أي الهلاك، أو المرض، أو ازدياد المرض، إذاً بعد المسافة، والمرض، وخوف عدو، أو حيوان مفترس أو نحوه، فأحيانا عند الماء عدو ما، والعدو بطاش، كما في أثناء الحرب، وخوف عطش، فإذا كان مع الإنسان كمية ماء، وهو في الصحراء، وإذا توضأ بما معه من ماء ربَّما مات عطشا، إذًا خاف العطش، أو خاف المرض، أو خاف العدو، واحتياج ماء لعجن لا لطبخ مرق، فإذا كان معك ماء يكفي لعجن العجين، فلو أنك توضأت به لبقيت بلا خبز، ولفقد آلة أيضًا، فحبل الدلو مقطوع مثلاً، أو ليس لديه حبل للدلو، والماء على بعد أمتار، لكن لديك حبلٌ، فهذا يعني فَقْدَ آلة، وخوف فوت صلاة، أي الصلاة التي لا تقضى، مثل الجنازة وصلاة العيدين، فإذا خفت أن تفوتك صلاة الجنازة، أو صلاة العيدين فعليك بالتيمم.
إذاً فالأعذار المبيحة للتيمم، البعدُ عن الماء، وخوفُ المرض، وخوفُ العدو، وخوفُ العطش، والاحتياجُ لعجن لا لطبخ مرق، لأنّ المرق شيء ثانوي في الطعام، أما الماء للعجين فشيء أساسي، ولفقد آلة كحبل الدلو، أو السطل، أو ما شاكل ذلك، وفي أيامنا هذه إذا انقطع تيارُ الكهرباء، وعنده محرك يعمل على الكهرباء، والماء على بعد خمسين مترًا، وتيار الكهرباء مقطوع، فعليه أنْ يتيمم، وخوفُ فوت صلاة جنازة، أو عيد، هذا الشرط الثاني.
3 ـ أن يكون التيمم بطاهر :
الشرط الثالث: أن يكون التيمم بطاهر، نويت التيمم من هذا الصعيد الطاهر، من جنس الأرض، كالتراب، والحجر، والرمل، فالرخام حجر، أما الحطب، والفضة، والذهب فليست من جنس الأرض.
الشرط الأول: النية، الشرط الثاني: وجود العذر المبيح، البعد، وخوف المرض، وخوف العطش، وخوف العدو أيًّاً كان، واحتياج ماء لعجن، وفقدُ الآلة، وخوفُ فوات صلاة، والشرط الثالث: أن يكون التيمم بطاهر من جنس الأرض كالتراب، والحجر، والرمل، لا الحطب، والفضة، والذهب.
4 ـ استيعاب المحل بالمسح :
الشرط الرابع: استيعاب المحل بالمسح، أي استيعاب الوجه كاملاً، من منبت الشعر إلى أسفل الذقن، وطرفي شحمتي الأذنين استيعابًا كاملاً، وكذلك اليدين استيعابهما كاملتين.
5 ـ أن يمسح بجميع اليد أو أكثرها :
الشرط الخامس: أن يمسح بجميع اليد، أو أكثرها، فلو مسح بإصبعين لم يصحّ، ولو كرّر حتى استوعب، بخلاف مسح الرأس.
6 ـ أن يكون بضربتين بباطن الكفين :
الشرط السادس: أن يكون بضربتين بباطن الكفين، ولو في مكان واحد.
7 ـ انقطاع ما ينافي التيمم من حيض ونفاس :
الشرط السابع: انقطاع ما ينافي التيمم من حيض، ونفاس، فلو كانت المرأة في حيض أو نفاس لم يصحّ التيمم، إذْ لا بد من انقطاعهما انقطاعًا كاملاً.
8 ـ زوال ما يمنع المسحَ كشمعٍ و شحمٍ :
الشرط الثامن: زوال ما يمنع المسحَ كشمعٍ و شحمٍ، فإذا وُجدَ على الأظافر طلاءٌ، أو شحم، أو عجين، أو مادة مانعة فسدَ التيمُّم، فهذه ثمانية شروط للتيمم، وأعيدها سريعاً، أولاً: النية، ثانياً: وجود العذر المبيح، ثالثاً: التيمم بصعيد طاهر من جنس الأرض، رابعاً: استيعاب المحل بالمسح، خامساً: أن يمسح بجميع اليد، أو بأكثرها، سادساً: أن يكون بضربتين بباطن الكفين، ولو في مكان واحد، سابعاً: انقطاع ما ينافي التيمم، من حيض أو نفاس، الثامن: زوال ما يمنع المسحَ كشمعٍ، وهذه المعلومات أكثر الإخوة الحاضرين على علم بمعظمها، ولكن فذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين.
* * *
صفات العالم :
1 ـ أن يكون شديد التوقي من محدثات الأمور :
ولننتقل إلى فصل مختار من إحياء علوم الدين عنوانه " صفات العالم "، وهي: أن يكون شديد التوقي من محدثات الأمور، كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وما أكثر البدعة التي تقطع الإنسان عن ربه كأجهزة اللهو، إذْ يقول بعضُهم: به نسمع تلاوة القرآن، وتقدِّم أحاديث دينية، كما تقدِّم مواضيع علمية، فربنا عز وجل قال:
﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ﴾
[ سورة البقرة: 219]
مثلاً برميل فيه ماء مر، مذاب فيه ملعقة عسل، فمن أجل أن تصل هذه الملعقة إلى جوفك، يجب أن تشرب هذا البرميل بكامله، وهو مرٌّ، وقد يكون ساماً، وقد يكون مؤذياً، فلذلك عليه أن يكون شديد التوقي من محدثات الأمور، وإن اتفق عليها الجمهور، أي يجوز للجمهور في آخر الزمان أنْ يتفقوا على ضلالة، كأنْ يصير شيء بحكم العادة، أو شيء بحكم العرف، فيصير لكثرة انتشاره بديهيًا، فيقال: فمَن أنت حتى تجيز ما لا يجوز؟ ومن أين تأتينا بهذا الدين؟
فهنا يقول الإمام الغزالي: أن يكون شديد التوقي من محدثات الأمور، وإن اتفق عليها الجمهور، فلا يغرنّه إطباق الخلق على ما أُحدِث بعد الصحابة رَضِي اللَّه عَنْهم. 2 ـ حرصه على التفتيش عن أحوال الصحابة وسيرتهم وأعمالهم :
ليكن حريصًا على التفتيش عن أحوال الصحابة وسيرتهم وأعمالهم، فإذا اقتدى إنسان بالصحابة كان في قمة الذكاء والتوفيق، وإذا اقتدى بغير الصحابة فل، طبعاً هم رجال ونحن رجال كما قال بعض العارفين، وقال بعض العارفين: ما جاءنا عن صاحب القبة الخضراء فعلى العين والرأس، لأنه لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، وما جاءنا عن أصحابه الكرام فعلى العين والرأس، لماذا؟ لأنهم أخذوا عن النبي، والنبيُّ معصوم، وما جاءنا بعد ذلك عن غيرهم، فنحن رجال وهم رجال، وقال بعضهم الآخر: كل إنسان يؤخذ منه ويرد عليه، إلا صاحب هذه القبة الخضراء، ما ينطق عن الهوى، وقال بعضهم: ما من أحد يكبر عن أن يُنقَد، وما من أحد يصغر عن أن يَنقَد، فالإنسان غير معصوم.
لذلك قال سيدنا عمر: " أحبُّ ما أهدى إليّ أصحابي عيوبي "، أكبر هدية تقدمها لأخيك إن رأيت فيه شططاً، أو انحرافاً، أو تقصيراً، أو مخالفةً، أو معصيةً، فبينك وبينه، وبمنتهى اللطف والتهذيب، قل له: يا أخي إنني أحبُّك، وأنت مؤمن، وأنت قارئ قرآن، وهذا الذي تفعله لا يليق بالمؤمنين، إذا قلت له بينك وبينه فهذه نصيحة، فإذا وجهت له هذه الملاحظة أمام ملأٍ فهذا تشهير، وقد يكون الرد عنيفاً، لأنك شهرت به.
ويسأل الغزالي هذا السؤال فقال: أكان همُّ الصحابة في التدريس والتصنيف والمناظرة والقضاء والولاية وتولِّي الأوقاف والوصايا وأكل مال الأيتام ومخالطة السلاطين ومجاملتهم في الِعشرة أم كان همُّهم في الخوف والتفكر والمجاهدة والمراقبة واجتناب دقيق الإثم وجليله والحرص على إدراك خفايا شهوات النفوس ومكايد الشيطان إلى غير ذلك من علوم البطون؟.
سيرة الصحابة العطرة قدوةٌ لنا :
إنّ سيرةَ الصحابة العطرة قدوةٌ لنا، فأحيانا قد تحضر مجلسًا فيقال لك: هذا مجلسُ ذكر، وتجدهم يلبسون ثيابًا بيضاء، ويقومون بحركات، وفي أثناء الدوران السريع تصير ملابسُهم مثل المظلة، يا ترى أهكذا فَعَلَ الصحابة؟ وبهذه الطريقة وأمثالها فتحوا العالم؟ وبهذه الطريقة انتزعوا إعجاب الأمم؟ وبهذه الطريقة صاروا قادة الشعوب؟ والخلاصة أنّك تشعر أنّ هناك أفعالاً ليست من الدين في شيء.
يقول الحسن رَضِي اللَّه عَنْه: "محدثان أُحدِثا في الإسلام؛ رجل ذو رأي سيئ زعم أن الجنة لمن رأى مثل رأيه، ومُترَف يعبد الدنيا، لها يغضب، ولها يرضى، وإياها يطلب".
والحقيقة هنا تحليل دقيق، فأنتَ أمام رجل آثر الدنيا على الآخرة، وكلُّ همِّه الدنيا، أو رجل آخر همُّه أن يتتبَّع أفكار الناس، فمن وافقه على أفكاره المنحرفة ظنّه صالحاً ومن خالفه كَفَّرَه، وهذان المُحدَثان ليسا من الدين في شيء.
ويقول الإمام الغزالي رَضِي اللَّه عَنْه: واعلم تحقيقاً أن أعلم أهل الزمان، وأقربهم إلى الحق أشبههم بصحابة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأعرفهم بطريق السلف، فمنهم أخَذَ الدينَ.
لذلك قال الإمام علي كرم الله وجهه: خيرنا أتبعنا لهذا الدين لما قيل له: خالفتَ فلاناً؟ فلا ينبغي أن يكترث بمخالفة أهل العصر إذا كان عملُه موافقًا عملَ أهلِ عصر رسول الله وهم الصحابة الكرام.
فإذا خالفتَ أهل عصرك، واتبعت أهل عصر رسول الله فأنت على حق، وكلمة الإمام علي كرم الله وجهه يقول: " نحن نعرف الرجال بالحق، ولا نعرف الحق بالرجال "، هذه كلمةٌ في منتهى الدقة، فلا يعرف الحق لأن فلانًا قاله، بل يعرف فلانًا أهو على حق أو على باطل في ضوء الحق الذي تعرفه، فالحق هو الأصل.
فلو فرضنا مدرس لغة عربية نصب الفاعل، فإنّ الفاعل لم يَعُدْ منصوبًا، فحكمُ الفاعل الرفع، إذا ذاك المدرِّس مخطئ، ففي اللغة قواعد ثابتة في ضوئها تقيّم ضوابطها، فإذا قرأ جاهلٌ في كتابٍ مطبوع ونصَب الفاعلَ فليس الصواب في قراءته، وقال: أنا أظنه مرفوعًا، لا، فهذا خطأ مطبعيّ، فأنت تعرف الكلام بالحقائق التي تعرفها من قبل، ولا تستنبط الحقائق من كتاب طارئ.
يقول النبي عليه الصلاة والسلام:
((إِنَّمَا هُمَا اثْنَتَانِ الْكَلَامُ وَالْهَدْيُ فَأَحْسَنُ الْكَلَامِ كَلَامُ اللَّهِ وَأَحْسَنُ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ أَلَا وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدِثَاتِ الْأُمُورِ فَإِنَّ شَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا وَكُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ أَلَا لَا يَطُولَنَّ عَلَيْكُمْ الْأَمَدُ فَتَقْسُوَ قُلُوبُكُمْ أَلَا إِنَّ مَا هُوَ آتٍ قَرِيبٌ وَإِنَّمَا الْبَعِيدُ مَا لَيْسَ بِآتٍ))
[ ابن ماجه عن ابن مسعود]
من سنّ سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة :
سألني الأسبوع الماضي رجلٌ، فقال: أليس هناك حديث " من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة "، فأردت أن أبسِّط له الموضوع، فقلت: لما وضعوا في المساجد برادات للماء في أيام الصيف الحارة، والمصلي يتمنّى أن يشرب كأس ماء بارد، فهذه البرادات انتشرت بعد ذلك فهذه سنّة حسنة، ووضعوا في المساجد سخانات للمياه، ففي أيام الشتاء يتمنى المتوضِّئُ أن يكون الماءُ ساخناً، وهذه أيضًا سنة حسنة:
((اصْنَعُوا لِآلِ جَعْفَرٍ طَعَامًا فَإِنَّهُ قَدْ أَتَاهُمْ أَمْرٌ شَغَلَهُمْ ))
[رواه أبو داود عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ]
طبعاً هذه سنة نبوية مطهرة، فإذا أصيب مسلم بمصاب، أو بلاء، أو حادث وفاة، فهو بعيد عن جو الطعام والشراب، فإذا قَدَّم له الأهل الطعام والشراب جاهزين، فهذا اتباع لسنة النبي عليه الصلاة والسلام، فأبواب الخير كثيرة، وقد بلغني أنّ أحَدَ الصالحين بالشام أوقف مبلغًا كبيرًا من المال لكل غلام كُسِر معه إناء، ويخاف عقاباً أليماً من وليه، أو سيده، يأتيه بقطعة من هذا الإناء فيعطيه إناءً كاملاً جديداً، فهذا الإنسان أراد أن يخفِّف مآسي المجتمع، وَاللَّهِ هذه سنَّة حسنة، فإذا فكر الإنسانُ في أعمال الخير، فأعمال الخير لا تُعدُّ ولا تُحصَى، لكن هذه ليست بدعاً ، هذه من صلب الدين، ومغطاة بآيات، وأحاديث كثيرة، من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة فإذا أَلْحَقَ شخصٌ بالمسجد مستوصفًا، وعولِج فيه مريض فقير، فهذا شيءٌ جميل، وهذه سنة حسنة، وإذا علَّم الإنسان الأولاَدَ القرآنَ الكريمَ، فألزم المدرِّسُ نفسه بذلك، فهذا شيء يُحمَد عليه.
ويقول عليه الصلاة والسلام: ((طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس، وأنفق من مال اكتسبه من غير معصية، وخالط أهل الفقه والحكم، وجانب أهل الزلل والمعصية، طوبى لمن ذل في نفسه وحسنت خليقته، وصلحت سريرته، وعزل عن الناس شرَّه، طوبى لمن عمل بعلمه، وأنفق الفضلَ من ماله، وأمسك الفضلَ من قوله، ووسعته السنَّةُ، ولم يَعْدُهَا إلى بدعة))
[أخرجه أبو نعيم من حديث الحسين بن علي و البزار من حديث أنس]
هناك كثير مِن الأمثلة على البدع، فبعضُ المسلمين يرغب في حضورِ احتفال رأس السنة، وآخرُ يحبُّ أنْ يقلِّد الأجانب، وهذه بِدَعٌ. إكرام الوالدين وحسن صحبتهما يوازي الجهاد في سبيل الله :
في خطبة الجمعة حدَّثتُكم أنّ عيد الأم شيءٌ مستورَد، لكن المسلمين يملكون من هذه البضاعة الشيءَ النفيس:
((عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنِّي جِئْتُ أُبَايِعُكَ عَلَى الْهِجْرَةِ وَلَقَدْ تَرَكْتُ أَبَوَيَّ يَبْكِيَانِ، قَالَ: ارْجِعْ إِلَيْهِمَا فَأَضْحِكْهُمَا كَمَا أَبْكَيْتَهُمَا ))
[النسائي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو]
فلقد رأى النبيُّ الكريمُ أنَّ إكرام الوالدين وحسن صحبتهما أولى لذلك الرجل من الجهاد، وعَدَّ الإحسانَ إليهما موازياً للجهاد في سبيل الله، وإليكم حديثًا آخر: ((عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَأْذِنُهُ فِي الْجِهَادِ، فَقَالَ: أَلَكَ وَالِدَانِ، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ ))
[الترمذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو]
حادثة أخرى: ((عَنْ الْعَبَّاسِ الشَّاعِرَ، وَكَانَ لا يُتَّهَمُ فِي حَدِيثِهِ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو رَضِي اللَّه عَنْهمَا يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَأْذَنَهُ فِي الْجِهَادِ، فَقَالَ: أَحَيٌّ وَالِدَاكَ، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ))
[البخاري عَنْ الْعَبَّاسِ]
جاءه رجل ثالث قال له: لي أم تركتها وحيدة، وأتيت لأجاهد معك يا رسول الله - أو كما قال - فقال عليه الصلاة والسلام: " قَابِلْ اللهَ في برِّها "، فبرُّ الوالدة عملٌ يكفي أن تقابل اللهَ به عز وجل، " قَابِلْ اللهَ في برِّها "، وقال عليه الصلاة والسلام: لو أن في اللغة كلمة أقل من "أف" لقالها الله عز وجل، إذا نحن عندنا في العام 365 عيدًا للأم، كل يوم أنت مكلف بطلبِ رضى الوالدة، لا بالكلام بل بالإحسان والأدب وطلب الرحمة، وتدعو لهما في آخر كل الصلاة؛ ربِّ اغفر لي ولوالدي، رب ارحمهما كما ربَّياني صغيرة، لكن في مجتمع آخر يكون للأم خمسةُ أولاد، ولا ترى أحدًا منهم طيلة العام، فلمثل هذا المجتمع كان عيد الأم، أجَلْ لمثل هؤلاء كان عيد الأم، لرجل يموت في بيته فتتفسخ جثتُه، ويبقى ستة أشهر إلى أن يُقتحم عليه البيت من نتن الرائحة، وله خمسة أولاد متزوجون يقيمون في لندن، في المدينة نفسها التي هو فيها، ولم يخطر على بال واحد منهم أن يزور أباه خلالَ هذه الأشهر الست، فلمثل هؤلاء كان عيد الأم، وغالباً حتى في هذا العيد يكتفون بإرسال بطاقات زيارة بدل الزيارة الحقيقة.
إذاً المسلمُ وسعته السنَّة، ولم تستهوِه البدعة، وكثير من الصراعات في حياتنا؛ صراعات لها أول وليس لها آخر، كلها مستوردة من الغرب ، فمصمِّم أزياء في فرنسا مثلاً، لنزوة شيطانية ألَمَّتْ في عقله يمكن أنْ يجعل نساء المسلمين يخرجنَ على قواعد الشرع، وإذا رضينا هذا، وإذا تتبعنا هذه الصراعات، وبجَّلناها، وقدّسناها، فأين نحن إذًا من الإسلام؟
والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (( طوبى لمن وسعته السنة ولم تستهوِه البدعة))
[أخرجه أبو نعيم من حديث الحسين بن علي و البزار من حديث أنس]
كلُّ كلام لا علاقة له بذكر الله لغو ملغي :
وفي هذا الحديث:
((طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس....))
[أخرجه أبو نعيم من حديث الحسين بن علي و البزار من حديث أنس]
لما يتعامَى الإنسان عن عيوب الناس، وينشغل بعيوب نفسه، فهذا مؤمن حقاً، أمّا التافه فهمُّه الأول تتبُّعُ عورات الناس، لِمَ فلانة طلقت؟ ولِمَ فلان ليس له أولادٌ؟ يا ترى السبب منه أم منها؟ وما دخلك أنت بينهما؟ ومَن استشارك؟ ومَن شكا لك الموضوع؟ ((طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس....))
[أخرجه أبو نعيم من حديث الحسين بن علي و البزار من حديث أنس]
((مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لا يَعْنِيهِ))
[الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
ومن علامة الإيمان. ﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾
[ سورة المؤمنون:1-3]
قال بعض المفسرين: كلُّ كلام لا علاقة له بذكر الله فهو لغو ملغي، إن الله يحب معالي الأمور، ويكره سفسافها، ودنيِّها، فلذلك: ((طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس، وأنفق من مال اكتسبه من غير معصية...))
[أخرجه أبو نعيم من حديث الحسين بن علي و البزار من حديث أنس]
و:(( أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إِلا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ: ( يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ) وَقَالَ: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ) ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ))
[مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
هذه الدعوات يا ربّ يا ربّ صارت هباءً منثورًا، فإذا كان دخله حرامًا، يا ربّ ويا ربّ، فهذا نفاق، وإذا لا يصلِّي الفرض إلا في الصف الأول وفي وقته، والله شيء جميل، لكنه يملك مطعمًا تباع فيه الخمرة، قلت له: ما هذا؟ فقال لي: إنْ شاء الله في رقبة شريكي، أنا لا أذهب إلى المطعم أبدًا، و الحمد لله، ولكنه يقبض الربح في آخر السنة، وإن شاء الله بيعُ الخمرة في رقبة شريكه كما يزعم: ((يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ ؟ ))
[ مسلم عن أبي هريرة]
أي أنا لا أعتقد شيئًا في الحياة أخطر من الدعاء، لأنك بالدعاء تستعين بأقوى قوة بالكون وهي الله عز وجل، وبالدعاء أنت أقوى إنسان على وجه الأرض. الإنسان بالدعاء يعلن أنّ له عند الله رجاء :
كان سراقةُ بن مالك فارساً شجاعاً صنديداً طمع في الجائزة، إنها مئتان من الإبل لمن يأتي بمحمد حياً أو ميتاً، وحينما اقترب منه غاصت قدما فرسه في الرمل أول مرة والثانية والثالثة، شعر أن هذا ممنوع مني، إذًا في الكون قوة إلهية تحميه بالدعاء، فيكون أقوى إنسان على وجه الأرض.
كذلك معركة الخندق معركة كبيرة، كانت على وشك أن تستأصل المسلمين، إنّها حرب تدميرية هدفها إنهاء الإسلام كلياً، فالله عز وجل أرسل رياحًا عصفت بخيام الكافرين فأطفأت نيرانهم، وقلبت قدورهم، ودبّت بينهم الخلافات، وكان سيدنا نعيم بن مسعود قد أسلم في الوقت المناسب، قال للرسول الكريم: مُرْني يا رسول الله، فقال له: أنت واحد، ولكن خذِّلْ عنا ما استطعت، فذهب إلى الأحزاب وقال لهم كلاماً عن اليهود، وذهب إلى اليهود وقال لهم كلامًا آخر، فأوقع بينهم الشقاق، وكانت النتيجة أن انصرفت الأحزاب، ونصر اللهُ عبده، وهزم الأحزاب وحده، ولا شيء قبله ولا شيء بعده.
وفي حنين أمسك النبي الكريم حفنة من رمل ورماها في الوجوه وقال: شاهت الوجوه:
أنا النبيُّ لا كذب أن ا ابنُ عبدِ المطلب
***
إنّك بالدعاء تعلن أنّ لك عند الله رجاء، واللهُ سبحانه وتعالى هو هو، قريب يجيب دعوة الداعي إذا دعاه، وآياته هي هي، وقوانينه هي هي، في أي زمان إذا قلت: يا ربّ، يقول الله عز وجل: لبيك يا عبدي، فما من مخلوق يعتصم بي من دون خلقي أعرف ذلك من نيته، فتكيده أهل السموات والأرض، إلا جعلت له من بين ذلك مخرجًا، وما من مخلوق يعتصم بمخلوق دوني، أعرف ذلك من نيته إلا قطعت أسباب السماء بين يديه، وجعلت الأرض هوياً تحت قدميه، الدعاء شيء خطير، أنت بالدعاء يستجيب الله لك، لكن العبد الذي يقول: ((... يَا رَبِّ يَا رَب، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ ))
[مسلم والترمذي عن أبي هريرة ]
من أراد تحقيق أهدافه فلابد له من التفرغ ولزوم مجالس العلم والبذل :
ويقول عليه الصلاة والسلام:
((...وأنفق من مال اكتسبه من غير معصية، وخالط أهل الفقه والحكم...))
فمِن أين ترجو الخير إن كنت بعيدًا عن أهل الخير؟ ومِن أين ترجو أن تكون عالماً إذا كنت بعيدًا عن مجالس العلم؟ وهل سمعتُم في حياتكم أنّ إنسانًا صار طبيبًا وهو جالس في بيته أو وهو مقيم بالسوق؟ فلا بد من التفرغ، ومِن لزوم مجالس العلم، ومن البذل، حتى تكون محققًا لأهدافك. من فهم مضمون الآيات و عمل بها فقد فقه :
ويقول عليه الصلاة والسلام:
((.....وجانب أهل الزلل والمعصية، طوبى لمن ذل في نفسه، وحسنت خليقته، وصلحت سريرته...))
﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾
[ سورة الشعراء:88-89]
إذا كنتَ ذا قلبٍ سليٍم فهنيئا لك، لأنّ الله معك: ((.....وعزل عن الناس شرَّه، طوبى لمن عمل بعلمه....))
والله شيء جميل، لِيَضَعْ كلُّ واحد منا يضع نفسه محلّ البدوي الذي قال للنبي الكريم: يا رسول الله عظني وأوجز؟ فنظر إليه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ و قال له: ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ﴾
[ سورة الزلزلة: 7-8 ]
قال الأعرابيُّ: قد كفيت، فقال عليه الصلاة والسلام: فَقُهَ الرجل، لو قال: فَقِه فلها معنى آخر، أما قال: فَقُه الرجل، لو قال: فقِهَ، أي عرف أحكام الفقه، لكنّه قال: فقُه أي أصبح فقيهاً، كأنْ تكون آية قرآنية قرأتها فشعرت أنك اكتفيت بها لعشرات السنين، تطبيقاً لهذا الحكم، قال تعالى: ﴿ قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ﴾
[ سورة طه: 123 ]
﴿ قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾
[ سورة البقرة: 38]
هذه آية ثانية. ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾
[ سورة النحل: 97 ]
فإِنْ فهمتَ مضمون هذه الآيات و عملتَ بها فقد فقُهتَ بإذن الله. التطاوُل على الناس وصفاتهم في المجالس شيءٌ قبيحٌ وحسابُه عند الله عسيرٌ :
واللِه في القرآن آيات كثيرًا، كل آية إذا عقلتها تقول: كفيت:
((.....طوبى لمن عمل بعلمه، وأنفق الفضلَ من ماله، وأمسك الفضلَ من قوله....))
(( لَا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ، وَلَا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ))
[ أحمد عن أنس بن مالك]
فأنْ يقول قائلٌ: الحمد لله لا أسرق، ما هذا الكلام؟ هذه كبائر، مِن البديهي ألاّ تسرق، فإذا قال لك طبيب: أنا الحمد لله أقرأ وأكتب، أتتعجب من ذلك و تقول: تقرأ وتكتب!! هذه بديهية، هذه يفعلها طالب ابتدائي، أنت مطالب بعلم دقيق، مطالب باستشارات، مطالب بمطالعة عميقة، مطالب بحل معضلات، أمّا أنْ تقرأ وتكتب، فهذه بديهيات، أما إذا كنت في مجلس، وطُرِح موضوع عن إنسان، فسلَقَتْهُ الألسنة، أنت كمؤمن ماذا تفعل؟ أتجري مجراهم؟ لا، فإمّا أن تقوم من هذا المجلس، وإما أن تسكِتهم، فهذه غيبة، أو حدّثك شخصٌ بقصة عن فلان، أتنقلها مكبراً فيدبّ الخلافُ بينهما؟ فاعلمْ أنّه لا يدخل الجنة نمّام أبداً، أو قتات، والمعنى واحد، إنه شي خطير على مستوى اللسان، هناك كبائر، فاحذر الغيبة والنميمة والسخرية، قالت له: صفيَّةُ قصيرة، فقال لها: يا عائشة لقد قلتِ كلمةً لو مُزِجتْ بمياه البحر لأفسدته، فكلمة "قصيرة "، يقولون: قصيرة مثل المسطيجة، وأحياناً يقولون: إذا كان طويلاً زيادة مثل الحورة !! أمَّا إذا كان قصيرًا زيادة فيغتابونه غيبةً مهلِكةً، فالتطاوُل على الناس وصفاتهم في المجالس شيءٌ قبيحٌ، وهذا كله حسابُه عند الله عسيرٌ، وهل يكب الناس على وجوههم في النار إلاّ حصائد ألسنتهم. من قرأ ما جاء في كتاب الله بهرته حقائقُ الإيمان :
لذلك:
((......وأمسك الفضلَ من قوله، ووسعته السنَّةُ، ولم يَعْدُهَا إلى بدعة))
عليك بكتاب الله، أما يكفيك؟ ففيه كل شيء، والحديث النبوي الشريف ألا يكفيك؟ وَاللَّهِ هذه الأيامُ أقرأ مسرحية شكسبير، وماذا يعنيك من شكسبير؟ أعنده حكمة؟ أيصف لك نفوسًا مريضة؟ فإذا نقب شخصٌ في صندوق قمامة فماذا سيجد؟ سيجد قشر برتقال، والأكلة المتعفنة، واللحمة المتفسخة، هذا ما في صناديق القمامة، فإذا قرأت الروايات والقصص فلن يطالعك منها إلاّ انحراف أخلاقي، وهبوط نفسي، وضعف إنساني، وواقع مؤلم، وفقر مدقع، ولؤم لا يحتمل، فعندما تنتهي من القراءة تشعر بانقباض شديد، لأن الكاتب أوصلك إلى الوحل الذي صنعتْهُ قبائحُ الناس، فمرَّغك في وحل البشر، لكن اقرأ عن صحابي جليل، ستبقى أسبوعًا مترنمًا، واللهِ الأسبوع الماضي ذهبت إلى البيت، ومن عادتي أن أقرأ قبل أن أنام، لشدة استمتاعي بالقصة التي تلوتها على مسامعكم، لكنّني واللِه ما تمكَّنتُ من أن أقرأ شيئاً، فبقيت هكذا مستمتعاً بهذه المواقف التي وقفها سيدنا أبو سفيان بن الحارث، وما استُنبِط من مواعظ من هذه القصة، اقرأ قصص الصحابة تجد نفسَك ارتفعت، ويمكن أنْ تنسى نفسك أنك من مواليد الشام ومن أبناء سنة ألف و تسعمئة و خمس و ثمانين، تُشَدُّ بروابط متينة إلى ذاك المجتمع الفاضل، وإلى هذه القيم العالية، وإلى هذه البطولات، وتتمنى أن تكون خادمًا عندهم، وتتمنى أن تكون حارسًا لهم، وتعجب لِما هم عليه مِن هذا الكمال، والإنسان يذكر الصالحين الأبطال، فيتعطر المجلس بذكرهم، ويعتمر قلبه بالإيمان، وترتفع معنوياته، ويشعر أنّه إنسان آخر، بينما إذا قرأ القصص الحديثة، فكأنّه خاض في صندوق قمامة إلى قمة رأسه، تجد فيها السفه، والحمق، والخيانة، والغدر، واللؤم، والفقر المدقع، والغنى الفاحش، والفرق الطبقي الذي لا يحتمل، والضعيف الذي لا ناصر له، لكن اقرأ ما جاء في كتاب الله؛ فتروعك حقائقُ الإيمان، إذْ يقرأ كلامًا يفيده، "طوبى لمن وسعته السنة، ولم تستهوِه البدعة"، يقول أحدهم: واللهِ أنا أعلِّم ابني العزف على الكمان، وهي آلة حنونة، ولكن السنة ما اكتفيت بها، وما لامست مشاعري، وَاللَّهِ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ إن طرب المؤمن بكتاب الله لمقياسٌ فنيُّ بحت، ولو اجتمع ذواقو الغناء في العالم لما طربوا مجتمعين كما يطرب مؤمن بآيات الله، تذوب نفسُك مع معانيها، وتشعر أن المتكلم هو الله عز وجل، خالقك. ﴿ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ﴾
[ سورة ص: 44 ]
ثم اقرأْ هذه الآية: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴾
[ سورة الحديد: 16 ]
دخلت منزلَ شخصٍ منذ يومين، وهو متقدم في السن، حدّثني موجزًا بكلمتين، فقد سمعنا أن لك دروسًا، قلت له: نعم، يقول الله عز وجل في الحديث القدسي: "عبدي كبرت سنك، وضعف بصرك، وشاب شعرك، وانحنى ظهرك، فاستحِ مني فأنا أستحيي منك"، فقال: لا تضيِّق و لا تشدِّد فكل سنٍّ لها ظروفها، فهو يبقى إلى الساعة الثانية يلعب بالنرد رغم كِبَر سنِّه، فهذه مِن رجل كبُرت سنُّه ثخينةٌ حقًّاً، ولا تُقبَل أبدًا، وعلمت أنّه جاءت امرأة إلى البيت، وهي صديقة زوجتك فيقول: تعالوا إلى هنا ليجلسهما إليه، رغم سنه، بحجَّة أن غرفته فيها مدفأة، فأنا أذكر هذا و أمثاله بالحديث القدسي: "فاستحِ مني فأنا أستحيي منك". * * *
قصة وحشي بن حرب الحبشي :
هذه قصة صحابي، ونقول " صحابي" والله أعلم بحاله، فهذا الرجل فعل مأساة في تاريخ المسلمين؛ قتل خير الناس بعد محمد صلى الله عليه و سلم، وقتل شرَّ الناس أيضاً، فلعل الله عز وجل يغفر له هذه بتلك، فَمَنْ هذا؟ هذا الذي أدمى فؤاد رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أدمى فؤاده حينما قتل عمه حمزة بن عبد المطلب يوم أحد، وإنْ أحدٌ منكم أكرمه الله عز وجل بزيارة الحرم النبوي الشريف، فلينتقل إلى الأماكن المقدسة، ومنها أُحُد، فإنه سيجد قبر سيدنا حمزة، أشهر قبر هناك، في ساحة معركة أحد، ثم شفى قلوبَ المسلمين حينما قتل مسيلمة الكذاب يوم اليمامة، إنه وحشي بن حرب الحبشي، المكنى أبو دسمة، و له قصة عنيفة حزينة دامية، فأَعِرْهُ سمعك ليروي لك مأساته بنفسه، قال وحشي: كنت غلاماً رقيقاً لجبير بن مطعم أحد سادة قريش، وكان عمه طعيمة قد قتل يوم بدر على يد حمزة بن عبد المطلب، فحزن عليه أشد الحزن، وأقسم باللات والعزى ليثأرنّ لعمه، وليقتلن قاتله، وجعل يتربص بحمزة الفرص، ولم يمضِ على ذلك طويل وقت حتى عقدت قريش العزم على الخروج إلى أُحُد للقضاء على محمد بن عبد الله، والثأر لقتلاها في بدر، فكتَّبتْ كتائبها، وجمَّعتْ أحلافها، وأعدَّت عدَّتها، ثم أسلمتْ قيادتها إلى أبي سفيان بن حرب، فرأى أبو سفيان أن يجعل مع الجيش طائفة من عقيلات قريش، أيْ من نساء قريش، ممَّن قتل آباؤهن، أو أبناؤهن، أو أخوتُهن، أو أحٌد من ذويهن في بدر، ليَحمسْنَ الجيش على القتال، وَيَحُلْنَ دون الرجال ودون الفرار، فكان في طليعة من خرج معه من النساء زوجه هند بنت عتبة، وكان أبوها وعمها وأخوها قد قتلوا جميعاً في بدر، ولما أوشك الجيش على الرحيل التفت إليّ جبير بن مطعم وقال: هل لك يا أبا دسمة - أأي وحشيًّا - في أن تنقذ نفسك من الرق؟ قلت: ومن لي في ذلك؟ قال: أنا لك به، قلت: وكيف؟ قال: إن قتلتَ حمزة بن عبد المطلب عم محمد بعمي طعيمة بن عدي فأنت عتيق، قلت: ومن يضمن لي الوفاء بذلك؟ قال: من تشاء، ولأُشهِدَنَّ على ذلك الناسَ جميعاً، قلت: أَفعلُ وأنا لها، قال وحشي: وكنت رجلاً حبشياً أقذف بالحربة قذف الحبشة، قلّما أخطئ شيئاً أرميه بها، فأخذت حربتي ومضيت مع الجيش، وجعلت أمشي في مؤخرته، قريباً من النساء، فما كان لي أربٌ بالقتال، له مصلحة بسيدنا حمزة فقط، وكنت كلما مررتُ بهند زوجة أبي سفيان، أو مرَّتْ بي، ورأت الحربة تلتمع في يدي تحت وهج الشمس تقول: أبا دسمة أشفِ واستشفِ، فلما بلغنا أحد والتقى الجمعان خرجت ألتمس حمزة بن عبد المطلب، وقد كنت أعرفه من قبل، ولم يكن حمزة يخفى على أحد، لأنه كان يضع على رأسه ريشة نعامة، كما كان يفعل ذوو البأس من شجعان العرب، وما هو إلا قليل حتى رأيت حمزة يهدر بين الجموع كالجمل الأورق، وهو يهد الناس بسيفه هداً، فما يصمد أمامه أحد، ولا يثبت له شيءٌ، وفيما كنت أتهيأ له، وأستتر منه بشجرة أو حجر متربصاً أن يدنو مني، حتى تقدمني إليه فارسٌ من قريش يدعى سباع بن عبد العزي، وهو يقول: بارزني يا حمزة، بارزني، فبرز له حمزة وهو يقول: هلمّ إلي، ثم ما أسرع أن بادره بضربة من سيفه فخر صريعاً، يتخبط بدمائه بين يديه، عند ذلك وقفت من حمزة موقفاً أرضاه، أي صارت المسافة قريبة، وجعلت أهز حربتي، حتى إذا اطمأننت لها دفعت بها نحوه، فوقعتْ في أسفل بطنه، فخطا متثاقلاً نحوي خطوتين، ثم ما لبث أن سقط والحربة في جسده، فتركتها حتى أيقنت أنه مات، ثم أتيته وانتزعتها منه، ورجعت إلى الخيام وقعدت فيها، إذ لم تكن لي حاجة غيره، وإنما قتلتُه لأُعتَق، ثم حمي وطيس المعركة وكثر فيها الكر والفر، غير أن الدائرة ما لبثت أن دارت على أصحاب محمد، وكثر فيهم القتل، عند ذلك غدت هنُد بنتُ عتبة على قتلى المسلمين، ومن ورائها طائفة من النساء، فجعلت تمثّل بهم، فتبقر بطونهم، وتفقأُ عيونهم، وتجدع أنوفهم، وتصلم آذانهم، وكان سيدنا رسول الله صلى الله عليه و سلم دُعِي إلى التمثيل في قتلى بدر، فقال عليه الصلاة والسلام: "لا أمثل بهم فيمثل الله بي ولو كنت نبياً"، ثم صنَعَتْ من الأنوف والآذان قلادةً وأقراطاً فتحلّت بها، ودفعت قلادتها وقرطيها الذهبيين لي وقالت: هما لك يا أبا دسمة، هما لك، فاحتفظتُ بهما فإنهما ثمينان، ولما وضعت الحرب أوزارها، عدتُ مع الجيش إلى مكة فبرَّ لي جبيرُ بن مطعم بما وعدني، وأعتق رقبتي، فغدوتُ حرًّاً، لكن أمر محمد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جعل ينمو يوماً بعد يوم، وأخذ المسلمون يزدادون ساعة بعد ساعة فكنتُ كلما عظم أمر محمد، عظم عليَّ الكرب، وتمكن الجزع والخوف من نفسي، وما زلتُ على حالي هذه حتى دخل محمد مكة بجيشه الجرار فاتحاً، والعاقبة للمتقين، عند ذلك ولَّيْتُ هارباً إلى الطائف، ألتمس فيها الأمن، لكن أهل الطائف ما لبثوا كثيراً حتى لانوا للإسلام، وأعدُّوا وفداً منهم إلى لقاء محمد، وإعلان دخولهم فيه، وعندما أنزل ربنا عز وجل قوله تعالى:
﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا*فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا ﴾
[ سورة النصر: 1 ـ 3 ]
قالوا: في هذه الآية نَعيُ النبي عليه الصلاة والسلام، أي أنّ رسالته تحققت وتمَّت، وقال عليه الصلاة والسلام:" يأتي على أمتي زمان يخرج الناس من دين الله أفواجًا"، وكيف ذلك؟ فهذه مثلاً مضى عليها أربعون سنة محجَّبة ثم سفرت وأظهرتْ مفاتنها، وتدَّعي أنّ خلقها قد ضاق، بل قد ضاقت نفسُها ذرعًا بالحجاب، فيخرج الناسُ أفواجاً، كما دخلوا أفواجاً، عند ذلك قال وحشي: سقط في يدي، وضاقت عليَّ الأرضُ بما رحبت، وتعيَّت عليّ المذاهب، فقلت: ألحقُ بالشام، أو باليمن، أو ببعض البلاد الأخرى، فوالله إني لفي غمرة همَّي هذه إذْ رقّ لي رجل ناصح وقال: ويحك يا حبشي، إن محمدًا واللهِ لا يقتل أحدًا من الناس إذا دخل في دينه، وفي الإسلام قواعد صارمة، ولو أنّ هذا الحبشي قالها نفاقاً، أو شكلاً، أو تقية، أو ممالأةً، أو مماراةً، لو قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، فقد حقَن دمه، قال له: ويحك يا حبشي، إن محمدًا والله ما يقتل أحدًا من الناس إذا دخل دينه، وتشهد بشهادة الحق، فما أنْ سمعتُ مقاله، حتى خرجت ميمِّمًا وجهي شطرَ يثرب، أبتغي محمدًا، فلما بلغتها تحسّست أمَره، فعرفت أنه في المسجد، فدخلت عليه في خفةٍ وحذر، ومضيت نحوه، حتى صرت واقفاً فوق رأسه، فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، فلما سمع الشهادتين، رفع بصره إليّ، فلما عرفني ردّ بصره عني، وقال: أوحشي أنت؟ قلت: نعم يا رسول الله، فقال: اقعد وحدِّثني كيف قتلت حمزة؟ فقعدت فحدثت خبره، فلما فرغت من حديثي أشاح عني بوجهه، وقال: ويحك يا وحشي، غيِّب وجهك عني، فلا أرينَّكَ بعد اليوم، أيْ لن يقتله رسول الله، ففي الإسلام قواعد ثابتة، لكن غيِّبْ وجهك عني، فلا أرينَّك بعد اليوم، فكنت منذ ذلك اليوم أتجنب أن يقع بصر النبي الكريم عليَّ، فإذا جلس الصحابة قبالته أخذتُ مكانًا خلفه، وبقيتُ على ذلك حتى قبض النبي عليه الصلاة والسلام، فموقفي مُخْزٍ إلى يوم القيامة، ثم أردف وحشي يقول: وعلى الرغم من أني عرفت أن الإسلام يَجُبُّ ما قبله، فقد ظللتُ أستشعر فداحة الفعلة التي اجترحتها، وأستفظع الأمرَ الجلَلَ الذي نزل بي، وطفقت أتحيَّنُ الفرص كي أكفِّر عمَا سلف، وصدَق النبي الكريم إذْ قال: " ألا يا رب شهوةِ ساعةٍ أورثت حزناً طويلاً "، فعلى الإنسان أنْ يفكِّر مليون مرة قبل أنْ يعمل عملاً، كقتل النفس، فيمكن لعملٍ ما أنْ يجعله في حجاب إلى يوم القيامة، فقدْ يكون ذاك العملُ أحَدَ أسباب هلاكه، " ألا يا رب شهوة ساعة أورثت حزنًا طويلاً "، ثم قال: فلما لحق النبي الكريم بالرفيق الأعلى، وآلت الخلافة إلى صاحبه أبي بكر، وارتدَّ بنو حنيفة أصحاب مسيلمة مع المرتدين، جهّز خليفةُ رسول الله جيشاً لحرب مسيلمة، فقلت في نفسي: إن هذه وَاللَّهِ فرصتك يا وحشي فاغتنمها، ولا تدَعْها تفْلتُ من يديك، ثم خرجت مع جيوش المسلمين، وأخذت معي حربتي التي قتلت بها سيد الشهداء حمزة، و آليت على نفسي أن أقتل بها مسيلمة الكذاب، أو أظفر بالشهادة، فلما اقتحم المسلمون على مسيلمة وجيشه حديقة الموت، والتحموا بأعداء الله جعلت أترصد مسيلمة، فرأيته قائماً والسيف في يده، ورأيت رجلاً من الأنصار يتربص به مثلما أتربص أنا به، فلما وقفتُ منه موقفاً أرضاه هززت حربتي حتى إذا استقامت في يدي دفعت بها نحوه فوقعت فيه، وفي نفس اللحظة التي أطلقت حربتي على مسيلمة كان الأنصاري يثب عليه ويكيل له ضربة بالسيف، فربك يعلم أيّنا قتله، فإن كنت أنا الذي قتلته أكن قد قتلتُ خير الناس بعد محمد، وقتلتُ شر الناس بعده، لعلّ الله عز وجل يجعل هذه بتلك. عذاب النفس يسبق كل عذاب :
هذه القصة هدفها أنّ الإنسان أحياناً في ساعة الغفلة، أو طغيان الشهوة، أو الطمع في المال، أو القوة العمياء، يرتكب حماقة كبيرة من السذاجة والغباء، حيث تقول: أتوب منها، هذا كلام، فلما تشعر النفس بشناعة عملها وفظاعة فعلتها فليس مِن قوة تزيح عن كاهلها الشعور بالإثم، فمثلاً إذا كان الإنسان في ساعة سكر شديد، قام يذبح ابنه، وبعدما ذهب عنه أثرُ السكر وصحا منها رأى ما فعلتْ يدُه، ولات حين مندَم، ولو تصورنا أنّ أحداً لم يحاسبه، ولم يعتقله، وليس مِن قضاء يحاكمه، لكنّه يتفتَّت ألمًا وحسرةً، و يموت كل ساعة مئة مرّة، لماذا؟ لأن عذاب النفس يسبق كل عذاب، و قد حُكيَ لي أنّ شخصًا منذُ ثلاثين سنة تقريبًا في بيروت دهس طفلاً بسيارته، فلما أوى لينام ما استطاع، والحادث وقع الساعة الواحدة ليلاً حسب الرواية، إذْ بعث الوالدُ ابنه لشراء حاجة من الدكان، وبينما الولدُ يقطع الشارع دهسته سيارة فمات، فأول يوم ما استطاع أن ينام، وثاني يوم، وثالث يوم، ورابع يوم، ومضى عليه عشرون يوماً لا ينام، فالتجأ إلى طبيب نفسي علَّه يجد ما يريحه و يهدِّئ من رَوعه، فحذارِ من ساعة الغفلة، ومن ساعة طغيان الشهوة.

السعيد 09-09-2018 01:55 PM

رد: الفقة الاسلامى 2
 
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الرابع و العشرون )

الموضوع : التيمم - اركانة - سننة




لحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، اللهم يا أكرم الأكرمين أغننا بالعلم، وزيِّنا بالحلم، وأكرمنا بالتقوى، وجمِّلنا بالعافية، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أركان التيمم و سننه :
وصلنا في الدرس الماضي في بحث الفقه إلى " التيمم "، وتحدثنا عن تعريفه، وعن شروطه، ووصلنا إلى أركانه، وسننه.
التيمم له ركنان فقط: مسح الوجه، ومسح اليدين فقط.
وأما السنن فسبعة: التسمية في أوله، لا بد من أن تسمي في أول التيمم، والترتيب، تبدأ بالوجه، وتثني باليدين، ثم الموالاة، تمسح الوجه، وتمسح بعده اليدين مباشرة، دون أن تمسح الوجه وتمضي إلى حاجة، ثم تعود فتمسح اليدين، وهذا معنى الموالاة.
أكرِّر: التسمية: بسم الله الرحمن الرحيم، والترتيب: مسحُ الوجه أولاً، واليدين ثانياً، والموالاة: متابعة مسح الوجه واليدين في وقت واحد.
وإقبال اليدين بعد وضعهما في التراب، وإدبارهما، تضع اليدين على التراب وتجعلهما تقبلان وتدبران، ونفضُهما، إذا علقت بهما كمية من التراب كثيرة ينبغي أن تنفضهما، تفريج ما بين الأصابع.
أكرِّر: إقبال اليدين، وإدبارهما، ونفضهما، وتفريج ما بين الأصابع.
وندب تأخير التيمم لمن يرجو الماء، بعثتَ إنسانًا ليأتي بالماء، وأنت في انتظاره، فيندب تأخير التيمم، طبعاً قبل خروج الوقت، فإذا خرج الوقت المستحب ينبغي أن تتيمم وأن تصلي.
ويجب طلب الماء إلى مقدار أربعمئة خطوة، تقريباً نصف كيلومتر، إن ظن قربه مع الأمن وإلا فلا، فإذا كنت مثلاً في أثناء حرب داخل أرض عدو، فالأمن غير متوافر، فلو أن الماء على بُعد ثلاثمئة متر لا ينبغي أن تذهب، وإذا توافر الماء إلى قدر نصف كيلومتر مع وجود الأمن تذهب إليه وإلا فلا.
ويجب طلبه ممن هو معه، إنسان معه ماء فمرّت شاحنة عندها مستودع ماء، فإن كان هناك محل تشح به النفوس، أو غلب على ظنك أن أحداً لن يلبيك، فتيمَّمْ وصلِّ، لكن إذا كنتَ في أرض خيّرة وأناس طيبين، أو كنت في أرض يغلب على أهلها حبُّ الخير، فاطلب الماءَ من المارة، وإن لم يعطه إلا بثمن مثله لزمه شراؤه، كأنْ يقال لك: صفحة الماء بليرة، أما أن تكون بمئة ليرة، فهذا ليس ثمن مثله، فصار ذاك ابتزازًا لكن الصفيحة بليرة ثمن معقول، وإن لم يعطه إلا بثمن مثله لزمه شراؤه إن كان المالُ فاضلاً عن نفقته، معه مال زائد عن حاجته فالسعر معقول، والمبلغ موجود وفائض، عندئذ لزمه الشراء.
ويصلي بالتيمم الواحد ما شاء من الفرائض، فكلما كثرت الفرائض قلَّ سعر الماء، فيقل السعر للمرة الواحدة يقسمهم على عشرة فروض، أو على خمسة فروض، يجد أنّ الفرض الواحد تكاليفه قليلة.
وفي بعض المذاهب لا يصح التيمم قبل دخول الوقت، ولكن في المذهب الحنفي يصح التيمم قبل دخول الوقت.
كذلك إن كان أكثر البدن أو نصفه جريحاً تيمَّم، ولو وجدَ الماء، فمثلاً وقع حادث، ومعظم البدن مضمد، أو فيه جروح و رضوض، فما دام نصف البدن أو أغلبه مجروحًا فهذا يتيمم ولو وجد الماءَ.
أمّا إنْ كان أكثرُه صحيحاً غسَله ومسَح على القسم المضمد.
ولا يجمع بين الغسل والتيمم، فلا يجوز الجمع بينهما، فما دام يستطيع الغسل، والماء متوافر، فلا ينبغي أن يجمع مع الغسل التيممَ.

نواقض التيمم :
ماذا ينقض التيمم؟ كلُّ ما ينقض الوضوء ينقض التيمم، ويضاف إليه شيء آخر وهو القدرة على استعمال الماء الكافي.
فقرة من باب أرأيت لو أنه فعل كذا وكذا :
وبعد فهذه فقرة من باب: " أرأيت لو أنه فعل كذا وكذا "، هؤلاء سمُّو في علم الفقه "آرائيين"، أحد الصحابة الأجلاء عرضت عليه قضية نادرة، فقال رَضِي اللَّه عَنْه أَوَقَعَتْ؟ قيل: لا، قال: إن وقعت نفتي بها، توفيرًا للوقت، وهذه الحالة النادرة؛ قال: رجل مقطوع اليدين والرجلين، وبقي منه الجذعُ، هذا ما حكمه؟ قال: هذا يصلي من دون طهارة، ولا وضوء، ولا تيمم عليه، فمِن أندر الحالات أن يعيش الإنسان جذعاً فقط، من غير يدين ولا رِجْلين، وعلى كلٍّ فنحن في صدد القضايا الواقعية، وهذا هو الصواب من غير تنطُّع.
تلخيص لما سبق :
إذاً التيمم له ركنان، وله سبع سنن، أمّ الركنان فإنّي أعود لذكرهما مع إعادة موجزة للموضوع كله:
مسح الوجه، ومسح اليدين، فتُمسَح اليدُ ظاهرها أولاً وباطنها ثانياً، اليمين ثم الشمال، والوجه من منبت الشعر إلى أسفل الذقن، وعرضاً إلى شحمتي الأذنين، وركناه مسح اليدين والوجه، وسننه التسمية بسم الله الرحمن الرحيم، والترتيب، مسح الوجه ثم اليدين، والموالاة، الوجه واليدان في وقت واحد، وإقبال اليدين بعد وضعهما في التراب وإدبارهما، ونفضهما، وتفريج الأصابع، وتأخير التيمم لمن يرجو الماء، وطلب الماء إلى مقدار أربعمئة خطوة، إن ظن قربه مع الأمن، وإلا فلا، ويجب طلبه ممن هو معه مِن المارة إن كان في محل لا تشح به النفوس، أو يغلب على ظنه أن الناس لا يبخلون بالماء، وإن لم يعطه إلا بثمن مثله لزمه شراؤه إن كان معه فاضلٌ عن نفقته، ويصلي بالتيمم الواحد ما شاء من الفرائض والنوافل، وصحّ تقديمه على الوقت، أي يجوز التيمم قبل دخول الوقت، ولو كان أكثر البدن أو نصفه جريحاً تيمم، وإن كان أكثره صحيحاً غسله ومسح على القسم الجريح، ولا يجتمع غسل وتيمم، وينقضه ما ينقض الوضوء، ويضاف إلى النواقض ناقض آخر وهو القدرة على استعمال الماء الكافي، أما مقطوع اليدين والرجلين فإذا كان في وجهه جراحة يصلي بغير طهارة ولا يعيد.

* * *
صفات العلماء بالله تعالى :
والآن إلى إحياء علوم الدين، طبعاً قد يسأل سائل ما حكمة تنوع الموضوعات؟ تنوع الموضوعات يدفع السقم، فنتحدّث في الفقه عشر دقائق، على مدى الأشهر والسنوات فنتعلم كل شيء، لكن لو أمضينا الوقت كله بالفقه لثقل ذلك على النفس، والآن إلى صفات العلماء بالله تعالى، وهنا صفحة يجب أن أقرأها لكم وأشرحها.
من صفات العلماء بالله تعالى أن يكون أكثر اهتمامه بعلم الباطن ومراقبة القلب، ومعرفة طريق الآخرة وسلوكه.
فهناك علم الظاهر، رجلٌ وقف ليصلي فصلى صلاة صحيحة، وقف منتصبًا، وقرأ وفق أحكام التجويد، وركع مطمئناً، وسجد مطمئناً، فقد توافرتْ جميع الصفات الواردة فالصلاة الصحيحة، لكن قلبه ساهٍ، مشغول بالدنيا، كل خواطره تواردتْ عن الدنيا، وجميع المشكلات في الأسبوع تأتيه وهو في الصلاة، لماذا لا تزوره أخته فما لها حق في عدم زيارته؟ وهنا انتهت الفاتحة وقال: ولا الضالين، ثم تذكَّر أنها زارته من يومين ولم تجده، ثم قال: آمين، أهذه هي الصلاة؟ لو أنه طبَّق الشروط تطبيقًا ظاهريًا فإنها صلاة، لكن هنا الإمام الغزالي رَضِي اللَّه عَنْه يلفت النظر إلى أن علماء الآخرة ينبغي أن تكون عنايتهم منصبةً على تطهير القلب، والالتفات إلى الله عز وجل، وعلم الباطن.
يقول: "إن المجاهدة تفضي إلى المشاهدة"، شيء جميل، المجاهدة تفضي إلى المشاهدة، أتحب أنْ تجرِّب فجرِّب ولا بأس، اعمل عملاً صالحًا يكلفك شيئًا ثمينًا، اخدم إنسانًا خدمة شاقة، امشِ معه عشر ساعات، لا تبتغي بها إلا وجه الله، زرْ مريضاً في أقصى المدينة، اركب أول حافلة ثم الأخرى لبُعدِ المسافة، وخذ له معك هدية، وحدثه عن الله وارجع، إنْ رأيتَ واحدًا بحاجة إلى مال، فاقتطع جزءًا من مصروفك وادفعه له، اعمل عملاً صالحًا حقيقيًا، فستجد نفسك إذا قرأت القرآن تنهمر الدموعُ انهمارًا، وتفهم شيئاً لم تكن تفهمه من قبل، هاتان الكلمتان دقيقتان، جاهِدْ تشاهِدْ، شيء عجيب أن العلم بالله تعالى ثمنه ليس من جنسه، بل ثمنه بعيد عن جنسه، فغضُّ البصر، وإنفاق المال، وخدمة الناس، والتودُّد إليهم، وتقديم خدمات قيّمة لهم، والمساعدة، والنصيحة، وبذل الوقت رخيصًا، وبذل الجهد سخياً، تقرأ القرآن فتنهمر الدموع، والفكر مفتوح، والعقل متفتح، تفهم عن الله أشياء لم تقرأها في تفسير، هذا معنى قول الإمام الغزالي:" جاهد تشاهد ".

﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴾
[ سورة العنكبوت: 69]
هذه المعية لمن؟ للمحسنين، معية الله بتجلِّيه على قلبك. المجاهدة تفضي إلى المشاهدة :
هذه المشاهدات القلبية التي اتصف بها الصوفيون لا تتأتَّى إلا بالمجاهدة، بالِغْ في غضِّ البصر، وبالغ في العمل الصالح، ولا تنتظر أن يأتيك الناس ويطلبون منك عملاً صالحاً، بل أنت ابحث عن عمل صالح، وكل واحد منا لو بحث لوَجَد في انتظاره آلاف الأعمال الصالحة، ألا يستطيع أن يزور مريضاً؟ ألا يستطيع أن يقدم مساعدة؟ ألا يستطيع أن يفعل معروفاً؟ ألا يستطيع أن يخدم إنساناً؟ ألا يستطيع أن يمشي في حاجة أخيه؟ الأعمال الصالحة كثيرة جداً، فلو أنك تتبعتها، وبحثت عنها لوجدتها، فإذا فعلتها سعدت برضى الله عز وجل، وإذا أردتم ملخص الملخص دون الغوص في متاهات العلوم الدينية، ودون تضييع الوقت الثمين في علوم لا تنفع ولا تضر، إذا أردتم أن تكونوا على جوهر حقيقة الدين فعليكم بالمجاهدة، فإذا جاهدتم شاهدتُم، هكذا يقول الإمام الغزالي.
فإن المجاهدة تفضي إلى المشاهدة، ودقائق علوم القلوب تتفجر بها ينابيع الحكمة من القلب، وأما الكتب والتعليم فلا تفي بذلك.

الحكمة الخارجة عن الحصر والعد تنفتح بالمجاهدة والمراقبة :
كتب فقط؟ علوم عصرية تعارف الناسُ عليها، هذا درس الحقوق، عنده أصول القانون، تاريخ القانون، القانون المقارن، الأحوال الشخصية، الفرائض، علم المواريث، أصول المحاكمات، درجات المحاكم، أنواع الأحكام، آداب القضاة، فهذه علوم عصرية، ثم دارس الفيزياء، درس الفيزياء، والكيمياء، والحرارة، والمغناطيس، والضوء، والكهرباء، والطاقة، والطاقة الذرية، والكيمياء النووية، ثم دارس الرياضيات، درس الرياضيات الحديثة، والرياضيات التقليدية، والهندسة الفراغية، والهندسة المستوية، ثم اللغة العربية، فهذا درس أصول اللغة، وعلوم اللغة، وتاريخ اللغة، والنحو والصرف، هذه كلها فروع الجامعة، وكل فرع له مجموعة مواد، وكتب تقرؤها، وتفهمها، وتحفظها، وتلخصها، وتذاكر فيها، تأخذ درجة مقبول، أو جيد، أو امتياز، فتنجح، وتأخذ شهادة، هذه أشياء كلها مبذولة للناس، أما الهدى فغيرُ هذا الشيء، فإذا نزل الدينُ إلى هذا المستوى، وصار كتبًا تقرأ، وتُحفظ، وتلخَّص، وتُفهم، ويتكلم الناسُ بها في المجتمعات، هذا مثقف ثقافة تاريخية، وذاك مثقف ثقافة حقوقية، وآخر مثقف ثقافة إسلامية، وهذا دراسته بالفلك، وذاك دراسته بالرياضيات، وآخر دراسته بعلوم التجارة، ويحمل بكالوريوس تجارة، أو بكالوريوس بالمحاسبة، هذا بالإعلام، وذاك بالصحافة، وغيرُه في الأدب، وآخر في اللغة الأجنبية، وهذا بالتاريخ، وهذا في الجغرافيا، وهذا بالفلسفة، وهذا بالشريعة، نزلنا الدين العظيم إلى مستوى العلوم العصرية، لكل مؤلفات، وكتب، وفهارس، وتواريخ، ومقررات، وامتحانات، الفصل أول، والفصل الثاني، والنتيجة جيد أو مقبول أو امتياز، وهذا مرقم قيده، وآخر مفصول، هذا يحمل شهادة في الشريعة، أما الهدى فشيء آخر، الهدى انضباط، وغض بصر، وخوف من الله عز وجل، فإنّ رأس الحكمة مخافة الله، فلو قطعتَ رأس الثعبان مثلاً لمات، فلو ألغيتَ خوف الله هل بقيت حكمة؟ لا تبقى حكمة، إذًا هذا العلم بالله تعالى، وثمنه المجاهدة، ولتبقَ الآية في ذهنك:
﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴾
[ سورة العنكبوت: 69]
هذه آية يجب أن تحتلّ بؤرةً ذهنك دائماً.
قال العلماء: أما الكتب، والتعليم من خلالها فلا تفي بذلك، بل الحكمة الخارجة عن الحصر والعد إنما تنفتح بالمجاهدة، والمراقبة، ومباشرة الأعمال الظاهرة والباطنة.
البحث عن الأعمال الصالحة و عملها كقربة لله عز وجل :
قال لي صديق: كنتُ راكبًا سيارتي قادمًا من الزبداني الساعة الثانية عشرة ليلاً، وجدتُ امرأة مع رجل وتحمل وعلى يديها طفلاً، وشعرت أنهما بحاجة للمساعدة فوقفت، صعد الزوج وزوجته ومعهم طفل حرارته مرتفعة تقدر بأربعين درجة، ويظهر أنهم غرباء، كان ذلك في أثناء أحداث لبنان، فأخذتهم إلى طبيب، ومن الطبيب للصيدلي، ثم إلى المشفى من أجل ضرب الإبرة، وقال: أربع ساعات أمضيتها في خدمة هذه الأسرة، فوصل الساعة الرابعة إلى البيت مرهقًا، ثم قال: أمضيت أسبوعين في سرور عارم، وكأنني في الجنة، ولما أُصلي أشعر كأنني محلِّق في جوِّ السماء، ولما أقرأ القرآن أشعر كأنني أفهم القرآن كلمة كلمة وحرفًا حرفًا، وهذا شيء ثابت حقًّاً، والتجربة أكبر برهان، فابحث عن عمل صالح وافعله قربة إلى الله عز وجل، ثم انظر كيف أن الله عز وجل يفتح قلبك لمعرفته، ويتجلى عليك بالسكينة، والطمأنينة وتحس أنك إنسان آخر، هذا ملخص الكلام، واسمعوا هذه الكلمة؛ قال: فكم من متعلم طال تعليمه، ولم يقدر على مجاوزة مسموعه بكلمة.
نسأله: ما تفسير هذه الآية، يقول: واللهِ سأراجع كتب التفسير، وهذه الآية؟ يقول: والله نسيتُ تفسيرها، وسأرى ماذا قال عنها العلماء، رَجَعَ بعد حين وقال: واللهِ قال البيضاوي مثلاً كذا وكذا، حسنًا وهذه الآية التي في زيد، قال: واللهِ إنّ سيدنا رسول الله شاهد السيدة زينب في وضع متبذِّل فأعجبه حسنُها، قال: سبحان الله! فسمعتْه، فحدثت زيداً فكرِهها، فنوى طلاقها، هكذا قالوا عن رسول الله في التفسير- أعوذ بالله- أهذه أخلاق رسول الله؟ فإذا كان الشخصُ لا معرفة له برسول الله، وقرأ في التفسير كلامًا مغلوطًا، أفيصدِّقه؟ فليحذرِ المسلم المؤمن مِن التقوُّل على الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام، فهو وإياهم قمّة الهرم البشري.

((كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ ))
[مسلم عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ]
أنتَ لك عقلٌ، ولا بد لك من موقف، فلو قال المفسر: إنّ القصة هذه هكذا رواها الطبري، أَأُعفِي من الإثم؟ لا، كيف قبلتها؟ وكيف صدقتها؟ أعظم الأهداف مبذولةٌ لكل مسلم :
قال العلماء: وكم من مقتصر على المهم في التعلم، ومتوافر على العمل، ومراقبة القلب، فتح الله له من لطائف الحكمة ما تحار به عقول ذوي الألباب.
فإذا تعلم الإنسان الأساسيات، والتفتَ إلى قلبه، ولعمله الصالح، ومجاهدة نفسه وهواه، فتح اللهُ عز وجل على قلبه من معاني كتاب الله ما تحار به الألباب، وهذا الشيء ليس مبذولاً لواحد فقط، بل هو لكل واحد منكم، وهذه عظمة الإسلام، لا أحد أحسن من أحد، فالتفاضل في درجات الإيمان فقط، لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى، وكل من سار على هذا الدرب وصل إليه وإلى هدفه، وأعظم الأهداف مبذولةٌ لكل مسلم، ليس في الإسلام طبقة رجال الدين، وطبقة بعدهم ثانية، وطبقة وسطى، لا شيء مِن هذا، بل كل مسلم مفتوح أمامه الباب ليصل إلى أعلى مستوى في الإيمان:

((مَنْ عَمِلَ بِمَا عَلِمَ أوَرًثَهُ الله عِلْمَ مَا لَمْ يَعْلَمْ))
[أخرج أبو نعيم في الحلية عن أنس]
الحديث الأخير في هذا الموضوع، قال الإمام علي رَضِي اللَّه عَنْه: القلوب أوعية، وخيرها أوعاها للخير إما أكثرها سعةً، أو أكثرها وعياً- والناس ثلاثة، عالم رباني، أي يستمد علمه من الله عز وجل. ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾
[ سورة البقرة: 282 ]
﴿ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ﴾
[ سورة التغابن: 11 ]
﴿ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آَتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ ﴾
[ سورة الأنبياء: 79]
إلا أن يؤتى فهماً في كتاب الله، هذا نص قرآني " ففهمناها سليمان" وهذه آية ثانية " واتقوا الله ويعلمكم الله " وهذه آية أخرى " ومن يؤمن بالله يهد قلبه" هذه آيات مِن القرآن الكريم تؤكد أن الله سبحانه وتعالى إذا رأى من عبده صِدْقاً في طلبه فتح قلبه لمعرفته. منافع المال تزول أما منافع العلم فلا يستطيع أحد أن يسلبها من الإنسان :
لذلك قال أحد العلماء الكبار وقد دخل إلى مسجد فرأى فتًى يحدث الناس، والناس مقبلون عليه، فرأى إقبال الناس على هذا الفتى مما يحط من قدره هو، فهو العالم الكبير، الذائع الصيت، العالم العلامة، الحبر الفهامة، وحيد عصره، فريد زمانه، رأى فتى صغيرًا، لا يعرفه أحد، والناس مقبلون عليه إقبالاً شديداً، فأراد أن ينتقص من شأنه، فقال: واللهِ يا فتى ما سمعنا بهذا الكلام، من أين جئت به؟ فقال الفتى على مسمع الناس جميعًا: يا شيخ أتعلمت كل العلم؟ قال: لا، فقال الفتى: أتعلَّمتَ جله؟ قال: لا، فقال الفتى: أتعلمتَ نصفه؟ فخجل، وقال: نعم، قال له: هذا من النصف الذي لم تتعلمه إذًا، فقال هذا العالِم: والله ما ندمت على قول قلته في حياتي كندمي على قولي لهذا الشاب: يا فتى ما سمعت بهذا الكلام.
والإنسان حين يعرف أن العلم بحرٌ ليس له نهاية يتواضع، ويظل المرء عالماً ما طلب العلم، فإذا ظن أنه علم فقد جهل، عالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع، أتباع كل ناعق، يميلون مع كل ريح، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق، فاحذر يا كميل أن تكون منهم، إياك أن تكون منهم، فالناسُ ثلاثة أصناف الناس؛ عالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع، أتباع كل ناعق، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق، فاحذر يا كميل أن تكون منهم، العلم خير من المال، لأن العلم يحرسك وأنت تحرس المال، والمال تنقصه النفقة، والعلم يزكو على الإنفاق، العلم دين يدان به، العلم دين، تكتسب به الطاعة في الحياة، وتكتسب به جليل الأحدوثة بعد الممات، العلم حاكم، والمال محكوم، ومنفعة المال تزول بزواله، فإذا فلَّس إنسان فجأة وأُخِذتْ أمواله منه فقد زالت كل منافع المال، أما منافع العلم فلا يستطيع أحد على وجه الأرض أن يسلبها منك، مات خزان المال وهم أحياء، وهم في قمة حياتهم وأوج شبابهم ميتون كما قال الله تعالى:

﴿ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ﴾
[ سورة النحل: 21 ]
همُّهم بطونهم، وقبلتهم نساؤهم، والدنيا أكبر همهم، ومبلغ علمهم، يغضبون لزوالها، ويرقصون طربًا لمجيئها، وهم في غفلة عن الموت، يأتيهم بغتة فيصعقهم، مات خُزان المال وهم أحياء، والعلماء أحياء باقون ما بقي الدهر. أصناف البشر :
ثم قال الإمام علي كرم الله وجه: "إن ها هنا علماً جمًّاً، آه لو وجدت من حمله، بل أجد طالباً غير مأمون، يستعمل آلة الدين في طلب الدنيا"، انظر إلى هذا الصنف الخطير، يريد الدنيا، يريد الطعام والشراب، والمال، والوجاهة عن طريق الدين، ويستطيل بنعم الله على أوليائِهِ، ويستظهر بحججه على خلقه، هذا صنف، صنف أراد الدنيا عن طريق الدين.
الصنف الثالث: " أو مناقض لأهل الحق"، لكن يُزرع الشك في قلبه لأول عارض، مثلاً هو مع هذا العالم خمس سنوات، ثم قرأ مقالة في مجلة فيها: " إنهم عرفوا جنس الجنين ذكر أم أنثى "، فالمعنى عنده أنّ القرآن ليس صحيحًا ولا صوابًا، وأنّ الدينَ خَلْط، فهذا الإنسان ضعيف التفكير، فأولُ شخصٍ ذكيٌّ، لكنه استخدم ذكاءه لاغتنام الدنيا عن طريق الدين، وهذا غير مأمون، أما الثاني فليس عنده هذا الخبث، لكنه محدود التفكير، يشك في الأمور بسرعة، هذا النوع الثاني لا بصيرة له، وهو لا إلى هؤلاء، ولا إلى هؤلاء، والثالث: أو موهوماً باللذات، سلس القياد إلى الشهوات.
الصنف الرابع: مغرماً بجمع الأموال والادخار، فهؤلاء جميعاً أقربُ شبهٍ بهم الأنعامُ السائمةُ، اللهم هكذا يموت العلم إذا مات حاملوه، ثم لا تخلو الأرض من قائم لله بحُجَّةٍ، إما ظاهراً مكشوفاً، أو مستتراً مقهوراً، هذا إما مشهورٌ، وإمّا مغمورٌ، لكيلا تبطل حجج الله تعالى وبيناته، وكم هؤلاء الصادقون؟ وأين أولئك؟ هم الأقلون عدداً، والأعظمون قدراً، أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة، يحفظ الله بهم حججه، حتى يودعوها مَنْ وراءهم، ويزرعوها في قلوب أشباههم، هَجَمَ بهم العلمُ على حقيقة الأمر، فباشروا روح اليقين، فاستلانوا ما استوعر منه المترفون، أي رضوا ببيت صغير، بفراش غير وثير، بطعام خشن، بثياب قليلة، بأدوات متواضعة.
مال، وسيارة فخمة، وبيت فخم، فقط، هذه كل أهدافنا، أما أنْ يدرك أنّ هناك آخرة، راجع إلى إله عظيم، أسماؤه حسنى، خالق الكون العظيم، هذه أشياء لا تعنينا أبداً، سبحان الله " أموات غير أحياء".
لكنْ هناك مَن صحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلقة بالمحل الأعلى، أولئك أولياء الله عز وجل من خلقه، وأمناؤه، وعماله في أرضه، والدعاة إلى دينه ثم بكى وقال: "وا شوقاه إلى رؤيتهم".
لا تخلو الأرض من صادقين، معهم الحجة، مخلصون في دعوتهم إلى الله عز وجل، مترفعون عن الدنيا، صغرت أم كبرت.

