![]() |
اسماء الله الحسنى 2008 م
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : مقدمة - 1 - مكانة أسماء الله الحسنى في الدعوةاسماء الله الحسنى الدرس : ( الاول ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. توطئة: أيها الإخوة الكرام، مع درس جديد من دروس أسماء الله الحسنى، وفي هذا الدرس نتحدث بشكل عام عن مكانة أسماء الله الحسنى في الدعوة إلى الله. 1 – القوة الإدراكية في الإنسان: بادئ ذي بدء، لقد أودع الله في الإنسان قوة إدراكية، وميّزه بهذه القوة عن بقية المخلوقات، هذه القوة الإدراكية تستلزم طلب الحقيقة، فقد خلق فيه حاجة عليا للمعرفة، وما لم تلبَّ هذه الحاجة العليا، وما لم يبحث الإنسان عن الحقيقة، وما لم يبحث عن سر وجوده، وعن غاية وجوده، وعن أفضل شيء يمكن أن يفعله في وجوده فقد هبط عن مستوى إنسانيته، هناك حاجات سفلى، وحاجات دنيا، وهناك حاجات عليا مقدسة. فالله سبحانه وتعالى أودع في الإنسان هذه القوة كي تلبَّى، لذلك الإنسان الذي يبحث عن الحقيقة، والذي يتعرف إلى سر وجوده، وإلى غاية وجوده هو إنسان لعله اقترب من أن يؤكد ذاته، ويحقق وجوده في الأرض. 2 – أصلُ الدين معرفةُ الله: النقطة الدقيقة أن أصل الدين معرفة الله، وفضلً معرفة الله على معرفة خَلقه كفضل الله على خلقه، وكم هي المسافة كبيرة جداً بين أن تعرف شيئاً من مخلوقات الله وأن تعرف خالق السماوات والأرض، المسافة كبيرة جداً، فعَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( فَضْلُ كَلَامِ اللَّهِ عَلَى كَلَامِ خَلْقِهِ كَفَضْلِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ )) [رواه الدارمي في سننه] والآن فضل معرفة الله على معرفة خلقه كفضل الله على خلقه، فلذلك ما من معرفة تعلو على أن نعرف الله عز وجل: (( ابن آدم اطلبني تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء)) [ورد في الأثر] أيها الإخوة الكرام، لو أن طفلاً صغيراً قال: معي مبلغ عظيم، كم نقدر هذا المبلغ ؟ نقدره مئتي ليرة مثلاً، أما إذا قال مسؤول كبير في دولة عظمى: أعددنا مبلغاً عظيماً للحرب، فإنك تقدره مئتي مليار، الكلمة نفسها قالها طفل فقدرناها برقم، وقالها إنسان آخر فقدرناها برقم، فإذا قال خالق السماوات والأرض: ﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا ﴾ ( سورة النساء ) 3 – لا شيء يعلو على مرتبة العلم: لذلك لا شيء يعلو على مرتبة العلم، وإذا أدرت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً، ويظل المرء عالماً ما طلب العلم، فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل. بالمناسبة، طالب العلم يؤثر الآخرة على الدنيا فيربحهما معاً، بينما الجاهل يؤثر الدنيا على الآخرة فيخسرهما معاًَ. 4 – معرفةُ الآمرِ قبل معرفة الأمر: أيها الإخوة الكرام، هناك نقطة دقيقة جداً ؛ يمكن أن تتعرف إلى الله، ويمكن أن تضعف معرفتك بالله، وتتعرف إلى أمره ونهيه، لكن الحقيقة الصارخة أنك إذا عرفت الآمر، ثم عرفت الأمر تفانيت في طاعة الآمر، بينما إذا عرفت الأمر، ولم تعرف الآمر تفننت في التفلت من الأمر. كأنني وضعت يدي على مشكلة العالم الإسلامي الأولى، الصحابة الكرام قلة، وقد وصلت راياتهم إلى أطراف الدنيا، لأنهم عرفوا الله، وحينما اكتفينا بمعرفة أمره، ولم نصل إلى معرفته المعرفة التي تحملنا على طاعته كما ترون حال العالم الإسلامي فإننا لسنا ممكَّنين، والله عز وجل يقول: ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي (55) ﴾ ( سورة النور) نحن كما في الآية الكريمة، وهذا هو الواقع المرّ، نحن لسنا مستخلَفين، ولسنا ممكَّنين، ولسنا آمنين، والكرة في ملعبنا، لأنه: ﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (59) ﴾ ( سورة مريم) إذاً: الفرق واضح بين الرعيل الأول من الصحابة الكرام الذين عرفوا الله، وطبقوا منهجه، فاستحقوا وعود الله عز وجل، وكما تعلمون جميعاً زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين. على كلٍّ ؛ قضية العلم واسعة جداً، قال بعض العلماء: هناك علم بخلقه، يعني عندنا واقع، والعلم وصف ما هو كائن، هناك ظواهر فلكية، علم الفلك، ظواهر فيزيائية، علم الفيزياء ظواهر كيميائية، علم الكيمياء، ظواهر نفسية علم نفس، ظواهر اجتماعية علم الاجتماع، فالعلم مختص بما هو كائن، وهو علاقة مقطوع بها بين متغيرين، تطابق الواقع، عليها دليل، هذا هو العلم. 5 – العلم بخَلقه أصلُ صلاح الدنيا، والعلمُ بأمْره أصل صلاح الآخرة: لكن هناك شيء آخر، هناك علم بأمره، العلم بخَلقه من اختصاص الجامعات في العالم، أية جامعة تذهب إليها فيها كليات العلوم، والطب، والهندسة، والصيدلة، وما إلى ذلك، هذا علم بخلقه، والعلم بخلقه أصل صلاح الدنيا، والمسلمون مفروض عليهم فرضاً كفائياً أن يتعلموا هذه العلوم كي يكونوا أقوياء، لذلك العلم بخلق الله أصل في صلاح الدنيا، أما العلم بأمره فأصل في العبادة، قال تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ ( سورة الذاريات ) العبادة: 1 – تعريف العبادة:س والعبادة طاعة طوعية، ممزوجة بمحبة قلبية، أساسها معرفة يقينية، تفضي إلى سعادة أبدية. 2 – الكليات الثلاث في العبادة: هذا التعريف فيه كليات ثلاث، فيه كلية معرفية، وكلية سلوكية، وكلية جمالية: الكلية السلوكية هي الأصل، وما لم يستقم المسلم على أمر الله فلن يستطيع أن يقطف من الدين شيئاً، هذه الكلية السلوكية. المؤمن ملتزم، المؤمن مقيَّد بمنهج الله عز وجل، المؤمن في حياته منظومة قيم، عنده فرض، عنده واجب، عنده سنة مؤكدة، سنة غير مؤكدة، مباح، مكروه تنزيهاً، مكروه تحريماً، حرام، العلم بأمره أصل في قبول العبادة. 3 – العبادات شعائرية وتعاملية: بالمناسبة العبادة واسعة جداً، هناك عبادة شعائرية، وهناك عبادة تعاملية، العبادات الشعائرية منها الصلاة والصوم لا تصح، ولا تقبل إلا إذا صحت العبادات التعاملية، لذلك قال بعض العلماء: " ترك دانق من حرام خير من ثمانين حجة بعد الإسلام، وقد ورد في بعض الأحاديث الشريفة: (( والله لأن أمشي مع أخ في حاجته خير لي من صيام شهر واعتكافي في مسجدي هذا )) [ الترغيب والترهيب عن ابن عباس بسند ضعيف] العلمُ بأمر الله ونهيه فرض عين: هناك علم بخلق الله، والمسلمون مدعوون إلى طلب هذا العلم، بل هو عليهم فرض كفائي، إذا قام به البعض سقط عن الكل، وهو أصل في صلاح الدنيا، بينما العلم بأمره أن تعرف الحلال والحرام، أن تعرف أحكام التعامل التجاري، أحكام التعامل اليومي، هذه كلها من أحكام الفقه، ولا بد من أن يتعرف الإنسان إليها، لتأتي حركته في الحياة مطابقة لمنهج الله عز وجل. إنك بالاستقامة تسلم، لأنك تطبق تعليمات الصانع، وما من جهة في الأرض أجدر من أن تتبع تعليماتها إلا الجهة الصانعة، لأنها الجهة الخبيرة وحدها: ﴿ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾ ( سورة فاطر الآية: 19 ) العلم بأمره فرض عين على كل مسلم، العلم بخَلقه فرض كفائي، إذا قام به البعض سقط عن الكل، بينما العلم بأمره فرض عيني على كل مسلم، كيف تعبد الله ؟ من أجل أن تعبده لا بد من أن تعرف أمره ونهيه، فالعلم بخلقه من أجل صلاح الدنيا، ومن أجل قوة المسلمين، وعلم بأمره من أجل قبول العبادة. العلمُ بأمر الله يحتاج إلى دراسة، والعلم بالله يحتاج على مجاهدة: لكن بقي العلم به، العلم بأمره وبخلقه يحتاج إلى مدارسة، إلى مدرس، إلى كتاب، إلى وقت، إلى مطالعة، إلى مذاكرة، إلى مراجعة، إلى أداء امتحان، إلى نيل شهادة، ولكن العلم به يحتاج إلى مجاهدة. أنت حينما تلتزم، وحينما تأتي حركتك في الحياة مطابقة لمنهج الله عز وجل عندئذ يتفضل الله علينا جميعاً فيمنحنا وميضاً من معرفته جل جلاله، فلذلك العلم بخلقه يحتاج إلى مدارسة، وعلم بأمره يحتاج إلى مدارسة أيضاً والعلم بخلقه وبأمره أصل في صلاح الدنيا، ومن أجل قوة المسلمين، والثاني أصل في قبول العبادة، لكن العلم به يحتاج إلى مجاهدة، فبقدر ما تضبط جوارحك، بقدر ما تضبط حركاتك وسكناتك، بقدر ما تضبط تطلعاتك وبيتك وعملك، بقدر ما يتفضل الله عليك بأن يمنحك شيئاً من معرفته. طرق معرفة الله تعالى: الحقيقة نحن أمام طرق ثلاثة سالكة: الطريق الأولى: النظرُ في الآيات الكونية: أول بند آياته الكونية، قال تعالى: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ ( سورة آل عمران ) لذلك من أجل أن نعرف الله عز وجل لا بد من أن نتفكر في مخلوقاته، والآية واضحة جداً، وفيها إشارة دقيقة إلى أن المؤمن يتفكر في خلق السماوات والأرض تفكراً مستمراً، والفعل المضارع ( يتفكرون ) يدل على الاستمرار، فمن أجل أن أعرف الله ينبغي أن أتفكر في مخلوقاته. هذا الكون أيها الإخوة الكرام ينطق بوجود الله ووحدانيته وكماله، وقد قيل: الكون قرآن صامت، والقرآن كون ناطق، والنبي عليه الصلاة والسلام قرآن يمشي. أول شيء، هناك آيات كونية تحتاج إلى تفكر، الآيات الكونية نتفكر بها، وهذا طريق آمن، لأن كل ما في الكون يعد مظهراً لأسماء الله الحسنى، وهذا موضوع الدرس الأول. ترى في الكون رحمة، إذاً: الله رحيم، ترى في الكون حكمة، إذاً: الله حكيم، ترى في الكون قوة، الله قوي، ترى في الكون غنى الله غني، فكأن الكون مظهر لأسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى، هذا طريق إلى معرفة الله. بالمناسبة في القرآن الكريم ألف وثلاثمئة آية تتحدث عن الكون. أيها الإخوة الكرام، بربكم إن قرأت آية فيها أمر، تقتضي هذه الآية أن تأتمر، وإن قرأت آية فيها نهي، تقتضي هذه الآية أن تنتهي، وإن قرأت آية فيها وصف لحال أهل الجنة تقتضي هذه الآية أن تسعى لدخول الجنة، وإن قرأت آية فيها وصف لحال أهل النار تقتضي هذه الآية أن تتقي النار، ولو بشق تمرة، وإن قرأت قصة أقوام سابقين دمرهم الله عز وجل تقتضي هذه الآية أن نتعظ، وأن نبتعد عن كل عمل يفعله هؤلاء. الآن السؤال: وإذا قرأت آية فيها إشارة إلى الكون، إلى خلق الإنسان، ماذا تقتضي هذه الآية ؟ تقتضي هذه الآية أن تفكر في خلق السماوات والأرض. أيها الإخوة الكرام، ألف وثلاث مئة آية في القرآن الكريم تتحدث عن الكون، وخلق الإنسان، والآية مرة ثانية أرددها على مسامعكم: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ ( سورة آل عمران ) هذا طريق سالك إلى الله، وهو التفكر في خلق السماوات والأرض، وهو طريق سالك وآمن ومثمر. الطريق الثانية: النظرُ في أفعالِ الله تعالى: هناك طريق آخر، قال تعالى: ﴿ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (36) ﴾ ( سورة النحل ) الآن الطريق الثاني في معرفة الله: أن تنظر في أفعاله، الله عز وجل فعّال لما يريد، وأفعاله متعلقة بالحكمة المطلقة، وقد قال بعض العلماء: كل شيء وقع أراده الله، وكل شيء أراده الله وقع، وأراده الله متعلقة بالحكمة المطلقة، والحكمة المطلقة متعلقة بالخير المطلق. بالمناسبة، هناك آيات كونية هي خَلقه، وهناك آيات تكوينية هي أفعالُه، وهناك آيات قرآنية كلامُه، إذاً: طريق معرفة الله التفكر في آياته الكونية خلقه، والنظر في آياته التكوينية أفعاله، ثم تدبر آياته القرآنية. ابن آدم اطلبني تجدني، فإن وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتُك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء. فلو شاهدت عيناك من حسننا الذي رأوه لـــما وليت عنا لغيرنا و لــو سمعت أذناك حسن خطابنا خلعت عنك ثياب العجب و جئتنا ولـــو ذقت من طعم المحبة ذرة عذرت الذي أضحى قتيلاً بحـبنا ولو نسمت من قربنا لك نسمـــة لمت غريباً و اشتياقاً لقربنـــا *** آية فيها سلامة الإنسان: أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ أيها الإخوة الكرام: ﴿ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾ ( سورة الرعد الآية: 28 ) في القلب فراغ لا يملأه المال، ولا تملأه المتع، ولا تملأه القوة، نحن بحاجة إلى الإيمان، لأن الله عز وجل يقول: ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾ ( سورة طه ) الإنسان مجبول على حب وجوده، وعلى جب سلامة وجوده، وعلى حب كمال وجوده، وعلى حب استمرار وجوده، سلامة وجوده أساسها تطبيق منهج الله، وكمال وجوده أسها القرب من الله عز وجل، واستمرار وجوده أساها تربية الأولاد كي يكون هذا الابن استمراراً لأبيه. أربع مساحات في الإسلام: 1 ـ مساحة العقيدة: العقيدة أخطر المساحات الأربع: أيها الإخوة الكرام، إذا: يمكن أن نرمز إلى الإسلام بمثلث فيه أربع مساحات، المساحة الأولى: مساحة العقيدة، وأخطر شيء في الإسلام العقيدة، لأنها إذا صحت صح العمل، وإذا فسدت فسد العمل. بالمناسبة، الإسلام يقدم للإنسان تصورات عميقة ودقيقة ومتناسقة للكون والحياة والإنسان، لمجرد أن تقرأ القرآن الكريم فأنت أمام منظومة تصورات عميقة ودقيقة ومتناسقة، تعرف سر الحياة الدنيا، لماذا أنت في الدنيا ؟ ما حكمة المرض ؟ ما حكمة المصائب ؟ لماذا هناك موت ؟ وماذا بعد الموت ؟ ماذا قبل الموت ؟ من أين جئت ؟ وإلى أين أنا ذاهب ؟ ولماذا عندك أمن عقائدي ؟ لذلك إذا شرد الإنسان عن الله، وتوهم أفكاراً معينة، وآمن بها قد يفاجأ مفاجأة صاعقة، أن هذه الأفكار غير صحيحة، أما حينما يؤمن بالله، ويؤمن بمنهجه، والمنهج يقدم له تفسيراً عميقاً دقيقاً متناسقاً لحقيقة الكون، ولحقيقة الحياة الدنيا، ولحقيقة الإنسان عندها يفلح. فلذلك في هذا المثلث المساحة الأولى مساحة العقائد، لذلك الخطأ في الميزان لا يصحح، بينما الخطأ في الوزن لا يتكرر، أفضل ألف مرة أن تقع في خطأ في مفردات المنهج من أن تقع في خطأ في أصل التصور، فالميزان غير منضبط لو استخدمته مليون مرة فالوزن غير صحيح، أما إذا كان منضبطاً، وأنت أخطأت بقراءة الرقم فهذه مرة واحدة، فالخطأ في الميزان لا يصحح، بينما الخطأ في الوزن لا يتكرر. لذلك أفضل ألف مرة أن نخطئ في الوزن من أن نخطئ في الميزان، فالمساحة الأولى في المثلث هي مساحة العقيدة، فإن صحت صحّ العمل، وإن فسدت فسد العمل، وما من انحراف في السلوك إلا بسبب انحراف في العقيدة، ولو أن العقيدة لا يتأثر بها السلوك فاعتقد ما شئت، ولكن ما من خطأ في العقيدة إلا وينعكس خطأ في السلوك. للتقريب: أحياناً يخطئ الطيار في تحديد الهدف في الجو بميليمتر واحد، هذا الميليمتر في الجو ينقلب في الأرض إلى كيلو متر، فالخطأ في العقيدة له آثار سيئة جداً، لذلك يجب أن تصح عقائدنا، والإنسان بحاجة إلى أن يراجع ما يعتقد، أحياناً يعتقد شيئا غير صحيح، خرافة أحياناً، شيئا شاع بين الناس، فلابد من بحث في العقيدة، والشيء الدقيق أن الله لو قبِل من إنسان عقيدة تقليداً لكان كل الضالين في الأرض مقبولين عند الله، لكن لأن الله عز وجل يقول: ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ (19) ﴾ ( سورة محمد ) لا تقبل العقيدة من المؤمن إلا تحقيقاً، قضية التقليد مرفوضة، لأن الله عز وجل يقول: ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ (19) ﴾ ( سورة محمد ) 2 ـ مساحة العبادة: الأصل في العبادات المنعُ والحَظْرُ: المساحة الثانية في المثلث مساحة العبادات، والأصل في العبادات الحظر، ولا تشرع عبادة إلا بالدليل القطعي والثابت، لأن العبادات قربات إلى الله، والله عز وجل يقول: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ ( سورة الذاريات ) والعبادة علة وجودنا، بل هي سر وجودنا، لكن لهذه العبادة مفهومات دقيقة جداً، ولها مفهومات واسعة. العبادة تدور مع الإنسان حيثما دار في كل أوقاته، وفي كل أحواله، وفي كل شؤونه فلذلك، المساحة الثانية العبادات. لا تصح العبادات الشعائرية إلا إذا صحت العبادات التعاملية: أخطر ما في الموضوع أن العبادات الشعائرية لا تقبل ولا تصح إلا إذا صحت العبادات التعاملية، لذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: (( أَتَدْرُونَ مَنْ الْمُفْلِسُ ؟ قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ لَا لَهُ دِرْهَمَ وَلَا دِينَارَ وَلَا مَتَاعَ، قَالَ: الْمُفْلِسُ مِنْ أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ يَأْتِي بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ عِرْضَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُقْعَدُ فَيَقْتَصُّ هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ )) [ مسلم عن أبي هريرة ] هذه الصلاة. الصوم: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ )) [ أخرجه البخاري وأبو داود والترمذي وابن ماجة ] الحج: (( من حج بمال حرام، ووضع رجله في الركاب، وقال: لبيك اللهم لبيك ينادى أن: لا لبيك، ولا سعديك، وحجك مردود عليك )) [ ورد في الأثر ] الزكاة، قال تعالى: ﴿ أَنفِقُواْ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ {53} ﴾ ( سورة التوبة الآية: 53 ) شهادة أن لا إله لا الله: (( من قال: لا إله إلا الله بحقها دخل الجنة، قيل: وما حقها ؟ قال: أن تحجزه عن محارم الله )) [ الترغيب والترهيب عن زيد بن أرقم بسند فيه مقال كبير ] فالعبادات الشعائرية كالصلاة والصوم لا تصح ولا تقبل إلا إذا صحت العبادات التعاملية، فلذلك المساحة الأولى مساحة العقائد، والمساحة الثانية مساحة العبادات. 3 ـ مساحة المعاملات: والمساحة الثالثة مساحة المعاملات، سيدنا جعفر رضي الله عنه حينما لما سأله النجاشي عن الإسلام ماذا قال ؟ قال: (( أَيُّهَا الْمَلِكُ، كُنَّا قَوْمًا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ، نَعْبُدُ الْأَصْنَامَ، وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ، وَنَأْتِي الْفَوَاحِشَ، وَنَقْطَعُ الْأَرْحَامَ، وَنُسِيءُ الْجِوَارَ، يَأْكُلُ الْقَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ، فَكُنَّا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْنَا رَسُولًا مِنَّا نَعْرِفُ نَسَبَهُ وَصِدْقَهُ، وَأَمَانَتَهُ وَعَفَافَهُ، فَدَعَانَا إِلَى اللَّهِ لِنُوَحِّدَهُ، وَنَعْبُدَهُ، وَنَخْلَعَ مَا كُنَّا نَعْبُدُ نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ الْحِجَارَةِ وَالْأَوْثَانِ، وَأَمَرَنَا بِصِدْقِ الْحَدِيثِ، وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ، وَحُسْنِ الْجِوَارِ، وَالْكَفِّ عَنْ الْمَحَارِمِ وَالدِّمَاءِ، وَنَهَانَا عَنْ الْفَوَاحِشِ، وَقَوْلِ الزُّورِ، وَأَكْلِ مَالَ الْيَتِيمِ، وَقَذْفِ الْمُحْصَنَةِ، وَأَمَرَنَا أَنْ نَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَأَمَرَنَا بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ )) [ أحمد عن أم سلة ] إذاً: الإسلام مجموعة قيم أخلاقية، من هنا قال عليه الصلاة والسلام: (( بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ )) [ متفق عليه عن ابن عمر ] الإسلام بناء أخلاقي، والعبادات الخمس أركان الإسلام، لذلك قالوا: الإيمان هو الخَلق، ومن زاد عليك في الخُلق زاد عليك في الإيمان. أول مساحة العقائد، الثانية العبادات، الثالثة المعاملات: ترك دانق من حرام خير من ثمانين حجة بعد الإسلام. والله لأن أمشي مع أخ في حاجته خير لي من صيام شهر واعتكافي في مسجدي هذا. 4 ـ مساحة الأخلاق: المساحة الأخيرة مساحة الأخلاق: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ ما لم تكن متمسكاً بمكارم الأخلاق، ما لم يكن منصفاً، ما لم يكن متواضعاً، ما لم يكن رحيماً فكأنك لن تقطف ثمار هذا الدين. خاتمة: أيها الإخوة الكرام، هذا تقديم وتمهيد لموضوع أسماء الله الحسنى، يقول الله عز وجل: ﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (8) ﴾ ( سورة طه ) ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا (180) ﴾ ( سورة الأعراف ) وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ )) [ متفق عليه ] وهاتان الآيتان وهذا الحديث نشرحهما إن شاء الله في درس قادم. والحمد لله رب العالمين |
رد: اسماء الله الحسنى
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : مقدمة - 2 - مكانة أسماء الله الحسنى في الدعوةاسماء الله الحسنى الدرس : ( الثانى ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. حديث عظيم أصل في أسماء الله: أيها الإخوة الكرام، مع درس جديد من دروس أسماء الله الحسنى، وما زلنا في المقدمات. في الصحيحين من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ )) [ متفق عليه ] معنى: أَحْصَاهَا: هذا حديث صحيح اتفق عليه الشيخان، وهو من أعلى مراتب الصحة، لكن كي نفهم معنى: مَنْ أَحْصَاهَا، نقرأ الآية الكريمة: ﴿لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (94) ﴾ (سورة مريم) الفرق بين الإحصاء والعدِّ: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/648/01.jpg يبدو أن الإحصاء شيء، والعد شيء آخر، فأنت كمعلم يمكن أن تعد طلابك بشكل سريع، أما أن تحصيهم، أن تعرف إمكاناتهم، مستوياتهم، تفوقهم، وضعهم العائلي، وضعهم في البيت، مدى تقيدهم بمنهج الله عز وجل، الإحصاء دراسة شاملة، النبي عليه الصلاة والسلام يجعل إحصاء الأسماء سبباً وحيداً كافياً لدخول الجنة: (( إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ )) وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ أقرّب هذا المعنى بآية ثانية: ﴿ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ (46) ﴾ (سورة الكهف) حينما قال: " وَالْبَاقِيَاتُ "، معنى ذلك أن المال والبنين شيء زائل، كل مخلوق يموت، ولا يبقى إلا ذو العزة والجبروت. والليل مهما طال فلابد من طلوع الفجر والعمر مهما طال فلابد من نزول القبر *** و كل ابن أنثى و إن طالت سلامته يوماً على آلة حدباء محمـــــول فإذا حملت إلى القبـــور جنازة فاعلم بأنك بعدهــا محمـــــول *** ﴿ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا (46) ﴾ (سورة الكهف) ودقة الآية أن المال من دون بنين مشكلة كبيرة، وأن البنين من دون مال مشكلة أكبر. ﴿ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا (46) ﴾ (سورة الكهف) http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/648/02.jpg لكن الله عز وجل حينما قال: ﴿ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ (46) ﴾ (سورة الكهف) متع الدنيا زائلة، فما الباقيات الصالحات ؟ قال بعض العلماء: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، دقق، إن سبحته أي نزهته عن كل نقص ومجدته، وحمدته ووحدته وكبرته، فقد عرفته، وإن عرفته عرفت كل شيء، وإن عرفته صغر في عينك كل شيء، وما معنى: الله أكبر ؟ أكبر من كل شيء، بل أكبر مما عرفت. ﴿ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ (46) ﴾ (سورة الكهف) أنت أيها الإنسان زمنٌ: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/648/03.jpg البطولة أيها الإخوة، أنت زمن، في أدق تعاريف الإنسان، أنه بضعة أيام، كلما انقضى يوم انقضى بضع منه، هذا تعريف الإمام الجليل الحسن البصري، الإنسان بضعة أيام، كلما انقضى يوم انقضى بضع منه. ما من يوم ينشق فجره إلا وينادي: يا ابن آدم أنا خلق جديد، وعلى عملك شهيد، وتزود مني، فإني لا أعود إلى يوم القيامة، بل إن الإنسان بضعة أيام، وهو في الحقيقة زمن فقط، بضعة أيام، كلما انقضى يوم انقضى بضع منه، لذلك جاءت الآية الكريمة: ﴿ والْعَصْرِ {1} إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ {2} ﴾ ( سورة العصر ) http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/648/04.jpg جواب القسم أن الإنسان خاسر لا محالة، لماذا ؟ لأن مضي الزمن يستهلكه فقط، لكنه يستطيع تلافي هذه الخسارة إذا تعرف على الله، وتعرف إلى منهجه، وحمل نفسه على طاعته، وتقرب إليه بالأعمال الصالحة. ﴿ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3) ﴾ ( سورة العصر ) قال الإمام الشافعي: " هذه أركان النجاة في الدنيا "، لا بد من أن تتعرف إلى الله، ولا بد من أن تحمل نفسك على طاعته، ولا بد من أن تدعو إليه، فالدعوة إليه فرض عين على كل مسلم، الدليل: (( بلغوا عني ولو آية )) [ أخرجه أحمد والبخاري والترمذي عن ابن عمرو ] لكن الدعوة التي هي فرض عين في حدود ما تعلم، ومع من تعرف. لذلك أيها الإخوة الكرام، الإنسان إما أن يستهلك عمره استهلاكاً، أو أن يستثمره استثماراً، إذا تعرف إلى الله، وتعرف إلى منهجه، وحمل نفسه على طاعته، وتقرب إليه يكون قد أنفق وقته استثماراً، أنفق وقته في عمل جليل ينفعه بعد مضي الزمن. أهمية العلم بأسماء الله تعالى: لذلك أيها الإخوة الكرام، موقع أسماء الله الحسنى من العقيدة موقع كبير: (( إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ )) http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/648/05.jpg ماذا يقول العالم الجليل ابن القيم رحمه الله تعالى ؟ يقول: العلم بأسمائه وإحصائها أصل لسائر العلوم، فمن أحصى أسماءه كما ينبغي أحصى جميع العلوم، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( فَضْلُ كَلَامِ اللَّهِ عَلَى كَلَامِ خَلْقِهِ كَفَضْلِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ )) [ رواه الدارمي ] الآن فضل معرفة الله على معرفة خلقه كفضل الله على خلقه. إنسان يحمل أعلى شهادة في الفيزياء النووية، إذا انتهى أجله انتهت هذه الشهادة، يقول لك: الدكتور فلان عميد أسرتهم، انتهى، لكن إذا تعرف إلى الله ينتفع بهذه المعرفة بعد الموت وإلى أبد الآبدين، لهذا كل علم ممتع، لكن ما كل علم ممتع بنافع، والعلم النافع قد يكون غير مسعد، ما كل علم نافع بمسعد، إلا أنك إذا تعرفت إلى الله فهو علم نافع ممتع مسعد في الدنيا والآخرة: (( إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ )) معرفة الله لابد أن تكون مصحوبة برحمة مستقرة في قلب المؤمن: كيف نحصيها ؟ قالوا إحصائها أن تتعرف إلى ألفاظها وعددها، وقالوا: إحصائها أن تفهم معانيها ومدلولاتها، وقالوا: إحصاءها الدعاء بها كما ينبغي، دعاء، وثناء وعبادة، ودعاء، مسألة، وطلب، هذا معنى إحصائها عند ابن القيم رحمه الله تعالى. http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/648/06.jpg الآن أيها الأخوة، ينبغي أن تتعرف إلى الله، وأن تشتق منه كمالاً إذا اتصلت بالرحيم، لا بد من أن يستقر في قلبك الرحمة، دقق في قوله تعالى: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ (159) ﴾ ( سورة آل عمران) يا محمد، بسبب رحمة استقرت بقلبك عن طريق اتصالك بنا لنت لهم، فلما كنت ليناً لهم التفوا حولك، ﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ (159) ﴾ ( سورة آل عمران) أي لو كنت بعيداً لامتلأ القلب قسوة، فإذا امتلأ قسوة انعكس غلظة، فإذا انعكس غلظة انفض الناس من حولك، هذه معادلة رياضية، اتصال، رحمة، لين، التفاف، انقطاع، قسوة، غلظة، انفضاض، معادلة رياضية بالتمام والكمال. فلذلك أيها الإخوة، إذا كان للإيمان مؤشر، ومؤشر للرحمة يمشي مع هذا المؤشر تماماً، فكلما ازداد إيمانك ازدادت رحمتك، ومن لا يرحم لا يرحم، يا عبادي، إذا أردتم رحمتي فارحموا خلقي، وأبعد قلب عن الله القلب القاسي. الآن أقول لك: حينما تعرف اسم الرحيم، وتتصل بالرحيم يمتلأ قلبك رحمة، وهذه ثمار الصلاة الحقيقية. ﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾ ( سورة العنكبوت الآية: 45 ) من أدق ما قال المفسرون حول هذه الآية: ذكر الله لك أكبر من ذكرك له، فإذا ذكرته أديت واجب العبادة، أما إذا ذكرك الله عز وجل ملأ قلبك رحمة، ملأ قلبك أمناً، ملأ قلبك غنىً، ملأ قلبك رضىً، ملأ قلبك يقيناً، ذكر الله لك أكبر من ذكرك له، لذلك ورد في الأثر: " بيوتي في الأرض المساجد، وإن زوارها هم عمارها، فطوبى لعبد تطهر في بيته، ثم زارني، وحق على المزور أن يكرم الزائر " بالحكمة تسعد: إذا دخلت إلى بيت صديق يقدم لك بعض الضيافة، لكنك إذا دخلت إلى بيت من بيوت الله فقد يهبك الله الحكمة. ﴿ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا (269) ﴾ ( سورة البقرة) بالحكمة تسعد بزوجة من الدرجة الخامسة، ومن دون حكمة تشقى بزوجة من الدرجة الأولى، بالحكمة تسعد بالمال، ومن دون حكمة تبدد المال. أيها الأخوة الكرام، من أجل عطاءات الله الحكمة، أنت إذا اتصلت بالحكيم تغدو حكيماً من معاني: (( إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ )) تخلق بالكمال الإلهي، اشتق من الله الحكمة، اشتق منه الرحمة، اشتق منه العدل، حينما تتعرف إلى الله، وتستقيم على أمره، وتتصل به تشتق منه الكمال الإلهي، فلذلك: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا {9} وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا {10} ﴾ ( سورة الشمس ) الفلاح كل الفلاح، النجاح كل النجاح، الفوز كل الفوز في أن تعرفه، يا رب، ماذا فقد من وجدك ؟ وماذا وجد مَن فقدك ؟ وإذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟ أيها الإخوة الكرام، ورد في الأثر:ابن آدم اطلبني تجدني، فإن وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتُك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء. فلو شاهدت عيناك من حسننا الـذي رأوه لــما وليت عـنا لغيرنـا ولــو سمعت أذناك حسن خطابنا خلعت عنك ثياب العجب و جئتنا ولـــو ذقت من طعم المحبة ذرة عذرت الذي أضحى قتيلاً بحبـنا ولو نسمت من قربنا لك نسمـــة لمت غريباً واشتياقاً لقربنـــا *** أيها الإخوة الكرام، ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا (180) ﴾ ( سورة الأعراف ) تعرف إليه، ثم استقم على أمره، ثم اتصل به تشتق منه كمالاً تتقرب به إلى الله عز وجل، الرحيم يقبل الرحيم، الحكيم يقبل الحكيم، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ )) [ مسلم ] منزلة الأخلاق في الإسلام: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/648/07.jpg أيها الإخوة الكرام، في النهاية حينما أثنى الله على رسوله بماذا أثنى عليه ؟ أثنى عليه بالخلق العظيم: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ ( سورة القلم ) ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا {9}﴾ ( سورة الشمس ) من معاني زكاها أن هذا الإنسان اشتق من الله الكمال، فصار خيراً وعطاءً وانضباطاً ورحمة، ولطفاً وتواضعاً، ما الذي يلفت النظر في الإنسان ؟ ليس علمه، وليست إمكاناته، وليس ماله، يلفت النظر في الإنسان أخلاقه، والذي يجلب الناس إليك الأخلاق، لذلك قال ابن القيم رحمه الله تعالى: " الإيمان هو الخلق فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الإيمان. وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا النقطة الدقيقة أيها الإخوة، ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا (180) ﴾ ( سورة الأعراف ) 1 – الدعاء هو العبادة: هل تصدقون أن الدعاء مخ العبادة، هكذا قال النبي عليه الصلاة والسلام، وفي رواية أخرى الدعاء هو العبادة، بل إن الله عز وجل حينما قال: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ (77) ﴾ ( سورة الفرقان) دقق، حينما تدعو جهة ما فأنت موقن أنها موجودة، وما من إنسان يدعو جهة غير موجودة يكون أحمق، وحينما تدعو الله فأنت حتماً موقن بوجوده، وأنت حتماً موقن بأنه يسمعك، والله عز وجل إن تكلمت فهو يسمعك، وإن تحركت فهو يراك، وإن أسررت شيئاً فهو يعلم ما في قلبك، إن تكلمت فهو يعلم، وإن تحركت فهو يراك، وإن أسررت فهو عليم بذات الصدور، لذلك قال العلماء: " علم ما كان، وعلم ما يكون، وعلم ما سيكون، وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون ". حينما تدعو الله فأنت موقن قطعاً أنه موجود، وموقن قطعاً أنه يسمعك، وموقن قطعاً أنه قادر على كل شيء، وهو على كل شيء قدير، القوانين بيده، الأقوياء بيده، مَن فوقك بيده، مَن تحتك بيده، من حولك بيده، صحتك بيده، رزقك بيده، أهلك بيده، أولادك بيده، لذلك ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، قال تعالى: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/648/08.jpg ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213) ﴾ ( سورة الشعراء ) أحد أكبر عذاب نفسي أن تدعو مع الله إلهاً آخر، فلذلك: ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا (180) ﴾ ( سورة الأعراف ) أسماءه حسنى، وكماله مطلق. أيها الإخوة الكرام، القاضي إذا حكم ألف حكم، وخمسة أحكام منها غير عادلة، ناتجة عن خطأ في التصور، أو في المعلومات، يسمى عند أهل الأرض قاضياً عدلاً، هذا شأن البشر، لكن شأن خالق البشر أنه لا يمكن أن نجد خطأً واحداً في أفعال الله عز وجل، هذا معنى: سبحان الله، الله عز وجل مطلق، منزه عن كل نقص إطلاقاً، فلذلك حينما تتصل بالإله المطلق تشتق منه الكمال، والذي يلفت النظر في شخصيتك الكمال الذي اكتسبته من اتصالك بالله عز وجل. نعود بالآية مرة ثانية: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ (159) ﴾ ( سورة آل عمران) ملمح دقيق فدقِّقوا فيه: هناك ملمح دقيق جداً أيها الإخوة، أنت أيها النبي، أنت سيد الخلق، وحبيب الحق، وسيد الأنبياء والمرسلين، وسيد ولد آدم، وحبيب رب العالمين، ويا من بلغت سدرة المنتهى، ويا من أوتيت الوحي والقرآن والمعجزات، على الرغم من كل ذلك: " وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ "، فكيف بإنسان ليس نبياً ولا رسولاً، ولا يوحى إليه، ولا معه معجزات، ولا عنده بيان ولا فصاحة، وفيه غلظة ؟ لمَ الغلظة ؟ مَن أمر بمعروف فليكن أمره بمعروف، قال تعالى: ﴿ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) ﴾ ( سورة فصلت ) بين أخلاق الدعوة وخلاق الجهاد: ما لم تعامل الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم فأنت لست في المستوى المطلوب، لكن هناك أخطاء كثيرة تداخلت، فقد أخلاق الجهاد مع أخلاق الدعوة إلى الله، أخلاق الدعوة إلى الله قال تعالى عنها: ﴿ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) ﴾ ( سورة فصلت ) أما أخلاق الجهاد. ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ (73) ﴾ ( سورة التوبة ) هذه أخلاق الجهاد، وأكبر خطأ أن يستخدم الدعاة أخلاق الجهاد في الدعوة إلى الله. ﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ (159) ﴾ ( سورة آل عمران) فلذلك حينما تدعو الله فأنت موقن أنه موجود، وحينما تدعو الله فأنت موقن بأنه يسمعك، وحينما تدعو الله فأنت موقت بأنه قدير على كل شيء، وحينما تدعو الله فأنت موقن، فضلاً عن كل ذلك أنه يريد أن يستجيب لك، ويحبك: ﴿ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾ ( سورة هود الآية: 119 ) خَلَقنا ربُّنا ليرحمنا: في الأثر القدسي: (( لو يعلم المعرضون انتظاري لهم، وشوقي إلى ترك معاصيهم لتقطعت أوصالهم من حبي، ولماتوا شوقاً إلى، هذه إرادتي بالمعرضين، فكيف بالمقبلين )) [ ورد في الأثر ] http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/648/09.jpg وإذا قال العبد، وهو راكع: يا رب، يقول الله له: لبيك يا عبدي، فإذا قال العبد وهو ساجد: يا رب، يقول الله: لبيك يا عبدي، فإذا قال العبد وهو عاصٍ: يا رب، يقول الله له: لبيك، ثم لبيك، ثم لبيك. دققوا في هذه الآية: ﴿ اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا ﴾ ( سورة طه ) إنسان ناجى ربه فقال: يا رب، إذا كانت رحمتك بمن قال: أنا ربكم الأعلى: ﴿ اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا ﴾ ( سورة طه ) فكيف رحمتك بمن قال: سبحان ربي الأعلى ؟ وإذا كان رحمتك بمن قال: ﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي ﴾ ( سورة القصص: 38) فكيف رحمتك بمن قال: لا إله إلا الله ؟ لذلك: ﴿ قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فقد كذبتم (77) ﴾ ( سورة الفرقان) حينما تدعو الله فأنت موقن بأنه موجود، وموقن بأنه يسمعك، وموقن بأنه قدير على كل شيء، وموقن بأنه يحب أن يرحمك. ﴿ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾ ( سورة هود الآية: 119 ) لذلك: ﴿ قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فقد كذبتم (77) ﴾ ( سورة الفرقان) (( إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ )) ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا (180) ﴾ ( سورة الأعراف ) خاتمة: تعرفوا إليه تعرفوا إلى منهجه، احملوا أنفسكم على طاعته، تقربوا إليه بالأعمال الصالحة، اتصلوا به، إن اتصلتم به تشتقوا الكمال الرائع من الذات العلية، من الذات الإلهية، عندئذ الكمال ليس تصنعاً، الكمال سجية، فيه لطف، فيه تواضع، فيه رحمة، فيه إنصاف، فيه حكمة بالغة، لذلك حينما تتصل به تذكره، وذكرك له أقلُّ من ذكره لك، إذا ذكرك منحك القرب، منحك السعادة، منحك الرضى، منحك اليقين، منحك الأمن، هذه نعم الله الكبرى. أيها الأخوة، فلذلك نحن في هذا الدرس إن شاء الله مهدنا لأسماء الله الحسنى، وفي لقاء آخر إن شاء الله تعالى نتابع هذا الموضوع. والحمد لله رب العالمين |
رد: اسماء الله الحسنى
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : اسم الله الاكرام - 1 -اسماء الله الحسنى الدرس : ( الثالث ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: (الأكرم): أيها الأخوة الكرام، الاسم اليوم الأكرم، هذا الاسم ورد في أول سورة أنزلت من القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5) ﴾ ( سورة العلق) لكل إنسان حاجات دنيا متعلقة بالأرض وحاجات عليا متعلقة بالسماء: بادئ ذي بدء الله عز وجل أودع في الإنسان قوة إدراكية يتميز بها على بقية المخلوقات، ولأنه أودع فيه قوة إدراكية أصبحت عند هذا الإنسان حاجة إلى المعرفة، وهذه الحاجة يمكن أن توصف بأنها حاجة عليا، له حاجات دنيا متعلقة بالأرض وله حاجة عليا متعلقة بالسماء، فركّب الملك من عقل بلا شهوة وركب الحيوان من شهوة بلا عقل وركب الإنسان من كليهما فإن سما عقله على شهوته أصبح فوق الملائكة، قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (7) ﴾ ( سورة البينة ) فوق الملائكة وإن سمت شهوته على عقله أصبح دون الحيوان، فالله عز وجل سخر لهذا الإنسان ما في السماوات، قال تعالى: ﴿ وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ ﴾ ( سورة الجاثية الآية: 13 ) طلب العلم فريضة على كل مسلم: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/649/01.jpg أمره أن يقرأ أي يتعلم وطلب العلم فريضة على كل مسلم، هذا العلم أنواع قال اقرأ باسم ربك، يعني ما لم ينقلك العلم إلى معرفة ربك فليس علماً، العلم ما هداك إلى الله، العلم ما عرفك بهذا الإله العظيم، العلم ما حملك على طاعته، العلم ما دفعك إلى التقرب إليه، العلم ما هداك إلى سرِّ وجودك، العلم ما هداك إلى غاية وجودك، لذلك اقرأ أما المفعول به فهو محذوف وحينما يحذف المفعول يطلق الفعل، يعني اقرأ في الكون، الكون قرآن صامت واقرأ في القرآن فهو كلام الخالق، واقرأ في سيرة النبي عليه الصلاة والسلام فهو قرآن يمشي، يعني اطلب العلم، ما لم يطلب الإنسان العلم لا يؤكد إنسانيته، إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم، إلا أن العلم له شأن آخر لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً. ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) ﴾ ( سورة العلق) ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ (21) ﴾ ( سورة البقرة) الخالق وحده الذي ينبغي أن يعبد، الجهة التي صنعتك ينبغي أن تتبع تعليماتها. ارتباط العلم بالإيمان: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) ﴾ ( سورة العلق) يمكن أن نسمي هذه القراءة الأولى قراءة البحث والإيمان. ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) ﴾ ( سورة العلق) http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/649/02.jpg العلم مرتبط بالإيمان وما لم ينقلك العلم إلى الإيمان فليس علماً، وقد يكون ذكاءً ليس غير، لذلك قالوا: ما كل ذكي بعاقل، إنسان عنده دماغ يمكن أن يفهم دقائق الأشياء فاختص باختصاص نادر وجلب له هذا الاختصاص دخلاً كبيراً فلكياً هذا ذكي جداً، لكن ما لم تعرف سر وجودك، وغاية وجودك، ما لم تعرف الخالق والرب والمسير، ما لم تعرف أسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى فلست عاقلاً، العاقل من عرف الله وأرجحكم عقلاً أشدكم لله حباً. (( ابن آدم اطلبني تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء وأنا أحب إليك من كل شيء )) [ ورد في الأثر ] وفي بعض الأدعية: ويا رب ماذا فقد من وجدك ؟ وماذا وجد من فقدك ؟ إذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟ ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) ﴾ ( سورة العلق) تجاوز الحالات السفلى إلى الحاجة العليا، ابحث عن الحقيقة اعمل بها. الخاسر من لم يتحرك وفق منهج الله لأن الموت ينهي كل شيء: ﴿ وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) ﴾ ( سورة العصر ) يقسم الله بمطلق الزمن لهذا المخلوق الأول الذي هو في حقيقته زمن أنه خاسر: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/649/03.jpg ﴿ وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) ﴾ ( سورة العصر ) لو شخص دخله اليومي مليون دولار ولم يتعرف إلى الله عز وجل فهو بنص هذه الآية خاسر، لأن هذه الدنيا تنتهي بالموت والموت ينهي كل شيء، ينهي قوة القوي، وينهي ضعف الضعيف، ينهي غنى الغني، ينهي فقر الفقير، ينهي وسامة الوسيم، ينهي دمامة الدميم، ينهي أمن الآمن، ينهي خوف الخائف، الموت ينهي كل شيء. لذلك ما لم تتعرف إلى الله، وما لم تتحرك وفق منهجه، وما لم تدعُ إليه فأنت خاسر، وبإمكانك أن تتلافى الخسارة بأن تعمل في هذا الوقت الذي سيمضي عملاً ينفعك بعد الموت، لذلك دائماً اجعل هذا المقياس الدقيق أي حركة، أي نشاط، أي مسعى له أثر بعد الموت هذا ينفعك، وأي نشاط وأي حركة تنتهي عند الموت لا قيمة لها، هذه من الدنيا لذلك دخلوا على سيدنا أبو عبيدة بن الجراح وكان قائد الجيوش الإسلامية في الشام دخلوا على غرفته فيها قدر ماء مغطاة برغيف خبز، وسيفه معلق، قالوا: ما هذا يا أمين هذه الأمة ؟ قال هو للدنيا وعلى الدنيا كثير ألا يبلغنا المقيت ؟ لذلك الدنيا لأنها تنتهي بالموت ليس لها شأن عند الله. (( لَوْ كَانَتْ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ )) [ الترمذي، ابن ماجه عن سهل بن سعد] أول قراءة ينبغي أن نقرأها قراءة البحث والإيمان لنبحث عن الحقيقة: إذاً لا بد من أن نبحث عن الحقيقة، ولا بد من أن تتحرك وفق الحقيقة، ولا بد من أن ندعو إلى هذه الحقيقة، وقد يكون هناك عقبات وقد تكون هناك صوارف فلا بد من الصبر. ﴿ وَالْعَصْر (1) إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3) ﴾ ( سورة العصر ) إذاً أول قراءة ينبغي أن تقرأها قراءة البحث والإيمان، ابحث عن الحقيقة، ابحث عن الذي خلقك، تساءل لماذا خُلقت ؟ لماذا أنا في الدنيا ؟ ما العمل العظيم الذي ينبغي أن أفعله ؟ ماذا بعد الموت ؟ ماذا قبل الموت ؟ من أين وإلى أين ولماذا ؟ ابحث. ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) ﴾ ( سورة العلق) العلم الذي أراد الله أن نتعرف إليه هو قراءة البحث والإيمان: أي العلم ما انتهى بك إلى الإيمان، فإن لم ينتهِ بك إلى الإيمان فهو ذكاء فقط، والذكاء ينتهي عند الموت، هو ذكاء أو ثقافة، أما العلم الذي أراده الله حينما قال الله عز وجل: ﴿ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ ( سورة الزمر الآية: 9 ) العلم الذي أراده الله أن تتعرف إليه، وأن تتعرف إلى منهجه، وأن تحمل نفسك على طاعته، وأن تبذل الغالي والرخيص والنفس والنفيس، هذه القراءة الأولى قراءة البحث والإيمان. ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) ﴾ ( سورة العلق) نفسك التي بين جنبيك أقرب آية إليك للتفكر في خلق الله تعالى: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/649/04.jpg أقرب آية إليك نفسك التي بين جنبيك، قال تعالى: ﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (8) ﴾ ( سورة البلد) يوجد بالشبكية مئة وثلاثون مليون عصية ومخروط، بالميليمتر مربع في أرقى آلة تصوير رقمية احترافية في عشرة آلاف مستقبل ضوئي، في الميليمتر مربع في شبكية العين مئة مليون مستقبل، لذلك العين تفرق بين ثمانية ملايين لون. ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (8) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (9) ﴾ ( سورة البلد) إكرام الله عز وجل الإنسان بالبيان: الله أكرم، أكرمك بماذا ؟ بالبيان، قال تعالى: ﴿ الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4) ﴾ ( سورة الرحمن) بالبيان يتواصل الناس أرقى تواصل، التواصل بيان، بالبيان تتكلم فتعبر عن أفكارك، تعبر عن مشاعرك، بالكلام تنتقل العلوم من إنسان إلى إنسان، بالمعاصرة، ومن جيل إلى جيل بالكتابة، ومن أمة إلى أمة بالترجمة، لذلك: ﴿ الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4) ﴾ ( سورة الرحمن) هذه القراءة الأولى أكرمك الله بأن منحك نعمة الإيجاد ومنحك نعمة الإمداد ومنحك نعمة الهدى والرشاد، إنه الأكرم، و أكرم اسم تفضيل وهذا الاسم ورد معرفاً بأل، مراداً به العالمية دالاً على كمال الوصفية، الأكرم، لا عطاء يعدل عطاءه. من خسر الآخرة خسر كل شيء: منحك نعمة الإيجاد والإيجاد إلى متى ؟ لا إلى الموت، الموت نقطة محطة في الطريق، كل نفس ذائقة الموت لا تموت لكنها تذوق الموت وفرق كبير بين أن تذوق الموت وبين أن تموت، قال تعالى: ﴿ وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (77) ﴾ ( سورة الزخرف) الإنسان خلق ليبقى إلى أبد الآبدين، يبقى في جنة عرضها السماوات والأرض أو في نار لا ينفذ عذابها، البقاء مستمر لكن إما في جنة أو في نار لهذا أيها الأخوة الكرام، أكبر خسارة يمكن أن نتصورها أن تخسر الآخرة، قال تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (15) ﴾ ( سورة الزمر) هذه القراءة الأولى، قال تعالى: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) ﴾ ( سورة العلق) على كل إنسان أن يقرأ ليصل بقراءته إلى معرفة سرّ وجوده وغاية وجوده: أقرب آية لك نفسك التي بين جنبيك، قال تعالى: ﴿ فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ (5) خُلِقَ مِن مَّاء دَافِقٍ ﴾ ( سورة الأعلى ) هذا الماء الدافق ثلاثمئة مليون حوين، تحتاج البويضة إلى حوين واحد، قال تعالى: ﴿ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (6) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (7) إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (8) ﴾ ( سورة الطارق ) ﴿ فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24) ﴾ ( سورة عبس) أمر إلهي لذلك هذه قراءة، اقرأ ولتنتهي قراءتك إلى معرفة ربك، اقرأ ولتنتهي قراءتك إلى معرفة سر وجودك وغاية وجودك. القراءة الثانية المتعلقة باسم الأكرم قراءة الشكر و العرفان: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/649/05.jpg في قراءة ثانية متعلقة باسم الأكرم، القراءة الثانية: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) ﴾ ( سورة العلق) ماذا منحك ؟ نحن موجودون لو اطلعت على كتاب نضدت حروفه قبل تاريخ ميلادك، أثناء تنضيد حروف هذا الكتاب أنت من ؟ لا شيء، قال تعالى: ﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (1) ﴾ ( سورة الإنسان ) إطلاقاً ما لك وجود، ما لك اسم، ما لك اسم بالنفوس، ليس لك أي اسم بأي مكان، لم يكن لك وجود، إذاً الله عز وجل أكرمك أي منحك أكبر عطاء أنه أوجدك، منحك نعمة الإيجاد أوجدك وأودع فيك حاجات، أودع فيك حاجة إلى الهواء، والهواء موجود بنسب رائعة لو أن هذه النسب تغيرت لاحترق كل ما في الأرض، الأوكسجين إلى الأزوت، منحك نعمة الإيجاد ومنحك نعمة الإمداد وهذا الكون سخره لك بنص قرآني: ﴿ وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ ﴾ ( سورة الجاثية الآية: 13 ) ما نوع التسخير ؟ قال تسخيران تسخير تعرف وتسخير تكريم، كل شيء في الأرض مسخر لك تسخيرين، تسخير تعريف وتسخير تكريم. من آمن و شكر الله عز وجل حقق الغاية من وجوده: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/649/06.jpg إذا قرأت كتاباً عن العسل ذابت نفسك بهذا الشراب الذي فيه شفاء للناس، وقد لا يتاح لك أن تلعق لعقة عسل واحدة لكنك إذا عرفت الله من خلال العسل حققت الهدف من العسل أنه عرفك بالله، والذي يأكل العسل ليلاً ونهاراً ولم يفكر في هذا الشراب الذي جعل الله فيه شفاء للناس عطلت أكبر هدف من خلق هذه الآية، تأكد أن أي شيء في الأرض له وظيفتان، له مهمتان، سخر لك تسخيرين تسخير تعريف وتكريم، تماماً كما لو قدم لك صديق هاتفاً فيه خصائص مذهلة من اختراعه وقدمه هدية لك أنت دون أن تشعر ينطوي قلبك على شعورين، شعور الإعجاب بهذا الاختراع وشعور الامتنان بأنه هدية، فدقق لما قال النبي عليه الصلاة والسلام: نظر إلى هلال قال هلال خير ورشد. هذا الكون مسخر لنا تسخيرين، تسخير تعريف وتسخير تكريم، رد فعل التعريف أن تؤمن، ورد فعل التكريم أن تشكر، فإذا آمنت وشكرت، دقق الآن حققت الهدف من وجودك فإذا حققت الهدف من وجودك توقفت المعالجات الإلهية، الآية: ﴿ مَّا يَفْعَلُ اللّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ ﴾ ( سورة النساء الآية: 174 ) لأنه منحك الكون، لأنه سخر لك الكون تسخير تعريف ينبغي أن تؤمن ولأنه سخر لك الكون تسخير تكريم ينبغي أن تشكر، فإذا آمنت وشكرت حققت الهدف من وجودك إذاً تنتهي المعالجات، طبيب قرر استئصال كلية قبل أن يستأصلها عمل فحصاً تعمل، ألغى العملية، فإذا آمنت وشكرت حققت الهدف من وجودك لذلك ربك الأكرم ينبغي أن تكون قراءتك للكون قراءة شكر وعرفان. أول قراءة قراءة بحث وإيمان، القراءة الثانية قراءة شكر وعرفان، منحك نعمة الإيجاد، منحك نعمة الإمداد، يوجد هواء، يوجد ماء عذب زلال، يوجد زوجة، يوجد أولاد، يوجد طعام، شراب، فواكه، معادن، كل شيء، لذلك القراءة الثانية قراءة شكر وعرفان، ما لم يمتلئ قلبك شكراً لله فأنت بعيد عن الإيمان. أنواع الهدى: 1 ـ هداية المصالح: لذلك أول كلمة في الفاتحة الحمد لله رب العالمين، منحك نعمة الإيجاد، منحك نعمة الإمداد، منحك نعمة الهدى والرشاد، أما الهدى أيها الأخوة الكرام، على أنواع أول هدى، هداك إلى مصالحك، يعني لما الإنسان تكسر يده مصممة اليد على أن تلتئم، حينما يجرح الجلد مصمم على أن يلتئم، هداك إلى مصالحك http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/649/07.jpg لولا جهاز التوازن المتمثل بالقنوات الهلالية في الأذن الداخلية لما وجدت إنسان يمشي على الأرض أنت تمشي أعطاك قدمين لطيفتين لكن يقابلهم جهاز توازن لولا جهاز التوازن لما أمكنك أن تمشي على قدميك، لذلك الميت لا يقف ما في توازن، التوازن ثلاث قنوات متداخلة فيها سائل، فيها أهداب لما تميل السائل يبقى مستوياً يرتفع بمكان دون مكان، بالمكان المرتفع في أهداب يصلح الإنسان، لولا جهاز التوازن ما في إنسان يمشي على قدمين، ما في إنسان يركب دراجة. إذاً هداك إلى مصالحك، الطعام فيه سم تتقيأه، الجرثوم دخل في جهاز مناعة، تحدثت عنه البارحة هداك إلى مصالحك، الأشياء التي تؤذي تكرهها، الأشياء التي تحبها محببة إليك تنفعك، لو أنه جعل الطعام كريهاً، لن يأكل، الطعام التفاحة مثلاً حجمها مناسب قوامها هش فيك أن تأكلها لا تحتاج إلى آلة طحن أحجار، فيها غذاء، فيها رائحة طيبة، فيها شكل جميل هداك إلى مصالحك هذا أول هدى. 2 ـ هداية الوح ثم هداك بالوحي، جاءك وحي من السماء، بيّن لك من أنت، أنت المخلوق الأول، لماذا خلقت ؟ ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) ﴾ ( سورة الذاريات ) فأول هداية هداية المصالح، ثاني هداية هداية الوحي. 3 ـ هداية التوفيق ثالث هداية هداية التوفيق، قال تعالى: ﴿ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آَمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (13) ﴾ ( سورة الكهف) التوفيق هداية، أنت فكرت في خلق السماوات والأرض، تمنيت أن تقدم عملاً بين يديك يمنحك المال، يمنحك القوة، تمنيت أن تكون داعية يطلق لسانك في التعريف به، منحك نعمة الإمداد. 4 ـ هداية الجنة: آخر هداية إلى الجنة، قال تعالى: ﴿ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (5) ﴾ ( سورة محمد) هداك إلى مصالحك، الطفل أول ما يولد لو أنه مال يتابع الميل حتى يقع، بعد ثلاثة أشهر يكون جهاز التوازن بدأ يعمل، لو أنت ميلته يجلس، هذه هداية، هداك إلى مصالحك، أحياناً التقيؤ هو إخراج ما في المعدة يكون الطعام فاسداً، إذا في فساد الإنسان يتقيأه، إذا الجنين في تشوه يسقط، السقط هو جنين مشوه، في أشياء بالطب وأشياء بالتشريح وأشياء بالفيزيولوجية مذهلة. السعال في أشعار هدبية بالقصبة الهوائية تتحرك نحو الأعلى باستمرار، و حتى الآن لم تنجح جراحة الرئتين لأن الذي تزرع رئته لا يسعل، و السعال أساسي في سلامة الرئة، فالسعال هداك إلى مصالحك، التقيؤ هداك إلى مصالحك، التوازن هداك إلى مصالحك، الآن أعراض الأمراض هداك إلى مصالحك، لكل داء دواء، الأمس ذكرت طبيب من إنكلترا، درس بأمريكا، عُين مع شركة عملاقة في الصين، داوى شخص ياباني، هو إنكليزي و درس بأمريكا و عمله بالصين و المريض ياباني، إذا لم يوجد بنية واحدة للبشر، بنية تشريحية واحدة و وظائف فيزيولوجية واحدة، كان لا يوجد طب، هذا التوحد، أما يا رب لو تشابهت ورقتا زيتون لما سميت الواسع، كل إنسان له شكل وجه، له هوية، قزحيته هوية... من عبد الله و استعان به وفقه وهداه إلى الجنة: إذاً منحك نعمة الإيجاد، و منحك نعمة الإمداد، و منحك نعمة الهدى و الرشاد، الهدى هداك على مصالحك، و الهدى هداك إليه بالوحي، و الهدى وفقك، هداية التوفيق، و أوضح شيء: ﴿ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آَمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (13) ﴾ ( سورة الكهف) هذا معنى قوله تعالى:﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) ﴾ (سورة الفاتحة) أي لا حول يا رب عن معصيتك إلا بك، و لا قوة على طاعتك إلا بك، و إياك نعبد و إياك نستعين هذه هدى التوفيق، ثم يهديك إلى الجنة:﴿ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (5) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (6) ﴾ ( سورة محمد) والحمد لله رب العالمين |
رد: اسماء الله الحسنى
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : اسم الله الاكرام -2-اسماء الله الحسنى الدرس : ( الثالث ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: (الأكرم): أيها الأخوة الكرام، لازلنا في اسم الأكرم الذي يدل على العلمية وكمال الوصفية وقد ورد هذا الاسم في قوله تعالى: http://www.nabulsi.com/images/inside.../ar-653/01.jpg ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5) ﴾ ( سورة العلق) وهذه أول آية في أول سورة تشير إلى أن العلم ينبغي أن يرتبط بالإيمان. اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ: أول آية تشير إلى أن العلم ينبغي أن يرتبط بالإيمان: إذا عبرنا عن طلب العلم بالقراءة فيجب أن تنتهي القراءة إلى الإيمان بالله عز وجل موجوداً وواحداً وكاملاً، وإلى الإيمان بأسمائه الحسنى وصفاته الفضلى http://www.nabulsi.com/images/inside.../ar-653/02.jpg ثم إن الله سبحانه وتعالى منح الإنسان نعمة الإيجاد ومنحه نعمة الإمداد ومنحه نعمة الهدى والرشاد. ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) ﴾ ( سورة العلق) ينبغي أن تنتهي القراءة الأولى بالإيمان بالله، وينبغي أن تنتهي القراءة الثانية بالشكر والعرفان، القراءة الأولى قراءة البحث والإيمان، والقراءة الثانية قراءة الشكر والعرفان، وإذا كان من قراءة ثالثة فهي قراءة الوحي والإذعان. ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5) ﴾ ( سورة العلق) أي شيء عجز عقلك عن إدراكه أخبرك الله به، أخبرك الله عن الماضي السحيق وعن بداية الخلق وعن المستقبل البعيد، وأخبرك عن سرّ وجودك وعن غاية وجودك وأخبرك عن ذاته العلية إذاً القراءة الثالثة قراءة الوحي والإذعان. قضايا الدين تصنف في دوائر ثلاث هي: 1 ـ دائرة المحسوسات: كما تعلمون أيها الأخوة هناك قضايا تصنف مع المحسوسات http://www.nabulsi.com/images/inside.../ar-653/03.jpg وأداة اليقين بها الحواس الخمس، واستطالتها كالميكروسكوب والتليسكوب مثلاً. 2 ـ دائرة المعقولات: هناك موضوعات تصنف مع المعقولات أي شيء غابت ذاته وبقيت آثاره، وأداة اليقين بها العقل وهذه تسمى المعقولات http://www.nabulsi.com/images/inside.../ar-653/04.jpg فالكون كله ظاهر لكل إنسان ويمكن أن تقرأ فيه بل إنه قرآن صامت ولكن أداة اليقين في المعقولات هو العقل البشري، فالكون مظهر لأسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى، والقرآن الكريم إعجازه يدل عليه، والقرآن الكريم يدل على النبي عليه الصلاة والسلام لأنه جاء به. 3 ـ دائرة الإخباريات: http://www.nabulsi.com/images/inside.../ar-653/05.jpg لكن في قضايا غابت عينها وغابت آثارها ولا سبيل إلى العقل أن يؤمن بها إلا أنه يتلقى الخبر الصادق كالإيمان بالجن والملائكة، هذه إخباريات فنحن حينما نتعمق في أمور الدين نرى أن قضايا الدين تصنف في المحسوسات وأداة اليقين بها الحواس الخمس واستطالتها، وفي المعقولات وأداة اليقين بها العقل، وفي الإخباريات وأداة اليقين بها الخبر الصادق، فإذا جاء في الوحيين الكتاب والسنة خبر عن الله عز وجل فهو عندنا يقيني، ولكن عند الذين اهتزت عندهم مسلمات الإيمان بالله قد يعترضون، لذلك الأولى الإنسان ألا يخوض مع الطرف الآخر الذي اهتزت عنده مسلمات الوجود الإلهي، على كل: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5) ﴾ ( سورة العلق) من وظّف عطاء الله في طاعته أصبح نعمةً حقيقية: الآن حينما قال الله عز وجل: ﴿ فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) ﴾ ( سورة الفجر) http://www.nabulsi.com/images/inside.../ar-653/06.jpg هذه مقولته هو يتوهم أحياناً أن الله إذا أمدّ إنساناً بالمال وهذا الإنسان ليس على طاعة الله فهي علامة محبة له، لا، هذا فهم خاطئ وفهم خطير، قال تعالى: ﴿ فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ (15) ﴾ ( سورة الفجر) فيقول هو من عنده متوهماً: ربي أكرمن: ﴿ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (16) ﴾ ( سورة الفجر) جاء الرد الإلهي لم يأتِ لا، بل جاء كلا، والفرق كبير بين لا وكلا، لا تنفي بل كلا تردع وتنفي، كلا ليس كذلك يا عبادي ليس عطائي إكراماً مطلقاً ولا منعي حرماناً، عطائي ابتلاء وحرماني دواء، مع شيء من التفصيل، هل يعدّ المال نعمة ؟ الجواب نعم ولا، هل تعدّ الصحة نعمة ؟ الجواب نعم ولا، هل يعدّ الأولاد نعمة ؟ الجواب نعم ولا، هل تعد المكانة العلية في المجتمع نعمة ؟ الجواب نعم ولا، كيف ؟ هذا المال إذا وظف في العمل الصالح، في طاعة الله أصبح نعمةً حقيقية، أما إذا وظف في نشر الباطل للتمتع بالمتع الرخيصة التي حرمها الله، فهذا المال ليس نعمة لذلك ورد في بعض الأحاديث: (( بادروا إلى الأعمال الصالحة ما ينتظر أحدكم من الدنيا )) [ أخرجه الترمذي عن أبي هريرة ] ما دام الإنسان يصلي ويقرأ القرآن الكريم ويطلب العلم يمتعه الله بعقله حتى يموت: ممكن أن يستيقظ أحدنا كل يوم كاليوم السابق ؟ مستحيل وألف ألف مستحيل: http://www.nabulsi.com/images/inside.../ar-653/07.jpg (( بادروا إلى الأعمال الصالحة ما ينتظر أحدكم من الدنيا (يتابع النبي كلامه) هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلَّا فَقْراً مُنْسِياً، أحياناً فقر ينسيك كل شيء وكاد الفقر أن يكون كفراً، غِنَىً مُطْغِياً، والغنى المطغي أحد المصائب الكبرى بسبب الغنى طغيت وبغيت،، أو مَرَضاً مُفْسِداً، تصبح حياته مع هذا المرض جحيماً لا يطاق )) ((غِنَىً مُطْغِياً، أو فَقْراً مُنْسِياً، أو مَرَضاً مُفْسِداً، أو هَرَماً مُقَيِّداً )) يمله أولاده، يعيد القصة مئة مرة، يحشر أنفه في كل شيء، خرف، لذلك من تعلم القرآن متعه الله بعقله، المؤمن حينما يصلي الصلاة نشاط، أول ركعة الثانية الثالثة الرابعة، أول ركعة فاتحة مع سورة، الثانية فاتحة مع سورة، ثم قعود أول، ثالثة ورابعة فاتحة فقط، ثم قعود ثانٍ في نشاط، من يقرأ القرآن في نشاط دائم، في عندنا قاعدة في الطب العضو الذي يعمل لا يضمر، فما دام الإنسان يصلي ويقرأ القرآن الكريم ويطلب العلم يمتعه الله بعقله حتى يموت لذلك هذا العالم الجليل الذي عاش ثمانية وتسعين عاماً وكان منتصب القامة حاد البصر مرهف السمع أسنانه في فمه سئل: يا سيدي ما هذه الصحة التي حباك الله بها ؟ قال يا بني حفظناها في الصغر فحفظها الله علينا في الكبر من عاش تقياً عاش قوياً. المال نعمة إذا وظّف في طاعة الله: لذلك أيها الأخوة الكرام، المال لا يعد نعمة مطلقاً ولا يعد نقمة مطلقاً. (( بادروا إلى الأعمال الصالحة ما ينتظر أحدكم من الدنيا إلا غِنَىً مُطْغِياً، أو فَقْراً مُنْسِياً، أو مَرَضاً مُفْسِداً، أو هَرَماً مُقَيِّداً، أو مَوْتاً مُجْهِزاً ؛ أو الدجال، فالدجال شرُّ غائِبٍ يُنْتَظَر ؛ أو السَّاعَةُ، والساعة أدهى وأَمَرّ )) [ أخرجه الترمذي عن أبي هريرة ] http://www.nabulsi.com/images/inside.../ar-653/08.jpg يعني من معاني الأعور الدجال أنه يرى بعين واحدة، يرى مصلحته ولا يرى مصلحة الآخر، يرى ثقافته ويمحو ثقافة الآخر، يرى حظه من الدنيا وينسى حظ الآخرين من الدنيا، يرى كرامته ولا يرى كرامة الآخر، أعور ويتكلم بخلاف الواقع، وكأنه صفة جامعة مانعة لنموذج الإنسان المعاصر أنه أعور ودجال. النقطة الدقيقة أن المال لا يعد نعمة ولا يعد نقمة، إذا وظف في الحق يعد نعمة، يقول بعض الصحابة: حبذا المال أصون به عرضي وأتقرب به إلى ربي. المال يوظف توظيفاً رائعاً إذاً هو نعمة ونعمة كبرى، والذي آتاه الله مالاً يجب أن يذوب محبة لله عز وجل، أولاً يصون عرضه وثانياً يتقرب به إلى ربه http://www.nabulsi.com/images/inside.../ar-653/09.jpg بالمال تحل معظم المشكلات بإمكانك أن تطعم جائعاً، أن تكسو عارياً، أن تعلّم جاهلاً، أن تؤوي مشرداً، أن تعالج مريضاً، بإمكانك أن تعيش في قلوب الآخرين، المال نعمة إذا وظف في طاعة الله: (( لا حَسَدَ إِلاّ في اثْنَتَيْنِ: رَجلٌ آتَاهُ الله مَالاً فَهُوَ يُنْفِقُ منهُ آنَاءَ اللّيْلِ وآنَاءَ النّهَارِ، وَرَجُلٌ آتَاهُ الله القُرْآنَ فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللّيْلِ وَآنَاءَ النّهَار )) [ البخاري عن أبي هريرة] المال موقوف على طريقة إنفاقه، إذا استعنت بالصحة على طاعة الله نعمة كبيرة فإذا استعان الإنسان بصحته على معاصي الله الصحة نقمة، إذا الله أعطاه بصراً حاداً تتبع به عورات المسلمين، تابع بها الأفلام الفاضحة، ونظر على عورات النساء، وإذا إنسان آتاه الله عينين رأى بهما آيات الله الدالة على عظمته وغض به بصره عن محارم الله، البصر نعمة. كل شيء نعمة ونقمة إذا وظّف في طاعة الله فهو نعمة وإذا وظف في المعاصي والآثام فهو نقمة، لذلك سئل الإمام الشافعي رحمه الله تعالى أندعو الله بالابتلاء أم بالتمكين ؟ فقال: لن تمكن قبل أن تبتلى، لا بد من الابتلاء: ﴿ وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾ ( سورة المؤمنون ) ليس عطاء الله إكراماً ولا منعه حرماناً: إذاً أيها الأخوة الكرام: http://www.nabulsi.com/images/inside.../ar-653/10.jpg ﴿ فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) ﴾ ( سورة الفجر) يقول هو، الآن يقول بعض الموسرين: الله إذا أحبّ إنساناً أطلعه على ملكه، يسافر شرقاً وغرباً، ويرتكب المعاصي والآثام ويتوهم أن الله يحبه لأنه عرّفه على ملكه، الله يحبك إذا أطعته، الله يحبك إذا عرفته، الله يحبك إذا أحسنت إلى خلقه، هناك أوهام كثيرة جداً، فلذلك: ﴿ فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) ﴾ ( سورة الفجر) يقول هو، هذه مقولته، بل ربما نفهم هذا زعمه: ﴿ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ (16) ﴾ ( سورة الفجر) أيضاً يتوهم أن الله أهانه جاء الجواب ردعاً كلا، كلا يا عبادي ليس عطائي إكراماً ولا منعي حرماناً، عطائي ابتلاء وحرماني دواء. توزيع الحظوظ في الدنيا توزيع ابتلاء: http://www.nabulsi.com/images/inside.../ar-653/11.jpg هذا يقودنا إلى موضوع دقيق جداً في عندنا شيء اسمه الحظوظ جمع حظ، المال حظ، الصحة حظ، الوسامة حظ، الذكاء حظ، المرتبة الاجتماعية حظ، هذه الحظوظ وزعت في الدنيا توزيع ابتلاء، يعني أنت ممتحن فيما أعطاك، ممتحن فيما زوي عنك، ممتحن بالمال إن كنت غنياً، وممتحن بقلته إن كنت فقيراً، ممتحن بالصحة إن كنت صحيحاً، ممتحن بالمرض إذا كنت مريضاً، ممتحن بالتألق إن كنت متألقاً، وممتحن بالخمول إذا كنت خاملاً، أنت ممتحن فيما أعطاك وفيما زوي عنك، ومن أدق الأدعية الدعاء التالي: (( اللَّهُمَّ مَا رَزَقْتَنِي مِمَّا أُحِبُّ فَاجْعَلْهُ قُوَّةً لِي فِيمَا تُحِبُّ اللَّهُمَّ )) [ الترمذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْخَطْمِيِّ الْأَنْصَارِيِّ ] أعطيتني صحة أن أستهلكها في طاعتك، أعطيتني مكانة اجتماعية أن أكون آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، أعطيتني منصباً رفيعاً في معه توقيع أن يكون هذا المنصب الرفيع في إحقاق الحق وإبطال الباطل، أعطيتني زوجة أن آخذ بيدها إلى الله عز وجل، أعطيتني أولاداً أن أربيهم تربية ترضى بها عني: ((.... مَا رَزَقْتَنِي مِمَّا أُحِبُّ فَاجْعَلْهُ قُوَّةً لِي فِيمَا تُحِبُّ اللَّهُمَّ، الآن وَمَا زَوَيْتَ عَنِّي مِمَّا أُحِبُّ فَاجْعَلْهُ فَرَاغًا لِي فِيمَا تُحِبُّ )) إنسان أحياناً يتمنى المال لا يناله، دخله محدود يبقى متحسراً على حاله طوال حياته، سيدنا الصديق يؤثر عنه ما ندم على شيء فاته من الدنيا قط إطلاقاً. كل شيء له أجر محدد إلا الصبر: المؤمن الصادق يعتقد أنه ليس في الإمكان أبدع مما كان http://www.nabulsi.com/images/inside.../ar-653/12.jpg هو يسعى إلى أقصى درجة فإن انتهى به السعي إلى هذا الدخل يرضى به، يرضى بعد استنفاذ الجهد لكن قبل استنفاذ الجهد هذا كسل وليس رضا، إذا بذلت كل ما تملك من أجل رفع مستوى دخلك ولم تتمكن فاستسلم لله عز وجل، أما في عالم الكفر ينتحر، أما بعالم الإيمان يصبر، لذلك كل شيء له أجر محدد إلا الصبر، قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (10) ﴾ ( سورة الزمر) والآية لا ينبغي إلا أن تهز مشاعرنا: ﴿ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا (44) ﴾ ( سورة ص) ﴿ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (44) ﴾ ( سورة ص) ﴿ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ (86) ﴾ ( سورة يوسف) لذلك قال بعضهم من شكا إلى مؤمن فكأنما اشتكى إلى الله ومن اشتكى لغير المؤمن فكأنما اشتكى على الله، فرق كبير بين أن تشتكي إلى الله وبين أن تشتكي على الله. كل شيء ساقه الله تعالى للإنسان له حكمة تنكشف يوم القيامة: http://www.nabulsi.com/images/inside.../ar-653/13.jpg ﴿ فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) ﴾ ( سورة الفجر) ﴿ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ (16) ﴾ ( سورة الفجر) أحياناً الأب الطبيب الرحيم يمنع ابنه أكلة يحبها لكنها تؤذي جهازه الهضمي هذا ليس منع إهانة منع حفظ، لذلك إن الله ليحمي صفيه من الدنيا كما يحمي أحدكم مريضه من الطعام، ويوم القيامة حينما تنكشف الحقائق ويظهر لك حكمة الذي ساقه الله إليك إن لم تذب مثل الشمعة محبة لله ففي الإيمان خلل، قال تعالى: ﴿ وآخِرُ دَعْوَاهُمْ أنِ الحَمْدُ لِلَّه رَبّ العالَمِينَ ﴾ ( سورة يونس الآية: 10 ) عطاء الله ابتلاء وحرمانه دواء: أيها الأخوة: http://www.nabulsi.com/images/inside.../ar-653/14.jpg ﴿ فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) ﴾ ( سورة الفجر) هو متوهماً زاعماً ربي أكرمن. ﴿ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ (16) ﴾ ( سورة الفجر) رحمة به وحفظاً له فيقول متوهماً وزاعماً: ﴿ رَبِّي أَهَانَنِ (16) ﴾ ( سورة الفجر) جاء الجواب الإلهي: كلا ليس عطائي إكراما ولا منعي حرماناً عطائي ابتلاء وحرماني دواء. الحياة توفيق إلهي والتوفيق بالطاعة: أيها الأخوة الكرام، الله عز وجل هو الأكرم لكن ومن يهن الله فماله من مكرم، يعني إذا أراد الله بقوم سوءاً فلا مرد له، يعني إذا أراد الله بإنسان أن يهينه يتطاول عليه أقرب الناس إليه، وإذا أراد الله إعزاز إنسان جعل أعداؤه في خدمته دون أن يشعروا، لذلك وإذا كان الله معك فمن عليك ؟ http://www.nabulsi.com/images/inside.../ar-653/15.jpg وإذا كان عليك فمن معك ؟ إنسان أحياناً يفقد حركته قبيل أن يموت أقرب الناس إليه يتمنى موته، ويسمعونه هذا الكلام الله يخفف عنك، في إنسان آخر يموت بأعلى درجة من المكانة يفتقده من حوله، ابتغوا العزة عند الله، ابتغوا الرفعة عند الله، ادعُ الله أن يحفظ لنا صحتنا جميعاً، لذلك: ﴿ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ (18) ﴾ ( سورة الحج) يعني إذا أحبك الله ألقى محبتك في قلوب الخلق، وإذا لم يحبك الله ألقى بغضك في قلوب الخلق، ينادى له في الكون أنا نحبه فيسمع من في الكون أمر محبنا، الحياة توفيق إلهي والتوفيق بالطاعة، من هاب الله هابه كل شيء ومن لم يهب الله أهابه الله من كل شيء، أحياناً يخاف من مستخدم عنده، أما إذا كان مع الله. كن مع الله تـر الله معك واترك الكل وحاذر طمعك و إذا أعطاك من يمنعه ثم من يعطي إذا ما منعـك *** إذا أحبّ الله عبده ابتلاه: الآن بالقرآن الكريم وردت كلمة كريم، في مدخل كريم، في رزق كريم، في قول كريم، في مقام كريم، في قرآن كريم، في رسول كريم، في كتاب كريم، في زوج كريم http://www.nabulsi.com/images/inside.../ar-653/16.jpg هذه الكلمات التي وردت في القرآن الكريم موصوفة بكلمة كريم، الكريم الخالص من كل شيء، حجر كريم صافٍ، الألماس، يوجد باسطنبول قطعة ألماس في المتحف ثمنها فيما علمت مئة وخمسين مليون دولار هي بحجم البيضة لو جئنا بحجم بيضة من الفحم كم ثمنها ؟ ما في قرش ثمنها والألماس أساسه فحم من شدة الضغط، يقول عليّ ضغوط، هذه معالجات إلهية لما الإنسان يخضع للمعالجة الإلهية ينتقل من فحم لألماس، إذا إنسان الله عز وجل تابعه إذا أحبّ الله عبده ابتلاه، إذا أحب الله عبده عجّل له بالعقوبة، ما دمت ضمن المتابعة فهذه نعمة كبرى، أنت في العناية المشددة والمثل الذي أردده كثيراً إنسان معه التهاب معدة حاد، الطبيب يعطيه تعليمات بمنتهى القسوة، اشرب الحليب فقط لأن هذا المرض الشفاء منه يقيني لكن يحتاج إلى حمية، أما الذي معه مرض خبيث منتشر بكل جسمه قال ماذا آكل ؟ قال كلْ ما تشاء. النعمة الكبرى أن يكون الإنسان ضمن المعالجة الإلهية: إذا إنسان ضمن المعالجة الإلهية معنى في أمل كبير أن يصلح، من هنا يقول الله عز وجل: ﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4) وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (6) ﴾ (سورة القصص ) http://www.nabulsi.com/images/inside.../ar-653/17.jpg الإنسان أفضل ألف مرة أن يكون ضمن العناية المشددة وتنتهي به العناية المشددة إلى سلامة في الدنيا والآخرة من أن يعطى كما قال الله عز وجل: ﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً (44) ﴾ (سورة الأنعام ) على كل إنسان أن يعامل من حوله بقدر عالٍ جداً من الهيبة و الإكرام: الله عز وجل يقول: ﴿ تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (78) ﴾ (سورة الرحمن ) http://www.nabulsi.com/images/inside.../ar-653/18.jpg بقدر ما أنك تحبه تخشاه، بقدر ما تخشاه تحبه، أحياناً الإنسان يتعامل مع إنسان طيب لكن معلوماته ضعيفة جداً، شخصيته ضعيفة، وثقافته محدودة جداً، لكن طيب يقول والله أحبه، وإنسان يتعامل مع إنسان ذكي جداً لكن لئيم، يقول والله فهمان لكن لا أحبه، النموذج الرائع بقدر ما تعظمه تحبه، كمال هذه الصفة عند الواحد الديان: ﴿ تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (78) ﴾ (سورة الرحمن ) ﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (27) ﴾ (سورة الرحمن ) لذلك يجب أن تعامل من حولك بقدر عال جداً من الهيبة وبقدر عال جداً من الإكرام. والحمد لله رب العالمين |
رد: اسماء الله الحسنى