* * *
الجالب مرزوق والمحتكر ملعون :
وبعد فإلى بعض الأحاديث الشريفة:
((الْجَالِبُ مَرْزُوقٌ وَالْمُحْتَكِرُ مَلْعُونٌ ))
[ابن ماجه عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ]
هذا مبدأ عام، فالإنسان يأتي ببضاعة يبيعها بسعر معتدل، ويربح منها، ثم يأتي بغيرها، فهذا مرزوق، هذا الإنسان ماذا يفعل؟ يخفف عن المسلمين أعباء الحياة، ويسهم في خفض الأسعار، يجلب البضاعة ويبيعها، ويجلب غيرها ويبيعها، لماذا باعها سريعاً؟ لأنه ربح فيها ربحًا معقولاً، سعره معقول، بضاعته جيدة، تهافت الناس عليها فاشتروها، هذا اسمه جالب، وهذا الجالب مرزوق، فأحد كبار الصحابة، وربما كان أغنى الصحابة سئل: كيف حصَّلتَ هذا المال؟ فقال: لم أبِعْ دَيْناً، ولم أستقلَّ ربحاً، فمهما ربحتْ الحاجةُ يبيعها، لكنّ التاجر الآن يفكر، يريد أنْ يحل مشاكله بالبضاعة هذه، فيخطِّط ليبيعها بربح فاحش، فتُحَلّ فيه مشاكله كلها، فالذي يجري أنه عندما رفع السعر قلَّ الشراء، وحدَث تضخم نقدي، فصار الناسُ طبقة غنية، وطبقة فقيرة، ونشأت مشاكل، ناس من دون دخل، فبحثوا عن أساليب غير مشروعة للدخل، كل هذه الأمراض ربما سببها ارتفاع الأسعار، هذا الجالب الذي يشتري ويبيع، ويشتري ويبيع، يسهم في خفض الأسعار، ويسهم في خفض مستوى المعيشة، وفي توفير الحاجات للناس، ويسهم في الرخاء الاجتماعي، طبعاً على قدر إمكاناته، وله نيته دائماً، في الإسلام عندنا قاعدة " فاعل الخير خيرٌ منه"، أي الفاعلُ للخير خيرٌ من الخير، وهذه النفس التي أرادت الخير، والخير مهما كان له حجم فهناك أعظم منه، فاعل الخير خيرٌ من الخير، فأعظم من الخير أن تفعل الخير، هذه النفس الراقية التي تحب الخير للناس، يقلقها شقاُء الناس، هناك أشخاص إذا سَكَنَ أحدُهم في بيت فخم، فليَكُنْ من بعده الطوفان، بينما تجد شخصًا يتألم لوجود هذه الأزمة، ويتألم آخرُ لأن بعض الناس باحتكار البيوت يؤخِّرون الزواج، علمًا بأنّه عندنا فتيات كثيرات في سن الزواج، وهذا الزواج معطل بسبب عدم وجود بيت، وبعض الأشخاص يتهم أسرته لبساطتها وقناعتها، وإنّ الله عز وجل زرع في قلب كل أبٍ وكل أمٍّ عطفًا على الأولاد، وهذا من دون جهد، وهذه فطرة الله، حتى المرأة الكافرة الملحدة تخشى على أولادها، لكن النبي الكريم أثنى على من كان في قلبه رحمة عامة للناس، هذه الرحمة العامة كسبية، تكسبها بالصلاة، فلو كانتْ أمورك الذاتية محلولة، لما كنتَ مرتاحًا حتى تزولَ مشكلات الناس، فالجالب مرزوق، والمحتكر ملعون، لأنه لا يهمه إنْ حُرِم الناسُ من هذه المادة، وارتفعت أسعارها إلى درجة أصبحت قلّةٌ قليلة من الناس يشترونها، فحرم منها الجميع، والأطفال لا يدركون هذه الناحية، فيشتهون و يلحُّون على الآباء الذين يتألَّمون لعجزهم عن الشراء، والبائع لا يهمه الأمر، وكلُّ همِّه الربح، فيرفع سعر البضاعة، وإذا لم يحقق ربحًا فاحشًا فلنْ يبيعها، إذْ ليس لديه رحمة. من يفعل خيراً يتنزل على قلبه تجليات شتى :
واللهِ ذات مرة حدّثني شخص بقصة دمعت لها عيني، مضمونها: طفل صغير وقف عند بائع فول، وقال له: أريد صحن فول، معه ربع ليرة، والصحن ثمنُه ليرتان ونصف، قال له: ادخُلْ وتفضل، ووضع له صحنًا عاديًا، بالبندورة والزيت والحمض، كما وضع له مقبِّلات، فقال شخصٌ جالسٌ: ما هذا؟ كلُّه بربع ليرة، قال له صاحبُ المحل: طفلٌ اشتهى أنْ يأكل فولاً، أَأَدَعُهُ من دون فول؟! أَكُلُّ الربح ماديٌّ، هنا نقطة الخلاف، الناس يقيسون الربح فقط بالمال، أَكُلُّ الربح مال؟! هناك تجليات تتنزل على قلب الإنسان إذا فعل خيراً لا يعلمها إلا الله.
سائق سيارة أجرة وقف لإنسان مقطوع، ليس معه إلاّ مبلغ يسير، فأخذه ولم يدعْه مقطوعًا، أَكُلُّ الربح مال؟ لا، ليس كل الربح مالاً، فبعض الربح سكينة في القلب، يستحقها صاحب المعروف، لذلك فعلى الإنسان ألاّ يضنَّ بمعروفه على أحد، قال له: ادخلْ وكُلْ فولاً، قال له: اشتهى أن يأكل فولاً، أفأدَعُه من دون فول؟ وأخذ منه ربع ليرة، وأشعَرَ الولدَ أنه دفع ثمن الفول، وشعَر صاحبُ المحلِّ أنّه أخذ ثمن الفول، فالجالب مرزوق، والمحتكر ملعون.

* * *
قصة عبد الله بن أم مكتوم :
قصة قصيرة عن عبد الله بن أم مكتوم:
لا شك أنكم جميعاً تعرفون أن النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عوتب به، فكلما رآه يقول: أهلا بمن عاتبني به ربي.
قال: لما ضيَّقتْ قريش على النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والذين آمنوا معه واشتد أذاها لهم، أِذن اللهُ للمسلمين بالهجرة، فكان عبد الله بن أم مكتوم أسرَع القوم مفارقةً لوطنه، وفراراً بدينه، فقد كان هو ومصعب بن عمير أول من قدما المدينة من أصحاب رسول الله.
عبد الله بن أم مكتوم فاقد البصر، حكمة ربنا أن الله سبحانه وتعالى جعل صحابيًّاً جليلاً عظيم الشأن فاقِدَ البصر، لماذا؟ ليؤكد لنا أن طريق الجنة مفتوح لكل الناس، حتى من فقدوا أبصارهم، وقد يبلغون أعلى المراتب، وما أنْ بلغ عبد الله يثربَ حتى طفِق هو وصاحبه مصعب بن عمير يختلفان إلى الناس، ويقرئونهم القرآن، ويفقهانهم في دين الله، لقد كان نشيطًا، ولما قدم النبي عليه الصلاة والسلام إلى المدينة اتخذ عبد الله بن أم مكتوم وبلال بن رباح مؤذنين، سيدنا بلال، وعبد الله بن أم مكتوم صارا للنبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مؤذنين، يخضعان لكلمة التوحيد كل يوم خمس مرات، ويدعوان الناس إلى خير العمل، ويحضانهم على الفلاح، فعَمَلُ المؤذن عملٌ عظيم، حتى إن بعضهم قال في قوله تبارك و تعالى:
﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾
[ سورة فصلت: 33 ]
إنَّ الآية تعني " الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله " إلى تمام الأذان، فهذه دعوة إلى الله، فكان بلال يؤذن، وابن أم مكتوم يقيم الصلاة، وربما أذن ابن أم مكتوم وأقام بلال الصلاة، وكان لبلال وابن أم مكتوم شأن آخر في رمضان، فقد كان المسلمون في المدينة يتسحرون على أذان أحدهما، ويمسكون عند أذان الآخر، فصار أذانٌ قبل الفجر، وهو لتذكير الناس بوقت السحور، وأذان للإمساك، كان بلال يؤذن بالليل ويوقظ الناس، وكان ابن أم مكتوم يتوخى الفجر فلا يخطئه، وقد بلغ من إكرام النبي عليه الصلاة والسلام لابن أم مكتوم أن استخلفه على المدينة، فجعله أميرًا عليها في غيبته، أكثر مِن مرّةٍ، كانت إحداها يوم غادرها لفتح مكة، وفي أعقاب غزوة بدر أنزل الله على نبيه من آيات القرآن ما يرفع شأن المجاهدين، ويفضلهم على القاعدين، لينشط المجاهد إلى الجهاد، ويأنف القاعد من القعود، فأثَّرَ ذلك في نفس ابن أم مكتوم، إذْ لا يقوى على الجهاد، والآيات كلها تحضُّ على الجهاد، وتغضّ من شأن القاعدين المتخلفين، فقال: يا رسول الله لو أستطيع الجهاد لجاهدت؟ ثم سأل الله بقلب خاشع أن ينزل قرآنًا في شأنه، وشأن أمثاله ممن تعوقهم عاهاتهم عن الجهاد، وجعل يدعو في ضراعة:" اللهم أنزل عذري، اللهم أنزل عذري "، فنزل القرآن بآيات تتحدث عن أناس يحبون الجهاد ولا يقوون عليه. عقد ابن أم مكتوم العزم على الجهاد في سبيل الله :
حدّثَ زيد بن ثابت كاتب وحي رسول الله، فقال: كنت إلى جنب النبي عليه الصلاة والسلام فغشيَتْهُ السكينة، وثقل رأسه، ثم سُرِّيَ عنه فقال: اكتُبْ يا زيد:
﴿ لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾
[ سورة النساء: 95 ]
لا يستوون، فالقاعد مرتاح مسترخٍ، لا يريد أن يعمل، فلا يستوي هذا مع المجاهد، فقام ابن أم مكتوم وقال: يا رسول الله فكيف بمن لا يستطيع الجهاد؟ قال سيدنا زيد: فما قضى كلامه، حتى غشيتْ رسولَ اللهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السكينةُ، ثم سُرّي عنه فقال: اكتب يا زيد: ﴿ لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾
[ سورة النساء: 95 ]
قال هذه كتبتها، قال اكتب: ﴿ لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ ﴾
[ سورة النساء: 95 ]
إلا إذا كان هذا من أصحاب العاهات، فهو مستثنى من هذه الآية، ومن هذه القاعدة، فنزل الاستثناء الذي تمنَّاه ابن أم مكتوم، وعلى الرغم من أن الله سبحانه وتعالى أعفى عبد الله بن أم مكتوم وأمثاله من الجهاد، فقد أَبَتْ نفسُه الطموحُ أن يقعد مع القاعدين، وعقد العزم على الجهاد في سبيل الله، ذلك لأن النفوس الكبيرة لا تقنع إلا بكبار الأمور.
وغريب حقًّاً كيف سيجاهد وهو لا يرى بعينه!! اتخذ لنفسه وظيفة، فكان يقول: أقيموني بين الصفين، وحمِّلوني اللواء أحمله لكم وأحفظه، فأنا أعمى لا أستطيع الفرار، لقد قَبِلَ أنْ يمتطيَ ظهرَ فرسٍ، ويحمل راية الجهاد دون أن يرى.
استشهاد ابن أم مكتوم في معركة القادسية :
في السنة الرابعة عشرة للهجرة عقَد عمر بن الخطاب العزمَ على أن يخوض مع الفرس معركة فاصلة، تزيل دولتهم، وتزيل ملكهم، وتفتح الطريق أمام جيش المسلمين، فكتب إلى عماله يقول: "لا تدعوا أحدًا له سلاح أو فرس أو نجدة أو رأي إلا وجّهتمُوه إليَّ والعَجَلَ العَجَلَ"، وطفقت جموع المسلمين تلبِّي نداء الفاروق، وتنهال على المدينة من كل حدب وصوب، وكان في جملة هؤلاء المجاهدين مكفوف البصر عبد الله بن أم مكتوم، فأمَّر الفاروقُ على الجيش الكبير سعدَ بن أبي وقاص، وأوصاه وودعه، ولما بلغ الجيش القادسية برز عبد الله بن أم مكتوم لابسًا درعه، مستكملاً عدَّته، وندب نفسه لحمل راية المسلمين، والحفاظ عليها، أو الموت دونها، والتقى الجمعان في أيام ثلاث قاسية عابسة، واحترب الفريقان حربًا لم يشهد لها التاريخ مثيلاً، حتى انجلَى اليومُ الثالث عن نصر مؤزَّر للمسلمين، فزالت دولة من أعظم الدول، وزال عرش من أعرق العروش، ورُفِعتْ راية التوحيد في أرض الوثنية، وكان ثمن هذا النصر المبين مئات الشهداء، وكان من بين هؤلاء الشهداء عبد الله بن أم مكتوم، استُشهِد في معركة القادسية وهو كفيف البصر.
فهذه القصة سُقْتُها لكم، ليَعلم القاصي والداني أنّه ليس مِن عقبة تقف أمام المسلم، حتى لو فَقَدَ بصره، ومع ذلك فباب الجنة مفتوح، فإنْ كان بالمسلم ضعفٌ في جسمه، أو أحد أعضائه، كأنْ يكون لا يرى بعينيه جيداً، أو أنّ ماله قليل، أو نحو ذلك، فباب الله عز وجل مفتوح على مصراعيه، وكلما سِرتَ في طريق الله عز وجل ازددتَ حبًّاً وشوقاً واندفاعاً ومجاهدة.


السعيد 09-09-2018 01:57 PM

رد: الفقة الاسلامى 2
 
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الخامس و العشرون )

الموضوع : المسح على الخفين





الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
المسح على الخفين :
أيها الأخوة المؤمنون، ( باب المسح على الخفين )، صحَّ المسح على الخفين في الحدث الأصغر، وما هو الحدث الأصغر؟ ما يوجب الوضوء، والحدث الأكبر ما يوجب الغسل، صحَّ المسح على الخفين في الحدث الأصغر للرجال والنساء ولو كانا - هذه الألف على من تعود؟ على الخفين - ولو كانا من شيء ثخين غير الجلد، فعلى المذهب الحنفي لا يشترط أن يكون الخف جلداً، بل شيء ثخين غير الجلد، سواء كان لهما نعل من جلد أو لا.
شروط المسح على الخفين :
يشترط لجواز المسح على الخفين سبعة شرائط.
الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه في آخر أيامه ألَّف رسالةً عنْونَها بالمسح على الخفين، وعدَّ الجوربين خفَّين، ويشترط لجواز المسح على الخفين سبعة شرائط:

1 ـ لبسهما بعد غسل الرجلين :
لبسهما بعد غسل الرجلين، فلا يجوز لك المسح على الخفين إلا إذا لبست الجوربين، الترتيب سنة، فلو أنّ إنسانًا غسل رجليه ولبس الخفين وأتمَّ الوضوء جازَ، لكن يجب أن يتم الوضوء قبل نقضه، لأن الخفين يمنعان سريان نقض الوضوء إلى الرجلين، لكنهما لا يرفعان نقض الوضوء، وهذا شيء دقيق، فيجب أن يلبس الخفين بعد غسل الرجلين ولو قبل كمال الوضوء، وقبل أن ينتقض، فلو انتقض الوضوء قبل كماله لوجب نزع الخفين، إذاً الشرط الأول لبسهُما بعد غسل الرجلين ولو قبل كمال الوضوء، إذا أتمه قبل حصول ناقض للوضوء.
2 ـ سترُهما للكعبين :
الشرط الثاني سترُهما للكعبين، أن يكونَ الخفان ساترين للكعبين.
3 ـ إمكان متابعة المشي فيهما :
الثالث إمكان متابعة المشي فيهما، أيْ أنْ يستطيع لابسُ الخفين أن يمشي بهما، فلا يجوز المسح على خف من زجاج، ولا من حديد، ولا من خشب، فيجب في الخفَّين استطاعةُ المشي بهما.
4 ـ خلوُّ كلٍّ منهما من خرق قدر ثلاثة أصابع من أصغر أصابع القدم :
الشرط الرابع خلوُّ كلٍّ منهما من خرق - ثقب - قدر ثلاثة أصابع من أصغر أصابع القدم، فإذا كان في الجورب أو الخف خرقٌ يزيد عن مقدار ثلاثة أصابع من أصغر أصابع القدم لم يجُز المسحُ عليهما.
5 ـ استمساكهما على الرجلين من غير شدٍّ :
الشرط الخامس استمساكهما على الرجلين من غير شدٍّ، أي من قماش له قوامٌ يقوم بنفسه.
6 ـ منعهما من وصول الماء إلى الجسد :
الشرط السادس منعهما من وصول الماء إلى الجسد.
7 ـ مدة المسح على الخفين يوم وليلة للمقيم وثلاثة أيام بلياليها للمسافر :
الشرط السابع مدة المسح على الخفين يوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام بلياليها للمسافر.
وقت المسح :
متى يبتدئ وقت المسح؟ قال الفقهاء: ابتداء المدة من وقت الحدث بعد لبس الخفين، مثلاً إنسان توضَّأَ عند العصر ولبس الخفين عند المغرب، وما انتقض وضوءه بين العصر والمغرب، إذًا لم تبدأ بعدُ مدةُ المسح، وعند العشاء انتقض وضوءه الآن من العشاء يوم وليلة للمقيم، أو ثلاثة أيام بلياليها للمسافر، إذاً مِن أولِ حدثٍ بعد لبس الخفين يبدأ وقت المسح، فإن مسح مقيمٌ ثم سافر استمتع برخصة السفر، وهو مقيم مسح عند صلاة الصبح، وعند العصر طرأ له سفر، انقلبَت المدةُ من يوم وليلة إلى ثلاثة أيام بلياليها على مسحه الأول، وإنسان آخر مسافر وصل إلى بيته، وكان قد مضى على لبس الجوربين أو الخفين بعد غسلهما يوم وليلة، فمنذ أقام المسافرُ يدخل في حيِّز الإقامة، ويجب نزعهما إنْ كان قد مضى على إقامته منذ بدأ المسح يوم وليلة، وإذا كان أقل فلَهُ أن يتمَّ يومًا وليلةً، أي إن كان مقيمًا وسافر يدخل في مدة السفر، وإنْ كان مسافراً وأقام يدخل في مدة الإقامة.
وقدر المسح قدر ثلاثة أصابع من أصغر أصابع اليد على ظاهر مقدَّم كل رِجْل، ثلاثة أصابع إذا مررت بها من أصغر الأصابع على مقدم الرِجْل فهذا هو المسح على الخفين.

سنن المسح على الخفين و نواقضه :
سننه: مدُّ الأصابع منفرجة من رؤوس أصابع القدم إلى الساق، ومع مدِّ الأصابع انفراجُها أيضًا.
ينقضُ مسح الخف أربعة أشياء، كلُّ شيء ينقض الوضوء ينقض المسح، ولا ينقض لبس الجوربين أو الخفين، أي أنك لا تحتاج إلى مسح مرة ثانية، ونزعُ الخف ولو بخروج أكثر القدم، فلو فرضنا طفلاً نزع جورب والده فخرجت معظَمُ الرِّجل من الجورب انتقض المسح على الخفين، وإصابةُ الماء أكثر إحدى القدمين في الخف على الصحيح، لو فرضنا شخصًا من دون أن ينتبه داس في مجمع ماء فابتلَّتْ أكثر القدم بالماء انتقض المسح على الخفين، لأنه وقع عندئذٍ اختلاطٌ بين المسح والغسل، ومضيُّ المدة ينقض المسح على الخفين، مضى يوم وليلة أو ثلاثةُ أيام بلياليها، فالمضيُّ وحده أو نزعُ الخف أو ابتلالُ الرجل بالماءِ أو ما ينقض الوضوء، أربعةُ أشياء تنقض المسح على الخفين، هذا هو المسح على الخفين، له فرض، وله سنن، وله نواقض، وله شروط، وله مدة، وله تعريف وهو ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
روى حديث المسحِ أكثر من ثمانين صحابياً، منهم العشرة المبشرون بالجنة، وقال بعض الحفاظ: خبرُ المسحِ على الخفين متواترٌ كما في فتح الباري، طبعاً وحتى لو كان الماء متوافرًا، وأناس يعانون من التحسس، أو أنْ يكون الشخص في الخدمة العسكرية ويصعب عليه خلعُ هذا البوط، فالإسلام يسر في وقت حرج كبير، وفي أيام الشتاء البارد تخاف أن تصاب الرِّجلُ بأمراض كتسليخ لحمها، فالإسلام يسر، فحيثما وُجِدَتْ حاجةٌ للمسح على الخفين فهذه رخصة، وإن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه.

* * *
صفات علماء الدار الآخرة :
عودٌ إلى إحياء علوم الدين للإمام الغزالي، صفات علماء الدار الآخرة، وها نحن نعرض صفةً من صفاتِ علماءِ الدار الآخرة وهي أن يكون شديد العناية بتقوية اليقين قال عليه الصلاة والسلام:
(( اليقين الإيمان كله ))
[ الطبراني عن ابن مسعود]
قد قال بعضهم: "رأسمال الدين اليقين"، وقال عليه الصلاة والسلام: (( تعلموا اليقين ))
[أبو نعيم من رواية ثور بن يزيد]
ماذا فهِم الإمام الغزالي من هذا الحديث الشريف؟ فهِم أن معناه: جالِسوا الموقنين، واستمعوا منهم علم اليقين، وواظبوا على الاقتداء بهم ليقوى يقينكم كما قوي يقينهم، وبعد قليل سأشرح لكم ما هو اليقين، قال عليه الصلاة والسلام: (( تعلموا اليقين ))
[أبو نعيم من رواية ثور بن يزيد]
(( اليقين الإيمان كله ))
[ الطبراني عن ابن مسعود]
وقد وردت في وصية لقمان لابنه: " يا بني لا يُستطاع العمل إلا باليقين"، فإذا ثبت لك أن في هذه الأرض ماء، وعندك مزرعةٌ كبيرةٌ توشك أن تموت عطشاً، وقد ثبت لك يقيناً أن في الأرض ماءً، فما الذي يحملك على أن تستأجر حفارةً وتدفع لها ثمناً باهظاً وتؤمن لها المعدات وتشتري القمصان وتدفع مبلغًا مقدمًا قد يصل إلى مئة ألف؟ ما الذي يحملك على دفع هذه المبالغ؟ إنّه يقينك أن هناك ماءً يمكن استخراجُه، وهذه الوصية لطيفة.
"يا بني لا يُستطاع العمل إلا باليقين"، تقول لإنسان: هذه الصفقة حرام، يقول: لا، ليست حرامًا، فيها ربح مئتان وخمسون ألفًا، " ضع في الخرج"، طبعاً لا يتيقن أن الخسارة من الله سبحانه وتعالى، ولو تيقن أن معصية الله تسبِّب خسارةً ماديةً في الدنيا قبل الآخرة لَما أقدم عليها، يعرض له بيت ليشتريَه، ونقص ماله مئتي ألف، فيأخذها قرضًا بفائدة، ركبتُ بالسيارة العامة منذُ يومين، فقال رجل لآخر: مئة ألف صارت مئة ألفٍ وثلاثة وثمانين ألفًا مع الفوائد، لأنّ يقينه ليس هناك حل لهذه القضية إلا بهذه الطريقة، فلو كان عنده يقين بأن الله سبحانه وتعالى حاضر ناظر، ورأى أن عبده يتهيَّب أن يأكل مالاً حراماً فإنّه يَيَسِّر له هذا المبلغ من طريق شرعي، إذا قال رسول الله:
(( اليقين الإيمان كله ))
[ الطبراني عن ابن مسعود]
فهذا صحيح وصواب، تجد طالبًا يدرس ولا يوقن بالنجاح، ولو لم يكن موقِنًا بالنجاح لمَا درس، تجد طالبًا يختار فرعًا في الجامعة ولا يوقن من جدواه، فلو تتبَّعتَ أعمالنا اليومية فلن تجد إنسانًا موقنًا بأنّه لا يربح، ولَم فتَحَ محلاً، فلو لاحظت أعمالنا لوجدتَ أنّ المحرك الأول لأعمالنا الدنيوية هو اليقين، فإذا كنت ضعيفَ اليقين تتردَّد وتقول: لا يوجد همّة، ضعفُ الهمّة من ضعف اليقين، وانعدام العمل من انعدام اليقين، وقوة العمل من قوة اليقين، فلذلك النبي الكريم قال: (( اليقين الإيمان كله ))
[ الطبراني عن ابن مسعود]
وقال: (( تعلموا اليقين ))
[أبو نعيم من رواية ثور بن يزيد]
من يوقن بشيء يعمل له بصدق و مثابرة :
"يا بني لا يستطاع العمل إلا باليقين"، ولا يعمل المرء إلا بقدر يقينه، فلو فرضنا إنسانًا قرأ القرآن، وهو موقن أنه كلام الله، وأنّ كلام الله لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأن الله عز وجل وعَد المنفق بالتعويض والخَلَف، وأنّ هذا المبلغ مهما كبُر إذا دفعه ابتغاء مرضاة الله فإن الله عز وجل سوف يعوضه أضعافاً مضاعفة، إذا بلغ يقينك بهذه الآيات مبلغاً صحيحاً عندئذ تفتح وتعطي، وتقول: هذه خمسة آلاف أقدِّمها للمسجد، أو هذه عشرة آلاف، فمتى تدفع المالَ؟ إذا كان عندك يقين مئة بالمئة أن هذا المبلغ سوف يضاعفه الله لك أضعافاً كثيرة في الدنيا والآخرة.
إذا كان الإنسانُ صاحبَ مصلحة، وهذه البضاعة عليها طلبٌ شديد، وأسعارها مرتفعة تراه يشتريها بقوة قلب، ويقول لصاحب البضاعة: أعطِني كلَّ شيء عندك، فيقول له: السعر مرتفع، يقول له: لا يهم أنا ما فاصُلتك، ولا سُمتُ البضاعة، لماذا اشترى هذا بقوة؟ لأنه يعرف أنه سيبيعها بسرعة، وسوف يربح بها أضعافًا مضاعفة، فلما يتيقن التاجر أنّ هذه البضاعة مطلوبة، وزبونها موجود ويتقاضى الثمن نقدًا، وسيربح بالمئة مئة، تراه يسعى لشراء البضاعة بشكل جنوني، لأنه متيقن من الربح، فانظر إلى الإنسان كيف يسلك للدنيا، أمّا إذا كانت بضاعة لا يعرفها يقول لك: لا أعرف أَتُباع أم لا تباع، هذه بضاعة جديدة، وسوف أجرب السوق، هل تباع؟ فتراه يشتريها بتردد، أما إذا تيقن من بيعها فسيشتريها، هذا في الدنيا، وإذا تيقن الطالبُ أن هذه الشهادة سوف يتعين بموجبها فوراً، ودخلُها كبير، ترى دراسته جدية، وانظر إلى إنسان درس الطب، وعلِمَ أنّ البلد بحاجة إلى أطباء، والأطباء دخلُهم كبير، ولهم مكانة اجتماعية، فإذا درسَ الأول الطب، والثاني درسَ الحقوق، فترى طالب الطب همَّتُه للدراسة أشدُّ، وطالب الحقوق باعتبار أنّ حمَلة هذه الشهادة كثروا، وفرص العمل قليلة، فترى دراسته لا هِمَّةَ فيها، لأن يقينه بالتعليم أقل.
أعتقد أنّ الأمثلة أصبحت كافية، فعندما يوقن الإنسان بالربح، ويوقن بالفائدة تراه يحمله يقينُه على عمل صادق.

أسباب استقامة المؤمن أنه يوقن أن لكل سيئة عقاباً :
هات ليَ يقينًا بالآخرة وخذْ عملاً صادقًا متواصلاً، والنفس لها قوانينها، فإذا تيقنت أن الحياة فانية وزائلة وأن ما عند الله خير وأبقى، وإذا تيقنت أن الآخرة هي كل شيء، فلا يمكن إلا أن تعمل لها بصدق و مثابرة، وإذا تيقن الإنسانُ أن هذه المعصية لها عقاب، وأنّ لكل سيئةٍ عقاباً، ولن يفوت عقاب سيئة واحدة عند الله عز وجل فلن يسيء أبدًا، وهذا الذي جاءه زبون وطلب منه سعرًا فوق الحد المعقول، التكلفة بقيمة ألفين، فقال له: عشرة آلاف، فقال له جاره: لماذا طلبتَ أضعاف ما تستحقُّ؟ فأجابه: هكذا أصول العمل، وهذه تصليحة وهي غنيمة، هذا الرجل عنده ابن يعمل بمخرطة، فتدخل نثرة فولاذ في عينه، تكلفه في اليوم الثاني عشرة آلاف ليرة بالعملة الصعبة، هذا لو حضر مجلس علم وعنده يقين أن المال الحرام لا بد أن يذهب أضعافاً مضاعفة لمَّا غشَّ زبونه صاحب التصليحة، ولماذا المؤمن يستقيم؟ لأنّ عنده يقينًا أنّ هذه المعصية لها عند الله عقاب، ومن الناحية المادية والتفسير العلمي أحدُ أسباب استقامة المؤمن أنه يوقن أن لكل سيئة عقاباً، إذا أكل مالاً حراماً فسوف يتلف اللهُ له ماله، وإن اعتدى على الآخرين أُعتُدِيَ عليه، وإن نظر إلى نساء الآخرين فسينظر الناسُ إلى نسائه، وإن أزعجهم أزعجوه، فلكل سيئة عقاب، واليقين شيء مهم، ولا يعمل المرء إلا بقدر يقينه، ولا يُقصر عامل حتى ينقص يقينه، ما يقصِّر عامل إلا إذا تزعزع يقينه، وإذا كان عندك يقين أن كتاب الشكر من رئيسك في الدائرة يترجم إلى بعثة فوراً، والبعثة وراءها دكتوراه، ومن ورائها منصب أعلى، ودخل أكبر تهتم برضا رئيسك اهتمامًا بالغًا، أما إذا كان كتاب الشكر حبرًا على ورق، ولا يقدم ولا يؤخر فإنّك لن تبالي به، إنّها قضايا ثابتة، وهي قوانين مرغِّبة للنفس.
معنى اليقين :
وبعد، فما معنى اليقين؟ تكلمنا عن أهمية اليقين، قال: اليقين له معنيان، عند الفلاسفة له معنى، وعند المتصوفين له معنى، عند الفلاسفة: الأمور أربع درجات، أن يستوي عندك الإنكار والثبوت، سُئِلتَ عن فلان وأنتَ لا تعرفه أمسافر هو أم مقيم؟ فتقول: لا أدري، فهذه درجة يستوي عندك سفره وعدم سفره، ودرجة أعلى يغلب على ظنك أنه مسافر، ودرجة أعلى من ذلك أنّك ودَّعته في المطار، لكن لا تدري أعاد أم لم يعد؟ والدرجة الرابعة ودَّعته في المطار وجاءتك رسالة منه قبل يوم يخبرك فيها أنه مقيم هناك، فصار اليقين عدم الشك، أعلى درجة في اليقين انعدام الشك، قالوا: هذا تعريف الفلاسفة، وهناك أمثلة معقدة أنا بسَّطتُها لكم، فإما أن يستوي عندك الثبوت أو النفي، أو أن يغلب عندك الثبوت مع احتمال النفي، أو أن يغلب عندك الثبوت مع ابتعاد النفي، وإما أن يغلب عندك الثبوت مع نفي النفي، إذاً انعدام الشك هو اليقين عند الفلاسفة.
أما ضعف اليقين عند الصوفيين فله معنىً آخر، مَن منا يشك أنه لن يموت؟ لا أحد، ومع ذلك معظم الناس لا يعملون لما بعد الموت، فهؤلاء وإنِ اِنعدم الشكُّ عندهم، وإنْ ثبت لديهم يقيناً أنهم سيموتون فلأنهم لا يعملون لما بعد الموت فهم ضعاف اليقين بالموت، وهذا معنىً أرقى، أحياناً يكون الطبيبُ عنده يقين قاطع أن التدخين يضر، ومع ذلك يدخن، نقول: هذا فلسفياً يوقن بضرر التدخين، أما صوفياً فضعيف اليقين بضرره مع أنه يوقن، ولكنه لأنه لم يترك الدخان فهو ضعيف اليقين به، وهذا الموضوع دقيق.
عند الصوفيين أو عند الفقهاء ضعف اليقين عدم الالتفات إلى الشيء، إذْ يؤمن بالآخرة ولا يعمل لها، ويؤمن بالنار ولا يتّقيها، ويؤمن بالجنة ولا يسعى لها، ويعرف أن هذه معصية ولا يتركها، ويعرف أن هذه طاعة ولا يقبِل عليها، هذا هو ضعف اليقين عند الفقهاء والصوفيين.

مواضيع نموذجية عن اليقين :
1 ـ التوحيد :
وبعد فهذه أربعة مواضيع نموذجية عن اليقين، فأولُ هذه الموضوعات التوحيدُ، إذْ لا يوجد إنسان إلاّ ويعرف معنى لا إله إلا الله، أي لا مسيِّر لهذا الكون إلا الله، ولا معطي إلا الله، ولا مانع إلا الله، ولا رافع إلا الله، ولا خافض إلا الله، ولا معز إلا الله، ولا مذل إلا الله، ولا قابض إلا الله، ولا باسط إلا الله، فهذا المعنى لا يوجد إنسان إلا ويعرفه، ولكن عملياً عندما تغضب من زيدٍ لأنه حرمك شيئًا، فهذا الغضب من زيدٍ هو إشراك بالله عز وجل، وهو ضعف اليقين بالتوحيد، وحينما يمتلئ قلبك حباً لمن أعطاك شيئًا ما، ونسيت أن الله سبحانه وتعالى هو الذي سمح له أن يعطيك، فهذا إشراك بالله، وضعف يقين بالتوحيد، فالتوحيد على المستوى النظري سهل، أما على المستوى العملي فهو صعب.
لو فرضنا أن إنسانًا أساء إليك إساءة بالغة لا سمح الله، تقول لصديقك: بقيتُ ثلاثة أيام لا أنام الليل مِن فِعلتِه، فهل رأيتَ هذا من الله عز وجل؟ لا، بل رأيتَه من صديقك، وامتلأ القلب غيظاً منه؛ هذا هو الشرك بالذات، هذا هو ضعف اليقين، ولكنك لو كنت قويَّ اليقين بالتوحيد لرأيت أن هذا الذي أساء إليك إنما هو عَصا بيد الله عز وجل، وأن الله سبحانه وتعالى هو الذي سمح له بذلك تأديباً لك ومعالجةً، فينتفي من قلبك كلُّ غضب وحقد على الناس، انظر فإنّ الأدوات بيد الله، قال تعالى:

﴿ وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ ﴾
[ سورة البروج : 20 ]
﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾
[ سورة الفتح: 10 ]
﴿ فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾
[ سورة الأنفال: 17 ]
﴿ وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾
[ سورة هود: 123 ]
أسعد إنسان في الأرض هو الإنسان الموحد :
لذلك أسعد إنسان في الأرض هو الموحد، لأنّه يعلم أنّ كل علاقاته مع جهة واحدة، مع الله عز وجل، وأيّ إنسان أساء له يراه عصا بيد الله، عندئذٍ ينعدم من قلبه الحقدُ والكراهية، ويرى علاقته مع الله وحده، وهذه واحدة من وحدات اليقين، فكل إنسان يمتحن يقينه، من أي مستوى يقينه؟ هل ترى الخير من الله؟ هل تذم الناسَ على ما لم يعطك الله؟ هل تمدحهم على ما آتاك الله؟ هذا هو ضعف اليقين بالذات، وما قسم الله لعباده نصيباً أوفى من العقل واليقين، فحقائق الدين واضحة، ولكن إمّا أن تعيشها، وإما ألاّ تعيشها، إن عشتها فأنت موقن بها، وإن لم تعشها فلست موقنًا بها، وهذا هو التوحيد.
2 ـ الرزق :
موضوع آخر لليقين هو الرزق، قال تعالى:
﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾
[ سورة هود: 6 ]
إذا بلغك أنه سوف يستغنون عن خدماتك في هذه المصلحة، تقول: من أين آكل وعندي خمسة أولاد وبيتي بالأجرة؟ تنام مذعورًا لأنّ يقينك بهذه الآية ضعيف، أما المؤمن فهو موقن أنّ الله هو الرزاق ذو القوة المتين: ((أَلَا لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدَكُمْ رَهْبَةُ النَّاسِ أَنْ يَقُولَ بِحَقٍّ إِذَا رَآهُ أَوْ شَهِدَهُ فَإِنَّهُ لَا يُقَرِّبُ مِنْ أَجَلٍ وَلَا يُبَاعِدُ مِنْ رِزْقٍ أَنْ يَقُولَ بِحَقٍّ أَوْ يُذَكِّرَ بِعَظِيمٍ ))
[ أحمد عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ]
المؤمن موقن أن رزقه بيد الله، وأجله بيد الله، لذلك يقول الحق، ولا تأخذه بالله لومة لائم، ولا يخشى أحداً إلا الله، فاليقين بالتوحيد موضوع كبير، ولاحظ نفسك حين تنقم على الناس إذا حرموك شيئًا تجِد يقينك بالتوحيد صفرًا، ولما تحب إنسانًا أعطاك شيئًا يقينك بالتوحيد صفر أيضًا، ولما يمرض أحدُ أولادك وتأخذه إلى الطبيب فيعاينه ويصف له دواء ويشفى، فتقول: ما شاء الله، ما أمهرَ هذا الطبيب، يحمل شهادة بورد، أمّا قبل أنْ تأخذه إلى الطبيب، يا ربِّ حرارته واحد وأربعون، التهاب سحايا، يا رب ليس لي غيرك، فأرسلك إلى طبيب ألهمه الدواء الناجح، وهذا الدواء سمح له أن يؤثر، فلمّا أثّر وتراجعت الحالة تقول: هذا طبيب ليس له مثيل، فهذا هو ضعف اليقين بالله عز وجل، أما المؤمن إذا أخذ ابنه إلى الطبيب وشفي، يقول: يا رب لك الحمد، أنت ألهمت الطبيب الدواء الناجح، وأنت سمحت للدواء أن يؤثر التأثيرَ الشافي، وأنت كتبت له الشفاء، لكن لما تعتقِد أنّ الخيرَ والشرَّ من الناس فهذا هو ضعف اليقين بالتوحيد. 3 ـ جزاء العمل :
عندما يعتقد الإنسان أنّ دخله كبير نظرًا لخبرته العالية، ويقال عنه: هو في هذه المصلحة ثلاثون سنة، فهو فارسُ مهنته، والزبائن يتزاحمون فوق بعضهم، فالله عز وجل يؤدِّبه، قالوا: رجلٌ وصل إلى درجة مذهلة من الغنى في قطر عربي مجاور، فقال: أنا اغتنيتُ، أي أنّه لن يفتقر بعد اليوم و في اللغة الدارجة (قَبَرَ الفَقْرَ) - قال رجل صادق عندي: حينما مات جمعوا له من الناس مالاً كي تنفقوا على تجهيزه ودفنه، هذا الذي قال: أنا اغتنيت، فهو ضعيف اليقين، لأن الله عز وجل الذي أعطاه يسلبه، الله الذي أعطاه هذا المال قادر أن يسلبه إياه في دقائق، كل خبراتك من هذا العقل لو تعطل شيء في العقل، نقطة دم إذا تجمدت في بعض الشرايين تفقد ذاكرتك وكل معلوماتك، قد يكون الإنسان له مكانة كبيرة، رجل وصل إلى درجة مدير عام معه دكتوراه بالجيولوجيا، وله مكانة كبيرة، وسيارته على الباب، وزوجته فرنسية فقد بصره تحملوه شهراً ذهب البريد إلى البيت ثم سرحوه، زاره صديق قال له: أتمنى يا دكتور أن أبقى على الرصيف على هذا الثوب وأتسول و يرد الله لي بصري.
بالصحن قطعة لحم دفعتها إلى زوجتك حتى هذا المستوى يجب أن يجزيك الله عليه، أُعطيت قطعة حلوى قلت في نفسك: هذه لابني أطعمتها له، هذه القطعة لها عند الله حسابها، أنت كان من الممكن أن تأكلها لا أحد شاهد ما قُدم لك، قال تعالى:

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ﴾
[ سورة الزلزلة: 7-8 ]
إذا عندك يقين في هذه الآية تقبل على العمل الصالح إقبالاً شديداً وتنتهي عن المعاصي انتهاءً عجيباً، بهذا الآية. 4 ـ اليقين الرابع أن الله مطلع عليك :
اليقين الرابع أن الله مطلع عليك، مثلاً إنسان دخل يسرح شعره بلّ شعره فتذكر أنه لم يصلِّ العصر فقام ليصلي، أي أنت تدخل لمقابلة إنسان وشَعْرُك غير مسرَّح ومبلَّل؟ سرِّحه أولاً قبل أنْ تدخل في الصلاة، كذلك ما وجدت جاكيت البيجامة فصليت العصر بالقميص الداخلي، ألم تعلم أنّ الله يطَّلع عليك وأنّ هذا اللباس لا يليق للصلاة؟ قال تعالى:
﴿ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ﴾
[سورة الأعراف:31]
سيدنا رسول الله استأجر أجيرًا، فخلع ثيابه واغتسل أمام الناس، فقال له: خذ أجارتك لا حاجة لنا بك إني أراك لا تستحيي من الله.
يجب أن يكون عندك يقين بأن الله مطلع عليك في سرك وجهرك، في خلوتك وجلوتك، من لم يكن له ورع يحجزه عن معصية الله إذا خلا لم يعبأ الله بشيء من عمله، ويجب أن يكون عندك يقين أنه: من يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره، وتحتاج إلى يقين تدرك به أن الله سبحانه وتعالى بيده كل شيء، وإلى يقين بأن الرزق بيد الله، فهذه إذًا أربعة مواضيع، التوحيد، والرزق، وجزاء العمل، والاطلاع عليك، كلُّ هذا بيد الله، ويعلمه الله، فراقِبْ نفسَك.
إذا خاطبك إنسان بلهجة قاسية تثب عليه لتأكله، أين اليقين بأن الله تعالى هو الذي أنطقه؟ وهو الذي سمح له أن يزعجك؟ فعُدْ إلى نفسك وانظُرْ ماذا فعلت، فما من عثرة ولا اختلاج عرق ولا خدش عود إلا بسبب منك:
﴿ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾
[ سورة آل عمران: 182 ]
هذا هو اليقين حقًّاً، لذلك، وما قسَم الله لعباده نصيباً أوفرَ من العقل واليقين، فإنْ كنت عاقلاً وموقناً فقد ملكتَ كلَّ شيء، لكن لضعف يقينه صار ضعيفًا متردِّدًا، وقد يغدو مخذولاً. * * *
أخبار سيدنا جعفر رضي الله عنه :
لدينا بعض الوقت فلنَعُدْ إذًا إلى أخبار سيدنا جعفر رضي الله عنه، فقدْ قضى عند النجاشي عشر سنوات آمناً مطمئنًّاً هو وزوجته، وفي السنة السابعة للهجرة غادرا بلاد الحبشة مع نفر من المسلمين متجهين إلى يثرب، فلما بلغوها كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عائداً لتوِّه من خيبر بعد أن فتحها الله له، فَفَرِح بلقاء جعفر فرحاً شديداً، حتى قال: ما أدري بأيهما أنا أشد فرحاً أبفتح خيبر أم بقدوم جعفر؟ انظر إلى هذه اللغة اللطيفة.
ولم تكن فرحة المسلمين عامة والفقراء منهم خاصةً بعودة جعفر بأقلَّ من فرحة النبي عليه الصلاة والسلام، فقد كان جعفر شديد الحدب على الضعفاء، كثير البر بهم، حتى إنه كان يلقب بأبي المساكين، قال أبو هريرة: "كان خير الناس لنا معشر المساكين جعفر بن أبي طالب"، فإذا كان لك عمل يا أخي السامِع، وبُحِثَ موضوعُ الفقراء والضعفاء والمساكين فلا تأخذ موقفًا عنيفًا، بل خذ موقف العطف، وكنْ محامياً لهم، مدافعًا عنهم، فهؤلاء المساكين الضعاف، كما قالوا: كان يمضي بنا إلى بيته، ويطعمنا ما يكون عنده، حتى إذا نفدَ طعامه أخرج لنا القربةَ التي يوضع فيها السمن، فنشقُّها ونلعق ما علق بها، ولم يطُل مكثُ جعفر بن أبي طالب في المدينة، ففي أوائل السنة الثامنة للهجرة جهز النبي عليه الصلاة والسلام جيشاً لمنازلة الروم في بلاد الشام، وأمَّر على الجيش زيد بن حارثة، وقال: إنْ قُتِل زيد أو أصيب فالأمير جعفر، فإن قُتِل جعفر أو أصيب فالأمير عبد الله بن رواحة، فإنْ قُتِل عبد الله أو أصيب فليَختَر المسلمون لأنفسهم أميراً منهم، فلما وصل المسلمون إلى مؤتة، وهي قرية واقعة على مشارف الشام، وجدوا أن الروم قد أعدّوا لهم مئة ألف تظاهرهم وتساندهم مئة ألف أخرى من قبائل لخم، و قضاعة، أما جيش المسلمين فكان ثلاثة آلاف رجل، وما أن التقى الجمعان ودارت رحى المعركة حتى خرّ زيد بن حارثة شهيدًا مقبلاً غير مدبر، فأسرع ووثب جعفر بن أبي طالب عن ظهر فرس كانت له شقراء، ثم عقرها بسيفه حتى لا ينتفع بها الأعداء من بعده، وحمل الراية وأوغل في صفوف الروم وهو ينشد:

يا حبذا الجنة واقترابهــا طيبة وبارد شرابـــها
الروم روم قد دنا عذابهـا كافرة بعيدة أنسابـــها
عليَّ إن لاقيتها ضرابها
***

وظل يجول في صفوف الأعداء بسيفه ويصول حتى أصابته ضربة قطعت يمينه، فأخذ الراية بشماله، فما لبث أن أصابته أخرى قطعت شماله، فأخذ الراية بصدره وعضديه، فما لبث أن أصابته ثالثة شطرته شطرين، فأخذ الراية عبد الله بن رواحة، فما زال يقاتل حتى لحق بصاحبيه، فبلغ النبيَّ صلوات الله عليه استشهادُ قواده الثلاث، فحزن عليهم أشد الحزن، وأمضه الألم، وانطلق إلى بيت ابن عمه جعفر بن أبي طالب، فألفى زوجته أسماء بنت عميس تتأهَّب لاستقبال زوجها الغائب، فهي قد عجنت عجينها، وغسّلت بنيها ودهَنَتْهُم وألبستهم، فقالت أسماء: فلما أقبل علينا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم رأيت غلالة من الحزن توشح وجهه الكريم، فَسَرَت المخاوفُ في نفسي، غير أني لم أشأ أن أسأله عن جعفر مخافة أن أسمع منه ما أكره، فحيا وقال: ائتني بأولاد جعفر، فدعوتهم له فهبُّوا نحوه فرحين مزغردين، وأخذوا يتزاحمون عليه، كلٌّ يريد أن يستأثر به، فأكبَّ عليهم صلى الله عليه وجعل يتشمَّمُهم، وعيناه تذرفان من الدمع، قلت يا رسول الله: بأبي أنت وأمي ما يبكيك؟ أبلغك عن جعفر وصاحبيه شيء؟ قال: نعم لقد استشهدوا هذا اليوم، عندئذ غابت البسمة من وجوه الصغار لما سمعوا أمهم تبكي وتنشج، وجمدوا في أماكنهم كأن على رؤوسهم الطير، أما النبي عليه الصلاة والسلام فمضى وهو يكفكف عبراتِه ويقول: اللهم اخلف جعفراً في ولده، اللهم اخلف جعفراً في أهله، ثم قال: رأيت جعفرًا في الجنة له جناحان مضرَّجان بالدماء وهو مصبوغ القوادم. قصة جعفر بن أبي طالب مع النجاشي :
الإنسان له مواقف فلتَكُنْ نبيلة، وسيدنا جعفر وقف هذا الموقف المشرف، فما عليه إن مات شهيدًا، فإذا كان الإنسان منا له مواقف مشرفة في الحياة، فكل شيء زائلٌ عدا هذه المواقف، وكلٌّ إلى زوال، ماذا أكل؟ ماذا شرب؟ ماذا لبس؟ أين ذهب؟ ما نوع بيته؟ ما نوع أثاث بيته؟ كم دخْلُه؟ هذا كله زائل، ولكن الذي يبقى هذه المواقف المشرفة، مِن حبٍّ لله ورسوله، ألا لا إيمان لمن لا محبَّة له، ألا لا إيمان لمن لا محبّة له، ألا لا إيمان لمن لا محبّة له، سيدنا جعفر له قصة مطولة مع النجاشي، وأنا آثرت أن أتجاوزها لضيق الوقت أولاً، ولأنكم سمعتموها مني مرات عديدة، لكني أوجزها، فقد وقف أمام النجاشي وقال:
(( أَيُّهَا الْمَلِكُ كُنَّا قَوْمًا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ نَعْبُدُ الْأَصْنَامَ وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ وَنَأْتِي الْفَوَاحِشَ وَنَقْطَعُ الْأَرْحَامَ وَنُسِيءُ الْجِوَارَ يَأْكُلُ الْقَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ فَكُنَّا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْنَا رَسُولًا مِنَّا نَعْرِفُ نَسَبَهُ وَصِدْقَهُ وَأَمَانَتَهُ وَعَفَافَهُ فَدَعَانَا إِلَى اللَّهِ لِنُوَحِّدَهُ وَنَعْبُدَهُ وَنَخْلَعَ مَا كُنَّا نَعْبُدُ نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ الْحِجَارَةِ وَالْأَوْثَانِ وَأَمَرَنَا بِصِدْقِ الْحَدِيثِ وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ وَصِلَةِ الرَّحِمِ وَحُسْنِ الْجِوَارِ وَالْكَفِّ عَنْ الْمَحَارِمِ وَالدِّمَاءِ وَنَهَانَا عَنْ الْفَوَاحِشِ وَقَوْلِ الزُّورِ وَأَكْلِ مَالَ الْيَتِيمِ وَقَذْفِ الْمُحْصَنَةِ وَأَمَرَنَا أَنْ نَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا وَأَمَرَنَا بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ قَالَ فَعَدَّدَ عَلَيْهِ أُمُورَ الْإِسْلَامِ فَصَدَّقْنَاهُ وَآمَنَّا بِهِ وَاتَّبَعْنَاهُ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ فَعَبَدْنَا اللَّهَ وَحْدَهُ فَلَمْ نُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا وَحَرَّمْنَا مَا حَرَّمَ عَلَيْنَا وَأَحْلَلْنَا مَا أَحَلَّ لَنَا فَعَدَا عَلَيْنَا قَوْمُنَا فَعَذَّبُونَا وَفَتَنُونَا عَنْ دِينِنَا لِيَرُدُّونَا إِلَى عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ عِبَادَةِ اللَّهِ وَأَنْ نَسْتَحِلَّ مَا كُنَّا نَسْتَحِلُّ مِنْ الْخَبَائِثِ فَلَمَّا قَهَرُونَا وَظَلَمُونَا وَشَقُّوا عَلَيْنَا وَحَالُوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ دِينِنَا خَرَجْنَا إِلَى بَلَدِكَ وَاخْتَرْنَاكَ عَلَى مَنْ سِوَاكَ وَرَغِبْنَا فِي جِوَارِكَ وَرَجَوْنَا أَنْ لَا نُظْلَمَ عِنْدَكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ ))
[أحمد عن أم سلمة]
هذا الكلام الموجز من سيدنا جعفر لخَّص الجاهلية والإسلام، فهو كلام بليغ موجز، هكذا كنا، وهكذا أصبحنا، ما قال له: خِفْنَا أن نصلي، مع أن الصلاة فرض، والصلاة وسيلة لهذه الأخلاق. الإسلام بقي عند الناس صومًا وصلاة وشعائر مفرغة :
سبحان الله فلقد اختلف الأمر وصار الإنسان إذا صلى ولو أكل أموال الناس بالباطل ولو آذاهم فإنه يحجُّ ويظن أنّ حجَّه يمحو كل مساوئِهِ مع الناس، إساءات، وإخلاف مواعيد، وكذب، وعدوان، وتلبيس على إبليس، فهذا كلُّه يفعله ولا يبالي، لذلك زَهِدَ الناس بالدين، وانفضوا عنه، ولو كان أهلُ الدين يعيشون قيمًا إسلامية رفيعة، إخلاصًا، وفاء، رحمة، بذلاً، تضحية لإدخال الناس في دين الله أفواجاً، ولهذا خرج الناس حقيقةً من دين الله أفواجاً، لأن الإسلام بقي عند الناس صومًا وصلاة وشعائر مفرغة، وعلى المسلمين أنْ يجعلوا الدينَ مكارم أخلاقية، وسيرة اجتماعية حسنة، وقدوة فذَّة اقتداءً برسول الله صلى الله عليه و سلم، وعندئذ ترفرف راية الدين عالية.
لكن الإنسان يفهم الدين عبادات فقط فهذا هو الفهم القاصر، أمَّا إذا فهم الدينَ كمالات، فهذا هو الفهم الصحيح، وبهذا الفهم الصحيح فتح الصحابةُ قلوبَ الناس قبل فتح البلاد.

الجمال و الكمال :
ثم إني أعرِّج على موضوع قصير أعرِّف مِن خلاله الجمال والكمال، فاستمعوا لتعريف رسول الله حيث قال: "الجمال صواب القول بالحق"، فلنتكلم بالحق، والحق ليس عليه رد، والحق غذاء للنفوس كما أن هذا الجسد يحتاج إلى غذاء يومي هذه النفس تحتاج إلى غذاء والحق غذاؤها، الجمال صواب القول بالحق، والكمال حسن الفعال بالصدق، يكون عملك طيبًا، ولكن ليس نفاقاً ولكن صدقاً.
((الْجَنَّةُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ وَالنَّارُ مِثْلُ ذَلِكَ ))
[ أحمد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ ]
تقع حالات وفاة مفاجئة، كأنْ تكون وفاة بحادث، فهذا إنسان عملُهُ طيب، فبينما هو بين أهله إذْ به بعد نصف ساعة قد توفي، وبعد ثلاث ساعات صار في القبر، لا يوجد روتين في دفن الموتى، يموت مثلاً الساعة العاشرة وعند الظهر يصير في التربة، يكون الساعة التاسعة لا يشكو من شيء، وفي التاسعة والنصف أصابتهُ سكتة قلبية، الساعة العاشرة توفي الساعة الثانية عشرة والنصف كان في التربة، فإذا كان مؤمنًا صار في الجنة، والنار كذلك فإذا كان في بحبوحة مثلاً ودخل كبير وعز وجاه، فحادث بسيط قد يجعله من أهل القبور، وإذا كان عمله سيئًا فإلى جهنم: (( الْجَنَّةُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ وَالنَّارُ مِثْلُ ذَلِكَ ))
[ أحمد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ ]
فالإنسان العاقل يهيِّئ نفسه، والمؤمن العاقل يعدُّ نفسَه دائمًا كأنه على سفر، وكل شيء جاهز، فالموت أقرب إلى المرء من بياض العين إلى سوادها، فالله نسأل الصواب والسداد.

السعيد 09-09-2018 01:59 PM

رد: الفقة الاسلامى 2
 
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( السادس و العشرون )

الموضوع : المسح على الجبيرة





لحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
المسح على الجبيرة :
أيها الأخوة الكرام، موضوع قصير عنوانه " المسح على الجبيرة " فمن افتصد، أي أخرج دماً من جسمه، أو بجرح، أو بكسر عضوٍ فشدَّه بخرقةٍ، أي الضمّاد، أو بأيِّ حادث، وأيّ كسر إذا شُدَّ بضماد، أو جبيرة، وكان لا يستطيع غسل العضو، ولا يستطيع مسحه وجب المسح على أكثر ما شدَّ به العضو.
اليد مكسورة ومجبَّرة بجبصين وقماش، مجروحة عليها شاش ومادة معقمة، فصد دمه ربط مكان الفصادة بشاش، أي جبيرة أو أي ضماد شده الإنسان على جسمه إن لم يستطع غسله أولاً، وإن لم يستطع مسحه كذلك فماذا يفعل؟ وجب المسحُ على أكثر ما شدّ به العضو، على القماش وكفى المسح على ما ظهر، وإذا كانت الجبيرة طبقات متعددة فيمسح الطبقة الأخيرة فقط، والمسح كالغسل، معنى كالغسل هناك فرق كبير بين المسح على الجبيرة وبين المسح على الخفين، المسح على الخفين مسح بدل، بدل من غسل الرجلين، وله مدة يوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام بلياليها للمسافر، وله نواقض، لكن المسح على الجبيرة كالغسل فلا يتوقف بمدة، ولا يشترط شد الجبيرة على طهر، رجل أُخِذَ بحالة إسعاف إلى المستشفى ولم يكن متوضئًا، فماذا نفعل؟ هل نفكُّ الضماد؟ لا، إذْ لا يشترط شدُّ الجبيرة على طُهر، ويجوز مسحُ جبيرة إحدى الرجلين، أما بالخفين فيمسح الاثنتين معاً، رِجْل واحدة مضمَّدة والثانية معافاة، تَغسل واحدة وتَمسح على الثانية، ولا يبطل المسح بسقوطها قبل البرء، وإن سقطت فالمسح لا يبطل بل تصلي ولو سقطتْ، ويجوز تبديلها بغيرها، ولا يجب إعادة المسح عليها، فالمريض مجروح، ولهُ في الشرع وُسعةٌ كبيرة، والشرعُ سَمحٌ في تعامله مع هذا المريض.
ثم إذا رمَد الإنسان وأُمِر ألاّ يغسل عينه، ماذا يفعل؟ أو انكسر ظفره، وجُعِل عليه دواء أو مادة عازلة ويضرّه نزعُه، جاز له المسح، لا يوجد جبيرة للعيون، عينٌ رمداء وضِع لها الدواء، والماء يضرها، يمسح على جفنه من دون غسيل، ظفره انكسر وضع عليه مادة معقمة يضرها الماء يمسح على ظفره، الآن لا يوجد جبيرة، فلتَعلمْ إذًا أنّ الدين يسر، فلك أن تمسح على الخفين، ولك أن تتيمم، ولك أن تمسح على الجبيرة، أو أي ضماد، ولك أن تمسح على عضو يضره الماء من دون ضماد.

المسح على الجبيرة لا يفتقر إلى نية ولا توقيت ولا زمن :
والمسح على الجبيرة لا يفتقر إلى نية، حتى لو كان العضوُ يضرُّه الماء جاز له تركُ المسح، أكرِّر وأقول: ولا يفتقر المسُح على الجبيرة إلى نية كما في المسح على الخف، فلا نية ولا توقيت ولا زمن، ولا يشترط أن تكون الجبيرة على طهر، وإذا سقطت لا ينتقض الوضوء، ويجوز تبديلها وتغيرها، ولا يشترط النية، فقدْ رُفِع عن أمتي كلُّ ما يبعث على الضيق والتبرم من الشرع، فالدين يُسْرٌ.
((عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِنَفْسِهِ إِلا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ بِهَا ))
[البخاري عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهَا]
* * *
المؤمن الصادق يجب أن يكون حزيناً منكسراً يقلقه أمر آخرته :
وبعدُ، فإلى فصل آخر مختار من إحياء علوم الدين للإمام أبي حامد الغزالي، كنا في الدرس الماضي تحدثنا عن اليقين، وقلنا: إنَّ اليقين عند الصوفيين أو عند الفقهاء يختلف عن اليقين عند المتكلمين والفلاسفة، فاليقين عند المتكلمين هو عدم الشك، أما اليقين عند الفقهاء والصوفيين فهو أن توقن بالموت ولا تعمل لما بعد الموت، أن توقن بالجنة ولا تعمل لها، أن توقن بالنار ولا تتقي النار، هذا هو ضعف اليقين، وما قسم الله لعباده نصيباً أوفر من العقل واليقين.
إنّ المؤمن الصادق يجب أن يكون حزيناً، منكسراً، مطرقاً، صامتاً، لأنه كما قال عليه الصلاة والسلام: "الحزانى في كنف الله"، إن الله يحب كل قلب حزين، الحزانى معرضون إلى الرحمة، ما معنى "حزانى" أي أنّ أحدهم يقلقه أمر آخرته، ويخشى أن تأتيه المنية وليس معه زاد كافٍ إلى الآخرة، فهذا الحزن المقدس، يخشى ألاّ يكون الله راضيًا عنه، ويخشى أن يكون في عمله رياء، يخشى أن يكون في قلبه نفاق، يخشى أن تخونه عينه، وأن ينطلق لسانُه في غضب الله، وأن يكون هذا العمل لغير الله، وأن يرجو غير الله، وأن يخاف من غير الله، فالطالبُ في أثناء العمل الدراسي وهو طموح، ويعلِّق أهمية كبرى على نجاحه، يرجو أن ينجح، ولكنه يخاف ألاَّ يُجمِّع معدلَ الطب، فهو قلق، فيطمئنه أهله، وجيرانه، وأصدقاؤه، ومع ذلك يقول: الأسئلة صعبة هذه السنة، وسوف يرفعون المعدلات، وأخاف ألاّ أدخل كليةَ الطب، فالمجتهد يقلق، أما الكسول فيجد طمأنينة بلهاءَ.

المؤمن يقلق أما المنافق فمطمئن طمأنينة بلهاء :
المؤمن يقلق، أما المنافق فمطمئن طمأنينة بلهاء، معها غباء، لذلك لا يجتمع على عبد أمْنَانِ ولا خوفان، إن أمِنَني في الدنيا أخَفْتُه يوم القيامة، وإن خافني في الدنيا أمنته يوم القيامة، والكافر كما قال تعالى:
﴿ إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا ﴾
[ سورة الانشقاق: 13]
كان مسروراً، يضحك ملء فمه، يتمطى، أما المؤمن فقال تعالى: ﴿ وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا ﴾
[ سورة الانشقاق: 9]
تخاف ألاّ تكون في مستوى ما تقول، هذا حزن، تخاف أن يكون قولك أرقى من عملك، وهذا شيء مخيف، تخاف أن يسعدَ الناسُ بدعوتك وتشقى بها، تخاف أن يكون أحدٌ أسعدَ منك، وعِلمُك كان لغير الله، تخاف أن تكون عبرة لأحد من خلق الله، تخاف أن تقول قولاً ظاهرُه فيه رضى الله عز وجل، لكنك تلتمس به رضى أحد سوى الله عز وجل، وتخاف أن تتزين للناس بما يشينك عند الله، فهذا هو القلق، وإذا لم يكن للإنسان قلق من هذا المستوى فهو إنسانٌ جاهل، وإذا كان الطالب خارج المدرسة من أبناء الأزِقة، فهل هذا يقلق على وظيفة؟ أو على واجب مدرسي؟ أو على امتحان؟ أو على مذاكرة؟ أو على دوام مدرسي؟ أو من استدعاء وليّ؟ لا أحَدَ يحاسبه، فهذا مطمئن، لكنها طمأنينة بلهاء، وطمأنينة الجُهلاء، لكن العالم لا يطمئن. القلق من عقاب الله عز وجل قلق مقدس :
ذات مرة قلت لكم: لو أن إنساناً وجد شقًّاً أساسيًا بجسر أساسي في بنائه، فقد يعرضه على دهَّان، يقول له الدهَّان: هذا يحتاج إلى معجون وسوف أصلِحه لك إن شاء الله، ويتوارى الشقُّ، لكن قد يعرضه على مهندس، ويقول له: هذا البناء خطر، يحتاج إلى إخلائِه فوراً، فبين أن يصلحه له الدهَّان وبين الإخلاء مسافة كبيرة وشاسعة، وهي كالمسافة بين العلم والجهل تماماً، فبقدر علمك تخشى الله، بقدر علمك عن الله تخافه، بقدر ما تعرف عن الآخرة ترجوها، بقدر ما تعرف عن النار تتقيها، بقدر ما تعرف عن كرم الله تطمع بكرمه، بقدر ما تعرف عن عقاب الله تخاف عقابه، فهذا القلق هو القلق المقدس، إنسان يعيش على هامش الحياة لا يدري لماذا خلق، ولماذا جاء إلى الدنيا، وما جوهر الحياة وما المصير.
هذا هو الحزن المقدَّس، عندما النبي الكريم قال:" الحزانى في كنف الله"، هذا هو الحزن حقًّاً.
إذا وجد الأب ابنه غيرَ مستقيم، والابن لا يبالي ويضحك ملء فمه، والأب أعرض عنه، وهو لا يزال يضحك، ولا يزال مستهتراً، ألا يتألم الأب من هذا الابن؟ وإذا رأى الابن أباه معرضاً عنه، فقَلِقَ أشد القلق، فقلقُه دليلُ محبةِ الابن أباه، وحِرصُ الابنِ على إرضاء أبيه يجعله يقلق، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

(( إن الله يحب كل قلب حزين ))
[الحاكم عن أبي الدرداء]
والحزانى معرضون للرحمة، فعليه أن يكون حزيناً منكسراً مطرقاً صامتاً، يظهر أثر الخشية على هيئته، ومظهره، وسيرته، وحركته، وسكونه، ونطقه، وسكوته، أما أهل الدنيا فماذا يفعلون؟ يتهافتون على الكلام، ويتشدقون بألفاظ، ويستغرقون في الضحك، ويفعلون أعمالاً تدلُّ على بطرهم، واستهزائهم، وطمأنينتهم البلهاء. أنواع العلم :
لذلك قال الإمام التستري: "العلم الذي لا يورث خشيةً هو نوع من الجهل "، أيضاً قال الإمام نفسه: " العلم على ثلاثة أنواع علم بالله، وعلم بأمر الله، وعلم بخلق الله "، فالمختص بالفيزياء والكيمياء، والرياضيات، والفلك، والطب، والهندسة، والجيولوجيا، وعلم طبقات الأرض، وعلم المستحاثات، وميكانيك التربة، والفيزياء النووية، والكيمياء العضوية، والكيمياء التطبيقية، والرياضيات البحتة، والرياضيات الحديثة، هذه علوم بمخلوقات الله بَرَعَ فيها الغربيون إلى حدّ كبير، ويظن الناس أن كلمة العلم تعني هذا، لا، بل هذه صنعة من صنعات الحياة، أما العلم بأمر الله أن تعرف الحلال والحرام، وأبواب الفقه، والعبادات، والطهارة، وأنواع المياه، وأن تعرف أحكام الصلاة، وفروضها، وشروطها، وسننها، ومكروهاتها، وأن تعرف الصيام والحج والزكاة، وأن تعرف علم الفرائض والمواريث والتركات، وبحث البيوع، وبحث العقد، والوديعة، وأبواب الفقه معروفة عندك، عبادات، ومعاملات، وحدود، وأحوال شخصية، وهناك علم الأديان، علم الفقه المقارن، أصول الأديان، الفقه وأصوله، المذاهب الإسلامية، والفرق الإسلامية، ادخل إلى كلية الشريعة تجد موادَّ وكتبًا ومؤلفات ومجلدات تحوي تلك العلوم كلها، هذا علم بأمر الله، أما العلم الشريف فهو العلم بالله عز وجل، أن تعرف الله، فإذا جمعت بين معرفة الله ومعرفة أمره فقد جمعتَ أصول المجد من طرفيه، أن تعرف أمر الله، وأن تعرف الله.
معرفة أمر الله تحتاج إلى فكر نيِّر وذكاء :
لكن معرفة أمر الله تحتاج إلى فكر نيِّر، وذكاء، وإلى مراجع، وكتب، ودراسة، وملخصات، هذا العلم بأمر الله، والعلم بمخلوقات الله كذلك ، أما العلم بالله فلا يحتاج إلى شيء من هذا القبيل، يحتاج إلى مجاهدة، الإمام الغزالي يقول: " جاهد تشاهد "، أي العلم بالله لا يحتاج إلى مجلدات، يحتاج إلى غض بصر، العلم بالله يحتاج إلى عمل صالح، وحلم، و بر الوالدين، وضبط النفس، فإذا ضبطت نفسك، وبذلت من وقتك، ومن مالك، ومن جهدك، ومن خبرتك، وقدَّمتَه لله خالصاً، تجلَّى الله على قلبك فسعدتَ بقربه، فعرفتَ عن ذاته ما لم يعرف علماء الأرض، علماء الظاهر، قال تعالى:
﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾
[ سورة البقرة : 282]
﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾
[ سورة التغابن: 11]
إذًا هذا هو العلم بالله. الخشية علامة العلم بالله :
لذلك الإمام الغزالي يقول:" حيثما وردت كلمة العلم في الكتاب والسنة فإنما تعني العلم بالله "، هذا المفروض، لكن ما أكثر المتعلمين، بعض الدول تقول لك: المتعلمون عندها مئة بالمئة، وبعض الدول يقولون: نسبة المتعلمين عندهم عالية، الآن صار العلم شائعًا، فمن الذي بقي جاهلاً؟ قلة قليلة، لكن ليس هذا العلم هو المقصود، فمع هذا العلم هناك الفسق، والفجور، والزنا، والخمر، والانحراف، والربا، ومع هذه الثقافة الرفيعة والشهادات الجامعية العليا هناك الغش، والدجل، والمحاباة، والتدليس، حتى في المهن الراقية، فالطبيب مثلاً يكتب لك لإجراء تحليلين زيادة ولست بحاجةٍ إليهما، وذلك بالاتفاق مع المحلل في مناصفةً الأجر، فالطبيب كيف فعل هذا؟ والمحامي يعلم علم اليقين، وبعضهم ممن لا يخاف الله عز وجل، وبعضهم الآخر مِمَّن يخاف الله، ولهم عند الله مكانة عالية، لكن بعضهم مقتنع قناعة تامة أن هذه الدعوة لن تربح، وأن كل الاجتهادات لا تؤيِّدها محكمةُ النقض، ومع ذلك يقول لك: أنا أُربِحُها لك، وادفع لي دفعة مقدمة خمسة آلاف، والباقي عند انتهاء القضية، وتبقى في القضاء عدة سنوات، ثم يقول هذا المحامي مفترياً على القاضي النزيه: لقد ارتشى من خصمي، وقد نبهتك كثيراً، إلا أنه قد أخذ عشرة آلاف، وحلّ مشكلاته الشخصية، ووضعك في توتر نفسي سنوات عديدة، فهذا مثقف ودرس القانون، والأحوال الشخصية، ودرس أصول المحاكمات، ودرس أحوالَ القضاء، والعدالة، حتى إنه درَسَ سيرة سيدنا عمر، فهذا علمٌ بأمر الله لا يقدم ولا يؤخر، لكن العلم بالله هو الذي يجدي، وعلامة العلم بالله الخشية، لذلك:
(( عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: كَفَى بِالْمَرْءِ عِلْمًا أَنْ يَخْشَى اللَّهَ وَكَفَى بِالْمَرْءِ جَهْلاً أَنْ يُعْجَبَ بِعِلْمِهِ ))
[الدارمي عَنْ مَسْرُوقٍ]
وإليكم مثل بسيط، إنسان يحمل دكتوراه في هندسة الميكانيك، وإنسان لا يقرأ ولا يكتب، فالذي لا يقرأ ولا يكتب عندما تألَّق الضوء الأحمر في سيارته توقف، وقال: هناك نقص في الزيت، والذي يحمل دكتوراه في الميكانيك تابع مسيره، فأحرق المحرِّك، وهذا الذي لا يقرأ ولا يكتب وقف في الوقت المناسب، فأيُّهما العالم؟ هذا الجاهل في نظر الناس هو العالم. من خشي الله عز وجل واستقام على أمره وعمل للآخرة فقد نجا :
أمّا على مستوى الآخرة فهذا الذي لم يتعلم أصول الفقه، ولا أحكام التجويد، ولم يتعلم أحكام البيوع، لكنه خشي الله عز وجل، واستقام على أمره، وعمل للآخرة، هذا الذي نجَا، والذي تعلَّم علم الثقلين، ولم يعمل بعلمه فهو الذي هلك، لذلك تعلموا ما شئتم فو الله لن تؤجروا حتى تعملوا بما علمتم، سيدنا عمر قال: " تعلموا العلم، وتعلموا للعلم السكينة والوقار والحلم، وتواضعوا لمن تتعلمون منه، وليتواضع لكم من يتعلم منكم، ولا تكونوا من جبابرة العلماء"، وقد مرَّ معنا في درس سابق قوله تعالى:
﴿ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ ﴾
[سورة الضحى: 10]
بعض المفسرين وَّجه الآية توجيهاً آخر، فقال: هذا الذي يسأل العالم لا ينبغي للعالم أن يترفع عن الإجابة، فإجابة العالم للمتعلم فرض، فلا تنهره، ولا تقل له: ليس عندي وقت، أو هذا السؤال سخيف، أجبه بتواضع، ويقال: ما آتى الله عبداً علماً إلا آتاه الله معه حلماً وتواضعاً وحسن خلق ورقة، وإذا أردت أن تعرف إنْ كان هذا علمُك من الله عز وجل، فإنّ معه حلماً وتواضعاً وحسن خلق ورقّة، فإذا كان معه كبر وشعور بالعلو وعجرفة فهذا العلم من الكتب. أرقى عطاء لله عز وجل أن تكون عالماً و أديباً :
ورد في الأثر: "من آتاه الله علماً، وزهداً، وتواضعاً، وحسن خلق فهو إمام المتقين"، هناك حديث - سبحان الله - كنت أقرؤه كثيراً، ومرةً ذكرته في خطبة، وكنت أغفل عن شقه الثاني، يقول عليه الصلاة والسلام:
((ما استرذل اللهُ عبداً إلا حظر عنه العلم والأدب ))
[ ابن النجار عن أبي هريرة]
ومعنى استرذله أيْ رآه رذيلاً، سخيفاً، شهوانياً، دنيوياً، ذا أفق ضيق، يعيش لوقته، وهمومه دنيوية، وطموحاته أرضية، وميوله شهوانية، فإن رآه كذلك حَظَر عليه العلم والأدب، أحيانًا يضيق الوالد ذرعاً بابنه فيقول له: المدرسة ليست لك، هذه لغيرك، أنت للطريق، كنت أقف عند كلمة العلم، إلا حظر عليه العلم وأتابع دون أنْ ألتفت لكلمة الأدب، لكني مرة وقفتُ عند الكلمة الثانية العلم والأدب، معنى هذا أن أرقى عطاء لله عز وجل أن تكون عالماً وأن تكون أديباً، وقد سئلت السيدة عائشة رضي الله عنها عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ورد: ((عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ فَقُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَخْبِرِينِي بِخُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَتْ: كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ أَمَا تَقْرَأُ الْقُرْآنَ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ( وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) قُلْتُ فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَتَبَتَّلَ قَالَتْ لا تَفْعَلْ أَمَا تَقْرَأُ ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) فَقَدْ تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ وُلِدَ لَهُ))
[أحمد عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ]
سئلت مرة ثانية عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: ألا تقرؤون قوله تعالى: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ﴾
[ سورة المؤمنون:1-8]
هذه أخلاق النبي الكريم، فلا يقلُّ الأدبُ عن العلم، بل يزيد عليه. الأدبُ لا يقل عن العلم بل يزيد عليه :
يا بني نحن إلى أدبك أحوج منا إلى علمك، أربعة أخماس الدين أدب، سيدنا زيد الخير، اللهم صلِّ على سيدنا محمد قال عن زيد هذا: ما وصف لي رجل إلا رأيته دون ما وصف، أحيانًا يقول لك رجل: المكان الفلاني رائع، فتذهب إليه فتجده عاديًا ودون الوسط، لكنه قال لك: مكان جميل ساحر، ثم تراه دون الوسط، فالنبي الكريم قال: "ما وصف لي رجل إلا رأيته دون ما وصف إلا زيد الخير"، زيد الخير سيد قومه، بلغه نبأ بعثة النبي عليه الصلاة والسلام، فجمع وجهاء القوم، ووفد إلى النبي الكريم، فدخل المسجد في أثناء الخطبة، والنبيُّ الكريم فَطِنَ وقد رأى أنه دخل أناس جدد، فقال: أنا خير لكم من اللات والعزى، أنا خير لكم مما تعبدون من دون الله، أنا خير لكم من الجمل الأسود، وهو من أرقى أنواع الأموال مثل الدولار، وبعدما انتهت الخطبة، سأله النبي الكريم: مَن الرجل؟ فقال: أنا زيد الخيل، فقال له: بل أنت زيد الخير، لله درُّك، ثم انطلق به إلى البيت، ولم يمض على إسلامه عشر دقائق حتى قال له: ما وُصِف لي رجل إلا دون ما وصف إلا أنت يا زيد الخير، وفي البيت دَفَع له وسادة، فماذا قال سيدنا زيد الخير؟ قال: والله لا أتكئ في حضرتك يا رسول الله، هذا هو الأدب، الدين كله أدب، كان صلى الله عليه وسلم يُقرَع بابه بالأظافر، وهذا الذي رفع صوته فوق صوت النبي نزلت في حقه آية، قال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ﴾
[ سورة الحجرات:2]
هذه لوحة خضراء معلَّقة على الحجرة الشريفة النبوية في الحرم المدني، كُتِبَ عليها " أن تحبط أعمالكم "، فلان عمَّر مسجدًا، فإذا وقفَ موقفاً ليس فيه أدب مع رسول الله حبط عملُه. من آتاه الله علماً وزهداً وحسن خلق فهو إمام المتقين :
أنا أقرأ في بعض كتب الفقه، أنّ الإنسان إذا رمى المصحف يُعدُّ مرتداً، وتطلق منه زوجته، ويؤخذ ماله، فهو كتاب خالق الكون، حتى إذا كان الإنسان له أخ اسمه يحيى، وقال له: يا يحيى خذ الكتاب، ففي هذا إثم كبير، أَمِنْ أجل هذا أنزلت هذه الآية؟ من أجل أن تستخدمها مع أخيك يحيى، وتعطيه كتاب رياضيات، هذا استخفاف بكلام الله، فمن آتاه الله علماً، وزهداً، وحسن خلق، فهو إمام المتقين، ويقول عليه الصلاة والسلام:
(( إن من خيار أمتي قوماً يضحكون جهراً من سعة رحمة الله، ويبكون سراً من خوف عذابه، أبدانهم في الأرض وقلوبهم في السماء، أرواحهم في الدنيا وعقولهم في الآخرة يتمشون بالسكينة ويتقربون بالوسيلة))
[الحاكم والبيهقي في شعب الإيمان عن عياض]
ويقول النبي عليه الصلاة والسلام: (( قيل: يا رسول الله أي الأعمال أفضل؟ قال: اجتناب المحارم، ولا يزال فوك رطباً من ذكر الله، قيل فأي الأصحاب خير؟ قال صلى الله عليه وسلم: صاحب إن ذكرت الله أعانك - تقول لشخص: ادخل لنصلي، فيقول: نعم، جزاك الله خيرًا، بينما تقول لآخر: ادخل لنصلي، فيقول: لدينا متَّسعٌ من الوقت، نؤجِّلها - وإن نسيته ذكّرك، قيل: فأي الأصحاب شر؟ قال: صاحب إن نسيت لم يذكرك، وإن ذكرت لم يعنك، قيل: فأي الناس أعلم؟ قال: أشدهم لله خشية))
[سفيان عن مالك بن معول]
أنتَ إزاء اثنين يسيران في الطريق، الأول يحمل دكتوراه، والآخر يحمل لسانس، هذا يغض بصره، في حين أنّ الأول ينظر ويحملق، فأيُّهما أعلم؟ هذا مقياس رسول الله. (( قيل فأخبرنا بخيارنا نجالسهم؟ قال صلى الله عليه وسلم: الذين إذا رُؤوا ذكر الله بهم))
[سفيان عن مالك بن معول]
إن رأيته ذكرتَ الله، تسمعه يقول: والله يجب أن أثابر على الحضور إلى المسجد، أو يقول: يجب أن أتوب إلى الله، أنت َلمْحَته في الطريق ولم تسلم عليه لعجلتك، لكن نويت أن تتوب إلى الله مِن بعد أنْ رأيته بتلك النظرة الخاطئة. ((قيل فأي الناس شر؟ فسكت الرسول صلى الله عليه وسلم، قالوا: أخبرنا، قال: العلماء إذا فسدوا..))

لأنهم قدوة يوقعون الناس في حيرة كبيرة، ويختل توازن الإنسان إذا رآهم، لماذا يفعل هذا؟ يشك في قدسية الدين، يشك في جدوى الدين وثمرته، هذا هو الدين.
وقال ابن عمر رضي الله عنهما:" لقد عشنا برهة من الدهر وإنّ أحدنا يؤتى الإيمان قبل القرآن - إن أوتيت الإيمان قبل القرآن فهمت القرآن وعملت به - وسيأتي بعدكم أقوام يؤتون القرآن قبل الإيمان، يقيمون حروفه ويضيعون حدوده ".
حروفه مئة بالمئة، مخارج الكلمات مئة بالمئة، صفات الحروف مئة بالمئة، أما حدوده فوسط، أو لا يطبق مما علِم شيئًا.
"....يقيمون حروفه ويضيعون حدوده وحقوقه، يقولون: قرأنا فمن أقرأ منا؟ وعلمنا فمن أعلم منا؟ فذلك حظُّهم".
علامات علماء الآخرة :
1 ـ خشية الله عز وجل :
آخر فقرة من الدرس: خمسٌ من الأخلاق، هي من علامات علماء الآخرة، مفهومة من خمس آيات من كتاب الله عز وجل، واللهُ عز وجل سيعرفنا إلى الدعاة الصادقين من خمس آيات، أول آية، قال تعالى:
﴿ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ﴾
[ سورة فاطر:28]
فإذا رأيت إنساناً يخشى الله فهو عالم، قد يقول: أنا محتار، فكلُّهم يدَّعي العلم، لا تحتَرْ، فالذي يخشى الله هو العالم. 2 ـ الخشوع :
الصفة الثانية الخشوع، قال تعالى:
﴿ وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾
[ سورة آل عمران: 199 ]
الخشية والخشوع. 3 ـ التواضع :
الصفة الثالثة: التواضع، قال تعالى:
﴿ لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾
[ سورة الحجر : 88 ]
فإذا كان النبي وهو سيد الخلق وحبيب الحق أُمِرَ أن يخفض جناحه للمؤمنين، فمن أنت حتى تتكبر عليهم؟ إنّ علامة العالم الصادق تواضعُه لمَن يعلم: ((عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ اسْتَأْذَنَهُ فِي الْعُمْرَةِ فَأَذِنَ لَهُ فَقَالَ يَا أَخِي لَا تَنْسَنَا مِنْ دُعَائِكَ، وَقَالَ بَعْدُ فِي الْمَدِينَةِ يَا أَخِي أَشْرِكْنَا فِي دُعَائِكَ فَقَالَ عُمَرُ مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِهَا مَا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ لِقَوْلِهِ يَا أَخِي))
[أحمد عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
هكذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم، فهل هذا الكلام تواضع منه صلى الله عليه وسلم؟ لا بل هو حقيقة. 4 ـ حسن الخلق :
الصفة الرابعة: حسن الخلق، أنْ يوجد في قلبك رحمة، ولين، أو لا رحمة ولين، بل عندك قسوة، فعالم قاسٍ لا وجود له، دخلت المسجدَ فرأيت طفلاً لا يعرف كيف يصلي، فلا تنهره، بل شجِّعه، وعلِّمه، وارفق به، فإذا كان لديك قسوة فليس لديك علم، الخشية، والخشوع، وحسن الخلق، والتواضع.
5 ـ الزهد :
وآخر شيء الزهد، قال تعالى:
﴿ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ ﴾
[ سورة القصص: 80 ]
ازهدوا في الدنيا، فالعالم زاهد وخاشع، يخشى الله، متواضع، وحسن الخلق، فإن توافرت هذه الصفات الخمسة في إنسان فتابِعْه وسِرْ معه، فلعل الله عز وجل يرحمك به. * * *
قصة النبي الكريم مع سفانة بنت حاتم الطائي :
والآن إلى قصتين، الأولى منهما جرت مع النبي عليه الصلاة والسلام، والثانية جرتْ في عصر لاحق، وجَّه النبي عليه الصلاة والسلام إلى قبيلة طيِّئ فريقًا من جنده يقدُمُهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ففزع عديُّ بن حاتم، وكان من أشد الناس عداءً لرسول الله ففرَّ إلى الشام، فصبَّح عليٌّ القوم، واستاق خيلهم ونعمهم ورجالهم ونساءهم إلى رسول الله، فلما عرضت عليه الأسرى نهضت من بين القوم سفانة بنت حاتم الطائي، فقالت وكانت ذكية: يا رسول الله، لم تقل يا محمد وهي لم تسلم بعد: هلك الوالد وغاب الوافد، قال: من الوافد؟ قالت: عدي بن حاتم، قال: الفار من الله ورسوله؟ قالت: فإن رأيت أن تخلي عني ولا تشمت بي أحياء العرب، فامنن عليّ مَنَّ الله عليك، فالنبي الكريم ما استجاب إليها أول الأمر، وفي اليوم الثاني حينما مرّ بالأسرى وقفت وقالت: يا رسول الله هلك الوالد وغاب الوافد، فامنن علي مَّن الله عليك قال: من الوافد؟ قالت: عدي بن حاتم، قال: الفار من الله ورسوله؟ ثم تابع مسيره، وفي المرة الثالثة لم تقف لأنها يئست، والنبي الكريم حريص على إطلاق سراحها، فأشار إلى سيدنا علي أن يدعها وأن تسأله مرةً ثالثة، فلما سألته قالت: يا رسول إن أبي كان سيد قومه، يفكُّ العاني- أي الأسير- ويقتل الجاني، ويحفظ الجار، ويحمي الذِّمار، ويفرِّج عن المكروب، ويطعم الطعام، ويفشي السلام، ويحمل الكلَّ- الفقير- ويعين على نوائب الدهر، وما أتاه أحد في حاجةٍ فردَّه خائباً، أنا بنت حاتم طيِّئ، هذه أخلاق الجاهلية، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: يا جارية هذه صفات المؤمنين حقاً- ولكن أبوها لم يكن مؤمناً- ولو كان أبوك مسلماً لترَحمَّنا عليه، فماذا فهم؟ الإنسان قد يكون ذكيًّاً، وقد يفك العاني، ويحمل الكلَّ ابتغاء السمعة، فلا يمكن أن تعدَّ هذه الأعمال صالحةً إلا إذا بُنيتْ على إيمان بالله، يا جارية هذه صفات المؤمنين حقاً، خلوا عنها فإن أباها كان يحبُّ مكارم الأخلاق.
النبي الكريم له كلمة مؤثِّرة: " ارحموا عزيز قوم ذل، وغنيًّا افتقر، وعالمًا ضاع بين الجهال".
وامتن عليها وعلى قومها جميعهم فأطلقهم تكريماً لها، فهذه سفانة استأذنته في الدعاء وقالت: أصاب الله ببرك مواقعه، ولا جعل لك إلى لئيم حاجة، ولا سلب نعمةً عن كريم قوم إلا جعلك سبباً في ردها.
فلما أطلقها رجعتْ إلى أخيها عدي بن حاتم وهو بدومة الجندل فقالت له: يا أخي ائتِ هذا الرجل قبل أن تعلقك حبائله، فإني قد رأيت هدياً ورأياً سيغلب أهل الغلبة، ورأيت خصالاً تعجبني، رأيته يحب الفقير، ويفك الأسير، ويرحم الصغير، ويعرف قدر الكبير، وما رأيت أجود ولا أكرم منه، فإنْ يكن نبياً فالسابق فضله، وإن يكن ملكاً فلم تزل في عز ملكه.

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قِيلَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ أَكْرَمُ النَّاسِ قَالَ أَكْرَمُهُمْ أَتْقَاهُمْ قَالُوا يَا نَبِيَّ اللَّهِ لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ، قَالَ فَأَكْرَمُ النَّاسِ يُوسُفُ نَبِيُّ اللَّهِ ابْنُ نَبِيِّ اللَّهِ ابْنِ نَبِيِّ اللَّهِ ابْنِ خَلِيلِ اللَّهِ، قَالُوا لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ، قَالَ: فَعَنْ مَعَادِنِ الْعَرَبِ تَسْأَلُونِي، قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فَخِيَارُكُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُكُمْ فِي الإسْلامِ إِذَا فَقُهُوا))
[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ]
قصة معن بن زائدة و هروبه من المنصور :
وأمّا القصة الثانية فإنّي أضعها بين أيديكم وأتلوها على مسامعكم، قال معن بن زائدة: لما هربت من المنصور وخرجت من باب حرب، وهذا في بغداد، ففيها باب اسمه باب حرب، بعد أن أقمت في الشمس أياماً - بعد أن حَرَقَ وجهه ليغيِّر معالمه - إذْ كان المنصور قد أهدر دم معن بن زائدة، فماذا فعل؟ قال: أقمتُ في الشمس أياماً، وخففت لحيتي وعارضي، ولبست جبة صوف غليظة، وركبت جملاً، وكان مِن قَبلُ يركب فرسًا، وخرجت على هذا الجمل لأمضي إلى البادية، فتبعني رجل متقلد سيفه، حتى إذا غبت عن الحرس قبض على خصام الجمل فأناخه وقبض علي، فقلت ما شأنك؟ قال: أنت بغية أمير المؤمنين، فقلت له: ومن أنا حتى يطلبني؟ قال له: أنت معن بن زائدة، فقلت له: يا هذا اتقِ الله، وأين أنا من معن؟ قال: دع عنك هذا، أنا والله أَعْرَفُ بك، قلت له: فإنْ كانت القصة كما تقول فهذه جوهرة حملتها معي ثمنها أضعاف ما بذل المنصور لمن جاءه بي، وقد وضع المنصور مكافأة ألف دينار، وهذه ثمنها مئة ألف دينار، فخذها ولا تسفك دمي، فقال هذا الرجل المتقلد السيف: هاتها، فأخرجتها إليه، فنظر إليها ساعة وقلبها، ثم قال: صدقْتَ في قيمتها، ولست قابلها منك حتى أسألك عن شيء، فإنْ صدقتني أطلقتك، قلت: قل، قال: إن الناس يصفوك بالجود فأخبرني هل وهبت كل مالك مرةً؟ قلت: لا، قال: فنصفه؟ قلت: لا، قال: فثلثه؟ قلت: لا، حتى بلغ العشر، قال: فاستحييت، هو لم يعطِ العشر، فقال له: نعم، وقلت: أظن أني فعلت هذا، فقال: ما ذاك بعظيم، أنا والله راجل ولا يوجد عندي فرس أركبها، ورزقي من أبي جعفر عشرون درهماً، وهذه الجوهرة قيمتها مئة ألف، وقد وهبتها لك، ووهبتك لنفسك ولجودك المأثور بين الناس، ولتعلم أن في الدنيا من هو أجود منك، أنت مالك ما دفعته كله ولا نصفه ولا ربعه ولا ثلثه ولا عشره، أما أنا فراجل لا أملك فرسًا أركبها، وراتبي عشرون درهماً، وهذه الجوهرة ثمنها مئة ألف، ومع ذلك وهبتها لك، فلا تعجبك نفسك، ولا تحتقرن أحداً بعد اليوم، ولا تتوقف عند مكرمة، ثم رمى بالجوهرة وخلّى خطامَ الجمل، وقال له: اذهب.
فقلت: يا هذا لقد فضحتني، والله الذي لا إله إلا هو لسفكُ دمي أهونُ عليّ ممّا فعلت، وكان أجود العرب، فضحك ثم قال: أردتَ أنْ تكذبني في مقامي هذا، فو الله لا أخذها، ولا آخذ لمعروف ثمناً، هكذا كان أجدادنا، الآن يقول لك: ماذا لنا على هذه الخدمة؟ يريد ثمنًا لمساعدتك إذا طلبتَ منه المساعدة، فو الله لا آخذها ولا آخذ لمعروف ثمناً، قال: فوالله لقد طلبته بعد إذ أمنتُ، وبذلتُ لمن يجيئني به ما شاء، فما عرفت له خبراً، وكأن الأرض قد ابتلعته، هكذا كان أجدادنا في الجاهلية مثل حاتم طيِّئ، وهكذا كان أجدادنا في العصور المتأخرة، فأين نحن من هؤلاء؟
من كان يرجو الله و اليوم الآخر فالنبي الكريم أسوة له :
وهذه كلمة موجزة حول آية قرآنية، ربنا سبحانه وتعالى يقول:
﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾
[ سورة الأحزاب : 21]
أما واقع الناس فهو غير ذلك، ليس لهم برسول الله أسوة حسنة، ولهم بزيد أو عبيد من أرباب الدنيا من أصحاب المال، ولهم بالغرب أسوة حسنة يقلِّدون الغربيين في عاداتهم ومأكلهم ومشربهم، فلمن هذه الآية: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾
[ سورة الأحزاب : 21]
فإن كنت يا أخي الكريم ترجو الله واليوم الآخر وذكرتَ الله كثيراً تَرَ أن النبي عليه الصلاة والسلام بسنّته المطهرة وسيرته العطرة أسوةً لك في الدنيا، وإن كانت الدنيا أكبر هم بعض الناس، وصار الناس الكبراء أصحاب المال والجاه والسلطان والقوة هم أسوتهم السيئة، فهذا بوارٌ وخسار، ولكي يكون النبيُّ أسوة حسنة لنا يجب أن يرجو أحدنا اللهَ واليوم الآخر، فإذا رجا الدنيا انقلب كبراء الدنيا أسوة له في دنياه.
والقرآن الكريم قراءته سهلة، ولكن أن تقف عند آياته، وتعقلها، وأن تقف عند حدودها، وأن تعرف أين أنت منها، وماذا فعلت حتى وصلت، فهذا يحتاج إلى جهد، وهذا كلام الله سبحانه وتعالى، ونرجو أن يكون النبي أسوة حسنة لنا، قال عليه الصلاة والسلام:
(( طوبى لمن وسعته السنة ولم تستهوِه البدعة))

السعيد 09-09-2018 02:01 PM

رد: الفقة الاسلامى 2
 
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( السابع و العشرون )

الموضوع : الطهارة - الحيض - النفاس - الاستحاضة






الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهمّ لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنَّك أنت العليم الحكيم ، اللهمّ علِّمنا ما ينفعنا ، وانْفعنا بما علَّمتنا وزِدنا علمًا ، وأرِنا الحقّ حقًا وارزقنا اتِّباعه ، وأرِنا الباطل باطلاً وارزقنا اجْتِنابه ، واجْعلنا مِمَّن يستمعون القَوْل فيتَّبِعون أحْسَنَهُ ، وأدْخِلنا بِرَحمتِكَ في عبادك الصالحين .
الحيض و الاستحاضة :
أيها الأخوة الأكارم ، وصلنا إلى موضوع الحيض ، فالحيض دمٌ يخرج من رحمِ بالغة لا داء بها ، ولا حبلَ ، ولم تبلغ سنَّ اليأس ، وأقلّ الحيض ثلاثة أيام ، وأوسطهُ خمسة أيام، وأكثرهُ عشرة أيام ، أما النِّفاسٌ فهو دمٌ يخرج عقب الولادة وأكثرهُ أربعون يومًا، ولا حدَّ لأقلّه .
من عشرة أيام إذا انقطع الدّم تغتسل وتصلّي ، أكثرهُ أربعون ولا حدّ لأقلِّه، والاستحاضة دم يخرج من الرحم دون ثلاثة أيام من الحيض ، أي بعد عشرة أيام ، أو بعد الأربعين من النّفاس ، هذا الدّم تتوضَّأ المستحاضة لكلّ صلاة وتُصلّي ، لأنّ هناك فرْقًا دقيقًا بين دم الحيض وبين دم الاستحاضة ، دم الحيض الرّحم يتهيّأ لاستقبال البويضة ، فإذا جاءت البويْضة غير ملقَّحة أُصيب بِخَيبة أملٍ كبيرة ، وهذا الاستعداد الكبير لاستقبال البُوَيضة الملقَّحة هو الدّم الذي يخرج من الرحم في الحيض ؛ دمٌ أسْود ، ولكنّ دم الاستحاضة دم أحمر، الاستحاضة عرق في الرَّحم مفتوح ، دم طاهر ليس من نوع دم الحيض ، لذلك المستحاضة تتوضّأ وتصلّي لكلّ فرْض صلاة ، فأنا قصدت من كلمة طاهر أنَّه من نوع آخر، فَدَمُ الحيض شيء ودم الاستحاضة شيء آخر ، دم الحيض يتْبعُهُ انحطاط في الجسم ، لذلك الحائض لا تصلّي ، أما دم المستحاضة فهو دمٌ لا يؤثِّر على صحَّة المرأة فما دون الثلاثة أيام ، وما فوق العشرة أيام ، وبعد الأربعين ؛ هذا اسمه دم الاستحاضة ، والنبي عليه الصلاة والسلام فسَّرَهُ بأنَّه عرْق مفتوح ، طبعًا حينما يكون الدم دم حيض فهناك أخطار كبيرة من اللّقاء الزوجي ، لذلك قال الله عز وجل :
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾
[ سورة البقرة: 222 ]
كلمة أذًى نكرة ، وهذا التنكير تنكير شمول ، قرأتُ مقالةً علميّة فيها أكثر من سبعة عشر خطرًا على المرأة والرجل من اللّقاء الزوجي في أيام الحيض ؛ الإنتانات ، والعدوى ، و بعض المضاعفات ، انحلال الدم ، أشياء كثيرة ، الآن لا تحضرني المقالة بتفصيلاتها ، ولكن شيءٌ مخيف جدًّا ، رأي علمي حِيادي موضوعي ، قال تعالى : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾
[ سورة البقرة: 222 ]
معنى يطهرن أي حتى ينقط الدّم ، قال تعالى : ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾
[ سورة البقرة: 222 ]
التَّطَهُّر غير الطُّهْر ، التَّطَهُّر هو الاغتسال . ما يحرم في الحيض و النفاس :
ويحرم في الحيض والنفاس ثمانية أشياء : الصلاة ، والصوم ، وقراءة القرآن ، ومسّه إلا بغلاف ، ودخول مسجد ، ولكن هناك رأي للإمام الشافعي أنَّ المرأة الحائضة إذا كانت واثقةً ثقةً شديدة بأنَّها لا تؤذي المسجد فلها أن تحضر مجلس العلم من دون أن تصلّي ، معتادة أن تحضر مجالس العلم ، وهي واثقة أنها لن تؤذي أحدًا ، فإن كانت كذلك لابأس أن تحضر مجالس العلم من دون أن تصلّي ، وهذا رأيٌ للإمام الشافعي رضي الله عنه .
والطواف في الحج يحرم عليها ، وكما قلت قبل قليل ربّنا عز وجل يقول:
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ﴾
[ سورة البقرة: 222 ]
وفي درس قادم نتابع بعض التفصيلات التي لا بدّ منها في موضوع الحيض . * * *
العلم الدقيق هو معرفة ما يعتلّ القلب من مثبّطات وعقبات :
والآن إلى فصْلٍ آخر من إحياء علوم الدِّين ، وما زلنا في موضوع العلم وصفات علماء الآخرة .
يقول الإمام الغزالي رضي الله عنه : " ويجب أن يكون عالم الآخرة أكثر بحثه عن علم الأعمال "
نحن عندنا علم الأقوال ، وعلم الأعمال ، وعندنا مفسدها ومشوِّش القلوب ، ومهوّج الوسواس ، ومثير الشرّ ، فإنّ أصل الدِّين التَّوَقِّي من الشرّ ، ولذلك قيل :
عرفت الشرّ لا للشرّ وإنما لتوقِّيه ومن لا يعرف الشرّ من الناس يقع فيه
***
سيّدنا عمر رضي الله عنه سئل عن رجل يعرف الخير ، فقال : ليس هذا الذي أريد، قيل فلان يعرف الشرّ ، فقال : ليس هذا الذي أريد ، فقيل له : من تريد إذًا ؟ فقال : أريد الذي يعرف الشّرين ويفرّق بينهما ، أي يختار دائمًا أهون الشَّرين ، وهذه حكمة بالغة ، فأحيانًا لا بدّ من أن تقع في شرّ والحكيم يختار أهْوَنَ الشَّرَّيْن .
والأعمال الفعلِيَّة قريبة وأقصاها بل أعلاها المواظبة على ذِكْر الله تعالى بالقلب واللِّسان ، قال تعالى : ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾
[ سورة الشرح: 4]
أي جعلنا منطقك في موضوعات ثانية .
وإنَّما الشأن في معرفة ما يفسدها ، وما يُشوِّشها ، وهذا ممَّا تكثر شعبه ويطول تفريعهُ ، أخطر علْم أن تعرفه هو أن تعلم ما يؤذي هذا القلب ؟ ما الذي يفسد عليه إقباله على الله عز وجل ؟ ما الذي يحول بينه وبين إتقان الصلاة ؟ لمّا الإنسان يصلّي وهو غافل ، شهر شهران أو ثلاثة ، فهذا جاهل ، ولو كان فقيهًا في أمور أخرى ، هذا القلب بماذا منقطع ؟ هل معلّق بإنسان مُعْرض ؟ هل له انتقاد على أهل الحق ؟ حدث بينه وبينهم خلاف ؟ هل هو يشعر أنّه محروم من الله عز وجل ؟ أعطى زيْدًا وعُبيْدًا وحرمه ؟ لمَّا الإنسان يصلّي صلاةً شَكْليّة لا بدّ من أسباب ، هل الدنيا أكبر همِّهِ ؟ هل هناك حجابٌ بينه وبين ربّه ؟ هل جاءتْهُ خدمة طيّبة من إنسان كافر أو منافق فأحبّه وتعلّق به فانقطع عن ربّه ؟ هل بلغتْهُ قصَّة مفتراة عن أهل الحقّ فصدَّقها فكانت هذه القصّة حجابًا بينه وبين الله عز وجل ؟! إذاً من العلم الدقيق أن تعرف ماذا يعتلّ القلب من مثبّطات وعقبات ، وشدائد وصعوبات ، وأنَّ معرفة ما يفسدها وما يشوِّشُها هذا علم جليل ، لاحظوا هذه الموازنة . صفات علماء الدنيا :
وأما علماء الدنيا فإنَّهم يتَّبعون غرائب التفريعات في الحكومات والأقضيَة ، أي يتتبَّع تفريعات دقيقة جدًّا في شؤون القضاء والإفتاء وما شاكل ذلك ، يتعبون في وضْع صُوَر تنقضي الدهور ولا تقع أبدًا ، يتخيّلون حالات تنقضي السنوات و القرون والدهور ولا تقع ، ويضعون لها حكمًا وأنا في طريقي إلى تجميع هذه اللَّقطات ، سمَّاها بعض الفقهاء الأرئِيْتيَّات أرأيْت لو كان كذا وكذا؟! حالات نادرة لا يمكن أن تقع ولا بالخيال تُتَصوَّر ويوضَع لها أحكام دقيقة ، وتُرجَّح هذه الأحكام ويختلفون في هذه الأحكام ، ويكتبون الرسالات حول حججهم ، وردّ حجج خصومهم ، ويسيرون في طريق مسدود لا يفضي إلى شيء ، هذا نوع من الضَّلال أن تمضي حياتك كلّها في تفريعات لا تقع ، فالغزالي رضي الله عنه يأخذ على بعض المتفيهقين ، وتجَّار الدِّين بالدنيا ، وتجار الدنيا بالدّين ، يأخذ على هؤلاء أنَّهم يتعبون في أخذ صُوَر تنقضي الدهور ولا تقع أبدًا ، لا أنسى موقف بعض الصحابة الكرام رضي الله عنه حينما عرض عليه سؤال لحالة نادرة فقال بِبَساطة : أوَقَعَت هذه الحالة ؟ فقالوا : لا ، قال : حينما تقعُ نفتي بها ! احفظوا وقتكم ، الوقت ثمين والحياة غاليَة ، نقضي في الحياة سنوات معدودات ؛ أربعون ، خمسون ، ستُّون ، سنوات تنقضي ، خطر ببالي مرّة لو أنّ إنسان عنده مكتبة فيها خمسة آلاف كتاب فرضًا ، آداب ، تاريخ ، جغرافيا ، فلسفة ، علوم ، فنون ، قصص ، مسرحيات ، فلكلور ، كتب قديمة ، تاريخ الشعوب ، تاريخ الرومان ، الحمامات في دمشق ، الآثار الإغريقيّة ، الأوديسَّا ، الإلياذا ، شعر شكسبير المترجم ، مكتبة عامرة بالكتب الأدبيّة ، والعلميّة ، والثقافيّة ، والفلسفيّة ، والتاريخيّة ، والاجتماعيّة ، والجغرافيّة ، والرياضيات ، والفلك ، وعنده بعد عشر ساعات مادّة لصفّ التخرّج بالجامعة ، وهذه المادة لها كتاب مقرّر واحد ، وهو آخر مادّة ، فهل يأخذ أحد كتب المكتبة ؟ هل يأخذ مسرحيّة يقرؤها ؟ هل يأخذ قصّة يقرؤها أم يقرأ الكتاب المقرّر؟ إذا نجح نال الإجازة ، وإذا نال الإجازة عيّن ، وإذا عيّن تزوّج ، وإذا تزوَّج أسَّس أسرة ، فكلّ هذه الأحلام مبنيَّة على نجاحه في هذه المادَّة ، وهذه المادَّة كتابها المقرّر هو هذا الكتاب ، فهل من العقل أن يقرأ كتابًا آخر ؟ لذلك لمّا أدعو قُبَيل إلقاء الدرس :" اللهمّ إنا نعوذ بك من قلب لا يخشع ، ومن عين لا تدمع ، ومن علم لا ينفع ، ومن أذن لا تسمع ، ونعوذ بك من هؤلاء الأربع"
أحيانًا الإنسان يقضي حياته كلّها بموضوع أدبي ، مثلاً درس شعر بشّار لا أعرف ماذا أقول ؟ الحياة أثمن من ذلك ، أحيانًا يختصّ مثلا بتاريخ الرومان ، يتحدَّث عن عاداتهم ، وأعيادهم ، وأفراحهم ، وعن حروبهم ، وعن تاريخهم ، عن وحشيّتهم ، وعن صراعهم ، وعن تلذّذهم بمرأة وهي تعذَّب من قبل الحيوانات المفترسة ، ماذا قدَّمْت ؟ أما حينما تقرأ القرآن فتستفيد وتحسّ بِرَاحةٍ نفسيَّة أنَّه يعرض لك طريق السَّعادة ، لذلك : " اللهمّ إنا نعوذ بك من علْم لا ينفع " فهؤلاء ماذا فعلوا ؟ هؤلاء يتعبون في وَضْع صُوَر تنقضي الدهور ولا تقع أبدًا ، وإن وقعَت فإنّما تقع لغيرهم لا لهم ، وإذا وقعت كان في القائلين بها كثرة ، ويتركون ما يلازمهم ويتكرَّر عليهم آناء الليل وأطراف النهار في خواطرهم ووساوسهم وأعمالهم ، الشيء اليومي ؛ الصلاة ، الذِّكر ، معرفة الله ، التَّفكّر ، تطهير القلب من الأمراض ، سموّ النفس ، ترفّعها عن الدَّنايا ، هذه الأشياء الخطيرة اليوميّة ، والضروريّة ، والتي لا بدّ منها ؛ تجدها مهملة والتفريعات والأرئيتيّات والحالات النادرة جدًّا جدًّا جدًّا ، والتي لا تقع في الألفي عام مرَّة ، هذه توضع لها أحكام وتناقش ، ويختلف في أحكامها وتأتي الحجج المؤيّدة والمعارضة ، وما شاكل ذلك ، هذا نوعٌ من الضَّلال فالوقت ثمين .
من باع مهمّ نفسه اللازم بِمُهمّ غيره النادر فقد أبعد عن السعادة :
" وما أبْعَدَ عن السعادة - اسمعوا هذا الكلام الذي يُكتب بماء الذهب - من باع مهمّ نفسه اللازم بِمُهمّ غيره النادر" شيء لا يقع ، أي لو أنَّ واحدًا لا أطراف له ، لا أيدي ، ولا أرجل ، ما حكم مسِّحه على الحفّين ؟! أنا عمري ما رأيت واحداً من دون الأطراف الأربعة !! هذا أخذ حيِّزاً .
كيف نصلّي داخل الكعبة ؟ فهل يسمح للإنسان أن يصلّي داخل الكعبة ؟ وكيف الصلاة على سطح الكعبة ؟ لماذا هل يوجد سلّماً حتى تصعدها ؟!! ما حكم الوضوء بماء الحمِّص ؟ الوضوء بماء الحمّص لم يرد ، الوضوء باللبن معروف .
أحدهم في البيت وضع سجَّادة ، وفي داخل البيت نهر ، وضع السجادة داخل النهر فخرجت من البيت ، هل تقطع يد من أخذها ؟ هو ما سرقها ، لوحدها خرجت ! كذلك هذه حالة ، أو إنسان وضع ماءً في طست وذهب ، يمكن أن تمرّ هرّة وتبول ، هذه لها حكم ، فإن لم يلحقها الهرّ له حكم آخر ! وأنا أودّ أن أجمع هذه الحالات !! شيءٌ مضحك ، حالات لا تقع في الحياة إطلاقًا تجد كتباً ، ومجلّدات ، ومؤلّفات ، ودراسات ، هكذا النبي عليه الصلاة والسلام علَّمَ أصحابه ؟! هكذا فتح العالم بهذه المعلومات ؟!!
" وما أبْعَدَ عن السعادة من باع مهمّ نفسه اللازم بِمُهمّ غيره النادر إيثارًا للتقرّب وقبول من الخلق على التقرّب من الله تعالى "
طبعًا الواحد إذا أتى لك بأشياء دقيقة جدًّا ، وحجج قويّة ينتزع إعجاب الحاضرين ، ويحسّ بِمَكانته العلميّة ، ولكن هو يتقرّب لمن ؟ للخلق ! أما الحقّ فالتقرّب إليه يتمّ بالعمل الصالح ، وبالمؤاثرة ، وبالانضباط ، وبِغَضّ البصر ، وبالمجاهدة ، وبالإنفاق ، وبالصلاة المتقنة، وبالصّيام ، وبحفظ الجوارح ، هناك طريقان إما أن تستهدف التقرّب إلى الخلق ، وإما أن تستهدف التقرّب إلى الحق ، والخلق لا بدّ لهم من غرائب العلم ، أشياء ممتعة ونادرة ، تحكيها فتنتزعُ إعجاب الحاضرين ، وتحسّ بِنَشْوَة ، وهذه أشياء يتقنها علماء الدنيا ، دائمًا تجدهم يحفظون المفارقات ، النوادر ، قصص رائعة قلّما تحدث فيها عقدة وحلّ ، فيها غرابة فلمّا الإنسان يلهث وراء هذه الأشياء يكون هدفهُ التّقرّب من الخلق ، وانتزاع أعجابهم ، والاستعلاء عليهم ، أما من يتقرّب إلى الله بفهْم كتابه ، وغضّ بصره ، وقيام ليله ، وإنفاق ماله ، وإحسانه للمخلوقات ، والاشتغال بالقلب وتطهيره والسموّ به ، وخِدمة الناس ، ومعاونة المؤمنين ، وحلّ مشكلاتهم ؛ فهذا يتقرّب إلى الحقّ ، وهذا الإنسان الثاني يفتح الله على قلبه معانٍ لا تخطرُ في بال هؤلاء .
أحدهم ذهب إلى بلد عربي - للأزهر - مدرّسٌ بالأزهر يقول : المؤمن - لا أذكر نصّ الحديث لكن مضمونه ومؤدّاه - وإن زنا ، وإن سرق ! هذا الأخ الحاضر قال : المؤمن يزني ؟! الله قال : ولا يزنون ، قال تعالى :
﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾
[ سورة النور: 3]
والحديث في ذلك صريح ، فهذا المدرّس يشرح الحديث ، هذا المستمع وطالب العلم الذي ما درس إطلاقًا لا أصول ، ولا مصطلح الحديث ، ولا تفسير ، إلا أنّه بتفكير بسيط وسليم قال له : ولكنّ النبي يقول : وإن زنى وإن سرقَ في الماضي ، فضرب المدرّس جفنه وقال : والله هذا المعنى ما خطر ببالي ، ما قال : وإن يزني وإن يسرق ، طبعًا باب رحمة الله مفتوح وأبواب رحمة الله واسعة ، وأبواب التوبة مفتوحة على مصارعها ، ولا يستطيع إنسان أن يغلقها ، فهذا المدرّس له أربعون سنة وهو يدرّس ما خطر ببَاله أنّ قوله : وإن زنى وإن سرق تعني الماضي فهو فهمها بالحاضر ، مؤمن ويزني ، مؤمن ويسرق رغم أنفه ، فلمّا المؤمن يطهّر قلبه ، يخطر بباله معان لا تأتي بخواطر علماء الظاهر إطلاقًا .
لا يعقل أنّ إنسانًا يتَّهم النبي صلى الله عليه وسلّم أنَّه ذهب إلى بيت زيْد فُتِح الباب لعب الهواء بالرداء الذي خلف الباب ، فبَدَتْ زينَب بثياب متبذِّلة ، وقعَت في نفسه ، فقال : سبحان الله ، فسمعتْه ، فقالت لِزيْد هذا ، كيف يكتب هذا الكلام في تفسيره ؟! كيف يليق بنا أن نقرأه عن رسول الله ؟ الذي قال الله تعالى بحقّه : ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾
[ سورة القلم: 4 ]
أما علماء الظاهر فيقبلون هذا ، معلومات وردتْه ، ورد عن فلان أنّ فلاناً وفلاناً أن زيدًا قال : كذا وكذا !!! أما الذي يعرف رسول الله لو قُطِّع إرْبًا وإرْبًا فلا يقبل هذا ، هو فوق ذلك ، فالقضيّة قضيّة معرفة وليس قراءة ، فالعلم في الصدور لا في السطور ، من لم يحصّل هذا العلم عن الرّجال فهو ينتقل من مُحال إلى مُحال . من ابتغى الدنيا بالدّين أضلَّه الله تعالى في الدنيا قبل الآخرة :
وشرهًا في أن يسمِّيهِ أبناء الدنيا فاضلاً محقِّقًا ، عالمًا بالدقائق ، وجزاؤه من الله ألا ينتفع في الدنيا في قبول الخلق ، بل يتكبّر عليه صفْوُه بِنَوائب الزمان ، ثمّ يرِدُ القيامة مفلسًا متحسِّرًا على ما يشاهده من ربْح العاملين وفوز المقرّبين ، وذلك هو الخسران المبين .
الإنسان يتصوّر الصحابة الكرام ، هل هكذا كانوا ؟! هكذا ضيَّعوا أوقاتهم كأن الإمام الغزالي يحضّنا على أن نكون مقلّدين لصحابة الكرام ، في جديَّتهم ، وفي فهمهم لِجَوهر الدِّين، وفي تعلّقهم بِعَظائم الأمور ، وتركهم سفاسفها ، وفي تطبيقهم لما يسمعون ، وفي اتِّجاههم إلى الله عز وجل ، وفي إخلاصهم ، وفي العزوف عن الدنيا ، وفي العزوف عن ابتغاء الدنيا بالدّين.
على كلّ من ابتغى الدنيا بالدّين أضلَّه الله تعالى في الدنيا قبل الآخرة ، ابتغوا الدنيا عن طريق الدنيا ، تريد مالاً اتَّجِر ، اعْمِل مزرعةً ، ابْحث وادرس ، وخذْ شهادات عليا، إن كنت تريد الدنيا، أما إن كنت تريد الآخرة فلها طريقها الخاص ، أما أن تبتغي الدنيا عن طريق الدين فأغلب الظنّ أنّ الله سبحانه وتعالى لا يقبل ذلك ، لذلك هذا الذي يبتغي الدنيا بالدّين يضلّه الله في الدنيا قبل الآخرة ، كي يبْعِدَ الناس أن يتَّخِذوه قدوةً .
الحسن البصري أشبه الناس كلاماً بكلام الأنبياء :
ولقد كان الحسن البصري رضي الله عنه أشبهَ كلامًا بكلام الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، وأقربهم هديًا من الصحابة رضي الله عنهم ، واتَّفَقَت الكلمة في حقّه على ذلك ، وكان أكثر كلامه في خواطر القلوب ، وفساد الأعمال ، ووساوس النّفوس ، والصفات الخفيّة الغامضة من شهوات النفس ، وقد قيل : يا أبا سعيد إنَّك تتكلَّم بِكَلامٍ لا يُسْمعُ من غيرك ، كلامك يجعل بالقلب سرورًا ، ويجعل القلب يذلّ ، من أين هذا الكلام ؟ ومن أين أخذْته ؟ فقال : من حذيفة بن اليمان رضي الله عنه ، وقيل لِحُذَيفة نراك تتكلّم بِكَلامٍ لا يُسمعُ من غيرك فمن أين أخذته ؟ فقال: من رسول الله عليه الصلاة والسلام ، لقد خصَّني به رسول الله صلى الله عليه وسلّم ! قال: كان الناس يسألونه عن الخير وكنت أسأله عن الشر ، مخافة أن أقع فيه ، وعلمت أنّ الخير لا يسبقني علمه ، كنت أسأله عن الشرّ مخافة ان أقع فيه ، وقال مرَّة : فعلمْت أنَّ من لا يعرف الشرّ لا يعرف الخير ، فالصلاة معروفة أنّها خير ، والصدقة والعمل الصالح ، ولكن لمَّا تجلس في بيت فيه امرأة أجنبيّة ؛ هذا شرّ خطير جدًّا ، هذه الزوجة أجنبيّة ، تُشْتهى من قبل الإخوة ، يحصل فساد عريض ، هذه كلّها أبواب الشيطان ، يكون بيتك غير شرعي ، وهناك اختلاط بِحَياتك ، وعناء كسب حرام بحياتك ، لذا يجب أن تعرف أبواب الشرّ كلّها ، من أين تقع المعصية ؟ من هنا أغلق الباب ، ومن هنا أغلق الباب ، فإذا غلقْت جميع الأبواب ترقى إلى الله عز وجل ، ولكنّ الناس ماذا يحصل لهم ؟ يقولون : الخير نعرفه !! طبعًا الصلاة خير ، والحجّ خير ، والعمرة خير ، والصيام خير ، والصدقة خير ، والزكاة خير ، أما أنَّه ينسى أنَّ الاختلاط شرّ كبير جدًّا فيفسد الإنسان ، والغيبة والنميمة ، هذه تقطعك عن الله عز وجل ، كسب الحرام ، تقول : أنا اشتريْت ربْع هذا البيت ، وأنا الآن آخذ أجرته ، ولكن اشترطت أن آخذ نفس المبلغ من دون زيادة ولا نقصان ، هذا ربا ! لا بدّ أن تعرف من أين يأتي الربا ، وأنواعها ، هناك ربا ظاهر، وربا خفيّ ، كلّ قرْض جرَّ نفعًا فهو ربا ، إذا الواحد أقرض الآخر وأعطاه رهنًا مقابله ، واستعمل ذاك الرهن فهذا ربا .
وفي لفظ آخر ؛ كانوا يقولون يا رسول الله ما لمن عمل كذا وكذا ؟ يسألونه عن فضائل الأعمال ، وكنت أقول : يا رسول الله ، ما يفسد كذا وكذا ؟ فلمَّا رآني أسأله عن آفات الأعمال خصَّني بهذا العلم .
وكان حذيفة رضي الله عنه أيضًا قد خُصَّ بعلم المنافقين ، وهو علم خطير وأُفْرِدَ بِمَعرفة علم النفاق وأشخاصه ، فقد سأله عمر وهو صادق فقال : لا ، والله ولا أزكِّي بعدك أحدًا! تصوّر سيّدنا عمر كان قلقًا ، علامة المتفوق القلق ، لأنَّه امتحان مخيف ، فكان عمر وعثمان وأكابر الصحابة رضوان الله عليهم يسألونه عن الفتن العامّة والخاصّة ، وكان يُسأل عن المنافقين فيخبر بعدد من بقي منهم ؛ بقي ثلاثون ولكن مَن هم ؟ يقول : لا أدري ! كان يعيّن عددهم ، ولا يعيّن أسماءهم .
وكان عمر رضي الله عنه يسأله عن نفسه ؛ هل يعلم فيه شيئًا من النّفاق فبرَّأهُ من ذلك ، وكان عمر رضي الله عنه إذا دعي إلى جنازة لِيُصلِّي عليها نظر ؛ إن حضر حذيفة صلى عليها وإلا ترك ، لأنَّ النبي الكريم مأمور ألا يصلّي على المنافقين ، لأنّ حذيفة يعرف المنافقين ، وكان يسمَّى حذيفة صاحب سرّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم .
فالعناية بمقامات القلب وأحواله دأب علماء الآخرة ، لأنَّ القلب هو الساعي إلى قرب الله تعالى ، وقد صار هذا الفنّ غريبًا مندرسًا ، قالوا كلمة : إذا علِمَ الثقيل أنَّه ثقيل فليس بِثَقيل لأنّ من علامات الإنسان أنَّه ثقيل لا يعلم أنَّه ثقيل ! كذلك من خشي على نفسه النفاق فهو مؤمن ، من علامة الإيمان أنَّه يخشى النفاق ، أما المنافق الحقيقي فلا يخشى النفاق ، منافق ولا يحسّ أنَّه منافق . وقد قال بعض الشعراء :
الطرق شتى وطرق الحق مفردة والسالكون طريق الحق أفراد
لا يعرفــــــون و لا تدرى مقاصدهم فهم على مهَل يمشون قصَّاد
و الناس في غفلة عمّا يُراد بهم فجُلّهم عن سبيل الحـق رقَّادُ
***
طريق علماء الآخرة :
ملخَّص الكلام أنَّه على علماء القلوب وعلماء الآخرة أن يُعْنَوا بتطهير قلوبهم ، ومجاهدة أنفسهم ، والتَّقرّب إلى ربّهم بالطاعات ، والأعمال الصالحة ، وأن يستفيدوا من كلّ دقيقة في حياتهم .
لو أنّ إنساناً عنده بيت مكوَّن من خمس غرف وصالون ، وفيه من كلّ شيء ، وقيل له : عليك أن تغادر هذا المنزل إلى لا رجْعة ، واملأ هذه السيارة فقط ، ما الذي سيَضَعه في السيارة ؟ أثمن شيء ، وأقلّ حجم ، هل يعقل أن يضع فيها أريكة ؟! غير معقول ، يضع الأشياء الخفيفة الثمينة لأنَّه ليس معه إلا هذه السيارة ، كذلك المؤمن يصطفي ، فليس كلّ كتاب يقرؤه ، ولا كلّ صاحب يُجالسُه ، وليس كلّ نزهة يذهب إليها ، هذه فيها ذكر الله ، وتلك فيها معصية الله ، إذا استطعت أن أذكِّر بالله أذهب ، وهذا الكتاب قصّة لا فائدة منها لا أقرؤه ، علاقات غير شرعيّة وانتَهَت بِمَأساة كلّه كلام فارغ ، ومن أجمل كلمة سمعتها من أديب أنّ هذه القصّة تشبه حلّة فيها ملعقة عسل ، فمن أجل أن تدخل هذه الملعقة إلى جوفنا علينا أن نشرب كلّ هذا الماء الآسن !! كذلك أنت من أجل أن تأخذ المغزى ، وهو كمِلْعقة العسل لا بدّ أن تشرب كلّه هذه الحلّة ، وإنَّ الله يحبّ معالي الأمور ، ويكرهُ سفسافها ودنيَّها ، يقول لك : قصّة واقعيَّة ‍، ما معنى واقعيَّة ؟ تصف انحطاط الناس ، ولؤم النَّفس ، والإنسان يقرأ القصّة الواقعيّة ويشعر بانقباض نفسي لأنَّه رأى النفس البشريّة في أدنى انحطاطها ، أما إذا قرأ طريق الصحابة فيحس بارتفاع نفسي ، لأنَّه رأى النفس البشريّة في أرقى حالاتها ، فالإنسان عندما يقرأ عن الأبطال يشتهي أن يكون مثلهم ، ويجعلهم قدوة لهم ، أما إذا قرأ عن المنحطّين فقد يغرونه بالانحطاط ، وقد يجرُّونه إلى مستنقعهم الآثم .
* * *
الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود :
1 ـ إسلامه و خدمته للرسول الكريم :
والآن إلى قصّة عن صحابيّ جليل هو عبد الله بن مسعود رضي الله عنه .
لم يمْض غير قليل حتى أسْلم عبد الله بن مسعود ، وعرض نفسه على رسول الله صلى الله عليه وسلّم ليَخدمهُ .
الإنسان أحيانًا إذا جمعه الله مع رسول أو نبيّ ، ولاحظَ أنَّه سعِدَ سعادةً أبديَّة عن طريقه ، يتمنَّى أن يقدّم له نفسه ، ليس القضيّة قضيّة تصنّع ، ولا فرْض ، ولا واجب ، لكن أنا كلّ سعادتي عن طريق هذا الرجل السعيد ، وأتمنَّى أن أقدِّم له أثْمنَ شيءٍ عندي ، فكان الصحابة الكرام الفقراء يقدِّمون خدماتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلّم ، ومنذ ذلك اليوم انتقل الغلام المحظوظ عبد الله بن مسعود من رعاية الغنم إلى خدمة سيّد الخلق والأمم ، إذا الإنسان أكرمه الله بِخِدمة أهل الخلق فهذا شرف رفيع أحسن من خدمة أهل الدنيا للدنيا ، هذه أهداف خسيسة .
لزم عبد الله بن مسعود رسول الله صلوات الله عليه ملازمة الظلّ لِصَاحبه فكان يرافقُه في حلّه وترحاله ، ويصاحبه داخل بيته وخارجه ، إذْ كان يوقظه إذا نام ، ويسترهُ إذا اغْتسلَ ، ويُلبِسُه نعليْه إذا أراد الخروج ، ويخلعهما من قدميه إذا همّ بالدخول ، ويحمل له عصاه وسواكهُ ، ويلج الحجرة بين يديه إذا أوى إلى حجرته ، علّ أن يكون فيها حشرة ، هذا تعبير عن محبَّته لله عز وجل ، بل إنّ النبي عليه الصلاة والسلام أذن له بالدخول عليه متى شاء !
رُبِّي عبد الله بن مسعود في بيت رسول الله صلى الله عليه ، فاهْتدى بِهَديِه ، وتخلّق بِشَمائله ، وتابعهُ في كلّ خصلةٍ من خصاله ، حتى قيل عنه إنّه أقرب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم هَدْيًا وسَمْتًا ، الهدي يعني الهدى ، وسمتًا أي أخلاقًا ، وتعلَّم ابن مسعود في مدرسة رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، فكان من أقرأ الصحابة للقرآن ، ومن كان قارئًا للقرآن فهنيئًا له ، وأفقههم لمعانيه ، وأعلمهم بشرْع الله ، كلّها أسماء تفضيل ، ولا أجلّ على ذلك من حكاية ذلك الرجل الذي أقبلَ على عمر بن الخطاب ، وهو واقفٌ بعرفة ، فقال له : جئتُ يا أمير المؤمنين من الكوفة وتركتُ بها رجلاً يملي المصاحف عن ظهْر قلبهِ ، فغضِبَ عمر غضبًا قلَّمَا غضبَ غضبًا مثلهُ ، وانتفخَ حتى كاد يملأ ما بين شعبتي الرّحل ، وقال : من هو وَيْحَكَ ؟ هذا الذي يملي قد يكون خطأ ، فقال : هو عبد الله بن مسعود ، فما زال عمر ينطفئ ويسرّ عنه حتى ذهب الغضب عنه ، كلّ هذا الغضب الصاعد حتى بلغ القمّة حينما علم أنّ عبد الله بن مسعود هو الذي يقرأ القرآن عن ظهر قلبٍ ، ويُمليه على الناس ، تلاشى هذا الغضب حتى عاد إلى حالته الأولى .
ثمَّ قال : وَيْحَكَ والله ما أعلم أنَّه بقي أحد من الناس أحقّ بهذا الأمر منه ! هو وحده الذي له حق أن يفعل ذلك .
وقال عمر رضي الله عنه : كان رسول الله صلى الله عليه وسلّم يسهر ذات ليلة عند أبي بكر ، ويتفاوضان في أمر المسلمين ، موضوع اجتماعهم أمر المسلمين ، ومساعدتهم ، وكنت معهما ، ثمّ خرج النبي عليه الصلاة والسلام ، وخرجنا معه ، فإذا رجل في المسجد يصلّي لم نتبيَّنهُ ، فوقف النبي عليه الصلاة والسلام يستمع إليه ، ثمّ قال : " من سرّه أن يسمع القرآن رطبًا كما نزل فليقرأهُ على قراءه ابن مسعود " ثمّ جلس عبد الله بن مسعود يدعو ، فجعل النبي عليه الصلاة والسلام يقول له : " سَلْ تُعْطَ ، سَلْ تُعْطَ ، ثمّ أتْبَعَ عمر يقول : والله لأغْدونَّ على عبد الله بن مسعود ، ولأبشرنَّه بِتَأمين النبي عليه الصلاة والسلام ، فغَدَوْتُ عليه فبشَّرْتُهُ ، فوجدْتُ أبا بكر قد سبقني فبشَّرهُ " الشيء الذي كان يحيِّر عمر رضي الله عنه كلَّما همّ بأمر صالح يجد سيّدنا الصدّيق قد سبقهُ ، ووالله ما سابقْت أبا بكر غلى خير قطّ إلا سبقني إليه ! فسيّدنا أبو بكر ، وسيّدنا عمر سمعوا بِشارةً عن عبد الله بن مسعود فذهبوا ليُبَلِّغوهُ ، أما الناس الآن فيبلِّغون الأخبار السيّئة هكذا حكى عنك فلان !! فتقع العداوات ، أما الصحابة فكانوا يبلّغون الأخبار الطّيّبة .
2 ـ علمه :
ولقد بلغ من علم عبد الله بن مسعود من كتاب الله أنَّه كان يقول : " والله الذي لا إله غيره ما نزلَت آيةٌ من كتاب الله إلا وأنا أعلم أين نزلَتْ وأعلم فيما نزلَت ، ولو أعلم أنّ أحدًا أعلمُ منِّي بكتاب الله تنالهُ المطيّ لأتيْتُهُ " كلّ آية أين نزلت ، وفيما نزلت ، وما معناها ، ولم يكن عبد الله بن مسعود مبالغٌ فيما قاله عن نفسه ، فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يلقى ركبًا في سفر من أسفاره ، والليل مخيّم يحجب الرَّكب بِظَلامه ، وكان في الرَّكب عبد الله بن مسعود ، فأمر عمر رجلا أن يناديه ويقول : من أين القوم ؟ فأجابه عبد الله : من الفجّ العميق ، فقال عمر : أين تريدون ؟ فقال عبد الله : البيت العتيق ، قفال عمر : إنَّ فيهم عالمًا ، وأمر رجلاً فناداهم أيّ القرآن أعظم ؟ أيّ آية في القرآن أعظم ؟ فأجابهُ عبد الله :
﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ﴾
[ سورة البقرة: 255]
فقال السائل : أيّ آي القرآن أحكم ؟ فقال عبد الله بن مسعود : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾
[ سورة النحل: 90]
فقال عمر : نادهم ؟ فقال : أيّ آي القرآن أجمع ؟ فقال عبد الله : ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ﴾
[سورة الزلزلة:7]
فقال عمر : نادهم ، وأيّ الآي القرآن أخوف ؟ فقال عبد الله : ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً ﴾
[سورة النساء : 123]
فقال عمر : نادهم ، أيّ آي القرآن أرجى ؟ فقال عبد الله : ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾
[سورة الزمر : 53]
فقال عمر نادهم - الآن كم سؤالاً سألهم ؟ السؤال الأوّل أي آي الله أعظم ؟ وثاني سؤال : أيّ آي الله أحكم ؟ وثالث سؤال : أيّ آي الله أجمع ؟ والرابع : أيّ آي الله أخوف ؟ والخامس : أيّ آي الله أرجى ؟ السؤال السابع من يتوقَّعْهُ ؟ أعظم وأخوف وأرجى وأجمع وأحكم قال : نادهم أفيكم عبد الله بن مسعود ؟ فقالوا : نعم ! 3 ـ شجاعته :
ولم يكن عبد الله بن مسعود قارئًا عالمًا زاهدًا عابدًا فحَسْب ، وإنَما كان مع ذلك قويًّا حازمًا مجاهدًا مقدامًا إذا جدّ الجدّ ، دائمًا العلماء الكبار يجمعون الشجاعة مع العلم ، وكان يُرَى ضعيفًا مستضعفًا ، فإذا جدَّ الجدّ فهو اللّيث عاديًا ، وكان أكثر دهره صامتًا فإذا تكلَّم بزّ القائلين ، فحسْبهُ أنَّه أوَّل مسلم على ظهر الأرض ظهر بالقرآن بعد رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، فقد اجْتمعَ يومٌ أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام بمكَّة وكانوا قلَّة مستضعفين فقالوا والله ما سمعَت قريشٌ هذا القرآن يجْهر لها به قطّ ، فمن رجلٌ يسْمعهم إيَّاه ؟ فقال عبد الله بن مسعود : أنا أسمعهم إيَّاه ، تصوَّر أحدهم يقرأ القرآن في ذلك الوقت ؛ حياته في خطر ، فقالوا : إنَّا نخشاهم عليك ، إنَّنا نريد رجلاً له عشيرةٌ تحميه ، وتمنعهم منهم إذا أرادوه بِشَرّ ، فقال : دعوني إنّ الله سيمنعني ويَحْميني ، ثمّ غدا إلى المسجد حتى أتى مقام إبراهيم في الضحى ، وقريشٌ جلوسٌ حول الكعبة ، الله إذا أكرم أحدكم بزيارة هذه الأماكن المقدَّسة هذه الكعبة كانت الأصنام حولها ، وحدثت فيها المعارضات ، وحدث الصّلح ، و حمل النبي عليه الصلاة والسلام الحجر الأسوَد ، هذه كلّها أماكن ، والإنسان لو استعرض التاريخ لاقْشعرَّ بدنه ، لأنَّ هذا المكان مقدَّس .
وقريش جلوس حول الكعبة ، فوقف عند المقام وقرأ : الرحمن علّم القرآن خلق الإنسان ، ومضى يقرؤُها ، فتأمَّلتْه قريش ، فقالَت قريش ماذا قال عبد الله ؟ تبًّا له إنَّه يتلو بعض ما جاء به محمَّد ، وقاموا إليه وجعلوا يضربونه ، وهو يقرأ حتى بلغ منها ما شاء الله له أن يبلغ ، ثمّ انصرف إلى أصحابه ، فقالوا له : هذا الذي خشينا عليه ، فقال : والله ما كان أعداء الله أهْونُ في عيني منهم الآن ، وإنِّي إن شئتم لأعود لِمِثلها .
4 ـ وفاته :
عاش عبد الله بن مسعود إلى زمن خلافة عثمان رضي الله عنه ، فلمَّا مرض مرض الموت جاءهُ عثمانُ عائدًا فقال له : ما تشتكي ؟ قال : ذنوبي ، فقال : ما تشتهي ؟ قال رحمة ربّي ، قال : ألا آمر لك بِعَطائك الذي امتنعتَ عنه منذ سنين ؟ قال : لا حاجة لي به ، فقال : يكون لِبَناتك من بعدك ، فقال : أتخشى على بناتي الفقر ؟ إنِّي أمرتهنّ أن يقرأن كلّ ليلة سورة الواقعة ! وإنِّي سمعتُ النبي عليه الصلاة والسلام يقول :
(( من قرأ الواقعة كلّ ليلة لم تُصبْهُ فاقةٌ أبدًا))
[البيهقي في شعب الإيمان عن ابن مسعود]
تعليق بسيط حول قراءة سورة الواقعة :
لي تعليق حول هذا الحديث بعد الأذان وهو أنّ قوله صلى الله عليه وسلّم :
(( من قرأ الواقعة كلّ ليلة لم تُصبْهُ فاقةٌ أبدًا))
[البيهقي في شعب الإيمان عن ابن مسعود]
هناك أشخاص يظنون أنّ هذه السورة للفقر !! وهذه السورة لهذه المشكلة ، وهذه السورة لهذا المرض ، وهذه السورة لوَجَع الرأس ، أعتقد أنّ هذا الفهم خاطىء في كتاب الله ، إلا أنَّه خطر ببالي مثلٌ الآن ، لو قلت لأحدهم : ضع البنزين في السيارة تتحرَّك ، إذا كان هناك محرّك طبعًا ، فليس أيّ بنزين يوضع في السيارة تمشي به تلك السيارة إذا كان هناك محرّك ، وكلّ الأمور منتظمة ، هنا تمشي ، فإذا الإنسان قرأ الواقعة ، وكان مؤمنًا ، وعرف أنّ الأمور بيد الله كلّها ، وعرف أنّ الناس بالنهاية من أصحاب اليمين ، ومن أصحاب الشمال ، والسابقين السابقين ، وشمّر حتى يكون مع السابقين السابقين ، وطهَّر نفسه ، فالله عز وجل لا داعي أن يفقرهُ ، فليس المقصود أن يقرأ الواقعة فقط ليصبحُ غنيًّا !! قرأها ، وفهمها ، وتمثَّلها ، وطبَّق ما فيها ، فالفقر علاج ، دوام مرّ ، فلمّا الإنسان يطهر بهذه السورة كأنّ الفقر لم يعُدْ له معنى بِحَياته ، وهذا هو المعنى العميق ، ضعْ البنزين وامْش ، هذا شرط وجود المحرّك ، وانضباط كلّ الأمور ، وتعمل بانتظام ، أما لو وضع البنزين والمحرّك لا يوجد فلن تمشي ، فالنبي الكريم ما قصد أنَّه من قرأ الواقعة حُلّت مشاكله ، لو كان الأمر كذلك لكان الأمر سهلاً تأتي مشكلة فنقرأ الواقعة ؛ حينها تنحل المشكلة !! حينها لن تجد بيتًا لا يحفظها ! عليه دَين يقرأ الواقعة !! فالنبي الكريم يقول كلامًا له معنى عميق ، إذا قرأت الواقعة ، وفهمتها ، وأنّ هناك مسؤوليّة كبيرة ، وأنّ الناس لهم مصائب ثلاثة ، وأنَّك إذا كنت هكذا أصبحت هكذا ، وإذا كنت هكذا أصبحت هكذا، وإذا كنت هكذا أصبحت هكذا ، واتَّعَظت بها ، وطبَّقت ما فيها عندئذٍ رفعَت عنك العلاجات ، هذا المقصود من قول النبي عليه الصلاة والسلام . بيان لقوله تعالى : و أما بنعمة ربك فحدث :
كلمة قصيرة حول أخٍ كريم أراد أن يبيّن لنا : وأما بنعمة ربّك فحدّث ، سمع تفسير هذه السورة في جامع الحاجبيّة ، وقلتُ أنا وقتها : إنّ الذي تُصيبهُ حالات نفسيّة طيّبة ، إذا ذكرها لإخوانه الخلَّص هذا ليس من الفخر ، ولكن من نوع التحدّث بِنِعمة الله .
فالرجل هذا دُعِيَ إلى نزهة فيما يقول ، في ضواحي دمشق ، وقد عرف أنّها ليْسَت من مستواه ، ولا يبدو منها رضاء الله عز وجل ، ويبدو أنّ هؤلاء الذين ذهبوا إلى النزهة سيّئون وحديثهم ليس في مستواه ، فاعتذر منهم ، ورجع ، ولمَّا ذهب إلى البيت ، ونام ، رأى نفسه في المنام أنّ له قصْرًا كبيرًا جدًّا ، مطلاًّ على وِديان خضراء ، وروابي رائعة ، وأنَّه سعيد جدًّا في هذا القصر ، وأنّ الله سبحانه وتعالى كأنَّه أكرمه بهذه الرؤيا وجعلها تعويضًا له عن هذه النزهة التي لا ترضي الله عز وجل ، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول :
(( ما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه ))
[ الجامع الصغير عن ابن عمر ]
طريق الشرع دائماً أفضل طريق :
دائمًا الشرع أحقّ أن يُتَّبَعَ ؛ شابّ خطبَ فتاةً منذ سنة وثلاثة أشهر ، عُقِدَ عقْدٌ غير رسمي أمام شيخ ومحام ، وحصلَت خلافات ، المُسبِّب بها الطرفان ، أدَّت أن يطلب الشاب أن تأتي إليه إن كانت تريده ، فكرِهَتْهُ الفتاة ، هل يجب أن يرمي عليها الطلاق ؟ هل تجب العِدَّة على الفتاة ؟ هل يحقّ للفتاة شيء من المهر المؤجلّ أو المعجّل ؟ هل يحقّ شيء للفتاة من المصاغ ؟ طبعًا العقد الشرعي يجب أن يكون في المحكمة ، وعقد رسمي لأنّ العقد الشرعي لا يستطيع الزوج أن ينكرهُ ، لكن هذا العقد إذا ما اعترف به الزوج ينكره ، وإذا دعي لِحَلف اليمين قد يحلف اليمين لأنّه لا توجد وثيقة ، فالقضيّة فيها مخالفة ، ولا ندخل بالتفصيلات ، ولكن الإنسان لا يتورَّط بِعَقد زواج غير شرعي ، لأنّ هذا العقد فيه خطورة على الحقوق ، فالبنت أصبحت مخطوبة ومتزوِّجة ، أو لو حصلَت خلوة بينه وبينها أصبحت زوجته ، فإذا لم يعترف هنا الطامة الكبرى ، فالإنسان لا يتسرّع فأحيانًا يأتيك خاطب مقبول ، فيقول له : نريد كتاباً خارجياً ، لماذا خارجي ؟ إذا كنت أنت واثقًا من نفسك فالكتاب الرسمي دليل حسن نيّتك إذا لا يوجد مانع يمنع عقد القران ، لا بدّ أن يكون القران في المحكمة أو القرار الرسمي الذي يسجّل في السجلات القضائيّة ، وإلا هذه العقوبة الخارجيّة لها مضاعفات ، فإذا ما اعترف الزوج مشكلة ، وإذا ما شهد الشهود مشكلة ، وإذا حلفوا اليمين ، وإن حصلت الخلوة مشكلة ، والطلاق مشكلة ، والعدّة مشكلة ، كلّها مشكلات فالإنسان يتّقي الله عز وجل ويطبّق الشرع فهو أرْيَحُ له ، وأضْمن لسعادته .

السعيد 09-09-2018 02:04 PM

رد: الفقة الاسلامى 2
 
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الثامن و العشرون )

الموضوع : الصيام - ثلاث مراتب : صيام الفم - صيام الجوارح - صيام القلب





حمد لله رب العالمين ، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه ، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
الصيام :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4619/01.jpg
أيها الأخوة الأكارم ، ترتيب كتاب الفقه بعد الحديث عن الوضوء والغسل والجنابة والحيض وما إلى ذلك تأتي أبحاث الصلاة ، وبعد أبحاث الصلاة يأتي بحث الصيام ، وسوف نقدم الصيام على الصلاة لقرب قدوم شهر رمضان المبارك ، وقبل قراءة ما في الكتاب عن الصيام لابد من التذكير لأن الصيام ثلاث مراتب صيام الفم ، وصيام الجوارح ، وصيام القلب، فانظر أين أنت من هذه المراتب .
صيام عامة الناس صيام عن الطعام والشراب وسائر المفطرات ، فإذا بقيت عاداتهم هي هي وأخلاقهم هي هي ، صلتهم بالله على فتورها وانقطاعها فكأنهم لم يصوموا ، هذا الصيام لا يعتد به في الإسلام إطلاقاً . http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4619/02.jpg

(( مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ ))
[ الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
عامة الناس أصبح عندهم الصيام عادة من عوائدهم ، له ترتيب في رمضان يسهر حتى السحور ، يأكل وينام ، يتابع كل ما يستجد في شهر رمضان المبارك ، وإكراماً لشهر رمضان المبارك هناك أشياء تستجد في البرامج يتابعها جميعاً إلى أن يأتي السحور يتسحر وينام ، لا نقول له : لا تصم ، صيامه كعدم صيامه لأنه لم يرقَ إلى الله عز وجل والله غني عن هذه العبادة ، الله عز وجل غني عن عبادة تبدأ بترك الطعام وتنتهي بتناوله ، هذا أمر إلهي ، هذا صيام العامة ، صيام عن الطعام والشراب وسائر المفطرات ، عاداته هي هي ، أخلاقه هي هي ، انقطاعه عن الله هو هو ، بل إن غضبه يزداد في رمضان ، لأنه جائع وصلت معي إلى هنا ، بل إن غضبه يزداد في رمضان ، هذا الصيام لا يريده الله عز وجل ، هذا صيام الجهلاء ، صيام عن الطعام والشراب ، لكن صيام الجوارح صيام المؤمنين، قال عليه الصلاة والسلام :
" خمسة يفطرن الصائم وينقضن الوضوء : الكذب والغيبة والنميمة والنظر بشهوة واليمين الغموس "
الفرق بين مدافعة التدني ومتابعة الترقي :
الصوم من أجل أن تسمو نفسك إلى الله عز وجل ، فإذا سمت إلى الله طهرت واصطبغت بصبغته ، وصارت ذات أخلاق رفيعة ، أما صيام القلب فأن يصوم عما سوى الله عز وجل هذا صيام المتقين ، صيام المسلمين ، وصيام المؤمنين ، وصيام المتقين ، صيام المتقين عما سوى الله ، مشغول به عما سواه ، ملتفت إليه عما سواه .
فليتك تحلو والحياة مريــــرة وليتك ترضى والأنـــام غضاب
وليت الذي بيني و بينك عامــر وبيني وبين العالمين خــــراب
إذا صح منك الوصل فالكـل هين وكل الذي فوق التراب تـــراب
***

فرق كبير بين مدافعة التدني ومتابعة الترقي ، هناك إنسان طول حياته يدافع التدني ، نفسه تطلب المنكر ولا يسمح لها دائماً ، هناك صراع لأنه ما عرف الله ، ولا ذاق طعم القرب منه ، ولا ذاق حلاوة الإيمان ، هذه الحالة اسمها مدافعة التدني ، نفسه تأمره بالسوء وهو يخاف من الله تعالى ، وهو في صراع دائم ، هذه النفس الأمارة بالسوء ما علّمها صاحبها ، ما عرفها بدين الله ، ما فقهها بدين الله ، ما أعانها على الاتصال بالله ، أكثر عليها المخالفات فانقطعت وفجرت ، فجرها حجبها ، حجابها أشقاها ، هذه النفس الأمارة بالسوء ، وهناك نفس أمارة هذه نفس المؤمن يتكلم كلمة لا ينام طول الليل ، يقول : غضب مني لأني استغبته ، نقلت قصة من فلان إلى فلان وقع بينهما شر ، النمام لا يدخل الجنة ، لا ينام يقول لك : ما نمت ، يتقلب طول الليل وثاني يوم قدم إلى هذا هدية وإلى هذا هدية ، واستسمح وهو متألم من نفسه ، هذه مرتبة جيدة قال تعالى : ﴿ لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ *وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ ﴾
[ سورة القيامة :1-2]
الذي عنده هذه النفس اللوامة فهو بخير ، عنده حساسية في نبض ، كنت يوم الجمعة بأحد أسواق دمشق ، رأيت الناس متحلقين نظرت فإذا رجل قالوا : لقد مات وكان طبيب فقال : لقد مات ، يوجد شخص يفعل الذنب ، يستغيب ، يتكلم بالفاحشة ، يوقع بين اثنين ويقول لك : ماذا فعلت ؟ هذا خالص ، ليس معنى هذا أنه خلص من عذاب الله ، أي ميت لا يوجد نبض . ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ ))
[ الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
أي يشعرون بذنوبهم ، هذا ماذا يقول لك ؟ هل فعلت شيئاً ؟ خرب الدنيا وقال : هل فعلت شيئاً ؟ ويقول لك : الله غفور رحيم . العاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني :
من يومين قال شخص لآخر : لماذا تعقدها ربنا عز وجل قال :
﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾
[ سورة الزمر : 53 ]
الله عز وجل قال : لا تقنطوا وأنت تيئس ، فعرض له القصة ، فقلت له : تابع الآيات ، الآية التي بعدها مباشرةً قال تعالى : ﴿ وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ *وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ *أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ ﴾
[ سورة الزمر : 54-56]
ارجع له بالتوبة واستسلم له بالأوامر ، إذا لم تلحق نفسك عدت إليه تائباً وأطعته طاعةً تامة يأتيك العذاب فجأةً ، أين قول هذا الرجل لا تيأس الناس ؟
آيات قرآنية : ﴿ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾
[ سورة النحل : 110]
أنت تعامل إلهاً تظن أن جنة عرضها السموات والأرض تأتي بفرنكين تدفعهم لفقير وركعتين بلا وضوء ، ألا إن سلعة الله غالية ، ألا إن سلعة الله غالية ، ألا إن سلعة الله غالية ، ادخل إلى محل سجاد واطلب منه سجادة تبريزية إيرانية ترصف ، كاشاني ، واسأله عن ثمنها يقول لك : ثمانية وثلاثون ألفاً ، قل له : تأخذ ثمنها خمسمئة ليرة لا أملك غيرهم ؟ يسمعك كلاماً قاسياً هذا البائع ، يطردك ، سجادة تحتاج إلى ثمن وجنة عرضها السموات والأرض تريدها وأن تعطي نفسك ما تشتهي ثم تتمنى على الله الأماني ، هذا هو العاجز ، وهذا هو الغباء بعينه ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني .
الآن المسلمون في مشارق الأرض ومغاربهم كلما تحركوا يا رب ترزقنا الجنة ، شيء جميل ، يا رب نحن عبيد إحسان وليس عبيد امتحان ، يا رب لا يسعنا إلا عفوك وكرمك ، الله عز وجل قال : ﴿ وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾
[ سورة الزخرف : 72]
﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾
[ سورة الحجر : 92]
اللهم لا تسألنا عن شيء ، خالق كل شيء لا تسألنا عن شيء ، هذا الدعاء خلاف القرآن ، هذا دعاء ليس عن رسول الله قاله إنسان لا يعلم القرآن الكريم . أنواع الصوم :
عندنا صوم الفم صوم العوام ، وعندنا صيام المؤمنين صيام الجوارح ، وصيام المتقين عما سوى الله ، فإذا كان يمضى من وقتك اثنتا عشرة ساعة لا يأتيك من الخواطر إلا عن الله عز وجل فأنت من هؤلاء ، مشغول بالله ، قال تعالى :
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا ﴾
[ سورة الأحزاب : 41]
الإنسان إذا ما تكلم بصوت عال يتكلم في نفسه ، اركب إلى حلب ، لا تعرف أحداً وأنت ساكت ، لست ساكتاً تقول في بالك مليون قصة سوف أعمل كذا وكذا ، سوف أشتري بيتاً ، وأتزوج ، تتكلم ولست ساكتاً ، راقب نفسك ماذا تقول طوال الطريق ، ليس في السفر ، في الشام من الشيخ محي الدين إلى المرجة اركب الباص وانظر ماذا تقول ، تتكلم مليون قصة ، في المساء افحص هذه القصص هل كلها متعلقة بالدنيا والله مشكلة .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4619/03.jpg
من أصبح وأكبر همه الدنيا جعل الله فقره بين عينيه ، وشتت عليه شمله ، ولم يؤته من الدنيا إلا ما قدر له ، راقب نفسك تأتيك خواطر متعلقة بالآخرة ، هل تخاف ألا تكون في الآخرة من الفالحين ؟ هل أنت قلق على إيمانك ؟ قلق على استقامتك ؟ قلق على صلاتك ؟ هل ترى نفسك لست جيداً ؟ هل تخاف أن يكون فيك طرف من نفاق ؟ إذا سمعت قصة عن رسول الله هل تبكي ؟ إذا قرأت كتاب الله هل تتأثر ؟ هل تتفاعل معه ؟ هل تعرف مقامك عند الله ؟ إذا خواطرك من هذا النوع هنيئاً لك ، هذا صيام القلب عما سوى الله عز وجل .
وعندنا صيام الجوارح ، وعندنا صيام الفم ، عامة الناس صيامهم صيام الفم كالناقة عقلها أهلها فلا تدري لا لم عقلت ؟ ولا لم أطلقت ؟ لماذا صام ؟ لا يدري يقول لك ثبتوها ، كل عام وأنتم بخير ، ثم ثبتوا العيد إلى أين ؟ إلى اللاذقية نأخذ شاليه على البحر ، أخذ معه أجهزة ستريو إلى البحر وعيّد ، المنافق كالناقة لا تدري لا لم عقلت ؟ ولا لم أطلقت؟ هذا صيام الجهلاء صيام العامة ، نعوذ بالله أن نكون منهم ، إن شاء الله الدرس القادم نبدأ أحكام الصيام حكماً حكماً تمهيداً لشهر رمضان المبارك . * * *
العقل و شرفه :
والآن إلى فصل مختار من إحياء علوم الدين ، انتهينا من موضوع العلم ، فضل العلم ، وفضل طلب العلم ، وفضل تعليم العلم ، وصفات العلماء المخلصين ، اثنتا عشرة صفة قضينا فيهم ثلاثة أشهر ، كل أسبوع صفة ، والآن إلى باب كبير آخر من أبواب هذا الكتاب القيم وهو في : "العقل وشرفه وحقيقته وأقسامه" .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4619/04.jpg
قال الإمام الغزالي : العلم يجري منه – أي من العقل - مجرى الثمرة من الشجرة، أي العلم من العقل كمجرى الثمرة من الشجرة ، أي العلم ثمرة والعقل شجرة ، فالعلم من إنتاج الشجرة أي من إنتاج العقل .
والنور من الشمس ، العقل شمس والعلم نور ، والرؤية من العين ، العين عقل والرؤية علم ، فكيف لا يشرف به وهو أصله ، سماه الله نوراً ، سمى العقل نوراً فقال تعالى : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4619/05.jpg