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : اسم الله الرب -1-اسماء الله الحسنى الدرس : ( الرابع ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: (الرب): أيها الأخوة الكرام، كما تعلمون: http://www.nabulsi.com/images/inside.../ar-654/01.jpg (( إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ )) [ متفق عليه عن أبي هريرة] وفي القرآن الكريم: ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا (180) ﴾ ( سورة الأعراف ) وقد ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام: أن لله أسماً أعظماً، فما اسم الله الأعظم ؟ بعضهم قال الحي القيوم، وهناك اجتهاد مقبول أن اسم الله الأعظم هو الاسم الذي يتعلق بحالك، فالمريض اسم الله الأعظم له الشافي، والفقير اسم الله الأعظم له المغني، والمظلوم اسم الله الأعظم له العدل، والمقهور اسم الله الأعظم له الناصر، وقد ورد أن الرب اسم الله الأعظم لأنه أقرب الأسماء الحسنى إلى الإنسان، لذلك قال تعالى: ﴿ لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (1) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ (2) وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ (3) ﴾ ( سورة البلد ) نظام الأبوة من أكبر الآيات الدالة على عظمة الله: الحقيقة نظام الأبوة من أكبر الآيات الدالة على عظمة الله، أن إنسان سعادته بسعادة ابنه، طمأنينته بطمأنينة ابنه، نظام الأبوية يدل على الله، إنسان يتمنى أن تسبقه، يتمنى أن تتفوق عليه، لا يسعده إلا سلامتك وسعادتك لذلك قال تعالى: http://www.nabulsi.com/images/inside.../ar-654/02.jpg ﴿ لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (1) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ (2) وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ (3) ﴾ ( سورة البلد ) يعني لو تصورنا أن مؤسسة ضخمة أرادت أن تعين موظفاً، هذا الموظف يخضع للتجريب في هذه الفترة التجريبية تحصى عليه أخطاؤه، فإذا كانت بحجم غير مقبول رفض، لكن لو أن مدير المؤسسة أراد أن يكون ابنه هو الموظف، ما الذي يحصل ؟ ليس القصد هنا إحصاء الأخطاء ولكن القصد أن يربى، فعند كل خطأ يُوَجّه، يعلم، يحاسب، هذا شأن الأب. الرب هو الأب الحاني على أولاده: إذا قلنا الحمد لله رب العالمين، ما معنى كلمة رب بالمعنى البسيط ؟ الأولي http://www.nabulsi.com/images/inside.../ar-654/03.jpg البديهي أن الأب يهيئ لأسرته بيتاً، يهيئ لهذا البيت أثاثاً، يهي لهذا البيت أجهزة، يهيئ لهذا البيت طعاماً وشراباً، إن رأى ابنه مريضاً يسارع إلى معالجته ويشرف على إعطاء الدواء، وإن رأى بيد ابنه حاجةً ليست له يسأله يحقق معه قد يعاقبه، قد يؤدبه، يعني أبسط شرح لمعنى الرب هو الأب الحاني على أولاده، يهيئ المسكن والحاجات والطعام والشراب والمدرسة والغرفة الخاصة والتوجيه والتعليم والمحاسبة والتربية والعقاب أحياناً والمكافأة والتكريم. يمكن أن نفهم معنى اسم الرب ببساطة من أب عالم، من أب رحيم، من أب يسعى لإمداد أولاده بكل ما يحتاجون، ويسعى لتربية أجسامهم، وتربية عقولهم، وتربية نفوسهم، وتربيتهم تربية اجتماعية، وتربيتهم تربية بدنية، وتربيتهم تربية جنسية، هذا الأب الحاني العالم الرحيم الذي لا يقلقه إلا مصير أولاده، لا يقلقه إلا سعادتهم، إلا إيمانهم، إلا سموهم، يمكن أن نفهم معنى هذا الاسم الذي يمكن أن يكون اسم الله الأعظم من مفهومات الأبوة والبنوة لذلك ليس عجيباً أن يأتي نظام الأبوة آية دالة على عظمة الله. ﴿ لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (1) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ (2) وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ (3) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ (4) ﴾ ( سورة البلد ) الرب أقرب الأسماء الحسنى إلى الإنسان لأن الله يربينا عن طريق آياته: هذا الاسم أيها الأخوة ورد في القرآن الكريم، قال تعالى: http://www.nabulsi.com/images/inside.../ar-654/04.jpg ﴿ سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (58) ﴾ ( سورة يس ) ﴿ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (15) ﴾ ( سورة سبأ ) ولعل هذا الاسم هو أقرب الأسماء الحسنى إلى الإنسان، لأن الله عز وجل يربينا، يربي أجسامنا ويربي نفوسنا ويربي عقولنا، عن طريق آياته الكونية، وعن طريق آياته التكوينية وعن طريق آياته القرآنية. من أدق معاني الربوبية أن الله أعطى كل شيء خلقه التام ثم هدى: أيها الأخوة الكرام، الله عز وجل في آيات كثيرة أشار إلى مفهوم الربوبية قال تعالى: http://www.nabulsi.com/images/inside.../ar-654/05.jpg ﴿ قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (49) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50) ﴾ ( سورة طه) أعطاه القوام المناسب، الأجهزة المناسبة، الحواس المناسبة، النسج المناسبة، الخصائص المناسبة، أعطى كل شيء خلقه التام ثم هدى. البعوضة من آيات الله الدالة على عظمته حيث زودها تعالى بعدة أجهزة منها: 1 – جهاز استقبال حراري: لو أردنا أن نختار مخلوقاً من أتفه المخلوقات على الإنسان البعوضة http://www.nabulsi.com/images/inside.../ar-654/06.jpg البعوضة في رأسها مئة عين، وثمانية وأربعون سناً في فمها، وثلاثة قلوب في صدرها، قلب مركزي وقلب لكل جناح، لكل قلب أذينان، وبطينان، ودسامان. ﴿ قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (49) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50) ﴾ ( سورة طه) من أدق معاني الربوبية أن الله عز وجل أعطى كل شيء خلقه، هي بحاجة أن ترى الأشياء لا بألوانها، ولا بحجمها، ولا بشكلها، إنها ترى الأشياء بحرارتها، أعطى الله البعوضة جهاز استقبال حرارياً، حساسية هذا الجهاز واحد على ألف من الدرجة المئوية. ﴿ قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (49) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50) ﴾ ( سورة طه) أعطاها جهاز استقبال حرارياً أي جهاز رادار. 2 ـ جهاز تحليل للدم: عندها جهاز تحليل للدم ما كل دم يناسبها تحلل الدم أولاً، ثم تمتصه ثانياً، وقد ينام أخوان على سرير واحد يستيقظ الأول وقد ملئ بلسع البعوض والثاني لم يصب بشيء. 3 ـ جهاز تمييع: جهاز تمييع، لأن لزوجة دم الإنسان لا يسري بخرطومها. 4 ـ جهاز تخدير: أعطى البعوضة جهاز تخدير لكي لا تقتل في أثناء امتصاص الدم http://www.nabulsi.com/images/inside.../ar-654/07.jpg تمتص الدم وتطير وتبتعد ينتهي مفعول التخدير فيشعر الإنسان بوخز في يده فيتوهم أنها على يده فيضربها وهي في سماء الغرفة تضحك عليه. ﴿ قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50) ﴾ ( سورة طه) أعطاها جهاز تحليل، أعطاها جهاز تمييع، أعطاها جهاز تخدير، أعطاها جهاز استقبال حراري، في فمها ثمانية وأربعون سناً، في رأسها مئة عين، في صدرها ثلاثة قلوب، قلب مركزي وقلب لكل جناح، الآن في خرطومها ست سكاكين، أربع سكاكين تحدث جرحاً مربعاً، وسكينان تلتئمان على شكل أنبوبين لامتصاص الدم وفي أرجلها محاجم إذا وقفت على بلور على سطح أملس على الضغط، وفي أرجلها مخالب إذا وقفت على سطح خشن. ﴿ قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (49) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50) ﴾ ( سورة طه) خلق الله عز وجل الإنسان بأحسن تقويم و يتجلى ذلك في: قس على ذلك قال تعالى: ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4) ﴾ ( سورة التين) 1 – العين: أعطاك عينين من أجل أن تدرك البعد الثالث، بعين واحدة ترى الطول والعرض بعينين ترى البعد الثالث http://www.nabulsi.com/images/inside.../ar-654/08.jpg أعطاك أذنين من أجل أن تعرف جهة الصوت، قد ينطلق بوق مركبة من على يمينك يدخل هذا الصوت إلى الأذن اليمنى قبل اليسرى بفارق واحد على ألف وستمئة وعشرين جزءاً من الثانية، يوجد بالدماغ جهاز يكشف تفاضل الصوتين فيكتشف أن البوق من الجهة اليمنى، فيعطي الدماغ أمراً بالانتقال إلى الجهة اليسرى. ﴿ قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50) ﴾ ( سورة طه) 2 ـ الشعر: لكل شعرة شريان، ووريد، وعصب، وعضلة، وغدة دهنية، وغدة صبغية، لكل شعرة. ﴿ قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (49) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50) ﴾ ( سورة طه) http://www.nabulsi.com/images/inside.../ar-654/09.jpg في شبكية العين مئة وثلاثون مليون عصية ومخروط، مئة وثلاثون مليون بمليمتر وربع يعني بواقع مئة مليون مستقبل ضوئي في كل مليمتر مربع من أجل أن تميز بين ثمانية ملايين لون. ﴿ قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50) ﴾ ( سورة طه) 3 ـ الدماغ: http://www.nabulsi.com/images/inside.../ar-654/10.jpg جعل في ماء العين مادة مضادة للتجمد، جعل الدماغ يتألف من مئة وأربعين مليار خلية استنادية سمراء لم تعرف وظيفتها بعد. ﴿ قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50) ﴾ ( سورة طه) الحديث عن الجسم والله يستغرق سنوات وسنوات، قال تعالى: ﴿ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21) ﴾ ( سورة الذاريات) دقق في معنى الربوبية. ﴿ قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50) ﴾ ( سورة طه) 4 ـ العظم: هذا في الإنسان، الإنسان عظمه ينمو ويصل إلى الحد المناسب ويتوقف النمو، يعبر العلماء عن هذه الحالة بنوم الخلية العظمية يكسر العظم بعد سبعين سنة تستيقظ الخلية العظمية وترمم هذا الكسر. http://www.nabulsi.com/images/inside.../ar-654/11.jpg ﴿ قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50) ﴾ ( سورة طه) لم يجعل لك في الشعر أعصاب حس وإلا أنت مضطر إلى أن تذهب إلى المستشفى وتخدر تخديراً كاملاً كي تحلق شعرك. ﴿ قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50) ﴾ ( سورة طه) عظمة الله عز وجل في خلق الجنين حيث: 1 ـ جعل الله في طحال المولود كمية حديد تكفيه سنتين إلى أن يأكل: نحن نفهم الأشياء فهماً سطحياً، لو تعمقنا في خلقنا لرأينا عظمة الله عز وجل، معنى الرب أعطاك كل ما تملك، الطفل الصغير ليس في حليب أمه حديد، جعل الله في طحال المولود كمية حديد تكفيه سنتين إلى أن يأكل. 2 ـ تزويد الجنين بمنعكس المص: أعطى الطفل الرضيع منعكس المص لمجرد أن يولد يلتقم ثدي أمه ويحكم الإغلاق ويسحب الهواء فيأتيه الحليب. 3 ـ تزويد الطفل عند الولادة بمادة مذيبة للشحم: جهازه الهضمي ممتلئ بمادة شحمية عند الولادة في أول يومين لا يأتيه الحليب يأتيه مادة مذيبة للشحم. ﴿ قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50) ﴾ ( سورة طه) جهاز التوازن عند الإنسان من أكبر آيات الله الدالة على عظمته: الحديث عن هذا الموضوع لا ينتهي، لكن ما معنى الرب ؟ أعطاك http://www.nabulsi.com/images/inside.../ar-654/12.jpg كل ما تستطيع، كل ما تحتاجه من أجهزة، من أدوات، من نسج، من خصائص، يعني في بالقلب شريان ليس له وظيفة واضحة جداً، وظيفته الواضحة عند انسداد بعض الشرايين يؤخذ هذا الشريان ويوضع كقطع غيار للقلب. الحديث بخلق الإنسان لا ينتهي، لكن معنى الرب أنه أعطاك كل ما تحتاج، قال ثم هدى، هداك إلى مصالحك، أنت ماشي لكي لا تقع أودع في أذنك الوسطى جهاز توازن جهاز التوازن ثلاث قنوات فيها سائل وفي أشعار فوق السائل فأنت إذا ملت يمنة السائل يبقى مستوياً، يمس الجدار المائل، تتحسس الأشعار، تعيد وضعك لولا جهاز التوازن ما في إنسان يمشي على قدمين أبداً، والدليل لن تستطيع أن توقف الميت على قدمه، فقد التوازن، أنت بالتوازن لك أرجل لطيفة صغيرة لولا جهاز التوازن لاحتجت إلى قاعدة استناد واسعة جداً، والدليل في بعض محلات الأقمشة يضعون تمثال لامرأة انظر إلى القاعدة سبعين سنتمتر من أجل أن يبقى هذا الجسم منتصباً. ﴿ قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50) ﴾ ( سورة طه) المشيمة عند الأم: في قرص لحمي ينزل مع الجنين في هذا القرص شيء لا يصدق تجتمع في هذا القرص دورة دم الأم مع دورة دم الجنين، ولا يختلطان، ولكل دم زمرة ومعلوم عند الأطباء أن الدم إذا جاءه دم من زمرة أخرى ينحل فوراً، لو أن دم الأم والابن اختلطا لماتت الأم والجنين فوراً، لا يختلطان، بينهما غشاء هذا الغشاء سماه الأطباء الغشاء العاقل http://www.nabulsi.com/images/inside.../ar-654/13.jpg يأخذ الأوكسجين من دم الأم يضعه في دم الجنين، طبعاً لما أخذ الأوكسجين قام الغشاء العاقل بدور جهاز التنفس، يأخذ المواد السكرية من دم الأم فيطرحها في دم الجنين، قام بدور جهاز الهضم، يأخذ الأنسولين من دم الأم فيطرحه في دم الجنين، قام بدور البنكرياس، صار في الجنين سكر وأوكسجين وأنسولين، يحترق السكر عن طريق الأوكسجين بوساطة الأنسولين فالجنين حرارته سبع وثلاثين، ناتج الاحتراق ثاني أكسيد الكربون يأتي الغشاء العاقل يأخذ ثاني أكسيد الكربون من دم الجنين يضعه في دم الأم، جزء من تنفس الأم ثاني أكسيد كربون الجنين، يأخذ عوامل مناعة الأم عبر الغشاء العاقل إلى دم الجنين، كل الأمراض التي أصيبت بها أمه هو محصن منها، والغشاء العاقل يختار الغذاء المناسب، البروتين، الشحوم، السكريات، الفيتامينات، المعادن، أشباه المعادن، وكأنه عالم من علماء التغذية وهذه النسب تتبدل ساعياً وينفذها، لذلك سماه الأطباء الغشاء العاقل، ولو سلم الغشاء العاقل إلى مجموعة أطباء في قمة التفوق لمات الجنين في ساعة واحدة. الآن الطفل بحاجة إلى مادة معينة ليست في دم أمه، الأم تشتهي طعاماً فيه هذه المادة، شهوة الأم الحامل حاجة ابنها إلى بعض الأغذية. ﴿ أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ (50) ﴾ ( سورة طه) من ازداد فهماً بدقائق آيات الله في خلقه ازداد تعظيماً له: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ (28) ﴾ ( سورة فاطر) http://www.nabulsi.com/images/inside.../ar-654/14.jpg كلما ازددت فهماً بدقائق آيات الله في خلقه كلما ازددت تعظيماً لله عز وجل وخشية له وخضوعاً له. ﴿ قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (49) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50) ﴾ ( سورة طه) التفكر في خلق السماوات والأرض أقرب طريق إلى الله: http://www.nabulsi.com/images/inside.../ar-654/15.jpg أعطاه الخلق الكامل، الحوت وزنه مئة وخمسين طن، خمسين طن دهن، وخمسين طن عظم، وخمسين طن لحم، ويستخرج من الحوت تسعون برميلاً زيت سمك و يرضع وليده ثلاثمئة كغ في اليوم ثلاث مرات، طن من الحليب كل يوم. ﴿ أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ (50) ﴾ ( سورة طه) من بعوضة فيها أجهزة متنوعة إلى الحوت الأزرق الذي يزيد وزنه عن مئة وخمسين طناً. ﴿ أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50) ﴾ ( سورة طه) أنت حينما تتفكر في خلق السماوات والأرض تجد نفسك أمام عظمة الله وكأن التفكر في خلق السماوات والأرض أقرب طريق إلى الله، وأوسع باب تدخل منه على الله، ولا تنسى هذه الآية: ﴿ قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (49) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50) ﴾ ( سورة طه) المتابعة عنصر هام و أساسي من عناصر التربية: الآن موضوع المتابعة، انظر إلى الأب الكامل العالم الرحيم الحاني، كيف أنه يتابع أولاده متى جاء ؟ متى خرج ؟ من صديقه ؟ لماذا تأخرت ؟ المتابعة، ماذا قال الله عز وجل عن هذه المتابعة: http://www.nabulsi.com/images/inside.../ar-654/16.jpg ﴿ أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ (33) ﴾ ( سورة الرعد) تصور الطبيب مرّ على مريض طلب التحليل، الضغط مرتفع يعطي توجيهاً أوقفوا الملح، يرى أن هناك فقر دم يعطي توجيهاً بإعطائه أدوية فيها حديد، دائماً الطبيب يتابع حالة المريض، وكل نقص أو زيادة أو تطرف في التحليلات في قرار يتخذه، قال تعالى: ﴿ أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ (33) ﴾ ( سورة الرعد) هذه هي التربية، مرة ثانية اسم الرب هو أقرب الأسماء الحسنى إلى الإنسان، لأن الإنسان الأب أب لكن مرة كنت في الطريق أمشي فإذا إنسان يصيح لإنسان آخر قال له إذا ماله أب ماله رب ؟ له رب الله يربينا جميعاً ونحن في العناية المشددة إن شاء الله. تفرد الله عز وجل بالخلق و لا خالق إلا الله: http://www.nabulsi.com/images/inside.../ar-654/17.jpg الآن يوجد معنى آخر للربوبية الله خالق كل شيء وحده، هنا معنى جديد، الله عز وجل يتفرد بالخلق ولا خالق إلا الله. ﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ (62) ﴾ ( سورة الزمر) خلق. ﴿ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (62) ﴾ ( سورة الزمر) تصرف، لذلك سيدنا هود قال: ﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ ( سورة هود ) متحدياً، الله سبحانه وتعالى يتفرد بالخلق وبالتصرف. كمال الخلق يدل على كمال التصرف: القاعدة الدقيقة جداً أن كمال الخلق يدل على كمال التصرف، وفي هذا الكون آيات باهرات دالة على قيوم الأرض والسماوات. الله عز وجل له أسماؤه الحسنى وصفاته الفضلى، قال تعالى: ﴿ وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾ ( سورة الأعراف الآية: 180 ) رب العالمين لا يليق ولا يقبل ولا يعقل أن تعبد غيره: الآن من معاني الربوبية، قال تعالى: http://www.nabulsi.com/images/inside.../ar-654/18.jpg ﴿ قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (75) أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (76) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (77) ﴾ ( سورة الشعراء) من هو الله رب العالمين ؟ قال تعالى: ﴿ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (81) ﴾ ( سورة الشعراء ) هذا هو الرب لذلك لا يليق ولا يقبل ولا يعقل أن تعبد غير الخالق، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ ( سورة البقرة ) ﴿ وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾ ( سورة الأعراف الآية: 180 ) من أبرز خصائص عقيدة المسلم معرفة أسماء الله الحسنى: لعل اسم الرب اسم الله الأعظم، بل إن اسم الله الأعظم هو الاسم الذي أنت في أمس الحاجة إليه http://www.nabulsi.com/images/inside.../ar-654/19.jpg فالفقير اسم الله الأعظم له المغني، والمظلوم اسم الله الأعظم له العدل، والضعيف اسم الله الأعظم القوي، والمهزوم اسم الله الأعظم الناصر، والجاهل اسم الله الأعظم العليم، فأنت في أية حاجة تحتاج إلى أسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى، قال تعالى: ﴿ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) ﴾ ( سورة الشعراء ) لذلك أيها الأخوة الرب هو الذي يربي عباده، يربي أجسامهم، ويربي نفوسهم ويهديهم إلى مصالحهم، ويهديهم إليه عن طريق الوحي، ويهديهم بالتوفيق ثم يهديهم إلى الجنة، يهديهم إلى مصالحهم بالأجهزة والخصائص التي منحوا إياها ويهديهم إليه بالوحي ويهديهم بالتوفيق، قال تعالى: ﴿ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آَمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (13) ﴾ ( سورة الكهف) ثم يهديهم إلى الجنة لذلك أيها الأخوة، معرفة أسماء الله الحسنى جزء أساسي من عقيدة المسلم بل هو من أبرز خصائص عقيدة المسلم. والحمد لله رب العالمين |
رد: اسماء الله الحسنى
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : اسم الله الرب -2-اسماء الله الحسنى الدرس : ( الرابع ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: (الرب): أيها الأخوة الكرام، اسم الرب مناسبة للحديث عن موضوعات مهمة جداً، لأن الله سبحانه وتعالى يربينا، يسوق لنا من المصائب ما يحملنا بها على التوبة، ومعنى قول الله عز وجل: ﴿ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا (118) ﴾ ( سورة التوبة) من معاني هذه الآية أنه ساق لهم من الشدائد ما يحملهم بها على التوبة. معرفة الحدث سهلة جداً لكن تأويل الحدث يحتاج إلى إيمان: معنى قوله تعالى: ﴿ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً (20) ﴾ (سورة لقمان) قال علماء التفسير: النعم الظاهرة ظاهرة، الصحة، المال، الأهل، الأولاد، المأوى، العمل، السمعة، وباطنة المصائب، فهم الظاهرة سهل جداً، لكن فهم النعم الباطنة يحتاج إلى تأمل، فالإنسان يحب سلامته وسعادته، ويحب كل شيء إيجابي، لكنه بفطرته يتألم من النقص في المال والأنفس والأولاد، فلذلك يحتاج المؤمن ليفهم حقيقة النعم الباطنة ولأن الله سبحانه وتعالى رب العالمين يربينا، يربي أجسامنا ويربي نفوسنا، فكيف نفهم النعم الباطنة ؟ لابد من مثل يوضح الحقيقة، تركب أنت مركبتك في لوحة البيانات، تألق ضوء أحمر، تألق أو لم يتألق ليست هي المشكلة، تألق حتماً ورأيت تألقه رأي العين، لكن المشكلة لماذا تألق ؟ تكمن المشكلة في فهم تألقه لا في إثبات تألقه، رأيته بعينك، وهذا ينسحب على ما يجري في العالم اليوم، معرفة الحدث سهلة جداً لكن تأويل الحدث يحتاج إلى إيمان. أكبر مصيبة أن تأتي المصيبة وأن تفهمها فهماً على خلاف ما أراد الله عز وجل: ما يجري في العالم الآن مع التواصل الإعلامي وثورة المعلومات والأرض كانت خمس قارات أصبحت قارة واحدة، فأصبحت مدينة واحدة، فأصبحت بيتاً واحداً، فأصبحت غرفة واحدة، فأصبحت سطح مكتب، ما يجري في العالم بأي مكان في العالم تراه رأي العين بعد ثوان، إذاً في ثورة معلومات، الآن البطولة ليست في التأكد من صحة الخبر تراه بعينك، الآن البطولة في فهم الخبر، في تحليله، المؤمن يملك تحليلاً دقيقاً جداً بحسب الوحيين الكتاب والسنة. أنت راكب مركبتك وتألق ضوء أحمر في لوحة البيانات لماذا تألق ؟ إن فهمته تألقاً تزيينياً وتابعت السير احترق المحرك، وتعطلت الرحلة، وتعطل الهدف، ودفعت مبلغاً كبيراً لإصلاح المحرك، وإن فهمت التألق تألقاً تحذيرياً أوقفت المركبة، وأضفت الزيت، وتابعت الرحلة وتحقق الهدف، كم هي المسافة بعيدة بين أن تفهم الضوء فهماً تزيينياً أو أن تفهمه فهماً تحذيرياً، لذلك قالوا من لم تحدث المصيبة في نفسه موعظة فمصيبته في نفسه أكبر. يعني أكبر مصيبة أن تأتي المصيبة وأن تفهمها فهماً على خلاف ما أرادها الله عز وجل، لذلك من الموضوعات اللصيقة باسم الرب فهم المصائب، لأنه رب العالمين، لأنه يربينا، لأنه خلقنا للآخرة، لأنه خلقنا لجنة عرضها السماوات والأرض، لأن هذه الدنيا أحقر من أن تكون مكافأة لإنسان أو عقاباً لإنسان والدليل أن هؤلاء الذين شردوا عنه شرود البعير يقول الله في حقهم: ﴿ فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً ﴾ ( سورة الأنعام الآية: 44 ) سياسة الله في معاملة عباده تبدأ بـ: 1 – الهدى البياني: و لأن من سياسة الله عز وجل في معاملة عبادة أنه يبدأ بهدايتهم عن طريق الهدى البياني توضيح وأكمل موقف لهذا الهدى البياني أن تستجيب، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ (24) ﴾ (سورة الأنفال) فإن لم تستجب، في تأديب تربوي هذه المصائب، قال تعالى: ﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (21) ﴾ (سورة السجدة) تماماً كالطبيب حينما يخير المريض الذي أصيب بالتهاب معدة حاد، بالحمية الصارمة تشفى فإن لم تتبع هذه الحمية الصارمة لا بد من عمل جراحي، والإنسان حينما يستجيب لله وللرسول إذا دعاه الله لما يحيه تزول عنه احتمالات المصائب، الدليل: ﴿ مَّا يَفْعَلُ اللّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ ﴾ ( سورة النساء الآية: 174 ) الإنسان حينما يحقق وجوده تنتهي المعالجات. 2 ـ التأديب التربوي: أما إذا لم يستجب الآن يخضعه الله لمرحلة أقصى يخضعه الله للتأديب التربوي، لذلك: ﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (21) ﴾ ( سورة السجدة) 3 ـ الإكرام الاستدراجي: فإن لم يستجب في حالة ثالثة قلما ينجو منها الإنسان: ﴿ فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً ﴾ ( سورة الأنعام الآية: 44 ) هذا الإكرام الاستدراجي. 4 ـ القصم: فإن لم يستجب كان القصم. الهدى البياني الموقف الكامل الاستجابة، التأديب التربوي الموقف الكامل التوبة، الإكرام الاستدراجي الموقف الكامل الشكر، فإن لم يستجب كان القصم، قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44) ﴾ ( سورة الأنعام الآية: 44 ) لذلك أفضل ألف مرة أن تكون خاضعاً للتأديب الإلهي من أن تكون خارج التأديب الإلهي، إن كنت خاضعاً للتأديب الإلهي فهناك خير كبير ينتظرك، إذا أحب الله عبده ابتلاه فإن صبر اجتباه وإن شكر اقتناه. المصائب التي يسوقها الله للإنسان هي: 1 – مصائب المؤمنين مصائب دفع ورفع: أيها الأخوة الكرام، فهم المصائب يحتاج إلى إيمان، لذلك قالوا مصائب المؤمنين مصائب دفع ورفع، الله عز وجل يدفعنا إلى بابه، يسوق لنا من الشدائد ما يدفعنا إلى بابه: ﴿ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا (118) ﴾ ( سورة التوبة) أي ساق لهم من الشدائد، في آية: ﴿ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (160) ﴾ ( سورة البقرة) إذا جاءت توبة الله بعد توبة العبد فهي قبول التوبة، وإذا جاءت توبة الله قبل توبة العبد فهي سبب التوبة، لذلك حينما تفهم على الله حكمته تكون قد قطعت أربعة أخماس الطريق إلى الله، حينما تفهم حكمة المصائب، و في بعض الآثار: (( ما من عثرة، ولا اختلاج عرق، ولا خدش عود إلا بما قدمت أيديكم، وما يغفر الله أكثر )) [ أخرجه ابن عساكر عن البراء ] الله عز وجل غني عن تعذيب عباده لكنه يسوق لنا بعض الشدائد ليرفع مقامنا: الله عز وجل عني عن تعذيبنا، غني عن أن يسوق لنا الشدائد لكن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (( عَجِبَ رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ مِنْ قَوْمٍ يُقَادُونَ إِلَى الْجَنَّةِ فِي السَّلَاسِلِ )) [ البخاري وأبو داود، واللفظ لأبي داود عن أبي هريرة ] وأنا أؤكد لكم أنك إذا دخلت إلى مسجد ورأيت فيه جمعاً غفيراً فاعتقد جازماً أن عدداً كبيراً من هؤلاء كان إقباله على الله عز وجل عقب معالجة حكيمة، ومعنى مصيبة أن الله عز وجل خبير بهذا الإنسان يعرف نقطة ضعفه، الذي عنده مال وفير لا يتأثر بفقد المال قد تخدش كرامته، والذي يحتاج أشد الحاجة إلى المال قد يكون نقص المال أحد وسائل تأديبه، فينبغي أن تفهم على الله حكمته وأنك إذا فهمت على الله قطعت أربعة أخماس الطريق على الله. لذلك مصائب المؤمنين مصائب دفع ورفع، أحياناً لك عند الله مرتبة عملك لا يكفي كي تنالها، لا بد من أن يسوق الله لك من بعض الشدائد حتى يرفع مقامك عنده، إذاً للمؤمنين الآية الكريمة: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157) ﴾ ( سورة البقرة) مصائب المؤمنين مصائب دفع ورفع، دفع إلى باب الله ؛ ورفع لمقام المؤمن عند الله. 2 ـ مصائب الذين شردوا عن الله مصائب ردع أو قصم لكن مصائب الذين شردوا عنه مصائب ردع أو قصم، هؤلاء زمرة أخرى. 3 ـ مصائب الأنبياء مصائب كشف: أما الأنبياء مصائبهم مصائب كشف، في كمالات بأنفسهم لا يمكن أن تظهر إلا عن طريق الشدائد، كما أن النبي عليه الصلاة والسلام مشى على قدميه إلى الطائف ثمانين كيلو متراً ليدعوهم إلى الله فبالغوا بتكذيبه، وبالسخرية منه، وأغروا صبيانهم أن ينالوا منه، حتى سال الدم من قدميه الشريفتين، وحتى ألجؤوه إلى حائط وهنا قال: (( رب، إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، ولك العتبى حتى ترضى، لكن عافيتك أوسع لي )) [ الطبراني عن عبد الله بن جعفر بسند فيه ضعف ] و مكنه الله من أن ينتقم، جاءه ملك الجبال، و قال له: (( إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمْ الْأَخْشَبَيْنِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا )) [ متفق عليه عن عائشة] مصائب الأنبياء مصائب كشف، مصائب الذين شردوا عن الله مصائب ردع أو قصم، مصائب المؤمنين مصائب دفع أو رفع. مرة ثانية: ﴿ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً (20) ﴾ ( سورة لقمان) النعم الظاهرة ظاهرة وفهمها سهل، لكن النعم الباطنة تحتاج إلى تأمل، وتحتاج إلى إيمان كي تفهمها. ما يسوقه الله عز وجل لعبده المؤمن من مصائب هو بالحقيقة رسالة عليه أن يفهمها: الشيء الآخر أيها الأخوة الكرام، آية دقيقة جداً يقول الله عز وجل: ﴿ وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (47) ﴾ ( سورة القصص ) في الآية الكريمة المصيبة رسالة، والآن في السياسة المعاصرة في رسائل غير كتابية وغير شفهية، يصير عرضاً عسكرياً، يقال هذا العرض العسكري رسالة إلى دول الجوار أحياناً، الآن بالسياسة المعاصرة يوجد رسائل كثيرة جداً (عمل معين) سحب سفير فرضاً يسموه رسالة، الآن يجب أن نفهم فهماً عميقاً أن ما يسوقه الله عز وجل لعبده المؤمن من مصائب هو بالحقيقة رسالة والدليل هذه الآية: ﴿ وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (47) ﴾ ( سورة القصص ) العاقل من عرف حكمة المصيبة التي ساقها الله له: يوجد آية أخرى: ﴿ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى (134) ﴾ ( سورة طه ) هذه الآية دقيقة جداً إنها تعني أن كل شيء وقع أراده الله وكل شيء أراده الله وقع، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، و الحكمة المطلقة متعلقة بالخير المطلق. هذه الآية تبين أنه: " من لم تحدث المصيبة في نفسه موعظة فمصيبته في نفسه أكبر "، أوضح هذه المسألة بمثل: لو أن طالباً في الصف الرابع الابتدائي قال لأبيه مرة: أريد أن أترك المدرسة (والمثل تركيبي) فالأب ببساطة ما بعدها بساطة قال لابنه: كما تريد يا بني، في اليوم الثاني لا يوجد مدرسة، لا يوجد وظائف، لا يوجد أستاذ، لا يوجد شدة، لا يوجد قسوة، لا يوجد تكليف، لا يوجد رسالة للأب تعال ابحث معنا مشكلة ابنك، شعر أنه أفضل من أي طفل آخر في الأرض، نشأ على العطالة والبطالة، وارتياد الملاهي، ودور السينما، وصحبة الأراذل، فلما كبر لا عمل ولا وظيفة ولا شهادة ولا زوجة ولا بيت فحقد على والده، قال له مرة يا أبتِ، لمّا قلت لك: لا أريد أن أدرس لمَ لمْ تضربني، لما لم تسق لي بعض الشدة، لذلك يوم القيامة حينما يكشف الله عز وجل لنا سر هذا القضاء والقدر الذي ساقه لنا ليحملنا على طاعته، والإقبال عليه، والنجاة من النار، لذابت نفوسنا محبة له. لذلك العبرة أن تعرف حكمة المصيبة ومرة ثالثة:" من لم تحدث المصيبة في نفسه موعظة فمصيبته في نفسه أكبر ". المصيبة ليست عشوائية إنما من جنس العمل: الآن: ﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا (22) ﴾ ( سورة الحديد ) لك عند الله كتاب أعمال، إنسان اختلس مالاً حراماً أحياناً تأتي المصيبة بتدمير هذا المال، إنسان استعلى في الأرض أحياناً يأتيه عذاب مهين، هذه المصيبة لم تكن عشوائية الدليل: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115) ﴾ ( سورة المؤمنون ) مستحيل أن تُخلَقوا عبثاً، قال تعالى: ﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (36) ﴾ ( سورة القيامة) أحياناً تكف يد موظف بقرار سبقه همسات، وسبقه وشايات، وسبقه تقارير، ولجنة تحقيق، وسبقه دراسة معمقة، وسبقه اجتماع الكبراء لتقرير مصير هذا الموظف، وتمت التحقيقات، والأدلة كافية وقطعية، والموقف موضوعي وعادل، تكتب مسودة قرار، يوقع المدير على المسودة والمجلس يوقع عليها أيضاً، تطبع على الآلة الكاتبة يوقعها المدير نسخة إلى كذا، إلى كذا، آخر شيء يبلغ هذا القرار، هذا القرار لم يكن مرتجلاً سبقته دراسة طويلة جداً. بطولة الإنسان أن يحسن فهم المصيبة لأنه إذا أحسن فهمها استفاد منها: كل شيء يصيب الإنسان في حكمة ما بعدها حكمة، فبطولة الإنسان أن يحسن فهم المصيبة لأنه إذا أحسن فهمها استفاد منها، وإن لم يحسن فهمها لم ينتفع بها، لذلك يقول: الدهر يومان: يوم لك ويوم عليك. هذا فهم غير صحيح للمصيبة، تحدث مشكلات في بعض البلاد الله عز وجل قال: ﴿ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ (65) ﴾ (سورة الأنعام:65) ﴿ وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ ﴾ ( سورة النحل ) بطولة المؤمن أن يعتمد التفسير القرآني في تفسير المصائب: البطولة أن تملك التفسير القرآني لما يجري، الآن في تحليلات لا تنتهي، ودراسات للأحداث، وتأملات، وتطورات، وطروحات ما أكثرها، بطولتك كمؤمن أن تعتمد التفسير القرآني: ﴿ وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ ﴾ ( سورة النحل ) بالمناسبة أيها الأخوة، الآيات القرآنية المتعلقة بالمصائب لفظاً ومعنىً تقترب من مئة آية، في القرآن الكريم، في كتاب الله، في وحي السماء، ينبغي أن نفهم على الله حكمته من الشدة، وأحياناً الشدة سبب النجاة وفي بعض الحكم: " ربما أعطاك فمنعك وربما منعك فأعطاك "، وإذا فهمت الحكمة في المنع عاد المنع عين العطاء، فبطولة المؤمن أن يفهم حكمة المصائب عندئذ بدل أن يحقد، بدل أن يتألم، بدل أن يسحق، بدل أن يصاب بالإحباط، يستبشر ويتفاءل ويتحرك. الله عز وجل غنيّ عن تعذيب عباده: الآية التي بعدها: ﴿ أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ (165) ﴾ ( سورة آل عمران) اعتقد يقيناً أن الله غني عن تعذيبنا، وما يفعل هذا الإله العظيم، الرب الكريم، خالق السماوات والأرض، بعبد ضعيف ؟ ما يفعل بهذه المصيبة التي يسوقها إليه ؟ حتى إنه ورد في بعض أحداث السيرة: (( رَأَى رَجُلًا يُهَادَى بَيْنَ ابْنَيْنِ لَهُ، فَقَالَ: مَا هَذَا ؟ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَذَرَ أَنْ يَحُجَّ مَاشِيًا، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ تَعْذِيبِهِ نَفْسَهُ فَلْيَرْكَب )) [ أحمد عن أنس ] الله غني عن تعذيبنا، لذلك هناك حقيقة بالإسلام خطيرة جداً، لا يمكن أن تكون المشقة مطلوبة لذاتها إطلاقاً. صباحاً في أيام الشتاء القارس يوجد صنبور ماء بارد لا يحتمل، وصنبور ماء دافئ، تقول: أنا أريد أن أتوضأ بالماء البارد حتى يكبر أجري، ما لك أجر، لأن المشقة في الإسلام ليست مطلوبة لذاتها توضأ بالماء الدافئ. تقول أنا سأسافر إلى الحج ماشياً حتى يتضاعف الأجر، ما لك أجر، لما كان الحج طريقه الوحيد هو المشي أو ركوب الجمل لك أجر كبير. أثناء الطواف يوجد ازدحام كبير لك أجر كبير، أما حينما تبتغى المشقة لذاتها هذا فهم خاطئ في الإسلام: (( إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ تَعْذِيبِهِ نَفْسَهُ فَلْيَرْكَب )) [ أحمد عن أنس ] آيات التوحيد: الآن: ﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ (11) ﴾ ومن يؤمن بالله، الذي يؤمن بأن الله في يده كل شيء. ﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ ﴾ ( سورة الزخرف ) وأن الله عز وجل: ﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ (123) ﴾ ( سورة هود) ﴿ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (56) ﴾ ( سورة هود) وأنه: ﴿ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (26) ﴾ ( سورة الكهف) هذه آيات التوحيد، ومن يؤمن أن الله فعال، في الأرض إله وفي السماء إله، والأمر كله بيده، قال تعالى: ﴿ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا (59) ﴾ ( سورة الأنعام) من آمن بالله يكتشف الحكمة من وراء المصيبة التي أصابته: أنت حينما تؤمن بالله إيماناً دقيقاً تكتشف أن هذه المصيبة وراءها حكمة بالغة. ﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ (11) ﴾ ( سورة التغابن) إلى حكمتها. أحياناً تأتي المصيبة من جنس المعصية، كمثل إنسان عليه زكاة مال، أحد عشر ألفاً وخمسمئة وعشرين ليرة بالضبط، ضغطت عليه زوجته ضغطاً لا يحتمل ليصلح البيت بهذا المبلغ فاستجاب لها، مركبته أصابها حادث، بعد أن أصلحها الفاتورة بالضبط أحد عشر ألفاً وخمسمئة وعشرين ليرة، توافق الرقمين رسالة من الله عز وجل، إذاً هذا إعلام من الله عز وجل. بالمناسبة لا يمكن لمربي أن يعاقب دون أن يبين. ﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا (22) ﴾ ( سورة الحديد ) إلى حكمتها. لكل مصيبة حكمة فإذا فهم الإنسان الحكمة عاد المنع عين العطاء: أنت اسأل الله عز وجل: يا رب ما حكمة هذه المصيبة ؟ لكل مصيبة حكمة ابحث عنها، أما أن تقبل هذا الأمر من دون فهم أو بفهم ساذج يقول: قلب لي القدر ظهر المجن. فهذا كلام مضحك لا معنى إطلاقاً، الأيام يومان: يوم لك ويوم عليك، هكذا شأن الحياة، حينما تفهم المصيبة فهماً وثنياً، فهماً بعيداً عن فهم الإيمان، فأنت واقع في خطأ كبير، يجب أن تفهم أن الله سبحانه وتعالى غني عن تعذيب عباده، فإذا ساق لهم بعض الشدائد لحكمة بالغة، وينبغي أن نفهم أيضاً أن تقنين الله ـ إن صحّ التعبير ـ لا يمكن أن يكون تقنين عجز، لا بد من أن يكون تقنين تأديب، حتى في الأمطار، قال تعالى: ﴿ وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا ﴾ ( سورة الجن ) ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ ﴾ ( سورة الأعراف الآية: 96 ) آيات كثيرة، فمن ألصق الموضوعات لاسم (الرب) المصائب التي يسوقها الله لعباده، و المؤمن في ضوء القرآن الكريم، وفي ضوء النور الذي ألقي في قلبه يفهم حكمة الله من المصائب، فإذا فهم الحكمة عاد المنع عين العطاء. والحمد لله رب العالمين |
رد: اسماء الله الحسنى
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : اسم الله المولى -1-اسماء الله الحسنى الدرس : ( الخامس ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى ( المولى ): أيها الإخوة الكرام، مع اسم من أسماء الله الحسنى، ومع اسم ( المولى ). اسم ( المولى ) ورد مطلقاً ومضافاً هذا الاسم ورد في القرآن الكريم، ورد مطلقاً وورد مضافاً، فالله عز وجل يقول: ﴿ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (40) ﴾ ( سورة الأنفال ) وفي آية ثانية: ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (78) ﴾ ( سورة الحج ) ورد مضافاً: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (11) ﴾ ( سورة محمد ) وقوله تعالى: ﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (51) ﴾ ( سورة التوبة) الحاجة إلى التدين: أيها الإخوة الكرام، أريدَ بهذا الاسم العلمية، وأريدَ به الدلالة على كمال الوصفية، وهذا الاسم ينقلنا إلى موضوع دقيق، وهو الحاجة إلى التدين. الحاجة إلى التدين حاجة في أصل فطرة الإنسان، لماذا ؟ لأن الإنسان خلق ضعيفاً، هكذا خلقه الله عز وجل. نقاط مهمة في خلق الإنسان: 1 – الضعف: ضعفُ الإنسان لصالحه: وهذه نقطة ضعف في أصل خلقه، ولكنها لصالحه تماماً ؛ كهذه الوصلة الضعيفة في الآلات الغالية جداً، لو جاء تيار كبير لساحت، وانقطع التيار، وسلم الجهاز، فطبيعة ضعف الإنسان لصالحه، لأن الإنسان خلق ضعيفاً، ولو خلق قوياً لاستغنى بقوته، فشقي باستغنائه، خلق ضعيفاً ليفتقر في ضعفه، فيسعد بافتقاره، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ (15) ﴾ ( سورة فاطر) الإنسان بكامل قوته، وبكامل جبروته أحياناً، وبكامل طغيانه قطرة دم لا ترى بالعين تتجمد في بعض أوعيته أو في دماغه فيصاب بالشلل، وفي مكان آخر يصاب بالعمى، وفي مكان ثالث يصاب بفقد الذاكرة، فالإنسان ضعيف، وقد خُلِق ضعيفاً ليفتقر بضعفه، فيسعد بافتقاره، ولو خلق قوياً لاستغنى بقوته، فشقي باستغنائه، لذلك أحياناً يغتني الإنسان أو يقوى فينسى ربه، قال تعالى: ﴿ كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى (7) ﴾ ( سورة العلق ) مع أنه ضعيف، ومع أنّ أي خلل في جسمه يجعل حياته جحيماً، أحياناً قد يقوى بماله أو بمنصبه أو بعلمه المادي فيطغى، لذلك: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (20) ثُمَّ نَظَرَ (21) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (22) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (23) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (24) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (25) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (26) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (27) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (28)﴾ (سورة المدثر) إذاً: من فضل الله علينا، ومن نعمته العظمى أننا ضعاف، ومع الضعف الافتقار إلى الله، ومع الافتقار إلى الله سعادة وأيّ سعادة، قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُم أَذِلَّةٌ ﴾ ( سورة آل عمران الآية: 123 ) أما في حُنين: ﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْض بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ ﴾ ( سورة التوبة ) أيها الإخوة الكرام، الآية: ﴿ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (28) ﴾ ( سورة النساء ) هكذا خلق، وهذا الضعف في أصل خلقه لصالحه. أذكركم مرة ثانية، الضعف في الإنسان تماماً كالقطعة تسمى بالمصطلح الأجنبي الفيوز، قطعة في آلة غالية جداً، عظيمة النفع، معقدة التركيب، هذه القطعة الضعيفة إذا جاء تيار قوي من شأنه أن يحرق الآلة تسيح هذه الوصلة الضعيفة، فيسلم الجهاز، وكذلك الإنسان، هذا أول بند في نقاط ضعف الإنسان. 2 – العَجَل: نقطة ثانية: ﴿ وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا (11) ﴾ (سورة الإسراء) معنى الجزع: يريد الشيء السريع، يريد المتعة الآنية، لذلك يعيش معظمُ الناس لحظتهم، يستمتعون، وينسون آخرتهم، ينسون مغادرة الدنيا، فلذلك البطولة لا أن تعيش الماضي، أو أن تتغنى بالماضي، ولا أن تعيش الحاضر، لكن البطولة والعقل والذكاء أن تعيش المستقبل، ماذا في المستقبل ؟ في المستقبل مغادرة الدنيا، وأخطر حدث في حياة الإنسان المغادرة، وما من إنسان أشد عقلاً مِن هذا الذي يعد لهذه الساعة التي لا بد منها، الإنسان عجول، يحب البيت الواسع، والمركبة الفارهة، والزوجة الجميلة، ولو أضر هذا بآخرته. ﴿ وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا (11) ﴾ (سورة الإسراء) لذلك حينما يختار الإنسان هدفاً بعد الموت يرقى عند الله، لأنه عاكس طبعه، ومعظم الناس يبحثون عن متع آنية، وعن مكاسب وقتية، يعيشون لحظتهم، ولا يعيشون مستقبلهم والكيّس العاقل من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني. إذاً: البطولة أن تعيش المستقبل، وأخطر حدث في المستقبل مغادرة الدنيا. 3 – الهلع: نقطة ضعف ثالثة في حياة الإنسان، قال تعالى: ﴿ إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا ﴾ ( سورة المعارج ) هكذا خلق. معنى الهلع: معنى ( هلوعًا ) جاء شرحه بعد قليل: ﴿ إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا ﴾ ( سورة المعارج ) إذا شعر الإنسان أن فيه ورما بسيطا إلى أن يتأكد ما إذا كان ورماً حميداً أم خبيثاً لا ينام الليل، هذا شأن أيّ إنسان، إن شعر أن في قلبه خللا، والحياة منوطة بالقلب، لذلك لا ينام الليل. طبيعة الإنسان أنه خلق هلوعا، إذا مسه الشر كان جزوعا، ولولا أنه هلوع لما تاب تائب إلى الله، ولولا أنه هلوع لما اقتيد الإنسان إلى باب الله عز وجل، ولولا أنه هلوع لما اصطلح مع الله، لأنه هلوع فالله عز وجل جعله بهذه الصفة لتسهل توبته، وتسهل عودته إلى الله، وليصطلح مع الله. (( إذا رجع العبد إلى الله نادى منادٍ في السماوات والأرض أن هنئوا فلان فقد اصطلح مع الله )) [ ورد في الأثر ] أيها الإخوة الكرام، ﴿ إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا ﴾ ( سورة المعارج ) الهلوع: ﴿ إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا ﴾ ( سورة المعارج ) ثلاث نقاط ضعف هي موضع قوة الإنسان: الإنسان حريص على سلامته وعلى رزقه، فأيُّ شبح مصيبة لاحَ له في الأفق يهدد سلامته، أو يهدد رزقه انخلع قلبه له، إذاً: الله عز وجل يسوقه إلى بابه، يسوقه إلى التوبة، يحمله على التوبة، يقوده إلى الصلح مع الله عز وجل، فهذه نقاط ثلاث لصالح الإنسان، أن الإنسان عجول وضعيف وهلوع. ﴿ إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا ﴾ ( سورة المعارج ) فهو حريص على ما في يديه، لماذا ؟ لأن هذا الحرص يرفع مقامه عند الله إذا أنفقه، أنت حريص على المال، فإذا أنفقته ترقى عند الله، مع أن المال محبَّب، قال تعالى: ﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ (14) ﴾ ( سورة آل عمران) لأن هذه الأشياء محببة إلينا فبإنفاقها يرقى الإنسان، إذاً: هذه نقاط أساسية في أصل خلق الإنسان لصالحه، هذه النقاط الثلاث نقاط الضعف في أصل خلقه هي سبب كبير في حاجته إلى التدين، وأيّ إنسان بحاجة إلى التدين، حتى الذي يعتقد اعتقادات خاطئة، حتى الذي يعبد الحجر والشمس والقمر، ويعبد أشياء من دون الله، الدافع الأساسي للتدين أنه ضعيف، خلق الإنسان ضعيفا، فالبطولة وأنت بحاجة ماسة إلى التدين أن تعبد الإله الحقيقي، أن تعبد خالق السماوات والأرض، أما الذين عبدوا من دونه وثناً وشمساً وقمراً وحجراً هم يبحثون عن شيء يطمئنهم، هم ضعاف، حتى الإنسان غير المؤمن في منصب رفيع في العالم الغربي يلجأ إلى فلكي ليرسم له مستقبله، الإنسان ضعيف، وهذه نعمة كبرى لصالح المؤمن. الإنسان محتاجٌ إلى مولى: أيها الإخوة الكرام، دققوا في قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (40) ﴾ ( سورة الأنفال) أنت بحاجة إلى مولى، بحاجة إلى مرجع، بحاجة إلى مربٍّ، بحاجة إلى سند، بحاجة إلى من يدعمك، بحاجة إلى من تتوكل عليه، بحاجة إلى من يطمئنك، بحاجة إلى جهة قوية تحتمي بها من شرور أعدائك، هذا شيء طبيعي جداً في الإنسان، إلا أن المؤمن وصل إلى الإله الحقيقي، وصل إلى خالق السماوات والأرض، وصل إلى مَن بيده كل شيء، وصل إلى من بيده مصائر الخلائق، والله عز وجل ما أمرك أن تعبده إلا بعد أن طمأنك: ﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ (123) ﴾ ( سورة هود) متى أمرك أن تعبده ؟ بعد أن طمأنك، فلابد أن تعتقد أن الله هو المعطي وحده، وهو المانع، وهو الخافض، وهو الرافع، وهو المعز، وهو المذل، وهو الناصر، وهو المغني، وهو الرازق، هذا التوحيد، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، التوحيد ألا ترى مع الله أحداً، التوحيد أن ترى يد الله تعمل وحدها، التوحيد أن تتجه إلى الله، فلذلك التوحيد يقود إلى طاعة الله عز وجل، وهو نعم المولى، هو عليم، لا تحتاج مع الله إلى إيصال، ولا إلى حلف يمين، هو يعلم، وبعضهم قال: الحمد لله على وجود الله، هو يعلم هو معك، أعداءك بيده، أقرب الناس إليك بيده، فإذا أحبك الله سخر لك أعداءك ليخدموك، وإذا تخلى الله عنك ـ لا سمح ولا قدر ـ يتطاول عليك أقرب الناس إليك، فهذه كلمة دقيقة جداً: ليس إلا الله، وهذا معنى: لا إله إلا الله. وكما بينت في لقاءات سابقة أنه لا ينبغي أن تقول: الله ضار، الله ضار نافع، يضر لينفع، ومانع معطٍ، يمنع ليعطي، وخافض رافع، يخفض ليرفه، ومذل معز، يذل ليعز، إذاً: أسماء الله تعالى كلها حسنى، والذي يبدو لك من شدة و جبروت هي لصالح المؤمن: ﴿ فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (147) ﴾ ( سورة الأنعام) مثلٌ للتوضيح: تصور ابنا له أب محترم جداً، عالم أخلاقي، وضعه المادي جيد جداً، وهذا الأب حريص على ابنه حرصاً لا حدود له، هيأ له غرفة خاصة، تابع تربيته الأخلاقية، تربيته الإيمانية، تربيته الدينية، تربيته العلمية، تربيته الاجتماعية، تربيته النفسية، تربيته الجسمية، تربيته الجنسية، تابعه ووضعه في أفضل المدارس، هيأ له أفضل المدرسين، اهتم بصحته، اهتم بعاداته، وتصور ابنا ماله أب، وأمه مشغولة عنه بالأسواق، وهو في الأزقة ومداخل البنايات، من مخفر إلى مخفر، من مكان إلى مكان، عنده تُهَمٌ كثيرة جداً، تُهَمٌ أخلاقية، و تُهَمٌ مالية، وعنده سرقات، وله إضبارة واسعة، وازن بين هاذين الشابين، شاب بأعلى درجات الانضباط والكمال، وشاب بأسوأ درجات التفلت والانحلال. ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ اسمعوا الآية: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (11) ﴾ ( سورة محمد) لك مرجع، لك كتاب تقرأه، هذا حرام، هذا حلاب، لك إله تدعوه في الليل، لك إله عظيم تسأله فيجيبك، تستغفره فيغفر لك، تتوب إليه فيتوب عليك، لك مرجع، في حياتك منظومة قيم، هناك شيء حلال وشيء حرام، شيء ممكن وشيء غير ممكن، شيء مباح وشيء مكروه، شيء واجب وشيء مستحسن، أنت تعيش بمنظومة قيم، وهذا من فضل الله علينا. ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (11) ﴾ ( سورة محمد) يصعد صعوداً حاداً، ويسقط سقوطاً مريعاً، يأتيه المال من كل جهة فينفقه بلا وعي، مع الكبر والغطرسة، فيسحقه الله عز وجل، ويدمر ماله، الفرق كبير جداً. ﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (18) ﴾ ( سورة السجدة) ﴿ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (36) ﴾ ( سورة القلم ) ﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (61) ﴾ ( سورة القصص ) نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ أيها الإخوة، من نعم الله الكبرى أن يكون الله عز وجل وليك، قال تعالى: ﴿ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (40) ﴾ ( سورة الأنفال) آية واحدة تملأ قلبك طمأنينة: ﴿ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ ( سورة البقرة الآية: 216 ) إذا فتح الله عليك باب الحكمة في المنع عاد المنع عين العطاء، فربما أعطاك فمنعك، وربما منعك فأعطاك فعَنْ صُهَيْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ ؛ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ )) [ أخرجه مسلم] لذلك أيها الإخوة، قال تعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (11) ﴾ ( سورة محمد ) الله عز وجل يتولى أمرنا، وقد تضيق علينا الدنيا، وأحيانا تشح السماء، فيقيم المسلمون صلاة الاستسقاء، ويلجؤون إلى الله، أحياناً يأتي شبح مرض، هذا المرض سبب توبة نصوح، أحياناً يأتي شبح فقر، هذا الفقر يسوقنا إلى باب الله، بطولتك أن تفهم حكمة الله في المصائب، البطولة أن ترى حكمة الله في أفعاله، لأن الله عز وجل حكيم. كل شيء وقع أراده الله، وكل شيء أراده الله وقع، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، وحكمته المطلقة متعلقة بالخير المطلق. نعم المولى، فهو عليم، حكيم، قدير، وقعت في ورطة ـ لا سمح الله ولا قدر ـ إن دعوته أولاً فهو موجود، ثانياً يسمعك، ثالثاً قادر على أن يلبيك، رابعاً يحبك، فهو موجود وسميع، وقدير ورحيم. تولِّي الله حفظ ونصرَ أنبيائه: 1 – موسى عليه السلام: لذلك قال تعالى: ﴿ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ﴾ ( سورة الشعراء ) فرعون من ورائهم، والبحر من أمامهم. ﴿ قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾ ( سورة الشعراء ) 2 – يونس عليه السلام: سيدنا يونس كان في بطن الحوت: ﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88) ﴾ ( سورة الأنبياء الآية: 88 ) قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا شيء آخر: ﴿ قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا ﴾ ( سورة التوبة الآية: 15 ) أنت حينما تطيع الله عز وجل وحينما تعبده دقق ينشأ لك حقاً عليه ألا يعذبك، لذلك: ﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾ ( سورة المائدة: 18 ) لو أن الله قبِل دعواهم لما عذبهم، لأن الله لا يعذب أحبابه. هذا ما يتمتّع به المؤمن الذي تولاّه الله: 1 – الأمن: المؤمن يتمتع بأمن لا يتمتع به أحد على الإطلاق، والدليل: ﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81) الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82) ﴾ ( سورة الأنعام ) لو أن الآية: أولئك الأمن لهم، أي لهم ولغيرهم، هذه البلاغة عبارة قصر وحصر. ﴿ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82) ﴾ ( سورة الأنعام ) 2 – الحكمة: يتمتع المؤمن بالحكمة: ﴿ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا (269) ﴾ ( سورة البقرة) 3 – الرضى: يتمتع المؤمن بالرضى، فلذلك حينما يسوق الله الإنسانَ إلى بابه عن طريق مصيبة، أو شبح مصيبة، أو ضيق، أو عدو جاثم على صدره، أو شبح فقر، أو شبح مشكلة، فهذه في الفهم الإيماني نعمة باطنة: ﴿ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ﴾ ( سورة لقمان: 20) إذا كنت ضمن العناية المشددة فأنت في نعمة كبرى: وأقول لكم هذه الكلمة: حينما يتابعك الله عز وجل، وحينما يخضعك لتربيته فأنت في خير عميم، وأنت في نعمة كبرى، إذا كنت ضمن العناية المشددة فأنت في نعمة كبرى، لكن المصيبة الكبيرة أن يتابع الله نعمه عليك، وأنت تعصيه، المصيبة الكبيرة أن تكون خارج العناية الإلهية: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آَمَنُوا (11) ﴾ ( سورة محمد ) أحياناً يشدد عليهم أحياناً يضيق عليهم أحياناً يسلط عليهم عدوهم. ﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِف طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ﴾ ( سورة القصص ) الآن دققوا: ﴿ وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ﴾ ( سورة القصص ) لذلك إذا كنت ضمن العناية المشددة فالله يتولى أمرك، وإذا تولى الله أمرك فأنت في نعمة كبرى، في متابعة من ضمن الله عز وجل. إذا أخطأت جاء العقاب، أو أسرفت في الإنفاق جاء التقتير، أو استعليت على إنسان جاء التأديب الذي من نوع هذه المعصية فصار تحجيما، كإنسان تطاول عليك، لأن الإنسان حينما يتطاول على غيره الله يؤدبه من جنس الذنب. الخاتمة: الخلاصة: مادمت خاضعاً للعناية الإلهية فأنت في نعمة كبرى، لأن الله مولاك، نعم المولى ونعم النصير، هو مولانا، وعلى الله فليتوكل المتوكلون. ﴿ اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ ﴾ ( سورة البقرة الآية: 257 ) فيا أيها الإخوة الكرام، هذا الاسم ( المولى ) من أقرب الأسماء للإنسان، ولي أمرك، يتولى شؤونك، ينعم عليك، يقتر عليك، يرفعك، يخفضك، يملأ قلبك طمأنينة، أو يملأ قلبك خوفاً، يتولى أمر جسمك، وأمر نفسك، وأمر مستقبلك، وأمر إيمانك، وأمر عقيدتك، وأمر علاقاتك، هذا التولي نعم المولى ونعم النصير. هذا الاسم أيها الإخوة الكرام، مرة ثانية، من أقرب الأسماء للإنسان، ولأن الإنسان عنده نقاط ضعف ثلاث ؛ خلق هلوعا، وكان عجولا، وخلق ضعيفاً، نقاط الضعف تستوجب أن يكون له سند قوي يلجأ إليه، يحتمي به، يستعيذ به، يتوكل عليه، يعتمد عليه، وهذا هو التوحيد، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد. والحمد لله رب العالمين |
رد: اسماء الله الحسنى
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : اسم الله المولى -2-اسماء الله الحسنى الدرس : ( السادس ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. مع اسم الله ( المولى ): أيها الإخوة الكرام، لازلنا مع الاسم العظيم من أسماء الله الحسنى ( المولى )، أيْ أن الله عز وجل يتولى عباده المؤمنين، يتولاهم بالرعاية، يتولاهم بالتربية، يتولاهم بالمعالجة. ﴿ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ (257) ﴾ ( سورة البقرة ) ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (11) ﴾ ( سورة محمد ) المعية العامة والمعية الخاصة: لذلك أيها الإخوة الكرام، فرّق العلماء بين معية الله العامة ومعيته الخاصة، فإذا قال الله عز وجل: ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ (4) ﴾ ( سورة الحديد ) أي: معكم بعلمه، مع أيّ مخلوق ؛ مع المؤمن، ومع الكافر، معكم بعلمه، أما إذا قال الله عز وجل: ﴿ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (19) ﴾ ( سورة الأنفال) هذه المعية الخاصة، أي هو معهم بالتأييد والنصر، والحفظ والتوفيق، وإذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟ ويا رب ماذا فقد من وجدك ؟ وماذا وجد مَن فقدك ؟ المعية الخاصة تستلزم الولاية الربانية: الحديث النبوي الشريف الذي يبين هذه المعية، ويبين هذه الرعاية وهذا الحفظ هو قول النبي عليه الصلاة والسلام فيما أخرجه الإمام البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ قَالَ: (( مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ... )) [ البخاري ] ولم تَرِد كلمة الحرب إلا في موضعين، في موضع في القرآن الكريم، وموضع في الحديث الشريف، الموضع الأول: ﴿ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ (279) ﴾ ( سورة البقرة ) في موضوع الربا، وما من معصية توعد الله في القرآن مرتكبها بالحرب إلا الربا، وفي الحديث الشريف الصحيح: (( مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ... )) قبل أن تقف في خندق مُعادٍ للحق، هل تعلم مَن هو الطرف الآخر ؟ إن الإنسان في الحياة المدنية قبل أن يتطاول على إنسان يمثل الحكومة هل تعلم من هو الطرف الآخر في حياتنا اليومية ؟ فإذا تطاول الإنسان على دين الله، وعلى شرع الله، ووصل إلى الأشياء التي هي مقدسة في حياة المسلمين فلينتظر الحرب من الله عز وجل.: (( مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ... )) المفهوم القرآني للولي: 1 – الوليُّ هو المؤمن بالله: مَن هو الولي ؟ المفهوم القرآني للولي: ﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63) ﴾ ( سورة يونس) إنَّ أيَّ مؤمن يجب أن يكون ولياً لله. 2 – الوليُّ هو المتَّقي الله: تعريف الولي في القرآن الكريم: ﴿ الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63) ﴾ ( سورة يونس) لو ضغط الدين كله في كلمتين لكانت الكلمة الأولى: أنك آمنت بالله، والكلمة الثانية: تتقي أن تعصيه، لذلك يمكن أن تضغط رسالات الأنبياء كلها في كلمتين: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25) ﴾ ( سورة الأنبياء) لذلك قال العلماء: " نهاية العلم التوحيد، ونهاية العمل التقوى "، فإذا وحدت الله، واتقيت أن تعصيه فقد حققت الهدف من وجودك، وقد وضعتَ يدك على حقيقة الدين. هذا الراعي الذي امتحنه سيدنا عبد الله بن عمر، قال له: << بعني هذه الشاة، وخذ ثمنها، قال: ليست لي، قال: قل لصاحبها: ماتت، أو أكلها الذئب، قال: والله إنني لأشد الحاجة إلى ثمنها، ولو قلت لصاحبها: ماتت، أو أكلها الذئب لصدقني، فإني عنده صادق أمين، ولكن أين الله ؟ . هذا الراعي وَضع يده على جوهر الدين. في أيّة لحظة تقول: أين الله فقد وضعت يدك أيها الأخ الكريم على حقيقة الدين، لذلك يمكن أن يضغط الدين كله في كلمة واحدة، وهي الاستقامة، وما لم نستقم على أمر الله فلن نقطف من ثمار الدين شيئاً، لذلك الحديث الشريف الذي جاء على صيغة حديث قدسي: (( مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ... )) هنيئاً لمن وقف مع الحق، والويل لمن وقف في خندق معادٍ للحق، فالولي الذي آمن بالله واتقى، أن يعصيه، لأن نهاية العلم التوحيد، ونهاية العمل التقوى، فإذا وحّدتَ الله وعبدته فقد حققت الهدف من وجودك، لذلك قال تعالى: ﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (147) ﴾ ( سورة النساء) معرفةُ الله مقرونة بالتقرب إليه وطاعته: الآن لا معنى لأن تعرف الله من دون أن تتقرب إليه: ﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا (110) ﴾ ( سورة الكهف) الآية: ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ (6) ﴾ ( سورة فصلت) كأن الله عز وجل أراد أن يلخِّص القرآن كله في كلمة واحدة: ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ (6) ﴾ ( سورة فصلت) ماذا يوحى إليه ؟ ﴿ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا (110) ﴾ ( سورة الكهف) إذاً: لو قلت: إن الشمس ساطعة، ويا لها من شمس ساطعة، وأنت في أمسِّ الحاجة إلى ضوء الشمس، ولم تتعرض لأشعة الشمس، وأنت تعاني من مرض جلدي، وعلاجه الوحيد التعرض إلى أشعة الشمس، فمهما تحدثتَ عن أشعة الشمس، مهما أثنيتَ على أشعة الشمس، مهما بينتَ فائدة أشعة الشمس، وأنت قابع في غرفة مظلمة فهذا الكلام لا قيمة له إطلاقاً ما لم تتحرك نحو أشعة الشمس. لا تكن صاحبَ إيمانٍ إبليسيٍّ: الإيمان من دون عمل قد يوصف أحياناً بأنه إيمان من نوع إيمان إبليس، قال تعالى: ﴿ قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82) ﴾ ( سورة ص) إبليس قال: رب، آمن به رباً، وآمن به عزيزاً، وقال: ﴿ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ (12) ﴾ ( سورة الأعراف) آمن به خالقاً، وقال: ﴿ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (14) ﴾ ( سورة الأعراف ) لذلك ترداد كلمات الإيمان من دون عمل لا قيمة لها إطلاقاً: ﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (110) ﴾ ( سورة الكهف ) مراتب التقرُّبِ إلى الله لنيلِ منزلةِ الولاية: 1 – وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ: قد بينت من قبل أن الإنسان إذا استقام على أمر الله يَسلم، أما إذا عمل الصالحات يسعد، وفرق كبير بين السلامة والسعادة، مع أن كل إنسان على وجه يتمنى السلامة والسعادة، لذلك الحديث القدسي الشريف: ((... وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ... )) [ البخاري عن أبي هريرة ] الفرائض أولاً، أداء الفرائض مقدم على أي شيء، أعظم قربة إلى الله أن تؤدي الفرائض: ((... وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ... )) أيها الإخوة، حينما يقول الإنسان: هذه فريضة، ما معنى فريضة ؟ أي أن سعادتك تتوقف عليها. للتقريب: كيف نقول: إن استنشاق الهواء فريضة، لأن حياة الإنسان متوقفة على استنشاق الهواء. شرب الماء فريضة، لأن حياة الإنسان متوقفة على شرب الماء. تناول الطعام فريضة، لأن أي حياة الإنسان متوقفة على تناول الطعام، فتناول الطعام، وشرب الماء، واستنشاق الهواء فرائض، بمعنى أن حياة الإنسان متوقفة عليها. أما الحرام فهو الذي يحرم النفس من سعادتها وسلامتها، وحينما تفهم أوامر الدين أنها ضمان لسلامتك، وليست حداً لحريتك تكون فقيهاً، فإذا رأيت لوحة كتب عليها: " ممنوع التجاوز، حقل ألغام "، فأنت لا تشعر أن واضع هذه اللوحة أراد أن يقيد حريتك، بل تعلم علم اليقين أنه أراد أن يضمن لك سلامتك، لذلك في اللحظة التي تفهم أوامر الدين أنها ضمان لسلامتك وسعادتك تكون فقيهاً، وحينما تفهم أن أوامر الدين قيد لحريتك تكون بعيداً عن فهم الدين الصحيح. 2 – وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ: (( وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ )) أول مراتب القرب من الله أداءُ الفرائض، والفريضة ما تتوقف عليها سعادتك وسلامتك. عندنا أشياء في الدين حدية، وعندنا أشياء نسبية، فتركُ المحرمات حديٌّ، لا تفاوت في ذلك ولا تفاضل، كما أن عندنا في اللغة العربية أفعالا لا تقبل التفاوت، كفعل ( مات )، لا تقل: فلان أموت من فلان، الموت حدي، له حالة واحدة، ومن لم يمت بالسيف مات بغيره، تنوعت الأسباب والموت واحد، فهناك أفعال لا تقبل التفاوت بل هي حدية، وهناك أفعال تقبل التفاوت، تقول: أنا أكثر منك مالاً، المال نسبي يزيد وينقص، فالاستقامة ما فيها تفاوت، الاستقامة حدية، فالذي نهانا عنه النبي عليه الصلاة والسلام يجب أن ننتهي عنه كلياً. تقريباً: كمستودع الوقود السائل، له صفة سلبية وصفة إيجابية، الصفة السلبية أنه محكم، والإحكام حدي، هي حالة واحدة، إذا قلت: محكم، يعني أنه محكم، تضع فيه ألف لتر، وتغلقه بإحكام، وتغيب مئة عام، ترجع وتجده كما تركتَه، لأنه محكَم، إن لم يكن محكَماً فعدم الإحكام نسبي، قد تقلّ الكمية بعد شهر، أو بعد أسبوع، أو بعد سنة، أو بعد ساعة، فعدم الإحكام نسبي، أما الإحكام فحدي، الاستقامة حدية، لا تقبل التفاوت، لذلك إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فأقلّ ممرض في المستشفى مع أعلى طبيب في المستشفى لابد من تعقيم الإبرة، أما العلم فمتفاوت، الفرق كبير جداً بين الممرض والطبيب، أما من حيث تعقيم الإبرة فلو أراد طبيب متفوق جداً أن يعطي إنسانا حقنة فلا بد من تعقيمها، ولو جاء ممرض ليعطيه هذه الحقنة فلا بد من تعقيمها بقواعد ثابتة وحدية، فالاستقامة حدية، والأعمال الصالحة متفاوتة، هذا المستودع له صفة واحدة، هي أنه محكم، حدي، أما إملاءه فبحسب الرغبة، فإنسان وضع فيه مئة لتر، وإنسان آخر وضع مئتين، وإنسان آخر خمسمئة، وهكذا. لذلك أول قربة إلى الله حدية، وهناك فرائض طوعية، (( وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ )) بينَ عبدِ الشكر وعبدِ القهرِ: بالمناسبة كلمة ( عبد ) تجمع على جمعين، هناك عبد جمعه عبيد، وعبد جمعه عباد، والفرق كبير بين العبيد والعباد، العبد عبد القهر يجمع على عبيد، وعبد الشكر يجمع على عباد، قال تعالى: ﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ﴾ ( سورة الحجر: 42) هذا عبد الشكر، وكل إنسان عبد لله، بمعنى أنه مقهور، كل إنسان سلامته متوقفة على سيولة دمه، فأيّ إنسان تجمدت قطرة دم في أحد أوعية الدماغ أصيب بالشلل، فالإنسان مقهور، مقهور بخثرة في الدماغ، مقهور بتشمع الكبد، مقهور بفشل كلوي، مقهور بورم سرطاني، فكل إنسان عبدٌ لله، عبد بمعنى أنه في قبضة الله، فهذا العبد عبد القهر يجمع على عبيد: ﴿ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (46) ﴾ ( سورة فصلت:46) أما العبد الذي عرف الله، وأقبل عليه، وانضبط بمنهجه فهذا العبد يجمع على عباد: ﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ﴾ ( سورة الحجر:42) ﴿ نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49) ﴾ ( سورة الحجر) واللغة دقيقة جداً، والفرق بين الجمعين واضح جداً، لذلك: التقرُّب إلى الله سهلٌ جدا: (( وَمَا يَزَالُ عَبْدِي )) وهذه نسبة تشريف، فقد شرفنا الله عز وجل بأن نسبنا إلى ذاته العلية: ((وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ )) معنى ذلك أن العلاقة مع الله واضحة، الله عز وجل يحب من يتقرب إليه، وأحياناً يكون التعامل مع جهة صعب جداً، جهة مزاجية، ليس لها قاعدة تضبط تعاملها مع الآخرين، التعامل مع إنسان مزاجي صعب جداً، لكن التعامل مع رب العالمين سهل جداً، الله يحب الصادقين، يحب المتوكلين، يحب التائبين، وهناك عدد من الآيات تثبت هذا: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159) ﴾ ( سورة آل عمران) ﴿ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222) ﴾ (سورة البقرة) ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195) ﴾ (سورة البقرة) ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ (222) ﴾ (سورة البقرة) وهكذا فالتعامل مع الله سهل جداً ((وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ )) هناك صلاة نافلة، وصيام النوافل، وصدقة وقيام ليل: (( وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ )) هناك شيء دقيق جداً، لو أن الإنسان مشى إلى الله خطوة مشى الله إليه خطوات، لمجرد أن تفكر أن تتقرب إلى الله رأيت أن الله عز وجل قد ملأ قلبك سعادة، ملأ قلبك طمأنينة، ملأ قلبك رضى، وهناك تجاوب سريع جداً من الله عز وجل، بل إن الله ينتظرك، وقد ورد في بعض الآثار: (( لو يعلم المعرضون انتظاري لهم، وشوقي إلى ترك معاصيهم لتقطعت أوصالهم من حبي، ولماتوا شوقاً إلى، هذه إرادتي بالمعرضين، فكيف بالمقبلين )) [ ورد في الأثر ] حينما تقبل على الله لا تدري أن الله أَفرَحُ بتوبة عبده من الضال الواجد، والعقيم الوالد، والظمآن الوارد. النبي عليه الصلاة والسلام قدّم صورة رائعة جداً لأعرابي ركب ناقته: (( لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ، فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ، وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَأَيِسَ مِنْهَا، فَأَتَى شَجَرَةً، فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا، قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ، فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ، فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا، ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي، وَأَنَا رَبُّكَ، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ )) [ مسلم ] (( لله أفرح بتوبة عبده من ذلك البدوي بناقته )) [ متفق عليه ] فلذلك حينما ترجع إلى الله وتتوب إليه يفرح الله بك، إذا رجع العبد إلى الله نادى منادٍ في السماوات والأرض: أن هنئوا فلاناً فقد اصطلح مع الله. (( وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ )) وإذا أحبك الله فلا تعبأ بشيء آخر، إذا كان الله معك فمن عليك ؟ إذا أحبك الله ألقى محبتك في قلوب الخلق، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي (39) ﴾ (سورة طه) لذلك إذا أحبك الله خدمك أعداءك، وإذا تخلى الله عنك يتطاول عليك أحبابك. (( وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ )) كيف تتجلّى ولاية الله للمؤمنين ؟ ما معنى أن الله ولي المؤمن ؟ 1 – فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الّذِي يَسْمَعُ بِهِ: (( فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ )) الآن بدأنا باسم الولي، الإنسان يستمع إلى ملايين الموضوعات في حياته، أما المؤمن فسمعه منضبط بالمنهج الإلهي. بالمناسبة مستحيل وألف ألف مستحيل أن تستوعب الباطل، حياتنا جميعاً، حياة أهل الأرض لا تكفي لاستيعاب الباطل، لأن الباطل متعدد، تماماً كما في الهندسة ؛ بين نقطتين لا يمر إلا مستقيم واحد، حاول أن تمرر مستقيما آخر يأتي فوقه تماماً، لذلك الحق لا يتعدد، والدليل أن الله عز وجل يقول: ﴿ وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ﴾ ( سورة الأنعام: 153 ) بين نقطتين يمر مليون خط منكسر، يمر مليون خط منحنٍ، لكن لا يمر إلا خط مستقيم واحد، لهذا قيل: المعركة بين حقين لا تكون، لأن الحق لا يتعدد، والمعركة بين حق وباطل لا تطول، لأن الله مع الحق، أما المعركة بين باطلين فلا تنتهي، وفرق كبير بين معركة لا تكون أصلاً، وبين معركة لا تطول، وبين معركة لا تنتهي. الآن: ﴿ يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ (257) ﴾ (سورة البقرة ) جمع: ﴿ إِلَى النُّورِ (257) ﴾ (سورة البقرة ) مفرد: ﴿ وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ ﴾ ( سورة الأنعام: 153 ) لذلك أيها الإخوة الكرام، حياتنا جميعاً لا تكفي لاستيعاب الباطل، الباطل متنوع، ويمكن أن تمضي عشر سنوات أو عشرين سنة في دراسة فئة ضالة، والفئات الضالة تنتظمها قواعد تأليه الأشخاص، وتخفيف التكاليف، واعتماد نصوص موضوعة، ونزعة عدوانية، فالباطل لا تكفي حياتنا لاستيعابه، لكن الحق واحد، من السهل جداً أن تستوعب الحق في عمر معتدل، فصار كل شيء خلاف الحق باطلا، لذلك الطريق سالك، ويمكن أن تستوعب الحق. (( فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ )) الإنسان يستمع إلى ملايين المقولات، فيغربلها، استوعب الحق، هذه الفكرة خلاف القرآن، هذه الفكرة خلاف الحديث الصحيح، هذه الفكرة خلاف المنهج، هذه الفكرة خلاف ما في كتاب الله عز وجل، فالأصل كتاب الله، هو الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. (( فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ )) هناك كلمات لا معنى لها، كلمات فيها تناقض مع القرآن الكريم، لذلك قال تعالى: ﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89) ﴾ (سورة الشعراء) ما القلب السليم ؟ القلب الذي لا يشتهي شهوة لا ترضي الله، ولا يصدق خبراً يتناقض مع وحي الله، هذه من صفات القلب السليم، السمع مضبوط بمنهج الله عز وجل، إنسان يردّ مليون مقولة، بل ويركلها بقدمه إن خالفت منهج الله عز وجل، عنده حق، عنده ميزان، عنده مقياس. 2 – وَبَصَرَهُ الذِي يُبْصِرُ بِهِ: قال: (( وَبَصَرَهُ الذِي يُبْصِرُ بِهِ )) لو أن إنسانا نظر إلى بناء يأخذ بالألباب، لكن صاحبه تاجر مخدرات، جمعه من مال حرام، فإنه لا يحترم صاحب هذا البناء، يحتقره لأن عنده ميزانًا، لذلك المؤمن منضبط، سمعه منضبط، وبصره منضبط، الأشياء لها صورة ولها حقيقة، يمكن أن يحترم إنسان دخله محدود جداً من حلال، ويحتقر إنسان بنى مجده على أنقاض الناس، أو على حياة الناس، أو على أمن الناس، أو على خوف الناس، فالآن تقييمه للأشياء مبني على نور ألقاه الله في قلبه، فيقيّم الأشياء بميزان دقيق، بمنظومة قيم رائعة جداً. 3 – ويَدَهُ التِي يَبْطِشُ بِهَا: ((فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الذِي يُبْصِرُ بِهِ، ويَدَهُ التِي يَبْطِشُ بِهَا )) لا يتحرك حركة إلا وفق منهج الله، إن أعطى أَعطى لله، وإن منع مَنع لله، وإن رضي رَضي لله، وإن غضب غَضب لله، وإن وَصل وصل لله، وإن قطع قَطع لله، هكذا. 4 – ورِجْلَهُ التِي يَمشِي بِهَا: ((ورِجْلَهُ التِي يَمشِي بِهَا )) لا تقوده رجله إلا إلى عمل صالح، أو أمر بالمعروف، أو نهي عن المنكر، أو لارتياد بيوت الله، أو لإصلاح بين شخصين، حركته كلها في سبيل الله. 5 – وَإِنْ سَأَلَني لَأُعْطِيَنَّهُ: ((وَإِنْ سَأَلَني لَأُعْطِيَنَّهُ)) أصبح مستجاب الدعوة. ﴿ اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ (257) ﴾ ( سورة البقرة ) هذا معنى الولي. 6 – وَلئِِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ: ((وَلئِِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ )) إذا التجأ إنسان إلى الله عز وجل فإنّ الله يلبي فوراً، أصبح مستجاب الدعوة (( وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ، وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ )) قرأت تاريخ سبعين صحابيا من الصحابة الأجلاء، ما منهم واحد إلا كان في ساعة الموت في أسعد لحظات حياته، قال تعالى: ﴿ قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ ﴾ ( سورة يس ) ما معنى أن الله ولي المؤمن ؟ أن هذا المؤمن تحت رعاية الله، وحفظه، وتأييده، ونصره، يتولاه بالرعاية، يتولاه بالحفظ، يتولاه بالتأييد، يتولاه بالمعالجة، فلذلك من أقرب أسماء الله الحسنى إلى المؤمن اسم الولي. والحمد لله رب العالمين |
رد: اسماء الله الحسنى
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : اسم الله النصير -1-اسماء الله الحسنى الدرس : ( السابع ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: ( النصير ): النصير كمالٌ في الوصف ومبالغة فيه: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/703/01.jpg أيها الإخوة الكرام، الاسم اليوم هو ( النصير )، وهذا الاسم ورد مطلقاً مراداً به العلمية، ودالاً على كمال الوصفية، وهو صيغة مبالغة، وصيغ المبالغة تعني شيئين ؛ تعني مبالغة الكّمّ، ومبالغة النوع، أي مهما يكن العدو قويا فالله هو النصير، ومهما تكن الأعداء كثيرة فالله سبحانه وتعالى نصير. الآيات والأحاديث الوارد فيها اسم النصير: الله نصير مع أقوى عدو، ونصير مع أكثر الأعداء تنوعاً، لذلك هذا الاسم ورد مطلقا، وورد مقرونا باسم المولى في آيتين فقط. الآيات: الآية الأولى: الآية الأولى: ﴿ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (40) ﴾ ( سورة الأنفال ) الآية الثانية: ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (78) ﴾ ( سورة الحج ) الأحاديث: وورد هذا الاسم أيضا مقيداً في دعاء النبي عليه الصلاة والسلام، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا غَزَا قَالَ: (( اللَّهُمَّ أَنْتَ عَضُدِي وَنَصِيرِي، بِكَ أَحُولُ، وَبِكَ أَصُولُ، وَبِكَ أُقَاتِلُ )) [ الترمذي وأبو داود ] قواعد النصر: لكن ما من اسم يحتاجه المسلمون اليوم كهذا الاسم، لكن هذا النصر له قواعد. النصر من عند الله: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/703/02.jpg أول قواعد النصر أن النصر من عند الله، وحينما يتوهم المسلمون أن النصر من عند زيد أو عبيد فقد وقعوا في وهمٍ كبير، قال تعالى: ﴿ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ ﴾ ( سورة الأنفال الآية: 10 ) ﴿ إِن يَنصُرْكُمُ اللّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ ﴾ ( سورة آل عمران الآية: 160 ) أنواع النصر: 1 – النصر الاستحقاقي: وإذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟ ولكن هناك نصر استحقاقي، فالمؤمن حينما يكون على ما ينبغي وينتصر فهذا نصر سماه العلماء النصر الاستحقاقي، ويؤكد هذا المعنى قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ ﴾ ( سورة آل عمران الآية: 123 ) كان أصحاب النبي من الافتقار ومن الاستقامة ومن التوحيد ما استحقوا به نصر الله عز وجل. بالمناسبة، حينما قال تعالى: ﴿ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ ﴾ ( سورة الأنفال الآية: 10 ) النصر الاستحقاقي ثمنه الإيمان والإعداد: معنى ذلك أنه من عند الله، ولكن له ثمن، ما ثمن هذا النصر ؟ الإيمان والإعداد: الإيمان: الإيمان الذي يحملك على طاعة الله ـ والإعداد المتاح فقط. الآية الأولى: ﴿ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ ( سورة الروم الآية: 47 ) كلام خالق الأكوان، وزوال الكون أهون عند الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين، ﴿ إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الحَيَاةِ الدُّنيَا ﴾ ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ﴾ ( سورة النور الآية: 55 ) الشرط الأول للنصر هو من عند الله ولكن له ثمن، والبند الأول في الثمن الإيمان الذي يحمل على طاعة الله، أما الإيمان الذي لا يحمل على طاعة الله فلا قيمة له إطلاقا. الإعداد: الآن الإعداد: ﴿ وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ ﴾ ( سورة الأنفال الآية: 60 ) لكن رحمة الله أنه كلفنا أن نعد العدة المتاحة، وليست المكافئة، وفرق كبير بين أن نعد العدة المكافئة، وهذا مستحيل الآن، وبين أن نعد العدة المتاحة. عندما أؤمن الإيمان الذي يحملني على طاعة الله، وحينما أعد لأعدائي العدة المتاحة عندئذ أكون قد دفعت ثمن النصر، وما لم يدفع ثمن النصر فالنصر مستحيل، وهذه هي الحقيقة المرة التي هي أفضل ألف مرة من الوهم المريح، إذن النصر من عند الله، وله ثمن، والثمن له بندان الأول الإيمان، والثاني الإعداد. إذا آمنا ولم نعد فلا ننتصر، وإذا أعددنا ولم نؤمن فلا ننتصر، لذلك قالوا: الإيمان والإعداد شرطان كل منهما لازم، لا يحقق الثاني إلا إذا كان الأول، فكل شرط من هذين الشرطين لازم غير كاف، وما لم يتحقق الشرطان معاً فلن يكون النصر. http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/703/03.jpg حينما نتعامل مع الله وفق قواعده القرآنية، ووفق نواميسه نقطف الثمرة، أما إذا تعاملنا مع الله تعاملا ضبابياً مزاجياً، ولم ندفع الثمن فلن ننتصر، إذًا: النصر من عند الله، وله ثمن، ثمنه الإيمان والإعداد، لكن أي إيمان ؟ الكلّ يدعي أنه مؤمن، الإيمان الذي يترجم إلى استقامة، الإيمان الذي يحملك على طاعة الله، لذلك لماذا لم ينتصر المسلمين في أُحُد ؟ لأنهم عصوا، ولو أنهم انتصروا لسقطت طاعة رسول الله. ولماذا لم ينتصر المسلمون في حنين ؟ في أُحُد وقعوا في معصية، وفي حنين وقعوا في شرك خفي، فقالوا: لن نهزم مِن قلة، إذًا: إما لسبب سلوكي في أُحد، أو لسبب اعتقادي في حنين، قال تعالى: ﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (25) ﴾ ( سورة التوبة ) درسان بليغان من معركة أُحُد وحُنين: الآن نستنبط من وقعة أحد ووقعة حنين أن هناك درسين بليغان، الأول: حينما تقول: الله، يتولاك الله عز وجل، وحينما تقول: أنا، يتخلى عنك، وهذا الدرس نحتاجه كل يوم، بل كل ساعة، قل: أنا بعلمي، واختصاصي النادر، وخبراتي المتراكمة، ومالي العريض، وجاهي الكبير، يتخل الله عنك، في حرفتك، في مهنتك، لا تقل: أنا، أنا كلمة مهلكة، قل: الله، في زواجك، في عملك، في حرفتك، حينما تقابل عدوا فإذا قلت: الله، يتولاك الله، فإذا قلت: أنا، يتخلى عنك، وما أشد هذين الدرسين عظة وفهما لما يجري في العالم. لذلك حينما نعتد بأنفسنا يتخلى الله عنا، " وما من مخلوق يعتصم بي من دون خلقي أعرف ذلك من نيته، فتكيده أهل السماوات والأرض إلا جعلت له من بين ذلك مخرجا، وما من مخلوق يعتصم بمخلوق دوني أعرف ذلك من نيته إلا جعلت الأرض هويا تحت قدميه، وقطعت أسباب السماء بين يديه ". فلذلك أيها الإخوة الكرام، النصر من عند الله، وله ثمن، وما لم ندفع الثمن فلن نشم رائحة النصر، وهذه هي الحقيقة المرة التي هي أفضل ألف مرة من الوهم المريح، فالنصر الأول هو النصر الاستحقاقي، حينما ندفع ثمنه إيماناً مترجماً إلى التزام، إلى وقوف عند الحلال والحرام، إلى فعل ما ينبغي، إلى تطبيق منهج الله، إلى أن يرانا الله حيث أمرنا، وأن يفتقدنا حيث نهانا، والثمن الثاني أن نعد القوة المتاحة. لذلك التوكل من دون إعداد تواكل، وهو معصية، أن تقول: يا رب، توكلت عليك، ولا تفعل شيئا، سيدنا عمر وجد رجلا معه جمل أجرب، قال: << يا أخا العرب، ما تفعل بهذا الجمل ؟ فقال: أدعو الله أن يشفيه، قال: هلا جعلت مع الدعاء قطراناً >>. ورأى سيدنا عمر أناسا يتكففون الناس في الحج، قال: مِن أنتم ؟ قالوا: نحن المتوكلون، قال: كذبتم، بل أنتم المتواكلون، المتوكل من ألقى حبة في الأرض، ثم توكل على الله. والنبي عليه الصلاة والسلام قال: (( إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ، وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ، فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ )) [ أبو داود عن عوف بن مالك ] أن نستسلم، ونقول: ما بيدنا شيء، انتهينا، هذا كلام الضعفاء، كلام ضعاف الإيمان، كلام الجهلة، الله موجود: ﴿ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ ( سورة الروم ) وزوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين، الله موجود، الله فعال: ﴿ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (26) ﴾ ( سورة الكهف ) ﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ (123) ﴾ ( سورة هود) ﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ (84) ﴾ ( سورة الزخرف) آيات التوحيد، وما تعلم العبيد أفضل من التوحيد. 2 – النصر التفضُّلي: إذاً: النصر الأول هو النصر الاستحقاقي، حينما يدفع ثمن النصر إيمانا بالله يحمل على طاعته، وإعدادا للقوة المتاحة، الآن هناك نصر آخر سماه العلماء النصر التفضلي دليله الآية الكريمة: ﴿ غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ ( سورة الروم ) في هذه الآية إعجاز، فبعد أن اكتشفت أشعة الليزر أمكن قياس المسافات بدقة متناهية، وأمكن قياس المسافة بين الأرض والقمر بدقة متناهية، وأمكن قياس المنخفضات والأغوار بدقة متناهية، وبعد أن اكتشفت هذه الأشعة تبين أن أخفض نقطة في الأرض غور فلسطين، والروايات التاريخية تؤكد أن هذه المعركة التي جرت بين الروم والفرس كانت في غور فلسطين، فقال الله عز وجل: ﴿ غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ ( سورة الروم ) http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/703/04.jpg الروم أهل كتاب، وأهل الكتاب مشركون، ومع ذلك انتصروا، هذا النصر ليس استحقاقياً، ولكنه نصر تفضلي، فنحن في عبادتنا نقول: يا رب، إن لم نكن نستحق النصر الاستحقاقي فانصرنا نصراً تفضلياً، والنصر التفضلي يعني أن المنتصر ليس كما ينبغي، لكن حكمة الله اقتضت أن ينتصر، لذلك أثبت الله للصحابة الكرام وهم نخبة البشر فرحهم بهذا النصر. ﴿ غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ ( سورة الروم ) هذا هو النصر التفضلي، إذا كانت فئة ليست كما ينبغي، وانتصرت على الكفار وأعداء الله فهذا شيء ينبغي أن نفرح له بنص هذه الآية. هذا هو النصر الثاني النصر التفضلي. 3 – النصر المبدئي: لكن هناك نصر ثالث، ما هو ؟ النصر المبدئي: ﴿ قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (4) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (5) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (6) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (7) ﴾ ( سورة البروج ) الآن كلام دقيق، أصحاب الأخدود هل انتصروا ؟ بالمقياس التقليدي لم ينتصروا، لكنهم انتصروا نصرا مبدئياً، لأنهم ثبتوا على إيمانهم بالله. بالمناسبة، مسيلمة الكذاب قبض على صحابيين، وقال للأول: أتشهد أني رسول الله ؟ قال: ما سمعت شيئا، فقتله، وقال للثاني: أتشهد أني رسول الله ؟ قال: أشهد أنك رسول الله. الآن استمعوا إلى ما قاله النبي الكريم عن هذه الحادثة، قال: أما الأول فأعز دين الله فأعزه الله، الذي قتل النبي عليه الصلاة والسلام عدَّه منتصرا، لأنه صمد على مبدئه، ومن هذا النوع من النصر ماشطةُ بنتِِ فرعون، جاؤوا بأولادها الخمسة، لأنها قالت لما وقع المشط من يدها: يا الله، البنت قالت لها: ألك رب غير أبي ؟ قالت: الله ربي ورب أبيك وربك، فحدثت أباها، فجاء بقدر من النحاس، وجعل فيه زيتا مغليا، وجاء بأولادها الخمسة، وأمسك الأول، وقال: ألك رب غيري ؟ قالت: الله ربي وربك، فألقى الأول في الزيت المغلي فظهرت عظامه طافية على سطح الزيت، وأمسك ولدها الثاني، ألك رب غيري ؟ قالت: الله ربي وربك، فألقى الثاني، وألقى الثالث، وألقى الرابع، الخامس رضيع، فلما قال لها: ألك رب غيري ؟ سكتت، تضعضعت، ورد ذلك في الأحاديث الصحيحة، فأنطق الله ولدها الرضيع، قال: اثبتي يا أمي، فأنت على الحق، وألقاه في الزيت، ثم ألقاها في الزيت، هذه انتصرت نصرا مبدئيا، أي ثبتت. فلذلك النبي عليه الصلاة والسلام في الإسراء والمعراج شم رائحة لم يشم مثلها إطلاقا، فقال: يا جبريل، ما هذه الرائحة ؟ رائحة طيبة جداً، قال: هذه رائحة ماشطة بنت فرعون، ففي النصر المبدئي يمكن أن لا تنتصر بالمقياس التقليدي، لكنك مُتنا على الإيمان، وهذا نصر مبدئي، وفي هذا المعنى تسلية وتطمين لكل مَن قُتِل وهو على حق. http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/703/05.jpg فالنبي قال: أما الأول فأعز دين الله فأعزه الله، القلق على من ؟ على الثاني الذي قال: أشهد أنك رسول الله، يا الله ما أعظم هذا الدين ! أما الثاني فقد قبل رخصة الله، ما كلف الله الإنسان فوق ما يستطيع، فلو أن الماشطة قالت: أنت ربي، فلا شيء عليها، ولكن لو أخذ كل المؤمنين بالرخص ما بقي هناك بطولات، فالإمام أحمد بن حنبل لم يقبل بخلق القرآن، فدخل السجن، وعذب. لذلك الأمة في حاجة لمن يدفع ثمن مبدئه غاليا، ولو أن كل إنسان أخذ بالرخص فلن نجدد في الأرض بطولات إطلاقاً. فهناك نصر مبدئي ؛ بأن يموت الإنسان على مبدئه صراحة، ولم يساوم عليه. مرة كنت في بلد إسلامي، تركيا، وذكرت هذه القصة، وقلت: أما الأول، للتقريب، أعطي مائة ألف دولار، وأما الثاني فأعطي مائة ألف ليرة تركية، في الأجر ليس كالأول، الأول ضحى بحياته من أجل مبدئه، وكل شيء له ثمن، وكل شيء له حساب عند الله عز وجل. أيها الإخوة الكرام، درس بدر وحنين، تقول: الله يتولاك، تقول: أنا، يتخلى عنك، وهذا الدرس نحتاجه كل يوم، وفي كل ساعة، وفي بيوتنا، وفي أعمالنا، وفي حرفنا، وفي مواجهتنا لمن نخافهم، قل: الله، فإن الله يتولاك. ﴿ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾ ( سورة الشعراء ) قصص القرآن قوانين سارية في كل زمان ومكان: لا أمل، فرعون من ورائهم، والبحر من أمامهم، فرعون بطغيانه وجبروته وحقده ولؤمه وقوته وراءهم، والبحر أمامهم. ﴿ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾ ( سورة الشعراء ) لذلك الله عز وجل يقلب القصص القرآنية إلى قوانين، سيدنا يونس وهو في بطن الحوت: ﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88) ﴾ ( سورة الأنبياء ) إذًا: أول نصر استحقاقي، والثاني تفضيلي، والثالث مبدئي، فالإنسان لا يعدم أن ينتصر نصرا مبدئيا، هذا بإمكانه. لا للإحباط وسوءِ الظن بالله: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/703/06.jpg شيء آخر: ﴿ مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ (15) ﴾ ( سورة الحج ) عنده وهم خاطئ ؛ أن الله لا ينصره، وقد يقع الإنسان في سلسة إحباطات يتوهم أن الله لن ينصره، فيسيء الظن بالله. ﴿ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ (6) ﴾ ( سورة الفتح ) وأقول لكم بكل صراحة: إن بعض المسلمين وقعوا في الإحباط واليأس، ولذلك هناك امتحانان صعبان: الامتحان الأول: أن يقوِّي اللهُ الكافر حتى يقول ضعاف الإيمان: أين الله ؟ وأحيانا يظهِر الله آياته حتى يقول الكافر: لا إله إلا الله. نحن الآن في الامتحان الأول، وهو صعب جداً، الطرف الآخر قوي ومتغطرس، ويفعل ما يقول، فبعض المؤمنين ضعفوا: ﴿ وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ ( سورة آل عمران ) إذن النصر التفضلي والنصر المبدئي والنصر الاستحقاقي وموضوع بدر وحنين، تقول: الله، يتولاك، تقول: أنا، يتخلى عنك. والموضوع الثاني: أُحُد وحُنين، في أُحد كانت المعصية سلوكية، وفي حنين كان الشرك الخفي، الصحابة الكرام وفيهم رسول الله لم ينتصروا ؛ لأنهم قالوا: لن نغلب من قِلة، هذه بعض موضوعات النصر، لأن الله عز وجل هو النصير، ولا نصير سواه. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ ﴾ ( سورة محمد الآية: 7 ) أي تدفعوا ثمن النصر إيمانا يحمل على طاعته وإعدادا للقوة المتاحة. والحمد لله رب العالمين |
رد: اسماء الله الحسنى
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : اسم الله النصير -2-اسماء الله الحسنى الدرس : ( الثامن ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: ( النصير ): من لوازم نصر الله للمؤمنين: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/704/01.jpg أيها الإخوة الكرام لازلنا مع اسم الله ( النصير )، والمسلمون اليوم في أشد الحاجة إلى أن ينتصروا على أعدائهم، وما أكثرهم. ولكن كما بينت في لقاء سابق أن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ ﴾ ( سورة محمد الآية: 7 ) النصر بيد الله: ﴿ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ ﴾ ( سورة الأنفال الآية: 10 ) النصر الذي نتمناه له ثمن، إن دفعنا ثمنه وصلنا إليه، لذلك الله عز وجل يبين أن المؤمن الذي يحمله إيمانه على طاعة الله يحقق أحد شَرطي النصر. شروط النصر: الإيمان والإعداد: وللنصر شرطان كل منهما شرط لازم غير كاف، فلابد من الإيمان الذي يحمل على طاعة الله، ولابد من الإعداد، لقوله تعالى: ﴿ وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ ﴾ ( سورة الأنفال الآية: 60 ) حقيقة الأخذ بالأسباب: ويمكن أن ينسحب هذا على شؤون حياتنا، التفوق في العمل يحتاج إلى الأخذ بالأسباب، ويحتاج إلى التوكل على الله، وكلاهما شرط لازم غير كاف، لذلك المسلمون في معظمهم لا يأخذون بالأسباب، بل يتوكلون توكلا لا يرضي الله، سماه العلماء التواكل، وإذا أخذ بعض الناس بالأسباب وألّهها، ونسي الله، واعتمد عليها فقد أخطأ السبيل، فكأن الطريق الأمثل أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء، ومن السهل أن تأخذ الموقف الحاد، أن تأخذ بها وتنسى الله، أو أن تتواكل على الله، ولا تأخذ بالأسباب، هذا درس بليغ، بل إن بعض المعاصرين يصفون كل إنجاز معركة، معركة مع العمل، مع الإنتاج، مع التنمية، فكلمة معركة تأخذ معنى واسعاً جداً، إن أردت أن تنتصر في أي معركة حقيقة أو مجازاً فلابد أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، وأن تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء، هذا حق وهذا قانون. (( إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ )) [ أبو داود] أن نستسلم، أن نيئس، أن نحس بالإحباط، أن نقول: انتهينا، هذا نُلام عليه، هذا يأس، واليأس كفر، هذا تشاؤم، والتشاؤم ليس من صفات المؤمن، لذلك لابد وأن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، وبعدها تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء. بأوسع معاني المعارك، معارك قتالية، معارك التنمية، معارك البناء، سمِّ أي قضية أو مشكلة في حياة المسلمين معركة، والانتصار في هذه المعركة يحتاج إلى شرطين، كل منهما شرط لازم ليس كاف، أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، وأن تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء، وكأن الطريق الأمثل طريق ضيق عن يمينه واد سحيق وعن يساره واد سحيق، إنك إن أخذت بالأسباب، ونسيت الله، واعتمدت عليها، وألهتها وقعت في واد الشرك، وهناك تأديب من الله، على من اعتدّ بغير الله، " ما من مخلوق يعتصم بمخلوق أعرف ذلك من نيته إلا جعلت الأرض هويا بين قدميه، وقطعت أسباب السماء بين يديه، وما من مخلوق يعتصم به من دون خلقه فتكيده أهل السماوات والأرض إلا جعلت له من بين ذلك مخرجا ". إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/704/02.jpg إذَا: المنهج الأمثل في كل معاركنا بدءًا من معركتنا مع أنفسنا، وانتهاء بمعركتنا مع قوى الشر في الأرض، تحتاج إلى شرطين، كل منهما شرط لازم غير كاف، أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء وأن تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء. (( إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ، وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ، فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ )) [ أبو داود] اليأس الإحباط هذا يلام عليه أشد اللوم. ولكن عليكم بالكيس، خذ الأسباب، فإذا غلبك أمر إن أخذتها، وبذلت الجهد في الأخذ بها، واستقصيتها، ثم لم تنجح، عندئذ نسمي هذا قضاء وقدر، عندئذ نقول: حسبنا الله ونعم الوكيل، ولا يجوز أن نقول: حسبنا الله ونعم الوكيل إلا بعد أن نستنفذ الأخذ بالأسباب. الطالب يريد أن يقدم امتحانا، لكن لا يحضِّر للامتحان، ثم لا ينجح، ويقول: هكذا أراد الله، هذه مشيئة الله، هذا كلام باطل، أما حينما يدرس بأقصى ما يستطيع، ثم يحول حائل بينه وبين أداء الامتحان يقول عندئذ: حسبي الله ونعم الوكيل. أنا أضع يدي على أخطر قضية في حياة المسلمين، هي التواكل، فلذلك النصر ثمنه هذا، الأخذ بالأسباب، والتوكل على رب الأرباب. لكن أيها الإخوة، يحضرني في هذا الموضوع حديث شريف: عَنْ أَنَسٍ قَالَ: (( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، آمَنَّا بِكَ، وَبِمَا جِئْتَ بِهِ، فَهَلْ تَخَافُ عَلَيْنَا ؟ قَالَ: نَعَمْ، إِنَّ الْقُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ )) [ الترمذي ] http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/704/03.jpg هذا الحديث يحتاج إلى شرح، فالله عز وجل جعل قلب الإنسان بيده، يملؤه أمنا، أو يملؤه خوفا، يملؤه سعادة، أو يملؤه ضيقا وانقباضا، ما الناظم لهذا ؟ أراد الله أن يعلمه إن اتخذت قرارا صحيحاً سليما في التوبة إلى الله، والصلح معه، وطاعته يملأ الله قلبك رضى وسعادة، وتفاؤلاً وسروراً، وكأن الله بارك لك هذا القرار، وأعانك عليه، والدليل: ﴿ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ (7) ﴾ ( سورة الحجرات ) أي قرار صائب يجد له انشراحا. ﴿ أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ ﴾ ( سورة الزمر: من الآية 22 ) فأيّ قرار خاطئ في المعركة معه كآبة وضيق: ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾ ( سورة طه ) تبعات القرار الصائب والقرار الخاطئ: هذه معاونة من الله عز وجل، القرار الحكيم معه سرور، معه انشراح، معه راحة نفسية، معه طمأنينة، معه إقبال، معه تألق، والقرار الخاطئ معه انقباض معه تشاؤم معه كآبة ويكاد يكون مرض العصر الكآبة، من إعراض الناس عن الله عز وجل، بل إن كل ما يعانيه البشر من ضياع وتفلت وتشاؤم وإحباط هي أعراض لمرض واحد، هو الإعراض عن الله: ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾ ( سورة طه ) كلُّ قوي جبّار بيد الله القوي الحبّار، فلا تخش أحدًا إلا الله: الآن ما علاقة هذا الحديث بالنصر ؟ هذا الذي تراه قوياً، هذا الذي تراه طاغية قلبه بيد الله، كشاهد على هذه الفكرة. الإمام الحسن البصري من كبار التابعين، وقد أدى أمانة العلم، وبيّن ما ينبغي أن يبيّنه، كان في عهد الحجاج، وكان الحجاج كما تعلمون، بلغه ما قاله فيه الحسنُ، فقال لجلسائه: " يا جبناء، والله لأرينّكم من دمه "، وأمر بقتله، القضية سهلة جداً، وجاء بالسياف، وأمر بإحضاره ليقطع رأسه أمام مَن حوله، جيء بالحسن البصري، ودخل على الحجاج، ورأى السياف، ومد النطع، وانتهى كل شيء، فحرك شفتيه، فإذا بالحجاج يقول له: أهلا يا أبا سعيد، أنت سيد العلماء، ومازال يدنيه، ويقربه حتى أجلسه على سريره، واستفتاه في موضوع، وقد تروي الرواية أنه عطّره، وأكرمه، وشيعه إلى باب قصره، من الذي صعق ؟ الحاجب، تبعه الحاجب، قال: يا أبا سعيد، لقد جيء بك لغير ما فعل بك، فماذا قلت لربك ؟ قال: قلت له: " يا ملاذي عند كربتي، يا مؤنسي في وحشتي، اجعل فتنته علي بردا وسلاما كما جعلت النار بردا وسلاما على إبراهيم ". هذا الذي تخافه قلبه بيد الله، هذا القوي الذي يتمنى إفناءك قلبه بيد الله، قد يملؤه الله هيبة منك، إذًا الله نصير، لأن قلوب الذين حولك بيد الله عز وجل، ألم يقل أحد الأنبياء: ﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ ﴾ ( سورة هود ) متحدياً لهم: ﴿ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ ( سورة هود ) هذه الآية وحدها تكفي: ﴿ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ ( سورة هود ) لذلك: (( إِنَّ الْقُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ )) [ الترمذي ] أولا: يملأ الله قلبك انشراحا وسعادة وطمأنينة حينما تتخذ قراراً صواباً، ويملأ الله، القلب خوفاً وقلقاً وضيقاً وتشاؤماً وكآبة حينما تتخذ قراراً مخطئاً، إذًا: الله أعاننا بهذا. إن قلبَ الذي تخافه بيد الله، يملؤه هيبة لك، ومن هاب الله هابه كل شيء، يملؤه رغبة في معاونتك، فإذا كان الله معك خدمك أعداؤك، وإذا كان الله عليك تطاول عليك أقرباؤك، يا رب، ماذا فَقَد مَن وجدك. وماذا وجد من فقدك ؟ إذاً: قلوب الذين تخافهم بيد الله، إذًا: هو النصير. من لوازم معية الله الدائمة للمؤمنين: ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُمْ ﴾ ( سورة الحديد، من الآية 4 ) لكن الشركاء يمكن أن لا يكونوا معك في وقت حرج، وهو معكم في السماء، وأنت في الطائرة، وفي الأرض، وفي البحر، وفي بيتك، وفي الفلاة، وفي مكان ما فيه اتصالات، الإنسان معه هاتف جوال، يكون بأمسّ الحاجة إليه فلا يجد تغطية، أما أنت فمع الله دائما، وهو معكم بعلمه. ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُمْ ﴾ ( سورة الحديد، من الآية 4 ) http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/704/04.jpg قال العلماء: " معكم بعلمه "، فإذا كنت مؤمناً فإن الله مع المؤمنين، ومعكم بتوفيقه وحفظه، وتأييده ونصره، لذلك فرق العلماء بين المعية العامة، والمعية الخاصة، فالمعية العامة هو معكم بعلمه، والمعية الخاصة هو معكم مؤيداً وموفقاً، وحافظاً وناصراً. لذلك: الله عز وجل موجود، إن دعوته فهو موجود، والإنسان لا يمكن أن يدعو جهة لا يؤمن بوجودها، يكون أحمق، لمجرد أن تدعوه وتقول: يا رب، إذًا هو موجود. الشيء الثاني: هو يسمعك إذا تكلمت، ويراك إذا تحركت، ويعلم ما في قلبك إن أضمرت، يسمع ويرى، ويعلم، لا يحتاج إلى وصي، ولا إلى سند، ولا إلى براءة ذمة، الله يعلم، ويرى، ويسمع، ويعلم، التعامل معه سهل جداً، لذلك قال بعضهم: الحمد لله على وجود الله، يراك إن تحركت، ويسمعك إن تكلمت، ويعلم ما في نفسك إن سكت، إذًا: موجود ويعلم. الشيء الثالث: وهو على كل شيء قدير، بيده كل شيء، كن فيكون، زل فيزول: (( يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ )) [ مسلم عن أبي ذر ] ذلك لأن عطائي كلام وأخذي كلام. كن فيكون، زل فيزول، الآن دققوا: (( إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ )) [ مسلم عن أبي ذر ] قال تعالى: ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (30) ﴾ ( سورة الشورى ) (( ما من عثرة، ولا اختلاج عرق، ولا خدش عود إلا بما قدمت أيديكم، وما يغفر الله أكثر )) [ ذكره السيوطي في الجامع الصغير عن البراء بسند فيه مقال كبير ] إذًا: هو معكم بعلمه، وإن كنتم مؤمنين فهو معكم بتوفيقه وحفظه، وتأييده ونصره. الله موجود، ويسمع إذا نطقتم، ويرى إن تحركتم، ويعلم ما في القلب إن أضمرتم، وهو على كل شيء قدير. من معاني ( النصير ) التي قد تخفى على بعض الناس: هناك حالات لبعض الأطباء ربطوها بالخرافات، لكنهم أهملوها، الآن هناك بحوث حديثة جداً عن الشفاء الذاتي، يكون المرض عضالا قد أجمع الأطباء على أنه لا شفاء له، فيشفى الإنسان ذاتياً، وعندما يصدق الإنسان أن الله بيده كل شيء، وأن الله على كل شيء قدير، أحياناً يستجيب له استجابة لا تصدق. والله لي صديق أصيب بورم خبيث في رئتيه، أخذت عينات إلى كل المخابر، الورم من الدرجة الخامسة، ولا أمل إطلاقاً، ثم في النهاية شفاه الله عز وجل، والقصة من اثتنين وعشرين سنة، والآن حي يرزق لا يشكو من شيء، والخزعات أخذت إلى بريطانية، أدق الفحوص أجريت له، وأمهر الأطباء عالجوه، وقالوا: لا أمل، لكن هناك شفاء ذاتي. فلذلك ( النصير ) قد ينصرك على المرض، وقد ينصرك على العدو، وقد ينصرك على كل معركة تخوضها بأوسع معاني المعارك، فهو نعم المولى ونعم النصير. أيها الإخوة، حينما تدعو الله عز وجل، وتقول: يا ناصر انصرني، يا نصير انصرني، هو موجود، ويسمع، ويقدر، ويحب أن يرحمك، ولن تدعو جهة إلا إذا أيقنت بوجودها وعلمها، وقدرتها ورحمتها، لذلك قال تعالى: ﴿ قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فقد كذبتم (77) ﴾ ( سورة الفرقان) الله أكبر من كل شيء، فلا تقطع الأمل مهما حدث: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/704/05.jpg حينما تقول: الله أكبر، فهو أكبر من كل قوي، أكبر من كل جبار، قال تعالى: ﴿ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ﴾ ( سورة الشعراء ) فرعون بحقده وجبروته، وأسلحته وجيشه يتبع شرذمة من بني إسرائيل مع سيدنا موسى، وصلوا إلى البحر، لا أمل للنجاة، انتهى الأمل، الأمل صفر، قال تعالى: ﴿ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِي ﴾ ( سورة الشعراء ) وسيدنا يونس، وهو في بطن الحوت الأمل صفر، والإنسان يمكنه أن يقف على فم الحوت على قدميه، ويمكن أن تقف في فمه، ووجبته الغذائية أربعة أطنان، والإنسان وزنه ثمانين كيلوًا، قال تعالى: ﴿ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88) ﴾ ( سورة الأنبياء) وأروع ما في الآية أن الله قلب القصة إلى قانون، قال تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾ ( سورة الأنبياء ) في كل عصر، في كل مصر، في كل زمان، في كل مكان، في الجو، في الأرض، طائرة تحطمت فوق جبال الألب، وانشقت، ووقع بعض ركابها، ونزل على غابة أرز في جبال الألب مغطاة بخمسة أمتار من الثلج، فكان هذا الثلج وهذه الأغصان ماصات للصدمة، فنزل واقفاً من أربعين ألف قدم. إذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟ إذًا: تقول: الله أكبر، أقوى من كل قوي، زلزال تسونامي يساوي والكلام من موقع معلوماتي دقيق جداً، يساوي مليون قنبلة ذرية، الله عز وجل قوي، فإذا كنت مع القوي حفظك القوي، فهو نعم المولى، ونعم النصير. أيها الإخوة، المعركة تحتاج إلى معلومات، وإذا كنت مع الله، فهو يعلم ماذا يخطط لك أعداؤك، لذلك يلهمك خطة تحبط خططتهم، أنت أقوى إنسان إذا كنت مع الله، إذا أردت أن تكون قويا فادع الله سبحانه وتعالى، فالدعاء سلاح المؤمن، لكن الدعاء يحتاج إلى عمل، والذي يدعو الله ولا يعمل يستهزئ بالدعاء، قال سيدنا عمر لرجل:<< ماذا تفعل هنا يا أخا العرب مع هذا الجمل الأجرب ؟ قال: أدعو الله أن يشفيه، فقال له: هلاّ جعلت مع الدعاء قطرانا >>. العدو قد يكون قويا، لكن الله أقوى، والله أكبر، قد يكون العدو يخطط، دقق في الآية: ﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46) ﴾ ( سورة إبراهيم ) إله عظيم يصف مكر الكافرين بأن مكرهم تزول منه الجبال، يقول لك بعد قليل: ﴿ وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ﴾ ( سورة آل عمران الآية: 120 ) خالق الكون، كلام رب العالمين، كل آلاتهم، كل أسلحتهم، كل أموالهم، كل أقمارهم الصناعية، كل حاملات طائراتهم، قال تعالى: ﴿ وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ﴾ ( سورة آل عمران الآية: 120 ) والآن يقول أحد أكبر الموظفين في البنتاجون: لا تجرؤ دولة في الأرض أن تحاربنا، ماذا نفعل بهذه الأسلحة ؟ ولكن هذا الذي أراد أن يموت ماذا نفعل به ؟ أقضَّ مضاجع أهل الأرض، هذا الذي أراد أن يهز أركانهم، ويقدم حياته رخيصة لهذا الهدف. أيها الإخوة، لو أن إنسانا انتصر لإنسان، قال تعالى: ﴿ إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ (14) ﴾ ( سورة فاطر ) والإنسان من شأنه أنه ليس معك دائماً، قد تكون في أمسّ الحاجة إليه، فيكون هاتفه مشغولا، أو خارج التغطية أ أو تعطل، إن اعتمدت على مخلوق فقد لا يسمعك، وإذا سمعك قد لا يستجيب لك، وأحياناً يتجاهلك، لذلك: كن مع الله تر الله معك واترك الكل وحاذر طمعك وإذا أعطاك من يمنعه ثم من يعطي إذا ما منعك *** هذه ملة طه فخذ بها. أطع أمرنا نرفع لأجـلك حجبنا فإنا منحنا بالرضا من أحـبنـــا و لذ بحمانا واحـتــم بجنابنا لنحميك مما فيه أشرار خلقــنــا و عن ذكرنا لا يشغلنك شاغـل و أخلص لنا تلقَ المسرة والـــهنا *** نعم المولى ونعم النصير، كن مع الله ولا تبال، والله عز وجل يحب أن ينصرنا، لكنه يطالبنا أن ندفع ثمن النصر. زبدة القول: ملخص هذا اللقاء الطيب، الطاعة مع الصبر سبيل إلى النصر، أما المعصية مع الصبر فليس بعدها إلا القبر. والحمد لله رب العالمين |
رد: اسماء الله الحسنى
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : اسم الله الرفيق -1-اسماء الله الحسنى الدرس : ( التاسع ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أغننا بالعلم، وزينا بالحلم، وأكرمنا بالتقوى، وجمِّلنا بالعافية. مع اسمٍ من أسماء الله الحسنى: ( الرفيق ): 1 – ورودُ اسم ( الرفيق ) في السنة الصحيحة: أيها الإخوة الكرام مع اسم جليل من أسماء الله الحسنى، وهو ( الرفيق )، هذا الاسم ورد في السنة النبوية الصحيحة، ورد مطلقاً معرّفا بأل، مراداً به العلمية، دالاً على كمال الوصفية، فقد ورد في صحيح البخاري ومسلم من حديث عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( يَا عَائِشَةُ، إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ، وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ )) [ مسلم ] 2 – معنى اسم الله ( الرفيق ): فالله سبحانه وتعالى هو ( الرفيق )، لو أردنا أن نقف وقفة متأنية عند معاني هذا الاسم لقلنا: أولاً: الرفيق هو اللطيف، والرفيق هو الذي يرافقك، والرفيق هو الذي يتصرف برفق، هو لطيف، وهو مرافق، وهو الذي يتصرف برفق، لو أردنا أن نرى هذا الاسم من خلال أفعال الله قد نقف عند ومضات من رفقه جل جلاله. 3 – مظاهر رفق الله بمخلوقاته: http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/705/01.jpg الطفل الصغير له أسنان، لبنية هذه الأسنان كيف تسقط من دون ألم، وما من طبيب أسنان إلا وهو مضطر أن يعطى الإنسان مخدرا حتى يقلع هذا السن، وإعطاء إبرة المخدر أمرٌ مؤلم، أما الطفل حين يسقط سنه يذوب شيئاً فشيئاً إلى أن يراه مع لقمة طعامه، فنزع سن الطفل نوع من اللطف، الله عز وجل يقول: ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ (4) ﴾ ( سورة الحديد ) أنت لا تحتمل أن يكون معك إنسان دائماً، تخرج من جلدك من رفقته، لكن الله معنا، معنا بلطف دون أن نشعر. http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/705/02.jpg مثلا الهواء لطيف، يحمل الطائر، يحمل طائرة وزنها ثلاثمئة وخمسين طنًّا، وأنت تمشى ضمن الهواء، وتستنشق الهواء، ولا ترى الهواء، الهواء مما يؤكد معنى أن الله رفيق. أيها الإخوة، رحمته لعباده، فمغفرته لعباده رفق، وقبول توبته من عباده رفق، وتحريمه التدريجي للخمر رفقٌ. (( يَا عَائِشَةُ، إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ، وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ )) والإنسان عليه أن يتخلق دائما بالكمال الإلهي، لذلك كاد الحليم أن يكون نبياً، والحلم سيد الأخلاق، والحلم رفق، والمعالجة بحكمة من الرفق، والحلم من الرفق، والعفو من الرفق، والمغفرة من الرفق، والتسامح من الرفق، لذلك حينما قال الله عز وجل: ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا (180) ﴾ ( سورة الأعراف) 4 – الرفقُ من صفات المؤمن: من معاني هذه الآية الكريمة أنك إذا تخلقت بالكمال الإلهي تستطيع أن تقبل عليه أحد أسباب اتصالك به أنك تتوسل إلى الاتصال به للتخلق بكماله، إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله، يحب الرفق في تربية الأولاد، يحب الرفق في معاملة الزوجة، يحب الرفق في التعامل التجاري. عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( رَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ، سَمْحًا إِذَا اشْتَرَى، سَمْحًا إِذَا اقْتَضَى )) المؤمن من صفاته أنه رفيق لطيف، وإذا كان معك فظله خفيف، لا ينتقد، لا يحاسب، لا يدقق، لا يؤاخذ، لا يقسو، لطيف، المؤمن لين العريكة، يألف ويؤلف. الحقيقة أنْ ليس الفرق بين المؤمن وغير المؤمن أن المؤمن يصلي، هناك فرق جوهري كبير جداً، حينما تعامل المؤمن تراه لطيفاً، وحينما ترافق المؤمن ترى ظله خفيفاً، وحينما تتعامل مع المؤمن تراه سمحاً، تراه عَفوًّا، تراه متسامحاً. فلذلك التخلق بالكمال الإلهي أحد أسباب الاتصال به، التخلق بالكمال الإلهي أحد أسباب الاتصال به، قال تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا (180) ﴾ ( سورة الأعراف) توسل إلى الله بأن تتخلق بالكمال الإلهي، وما من اسم من أسماء الله الحسنى إلا ولك منه موقف، إذا كان من أسماء الله الحسنى أنه عفو كريم فينبغي أن تعفو عمن ظلمك، وقد ورد في بعض الأحاديث: (( أمرنى ربى بتسع، خشية الله في السر والعلانية، وكلمة العدل في الغضب والرضى، و القصد في الفقر والغنى، وأن أصل من قطعني، وأن أعفو عمن ظلمني، وأن أعطى من حرمني، وأن يكون صمتي فكراً، ونطقي ذكراً، ونظري عبرة )) [ ذكره الخطيب التبريزي في مشكاة المصابيح عن أبي هريرة ] 5 – الله معنا بعلمِه فلا تغفلوا: وهو معكم، هو معنا دائماً، لكن كلما ارتقت شفافية الإنسان يعبد الله كأنه يرى الله: (( قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الْإِحْسَانُ ؟ قَالَ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنَّكَ إِنْ لَا تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ )) [ مسلم عن أبي هريرة ] لكنه لطيف، لذلك الذي يعصي ربه في رابعة النهار، نهاراً جهراً، وينسى أن الله معه، وأن الله يراقبه، هذا ليس بكامل الإيمان، لذلك من أرقى مستويات الإيمان أن تؤمن أن الله معك، قال تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (78) وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (79) وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا (80) ﴾ ( سورة الإسراء) قال تعالى: ﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213) وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (216) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (217) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (218) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (219) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (220)﴾ ( سورة الشعراء) يراك حين تقوم، هو رفيق هو معنا، ولكنه معنا بعلمه، معنا من دون أن نشعر، كيف أنك تمشي في الهواء من دون أن تشعر، وتستنشق الهواء من دون أن تشعر، ولا ترى الهواء لكنه موجود، والدليل إذا هبت العواصف دمرت مدنا بأكملها، الهواء يحمل الطائرات، فهو موجود، لكنك لا تتضايق من الهواء، بل تستنشقه. 6 – لابد من الرفق للوصول إلى الأهداف: أيها الإخوة، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ )) [ مسلم ] وعَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( يَا عَائِشَةُ، إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ، وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ )) [ مسلم ] توسل إلى أهدافك بالرفق، انصح، عظ موعظة حسنة، جادل بالتي هي أحسن. 7 – لا تكن فظا غليظ القلب: لا تكن فظا غليظ القلب، النبي عليه الصلاة والسلام وهو سيد الخلق، وحبيب الحق، وسيد ولد آدم أوتي المعجزات، أوتي الوحي، أوتي القرآن، كان جميل الصورة، كان فصيح اللسان، كان رحيماً، كان حليماً، كان متواضعاً، ومع كل هذه الصفات يقول الله له: أنت أنتَ، أنت بكل هذا الكمال: ﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ (159)﴾ ( سورة آل عمران) ولو كنت فظا غليظ القلب، فكيف بإنسان ليس نبياً، ولا رسولاً، ولا يوحى إليه، ولا أوتي القرآن، وليس فصيحاً، وليس جميل الصورة، وليس رحيماً... ومع ذلك فهو فظ غليظ القلب. لذلك: (( مَهْلًا يَا عَائِشَةُ، فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ )) [ البخاري ومسلم عن عائشة ] إذا دخلت إلى البيت فقل: السلام عليكم، إذا أردت أن تربي أبناءك فقل: يا بني، هذا الشيء يؤذيك، أنا ناصح أمين لك، من دون أن تبدأ بالضرب والشتم والقسوة. http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/705/03.jpg إنّ صفات المؤمن صفات كاملة، هذا الحديث أساسي جداً في حياتنا، البيت الذي فيه رفق فيه حب وهدوء، فيه راحة نفسية، فيه أولاد ينشؤون نشأة صحية، يرون أباهم وأمهم على وفاق، وعلى وئام، كلام منخفض، النصيحة مهذبة، ومَن أمر بالمعروف فليكن أمره بالمعروف، ومن نهى عن منكر فليكن نهيه من دون منكر، بطريقة ليست منكرة، لا تكن فظاً غليظ القلب ؟ بماذا أثنى الله عز وجل على النبي عليه الصلاة والسلام ؟ هو سيد الخلق، هو نبي، هو رسول، أعطي المعجزات، هذه كلها من وسائل الرسالة، لكنه أثنى عليه بشيء مِن كسبِه، قال تعالى: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ ( سورة القلم ) الرفق هو اللطف، والرفق هو من يرافقك، لذلك ما في جهة يمكن أن تكون معك في سفرك، وتستخلفها في بيتك إلا الله، ومن أدعية النبي عليه الصلاة والسلام ما ثبت عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا سَافَرَ فَرَكِبَ رَاحِلَتَهُ قَالَ: http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/705/04.jpg (( اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ، وَالْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ، اللَّهُمَّ اصْحَبْنَا بِنُصْحِكَ، وَاقْلِبْنَا بِذِمَّةٍ، اللَّهُمَّ ازْوِ لَنَا الْأَرْضَ، وَهَوِّنْ عَلَيْنَا السَّفَرَ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ، وَكَآبَةِ الْمُنْقَلَبِ )) [ الترمذي، أبو داود] إذا سافر الإنسان، وقبل أن يسافر قال: اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل والمال والولد، فبغيابك لو أن إبريقا من الماء الساخن وقع فوق وجه طفل صغير، وشوه وجهه يجعل حياة هذه الأسرة جحيماً لا يطاق، الله رفيق في السفر، والخليفة في الأهل والمال والولد، هذه أدعية النبي عليه الصلاة والسلام. من معاني ( الرفيق ): الرفيق هو اللطيف، والرفيق هو الذي يرافقك، والرفيق هو الذي يتولى الأمر برفق. قال بعض العلماء: " الرفيق هو اللطيف بعباده، القريب منهم "، وهو معكم أينما كنتم، الله عز وجل يحول بين المرء وقلبه، أقرب إليك من حبل الوريد، أقرب إليك من خواطرك، أقرب شيء إليك خواطرك، هو أقرب إليك من حبل الوريد، من خواطرك، يحول بينك وبين قلبك، يغفر ذنوبك، ويتوب عليك، لأنه رفيق بكم، وتكفلهم بالتربية والعناية من غير عوض، وما من إنسان يدخل على إنسان اختصاصي في الطب أو الهندسة أو المحاماة إلا ويحتاج إلى أجرة، إلا أنك إذا لجأت إلى الله يتولاك من دون عوض، لأنه رفيق بك، وقدّر أرزاق العباد. أحياناً يكون الوعل في قمة جبل، هناك نبع مستودع، هذا النبع من جبل أعلى من أجل هذا الوعل الذي يعيش في قمم الجبال، قدر لعباده ومخلوقاته أرزاقهم وطعامهم وشرابهم، وأمدهم بما يحتاجون، وهداهم لما يصلحهم. هداية الله لمخلوقاته : الهداية كما تعلمون أربعة مراحل، هدي المخلوقات إلى مصالحها، فالإنسان إذا كان الطعام فاسدا يشم أنفه رائحة الطعام الفاسد، والطعام الفاسد له رائحة كريهة، فرائحة الطعام الفاسد الكريهة، والأنف الذي فوق الفم هداك إلى أن لا تأكل هذا الطعام، وإذا كان في المعدة طعام فاسد فالإنسان يتقيؤه، والتقيؤ من رحمة الله عز وجل، هداك إلى أن تخرجه من جوفك، إذا كنت تمشي وملت قليلا تصحح عن طريق جهاز معقد جهاز التوازن، لأنه رفيق بك، فإذا كان البرد شديدا فهناك آلية معقدة جداً في الجسم تكافح البرد، وإذا كان هناك حر شديد فهناك آلية معقدة ثانية آلية العرق، العرق يخرج الماء فيمتص حرارة الجلد، وبهذه الطريقة يتعدل الجلد في حرارته. إذًا: الله عز وجل رفيق في أفعاله، لذلك يقدر لهم أرزاقهم، ويهديهم لما يصلحهم، فالإنسان ينام، ولما ينام تتباعد الخلايا العصبية، لذلك السيالة في النوم لا تتخطى الفراغ، إنسان نائم لا يستيقظ، أما إذا كان الصوت عاليا جداً فهذا الصوت العالي جداً يقفز، ويتخطى هذا الفراغ، فيستيقظ الإنسان. هداك إلى مصالحك، والحديث عن هداية الله عز وجل لمصالح الإنسان شيء لا ينتهي. http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/705/05.jpg أنت ترى الخطر بعينك في البيت، هناك مدفأة خرج الدخان منها كثيفاً فهناك خلل ببناء المدفأة، لكن أحياناً تسمع صوتا في غرفة ثانية خرج فالبصر محدود بالجدران، أما الصوت فيتجاوز الجدران خرج يقول لك: هناك حركة، وإذا كان حيوان صغير قد مات تحت السرير فلا تشاهده خرج و لا تسمع صوته خرج بعد أيام تشم رائحة كريهة، فهداك إلى مصالحك بالنظر، وهداك إلى مصالحك بالسمع، وهداك إلى مصالحك بالشم، أيّ شيء له عرض، أعراض الأمراض من رفق الله بنا خرج ولولا عرض للمرض كانت المشكلة كبيرة، هداك إلى مصالحك http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/705/06.jpg الله جعل في العظم عصبا حسيا، ما فائدة العصب الحسي ؟ لأنه رفيق بنا، فإذا حدث كسر فالألم الشديد الذي لا يحتمل يجعلك تدع العظم المكسور كما هو، وأن تدعه كما هو أربعة أخماس معالجته، حكمة العصب الحسي في العظام حكمة كبيرة، وحكمة أن الشعر لا يوجد به عصب حسي كبيرة، ولو كان في بالشعر عصب حسي لاحتجت إلى مستشفي، وإلى تخدير كامل من أجل أن تحلق شعرك. إذًا: هو رفيق بنا، ببنية أجسامنا، بوظائف أجسامنا، الإنسان يتوضأ براحة، لكن لو وضعت ماء بارداً على ظهره فلا يحتمله، أعصاب الحس في الأماكن المكشوفة التي تقتضي التنظيف الدائم ضعيفة جداً، وفي الأماكن المستورة أعصاب الحس فيها قوية جداً، لذلك توزيع أعصاب الحس فيه حكمة بالغة http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/705/07.jpg هذا المرفق لولاه كيف تأكل ؟ لابد أن ينبطح الإنسان كالهرة ليأكل، لكن له مرفق، وهذا المرفق يوصل الطعام إلى فمك، وإلا ليس هناك طريق ثان. الله رفيق في بنية أجسامنا، في وظائف أعضائنا، في ما حولنا، البطيخ ينمو على الأرض، لو كان ينمو على الأشجار قد تقتل حبة البطيخ إنساناً، القطعة الكبيرة على الأرض، والقطع اللطيفة على الأشجار. http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/705/08.jpg إخواننا الكرام، هذا الاسم واسع جداً، تأكل تفاحة، أولًا طعمها طيب، ورائحتها طيبة، وحجمها معتدل، وقوامها يتناسب مع الأسنان، وفيها فوائد، لو كان الطعام طيبا، وما فيه فوائد، أو فيه فوائد والطعم كريه، أو فيه فوائد والطعم طيب، لكن بنيتها قاسية كالصخر، هذه الفاكهة من لطف الله بنا، هذا الاسم واسع جداً، http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/705/09.jpg ((... فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ )) تخلق بكمال الله، والمؤمن حليم لطيف، يألف ويؤلف، يقدم النصيحة بلطف شديد. لذلك هداهم الله إلى مصالحهم، ونعمته عليهم سابغة، وحكمته فيهم بالغة، يحب عباده الموحدين، ويتقبل أعمالهم الصالحة، ويقربهم، وينصرهم على عدوهم، يعاملهم برحمة وإحسان، ويدعو من خالفه إلى التوبة والغفران، رفيق في خفاء، يحاسب المؤمنين بفضله ورحمته، ويحاسب المخالفين بعدله وحكمته، ترغيبا منه في توحيده، و حلما منه عليهم في تقصيرهم. الله عز وجل رفيق، هذا حديث رائع جداً: (( يَا عَائِشَةُ، إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ، وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ )) [ مسلم عن عائشة ] http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/705/10.jpg أوضح مثلٍ: وأنت في البيت، وأنت تربي أولادك، حدثونا في الجامعة في علم النفس أن الأم التي ترضع ابنها بقسوة ينشأ قاسياً، فقد تكون متعبة منه، وهذا الوضع يجعل عند الطفل عقدة، والبيت الذي يربى فيه الطفل بالعطف والحنان والمودة والإكرام تجد هذا الطفل متعاطفا، والآن هناك علم اسمه علم نفس الجنين، فقد ثبت أن الجنين يدرك أنه مرغوب فيه أو غير مرغوب فيه، فإذا كان مرغوبا فيه حملته أمه حملا خفيفاً، وإن لم يكن مرغوباً فيه كان حمله متعباً جداً، فصار في علم نفس الجنين الأم التي تقرأ القرآن لها وضع خاص، والتي تشرب الدخان وضع خاص. لذلك أيها الإخوة، الإنسان محاسب عن كل شيء، لذلك ينبغي أن يتخلق بكمال الله عز وجل. أيها الإخوة، من معاني أن الله سبحانه وتعالى لطيف أو رفيق، قال تعالى: ﴿ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ ( سورة المجادلة: الآية 7 ) الله رفيق معنا، فثلاثة رحال جالسون الله موجود معهم، الأربعة الله عز وجل خامسهم، والخمسة هو سادسهم، قال تعالى: ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾ ( سورة المجادلة: الآية 4 ) معكم بعلمه، لكنه رفيق، لكن أجمل شيء أن الله مع المؤمنين لا بعلمه فحسب، ولكن بتوفيقه، بل بإكرامه، بل بحفظه، بل بتأييده، بل بنصره معهم، قال تعالى: ﴿ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (19) ﴾ ( سورة الأنفال ) وإذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟ والدعاء الذي ذكرته قبل قليل: (( اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ، وَالْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ )) [ الترمذي عن أبي هريرة ] والنبي عليه الصلاة والسلام خُيِّر بين زهرة الحياة الدنيا، وبين أن يكون مع الرفيق الأعلى، قال: بل الرفيق الأعلى. وعلامة المؤمن أن أسعد لحظات حياته حينما يأتيه ملك الموت، قال تعالى: ﴿ قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ ﴾ ( سورة يس ) فلذلك أيها الإخوة، لا يكفي الإنسان أن يؤدي الصلوات أداءً شكلياً، الدين كمال، الدين لطف، الدين إذا دخل أب إلى البيت كان عند أهل البيت عيدا، لكن هناك أب إذا خرج من البيت كان الوضع عندهم عيداً، الفرق كبير بين أن يكون العيد إذا دخلت أو إذا خرجت، لأن المؤمن ينبغي أن يكون رفيقاً. (( يَا عَائِشَةُ، إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ، وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ )) [ مسلم ] والحمد لله رب العالمين |
رد: اسماء الله الحسنى
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : اسم الله الرفيق -2-اسماء الله الحسنى الدرس : ( العاشر ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى ( الرفيق ): أسماء الله الحسنى لها تطبيقات عملية للمؤمن: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/735/01.jpg أيها الإخوة الكرام، لازلنا في اسم ( الرفيق )، وهذا الاسم له تطبيقات عملية، تخص الإنسان المؤمن، بل إن كل اسم من أسماء الله الحسنى له تطبيقات عملية تخص المؤمن. (( يَا عَائِشَةُ، إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ )) [ متفق عليه ] عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( يَا عَائِشَةُ، إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ، وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ )) [ مسلم ] عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ )) [ مسلم ] حظُّ المؤمن من اسم ( الرفيق ): ما حظ المؤمن من هذا الاسم ؟ 1 – الرفق بالنفس في التكاليف والعبادات: أولا: ينبغي أن يكون الإنسان رفيقاً بنفسه، فقد يفعل من الأعمال ما لم يحتمل تبعتها، نفسك مطيتك إلى الله فارفق بها، وهناك أعمال تسبب بعدًا عن الله، وأعمال تسبب غيابا بينك وبين الله، فارفق بنفسك، ولا تحمّلها ما لا تطيق، فهذا الذي يستقيم على أمر الله عز وجل، هذا الذي يقف عند حدود الله، هذا الذي يتقرب إلى الله يسعد نفسه بالقرب إلى الله، أما إذا عمل أعمالاً لا ترضي الله فقد أقام باختياره وبفعل يده حجاباً بينه وبين الله، فحمّل نفسه من آلام البعد وجفوة المعصية ما لا يطيق. لذلك ورد في الأثر: " نفسك مطيتك فارفق بها " فأول حظ من حظوظ المؤمن من هذا الاسم أن استقامته على أمر الله تجعل هذه الاستقامة الطريق إلى الله سالكاً، إذًا: هو ينعم في جنة القرب، وفي الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة، والدليل: ﴿ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (6) ﴾ ( سورة محمد) قال بعض العلماء: " مساكين أهل الدنيا، جاؤوا إلى الدنيا، وخرجوا منها، ولم يذوقوا أطيب ما فيها، إن أطيب ما في الدنيا القرب إلى الله عز وجل "، هذه اسمها جنة القرب. يقول بعض العلماء: " ماذا يفعل أعدائي بي ؟ بستاني في صدري، إن أبعدوني فإبعادي سياحة، وإن حبسوني فحبسي خلوة، وإن قتلوني فقتلي شهادة، فماذا يفعل أعدائي بي؟ ". أيها الإخوة، الإنسان يسعد لقربه من الله، فإذا فعل بعض المعاصي والآثام، أو إذا قصر في بعض الحقوق كان الحجاب بينه وبين الله، فحمّل نفسه مالا تطيق، لذلك نفسك مطيتك فارفق بها، هذه من ناحية، من ناحية ثانية لو أن الإنسان حمل نفسه، من العبادات ما لا يطيق ينطبق عليه قول النبي عليه الصلاة والسلام: (( إن هذا الدين متين، فأوغل فيه برفق فإن المنبت، لا أرضا قطع، ولا ظهرا أبقى )) [ البزار عن جابر بسند فيه ضعف، كما في الجامع الصغير ] لذلك افعل من الأعمال ما تطيق: فعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا امْرَأَةٌ، قَالَ: (( مَنْ هَذِهِ ؟ قَالَتْ: فُلَانَةُ، تَذْكُرُ مِنْ صَلَاتِهَا، قَالَ: مَهْ، عَلَيْكُمْ بِمَا تُطِيقُونَ، فَوَاللَّهِ لَا يَمَلُّ اللَّهُ حَتَّى تَمَلُّوا، وَكَانَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيْهِ مَادَامَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ )) [ متفق عليه ] وعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( سَدِّدُوا، وَقَارِبُوا، وَاعْلَمُوا أَنْ لَنْ يُدْخِلَ أَحَدَكُمْ عَمَلُهُ الْجَنَّةَ، وَأَنَّ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ )) [ متفق عليه ] افعل من العبادات ما تستطيع أن تستمر عليها، أما هذا الذي يفور، ثم يضعف، خطه البياني صاعد صعودا حادا، ثم يهبط هبوطاً مريعاً، فليست هذه حكمة من عند المؤمن. (( فَوَاللَّهِ لَا يَمَلُّ اللَّهُ حَتَّى تَمَلُّوا )) افعلوا ما تطيقون. (( وَأَنَّ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ )) فالإنسان له مجلس علم يحافظ عليه، له أوراد يحافظ عليها، له تلاوة قرآن يومية يحافظ عليها، الاستمرار ينشأ عنه حالة اسمها التراكم، تراكم العبادات، تراكم الأذكار، تركم التلاوات، هذه تفعل فعلاً عجيباً، تعمل قرباً من الله عز وجل. لذلك أول بنود الرفق: ارفق بنفسك، لا تحمّلها من المعاصي والآثام ما لا تطيق، لا تجعلها في جفوة عن الله عز وجل، ولا تحمّلها من العبادات ما لا تطيق، عندها تكون هناك نكسة، البطولة أن تكون العبادات مستمرة. (( وَأَنَّ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ )) الغلو إما بالتفريط أو بالإفراط، إذًا نفسك مطيتك، فارفق بها، هذا أول بند من تطبيقات اسم ( الرفيق ). الرفق في الإنفاق من تمام الرفق بالنفس: حتى في الإنفاق، قال تعالى: ﴿ وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ (195) ﴾ ( سورة البقرة ) من أدق تفسيرات الآية، أنفق في سبيل الله، لأنك إن لم تنفق تلق بنفسك في التهلكة، وقال بعض المفسرين: أنفق في سبيل الله، فإنك إن أنفقت مالك كله تلقِ نفسك في التهلكة، لذلك سيدنا رسول الله ما قبِل من صحابي ماله كله، إلا الصديق فقط، كان يرفض أن يأخذ مال الصحابي كله. ﴿ وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ (195) ﴾ ( سورة البقرة ) تهلك إن لم تنفق، وتهلك إن أنفقت مالك كله، في ساعة فورة إيمان تنفق مالك كله، فإذا أصبحت فقيراً ربما انتكست، لذلك نفسك مطيتك فارفق بها، هذا المعنى الأول. 2 – الرفق بالنساء: أقرب الناس إليك زوجتك، فلذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (( أكرموا النساء، فو الله ما أكرمهن إلا كريم، وما أهانهن إلا لئيم )) [ ورد في الأثر ] http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/735/02.jpg هذه رفيقة العمر، هذه شريكة العمر، ينبغي أن ترفق بها، هي أقرب الناس إليك، وهي أولى الناس بحسن معاملتك، وما مِن إنسان كامل، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ، وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلَاهُ، فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ، فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ )) [ متفق عليه ] هذا رفق بالإنسان، الإنسان بحكمة يسعد بزوجة من الدرجة الخامسة، ومن دون حكمة، وعن طريق العنف يشقى بزوجة من الدرجة الأولى، لذلك أكبر عطاء إلهي الحكمة، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا (269)﴾ ( سورة البقرة) (( أكرموا النساء، فو الله ما أكرمهن إلا كريم، وما أهانهن إلا لئيم )) [ ورد في الأثر ] (( اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ )) النبي الكريم يوصيك بالمرأة. ومن أدق ما قرأت في قوله تعالى: ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ (19) ﴾ ( سورة النساء) قال بعض المفسرين: " ليست المعاشرة بالمعروف أن تمتنع عن إيقاع الأذى بها، بل أن تحتمل الأذى منها ". هذا رفق بالإنسان، والبيت فيه لطف، فيه إلقاء سلام، فيه ابتسامة: (( كان رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا دخل بيته بساماً ضحاكاً )) [ ابن عساكر عن عائشة بسند ضعيف ] كان يقول عن النساء: (( لا تكرهوا البنات، فإنهن المؤنسات الغاليات )) [ الحاكم والطبراني عن عقبة بن عامر بسند ضعيف ] والحب تصنعه أنت بيدك، بابتسامه، بإلقاء سلام، بالتسامح، أحياناً بالمعاونة. عَنْ الْأَسْوَدِ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ: مَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْنَعُ فِي أَهْلِهِ ؟ قَالَتْ: (( كَانَ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ، فَإِذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ )) [ البخاري ] كان يكنس داره، ويرفو ثوبه، ويحلب شاته، وكان في مهنة أهله، فمعاونة الزوج برفق شيء رائع جداً، بل إن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الخيرية في البيت، فعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( خَيرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي )) [ الترمذي ] يمكن لأخلاق الإنسان خارج البيت أن يكون أن تنضوي تحت مصلحته، بالتعبير المستعمل الآن ( بيزنس )، لطفه وأناقته، وسلامه وابتسامته جزء من عمله، حتى ينتزع إعجاب الناس، ويحقق مصالحه، لكن في البيت لا رقابة عليه، لذلك بطولة المؤمن أن يكون في البيت رفيقا بأهله، محتملا لبعض الأخطاء، وما مِن شيء يعكر الصفاء بينه وبين زوجته، يتسامح معها، وتتسامح معه، قال تعالى: ﴿ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ (6) ﴾ ( سورة الطلاق) بالمناسبة، قال تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا (180) ﴾ ( سورة الأعراف ) من معاني هذه الآية: أنك تتقرب إلى الله بالتخلق بكماله، الله عز وجل رفيق يحب كل رفيق، فمن التخلق بكمال الله أن تكون رفيقاً، فإن كنت رفيقاً كان الرفق وسيلة إلى الدخول على الله عز وجل، تتقرب إلى الله بالتخلق بكماله، فإذا كان الله رفيقاً بعباده فكن رفيقاً بمن حولك، وأقرب الناس إليك زوجتك. السيدة عائشة مرة حدثت النبي صلى الله عليه وسلم فترة طويلة عن أبي زرع وأم زرع، وحدثته عن شجاعته وكرمه، وأنه كان زوجًا نموذجيا، لكنها تأسفت أشد الأسف حينما أعلمته في النهاية أنه طلقها، فكان عليه الصلاة والسلام رفيقا بها، فقال لها: أنا لك كأبي زرع لأم زرع، غير أني لا أطلقك. هذه الزوجة مَن لها غيرك ؟ أحيانا لا يحلو للزوج إلا أن يمازح زوجته بشأن الزوجة الثانية والطلاق، هذا ليس من مزاحاً، بل يقيم هوة بينه وبينها، ويجرحها، أوقد يكسرها بهذا المزاح، لذلك ترفّق بهذه المرأة التي جعلها الله هدية لك. إذًا: أكرموا النساء فو الله ما أكرمهن إلا كريم، ولا أهانهن إلا لئيم، إنهن مؤنسات غاليات. كان عليه الصلاة والسلام إذا دخل بيته بساماً ضحاكاً، وكان في مهنة أهله، وهذا نوع من الرفق، وكمال الإنسان يتبدى أوضح ما يتبدى في بيته، وينبغي أن تكون بيوتات المسلمين جنة بالود، ليس بالخبز وحده يحيى الإنسان، فلو جئت بطعام نفيس، لو أسكنتهم بيتاً فخماً، هم يريدون مودتك، يريدون ابتسامة، يريدون الحب، والمرأة بالذات الحب يغلب عليها، أطعمها طعاماً خشناً، وكن لطيفاً معها أفضل ألف مرة من أن تطعمها طعاماً نفيسا ثم تقسو عليها، والحب بيدك، وهناك مقولات يقولها العوام، بعد فترة يألف كل منهما صاحبه، وينعدم الحب بينهما، هذا كلام بخلاف ما قاله النبي عليه الصلاة والسلام، قال عليه الصلاة والسلام: (( الحمد لله الذي رزقني حب عائشة )) [ ورد في الأثر ] ومن سعادة المرء أن يحب زوجته، لأنها حليلته، ولأنها أم أولاده، والأمر بيدك، الله عز وجل ما كلفنا ما لا نطيق، قال تعالى: ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا (286) ﴾ ( سورة البقرة ) ينبغي أن تكون رفيقا بنفسك ورفيقا بزوجتك. 3 – الرفق بالأولاد: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/735/03.jpg وينبغي أن تكون رفيقاً بأولادك، الحديث الرائع: (( علموا، ولا تعنفوا، فإن المعلم خير من المعنف )) [ الجامع الصغير عن أبي هريرة بسند ضعيف ] علم ولا تعنف، استخدم المكافآت بدل العقوبات، لا تقل: لو أن رجلا لم يصلِّ الصبح سوف أضربه، هناك كلام آخر، من صلى معي الفجر سوف أكافئه بمبلغ من المال أو بهدية، أسلوب المكافآت رائع جداً، اجعل العلاقة بينك وبين أولادك علاقة طيبة، أنا لا أشك أن كل أب يحب أولاده، لكن يقسوا عليهم اجتهادهاً، وهذا خطأ كبير، حتى إنهم علمونا في الجامعة في علم النفس التربوي أن الأم التي ترضع ابنها، إن أرضعته برقة ولطف فمن نتائج هذا الإرضاع بهذه الطريقة أخلاق رضية، أما إذا أرضعته بعنف فربما كان هذا الإرضاع هو سبب في قسوته أحياناً،. شيء دقيق جداً، فلذلك: (( علموا، ولا تعنفوا، فإن المعلم خير من المعنف )) 4 – الرفق بالوالدين: بقي الوالدان، العطف في اللغة يفيد التجانس. مثلا: لا تقل: اشتريت مئة دنم من الأرض وملعقة، لا تناسب إطلاقاً، اشتريت أرضا وبيتاً، أو مركبة وبيتاً، ملعقة وشوكة، هل تصدق أن الله سبحانه وتعالى رفع بر الوالدين إلى مستوى عبادته، قال تعالى: ﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً (23) ﴾ ( سورة الإسراء) http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/735/04.jpg لأنه عطف الإحسان بالوالدين على عبادة رب العالمين، فرفع البر إلى أعلى مستوى. ﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً (23) ﴾ ( سورة الإسراء) لذلك لو أن في اللغة كلمة أقلّ من كلمة أف لقالها الله عز وجل، وإرضاء الأب والأم أحياناً في غير معصية، الأوراق تختلف، لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، والدليل: ﴿ وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا (15) ﴾ ( سورة لقمان) إذًا: لابد من الترفق في معاملة الوالدين، حتى لو عصيتهما في معصية لله ينبغي أن تترفق في عدم تلبية رغبتهما لا بعنف ولا بقسوة. أيها الإخوة، الأب والأم كانا سبب وجودك في الحياة، والله عز وجل خلق الإنسان: ﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (1) ﴾ ( سورة الإنسان ) لكن هذا الإنسان كان عن طريق هذين الوالدين، فلابد من بر الوالدين، والترفق بهما، لذلك: ﴿ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا (23) ﴾ ( سورة الإسراء) الإنسان مثلا يقول: أنا عندي أربعة أولاد، لما يتقدم في السن أين هو ساكن ؟ عنده ابنه، كان أولاده عنده، فأصبح عندهم، والأب الذي سنه معتدلة بره سهل جداً، وأحيانا يتقدم الإنسان في السن، وبعد سن معينة يكون فيه تكلس في العقل، وأحياناً القصة الواحدة تعاد مئة مرة، وأحياناً هناك أشياء لا علاقة له بها بر الوالدين في سن متأخرة، وهما عندك في البيت هذا شيء يحتاج إلى جهد كبير، لكن هذا العمل البطولي: ﴿ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) ﴾ ( سورة الإسراء) أيها الإخوة، صدقوا أن الذي يموت والداه وهما راضيان عنه يشعر بسعادة طول حياته، لأنه أدى واجبه بالكمال والتمام، لذلك يجب الرفق مع النفس، ومع الزوجة، و مع الأولاد، والمؤمن رفيق، لأن الله رفيق، ولأن هذا الكمال اشتقه من الله عز وجل، وبه يتقرب إلى الله، وقد كاد الحليم أن يكون نبياً، والحلم سيد الأخلاق. 5 – الرفق بالناس جميعا: أنت موظف تحت يدك عشرة موظفين، هؤلاء أتباعك، وأنت موكل بهم، تحاسبهم في تفوقهم، وفي تقصيرهم، لذلك الحديث الذي ينخلع القلب له يقول عليه الصلاة والسلام: (( اللَّهُمَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا ـ مدير مدرسة، مدير جامعة، مدير مؤسسة، مدير أي مكان ـ فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَاشْقُقْ عَلَيْهِ، وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ فَارْفُقْ بِهِ )) [ مسلم عن عائشة ] http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/735/05.jpg تحت يدك عشرة أشخاص، (( اللَّهُمَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَاشْقُقْ عَلَيْهِ )) أحينا يحمّل المدير العام الموظفين شيئًا لا يطاق، يطالبهم بأشياء فوق طاقاتهم، ويمنع عنهم الإضافات، ويحمّلهم مالا يطيقون. بالمناسبة أيها الإخوة الكرام، ورد في الأثر: " إذا أردت رحمتي فارحموا عبادي " في الامتحانات يكون مستوى السؤال في طاقة الناس جميعاً، تجد البيوت فيها مآسٍ، لأن المدرِّس أحيانا يرى بطولته في وضع أسئلة تعجيزية، هذا خطأ كبير، أو سؤال غير مدروس، فهو غير رفيقٍ بطلابه. أحياناً مدير عام يكلف الموظفين بعمل فوق طاقتهم فلذلك: (( اللَّهُمَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَاشْقُقْ عَلَيْهِ، وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ فَارْفُقْ بِهِ )) [ مسلم ] أيّ مدير عام، أيّ منصب قيادي، ارحم هؤلاء الذين هم دونك، كن واقعياً، تلطف بهم. مرة كنت في دائرة، المدير العام قال لموظف: كيف صحتك يا بني ؟ مرتاح ؟ هل يلزمك شيء، يا الله يمضى شهر لا ينسى المستخدم هذه الكلمات، هذا إنسان مثلك، فكلما تواضع الإنسان مع من حوله قدر صعوبات الحياة، وقدر المتاعب التي يعانيها الموظف. أحيانا يعرف المدير العام أن المعاش قليل، ولا يكفي، ويكلفه فوق طاقته، وبكلام قاسٍ، بحكم السلطة التي يملكها. (( اللَّهُمَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَاشْقُقْ عَلَيْهِ، وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ فَارْفُقْ بِهِ )) [ مسلم ] صور من رفق سيدنا عمر بالرعية: سيدنا عمر سأل واليا أراد أن يمتحنه، قال له: << ماذا تفعل إذا جاءك الناس بسارق أو ناهب ؟ حسب الحكم الشرعي، قال: أقطع يده، قال له عمر: إذًا مَن جاءني مِن رعيتك مَن هو جائع أو عاطل فسأقطع يدك، إن الله قد استخلفني عن خلقه لنسد جوعتهم، ونستر عورتهم، فإن وفينا لهم ذلك تقاضيناهم شكرها، إن هذه الأيدي خلقت لتعمل، فإذا لم تجد في الطاعة عملاً التمست في المعصية أعمالاً، فاشغلها بالطاعة قبل أن تشغلك بالمعصية >>. كان سيدنا عمر كلما قدم إليه والٍ من الولاة يسأله: كيف الأسعار عندكم ؟ من شدة رحمته برعيته، وكان العلماء يسألون أتباعهم إن جاؤوا من سفر: كيف الأمطار عندكم ؟ هذه رحمة. سيدنا عمر لما تولى الخلافة كان شديداً، فخاف الناس من شدته، فقال: << أيها الناس، كنت خادم رسول الله وسيفه المسلول، وجلواده، وتوفي وهو عني راض، الحمد لله على هذا كثيرا، وأنا به أسعد، ثم كنت خادم أبي بكر، وسيفه المسلول، وجلواده، وتوفي وهو عني راض، وأنا أحمد الله على هذا كثيراً، وبهذا أسعد، ثم آلت الأمور إلي، فاعلموا أيها الناس، أن تلك الشدة قد أضعفت، وإنما تكون على المعصية والفجور، أما أهل التقوى والعفاف فأنا ألْينُ لهم من أنفسهم، وسأضع رأسي على الأرض ليطؤوه بأقدامهم، لكم علي أيها الناس خمس خصال، خذوني بهن، لكم علي ألا آخذ من أموالكم شيئاً إلا بحقه، ولا أنفقه إلا بحقه، ولكم على ألا أجمركم في البعوث، وإذا غبتم في البعوث فأنا أبو العيال حتى ترجعوا، ولكم علي أن أزيد عطاياكم إن شاء الله تعالى >>، هكذا كان. عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ )) [ مسلم ] والحمد لله رب العالمين |
رد: اسماء الله الحسنى
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : اسم الله - الرزاق -1-اسماء الله الحسنى الدرس : ( الحادى العاشر ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. اسم الله ( الرزّاق ): 1 – ورودُ اسم ( الرزّاق ) في القرآن والسنة: أيها الإخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، إنه اسم ( الرزاق )، فالله سبحانه وتعالى سمّى نفسه (الرزاق) في الكتاب وفي السنة، ففي الكتاب في قوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58) ﴾ ( سورة الذاريات) وفي الحديث عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: أَقْرَأَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إِنِّي أَنَا الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ )) [ الترمذي ] هذا الاسم الكريم ورد مطلقاً ومعرفا بـ ( ال )مراداً به العلمية، دالا على كمال الوصفية. 2 – معنى صيغة المبالغة في ( الرزّاق ): http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/737/07.jpg وصيغة هذا الاسم صيغة مبالغة، وإذا جاءت أسماء الله الحسنى بصيغة المبالغة فتعني شيئين: تعني كَمًّا، وتعني نوعاً، الله عز وجل يرزق من يشاء بغير حساب، ويرزق النملة السمراء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، يرزق كل المخلوقات، لذلك الله عز وجل يقول: ﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا (6) ﴾ ( سورة هود) كلمة ( الدابة ) جاءت نكرة تنكير شمول، لتشمل هذه الكلمة كل شيء يدب على وجه الأرض، و( مِن ) تفيد استغراق أفراد النوع. لو دخلت إلى صف وقلت: هؤلاء الطلاب لهم عندي جائزة، أي الذين أمامك، أما إذا قلت: ما من طالب في هذا الصف إلا وله عندي جائزة، شمل الغائبين، إذًا ( من ) تفيد استغراق أفراد النوع، فإذا جاءت ( على ) قبل لفظ الجلالة دلت على الإلزام الذاتي، أن الله سبحانه وتعالى ألزم ذاته العلية برزق العباد. قوانين الرزق متحركة غير ثابتة: أيها الإخوة، الآيات كثيرة جداً، والموضوع واسع جداً، ولكن لحكمة بالغة ثبتَ الله ملايين القوانين كي تستقر حياتنا، وكي تنتظم، ولكنه لحكمة بالغة حرك قوانين الصحة والرزق، وكأن الصحة والرزق أداتان لتربيتنا، لذلك: ﴿ وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا ﴾ ( سورة الجن ) ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ ﴾ ( سورة الأعراف الآية: 96 ) ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم ﴾ ( سورة المائدة الآية: 66 ) http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/737/02.jpg ويقاس على ذلك، لو أن المسلمين أقاموا القرآن الكريم لأكلوا من فوقهم، ومن تحت أرجلهم، وقد يُحرَم المرء بعض الرزق بالمعصية، إذًا حرك الله قوانين الرزق، وربطها بالإيمان والاستقامة، وإقامة أمر الله، قال تعالى: ﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (12) ﴾ ( سورة نوح ) أيها الإخوة الكرام، ثبات آلاف القوانين من أجل استقرار الحياة، ثبات قوانين المعادن، فقد يبنى بناء شامخ، الحديد خصائصه ثابتة، لو تغيرت خصائص الحديد لانهار البناء. ثبات خصائص البذور، ثبات ملايين القوانين، لكن الرزق ليس ثابتا، والصحة ليست ثابتة، وكأن الصحة والرزق أداتان من أدوات تربية الله لنا، فلذلك ربط الرزق أحيانا بالتقوى والاستقامة، والطاعة والاستغفار، وهناك بحث قيم جداً حول زيادة الرزق وفق الكتاب والسنة. كلمة ( الرزق ) واسعة غير محصورة في المال: لكن النقطة الدقيقة أن كلمة رزق أوسع بكثير من أن تكون مالاً أو طعاماً وشراباً، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (82) ﴾ ( سورة الواقعة ) فالإنسان إذا عرف الله فهذا رزق من الله، فإذا ألقى الله في قلب الإنسان الأمن فهذا من رزق الله، الأمن رزق، إذا ألقى الله في قلبك الرضا هذا رزق، إذا ألقى الله في قلبك السكينة فهذا رزق، إذا ألقى الله في قلبك الرحمة فهذا رزق، لذلك الأرزاق أوسع بكثير من أن تكون مالاً أو صحة أو طعاماً وشراباً. الرزق هو الشيء الذي تنعم به، فنعمة الأمن من أعظم الأرزاق، والرضى من أعظم الأرزاق، والصحة من أعظم الأرزاق، لذلك العلماء أشاروا إلى ما يسمى الرزق السلبي، حينما تعافى من جميع الأمراض فهذا رزق سلبي، يمكن أن يدفع الإنسان الملايين لمعالجة جسمه من مرض عضال، حينما ينجو الإنسان من ظلم ظالم قد يبدد المال كله، هناك رزق سلبي، وهو من خصائص المؤمنين، فإذا نجاك الله من أمراض عضالة، من ظلم الظالمين فهذا رزق. فلذلك الرزق أوسع بكثير من أن يكون طعاماً وشراباً، أو من أن يكون مالاً، لذلك إن الله يعطي الصحة والذكاء والمال والجمال للكثيرين من خلقه، و لكنه يعطي السكينة بقدر لأصفيائه المؤمنين، السكينة رزق، كما أن المال رزق، والجمال رزق، والصحة، والقوة والسكينة رزق، والرضى رزق، والحكمة رزق، قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا (269) ﴾ ( سورة البقرة) وأرزاق الله عز وجل لا تعد ولا تحصى، ولكن معظمها يستحقها المؤمن بإيمانه وتوحيده واستقامته، وإذا ذهبت لتعدد النعم التي أسبغها الله على المؤمنين فإنها نعم عظيمة لا تعد ولا تحصى. أيها الإخوة، من أشقى الناس مَن كان رزقه من الله أن يكذب بآياته، قال تعالى: ﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (82) ﴾ ( سورة الواقعة ) بعثة النبي أعظم منحة إلهية لنا، القرآن الكريم منهج عظيم سخره الله لنا، لذلك أيها الإخوة، يجب أن نفهم مبدئياً أن الرب رب، وأن العبد عبد، بمعنى أن الله سبحانه وتعالى حينما أراد أن يؤكد بشرية الأنبياء ماذا قال ؟ قال تعالى: ﴿ وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ (20) ﴾ ( سور الفرقان ) أي هم مفتقرون في وجودهم إلى تناول الطعام، ومفتقرون في ثمن الطعام إلى أن يمشوا في الأسواق، هذا شأن العبد، مفتقر إلى الطعام والشراب، ومفتقر إلى ثمن الطعام والشراب، إذًا هو يعمل، فالذي يعمل ليكسب مالاً ليشتري طعاماً ليس إلهًا. ﴿ وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ (20) ﴾ ( سور الفرقان ) من معاني الرزّاق خلقُ الأرزاق بحكمة من حيث النوع والكم والوقت والتتابع: http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/737/03.jpg أيها الإخوة الكرام، من معاني الرزاق أنه خلق الأرزاق، كم من الدواب يذبح كل يوم على مستوى الأرض ؟ مليارات، هذا رزق العباد، كم من أطنان القمح ينتج كل عام ؟ بلدنا الطيب المتواضع ينتج أحيانا من محافظات شمال شرق ستة ملايين طن، وحاجة بلدنا كله إلى مليون طن فقط، إذًا الله عز وجل رزاق، مَن خلق هذا القمح ليكون غذاء كاملا ؟ الله جل جلاله، مَن جعل سوق القمح غذاء نموذجيا كاملا للدواب ؟ الله جل جلاله، التبن الذي هو سوق القمح هذا غذاء إستراتيجي للأنعام، من صمم القمح ليكون غذاء كاملاً ؟ عدد أنواع القمح بعشرات الألوف، هذا القمح ينبت في الصيف والشتاء، وفي قمم الجبال وفي الوديان والصحاري والسواحل، وفي المنطقة الحارة والباردة، أنواع منوعة رزقا للعباد، الله عز وجل جعل هذا الغذاء كاملا، من أعطى هذه الدابة القدرة على إنتاج الحليب ؟ مما يلفت النظر أن الغدة الثديية في البقرة شيء محير، إنها كالقبة تماماً، فوق هذه القبة شبكة أوعية دموية كثيفة جداً، وأن الخلية الثديية تختار من الدم حاجتها لتكوين الحليب، قال تعالى: ﴿ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (66) ﴾ ( سور النحل ) http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/737/04.jpg الفرث قد يكون سائلاً، وقد يكون غازياً، كثاني أكسيد الفحم، وقد يكون صلباً كالروث. ﴿ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (66) ﴾ ( سور النحل ) هذا الحليب الذي وهبنا الله إياه عن طريق الأنعام غذاء كامل، ما شرب النبي عليه الصلاة والسلام من هذا الحليب شيئاً إلا قال: اللهم زدنا منه، مشتقات الألبان غذاء أساسي للإنسان، من صممه ؟ من خلقه ؟ الله جل جلاله. هذه الفواكه التي ترونها من صمم أنها تنضج خلال صيف بأكمله، لماذا القمح ينضج في يوم واحد ؟ والفواكه تنضج على مدى الصيف ؟ حدثني أخ كريم ضمن حقل من البطيخ قال لي: جنيت منه قدرَ تسعين سيارة، كل يوم سيارة مملوءة على مدى ثلاثة أشهر. من جعل الفاكهة تنضج تِباعاً ؟ من برمج أن هذه فواكه تبدأ بالكرز، ثم المشمش، ثم التفاح، ثم الأجاص... من وزع نضج هذه الفواكه، وجعل آخرها العنب على مدى الصيف، تصميم من ؟ رزق من ؟ لذلك معنى الرزاق أنه خلق الأرزاق، لكن الذي يلفت النظر تناسب هذه الأرزاق مع بنية الإنسان، القمح غذاء كامل للإنسان. حليب البقرة: http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/737/05.jpg فهذه الغدة الثديية خلية تختار هي مِن شبكة الدم الذي فوقها ما يناسبها لصنع الحليب، أما كيف تختار، وكيف تصنع الحليب، هذا حتى الآن شيء غير معلوم، لكن هذه الغدة الثديية التي على شكل قبة تأخذ حاجتها من الدم، وترشح نقطَ من الحليب، هذه النقاط تجتمع في ثدي البقرة، ثدي البقرة يجمع أربعين كيلوا من الحليب، ولئلا يتمزق هذا الثدي هناك جداران داعمان متعاكسان في ثدي البقرة، ولكل جزء من هذا الثدي حلمة، لو أن أربعة إخوة لهم بقرة، كل أخ يأخذ من حلمة نصيباً متساوياً مع بقية إخوته، قال تعالى: ﴿ وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ (5) ﴾ ( سور النحل ) هذا معنى اسم ( الرزاق )، من صمم هذه البقرة ؟ إنها معمل صامت رائع، تأكل الحشيش فتعطيك الحليب، من صمم الدجاجة تأكل كل شيء فتعطيك البيضة ؟ من صمم هذه الفواكه والثمار؟ هذه الخضراوات ؟ من صمم المحاصيل القمح والشعير والعدس والحمص ؟ من جعل هذه المواد متوافقة أتم التوافق مع بنية الإنسان ؟ لو أن التفاحة مثلاً بقوام لا يقطع بأسنانك ماذا تفعل ؟ لو أن طعم التفاحة لا يحتمل لا تأكلها، لو أن شكلها لا يعجبك لا تأكلها، الشكل مناسب، والطعم مناسب، والقوام مناسب، وفيها معادن، وفيها حديد، وفيها مغنيزيوم، ومواد سكرية، وحجم معتدل، ولها قشرة تحميها من العطب، هذا تصميم من ؟ لذلك أيها الإخوة، قال تعالى: ﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24) ﴾ ( سور عبس ) هذا أمر إلهي في القرآن الكريم، وكل أمر في القرآن الكريم يقتضي الوجوب، قال تعالى: ﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (25) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (26) ﴾ ( سور عبس ) إذاً: التفكر في الرزق من موجبات القرآن الكريم، لأن القاعدة الأصولية: كل أمرٍ في القرآن الكريم يقتضي الوجوب، وأنت تأكل الطعام صباحاً وظهراً ومساءً تفكر، الزبدة من مشتقات الألبان، واللبن المصفى من مشتقات الألبان، والجبنة من مشتقات الألبان، والقشطة من مشتقات الألبان، والسمن من مشتقات الألبان، ما هذه الألبان التي أكرمنا الله بها ؟ الأرزاق متناسبة مع بنية الجسم: لذلك أيها الإخوة، مما يلفت الأنظار أن هذه الأرزاق متناسبة تناسباً رائعاً مع بنية الجسم. أحياناً تشتري قطعة لمركبتك، حينما تأتي في مكانها الصحيح، على مستوى الميليمتر معنى ذلك أن المعمل واحد، المعمل الذي صنع السيارة هو الذي صنع هذه القطعة، وتناسب الأرزاق بدءاً من العدس والشعير، والقمح والحمص إلى الخضراوات إلى فواكه، إلى الألبان إلى العسل، تناسب هذه الأرزاق مع بنية الجسم هذا من صنع الحكيم، وهذا يؤكد اسم ( الحكيم ) أيضا. كيف يكسب الناس الأرزاق ؟ شيء آخر، كيف تكسب هذا الرزق ؟ جعل لك معايش، هذا معنى دقيق جداً، فكم من إنسان في الأرض يعيش على طول الشعر ؟ ملايين، كم من إنسان يعيش على الحر المكيفات والبرادات والثلج ؟ كم من إنسان يعيش على الحر ؟ كم من إنسان على الأرض يعيش على البرد ؟ كم من إنسان في الأرض يعيش على جهل الصغار بالتعليم والجامعات، كم من إنسان يعيش على المرض ؟ كم من طبيب في الأرض ؟ معنى معايش أي: أسباب لكسب الرزق، وجعلها متناسبة مع الإنسان، ثم أعطاك وسائل كسب الرزق. إنّ الإنسان يتمتع بخبرة عالية، هذه الخبرة مودعة في ذاكرته، والإنسان يتبدل تبدلا كاملا كل خمس سنوات، إلا دماغه وقلبه، إذا تبدل الدماغ خسر كل خبرته، فيقول: أنا كنت طبيبا، لكن ثبات خلايا الدماغ مِن نعمِ الله الكبرى. الخبرات: وأحد أسباب كسب الرزق خبراتك، والخبرات التي تملكها إما خبرات في الطب، أو الهندسة، أو الفيزياء، أو الكيمياء، أو الرياضيات، أو الفلك، أو في صنعة، أو في حرفة، أو في مهارة، أو في شيء آخر، فكلّ إنسان يعيش بالخبرة التي يملكها من حرفة يحترفها، من مهنة يمتهنها، فهي خبرات متراكمة. إذاً: الله عز وجل فضلاً على أنه خلق لك الأرزاق، وجعلها متوافقة توافقا تاماً مع خلق الإنسان، أعطاك وسائل لكسب الرزق، كل واحد منا له عمل، والعمل بفضل مهارات يملكها وخبرات، هذا بالتجارة، هذا بالصناعة، هذا بالزراعة، هذا بالطب، هذا بالهندسة، هذا بالتدريس، هذا بالفيزياء، بالكيمياء، بالحقوق لحل مشكلات الناس، كل إنسان يعيش من حرفة، من مجموعة خبرات متراكمة يستخدمها لكسب المال، إذاً: الله عز وجل جعل لك معايش، والآية دقيقة: ﴿ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ (10) ﴾ ( سور الأعراف ) يعني وسائل فعالة لكسب الرزق. بين فقرِ القدَر وفقرِ الكسل فقرِ الإنفاق: أيها الإخوة الكرام، لكنك إذا رأيت إنساناً فقيراً فأنا لي رأي في هذا الموضوع، هناك فقر القدر، إنسان معه عاهة معذور عند الله، هذا قضاء الله وقدره، وله حكمة بالغة، عرفها مَن عرفها، وجهلها مَن جهلها، لكن هناك الفقر المذموم، وهو فقر الكسل، هذا صاحبُه يرجئ، ولا يتقن عمله، بل يقصر ويغش أحياناً، هذا الإنسان إذا كان فقيراً ففقره من خطأ يرتكبه، إنه الكسل، أنا أسميه فقر الكسل، وهناك فقر الإنفاق، فقر سيدنا الصديق حينما أنفق ماله كله، فقال: يا أبا بكر، ماذا أبقيت لنفسك ؟ قال: أبقيت الله ورسوله، هناك فقر القدر، وفقر الكسل، وفقر الإنفاق. أسباب الرزق: لكن الرزق أيها الإخوة له سببان أساسيان، أن تأخذ في أسباب الرزق، ثم تتوكل على الله. السبب الأول: الأخذ بالأسباب: عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ، فَقَالَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ لَمَّا أَدْبَرَ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ، وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ، فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ )) [ أبو داود وأحمد ] أن أسعى، أن أخرج من البيت، أن أقرأ الصحف التي فيها إعلانات لأعمال، أن أتحرك. السبب الثاني: التوكُّل على الله: ثم أتوكل، لذلك لما سيدنا عمر رأى أناساً يتكففون الناس في الحج فقال: << من أنتم ؟ قالوا: نحن المتوكلون، قال: كذبتم، المتوكل من ألقى حبة في الأرض، ثم توكل على الله >>. يدرس، يجمع الخبرات، يطرق أبواب الوزارات، أحياناً يفتح الصحف التي فيها إعلانات عمل، هذا هو السعي، وبعدئذ يتوكل على الله عز وجل. أيها الإخوة الكرام، لكن آية مهمة جداً تحتاج إلى شرح طويل، هي قوله تعالى: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ (3) ﴾ ( سورة الطلاق ) http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/737/06.jpg أنا متى أقول: أين المخرج ؟ حينما تكون الأبواب كلها مغلقة أبحث عن المخرج، أحيانا كلما طرقت باباً رأيته مسدودا، فباب الوظيفة مسدود، وباب التجارة مسدود، وباب الصناعة مسدود مثلاً، فالرزق أحياناً يجعلك في حيرة من أمرك، الأبواب كلها مغلقة، اتق الله، طبق منهج الله، وانتظر أن يفتح الله لك أبواب رزقه، هذه آية، ولزوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين، والآية وعد: ﴿ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا ﴾ ( سورة الطلاق ) هذا الكلام موجه للشباب، الشاب بحاجة إلى عمل، بحاجة إلى مسكن، بحاجة إلى زوجة، وقد يتوهم أحياناً أن الطرق كلها مسدودة. ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ (3) ﴾ ( سورة الطلاق ) هذا كلام خالق الأكوان، هذا كلام من هو طليق الإرادة، هذه الآية وما فيها من وعد لا علاقة لها بالظروف كلها، ظروف صعبة، بطالة، فرص عمل قليلة، هذا كله كلام غير مقبول. ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ (3) ﴾ ( سورة الطلاق ) ولهذه الآية وقفة متأنية إن شاء الله في لقاء قادم. والحمد لله رب العالمين |
رد: اسماء الله الحسنى