﴿ اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾
[ سورة النور : 35 ]
وسماه روحاً ، قال تعالى : ﴿ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾
[ سورة الشورى : 52 ]
انظر ما أجمل هذه الصفات ! نور و روح ، وسماه حياةً ، قال تعالى : ﴿ اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾
[ سورة النور : 35 ]
وربنا سبحانه وتعالى قال : ﴿ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾
[ سورة البقرة : 257]
صفة العاقل :
وقال عليه الصلاة والسلام :
(( اعلموا أن العاقل من أطاع الله ))
[ ذيل تاريخ بغداد لابن النجار عن أبي هريرة ]
لو التقيت بإنسان يحمل أعلى شهادة في العالم ، ورأيته لا يصلي أو يشرب الخمر أو لا يحتاط من حيث النساء فسمه جاهلاً ، ولو اطلعت على أعلى شهاداته ، لأن النبي عليه الصلاة السلام يقول : ((العاقل من أطاع الله وان كان دميم المنظر ، حقير الخطر ، دني المنزلة ، رث الهيئة))
[ أبو داود عن أبي هريرة]
أي إذا دخلت إلى موظف من أعلى مستوى يوجد عنده مستخدم ، هذا المستخدم رث الهيئة مثلاً ، ليس قذراً ، ثيابه رخيصة ، وشكله ذميم ، و لا أحد يخاف منه ، لا يستطيع أن يفعل شيئاً ، قليل الخطر ، دميم المنظر ، منخفض المنزلة ، رث الهيئة ، لكنه يطيع الله ورسوله ، فهذا يسمى عند الله عاقلاً ، يقف حاجباً على باب موظف كبير جداً ، أناقة من أعلى مستوى ، غرفة فخمة ، اختصاصه دكتوراه ، متفلسف ، متحذلق ، معه حجة لكنه لا يصلي يعصي الله ورسوله ، ليس عاقلاً ، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال : ((العاقل من أطاع الله وان كان دميم المنظر ، حقير الخطر ، دني المنزلة ، رث الهيئة ، وان الجاهل من عصى الله وان كان جميل المنظر ، عظيم الخطر ، شريف المنزلة ، حسن الهيئة ، فصيحاً ، نطوقاً ))
كل هذه الصفات مع المعصية تساوي الجهل وكل تلك الصفات مع الطاعة علم . الفرق بين الأحمق و الفاجر :
أثنى الصحابة الكرام على رجل عند النبي عليه الصلاة والسلام ، والنبي كان صاحب فطنة ، أثنى قوم على رجل عند النبي صلى الله عليه وسلم حتى بالغوا ، فقال صلى الله عليه وسلم : كيف عقل الرجل ؟ فقالوا : يا رسول الله نخبرك عن اجتهاده في العبادة - عن قيام الليل ، عن صلاته ، عن صيامه - وأصناف الخير وتسألنا عن عقله ؟ - ما علاقة هذه بهذه ؟ - فقال عليه الصلاة والسلام :
(( إن الأحمق يصيب بجهله أكثر من فجور الفاجر ))
[ إحياء علوم الدين عن أنس]
أي إنسان يصوم ويصلي وله ورد صباحي طويل ، وله قيام ليل لكن جاهل ، عقله ضعيف ، يرتكب أخطاء ، ينفر الناس من الدين أضعافاً مضاعفة عن فاجر يفجر أمام الناس لماذا ؟ لأن الفاجر يراه الناس فاجراً لا يقتدون به ، إذا إنسان فاجر قال لك : لا يوجد آخرة وأنا أريد أن أعيش كما يحلو لي ، وهذا الذكاء ، أعوذ بالله ما هذا الكلام ؟ فاجر ، عاص ويفتخر بالمعصية ، لكن إنسان يصلي ويصوم ارتكب معك نقصاً شديداً ، كذب ، خان عهدك ، غشك في البيع والشراء ، أنت تنفر ليس منه بل من دينه .
فهذا الجاهل يصيب بجهله كما قال النبي عليه الصلاة والسلام أكثر من فجور الفاجر : (( وإنما يرتفع العباد غدا في الدرجات الزلفى عند ربهم بقدر عقولهم ))
لذلك النبي الكريم له حديث سبحان الله ، أنا خطر في بالي تعليق على الحديث ، أن إنساناً يوجد عنده بيت على الهيكل ، هذا البيت يطين ، ويدهن ، ويبلط ، وتمدد له كهرباء وماء ، ومرافق عامة ، ثم يفرش ، عنده قوام بيت ، أما إذا كان لا يملك بيتاً على الهيكل ذهب و شارط طياناً على أي شيء تشارطه ؟ وأحضر اسمنتاً ورملاً ناعماً ، أين بيتك الذي تريد أن تبلطه ؟ اشترى البلاط ، اشترى الدهان لا يوجد عنده بيت .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4619/06.jpg
ما معنى قوام الشيء ؟ أي أساسه ، إذا إنسان لا يوجد عنده بيت كيف يقوم بكسوته ؟ رسول الله قال : " قوام الرجل عقله " إذا لا يوجد عنده عقل لا يوجد عنده شيء ، مهما زين نفسه ، واعتنى ببيته ، عقل لا يوجد ، والعقل قوام الرجل ودليل العقل آثاره ، العاقل من أطاع الله ، يخاف من الله فهو عاقل ، لا يسأل يكون جاهلاً ليس له عقل ، لا يوجد قوام هيكل فارغ ، يوجد إنسان رأى براد في السوق المستعملة وليس غالي الثمن بألف ليرة وثمنه أكثر من ثلاثة آلاف اشتراه ، قال له شغله ؟ فوضعه في الكهرباء أنار الضوء ، أخذه على البيت وضع المأخذ بالكهرباء ليس له صوت ، محرك لا يوجد ، قوام هذا البراد المحرك ولا يوجد محرك ، وضع ثمنه على هيكل فارغ .
النبي الكريم قال : قوام الرجل عقله لا يوجد عقل لا يوجد شيء ، يقول عليه الصلاة والسلام : ((ما اكتسب رجل مثل فضل عقل يهدي صاحبه إلى هدى ويرده عن ردى))
[بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه]
لا يوجد كسب ، الآن الكسب أنواع ، يقول لك : هذا عنده أموال غير منقولة أي عنده أراض ، محاضر ، أبنية ، أراضي زراعية ، مزرعة ، الأموال غير المنقولة كسب هذه معروفة ، أو أموال منقولة عنده من كل أنواع الأموال ، أما النبي الكريم يقول : (( ما اكتسب رجل مثل فضل عقل يهدي صاحبه إلى هدى ويرده عن ردى وما تم إيمان عبد ولا استقام دينه حتى يكمل عقله ))
أي العقل هو الأساس ، لذلك النبي الكريم قال : ((تبارك الذي قسم العقل بين عباده أشتاتا إن الرجلين ليستوي عملهما وبرهما وصومهما وصلاتهما ولكنهما يتفاوتان في العقل كالذَّرَّة في جنب أُحُدٍ وما قسم الله لخلقه حظا هو أفضل من العقل واليقين))
[ الترمذي من رواية طاوس]
والنبي عليه الصلاة والسلام يقول : ((إن الرجل ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم ولا يتم لرجل حسن خلقه حتى يتم عقله فعند ذلك تم إيمانه وأطاع ربه وعصى عدوه))
[ أحمد عَنْ عَائِشَةَ]
العقل هو حجر الأساس :
سلسلة كل الأحاديث تبين أن حجر الأساس هو العقل ، لما الإنسان يسأل أخاه ماذا استفدت من هذه الدروس ؟ تكلم لنا عن درس الجمعة ؟ يمتحن عقله إذا له عقل مفكر والله هذا إيمانه جيد ، يقول لك : ما هذا الخطيب ؟ شيء يطير العقل ، ماذا سمعت منه ؟ والله خطبة عظيمة ما شاء الله ، صوت عال ، ما تذكرت شيئاً ؟ والله الخطبة ممتازة ، ما تذكرت آية حديثاً ؟ يقول : لا يوجد لهذا الخطيب مثيلاً ، أين عقل هذا الرجل ؟ اذكر آية حديثاً، الإنسان عندما يسمع درس العلم ماذا استفدت منه ؟ هذا الوقت ثمين ، اذهب ونم إذا كنت لا تستطيع أن تعقل ما سمعت ، لأن الوقت ثمين .
((....ولا يتم لرجل حسن خلقه حتى يتم عقله فعند ذلك تم إيمانه وأطاع ربه وعصى عدوه))
لما رجع المسلمون من غزوة أحد سمع النبي صلى الله عليه وسلم الناس يقولون: (( فلان أشجع من فلان وفلان أبلى ما لم يبل فلان ونحو هذا فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : أما هذا فلا علم لكم به ، قالوا : وكيف ذلك يا رسول الله ؟ فقال صلى الله عليه و سلم : إنهم قاتلوا على قدر ما قسم الله لهم من العقل وكانت نصرتهم ونيتهم على قدر عقولهم))
[أخرجه ابن المجبر عن أبي هريرة]
هذا قال : أنا لو قاتلت بشجاعة فسيثني الناس عليّ ، هذا عقله خرب ، خسر حياته ، لو إنسان هدفه إعلاء كلمة الله على قدر عقله يكسب الأجر الكبير . (( عن عائشة رضي الله عنها قالت يا رسول الله : بما يتفاضل الناس في الدنيا قال : بالعقل ، قلت وفي الآخرة ، قال : بالعقل ، قلت : أليس إنما يجزون بأعماله ، فقال عليه الصلاة والسلام : يا عائشة وهل عملوا إلا بقدر ما أعطاهم الله عز وجل من العقل ))
[عن عائشة]
عملهم بقدر عقلهم ، إذاً بالدنيا يتفاضل الناس بالعقل ، وفي الآخرة يتفاضلون بالعقل . العقل كسبي و الإنسان مسؤول عن استعماله :
هل العقل كسبي أم فطري ؟ هنا سؤال دقيق إذا كان فطرياً لا يوجد ذنب له ، هذا أعطاه الله بالمئة ثمانين أخذ بالمئة ثمانين ، وهذا أعطاه بالمئة عشرة ، لا العقل كسبي العقل موجود إما أن تستعمله وإما ألا تستعمله ، أغبى الناس في الآخرة قد يكون أذكاهم في الدنيا ، العقل موجود فهو مسؤولية على عدم استعماله لا على عدم وجوده .
لما خلق الله العقل قال له : أقبل فأقبل ، ثم قال له : أدبر فأدبر ، فقال الله عز وجل : " وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً أكرم علي منك ، بك آخذ وبك أعطي ، وبك أثيب وبك أعاقب "
قيمة الإنسان عند الله برجاحة عقله :
دائماً ملخص الملخص قيمتك عند الله برجاحة تفكيرك ، الأمور واضحة تماماً :
(( أحب المؤمنين إلى الله عز وجل من نصب في طاعة الله عز وجل ونصح لعباده وكمل عقله ونصح نفسه فأبصر وعمل به أيام حياته فأفلح وأنجح ))
[أخرجه ابن المجبر من حديث ابن عمر]
وقال عليه الصلاة والسلام : (( أتمكم عقلاً أشدكم لله تعالى خوفاً ))
[أخرجه ابن المجبر من حديث أبي قتادة ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4619/07.jpg
هذا الفصل على قيمة العقل ، فنحن لا نريد من هذا الفصل قراءة الأحاديث بقدر ما نريد الإفادة منها ، فكل إنسان يمتحن عقله بقدر طاعته لله عز وجل ، كل معصية لها عند الله عقاب ، وكل طاعة لها عند الله ثواب ، فإذا كانت استقامته تامة وعمله صالح فعقله راجح، أما إذا كان باستقامته خلل .
كنت أضرب مثلاً قلته كثيراً ولكن الآن مناسب يعاد مرة ثانية ، باص المهاجرين كان في المرجة يقف في أيام الصيف الحارة ، كان يقف باتجاه الشرق ، وإذا صعد راكب إلى الباص يرى الشمس على اليمين ، و الظل على اليسار ، أنا كنت أصعد وأمتحن عقل هؤلاء الركاب ، يصعد راكب ويجلس في الشمس ، والشمس في تموز ، ويصعد راكب يجلس في الظل ، الذي جلس في الظل عطل فكره ، لم يفكر ، وجد ظلاً فجلس بحكم الفطرة ، والذي جلس في الشمس أعمل عقله ، الذي جلس في الظل قد يتهم في نفسه من كان في الشمس بالغباء ، هذا الباص بعد دقيقتين سوف يلف ساحة المرجة ، وسوف يصبح الذي جلس في الشمس في الظل إلى نهاية الخط ، والذي جلس في الظل سيبقى في الشمس إلى آخر الخط .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4619/08.jpg
تعريف العقل أن تصل إلى الشيء قبل أن تصل إليه ، فلان ذكي ما معنى ذكي ؟ أي أنه تصور المستقبل ، الطالب الذكي تصور الامتحان وهو في أيلول تصور الامتحان ورهبة الامتحان ودرس حتى هيأ نفسه ماذا يفعل .
صيادان مرّا أمام غدير فيه ثلاث سمكات قال : كيسة وأكيس منها وعاجزة ، تواعدا أن يرجعا ليصيدا ما فيه من سمك ، فسمع السمك قولهما - وهذه قصة رمزية - أما أكيسهما فإنها ارتابت وتخوفت وقالت : العاقل يحتاط للأمور قبل وقوعها ، هل يوجد أحد من الحاضرين وأنا معكم لن يموت ؟ كلا ، إذاً العقل يحتاط إلى الأمور قبل الموت ، والأحمق من يأتيه الموت فجأة ، قال تعالى : ﴿ فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى * وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى * ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى ﴾
[ سورة القيامة : 31-33]
هذه السمكة الكيسة جداً قالت : العاقل يحتاط إلى الأمور قبل وقوعها ، فلم تعمل شيئاً حتى خرجت من الغدير فنجت وارتاحت ، وأما الكيسة ولكن الأقل ذكاء فبقيت في مكانها حتى عاد الصيادان فذهبت لتخرج من حيث خرجت رفيقتها فإذا المكان قد سد ، فقالت : فرطت وهذه عاقبة التفريط ، غير أن العاقل لا يقنط من منافع الرأي ، ثم إنها تماوتت فطفت على وجه الماء فأخذها الصياد ووضعها على الأرض بين النهر والغدير فوثبت في النهر فنجت ، لكن حرقت أعصابها وخاطرت ، غامرت احتمال نجاحها خمسون بالمئة ، لو وضعها في مكان بعيد ماتت ، وأما العاجزة الغبية فلم تزل في إقبال وإدبار حتى صيدت .
ملخص الدرس كله قول النبي عليه الصلاة والسلام : "الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني" .
عرف النبي الكريم الذكي بأنه إنسان ضبط نفسه ، وعمل لما بعد الموت ، والغبي من أتبع نفسه هواها ، أنا مع الناس ، والناس كلها هكذا ، هل أنا أفضل منهم ؟ هل معقول كل الناس إلى جهنم ؟ هذا كلام فارغ ، الله عز وجل أوامره محددة وليس لك علاقة بسلوك أحد ، عليكم أنفسكم والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني . * * *
ثابت بن قيس :
ثابت بن قيس رضي الله عنه سيد من سادات الخزرج المرموقين ، ووجه من وجوه يثرب المعدودين ، وكان إلى ذلك ذكي الفؤاد ، حاضر البديهة ، تطبيق لدرسنا ذكي الفؤاد ، حاضر البديهة ، رائع البيان ، جدير الصوت إذا نطق بزّ القائلين ، وإذا خطب أسر السامعين ، وهو أحد السابقين إلى الإسلام ، إذ ما كاد يستمع إلى آيات الذكر الحكيم يرتلها الداعية المكي الشاب مصعب بن عمير بصوته الشجي وجرسه الندي حتى أسر القرآن سمعه بحلاوة وقعه ، وملك قلبه برائع بيانه ، وخلب لبه بما حصل به من تشريع ، فشرح الله صدره للإيمان ، وأعلى قدره ، ورفع ذكره بالانزواء تحت لواء نبي الإسلام .
ولما قدم النبي صلوات الله عليه إلى المدينة مهاجراً استقبله ثابت بن قيس في كوكبة كبيرة من فرسان قومه أكرم استقبال ، أي إذا الإنسان أكرم النبي الكريم فهذا إكرام لله عز وجل ، إذا لك أخ مؤمن أكرمته فكأنما تكرم الله عز وجل ، هكذا الحديث الشريف : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4619/09.jpg

(( من أكرم أخاه المؤمن فإنما أكرم الله ))
[الأصبهاني في ترغيبه عن جابر]
ورحب به وبصاحبه الصديق أجمل ترحيب ، وخطب بين يديه خطبة بليغة افتتحها بحمد الله عز وجل ، والثناء عليه ، والصلاة والسلام على نبيه ، وختمها بقوله أنا نعاهدك يا رسول الله على أن نمنعك مما نمنع منه أنفسنا وأولادنا ونساؤنا فما لنا لقاء ذلك؟ فقال عليه الصلاة والسلام : الجنة ، ما كادت كلمة الجنة تصافح آذان القوم حتى أشرقت وجوههم بالفرحة ، وزهت قسماتهم بالبهجة ، وقالوا : رضينا يا رسول الله ، رضينا يا رسول الله ، ومنذ ذلك اليوم جعل النبي صلوات الله عليه ثابت بن قيس خطيبه كما كان حسان بن ثابت شاعره ، فصار إذا جاءه وفود العرب لتفاخره أو تناظره بألسنة الفصحاء المقاول من خطبائها وشعرائها ندب إليهم ثابت بن قيس لمصاولة الخطباء وحسان بن ثابت لمفاخرة الشعراء . بشارة النبي العظمى لثابت بن قيس :
كان خطيب النبي الخاص ، ولقد كان ثابت بن قيس مؤمناً عميق الإيمان ، تقي صادق التقوى ، شديد الخشية من ربه ، عظيم الحذر من كل ما يغضب الله عز وجل ، فلقد رآه النبي عليه الصلاة والسلام ذات يوم هرعاً ، جزعاً ترتعد فرائسه خوفاً وخشيةً فقال له : ما بك يا أبا محمد فقال : يا رسول الله أخشى أن أكون قد هلكت ، قال : ولم ؟ - ترى عامة الناس تفعل الموبقات وتقول لك : نمنا نوماً عميقاً مريحاً ، هؤلاء ميتون- أما سيدنا ثابت فقال أخشى أن أكون قد هلكت ، فقال سيدنا ثابت : لقد نهانا ربنا عز وجل عن أن نحب أن نحمد بما لا نفعل وأجدني أحب الحمد ، ونهانا عن الخيلاء وأجدني أحب الزهوة - كان أنيقاً جداً - فما زال النبي عليه الصلاة والسلام يهدئ من روعه حتى قال : يا ثابت ألا ترضى أن تعيش حميداً وتقتل شهيداً وتدخل الجنة ؟ فأشرق وجه ثابت بهذه البشرى وقال : بلى يا رسول الله ، فقال عليه الصلاة والسلام : إن لك ذلك .
مرة النبي الكريم بشر صحابي بالجنة اسمه عكاشة ، هناك صحابي ثان قال له : وأنا ؟ فإذا قال له : أنت لست من أهل الجنة حطمه صلى الله عليه وسلم ، وإذا قال له : أنت منها كذب عليه ، حل هذه ، فقال له : وأنا ؟ فقال له صلى الله عليه سبقك بها عكاشة ، أي جواب بمنتهى اللطف أما سيدنا ثابت فبشره بالجنة .
وعندما نزل قوله تعالى :
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ﴾
[ سورة الحجرات : 2]
تجنب ثابت بن قيس مجالس النبي عليه الصلاة والسلام على الرغم من شدة حبه له ، وكثرة تعلقه به ، ولزم بيته حتى لا يكاد يبرحه إلا لأداء المكتوبة ، النبي الكريم وفي لأصحابه ويعرف من غاب .
افتقده النبي عليه الصلاة والسلام وقال من يأتيني بخبره ؟ كان محباً وكم هم يحبونه والله الذي لا إله إلا هو كان يحبهم أضعاف ما يحبونه ، فقال أحدهم : أنا يا رسول الله فذهب إليه فوجده في منزله محزوناً منكساً ، فقال : ما شأنك يا أبا محمد ؟ قال : شر ، قال وما ذاك ؟ ماذا فعلت ؟ قال : أنك تعرف أني رجل جهير الصوت - صوتي عال - وإن صوتي كثيراً ما يعلو على صوت النبي صلى الله عليه وسلم وقد نزل في القرآن ما تعلم : " لا ترفعوا أصواتكم " ولا أحسب إلا حبط عملي وأنني من أهل النار ، كم كانوا يخافون على أنفسهم من مخالفة القرآن الكريم !! الآن يخرب بيته ويقول ماذا فعلنا ؟ فرجع الرجل إلى النبي الكريم وأخبره بما رأى وما سمع فقال له : اذهب إليه وقل له : لست من أهل النار ولكنك من أهل الجنة ، فكانت هذه بشارة عظمى لثابت ، ظل يرجو خيرها طوال حياته .
هل يوجد عندنا هذا القلق ؟ هذا ميزان هؤلاء أصحاب الجنة ، هؤلاء ملوك الدار الآخرة ، هل يوجد عندنا هذا القلق ؟ من منا يخاف على نفسه ، الذي يخاف له البشرى والذي لا يخاف أعانه الله . قصة استشهاد ثابت بن قيس :
وقد شهد ثابت بن قيس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المشاهد كلها سوى بدر وأقحم نفسه في غمار المعارك طلباً للشهادة التي بشره بها النبي ، فكان يخطئها في كل مرة إلا أن وقعت حروب الردة بين المسلمين ومسيلمة الكذاب على عهد سيدنا الصديق ، وقد كان ثابت بن قيس إذ ذاك أميراً لجند الأنصار وصار مولى أبي حذيفة أميراً لجند المهاجرين ، وخالد بن الوليد قائداً للجيش كله أنصاره ومهاجريه وما فيهم من أبناء البوادي ، وقد كانت الريح والدولة في جل المعارك لمسيلمة ، أول أمر طغى مسيلمة حتى بلغ بهم الأمر أن اقتحموا فسطاط خالد - خيمته - وقطعوا حبال الخيمة ومزقوها ، فرأى ثابت بن قيس يوم ذاك من تضعضع المسلمين ما شحن قلبه أسىً وكمداً وسمع ما ملأ صدره هماً وغماً عند ذلك تحنط وتكفن ووقف على رؤوس الأشهاد وقال : " يا معشر المسلمين ما هكذا كنا نقاتل مع رسول الله ، بئسما عودتم أعداءكم من الجرأة عليكم ، وبئسما عودتم أنفسكم من الانخذال لهم، ثم رفع طرفه إلى السماء وقال : اللهم إني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء من الشرك - أي مسيلمة - وأبرأ إليك مما يصنع هؤلاء – أي المسلمون – " ثم هب هبة الأسد الضاري كتفاً لكتف مع الغر الميامين ، البراء بن مالك الأنصاري وزيد بن الخطاب و هو أخ أمير المؤمنين وغيرهم وأبلى بلاءً عظيماً ملأ قلوب المسلمين حميةً وعزماً ، وشحن أفئدة المشركين وهناً ورعباً ، وما زال يجالد في كل اتجاه ويضارب بكل سلاح حتى أثخنته الجراح فخر صريعاً على أرض المعركة قرير العين بما كتب الله له من الشهادة التي بشره بها النبي عليه الصلاة والسلام ، القصة ما انتهت مع أنه استشهد رضي الله عنه .
وصية ثابت بن قيس :
وهذه أغرب قصة وكانت على ثابت درع نفيسة فمر به رجل من المسلمين من عام المسلمين فنزعها عنه وأخذها لنفسه ، وفي الليلة التالية لاستشهاده رآه رجل في منامه فقال للرجل : أنا ثابت بن قيس في المنام فهل عرفتني ؟ قال : نعم ، قال : إني أوصيك بوصية فإياك أن تقول هذا حلم إني لما قتلت أمس مر بي رجل صفته كذا وكذا فأخذ درعي ومضى بها نحو خبائه في أقصى المعسكر من الجهة الفلانية ، ووضعها تحت قدر له ، ووضع فوق القدر رحلاً فائت خالد بن الوليد وقل له أن يبعث إلى الرجل من يأخذ الدرع منه فهي ما تزال في مكانها ، وأوصيك بأخرى فإياك أن تقول هذا حلم قل لخالد : إذا قدمت على خليفة رسول الله في المدينة فقل له : إن على ثابت بن قيس من الدين كذا وكذا ، وإن فلاناً وفلاناً من رقيقه عتيقان لوجه الله تعالى فليقض ديني وليحرر غلامي ، استيقظ الرجل فأتى سيدنا خالد بن الوليد فأخبره بما سمع ورأى ، فبعث خالد من يحضر الدرع من عند آخذها فوجدها بمكانها وجاء بها كما هي ، ولما عاد خالد إلى المدينة حدث أبا بكر رضي الله عنه بخبر ثابت بن قيس ووصيته ، فأجاز الصديق بوصيته وما عرف أحد قبله ولا بعده أجيزت وصيته بعد موته ، طبعاً كل إنسان وصى تنفذ بعد موته هذه وصاها بعد موته ، أملاها بعد موته ونفذت ، النبي الكريم يقول : " لو بقيتم على الحال التي أنتم عليها عندي لصافحتكم الملائكة " أحوال الكشوف الآن مفقودة لأن الدنيا غلبت على الناس ، هموم الدنيا وزينتها غلبت على القلوب ، أما لو أن الدنيا بعدت لسمعت العجب العجاب .
رجل يمشي مع عالم صادق الناس تكلموا له عليه ، أن هذا يتهيأ أشياء غير صحيحة ، تشوش واضطرب وطالب العلم صادق فنام وقال : يا رب إن كان هذا على حق فأعلمني بذلك ولكن أنا توقعت أنه صادق جداً ، نام في الليل رأى النبي عليه الصلاة والسلام قال له : " والذي نفس محمد بيده هذا أحيا سنتي بعد موتي ".
إذا أنت عندك صدق كاف والله ترى النبي الكريم وتسمع منه ، إذا عندك سؤال دقيق جداً وتريد جواباً شافياً ترى النبي عليه الصلاة والسلام يقول لك كذا وكذا وهذا سيدنا ثابت ، الإنسان عندما الله عز وجل يفتح له قلبه يرى رؤيا صحيحة تأتي كفلق الصبح يستبشر أما حب الدنيا فرأس كل خطيئة ، حبك الشيء يعمي ويصيب ، رضي الله عن ثابت بن قيس وأرضاه وجعل في أعلى عليين مثواه .
القصة بشكل موجز سيدنا ثابت كان ورعاً ، وكان حريصاً على رضاء الله عز وجل ورضاء نبيه ، لأنه كان قلقاً هو الآن آمن والآمن اليوم قلق يوم القيامة .
* * *
معرفة الله عز وجل أساس الدين :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4619/10.jpg
حديث شريف قال عليه الصلاة والسلام :

(( أفضل الأعمال العلم بالله ))
[ كنز العمال عن أنس]
سماه النبي عليه الصلاة والسلام عملاً ، أين ذاهب ؟ أحضر مجلس علم حتى أتعرف إلى الله عز وجل ، أفضل الأعمال العلم بالله السبب ؟ قال عليه الصلاة والسلام : " إن العلم بالله ينفعك معه قليل العمل وكثيره وإن الجهل بالله لا ينفعك معه قليل العمل ولا كثيره "
أقل عمل مع العلم بالله ينفعك ، وأكبر عمل مع الجهل بالله لا ينفعك ، فالأساس العلم بالله ، إن العلم بالله ينفعك معه كثير العمل وقليله ، والجهل بالله لا ينفعك معه لا كثير العمل ولا قليله ، لأنه مبني على جهل ، ولو إنسان عمّر جامعاً ولا يعرف الله عز وجل وله معاص فالطريق إلى الله مسدود ، أما إذا عرف الله عز وجل ودفع ليرة سورية واحدة هذه ترفعه إلى أعلى عليين ، فالموضوع مبني على معرفة الله ، ومعرفة الله عز وجل أساس الدين.

السعيد 09-09-2018 02:08 PM

رد: الفقة الاسلامى 2
 
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( التاسع و العشرون )

الموضوع : الصوم - تعريفة - شروطة - اركانة - مفطراتة





الحمد لله رب العالمين ، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً ، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه ، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
تعريف الصوم :
أيها الأخوة الأكارم ، مهدنا في الدرس الماضي لموضوع الصوم ، و اليوم نتحدث عن بعض أحكامه .
أولاً : تعريف الصوم هو الإمساك نهاراً عن إدخال شيء عمداً أو خطأ ، بطناً أو ما له حكم البطن ، و عن شهوة الفرج بنية من أهله http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4624/01.jpg
هذا تعريف من نوع جامع مانع ، الإمساك أي ترك الطعام و الشراب ، نهاراً : لأن الطعام و الشراب في الليل مباح ، عن إدخال شيء عمداً أو خطأً : من تمضمض و بالغ في المضمضة و دخل شيء من الماء إلى جوفه فقد أفطر و عليه أن يبقي نفسه صائماً ، و أن يعيد صيام هذا اليوم عمداً أو خطأً ، بطناً ، و الإمساك عن شهوة الفرج بنية : لولا النية - النية تفرق العبادة عن العادة - لولا النية لاختلط الأمر بين العبادات و العادات ، من أهله : المرأة النفساء ليست أهلاً للصيام و كذلك الحائض ، و سبب وجوبه شهود جزء منه ، لو الإنسان أسلم بخمسة عشر من رمضان عليه أن يصوم الأسبوعين المتبقيين و سبب وجوبه شهود جزء منه ، و كل يوم منه سبب لوجوب أدائه ، كل يوم من أيام هذا الشهر الكريم سبب لأدائه ، و هو فرض أي الصيام أداءً و قضاءً ، أي إذا كانت المرأة تقضي بعض أيام رمضان في أشهر السنة لا يستطيع زوجها أن يأمرها بالإفطار هذا فرض ، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ، يقول لها : هذا ليس رمضان هي تقضي ما فاتها من رمضان ، و هو فرض أداءً و قضاءً على من اجتمع فيه أربعة أشياء :
أولها الإسلام ، و ثانيها العقل ، و ثالثها البلوغ ، و رابعها العلم بالوجوب لمن أسلم بدار الحرب ، كيف؟ أي في أثناء المعارك أو في أثناء الحرب دخل أحد الكفار في الإسلام ، و قد شهد أنه لا إله إلا الله و أن محمداً رسول الله لكنه ، و هو في زحمة المعركة لم يبلغ أنه لا بد من صيام رمضان ، فالعلم بوجوب الصيام أحد الشروط التي يجب أن تتوافر في الصائم ، الإسلام و العقل و البلوغ و العلم بالوجوب لمن أسلم بدار الحرب ، أما من كان في ديار الإسلام فلا يقبل منه الجهل ، ليس من المعقول إنسان في بلد إسلامي و يأتي رمضان و يقول لك : لا أعلم أن هناك صياماً هذا مرفوض ، لكنه إذا أسلم بدار الحرب كان العلم بالوجوب أحد الشروط اللازمة للصيام ، أما المقيم في دار الإسلام فهذا لا يعتد به .

شروط الصيام :
و يشترط لوجوب أدائه الصحة من مرض و حيض و نفاس ، و الإقامة أي أن يكون مقيماً و ليس مسافراً ، فالمسافر قال تعالى :
﴿ وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ﴾
[ سورة البقرة : 27]
و يشترط لصحة أدائه ثلاثة : النية لابد من النية - كما قلنا قبل قليل - النية تميز العبادة عن العادة ، و الخلو عما ينافيه من حيض و نفاس و عما يفسده ، و لا يشترط الخلو عن الجنابة أي من أصبح صائماً و كان في الليلة جنباً فصيامه صحيح يغتسل و يتابعه ، و ركنه : الكف عن قضاء شهوتي البطن و الفرج و ما ألحق بهما ، و حكمه : سقوط الواجب عن الذمة و الصواب في الآخرة و الله أعلم ، الصيام فرض إذاً لابد من أدائه ، حكمه أنك إذا صمت سقط عنك هذا الفرض و لك في الآخرة ثواب ، و هناك أهداف أخرى بيّنها القرآن الكريم و الله أعلم .
يتضح لكم أن هذه المعلومات أساسية و واضحة لكن إذا أردنا أن نقف عند بعضها الذي نحن بحاجة إليه ، أولاً : من أفطر مخطئاً عليه أن يعيد اليوم ، بالغ في المضمضة و الوضوء إلا أن تكون صائماً ، فإن كنت صائماً و بالغت في المضمضة و دخل شيء من الماء في جوفك عليك أن تعيد صيام هذا اليوم ، و أن تمسك بقية النهار هذا حكم ، هذا معنى خطأً ، طبعاً عمداً معروف ، إفطار قطعي ، النية أساسية في الصيام ، الأهلية أساسية في الصيام ، خلو الإنسان من مرض أو حيض أو نفاس أو سفر ، أي أدرك المؤمن من هذا الشهر يوماً عليه أن يصوم بقية الشهر ، كل يوم سبب لأدائه ، لا جهل في دار الإسلام إن كنت مقيماً بين المسلمين لا يعتد بالجهل ، لكنك إن كنت مقيماً في دار حرب و حديث عهد بالإسلام علمك بوجوب صيام هذا الشهر شرط أساسي من شروطه .
الجنابة لا تفسد الصيام ، و الدرس القادم إن شاء الله نتابع فيه أنواع الصيام الستة؛ فرض و واجب و مسنون و مندوب و نفل و مكروه .
أما النية فهي من عمل القلب لكن بعض الفقهاء شدد في اللفظ و بعضهم قال : نية القلب تكفي .
* * *
الطهارة :
من الفصول المختارة من إحياء علوم الدين كتاب الطهارة و قال المؤلف رحمه الله و رضي عنه : اعلم أن الطهارة لها أربع مراتب ، الأولى : تطهير الظاهر من الأحداث و الأنجاس و الفضلات ، الأحداث هناك حدث أصغر و حدث أكبر ، و الأنجاس العينية ، و الفضلات كحلق شعر الإبط و ما شاكل ذلك ، و قص الأظافر ، فجمعت في هذه الكلمات الثلاث تطهير الظاهر من الأحداث و الأنجاس و الفضلات ، و الثانية : تطهير الجوارح من الذنوب و الآثام ، و الثالثة : تطهير القلب من الأخلاق المذمومة و الرذائل الممقوتة ، و الرابعة : تطهير السر عما سوى الله عز وجل - أربعة مراتب - و هذه هي الغاية القصوى ، قال : فمن قويت بصيرته سمت إلى هذا المطلب - الرتبة - سريرته ، و من عميت بصيرته لم يفهم من مراتب الطهارة إلا المرتبة الأولى ، هذه ظاهرة تجد مسلمين كثيرين لا يعنون إلا بطهارة الظاهر بل إنهم يصابون بأمراض نفسية اسمها الوساوس المتسلطة ، كم من قضية رفعت إليّ من أن إنساناً أصيب بأمراض من هذا النوع أصبحت حياته جحيماً لا تطاق ، يتوضأ و يعيد الوضوء و يدخل دورة المياه و يخرج و يشك في نوع طهارته فيدخل ثانية و يخرج ، يتحرى مصلاه إن داس عليه طفل صغير يعيد الصلاة ، هذه أمراض نفسية أي مثل هذا الإنسان يعالج في مصحات ، فالإنسان عندما ينسى مراتب الطهارة و يكتفي بالمرتبة الأولى و هو تطهير الظاهر من الأحداث و الأنجاس و الفضلات فقد غفل عن حقيقة الطهارة لماذا ؟ لأن الإسلام بني على النظافة ، النظافة أي إياكم أن تظنوا النظافة المادية فقط ، كنت قد ضربت لكم مثلاً : قلت من قبل أن إنساناً يعمل في مصلحة فيها زيت و شحم و أشياء تلوث الثياب - مكنسيان مثلاً - و مرتدياً أفرول كما يسمونه أصله أزرق صار أسود اللون من الشحم و الزيت و الفحم و الوحل ، و انبطح تحت سيارة ليفك بعض أجزائها ، و أتقن عمله ، و أخذ أجراً معتدلاً ، فهذا العمل في الإسلام نظيف إلى أقصى الحدود ، وقد تقبع في غرفة مؤسسة بأفخر الأثاث ، و فيها أجمل المفروشات ، و هي مكيفة ، و فيها كل وسائل الراحة ، فإذا كان هذا العمل مبنياً على إيذاء الناس في هذه الغرفة فهذا عمل قذر ، فالنظافة إذا أطلقت إياكم أن تظنوا أنها تنصرف إلى النظافة المادية http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4624/02.jpg
ذاك العمل نظيف ، و النبي عليه الصلاة و السلام أثنى على من يعمل بيده و هو من الكسب الحلال ، وسيدنا عمر يقول : " إني أرى الرجل لا عمل له فيسقط من عيني " ، و الإمام علي كرم الله وجهه يقول : " قيمة الرجل ما يحسنه " ، إن كان يحسن عملاً فله عند الله قيمة لأنه عنصر معطاء ، فالنظافة المقصود بها هي الطهارة الداخلية ، فالكذاب قذر ، المخادع قذر ، النمام قذر ، المتكبر قذر ، الذي يحتقر الناس قذر ، و هناك أعمال قذرة مبنية على إيقاع الأذى بالناس ، على أخذ أموالهم ، على إيقاع الرعب فيهم ، هذه أعمال كلها قذرة ، و الأعمال التي يحتاج فيها الإنسان إلى ثياب خاصة هذه الأعمال هي عند الله نظيفة ، و عند الناس نظيفة ، و أنعم بها من أعمال، فبني الإسلام على النظافة ، يجوز إنسان يذهب إلى أوربا يجد هناك مظاهر نظافة من أعلى مستوى ، لكن لو عاشرهم و أقام بينهم لرأى من قذارتهم ما لا يوصف ، من تفسخهم الاجتماعي ، من انحلالهم الخلقي ، من اختلاط الأنساب عندهم ، أي كيف تقبل أيها الإنسان أن إحصائية أجريت في أمريكا قبل أشهر عن بعض العلاقات المحرمة بين الأقارب فوجد أن ثلاثين في المئة من النساء هناك يمارسن علاقات محرمة مع محارمهن كالآباء و الأخوات ، ما تفسير ذلك ؟ هؤلاء ليسوا بناتهن ، و هؤلاء ليسوا أخواتهن بسبب اختلاط الأنساب ، لا يوجد عندهم عدة ، و لا هذا التشريع الحكيم الذي جاء به النبي الكريم ، فيظن أن هذه أخته هي ليست أخته ، يُظن أن هذه ابنته و هي ليست ابنته ، فهذه هي القذارة الحقيقية ؛ التفسخ ، و الانحلال ، و اللؤم ، و كسب المال الحرام ، و الكذب ، و الغش ، و النميمة ، هذا كله يسبب قذارة النفس ، فمن قويت بصيرته سمت إلى هذه الأهداف همته ، و من عميت بصيرته لم يفهم من مراتب الطهارة إلا المرتبة الأولى فتراه يضيع أكثر زمانه الشريف في المبالغة في الاستنجاء و غسل الثياب ، انظر المؤلف قال : زمانه الشريف ، أي أنت هذا العصر الذي تعيشه و هذا العمر الذي تستهلكه هو ثمين جداً ، أي كل دقيقة أحياناً يقول لك : هذه المركبة الفضائية كلفت كل دقيقة منها ثلاثة عشر مليون دولار مثلاً ، ما معنى ذلك ؟ أي هذه المركبة الفضائية بذل من أجل إطلاقها إلى القمر علم الأرض كله ، أي جميع العلوم ؛ الرياضيات ، الفلك ، الفيزياء ، الكيمياء ، كل هذه العلوم تضافرت و ساهمت في هذه المركبة الفضائية ، أحصيت نفقاتها فإذا هي رقم كبير كبير ، قسم هذا المبلغ الكبير على أيام بقائها في الفضاء ، و على ساعات بقائها ، و على دقائق بقائها ، فقيل : إن الدقيقة الواحدة كلفت ثلاثة عشر مليون دولار .

العمر ثمين جداً :
هل تصدق أيها الأخ الكريم أن الثانية الواحدة من حياتك تكلف ألوف ألوف الملايين من أجل أن تشرب هذا الكأس من الماء ، لابد من الشمس ، لا بد من السحاب ، لابد من البحار من أجل أن تأكل ، هذه المناخات المتقلبة من حر و قر و أمطار وثلوج و غيم و شمس ساطعة و شمس محجوبة ، هذه كلها تسهم في صنع الطعام و الشراب ، في صنع الخضراوات و المحاصيل و الفاكهة ، فأنت مثلاً قلبك من أجل تركيب دسام في القلب صناعي اسمع العمليات تقدر بمئتي ألف ، بثلاثمئة ألف ، تركيب كلية كلف ثمانمئة ألف ليرة ، زرع كلية مأخوذة لإنسان ، فالإنسان عندما تكون أجهزته سليمة مادام زرع كلية يكلف ثمانمئة ألف، و عملية بالقلب ثلاثمئة ألف ، ووضع دسام صناعي بأربعمئة ألف ، معنى ذلك أن الإنسان يكلف في كل ثانية ألوف الملايين ، و معنى هذا أن العمر ثمين جداً ، فمن استهلك هذا العمر في سفاسف الأمور ، في اللهو و الباطل ، و أهداف غير صحيحة ، و في طرق مسدودة ، و أعمال لا طائل منها ، في لعب و تفاخر بالأموال و الأولاد ، فهو من أخسر الناس ، لأن ساعة اللقاء لا يندم فيها المرء إلا على ساعة مرت في الدنيا لم يذكر الله فيها ، فالإنسان يدقق في وقته كيف يصرفه ؟ أي ما مضى فات ، و المؤمل غيب ، و لك الساعة التي أنت فيها ، ما مضى صليت أم لم تصلِّ ، صمت أم لم تصم ، فكرت أم لم تفكر ، أحسنت أم أسأت ، ما مضى مضى و انتهى أمره ، و التفكير فيه مضيعة للوقت ، و المؤمل غيب ، سأفعل هذا بعد غد ، في نهاية الشتاء سوف أتوب ، في مطلع العام الدراسي سوف أتوب ، بعد أن أنجز هذا العمل سوف أتوب ، و المؤمل غيب ، و لك الساعة التي أنت فيها ، لا تملك إلا هذه الساعة ، فإذا عرفت الله عز وجل قم و بادر إلى طاعته قبل ألا تدري ما سيكون ، إذاً فتراه يضيع أكثر زمانه الشريف في المبالغة في الاستنجاء و غسل الثياب ظناً منه بحكم الوسوسة ، و قلة العلم أن الطهارة المطلوبة هي هذه فقط طهارة الثياب ، و جهلاً بسير المتقدمين الذين كانوا يستغرقون الزمان في تطهير القلوب ، ممكن أن تجد مسلماً نظيفاً و لكن عنده حقد ، عنده استعلاء ، عنده حسد ، ليس معقولاً ، ما قيمة هذه النظافة الظاهرة؟ لابد من تطهير القلب ، لذلك سيدنا عمر قال : " تعاهد قلبك " ، يجب أن تراقب قلبك ماذا يُكِن للناس ؟ هل يكن لهم المحبة أم الحقد ؟ ماذا يكن ؟ قال تعالى :
﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾
[ سورة الشعراء : 88-89 ]
عملية الطهور في كل المراتب تعد شطر الإيمان :
و قد انتهى الأمر إلى قوم يسمون الرعونة نظافة ، فترى أكثر زمانهم يمضي في تزيين الظواهر و بواطنهم خراب محشوة بخبائط الكبر ، و العظم ، و الجهل ، و الرياء ، و النفاق ، و لو رأوا النظافة مقتصرة على الاستجمار على الحجر أي رأوا النظافة مقتصرة على أمور التطهير المادية ، و هذا لا ينبغي أن يكون في هذا الفهم القاصر .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4624/03.jpg
في الحديث عن النبي عليه الصلاة و السلام يقول :

(( الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ ))
[مسلم عَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ]
فسر بعضهم هذا الحديث أن كل مراتب النظافة هذه ؛ مرتبة الجوارح ، و مرتبة تطهير الجوارح من الذنوب ، تطهير القلب من الأخلاق المذمومة ، تطهير السر عما سوى الله ، الطهور شطر هذه المراتب ، أي هذا القلب هذا السر من أجل أن يكون الله فيه ، ماذا ينبغي أن تفعل أولاً ؟ أن تطهره عما سوى الله ، فعملية التطهير نصف الإيمان ، و هذه الجوارح من أجل أن تكون قائمة بأمر الله ، ماذا ينبغي أن تفعل ؟ ينبغي أن تطهرها عن الذنوب و الآثام ، هذا القلب الذي هو موضع الأخلاق المذمومة كيف تحليه بالأخلاق الحميدة؟ لابد من تطهيره من هذه المذمومة ، إذاً عملية الطهور في كل المراتب تعد شطر الإيمان ، أي نصف الإيمان بالذات . الإسلام نظيف ظاهراً و باطناً :
و هناك حديث آخر يقول عليه الصلاة و السلام :
(( مِفْتَاحُ الصَّلاةِ الطُّهُورُ ))
[الترمذي عَنْ عَلِيٍّ]
طبعاً الحديث يؤخذ على ظاهره ، لابد من الطهارة ، و الطهارة أحد شروط الصلاة ، و لكن لا ينبغي أن يقتصر الفهم على هذا المعنى ، مفتاح الصلاة الطهور بمعنى من كان غاشاً للمسلمين ، من كان مستغيباً لهم ، من كان ناماً فيما بينهم ، من نظر إلى عوراتهم ، من غشهم في بيعهم و شرائهم ، لا يستطيع أن يصلي ، و بعضهم حمل قوله تعالى : ﴿ يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾
[سورة الأعراف : 31]
بعضهم حمل قوله تعالى هذا على أن الزينة العمل الصالح ، البس أجمل الثياب و تعطر و تزين و هذا شكل الآية ، المعنى الآخر في الآية : لابد من عمل صالح تقدمه بين يديك في أثناء الصلاة ، فلو أغثت ملهوفاً ، أعنت فقيراً ، تصدقت ، عدت مريضاً ، أجبت سائلاً ، ثم ذهبت لتصلي فإن هذا العمل الذي قدمته يعينك على الاتصال بالله عز وجل ، قال تعالى : ﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ﴾
[ سورة الكهف : 110]
على كلٍّ كل هذه المعاني التي ذكرناها لا تنفي المعاني الظاهرة للنظافة ، الإسلام نظيف ظاهراً و باطناً ، و إن رأيت إنساناً نظيفاً ظاهراً فادعه إلى نظافة الباطن لأن الأولى لا تكفي . * * *
المساجد و الأسواق :
و الآن إلى بعض الأحاديث الشريفة يقول عليه الصلاة و السلام :
(( . . . . خَيْرَ الْبِقَاعِ الْمَسَاجِدُ ، وَأَنَّ شَرَّ الْبِقَاعِ الأَسْوَاقُ ))
[الحاكم عن ابن عمر]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4624/04.jpg
كلمة خير اسم تفضيل بمعنى أخير لكن لكثرة استعمالها اختصرت و أصبحت خير، فأنت في المسجد يطهر قلبك ، و تسمو نفسك ، و تشحذ عزيمتك ، و يلين قلبك ، و تنعقد توبتك ، و تطمح إلى أن تكون من أهل الجنة ، و تحس بالصفاء ، و يبعد عنك الانقباض و الضيق ، و هكذا قال بعض الصحابة : " نكون مع رسول الله و نحن و الجنة كهاتين فإذا عافسنا الأهل و الأولاد ننسى "، هذه الحال تذهب عنا ، لكن في الأسواق هذه الحاجة جميلة لا تملك ثمنها إن اشتريتها ديناً أصابك ذل الدين ، و إن امتنعت عنها شعرت بالحرمان ، و إن كان في الطريق فهناك نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات تلعنهن لأنهن ملعونات ، الإنسان تغيرت وجهته ، فالنبي الكريم قال :
(( . . . . خَيْرَ الْبِقَاعِ الْمَسَاجِدُ ، وَأَنَّ شَرَّ الْبِقَاعِ الأَسْوَاقُ ))
[الحاكم عن ابن عمر]
إن لم تكن لك حاجة ماسة بالسوق لا تذهب إليه ، لأن السوق كما قلنا : موطن الفتنة ، إما فتنة في الحاجات أو فتنة فيمن حول الحاجات ، إياكم و فضول النظر فإنه يوقع في النفس الهوى ، حتى الحاجات التي لست بحاجة إليها لا تتأمل فيها كثيراً فقد تبذل في نفسك الهوى، هناك شيء آخر النبي الكريم كان إذا وقع بصره على شيء من زينة الدنيا يقول : (( اللهم لا عيْشَ إِلا عَيْشُ الآخِرَةِ . . . ))
[ البخاري عن أنس بن مالك ]
هذا الدعاء يذكرك بالآخرة و ما فيها من نعيم مقيم ، و كيف أن أهل الجنة في الجنة ينعمون إلى أبد الآبدين ، فكلما لاحت لك زينة الدنيا تذكر الآخرة و ما فيها من سعادة عظمى . خير الأعمال و الأصحاب عند الله :
و يقول عليه الصلاة و السلام :
((خير الأعمال الصلاة في أول وقتها))
[عن عثمان بن عمر وهو صحيح على شرط الشيخين]
يبدو أن الصلاة في أول وقتها تسعد صاحبها ، ومن أخّر الصلاة عن وقتها أذهب الله البركة من عمره ، أي لا ينعم بالوقت ، إذا الإنسان صلى الظهر بوقته ، والعشاء بوقته ، يستريح فإذا أصابه النعاس نام فوراً ، فإذا أخّر العشاء وأصابه النعاس ولم يكن قد صلى فالصلاة أصبحت عبئاً عليه ثقيلاً ، فخير الأعمال الصلاة في أول وقتها ، و خير الأصحاب صاحب إذا ذكرت الله أعانك ، و إذا نسيت ذكرك ، إذا ذكرت الله أعانك فزادك قال لك : و الله إنه شيء جميل ، أكمل حدثنا ، أي شجعك على الحديث ، كنت معه بنزهة أو بسفر هذا الوقت الثمين أمضيتموه في معرفة الله ، إذا ذكرت الله أعانك هذه نصيحة لوجه الله ، إن حدثت صديقاً عن الله و قال لك : هذا الموضوع دعنا منه الآن ، لا تصاحبه ، هذا قد يسبب لك ضياعاً وفساداً ، إذا قال لك : دعنا من هذا الموضوع مازال باكراً علينا ، من مات و رأى ماذا يوجد بعد الموت ؟ الله كريم ، غداً نحج و نتوب ، هذه الأقوال إن قيلت فهذا الصاحب لا ينبغي أن تصاحبه .
و عض عليه بالنواجذ بمعنى الزم صحبته ، و يقول عليه الصلاة و السلام :
(( خَيْرُ الأصْحَابِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرُهُمْ لِصَاحِبِهِ ))
[الترمذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو]
أي صاحبان هذا قدم لهذا خدمة كبيرة ، هذا عند الله خير من هذا ، الأكثر نفعاً هو الأفضل عند الله عز وجل ، أي يوجد أصحاب يبني صحبته على ابتزاز صديقه ، أي إذا تناولوا الطعام بمطعم يحب أن يدفع عنه ، حيث يتأخر بالدفع قليلاً حتى يدفع عنه ، إن ركبوا سيارة و ذلك أخرج بطاقة ليضعها يبقى ساكتاً ، فمادام الإنسان بهذه الصحبة يبتغي أن يستفيد من صاحبه فهذا أسوأ الأصحاب ، أما خيرهم عند الله من بادر بإكرام صاحبه حيث : (( خَيْرُ الأصْحَابِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرُهُمْ لِصَاحِبِهِ ، وَخَيْرُ الْجِيرَانِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرُهُمْ لِجَارِهِ))
[الترمذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو]
التوحيد يسعد النفوس :
و قال عليه السلام :
(( خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ))
[ الترمذي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4624/05.jpg
أي خير قول يقوله الإنسان : لا إله إلا الله هذه كلمة التوحيد ، و ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد ، و بالتوحيد تصفو القلوب ، الآن كل مشاكل الناس من الشرك ، بالشرك يوجد خوف و يأس ، مع الشرك يوجد قنوت ، لكن مع التوحيد يوجد بشرى و أمل و طمأنينة و راحة و سعادة و استغناء ، إذا رأيت أن أمورك بيد فلان و فلان لئيم فهذا أكبر الشقاء أي أن ترى أمورك بيد فلان ، و فلان لا يعرف الله عز وجل ، لكنك إذا رأيت الأمر كله بيد الله وأنك عبد لله وأنك إذا أطعته أراحك من عناء الدنيا ، و حماك من شرار خلقه ، هذا هو التوحيد ، و بالتوحيد تسعد النفوس :
أطع أمرنا نرفع لأجلك حجبنا فإن منحنا بالرضا من أحـبنا
لذ بحمانا و احتم بــجنابنا لنحميك مما فيه أشرار خلقنا
***

طبعاً الحياة مخيفة ، الأخطار من كل جانب ، يكفي إنسان يركب سيارته و يكون نظامياً و إذا برجل نائم يدخل به و يقول لك : ابنه توفي و خمسة كسور متحركة ، أي احتمال الشر قائم في الحياة ، أما إن كنت مع الله عز وجل فيحفظك من مثل هذه المصائب .((خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ))
[ الترمذي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ]
التوكل على الله و الاستسلام له يدخل السعادة على قلب الإنسان :
خير الدعاء الاستغفار ، الاستغفار هذه الوجهة إلى الله عز وجل التي تطهر النفس من ذنوبها ، و الذنوب الأعمال أو الشهوات التي علقت بها ، فإذا جاء النور الإلهي طهرها من هذه الذنوب و نقاها من هذه الأدران .
(( قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، خَيْرُ الذِّكْرِ الْخَفِيُّ وَخَيْرُ الرِّزْقِ مَا يَكْفِي ))
[أحمد عَنْ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ]
أي لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه ، أحياناً الإنسان تسمعون ببعض القراءات في المساجد أن الناس في نهاية الآية يصرخون بأعلى أصواتهم : الله ، لو خشع قلبهم لخشعت أصواتهم ، لو خشعوا لبكوا ، أما هذا الصياح على طرب فهذا صياح الطرب لا صياح الخشوع ، خير الذكر الخفي و خير الرزق ما يكفي ، أي : اللهم من أحبني فاجعل رزقه كفافاً، النبي الكريم تمنى لأحبابه أن تكون أرزاقهم كافية لهم من دون إسراف و لا مخيلة و لا تبذير و لا بذخ و لا كبر و لا فخر و لا خيلاء و لا استعلاء .
خير الزاد التقوى و خير ما ألقي في القلب اليقين ، طبعاً إذا الإنسان هيأ بيتاً و هيأ له فرشاً جيداً و مرافق جيدة و وضع ببيت المؤونة - إن صحّ التعبير - كل ما لذّ و طاب و جاءه الموت ، هذا الزاد لا قيمة له ، لكن أعماله الصالحة إن كانت كثيرة فهي خير زاد له، إذا جاء ملك الموت فالنبي الكريم قال :
(( خير الزاد التقوى ))
[ الطبري عن عكرمة ]
و قال :(( خير ما ألقي في القلب اليقين ))
[ شعب الإيمان عن ابن مسعود]
أي يقين هذا ؟ اليقين بلقاء الله ، اليقين بعدالة الله ، اليقين برحمة الله ، اليقين بأن ما في كتاب الله حق و سوف يقع ، اليقين بأن العاقبة للمتقين ، اليقين بأن أهل الباطل لابد خاسرون ، هذه الكلمات العظيمة من يومين قرأت في القرآن الكريم قوله تعالى : ﴿ أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ ﴾
[ سورة الزخرف : 79]
أي إذا أهل الدنيا أبرموا أمراً فالله عز وجل موجود ، أمره هو النافذ ، و الله سبحانه و تعالى يبرم أمراً ، أي الأمرين نافذ ؟ أمر الله عز وجل لو أبرم ، و لو أن هؤلاء الأجانب ائتمروا على هذه البلاد المستضعفة مثلاً ، أبرموا أمراً ، أما فإنا مبرمون ، و قال تعالى : ﴿ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾
[سورة يونس : 24]
أمرنا لا أمرهم ، أجمل شعور للمؤمن يرى أن الله عز وجل ربه و إلهه رحيم سميع بصير غني ، فالتوكل عليه ، و التفضيل له ، و الاستسلام له ، شيء يدخل السعادة على قلب الإنسان . أويس القرني :
في موضوع هذه الأحاديث التي تبدأ بكلمة خير مرّ معي هذا الحديث :(( نَادَى رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ يَوْمَ صِفِّينَ : أَفِيكُمْ أُوَيْسٌ الْقَرَنِيُّ؟ قَالُوا : نَعَمْ ، قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ مِنْ خَيْرِ التَّابِعِينَ أُوَيْسًا الْقَرَنِيَّ ))
[أحمد عن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى]
من سنتين أو أكثر فيما أذكر حدثتكم عن قصته ، و قد رجاني بعضهم أن أعيد القصة لما فيها من دقة ، و من موعظة ، و قد استجبت لهذا الطلب ، و سأتلوه على مسامعكم و قد جاءت مناسبة لهذا الحديث خير التابعين أويس .
أذن مؤذن الحج فهرع الناس رجالاً :
﴿ وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ﴾
[سورة الحج : 27]
ينشدون البيت العتيق و الحرم الآمن المقدس الذي رفع قواعده إبراهيم و إسماعيل، و طافت به الملائكة ، و طهره النبي صلى الله عليه وسلم ، و فاضت رحاب مكة بالوافدين ، و تعطرت شعابها بأنفاس العابدين الركع الساجدين ، و دنت الأرض من السماء- تعبير لطيف - و التقى الصفاء بالصفاء ، و حان اليوم العظيم ، و تهيأت عرفات ، و خشعت القلوب ، و عنت الوجوه للحي القيوم ، فلا تسمع إلا هاتفاً بالدعاء ، و مسبحاً بالنجوى ، و متعطراً بالطاعة ، إنه يوم الإسلام الأكبر فلا رفث و لا فسوق و لا جدال ، و إنما إيمان و طهارة ، و ترفع عن الدنايا ، و تطلع إلى السماء ، و لكن ما بال عمر أمير المؤمنين وما خطب فارس قريش و عالمها علي بن أبي طالب ما بالهما ؟ و ما خطبهما ؟ إنهما يطوفان و يدوران بوفود العرب في تلطف و تطلع ، و يخصان حجيج اليمن برعاية واضحة ، و استقصاء شامل ، و عجب الناس لعمر و هو يقتحم قوافل اليمن سائلاً عن رجالهم ، متفرساً في وجوههم ، متسائلاً عن أسمائهم و أنسابهم ، و عجبوا أكبر العجب لعلي كرم الله وجهه في سمته و وقاره ، و هو يفحص ملامح اليمنيين ، و يستروح أنباءهم ، و يمازح فتيانهم كأنه ينشد ثأراً أو نسباً ، و نظر علي إلى عمر ، و ابتسما فكلاهما يعلم سر صاحبه و ما ينشدان ، و لقد ترقبوا مواسم الحجيج عشر سنوات فما عثروا على ضالتهما، و ما بلغا آمالهما ، لقد أسرّ النبي عليه الصلاة و السلام إليهما أمراً هاماً ، هما أحرص الناس عليه ، و لكن السنين مضت ، و العمر يتقدم ، و الأمنية الكبرى لم تتحقق ، إن كليهما ليذكر وجه محمد صلى الله عليه وسلم الصادق الحبيب الأمين و هو يهتف بهما : يا عمر و يا علي إذا لقيتما أويساً القرني فاطلبا إليه أن يستغفر لكما فإنه مجاب الدعاء ، عشر سنوات في مواسم الحج يسألون ، يتفرسون ، يتأملون ، يتفحصون وقد أعيتهم الحيلة ، و إن صورة أويس لواضحة في قلبيهما ، لقد وصفه النبي عليه الصلاة و السلام فقال : " إنه أشهل ، ذو سهوبة ، بعيد ما بين المنكبين، معتدل القامة ، آدم ، يضرب بذقنه إلى بطنه ، واضع يمينه على شماله يتلو القرآن ، ذو طمرين من صوف ، مجهول في الأرض ، معروف في السماء ، يقال للعباد يوم القيامة : ادخلوا الجنة ، و يقال له : قف فيشفع بإذن ربه في عدد ربيعة و مضر " ، هكذا وصف النبي الكريم أويساً القرني .
عشر سنوات و عمر و علي ينشدان في الحرم الأمين أويساً ، فقد أنبأهما النبي الكريم عليه الصلاة والسلام بأنهما سيشاهدانه في مواسم الحج ، و من أصدق من النبي قيلة؟
الحوار الذي دار بين عمر و علي و بين أويس القرني :
و جاء رجل إلى عمر لينبئه بأن قافلة جديدة صغيرة هبطت من اليمن فوثب عمر راكضاً يدفئ صدره الأمل ، و في غمار القافلة شاهد علياً قد سبقه ، قافلة جديدة من اليمن ، يتحدث إلى رجل ناصع الثوب و الوجه ، تبدو عليه سمات السيادة ، و سمع علياً يهتف به : ألم يبقَ أبداً في قافلتك - تفحصهم واحداً واحداً - غير من حدثتني بأمرهم ؟ فقال سيد هذه القبيلة : أجل يا بن عم رسول الله ، و لكن صبراً لقد أُنسيته ، إن في رحالنا فتى خامل الذكر، ممزق الثوب ، يرعى لنا و نؤجره دراهم معدودات ، و ما أظنك تنشد مثله ، فصرخ عمر إنه أشهل ذو سهوبة ، بعيد ما بين المنكبين ، معتدل القامة ، آدم ، يضرب بذقنه إلى صدره ، و عجب الأعرابي و نظر إلى عمر و هو لا يعرفه قائلاً : لقد وصفته أكمل ما يوصف به فهل رأيته ؟ و أضاء النور قلبي عمر و علي فقد عرفا أنهما على الأثر الصادق ، و استنطقا الأعرابي فأرشدهما إلى مكان أويس ، فانطلقا إليه يتسابقان ، و في صحراء مكة بالقرب من أبي قبيس شاهدا رجلاً يرعى إبلاً فسلما عليه ، ثم قالا له : من الرجل ؟ قال : راعي إبل و أجير قوم ، قالا : لسنا نسألك عن ذلك ، ما اسمك : قال : عبد الله ، الذي يريدانه أويس ، قالا: قد علمنا أن أهل السماء و الأرض كلهم عبيد لله و لكن ما اسمك الذي سمتك به أمك ؟ قال : يا هذان ما تريدان مني ؟ من أنتما ؟ قالا : قد وصف لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أويساً القرني و قد عرفنا الشهولة و السهوبة ، عندئذٍ أحسنا السلام و التحية ، و طلبا منه الدعاء و الاستغفار ، طبعاً هو أطرق و سكت و كأنه هو ، قال : ما أخص بالاستغفار أحداً و لكن للمؤمنين و المؤمنات ، ثم من أنتما ؟ قال علي هذا عمر أمير المؤمنين و أما أنا فعلي ، الإنسان ليس له حق أن يفخم نفسه ، فاستوى أويس القرني قائماً قائلاً : السلام عليك يا أمير المؤمنين و يا بن أبي طالب جزاكما الله عن هذه الأمة خيراً ، قال عمر : عظني يا أويس؟ عمر عملاق الإسلام قال له : عظني يا أويس ؟ لأنه صدق كلام النبي الكريم ، قال أويس : ابتغِ رحمة الله عند طاعته ، و احذر نقمته عند معصيته ، و لا تقطع رجاءك عنه خلال ذلك، هذه الكلمة تكفي وحدها ، ابتغِ رحمة الله عند طاعته ، و احذر نقمته عند معصيته ، و لا تقطع رجاءك عنه فيما بين ذلك http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4624/06.jpg
فمن رجا رحمته و هو يعصيه فهو الأحمق ، و من خافه و هو يطيعه فهو اليائس ، و هتف به علي : لقد حدثنا النبي عنك صلوات الله عليه و هم لم يرك و لكنه كان يحبك و يصفك ، و يقول : إنك أفضل التابعين فكيف تتصور النبي يا أويس ؟ لم يره ، فقال : يا علي لقد كان لكما فضل التمتع و الشرف برؤيته ، و أما أنا فقد حرمت هذا الشرف و الفضل ، و لكنني أتصوره صلوات الله عليه في بصيرتي على غير ما رأيتم بأعينكم و شاهدتم ، أتصوره نوراً ساطعاً يملأ الفضاء ، و يسري في الوجود ، أتصوره و رأسه الشريف قاب قوسين أو أدنى من العرش ، و قدمه مستقرة في الأرض السابعة ، و بكى عمر و علي شوقاً للنبي عليه الصلاة و السلام ، ثم قال عمر : كيف الزمان عليك يا أويس؟ قال : كيف هو على رجل إن أصبح ظن أنه لا يمسي و إن أمسى ظن أنه لا يصبح ؟ هذه حال عالية جداً ، انحلت كل مشاكله لم يعد هناك هموم مادام الموت قريباً ، قال : كيف بلغت هذه المكانة العليا ؟ قال : إني أعيش في مقام الخوف و هو مقام لا يبلغه الإنسان حتى يصبح من خوف ربه و كأنه قتل الناس جميعاً ، الحقيقة إن لم يوجد خوف فالمشكلة كبيرة ، يجب أن تخاف على مقامك عند الله ، يجب أن تقلق على مصيرك في الدنيا ، يجب أن تخاف ألا تكون كما يحب الله ، هذا الخوف أكبر دافع للعمل الصالح و الالتزام و الاستقامة ، و تناجيا طويلاً ثم عرض عليه عمر كسوة و نفقة فقال : ما أصنع بهما ؟ أما ترى ردائي و إزاري من صوف متى تراني أخرقهما ؟ و أخذت من عملي أربعة دراهم متى تراني آكلها ؟ معي دراهم و ألبس رداء ، إن بين يدي و يديك عقبة كؤوداً لا يجوزها إلا كل ضامر مهزول ، فأعرض عن الدنيا يا عمر ، و اخشّ يوماً لا ينفع فيه مال و لا بنون ، فضرب عمر بدرته الأرض ثم نادى بأعلى صوته : ألا ليت أم عمر لم تلد عمراً ، و همّ أويس بالانصراف فتعلق به علي و قال : إنما جئناك لنأنس بك ، قال : عجباً يا علي ، ما كنت أحسب أحداً يعرف ربه فيأنس بغيره ثم ولى مدبراً ، طبعاً النبي صلى الله عليه و سلم ورد عنه الحديث عن أويس ، لم يره و لكن الله أنبأه به ، و طلب من عمر إذا لقي أويساً أن يستغفر له ، أن يسأله الاستغفار ، سيدنا عمر حريص حرصاً بالغاً على اللقاء مع سيدنا أويس ، و التقى معه هو و علي كرم الله وجهه و كان ما كان .
الحقائق المستنبطة من هذه القصة :
من هذه القصة كلها يجب أن يبقى في أذهاننا إن نسينا التفصيلات فلا ينبغي أن ننسى قول أويس ، ارجُ رحمته عند طاعته ، و احذر نقمته عند معصيته ، و ارجه فيما بين ذلك ، أي إذا الإنسان رجا رحمة الله و هو يعصيه فهذا هو الجهل و الغباء و الحمق ، و إذا قنط من رحمته و هو يطيعه فهذا هو الجهل أيضاً ، يجب أن ترجو رحمته عند طاعته ، و أن تحذر نقمته عند معصيته ، و فيما بين ذلك الخوف و الرجاء ، و الدنيا أساس كل خطيئة، أيضاً انصراف أويس القرني عن الدنيا أحد أسباب فوزه بهذا المقام ، و الشيء الثالث : أنه إذا أصبح قد لا يمسي ، و إذا أمسى قد لا يصبح ، و هناك شيء رابع : الخوف من الله عز وجل ، خوفه من الله و كأنما قتل الناس جميعاً ، و يقينه بالموت ، و زهده في الدنيا ، و رجاء الله عند طاعته ، و خوف نقمته عند معصيته ، أربع حقائق تستنبط من هذه القصة ، من هذه التفصيلات الطويلة ، قال له : ابتغِ رحمة الله عند طاعته ، و احذر نقمته عند معصيته ، و لا تقطع رجاءك عنه خلال ذلك ، أصبحت من خوف الله و كأنني قتلت الناس جميعاً ، الشيء الثالث : كيف برجل إن أصبح ظن أنه لا يمسي و إن أمسى ظن أنه لا يصبح .
آخر شيء : عندما عرض عليه كسوة و نفقة قال : هذا إزاري و ردائي من صوف متى تراني أخرقهما ؟ و أخذت من عملي أربعة دراهم متى تراني آكلها ؟ أي أنا في بحبوحة ، فكل واحد منا عنده أكل يكفيه عام في البيت ، عنده سبع أو ثماني بدلات بالخزانة و يقول لك : السنة لا يوجد عندي شيء ، انظر سيدنا أويس ، عندما الإنسان تخف حاجاته في الدنيا تصفو نفسه ، عندما يقطع أسباب الدنيا تتفتح أسباب السماء ، أما إذا كان كل همه الدنيا:

(( من أصبح وأكبر همه الدنيا جعل الله فقره بين عينيه ، وشتت عليه شمله ، ولم يؤته من الدنيا إلا ما قدر له ، ومن أصبح وأكبر همه الآخرة جعل الله غناه في قلبه ، وجمع عليه شمله ، وأتته الدنيا وهي راغمة ))



السعيد 09-09-2018 02:10 PM

رد: الفقة الاسلامى 2
 
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الثلاثون )

الموضوع : صيام الجوارح






الحمد لله رب العالمين ، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً ، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه ، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
صيام الجوارح عن المحرمات :
أيها الأخوة الأكارم ، إتماماً لموضوع صيام الخصوص وهو صيام الجوارح عن المحرمات تحدثنا في الدرس الماضي عن صوم العين ، وكيف أن العين عليها أن تغض عن محارم الله ، وعن كل شيء يولد في النفس الشهوة والهوى ، إياكم وفضول النظر فإنه يبذر في النفس الهوى ، وتحدثنا عن صيام الأذن :
(( من استمع إلى قينة صب في أذنه الآنك يوم القيامة ))
[ ابن عساكر عن أنس]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4626/01.jpg
فالأذن تستمع ، وقد استنبط الإمام الغزالي قاعدةً وهي أن ما حرم فعله حرم النظر إليه ، وما حرم النطق به حرم استماعه ، فالذي يستمع إلى الغيبة شريك المغتاب بالإثم ، وقد حدثتكم من قبل : الذنب شؤم على غير صاحبه فكيف على صاحبه ؟ فكيف على غير من اقترفه ؟ الذنب شؤم على غير صاحبه إن عيره ابتلي به ، وإن ذكره فقد اغتابه ، وإن رضي به فقد شاركه بالإثم " قال تعالى :
﴿ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ﴾
[ سورة الإسراء : 36]
أخلاق المسلم علية ، وإذا رآها الناس عليه أحبوا أن يكونوا مثله ، فدخل الناس في دين الله أفواجاً ، إذا طبق المسلمون أوامر دينهم مئة في المئة دخل الناس في دين الله أفواجاً ، فإذا تخلوا عن الأوامر وطبقوا العبادات خرج الناس من دين الله أفواجاً ، أي بين المسلمين وبين غير المسلمين نفور لا يعلمه إلا الله ، سببه أن المسلمين حرفوا على العبادات وتركوا مكارم الأخلاق ، فلما تركوا مكارم الأخلاق نفر الناس منهم ، الذنب شؤم على غير صاحبه ، إن عيره ابتلي به ، وإن ذكره فقد اغتابه ، وإن رضي به فقد شاركه بالإثم . الصيام مدرسة خلقية :
فإتماماً لموضوع صيام الجوارح ، أي ترك الطعام والشراب شيء نعلمه جميعاً ، ما من مسلم على وجه الأرض إلا ويعلم أن الصيام ترك الطعام والشراب وسائر المفطرات من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس بنية ، هذا تعريف الصيام ، ولكن هذا الصيام لا يرقى بالناس ، فالناس هم هم ، كيف يكون الصيام عبادة تلفت النظر ؟ أمر إلهي ، خالق هذا الكون يأمر بعبادة لا تقدم ولا تؤخر ولا تسمو بصاحبها ولا تغير من أخلاقه ولا تسمو بميوله؟ ليست هذه عبادة كما نفهمها نحن ، ولكن الصوم إذا صمت ثلاثين يوماً فصامت جوارحك عن كل المعاصي ، وصام قلبك عما سوى الله عز وجل ، وخرجت من شهر الصيام إنساناً آخر بكل ما لهذه الكلمة من معنى ، بقيمك ، بأخلاقك ، يجب أن تقول زوجتك : والله ما كان فلان هكذا ، ما لهذا الحلم الذي يتمتع به ؟ ما لهذه الرحمة ؟ ما لهذا اللطف الذي هو فيه ؟ هذا هو الصيام ، مدرسة خلقية لأنك إذا تركت الطعام والشراب لله وهو مباح.
((عن أبي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عنه يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ اللَّهُ كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلا يَرْفُثْ وَلا يَصْخَبْ فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ ))
[ مسلم عن أبي هُرَيْرَةَ]
إذا تركت الطعام والشراب وسائر المفطرات والمخالفات والمعاصي كلها صغيرها وكبيرها ، لابد من أن تشعر أن الله راض عنك ، لابد من أن تقبل في الصلاة عليه، لابد من أن تدمع عينك ، لابد من أن تشعر أن الصلاة مائدةٌ ربانية ، كيف إذا دعاك إنسان إلى طعام نفيس وقدم لك من هذا الطبق ، ومن هذا الطبق ، وقال لك : كُل هذه ، ألا تشعر أنك أكرمت ؟ كذلك الصلاة ، الصلاة ميزان فمن وفى استوفى ، من وفى الاستقامة حقها استوفى من الصلاة ثمرتها ، الدين كله صلاة ، قال تعالى : ﴿ وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ ‎وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا ﴾
[ سورة مريم: 31]
الصلاة عماد الدين من أقامها فقد أقام الدين ومن هدمها فقد هدم الدين ، لا خير في دين لا صلاة فيه ، من ترك الصلاة فقد كفر ، بين الرجل والكفر ترك الصلاة.
الصيام من أجل الصلاة ، والزكاة من أجل الصلاة ، والحج من أجل الصلاة ، والصلاة من أجل الصلاة ، أي هذه الحركات والسكنات والقراءات والوقوف والركوع والسجود والقعود من أجل أن تصلي ، فإن لم تصلِّ فلا صليت ، قم وصلِّ فإنك لم تصلِّ أي آن الأوان أن نتعامل مع الحقائق ، المسلم عمره ثمين جداً ، يعيش عمره كله في الأوهام ، أنا أصلي والحمد لله ، أنا أصوم والله ما فطرت شهراً في حياتي ، حج أربع حجج ، وثماني عمرات ، أي آن الأوان أن تتعامل مع الحقائق ، هذه أوامر إلهية ، عبادات راقية جداً لابد من أن ترقى بك.
المغبون من تساوى يوماه :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4626/02.jpg
المغبون من تساوى رمضاناه ، أي إذا كان رمضان الماضي كهذا الرمضان فأنت مغبون ، أي يجب أن تقول : هذا الرمضان أنا إنسان آخر ، معلوماتي عن الله أعلى ، صفاتي الأخلاقية أرقى ، تطبعت بطباع أحسن ، تركت بعض الصفات المذمومة ، لابد من أن تقول هذا ، والمغبون من تساوى شهراه ، هذه كلها أقوال وليست أحاديث شريفة ، والمغبون من تساوى أسبوعاه ، والمغبون من تساوى يوماه .
يوماه إذا كنت البارحة كاليوم فأنت مغبون ، من لم يكن في زيادة فهو في نقصان، لأن عمر الإنسان مثلاً ثلاث وسبعون سنة وثمانية أشهر وثلاثة أسابيع وأربعة أيام وثماني ساعات وسبع دقائق وثلاث ثواني وأربعة أجزاء الثانية ، وانتهت الحياة ، معنى هذا أن اليوم ثمين جداً ، اليوم جزء من الحياة ، كلما انقضى يوم انقضى بضع من الإنسان ، أي آن الأوان أن يتعامل الإنسان مع الحقائق .