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : اسم الله - الرزاق -2-اسماء الله الحسنى الدرس : ( الحادى العاشر ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. مع اسم من أسماء الله ( الرزاق ): ولازلنا أيها الإخوة مع اسم ( الرزاق ). وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ والآية التي ينبغي أن تكون في مقدمة هذا الدرس، قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ (3) ﴾ ( سورة الطلاق ) 1 – الآية في معناها السياقي والمعنى العام: أحياناً الآية لها معنىً في سياقها، والآية وردت في سورة الطلاق، أي أنه من يتق الله في تطليق زوجته، فيطلقها طلاقاً سنياً لا طلاقاً بدعياً يجعل الله له مخرجاً إلى إرجاعها، أما إذا نزعت الآية من سياقها فلها معان لا تعد ولا تحصى. 2 – الآية في معناها العام: فمن يتق الله في اختيار زوجته يجعل الله له مخرجاً من الشقاء الزوجي. ومن يتق الله في تربية أولاده يجعل الله له مخرجاً من عقوقهم. ومن يتق الله في كسب ماله يجعل الله له مخرجاً من إتلاف ماله. ويمكن أن نتحدث عن هذه الآية ساعات وساعات، ولكن في موضوع الرزق، قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ (3) ﴾ ( سورة الطلاق ) الأمر بيد الله، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد. ﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ﴾ ( سورة هود: من الآية 123 ) فهذا الذي يستقيم على أمر الله له عند الله رزق وفير، وهذا الكلام ينطبق على كل مسلم إلى يوم القيامة، وهذا الوعد فوق الظروف الصعبة، وفوق انتشار البطالة، وفوق قلة المكاسب، جميع الظروف الاستثنائية التي تحول بين الإنسان والرزق تعطل مع هذا الوعد الإلهي، لكل مسلم إذا استقام على أمر الله عز وجل، وكل إنسان يتعامل مع الله وفق هذه الآية له عند الله رزق وفير. ﴿ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا ﴾ ( سورة الطلاق ) وذكرت أن الإنسان حينما يبحث عن مخرج فمعنى ذلك أن الأبواب كلها مغلقة. ضاقَت فَلَمّا اِستَحكَمَت حَلَقاتُها فُرِجَت وَكُنتُ أَظُنُّها لا تُفرَجُ *** فعلاقتك مع الله في هذا الموضوع أن اتقِ الله " عبدي، كن لي كما أريد أكن لك كما تريد، كن لي كما أريد، ولا تعلمني بما يصلحك، أنت تريد، وأنا أريد، فإذا سلمت لي فيما أريد كفيتك وما تريد، وإن لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد، ثم لا يكون إلا ما أريد ". في هذا الموضوع لو أن الإنسان تعامل مع الله مباشرة فاتقى الله، وحرص حرصاً لا حدود له على طاعته، فالله عز وجل هو الرزاق، يرزقه من حيث لا يحتسب، والقصص التي تؤكد هذا المعنى كثيرة لا تعد ولا تحصى، وهذا ليس خاصا بإنسان دون إنسان، هذا لكل مسلم. سيدنا يونس في بطن الحوت قصةٌ وقانون: أوضح لكم هذه الحقيقة من خلال هذه الآية عن سيدنا يونس، نبي كريم يجد نفسه فجأة في بطن حوت، والحوت وزنه مئة وخمسون طنًّا، خمسون طنا من لحم، و خمسون طنا من عظم، خمسون طنا من دهن، يستخرج منه تسعون برميلا زيتا، والإنسان بإمكانه أن يقف على فم الحوت بقدميه، ووجبة الحوت المعتدلةُ أربعة أطنان، قال تعالى: ﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ (88) ﴾ ( سورة الأنبياء) دقق الآن، قَلَبَ الله القصة إلى قانون، قال تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88) ﴾ ( سورة الأنبياء) في كل زمان، وفي كل مكان، وفي كل مصر، وفي كل قطر، وفي كل ظرف، إن كنت في الهواء، أو كنت على أطباق الماء، أو كنت تحت الثرى. ﴿ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88) ﴾ ( سورة الأنبياء) ﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88) ﴾ ( سورة الأنبياء) سيدنا موسى وفرعون: هذا القرآن لنا، هذا القرآن يبين لنا أن الله مع المؤمن، قال تعالى: ﴿ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (62) ﴾ ( سورة الشعراء ) احتمال النجاة صفر، فرعون بجبروته، بطغيانه، بحقده، بأسلحته، بما يملك يتبع شرذمة قليلة، والبحر أمامهم. ﴿ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾ ( سورة الشعراء ) هذا الكلام لنا، ينبغي ألا نيئس، ألا نقع في الإحباط، أن نحسن الظن بالله، إذاً: ﴿ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا ﴾ ( سورة الطلاق ) كن صادقاً، كن أميناً، انصح الناس، لا تفكر أن تكسب الرزق بمعصية، فما عند الله لا ينال بمعصيته، ومن ابتغى أمراً بمعصية كان أبعد مما رجا، وأقرب مما اتقى. ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ (3) ﴾ ( سورة الطلاق ) والقصص التي تؤكد هذا المعنى والله لا تعد ولا تحصى. قانون التيسير: أيها الإخوة، الإنسان أحياناً يشكو من التعسير، لكن ربنا وإلهنا وخالقنا يقول: ﴿ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا ﴾ ( سورة الطلاق ) الأمور ميسرة، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، قال تعالى: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى(5)وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى(6)فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى(7) ﴾ ( سورة الليل ) التيسير له قانون، واللهُ عز وجل التعامل معه وفق قواعد ثابتة. ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) ﴾ ( سورة الليل ) ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا (5)﴾ ( سورة الطلاق ) تقول: لي أعمال خطيرة، لي ذنوب كبيرة، نقول لك: ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا (5) ﴾ ( سورة الطلاق ) ثلاث آيات في سورة الطلاق: الأولى: ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ (3) ﴾ ( سورة الطلاق ) الثانية: ﴿ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا ﴾ ( سورة الطلاق ) الثالثة: ﴿ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا ﴾ ( سورة الطلاق ) وسائل وأسباب زيادة الرزق: هل من وسائل ذكرها القرآن الكريم، أو هل من أسباب بيّنها الكتاب في زيادة الرزق، وكما تعلمون الإنسان حريص حرصاً لا حدود له على بقائه، وعلى سلامة وجوده، وعلى كمال وجوده، وعلى استمرار وجوده، وعلى رزقه: 1 – الاستقامة على أمرِ الله: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/739/01.jpg الله عز وجل يقول: ﴿ وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا ﴾ ( سورة الجن ) أول أسباب زيادة الرزق الاستقامة على أمر الله، فقد يحرم المرء بعض الرزق بالمعصية. إن بيتا تؤدى فيه الصلوات، ومحلا تجاريا فيه غض بصر، فيه ضبط لسان، فيه إقامة صلوات، هذا البيت والمحل التجاري مرزوقان. ﴿ وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا ﴾ ( سورة الجن ) أحد أكبر أسباب زيادة الرزق الاستقامة. ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (31) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (32) ﴾ ( سورة فصلت ) الحزن مع الإيمان بالله مستحيل، الأمر بيده، وهو معنا يسمع ويرى، ويعلم، والأمر كله بيده، لذلك: كن مع الله تـر الله مع واترك الكل وحاذر طمعك و إذا أعطاك من يمنعه ثم من يعطي إذا ما منعـك *** فتعليق الأمل بالله عز وجل، والاستقامة على أمره أحد أسباب زيادة الرزق. 2 – الإيمان والتقوى: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/739/02.jpg قال تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ (96) ﴾ ( سورة الأعراف ) أحياناً تنزل أمطار ما ينزل في عام بأكمله يمكن أن ينزل في ليلة واحدة. ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ (96) ﴾ ( سورة الأعراف ) مرة كنت أستمع إلى حوار صاحِبَيْ معملي تطريز، قال له: بعنا بيعًا يخيف، قال له: ما السبب ؟ قال: الأمطار هذا العام كانت غزيرة، الرزق في السماء. أيها الإخوة، الآن الإيمان والتقوى أحد أسباب زيادة الزرق، وكل مؤمن حريص على أن يكون رزقه وفيراً، هذا شيء مكنوز في أعماقك، لذلك عليك أن تستقيم على أمر الله، الآية الدقيقة: ﴿ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (66) ﴾ ( سورة الزمر ) عليك أن تعبد الله، وعلى الله الباقي. هناك معنى دقيق جداً: ﴿ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ ﴾ عليك أن تعبد الله، والله سبحانه وتعالى يتولى أن يرزقك رزقاً وفيراً فاشكر بعدها. ﴿ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (66) ﴾ ( سورة الزمر ) أنا لا أريد لإنسان يؤمن بالله أن ييئس، أن يشعر بالإحباط، أن يقول: الأمور صعبة جداً، على الله ليس هناك شيء صعب، على الله كله يسير، ما عليك إلا أن تستقيم على أمره. 3 – الصلاة: الآن أحد أسباب زيادة الرزق: ﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا (132) ﴾ ( سورة طه ) ﴿ لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (132) ﴾ ( سورة طه ) http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/739/03.jpg الأب أحياناً يسأل: أتناول ابنه الطعام قبل أن ينام ؟ تقول له أمه: أكل، هل كتب وظائفه ؟ نعم، كتب، وقلّما يسأل امرأته: هل صلى العشاء ؟ ﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا (132) ﴾ ( سورة طه ) البيت الذي تؤدى فيه الصلوات بيت مرزوق، المحل الذي يصلي أفراده الصلوات الخمس محل مرزوق. ﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا (132) ﴾ ( سورة طه ) واصطبر على أدائها. (( علموا، ولا تعنفوا فإن المعلم خير من المعنف )) [ الجامع الصغير عن أبي هريرة بإسناد ضعيف ] هذا سبب ثالث لزيادة الرزق أن تقام الصلوات في البيت وفي العمل. 4 – الاستغفار: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/739/04.jpg شيء آخر، هناك رجل جاء إلى بعض العلماء يشكو له عدم الإنجاب، قال له: استغفر الله، إنسان آخر يشكو له من مشكلة فيما بينه وبين أهله، قال: استغفر الله، وإنسان سأله أن المطر لا تهطل، فقال له: استغفر الله، قال: عجبت لك يا إمام، أو كلما سألك إنسان تقول له: استغفر الله، قال: اسمع قوله تعالى: ﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (12) ﴾ ( سورة نوح) هذا كلام خالق السماوات والأرض، وزوال الكون أهون على الله من ألاّ يحقق وعوده للمؤمنين. أيها الإخوة الكرام، المسلمون ينعمون في بحبوحتين، بحبوحة اتباع سنة رسول الله وبحبوحة الاستغفار، الدليل: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ (33) ﴾ ( سورة الأنفال) 5 – اتباع سنة النبي عليه الصلاة والسلام: معنى الآية بعد انتقال النبي عليه الصلاة والسلام إلى الرفيق الأعلى: أي يا محمد، ما دامت سنتك مطبقة في بيوتهم، وفي أعمالهم، وفي كسب أموالهم، وفي إنفاق أموالهم، وفي حلهم وترحالهم، وفي أفراحهم وأتراحهم، مادامت سنتك مطبقة فيهم فأمتك في مأمن من عذاب الله، فإذا عذبت أمة محمد عليه الصلاة والسلام فهذا دليلُ عدمِ تطبيق السنة. ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ (33) ﴾ ( سورة الأنفال) http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/739/05.jpg مستحيل وألف ألف مستحيل أن تعذب أمته ومنهج النبي عليه الصلاة والسلام مطبَّق فيها، هذا المعنى يذكرنا بأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (( يَا مُعَاذُ، وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنَّ حَقَّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ، وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَحَقَّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا )) [ متفق عليه عن معاذ ] أنشأ الله لك حقاً عليه إذا عبدته ؛ لك حق عليه ألا يعذبك، لذلك: ﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ (18) ﴾ ( سورة المائدة) هذه دعواهم: ﴿ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ (18) ﴾ ( سورة المائدة) وإذا قال المسلمون: نحن أمة محمد، يقال لهم قياساً على هذه الآية: ﴿ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ (18) ﴾ ( سورة المائدة) الإمام الشافعي يقول: " لو أن الله قبِل دعواهم لمّا عذبهم، لأن الله لا يعذب أحبابه "، فكن مع الله تر الله معك. أيها الإخوة الكرام، نحن في بحبوحة أخرى: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ (33) ﴾ ( سورة الأنفال) ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (33) ﴾ ( سورة الأنفال) نحن في بحبوحتين ؛ بحبوحة طاعة رسول الله، وبحبوحة الاستغفار. ﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (12) ﴾ ( سورة نوح) 6 – صلة الرحم: أيها الإخوة، سبب آخر لزيادة الرزق في الحديث الشريف الصحيح يقول عليه الصلاة والسلام: (( مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ ـ أي في أجله ـ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ )) [ البخاري، مسلم، أبو داود، أحمد ] http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/739/06.jpg أحد أسباب زيادة الرزق أن تصل رحمك، وأن تعفو عمن ظلمك، فلذلك أنا أضع بين أيديكم قواعد من كتاب الله ومن سنة رسول الله لزيادة الرزق، وشيء معروف عند كل الناس أن الابن إذا كان باراً بإخوته وأخواته فله رزق وفير، وأيّ إنسان يخرج من ذاته لرعاية مَن حوله مِن أقربائه فهذه صلة للرحم. من السذاجة أن نتوهم أن صلة الرحم أن تطرق باب قريبك في العيد، وتسلم عليه، وتعود إلى بيتك، صلة الرحم تبدأ باتصال هاتفي، تمر بزيارة، بتفقد الأحوال، بمساعدة، بدلالة على الله، فإذا اتصلت به وزرته، وتفقدت شؤونه وأعنته، ثم دللته على الله فهذه هي صلة الرحم. وصلة الرحم ضمان اجتماعي على المستوى القرابة، ورعاية الجار ضمان اجتماعي آخر على مستوى الجغرافيا، فأنت لك أقرباء، ولك جيران، فالله عز وجل أوصاك بأقربائك، وأوصاك بجيرانك، وهذا النظام تضامن اجتماعي في الإسلام، لذلك: (( مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ ـ أي في أجله ـ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ )) [ البخاري، مسلم، أبو داود، أحمد ] 7 – إقامة القرآن: أيها الإخوة الكرام، سبب آخر لزيادة الرزق يقاس على آية، قال تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم ﴾ ( سورة المائدة الآية: 66 ) المسلمون القرآن، ونقول للإخوة المسلمين: لو أن المسلمين أقاموا القرآن الكريم في بيوتهم لأكلوا مِن فوقهم، ومِن تحت أرجلهم، هذه آيات دالة على عظمة الله، وهذه آيات مبشرة، اقرأ القرآن الكريم، وانظر إلى البشريات التي فيه لمَن استقام على أمر الله. وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ لكن كفكرة سلبية في هذا الدرس، قال تعالى: ﴿ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ (188) ﴾ [ سورة البقرة ] سمّى الله مال أخيك مالك، من زاوية واحدة، من زاوية وجوب الحفاظ عليه، كيف أنك تحافظ على مالك. للتقريب: لو أنك أعرت مركبتك لصديقك تقول له: اجعلها كأنها مركبتك، أي: اعتني بها. ﴿ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ (188) ﴾ ( سورة البقرة ) لا تأكل مال أخيك، لأنه يجب أن يكون بمثابة مالك من زاوية واحدة لا من زاوية أكله، بل من زاوية الحفاظ عليه، لذلك كل أنواع الغش في البيع والشراء من باب أكل أموال الناس بالباطل، كل أنواع التزوير، الإيهام، الاحتكار، معاصي البيع والشراء تزيد على مئة، كل أنواع المعاصي في البيع والشراء تحت قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ (188) ﴾ [ سورة البقرة ] إذا أوهمت المشتري أن البضاعة من مصدر معين، وهي من مصدر آخر فهو أكلُ مالٍ بالباطل. ﴿ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ (188) ﴾ [ سورة البقرة ] أيها الأخوة، هذا أيضاً من تماماً الاستقامة على أمر الله: ﴿ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ (188) ﴾ ( سورة البقرة ) هناك سبعمئة ألف دعوى كيدية في قصر العدل، كلها من أجل أكل أموال الناس بالباطل، لو أنصف الناس لاستراح القاضي، وبات عن خليطه راضيا. خاتمة: أيها الإخوة الكرام، لا بد من التأكيد أن الاستقامة على أمر الله، والإيمان بالله، والتقوى، وصلة الرحم، وإقامة منهج رسول الله، والاستغفار هذه كلها من أسباب زيادة الرزق، وكل واحد منا حريص على زيادة رزقه، ولكن الشيء الذي ينبغي أن يكون واضحاً جداً هو أن الله قطَع البشر عن أن يكون لهم دور في إنهاء حياة بعضهم بعضاً، وفي رزق بعضهم بعضاً، كلمة الحق لا تقطع رزقاً، ولا تقرب أجلاً، ومن ابتغى أمراً بمعصية كان أبعد مما رجا، وأقرب مما اتقى، وما عند الله لا ينال بمعصية الله، ومستحيل وألف ألف مستحيل أن تطيعه وتخسر، ومستحيل وألف ألف مستحيل أن تعصيه وتربح، ومستحيل وألف ألف مستحيل أن تطيعه وتذل، وأن تعصيه وتعز، سبحانك لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، وهذه وسائل السلامة والسعادة، وزيادة الرزق، والله سبحانه وتعالى هو الرزاق، ولكن للرزق له قواعد بينها القرآن الكريم، وبينتها سنة سيد المرسلين. والحمد لله رب العالمين |
رد: اسماء الله الحسنى
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : اسم الله - الشاكر -1-اسماء الله الحسنى الدرس : ( الثانى العاشر ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. مع اسم من أسماء الله الحسنى: ( الشاكر ): 1 – ورودُ اسم ( الشاكر ) في القرآن: أيها الإخوة الأكارم، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم هو: ( الشاكر )، فقد ورد هذا الاسم في القرآن الكريم في موضعين، الموضع الأول قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (158) ﴾ ( سورة البقرة) والموضع الثاني: ﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (147) ﴾ ( سورة النساء ) ولم يرد هذا الاسم في السنة المطهرة. 2 – اسم ( الشاكر ) علَمٌ متضمِّن لصفات الكمال: وهذا الاسم يفيد المدح والثناء، مراداً به العلمية، دالاً على كمال الوصفية. حقائق بين يدَي اسم ( الشاكر ): الحقيقة الأولى: الإحسان إلى المخلوق جزاءه دنيوي وأخروي: أيها الإخوة، الحقيقة الأولى في هذا الموضوع: ما من إحسان يقدم إلى مخلوق كائناً من كان أو كائناً ما كان، ما من إحسان يقدم إلى مخلوق عاقل أو غير عاقل إلا سيكافئ الله من أحسن هذا الإحسان في الدنيا أو في الآخرة، وما أحسن عبدٌ من مسلم أو كافر إلا وقع أجره على الله في الدنيا أو في الآخرة، ومستحيل وألف ألف ألف مستحيل أن تقدِّم عملاً طيباً لأيّ جهة في الأرض، لأيّ كائن في الأرض، ثم لا تجد من الله مكافأة ؛ إن في الدنيا أو في الآخرة. أيها الإخوة الكرام، هذه الحقيقة الأولى، لأنك إذا تلقيت معروفاً من إنسان، ولأنك مؤمن، ولأنك على شيء من الكمال لا تملك إلا أن تشكره، لا تملك إلا تبتسم له، لا تملك إلا أن تمتن له، لا تملك إلا أن تثني عليه، فكيف بصاحب الكمال المطلق ؟ فكيف بخالق السماوات والأرض ؟ فكيف بالذي هو صاحب الأسماء الحسنى والصفات الفضلى. أيها الإخوة الكرام، هذه أول حقيقة، إذا أحسنت إلى مخلوق ما، كائناً بشرياً أو حيوانا أو نباتًا فهذا الإحسان محفوظ عند الله، تكافَأ عليه في الدنيا أو في الآخرة أو في الدنيا والآخرة، ولا يضيع عند الله شيء. هذه الحقيقة الأولى لهذا الاسم العظيم. الحقيقة الثانية: كيف يشكرك الله عزوجل ؟ http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/780/01.jpg الحقيقة الثانية، أنت حينما يقدم إليك معروف تشكر بلسانك تقول له: شكراً، جزاك الله خيراً، والإله العظيم إذا قدمت إلى أحد عباده معروفاً، تعرفه أو لا تعرفه، عرف أو لم يعرف فإنه يشكرك. سيدنا عمر مرة جاءه رسول من معركة نهاوند، وحدثه عن المعركة، ثم قال هذا الرسول: يا أمير المؤمنين، مات خلْقٌ كثير، قال: مَن هم ؟ قال: إنك لا تعرفهم، فبكى عمر، وقال: وما ضرهم أني لا أعرفهم إذا كان الله يعرفهم. لا يمكن أن يضيع عند الله شيء، مهما تصورت العمل قليلا أو صغيرا، ومهما كانت قيمته تافهة فهو عند الله محفوظ، وإذا أسدي إليك معروف تشكر بلسانك، أو تمتن بقلبك، أو تقدم له مكافأة، أو هدية أو عمل أو تقدم له خدمة. هذا الإله العظيم صاحب الأسماء الحسنى والصفات الفضلى، كيف يشكرك ؟ جاءت الآية لتبين بالتعبير المعاصر آلية الشكر، قال تعالى: ﴿ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ (7) ﴾ ( سورة إبراهيم ) معنى الزيادة في قوله تعالى: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ المعنى الأول: الزيادة إما من نوع الذي قدمته، قدمت مالاً، فالله عز وجل شكره لك أن يزيد لك مالك، قدمت له وقتاً، شكر الله لك أن يبارك في وقتك، قدمت له من جهدك، شكر الله لك أن يسخّر من يقدم لك جهداً، ومستحيل أن تفعل معروفاً دون أن ترى الجزاء. أيها الإخوة الكرام، لو أخذنا المال، إن قدمت مالاً فالله يشكرك بأن يزيد في مالك، والآية التي تصدق على كل حالات الشكر: ﴿ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ (7) ﴾ ( سورة إبراهيم ) لذلك قال تعالى: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (261) ﴾ ( سورة البقرة) عبدي: (( أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ )) [ ابن ماجه عن أبي هريرة ] (( أنفق بلال، ولا تخشَ من ذي العرش إقلالا )) [ الطبراني في المعجم الكبير والأوسط بسند حسن عن أبي هريرة ] الله يعلم المحسن ويخلف عليه مالَه: لكن لاحظ الإنسان لما يذهب إلى مريض ؛ دون أن يشعر هو حريص حرصاً بالغاً أن يضع بطاقة في داخل الهدية ليتأكد أنهم إذا فتحوا هذه الهدية، ويرون مَن الذي أرسل هذه الهدية، فأنت حريص على أن يعلم مَن قدمت له الهدية أنها منك، فلا تكتفي أن تعطيها لابنه، ولا تكتفي أن تضع البطاقة على ظاهر الهدية فقط فتسقط، بل تضعها في داخل الهدية كي تتأكد أن الذي قُدِمَت له هذه الهدية عرف من أين جاءته، والله عز وجل يقول: ﴿ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ (270) ﴾ ( سورة البقرة) طمأنك الله عز وجل أنّ أيّ عمل صالح تقدمه لمخلوق كائناً مَن كان هو في علم الله، ومع الله لا تحتاج إلى بطاقة ؛ أن هذا العمل من فلان. ﴿ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ (270) ﴾ ( سورة البقرة) هذه الحالة الأولى، أنت بحاجة إلى أن تتأكد أن هذا العمل الذي قمت به بعلم الله، والإنسان كما قال الله عز وجل يحب المال: ﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ (14) ﴾ ( سورة آل عمران) في أصل كيانك فُطرتَ على حب المال، والبشر جميعاً من دون استثناء يحبون المال، لكن بعضهم يصرّح، وبعضهم لا يصرّح، لكن الذي لا يصرّح هو يحب المال كالذي يصرّح، هذه جِبِلّة فينا، ولأننا نحب المال كان إنفاق المال عملاً ثميناً، لأنك تنفق شيئاً تحبه. كما تعلمون الإنسان جُبِلَ على طبع، ومعه تكليف، طبعه أن يأخذ المال، والتكليف أن ينفقه، طبعه أن يبقى نائماً، والتكليف أن يستيقظ، طبعه أن يملأ عينيه من محاسن النساء، والتكليف أن يغض البصر، طبعه أن يخوض في فضائح الناس، والتكليف أن يسكت، فلذلك الله عز وجل يقول لك: ﴿ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ (39) ﴾ ( سورة سبأ) هؤلاء الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ألا تكفيهم هاتان الآيتان، الله يعلم وهو يخلف، وما نقص مال من صدقة: (( يا عبدي، أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ )) [ الترغيب والترهيب بسند صحيح ] (( أنفق بلال، ولا تخشَ من ذي العرش إقلالا )) [ الطبراني في الكبير والبزار عن أبي هريرة بسند صحيح ] (( صدقة السر تطفئ غضب الرب )) [ أخرجه ابن عساكر عن ابن عباس ] (( الصدقة تقع في يد الله قبل أن تقع في يد الفقير )) [ الطبراني عن أبي أمامة بسند ضعيف ] (( باكروا بالصدقة، فإن البلاء لا يتخطاها )) [ الجامع الصغير عن علي بإسناد ضعيف ] والقصص التي تروى في هذا الموضوع واللهِ لا تعد ولا تحصى، حتى إن المؤمن ليخجل من الله. http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/780/02.jpg سيدنا عبد الرحمن بن عوف من كبار الصحابة، كان ذا مال وفير، مرة بلغه أنه سوف يدخل الجنة حبواً، قال: << والله لأدخلنها رملاً، وما عليّ إذا كنت أنفق مئة في الصباح فيؤتيني الله ألفاً في المساء ؟ >>. (( أنفق بلال، ولا تخشَ من ذي العرش إقلالا )) أنا أتمنى عليكم أن تسألوا محسنا عما حصل له بعد إنفاق المال، يا بني، العلم خير من المال، لأن العلم يحرسك، وأنت تحرس المال، الإنسان يحرسه الله بالعلم، لكن المال إذا أنفقته في الحسابات في الآلة الحاسبة يقلّ، لكن برحمة الله يزيد، فلذلك نحن قد نغفل في حياتنا حسابات البركة، فإذا أنفق الإنسان ماله بارك الله له في ماله، والحد المعقول أنه يرزقه رزقاً سلبياً، ما هو الرزق السلبي ؟ الحد الأدنى أن يحفظه من أمراض وبيلة، من ظلم ظالم، من مصادرات، من مخالفات، من بطش الأقوياء، من تدمير، من حريق، من خراب، هذا رزق سلبي، وأحيانا الله عز وجل يبارك له في ماله، فبمال معقول يحقق أهدافا كبيرة جداً، هذا من مكافأة الله للمحسن، يحفظه، ويبارك له في ماله. أيها الإخوة الكرام، هذان باعثان لإنفاق المال، أن الله يعلم، وأن الله يخلف على المنفق ماله، أي: يضاعف له هذا المال أضعافاً كثيرة، ويمكن أن تتعامل مع الله بآيات القرآن الكريم، ويمكن أن تتعامل معه بطريقة عملية، فإذا اقتربت منه بنفقة كافأك مكافأة كبيرة. والله مرة حدثني أخ توفي أحد أقربائه، فزار أولاده، وقال لهم: دَيْن أبيكم عليّ، لكنه لا يعلم كم الدين، وهذا خطأ منه، توقعه بعشرات الألوف، فإذا هو بمئات الألوف أقسم لي بالله أن دفع مبلغا قريبا من أربعمئة ألف ليرة، بالتمام والكمال، وحدثني عن قصته في صحن المسجد، وبكى، قال: والله بعد أيام جاءني مبلغ من صفقة لبضاعة كاسدة نصيبي من هذه الصفقة المبلغ الذي دفعته. أحيانا تتعامل مع الله بالتعامل اليومي: ﴿ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ (270) ﴾ ( سورة البقرة) ﴿ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ (39) ﴾ ( سورة سبأ) هذه الحقيقة الأولى، شكر الله لك، الله شاكر، إذا أنفقت من مالك يزيد لك مالك، وما نقص مال من صدقة. (( أنفق بلال، ولا تخشَ من ذي العرش إقلالا )) (( يا عبدي، أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ )) المعنى الثاني: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/780/03.jpg المعنى الثاني أيها الإخوة، أيّ عمل صالح اتجاه أيّ مخلوق، كائناً من كان هو قرض لله حسن، وهناك آية قرآنية الذي يقرأها من المؤمنين يقشعر جلده: ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً (245) ﴾ ( سورة البقرة) الله عز وجل عدّ أيّ عمل صالح، ولو اتجاه حيوان، ولو اتجاه نبات، سقيت نباتا، هذا العمل يضاعف لك جزاءه أضعافاً كثيرة، فأنت معرّض كل يوم أن تقرض الله قرضاً حسناً، هذا معنى دقيق جداً، الإله العظيم يقول لك: يا عبدي، أقرضني، اعتنِ بهذا المخلوق، أطعم هذا الجائع، اكسُ هذا العاري، عالج هذا المريض، هناك أصحاب حرف مؤمنون يقدمون جزءا من خبراتهم لوجه الله. أبوابُ العمل الصالح لا تعدّ ولا تُحصى: حدثني طبيب أسنان جاءته مريضة تحتاج إلى تقويم لأسنانها، وهي معلمة، ودخْلها محدود جداً، والمبلغ فوق طاقتها، فبعد أن اعتذرت عن متابعة المعالجة للرقم الكبير ناداها، قال: هل تقبلين هذا التقويم هدية مني ؟ يقسم لي بالله العظيم أنه أمضى ستة أشهر وكأنه في الجنة. http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/780/04.jpg أحيانا هناك مكافأة من نوع ثانٍ، الله يكافئك بسعادة، بطمأنينة غير المكافأة المادية، أنت مفطور على حب وجودك، وعلى حب سلامة وجودك، وعلى حب كمال وجودك، وعلى حب استمرار وجودك. دققوا أيها الإخوة الكرام، سلامة وجودك بطاعة الله، والطاعة الاستقامة، والاستقامة سلبية، والاستقامة تسبقها ( ماءات ) جمع ما النافية، ما أكلت مالاً حرامًا، ما كذبت، ما غششت، كلها ( ماءات )، الاستقامة تحقق لك السلامة، أما كمال الوجود فلا تكفيه الاستقامة، يحتاج إلى بذل، بذل من وقتك من مالك، من خبرتك، كمال الوجود يحتاج إلى بذل، إلى عطاء من وقتك، من مالك، من خبرتك، لذلك: ﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (110) ﴾ ( سورة الكهف ) أضرب مثلا لعلّي أذكره كثيراً: مجنَّد غرّ التحق بقطعة عسكرية، القطعة جزء من لواء كبير، أو من فرقة كبيرة على رأسها لواء أركان حرب، هذا الجندي الغر لا يستطيع الدخول على هذا اللواء الكبير بحكم التسلسل العسكري، هناك سبعة أمامه، وسبعتان، عريف أول، و ثمانية، وثمانيان، ونجمة ونجمتان، وتاج ونجمتان، لكن هذا المجند الغر الذي التحق منذ التطوع بإمكانه أن يدخل على اللواء من دون إذنٍ إذا وجد ابنه يسبح، وكان يغرق فألقى بنفسه في الماء وأنقذه، فهْمكم كفاية. إذا خدمت إنسانا، أطعمت جائعا، كسوت عاريا، لبَّيت حاجة إنسان، أنت موظف، جاءك مراجع من محل بعيد، ونفقة الإقامة غالية جداً، وجمدت أعمالك كلها وخدمته، مستحيل أن يضيع هذا عند الله، فلذلك صنائع المعروف تقي مصارع السوء. أيّ عمل تقدمه لأيّ مخلوق يعدّ قرضاً حسناً لله عز وجل: ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً (245) ﴾ ( سورة البقرة) أنت معرّض كل يوم إلى تلبية حاجات الناس، سائل سألك، مريض استعان بك، إنسان ضال في الطريق قال لك: أين بيت فلان ؟ وهو غريب، فأَعَنته على الوصول إلى البيت، والقصص والله لا تعد ولا تحصى. إنّ الذين تعاملوا مع الله ذاقوا من الله المكافأة، المكافأة النفسية، والمكافأة المادية بالعطاء، لذلك حينما يكون الإنسان محسناً، وتأتيه الخيرات من كل جانب هذا بسبب إحسانه، وأنت مهمتك في الحياة أن تعبد الله، ثم أن تشكره، لأنك إن عبدته فسوف تأتي الخيرات من كل جانب. http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/780/05.jpg ﴿ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (66) ﴾ ( سورة الزمر ) تنتهي مهمتك أن تعبده العبادة الصحيحة، الصادقة، والعبادة الصحيحة الصادقة جزء منها العمل الصالح، والكلام الدقيق: حجمك عند الله بحجم عملك الصالح. اسأل نفسك: ماذا قدمت للأمة ؟ إذا قدمت لها صناعة متقنة، صار عملك عبادة، لذلك قالوا: العمل الذي ترتزق منه إذا كان في الأصل مشروعاً، وسلكت به الطرق المشروعة، وابتغيت منه كفاية نفسك وأهلك، وخدمة الناس عامة، والمسلمين خاصة، هذا العمل الحرفي المهني لم يشغلك عن طاعة، ولا عن أداة صلاة، ولا عن طلب علم، انقلب على عبادة، لذلك المؤمن عاداته عبادات، والمنافق عباداته سيئات، عباداته الخالصة، صلاته يرائي بها، المؤمن عاداته وأحواله المعيشية، جاء بطعام لبيته، أخذ أهله إلى نزهة، تسجل عند الله عبادة، لأن هدفه إرضاء الله عن طريق خدمة عباده ؟ خاتمة: فلذلك أيها الإخوة الكرام، أي عمل صالح يقدم لأي مخلوق كائناً من كان هو عند الله قرض حسن لله. إذا قال ملِكٌ، أغنى ملوك الأرض لمواطن فقير: أقرضني مئة ليرة، ماذا تفهم منها ؟ أراد أن يعطيه بيتاً، بيتا كاملا، أراد أن يكون لهذا العطاء سبب، أقرضني مئة ليرة، هل هذا القرض حقيقي ؟ أم أراد من هذا القرض أن يمتحن محبته، وأن يكافئه على هذا القرض بمنزل فخم جداً هدية. http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/780/06.jpg ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً (245) ﴾ ( سورة البقرة) أحياناً يكون العمل صغيرا أمامك، تبسمتم في وجه موظف عندك، فقط ابتسامة، سألته عن أحواله: كيف حالك يا بني ؟ هناك موظف عبوس قمطرير، يدخل إلى مكتبه له هيبة وكهنوت، وهناك مدير عام متواضع، فإذا ابتسمت في وجه من يعمل معك، إذا ابتسمت في وجه خادم عندك، سألته عن صحته، تبسمك في وجه أخيك صدقة، أن تميط الأذى عن الطريق هو لك صدقة، مهما توهمت العمل صغيراً فهو عند الله كبير. جاء أعرابي النبيَّ عليه الصلاة والسلام، قال: يا رسول الله، عظني ولا تطل، تلا عليه النبي عليه الصلاة والسلام فقرة من سورة: [ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه ]، قال: كُفيت، فقال عليه الصلاة والسلام: فَقُه الرجل، أي صار فقيها ما قال: فَقِهَ، فَقِهَ عرف الحكم، قال فَقُه، يعني أصبح فقيهاً. والحمد لله رب العالمين |
رد: اسماء الله الحسنى
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : اسم الله - الشاكر -2-اسماء الله الحسنى الدرس : ( الثانى العاشر ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: ( الشاكر ): معان دقيقة مستنبطة من آيات وأحاديث تتعلق باسم ( الشاكر ): أيها الإخوة الكرام، لازلنا في اسم ( الشاكر )، وهناك معان دقيقة تتصل بهذا الاسم يمكن أن نستشفها من بعض الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة الصحيحة. 1 – ذكرُ اللهِ للعبدِ إذا ذكره: ففي قوله تعالى: ﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ (152) ﴾ ( سورة البقرة ) لأن الله سبحانه وتعالى هو الشاكر، إن ذكرته ذكرك، لكن ذكر الله لك غير ذكرك له، ذكر الله لك أكبر من ذكرك له، إنك إن ذكرته أديت واجب العبودية. 2 – ذكرُ العبدِ لربه سبب الأمن والطمأنينة: لكنه إن ذكرك منحك نعمة الأمن، قال تعالى: ﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81) الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82) ﴾ ( سورة الأنعام ) لا يتمتع بنعمة الأمن الحقيقي إلا المؤمن، أما غير المؤمن فـ: ﴿ سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُواْ ﴾ ( سورة آل عمران الراية: 151 ) يمتلأ قلب المشرك خوفاً وفرقاً، بينما قلب المؤمن يمتلأ أمناً وطمأنينة، وفي قلب المؤمن من الأمن ما لو وزع على أهل بلد لكفاهم، إنها نعمة يختص بها المؤمنون، إن ذكرته ذكرك، لكن ذكرك له أداء واجب العبودية، بينما ذكره لك أكبر بكثير من ذكرك له. 3 – ذكرُ العبدِ لربه سبب للرضى: إن ذكرك منحك نعمة الرضى. قد يملك الإنسان ملايين مملينة، ومع ذلك هو ساخط، بينما المؤمن راض عن الله عز وجل. ﴿ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ (22) ﴾ ( سورة المجادلة ) منحك نعمة الحكمة: ﴿ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا (269) ﴾ ( سورة البقرة) منحك نعمة الطمأنينة، هذه النعم هي من ذكر الله لك. 4 – ذكرُ الله أكبر من كل شيء: لذلك قال تعالى: ﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء َالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ ( سورة العنكبوت الآية: 45 ) ذكر الله لك في الصلاة أكبر من ذكرك له، لأن الله عز وجل من أسمائه الحسنى أنه الشاكر، إن ذكرته ذكرك. 5 – الله رفع ذكر النبي، ولكل مؤمن من هذا الرفع نصيبٌ: بل قال تعالى: ﴿ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (4) ﴾ ( سورة الشرح ) ما من إنسان على وجه الأرض رفع الله ذكره كرسول الله، ولكل مؤمن من هذه الآية نصيب، بقدر استقامته وإخلاصه يرفع الله للمؤمن ذكره، ويعلي قدره، ويلقي في قلوب الخلق محبته. ﴿ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (4) ﴾ ( سورة الشرح ) 6 – تقرّب المؤمن بذكره لربَّه سبب لتقرّب الله منه: لمجرد أن تقترب من الله خطوة تجد أن الله عز وجل اقترب منك، لأنه الشاكر يقترب منك، مع بعض التفصيل في الأحاديث الصحيح: (( فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ)) [ متفق عليه ] قد تلقي كلمة في مجتمع معين، في مجموعة إخوة كرام، في عقد قران، في سهرة، في لقاء، تتحدث عن الله عز وجل وتغفل نفسك، وتغفل بطولاتك، وتتحدث عن ربك. (( وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ )) [ متفق عليه ] http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/781/01.jpg هناك مستوى أرقى ؛ تذكر بخير، لك سمعة طيبة، لك ذكر عطر، هذا من فضل الله عز وجل عليك، ومن تحقيق اسم ( الشاكر ). (( وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا )) [ متفق عليه ] لمجرد أن تتحرك نحو الله بصلح، بتوبة، بإنابة، بذكر، بصدقة بتلاوة قرآن، بفعل طيب مع مخلوق ما، لمجرد أن تتقرب إلى الله شبراً يتقرب الله إليك ذراعاً، ينتظر مبادرة منك، ينتظر حركة منك، ينتظر التفافة منك، ينتظر إقبالاً منك، وهذا الشيء واضح جداً، لمجرد أن تتحرك نحو الله بعمل صالح، بصيام نفل، بصلاة نافلة، بغض بصر، بضبط لسان، بخدمة إنسان، بإطعام جائع بهداية ضال يتقرب الله منك. (( وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً )) [ متفق عليه ] فَلَيتَكَ تَحلو وَ الحَياةُ مَريـرَةٌ وَلَيتَكَ تَرضى وَالأَنامُ غِضابُ وَلَيتَ الَّذي بَيني وَبَينَكَ عامِرٌ وَبَيني وَبَينَ العـالَمينَ خَرابُ *** ﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ (152) ﴾ ( سورة البقرة ) (( فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً )) [ متفق عليه ] هذا ضمن اسم الله ( الشاكر ). 7 – من شكر الله للعبد إلهام الأبناء برَّهم للآباء: من معاني هذا الاسم أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: بروا آبائكم تبركم أبنائكم. يشكر الله لك برك لأبيك بأن يلهم أولادك في المستقبل أن يكونوا بك بررة، وهذا عطاء في الدنيا قبل الآخرة. ﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (46) ﴾ ( سورة الرحمن) فالذي يبر أباه يهيئ الله له أولاداً بررة يطيعونه، يعظمونه، يحترمونه، وهم في خدمته كظله. 8 – عفة الزوج سبب لعفة الزوجة: وعفو تعف نسائكم والذي يتعفف عن الحرام يكافئه الله بزوجة عفيفة، كما أنه عف عن الحرام فهي تعف عن الحرام، لأن الله عز وجل هو ( الشاكر )، يشكر لك برك لأبيك بأن يزيدك من فضله عن طريق أولاد بررة هم في خدمتك، ويشكر لك عفتك عن الحرام بأن يجعل زوجتك عفيفة مثلك عن الحرام، وعفو تعف نسائكم. 9 – من شكر في صلة الرحم زيادة في العمر وسعة في الرزق: ومن اسم الله ( الشاكر ) أنه إذا وصلت رحمك زاد في عمرك ونفى عنك الفقر، لأن الضمان الاجتماعي في الإسلام أساسه النسب والجوار،و الأحاديث التي توصي بالجار كثيرة جداً، والأحاديث التي توصي بصلة الرحم كثيرة جداً. معنى صلة الرحم: ما معنى صلة الرحم ؟ أقرباءك مَن لهم غيرك ؟ الآخرون أنت لهم، وغيرك لهم، أما أقرباءكم فمَن لهم غيرك ؟ لا تعني صلة الرحم أن تطل عليهم في كل عيد دقائق معدودة، ومعك بطاقة، وتتمنى أن لا تراهم في البيت لكي توفر الوقت، ليست هذه صلة الرحم. صلة الرحم أن تتصل بهم، وأن تزورهم، وأن تجلس معهم، وأن تتفقد أحوالهم، وأن تمد لهم يد المساعدة، وأن تأخذ بيده إلى الله عز وجل، هذه صلة الرحم التي أرادها الله عز وجل، تبدأ بالاتصال، ولعله باتصال هاتفي، ثم بزيارة، ثم بتفقد أحوال، ثم مساعدة مادية أو معنوية، ثم بأن تأخذ بيده إلى الله عز وجل، هذه صلة الرحم التي تزيد في العمر، وتزيد في الرزق. معنى زيادة العمر بصلة الرحم: معنى تزيد في العمر، للعلماء وقفة عند هذا المعنى: الحقيقة العمر لا يتقدم ولا يتأخر، لكن قيمة العمر بمضمونه، كإنسان فتح محلا تجاريا من الساعة التاسعة صباحا حتى التاسعة ليلا، وقت محدود، الفرق بين محلين، محل قيمة غلته ألف، ومحل غلته مليون، فزيادة العمر تعني مضمون العمر، قد يعني المضمون كثيف جداً. الإمام الشافعي عاش أقل من خمسين سنة، لكنه ترك خيرات لا يعلمها إلا الله، والإمام النووي عاش أقل من خمسين سنة، وهناك أناس عاشوا تسعين سنة، ولم يفعلوا شيئاً. فلذلك زيادة العمر في رأي بعض العلماء أن العمر قيمته بأعماله الصالحة، العمر الحقيقي عمر العمل الصالح، وأتفه أعمار الإنسان عمره الزمني، لكن أجلّ أعماره عمره في العمل الصالح، لذلك يقول عليه الصلاة والسلام: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (( مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ أَوْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ )) [ متفق عليه ] إن أردت أن ينسأ الله لك في أجلك، ويزيد في رزقك فصل رحمك، هذه من الطاعات التي حض عليها النبي عليه الصلاة والسلام، لأن الله عز وجل شاكر. لو تتبعنا أحوال الناس فإن الإنسان الذي يتفقد أهله، ويعين أهله، وينفق عليهم، أهله بالمعنى الواسع، أقرباءه من طرف أبيه، ومن طرف أمه، ومعنى الرحم واسع جدا، كل أقربائك من دون تفصيل، من جهة أبيك ومن جهة أمك، لأن الله عز وجل جعل صلة الرحم أحد أنواع الضمان الاجتماعي، لذلك قال العلماء: لا تقبل زكاة إنسان وفي أقربائه محاويج، والكلمة التي أقولها دائماً: هؤلاء أقربائك مَن لهم غيرك، الآخرون أنت لهم وغيرك لهم، أما أقربائك فمَن لهم غيرك ؟ أحياناً إنسان له أخت متزوجة في طرف المدينة، ما عنده وقت لزيارتها، لكن لو أنه زارها ما الذي يحصل ؟ تنتعش أمام زوجها، أمام أولادها، لا تنام الليل مِن فرحها، لذلك هناك أناس يزورون أقرباءهم الأقوياء أو الأغنياء أو اللامعين في الحياة، أما أقربائهم المساكين فيهملونهم، ويزورونهم من عام إلى عام. أيها الإخوة الكرام، لو طبقنا صلة الرحم لكنا في حال غير هذا الحال، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام أشار إلى أنك إذا أعطيت أقرباءك من مالك، من مال زكاتك، فهذه الزكاة لها أجران عند الله، لك أجر الصدقة، ولك أجر الصلة، ألا تحب أن تنال ثواباً مضاعفاً ؟ تفقد في هذا المال الذي هو مال زكاتك، تفقد أهلك، بل إن بعض العلماء يؤكد أن الله سبحانه وتعالى لا يقبل زكاة من مسلم، وفيه أقربائه محاويج، والحقيقة في ظاهرة عجيبة عمله الصالح لكل الناس إلى أقربائه، هؤلاء أقرب الناس إليك، أنت بعملك الصالح مع هؤلاء تقربهم منك. والله حدثني أخ زاره قريبه في بيت تحت الأرض ضعيف الشمس، رطب، والزائر منعم، قال له: هذا المكان لا يليق بأولاده من أجل صحتهم، قال لي: زيارة واحدة نقلني إلى بيت في طابق ثالث باتجاه القبلة، قال: والله أنعشني، القصد من الزيارة أن تمد يد العون، الزيارة دائما أن تمد يد العون، من القوي إلى الضعيف، ومن الغني إلى الفقير، ومن العالم إلى الجاهل، والأقوى منك ليس بحاجة إليك، يجب أن تزوره طبعاً، وهو ليس بحاجة إليك، مَن هو في حاجة إليك ؟ الذي يكون أضعف منك، فإذا تراحم الناس يرحمهم الله جميعاً، أما إذا تدابروا، وتناكر الناس، ولم يعبأ أحد بأحد سخط الله علينا جميعاً. 10 – مِن شكرِ الله العبدَ عند توقيره الكبير: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/781/02.jpg أيها الإخوة في بعض الأحاديث، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( مَا أَكْرَمَ شَابٌّ شَيْخًا لِسِنِّهِ إِلَّا قَيَّضَ اللَّهُ لَهُ مَنْ يُكْرِمُهُ عِنْدَ سِنِّهِ )) [ الترمذي ] وهذا من اسم الله ( الشاكر ). 11 – من شكر الله العبدَ عند إحسانه إلى المخلوقات: لكن كما قلت البارحة: أيّ عمل صالح قدِّم لمخلوق كائنا من كان وكائناً ما كان، كائناً من كان للبشر العقلاء، وكائناً ما كان لغير البشر، لمخلوق، لقطة، لجرو صغير، أيّ عمل صالح قدِّم لأي مخلوق كائناً من كان، أو كائناً ما كان فلابد من أن يجازي الله عليه مقدِّمَه، مسلما كان أو كافرا، في الدنيا أو في الآخرة، ومستحيل أن تقدم شيئا صالحا دون أن تنال الجزاء، فإن كنت مؤمناً بالله وباليوم الآخر كان الجزاء في الدنيا والآخرة، وإن كان الإنسان بعيداً عن الله، مؤمنا بالدنيا، ولم يؤمن بالآخرة كان الجزاء في الدنيا. ما أحسن مسلم عمله أو كافر إلا وقع أجره على الله في الدنيا أو في الآخرة، والعمل الصالح لابد أن تنال جزاءه. 12 – من شكر الله العبدَ عند إنفاقه من وقته في طاعة الله: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/781/03.jpg الذي ينفق يوسّع الله عليه في ماله. والذي يدعم الضعفاء والمساكين يقوي الله عز وجل مكانته في المجتمع. والذي يبذل من وقته لخدمة الخلق يبارك الله في وقته، لذلك الله عز وجل أمرنا أن نؤدي زكاة أموالنا، ومن منا ينتبه إلى أن الوقت له زكاة، لمجرد أن تؤدي الصلوات في أوقاتها فقد اقتطعت من وقتك الثمين وقتاً لطاعة الله، فالمكافأة على ذلك أن الله يبارك لك في وقتك، فتفعل في الوقت القليل الشيء الكثير. أحيانا إذا ضن الإنسان بوقته الثمين أن يعبد الله فيه، أو أن يحضر مجلس علم يتلف الله له وقته، وقد يشعر الإنسان بعدم التوفيق، عنده قائمة أعمال، انتقل من مكان إلى مكان، أغلق المحل، يسافر من مكان إلى مكان فلا يتحقق له شيء، فأراد الله عز وجل له أن يضيع الوقت مع الشعور بالألم، وهو قادر أن يبارك لك في وقتك، لذلك الوقت له زكاة، إن أنفقت بعض الوقت في أداء العبادات، وطلب العلم، وطاعة الله يبارك الله لك في وقتك، وإن أديت شيئاً من وقتك في خدمة الخلق يبارك الله عز وجل لك في جهدك. حدثني أخ أنه دخل محل إنسان، في إحدى المحافظات الشمالية، قال: أنا أريد أن تعلمني صنع هذه الحلوى، قال: حباً وكرامة، صنع أمامه طبخة، وقال له: اكتب عندك التفاصيل، وكلفه أن يصنع أمامه طبخة ثانية، والإنسان من محل بعيد من أقصى القطر، أقسم لي بالله منذ ثلاثين عاماً ما مِن عام إلا ويأتي إليه بهدايا ثمينة، يقول له: أنت فضلك علي كبير. هذا الإنسان مؤمن، وحينما تبذل الله عز وجل يكرمك، لذلك: (( مَا أَكْرَمَ شَابٌّ شَيْخًا لِسِنِّهِ إِلَّا قَيَّضَ اللَّهُ لَهُ مَنْ يُكْرِمُهُ عِنْدَ سِنِّهِ )) [ الترمذي ] لأن الله عز وجل هو ( الشاكر )، وإن قدّمت لإنسان عادي معروفاً يتفنن في شكرك، ويبارك هذا العمل، يقول لك: خجلتنا، تفضلت علينا، وخالق الأكوان صاحب الأسماء الحسنى والصفات الفضلى أيعقل أن تقدم معروفاً في الدنيا أم في الآخرة ولا يشكرك عليه. 13 – من شكر الله العبدَ عند إنفاقه من وقته في خدمة خلقه: أيها الإخوة الكرام، لو قدمت معروفا لكلب، دققوا في هذا الحديث، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( بَيْنَا رَجُلٌ يَمْشِي فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ، فَنَزَلَ بِئْرًا، فَشَرِبَ مِنْهَا، ثُمَّ خَرَجَ، فَإِذَا هُوَ بِكَلْبٍ يَلْهَثُ، يَأْكُلُ الثَّرَى مِنْ الْعَطَشِ، فَقَالَ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا مِثْلُ الَّذِي بَلَغَ بِي، فَمَلَأَ خُفَّهُ، ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ، ثُمَّ رَقِيَ، فَسَقَى الْكَلْبَ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِمِ أَجْرًا ؟ قَالَ: فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ )) [ متفق عليه ] http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/781/04.jpg والله لعل الله يرحمنا بخدمة مخلوق ضعيف، بخدمة هرة مريضة، وهناك أشخاص يأخذون هذه الحيوانات المريضة إلى مستوصفات بيطرية يعالجونها، هناك أناس مغرمون بإطعام الحيوانات. لذلك أيها الاخوة، حينما تعرف الله تتفنن في خدمة مخلوقاته، والمؤمن إنسان عظيم، إنسان اصطلح مع الله، اصطلح مع خلقه جميعاً، المؤمن يبني حياته على العطاء يعيش ليعطي: (( قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِمِ أَجْرًا ؟ قَالَ: فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ )) أيّ عمل صالح موجّه لأيّ مخلوق، هناك أشخاص مغرمون بإطعام الطيور، يشترون الحب ويضعونه على سطح البيت، والطيور تأتي تباعاً وتأكل. فلذلك أيها الإخوة الكرام، يا من جئت الحياة فأعطيت و لم تأخذ، يا من قدست الوجود كله، ورعيت قضية الإنسان، يا من زكيت سيادة العقل، و نهنهت غريزة القطيع، يا من هيأك تفوقك لتكون واحداً فوق الجميع، فعشت واحداً بين الجميع، يا من كانت الرحمة مهجتك، والعدل شريعتك، والحب فطرتك، والسمو حرفتك، ومشكلات الناس عبادتك. 14 – من شكر الله العبدَ عند إماطته الأذى عن الطريق: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/781/05.jpg أيها الإخوة الكرام، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ فَأَخَذَهُ فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ )) [ متفق عليه ] أحيانا شاحنة كبيرة تقف لإصلاح بعض العجلات، وتضع حجرا كبيرا وراء العجلة، ثم تنطلق والحجر قد يسبب دمار أسرة بأكملها، وهناك إنسان يقف، ويزيح هذا الحجر، فيشكر الله لك. أيها الإخوة، الله عز وجل هو ( الشاكر )، ومن أسماءه أيضا هو ( الشكور ). والحمد لله رب العالمين |
رد: اسماء الله الحسنى
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : اسم الله - الستير -1-اسماء الله الحسنى الدرس : ( الثالث العاشر ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: ( الستِّير ): 1 – ( الستّير ) وليس الستَّار: أيها الإخوة الأكارم، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، وهو اسم ( الستير )، وقد يدور على ألسنة الناس اسم الستار، واسم الستار لم يرد لا في الكتاب ولا في السنة أما الذي ورد اسم ( الستير )، فقد ورد هذا الاسم في السنة، ولم يرد في القرآن مقروناً باسم الحَيِيّ، والاسم الحقيقي في هذا الموضوع اسم ( الستير )، وليس الستار. 2 – ورودُ اسم ( الستّير ) في السنة الصحيحة: هذا الاسم ورد مطلقاً مُنَوّناً، مراد به العلمية، دالاً على كمال الوصف. في الحديث الشريف الصحيح عَنْ يَعْلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رَجُلًا يَغْتَسِلُ بِالْبَرَازِ، فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: (( إِنّ اللهَ عزّ وَجَلّ حَلِيمٌ حَيّ سِتّيرٌ، يُحِبّ الحَيَاءَ والسّتْرَ، فَإِذَا اغْتَسَلَ أَحَدُكُمُ فَلْيَسْتتِرْ )) [ النسائي ] وفي سنن البيهقي عن ابن عباس رضي الله عنه: (( إن الله ستير يحب الستر )) 3 – لابد أن يكون السترُ من صفات المؤمن: الله عز وجل يقول: ﴿ وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾ ( سورة الأعراف الآية: 180 ) ولا بد من وقفة عند كلمة: ﴿ فَادْعُوهُ بِهَا ﴾، يعني تقربوا إلى الله بالتخلق بالكمالات الإلهية، ويمكن أن تتقرب إلى الرحيم بأن تكون رحيماً، ويمكن أن تتقرب إلى العدل بأن تكون منصفاً، ويمكن أن تتقرب إلى ( الستير ) بأن تكون ستّيراً. الإنسان بين طبع الفضائح وتكليف الستر: ولا بد من التنويه إلى أن طبع الإنسان يقتضي الفضيحة، يستمتع في أن يذكر فضائح الناس، وأن يكشف عوراتهم، وأن يتندر بسقوطهم، والله عز وجل يقول: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ﴾ ( سورة النور الآية: 19 ) الإنسان معه طبع، ومعه تكليف، الطبع يتناقض مع التكليف، طبعه يقتضي أن يبقى نائماً، مسترخياً، غارقاً في نوم لذيذ، والتكليف يقتضي أن يستيقظ ليصلي الفجر في جماعة. عَن جُنْدَب بْن عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ فَلَا يَطْلُبَنَّكُمْ اللَّهُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ فَيُدْرِكَهُ فَيَكُبَّهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ )) [ مسلم ] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا )) [ متفق عليه] إذاً: الطبع يقتضي أن أخوض في فضائح الناس، والتكليف يأمرني أن أستر، الستر يحتاج إلى إرادة، إلى قوة إرادة، معك قصة ممتعة جداً تسرّ الحاضرين، يتلهفون إليك، وتشرئب أعناقهم إليك، لكنك مؤمن، والمؤمن ستّير، فيسكت. فلذلك هذا الذي يمشي مع طبعه، نقول له: (( أَلَا إِنَّ عَمَلَ الْجَنَّةِ حَزْنٌ بِرَبْوَةٍ، ثَلَاثًا، أَلَا إِنَّ عَمَلَ النَّارِ سَهْلٌ بِسَهْوَةٍ )) [ أحمد عن ابن عباس ] قضية سهلة جداً، يسترخي، أيّ شيء يعرفه تكلم به، لكن: عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ )) [ رواه مسلم ] هناك إنسان وصل إلى شيء أذنه فينشره، والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعلمنا أن إنساناً يحدثك بحديث، ولم يقل لك: هذا الحديث أمانة، إطلاقاً، لكن سمع خطوة نعال وراءه فالتفت قلقاً، فالتفاتته القلقة تعني أن هذا الحديث بالأمانة، ما قال لك شيئاً، لكن رأيته قد أصابه قلق حينما سمع وقع خطوات وراءه، فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إِذَا حَدَّثَ الرَّجُلُ بِالْحَدِيثِ، ثُمَّ الْتَفَتَ فَهِيَ أَمَانَةٌ )) [ أبو داود والترمذي ] وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( الْمَجَالِسُ بِالْأَمَانَةِ... )) [ أبو داود وأحمد ] الطبع في الإنسان يقتضي أن تنشر فضائح الناس، لذلك أعظم ما عند المؤمنين أنهم مجتمع ستّير، وأحقر ما في مجتمع الكفر أنه مجتمع فضائحي، أساسه الفضائح، والآن الإعلام أساسه الفضائح. الفضائح إمّا مالية أو جنسية: بالمناسبة: لو تتبعت فضائح أهل الدنيا من آدم إلى يوم القيامة لا تزيد الفضائح على موضوعين، فضيحة مالية، وفضيحة جنسية، وأنت حينما تحصن نفسك في موضوع المال وفي موضوع الجنس تكون في حصن حصين، وفي حرز حريز. لذلك أيها الإخوة، الحديث الشريف: (( إِنّ اللهَ عزّ وَجَلّ حَلِيمٌ حَيّ سِتّيرٌ، يُحِبّ الحَيَاءَ والسّتْرَ، فَإِذَا اغْتَسَلَ أَحَدُكُمُ فَلْيَسْتتِرْ )) والحديث الآخر: (( إن الله ستير يحب الستر )) أختك حدثتك عن مشكلة بينها وبين زوجها، والمجلس بالأمانة، فضحتها، وذكرتَ ذلك لأختها الثانية، والثالثة، والرابعة، ولأخواتها، ولأخيها، فإذا مشكلتها مع زوجها بين كل الناس، هذا ليس من صفات المؤمن. إن الإنسان يمكن أن يتقرب إلى الله بكمال مشتق من كمال الله، الله ستّير، فالمؤمن يجب أن يكون ستّيراً. معنى ( الستِّير ): المعنى الأول: أولاً: ( الستّير ) في اللغة على وزن فعيل، وهذه الصيغة من صيغ المبالغة، يستر مليون فضيحة، ويستر أكبر فضيحة، صيغ المبالغة تأتي في الكم والنوع، الله غفار صيغة مبالغة، يغفر أكبر ذنب، ويغفر مليار ذنب، كماً ونوعاً، الستّير على وزن فعّيل، وهو من صيغ المبالغة، ومعنى ستر الشيء ؛ أخفاه. الفرق بين السَّتر ـ بفتح السين ـ والسِّتر ـ بالكسر ـ: ملاحظة: فرق بين السِتر، والسَتر، السَتر مصدر، ستر يستر ستراً، أما السِتر فهو اسم، هذه القماشة التي توضع على النافذة اسمها سِتر، وهناك فرق بين الاسم والمصدر، المصدر يدل على حدث، تماماً كشق يشق، الآن هذه العملية اسمها شَق، أما هذا الخط اسمه شِق، الله عز وجل يستر عباده. أولاً: ( الستير ) من شأنه حب الستر والصون والحياء، وأساساً الله عز وجل جعل في الإنسان خصيصة، أن سرك لا يطلع عليه أحد، لا صديق، ولا قريب، ولا زوجة ولا ملِك، لذلك أعجب العجب ممن ستره الله عز وجل وهو يفضح نفسه، هذا يشيع بين الشباب والشابات بعد الزواج، تحدثه عن ماضيها، مَن سألكِ عن هذا ؟ وهو نوع من الحق، فإذا شك في ماضيها وقع النفور، أو يحدثها عن علاقاته السابقة، وحينما يبتعد الإنسان عن الله يسوقه الشيطان دون أن يشعر، مع أن الله عز وجل سترك. حدثني أخ قال لي: إن إنسانا صالحا ذكر له بعضُ أصدقائه أنه زنى في وقت مضى، قال لي: والله مضى على هذه القصة ثلاثون عاماً، كلما نظرت إليه تذكرت أنه زنى. الإنسان لا يغفر، فإذا وقع من إنسان زلة واللهُ ستره، فليس له حق في أن يفضح نفسه، وليس عندنا في الإسلام ما يسمى بالبوح، تقف أمام رجل دين، وتبوح له بكل أخطائك، هذا شيء ليس واردا عندنا إطلاقاً، الله ( ستّير )، ما دام أن الله سترك فيجب أن تستر نفسك، ولا داعي أبداً أن تبوح بأخطاء صدرت منك لأيّ إنسان. إذاً: ( الستير ) هو الذي مِن شأنه حب الستر والصون والحياء. تروي الكتب قصة رمزية: أن سيدنا موسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام استسقى ربه، فقال الله له: يا موسى، إن فيكم عاصياً، فلا مطر، إن فيكم عاصياً، فقال: من كان يعصي الله فليغادرنا، ما غادره أحد، وبعد حين نزلت الأمطار كأفواه القرب، قال: يا رب، مَن هذا الذي كان يعصيك ؟ قال: عجبتُ لك يا موسى، أستره عاصياً، وأفضحه تائباً ؟! من تاب الله عليه، وستره ينبغي ألا يفضح نفسه إطلاقاً، حتى لو كان عليك ذمة في الجاهلية، وتبت إلى الله، ولا بد من أن تؤدى هذه الذمة لصاحبها يمكن أن ترسلها له بحوالة بريدية، من دون أن تفضح نفسك، تقول له كنت عندك مرة، واختلست هذا المبلغ منك من الطاولة، حتى لو كان عليك حق فلا بد من أن تؤدي هذا الحق من دون أن تفضح نفسك، لأن الله ( ستّير )، أسبغ عليك ستره، فلا تفضح نفسك. المعنى الثاني: ( الستير ) يأتي بمعنى آخر، معنى المنع والابتعاد عن الشيء، فقد ورد في الحديث الصحيح أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ: (( جَاءَتْنِي امْرَأَةٌ مَعَهَا ابْنَتَانِ تَسْأَلُنِي، فَلَمْ تَجِدْ عِنْدِي غَيْرَ تَمْرَةٍ وَاحِدَةٍ فَأَعْطَيْتُهَا فَقَسَمَتْهَا بَيْنَ ابْنَتَيْهَا، ثُمَّ قَامَتْ فَخَرَجَتْ، فَدَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَدَّثْتُهُ فَقَالَ: مَنْ يَلِي مِنْ هَذِهِ الْبَنَاتِ شَيْئًا فَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنْ النَّارِ )) [ متفق عليه ] مَن يصدق أنه إذا ربّى بنتاً أو بنتين، فأحسن تربيتهما، ربّاهما على الصلاح والحياء، والورع والتقوى، ثم اختار لهما زوجين صالحين من المؤمنين، ومات فله الجنة ؟! يكفي أن تربي بنتين، وفي بعض الروايات بنتاً واحدة، يكفي أن تربي بنتاً، أن ترعاها، أن تؤدبها بأدب الإسلام، أن تحجبها، أن تختار لها زوجاً مؤمناً، يكفي هذا العمل لتكون في الجنة. إذاً: الستر هنا بمعنى البعد، فتربية هذه البنت تربية صالحة تبعدك عن النار. إخواننا الكرام، من البيت هناك مئات الطرق إلى الله، من البيت، من الطريق هناك مئات الطرق إلى الله، من عملك هناك مئات الطرق إلى الله، الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق، هل هناك بيت ما فيه بنات ؟ هذا كلام النبي عليه الصلاة والسلام، يقول سيدنا سعد ابن أبي وقاص: << ثلاثة أنا فيهن رجل، وفيما سوى ذلك أنا واحد من الناس >>، ومعنى رجل لا تعني أنه ذكر، تعني أنه بطل. ﴿ رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ ( سورة النور الآية: 37 ) كلمة رجال في القرآن لا تعني أنهم ذكور، تعني أنهم أبطال. قال: ثلاثة أنا فيهن رجل، وفيما سوى ذلك أنا واحد من الناس، واحد من عامة المؤمنين، ما هذه الثلاثة ؟! يقول: << ما سرتُ في جنازة فحدثت نفسي بغير ما تقول حتى أنصرف منها >>، معنى ذلك أن الجنازة لها قول، القول قد يكون بلسان المقال، أو بلسان الحال. ورد في بعض الآثار " أن روح الميت ترفرف فوق النعش تقول: يا أهلي يا ولدي، لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي، جمعت المال مما حل وحرم، فأنفقته في حله، وفي غير حله، فالهناء لكم والتبعة علي ". قال: << ما سرت في جنازة فحدثت نفسي بغير ما تقول حتى أنصرف منها >>. لذلك إذا مشى الإنسان في جنازة فهذا الذي في النعش انقضى أجله، وخُتم عمله سيحاسب عن كل شيء. ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ ( سورة الحجر ) كل مخلوق يموت ولا يبقَ إلا ذو العزة والجبروت. والليل مهما طال فلا بد من طلوع الفجر والعمر مهما طال فلا بد من نزول القبر *** وكل ابن أنثى وإن طلت سلامته يوماً على آلة حدباء محمول فإذا حمــلت إلى القبور جنازة فاعلم أنك بعدها مــحمول *** لذلك قالوا: أندم الناسِ عالِمٌ دخل الناس بعلمه الجنة، ودخل هو بعلمه النار، ما طبق علمه، وأندم الناسِ غني دخل ورثته بماله الجنة، ورثوه حلالاً، وأنفقوه في طاعة الله، فدخلوا بمال أبيهم الجنة، ودخل هو بماله النار، لأنه كسبه بطرق متعددة لا ترضي الله عز وجل. فلذلك المعنى الدقيق: << ثلاثة أنا فيهن رجل، وفيما سوى ذلك أنا واحد من الناس ما سرت في جنازة فحدثت نفسي بغير ما تقول حتى أنصرف منها >>. الآن يمشي الرجل في الجنازة فيتحدث عن الصفقات، والبيت الفلاني، والمحل الفلاني، والحفلة الفلانية، قال له: هل حضرتها ؟ كانت رائعة ! وهو يمشي في جنازة. << ما سرت في جنازة فحدثت نفسي بغير ما تقول حتى أنصرف منها، ولا صليت صلاة فشغلت نفسي بغيرها حتى أقضيها >>. ﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴾ ( سورة المؤمنون ) في الجنازة بطل، والصلاة بطل. الثالثة، وهي موطن الشاهد: << وما سمعت حديثاً من رسول الله إلا علمت أنه حق من الله تعالى >>. إذا ربيت هذه البنت، وأحسنت أخلاقها، وحجبتها، ودللتها على الله، واخترت لها زوجاً مؤمناً فلك الجنة، هذا عمل يكفي لدخول الجنة. أيها الإخوة: (( مَنْ يَلِي مِنْ هَذِهِ الْبَنَاتِ شَيْئًا فَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنْ النَّارِ )) ( الستير ) هو سبحانه وتعالى، ويحب الستر، ويبغض القبائح، ويأمر بستر العورات، ويبغض الفضائح، ويستر العيوب على عباده، وإن كانوا بها مجاهرين، ويغفر الذنوب مهما عظمت، طالما كان عباده موحِّدون. قصة مناسبة لموضوع الستر: ليس من عادتي أن أروي قصصا مبنية على منامات، لكن هناك قصة مؤثرة جداً، أن أحد خطباء دمشق، والقصة من خمسين سنة تقريباً، رأى في المنام رسول الله، وتأثر تأثراً بالغاً بهذه الرؤيا، وقد ورد عَن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (( مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَسَيَرَانِي فِي الْيَقَظَةِ، وَلَا يَتَمَثَّلُ الشَّيْطَانُ بِي )) [ أخرجه أحمد في مسنده وصحيح البخاري والترمذي ] هذا الخطيب رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام، وقال له: قل: لجارك فلان، وجاره بائع متواضع جداً، إلى جانب المسجد، قل لجارك فلان: إنه رفيقي في الجنة، هذا الخطيب تألم ألماً شديداً، البشارة لي أم له ؟ لجاره، وهو إنسان متواضع، من عامة الناس طرق بابه، دخل إلى بيته ورحب به، قال له: لك عندي بشارة من رسول الله، ولن أعلمك إياها إلا إذا أخبرتني ماذا فعلت مع ربك ؟ امتنع، فلما ألح عليه، قال له: والله لن أنقلها إلى مسامعك إلا إذا أخبرتني ماذا فعلت مع ربك، قال له: والله أنا خطبت امرأة وتزوجتها، وفي الشهر الخامس، كانت حاملاً في الشهر التاسع، يعني أن الحمل ليس مني، قال له: زلت قدمها، قال له: بإمكاني أن أفضحها، بإمكاني أن أطلقها، بإمكاني أن أسحقها، لكن أردت أن أجعلها تتوب على يدي، جئت لها بولاّدة، وولدت في الليل، وحملت الطفل الصغير الذي ليس منه تحت عباءتي، ودخلت جامع في السنجقدار، دخل المسجد بعد أن نوى الإمام فريضة الفجر، وضع الغلام وراء الباب، والتحق بالمصلين، ولم يره أحد، فلما انتهت الصلاة تحلق الناس حول الغلام، ودهشوا، فجاء هو، وكأنه لم يعلم ما الخبر، قال: ما الخبر ؟! قالوا: تعال انظر، قال: أنا أكفله، أعطوني إياه، فأخذه أمام أهل الحي على أنه لقيط، وهو تولى تربيته، ورده إلى أمه، وتابت على يديه، الله عز وجل قال: ﴿ إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ ﴾ ( سورة النحل الآية: 90 ) العدل أن تطلقها، وأن تسحقها، وأن تركلها بقدمك، لكن الله أمرك بالإحسان، فأنت إذا فعلت هذا فقد أنقذتها من الفضيحة، وأنقذتها من الضياع، وما كل قضية تحل بالعدل، بل تحل آلاف القضايا بالإحسان، ﴿ إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ ﴾، لا تكن فضّاحاً، كن ستّيراً. الله عز وجل ( ستّير )، يحب كل ستّير، وتخلق بهذا الكمال الإلهي، وتقرب إلى الله بهذا الكمال الإلهي، ولا تكن فضّاحاً. فلذلك في مجتمع الفضائح ما من قصة يرويها إنسان إلا وهي بعد أيام بين كل الناس. لذلك النبي عليه الصلاة والسلام وصف المرأة المؤمنة بأنها ستيرة، وأما التي تخرج من بيتها تشتكي على زوجها فهي فضاحة، لا ينظر الله إلى امرأة تشتكي على زوجها، يحب الله المرأة الستيرة، المرأة الستيرة امرأة مؤمنة. خاتمة: أيها الإخوة الكرام، حينما أتخلق بهذا الاسم، وبهذا الكمال أتقرب إلى الله. ﴿ وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾ نحن في علاقاتنا الاجتماعية الغيبة هي أحد أسباب الفضائح، حتى قال الواحد للثاني: لقد اغتبتني، قال له: من أنت حتى أغتابك ؟ لو كنت مغتاباً أحداً لاغتبت أبي وأمي، لأنهما أولى بحسناتي منك، فالقضية تنطلق من غيبة، وتنتشر. فهذا الذي أتمنى أن يكون واضحا عند إخوتنا الكرام، في أن الله سبحانه وتعالى من أسمائه الحسنى أنه ( ستّير )، ويمكن أن تتقرب إلى الله بهذا الكمال، وهو أن تستر. الكلام له قواعد شرعية في موضوع الفتوى، في موضوع إنكار المنكر، في حالات أخرى، أما الأصل أنه ينبغي أن تستر، والمجالس بالأمانة. والحمد لله رب العالمين |
رد: اسماء الله الحسنى
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : اسم الله - الستير -2-اسماء الله الحسنى الدرس : ( الرابع العاشر ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: ( الستير): أيها الأخوة الأكارم، مازلنا مع اسم الستير، وقد قيل الرب رب والعبد عبد، من شأن الرب أن يستر القبيح وأن يظهر الحسن، ومن شأن العبد غير المؤمن أن يظهر القبيح ويستر الحسن، أما المؤمن فمن شأنه أن يتخلق بكمالات الله عز وجل فيستر القبيح ويظهر الحسن، وهذا خلق كريم، وهذا رقي إنساني، أن تُظهر الحسن وأن تستر القبيح، بينما غير المؤمن يظهر القبيح ويستر الحسن، لذلك ورد في بعض الأحاديث أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: (( لله أفرح بتوبة عبده من العقيم الوالد، ومن الضال الواجد، ومن الظمآن الوارد )) [ أخرجه ابن عساكر في أماليه عن أبي هريرة ] ضيعت شيئاً ثميناً جداً وأنت في حيرة من أمرك ثم وجدته. (( لله أفرح بتوبة عبده من العقيم الوالد، ومن الضال الواجد، ومن الظمآن الوارد )) [ أخرجه ابن عساكر في أماليه عن أبي هريرة ] بعد عشر سنوات جاءه الولد، بعد اليأس والإحباط، ومن الظمآن الوارد الذي كان على مشارف الهلاك. (( لله أفرح بتوبة عبده من العقيم الوالد، ومن الضال الواجد، ومن الظمآن الوارد )) [ أخرجه ابن عساكر في أماليه عن أبي هريرة ] وإذا تاب العبد توبة نصوحة، هنا الشاهد، هنا اسم الستير. إذا تاب العبد توبة نصوحة أنسى الله حافظيه والملائكة وبقاع الأرض كلها خطاياه وذنوبه. هذا شأن الستير، إذا تاب العبد توبة نصوحة أنسى الله حافظيه والملائكة وبقاع الأرض كلها خطاياه وذنوبه. التائب من الذنب كمن لا ذنب له: لذلك: التائب من الذنب كمن لا ذنب له. ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (27) ﴾ (سورة النساء) وما أمرك أن تتوب إليه إلا ليتوب عليك، وما أمرك أن تستغفره إلا ليغفر لك، وما أمرك أن تسأله إلا ليعطيك، لكن الإنسان غير المؤمن شأنه العكس هو يظهر القبيح ويستر المليح، لذلك ورد في بعض الأحاديث الشريفة: ((تعوذوا بالله من ثلاث فواقر: تعوذوا بالله من مجاورة جار السوء، إن رأى خيرا كتمه وإن رأى شرا أذاعه...)) [رواه البيهقي عن أبي هريرة] هناك إنسان أنا أسميه قناص، يتعامى عن كل الفضائل، فإذا ضبط تقصيراً أو مخالفة أو عيباً فضحها ونشرها وبالغ في الحديث عنها، هذه اسمه قناص، وهناك نماذج بشرية في كل المجتمعات، يتعامى عن كل الفضائل والخيرات ويظهر العيوب والنقائص. لذلك: (( تعوذوا بالله من ثلاث فواقر: تعوذوا بالله من مجاورة جار السوء، إن رأى خيرا كتمه وإن رأى شرا أذاعه، وتعوذوا بالله من زوجة سوء، إن دخلت عليها لسنتك، وإن غبت عنها خانتك، وتعوذوا بالله من إمام سوء، إن أحسنت لم يقبل، وإن أسأت لم يغفر)) [رواه البيهقي عن أبي هريرة] هذه فواقر ثلاث. من ستر مؤمناً رضي الله عنه و قربه منه: صدق أيها الأخ الكريم، أنت حين تستر مسلماً وتدفن قصته تحت الأرض ولا تبوح بها إطلاقاً تشعر بقرب من الله كبير، وحدثتكم في اللقاء السابق عن هذه التي زلت قدمها فأصلحها زوجها وجعلها تتوب توبة نصوحاً حتى أن هناك بشارات تبشره برضوان الله عز وجل. القاضي شريح لقيه صديقة الفضيل فقال له: يا شريح كيف حالك في بيتك ؟ قال: منذ عشرين عاماً لم أجد من يعكر صفائي. أحياناً الإنسان يقول: ما نمت يوماً مرتاحاً معها، يقول: والله من عشرين عاماً ما وجدت من زوجتي ما يعكر صفائي، قال: وكيف ذلك يا شريح ؟ قال: خطبت امرأة من أسرة صالحة فلما كان يوم الزفاف وجدت صلاحاً وكمالاً، يقصد صلاحاً في دينها وكمالاً في خلقها، فصليت ركعتين شكراً لله على نعمة الزوجة الصالحة، فلما سلّمت من صلاتي وجدت زوجتي تصلي بصلاتي وتسلم بسلامي وتشكر بشكري، فلما خلا البيت من الأهل والأحباب دنوت منها، فقالت لي: على رسلك يا أبا أمية ( أي انتظر)، وقامت فخطبت، قوية في دينها كاملة في خلقها، قالت: أما بعد، يا أبا أمية إني امرأة غريبة لا أعرف ما تحب ولا ما تكره، فقل ما تحب حتى آتيه وما تكره حتى أجتنبه، ويا أبا أمية قد كان لك من نساء قومك من هي كفء لك، وكان لي من رجال قومي من هو كفء لي، ولكن كنت لك زوجة على كتاب الله وسنة رسوله ليقضي الله أمراً كان مفعولاً، فاتقِ الله فيّ وامتثل قوله تعالى: ﴿ فإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ (229) ﴾ (سورة البقرة) ثم قعدت، قال: فألجأتني إلى أن أخطب، يعني اضطر أن يلقي خطبة أمامها، وقف وقال: أما بعد، فقد قلت كلاماً إن تصدقي فيه وتثبتي عليه يكن لك زخراً وأجراً، وإن تدعيه يكن حجة عليك، أحب كذا وكذا وأكره كذا وكذا، أعطاها قائمتين. عندنا قاعدة: لا معصية قبل التكليف، تكلف، تبين، توضح ثم تحاسب، أزواج كثيرون لا ينطقون بكلمة فإذا أخطأت في ميزانه هو يقيم عليها الدنيا ولا يقعدها، ما بلغت، قال لها أحب كذا وكذا وأكره كذا وكذا، شاهد القصة من اسم الستير: قال لها: ما وجدت من حسنة فانشريها وما وجدت من سيئة فاستريها. صفة الستر أول صفة من صفات المرأة المؤمنة: لذلك النبي عليه الصلاة والسلام وصف المرأة المؤمنة بأنها ستيرة ليست فضاحة لا تفضح زوجها، الإنسان في البيت عليه ضغوط عمل، أحياناً يقل المال بين يديه، أحياناً يصبح سريع الاستثارة، فالمرأة الصالحة تقدر هذا الظرف، في متاعب في الحياة، أحياناً في التجارة في مشكلات كبيرة جداً، بالوظيفة في صعوبات بالغة، قال لها: ما وجدت من حسنة فانشريها وما وجدت من سيئة فاستريها. لذلك تكاد صفة الستر تكون صفة أولى في المرأة المؤمنة، من هنا قال عليه الصلاة والسلام: إني أكره المرأة تخرج من بيتها تشتكي على زوجها، لا ينظر الله إلى امرأة لا تشكر زوجها وهي لا تستغني عنه. شاهدنا في موضوع اسم الستير قوله لها: ما وجدت من حسنة فانشريها وما وجدت من سيئة فاستريها. من أراد معاتبة من حوله عليه أن يبدأ بذكر إيجابياته لا سلبياته: إخواننا الكرام، الإنسان أحياناً يأخذ من كل جهة إيجابيتها ويبتعد عن سلبياتها، هناك أشخاص بالعكس: يأخذون من كل جهة سلبياتها ويبتعدون عن إيجابيتها، يعني أحياناً يكون لك صديق له إيجابيات كثيرة جداً وله سلبيات، يقتبس من سلبياته ومن سلبيات هذا وهذا فإذا هو كتلة من العيوب والنقائص، وفي إنسان آخر يأخذ من كل شيء إيجابياته، يجمع محاسن كل شيء، فعود نفسك أن ترى في الإنسان الجانب الإيجابي، لا يوجد إنسان كله شر ولا يوجد إنسان كله خير، أنت حينما توطن نفسك، أن ترى في كل إنسان النواحي الإيجابية، كيف ؟ النبي عليه الصلاة والسلام يؤم أصحابه في صلاة من صلوات الفرض، صحابي تأخر عن إدراك الركعة الأولى فدخل إلى المسجد وأسرع ليلحق مع النبي الركعة الأولى، أحدث جلبة وضجيجاً وشوش على الصحابة في صلاتهم، لما انتهت الصلاة ماذا قال له النبي عليه الصلاة والسلام ؟ قال: زادك الله حرصاً ولا تعد. ابدأ بالإيجابيات، أنت كمدير مؤسسة، كمعلم، مدير مستشفى، مدير جامعة، مدير مدرسة، حولك موظفون لهم إيجابيات وسلبيات، إياك ثم إياك أن تبدأ بسلبياتهم، عندك موظف يتأخر ولكنه أمين إن أردت أن تعاتبه يجب أن تبدأ بالحديث عن أمانته، أنا معجب بأمانتك، وأنا ممتن من إخلاصك لكن هناك مأخذ طفيف لابد من تلافيه هكذا علمنا النبي عليه الصلاة والسلام. لذلك هناك عالم نفس أمريكي ألّف كتاباً، كيف تؤثر في الناس وتكسب الأصدقاء ؟ الكتاب الطبعة الأولى كانت خمسة ملايين نسخة، جاء عالم (محمد الغزالي رحمه الله)، أخذ هذه القواعد وذكر ما يقابلها في القرآن والسنة، فإذا كنت مدير مدرسة، أو مدير مشروع، أو مدير جامعة، أو أب، أو معلم، وأردت أن تعاتب بعض من حولك، ابدأ بإيجابياتهم، فجاء بالحديث هذا: زادك الله حرصا ولا تعد. على كل إنسان أن يرسم لزوجته سياسته في كل شيء للابتعاد عما يعكر صفوهما: إذاً الشاهد إني أكره المرأة تخرج من بيتها تشتكي على زوجها. و ما رأيت من حسنة فانشريها وما رأيت من سيئة فاستريها، قالت: كيف نزور أهلي وأهلك ؟ قال: نزورهم غباً مع انقطاع بين الحين والحين حتى لا يملونا، رسم سياسة، وأنا أقول: دائماً فترة الخطبة فترة مهمة جداً، يجب أن يرسم الزوج مستقبلاً لزوجته، سياسته في كل شيء، قالت: كيف نزور أهلي وأهلك ؟ قال: نزورهم غباً مع انقطاع بين الحين والحين لئلا يملونا. زر غباً تزدد حباً. قالت: فمن من الجيران تحب أن أسمح لهم بدخول بيتك ومن تكره ؟ قال: بنو فلان قوم صالحون وبنو فلان قوم غير ذلك، ثم قال: ومضى عليّ عام عدت فيه إلى البيت فإذا أم زوجتي عندنا، رحبت بها أجمل ترحيب، وكانت قد علمت من ابنتها أنها في أهنأ حال، قالت له أم زوجته: كيف وجدت زوجتك ؟ قلت: والله هي خير زوجة، قالت: يا أبا أمية ما أوتي الرجال شراً من المرأة المدللة فوق الحدود، فأدب ما شئت أن تؤدب، وهذب ما شئت أن تهذب، ثم التفتت إلى ابنتها تأمرها بحسن السمع والطاعة. شاهدنا، ما رأيت من حسنة فانشريها وما رأيت من سيئة فاستريها. والمرأة المؤمنة ستيرة والزوج المؤمن ستير لا يفضح، لا يمدحها أمام الناس مدحاً يغري الناس أن يلتقوا بها، كما أن هناك عادة سيئة جداً، يثني على جمال زوجته وعلى حكمتها وعلى طبخها وعلى و على.. ليس هذا من الكمال، لكن ليس من الكمال أيضاً أن تذم زوجتك، كما أن النبي عليه الصلاة والسلام أثنى على المرأة الستيرة، وأنت أيها الزوج الكريم يجب أن تكون ستيراً، قال: ومضى عليّ عشرون عاماً لم أجد ما يعكر صفائي إلا ليلة واحدة كنت فيها أنا الظالم. طاعة الله عز وجل تنظم العلاقة بين الزوجين: لذلك أنا أقول: مما ينظم علاقة الزوجين هذا الحديث الشريف: (( وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ مَا تَوَادَّ اثْنَانِ فَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا إِلَّا بِذَنْبٍ يُحْدِثُهُ أَحَدُهُمَا )) [رواه أحمد عن ابن عمر، وإسناده حسن] وأقول دائماً: إذا بني الزواج على طاعة الله ولو افتقر إلى معظم مقومات نجاحه يتولى الله في عليائه التوفيق بين الزوجين، أما إذا بني الزواج على معصية الله ولو توافرت له كل أسباب النجاح يتول الشيطان التفريق بينهما. من معاني الاستتار التي ينبغي للمؤمن أن يتخلق بها: 1 ـ على المؤمن ألا يفتخر بالمعصية: الآن من معاني الاستتار التي ينبغي للمؤمن أن يتخلق بها، المقولة الشهيرة إذا بليتم بالمعاصي فاستتروا، يعني إنسان غلبته نفسه لا ينبغي أن يفتخر بهذه المعصية، السؤال الآن: ما الفرق بين العاصي والفاجر ؟ العاصي عاصي أما الفاجر يجاهر بمعصيته ولا يعبأ بها، يفتخر بها أحياناً، لذلك ذنب الفاجر كبير لأنه إنسان مستعل مستكبر، لأنه يذكر ذنبه أمام الناس ولا يستحي منه فهو فاجر، أما العاصي قد يكون مغلوباً، ورب معصية أورثت ذلاً وانكساراً خير من طاعة أورثت عزاً واستكباراً، لذلك فرق العلماء بين معصية غلبة الشهوة وبين معصية الاستكبار إبليس أبى واستكبر أن يكون مع الساجدين، هناك معاصي استكبار، وهناك معاصي غلبة شهوة: ﴿ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا (106) ﴾ (سورة المؤمنون) لذلك الفرق كبير جداً بين أن تغلب وبين أن تستعلي، لذلك إذا بليتم بالمعاصي فاستتروا، مقولة إذا بليتم بالمعاصي فاستتروا والذي لا يستتر لا يصنف مع العصاة، يصنف مع الفجار. البوح بالأخطاء وقد سترها الله عز وجل استخفاف بستر الله: هناك شيء آخر نحن في إسلامنا ممنوع أشد المنع أن تبوح بمعاصيك لرجل الدين، هذا ليس وارداً في الإسلام، إنسان زلت قدمه وارتكب معصية والله ستره ممنوع منعاً باتاً أن تذهب إلى شيخ وأن تبوح له بما فعلت، الله سترك استر نفسك، والإنسان لا يغفر، وهناك أزواج كثر بعد الزواج يحدثها عن أخطائه قبل الزواج، أو هي من حمقها تحدثه عن أخطائها قبل الزواج، فالإنسان لا يغفر، الله تعالى سترك وما فضحك تفضح نفسك ؟ هذا موقف فيه حمق كبير، لذلك البوح بالأخطاء وقد سترها الله عز وجل استخفاف بستر الله، البوح بأخطاء وقد سترها الله عز وجل استخفاف بستر الله عز وجل. 2 ـ أن يستر الإنسان عورته: الآن يدخل في باب الاستتار أن يستر الإنسان عورته، النبي عليه الصلاة والسلام استأجر أجيراً فاغتسل عريانا فقال له: خذ أجارتك لا حاجة لنا بك إني رأيتك لا تستحيي من الله. سبحان الله عز وجل، العالم الآن انقسم مؤمن وغير مؤمن، أهل الإيمان يستترون وأهل الضلال يكشفون عوراتهم، لذلك الآية الكريمة: ﴿ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآَتِهِمَا ﴾ [سورة الأعراف الآية:27] شأن الشيطان التعري، أنا أقول لكم شيئاً مؤلماً هناك شباب يقومون في البيت بثيابهم الداخلية أمام أخواتهم، وهناك شابات يرتدين ملابس شفافة أمام آبائهن وأخواتهن، هذا لا يجوز إطلاقاً، لذلك إذا كان في فواحش ضمن الأسرة الواحدة سببها التعري، حتى الإنسان إذا دخل على ابنته ينبغي أن يستأذن منها، النبي عليه الصلاة والسلام علمنا أن نستأذن على أمهاتنا ففي صحابي تعجب كيف نستأذن على أمهاتنا ؟ قال: أتحب أن تراها عريانة ؟ المرأة لها خصوصيات، فلذلك من شأن الشيطان أن ينزع عن الإنسان لباسه، هذا الشيء في تفلت في البيوت، تفلت في الطرقات، المرأة تبدو كما خلقها الله كاسية عارية بينما المؤمن يرتدي ثياباً سابغة والمؤمنة كذلك، الأبلغ من ذلك يجب أن تستر خصوصيات البيت، كل إنسان له زوجة، في خصوصيات، نسمي العلاقة بالزوجة علاقة حميمة جداً، هذه العلاقات الحميمة ينبغي ألا يبوح بها الزوج، ولا تبوح بها الزوجة أبداً، ينبغي ألا يبوح بها الزوج ولا تبوح بها الزوجة، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام أشار إلى هذا المعنى إشارة واضحة جداً فكان الذي يلتقي مع زوجته ثم يُحدّث الناس بما كان البارحة و كأن الناس يرون الزوجين عريانين، هذا أيضاً من نقائص المجتمع. 3 ـ سترة ما بين الزوجين من خصوصيات: هناك شيء آخر سترة ما بين الزوجين من خصوصيات، إنسانة بفرنسا تعمل بالتمثيل سئلت وقد لفتت نظري إجابتها، سئلت ما شعورك وأنت على خشبة المسرح ؟ قالت شعور الخزي والعار، وهذا شعور كل أنثى تعرض مفاتنها على الجمهور، إن الحب يجب أن يبقى بين الزوجين وفي غرف مغلقة. شخص كان لا يصلي الفجر في وقته فاشتكى للنبي أنه نؤوم قال له عمر: ويحك! فضحت نفسك، قال له: دعه يا عمر، فضوح الدنيا أفضل من فضوح الآخرة، ثم دعا له وقال: رب أذهب عنه النوم إذا شاء. معنى هذا أن الإنسان إذا شاء استيقظ، أذهب عنة النوم إذا شاء. من ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة: إخواننا الكرام، أهم ما في هذا الدرس من ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة. اجعل ستر المسلمين عملاً صالحاً تلقاه يوم القيامة، من ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة لأن المؤمن عليه أن يتخلق بكمالات الله. الآن قصة فيها فحش: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ﴾ ( سورة النور الآية: 19 ) قصة تعطي فكرة سيئة عن المجتمع لا ترويها إذا رويتها إلى من لا يحتاجها استسهل المعصية، هناك قصص تقع ليس من المستحسن أن تكثر من روايتها، لذلك: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ﴾ ( سورة النور الآية: 19 ) لا تؤذوا عباد الله ولا تعيروهم ولا تطلبوا عوراتهم فإنه من طلب عورة أخيه المسلم طلب الله عورته حتى يفضحه في عقر بيته. كل إنسان يتتبع عورات الناس الله عز وجل توعده أن يفضحه في عقر داره، وآخر شيء في هذا اللقاء الطيب: (( من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)) [أخرجه الترمذي عن الحسين بن علي] والحمد لله رب العالمين |
رد: اسماء الله الحسنى
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : اسم الله - الجميل - 1 -اسماء الله الحسنى الدرس : ( الرابع العاشر ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: ( الجميل ) أيها الإخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم ( الجميل ). قد ورد هذا الاسم في صحيح مسلم من حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( لا يَدْخُل الجَنَّةَ مَنْ في قَلْبِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ، فقال رجلٌ: إن الرجلَ يُحبّ أن يكون ثوبُه حسناً ونعلُه حسنةً، قال عليه الصلاة والسلام: إنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمالَ الكِبْرُ بَطَرُ الحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ )) ما هو الكِبْر ؟ بالمناسبة، أيها الإخوة، لو أن عندك كمية قليلة من اللبن، وجاءك ضيوف كُثر، فإنه يمكن أن تضيف لهذا اللبن خمسة أضعافه ماءً من اللبن ويكون شراباً سائغاً، فتحمَّل هذا اللبن خمسة أضعافه ماء، لكنه لا يتحمّل قطرة بترول، فإن أضيفت إليه قطرة واحدة من البترول ألقيتَه وأهرقته، لأن البترول يتناقض في طعمه مع الماء، أما اللبن فلا يتناقض. كذلك الكبر يتناقض مع العبودية لله، (( لا يَدْخُل الجَنَّةَ مَنْ في قَلْبِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ )) http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/784/01.jpg قال عليه الصلاة والسلام: (( لو لم تذنبوا لخشيت عليكم ما هو أكبر )) [ أخرجه البزار وابن والبيهقي عن أنس ] ما الذي هو أكبر من الذنب ؟ قال: (( العجب العجب )) رُبّ معصية أورثت صاحبها ذلاً وانكساراً خير من طاعة أورثت عزاً واستكباراً. لذلك الكبر يتناقض مع العبودية لله عز وجل. (( لا يَدْخُل الجَنَّةَ مَنْ في قَلْبِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ، فقال رجلٌ: إن الرجلَ يُحبّ أن يكون ثوبُه حسناً ونعلُه حسنةً، قال عليه الصلاة والسلام: إنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمالَ )) الكِبْرُ بَطَرُ الحَقِّ وَغَمْطُ النَّاس: أما الكبر فشيء آخر، بطر الحق أي ردّ الحق، وغمط الناس ؛ أن تبخسهم مكانتهم، أن ترد الحق، أن ترى نفسك أكبر من الحق، أن تتكبر عن أن تنصاع إلى الحق، أن تتأبى، هذه معصية إبليس. ﴿ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ﴾ ( سورة البقرة الآية: 32 ) فلمجرد أن ترد الحق، وأن ترفضه، وأن تتعنت، وأن يركب الإنسان رأسه، وأن تأخذه العزة بالإثم، إذاً: هذا هو الكبر، ولمجرد أن تحتقر الناس، وأن تستهين بهم، وأن ترى نفسك فوقهم، وتغمط الناس فهذا كِبْرٌ. المؤمن يعترف بفضل الآخرين، يعترف بقيمة الآخرين يعترف بإنجازات الآخرين، هناك من يسلط الضوء على ذاته فقط، ويضع مَن حوله في التعتيم، هذا هو غمط الناس، وتعريف الكبر عند رسول صلى الله عليه وسلم: (( الكِبْرُ بَطَرُ الحَقِّ ـ أي رد الحق ـ وَغَمْطُ النَّاسِ ـ أن تزدري الناس )) لذلك ليس من صفات المؤمن أن يزدري أخاه. (( بِحسْبِ المْرِء مِنَ الشرّ أنْ يَحْقِرَ أخاهُ المُسْلمَ )) [ رواه الترمذي، عن أبي هريرة رضي اللّه عنه ] أن يرى نفسه فوقه. النبي أشد الناس تواضعا: من علامات الإيمان التواضع، دخل على النبي الكريم رجل أصابته رعدة، من هيبة النبي، كان عليه الصلاة والسلام له هيبة، من رآه بديهة هابه ومن عامله أحبه، فعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ: (( أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ فَكَلَّمَهُ، فَجَعَلَ تُرْعَدُ فَرَائِصُهُ، فَقَالَ لَهُ: هَوِّنْ عَلَيْكَ، فَإِنِّي لَسْتُ بِمَلِكٍ، إِنَّمَا أَنَا ابْنُ امْرَأَةٍ تَأْكُلُ الْقَدِيدَ )) [ ابن ماجه ] http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/784/02.jpg كان مع أصحابه في سفر، فأرادوا أن يعالجوا شاة، فقال عليه الصلاة والسلام بعد أن قال أحدهم: علي طبخها، والثاني علي سلخها، وقال عليه الصلاة والسلام: (( وعلي جمع الحطب )) [ ورد في الأثر ] تواضعاً لله عز وجل. الحديث دقيق جداً: (( لا يَدْخُل الجَنَّةَ مَنْ في قَلْبِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ، فقال رجلٌ: إن الرجلَ يُحبّ أن يكون ثوبُه حسناً ونعلُه حسنةً، قال عليه الصلاة والسلام: إنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمالَ )) الله يحبك أن تكون أنيقا، ثيابك نظيفة، ومتعطرا، شعرك معالج، يحبك كذلك. (( إنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمالَ )) الإنسان مفطور على حب الجمال: بالمناسبة، الإنتاج العقلي والشعوري للبشرية لا يزيد على علم وفلسفة وفن، فالعلم ما هو كائن، والفلسفة ما يجب أن يكون، والفن ما هو ممتع، فمن الفن ما هو مباح، كأن تكون أديباً، الأدب جمالي، التعبير المثير عن دقائق الحياة، أو أن يكون الفعل جميلاً هو الكمال. لذلك قالوا: الإنسان فُطر على حب الكمال، وحب الجمال، وحب النوال الإنسان يحب الجميل، فقد يكون الطفل جميل الصورة، يدع في قلب أبيه تعلقاً شديدا، وأحياناً يكون العطاء خالصا كريما، فالإنسان يحب المحسن. " يا داود، ذكر عبادي بإحساني إليهم، فإن النفوس جبلت على حبِّ مَن أحسن إليها " والإنسان يحب النوال، العطاء، والجمال، والكمال، وهذا موقف كامل، الوفاء والرحمة والتواضع. أحياناً تقرأ قصة، أو تقرأ سيرة، فتجد صحابيا جليلا كان أديباً أدباً جماً، وقد قيل للعباس: أيّكما أكبر أنت أم رسول الله ؟ عمه العباس، فقال: << أنا ولدت قبله، وهو أكبر مني >>. هناك كلمات رائعة جداً، وتصرفات رائعة، وشكل رائع. 1 – ورودُ اسم ( الجميل ) في الحديث الصحيح: أيها الإخوة، هذا الحديث ورد فيه اسم ( الجميل )، وهو حديث في صحيح مسلم. ورد هذا الاسم مطلقاً، منوناً، مراداً به العلمية، دالاً على كمال الوصفية، ورد أيضاً في رواية أحمد في مسند ابن مسعود فيه تفصيل، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( لَا يَدْخُلُ النَّارَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ، وَلَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ كِبْرٍ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي لَيُعْجِبُنِي أَنْ يَكُونَ ثَوْبِي غَسِيلًا ـ أي نظيفًا ـ وَرَأْسِي دَهِينًا، وَشِرَاكُ نَعْلِي جَدِيدًا، وَذَكَرَ أَشْيَاءَ، حَتَّى ذَكَرَ عِلَاقَةَ سَوْطِهِ، أَفَمِنْ الْكِبْرِ ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ: لَا، ذَاكَ الْجَمَالُ، إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، وَلَكِنَّ الْكِبْرَ مَنْ سَفِهَ الْحَقَّ، وَازْدَرَى النَّاسَ )) [ أحمد في المسند ] 2 – الجمال المادي والمعنوي مطلوب، وليس من الكِبْر: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/784/03.jpg هذا الكبر، الأمر واضح تماماً، الكبر رد الحق، وازدراء الناس، بطر الحق وغمط الناس، أمّا أن تكون أنيقا، أن يكون بيتك مرتباً، منظماً، فيه تناسب ألوان، أن تكون مركبتك نظيفة، أن يكون ثوبك حسناً، أن يكون كلامك فصيحاً، أن تكون تصرفاتك رائعة، فهذا هو الجمال: (( إنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمالَ )) 3 – لابد للمؤمن أن يكون جميلا بالمعنى العام: دائماً وأبداً أقول لكم: يجب أن تشتق من كمال الله كمالاً يكون هذا الكمال وسيلة للإقبال على الله. ﴿ وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾ ( سورة الأعراف الآية: 180 ) تتقرب إلى الجميل بالجمال، تتقرب إلى الرحيم بالرحمة، تتقرب إلى العدل بالإنصاف، تتقرب إلى اللطيف باللطف، تتقرب إلى الكريم بالكرم. ﴿ وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾ ( سورة الأعراف الآية: 180 ) أي تقربوا إليه بأن تتخلقوا بهذا الكمال الإلهي، هذا محور هذه الدروس. ﴿ وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾ ( سورة الأعراف الآية: 180 ) ما من شيء يقربك من الله عز وجل كأن تكون متخلقاً بكمالات الله. 4 – معنى الجمال: أيها الإخوة، الجميل في اللغة مأخوذ من الجمال، وهو الحُسن في الخَلْق والأخلاق. نحن كلما ذكرنا الجمال ننطلق إلى تصور جمال الشكل، لكن أحياناً هناك أعمال وتصرفات تستمع إليها فتبقى شهراً غارقاً في نشوتها. كما حدثتكم ببعض القصص، هناك مواقف فيها وفاء، مواقف فيها رحمة، مواقف فيها إنصاف، مواقف فيها حب، هذه المواقف جميلة جداً، وقد يكون الذي يفعلها ليس جميلاً. مثلاً: ورد في صفة بعض التابعين وهو الأحنف بن قيس، أنه كان قصير القامة، أسمر اللون، غائر العينين، ناتئ الوجنتين، أحنف الرجل، ليس شيء من قبح المنظر إلا وهو آخذ منه بنصيب، وكان مع ذلك سيد قومه، إذا غضبَ غضب لغضبته مئة ألف سيف، لا يسألونه فيم غضب ؟ وكان إذا علم أن الماء يفسد مروءته ما شرب، هذا كمال رائع جداً مع دمامة لا توصف. 5 – ليس الجمال محصورًا في الجمال الجسدي المادي: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/784/04.jpg لذلك الرجل جماله، بفصاحته، جماله في أخلاقه، جماله في كرمه، جماله في تواضعه، جماله في رحمته، لعل المرأة تتوهم أن كل قيمتها في جمالها الجسدي، وهذا خطأ. أحاديث مهمة في بيان أهمية جمال الأخلاق: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ )) [ متفق عليه ] يجب أن نحرر مفهوم الجمال مما تراكم من أذهان الناس أنه جمال الشكل فقط، هناك مواقف جميلة، أحيانا تعيش مع امرأة في أعلى درجة من الوفاء، والحب، والتفاني والخدمة، تسعد بها سعادة أيّما سعادة، وقد يعيش المرء مع امرأة بارعة الجمال يكرهها من أعماقِ أعماق قلبه، لأن جمال الأفعال من أعلى مستويات الجمال. عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: (( إِنِّي أَصَبْتُ امْرَأَةً ذَاتَ حَسَبٍ وَمَنْصِبٍ، إِلَّا أَنَّهَا لَا تَلِدُ، أَفَأَتَزَوَّجُهَا ؟ فَنَهَاهُ، ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَةَ، فَنَهَاهُ، ثُمَّ أَتَاهُ الثَّالِثَةَ، فَنَهَاهُ، فَقَالَ: تَزَوَّجُوا الْوَلُودَ الْوَدُودَ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمْ )) [ النسائي، أبو داود ] مودتها تقرّبها من زوجها، فالجميل مأخوذ من الجمال، وهو الحسن في الخَلْق والخُلُق، وكان عليه الصلاة والسلام حسنَ الخَلق والخُلق. إذا رأى الإنسان صورته في المرآة ماذا يقول ؟ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ: (( اللَّهُمَّ أَحْسَنْتَ خَلْقِي فَأَحْسِنْ خُلُقِي )) [ أحمد ] قال بعض الشعراء: جمال الجسم مع قبح النفوس كقنديل على قبر المجوس *** مرة إنسان جميل الصورة، أنيق الثياب جداً، تكلم كلاماً بذيئاً، فقال له أحدهم: إما أن تتكلم وَفق ثيابك، أو البس وَفق كلامك، فالتناسب رائع جداً، أحيانا إنسان أنيق، حسن الصورة ثيابه أنيقة، جميلة لكن كلامه بذيء، هذا الجمال وهذه الأناقة يناسبهما علم، يناسبهما كلام منضبط، لذلك: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( لَا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ، وَلَا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ، وَلَا يَدْخُلُ رَجُلٌ الْجَنَّةَ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ )) [ أحمد ] وبعض العلماء، منهم الإمام الغزالي عدّ من آفات اللسان أكثر من عشرين آفة، وعلماء آخرون منهم الشيخ عبد الغني النابلسي عدّ آلاف أمراض اللسان، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: (( كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ، فَأَصْبَحْتُ يَوْمًا قَرِيبًا مِنْهُ، وَنَحْنُ نَسِيرُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ، وَيُبَاعِدُنِي عَنْ النَّارِ، قَالَ: لَقَدْ سَأَلْتَنِي عَنْ عَظِيمٍ، وَإِنَّهُ لَيَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، تَعْبُدُ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ، وَتَحُجُّ الْبَيْتَ، ثُمَّ قَالَ: أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى أَبْوَابِ الْخَيْرِ ؟ الصَّوْمُ جُنَّةٌ، وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ، وَصَلَاةُ الرَّجُلِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ، قَالَ: ثُمَّ تَلَا: ﴿ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنْ الْمَضَاجِعِ ﴾ حَتَّى بَلَغَ ﴿ يَعْمَلُونَ ﴾، ثُمَّ قَالَ: أَلَا أُخْبِرُكَ بِرَأْسِ الْأَمْرِ كُلِّهِ، وَعَمُودِهِ، وَذِرْوَةِ سَنَامِهِ ؟ قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: رَأْسُ الْأَمْرِ الْإِسْلَامُ، وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ، وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ، ثُمَّ قَالَ: أَلَا أُخْبِرُكَ بِمَلَاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ ؟ قُلْتُ: بَلَى يَا نَبِيَّ اللَّهِ، فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ، قَالَ: كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ ؟ فَقَالَ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ، أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ )) [ أخرجه الترمذي ] http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/784/05.jpg عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: (( حَكَيْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا فَقَالَ: مَا يَسُرُّنِي أَنِّي حَكَيْتُ رَجُلًا، وَأَنَّ لِي كَذَا وَكَذَا، قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ صَفِيَّةَ امْرَأَةٌ، وَقَالَتْ بِيَدِهَا هَكَذَا، كَأَنَّهَا تَعْنِي قَصِيرَةً، فَقَالَ: لَقَدْ مَزَجْتِ بِكَلِمَةٍ لَوْ مَزَجْتِ بِهَا مَاءَ الْبَحْرِ لَمُزِجَ )) [ رواه أبو داود والترمذي وأحمد ] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ لَا يَرَى بِهَا بَأْسًا يَهْوِي بِهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا فِي النَّارِ )) [ الترمذي ] والكلمة الطيبة صدقة، وقد ترقى بكلمة رقياً لا يعلمه إلا الله، كلمة تواضع، كلمة مؤانسة، كلمة اعتراف بالحق، هذا كله في ميزان حسنات الإنسان. من الأخلاق الجميلة: إذاً: ( الجميل ) مأخوذ من الجمال، وهو الحُسن في الخَلق وفي الخُلق. 1 – الصبر الجميل: هنالك صبر جميل، قال تعالى: ﴿ فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا ﴾ ( سورة المعارج ) هناك صبر مع الضيق، مع التوتر، كأن الإنسان مرجل يغلي، مع كلام قاسٍ، الأبواب تخبط، البلور يكسر، هذا ليس صبرا جميلا، يجب أن تصبر صبراً جميلاً: ﴿ فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا ﴾ ( سورة المعارج ) 1 – الصفح الجميل: وهناك صفح جميل، أنا سامحتك، لا تنس أن كل خيرك من خيري، لا تسامحه. ﴿ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ ﴾ ( سورة الحجر ) إذا سامحته انتهى كل شيء، لا تذكره بخطئه. مثلاً: أيهما أخطر ؛ أن يتآمر إنسان على إنسان فيضعه في السجن، أم يضعه في البئر ؟ البئر الموت فيه محقق، إخوة يوسف وضعوه في البئر، والموت محقق، أما امرأة العزيز فوضعته في السجن، ولما التقى يوسف بإخوته ماذا قال ؟ قال: ﴿ وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ ﴾ ( سورة يوسف الآية: 100 ) ما ذكّرهم بجريمتهم، أما الخروج من البئر فنعمة أكبر، مع أن الموت في البئر محقق، وفي السجن غير محقق، فمن كماله ما ذكّرهم بجريمتهم: ﴿ وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ ﴾ ( سورة يوسف الآية: 100 ) إخواننا الكرام، إن قرأتم قصص الأنبياء فتخلَّقوا بأخلاقهم، الأنبياء مدارس، كل نبي له مدرسة، وعلى رأسهم سيد الخلق وحبيب الحق. إذاً: هناك صبر جميل، وصفح جميل، وفعل جميل، وعفو جميل، وعطاء جميل. أنا أتمنى على الإنسان إذا فعل خيراً أن ينساه، وإذا فُعل معه خير لا ينساه حتى الموت. أتمنى أنك إذا فعلت خيراً يجب أن تناساه وكأنك لم تفعله، أما إذا أسدي إليك معروف فينبغي ألا تنساه ما حييت. مراتب الجمال الربّاني: جمال الذات والصفات والأفعال والأسماء: الله عز وجل ( جميل )، قال: جماله على أربع مراتب، جمال الذات، وجمال الصفات، وجمال الأفعال، وجمال الأسماء، أسماءه كلها حسنى: ﴿ وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾ قطعاً، حتى لو توهمت أن الأسماء الحسنى منها المنتقم، لو تبحرت في معنى المنتقم لذابت نفسك تعظيماً لله، لو تبحرت في معنى المتكبر لذابت نفسك تعظيماً لله: ﴿ وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾ فالله عز وجل جماله على أربع مراتب، جمال الذات، وجمال الصفات، وجمال الأفعال، وجمال الأسماء، أسماءه كلها حسنة، وصفاته كلها صفات كمال، وأفعاله كلها حكمة. http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/784/06.jpg لذلك لما قال بعض العلماء: " الشريعة عدل كلها، لأنها منهج الله، رحمة كلها حكمة كلها، مصلحة كلها، وأية قضية خرجت من الحكمة إلى خلافها، ومن العدل إلى الجور، ومن المصلحة إلى المفسدة، فليست من الشريعة، ولو أدخلت عليها بألف تأويل وتأويل ". حتى إن علماء العقيدة قالوا: " الحسن ما حسنه الشرع، والقبيح ما قبحه الشرع، الله عز وجل ذاته جميلة، وصفاته جميلة، وأفعاله جميلة، وأسماءه جميلة. لكن المشكلة أن جمال الذات لا يدركه أحد في الكون، لا يعرف الله إلا الله، جمال الذات، لا يدركه أحد في الكون ولا الأنبياء، لكن جمال الصفات تدل على جمال الذات، وجمال الصفات محجوبة بأفعاله، فأفعاله الجميلة تدل على جمال صفاته، وجمال صفاته تدل على جمال ذاته، وأنت ترى أفعاله، ترى الربيع، ترى العصفور، ترى الوردة، ترى الزهرة، ترى طفلا جميل الصورة، هذه كلها أفعاله. http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/784/07.jpg أحيانا تأكل طعاما طيبا، مَن أودع في الطعام هذا الطعم ؟ أحيانا يهب نسيم عليل فتنتعش به، مَن ساق هذا النسيم ؟ أحيانا ترى مرجا أخضر، مَن أعطاه هذا اللون الجمال ؟ ترى السماء زرقاء، البحر صافيا، الجبال خضراء، الأطفال الذين وهبهم الله مسحة جمال، وهناك إنسان قد يفتن بابنه من جماله، هذه كلها أفعاله، أفعاله تشير إلى صفاته، وصفاته تشير إلى ذاته، جمال الذات لا يعلمه أحد في الكون حتى الأنبياء. لذلك قال بعض العارفين: " لا يعرف الله إلا الله "، حصراً. نحن مع جمال الأفعال نرى المطر تنعش الأرض، نرى النبع، الماء الزلال، نرى الفاكهة الجميلة، منظر الفاكهة جميل جمالا رائعا جداً، وأحيانًا يزينون بعض الغرف بصور الفاكهة، فاكهة جميلة، البساتين جميلة، الماء الرقراق جميل، يجب أن تخترق جمال الكون إلى جمال الخالق. آية خطيرة فافهم معناها: وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً إخواننا الكرام: ﴿ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ ﴾ ( سورة البقرة الآية: 165 ) من أجل امرأة عصى الله، ما الذي فتنه بها ؟ جمالها، من أجل المال عصى الله، ما الذي فتنه ؟ المال، فالمال يعطيك الجمال، يعطيك بيتا جميلا جداً واسعا، له إطلالة، يعطيك مركبة فارهة جداً، يدعك تختار أجمل زوجة. ﴿ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ ﴾ ( سورة البقرة الآية: 165 ) لماذا هو في العذاب ؟ ما الذي أغواه وعصى به ربه ؟ الجمال، هذا الذي أغواه الجمال فعصى ربه من أجله. ﴿ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً ﴾ ( سورة البقرة الآية: 165 ) http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/784/08.jpg هنا قوة الجمال. فلو شاهدت عيناك من حسننا الذي رأوه لمــــــا وليت عنا لغيرنا و لــــو سمعت أذناك حسن خطابنا خلـعت عنك ثياب العجب وجئتنا ولـــــو ذقت من طعم المحبة ذرة عذرت الـذي أضحى قتيلاً بحبنا ولـــــو نسمت من قربنا لك نسمة لــــمت غريباً واشتياقاً لقربنا و لـــــو لاح من أنوارنا لك لائح تركت جمـــيع الكائنات لأجلنا *** هؤلاء الذين أطاعوا الله هم الفائزون، عرفوا أن يختاروا الجمال المطلق، الجمال الأبدي. لابد أن تترك الجمالَ أو يتركك فانتبه: ﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ﴾ ( سورة الرحمن ) لو أحب الإنسان زوجته، لا بد من أن يتركها في الموت، أو أن تتركه إن ماتت قبله إلا أنك إذا أحببت الله فأنت معه إلى أبد الآبدين. أيها الإخوة، لهذا الموضوع تتمة. والحمد لله رب العالمين |
رد: اسماء الله الحسنى
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : اسم الله - الجميل - 2 -اسماء الله الحسنى الدرس : ( الرابع العاشر ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: ( الجميل ): 1 – يتجلى الله به على بعض مخلوقاته باسم ( الجميل ): أيها الإخوة الأكارم، لا زلنا مع اسم ( الجميل )، وهذا الاسم أيها الإخوة، يتجلى الله به على بعض مخلوقاته، فإذا هو جمال أخّاذ، فالذي ينظر إلى الورود والرياحين والنباتات يأخذه العجب العجاب، إن الله سبحانه وتعالى يتجلى على هذه المخلوقات باسم ( الجميل ). هناك عصافير لها ألوان أخاذة، ومهندسو الألوان يقتبسون ألوانهم مِن خَلق الله عز وجل. 2 – الله عزوجل أصلُ الجمال: أيها الإخوة، ( الجميل ) هو الله عز وجل، هو أصل الجمال، فإذا منح الله العبد مسحةً من الجمال تعلق الخلقُ به، فكيف بأصل الجمال ؟ لذلك جاء تعريف العبادة: " هي طاعة طوعية، ممزوجة بمحبة قلبية، أساسها معرفة يقينية، تفضي إلى سعادة أبدية ". في الدين عنصر جمالي، وفي الدين عنصر معرفي، وفي الدين عنصر سلوكي، وفي الدين عنصر جمالي. بلا مبالغة ؛ لو شققت على قلب المؤمن لرأيت في قلبه من السعادة ما لو وزعت على أهل بلد لكفتهم. في صحيح مسلم من حديث أَبِي مُوسَى قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ، فَقَالَ: (( إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَنَامُ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ، يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ، يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ، وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ، حِجَابُهُ النُّورُ، لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ )) [ مسلم ] وحينما قال الله عز وجل: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾ ( سورة القيامة ) ورد في بعض الكتب أن أهل الجنة ينظرون إلى وجه الله الكريم فيغيبون خمسين ألف عام من نشوة النظرة. 3 – لماذا يعصي الإنسان ربَّه من أجل الجمال الدنيوي ؟ الذي ينبغي أن يكون واضحاً أن هذا الإنسان حينما يجهل حقيقة الواحد الديان، حينما يجهل أسماء الله الحسنى، وصفاته الفضلى، حينما يغويه جمال بعض المخلوقات، ويعصي الله من أجل جمال امرأة، أو جمال قصر، أو جمال مركبة، أو جمال موقع، فيظلم نفسه، ويستحق اللعنة، والبعد عن الله عز وجل، يُخاطب: وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً ﴿ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً ﴾ ( سورة البقرة الآية: 165 ) وكلمة القوة هنا واسعة جداً، هناك قوة الجمال، هناك قوة العلم، هناك قوة المال، صاحب المال قوي، وصاحب العلم قوي، والجميل قوي يأخذ جماله الألباب، هؤلاء الذين عصوا ربهم، وخسروا آخرتهم من أجل جمال مخلوق لو عرفوا أن هذا الجمال مسحة من جمال الله عز وجل، ولو أنهم تعرفوا إلى الله لكانوا مع أصل الجمال. 4 – تجلِّي الله على المؤمنين سعادة لهم ولو فقدوا الدنيا: هناك من يتوهم أنّ المؤمن فاتته مباهج الدنيا، أن المؤمن باستقامته حرم نفسه أشياء كثيرة، لكن العكس هو الصحيح، فإن الله يتجلى على قلب المؤمن تجلياً، سمّه إن شئت رحمة، وسمه إن شئت سكينة، هذا التجلي يسعده ولو فقد كل شيء، ويشقى بفقده ولو ملك كل شيء. أيعقل أن يكون الذي في بطن الحوت نبي كريم، وهو يناجي ربه بقوله: ﴿ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ﴾ ( سورة القصص الآية: 176 ) فيتجلى الله عليه وينقذه، وأن النبي عليه الصلاة والسلام كان في أسعد حالاته وهو في غار ثور، وأن إبراهيم تجلى الله عليه وهو في النار، هذه السعادة التي تلقى في قلب المؤمن يشقى بفقدها الإنسان ولو ملك كل شيء. 5 – الأغنياء الشاردون أشقياء ولو ملكوا الدنيا: في نفس الإنسان فراغ لا يملؤه المال، ولا يملؤه جمال الأرض، الأقوياء والأغنياء يعيشون حياة ناعمة جداً، بيوتهم قطعة من الجمال، مركباتهم، مائدتهم، مَن حولهم، ومع ذلك هم أشقى الخلق، لأنهم ابتعدوا عن الله عز وجل، وحينما تؤمن أن كل السعادة باتصالك بالله تسعد. ﴿ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾ ( سورة الرعد الآية: 28 ) وأن كل الشقاء بالبعد عنه. ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى ﴾ ( سورة طه ) حينما تؤمن أن سعادتك المطلقة باتصالك بالله، لأنه جميل، لأن الجمال جزء أساسي في حياة الناس، وأن الشقاء كل الشقاء في البعد عن الله: ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا ﴾ قال بعض العلماء: ـ دققوا ـ " ما بال الأقوياء والأغنياء هم أشقياء ؟ فجاء الجواب: نعم، شقاءهم ليس في نقص المال، ولكن في ضيق القلب ". أحياناً يتجلى الله على قلب المؤمن باسم ( الجميل ) فهو في جنة، من هنا قيل: " في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة "، و" مساكين أهل الدنيا، جاؤوا إلى الدنيا وغادروها، ولم يذوقوا أطيب ما فيها ". حينما ترى أناساً مجتمعين في ملهى اسأل نفسك سؤالاً عقائدياً: لماذا ؟ ما في هذا المكان ؟ فيه امرأة، لعلها ترقص، فيه مغنٍّ، فيه طعام، رأوا سعادتهم في هذا، ولو كشف لهم لو أنهم إذا أقبلوا على الله كانوا في نشوة ما بعدها نشوة، وفي سعادة ما بعدها سعادة، لسفهوا أعمالهم، ولاحتقروا ذواتهم. إذاً: (( حِجَابُهُ النُّورُ، لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ )) لا شقاء في الدنيا مع معرفة الله: أيها الإخوة، قيل: حجبت الذات بالصفات، وحجبت الصفات بالأفعال، فما ظنك بجمال حجب بأوصاف الكمال، وسُتِر بنعوت العظمة والجلال. أنت تتعامل مع الله، مع ذات كاملة، مع قوي، مع جميل، مع غني، مع قدير، مع رحيم، مع لطيف. صدقوا أيها الإخوة، مستحيل وألف ألف ألْف مستحيل أن يكون هناك شقاء في الدنيا مع معرفة الله، لا يجتمعان أبداً، ولا أقول: إن المؤمن إذا كان مع الله كان في بحبوحة، قد يكون في يسر، وقد يكون في عسر، وقد يكون في فقر، وقد يكون في مرض، لكن لأنه مع الله فهو في سعادة لا توصف. 6 – جمالُ الله وكماله مطلق: نحن في حياتنا قد نلتقي بإنسان عالم كبير، أستاذ في الجامعة مثلاً، لكن لا يرحم الطلاب، يقسو عليهم، يتفنن في إحراجهم في الامتحانات، فالطلاب يكبرون علمه، ولا يحبونه، وقد تلتقي بإنسان تحبه كثيراً، لكن لا تقدر علمه، معلوماته محدودة جداً، لكنه طيب جداً، ففي حياة الإنسان إنسان يكبره ولا يحبه، وإنسان يحبه ولا يكبره، لكنك إذا أقبلت على الواحد الديان بقدر ما تعظمه تحبه، بقدر ما تدهش بكماله، وتدهش بجماله، بقدر ما يرحمك بقدر ما ينتزع إعجابك. فلذلك هذا المعنى ورد في قوله تعالى: ﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾ ( سورة الرحمن ) قد يكون الشيء كبيراً وليس كاملاً، و قد يكون كاملاً وليس كبيراً، لكن الله سبحانه وتعالى في آية أخرى قال: ﴿ تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾ ( سورة الرحمن ) إذاً: أيها الإخوة، الإنسان إذا أقبل على الله وصل إلى كل شيء. (( ابن آدم اطلبني تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء وأنا أحب إليك من كل شيء )) [ ورد في الأثر ] سعادة الدنيا غير متنامية ولا مستمرة: حينما يختار الإنسان هدفاً محدوداً، والإنسان في أصل تصميمه لا نهائي، لا يملأ طموحه إلا الله، فإذا اختار هدفاً أرضياً ؛ اختار المال، يسعى إليه جاهداً، فإذا حصله، وأحاط به يكتشف حقيقة مُرّة ؛ أنه شيء، و ليس كل شيء، فإذا اقترب من مغادرة الدنيا يراه لا شيء. قد يُقبل الإنسان على المرأة في مقتبل حياته، إن كان شارداً عن الله يظنها كل شيء، في منتصف حياته هي شيء، وليست كل شيء، في وقت مغادرة الدنيا يراها ليست بشيء. سبحان الله ! ما من شيء في الدنيا يمكن أن يمد الإنسان بسعادة متنامية، ولا بسعادة مستمرة، بل بسعادة متناقصة، والدليل: أن الإنسان قد يشتري بيتا يلفت النظر، بعد شهر أصبح كأي بيت عنده، وقد يقتني مركبة من أعلى مستوى، بعد حين تصبح هذه المركبة شيئاً عادياً، كل ما يحيط بالإنسان من مظاهر الجمال المادي بعد حين هذا البريق يخبو، وهذا الاهتمام يضعف، هذه الدهشة تقلّ إلا إذا أردت أن تعرف الله. الأصل في الموضوع أنك تتمتع بنفس طموحة لا يملؤها إلا معرفة الله، أما إذا اخترت هدفاً أرضياً فهذا الهدف ما إن تصل إليه حتى يبدأ الملل والسأم، لذلك انظر إلى أهل الدنيا الناجحين في حياتهم، بعد أن ينجحوا تصير حياتهم مملة، لأن النجاح أصبح مألوفاً، لكنهم إذا اختاروا الذات الكاملة، إنهم إن اختاروا الله عز وجل فهم في شباب دائم. أنا أؤكد لكم أن المؤمن في شباب دائم، لسبب بسيط، لأنه اختار هدفاً يفوق كل إمكاناته، لذلك، إن أردت أن تعرف الله فأنت في طريق السعادة، من هنا نؤمن أن المؤمن لا يشيخ أبداً، بل هو شاب دائماً. والله كان في الشام رجل من علماء دمشق، بلغ السن السادسة والتسعين، وكان منتصب القامة، حاد البصر، مرهف السمع، أسنانه في فمه كاملة، وكأنه شاب، يُسأل من حين إلى آخر: يا سيدي، ما هذا ؟ قال: " يا بني، حفظناها في الصغر فحفظها الله علينا في الكبر، من عاش تقياً عاش قوياً ". 7 – على المسلم أن يتجمَّل ماديًّا: أيها الإخوة، النقطة الدقيقة: أن الإنسان ما موقفه من هذا الاسم ؟ لمَ لا يكون جميلاً في ثيابه ؟ في بيته ؟ إذا قلت: جميل، فلا أقصد الفخامة، ولا البذخ، ولا الترف ولا الإسراف أبداً. قد يكون في البيت مسحة جمالية، بيت مريح، المكتب التجاري فيه مسحة جمالية، الدكان فيها مسحة جمالية، الثياب فيها ألوان متناسقة، لماذا ترى الجمال الصارخ في الطرف الآخر، وفي بلاد أخرى ؟ وهم بعيدون عن الله بُعد الأرض عن السماء، لماذا هناك الجمال، وعندنا الإهمال ؟ هذه مشكلة كبيرة، يجب على المؤمن أن يتجمل. قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَنَا: (( إِنَّكُمْ قَادِمُونَ عَلَى إِخْوَانِكُمْ فَأَصْلِحُوا رِحَالَكُمْ وَلِبَاسَكُمْ حَتَّى تَكُونُوا فِي النَّاسِ كَأَنَّكُمْ شَامَةٌ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَا يُحِبُّ الْفُحْشَ وَلَا التَّفَحُّشَ )) [ أخرجه أحمد ] المؤمن نظيف، وذو أذواق عالية في حياته، والأذواق العالية تجذب الناس إليه، أما إذا أهمل ثيابه، أهمل مركبته، أهمل بيته، أهمل دكانه يفرُّ الناس منه. أحيانا تدخل إلى دكان صاحبها مؤمن، فترى النظافة، والترتيب، والنظام، فتؤخذ به، وأحيانا تجد إنسانا مقصرا، في دكانه فوضى، وغبار، وإهمال، هذا شيء منفّر، وأهل الدنيا اكتشفوا هذه الحقيقية، فتأنقوا في حياتهم، وتأنقوا في نظام حياتهم، هذا التأنق وهذا الجمال في حياتهم يجذب الناس إليهم، تذهب إلى بلاد بعيدة فترى عناية بجمال البلاد منقطعة النظير. مرة سافرت إلى بلد، سرت مسافة طويلة جداً لم أرَ إلا اللون الأخضر، الطرقات منظمة، محددة، الشاخصات، اللافتات، الحدائق، أنا أقول: الإنسان بحاجة ماسة إلى الجمال، وهذا مودع في أصل فطرة الإنسان، فإذا لبّى هذه الحاجة، وتخلق بكمالات الله سعد في دنياه. (( إنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمالَ )) [ رواه مسلم عن ابن مسعود ] تغدو حياتنا جميلة، تغدو حياتنا براقة، ما الذي يمنع أن نعتني بمساجدنا ؟ بنظافة مساجدنا، بأناقة مساجدنا، ما الذي يمنع أن نعتني ببيوتنا ؟ والله مرة دخلت إلى بيت متواضع بشكل لا يوصف، بيت عربي، لكن لا تجد فيه خطأ جمالياً، لا شيء فيه يمكن أن تنتقده، مع أنه بيت متواضع جداً، أنا أرى أنك إذا اعتنيت بدنياك عناية تجذب الناس إليك فهذا جزء من الدين، النبي كان كذلك عليه الصلاة والسلام كان نظيفا، كانت ثيابه حسنة، يتعطر دائماً. 8 – الدعاء باسم ( الجميل ): فلذلك أيها الإخوة، يمكن أن تدعو الله بهذا الاسم، ألم يقل الله عز وجل: ﴿ وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾ ( سورة الأعراف الآية: 180 ) وفي بعض أدعية النبي عليه الصلاة والسلام: عن عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: صَلَّى بِنَا عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ صَلَاةً فَأَوْجَزَ فِيهَا، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ الْقَوْمِ: لَقَدْ خَفَّفْتَ، أَوْ أَوْجَزْتَ الصَّلَاةَ، فَقَالَ: أَمَّا عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ دَعَوْتُ فِيهَا بِدَعَوَاتٍ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا قَامَ تَبِعَهُ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ، هُوَ أُبَيٌّ، غَيْرَ أَنَّهُ كَنَى عَنْ نَفْسِهِ، فَسَأَلَهُ عَنْ الدُّعَاءِ، ثُمَّ جَاءَ فَأَخْبَرَ بِهِ الْقَوْمَ: (( اللَّهُمَّ بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ، وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ أَحْيِنِي مَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا عَلِمْتَ الْوَفَاةَ خَيْرًا لِي، اللَّهُمَّ وَأَسْأَلُكَ خَشْيَتَكَ فِي الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، وَأَسْأَلُكَ كَلِمَةَ الْحَقِّ فِي الرِّضَا وَالْغَضَبِ، وَأَسْأَلُكَ الْقَصْدَ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى، وَأَسْأَلُكَ نَعِيمًا لَا يَنْفَدُ، وَأَسْأَلُكَ قُرَّةَ عَيْنٍ لَا تَنْقَطِعُ، وَأَسْأَلُكَ الرِّضَاءَ بَعْدَ الْقَضَاءِ، وَأَسْأَلُكَ بَرْدَ الْعَيْشِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَأَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ، وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ، فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ، وَلَا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ، اللَّهُمَّ زَيِّنَّا بِزِينَةِ الْإِيمَانِ، وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ )) [ النسائي، أحمد ] هذا من أدعية النبي. (( اللهم أغنني بالعلم، وزيني بالحلم، وجملني بالتقوى، وأكرمني بالعافية )) [ الجامع الصغير عن ابن عمر بسند فيه ضعف ] هذه أدعية النبي عليه الصلاة والسلام. أنا لا أستطيع أن أبتعد عن الواقع، الحاجة إلى الجمال مودعة في كل إنسان، فإن لبّاها وفق منهج الله كانت حياته كاملة، وإن أهملها يشقى. ليس هذا هو الجمال المطلوب: أحياناً تتألم ألماً شديداً، تزور قرية مسلمة فترى فيها إهمالا، فيها فوضى، فيها مناظر مخرشة للعين، وأحياناً تزور بلدة أخرى غير مسلمة ترى فيها الأناقة في البيوت، الورود على الشرفات، الطرقات النظيفة، الحدائق الغناء، شيء يلفت النظر، ويؤلم أشد الألم، من قال: إن الجمال وقفٌ على هؤلاء ؟ الإسلام جميل، وربنا جميل، ويحب الجمال، لكن سبحان الله ! الإنسان أحياناً يفهم من هذا الموضوع شيئًا آخر ما أراده الله، يفهم أن يتعلق بالمرأة، يقول لك: (( إنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمالَ )) يطلق بصره في الحرام، ويخالف الواحد الديان ويقول: (( إنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمالَ )) ليس هذا هو المعنى. المعاني الحسية والأخلاقية والأدبية للجمال: الجمال له معانٍ لا تنتهي، ولاسيما أن الجمال له معانٍ حسية، وله معان أخلاقية، والله موقف أخلاقي تذكره، وكأنك تستمتع بالجمال، هناك مواقف أخلاقية، مواقف الوفاء، مواقف الرحمة، مواقف التواضع، مواقف العفو، مواقف الإنصاف، الجمال كلمة واسعة جداً، وعندنا فعل جميل، وعندنا إنسان قوي، ومتواضع، عندنا إنسان غني وسخي، عندنا إنسان متفوق في علمه، ومع ذلك يحبه مَن حوله، فالجمال معناه واسع جداً. لعلي أقول: إن أقلّه الجمال الحسي، لكن اتساع المفهوم يشمل كل شيء، فهناك كلمة جميلة، الأدب أدب، الأدب فن. مثلاً قال أحدهم: تكاثرت عليّ المصائب، هذا كلام، لكن غيره قال: رماني الدهر بالأرزاء حت ى كأني في غشاء مـن نبـال فصرت إذا أصابتني سهام تكسرت النصال على النصال *** هذا أدب، فالكلمة الجميلة أدب، والحركة الجميلة رشاقة، والصوت الجميل نغم، فالجمال واسع جداً يشمل كل حياتنا، وفي جوانب منها كثيرة جداً مباح، بل مطلوب. (( فَقُمْ مَعَ بِلَالٍ فَأَلْقِ عَلَيْهِ مَا رَأَيْتَ فَلْيُؤَذِّنْ بِهِ، فَإِنَّهُ أَنْدَى صَوْتًا مِنْكَ )) [ الترمذي وأبو داود ] هذا كلام النبي عليه الصلاة والسلام. أنا أتمنى أن يكون في حياتنا مسحة من الجمال، لأننا مسلمون، ولا ينبغي أن يوازن بين مسلم بيته مضطرب، فيه مناظر مؤذية، وبين غير مسلم فيه أناقة في بيته، كلما ذكرت الأناقة والجمال لا أقصد المال إطلاقاً، قد تكون أفقر الناس، لكن هناك أذواق، هناك تناسب ألوان، هناك طلاء رخيص، لكن الطلاء يملأ القلب بهجة. أحيانا يسكن إنسان في بيت من دون طلاء، المناظر مؤذية، منظر الإسمنت مؤذٍ، لو طلاه بطلاء رخيص أبيض، بلون سماوي، أو لون زهري، يشعر براحة، الآن علم الألوان له علاقة بسلوك الإنسان، وهناك مكان ينتحر فيه الغربيون، طلوه باللون الأخضر فخفت نسبة الانتحار. انظر إلى السماء الزرقاء، والحقول الخضراء، ألوان مريحة جداً، الله جميل، انظر إلى العصافير، والله فيها ألوان تأخذ بالألباب، انظر إلى الفراشات، انظر إلى الحقول، انظر إلى الفواكه، دعك أنها فاكهة تؤكل، لها منظر رائع جداً. اسم ( الجميل ) تجلى على هذا فكان جميلاً، يجب أن تكون حياتك جميلة، في بيتك، في عملك، في هندامك، في مركبتك، والنظافة أصل في الجمال، وتناسب الألوان أصل في الجمال، ورقة العبارة أصل في الجمال. كان سيدنا عمر إذا مر على أناس يشعلون النار، يقول: السلام عليكم، يا أهل الضوء، ولم يقل: السلام عليكم يا أصحاب النار. في اللغة عبارات جميلة جداً فيها ذكاء، فيها لطف. جاءت امرأة تشكو زوجها إلى سيدنا عمر، متألمة جداً منه، أهملها إهمالاً كلياً، قالت: يا أمير المؤمنين، إن زوجي صوام قوام، ما انتبه سيدنا عمر، قال لها: << بارك الله لكِ بزوجك، سيدنا علي قال له: لا، إنها تشكو زوجها >>، انظر إلى الأدب، وهي تشكو زوجها. والله في أقوال الصحابة أدب، أنا أساساً أرفض أن تقول: لا حياء في الدين، الدين كله حياء. ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ ﴾ ( سورة المعارج ) كل أنواع الانحراف الجنسي دخلت في هذه الآية. ﴿ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ﴾ ( سورة المعارج ) لذلك الكلمة الجميلة، والثياب جميلة، والبيت جميل، والمحل التجاري جميل، والحركة جميلة، و جلسة وراء مقود السيارة فيها أدب، وفيها جمال، وهناك جلسة فيها غطرسة. (( إنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمالَ )) خاتمة: وأتمنى أن يكون الجمال جزاءً أساسياً في حياتنا، تنظيم البيت يريح، وقالوا: الجمال في البساطة، فقد ترى مركبة أحياناً كلها زينات، وكلها تعليقات، وكلها كلمات، شيء منفر، دعها طبيعية، المركبة أجمل بكثير. فنحن بحاجة إلى الجمال، لأن حياتنا كلها دم، وكلها قهر، وكلها قتل، وكلها تدمير، وكلها خراب، هذه مشكلة كبيرة، والله أتمنى عليكم ألا تسمحوا لأولادكم بمتابعة الأخبار من شدة ما تترك هذه الأخبار من انعكاسات سيئة في نفوس الصغار. والحمد لله رب العالمين |
رد: اسماء الله الحسنى
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : اسم الله - المعطى - 1 -اسماء الله الحسنى الدرس : ( الخامس العاشر ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: ( المُعطي ): أيها الإخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى وهو اسم ( المعطي ). 1 – ورودُ اسم ( المعطي ) في السنة الصحيحة: لم يرد هذا الاسم في القرآن الكريم، بل ورد في السنة، ففي صحيح البخاري عَنْ مُعَاوِيَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَاللَّهُ الْمُعْطِي، وَأَنَا الْقَاسِمُ، وَلَا تَزَالُ هَذِهِ الْأُمَّةُ ظَاهِرِينَ عَلَى مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ )) [ متفق عليه ] 2 – أعظمُ عطاءٍ من اللهِ هو العلمُ: أول ملمح في الحديث كرامة العلم أعظم كرامة، قال تعالى: ﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ ( سورة النساء ) لأن الله سبحانه وتعالى أودع في الإنسان قوة إدراكية، وما لم يبحث عن الحقيقة، وما لم يطلب العلم فقد هبط من مستوى إنسانيته إلى مستوى لا يليق به. لذلك: كرامة العلم أعظم كرامة عند الله، فإذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم. ﴿ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ ( سورة الزمر ) ﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ﴾ ( سورة المجادلة ) فالله سبحانه وتعالى اعتمد في القرآن الكريم العلم والعمل كقيمتين مرجِّحتين بين خلقه، فبطولة الإنسان أن تأتي مقاييس التفوق عنده كما هي في القرآن. الناس في الدنيا يعظِّمون الأغنياء والأقوياء، لكن القرآن الكريم بيّن لنا أن رتبة العلم أعلى الرتب: ﴿ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ العلمُ بالله وبخَلق الله وبأمرِ الله: وكما تعلمون هناك علم بخلقه، وعلم بأمره، وعلم به، العلم بخلقه وبأمره يحتاجان إلى مدارسة، إلى كتاب، وإلى معلّم، وإلى شهادة، وإلى امتحان، هذه مدارسة، لكن العلم به يحتاج إلى مجاهدة. على كلٍ في الملمح الأول من الحديث الشريف: (( مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ )) والبطولة لا أن يكون طلب العلم في أوقاتك الهامشية، يجب أن يكون طلب العلم جزءاً من خطتك في الحياة، لأن هناك إنسانا بحسب فراغه يطلب العلم، لكنْ عنده أشياء أساسية لا يعلو عليها شيء، أما المؤمن فطلب العلم جزء أساسي من حياته، ولا يعلو عليه شيء، وقد قال سيدنا علي رضي الله عنه: << يل بني، العلم خير من المال، لأن العلم يحرسك، وأنت تحرس المال، والمال تنقصه النفقة، والعلم يزكو على الإنفاق، يا بني، مات خزان المال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة >>. إذاً: في الإنسان حاجات سفلى، وحاجات عليا، الحاجة العليا الكبيرة طلب العلم، فما لم يطلب الإنسان العلم لا يرقى إلى مستوى إنسانيته، والإنسان من دون علم وُصِف في القرآن الكريم بأنه: ﴿ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا ﴾ ( سورة الفرقان ) ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ﴾ ( سورة الجمعة الآية: 5 ) ﴿ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ﴾ ( سورة الأعراف الآية: 176 ) بل أبلغ من ذلك: ﴿ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ ﴾ ( سورة المنافقون الآية: 4 ) لذلك الذي يرقى بالإنسان إلى مستوى إنسانيته، وإلى مستوى يليق به هو طلب العلم. 3 – الماء من عطاء الله: إلا أن الحديث فيه ملمح ثانٍ، وهو موضوع درسنا: (( وَاللهُ المُعْطِي وَأَنَا القَاسِمُ )) الملمح الثاني: أنه الأصل أن هذا الماء من عطاء الله، نحن وضعناه في خزانات، وسُقناه إلى البيوت بأنابيب، ووزّعناه بقوارير، هذا عمل ثانوي، لا يعد من صلب الماء، الماء منحة من الله عز وجل، فكل شيء الأصل أنه عطاء من الله، نحن تفننا بعرضه، بتعليبه، بتغليفه، بوصوله، أما الأصل فإن الله هو المعطي. (( وَاللهُ المُعْطِي وَأَنَا القَاسِمُ )) 4 – المعطي المانع: دائماً وأبداً في الأسماء الحسنى أسماء يجب أن تلفظ معاً، كاسم " الضار "، الأولى أن يلفظ اسم " الضار " مع اسم " النافع "، تقول: " الضار النافع "، " المعطي المانع "، " المعز المذل "، لماذا ؟ لأن الله سبحانه وتعالى يمنع ليعطي، ويأخذ ليعطي، ويخفض لرفع، ويذل ليعز، لأن الإنسان حمل الأمانة، لكنه قصر في حملها، فتأتي المعالجة. الفرق واضح جداً، بين من يعين موظفاً، ويعطيه مدة ستة أشهر ليمتحنه، مهمة صاحب المؤسسة أن يحسب على هذا الموظف أخطاءه، لكن بلا رحمة، إذا كانت بحجم لا يحتمل ألغى عقده، أما لو أن كان هذا الموظف ابنه فإنه يتابعه، كل خطأ يوقفه عنده، ويعطيه التوجيه، لأن رحمة الأب تقتضي المتابعة، ولأن الله رب العالمين رحيم بعباده، فإذا أخطاء الإنسان تابعه بالمعالجة. أنا أتصور لو أن الله سبحانه وتعالى لم يربِّ عباده فإن معظمهم إلى النار، لكن هذا ربّاه بمرض، هذا بقلق، أو بشبح مصيبة، أو بضيق معين، الله عز وجل يسوقنا إلى بابه سوقاً، وهذا من نِعم الله عز وجل، فهو معطٍ ومانع، خافض ورافع، معز ومذل، وقد ورد في الأثر: (( إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء )) [ رواه الديلمي عن ابن عمر ] لا تستقيم الدنيا لأحَدٍ، وهذا لحكمة بالغةٍ أرادها الله. (( ودار تَرحٍ لا دار فرح )) فيها أحزان، فيها آلام، فيها فراق الأحبة، فيها أمراض تصيب الأولاد أحياناً. (( ودار ترح لا دار فرح فمن عرفها )) أي: مَن عرف حقيقة الدنيا. (( لم يفرح لرخاء )) لأنه مؤقّت. (( ولم يحزن لشدة )) لأنه مؤقّت، الموت ينهي كل شدة، الموت ينهي قوة القوي، وغنى الغني، وذكاء الذكي، وصحة الصحيح، لذلك: (( فمن عرفها لم يفرح لرخاء، ولم يحزن لشدة، ألا وإن الله تعالى خلق الدنيا دار بلوى )) ﴿ وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾ ( سورة المؤمنون ) لذلك: ((ألا وإن الله تعالى خلق الدنيا دارَ بلوى، والآخرة دار عقبى، فجعل بلوى الدنيا لثواب الآخرة وثواب الآخرة من بلوى الدنيا عوضا، فيأخذ ويبتلي ليجزي )) في بعض الأحاديث القدسية، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: (( يَا ابْنَ آدَمَ، مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي، قَالَ: يَا رَبِّ، كَيْفَ أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ ؟ قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ ؟ يَا ابْنَ آدَمَ، اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي، قَالَ: يَا رَبِّ، وَكَيْفَ أُطْعِمُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ ؟ قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فُلَانٌ فَلَمْ تُطْعِمْهُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي ؟ يَا ابْنَ آدَمَ، اسْتَسْقَيْتُكَ فَلَمْ تَسْقِنِي، قَالَ: يَا رَبِّ، كَيْفَ أَسْقِيكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ ؟ قَالَ: اسْتَسْقَاكَ عَبْدِي فُلَانٌ فَلَمْ تَسْقِهِ، أَمَا إِنَّكَ لَوْ سَقَيْتَهُ وَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي ؟ )) [ أخرجه مسلم ] الله عز وجل حينما أخذ من الإنسان بعض صحته ليعوِّضه أضعافاً مضاعفة من القرب والسكينة. ((أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ ؟ )) فهذه فكرة دقيقة جداً، الله عز وجل يأخذ ليعطي، يمنع ليعطي، يخفض ليرفع يضر لينفع، هذه الأسماء الأَولى أن تذكر مَثْنى مَثْنَى. 5 – من عطاء الله نعمة الإيجاد: شيء آخر، الله عز وجل ما الذي أعطانا إياه ؟ النعم الكبرى الصارخة، أعطانا نعمة الإيجاد، فإنه أوجدنا. ﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا ﴾ ( سورة الإنسان ) أنت موجود، لك كيان، لك اسم، لك زوجة، لك أولاد، لك بيت، لك مكانة، عندك قناعات. لذلك نعمة الإيجاد النعمة الأولى، وأنا أحياناً لما أتصفح كتابا، وأطلع على تاريخ تأليفه، فإذا كان تاريخ التأليف قبل ولادتي أتخذ موعظة كبيرة، أنا في هذا التاريخ أين كنت؟ ما لي اسم في الأرض كلها. 6 – من عطاء الله نعمةُ الإمداد: منحك الله نعمة الإيجاد، لا يكفي الإيجاد، أعطاك جهاز تنفس الهواء، أعطاك جهاز هضم، هناك ماء، وطعام، ولحوم، وخضراوات، ومحاصيل، وأنت بحاجة إلى طرف آخر فخلق المرأة من أجلك، وخلقك من أجلها، أعطاك النصف الآخر، فأنجبت أولادا ملؤوا البيت فرحة، منحك نعمة الإيجاد، ومنحك نعمة الإمداد. 7 – من عطاء الله نعمةُ الهدى والرشاد: أحيانا يشق الطريق، بعد حين توجد الشاخصات، هنا منحدر زلق، وهنا تقاطع خطر، وهنا الطريق ضيقة، هذه الشاخصات هداية للسائقين. فبعد أن منحك نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، منحك نعمة الهدى والرشاد، هذه نعم كبرى، فضلاً على أنها نِعَمٌ لا تعد ولا تحصى. 8 – من عطاء الله تسخير الكون تسخير تعريف وتكريم: لكن الكون أكبر ثابت في الإيمان، هذا الكون بنص القرآن الكريم سُخر للإنسان تسخير تعريف وتكريم، الدليل: ﴿ وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ ﴾ ( سورة الجاثية الآية: 13 ) بالمناسبة، المسخَّر له أكرم من المسخَّر، الإنسان سُخِّر له ما في الكون، فهو المسخَّر له، وهو أكرم عند الله من الشيء المسخَّر، وهذه حقيقة أولى، الإنسان هو المخلوق المكرَّم المكلَّف. ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ﴾ ( سورة الأحزاب الآية: 72 ) لأنه قَبِل حمل الأمانة، كان المخلوق الأول تكريما وتكليفا، لذلك قال سيدنا علي: << رُكِّب الملَك من عقل بلا شهوة، ورُكّب الحيوان من شهوة بلا عقل، ورُكّب الإنسان من كليهما، فإن سما عقله على شهوته أصبح فوق الملائكة، وإن سَمت شهوته على عقله أصبح دون الحيوان >>، هذا الكلام خطير جداً تؤكده الآية الكريمة: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ﴾ ( سورة البينة ) على الإطلاق، لمجرد أنك إنسان في الأصل فأنت فوق المخلوقات جميعاً: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ﴾ ( سورة البينة ) بالمقابل: << وإن سمت شهوته على عقله أصبح دون الحيوان >>. ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ ﴾ ( سورة البينة ) بين أن تكون أرقى من الملائكة، وبين أن يكون الإنسان الذي كفر بربه دون أحقر حيوان فراق كبير جدا، فلذلك أعطانا هذا الكون، وسخّره لنا تسخير تعريف وتكريم. موقف المؤمن من تسخير التعريف والتكريم: لو أن إنسانا قدّم لك جهازا متطورا جداً، وفيه قفزة نوعية بخصائصه، وهو من اختراعه، فقدمه لك هدية، يجب أن ينتابك شعورٌ، شعور التعظيم له على هذا الإنجاز العلمي الكبير، وشعور الامتنان، لأنه قدّمه لك مجاناً، ولأن الله سبحانه وتعالى سخر للإنسان: ﴿ مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ ﴾ تسخير تعريف وتكريم، فردّ فعل التعريف أن تؤمن، ورد فعل التكريم، أن تشكر، لمجرد أنك آمنت، وشكرت فقد حققت الهدف من وجودك، وإذا حُقق الهدف من الوجود تتوقف كل أنواع المعالجة، الآية: ﴿ مَّا يَفْعَلُ اللّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ ﴾ ( سورة النساء الآية: 147 ) إذا آمنت بهذا الإله العظيم، والرب الكريم، والمسيّر الحكيم، صاحب الأسماء الحسنى، والصفات الفضلى، إنك إن آمنت، ثم أيقنت أنه منحك نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، ونعمة الهدى والرشاد فقد حققت الهدف من وجودك، لذلك تتوقف عندها جميع أنواع المعالجات، والآية دقيقة جداً: ﴿ مَّا يَفْعَلُ اللّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ ﴾ ( سورة النساء الآية: 147 ) (( يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَسَأَلُونِي، فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ )) [ رواه سلم عن أبي ذرّ رضي اللّه عنه ] لأن عطائي كلام، وأخذي كلام، كن فيكون، زل فيزول. الآن الدقة البالغة في الحديث: (( فَمَنْ وَجَدَ خَيْراً فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلا يَلُومَنَّ إِلاَّ نَفْسَهُ )) [ رواه سلم عن أبي ذرّ رضي اللّه عنه ] لا تعتب على أحد. ﴿ وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ ﴾ ( سورة الشورى ) (( ما من عثرة، واختلاج عرق، وخدش عود، إلا بما كسبت أيديكم، وما يعفو الله أكبر )) [ ورد في الأثر ] رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى النقطة الدقيقة في هذا اللقاء: قال تعالى: ﴿ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى ﴾ ( سورة طه ) فرعون سأل سيدنا موسى: ﴿ قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ﴾ ( سورة طه ) ما معنى قول النبي ؟ (( أَعْطُوا الْأَجِيرَ أَجْرَهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ )) [ ابن ماجه عن ابن عمر ] ما قال: أعطوه أجراً، أجره الذي يعادل جهده، أجره الذي يحقق له كرامته، بالمقابل: ﴿ قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ﴾ ( سورة طه ) أعطاه الخلق الكامل. الإنسان خَلَقه الله خَلْقًا كاملاً: ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾ ( سورة التين ) 1 – العينان: أعطاه عينين، لماذا أعطاه عينين، ولم تكن عيناً واحدة ؟ بالعينين يدرك البُعد الثالث، بعين واحدة يدرك بُعدين، الطول والعرض، بالعين الثانية تدرك البعد الثالث، أنت ترى الطول والعرض والعمق، والدليل أنك بعينٍ واحدة لا تستطيع أن تضم إبرة، يأتي الخيط بعيدا عن الإبرة عشرة سنتيمترات، بالعينين معًا تعرف المسافة. ﴿ أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ ﴾ ( سورة البلد ) العين جعل مادة مضادة للتشنج، بالميل متر المربع في شبكية العين في مئة مليون مستقبل ضوئي، عصية ومخروط بالميل متر مربع بشبكية العين فيها مئة مليون من أجل صورة دقيقة جداً، من أجل أن تميز بين 8 ملايين لون، واللون الواحد لو دُرج 800 ألف درجة لفرقت العين البشرية بين لونين، لذلك: ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾ ( سورة التين ) 2 – الشَّعرُ: أعطاك شَعرا، ففي الرأس تقريباً بالشكل المتوسط 300 ألف شعرة، لكل شعرة وريد، وشريان، وعصب، وعضلة، وغدة دهنية، وغدة صبغة، والحكمة البالغة أنه ليس في الشعر أعصابُ حسٍّ، لو فيه أعصاب حس لكانت عملية حلاقة الشعر تحتاج إلى مستشفى، وإلى تخدير كامل، هذه من حكمة الله عز وجل. 3 – الأنف: الأنف فيه عشرون مليون عصب شمٍّ، ينتهي كل عصب بسبعة أهداب، الهدب مغمس بمادة تتفاعل مع الرائحة، تتشكل شكلا هندسيا، كرة، موشورا، هرما، هذا الشكل رمز الرائحة، يشحن إلى الدماغ للذاكرة الشمّية، وعندنا عشرة آلاف بند، هذا الشكل يعرض إلى أن يتوافق هذا الشكل مع هذا الشكل تقول: هذه رائحة كمون في الأكل، مثلاً، فالشمّ آلية معقدة جداً. ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾ ( سورة التين ) ﴿ أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ﴾ ( سورة طه ) 4 – الأذنان: الأذنان: لمَ لمْ تكن أذنا واحدة ؟ بالأذن الواحدة لا يمكن أن تعرف جهة الصوت، بالأذنين تعرف الجهات، هناك صوت بوق لمركبة من اليمين، دخل هذا الصوت إلى هذه الأذن قبل هذه، والفرق الزمني واحد على 1620 جزءا من الثانية، فأدركت أن المركبة على اليمين، فأعطاك الدماغ أمرًا بالانحراف نحو اليسار، وهذه آلية معقدة جداً. ﴿ قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ﴾ ( سورة طه ) 5 – القدَمانِ وآلية التوازن: هدانا إليه، لو أن الإنسان ليس عنده قنوات توازن في الأذن لاحتاج إلى قَدَم مساحتها 70 سم حتى يقف، يحتاج إلى قاعدة ارتكاز واسعة جداً، أما لأن في الأذن جهاز توازن فيمكن عند الميل أن يصحح التوازن، ولولا هذا الجهاز لم ركب إنسان دراجة إطلاقاً، ولا مشى إنسان على الأرض، فالقدمان لطيفتان بحجم معقول جداً، وأنت واقف. إذاً: التوازن من آيات الله الدالة على الله. 6 – أعصاب الحس في الأسنان: وضع الله عز وجل في لبّ السن عصب حسي، ليس له فائدة، إذا بدأ النخر، ووصل إليه لا تنام الليل، تسارع إلى الطبيب، ولولا هذا العصب لخسر الإنسان كل أسنانه، العصب الحسي جهاز إنذار مبكر. 7 – آلية اجتماع اللعاب في أثناء النوم: وأنت نائم غارق في النوم يجتمع اللعاب في فمك، تذهب رسالة إلى الدماغ، اللعاب زاد على حده، يأتي أمر من الدماغ وأنت نائم، يفتح البلعوم لسان المزمار، يغلق القصبة الهوائية، يفتح المريء فتبلع ريقك، وأنت نائم: ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾ ( سورة التين ) 8 – البروستاتة: البروستاتة تقع بين مجرى البول ومجرى ماء الحياة، عند الالتقاء، هذه في اللقاء الزوجي تفرز مادة مطهرة، ومادة مغذية، ومادة معطرة، هذه البروستاتة موضعها في مكان حرج عند ملتقى ماء الحياة مع بول الإنسان، ففي حال الحمل يجب أن يكون المجرى طاهراً، فتفرز مادة مطهرة، ومغذية، ومعطرة: ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾ ( سورة التين ) الخاتمة: الموضوع طويل جداً، موضوع أن نكتشف عظمة خلق الإنسان، هذا من التفكر في خلق السماوات والأرض. ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾ ( سورة آل عمران ) إنّ جزءًا من الإيمان أن تتفكر في خلق السماوات والأرض، المعلومات موجودة، لكن لا تقرأ هذه المعلومات قراءة إيمانية، ندرسها في كلية الطب، لكن لا تقرأ قراءة إيمانية. لو فكر الإنسان في جسمه، فكر في حواسه الخمس، فكر في أجهزته، فكر في جهاز الدوران، في القلب، في جهاز الأعصاب، في جهاز الهضم، فهذه آيات دالة على عظمة الله عز وجل: ﴿ قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ﴾ ( سورة طه ) والحمد لله رب العالمين |
رد: اسماء الله الحسنى
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : اسم الله - المعطى - 2 -اسماء الله الحسنى الدرس : ( الخامس العاشر ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: ( المعطي ): 1 – العطاء الدنيوي ينقضي بفناء الدنيا: أيها الإخوة الكرام، لا زلنا في اسم ( المعطي )، ولو تساءلنا: ماذا يعطينا الله عز وجل ؟ يعطينا نعماً دنيوية، يعطينا الصحة، يعطينا القوة، يعطينا المال، يعطينا الجمال، ويعطينا نعماً إيمانية، يعطينا السكينة، يعطينا الأمن، يعطينا الرضى، يعطينا السعادة، يعطينا نعماً لا تعد ولا تحصى، لكن نعم الله عز وجل ما كان منها في الدنيا تنقضي بانقضاء الدنيا. فلذلك يقول الله عز وجل: ﴿ فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ﴾ ( سورة الفجر ) جاء الجواب مع الردع: ﴿ كَلَّا ﴾ ( سورة الفجر ) 2 – الرضى بالعطاء والمنع هو رضى بالقضاء والقدر: يعني: يا عبادي، ليس عطائي إكراماً في الدنيا، ولا منعي حرماناً، عطائي ابتلاء، وحرماني دواء. فلذلك الله يعطي الصحة، والذكاء، والقوة، والجمال، والمال للكثيرين من خَلقه، ولكنه يعطي السكينة بقدر لأصفيائه المؤمنين، يعطيك نعماً إيمانية، يعطيك الرضى، فأنت راضٍ عن الله، راضٍ عن نفسك، بمعنى أنك قبلت قضاء الله وقدره، راضٍ عمّا نزل بك من مِحنٍ، ليقينك القطعي أنه هناك حكمة بالغة. فلذلك أيها الإخوة، حينما نؤمن أن كل شيء بقضاء من الله وقدر، وأن الإيمان بالقدر يذهب الهمّ والحزن، وأن الإيمان بالقدر نظام التوحيد نكون قد عرفنا حقيقة العطاء، لكن ولكل شيء حقيقة، فعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( لِكُلِّ شَيْءٍ حَقِيقَةٌ، وَمَا بَلَغَ عَبْدٌ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ، وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ )) [ أخرجه أحمد في مسنده] وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَلَا تَعْجَزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللَّهِ، وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ )) [ رواه مسلم ] ولا ينبغي للمؤمن أن يقول: لو، ليس في قاموس المؤمن كلمة ( لو )، لو لم أَسِرْ في هذا الطريق لم يقع الحادث، هذا طريق مسدود، لكن قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( لَكِنْ قُلْ: قَدَّرَ اللَّهُ، وَما شاء فَعَلَ، فإنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطانِ )) وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ الله عز وجل حينما يقول: ﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ ﴾ ( سورة العنكبوت الآية: 45 ) مِن أدق معاني هذه الآية أن ذِكركَ لله عز وجل أكبر من كل شيء، وأن الله يذكرك، لكن ذكر الله لك أكبر من ذكرك له، فإذا ذكرته أديت واجب العبودية، لكنه إذا ذكرك أعطاك الأمن، والأمن نعمة خاصة بالمؤمنين. ﴿ سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُواْ﴾ ( سورة آل عمران الآية: 151 ) أما المؤمنون: ﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ ﴾ ( سورة آل عمران ) إذاً: ذكر الله لك أكبر من ذكرك له، إن ذكرك منحك الحكمة. ﴿ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيراً ﴾ ( سورة البقرة الآية: 269 ) ذكر الله لك يمنحك السكينة، سعادة ما بعدها سعادة، لا يعرفها إلا من ذاقها، إذا ذكرك الله عز وجل أعطاك الرضى، لذلك يعطي الله نِعماً دنيوية، ويعطي نعما أخروية، أو يعطي نعمًا إيمانية، النعم الإيمانية تسعد بها إلى أبد الآبدين، والنعم الدنيوية تنقضي بانقضاء الدنيا. فلذلك ليس عطائي إكراماً، ومنعي حرماناً، عطائي ابتلاء، وحرماني دواء. مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ الآن: ﴿ مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا * وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا * كُلاًّ نُّمِدُّ هَـؤُلاء وَهَـؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاء رَبِّكَ مَحْظُورًا ﴾ ( سورة الإسراء ) قد يختار إنسان الغناء، ثم يموت، وتبقى أغانيه تذاع في الإذاعات إلى يوم القيامة، وقد يختار إنسان القرآن، ثم ويموت، وتبقى تلاوته تذاع في الإذاعات إلى يوم القيامة: ﴿ كُلاًّ نُّمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاء رَبِّكَ ﴾ ( سورة الإسراء ) هناك إنسان بنى مسجدا، وإنسان بنى ملهى، الإنسان مخير، فاختر ما شئت، وافعل ما شئت، لكن كل شيء له حسابه. ﴿ كُلاًّ نُّمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاء رَبِّكَ مَحْظُورًا ﴾ ( سورة الإسراء ) الله عز وجل لا يتعامل مع التمنيات. ﴿ لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ﴾ ( سورة النساء الآية: 123 ) التمنيات بضائع الحمقى، الله عز وجل يتعامل مع الصدق. وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا ﴿ وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا ﴾ ( سورة الإسراء الآية: 19 ) علامة إرادتها صادقاً: ﴿ وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا ﴾ ( سورة الإسراء الآية: 19 ) فلذلك هذه الآية أصل في العقيدة، الله عز وجل خلقك، منحك حرية الاختيار، وقال لك: عبدي اطلب تُعْطَ، إن أردت الدنيا أخذت الدنيا، لكن ما لك: ﴿ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ ﴾ ( سورة البقرة الآية: 200 ) إن أردت الآخرة تأتك الدنيا وهي راغمة، لذلك أقول دائماً: من آثر آخرته على دنياه ربحهما معاً، ومن آثر دنياه على آخرته خسرهما معاً. إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ الآية الكريمة: ﴿ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ﴾ ( سورة الكوثر ) أيها الإخوة، أيّ عطاء ينتهي بالموت ليس في كرم الله عطاء، لكن عطاء الله عطاء أبدي مستمر، فلذلك: ﴿ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ﴾ ( سورة الكوثر ) قال علماء التفسير: كل مؤمن بقدر إيمانه، واستقامته وعمله الصالح له من هذه الآية نصيب. ﴿ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾ ( سورة الشرح ) كل مؤمن بحسب إيمانه، واستقامته، وإخلاصه له من هذه الآية نصيب، أما العطاء البدي السرمدي الذي خلقنا من أجله: ﴿ وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ ﴾ ( سورة هود ) العاقل من يعيش المستقبل: كلنا ينتقل من بيت إلى قبر، والبيت معتنى فيه جداً، فيه زوجة وأولاد، وغرف ضيوف، وغرف جلوس، مطبخ، حمام، مركبة واقفة عند الباب، هناك نزهات، فإذا توقف القلب وُضع في القبر، ماذا في القبر ؟ الذكاء والتوفيق والعقل أن تعيش المستقبل، لا أن تعيش الماضي، ولا أن تعيش الحاضر، الذي يعيش الماضي غبي، لأنه ما مضى فات والمؤمل غيب، ولك الساعة التي أنت فيها، والذي يعيش المستقبل هو أعقل العقلاء، ماذا في المستقبل ؟ مغادرة الدنيا، ماذا أعددنا لهذه الساعة ؟ فلذلك الجنة عطاء غير محدود، لكن ما هي الخسارة ؟ ﴿ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ﴾ ( سورة الزمر الآية: 15 ) إنسان باع بيته، وباع معمله، وباع بيت المصيف، وباع بيتا على البحر، وباع كل أدواته ومركباته، وهذا المبلغ بطريقة أو بأخرى فَقَده، يشعر بخسارة لا تحتمل، الآخرة الخسارة فيها أشد، خُلقت للأبد فخسرت الأبد، من أجل سنوات معدودة أمضاها الإنسان في المعاصي والآثام. 3 – المعنى التوحيدي في العطاء والمنع: كن مع الله تر الله معك واترك الكل وحاذر طمعك هناك معنى توحيدي في العطاء. وإذا أعطــاك من يمنعه ثم من يعطي إذا ما منعـك يدخل التوحيد في معنى العطاء، لأنه لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، علاقتك مع الله، فهذا هو التوحيد الله وحده هو الرافع، والخافض، والمعز، والمذل والمانع، والمعطي، ولا إله إلا الله، وهذا الدين لا يقوم إلا على التوحيد، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، ونهاية العلم التوحيد، ونهاية العمل التقوى. ربما أعطاك فمنعك، وربما منعك فأعطاك، هذا معنى قوله تعالى: ﴿ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ﴾ ( سورة لقمان الآية: 20 ) المصائب والحرمان والمتاعب نِعَمٌ باطنة، لأن الله عز وجل يقول: ﴿ مَّا يَفْعَلُ اللّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ ﴾ ( سورة النساء الآية: 147 ) حينما يؤمن الإنسان ويشكر تنتهي كل المعالجات، لأنه حقق الهدف من وجوده، إذاً: وإذا أعطــاك من يمنعه ثم من يعطي إذا ما منعـك لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعك، علاقتك مع الله عز وجل. فلذلك سيدنا سعد ابن أبي وقاص إذا دخل على النبي عليه الصلاة والسلام كان يداعبه، لأنه يحبه حباً جما، فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: أَقْبَلَ سَعْدٌ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( هَذَا خَالِي، فَلْيُرِنِي امْرُؤٌ خَالَهُ )) [ الترمذي ] وفداه بأبيه وأمه. (( ارْمِ سَعْدٌ فِدَاكَ أَبِي وَأُمّي )) [ أخرجه الشيخان عن علي بن أبي طالب ] وبعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له عمر كلمة توحيد، قال له: << يا سعد، لا يغرنك أنه قد قيل: خال رسول الله، فالخلق كلهم عند الله سواسية، ليس بينه وبينهم قرابة إلا طاعته >>. هذا المعنى يدفعنا إلى الله دفعاً، كلنا عباده، وتجري علينا مقاييس واحدة، ونقيّم بقيمٍ واحدة. ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ ( سورة الحجرات الآية: 13 ) أحياناً تأتي المصيبة فتكون سبب الهداية، حينما تكشف لك حكمتها تذوب كالشمعة محبة لله، هذا معنى قوله تعالى: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ * أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾ ( سورة البقرة ) يجب أن تؤمن إيماناً قطعياً أن المصائب نِعَمٌ، وأن الرضى بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين، وأن المصائب تعني أنك ضمن عناية الله، وأن المصائب تعني أنك ضمن رحمة الله، لذلك: ﴿ فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ ﴾ ( سورة الأنعام الآية: 147 ) مما تقتضيه رحمة الله. ﴿ وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ﴾ ( سورة الأنعام ) صدقوا أيها الإخوة، إذا دخلت إلى مسجد فقد تجد عددا كبيرا جداً من رواد المسجد اصطلحوا مع الله عقب تدبير حكيم، عقب شبح مصيبة، عقب تهديد، عقب خطورة على الرزق، خطورة على المنصب، فالإنسان ليس له إلا الله، وحينما قال الله عز وجل: ﴿ إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا * إِلَّا الْمُصَلِّينَ ﴾ ( سورة المعارج ) 4 – العطاء من صفات الأنبياء والمؤمنين: فإنه يعني أن الإنسان شحيح، وحريص على ما في يديه، لكنه إذا اتصل بالله عز وجل أصبح سخياً، كما أنه يتلقى من الله عطاء، يتقرب إلى الله بكمال مشتق من كماله فيعطي، فلذلك الأقوياء أخذوا ولم يعطوا، والأنبياء أعطوا ولم يأخذوا، والمؤمن يبني حياته على العطاء، كيف ؟ ﴿ فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾ ( سورة الليل ) بنى حياته على العطاء، بالتعبير المعاصر بنى استراتيجيته على العطاء، العطاء سمة عميقة من سماته، فيعطي من وقته، ويعطي من ماله، ويعطي من خبرته، ويعطي من عضلاته في سبيل مرضاة الله عز وجل، لذلك قال الله تعالى: ﴿ مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً ﴾ ( سورة البقرة الآية: 245 ) فأيّ عمل صالح فهو في حقيقته قرض لله عز وجل. 5 – المنع هو عطاء من الحكيم: الآن: إذا كشف لك الحكمة في المنع عاد المنع عين العطاء، وأحياناً: ﴿ وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ ﴾ ( سورة الشورى ) في آية ثانية: ﴿ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ﴾ ( سورة التغابن الآية: 11 ) إلى حكمتها، فإذا كشف الله لك الحكمة فيما ساقه إليك عاد المنع عين العطاء، ومن أدق الأحاديث الشريفة: (( إن الله ليحمي صفيه من الدنيا كما يحمي أحدكم مريضه من الطعام )) في رواية أخرى: (( إن الله ليحمي صفيه من الدنيا كما يحمي الراعي الشفيق غنمه عن مراتع الهلكة )) [ أخرجه البيهقي عن حذيفة بسند فيه ضعف ] حينما تؤمن أنك بعين الله، وبعنايته، وبرعايته، وبحكمته، وأن الذي ساقه إليك محض محبة، ومحض حكمة، ومحض خير ترضى عن الله. كان أحدهم يطوف حول الكعبة فقال: " يا رب، هل أنت راضٍ عني ؟ كان وراءه الإمام الشافعي، قال له: يا هذا، هل أنت راضٍ عن الله حتى يرضى عنك ؟ قال له: سبحان الله ! مَن أنت يرحمك الله ؟ قال له: أنا محمد بن إدريس، قال له: كيف أرضى عن الله، وأنا أتمنى رضاه ؟ هذا الكلام ما فهمه، قال له: إذا كان سرورك بالنقمة كسرورك بالنعمة فقد رضيت عن الله "، والدليل: ﴿ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ﴾ ( سورة المائدة الآية: 119 ) يجب أن ترضى عن الله، يجب أن ترضى عن قضائه وعن قدره، وعن حكمته، حين جعل إنسانا ذا دخل محدود، يا رب، لك الحمد، وإذا جعل إنسانا آخر بدخل غير محدود، يا رب، لك الحمد، تتمتع بصحة جيدة، يا رب، لك الحمد، فيك بعض الأمراض، يا رب، لك الحمد، زوجة صالحة جداً، يا رب لك الحمد، زوجة متعبة، يا رب لك الحمد. عَنْ صُهَيْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ ؛ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ )) [ مسلم ] وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى أحيانا يمضي الإنسانُ سنوات طويلةً في الدراسة في بلد أجنبي، ولا دخل له، ووالده فقير، فيشتغل هذا الطالب في مطعم، أو يشتغل حارسا، ويدرس في النهار، وضعه المنظور مؤلم جداً، لكن هذا مستقبله مشرق جداً، حينما ينال الشهادة، ويعود إلى بلده، ويعيّن بمنصب رفيع، وله دخل وفير، وله مكانة اجتماعية، ينسى كل التعب الذي أصابه، فلذلك: ﴿ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ﴾ ( سورة الضحى ) أحيانا يقول الطبيب للمريض: تحمّل الآلام، إن شاء الله هناك شفاء مع الآلام. الإنسان بين يدي ربه مستسلم ﴿ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ﴾ ( سورة الضحى ) هذه الآية لرسول الله عليه الصلاة والسلام، ولكنها تنسحب على كل مؤمن بقدر إيمانه واستقامته وإخلاصه ﴿ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ﴾ ( سورة الضحى ) الآن: عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ: (( آخَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ سَلْمَانَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، فَزَارَ سَلْمَانُ أَبَا الدَّرْدَاءِ، فَرَأَى أُمَّ الدَّرْدَاءِ مُتَبَذِّلَةً، فَقَالَ لَهَا: مَا شَأْنُكِ ؟ قَالَتْ: أَخُوكَ أَبُو الدَّرْدَاءِ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ فِي الدُّنْيَا، فَجَاءَ أَبُو الدَّرْدَاءِ فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا، فَقَالَ: كُلْ، قَالَ: فَإِنِّي صَائِمٌ، قَالَ: مَا أَنَا بِآكِلٍ حَتَّى تَأْكُلَ، قَالَ: فَأَكَلَ، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ ذَهَبَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَقُومُ، قَالَ: نَمْ، فَنَامَ، ثُمَّ ذَهَبَ يَقُومُ، فَقَالَ: نَمْ، فَلَمَّا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ، قَالَ سَلْمَانُ: قُمْ الْآنَ فَصَلَّيَا، فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ: إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: صَدَقَ سَلْمَانُ )) 6– أَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ أنت تتلقى من الله العطاء، لكن ينبغي أن تتخلق بهذا الكمال الإلهي، أن تعطي، لذلك كان عليه الصلاة والسلام يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، المؤمن كريم، والكرم أحد أساسيات إيمانه، لأنه أيقن أن الدنيا ممر للآخرة، وأن ثمن الآخرة العمل الصالح، وأن حجمك عند الله بحجم عملك الصالح، فبقدر تضحياتك ترقى عند الله. والله أنا ألتقي مع بعض الأشخاص يرسل من ماله الشيء الوفير للحق، للدعوة، لنشر الحق، لإطعام الفقراء والمساكين، والله أقول له كلمة: أنت تعمل بذكاء وبعقل، لأنك آمنت بالآخرة، وتعمل الآن لها. ((فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ )) " إن لله عملاً بالليل لا يقبله في النهار، وإن لله عملاً بالنهار لا يقبله في الليل " الله عز وجل يحاسبك على زوجتك، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ: (( دَخَلَتْ عَلَيَّ خُوَيْلَةُ بِنْتُ حَكِيمِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ الْأَوْقَصِ السُّلَمِيَّةُ، وَكَانَتْ عِنْدَ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ، قَالَتْ: فَرَأَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَذَاذَةَ هَيْئَتِهَا، فَقَالَ لِي: يَا عَائِشَةُ، مَا أَبَذَّ هَيْئَةَ خُوَيْلَةَ ! قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، امْرَأَةٌ لَا زَوْجَ لَهَا، يَصُومُ النَّهَارَ، وَيَقُومُ اللَّيْلَ، فَهِيَ كَمَنْ لَا زَوْجَ لَهَا، فَتَرَكَتْ نَفْسَهَا، وَأَضَاعَتْهَا، قَالَتْ: فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ فَجَاءَهُ، فَقَالَ: يَا عُثْمَانُ، أَرَغْبَةً عَنْ سُنَّتِي ؟ قَالَ: فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَكِنْ سُنَّتَكَ أَطْلُبُ، قَالَ: فَإِنِّي أَنَامُ وَأُصَلِّي، وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأَنْكِحُ النِّسَاءَ، فَاتَّقِ اللَّهَ يَا عُثْمَانُ، فَإِنَّ لِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِضَيْفِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَصُمْ وَأَفْطِرْ، وَصَلِّ وَنَمْ )) [ أحمد ] (( وجاءت في اليوم التالي عطرة نضرة، فسألتها السيدة عائشة، ما الذي حصل ؟ قالت: أصابنا ما أصاب الناس )) [ الطبراني عن أبي موسى الأشعري ] حقوق العباد مبنية على المشاححة، وحقوق الله مبنية على المسامحة، فالزوجة لها حق، والابن له حق، وأنت كطبيب هذا المريض له حق عندك، يجب أن تنصحه، وأنت كمحامٍ هذا الموكل له حق عندك، وأنت كمدرس هذا الطالب له حق عندك. ((فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ )) 7 – لابد أن يكون العطاء لله والمنع لله: لكن في النهاية عندنا معنى دقيق جداً: من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله ومنع لله، فقد استكمل الإيمان، المؤمن عطاءه وفق مبادئه، يعطي لله، ويمنع لله، يرضى بحسب مبادئه، يرضى ويغضب، يرضى لله، ويغضب لله، يصل لله، ويقطع لله، ليس عنده عمل عشوائي، وعادات وتقاليد مسيطرة عليه، يتحرك وفق مبادئ وقيم. عَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: (( مَنْ أَحَبَّ لِلَّهِ، وَأَبْغَضَ لِلَّهِ، وَأَعْطَى لِلَّهِ، وَمَنَعَ لِلَّهِ فَقَدْ اسْتَكْمَلَ الْإِيمَانَ )) [ أبو داود ] الله عز وجل يعطي الصحة والذكاء، والمال والجمال والقوة للكثيرين من خَلقه، ويعطي السكينة بقدر لأصفيائه المؤمنين، ويعطي الحكمة بقدر، ويعطي الرضى بقدر، ويعطي الشعور بالفوز بقدر، الله عنده عطاءات دنيوية، وعطاءات أخروية، وعطاءه غير محدود. وإذا أعطاك من يمنعه ثم من يعطي إذا ما منعك الخلاصة الجامعة: والعطاء متعلق بالتوحيد، كل هذه المعاني الأولى متعقلة باسم الله ( المعطي )، لكن ينبغي أن تتخلق بخلق العطاء، النبي عليه الصلاة والسلام سأله أحد رؤساء القبائل: لمن هذا الوادي من الغنم ؟ قال له: هو لك، قال: أتهزأ بي ؟ قال له: لا والله، هو لك فقال: أشهد أنك رسول الله تعطي عطاء من لا يخشى الفقر، وأنت إذا أعطيت أعطاك الله. (( أنفق، أنفق عليك )) [ متفق عليه ] (( أنفق يا بلال، ولا تخشى من ذي العرش إقلالا )) [ أخرجه السيوطي عن بلال] والصدقة تقع في يد الله قبل أن تقع في يد الفقير. (( باكروا بالصدقة، فإن البلاء لا يتخطى الصدقة )) [ أخرجه البيهقي عن أنس ] والله عز وجل يسترضى بالصدقة، هذه خبرة عند المؤمنين، والله عز وجل حينما ترجو منه شيئاً، وتتوسل لهذا الرجاء بصدقة تنفقها على نية التوفيق، أو تحقيق ما تصبو إليه، فالله عز وجل يسترضى. إذاً: كما أن الله أعطاك نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، ونعمى الهدى والرشاد ينبغي أن تبني حياتك على العطاء، والناس كما تعلمون على اختلاف مللهم ونحلهم، وانتماءاتهم وأعراقهم وأنسابهم وطوائفهم لا يزيدون على رجلين ؛ رجل عرف الله فانضبط بمنهجه، وأحسن إلى خلقه، وبنى حياته على العطاء فسعد في الدنيا والآخرة، ورجل غفل عن الله، وتفلت من منهجه، وأساء إلى خلقه، فشقي وهلك في الدنيا والآخرة، والآية: ﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى * فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ﴾ ( سورة الليل ) المكافأة الإلهية: ﴿ مَن أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ﴾ ( سورة الليل ) ﴿ وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى} فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى * وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى ﴾ ( سورة الليل ) والحمد لله رب العالمين |
رد: اسماء الله الحسنى
شـكــرا و جزاك الله خيراً ...