الصيام من أجل التقوى والتقوى فوق الإيمان :
الصيام أمر إلهي ، قال تعالى :
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾
[ سورة البقرة : 183]
معنى هذا الصيام من أجل التقوى والتقوى فوق الإيمان ، التقوى رؤية ، وإذا ملك الإنسان الرؤية الصحيحة هل يعقل أن يختار الشر ؟ أن يختار ما يؤذيه ؟ أن يختار ما يشقيه؟ أن يختار ما يبعده ؟ أن يختار طريق جهنم ؟ الحياة كلها رؤية ، وإن كنت تملك رؤيةً صحيحة فأنت من السعداء ، وإن كنت لا تملك هذه الرؤية فهذا هو عمى القلب ، قال تعالى : ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ﴾
[ سورة الحج : 46]
رمضان مناسبة لتطهير النفس من أدرانها :
إذاً الصيام صيام الجوارح ، نعوذ بالله أن نقنع بصيام الفم واللسان هذا صيام العوام ، وصيام لا يقدم ولا يؤخر ، رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش ، ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر والتعب ، لكن الصائم الذي تصوم جوارحه ، أي الغيبة تفطر الصائم ، خمسة يفطرن الصائم وينقضن الوضوء ؛ الكذب ، الغيبة ، والنميمة ، والنظر بشهوة، واليمين الغموس ، تفطر الصائم.
أي الإنسان أحياناً تقف سيارته في الطريق يتوقع أنه يوجد علة ، لا يوجد بنزين فيجد أن البنزين موجود ، يتوقع أنه لا يوجد كهرباء فيجد كهرباء ، كلما توقع شيئاً ووجد العكس يتوقع شيئاً آخر ، فإذا كان الإنسان لا يصلي ، صلاته شكلية ، أليست نفسه أخطر من سيارته ، ما السبب ؟ ما الذي يحول بيني وبين الصلاة الصحيحة ؟ أمعصية ارتكبتها ؟ ذنب مقيم عليه ؟ إعجاب بالكفار ؟ مودةٌ مع معرض ؟ أنقاد لمن يدعوني إلى الله ، لابد من علة حالت بينك وبين الصلة الصحيحة ، فرمضان مناسبة جميلة جداً لتطهير النفس من أدرانها وتصفية الحسابات وكأنها دورةٌ مكثفة .

الأوامر الإلهية في القرآن الكريم تقتضي الوجوب :
في الدرس الماضي تحدثنا عن صيام العين ، وعن صيام الأذن ، وعن صيام اللسان ، إتماماً لموضوع صيام الجوارح قد يكون الصيام ترك ما نهى الله عنه ، لكن من أجل أن تحدث الصلاة الصحيحة لابد من فعل ما أوجبه الله عليك ، الإنسان أحياناً يظن أن الأوامر الإلهية ؛ الصلاة ، والصوم ، والحج ، والزكاة ، مع أن كل أمر في القرآن الكريم يقتضي الوجوب ، إذا قال الله عز وجل :
﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ ﴾
[ سورة البقرة : 83]
هذا أمر إلهي يقتضي الوجوب ، إذا قال الله عز وجل : ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ﴾
[ سورة النور: 30]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4626/03.jpg
هذا أمر إلهي يقتضي الوجوب ، إذا قال الله عز وجل :
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آَتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾
[ سورة النساء : 19]
أمر إلهي ، قد لا يقل هذا الأمر عن الصلاة ، أن تعاشر الزوجة بالمعروف فهذا أمر إلهي عظيم ، اقرأ القرآن في رمضان واستنبط الأوامر المتعلقة بالزوجة ، استنبط النواهي، قال تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا ﴾
[ سورة الطلاق: 1]
أمر إلهي ولا يخرجن ، قال تعالى : ﴿ وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ﴾
[ سورة لقمان : 18]
﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ﴾
[ سورة القصص : 77]
اقرأ القرآن ودقق في الأوامر الإلهية ، وقس نفسك بها أين أنت منها ؟ أين أنت من قوله تعالى : ﴿ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾
[ سورة البقرة: 83 ]
أخي ما عجبك ضعها من يدك وانصرف أنا صائم ، هذه الكلمة معصية ، هذا زبون لماذا الغلظة معه ؟ هذه ليست مأكولك وصائم ؟ ما هذا الصيام ؟ أهكذا البائع يكون ؟ قال تعالى : ﴿ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾
[ سورة البقرة: 83 ]
اتبع أوامر الله عز وجل ، قال تعالى : ﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ ﴾
[ سورة عبس : 24]
أمر إلهي يقتضي الوجوب ، قال تعالى : ﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ ﴾
[ سورة الطارق: 5 ]
أمر إلهي يقتضي الوجوب ، قال تعالى : ﴿ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾
[ سورة آل عمران : 137]
أمر إلهي يقتضي الوجوب ، كتاب الله بين أيدينا نقرأه بلغتنا ، والحمد لله رب العالمين. حق الزوج على الزوجة :
إتماماً لموضوع الأمس يقول عليه الصلاة والسلام :
((حق الزوج على زوجته ألا تمنعه نفسها ولو كان على ظهر قتب ، وألا تصوم يوماً واحداً إلا بإذنه إلا لفريضة ، فإن فعلت أثمت ولم يتقبل منها ، وألا تعطي من بيتها شيئاً إلا بإذنه فإن فعلت كان له الأجر وعليها الوزر، وألا تخرج من بيته إلا بإذنه فإن فعلت لعنها الله وملائكة الغضب حتى تتوب وترجع وإن كان ظالماً))
[ أبو داود عن عبد الله بن عمر]
أي لا يقبل من الزوجة صلاة ولا صيام إن لم تؤدِ حق زوجها ، وإن كان الزوج بأوامره ظالماً في علاقته مع ربه ، أما علاقتها مع الله عز وجل ألا تصوم إلا بإذنه ، وألا تنفق من ماله إلا بإذنه ، وألا تخرج من بيته إلا بإذنه ، وحسابه على الله عز وجل . (( عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ لامْرَأَةٍ : لا تَصُومِي إِلا بِإِذْنِهِ ))
[ أبو داود عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ]
إذا فعلت الزوجة هذا مع زوجها تقبل الله صيامها . حق الزوجة على الزوج :
حق المرأة على الزوج ، أن يطعمها إذا طعم ، يجب أن تطعمها مما تأكل ، لا أن تأكل أنت مع رفاقك ما لذّ وطاب وتجعلها تأكل أخشن الطعام في البيت وتقول : أنا مؤمن وأنا صائم ، أداء الحقوق جزء من الصيام ، ولا يهجر إلا في البيت ، اذهبي إلى بيت أهلك هذا خلاف الدين ، أبيح لك أن تهجرها ولكن أين ؟ في البيت ، الهجر لا يصح إلا في البيت لأنه إذا كان في البيت فالأمل بحل المشكلة قريب ، بضعة أيام ، أما إذا كان الهجر في بيت أهلها فربما انتهى الأمر بالطلاق .
حق الجار :
حق الجار إذا مرض عدته ، الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه له جار مغن أزعجه كثيراً وأتعبه كثيراً ، كان يغني هذا البيت :
أضاعوني وأي فتى أضاعوا ليوم كريهة و سداد ثغر
***

يبدو أن حرس الخليفة قبضوا عليه وساقوه إلى السجن ، فذهب بنفسه إلى المحتسب - يعادل وزير داخلية تقريباً - وتوسط له ، فقال : يا فتى هل أضعناك وأنت تقول أضاعوني وأي فتى أضاعوا فهل أضعناك يا فتى ؟ فكان إسلام هذا الجار على يد الإمام الأعظم أبي حنيفة لأن عليه حقاً ، هذا جار له حق ، حق الجار إن مرض عدته.
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4626/04.jpg
يروون قصة - الله أعلم بصحتها - أن رسول الله له جار يهودي ، وكان هذا الجار يضع شيئاً يؤذي النبي في الطريق - مرة النبي صلى الله عليه وسلم لم يجد شيئاً في الطريق فقال : لابد أن جاري مريض فزاره وعاده فشهد أنه رسول الله وأسلم.
اصنع المعروف مع أهله - أخي فلان ليس أهلاً - ومع غير أهله فإن أصبت أهله أصبت أهله ، وإن لم تصب أهله فأنت أهله ، يكفيك فخراً أنك أهله ، إن قدر أو لم يقدر، إن شكر أو لم يشكر ، إن استجاب أو لم يستجب ، سيان فعلت هذا من أجل الله عز وجل ، لا تنسوا هذا الحديث ، و قال تعالى :
﴿ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً ﴾
[ سورة الإنسان : 9]
إنسان عظيم له بنت قمة في العفاف والتقوى والصلاح ، يأتي إنسان ويشيع في المدينة إنها زانية ، وكان هذا الإنسان العظيم يساعده وينفق عليه ويعطيه من المال في كل وقت معلوم فلما سمع بفعلته الشائنة ، وخبثه ، وإشاعته هذا الافتراء ، تألم منه ونذر ألا يعطيه شيئاً فعاتبه الله ، فقال تعالى : ﴿ وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾
[ سورة النور : 22]
إذا أنت أمرت أن تعطي من افترى على ابنتك الطاهرة ، سيدنا الصديق حديث الإفك لما توقف عن مساعدته ، الله عز وجل عاتبه وهو ليس أهلاً للمساعدة ، اصنع المعروف مع أهله ، ومع غير أهله ، فإن أصبت أهله أصبت أهله ، وإن لم تصب أهله فأنت أهله ، يمكن أن تصنع معروفاً مع غير أهله ويسلم على يدك ، هكذا الإسلام ، هذا هو الدين أنعم به من دين ، يجب أن يقول الناس : فلان أين يحضر مجالس العلم ؟ على قدر ما سروا من معاملتك ، وأخلاقك ، وحيائك ، وعفتك ، وشرفك ، وتواضعك ، وكرمك ، وإنصافك ، وعدالتك ، من أين مأخذ هذا العلم ؟
هذه دعوة إلى الله في السلوك لا في اللسان هذا الذي نحن بحاجة إليه ، حق الجار إذا مرض عدته ، وإن مات شيعته ، وإن استقرضك أقرضته ، وإن أعوز سترته.
الأمير عبد القادر الجزائري كان رجلاً من أهل الفضل ، له جار فقير الحال ، عنده بيت عرضه للبيع فدفع له ثلاثون ليرة ذهباً ، فغضب صاحب البيت ، والله لا أبيع جيرة الأمير بمئة ليرة ذهباً ، جاء إنسان وقال للأمير هكذا قال جارك ، قال له : هذه ثلاثون ليرة ذهباً وابقَ جارنا ، وابقَ في بيتك .
حق الجار إذا مرض عدته ، وإن مات شيعته ، وإن استقرضك أقرضته ، وإن أعوز سترته ، وإن أصابه خير هنأته ، أخي بيت فلان أين ؟ مرة طرقت بناء بيتاً بيتاً بيت الأستاذ فلان أين ؟ لا أعرف ، فكان في نفس البناء ، هل هؤلاء جوار لا يعرف من فوقه بالضبط ؟ طرقت الباب الذي تحت صاحب البيت لا يعرفه أين .
وإن أصابته مصيبة عزيته ، قديماً يكون رجل معه ضيف أهل الجيرة يلاحظون يقرع الباب صحن طعام ، يوضع على المائدة ستون أو سبعون صحناً من الطعام ، جارنا معه ضيف ، الضيف ينظر ويقول متى طبخ هذا كله ؟ لأن جارنا معه ضيف ، كان إذا لم يصلِّ في المسجد يتفقدونه ، الكل يقرعون عليه الباب ، قال تعالى :
﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ﴾
[ سورة مريم: 59]
وقد لقوا هذا الغي ، ولا ترفع بناءك فوق بنائه فتسد عليه الريح إلا بإذنه ، ولا تؤذه بقتار قدرك إلا أن تغرف له منها ، هذا حق الجار. رأس الدين النصيحة :
يجب أن تعرف حق زوجتك ، وحق أولادك ، وجيرانك ، وأخوانك ، وزبائنك، أخي انصحني أنا في هذا الموضوع لا أعرف ، يوجد عندك شيء لا يباع تقول له : هذه أفضل بضاعة ، والله هذا الذي أخّر المسلمين ، رأس الدين النصيحة ، إذا شعر البائع أن هذا الزبون غشيم يلبسه هموماً وليس بضاعة ويقول : ركبت هذه البيعة ، عند الله لا تركب ، من غش فليس منا ، يقول : هذا ليس مسلماً ، ولو كان عابد صنم لو أنك غششت عابد صنم لحاسبك الله أضعاف ما يحاسبك فيما لو غششت مسلماً ، أنا هكذا فهمت الدين لماذا ؟ لو غششت مسلماً يقول هذا المسلم : فلان سيئ ، أما إذا غششت غير المسلم فيقول : الإسلام سيئ هكذا الدين !! هذا دينكم ، هكذا قال لك الدين .
"... ولا ترفع بناءك فوق بنائه فتسد عليه الريح إلا بإذنه ، ولا تؤذه بقتار قدرك إلا أن تغرف له منها "
وفي رواية : " إذا اشتريت فاكهةً فأدي له منها ، فإن لم تفعل فأدخلها سراً ولا يخرج بها ولدك ليغيظ به ولده ، ولا تؤذه بقتار قدرك إلا أن تغرف له منها "
إذا الإنسان أعطى ابنه في المدرسة هذه القطع الأجنبية التي ثمنها اثنا عشر ليرة، وإذا أراد أن يأكلها أمام رفاقه ألا يشتهوا ؟ والله غلط كبير ، وكان فيها سموم ومواد مؤذية ، ثمنها اثنا عشر ليرة يأكلها ابنك أمام خمسة من رفاقه ، و يوجد واحد ليس مع أبيه اثنا عشر ليرة كل يوم ، أعطاه أبوه ليرة سورية ، وإذا اشتريت فاكهةً فأهد له منها فإن لم تفعل فأدخلها سراً ، ولا يخرج بها ولدك ليغيظ به ولده ، ولا تؤذه بقتار قدرك إلا أن تغرف له منها "

حق الولد على والده :
حق الولد على والده أن يحسن اسمه ، أي هناك أسماء محرجة ، إذا اسم الابن غير جيد سوف يصيبه أزمات نفسية مع أصدقائه في المدارس ، النبي الكريم صلى الله عليه إذا اسم لم يعجبه يبدله من أنت ؟ قال : أنا زيد الخيل ، قال : بل زيد الخير ، من أنت ؟ الحصين بن سلام قال : بل أنت عبد الله بن سلام .
أن يحسن اسمه ويزوجه إذا أدرك ، إذا كان الأب بإمكانه أن يستر ابنه في بيت صغير ويزوجه على حسابه والله هذا العمل يفوق حج بيت الله الحرام لأنه سوف ينحرف ، من تزوج ملك نصف دينه فليتق الله في النصف الآخر.
الإمام الكبير عبد الله بن المبارك كان في طريقه إلى الحج رأى في الطريق طفلاً صغيراً ينقب في القمامة حتى عثر على طائرٍ ميت تبعه حتى عرف البيت ، فإذا أسرة فقيرة جداً لا تجد ما تأكل ، وهو الفقيه أعطاها كل ما يملك ، وعاد إلى بلده ولم يحج ، قرأت هذه القصة مجدداً فإذا الناس الذين في الحج رأوه يطوف في البيت ، معنى ذلك أنها كتبت له حجةً تامة.

حق الله على كل مسلم :
وحق الله على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام ، لأنه إذا لك رائحة طيبة لا تؤذي أحداً ، والماء أطيب الطيب المفقود ، قال الإنسان له رائحة عطرية لا تظهر إلا إذا كان نظيفاً ، أي إذا إنسان وضع يده على جلده وشمه وكان نظيفاً هناك رائحة عطرية ، الله عز وجل خلقه كاملاً لا يوجد عدم رائحة بل رائحة عطرية تفوح من الجلد ، اللهم إن كان هذا الجلد نظيفاً.
حق المسلم على الله :
حق المسلم على الله ، من نكح العفاف عما حرم الله ، قال رجل هذه قصة وقعت لصاحب مكتبة ، يظهر أن فتاة عابثة وأخلاقها سيئة أغرته فتبعها ، وكان شاباً وحاجاً هذا الشاب فقال في نفسه وهو في الطريق : أنا بهذا العمل سوف أضيع حجتي ، عاد إلى المحل وقال : إني أخاف الله رب العالمين ، في اليوم الثاني جاءه رجل وقور وقال له : أنت متزوج يا بني ؟ قال له : لا يا سيدي ، فقال له : أنا يوجد عندي بنت تناسبك http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4626/05.jpg
هذا اعتقد أنه يوجد بها عيب خطير لأنه عرض ابنته ، فقال له : أرسل أمك لتراها ، فأرسل أمه فقالت له إنها ممتازة ، في اليوم الثاني جاء إلى عنده وقال له : كيف رأيتم ؟ فقال له : ممتازة ولكن أنا لا أملك شيئاً ، فقال له : هذا ليس عملك ، هذا الرجل من وجهاء الحي توسم في هذا الفتى الصلاح زوجه ابنته ، وشاركه في العمل ، والآن هو رجل حي يرزق من كبار التجار ، هذه الثروة الطائلة وهذا الزواج السعيد بسبب كلمة قالها : إني أخاف الله رب العالمين.
أي إذا الشاب أراد أن يتزوج ليعف عن الحرام وانطلاقاً من قوله تعالى :

﴿ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ﴾
[ سورة المائدة: 28]
فحق على الله أن يعينه رغم أزمات السكن العنيفة ، وأزمات المهور الغالية، والأثاث المرتفع الثمن ، رغم كل هذه الأزمات حق على الله عز وجل ، والقضية قضية نية وطلب ، اطلب هذا بقلب صادق فالله سبحانه وتعالى يعينك على هذا الزواج .
حقيق بالمرء أن يكون له مجالس يخلو بها ويذكر ذنوبه ويستغفر الله منها ، أي لابد من مجلس خاص مع الله عز وجل ، أنا جليس من ذكرني وحيثما التمسني عبدي وجدني، لابد من جلسة خاصة مع الله تستغفر ، تذكر ، تناجي ، تسبح ، تهلل ، تقول : أنت مقصودي ورضاك مطلوبي ، تقرأ كلامه ، تناجيه ، تمرغ جبهتك في الأرض ، تسأله ، تستغفره .
((عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ اللَّهَ يُمْهِلُ حَتَّى إِذَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الأوَّلُ نَزَلَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ ؟ هَلْ مِنْ تَائِبٍ ؟ هَلْ مِنْ سَائِلٍ ؟ هَلْ مِنْ دَاعٍ ؟ حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ ))
[ البخاري عَنْ أَبِي سَعِيدٍ]
شهود العشاء والصبح آية بين المسلم و المنافق :
و :
(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لاسْتَهَمُوا وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لأتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا ))
[ مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
آية بيننا وبين المنافقين شهود العشاء والصبح ، لا يستطيع أن يستيقظ وقت الفجر هذا فوق طاقته ، طبعاً مضطر من أجل السحور أن تستيقظ ولكن جرب بعد رمضان إن طلبت هذا من الله عز وجل ، يا ربي أيقظني الساعة الرابعة والنصف ، جرب لابد من أن تستيقظ بهذه الدقيقة بالذات ، الله يوقظك ، هذه قال عنها علماء النفس : ساعة الرأس لا تخيب أبداً ، أحياناً الإنسان يضبط الساعة يستيقظ قبل نصف دقيقة ، لو كان استيقظ بعد دقيقة معنى هذا أن الساعة هي التي أيقظته حتى يثبت الله له أنا الذي أيقظتك وليس الساعة ، فالآن رمضان فرصة أن تصلي الصبح حاضراً ولكن بعد رمضان البطولة أن تتابع هذه الفريضة طوال العام ، لا تعجز عن ركعتين قبل الشمس أكفك النهار كله ، أي أنت الآن طوال هذا النهار في رعاية الله لا يوجد مفاجآت ، ورطات ، تبلي ، مشكلة ، حادث ، رجل دخل يؤذيك وأنت في المحل ويقول لك : هات هويتك ، لأنك أنت اصطلحت مع الله عز وجل صباحاً بينك وبين الله عامرة إذاً يجعلها الله بينك وبين الناس عامرة ، إن كانت خربة بينك وبين الله ستكون بينك وبين الناس خربة ، من أصلح بينه وبين الله أصلح الله بينه وبين الناس . موقف سيدنا ابن العاص من أقباط النصارى في مصر :
موقف واحد لسيدنا عمرو بن العاص رضي الله عنه أردت أن أذكره لكم ، سيدنا عمرو بن العاص قال مخاطباً أقباط النصارى وكبار أساقفتهم في مصر : إن الله بعث محمداً بالحق وأمره به ، وإنه عليه الصلاة والسلام قد أدى رسالته ومضى بعد أن تركنا على الواضحة - أي الطريق الواضح المستقيم- وكان مما أمرنا به الإعذار إلى الناس - أي دعوتهم إلى الإسلام - فنحن ندعوكم إلى الإسلام فمن أجابنا فهو منا له ما لنا وعليه ما علينا، هذا منهج المسلمين.
فنحن ندعوكم إلى الإسلام فمن أجابنا فهو منا له ما لنا ، وعليه ما علينا ، ومن لم يجبنا إلى الإسلام عرضنا عليه الجزية وبذلنا له الحماية والمنعة ، الجزية مقابل الحماية، معفى من الخدمة الإلزامية لأنه دفع جزية ، هذا إذا بقي الذمي على دينه.
ولقد أخبرنا نبينا أن مصر ستفتح علينا وأوصانا بأهلها خيراً صلى الله عليه وسلم فقال : ستفتح عليكم بعدي مصر فاستوصوا بقبطها خيراً فإن لهم ذمة ورحماً ، أين هذه القرابة ؟ السيدة هاجر من مصر ، انظر الوفاء ، السيدة هاجر زوجة سيدنا إبراهيم من مصر، وسيدنا إبراهيم أبو الأنبياء إذاً هذه أمه أم أبيه إذاً لها رحم .
فإن أجبتمونا إلى ما ندعوكم إليه كانت لكم ذمة إلى ذمة ، صار لكم ذمة القرابة وذمة أهل الذمة ، وفرغ عمرو من كلماته فصاح بعصا الأساقفة : إن الرحم الذي أوصاكم بها نبيكم لهي قرابة بعيدة لا يصل مثلها إلا الأنبياء - على هذا المستوى لا يذكرها إلا نبي -.

قصة إسلام عمرو بن العاص :
سيدنا عمرو بن العاص قضى حياته في مواقف متعددة يروي لنا الآن كيف أسلم؟ سأل عاهل الحبشة عمرو كيف لم تؤمن به وتتبعه وهو رسول الله حقاً ؟ قال له : يا عمرو كيف لم تؤمن به ؟ وسأل عمرو النجاشي قائلاً أهو كذلك ؟ أكيد رسول ؟ فأجابه النجاشي : نعم فأطعني يا عمرو واتبعه فإنه والله لعلى الحق وليظهرن على من خالفه ، سيدنا عمرو بن العاص كان إسلامه على يد النجاشي ، النجاشي لما أسلم النبي الكريم أكبر إسلامه جداً فلما جاءه وفد النجاشي أبى إلا أن يخدمهم بنفسه صلى الله عليه وسلم إكراماً للنجاشي فلما مات صلى عليه صلاة الغائب.
وركب عمرو البحر من فوره عائداً إلى بلاده ميمناً وجه شطر المدينة ليسلم لله رب العالمين ، وفق الطريق المفضية إلى المدينة التقى بخالد بن الوليد قادماً من مكة ساعياً هو الآخر إلى النبي الكريم ليبايعه ، ولم يكد الرسول يراهما قادمين حتى تهلل وجهه وقال لأصحابه : لقد رمتكم مكة بفلذات أكبادها ، وتقدم خالد فبايع ، ثم تقدم عمرو فقال : يا رسول الله إني أبايعك على أن يغفر الله لي ما تقدم من ذنبي ؟ فأجابه عليه الصلاة والسلام : يا عمرو بايع فإن الإسلام يجب ما كان قبله ، هذه لنا تب إلى الله توبةً نصوحة إن الإسلام يجب ما كان قبله.

ذكاء عمرو بن العاص :
كان سيدنا عمرو ذكي جداً ، كان آية في الذكاء ، يقولون إن سيدنا معاوية قال له: يا عمرو ما بلغ من دهائك ؟ قال له : والله ما دخلت مدخلاً إلا أحسنت الخروج منه ، قال له : لست بداهية أما أنا والله ما دخلت مدخلاً أحتاج أن أخرج منه ، ومع ذلك يعد سيدنا عمرو داهية فكان سيدنا عمر رضي الله عنه إذا رأى إنساناً جاهلاً أبله ضعيف الذكاء كان يقول : سبحان الله ! إن خالق هذا وخالق عمرو إله واحد أي شتان بين الاثنين.
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-4626/06.jpg
يروى أنه في ساعات الرحيل استعرض حياته فقال : كنت أول أمري كافراً وكنت أشد الناس على رسول الله ، فلو مت يومئذٍ لوجبت لي النار ، هذه ساعة الوفاة ، ثم بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم فما كان في الناس أحد أحب إليه منه ، ولا أجل في عيني منه، ولو سئلت أن أنعته ما قدرت لأني لم أقدر أن أملأ عيني منه إجلالاً له ، تصوروا سيدنا عمرو لو سئل أن يصف النبي الكريم لما استطاع لماذا ؟ لأنه ما كان يستطيع أن يملأ عينيه منه إجلالاً له ، فقال : فلو مت يومئذٍ لرجوت أن أكون من أهل الجنة ، ثم بليت بعد هذا بالسلطان وبأشياء لا أدري أهي لي أم علي - أي اجتهد اجتهادات لا يدري أكان مصيباً بها أم كان مخطئاً - ثم رفع بصره إلى السماء في ضراعة مناجياً ربه الرحيم العظيم قائلاً : "اللهم لا بريء فأعتذر ولا عزيز فأنتصر وإن لم تدركني رحمتك أكن من الهالكين" .
أي الإنسان يجب أن يعرف قدر أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم ، الحياة كلها مواقف ، وقف موقفاً مشرفاً وأخلاقياً يسعد به إلى الأبد ، وكل شيء ما سوى الأخلاق ماض، ماذا أكلنا وماذا شربنا وأين سكنا وكيف تاجرنا وكم ربحنا ؟ هذا ليس لك وليس لك إلا ما أكلت فأفنيت ، أو لبست فأبليت ، أو تصدقت فأبقيت ، وما سوى ذلك ليس لك .
أحد أثرياء مصر الكبار توفي فله أهل في بحبوحة كبيرة سألوا رجلاً عتالاً حمال حطب أن أنزل معه إلى القبر وخذ عشرة آلاف جنيه و آنسه ، فقال : عندما نزل إلى القبر جاء الملكان رأيا إنساناً ممدداً وإنساناً يتحرك ، فقال الملكان : لنبدأ بهذا الذي يتحرك فحزم نفسه بحبلة ، فقالوا له : هذه الحبل من أين جئت بها وكم دفعت ثمنها وممن اشتريتها ؟ يا أخي على هذه الحبلة خمسون سؤالاً ، فخرج فزعاً وقال : أعان الله والدكم ، هو على الحبل لم يتحمل والبطولة بعد الموت ، لذلك الغنى والفقر بعد العرض على الله ، لا تقول أنا غني ولا فقير.

((ألا يا رب نفس طاعمة ناعمة في الدنيا جائعة عارية يوم القيامة ، ألا يا رب نفس جائعة عارية في الدنيا طاعمة ناعمة يوم القيامة ، ألا يا رب مكرم لنفسه و هو لها مهين ، ألا يا رب مهين لنفسه و هو لها مكرم ، ألا يا رب متخوض و متنعم فيما أفاء الله على رسوله ما له عند الله من خلاق))










السعيد 09-10-2018 08:11 AM

رد: الفقة الاسلامى 2
 
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الحادى و الثلاثون )

الموضوع : احكام الاذان والاقامة - فضل قراءة القران






الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
الأذان والإقامة سنةٌ مؤكدةٌ :
أيها الأخوة المؤمنون، أنهينا موضوع الصيام وموضوع الزكاة وكانا موضوعين مناسبين لشهر الصيام، وكنا قد بدأنا قبل رمضان بموضوعات في الفقه عن الصلاة والطهارة والوضوء وما شابه ذلك، وها نحن أولاً نتابع هذا الموضوع اليوم عن الأذان، فالأذان والإقامة سنةٌ، وهما سنةٌ مؤكدةٌ، إذ يوجد سنة مؤكدة داوم عليها عليه الصلاة والسلام كالفرائض ولو منفرداً، فإذا سمع الإنسان الأذان وكان في البرية أو في الخلاء وأراد أن يصلي وحده سنّ له أن يؤذن أداءً وقضاءً، فلو صليت فرض الظهر في وقته أو إن صليته قضاءً يسن لك الأذان، .الأذان جماعةً ومنفرداً، أداءً وقضاءً، سفراً أو حضراً، ست حالات للرجال، وكره للنساء
التمهل بالأذان و الإسراع بالإقامة :
ويكبر المؤذن في أوله أربعاً، الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر، ويسن تكبير آخره، وآخره يكبر تكبيرتين فقط، فأربع تكبيرات في أول الأذان وتكبيرتان في آخره كباقي ألفاظه، فألفاظه كلها مثنى مثنى، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة حي على الصلاة، حي على الفلاح حي على الفلاح، والإقامة مثله تماماً ويزيد بعد فلاح الفجر الصلاة خير من النوم، وبعد فلاح الإقامة قد قامت الصلاة، وعلى المؤذن أن يتمهل في الأذان ويسرع في الإقامة، ويستحسن أن يكون المؤذن صالحاً، عالماً بالسنة وأوقات الصلاة، وعلى وضوء مستقبل القبلة إلا أن يكون راكباً يصلي صلاة الخوف فلا يشترط في هذه الحالة أن يستقبل القبلة، لأن :" قبلة الخائف جهة أمنه، وقبلة المسافر جهة دابته ".
وأن يحول وجهه يميناً بالصلاة ويساراً بالفلاح، ويفصل بين الأذان والإقامة بقدر ما يحضر الملازمون للصلاة، جرى خلاف أنه بين أذان الفجر والصلاة نصف ساعة لأن النبي الكريم عليه الصلاة والتسليم كان يسفر أي إلى أن تسفر الوجوه، أي إلى أن تبدو ملامح الوجوه، وكان يبرد في صلاة الظهيرة إن كان الحر شديداً، فصلاة الظهر بعد الأذان بنصف ساعة، وكذلك العصر، أما صلاة المغرب والعشاء فبعد الأذان بخمس دقائق، وهذا الترتيب مأخوذ من السنة، ويفصل بين الأذان والإقامة بقدر ما يحضر الملازمون للصلاة مع مراعاة الوقت المستحب.
بعض أحكام الأذان :
والملاحظ أن النبي عليه الصلاة والسلام طلب من المؤذن أن يقيم الصلاة هو نفسه، فإذا كان المؤذن على المئذنة ونسيناه وأقمنا الصلاة فهذا ليس وفاء، فضماناً لحضوره معنا نقول: الذي أذن هو الذي يقيم الصلاة، ويستحب أن يقول المؤذن قبل الصلاة: الصلاة الصلاة، ويكره التلحين في الأذان، وإقامة المحدث وأذانه - فإذا كان غير متوضئ لا يجوز أن يؤذن ولا يقيم الصلاة - وكذلك أذان الجنب، فغير المتوضئ حدث أصغر وغير الطاهر الجنب حدث أكبر، وكذلك الصبي الذي لا يعقل، و المجنون، و السكران، وأذان المرأة مرفوض كما قلنا، و الفاسق، و القاعد، فلا يؤذن قاعداً، والكلام خلال الأذان والإقامة يكره، وإذا أردت السنة المطهرة فسمعت المؤذن فاسكت، ويستحب إعادته دون الإقامة، أي وإذا جرى حديث أثناء الأذان فيجب أن يعاد الأذان، وإذا كنا في سفر أو في نزهة وقلنا لأحدنا: قم فأذن فلا ينبغي لأحد أن يتكلم، فإذا تكلمنا فيجب أن يعاد الأذان، ولا تعاد الإقامة، ويكره الأذان لظهر يوم الجمعة في المصر، فأناس فاتتهم الجمعة فأذنوا ليصلوا الظهر هذا الأذان مكروه لأن صلاة الجمعة تجزئ عن صلاة الظهر، وهذا مما يشوش على المسلمين، وقد يؤذن للفائت، إذا إنسان فاتته صلاة في غير وقتها يستحب أن يؤذن لهذه الصلاة ويقيم أيضاً، وبعضهم قال: لأولى الفوائت، لو نوى أن يصلي مجموعة صلوات فاتته يؤذن ويقيم لأول فائتة، وكره ترك الإقامة دون الأذان، أي أذان وإقامة، ولكن أحدنا إذا سمع المؤذن انتهى الأمر، وهذا الكلام إذا كان أحدكم يجلس في البرية، أو في الريف، في مكان لا يوجد فيه مسجد، أما إذا كان في بيته وسمع الأذان من مجموعة مآذن فبقي عليه الإقامة فقط، وإذا قام المصلي يقيم الصلاة.
ما يقوله المسلم عند سماع الأذان :
والآن المسلم إذا سمع الأذان ماذا يقول؟ أول شيء أمسك اسكت وقل مثل قوله، فإذا قال المؤذن: أشهد أن لا إله إلا الله، يردد معه المستمع أشهد أن لا إله إلا الله، وإن قال المؤذن: أشهد أن محمداً رسول الله يردد معه المستمع طبعاً بصوت منخفض أشهد أن محمداً رسول الله، أما إذا قال: حي على الصلاة، يقولون: إعادة الأمر استهزاء، إذا أحد أمرك بأمر وأنت أعدته له مرة ثانية هذا استهزاء، ففي قول المؤذن: حي على الصلاة تقول أنت: لا حول ولا قوة إلا بالله، حوقل أي قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، سبحل أي قال: سبحان الله، دمعز قال: أدام الله عزك، بسمل قال: بسم الله الرحمن الرحيم، كبر قال: الله أكبر، هلل قال: الله أكبر، حي على قال: حي على الصلاة، إذا سمع المسلم الأذان المسنون أمسك وقال مثله، وحوقل في الحي علتين، إذا إنسان أراد أن يقرأ بمفرده يقول: ما معنى حوقل في الحي علتين؟ أي في حي على الصلاة يحوقل يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، وفي حي على الفلاح يحوقل ويقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، ويستحب أن يقول المسلم مع المؤذن صدقت وبررت، وله أن يقول هذا أيضاً عند قوله الصلاة خير من النوم، ويستحب لمن يقيم الصلاة أن يقول: "اللهــم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت سيدنا محمداً الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته".
والآن قبل أن يصلي الإمام يقرأ هذا الدعاء، وهذه بعض أحكام الأذان وفي درس قادم إن شاء الله ننتقل إلى شروط الصلاة وأركانها.

السعيد 09-10-2018 08:14 AM

رد: الفقة الاسلامى 2
 
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الثانى و الثلاثون )

الموضوع : احكام الصلاة : الفرائض-احاديث فى ذم تلاوة الغافلين





الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
الصلاة فرضيتها و أسبابها :
أيها الأخوة المؤمنون، تحدثنا في دروس سابقة عن الأذان، وعن موضوعات متممة، وها نحن أولاً نبدأ بموضوع الصلاة، يشترط لفرضيتها ثلاثة أمور: الإسلام والبلوغ والعقل، ولكن الأولاد قبل أن يبلغوا وقبل أن يعقلوا يؤمرون بها بسبع سنين، ويضربون على تركها بعشر سنين، ولكن الفقهاء نصوا على أن الضرب بيد لا بخشبة، بالخشبة تعقده، وأسبابها وأوقاتها: فما الذي يسبب فرض الصلاة؟ دخول الوقت، والصلاة تجب بأول الوقت لكن وجوباً موسعاً، ما معنى وجوباً موسعاً؟ أي أنت إذا كنت في حرج شديد فيمكن أن تصلي الظهر بعد نصف ساعة، فالوجوب ليس مضيقاً بل موسع، ولكن أحب الأعمال إلى الله الصلاة في أوقاتها، ومن أخّر الصلاة أذهب الله البركة من عمره.أوقات الصلاة :
ووجوب الصلاة وجوبٌ موسع، والأوقات خمسة: وقت الصبح من طلوع الفجر الصادق - الفجر الكاذب طولي أما الصادق فعرضي - إلى قبيل طلوع الشمس، وقبيل اسم مصغر وهذا تصغير تقريب، ووقت الظهر من زوال الشمس أي إذا كانت الشمس في كبد السماء تماماً، فإذا تحولت عن كبد السماء فقد زالت، من زوال الشمس إلى أن يصير ظل الشيء مثليه أو مثله، تسمعون أحياناً أن هناك عصر أول وعصر ثانٍ، والعلماء على خلاف بين أن يكون ظل الشيء مثله العصر الأول، وظل الشمس مثليه العصر الثاني، ولذلك فالأحوط أن تصلي الظهر قبل أن يصبح ظل الشمس مثله، فإذا دخلت بين المثل والمثلين دخلت في الشبهة، والأحوط أيضاً أن تصلي العصر بعد أن يكون ظل الشمس مثليه، أي بين المثل الأول والمثل الثاني لا ظهر ولا عصر يمكن أن تصلي، وقبل أن يكون ظل الشيء مثله هذا وقت الظهر، وبعد أن يكون ظل الشيء مثليه هذا وقت العصر.
ووقت العصر من ابتداء الزيادة على المثل أو المثلين والأحوط المثلين إلى غروب الشمس، والمغرب منه أي من غروب الشمس إلى غروب الشفق الأحمر، وهذا هو العشاء.
لكن بالمناسبة تقول: إن الشفق الأحمر غاب لأقوم وأصلي العشاء، لا أنت مسلم في بلد إسلامي، وهناك نظام وتقويم وأذان ومساجد، فإذا خالفت الجماعة اتهمت اتهامات خطيرة، والآن أنت لا علاقة لك بغروب الشفق الأحمر، علاقتك بأذان العشاء، لكن إذا كنت في فلاة أي في مكان ليس فيه أذان، فيجب أن تعلم أن وقت العشاء دخل أو لم يدخل، هذا لكي تكون على علم، أما إذا كنت في الحضر ففي المدن مواقيت الصلوات في التقاويم، وفي الأذان الذي تسمعه هو الحكم، أما إذا سافرت إلى أوربا فلا يوجد أذان بضاحية لمدينة، ولا يوجد مساجد، فيجب أن تعلم أن غياب الشفق الأحمر يعني ذلك أن وقت العشاء قد دخل.
والعشاء والوتر من غروب الشفق الأحمر إلى الصبح، ولا يقدم الوتر على العشاء فيجب أن تراعي الترتيب، ولا يجمع على المذهب الحنفي بين فرضين في وقت بعذر إلا في عرفة للحاج بشرط الإمام الأعظم والإحرام، هذا رأي الإمام أبي حنيفة، ولكن الإمام الشافعي يجيز أن تجمع في الضرورات وفي السفر بين وقتين جمع تقديم أو جمع تأخير، ويستحب الإسفار بالفجر للرجال، أي أن تكون الصلاة بعد نصف ساعة من أذان الفجر، وهذا الوقت اسمه وقت الإسفار، فالوجوه تتضح، والعبارة المشهورة: تتعارف الوجوه، لو ألقيت على أخيك نظرةً عرفته وهذا قبل الكهرباء، أما الآن فإذا دخلت إلى المسجد تعرفه، أخي عرفنا بعضنا والإضاءة موجودة، ولو رأيته على الضوء الاعتيادي على ظلمة الليل لا تعرفه، أما بعد الفجر بنصف ساعة فتتعارف الوجوه، والسنة أن يصلى الفجر بعد أذان الفجر بوقت كاف كي تتعارف به الوجوه، والجوامع تقريباً جرت على أن يكون بين أذان الفجر وبين الصلاة نصف ساعة، ولكن إذا كنت مسافراً ودخلت إلى مسجد فبإمكانك أن تصلي الفجر بعد الأذان مباشرةً، وإذا كنت مسافراً ووصلت إلى حمص مع أذان الفجر وأنت بحاجة إلى وقت نقول لك: صلِّ الفجر مع الأذان، أما إذا كنت في حيك وفي جماعة فالأولى أن يصلى الفجر بعد مضي نصف ساعة من أذان الفجر، والإبراد بالظهر في الصيف، حيث يكون الحر شديداً أيضاً من السنة أن نؤخر صلاة الظهر أيضاً نصف ساعة كي تخف حدة الحر، وتعجيله في الشتاء، وفي الشتاء ربع ساعة، إلا يوم غيم فيؤخر به احتياطاً، وتأخير العصر جائز ما لم تتغير الشمس، الشمس بيضاء ساطعة لكن بعد العصر يتغير لون الشمس من اللون الأبيض إلى اللون البرتقالي، وتأخير العصر ما لم تتغير الشمس، وتعجيله في وقت الغيم احتياطاً، وتعجيل المغرب من السنة لأن المغرب غريب كما يقولون، إلا في يوم غيم فيؤخر قليلاً لعل الشمس لم تغب بعد.
ثلاثة أوقات لا يصح فيها شيء من الفرائض والواجبات :
والآن بموضوع الساعات فالموضوع بالآذان محلول تقريباً، وتأخير العشاء إلى ثلث الليل، أي العشاء بعد الساعة الثانية عشرة ليلاً مكروهاً أما الوتر فيمكن أن تصليه قبل صلاة الفجر بخمس دقائق، وتأخير الوتر إلى آخر الليل إذا لم يثق الإنسان بالانتباه، أي إن لم يستيقظ قبل الفجر فلا عليه أن يؤخر صلاة الوتر.
ثلاثة أوقات لا يصح فيها شيء من الفرائض والواجبات التي لزمت في الذمة لا في الحاضر، أنت مثلاً لم تصلِّ العصر فنظرت فإذا الشمس على وشك أن تغيب ماذا تفعل؟ نقول لك: صلّ العصر، إذا كان عليك عصر سابق فلا يصلى في الأوقات المكروهة - الفرائض والواجبات التي لزمت في الذمة لا ينبغي أن تصلى في الأوقات المكروهة - ثلاثة أوقات لا يصح فيها شيء من الفرائض والواجبات التي لزمت في الذمة قبل دخولها، عند طلوع الشمس إلى أن ترتفع مقدار رمحين أي كصلاة العيد تقريباً، ويمكن أن تصلي بعدها، وعند استواء الشمس في كبد السماء إلى أن تزول، أي الشمس في كبد السماء تماماً إلى أن تنحرف عن كبد السماء، وهذا الوقت مكروه، وعند اصفرارها إلى أن تغرب، ثلاثة أوقات مكروهة، ويصح أداء ما وجب فيها مع الكراهية، والعصر ما صليته تصليه في وقت ولو كان قبل غروب الشمس بخمس دقائق يجب أن تصليه هذا ما وجب، أما ما لزم في الذمة مع الكراهة كجنازة حضرت، وسجود آية تلوت، لكن النبي الكريم نهى أن يصلى على جنازة في هذه الأوقات الثلاث المكروهة مع أن دفن الميت في هذه الأوقات غير مكروه، لو إنسان دفن ميتاً قبل غروب الشمس بدقيقة فغير مكروه، وصلاة الجنازة في هذه الأوقات المكروهة مكروهة، وفي هذه الأوقات الثلاث تكره فيها النافلة كراهة تحريم، فمثلاً تحية المسجد هذه نافلة، لا ينبغي أن تصليها في هذه الأوقات الثلاث.
متى يكره التنفل ؟
ويكره التنفل بعد طلوع الفجر بأكثر من سنته، ركعتا الفجر فقط ولكن بعد صلاته يكره التنفل مطلقاً، وبعد صلاة العصر يكره التنفل، وقبل صلاة المغرب، وعند خروج الخطيب إذا صعد المنبر فلا صلاة ولا كلام حتى يفرغ من صلاته، وعند الإقامة إلا في حالة خاصة سنة الفجر دخلت إلى المسجد، وتقام صلاة الفرض، والإمام يقرأ ويطيل، وأنت متأكد من هذا، فركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها، صلّ ركعتي الفجر ولو أن المؤذن يقيم للصلاة، ولو أن الإمام شرع بالصلاة، وقبل صلاة العيد يكره التنفل، ولو في المسجد، وبعد صلاة العيد يكره التنفل ولو في المسجد، وبين الجمعين، جمع عرفة وجمع مزدلفة، وعند ضيق وقت المكتوبة أي الشمس بدأت تصفر قبل أن تصلي النفل صلّ الفرض، وعند مدافعة الأخبثين، طالما أنك متضايق تريد أن تصلي ما هذه الصلاة؟ وحضور طعام تحبه النفس، يشتهي أن يأكل، جاء إلى البيت يريد أن يصلي نقول له: قم وكل ثم صلّ، وما يشغل البال، جاءته رسالة من ابنه يا ترى هل أرسل لي الحوالة أم لا ؟ نجح أم لا؟ نقول له: افتحها واقرأها وقم وصلّ، اشترى آلة يريد أن يعرف كيف تستعمل، افتحها و اعرف كيف تعمل وقم وصل، كل شيء يشغلك عن الصلاة وما يشغل البال ويخل بالخشوع، طبعاً هذا تقديم للصلاة، وسوف يأتي موضوع الصلاة بشكل تفصيلي إن شاء الله في دروس قادمة.



السعيد 09-10-2018 08:18 AM

رد: الفقة الاسلامى 2
 
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الثالث و الثلاثون )

الموضوع : شروط الصلاة :الاداب الظاهرة لتلاوة القران الكريم -

الترتيل - الاستعاذة - مقدار القراءة - مواضيه الجهر و الاسراء





الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
شروط الصلاة :
1 ـ الطهارة من الحدث و طهارة المكان و الثوب و الجسد و ستر العورة :
أيها الأخوة المؤمنون، لابد لصحة الصلاة من سبعة وعشرين شيئاً، هذا الكتاب "مراقي الفلاح" سبق أن درسته كله في هذا المسجد، ونظراً لأهمية موضوعاته؛ الصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، وهذه عبادات الإسلام، والصلاة عماد الدين، نعيده ثانية.
نحن الآن في شروط الصلاة، لابد لصحة الصلاة من سبعة وعشرين شيئاً، أولاً: الطهارة من الحدث، وكلكم يعلم الحدث الأصغر يطهر بالوضوء، والحدث الأكبر وهي الجنابة تطهر بالغسل، وكذلك الحيض والنفاس، فإذا قال الفقهاء: الطهارة من الحدث شرط للصلاة، أي الطهارة من الحدث الأصغر والأكبر والحيض والنفاس، وطهارة الجسد والثوب والمكان.
لا تكفي الطهارة من الحدث فلابد من طهارة المكان الذي تصلي به وعليه، ولابد من طهارة الثوب، ولابد من طهارة الجسد، هذه الطهارة من نجس غير معفو عنه، إذ يوجد نجس معفو عنه، قليل بالحجم الصغير الجاف، فهذا معفو عنه، وهناك نجس غير معفو عنه ولابد من تطهيره، ولا سيما في طهارة المكان، موضع القدمين واليدين والركبتين والجبهة في الأصح.
((قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ عَلَى الْجَبْهَةِ وَأَشَارَ بِيَدِهِ عَلَى أَنْفِهِ وَالْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ وَأَطْرَافِ الْقَدَمَيْنِ وَلا نَكْفِتَ الثِّيَابَ وَالشَّعَرَ))
[ مسلم عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا]
وستر العورة، العورة تقسم على طريقتين، يجب أن يستر لونها، ويجب أن يستر حجمها، فالثياب الضيقة التي تصف حجم العضو تماماً وهذا ما يسمح له أهل الأزياء في العصر الحديث، فهذه تصف حجم العورة تماماً، ولو أن الثياب ثخينة لا تصف لونها، إذا قلنا: ستر العورة فالمعني بستر العورة ستر لونها وحجمها، ولذلك فالثياب الفضفاضة. فهذا الثوب الذي يلبسه المصلون في الصلاة إن كان تحته بنطال أيضاً فهو أصح أنواع الثياب في الصلاة لأنه فضفاض ولا يصف حجم العورة ولا لونها.2 ـ استقبال القبلة :
ومن شروط الصلاة أيضاً استقبال القبلة، لكن استقبال القبلة على أنواع؛ المكي الذي يصلي وسط المسجد الحرام يجب أن تقع عينه عليها بالذات وهذا استقبال القبلة، يصلي ولا تقع عينه عليها نقول لهذا المصلي في المسجد الحرام: أنت لست مستقبلاً القبلة، فإن كان مكياً أي هناك حاجز يمنعه عن الكعبة يمكن أن يتجه إلى عينها، فللمكي المشاهد فرضه إصابة عينها، ولغير المشاهد جهتها ولو بمكة.
3 ـ دخول الوقت :
والآن دخول الوقت، فالشرط الثالث دخول الوقت، يقول العلماء: دخول الوقت هو سبب الصلاة، ويقول رجل: أنا أريد أن أسافر فسوف أصلي قبل ربع ساعة من الأذان، وهذه الصلاة غير صحيحة إذ لم يدخل وقتها، فإذا كنت شافعياً وجمعت جمع تقديم أو جمع تأخير فهذا بحث ثان، أما إذا كنت تصلي الصلاة في بلدك فلابد من دخول الوقت، بالمناسبة ودخول الوقت ليس كما تريد، وأنت في مجتمع مسلم إذ يوجد مآذن وجوامع وتقاويم، ويقول لنا: غاب الشفق الأحمر سوف أصلي العشاء، لا هذا ليس من اختصاصك إلى أن يؤذن العشاء، وهناك بلاد مثل مضايا وبقين في غربها جبل فغياب قرص الشمس لا يعني الغروب، فبعد غياب قرص الشمس بربع ساعة يؤذن المغرب، لأنه يوجد جبل مرتفع، وأحياناً في المدن الساحلية يكون هناك غيماً كثيفاً وكأنه جبل فيغيب قرص الشمس قبل ربع ساعة، ويوجد ظروف معينة، ولست في مستوى أن تقول: الآن الشمس غابت، وأنا سوف أصلي المغرب، إلا إذا كنت مسافراً في طريق صحراوي غير آهل بالسكان، عندئذ تعود إلى مواقيت الصلوات بحسب ما درسنا في هذا المسجد.
ولكن اعتقاد دخوله شرط آخر، فإذا كان الإنسان ليس متأكداً من دخول الوقت، فهذه عبادة مشكوك بها، وهذا الشك يفسد العبادة، فصار عندنا شرطان دخول الوقت شرط واعتقاد دخوله شرط آخر، ويجب أن تعتقد جازماً بأن الوقت قد دخل، ولذلك دائماً يكون هناك احتياط دقائق حتى يكون دخول الوقت حتمياً وفعلياً.
4 ـ النية والنطق بالتحريمة :
النية، نويت أن أصلي ثلاث ركعات فرض المغرب حاضراً، إماماً مقتدياً، ولابد من التحريمة، من تكبيرة الإحرام بلا فاصل بين النية والتحريمة، تنوي المغرب أحضروا لي كأس شاي، بعد أن شربتها الله أكبر، لابد من أن تكون النية والتحريمة بلا فاصل بينهما.
والآن الإنسان أحياناً يدخل إلى المسجد فيرى الإمام يصلي ركع الإمام وهو في آخر المسجد يركض ويركع ويقول: الله أكبر، وقد أتى تكبيرة الإحرام منحنياً، فالصلاة فاسدة، ولابد من أن تأتي تكبيرة الإحرام قائماً، وأن تأخذ وضعاً منحنياً الله أكبر هذه لم ترد، وكثيراً ما يفعلها المصلون، والإتيان بالتحريمة قائماً قبل انحنائه للركوع، وعدم تأخير النية عن التحريمة، لا تكون النية بعد التحريم، ولا تكون النية بعد التحريمة، الله أكبر نويت أن أصلي أربع ركع، لا يصح ذلك، لأن النية قبل التحريمة.
والنطق بالتحريمة بحيث يسمع نفسه على الأقل، ولابد من أن تلفظ بها لكن يوجد شخص أحياناً يصلي، ويكون هناك مجلس علم فيقول: الله أكبر بصوت مرتفع، هذه قلة ملاحظة يمكن أن تسمع نفسك، لابد من التلفظ بتكبيرة الإحرام، ولا بد من نية متابعة المقتدي إذا نويت أن تصلي ثلاث ركعات فرض المغرب مقتدياً، إذا كنت مقتدياً فيجب أن تذكر بالنية الاقتداء، وإن كنت إماماً فيجب أن تذكر بالنية أنك إمام.
5 ـ تعيين الفرض :
وتعيين الفرض، إنسان يريد أن يصلي الظهر فينوي صلاة السنة، وهو في الركعة الثالثة رأى أنه سوف يؤذن العصر فقلبها إلى فرض، فهذه لا تصح لأنه نوى السنة فهي سنة، فإذا نوى فرضاً فهو فرض، ولابد من تعيين نوع الصلاة، فرضاً واجباً، العلماء قالوا: لابد من تعيين الفرض، وتعيين الواجب، الفرض معروف فالصبح والظهر والعصر والمغرب والعشاء، والواجب العيدان والجنازة والوتر، فهذه صلوات لابد من تعيينها، نويت أن أصلي ركعتي العيد، عيد الفطر، ولا يشترط التعيين في النفل، رجل قام ليصلي قيام الليل، بالنفل لا يوجد تعيين، التعيين بالفرض وبالواجب.
6 ـ القيام في غير النفل :
القيام في غير النفل، رجل يصلي الفرض على القاعد من غير عذر لا يجوز، عذر مقبول، أو عذر كافٍ، التهاب بالمفصل، أما أنا متعب، جئت إلى البيت الساعة الثانية بعد منتصف الليل فصليت و أنت جالس لا يجوز، أما السنة فيمكن لك أن تصليها قاعداً لا الفرض.
والقيام في غير النفل، طبعاً القيام إذا كان صحيحاً، أما إذا كان عنده مرض أو عذر صحي فيجوز أن يصلي الفرض قاعداً.
7 ـ قراءة ولو آية في ركعتي الفرض وكل النفل :
قراءة ولو آية في ركعتي الفرض وكل النفل، فإذا صلى الإنسان أربع ركعات سنة الظهر، يجب أن يقرأ مع الفاتحة سورةً قصيرةً أو ثلاث آيات في كل ركعة من ركعات النفل، وأربع ركعات قبل العصر في كل ركعة من ركعات النفل يجب قراءة شيء من القرآن، ومعنى القراءة رجل يقف ويصلي مفرداً ولا يوجد حركة في شفاهه، فهذه ليست صلاة، ولابد من أن تقرأ، وأن تسمع نفسك على حد أدنى، ولو آية في ركعتي الفرض.
وقد قالوا - الم - لا تكفي هذه آية - كهيعص - هذه آية - المر - هذه آية -مدهامتان - آية، إمام صلى التراويح فقرأ مدهامتان، فقال له المصلي: لقد أطلت الصلاة يا أخي، فقال له: قرأنا آية واحدة، فقال: اقرأ مدهامة واحدة لا اثنتين.
فالصلاة غير جائزة أن تقرأ - الم - كهيعيص - هذه آية - المر - هذه آية -مدهامتان - لا تكفي ولابد من آيتين جملة تفيد المعنى، قال تعالى:
﴿ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ ﴾
[ سورة المزمل: 20]
8 ـ قراءة شيء في الصلاة بشكل مسموع :
لابد من قراءة شيء في الصلاة بشكل مسموع، لكن بعض العلماء قالوا: هذا شرط جائز، لماذا؟ لأن المقتدي لا يقرأ، وقراءة الإمام قراءة للمقتدي، ورجل آخر دخل إلى المسجد ووجد الإمام راكعاً فتبعه، وكبر تكبيرة الإحرام، وركع وأدرك معه تسبيحة، ركعته صحيحة، وإن لم يقرأ بها شيئاً كتبت له ركعة مع أنه لم يقرأ ولم يسمع، لذلك قالوا: قراءة القرآن شرط، وعند بعض العلماء شرط جائز، لأنه يمكن أن تعد لك ركعة ركعتها من دون أن تقرأ فيها، أو أنك سمعت الإمام يقرأ فقراءته قراءة لك.
9 ـ عدم تعيين شيء من القرآن لصحة الصلاة :
عدم تعيين شيء من القرآن لصحة الصلاة، ولكن العلماء قالوا: إن حفظ القرآن كله فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الكل، لكن الحزب هو الحد الأدنى من القرآن، والحد الأدنى الفاتحة والمعوذتان والعصر والكوثر والقارعة وعدد من السور القصيرة، تكون هذه السور حداً أدنى، وربنا عز وجل أعطاك درساً، مرة إذا زلزلت، ومرة والعصر، ومرة القارعة، ومرة ويل لكل همزة، وتبت يد أبي لهب، وأنا الذي أراه أن جزء عم يجب أن يحفظه جميع الناس، وهو الحد الأدنى لأنه كله عن الإيمان بالله عز وجل والقرآن له مختصر، واختصاره جزء عم.
ومن قرأ الإخلاص فقد قرأ ثلث القرآن، ومن قرأها ثلاث مرات فكأنه قرأ القرآن كله، وقد يقول شخص: اقرأ لي ختمة على روح الوالدة وهذه مئة ليرة، يقول له: نعم، يقرأ الإخلاص ثلاث مرات ويأخذ مئة ليرة، وفي هذه السورة حديث عن ذات الله، وهناك حديث عن خلقه، وهناك حديث عن شرعه، فالنبي عندما قال: الإخلاص ثلث القرآن معنى ذلك أن ثلثه فيه حديث عن أسماء الله الحسنى، فالإخلاص جمعت قل هو الله أحد الله الصمد، وليس معنى هذا أنك إذا قرأتها ثلاث مرات قرأت القرآن كله، فهذا فهم خاطئ.
10 ـ لا يقرأ المؤتم بل يستمع :
ولا يقرأ المؤتم، بل يستمع، ونحن ندرس المذهب الحنفي، والنبي الكريم مرة أثناء الصلاة عليه الصلاة والسلام سمع أحداً خلفه يقرأ القرآن.
((عَنْ أَبــِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْصَرَفَ مِنْ صَلاةٍ جَهَرَ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ فَقـَالَ، هَلْ قَرَأَ مَعِي أَحَدٌ مِنْكُمْ آنِفًا، قَالَ رَجُلٌ نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ، إِنِّي أَقُولُ مَا لِي أُنَازَعُ الْقـــُرْآنَ، قَالَ، فَانْتَهَى النَّاسُ عَنِ الْقِرَاءَةِ فِيمَا جَهَرَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْقِرَاءَةِ مِنَ الصَّلاةِ حِينَ سَمِعُوا ذَلِكَ ))
[ابن كثيرعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
أي حصل تشويش، فالمذهب الحنفي يقول: على المؤتم أن يستمع وينصت، لقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾
[ سورة الأعراف: 204]
وإن قرأ كره تحريماً عند الإمام الحنفي، ولكن هذا الموضوع لو توسعنا به قليلاً، لو أن إنساناً يصلي في مسجد كبير، وفجأةً انقطعت الكهرباء، وانقطع مع الكهرباء صوت الإمام، فهل نقول له: أنت حنفي ابق واقفاً هكذا لا حركة ولا سكنة ولا قراءة؟ لا، بل نقول له: اقرأ، على المذهب الشافعي يجب أن تقرأ، ولكن إذا كان واقفاً وراء الإمام وصوت الإمام مسموع بشكل واضح هل تقرأ معه؟ لا، وكلهم من رسول الله ملتمس، رسول الله مرة قرأ ومرة لم يقرأ، والإمام الشافعي أخذ من الرسول، فهذه المذاهب متكاملة وليست متناقضة، واتفاق الأئمة حجة قاطعة، واختلافهم رحمة واسعة، ولما يسمع الإنسان الإمام بصوت واضح يستمع، وهذا اسمه التقليد، والتقليد في المذاهب مقبول، أما التلفيق فمرفوض، أخي أي مذهب لا يوجد على حلي النساء زكاة؟ أي مذهب ثلاث طلقات بطلقة واحدة؟ ابن تيمية، أنا على ابن تيمية، سموه العلماء التلفيــق، تصيد الرخص، يريد أن يرتاح، أما التقليد فمقبول، رجل لامست يده يد زوجته وكأنها مست قطعة أثاث، إذا أحب ألا يتوضأ على المذهب الحنفي لا يوجد مانع، هو شافعي ومست يده يد زوجته وكأن مسح قطعة أثاث فأحب أن يقلد الإمام الحنفي ولا يتوضأ فلا مانع، وإذا كان حنفياً ومست يده يد زوجته وحصل شيء يذهب ويتوضأ ويقلد الإمام الشافعي، قال بعضهم: إن أي عبادةٍ وافقت أحد المذاهب فهي صحيحة عن علم أو عن غير علم، رجل لامست يده يد زوجته ولم يتوضأ، وهو لا يعلم نفسه أحنفي أم شافعي، ولم يتوضأ طالما وافقت المذهب الحنفــي صحيحة، وهذه توسعة على الناس، ولذلك التقليد مقبول والتلفيق مرفوض، واتفاق الأئمة حجة قاطعة، واختلافهم رحمة واسعة، واختلافهم ليس اختلاف تناقضٍ بل اختلاف سعة وتنوع.اتفاق الأئمة حجة قاطعة واختلافهم رحمة واسعة :
سبحان الله اختلاف الأئمة الأربعة يسع كل الحالات، فالإمام الحنفي أبو حنيفة رضي الله عنه كان في المدينة فقال: الزكاة نقداً، والإمام الشافعي كان في بر مصر فقال: الزكاة عيناً، قمح، كلاهما على حق، حتى إن بعضهم قال: لو أن الإمام أبا حنيفة رضي الله عنه عاش في بيئة الإمام الشافعي لحكم كحكم الشافعي، ولو أن الإمام الشافعي عاش في بيئة أبي حنيفة لحكم بحكمه، والآن نحن في المدينة قل لرجل: أنا أريد أن أعطيك زكاة مالي كيس قمح، فماذا يفعل به؟ يحتاج إلى أدوات نقل، أين يطحنه؟ وأين يخبزه؟ فهذا أعطاه هماً، إذا أعطاه مئتي ليرة يحل بها مشكلاته، أما رجل يسكن في الريف، فالطاحونة جاهزة، والتنور جاهز، تعطيه كيس قمح يقول لك: أفضل من ألف ليرة، المال ليس له قيمة ولا يوجد أحد يبيعه شيئاً، وفي البادية كيس قمح أفضل من ألف ليرة، ولذلك اختلاف المذاهب أحياناً ترى رجلاً منحرف الأخلاق، وله أهل فقراء، والآن نحن نقلد الإمام الشافعي ونعطيه الزكاة عيناً، سكراً أو رزاً أو زيتاً، هذه زكاة، الزوج: إذا كان رب البيت في الطبل ضارباً، يوم في الشرق ويوم في الغرب، وأولاده فقراء جائعون، أما إذا كان أباً حكيماً صالحاً، فالمال يحل به ألف مشكلة، على العيد ينقصه مال لأولاده، ويحتاج إلى محافظ لأولاده على المدارس، وحاجات كثيرة بخمسمئة ليرة يحل بها مشكلات كثيرة، أعطه كيس رز يسوس عنده في البيت، أعطه خمسمئة ليرة أفضل له، لذلك اختلاف المذاهب رحمة.
ولا يقرأ المؤتم بل يستمع وينصت، وإن قرأ كره تحريماً.
11 ـ الركوع والسجود على ما يجد حجمه وتستقر عليه جبهته :
الركوع والسجود على ما يجد حجمه، وتستقر عليه جبهته، ولو على كفه أو طرف ثوبه إن طهر، وسجد وجوباً بما من أنفه وجبهته، الأنف والجبهة، الأنف وحده لا يجوز، والجبهة وحدها لا تجوز، ولا يصح الاقتصار على الأنف إلا من عذر، رجل أجرى عملية في أنفه، وأنفه مضمد أو لكم على أنفه، وأنفه متهشم فيمكن على الجبهة إذا كان هناك عذراً.12 ـ عدم ارتفاع محل السجود عن موضع القدمين بأكثر من نصف ذراع :
عدم ارتفاع محل السجود عن موضع القدمين بأكثر من نصف ذراع، يجلس في صحن المسجد وله درجة عالية جلس على الصحن وسجد على الدرجة لا يجوز، لابد من أن يكون مستوى السجود مع مستوى القعود، وإن زاد عن نصف ذراع لم يجز السجود إلا في زحمة المسجد، أو أثناء الحج، في حالات نادرة قصوى يحصل السجود على ظهر الذي أمامك، وهذه لابد منها.
13 ـ تقديم الركوع على السجود والرفع من السجود إلى قرب القعود :
تقديم الركوع على السجود والرفع من السجود إلى قرب القعود، يجب أن يسجد ويرفع إلى القعود ثم يسجد، رفعة صغيرة هذه لا تكفي، والرفع من السجود إلى قرب القعود على الصح والعود إلى السجود مرة ثانية، والقعود الأخير قدر التشهد وتأخيره على الأركان، أي القعود الأخير يجب أن يكون أخيراً.
وأداؤها مستيقظاً، ومعرفة كيفية الصلاة شرط لها، تدريس هذه المعلومات أحد شروط الصلاة.
الركن و الشرط :
أما من هذا الذي ذكرناه جميعاً هذه شروط وداخلها يوجد أركان، الأركان أربعة القيام والقراءة، والركوع، والسجود، والقعود الأخير وبعضهم قال: خمسة، القيام، والقراءة، والركوع، والسجود، والقعود الأخير هذه أركان الصلاة، والباقي شروط الصلاة، وهذه الشروط بعضها لصحة الشروع بالصلاة، استقبال القبلة والطهارة، طهارة الجسد من الحدث والمكان والثوب، وبعضها لصحة دوامها، لكن الشيء الذي يجذب النظر أن تكبيرة الإحرام عند الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه عدت شرطاً وليست ركناً، بينما تكبيرة الإحرام عند الأئمة الآخرين تعد ركناً لا شرطاً، وما الفرق بين الركن والشرط؟ الشرط يستمر طوال الصلاة، فالطهارة تستمر، فلو انتقض الوضوء تقطع الصلاة، واستقبال القبلة أثناء الصلاة، وطهارة المكان، وطهارة الثوب والبدن، وستر العورة، وهذه كلها شروط، ومعنى الشرط أنه يستمر طوال الصلاة لكن الركن ينقضي، تنتقـل من ركن إلى آخر، فإذا قلنا: إن تكبيرة الإحرام شرط فمعنى ذلك أن استحضار عظمة الله عز وجل تشابه طهارة الجسد والثوب والمكان وبقية الشروط.
ومن قال: إن التكبيرة ركن تنقضي بقضائه جعلها كالركوع والسجود، فالتكبيرة ركن، والركوع ركن، والسجود ركن، والوقوف ركن، وهكذا وفي درس آخر إن شاء الله ننتقل إلى فصول أخرى عن واجبات الصلاة، وسننها، ومكروهاتها.

السعيد 09-10-2018 08:22 AM

رد: الفقة الاسلامى 2
 
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الرابع و الثلاثون )

الموضوع : واجبات الصلاة الاداب لتلاوة القران






الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
السنة طريقة بلوغ الفرض :
أيها الأخوة المؤمنون، تحدثنا عن أركان الصلاة، و قد نوهت إلى أن الفرق بين الشرط و الركن هو أن الشرط يستمر مع الفرض أو مع الصلاة كستر العورة، و استقبال القبلة، بينما الركن ينقضي بانقضائه، والآن إلى واجبات الصلاة، وقبل الحديث عن الواجبات قال بعض العلماء: شرعت الواجبات لإكمال الفرائض، أو بشكل أوضح: الفرض بلوغ قمة الجبل والسنة الطريق التي سلكها النبي عليه الصلاة و السلام لبلوغ هذه القمة، فأصبحت السنة متكاملة مع الفرض، السنة طريقة بلوغ الفرض والله عز وجل قال:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ﴾
[ سورة المائدة: 6 ]
فهل من المعقول لإنسان يغسل وجهه بيدين قذرتين؟ والنبي الكريم عليه أتم الصلاة و التسليم فهم أن غسل اليدين أول مرة و ثاني مرة و ثالث مرة طريق لغسل الوجه، و غسل الوجه يقتضي غسل الفم و الأنف، هذا الذي فهمه النبي عليه الصلاة و السلام من قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ﴾
[ سورة المائدة: 6 ]
بالأدب نطبق السنة وبالسنة نطبق الواجب وبالواجب نطبق الفرض :
كأن السنة هي الفهم الدقيق لرسول الله عليه السلام من أوامر الله عز وجل، فأما أن تفهم أن السنة إضافة فهذا هو الفرض و هذه هي السنة، لا، فالسنة هي الطريق التي سلكها النبي عليه الصلاة و السلام حتى أدى الفرض، ولذلك يؤيد هذا الكلام قول بعض العلماء: إن الواجبـات شرعت لإكمال الفرائض، و السنن لإكمال الواجبات، و الآداب لإكمال السنة، فالأدب طريقك لتطبيق السنة، و السنة طريق لتطبيق الواجب، و الواجب طريق لتطبيق الفرض، أي إذا اشترينـا بضاعة من دولة أجنبية، و عقدنا صفقة، فهناك أشياء بديهية لو لم تذكر، لا بد من أن توضع هذه البضاعة في علب أو في أوعية خاصة بها بحسب نوعها، ولابد من أن تشحن، ومن أن ترفق بوثائق، ولا بد من أن توضع عليها علامة الشحن، وهذه أشياء كلها بديهية من مستلزمات شراء البضاعة، إذاً الواجبات شرعت لإكمال الفرائض والسنن لإكمال الواجبات و الآداب لإكمال السنن، فصار الهدف هو الفرض، والواجب طريق الفرض، والسنة طريق الواجب، والآداب طريق السنة، ولا يوجد تناقض، فتقول لأحدهم: بالله كأس ماء إنه كلام مختصر، إذا كان ذكياً يأخذ الكأس و يغسلها أول مرة و الثانية والثالثة ثم يملؤها لك بماء بارد، فأنت ما قلت له: اغسل الكأس، و لم تقل له: أريد ماء بارداً، و لم تقل له: أريد كأساً نظيفاً، أخي إذا سمحت نقطة ماء، ذهب و أحضر لك قطارة، خذ هذه نقطة ماء، فهل معقول هذا الكلام؟ نقطة ماء أي كأس من الماء، فالنبي يفهم فهماً دقيقاً جداً، إذاً عليه الصلاة و السلام فهم من أوامر الله عز وجل فهماً دقيقاً دقيقاً، و فهمه الدقيق هو السنة.
واجبات الصلاة :
1 ـ قراءة الفاتحة :
قال العلماء: واجبات الصلاة ثمانية عشر واجباً أولها: قراءة الفاتحة، وبالمناسبة الإنسان إذا ترك واجباً عليه سجود السهو في السنة؟ لا، إذا ترك واجباً من واجبات الصلاة فعليه سجود السهو، إذاً و الفرض؟ أي إذا ترك فرضاً أو ركناً يجب أن يعيد الصلاة، فالصلاة أصبحت باطلة، الصلاة تسلم بترك واجب، ترمم بسجود السهو، لكنها تفسد بترك فرض أو ركن أو شرط، مثلاً لم يستقبل القبلة فسدت الصلاة، ولم يكن طاهراً من الحدثين، ولم يستر عورته والمكان ليس طاهراً، ولم يدخل الوقت، فهذه شروط و أركان إن لم تكن فالصلاة فاسدة، أما الواجبات فإن لم تكن فالصلاة تحتاج إلى ترميم، و ترميمها سجود السهو، فواجبات الصلاة ثمانية عشر واجباً، قراءة الفاتحة لقوله عليه الصلاة و السلام:
((لا صَلاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ))
[عَنْ عُبَـادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ]
أي بلاغة النبـي كلها في كلمة الباء، لم يقل لا صلاة لمن لم يقرأ فاتحة الكتاب بل قال: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب، كأن القرآن لا يقرأ إلا بفاتحة الكتاب، وهذه الباء للاستعانة، أي تستعين على فهم كلام الله بقراءة فاتحة الكتاب، تقرأ فاتحة الكتاب فتفهم كلام الله، تقول: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ* صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾
[ سورة الفاتحة: 5-7 ]
والآن كأنك تسمع قوله تعالى: يهديك الصراط المستقيم. 2 ـ ضم سورة قصيرة أو ثلاث آيات في ركعتين من ركعات الصلاة :
الشيء الثاني: ضم سورة قصيرة أو ثلاث آيات في ركعتين من ركعات الصلاة، هذا الواجب الثاني، قراءة سورة قصيرة أو ثلاث آيات في ركعتين من ركعات الصلاة.
3 ـ ضم سـورة أو ثلاث آيات قصيرة في جميع ركعات الوتر و النفل :
الواجب الثالث: ضم سـورة أو ثلاث آيات قصيرة في جميع ركعات الوتر و النفل، بالفرض ركعتان فقط، إن كان الفرض ثنائياً فبالركعتين مثل الصبح، و إن كان ثلاثياً فبركعتين فقط، و إن كان رباعياً فبركعتين فقط، فضم سورة أو ثلاث آيات قصيرة في ركعتين من ركعات الفرض و في كل ركعات النفل أو الوتر.
4 ـ قراءة سورتين في الفرض في الركعتين الأوليين :
الواجب الرابع، أن تكون قراءة السورتين في الفرض في الركعتين الأوليين، لا تقرأها بالثالثة و الرابعة، هذه أمور كلها بديهية طبعاً بالأولى و الثانية.
5 ـ تقديم الفاتحة على السورة :
و تقديم الفاتحة على السورة، لن نطول بشرحها، ولا أحد يخالفها من كل المسلمين.
6 ـ ضم الأنف للجبهة في السجود :
و ضم الأنف للجبهة في السجود، الأنف و الجبهة معاً هذا واجب، فإذا سجد الإنسان على جبينه فقط فعليه أن يسجد سجود السهو أو على أنفه فقط.
7 ـ الإتيان بالسجدة الثانية :
و الإتيان بالسجدة الثانية أي سجدتين - أما واحدة فنقص واجباً - وفي كل ركعة قبل الانتقال لغيرها.
8 ـ الاطمئنان في الأركان :
و الاطمئنان في الأركان، الاطمئنان أي السكون، والاطمئنان راكعاً و الاطمئنان ساجداً، أما نقر الديك فهذا ليس من الصلاة في شيء.
9 ـ القعود الأول :
و القعود الأول من واجبات الصلاة.
10 ـ قراءة التشهد في القعود الأول :
و قراءة التشهد في القعود الأول في الصحيح، أي: التحيات لله الصلوات الطيبات هذه معروفة، و قراءته في الجلوس الأخير، التشهد يقرأ مرتين في القعود الأول و في القعود الأخير.
11 ـ القيام إلى الركعة الثالثة من غير تراخ بعد التشهد :
و القيام إلى الثالثة أي إذا قعد شخص في القعود الأول و تشهد و قال:، اللهم صلّ على سيدنا محمد مشي بالصلوات إنك حميد مجيد، هذه ركعتان، وهناك الثالثة فقام ووقف فقد تأخر بالقيام للركعة الثالثة بأكثر من أداء ركن، فعليه سجود السهو، أما إن كان تأخره أقل من أداء كالركوع و السجود فلا عليه شيء، فإذا كان تأخره أطول من أداء ركن فعليه أن يسجد للسهو، إذاً و القيام إلى الركعة الثالثة من غير تراخ بعد التشهد.
12 ـ لفظ السلام دون عليكم :
و لفظ السلام دون عليكم، الواجب السلام و عليكم سنة.
13 ـ قنوت الوتر :
و قنوت الوتر: اللهم إنا نستعينك و نستهديك.
14 ـ تعيين التكبير لافتتاح كل صلاة :
و تكبيرات العيد واجبة فإن تركها المصلي وجب عليه السهو، و تعيين التكبير لافتتاح كل صلاة، والتكبيرة واجب لا للعيدين خاصة، فأي صلاة تحتاج إلى تكبيرة و تكبيرة الركوع واجب.
15 ـ جهر الإمام بقراءة الفجر و ركعتي المغرب و العشاء الأوليين :
و جهر الإمام بقراءة الفجر و ركعتي المغرب و العشاء الأوليين و لو قضاءً، أي إذا صلى الإنسان قضاء فعليه أن يجهر في الركعتين الأوليين، و الجمعة، و العيدين، و الوتر، و التراويح في رمضان، وكل هذه الصلوات جهرية، الفجر، و ركعتا المغرب و العشاء و لو قضاء، و الجمعة، والعيدين، و التراويح، و الوتر في رمضان.
16 ـ الإسرار في الصلوات:
و الإسرار في الظهر و العصر، و الركعة الثالثة في المغرب، و الثالثة و الرابعة في العشاء، و نفل النهار سراً، و أما المنفرد فمخير فيما يجهر كمتنفل الليل، إذا صلى الإنسان وحده المغرب أو العشاء أو الصبح فيجوز له أن يجهر، و يجوز له أن يخافت، متنفل الليل يجوز له أن يجهر، أو أن يخافت، ومتنفل النهار يسر، ومن صلى صلاة نفل في النهار فعليه أن يسرها أي يسر القراءة، ومن صلى صلاة نفل في الليل فله أن يجهر بها أو أن يسرها فهو مخير، و أما من صلى صلاة الفرض الجهرية منفرداً فله أن يسرها، أو أن يجهر بها، وهذه واجبات الصلاة أي أكثرها معروفة عند كل المسلمين، لكن قال تعالى:
﴿ وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾
[ سورة الذاريات: 55]
* * *
تحسين الصوت في القراءة من الآداب الظاهرة لتلاوة القرآن الكريم :
والآن إلى فصل مختار من إحياء علوم الدين، ونحن الآن في قراءة القرآن الكريم، و قد تحدثنا في الدرس الماضي عن آداب تلاوة القرآن أي الآداب الظاهرة، والآن نتابع الآداب الظاهرة و نأخذ بعض الآداب الباطنة.
فمن الآداب الظاهرة في تلاوة كتاب الله: تحسين الصوت في القراءة قال صلى الله عليه وسلم:
((زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ ))
[النسائي و ابن ماجه عن البراء]
و قال عليه الصلاة و السلام: ((مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ بِالْقُرْآنِ يَجْهَرُ بِهِ))
[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
فالله يرضى أن تقرأ القرآن بصوت حسن، وقال صلى الله عليه وسلم: ((لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ وَزَادَ غَيْرُهُ يَجْهَرُ بِهِ))
[ البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
والمؤمن الصادق لا يطربه إلا القرآن، ولا يتأثر إلا بالقرآن ولا ينفعل، ولا ترتاح نفسه إلا بالقرآن.
والنبي عليه الصلاة والسلام كان ليلةً ينتظر عائشة رضي الله عنها فأبطأت عليه، فقال صلى الله عليه وسلم: (( عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ: أَبْطَأْتُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةً بَعْدَ الْعِشَاءِ ثُمَّ جِئْتُ فَقَالَ: أَيْنَ كُنْتِ قُلْتُ كُنْتُ أَسْتَمِعُ قِرَاءَةَ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِكَ لَمْ أَسْمَعْ مِثْلَ قِرَاءَتِهِ وَصَوْتِهِ مِنْ أَحَدٍ قَالَتْ: فَقَامَ وَقُمْتُ مَعَهُ حَتَّى اسْتَمَعَ لَهُ ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ فَقَالَ هَذَا سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِي أُمَّتِي مِثْلَ هَذَا ))
[ أحمد عَنْ عَائِشَةَ ]
طبعاً كانت غرفه صلى الله عليه مطلة على المسجد: ((.. فَقَامَ وَقُمْتُ مَعَهُ حَتَّى اسْتَمَعَ لَهُ ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ فَقَالَ هَذَا سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِي أُمَّتِي مِثْلَ هَذَا ))

من آتاه الله صوتاً حسناً فقد أوتي مزماراً من مزامير آل داود :
فإذا أكرمنا الله بقارئ يقرأ القرآن ندياً طرياً كما أنزل فهذه نعمة كبيرة، واستمع صلى الله عليه وسلم ذات ليلة إلى عبد الله بن مسعود ومعه أبو بكر وعمر رضي الله عنهم فوقفوا طويلاً ثم قال صلى الله عليه وسلم: "من أراد أن يقرأ القرآن غضاً طرياً كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد"، يعني عبد الله بن مسعود.
فإذا آتى الله أحدنا صوتاً حسناً، وقام في الليل، وقرأ القرآن، وترنم بصوته، وهكذا شعر أنه مرتاح فقرأ صفحتين أو ثلاثاً أو خمس عشرة ووجد نفسه مسروراً، أي إذا قرأ القرآن وشعر بسرور فلا يقف بل يتابع هذه لأنها نفحة لا تعود، يجلس ليقرأ فلا يحس نفسه مرتاحاً، بل يقرأ صفحة أو صفحتين ويقول: يكفي، فإذا قرأ ووجد نفسه مرتاحاً يكمل، والنبي عليه الصلاة و السلام قال لعبد الله بن مسعود: ((عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اقْرَأْ عَلَيَّ الْقُرْآنَ؟ قَالَ: فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟ قَالَ: إِنِّي أَشْتَهِي أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي، فَقَرَأْتُ النِّسَاءَ حَتَّى إِذَا بَلَغْتُ ( فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا ) رَفَعْتُ رَأْسِي أَوْ غَمَزَنِي رَجُلٌ إِلَى جَنْبِي فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَرَأَيْتُ دُمُوعَهُ تَسِيلُ))
[البخاري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود ]
و استمع صلى الله عليه وسلم إلى قراءة أبي موسى فقال: ((لَقَدْ أُوتِيَ أَبُو مُوسَى مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ ))
[الدارمي عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ ]
فبلغ ذلك أبا موسى فقال يا رسول الله: لو علمت أنك تسمعه لحبرته لك تحبيراً أي كنت حسنته أكثر فلم أكن أعرف، أي قرأها درجة ثانية ليست أولى، و رأى هيثم القارئ رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فقال لي: أنت الهيثم الذي تزين القرآن بصوتك؟. العدل و الإحسان :
إذاً فالرجل الذي له عمل طيب يتأكد أن هذا العمل الطيب يبلغ النبي عليه الصلاة و السلام، فكيف ذلك؟ الله يبلغه إياه، تعرض عليّ أعمالكم بعد موته صلى الله عليه وسلم، فكل واحد له عمل طيب، هذا تزوج امرأة و بعدما تزوجها بفترة قليلة وجدها حاملاً، سلك طريق الإحسان، وهناك طريق العدل لو طلقها لعدل و لكن هناك طريق أرقى من العدالة وهو الإحسان، فإمام المسجد رأى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: قل لجارك فلان إنه رفيقي في الجنة لأنها أصبحت تائبة و سترها و أخذ بيدها و جعلها امرأة صالحة، و قد كان بإمكانه أن يطلقها، و أن يفضحها، و أن يجعلها بائسة، فهذا هو العدل و لكن الإحسان أرقى من ذلك، قال له: قل لجارك فلان إنه رفيقي في الجنة.
صلاة الله على المؤمن تجلٍّ و صلاة النبي على المؤمنين تجلٍّ أيضاً :
قال له: أنت الهيثم الذي تزين القرآن بصوتك؟ قلت: نعم، فقال عليه الصلاة و السلام: جزاك الله خيراً، أي إذا شاهد الرجل النبي عليه السلام في الرؤيا و نادى له باسمه فهذه مكانة كبيرة جداً، فليفرح فرحاً ما بعده فرح، لأن النبي عليه الصلاة و السلام اطلع على عمله، وقد حكى لي أخ قصة ولولا أنه صادق لا أصدقها، رأى النبي عليه الصلاة و السلام قال له: اذهب إلى فلان، قال له: لا أعرف بيته ؟ قال له: في المكان الفلاني و الحي الفلاني وفي الطابق الفلاني، وصف له العنوان بشكل تفصيلي، أي صلى الله عليه وسلم هذا الذي نحن نصدقه أن أعمال أمته أعمال المؤمنين تعرض عليه و يعرفها، ولذلك فالله عز وجل قال:
﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾
[ سورة التوبة: 103 ]
هو الذي يصلي عليكم فصلاة الله على المؤمن تجلٍّ و صلاة النبي على المؤمنين تجلٍّ أيضاً: ﴿ وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ ﴾
[ سورة التوبة: 103 ]
من قرأ القرآن الكريم كأنه في صلاة :
و قد كان عمر يقول لأبي موسى رضي الله عنهما: "ذكرنا ربنا، فيقرأ عنده حتى يكاد وقت الصلاة أن يتوسط فيقال: يا أمير المؤمنين الصلاة الصلاة، فيقول: أو لسنا في صلاة؟" - أي إذا كنت تقرأ القرآن الكريم كأنك في صلاة- قال له: أو لسنا في صلاة ؟ إشارة إلى قول الله عز وجل:
﴿ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ﴾
[ سورة العنكبوت:45]
و قال صلى الله عليه وسلم: ((مَنِ اسْتَمَعَ إِلَى آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ كَانَتْ لَهُ نُورًا ))
[ الدارمي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ]
وتحسين الصوت بالقرآن هذه آخر أدب من آداب تلاوة القرآن الظاهرة. الآداب الباطنة في قراءة القرآن الكريم :
1 ـ فهم عظمة الكلام و علومه :
والآن عندنا عشرة آداب باطنة وهي الأخطر وهذه معروفة كالوضوء، و استقبال القبلة، و الأدب، وهناك أشياء دقيقة جداً، والآن هذه الآداب هي: التعظيم، و حضور القلب، و التدبر، و الفهم، و التخلي، و التخصيص، و التأثر، و الترقي، و التبري، تحتاج إلى شرح تفصيلي.
أولاً فهم عظمة الكلام و علومه: ولذلك أصحاب النبي قالوا: "أوتينا الإيمان قبل القرآن"، وإذا قرأ رجل عن طبيب جراح قلب، أي قرأ عنه خلال خمس سنوات مقالات، و سمع أخباراً عن نجاحاته الرائعة في جراحة القلب، و سمع عنه من زملائه، و هناك زملاء ذهبوا لدولة أجنبية و التقوا معه، و رجعوا ممتلئين إعجاباً به، و كانوا قد قرؤوا له عدة كتب، و له نظريات، أي خلال خمس سنوات الطالب ممتلئ معلومات عن هذا الطبيب، فإذا التقى فيه تجده كله تعظيماً، أما إذا شاهد رجل إنساناً على علم عالٍ جداً و لا يعرف علمه يعامله كإنسان عادي، فعندما يقرأ الإنسان كتاب الله، و يعرف الله قبل أن يقرأ كتابه يقرؤه بتعظيم، لأنه كلام رب العالمين، ولذلك فالله عز وجل هذا من لطفه بخلقه، فالإله العظيم خالق الكون أمعقول أن يكون هذا كلامه؟ طبعاً كلامه.
الله لطيف و رحيم بالعباد صاغ لهم كلاماً يفهمونه :
إذاً نحن كيف أراد ربنا عز وجل أن ينزل إلى مستوانا؟ فالله عز و جل العظيم، العلي، الكبير، المتعال، رافع السماء بلا عمد، ليس كمثله شيء، وهو الواحد الأحد، الفرد الصمد، كيف يصير كلامه من كلامنا ليفهمنا إياه؟ قال: هذا من لطفه، فالعلماء ضربوا مثلاً: إذا كان أحدهم إماماً عظيماً كالإمام الغزالي مثلاً صاحب هذا المؤلف، و عنده طائر و أحب أن يدعوه إلى الطعام، أو إلى الطيران، فهناك أصوات معينة يصدرها، فإن كان عنده دابة أو غنمة أو خيل مثلاً أو ناقة فأصحاب هذه البهائم لهم طرائق للتعامل مع البهائم، إذ هناك أصوات يصدرونها، إذاً هذا الذي يوجد عنده هذا المؤلف الضخم سيحاكي عصفوراً أو طائراً بلغة تناسبه، ويمكن أن يصفر له فقط، أو يصدر صوتاً معيناً ليتعامل مع هذا المخلوق على علم، مع هذا الإنسان العالي الذي استخدم كلاماً، أو استخدم صوتاً من مستوى هذا الكائن حتى يفهمه، فكلام الله عز وجل لا يحتمله أحد قال تعالى:
﴿ لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾
[ سورة الحشر:21]
فلو أن كلام الله نفسه نزل على جبل لتصدع، ولكن هذه الصياغة التي صاغها الله عز وجل صياغة من لغتنا نقرؤها فنفهمها، وهذا من لطف الله عز وجل، فيجب أن تتأكد أن الله علي كبير، كبير متعال، واحد أحد، فرد صمد، ليس كمثله شيء، و مع ذلك فهذا كلامه، و هذا من لطفه، أي قال تعالى: ﴿ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾
[ سورة النحل: 60 ]
وأحياناً يكون هناك إنساناً على علم كبير جداً، يحمل أعلى شهادة في العالم، عنده ابن صغير فيحاول أن يفهمه بلغته، إما بالإشارة، أو بحروفه المتواضعة، فهذا اسمه نزول من هذا الأب العظيم إلى هذا الطفل الصغير، فربنا عز وجل مع علو شأنه و عظمته و قدرته اللامتناهية أنزل على نبينا عليه الصلاة و السلام كتاباً بلغتنا، بحروفنا، بصياغتنا، بقواعد لغتنا، نقرؤه فنفهمه، و هذا من لطف الله عز وجل، هذا الشعور يجب أن يرافق قارئ القرآن، و هذا كلام إله، لكن لأن الله لطيف و رحيم و رؤوف بالعباد صاغ لهم كلاماً يفهمونه، أي هذه المعاني هي كلامه، لكن المعاني ثقيلة قال تعالى: ﴿ إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا ﴾
[ سورة المزمل: 5 ]
أما صياغتها فمقبولة أي من مستوانا هذا أول معنى، وأول أدب من آداب تلاوة القرآن الكريم. 2 ـ التعظيم للمتكلم :
والأدب الثاني: التعظيم للمتكلم، فالقارئ عند البداية بتلاوة القرآن يجب أن يحضر في قلبه عظمة المتكلم، سوف أضرب مثلاً: لو أن أستاذاً في الجامعة دخل إلى قاعة المحاضرات، وألقى محاضرة، فالطالب امتلأ تعظيماً للإنسان، إذ شاهد علمه عالياً، و لغته قوية، وعنده منهج في التدريب، و له أسلوب واضح ممتع، و عنده إحاطة بالموضوع، عرضه عرضاً واضحاً، أي عمل على السبورة بعض الإشارات، و المخططات، أصبح وضوحه زائداً، يخرج الطالب ممتلئاً إعجاباً بهذا الدكتور، في المحاضرة الثانية ازداد إعجابه، والثالثة ازداد، والرابعة ازداد، وكلما ألقى محاضرة جديدة يزداد إعجاب هذا الطالب بأستاذه، أما المستخدم الذي يجلس على باب غرفته من عشرين عاماً يسلم عليه فحجم معرفته بهذا الأستاذ محدود لا يزداد، فالذي يستمع إلى المحاضرات يزداد تعظيماً، وأما المستخدم فيقف له و يحييه، ولكن معرفته بهذا الطبيب أو بهذا الأستاذ محدودة، فعندما يقرأ الإنسان آيات الله بالكون يزداد تعظيماً لله، و إذا قرأ كتابه يستحضر عظمة الله عز وجل، فهذه هي القراءة المجزية.
حجم معرفة الإنسان بربه بقدر حجم تفكيره في آياته :
ولكن أحياناً يقرأ الإنسان و قلبه ساه و لاه، وليس كل إنسان قال لك: أنا أعرف الله يعرف الله عز وجل، ومرة ضربت مثلاً إذا ركب رجل طائرة فوق دمشق، قد يُسأل هل تعرف الشام؟ يقول: نعم أعرفها، رأيتها بأم عيني، طرت فوقها، و إذا رجل جاء إلى المطار فقط و تلقى وجبة و نام ليلة بفندق المطار و تابع سفره، يقال له: أتعرف الشام؟ يقول لك: نعم أعرفها، رأيت جبلاً من بعيد قالوا لي: هذا جبل قاسيون، ورجل وصل إلى المرجة فقط قيل له: أتعرفها؟ قال: أعرفها، و رجل ذهب إلى الجامع الأموي فأضاف إلى المرجة الجامع الأموي، ورجل مع الأموي الحميدية، و رجل قعد في الشام أربع سنوات درس في الجامعة، و سكن بأحد أحيائها، و شاهد عادات أهلها و تقاليدهم، و رجل ابن البلد يقول لك: من خمسة و ستين عاماً أنا ساكن بالشام، وكلهم يقول لك: أنا أعرف الشام، أليس هناك فرقاً كبيراً جداً بين معرفة كل واحد من هؤلاء و كل إنسان يقول: أنا أعرف الله؟ ما حجم المعرفة؟ قد تعرفه من آية، هذا يعرفه من آيتين، وهذا يعرفه من مئة آية، وهذا يعرفه من ألف آية، أي حجم معرفتك بقدر حجم تفكيرك في آيات الله أبداً، وإذا نظرت إلى طعامك، وشرابك، وكأس الماء، وكأس الحليب، وإلى هذه البيضة، وإلى هاتين العينين، والأذنين، واللسان، والدماغ، والأعصاب، والأوردة، والشرايين، والعضلات، وهذه الغدد الصماء، والبنكرياس، والطحال مثلاً، والغدة النخامية، والكظر، والكليتين، وهذه الأعضاء، وإلى الحيوانات، وإلى النباتات، وإلى الأطيار، وإلى الأسماك، والهواء وحده آية، والماء وحده آية، والضوء وحده آية، والشمس آية، والقمر آية، فبقدر ما تفكر بهذه الآيات تنمو عندك معرفة الله عز وجل، و إذا نمت هذه المعرفة و قرأت كلام الله عز وجل تزداد خشوعاً، ولذلك أوتينا الإيمان قبل القرآن، قال: فالقارئ عند البداية بقراءة القرآن يجب عليه أن يحضر في قلبه عظمة المتكلم، و يعلم أن ما يقرؤه ليس من كلام البشر، قال: فضل كلام الله على كلام عباده كفضل الله على خلقه، و إن في تلاوة كلام الله عز وجل غاية الخطر، فإذا أردتم أن تحدثوا ربكم فاقرؤوا القرآن، من قرأ القرآن فكأنما يوحى إليه غير أنه لا نبي بعدي، أي كأنك تسمع كلام الله الذي أوحاه على نبيه عليه الصلاة و السلام.
للآية التالية فهم عميق و فهم ظاهري :
لكن يوجد نقطة قال تعالى:
﴿ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ﴾
[ سورة الواقعة: 79 ]
والإمام الغزالي فهم الآية فهماً عميقاً، فهمها فهماً ظاهرياً كما يفهمها عامة الناس و فهمها فهماً عميقاً، أما فهمها الظاهري فقال: و كما أن ظاهر جلد المصحف - المصحف كلمة ثلاثية معنى ثلاثية أو يقولوا: بالتثليث، لك أن تقول: مُصحف و مَصحف و مِصحف وكلها صحيح والأغلب أن تقول مُصحف بالضم - و ورقه محروس عن ظاهر بشرة اللامس إلا إذا كان طاهراً فباطن معناه أيضاً بحكم عزة الله و جلاله محجوب عن القلب إلا إذا كان طاهراً، فالقرآن أمامنا يتلوه أحد الناس فيزداد بعداً قال تعالى: ﴿ وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾
[ سورة الإسراء: 82 ]
﴿ وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ * فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ ﴾
[ سورة الشعراء : 198-199]
ولو أن القرآن نزل على إنسان تركي باللغة التركية و قرأ علينا لا نفهم منه شيئاً قال تعالى: ﴿ كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ ﴾
[ سورة الشعراء: 200 ]
لا يفهم منه شيء، ومعاني هذا الكتاب مصونة لا تتاح إلا لقلب طاهر وهذا المعنى العميق للآية الكريمة: ﴿ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ﴾
[ سورة الواقعة: 79 ]
وطاهر القلب إذا قرأ القرآن فهم معانيه، ومن أخلص لله أربعين صباحاً تفجرت ينابيع الحكمة في قلبه، و أجراها الله على لسانه فجاهدْ تشاهدْ، قال تعالى: ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾
[ سورة البقرة: 282]
القرآن تؤخذ ألفاظه من حفاظه و تؤخذ معانيه ممن يعانيه :
﴿ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آَتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ ﴾
[ سورة الأنبياء: 79 ]
هناك شيء اسمه فهم لكتاب الله، منحة من الله عز وجل يقرأ فيفهم، قال تعالى: ﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾
[ سورة التغابن: 11 ]
فالإمام الغزالي رضي الله عنه فهم هذه الآية فهماً ظاهرياً و فهماً عميقاً، ولذلك الإمام العكبري قال: "تؤخذ ألفاظه من حفاظه، و تؤخذ معانيه ممن يعانيه"، فإذا عاين رجل مثلاً الزواج يعلم أن أول الأمر هناك سرور بالغ بالمخطوبة، وبعدما يكون العرس تقريباً بشهر أو شهرين أو ثلاثة يصبح شيئاً عادياً، ثم يخف بريق الزواج ثم يصير الزواج شيئاً طبيعياً جداً، أي لا يوجد عنده هذا الشعور أنه هو شاعر بالسعادة جداً بل شعور عادي فقط، فالمتزوج مرّ بهذه التجارب، فإذا التقى بإنسان خاطب الآن قال له: أنا وفقني الله بإنسانة ملك نازل من السماء، يقول له: على مهلك، على مهلك هذا الملك ستراه بعد ذلك إنساناً آخر، عنده خبرة، ضربت هذا المثل لأؤكد لكم أن هذا الإنسان يكون له خبرة مع الله عز و جل، أي قلبه ذاق الوجهة إلى الله عندئذ يفهم كلام الله، فالله تكلم عن المحسنين، لماذا يبكي بعض المؤمنين؟ لأنه محسن، تفاعلت نفسه مع هذه الآية، وعندما يتكلم الله عن العفو يبكي القارئ لأنه هو عفا بزمانه، وعندما ربنا يعاتب المؤمنين: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴾
[ سورة الحديد: 16 ]
يتلقى العتاب فله العتاب لأنه مؤمن، وعندما يقول الله: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾
[ سورة الصف : 2-3]
يتأثر، فعندما يكون للإنسان تجربة، سير إلى الله حثيث، و صادق، و يتلو كلام الله عز وجل، تتفاعل نفسه مع كلام الله عز وجل، وهذا القرآن يريد قلباً تؤخذ ألفاظه من حفاظه، و تؤخذ معانيه ممن يعانيه. ليس كل قلب يفهم القرآن الكريم :
و كما أن كل يد لا تصلح لمس المصحف كذلك لا يصلح لتلاوته كل لسان، ولا يصلح لفهمه كل قلب، وليس كل قلب يفهم القرآن الكريم، وسيدنا ابن عباس رضي الله عنه لما سمع قوله تعالى:
﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ *وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا ﴾
[ سورة النصر: 1-3 ]
فهم من هذه الآية أن أجل النبي عليه الصلاة والسلام قد اقترب، وعظماء العالم حياتهم منوطة برسالتهم، فإذا تحققت انتهت حياتهم، مرة النبي الكريم خطب قال: إن عبداً من عباد الله خيره الله بين ما عنده وبين زهرة الدنيا فاختار ما عنده، فجعل الصدّيق يبكي بكاءً مراً، والصحابة عجبوا ما له يبكي؟ فعرف أن المقصود هو النبي عليه الصلاة والسلام: ((عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ عَبْدٌ خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ أَنْ يُؤْتِيَهُ زَهْرَةَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ فَاخْتَارَ مَا عِنْدَهُ فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ وَبَكَى فَقَالَ فَدَيْنَاكَ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا قَالَ فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الْمُخَيَّرُ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَعْلَمَنَا بِهِ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ أَمَنَّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي مَالِهِ وَصُحْبَتِهِ أَبُو بَكْرٍ وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلاً لاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلاً وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الإِسْلامِ لا تُبْقَيَنَّ فِي الْمَسْجِدِ خَوْخَةٌ إِلا خَوْخَةَ أَبِي بَكْرٍ))
[ البخاري عَنْ أَبِي سَعِيدٍ]
من صفى نفسه فهم على الله الحركة و الإشارة و العبارة :
هناك أناس فهموا هذا القرآن الكريم فهماً عالياً، والله بحر، وكلما تصفي نفسك أكثر كلما تعمل أعمالاً طيبة أكثر، وتفهم على ربنا عز وجل الحركة، والإشارة، والعبارة، وهناك قلب أعمى يفهم القرآن فهماً معكوساً، أهي فئة ضالة لا تصلي حتى يمكنها الله في الأرض؟ فهموا قوله تعالى:
﴿ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ﴾
[ سورة الحج : 41]
وإذا ما مكناهم لا يصلون، هذا فهم شيطاني لكتاب الله، قال تعالى: ﴿ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ﴾
[ سورة الحجر: 99 ]
إذا أنت أتاك اليقين فأنت في حل من العبادة، لأن اليقين جاء، في تلبيس إبليس يلبس عليه بعض الآيات فيفهمها فهماً خاطئاً، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾
[ سورة آل عمران: 130 ]
فيقول الضال: أخي القضية مرتبة قال تعالى: ﴿ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ﴾
[ سورة الصافات: 96 ]
فهذا الزاني خلق الله له هذا العمل، وشارب الخمر خلقه الله شارب خمر، وهناك أشخاص يصدقون هذه الآية. من كان قلبه حياً وعمله طيباً و قرأ القرآن يفعل القرآن به فعل السحر :
أحد الصحابة عين والياً لحمص وهو سعيد بن عامر، ولما طلب سيدنا عمر أهل حمص سألهم عن واليهم قالوا له: لنا عليه مجموعة مآخذ، أحد هذه المآخذ أنه وهو بيننا يغمى عليه، ويغيب عن الوعي، وما فهمنا هذه الحالة، فلما سأل هذا الصحابي رضي الله عنه قال: شهدت مصرع خبيب ، وهو صحابي جليل والنبي الكريم أرسله بمهمة إلى مكة، فقبضوا عليه، وصلبوه، وقبل أن يصلبوه عرضوا عليه أن يكفر بمحمد، وقال له أبو سفيان: أتحب أن يكون محمد مكانك وأنت معافى في أهلك؟ فهذا الصحابي الكريم انتفض كما ينتفض العصفور وقال له: والله لا أحب أن أكون في أهلي وفي ولدي وعندي عافية الدنيا ونعيمها ويصاب رسول الله بشوكة، قال أبو سفيان: ما رأيت أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمدٍ محمداً ، طلب أن يصلي ركعتين فسمحوا له ومن ثم صلبوه على نخلة، وهذا سعيد بن عامر الجمحي كان موجوداً أثناء مصرعه وكان مشركاً، وكان من وجهاء قريش، وكان بإمكانه أن ينصره، ولكنه كان مشركاً وكلما يأتي في ذاكرته هذا الموقف يصاب بالإغماء لشدة خجله من الله عز وجل، فالإنسان عندما يكون قلبه حياً وعمله طيباً، وعاطفته متأججة، وصلته بالله متينة، وسريرته كعلانيته، إذا قرأ القرآن يفعل به فعل السحر.
وكان سيدنا عكرمة بن أبي جهل إذا نشر المصحف أغمي عليه، ويقول: هو كلام ربي، هو كلام ربي، فتعظيم الكلام تعظيم المتكلم، ولم تحضره عظمة المتكلم ما لم يتفكر في صفاته، وجلاله، وأفعاله، فإذا إنسان جاءته رسالة من صديقه يقرؤها، وإذا جاءته رسالة من المدير العام الذي يعمل في شركته إذا بعث له رسالة وتوقيعه بالأخضر، لا يلقيها على الطاولة بل يضعها في الدرج، وإذا كانت الرسالة من أعلى منصب في البلاد فيمكن أن يضع لها إطاراً، ويقول: هذه رسالة خاصة لي وهذا توقيعه، فعلى قدر مكانة المرسل تعظم الرسالة، فهذا كلام الله كيف تعظمه؟ إنه خالق الكون، وإذا ألقى الإنسان المصحف فعليه أن يجدد إسلامه، وإذا كان له أخ اسمه يحيى فقال له: يا يحيى خذ الكتاب، فهذا استهزاء بكلام الله، يستخدم آيات الله لغير ما صنعت له، أحياناً يقول لزبون و هو يطالبه بالحساب: ادفع بالتي هي أحسن، فهذه الآية ليست من أجل أن تطالب زبونك وتلم بها جمعية؟ لا يجوز أن تستخدم آيات الله عز وجل لأغراض تافهة، امزح واترك الدين والقرآن والحديث في عليائه، واترك الدين في السماء ولا تنزل الدين إلى الأرض، وتمزح فيه، وكثير من الأشخاص يستهزؤون بالله عز وجل بقسمهم.
3 ـ ترك حديث النفس :
والآن الأدب الثالث من آداب التلاوة: ترك حديث النفس، تقرأ القرآن وفي بالك مشاكل اليوم، والبيع والشراء، والزوجة والأولاد، والديون، والطبخ، وأنت تقرأ كتاب الله، اترك حديث النفس؛ يا يحيى خذ الكتاب بقوة.
قيل لبعضهم: إذا قرأت القرآن تحدث نفسك بشيء؟ فقال: أي شيء أحب إلي من القرآن حتى أحدث نفسي بغيره؟ هذا أحب شيء إلي وكان بعض السلف إذا قرأ آيةً لم يكن قلبه فيها أعادها ثانيةً، إعادة الآية من تعظيم القرآن الكريم.
4 ـ التدبر :
والآن الأدب الرابع، أول شيء أن يكون حاضر النفس، حاضر القلب مع القراءة، والأدب الرابع التدبر، قال علي رضي الله عنه: "لا خير في عبادة لا فقه فيها، ولا في قراءةٍ لا تدبر فيها"، فقرآن من دون تدبر كأنك ما قرأت، ولكن إذا كنت وراء إمام وتفكرت في آية وركع فيجب في الركوع أن تنتبه إلى الركوع وما تبقى في الركوع مع الآية وهذا مما يسيء للصلاة، قرأ آية فتأثرت بها ركع، فالآن ادخل في حال الركوع، سجد فادخل في حال السجود، أما أن تبقى في الآية راكعاً وساجداً فهذه إساءة في الصلاة.
وروي أنه صلى الله عليه وسلم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم فرددها عشرين مرة، يمكن أنه ترنم بها كثيراً، وتفاعل معها، ومرة عن أبي ذر قال: قام بنا رسول الله مرةً ليلةً.
لا تقل الله أهلكهم فإنهم يستحقون، هذا ليس عملك فقد يكون أكرمهم بعدما أهلكهم، وهذا من شغل الله وحده، من عرف حده فليقف عنده، قرأ النبي آية وأعادها كثيراً يبدو أنه عرف أن مقامه انتهى عند الحد، والله عز وجل هل أهل ألاسكا سوف يعذبهم؟ لا أعرف، قال تعالى:
﴿ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾
[ سورة المائدة: 118 ]
هذا ليس عملي، هذا من اختصاص الله عز وجل، فلما يبحث الإنسان في هذه الموضوعات كأنه تجاوز حده، وأحد الأصحاب الكرام من قيام الليل وحتى الفجر يتلو هذه الآية ويعيدها، قال تعالى: ﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾
[ سورة الجاثية : 21]
والله شيء جميل، والله هذه الآية تكفي إذا مشيت بشكل جيد، فهل من المعقول أن تكون حياتك مثل إنسان فاسق؟ ويمكن أن تتعامل معاملة الفاسق؟ وأن يخوفك الله عز وجل ويرعبك ويرسل لك مشكلات من مطب إلى مطب؟ فهل هذا معقول؟ وهل من المعقول أن يكون قلبك مخلوعاً خائفاً من الناس ذليلاً لهم؟ وهل من المعقول أن تخونك زوجتك؟ والله ليس معقولاً لأنك طاهر وأخذت طاهرة، والطيبون للطيبات. التدبر في آيات الله واجب على كل مسلم :
سعيد بن جبير أيضاً صلى طوال الليل يقول قوله تعالى:
﴿ وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ ﴾
[ سورة يس: 59 ]
يجوز في الدنيا وضعهم جيد، أي عندهم شيء أعلى من المؤمن، وقد يكون المؤمن حياته متواضعة، وبيته متواضع، وليس عنده حالة أساسية في البيت، ويوجد إنسان فاجر كافر جمعت له الدنيا من أطرافها، ولكن انظر إلى هذه الآية وحدها تكفي: ﴿ وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ ﴾
[ سورة يس: 59 ]
ابتعدوا عنهم، وفي أول العام الدراسي يقرأ المدير أسماء الراسبين ويقول: قفوا هنا بمفردكم، ويقول للناجحين: قفوا هنا، فيخرج الراسب مثل الحيوان الذليل لأنه راسب وامتازوا أي ابتعدوا، قفوا في مكان مستقل.
وقال بعضهم: إني لأفتتح السورة فيوقفني بعض ما أشهد فيها عند الفراغ منها حتى يطلع الفجر، ويبدأ بسورة يتأملها ويتعمق بها ويعيدها، يترنم بها ويتفاعل معها، يبكي ويتأثر ولا ينهيها، وكان بعضهم يقول: آية لا أتفهمها ولا يكون قلبي فيها لا أعد لها ثواباً، أخي كل حرف بحسنة وألف حرف واللام حرف ركب عدداً، لا ليس هكذا، كل آية لا أتفهمها ولا يكون قلبي فيها لا أعدّ لها ثواباً إطلاقاً.
وحكي عن أبي سليمان الداراني أنه قال: "إني لأتلو الآية فأقيم فيها أربع ليال أو خمس ليال ولولا أني أقطع الفكر فيها ما جاوزتها إلى غيرها".
وروي عن بعض السلف أنه بقي في سورة هود ستة أشهر يكررها ولا يفرغ من التدبر فيها، وقال بعض العارفين: لي في كل جمعة ختمة، وفي كل شهر ختمة، وفي كل سنة ختمة، ولي ختمة منذ ثلاثين سنةً ولم تنتهِ، هذه تدبر، بدأ فيها منذ ثلاثين عاماً و لم ينهها بعد، له كل جمعة ختمة، و كل شهر، و كل عام.
بقي علينا من آداب التلاوة التفهم، و التوقي، و التبري، و التخصيص، و سوف نشرح هذا بالتفصيل إن شاء الله تعالى في درس قادم. * * *
قصة قتيبة بن مسلم و أسيره مع الحجاج :
الآن إلى قصة من القصص التي لها مغزى، و القصة عن الحجاج، قيل: إنه أُتي للحجاج بقوم ممن خرجوا عليه فأمر بهم فضربت أعناقهم، و أقيمت صلاة المغرب، و قد بقي من القوم واحد لم تضرب عنقه، فقال الحجاج لقتيبة بن مسلم: انصرف به معك حتى تغدو به علي - أي خذه معك- قال قتيبة: فخرجت و الرجل معي فلما كنا ببعض الطريق قال لي: هل لك في خير؟- أي هل تخدمني هذه الخدمة؟ - قلت: و ما ذاك؟ قال: إني و الله ما خرجت على المسلمين أي أنا لم أسئ لهم، و لا استحللت قتالهم، و لكني ابتليت بما ترى - أي تهمة ألصقت بي - و عندي ودائع و أموال فهل لك أن تخلي سبيلي؟ - والحجاج في اليوم الثاني يضرب عنق قتيبة إذا تركه- و تأذن لي حتى آتي أهلي و أرد على كل ذي حق حقه و أوصي، و لك علي أن أرجع حتى أضع يدي في يدك، عهد الله سأرجع، إلى أين يريد أن يرجع؟ إلى القتل، قال له: عهد الله سأرجع و لكن عندي أموالاً ليست لي و أرى أهلي و أودعهم و أوصي و أرد الأموال لأصحابها و آتي إليك، فعجب ما هذا السؤال؟ هذا سؤال مضحك أي طلب مضحك غير معقول، قال: فعجبت له و تضاحكت أي ضحكت هل من المعقول أن أطلقك تذهب، و مضينا هنيهة ثم أعاد عليّ القول و قال: إني أعاهدك الله لك عليّ أن أعود إليك، قتيبة رق قلبه، هو يريد أن يودع أهله، ويرد الأموال لأصحابها، ويعمل وصية، ويرى أولاده، قال: فما ملكت نفسي حتى قلت له: اذهب، بعدما قال له اذهب أشعل من الداخل، فلما توارى شخصه أسقط في يدي فقلت: ماذا صنعت في نفسي؟ و أتيت أهلي مهموماً مغموماً، أي لم يعد يرى، فسألوني عن شأني فأخبرتهم فقالوا: و الله قد غلطت، لقد اجترأت على الحجاج أي عملت عملاً كبيراً جداً، قال: فبتنا بأطول ليلة- وهذه الليلة أطول ليلة بحياته- لم يكن الوقت يجري أبداً، هل سيأتي أم لا؟ فلما كان أذان الفجر إذا بالباب يطرق فخرجت فإذا أنا بالرجل فقلت: أرجعت، فقال: سبحان اللهّ جعلت لك عهد الله علي أأخونك و لا أرجع؟ وهل من المعقول ألا أرجع؟ هكذا كان السلف الصالح، تأثر تماماً أي لم يصدق أنه سيعود، فقلت: أما و الله إن استطعت لأنفعنك لكونك رجعت، ولعل الله يقدرني أن أخلصك من الموت، و انطلقت به حتى أجلسته على باب الحجاج، و دخلت فلما رآني قال: يا قتيبة أين أسيرك؟ قلت: أصلح الله الأمير، بالباب و قد اتفق لي معه قصة عجيبة، قال: ما هي؟ فحدثته الحديث فأذن له فدخل ثم قال: يا قتيبة أتحب أن أهبه لك؟ قلت: نعم، قال: هو لك، فانصرف به معك، فلما خرجت به قلت له: خذ أي طريق شئت أنت طليق، فهذا الأعرابي أي هذا الرجل رفع طرفه إلى السماء و قال: لك الحمد يا رب، و ما كلمني بكلمة، لم يقل له أي كلمة - لا شكراً و لا الله يعطيك العافية أو فضلت أبداً فقط نظر- و قال: لك الحمد يا رب، رأى فعل الله و لم يرَ فعله، و لا قال لي: أحسنت و لا أسأت، تعجب هل هذا مجنون؟ فقلت في نفسي: مجنون و الله، قال: فلما كان بعد ثلاثة أيام جاءني و قال لي: جزاك الله خيراً أما و الله ما ذهب عني ما صنعت أي لست ناسياً فضلك، و لكنني كرهت أن أشرك مع حمد الله حمد أحد، لم أحب في هذه اللحظة أن أشكر مع الله إنساناً آخر، أي إذا بعث الله لإنسان فضلاً وعنده هذه الأخلاق يراه من الله عز وجل؟ استغرب نظر إلى فوق و قال: لك الحمد يا رب انظر العهد، العهد هكذا، قال عليه الصلاة و السلام:
((لا إِيمَانَ لِمَنْ لا أَمَانَةَ لَهُ ولا دِينَ لِمَنْ لا عَهْدَ لَهُ))
[أحمد عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]
هذا عاهد الله عز وجل أن يرجع، و سيرجع ليموت، و كان بإمكانه أن يفلت من الموت، لا يوجد قوة ترجعه، لكن أخلاقه قد أعادته، فربنا كافأه أنه نجاه من الموت. سجود الشكر :
لذلك يوجد شيء في الفقه اسمه سجود الشكر فإذا تحقق للإنسان مكسب، نجح في امتحان صعب، صرفت عنه مصيبة كبيرة، شبح مصيبة، مرض عضال فكان في التحليل سليماً لا شيء فيه، وكان يعتقده مرضاً خبيثاً فكان ورماً عادياً، التهاب سحايا كان ابنه سوف يموت فالله سلمه، مرض خبيث في الدم جعله الله سليماً، فهل يوجد عندنا مثل هذه المواقف أن هذا من الله عز وجل؟ لا تقولوا: هذا الطبيب ما شاء الله حوله وصف دواء بعد ثلاث ساعات شفي إذا هم يشركون، إذا تفضل الله عز وجل عليك بفضل بصحتك، بزوجتك، بأولادك، بعملك، بدخلك، اقتدِ بهذا الإنسان.
لك الحمد يا رب بعد أيام ثلاث عاد إليه وقال: جزاك الله عني كل خير أنا والله ما ذهب عني ما صنعت، ولكني كرهت أن أشرك مع حمد الله حمد أحد، وبهذه الساعة ما أحببت أن يكون لغير الله الفضل.
* * *
الحلال و الحرام و الشبهة :
والآن إلى بعض الأحاديث الشريفة، يقول عليه الصلاة والسلام:
(( عَنْ عَامِرٍ قَالَ سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: الْحَلالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فَمَنِ اتَّقَى الْمُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ أَلا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى أَلا إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ ألا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ ))
[ مسلم عَنْ عَامِرٍ]
الحلال حلال واضح، أنا شربت ماء لا بأس، من مرة سأل عن شرب الماء حلال أم حرام؟ واضح، أنا أعمل في التجارة بضاعتي حلال، وربحي معقول، كلامي صدق، ووعدي صحيح، وسعري معتدل حلال، والحرام؛ السرقة حرام، والزنا حرام، والغش حرام، الحلال بين والحرام بين: ((...الْحَلالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فَمَنِ اتَّقَى الْمُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ... ))
فهذه الشبهة فيها شك دعها واسترح، دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذراً مما به بأس، ومن وقع في الشبهات فقد وقع في الحرام، الشبهة تنقل إلى الحرام، فمن ترك الشبهات كان لما استبان أترك، ومن وقع في الشبهات كان لما اشتبه عليه أوقع، فإذا ترك إنسان شبهة فمن باب أولى سيترك الفرض وسيترك الشيء الواضح، أما إذا وقع في شبهة فسوف يقع في الحرام، فلذلك كل شيء تشعر نفسك فيه أخذ ورد، وفي داخلك يوجد سؤال وجواب، أخي ذهبنا إلى لبنان وسخرني بغرض سوف أقسم المصروف على الأغراض كلها، فهل قلت له سوف أربح عليك؟ لا بل سخرني سخرة وأنا ماذا أفعل؟ هذه شبهة، إذا كان هو سخرك سخرة خدمة وأنت ربحت عليه فهذا حرام، تجد أخذاً ورداً فاتركها وارتح، خذ سعر الحاجة كما اشتريتها، وهناك أشخاص دائماً بأخذ ورد يقعون في الحرام. ((عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ قَالَ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ السَّمْنِ وَالْجُبْنِ وَالْفِرَاءِ قَالَ الْحَلالُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ وَالْحَرَامُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ مِمَّا عَفَا عَنْهُ ))
[ الترمذي عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ]
لا يوجد إنسان يحرم شيئاً الله حلله، ولا يوجد إنسان يحلل شيئاً الله حرمه، أخي ضعها برقبتي، وعامة الناس يؤخذون ببعضهم بعضاً، الحلال ما حلله الله والحرام ما حرمه الله، وما سكت الله عنه فهو مما عفي عنه.


السعيد 09-10-2018 08:25 AM

رد: الفقة الاسلامى 2
 
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الخامس و الثلاثون )

الموضوع : سنن الصلاة اداب القراءة الباطنة



الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
حكم الشرع في السنة :
أيها الأخوة المؤمنون، الحديث اليوم عن سنن الصلاة، ومن أحسن أحكام السنة أن تركها ولو عمداً لا يفسد الصلاة، ولا يوجب سجود السهو، غير أنه يكون مسيئاً إذا تركها عمداً، والإساءة أقل من الكراهة، ويثاب على فعلها ويلام على تركها، هذا حكم الشرع في السنة.
فلو أن إنساناً سها عن إحدى سنن الصلاة لا يوجب هذا السهو سجود السهو، أما إذا سها عن بعض واجباتها، أو عن واجب من واجباتها، فهذا يوجب سجود السهو، أما إذا سها عن أحد أركانها فصلاته باطلة، فالفرض إذا ترك تبطل الصلاة، والواجب إذا ترك يوجب سجود السهو، وأما السنة فيثاب من فعلها ويلام من تركها.
رفع اليدين للتحريمة حذاء الأذنين هذا من السنة، أما المرأة فحذاء المنكبين، فهم النبي عليه الصلاة والسلام رفيع المستوى لو رفعت المرأة يديها هكذا ربما ظهر ذراعها فيكتفي من المرأة برفع اليدين إلى حذاء المنكبين، و على هذا تنسحب أحكام عدة: فمثلاً المرأة ليس عليها أن تهرول بين الصفا والمروة، و بين الميلين الأخضرين، فإذا هرولت ربما اهتز صدرها فأثارت الفتنة، وكذلك المرأة إذا ماتت هناك كفن خاص لصدرها، لئلا يثير منظرها الرجال إذا حملوها، وهناك أشياء كثيرة حتى إن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا وجه امرأة من قريباته إلى التستر ذكر كلمات لا تثير أي شعور، لا تلبسي هذه الثوب فإنه يصف حجم عظامك، كلمة عظام لا تثير الشهوة إطلاقاً، و أي كلمة أخرى ربما أثارت، وهذا تعليم النبي عليه الصلاة والسلام، فلماذا هذه الكتب التي ألفت في العصور المتأخرة مفعمة بألفاظ العورات والأفعال كما هي وهذا مما يثير الحرج والخجل؟ قال تعالى:
﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ* فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ﴾
[ سورة المؤمنون: 5-7 ]
﴿ أَوْ لَامَسْتُمْ النِّسَاءَ﴾
[ سورة النساء: 43]
فمن ابتغى وراء ذلك، دخل في هذه الآية كل أنواع الانحراف لكن بشكل لا يخدش حياء المستمع، قال تعالى: ﴿ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾
[ سورة المؤمنون: 7]
سنن الصلاة :
1 ـ رفع اليدين للتحريمة حذاء الأذنين وحذاء المنكبين للمرأة :

يوجد كلمات قرآنية كنايات رفيعة المستوى، والإنسان المفروض به أن يتأدب بأدب القرآن، لا يذكر بموضوع الفقه العورات بأسمائها والأفعال بصفاتها، هذا مما يوجب الحرج، ويسبب الخجل والحياء من المستمع.
فرفع اليدين للتحريمة حذاء الأذنين، وحذاء المنكبين للمرأة لئلا يظهر ذراعها، ونشر الأصابع، النشر حالة بين الضم وبين الانفراج، ومقابلة إحرام المقتدي لإحرام إمامه، لا ينبغي أن يتأخر المقتدي عن الإمام ولابد من التلازم والمتابعة، ومتابعة المقتدي لإمامه شيء أساسي في الصلاة، ووضع الرجل يده اليمنى على اليسرى تحت سرته، صفة الوضع أن يجعل باطن كفه اليمنى على ظاهر كفه اليسرى محلقاً بالخنصر والإبهام على الرسغ، ووضع المرأة يديها على صدرها من غير تحليق، أي تحت صدرها تماماً لئلا يظهر صدرها أيضاً وهذا هو الأدب، والثناء أي دعاء الثناء: "سبحانك اللهم وبحمدك، و تبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك"، والتعوذ أي: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، لكن أكثر العلماء على أن التعوذ يكون سراً، والتسمية أول كل ركعة بسم الله الرحمن الرحيم، بعضهم يقرؤها سراً وبعضهم يقرؤها جهراً.
2 ـ التأمين :
والتأمين، كلمة التأمين أي يا رب استجب لنا هذا الدعاء، اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين هذا دعاء، فكلمة آمين أي استجب يا رب، لكن رفع الصوت بها ليس من أدب الصلاة، وأحياناً في صلاة الجماعة يرتفع الصوت حتى يصبح ضخماً إلى درجة غير مقبولة، لا إنكم لا تخاطبون أصماً، والذي تخاطبه يعلم سرك ونجواك، الذي تخاطبه يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، و يعلم السر وأخفى، أي ما يخفى عنك فلا داعي لرفع الصوت بكلمة آمين، قال عليه الصلاة والسلام:
((إِذَا قَالَ الإِمَامُ[ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ ] فَقُولُوا: آمِينَ، فَمَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ))
[مسلم، الترمذي، النسائي، أبي داود، ابن ماجة، أحمد، مالك، الدرامي عن أبي هريرة]
لقنني جبريل عليه السلام عند فراغي من الفاتحة آمين وقال: إنها كالختم على الكتاب، وهي ليست من القرآن ولكن في أثناء التلقين قال: آمين أي استجب يا رب، التأمين أيضاً من سنن الصلاة، لكن التأمين لمن؟ للإمام والمأموم معاً، الإمام يجب أن يقول: آمين بلسانه بصوت منخفض ومنفرد، حتى إن بعضهم قال: وقارئ الفاتحة خارج الصلاة عليه أن يقول آمين. 3 ـ التحميد :
والتحميد، التحميد أن يقول المصلي بعد أن يرفع من الركوع: ربنا لك الحمد والشكر حمداً طيباً كثيراً مباركاً عدد خلقك، ويسن هذا للإمام والمأموم معاً وقيل الإمام يقول: سمع الله لمن حمده، وبعدها يقول المأموم والإمام: ربنا لك الحمد والشكر، هذا هو التحميد والإقرار بها يعني التحميد ليس جهراً ولكن سراً، يسن التحميد والإقرار بكلمة التحميد ربنا ولك الحمد.
4 ـ الاعتدال عند التحريمة :
ويسن الاعتدال عند التحريمة، أي عند تكبيرة الإحرام يجب أن يكون مستوياً قائماً معتدلاً، فلو كان أقرب إلى الركوع فقد خالف واجباً من واجبات الصلاة، ويسن أن يكون معتدلاً تماماً، فانحناء خفيف مقبول.
5 ـ جهر الإمام بالتكبير والتسميع وتفريج القدمين بالقيام قدر أربعة أصابع :
ويسن جهر الإمام بالتكبير والتسميع، أي إذا كان لا يوجد أجهزة صوت فيجب أن يكبر الإمام وأن يسمع من يصلي خلفه، و لو لم يسمع من يصلي خلفه لركع أو سجد والذين خلفه واقفون، يسن الجهر بالتكبير والتسميع، وتفريج القدمين بالقيام قدر أربعة أصابع، أي بين القدمين يوجد أربعة أصابع، وإبعاد القدمين عن بعضهما مخالف للسنة ولصقهما ببعضهما مخالف للسنة، فإبعاد القدمين عن بعضهما مقدار أربعة أصابع.
6 ـ إطالة القراءة في الركعة الأولى عن الركعة الثانية :
وإطالة القراءة في الركعة الأولى عن الركعة الثانية بمقدار ثلثين إلى ثلث، يسن إطالة القراءة في صلاة الفجر والظهر، وأن تكون الصلاة معتدلةً في صلاة العصر والعشاء، وقصيرةً في صلاة المغرب، فالإمام جزاه الله عنا كل خير قرأ سورتين قصيرتين وهذا من السنة، أما في حال الضرورة فاقرأ أي سورة شئت، وإن كنت مسافراً فاقرأ الإخلاص في صلاة الظهر لا مانع، وتكبيرة الركوع والتسبيح ثلاثاً وأخذ الركبتين باليدين وتفريج الأصابع، والمرأة لا تفرج أصابعها تبقيها هكذا، ونصب الساقين، وبسط الظهر، وتسويته مع الرأس والعجز على استقامة واحدة، والرأس والظهر والعجز على استقامة واحدة، والساقان مشدودان، والرفع من الركوع والقيام بعده مطمئناً، وهناك من يرفع ويتابع، والرفع من الركوع والاعتدال بعده ثم العودة إلى السجود، أما في السجود فوضع الركبتين أولاً ثم اليدين ثانياً ثم الوجه ثالثاً، وفي النهوض ترفع عكس هذا الترتيب.
7 ـ مجافاة الرجل بطنه عن فخذيه و مرفقيه عن جنبيه و ذراعيه عن الأرض :
ومجافاة الرجل بطنه عن فخذيه و مرفقيه عن جنبيه و ذراعيه عن الأرض، ترفع الذراعين عن الأرض و تباعد العضدين عن الجانبين، و تباعد البطن عن الفخذين هذا للرجل، أما المرأة فعكس ذلك تتطامن، و الرجل يفرش رجله اليسرى و ينصب اليمنى هكذا.
8 ـ الصلاة على النبي في الجلوس الأخير و الدعاء :
و الإشارة بالمسبحة هذه الإصبع اسمها المسبحة و اسمها السبابة عند الشهادة برفعها أشهد أن لا إله إلا الله ووضعها عند الإثبات، و قراءة الفاتحة فيما بعد الركعتين الأوليين، و الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الجلوس الأخير، و الدعاء بما يشبه ألفاظ القرآن و السنة لا بما يشبه كلام الناس أي إذا قلت في نهاية الصلاة:
﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ ﴾
[ سورة البقرة: 201]
مقبول أو: ﴿ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾
[ سورة إبراهيم: 41]
مقبول، كما قال سيدنا الصديق: إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت مقبول، أما إذا دعوت بكلام الناس فإن الصلاة تصبح مكروهة، يا ربي زوجني فلانة بنت فلان أي شيء من كلام الناس لا يصح دعاؤه في الصلاة، والالتفات يميناً في التسليمتين ثم يساراً، هذه سنن الصلاة ولا ينبغي للمسلم أن يتركها إلا سهواً فإذا سها فليس عليه لتركها سجود السهو والله أعلم. * * *
التخلي عن موانع الفهم من آداب قراءة القرآن الباطنة و موانع الفهم هي :
1 ـ الحجب التي أسدلها الشيطان على قلب الإنسان :
والآن إلى فصل مختار من إحياء علوم الدين، هذا الفصل هو التخلي عن موانع الفهم، من آداب قراءة القرآن الباطنة، تحدثنا قبل درسين عن آداب تلاوة القرآن الظاهرة وها نحن أولاء نتابع آداب قراءة القرآن الباطنة، فمن آداب قراءة القرآن الباطنة التخلي عن موانع الفهم، وهناك موانع تقف بين الإنسان وبين فهمه لكتاب الله، وهذا أهم آداب تلاوة القرآن أن تفهم كلام الله، فإن أكثر الناس منعوا عن فهم معاني القرآن لأسباب وحجب أسدلها الشيطان على قلوبهم، فعميت عليهم عجائب القرآن، قال صلى الله عليه وسلم:
((هَذِهِ الشَّيَاطِينُ يَحُومُونَ عَلَى أَعْيُنِ بَنِي آدَمَ أَنْ لا يَتَفَكَّرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَوْلا ذَلِكَ لَرَأَوُا الْعَجَائِبَ ))
[ابن ماجة عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
وفهم معاني كتاب الله نوع من معرفة الملكوت، أول هذه الحجب أن يكون الهم- الآن الإمام الغزالي لا ينتقد الذين يتقنون قراءة القرآن هؤلاء على العين والرأس، وهؤلاء ينفذون أمر الله سبحانه وتعالى، يتلونه حق تلاوته، ورتله ترتيلاً، ولكن الموضوع دقيق جداً- أن يكون الهم كله منصرفاً إلى تحقيق الحروف بإخراجها من مخارجها، وهذا يتولى حفظه شيطان وكل بالقراء ليصرفهم عن فهم معاني كلام الله عز وجل، ولا يوجد عنده همّ إطلاقاً إلا أن يتابع وينتقد القراء الذين أمامه، الباء لم يقلقلها، الجيم لم تكن معطشة، الضاد لم تكن بالصفة الفلانية، وهذا الذي لا يعرف من كتاب الله إطلاقاً إلا إتقان مخارج الحروف وأماكن الوقوف صار علم التجويد الذي هو مستحب وعلم علينا أن نأخذ به، وفرع من فروع العلوم الدينية صار هذا العلم حجاباً بينه وبين فهم القرآن، ولذلك نعوذ بالله أن يحجبنا علم فرعي عن أصول الدين، ويوجد عندنا أصول وعندنا فروع، أن يحجب الإنسان بالفرع عن الأصل هذا شيء كبير. الله تعالى ينظر إلى القلب و العمل :
قال: ما يزال الشيطان يحملهم على ترديد الحرف ويخيل إليهم أنه لم يخرج من مخرجه فهذا يكون تأمله مقصوراً على مخارج الحروف فأنى تنكشف له المعاني، وأعظم ضحكة يضحكها الشيطان على قارئ القرآن أن يصرفه عن معاني كتاب الله، وأن يعلقه بمخارج الحروف فقط من غير أن يفهم، من هذا أننا لسنا مطالبين بتعلم علم التجويد وإتقان مخارج الحروف ومعرفة أماكن الوقوف؟ هذا من تلاوة كتاب الله، لكن الفكرة أن يقتصر على هذا، حتى إذا أتقن التجويد إتقاناً جيداً نشأ في نفسه نوع من الكبر يحول بينه وبين فهم كتاب الله، فكلما استمع إلى إنسان يقرأ كتاب الله صب عليه جام غضبه، وانتقده نقداً لاذعاً مهيناً، وقال له: أخطأت، وقد يكون الذي ينتقد قارئ القرآن هو الغافل، والذي يقرأ بخطأ هو الصاحي، طبعاً لا ندعو إلى إهمال علم التجويد إطلاقاً، ولكن نحذر من أن يكتفي الإنسان بعلم التجويد من علوم الآخرة التي هي أصل سعادة الإنسان، سيدنا موسى، قال تعالى:
﴿ وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي*يَفْقَهُوا قَوْلِي ﴾
[سورة طه : 27-28]
لو أن الأمر بالفصاحة، والطلاقة، والبلاغة، لكان النبي هارون، ولكن سيدنا موسى هو النبي المرسل، فالقضية بالقلب، وقد يكون الإنسان فصيحاً، متكلماً، طليقاً، خطيباً متفوقاً، وله صوت مجلجل، له صوت يصم الآذان، ونبرة نحاسية عالية المستوى، وقلبه غافل، وقد يكون هذا العيُ المتلعثم، الذي لا يحسن النطق ذا قلب حي، وكما قلنا لكم سابقاً العبرة: إن الله ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم، طهرت منظر الخلق سنين أفلا طهرت منظري ساعة؟ ما منظر الرب سبحانه وتعالى؟ هو القلب. 2 ـ أن يكون مقلداً لمذهب سمعه بالتقليد وجمد عليه وثبت في نفسه :
والآن المانع الثاني من موانع الفهم أن يكون مقلداً لمذهب سمعه بالتقليد وجمد عليه، وثبت في نفسه، وتعصب له، لمجرد الاتباع للمسموع من غير وصول إليه ببصيرة ومشاهدة فهذا الشخص قيده معتقده عن أن يجاوزه فلا يمكنه أن يخطر في باله غير معتقده، فهذا شيء خطر جداً.
قالوا له: إن هذه الآية معناها مثلاً الآية الكريمة التي تقول:
﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمْ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾
[ سورة البقرة: 148 ]
سمع تفسير الآية أن الله سبحانه وتعالى هو الذي يولي هذه الوجهة، معنى هذا أن الإنسان غير مخير بل مسير، أسمعوه مرة أن: الله خلقكم وما تعملون، عمل الإنسان من خلق الله، فهذا الزاني قدر الله عليه الزنا، وهذا السارق قدر الله عليه السرقة ولا صلة له بها، ولا مشيئة، ولا اختيار، هكذا سمع، فإذا قلد إنسان مذهباً واعتقد به، وتعصب له من غير فهم، ولا تبصر، ومن غير مرونة، و تأمل، ومن غير تحقيق، و تدقيق، هكذا سمع، هذا الذي سمعه وجمد عليه وتعصب له وعمي عما سواه هذا المذهب الذي يقلده مانع كبير من موانع الفهم. الاعتقاد بشيء منقول والتعصب له والجمود عليه أكبر مانع من موانع الفهم :
و يوجد كثير من الآيات بحسب الظاهر، قال تعالى:
﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾
[ سورة السجدة : 13]
الله لا يريد أن يهدي الناس كلهم، هكذا قال المفسرون، لا، لها توجيه آخر، القرآن حمال أوجه، و القرآن ذو وجوه، وهذا المعنى لا يليق بالله عز وجل، الله خلقنا ليسعدنا، وخلقنا لنهتدي إليه، أما أن يمنع عنا الهدى فهذا شيء مستحيل، يقول لك: هكذا قال السادة المفسرون، فمن أنت؟ الاعتقاد بشيء منقول، والتعصب له، والجمود عليه، وعدم التدقيق به، وعدم تمحيصه، وعدم التأمل فيه، والإصرار عليه، هذا أكبر مانع من موانع الفهم، فصار نظره موقوفاً على مسموعه، فإن لمع برق عن بعد، وبدا له معنى من المعاني التي تباين مسموعه - أي تخالفه - حمل عليه شيطان التقليد، فعندنا شيطان القراء، وشيطان التقليد، حمل عليه شيطان التقليد حملةً وقال: كيف يخطر هذا في بالك وهو خلاف معتقد آبائك؟ فيرى أن هذا غرور من الشيطان فيتباعد منه ويحترز عن مثله، ولمثل هذا قالت الصوفية: إن العلم حجاب، العلم أحياناً يكون حجاباً، أي من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿ مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ ﴾
[ سورة الحج: 15 ]
فإذا الإنسان ضاقت به الحياة، وضاقت به السبل، والطرق كلها مسدودة، ضيق بذات اليد، ومرض في البدن، وأمور معسرة، وعمل لا يوجد، ومطالب كبيرة، فإذا حصل للإنسان هذا قال بعض المفسرين: يشنق نفسه هذا الحاضر، أخي هكذا جاء في الجلالين فهل أنت أفهم منه؟ لا ليس أفهم منه ابق على هذا المعتقد واذهب واشنق نفسك.
هكذا جاء في بعض التفاسير، يوجد تفسير أرقى من هذا فليمدد بسبب إلى السماء، أي يعمل عملاً صالحاً بنية التفريج عنه، وليقطع كل منكر، ويستقيم استقامة تامة، ولينظر بعد ذلك كيف يذهب غيظ قلبه، ويفرج الله عنه، ويرفع عنه هذا الضيق، وهذا الكابوس، وهذا التعسير، فهذا معنى يتناسب مع عظمة الإله، ومع كرمه، و حنانه، و عطفه، و كماله، و رحمته، وحلمه، أما اذهب واشنق نفسك وهذا هو الحاضر، هذا لا يتناسب مع المعنى، فإذا قرأ إنسان الآية وقرأ تفسيرها وانتهى، أخي هكذا التفسير، أنا عندي الجلالين في البيت، أخي هذه ليست معقولة. الابتعاد عن الإسرائيليات التي تفتري على كلام الله عز وجل :
يوجد أخ أعارني كتاباً قصصياً عن قصص القرآن الكريم، وطلب مني أن أقرأ فيه، فقرأت بعض القصص فيه، فيه شيء عجيب، سيدنا داود هذا النبي العظيم، ما معنى نبي أساساً؟ أي مصطفى، اصطفاه الله على علم على العالمين، وهو من خيرة الخلق، وسفراء وحي الله عز وجل، قال: هو جالس في غرفته فوجد طيراً من ذهب وأجنحته من فضة، وعليها أحجار كريمة، فظنه جماداً، فاقترب منه يريد أن يمسكه فطار، تبعه إلى أن وصل إلى مكان مطل على بيت فيه امرأة تستحم، وصف جمالها وصفاً يأخذ بالألباب، فهام بها حباً، فلما علمت أنه ينظر إليها نثرت شعرها عليها فزاد حبه لها، سأل عنها فإذا هي زوجة أحد قواده الكبار، ومن العادات العسكرية وقتها أن هناك تابوت في أثناء المعركة فإذا تقدم أحد أمام التابوت وجب أن ينتصر أو يموت، فأعطى أمراً أن يقدموا هذا القائد أمام التابوت فلعله يموت ويأخذ زوجته هذه، ويكتب هذا عن نبي؟ فقدموه فانتصر و لم يمت، فوقع هذا النصر في قلبه مؤلماً لماذا انتصر؟ لماذا لم يمت؟ فقال: قدموه مرةً ثانية فقتل، وعندئذٍ تزوج هذه المرأة.
وصلت إلى قصة يوسف عند قوله تعالى:
﴿ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ﴾
[ سورة يوسف: 24 ]
وجدت أنه همّ بها، أي شارف على الزنا بآخر مراحله، أول مرة، والثانية، والثالثة، والرابعة، وكل مرة يخرج له والده ويقول له: إياك ويتغافل ويبدأ، إذا كان سيدنا يوسف هذا النبي العظيم وصل إلى معنى هم بها أي كأنه أقدم على هذا الفعل الذي يخالف أمر الله عز وجل، فماذا بقي على من ليس نبياً؟ هذا الشخص يقول لك: هكذا ورد، هذه كلها إسرائيليات، وهذه كلها افتراءات على كلام الله عز وجل.
قرأت عن سيدنا سليمان أيضاً أشياء، منها ضاع الخاتم منه ففقد نبوته، وما أحد عرفه، لكن الله عز وجل حفظ نساءه من أن يقترن بهن الشيطان، لأن الشيطان هو الذي أخذ الخاتم وصار مكانه نبياً، كأن هذه النبوة كلها بهذا الخاتم، وبعد هذا فالشيطان رمى الخاتم في البحر، وسمكة من السمكات حملته وهو صار إنساناً عادياً جداً يبحث عن قوت يومه، ويهيم على وجهه في البراري، ووصل إلى شاطئ البحر فاشترى سمكة ففتحها فوجد الخاتم فوضعه فرجع سيدنا سليمان نبياً.
فإذا أراد إنسان أن يقرأ هذه القصص يجد أن هؤلاء الأنبياء، نخبة البشر، بل عباد مكرمون، قال تعالى: ﴿ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ﴾
[ سورة الأنبياء : 27]
فإن العلم حجاب، فإذا قرأ إنسان هذه التفاسير وجمد عليها وقال: هكذا الأنبياء، فقد بصيرته. 3 ـ أن يكون مصراً على ذنب أو متصف بكبر :
والآن مانع ثالث من موانع الفهم: أن يكون مصراً على ذنب أو متصف بكبر، لأن الإنسان قد ينسى بعض العلم بالمعصية، لا تعصه بالنهار يوقظك بالليل.
شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي
وأنبأني بأن العلم نــــور ونور الله لا يهدى لعاصــي
***
ألقينا على كرسيه جسداً أي على علمه، الإنسان عندما يرتكب مخالفة يقع بالحجاب، فإنسان مصر على معصية، ومقيم عليها، فهذا لا يمكن أن يسمح الله له بفهم كتابه، فمحبة الدنيا سبب ظلمة القلب، وهو كالخبث على المرآة، إذا مرآة عليها طبقة غبار كثيفة، فهذه لا تعكس الصور عكساً صحيحاً، فإذا صقلتها عكست لك ما هو أمامها، وكلما كانت الشهوات أشد تراكماً كانت معاني الكلام أشد احتجاباً، وكلما خف عن القلب أثقال الدنيا قرب تجلي المعنى فيه، فالقلب مثل المرآة، والشهوات مثل الصدأ، ومعاني القرآن مثل الصور التي تتراءى أمام المرآة، أنت مرآة والشهوات صدأ، والمعاني الشيء الذي أمام المرآة، فإذا جلوت الصدأ أصبحت المرآة صقيلةً لامعة فعكست ما أمامها، وإذا تراكم عليها الصدأ والخبث حجبت ما أمامها، وهذا هو الشأن في القرآن قال عليه الصلاة والسلام: ((إذا عظمت أمتي الدينار والدرهم نزع منها هيبة الإسلام وإذا تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حرموا بركة الوحي ))
[ابن أبي الدنيا في كتاب الأمر بالمعروف معضلا من حديث الفضيل بن عياض]
ما هي بركة الوحي؟ فهم معاني كلام الله، قال الفضيل: "أي حرموا فهم القرآن"، والقرآن يجوز أن تسمعه بالسيارة فلا أحد يفهم شيئاً لأن لهم معاص، ولهم خواطر ثانية، وقد شرط الله سبحانه وتعالى الإنابة في الفهم والتذكير، قال تعالى: ﴿ تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ﴾
[ سورة ق : 8]
﴿ وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ﴾
[ سورة غافر: 13 ]
4 ـ اعتقاد أنه لا معنى لكلمات القرآن إلا ما تناولته بعض التفاسير: :
الآن المانع الرابع من موانع الفهم: أن يكون قد قرأ تفسيراً ظاهراً واعتقد أنه لا معنى لكلمات القرآن إلا ما تناوله النقل عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما، فإذا قرأ تفسيراً ظاهراً وقرأ أن هذه الآية هكذا قال عنها ابن عباس رضي الله عنه، أو قال عنها مجاهد، هكذا وانتهى الأمر، وليس عنده إمكان أن يفهم شيئاً آخر، ولا يتوسع، القرآن ذو وجوه، القرآن حمال أوجه، قال تعالى:
﴿ قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا ﴾
[ سورة الكهف: 109 ]
هذه الآية لها معنى دقيق، فلو أن البحر كله مداد، أي حبر لكلمات الله، أي لتفسير كلمات الله، لنفذ البحر قبل أن تنفذ كلمات ربي ولو جئنا بمثله مدداً، أي لو أن البحر مداد لشرح كلمات الله لنفذ البحر قبل أن ينفذ الشرح، هذا هو المعنى.
وأن ما وراء ذلك تفسير بالرأي، وأن من فسر القرآن برأيه فقد تبوأ مقعده من النار، وهذا الحديث صحيح لكن لا يقصد النبي عليه الصلاة والسلام أنه من توسع في فهم كلام الله، من جر الآية جراً لتغطية شهواته، و هذا هو التفسير بالرأي. من فسر القرآن برأيه فقد تبوأ مقعده من النار :
أحياناً تقرأ كتاباً علمياً يقول لك: الموضوع الفلاني العلمي يوجد آية تؤيده، ترى التأييد غير طبيعي؟ مفتعل؟ كأنك تجر الآية جراً حتى تغطي هذه النظرية العلمية الحديثة، قال تعالى:
﴿ أَوَلَمْ يَرَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾
[ سورة الأنبياء : 30]
فهذه النظرية الحديثة إن الأرض مع الشمس كانت كتلة واحدة ثم انفصلوا، لا يا أخي، هذه الآية غير مرئية، وهذه سابقاً يريد أن يجر الآية جراً إلى هذه النظرية الحديثة أن الأرض والشمس والكواكب كانت كتلة واحدة وانفصلت بحكم القوة النابذة، لا هذا جر، وأحياناً الإنسان يجر آية لتغطية شهواته، مثلاً قوله تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾
[ سورة آل عمران : 130]
يقول الجاهل: يا أخي الله ما نهانا عن الربا، بل نهانا عن النسب العالية في الربا: وهذه الآية قال تعالى: ﴿ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ ﴾
[ سورة البقرة: 279 ]
معنى هذا أن كل شيء فوق رأس المال حرام، هذه الآية تكمل الآية، أحياناً الإنسان يجر الآية جراً حتى يغطي شهواته، قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ﴾
[ سورة الحج : 41]
ما تمكنا إذاً لا نصلي، هذا افتعال للتفسير، قال تعالى: ﴿ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ﴾
[ سورة الحجر : 99]
فإذا أتاك اليقين انتهت العبادة!! وهذا شيء باطل، هذا هو التفسير بالرأي، من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار، لأنه يجر الآيات إلى شهواته، لكن من توسع في فهم كلام الله فهذا هو التدبر.
وهو من الحجب العظيمة، و سيدنا علي رضي الله عنه يقول: "إلا أن يؤتي الله عبداً فهماً في القرآن".
هذه أربعة موانع تمنع صاحبها عن فهم كتاب الله، التعلق فقط، وقصر الهمة كلها على مخارج الحروف، والاستعلاء على الناس بهذا، وهناك شيطان موكل بالقراء، وأن يكون له مذهب معين، مذهب الجبر مثلاً، مذهب معتزلي، أي الإنسان خالق أفعاله، يأتي بآيات قرآنية تؤيد مذهبه، هذا من الصعب أن يفهم كلام الله، مادام مذهبه على خلاف أهل السنة والجماعة، ومعنى هذا أنه يفتعل الآيات افتعالاً ويجرها جراً حتى يؤيد مذهبه فيها وهذا مانع ثان.
المانع الثالث أن يكون له ذنب مصر عليه.
المانع الرابع أن يكون قد قرأ تفسيراً ولا يوجد عنده استعداد أن يجازوه إلى معنى آخر، أو معنى أوسع، أو معنى أحدث. * * *
قصة العباس صاحب شرطة المأمون مع الرجل الدمشقي :
والآن إلى قصة من القصص التي نحاول أن نستنبط منها موعظة، هذه القصة على صفة رفيعة في الإنسان، وهي الوفاء، كنت قد قرأتها لكم في أحد أيام الأعياد، وكان الحاضرون قلة، و أردت أن أعيدها الآن لما فيها من الفائدة.
قال صاحب شرطة المأمون: دخلت يوماً مجلس أمير المؤمنين ببغداد، وبين يديه رجل مكبل بالحديد، فلما رآني قال لي: يا عباس، قلت: لبيك أمير المؤمنين، قال: خذه إليك واحتفظ به، وبكر به إلي في الغد، فدعوت جماعةً فحملوه - ويبدو أنه لا يقوى على السير ولم يقدر أن يتحرك - فقلت في نفسي مع هذه الوصية التي أوصاني بها أمير المؤمنين من الاحتفاظ به يجب أن يكون معي في بيتي احتياط، فأمرتهم فتركوه في مجلس لي في داري، قلت لهم: انصرفوا، ثم أخذت أسأله عن قضيته وعن حاله ومن أين هو؟ فقال: أنا من دمشق، فقلت: جزى الله دمشق وأهلها خيراً- العباس صاحب شرطة المأمون- فمن أنت من أهلها؟ قال: وعمن تسأل أنت؟ قلت: أتعرف فلاناً؟ قال: ومن أين تعرف ذلك الرجل أنت؟ قلت: وقعت لي معه قضية، فقال: والله ما كنت بالذي أعرف خبره حتى تعرفني قضيتك معه.
قال العباس: كنت مع بعض الولاة بدمشق فبغى أهلها، وخرجوا علينا، وهربت أنا وأصحابي وهربت في جملة القوم، فبينما أنا هارب في بعض الدروب إذ بجماعة يعدون خلفي فما زلت أعدو أمامهم حتى فتهم، فمررت بهذا الرجل الذي ذكرته لك، وهو جالس على باب داره فقلت: أغثني أغاثك الله، قال هذا الرجل: لا بأس عليك ادخل الدار، فدخلت وأدخلني مقصورةً في صدر البيت، ووقف الرجل على باب الدار، وما شعرت إلا وقد دخل والرجال معه يقولون: هو والله عندك، فقال: بينكم الدار ففتشوها، ففتشوها حتى لم يبقَ سوى تلك المقصورة، فقال: هاهنا امرأتي فتراجع القوم، وانصرفوا، وخرج الرجل، وجلس على باب داره ساعةً، وأنا قائم أرجف خوفاً ما تحملني رجلاي من شدة الخوف، فقال لي بعد ساعة: اجلس لا بأس عليك، فجلست، فقال لي مرةً ثانية: لقد صرف الله عنك هؤلاء وصرت إلى الأمن والدعة اجلس، فقلت: جزاك الله خيراً ثم مازال يكرمني ويعاشرني أحسن معاشرة وأجملها، وأفرد لي مكاناً في داره، ولم يفتر عن تفقد أحوالي، فأقمت عنده أربعة أشهر في أرغد عيش، وأهنئه، إلى أن سكنت الفتنة، وهدأت وزال أثرها، فقلت له: أتأذن لي في الخروج حتى أتفقد حال غلماني فلعلي أقف منهم على خبر؟ فأخذ علي المواثيق بالرجوع إليه، فخرجت فطلبت غلماني فلم أرَ لهم أثراً فرجعت إليه، وأعلمته الخبر، وهو مع هذا كله لا يعرفني، ولا يسألني، ولا يعرف اسمي، ولا يخاطبني إلا بالكنية، لا من أنت، و لا ما عملك، ولا من هذا القبيل.
ثم قال: علامَ تعزم؟ فقلت: عزمت على التوجه إلى بغداد، فقال: القافلة بعد ثلاثة أيام، وها أنا ذا قد أعلمتك، فقلت له: إنك تفضلت علي هذه المدة، ولك علي عهد ألا أنسى لك هذا الفضل، ولأكافئنك ما استطعت، ثم دعا غلاماً له، وقال له: أسرج الفرس ثم جهز آلة السفر، فقلت في نفسي: ما أظن إلا أنه يريد أن يخرج إلى ضيعة، أو ناحيةً من النواحي فأقاموا يومهم ذلك في كد وتعب - أي يهيئون آلة السفر والعدة والطعام والفراش والرواحل - ولما حان يوم خروج القافلة جاءني السحر، وقال لي: قم فإن القافلة تخرج الساعة، وأكره أن تنفرد عنها، فقلت في نفسي: كيف أصنع وليس معي ما أتزود به ولا ما أشتري به مركوباً؟ ثم قمت فإذا هو يحمل أفخر الملابس، وخفين جديدين، وآلة السفر، ثم جاءني بسيف ومنطقة فشدهما في وسطي، ثم قدم لي بغلاً حمل عليه صندوقين وفوقهما فرش، وقدم لي فرساً، وقال لي: اركب وهذا الغلام يخدمك طوال الطريق، ويسوس مركبك، غلام، وفرس، وطعام، وزاد، وفراش، وكل شيء.
وأقبل يعتذر إلي من التقصير في أمري- و أيضاً اعتذر منه إذا قصر معه في هذه المدة - وركب معي يشيعني، وانصرفت إلى بغداد، وأنا أتوقع خبره لأفي بعهدي له في مجازاته، ومكافأته، واشتغلت مع أمير المؤمنين فلم أتفرغ أن أرسل إليه من يكشف خبره، فلذلك أسأل عنه هل تعرفه؟ هذا من الشام؟ قال: فلما سمع الرجل الحديث، قال: قد أمكنك الله من الوفاء له، ومكافأته على فعله، ومجازاته على صنيعه بلا كلفة عليك، ولا مؤونة تلزمك، قال: وكيف ذلك؟ أين هو؟ فقال: أنا ذلك الرجل وإنما الضر الذي أصابني غير عليك حالي، وما كنت تعرفني فيه، أنا الذي استقبلتك في البيت، وأكرمتك، وفعلت ما فعلت، فقال العباس: فما تمالكت أن قمت وقبلت رأسه ثم قلت له: فما الذي أصابك حتى أصبحت على ما أرى؟ قال: هاجت بدمشق فتنةٌ ثانية، وكنت بريئاً منها، ثم ألصقت بي هذه التهمة، فبعث أمير المؤمنين بجيوش، وأصلحوا البلد، وأخذت أنا وضربت إلى أن أشرفت على الموت، وقيدت وبعث بي إلى أمير المؤمنين، وأمري عنده عظيم، وخطبي لديه جسيم، وهو قاتلي لا محالة، وقد أخرجت من عند أهلي بلا وصية، وقد تبعني من غلماني من ينصرف إلى أهلي بخبري، وهو نازل عند فلان، فإن رأيت أن تجعل من مكافئتك لي أن ترسل من يحضره حتى أوصيه بما أريد، فإن أنت فعلت هذا فقد جاوزت حد المكافأة، وقمت لي بوفاء عهدك، قلت: يصنع الله خيراً، قال: ثم أحضر العباس حداداً في الليل فك قيوده، وأزال ما كان فيه من الأنكال، وأدخله حمام داره، وألبسه من الثياب ما احتاج إليه، ثم سير من أحضر إليه غلامه، فلما رآه جعل يبكي ويوصيه، فاستدعى العباس نائبه وقال: علي بالأفراس والهدايا ثم أمره أن يشيعه إلى حد الأنبار، قال له: اذهب إلى الشام، أعطاه أفراساً وهدايا وبضاعة وطعاماً وشراباً وقال له، رافقه إلى آخر مشارف بغداد.
فقال له: إن ذنبي عظيم، وخطبي جسيم، وإن أنت احتججت بأني هربت بعث في طلبي حتى أرد إليه وأقتل، فقال العباس: انجُ بنفسك ودعني أدبر أمري، فقال: والله لا أبرح بغداد حتى أعلم ما يكون من خبرك، فإن احتجت إلى حضوري حضرت، فقال العباس: إن كان الأمر على ما تقول فلتكن في موضع كذا، فإن أنا سلمت في غداة غدٍ أعلمتك، وإن أنا قتلت فقد وقيتك بنفسي كما وقيتني.
ثم تفرغ العباس لنفسه وتحنط وجهز له كفناً، فلما فرغ من صلاة الصبح جاءت رسل المأمون إليه وهم يقولون: هات الرجل معك وقم، فتوجهت إلى دار أمير المؤمنين، فإذا هو جالس ينتظر فقال: أين الرجل؟ فسكت، قال: ويحك أين الرجل؟ قلت: يا أمير المؤمنين اسمع مني، قال: لله علي عهد لأن ذكرت أنه هرب لأضربن عنقك مكانه، فقلت: لا والله ما هرب، ولكن اسمع حديثي وحديثه ثم شأنك وما تريد أن تفعله في أمري، قال: قل، قال: يا أمير المؤمنين كان من حديثي معه كيت وكيت، وقصصت عليه القصة جميعها، وعرفته أني أريد أن أفي له، و أكافئه على فعله معي، وقلت: أنا سيدي ومولاي أمير المؤمنين بين أمرين، إما أن يصفح عني فأكون قد وفيت وكافأت، وإما فيقتلني فأقيه بنفسي، وقد تحنطت، وهاهو ذا كفني معي يا أمير المؤمنين.
قال: فلما سمع المأمون الحديث قال: ويلك لا جزاك الله عن نفسك خيراً، إنه فعل بك ما فعل من غير معرفةٍ وتكافئه بعد المعرفة بهذا، فهلا عرفتني خبره، فكنا نحن نكافئه عنك، ولا نقصر في وفائه لك، اعتبر المأمون هذه المكافأة دون الحد المطلوب، قال له: إنه ها هنا في بغداد وقد حلف أنه لن يبرح حتى يعرف سلامتي، فإن احتجت إليه حضر، فقال المأمون: فهذه منة أعظم من الأولى، اذهب إليه الآن فطيب نفسه، وسكن روعه، وائتني به حتى أتولى أنا مكافأته.
قال: فأتيت إليه وقلت له: ليزل خوفك إن أمير المؤمنين قال كذا وكذا، فقال: الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه، ثم قام وركب، فلما مثل بين يدي أمير المؤمنين أقبل عليه وأدناه من مجلسه، وحدثه حتى حضر الغداء، فأكل معه، وخلع عليه، وعرض عليه ولاية دمشق، فاستعفف، فأمر له بصلة، وكتب إلى عامله بدمشق يوصيه به.
الإيمان كله قيم أخلاقية و مكارم أخلاق :
الحياة كلها وفاء، الذي عنده وفاء لزوجته، ووفاء لأخيه، و لشريكه، ولأهل بلده، و لأمته، و لوطنه، و للإنسانية و لنبيه الكريم صلى الله عليه، فالوفاء هو كل شيء، فهذا الرجل عمل معروفاً لوجه الله تعالى، وما درى أنه وقع عند الذي فعل معه هذا المعروف، وهذا الذي فعل معه المعروف بذل نفسه رخيصةً من أجل الوفاء بعهده، هو طلب منه أن يطلب غلامه حتى يلقنه وصيته فقط، وتكون جاوزت المكافأة، فلم يرضَ إلا أن يضع روحه دونه.
و هكذا الأمة العربية كانت سابقاً، وهكذا السلف الصالح كان، و الإنسان كان، و الإيمان كله قيم أخلاقية، و مكارم أخلاق، وأحدهم يأخذ امرأة كاملة مكملة تمرض فيريد أن يطلقها أهكذا الوفاء؟ أخذتها شابة.
قالت: يا رسول الله تزوجني شابة ذات أهل ومال وجمال، فلما كبرت سني، ونثر بطني، وتفرق أهلي، وذهب مالي، قال: أنتِ علي كظهر أمي، فالآن بعدما كبرت، وذهب أهلي، ومات والدي، و سافر أخوتي، وكان معي مال أخذه مني، قال لي: أنت علي كظهر أمي، ولي منه أولاد، إن تركتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إلي جاعوا، فبكى النبي عليه الصلاة والسلام.
فالذي ليس عنده وفاء لا إيمان له، والذي لا وفاء له للذي أحسن إليه لا إيمان له.
ومن أسلم على يديه رجل وجبت له الجنة، ومن أسلم على يده رجل فله ولاؤه طوال حياته، وهذا معروف بسيط أكرمه شهرين أو ثلاثة، فوجد المناسب أن يضحي بحياته من أجله، فكيف بالذي هداك إلى الله عز وجل؟ فإذا كان لك أخ هداك إلى الله، فدعاك إلى مجلس علم، واعتنى بك، وأكرمك، أتنسى فضله؟ فهذا هو الوفاء.
والنبي عليه الصلاة والسلام سيد الأوفياء حينما فتح مكة و دعي إلى بيوت أصحابه قال: انصبوا لي خيمة عند قبر خديجة، هذه التي آمنت به يوم كذبه الناس، وأنفقت عليه مالها، هذه أحق إنسانة ينام إلى جانب قبرها.
* * *
الحج عرفة :
قال عليه الصلاة والسلام:
((الْغَازِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْحَاجُّ وَالْمُعْتَمِرُ وَفْدُ اللَّهِ دَعَاهُمْ فَأَجَابُوهُ وَسَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ))
[ ابن ماجة عَنِ ابْنِ عُمَرَ ]
الحاج إنسان رفيع الشأن وفد الله. والحجاج والعمار وفد الله تعالى يعطيهم ما سألوا، ويستجيب لهم ما دعوا، ويخلف عليهم ما أنفقوا، ومهما ارتفعت التكاليف يخلف عليهم ما أنفقوا، الدرهم ألف ألف.
الحج سبيل الله، أي الطريق إلى الحج طريق إلى الله عز وجل، هذه سياحة روحية، وهذا ذهاب إلى الله تعالى، والله سبحانه وتعالى جعل الكعبة البيت الحرام بيته فمن زارها فكأنما زاره، والحج المبرور: ((الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلا الْجَنَّةُ ))
[ مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهم ]
المبرور لا لغو، و لا رفث، ولا فسوق، ولا جدال، بل نية خالصة، و مال حلال، وتوبة صادقة، هذا هو الحج المبرور يرجع المرء منه كيوم ولدته أمه. (( الحج عرفة ))
[ الترمذي و أبو داود عن النعمان بن بشير]
هذا حديث من الأحاديث ذات البلاغة العالية، الحج عرفة بمعنى أن الإنسان إن لم يقف بعرفة فلا حج له، في وقت محدد إن لم يكن في هذا المكان في عرفة فلا حج له، والمعنى الأوسع أن الحج معرفة الله سبحانه وتعالى، أنت ذاهب إلى الله من أجل أن تعرفه، فإذا عدت من الحج وقد عرفته، وقد أقلعت عن كل الذنوب لأنك عرفته، وقد عزمت عزماً صادقاً أكيداً على متابعة طاعته حتى الموت، وقد انقطعت أمامك الحقائق، وظهرت الحقائق، و صغرت الدنيا في عينيك، وعظمت الآخرة، ورأيت الله سبحانه وتعالى أكبر من كل شيء، ولا شيء سواه، ولا شيء قبله، ولا شيء بعده، هو الظاهر والباطن، فإذا رأيت هذه الرؤية فقد حججت، أما إذا عدت كما أتيت، وأنت كما أنت مقيم على بعض المخالفات ومتساهل في بعض الطاعات فهذا الحج لا يقدم ولا يؤخر. ((الْحَجُّ جِهَادُ كُلِّ ضَعِيفٍ ))
[ أحمد عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ]
فالسفر فيه مشقة، وفيه ازدحام، و مشقة بالعودة، و بالحجز، وبالحر، و بتأمين الحاجات، وبالسكن، فهذا جهاد الضعيف. الحجر يمين الله في الأرض يصافح به عباده :
ويقول عليه الصلاة والسلام:
((الحجر يمين الله فمن مسح يده على الحجر فقد بايع الله ))
[الديلمي عن أنس]
إذا دخلت إلى الحرم المكي يجب أن تشعر أن هذا الحرم ليس له علاقة بالبلاد المحيطة به، هذا بيت الله، وهذه الكعبة كعبته، وهذا الحجر يمينه في الأرض، فمن فاوض الحجر فكأنما فاوض كف الرحمن، وإنك إذا تعلقت بأستار الكعبة فهذا قرب من الله شديد وإنك إذا قبّلت الحجر فقد قبلت يمين الله في أرضه.
هذه المناسك يجب أن يرافقها حالات نفسية، وإلا لا قيمة لها، و تصبح طقوساً، وما الفرق بين الطقس والعبادة؟ الطقس حركات لا معنى لها، لكن العبادة يرافقها مشاعر سامية جداً: ((الحجر يمين الله فمن مسح يده على الحجر فقد بايع الله ))
وإذا صافح إنسان الحجر الأسود، أو استلمه، أو قبله، أو مسحه بيمينه، أو قبله بشفتيه، وعاد إلى بلده يجب كلما حدثته نفسه بمخالفة أن يذكر تلك البيعة، لقد بايع الله عز وجل على الطاعة، لقد عاهده على الطاعة حينما قبل يمينه في الأرض، والحجر يمين الله في الأرض يصافح به عباده. ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَزَلَ الْحَجَرُ الأَسْوَدُ مِنَ الْجَنَّةِ وَهُوَ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ فَسَوَّدَتْهُ خَطَايَا بَنِي آدَم ))
[ النسائي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ]
الحجر الأسود ياقوتة بيضاء من يواقيت الجنة وإنما سودته خطايا البشر، يبعث يوم القيامة مثل أحد يشهد لمن استلمه وقبله من أهل الدنيا.
هذا حديث صحيح، نرجو الله سبحانه وتعالى أن يتقبل منا عبادتنا، وأن يتقبل منا حجنا لمن حج، وأن يرزقنا حجاً مبروراً، وسعياً مشكوراً، وذنباً مغفوراً.