موفق بإذن الله ... لك مني أجمل تحية . |
رد: اسماء الله الحسنى
تسلم اخى ناصح
|
رد: اسماء الله الحسنى
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : اسم الله - الديان - 1 -اسماء الله الحسنى الدرس : ( السادس العاشر ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: ( الديَّان ): 1 – ورودُ اسم ( الديَّان ) في السنة النبوية: أيها الإخوة الكرام، مع اسم من أسماء الله الحسنى، و الاسم اليوم ( الديان )، ولم يَرِد هذا الاسم في القرآن، ولكنه ورد في حديث النبي العدنان، ورد دالاً على العلمية وعلى كمال الوصف. عَنْ عَبْد اللَّهِ بْن أُنَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (( يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَوْ قَالَ: الْعِبَادُ عُرَاةً غُرْلًا بُهْمًا، قَالَ: قُلْنَا: وَمَا بُهْمًا ؟ قَالَ: لَيْسَ مَعَهُمْ شَيْءٌ، ثُمَّ يُنَادِيهِمْ بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ مِنْ قُرْبٍ: أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا الدَّيَّانُ، وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ أَنْ يَدْخُلَ النَّارَ، وَلَهُ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَقٌّ حَتَّى أَقُصَّهُ مِنْهُ، وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ وَلِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ عِنْدَهُ حَقٌّ حَتَّى أَقُصَّهُ مِنْهُ، حَتَّى اللَّطْمَةُ، قَالَ: قُلْنَا: كَيْفَ وَإِنَّا إِنَّمَا نَأْتِي اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ عُرَاةً غُرْلًا بُهْمًا ؟ قَالَ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ )) [ أحمد في المسند بسند حسن ] 2 – معنى: الديَّان: و ( الديان ) مِن دانَ يدين، أي جاز يجازي، ويوم الدين هو يوم الجزاء. طريقة الإيمان باليوم الآخر: دائرة المحسوسات ودائرة المعقولات ودائرة الإخباريات: ولا بد من وقفة متأنية حول طريقة الإيمان بيوم الجزاء، بيوم الدين، ونحن في سورة الفاتحة نقرؤها كل يوم عشرات المرات: ﴿ الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمـنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ ( سورة الفاتحة ) الحقيقة أن هناك دوائر ثلاث، دائرة المحسوسات، وأداة اليقين بها الحواس الخمس، ودائرة المعقولات، وأداة اليقين بها العقل، ودائرة الإخباريات، وأداة اليقين بها الخبر الصادق. في الدين حينما نضع كل قضية، أو كل مقولة في مكانها الصحيح يسهل البحث فيها. 1 – دائرة المحسوسات: فالمحسوسات شيء ظهرت عينه وظهرت آثاره، ظهرت عينه أو ذاته، وظهرت آثاره، فأداة اليقين بها الحواس الخمس. هناك ضوء متألق تراه بعينك، صوت مسموع تسمعه بأذنك، لون أبيض تدركه بالعين، شيء خشن تحسه باللمس، طعم مر تكتشفه بالذوق. الله عز وجل أودع فينا الحواس الخمس، والعلوم حينما تطورت صنعت استطالات للحواس الخمس، فالمجهر استطالة للعين، والتلسكوب استطالة للعين، وتكبير الصوت استطالة للأذن. إذاً: الدائرة الأولى دائرة المحسوسات، أداة اليقين بها الحواس الخمس، فأية قضية تعني شيئاً ظهرت عينه وآثاره أداة اليقين بها الحواس الخمس، هذه قضية لا خلاف فيها، ونحن نشترك فيها مع بقية المخلوقات. إن الدابة حينما ترى حفرة تقف، الحواس الخمس أداة اليقين بها، الحواس الخمس نشترك فيها مع بعض المخلوقات. 2 – دائرة المعقولات: ولكن الدائرة التي يتميز بها الإنسان هي دائرة المعقولات، وتعني شيئاً غابت عينه، وبقيت آثاره. أنت ترى من التنظيم المنظِّمَ بعقلك، وترى من التسيير المسيِّر، وترى من الحكمة الحكيم، وترى من الخلق الخالق. الدائرة الثانية دائرة المعقولات، وهي جهة غابت عينها وبقيت آثارها، وهذا مجال العقل. إن هذا الكون أثر من آثار الله، بل هو الثابت الأول في العقيدة، كون ينطق بوجود الله، وأعيننا لا ترى الله. ﴿ لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَار ُ﴾ ( سورة الأنعام الآية: 103 ) ولكن العقول تصل إليه، فالذات الإلهية غابت عن حواسنا، ولكن الله سبحانه وتعالى أودع فينا عقولاً نستطيع من خلال هذه العقول لا أن نحيط، بل أن نصل، وفرق كبير بين الإحاطة والوصول، أنت بمركبتك تصل إلى البحر، لكن بهذه المركبة لا تستطيع أن تخوض بها البحر، فعقولنا تصل إلى الله. وفي كل شيء آية تدل على أنه واحد *** إذاً: الدائرة الثانية دائرة المعقولات، يمكن أن تؤمن الإيمان الصحيح من خلال العقل، فالكون يدل على الله، يدل على الله موجوداً، وواحداً، وكاملاً، وأسماء الله الحسنى ظاهرة في الكون، بل إن الكون مظهر لأسماء الله الحسنى، بل إن الكون يشفّ عن أسماء الله الحسنى، فبإمكانك أن تصل إلى الله من خلال الكون، أن تصل إليه مؤمناً بوجوده، ووحدانيته، وكماله. ويمكن أن تصل من خلال العقل إلى أن هذا القرآن كلامه، ولاسيما من خلال وقوع الوعد والوعيد، ومن خلال إعجازه، فوقوع الوعد والوعيد دليل قطعي على أن هذا الكلام كلام الله، وإعجاز القرآن الكريم دليل أيضاً على أن هذا الكلام كلام الله. ويمكن أن تؤمن برسول الله صلى الله عليه وسلم من خلال العقل، لأن الذي جاء بهذا الكتاب المعجز لا بد من أن يكون رسول الله، القضية واضحة جداً، أنت بعقلك تؤمن بوجود الله ووحدانيته، وكماله من خلال الكون. وبعقلك تؤمن بأن هذا القرآن كلام الله من خلال الإعجاز، ومن خلال وقوع الوعد والوعيد، وأنت بعقلك تؤمن أن هذا الإنسان الذي اسمه محمد بن عبد الله هو رسول الله من خلال القرآن، وهنا ينتهي دور العقل، وأي شيء عجز عقلك عن إدراكه أخبرك الله به. مثلاً: هناك ميزان في أعلى مستوى، وفي أعلى أداء، إلا أنه مصمم لمكان أو لدكان، أو لبقالية تستخدمه ما بين خمسة غرامات، إلى خمسة كيلوات، فيه ذواكر كثيرة و تعقيدات مذهلة، ودقة بالغة، إلا أن هذا الميزان مهمته محدودة، بين خمسة غرامات وخمسة كيلوات، مادام استخدامه ضمن هذين الحدين فهو يؤدي نتائج رائعة. ويجب أن تؤمن أن العقل محدود بمهمة محدودة، ما دام استخدامه في هذا المجال فالعقل يؤدي نتائج رائعة. 3 – دائرة الإخباريات: إلا أنك إذا استخدمت العقل في شأن غيبي، في شأن غابت عينه وآثاره فالعقل لا يفلح. إذاً: أيّ شيء عجز عقلك عن إدراكه أخبرك الله به، أخبرك الله بالقرآن الكريم عن الماضي السحيق، عن بدء الخليقة، أخبرك القرآن الكريم ماذا بعد الموت، عن اليوم الآخر، عن الحساب، عن الجزاء، عن الجنة، عن النار، عن الصراط، أخبرك الله عن أسمائه الحسنى. إذاً: ما دام البحث وفق هذا النظام ففي القضية الحسية أداة اليقين بها الحواس الخمس، وفي القضية العقلية أداة اليقين بها العقل، وفي القضية الإخبارية أداة اليقين بها الخبر الصادق. القضية الأولى: ظهرت عين الشيء وآثاره. القضية الثانية: غابت عين الشيء وظهرت آثاره. القضية الثالثة: غابت عين الشيء وآثاره. حينما تضع كل قضية في الدين في مكانها الصحيح تجد يسراً في الفهم، ويسراً في اليقين، ويسراً في التعامل معها، فالقضايا التي غابت عينها وآثارها أداة اليقين بها الخبر الصادق. يوم الدين من الدائرة الثالثة. أنا أنصح كل الإخوة المؤمنين إذا تحاوروا مع إنسان اهتزت عنده بديهيات الإيمان ألا يطرحوا معه قضايا من النوع الثالث ليس لها دليل عقلي، وليس لها دليل حسي، دليلها الوحيد الإخباري، وهو لا يصدِّق هذا الخبر الذي جاء به القرآن الكريم. إذاً: يوم الدين من الدائرة الثالثة، من دائرة موضوعاتها غابت عينها وآثارها، وسبيل اليقين بها الخبر الصادق، فنحن آمنا بالله من خلال الكون، وآمنا بالقرآن من خلال الإعجاز، وآمنا بالنبي الكريم من خلال القرآن، وانتهى دور العقل، وجاء دور النقل. النقل أخبرنا أن هناك يومًا آخر، يوما تسوى فيه الحسابات، يوما تؤخذ من القوي إلى الضعيف من الظالم للمظلوم، يوما يعطى لكل ذي حق حقه، يوما يقوم الناس فيه لرب العالمين، يأتي الناس ربهم فرادى، هذا اليوم أساسي جداً في الإيمان. الإيمان بالله واليوم الآخر ركنان متلازمان: لذلك: ما اقترن ركنان من أركان الإيمان في القرآن كما اقترن الإيمان بالله والإيمان باليوم الآخر. إن الإيمان بالله ينبغي أن يحملك على طاعته، والإيمان باليوم الآخر ينبغي أن يمنعك من أن تؤذي مخلوقاً، وما لم يحملك إيمانك بالله على طاعته، وما لم يحملك إيمانك باليوم الآخر على البعد عن إيذاء خلقه فالإيمان لا قيمة له إطلاقاً. بل قد أقول لكم إبليس حينما قال: ﴿ فَبِعِزَّتِكَ ﴾ ( سورة ص الآية: 82 ) آمن بالله رباً وعزيزاً، ولكن لأنه استكبر وعصى فهذا الإيمان لا قيمة له. إذاً: لا قيمة للإيمان الذي لا يحملنا على طاعته، ولا قيمة للإيمان باليوم الآخر الذي لا يحملنا على اتقاء أن نؤذي مخلوقاً. قد يكون الإيمان باليوم الآخر من دائرة المعقولات: أيها الإخوة، إلا أن عالماً كبيراً من علماء المسلمين وهو ابن القيم رحمه الله تعالى يرى أن الإيمان باليوم الآخر من الدائرة الثانية، دليله عقلي، لأن العقل لا يقبل أن كوناً عظيماً يشفُّ عن خالق عظيم، عن خالق قوي، عن خالق كامل، عادل، رحيم أن يخلق إنسان قوياً وضعيفاً، والقوي يأكل الضعيف، وينتهي الأمر. إنسان غني يستغل الفقير، ويأتي يوم الدين، وينتهي الأمر، لا يعقل، ولا يقبل ألاّ تسوى الحسابات، لا يعقل ولا يقبل ألا يكون هناك يوم تسوى فيه الحسابات، يؤخذ للضعيف من القوي، للمظلوم من الظالم. لذلك ورد في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿ وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ﴾ ( سورة مريم الآية: 71 ) أي النار، وقد قال العلماء: ورد النار غير دخولها، دخول النار دخول جزاء، أما ورود النار فورود إطلاع، فمِن أجل أن تتحقق من عدل الله الإنسان يرد النار يوم القيامة، ولا يتأثر بوهجها، ليرى تحقيق اسم الله العدل. تحقيق اسم العدل كاملا يوم القيامة: بالمناسبة، أسماء الله الحسنى كلها محققة في الدنيا، إلا أن اسم العدل محقق جزئياً، فالله سبحانه وتعالى يكافئ بعض المحسنين تشجيعاً للباقين، ويعاقب بعض المسيئين ردعاً للباقين، ولكن تسوية الحسابات، وختام الحسابات: ﴿ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾ ( سورة آل عمران الآية: 185 ) إذاً: يمكن أن يكون الإيمان باليوم الآخر عن طريق العقل، لأن كمال الخلق يدل على كما التصرف، لا يعقل لإله عظيم، قوي كريم، رحمن رحيم أن يدع عباده من دون حساب، قال تعالى: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا ﴾ ( سورة المؤمنون الآية: 115 ) مستحيل وألف ألف مستحيل أن يُخلق الإنسان عبثا، العبثية تتناقض مع وجود الله، إما أن تؤمن بوجود إله كامل وعادل، أو أن تؤمن بالعبثية، لذلك الشر المطلق لا وجود له في الكون، هناك شر نسبي، موظف للخير المطلق، أما الشر مطلق فلا يوجد، لذلك: ﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ ﴾ ( سورة آل عمران الآية: 26 ) لم يقل: والشر. ﴿ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ﴾ لأن إيتاء الملك خير، وأحياناً يعد نزع الملك خيرا، خيراً للأمة، وخيرا لمن أدبه الله بهذا، والإعزاز خير، والإذلال خير. لذلك: يرى علماء التوحيد أنه لا يجوز أن تقول: الله ضار، والضار من أسمائه، بل ينبغي أن تقول: الله ضار نافع، خافض رافع، مذل معز، أي هو يضر لينفع، ويخفض ليرفع، ويذل ليعز. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( عَجِبَ اللَّهُ مِنْ قَوْمٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ فِي السَّلَاسِلِ )) [ رواه البخاري ] حينما تؤمن بكمال الله، ووحدانيته ترى أن الشر النسبي موظف للخير المطلق. معنى صيغ المبالغة الواردة في صفات الله تعالى: لذلك: ( الديان ) صيغة مبالغة، وماذا تعني المبالغة إذا ارتبطت بأسماء الله الحسنى تقول: غفور، وزن فعول من صيغ المبالغة، يعني يغفر أكبر ذنب، ويغفر مليون ذنب، يغفر كماً ونوعاً. إنّ صيغ المبالغة إذا تعلقت بأسماء الله الحسنى فتعني شيئين، تعني المبالغة في الكمّ، والمبالغة في النوع، فالله عز وجل ( ديان ) ، بمعنى أنه سيحاسب عن كل الذنوب مهما كثرت، و ( الديان ) سيحاسب عن أكبر الذنوب مهما كبرت، لذلك: ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ ( سورة الحجر ) النبي عليه الصلاة والسلام في عدد من أحاديثه ورد في نصوصه اسم ( الديان ): (( أنا الملك، أنا الديَّان )) [ رواه أحمد عن أنيس رضي الله عنه ] (( والبر لا يبلى، والذنب لا ينسى، والديان لا يموت، اعمل كما شئت، كما تدين تدان )) [ أخرجه عبد الرزاق في الجامع عن أبى قلابة، وفي سنده ضعف ] العاقل مَن يعيش مستقبله: البطولة ألاّ تعيش الحاضر كشأن معظم الناس الغافلين، البطولة أن تعيش المستقبل، وفي المستقبل حساب دقيق: ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (( لَيَأْتِيَنَّ عَلَى الْقَاضِي الْعَدْلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ سَاعَةٌ يَتَمَنَّى أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ بَيْنَ اثْنَيْنِ فِي تَمْرَةٍ قَطُّ )) [ رواه أحمد في مسنده عن عائشة ] وسيدنا عمر يقول: << والله لو تعثرت بغلة في العراق لحاسبني الله عنها، لمَ لمْ تصلح لها الطريق يا عمر ؟ >>. أرجح الناس عقلاً من خاف من الواحد الديان، أرجح الناس عقلاً من هيأ جواباً للملك العادل رب العالمين، أعقل الناس من عاش المستقبل، من عاش يوم الحساب. لذلك سئُل طالب نال الدرجة الأولى في الامتحان: " لمَ نلت هذا التفوق ؟ قال: لأن لحظة الامتحان لن تغادر مخيلتي طوال العام ". والمؤمن الصادق قبل أن يعطي، قبل أن يمنع، قبل أن يغضب، قبل أن يرضى، قبل أن يصل، قبل أن يقطع، قبل أن يطلّق، قبل أن يتّهم، قبل أن يفتري، قبل أن يضرب، قبل أن يفعل أيّ شيء نقول له: أعندك جواب لله عز وجل ؟ لو أن الله أوقفك يوم القيامة بين يده وقال لك: لمَ فعلت كذا ؟ منحتك نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، ونعمة الهدى والرشاد، لمَ فعلت كذا ؟ لمَ طلقت زوجتك ؟ لمَ أخرجت شريكك من الشركة ؟ لمَ ؟ لمَ لم تعتنِ بابنك ؟ كل شيء سوف نُسأل عنه، والبطولة لا أن تعيش الحاضر كما يعيشه معظم الناس، البطولة أن تعيش المستقبل. فلذلك أيها الإخوة، ما من إنسان أعقل ممن عاش اليوم الآخر، لذلك يجب أن ننقل اهتماماتنا نقلاً حقيقياً من هذه الدار الفانية إلى الدار الباقية، يجب أن نُهيئ لكل سلوك جواباً له يوم القيامة. يقول لي أحدهم: أنا أعطيت ابني هذا البيت، أقول له: إذا كان معك جواب يوم القيامة فلا مشكلة أبداً، أنت مالِك، والمالك يهب، والهبة جائزة في الشرع، أما أحياناً تعطي عطاءً فيه محاباة، وفيه ظلم. فالبطولة قبل أن تفعل، قبل أن تتحرك، قبل أن تعطي، قبل أن تمنع، قبل أن تغضب، قبل أن ترضى، قبل أن تصل، قبل أن تقطع، هيئ لربك جواباً، هيئ جواباً ليوم الدين، وتقرأ في الفاتحة كل يوم: ﴿ الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ والعقل أن تصل إلى الشيء قبل أن تصل إليه، ومِن نعم الله العظمى هذا الخيال، فالخيال يتيح لك أن تعيش المستقبل، الخيال يتيح لك أن تصل إلى المستقبل قبل أن تصل إليه بل إن الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم بيّن لك مشاهد من يوم القيامة. ﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيهْ *يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ * خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ﴾ ( سورة الحاقة ) الخاتمة: إخوتنا الكرام، أزمة أهل النار في النار أزمة علم، والدليل: ﴿ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾ ( سورة الملك ) فإذا أردنا الدنيا فعلينا بالعلم، وإذا أردنا الآخرة فعلينا بالعلم، وإذا أردناهما معاً فعلينا بالعلم، والعلم لا يعطينا بعضه إلا إذا أعطيناه كلنا، فإذا أعطيناه بعضنا لم يعطِنا شيئاً، ويظل المرء عالماً ما طلب العلم، فإذا ظن أنه علم فقد جهل، وطالبُ العلم يؤثر الآخرة على الدنيا فيربحهما معاً، والجاهل يؤثر الدنيا على الآخرة فيخسرهما معاً. والحمد لله رب العالمين |
رد: اسماء الله الحسنى
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : اسم الله - الديان - 2 -اسماء الله الحسنى الدرس : ( السابع العاشر ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: ( الديَّان ): أيها الإخوة الكرام، من أسماء الله الحسنى اسم ( الديان )، والديّان هو المُجازي، ويوم الدين يوم الجزاء. 1 – معرفةُ كونِ اللهِ ديَّانًا مُجازيًا تحمل العبد على الاستقامة: الله سبحانه وتعالى يعلم ويحاسب ويعاقب، ففي اللحظة التي يوقن فيها الإنسان أن أعماله كلها مسجلة عند الله عز وجل، وأن الله سيحاسبه وَفق موازين دقيقة جدا، وسوف يعاقبه، لابد من أن يستقيم الإنسان على أمره. 2 – الكون مَظهرٌ لأسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى: الله عز وجل يقول: ﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾ ( سورة الطلاق ) هذه آية ذات أبعاد دقيقة جداً، علة خلق السموات والأرض أن نعرفه: ﴿ لِتَعْلَمُوا ﴾ ( سورة الطلاق ) لذلك: التفكر في خلق السموات والأرض طريق لمعرفة الله، بل إن التفكر في خلق السموات والأرض أقصر طريق إلى الله، وأوسع باب ندخل منه على الله: ﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا ﴾ ( سورة الطلاق ) هذه اللام لام التعليل، هذا الكون مظهر لأسماء الله الحسنى، وصفاته الفضلى، هذا الكون يشفّ عن أسماء الله الحسنى وعن صفاته: ﴿ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾ ( سورة الطلاق ) الحقيقة أن أسماء الله الحسنى كثيرة، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (( إنَّ لِلَّهِ تَعالى تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْما ً، إِلاَّ وَاحِداً، مَنْ أحْصَاها دَخَلَ الجَنَّةَ )) [ متفق عليه ] وإحصاء الأسماء شيء، وعدُّها شيء آخر. ﴿ لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا﴾ ( سورة مريم ) لذلك: اختار الله من بين أسماءه الحسنى اسمين فقط: ﴿ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾ ( سورة الطلاق ) هذان الاسمان وحدهما يكفيان كي تستقيم على أمر الله، أي أن علم الله يطولك، وأن قدرته تطولك. نوضِّح هذه الحقيقة بمثل: إنسان في المجتمع المدني يركب مركبة، وقد وقف على إشارة المرور الحمراء، وأمام هذه الإشارة شرطي يراقب، وشرطي على دراجة نارية يلاحق، وضابط المرور في مركبة أيضاً يشرف، وأنت مواطن من المواطنين، لا تمتاز عن غيرهم بأية ميزة، لا يعقل أن تتجاوز الإشارة، بل مستحيل أن تتجاوزها، لأنك موقن أن واضع قانون السير علمُه يطولك من خلال هذا الشرطي، وقدرته تطولك من خلال حجز المركبة، وسحب الإجازة، ما دمت موقنا أن واضع قوانين السير علمه يطولك، وقدرته تطولك لا يكمن أن تعصيه. وصدقوا أيها الإخوة، في اللحظة التي توقن بها أن علم الله يطولك، وأن قدرتك تطولك لا يمكن أن تعصيه، وحينما تعلم أن الله يعلم لن تعصِ أمره، لا يعصي أمره إلا من فقد عقله. بين العاقل والذكي: النبي عليه الصلاة والسلام كان يمشي مع أصحابه في طرقات المدينة، فإذا بمجنون، فسأل سؤال العرف: (( من هذا ؟ قالوا: هذا مجنون قال: لا، هذا مبتلى، المجنون من عصى الله )) [ ورد في الأثر ] لذلك: ما كل ذكي بعاقل، ينبغي أن نفرق بين الذكي والعاقل، قد تملك أعلى اختصاصًا في العالم، وقد تكون متبحراً في هذا الاختصاص، بل قد تكون متفوقاً فيه، ومع ذلك ربما لا يكون صاحب هذا الاختصاص عاقلاً، قد يكون ذكياً، وليس عاقلاً، لأن الذكاء متعلق بالجزئيات، هناك اختصاصات نادرة، فيزياء نووية، فيزياء حركية، علم الحركة، كيمياء عضوية، هناك اختصاصات نادرة، في علم الفلك اختصاصات نادرة، فمن تبحر بهذه العلوم، وتفوق بها فهو ذكي جداً، أما إن كان لا يعرف ربه، إن لم يعرف سبب وجوده، إن لم يعرف غاية وجوده، إن لم يجب عن هذه الأسئلة: من أين ؟ وإلى أين ؟ ولماذا ؟ فلا يعد عاقلاً. فلذلك: هناك أمية عند العلماء، كيف ؟ قد يكون العالم متفوقاً في اختصاصه، لكن لأنه غفل عن الحقائق الكبرى التي ينبغي أن يعرفها فهو ليس بعاقل، إذاً نقول: ما كل ذكي بعاقل. وكما أن الطبيب قد يكون أمياً في شؤون الدين، قد يكون عالمُ الدين أمّيًّا في شؤون الطب. لابد من العلم بالله وأسمائه الله الحسنى وصفاته الفضلى: إذاً: لا بد من علم يعد فرضاً عينياً على كل مسلم، لا بد من علم يجب أن يعلم بالضرورة. هذا المظلي قد يجهل شكل المظلة، ولا شيء عليه، يا ترى بيضوي ؟ مربع، مستطيل ؟ على شكل شريط ؟ وقد يجهل نوع قماشها، وقد يجهل عدد الحبال، وقد يجهل نوع الخيوط، قد يجهل معلومات كثيرة جداً، ولا تثريب عليه، أما إذا جهل طريقة فتح المظلة نزل ميتاً، فهذا المظلي له أن يجهل، لكن ليس له أن يجهل طريقة فتح المظلة. يجب أن نعلم أيها الإخوة، أن هناك علماً يجب أن يعلم بالضرورة، أحياناً يركب الإنسان مركبته، فيتألق على لوحة البيانات ضوء أحمر، إذا فهم هذا التألق تزينياً احترق المحرك، وتعطلت الرحلة، وكلفه إصلاح مركبته مبلغاً فلكياً، أما إذا فهم هذا التألق تألقاً تحذيرياً، فأوقف المركبة، وأضاف الزيت سلم المحرك، وتابع الرحلة. إذاً: الجهل قاتل، ومن الجهل ما قتل، هناك معلومات يمكن أن تستغني عنها، يحتاجها أولو الاختصاص، كيف أن في الدين دعوة إلى الله تعد فرضاً عينياً، وهناك دعوة تعد فرضاً كفائياً، والتبحر والتعمق والتفرغ فرض كفاية. ﴿ وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ ﴾ ( سورة آل عمران الآية: 104 ) أما أن تدعو إلى الله في حدود ما تعلم، ومع من تعرف، فهذا فرض عيني، لقوله تعالى: ﴿ قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي ﴾ ( سورة يوسف الآية: 108 ) إذاً: علة خلق السماوات والأرض أن تعلم أن الله يعلم، وأفضل إيمان المرء أن يعلم أن الله معه، لذلك أعلى درجات الإيمان أن تعبده كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. لاحظوا أيها الإخوة، إذا كنت في حضرة إنسان محترم من أقاربك، له مكانة، فإنك تنضبط في حركاتك، وسكناتك، وفي ارتداء ثيابك، وفي نطقك، وفي اختيار كلماتك، وحينما تعلم أن الله يعلم فقد قطعت مرحلة واسعة جداً في معرفة الله. لابد من الإيمان الحقيقي بالله وأسمائه الله الحسنى وصفاته الفضلى: لا شك أيها الإخوة أن معرفة الله من الأسماء الحسنى هي جزء من العقيدة، بل هي صلب العقيدة، ذلك لأن الشيطان في ظاهر الآيات قال: ﴿ فَبِعِزَّتِكَ ﴾ ( سورة ص الآية: 82 ) وقال: ﴿ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ ( سورة الأعراف ) وقال: ﴿ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ ﴾ ( سورة الأعراف الآية: 12 ) كأن الشيطان في هذه الآيات آمن بالله خالقاً، وآمن به رباً، وآمن به عزيزاً، وآمن باليوم الآخر، ولكن لأنه ما عرف أسماءه الحسنى، ولا صفاته الفضلى، ما عرفه، إذاً: ما عبده. لذلك يوم القيامة الآية الكريمة: ﴿ إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ ﴾ ( سورة الحاقة ) العظيم مركز الثقل في الآية، لأن أي إنسان يؤمن بالله، وقلّما يكفر أحد بالله، حتى الذين يعبدون الأصنام يقولون: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ﴾ ( سورة الزمر الآية: 3 ) فالإيمان بالله إيمانا بدائياً فطرياً عند كل الناس، لكنك إن لم تؤمن بالله العظيم لم تؤمن الإيمان الحقيقي. كيف أن الآية الكريمة: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيراً ﴾ ( سورة الأحزاب ) التركيز على كلمة ( كثيرًا )، لأن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلاً، المنافق يذكر الله، لكنه يذكره قليلا. إذاً: حينما يقول الله عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيراً ﴾ ( سورة الأحزاب ) المطلوب الذكر الكثير، والإيمان بالله المطلوب منه أن تؤمن بالله العظيم. بالمناسبة أيها الإخوة، الإيمان الذي لا يحملك على طاعة الله لا ينجي صاحبه، والإيمان باليوم الآخر الذي يمنعك أن تؤذي مخلوقاً لا قيمة له إطلاقاً. كأن ثمة دائرة كبيرة جداً كل، من آمن بوجود الله ضمن الدائرة، حتى الإنسان المتفلت يخفف من تفلته في رمضان، معنى ذلك هو على شيء من الإيمان، فأي إنسان أقر بوجود الله فهو مؤمن بهذا المعنى الواسع، لكن الذي حمله إيمانه على طاعة الله دخل في دائرة ضمن دائرة. الدائرة الأولى: كل من أقر بوجود الله مؤمن. الدائرة الثانية: كل من حمله إيمانه على طاعته فهو مؤمن ناجٍ، لكن هذه الدائرة في مركزها الأنبياء والمرسلون المعصومون، والذي لا يؤمن بوجود الله أصلاً خارج هذه الدائرة، وكل من أقر بوجوده هو داخل هذه الدائرة، وفي وسط هذه الدائرة كل من حمله إيمانه على طاعة الله دخل في الدائرة الثانية، وفي مركز الدائرة الأنبياء والمرسلون. فلذلك: ﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا ﴾ ( سورة الطلاق ) عدم تلبية حاجات الروح نزولٌ إلى مرتبة الحيوان: لذلك أودع الله في الإنسان قوة إدراكية، وما لم يلبِّ هذه الحاجة العلية سقط من مستوى إنسانيته إلى مستوى لا يليق به، قال تعالى: ﴿ أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَاء ﴾ ( سورة النحل الآية: 21 ) قال تعالى: ﴿ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا ﴾ ( سورة الفرقان ) قال تعالى: ﴿ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ ﴾ ( سورة المنافقون الآية: 4 ) فالإنسان حينما يتخلى عن طلب العلم، حينما لا يعرف سر وجوده وغاية وجوده هبط عن مستوى إنسانيته، وفي الإنسان كما تعلمون حاجات عليا، وحاجات دنيا، نحن وبقية المخلوقات في الحاجات الدنيا سواء، لكن الإنسان ميزه الله بهذه الحاجة العليا، لذلك قال تعالى: ﴿ الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾ ( سورة الرحمن ) أيعقل أن يُعلم الإنسان القرآن قبل أن يُخلق ؟ لا، الترتيب بالآية ترتيب رتبي، فلا جدوى، ولا معنى من وجود الإنسان من دون منهج يسير عليه، لا جدوى لحياته. 3 – الديَّان يقيم الحُجّة على عقاب المذنب: إذاً: لتعلموا أن الله يعلم، وحينما تعلم أن علم الله يطولك، هو ( ديّان )، يقيم عليك الحجة والبرهان. الحاكم العادل يحاكم المذنب محاكمة أصولية، ويدينه بأخطاء ثابتة، فحينما يحكم عليه بعقاب أليم هذا العقاب مبرَّر، بطولة الحاكم أن يقدم له الدليل على أنه مذنب، هذا شيء، والقمع شيء آخر. لذلك الله عز وجل ( ديّان )، يعني يقيم على العبد المذنب الحجة. ﴿ اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ﴾ ( سورة الإسراء ) لذلك أيها الإخوة، حينما توقن أن الله يعلم، وسيحاسب، وسيعاقب لا يمكن أن تعصيه، إذا عرفت اسم ( الديان ). ﴿ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ ( سورة النساء ) والله لو أُبلِغ إنسان أن خطه الهاتفي مراقب لحاسب نفسه حساباً غير معقول في أثناء حديثه بالهاتف، لو أُبلغ الإنسان أن حركته مراقبة لتحاشى أن يسير على رصيف فيه سفارة، على الرصيف الثاني فيه الاحتياط، فحينما يراقبك إنسان تنضبط أشد الانضباط، فكيف إذا كان الواحد الديان يراقبك ؟ ما من معصية يقترفها الإنسان إلا بسبب ضعف مراقبته لله، الله مع الإنسان، لذلك قال تعالى: ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ ﴾ ( سورة الحديد الآية: 4 ) قال علماء التفسير: ﴿ هُوَ مَعَكُمْ ﴾، لكن معية لطيفة، فلو رافقك رجلٌ مدّةً طويلة تخرج من جلدك، تقول له: دعني وشأني، لكن الله سبحانه وتعالى معنا، معك في بيتك. ﴿ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا * وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا * وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا * وَقُلْ جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا ﴾ ( سورة الإسراء ) ﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ * وَأَنذِرْ عَشِيرَتَك الْأَقْرَبِينَ * وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ * وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ ﴾ ( سورة الشعراء ) والله أيها الإخوة، ما من حال يسمو بالمؤمن كحال المراقبة . 4 – من لوازم الديَّان العلم وإقامة الحُجّة والحساب: الله ( ديّان )، أي يعلم، و( ديان ) يقيم عليك الحجة، و( ديان ) سيحاسب، لمَ فعلت كذا ؟ و( ديان ) سيعاقب، ثلاث كلمات لو تحققنا منها لما خرج أحد منا عن منهج الله، الله يعلم وسيحاسب وسيعاقب. ﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا ﴾ ( سورة الطلاق ) ﴿ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾ ( سورة الطلاق ) اختار من أسمائه اسم العليم والقدير، فعلمه يطولك، وقدرته تطولك. أنت مواطن عاديّ، والشرطي واقف، الإشارة حمراء، شرطي على دراجة نارية، ضابط في سيارة، مستحيل أن تخالف، لكن متى تخالف ؟ تخالف إذا سرت الساعة الثالثة ليلاً، ليس هناك شرطي، إذاً: علم واضع القانون لا يطولك، أو تخالف إذا كنت أقوى من واضع القانون، قدرته لا تطولك، هذا كلام دقيق، إذا أيقنت أن علم واضع القانون يطولك، وأن قدرته تطولك لم تعصِه. ﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾ ( سورة الطلاق ) أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا ﴾ ( سورة المؤمنون الآية: 115 ) لا يمكن أن يجتمع إيمان بالله مع توهم العبثية. ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا ﴾ ( سورة المؤمنون الآية: 115 ) إنّ جامعة كلفت مبالغ طائلة، وما فيها امتحان ؟! هذا مستحيل ! كل هذه النفقات، وهذه العناية، والتدريس، والمخابر، والمحاضرات، والنفقات الباهظة، بلا حساب ؟ بلا امتحان ؟ ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا ﴾ ( سورة المؤمنون الآية: 115 ) لا يمكن أن يرتاح الإنسان لفكرة العبثية ولا للحظة. وقد بينت لكم من قبلُ أن أحد العلماء يرى أن الإيمان باليوم الآخر إيمان عقلي، لأنه لا يعقل، ولا يقبل أن يُخلق هذا الكون بهذه الدقة، وهذه العظمة، من دون يوم تسوى فيه الحسابات: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا ﴾ ( سورة المؤمنون الآية: 115 ) أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى شيء آخر. ﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى ﴾ ( سورة القيامة ) هل من المعقول من وجودِ قوي وضعيف وتنتهي الحياة ؟ ولا شيء بعد الحياة ؟ غني وفقير ؟ ظالم ومظلوم ؟ مُستَغِل ومُستَغَل، قاهر ومقهور، هذا الذي يُرى في الأرض، فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( تُمْلَأُ الْأَرْضُ جَوْرًا وَظُلْمًا، فَيَخْرُجُ رَجُلٌ مِنْ عِتْرَتِي يَمْلِكُ سَبْعًا أَوْ تِسْعًا فَيَمْلَأُ الْأَرْضَ قِسْطًا وَعَدْلًا )) [ أحمد ] لذلك أعظم شيء يعزي المؤمن أن الله سيحاسب الخلائق يوم الدين. أنت في سورة الفاتحة تقرأ: ﴿ الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمـنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ ( سورة الفاتحة ) يحاسب ويعاقب. 5 – من لوازم الديَّان خضوعُ الخلائق له: ( الديان ) هو الذي خضعت له الخلائق خضوع إقرار، وخضوع قوة. أحيانا يكون الإنسان قويا، لكن ليس معه حجة، هذا قمعي، و أحيانا معه حجة، ولكنه ضعيف، لا يستطيع أن يأخذ الحق من القوي إلى الضعيف. لذلك ربنا عز وجل قوي، والحجة قائمة منه على عباده. ﴿ قُلْ فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ ﴾ ( سورة الأنعام الآية: 149 ) الله عز وجل ( ديان )، أخْضَع الخلائق لحسابه الدقيق، وخضعوا لقدرته، لذلك جاء أعرابي النبي عليه الصلاة والسلام، قال: يا رسول الله عظني ولا تطل، بهذه البساطة، فتلا عليه النبي صلى الله عليه وسلم الآية الكريمة: ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾ ( سورة الزلزلة ) قال: كُفيت، آية واحدة اكتفى بها، فالنبي تأثر، قال: فقُه الرجل، وفقُه في اللغة لا تعني أنه عرف الحكم، تلك فقِه، أما فقُه أصبح فقيهاً، آية واحدة: ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾ ( سورة الزلزلة ) فقال: فقُه الرجل. وفي رواية ثانية أن أعرابياً آخر قال: يا رسول الله عظني وأوجز، فتلا عليه هذه المقولة: (( قلْ آمَنْتُ باللَّهِ ثُمَّ اسْتَقِمْ )) [ رواه مسلم عن سفيانَ بن عبد اللّه رضي اللّه عنه ] لما قال: ثم استقم، قال: أريد أخف من ذلك، قال: إذاً فاستعد للبلاء، إن أردت أخف من ذلك فاستعد للبلاء، لأن الله سبحانه وتعالى عدل، ورحيم في آنٍ واحد. 6 – من لوازم الديَّان أنْ لا أحدَ يفلت من العقاب: شيء آخر: ﴿ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ﴾ ( سورة الأعراف ) المتانة صفة توصف بها الأشياء التي تقاوم قوى الشد، كقولك: حبل متين، وأمتن شيء في حياتنا الفولاذ المضفور، فالمصاعد والتليفريك والجسور كلها مربوطة بحبال من فولاذ مضفور، لأنه أمتن شيء، قال تعالى: ﴿ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ﴾ ( سورة الأعراف ) هذا العاصي المتفلت مربوط بطريقة لا يمكن أن يتفلت من عقاب الله، والآية الكريمة: ﴿ وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُواْ ﴾ ( سورة الأنفال الآية: 59 ) معنى سبقوا ؛ أي لا يحسبن الذين كفروا أنهم يمكن أن يتفلتوا من عقاب الله، فالخلق كلهم في قبضة الله عز وجل، لكن الحبل مرخى، في أية لحظة يشد الله الحبل، والذي هدم سبعين ألف بيت في غزة في ثانية فقدَ الوعي والحركة، ولا يزال كما هو من سنتين، الإنسان في قبضة الله، في ثانية ينتهي كل شيء. لذلك يقول عليه الصلاة والسلام في بعض أدعيته كما في حديث عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ مِنْ دُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ، وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ، وَفُجَاءَةِ نِقْمَتِكَ، وَجَمِيعِ سَخَطِكَ )) [ مسلم ] إذًا: ﴿ وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُواْ ﴾ ( سورة الأنفال الآية: 59 ) أي أنهم تفلتوا من عقاب الله، أو أنهم فعلوا شيئاً ما أراده الله. خاتمة: إن والإنسان يخضع كما تعلمون، ويحب الكمال والجمال والنوال، يحب الكمال المطلق، ويحب الجمال، ويحب العطاء، وهي مجتمعة في ذات الله عز وجل، فهو كامل، ذاته كاملة، وهو محسن. ﴿ تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾ ( سورة الرحمن ) بقدر ما هو عظيم تجله، بقدر ما هو كريم تحبه. والحمد لله رب العالمين |
رد: اسماء الله الحسنى
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : اسم الله - المحسن - 1 -اسماء الله الحسنى الدرس : ( الثامن العاشر ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: ( المحسن ): أيها الإخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم هو اسم: ( المحسن ). 1 – ورودُ اسم ( المحسن ) في السنة النبوية: قد ورد هذا الاسم في السنة النبوية دالاً على كمال الوصفية مرادا به العلمية، فقد ورد عند الطبراني من حديث أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلي الله على وسلم قال: (( إذا حكمتم فاعدلوا، وإذا قتلتم فأحسنوا، فإن الله عز وجل محسن يحب الإحسان )) [ الجامع الصغير بسند حسن ] 2 – الإسلام أمَرَ بالإحسان مطلقًا: التعذيب ممنوع، لو رأيت عقربا يجب أن تقتله بضربة واحدة، أما أن تفنن في تعذيبه فهذا مناقض لمنهج الله عز وجل. وقد ورد من حديث شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ: ثِنْتَانِ حَفِظْتُهُمَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَالَ: (( إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ ِ)) [ مسلم في صحيحه ] صورة نبوية لسيدنا إبراهيم في الإحسان إلى الضيف: أيها الإخوة، قضية الإحسان أن يأتي فعلك كاملاً، لو أنك دعوت إنسان إلى طعام فقد علّمنا القرآن آداب الدعوة، فقال عز وجل: ﴿ فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاء﴾ ( سورة الذاريات الآية: 26 ) سيدنا إبراهيم راغ، أي انسلّ خفية، لم يستأذن الضيف في إحضار الطعام، لأن الضيف يستحي، لو عرضت على أن تأتيه بالطعام لتعفف، يقول لك: لست جائعا. لذلك من كمال أدب الضيافة ألاّ تستأذن الضيف في إحضار الطعام: ﴿ فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاء﴾ ( سورة الذاريات الآية: 26 ) أي انسل خفية. ﴿ فَمَا لَبِثَ أَن جَاء بِعِجْلٍ حَنِيذٍ ﴾ ( سورة هود) لم يكن إحضار الطعام متأخراً، جاء الطعام سريعاً، وهذا من كمال الدعوة، وجاء بطعام نفيس: ﴿ فَمَا لَبِثَ أَن جَاء بِعِجْلٍ حَنِيذٍ ﴾ ( سورة هود) أي طيب. الآن: ﴿ فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ ﴾ ( سورة الذاريات الآية: 27 ) أحياناً يكون طبق الطعام بعيدا عن الضيف، يستحي أن يتمطى ليصل إليه، يجب أن تقرب له الطعام، وهناك إنسان أحياناً يضع الطعام أمام الضيف، أو يضع الفاكهة أمام الضيف، ولا يدعوه إلى تناول الطعام، حديث ممتع، أو حديث خطير، فالطعام أمامه، أو الفاكهة أمامه، ولا يقول له: تفضل، والضيف يستحي أن يمد يده قبل أن يدعى. ﴿ فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاء﴾ ﴿ فَمَا لَبِثَ أَن جَاء بِعِجْلٍ حَنِيذٍ ﴾ ﴿ فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ ﴾ ﴿ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ ( سورة الذاريات ) كمال الإحسان في الدعوة ألا تستأذن الضيف، وأن يأتي الطعام سريعاً، وأن يكون الطعام طيباً، وأن يقرب الطعام إلى الضيف، وأن يدعى إلى تناول الطعام. الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ كلمة إحسان واسعة جداً، الله عز وجل قال: ﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾ ( سورة السجدة الآية: 7 ) الإحسان في خَلق الإنسان: جعل لك عينين، ولولا العينان لما أدركت البعد الثالث، أنت بعين واحدة ترى بعدين سطحيين، لكنك في العين الثانية ترى البعد الثالث، ترى العمق. وجعل لك أذنين، وبأذن واحدة يصل الصوت إليك، لكن بالأذنين تعرف جهة الصوت. وجعل العين في محجر لتكون في حرز حريز، وجعل الدماغ في صندوق عظمي بالجمجمة، وجعل النخاع الشوكي في العمود الفقري، وجعل أخطر معمل معامل الكريات الحمراء في نقيِ العظام. جعل الرحم في عظم الحوض. ﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾ ( سورة السجدة الآية: 7 ) وفي الشَّعر، جعل لكل شعرة وريدا، وشريانا، وعصبا، وعضلة، وغدة صبغية وغدة دهنية، وليس في الشعر أعصاب حس، من أجل أن تهذب شعرك من دون مستشفى، ولولا أن الشعر خالٍ من أعصاب الحس لاضطر الإنسان إن أراد أن يهذب شعره إلى تخدير شامل في المستشفى. ﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾ ( سورة السجدة الآية: 7 ) قرنية العين جعلها شفافة، إذاً: لابد من أن تغذى قرنية العين بطريقة فريدة، لا عن طريق الأوعية، بل عن طريق الحلول، من أجل أن تكون الرؤية شفافة شفافية مطلقة أودعت العين مادة مضادة للتجمد، لو أن ماء العين كان صاحبه في مكان الحرارة دون الصفر لفقد بصره، لكن أودع الله في ماء العين مادة مضادة للتجمد. أعظم هذا التصريف احترافية رقمية في ـ المليمتر ـ عشرة آلاف مستقبل ضوئي، أما في شبكية العين في المليمتر مئة مليون مستقبل ضوئي ﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾ ( سورة السجدة الآية: 7 ) الله ( محسن )، من أجل أن تفرق بين 8 ملايين لون، ولو درجت اللون الواحد إلى 800 ألف درجة لكشفت العين السليمة الفرق بين الدرجتين: ﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾ ( سورة السجدة الآية: 7 ) القلب يضخ ثمانية أمتار مكعبة من الدم كل يوم، قد يحتاج الإنسان إلى متر مكعب من الوقود السائل طوال الشتاء، أما القلب فيضخ ثمانية أمتار مكعبة من الدم كل يوم بلا كلل وبلا ملل. الحديث عن الجسم لا ينتهي، المعدة، الأمعاء الدقيقة، الكليتان، جهاز التصفية، العضلات الملساء والمخططة، الإرادية واللاإرادية، والأوعية، الشرايين عميقة، والأوردة سطحية، لو عكست الآية، وجُرح الإنسان لخرج دمه كله. حدثني طبيب جراح قطع معه في أثناء عمل جراحي شريان، أقسم لي أن الدم وصل إلى سقف الغرفة من الضغط، فالأوعية خارجية، أما الشرايين فعميقة. لو دققت في خلق الإنسان لوجدت العجب العجاب، حتى في الحواس الخمس. ﴿ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ﴾ ( سورة القمر ) كأس الماء لو رأيت ما فيه من بكتريات لما شربته، جعل للبشر عتبة لا ترى أكثر مما ينبغي أن تراه، ولا تسمع أكثر مما ينبغي أن تسمعه. ﴿ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ﴾ ( سورة القمر ) لذلك كلمة محسن تعني أنه محسن في خَلقه، محسن في التصميم، محسن في الأجهزة، محسن في الحواس، محسن في قوام الإنسان. هذا المفصل داخلي، أما الركبة فخارجة، تصور العكس، تصور لو لم يكن هذا المفصل كيف يأكل الإنسان ؟ يجب أن يأكل كالهرة تماماً، ينبطح ويتناول الطعام بلسانه من الطبق مباشرة. ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾ ( سورة التين ) الإحسان في خلق الفواكه: انظر إلى التفاحة بحجم مناسب، وبقوام مناسب، وبرائحة مناسبة، وبشكل مناسب، وبمحتويات مناسبة، فيها حديد، فيها سكر، فيها معادن، فيها كالسيوم، فيها مغنزيوم: ﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾ ( سورة السجدة الآية: 7 ) 3 – معنى ( المحسن ): لذلك: ( المحسن ) شيء دقيق جداً، ( المحسن ) اسم فاعل من أحسن يحسن إحساناً، فهو محسن، والحسن ضد القبح، وحسن الشيء زينه، يعني تصور إنسان بلا جلد منظره لا يحتمل. تماماً كبيت على الهيكل، أما كسوة البيت، والطلاء، والنوافذ، والأرض، والأثاث: ﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾ ( سورة السجدة الآية: 7 ) صوَرٌ من إحسان الله في مخلوقاته: تصور الإنسان بلا شعر، لكنه بشعر وجلد، والجلد متماسك، والأعضاء متناسقة، تصور الإنسان بلا جهاز توازن، يحتاج الإنسان إلى قاعدة استناد تزيد على سبعين سنتيمترًا حتى يبقى واقفا، أما بقدم صغيرة لطيفة تبقى متوازنا، فالتوازن سره في أجهزة التوازن، ففي الأذن ثلاث قنوات، فيها سائل، فيها أهداب، وأي ميل يبقى السائل مستوى يمس أهداب من جهة معينة، فتدرك أنت أن هناك خللا في التوازن، فتصحح الوضع، ولولا جهاز التوازن في الأذن لما استطاع الإنسان أن يقف إطلاقاً. ﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾ ( سورة السجدة الآية: 7 ) انظر إلى طعامك، لو أن المحاصيل القمح والشعير والعدس والحمص تنضج تباعاً كالفواكه، شيء لا يحتمل، تمسك سنبلة فتقول: يا ترى نضجت كي أقطعها ؟ المحاصيل تنضج في وقت واحد. لو أن الفواكه تنضج في وقت واحد لكان شيئا غير محتَمل ! حقل البطيخ يعطيك لتسعين يوما على مدى أشهر الصيف، كل الفواكه والخضروات تنضج تباعاً، ولو أن كل الفواكه يبدأ نضجها في وقت معين لكان الأمرُ صعبًا، لكن تبدأ بفاكهة، بعد شهر فاكهة ثانية، آخر شيء العنب في الخريف، قبله التين، قبله الإجاص، قبله الدراق، قبله الكرز، أيضاً الفواكه موزعة في الصيف توزيعا مريحا، على مدى الصيف، كل أسبوعين أو ثلاثة أو شهر ينضج نوع من الفاكهة، هذا من الإحسان. البقرة تعطيك من الحليب ما يفوق ثمن الطعام، لو أنها تعطيك من الحليب أقلّ من ثمن الطعام فلا أحد يقتني بقرة، لو أن الدجاجة تعطي في الشهر بيضة واحدة لكانت مكلفة، وأصبحت غير اقتصادية، كل يوم لها بيضة، وطعام الدجاج لا يساوي الإنتاج الذي ينتجه من البيض، وهذا من الإحسان. لو أن هذا الفكر بدأ يجول في خلق الله عز وجل لتعرف على الله، لذلك أرقى عبادة هي التفكر: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ ( سورة آل عمران ) صفة الإحسان تتجلّى في جهاز المناعة المكتسب: أنت معك جهاز مناعة عبارة عن جيش بكل معاني الكلمة، فيه خمس فرق: فرقة الاستطلاع، فرقة مهمتها استخبارية فقط، يدخل الجرثوم إلى الجسم فتتجه كريات بيضاء من فرقة الاستخبارات، وتأخذ شفرة الجرثوم ولا تقاتله، تأخذ هذه الشفرة إلى مركز صنع المصول، إلى مركز معامل الدفاع في العقد الليمفاوية، وتعطي العقد تركيب الجرثوم، وصفاته الكيماوية، هذه المراكز معامل أسلحة تصنع المصل المضاد لهذا الجرثوم، المعامل أو العقد الليمفاوية تشكل معامل للسلاح، والفرقة الاستطلاعية تشكل جهاز المخابرات في الجسم، وهناك فرقة المقاتلين، وهي الفرقة الثالثة، هذه الفرقة تحمل المصل المضاد، وتتجه إلى الجرثوم فتقاتله، وينشب بينهما قتال، وقد ينتصر الجرثوم، وربما لا ينتصر. عندنا فرقة رابعة، وهي فرقة الخدمات، هذه الفرقة تنظف أرض المعركة، وتدفن الجثث، وأحياناً يرى الإنسان كتلة بيضاء في جلده، هذه أثر معركة بين الجراثيم وكريات الدم الحمراء، هذا تصميم من ؟ هناك فرقة أخرى خامسة، وهي فرقة تكتشف الخلية السرطانية في وقت مبكر جداً وتلتهمها، وفي الإنسان ملايين الخلايا السرطانية، لكن لكل خلية سرطانية قامع يمنعها أن تكون فعالة، وهناك أشياء تفك هذا القامع، الشدة النفسية، والمواد البترولية، والمواد البلاستيكية، والإشعاع النووي هذه أسباب السرطان، فجهاز مناعة مكتسب جهاز مذهل. الدماغ موضوع في صندوق عظمي، بين الدماغ والصندوق سائل، هذا السائل من أجل امتصاص الصدمات، لو أن طفلا وقع على رأسه هذا الاهتزاز الشديد السائل يوزعه على كامل مساحة الدماغ، يبقى الطفل سليماً. التفكر في خلق السموات والأرض يجعلك تقف أمام عظمة الله عز وجل، وأمام الإحسان. لذلك الله عز وجل يصف نفسه عن طريق نبيه بأنه محسن كاسم، أما كفعل: ﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾ ( سورة السجدة الآية: 7 ) كمعنى: ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾ ( سورة التين ) في أكمل حالة. إحسان الله يتجلى في عظام الإنسان: في خلق الإنسان شيء عجيب، مثلاً: الخلية العظمية هذه تنمو، فإذا وصل الإنسان إلى المستوى الكامل يقف النمو. من أسماء الله عز وجل ( القابض ) و (الباسط )، يقف النمو، وتنام الخلية العصبية، وبعد سبعين سنة من نومها إذا حصل كسر تستيقظ كي يلتئم العظم، هذا صنع مَن ؟ قدرة مَن ؟ العظام متينة جداً، أنت ماذا تأكل ؟ تأكل الحديد، فإذا به عظم، عنق الفخذ يتحمل قوة ضغط تساوي تقريباً 250 كغ، كل عنق فخذ يتحمل ربع طن، العنقين نصف طن، هذا العظم المتين من أين جاءته المتانة ؟!. ميناء الأسنان ثاني أقسى عنصر في الكون، الأول الماس، بعده ميناء الأسنان، من أين جاءت هذه ؟. أيها الإخوة، هذا من كمال خلق الله: ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾ ( سورة التين ) 4 – ينبغي لك أن تكون محسنًا: الآن أنت أيها الإنسان، من أجل أن تتخلق بكمال مشتق من كمال الله ينبغي أن تكون محسنا، لذلك قال الله عز وجل: ﴿ وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ ( سورة لقمان الآية: 22 ) كما أن الله محسن إليك، منحك نعمة الإيجاد، ومنحك نعمة الإمداد، ومنحك نعمة الهدى والرشاد، ينبغي أن تكون محسناً، وكلمة محسن هي ألصق صفة بالإنسان المؤمن، محسن في كلامه، فلا بذاءة، ولا تهجم، ولا سخرية، ولا فحش، ولا طرف قبيحة محرجة تُحمّر الوجه، بل الكلام منضبط، محسن في تصرفاتك، محسن في زيارتك، محسن في قيادة مركبتك، محسن في تنظيم عملك. 5 – الإحسان صفة جامعة شاملة: الإحسان صفة الواحد الديان، وكل إنسان مؤمن ينبغي أن يشتق هذه الصفة من الله عز وجل، محسن في تربية أولاده، محسن في علاقاته، محسن في مواعيده، محسن في دعواته، محسن في أفراحه، محسن في أحزانه، الإحسان صفة جامعة مانعة، فكما أنك تكتشف إحسان الله من خلال خلقه، يجب أن تكون أنت محسناً تجاه الخلق. الزوج يجب أن يكون محسناً لزوجته: ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ ( سورة النساء الآية: 19 ) محسن في تربية أولاده: (( علموا، ولا تعنفوا، فإن المعلم خير من المعنف )) [ الجامع الصغير بسند ضعيف عن أبي هريرة ] محسن في عمله، عمله متقن. (( إن الله يحب من العبد إذا عمل عملا أن يتقنه )) [ الجامع الصغير بسند حسن عن عائشة ] أنا لا أصدق أن هناك صفة شاملة إلى درجة لا تصدق، هناك إحسان في الكلام، إحسان في المعاقبة، اتق الوجه، أردت أن تؤدب ابنك فاتقِ الوجه، لأنه كرامة الإنسان، فالنبي نهي عن ضرب الوجه، هناك ضرب معتدل، ليس القصد إيقاع الألم الشديد، القصد لفت نظره. مرة النبي الكريم أرسل غلاما في حاجة، وتأخر كثيراً، فغضب، النبي بشر، معه سواك، قال له: (( لولا القصاص لأوجعتك بهذا السواك )) [ الجامع الصغير بسند ضعيف عن أم سلمة ] محسن في تربية أولاده، إذا كنت مدير مؤسسة فكن محسنًا في معاملة الموظفين. كلمة ( محسن ) واسعة اتساعا يفوق حد الخيال، الاحتفال فيه إحسان، وأحيانا يكون الاحتفال في أربع ساعات، والله فيه إساءة، والوقت ثمين جداً، أما احتفال منظم في ساعة ونصف فيه إحسان خيرٌ، وهناك تعزية ما فيها إحسان، في بعض البلاد التعزية تقريباً عشرين ساعة بغير كلام، ولا قرآن، كلام فقط، حديث عادي. قضية الإحسان تشمل الأفراح والأتراح، وتربية الأولاد، حتى في الثياب إحسان، ثياب نظيفة، ألوانها متناسقة، بسيطة، ما فيها تعقيدات، حتى في مكان عملك فيه نظام، ونظافة، وترتيب بالدكان، هذا أيضاً إحسان. في علم النفس تعلّمنا أن هناك صفات وسمات، السمات عميقة جداً، مثلاً: سما، والضبط يظهر في مواعيد مضبوطة، والضبط يظهر في هندام منضبط، والضبط يظهر في مشروع منضبط. الآن هناك برامج كمبيوترية، يمكن أن تبدأ بالبناء فما تضيع ثانية، الموضوع مدروس دراسة دقيقة جداً، كل شيء يحتاج إلى جفاف، وإلى استواء، يعطيك ماذا تفعل من أجل أن لا تضيع ثانية واحدة، والإنسان كلما تقدم صان وقته، وأدار وقته. هناك إحسان يكون في إدارة في الوقت، أحياناً إلغاء الروتين إحسان، تخفيف الأعباء على مواطن إحسان، هذا يشمل الأنظمة التي تنظمها الدولة، أحيانا تجمع حاجات المواطنين في بناء واحد، هذا إحسان. كلمة إحسان واسعة بشكل غير معقول، يمكن أن تكون محسناً في كلامك، وفي تصرفك، وفي تربية أولادك، وفي معاملتك لزوجتك، وفي عملك، وفي أفراحك، وفي أتراحك، في كل شيء. إن الله كتب الإحسان على كل شيء، والمؤمن محسن، والمؤمن يشتق هذه الصفة العالية من الله عز وجل: ﴿ وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾ ( سورة الأعراف الآية: 180 ) أي تقربوا من الله بكمال مشتق من كمالات الله. والحمد لله رب العالمين |
رد: اسماء الله الحسنى
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : اسم الله - المحسن - 2 -اسماء الله الحسنى الدرس : ( الثامن العاشر ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علنا، وارنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وارنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا مما يستمعون القول فيتبعون أحسنه وأدخلنا في رحمتك في عبادك الصالحين. من أسماء الله الحسنى: ( المحسِن ): 1 – إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ: أيها الإخوة الكرام، لا زلنا مع اسم الله ( المحسن )، فقد ورد في صحيح مسلم من حديث شداد بن أوس أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (( إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ )) حتى لو قتلت حية، أو قتلت عقرباً. (( إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ )) 2 – الحسنى هي الجَنة، لأن فيها كمال مطلقٌ: أيها الإخوة، الإنسان خُلق للجنة. ﴿ فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ﴾ ( سورة الليل ) صدق أنه مخلوق للجنة، وهذه الدنيا دار أعداد، دار تكليف، سمّى الله الجنة ﴿ ِالْحُسْنَى ﴾، لأن فيها الكمال المطلق. ﴿ لَهُم مَّا يَشَاءونَ فِيهَا ﴾ ( سورة ق الآية: 35 ) أما الدنيا فطبيعتها الكدح. ﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ ﴾ ( سورة الانشقاق ) نظام الدنيا شيء، ونظام الآخرة شيء آخر، نظام الدنيا هي دار تكليف، نظام الآخرة دار تشريف، نظام الدنيا دار عمل، نظام الآخرة دار جزاء، الحسنى مبنية على قوله تعالى: ﴿ لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ ﴾ ( سورة ق الآية: 35 ) أي شيء تطلبه وأنت في الجنة هو بين يديك: ﴿ لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ ﴾ ( سورة ق الآية: 35 ) لأن الإنسان دفع ثمن الجنة في الدنيا، في الدنيا أودع الله فيه الشهوات، أعطاه الاختيار، سخره له ما في السموات وما في الأرض، فيه قبضة من قبضات الأرض، وفيه نفخه من نفخات الله، فلذلك عندما تنجح في الدنيا تستحق الجنة. ﴿ لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى ﴾ ( سورة يونس الآية: 26 ) فالذي صدق أنه مخلوق للجنة يتقي أن يعصي الله، ويبني حياته على العطاء. المكذِّب بالحسنى مؤمن بالدنيا فقط: لو سألتني عن فرق صارخ بين المؤمن وغير المؤمن فإن المؤمن حياته مبنية على العطاء، قمة سعادته في أن يعطي، لا أن يأخذ، وغير المؤمن قمة سعادته في أن يأخذ. لذلك الأنبياء أعطوا ولم يأخذوا، والأقوياء أخذوا ولم يعطوا: ﴿ لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى ﴾ ( سورة يونس الآية: 26 ) ﴿ وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ﴾ ( سورة الليل ) الذي كذب أنه مخلوق للجنة، واعتقد أنه مخلوق للدنيا استغنى عن طاعة الله، وبنى حياته على الأخذ، وأنت ببساطة يمكن أن تكتشف ما إذا كنت من أهل الدنيا أم من أهل الآخرة، فإذا أسعدك أن تأخذ، وتتوهم أنك ذكي جداً حينما تأخذ ما ليس لك فأنت من أهل الدنيا، وتسمى عند الناس ذكيًّا، أما إذا أسعدك أن تعطي فأنت من أهل الآخرة. إذاً: الحسنى هي الجنة، ثمن الجنة: ﴿ لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى ﴾ ( سورة يونس الآية: 26 ) 3 – ينبغي للمؤمن أن يتحلى بصفة الإحسان: كما أن الله محسن ينبغي أنت أيها المؤمن ينبغي أن تتخلق بهذا الكمال، أي يكون عملك مشمولاً بالإحسان، فإن أعطيت فأعطِ دون أن تمن، وإنْ عاقبت فعاقب دون أن تحقد، وإنْ عملت فاعمل عملاً متقناً، وإن زرت فكن متواضعاً، لا تصغر دنيا هذا الإنسان في نظره، انقله إلى الآخرة. 4 – الإحسان شامل لكل شيء: قضية الإحسان لا أعتقد أن شيء أوسع منها، يمكن أن تحسن وأنت، تعاقب أن تحسن وأنت تمنع، أن تحسن وأنت تعطي، أن تحسن وأنت تقاتل: (( إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ )) حتى ولو قتلت حيواناً مؤذياً أمرك الله بقتله فينبغي ألاّ تعذبه، هذا شأن المؤمن. إن المؤمن يحترم أن تكون السمكة في أعلى درجة الحركة، ثم يأخذ أحشاءها وينظفها، قبل أن تثبت وتموت، قال تعالى: ﴿ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا ﴾ ( سورة الحج الآية: 36 ) بعد أن تخرج روحها تماماً، وتستقر، وتثبت الآن نظفها: (( إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ )) 5 – وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ أيها الإخوة، الآن الآية الكريمة: ﴿ مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ ﴾ ( سورة النساء الآية: 125 ) المعنى دقيق جداً، لن تستطيع أن تقبل على الله إلا إذا كنت محسناً، يقول لك أحدهم: لا أخشع في الصلاة، إن كنت محسناً تخشع في الصلاة. ﴿ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ ﴾ ( سورة البقرة ) الذي استقام على أمر الله، وخضع له في الصلاة يشعر بهذه الصلة، الصلة لها ثمن: ﴿ مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ ﴾ ( سورة النساء الآية: 125 ) المؤمن الخشوع سهل عليه، والركوع سهل عليه، لأنه أحسن في كل أعماله. 6 – الإِحسَانُ أَنْ تعَبْدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال عليه الصلاة والسلام: (( الإِحسَانُ أَنْ تعَبْدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ )) [ مسلم عن أبي هريرة ] لاحظ نفسك إن جاءك ضيف مِن علية القوم، ضيف محترم جداً، فهو على فهم، وعلى علم، وعلى قوة، وعلى تفوق، وعلى أخلاق، جاءك زائراً هل يعقل أن تجلس أمامه بثياب غير متبذله ؟ هل يعقل أن تجلس أمامه، وتضع رجلاً على رجل ؟ لا تستطيع، هل يعقل أن تجلس أمامه وتعبث بالسبحة، لا تستطيع، هل يعقل أن تقول كلاما لا يليق ؟ لا تستطيع. أنت أمام إنسان من علية القوم تضبط كلامك، تضبط جلوسك، تضبط ثيابك، تضبط حركتك، وهو إنسان دخل إلى بيتك فتلاقيه بالنظر إلى جهة واحدة، لأنه ليس من أدب الضيف أن يزيغ البصر عنه. ﴿ مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى ﴾ ( سورة النجم ) لذلك الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه. وأنا أقول لكم أيها الإخوة: أفضل حالة من حالات المؤمن أن تشعر أن الله معك لذلك عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( اسْتَحْيُوا مِنْ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ، قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا نَسْتَحْيِي وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، قَالَ: لَيْسَ ذَاكَ، وَلَكِنَّ الِاسْتِحْيَاءَ مِنْ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى، وَالْبَطْنَ وَمَا حَوَى، وَلْتَذْكُرْ الْمَوْتَ وَالْبِلَى، وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ اسْتَحْيَا مِنْ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ )) [ الترمذي] الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، هذا حال المراقبة. والله أيها الإخوة، هناك آيات في كتاب الله تكفي: ﴿ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ ( سورة النساء الآية: 1 ) تفعل هذا مع إنسانْ مثلِك فكيف برب العالمين ؟!! أنت مع إنسان، لو وصل إلى سمعك أنك مراقب مِن قِبَل إنسان فإنك تضبط حركتك، إذا مشيت على رصيف وإلى جانب هذا الرصيف سفارة تنتقل إلى الرصيف الآخر، لأنك مراقب، هذا شأن المراقب. حينما تشعر أن الله معك، وأن الله يراقبك، هذه درجة من الإيمان عالية جدا، هذه الدرجة تقتضي الانضباط، وحينما تشعر أن علم الله يطولك، وأن قدرته تطولك لا يمكن أن تعصيه، ولا يمكن أن تعصيه، بل تكون عندئذٍ محسناً. وقد ضربت لكم من قبل هذا المثل: إنسان مواطن من الدرجة العادية أو الدرجة الثانية، وقف عند الإشارة الحمراء، والشرطي واقف، والضابط واقف، وشرطي آخر على دراجة واقف، فالأول يضبطه، فإذا خالف يلحقه الثاني، والثالث لئلا يتواطأ هذا الشرطي مع هذا المواطن، وهو من الدرجة الثانية هل يعقل أن يخالف ؟ مستحيل، مع إنسان وضع قانون السير لا يمكن أن تخالفه، لأنك موقن أن علمه يطولك، عن طريق هذا الشرطي، وعن طريق الشرطي الثاني، وعن طريق الضابط في السيارة، وأن قدرته تطولك، تسحب منك الإجازة، وتصادر السيارة، مثلاً، أنت مع إنسان من بني جلدتك، لكن علمه يطولك، وقدرته تطولك لا يمكن أن تعصيه، لكن بحسب الواقع في إنسان يخالف الإشارة في الساعة الثالثة ليلاً، لأنه علم واضع القانون لا يطوله، وقد يخالفها في رابعة النهار، إذا كانت قدرة واضع النظام لا تطوله، إن طالك علمك أو طالتك قدرتك فلا يمكن أن تعصيه، أما إن توهمت أن علمه لا يطولك، وأن قدرته لا تطولك فإنه يمكن أن تعصيه، فكيف مع خالق السموات والأرض ؟ لا تخفى عليه خافية. ﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ ﴾ ( سورة غافر الآية: 19 ) كتوضيح لهذه الآية: طبيب أمامه مريضة، وقد سمح له الشرع أن ينظر إلى مكان المرض، لو اختلس نظرة إلى مكان آخر لا تشكو منه، ليس في الأرض كلها جهة يمكن أن تضبط هذه الخيانة، إلا الله، فإنه: ﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُور﴾ ( سورة غافر الآية: 19 ) فهو مطّلع عليك، تتكلم يسمعك، تتحرك يراك، تضمر شيئاً يعلمه، لا تخفى عليه خافية، هذا مقام الإحسان، حينما تشعر أن الله معك، لكن معك بلطف، سميع بصير عليم، سميع إذا تكلمت، بصير إذا تحركت، عليم إذا أضمرت، مقام الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، هو محسن في كل شيء، الدليل: ﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾ ( سورة السجدة الآية: 7 ) صورٌ من إحسان الله في مخلوقاته: هذا الفرخ الذي في البيضة، ينشأ في منقاره نتوء مؤنف حاد يكسر بهذا النتوء البيضة، فإذا خرج منها ضمر هذا النتوء، هل هناك من إحسان أدق من ذلك ؟ في منقار الصوص، وهو في البيضة، كيف يخرج منها، ينمو له نتوء مؤنف كالإبرة تماماً من أجل أن يكسرها، يكسر القشرة بهذا النتوء، فإذا خرج من البيضة ضمر هذا النتوء، وتلاشى. في طحال الرضيع كمية حديد تكفيه عامين، الحليب ليس فيه حديد: ﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾ ( سورة السجدة الآية: 7 ) قرنية العين شفافة، تنفرد بنظام تغذية خاص، تتغذى لا عن طريق الشعريات، بل عن طريق الحلول: ﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾ ( سورة السجدة الآية: 7 ) الماء بدرجة زائد أربع يتمدد، ولولا تمدده لما كان هذا الدرس، ولما كانت هذه البلدة، ولما كان إنسان على وجه الأرض: ﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾ ( سورة السجدة الآية: 7 ) الصقر يرى ثمانية أمثال رؤية الإنسان، يرى طعامه في الماء وهو في أعالي الجو، الإنسان يرى، أما الصقر فسوف يغامر، ويسقط من أعالي السماء ليأكل، فإذا لم يكن بصره حادًّا يرى طعامه على سطح الأرض وهو في أعالي السماء لا يكون خلقه حسنًا. الحديث عن الآيات التي تؤكد أن الله ( محسن ) لا تنتهي: هذا الصوان، هذه السطوح، والتجاويف لتغطي كل الاتجاهات، أي صوت يتعامد مع سطح من سطوح الصوان بالأذن، لو أن ثقب الأذن كان أوسع بقليل فإن الطفل دون أن يشعر يخرق غشاء طبله، لكن ثقب الأذن أضيق من أي إصبع، بل من أصغر إصبع. أحيانا يحمل إنسان ابنه، الأربطة هنا مدروسة بشكل أنها تحمل جسم الطفل، وقد يكون الأب غضبان فيحمله بعنف، الوزن تضاعف، وأحيانا تقتني محفظة تملأها بالأغراض، وتحملها فتنخلع يدها، يقول لك: صناعة غير متقنة، كيف أن الإنسان مدروس، وأن وزنه متناسب مع متانة الأربطة التي في ذراعه: ﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾ ( سورة السجدة الآية: 7 ) 7 – إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ لذلك أيها الإخوة، الآن عندنا أمر: ﴿ إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ ﴾ ( سورة النحل الآية: 90 ) أنت مأمور بالعدل، ومأمور مع العدل بالإحسان، فأحياناً المشكلة تحل بالإحسان لا بالعدل، فلان ليس له عندك شيء، هذا صحيح، لكنه بحاجة إلى مساعدتك، فأنت حينما تفهم هذه الآية يمكن أن تحل بهذه الآية آلاف المشكلات، القضية التي لا تحل بالعدل يجب أن تصرفه، يجب أن تدمره، يجب أن تفضحه، أما بالإحسان فيجب أن تعينه على الشيطان. لذلك التوجيه الدقيق أن تعين أخاك على الشيطان، لا أن تعين الشيطان على أخيك، بالإحسان طبعاً. أحيانا يكون للإنسان جار سيئ جداً، يستطيع أن يقطع لسانه، لا بالمقص، بل بالإحسان، الإحسان يسكت، وأنا أنصح إنسانا عنده جار سيئ أن يقدم له هدية، تجد الأمور كلها انضبطت، من يقطع لسانه ؟ مَن يحسن إليه حتى يسكت ؟ بالبر يستعبد الحر. والله أيها الإخوة، موضوع الإحسان يدور مع الإنسان في كل حياته. سمعت عن قاضٍ أمر يحجز حرية إنسان، والمحامي طلب إطلاق سراحه، ما استجاب القاضي ولم يقتنع، قدم طلبا ثانيا، وطلبا ثالثا، وطلبا رابعا، وطلبا خامسًا، القاضي ما استجاب، فموكِّلو المحامي عزلوه، وعينوا محامياً جديداً، القاضي بعد أن عُين محامي جديد بدا له أن يطلق سراحه، فإن أطلق سراحه يسقط الأول ويتألق الثاني، قال: ائتوني بالمحامي السابق ليقدم طلب إخلاء سبيل حتى أخلي سبيله، ما قَبِل أن يخلي سبيله إلا بطلب من المحامي السابق، هذا منتهى الإحسان، وقد كان غير قانع بإطلاق سراحه، ما استجاب لخمس طلبات، أما لما بدا له وهو يطلق سراحه عيِّن محامٍ جديدٌ، سوف يصول ويجول، ومن أول طلب أطلق سراحه، قال: ائتوني بالمحامي السابق ليقدم طلبا لإطلاق سراحه حتى أطلق سراحه. الإحسان أن تفكر، وقد تكون ابتسامة في غير مكانها فيها إساءة، أو جلسة فيها كِبر، أو سؤال، ماذا قدم لك زوجك في العيد ؟ هو يحبها وهي تحبه، وزوجها فقير، ضعضعها وحجّمها بسؤاله، وأربكها، ثم هي تألمت لأنه ما قدم لها شيئًا فعلاً، هذا سؤال محرج. أينما دخلت يجب أن تحبّب الناس بالله عز وجل، لا أن تكرههم بحياتهم. والله مرة أذكر أني دخلت بيتا بحجم غرفة الضيوف، غير معقول إطلاقاً، لا مكان للجلوس، فخجل صاحب البيت، قلت له: بالعكس، سيد الخلق وحبيب الخلق غرفته لا تكفي لصلاته و نوم زوجته، وهو قمة البشر، فاستبشر. إذا زرت أختك يجب أن تمتّن علاقتها بزوجها، عن طريق الثناء على زوجها، على أخلاقه، لا على دخله، لا تقل: كم دخله ؟ ما يكفيكم هذا المبلغ، هذا عدم إحسان، الإحسان أن تلاحظ نفسك على الخطرة، على النظرة، على الكلمة، على الابتسامة، أحياناً ابتسامتك تكون إساءة. (( إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ )) ﴿ لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى ﴾ ( سورة يونس الآية: 26 ) ﴿ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ ( سورة التغابن ) النبي علّمنا أنك إذا وقفت أمام المرآة، ورأيت خَلقك سليماً فقل: (( اللَّهُمَّ أَحْسَنْتَ خَلْقِي فَأَحْسِنْ خُلُقِي )) [ أحمد عن ابن مسعود ] هناك عاهات، ودمامة أحياناً، ومشكلة، وعضو مبتور، (( اللَّهُمَّ أَحْسَنْتَ خَلْقِي فَأَحْسِنْ خُلُقِي )) 8 – فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ قال تعالى: ﴿ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾ ( سورة المؤمنون ) غسيل الدم بالأجهزة الصناعية يحتاج إلى ساعات، أعتقد 6 ساعات، كل الأسبوع ثلاث مرات، وفي كل مرة تغرز إبرةٌ في مكان معيَّن، لكن الله هيأ لك كُلية حجمها كالبيضة تعمل بلا صوت، وبلا تعب، وبلا مشقة، وبلا أجر، وتصفي تصفية تامة. سمعت من أحد الأطباء أن الكلية الواحدة فيها عشرة أضعاف حاجتك، والكليتان عشرون ضعفا، هذا احتياط، لذلك يمكن أن يستغني الإنسان عن إحدى كليتيه: ﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾ ( سورة السجدة الآية: 7 ) هذه الآية تدور مع الإنسان، مع خلق الإنسان، مع حاجاته، مع طعامه، مع شرابه. ﴿ فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِن مَّاء دَافِقٍ ﴾ ( سورة الطارق ) اللقاء الزوجي بحاجة إلى حوين واحد، وأحيانا الزوج يفرز من 300 مليون إلى500 مليون حوين: ﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾ ( سورة السجدة الآية: 7 ) ﴿ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾ ( سورة المؤمنون ) كم مِن خالق ؟ خالقٌ واحدٌ، لكن سمّى الصانع خالقا مَجازاً. وزانْ بين غسيل الكلية الصناعية والكلية الطبيعية، وازن بين آلة التصوير التي فيها في الميليمتر عشرة آلاف مستقبل ضوئي، وبين عينك التي في الميليمتر في الشبكية مئة مليون مستقبل ضوئي، في الشبكية في كل مليمتر مربع فيها 130 مليون عصية ومخروط، عصيات ومخاريط، للون الأبيض والأسود، والألوان، لذلك أنت تفرق بين 8 ملايين لون. ﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾ ( سورة السجدة الآية: 7 ) ﴿ مَعَاذَ اللّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ﴾ ( سورة يوسف الآية: 23 ) جعلك من أبٍ، هذه نعمة كبيرة، لك أبٌ معروف، لك أم طاهرة شريفة، عندها أولاد، بيتك مستقر، هذه من نعم الله الكبرى. 9 – وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ لذلك الآية الكريمة: ﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ﴾ ( سورة القصص الآية: 77 ) أي شيء آتاك الله إياه ينبغي أن يوظف للآخرة كيف ؟ قال: ﴿ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ﴾ ( سورة القصص الآية: 77 ) لا تنس المهمة التي آتيت من أجلها. ﴿ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ﴾ ( سورة القصص الآية: 77 ) هذا أمر آخر: ﴿ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ﴾ ( سورة القصص الآية: 77 ) الله عز وجل صبر عليك حتى اهتديت، فإذا كان عندك زوجة لم تستقم على أمر الله فاصبر عليها، لا تأخذها بالعنف، الله كان حليما عليك، كيف أن الله صبر عليك، فاصبر عليها، كيف أن الله ذكرك فذكّر الآخرين. ﴿ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ﴾ ( سورة القصص الآية: 77 ) ﴿ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ﴾ ( سورة القصص الآية: 77 ) والحمد لله رب العالمين |
رد: اسماء الله الحسنى
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : اسم الله - الشافى - 1 -اسماء الله الحسنى الدرس : ( التاسع العاشر ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: ( الشافي): أيها الأخوة الأكارم، الاسم اليوم " الشافي " ورد هذا الاسم في الحديث الشريف الصحيح الذي أخرجه الإمام البخاري ومسلم والحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم، إذا عاد مريضاً يدعو له ويقول: ((اذهب البأس رب الناس، اشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقماً )) هذا الاسم أريد به العلانية، ودلّ على كمال الوصفية، وجاء معرف بأل. ولكن لا بد من مقدمة كي تتضح ماذا تعني كلمة الشافي ؟. حياتنا مفعمة بالقوانين الثابتة ولكن لحكمة بالغة حرك الله شيئين الصحة والرزق: أيها الأخوة، بادئ ذي بدء: الله سبحانه وتعالى قنن القوانين في الكون، ثبت القوانين، وكأن القانون علاقة ثابتة بين متغيرين، ولولا القوانين ما استقرت الحياة، ولا انتظمت الدنيا، فخصائص المعادن ثابتة، خصائص البذور، دورة الأفلاك ثابتة، أقول ولا أبالغ: مليارات القوانين ثابتة، لمئات ملايين السنين، يمكن أن يقال لك بحساب فلكي دقيق أن الشمس تشرق في عام ألفين و ثمانين في السادس عشر من شباط الساعة الخامسة وأربع دقائق مثلاً. إذاً الله عز وجل ترسيخاً للنظم، وإراحة للناس، وتطميناً لهم ثبت القوانين، تنشئ بناء ضخماً من الاسمنت المسلح، لو أن الحديد غيّر صفاته لانهار البناء، تشتري سبيكة ذهبية، لو أن الذهب غيّر خصائصه، لخسرت ثمنها، تزرع بذرة معينة تنتج كما زرعت، حياتنا مفعمة بالقوانين الثابتة، وهذه من رحمة الله بنا، ولكن لحكمة بالغة بالغةٍ أرادها الله حرك شيئين، حرك الصحة، وحرك الرزق، قد تأتي الأمطار كثيرة وقد تشح السماء، قد ينعم الإنسان بصحة، وقد يفقد صحته. تقنين الله عز وجل تقنين تأديب لا تقنين عجز: السؤال الآن: أنه كان من الممكن أن لا يمرض الإنسان إطلاقاً، أوضح مثل: قد تقتني طاولة في بيتك في غرفة الضيوف، مهمتها أن يضع الضيف عليها كأسا من الماء، وقد يقف عليها الإنسان فتحمله، ما معنى ذلك ؟ كأس الماء لا يزيد وزنه عن مئتي غرام، وقد يقف عليها إنسان، وإنسانان، وثلاثة، وتحملهم، معنى ذلك أن الاحتياط فيها مئات الأضعاف، لو كان في الإنسان لكل جهاز ألف ضعف احتياط ألغي المرض كلياً. والدليل: أن تفجيراً نووياً كان في الصحراء في أفريقيا، التفجير لصالح فرنسا بعد التفجير (والتفجير كما تعلمون ماحق من الضغط، ومحرق من الحرارة)، رؤوا عقرباً يمشي في أرض التفجير، أجريت عليه بحوث لعشرات السنين، تبين أن العقرب يستطيع أن يعيش من دون طعام وشراب ثلاث سنوات، ويستطيع إذا غمسته في الماء أن يبقى حياً ثلاثة أيام، من دون هواء، ويتحمل من الإشعاع النووي ما يزيد ثلاثمئة ضعف ما يتحمله الإنسان ولو نقلته من حرارة الصحراء 60 فوق الصفر، إلى 10 تحت الصفر لم يتأثر، كان من الممكن ألا يكون مرضاً على الإطلاق، وكان من الممكن ألا يكون شح السماء على الإطلاق لأن بعض العلماء كشفوا في الفضاء الخارجي البعيد سحابة يمكن أن تملأ محيطات الأرض ستين مرة كل يوم بالمياه العذبة، فإذا قنن الله الأمطار فالتقنين تقنين تأديب لا تقنين عجز. ﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ﴾ ( سورة الحجر ) الإنسان حينما يغفل عن الله يدفع ثمن أخطائه باهظة و يؤدبه الله في الدنيا قبل الآخرة: إذاً كان من الممكن أن لا يكون هناك مرض إطلاقاً، وكان من الممكن ألا يكون نقص في الرزق إطلاقاً، ولكن شاءت حكمة الله أن يكون هناك تقنين رزق، وأن يكون هناك تأخر صحة، ولعل الصحة والرزق، والإنسان حريص على صحته، وعلى رزقه حرصاً لا حدود له، لعل في هذا تأديباً لنا، لماذا ؟ لأن الإنسان خُلق لجنة عرضها السموات والأرض وجيء به إلى الدنيا ليدفع ثمن الجنة، جيء به إلى الدنيا ليعبد الله، جيء به إلى الدنيا ليتحرك لمنهج الله، ما أودع الله فيه شهوة إلا وجعل لها قناة نظيفة تسري خلالها، ليس في الإسلام حرمان، ولكن في الإسلام تنظيم. الإنسان حينما يغفل عن الله، ويتحرك بدوافع شهواته، بعيداً عن منهج الله، يقع في شر عمله، يدفع ثمن أخطائه باهظة، ولأن الله رب العالمين، ولأنه خلقه لجنة عرضها السموات والأرض، يؤدبه في الدنيا، هو رب. سأوضح معنى كلمة رب: قد تكون مدير لمؤسسة، وتعين موظفاً، وتشترط عليه التجريب لستة أشهر، أنت كمدير مؤسسة، وعندك موظف مهمتك في هذا الوقت أن تحصي عليه أخطاءه، فإذا تفاقمت اعتذرت عن تعيينه في المؤسسة، لو أن ابنك في المؤسسة كلما أخطأ نبهته، كان موقفك إحصاء أخطاء صار الموقف مع ابنك تقويم أخطاء. الله عز وجل رحيم بعباده فإذا أخطؤوا يؤدبهم إما برزقهم أو بصحتهم: لأن الله رحمن رحيم، ولأن الله رب العالمين، فإذا أخطأ العبد أدبه، أدبه إما بصحته، أو أدبه برزقه: ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ ﴾ ( سورة الأعراف الآية: 96 ) ﴿ وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا * لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ﴾ ( سورة الجن ) الآيات واضحة جداً. ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم ﴾ ( سورة المائدة الآية: 66 ) إذاً الله عز وجل يؤدب عباده بتقنين الرزق، قد يُحرم المرء بعض الرزق بالمعصية. وفي موضوع يعالج في وقت آخر إن شاء الله كيف يزداد الرزق ؟ يزداد بالاستغفار، بإقامة الصلوات، بصلة الرحم، بالتصدق، بالأمانة... إلخ. المرض أحد أكبر أسباب تربية الإنسان: أيها الأخوة، إذاً كان من الممكن أن نمرض، لو أن الله سبحانه وتعالى جعل في كل جهاز من أجهزتنا، وفي كل عضو من أعضائنا احتياطات كبيرة جداً، الطاولة في البيت تُستخدم لوضع كأس ماء، وقد يقف عليها إنسان وزنه ثمانين كيلو، وتحمله، إذاً كأس الماء مئتي غرام وزن الإنسان 80 كغ، كم احتياط يوجد ؟ ثلاثمئة احتياط، لو أن كل عضو في جسم الإنسان أخذ هذا الاحتياط الكبير ألغي المرض إطلاقاً، ولكن الله سبحانه وتعالى شاء لنا أن نمرض ليكون المرض أحد أكبر أسباب تربية الإنسان، لأن الإنسان بحسب فطرته حريص على وجوده وعلى رزقه. خلق الله كامل كمالاً مطلقاً ولكن أخطاء الإنسان تؤدي به إلى المرض: أيها الأخوة، الآن يوجد إشارة ثانية في القرآن دقيقة جداً، متعلقة باسم " الشافي" قال تعالى: ﴿ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ ﴾ ( سورة الشعراء ) دقق في السياق: ﴿ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ ﴾ الآية الثالثة بحسب السياق وإذا أمرضني فهو يشفيني، لا، قال: ﴿ وَإِذَا مَرِضْتُ ﴾ ( سورة الشعراء الآية: 80 ) عُزي المرض إلى الإنسان، بمعنى أن خلق الله كامل كمالاً مطلقاً، ولكن أخطاء الإنسان قد تكون أخطاء فردية، وقد تكون أخطاء في العصر، في عصر الضجيج، في عصر التلوث، في عصر تغيير خلق الله، معظم حياتنا فيها تغيير لخلق الله, نريد أن ينمو هذا الفروج إلى كغ بأربعين يوماً، يجب ألا ينام، هذا وضع غير طبيعي. نريد أن نطعم البقر طحين الجيف، فجن البقر واضطر الإنسان أن يحرق ثلاثين مليون بقرة، ثمنها ثلاثة وثلاثين مليار جنيه إسترليني، وما جنون البقر إلا من جنون البشر لما نغير خلق الله عز وجل. لما ننام في النهار ونسهر في الليل، هذا بخلاف منهج الله عز وجل، لما نحاول أن نأكل كل شيء بكل الأوقات عن طريق زراعة محمية هذه لها أخطار، طبيعة حياتنا فيها أخطار كبيرة جداً، عندما نحاول أن نحفظ الطعام بمعلبات نضع مادة مضادة للفساد بنزوات الصوديوم، والمادة مسرطنة. عندما استخدمنا المبيدات الكيماوية رفعت ملوحة التربة، لما استخدمنا الأدوية الكيماوية أيضاً، الدواء الكيماوي يحل مشكلة من جهة ويخلق مشكلة من جهة ثانية، هناك تغيير بخلق الله، أكثر ما يعانيه الناس من الأمراض من التلوث، من استخدام المبيدات، من استخدام الأسمدة الكيماوية، من استخدام مشتقات البترولية، والآن الخبر الأول في العالم ارتفاع الحرارة، الاحتباس الحراري بسبب ثاني أوكسيد الكربون. من طبق القواعد الصحية التي جاءت بها رسالات الأنبياء تمتع بصحة جيدة طوال حياته: إذاً المرض يعزى إلى الإنسان، الخطأ من الإنسان، لو تصورنا أن الإنسان اتبع القواعد الصحية التي جاءت بها رسالات الأنبياء، لقلّ المرض إلا أن يكون قضاءً وقدراً أقول كلاماً دقيقاً، أحياناً يأتي المرض قضاء وقدر، لكن في الأعم الأغلب يكون المرض عقب تقصير في تطبيق التعليمات التي جاء بها النبي عليه الصلاة والسلام. هناك مستشفى بألمانيا كتب عليها: نحن قوم لا نأكل حتى نجوع، وإذا أكلنا لا نشبع عن محمد بن عبد الله، هذا الكلام يعد كلاماً أساسياً في الطب الوقائي، نحن قوم لا نأكل حتى نجوع وإذا أكلنا لا نشبع. إذاً لو أن الإنسان طبق التعليمات لتمتع بصحة جيدة طوال حياته، وقد تلاحظ أحياناً إنسان يحرص على تطبيق التعليمات الصحية حرصاً بالغاً في الأعم الأغلب يتمتع بصحة عالية جداً. وكان هذا العالم الجليل الذي رؤي في الثالثة والتسعين، وكان منتصب القامة، حاد البصر، مرهف السمع، إذا سُئل يل سيدي ما هذه الصحة التي حباك الله بها ؟! يقول: يا بني حفظناها في الصغر، فحفظها الله علينا في الكبر، من عاش تقياً عاش قوياً. الله عز وجل ثبت أشياء استقراراً للنظام وحرك شيئين تأديباً لنا: إذاً الله عز وجل ثبت أشياء استقراراً للنظام، وحرك شيئين، حرك الرزق وحرك الصحة، ليكون هذا التحريك أداة تأديب لنا. ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعون * أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ﴾ ( سورة البقرة ) ها هو التأديب، وهذه هي التربية. فلذلك: ﴿ وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ ﴾ ( سورة الشورى ) (( ما من عثرة، ولا اختلاج عرق، ولا خدش عود إلا بما قدمت أيديكم، وما يغفر الله أكثر )) [ أخرجه ابن عساكر عن البراء ] الله عز وجل خلق لكل إنسان جهاز مناعة قوامه الكريات البيضاء و فِرقه هي: 1 ـ فرقة الاستطلاع: لكن لو دخلنا في تفاصيل اسم "الشافي" من الزاوية العلمية، الله عز وجل وضع فينا جهاز المناعة، وجهاز المناعة يكاد يكون جيشاً بكل ما في هذه الكلمة من معنى، قوام هذا الجيش الكريات البيضاء، هذه الكريات مجموعة فرق، هناك فرقة الاستطلاع، فرقة معلومات استخبارات، أو اسمها في بعض الجيوش الاستطلاع، مهمتها معلوماتية فقط فإذا دخل إلى الجسم جرثوم تتجه كريات بيضاء من فرقة الاستخبارات، تقترب من هذا الجرثوم تأخذ شفرته الكيماوية وتعود لا تقاتله، إلا أنها تستكشف خصائصه (شفرته الكيماوية) وتذهب إلى مؤسسة معامل الدفاع. 2 ـ فرقة تصنيع السلاح: فرقة ثانية مهمتها تصنيع السلاح، متواجدة في العقد اللمفاوية، فالكريات البيضاء من فرقة الاستطلاع، تأخذ شفرة الجرثوم الكيماوية وتتجه إلى العقد اللمفاوية، في العقد يصنع المصل المضاد للجرثوم، لكن أعظم ما في الفرقة الثانية تصنيع المصول. قد نعطي الطفل مثلا لقاح الكوليرا، يعني جرثوم مضعف، فكما هي العادة الكرات البيضاء الاستطلاعية تأخذ شفرته الكيماوية وتذهب إلى العقد اللمفاوية في فرقة تصنيع المصل، وتعطى الشفرة، وتصنع المصول المضادة لهذا الجرثوم، وتحفظ في ذاكرة هذه الفرقة، فإذا عاد الجرثوم بعد سبعين عاماً الملف جاهز. لذلك لولا ذاكرة فرقة تصنيع المصول لما كان من معنى إطلاقاً للقاحات في الأرض، لا قيمة للقاحات أساساً من دون ذاكرة مودعة في فرقة تصنيع المصول. 3 ـ فرقة المقاتلين: الفرقة الثالثة فرقة المقاتلين، هذه الفرقة مهمتها أن تأخذ المصل المضاد وتتجه إلى الجرثوم، وتجري معركة بين الكريات البيضاء المقاتلة (هذه الفرقة الثالثة)، وبين الجرثوم. 4 ـ فرقة التنظيف: أحياناً الإنسان يرى ورما خفيفاً، ثم بقعة بيضاء من القيح، هذه نتائج المعركة معركة تجري في الجسم بين الكريات البيضاء المقاتلة وبين الجراثيم، فإذا حُسمت المعركة لصالح الكريات البيضاء، في فرقة الخدمات، تنظف أرض المعركة، وتزيل آثار العدوان. 5 ـ فرقة المغاوير: اكتشف بعض العلماء فرقة خامسة اكتشفها في عام 1967م " اسمها فرقة المغاوير " بالتعبير الأجنبي كومندوس، هذه الفرقة تستطيع أن تكتشف الخلية السرطانية في وقت مبكر جداً وتلتهما. الشدة النفسية سببها ضعف التوحيد: ثبت أن كل إنسان في دمه ملايين الخلايا السرطانية، لكنها غير مفعلة عليها قامع يقمعها، يمنع تفعيلها، فإذا ذهب القامع عن بعضها الفرقة الخامسة المغاوير تكتشف هذه الخلية السرطانية فتلتهما، وينجو الإنسان من الورم الخبيث. قال: هذا القامع ما الذي يفكه ؟ الشدة النفسية، الخوف، القلق، الحقد، لذلك قال تعالى: ﴿ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ ﴾ ( سورة آل عمران الآية: 119 ) الغيظ مميت، الآن المرض الأول في العالم الشدة النفسية، خوف، تهديد قد يكون سلامة لكن ما في أمن. لذلك قالوا: أنت من خوف المرض في مرض، يعني أحياناً تأتي أمراض القلب من خوف مرض قلب، أنت من خوف المرض في مرض، ومن خوف الفقر في فقر وتوقع المصيبة مصيبة أكبر منها، أنت من خوف التهديد في مرض، من خوف شبح الحصار الاقتصادي في مرض، من خوف شبح الاجتياح في مرض، هذه كلها أمراض الإنسان الآن يتحمل من الضغوط ما لا يحتمله إنسان في عصور سابقة. لذلك: ما في حل إلا التوحيد، ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، ما في حل إلا أن ترى أمرك بيد الله، وأن الذي خلقك لن يسلمك إلى أحد غيره. ﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ ﴾ ( سورة هود الآية: 123 ) ارتفاع نسبة السرطانفي عصرنا إما لضعف في نفوسنا أو ضعف في إيماننا: ما لم توقن أن أمرك وسلامتك وأهلك وأولادك ورزقك وصحتك بيد الله، وأنك إذا كنت مع الله كان الله معك، وإذا عبدت الله أنشأ الله لك حقاً عليه ألا يعذبك، هذه المعاني الناس في أمس الحاجة إليها، قال تعالى: ﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ ( سورة الأنعام ) الفرقة الخامسة إذاً فرقة مغاوير، ما الذي يفك القامع ؟ الشدة النفسية، والإشعاع النووي، وصول مشتقات البترول إلى جوف الإنسان، هذا الذي يغسل المحركات بالبنزين إذا أكل بيديه قل أن يغسلهما جيداً عنده احتمال وصول المشتقات إلى جوفه، وهذه تسبب الأورام. وشيء آخر كما قال العلماء: التوسع في استخدام البلاستيك، البلاستيك يجب أن نبتعد عن استعماله مع الحرارة الشديدة، أو مع المواد الحامضة، أو أن يدخل إلى جوفنا بعض منه عن طريق التيفال، وعاء تيفال بعد سنتين يصبح حديداً، المادة أين ذهبت ؟ أكلناها، فمشتقات البترول، والتوسع في استخدام البلاستيك، والإشعاع النووي والشدة النفسية، تفك القامع. لذلك ارتفاع نسبة السرطان أصبحت إلى عشرة أمثال، لخطأ في عصرنا، أو ضعف في نفوسنا، أو ضعف في إيماننا، هذه حقيقة أيها الأخوة. جهاز المناعة جيش يقويه الأمن والحب والود و يضعفه الخوف والقلق والحقد: الآن في غدة اسمها " التايموس " اكتشفت أخيراً أنها غدة لا وظيفة لها هكذا قال الأطباء، ثم اكتشف أنها أخطر غدة في جسم الإنسان، قال هذه مدرسة حربية، تدخلها الكريات البيضاء وتبقى فيها سنتين، تتعلم من هو الصديق، ومن هو العدو، كريه بيضاء معها سلاح خطير، الكريه المحاربة الفرقة الثالثة، هذه سموها الخلية التائية الهمجية جاهلة تدخل في هذه الغدة وتبقى سنتين، لما كُبّرت مئات المرات بدت وكأنها مدرج روماني، وهذه الخلايا التائية الهمجية كأنهم طلاب علم، تبقى الخلية التائية الهمجية سنتين وبعدها تمتحن هناك مخرجان امتحانيان، الأول تعطى هذه الكريه الممتحنة عنصراً صديقاً فإذا قتلته ترسب وتقتل، وإذا لم تقتله تنجح وتتخرج، ثم تمتحن امتحاناً آخر تعطى عنصراً عدواً فإذا لم تقتله ترسب وتقتل، وإذا قتلته تنجح وتتخرج. قال بعد سنتين تضمر هذه الغدة ضموراً كلياً، الأمر الذي جعل بعض الأطباء أن يقولوا لا وظيفة لها، تبين أن الجيل المتخرج يتولى إلى نهاية الحياة تعليم الأجيال الصاعدة فصار أول جيل تخرج من هذه الكلية الحربية، يتولى تعليم الأجيال الصاعدة، لكن بعد الستين أو السبعين يضعف التعليم، مع ضعف التعليم ينشأ شيء اسمه " الخرف المناعي" منها التهاب المفاصل الرثوي، منها سبعة أمراض تقريباً، يعني ما معنى التهاب مفاصل ؟ يعني ضعف التعليم، صار العنصر القوي الكرية البيضاء تقتل الصديق، أي أصبح حرباً أهلية، فالتهاب المفاصل الرثوي نتيجة حرب أهلية داخل الجسم. أيها الأخوة، جهاز المناعة هذا الجهاز يؤكد اسم " الشافي " جيش بكل معاني هذه الكلمة، هذا الجيش يقويه الأمن والحب والود، يضعفه الخوف والقلق والحقد. والحمد لله رب العالمين |