السعيد 09-10-2018 08:29 AM

رد: الفقة الاسلامى 2
 
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( السادس و الثلاثون )

الموضوع : اداب الصلاة- الاداب الباطنة لتلاوة القران





الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
آداب الصلاة :
1 ـ إخراج الرجل كفيه من كميه عند التكبير :
أيها الأخوة المؤمنون، تحدثنا من قبل عن أركان الصلاة، وعن واجبات الصلاة، وعن سنن الصلاة، و ها نحن أولاء ننتقل إلى آداب الصلاة، فمن آدابها إخراج الرجل كفيه من كميه عند التكبير، أي إذا كان الإنسان يلبس شيئاً لـه كم طويل فمن السنة ومن الأدب أن يخرج كفيه من كميه.
2 ـ نظر المصلي إلى موضع سجوده قائماً :
ونظر المصلي إلى موضع سجوده قائماً، وهو قائم ينظر إلى موضع سجوده و أحياناً على الإنسان أن يغمض عينيه ولكن متى؟ لو دخل إلى مسجد - قيل: يوجد مسجد تكلفته تقدر بثلاثة وعشرين مليوناً في المزة-، فإذا دخل ليصلي ونظر إلى هذه الزخارف والثريات، فأغلب الظن في هذه الحالة له حق أن يغمض عينيه داخل الصلاة، وإذا كان في الغرفة ابنه يتحرك أمامه وعينه على ابنه فأين الخشوع؟ ففي مثل هذه الحالة يغمض عينيه، وإذا لم يكن شيء يجذب النظر فيفتح عينيه وينظر إلى مكان سجوده، ‏وهذا من آداب الصلاة.
3 ـ النظر إلى ظاهر القدم عند الركوع و إلى موضع السجود و هو قائم :
وإذا ركع ينظر إلى ظاهر القدم وإلى موضع سجوده وهو قائم، على ظاهر قدمه وهو راكع، وإلى أرنبة أنفه وهو ساجد، وإلى حجره - الحجر هو الحضن - وهو جالس بين السجدتين.
4 ـ النظر أثناء التسليم إلى المنكبين :
وأن ينظر أثناء التسليم إلى المنكبين، أحياناً يصلي الإنسان و على اليمين صديق له أو أخوه أو زوجته فيسلم ويقول: السلام عليكم ورحمة الله وينظر إلى الحاضرين، ويتأملهم، ويتفحصهم، وهو يسلم فهذه لا تجوز، فمن آداب الصلاة أن ينظر أثناء التسليم إلى منكبيه، أما أن يتفحص من هم في الغرفة قبل أن ينهي الصلاة فليس هذا من آداب الصلاة، هذه من آداب الصلاة.
5 ـ دفع السعال وكظم الفم عند التثاؤب :
ودفع السعال ما استطاع، والإنسان يستطيع أن يسعل لكن إذا كان من الممكن أن يتلافى السعال فالأدب أن يتلافى السعال، وأحياناً يوجد بلغم في حنجرته ويستطيع أن يتابع الصلاة من دون أن يقتلعه من مكانه بنحنحة قوية، فهذه النحنحة في أثناء الصلاة تشوش على المصلين وقد تدفع النفوس للاشمئزاز، فدفع السعال والنحنحة ما استطاع، وكظم فمه عند التثاؤب، وأحدهم سأل الرسول صلى الله عليه عندما كان يتثاءب أن يضع يده اليمنى أم اليسرى؟ ولم يجد ذلك في كتب السنة، فلما سأل العلماء قالوا: إن النبي صلى الله عليه ما تثاءب قط في كل حياته، قال: التثاؤب من الشيطان والعطاس من الرحمن، والتثاؤب دليل الملل، والضجر، وعدم المبالاة، لكن نحن لا نقول للمؤمنين لا تتثاءبوا، نقول: ادفع التثاؤب قدر الإمكان، والدليل أن تكظم الفم والكظم هو الإغراق، فأحياناً يشعر أن حنكه يرجف و يريد أن يتثاءب لكنه حافظ على فمه مضغوطاً و هذا هو الأدب أما أن يفتح فمه كالمغارة فهذا لا يليق.
6 ـ القيام إلى الصلاة :
القيام إلى الصلاة متى؟ قام المؤذن وأقام الصلاة تجد أناساً يقفون عند قوله: الله أكبر الله أكبر، وأناس عند: أشهد أن محمداً رسول الله، وأناس عند: حي على الصلاة، وأناس عند: حي على الفلاح، فتصير فوضى، والأدب أن تقوم إلى الصلاة عندما يقول المقيم: حي على الفلاح، والإمام إذا لم يكن موجوداً في مكانه الطبيعي ينتقل إلى مكانه عند قول المقيم: قد قامت الصلاة، هذه هي السنة.
تطبيق عملي حول حركات الصلاة واحدة واحدة منذ البدء وحتى الختام :
والآن عندنا بحث تطبيق عملي حركات الصلاة واحدة واحدة منذ البدء وحتى الختام:
أولاً: إذا أراد الرجل الدخول في الصلاة طبعاً الآن دمجنا الأركان مع الواجبات مع السنن مع الآداب في تسلسل واقعي عملي واحد، إذا قام الرجل إلى الصلاة أخرج كفيه من كميه ثم رفعهما حذاء أذنيه، ثم كبر بلا مد، المد في الأذان أما في التكبيرة فليس هناك مد، ماضياً أي نوى وكبّر، ويصح الشروع بكل ذكر خالصاً لله تعالى كسبحان الله، ثم يضع يمينه على يساره تحت سرته عقب التحريمة، ثم يضع يمينه على يساره محلقاً خنصره بإبهامه تحت سرته بعد التحريمة بلا مهلة مباشرةً، مستفتحاً بقوله: سبحانك اللهم، وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك، يستفتح الإمام ويستفتح المقتدي وكل مصلٍّ ولو كان منفرداً ثم يتعوذ سراً، ويسمي في كل ركعة: بسم الله الرحمن الرحيم، والأحناف يؤثرون أن تقرأ التسمية سراً ويسمي في كل ركعة قبل الفاتحة فقط، ثم قرأ الفاتحة وأمم الإمام والمأموم أي آمين يقولها الإمام والمأموم سراً، أما هذا الصوت المرتفع الذي يصم الآذان فهذا خلاف آداب الصلاة، والآن نرجو من كل مصلٍّ أن يقول: آمين بصوت لا يكاد يسمع، هكذا السنة، وهكذا الأدب، ثم يقرأ هذا الرجل سورة أو ثلاث آيات، ثم يكبر رافعاً مطمئناً يتلو سبحان ربي العظيم ثلاث مرات، مطمئناً مسوياً رأسه بعجزه على استقامة واحدة، أخذاً ركبتيه بيديه، مفرغاً أصابعه، مسبحاً ثلاثاً: سبحان ربي العظيم ثلاث مرات وذلك أدناه، ثم يرفع رأسه ويطمئن قائماً ويقول: سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد، ولو كان إماماً أو منفرداً، والمقتدي يكتفي بالتحميد فقط، ثم يكبر خاراً للسجود ثم يضع ركبتيه ثم يديه ثم وجهه بين كفيه، ويسجد بأنفه وجبهته مطمئناً مسبحاً ثلاثاً، ومعنى الاطمئنان: ألا يكون الركوع والسجود كنقر الديك أي ثلاث مرات سبحان ربي الأعلى، وذلك أدناه ويجافي بطنه عن فخذيه، ويبعد بطنه عن فخذيه وعضديه عن إبطيه في غير زحمة، أما إذا كان هناك ازدحاماً فيجب أن تضم المرفقين إلى الإبطين، لكن لا يوجد معك أحد في الغرفة ممكن أن تباعد بين الذراعين وتوجه أصابع اليدين والرجلين نحو القبلة، والمرأة بالعكس تتجمع ولا تتباعد، ثم يرفع رأسه مكبراً للنهوض بالاعتماد على الأرض بيديه وبلا قعودٍ، والركعة الثانية كالأولى إلا أنه لا يثني دعاء الثناء ولا يتعوذ ولكن يبسمل، والثانية لا يوجد فيها دعاء الثناء ولا تعوذ ولكن فيها بسملة، ولا يسن رفع اليدين إلا عند افتتاح كل صلاة، وعند تكبير القنوت في الوتر، وتكبيرات الزوائد في العيدين، وحينما يرى الكعبة، وحين يستلم الحجر الأسود، وحين يقوم على الصفا والمروة، وعند الوقوف بعرفة، ومزدلفة، وعند رمي الجمرة الأولى والوسطى، وعند التسبيح عقب الصلوات، و هذه الحالات عند الإمام الحنفي التي يسن فيها رفع اليدين مع التكبير.
الآن يقرأ التشهد المعروف ويشير بالمسبحة في الشهادة يرفعها عند النفي لا إله إلا الله، ويضعها عند الإثبات، ولا يزيد على التشهد في القعـــود الأول وهو التحيات لله والصلوات الطيبات، القعود الأول تشهد والقعود الثاني تشهد مع صلوات إبراهيمية، ويقرأ الفاتحة فيما بعد الأوليين في الركعة الثالثة والرابعة، ثم يجلس فيقرأ التشهد، ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يدعو بما يشبه القرآن والسنة: رب اغفر لي ولوالدي، رب ارحمهما كما ربياني صغيراً، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، ثم يسلم يميناً ويساراً ويقول: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله، هذه صفة المصلي مدموجاً فيها أركان الصلاة، وواجباتها، وسننها، وآدابها، وفي درس آخر إن شاء الله ننتقل إلى باب الإمامة، وبعدها بعض مفسدات الصلاة.
* * *
آداب قراءة القرآن :
الأدب السابع هو التخصيص :
والآن إلى فصل مختار من إحياء علوم الدين حول آداب قراءة القرآن، هذا الفصل مهم جداً، أرجو أن تدققوا فيه، وأن تصغوا إليه.
الأدب السابع هو التخصيص لأهمية هذا الفصل سأقرأه على مسامعكم كلمة كلمة وسأحاول شرح الجمل الغامضة، والأماكن التي تحتاج إلى شرح، وهو أن يقدر أنه المقصود بكل خطابٍ في القرآن، والآن إذا كان طالب مثلاً في الصف الثالث الثانوي والامتحان على الأبواب يسمع الأخبار فكان البلاغ التالي: بلاغ إلى طلاب الشهادة الثانوية، بناءً على مقتضيات المصلحة يؤخر الامتحان من الخامس من حزيران إلى العاشر منه، هذا طالب الشهادة الثانوية الذي على وشك الامتحان، ويستمع إلى هذا البلاغ حينما يقول: المذيع بلاغ إلى طلاب الشهادة الثانوية تراه كتلة إصغاء، وكتلة اهتمام، وهذا البلاغ له علاقة بدراسته وببرنامجه، مثلاً: لو أن التجار استمعوا إلى بلاغ متعلق بالاستيراد، أول شيء يشتري الجريدة، ويقول لك: ما انتبهت جيداً، يمكن الساعة الثانية عشرة ليلاً يبحث عن جريدة، وإذا سمع بلاغاً يمس تجار السيارات، وصدر بلاغ يمس بعض أنواع الفعاليات الاقتصادية كيف تشعر أن هذا البلاغ لك وله علاقة بمصيرك؟ يربحك وممكن أن يخسرك؟ مرة صدر بلاغ بالسماح باستيراد السيارات ثاني يوم هبط سعر كل سيارة مئة ألف ليرة، فكل صاحب سيارة وكل تاجر سيارات صار معنياً بهذا البلاغ، وهذا مثل منتزع من حياتنا اليومية، رجل يريد أن يسافر قالوا له: رسم الخروج صار ألف ليرة ترى أنه يعطي كل اهتمامه، وأما الذي لا يريد أن يسافر فلا يسأل.
على الإنسان أن يشعر أنه مقصود بكل خطاب بالقرآن :
إذاً الإنسان عندما يكون له علاقة بهذا الموضوع تراه مصغياً، مهتماً الآن من آداب تلاوة القرآن الكريم التخصيص، وهو أن تشعر أنك مقصود بكل خطاب بالقرآن، هذا سؤال ينبغي أن يكون الإنسان فيه صريحاً، إذا قال الله تعالى: يا أيها الذين أمنوا هل تشعر أنك معني بالخطاب؟ هل تشعر أن الله سبحانه وتعالى خالق السموات والأرض يخاطبك أنت بالذات؟ قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾
[ سورة الصف: 2-3 ]
هل تشعر وكأن الله عز وجل يعاتبك؟ عاتب عليك، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾
[ سورة الأحزاب:69 ]
﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾
[ سورة الأحزاب:71 ]
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا ﴾
[ سورة الأحزاب: 41 ]
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً ﴾
[ سورة النساء: 71 ]
كلما تقرأ هذه الآيات بماذا تشعر؟ تشعر أنك معني بها، وأنك المخاطب، و المقصود، وهنا كل إنسان يعرف نفسه. المؤمن إذا سمع نهياً أو أمراً قدر أنه المنهي والمأمور :
قال تعالى:
﴿ بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ﴾
[ سورة القيامة: 14-15 ]
قالوا: فإن سمع أمراً أو نهياً قدر أنه المنهي والمأمور، قال تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾
[ سورة البقرة: 104 ]
﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنْ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾
[ سورة الحجرات: 12 ]
﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ ﴾
[ سورة الحجرات: 11 ]
إذا سمع نهياً أو أمراً قدر أنه المنهي والمأمور، هذا الشيء تعرفه أنت، تحس أنك المعني بهذا الأمر، وأنت المعني بهذا النهي، وإذا سمع وعداً، قال تعالى: ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ ﴾
[ سورة النور: 55 ]
﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنْ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾
[ سورة الحج: 38 ]
هل تحس أنك المعني بهذا الوعد الطيب؟ وإن سمع وعداً أو وعيداً يحس أنه الموعود وأنه المهدد. حال المؤمن بين الخوف و الرجاء :
قال سيدنا عمر: لو أنزل الله سبحانه وتعالى أنه معذب رجلاً واحداً لخفت أن أكون أنا، ولو أنه أنزل أنه راحم رجلاً واحداً لتمنيت أن أكون أنا، هذا حال المؤمن رغباً ورهباً، بين الخوف والرجاء، وإن سمع قصص الأولين والأولياء علم أن الثمر غير مقصود، فإذا قرأ إنسان قصة يقول: قصة ممتعة لها بداية وعقدة ونهاية، ويوجد حوادث، وبيئة، ورسم شخصيات، وتحليل، وهذه قصة فنية وهي شيء ممتع، لا يا أخي ليس المقصود هو المتعة بل المقصود هو العبرة، المقصود من هذه القصة: والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون، هذا هو المقصود، الله عز وجل كلمة لا إله إلا الله عبّر عنها بشكل قصة فإذا قرأت قصة في القرآن مثلاً قصة سيدنا موسى، أو قصة سيدنا يونس، أو سيدنا إبراهيم مع قومه، أو سيدنا رسول الله، أو أصحاب الجنة، هذه القصص يجب أن توقن أنها ليست للمتعة إنها للموعظة، وأن الله سبحانه وتعالى لا يريد أن يعلمنا عن أخبار الأولين بقدر ما يريد أن نستنبط العظة من هذه الأخبار، وأن المقصود أن يعتبر به، وليأخذ منها ما يحتاج إليه، فما من قصة بالقرآن إلا وسياقها لفائدةٍ في حق النبي عليه الصلاة والسلام ولأمته.
القصص في القرآن الكريم ليست للمتعة إنها للموعظة :
لذلك قال تعالى: ﴿ وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ﴾
[ سورة هود: 120 ]
قال: إنسان دخل إلى مستشفى في بريطانية جاءته ممرضة من درجة عالية، نسقت الأزهار في الغرفة، وسألت المريض ما مرضك؟ فأجابها: ومن طبيبك؟ قال لها: فلان، قالت: فلان، هل رضي أن يجري لك العملية هو بالذات، قال: نعم، قالت: آه هذا الطبيب أجرى مئة عملية وكلها ناجحة، وهذه الممرضة مهمتها رفع معنويات المريض لتكون معنوياته عالية، وهذه المعنويات العالية تسرع في الشفاء، ولذلك أسرع الناس شفاءً المؤمن، معنوياته دائماً عالية، واثق من الله عز وجل، دفع حوالي ألفي ليرة على هذه الكلمات بالفاتورة.
ومعنى هذا أن رفع المعنويات شيء مهم، رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحنك الظروف قال تعالى: ﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴾
[ سورة آل عمران: 146 ]
أهداف القصص التي جاءت في القرآن الكريم :
الله عز وجل يذكر قصصاً لرسول الله حتى يثبت فؤاده، ويثبت معه المؤمنين، قال تعالى:
﴿ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾
[ سورة الأعراف : 128]
ويذكر عن قارون فيقول: ﴿ فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنْ المُنْتَصِرِينَ ﴾
[ سورة القصص: 81]
تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض بل للمتقين، اطمأن الإنسان، فليقدر العبد أن الله سبحانه وتعالى ثبت فؤاد نبيه عليه الصلاة والسلام، وصبره على الإيذاء، وثبت المؤمنين، هذا كله من أهداف القصص التي جاءت في القرآن الكريم. آيات جعلت القرآن الكريم نعمةً عامة وليست نعمةً خاصة :
الشيء الذي أحب أن أقوله لكم: إن هناك مجموعة آيات جعلت القرآن الكريم نعمةً عامة وليست نعمةً خاصة، مثلاً قال تعالى:
﴿ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾
[ سورة البقرة: 231]
وأكبر نعمة هذا الكتاب الذي أنزله الله على نبيه، إذاً نحن المعنيون به، ونحن المقصودون به.
شيء آخر قال تعالى: ﴿ لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾
[ سورة الأنبياء: 10]
يعالج قضاياكم، أنا أقول لكم وواثق من قولي: اقرأ القرآن بتدبر كل يوم ترى أن كل مشكلاتك النفسية وجدت لها حلولاً، وكل مخاوفك تبددت، وكل اضطراباتك النفسية زالت، لأنه يوجد قوانين إله يقول لك و الذي خلق الكون: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾
[ سورة النحل: 97 ]
هذا كلام إله، كلام رب الوجود، كلام رافع السماء بلا عمد، كلام خالق الكون، من بعده يقول كلاماً خلافه، فإذا كان هناك إنساناً عظيماً قال: هكذا سيكون، وهل يوجد إنسان تافه يقول: سيكون خلاف ذلك، أي الله عز وجل وعد المؤمن بحياة طيبة في كل الظروف، وفي كل العصور، وفي كل الأحوال، وفي كل البيئات، وفي كل البلاد، و الأماكن، و الأصقاع، والأمصار، وبأي مكان وجدت فيه أنك موعود بحياة طيبةٍ إذا استقمت على أمر الله، يخلق لك من الضيق فرجاً، ومن الضعف قوة، بعض الشعراء قالوا: ورب نازلة يضيق بها الفتى ذرعا ً وعند اللــه منها المخرج
نزلت فلما استحكمت حلقاتها فرجـت وكـان يظن ألا تفـرج
***
كن عن همومك معرض ا وكل الأمور إلى القضا
وابشر بخيــر عاجل تنسى به ما قـد مضى
فلرب أمر مسخـط لك في عواقبـــه رضا
ولربما ضاق المضيـق ولربما اتســع الفضا
اللـــه يفعل ما يشاء فلا تكـــن معترضا
الله عودك الجميـــل فقس على ما قد مضى
***
القرآن الكريم فيه حل لمشكلات الإنسان :

هذا قرآن كريم، اقرؤوا القرآن بتدبر وكل يوم وأنا متأكد لن تبقى في حياتكم مشكلة، وهذا الكتاب فيه ذكركم أي فيه حل مشكلاتكم، يأتي رجل يقرأ قوله تعالى: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة البقرة: 216]
تنحل كل مشكلاته، تريد أن تذهب بعثة ثم وضع اسم مكان اسمك تقرأ الآية فتجدها برداً وسلاماً: ﴿ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا﴾
إن الله ليحمي صفيه من الدنيا كما يحمي أحدكم مريضه من الطعام، جاءتك زوجة وسطاً: وعسى أن تكرهوا شيئاً فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم.
دخلك أقل من مصروفك، قال تعالى: ﴿ قُلْ يَاعِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾
[ سورة الزمر: 10]
ذهب إلى الطبيب فوجد أن معه مرضاً عضالاً وأنت مؤمن، قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ﴾
[ سورة فصلت: 30]
الموت أكبر مصيبة عند الناس يغدو عرساً عند المؤمن :
لا تخف وأنت في الدنيا وإذا أزفت الآزفة لا تحزن عليها، أنت منقول إلى أهل خير من أهلك، وإلى بيت خير من بيتك، إلى جنة عرضها السموات والأرض، ترى المؤمن متوكلاً، حدثني طبيب في مستشفى جاءهم مريض معه مرض خبيث في أمعائه و هو مؤمن، قال: دخل على غرفته لا يوجد هذا الذعر بوجهه، دخل الطبيب وقال له: كيف صحتك؟ قال له: الحمد لله، واشهد أنني راض عن الله، كلما دخل إليه زائر يعوده يقول له: اشهد أنني راض عن الله، فإذا ضرب الجرس يتهافت الممرضون على خدمته، ويأتون ثلاثة معاً، وهذه الغرفة فيها نورانية عجيبة، خدمة ممتازة، ورائحة عطرة، من في هذه الغرفة ما سمعوا صوته ولا صراخه، وعندما يشعر أنه متضايق يمسك طرف السرير، وعندما توفي كانت نهايته جميلة جداً، وجه منير واستغفار، والله عز وجل لحكمةٍ أرادها حتى يعلم الناس درساً، جاء بعده إلى هذه الغرفة مريض معه مرض مشابه للأول تماماً، فما ترك نبياً إلا وسبه، سباب الدين مثل الورد عنده، و روائح كريهة، يضرب الجرس لا أحد يرد عليه، يسبهم ويسب آباءهم، ثلاثة أيام شوش المستشفى، وبعد ذلك فطس، أنا لا أقول: مات بل فطس، انظر المؤمن والآلام واحدة الأول تلقاها بصبر أي أكبر شيء في الحياة المرض العضال، إذا كنت مؤمناً تتلقاه بالصبر، والله يشفيك، وأنا أقول: "اللهم إنا نعوذ بك من عضال الداء، ومن السلب بعد العطاء، ومن شماتة الأعداء".
لكن حتى إذا جاء مثل هذا المرض على المؤمن سهل، إنسان دخل إلى المستشفى أجرى تحاليل، وبلغه أهله بجواب هذه التحاليل، هذا جالس في الغرفة فتكلم أهله فرفع السماعة، والخبر كان أنه سوف يعيش ستة أيام معه ورم خبيث بالدم، وهو نفس المريض، وكان محسناً، وكان يتصدق-هكذا بلغني عنه- وكان صاحب دين، وعمّر جامعاً، ودخل إليه أول طبيب فقال له: ماذا أبا فلان؟ قال له: انتهيت والحمد لله رب العالمين، وكان عاقداً صفقة فقال له: لو سمحت ألغِ لي هذه الصفقة، واذهب إلى فلان فذهب إلى فلان وقال له هذه الصفقة اتركها، فقال له: لا أستطيع أن أتخلى عنها، وليس من المعقول أن يقول له سوف يموت بعد ثلاثة أيام، والصفقة قادمة قال له: وزعها على أولادي بالتساوي، بهذه الثلاثة أيام أنهى كل علاقاته، وعمل وصية، وما ترك قضية معلقة، وثالث يوم جاء إليه عدد من العلماء ورد وذكر، والساعة الواحدة ودع أولاده ،وقام وتغسل بنفسه، حمام جيد وأراح المغسل، والساعة الواحدة أغمض عينه واتجه إلى الله، الساعة الواحدة والنصف فاضت روحه.
والله رجل بلغه أن وفاته بعد ثلاثة أيام بكل نفس رضية، وبكل سرور أنهى كل علاقاته، ووزع أمواله، ووصى أشخاصاً يحلون له بعض المشاكل، وودع أولاده، فإذا عرف الإنسان الله عز وجل لا يوجد عنده شيء صعب، والموت أكبر مصيبة عند الناس يغدو عرساً عند المؤمن.
القرآن الكريم للمسلمين وهم المعنيون به :
القرآن الكريم كلام رب العالمين والله أنزله لنا وفيه حل لكل مشكلة قال تعالى:
﴿ بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾
[ سورة النحل: 44 ]
﴿ هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾
[ سورة الجاثية: 20 ]
﴿ هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ ﴾
[ سورة آل عمران: 138 ]
هذه الآيات كلها مضمونها لنا، فالقرآن لنا ونحن المعنيون بالقرآن الكريم. آيات كريمة عن العلاقة بين الزوج و زوجته :
هل تريد علاقتك مع زوجتك؟ يوجد آيات واضحة، قال تعالى:
﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾
[ سورة النساء : 19 ]
أمر إلهي فسرها، المعاشرة بالمعروف ليست عدم إيقاع الأذى بهن بل احتمال الأذى منهن، تقرأ الآيات وتفهم تفسيرها، وتدخل إلى البيت، و عندك حلم، عاشروهن بالمعروف، أي تحمل منهن، وهذا الحلم يرفع مكانتك عند زوجتك تعظمك، زوجي وقور وليس مصروعاً، أحياناً الزوج يغضب فتفضحه زوجته وتقول: جن البارحة. من تزوج المرأة لجمالها أو لمالها أذله الله :
أما إذا قال الله تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا ﴾
[ سورة الطلاق: 1 ]
هذا توجيه ثانٍ، أنت مؤمن، وهذه أولاً قال تعالى: ﴿ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾
[ سورة البقرة: 228 ]
أنت جعلتها خمسين درجة، قال تعالى: ﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا ﴾
[ سورة النساء: 34 ]
هذا الكلام للعازبين، اختر امرأة تكون أنت أعلى منها بالعلم، والثقافة، والفهم، والمكانة الاجتماعية، أخذتها أعلى منك، من تزوج المرأة لجمالها أذله الله، يقول لك دائماً: زوجتي لا تقبل، ومن تزوجها لمالها أفقره الله، ومن تزوجها لحسبها زاده الله دناءةً، قال تعالى: ﴿ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ﴾
هذه لها معاش تساعدني في معاشها، إذا لم تنفق من مالك عليها تفقد قوامتك عليها، تقول لك: افتح عينك لي معاش مثلك تماماً، فلماذا البيت بهذه الفوضى؟ جئت متعبة وهذا الحاضر، أين ذاهبة؟ عندي بعد الظهر اجتماع وهذا الحاضر، اتبع هذه التوجيهات تكن سعيداً في بيتك، أمر إلهي.
قال تعالى: ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ﴾
[ سورة النور: 30]
طبقها تجد امرأتك أجمل امرأة في العالم، هذا كلام الله رب العالمين، وانظر وشاهد ينقلب البيت إلى جحيم، تعيش الجحيم الزوجي، وهذا الزواج. من طبق البيوع القرآنية عاش براحة و طمأنينة :
تعال إلى البيوع طبق البيوع القرآنية، قال تعالى:
﴿ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة النساء: 188]
أخي ألبسناه البيعة وربحنا بالمئة ثلاثين، فلو كشف الزبون رأس المال هل يرضى؟ إذاً هذه التجارة حرام، و ليست عن تراض، ويجب أن يرضى الزبون من أعماقه ولو عرف الحقيقة، مثال تقول: هذا البلور صناعة اليابان أخذت ثمن المتر مئة وستين ليرة وهو بلور وطني، ثمنه ثمانون ليرة، وركبته له في مكان مرتفع لا يرى وأخذت ثمنه، وإذا في يوم من الأيام كان ينظف البلور شاهده وطنياً يقول: أخذ ثمنه يابانياً هل يقبل؟.
استدان منك مالاً وتقول: أنا وأثق به، إن مات لك معه مئة ألف ذهب المال، ولو أخذت وصلاً رسمياً عليه توقيعه فحقك محفوظ عند الورثة، لقد استدان مني وهذا نوع من العنترية لا يوجد حاجة أبو فلان أنا أثق بك، أبو فلان ممكن أن يموت بعد ساعة، الورثة يقولون: ليس لك عندنا شيء، وإذا أرادوا أن يسمعوا كلاماً يجب أن يكون معك بينة.
طبق القرآن في كل نواحي حياتك تجد نفسك سعيداً في صحتك، وحياتك، وعملك، وتجارتك، ومع أهلك وأولادك، هذا القرآن الكريم شفاء للناس، نحن لا نريد أن نتبرك به، ونعلقه في السيارة، وعيننا على الحرام، لا نضعه في البيت، والبيت فيه اختلاط، ويفتح المذياع بالغناء، نريد القرآن الكريم ينقلب إلى سلوك، وفقه، وعفاف، والتزام، هذا التخصيص. القرآن ربيع المؤمن كما أن الغيث ربيع الأرض :
قال تعالى:
﴿ قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلْ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ﴾
[ سورة الأنعام: 19]
لأنذركم أنتم يا من كنتم مع النبي عليه الصلاة والسلام، ومن بلغ أي نحن المقصودون بهذه الآية الآن، قال بعضهم: من بلغه القرآن وكأنما كلمه الله تعالى، يا أيها الذين أمنوا خذوا حذركم، قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم، أي كل الأوامر الله بلغه إياها، وقال قتادة: "إن القرآن ربيع المؤمن كما أن الغيث ربيع الأرض"، وقال: "لم يجالس أحد هذا القرآن إلا قام بزيادة أو نقصان"، لقوله تعالى: ﴿ وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا ﴾
[ سورة الإسراء: 82]
فالذي يريد أن يستفيد من عمره، ومن هذه المبالغ المباركة يمسك القرآن آية آية، فيجب أن يقبل كلام الله عز وجل، هل أحد يسير في السيارة من دون شهادة؟ يحجزون السيارة، الناس صدقوا هذا البلاغ وخافوا، هكذا يجب أن تعامل الله عز وجل، الله قال لك ماذا تفعل فيجب أن تنفذ كلامه وإلا فلست مؤمناً.
إن شاء الله في درس قادم نأخذ الأدب الثامن وهو التأثر، واليوم كان درسنا التخصيص أي كلما جاء أمر أنت المعني بالأمر، قرأت نهياً فأنت معني بالنهي، وقرأت وعداً فأنت المعني بالوعد، وقرأت وعيداً فأنت المعني بهذا الوعيد، وقرأت قصةً فأنت المعني بهذه القصة، استخلص منها الموعظة، كلما قرأت في القرآن شيئاً يجب أن ترى نفسك معنياً به وإلا إن لم تكن كذلك فأنت لا تقرأ هذا القرآن، كأنك تقرأ كتاب تاريخ.
* * *قصة قصيرة تبين لنا أن هذه الأمة التي ننتمي إليها هي أمةٌ مباركة :
والآن إلى قصة قصيرة تبين لنا أن هذه الأمة التي ننتمي إليها هي أمةٌ مباركة، لا أنسى قول النبي عليه الصلاة والسلام لسيدنا سلمان الفارسي، قال له: ((يَا سَلْمَانُ لا تَبْغَضْنِي فَتُفَارِقَ دِينَكَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ أَبْغَضُكَ وَبِكَ هَدَانَا اللَّهُ؟ قَالَ: تَبْغَضُ الْعَرَبَ فَتَبْغَضُنِي ))
[ الترمذي عَنْ سَلْمَانَ ]
أي إذا بغضت العرب انتقلت البغضاء إلي، فمن سمات المؤمن أن هذه الأمة المباركة التي نقلت له هذا الدين عليه ألا يتهمها ولو رآها في عصور ضعفها أو عصور تفككها ينبغي أن يحسن الظن بها. قصة المنصور مع الرجل الأموي :
قال أحمد بن موسى: ما رأيت رجلاً أثبت جناناً - أي القلب - من رجل رفع فيه عند المنصور - أي رفعت شكوى بهذا الرجل عند المنصور - وقالوا: إن عنده ودائع وأموالاً لبني أمية، فهذه تهمة كافية لتحطيمه، فأمر المنصور حاجبه الربيع بإحضاره فوراً فأحضر بين يديه، قال المنصور: قد رفع إلينا أن عندك ودائع وأموالاً لبني أمية فأخرج لنا ما عندك واحمل جميع ذلك إلى بيت المال، فقال الرجل: يا أمير المؤمنين هل أنت وارث بني أمية؟ - أي أنت وريث بني أمية - قال: لا، قال: أوصي أنت؟ قال: لا، قال: إذاً فلم تسأل عن ذلك؟ - وما توقع المنصور هذه الجرأة وهذا المنطق - أطرق المنصور ساعةً ثم قال: إن بني أمية ظلموا الناس، واغتصبوا أموال المسلمين، وأنا آخذها فأردها إلى بيت مال المسلمين، قال له: جميل يحتاج أمير المؤمنين إلى إقامة بينةٍ يقبلها الحاكم - القاضي - يريد دليلاً ومستمسكاً على أن المال الذي لبني أمية هو الذي في يدي، وأنه هو الذي اغتصبه من الناس، وبنو أمية لهم أموال لهم هي حلال، ولهم أموال اغتصبوها هي حرام، نريد إثباتين؛ أول إثبات أن هذا المال الذي هو عندي هو نفسه لبني أمية وهو نفسه مغصوب وليس الحلال، فسكت المنصور ساعةً ثم قال: يا ربيع صدق الرجل لا يجب لنا عليه شيء، معه حجة قوية، ثم قال الرجل: ألك حاجة؟ قال: نعم، قال: وما هي؟ قال: أن تجمع بيني وبين الذي وشى علي، فوالله يا أمير المؤمنين ما لبني أمية عندي شيء من هذا القبيل، ولما حضرت بين يديك وعلمت ما أنت عليه من العدل، والإنصاف، واتباع الحق، واجتناب الباطل، أيقنت أن هذا الكلام الذي قلته هو أنجح وأصلح لما سألتني عنه وأقرب إلى الخلاص.
إذا جادله، هذا الطريق مسدود، جاء من طريق آخر، هل أنت وصي؟ وهل أنت وارث؟ فما السبب؟ هذه أموال مغصوبة أريد أن أردها إلى أصحابها، هل معك بينة أن هذا المال الذي يوجد عندي هو نفسه مال بني أمية؟ لا، هل عندك بينة أن هذا المال الذي عندي إن كان لبني أمية هو المغصوب من الناس؟ قال له: لا، قال: إذاً لا يوجد لنا عنده شيء.
فقال المنصور للربيع: اجمع بينه وبين الذي وشى عليه، ولما جيء بالرجل عرفه وقال: هذا غلامي أخذ مني خمسمئة دينار وهرب ولي عليه كتاب بها- يوجد معي وثيقة- ثم استنطق المنصور الغلام فأقرّ أنه غلامه وأنه أخذ المال الذي ذكره مولاه، وسعى بمولاه ليجري عليه أمر الله، ويسلم من الوقوع بين يديه، فقال: يا أمير المؤمنين لقد وهبتها له من أجلك وادفع له خمسمئة دينار أخرى لحضوره مجلس أمير المؤمنين، فاستحسن المنصور فعله وكان في كل وقت يقول: يا ربيع ما وجدت من حاجَّني مثله.
الإنسان عندما يكون وقافاً عند حدود الله يكون إنساناً عظيماً، أما الإنسان فيقف عند كتاب الله هذا لي وهذا لك، قال عليه الصلاة والسلام " العدل حسن لكن في الأمراء أحسن، والتوبة حسن لكن في الشباب أحسن، والحياء حسن لكن في النساء أحسن، والصبر حسن لكن في الفقراء أحسن، والورع حسن لكن في العلماء أحسن ".
فالعلماء ألزم ما يلزمهم الورع، والأمراء ألزم ما يلزمهم العدل، والنساء ألزم ما يلزمهم الحياء، والأغنياء ألزم ما يلزمهم السخاء، والفقراء ألزم ما يلزمهم الصبر، والشباب ألزم ما يلزمهم التوبة.
* * *
بعض الأحاديث الكريمة تبدأ برحم الله :
والآن إلى بعض الأحاديث الكريمة، يقول عليه الصلاة والسلام طائفةً من الأحاديث الشريفة كلها تبدأ برحم الله، ومعنى رحم الله أي أن رحمة الله سبحانه وتعالى تنصب على هذا الإنسان، التجلي، والسرور، و الطمأنينة، والسعادة، إنسان مسرور، يشعر أن له عند الله مكانة كبرى، و قلبه عامر بذكر الله: رحم الله امرئ اكتسب طيباً... دخله حلال، وإذا كان الإنسان كسبه حراماً فوجهه أسود، قال لي أخ: ركبت مع إنسان دخله حرام حدثته بالدين فقال لي: هذا الموضوع دعنا منه، معه حق لأنه يوجد ظلام في قلبه، ودخل كبير حرام، فحدث معه حادث سير وجدوا رأسه في جهة وجسمه في جهة ثانية.
(( رحم الله امرأ اكتسب طيباً وأنفق قصداً- لم يسرف، فالإسراف والتبذير، وإتلاف المواد، ورمي الطعام في القمامة- وقدم فضلاً ليوم فقره وحاجته... - دفع من أمواله صدقات وساعد الناس، و أقرضهم، أي اكتسب طيباً وأنفق قصداً وقدم فضلاً ليوم فقره وحاجته-))
[ابن النجار عن عائشة]
(( ورحم الله امرأ أصلح من لسانه))
[ الديلمي عن عمر]
ما نطق بكلمة فاحشة، وما نطق بكلمة شائنة، وما وشى بين اثنين، وما اغتاب، وما تكلم بكلمة فاحشة، وأصلح من لسانه، وجعل هذا اللسان رطباً بذكر الله، تكلم عن الله تعالى وعظ الناس فأمرهم بالمعروف و نهاهم عن المنكر، وأصلح بين اثنين.
حديث آخر: ((لا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ وَلا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ وَلا يَدْخُلُ رَجُلٌ الْجَنَّةَ لا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ))
[ أحمد عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]
إذا إنسان كلامه مضبوط يشعر بسعادة كبرى: ((رحم الله امرأ تكلم فغنم أو سكت فسلم))
[البيهقي فى شعب الإيمان والديلمي عن ثابت عن أنس]
قعد في جلسة فتكلموا بالغيبة فسكت، والأصح أن يقوم ولا يبقى جالساً، وإذا كان لا يستطيع أن يقوم وذلك بسبب أنه مركز عمله يبقى ساكتاً، أما إن جاء بزيارة فيستطيع أن يقوم، وإذا لك مكانة كبيرة قل: هذا الكلام كله نهش في أعراض الناس و لم يعجبني، يقل آية قرآنية أو آية كونية، يلفت نظرهم للآخرة، ويحدثهم عن الله عز وجل فغنم وموضوع لا يرضي الله فسكت. (( رحم الله عبداً علق في بيته سوطاً يؤدب به أهله))
[ الديلمي عن جابر]
أي لم يستخدمه ولكن له في بيته شخصية ليس ضعيفاً لا يعبأ به أحد. (( رحِمَ اللهُ رجلاً قامَ من الليلِ فصلَّى، وَأَيْقَظَ امْرَأَتَهُ، فَإِن أَبَتْ نَضَحَ في وَجْهِهَا الماءَ....))
[ رواه أبو داود واللفظ له والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة ]
كان النبي الكريم رقيقاً من آثار الوضوء، ينضح وجه زوجته بالماء، وليس كأس ماء. ((......رَحِمَ اللهُ امرأة قَامَتْ من الليل فصلتْ وأَيقظتْ زوجَها، فإِنْ أَبَى نضحتْ في وجهه الماءَ ))
[ رواه أبو داود واللفظ له والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة ]
أي هو أو هي، و رجل له زوجة تعينه على رضاء الله فليشكر الله عز جل، وإذا زوجة لها زوج يعينها على طاعة الله فلتكن له شاكرةً. ((رَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا كَانَتْ لأخِيهِ عِنْدَهُ مَظْلَمَةٌ فِي عِرْضٍ أَوْ مَالٍ... ))
[الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
قال عنه قصة غير صحيحة أو أخذ ماله. ((.... فَجَاءَهُ فَاسْتَحَلَّهُ قَبْلَ أَنْ يُؤْخَذَ وَلَيْسَ ثَمَّ دِينَارٌ وَلا دِرْهَمٌ... ))
[الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
هذا منتهى التوفيق إذا كان عليك ذمة، وعليك مال حرام، وتتكلم عن إنسان كلاماً غير صحيح، اذهب إلى بيته قبل أن يأتي ملك الموت واستسمح منه، وقدم له هدية، وإذا كان له عليك مبلغ من المال فادفعه له. ((........ فَإِنْ كَانَتْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ حَسَنَاتِهِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ حَمَّلُوا عَلَيْهِ مِنْ سَيِّئَاتِهِمْ))
[الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
((رَحِمَ اللَّهُ رَجُلاً سَمْحًا إِذَا بَاعَ وَإِذَا اشْتَرَى وَإِذَا اقْتَضَى))
[الترمذي عَنْ جَابِرِ بْنِ عبد الله رَضِي اللَّهم عنهما]
((رحم الله من حفظ لسانه وعرف زمانه))
[ الحاكم عن ابن عباس]
احفظ لسانك أيها الإنســان لا يلدغنك إنه ثعبـــان
كم في المقابر من قتيل لسانه كانت تهاب لقاءه الشجعان
***
لكل عصر طبيعة، يوجد عصر طبيعته علمية، الخرافة مرفوضة، تسبب استنكاراً للناس، عرف زمانه واستقامت طريقته: (( رحم الله والداً أعان ولده على بره))
[ كشف الخفاء رواه أبو الشيخ في الثواب بسند ضعيف عن علي وابن عمر مرفوعاً]
بذل له، وراعى ظروفه، يريد أن يتزوج ويسكن في بيت، أنا ربيته، لك عند الله أجر خذ شيئاً بالمعقول. ((نَضَّرَ اللَّهُ عَبْدًا سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا ثُمَّ بَلَّغَهَا عَنِّي فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرِ فَقِيهٍ وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ ))
[أحمد عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]
((حُرِّمَتِ النَّارُ عَلَى عَيْنٍ دَمَعَتْ أَوْ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَحُرِّمَتِ النَّارُ عَلَى عَيْنٍ سَهِرَتْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ))
[ النسائي و الدارمي عن أبي ريحانة ]
هؤلاء كلهم مرحومون، معنى مرحومون أي في قلبهم تجلٍّ، و سعادة، وسرور، وراحة، وسكينة، إذا إنسان كان بيعه سهلاً وشراؤه سهلاً وأدى ما عليه فالله يرحمه، ورجل أعان ابنه على بره فزوجه وسكنه في بيت، يرحمه الله، وعين بكت من خشية الله يرحمها الله عز وجل، كان سمحاً إذا باع يرحمه الله، لك عند الله مظلمة ذهبت وطلبت السماح منهم وصححت الخطأ، و إنسان قام وصلى في الليل فالله يرحمه و أدب أهله، وقال: خيراً فغنم أو سكت فسلم يرحمـه الله عز وجل، اكتسب طيباً وأنفق قصداً، و رحم الله امرأً أصلح من لسانه.
هذا ملخص الأحاديث وهذه الأحاديث حول موضوع واحد، كل هؤلاء يرحمهم الله، ومن ذاق الرحمة عرفها، وإن رحمة الله قريب من المحسنين.

السعيد 09-10-2018 08:31 AM

رد: الفقة الاسلامى 2
 
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( السابع و الثلاثون )

الموضوع : سقوط الجماعة عن الفرد المسلم الاحق بالامامة



الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أسباب سقوط الجماعة عن الفرد المسلم :
1 ـ المطر الشديد :
أيها الأخوة المؤمنون، هناك فصل عنوانـــه: "متى تسقط الجماعة عن الفرد المسلم؟" كلكم يعلم أن صلاة الجماعة أفضل عند الله بسبعة وعشرين ضعفاً، أولاً: المطر، طبعاً المطر الشديد ويجوز الآن هذا الشرط أن يكون ملغياً، الإنسان الآن عنده سيارة والطرقات كلها معبدة لا يشعر بشيء، ولكن يبدو أن هذا الشرط في ظرف معين كان يعيق الحركة.
2 ـ البرد الشديد و الخوف :
البرد الشديد والخوف، فمن خاف من عدوه فخوفه يسقط عنه حضور صلاة الجماعة.
3 ـ الظلام الدامس و الحبس و العمى و المرض و الوحل و الشيخوخة :
ظلمة ظلام دامس، وحبس، طبعاً إذا كان مسجوناً فهذا شيء بديهي، وعمىً، أعمى وليس له دليل، وشلل، وقطع يد أو رجل، وسقام أي مرض، وإقعاد، ووحل شديد، وزمانة أي مرض مزمن، وداء عضال، وشيخوخة.
4 ـ تكرار فقه لجماعة تفوته :
وتكرار فقه لجماعة تفوته، إذا اعتاد أن يحضر مجلس علم ثابت وما غاب عنه إطلاقاً فإذا فاتته صلاة الجماعة ليحضر مجلس علم لا شيء عليه.
5 ـ حضور طعام تتوق إليه النفس و السفر :
وحضور طعام تتوق إليه نفسه، وإرادة سفر، لأنه يستعد للسفر فيهيئ أغراضه، وإذا كان مجمعاً للسفر فيمكن أن يصلي في بيته.
6 ـ القيام بمريض :
وقيامه بمريض، ممرض، إنسان والدته مريضة تحتاج كل نصف ساعة إلى دواء فهذا يصلي في بيته.
7 ـ شدة ريح ليلاً لا نهاراً :
وشدة ريح ليلاً لا نهاراً، وإذا انقطع المسلم عن الجماعة لأحد هذه الأعذار المبيحة يحصل له ثواب الجماعة، أشياء كلها منطقية، مطر، برد، خوف من عدو، ظلمة حبس، عمى، فالج، قطع يد أو رجل، إقعاد، وحل، زمانة شيخوخة، يمكن أن يمشي والطريق وعر، يوجد إنسان تقدمت به السن لا يقوى على حمل نفسه، أو احتمال أن يقع فينكسر وكسر الشيخ يصعب التئامه، و تكرار فقه لجماعة تفوته، لو إنسان بيته فرضاً في الميدان وصلى فرضاً معين في بيته حتى يلحق درس علم هذا مباح له أن يصلي في بيته بهدف حضور مجلس العلم، وحضور طعام تتوق إليه نفسه، طبخة معينة فقال في نفسه: آكل معهم حتى لا تذهب حصتي من الطعام، وإرادة سفر، وقيامه بمريض.
قواعد دقيقة لاختيار الإمام :
1 ـ أن يكون صاحب منزل أو وظيفة :
الآن وقف المسلمون ليصلوا جماعةً من هو الإمام؟ يوجد عندنا قواعد دقيقة جداً، قال: إن لم يكن بين الحاضرين صاحب منزل، ولا وظيفة، ولا ذو سلطان، فصاحب المنزل أحق أن يصلي إماماً وصاحب الوظيفة دخلت إلى مسجد له إمام، أخي سوف نصلي بهم، لماذا تصلي بهم أنت؟ هذه وظيفته أدباً، دعه يصلي، كثير من الأشخاص يسافرون ومسجد له إمام يريد أن يصلي عنه، لماذا؟ هذا صاحب وظيفة أولى من كل الناس، إلا إذا قدمك هو شيء آخر، إذا عرفك وقدمك لفضلك فهذا أجازك، أما صاحب الوظيفة فأحق أن يصلي بالناس.
2 ـ صاحب منصب رسمي :
إن لم يكن بين الحاضرين صاحب منزل ولا وظيفة ولا ذو سلطان إذا صاحب منصب رسمي قاضٍ مثلاً، والقاضي أولاً إذا كان هناك جماعة في بيت وفيهم القاضي الشرعي الأول مثلاً يصلي القاضي، وأمير مثلاً، طبعاً هنا المقصود بالأمير التقي والنقي، قاض مطبق تعاليم الدين، إذا لم يكن بين الحاضرين صاحب منزل ولا وظيفة ولا ذو سلطان، أحد هؤلاء الثلاثة أحق بالصلاة من أي إنسان آخر، صاحب البيت، أو صاحب وظيفة الإمامة، أو ذو سلطان، و منصب رسمي؛ أمير، قائم مقام مثلاً، مدير الناحية، أي صاحب وظيفة، وهذه إشارة لطيفة، أي كل هؤلاء ينبغي أن يكونوا أتقياء مصلين صائمين.
3 ـ الأعلم :
الآن فالأعلم أحق بالإمامة أول شيء الأعلم، أكثر الناس يظنون الأقرأ، لا، الأعلم أحق بالإمامة.
4 ـ الأقرأ ثم الأورع ثم الأسن ثم الأحسن خلقاً ثم الأحسن وجهاً :
ثم الأقرأ، ثم الأورع، ثم الأسن، ثم الأحسن خلقاً، ثم الأحسن وجهاً، ثم الأشرف نسباً، ثم الأحسن صوتاً، ثم الأنظف ثوباً، إلى هنا انتهى المتن، وفي الحاشية يوجد تفصيلات فالأكبر سناً.
المقصود بالأعلم أي الأعلم بالفقه، بأصول الصلاة، بشروطها، وبأركانها، وبواجباتها، وبمكروهاتها، و بآدابها، ثم الأقرأ الذي يتقن أحكام التجويد، ثم الأورع، ثم الأسن، ثم الأحسن خلقاً، ثم الأحسن وجهاً، ثم الأشرف نسباً، ثم الأحسن صوتاً، ثم الأنظف ثوباً، إلى هنا انتهى المتن، وفي الحاشية يوجد تفصيلات فالأكبر سناً، فإذا استووا يقرع بين المصلين، وليس من المعقول أن يستووا لابد من التمايز، و هذه هي المقاييس، فإن لم يقرع بين هؤلاء فالخيار للمصلين، هم قدموا فلاناً، فإذا اختلفوا فالعبرة لمن اختاره الأكثــرون، الأكثرية قدموا فلاناً، وغلب رأيهم رأي الأقلية، وإن قدموا غير الأولى فقد أساؤوا جميعاً، قدموا رجلاً لا يستحق الإمامة ولكن خوفاً منه، أو نفاقاً له، فقد أساؤوا جميعاً، وكره إمامة العبد، والأعمى، والجاهل، والفاسق، والمبتدع، هؤلاء جميعاً كره أن يكونوا أئمةً يؤمون الناس في الصلاة.
من دخل المسجد ليصلي فليصلِّ خلف أي إمام :
هنا يوجد موضوع دقيق إذا دخل إنسان إلى المسجد يجب أن يصلي خلف أي إمام دون التحقق من استقامته أو بره أو فجوره، فليس هذا من وظيفته، لكن إذا حصل له علم مسبق أن هذا صاحب بدعة أو صاحب عقيدة زائغة، أو صاحب عقيدة فاسدة، إن حصل لك هذا مسبقاً فلا تصلِّ خلفه، أما إذا دخلت إلى مسجد لتصلي صلِّ وراء كل بر وفاجر.
هذا الموضوع موضوع الأحق بالإمامة، وموضوع متى تسقط صلاة الجماعة عن الفرد المسلم، ويحصل له ثوبها كما لو صلاها، هذان الموضوعان هما الفصلان المختاران لهذا اللقاء.
* * *
آداب تلاوة القرآن الكريم :
1 ـ الترقي :
والآن إلى فصل مختار من إحياء علوم الدين، لازلنا في موضوع آداب تلاوة القرآن، تحدثنا عن الآداب الظاهرة، ثم تحدثنا عن الآداب الباطنة، ووصلنا في الدرس الماضي إلى التأثر، وها نحن أولاء ننتقل منه إلى أدب آخر وهو الترقي، فما هو الترقي؟ نعني بالترقي أن يسمع القارئ الكلام من الله تعالى لا من نفسه، فدرجات القراءة ثلاث هناك أدناها أن يقدر العبد كأنه يقرأ على الله عز وجل، أي يقرأ القرآن في حضرة الله عز وجل، واقفاً بين يديه، وهو ناظر إليه، مستمع منه، فيكون حاله عند هذا التقدير السؤال، والتملق، والتضرع، والابتهال، وهذه درجة من درجات قراءة القرآن الكريم.
والدرجة الثانية أن يشهد بقلبه كأن الله سبحانه وتعالى يراه، ويخاطبه بألفاظه، ويناجيه بإنعامه وإحسانه، فمقامه مقام الحياء، والتعظيم، والإصغاء، والفهم، إما أن تقرأ القرآن في حضرة الله عز وجل، وإما أن تسمعه من الله عز وجل، وكأن الله عز وجل يخاطبك بكلامه، والدرجة الأعلى أن يرى في الكلام المتكلم، اعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، وهذه درجة، وهذه أعلى مرتبة إنها الإحسان، أن يرى في كلام المتكلم وفي الكلمات الصفات، فلا ينظر إلى نفسه، ولا إلى قراءته، ولا إلى تعلق الإنعام به، من حيث إنه مُنعَم عليه، بل يكون مقصور الهم على المتكلم، موقوف الفكر عليه، كأنه مستغرق بمشاهدة المتكلم عن غيره، وهذه درجة المقربين، فالإنسان يقيس نفسه إذا قرأ القرآن أين هو من هذه الدرجات الثلاثة؟ هل تقرأ القرآن بحضرة الله عز وجل وكأنك تبتهل إليه وتدعوه وتناجيه وترجوه؟ أم أنك تسمع القرآن من الله عز وجل وكأنه يخاطبك بكلامه؟ أم أنك غبت عن كل شيء واستغرقت بالله عز وجل وكأنك تراه وهذه درجة المقربين؟ الأولى درجة أصحاب اليمين، والثانية أصحاب اليمين، والثالثة المقربين، وما خرج عن هذا فهو درجات الغافلين، يقرأ القرآن وهو غافل، ما شعر أنه يقرؤه في حضرة الله عز وجل، و لا شعر أن الله سبحانه و تعالى يخاطبه بكلامه، ولا غاب عن كلام الله و استغرق في ذات الله، لا هذه و لا هذه و لا تلك إذاً هذه قراءة الغافلين.
و عن الدرجة العليا أخبر جعفر بن محمد الصادق رضي الله عنه قال: "و الله لقد تجلى الله عز وجل لخلقه في كلامه و لكنهم لا يبصرون"، و قال أيضاً: "و قد سألوه عن حالة لحقته في الصلاة حتى خر مغشياً عليه فلما سري عنه قيل له: ماذا أصابك؟ فقال: ما زلت أردد الآية على قلبي حتى سمعتها من المتكلم بها"، رددها و رددها حتى سمعها من الله عز وجل، و من أراد أن يحدث ربه فليقرأ القرآن، ألا تحب أن أجلس معك؟ فصعق سيدنا موسى، و كيف ذلك يا رب؟ قال له: أما علمت أنني جليس من ذكرني، و حيثما التمسني عبدي وجدني، إذا أردت أن تناجي ربك فاقرأ القرآن، قال: "ما زلت أردد الآية على قلبي حتى سمعتها من المتكلم بها"، ففي مثل هذه الدرجة تعظم الحلاوة و لذة المناجاة.
قراءة القرآن علامة دقيقة على استقامة الإنسان و طيب عمله :
أقول لكم: الإنسان إذا كان عمله طيباً جداً أمتع شيء في حياته أن يقرأ القرآن، اقرأ القرآن إذا شعرت بضيق فاعلم أنه يوجد تقصير، أو مللت فكذلك يوجد تقصير، لم تجد شيئاً قرأت و قرأت و فتحت لا على التعيين لم تتأثر، فإذا الإنسان لم يتأثر، و لم يشعر بانشراح، و لم يتمنَّ أن يقرأ ساعة أو ساعتين أو ثلاثاً، و لا شعر بسرور، فليعلم أنه يوجد خلل بالعمل، و بالاستقامة، أو تقصير، أو لا يوجد عمل صالح، أو لا يوجد تطبيق، فكأن قراءة القرآن علامة دقيقة على استقامة الإنسان و طيب عمله، مستحيل أن تقرأ القرآن وأنت ذو حال طيبة إلا وتحس بأنك مستمتع به إلى أقصى الحدود، حتى إنني أقول لكم: إن الذي يقرأ القرآن وله حال طيب يهبه الله سبحانه وتعالى صوتاً قد يقول لك وهو صادق: لم أسمع في حياتي أجمل من صوتي.
الإنسان عندما يستغرق ساعة أو ساعتين ما معنى هذه الحالة؟ عمله طيب جداً، فربنا عز وجل سمح له أن يقرأ كلامه، وسمح له أن يتلقى التجلي الإلهي، وسمح له أن يتنعم ويطرب بصوته، قال: فبمثل هذه الدرجة تعظم حلاوة المناجاة، ألم يقل له يا ربي لقد عصيتك ولم تعاقبني؟ قال له: عبدي لقد عاقبتك ولم تدرِ ألم أحرمك لذة مناجاتي، هذا لا يعرف ما نقول إلا إن اقتفى أثر الرسول.
هذه المعلومات لا يتذوقها المستمع إلا إذا عاش المناجاة، وشعر بقرب الله عز وجل، و إلا غابت عنه هذه الأحوال، وشعر بالجفاء، والوحدة. فـأحبابنا اختاروا المحبة مذهباً وما خالفوا عن مذهب الحب شرعنا
فمـا حبنا سهل وكل من ادعى سهولته قلنا له قـد جهلتنــــا
فأيسر ما في الحب بالصب قتله وأصعب من قتل الفتى يوم هجرنـا
***
تلاوة القرآن عبادة عظيمة :
من مناجاة رابعة العدوية رضي الله عنها أنه: "يا ربي لقد خلا كل حبيب بحبيبه"، هذا مع أصدقائه يلعبون ورقاً، وهذا سهر يأكل، وهذا سهر مع زوجته، وهذا سهر مع صديقه يعملون حسابات نتائج ربح العام، فكل إنسان استهلك الحياة بشيء، وهذا سهر مع الله عز وجل فخلا بحبيبه.
قال بعض الحكماء: "كنت أقرأ القرآن فلم أجد له حلاوة حتى تلوته وكأنني أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم"، فما الذي صار معه؟ صار معه ارتباط نفسي برسول الله، ولما تصور نفسه يسمعه من رسول الله توجهت نفسه نحوه، ثم جاء الله بمنزلة أخرى فأنا الآن أسمعه من المتكلم به، فعندما وجدت له لذةً ونعيماً لا أفتر عنه كان يقول لي إنسان: أنا إذا لم أقرأ قرآناً في اليوم لا يهنأ لي عيش.
قال عثمان وحذيفة رضي الله عنهما: "لو طهرت القلوب لم تشبع من قراءة القرآن"، والآن يوجد أخبار تقرؤونها، و الإنسان يستغرب يقول لك: صلى وقرأ البقرة بركعتين فتعب، وتقول: البقرة جزآن ونصف الجزء تقريباً أما تعب من الوقوف؟ الآن إذا الإمام قرأ ثلاثة أرباع الصفحة يقولون له: لقد أطلت يا أخي، لا يجوز أن تطيل الصلاة يا أخي، كيف كانوا يقرؤون البقرة وآل عمران، كيف كانوا يقرؤون هذه السور الطويلة؟ معنى هذا أنه كان هناك استغراقاً شديداً جداً لتلاوة القرآن في الصلاة.
قال ثابت البناني: "كابدت القرآن عشرين سنة، وتنعمت به عشرين سنة"، كابده أي تعلمه، وتعلم قراءته، وطبق أوامره، وانتهى عن نواهيه، حتى صار في مستوى كلام الله عز وجل عندئذٍ تنعم به عشرين عاماً أخرى، ولا تجعلوا مع الله إلهاً آخر، قال: فمن لم يره في كل شيء فقد رأى غيره، يجب أن تشاهد الله عز وجل في كل شيء، فهذا الذي آذاك الله سمح له، و الذي أكرمك الله ألهمه، إن شاهدت نباتاً فقل: سبحان من خلقه، وإذا قدم إنسان لك شيئاً فقل: سبحان الملهم، و إذا رأيت الله في كل شيء فأنت مؤمن، وإذا رأيت هذا الشيء من فلان وفلان وقلت: آذاني، فهذا هو الإشراك.
كلما التفت العبد إلى ما سوى الله ففي التفاتته هذه شرك خفي، و التوحيد الخالص ألا يرى في كل شيء إلا الله عز وجل، وهذا هو الأدب التاسع الترقي، أن تسمع القرآن من الله عز وجل، وأقل من هذه الدرجة أن تناجي به ربك، و أعلى من هاتين أن ترى الله عز وجل من خلال كلامه، اعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، ولذلك تلاوة القرآن عبادة عظيمة فليست قراءة بل عبادة.
2 ـ التبري :
آخر أدب من آداب القرآن الكريم التبري ونعني به أن يتبرأ من حوله وقوته، التفاته إلى نفسه بعين الرضا والتزكية، فإذا قرأ آيات الوعد والمدح للصالحين فلا يشهد نفسه عند ذلك، فهناك أشخاص مغرورون، يقرأ عن المؤمنين هو مؤمن واثق من نفسه، وهذا سوء أدب مع الله عز وجل، يجب أن تكون في مقام الخوف والأدب لا في مقام الطمأنينة، من اطمأن في الدنيا خاف في الآخرة، ومن خاف في الدنيا اطمأن في الآخرة، لا يوجد إنسان في الأرض يستحق الطمأنينة أكثر من رسول الله صلى الله عليه، ومع ذلك دخل على أحد الصحابة وقد توفي وهو مسجى على الفراش فسمع امرأة تقول: "هنيئاً لك أبا السائب فقد أكرمك الله، فالتفت النبي عليه الصلاة والسلام وقال لها: وما أدراكِ أن الله أكرمه؟ قالت: ألم يجاهد معك؟ قال: قولي: أرجو الله أن يكرمه وأنا رسول الله لا أدري ما يفعل بي".
الإنسان لا يعرف، طبعاً الله كريم، أما أن يعتبر نفسه مؤمناً فلعله في خلل في استقامته، ولعله في شرك في نياته، فإذا الإنسان قرأ القرآن يجب أن يتبرأ من نفسه، و لا يكون معجباً بها، أو معجباً بإيمانه، بل معجباً بعمله الطيب، كلما قرأ آية عن المؤمنين الصالحين الأتقياء قال: أنا منهم، أنا من هؤلاء ولست من هؤلاء، بل يشهد ويتشوق أن يلحقه الله عز وجل بهم، وإذا قرأ آيات المقت وذم العصاة والمقصرين شهد على نفسه هناك وقدر أنه المخاطب خوفاً وإشفاقاً، ولذلك كان ابن عمر رضي الله عنهما يقول: "اللهم إني أستغفرك لظلمي وكفري، فقيل له: هذا الظلم فما بال الكفر فتلا قوله عز وجل:
﴿ وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾
[ سورة إبراهيم : 34 ]
وأحياناً ينظر إلى الطعام وينسى المطعم، وينسى المنعم، وينتبه إلى هذا الطعام وإتقان الصنعة وينسى أن هذه المواد كلها من الله عز وجل، وهذا أحد أنواع الكفر المخفف، أي إن الإنسان لظلوم كفار هكذا قال سيدنا ابن عمر. على الإنسان أن يفتقر إلى الله عز وجل و إلى معونته :
تلاحظ أن المؤمن الصادق يخاف على نفسه، فهل من المعقول أن نبياً يعبد أصناماً سيدنا إبراهيم قال: قال تعالى:
﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ ﴾
[ سورة إبراهيم : 35 ]
هل من المعقول سيدنا يوسف أن يقع بالفاحشة؟ قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾
[سورة يوسف:33]
فهذا هو الافتقار إلى الله عز وجل، و إلى معونة الله، قال تعالى: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾
[ سورة الفاتحة: 5 ]
أما المتمكن من نفسه كثيراً فما تزل قدمه ويهوي في المعصية.
وقيل لأحدهم: إذا قرأت القرآن بماذا تدعو؟ قال: أستغفر الله عز وجل من تقصيري سبعين مرة، فإذا رأى نفسه بصورة التقصير في القراءة كانت رؤيته سبب قربه، والشعور بالتقصير سبب القرب، و لذلك فربنا عز وجل أحياناً يحجب الأحوال الطيبة عن المؤمن حتى لا يطمع، ولو أنه بعث له أحوالاً طيبة وتجليات دائماً فيجوز أن يركن إلى هذه الحالة فلا يتقدم، وعندما يقع فتور في الأحوال تكون المعالجة من الله عز وجل، عملية تعطيش حتى يتابع الترقي ولا يتابع الاستقرار والسكون. المكاشفات لا تكون إلا بعد التبري من النفس وعدم الالتفات لها :
قال أبو سليمان الداراني رضي الله عنه: "وعد ابن شيبان أخاً له أن يفطر عنده، فأبطأ عليه حتى طلع الفجر فلقيه أخوه في الغد فقال له: وعدتني أنك تفطر عندي فأخلفت، فقال: لولا ميعادي معك ما أخلفتك للذي حبسني معك، إني لما صليت العتمة - العشاء - قلت أوتر قبل أن أجيئك لأني لا آمن ما يحدث من الموت فلما كنت بالدعاء من الوتر رفعت إلي روضة خضراء فيها أنواع الزهر من الجنة فما زلت أنظر إليها حتى أصبحت"، الله كشف له عن بصيرته، عامة الناس صلاتهم شكلية يقول لك: ارتحنا منها، الحمد لله صليت العشاء، لكن إذا الإنسان التفت بكليته إلى الله عز وجل كانت الصلاة عنده أعظم متع الحياة، كما قال عليه الصلاة والسلام: "أرحنا بها يا بلال".
وهذه المكاشفات لا تكون إلا بعد التبري من النفس، وعدم الالتفات لها، و الصوفيون قالوا: هناك حالة اسمها حالة الفناء، يغيب عن ذاته، فيوجد شخص ذاته صارخة، وإحساسه بذاته قوي جداً، يقول لك: أنا فعلت، تركت، أنجزت، ولولاي ما صار شيء، هذا إحساسه بذاته قوي، ولم يبلغ حال الفناء بعد، لكن حال الفناء حال راقٍ جداً، وهو حال الأنبياء، و حال كبار المؤمنين، ما عاد ينظر إلى ذاته نظره إلى الله عز وجل.
والعلماء شبهوا هذا الحال بإنسان نزل في البحر فما حجمه و هو شاهد أنه لا يوجد نهاية للماء؟ فإحساسه بعظمة البحر حجبه عن ذاته، أحياناً يلتقي طبيب ناشئ بطبيب جراح قلب درجة أولى في العالم جاء زائراً فينسى نفسه أنه الطبيب الناشئ، وإحساسه بذاته يتضاءل كثيراً، ويرجع كأنه تلميذ أمامه، وإذا ذهب إلى قرية وهو الطبيب الوحيد في القرية يشعر أنه طبيب متميز، إحساسه بذاته يتعاظم، أما إذا جلس أمام أستاذه بالطب مثلاً، فيصغر كثيراً، إذا جلس تويجر صغير مع أكبر تاجر في البلد مثلاً تراه يصغر ويصبح مثل الصانع أمامه، هو تاجر ولكنه تاجر أمام التجار، أما أمام التاجر الكبير فلا شيء، وهذه أمثلة أقربها لكم للفناء، فلما يشهد الإنسان عظمة الله عز وجل يغيب عن نفسه، فتجد السابقين حديثهم عن الله عز وجل، من أنا لأتحدث عن نفسي؟ لا شيء، وكلما ارتقت منزلتك عند الله تضاءل إحساسك بذاتك، وكلما كانت مرتبة الإنسان منخفضة كان عنده تضخم بالإحساس في ذاته، فهو مالئ الدنيا، وشاغل الناس، والناس لا يعنيهم أمره، وهذه قضية مهمة جداً، كلما شاهدت من عظمة الله أكثر غبت عن ذاتك أكثر، وهذه المكاشفات لا تكون إلا بعد التبري عن النفس، وعدم الالتفاف إليها.
أقنعة الحياة كثيرة جداً من يلتفت إليها تصبح حجاباً بينه و بين ربه :
أحياناً الإنسان يلتفت إلى شهاداته أي معه بورد، فإذ وجد إنساناً وليس دكتوراً يزوره، أو نسي أن يقول له: أستاذ يشعره أن يجب أن تناديني بلقبي العلمي، وهذا الإنسان بعد أن نال الدكتوراه عاش ثلاثين سنة ملتفتاً إلى ذاته، ومحجوباً عن الله عز وجل، فهذا ملتفت إلى ماله، وحالته المادية جيدة جداً، فإذا الإنسان عامله كأنه إنسان وسط تراه ينزعج لالتفاته لماله، وأحياناً الله عز وجل يعطي الإنسان شكلاً و طولاً وبياضاً وجاذبية فتراه يلتفت إلى شكله معجباً به، ودائماً يشاهد أنه متميز عن الناس، وأحياناً الإنسان يكون منتسباً إلى أسرة عريقة أيضاً وهذا النسب الرفيع يجعله يلتفت إلى هذا النسب، ويستعلي على الناس، فيوجد أقنعة في الحياة كثيرة جداً، قناع المال، وقناع الشهادات، وقناع القوة، والسلطة، والنسب والحسب، فالإنسان عندما يلتفت إلى هذه الأشياء تصبح حجاباً بينه وبين الله عز وجل، فتراه مقطوعاً عن الله، ولا يوجد له وجهة إلى الله عز وجل، ولا يؤثر في الناس.
سبحان الله مرة حضرت حفلاً فقام إنسان وألقى كلمة، الكلمة بمنتهى الذكاء، دقيقة، وفيها نصوص، وهو فصيح اللسان، متكلم، ولكن يوجد روحانية، فلم يتأثر أحد، لأنه ملتفت إلى إمكاناته العالية، وهذا الالتفات إلى قدراته العالية كانت حجاباً بينه وبين الله عز وجل، فالله سبحانه وتعالى مصدر كل شيء، العطاء منه والإنسان عندما يأتيه من باب الاستغناء فالله يحجبه عنه، فهو مقطوع عن الله، فيا أخوان هذه نقطة دقيقة جداً لا يوجد إنسان إلا وله ميزة، هذا ابن فلان، وهذا غني، وهذا متعلم معه ماجستير،... فالإنسان عندما يكون بعيداً عن الله عز وجل، ويلتفت إلى هذه الميزة، وقع في الحجاب، وانتهى، أما إذا استغرق الإنسان في تعظيم الله عز وجل فيقع في حالة اسمها الفناء، وهذه الحالة من أرقى الحالات، تتضاءل نفسه أمامه.
من يلتفت إلى ذاته يعالجه الله عز وجل :
دخل رجل أصابته رعدة لعند رسول الله:
(( فعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ فَكَلَّمَهُ فَجَعَلَ تُرْعَدُ فَرَائِصُهُ فَقَالَ لَهُ: هَوِّنْ عَلَيْكَ فَإِنِّي لَسْتُ بِمَلِكٍ إِنَّمَا أَنَا ابْنُ امْرَأَةٍ تَأْكُلُ الْقَدِيدَ ))
[ ابن ماجة عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ ]
لما فتح مكة اذكر لي قائداً في العالم فتح بلدة ولم يستعلِ على أهلها إلا النبي عليه الصلاة والسلام؟ دخل وهو يفتح مكة مطأطئ الرأس تواضعاً لله وشكراً، حالة الفناء قائمة فيه، كأنه سبحان الله كلما علوت عند الله عز وجل يتضاءل إحساسك بذاتك، ويتعاظم إحساسك بعظمة الله عز وجل، وكلما الإنسان صغر في نظر الله يكبر في نظر نفسه، ولذلك فمن أجمل الأدعية: "اللهم أرني بعين نفسي صغيراً وأرني بعين الناس كبيراً".
الناس الآن يرون أنفسهم كبراء وهم في أعين الناس لا شيء، أمام نفسه منفوخ نفخة كبيرة جداً، وأمام الناس لا قيمة له، والعبرة ابتغوا الرفعة عند الله، آية أو آيتان في القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً ﴾
[ سورة الكهف: 105 ]
إنسان ليس له وزن عندنا أبداً، لهم صغار عند الله، أن يسقط الإنسان من السماء إلى الأرض فتنحطم أضلاعه أهون من أن يسقط من عين الله، كأني أريد أن أركز في هذا الكلام على حالتين؛ حالة الاستغناء، القطيعة مع الله عز وجل مبنية على الإحساس بالذات، وحالة الفناء، الفناء أنت غائب بمشاهدة من تحب عن ذاتك.
سبحان الله الإنسان عندما يلتفت إلى ذاته الله يعالجه، أعرف طالباً مرشحاً أن يكون الأول على القطر دخل إلى الامتحان فيبدو أن مراقباً وجه له ملاحظة فتوقف وتطاول عليه، وهذا المراقب كتب به تقريراً فتطاول فأعطوه صفراً في هذه المادة فتفاجأ أنه لم ينجح، عنده استعلاء من أعلى درجة، وعلى أتفه سبب رسب، وكل إنسان يتكبر فليلتفت إلى ذاته. المتكبر يقصمه الله عز وجل وتأتيه ضربات قاسية :
هناك طبيب بلغت شهرته الآفاق وبعد هذا اشتغل بالعمار، يعطي وصفة لمريض قال له: حبتان قبل الطعام وحبتان بعد الطابو، نسي أنه طبيب، وكان يجري عملية جراحية لامرأة - وهو طبيب نسائي مولد- تجاوز الرحم وقطع الأمعاء، وكاد المجلس الطبي الأعلى أن يسحب منه الشهادة لولا أنه أخذ هذه المريضة إلى المستشفى وأسعفها، وتولى الأمر بنفسه لسحبت منه الشهادة، وبلغت شهرته الآفاق، صار التفات للذات، فانقطع عن الله عز وجل ووقع في الكبر، ولذلك فالمتكبر يقصمه الله عز وجل وتأتيه ضربات قاسية، وأحياناً الإنسان يمشي بأناقة مفرطة، بدلة بيضاء، والحذاء، والجوارب، وربطة العنق، والعطورات، فيتزحلق على رصيف رطب، فالكبر علاجه ضربة قاسية، وهناك إنسان معتز بعلمه فيأتي من يغلبه يسأله سؤالاً ليس مهيئاً للإجابة عنه، رجل في التدريس، أو في المحاماة، أو في الطب، وأحياناً يعطي الطبيب دواء قاتلاً، ولذلك يوجد أطباء مؤمنون وكلما بدأ بمعالجة مريض يغمض عينه ويطلب من الله المعونة، وهذا المريض يشفى على يده، لأنه مفتقر إلى الله.
ومالي سوى فقري إليك وسيلةٌ فبالافتقار إليك فقري أدفع
ومالي سوى قرعي لبابك حيلة فإذا رددت فأي باب أقرع؟
***
العاقل من طلب من الله أن يعينه :
كل منا له عمل، إذا كان موظفاً يقول: يا رب استر، فقد يلبسونك تهمة أنت بريء منها، فإذا دخلت مفتقراً إلى الله عز وجل فكلهم يحترمونك، ويحتفلون بك، وأعمالك يقدرونها لك، ويعطونك مكافآت، وإذا شاهدت نفسك تملك منصباً دقيقاً فالله عز وجل يلهم من هم أعلى منك أن يتجاهلوا كل أعمالك الطيبة، ويحاسبونك حساباً دقيقاً.
قال لي رجل : دخلت إلى الوظيفة فاشتغلت من الثامنة وحتى الثانية عشرة ما رفعت رأسي فتعبت، فخرجت إلى الممر، ووقفت فخرج المدير العام وقال: ما هذا أنت جالس هنا كفى إهمالاً لأنه ملتفت، ولو أنه توكل على الله عز وجل فالله يري رؤساءه أطيب عمل وإذا ما توكل يريهم أسوأ عمل، ويكون دائماً عمله منضبطاً، في هذه الدقيقة يأتي المفتش فيراه غائباً، ومنذ سنة لم يغب، والآن غاب فجاء المفتش، فالإنسان عندما يكون له صلة بالله عز وجل الله يدافع عنه، وييسر أموره، ولو أن إنساناً تكلم عنه بغيابه فالله يسخر إنساناً آخر يدافع عنه ويمحق ما قاله الأول وهو لا يدري.
وهذه جربوها وهذه وصفة مجربة، أي عمل لك إن كان في الزراعة، أو في التجارة، أو الصناعة، أو الوظيفة، أو التدريس، أو الطب، أو المحاماة أي عمل قبل أن تبدأ به اطلب من الله عز وجل أن يعينك، يا رب إني تبرأت من حولي وقوتي والتجأت إلى حولك وقوتك يا ذا القوة المتين.
كم من طبيب ينزع الكلية الصحيحة، ومع المريض واحدة متوقفة عن العمل فيفتح البطن وينزع الكلية الصحيحة والثانية واقفة، فانتهى المريض، وهذه غلطة قاتلة، ومحامٍ ينسى موعد الجلسة أو ينسى مادة هامة في القانون، فمادام متكبراً ملتفتاً إلى نفسه فالله عز وجل يدفعه أثماناً باهظة، حتى في الصناعة قد يرتكب غلطاً فاحشاً يدفعه أثماناً باهظة، وكل إنسان يلتفت إلى ذاته، وإلى علمه، ومكانته، وخبرته، وشهاداته، وقوته، ونسبه، وحسبه، وشكله، فالله عز وجل يتولى تأديبه، فمؤتمر برلين ما كان يذكر أين عقد هذا المؤتمر؟ إذ قد ينسى فقرة في السؤال وهذه كلها من علاجات الاعتزاز بالنفس، أما الافتقار إلى الله فشيء جميل، فإذا افتقرت إلى الله فالله عز وجل إنه يتولى عنك كل الأمور، يسدد لك أعمالك، يلهمك، ويذكرك.
وإذاً نحن أطرقنا بالأدبين الأخيرين الترقي والتبري، فالإنسان لا يعتز بنفسه، لا ينظر إلى ذاته، ولا يكون إحساسه بذاته مضخماً.
* * *
قصة سعيد بن عامر الجمحي :
والآن إلى قصة أحد الصحابة الأجلاء، فهذه القصة هي قصة سعيد بن عامر الجمحي، واحد من الألوف المؤلفة الذين خرجوا إلى منطقة التنعيم في ظاهر مكة بدعوة من زعماء قريش ليشهدوا مصرع خبيب بن عدي، أحد أصحاب النبي محمد صلى الله عليه سلم بعد أن ظفروا به غدراً، النبي صلى الله عليه وسلم أرسل صحابياً بمهمة فظفر به زعماء قريش غدراً، وأخذوه، وأرادوا أن يشفوا غليلهم منه، فدعوا سكان مكة إلى منطقة التنعيم، فإذا الإنسان ذهب إلى مكة المكرمة هذه المنطقة يحرم منها من هو في مكة، منطقة سهلية منبسطة في شرقي مكة.
خرجوا إلى منطقة التنعيم في ظاهر مكة، بدعوة من زعماء قريش ليشهدوا مصرع خبيب بن عدي، أحد أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، بعد أن ظفروا به غدراً، وهذا سعيد بن عامر الجحمحي وقد مكنه شبابه الموفور، وفتوته المتدفقة من أن يزاحم الناس بالمناكب، حتى حاز شيوخ قريش من أمثـال أبي سفيان بن حرب، وصفوان بن أمية وغيرهما ممن يتصدرون الموكب، وقد أتيح له أن يرى أسير قريش مكبلاً بقيوده، و أكف الصبيان والنساء والشبان تدفعه إلى ساحة الموت دفعاً لينتقم من محمد في شخصه، وليثأروا لقتلاهم في بدر بقتله، ولما وصلت هذه الجموع الحاشدة بأسيرها إلى المكان المعد لقتله وقف الفتى سعيد بن عامر الجمحي بقامته الممدودة يطل على خبيب، وهو يقدم إلى خشبة الصلب، وسمع صوته الثابت الهادئ من خلال صياح النسوة وهو يقول: إن شئتم أن تتركوني أن أركع ركعتين قبل مصرعي فافعلوا، ثم نظر إليه وهو يستقبل الكعبة، ويصلي ركعتين يا لحسنهما ويا لتمامهما، ثم رآه يقبل على زعماء القوم ويقول: والله لولا أن تظنوا أني قد أطلت الصلاة جزعاً من الموت لاستكثرت من الصلاة، على قدر ما شعر من السرور، ومن السعادة، ولولا أنه خاف أن يتهموه بالخوف لصلى طويلاً.
ثم شهد سعيد بن عامر الجمحي بعيني رأسه وهم يمثلون بخبيب حياً فيقطعون من جسده قطعة تلو القطعة، وهم يقولون له: أتحب أن يكون محمد مكانك وأنت ناجٍ؟ فيقول والدماء تنزل منه: والله ما أحب أن أكون آمناً وادعاً في أهلي وولدي وعندي عافية الدنيا ونعيمها و يصاب محمد بشوكة، فيلوح الناس بأيديهم في الفضاء ويتعالى صياحهم أن اقتلوه اقتلوه، هذا كله تحت سمع وبصر سعيد بن عامر الجمحي.
ثم أبصر سعيد بن عامر خبيباً يرفع بصره إلى السماء من فوق خشبة الصلب ويقول: اللهم احشدهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، ثم لفظ أنفاسه الأخيرة وبه ما لم يستطع إحصاءه من ضربات السيوف، وطعنات الرماح، هذه القصة ليست عن سيدنا خبيب، القصة عن سيدنا سعيد بن عامر الجمحي.
عادت قريش إلى مكة ونسيت في زحمة الأحداث خبيباً ومصرعه، لكن الفتى اليافع سعيد بن عامر الجمحي لم يغب خبيب عن خاطره لحظة، كان يراه في حلمه إذا نام، ويراه في خياله وهو مستيقظ، ويمثل به أمامه وهو يصلي ركعتيه الهادئتين المطمئنتين أمام خشبة الصلب، ويسمع رنين صوته في أذنيه، وهو يدعو على قريش فيخشى أن تصعقه صاعقة، أو تخر عليه صخرة من السماء، ثم إن خبيباً علم سعيداً ما لم يكن يعلم من قبل، علمه أن الحياة الحق عقيدةٌ وجهاد في سبيل هذه العقيدة حتى الموت، وعلمه أيضاً أن الإيمان الراسخ يفعل الأعاجيب، ويصنع المعجزات.
الإيمان الراسخ يفعل الأعاجيب ويصنع المعجزات :
فعلاً شيء عجيب، هذه الخنساء مات أخوها صخر موتاً طبيعياً، وكان شاباً، وكانت شاعرة نظمت ديواناً بأكمله في رثاء أخيها صخر:
وإن صخراً لتأتم الهداة به كأنــه علـــم في رأسه نار
حمّال ألـوية هبـّاط أودية شهّاد أندية للجيـــش جرار
***
فلما أسلمت استُشهد أولادها الأربع في معركة القادسية دفعةً واحدة، فلم تزد عن أن قالت: الحمد لله الذي شرفني بقتلهم، الخنساء في الجاهلية بكت وأبكت، وفي الإسلام وهي امرأة قالت بصبر وشجاعة: الحمد لله الذي شرفني بقتلهم.
فخبيب علّم سعيداً بن عامر الجمحي عن طريق الحياة، وعلّمه أيضاً أن الإيمان الراسخ يفعل الأعاجيب، ويصنع المعجزات، وعلمه أمراً آخر أن الرجل الذي يحبه أصحابه كل هذا الحب إنما هو نبي، ليس معقولاً يقطعونه من أول يد وقدم، وكلمتهم أتحب أن يكون محمد مكانك وأنت معافى في أهلك؟ والله ما أحب أن أكون آمناً وادعاً في أهلي وولدي وعندي عافية الدنيا ونعيمها وأن يصاب محمد بشوكة.
يقول أبو سفيان: عندها ما رأيت أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمدٍ محمداً، فالإنسان إن لم يكن بقلبه محبة لله ورسوله فليعلم أنه لا إيمان لمن لا محبة له، ألا لا إيمان لمن لا محبة له، ألا لا إيمان لمن لا محبة له، تسعة وتسعون وتسعة بالعشرة من الإيمان محبة، والباقي تطبيق، فإن طبقت بلا محبة فلا تؤثر بأحد.
وعند ذلك شرح الله صدر سعيد بن عامر إلى الإسلام، فقام في ملأ من الناس وأعلن براءته من آثام قريش، وأوزارها، وخلع أصنامها وأوثانها، ودخل في دين الله.
وهاجر سعيد بن عامر إلى المدينة، ولزم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشهد معه خيبر وما بعدها من الغزوات، ولما انتقل النبي الكريم إلى جوار ربه وهو راض عنه ظل من بعده سيفاً مسلولاً في أيدي خليفتيه -أبو بكر وعمر- وعاش مثلاً فريداً فذاً للمؤمن الذي اشترى الآخرة بالدنيا، وآثر مرضاة الله وثوابه على سائر رغبات النفس، وشهوات الجسد، وكان خليفتا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرفان لسعيد بن عامر صدقه وتقواه ويستمعان إلى نصحه ويصغيان إلى قوله. اختيار سعيد بن عامر الجمحي لولاية حمص :
دخل على عمر بن الخطاب في أول خلافته فقال: "يا عمر أوصيك أن تخشى الله في الناس، ولا تخشى الناس في الله، وألا يخالف قولك فعلك، فإن خير القول ما صدقه العمل، يا عمر أقم وجهك لمن ولاك الله أمره من بعيد المسلمين وقريبهم، وأحب لهم ما تحب لنفسك وأهل بيتك، واكره لهم ما تكره لنفسك وأهل بيتك، وخذ الغمرات إلى الحق، ولا تخف بالله لومة لائم"، وسيدنا سعيد ينصح سيدنا عمر.
فقال عمر: ومن يستطيع هذا يا سعيد؟ قال: يستطيعه رجل مثلك ممن ولاهم الله أمر هذه الأمة وليس بينه وبين الله أحد - أي أعلى رجل بالأمة ليس بينه وبين الله أحد - كل إنسان يحاسب، أما أعلى إنسان من يحاسبه؟ الله سبحانه وتعالى، هذا معنى وليس بينه وبين الله أحد، الأب في المجلس، والابن يتحاسب تحاسبه أمه، والأخ يحاسبه أخوه الأكبر، والزوجة يحاسبها زوجها، أما الزوج فمن يحاسبه؟ الله عز وجل إذا ظلم.
وعند ذلك دعا عمر بن الخطاب سعيداً إلى مؤازرته وقال: يا سعيد إنا مولوك على أهل حمص، فقال: يا عمر ناشدتك الله لا تفتني، فغضب عمر وقال: ويحكم وضعتم هذا الأمر في عنقي ثم تخليتم عني؟ ألا تنصحني؟ تعال وساعدني، والله لا أدعك، ثم ولاه على حمص وقال له: ألا نفرض لك رزقاً؟ - أي أتحب أن نعمل لك راتباً؟ - قال: وما أفعل به يا أمير المؤمنين؟ فإن عطائي من بيت المال يزيد عن حاجتي ثم مضى إلى حمص.
وما هو إلا قليل حتى وفد على أمير المؤمنين بعض من يثق بهم من أهل حمص فقال لهم: اكتبوا لي أسماء فقرائكم حتى أسد حاجتهم، فرفعوا له كتاباً فإذا فيه فلان وفلان وسعيد بن عامر، فقال: ومن سعيد؟ قالوا: أميرنا هذا أيضاً فقير، قال: أميركم فقير؟ قالوا: نعم فو الله إنه ليمر عليه الأيام الطوال ولا يوقد في بيته نار، فبكى عمر حتى بللت دموعه لحيته، ثم عمد إلى ألف دينارٍ فجعلها في صرة وقال اقرؤوا عليه السلام مني، وقولوا له: بعث إليك أمير المؤمنين بهذا المال لتستعين به على قضاء حاجاتك.
فجاء الوفد لسعيد بالصرة، ونظر إليها، فإذا هي دنانير فجعل يبعدها عنه، ويقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، كأنما نزلت به نازلة، أو حلّ بساحته خطب، فهبت زوجته مذعورةً وقالت: ما شأنك يا سعيد أمات أمير المؤمنين؟ قال: بل أعظم من ذلك، قالت: هل أصيب المسلمون بوقعة؟ قال: بل أعظم من ذلك، قالت: وما أعظم من ذلك؟ قال دخلت عليَّ الدنيا لتفسد آخرتي وحلت الفتنة في بيتي، قالت: تخلص منها، وهي لا تدري من أمر الدنانير شيئاً، قال: أو تعينيني على ذلك؟ قالت: نعم، فأخذ الدنانير فجعلها في صرر ووزعها على فقراء المسلمين، وعمل مع زوجته حيلة ووزع الأموال.
قصة سعيد بن عامر الجمحي مع أهل حمص :
ولم يمضِ على ذلك أمر طويل حتى أتى عمر بن الخطاب بنفسه إلى بلاد الشام يتفقد أحوالها فلما نزل في حمص وكانت تدعى الكويفة وهو تصغير الكوفة، وتشبيه لحمص بها لكثرة شكوى أهلها من عمالهم وولاتهم، فلما نزل فيها لقيه أهلها بالسلام عليه وقالوا: كيف أميركم؟ فشكوه إليه وذكروا له أربعاً من أفعاله كل واحد منها أعظم من الآخر، قال عمر: فجمعت بينه وبينهم، ودعوت الله ألا يخيب ظني به فقد كنت عظيم الثقة فيه، فلما أصبحوا عندي وهو أميرهم قلت: ما تشكون من أميركم؟ قالوا: لا يخرج إلينا حتى يتعالى النهار، فقلت: وما تقول يا سعيد؟ فسكت ثم قال: والله إني أكره أن أقول ذلك ولكن لابد منه إنه ليس لأهلي خادم فأقوم في كل صباح فأعجن لهم عجينهم، ثم أتريث قليلاً حتى يختمر، ثم أخبزه لهم، ثم أتوضأ وأخرج للناس، قال عمر: وما تشكون منه أيضاً؟ قالوا: إنه لا يجيب أحداً بالليل، قال: ما تقول يا سعيد؟ قال: والله أكره أن أعلن هذا أيضاً إني قد جعلت النهار لهم والليل لله عز وجل، قال: وما تشكون أيضاً؟ قالوا: إنه لا يخرج إلينا يوماً في الشهر قال: ليس لي خادم، وليس عندي ثياب غير التي علي فأغسلها، ثم قال: وما تشكون أيضاً؟ قالوا: تصيبه من حين إلى آخر غشية فيغيب عن مجلسه – إغماء- قال: وما هذا يا سعيد؟ قال: شهدت مصرع خبيب وأنا مشرك ورأيت قريشاً تقطع جسده وهي تقول: أتحب أن يكون محمد مكانك وأنت معافى في أهلك؟ فيقول: والله ما أحب أن أكون آمناً وادعاً في أهلي وولدي، وعندي عافية الدنيا ونعيمها، وأن يصاب محمد بشوكة، وإني والله ما ذكرت ذلك اليوم وكيف أني تركت نصرته إلا ظننت أن الله لن يغفر لي.
من تلك الساعة إلى الآن، دخل في الإسلام، وخاض معارك، وحارب مع رسول الله، وجاهد، وهو يظن أن الله لن يغفر له ذلك الموقف، و كان قادراً على نصرته وما نصره، فأصابتني تلك الغشية، عند ذلك قال عمر: "الحمد الله الذي لم يخيب الله ظني فيك".
فكلما تذكر موقفه من سيدنا خبيب وحينما صرعه زعماء قريش ولم ينصره تصيبه غشية من الله عز وجل، فهو يظن أن الله لن يغفر له، عند ذلك قال عمر: "الحمد الله الذي لم يخيب الله ظني فيك".
ثم بعث له بألف دينار ليستعين بها على حاجته فلما رأتها زوجته قالت: الحمد لله الذي أغنانا، اشتر لنا مؤونةً، واستأجر لنا خادماً، قال لها: وهل لكِ فيما هو خير من ذلك؟ قالت: وما ذاك؟ قال: ندفعها إلى من يأتينا بها، قالت: وما ذاك؟ قال: نقرضها الله قرضاً حسناً، قالت: نعم وجزيت خيراً، فما غادر مجلسه الذي هو فيه حتى جعل الدنانير في صرر وقال لواحد من أهله انطلق بها إلى أرملة فلان، وإلى أيتام فلان، وإلى مساكين آل فلان، وإلى فقراء آل فلان، فوزعها.
طلب الجنة من غير عمل ذنب من الذنوب:
إذا ظن الرجل أن الجنة تأتي وهو في نعيم مقيم، وهو في بحبوحة، يأكل ويشرب ويتنعم، ولا يفعل خيراً، فهذا ذنب من الذنوب، طلب الجنة من غير عمل ذنب من الذنوب، وأصحاب رسول الله فتحوا البلاد ورفع الله ذكرهم، وشأنهم، وسعدوا في الدنيا والآخرة، بفضل جهادهم، وأعمالهم الطيبة.
وأقول لكم هذا الكلام: الله سبحانه وتعالى هو هو، وأبواب العمل الصالح مفتوحة هي هي، وطريق البطولة سالك هو هو، وما بقي علينا إلا أن نسير، فالحق واحد، والحياة مؤقتة، والموت على الأبواب، و الجنة آمنا بها، وجهنم أيقنا بوجودها، فماذا بقي علينا؟ قال رجل لرسول الله: جئتك لتعلمني من غرائب العلم؟ قال: فماذا صنعت في رأس العلم؟ قال: وما رأس العلم؟ قال: وهل عرفت الرب؟ قال: نعم، قال: فماذا صنعت في حقه؟
اسأل نفسك هذا السؤال، إذا قال لك أحد هل تعرف الله؟ طبعاً حضرت مجالس العلم، إنها تفسير، وحديث، وسيرة، وشيء جميل، فماذا صنعت في حقه؟ قال له: هل عرفت الموت؟ قال: نعم، قال: فماذا أعددت له إن كنت بطلاً فاسأل نفسك هذين السؤالين وعندك الجواب، هل عرفت الله؟ فإذا قلت: لا فماذا تنتظر؟ وإن قلت نعم فماذا صنعت في حقه؟ وهل عرفت الموت؟ فإن قلت: لا، فأنت في ضلال كبير، وإن قلت: نعم، عرفت أني سأموت، أقول لك: ماذا أعددت له؟
أما عرفت الله وفي بيتك خمسون مخالفة، وأنت مقيم على خمسين معصية، وعلاقاتك المالية كلها ربوية، وأنت مسلم محب لله، هذا كلام فارغ، وهذه زعبرة وتلبسة، فإن قلت:عرفت الموت فماذا أعددت له؟ ومن منا يذهب في سفر من دون زوادة؟ إلى أين تذهب؟ إلى فرنسا؟ تحتاج إلى فرنك فرنسي، إلى أمريكا؟ تحتاج إلى دولار، إلى روسيا؟ تحتاج إلى روبل، إلى العمرة؟ تحتاج إلى ريال، والآخرة عملتها: العمل الصالح، والآن الأسعار رخيصة جداً، وبعد هذا يرتفع ثم يفقد نهائياً بعد الموت، فاستغل أن أسعار العملات النادرة في الآخرة الآن متوافرة، فتبسمك في وجه أخيك صدقة، أن تميط الأذى عن الطريق هو لك صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وأن تلقى أخاك بوجه طلق صدقة، و أن تعود مريضاً، وأن تبر والديك، فأبواب العمل الصالح مفتحة على أبوابها، فإذا الله عز وجل أكرمك بها فستعرف ما نقول، والغنى هو غنى العمل الصالح، قال تعالى:
﴿ فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ﴾

السعيد 09-10-2018 08:35 AM

رد: الفقة الاسلامى 2
 
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الثامن و الثلاثون )

الموضوع : متابعة المقتدى للامام - فصل فى الاذكار وفى فهم القران






الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
الكلمات التي يقولها عامة الناس لو وقفنا عند معانيها لانقلبت حياتنا:
أيها الأخوة المؤمنون، الفصل اليوم فصل: "فيما يفعله المقتدي بعد فراغ إيمانه من واجب أو غيره"، وقبل الخوض في تفصيلات هذا الفصل أحب أن أنوه إلى أن هذه السنن النبوية من أدعية، وأذكار، و أعمال، و أقوال، لا بد من أن تكون هناك حالة نفسية ترافقها، فإذا اكتفينا بتردادها كما يفعل عامة المسلمين فاليوم انقلبت هذه العبادات السامية إلى طقوس جوفاء لا معنى لها، أحياناً الإنسان يسأل نفسه هذا السؤال، لماذا كان الصحابة الكرام لا يزيدون عن ألف و قد فتحوا العالم و نشروا هذا الدين و أسبغوا على العالم قيمهم و عدالتهم و دينهم و شريعتهم؟ و لماذا نحن مع أننا نزيد عن الألف مليون مغلوبون على أمرنا؟ السر هو أن الصحابي الجليل حينما قال: الله أكبر، أي لا تأخذه في الله لومة لائم، و لا يخشى إلا الله، و لا يطيع إلا الله، ولا يخاف إلا الله، ولا يرجو غير الله، هذه الله أكبر، فإذا قال لا إله إلا الله فمعنى ذلك أنه رأى أن الله سبحانه و تعالى بيده مقاليـــد الكون، و مقاليد الحياة، وبيده ملكوت كل شيء، فكلمات لا إله إلا الله، والله و أكبر، و سبحان الله، و لله الحمد، و لا حول و لا قوة إلا بالله، وإنا لله و إنا إليه راجعون، هذه الكلمات التي يقولها عامة الناس هي كلمات لو وقفنا عند معانيها لانقلبت حياتنا رأساً على عقب، ولحصل انعطاف جذري في حياتنا، لكن كلمات قد يعدها بعضهم من التراث، و قد يعدها بعضهم من التقاليد، لكن كلمــة الله أكبر هز بها المسلمون العالم، لا إله إلا الله هو التوحيد، والإيمان بالقدر يذهب الهم و الحزن، فالأدعية و الأذكار بعد الصلاة أن تقول: اللهم إنك أنت السلام، و منك السلام، تباركت و تعاليت يا ذا الجلال و الإكرام، هذه الكلمات لو كانت هناك أحوالاً تقابلها لكنت إنساناً تطير في السلام. ما ينبغي أن يتابعه المؤتم مع الإمام وما لا ينبغي أن يتابعه به :
لو سلم الإمام قبل فراغ المقتدي من التشهد يتمه، أي الإمام مسرع قبل أن تصل إلى التشهد لو سلم الإمام عليك أن تتم التشهد و تسلم ولا تقرأ الصلوات الإبراهيمية؟ لا، تنهي التشهد وتسلم، أما لو سلم قبل فراغك من التشهد فلابد من أن تنهي التشهد، ولو رفع الإمام رأسه قبل تسبيح المقتدي ثلاثاً في الركوع أو السجود يتابعه، ولو دخلت في الصلاة مسبوقاً ورفعت مع الإمام وقلت: سبحان الله مرةً واحدة، ورفع الإمام رأسه يجب أن ترفع رأسك معه، ولو رفع الإمام رأسه قبل تسبيح المقتدي ثلاثاً في الركوع أو السجود يتابعه، ولو زاد الإمام سجدة لا يتبعه المؤتم، و لو أول مرة سجد والثانية نسي وبدأ في الثالثة، فالمؤتم لا يتابعه بل يبقى قاعداً، ولو قام الإمام بعد القعود الأخير و قال: أشهد أن لا إله إلا الله وتوهم أن هذا القعود هو الأول وقام فالمقتدي لا يتابعه وهنا دقة الفصل، أي متى تتابع ومتى لا تتابع؟ هذا ما ينبغي أن تتابعه به وما لا ينبغي أن تتابعه به.
الأذكار الواردة بعد الفرض :
والآن فصل في الأذكار الواردة بعد الفرض، نحن بعد صلاة الفرض نقول: استغفر الله العظيم ثلاثاً، اللهم إنك أنت السلام ومنك السلام تباركت وتعاليت يا ذا الجلال والإكرام، فالقيام إلى السنة متصلاً بالفرض مسنون، وأن تقوم إلى السنة مباشرةً من الفرض مسنون، ولكن لا بأس بقراءة الأوراد بين الفريضة والسنة، ويستحب للإمام بعد سلامه أن يتحول إلى يساره، أي أن يغير مكانه، و أن يلتفت إلى المصلين، وأن يستقبل الناس، فيستغفرون الله ثلاثاً، ويقرؤون آية الكرسي والمعوذتين، ويسبحون الله ثلاثاً وثلاثين، ويحمدونه كذلك، ويكبرونه كذلك، هذه بعد انتهاء الفرض والسنة، بين الفـرض والسنة يوجد عندنا أدعية الآن أقرؤها لكم:
((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلاتِهِ اسْتَغْفَرَ ثَلاثًا وَقَالَ اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلامُ وَمِنْكَ السَّلامُ تَبَارَكْتَ ذَا الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ ))
[ الترمذي عن ثوبان]
(( مَنْ قَالَ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيَّ الْقَيُّومَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ غُفِرَ لَهُ وَإِنْ كَانَ فَرَّ مِنَ الزَّحْفِ))
[أبي داود عن بِلالَ بْنَ يَسَارِ بْنِ زَيْدٍ]
إذاً الشيء الثابت المتفق عليه بعد الفرض الاستغفار ثلاثاً، ثم القول: اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت وتعاليت يا ذا الجلال والإكرام، ولكن بعد الفراغ من السنة في أكثر المساجد يوجد ورد مأثور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الورد تقرأ آية الكرسي والمعوذات، وتسبح الله ثلاثاً وثلاثين، وتحمده ثلاثاً وثلاثين، و تكبره ثلاثاً وثلاثين، ثم تقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، ثم تدعو لنفسك وللمسلمين، طبعاً ثلاثاً وثلاثين وثلاثاً وثلاثين وثلاثاً وثلاثين تسعاً وتسعين تنتهي بالمئة لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير لقوله عليه الصلاة والسلام: ((مَنْ سَبَّحَ اللَّهَ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ ثَلاثًا وَثَلاثِينَ وَحَمِدَ اللَّهَ ثَلاثًا وَثَلاثِينَ وَكَبَّرَ اللَّهَ ثَلاثًا وَثَلاثِينَ فَتْلِكَ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ وَقَالَ تَمَامَ الْمِائَةِ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ غُفِرَتْ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ))
[أبي داود وعن أبي هريرة]
والإنسان أحياناً في بيته يكون معه بحبوحة من الوقت، فإذا أنهى الصلاة ثلاثاً وثلاثين، وثلاثاً وثلاثين، وثلاثاً وثلاثين، ويتمها بالمئة لا إله إلا هو وحده لا شريك له. ترديد الأوراد يتطلب أن يكون الإنسان حافظ القلب :
لكن الإنسان حينما يتلو هذه الأوراد يجب أن يكون حافظ القلب، فإن أغمض عينيه وتوجه إلى الله عز وجل وقال: أستغفر الله، أستغفر الله، حتى فاضت عيناه بالدموع، وحتى شعر أن الله قد غفر له، وحتى شعر أن الله استجاب له، وغفر له، ثم قال: الحمد لله، الحمد لله، أي تصور النعم التي أسبغها الله عليه، تصور نعمة الإيجاد أولاً، فنعمة الإمداد، فنعمة الهدى، هذا الشيء الذي أكرمك الله به، مثل نعمة الصحة، ونعمة الولد، و نعمة الزوجة، ونعمة الرزق، ونعمة السلامة، والحمد لله إذا رددتها وكنت حاضر القلب سمت نفسك إلى الله سبحانه وتعالى فذقت طعمها، وإذا قلت: الله أكبر، الله أكبر ثلاثاً وثلاثين، بعدها لا تأخذك في الله لومة لائم، ولا تخشى إلا الله، ولا ترضي إلا الله، و لا تسعى لغير الله، ولا تخاف إلا الله، ولا تستهدف إلا الله، فهذا كله من معاني الله أكبر.
دعاء الليل من أسرع الأدعية إجابةً :
((قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ الدُّعَاءِ أَسْمَعُ؟ قَالَ: جَوْفَ اللَّيْلِ الآخِرِ وَدُبُرَ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ))
[الترمذي عن أبي أمامة]
بالمرحلة الأخيرة من الليل إذا استيقظت من فراشك وصليت ركعتين، ورفعت يديك إلى الله سبحانه وتعالى مبتهلاً، ودعوته سواءً لحاجة من حوائج الدنيا المشروعة، أو لحاجة من حوائج الآخرة، فإن الله سبحانه وتعالى لابد من أن يستجيب لك. ((... قَالَ: جَوْفَ اللَّيْلِ الآخِرِ وَدُبُرَ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ))
الدعاء، شرع بعد الصلاة وهو مقبول، وهذا من أسرع الأدعية إجابةً ولقوله صلى الله عليه وسلم: (( عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ بِيَدِهِ وَقَالَ يَا مُعَاذُ وَاللَّهِ إِنِّي لأُحِبُّكَ وَاللَّهِ إِنِّي لأُحِبُّكَ فَقَالَ أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ لا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ تَقُولُ اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ ))
[النسائي عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ]
ومما أثر عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان يرفع يده بالدعاء، ويمسح بها وجهه الشريف، تعبيراً عن أدبه، وعن أن الله سبحانه وتعالى سيستجيب له بهذا الدعاء، وفي النهاية يقول: سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين. ما يفعله المقتدي بعد الفرض وبعد السنة :
اتضح الآن بين السنة والفرض ثلاث مرات استغفار، اللهم إنك أنت السلام ومنك السلام تباركت وتعاليت يا ذا الجلال والإكرام، و بعد السنة ثلاثاً وثلاثين أستغفر الله، والحمد لله، والله أكبر، مع آية الكرسي والمعوذات - الإخلاص والمعوذتين - وبعدها لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، وفي النهاية الدعاء، وبعد الدعاء: سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، هذا ما يفعله المقتدي بعد الفرض وبعد السنة، والفصل الذي قبله ما يتابع به إمامه وما لا يتابع به، وفي الدرس القادم إن شاء الله ننتقل إلى مفسدات الصلاة وهي ثمان وستون.
* * *

التفسير وفهم كتاب الله :
والآن إلى فصل من إحياء علوم الدين، الحقيقة هذا الفصل مهم جداً، هذا الفصل في فهم القرآن وتفسيره وما من موضوع اختلف فيه الناس كموضوع التفسير وفهم كتاب الله.
قال الإمام الغزالي: لعلك تقول: عظمت الأمر فيما سبق في فهم أسرار القرآن، وما ينكشف لأرباب القلوب الذكية من معانيه، فكيف يستحب ذلك وقد قال عليه الصلاة والسلام: "من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار"، كنا نتكلم عن فهم القرآن، والتعمق بفهمه، وتدبر آياته، والاستنباط منها، فكيف نوفق بين هذا الذي قلناه من قبل من كتاب إحياء علوم الدين وبين قول النبي عليه الصلاة والسلام: "من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار"؟ فهل للإنسان أن يفسر أم لا يفسر؟ فإذا لم يفسر يقولون له قوله تعالى:

﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾
[ سورة محمد: 24 ]
وإذا فسر يقولون له: "من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار " فماذا يفعل؟ إذا فسر ما انتهى من الناس وإن لم يفسر يقولون لماذا لم يفسر؟ لكن الإمام الغزالي يوفق بين هذين النصين توفيقاً جميلاً، قال: وعن هذا شنع أهل العلم بظاهر التفسير على أهل التصوف من المفسرين المنسوبين إلى التصوف في تأويل كلمات في القرآن على خلاف ما نقل عن ابن عباس وسائر المفسرين، فعندنا لوم شديد من علماء الظاهر على العلماء الصوفيين الذين فسروا القرآن تفسيراً إشارياً عميقاً مستندين إلى قول النبي عليه الصلاة والسلام: "من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار " وذهب بعضهم إلى أنه قد كفر، قال: فإن صح ما قاله أهل التفسير فما معنى فهم القرآن سوى حفظ تفسيره؟ ومادام القرآن مفسراً سابقاً عن ابن عباس، وعن مجاهد، وعن شريح، وفلان من التابعين، فانتهى الأمر، ولا يوجد إلا مهمة واحدة أن نقرأ هذه التفاسير، ونحفظها، وانتهى الأمر، وإن لم يصح ذلك فما معنى قوله صلى الله عليه وسلم: " من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار "؟ من زعم أن لا معنى للقرآن إلا ما ترجمه ظاهر التفسير فهو مخبر عن حد نفسه :
الآن نحن في مشكلة هل نفسر أم لا نفسر؟ إن فسرنا يقال لنا: " من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار " وإن لم نفسر قيل لنا: أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها، قال: فاعلم أن من زعم أن لا معنى للقرآن إلا ما ترجمه ظاهر التفسير فهو مخبر عن حد نفسه، وهو مصيب بالإخبار عن نفسه، ولكنه مخطئ في الحكم برد الخلق كافةً إلى درجته التي هي حده و محطه، فما معنى هذا الكلام؟ فإذا قال إنسان لك: أطيب شيء في الأرض هو الدبس، وهو لم يأكل غير الدبس فهو صادق، ولكن ليس له الحق أن يقول: الناس كلهم لا يوجد عندهم ذوق، فالذين أكلوا عسلاً يسخرون من هذا القول.
إنسان فهم الآية فهماً وإذا قال غير هذا المعنى فلا يكون غالطاً، فهذه حدوده، وهذا مستواه، وهذه درجته، أيحمل الناس كلهم على هذه الدرجة؟ و القرآن كما قلت من قبل: ليس ملك أحد، بل ملك المسلمين كلهم، فلما يقنن الإنسان يحصر آية على تفسير واحد، ويحمل الناس على درجته، وهو محدود، وفي الناس من هو أعلى منه، و من هو أفطن منه.
قال: فاعلم أن من زعم أن لا معنى للقرآن إلا ما شرحه ظاهر التفسير فهو مخبر عن حد نفسه، وهو مصيب بالإخبار عن نفسه، لما قال: إن الدبس أطيب طعام صحيح - هذا الكلام له صحيح- ولكنه مخطئ في الحكم برد الخلق كافةً إلى درجته التي هي حده و محطه، بل الأخبار والآثار تدل على أن في معاني القرآن متسعاً لأرباب الفهم، وفي القرآن يوجد مجال واسع للتفاوت في الفهم، وسيدنا علي رضي الله عنه يقول: "إلا أن يؤتي الله عبداً فهماً في القرآن".
هذه نعمة من نعم المولى الكريم أن يعطيك الله سبحانه وتعالى نعمة فهم كتابه، فإن لم يكن سوى الترجمة المنقولة فما ذلك الفهم؟ وقد قال عليه الصلاة والسلام: "إن للقرآن ظهراً، وبطناً، وحداً، ومطلعاً"، ويروى أيضاً عن ابن مسعود رضي الله عنه موقوفاً عليه وهو من علماء التفسير فما معنى الظهر والحد والبطن والمطلع؟ هذا سؤال وهذا حديث لرسول الله صلى الله عليه.
وقال علي كرم الله وجهه: "لو شئت لأوقرت سبعين بعيراً من تفسير سورة الفاتحة"، أوقرت بمعنى حملت.
القوى الإلهية التي تعطي للأجسام خواصها إنما هي قوى من عند الله :
هناك آية ثانية أدق من هذا، قال تعالى:
﴿ قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا ﴾
[ سورة الكهف : 109 ]
قال لي رجل من أيام التقى بي أمام البيت: ما معنى قوله تعالى: ﴿ وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ﴾
[ سورة القارعة : 5 ]
قلت له: العهن هو الصوف، قال لي: لا يكفي، أريد أعمق من هذا؟ قلت له: العهن هو الصوف والمنفوس، شعرت أن هذا المعنى فقلت له: الله عز وجل جعل ترابطاً بين ذرات الصخر، الصخر قاسٍ فجعل ترابطاً بين ذرات الحديد، وهذه الأجسام الصلبة تراها صلبة لأن الله سبحانه وتعالى ربط بين ذراتها بقوته، فلو أن الله سبحانه وتعالى قطع الإمداد عن هذه الذرات لأصبحت متفلتة، ولانعدم هذا الترابط، وتفككت، وتحررت، وأصبحت سائبة، ولم يبق الصخر صخراً بل صار الصخر طحيناً، وما عاد الحديد حديداً صار الحديد ماءً، فربنا عز وجل أراد أن يلفت النظر إلى أن هذه الأشياء الصلبة التي تراها في الأرض، وتنعم بها، وتقيم بناءك عليها، إنما هي صلبةٌ بقوة الله، فلو أن الله سبحانه وتعالى منع عنها قوته لأصبحت منحلة، مبعثرة، فكأن الله سبحانه وتعالى يريد أن يقول: إن هذه القوى الإلهية التي تعطي للأجسام خواصها إنما هي قوى من عند الله عز وجل، فالحديد لا يسمى حديداً إلا إذا شاء الله له أن يكون حديداً، فإن لم يشأ صار غازاً أو سائلاً، وقنع وقال لي: هذا المعنى دقيق. الحقيقة قوله تعالى: ﴿ قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا ﴾
[ سورة الكهف : 109 ]
كل آية هي وسيلة إيضاح لتعريف الناس بالله عز وجل :
كلام إله ينحد بكلمة؟ العهن المنفوش الصوف الممدود فقط؟ هذه يتكلم عنها خمس ساعات، وهذه معلوماتي المحدودة، وشعرت أن في الذرات قوى تجاذب، وقوى ترابط، والذرة يكون لها شكل صلب، أو شكل سائل، أو شكل غازي، بحسب ترابط ذراتها، وللحرارة أثر في تباعد هذه الذرات، وفي تحويل الجسم من صلب إلى سائل إلى غاز، فهذه القوى التي تشد الذرات بعضها إلى بعض إنما هي قوة الله عز وجل، فالجبال يوم القيامة انتهت مهمتها، وانتهت وظيفتها، قال تعالى:
﴿ وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ﴾
[ سورة القارعة : 5 ]
والشمس انتهت وظيفتها، قال تعالى: ﴿ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ﴾
[ سورة التكوير: 1 ]
والنجوم انتهت وظيفتها، فصارت دليلاً على الله عز وجل، كوسائل إيضاح، وسائل معينة لتعريف الناس بالله عز وجل، مالك يوم الدين انتهت الحياة الدنيا، وفرصة الاختيار انتهت، وبدأ يوم الحساب، فقال تعالى: ﴿ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ *وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ*وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ*وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ*وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ ﴾
[ سورة التكوير: 1-5 ]
والنجوم، فكل آية لها ظهر وبطن، قال تعالى: ﴿ قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا ﴾
[ سورة الكهف : 109 ]
الله سبحانه وتعالى هو الآخر و من باب أولى كلامه الآخر، إلا أنه يكون عندك تفسير أربعمئة صفحة، كلمة العهن المنفوش الصوف الممدود فقط، وغير هذا لا يوجد، فاقرأ بعض التفاسير هكذا كلمة يقابلها كلمة ثانية، والإمام الغزالي يقول: لا فهذا شيء مستحيل، وسيدنا علي رضي الله عنه ليس نبياً قال: "لو شئت لأوقرت سبعين بعيراً من تفسير سورة الفاتحة"، وقال أبو الدرداء: "لا يفقه الرجل حتى يزعم للقرآن وجوهاً". كل آية في القرآن الكريم لها مجموعة وجوه :
في دروس التفسير السابقة شعرت كيف ربنا عز وجل الآية الواحدة لها مجموعة معانٍ، حمالة الحطب، وربنا عز وجل رمز لكل ذنْب بحبة لها ثقل، حطبة مع حطبة، فصار الثقل شديداً قد يعجز الإنسان عن حمله، فلماذا حطب وليس حديداً؟ الحطب يحترق لأن هذه الأوزار سوف تحرق صاحبها، وهذا معنى، حمالة الحطب كانت تؤذي النبي عليه الصلاة والسلام، وتضع في طريقه الحطب، وحمالة الحطب كانت بخيلةً. أي كل آية في القرآن الكريم لها مجموعة وجوه، قال تعالى:
﴿ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ﴾
[ سورة الماعون: 7]
فالعلماء قالوا في هذه الآية أربعة عشر تفسيراً، وأوجه هذه التفاسير أنك إذا سببت أذىً لفاعل الخير فأنت مانع الخير، وإنسان قدم خدمة مخلصاً بها فأصبته بالأذى فربما أخذ عهداً على نفسه ألا يفعل خيراً ما عاش، إذاً من هو الذي يمنع الماعون؟ هو الذي يسبب الأذى لفاعل الخير، ولاحظتم بتفسير جزء عم، كل آية لها مجموعة معانٍ كثيرة.
وقال أبو الدرداء: "لا يفقه الرجل حتى يزعم للقرآن وجوهاً"، وقال بعض العلماء: "لكل آية ستون ألف فهم وما بقي من فهمها أكثر"، وقال ابن مسعود رضي الله عنه: "من أراد علم الأولين والآخرين فليتدبر القرآن".
تتبع آيات القرآن الكريم وما تنطوي عليها من دقائق :
مثلاً لماذا قال ربنا عز وجل:
﴿ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي ﴾
[ سورة النور: 2]
ولماذا بدأ بالزانية؟ لأن المرأة أقدر على الزنا من الرجل، و هي السبب في الزنا، لماذا قال: ﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ ﴾
[ سورة المائدة: 38]
لأن الرجل أقدر على السرقة من المرأة، لماذا قال: ﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾
[ سورة التوبة:24]
لماذا بدأ بالأب بالذات؟ لأن هذه الآية ساقها الله سبحانه وتعالى في معرض الاعتزاز الاجتماعي، والإنسان يعتز أكثر ما يعتز بأبيه. قال تعالى: ﴿ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ ﴾
[ سورة عبس:34-35]
لماذا بدأ بالأخ؟ لأن الأخ أقرب الناس للإنسان، والأب كبير والابن صغير، ففي موطن الاستنجاد والالتجاء الأخ. قال تعالى: ﴿ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ ﴾
[ سورة المعارج:11]
لماذا البني؟ لأنه من حيث المحبة الابن يقع في المقدمة، ففي الفداء الابن، وفي الالتجاء الأخ، وفي الاعتزاز الأب، قال تعالى: ﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ﴾
[ سورة آل عمران: 14 ]
في المتعة المرأة، هناك خمس آيات في كتاب الله ورد فيها الأقارب مرتبين ترتيباً خاصاً، لماذا قال تعالى: ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ﴾
[ سورة النور: 30]
لماذا بدأ بغض البصر وانتهى بحفظ الفرج؟ لأن حفظ البصر طريق لحفظ الفرج، حقائق، لو تتبعت كتاب الله، قال تعالى: ﴿ وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ اللَّهْوِ وَمِنْ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ﴾
[ سورة الجمعة: 11]
لماذا بدأ الله سبحانه وتعالى بالتجارة ثم باللهو؟ لأن التجارة أساس اللهو، لا لهو بلا تجارة، واللهو يحتاج إلى دخل كبير، فلماذا بدأ باللهو ثم بالتجارة في آخر الآية: ﴿ خَيْرٌ مِنْ اللَّهْوِ وَمِنْ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ﴾
[ سورة الجمعة: 11]
لأن الإنسان عندما يتغافل عن الصلاة بدافع اللهو فإثمه كبير، أما إذا تغافل عن الصلاة بدافع التجارة فإثمه كبير ولكن أيهما أكبر؟ بدافع اللهو، التسلسل دقيق جداً، فهلا تتبعت هذه الآيات وما ينطوي عليه من دقائق؟
ولما ربنا عز وجل قال:
﴿ وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ ﴾
[ سورة الواقعة: 20-21]
معنى الفاكهة قبل الطعام أول استنباط، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: "اقرؤوا القرآن والتمسوا غرائبه". القرآن الكريم عصمة لمن تمسك به ونجاة لمن اتبعه :
وقال عليه الصلاة والسلام في حديث علي كرم الله وجهه، كيف قال صلى الله عليه وسلم في حديث علي؟ الحقيقة إذا قال الصحابي الجليل قولاً فهذا يصنف مع الأحاديث، لأنه ما قاله إلا عن رسول الله قال عليه الصلاة والسلام: " والذي بعثني بالحق نبياً، لتفترقن أمتي عن أصل دينها وجماعتها على اثنتين وسبعين فرقة كلها ضالة مضلة يدعون إلى النار فإذا كان ذلك فعليكم بكتاب الله عز وجل فإن فيه نبأ من كان قبلكم، ونبأ ما يأتي بعدكم، وحكم ما بينكم، ومن خالفه من الجبابرة قصمه الله عز وجل، ومن ابتغى العلم في غير ذلك أذله الله عز وجل، وهو حبل الله المتين، ونوره المبين، وشفاؤه النافع، عصمة لمن تمسك به، ونجاة لمن اتبعه، لا يعوج فيقوم، ولا يزيغ فيستقيم، ولا تنقضي عجائبه، ولا يخلطه كثرة الترديد..."
الذي يعنينا: "إذا افترقت أمة محمد صلى الله عليه وسلم عن أصل دينها إلى اثنتين وسبعين فرقة وكل هذه الفرق ضالة مضلة إلا واحدة" وهناك رواية ثانية:

(( وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلاثٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةً كُلُّهُمْ فِي النَّارِ إلا مِلَّةً وَاحِدَةً قَالُوا وَمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي ))
[الترمذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو]
إذا افترقت أمة محمد صلى الله عليه وسلم فعليك بكتاب الله، هو الأصل، وهو الينبوع، لما ترى الماء أسود ارجع إلى النبع، فبالنبع الماء زلال، فرات، عذب، صافٍ، نقي، سائغ للشاربين، تشتهي أن تشربه، لكن في المصب المياه سوداء لكثرة ما دخل عليها من رواسب، ومن مياه آسنة، ومن أشياء قذرة، ولذلك: بدأ الدين غريباً وسيعود كما بدأ فطوبى للغرباء، والآن الحل أن نعود معاً إلى الينبوع الأول وهو كتاب الله، فإن كنتم في زمن الفتن من الفرقة، وزمن الضلالة، وكل يدعي وصلاً بليلى، قال تعالى: ﴿ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴾
[ سورة المؤمنون: 53]
﴿ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾
[ سورة الحشر: 14]
(( بَلِ ائْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنَاهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا وَهَوًى مُتَّبَعًا وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ فَعَلَيْكَ يَعْنِي بِنَفْسِكَ وَدَعْ عَنْكَ الْعَوَامَّ...))
[ أخرجه الإمام الترمذي و أبو داود عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ الشَّعْبَانِيِّ]
إذا وصلت إلى هذا الزمان يوم يؤمر بالمنكر وينهى عن المعروف، يوم يصبح المعروف منكراً والمنكر معروفاً، يوم يخون الأمين ويؤتمن الخائن، ويكذب الصادق ويصدق الكاذب، يوم تلد الأمة ربتها، يوم يكون المطر قيظاً والولد غيظاً، ويفيض اللئام فيضاً ويغيظ الكرام غيظاً، ويوم يسند الأمر إلى غير أهله، عندئذ اعتصم بكتاب الله، لماذا؟ لأن كتاب الله سبحانه وتعالى فيه نبأ من كان قبلكم موعظة، وهناك أقوام أشادوا حضارات، وجاؤوا بمعجزات، وأشادوا الأهرامات، وبنوا القصور، ونحتوا الجبال، واخترعوا مواد لا تزال إلى الآن سر من أسرار هذه الأمم، كفروا بالله سبحانه وتعالى فأهلكهم الله سبحانه وتعالى، يوجد عندنا حوادث، وأنا أقول دائماً ربنا عز وجل، القرآن الكريم كون ناطق، والكون قرآن صامت، والحوادث قرآن عملي، فآكل المال الحرام الله في أغلب الأحيان يتلف ماله، والمعتدي يعتدى عليه، والظالم سوط الله ينتقم به ثم يُنتقم منه، ولو تتبعت ما يجري في الدنيا، فهذه المدينة الفاجرة أصابها زلزال جعلها قاعاً صفصفاً لا ترى فيها عوجاً، وهؤلاء القوم منحرفون أخلاقياً ابتلاهم الله بالأمراض، والآن في العالم الغربي في أمريكا يوجد أمراض تسبب الذعر، فقد سمعت عن أمراض عديدة كلها أمراض جنسية بسبب التفلت الأخلاقي فالقرآن كون ناطق، والكون قرآن صامت، ومعاملة الله للعباد وتصرفاته هي قرآن عملي، و الإنسان عندما يتعمق بالفهم يجد أن ما يجري في الأرض صادق لما في كتاب الله، إذ يوجد قانون السقوط قائم ثابت لا يتغير ولا يتبدل، وأن تعترف به، و تفهمه، وتتقيد بتعليماته، وتتأدب معه، وتنجو، وتستهين به، وتستخف به، وتنكره، وتكذبه، وتدفع الثمن فهذا كلام عام، دقق في بيتك، وفي زواجك، وفي بيعك، وفي شرائك، وفي معاملتك، وفي ربحك، وفي صحتك، كله مطبق. إن كانت جميع الفواحش متوافرة كلها فالدمار حق :
إذاً فيه نبأ من كان قبلكم، الأقوام السابقة، ربنا عز وجل توجه إلى آخر الزمان قال تعالى:
﴿ أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُوْلَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ ﴾
[ سورة القمر: 43]
أي قوم لوط فعلوا فاحشة واحدة فدمرهم الله سبحانه وتعالى، و قوم ثمود فعلوا فاحشة من نوع آخر، قوم شعيب بخسوا المكيال، و كل قوم ارتكبوا فاحشة فاستحقوا الدمار، فإذا كانت جميع الفواحش متوافرة كلها فالدمار حق، ولذلك قال تعالى: ﴿ وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا ﴾
[ سورة الإسراء: 58]
سترون بأعينكم كل مرحلة من الزمن يحل البلاء في بلد. القرآن الكرم فيه نبأ من كان قبلنا ونبأ من يأتي بعدنا :
والله عز وجل قال:
﴿ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ ﴾
[ سورة الأنعام: 65 ]
من فوقكم البراكين، فهذا بركان سيزوف، ثار وغطى مدينة، ثمانية أمتار سحاب بركاني، حرارته ثمانمئة درجة، فالناس ماتوا إما احتراقاً أو اختناقاً أو انحباساً، إنها مدينة بكاملها، الساعة الثانية ظهراً تقريباً جمدت على حالها، و بعد ألف سنة أثناء تنقيب الآثار وجدوا مدينة طبعاً صخوراً كسروا الصخور فوجدوا تجويفات، فجاء علماء الآثار حقنوا هذه التجويفات بجبصين سائل فلما نشف الجبصين كسروا هذه الصخور فظهرت الأجسام، أم هاربة من السحاب، وامرأة تحتضن ابنها، والأشخاص في السجون، والذعر باد على وجوههم،و النساء في القصور يجمعن الحلي، كلها صور مأخوذة مجسمة، مثل أدوات الطعام، قال تعالى: ﴿ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ ﴾
[ سورة الأنعام: 65 ]
يوجد مدينة في اللاذقية اسمها أوغاريت، العلماء يقولون: إن بركاناً ثار بالقرب منها، وغطاها ثلاث مرات أي مدينة وتحتها مدينة، وتحتها مدينة، وجبل الأقرع ثار بركانه ودمر هذه المدينة ثلاث مرات، فهذه من فوقكم، والآن يوجد أسلحة من فوقكم، صواريخ يقول لك: قصف مدفعي كثيف، وتراشق صاروخي، و هذه أيضاً من فوقكم، أو من تحت أرجلكم، الزلازل، أغادير مدينة جميلة جداً على الساحل الأطلسي، هذه المدينة خاصة بالسياح الأجانب وكل أنواع المنكرات فيها، حتى الأماكن الرذيلة لا يسمح لأبناء المغرب بالدخول إليها لشدة الانحراف، ثلاث دقائق أصبحت ركاماً، فيها فندق كبير، ثلاثون طابقاً، حكمة الله سبحانه وتعالى هذا الفندق غاص كله، وبقيت لوحته الكبيرة على الطابق الثلاثين على مستوى الأرض، فهذه أو من تحت أرجلكم، وهذه على مستوى جماعي، وهذه على مستوى فردي، وهناك بناء يغوص بكامله بمن فيه، قال تعالى: ﴿ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ﴾
[ سورة الأنعام: 65 ]
هذا من مستوى الزلازل، ومستوى البراكين، قال تعالى: ﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ﴾
[ سورة النحل: 112]
فالإنسان لا يأمن أن يسير متراً، قد يقتل بلا سبب، في بعض الأقطار التي تشهد صراعات داخلية فيها بلاء من الله عز وجل.
إذاً فيه نبأ من كان قبلكم، ونبأ من يأتي بعدكم، قال تعالى:
﴿ غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ﴾
[ سورة الروم: 2-3]
فتح مكة، نبأ من كان بعدكم، وانتصار الرومان على الفرس نبأ من كان بعدكم.
أحداث قيام الساعة :
الآن أحداث قيام الساعة، قال تعالى:
﴿ وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾
[ سورة الزخرف: 61]
﴿ حَتَّى إِذَا أَخَذَتْ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا﴾
[ سورة يونس: 24]
هناك أمور لما تفسر، قال تعالى: ﴿ حَتَّى إِذَا أَخَذَتْ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ*وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾
[ سورة يونس: 24-25]
فالآن يوجد قمة في الزخرفة، أينما تذهب تجد زخرفة، أسقف مستعارة، وجدراناً مزينة بالزخارف، وإضاءة مخفية منوعة، وفرشاً وثيرة جداً، ومداخل حدائق، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ﴾
[ سورة المائدة: 1]
ملكوا السلاح النووي، فيه نبأ ما كان قبلكم، ونبأ ما كان بعدكم، وحكم ما بينكم، فإذا اختلف اثنان فالقرآن الكريم يحكم بينهما، هو الحكم، وإذا اختلف الزوجان الحكم لكتاب الله، وإذا اختلف شريكان فالحكم لكتاب الله. من قرأ القرآن قراءة صحيحة و عقل معانيه زالت كل أمراضه النفسية :
قال تعالى:
﴿ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ ﴾
[ سورة النحل: 69]
اعمل عقداً معه، يأتيك الحكم بهذا الشكل.. ومن خالفه من الجبابرة قصمه الله عز وجل، ومن ابتغى العلم في غيره أذله الله عز وجل...فإذا الإنسان لحق الكتب الأخرى قال لك: يوجد عندي المجموعة النفسية، كتاب لفرويد، إنه يجعل الجنس أساس الحياة، فالإنسان كتلة جنس، أو عندي كتاب مثلاً لدارون، أصل الإنسان.... "من ابتغى العلم في غيره أذله الله عز وجل، وهو حبل الله المتين ونوره المبين وشفاؤه النافع..."لا يحزن قارئ القرآن أبداً، فهو دواء لكل داء، فداء القلق القرآن الكريم، ومن الخوف اقرأ القرآن يذهب خوفك، الضياع تجتمع، والتشاؤم تتفاءل، و الشعور بالضعف تشعر بالعزة والكرامة، فلو قرأت القرآن قراءة صحيحة وعقلت معانيه تزول كل أمراضك النفسية، قال تعالى: ﴿ وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا ﴾
[ سورة الإسراء: 82]
وشفاؤه النافع عصمة لمن تمسك به، قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم، فإنسان كاد لإنسان بعث له امرأة بوقت متأخر صار هناك خلوة، وكلفها عندما تخرج من عنده تدعي أنه اغتصبها فشوه سمعته، ولو كان متمسكاً بكتاب الله ما سمح لها أن تدخل بيته إطلاقاً، إذ تحدث مشكلات كثيرة لعدم التمسك بكتاب الله، "عصمة لمن تمسك به، ونجاة لمن اتبعه". التمسك بكتاب الله :
"لا يعوج فيقوم.. " القوانين تحتاج إلى تعديل، يصدر قانون فيعدل، والثاني، والرابع، والخامس، و تجده مربوطاً به خمسون ورقة، تعديلاته كلها، ثم يضيفون ثم يلغون القانون، ويصدر قانون جديد، بعد شهرين يعدل لأنه ناقص، أما ربنا عز وجل: "لا يعوج فيقوم، ولا يزيغ فيستقيم، ولا تنقضي عجائبه"، السماء ذات الرجع فهمها المفسرون أنها البخار يصعد إليها ثم يرجع مطراً شيء جميل، و هذا معنى بسيط، الآن الأمواج الصوتية تصعد في السماء هناك طبقة عليا تعكسها إلى الأرض، ولولا هذه الطبقة ما أمكن الاتصال باللاسلكي، والسماء ذات الرجع، ولا تنقضي عجائبه، العلم يتقدم يوجد في القرآن إشارة لهذا التقدم، قال تعالى:
﴿ وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ ﴾
[ سورة النمل: 88]
﴿ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾
[ سورة الأنعام: 125]
هذا الضغط، فالضغط عندما يخف تضيق نفس الإنسان، "ولا تنقضي عجائبه، ولا يخلقه كثرة الترديد..." ، كلما زدته نظراً زادك معنىً، وفي حديث حذيفة رضي الله عنه لما أخبره الرسول صلى الله عليه وسلم بالاختلاف والفرقة بعده، "فقلت يا رسول الله فماذا تأمرني إن أدركت ذلك؟ قال: تعلم كتاب الله واعمل بما فيه"، فإذا كنت تعيش في عصر فيه ضلالات، وفيه فتن، و ضياع، و عمى، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، واستعلاء الناس، واستخفافهم بالشرع، إذا كنت في هذا العصر ما المخرج وما النجاة؟ قال عليه الصلاة والسلام: "تعلم كتاب الله واعمل بما هو فيه، قال: فأعدت عليه ذلك ثلاثاً فقال صلى الله عليه وسلم: تعلم كتاب الله واعمل بما هو فيه ففيه النجاة". كلما تقدم العلم يصل إلى أصل ذكره الله في القرآن الكريم :
وفي الزمن الصعب تعلم كتاب الله، واعمل بما هو فيه، أي حضور مجلس العلم أثمن ما في الحياة، لأنك بهذا تعرف القرآن، وتعرف أحكام القرآن، وتعرف أوامر الله، و نواهيه، وقواعد الحياة، و طريق السير إلى الله عز وجل، و الهدف من خلقك، وقال علي كرم الله وجهه: "من فهم القرآن فسُرِّ به جمل العلم"، هذه كلمة دقيقة جداً، العلماء قالوا: العلوم الحديثة كل أصولها في القرآن الكريم لا تفريعاتها، فيتعمقون في العلم حتى يكتشفوا حقيقة يكون ربنا أشار إليها، وربنا عز وجل لو قال وقت نزول القرآن: الأرض كروية لكذب الناس القرآن، لكن أشار إشارات كثيرة بأنها كروية، قال تعالى:
﴿ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ﴾
[ سورة الزمر: 5]
﴿ وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ﴾
[ سورة الانشقاق: 3]
خطوط الدائرة متصلة مستمرة لا منقطعة، أما خطوط المكعبات فمنقطعة، وإذا الأرض مدت. قال تعالى: ﴿ وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا ﴾
[ سورة النازعات: 30]
فما الذي جعلها كالدحية أي كالكرة، يوجد إشارات إلى أن الأرض كروية، والآن اكتشفوا أن العسل صيدلية كاملة، قال تعالى: ﴿ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ ﴾
[ سورة النحل: 69]
وقوانين السعادة الزوجية غض الطرف، قرأت كتاباً لإنسان اسمه كارين-الإنسان ذلك المجهول- جذب نظري جملة قال: إن المخرج من التفسخ الاجتماعي، وانحلال الخلق، وضياع الأسرة، أن يقصر الرجل طرفه على زوجة واحدة، أي يغض بصره، وإذا لم يغض بصره فإنه لا يسعد في بيته، فالعلم كلما تقدم يصل إلى أصل ذكره الله في القرآن الكريم. في فهم معاني القرآن مجال رحب ومتسع بالغ :
الآن طموح المرأة في أوربا أن تكون سيدة منزل، وربة منزل متفرغة لزوجها ولو شقيت معه، فصار إذا كانت المرأة متفرغة لزوجها فهذه محسودة، بعد أن صار اختلاط، وبعد أن أصبحت المرأة مبتذلة، منفقة المتاع و ميسورة لكل إنسان، الآن صار هناك طموحاً في العالم الغربي أن تكون سيدة منزل كما جاء في الإسلام قال تعالى:
﴿ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى ﴾
[ سورة طه: 117]
فتشقى وحدك في العمل والسعي، وقال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: ﴿ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الْأَلْبَابِ﴾
[ سورة البقرة : 269 ]
أي الفهم في القرآن، وقال عز وجل: ﴿ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ ﴾
[ سورة الأنبياء: 79]
ثم ما آتاهما علماً وحكماً وخصص ما انفرد به سليمان الفهم لقوله تعالى: ﴿ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ﴾
[ سورة الأنبياء: 79]
فهذه الأمور كلها تدل على أن في فهم معاني القرآن مجالاً رحباً ومتسعاً بالغاً، وأن المنقول من ظاهر التفسير ليس منتهى الإدراك فيه، وللبحث صلة نأخذها في الدرس القادم إن شاء الله تعالى.
* * *
بعض الأحاديث النبوية الشريفة :
والآن إلى بعض الأحاديث النبوية الشريفة، يقول عليه الصلاة والسلام:
((خياركم من ذكركم بالله رؤيته، وزاد في علمكم منطقه، ورغبكم في الآخرة عمله))
[ الترمذي عن ابن عمرو بن العاص ]
أي حديثه يزيدكم علماً بالله، وعمله يرغبكم في الآخرة، ورؤيته تذكركم بالله عز وجل، ولذلك فأولياء أمتي إذا رؤوا ذكر الله بهم، فالله عز وجل يهب المؤمن سمتاً حسناً، ونورانية في وجهه، واستقامة في عمله، فيصبح هذا المؤمن قدوةً لغيره، فإذا كنتم كذلك فأنتم من خيار الناس.


الساعة الآن 02:58 PM

Powered by vBulletin™ Version 3.8.7 Copyright © 2012 vBulletin ,
هذا الموقع يتسخدم منتجات Weblanca.com
new notificatio by 9adq_ala7sas
User Alert System provided by Advanced User Tagging (Lite) - vBulletin Mods & Addons Copyright © 2026 DragonByte Technologies Ltd. Runs best on HiVelocity Hosting.