رد: اسماء الله الحسنى
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : اسم الله - الشافى -2 -اسماء الله الحسنى الدرس : ( التاسع العاشر ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: ( الشافي): أيها الأخوة الكرام، لازلنا في اسم " الشافي "، فالنبي عليه الصلاة و السلام كان إذا عاد مريضاً يقول له: (( اذهب البأس رب الناس، اشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقماً )) العلامات من تمام رحمة الله بنا: الحقيقة أن الله سبحانه و تعالى جلّت حكمته لولا أن جعل للأمراض أعراضاً لما أمكن الشفاء منها، و قال تعالى: ﴿ وَعَلامَاتٍ ﴾ ( سورة النجم الآية: 16 ) هذه آية واسعة جداً، لولا الأعراض لما اهتدى الإنسان إلى مرضه. لذلك تعد أخطر الأمراض الآن الأمراض التي لا أعراض لها، كالأورام أحياناً فلذلك رحمنا الله عز وجل أن للأمراض أعراضاً، و هذا طريق إلى الشفاء منها، و هذه واحدة. لو توسعنا قليلاً في فهم العلامات، نضج الفواكه لها علامات، وأي شيء في الأرض له علامات، وأي حدث في الأرض له علامات، فالعلامات من تمام رحمة الله بنا. التوحد في بنية الإنسان التشريحية: شيء آخر: الإنسان له بنية موحدة، أي إنسان في أي زمان و مكان بنيته التشريحية واحدة، فقد يدرس الطبيب الطب في أمريكا، و يعالج المرضي في الصين، مكان الشريان، مكان العصب، بنية الأجهزة، البنية التشريحية للإنسان في أدق أدق التفاصيل واحدة، أماكن الأوعية، أماكن الأعصاب، أماكن الأجهزة، النسج كلها موحدة و لولا هذا التوحد في بنية الإنسان التشريحية لما أمكن أن نتابع الطب في بلد، وأن نعالج المرضى في بلد، وأن نصنع الدواء في بلد، وأن نستخدمه في بلد، هذا كله ينضوي تحت اسم "الشافي ". التئام النسج من آيات الله الدالة على عظمته: شيء آخر: ثبات قوانين الجسم، الجسم له قوانين دقيقة جداً، فلولا هذا التوحد في الخلق لما أمكن أن يكون الشفاء للإنسان. ذلك لأن الله سبحانه وتعالى كما بينت في لقاء سابق أن هذا المرض أحد الوسائل التي تكون ناجعة في تأديب الإنسان، وفي تربيته، وفي تقريبه من الله عز وجل. شيء آخر: هناك قوانين دقيقة في الجسم، هذه القوانين أساسها أن النسج تلتئم إذا تمزقت، من قنن هذا القانون أن النسيج يلتئم إذا تمزق أحياناً ؟ ذلك أن بعض النسج في جسم الإنسان التي تؤكد عفة الفتاة لا تلتئم أبداً، فالتئام النسج من رحمة الله بنا، يكون الجرح يأتي الطبيب ويخيط هذا الجرح بعد حين يلتئم الجرح، جميع النسج تلتئم بسبب أن الله قنن هذا القانون فهو " الشافي ". العظم يلتئم، الخلية العظمية قد تنام ستين عاماً، فإذا صار كسر تستيقظ هذه الخلايا وتلتئم، ما دور الطبيب العظمي ؟ يضع العظمة على العظمة فقط، وانتهى دوره، و تأتي هذه الخلايا ويستيقظ و تسهم في التئام الجروح و الكسور. قضايا دقيقة جداً، ولقطات مؤثرة جداً نكتشفها حينما نقول أن الله سبحانه وتعالى هو " الشافي " فالتئام النسج من آيات الله الدالة على عظمته، ألا يوجد إنسان عنده مركبة وتصاب بكسر في بعض أجزائها، يقول لك الخبير في إصلاحها: دعها تلتئم وحدها، هذا لا يكون في عالم المعادن إطلاقاً، أما في عالم خلق الإنسان، ولأن الله هو " الشافي " النسج تلتئم. القوانين التي أودعها الله في الإنسان كلها تؤكد اسم الشافي: الذي يلفت النظر كما قلت قبل قليل: أن بعض النسج لا يلتئم أبداً، لأن تمزقها دليل، ولا يمكن أن يلغى هذا التمزق. هناك أشياء كثيرة نستفيدها من اسم " الشافي " مثلاً: الاحتياط الذي جعله الله في بعض الأجهزة، الكلية مثلاً فيها احتياط كبير، يستطيع الإنسان أن يعيش بكلية واحدة والثانية احتياط كبير، أنا أتمنى الإنسان حينما يدرس الطب يدرسه في ضوء الإيمان، يجد أن هذه القوانين التي أودعها الله في الإنسان كلها تؤكد اسم " الشافي ". من قال إن القلب إذا أردنا إصلاحه بعلمية جراحة و أوقفناه عن طريق التبريد و بعد انتهاء العملية يعطى القلب صعقة فيعود و يعمل، لو أن القلب إذا توقف لا يعمل انتهى العمل الجراحي كله، انتهي كل شيء اسمه عمليات القلب المفتوح، عمليات القلب المفتوح لولا أن الله أعطى القلب هذا القانون أنه إذا توقف أو إذا أوقف بفعل التبريد فالله سبحانه و تعالى سمح له أن يعمل بعد أن تأتيه صعقة كهربائية، لولا هذه القاعدة لألغي الطب في شأن جراحة القلب. من تفكر في خلق السماوات و الأرض وصل إلى الله سبحانه و تعالى: إذاً لو أردت أن تتفكر في خلق السماوات و الأرض لرأيت اسم " الشافي " واضحاً جداً في كل قانون قننه الله عز وجل، و في كل نسيج صممه الله عز وجل، و في كل خصيصة لأي عضو من أعضاء الجسم أودع الله فيه هذه الخاصة. يعني أحياناً يقول طبيب قلب جراح: إن في القلب شرياناً يبدو أنه لا فائدة منه لكن حينما تسد بعض الشرايين يؤخذ هذا الشريان وهو من أمتن الأوعية، ويوضع مكان الشريان التالف، وكأن الله سبحانه و تعالى و ضع في جسم الإنسان بعض قطع الغيار، و هذا من تمام خلق الله عز وجل، تؤخذ بعض الشرايين من مكان وتوضع في مكان، و حتى في الهيكل العظمي هناك أجزاء يمكن أن تستخدم كقطع غيار، هذا الخلق الدقيق العظيم. ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾ ( سورة التين ) قال تعالى: ﴿ وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴾ ( سورة الذاريات ) الإنسان لو تفكر في خلق السماوات و الأرض و صل إلى الله، وصل إلى الله معظماً، مكبراً، خاشعاً، فإذا تفكر في جسمه فهو أقرب شيء إليه. من رحمة الله بالإنسان أنه جعل لكل داء دواء: والله يا أيها الأخوة، لو أمضينا العمر كله في التدقيق في عجائب خلق الله في الإنسان لما اكتفى العمر للتفكر في خلق الإنسان، والآية واضحة: ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾ أحياناً من الذي جعل هذا الدواء يفعل فعله ؟ يعني الدواء من رحمة الله بنا أنه جعل لكل داء دواء، والنبي عليه الصلاة والسلام حينما قال: (( لكل داء دواء )) [حديث صحيح رواه مسلم والإمام أحمد عن جابر] هذا الحديث إذا قرأه إنسان مريض بماذا يشعر ؟ يمتلئ قلبه أملاً بالشفاء و إلهنا وربنا من خلال نبيه ورسوله يقول: (( لكل داء دواء ))، ولو سمع هذا الحديث طبيب ماذا يفعل ؟ يجب أن يجتهد و يبحث عن الدواء، فإذا سمع هذا الحديث المريض امتلأ قلبه أملاً بالشفاء، وإذا سمع الطبيب هذا الحديث شعر بتقصيره حينما لا يجد لهذا الداء دواء، وقد خلق الله لكل داء دواء. حرص الإنسان على سلامة وجوده تقتضي أن يطبق تعليمات الصانع: كما ذكرت من قبل الله عزّ وجل من خلال صحتنا يربينا، يقربنا إليه، الإنسان كما تعلمون حريصاً على وجوده، وعلى سلامة وجوده، وعلى استمرار وجوده، وعلى كمال وجوده، و قد بينت من قبل أن حرص الإنسان على وجوده يقتضي أن يحمي نفسه من الأخطار، وأن حرصه على سلامة وجوده يقتضي أن يطبق تعليمات الصانع، و أن حرص الإنسان على كمال وجوده يقتضي أن يقترب من الله عز وجل حتى يسعد بقربه، وأن حرص الإنسان على استمرار وجوده يعني أن يربي أولاده ليكونوا استمراراً له بعد موته، و الله عز وجل حينما برمج الإنسان وفطره على حبّ وجوده، وعلى حبّ كمال وجوده، وعلى حبّ سلامة وجوده، وعلى حبّ استمرار وجوده، من أجل أن يكون الإنسان في أعلى درجة من السلامة والسعادة. الطبيب المؤمن حينما يرى من آيات الله في خلق الإنسان يكاد يذوب خشوعاَ لله: أيها الأخوة حدثني بعض الأخوة الأطباء: أنه أحياناً إذا سدّ شريان في القلب تنمو مجموعة شُريانات في مجموع أقطارها تساوي الشريان المسدود، و أنت لا تشعر، يوجد بالجسم آلية الشفاء الذاتي، فحينما يضعف عضو ينمو عضو آخر، حينما يضيق شريان ينمو شريان آخر، و هذا من آيات الله الدالة على عظمته، و الطبيب المؤمن حينما يرى من آيات الله في خلق الإنسان يكاد يذوب خشوعاَ لله عز وجل. شيء آخر: الكبد مثلاً، الكبد يقوم بمئات الوظائف، كل خلية من خلايا الكبد تقوم بكل وظائفه، فلو تشمع الكبد وصل إلى ثلثي الكبد، بل إلى أربعة أخماس الكبد وجاء الطبيب الجراح واستأصل أربعة أخماس الكبد، الكبد يعيد بناء ذاته في ستة عشر أسبوعاً، ذلك لأن كل خلية في الكبد تقوم بكل وظائف الكبد، ولو تعطل كبد الإنسان لكان الموت محققاً لأنه المخبر، والمعمل الكيماوي في الجسم. إخوتنا الكرام، التفكر في خلق السماوات و الأرض أقصر طريق إلى الله و أوسع باب ندخل منه على الله، وأنت حينما تتعرف إلى أسماء الله الحسنى، تقول " الشافي " الشافي جسمك مصمم للشفاء، الأمراض لها أعراض، البنية التشريحية للإنسان واحدة بشكل عجيب، الإنسان له شكل. الله عز وجل منح الإنسان أحد صفاته وهي الفردية لكرامته عند الله: يقول بعض العارفين بالله: والله يا رب لو تشابهت ورقتا زيتون لما سميت الواسع، يوجد بالأرض ستة آلاف مليون إنسان لا يوجد إنسان يشبه الآخر، الإنسان فرد، وقد منح الله جلّ جلاله الإنسان أحد صفاته وهي الفردية لأن الإنسان كريم عليه، لكرامة الإنسان عند الله، فالإنسان فرد في شكل وجهه، وفي قوامه، و في نمط حركته، فرد في قزحية عينه، لا يوجد قزحية عين في الأرض تشبه قزحية عين الآخر، حتى إن بعض البلدان الآن تأخذ صورة قزحية العين وتضعها على الجواز، ولا يمكن لهذا الجواز أن يزور، بل إن بعض الأقفال التي صنعت لا تفتح إلا على قزحية العين، ومعنى ذلك أن هذا القفل لا يفتح إلا من خلال صاحبه، فقزحية العين هوية للإنسان. رائحة جلده هوية له، لا يوجد إنسان له رائحة جلد تشبه رائحة جلد إنسان آخر و على هذا الأساس يبنى عمل الكلاب البوليسية، ولولا أن الإنسان يتميز برائحة خاصة لما استطعنا أن نستخدم الكلاب البوليسية التي تملك من حاسة الشم مليون ضعف عن حاسة شم الإنسان. ونبرة الصوت هوية لك، لا يوجد إنسان في الأرض تشبه نبرة صوته نبرة صوتك وهذا نستخدمه في الهاتف، فلان تعرفه من نبرة صوته. الآن بلازما الدم، الزمرة النسيجية غير الزمرة الدموية، لكل إنسان زمرته النسيجية، هذا من تكريم الله للإنسان جعله فرداً، فرد في قزحية عينه، وفرد في شكل وجه، وفرد في قوامه، وفرد في رائحة جلده، وفرد في نبرة صوته، وفرد في زمرته النسيجية وفرد في بلازما الدم، وفرد في بصمته، واكتشف أخيراً أنه فرد بالنطفة التي يملكها، لكل نطفة علامة يتميز بها، عند الزوجة جهاز لاستقبال هذه العلامة، فما دامت هذه العلامة تأتيها تباعاً فهذا زوجها، فإذا جاءت علامة أخرى فهذا مؤشر لوجود مرض في الرحم إلا أن المرأة قادرة على أن تستقبل علامة أخرى بعد أربعة أشهر أي العدة. الإنسان فرد متميز لا أحد يشبهه فالله عز وجل واحد و واسع: إذاً أيها الأخوة الإنسان فرد، أما من أجل أن نفهم اسم " الشافي " الآن هناك مفارقة، هو فرد متميز لا أحد يشبهه، وفي الوقت نفسه ستة آلاف مليون البنية التشريحية واحدة، مكان الشريان، مكان العصب، لولا أن الأعصاب لها أماكن محددة جداًً أي عملية جراحية في الوجه تعني الشلل أحياناً، لكن معروف العصب هنا مكانه، الطبيب الجراح عنده مهارة فائقة في معرفة أماكن الأعصاب، وأماكن الأوعية والشرايين. إذاً البنية التشريحية الواحدة تؤكد اسم " الشافي ". الآن الوظائف الفيزيولوجية في الإنسان تؤكد اسم " الشافي "، الآن استجابة الجسم للدواء، الجسم عضو نبيل يستجيب للدواء إذاً الله شافٍ، ما أوقع المرض فينا إلا أن يكون المرض أداة قرب من الله عز وجل و يأتي بعده الشفاء، فالله عز وجل شافٍ، أي هذه الأدوية من صمم هذه العشبة لتهدئة القلب، هناك أدوية مبطئة للنظم، هناك أدوية موسعة للشرايين، هناك أدوية مقوية لعضلة القلب، هناك أدوية تعطي الإنسان راحة نفسية، هناك أدوية مهدئة، هناك أدوية مسكنة، أي علم الأدوية علم قائم بذاته. إذاً اسم " الشافي " تراه من وحدة الإنسان في بنيته التشريحية، ومن وحدة الإنسان في وظائفه الفيزيولوجية، بينما لكل إنسان هوية، هذا شيء دقيق جداً، أي وحدة تشابه البنية التشريحية، والوظائف الفيزيولوجية في الإنسان تؤكد أن الله واحد، أن الخالق واحد، وأما التفاوت في شكل الإنسان، وفي خصائصه، وفي هوياته، تؤكد اسم " الواسع " فالله واحد و واسع. الله عز وجل قنن القوانين ليكون هناك أمل في شفاء الأمراض: أيها الأخوة الكرام، الدم له خصائص مذهلة، يوضع هذا الدم في بنك باسم صاحبه، بعد سنوات، بعد عشر سنوات إذا تورمت بعض الخلايا أو تعطلت بعض الخلايا في مكان، يوضع هذا الدم في المكان نفسه، فإذا به يتشكل من الخلايا التالفة، يعني إذا تعطلت خلايا نقي العظام المصنعة لكريات الدم الحمراء، يوضع هذا الدم في نقي العظام، وهذا الموضوع يمثل الخلايا الجذعية، من أحدث الموضوعات، أي مكان عندما استأصلنا بعض النسج وضعنا الدم مع الاستئصال تنمو خلايا من جنس الخلايا المحيطة بهذا الدم، وهذا الدم له ثمن باهظ جداً، والآن هناك بنوك للخلايا الجذعية. إذاً الله عز وجل هو " الشافي " أي كل جهود الأطباء لولا أن الله قنن هذه القوانين، أعطى هذه الخصائص لما كان من أمل في شفاء الأمراض. إذاً الله عز وجل هو " الشافي ". تقدم علم الطب نتيجة كرامة الإنسان عند الله: لذلك الحديث: (( إن لكل داء دواء )) [حديث صحيح رواه مسلم والإمام أحمد عن جابر] يقرأ هذا الحديث المريض فيمتلئ ثقة بالشفاء، يقرأ هذا الحديث الطبيب فيشعر بالتقصير تجاه البشر، ينبغي أن نبحث عن شفاء لهذا المرض، الآن فإذا أصيب دواء الداء معنى الطبيب حينما يصيب في تشخيص الداء قطع نصف المرحلة، فإذا أصيب دواء الداء قال برئ بإذن الله. الطبيب له مهمتان، المهمة الأولى: أن يصيب في تشخيص الداء، وأن يصيب في وصف الدواء، فإذا جاء التشخيص صحيحاً، وجاء الدواء مناسباً برئ، ولكن بإذن الله. لذلك قال عليه الصلاة والسلام: (( داووا مرضاكم بالصدقة )) [ رواه الطبراني عن عبد الله بن مسعود] أولاً أعطاك ثوابت، أعطاك بنى تشريحية واحدة، أعطاك وظائف فزيولوجية، أعطاك أدوية لها فعل في الأمراض، وهيأ أطباء، والأطباء من رحمة الله بالإنسان، و أنا أقول دائما أيها الأخوة إن تقدم علم الطب لكرامة الإنسان عند الله، لأن الله هو الشافي إلا أن مرض الموت لا شفاء له، هذا المرض لأنه بوابة الخروج، الإنسان كيف يخرج ؟ يخرج بمرض الموت، قد يكون في الكبد، وقد يكون في الكلية، وقد يكون في القلب، وقد يكون في الدماغ، وقد يكون بحادث، تارة سكتة دماغية، ومرة سكتة قلبية، ومرة احتشاء، هذه الأمراض التي هي أمراض الموت هي بوابة الخروج، والإنسان حينما يرى أنه لابد من أن يخرج من الدنيا هذا من أعظم المواعظ و العبر. على الإنسان أن يأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء ثم يتوكل على الله وكأنها ليست بشيء: الآن (( إن لكل داء دواء )) فإذا أصيب دواء الداء برئ المريض بإذن الله، إذاً ما الموقف الكامل حينما يصيب الإنسان المرض ؟ الموقف الكامل أن أبحث عن طبيب متفوق، ولي مصطلح لطيف: ابحث عن طبيب مسلم حاذق ورع، لأنه ينصح، والدين النصيحة. الآن هذا الطبيب يصيب في وصف تشخيص الداء، ويصيب إن شاء الله في وصف الدواء، ثم توجه إلى الله أن يسمح لهذا الدواء أن يفعل فعله في الداء، هذا الموقف الكامل. لذلك هذا ينقلنا إلى شيء مهم جداً في الإيمان، أنت يجب أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء، يجب أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، هذه بطولة، أن تذهب إلى أفضل طبيب، أن تستخدم بدقة بالغة تعليمات الطبيب، ثم تتوجه من أعماق أعماقك إلى الله، يا رب اشفِ أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقماً، أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء من السهل جداً أن تأخذ بالأسباب، وأن تعتمد عليها وتنسى الله، وهذا واضح جداً في العالم الغربي، ألهوا الأسباب، يأخذون بالأسباب ويعتمدون عليها، وينسون الواحد القهار، لكن الله يقهرهم أحياناً، ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء. الأخذ بالأسباب من الدين: الإنسان من ضعفه إذا أخذ بالأسباب يعتمد عليها وينسى الله، و يوجد مسلمون مقصرون لا يأخذون بالأسباب، وهم عصاة، لذلك الطريق الأمثل هو طريق وادٍ سحيق و عن يساره وادٍ سحيق، فالإنسان إذا أخذ بالأسباب و اعتمد عليها وقع في وادي الشرك، و إن لم يأخذ بالأسباب و قع في وادي المعصية ففي حنين قال الصحابة: (( لن نغلب من قلة )) [ أخرجه أبو داود والترمذي والحاكم عن ابن عباس ] معهم بسبب الكثرة فقال تعالى: ﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ ﴾ ( سورة التوبة ) فالأخذ بالأسباب من الدين: (( إن الله يلوم على العجز، ولكن عليكم بالكيس، فإذا غلبك أمر فقل حسبي الله ونعم الوكيل )) [ أبو داود وأحمد عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ ] يجب أن نأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، يجب أن تعالج عند الطبيب، يجب أن تذهب إلى طبيب متفوق، أن تستخدم الدواء بعناية بالغة، وفي الوقت نفسه يجب أن يمتلئ القلب رجاء من الله عز وجل أن يسمح للدواء أن يفعل فعله. الله تعالى إذا أخذ من المؤمن بعض صحته عوضه عليها أضعافا ًمن القرب منه: فلذلك: (( لكل داء دواء، فإذا أصاب الدواء الداء برئ بإذن الله)) [حديث صحيح رواه مسلم والإمام أحمد عن جابر] هذا الذي يقتضي الدعاء، والتوسل إلى الله عز وجل، ودفع الصدقات، مع الأخذ بالأسباب هذا الموقف الكامل هناك مثل يقرب الحقيقة: عندك سفر، راجعت المركبة مراجعة تامة، راجعت كل شيء فيها، وكلها جاهزة، الآن أخذت بالأسباب، الآن تتوجه بكل أعماقك إلى الله، يا رب، أنت الحافظ، أنت الموفق، أنت المسلم في هذا السفر، أنت الرفيق في السفر، هذا شأن المؤمن في كل شيء يأخذ بالأسباب و كأنها كل شيء، و يتوكل على الله و كأنها ليست بشيء. شيء آخر الحديث القدسي الصحيح: (( يا ابنَ آدمَ مَرِضْتُ فلم تَعُدْني، قال: يارب كَيْفَ أعُودُكَ وأنتَ ربُّ العالمين ؟ قال: أمَا علمتَ أنَّ عبدي فلاناً مَرِضَ فلم تَعُدْهُ ؟ أما علمتَ أنَّكَ لو عُدْتَهُ لوجَدتني عنده )) [ أخرجه مسلم عن أبي هريرة] و الله أيها الأخوة، بالحديث ملمح يذيب محبة لله، الله عز وجل إذا أخذ من المؤمن بعض صحته عوضه عليها أضعافاً مضاعفة من القرب من الله. (( أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده )) كل شيء في خلق الإنسان يؤكد اسم الشافي: الحقيقة ماذا نستطيع أن نقول في اسم " الشافي " ؟ كل شيء في خلق الإنسان يؤكد اسم " الشافي "، كل شيء حول الإنسان يؤكد اسم " الشافي "، كل شيء في بنية الإنسان التشريحية يؤكد اسم " الشافي "، كل شيء في وظائف الجسم يؤكد، الفيزيولوجية تؤكد اسم " الشافي "، كل دواء خلقه الله لهذا الإنسان يؤكد اسم " الشافي ". والآن الأبحاث الطبية تؤكد هذه الحقيقة، بعد حين يظهر دواء ناجح لبعض الأمراض المستعصية، إذاً الله عز وجل شافٍ. ﴿ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ ( سورة الشعراء ) والحمد لله رب العالمين |
رد: اسماء الله الحسنى
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : اسم الله - المبين -1 -اسماء الله الحسنى الدرس : ( التاسع العاشر ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: ( المُبِين ): 1 – ورودُ اسم ( المبين ) في القرآن الكريم: مع اسم من أسماء الله الحسنى، وهو اسم ( المبين )، وقد ورد هذا الاسم في القرآن الكريم في آية واحدة، قال تعالى: ﴿ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ ﴾ ( سورة النور ) 2 – ورودُ اسم ( المبين ) معرَّفًا بـ ( أل ) إشارة إلى الوصفية: ورد هذا الاسم في القرآن الكريم معرفا بـ ( أل )، فلان اسمه راشد، راشد اسم علم، أما إذا عرفت الاسم لقلت: جاء الراشد، أنت تريد أن تؤكد اتصاف هذا الإنسان بالرشد، فحين يعرّف اسم العلم يقصد منه التعريف، ودقة اتصاف صاحب الاسم بصفته، إذا قلت: جاء راشد، قد يكون جاء رجل اسمه راشد، لكنه غير راشد، كأن تقول: فلان سعيد، اسمه سعيد، وهو من أشقى الناس، فلان كامل، وفيه كمية نقص لا تعد ولا تحصى. لذلك إذا عُرِّف الاسم العلم بـ ( أل ) أُشير إلى اتصاف صاحبه بهذه الصفة، فاسم الله تعالى ( المبين ) ورد معرَّفا بـ: أل: ﴿ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ ﴾ ( سورة النور ) شيء آخر أيها الأخوة، نحن نعلم في اللغة أن الكلمات معارف ونكرات، المعرفة ما دلت على معين، والنكرة ما دلت على غير معين، تقول: عاصمة، فهي غير معين، نكرة، أما دمشق فمعرفة. قال بعض النحاة: إن المعارف سبعة في قولنا كَمُل أنا صالح من ذا الفتى ابني يا رجل الضمير معرفة، اسم العلم معرفة، اسم الإشارة معرفه، اسم الموصول معرفة، المُعرف بأل معرفة، المضاف معرفة، المنادى معرفة. إن المعارف سبعة في قولنا كَمُل أنا صالح من ذا الفتى ابني يا رجل. 3 – اسم ( المبين ) مفيدٌ للمدح والثناء: هذا الاسم يفيد المدح والثناء، والعبد عبد والرب رب، شأن العبد الافتقار، وشأن الرب المدح والثناء، لكن لو أن غنياً تواضع، وقال لمن يسأله عطاءً: أنا لا أملك شيئًا، ليس هذا المقام مقام تواضع، مقام أن تذكر له أنك يمكن تساعده، فشأن الله المدح والثناء، وشأن العبد الافتقار. غزوة بدرٍ وحنين درسان بليغان: في حياة الناس درسان بليغان، الدرس الأول درس بدر، والدرس الثاني درس حنين. النبي عليه الصلاة والسلام مع أنه سيد الخلق وحبيب الحق، وهو قمة البشر وقد اختاره الله، واختار له أصحابه، قال: (( إن الله اختارني واختار لي أصحابي )) [ الجامع الصغير بسند ضعيف عن أنس ] أصحابه والنبي على رأسهم في بدر افتقروا إلى الله في بدر فقال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ ﴾ ( سورة آل عمران الآية: 123 ) النبي نفسه، وهو في أعلى درجات القرب والافتقار إلى الله، لكن أصحابه في حنين قالوا: (( لن نغلب من قلة )) [ أخرجه أبو داود والترمذي والحاكم، عن ابن عباس ] فتخلى الله عنهم، قال تعالى: ﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ ﴾ ( سورة التوبة الآية: 25 ) لا تقل: أنا، لي، عندي: درْسا بدر وحنين يحتاجهما المؤمن في كل يوم، بل في كل ساعة، فإذا قلت: أنا، تخلى الله عنك، وإذا قلت: الله، تولاك، قل: أنا ابن فلان، يتخلّ الله عنك، قل: أنا عندي علم يتخلّ الله عنك، قل: أنا عندي تجربة غنية في هذا الموضوع، قل: أنا أعلم من حولي يتخلّ الله عنك، إياك أن تقول: أنا، قالها إبليس: ﴿ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ ﴾ ( سورة الأعراف الآية: 12 ) فأهلكه الله، وقالها قوم بلقيس: ﴿ قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ ﴾ ( سورة النمل الآية: 33 ) وقالها قارون: ﴿ قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي ﴾ ( سورة القصص الآية: 78 ) فخسف به الأرض، وقال فرعون: ﴿ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ ﴾ ( سورة الزخرف الآية: 51 ) فدمره الله، أنا، ونحن، ولي، وعندي كلمات مهلكات، فإذا قلت أنا تخلى الله عنك، وإذا قلت الله تولاك الله، ونحن جميعا بحاجة ماسة لهذين الدرسين في كل ساعة من حياتنا. هناك طبيب جراح نسائي في بلد عربي متفوق، له زميل طبيب من المستوى نفسه، له زوجه في حملها إشكال، فذهب إليه، واتفق أن تكون الولادة عنده، ثم سأله زميله: هل ترى أن نسأل طبيبا آخر؟ قال: أنا أعلم مَن في هذه المدينة بهذا الاختصاص، بكل كِبْر، القصة طويلة، لكن مغزاها أن هذا الطبيب ارتكب خطأ فادحا جداً لا يرتكبه ممرِّض، الأمر الذي وجب على القائمين على شؤون الصحة أن يسحبوا منه الشهادة لأول مرة في تاريخ البلد العربي بعد النهضة والاستقلال. لا تقل: أنا، لا تقل: ليس هناك من هو أعلم مني. ﴿ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ﴾ ( سورة يوسف ) إن شاب ناشئًا ألقى درساً فتحلق والتف الناس حوله، وأحبوه، ورجل آخر مِن أهلِ العلم آلمه هذا الإقبال على هذا الشاب، فجاء إليه، وأراد أن يصغّره، فحضر درسه، فلما انتهى الدرس، سأل هذا الفتى: وقال له: يا هذا، هذا الذي قلته ما سمعناه، تصغيرا له، فالشاب مؤدب جداً، قال: يا سيدي، وهل تعلمت العلم كله، فإذا قال: نعم، فقد خالف قوله تعالى: ﴿ وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ ( سورة الإسراء ) قال: لا، قال: كم تعلمت منه ؟ قال: شطره، قال: يا سيدي هذا الذي قلته من الشطر الذي لا تعرفه. إياك أن تقول: أنا، قل: بفضل الله، الله مكني أن أنال هذه الشهادة، الله مكني أن أتقن هذه الحرفة، الله مكني أن ألقي هذه الكلمة، الله مكني أن تنجح هذه العلمية. أعرف طبيبا جراحاً عصبياً، المريض على الطاولة، يصلي أمامه ركعتين، ويقول: يا رب، ألهمني الصواب، أنا مفتقر إليك. عوِّد نفسك في كل عمل تقدم عليه أن تقول: اللهم إني تبرأت من حولي وقوتي، والتجأت إلى حولك وقوتك يا ذا المتين، شأن العبد أن يفتقر، وشأن الرب أن تثني عليه، وأن تمدحه، كي نطمع بفضله، وكي نقبل عليه، وكي نلجأ إليه، وكي نعتمد عليه. لا تُظهِر نفسَك وتعتِّم على غيرك: أيها الإخوة، لكن بالمناسبة، إذا مُدح المؤمن ربَا الإيمان في قلبه، وهناك إنسان بطبيعته لا يُظهِر مَن حوله إطلاقاً، تعتيم شديد على مَن حوله، وتسليط للإضاءة شديد على شخصه، هو يكبُر ومَن حوله يصغرون، ليس هذا من شأن النبي عليه الصلاة والسلام. (( لو كان نبيا بعدي لكان عمر )) [ أخرجه الترمذي عن عُقْبَةَ بنِ عامرٍ ] سيدنا الصديق ما ساءني قط، وما طلعت شمس على رجل بعد نبي أفضل من أبي بكر. سيدنا ابن الجراح أمين هذه الأمة، كل صاحبي أعطاه النبي حقه، هذه بطولة أن تُظهِر مَن حولك، لا أن تعتم من حولك. فذالك أيها الإخوة، إذا مُدح المسلم رَبا الإيمان في قلبه، والمؤمن الصادق إذا مُدح والله يزداد تواضعاً لله، يزداد محبة له، يقول: يا رب، إني تبرأت مِن حولي وقوتي، والتجأت إلى حولك وقوتك، يا ذا القوة المتين، يا رب، هذا فضلك، يا رب، هذا توفيقك يا رب، هذا من عندك، يا رب، هذا من تأييدك. المؤمن الصالح إذا مُدح ربا الإيمان في قلبه، وهناك أشخاص إذا مدحتهم، يصدقون، ويستعلون، ويتغطرسون، ويعانون من أمراض نفسية كانوا في غنىً عنها. إذاً: أنت أيها الأخ المؤمن كن حكيما، إذا كان مدحك يسوق الإنسان إلى الفجر فإياك أن تمدحه، لذلك ورد أيضاً: (( احْثُوا التُّرَابَ فِي وُجُوهِ المَدَّاحِينَ )) [ أخرجه مسلم المقداد بن الأسود ] ورد النهي عن المديح، وورد الثناء على المديح، هذا بحسب حال الممدوح، فإذا كان مؤمناً ربا الإيمان في قلبه، وإن كان غير مؤمن ازداد كبراً وغطرسة واستعلاء. علاقة التوكل بالأخذ بالأسباب: أيها الإخوة، قضية التولي والتخلي، أخطر شيء في حياتنا، قل: الله، حقيقة المؤمن أن يأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، ثم يتوكل على الله وكأنها ليست بشيء، سهل جداً أن تأخذ بالأسباب، وأن تعتمد عليها، وأن تؤلهها، وأن تنسى الله معها، وهذا شأن العالم الغربي، وسهل أيضاً ألا تأخذ بها جهلاً وتواكلاً وتقول: توكلنا على الله. سيدنا عمر رأى أناساً يتكففون الناس في الحج، سألهم: << من أنتم ؟ قالوا: نحن المتوكلون، قال: كذبتم، المتوكل من ألقى حبة في الأرض، ثم توكل على الله >>. يجب أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء، هذا شيء مهم جداً أيها الإخوة. إذاً: المؤمن الصادق يأخذ بالأسباب ولا يعتمد عليها، يعتمد على الله، وقبل أن يسافر يراجع مركبته مراجعة دقيقة، ثم من أعماق أعماقه يقول: يا رب، أنت الحافظ، أنت الموفق، أنت المسلم، أما ألاّ يأخذ بالأسباب، ولا يراجع المركبة، ولا يتفقد مكابحها، ولا أجهزتها، ولا وسائلها، ويقع الحادث، ثم يقول: هذه مشيئة الله، فهذا افتراء على الله، هذه نتائج التقصير، ولو فهِم المسلمون أن الأخذ بالأسباب من الدين، بل هو من صلب الدين لما كانوا فيما هم فيه الآن من ضعف، لكن العالم الغربي وقع في متاهة أخرى، أخذ بالأسباب واعتمد عليها، ونسى الله، وتغطرس، فأدبه الله عز وجل. الإنسان يؤدَّب مرتين، مرة إذا أخذ بالأسباب واعتمد عليها، وأشرك مع الله، وينسي ربه، ومرة إن لم يأخذ بها، ففي الحالتين يؤدب، لذلك البطولة أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، ثم تتوكل على الله وكأنها ليست شيء. الكون مسخَّر للإنسان تعريفًا وتكريما: أيها الإخوة، الكون كما تعلمون مسخر تسخير تعريف وتكريم، تماماً لو قدم لك أحدهم هاتفا متطورا جداً، وفيه خدمات كبيرة جداً، قدمه لك أحدهم هدية، وهذا الجهاز من اختراعه، أنت بماذا تشعر ؟ تشعر بإكبار لهذا الإنجاز العلمي، وتشعر بامتنان، لأنه أعطاك إياه هدية، هذا مثل للتبسيط. هذا الكون الذي سخره الله للإنسان، سخره له تسخير تعريف وتكريم، من أين جئنا بهذا المعنى ؟ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا رَأَى الْهِلَالَ قَالَ: (( هِلَالُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ، هِلَالُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ، هِلَالُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ )) [ رواه أبو داود وفي سنده ضعف ] هلال خير أنتفع به، وهلال رشد يرشدني إلى ربي، هذا منهج. الطعام أمامك، طعام خير ورشد، تنتفع به، وتتعرف إلى خالقه، نظرت إلى السماء، نظرت إلى النجوم، إلى البحار، إلى الجبال، نظرت إلى الأسماك، إلى الأطيار كل شيء سخره الله لنا تسخير تعريف وتكريم، فردُّ فعل التعريف أن تؤمن، وردُّ فعل التكريم أن تشكر، وحينما تؤمن، وحينما تشكر فقد حققت الهدف من وجودك، وإنْ آمنت وشكرت توقفت المعالجة، الدليل قال تعالى: ﴿ مَّا يَفْعَلُ اللّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا ﴾ ( سورة النساء ) في اللحظة التي تؤمن بها بالله، وتشكره على نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد ونعمة الهدى والرشاد، فقد حققت سر وجودك وغاية وجودك، واعلم علم اليقين أنه ربما وفي العمل الأغلب وإن شاء الله تتوقف كل المعالجات، لذلك ورد في بعض الأحاديث عَنْ سَلْمَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( لَا يَرُدُّ الْقَضَاءَ إِلَّا الدُّعَاءُ، وَلَا يَزِيدُ فِي الْعُمْرِ إِلَّا الْبِرُّ )) [ أخرجه الترمذي والحاكم في المستدرك ] إذا دعوت وأنبت، واستقمت، وتبت يتوقف كل شيء في حقك، وهذه بشارة كبيرة جداً. التوحيد لا يغفي من المسؤولية: أيها الإخوة، ولكن كما تحدثت عن التوحيد لا بد من التنويه أن الله عز وجل حينما سمح لموضوع حديث الإفك أن يكون، قال في القرآن الكريم: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ ﴾ ( سورة النور الآية: 11 ) لأن كل شيء وقع أراده الله، ولأن كل شيء أراده الله وقع، ولأن إرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، ولأن حكمته المطلقة متعلقة بالخير المطلق، فخير، لكن لئلا يتوهم الإنسان أن القضاء والقدر يعفيه من المسؤولية، قال تعالى: ﴿ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ ( سورة النور ) كي أترجم هذه الفكرة إلى حياتنا: طبيب اشتغل مع ممرضة في المستشفى بحديث غزلي، جاء إنسان في الإسعاف، قال لهم: انتظروا، حتى مات، فالطبيب مسؤول، ولا يقل: سبحان الله ! مات بأجله، لا، أنت مسؤول، الدليل: عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( مَنْ تَطَبَّبَ وَلَمْ يُعْلَمْ مِنْهُ طِبٌّ قَبْلَ ذَلِكَ فَهُوَ ضَامِنٌ )) [ أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجة والحاكم ] التوحيد لا يلغي المسؤولية. 4 – الاشتقاق اللغوي لاسم ( المبين ): أيها الإخوة، المبين اسم فاعل من المشتقات نحن لغتنا لغة اشتقاق، وهي من أرقى اللغات ( المبين ) اسم فاعل، نحن في لغتنا اللغة أُسَر، هناك أسرة جدها بانَ، فيها اسم فاعل بائن، فيها فعل رباعي، أبان، فيها اسم فاعل رباعي مبين، وهناك بينونة، عندنا فعل ماضٍ، وفعل مضارع، وفعل أمر، واسم فاعل واسم مفعول، وصفة مشبهة باسم الفاعل، واسم تفضيل، اسم مكان، واسم زمان، واسم آلة، لغتنا من أرقى اللغات، ويكفي أن الله سبحانه وتعالى اختارها لكلامه: ﴿ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ ﴾ ( سورة الشعراء ) وفي اللغة لقطات مذهلة، اللغة العربية تتسع اتساعاً مذهلاً، فهناك كلمة نظر، وحدّج، حدج نظر مع المحبة، وفي الحديث الشريف: (( حدث القوم ما حدجوك بأبصارهم )) هناك نظر شزراً، مع الاحتقار، وهناك شَخَص مع الخوف، وحَدج، وهناك بَحْلق مع التحديق، وحملق، ظهر حملاقُ العين، واستشرف مع التمطي، واستشف مع اللمس، ولَمَح، نظر، وأعرض، هناك ولّى، وظهر، واختفى. العربية من أرقى اللغات الإنسانية، لكن اللغة تضعف بضعف أهلها، وتقوى بقوتهم، وفي العربية مثلا: كتب، ومكتب، وكتابة، وكتاب، من أسرة واحدة، وفي اللغة الإنجليزية Write, book, table، كل كلمة من اشتقاق، نحن كتب، يكتب، كاتب، مكتوب، مكتب، كتاب، هل نظرت إلى النظام ؟ فلذلك ( المبين ) اسم فاعل من أبان، أظهر، أما بائن مِن بان، وهو فعل لازم، اسم فاعله بائن، أما أبان: اسم فاعله مبين. بانت المرأة ؛ انفصلت عن زوجها، وفي الطلاق الثالث تكون البينونة الكبرى. 5 – معنى اسم ( المبين ): شيء الآخر، ( المبين ) الواضح: ﴿ فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ ﴾ ( سورة الأعراف ) السحرة جاءوا بأنابيب، وطلوها على شكل ثعبان، ووضعوا فيها زئبقًا، ثم وضعوها على مكان ساخن، تمدد الزئبق، تحركت هذه الأنابيب المطاطية ﴿ فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ ﴾ ( سورة الأعراف ) ﴿ فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى * قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى * قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ﴾ ( سورة الشعراء ) شيء رائع جداً: ﴿ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ ﴾ أي: واضح. ﴿ فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ * يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ( سورة الدخان ) حينما يرى الإنسان أنه خسر الأبد، وخسر الآخرة قال تعالى: ﴿ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ﴾ ( سورة الزمر ) الخسارة الحقيقية أن تخسر الله، أن تخسر الجنة، أن تخسر الأبد. لذلك أبان ؛ أظهر، والبيان ؛ الفصاحة. ﴿ الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾ ( سورة الرحمن ) البيان أرقى أداة اتصال بشري: البيان أرقى أداة اتصال بشري، فلو فرضنا دولة فيها نظام، لكن ما فيها لغة، وأراد حاكم هذه البلدة أن يمنع التجول، ماذا يفعل ؟ يحتاج على شرطي لكل مواطن يدفعه إلى البيت، لكنه يصدر بلاغا في أربع كلمات لا تجد بعد ذلك إنسانا في الطريق. أرقى أداة اتصال بين البشر اللغة، قال تعالى: ﴿ الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾ ( سورة الرحمن ) أيضا البيان شفهي للتواصل المباشر، وكتابي للتواصل الغير مباشر. ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ﴾ البيان الكتابي ينتقل من جيل إلى جيل، ومن عصر إلى عصر، والبيان الكتابي مع الترجمة ينتقل من أمة إلى أمة، ومن ثقافة إلى ثقافة، والإنسان خُص بالبيان: ﴿ الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾ ( سورة الرحمن ) (( وإن من البيان لسحرا )) [ أخرج مالك أحمد والبخاري وأبو داود والترمذي عن ابن عمر ] (( إنَّ مِنَ الشِّعْرِ لَحِكْمَةً )) [ أخرجه البخاري عن أُبي بن كعب ] وسوف نتابع هذا الموضوع في لقاء آخر إن شاء الله. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته والحمد لله رب العالمين |
رد: اسماء الله الحسنى
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : اسم الله - المبين -2 -اسماء الله الحسنى الدرس : ( العشرون ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: ( المبين ): أيها الإخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، وهو اسم ( المبين ). 1 – اسم (المبين ) وصف للذات والأفعال: الحقيقة أن هذا الاسم فيه وصف للذات، فالله سبحانه وتعالى بائن ؛ أي ظاهر، من بان واسم الفاعل من هذا الفعل بائن. أما إذا بيّن الله للناس آياته فهو ( المبين )، وهذا وصف للأفعال، فاسم ( المبين ) بين أن يكون وصفاً للذات، وبين أن يكون وصفاً للأفعال. 2 – الله يبيِّن الآيات: ﴿ كَذَلِكَ يُبيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ ﴾ ( سورة البقرة الآية: 242 ) جاءت آيات كثيرة: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ﴾ ( سورة البقرة ) ﴿ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ ( سورة البقرة ) ﴿ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ ( سورة البقرة ) ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتّقُونَ ﴾ ( سورة البقرة ) ﴿ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ ( سورة الحج ) إذاً: الله جل جلاله يبيّن لخلقه آياته، لعل هؤلاء الناس يعرفون الحقيقة، لعلهم يتفكرون، لعلهم يعقلون، لعلهم يهتدون، لعلهم يتقون، لعلهم يشكرون. ما هي آياتُ الله عزوجل ؟ فما هي آيات الله عز وجل ؟ قال العلماء: هناك آيات كونية، وهي خَلْق الله عز وجل، وهناك آيات تكوينية هي أفعاله، وهناك آيات قرآنية أي كلامه، فمن أجل أن نعرفه، ومعرفة الله أصل الدين ينبغي أن نتفكر في آياته الكونية، وأن ننظر في آياته التكوينية، وأن نتدبر آياته القرآنية. لو وقفنا وقفة متأنية عند آياته الكونية، فالله سبحانه وتعالى يأمرنا أن ننظر في السماوات ولأرض، وكما تعلمون كل أمر في القرآن الكريم يقتضي الوجوب، لأن الله عز وجل جعل التفكر من أعلى درجات العبادة، فقال تعالى: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ ( سورة آل عمران ) نماذج من آيات الله الكونية: سرعة الضوء: من بعض آياته الكونية: أن بين الأرض وأقرب نجم ملتهب أربع سنوات ضوئية، والضوء يقطع في الثانية الواحدة 300 ألف كم، كم يقطع في الدقيقة ؟ ضرب 60، كم يقطع في الساعة ؟ ضرب 60، كم يقطع في اليوم ؟ ضرب 24، كم يقطع في السنة ؟ ضرب 365 يوما، كم يقطع في أربع سنوات ؟ إن طالبا من طلابنا في المرحلة الإعدادية يحسب كم يبعد هذا النجم الذي هو أقرب نجم ملتهب إلينا عن أرضنا، فإذا كان لهذا النجم طريق سالك، ومعنا مركبة أرضية، وسرنا بسرعة مئة في الساعة، لو قسمنا المسافة على مئة يكون الجواب كم ساعة تستغرق الرحلة، لو قسمنا الناتج على 24 نجد كم من يوم تستغرق الرحلة ؟ لو قسمنا الناتج على 365 كم من عام، من أجل أن نصل إلى أقرب نجم ملتهب إلى الأرض بمركبة أرضية نحتاج إلى خمسين مليون عام، متى نصل إلى نجم القطب الذي يبعد عنا 4000 سنة ضوئية ؟ بل متى نصل إلى مجرة المرأة المسلسلة التي تبعد عنا مليوني سنة ضوئية، ومتى نصل إلى بعض المجرات التي اكتشفت حديثاً، وتبعد عنا 20 مليار سنة ضوئية، إذا فتحت كتاب الله، وقرأت قوله تعالى: ﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ﴾ ( سورة الواقعة ) لذلك أيها الإخوة: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾ ( سورة فاطر الآية: 28 ) إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم. ولكن في الآية الكريمة ملمح دقيق: ﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ ﴾ ( سورة الواقعة ) إنها كلمة مواقع، الموقع يعني أن صاحب الموقع قد لا يكون في الموقع، لأن هذا النجم، أو هذه المجرة، أو هذا النجم الذي يبعد عنا عشرين مليار سنة كان في هذا المكان، وأرسل ضوءه إلى الأرض، وبقي الضوء يقطع في الفضاء الخارجي مسافة يستغرق قطعها 20 مليار سنة، النجم أين هو الآن ؟ ليس في هذا المكان، سرعته تقترب من سرعة الضوء. لذلك إذا تأمل عالم فلك في كلمة: ﴿ بِمَوَاقِعِ ﴾، لخر ساجداً لله. ﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ ﴾ ( سورة الواقعة ) لو أن الآية: لا أقسم بالمسافات بين النجوم، فهذا ليس قرآناً: ﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ﴾ ( سورة الواقعة ) برج العقرب: إخوتنا الكرام، الأرض تدور حول الشمس، بين الأرض والشمس 156 مليون كم، يقطعها الضوء في 8 دقائق، الشمس تكبر الأرض بمليون و300 ألف مرة، أي أن جوف الشمس يتسع لمليون و300 ألف أرض، وبينهما 156 مليون كم، وحينما قال الله عز وجل: ﴿ وَالسَّمَاء ذَاتِ الْبُرُوجِ ﴾ ( سورة البروج ) أحد أبراج السماء اسمه برج العقرب، برج العقرب فيه نجم صغير متألق اسمه قلب العقرب، هذا النجم الصغير المتألق يتسع ـ دققوا الآن ـ يتسع للشمس والأرض مع المسافة بينهما، أهذا الإله العظيم يُعصى ؟! ألا يخطب وده ؟ ألا ترجى جنته ؟ ألا تخشى ناره ؟ ﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ﴾ ( سورة الواقعة ) ﴿ قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾ ( سورة يونس الآية: 101 ) البعوضة: لو انتقلنا نقلة فجائية من المجرات، ومن السماوات إلى أحقر مخلوق عند الإنسان إنه البعوضة، البعوضة بعد أن وضعت تحت المجهر تبين أن في رأسها مئة عين، وفي فمها 48 سناً، وفي صدرها 3 قلوب، قلب مركزي، وقلب لكل جناح، وفي كل قلب أذينان وبطينان ودسامان، وتملك البعوضة جهازا استقباليا حراريا لا تملكه الطائرات، إنها ترى الأشياء لا بأشكالها، ولا بأحجامها، ولا بألوانها، ولكن ترى الأشياء بحرارتها فقط، وحساسية هذا الجهاز الحراري واحد على ألف من الدرجة المئوية. وتملك جهاز تحليل دم، فما كل دم يناسبها، وتملك جهازاً آخر، جهاز تمييع للدم، لأن لزوجة دم الإنسان لا تسري في خرطومها، وتملك جهاز تخدير. أما خرطومها ففيه ستة سكينان، أربع سكاكين لإحداث جرح مربع، وسكينان يلتئمان على شكل أنبوب لامتصاص الدم، فإذا قال الله عز وجل في قرآنه: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ﴾ ( سورة البقرة الآية: 26 ) هذه الآية تندرج تحت الإعجاز العلمي في القرآن الكريم. في أرجل البعوضة مخالب، إن أرادت أن تقف على سطح خشن، وفي أرجل البعوضة محاجم، إن أردت أن تقف على سطح أملس. ﴿ قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾ ( سورة يونس الآية: 101 ) ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ ( سورة آل عمران ) أيها الإخوة الكرام، الآيات التي تتحدث عن العلم، وعن التفكر، وعن العقل تقترب من ألف آية في القرآن الكريم، والآيات التي تتحدث عن الكون تقترب أيضاً من ألف آية، لذلك سبيل معرفة الله التفكر في آياته، فالله عز وجل حينما قال: ﴿ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ ﴾ ( سورة الجاثية ) الله عز وجل مبين، بيّن هذه الآية، والله عز وجل ظاهر، بل إن كل شيء في الكون ينطق بوجود الله، ووحدانيته، وكماله، هذا عن آياته الكونية. من آيات الله التكوينية: فماذا عن آياته التكوينية ؟ نحن مأمورون أن نتفكر بآياته الكونية، أما آياته التكوينية فهي أفعاله. تصوروا فرعون، وما أدراكم من فرعون، بجبروته، بقوته، باستعلائه، باستكباره، بقسوته، بظلمه، بطغيانه، هذا فرعون رواء سيدنا موسى بقوته، سيدنا موسى معه شرذمة قليلون من بني إسرائيل، وصلوا إلى ساحل البحر الأحر. ﴿ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ﴾ ( سورة الشعراء ) احتمال النجاة صفر، فرعون بأسلحته، بحقده، بطغيانه، باستعلائه، باستكباره، وراء نبي كريم مع شرذمة من بني إسرائيل. ﴿ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾ ( سورة الشعراء ) والقصة معروفة لديكم، حيث إن هذا النبي الكريم ضرب البحر بعصاه فأصبح طريقاً يبساً، سار فيه موسى ومن معه، تبعهم فرعون، وكان موسى قد خرج من الطرف الآخر، وفرعون في منتصف البحر، فغرق، وكان إغراق فرعون آية من آيات الله عز وجل. وهذه القصة لنا من أجل ألا نيأس، من أجل أن نثق بالله عز وجل، وأن الله سبحانه وتعالى لا يتخلى عن عباده المؤمنين. ﴿ وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ ( سورة آل عمران ) هذه آية من آياته التكوينية، قال تعالى: ﴿ قُلْ سِيرُواْ فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾ ( سورة الأنعام ) هؤلاء الذين عارضوا النبي الكريم، أين هم الآن ؟ في مزبلة التاريخ، أبو جهل وأبو لهب، هؤلاء الذين وقفوا معه أين هم ؟ في أعلى عليين. ﴿ قُلْ سِيرُواْ فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾ ( سورة الأنعام ) وفي آية أخرى: ﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا ﴾ ( سورة النمل الآية: 69 ) أحياناً يأتي التدمير سريعاً، وقد يأتي متأخراً لحكمة أرادها الله عز وجل، فآياته الكونية أُمرنا أن نتفكر فيها، وآياته التكوينية أُمرنا أن ننظر فيها. الآيات القرآنية: بقيت آياته القرآنية أُمرنا أن نتدبر آياته القرآنية، والقرآن الكريم يُقرأ، والأولى أن يُقرأ قراءة صحيحة، وفق قواعد اللغة، لأن هذا القرآن الكريم نزل بلسان عربي مبين، وإن أمكن ينبغي أن يُقرأ قراءة وفق أحكام التجويد، هذا مندرج تحت قوله تعالى: ﴿ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ ﴾ ( سورة البقرة الآية: 121 ) ثم ينبغي أن نفهمه، ثم ينبغي أن نتدبره، ما الفرق بين أن نفهمه وأن نتدبره ؟ أن نفهمه أي نفهم المعنى الذي أراده الله عز وجل وفق علم الأصول، أما التدبر فتقول: أين أنا من هذه الآية ؟ هل أنا مطبق لها ؟ دائماً وأبداً التدبر يعني أن تسأل نفسك: أين أنا من هذه الآية ؟ فلذلك القرآن الكريم يقول: ﴿ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾ ( سورة آل عمران ) هل أنا متوكل ؟ فالمؤمن الصادق حيث ما قرأ آية في كتاب الله يسأل نفسه: هل أنا مطبق لها ؟ هذا هو التدبر، وأعلى شيء في تلاوة القرآن الكريم التطبيق، إذاً: ﴿ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ ﴾ ( سورة البقرة الآية: 121 ) بدءاً من تلاوته وفق أحكام اللغة العربية الصحيحة، ثم قراءته وفق علم التجويد، ثم فهمه، ثم تدبره، ثم تطبيقه. (( ما آمن بالقرآن من استحل محارمه )) [ أخرجه الترمذي عن صهيب ] إذاً: الآيات الكونية أتفكر فيها، والتفكر أمرٌ في القرآن الكريم، بل إن هذا الأمر يعد من أوثق الأوامر، لماذا ؟ جاء بفعل مضارع، يتفكرون، التفكر مستمر: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ ( سورة آل عمران ) والآيات التي تزيد على ألف آية في كتاب الله، وتتحدث عن الكون هي في الحقيقة منهج لنا، منهج للتفكر، فأية آية كونية يجب أن تقف منها الموقف الذي أراده الله، مثلاً: ماذا تقتضي قراءة الآيات الكونية والتكوينية والقرآنية ؟ إذا قرأت آية فيها أمر ماذا تقتضي منك هذه الآية ؟ أن تأتمر، إن قرأت آية فيها نهي ماذا تقتضي منك هذه الآية ؟ أن تنتهي، إن قرأت آية فيها وصف لأهل الجنة ماذا تقتضي منك هذه الآية ؟ أن تسعى لدخول الجنة بالعمل الصالح، والتوبة، والاستقامة، وإن قرأت آية فيها وصف لأهل النار ماذا تقتضي منك هذه الآية ؟ أن تبتعد عن النار. (( اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقّ تَمْرَةٍ )) [ أخرجه البخاري ومسلم، عن عديّ بن حاتم رضي اللّه عنه ] فإذا قرأت آية تتحدث عن الأقوام السابقة ماذا تقتضي منك هذه الآية ؟ أن تعتبر. الآن الشاهد: فإذا قرأت آية كونية ماذا تقتضي منك هذه الآية ؟ أن تتفكر في خلق السماوات والأرض، وربما كان التفكر عبادة يقوم بها الإنسان، لأن التفكر طريق إلى معرفة الله، وأصل الدين معرفته، وحينما تعرف الآمر، ثم تعرف الأمر تتفانى في طاعة الآمر، أما حينما تعرف الأمر، ولا تعرف الآمر تتفنن في التفلت من الأمر، وهذه مشكلة المسلمين الأولى، عرفوا الأمر ولم يعرفوا الآمر، هان أمر الله عليهم فهانوا على الله، هان أمر الله عليهم لأنهم ما عرفوا من الآمر. لذلك المرحلة المكية التي أمضى فيها النبي عليه الصلاة والسلام سنوات طويلة في تعريف أصحابه بالله، ويغلب على الآيات المكية أنها كونية، ويغلب على الآيات المدنية أنها تشريعية، وفي الدعوة إلى الله لا بد أن تتمايز المرحلة المكية التي فيها تعريف لله عز وجل عن المرحلة المدينة التي فيها تعريف بأمره. والمقولة التي أرددها كثيراً: أنت بالكون تعرفه، وبالقرآن الكريم تعبده، بالكون تعرفه، وبالمنهج القويم الذي جاء به القرآن الكريم والسنة المطهرة تعبده، بالتفكر تعرفه، وبالطاعة تعبده، والإنسان علة وجوده أن يعبد الله، والعبادة طاعة طوعية، ممزوجة بحبحة قلبية، أساسها معرفة يقينية، تفضي إلى سادة أبدية. أيها الإخوة، الله عز وجل من خلال التفكر في خلق السماوات والأرض نرى كمالاً، ونرى عظمة، ونرى رحمة، ونرى حكمة، ونرى قوة، أسماء الله الحسنى نستشفها من التفكر في خلق السماوات والأرض، قد نصل في نهاية المطاف إلى أن الله موجود، وكامل وواحد، وأـسمائه حسنى، وصفاته فضلى. الآن كمال الخلق يدل على كمال التصرف، إذاً من مقتضيات كماله الذي وصلنا إلى هذه الحقيقة من خلال التفكر في خلقه، أنه يبين لعباده، يبين لهم الآيات من أجل أن يتفكروا، يبين لهم الآيات من أجل أن يعقلوا، يبين لهم الآيات من أجل أن يهتدوا، من أجل أن يطيعوا، من أجل أن يتقوا، من أجل أن يشكروا. ﴿ مَّا يَفْعَلُ اللّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ ﴾ ( سورة النساء الآية: 147 ) حينما تؤمن، وحينما تشكر تحقق الهدف من وجودك، ذلك لأن الكون مسخر لك أيها الإنسان تسخير تعريف وتكريم، هذا يستنبط من قول النبي الكريم حينما رأى هلالاً قال: (( هِلالٌ خَيْرٍ وَرُشْدٍ )) [ رواه أبو داود عن قتادة ] ننتفع به، يرشدنا إلى الله عز وجل، وأي شيء من دون استثناء خلقه الله عز وجل له وظيفتان كبيرتان، وظيفة إرشادية، ووظيفة نفعية، العالم الغربي حقق الوظيفة الثانية في أعلى مستوى، انتفع من خيرات الأرض، وخيرات السماء، وما تحت الأرض، بينما المسلم ينبغي أن يضيف إلى انتفاعه من خيرات ربه جل جلاله يضيف إلى استمتاعه بهذه الخيرات أنه يعرف الله من خلالها. لذلك أي شيء خلقه الله عز وجل له وظيفتان، وظيفة نفعية، ووظيفة إرشادية. إذاً: أن يبين الله لنا آياته هذا من لوازم كماله، من هنا جاءت الرسالات السماوية والأنبياء، والمرسلون، وكل وسائل هداية الخلق هي تعبير عن محبة الله لنا، وعن أنه خلقنا ليسعدنا. 3 – ماذا تستفيد من اسم ( المبين ) ؟ البيان يطرد الشيطان: الآن أنت كمؤمن ماذا ينبغي أن تفعل حيال هذا الاسم ؟ ينبغي أن تبين النبي عليه الصلاة والسلام كان في معتكفه، وجاءت السيدة صفية رضي الله عنها تتفقده، وتقدم له بعض الحاجات، جلست معه قليلاً، ثم أرادت أن تنطلق إلى بيتها، رافقها النبي عليه الصلاة والسلام، لما رافقها النبي، وهما في الطريق رأيا صحابيين، فقال عليه الصلاة والسلام: على رسليكما هذه زوجتي صفية، بين، وضح. لذلك قالوا: البيان يطرد الشيطان، والمؤمن مِن تخلّقه بهذا الاسم العظيم يبيّن، هناك حساب بينك وبين شريكك، أنت أمين إلى أعلى درجة، وجدت أن المدفوعات تساوي المصروفات، قلت: الحساب مغلق، انتهى، لا يكفي، لا بد من أن تقدم الحساب، وتبين. كلمة: " هذه زوجتي صفية " يُحمل عليها آلاف الحالات، بيّن وضح. أنت مسافر، كلفت أخا زوجتك أن يتفقدها في غيبتك، بلِّغ الجيران، أنا مسافر، وسيأتي أخو زوجتي يتفقد شؤون أخته، لئلا يظن الناس أن هذا الإنسان غريب دخل إلى بيتك في غيبتك، لذلك لا تضع نفسك موع التهمة، ثم تلوم الناس إذا اتهموك. البطولة أن كل عمل يقتضي تفسيرين يجب أن تبتعد عنه، وإن كنت مضطراً فبيّن ماذا تريد من هذا العمل، هذه من صفات المؤمن، يبيّن، هذه زوجتي صفية، وهذا هو الحساب، وهذا الذي جاء إلينا فلان، فكلما بينت أزلت الشكوك، وأبعدت نفسك عن التهم، والمؤمن حريص على سمعته، وعلى كلام الناس في غيبته، ورحم الله عبداً جب المغيبة عن نفسه. والحمد لله رب العالمين |
رد: اسماء الله الحسنى
جوزيت كل خير وبورك فيك
تحية |
رد: اسماء الله الحسنى
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : اسم الله - القريب -1 -اسماء الله الحسنى الدرس : ( الواحد و العشرون ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: ( القريب ): 1 – ورودُ اسم ( القريب ) في القرآن الكريم مقترنا بغيره من الأسماء: أيها الإخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، وهو اسم ( القريب )، وقد ورد اسم الله ( القريب ) في القرآن الكريم مطلقاً منوناً، مرادا به العلمية، دالاً على كمال الوصفية، ومقترناً باسم الله المجيب، كما في قوله تعالى: ﴿ فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ ﴾ ( سورة هود ) واقترن باسمه السميع، في قوله تعالى: ﴿ قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ ﴾ ( سورة سبأ ) 2 – ورودُ اسم ( القريب ) في القرآن الكريم مفرَدًا: ورد هذا الاسم أيضاً مفرداً في قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ﴾ ( سورة البقرة الآية: 186 ) 3 – قربُ الله قربُ علمٍٍ وقدرةٍ: أيها الإخوة، هذا الاسم له قرب من الإنسان شديد، المعنى أنك إذا أيقنت الله معك فلن تستطيع أن تعصيه، بل حينما تشعر أن قرب الله قرب علم، وأن قرب الله قرب قدرة لا يمكن أن تتجاوز أمره ﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا ﴾ ( سورة الطلاق ) فعلّة خلق السماوات والأرض أن تعلموا. ﴿ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾ ( سورة الطلاق ) 4 – قربُ الله يستلزم معيّته: حينما توقن أن علم الله يطولك، وأن قدرته تطولك، وأن قرب الله قرب علم، وأن قرب الله قرب قدرة، أنت في قبضته، وعلمه يطولك، وقدرتك تطولك، فكيف تعصيه ؟ حتى إنه قد قيل: أفضل إيمان المرء أن يعلم أن الله معه حيث كان. ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ﴾ ( سورة الحديد الآية: 4 ) وهو مع المؤمنين بالحفظ، والتأييد، والنصر، التوفيق. فلذلك أيها الإخوة، ورد في مرتبة الإحسان: (( أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ )) [ مسلم عن عمر بن الخطاب ] ﴿ فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ * وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ * إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ ( سورة الشعراء ) أحياناً يكون الإنسان قريباً منك، يلازمك كظلك، لا يفارقك، مهما يكن محبوباً تضجر من قربه، تقول: دعني وشأني، أيّ إنسان إذا لازمك ورافقك لا تحتمل قربه، تحتاج من حين لآخر ألا أن تنفرد بنفسك، ومع أن الله معنا في كل وقت، وفي كل حين، وفي كل شأن: ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ﴾ ( سورة الحديد الآية: 4 ) لكن معية لطيفة لا تشعر بثقل وجوده، بل تشعر براحة وجوده. 5 – قربُ الله أكبر ضمان لاستقامة العبد: فلذلك أعلى درجة من الإيمان أن تشعر أن الله معك، وأكبر ضمانة للاستقامة أن تشعر أن الله معك، وأكبر باعث للخشية أن تشعر أن الله معك، وأكبر مُطمئِنٍ لك أن تشعر أن الله معك. ﴿ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ﴾ ( سورة الشعراء ) بالموازين الأرضية لا أمل، فرعون بقوته، بجيشه، بطغيانه، بحقده، بجبروته، يتابع نبياً مع شرذمة قليلين من بني إسرائيل، إلى أن وصلوا إلى البحر، وانتهى الأمر، بالموازين الأرضية لا أمل في النجاة أبداً. ﴿ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾ ( سورة الشعراء ) معية الله للمؤمنين معية النصر، معية التوفيق، معية التأييد، معية الحفظ، ومعية الله لأي إنسان كائناً من كان، حتى ولو كان ملحداً فهو معه معية العلم: ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ﴾ ( سورة الحديد الآية: 4 ) إما أن تكون المعية معية علم لكل خلقه، وإما أن تكون المعية معية توفيق، وحفظ، وتأييد ونصر. معية الله لها ثمن: إلا أن المعية الخاصة لها ثمن، ولا شيء بلا ثمن. ﴿ وَقَالَ اللّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا ﴾ ( سورة المائدة الآية: 12 ) معية الله عز وجل لها ثمن، وأعلى درجة الإيمان أن تشعر أن الله معك، قريب منك، هو أقرب إليك من حبل الوريد، قال بعض العلماء: أقرب إليك من روحك. امسك قطعة كهربائية، وضمها إلى صدرك، وضمها ضماً شديداً، مهما تكن قريباً منها، ومهما تكن قريبة منك، مهما شددت عليها، الذي أقرب إليها منك القوة الكهربائية التي تحركها، لكن الله سبحانه وتعالى، ولله المثل الأعلى أقرب إليك من القوة التي تمدك بالحياة. ﴿ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ﴾ ( سورة ق ) فهو معنا، يطلع علينا، يطلع على خواطرنا، على نوايانا، يطلع علينا، إذا تكلمنا فهو يسمعنا، يطلع علينا فهو يرانا، يطلع على قلوبنا إذا أضمرنا، لا تغيب عنه غائبة، ولا تخفى عنه خافية، هذا الإيمان إلى أن نصل إليه نكون قد حققنا تسعة أعشار الطريق إلى الله، أن الله قريب: ﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ * وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ * وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ * وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ * إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ ( سورة الشعراء ) أيها الإخوة، للتقريب: إن الإنسان لو زاره رجل من علية القوم، من وجهاء الحي، من أقرب الناس إليه، في الأعم الأغلب يرتدي ثيابا جميلة، في الأعم الأغلب يجلس جلسة مؤدبة، في الأعم الأغلب ينتقي كلمات دقيقة، في الأعم الأغلب يتجمل أمامه، فإذا كان هذا حالنا مع كبراء القوم، هذا مع علية القوم، فكيف حال المؤمن مع خالق السماوات والأرض ؟. الحقيقة أن الخشوع يحتاج إلى إحساس بالقرب، ودائماً وأبداً يشعر المؤمن أن الله معه، فهو أولاً في طمأنينة، وثانياً في مراقبة. الأعرابي الذي سأل النبي عليه الصلاة والسلام، قال: يا رسول الله، عظني ولا تطل، فتلا عليه قوله تعالى: ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾ ( سورة الزلزلة ) قال هذا الأعرابي: كُفيت، فقال عليه الصلاة والسلام: فَقُه الرجل، لم يقل فَقِه قال فَقُه، يعني أصبح فقيهاً، آية واحدة كفته. صدقوا أيها الإخوة، أن هناك آيات لا تعد ولا تحصى، الواحدة منها تكفي. ﴿ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ ( سورة النساء ) ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ﴾ ( سورة الحديد الآية: 4 ) وهو قريب منكم. وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ﴾ ( سورة البقرة الآية: 186 ) أحياناً تدعو الله بقلبك، ولا تحرك شفتيك، ولا تنطق بكلمة. حدثني رجل، قال لي: والله انتهيت من أداء خدمتي الإلزامية، ولا أملك من الدنيا شيئاً، أعطتني أختي سوارا من الذهب، فبعتها، واشتريت بها بطاقة إلى بلاد الخليج، وأنا راكب في الطائرة أضمرت في قلبي أن إذا أكرمني الله عز وجل سأبني له مسجداً في بلدتي، قال لي: الله ما حركت شفتاي بهذا الكلام، وبعد أعوام مديدة أنشأ هذا المسجد، وصليت في المسجد، وحدثني عن قصته. لذلك الله عز وجل مطلع على خواطرك، يمكن أن تدعوه بقلبك. ﴿ إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيًّا ﴾ ( سورة مريم ) ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي ﴾ ( سورة البقرة الآية: 186 ) الدعاء سلاح المؤمن، وأنت بالدعاء أقوى إنسان، إن أردت أن تكون أقوى الناس فتوكل على الله، إن أردت أن تكون أغنى الناس فكن بما في يدي الله أوثق منك بما في يديك إذا أردت أن تكون أكرم الناس فاتقِ الله. أيها الإخوة: (( ما من عبد يعتصم بي دون خلقي أعرف ذلك من نيته فتكيده السماوات بمن فيها إلا جعلت له من بين ذلك مخرجا، وما من عبد يعتصم بمخلوق دوني أعرف ذلك من نيته إلا قطعت أسباب السماء بين يديه، وأرسخت الهوى من تحت قدميه )) [ أخرجه ابن عساكر عن كعب بن مالك ] فأنت إذا أيقنت أن الله قريب منك، وأنه معك، وأنه مطلع على سريرتك، لأنه يسمع دعاءك، ويرى حركتك، ويعلم ما في قلبك، لا بد من أن تستقيم على أمره، ولا بد من أن تستحي منه. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( اسْتَحْيُوا مِنْ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ، قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا نَسْتَحْيِي وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، قَالَ: لَيْسَ ذَاكَ، وَلَكِنَّ الِاسْتِحْيَاءَ مِنْ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ، وَمَا وَعَى وَالْبَطْنَ وَمَا حَوَى، وَلْتَذْكُرْ الْمَوْتَ وَالْبِلَى، وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ اسْتَحْيَا مِنْ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ )) [ أخرجه أحمد، والترمذي والحاكم، والبيهقي ] الإسلام والإيمان والإحسان: إذاً: الموضوع أن تشعر أنه معك، ومرتبة الإحسان، وهذه في النصوص الصحيحة تأتي فوق مرتبة الإيمان، هناك مرتبة الإسلام، ومرتبة الإيمان، ومرتبة الإحسان، مرتبة الإسلام أن تخضع للواحد الديان، أن تخضع جوارحك لمنهجه، أن تؤدي زكاة مالك، أن تصلي الفرائض، أن تدفع الزكاة، أن تحج البيت، أن تغض البصر، أن تكون صادقاً، أميناً، عفيفاً، منجزاً للوعد، راعياً للعهد، هذا هو الإسلام. ﴿ قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا ﴾ ( سورة الحجرات الآية: 14 ) فالإسلام أولاً، مرتبة الإسلام خضوع الجوارح والأعضاء لمنهج الله عز وجل، أما الإيمان فأن ينعقد مع هذا الخضوع صلة بالله عز وجل، فتقبل عليه، لذلك الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالإقبال على الله، وينقص بفتور العلاقة معه. المرتبة الثالثة مرتبة الإحسان، هذه متعلقة باسم ( القريب )، أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. أيها الإخوة، أفضل إيمان المرء أن يعلم أن الله معه حيث كان. أيها الإخوة، ورد في بعض الأحاديث عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكُنَّا إِذَا أَشْرَفْنَا عَلَى وَادٍ هَلَّلْنَا وَكَبَّرْنَا ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُنَا، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ، ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إِنَّهُ مَعَكُمْ، إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ، تَبَارَكَ اسْمُهُ وَتَعَالَى جَدُّهُ )) [ متفق عليه ] إنه معكم، وأبرز ما يميز المؤمن خشوعه، وأسباب خشوعه إيمانه أن الله معه، وهناك قصص لا تعد ولا تحصى تبين أن الناس يتفاوتون بإيمانهم، بقدر إدراكهم بقرب ربهم: ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ﴾ ( سورة الحديد الآية: 4 ) 6 – من معاني اسم ( القريب ): الآن ما معنى اسم ( القريب ) على التفصيل: 1 ـ القرب المكاني: أول معنى هناك القرب المكاني، القريب عكس البعيد، القريب ليس بينك وبينه حجاب، البعيد بكل معاني الكلمة، هناك قرب المكان، قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا الْمُشْرِكُون نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا ﴾ ( سورة التوبة الآية: 28 ) من معاني القريب قرب المكان، تؤكده هذه الآية الكريمة: ﴿ إِنَّمَا الْمُشْرِكُون نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا ﴾ ( سورة التوبة الآية: 28 ) 2 ـ القرب الزماني: ومن معاني القريب قرب الزمان. ﴿ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ ﴾ ( سورة الأنبياء ) إما قرب مكاني، وإما قرب زماني. 3 ـ قُربُ النَّسب: ومن معانيه القريب في النسب: ﴿ لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ ﴾ ( سورة النساء الآية: 7 ) عندنا قرب نسب، وبالمناسبة: هناك قاعدة: الأقربون أولى بالمعروف، من أدق هذه القواعد: القرب النسبي، والقرب إلى الفقر، والقرب إلى الإيمان، عندك ثلاثة موازين في دفع صدقتك أو زكاتك، إما أنه أفقر، أو أنه أقرب إلى الإيمان، أو أنه أقرب إليك نسباً. إذاً: ﴿ لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ ﴾ ( سورة النساء الآية: 7 ) 4 ـ قُرب الحظوة: ومن معاني القرب قرب الحظوة، أحيانا يكون الإنسان قريبا من إنسان يحتل مركزا مرموقا، وله رجلٌ قريب جداً منه، بإمكانه أن يدخل عليه بلا استئذان، بإمكانه أن يبوح له بكل شيء، هذا قربُ الحظوة، وعندنا قرب مكان، وقرب زمان، وقرب حظوة، هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿ فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ ﴾ ( سورة الواقعة ) كيف هو قريب ؟ قال: هو قريب من خلقه كما شاء، وكيف شاء، هو القريب من فوق عرشه، أقرب إلى عباده من حبل الوريد، كما قال تعالى: ﴿ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ﴾ ( سورة ق الآية: 16 ) ﴿ فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لَّا تُبْصِرُونَ ﴾ ( سورة الواقعة ) إنسان حضرته الوفاة، أقرباءه، زوجته، أولاده، إخوته حوله، قريبون منه، يضعون يدهم على جبينه، وهذا على يده يقيس ضغطه، كل هذا القرب قال تعالى: ﴿ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لَّا تُبْصِرُونَ ﴾ لذلك حينما تصل إلى أن تؤمن أن الله معك دائماً، تكون قد قطعت تسعة أعشار الطريق إلى الله، والإحساس بقرب الله عز وجل أكبر باعث على طاعته، وأكبر باعث على الخشية منه، والإنسان حينما يرى أن الله معه يقبل عليه. (( يا موسى أتحب أن أكون جليسك قال: كيف ذلك يا رب ؟ أما علمت أني جليس من ذكرني، وحيثما التمسني عبدي وجدني )) [ ورد في الأثر ] لذلك القرب من الله قمة التدين، قمة الإيمان أن تكون قريباً من الله، القرب من الله يعني الانضباط، القرب من الله يعني الشعور بالأمن، القرب من الله يعني الشعور بالسكينة، القرب من الله يعني الشعور بالسعادة، الشعور بالرضا، هذه المعاني الدقيقة جداً لذلك في قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ ( سورة العنكبوت الآية: 45 ) ذكر الله لكم وأنتم تتصلون به أكبر من ذكركم له، وأنتم تعبدونه، لأن الله إذا ذكر الإنسان منحه نعمة الأمن، والأمن بشكل أو بآخر خاص بالمؤمنين، قال تعالى: ﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ ﴾ ( سورة الأنعام ) والله أيها الإخوة، ما من نعمة أعظم عند الله من أن تشعر بالأمن، من أن تشعر أن مصيرك بيد الله، لا بيد زيد، ولا بيد فلان أوعلان، مصيرك بالله، رزقك بيده، صحتك بيده، الأقوياء بيده، أعداءك بيده، أقرب الناس إليك بيده، من له علاقة حميمة معك بيده. لذلك: (( عبدي كن لي كما أريد أكن لك كما تريد، أنت تريد وأنا أريد، فإذا سلمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد، وإن لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد، ثم لا يكون إلا ما أريد )) هذا ما يعنيه القربُ من الله: لذلك القرب من الله يعني الشعور بالأمن، سيدنا يونس وجد نفسه فجأة في بطن حوت، بمقاييس الأرض الأمل صفر، النجاة صفر، بطن الحوت، يقف المرء في فمه قائماً، وجبته المعتدلة أربعة أطنان، الإنسان كله خمسين كيلوا، والحوت وجبته المعتدلة بين وجبتين أربعة أطنان، نبي كريم يجد نفسه في بطن حوت، في ظلمة الليل، وفي ظلمة البحر، وفي ظلمة بطن الحوت، العلماء يقولون: تحت 200 متر ظلام دامس، إذا أخرج يده لم يكد يراها، فهو في ظلمة الليل، وفي ظلمة بطن الحوت، وفي ظلمة البحر. ﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ ( سورة الأنبياء ) لأنه يحس أن الله معه. ﴿ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾ ( سورة الأنبياء ) أروع ما في الآية أن التعقيب نقلها من قصة وقعت إلى قانون مستمر، قال: ﴿ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾ ( سورة الأنبياء ) لذلك المؤمن سلاحه الدعاء، إحساسه أن الله قريب منه، وأن الدعاء أقوى ما يميزه عن غير المؤمن، والدعاء له قوة لا يملكها خصمه. 7 – من ثمرات اسم ( القريب ): أيها الإخوة الكرام، من ثمرات اسم ( القريب ) أنه ينصرك، فلا تخشى بالله لومة لائم. حينما أدى الحسن البصري واجب العلماء في التبيين، وبيّن، وسمع الحجاج مقالة الحسن البصري، وغضب غضباً شديداً، وتوعده بالقتل، وقال لمن حوله: " يا جبناء والله لأروينّكم من دمه، وأمر بقتله، وجاء بالسياف، وأرسل في طلبه، دخل الحسن البصري إلى المجلس، فإذا بالسياف، وإذا بالنطع قد مد، فحرك شفتيه، لأنه يشعر أن الله قريب منه، فحرك شفتيه، وإذا بالحجاج يختلف أمره، يقف له، ويقول: أهلاً بأبي سعيد، أنت سيد العلماء، شيء غير متوقع، ومازال يدنيه من مجلسه حتى أجلسه على سريره، وسأله في بعض القضايا، واستفتاه، وضيفه، وعطره، وشيعه إلى باب القصر، الذي صُعق السياف والحاجب، فتبعه الحاجب، قال: يا أبا سعيد، لقد جيء بك بغير ما فُعل بك، فماذا قلت بربك ؟ قال: قلت: يا ملاذي عند كربتي، يا مؤنسي في وحشتي، اجعل نقمته عليّ برداً وسلاماً كما جعلت النار برداً وسلاماً على إبراهيم ". أنت حينما تشعر أن الله قريب منك تدعوه في أي وقت، وفي أي مكان، وفي أطباق السماء وأنت راكب الطائرة، وفي أعماق البحار وأنت في غواصة، وعلى سطح الأرض، وعلى أي مكان في الأرض، وفي أي حال. لذلك الشعور بالقرب من الله شعور مُسعِد، الشعور القرب من الله شعور مطمئن، الشعور بالقرب من الله شعور السكينة التي تسعد بها، ولو فقدت كل شيء، وتشقى بفقدها ولو ملكت كل شيء. والحمد لله رب العالمين |
رد: اسماء الله الحسنى
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : اسم الله - القريب -2 -اسماء الله الحسنى الدرس : ( الثانى و العشرون ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. اسم الله تعالى ( القريب ): أيها الإخوة الكرام، لا زلنا مع اسم الله ( القريب )، والآية التي ورد فيها اسم ( القريب ) هي قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾ ( سورة البقرة الآية: 186 ) 1 – صيغة ( يسألونك ) في القرآن الكريم: وقبل أن نقف عند تفاصيل هذه الآية لابد من التنويه إلى أن في القرآن الكريم عدداً ليس بالقليل من الآيات تبدأ: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ ﴾ ( سورة البقرة الآية: 219 ) ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ﴾ ( سورة البقرة الآية: 219 ) ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ ﴾ ( سورة البقرة الآية: 222 ) 2 – استنباط لطيف من قوله تعالى: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ: آيات كثيرة هذه صيغتها: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ ﴾ ويأتي الجواب: ﴿ قُلِ ﴾ إلا في هذه الآية الوحيدة: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي ﴾ فليس هناك: قل. ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ﴾ استنبط العلماء أنه ليس بين الله وبين عبده وسيط أبداً، فإذا قلت: يا رب تبت إليك، يقول الله لك: وأنا قبلت يا عبدي. 3 – معنى: وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ: لكن الآية الأخرى تقول: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ ﴾ ( سورة المائدة الآية: 35 ) ما معنى الوسيلة في هذه الآية ؟ قال العلماء: الوسيلة هي العلم، اطلب العلم كي تعرف الله عز وجل، والوسيلة هي العمل الصالح. ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا ﴾ ( سورة الكهف الآية: 110 ) فالعمل الصالح وسيلة، والعلم وسيلة، وإنفاق المال وسيلة، وصحبة الصالحين وسيلة، لكن صحبة الصالحين لا تزيد على أن هذا الذي تجلس معه يجب أنْ يدلَّك على الله مقاله، وينهض بك إلى الله حاله، وفوق ذلك لا يُقبل إطلاقاً. 4 – لا أحد من البشر يعلم الغيب: لأن الله عز وجل حينما خاطب نبيه عليه الصلاة والسلام قال له: قل: ﴿ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ ﴾ ( سورة الأنعام الآية: 50 ) ليس على وجه الأرض إنسان بما فيهم النبي يعلم الغيب، وأيّ إنسان يدّعي علم الغيب فهو كذّاب، والآن هناك قنوات تؤكد أن هذا الذي تسأله يعلم الغيب، يقول لك: بعد عشرين يوما سيكون كذا، هذا كذب ودجل وبهتان، فإذا كان سيد الخلق، وحبيب الحق لا يعلم الغيب فلا يستطيع إنسان على وجه الأرض أن يدّعي أنه يعلم الغيب، لذلك: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَالْحَسَنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( مَنْ أَتَى كَاهِنًا أَوْ عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ )) [أخرجه أحمد، والحاكم ] عَنْ صَفِيَّةَ عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ لَمْ يُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ يَوْمًا )) [ أحمد ] إذاً سيد الخلق، وحبيب الحق لا يعلم الغيب. ﴿ قُلْ إِنِّيَ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ ( سورة الأنعام ) ليس في الإسلام درجة إذا بلغها الإنسان لم تضره معصية بعدها، مستحيل، إذا كان سيد الخلق وحبيب الحق يأمره الله أن يقول: ﴿ قُلْ إِنِّيَ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ ( سورة الأنعام ) إذاً: لا يجرؤ إنسان أن يدعي ذلك. 5 – لا أحد من البشر يملك ضرا ولا نفعا: الآية الثالثة: ﴿ لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا ﴾ ( سورة الجن ) إذا كان سيد الخلق وحبيب الحق، لا يملك لنا نفعا ولا ضرا، هل يستطيع إنسان أن يدعي ذلك ؟ الآن: ﴿ قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا ﴾ ( سورة الأعراف الآية: 188 ) ﴿ لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا ﴾ ( سورة الجن ) إذا كان سيد الخلق، وحبيب الحق لا يملك لنا نفعاً ولا ضرا فهل يستطيع إنسان أن يدعي ذلك ؟ ﴿ قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا ﴾ ( سورة الأعراف الآية: 188 ) إذا كنتُ لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضرا فمن باب أولى أنني لا أملك لكم نفعاً ولا ضراً. لذلك أنت بهذه الآيات تركل بقدمك ألف قصة تخالف هذه الآيات، والعلم سلاح، والعلم وسيلة لمعرفة الله. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ ﴾ ( سورة المائدة الآية: 35 ) والعمل الصالح وسيلة، وإنفاق المال وسيلة، وصحبة الصالحين وسيلة، في حدود أن هذا الصالح لا تزيد مهمته على أن يرقى بك إلى الله حاله، ويدلك على الله مقاله وفوق ذلك القدوة هو رسول الله. عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: (( مَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَمْرَةٍ فِي الطَّرِيقِ قَالَ: لَوْلَا أَنِّي أَخَافُ أَنْ تَكُونَ مِنْ الصَّدَقَةِ لَأَكَلْتُهَا )) [ البخاري ومسلم ] هكذا كان ورع النبي عليه الصلاة والسلام. قالوا: يا رسول الله مثل بهم كما مثّلوا بعمك، قال: (( لا أمثل بهم فيمثل الله بي ولو كنت نبياً )) [ ورد في الأثر ] بهذه الآيات يمكن أن تركل بقدمك ألف قصة تتناقض معها. فلذلك: قال سيدنا علي: << يا بني، العلم خير من المال، لأن العلم يحرسك، وأنت تحرس المال، والمال تنقصه النفقة، والعلم يزكو على الإنفاق، يا بني، مات خزان المال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة >>. 6 – ليس بين العبد وربِّه واسطة: إذاً: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ﴾ لم تأتِ في هذه الآية كلمة قل، أي أنه ليس بين العبد وبين ربه وسيط. إن معظم الناس يصدر خطأ منهم، يقولون لك: أجرِ لي استخارة، الاستخارة بينك وبين الله مباشرة، ولا تكون الاستخارة نيابة وبالوساطة، تقول: آنستي عملت لي استخارة، أنتِ أجري استخارة فيما بينكِ وبين الله. ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ﴾ أنا معكم. ﴿ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ﴾ ( سورة ق ) أنا أسمع صوتهم، وأرى حركتهم، وأنا مطَّلع على ما في قلوبهم، إن تكلموا فأنا سميع بصير، إن تحركوا فأنا سميع بصير، إن أضمروا فأنا مطلع عليهم، لا تخفى عليه خافية، فإنه علم ما كان، وعلم ما يكون، وعلم ما سيكون، وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون. 7 – الدعاء سلاح المؤمن: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ ﴾ أنت بالدعاء أقوى إنسان، الدعاء سلاح المسلم، يعني أنت حينما تقول: يا رب، الله عز وجل الذات الكاملة، المطلق لكل شيء، علمه مطلق، وقدرته مطلقة، ورحمته مطلقة، وحكمته مطلقة، أنت تستعين بالله عز وجل، مهما يكن عدوك كبيراً الله أكبر منه. يعيش المؤمن حالة ثقة بالله لا تقدر، ولا توصف، لأنه يستعين بالله، كفى بك قوة أن تدعو الله، إن أردت أن تكون أقوى الناس فتوكل على الله، إن أردت أن تكون أقوى الناس فتوكل على الله، إن أردت أن تكون أغنى الناس فكن بما في يد الله أوثق منك بما في يديك، إن أردت أن تكون أكرم الناس فاتق الله ز ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ﴾ 8 – معية الله الخاصة بالمؤمنين لها ثمن: أنا معكم. لكن كما قلت البارحة: هو معكم بلطف، من دون أن تتضايقوا، معكم وأنتم مرتاحون، معكم بعلمه، مع أي إنسان بعلمه. ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ﴾ ( سورة الحديد الآية: 4 ) بعلمي، لكنني مع المؤمنين بالتوفيق، وبالحفظ، وبالتأييد، وبالنصر، هذه المعية الخاصة لها ثمن، قال الله: ﴿ وَقَالَ اللّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاَةَ ﴾ ( سورة المائدة الآية: 12 ) المعية الخاصة لها ثمن، وقال الله: ﴿ وَقَالَ اللّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاَةَ ﴾ ( سورة المائدة الآية: 12 ) الثمن أن تقيم الصلاة، وأن تؤتي الزكاة، وأن تصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنْ في حياته، أو بعد موته، عن طريق تطبيق السنة. ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إذَا دَعَان ِ﴾ إذا دعاني حقاً، إذا دعاني مخلصاً، إذا اتكل عليّ، ولم يكن الدعاء شكلياً، ولا أجوف، دعاني وهو موقن أنني قادر على إجابته. 9 – شروط الدعاء المستجاب: لذلك الدعاء يحتاج إلى عناصر،أول عنصر أن توقن أن الله يسمعك، موجود أولاً، ويسمعك ثانياً، وهو قادر على تحقيق دعائك ثالثاً، وهو يحب أن يرفعك رابعاً فهو موجود، ويسمع، وقادر، ويحبك، لذلك قال تعالى: ﴿ قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ ﴾ ( سورة الفرقان الآية: 77 ) أي لا يكترث الله بكم لولا أنكم تدعونه، لأن الدعاء هو العبادة. ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ﴾ من أجل أن يكون عبادي مستجابي الدعوة، من أجل أن تكون أيها المؤمن مستجاب الدعوة، من أجل أن يكون الدعاء سلاحك، من أجل أن تكون أقوى الناس بالدعاء استجب لله بعد أن تؤمن به، آمن به أولاً، واستجب له ثالثاً، عندئذٍ تغدو مستجاب الدعوة. إذا آمنوا واستجابوا واخلصوا في دعائهم لعلهم يكونون من مستجابي الدعوة، وهو مقام كبير، ومن سلّم الإيمان، فلان مستجاب الدعوة. إلا أن العلماء استثنوا إنسانين من وجوب تحقق شروط الدعاء، المضطر يستجيب الله له، ولو لم يكن أهلاً للدعاء، يستجيب له لا بأهليته، ولكن برحمته، والمظلوم يستجيب الله له لا بأهليته، ولكن بعدله. ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ﴾ أيها الإخوة، الله عز وجل قريب من كل مخلوق، ولا تخفى عليه خافية، والله عز وجل قريب من كل مؤمن، بمعنى أنه يستجيب لك. 10 – الاعتداء والمعصية مانع من استجابة الدعاء: الآية الأخرى: ﴿ ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ ( سورة الأعراف ) مستحيل وألف ألف مستحيل أن تكون معتدياً على خلق الله، وتقول: له يا رب استجب لي، لأن الله عز وجل من خلال هذه الآية يقول لك: لن أستجيب لك، لأنك من المعتدين، ولن تستطيع أن تسأل الله إلا إذا كنت محسناً، لذلك: ﴿ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ ( سورة الأعراف ) الذي وقع في مخالفة شرعية، وفي أكل مال حرام، وفي تقصير في العبادات لا يستطيع أن يدعو الله، يدعو الله شكلاً بلسانه، لكن قلبه محجوب عن الله عز وجل، وأكبر عقاب يعاقب به الإنسان أنه يحجب عن الله عز وجل. ﴿ كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ ﴾ ( سورة المطففين ) تروي الكتب أن شابا له شيخ، سمع من شيخه هذه المقولة: إن لكل معصية عقاباً، فزلّت قدمه يومًا، فبحسب مقولة الشيخ هو ينتظر العقاب، مضى يوم، يومانا، أسبوع أسبوعان، لم يحدث شيء، صحته طبيعية، بيته، أولاده، زوجته، مركبته، القصة رمزية، في أثناء المناجاة، قال: يا رب لقد عصيتك فلم تعاقبنِي، قال: قوقع في قلبه أن يا عبدي لقد عاقبتك ولم تدرِ، ألم أحرمك لذة مناجاتي ؟ ألا تكفيك ذلك ؟. المؤمن له صلة بالله، يسعد بهذه الصلة، فإذا زلت قدمه يحجب عن الله. الآن الأب العظيم، المربي الحكيم، لا يحتاج إلى أن يضرب ابنه إطلاقاً، يكفي أن يُعرض عنه، يحترق الابن، يكفي أن تسكت، يكفي ألا تنظر إليه، وهو على مائدة الطعام يكفي ألا تصغي إليه، فتحرقه. لذلك قالوا: من أطاع عصاك فقد عصاك، يعني الذي لا يطيعك إلا إذا هددته فهو من أعدائك، أما المحب فيخاف على محبة محبوبه. لذلك أكبر شيء يدفع المؤمن إلى طاعة الله أنه يخاف أن تنقطع الصلة بينه وبين الله، لماذا يستقيم ؟ لماذا يحاول أن يكون ورع تماماً ؟ لماذا يطبق الأمر تماماً ؟ لأنه ينعم بصلة بالله هي أثمن ما في الحياة. لذلك قال بعض العلماء: " مساكين أهل الدنيا، جاؤوا إلى الدنيا وغادروها ولم يذوقوا أطيب ما فيها، إنها الصلة بالله ". وهذا العالم نفسه قال: " ماذا يفعل أعدائي بي ؟ بستاني في صدري، إن أبعدوني فبإعادي سياحة، وإن حبسوني فحبسي خلوة، وإن قتلوني فقتلي شهادة، فماذا يصنع أعدائي بي ؟ بستاني في صدري ". وقد قال هذا العالم أيضاً: " في الدنيا جنة من لم يدخلها لن يدخل جنة الآخرة ". وبعضهم قال: ﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾ ( سورة الرحمن ) جنة في الدنيا، وجنة في الآخرة. إذاً: مساكين أهل الدنيا، جاؤوا إلى الدنيا وغادروها، ولم يذوقوا أطيب ما فيها إنها جنة القرب من الله عز وجل، ويؤكد هذا المعنى قوله تعالى: ﴿ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ ﴾ ( سورة محمد ) ذاقوا طعمها في الدنيا. 11 – ليس مع الاتصال بالله شقاء: والله أيها الإخوة، مع الاتصال بالله ليس هناك شقاء أبداً، في أي ظرف، في أي مكان، في أي بلد، في أي نظام، في أي ثقافة، في أي ضغوط، إن كنت مع الله كان الله معك، إن كنت مع الله كنت في حماية الله. أطع أمـرنا نرفع لأجلك حجبنا فإنا منحنا بالرضا مـن أحـبنا و لذ بحمانا واحـــتمِ بجنابنا لنحميك مما فيه أشرار خـلقنا وعن ذكرنا لا يشغلنـك شاغل وأخلص لنا تلقى المسرة والهنا وسلم إلينا الأمر في كل ما يكن فما الـقرب والإبعاد إلا بأمرنا أيها الإخوة، القرب إما قرب علم لكل الخلق، أو قرب إكرام بالمؤمنين ﴿ فَإِنِّي قَرِيبٌ ﴾ أي أنا معك. ﴿ قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَى ﴾ ( سورة طه ) أحيانا لا يكون هناك تناسب إطلاقاً، شرذمة قلية مضطهدة، تعامل معاملة في الدرجة العاشرة، ليس لها أي حق، عليها كل واجب، شرذمة قليلة، وفرعون بجبروته وقوته، وحقده، وأسلحته، وإصراره على سحق هؤلاء، لا تناسب. ﴿ قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَى ﴾ ( سورة طه ) سيدنا موسى وأخوه. ﴿ قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَى ﴾ ( سورة طه ) ﴿ قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ﴾ ( سورة طه ) سيدنا موسى مع أصحابه. ﴿ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ﴾ ( سورة الشعراء ) انتهينا، كم يقول من المسلمين الآن: انتهينا ؟ يقول: قوى الأرض تحاربنا، العالم كله يحاربنا، انتهينا. ﴿ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾ ( سورة الشعراء ) والله أيها الإخوة، أخشى ما أخشاه أن تضعف الهمم من الداخل، أن نهزم من الداخل، من الخارج لا قيمة لهذا الذي يجري، إن شاء الله سحابة صيف. ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ﴾ ( سورة الأعراف الآية: 34 ) وينتهي أجل هؤلاء، ويحق الله الحق، ويبطل الباطل، لكن الخطر أن نهزم من الداخل. إذاً: ﴿ إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ 12 – الله قريب فادعوه: إخواننا الكرام، النعمان بن البشير رضي الله عنهما قال: قال عليه الصلاة والسلام: (( الدعاء هو العبادة )) وقرأ: ﴿ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴾ ( سورة غافر الآية: 60 ) فقال أصحابه: يا رسول الله أقريب ربنا فنناجيه، أم بعيد فنناديه فنزلت: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾ 13 – المحسن قريب من الله: هذا عن قرب الله منك، القرب الذي يعلمك سرك ونجواك، وعن قرب الله القرب الذي يكرمك، بالتوفيق، والتأييد، والنصر، فماذا عن قربك منه ؟ هو قريب منك، هل أنت قريب منه ؟ متى تقترب من الله ؟ اسمعوا الحديث الشريف، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( السَّخِيُّ قَرِيبٌ مِنْ اللَّهِ، قَرِيبٌ مِنْ الْجَنَّةِ، قَرِيبٌ مِنْ النَّاسِ، بَعِيدٌ مِنْ النَّارِ، وَالْبَخِيلُ بَعِيدٌ مِنْ اللَّهِ، بَعِيدٌ مِنْ الْجَنَّةِ، بَعِيدٌ مِنْ النَّاسِ، قَرِيبٌ مِنْ النَّارِ، وَلَجَاهِلٌ سَخِيٌّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ عَالِمٍ بَخِيلٍ )) [ الترمذي ] ﴿ إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ إن كنت محسناً فأنت قريب من الله، الإحسان المطلق، أن تحسن في بيتك، النبي عليه الصلاة والسلام يستوصيك بالنساء خيراً، أن تحسن إلى أولادك، أن تحسن إلى جيرانك، أن تحسن في عملك، أن تقدم شيء جيد بسعر معتدل، بمعاملة طيبة، الإحسان واسع جداً. (( إنَّ اللَّهَ تَعالى كَتَبَ الإِحْسانَ على كُلَ شَيْءٍ، فإذَا قَتَلْتُمْ فأحْسِنُوا القِتْلَةَ وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فأحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ )) [ رواه مسلم عن شَدَّادِ بن أوسٍ رضي اللّه عنه ] صفة المؤمن أنه محسن، وصفة غير المؤمن أنه مسيء، وشتان بين الإحسان والإساءة، فعمله يقيم إجمالاً، ففي كلامه محسن، في ابتسامته محسن، في أخلاقه محسن، مع أقرب الناس له، مع زوجته محسن، مع أولاده محسن، مع بناته محسن، فكأن المؤمن في قلوب الخلق، هذا معنى قوله تعالى للتقريب: ﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً ﴾ ( سورة النحل الآية: 120 ) هناك إنسان ليس له عمل صالح أبداً، الناس يستوحشون منه، وهناك إنسان الناس جميعاً يحبونه. لذلك من علامة حب الله لك أن يلقي محبتك في قلوب الخلق. ينادى له في الكون أنا نحبه فيسمع من في الكون أمر محبنا وهذا معنى قوله تعالى: ﴿ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً﴾ ( سورة طه الآية: 39 ) يعني جعلت الخلق يحبونك، وهناك إنسان مبغوض، لا يحبه أحد، متكبر، أناني، يحب ذاته، يحب أن يأخذ لا أن يعطي، يحب أن يستعلي لا أن يتواضع. فلذلك صفات المؤمن تؤهله أن يكون محبوباً عند كل الخلق. اسم الله ( القريب ) أيها الإخوة، أي يجب أن يكون قريباً من المؤمن، لأنه معك، تسأله فيجيبك، تتقرب منه فيقبلك، تستعين به فيعينك، تتوكل عليه، فهو حسبك، ونعم النصير، لذلك من عرف الله عرف كل شيء. (( ابن آدم اطلبني تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء )) والحمد لله رب العالمين |
رد: اسماء الله الحسنى
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : اسم الله - الجواد -1 -اسماء الله الحسنى الدرس : ( الثالث و العشرون ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: (الجواد): أيها الإخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم هو اسم ( الجواد ). 1 – ورودُ اسم ( الجواد ) في السنة النبوية: وقد ثبت هذا الاسم في السنة الشريفة، فقد سمّى النبي صلي الله عليه وسلم ربه علي سبيل الإطلاق ( الجواد ) مرادا به العالمية، ودالاً على كمال الوصفية، فقد ثبت من حديث ابن عباس رضي الله عنه: أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: (( إن الله جل جلاله جواد يحب الجود، ويحب معالي الأخلاق و يكره سفاسفها )) [ أخرجه البيهقي عن ابن عباس ] 2 – نعمةُ الوجود وتسخيرُ الكون من لوازم اسمِ ( الجواد ): وبادئ ذي بدء، الله عز وجل كل هذا الكون منحة منه، وأنت أيها الإنسان منحك نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، ونعمة الهدى والرشاد، هذا الكون سخره لك، لأن الله سبحانه وتعالى عرض الأمانة على المخلوقات في عالم الذر، قال تعالى: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ﴾ ( سورة الأحزاب الآية: 73 ) ولأن الإنسانَ قَبِل حمل الأمانة، ولأنه قال: يا رب أنا لها، استحق أن تُسخّر له السماوات والأرض. ﴿ وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ ﴾ ( سورة الجاثية الآية: 13 ) ولا شك أن المُسخَّر له أفضل عند الله من المُسَخَّر، فأنت أيها الإنسان المخلوق المكرَّم، لمّا قبِلتَ حمل الأمانة جعلك الله المخلوق المكرَّم. قال الإمام علي: << رُكِّب الملَك من عقلٍ بلا شهوة، وركب الحيوان من شهوة بلا عقل، وركب الإنسان من كليهما، فإن سما عقله على شهوته أصبح فوق الملائكة، وإن سمت شهوته على عقله أصبح دون الحيوان >>. إذاً: وجودنا على وجه العالم منحة من الله، هذه المنحة اقتضت أن نُكلف أن نعبده فعلة وجودنا على وجه الأرض أن نعبد الله، قال تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ ( سورة الذاريات ) هذه علة وجودنا. حينما تذهب إلى بلد لتنال الدكتوراه، وهذا البلد كبير فيه حدائق، فيه وزارات، فيه ملاهٍ، فيه دور سينما، فيه متاحف، فيه أسواق، أنت في هذا البلد لك هدف واحد، علة وجودك في هذا البلد أن تنال الدكتوراه، وعلة وجود الإنسان في هذا الأرض أن يعبد الله، الدليل: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ ( سورة الذاريات ) كلُّ شيء يقرِّب من الله فهو مشروعٌ: أيها الإخوة، ما دامت علة وجودنا أن نعبد الله فأيّ شيء في الكون يقربك من الله مشروع، وأي شيء في الكون يبعدك عن الله غير مشروع، هذه حقيقة كبرى. لو أن الطالب ذهب إلى بلد ليدرس فأيّ شيء يقرّبه من تحقيق هدفه مشروع، وأي شيء يبعده عن هدفه غير مشروع. لذلك أيها الإخوة الكرام، نحن في أمسّ الحاجة إلى فهم هذا المعني الدقيق: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ ( سورة الذاريات ) الإنسان هو المخلوق المكرَّم، فإذا عرف الله، واستقام على أمره سبق الملائكة المقرَّبين، وإذا غفل عن الله، وتفلت من منهجه انحط إلى أسفل سافلين. الناس صنفان لا ثالث لهما: هؤلاء البشر أيها الإخوة، على اختلاف مللهم، ونحلهم، وانتمائهم، وأعرافهم، وأنسابهم، ومذاهبهم، وطوائفهم، واتجاهاتهم، وأطيافهم، هم عند الله رَجُلان لا ثالث لهما: رجل عرف الله فانضبط بمنهجه، وأحسن إلى خلقه، فسلم وسعد في الدنيا والآخرة، ورجل غفل عن الله، وتفلت من منهجه فشقي، وهلك في الدنيا والآخرة، ولا تجد نموذجا ثالثا، هذا تقسيم رب السماوات والأرض. ﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى * فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾ ( سورة الليل ) هذا النموذج الأول: ﴿ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾ صدّق أنه مخلوق للجنة، فلما صدّق أنه مخلوق للجنة اتقى أن يعصي الله، فلما اتقى أن يعصي الله بنى حياته على العطاء، فهذه خصائص ثلاث: صدق بالحسنى، والحسنى هي الجنة، واتقى أن يعصي الله، وبنى حياته على العطاء، هي خصائص المؤمن، جعل الآخرة أكبر همه، وجعلها مبلغ علمه، وجعلها منتهى آماله، ومحط رحاله، فنقلَ اهتماماته كلها إلى الآخرة، عندئذٍ اتقى أن يعصي الله، عندئذٍ أراد أن يدفع ثمن الجنة، وثمن الجنة هو العمل الصالح. الإنسان يسلَم بالاستقامة و يسعد بالعمل الصالح: كما هو معلوم أن الإنسان بالاستقامة يسلم، لكن بالعمل الصالح يسعد. ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا ﴾ ( سورة فصلت الآية: 20 ) لكن: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾ ( سورة فصلت ) بالاستقامة يسلم، وبالعمل الصالح يسعد. لذلك أيها الإخوة، إن الله جل جلاله ( جواد )، منح الخلائق الوجود، فأنت موجود، ووجودك منحة من الله، لكن هذا الذي لا يفقه حقيقة وجوده إنسان شارد، لماذا أوجدك ؟ ليسعدك. ﴿ إلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾ ( سورة هود الآية: 119 ) خلقهم ليسعدهم، خلقهم ليرحمهم، خلقهم ليسلمهم، خلقهم ليجعل لهم جنتين: جنة في الدنيا وجنة في الآخرة. 3 – لابد من التخلُّقِ بصفة الجود: إن الله جل جلاله ( جواد )، يحب الجود، ولا أزال أركز على هذه النقطة، يمكن أن تعبد الله بأن تتخلق بكمال مشتق من كماله، هو ( جواد )، يحب الجود، يحب العطاء، فالمؤمن يبني حياته على العطاء. أيها الإخوة، دققوا: تقسيمات الأرض لا تنتهي، دول الشمال، دول الجنوب، العرق الآري، العرق الملوّن، الأغنياء، الفقراء، الأقوياء، الضعفاء، الأصحاء، المرضى، تقسيمات البشر لا تنتهي، أما البطولة فأن تعتمد تقسيمات خالق البشر، خالق البشر عنده مؤمن أو كافر، مستقيم أو منحرف، يعطي أو يأخذ، ينصف أو يجحد، يصدق أو يكذب، فإن الله ( جواد ) يحب الجود، فإذا أردت أن تتقرب إلى الله تخلق بالكمال الإلهي. لذلك الأنبياء جاؤوا إلى الدنيا فأعطوا ولم يأخذوا، والأقوياء أخذوا ولم يعطوا. دقق، في حياة المؤمن يحب أن يدعو إلى الله، يحب أن ينفق ماله، ووقته، وخبرته، وجهده، بنى حياته على العطاء، بالتعبير المعاصر استراتيجيته العطاء، يعطي وهو في قمة السعادة، الأقوياء أخذوا ولم يعطوا، الأنبياء أعطوا ولم يأخذوا، الأقوياء عاش الناس لهم، الأنبياء عاشوا للناس، الأنبياء ملَكوا القلوب، الأقوياء ملكوا الرقاب ـ ودقق ـ الناس جميعاً من دون استثناء تبع لقوي أو نبي، اسأل نفسك هذا السؤال: أنت لمن ؟ هل أنت تابع للأقوياء ؟ معك صلاحية ؟ تحتل منصبا ؟ قوي ؟ غني ؟ متبحر في العلم، هذا التبحر يدر عليك دخلاً كبيراً ؟ أنت إذاً تابع للأقوياء. هل أنت مؤمن ؟ تعطي من وقتك، من خبرتك، من جهدك، من معلوماتك، فإذا أسعدك أن تعطي فأنت من أهل الآخرة، وإذا أسعدك أن تأخذ فأنت من أهل الدنيا، ببساطة بالغة يمكن أن تقيّم نفسك ما إذا كنت من أهل الدنيا أو من أهل الآخرة، فما الذي يُسعِدك أن تعطي أو أن تأخذ ؟ إن الله ( جواد ) يحب الجود. ويحب معالي الأخلاق ويكره سفاسفها: دقق الآن، ويحب معالي الأخلاق ويكره سفاسفها. عَنِ الْمُغِيرَة بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (( إِنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثًا، قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ )) [ متفق عليه ] هناك إنسان ذو هموم عالية جدا، وهناك إنسان تافه. ﴿ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا ﴾ ( سورة الكهف ) ما له وزن، هؤلاء لهم: ﴿ صَغَارٌ عِندَ اللّهِ ﴾ ( سورة الأنعام الآية: 124 ) لا يبالي الله بأي أودية الدنيا هلك الإنسان الشارد، لأنه غارق في ملذاته، غارق في سفاسف الأمور، في أشياء لا تقدم ولا تؤخر، ما هو الضابط في هذا ؟ حينما تُقبل على شيء فهذا الشيء هل يصل معك إلى القبر ؟ أم يبقى عند شفير القبر ؟ هذا هو الضابط. هناك إنسان يعتني ببيته عناية بالغة، لم يرتكب معصية، لكن هذه العناية البالغة التي امتصت كل وقته، هل تكون معه في القبر ؟ لا، لكن العمل الصالح يدخل معه في القبر. يجب أن تكون الرؤية صحيحة موافقة للشرع: أيها الإخوة الكرام، القضية قضية مهمة جداً، أنا ما الذي ينفعني في المستقبل ؟ عمل صالح، طاعة لله، تلاوة للقرآن، دعوة إلى الله، تربية للولد، إعطاء من المال، ما الذي يدخل معي في القبر ؟ هذه الأعمال. إنّ الإنسان حينما يأتيه ملك الموت يقول: ﴿ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا ﴾ ( سورة المؤمنون الآية: 100 ) البطولة ألا تندم، متى لا تندم ؟ إذا عملت لأُخراك، و متى تندم ؟ إذا عملت لدنياك، لأن الدنيا تغر وتضر وتمر. ﴿ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ ( سورة لقمان ) الدنيا تغر، كيف ؟ تظنها بحجم أكبر من حجمها، هذا الحجم الكبير في مقتبل الحياة، بعد حين تراها بحجم أقلّ من حجمها، لكنك عند مغادرة الدنيا لا ترى الدنيا شيئاً، لا ترى إلا الله. البطولة أن تصح رؤيتك وأنت في مقتبل حياتك حتى يأتي عملك صحيحاً. (( يحب الله معالي الأخلاق و يكره سفاسفها )) دقق: أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( مَنْ كَانَتْ الْآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كَانَتْ الدُّنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنْ الدُّنْيَا إِلَّا مَا قُدِّرَ لَهُ )) [ الترمذي ] لذلك: (( إن الله جل جلاله جواد يحب الجود، ويحب معالي الأخلاق، و يكره سفاسفها )) ورد في الحديث القدسي الصحيح: (( أن الجن والإنس في نبأ عظيم، أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر سواي خيري إلي العباد نازل، وشرهم إليّ صاعد، أتحبب إليهم بنعمي، وأنا الغني عنهم ويتبغضون إليّ بالمعاصي وهم أفقر شيء إلي، من أقبل عليّ منهم تلقيته من بعيد، ومن أعرض منهم عني ناديته من قريب )) [ الجامع الصغير عن أبي الدرداء بسند ضعيف ] وفي الحديث القدسي عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَى عَنْ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ: (( يَا عِبَادِي، إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا، يَا عِبَادِي، كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ، فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ، يَا عِبَادِي، كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ، فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ، يَا عِبَادِي، كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ، فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ، يَا عِبَادِي، إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ، يَا عِبَادِي، إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي، يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَسَأَلُونِي، فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ، يَا عِبَادِي، إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ )) [ أخرجه مسلم ] هذا منهج، فإنْ جاءت الأمور كما تحب فيجب أن تحمد الله عز وجل، وإن جاءت على غير ما تحب فلا تلومنّ إلا نفسك. ﴿ وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ ﴾ ( سورة الشورى ) الإنسان حينما يفقه حكمة المصيبة ينضبط، حينما تفهم على الله فتنة المصيبة تكون قد قطعت أربعة أخماس الطريق إلى الله عز وجل. إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ يُحِبُّ الطَّيِّبَ: أيها الإخوة، روي الترمذي في سننه من حديث سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ يُحِبُّ الطَّيِّبَ، نَظِيفٌ يُحِبُّ النَّظَافَةَ، كَرِيمٌ يُحِبُّ الْكَرَمَ، جَوَادٌ يُحِبُّ الْجُودَ )) [ الترمذي ] إذا قدمت صدقة فلتكن من أطيب مالك، إذا قدمت هدية لتكن من أطيب الهدايا، لأن ((اللَّهَ طَيِّبٌ يُحِبُّ الطَّيِّبَ )) هؤلاء الذين ينفقون شيئاً يكرهونه، ينفقون طعاماً تعافه أنفسهم، هؤلاء لا يتقربون إلى الله بهذا الشيء: (( إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ يُحِبُّ الطَّيِّبَ )) النظافة الأخلاقية في الإسلام: (( نَظِيفٌ يُحِبُّ النَّظَافَةَ )) النظافة من الإيمان، هناك نظافة جسمية، ونظافة نفسية، هناك إنسان صادق، أمين. ما أروع ما قاله سيدنا جعفر رضي الله عنه حينما سأله النجاشي عن الإسلام، وعن نبي الإسلام، قال: (( أَيُّهَا الْمَلِكُ، كُنَّا قَوْمًا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ، نَعْبُدُ الْأَصْنَامَ، وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ، وَنَأْتِي الْفَوَاحِشَ، وَنَقْطَعُ الْأَرْحَامَ، وَنُسِيءُ الْجِوَارَ، يَأْكُلُ الْقَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ، فَكُنَّا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْنَا رَسُولًا مِنَّا، نَعْرِفُ نَسَبَهُ، وَصِدْقَهُ، وَأَمَانَتَهُ، وَعَفَافَهُ، فَدَعَانَا إِلَى اللَّهِ لِنُوَحِّدَهُ وَنَعْبُدَهُ، وَنَخْلَعَ مَا كُنَّا نَعْبُدُ نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ الْحِجَارَةِ وَالْأَوْثَانِ، وَأَمَرَنَا بِصِدْقِ الْحَدِيثِ، وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ، وَحُسْنِ الْجِوَارِ، وَالْكَفِّ عَنْ الْمَحَارِمِ وَالدِّمَاءِ، وَنَهَانَا عَنْ الْفَوَاحِشِ، وَقَوْلِ الزُّورِ، وَأَكْلِ مَالَ الْيَتِيمِ، وَقَذْفِ الْمُحْصَنَةِ، وَأَمَرَنَا أَنْ نَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَأَمَرَنَا بِالصَّلَاةِ، وَالزَّكَاةِ، وَالصِّيَامِ... )) [ أحمد عن أم سلمة ] هذه هي الجاهلية الأولي، قال تعالى: ﴿ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى ﴾ ( سورة الأحزاب الآية: 33 ) نفهم من هذه الآية أن هناك جاهلية ثانية، هي أمرّ وأدهى، يوم يؤتمن الخائن، ويخوَّن الأمين، يصدَّق الكاذب، ويكذَّب الصادق، يضام الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، موت كقعاص الغنم كما ترون، لا يدري القاتل لمَ يَقتُل ؟ ولا المقتول فيمَ قُتِل. (( يوم يكون المطر قيظا، والولد غيظا، ويفيض اللئام فيضا، ويغيض الكرام غيضا )) [ رواه ابن أبي الدنيا عن أبي هريرة ] هذه الجاهلية الثانية، الجاهلية الأولى التي قال عنها سيدنا جعفر: (( أَيُّهَا الْمَلِكُ، كُنَّا قَوْمًا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ، نَعْبُدُ الْأَصْنَامَ، وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ، وَنَأْتِي الْفَوَاحِشَ، وَنَقْطَعُ الْأَرْحَامَ، وَنُسِيءُ الْجِوَارَ، يَأْكُلُ الْقَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ، فَكُنَّا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْنَا رَسُولًا مِنَّا، نَعْرِفُ نَسَبَهُ، وَصِدْقَهُ، وَأَمَانَتَهُ، وَعَفَافَهُ، فَدَعَانَا إِلَى اللَّهِ لِنُوَحِّدَهُ وَنَعْبُدَهُ، وَنَخْلَعَ مَا كُنَّا نَعْبُدُ نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ الْحِجَارَةِ وَالْأَوْثَانِ، وَأَمَرَنَا بِصِدْقِ الْحَدِيثِ، وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ، وَحُسْنِ الْجِوَارِ، وَالْكَفِّ عَنْ الْمَحَارِمِ وَالدِّمَاءِ، وَنَهَانَا عَنْ الْفَوَاحِشِ، وَقَوْلِ الزُّورِ، وَأَكْلِ مَالَ الْيَتِيمِ، وَقَذْفِ الْمُحْصَنَةِ، وَأَمَرَنَا أَنْ نَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَأَمَرَنَا بِالصَّلَاةِ، وَالزَّكَاةِ، وَالصِّيَامِ... )) ـ دقق ـ إنْ حدثك فهو صادق، وإن عاملك فهو أمين، وإن استثيرت شهوته فهو عفيف، هذه هي صفات المؤمن، هذه أركان الاستقامة، إن عاملك فهو أمين، إن استثيرت شهوته فهو عفيف، وتاج ذلك: نعرف نسبه، فدعانا إلى الله لنعبده، ونوحده ونخلع ما كان يعبد آبائنا من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء. هذا هو الإسلام، الإسلام مجموعة قيم أخلاقية، أما حينما أقول: بني الإسلام علي خمس، الخمس شيء، والإسلام شيء آخر، بني الإسلام، الإسلام مجموعة قيم أخلاقية، الإيمان هو الخلق فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الإيمان. ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ ( سورة القلم ) لا تُقبل الشعائر إلا بصحة المعاملات: ما لم تكن أخلاقك صارخة، ما لم يكن التواضع، والحب، والرحمة، والصدق، والأمانة، والكرم، والعطاء، والعفو، والحلم فلا ترقى إلى مستوى المؤمنين، أما الصلاة والصيام والحج فهذه عبادات شعائرية، لكن الأصل العبادة التعاملية، بل إن العبادة الشعائرية لا تقبل ولا تصح إلا إذا صحت العبادة التعاملية، لذلك قال بعض العلماء: ترك دانق من حرام خير من ثمانين حجة بعد الإسلام، فالصلاة عبادة شعائرية. عَنْ ثَوْبَانَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: (( لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا، فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا، قَالَ ثَوْبَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صِفْهُمْ لَنَا، جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ، وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ، قَالَ: أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ، وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ، وَيَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا )) [ ابن ماجه ] انتهت الصلاة. الصوم: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ، وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ )) [ أخرجه أحمد و البخاري وأبو داود والترمذي وابن ماجة ] الحج: (( من حج بمال حرام، وقال: لبيك اللهم لبيك ينادى: أن لا لبيك ولا سعديك وحجك مردود عليك )) [ سلسلة الأحاديث الضعيفة ] الزكاة: ﴿ قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ ﴾ ( سورة التوبة ) العبادات الشعائرية لا تصح ولا تقبل إلا إذا صحت العبادات التعاملية. فلذلك: (( إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ يُحِبُّ الطَّيِّبَ، نَظِيفٌ يُحِبُّ النَّظَافَةَ، كَرِيمٌ يُحِبُّ الْكَرَمَ، جَوَادٌ يُحِبُّ الْجُودَ، فَنَظِّفُوا أَفْنِيَتَكُمْ ـ ساحات دوركم ـ وَلَا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ )) [ الترمذي ] مسكُ الختام: ملخص الملخص: يجب أن تتخلق بكمال مشتق بكمال الله. ﴿ وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾ ( سورة الأعراف الآية: 180 ) لا تقِس نفسك بالصلاة، قس نفسك بالكمال، هل أنت جواد ؟ هل أنت صادق ؟ هل أنت أمين ؟ هل أنت متواضع ؟ هل أنت محسن ؟ هل أنت منصف ؟ هذا يرفعك عند الله، إذا ضُمَّ إلى عبادتك الشعائرية نجحت، وأفلحت، وفزت. والحمد لله رب العالمين |
رد: اسماء الله الحسنى
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : اسم الله - الجواد -2 -اسماء الله الحسنى الدرس : ( الرابع و العشرون ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: ( الجواد ): 1 – معنى الجواد: أيها الإخوة الكرام، لازلنا في اسم الله ( الجواد )، والجواد من الجود، والجود أن تأتي بالجيد من القول والعمل، الله عز وجل صاحب الأسماء الحسنى: ﴿ وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾ ( سورة الأعراف الآية: 180 ) المؤمن حسَنُ الأخلاق: بشكل منطقي وحتمي الذي يتصل بصاحب الأسماء الحسنى يجب أن يكون أخلاقيا، يعني الصفة الصارخة في المؤمن أنه إنسان أخلاقي، وإن صح التعبير كلمة الإيمان مرتبة، مرتبة علمية، ومرتبة أخلاقية، ومرتبة جمالية، المؤمن صادق لأنه موصول بالله عز وجل، يشتق منه الكمال، المؤمن أخلاقي، هذا المعنى ورد عند ابن القيم رحمه الله فقال: " الإٍيمان هو الخلق، فمَن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الإيمان ". لا تصدق أن يكون المؤمن مؤمناً إن لم يكون أخلاقيا. فلذلك أيها الإخوة، الجواد من الجود، والجود أن تأتي بالقول الحسن والخلق الحسن، والفعل الحسن، والجود أيضاً هو الكرم، فالجواد معطاء سخيّ، تسخُو نفسه في العطاء، أريحي يرتاح للعطاء. هكذا الله عز وجل خلق الخَلقَ ليرحمهم، قال تعالى: ﴿ إلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾ ( سورة هود الآية: 119 ) خلقهم ليرحمهم، خلقهم ليسعدهم. إذاً المعنى الأول: الجود من أتى بالجيّد من القول والعمل، والجود هو الكرم العطاء. 2 – من صفات المؤمن الجود والعطاء: لذلك الصفة الأولى للمؤمن: أنه يعطي، يبني حياته على العطاء، يشعر بالتفوق إذا أعطى، يشعر بالنجاح إذا أعطى، وإن أردت مقياساً دقيقاً للمؤمن فالمؤمن يعطي، وغير المؤمن يأخذ، واسأل نفسك هذا السؤال الصعب: ما الذي يسعدك أن تعطي أم أن تأخذ ؟ المؤمن يسعده أن يعطي، يعطي من وقته، يعطي من ماله، يعطي من جاهه، يعطي من خبرته، لأنه يعلم علم اليقين أنه إذا أعطى فإن الله سبحانه وتعالى سيغمره بالفضل، هو ذكي جدا، وفي نظر غير المؤمن يبدو المؤمن ليس ذكيا لأنه يعطي، والطرف الآخر يأخذ. لذلك أقول دائما: الأقوياء يأخذون، الأنبياء يعطون، والناس جميعاً تبعٌ لقوي أو نبي، لأنك مؤمن أساس حياتك العطاء، تعطي بسخاء، وتعطي بغير حساب، ولا تسعد إلا إذا أعطيت، تعطي كل شيء منحك الله إياه، تبذله للناس، والله عز وجل عدّ أيّ عطاء من قِبَل المؤمن لأيّ مخلوق قرضًا له، قال تعالى: ﴿ مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ ( سورة البقرة الآية: 245 ) والله الذي لا إله إلا هو مِن حِكمِ الله العظمى أنك إذا أعطيت كافأك في الدنيا قبل الآخرة، يعطيك عطاء يخجلك في الدنيا، لأنه أكرم الأكرمين. لذلك ( الجواد ) من الجود، والجود أن تأتي بالجيد من القول والفعل، أو الكرم العطاء، السخاء، الأريحية، ورجل جواد أيْ كثير العطاء. 3 – الجودُ بالنفس أقصى غاية الجود: لكن الجود بالنفس أن تلزم نفسك بالجهاد في سبيل الله، والجهاد في سبيل الله أقصى غاية الجود، والجود بالنفس أقصى غاية الجود. لذلك الحديث عن الشهداء: ﴿ وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ﴾ ( سورة آل عمران ) الشهيد بذل أثمن ما يملك، بذل حياته. لكن كتعليق سريع كي تعرفوا خطورة حقوق العباد: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( يُغْفَرُ لِلشَّهِيدِ كُلُّ ذَنْبٍ إِلَّا الدَّيْنَ )) [ أخرجه أحمد و مسلم عن ابن عمرو ] الشهيد بذل حياته لله، حقوق العباد مبنية على المشاححة، بينما حقوق الله مبنية على المسامحة. 4 – أعطِ مما أعطاك الله: أيها الإخوة، في صحيح البخاري من حديث أسامة بن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول حينما جاءه رسول إحدى بناته، برسالة أن ابنها يجود بنفسه، ينازع سيغادر الحياة، فقال عليه الصلاة والسلام، وقد بعث إليها بالرسالة: (( إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى )) [ متفق عليه ] كلام جامع مانع. لذلك في بعض الأدعية عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْخَطْمِيِّ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: (( اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي حُبَّكَ وَحُبَّ مَنْ يَنْفَعُنِي حُبُّهُ عِنْدَكَ، اللَّهُمَّ مَا رَزَقْتَنِي مِمَّا أُحِبُّ فَاجْعَلْهُ قُوَّةً لِي فِيمَا تُحِبُّ، اللَّهُمَّ وَمَا زَوَيْتَ عَنِّي مِمَّا أُحِبُّ فَاجْعَلْهُ فَرَاغًا لِي فِيمَا تُحِبُّ )) [ الترمذي ] يا رب وفقني أن أجعل هذا الذي منحتني إياه في سبيلك، وهذا مستنبط من قوله تعالى: ﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ﴾ ( سورة القصص الآية: 77 ) آتاك علماً فابتغِ به الدار الآخرة، آتاك فخلقاً فابتغِ به الدار الآخرة، آتاك فصاحة فابتغِ بفصاحتك الدار الآخرة، آتاك مالاً، آتاك جاهاً، آتاك خبرة، آتاك وسامة، أيّ شيء آتاك الله به فابتغِ. أيها الإخوة، المؤمن يوظف كل ما أعطاه الله في سبيل الله. يروى أن رجلا من علماء القلوب سأله رجل عن الزكاة، فقال: عندنا أم عندكم ؟ قال: سبحان الله ! ما عندنا وما عندكم ؟ قال: عندكم الزكاة ربع العشر، أما عندنا فالعبد وماله لسيده، وهذا مأخوذ من قوله تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ ( سورة الأنعام ) قمة العقل والذكاء أن تعطي مما أعطاك الله، لذلك: (( إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى )) (( اللَّهُمَّ وَمَا زَوَيْتَ عَنِّي مِمَّا أُحِبُّ فَاجْعَلْهُ فَرَاغًا لِي فِيمَا تُحِبُّ )) كنت تتمنى بيتاً غير هذا البيت، هذا البيت الذي منحك الله إياه، كنت تتمنى زوجه غير هذه الزوجة. (( اللَّهُمَّ وَمَا زَوَيْتَ عَنِّي مِمَّا أُحِبُّ فَاجْعَلْهُ فَرَاغًا لِي فِيمَا تُحِبُّ )) إذًا هناك شيء تحبه، وما سمح لك أن تأخذه، فالفراغ الناشئ عن انشغالك به هو ليكنْ في سبيل الله. الإنسان يطمح أن يكون ذا دخل غير محدود، لكن مشيئة الله ولحكمة بالغة جعله ذا دخل محدود، فالمال الذي كان يمكن أن يشغله عن الله، والوقت الناتج عن عدم انشغاله بهذا المال الوفير ليكنْ في سبيل الله، ليطلب العلم. إذاً: (( إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى )) (( وَكُلٌّ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ )) (( الإيمان بالقدر يذهب الهم والحزن )) [ الجامع الصغير عن أبي هريرة بسند فيه مقال ] الإيمان بالقدر نظام التوحيد. ﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ ( سورة الشعراء ) قال: (( وَكُلٌّ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ )) [ رواه مسلم عن أُسامة بن زيد رضي اللّه عنه ] معنى تحتسب أي فلتكتفِ بنصيب الصبر كأجر من الله عز وجل. 5 – من معاني الجود: سهولة البذل والعطاءِ: من معاني الجود: سهولة البذل، أحياناً الشحيح تقنعه، تأتيه بالأدلة، ترجوه تتوسل إليه أن يساهم بمشروع خيري، بصعوبة بالغة، بجهد جهيد، ثم يعطيك النزر القليل لكن من معاني الجود: سهولة البذل والإنفاق، وتجنب مالا يحمد من الأخلاق، ويكون العبادة المتقنة، ومن ثمرتها الجود. أنا لا أصدق أن ترى مؤمنا شحيحاً، لا أصدق أن ترى مؤمناً جباناً، البخل والجبن يتناقضان مع أخلاق المؤمن، المؤمن كريم وشجاع، كريم لأنه يرى المعطي. (( أنفق بلال، ولا تخشَ من ذي العرش إقلالا )) [ رواه الطبراني، عن ابن مسعود ] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَالَ لِي: (( أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ )) [ متفق عليه ] والمؤمن شجاع، يرى أن له عند الله أجلاً لا يتقدم ولا يتأخر، وقد قالوا: " كلمة الحق لا تقطع رزقا، ولا تقرِّب أجلاً ". أيها الإخوة، يكون الجود باشتقاق هذا الكمال من الله بالاتصال ـ دققوا في هذا المعنى ـ لا يمكن أن تتصف بالرحيم إلا وأن تشتق منه الرحمة، لا يمكن أن تتصل بالغني إلا وتشتق منه الغنى، المؤمن عنده غنى، عفيف، لا يتضعضع أمام الغني. 6 – المؤمن عفيف: ورد في الأثر: " من جلس إلى غني فتضعضع له، يعني تمسكن أمامه، ذهب ثلثا دينه. المؤمن عفيف يؤمن أن الله لا ينساه من فضله، والله مرة زارني إنسان قدمت له ضيافة قطعة حلوى، فقطع أول لقمة وقبل أن يضعها في فمه قال: سبحان من قسم لنا هذا ولا ينسى من فضله أحدا، كلمة ولا ينسى من فضله أحدا. كن له كما يريد ليكن لك كما تريد، عبدي أنت تريد وأنا أريد فإذا سلمت لي فيما أريد، كفيتك ما تريد، وإن لم تسلم لي فيما أريد، أتعبتك فيما أريد، ثم ما يكون إلا ما أريد. (( اعمل لوجه واحد يكفك الوجوه كلها )) [ أخرجه ابن عدي، والديلمي عن أنس ] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: سَمِعْتُ نَبِيَّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (( مَنْ جَعَلَ الْهُمُومَ هَمًّا وَاحِدًا هَمَّ آخِرَتِهِ كَفَاهُ اللَّهُ هَمَّ دُنْيَاهُ، وَمَنْ تَشَعَّبَتْ بِهِ الْهُمُومُ فِي أَحْوَالِ الدُّنْيَا لَمْ يُبَالِ اللَّهُ فِي أَيِّ أَوْدِيَتِهَا هَلَكَ )) [ ابن ماجه ] يا رب ماذا فَقَد مَن وجدك ؟ لم يفقد شيئا، وماذا وجد مَن فَقَدك ؟ لم يجد شيئا وإذا كان الله معك فمَن عليك ؟ إذا كان الله معك سخر عدوك لخدمتك، وإذا كان الله عليك تطاول عليك أقرب ما في الناس. لذلك عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: (( لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، وَلَكِنَّهُ أَخِي وَصَاحِبِي، وَقَدْ اتَّخَذَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ صَاحِبَكُمْ خَلِيلًا )) [ متفق عليه، واللفظ لمسلم ] الخليل هو الله. 7 – يَدُ اللَّهِ مَلْأَى لَا يَغِيضُهَا نَفَقَةٌ: يقول عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام البخاري من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( يَدُ اللَّهِ مَلْأَى لَا يَغِيضُهَا نَفَقَةٌ ـ أي لا ينقصها ـ سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَدِهِ )) وفي الحديث القدسي: (( يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَسَأَلُونِي، فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ، يَا عِبَادِي، إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ )) [ أخرجه مسلم عن أبي ذر ] أيها الإخوة الكرام، يجب أن نؤمن إيماناً قطعيا يقينياً أن الله إذا قنّن على عباده قنّن بالأمطار، قنّن بالأرزاق فلا يمكن إلا أن يكون تقنين الله عز وجل تقنين تأديب لا تقنين عجز. لذلك أهل الدنيا يخيفون الضعاف، هناك أزمة مياه بالعالم، وأزمة غذاء، هذا تخويف: ﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ﴾ ( سورة الحجر ) مرة اطلعت على بحث علمي أنه اكتشف بالفضاء الخارجي سحابة يمكن أن تملأ محيطات الأرض ستين مرة في اليوم بالمياه العذبة، ثم يقولون لك: حرب مياه، تقنين الله عز وجل تقنين تأديب، لا تقنين عجز، أما نحن حينما لا تكفي الطاقة الكهربائية للاستهلاك في وقت الذروة نقطع الكهرباء، قطع الإنسان للكهرباء تقنين عجز، أما إذا قنن الإله فتقنينه تأديب، وشتان بين التقنينين. (( يَدُ اللَّهِ مَلْأَى لَا يَغِيضُهَا نَفَقَةٌ، سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَدِهِ )) 8 – الله حكيم في عطائه عليم بمواضعه: لكن الشيء الدقيق الدقيق جداً، أن الله سبحانه وتعالى عليم بموقع جوده، فقد تجد إنسانا جوادا سخيا، لكن يعطي عطاء عشوائياً، من قال له كلمتين يعطيه، بتحقيق أو من دون تحقيق، يستحق، أو لا يستحق، هذا المال قد يستعين به على معصية، أو على طاعة لكن ليس عنده معلومات دقيقة، لكن الله سبحانه وتعالى وهو أحكم الحاكمين، يأتي عطاءه بحكمة بالغة، وباستحقاق، وبحكمة، وبخيرية. لكن هذا الشيء يذكرني أن النبي صلى الله عليه وسلم عقب بعض الغزوات استعرض الأسرى، فقد كانت من بين الأسرى امرأة وقفت وقالت: يا رسول الله، هلك الوالد، وغاب الوافد، فامنن علي منّ الله عليك، وخلِّ عني، ولا تشمت بي أحياء العرب فإن أبي كان سيد قومه، يفك العاني، ويعفو عن الجاني، ويحفظ الجار ويحمي الديار ويفرج عن المكروب، ويطعم الطعام، ويفشي السلام، ويحمل الكَلَّ، ويعين على نوائب الدهر، وما آتاه أحد بحاجة فرده خائباً، أنا سفانه بنت حاتم الطائي، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: (( يا جارية، هذه صفات المؤمنين حقاً، ثم قال: ارحموا عزيز قوم ذل وغني افتقر، وعالم ضاع بين الجهال )) هذا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم: (( ارحموا عزيز قوم ذل، وغني افتقر وعالم ضاع بين الجهال )) فمنّ النبي عليها، وأكرمها، وحملها بما تحتاج، وأرسلها إلى قومها، فحينما رأت هذا العطاء وهذا الكرم، استأذنته بالدعاء، هنا الشاهد. [ ذكر هذه القصة ابن هشام في سيرته، والطبري في تاريخه ] الله عز وجل كرمه بحكمة بالغة، في موضوعه، قالت سفانه: أصاب الله ببرك مواقعه، ولا جعل الله لك إلى لئيم حاجة. ورد في بعض الآثار عن سيدنا علي " والله والله مرتين لحفر بئرين بإبرتين مستحيل ! وكنس أرض الحجاز بيوم عاصف بريشتين، أيضاً مستحيل ! ونقل بحرين ذاخرين بمنخلين أيضاً مستحيل ! وغسل عبدين أسودين حتى يصيرا أبيضين، قال: أهون عليّ من طلب حاجة من لئيم لوفاء دين ". سُئل أحدهم: ما الذل ؟ قال: أن تقف بباب اللئيم ثم يردّك، اللئيم يرد. ما قال لا قط إلا في تشهده * لولا التشهد كانت لاءه نعم [ قول الفرزدق يصف به النبي عليه الصلاة والسلام ] المؤمن يخجل من كلمة ( لا )، يبذل كل ما عنده. لذلك استأذنته بالدعاء، فقالت هذه المرأة التي منّ النبي عليها، وأطلق سراحها وأكرمها، وأرسلها إلى أهلها: أصاب الله ببرك مواقعه، ولا جعل لك إلى لئيم حاجة، ولا سلب نعمة عن كريم قوم إلا جعلك سبباً في ردها، ورجعت إلى أهلها، والتقت مع أخيها الذي نسيها، فوقعت أسيرة، فقالت لأخيها عدي بن حاتم: ائتِ هذا الرجل، فإني قد رأيت هدياً، وسمتاً، ورأياً يغلب أهل الغلبة، ورأيت فيه خصالاً تعجبني، رأيته يحب الفقير ويفك الأسير، ويرحم الصغير، ويعرف قدر الكبير، وما رأيت أجود منه، ولا أكرم منه وإن يكن نبياً فللسابق فضله، وإن يكن ملكاً فلا تزال في عزّ مُلكه. الشاهد: أن الإنسان من علامات توفيق الله له أن يضع معروفه عند من يستحقه فقد تكرم إنسانا، ثم يتنكر لك. أعلـمه الرماية كل يوم فلما اشتد ساعده رماني وكم علمته نظم القواف ي فـلما قال قافية هجاني *** هذا هو اللئيم، اللئيم يرد على الإحسان بالإساءة، لكن الكريم يرد على الكرم بكرم كبير. 9 – من معاني الجواد: الطُّرُق: إذاً: هو جواد هداك إلى طريقه، إلى طريق يفضي إليه، هداك إلى طريق طاعته، هداك إلى طريق الجنة، هداك إلى سلامتك، هداك إلى سعادتك، هذا معنى: ( الجواد )، أرشدك إلى الطريق، قال يهديهم: ﴿ سُبُلَ السَّلاَمِ ﴾ ( سورة المائدة الآية: 16 ) المؤمن في سلام مع نفسه، ما عنده اختلال توازن، ما بنى مجده على أنقاض الآخرين، ما بنى غناه على إفقارهم، ما بنى عزه على إذلالهم، متوازن، المؤمن في قلبه من الراحة النفسية ما لو وزعت على أهل بلد لكفاهم، هذا معنى ( الجواد )، الله عز وجل قال: ﴿ وَاللّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ ﴾ ( سورة يونس الآية: 25 ) هذا الذي ترونه في العالم هذا مِن فعل الشيطان، الله عز وجل يدعو إلى دار السلام، الحروب، والقتل، والاجتياح، والاعتقال، والهدم، هذا من فعل الشيطان، إن هذا من عمل الشيطان: ﴿ وَاللّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ ﴾ ﴿ وَيَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ ( سورة يونس الآية: 25 ) ﴿ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ ( سورة هود ) أيها الإخوة الكرام، من أسماء الله ( الجواد )، أن يهديك سبيل الرشاد، يهديك سبيل السلامة. رأيُ ابن القيم في معنى الجواد: ابن القيم رحمه الله، يرى أن ( الجواد )، أي أنه أعطاك الأوامر والنواهي لترقى بفعل الأوامر، وترقى بترك النواهي، بيّن لك الحلال والحرام، لترقى بأخذ الحلال وترك الحرام، الله عز وجل جواد أرادك أن تكون في جنة عرضها السماوات والأرض. فلذلك أيها الإخوة: ﴿ وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾ أي تقترب إليه بكمال مشتق من كماله. والحمد لله رب العالمين |
رد: اسماء الله الحسنى
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : اسم الله - الحيى -1 -اسماء الله الحسنى الدرس : ( الخامس و العشرون ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: ( الحيي ): أيها الأكارم، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم الحيي. 1 ـ ورود هذا الاسم في السنة فقط: هذا الاسم لم يرد في القرآن الكريم، ولكنه ورد في السنة، فقد سماه النبي صلي الله عليه وسلم سمى ربه بالحيي: (( النبي صلي الله عليه وسلم رأى رجلاً يغتسل بلا إزار (بلا ثياب)، فصعد المنبر فحمد الله وأثني عليه ثم قال: إن الله عز وجل حيي ستير يحب الحياء والستر فإذا اغتسل أحدكم فليستتر (أي عن نظر الآخرين)، فإذا اغتسل أحدكم فليستتر )) [ رواه أبو داود عن يعلى بن أمية] الله عز وجل يستحي من عبده إذا سأله ألا يجيبه: وقد ورد هذا الاسم مطلقاً مراداً به العالمية دالاً على كمال الوصفية: (( إن ربكم تبارك وتعالي حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفراً )) [ أخرجه أبو داود عن سلمان الفارسي] أي الله يستحي من عبده إذا سأله ألا يجيبه، إذا دعاه ألا يلبيه، إذا استغفره ألا يغفر له، إذا تاب إليه ألا يتوب عليه، لذلك قالوا ما أمرنا أن نتوب إليه إلا ليتوب علينا وما أمرنا أن نستغفره إلا ليغفر لنا وما أمرنا أن نسأله إلا ليعطينا. ورد في بعض الأحاديث الصحيحة أنه: (( إذا كان ثلث الليل الأخير نزل ربكم إلي السماء الدنيا فيقول: هل من تائب فأتوب عليه ؟ هل من سائل فأعطيه ؟ هل من مستغفر فأغفر له ؟ هل من طالب حاجة فأقضيها له ؟ حتى يطلع الفجر)) [ أخرجه أحمد عن أبي هريرة] بطولة الإنسان أن يسأل الله عز وجل عملاً صالحاً يتقرب به إليه: المؤمن أيها الأخوة، له مناجاة مع الله عز وجل. إنما أشكو بثي وحزني إلي الله وأعلم من الله ما لا تعلمون، كلام سيدنا يعقوب فالإنسان حينما تلم به ملمة يلوح له شبح المصيبة، يخاف شيئاً، يخشى شيئاً الله عز وجل علمنا أن نسأله وأن ندعوه وأن نستغفره وأن نتوب إليه، لأنه حيي كريم، يستحي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفراً، فكما أن الله يستحي منك ينبغي أن تستحي أنت منه والحياء من الإيمان. مرة ثانية أيها الأخوة إن ربكم تبارك وتعالى حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفراً، لذلك البطولة أن تحسن أن تسأله، اسأله ما يرضيه، اسأله ما يقربك إليه، اسأله خير الآخرة، اسأله أن تعرفه، اسأله أن تستقيم على أمره، اسأله عملاً صالحاً تتقرب به إليه، اسأله العلم لأن كرامة العلم أعظم كرامة. ﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا ﴾ ( سورة النساء ) أي الإنسان يسأل ملكاً، الملك ماذا يعطي ؟ يعطي بيتاً، يعطي مركبة، تسأله قلماً، البطولة أن تسأله بقدر كرمه، أن تسأله بقدر غناه، أن تسأله بقدر محبته لك، أن تسأله لأنه على كل شيء قدير. 2 ـ من معاني الحيي: المتصف بالحياء: أيها الأخوة، الدعاء هو العبادة، فإن الله حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفراً، الحيي المتصف بالحياء، نحن تعلمنا ونذكر هذا كثيراً أن قوله تعالى: ﴿ وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾ ( سورة الأعراف الآية: 180 ) يعني أنت لن تستطيع أن تتقرب إلى الله بأفضل من كمال مشتق منه، هو حيي فأنت أيها المؤمن يجب أن تتخلق بهذا الخلق، والحياء من الإيمان، علامة الإيمان الحياء والحياء مؤشر على الإيمان. فالحيي المتصف بالحياء، صفة خلقية رقيقة لطيفة تمنع النفس عن أن تقترف شيئاً مناقضاً لما هو معروف عندها. لكل إنسان فطرة تتفق مع منهج الله عز وجل: أيها الأخوة، قد لا ينتبه الإنسان إلى بعض المصطلحات سمى الله الأعمال الطيبة التي تنسجم مع الفطرة معروفاً لأن الفطر السليمة في أصل خلقها تعرفها، القضاء البريطاني يأخذون عشرة من الطريق يعرضون عليهم جريمة بحسب الفطر السليمة قد يكشفون الحقيقة، الإنسان له فطرة سليمة لذلك الحياء أن تمتنع عن فعل شيء تعرفه فطرتك السليمة بداهة ابتداءً من دون تعليل. البر ما اطمأنت إليه النفس والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس، لك فطرة هذه الفطرة تتفق مع منهج الله مئة بالمئة، يعني ما أمرك الله بشيء إلا وفطرتك وجبلتك ترتاح له، وما نهاك عن شيء إلا وفطرتك وجبلتك تنفر منه. لذلك سميت الأعمال الطيبة التي أودعت قيمتها في فطرة الإنسان معروفاً، وسمي الشيء الذي تأباه الفطر السليمة منكراً، من كلمة معروف ومنكر يعني هذا الشيء يتوافق مع فطرة النفس توافقاً تاماً الدليل: ﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ﴾ ( سورة الروم: 30) لأن إقامة وجهك للدين حنيفاً ينقلب على فطرتك: ﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ (30) ﴾ ( سورة الروم: 30) الإسلام دين الفطرة: أن تقيم وجهك للدين حنيفاً، إقامة وجهك للدين حنيفاً هو نفسه فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله: ﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا {7} فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا {8} ﴾ ( سورة الشمس ) المعنى الدقيق الإنسان حينما يفجر لا يحتاج إلى من يعلمه ولا إلى من يرشده ولا إلى من يذكره ولا إلى من ينصحه يكتشف بفطرته ذاتياً وبداهةً أنه أخطأ هذه الفطرة، لذلك قالوا الإسلام دين الفطرة، كل الأمر إلهي إن طبقته ترتاح نفسك فلذلك: ﴿ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ (7) ﴾ ( سورة الحجرات) الحياء علامة الإيمان: الشيء الدقيق أن الإنسان حينما يصطلح مع الله يصطلح مع فطرته، يرتاح، هذه الراحة لا توصف، والله بعد أن يتوب الإنسان كأن جبالاً أزيحت عن صدره، صار خفيفاً انسجم مع فطرته، تماماً كمركبة من أرقى الأنواع من أغلى الأنواع من أحدث الأنواع سرت بها في طريق وعر هذه المركبة السيارة مصممة للطريق المعبد لا تكتشف ميزاتها إلا في الطريق المعدل، سهولة في الحركة، نعومة في الصوت، سرعة في المشي، أما إذا سرت بها في طريق وعر كله صخور وأكمات تتكسر، تماماً كالنفس، الله عز وجل حيي، هذه صفة من صفات الله عز وجل، واسم من أسمائه، حيي في ذاته وفي صفاته وقد فطرنا على الحياء فالإنسان إذا كان وقحاً يسقط من عين نفسه، في تعبير معاصر ينهار داخلياً، إذا وقح بذيء اللسان، قاسي الكلمات. يقول عليه الصلاة والسلام فيما ورد صحيح البخاري من حديث ابن مسعود: (( إن مما أدرك الناس من كلام النبوة إذا لم تستح فاصنع ما شئت )) [ أخرجه البخاري عن ابن مسعود] هذا الحديث دقيق جداً، يعني الإيمان علامته الحياء، فالذي لا يستحي لا خير فيه ولا جدوى منه ولا أمل في صلاحه، علامة الإيمان الحياء. 3 ـ الفرق بين الحياء و الخجل: لكن لابد من التفريق بين الحياء كفضيلة وبين الخجل كمرض نفسي، الخجل مرض، أحياناً الإنسان يخجل من أن يطالب بحقه، يخجل أن ينطق بالحق، يخجل أن يصرح بالحقيقة، هذا مرض، الخجل يعدّ نقيصة في شخصية الإنسان، لكن الحياء فضيلة، أنا أستحي ولكني أطالب بحقي بأدب، أنا أستحي ولكنني لا أستحي من الحق، لذلك: (( إن مما أدرك الناس من كلام النبوة إذا لم تستح فاصنع ما شئت )) [ أخرجه البخاري عن ابن مسعود] يوجد معنى آخر دقيق جداً، أنك إذا كنت ترضى عن الله عز وجل لا تعبأ بكلام الناس، هذا العمل إن لم تستحِ من الله (في بعض المجتمعات الإسلامية التعدد غير مقبول إطلاقاً لكن إنسان له أخ وتوفي و له خمسة أولاد وهو عمهم لو تزوج زوجة أخيه ورعى الأولاد وضمهم إليه لا يوجد مانع ) هذا يرضي الله عز وجل لكن لا يرضي الناس، فإذا لم تستحِ من الله في شيء تفعله فاصنع ما شئت، لا تعبأ بكلام الناس. المنافق من أرضى الناس جميعاً: المؤمن يتعامل مع جهة واحدة هي الله عز وجل، المؤمن يخاف الله وحده ولا يعبأ بكلام الناس وإرضاء الناس غاية لا تدرك، ومن أرضى الناس جميعاً فهو منافق، في بحياته كلمة لا، لا يستحي بها، شيء يتناقض مع منهجه قد رفض دعوة فيها معاصي، يعني الناس أحياناً يضحون بطاعتهم لربهم مراعاة لسمعتهم بين الناس هذا خطأ كبير، إذا لم تستح من الله كان عملك صحيحاً وفق المنهج تبتغي به رضوان الله عز وجل، فاصنع ما تشاء، شخص سأل النبي الكريم عندي يتيم أفأ ضربه ؟ قال: مما تضرب منه ولدك. إذا ابنك أردت أن تؤدبه لمصلحته لا عليك لا تعبأ، ضرب يتيم، هذا ابني، كما أنني أؤدب ابني أؤدب اليتيم، إذا لم تستح فاصنع ما تشاء، إذا لم تستح من الله. لذلك اعمل لوجه الواحد يكفك الوجوه كلها، من جعل الهموم هما واحداً كفاه الله الهموم كلها. 4 ـ الحياء صفة عظيمة من صفات المؤمنين: في حديث طويل لأبي سفيان مع هرقل يقول أبو سفيان: فوالله لولا الحياء من أن يؤثروا عليّ كذباً لكذبت عنه، كان يعارض النبي عليه الصلاة والسلام، فلما سأل هرقل عن رسول الله قال لولا الحياء من أن يؤثروا عليّ كذباً لكذبت عنه، الحياء يردع، والحياء ضمانة الذي عنده حياء فيه صفة عالية جداً. سيدنا موسى كان حيياً: ﴿ فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا (25) ﴾ ( سورة القصص ) لو أنها قالت إن أبي يدعوك، يقول لها ما هي المناسبة ؟ صار في حوار: ﴿ فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا (25) ﴾ ( سورة القصص ) لذلك: ﴿ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (32) ﴾ ( سورة الأحزاب) إذاً الحياء من صفات المؤمنين. من لا يستحي لا خير فيه: لذلك قالوا: العدل حسن لكن في الأمراء أحسن، والحياء حسن لكن في النساء أحسن، والسخاء حسن لكن في الأغنياء أحسن، والصبر حسن لكن في الفقراءأحسن، والتوبة حسن لكن في الشباب أحسن. يعني الشاب ألزم ما يلزمه التوبة، والمرأة ألزم ما يلزمها الحياء، والغني ألزم ما يلزمه السخاء، والفقير ألزم ما يلزمه الصبر، والأمير ألزم ما يلزمه العدل، ورد: أحب ثلاثاً، وحبي لثلاث أشد، أحب الطائعين، وحبي للشاب الطائع أشد، أحب المتواضعين، وحبي للغني المتواضع أشد، أحب الكرماء، وحبي للفقير الكريم أشد، وأبغض ثلاثاً، وبغضي لثلاث أشد، أبغض العصاة، وبغضي للشيخ العاصي أشد، أبغض المتكبرين، وبغضي للفقير المتكبر أشد، أبغض البخلاء، وبغضي للغني البخيل أشد. فالحياء من الإيمان، وإذا لم تستحِ فاصنع ما شئت على معنيين: إن لم تستحِ فلا خير فيك، وإن لم تستحِ من الله فافعل ما شئت ولا تعبأ بكلام الناس. في آيات دقيقة جداً من هذه الآيات: ﴿ وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ (195) ﴾ ( سورة البقرة ) إن لم تنفقوا أو: ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة إن أنفقت كل أموالكم، لذلك الإسلام وسطي. حياء الشرع هو الحياء الذي يحفظ للعبد استقامته: أيها الأخوة، حياء الشرع هو الحياء الذي يحفظ للعبد استقامته هذا حياء الشرع لأن عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( اسْتَحْيُوا مِنْ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ، قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا نَسْتَحْيِي وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، قَالَ: لَيْسَ ذَاكَ، وَلَكِنَّ الِاسْتِحْيَاءَ مِنْ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ، وَمَا وَعَى وَالْبَطْنَ وَمَا حَوَى، وَلْتَذْكُرْ الْمَوْتَ وَالْبِلَى، وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ اسْتَحْيَا مِنْ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ )) [ أخرجه أحمد، والترمذي والحاكم، والبيهقي عن عبد الله بن مسعود ] أدخلت إليه طعاماً اشتريته بمال حلال لذلك يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة، يقول العبد يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب له. ولحكمة بالغة بالغة بالغة جعل الله الحلال صعباً والحرام سهلاً، لو عكس الآية لأقبل الناس على الحلال لا حباً في الله ولا رغبة في طاعته ولكن لأنه أسهل، لكن لحكمة بالغة بالغة بالغة جعل الله الحلال صعباً، يعني الإنسان يشتغل ساعات طويلة يأخذ مبلغاً معيناً، يوجد إنسان آخر يأخذ هذا المبلغ في ربع ساعة ولكن بالحرام، ففرق كبير بين الحلال والحرام. بطولة الإنسان أن يبدأ من النهاية: أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ ، وَمَا وَعَى وَالْبَطْنَ وَمَا حَوَى ، وَلْتَذْكُرْ الْمَوْتَ وَالْبِلَى ، البطولة أن تبدأ من النهاية ، الآن في دورات مشهورة جداً البرمجة العصبية اللغوية يعني في قاعدة فيها ابدأ من النهاية ، شيء دقيق جداً ابدأ من الموت ثم اعمل ، تؤسس عملاً ، تدرس ، تنال الدكتوراه ، تؤسس شركة ، ولكن لأنك بدأت من الموت أنت تراقب الله عز وجل لا تعصي الله وتسرع إليه ، ابدأ من النهاية وأن تذكر الموت والبلى ، فإن فعلتم ذلك فقد استحييتم من الله حق الحياء : (( أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ، وَمَا وَعَى وَالْبَطْنَ وَمَا حَوَى، وَلْتَذْكُرْ الْمَوْتَ وَالْبِلَى، البطولة )) [ أخرجه الترمذي عن عبد الله بن مسعود] وفي كل دروس أسماء الله الحسنى البطولة أن تعرف أسماء الله الحسنى وأن تتخلق بكمالاتها ليكون هذا التخلق بكمالاته سبباً للاتصال به: ﴿ وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾ ( سورة الأعراف الآية: 180 ) دين الإنسان الحقيقي في بيته و عمله: مرة ثانية أيها الأخوة، الدين الحقيقي ليس في المسجد، في المسجد أن أجل أن تتلقى تعليمات الصانع في درس علم، وفي المسجد من أجل أن تقبض ثمن استقامتك وأنت في الصلاة، لكن دينك في مكتبك، دينك في دكانك، دينك في السوق، دينك في بيعك وشرائك، دينك في صناعتك، في مواد مؤذية للإنسان توضع في الأغذية، السعر يزداد والأرباح تزداد لكن على حساب صحة الناس، في أشياء لا تعد ولا تحصى، هرمونات ترش بها النباتات تصبح الحبة كبيرة جداً ولها ألوان زاهية لكنها مسرطنة الهرمونات، فالإنسان دينه في عمله، دينه في بيته، خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي. خاتمة: لذلك أيها الأخوة، الحياء أن تستحي من الله أن تعصيه، أن تستحي من الله أن تستخدم جارحة من جوارحك في معصية الله، الحياء أن ترى أن الله معك، في رواية أخرى أن إنساناً ـ كما قال النبي الكريم ـ اغتسل أمامه عرياناً، قال خذ إجارتك لا حاجة لنا بك إني أراك لا تستحي من الله. فالحياء من علامات الإيمان ودائماً المؤمن يستر جسمه وغير المؤمن يكشف عورته، الإنسان في بيته يرتدي ثياباً معقولة، أما غيره إنسان يكون بالثياب الداخلية في بيته أمام أولاده، أمام بناته، ما في حياء، والله في جامعة من جامعات الدول العظمى كانت ترفع شعار لا إله حدثني طالب قال دورات المياه مشتركة ما في حواجز بينهما إطلاقاً، صالون كبير فيه خمسين ستين مكان لقضاء الحاجة بلا حواجز. (( اسْتَحْيُوا مِنْ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ، قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا نَسْتَحْيِي وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، قَالَ: لَيْسَ ذَاكَ، وَلَكِنَّ الِاسْتِحْيَاءَ مِنْ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ، وَمَا وَعَى وَالْبَطْنَ وَمَا حَوَى، وَلْتَذْكُرْ الْمَوْتَ وَالْبِلَى )) [ أخرجه أحمد، والترمذي والحاكم، والبيهقي عن عبد الله بن مسعود ] والحمد لله رب العالمين |
رد: اسماء الله الحسنى
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : اسم الله - الحيى -2 -اسماء الله الحسنى الدرس : ( السادس و العشرون ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: ( الحيي ): أيها الأخوة الكرام، لازلنا في اسم الحيي، فالحياء وصف لكمال الله عز وجل، فالله عز وجل ذات كاملة لا يتعارض مع حكمته، ولا يتعارض مع بيان الحق، ولا مع بيان الحجة، هذا ينقلنا إلي معنى دقيق يجب أن يكون في المؤمن، فالمؤمن حيي يشتق حياءه من كمال الله عز وجل، لكن حياءه لا يمنعه أن يدلي بالحجة وأن يصدح بالحق وأن يقول الحق ولو كان مرّاً، فإذا منعه شيء ما أن ينطق بالحق أو أن يكون منصفاً فهو نقيصة في الإنسان يمكن أن تسمى الخجل، الخجل أن تمتنع أن تنطق بالحق، تسكت، وقد يكون هذا المرض منتشراً في العالم الإسلامي، لا أحد ينهى عن المنكر، لذلك ورد في الحديث الصحيح: (( إن الإيمان بضع وسبعون شعبة أفضلها قول لا اله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان )) [ أخرجه مسلم عن أبي هريرة] أفضلها التوحيد وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد. معاني التوحيد: الإيمان شيء والتوحيد شيء آخر، التوحيد ألا ترى مع الله أحداً، أن ترى أن يد الله تعمل وحدها، التوحيد أن ترى أن الله في السماء إله وفي الأرض إله، التوحيد أن تؤمن بما قال الله عز وجل: ﴿ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (26) ﴾ ( سورة الكهف) التوحيد أن ترى أنه لا معطي ولا مانع ولا خافض ولا رافع و لا معز ولا مذل إلا الله، التوحيد أن تجعل علاقتك بالله وحده، التوحيد أن تعمل لوجه واحد عندئذ يكفيك الهموم كلها، التوحيد ألا تدعو مع الله إله آخر: ﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213) ﴾ ( سورة الشعراء ) من زاد توحيده زادت خشيته و طاعته لله تعالى: التوحيد كلمة لكن إن تعيشها تحتاج لجهد كبير، التوحيد أن ترى أن كل الخلق لا شيء أمام إرادة الحق، كلما زاد التوحيد زاد الكمال، كلما زاد التوحيد زادت الخشية، كلما زاد التوحيد زادت الطاعة، كلما زاد التوحيد ازداد الأمن في قلب الإنسان: ﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ ﴾ ( سورة الأنعام ) الحديث الصحيح: (( إن الإيمان بضع وسبعون شعبة أفضلها قول لا اله إلا الله...)) [ أخرجه مسلم عن أبي هريرة] التوحيد فحوى دعوة الأنبياء جميعاً: التوحيد هو الذي ينجي بل إن نهاية العلم التوحيد ونهاية العمل التقوى، فإذا وحدت واتقيت الله جمعت طرفي المجد، نهاية العلم أن توحده ونهاية العمل أن تتقيه، لذلك: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾ ( سورة آل عمران الآية: 102 ) فالتوحيد هو الإيمان الحقيقي، التوحيد هو فحوى دعوه الأنبياء جميعاً. ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾ ( سورة الأنبياء ) من كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً: كأن الله سبحانه وتعالى ضغط فحوى دعوة الأنبياء جميعا بآية واحدة: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾ ( سورة الأنبياء ) لا إله إلا أنا توحيد، فاعبدون أي أطيعون، بل إن الله سبحانه وتعالى حينما أمر النبي الكريم أن يقول: ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ (6) ﴾ ( سورة فصلت) وكأن الآية الكريمة ضغطت القرآن كله ولخصته بهذه الكلمات: ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (110) ﴾ ( سورة الكهف ) قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ أنما إلهكم إله واحد، العمل فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً، هذا كلام معجز، كلام بليغ، أنت حينما ترى أن الله وحده ولا جهة سواه تتصرف ؛ هو المتصرف، هو المسير، هو الخالق، هو البارئ، هو المعطي، هو المانع، هو الرافع، هو الخافض، هو المعز، هو المذل، تحصر علاقتك به وحدك، فقد نجوت من كل أمراض النفس. من عمل عملاً يبتغي به وجه الله تعالى هذا تعبير عن إيمانه: بشكل مبسط لو دخلت إلي دائرة حكومية وقال لك أحدهم: هذا الطلب لا يسمح لشخص في هذه الدائرة أن يوافق لك عليه إلا المدير العام، هل تبذل ماء وجهك لموظف ؟ لحاجب ؟ لمعاون المدير العام ؟ أبداً ؛ لأن صلاحية التوقيع في هذا الموضوع في يد المدير العام وحده، أنت حينما توقن أن الأمر بيد المدير العام لا تبذل ماء وجهك أمام أحد على الإطلاق. فالإيمان بضع وسبعون شعبة أفضلها قول لا اله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق. أحيانا حجر قد يسبب حادثاً مروعاً، تقف وتزيحه إلى جانب الطريق هذا إيمان أنت حينما تعمل عملاً تبتغي به وجه الله هذا تعبير عن إيمانك. الترابط الوثيق بين الحياء و الإيمان: إخوتنا الكرام، الإيمان حركة لا يوجد إيمان سكوني، لا يوجد إنسان مؤمن معجب بالإسلام، الإعجاب السلبي ليس إيماناً، النمط الساكن غير الحركي ليس إيماناً، ما إن تستقر حقيقة الإيمان في نفس المؤمن حتى تعبر عن ذاتها بحركة نحو الخلق، أبداً ما إن تستقر حقيقة الإيمان في نفس المؤمن حتى تعبر عن ذاتها بحركة نحو الخلق، فالإيمان حركة، الإيمان عمل، الإيمان إيجابية، الإيمان عطاء، لذلك وأدناها أن تميط الأذى عن الطريق، أن تعمل عملاً صالحاً، أن تطعم جائعاً، أن تدل ضالاً، أن توجهه توجيها شديداً، أن تنصح، أن تنطق بالحق، والحياء شعبة من الإيمان، من لا حياء له لا إيمان له، ومن لا إيمان له لا حياء له، العلاقة علاقة ترابطية بين الحياء وبين الإيمان. الحقيقة في آخر الزمان ينزع الحياء من وجوه النساء، ينزع الحياء من وجوه النساء، وتذهب المروءة من رؤوس الرجال، وتنزع الرحمة من قلوب الأمراء، لا حياء في وجوه النساء ولا نخوة في رؤوس الرجال ولا رحمة في قلوب الأمراء، هذه من علامات آخر الزمان. الدنيا منقطعة فهي أحقر عند الله من أن تكون عطاءً أو عقاباً: لذلك الله عز وجل حينما قال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ﴾ ( سورة البقرة الآية: 26 ) الله عز وجل حيي، لكن هذه الآية تؤكد أنه لا يستحي أن يضرب مثلاً ما بعوضة فما فوقها، والحقيقة هذه الآية حيرت العلماء، بعوضة، بعوضة في القرآن الكريم ما من مخلوق أهون على البشر من بعوضه، هذا المعنى جاء به النبي عليه الصلاة والسلام حينما قال: (( لَوْ كَانَتْ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ )) [ الترمذي عن سهل بن سعد ] هي أقل من جناح بعوضة لأنها منقطعة، لأن الموت ينهي كل شيء، الموت ينهي قوة القوي، الموت ينهي ضعف الضعيف، الموت ينهي غنى الغني، الموت ينهي فقر الفقير، الموت ينهي صحة الصحيح، الموت ينهي مرض المريض، الموت ينهي وسامة الوسيم، والموت ينهي دمامة الدميم، ما دامت الدنيا منقطعة هي أحقر عند الله من أن تكون عطاءً أو من أن تكون عقاباً، لذلك قد يعطي الدنيا لمن يحب الله ولمن لا يحب، أعطى الدنيا لفرعون هل يحبه الله عز وجل ؟ أعطاها لقارون هل يحبه الله عز وجل ؟ الذي أحبه ماذا أعطاه ؟ قال: ﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً (14) ﴾ ( سورة القصص ) المال ليس مقياساً لمحبة الله لعبده: اسأل نفسك دائماً عطاؤك مِن عطاء مَن ؟ من عطاء الله، لكن من أي نوع ؟ أعطى فرعون الملك وهو لا يحبه، وأعطى سيدنا سليمان الملك وهو يحبه، فإذا أعطى شيئاً واحداً لمن يحب ولمن لا يحب إذاً هذا الشيء ليس مقياساً، أعطى المال لمن لا يحب ؛ أعطاه لقارون، أعطاه لمن يحب لسيدنا عثمان، فالمال أعطي لمن يحب ولمن لا يحب إذاً ليس مقياساً، ما المقياس ؟ ﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (22) ﴾ ( سورة القصص ) العلم و الحكمة فضل الله الكبير على الإنسان: إذا كان عطاؤك من الله من نوع عطاء العلم والحكمة: ﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ ( سورة النساء ) دقق، خالق السماوات والأرض يقول لك: ﴿ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا ﴾ ( سورة النساء ) فضل كبير أن تعرف الله، فضل كبير أن تعرف أسماءه الحسنى وصفاته الفضلى، فضل الكبير أن تعرف أن الله حيي كريم قوي رحيم حكيم: ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا (180) ﴾ ( سورة الأعراف) الحياء الحقيقي أن يتخلق الإنسان بالكمال الإلهي: كنت أوضح هذه الآية ببعض الأمثلة، طفل صغير قال لك مرة: معي مبلغ عظيم، طفل والده مدرس دخله محدود فإذا قال ابنه الصغير معي مبلغ عظيم يتصور مئتي ليرة، فإذا قال مسؤول كبير: أعددنا لهذه الحرب مبلغاً عظيماً من دولة عظمى تقدر مئتي مليار دولار، الكلمة نفسها قالها طفل صغير فقدرتها بمئتي ليرة، وقالها مسؤول كبير فقدرتها بمئتي مليار دولار، فإذا قال ملك الملوك ومالك الملوك: ﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ ( سورة النساء ) الحقيقة العطاء الحقيقي أن تعرفه: (( ابن آدم اطلبني تجدني فإذا وجدتني وجدت كل شيء وإن فتك فاتك كل شيء وأنا أحب إليك من كل شيء )) [ ورد في الأثر] إذاً: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ﴾ ( سورة البقرة الآية: 26 ) كأن هذه الآية تبين أن هناك أشياء إن سكت عنها هذا ليس حياء، الحياء أن تتخلق بالكمال الإلهي، الحياء أن تمتنع عن فعل معصية. المؤمن لا يستحي من الحق: أيها الأخوة، آية قرآنيه يقول الله عز وجل: ﴿ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ (53) ﴾ ( سورة الأحزاب ) إذاً أنت ينبغي أن تنطق بالحق، يجب أيها المؤمن إن أردت أن تتقرب من الله بكمال الله، بالحياء يجب ألا تستحي من الحق، إن استحييت من الحق فهذا ليس حياء بل هو خجل والخجل نقيصة في الإنسان. إن الله لا يستحي من الحق لذلك الإنسان بحق نفسه ضعيف، أما أخوه قد يتكلم عنه إن أطلنا عليه الجلوس، مثلاً العيادة فواق ناقة، أي مده العيادة مدة حلب ناقة، المريض يحتاج إلى أدوية، يحتاج إلى وضع معين، فينبغي ألا نطيل عليه الجلوس، لو أن فئة أطالت الجلوس وقال أحدهم يكفي نحن أثقلنا عليك سامحنا، فإن الله لا يستحي من الحق. الدين النصيحة: عود نفسك أن تكون جريئاً، معقول سيدنا عمر يمشي في الطريق رأى غلماناً يلعبون فلما رأوه وكان ذا هيبة عظيمة تفرقوا إلا واحداً منهم بقي في مكانه بأدب لفت نظره فلما وصل إليه قال: أيها الغلام لما لا تهرب مع من هرب ؟ قال: أيها الأمير لست ظالماً فأخشى ظلمك ولست مذنباً فأخشى عقابك والطريق يسعني ويسعك. أنا متألم من خلق الخجل، يعني تأتيه ابنة أخيه هو عمها بثياب فاضحة يستحي أن ينصحها، لا انصحها، أنت مثل ابنتي، يا بنيتي هذه الثياب لا تليق بك ولا بأبيك ولا بأسرتك، انصحها لذلك: ﴿ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ (79) ﴾ ( سورة المائدة ) طبعاً أسلم للإنسان ألا ينصح أحداً، دعه وشأنه، لا، الحياء لا أن تستحي أن تنصح إنساناً، الدين النصيحة، الحياء أن تجهر بالحق، الحياء أن تنصح، الحياء ألا تبقى ساكتاً، يعني اسكت حيث ترغب أن تتكلم وتكلم حينما ترغب أن تسكت، إن كنت تملك حقيقة وكل من حولك ساكت تكلم. من حياء المؤمن أن ينطق بالحق و ينصف الآخرين: سيدنا عمر كان بين أصحابه قال له أحدهم: والله ما رأينا خيراً منك بعد رسول الله، تغير لونه وأحدّ فيهم النظر، إلى أن قال أحدهم: لا والله لقد رأينا من هو خير منك، قال من هو ؟ قال الصديق، دققوا الآن قال: كذبتم جميعاً، عدّ سكوتهم كذباً، قال كذبتم جميعاً وصدق هذا الذي تكلم، كنت أضل من بعيري وكان أبو بكر أطيب من ريح المسك، هذا الذي قال لا والله لقد رأينا خيراً منك سكوته ليس حياء بل خجلاً، الإنسان أحياناً يؤثر السلامة يبقى ساكتاً، أما لو تكلم كلمة لغير الموقف كله. مرة مدح ابن أحد الخلفاء أمام علية القوم، كل من كان جالساً مدح هذا الابن فهو ليس في مستوى أبيه، وصل الدور عند الأحنف بن قيس بقي ساكتاً قال له الخليفة: تكلم، قال: أخاف الله إن كذبت وأخافكم إن صدقت. فكان تلميحاً أبلغ من تصريح. أحياناً كلمة تحق بها حقاً وتبطل بها باطلاً، أنا أريد أن نتأكد أن الحياء لا يعني أن تسكت عن أداء رسالتك أو أن تسكت عن الحق، فالساكت عن الحق شيطان أخرس، تلك صفة مذمومة، الحياء أن تنطق بالحق، الحياء أن تقول كلمة حق، الحياء أن تنصف. الحياء لا أن تستحي من النطق بالحق بل أن تستحي من فعل المنكرات: شخص تخلف عن رسول الله، فسأل النبي عليه الصلاة والسلام عنه، فقال بعضهم: شغله بستانه عن الجهاد معك، فقام أحد الصحابة متأثراً قال: لا والله يا رسول الله لقد تخلف عنك أناس ما نحن بأشد حباً لك منهم ولو علموا أنك تلقى عدواً ما تخلفوا عنك فتبسم عليه الصلاة والسلام. دافع عن أخيك، أحياناً أنت جالس في مجلس يأتي ذكر أخيك هناك من يتهجم عليه وأنت تعلم علم اليقين أنه بريء من هذه الصفة، تبقى ساكتاً السكوت أفضل، لا تتكلم دافع عنه هذا واجبك، فلذلك أي شيء منعك أن تنطق بالحق، أن تجهر بالحق، أن تكون منصفاً هو صفة ذميمة في الإنسان وليس حياءً، الحياء أن تستحي من الله، الحياء أن تستحي أن تقترف إثماً أو أن ترتكب معصية. أيها الأخوة الكرام، الحياء لا أن تستحي من النطق بالحق بل أن تستحي من فعل المنكرات. والحمد لله رب العالمين |
رد: اسماء الله الحسنى
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : اسم الله - الخلاق -1 -اسماء الله الحسنى الدرس : ( السابع و العشرون ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: ( الخلاق): أيها الإخوة الكرام، مع اسماً جديد من أسماء الله الحسنى والاسم اليوم "الخلاق" هذا الاسم العظيم ورد مطلقاً يفيد المدح والثناء على الله عز وجل، مراد به العلنية، دالاً على كمال الوصفية، فقد ورد في قوله تعالى: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ ﴾ ( سورة الحجر ) وفي قوله أيضاً: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ ﴾ ( سورة يس ) الخلاق المبدع كماً ونوعاً: "الخلاق" من حيث الصياغة اللغوية اسم مبالغة لاسم الفاعل، تقول: غافر وغفار، خالق وخلاق، وماذا تعني المبالغة في أسماء الله الحسنى ؟ تعني الكم، والكيف الكم والنوع. أي للتقريب ؛ غافر يغفر ذنباً واحداً، لك ذنب يغفره الله لك فهو غافر، لكن لبعض الناس مئة ألف ذنب، الله غفار يغفرها مهما كثرت، و هناك ذنب كبير جداً، ويغفر الذنب مهما عظم. المبالغة تعني الكم، والنوع، مهما عظم الذنب يغفره الله فهو غفار، ومهما كثرت الذنوب يغفرها الله فهو غفار، الله عز وجل خالق، لكن "خلاق" فيها معنى الكم يخلق ما يشاء، وفيها معنى النوع، الكم في قوله تعالى: ﴿ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا ﴾ ( سورة النساء ) يخلق مليارات، مليارات المليارات، هذا الكم، أما النوع: ﴿ وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ ﴾ ( سورة النمل ) الإتقان. ﴿ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ﴾ ( سورة التغابن ) يعني الخلاق المبدع، كماً ونوعاً. من لوازم الخلاق كمالُ الخَلقِ والتصرُّفِ: لكن أيها الأخوة ، معنى الخالق حتى نفهم "الخلاق" معنى الخالق أي أن الله سبحانه وتعالى خلق من لا شيء كل شيء ، على غير مثال سابق ، لكن الله جل في علاه سمح للإنسان أن يعطى هذا الاسم ، الدليل قال الله عز وجل : ﴿ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾ ( سورة المؤمنون ) الإنسان أحياناً يصنع طاولة، يصنع شيئاً من كل شيء، وعلى مثال سابق، صنعة الإنسان يصنع شيئاً من كل شيء، المواد الأولية كلها يأخذها من الأرض، والفكرة يراها بعينه، الإنسان إذا صنع شيئاً يصنع شيئاً من كل شيء، وعلى مثال سابق، بينما خالق السماوات والأرض يصنع كل شيء من لا شيء، وعلى غير مثال سابق. الإنسان حينما يوازن لأن الله سمح لهذا الإنسان الذي يصنع شيئاً من كل شيء، أن يُسمى مجازاً خالقاً، وتأتي الآية الكريمة: ﴿ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾ أي الله عز وجل أودع بالإنسان كلية بحجم البيضة، صغيرة، تعمل بصمت بلا ضجيج، بلا تكلفة، تعمل ليلاً نهاراً، وأنت نائم، وأنت تمشي، وأنت تتحرك، وأنت مسافر، وأنت مقيم، وكل كلية فيها عشرة أضعاف حاجتك، عشرة احتياطات، فالكليتان فيهما عشرون احتياطاً، أما الكلوة الصناعية كحجم الطاولة، يجب أن تستلقي على السرير، ثماني ساعات، وأن تدفع مبالغ طائلة، وأن تتعطل ثلاث مرات في الأسبوع، وأن تتألم، هذه كلية صناعية، وتلك كلية طبيعية. آلة التصوير، فيها بكل ميليمتر عشرة آلاف مستقبل ضوئي، بينما العين بالميليمتر هناك مئة مليون مستقبل ضوئي، ﴿ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾ الله تعالى ليعرفنا بذاته العلية سمح لذاته العلية أن توازن مع صنعة خلقه: الله عز وجل ليعرفنا بذاته العلية سمح لذاته العلية أن توازن مع صنعة خلقه قال: ﴿ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ ﴾ ( سورة الأنعام ) أحياناً يصنع الإنسان حاسوباً، يقرأ مئات ملايين الحروف في الثانية، لدرجة أنك إذا أعطيته الأمر رأيت النتيجة، الله قال ﴿ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ ﴾ ( سورة الأنعام ) أي لا يوجد زمن بين المقدمة والنتيجة، إذاً أن يوازي الإنسان صنعة الواحد الديان بين أن ترى وردة طبيعية فواحة الرائحة، تحس أنها تأخذ بالألباب، وبين أن ترى وردة صنعت من مادة بترولية تمجها نفسك بعد حين، بينما ترى امرأة في محل بيع ألبسة مجسد لامرأة، وبين أن ترى امرأة حقيقية هي ابنتك مثلاً، مسافة كبيرة جداً بين امرأة مصنوعة من مادة صناعية، وبين إنسانة تتحرك فيها حياة، فيها فكر، فيها مشاعر، فيها روح، فيها فهم، فيها علم، لذلك ﴿ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾ الإنسان صنع طاولة، هذه الطاولة جامدة، تبقى هكذا إلى أبد الآبدين، لكن ما صنع شيئاً، صنع ذكر وأنثى ؟ هذه الطاولات تتوالد ؟ هذا شيء معجز، خلق ذكراً، وخلق أنثى، وخلق ميلاً متبادلاً بينهما، ومن هذا الميل المتبادل ينتج أطفالاً، هذا شيء عظيم. الموازنة بين صنعة الله المتقنة و صنعة الإنسان: نظام الزوجية مطبق في كل شيء، مطبق في النبات. ﴿ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ﴾ ( سورة الرعد الآية: 10 ) تصور لو لم يكن هناك بذور، الله خلق مليارات الأطنان من القمح، استهلكوا، ما الحل ؟ النبات في بذرة، والبذرة بالقوة شجرة، لو أكلت حبة تين كلها بذور، كل بذرة شجرة، أحياناً يكون بالسمكة في مبيض، في ملايين البيوض، وكل بيضة سمكة، بالتوالد هذا عطاؤنا. لذلك أيها الأخوة، الفكر البشري حينما يمشي في طريق الموازنة بين صنعة الديان، وبين صنعة الإنسان يرى عظمة الله عز وجل، لأنهم قالوا قديماً: وبضدها تتميز الأشياء. فلذلك الله عز وجل خلق كل شيء من لا شيء، بينما الإنسان خلق شيئاً من كل شيء، والله عز وجل خلق كل شيء من لا شيء من دون مثال سابق، أما أي شيء صنعه الإنسان وفق مثال سابق، الغواصة تقليد للسمكة، والطائرة تقليد للطائر، الحديث عن الطيور حديث لا ينتهي، قد تقطع الطيور رحلة تزيد عن 17 ألف كم، كيف تهتدي ؟ لا أحد يعلم حتى الآن، بالتضاريس تهتدي في الليل، كلما وضعت نظرية لاهتداء الطيور في هذه الرحلة الطويلة العلم يراها عاجزة عن تفسير بعض حالات الطيران. إذاً الله عز وجل أمرنا أن نوازن بين صنعته المتقنة، وبين صنعة الإنسان، لا يوجد إنسان يقدر أن ينزع سن من إنسان إلا بألم، يقول لك صار هناك مادة مخدرة، حتى نعطي هذه المادة المخدرة لا بد من وخزة في اللثة، يتألم، أما الطفل حينما ينزع الله له أسنان اللبن بلا ألم إطلاقاً، لأن الله لطيف. التقنين الإلهي تقنين تأديب لا تقنين عجز: إذاً: اسم "الخلاق" تعني إتقان الصنعة، واسم "الخلاق" تعني الخلق اللانهائي، كل شيء الله عز وجل يخلقه لا حدود لخلقه، هذا الذي يقال أنه في أزمة مياه، أزمة غذاء، هذا الكلام ليس صحيحاً. ﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ﴾ ( سورة الحجر ) لذلك التقنين الإلهي لا يمكن أن يكون تقنين عجز، إنه تقنين تأديب فقط. ﴿ وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ﴾ ( سورة الجن ) ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ ﴾ ( سورة الأعراف الآية: 96 ) لذلك أي تفسير يتجه نحو أزمات قادمة هو كلام مفتعل، له هدف خسيس، الله عز وجل خلاق عليم. قرأت بحثاً عن سحابة في الفضاء الخارجي يمكن أن تملأ محيطات الأرض ستين مرة في اليوم بالمياه العذبة، في بلاد أخرى يهطل في الليلة الواحدة ما يساوي أربعمئة مم يعني المعدل السنوي لدمشق على مرتين، بليلة واحدة، إذا أعطى أدهش، الله خلاق الأرزاق بيده، المياه بيده، أمطار السماء بيده. لذلك إذا قنن الله عز وجل فتقنينه تقنين تأديب، لا تقنين عجز، والله عز وجل ثبت مليارات القضايا، ثبت نظام البذور، ثبت خصائص المعادن، ثبت مليارات القوانين، لكنه حركة الرزق والصحة، حركهما من أجل أن يأخذ بيدنا إليه، فالإنسان حريص على رزقه، وحريص على صحته، فمن خلال الرزق والصحة يمكن أن يأخذ الله بيد عباده إليه هذا نوع من أنواع التربية، إذاً الله عز وجل "خلاق عليم". تسخير كل شيء في الكون للإنسان: شيء آخر: الإنسان حينما يقول الله له: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ﴾ ( سورة البقرة الآية: 21 ) هناك مفهوم الربوبية، في نظام الربوبية، مفهوم عطاء، الله عز وجل خلق الكون، الكون وما سواه، خلق الإنسان، خلق الحيوان، خلق النبات، هذا عطاء، الله عز وجل منحك نعمة الإيجاد، منحك نعمة الإمداد، أمدك بالهواء، أمدك بالماء، أمدك بالنبات، أمدك بالحيوان، أمدك بمقومات حياتك، هذا معنى الرب خلق وأمدّ، مفهوم الربوبية مفهوم العطاء، منحك نعمة الوجود، منحك مقومات الحياة، منحك كل شيء، كل شيء في الكون مسخر لك، هذا مفهوم الربوبية، لكنه أرسل إليك رسلاً، افعل ولا تفعل، في أمر، في نهي، في حلال، في حرام، في مكروه، في سنة، في فرض، في واجب، في محرم، هذا المفهوم الآخر مفهوم التشريع، مفهوم الإلوهية. اختلاف الناس بمفهوم الإلهية و ليس بمفهوم الربوبية: لذلك البشر لم يختلفوا على مفهوم الربوبية أبداً، حتى الذين عبدوا الأوثان. ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ﴾ ( سورة الزمر الآية: 38 ) لماذا تعبدون الأصنام ؟ ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ﴾ ( سورة الزمر الآية: 3 ) إذاً ليس هناك اختلاف في الأرض على مفهوم الربوبية، إبليس اللعين آمن بالله رباً، قال ربي: ﴿ فَبِعِزَّتِكَ ﴾ ( سورة ص ) إبليس آمن بالله خالقاً، قال: ﴿ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ ﴾ ( سورة الأعراف ) آمن به، آمن بالآخرة، قال: ﴿ َأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ ( سورة الأعراف ) آمن به مربياً، وخالقاً، وعزيزاً، وآمن باليوم الآخر. إذاً ليس مفهوم الربوبية محل اختلاف إطلاقاً، محل الاختلاف مفهوم الإلهية. انضباط الشهوات وفق منهج الله تعالى ليرقى بها الإنسان صابراً و شاكراً: الإنسان أودع الله فيه الشهوات، ليرقى بها تارة صابراً، وتارة شاكراً إلى رب الأرض والسماوات، هذه الشهوات لا بد من أن تنضبط، تنضبط بمنهج الله عز وجل، الشهوة يمكن أن تتحرك بموجبها 180 درجة، سمح لك بمئة درجة، المرأة محببة. ﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ ﴾ ( سورة آل عمران الآية: 14 ) لكن سمح لك بالزواج، يوجد بحياتك محارم، الأم، والأخت، والبنت، والعمة، والخالة، وبنت الابن، وبنت الأخ، وبنت الأخت، وبنت البنت، هذه محارم سمح لك بحيز لا يمكن أن تتجاوزه، صار شيء بحياتك اسمه حرام، الزنا حرام، والقتل حرام، أكل أموال الناس بالباطل حرام، مفهوم الإلوهية، مفهوم الرسالة، مفهوم الأمر والنهي هذا محل خلاف. لذلك تشريعات الأرض تتناقض مع تشريعات السماء، صار في شرك، صار في كفر. الربط بين مفهوم الربوبية ومفهوم الإلوهية لحكمة من الله تعالى: الآن الله عز وجل لحكمة بالغة ٍ بالغة ربط بين مفهوم الربوبية، ومفهوم الإلوهية، قال: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ﴾ ( سورة البقرة الآية: 21 ) المرأة قد تقول لابنها: يا بني والدك لا يرضى أن تأتي بعد الساعة التاسعة يغضب أشد الغضب إنه يرزقنا، إنه يطعمنا، إنه يكسونا، إنه يحبنا، أي أعطته مبرر الطاعة لأنه يعطي. ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ﴾ من هي الجهة التي ينبغي أن تطيعها ؟ هي الجهة الخالقة، الخالق وحده ينبغي أن تطيعه، الخالق وحده ينبغي أن تنصاع لأمره. فلذلك ورد في بعض الآثار القدسية: (( إني والجن والإنس في نبأ عظيم: أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر غيري )) [ أخرجه الحكيم البيهقي في شعب الإيمان عن أبي الدرداء ] المجتمعات المتفلتة يعبد فيها غير الخالق. (( أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر غيري، خيري إلى العباد نازل، وشرهم إلي صاعد، أتحبب إليهم بنعمي وأنا الغني عنهم، ويتبغضون إلي بالمعاصي وهم أفقر شيء إليّ، من أقبل عليّ منهم تلقيته من بعيد، ومن أعرض عني منهم ناديته من قريب )) [ أخرجه الحكيم البيهقي في شعب الإيمان عن أبي الدرداء ] صنعة الله المتقنة: لذلك: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ ﴾ يخلق ما يشاء كماً، وإذا صنع شيئاً صنعه بإتقان ما بعده إتقان. البعوضة أحقر مخلوق عند الإنسان، يوجد برأسها مئة عين، بفمها 48 سناً، بصدرها ثلاثة قلوب، قلب مركزي، وقلب لكل جناح، لكل قلب دسامان، وأذينان، وبطينان، هناك جهاز استقبال حراري، وجهاز تحليل دم، وجهاز تخدير، وجهاز تمييع، بخرطومها ست سكاكين، و بأرجلها مخالب، ومحاجم. ﴿ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ﴾ ( سورة البقرة الآية: 26 ) لو وازنت بين صنعة الإنسان، مع أن الإنسان إذا شرد عن الله عز وجل يؤخذ بصنعة الإنسان، وبين صنعة الواحد الديان. هذه البقرة معمل، معمل يقدم لك هذا الحليب، الذي هو أحد أسباب الغذاء، هذا الحليب بلا صوت، بلا ضجيج، بلا تلوث، تأكل الحشيش تعطيك الحليب، تصنع منه مشتقات الألبان، لو فكر الإنسان في طعامه. ﴿ فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاء صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا * فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا * وَحَدَائِقَ غُلْبًا * وَفَاكِهَةً وَأَبًّا * مَّتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ ﴾ ( سورة عبس ) كيف القمح هو المحصول الأول في حياة الإنسان، ساق السنبلة هي الغذاء الأول للحيوان، كيف أن القمح غذاء كامل للإنسان، ساق السنبلة غذاء كامل للحيوان. ﴿ مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ ﴾ ( سورة النازعات ) منهج الله منهج واسع جداً علينا التقيد به: أخواننا الكرام، إذا الإنسان تفكر في آيات الله الدالة على عظمته عرفه، وإذا عرفه أحبه، ومن أعجب العجب أن تعرفه ثم لا تحبه، ومن أعجب العجب أن تحبه ثم لا تطيعه. تعصي الإله وأنت تظهر حبه ذاك لعمري في المقال شنيع لـو كان حبك صادقاً لأطعته إن الـمحب لمن يحب مطيع *** يمكن أن نستنبط أن الجهة الوحيدة التي يمكن أن تطاع هي الجهة الخالقة، ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ﴾ يعني مفهوم الربوبية مفهوم عطاء، خلق، إكرام، منح، مفهوم الإلوهية مفهوم انضباط، في أمر، في نهي، في حلال، في حرام، في واجب، في سنة، في سنة مؤكدة، في كراهة، في تحريم شديد، في أحكام لا تعد ولا تحصى. لذلك منهج الله منهج واسع جداً، يجب أن تتقيد به لعل الله سبحانه وتعالى يسلمنا جميعاً، ويسعدنا جميعاً. والحمد لله رب العالمين |
| الساعة الآن 04:43 PM |
Powered by vBulletin™ Version 3.8.7
Copyright © 2012 vBulletin ,
هذا الموقع يتسخدم منتجات Weblanca.com
new notificatio by 9adq_ala7sas
User Alert System provided by
Advanced User Tagging (Lite) -
vBulletin Mods & Addons Copyright © 2026 DragonByte Technologies Ltd. Runs best on HiVelocity Hosting.